{"ً":{"ٌ":1416,"ٍ":"تحرير علوم الحديث","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم الحديث/تحرير علوم الحديث - الجديع - ط الريان 1-2","files":["61705.pdf|1","61705.pdf|2"]},"ّ":"الكتاب: تحرير علوم الحديث\nالمؤلف: عبد الله بن يوسف الجديع\nالناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[تحرير علوم الحديث - الجديع]\n\nجاء في موقع «الإسلام سؤال وجواب» ما يلي:\n\nفي علوم «مصطلح الحديث» ننصح طالب العلم أن يعتني بكتاب: «تحرير علوم الحديث» للشيخ عبد الله الجديع، قراءة، ومدارسة، وحفظًا لمسائله، فهو كتاب رائد في بابه، تميز بتأصيل علوم الحديث من خلال الواقع العملي لمسالك النقاد، ومن خلال استقراء جميع التأصيلات النظرية الواردة في كتب العلل والتراجم، فضلًا عن كتب مصطلح الحديث الأخرى.\nفإن طال الكتاب على الطالب، أو كان مبتدئًا في الطلب: اقتصر على «نزهة النظر شرح نخبة الفكر» للحافظ ابن حجر، أو عمل تلخيصًا لكتاب الشيخ عبد الله الجديع، واعتنى بهذا الملخص. .","ٓ":"1.0","ٔ":1920,"ٕ":10,"ٖ":1770155768,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الكتاب","level":1,"page":2},{"title":"طريقة المتقدمين، وطريقة المتأخرين في علوم الحديث","level":2,"page":7},{"title":"مدخل: مقدمات تعريفية","level":1,"page":11},{"title":"المبحث الأول: علم الحديث: تعريفه، تاريخه، أقسامه","level":2,"page":12},{"title":"١ - تعريف علم الحديث:","level":3,"page":12},{"title":"٢ - تاريخ علم الحديث:","level":3,"page":15},{"title":"٣ - تقسيم علوم الحديث:","level":3,"page":18},{"title":"المبحث الثاني: ألقاب الحديث من جهة من يضاف إليه","level":2,"page":22},{"title":"١_ الحديث المرفوع:","level":3,"page":22},{"title":"مسائل:","level":4,"page":23},{"title":"المسألة الأولى: الحديث المسند","level":5,"page":23},{"title":"المسألة الثانية: عبارة (يرفع الحديث) وشبهها","level":5,"page":23},{"title":"المسألة الثالثة: قول الصحابي: (قال: قال)","level":5,"page":24},{"title":"المسألة الرابعة: المرفوع الحكمي","level":5,"page":27},{"title":"المسألة الخامسة: قول الصحابي (أمرنا، نهينا) وشبهه","level":5,"page":28},{"title":"المسألة السادسة: تصرفات الصحابة في عهد التشريع دون اطلاع النبي - ﷺ -","level":5,"page":30},{"title":"المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن","level":5,"page":31},{"title":"المسألة الثامنة: الحديث القدسي","level":5,"page":32},{"title":"٢ - الحديث الموقوف:","level":3,"page":34},{"title":"٣ - الحديث المقطوع:","level":3,"page":34},{"title":"المبحث الثالث: ألقاب الحديث باعتبار تعدد الأسانيد","level":2,"page":37},{"title":"القسم الأول: الحديث المتواتر","level":3,"page":37},{"title":"تقسيم الحديث المتواتر بحسب صيغته","level":4,"page":39},{"title":"المتواتر اللفظي","level":5,"page":39},{"title":"المتواتر المعنوي","level":5,"page":39},{"title":"القسم الثاني: حديث الآحاد","level":3,"page":40},{"title":"النوع الأول: الحديث المشهور","level":4,"page":40},{"title":"النوع الثاني: الحديث العزيز","level":4,"page":41},{"title":"النوع الثالث: الحديث الغريب","level":4,"page":42},{"title":"حجية خبر الواحد الصحيح","level":5,"page":47},{"title":"المبحث الرابع: المتابعات والشواهد","level":2,"page":48},{"title":"المبحث الخامس: لطائف الإسناد","level":2,"page":50},{"title":"العالي والنازل","level":3,"page":51},{"title":"القسم الأول: تحرير أركان النظر في الحديث","level":1,"page":54},{"title":"الباب الأول: تحليل الإسناد","level":2,"page":55},{"title":"الفصل الأول: تمييز النقلة","level":3,"page":56},{"title":"المبحث الأول: الطريق إلى تمييز الراوي","level":4,"page":57},{"title":"المبحث الثاني: تمييز الراوي بما يعرف به من اسم وكنية ونسب ولقب وصفة أخرى","level":4,"page":62},{"title":"الدلالة الأولى: تمييز الأسماء","level":5,"page":63},{"title":"الدلالة الثانية: تمييز الكنى","level":5,"page":69},{"title":"الدلالة الثالثة: تمييز الأنساب","level":5,"page":72},{"title":"الدلالة الرابعة: تمييز الألقاب","level":5,"page":73},{"title":"حكم استعمال ألقاب المحدثين في دراسة الأسانيد:","level":6,"page":75},{"title":"الدلالة الخامسة: تمييز الأبناء","level":5,"page":77},{"title":"الدلالة السادسة: تمييز النساء","level":5,"page":78},{"title":"المبحث الثالث: تميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته","level":4,"page":80},{"title":"الفرع الأول: تمييز الشيوخ والتلاميذ","level":5,"page":81},{"title":"صور واقعة على غير المعتاد","level":6,"page":81},{"title":"١ - رواية الآباء عن الأبناء","level":7,"page":81},{"title":"٢ - رواية الأكابر عن الأصاغر","level":7,"page":82},{"title":"٣ - رواية الأقران","level":7,"page":83},{"title":"٤ - رواية السابق واللاحق","level":7,"page":84},{"title":"الفرع الثاني تميز طبقات الرواة","level":5,"page":89},{"title":"الطرف الأول: تمييز مواليد الرواة","level":6,"page":90},{"title":"الطرف الثاني: تمييز وفيات الرواة","level":6,"page":99},{"title":"فوائد معرفة الطبقات","level":7,"page":101},{"title":"تقسيم الطبقات","level":7,"page":103},{"title":"المبحث الخامس: تفسير طبقة الصحابة","level":4,"page":105},{"title":"كيف تثبت الصحبة؟","level":5,"page":108},{"title":"من رأى النبي ﷺ وهو صغير","level":5,"page":110},{"title":"هل للصحابة عدد محصور؟","level":5,"page":111},{"title":"المبحث السادس: تمييز المشتبه من أسماء الرواة","level":4,"page":113},{"title":"التشابه في الرسم","level":5,"page":113},{"title":"الاشتراك","level":5,"page":115},{"title":"الفصل الثاني: اتصال الإسناد","level":3,"page":123},{"title":"المبحث الأول: الصيغة الصريحة بالسماع","level":4,"page":124},{"title":"شرط قبول صيغة السماع","level":5,"page":125},{"title":"المبحث الثاني: الصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه","level":4,"page":135},{"title":"القسم الأول: القراءة على الشيخ","level":5,"page":135},{"title":"القسم الثاني: الإجازة","level":5,"page":137},{"title":"عيب الإجازات المعاصرة","level":6,"page":143},{"title":"القسم الثالث: الوجادة","level":5,"page":144},{"title":"حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف","level":6,"page":145},{"title":"صحة رواية الحسن عن سمرة","level":6,"page":146},{"title":"صحة رواية مخرمة بن بكير عن أبيه","level":6,"page":151},{"title":"المبحث الثالث: صيغة العنعنة وما يجري مجراها","level":5,"page":156},{"title":"تحرير المذاهب في حكم الإسناد المعنعن وبيان الراجح","level":6,"page":157},{"title":"المبحث الرابع: مسائل متفرقة في اتصال الإسناد","level":5,"page":170},{"title":"المسألة الأولى: صيغ تلحق بالإسناد المعنعن","level":6,"page":170},{"title":"المسألة الثانية: رموز صيغ الأداء","level":6,"page":173},{"title":"المسألة الثالثة: قول البخاري في \" تاريخه \": \" فلان سمع فلانا \" معناه","level":6,"page":174},{"title":"المسألة الرابعة: المرسل إذا علمت فيه الواسطة","level":6,"page":175},{"title":"الباب الثاني نقد النقلة","level":2,"page":177},{"title":"الفصل الأول حكم نقد النقلة وصفة الناقد","level":3,"page":178},{"title":"المبحث الأول: حكم نقد الراوي","level":4,"page":179},{"title":"المبحث الثاني: صفة الناقد","level":4,"page":191},{"title":"المبحث الثالث: نماذج لأعيان من يعتمد قوله في نقد الرواة","level":4,"page":210},{"title":"الفصل الثاني تفسير التعديل","level":3,"page":220},{"title":"المبحث الأول: معنى العدالة","level":4,"page":221},{"title":"لا يصلح عد الصغائر مفسقات","level":5,"page":222},{"title":"لا فسق مع الشبهة","level":5,"page":223},{"title":"المبحث الثاني: الدليل على اشتراط عدالة الناقل لقبول خبره","level":4,"page":224},{"title":"الفرق بين عدالة الشاهد وعدالة الراوي","level":5,"page":226},{"title":"المبحث الثالث: طريق إثبات عدالة الراوي","level":4,"page":229},{"title":"الخلاف في عدد الرواة عن الشيخ لإثبات عدالته، وتحرير الراجح","level":5,"page":230},{"title":"مسائل","level":6,"page":234},{"title":"المسألة الأولى: هل ارتفاع الجهالة إثبات للعدالة؟","level":7,"page":234},{"title":"المسألة الثانية: معنى وصف الراوي بالشهرة","level":7,"page":235},{"title":"المسألة الثالثة: تعرف العدالة عند ابن عبد البر","level":7,"page":236},{"title":"المبحث الرابع: معنى الضبط","level":4,"page":237},{"title":"النوع الأول: حفظ الصدر","level":5,"page":238},{"title":"كيف يثبت حفظ الراوي؟","level":6,"page":239},{"title":"النوع الثاني: حفظ الكتاب","level":5,"page":240},{"title":"المبحث الخامس: كيف يعرف الضبط؟","level":4,"page":246},{"title":"١ - بعرض روايات الراوي عن روايات غيره","level":5,"page":246},{"title":"٢ - عرض ما يحدث به حفظا على ما في كتبه","level":5,"page":254},{"title":"٣ - اختباره بقلب الأحاديث عليه أو تركيبها له","level":5,"page":254},{"title":"٤ - قرينة في السياق","level":5,"page":255},{"title":"المبحث السادس: حكم تحمل الحديث في الصغر","level":4,"page":258},{"title":"المبحث السابع: حكم الرواية بالمعنى","level":4,"page":264},{"title":"المذهب الأول: جواز الرواية بالمعنى","level":5,"page":264},{"title":"المذهب الثاني: التمسك باللفظ","level":5,"page":266},{"title":"تحرير عدم معارضة هذا للمذهب الأول","level":6,"page":270},{"title":"مسائل","level":7,"page":271},{"title":"المسألة الأولى: اختصار الحديث","level":8,"page":271},{"title":"المسألة الثانية: تقطيع متن الحديث وتفريقه في الأبواب","level":8,"page":273},{"title":"المسألة الثالثة: إحالة الرواية على سياق مذكور","level":8,"page":274},{"title":"المبحث الثامن: مسائل متممة لركن الضبط","level":4,"page":276},{"title":"المسألة الأولى: إصلاح الخطأ في الكتاب أو السماع","level":5,"page":276},{"title":"المسألة الثانية: حكم رواية الضرير","level":5,"page":279},{"title":"المسألة الثالثة: تساهل الرواة فيما بعد سنة ثلاث مئة","level":5,"page":279},{"title":"المبحث التاسع: أصول في تعديل الرواة","level":4,"page":281},{"title":"الأصل الأول: هل ترتفع الجهالة وتثبت العدالة بتزكية واحد، وكذا الجرح؟","level":5,"page":281},{"title":"الأصل الثاني: هل يتوقف قبول التعديل على العلم بأسبابه؟","level":5,"page":282},{"title":"الأصل الثالث: من عرف شخصه، ولم يثبت عليه قادح وسلم حديثه من المنكرات، فهو عدل","level":5,"page":282},{"title":"الأصل الرابع: من استقرت عدالته، فلا حاجة للاشتغال بتتبع أمره","level":5,"page":283},{"title":"الأصل الخامس: درجات العدول متفاوتة","level":5,"page":284},{"title":"الأصل السادس: هل رواية الثقة عن رجل تعديل له؟","level":5,"page":287},{"title":"الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلا منه لرواته؟","level":5,"page":300},{"title":"عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه","level":6,"page":301},{"title":"تخريج حديث الرواي في الصحاح هل هو تعديل له؟","level":6,"page":302},{"title":"الأصل الثامن: صيغة التعديل للجماعة على الاشتراك، لا توجب الاحتجاج بأحدهم على الانفراد","level":5,"page":306},{"title":"الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلانا فهو ثقة)","level":5,"page":306},{"title":"الأصل العاشر: أكثر رواة العلم ثقات","level":5,"page":306},{"title":"المبحث العاشر: تحرير القول في تعديل جماعة من المتقدمين تنازعهم الناس","level":4,"page":308},{"title":"طريقة العجلي","level":5,"page":309},{"title":"طريقة أبي بكر بن خزيمة","level":5,"page":309},{"title":"طريقة ابن حبان","level":5,"page":310},{"title":"طريقة الحاكم النيسابوري","level":5,"page":319},{"title":"طريقة ابن عبد البر","level":5,"page":322},{"title":"نور الدين الهيثمي من المتأخرين","level":5,"page":323},{"title":"المبحث الحادي عشر: تحرير القول في عدالة الصحابة","level":4,"page":324},{"title":"ضبط الصحابي","level":5,"page":329},{"title":"مسائل في عدالة الصحابة","level":6,"page":330},{"title":"المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته، فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له","level":7,"page":330},{"title":"المسألة الثانية: الرجل تدعى صحبته برواية عنه لا تثبت فيذكر في الضعفاء، فليس صحابيا","level":7,"page":333},{"title":"المسألة الثالثة: تحرير القول في جهالة الصحابي","level":7,"page":334},{"title":"الفصل الثالث تفسير الجرح","level":3,"page":339},{"title":"تمهيد: في معنى الجرح","level":4,"page":340},{"title":"المبحث الأول: صور الجرح غير المؤثر","level":4,"page":341},{"title":"الصور الأولى: استعمال المباحات، أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلا وحرمة","level":5,"page":341},{"title":"الصورة الثانية: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح","level":5,"page":346},{"title":"الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر","level":5,"page":350},{"title":"الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه","level":5,"page":350},{"title":"الصورة الخامسة: الرواية عن المجروحين والمجهولين","level":5,"page":354},{"title":"الصورة السادسة: الجرح والتدليس","level":5,"page":359},{"title":"المبحث الثاني: تحرير القول فيما يسلب العدالة","level":4,"page":362},{"title":"السبب الأول: الفسق","level":5,"page":362},{"title":"السبب الثاني: الكذب، والتهمة به","level":5,"page":364},{"title":"أثر التوبة من الكذب في الحديث:","level":6,"page":370},{"title":"الكذب في حديث الناس:","level":6,"page":373},{"title":"كتابة أحاديث الكذابين والمتهمين بالكذب للتمييز:","level":6,"page":374},{"title":"السبب الثالث: سرقة الحديث","level":5,"page":375},{"title":"مسألة فيمن ذهبت أصوله، فحدث من أصول غيره ما سمع","level":6,"page":378},{"title":"السبب الرابع: البدعة","level":5,"page":379},{"title":"مذاهب أهل العلم في رد حديث أهل البدع أو قبوله","level":6,"page":380},{"title":"السبب الخامس: الجهالة","level":5,"page":394},{"title":"المبحث الثالث: تحرير عود ما يسلب الضبط إلى سوء حفظ الراوي","level":4,"page":395},{"title":"القسم الأول: الوهم والغلط بمقتضى الجبلة","level":5,"page":401},{"title":"الوهم والغلط يقع بأسباب","level":6,"page":402},{"title":"أولها: المخالفة في الأسانيد","level":7,"page":402},{"title":"ثانيها: وصل المراسيل","level":7,"page":403},{"title":"ثالثها: رفع الموقوف","level":7,"page":403},{"title":"رابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض","level":7,"page":404},{"title":"خامسها: قبول التلقين","level":7,"page":406},{"title":"سادسها: التصحيف إذا حدث من كتبه","level":7,"page":409},{"title":"القسم الثاني: ما يرجع من سوء الحفظ إلى تساهل الراوي","level":5,"page":411},{"title":"المبحث الرابع: متى يترك حديث الراوي؟","level":4,"page":413},{"title":"المبحث الخامس: درجات سوء الحفظ","level":4,"page":419},{"title":"المبحث السادس: مسائل تتصل بالجرح بسوء الحفظ","level":4,"page":444},{"title":"المبحث السابع: أصول في جرح الرواة","level":4,"page":453},{"title":"الفصل الرابع تفسير الجهالة","level":3,"page":462},{"title":"المبحث الأول: من هو الراوي المجهول؟","level":4,"page":463},{"title":"القسم الأول: جهالة عين","level":5,"page":463},{"title":"القسم الثاني: جهالة حال","level":5,"page":464},{"title":"المبحث الثاني: جهالة الراوي سبب لرد حديثه","level":4,"page":467},{"title":"المبحث الثالث: أصول في الراوي المجهول","level":4,"page":473},{"title":"المبحث الرابع: تحرير القول في الرواة المسكوت عنهم","level":4,"page":487},{"title":"الفصل الخامس تعارض الجرح والتعديل","level":3,"page":495},{"title":"تمهيد","level":4,"page":496},{"title":"المبحث الأول: مقدمات ضرورية لتحقيق القول في الراوي المختلف فيه","level":4,"page":499},{"title":"المقدمة الأولى: أهلية الناقد لقبول قوله","level":5,"page":499},{"title":"المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين","level":5,"page":501},{"title":"المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين","level":5,"page":502},{"title":"المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة","level":5,"page":503},{"title":"المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل","level":5,"page":506},{"title":"المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة","level":5,"page":508},{"title":"المقدمة السابعة: ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحا، ومذهبه فيه مرجوح","level":5,"page":512},{"title":"المقدمة الثامنة: التحقق من آخر قولي أو أقوال الناقد في الراوي، إن كان قد اختلف عليه","level":5,"page":514},{"title":"المقدمة التاسعة: مراعاة دلالة ألفاظ الجرح والتعديل","level":5,"page":515},{"title":"المقدمة العاشرة: التحقق من كون العبارة المعينة قيلت من قبل الناقد في ذلك الشخص المعين","level":5,"page":515},{"title":"المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد","level":5,"page":517},{"title":"المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحيانا من المبالغة في صيغة النقد","level":5,"page":518},{"title":"المقدمة الثالثة عشرة: قد تطلق العبارة لا يراد ظاهرها","level":5,"page":520},{"title":"المبحث الثاني: تحرير منع تقديم الجرح على التعديل إلا بشروط","level":4,"page":522},{"title":"الشرط الأول: أن يكون مفسرا، ولو من ناقد واحد","level":5,"page":522},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون جرحا بما هو جارح","level":5,"page":531},{"title":"الشرط الثالث: أن لا يكون الجرح مردودا من ناقد آخر بحجة","level":5,"page":531},{"title":"المبحث الثالث: تنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل","level":4,"page":536},{"title":"التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه","level":5,"page":536},{"title":"التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود","level":5,"page":536},{"title":"التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي","level":5,"page":537},{"title":"التنبيه الرابع: الراوي يتفق على توثيقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين","level":5,"page":537},{"title":"التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحا وتعديلا، وهو قليل الحديث","level":5,"page":538},{"title":"الفصل السادس مراتب الرواة وتفسير عبارات الجرح والتعديل","level":3,"page":539},{"title":"المبحث الأول: مراتب الرواة","level":4,"page":540},{"title":"المرتبة الأولى: الاحتجاج","level":5,"page":544},{"title":"المرتبة الثانية: الاعتبار","level":5,"page":544},{"title":"المرتبة الثالثة: السقوط","level":5,"page":545},{"title":"المبحث الثاني: تفسير عبارات الجرح والتعديل","level":4,"page":546},{"title":"الباب الثالث النقد الخفي","level":2,"page":615},{"title":"الفصل الأول المراد بالنقد الخفي وبيان منزلته وتعيين محله","level":3,"page":616},{"title":"المبحث الأول: معنى النقد الخفي","level":4,"page":617},{"title":"طريقة النقاد فيما يسمى (علة)","level":5,"page":618},{"title":"المبحث الثاني: منزلة هذا العلم والطريق إليه","level":4,"page":621},{"title":"المبرزون من أئمة الحديث في معرفة علله","level":5,"page":622},{"title":"هل انتهى الزمن الذي يمكن فيه تمييز العلل الخفية للأحاديث؟","level":5,"page":625},{"title":"المبحث الثالث: تحديد إطار النقد الخفي","level":4,"page":626},{"title":"الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب","level":5,"page":626},{"title":"الصورة الثانية: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ولا أثر له على ثبوت الحديث","level":5,"page":628},{"title":"الصورة الثالثة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو من العلل الظاهرة","level":5,"page":629},{"title":"الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو صواب","level":5,"page":631},{"title":"الفصل الثاني أسباب التعليل من خلال منهج النقاد","level":3,"page":632},{"title":"المبحث الأول: التعليل بالتفرد","level":4,"page":633},{"title":"تحرير القول في الأفراد من جهة ما يكون محفوظا أو معلولا","level":5,"page":634},{"title":"مسألتان متممتان لمبحث التفرد:","level":5,"page":640},{"title":"المبحث الثاني: التعليل بالزيادة","level":4,"page":643},{"title":"الأصل الأول: محل وقوع زيادات الثقات","level":5,"page":644},{"title":"أولا: وصل المرسل","level":6,"page":644},{"title":"ثانيا: رفع الموقوف","level":6,"page":645},{"title":"ثالثا: الزيادة خلال الإسناد","level":6,"page":647},{"title":"الصورة الأولى: زيادة راو خلال الإسناد في موضع عنعنة","level":7,"page":647},{"title":"الصورة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد","level":7,"page":649},{"title":"الصورة الثالثة: زيادة ذكر التحديث والسماع بدل العنعنة","level":7,"page":650},{"title":"رابعا: الزيادة في متن الحديث","level":6,"page":651},{"title":"خامسا: الإدراج","level":6,"page":654},{"title":"الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة","level":5,"page":658},{"title":"القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد:","level":6,"page":658},{"title":"القسم الثاني: زيادة الثقة في المتن","level":6,"page":665},{"title":"المبحث الثالث: التعليل بالمخالفة","level":4,"page":671},{"title":"النوع الأول: الشذوذ","level":5,"page":671},{"title":"النوع الثاني: مخالفة القرآن","level":5,"page":672},{"title":"النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية","level":5,"page":677},{"title":"النوع الرابع: مخالفة المحسوس","level":5,"page":679},{"title":"النوع الخامس: مخالفة العقل","level":5,"page":682},{"title":"خلاصة هذا المبحث:","level":5,"page":684},{"title":"المبحث الرابع: التعليل بالاختلاف","level":4,"page":685},{"title":"معنى الاختلاف على الراوي:","level":5,"page":685},{"title":"القسم الأول: اختلاف غير قادح","level":6,"page":686},{"title":"الصورة الأولى: أن تتكافأ الطرق قوة عن راو ثقة، ويقع الاختلاف منه على شيخين","level":7,"page":686},{"title":"الصورة الثانية: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثا معين، وينفرد عنهم متقن بإسناد آخر","level":7,"page":688},{"title":"الصورة الثالثة: أن يروي الحديث ثقتان، يختلفان في راوي يسميه أحدهما دون الآخر","level":7,"page":690},{"title":"القسم الثاني: اختلاف قادح","level":6,"page":690},{"title":"الصورة الأولى: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثا بإسناد معين، وينفرد واحد دونهم في الحفظ بإسناد آخر","level":7,"page":690},{"title":"الصورة الثانية: الاضطراب","level":7,"page":692},{"title":"الصورة الثالثة: أن يتفق الثقتان على حديث إسنادا ومتنا إلا في لفظة يتضادان فيها","level":7,"page":693},{"title":"المبحث الخامس: التعليل بالغلط","level":4,"page":694},{"title":"الصورة الأولى: دخول حديث في حديث","level":5,"page":694},{"title":"الصورة الثانية: التصحيف في الأسانيد والمتون","level":5,"page":696},{"title":"الصورة الثالثة: القلب","level":5,"page":699},{"title":"المبحث السادس: التعليل بالتدليس","level":4,"page":701},{"title":"الفصل الثالث قوانين ضبط عملية تعليل الأحاديث","level":3,"page":704},{"title":"المبحث الأول علم التخريج","level":4,"page":705},{"title":"تفسير علم التخريج","level":5,"page":706},{"title":"التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ","level":5,"page":708},{"title":"من القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج","level":5,"page":710},{"title":"أولا: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها","level":6,"page":710},{"title":"ثانيا: المحدث يسوق حديثا بإسناده ومتنه، ثم يلحقه بآخر قائلا: (مثله)","level":6,"page":711},{"title":"ثالثا: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد","level":6,"page":711},{"title":"رابعا: إذا أخرجت حديثا من جملة أحاديث نسب الشيخ في أولها دون سائرها","level":6,"page":711},{"title":"خامسا: إذا وجدت اسما مهملا في الإسناد، كيف تعرف به في سياقه؟","level":6,"page":712},{"title":"المبحث الثاني: علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين","level":4,"page":713},{"title":"أولا: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجا عنها","level":5,"page":714},{"title":"ثانيا: أن تأتي رواية الغرباء عن الثقة على خلاف رواية أهل بلده أو أصحابه","level":5,"page":719},{"title":"ثالثا: أن يأتي الحديث على شبه أحاديث راو آخر، وقد يكون الآخر مجروحا","level":5,"page":720},{"title":"رابعا: أن يأتي الحديث موافقا للمنقول عن أهل الكتاب","level":5,"page":723},{"title":"خامسا: أن يكون الثقة يرجع إلى أصول، ولا يوجد ذلك الحديث في أصوله","level":5,"page":724},{"title":"سادسا: أن يثبت عن راوي الحديث ترك عمله به، أو ذهابه إلى خلافه","level":5,"page":726},{"title":"سابعا: أن يدل على نكارة الحديث نفرة الناقد من سياقه","level":5,"page":729},{"title":"المبحث الثالث: مقدمات أساسية لكشف العلة الخفية","level":4,"page":733},{"title":"المقدمة الأولى: تمييز مراتب الرواة الثقات","level":5,"page":733},{"title":"المقدمة الثانية: حفظ الأسانيد المعروفة الصحة، والأسانيد المعللة","level":5,"page":740},{"title":"المقدمة الثالثة: تمييز المراسيل، ومن كان معروفا بالإرسال","level":5,"page":744},{"title":"المقدمة الرابعة: تمييز ما يدخل على أحاديث بعض الثقات، وهما أو تعمدا","level":5,"page":747},{"title":"المقدمة الخامسة: تمييز التدليس، ومعرفة ما يقع من بعض الثقات من تدليس الأسماء","level":5,"page":748},{"title":"المقدمة السادسة: تمييز بلدان الرواة، ومعرفة ما يتفردون به من السنن","level":5,"page":749},{"title":"المقدمة السابعة: تمييز المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب","level":5,"page":750},{"title":"المقدمة الثامنة: تمييز المقلين من الرواة والمكثرين","level":5,"page":752},{"title":"المقدمة التاسعة: تمييز أصح ما يروى في الباب","level":5,"page":753},{"title":"المقدمة العاشرة: تمييز الأبواب التي لا يثبت فيها حديث","level":5,"page":754},{"title":"المقدمة الحادية عشرة: تفقد صيغ التحمل والأداء","level":5,"page":755},{"title":"المقدمة الثانية عشرة: تمييز الإدراج للألفاظ في سياقات المتون","level":5,"page":756},{"title":"القسم الثاني أصناف الحديث من جهة القبول والرد","level":1,"page":757},{"title":"الباب الأول الحديث المقبول","level":2,"page":758},{"title":"الفصل الأول الحديث الصحيح","level":3,"page":759},{"title":"المبحث الأول تعريف الحديث الصحيح","level":4,"page":760},{"title":"المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال","level":5,"page":763},{"title":"الشرط الأول: اتصال السند","level":6,"page":763},{"title":"الشرط الثاني: عدالة الرواة","level":6,"page":764},{"title":"الشرط الثالث: ضبط الرواة","level":6,"page":765},{"title":"الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة","level":6,"page":768},{"title":"المبحث الثاني: تطبيق لإظهار تحقق شروط الحديث الصحيح","level":4,"page":770},{"title":"المبحث الثالث: نقد تعريفات الصحيح","level":4,"page":774},{"title":"المبحث الرابع: الحديث الصحيح في اصطلاح الترمذي","level":4,"page":778},{"title":"الفصل الثاني الحديث الحسن","level":3,"page":780},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحديث الحسن","level":4,"page":781},{"title":"الترمذي و(الحديث الحسن)","level":5,"page":782},{"title":"الحديث نوعان","level":5,"page":785},{"title":"المبحث الثاني: تاريخ هذا (المصطلح)","level":4,"page":787},{"title":"تنبيهان:","level":5,"page":793},{"title":"الأول: (الحسن) بمعنى الغريب","level":6,"page":793},{"title":"الثاني: (الحسن) بمعنى حسن السياق","level":6,"page":794},{"title":"المبحث الثالث: تطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث","level":4,"page":795},{"title":"تطبيق للحديث الحسن لذاته","level":5,"page":795},{"title":"تطبيق للحديث الحسن لغيره","level":5,"page":797},{"title":"الفصل الثالث مباحث في الصحيح والحسن","level":3,"page":800},{"title":"المبحث الأول: الكتب في الحديث الصحيح","level":4,"page":801},{"title":"أصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: الصحيحان","level":5,"page":801},{"title":"صحة مسندات \" الموطأ \"","level":5,"page":802},{"title":"طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة","level":5,"page":805},{"title":"نقد الصحيحين","level":5,"page":806},{"title":"ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم","level":5,"page":806},{"title":"المبحث الثاني: ذكر المصنفات المسماة بـ (الصحاح) غير كتابي الشيخين","level":4,"page":808},{"title":"١ - صحيح ابن خزيمة","level":5,"page":808},{"title":"٢_ صحيح ابن حبان","level":5,"page":809},{"title":"٣ - المستدرك على الصحيحين","level":5,"page":810},{"title":"تنبيهان:","level":6,"page":813},{"title":"الأول: خطأ إطلاق عبارة (الصحاح الستة)","level":7,"page":813},{"title":"الثاني: كتاب \" الأحاديث المختارة \" للضياء المقدسي","level":7,"page":814},{"title":"الثالث: كتاب \" المنتقى \" لابن الجارود","level":7,"page":815},{"title":"الرابع: دعوى الإباضية في شأن \" مسند الربيع بن حبيب \"","level":7,"page":815},{"title":"المبحث الثالث: الأحاديث المعلقات في \" صحيح البخاري \"","level":4,"page":816},{"title":"إطلاق مصطلح (المعلق)","level":5,"page":817},{"title":"سبب تعليق الحديث","level":5,"page":817},{"title":"تنبيهان:","level":5,"page":818},{"title":"الأول: ليس في معلقات البخاري ما هو شديد الضعف إلا نادرا","level":6,"page":818},{"title":"الثاني: قول البخاري: (قال فلان) إذا كان من شيوخه، هل له شرط الصحيح","level":6,"page":819},{"title":"تتمة في مسائل تتصل بالمعلقات","level":6,"page":820},{"title":"المبحث الرابع: السنن الأربعة والمسند أعظم دواوين السنة بعد الصحيحين","level":4,"page":822},{"title":"شرط أبي داود في (سننه)","level":5,"page":823},{"title":"شرط الترمذي في \" سننه \"","level":5,"page":827},{"title":"شرط النسائي في \" سننه \"","level":5,"page":829},{"title":"شرط ابن ماجة في \" سننه \"","level":5,"page":831},{"title":"شرط أحمد في \" المسند \"","level":5,"page":832},{"title":"المبحث الخامس: المستخرجات على \" الصحيحين \"","level":4,"page":836},{"title":"تعريف (المستخرج) ومثاله","level":5,"page":836},{"title":"فوائد المستخرجات","level":5,"page":838},{"title":"من أمثلة المستخرجات على \" الصحيحين \"","level":5,"page":839},{"title":"تنبيهان:","level":5,"page":840},{"title":"المبحث السادس: أين يوجد الحديث الصحيح في غير الكتب الموسومة بالصحة؟","level":4,"page":842},{"title":"المبحث السابع: تصحيح الحديث على شرط الصحيح","level":4,"page":846},{"title":"شرط البخاري","level":5,"page":846},{"title":"شرط مسلم","level":5,"page":850},{"title":"الواجب اعتباره لفهم شرط الشيخين فيما انتقياه","level":5,"page":855},{"title":"المبحث الثامن: مسائل في الحديث الصحيح والحسن","level":4,"page":859},{"title":"المسألة الأولى: الحديث الصحيح والحسن كلاهما حجة","level":5,"page":859},{"title":"المسألة الثانية: درجات الصحة تتفاوت في القوة بحسب القرائن","level":5,"page":861},{"title":"المسألة الثالثة: هل صحة الإسناد توجب صحة الحديث؟","level":5,"page":861},{"title":"المسألة الرابعة: قولهم في الحديث: (رجاله ثقات) هل يعني الصحة؟","level":5,"page":862},{"title":"المسألة الخامسة: عدد الحديث الصحيح","level":5,"page":863},{"title":"المسألة السادسة: قولهم: (أصح شيء في الباب)","level":5,"page":865},{"title":"المسألة السابعة: أصح الأسانيد","level":5,"page":865},{"title":"المسألة الثامنة: قولهم: (حديث جيد)","level":5,"page":866},{"title":"المسألة التاسعة: أين يوجد الحديث الحسن؟","level":5,"page":866},{"title":"المسألة العاشرة: أوصاف للحديث تفيد القبول","level":5,"page":867},{"title":"المسألة الحادية عشرة: استدلال العالم بحديث، هل يعني تصحيحه له؟","level":5,"page":868},{"title":"الباب الثاني الحديث المردود","level":2,"page":869},{"title":"مدخل","level":3,"page":870},{"title":"الفصل الأول ألقاب الحديث الضعيف بسبب عدم الاتصال","level":3,"page":872},{"title":"المبحث الأول الحديث المنقطع","level":4,"page":873},{"title":"الصورة الأولى: حديث الراوي عمن لم يسمع منه بإسقاط واسطة في محل أو أكثر","level":5,"page":873},{"title":"الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو","level":5,"page":875},{"title":"سبب إبهام الراوي","level":6,"page":876},{"title":"كيف يثبت الانقطاع؟","level":6,"page":877},{"title":"المبحث الثاني: الحديث المعضل","level":4,"page":884},{"title":"طريق معرفة المعضل","level":5,"page":886},{"title":"المبحث الثالث: الحديث المرسل","level":4,"page":887},{"title":"نقد تعريفات المرسل","level":5,"page":889},{"title":"مثال المرسل","level":5,"page":890},{"title":"طريق تمييز المرسل","level":5,"page":891},{"title":"المبحث الرابع: مسائل في الانقطاع والإرسال","level":4,"page":892},{"title":"المسألة الأولى: تداخل استعمال مصطلح (المنقطع) في (المرسل) عند السلف:","level":5,"page":892},{"title":"المسألة الثانية: المفاضلة بين المراسيل","level":5,"page":893},{"title":"القول في مراسيل سعيد بن المسيب","level":6,"page":894},{"title":"قولهم في مراسيل عروة بن الزبير","level":6,"page":899},{"title":"قولهم في مراسيل الحسن البصري","level":6,"page":899},{"title":"قولهم في مراسيل جماعة آخرين","level":6,"page":900},{"title":"المسألة الثالثة: حكم الحديث المرسل:","level":5,"page":905},{"title":"المسألة الرابعة: رواية الصحابي ما لم يسمعه من النبي ﷺ","level":5,"page":912},{"title":"المبحث الخامس: الحديث المدلس","level":4,"page":916},{"title":"النوع الأول: تدليس الوصل","level":5,"page":916},{"title":"القسم الأول: تدليس الإسناد","level":6,"page":916},{"title":"القسم الثاني: تدليس التسوية","level":6,"page":920},{"title":"سبب وقوع التدليس في الإسناد","level":7,"page":923},{"title":"النوع الثاني: تدليس الأسماء","level":5,"page":923},{"title":"تحرير الفرق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي)","level":6,"page":928},{"title":"تاريخ التدليس","level":6,"page":932},{"title":"مذاهب أهل العلم في خبر المدلس","level":6,"page":934},{"title":"الترجيح","level":6,"page":942},{"title":"تنبيه: التهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم","level":6,"page":944},{"title":"كيف يعرف التدليس؟","level":6,"page":946},{"title":"طبقات المدلسين","level":6,"page":951},{"title":"فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس","level":6,"page":953},{"title":"الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به","level":6,"page":954},{"title":"تتمة في مسائل في التدليس","level":6,"page":954},{"title":"الفصل الثاني ألقاب الحديث الضعيف بسبب جرح الراوي","level":3,"page":960},{"title":"المبحث الأول: حديث المجهول","level":4,"page":961},{"title":"المبحث الثاني: الحديث اللين","level":4,"page":963},{"title":"المبحث الثالث: الحديث المقلوب","level":4,"page":966},{"title":"الصورة الأولى: قلب في الإسناد","level":5,"page":966},{"title":"الصورة الثانية: قلب في المتن","level":5,"page":968},{"title":"الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث","level":5,"page":968},{"title":"المبحث الرابع: الحديث المصحف","level":4,"page":971},{"title":"طريق معرفة التصحيف أو التحريف في الرواية","level":5,"page":971},{"title":"المبحث الخامس: الحديث المدرج","level":4,"page":973},{"title":"القسم الأول: مدرج الإسناد","level":5,"page":973},{"title":"القسم الثاني: مدرج المتن","level":5,"page":976},{"title":"طريق معرفة الإدراج","level":6,"page":976},{"title":"المبحث السادس: الحديث الشاذ","level":4,"page":980},{"title":"زيادات الثقات","level":5,"page":984},{"title":"المزيد في متصل الأسانيد","level":5,"page":985},{"title":"المبحث السابع: الحديث المعلل","level":4,"page":989},{"title":"المبحث الثامن: الحديث المضطرب","level":4,"page":991},{"title":"المبحث التاسع: الحديث المنكر","level":4,"page":995},{"title":"الصورة الأولى: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه مستور أو سيء الحفظ","level":5,"page":995},{"title":"الصورة الثانية: الحديث الذي يتفرد به الضعيف","level":5,"page":996},{"title":"تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين","level":5,"page":997},{"title":"المبحث العاشر: الحديث الموضوع","level":4,"page":1001},{"title":"وضع الحديث تعمدا وقصدا","level":5,"page":1001},{"title":"وضع الحديث غفلة وخطأ","level":5,"page":1003},{"title":"بداية ظهور الكذب في الحديث","level":5,"page":1004},{"title":"أسباب تعمد وضع الحديث","level":5,"page":1005},{"title":"السبب الأول: الطعن على الإسلام، والتشكيك فيه","level":6,"page":1005},{"title":"السبب الثاني: نصرة الأهواء","level":6,"page":1006},{"title":"السبب الثالث: الترغيب في الأعمال الصالحة","level":6,"page":1008},{"title":"السبب الرابع: الرغبة في استمالة السامعين","level":6,"page":1009},{"title":"مصادر المتون الموضوعة","level":5,"page":1010},{"title":"الكذب في الحديث يعلم بطرق، تعود جملتها إلى إحدى عشرة طريقا","level":5,"page":1011},{"title":"مسائل في الموضوع","level":5,"page":1024},{"title":"المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له)","level":6,"page":1024},{"title":"المسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل وشبهها","level":6,"page":1027},{"title":"المسألة الثالثة: الكتب المؤلفة في تمييز الأحاديث الموضوعة","level":6,"page":1029},{"title":"نقد كتاب \" الموضوعات \" لابن الجوزي","level":7,"page":1030},{"title":"المسألة الرابعة: مما يساعد على تمييز الموضوع في الحديث: معرفة أبواب مخصوصة","level":6,"page":1032},{"title":"الفصل الثالث حكم الاعتبار بالحديث الضعيف","level":3,"page":1033},{"title":"المبحث الأول: تفسير الاعتبار","level":4,"page":1034},{"title":"المبحث الثاني: تمييز ما يصلح للاعتبار","level":4,"page":1036},{"title":"صلاحية الراوي","level":5,"page":1036},{"title":"صلاحية نفس الحديث","level":5,"page":1042},{"title":"تنبيه: الاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح","level":5,"page":1045},{"title":"المبحث الثالث: تقوية الحديث بتعدد الطرق","level":4,"page":1048},{"title":"الشرط الأول: أن يكون حديثا له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه","level":5,"page":1048},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف بموافقة ظاهر القرآن","level":6,"page":1049},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف بالموقوفات على الصحابة","level":6,"page":1050},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف بجريان العمل به","level":6,"page":1051},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف باستدلال المجتهد به","level":6,"page":1053},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف عن طريق الكشف","level":6,"page":1053},{"title":"لا يقوي الحديث الضعيف بمطابقة الواقع","level":6,"page":1054},{"title":"الشرط الثاني: أن يكون في أدنى درجاته مما يصلح الاعتبار به","level":5,"page":1055},{"title":"الشرط الثالث: إن كان ضعيفا صالحا، وجب أن يغاير الطريق المجبور به في محل الضعف","level":5,"page":1056},{"title":"مناقشة قول الشافعي فيما يتقوى به المرسل","level":6,"page":1057},{"title":"الشرط الرابع: أن يوجد فيه معنى المجبور به إن لم يطابقه في لفظه","level":5,"page":1061},{"title":"الفصل الرابع استعمال الحديث الضعيف","level":3,"page":1062},{"title":"المبحث الأول: حكم الاحتجاج بالحديث الضعيف","level":4,"page":1063},{"title":"المبحث الثاني: الحديث الضعيف في فضائل الأعمال","level":4,"page":1068}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,15":11,"1,17":12,"1,18":13,"1,19":14,"1,20":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,61":55,"1,63":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,133":124,"1,134":125,"1,135":126,"1,136":127,"1,137":128,"1,138":129,"1,139":130,"1,140":131,"1,141":132,"1,142":133,"1,143":134,"1,144":135,"1,145":136,"1,146":137,"1,147":138,"1,148":139,"1,149":140,"1,150":141,"1,151":142,"1,152":143,"1,153":144,"1,154":145,"1,155":146,"1,156":147,"1,157":148,"1,158":149,"1,159":150,"1,160":151,"1,161":152,"1,162":153,"1,163":154,"1,164":155,"1,165":156,"1,166":157,"1,167":158,"1,168":159,"1,169":160,"1,170":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,176":167,"1,177":168,"1,178":169,"1,179":170,"1,180":171,"1,181":172,"1,182":173,"1,183":174,"1,184":175,"1,185":176,"1,187":177,"1,189":178,"1,191":179,"1,192":180,"1,193":181,"1,194":182,"1,195":183,"1,196":184,"1,197":185,"1,198":186,"1,199":187,"1,200":188,"1,201":189,"1,202":190,"1,203":191,"1,204":192,"1,205":193,"1,206":194,"1,207":195,"1,208":196,"1,209":197,"1,210":198,"1,211":199,"1,212":200,"1,213":201,"1,214":202,"1,215":203,"1,216":204,"1,217":205,"1,218":206,"1,219":207,"1,220":208,"1,221":209,"1,222":210,"1,223":211,"1,224":212,"1,225":213,"1,226":214,"1,227":215,"1,228":216,"1,229":217,"1,230":218,"1,231":219,"1,233":220,"1,235":221,"1,236":222,"1,237":223,"1,238":224,"1,239":225,"1,241":226,"1,242":227,"1,243":228,"1,244":229,"1,245":230,"1,246":231,"1,247":232,"1,248":233,"1,249":234,"1,250":235,"1,251":236,"1,252":237,"1,253":238,"1,254":239,"1,255":240,"1,256":241,"1,257":242,"1,258":243,"1,259":244,"1,260":245,"1,261":246,"1,262":247,"1,263":248,"1,264":249,"1,265":250,"1,266":251,"1,267":252,"1,268":253,"1,269":254,"1,270":255,"1,271":256,"1,272":257,"1,273":258,"1,274":259,"1,275":260,"1,276":261,"1,277":262,"1,278":263,"1,279":264,"1,280":265,"1,281":266,"1,282":267,"1,283":268,"1,284":269,"1,285":270,"1,286":271,"1,287":272,"1,288":273,"1,289":274,"1,290":275,"1,291":276,"1,292":277,"1,293":278,"1,294":279,"1,295":280,"1,296":281,"1,297":282,"1,298":283,"1,299":284,"1,300":285,"1,301":286,"1,302":287,"1,303":288,"1,304":289,"1,305":290,"1,306":291,"1,307":292,"1,308":293,"1,309":294,"1,310":295,"1,311":296,"1,312":297,"1,313":298,"1,314":299,"1,315":300,"1,316":301,"1,317":302,"1,318":303,"1,319":304,"1,320":305,"1,321":306,"1,322":307,"1,323":308,"1,324":309,"1,325":310,"1,326":311,"1,327":312,"1,328":313,"1,329":314,"1,330":315,"1,331":316,"1,332":317,"1,333":318,"1,334":319,"1,335":320,"1,336":321,"1,337":322,"1,338":323,"1,339":324,"1,340":325,"1,341":326,"1,342":327,"1,343":328,"1,344":329,"1,345":330,"1,346":331,"1,347":332,"1,348":333,"1,349":334,"1,350":335,"1,351":336,"1,352":337,"1,353":338,"1,355":339,"1,357":340,"1,358":341,"1,359":342,"1,360":343,"1,361":344,"1,362":345,"1,363":346,"1,364":347,"1,365":348,"1,366":349,"1,367":350,"1,368":351,"1,369":352,"1,370":353,"1,371":354,"1,372":355,"1,373":356,"1,374":357,"1,375":358,"1,376":359,"1,377":360,"1,378":361,"1,379":362,"1,380":363,"1,381":364,"1,382":365,"1,383":366,"1,384":367,"1,385":368,"1,386":369,"1,387":370,"1,388":371,"1,389":372,"1,390":373,"1,391":374,"1,392":375,"1,393":376,"1,394":377,"1,395":378,"1,396":379,"1,397":380,"1,398":381,"1,399":382,"1,400":383,"1,401":384,"1,402":385,"1,403":386,"1,404":387,"1,405":388,"1,406":389,"1,407":390,"1,408":391,"1,409":392,"1,410":393,"1,411":394,"1,412":395,"1,413":396,"1,414":397,"1,415":398,"1,416":399,"1,417":400,"1,418":401,"1,419":402,"1,420":403,"1,421":404,"1,422":405,"1,423":406,"1,424":407,"1,425":408,"1,426":409,"1,427":410,"1,428":411,"1,429":412,"1,430":413,"1,431":414,"1,432":415,"1,433":416,"1,434":417,"1,435":418,"1,436":419,"1,437":420,"1,438":421,"1,439":422,"1,440":423,"1,441":424,"1,442":425,"1,443":426,"1,444":427,"1,445":428,"1,446":429,"1,447":430,"1,448":431,"1,449":432,"1,450":433,"1,451":434,"1,452":435,"1,453":436,"1,454":437,"1,455":438,"1,456":439,"1,457":440,"1,458":441,"1,459":442,"1,460":443,"1,461":444,"1,462":445,"1,463":446,"1,464":447,"1,465":448,"1,466":449,"1,467":450,"1,468":451,"1,469":452,"1,470":453,"1,471":454,"1,472":455,"1,473":456,"1,474":457,"1,475":458,"1,476":459,"1,477":460,"1,478":461,"1,479":462,"1,481":463,"1,482":464,"1,483":465,"1,484":466,"1,485":467,"1,486":468,"1,487":469,"1,488":470,"1,489":471,"1,490":472,"1,491":473,"1,492":474,"1,493":475,"1,494":476,"1,495":477,"1,496":478,"1,497":479,"1,498":480,"1,499":481,"1,500":482,"1,501":483,"1,502":484,"1,503":485,"1,504":486,"1,505":487,"1,506":488,"1,507":489,"1,508":490,"1,509":491,"1,510":492,"1,511":493,"1,512":494,"1,513":495,"1,515":496,"1,516":497,"1,517":498,"1,518":499,"1,519":500,"1,520":501,"1,521":502,"1,522":503,"1,523":504,"1,524":505,"1,525":506,"1,526":507,"1,527":508,"1,528":509,"1,529":510,"1,530":511,"1,531":512,"1,532":513,"1,533":514,"1,534":515,"1,535":516,"1,536":517,"1,537":518,"1,538":519,"1,539":520,"1,540":521,"1,541":522,"1,542":523,"1,543":524,"1,544":525,"1,545":526,"1,546":527,"1,547":528,"1,548":529,"1,549":530,"1,550":531,"1,551":532,"1,552":533,"1,553":534,"1,554":535,"1,555":536,"1,556":537,"1,557":538,"1,559":539,"1,561":540,"1,562":541,"1,563":542,"1,564":543,"1,565":544,"1,566":545,"1,567":546,"1,568":547,"1,569":548,"1,570":549,"1,571":550,"1,572":551,"1,573":552,"1,574":553,"1,575":554,"1,576":555,"1,577":556,"1,578":557,"1,579":558,"1,580":559,"1,581":560,"1,582":561,"1,583":562,"1,584":563,"1,585":564,"1,586":565,"1,587":566,"1,588":567,"1,589":568,"1,590":569,"1,591":570,"1,592":571,"1,593":572,"1,594":573,"1,595":574,"1,596":575,"1,597":576,"1,598":577,"1,599":578,"1,600":579,"1,601":580,"1,602":581,"1,603":582,"1,604":583,"1,605":584,"1,606":585,"1,607":586,"1,608":587,"1,609":588,"1,610":589,"1,611":590,"1,612":591,"1,613":592,"1,614":593,"1,615":594,"1,616":595,"1,617":596,"1,618":597,"1,619":598,"1,620":599,"1,621":600,"1,622":601,"1,623":602,"1,624":603,"1,625":604,"1,626":605,"1,627":606,"1,628":607,"1,629":608,"1,630":609,"1,631":610,"1,632":611,"1,633":612,"1,634":613,"1,635":614,"2,637":615,"2,639":616,"2,641":617,"2,642":618,"2,643":619,"2,644":620,"2,645":621,"2,646":622,"2,647":623,"2,648":624,"2,649":625,"2,650":626,"2,651":627,"2,652":628,"2,653":629,"2,654":630,"2,655":631,"2,657":632,"2,659":633,"2,660":634,"2,661":635,"2,662":636,"2,663":637,"2,664":638,"2,665":639,"2,666":640,"2,667":641,"2,668":642,"2,669":643,"2,670":644,"2,671":645,"2,672":646,"2,673":647,"2,674":648,"2,675":649,"2,676":650,"2,677":651,"2,678":652,"2,679":653,"2,680":654,"2,681":655,"2,682":656,"2,683":657,"2,684":658,"2,685":659,"2,686":660,"2,687":661,"2,688":662,"2,689":663,"2,690":664,"2,691":665,"2,692":666,"2,693":667,"2,694":668,"2,695":669,"2,696":670,"2,697":671,"2,698":672,"2,699":673,"2,700":674,"2,701":675,"2,702":676,"2,703":677,"2,704":678,"2,705":679,"2,706":680,"2,707":681,"2,708":682,"2,709":683,"2,710":684,"2,711":685,"2,712":686,"2,713":687,"2,714":688,"2,715":689,"2,716":690,"2,717":691,"2,718":692,"2,719":693,"2,720":694,"2,721":695,"2,722":696,"2,723":697,"2,724":698,"2,725":699,"2,726":700,"2,727":701,"2,728":702,"2,729":703,"2,731":704,"2,733":705,"2,734":706,"2,735":707,"2,736":708,"2,737":709,"2,738":710,"2,739":711,"2,740":712,"2,741":713,"2,742":714,"2,743":715,"2,744":716,"2,745":717,"2,746":718,"2,747":719,"2,748":720,"2,749":721,"2,750":722,"2,751":723,"2,752":724,"2,753":725,"2,754":726,"2,755":727,"2,756":728,"2,757":729,"2,758":730,"2,759":731,"2,760":732,"2,761":733,"2,762":734,"2,763":735,"2,764":736,"2,765":737,"2,766":738,"2,767":739,"2,768":740,"2,769":741,"2,770":742,"2,771":743,"2,772":744,"2,773":745,"2,774":746,"2,775":747,"2,776":748,"2,777":749,"2,778":750,"2,779":751,"2,780":752,"2,781":753,"2,782":754,"2,783":755,"2,784":756,"2,785":757,"2,787":758,"2,789":759,"2,791":760,"2,792":761,"2,793":762,"2,794":763,"2,795":764,"2,796":765,"2,797":766,"2,798":767,"2,799":768,"2,800":769,"2,801":770,"2,802":771,"2,803":772,"2,804":773,"2,805":774,"2,806":775,"2,807":776,"2,808":777,"2,809":778,"2,810":779,"2,811":780,"2,813":781,"2,814":782,"2,815":783,"2,816":784,"2,817":785,"2,818":786,"2,819":787,"2,820":788,"2,821":789,"2,822":790,"2,823":791,"2,824":792,"2,825":793,"2,826":794,"2,827":795,"2,828":796,"2,829":797,"2,830":798,"2,831":799,"2,833":800,"2,835":801,"2,836":802,"2,837":803,"2,838":804,"2,839":805,"2,840":806,"2,841":807,"2,842":808,"2,843":809,"2,844":810,"2,845":811,"2,846":812,"2,847":813,"2,848":814,"2,849":815,"2,850":816,"2,851":817,"2,852":818,"2,853":819,"2,854":820,"2,855":821,"2,856":822,"2,857":823,"2,858":824,"2,859":825,"2,860":826,"2,861":827,"2,862":828,"2,863":829,"2,864":830,"2,865":831,"2,866":832,"2,867":833,"2,868":834,"2,869":835,"2,870":836,"2,871":837,"2,872":838,"2,873":839,"2,874":840,"2,875":841,"2,876":842,"2,877":843,"2,878":844,"2,879":845,"2,880":846,"2,881":847,"2,882":848,"2,883":849,"2,884":850,"2,885":851,"2,886":852,"2,887":853,"2,888":854,"2,889":855,"2,890":856,"2,891":857,"2,892":858,"2,893":859,"2,894":860,"2,895":861,"2,896":862,"2,897":863,"2,898":864,"2,899":865,"2,900":866,"2,901":867,"2,902":868,"2,903":869,"2,905":870,"2,906":871,"2,907":872,"2,909":873,"2,910":874,"2,911":875,"2,912":876,"2,913":877,"2,914":878,"2,915":879,"2,916":880,"2,917":881,"2,918":882,"2,919":883,"2,920":884,"2,921":885,"2,922":886,"2,923":887,"2,924":888,"2,925":889,"2,926":890,"2,927":891,"2,928":892,"2,929":893,"2,930":894,"2,931":895,"2,932":896,"2,933":897,"2,934":898,"2,935":899,"2,936":900,"2,937":901,"2,938":902,"2,939":903,"2,940":904,"2,941":905,"2,942":906,"2,943":907,"2,944":908,"2,945":909,"2,946":910,"2,947":911,"2,948":912,"2,949":913,"2,950":914,"2,951":915,"2,952":916,"2,953":917,"2,954":918,"2,955":919,"2,956":920,"2,957":921,"2,958":922,"2,959":923,"2,960":924,"2,961":925,"2,962":926,"2,963":927,"2,964":928,"2,965":929,"2,966":930,"2,967":931,"2,968":932,"2,969":933,"2,970":934,"2,971":935,"2,972":936,"2,973":937,"2,974":938,"2,975":939,"2,976":940,"2,977":941,"2,978":942,"2,979":943,"2,980":944,"2,981":945,"2,982":946,"2,983":947,"2,984":948,"2,985":949,"2,986":950,"2,987":951,"2,988":952,"2,989":953,"2,990":954,"2,991":955,"2,992":956,"2,993":957,"2,994":958,"2,995":959,"2,997":960,"2,999":961,"2,1000":962,"2,1001":963,"2,1002":964,"2,1003":965,"2,1004":966,"2,1005":967,"2,1006":968,"2,1007":969,"2,1008":970,"2,1009":971,"2,1010":972,"2,1011":973,"2,1012":974,"2,1013":975,"2,1014":976,"2,1015":977,"2,1016":978,"2,1017":979,"2,1018":980,"2,1019":981,"2,1020":982,"2,1021":983,"2,1022":984,"2,1023":985,"2,1024":986,"2,1025":987,"2,1026":988,"2,1027":989,"2,1028":990,"2,1029":991,"2,1030":992,"2,1031":993,"2,1032":994,"2,1033":995,"2,1034":996,"2,1035":997,"2,1036":998,"2,1037":999,"2,1038":1000,"2,1039":1001,"2,1040":1002,"2,1041":1003,"2,1042":1004,"2,1043":1005,"2,1044":1006,"2,1045":1007,"2,1046":1008,"2,1047":1009,"2,1048":1010,"2,1049":1011,"2,1050":1012,"2,1051":1013,"2,1052":1014,"2,1053":1015,"2,1054":1016,"2,1055":1017,"2,1056":1018,"2,1057":1019,"2,1058":1020,"2,1059":1021,"2,1060":1022,"2,1061":1023,"2,1062":1024,"2,1063":1025,"2,1064":1026,"2,1065":1027,"2,1066":1028,"2,1067":1029,"2,1068":1030,"2,1069":1031,"2,1070":1032,"2,1071":1033,"2,1073":1034,"2,1074":1035,"2,1075":1036,"2,1076":1037,"2,1077":1038,"2,1078":1039,"2,1079":1040,"2,1080":1041,"2,1081":1042,"2,1082":1043,"2,1083":1044,"2,1084":1045,"2,1085":1046,"2,1086":1047,"2,1087":1048,"2,1088":1049,"2,1089":1050,"2,1090":1051,"2,1091":1052,"2,1092":1053,"2,1093":1054,"2,1094":1055,"2,1095":1056,"2,1096":1057,"2,1097":1058,"2,1098":1059,"2,1099":1060,"2,1100":1061,"2,1101":1062,"2,1103":1063,"2,1104":1064,"2,1105":1065,"2,1106":1066,"2,1107":1067,"2,1108":1068,"2,1109":1069,"2,1110":1070,"2,1111":1071,"2,1112":1072,"2,1113":1073,"2,1114":1074},"ٜ":{"1":[5,635],"2":[637,1114]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,63","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,187","1,189","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,233","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,355","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,559","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","2,637","2,639","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,657","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,731","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,787","2,789","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,833","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,905","2,906","2,907","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,997","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114"],"ٞ":{"2":[1],"7":[2],"11":[3],"12":[4,5],"15":[6],"18":[7],"22":[8,9],"23":[10,11,12],"24":[13],"27":[14],"28":[15],"30":[16],"31":[17],"32":[18],"34":[19,20],"37":[21,22],"39":[23,24,25],"40":[26,27],"41":[28],"42":[29],"47":[30],"48":[31],"50":[32],"51":[33],"54":[34],"55":[35],"56":[36],"57":[37],"62":[38],"63":[39],"69":[40],"72":[41],"73":[42],"75":[43],"77":[44],"78":[45],"80":[46],"81":[47,48,49],"82":[50],"83":[51],"84":[52],"89":[53],"90":[54],"99":[55],"101":[56],"103":[57],"105":[58],"108":[59],"110":[60],"111":[61],"113":[62,63],"115":[64],"123":[65],"124":[66],"125":[67],"135":[68,69],"137":[70],"143":[71],"144":[72],"145":[73],"146":[74],"151":[75],"156":[76],"157":[77],"170":[78,79],"173":[80],"174":[81],"175":[82],"177":[83],"178":[84],"179":[85],"191":[86],"210":[87],"220":[88],"221":[89],"222":[90],"223":[91],"224":[92],"226":[93],"229":[94],"230":[95],"234":[96,97],"235":[98],"236":[99],"237":[100],"238":[101],"239":[102],"240":[103],"246":[104,105],"254":[106,107],"255":[108],"258":[109],"264":[110,111],"266":[112],"270":[113],"271":[114,115],"273":[116],"274":[117],"276":[118,119],"279":[120,121],"281":[122,123],"282":[124,125],"283":[126],"284":[127],"287":[128],"300":[129],"301":[130],"302":[131],"306":[132,133,134],"308":[135],"309":[136,137],"310":[138],"319":[139],"322":[140],"323":[141],"324":[142],"329":[143],"330":[144,145],"333":[146],"334":[147],"339":[148],"340":[149],"341":[150,151],"346":[152],"350":[153,154],"354":[155],"359":[156],"362":[157,158],"364":[159],"370":[160],"373":[161],"374":[162],"375":[163],"378":[164],"379":[165],"380":[166],"394":[167],"395":[168],"401":[169],"402":[170,171],"403":[172,173],"404":[174],"406":[175],"409":[176],"411":[177],"413":[178],"419":[179],"444":[180],"453":[181],"462":[182],"463":[183,184],"464":[185],"467":[186],"473":[187],"487":[188],"495":[189],"496":[190],"499":[191,192],"501":[193],"502":[194],"503":[195],"506":[196],"508":[197],"512":[198],"514":[199],"515":[200,201],"517":[202],"518":[203],"520":[204],"522":[205,206],"531":[207,208],"536":[209,210,211],"537":[212,213],"538":[214],"539":[215],"540":[216],"544":[217,218],"545":[219],"546":[220],"615":[221],"616":[222],"617":[223],"618":[224],"621":[225],"622":[226],"625":[227],"626":[228,229],"628":[230],"629":[231],"631":[232],"632":[233],"633":[234],"634":[235],"640":[236],"643":[237],"644":[238,239],"645":[240],"647":[241,242],"649":[243],"650":[244],"651":[245],"654":[246],"658":[247,248],"665":[249],"671":[250,251],"672":[252],"677":[253],"679":[254],"682":[255],"684":[256],"685":[257,258],"686":[259,260],"688":[261],"690":[262,263,264],"692":[265],"693":[266],"694":[267,268],"696":[269],"699":[270],"701":[271],"704":[272],"705":[273],"706":[274],"708":[275],"710":[276,277],"711":[278,279,280],"712":[281],"713":[282],"714":[283],"719":[284],"720":[285],"723":[286],"724":[287],"726":[288],"729":[289],"733":[290,291],"740":[292],"744":[293],"747":[294],"748":[295],"749":[296],"750":[297],"752":[298],"753":[299],"754":[300],"755":[301],"756":[302],"757":[303],"758":[304],"759":[305],"760":[306],"763":[307,308],"764":[309],"765":[310],"768":[311],"770":[312],"774":[313],"778":[314],"780":[315],"781":[316],"782":[317],"785":[318],"787":[319],"793":[320,321],"794":[322],"795":[323,324],"797":[325],"800":[326],"801":[327,328],"802":[329],"805":[330],"806":[331,332],"808":[333,334],"809":[335],"810":[336],"813":[337,338],"814":[339],"815":[340,341],"816":[342],"817":[343,344],"818":[345,346],"819":[347],"820":[348],"822":[349],"823":[350],"827":[351],"829":[352],"831":[353],"832":[354],"836":[355,356],"838":[357],"839":[358],"840":[359],"842":[360],"846":[361,362],"850":[363],"855":[364],"859":[365,366],"861":[367,368],"862":[369],"863":[370],"865":[371,372],"866":[373,374],"867":[375],"868":[376],"869":[377],"870":[378],"872":[379],"873":[380,381],"875":[382],"876":[383],"877":[384],"884":[385],"886":[386],"887":[387],"889":[388],"890":[389],"891":[390],"892":[391,392],"893":[393],"894":[394],"899":[395,396],"900":[397],"905":[398],"912":[399],"916":[400,401,402],"920":[403],"923":[404,405],"928":[406],"932":[407],"934":[408],"942":[409],"944":[410],"946":[411],"951":[412],"953":[413],"954":[414,415],"960":[416],"961":[417],"963":[418],"966":[419,420],"968":[421,422],"971":[423,424],"973":[425,426],"976":[427,428],"980":[429],"984":[430],"985":[431],"989":[432],"991":[433],"995":[434,435],"996":[436],"997":[437],"1001":[438,439],"1003":[440],"1004":[441],"1005":[442,443],"1006":[444],"1008":[445],"1009":[446],"1010":[447],"1011":[448],"1024":[449,450],"1027":[451],"1029":[452],"1030":[453],"1032":[454],"1033":[455],"1034":[456],"1036":[457,458],"1042":[459],"1045":[460],"1048":[461,462],"1049":[463],"1050":[464],"1051":[465],"1053":[466,467],"1054":[468],"1055":[469],"1056":[470],"1057":[471],"1061":[472],"1062":[473],"1063":[474],"1068":[475]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[تحرير علوم الحديث]ـ\nالمؤلف: عبد الله بن يوسف الجديع\nالناشر: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nالحمد لله رب العالمين، وأشْهد أن لا إله إلاَّ الله وحْده لا شريك له وليُّ الصَّالحين، وأشْهد أنَّ محمَّدًا عبْده ورسوله النَّبيُّ الصَّادقُ الأمينُ، صلى الله عليه وعلى آله وصحْبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدّين.\n\nأما بعد. .\nفإنَّ العلم بهذا الدّين يَقوم على معرفة كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ، وقد تكفَّل اللهُ ﵎ للنّاس بحفظ ما تقوم عليهم به الحجَّةُ وتلْزمهُم الشَّرائع، كما قال: ﴿إنّا نحن نزَّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩]، فسخَّر لهُ من عِباده من كانوا أسبابًا في حفظه وبَقائه.\nوهذا الحفظ حقيقةٌ مُشاهدةٌ في حفظ الكتاب العزيز.\nولمّا نصّ الله ﷿ فيه على أنَّ معرفته لتقوم الحجُّة على العباد موقوفةٌ على بيان رسوله ﷺ، كما قال: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتُبيّن للنَّاس ما نزّل إليهم﴾ [النّحل: ٤٤]. ولأجله فرض الله طاعته ﷺ في آيات كثيرة، لزم أن يكون حفظ بيانه ممَّا يندرج ضِمنًا تحْت حفظه تعالى للذِّكر.\nومعرفة ما جاء به الرَّسول ﷺ ممَّا هو بيانُ القرآن، لا طريق إليها إلاّ بمعرفة المنقول عنه، وبالضَّرورة علمنا أنَّ ذلك المنقول لم يَصلنا كَما وصلنا القرآنُ، وإنَّما هيَ الرِّوايةُ الَّتي يغْلب عليها نقْل الفَرْد، أو الأفراد","vol":"1","page":5},{"text":"القليلين عن أمثالهم، وما عاد إلى مثل ذلك، جاز عليه ما يجوز أن يقع من غير معْصوم، كالخطأ والوَهْم، بل والكذب.\nلذا كان العمَل على تمييز الصَّحيح من السَّقيم فرْضًا على الأمّة، أن توجد من بينها من يُحقِّق لها الكفاية فيه، حيثُ لا سَبيل إلى معرفة بيان الرَّسول ﷺ إلا بذلك.\nولا شكَّ أنّ السُّنَّة أساسٌ يقوم عليه نظر الفَقيه ويبْني عليه اجتهاده، كالقرآن العظيم، فإن لم بتيَّن له ما يصحُّ أنّه سنَّة مما لا يصحُّ، فعلى أي أساس سيقيم بنيانه؟\nمن أجل ذلك أدرك الأولون أنَّ تمييز الصحيح من السقيم ضرورة للفقيه، ومقدمة لابد منها، فحرروا وحققوا، واجتهدوا في نخل المنقول، ولم يزل يناظر بعضهم بعضًا ويرد بعضهم على بعض في شأن صحة نقل الدليل، ولم ينظروا إلى هذه المقدمة إلا كجزء من المقدمات الضرورية للاستدلال.\nقال الإمام علي بن المديني: التَّفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الحديث نصف العلم \"، أراد بمعرفة الحديث: تمييز صحيحه من سقيمه.\nوعد معرفة ما يثبت من الحديث ممّا لا يثبت شرطًا في المجتهد والمفتي، ممّا لا ينبغي أن يُرتاب فيه، فإنّه إن لم يفهم ذلك صار ولا بدّ إلى أن يبني ويفرع على ما لا يثبت به دين من الرّوايات.\nقال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: \" لا يجوز أن يكون الرجل إمامًا، حتىّ يعلم ما يصح ممّا لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعْلم مخارج العلم \".","vol":"1","page":6},{"text":"وهذا يبيّنه الحافظ أبو حاتم بنُ حبّان بقوله: \" من لم يحفظ سُنن النّبيّ ﷺ، ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثّقات من المحدثين، ولا الضعفاء والمتروكين، ومن يجب قبول أفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يُحسن معاني الأخبار، والجمع بين تضادّها في الظواهر، ولا عرف المفسّر من المجمل، ولا المختصر من المفصّل، ولا النّاسخ من المنسوخ، ولا اللّفظ الخاصّ الذي يراد به العامّ، ولا اللّفظ العامّ الّذي يراد به الخاصّ، ولا الأمر الّذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الّذي هو فضيلةٌ وإرشاد، ولا النّهي الّذي هو حتْمٌ لا يجوز ارتكابه، من النّهي الذي هو ندب ٌ يباح استعماله، مع سائر فصول السّنن وأنواع أسباب الأخبار: كيف يستحلّ أن يفتي، أو كيف يسوِّغُ لنفسه تحريم الحلال، أو تحليل الحرام، تقليدًا منه لمن يخطئ ويُصيب؟ \".\nقلت: وفي هذا منع لطائفتين من النّاس أن تتكلّم في الحلال والحرام ابتداءً:\nالأولى: من لهُم بالحديث عناية وتخصّص، في تمييز صحيحه من سقيمه، الموجب للمعرفة برواته من تمييز المقبول والمردود، لكن ليس لهم حظٌ من علوم أصول الفقه، ولا مراس لفروعه، فهؤلاء لا يقدر أحدهم أن يستنبط ويجتهد؛ لفقْده آلةَ النَّظر في الأحكام.\nفلتتّق الله طائفة تسلّقت جدار الفقه، حيث لم تأته من بابه، ولا أعطيت الإذْن من بوّابه، فحظُّ مثل هؤلاء فقء العين حتّى لا تنظر إلى ما لا يباح، وفي أهل زماننا من هؤلاء خلق، عافى الله العلم منهم.\nوالثانية: من لهم اشتغال بالفقه، ومعرفةٌ بطرقه وأصوله، وفهم لدلالات النّصوص ومعانيها، ولكنّهم لا يميّزون بين رواية مقبولة ومردودة،","vol":"1","page":7},{"text":"فترى أحدهم يبني الأحكام على ضعيف الأخبار، بل على ما لا أصل له وباطل من الرّوايات؛ لأنّه لا يدري الصّحيح من السّقيم، فهذا حين يفرض على النّاس شيئًا أو يحرّم عليهم، وكان قد بنى على رواية لا تصحُّ، فقد نسب إلى الدّين ما ليس منه، وأورد الحرج على المكلّفين فيما أتاهم به من حُكم بناه على غير أساس، فكم يحمل على كاهله من حرج؟! بل مثل هذا لا يُدرى ممن علمِه في التّحقيق ما بُني على دليل صحيح وما بُني على غيره، وهو نفسه لا يعرف ذلك.\nقال علي بن الحسن بن شقيق المرْوزيّ (وكان ثقة): سمعت عبد الله (يعني ابن المبارك) يقول: \" إذا ابْتليتَ بالقضاء، فعليك بالأثر \"، قال عليّ: فذكرته لأبي حمزة محمد بن ميمون السّكريّ، فقال: \" هل تدري ما الأثر؟ أن أحدّثك بالشّيء فتعمل به، فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمْزة، فيُجاء بي، فيقال: إنّ هذا يزعم أنّك أمرته بكذا وكذا، فإن قلت: نعم، خلّي عنك، ويقال لي: من أين قلت هذا؟ فأقول: قال لي الأعمش، فيُسأل الأعمش، فإذا قال: نعم، خلّي عنّي، ويقال للأعمش: من أين قلت؟ فيقول: قال لي إبراهيم، فيُسأل إبراهيم، فإن قال: نعم، خلّي عن الأعمش، وأخذ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي علقمة، فيُسأل علقمة، فإذا قال: نعم، خلّي عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت: فيقول: قال لي عبد الله بن مسعود، فيُسأل عبد الله، فإن قال: نعم، خلّي عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت؟ قال: فيقول: قال لي رسول الله ﷺ، فيُسأل رسول الله ﷺ، فإن قال: نعم، خلّي عن ابن مسعود، فيُقال للنبيّ ﷺ، فيقول: قال لي جبريل، حتى ينتهي إلى الرّبّ ﵎، فهذا الأثر، فالأمر جدٌ غير هزل؛ إذْ كان يشفي على جنّة أو نار، ليس بينهما هناك","vol":"1","page":8},{"text":"منزلٌ، وليعْلم أحدكم أنّه مسؤولٌ عن دينه وعن أخذه حلّه وحرامه \".\nنعم، لا حرج أن تستعين الطَّائفتين ببعضهما، فـ\"ربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه \"، لكن أن يستقلَّ كلٌّ بنفسه فيأخذ بالنَّصيبيْن وهو لا يفهم اختصاص الآخر، فهذا من الجِناية على العلم.\nوالكامل من وفقه الله ليضْرب بنصيب هؤلاء وأولئك، وهو الواجب فيمن يكون للنَّاس إمامًا.\nوعلوم الحديث علوم آلة تستعمل للكشف عن السُّنن الصَّحيحة المرويَّة عن رسول الله ﷺ من بين نقْل كثير اختلط فيه الغثُّ بالسَّمين، وألَّف فيه من المؤلفات ما يعْسُرُ عدُّه.\nوهذه العلوم بدأت في أول أمرها علومًا تطبيقيّة غير مؤصّلة تأصيلًا نظريًا من أجل تقريبها وفهْمها، وتيسير استعمالها، بل دفعت ضرورة تمييز السُّنن الصّحيحة من غير أئمة الأمة في الصدر الأول إلى الاجتهاد بما هدتْ إليه العقول من أجل التحقق من صحة النقل، حتى نما ذلك مع نموِّ الأسانيد وكثرتها، إذ كلَّما بعُد الزمان عن زمن التّلقيّ وهو عهد النُّبوة، فإن الأسانيد تطول، وطولها موجبٌ الزِّيادة في التحري، فصار هذا العلم إلى التَّقنين؛ تلبيةً لما أوْجبته الحاجةُ، على ما سيأتي بيانه في موضعه.\nوجرى النّاس من بعْدُ على صياغة قواعد هذه العلوم كما صنعوا في التأصيل لسائر علوم الآلات، كالعربيّة، وأصول الفقه، واستمرّ عند المحقّقين في هذا العلم التَّحرير والتَّقريب والتَّيسير، إلى زماننا، وأكثر العناية فيه كانت في مُصطلحاته، حتى غلب على هذه العلوم تسمية (مصطلح الحديث).","vol":"1","page":9},{"text":"وصار لها في الزَّمن المتأخر عند المعْتني بها، ما صارَ لسائر علوم الآلة، كأصول الفقه، أن تدرس كعلوم نظريّة، لا تستعمل في الواقع، إلى أن تجرَّأ طائفة من الطّلبة في هذا الزَّمان فصاروا إلى استعمال تلك المصطلحات للحُكم على الأسانيد المرويَّة، اكتفوا بمصطلحات ظاهرة قصدت عند صياغتها أن يحفظها الصِّبيان في الكُتَّاب، حسِب هؤلاء أنَّ هذا هو منتهى الطَّلب لهذا العلم، إلاَّ نفرًا يسيرًا أدركوا وعورة الطريق، فسلكوه متأنِّين حذرين، مجتهدين في اتّباع علامته.\nوقد رأيت تلك العلامات تحتاج إلى ترميم، ومنها ما يحتاج إلى إعادة بناء، فكما قصدت إلى تقريب (أصول الفقه) الّتي هي علامات المرور في طريق الفقه، فكتبت \" تيسير علم أصول الفقه \"، وقرّبت ما ينبغي العلم به مُحرّرًا للإقبال على كتاب الله ﷿، فكتبت \" المقدمات الأساسيّة في علوم القرآن \"، فكذلك وجب إتمام القصْد في علوم الآلة أن آتي على علوم الحديث، فأحرِّرها، لا اكتفاء بتقريب مصطلحاتها، بل بصياغتها بأتمِّ صيغة ممْكنة، مؤصّلة من منْهج أهلها.\nوهذا عِلْمٌ لي منذ تلقيته ما يزيد اليوم على ربع قرْن من الزّمان، وأنا أعالجه وأعانيه، وكنت أجد إلحاحًا من داخلي بضرورة أن أصوغه مستوْعب الأبواب وبأسلوب عصْرانيِّ العرْض تيسيرًا على الطُّلاب، دون إخلال بشيْء من مراد أهله، مع ما انضمّ إلى ذلك من سؤال من كثير من طلبة هذا العلم الحريصين على تحقيق مسائله وتحريرها، حتى صارت زبْدةُ الأفكار والمقيَّد من المسائل والآثار، إلى هذا الكتاب الذّي بين يديك.\n\nطريقة المتقدّمين، وطريقة المتأخّرين:\nشاع بين كثير من طلبة هذا العلم في هذا الزّمان نِزاعٌ بين ما سمّوه (طريقة المتقدّمين) و(طريقة المتأخّرين) في علوم الحديث.\nوتحرير محلِّ النّزاع: أن أصحاب التَّفريق رأوا علماء الحديث","vol":"1","page":10},{"text":"المتأخرين صاروا إلى الحكم على الأحاديث على ما تقتضيه ظواهر الأسانيد، والتَّقليد لعبارات بعض متأخري العلماء في الحُكم على الرُّواة، دون مُراجعة لكلام أئمة الجرح والتَّعديل، إذ كثيرًا ما يختلفون في الرّاوي، كذلك دون اعتبار للعلل الخفيّة في الرّوايات.\nوأيضًا، رأوا للمتأخرين تساهلًا في إطلاق المصْطلحات، والتَّوسُع في قبول الحديث المعلول، بيْنما كان الأوّلون يردُّون مثل تلك الأحاديث.\nومن تساهلهم: تهوين العبارة في الرّواة، كإطلاق وصف (ضعيفٌ)، أو (فيه ضعفٌ) على الرّاوي الواهي السّاقط، مما يُسهِّل أمره، ويجعل حديثه مقبولًا ولو اعتبارًا، من أجل خفّة هذا اللّفظ المتأخر في الجرح.\nوكذلك يقولون في الحديث: (ضعيفٌ)، وهو في الواقع (موضوعٌ) مثلًا.\nوأقول: لا ريْب في صحّة هذا المأخذ، لكن إطلاقه ليس بمحمود، فإنَّ لمتأخّري العلماء تحريراتٍ نافعةً في هذا العلم، كالحُفّاظ: أبي بكر البيهقيّ، والخطيب البغداديّ، وابن عبد البرّ الأنْدلسيّ، فأبي الحجاج المزّيّ، فالذّهبيّ، وابن كثير الدّمشقي، وابن قيّم الجوزيّة، وابن رجب الحنبليّ، فأبي الفضْل العراقيّ، فابن حجر العسقلانيّ، وغيرهم.\nوإن كان التّساهل المشارُ إليه يقع من غيرهم، وربّما من بعضهم تارةً، فإنّه لا يصلح أن يقام النِّزاع المورثُ إعراضًا عند بعض النّاس عن تحريرات مثل هؤلاء الأعلام.\nوهذا العلم في تحرير من تقدَّم جميعًا مرْجعه إلى طريقة المتقدّمين، فلا غنى لهم عن منهاج أهله، كمالك بن أنس، وشُعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثّوريّ، ويحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرّحمن بن مهديّ، وأحمد بن حنبل، وعليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، والبُخاريّ، ومسلم بن الحجّاج، وأبي زُرعة الرّازيّ، وأبي حاتم الرازيّ، وأبي داود السّجستانيّ، والتّرمذي، والنّسائي، وإخوانهم من متقدّمي أئمة هذا الشّأن.","vol":"1","page":11},{"text":"وأما منهاجي في هذا الكتاب، فقد بنيتُ فيه تحرير أصول هذا العلم على طريق السّلف المتقدمين، واستفدت من تحريرات المتأخرين، وعدلْتُ عن ابتكاراتهم في هذا الفنّ؛ لأنهم جروا على التَّنظير في أكثر ما انفردوا به، خصوصًا أهل الأصول منهم، وهذا العلم مستنده إلى النّقل، وإلى التَّبصُّر في منهج أهله.\nفبوْنٌ كبيرٌ مثلًا بين كلام أهل الفنّ في تحرير معنى العدالة والجهالة ومراعاتهم لواقع النّقلة، وبين ما ضمّنه متأخرو الأصوليّين كتبهم في تفسير ذلك، والّذي تأثروا فيه بمعناها عند القضاة وداخلوا بين هذا الباب وذاك، ولم يضربوا له من الأمثال من أحوال النّقلة ما يكشف حقيقته.\nواجتهدت وُسْعي في ضرب الأمثال من واقع الحال لا من نسْج الخيال، تقريبًا لمسائل هذا العلم.\nواستبعدت من مباحث هذا الكتاب من الأبواب: غريب الحديث، وفقه الحديث، ومشكل الحديث، والنّسخ في الحديث.\nإذ ما كان منها يرجع إلى تأصيل، فتأصيله فيما حرَّرْته في (أصول الفقه) من القواعد، ومنها ما حرّرْته أيضًا في (علوم القرآن) كالنّسخ، لاشتراك السُّنن فيه مع القرآن.\nومنها ما هو تعريفي محضٌ، كغريب الحديث، إذ المراد به غريب الألفاظ، فهذا له كتُبُه الخاصّة، وليس علمًا تأصيليًا.\nكما ألغيْتُ ذكر بعض المسائل جرت كتب مصطلح الحديث على ذكرها في وقْت لم تزل فيه الرّواية والإسناد، واليوم قد استغنى النّاس عن التّقنين لها، إذ لم تعدْ تستعمل.\nمثل مسألة: (من ينسخ وقْت القراءة والعرْض على الشيخ)، فهذه لا تكادُ ترى لها تأثيرًا في الواقع التّطبيقيّ.","vol":"1","page":12},{"text":"كذلك الجانب التّنظيري لما انتهت الحاجة إليه، كاعتبار السِّنِّ عند الأداء.\nوجريْتُ في جميع ما ذكرتُ على توثيق النَّقل، بإحالة النّصوص إلى أصحابها، مستفادةً من معتمد مصادرها، مع اتّباع قوانين الفنّ في اعتماد ما يثبت نقله عن قائله في جميع مادّة الكتاب.\nوالله ﷿ أسأل أن ينفع به، وأن يكون قرَّةَ عين لطالب لعلم قلَّ فيه الرّاغب، وأن يغفر لي ما زلّ به الفكر والرّأي والقلم، هو المستعان وعليه التُّكلانُ.\n\nوكتب\nأبو محمد عبدُ الله بن يوسُف الجُديع\nيوم الجمعة ٢٠ من ذي الحجّة ١٤٢٣هـ\nالموافق ٢١/ ٢ / ٢٠٠٣ م\nمدينة ليدز - المملكة المتحدة","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مدخل:\nمقدمات تعريفية</span>","vol":"1","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول:\nعلم الحديث: تعريفه، تاريخه، أقسامه</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>١ - تعريف علم الحديث:</span>\n\nالعلمُ: معرفة الشيء.\n\nوالحديثُ في الأصل يطلق على: الجديد من الأشياء، ويطلق على الخبر. ومنه قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا﴾ [النِّساء: ٨٧]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سَبَأ: ١٩].\nوفي الاصطلاحِ: ما أضيف إلى النبي ﷺ من قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ، أو صفةٍ.\nفالقول: هو الألفاظُ النَّبويَّة.\nمثلُ: حديثِ معاوية من أبي سفيان، ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول:\n\" من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين \" (١).\n_________\n(١) حديث صحيح، متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٧١، ٢٩٤٨، ٦٨٨٢) ومسلم (٢/ ٧١٩).","vol":"1","page":17},{"text":"والفعل: هو التصرفات النبوية العملية.\nمثل: حديث عبد الله بن عباس، ﵄:\nأنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرشَّ على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله، يعنى اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١).\nوالتقرير: ما يقع من غيره ﷺ باطِّلاعه أو علمه فلا ينكره.\nمثل حديث عائشة، ﵂، قالت:\nلقد رأيت رسول الله ﷺ يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله وعليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم (٢).\n\nوالصِّفة: خصائص بشريَّته ﷺ فيما لا يرجع إلى كسبه وعمله، مثل:\nحديث البراء بن عازب، ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا: ليس بالطويل البائنِ، ولا بالقصير (٣).\nولا يدخل في الصفة بهذا التَّفسير ما يحبه أويكرهه ﷺ من الأفعال والأحوال، وإنما يَنْدرجُ هذا النَّمطُ من الأحاديث تحت (الفعل) باعتبار الصادر عنه ﷺ على وفق محبته أو كرهِهِ، مثل:\n_________\n(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري (رقم: ١٤٠).\n(٢) حديث صحيح، متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٤٣) ومسلم (٢/ ٦٠٩)، وقد استوعبتُ طُرقه وألفاظه في كتابي \" الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام \".\n(٣) حديث صحيح، متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣٣٥٦) ومسلمٌ (٤/ ١٨١٩).","vol":"1","page":18},{"text":"حديث عائشة، ﵂، قالت: كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله: في طهوره وترجله وتنعله (١).\n\nهل يدخل في (الحديث) ما أضيف إلى من دونَ النبي ﷺ؟\nما يضاف إلى صحابيٍّ أو تابعيٍّ أو من بعدهم من الأخبار يسمى (حديثًا) من حيث اللغة، لكن الاصطلاح جرى غالبًا على إرادة ما يضاف إلى النبي ﷺ خاصة، حتى صار يتبادر إلى الذِّهن عند الإطلاق حين يُقال مثلًا: (في المسألة حديثٌ) أنَّه عن رسول الله ﷺ.\nفدفعًا للإيهام، لا ينبغي إطلاق لفظ (حديثٍ) على غير ماورد عن النبي ﷺ.\n\nالفرق بين الحديث والسنة:\nالسنة في المعنى الأُصوليِّ مساويةٌ للحديث بالتعريف المتقدّم عن أهل الحديث، دون قيد (أو صفة)، واستثناء الصفة النبوية من جملة السنن إنما وقع من أجل أن محل الكلام في السنة هو اعتبار كونها من مصادر التشريع، وهذا لا يَنْدرجُ تحته الأوصاف الذَّاتية، وإنما يستفاد من الأقوال والأفعال والتقريرات النبوية.\n\nالأثر:\nمن (أثَرْتُ الخبرَ) إذا رويته.\nومن العلماء من يخصُّ الأَثر بـ (الموقوف) على الصحابي أو من دونه، كالتَّابعي.\n_________\n(١) حديث صحيح، متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١١٦، ٤١٦، ٥٠٦٥، ٥٥١٦، ٥٥٨٢) ومسلم (١/ ٢٢٦).","vol":"1","page":19},{"text":"ومنهم من يسمي كلَّ رواية أثرًا؛ بغضِّ النظر عمن أضيفت إليه، ومنه قولهم: (التفسير بالمأثور) فإنَّه يد خل فيه الأحاديث النّبوية والمنقول عن الصحابة والتابعين.\nوكتبٌ كثيرة ٌُ سمِّيت بـ (الآثار) وفيها الحديث النَّبويُّ وغيره، كـ (الآثار) للإمام محمد بن الحسن الشَّيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، بل منهم من سمّى كتابه بذلك ومراده الحديث النّبوي، كما في \" شرح مشكل الآثار \" و\" شرح معاني الآثار \"\nكلاهما لأبي جعفر الطَّحاوي، و\" تهذيب الآثار \" لابن جرير الطَّبري.\n\nعلوم الحديث:\nهي المعارف المتّصلة بالحديث من جهة نقله ومعرفة صحيحه من سقيمه.\nوالألقاب المتعارف ُ عليها عند أهل هذا الفن بـ (علم مصطلح الحديث) والآتي تفصيلها، هي القاعدة العامّة لهذه العلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>٢ - تاريخ علم الحديث:</span>\n\nمبدأ ظهور هذا العلم:\nالكلام في النقلة فنٌّ قديم من فنون هذا العلم، يعود إلى عصر الصحابة، وقد ورد عنهم في ذلك آثار قليلة، إليك بعضَ أمثلتها:\n١_ عَن سعيد بن جبير، قال:\nقلت لابن عباس: إن نوفًا البكاليَّ يزعم أن موسى ﵇ ُصاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ﵇، فقال: كذب عدو الله، سمعت أُبي بن كعب يقول: سمعت رسول\nالله ﷺ","vol":"1","page":20},{"text":"يقول: \" قام موسى ﵇ خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ \" فذكر الحديث بقصته مع الخضر (١).\n٢ - وعن حُميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يُحدِّث رهطًا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار، فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لَنَبْلو عليه الكذب (٢).\nفتلاحِظ في هذين المثالين أنَّ الكلام وقع في رجلين من غير الصحابة يعرفان بالرواية عن أهل الكتاب، ولم يكن الصحابة يكذِّب بعضهم بعضًا في النقل عن رسول الله ﷺ، وإنما خطَّأ بعضهم بعضًا في أحرف يسيرة كما وقع فيما استدركته عائشة أم المؤمنين على بعض الصحابة (٣)، وعلّة ذلك أن نقلة الأحاديث عن النبي ﷺ إنما كانوا العدول ولذلك لم يكن الناس يومئذ يعتنون بالإسناد حتى ظهرت الفتن وتباعد العهد وصار النقل إلى التابعين بعد الصحابة.\nفعن مجاهد بن جبر المكي، قال:\nجاء بُشير العدوي إلى بن عباس، فجعل يحدث ويقول: \" قال رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ، \" فجعل ابن عباس لا يأذن (٤) لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع، فقال ابن عباس: إناكنّا مرَّة إذا سمعنا رجلًاَ\n_________\n(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢، ٣٢٢٠، ٤٤٤٨، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠) ومسلم (رقم: ٢٣٨٠).\n(٢) أخرجه البخاريُّ في \" الصحيح \" (٦/ ٢٦٧٩) بصورة التعليق، وهوَ موصولٌ في \" تاريخه الأوسط \" (رقم: ٢٠١) بإسناد صحيح.\n(٣) كما جمع أمثلةَ ذلك الحافظ بدرُ الدين الزركشي في كتاب \" الإجابة لإيراد ما استَدركتْه عائشة على الصحابة \".\n(٤) يأذن: يستمع.","vol":"1","page":21},{"text":"يقول: \" قال رسول الله ﷺ \" ابتدرتْه أبصارنا، وأصْغينا إليه بآذانِنا، فلما ركب الناس الصَّعب والذَّلول لم نأخذ من النّاس إلا ما نعرف (١).\nوقال الإمام التابعي محمد بن سيرين: \" لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ... (٢).\nثم منذ ذلك الوقت بدأ شيوعُ الاعتناء بالأسانيدِ والكلام في النَّقَلة ونقد الراويات، وكلما تأخر العهد زاد ذلك.\nفتكلَََّم طائفةٌ من التابعين بكلام منثور في ذلك، منهم: سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله عمر، ... وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي.\nثم الكلام بعد هؤلاء أكثر كالزهريِّ، وأيوب السختيانيِّ، والأعمش.\nحتى جاءت طبقة أتباع التابعين فصار هذا العلم إلى النُّضوج، وعلتُّه ترجع إلى كثرة الكذابين، وطولِ الإسناد الذي يزيد معه الوهم والغلط وتعمُّد الإسقاط من رجاله تخفيفًا، فظهر أمثال شعبة بن الحجَّاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي.\nومن بعد طبقة تلامذتهم كيحي القطَّان، وعبد الرحمن بن مهدي.\nثم تلامذتهم كأحمد بن حنبل، ويحي بن معين، وعلي بن المدينيِّ، وإسحاق بن راهُوَيه، وعمرو بن علي الفلاَّس.\nوهذا وقتٌ بدأ يظهر فيه التَّصنيف في علوم الحديث، لكن في أبواب منه مخصوصة، كـ (الجرح والتَّعديل) و(علل الحديث) و(تواريخ النَّقلة).\n_________\n(١) رواه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" (ص: ١٣) بإسناد صحيح.\n(٢) رواه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" (ص: ١٥) وغيره بإسناد صحيح، ويأتي له مَزيدُ تخريج في موضع آخر من هذا الكتاب.","vol":"1","page":22},{"text":"وتطوَّر وكثر الكلام في تلك العلوم فيمن بعده، لكنَّها بقيت دون أن تخصَّ مصطلحاتها بتصنيف بعد، إلى زمان الإمام أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرَّامُهرمزيِّ (المتوفى سنة: ٣٦٠) فصنَّف أول كتاب مفرد في علوم الحديث سمَّاه: \" المحدِّث الفاصل بين الرَّاوي والواعي \" ثم توالى الناس على التصنيف فيه.\nوأنفع المؤلفات فيه كتب الخطيب البغدادي، وأجلها: \" الكفاية \" ثم مؤلف الإمام أبي عمرو ابن الصَّلاح: \" علوم الحديث \" المعروف بـ (المقدِّمة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>٣ - تقسيم علوم الحديث:</span>\n\nعلوم الحديث من حيث الإجمال تنقسم إلى قسمين كلِّيِّين:\n\nالقسم: الأول علم رواية.\nوموضعه: ما أضيف إلى النبي ﷺ أو من دونه من صحابي أو تابعي، من جهة العناية بنقل ذلك وضبطه وتحرير ألفاظه.\nوبعبارة أخرى: هو العناية بمتن الخبر من جهة نصِّه خاصة:\nويندرج تحته أصناف من علوم الحديث، منها: المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وغريب الحديث، ومختلف الحديث.\n\nوالقسم الثاني: علم دراية.\nوموضعه: من السَّند والمتن من جهة العلم بأحوالهما.\nويندرج تحته: تمييز المقبول من المردود، وعلم الجرح والتَّعديل وتواريخ الرواة، وعلل الحديث، وغيرها.\n\nتعريف السند والمتن:\nالسند: هو سلسلة الرواة التي حصل بها تلقِّي الخبر.","vol":"1","page":23},{"text":"ولك أن تسمِّيه: (الإسناد) والفرق بينهما في علم الحديث صوريٌّ.\nالمتن: هو الكلام (أو النَّص) الذي انتهى إليه السند.\nواعلم أن الإسناد من خصائص هذه الأمة، وقد أخبرت النصوص النبويَّة الثابتة عن وقوعه قبل ... أن يعرفه الناس، كما في حديث عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: \" تسمعون، ويُسمع منكم، ويسمع ممَّن يسمع منكم \" (١)\nوقال عبد الله بن المبارك، \" الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء \" (٢)\nوالإسناد هو الطريق الموصل إلى ثبوت المتن ولا خيَر في متن بلا إسناد.\nعن يحي بن سعيد القطَّان، قال: لا \" تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد، فإن صح الإسناد وإلا فلا تغترَّ بالحديث إذا لم يصح الإسناد \" (٣)\nوالذي يحتاج إليه من الإسناد قد فرغ منه، حين دوِّنت الكتب في\n_________\n(١) أخرجه أحمد (رقم: ٢٩٤٥) وأبو داود (رقم: ٣٦٥٩) وابنُ حبان في \" صحيحه \" (رقم: ٦٢) وإسناده صحيح.\nوقال العلائي: في \" جامع التحصيل \" (ص: ٥١): \" حسن \"، قال: \" وفي كلام إسحاق بن راهويه ما يقتضي تصحيحه \".\n(٢) أخرجه مسلم في \" مُقدمة صحيحه \" (١/ ١٥) والترمذي في (العلل) من \" الجامع \" (٦/ ٢٣٢) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٦) والرَّامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٢٠٩) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٦) والحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ٦) والخطيب في \" تاريخه \" (٦/ ١٦٥) و\" الكفاية \" (ص: ٥٥٨) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٦٤٣)، و\" شَرف أصحاب الحديث \" (رقم: ٧٧، ٧٨) جَميعاَ عن ابن المبارك، وإسناده صحيح.\nورُوي عن ابن المبارك بلفظ: \" طلب الإسناد المتصل من الدين \" أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٧) وإسناده ضعيف.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٣٠١) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":24},{"text":"الرواية، وصار مرجع الناس إليها، وبقى اعتبار صحة تلك الكتب إلى من نسبت إليه.\nقال ابن الصلاح: \" إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها، إذ لا يخلو إسناد منها عن شيخ لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطًا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد، والتي خصت بها هذه الأمة (١).\nقلت: خصت الأمة بالإسناد، وقد تحقق ذلك، والحمد لله، لا ببقائه للتبرك المحض، حتى صارت طوائف تحتفظ بدفاتر فيها أسماء كتب من الأصول الكبار في الحديث وغيرها، قد أجيز أحدهم بها من شخص ما، فصاحب الدَّفتر يجيزها لمن شاء، وهو في الواقع لم يجز، ولا يجيز، إلا عناوين لتلك الكتب، ما سمعها ولا سمعت منه، ولا قرأها ولا قرئَت عليه، ولو بحثت كاشفًا عن بعض رجال إسناده لتعسر عليك ولم تصل إلى كشفهم، ثم يريد هذا أن يرفع بذلك رأسًا، وكأن لسان أحدهم يقول: انقطعت سلسلة الاتصال بالنبي ﷺ إلا من طريقي.\nفليس في الأمة حاجة إلى هذه الأسانيد، وحتى لو كان لها بعض اعتبار يوم ابن الصلاح، فإنه اليوم قد زال، حيث صار منتهى الناس إلى صحة الوجادات من كتب السنة، واصطلاح (الحديث المسند)\nعند أهل الحديث، قال الخطيب: \" يريدون أن إسناده متصلٌ بين راويه وبين من أسْند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي ﷺ واتصال الإسناد فيه أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهى ذلك إلى آخره، وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة \" (٢).\n_________\n(١) صيانة صَحيح مُسلم، لابنِ الصلاح (ص: ١١٥).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨).","vol":"1","page":25},{"text":"قلت: وبهذا المعنى الذي عند أكثرهم عرَّف الحاكم (المسند) (١).\nلكن ابن عبد البرِّ جعله مرادفًا لـ (المرفوع)، فلم يشترط فيه الاتصال. حكاه عن طائفة (٢).\nوليس وصفه بالاتصال عند من ذكره يعني الصحة، وإنما المراد مجرد الإحالة، وقد يكون ضعيفًاَ.\n\n* * *\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص: ١٧، ١٨).\n(٢) التمهيد (١/ ٢١ - ٢٣، ٢٥).","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني:\nألقاب الحديث من جهة من يضاف إليه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>١_ الحديث المرفوع:</span>\n\nتعريفه:\nقال الخطيب: \" ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول ﷺ أو فعله \" (١).\nقلت بل هو أسع من ذلك، والفصل: أنه ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أفعل أو تقرير أوصفة. على نفس ما تقدم لمصطلح (حديث).\nوكأنه استفيد من رفعة المقام.\nويعتاض عن اللفظ الصريح بالإضافة إلى النبي ﷺ بالقول مثلًا: (عن أبي هريرة مرفوعًا) ويساق لفظ الحديث، دون ذكر: (قال رسول الله ﷺ)، ويقع هذا اختصارًا، لكن لا ينبغي فيما أرى استعماله في الأحاديث الصحيحة، من أجل ما يفوت به من ذكر النبي ﷺ والصلاة والتسليم عليه.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٨).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>مسائل:</span>\n\nالمسألة الأولى: يقع في: إطلاق السلف من الأئمة لفظ (المسند) يريدون به الحديث المرفوع المتصل إلى النبي ﷺ، كما بينته في تعريف (المسند).\nالمسألة الثانية: إذا حدث صحابي بالشيء فوجد فيه من القرينة ما يدل على كونه تلقاه عن النبي ﷺ، فهو حديث مسند مرفوع.\nوهل من هذا قول التابعي عن الصحابي: (يرفع الحديث) أو (ينميه) أو (يبلغ به) أو ما في معناه، دون ذكر النبي ﷺ؟.\nالجواب: نعم، هو عن النبي ﷺ (١)\nوذلك مثل:\nما أخرجه أبو يعلى الموصليُّ، قال: حدثنا أبو خيثمة، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه، ويرفع الحديث:\n\" لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث \" (٢).\nوقيل لأحمد بن حنبل: إذا قال: (يرفع الحديث) فهو عن النبي ﷺ؟ قال: \" فأيُّ شيء؟ \" (٣)\nأي: فعمن يكون إن لم يكن عن النبي ﷺ؟\nلكن يجب قصر ذلك على قول الصحابي خاصة، فأما إذا قاله التابعي فمن دونه، فلا ينزَّل منزلة المراسيل فيما أرجحه.\n_________\n(١) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٥٨٧).\n(٢) مُسند أبي يعلى (رقم: ٧٢٠) وإسناده صَحيح. وأبو خيْثمة هو الحافظ زُهير بنُ حرب.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٦) عن كتاب \" العلل \" للخلال.","vol":"1","page":28},{"text":"وذلك أني وجدتهم يعنون بتلك العبارة: يسنده إلى من فوقه، وذلك أحد رواة الخبر.\nمثل: ما حدث به موسى بن مسلم الحِزامي، قال سمعت عكرمة يرفع الحديث فيما أرى إلى ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من ترك الحيَّات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمنا هن منذ حاربناهنَّ \" (١).\nفإن قلت: إنما تبين أن قوله: (يرفع الحديث) ليس عن النبي ﷺ، بقرينة ذكر ابن عباس، فإن خلا من القرينة، فينبغي أن يكون له حكم المرسل.\n\nقلت: لما استخدموا العبارة المذكورة في مجرد الارتقاء بإسناد الخبر إلى درجة أعلى في الإسناد، وصحَّ أن تكون تلك الدرجة هي الصحابي هنا، مع عدم وجود تنصيص منهم يُفسر مرادهم ويحصره فيما عرفناه بالاصطلاح في معنى المرفوع، فإن احتمال إرادة كونه عن أي قائل أو غافل فوق الراوي قائل تلك العبارة ودون النبي ﷺ: احتمال قوي.\nإلا أن نقف على ذلك الخبر من وجه معتبر مرفوعًا صراحة من قبل الراوي إلى النبي ﷺ.\nوليس من هذا قول أهل العلم المتأخرين اختصارًا في نقل الأحاديث من كتب الرواية (مرفوعًا) مثلًا، فإنا قد علمنا أنه عن النبي ﷺ في سياقه في مصدره من كتب الحديث المسندة، وإن كان تحاشي ذلك خاصة في الأحاديث الثابتة أولى، كما تقدم التنبيه عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسألة الثالثة: قول الصحابي: (قال: قال) </span>دون ذكر النبي ﷺ، هل هو مرفوع؟\nهذه صورة نادرة الورود في روايات الحديث.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \" سننه \" (رقم: ٥٢٥٠) وإسنادُه جيد.","vol":"1","page":29},{"text":"مثالها: ما حدث به أسود بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني إدريس الأوديُّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال: \" لا يصلي أحدكم وهو يجد الخبَث \" (١).\nفتحرير هذه المسألة: أن هذه الصورة بمجردها لا تفيد رفع الحديث، بل هو موقوف من هذا الوجه، وهذا المثال المذكور مما اختلف فيه على شعبة أصلًا رفعًا ووقفًا، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة، وعليه فيحول ذلك دون القول: إن هذه الصيغة تفيد الرفع.\nوما ذكر عن محمد بن سيرين بخصوص ذلك مِن تركه رفع الحديث أحيانًا وهو عنده مرفوع، فهو أمر غير مطرد على التحقيق.\nوبيانه: أن الحافظ دعلجا السِّجزيَّ، قال: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال: \" الملائكة تصلي على أحدكم مادام في مصلاه \"، قال موسى: إذا قال حماد بن زيد والبصريون: (قال: قال) فهو مرفوع.\nقال الخطيب: قلت للبرقانيَّ: أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة؟ قال: كذا تحسب. (٢).\nقلت فهذا المثال لايصلح أن تُبْنى عليه قاعدة، وقول موسى بن هارون الحمَّال غير صحيح الإطْلاق، وما حسبه الخطيب من كون ذلك هناك محصورًا فيما يرويه ابن سيرين خاصة عن أبي هريرة صواب، ما لم تكن هناك قرينة في سياق الخبر تجعله على أصل الوقف.\nوواقع الأمر أن ابن سيرين حدث عن أبي هريرة بأحاديث لم يكن يذكر فيها الرفع الصريح إلى النبي ﷺ، وهي محفوظة من حديث أبي هريرة\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٨) وإسناده صحيح.\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨٩).","vol":"1","page":30},{"text":"مرفوعًا، أحيانًا يوجد ذلك من رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة، يكون حدَّث به عنه لا يذكر الرفع، وتارةً يذكره، كما يكون مرفوعًا من رواية غير ابن سيرين عن أبي هريرة.\nوهذا ما جاءت به الطرق للحديث المذكور، فإنه رواه من البصريين: أيوب السخستاني (١)، وهشام بن حسان (٢) وعمران بن مسلم القصير (٣)، جميعًا عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ به.\nواستدل الخطيب لما حسب بقول ابن سيرين: \" كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع \" ... (٤).\nوصح عن محمد بن سيرين: أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي ﷺ؟ فقال: \" كل حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ \" (٥).\nقال الطَّحاوي: \" وإنما كان يفعل ذلك؛ لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلا عن النبي ﷺ \" (٦).\nوفي هذا عن ابن سيرين فائدة خاصة، وهي أن الخبر إذا جاء عنه عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا، فإن ذلك لا يعد من الاختلاف القادح في صحة الرفع، بل الحكم بالرفع متعين.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \" المصنف \" (١/ ٥٨٠ رقم: ٢٢١٠) ومُسلم في \" صحيحه \" (١/ ٤٥٩).\n(٢) أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (٨/ ١٣٨ رقم: ١١٦٣١).\n(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" زوائد الزهد \" (ص: ٢١) وابن عدي في \" الكامل \" (٦/ ١٦٩).\n(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٢٢) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٩) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه الطحاوي في \" شرح معاني الآثار \" (١/ ٢٠) وإسناده جيد.\n(٦) شرح معاني الآثار (١/ ٢٠).","vol":"1","page":31},{"text":"المسألة الرابعة: ما لا يقال مثله بمجرد الاجتهاد، فالأصل أن يكون مرفوعًا حكمًا.\nوذلك كتحديث الصحابي بما لا سبيل إلا معرفته إلا عن طريق الوحي، مع ضميمةِ أن لا يكون الصحابي يحدث بالإسرائيليَّات فيما يمكن أن يكون من أخبار أهل الكتاب مثل: ما يتصل بأخبار السابقين وبدء الخلق ومستقبل الزمان، ومن أشهر من عرف من الصحابة بالتحديث عن أهل الكتاب: عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبو هريرة، وربَّما وقع لغيرهما، خُصوصا من نزل الشام من الصحابة.\nولما كان قد يعسر تبيُّن إن كان الصَّحابي حمل الرواية عن أهل الكتاب، أو كان بتوقيف عن رسول الله ﷺ، من أجل أنه ليس لدينا ما يقطع في هذا، إنما هو قائم على المظنة، فالتحري يوجب أن يرد في سياق الخبر قرينة غير ما تقدم تدل على ضعف احتمال أن يكون من أخبار أهل الكتاب.\nوذلك كقول أبي سعيد الخدريُّ \" من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بينه وبين العتيق \" (١).\nفأبو سعيد ليس معروفًا بالتحديث بالإسرائيليَّات، وحدث بشيء هو مما اختُصت به هذه الأمة، وهو فضل قراءة سورة الكهف، وهي مما أنزل الله على محمد ﷺ، وذكر البيت العتيق وليس لأهل الكتاب فيه شأن.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه سعيد بن منصور في \" سننه \" - كما في \" تفسير ابن كثير \" (٤/ ٣٦٤) - ومن طريقه: البيهقي في \" الشعب \" (٢/ ٤٧٤ رقم: ٢٤٤٤). وكذا الدارمي (رقم: ٣٤١٠) عن أبي النعمان عارم بن الفضل، كلاهما عن هُشيم بن بشير، قال: حدثنا أبو هاشم، عن أبي مِجلز، عن قيس بن عُباد، عن أبي سعيد، به.\nقلت: وإسناده صحيح، واختلف فيه رفعًا ووقفًا، والصواب موقوف من جهة الإسناد، وكذلك رجَّح وقْفه النسائي والبيهقي، وشرحت علَّته في \" الأجوبة المرضية \" (السؤال الخامس).","vol":"1","page":32},{"text":"ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة.\nما يقوله الصحابي من إثبات تحليل أو تحريم، فمن الناس من يدعي أن له حكم الرفع، وهذا خطأ، فإن الصحابة كانوا يُفتون الناس في الحلال والحرام، وكما وسع من بعدهم من العلماء أن يحلوا ويحرموا باجتهادهم فيما لا نص فيه، فعلماء الصحابة هم سادة المجتهدين لهذه الأمة، وقد سبقوا إلى أن قالوا باجتهادهم فأحلوا وحرموا، واختلفوا في المسائل بسبب ذلك.\nالمسألة الخامسة: قول الصحابي (أمرنا بكذا .. نهينا عن كذا .. كنا نؤمر بكذا .. كنا ننهى بكذا .. كنا على عهد رسول الله ﷺ نفعل كذا .. كنا نقول ورسول الله ﷺ فينا .. من السنة كذا) وشبه ذلك، فهو حديث مسند مرفوع حكما في قول أكثر أهل العلم، وهو الصواب (١).\nوذلك بناء على أن حال ما يحكيه الصحابي من ذلك إنما كان لبيان شرائع الدين، والتبليغ عن النبي ﷺ، خصوصا ولا يكاد يوجد الشيء من ذلك لا شاهد له من النصوص المسندة صراحة إلى النبي ﷺ.\nقال الخطيب: \" والدليل عليه: أن الصحابي إذا قال: أمرنا بكذا، فإنما يقصد الاحتجاج لإثبات شرع وتحليل وتحريم وحكم يجب كونه مشروعا (٢).\nمثاله: ماحدث به مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: صليت إلى جنب أبي، فلما ركعت شبكت أصابعي، وجعلتهما بين ركبتي، فضرب يدي، فلما صلى قال: قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا أن نرفع إلى الركب (٣).\n_________\n(١) انظر: معرفة علوم الحديث، للحاكم (ص: ٢٢)، والكفاية، للخطيب (ص: ٥٩١ - ٥٩٥).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٩٢).\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٧٥٧) ومسلم ٌ (رقم: ٥٣٥).","vol":"1","page":33},{"text":"وذهب بعض أهل العلم، كابن حزم، إلى أن هذه الصورة ليست مسندًا مرفوعًا (١).\nواعترض بعضهم باحتمال أن يكون الآمر الناهي من بعد رسول الله ﷺ.\nوهذا ضعيف، فإن الصحابة فيما دل عليه الاستقراء لم يكونوا يستعملون ذلك في أمر أو نهي أوسنة أحد إلا النبي ﷺ.\nقال الشافعي وقد ذكر حديثا عن ابن عباس والضحاك بن قيس فيه: (كذا وكذا سنة): \" وابن عباس والضحاك بن قيس رجلان من أصحاب النبي ﷺ، لا يقولان: (السنة) إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله \"، وقال: \" وأصحاب النبي ﷺ لا يقولون بالسنة والحق إلا لسنة رسول الله ﷺ إن شاء الله تعالى \" (٢).\nقلت: وقول الشافعي: (إن شاء الله)، من أجل مظنة أن يقول الصحابي الشيء من ذلك بمحض اجتهاده، وليس بمنزلة المرفوع الصحيح.\nوأما قصة حنظلة السَّدوسيِّ قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ... (٣)، ثم يدق بين حجرين، ثم يضرب به. فقلت لأنس: في زمان من كان هذا؟ قال: في زمان عمر بن الخطاب. فهذا خبر لا يصح رواية، فلا يتعقب بمثله (٤).\nوإذا حكى الصحابي أمرا شائعا، ونسبه إلى عامة الصحابة، كأن\n_________\n(١) الأحكام في أصول الأحكام (٢/ ٧٢).\n(٢) الأم (١/ ٢٧١).\n(٣) ثمرته: هو العُقدة التي تكون في طَرفه، فتُقطع، ويُدق السوط بين حجرين ليلين ليَكون أيسر على من يُضرب به.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٠ - ٥١) وابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (٥/ ٣٣٤)، وعلته حَنظلة فإنه ضعيف الحديث.","vol":"1","page":34},{"text":"يقول: (كانوا يفعلون كذا) ولا يذكر فيه النبي ﷺ ولا ما يدل على إرادة زمانه ﷺ، ليس فيه إلا إضافة ذلك إلى الصحابة، فهذا موقوف (١).\nوذلك كقول أبي سعيد الخدري: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه، إلا أن يأمروا رجلًا فيقرأ عليهم سورة، أو يقرأ رجلٌ سورة من القرآن (٢).\n\nالمسألة السادسة: الصحابيُّ إذا حدث عن شيء ممَّا كان منهم على حياة النبي ﷺ، لكن ليس فيه اطِّلاعُهُ ﷺ ولا إقراره، فهذا ممَّا اختلفوا فيه:\nهو موقوف، في قول الحاكم (٣). قصة\nوهذا مثل ما جاء في قصة عمرو بن سلِمة الجرمي، حين حدَّث عن أبيه قال: جئتكم والله من عند النبي ﷺ حقًا، فقال: \" صلُّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلُّوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآنًا \"، قال عمرو: فنظروا فلم يكن أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقَّى من الرٌّكبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة، كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت\n_________\n(١) انظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٥٩٥).\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه ابنُ سعد في \" الطبقات \" (٢/ ٣٧٤) أخبرنا أبو داود الطيالسي.\nوالحاكم (١/ ٩٤ رقم: ٣٢٢) - وعنه البيهقي في \" المدخل \" (رقم: ٤١٩) - من طريق عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن علي بن الحَكم، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، به.\nوقال الحاكم: \" حديث صحيح على شرط مسلم \".\nقلت: إسناده صحيح.\nورواه عفان بن مسلم عن شعبة، به مختصرًا، ولم يذكر أبا سعيد، أخرجه الخطيب في \" الفقيه والمتفقه \" (رقم: ٩٤٨) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٠٧). وهو بذكْر أبي سعيد أصح.\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ١٩).","vol":"1","page":35},{"text":"امرأة من الحي: ألا تغطُّون عنا است قارئكم؟ فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص (١).\nفهذا الحديث دل عند طائفة من أهل العلم على صحة إمامة الصبي، وحقيقة الأمر أن صنيع القوم في تقديم عمرو مع صغره ليس في الرِّواية أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وعلم به فأقرَّه.\nغير أن محقق القولين: أن ما جاء منقولا فعله عن أحد من الصحابة في حياة النبي الله عليه وسلم فهو مرفوع حكمًا، ودليل يحتج به، وهو لاحق بالتَّشريع التقريريِّ، وذلك من أجل أن الله تعالى مطلع، والوحي ينزل، وكم نزل في القرآن في أشياء من أحوال الناس يومئذ لم يكن النبي ﷺ يعلمها إلا حين ينزل الوحي بخصوصها؟\nويشهد لهذا ما صح عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي كثير من الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله ﷺ؛ مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله ﷺ تكلمنا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن</span>.\nإذا كان يتصل بسبب نزول، فهو حديث مسند، وإن لم يكن يذكر فيه النبي ﷺ (٣)، من أجل أن النزول كان في حياة النبي ﷺ.\nوإن كان بيانا لمعنى، فهو موقوف، إلا أن يكون خبرًا لا يقال مثله من قبل الرأي والا جتهاد، فهذا يكون مرفوعًا حكمًا بشرط أن يؤمن كونُ\n_________\n(١) أخرجه البُخاري (رقم: ٤٠٥١).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٩/ ٢١٣ رقم: ٥٢٨٤) واللفظ له، والبُخاري (رقم: ٤٨٩١) وابن ماجة (رقم: ١٦٣٢) من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، به.\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ٢٠)، وانظر كتابي: المقدمات الأساسية في علوم القرآن (ص: ٤٥).","vol":"1","page":36},{"text":"ذلك الصحابي لم يؤخذ عن أهل الكتاب، على ما تقدم بيانه في (المسألة الرابعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسألة الثامنة: الحديث القدسيُّ</span>.\nهو لقب شاع للمتأخرين فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه.\nوتعريفه المحقَّقُ له أنه: الحديث المرفوع القولي المسند من النبي ﷺ إلى الله.\nوهذه ميِّزه عن القرآن، من جهة أن قرآن لا يقال فيه (حديث مرفوع)، و(القولي) ميَّزه من سائر أنواع المرفوع، والنسبة إلى الله أخرجته من عموم المرفوعات القولية التي هي مما أنشأه النبي ﷺ بألفاظه.\nمثاله: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار \" (١).\nومن المتأخرين من قال في تعريف (القدسي): (ما كان معناه من الله تعالى، ولفظه من النبي صلى لله عليه وسلم)، وهذا فيما أرى خطأ لا مستند له إلاِّ إرادة تمييزه عن القرآن حاصل بالتعريف الذي ذكرته آنفًا، وهو المتفق مع صريح عبارة الرفع النَّبويِّ، فإن النبي ﷺ يقول في الحديث القدسي: (قال الله)، وهذا صريح منه ﷺ في نسبة القول والذي هو الألفاظ ذاتها إلى الله، ولم يردنا في شيء من النقل أن النبي ﷺ كان يتصرف في ألفاظ ما يقول فيه: (قال الله عز جل) ممَّا يحدث به عن ربه سوى القرآن.\nثم إنه يرد على قولهم: (ومعناه من الله) دخول عموم السنة في ذلك، فإن\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٥٤٩، ٥٨٢٧، ٥٨٢٨، ٧٠٥٣) ومسلم (رقم: ٢٢٤٦).","vol":"1","page":37},{"text":"السنن شرائعُ الله أوحاها إلى النبي ﷺ غير القرآن، عبر عنها النبي ﷺ بألفاظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُو إِلاَّ وحي يوحى﴾ [النجم: ٤، ٣]، فإن جعلنا الحديث القدسي كذلك لم نميزه عن سائر نصوص السنن المنشأة ألفاظها من قبل النبي ﷺ وألغينا فائدة التميز الحاصلة من قبل قوله ﷺ في القدسي: (قال الله).\n\nتنبيهات حول الحديث القدسي:\nالتنبيه الأول: قد تأتي صيغة الإضافة في الرواية غير صريحة، وذلك مثل:\nما رواه بعض الرواة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، رفعه: \" إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير: يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه \" (١).\nالتنبيه الثاني: لكون الأحاديث القدسية منقولة بطريق الآحاد، فإنها يعتريها ما يعتري سائر ألفاظ أحاديث الآحاد من أداء بعض الألفاظ بالمعنى، أو باختلاف يسير في اللفظ، وبزيادة بعض الرواة على بعض فيها، وليس ذلك بالكثير.\n_________\n(١) أخرجه البزار (رقم: ٧٨١ - كشف) قال: حدثنا أحمد بن أبان القرشي، حدثنا عبد العزيز بن مُحمد الدراورْدي، عن عمْرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وبه.\n\nقلت: وإسناده حسن، وقال ابنُ حجر في \" النُّكت على ابن الصلاح \" (٢/ ٥٣٩): \" حديث حسنٌ، رُواته من أهل الصدق \".\nوالحديث أخرجه أحمد (١٤/ ٣٤٥ رقم: ٨٧٣١) قال: حدثنا أبو أسامة (وهو منْصور بن سلمة).\nوالحارث بن أبي أسامة في \" مسنده \" (رقم: ٢٥٥_ بُغية) قال: حدثنا خالد بن خِداش، كلاهما عن عبد العزيز\n، به. لكن فيه: (قال الله عزوجل) بدل (رفعه).\nوكذلك أخرجه أحمد (١٤/ ١٩٠ / ١٩١ رقم: ٨٤٩٢) والبيهقي في \" الشعب \" (٤/ ١١٨ رقم: ٤٤٩٤) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمْرو به.","vol":"1","page":38},{"text":"التنبيه الثالث: يغلب على صفة الحديث القدسي التذكير والموعظة، لا إثبات الأحكام، وإن كان ربما دلَّ على الحكم.\nالتنبيه الرابع: الأحاديث القدسية الصحيحةُ ليست كثيرة، وصنِّف في جمعها مصنَّفات، اشتملت على الصحيح والسقيم من جهة الإسناد، ولما كان بابها المواعظ كثر فيها الواهي والموضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٢ - الحديث الموقوف:</span>\n\nتعريفه: ما أضيف إلى الصحابي من قول أوفعل أو تقرير أو صفة.\nوأجمل ذلك الخطيب، فقال: \" الموقوف: ما أسنده الراوي إلى الصحابي، ولم يتجاوزه \" (١).\nوقال الحاكم: \" أن يروى الحديث إلى الصحابي من غير إرسال ولا إعضال، فإذا بلغ الصحابي قال: إنه كان يقول كذا كذا، وكان يفعل كذا كذا، وكان يأمر كذا كذا \" (٢).\nقلت: اشترط الحاكم عدم الانقطاع إرسالًا أو إعضالًا، ليس هو المشهور في تعريف (الموقوف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣ - الحديث المقطوع:</span>\n\nتعريفه: هو ما أضيف إلى التابعي من قول أوفعل أو تقرير أو صفة. ويسمى: (الأثر) كذلك.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٨)، وبنحوه تعريف ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٢٥).\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١٩).","vol":"1","page":39},{"text":"مثاله: قول مسروق بن الأجدع: \" كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بعلمه \" (١).\n\nمسائل:\nالمسألة الأولى: قد تجد القول يؤثر عن التابعي مسندًاَ إليه لا يتجاوزه، وتراه يروى من طريقه تارة عن الصحابي موقوفًا، أو يبلغ به النبي ﷺ مرفوعًا، وتارة يروى عن ذلك التابعي قوله، ويرويه غيره بإسناد موقوفًا على صحابي أو مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nفلما لم تقم الحجة في ذلك على خطأ راوٍِ فيه، فالوجه فيه: أن التابعي حين حدث به من قوله فهو استشهاد منه بما انتهت إليه الرواية فيه عمن قبله، وهو مقطوع لما حدث به من قوله، وموقوف أو مرفوع من الوجه الذي انتهى إلى صحابي أو إلى النبي ﷺ.\nولهذا أمثلة، منها ما يندرج تحت علم علل الحديث.\nومن مثاله فيما هو مقطوع ومرفوع، وهو الصحيح من الوجهين:\nماصح عن مسرق بن الأجدع، قال: \" أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد \" (٢).\nوهو حديث صحيح من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء \" (٣).\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه الدارمي (رقم: ٣١٩، ٣٨٩) وابنُ سعد في \" الطبقات \" (٦/ ٨٠) وأبو نُعيم في \" الحلية \" (٢/ ١١١ رقم: ١٦٠٣) والبيهقي في \" الشعب \" (١/ ٤٧٢ رقم: ٧٤٨، ٧٤٩) من طريقين صحيحين عن مسروق.\n(٢) أثر صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٤٠٤) وأبو نُعيم في \" الحلية \" (٢/ ١١٢ رقم: ١٦١٠) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه مسلم (رقم: ٤٨٢) وغيره.","vol":"1","page":40},{"text":"وليس هذا مما يعل به الآخر فإن أثر مسروق بإسناد كوفي، وحديث أبي هريرة بإسناد مدني.\nالمسألة الثانية: ربما وجدت في كلام أهل الحديث يقولون: (وقفه فلان على عطاء) يستخدمون الفعل من (الموقوف)، مع، أن عطاء تابعي وهو ابن أبي رباح.\nالمسألة الثالثة: قول التابعي: (من السنة كذا).\nاختلفوا فيه:\nفمنهم من قال: هو مرفوع مرسل، وذلك على اعتبار أنه يريد بالسنة سنة النبي ﷺ.\nومنهم من قال: هو مقطوع، من أجل أن التابعي عنى به سُنَّة أهل البلد.\nوالذي أراه في ذلك التَّفصيل: فإذا وجدنا التابعي قال ذلك فيما هو معروف من سنة النبي ﷺ من وجه صالح، قلنا في خبره ذلك: هو مرسل، وأراد بالسنة سنة النبي ﷺ.\nوإذا وجدناه أطلق ذلك الوصف على مالم نجد له في المنقول عن النبي ﷺ ما يجعله منها، قلنا: هو قوله، أراد به سنة البلد وما رأى عليه الناس.\n\n* * *","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث:\n\nألقاب الحديث باعتبار تعدد الأسانيد</span>\n\nالحديث باعتبار تعدد أسانيده التي روي بها، أو مجيئه من وجه واحد ينقسم بهذا الاعتبار إلى أقسام، ترجع في جملتها إلى قسمين أساسيَّين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>القسم الأول: الحديث المتواتر</span>\nوالتواتر، هو: رواية الجمع عن الجمع، الذين يمتنع اتفاقهم على الكذب، أو الخطأ.\nوفسره الخطيب البغدادي، فقال: \" خبر التواتر، هو:\n١ - ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا يُعلم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب عندهم محال.\n٢ - وأن التواطؤَ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم فيه متعذر.\n٣ - وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم.","vol":"1","page":42},{"text":"فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم، قطع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة \" (١).\nقلت: وهو يقابل: (حديث الآحاد) الآتي.\nواعلم أنه ليس لأقل عدد التواتر حد منضبط، وإنما يراعي فيه التعدد فوق الشهرة، مع قرائن تنضم إلى التعدد تمنع الاتفاق على الخطأ والوهم فضلًا عن الكذب، وعلامته مع تعدد الطرق: حصول العلم الذي يتعذر دفعه للمطلع عليه العارف به.\nوالتواتر في الأحاديث النبوية هو من باب (التواتر النظري) لا من باب (التواتر الضروري)؛ لأن معرفته موقوفة على جميع طرق الحديث ورواياته، فهو مبني على البحث والنظر، والعلم به غير حاصل ضرورة كتواتر نقل القرآن المستغني عن الأسانيد والطرق.\nلذا فالتواتر بالحديث لا يُستغنى فيه بمجرد تعدد الأسانيد عن ثبوت أفرادها؛ فمن الأحاديث ما تعددت أسانيده وكثرت، لكنها واهية لا يثبت منها شيء.\nوهذا المعنى أغفله أكثر من تعرض لهذا الموضوع، خصوصا أن أكثر من تكلم في التواتر هم الأصوليون، وهؤلاء تكلموا في التواتر الضروري، كتواتر القرآن، ومن ثم عدَّاه طائفة إلى الحديث، وأغفل هؤلاء أن نقل القرآن ليس كنقل الحديث، فلا يستويان، فتواتر القرآن أغنى في صحته عن البحث في الإسناد، بخلاف تواتر الحديث، فإن عمدته على الإسناد، ويكفيك دليلا على ضعف القول باستغناء الحديث المتواتر عن الإسناد ما تنازعوه في قدر ما يُدَّعى فيه التواتر، فإن موجب التسليم لصحته دون مناقشةٍ على طريقة أهل الأصول، فكيف يصحُّ التنازع بعدُ في شيءٍ من ذلك: هو متواتر أو غير متواتر.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٠).","vol":"1","page":43},{"text":"ولذا أحدث معنى للتواتر ليستوعب الحديث العائد إلى الإسناد، وهو (التواتر النظري)، إشعارًا بأن تمييز ما يُفيد العلم من الحديث على سبيل القطع ليُساوي التواتر في معناه، موقوف على النظر والبحث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>تقسيم الحديث المتواتر بحسب صِيغته:</span>\n\nهو قسمان باعتبار لفظه ومعناه:\nالأول:<span data-type=\"title\" id=toc-24> المتواتر اللفظي</span>.\nوهو عزيز الوجود في الأحاديث، وأشهر مثال له حديث: \" من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \"، رواه ما يزيد على سبعين صحابيًّا، جمع طرقه الحافظ الطبراني في جزءٍ، وكذا جمعها ابن الجوزي في أول كتابه \" الموضوعات \" (١)، ومنها ما هو مُخرَّجٌ في الصحاح والسنن، وجمع الطحاوي منها طرفًا (٢).\n\nوالثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-25> المتواتر المعنوي</span>.\nوهو كثير، وذلك أن يكون الباب أو الحكم قد جاءت به الأحاديث الكثيرة التي حقَّقت بكثرتها حدَّ التواتر، كشرعيِّة رفع اليدين في الصلاة، وشرعيةِ المسح على الخفين.\nوجمع بعض متأخري الحُفاظ ما حسبه متواترًا في كتب مُفردةٍ، منهم الحافظ جلال الدين السيوطي في كتاب سماه \" قطف الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة \"، وهو مُختصرٌ من كتاب مطول له في ذلك، وبناه على حدِّ التواتر بما رواه عشْرةٌ فصاعدًا، وزادت أحاديثه على المئة، لكنه في التحقيق يخالف في دَعوى التواتر في أكثره، وكذا من جاء بعد السيوطي\n_________\n(١) انظر: الموضوعات (١/ ٥٤ - ١٢٩) عن ثمانية وتسعين نفسًا من الصحابة، لكن فيها طُرق عِدة لا تصح.\n(٢) في كتابه \" شرح مشْكل الآثار \" (١/ ٣٥٢ - ٣٦٩).","vol":"1","page":44},{"text":"ممن شاعَ تصنيفهم في ذلك بين الناس، كالزبيدي، في كتابه: \" لفظ اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة \"، وجعفر الكتّاني في كتابه: \" نُظم المتناثر من الحديث المتواتر \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>القسم الثاني: حديث الآحاد</span>\nقال الخطيب: \" خبر الآحاد، هو: ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقطع به العلم وإن روْته الجماعة \" (١).\nقال: ابن حبان: \" فأما الأخبار فكلها أخبار آحاد \" (٢).\nقلت: وهذا صحيح بالنظر إلى غالب السنن المروية، أو بالنظر إلى التواتر اللفظي، فإنه كما تقدم عزيز الوجود، فيصح بهذا الاعتبار أن يكون الأصل في الأخبار أخبار الآحاد.\nوحديث الآحاد باعتبار التفرد بالإسناد أو تعدد الأسانيد ثلاثة أنواع، جرى على ذكرها المتأخرون.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>النوع الأول: الحديث المشهور</span>.\n\nوهو بالنظر إلى الشهرة اللغوية والاصطلاحية قسمان:\n\nالأول مشهور يعرفه الخاصُّ والعام.\nوهذه الشهرة هي الشهرة العامة، كأن يقول: (هذا حديث مشهور) في الفقه أو الحديث أو الأصول، وهي شُهرة يراد بها ذُيوع الحديث وكثرةُ تداوله، مثل حديث: \" طلب العلم فريضة على كل مسلم \"، و\" من كان له إمام فقرأ الإمام له قراءة \"، و\" من سُئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٠).\n(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٦).","vol":"1","page":45},{"text":"يوم القيامة \"، إلى أحاديث أخرى لها طرقٌ وأسانيد عِدة، وفيها الصحيح وغيره.\nوربما لا يكون له إسناد، بل هو حديث موضوع، كالحديث الذي لا أصل له: \" اختلاف أمتي رحمة \" (١).\n\nوالثاني: مشهور عند أهل المعرفة بالحديث.\nوتعريفه: هو الحديث الذي يرويه ثلاثة فأكثر في كل طبقةٍ، ولم يبلغ في كثرة الأسانيد ما ينزَّل به منزلة التواتر.\nوهذه شهرة اصطلاحية بمعنى مخصوص، وأمثلته في الأحاديث كثيرة.\nكالحديث في قُنوت النبي ﷺ في الصلاة يدعو على رَعل وذكوان (٢).\nفهذا رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة، أصح طرقه عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وخُفاف بن إيْماء الغِفاري، ورواه عن أنس من أصحابه جمع، منهم: قتادة وأبو مِجلز لاحق بن حميد وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وعاصم الأحول، وعن قتادة رواه عددٌ، وعن كل رواه ما شاء الله.\nولم يقلَّ نقلته في كل طبقة عن عدد الشهرة.\nقال الحاكم: \" وأمثال هذا الحديث ألوف من الأحاديث التي لا يقف على شهرتها غيرُ أهل الحديث والمجتهدين في جمْعه ومعرفته \" (٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-28>النوع الثاني: الحديث العزيز</span>.\nويرد في استعمال المتقدمين بمعناه اللغوي، وهو القلة والندْرة، فيقولون: (حديث عزيز)، وفي الراوي: (عزيز الحديث) أي قليله.\n_________\n(١) انظر لهذا الحديث: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للألباني (رقم: ٥٧).\n(٢) قبيلتان من قبائل العرب من بني سُليم.\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ٩٤).","vol":"1","page":46},{"text":"لكنه في اصْطلاح المتأخرين: الحديث الذي لا يقلُّ رواته عن اثنين في جميع طبقات الإسناد، ولا يبلغ الشهرة.\nولكوْن هذا الوصف نادرَ الوجوه في الأحاديث أطلق عليه لقب (العزيز).\nمثاله: قوله ﷺ: \" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده، وولده والنَّاس أجمعين \".\nفهذا لم يُروَ من وجه صحيح عن النبي ﷺ إلا من حديث أبي هريرة وأنس بن مالك (١)، ورواه عن أنس: قتادة وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن عبد العزيز إسماعيل بن عُليَّة وعبدُ الوارث بن سعيد، وعن كلٍّ منهما جماعة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-29>النوع الثالث: الحديث الغريب</span>.\nتعريفه: هوَ الحديث الذي ينفرد بروايته راوٍ واحد.\nويسمى: (الفرْد).\nوالغريب نوعان:\n\nأولهما: الغريب المطلق.\nوهو أكثر ما يطلق عليه مصطلح (الفرد).\nوهو الحديث الذي لا يعرف عن النبي ﷺ إلا بإسناد واحد.\nكحديث: \" إنما الأعمال بالنيات \" فإنه لا يعرف له إسناد إلا عن عمر بن الخطاب، ﵁.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم: ١٤) من حديث أبي هريرة، واتفقنا عليه: البخاري (رقم: ١٥) ومسلم (رقم: ٤٤) من حديث أنس.","vol":"1","page":47},{"text":"وهذا المعنى بمجرده لا يفيد ثبوت الحديث أو ضعفه، فلا تفهمن أن مجرد التفرد يعني الضعف، وإنما في (الغريب): الصحيح، والحسن، والضعيف، وتعرف درجة كل بحسب حال الإسناد، وسلامته من العلل.\nوثانيهما: الغريب النسبي.\nوهو الحديث الذي علم مخرجه عن النبي ﷺ من أكثر من وجه، كحديث يرويه أبو هريرة وابن عمر، ولكنه لم يعرف عن ابن عمر إلا من رواية نافع مولاه، فهو من أفراد نافع عن ابن عمر، والتفرد فيه إنما وقع بالنسبة لابن عمر، لا مطلقًا، ويقولون فيه: \" تفرد به فلان عن فلان \".\nفإن وجدت ذلك فلا تفهمن منه غرابة الحديث عن النبي ﷺ، فقد يكون مرويًا عنه من وجوه.\nوالغريب النسبي كثير في جميع الكتب الأمهات، ومن وجوامعه الواسعة \" المعجم الأوسط \" للحافظ الطبراني.\nومن مثاله: ما رواه عيسى بن موسى غُنْجارٌ، عن أبي حمزة السكري، الأعمش، عن أبي أيوب السَّختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: \" لا تسموا العنب الكرْم \" (١).\nقال: الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو حمزة السكري، واسمه محمد بن ميمون، تفرد به الغُنْجار، ولم يسند الأعمش عن أيوب حديثًا عن غير هذا \".\nقلت: وقد رواه عن النبي ﷺ أبو هريرة ووائل بن حجر، ومعناه عن سمرة بن جندب، وعن أبي هريرة جماعة من ثقات أصحابه، منهم: الأعرج، ومحمد بن سيرين، وأبو سلمة، وعن محمد بن سيرين: أيوب السختياني وهشام بن حسان وغيرهما، ورواه عن أيوب غير الأعمش على\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \" الأوسط \" (٧/ ٤٥١ رقم: ٦٨٨٤) و\" الصغير \" (رقم: ٩٥٥).","vol":"1","page":48},{"text":"خلاف في رفعه، لكنه لا يعرف مرفوعًا من حديث أيوب إلا من رواية الأعمش عنه، ولا يعرف عن الأعمش إلا من هذا الوجه، فليس هو عن غير أبي حمزة من أصحابه.\nفالحديث بالنظر إلى أصله تقول فيه، مشهور، أو عزيز، ثم بقيت المتابعة في أسانيد رواية أبي هريرة إلى الأعمش، وهو إمام مكثر اعتنى أصحابه بحديثه، لكن لم يوجد هذا الحديث عنه إلا من هذا الوجه.\nواعلم أن الوصف بالتفرد إن وقع من حافظ عارف، كالطبراني هنا مثلا، فلا تطعمن أن تجد له طريقًا أخرى صالحة عمن وقع التفرد بالنسبة له.\nقال النووي: \" وإذا قالوا: تفرد به أبو هريرة، أو ابن سيرين، أو أيوب، أو حمَّاد، كان مشعرًا بانتفاء وجوه المتابعات كلها \" (١).\nقلت: ولكن لا تيأس، فالعلم منحة. والنقص في البشر طبيعة، وربما علم المفضول ما لم يعلمه الفاضل.\nوللغرابة صور، فمنها:\n١ - ما تفرد به راوٍ واحد مطلقًا أو عن شيخ معيَّن، وهو الأكثر في رواية الحديث.\n٢ - ما تفرد به أهل بلد دون غيرهم، فيقال: \" هذا حديث تفرد به أهل الشام \" مثلًا، حيث لم تقع روايته لغيرهم، ولم يعرف إلا من جهتهم.\nوذلك كتفرد الشاميِّين برواية حديث أبي ذر الغفاري، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن الله ﵎ أنه قال: \" يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فالا تظالموا \" الحديث (٢).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم، للنووي (١/ ٣٤).\n(٢) أخرجه مسلم (رقم: ٢٥٧٧).","vol":"1","page":49},{"text":"فهذا حديث عظيم، صحيح من جهة النقل، اختص به أهل الشام، وجاء عن أبي ذر من طرق لهم، وقال حافظ الشاميِّين أبو مسهر عبدُ الأعلى بن مسهر الغساني: \" ليس لأهل الشام أشرف من حديث أبي ذر \" (١)، وجاء معنى ذلك كذلك عن أحمد بن حنبل (٢)، ولم يصح من رواية غيره من الصحابة.\n٣ - ما تفرد به أهل البلد عن أهل بلد آخر، وليس هو عند أهل البلد آخر، وليس هو عند أهل البلد الآخر أصلًا، أو ليس عندهم من وجه قويِّ.\nمثاله: ما تفرد بروايته من الثقات عبد الله بن المبارك، أخبرنا محمد بن سوقه، عن عبد الله دينار، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب، خطب بالجابية (٣)، فقال: قام فينا رسول الله ﷺ مقامي فيكم، فقال:\n\" استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى إن الرجل ليبتدئ بالشهادة قبل أن يسألها، فمن أراد منكم بحبحة الجنة فليلزم الجماعة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، لا يخلون أحدكم بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما، ومن ومن سرّتهُ حسنتهُ وسائتهُ سيئتهُ، فهو من مؤمن \" (٤).\nقال الحاكم: \" هذا الحديث من أفراد الخراسانيين عن الكوفيين، فإن\n_________\n(١) أخرج ذلك ابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٢٦/ ١٣٩).\n(٢) ذكره ابنُ رجب في \" جامع العلوم والحكم \" (ص: ٤٢١).\n(٣) قرية في بلاد الشام، قريبة من دمشق.\n(٤) أخرجه ابنُ المبارك في \" مسنده \" (رقم: ٢٤١) ومن طريقه: أحمد (رقم: ١١٤) والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٤/ ١٥٠ - ١٥١) وابن حبان (١٦/ ٢٣٩ رقم ٧٢٥٤) والحاكم في \" المستدرك \" (١/ ١١٣ - ١١٤ رقم: ٣٨٧) و\" معرفة علوم الحديث \" (ص: ١٠٢) وأبو نعيم في \" معرفة الصحابة \" (رقم: ٤٤) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٩١) من طُرق عن ابن المبارك به، بعضهم اقتطع من متنه ولم يذْكره كله.\nوبينتُ علة الحديث في كتاب \" علل الحديث \" مع بيان صحته من هذا الوجه.","vol":"1","page":50},{"text":"عبد الله بن المبارك إمام أهل الخرسان، وهذا يعد في أفراده عن محمد بن سوقة، وهو كوفي \".\nقلت: وأراد أنه لم يحفظه أهل الكوفة عن ابن سوقة الكوفي إلا من وجه ضعيف، وحفظه من هو من غير بلدهم من الثقات.\nوبقية ما يتحصل بهذا النوع يأتي في هذا الكتاب في (تميز علل الحديث).\n\nتنبيه:\nالألقاب الثالثة لحديث الآحاد جرى المتأخرون على ذكرها دون اعتبار ثبوت الرواية بذلك الإسناد\nأو تلك الأسانيد، والإسناد إنما أريد لتمييز ما يثبت من النقل وما لا يثبت، فالحديث حين يسمى (عزيرًا) أو (مشهورًا) بالمعنى الاصطلاحي المتقدم، ينبغي أن ينفى عن أسانيده ما كان من روايات الكذابين والمتروكين ومن لا يعتبر بحديثه، وإنما تعتبر الأسانيد التي تندرج في حيز القبول وما يشبهه ويقرب منه، وإلا فأي عزة أو شهرة لحديث رواه متروكان أو متروكون كلٌّ بإسناد لنفسه لا يعرف إلا من طريقه؟.\nوالواقع العملي لأهل العلم بالحديث أنهم حين يصفون الحديث بالشهرة، فذلك عندما تكثر طرقه، وتدل بأفرادها أو مجموعها، على ثبوته، فهكذا ينبغي أن يعامل هذا الوصفان.\nوأما (الغريب) فهذا الذي يرد فيه الثابت وغيره، بل إنك ترى وصف (الغريب) في استعمال بعض أهل الحديث قد يساوي الضعف أو يدل عليه.\nقال النووي: \" إذا انتفت المتابعات وتمحض فردًا فله أربعة أحوال:\nحال يكون مخالفًا لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمَّى شاذًا أو منكرًا.\nوحال لا يكون مخالفًا، ويكون هذا الرَّاوي حافظًا ضابطًا متقنًا، فيكون صحيحًا.","vol":"1","page":51},{"text":"وحال يكون قاصرًا عن هذا، ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسنًا.\nوحال يكون بعيدًا عن حاله، فيكون شاذًا منكرًا مردودًا \" (١).\nقلت: وجميع تلك الدرجات يعرف تفصيلها من خلال دراسة هذا الكتاب.\n\nفائدة:\nكانوا يطلقون على الأحاديث الغرائب تسمية (الفوائد)، وجمعت طائفة ذلك وصنَّفته تحت هذا المسمَّى.\nقال أبو عروبة الحراني (الحسين بن أبي مشعر، وكان ثقة حافظًا) في رجل: \" كان حديثه كلها فوائد \"، ففسر ذلك بن عدي بقوله: \" أي غرائب \" (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>حجية خبر الواحد الصحيح:</span>\nقال ابن عبد البرَّ: \" أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لاتعد خلافًا \" (٣).\nوالأكثر ون من أهل العلم على أن خبر الواحد الثابت يوجب العمل بمقتضاه، ولا يوجب القطع (٤) خلافًا لأبي محمد بن حزم وطائفة (٥).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١/ ٣٤).\n(٢) الكامل (٣/ ٣٥٧).\n(٣) التمهيد (١/ ٢).\n(٤) التمهيد، لابن عبد البر (١/ ٧، ٨).\n(٥) الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (١/ ١٠٨). وانظر لهذه المسألة كتابي \" تَيسير علم أصول الفقه \" (ص: ١٤٩ - ١٥١).","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الرابع:\n\nالمتابعات والشواهد</span>\n\nالمتابعات: جمع متابعة، وهي موافقة الراوي لغيره في رواية الحديث المعين، بشرط أن تقع لغير الصحابي الذي يروي الحديث عن النبي ﷺ، كأن تقع للراوي عنه أو من قبله.\nوصورتها: أن يروي الحديث عن ابن عمر نافع مولاه، ويوافقه في روايته سالم بن عبد الله يرويه كذلك عن أبيه، فيقال: تابع سالم نافعًا، وكلُّ منهما متابعٌ ومتابعٌ.\nوفائدة المتابعة: رفع الغرابة في ذلك الموضوع الذي حصلت فيه الموافقة من الإسناد، وفيه تقوية الحديث من ذلك الطريق، بحسب قوة المتابع.\nويشترط في المتابعة أن توافق في الإسناد، ويكفي في المتن موافقة المعنى.\nوربما سماها بعض المحدثين (شاهدًا) توسعًا في الاستعمال، واللغة تحتمله.","vol":"1","page":53},{"text":"الشواهد:\nجمع شاهد، وهو نوع من المتابعة، لكنه خاص بمن روى الحديث عن النبي ﷺ، وهو الصحابي، فهو: المتابعة صحابي لصحابي آخر في متن حديث لفظًا أو معنى.\nكحديث يروى عن جابر بن عبد الله، ويروى مثله أو نحوه أو معناه عن عائشة أم المؤمنين، فيقال عن حديث جابر: له شاهد من حديث عائشة، وكذلك العكس.\nوكذلك يشهد المرسل للمتصل، ومعلوم أن المرسل لا ذكر للصحابي فيه، لكنه شاهد باعتبار استقلاله عن المتصل بالرواية، وتنزيل ترك الصحابي فيه منزلة مجيء الرواية عن الصحابي مجهول.\nولابد أن يقع من التساوي بين الحديثين الذين يشهد أحدهما للآخر في المعنى بنحو المعنى الذي يقع في المتابعات، ولا جوز تكلف تقوية الحديث بشاهد صلته به لا تدرك إلا بتكلف (١).\n\nكيف يوقف على المتابعة والشاهد؟\nالوقوف على متابعة أو شاهد للحديث يتم البحث عن طرق الحديث في الكتب المختلفة في الرواية المعنية بسياق الأحاديث بأسانيدها، كأصوله الكبار كالستة الأمهات والمسانيد والصحاح والسنن والمصنفات والفوائد والأجزاء الحديثية، فالحديث ربما ظن فردًا، فيطلع الباحث على طريق أو طرق أخرى بين متابع ومشاهد تزيلان الغرابة، وربما صيرتنا الضعيف المردود مقبولًا حسنًا أو صحيحًا.\nكما أن استقصاء المتابعات والشواهد طريق الكشف عن علة الحديث.\n_________\n(١) ولهذا المعنى زيادةُ إيضاح تأتي في (القسم الثاني) من هذا الكتاب، عند الكلام على تقوية الحديث بتعدد الطُّرق.","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الخامس:\n\nلطائف الإسناد</span>\n\n\nهذا مبحث قصدت التنبيه فيه على طرف يندرج في جملة أصول هذا العلم، وهو مبحث (العالي\nوالنازل) لما سيأتي ذكره في فائدته، ولم أجد سواه ممَّا يدرج عادةًَ تحت هذا المسمى ممَّا ينبني عليه عمل في هذا العلم.\nومن أشهر ما يذكر فيه من المصطلحات: (الحديث المسلسل)، لكني عدلت عنه قاصدًا، إذ لم أجد منه ما يحتاج إليه في التحقيق، إلا ما تفيده صيغته أحيانًا من دفع مظنِّة الانقطاع في الإسناد، وهذه فائدةٌ متحققة ضمن التأصيل لشرط الاتصال في الأسانيد.\nومن علة الإعراض عن هذا النوع: أن غالب ما ادُّعي من صفات التسلسل لا يصح، ويقل جدًا ما يثبت تسلسله أو يستمر منها (١).\nوقد أطالت فيها طائفة من المتأخرين، وألِّفت فيها مؤلفات مفردة، والله المستعان.\n_________\n(١) قال الذهبي: \" وعامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة؛ لكذب رُواتها، وأقواها: المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيِّين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب \" (الموقظة، ص: ٤٤).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>العالي والنازل:</span>\nكانت الرحلة في طلب الحديث سنة من اصطفاهم الله لحفظ الأصل الثاني لهذا الدين، المبين لكتاب رب العالمين، وكانوا يعيبون الرَّاوي الذي يقتصر على السماع ببلده، ولا يرحل.\nقال حرب بن إسماعيل: سئل أحمد (يعني ابن حنبل) عن الرجل يطلب الإسناد العالي؟ قال: \"طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف؛ لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة، فيتعلمون من عمر ويسمون منه \" (١).\nوعن أبي العالية الرِّياحي، قال: \" كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ بالبصرة، فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة، فسمعناها من أفواهم \" (٢).\n\nوالعلو نوعان، منهما يتضح معناه:\n\nالنوع الأول: العلو المطلق.\nوهو الإسناد المتصل إلى النبي ﷺ بأقل عدد من الرواة.\nالنوع الثاني: العلو النسبي.\nوهو العلو بالإسناد بالنسبة إلى إمام من الأئمة عرف ذلك الحديث الذي وقع فيه العلو عنه، ومحل العلو فيما بين الشيخ وذلك الأمام، بغضِّ النَّظر عن طول الإسناد في نفسه، كما سيأتي بعض مثاله في ألقابه.\nوالنزول يعرف بضده، فحيث تبين العلو فالنزول في مقابلته.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١١٧) بإسناد لكتاب \" العلل \" للخلال، والذي يقول فيه: \" حُدثت عن عبد العزيز بن جعفر \". والمقصود بعبْدِ الله في الرواية ابنُ مسعود.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٦٨٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":56},{"text":"والنزول قد يقدم في الاعتبار على العلو، وذلك إذا لم يوجد العالي إلا من وجه لا يثبت لجرح في بعض رواته، أو انقطاع أو تدليس، وجاء بإسناد نازل صحيح.\nقال عبد الله بن مبارك: \" بعد الإسناد أحب إلي إذا كانوا ثقات؛ لأنهم قد تربصوا به، وحديث بعيد الإسناد صحيح، خير من قريب الإسناد سقيم \" (١).\nوعن الثقة عبيد الله بن عمرو الرقي، وذكر له قرب الإسناد، فقال: حديث بعيد الإسناد صحيح، خير من حديث قريب الإسناد سقيم - أو قال ضعيف - \" (٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى الخليلي: \" عوالي الأسانيد مما ينبغي أن يحتشد طالب هذا الشأن لتحصيله، ولا يعرفه إلا خواص الناس، والعوام يظنون أنه بقرب الإسناد وببعده، وبقلة العدد وكثرتهم، وإن الإسنادين يتساويان في العدد وأحدهما أعلى، بأن يكون رواته علماء وحفاظا \" (٣).\nواعترَّت طوائف كثيرة بقلة رجال الإسناد في معنى العلو، ولم يلاحظوا علل الأخبار، فوجدوا نسخًا عالية الأسانيد بقلة الرجال، وهي هابطة نازلة بوهائهم وسقوطهم، مثل نسخة إبراهيم بن هدبة عن أنس بن مالك، ونسخة موسى بن عبد الله الطويل عنه كذلك.\nقال ابن دقيق العيد: \" ولا أعلم وجهًا جيدًا لترجيح العلو إلا أنه أقرب إلى صحة وقلة الخطأ \"، قال: \" فإن كان النزول فيه إتقان، والعلو بضده، فلا تردد في أن النزول أولى \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٤) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٢٣) وإسناده صحيح.\n(٣) الإرشاد، للخليلي (١/ ١٧٧).\n(٤) الاقتراح (ص: ٣٠٢).","vol":"1","page":57},{"text":"وفي العلو النسبي ألقاب استعملها المتأخرون، وذلك بالنسبة إلى إمام من الأئمة المصنفين الكبار، كالبخاري ومسلم، تلكم هي:\n١_ الموافقة وهي: أن يقع لك الحديث عن شيخ مسلم مثلًا، من غير طريقه، بعدد أقل من عدد رواتك لو رأيته من طريق مسلم نفسه.\n٢ - البدل، وهو: أن يقع لك الحديث لا عن شيخ مسلم، بل عن شيخ شيخه، بنفس تلك الصفة في الموافقة.\n٣ - المساواة، وهي: أن يقع لك الحديث بإسناد إلى الصحابي أو من قاربه، فيكون عدد رواته فيما بينك وبينه، بعدد الرواة فيما بين مسلم وبينه.\n٤ - المصافحة، أن تقع المساواة مع مسلم لشيخك لا لك، فتكون بمنزلة من صافح مسلمًا؛ لكونك لقيت شيخك الذي ساوى مسلمًا.\nوأمثلتها في صنيع المتأخرين كثيرة، وانظر للمتيسر من ذلك ما يخرجه المزي والذهبي في ثنايا كتب التراجم، كما تجده كثيرًا في كتب المعاجم والمشيخات لمتأخري المحدثين.\n* * *","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>القسم الأول:\n\nتحرير أركان النظر في الحديث</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الباب الأول:\n\nتحليل الإسناد</span>","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الأول:\n\nتمييز النقلة</span>","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الأول:\n\nالطريق إلى تمييز الراوي</span>\n\nقال علي بن المديني: \" التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم \" (١).\nقلت ومعرفة الرجال تبدأ بهذه الخطوة، وهي (تمييز الراوي)، فالبحث فيه يمثل (المرحلة الأولى)\nمن البحث في الأسانيد، وذلك مقدمة لتمييز درجة الحديث من جهة صحته أو إعلاله.\nوغاية البحث هنا هي: التحقق من أعيان النقلة، فإن الإسناد سلسة من الرواة، هذا مذكور باسمه،\nوآخر بكنيته، وثالث بنسبه، ورابع بلقبه، وهكذا، فالوقوف على تعيين المراد بكل يحتاج إلى تأصيل يقي من الوقوع في الغلط في هذا الباب، فإن المطلوب في كل راوٍ أن تعرف منزلته من جهة العدالة والأهلية للرواية أو عدم ذلك، ولا سبيل إلى الوقوف على حقيقة أمره إلا بتمييز شخصيته.\n\nوهناك طريقان يستعان بهما للوصول إلى تمييز الراوي:\n_________\n(١) أخرجه الرَّامهرْمُزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٣٢٠) - ومن طريقه: الذهبي في \" السير \" (١١/ ٤٧ - ٤٨) - وإسناده صحيح.","vol":"1","page":65},{"text":"الطريق الأول: تتبع مواضع رواية ذلك الحديث في كتب الحديث المختلفة.\nوهذا ما صار معروفًا بـ (تخريج الحديث)، فإنه يكشف عن حقيقة كثير من الأسماء المهملة من العلامة المميزة.\nفإسناد يخرج في \" الصحيح البخاري \" مثلًا يأتي فيه: (فلان عن سفيان عن فلان) تجده في موضع آخر أحيانًا في نفس (الصحيح) حيث يأتي الحديث مكررًا، أو عند مسلم في (صحيحه) أو غيره من أصحاب المصنفات في الحديث، فيه (فلان عن سفيان الثوري عن فلان) فتكون زيادة (الثوري) استفيدت من البحث عن موضوع الحديث في محل آخر، فرفع الإشكال عن (سفيان)\nفإنه ربما احتمل قبل هذا الكشف أن يكون (سفيان بن عيينة)، أو غيره بالنسبة للمبتدئ، وأما أن يكون الثوري أو ابن عيينة فقد يغلط فيه العالم أحيانًا، وذلك فيما وقع فيه الاشتراك من الشيوخ والتلاميذ بين السفيانين، مع تعسر وجود قرينة مساعد للتحقق.\nوتتبع ورود الحديث في المواضع المختلفة مطلوب لازم لكشف علة الحديث كذلك كما ستعلمه في (الباب الثاني) من هذا القسم.\n\nوالطريق الثاني: البحث عن الراوي باستعمال العلامة المذكورة في الإسناد، في كتب تراجم الرجال.\nوههنا جدير أن تعلم أن الكتب المصنَّفة في رجال الحديث لم يجري مصنِّفوها على منهج مطرد ثابت، والوقوف على حقيقة الراوي فيها يتفاوت سهولة وصعوبة بحسب ما صنِّفت عليه تلك الكتب.\nفما روعي فيه الترتيب المعجمي للأسماء فهو أسهلها، وهو موجود في كثير من المصنَّفات الجوامع في هذا الباب، أبرزه في الكتب المتقدمين:\n١ - \" التاريخ الكبير\" للإمام البخاري صاحب \"الصحيح \" (المتوفى سنة: ٢٥٦) وفيه (١٣٧٨٢) ترجمة.","vol":"1","page":66},{"text":"٢ - \" الجرح والتعديل\" للإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (المتوفى سنة: ٣٢٧) وفيه (١٨٠٤٠) ترجمة.\nوالقاعدة في الكتابين: احتواء أسماء من نقل عنه شيء من الخبر، حديثًا مرفوعًا كان أو أثرًا عن صحابي أو تابعي، وذلك إلى زمان مؤلفيهما، من غير اقتصارٍ على رواة كتاب معين، أو بلد معين، فلذا لم يقاربهما كتاب في الشمول والاستيعاب في جملة كتب التراجم التي وصلت إلينا، وما تلاحظه من زيادة التراجم في كتاب ابن أبي حاتم إنما سببه أنه عاش بعد البخاري زمانًا فاستوعب رجالًا لم يذكرهم البخاري، أحيانًا بفوات عليه، وغالبًا لدخولهم في جملة النَّقلة بعد تصنيف البخاري، من أقرانه أو ممن جاءوا بعد موته.\nويلحق بهما في الشمول والاستيعاب للرواة كتابا الإمام أبي حاتم ابن حبان البستيِّ (المتوفى سنة: ٣٥٤): \" الثقات \" و\" المرجوحين \" فيندر أن يفوته رجل ذكره البخاري، وقلما يفوته رجل ذكره ابن أبي حاتم، وأحسب أن ما وقع له من الفوات مما له ذكر في كتاب ابن أبي حاتم فبسبب أنه التزم شرطًا في الثقات في ذكرهم على الطبقات.\nوالمقصود هنا أن تعلم أن من طرق الكشف عن حقيقة الراوي أن تأخذ ما ذكر به من علامة في الإسناد وترجع للبحث عنه في كتاب البخاري أو ابن أبي حاتم من كتب المتقدمين.\nوأما في كتاب المتأخرين فإنك تجدها أيسر للوقوف على المقصود منها، وذلك كما لا يخفى؛ لما جرت عليه من التقريب والتبسيط، إلا أن العيب ههنا أنك لا تجد لهم كتابًا جامعًا لكل من روي عنه العلم، وإنما قصرت تأليفاتهم الجوامع في الرجال على تراجم رجال كتاب أو كتب مخصوصة، وأكبر ما وقعت منهم العناية به: رجال الكتب الأمهات الست، وإذا قصدت الحقيقة فاعلم أن أكثر من تدور عليهم الأحاديث والآثار من","vol":"1","page":67},{"text":"الرواة لهم أحاديث مخرجة في هذه الكتب، لذا فإنك إذا بحثت عن راوٍِ في إسناد حديث يرويه الإمام أحمد بن حنبل في \" مسنده \"، فإنك ستجده غالبًا في كتب رجال الأمهات الست، ويندر جدًا أن لا يكون فيها.\nفإذا ظهر فاعلم أنه لم يصنف في هذا الباب على هذا المعنى كتاب أفضل من \" تهذيب الكمال في أسماء الرجال \" للإمام الحافظ أبي الحجاج المزِّي (المتوفى سنة: ٧٤٢)، وليت جميع تراجم الرجال تستوعب على نفس منهاجه، وهو قد حوى من التراجم ثمانية آلاف ترجمة.\nوتتبعه في ذلك فروعه التي استفيدت منه وبنيت عليه، وأفضلها \" تهذيب التهذيب \" للحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة: ٨٥٢).\nفهذه المراجع الثلاثة في الرجال كتاب البخاري وابن أبي حاتم والمزي، جميعها رتب على الحروف المعجم، والبحث عن الراوي فيها أيسر من غيرها مما لم يؤلف على منهاجها.\nعلى أنه ينبغي لك أن تعلم بعض الاصطلاحات الخاصة في هذه الكتب، فإنها مع ترتيبها على الحروف المعجم، لكن الأسماء في الحرف الواحد لم يلتزم البخاري وابن أبي حاتم ترتيبها، والتزمه المزي ومن فرع على كتابه، سوى في تقديم من اسمه (أحمد) في حرف الهمزة، ومن اسمه (محمد) في حرف الميم، ومن اسمه (عبد الله) في العبادلة، وصورة نادرة أخرى؛ وهي فصل الراوي المتفق في رسمه وحروفه المختلف في ضبطه وشكله عما وافقه في الرسم، مما يسبب الغلط للمبتدي، كما ترى مثاله في \" تهذيب الكمال \" بـ (عقيل بن خالد) بضم العين، فإنه فصل عمن اسمه (عقيل) بفتح العين، وجاء بعد الفراغ منه.\nومثل هذه التنبيهات لا نأتي على استقصائها، إنما ينبغي للطالب أن ينتبه إلى مثلها، كما عليه أن يلاحظ منهج كل صاحب تصنيف قبل أن يتقحَّم الأخذ عنه.","vol":"1","page":68},{"text":"البحث عن الراوي في غير المراجع المتقدمة:\nأما البحث عن الراوي في غيرها مما صنف عشوائيًا في الرجال، أو بطريقة تحتاج إلى خبرة سابقة بمنهج مؤلفيها؛ ممكن، إما باستقرائها من أولها إلى منتهاها، وإما بالخبرة بطريقة مؤلفها وإدراك كونها مظنةً لوجود مثل هذا الراوي أو ذاك فيها، وإما بالاستعانة بالفهارس المعجمية التي تلحق بها من قبل محققيها، أو فهارس لها مستقلة عنها، لكني أنبهك إلى خطورة أن تجزم بنفي مجرد أنك لم تقف على ذكر للراوي في الفهرس إلا أن تكون على ثقة تامة بعلم ومعرفة من صنعه، فإنك اليوم ترى كثيرًا من الفهارس لكتب رجال الحديث ولأطراف الأحاديث لم يصنعها ذوو خبرة، يقع لهم فيها من الغلط شيء كثير، ومن الفوات أكثر.\nالمقصود: أنه لما كان هذا الباب من العلم شديدًا خطيرًا لما ينبني عليه من تثبيت دين؛ فإن الباحث لا يستغني بواحد من الطريقين عن الآخر، فربما خرج الحديث، ووجد تقييد (سفيان) بـ (الثوري) في رواية أخرى، لكن حيث يشترك السفيانان في كثير من الروايات فهو محتاج إلى أن يتبين أن التفسير الذي جاء في الموضع الآخر للحديث يقين في أن (سفيان) هو (الثوري) في الموضع الأول،\nوليست مشاركة وقعت من الثوري لا بن عيينة، وكذلك لو استعمل طريق البحث الثاني دون الأول، فإن ما يرد عليه أكثر مما يرد على الطريق الأول.\nإذا؛ الوقوف على النتيجة المبدئية باستعمال واحد من الطريقين لا يكفي للتحقق إلى درجة اليقين، فحيث كان مطلوبًا؛ فإنه يلزم لتحقيقه استعمال الطريقين.\nنعم؛ الحافظ والمحدث تحصل له ملكة خاصة يميز بها الرواة، ربما أغنته عن تتبع ما أشرحه في هذا الفصل، لكني أظن أنه ربما احتاج لمعرفة بعضه، خصوصًا في هذا الزمان المتأخر، وإنما هي بمنزلة التبصرة للطالب المبتدي والتذكرة للعارف المنتهي.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الثاني:\n\nتمييز الراوي بما يعرف به من اسم وكنية ونسب ولقب وصفة أخرى</span>\nإذا جئت إلى إسناد كهذا: \" دحيم، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثنا أبو سلمة، عن عمرو بن أمية، عن النبي ﷺ\nوأردت التعرف على رواته من خلال النظر في كتب الرجال، فإن سبيلك إلى ذلك الوقوف على الراوي باسمه لا بكنيته أو نسبه أو لقبه، إلا أن يفيد البحث أنه لا يعرف باسم وعرف بعلامة من العلامات الأخرى.\nوهذا إسناد لو تعرفت على رجاله، وجدت فيهم المسمى، وآخر مذكورًا بكنيته، وثالثًا مذكورًا بنسبه، ورابعًا مذكورًا بلقبه، وحيث إن المقصود من البحث عن الرواة التوصل إلى معرفة طبقة الراوي ومن أدرك من الشيوخ ومن أدركه من التلاميذ، ومعرفة حاله من جهة الأهلية للرواية أو عدمها، فإن بحثك لن يقف بك حتى تصير إلى ذلك من أمره، والراوي قد يذكر باسمه الواضح الصريح ويقع له فيه مشارك مما يعيق التيقن من كونه المراد إلا ببحث زائد، فكيف به إذا ذكر بغير اسمه الصريح من كنية أو نسب أو لقب؟","vol":"1","page":70},{"text":"فيما يأتي ذكر دلالات ست تهديك للتوصل إلى مراده مرتبة بحسب أبواب ما ترد عليه أسماء الرواة في الأسانيد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>الدلالة الأولى: تمييز الأسماء</span>\n\nالراوي يأتي في الإسناد مسمى على صفتين:\n\nالصفة الأولى: مهملًا من القيد، كقول المحدث: (حدثنا يونس) دون أن يذكر معه نسبة إلى أب أو غيره، وهذا يقع عادة لمن قد عرف من الرواة وتميز إلى حد أغنى عن ذكر علامات زائدة يميز بها،\nفتركوا ذكر العلامات اختصارًا، ولم يكن يشق عليهم معرفته، فإنهم إذا رأوا مروزيًا قال: في روايته: (حدثنا عبد الله) فلا يخفى على ماهر بالصنعة أنه عبد الله بن المبارك الإمام الحافظ الكبير، مع كثرة من اسمه (عبد الله) في الرواة، وكذا يقول القائل: (حدثنا شعبة) أو (مالك) فمع ورود طائفة في الرواة ممن يسمى (شعبة) وطوائف ممن يسمى (مالكًا) لكنه يدرك ابتداء أن شعبة هو ابن الحجاج، ومالكًا هو ابن أنس، والعلامة التي يحتاجها العارف لتمييز ذلك هي تصور طبقة الراوي الذي جاء اسمه مهملًا من القيد.\nنعم؛ يشكل منها الأسماء التي تأتي مهملة وتشترك ولا تساعد معرفة الطبقة على تمييزها، إنما تستلزم معرفة زائدة بقرائن معينة تفصل الاشتراك، كقول المحدث: (حدثني سفيان) فجائز أن يكون الثوري، وجائز أن يكون ابن عيينة، أو: (حدثنا حماد) فجائز أن ابن زيد وجائز أن يكون ابن سلمة.\nفإن قلت: فما يصنع المبتدي في ذلك؟\nقلت: ما كان من هذا النمط من الرواة فبصيرتك فيه تستفاد من (المبحث الثالث).\n\nالصفة الثانية: مقيدًا باسم الأب أو غيره، مثل قول المحدث: (حدثنا قتيبة بن سعيد).","vol":"1","page":71},{"text":"فما ورد على هذه الصفة فإن الوقوف عليه في كتب التراجم المرتبة كالتي أسلفت ذكرها ميسور، لكن عليك أن تلا حظ أمرين:\nالأول: طبقة الراوي والتي سيأتي بيان ما يتصل بها في (المبحث الثالث).\nوالثاني: المرجع الذي يكون مظنة للوقوف على الترجمة فيه.\nفلو أردت البحث عن (قتيبة بن سعيد) فلاحظ موضع وجوده في الإسناد: أهو متقدم في الرواة أو متأخر؟\nفلو وجدته في إسناد يقارب في الزمن زمان شيوخ البخاري ومسلم، كأن تراه في إسناد لأبي داود السجستاني صاحب \" السنن \" (المتوفى سنة: ٢٧٥)، أو فوق هذا الزمن إلى الزمن النبوي، فالمظنة في الوقوف عليه: \" تاريخ \" البخاري وكتاب ابن أبي حاتم و\" التهذيب \" للمزي.\nلكنك لو كنت تبحث مثلًا عن أحد شيوخ الحافظ أبي القاسم الطبراني (المتوفى سنة: ٣٦٠)، فليس \" تاريخ \" البخاري مظنة للوقوف على اسمه فيه، وكتاب \" الجرح والتعديل \" مظنة ضعيفة، و\" التهذيب \" مظنة محتملة بتوسط، فيوجد فيه تراجم جماعة من شيوخ الطبراني، والسبب في ذلك تأخر هؤلاء الشيوخ في الطبقة في زمن بُعَيْدَ البخاري أو في طبقته، وقد ولد الطبراني بعد موت البخاري بأربع سنين، وابن أبي حاتم من طبقة شيوخ الطبراني، فمن كان منهم قديمًا وجدته في \" الجرح والتعديل \"، ومن تأخر منهم ضعف الوقوف عليه فيه، و\" التهذيب \" في تراجم رجال الكتب الستة الأمهات، وقد أدرك الطبراني السماع من طائفة من شيوخ بعض الأئمة الستة.\nأما إذا جئت للبحث عن أحد الشيوخ الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة: ٤٠٥) فلست تقف عليه في شيء من المراجع الثلاثة المذكورة، وطريق البحث عنه شاق، خصوصًا أنه لا يوجد مصنف خاص في تراجم شيوخ","vol":"1","page":72},{"text":"الحاكم، وهو ممن روى عن خلق كثيرين من بلاد شتى، فالوقوف على ترجمة شيخ من شيوخه يقتضي منك بحثًا قد يطول وقد يقصر بحسب ظهور أمر ذلك الشيخ:\nفجائز أن يكون من الموصوفين بالحفظ والإتقان والثقة والضبط، وجائز أن لا يكون كذلك، فاحتمله حافظًا مشهورًا وانظر من المصنفات التي تكون مظنة لمثله، مثل: \" تذكرة الحافظ \" للذهبي، و\" سير أعلام النبلاء \" له، فإن لم تجده فاحتمله مجروحًا، وانظر أجمع ما ألف في المجروحين ممن لم يترجم منهم في \" تهذيب الكمال \"، ذلك هو كتاب \" لسان الميزان \" لابن حجر، فإنه حوى أسماء أغلب من يذكر بالجرح إلى العصور المتأخرة.\nفإن تعذر عليك الوقوف على ترجمته فجهدك في سائر المصنفات في تراجم الرواة، فإن جاء في الإسناد منسوبًا إلى بلد، فانظر إن كان لذلك البلد تاريخ للرجال مما بأيدي الناس اليوم، فإن نسب (بغداديًا) فارجع إلى \" تاريخ بغداد \" للخطيب البغدادي (المتوفى سنة: ٤٦٣) وإن نسب ... (دمشقيًا) أو (شاميًا) فارجع إلى \" تاريخ دمشق \" لابن عساكر (المتوفى سنة: ٥٧١)، كل ذلك بشرط ملاحظة أن يكون ذلك الكتاب في التاريخ صنف بعد شيخ الحاكم في الزمن، فإنه لو نسب (واسطيًا) مثلًا، فلا تذهب إلى \" تاريخ واسط \" للحافظ بحشل الو اسطي؛ وذلك لتقدمه، فإن بحشلًا هذا توفي سنة (٢٩٢).\nعلى أنك ينبغي أن تلاحظ إمكان وقوع نسبة الراوي إلى (بغداد) مثلًا، ومن شرط الخطيب أن يكون مذكورًا في كتابه، لكنك لا تراه فيه.\nوإن وقع الراوي غير منسوب إلى بلد؛ فشأنك في البحث، فانظر في جميع ما تهيأ لك من كتب الرواة التي تظن أن يكون الراوي مترجمًا فيها، وذلك كتاريخي الخطيب وابن عساكر، ومعاجم الشيوخ والمشيخات والسؤالات والأجزاء، وبعض التواريخ العامة للرواة، كـ\"الإرشاد \" للخليلي","vol":"1","page":73},{"text":"(المتوفى سنة: ٤٤٦)، والتاريخ الشامل \" تاريخ الإسلام \" للذهبي، كما يجوز أن يكون مترجمًا في الكتب التي اعنت بذكر (المشتبه) من أسماء الرواة، خصوصًا إذا ظننت أن الراوي ممن يتداخل اسمه مع آخر يقاربه في رسمه، أو يوافقه فيه لكن يخالفه في شكله وضبطه، ومن أجمع تلك الكتب: \"الإكمال \" للحافظ أبي نصر ابن ما كولا (المتوفى سنة: ٤٨٧) و\" تكملة الإكمال \" للحافظ أبي بكر ابن نقطة (المتوفى سنة: ٦٢٩) و\" توضيح المشتبه \" للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (المتوفى سنة: ٨٤٢).\n\nتعذر الوقوف على ترجمة للراوي مع مجيئه مسمى:\nربما تعذر عليك الوقوف على الترجمة للراوي مع اهتدائك بما تقدم، وهذا جائز، فإن حصل فلواحد من أسباب أربعة:\nالسبب الأول: أن يكون الراوي وقع منسوبًا إلى أبيه نسبةً غير صريحة، أو إلى أحد أجداده.\n\nوهذا واقع في الرواة على وجوه، إليكها بأمثلتها:\n١ - من نسب إلى أبيه، لكن بكنية الأب.\nمثاله (أشعث بن أبي الشعثاء)، وهو: أشعث بن سليم، (أبو الشعثاء) كنية والده سليم بن أسود.\nوفي الرواة: (كثير بن معدان) هكذا ينسبه بعضهم إلى اسم أبيه، لكن قال أبو حاتم الرازي كذلك: \" ويقال له: كثير ابن أبي كثير، وكثير بن أبي أعين، وكثير أبو محمد، وكل صحيح \" (١).\n٢ - من نسب إلى أبيه، لكن بنسب الأب.\nمثاله: (عبد الرحمن بن الأصبهاني)، وهو: عبد الرحمن بن عبد الله، و(الأصبهاني) نسب عبد الله.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٥٧)، وانظر: التاريخ الكبير للبُخاري (٤/ ١ / ٢١١ - ٢١٢).","vol":"1","page":74},{"text":"٣ - من نسب إلى أبيه، لكن بلقب الأب.\nمثاله: (إسحاق بن راهويه)، وهو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، و(راهويه) لقب لأبيه.\n٤ - من نسب إلى جده من جهة أبيه.\nمثاله: (أحمد بن يونس)، وهو: أحمد بن عبد الله بن يونس.\n٥ - من نسب إلى جده من جهة أمه.\nمثاله: (سليمان بن شرحبيل)، وهو: سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، و(شرحبيل) هو ابن مسلم جده من قبل أمه.\nو\" تهذيب الكمال \" وفروعه تسعف في تمييز كثير من هؤلاء وذلك بالرجوع إلى اسم الراوي على ما ترى من نسبته في الإسناد كـ (أحمد بن يونس) فتراه أحالك على (أحمد بن عبد الله بن يونس)، لكن ما عجزت عنه فطريقك لكشفه (المبحث الثالث).\n\nوالسبب الثاني: أن يكون الراوي يسمى بأكثر من اسم، وذلك على سبيل التدليس إخفاء لحقيقته.\nوهذا مما يشق الكشف عنه، ويقتضي بحثًا واحتياطًا شديدين.\nمثاله: ما وقع من جماعة من الرواة من تسمية (محمد بن سعيد الشامي) المعروف بـ (المصلوب) وهو كذاب زنديق، بأسماء كثيرة مختلفة تعمية لأمره.\nقال أبو طالب عبد الله بن أحمد بن سوادة (وكان صدوقًا): \" قلب أهل الشام اسم محمد بن سعيد الزنديق على مئة اسم وكذا وكذا اسمًا، قد جمعتها في كتاب، وهو الذي أفسد كثير من حديثهم \" (١).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الموضح لأوهام الجمع والتفريق \" (٢/ ٣٤٩).","vol":"1","page":75},{"text":"ومن أسمائه: محمد بن سعيد بن حسان، ومحمد بن سعيد الأسدي، ومحمد بن حسان، ومحمد بن أبي قيس، ومحمد بن أبي زكريا، ومحمد بن عبد الرحمن، وأبو عبد الرحمن الشامي، وأبو قيس الدمشقي، ومحمد الطبري.\n\nوالسبب الثالث: وقوع تصحيف أو تحريف.\nمثل: (حضين) بالضاد المنقوطة تصحف إلى (حصين) بالصاد المهملة، و(حبان) بالباء الموحدة إلى (حيان) بالياء المثنَّاة من تحت، أو (مسعر) تحرف إلى (مسعود)، و(عبدة) إلى (عبيدة).\nوليقوَ في ظنك احتمال وقوع التصحيف أو التحريف إذا كان الراوي من شرط البخاري وابن أبي حاتم، أي كان متقدمًا؛ لأنه لا يكاد يخرج عن كتابيهما راوٍِ لشيء من العلم تقدم زمانها.\nوطريق كشفه استعمال مرحلتي البحث الآتيتين في المبحثين (الثالث والرابع).\n\nوالسبب الرابع: لا ذكر له في كتب التراجم.\nوهذا وارد على من تأخر من الرواة عن درجة رجال الكتب الستة الأمهات، فإنه لم يلتزم أحد أن يتتبع من روى العلم بعدهم من جميع أصناف الرواة، فجائز أن يكون الرجل من شيوخ الطبراني أو الدارقطني أو الحاكم أو البيهقي أو الخطيب أو ابن عساكر، ومن في طبقاتهم ويقرب منهم من الأئمة المصنفين في الحديث، لا تجد له ترجمة في شيء من الكتب.\nومن كان بهذه المثابة فانظر حكمه في الكلام على (الجهالة) من هذا الكتاب.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>الدلالة الثانية: تمييز الكنى</span>\n\nمجيء الراوي بكنيته في الإسناد كثيرٌ جدًاَ، ولايقال (كنيةٌ) إلا لما جاء من الأسماء مضافًا إلى (أبو) أو (أم).\nومجيئه في الأسانيد على صورتين:\nالأولى: بلفظ الكنية مجردًا من قيدٍ زائد، كقول المحدث: (عن أبي الأحوص).\nوالثانية: بلفظ الكنية مع قيد زائد في التعريف، كقول المحدث: \" (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء)، أو (حدثنا أبو بكر بن الخلاد)،: أو (حدثنا أبو الطاهر بن السرح) أو: (عن أبي إسحاق الهمْداني) أو: (عن أبي حمزة القصاب)، أو: (حدثنا أبو السعيد مولى بني هاشم).\nوالصورة الثانية أسهل في الوقوف عليها من الصورة الأولى، لما في القيد من فائدة التمييز، ومن ذكر\nمنها باسمه مع كنيته كـ (أبي كريب) فلا يشكل ذكر كنيته في شيء.\nالطريق إلى تمييزهم:\n\nيقع بالرجوع إلى نوعين من التصانيف:\n\nالنوع الأول: الجوامع من كتب تراجم الرجال، كالجوامع الثلاثة المتقدم ذكرها، وذلك في فصل خاص عقد في أواخرها في الكنى، وهي مرتبة على حروف المعجم، وكنى النساء بعد أسمائهن في \" تهذيب الكمال \" وبعد كنى الرجال في \" الجرح والتعديل \".\n\nوالنوع الثاني: كتب خاصة ألفت في (الكنى)، ككتاب \" الكنى والأسماء \" للإمام مسلم بن الحجاج صاحب \" الصحيح \" (المتوفى سنة: ٢٦١)، و\" الكنى والأسماء \" للحافظ أبي بشر الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠)، و\" الاستغناء في","vol":"1","page":77},{"text":"معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى \" للحافظ أبي عمر بن عبد البر (المتوفى سنة: ٤٦٣).\nواعلم أن الذين يذكرون من الرواة بالكنى على أقسام:\n١ - من تكون كنيته اسمه.\nمثاله: (أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي) أحد فقهاء المدينة السبعة.\nو(أبو حصين بن يحيى بن سليمان الرازي) قال أبو حاتم الرازي: قلت له: هل لك اسم؟ قال: لا، اسمي وكنيتي واحد، فقلت: فأنا قد سميتك عبد الله، فتبسم (١).\n٢ - من اشتهر بكنيته، ولا يدري إن كان له اسم غيرها أم لا.\nمثاله: (أبو بكر بن نافع مولى ابن عمر)، و(أبو بكر بن عياش).\nهذا القسم والذي قبله إن بحثت عنهم في النوعين السابقين من كتب التراجم وقفت على أمرهم فيها، جميعها أو في بعضها.\nعلى أنك تحتاج إلى استحضار الأمرين الذين نبهتك عليهما في (تميز الأسماء) وهما مراعاة طبقة الراوي من خلال موضعه في الإسناد، والكتاب الذي هو مظنة لوجوده فيه.\n٣ - من اشتهر بكنيته واختلف في اسمه.\nمثاله: (أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم)، فقيل في اسمه: (بكير) وقيل غير ذلك.\nفهذا إذا بحثت عنه في \" تاريخ \" البخاري وجدته في \" الكنى \"، بينما ذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه (بكير) من حرف الباء، وفي \" تهذيب الكمال \" في (الكنى)، فتفطن لمثل هذا فليس له قاعدة.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٣٦٤).","vol":"1","page":78},{"text":"أما كتب الكنى المستقلة كالثلاثة التي ذكرت، فذكره فيها من شرطها.\n٤ - من اشتهر بكنيته وله اسم معروف.\nمثاله: (أبو عاصم النبيل) و(أبو العالية الرياحي) و(أبو إدريس الخولاني).\nوهذا أكثر الأقسام ورودًا في الأسانيد، وهو لا يذكر في فصل (الكنى) في كتابي البخاري وابن أبي حاتم، إنما من كان منهم من شرط \" تهذيب الكمال \" وجدته فيه، ومن لم يكن في شرطه فربما وجدته في كتب الكنى المستقلة، وربما لم تجده؛ لأنها لم تستوعب جميع ذلك.\nعلى أنك إذا جئت إلى من يذكر بالكنى ممن بعد مسلم والدولابي ومن قرب من طبقتهما ممن ألف في ذلك، فإنه يشق الوقوف عليه، وبخاصة من كان من هذا القسم منهم، وابن عبد البر مع تأخر زمانه إلا أنه اقتصر على أصحاب الكنى قبل شيوع التصنيف في الحديث، إلى نحو أواسط المئة الثالثة.\nفالطريق الأقرب لاكتشافهم بعلامة أخرى في الإسناد، على ما يأتي في (المبحث الثالث).\n٥ - من ذكر بكنية، وهو مشهور باسمه.\nمثاله: (أبو حفص عمر بن الخطاب) و(أبو الحسن علي بن أبي طالب) و(أبو عبد الله بن مالك بن أنس) و(أبو بسطام شعبة بن الحجاج).\nوهذا الصنف ذكره على سبيل التتمة للأقسام، وإلا فإنهم لا يذكرون في الأسانيد بكناهم دون أسمائهم.\n\nومما عليك أن تلاحظه:\nأن من الرواة من يذكر بكنيته منسوبًا إلى أبيه أو جده بكنية الأب أو الجد، مثاله:","vol":"1","page":79},{"text":"(أبو القاسم بن أبي الزناد)، اسم أبيه: عبد الله بن ذكوان.\n(أبو بكر بن أبي شيبة)، هو: عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان، و(أبو شيبة) كنية جده إبراهيم.\n(أبو عبيدة بن أبي السفر)، هو: أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي سفر، واسم (أبي السَّفر) سعيد بن يحمد.\nكما ينبغي أن تلاحظ أن من الألقاب ما أتى على لفظ الكنية، كما سيأتي في (تمييز الألقاب).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>الدلالة الثالثة: تمييز الأنساب</span>\n\n(النسب) تكون إلى قبيلة أو الجد أو البلد أو الصنعة أو غير ذلك، وهي واقعة في الرواة على الوجوه المختلفة.\nمن أمثلتها:\n(الأشجعي) يروي عنه أبو النضر هاشم بن القاسم وطبقته، هو: عبيد الله بن عبيد الرحمن، ونسبته إلى القبيلة.\n(المسعودى) يروي عنه أبو نعيم الفضل بن دكين وطبقته، هو: عبد الرحمن بن عبد الله، ونسبته إلى الجد.\n(الفريابي) من أصحاب سفيان الثوري، هو: محمد بن يوسف، ونسبته إلى البلد.\n(المجمر) من أصحاب أبي هريرة، هو: نعيم بن عبد الله، ونسبته إلى صنعة، وهي تجمير المساجد، أي تطيبه بالبخور.\nوما من راو ٍإلا وله نسبة، وليس يعني الباحث في الرجال معرفة ذلك إلا بمقدار ما يفيد في التعريف بشخصية الراوي.","vol":"1","page":80},{"text":"كذلك المقصود ههنا: من يأتي من الرواة في الأسانيد بنسبه فقط، أو بنسبه مع علامة لا تساعد في تمييزه، أما من يأتي اسمه مقرونًا بنسبه، وهو كثير في الرواة جدًا، فهذا ليس معنيًا بهذه الدلالة لإمكان الوقوف عليه بطريق سهلة.\n\nالطريق إلى تميزها:\nبالنظر فيما يأتي:\n١ - فصل خاص في (الأنساب) في أواخر \" تهذيب الكمال \" وفروعه، وذلك إذا كان الراوي من شرط \" التهذيب \".\n٢ - كتب مخصوصة مؤلفة في (الأنساب) رتبت على حروف المعجم.\nوليس فيها أفضل ولا أجمع من كتاب \" الأنساب \" للحافظ أبي سعد السمعاني (المتوفى سنة: ٥٦٢).\nلكنك قد لا تقف على بغيتك فيه، فإنه يذكر النسبة ويذكر أمثلة ممن يندرج تحتها من الرواة أو غيرهم، ولا يستقصي.\n٣ - يقع في (الأنساب) الاشتباه كثيرًا في الرسم والضبط، فربما وجدت بغيتك في كتب (المشتبه)، خصوصًا الثلاثة التي أسلفت ذكرها في (تمييز الأسماء).\n٤ - إن وقعت النسبة إلى بلد، فارجع إلى اسم ذلك البلد في \" معجم البلدان \" للعلامة المؤرخ ياقوت الحموي (المتوفى سنة: ٦٢٦).\nفإن عجزت فارجع إلى المرحلة الثانية في المبحث التالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الدلالة الرابعة: تمييز الألقاب</span>\n\nاللقب: أن يدعى الإنسان بغير اسمه من الأوصاف التي تلحقه لسبب، وتجيء مدحًا وهو قليل، مثل: (الصديق، والصادق، وزين العبدين)، أو","vol":"1","page":81},{"text":"ذمًا وهو الغالب، مثل ما يتبع صفة خلقية وهو كثير، كـ (الأعمى، والأصم، والأعرج، والأسود، والأزرق) أو أمرًا آخر كـ (غندر) وقيل معناه (المشغب).\nكما يأتي أحيانًا بصيغة الكنية، وهو لقب، مثل: (أبي الزناد) لقب عبد الله بن ذكوان، وكنيته (أبو عبد الرحمن). ومثل: (أبي الشيخ) لقب أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني.\nومجيء الراوي في الأسانيد بلقبه كثير شائع، ويأتي في الغالب مهملًا من علامة زائدة، فترى قول المحدث:\n(عن الأعرج) يعني عبد الرحمن بن هرمز.\nو(عن الأعمش) يعني سليمان بن مهران.\nو(حدثنا بندار) يعني محمد بن بشار.\nوالتيقظ لذلك من مهمات علم الرجال، والغلط فيه يقع كثيرًا، فربما تبادر إلى ذهنك أنه اسم فتذهب تبحث عنه في الأسماء فلا تراه فيها، فتحسب أنه غير موجود.\nفلو جئت إلى قول ابن أبي فديك: حدثني حماد بن أبي حميد الزرقي، عن عون بن عبد الله، في حديث خرجه أبو عبد الله بن ماجة في \" سننه \" (١)، فإنك لا يتبادر إلى ذهنك أن (حمادًا) لقب، لمجيء مثله في الأسماء عادة، وستذهب للبحث عنه فيها.\nنعم؛ لو بدأت بـ\"تهذيب الكمال \" أو بعض فروعه وعدت إلى من اسمه (حماد) وجدت الإحالة على اسمه الحقيقي، وذلك لما لقي رجال الأئمة الستة من العناية، لكن هب أنك عدت إلى \" تاريخ\"\nالبخاري أو\n_________\n(١) الحديث (رقم: ٤١٩٧) من كتاب (الزهد).","vol":"1","page":82},{"text":"\" الجرح والتعديل \" فإنك سوف لن تجد له ذكرًا فيمن اسمه (حماد)، ولو كان الرجل ليس من شرط \" تهذيب الكمال \" فليس لك حيلة للكشف عن حقيقته في الأسماء، وحينئذ فلا تعجل بالنفي، فجائز أن يكون لقبًا.\nومن أشد ما يقع التغرير به من ألقاب الرواة مجيء الراوي بلقبه منسوبًا إلى أبيه، كهذا المثال، وكقول المحدث: (حدثنا وهبان بن بقية) أو (عارم بن الفضل) أو (عبدان بن عثمان)، فهؤلاء مذكورون بالألقاب لا بالأسماء، فـ (وهبان): وهب، وعـ (عارم) محمد، و(عبدان) عبد الله.\nالطريق إلى تمييزها:\nبالبحث فيما يلي:\n١ - \" تهذيب الكمال \" وفروعه في فصل خاص في أواخرها.\n٢ - كتب مفردة في هذا الباب، من أجمعها كتاب \" نزهة الألباب في الألقاب \" للحافظ ابن حجر العسقلاني.\n٣ - كتب (المشتبه) في أفراد من تلك الألقاب ليست كثيرة.\n٤ - في بعض معاجم اللغة، كـ\" القاموس المحيط \" وغيره ضمن المواد اللغوية، والبحث عن اللقب فيها كالبحث عن أي مادة لغوية بالتجريد من الحروف الزائدة في الكلمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>حكم استعمال ألقاب المحدثين في دراسة الأسانيد:</span>\nتعريف الراوي باسمه أو كنيته أو نسبه؛ هو الأصل في تمييز الناس، ولو نقل عن إنسان كراهته لاسم أو كنية أو نسب عرف بها واشتهر، فلا ينبغي أن يرد في ذلك محذور، وإن لم يأت على رضاه، أما الألقاب فإنه قد دخل الحرج على بعض أهل العلم من التعريف بما كان يرجع منها إلى قبح وذم، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الفُّسُوقُ","vol":"1","page":83},{"text":"بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١]، ووجدوا النقل عن بعض الرواة بكرا هتهم لما لقبوا به.\n\nوالتحقيق:\nأن هذه الألقاب أصبحت لمن عرف وشاع ذكره بها بمنزلة الاسم العلم، لا تذكر على سبيل الانتقاص، فلا تتصور محدثًا يأتي على ذكر (الأعمش) في إسناد وهو يقصد شينه بصفة العمش، إنما هو في استعماله بمنزلة قوله: (سليمان بن مهران)، بل ربما اقترن عنده ذكر (الأعمش) بأجمل الصفات اللائقة به ﵀، فهو يستحضر (الأعمش) الأمام الثقة الحافظ المتقن القارىء الصالح.\nوأنت ترى في الأسماء ما لو رجعت إلى أصله ومعناه وأصل اشتقاقه لو جدته يرجع إلى معنى غير محمود، لكن حيث عرف به المسمى به وصار علمًا عليه فقد أهمل اعتبار أصله، فلا فرق في اعتبار هذا المعنى في الألقاب لنفس العلة.\nقال عبدة بن سليمان (مروزي ثقة): سمعت ابن المبارك وسئل عن (فلان القصير) و(فلان الأعرج) و(فلان الأصفر) و(حميد الطويل)؟ قال: \" إذا أراد صفته ولم يرد عيبه فلا بأس \" (١).\nوقال أبو بكر الأثرم: سمعت أحمد - يعنى ابن حنبل - سئل عن الرجل يعرف بلقبه؟ قال: \" إذا لم يعرف إلا به جاز \" ثم قال: \" الأعمش إنما يعرفه الناس بهذا \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٤٤) بإسناد صحيح، وذكره ابنُ حجر في \" نزهة الألباب \" (١/ ٤٥) لكن وقع فيه: (عبدة بن عبد الرحيم)، وهذا أيضًا مرزويٌّ ثقة.\n(٢) نزهة الألباب، لابن حجر (١/ ٤٥).","vol":"1","page":84},{"text":"وقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد سئل عن الرجل يكون له اللقب، لا يعرف إلا به، ولا يكرهه؟ قال: \" أليس يقال: سليمان الأعمش، وحميد الطويل؟ \" كأنه لا يرى به بأسًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>الدلالة الخامسة: تمييز الأبناء</span>\nالمراد بهذا من يأتي من الرواة في الأسانيد بصيغة (ابن كذا).\nوهو الواقع في رجال الحديث بإضافة (ابن) إلى:\n١_ الأب، كقول المحدث: (حدثني ابن إسحاق) يعني محمدًا صاحب \" السيرة \" و(عن ابن أبي ليلى) يعني عبد الرحمن، أضيف إلى أبيه بكنية الأب، وكذلك هو محمد عبد الرحمن بن أبي ليلى، أضيف إلى جده.\n٢ - الجد، كقول المحدث: (عن ابن جريج) يعني عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أضيف إلى جده، و(عن ابن شهاب) يعني محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وأضيف إلى جد أعلى.\nو(حدثنا ابن منيع) يتبادر أنه نسبة للأب، وهو كذلك في الحافظ (أحمد بن منيع)، ولا يشكل هذا، لكنه يشكل في ابن ابنته (أبي القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي)، فإن كثيرًا من المحدثين يقول فيه: (ابن منيع) ينسبه إلى جده من قبل أمه.\n٣ - الأم، كقول المحدث: (حدثنا ابن علية) يعني إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، أضيف إلى أمه.\nوحكي أنه كان يكره ذلك (٢)، ومن أجل كراهته فقد كان الإمام أحمد روى عنه في \" المسند \" حديثًا كثيرًا، لا يكاد ينسبه إلا إلى أبيه.\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٨٣).\n(٢) انظر: الجامع لأخلاق الراوي للخطيب (رقم: ١٢٣٧) في سياق خبرٍ في تأييد ذلك.","vol":"1","page":85},{"text":"٤ - العم، كقول المحدث: (حدثنا ابن أخي ابن وهب) يعني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، أضيف إلى عمه عبد الله بن وهب.\n\nالطريق إلى تمييز ذلك:\nليس بين أيدينا مصنف خاص في تمييز من يأتي على هذه الصفة من الرواة، سوى فصل تراه آخر \" تهذيب الكمال \" وفروعه نافع، ومن لا يعرف اسمه من الرواة ربما وجدته في آخر \" الجرح والتعديل \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>الدلالة السادسة: تمييز النساء</span>\n\nالروايات من النساء قليلات، وكثير منهن لا تقف لهن في تراجمهن على أكثر من ذكر أسمائهن.\nوأسماء النساء ظاهرة في الغالب، فإذا وافقك ذكر امرأة في الإسناد، فطريق الوقوف على ترجمتها بالرجوع إلى:\n١_ فصل (النساء) من \" تهذيب الكمال \" وفروعه في آخر الكتاب.\n٢ - جزء خاص في \" الطبقات الكبرى \" للحافظ محمد بن سعد (المتوفى سنة: ٢٣٠) وهو آخر الكتاب، عقد النساء.\n٣ - \" الثقات \" لابن حبان، وطريقته ذكر أسماء الرجال في كل طبقة على الحروف، ثم يتبعها أسماء النساء من ذلك الحرف.\n٤ - وللصحابيات انظر: آخر \" الإصابة \" لابن حجر، ولغيرهن فصلًا في (النسوة المجهولات) في آخر \" الميزان \" للذهبي.\n٥ - وفي بعض كتب البلدان، مثل \" تاريخ دمشق \" لا بن عساكر، في آخره.\n٦ - وأجمع ما كتب في ذكر في أسمائهن لكنه لم يقتصر منهن على","vol":"1","page":86},{"text":"المحدثات، كتاب \" أعلام النساء \" للعلامة المؤرخ عمر رضا كحالة، وفيه فوائد جمة.\nوقولي فيما تقدم: (أسماء النساء ظاهرة في الغالب) وأشير إلى وقوع اللبس في بعض ذلك نادرًا، فـ (أسماء) و(جويرية) من أسماء النساء عادة، و(طلحة) من أسماء الرجال عادة، لكنك تجد في الرجال (أسماء بن الحكم) وغيره، و(جويرية بن أسماء) وغيره، وفي النساء (طلحة أم غراب)، وهكذا، ولا يقع الإشكال في ورود الاسم منسوبًا إلى الأب أو بعلامة تزيل الاشتباه، وإنما يقع فيما يأتي مهملًا من الأسماء، مثل (جويرية) المذكور آنفًا.\nوربما بحثت عن المحادثة فلم تجد لها ترجمة ولا ذكر في غير الإسناد الذي وجدتها فيه، فانتبه لذلك.\n\nتتمة:\nما تراه من الصفات زائدة تذكر في الراوي في سياق الإسناد غير ما تقدم ذكره في الدلالات آنفًا، مثل نسبة الراوي إلى مولاه، كقول المحدث: (عن نافع مولى ابن عمر)، أو ذكر صفات ثناء أو جرح للراوي كقول المحدث: (حدثنا فلان وكان ثقة)، أو: (وكان ضعيفًا)، أو حكاية بعض شأنه أو عام تحديثه أو بلد تحديثه، أو غير ذلك، فكله مفيد في التعريف بالراوي، وهو بمنزلة القيد المساعد للوقوف على حقيقته، لكن لا يقوم شيء من ذلك مجردًا كعلامة لتحقيق ذلك.\n\n* * *","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الثالث:\n\nتميز الراوي بمعرفة شيوخه وتلاميذه وطبقته</span>\nهذا الفصل يمثل (المرحلة الثانية) من البحث عن الراوي وتمييزه.\nوقد تقدم في (المبحث السابق) توضيح المفاتيح الأولى للوقوف على الراوي في كتب التراجم، وتكون تلك المفاتيح في الغالب قائدة إليه ودالة عليه، وفي أحيان كثيرة لا تسعفك في الوقوف على المراد مع الوضوح في العلامة، بسبب الاشتراك في الأسماء.\nوعلى أي الحالين فأنت محتاج إلى مراعاة ما سأبينه لك في هذا الفصل لسببين:\nأولهما: إذا وقفت على الاسم في كتب التراجم، فلا يصح الجزم بأنه هو المراد بمجرد اتباع تلك الخطوة من البحث حتى تنضم إليها قرائن أخرى يتحصل بها اليقين بأنه المقصود.\nوثانيهما: إذا وقفت عليه ضمن عدد كلهم يسمون بمثل اسمه ويشاركونه في تلك العلامة الظاهرة، فإنه يتعذر عليك معه أن تقول بمجرد اعتماد الاسم: هو فلان، وإنما تحتاج إلى وسيلة محددة للمقصود.","vol":"1","page":88},{"text":"والإبانة عن ذلك وتوضيحه في فرعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الفرع الأول: تمييز الشيوخ والتلاميذ</span>.\nالفرع الثاني: تمييز طبقات الرواة.\nوفهم هذين الأصلين مقدمة في غاية الأهمية لمرحلة البحث في اتصال الإسناد أو انقطاعه، أو لكشف إمكان سماع الراوي ممن فوقه في الإسناد أو عدمه، فإليك شرح ذلك:\n\nالفرع الأول تمييز الشيوخ والتلاميذ\n\nالشيخ: هو الراوي وقع حمل الخبر عنه في الإسناد.\nوالتلميذ: هو الراوي الآخذ عن ذلك الشيخ في الإسناد.\nوالأخذ للخبر حاصل بصيغة من صيغ التحمل، مثل: (حدثنا) و(سمعت) و(عن) و(قال) وشبهها.\nفقول البخاري مثلًا: (حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن سعيد)، ابن المثنى شيخ للبخاري، وتلميذ ليحيى بن سعيد.\nوالعبرة ههنا في ذكر (الشيخ) و(التلميذ) بناء على مجرد وقوع الرواية على تلك الصفة ولو مرة، وليس لها ارتباط بصغر التلميذ وكبر الشيخ، ولا بكثرة ما وقع للتلميذ من الرواية عن الشيخ أو قلة ذلك.\nوهذا يقتضي منك أن تنتبه إلى صور واقعة في الأسانيد تأتي على غير المعتاد، مما قد يثير عندك ريبة في صواب الإسناد، أهمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>١ - رواية الآباء عن الأبناء</span>.\nوقوع رواية الأبناء عن الآباء جار على الجادة لا يحتاج إلى تنبيه","vol":"1","page":89},{"text":"خاص، لكن مجيء الصورة معكوسة مما يجدر أن يلاحظ، نعم؛ ليس له أمثلة كثيرة، إلا أن ملاحظته من دقائق الفن.\nمثاله:\nقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، وغياث بن جعفر الرحبي، قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا وائل بن داود، عن ابنه، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ أولم على صفية بسويق وتمر (١).\nفمثل هذا قد يحسبه المبتدئ تحرف عن (ابنه) من (عن أبيه)، وإنما هو بكر بن وائل بن داود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>٢ - رواية الأكابر عن الأصاغر</span>.\nالمراد هنا من كان متقدمًا في السن أو الشيوخ يروي عمن تأخر في السن أو الشيوخ ممن يكون في طبقة تلاميذه، وهي كسابقتها لا تجد كثرة وقوعها، لكنها ربما أوردت الريبة إذا وقعت.\nمثالها:\nقال النسائي: أخبرنا عمرو بن علي، ومحمد بن بشار، ومحمد بن المثنى، قالوا: أنبأنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول أخبرني مالك بن أنس، أن ابن شهاب أخبره، أن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي أخبراه، أن أباهما محمد بن علي أخبرهما، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن متعة النساء.\nقال ابن المثنى: يوم حنين، وقال: هكذا حدثنا عبد الوهاب من كتابه (٢).\n_________\n(١) سنن ابن ماجة (رقم: ١٩٠٩).\n(٢) سنن النسائي (رقم: ٣٣٦٧).","vol":"1","page":90},{"text":"فـ (يحيى بن سعيد) في الإسناد أول ما يتبادر إلى الذهن في الرواة عن مالك هو القطان، فإنه كان من تلامذته، ولو قال قائل: هو الأنصاري، فهذا لا يتصور في العادة، فإن الأنصاري تابعي ومن مشاهير شيوخ مالك وأعيانهم، ومالك من أتباع التابعين، كذلك عبد الوهاب الراوي عن يحيى هو ابن عبد المجيد الثقفي من أقران مالك.\nلكن هكذا نزل الأنصاري في هذا الإسناد ليروي عن تلميذه مالك، وجاءت رواية الترمذي لهذا الحديث مصرحة بأنه (الأنصاري) (١).\nومن ذلك: رواية صالح بن كيسان عن الزهري. صالحٌ أكبر من الزهري، وقد رأى صالح ابن عمر \" (٢).\nورواية إسماعيل بن أبي خالد عن فراس بن يحيى.\nقال أحمد بن حنبل: \" فراس ثقة، روى عنه إسماعيل، وإسماعيل أكبر منه سنًا \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>٣ - رواية الأقران:</span>\nالقرين من الرواة: من يجتمع مع الراوي الآخر في الطبقة أو الشيوخ والتلاميذ.\nوهذه حاصلة بكثرة في الرواة، كرواية سفيان الثوري عن شعبة بن الحجاج، ورواية شعبة عن الثوري.\nقال النسائي: أخبرنا أحمد بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن الوليد،\n_________\n(١) الجامع، للترمذي (رقم: ١٧٩٥).\n(٢) العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٣٦٠).\n(٣) سؤالات أبي داود للإمام أحمد (النص: ٣٦٠).","vol":"1","page":91},{"text":"قال: حدثنا سفيان، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قطع أبو بكر ﵁ في مجن قيمته خمسة دراهم (١).\nفسفيان هذا هو الثوري، روى عن قرينه شعبة، ولو سألت: كيف تميز لك سفيان هنا بكونه الثوري؟ قلت: عن طريق تلميذه عبد الله بن الوليد، فهو معروف به، وحديثه، وأخذه عنه مشهور، بل هو راوي \" الجامع \" للثوري.\nقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عمرو بن محمد الناقد، قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي، حدثنا شعبة، أخبرني سفيان، عن علي بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا آكل متكئًا \" (٢).\nوهذه رواية شعبة عن قرينه سفيان.\nهذه الصورة من رواية الأقران إذا روى القرينان أحدهما عن الآخر يسمونها (المدبج)، وتجد كذلك رواية القرين عن قرينه دون رواية الآخر عنه، ووقوعه أولى، لكن (المدبج) ألطف الصورتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٤ - رواية السابق واللاحق:</span>\nالراوي يحدث عنه رجل من القدماء، ثم يعيش ذلك الراوي بعد ذلك الرجل زمانًا إلى أن يدركه بعض أصاغر الرواة فيحدثون عنه.\nوفائدة معرفة هذه الصورة دفع ظن الغلط في تلاميذ الراوي، فإنك\n_________\n(١) السنن، للنسائي (رقم: ٤٩١٢). والمِجَنُّ: الترس وشبهه.\n(٢) المعجم الكبير، للطبراني (٢٢/ ١٣١ رقم: ٣٤٤).\n\nوأخرجه الطحاوي في \" شرح مُشكل الآثار \" (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦ رقم: ٢٠٨٧) من طريق أخرى عن يعقوب الحضرمي، وفيه زيادة لطيفة: فقال رجل لشُعبة: من حدثك؟ فقال: \" أمير المؤمنين في الحديث سُفيان بن سعيد بن مسروق \"، وإسناده صحيح.","vol":"1","page":92},{"text":"ربما تسأل: كيف اتفق فلان وفلان في الرواية عن ذلك الشيخ، وبين وفاتيهما زمان بعيد؟\nمثاله:\nقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد يعني الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم (١).\nقال ابن حبان: \" ما روى ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وخالد تلميذه \" (٢).\nومحمد بن سيرين مات سنة (١١٠)، وبقي بعده شيخه في هذا الحديث خالد الحذاء إلى أن مات سنة (١٤١)، فكان ممن أدركه وحدث عنه: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ومات سنة (٢٠٤).\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن النبي ﷺ أنه قال: \" إن المسلم إذا عاد أخاه لم في خرفة الجنة حتى يرجع \" (٣).\nفهذان روايان اتفقا في التحديث عن خالد الحذاء، وبين وفاتيهما (٩٤) سنة.\nوهذا باب صنف فيه الحافظ الخطيب كتابًا سماه \" السابق واللاحق \" في\n_________\n(١) السنن، لأبي داود (رقم: ١٠٣٩).\nوأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني، ثقة، والإسناد صحيح، وفي قوله \" ثم تشهَّد \" كلام ليسَ هذا محله.\n(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حِبان (٦/ ٣٩٣) عقب الحديث المذكور (رقم: ٢٦٧٠).\n(٣) المسند (٥/ ٢٨٣). والخُرفة في الأصل: حيث يُجتنى الثمر، كبستان النخيل.","vol":"1","page":93},{"text":"كثير منه نظر من جهة ذكر بعض الكذابين الذين ادعوا السماع ممن لم يدركوهم من الشيوخ.\nوالمقصود هنا أن تتفطن لورود مثل هذه الصورة ولا تستبعد وقوع مثل هذا الفارق في الزمن بين تلميذين لراو معين، أحدهما في واقع الأمر أعلى من طبقة الآخر بطبقتين، والجميع من الثقات والأسانيد إليهم صحيحة.\n\nما هو المرجع لمعرفة شيوخ الراوي وتلاميذه؟\nالطريق للوقوف على ذكر أسماء شيوخ الراوي أو تلاميذه هو الرجوع إلى الكتب الجوامع في تراجم الرجال كمراجعك للمرحلة الأولى من البحث.\nومن أكثرها عناية بذلك \" تهذيب الكمال \" للمزي، فإنه يجتهد أن يستوعب شيوخ الراوي وتلاميذه، ممن وقعت له رواية من أولئك الشيوخ والتلاميذ عند الأئمة الستة أو غيرهم، إلا أن يكون الراوي روى عن الكثير جدًا من الشيوخ مثل: (أحمد بن حنبل)، أو روى عنه الكثير من التلاميذ كـ (أبي هريرة) فلا يأتي على استيعابهم.\nفهو في التحقيق أنفعُ مرجع وأوثقه للتحقق من وقوع رواية المترجم عن شيخ ما، أو رواية عنه من تلميذ ما.\nومثل هذا البحث لا يفيدك فيه مجرد الرجوع إلى المختصرات في رواة الحديث، مثل كتاب \" تقريب التهذيب \" لابن حجر.\nإذا كان إسنادك الذي تبحث عن رواته مخرجًا في الكتب الستة أو بعض مصنفات الأئمة الستة الأخرى التي جعلها المزي من شرطه في كتابه، كـ\" السنن الكبرى \" للنسائي، و\" الأدب المفرد \" للبخاري، و\" الشمائل \" للترمذي، وغيرها مما ذكره في مقدمة \" التهذيب \"، فهذا الإسناد ستجد في ترجمة كل راوٍ من رواته ذكر جميع شيوخه في نفس تلك الكتب، وجميع","vol":"1","page":94},{"text":"تلاميذه فيها كذلك، فيفسر لك المزي اسم الشيخ أو التلميذ بما يزيل الشبهة عنه.\nوقد رتب ذلك ترتيبًا علميًا، فبدأ في كل ترجمة بذكر الشيوخ، فإذا ذكر التلاميذ، مرتبين على حروف المعجم: الأسماء، فالكنى، فالنساء.\nويرمز بعد اسم الشيخ أو التلميذ برمز من روى له من الأئمة الستة.\nنعم؛ أنبهك إلى انضباط تلك الرموز غالبًا لا دائمًا.\nويزيد في أسماء الشيوخ والتلاميذ ما وقف عليه خارج الكتب التي على شرطه كذلك.\nوهذا مثال بترجمة منه:\n(محمد بن أبي حفصة، واسمه ميسرة، أبو سلمة البصري.\nروى عن: علي بن زيد بن جُدعان، وعمرو بن دينار، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن زياد الجمحي ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (خ م مد س)، وأبي جمرة الضبعيِّ.\nروى عنه: إبراهيم بن طهمان (س)، وإسماعيل بن حمَّاد بن أبي حنيفة، وحمَّاد بن زيد (مد)، ورَوْحُ بن عبادة (م)، وسعدان بن يحيى اللَّخمي (خ)، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك (خ م)، ومعاذُ بن معاذٍ، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو إسماعيل المؤدبُ، وأبو معاوية الضرير) ... (١).\nتلاحظ كيف جاءت الأسماء مرتبة، ولا يكاد منها اسم إلا ويقع مثله في الأسانيد بعلامة لا تنبىء عن أمره بوضوح، فيأتيك في الأسانيد: ابن جدعان، وعمرو، وقتادة، وابن شهاب، أو الزهري، وأبو جمرة، وهكذا\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٥/ ٨٥ - ٨٦).","vol":"1","page":95},{"text":"في التلاميذ، فلو أنك نظرت في الإسناد فلم تجد فيه اسمًا أيسر للوقوف عليه من (محمد بن أبي حفصة) وعدت إلى ترجمته هذه لكفتك كثيرًا من الجهد للتعرف على شيخه وتلميذه.\nومن فائدة معرفة الشيوخ والتلاميذ كشف ما يقع من الغلط والتصحيف في أسماء الرواة، فعندك ههنا في شيوخ (ابن أبي حفصة): (أبو جمرة الضبعيُّ)، ويأتي في بعض الأسانيد غير منسوب، ويتصحف إلى (أبي حمزة) بالحاء المهملة أوله والزاي، فيشتبه مع بعض من هو في طبقته ممن يكنى بهذا ويأتي مهملًا من النسبة، فحين ترى في شيوخ الراوي: (روى عن أبي جمرة الضبعي) فإنه لا يبقى مجال للشك مع هذا التمييز.\nورأيت في الترجمة الرمز واقعًا بعد أسماء بعض الشيوخ والتلاميذ، لا بعد جميعها، فأما الشيوخ فلم يقع في الكتب الستة وما يتبعها على شرط \" تهذيب الكمال \" لابن أبي حفصة عنهم رواية إلا عن الزهري فقط، فله سبعة مواضع في الكتب المشار إليها، موضعان عند البخاري في \" صحيحه \" (خ) أحدهما من رواية عبد الله بن المبارك، والثاني من رواية سعدان بن يحيى عن ابن أبي حفصة، وعند مسلم في \" صحيحه \" (م) ثلاثة مواضع أحدهما من رواية ابن المبارك واثنان من رواية رَوْح بن عبادة عن ابن أبي حفصة، ومواضع عند أبي داود السجستاني في كتاب \" المراسيل \" (مد) من رواية حماد بن زيد عن ابن أبي حفصة (١)، ومواضع عند النسائي في \" السنن الكبرى \" (س)\nمن رواية إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي حفصة (٢)، وهو كل ماله عندهم من الأسانيد.\nوجميع من بقي من شيوخه وتلاميذه تجد الرواية عنهم في غير الكتب\n_________\n(١) المراسيل (رقم: ١٢٣).\n(٢) السنن الكبرى (رقم: ٥٧٨٧) ووقع فيه نسبة (ابن أبي حفصة) إلى اسم أبيه (محمد بن ميسرة).","vol":"1","page":96},{"text":"الستة وتوابعها من كتب الأئمة الستة، لكن استحضر أن الأمر في مثلهم أن المزي لم يقصد استيعابهم كما قصد إلى استيعاب رواة ما كان من الكتب على شرطه.\nولا تجد كـ\" تهذيب الكمال \" كتابًا ينفعك في هذا، إلا ما صار إليه الناس اليوم من جمع المعلومات في أجهزة الحاسب الآلي، وعمل الدراسات في تمييز الرواة، فإنهم إذا أتقنوها وأحسنوها فقد كفوا هما عظيمًا.\nويبقى تمييز الشيوخ والتلاميذ للراوي الذي لم يترجم في \" تهذيب الكمال \" عن طريق الجوامع التي ألفت في تراجم الرواة، والتي أهمها كما تقدم في (مرحلة البحث الأولى): \" تاريخ \" البخاري و\" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم، ومن جرى على الترجمة على طريقتهما من الكتب اللاحقة، ككتب الثقات والضعفاء، أو كتب تراجم لمؤلفات مخصوصة كـ\" تعجيل المنفعة \" لابن حجر، أو غير ذلك مما قدمت لك ذكره أو وصفه في (المبحث السابق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفرع الثاني تميز طبقات الرواة</span>\nمصطلح (الطبقة) كثيرًا ما يتردد في استعمال أهل الحديث، وربما رأيته في لسان أهل التاريخ، لكنه بالفريق الأول ألصق.\nومعنى الطبقة: الرواة المطابقون لبعضهم في الزمن حياتًا وموتًا، والمعتبر في المطابقة التقارب في أعمارهم ووفياتهم.\nفيقال: \" (أيوب السختياني) و(هشام بن عروة) طبقة واحدة، ذلك أن زمانهما واحد، ومن أدركاه من الشيوخ قد تقاربا فيه، ووفاتهما متقاربة كذلك.","vol":"1","page":97},{"text":"والتقارب اصطلاحي لا يعود إلى ضابط:\nفعند بعض العلماء: جميع الصحابة طبقة، وجميع التابعين طبقة، وجميع أتباع التابعين طبقة، وهذا روعي فيه الفضل والمنزلة.\nوعند بعضهم: الصحابة طبقات، والتابعون فمن بعدهم طبقات، وهذا روعي فيه القدم والسابقة والإدراك.\nوبعضهم: كل عشر سنين طبقة، وهذا أشبه بأن يكون لتيسير الحفظ والمعرفة، وهكذا.\nوالذي تتصل به فائدة في هذا العلم من هذا المبحث هو ما ينبني عليه تمييز المشترك من أسماء الرواة وكناهم وأنسابهم وألقابهم، ومعرفة إدراكهم بمن رووا عنه من عدمه.\nوهذا يتحقق بتمييز الطرفين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الطرف الأول: تمييز مواليد الرواة</span>\nاتصال الإسناد شرط لقبول الحديث، وتواريخ مواليد الرواة مقاييس لتصور إمكان اللقاء بين راويين وسماع أحدهما من الآخر، وبها يتم ابتداء حساب طبقته.\nوخذ له مثلًا:\nهذا فقيه التابعين سعيد بن المسيب، قال عن نفسه بأصح إسناد: \" ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، وكانت خلافته عشر سنين وأربعة أشهر \" (١).\nفهذا النص يعني أنه أدرك من حياة عمر ﵁ ثمان سنين،\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في \" الطبقات \" (٥/ ١١٩ - ١٢٠) بإسناد صحيح. ورُوي غيرُ ذلك، ولا يصح منه شيء.","vol":"1","page":98},{"text":"وكان بالمدينة، ومن كان بهذا السن جاز جدًا أن يسمع من عمر ومن قاربه في موته ومن تلاه، لكن حديثه عن أبي بكر الصديق ﵁ منقطع جزمًا، فقد مات قبل أن يولد.\nولكن لصغر سعيد يوم استشهد عمر، مع كثرة ما حدث عنه مما لا يحتمل سنه أن يكون سمعه من عمر؛ اختلف نقاد المحدثين في سماعه منه:\nفكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: \" هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل،؟ \" (١).\nوخالفه غيره.\nفقال عباس الدوري: سمعت يحيى - يعني ابن معين - يقول: \" سَعيد بن المسيب قد رأى عمرَ وكان صغيرًا \" قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر؟ فقال يحيى: \" ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا؟ \" (٢).\nوعبد الله بن وهب المصري الحافظ قبله قال: سمعت مالكًا - يعني ابن أنس - وسئل عن سعيد بن المسيب: هل أدرك عمر؟ قال: \" لا، ولكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكبَّ على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه \" (٣).\nفنفى مالك الإدراك مع إثباته ولادته في زمان عمر، وإنما يراد اصطلاحًا بالإدراك إدراك الزمان، لكن يشبه أن يكون مراد مالك إدراك السماع لصغر سنه.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٦١).\n(٢) التاريخ، ليحيى بن معين، رواية الدوري (النص: ٨٥٨).\n(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (١/ ٤٦٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":99},{"text":"فلاحظ! كم تقرر هذه القضية من أمر يعتمد عليه ثبوت الإسناد أو عدمه، كما تلاحظ من خلالها تحديد طبقة سعيد بن المسيب، فهو تابعي كبير، أما تابعيته فلإدراكه الصحابة، وأما كبره فلقدمه في الإدراك، فإن مولده كان بعد رسول الله ﷺ بنحو خمس سنين.\nواعلم أن تحديد مواليد الرواة لم يعتن به الناس كما اعتنوا بحفظ وفيات الشيوخ، خصوصًا في الطبقات الأولى، ولذلك يقل في الرواة من تذكر سنة ولادته، وربما كان السبيل إلى تحديد مولده البحث في طريق أخرى تفيده ولو على وجه التقريب، ومما يستعمل في ذلك طرق، منها:\n١ - أن يحفظ تحديد عمر الراوي مع سنة وفاته، فيطرح عمره من تاريخ وفاته، فيخلص إلى مولده.\nمثاله:\n(عامر بن شراحيل الشعبي) اختلفوا في عمره، فمنهم من قال: (٧٧) سنة، ومنهم من قال: (٧٩) سنة، ومنهم من قال: (٨٢) سنة، ومات سنة (١٠٤) أو بعدها بقليل، فلو نظرت مولده بهذا الاعتبار وجدته سنة (٢٧) أو (٥٢) أو (٢٢).\nوهذا يعني أنه ولد قبيل مقتل عمر ﵁، أو بعيده في خلافة عثمان ﵁.\nوروى عن جماعة من الصحابة قيل في روايته عنهم: (مرسلة لم يسمع منهم)، هم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وطلحة ين عبيد الله، وأسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، وعوف بن مالك الأشجعي، وعائشة أم المؤمنين، وأم هانىء بنت أبي طالب، وعبد الله بن عمر.\nويمكنك أن تحقق إمكان السماع من عدمه في حق الشعبي من هؤلاء الصحابة، وذلك بالنظر في وفاة كل منهم وكم أدرك الشعبي من زمانه.","vol":"1","page":100},{"text":"٢ - أن يقارن بآخر قد عرف مولده أو سنه.\nمثاله:\nقال الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي: \" أبو إسحاق أكبر من عبد الملك بن عمير بسنتين \" (١).\nأبو إسحاق هذا هو عمرو بن عبد الله السبيعي، مولده سنة (٣٢) أو نحوها، فيكون عبد الملك قد ولد سنة (٣٤) أو نحوها، وحيث إنه مات سنة (١٣٦) فهو قد زاد على المئة سنتين، وقد قال ذلك خليفة بن خياط (٢).\n٣ - أن يكون مقبول الرواية ويحفظ عنه السماع الصريح في روايته من شيخ قد علمت سنة وفاته، فيستدل بوفاة ذلك الشيخ على وقوع مولد التلميذ قبلها بزمن تمكن فيه من السماع منه.\nمثاله: (أبو البختري سعيد بن فيروز الطائي) رجل من ثقات التابعين، تكلموا في إدراكه لجماعة من الصحابة وسماعة منهم: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، وعبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعائشة أم المؤمنين، ورافع بن خديجة، وأبي سعيد الخدري.\nلكن قد ثبت عن أبي البختري قال:\nأتينا عليًا فسألناه عن أصحاب محمد ﷺ، فقال: عن أيهم؟ قال: قلنا: حدثنا عن عبد الله بن مسعود، قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علمًا، قال: حدثنا عن أبي موسى، قال: صبغ في العلم صبغة، ثم خرج منه، قال: قلنا: حدثنا عن عمار بن ياسر، فقال: مؤمن\n_________\n(١) معرفة الثقات، للعجلي (الترجمة: ١٣٩٤).\n(٢) الطبقات، لخليفة بن خيَّاط (ص: ١٦٣).","vol":"1","page":101},{"text":"نسي، وإذا ذكر، قال: قلنا: حدثنا عن حذيفة، فقال: أعلم أصحاب محمد بالمنافقين، قال: قلنا: حدثنا عن أبي ذر، قال: وعى علمًا ثم عجز فيه، قال: قلنا: أخبرنا عن سلمان، قال: أدرك العلم الأول والعلم الآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت، قال: قلنا: فأخبرنا عن نفسك يا أمير المؤمنين، قال: إياها أردتم؟ كنت إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتدئت (١).\nفهذا الخبر صريح في لقائه علي بن أبي طالب ﵁ وسماعه منه ضمن من أتاه فسأله عن هؤلاء الصحابة.\nوإذا كان في موضع من يأتي عليًا ليسأله مثل هذه المسائل، أو يسأل علي بحضرته وهو يدرك تلك المسائل، فهو في سن تؤهله لذلك، وإذا لم نصحح سماعه ممن تقدم عليًا في الوفاة من الصحابة، فإنه قد أدرك عليًا فمن بعده من الصحابة المذكورين آنفًا: زيد وعائشة ورافع وأبي سعيد، فإنهم جميعًا ماتوا بعد علي.\n\nتنبيه:\nقد يرد ذكر سماع الراوي من شيخ علمت سنة وفاته، لكن يكون السماع غير محفوظ، ويرجع إلى وهم من ثقة أو ادعاء من مجروح، أو سقط وتحريف في نسخة، فلاحظ ذلك وتحقق من ثبوت السماع.\nوهاك أمثلة:\nالمثال الأول: قال خلف بن خليفة: رأيت عمرو بن حريث صاحب النبي ﷺ وأنا غلام صغير (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد (٢/ ٣٤٦) من طريق الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّة، عن أبي البختَري، به.\nوإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الترمذي في \" الشمائل \" (بعد الحديث رقم: ٣٩١).","vol":"1","page":102},{"text":"وفي رواية: وأنا يومئذ ابن ست سنين (١).\nهكذا زعم خليفة، وهو رجل كان ثقة فتغير في آخر عمره، وهذه الدعوى عدت وهمًا منه عند بعض أهل التحقيق، ولم يتجاسر آخرون على إنكارها من أجل ما ثبت لهم من وصف خليفة بالصدق.\nوسبيل من أنكرها أصح في النقد، وذلك أن عمرة بن حريث ﵁ توفي سنة (٨٥) وخليفة توفي سنة (١٨١) أو بعيدها، وجزم ابن سعد بأنه حين مات كان ابن (٩٠) سنة أو نحوها (٢)، وقال غيره: له (١٠١) سنة، فعلى عمره الأول يكون مولده سنة (٨٠) فيكون أدرك من حياة عمرو خمس سنين.\nوالذي يفصل في بيان الصواب في عمر خليفة ما ورد عنه من قوله: \" قرض لي عمر بن عبد العزيز وأنا ابن ثماني سنين، وفرض لأخ في وهو ابن ست سنين وألحقنا بموالينا \" (٣).\nوعمر إنما ولي الخلافة سنة (٩٩) بلا خلاف، فلو كان فرض لخليفة في أول ولايته، فاطرح ثمانية وهي عمر خليفة يومئذ من (٩٩) فيكون مولده سنة (٩١) وهذا المتفق مع ما قال ابن سعد.\nفيتحصل من ذلك أن خليفة ولد بعد موت عمرو بن حريث بست سنين، فأنى له أن يراه؟\nإذا ليس هو بتابعي، بل كأقرانه من طبقة أتباع التابعين، ودعواه تلك وهم منه.\n_________\n(١) أخرجها عبد الله بن أحمد في \" العلل ومعرفة الرجال \" (رقم: ٥٦٥١).\n(٢) الطبقات الكبرى (٧/ ٣١٣).\n(٣) أخرجه ابن عديٍّ في \" الكامل \" (٣/ ٥١٣) بإسناد صحيح إليه.","vol":"1","page":103},{"text":"ولذا ذكر الإمام أحمد بن حنبل خلفًا وقوله رأيت عمرو بن حريث، فقال أحمد: قال ابن عيينة: \" كذب، لعله رأى جعفر بن عمرو بن حريث \" (١).\nوقال أبو الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - يسأل: رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ \" قال أبو عبد الله: \" هذا ابن عيينة وشعبة والحجاج لم يروا عمرو بن حريث، يراه خلف؟ ! ما هو عندي إلا شُبَّه عليه \" (٢).\n\nالمثال الثاني: قال الترمذي حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن أيوب بن موسى، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ:\n\" من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف ولكن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(ميم) حرف \" (٣).\nفقول القرظي: (سمعت عبد الله بن مسعود) يثبت أنه تابعي قديم يلحق بطبقة علقمة والأسود من أصحاب ابن مسعود، وحيث أن ابن مسعود مات سنة (٣٢) أو (٣٣)، فهذا يعني إدراك القرظي لعثمان بن عفان ﵁ وجميع من مات بعد ابن مسعود من الصحابة.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله بن أحمد (رقم: ٤٤٥٨، ٥٦٥٢، ٥٦٥٣، ٦٠٣٢).\n(٢) تهذيب الكمال (٨/ ٢٨٧). والحجاج هو ابنُ أرطأة.\n(٣) الجامع، للترمذي (رقم: ٢٩١٢). والحديث مُخرَّجٌ بشرحِ علته في ذيل تحقيقي لكتاب \" الرد على من يقول (الم) حرف \" لأبي القاسم بن مَنده.","vol":"1","page":104},{"text":"والإسناد بهذا إليه صحيح، ولذا قال الترمذي في الحديث: \" حديث حسن صحيح \".\nوازدادت الشبهة بقول قتيبة بن سعيد: \" بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي ﷺ \"، فاعتمد ذلك أبو داود السجستاني فقال: \" سمع من علي ومعاوية وعبد الله بن مسعود \" (١).\nوالتحقيق أن ذلك وهم، فأما قول قتيبة الذي اعتمده أبو داود والترمذي فإنما حكاه عمن لا يعرف.\nورده البخاري بقوله: \" لا أدري حفظه أم لا \" (٢).\nوسبب ذلك أن المعروف عند أهل السير أن أباه كعبًا ممن نجا من القتل بحكم سعد بن معاذ في بني قريظة؛ لأنه لم ينبت بعد.\nولهذا عد كعبًا في الصحابة من توسع فذكر من ولد في حياة النبي ﷺ وإن لم يذكر برؤية أو رواية، كالحافظ ابن عبد البر، وهذا على شرط آخرين كابن حبان معدود في التابعين، وقد ذكره فيهم \" (٣).\nفمن كان أبوه محل تردد هل يعد في الصحابة أو لا يعد فيهم لصغره في أواخر حياة النبي ﷺ؛ فكيف لابنه أن يصح له السماع من الأقدمين؟\nوقد ذكروا أن محمد مات سنة (١١٨) أو (١١٧) وهو ابن ثمانين سنة.\nوهذا يعني أنه ولد سنة (٣٨) أو (٣٧)، فكيف يصح أن يثبت له سماع من ابن مسعود على ما تقدم في وفاته؟ وكيف يصح له من علي وقد استشهد سنة (٤٠)؟\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٦/ ٣٤٣).\n(٢) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٢١٦).\n(٣) الثقات (٥/ ٣٣٤).","vol":"1","page":105},{"text":"وأشبه الأقاويل في مولده والمتفق مع هذا التحقيق قول الحافظ يعقوب بن شيبة: \" ولد في آخر خلافة علي سنة أربعين \" (١).\nوكأن من ذكر مولده في حياة النبي كلى الله عليه وسلم قصد أباه، ولأبيه رواية عن علي بن أبي طالب من رواية محمد عنه، فيما ذكر ابن حبان.\nوالوهم في ذكر السماع في حديث ابن مسعود يشبه أن يكون من قبل الضحاك بن عثمان، فقد كان يخطئ.\n\nالمثال الثالث: وقع من جماعة رووا عن أنس بن مالك ﵁، وزعموا أنهم سمعوا منه وكانوا أحياء بعد سنة (٢٠٠)، فهذا بقاء للتابعين إلى ما بعد المئتين لو صدق هؤلاء، ولكنهم كانوا يكذبون.\nمنهم: \" إبراهيم بن هدبة أبو هدبة البصري، فهذا رجل كان يقول في أحاديثه: \" حدثنا أنس بن مالك \"، وكان أبو هدبة كذابًا، دخل بغداد وحدث عن أنس، فسألوه أن يخرج رجله، خافوا أن يكون شيطانًا قد تمثل لهم فأرادوا أن يعرفوه بذلك (٢).\nقال ابن حبان: \" دجال من الدجاجلة، وكان رقاصًا بالبصرة يدعى إلى الأعراس فيرقص فيها، فلما كبر جعل يروي عن أنس ويضع عليه \" (٣).\nوقد رأوا أن أنسًا ﵁ مات سنة (٩٣) أو قبيلها، فيحتاج ابن هدبة هذا ليعمر (١٢٠) سنة أو أكثر ليتسنى له السماع من أنس، والناس الذين اتهموه لم يروا سنه مؤهلًا لذلك، زيادة على ما عملوا من سوء حاله ومن روايته ما لا يرويه الناس.\n_________\n(١) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٣/ ٦٨٥).\n(٢) التاريخ، ليحيى بن معين، رواية الدُّوري (النص: ٤٦٦١)، تاريخ بغداد (٦/ ٢٠١).\n(٣) المجروحين (١/ ١١٤ - ١١٥).","vol":"1","page":106},{"text":"الخلاصة:\nإذًا، استعمال المواليد والوفيات من أهم الطرق لـ:\n١ - تمييز طبقات الرواة من جهة ابتدائها.\n٢ - تمييز إدراك الراوي لمن حدث عنه من الشيوخ (١).\n٣ - كشف الوهم والغلط في ذكر السماع.\n٤ - كشف زيف الكذابين في ادعاء السماع وقدم الطبقة.\nقال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: لما حدث عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب أتيته، فسألته عن مولده؟ فذكر أنه ولد سنة إحدى وخمسين ومئتين، فقلت له: مات محمد بن أبي يعقوب الكرماني قبل أن تولد بسبع سنين، فاعلمه (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الطرف الثاني: تمييز وفيات الرواة</span>\nالكلام في الوفيات من نفس باب الكلام في المواليد من جهة ما بين الأمرين من العلاقة، كما تراه واضحًا مما تقدم في المواليد، بل إن الوفيات مقاييس لتمييز المواليد، والعناية بها وقعت أكثر، وحفظها في تراجم الرواة كثير شائع، ولعلك لا تجد راويًا عرفت سنة ولادته وجهلت سنة وفاته، لكنك تجد رواة كثيرين علمت وفياتهم ولم تعلم مواليدهم.\nومن خلال الأمثلة المتقدمة تلاحظ أن وفيات الشيوخ قاعدة لمعرفة أعمار الرواة تحديدًا أو تقديرًا، فيتبين لك من خلالها: طبقة الراوي، ومن\n_________\n(١) علمًا بأنه لا تلازم بين الإدراك وثبوت السماع، فقد يثبت الإدراك ولا يصح السماع، وذلك لسببٍ آخر تعلمه فيما يأتي من مباحث هذا الكتاب.\n(٢) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٦١) عنه. ووقع فيه: (بتسْعِ سنين)، وكذا في \" الجامع \" للخطيب (رقم: ١٤٦) حيث رواه من طريق الحاكم، والصواب ما أثبتُّ، فكذلك جاءَ في \" الميزان \" للذهبي (٢/ ٣٩٢) وغيره، واعتضد بأنَّ وفاة ابن أبي يعقوب كانت سنة (٢٤٤).","vol":"1","page":107},{"text":"أدرك من الشيوخ، ومن أدركه من التلاميذ ومن طابقه وقارنه من أمثاله وأقرانه، كما تميزه بها عمن رافقه في الاسم وخالفه في زمنه.\nوهذا الطريق والذي قبله من أقوى ما يميز به الكذابون، فإن طائفة كثيرة منهم لم يكن لهم حظ من نور حديث رسول الله ﷺ ولا سمعوه، فعمدوا إلى وضع المتون وركَّبوا لها الأسانيد، وأرادوا لبضاعتهم أن تروج، فألصقوها بالمعروفين من الثقات الذين كتب الله لهم القبول عند الناس، ولم يكن أولئك الكذابون أدركوا أولئك الثقات.\nوطائفة ادعت السماع من بعض الكبار أرادت أن تتشرف بالأخذ عنهم، فقصدت إلى تزوير علو الطبقة وإيهام القدم، إلى غير ذلك من دواعي الكذب.\nعن إسماعيل بن عياش قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: ههنا رجل يحدث عن خالد بن معدان، فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بن معدان بعد موته بسبع سني ن، قال إسماعيل: مات خالد سنة ست ومئة (١).\nوقال الحافظ أبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي: سمعت [حماد] بن زيد يقول لم نستعن على الكذابين بمثل التاريخ، نقول للشيخ: سنة كم ولدت؟ فإذا أخبر بمولده عرفنا كذبه من صدقه \"، قال أبو حسان: فأخذت في التاريخ، فأنا أعمله من ستين سنة (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧١) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٠ - ٦١) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٤٥)، بإسناد جيّد.\nوالتحقيق في سنة وفاة خالد أنها كانت سنة (١٠٣) في أظهر الأقوال، وعليه فيكون هذا الرجل قد ادّعى أنه سمع من خالدٍ بعدَ موته بعشْر سنين.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٧/ ٣٥٧) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٤٣) ومن طريقه: ابن عساكر في \" تاريخه \" (١/ ٥٤ - ٥٥) بإسناد صحيح.\n\nووقع فيهما: (حسان بن زيد) بدل (حماد)، وأظنه قد انتقل البَصر إلى (أبي حسان) فأخذت منها، ولم أجد لها وجْهًا غير ذلك، فأبو حسان يروي عن حماد بن زيد، كما وجدته في غير موضع، كما أن مثل هذه المقالة أليق بأن تكون من إمام مثل حماد بن زيد، أما (حسان بن زيد) فمن يكون؟ !\nثم وجدت ابنَ عساكر قال عقبَ تخريج هذا الأثر: \" كذا من تاريخ بغداد: حسّان بن زيد وأظنه: حماد بن زيد \".","vol":"1","page":108},{"text":"أين جحد المواليد والوفيات؟\nمرجعك لمعرفة مواليد الرواة ووفياتهم كتب التراجم الجوامع، كـ\" تهذيب الكمال \"، وفروعه، وكتب الذهبي كـ\" سير أعلام النبلاء: و\" تاريخ الإسلام \" و\" العبر \"، ومن قبلها كتب التاريخ على السنين، كـ \" المنتظم \" لابن الجوزي وشبهه، كما تجد في كتب الأقدمين أصول المصنفات المفيدة في هذا الباب، مثل \" التاريخ \" و\" الطبقات \" لخليفة بن خياط المعروف بـ (شباب)، و\" التاريخ الأوسط \" للبخاري، و\" الطبقات الكبرى \" لابن سعد، و\" المعرفة والتاريخ \" ليعقوب بن سفيان، و\" الثقات \" لابن حبان، وكتب منثورة كثيرة ألفت في هذا المعنى، ومن الكتب الخاصة \" تاريخ مولد العلماء ووفياتهم \" لأبي سليمان محمد بن عبد الله بن زبر الربعي (المتوفى سنة: ٣٧٩)،\nومنها كتب عرفت بـ (الوفيات)، ومنها كتب التراجم على البلدان، كـ\" تاريخ بغداد \".\nوليس \" التاريخ الكبير \" للبخاري، ولا \" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم، ولا كتب الضعفاء والمجروحين، مظنة لمعرفة ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>فوائد معرفة الطبقات:</span>\n١ - تمييز ثبوت السماع بين راويين أو غلبة ثبوته.\nفمعرفة الإدراك من التلميذ للشيخ علامة على اتصال الإسناد غالبًا، ما لم يكن التلميذ مدلسًا، وبتفصيل ستعلمه في الفصل التالي.\nوإنما قلت: (غالبًا) مع انتفاء التدليس عنه؛ استثناء للراوي الذي تيقنا إدراكه، لكنه ثبت عدم اللقاء بينه وبين الشيخ الذي روى عنه.","vol":"1","page":109},{"text":"كما ترى مثلًا في قول الدارقطني في (زر بن حبيش): \" لم يلق أنس بن مالك، ولا يصح له عنه رواية \" (١)، مع أن أنسًا من صغار الصحابة وآخرهم موتًا، وزر تابعي قديم، أدرك الجاهلية، وسمع من عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود والكبار من الصحابة، بل إنه مات قبل أنس بنحو عشر سنين، فالإدراك متيقن، ولكن قام البرهان على عدم اللقاء والسماع، فسقط اعتبار مجرد الإدراك.\n٢ - تمييز الانقطاع في الإسناد.\nوهذه الفائدة ظاهرة من التي قبلها، فإن وقوع الراوي في طبقة لم تدرك طبقة الشيخ دليل على الانقطاع، ولا أظهر في إفادة ذلك من وقوع مولد الراوي بعد وفاة الشيخ، أو وفاة الشيخ والراوي عنه له من العمر ما لا يتهيأ في مثله التحمل والسماع، كأربع سنين أو دونها.\n٣ - تزييف دعوى السماع وكشف الغلط أو الكذب.\nوذلك في حال قول الراوي: (حدثنا) وشبهها من صيغ السماع، وقامت الحجة على عدم إدراكه لمن روى عنه بتلك الصيغة.\nوهذا كما تقدم يقع غلطًا من الراوي أو بعض من روى عنه، أو كذبًا.\n٤ - جرح الرواة أو تعديلهم.\nوذلك أن الراوي إذا ادعى السماع، وطبقته تمنع إمكان ذلك، فإما أن تكون تلك الدعوى وهمًا، أو كذبًا، وذلك إما منه أو ممن هو في سياق الإسناد إليه، وإذا تعين الواهم أو الكاذب كان ذلك جرحًا فيه بحسبه، فإن كان قد استقر صدقه حكمنا بوهمه، وإذا تكرر ذلك منه فربما صيرنا للحكم بسوء حفظه، وإن لم يستقر صدقه كان ذلك سببًا لجرحه بالكذب.\n_________\n(١) جامع التحصيل، للحافظ العلائي (ص: ٢١٣).","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>تقسيم الطبقات:</span>\nعلمت من المبحث السابق أن تمييز الطبقة يكون بتمييز إدراك اللاحق للسابق وأن معرفة المواليد والوفيات أحسن الطرق لإثبات الإدراك، ومن تعسر علينا معرفة ذلك من أمره اعتبرنا القرائن في إمكان الإدراك، وهذا من حيث التأصيل لموضوع (الطبقات).\nأما توزيع الرواة على الطبقات فقد قدمت في أول هذا المبحث أن تقدير الطبقة يعود إلى اصطلاح المصنفين، وفي مجهود أئمتنا السابقين ما يساعد الباحث لاستفادة هذا المعنى، وحيث إن الحاجة إلى تمييز الطبقات تشتد في رواة القرون الأولى، فإن أحسن ما يتفق مع ما شرحت في هذا المبحث هو تقسيم الطبقات الذي جرى عليه الحافظ المحقق ابن حجر العسقلاني في كتابه \" تقريب التهذيب \"، فإنه قال:\nالأولى: الصحابة على اختلاف مراتبهم، وتمييز من ليس له منهم إلا مجرد الرؤية من غيره.\nالثانية: طبقة كبار التابعين، كابن المسيب، فإن كان مخضرًا صرحت بذلك (١).\nالثالثة: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن وابن سيرين.\nالرابعة: طبقة تليها جل روايتهم عن كبار التابعين، كالزهري وقتادة.\nالخامسة: الطبقة الصغرى منهم الذين رأوا الواحد والاثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة، كالأعمش.\nالسادسة: طبقة عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، كابن جريج.\n_________\n(١) والمُخضرم: من أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يَثْبت لهم شرف الصحْبة، مثلي: سُويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي مسلم الخولاني.","vol":"1","page":111},{"text":"السابعة: كبار التابعين، كمالك والثوري.\nالثامنة: الطبقة الوسطى منهم، كابن عيينة وابن علية.\nالتاسعة: الطبقة الصغرى من أتباع التابعين، كيزيد بن هارون، والشافعي، وأبي داود الطيالسي، وعبد الرزاق.\nالعاشرة: كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل.\nالحادي عشرة: الطبقة الوسطى من ذلك، كالذهلي والبخاري.\nالثانية عشرة: صغار الآخذين عن تبع الأتباع، كالترمذي.\nوألحقت بها باقي شيوخ الأئمة الستة الذين تأخرت وفاتهم قليلًا، كبعض شيوخ النسائي (١).\nوهذا من حيث التقسيم دقيق، أما من حيث تطبيق الحافظ له في كتابه، فإنه قد يعد الراوي في طبقة يكون الأليق النزول به عنها.\nويمكن أن تتبع هذه القسمة كمقياس لجميع الرواة من أهل القرون الأولى ممن له رواية عند الأئمة الستة أو عند غيرهم.\n_________\n(١) تقريب التهذيب (ص: ٧٥).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الخامس:\n\nتفسير طبقة الصحابة</span>\n\nالصحابي مبتدأ الإسناد، وحلقة الوصول الضرورية فيه، وتحديد معناه وتوضيح المراد به أساس تمييز سائر الطبقات.\n\nوقد اختلف المتقدمون في تحديد المراد بـ (الصحابي)، فمن المنقول فيه ما يلي:\n١ - روي عن سعيد بن المسيب: \" الصحابة لا نعدهم إلا من أقام مع رسول الله ﷺ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين \".\nقلت: وهذا لا يثبت عن ابن المسيب (١).\n٢ - وقال عاصم بن سليمان الأحول: عن عبد الله بن سرجس: أنه رأى الخاتم الذي بين كتفي النبي ﷺ، وقد رأى النبي ﷺ، ولم تكن له صحبة (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٩) بإسناده إلى محمد بن سعْد بكتاب \" الطبقات \" لكني لم أجد النص فيه، قال ابن سعد: عن الواقدي محمد بن عُمر، قال: أخبرني طلحة بن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كان سعيد بن المسيب يقول، فذكره.\nقلت: الواقدي ليس بعُمدةٍ، وشيخه طلحة مجهول.\n(٢) أخرجه أحمد (٣٤/ ٣٧٢، ٣٧٥ رقم: ٢٠٧٧٤، ٢٠٧٧٩) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":113},{"text":"قلت ذهب عاصم إلى أن ابن سرجس وإن رأى النبي ﷺ فليس بصحابي، من أجل أنه اعتبر في الصحبة الملازمة لبعض الوقت.\n٣ - وروي عن أحمد بن حنبل، قال: \" كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه، فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكانت سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه (١).\n٤ - وقال البخاري: \" من صحب النبي ﷺ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه \" (٢).\nقال ابن حجر: \" هذا الذي ذكره البخاري هو الراجح \"، وقال: \" هو قول أحمد والجمهور من المحدثين \" (٣).\nقلت: ويشير قوله: (الراجح) إلى ما ذهب إله بعض السلف كالذي تقدم عن عاصم الأحول، إلى عدم إطلاق الصحبة إلا على الصحبة العرفية، وهي أن يرافقه مدة.\nوقال ابن حجر: \" ويرد على التعريف: من صحبه أو رآه مؤمنًا به ثم ارتد بعد ذلك ولم يعد إلى الإسلام، فإنه ليس صحابيًا اتفقا، فينبغي أن يزاد فيه: ومات على ذلك \" (٤).\nوقال ابن حجر: \" أصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام \" (٥).\n_________\n(١) هذا من قول أحمد في \" رسالة عبدوس بن مالك العطار \" عنه، ومنها أخرج الخطيب هذا النص في \" الكفاية \" (ص: ٩٩) وهذه الرسالة رُويت كذلك مُفردةً عن أحمد، كما أخرجها ابنُ أبي يعلى في \" طبقات الحنابلة \" (١/ ٢٤١ - ٢٤٦)، وفي إسنادها من لم يُعرف بجرحٍ أو تعديل، ولا أجزم بصحتها عن أحمد، لكن لا بأس في الاعتبار بما فيها.\n(٢) صحيح البخاري (٣/ ١٣٣٥)، وأخرجه من طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٩).\n(٣) فتح الباري (٧/ ٣، ٤)، ومعناه في \" الإصابة \" (١/ ٨).\n(٤) فتح الباري (٧، ٤).\n(٥) الإصابة (١/ ٧).","vol":"1","page":114},{"text":"وفيمن يدخل في التعريف قال: \" فيد خل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو عنه، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه، ومن لم يراه لعارض كالعمى \" (١).\nقلت: ومن أهل العلم من ذهب إلى التوسع فيمن يدخل في جملة الصحابة، حتى قال: يدخل فيهم الجن الذين أسلموا ممن ينطبق عليه تعريف الصحابي.\nوهذا ليس مما له فائدة هنا، فإن تحديد المراد بالصحابي في هذا الموضع إنما هو فيمن روى العلم، وكان له شخصية محددة، أما: هل يدخل في الصحابة مسلمو الجن الذين استمعوا القرآن، أو بعض الملائكة، فهذا مما لا ينبغي عليه عمل، ولا يحقق مصلحة، ولا يُنْتهى فيه إلى شيء بين.\nنعم؛ رأيت الطبراني أخرج في \" معجمه الكبير \" حديثًا عن رجل من الجن، فقال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حيان الرقي، حدثنا أحمد بن سعد بن أبي مريم، حدثنا عثمان بن صالح، حدثني بن صالح، حدثني عمرو الجني، قال: كنت عند النبي ﷺ فقرأ سورة النجم، فسجد، فسجد، فسجت معه (٢).\nقلت: وهذا خبر غريب جدًا، بل منكر، وعثمان بن صالح هو المصري، من أصحاب عبد الله بن وهب، ومن شيوخ البخاري، وهو من طبقة تبع أتباع التابعين، ولو صححنا كونه من التابعين بمثل هذا لروايته عن جني له صحبة، لاضطرب عندنا مقياس الطبقات، ولصار به عامة من روى عنه من أتباع التابعين، وليس هذا محل إشكال إن ثبت، مع شدة غرابته، وإنما الشأن أن عثمان إن صح هذا إليه (٣)، فإنه وإن كان صدوقًا انتقى له\n_________\n(١) الإصابة (١/ ٧).\n(٢) المعجم الكبير (١٧/ ٤٥)، ومن طريقه: أخرجه ابن نُقطة في \" تكملة الإكمال \" (٢/ ١٦٦).\n(٣) إذ شيخُ الطبراني لم أعرفه بجرْحِ ولا تعديل.","vol":"1","page":115},{"text":"البخاري في صحيحه إلا أن أبا زرعة الرازي سئل عن بعض ما رواه عن عبد الله بن لهيعة، وفيه المنكر؟ فقال: \" لم يكن عندي عثمان ممن يكذب، ولكنه كان يكتب الحديث مع خالد بن نجيح، وكان خالد إذا سمعوا من الشيخ، أملى عليهم مالم يسمعوا فبلوا به \" (١).\nقلت: وخالد هذا كذاب معروف.\nوقد قال أبو نعيم الأصبهاني في رواية الجني هذه: \" في إسناده نظر \" (٢)، وقال الهيثمي: \" في إسناده من لا يعرف، وعثمان بن صالح لا أراه أدرك أحد من الصحابة \" (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>كيف تثبت الصحبة</span>؟\nتثبت الصحبة بطريق من الطرق التالية:\n١ - التواتر، كصحبة حمزة بن عبد المطلب، وأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ﵃.\n٢ - الشهرة والاستفاضة، كصحبة كثيرين، علم كونهم من الصحابة بمجيء ذكرهم في الأخبار المعروفة، كياسر والد عمار، وخبيب بن عدي، أو بالرواية عنهم من وجوه عدة تحصل بمثلها الشهرة.\n٣ - صحة الإسناد إلى من قال: (سمعت رسول النبي ﷺ).\n٤ - الخبر الثابت إلى من هو معروف من الصحابة: أن فلانًا صحب النبي ﷺ، أو يذكره في سياق ما يفيد صحبته. مثال: الحارث بن وقيش.\n٥ - أن يخبر عن نفسه أن له صحبة، ويثبت الإسناد عنه بذلك.\n_________\n(١) سؤالات البرذعي (٢/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(٢) معرفة الصحابة (٤/ ٢٠٤٥).\n(٣) مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":116},{"text":"٦ - معرفة قدم عهده، بحيث لا ينكر أن يكون أدرك زمان النبي ﷺ.\nوجدير أن تعلم أن كثيرًا من الأسماء تجده في جملة الصحابة، اعتمد ذاكروها على وجود رواية عنهم عن النبي ﷺ، وإذا تحققت من تلك الرواية وجدت كثير منها لا تثبت أسانيدها إلى ذلك المدعى صحبته.\nوكذلك فإن مجرد قول الرجل من الرواة: (قال رسول الله ﷺ)، لا يعني الصحبة، فالتابعي ومن دونه قد يقول ذلك، فيكون من قبيل المرسل أو المعضل.\nوالتثبت في الصحبة وتحقق إثباتها شرط لصحة الحديث، فدونها ينتفي الاتصال.\nوكان النقاد الأولون يحققون ذلك، كما يحققون أحوال سائر النقلة، وبه كشفوا الخطأ في ظن الصحبة لطائفة.\nفمن أمثلة ذلك:\nقال أبو حاتم في (عبد الرحمن بن عئاش الحضرمي): \" أخطأ من قال: له صحبة، هو عندي تابعي، هو عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ \" يعني: الصواب في روايته كذلك، وقال أبو زرعة: \" ليس بمعروف \" (١).\nوقال أبو حاتم في (عيسى بن يزداد): لا يصح حديثه، وليس لأبيه صحبة، ومن الناس من يدخله في المسند على المجاز، وهو وأبوه مجهولان \" (٢).\nوسأل البرقاني الدارقطني: مسلم بن الحارث التميمي عن أبيه عن النبي ﷺ؟ قال: \" مسلم مجهول، لا يحدث عن أبيه إلا هو \" (٣).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٦٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٩١).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٤٩٠).","vol":"1","page":117},{"text":"كما يجب أن تعلم أن النقاد ربما اختلفوا في إثبات الصحبة لشخص، والواجب حينئذ المصير إلى الترجيح بما ذكرنا من الطرق لإثبات الصحبة أو نفيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>من رأى النبي ﷺ وهو صغير</span>، هل تصح صحبته؟\nحدث شعبة بن الحجاج عن أبي إياس معاوية بن قرة بن إياس، قال: جاء أبي إلى رسول الله ﷺ وهو غلام صغير، فمسح رأسه، واستغفر له.\nقال شعبة: فقلت: أله صحبة؟ فقال لا، ولكنه كان على عهده قد حلب وصر (١).\nقلت: فهو قد ولد في حياة النبي ﷺ، لكن لم يكن سنه سن من يحمل العلم؛ لعدم التمييز من أجل الصغر.\nواختلف أصحاب الزهري عنه على حديث رواه عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير عن جابر بن عبد الله في قتلى أحد، فمنهم من ذكر فيه جابرًا ومنهم من لم يذكره، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: \" الصحيح مرسل \" قال: قلت: عبد الله بن ثعلبة أليس قد رأى النبي ﷺ؟ قال: \" نعم، وهو صغير \" (٢).\nقلت: فعد حديثه مرسلًا من أجل عدم السماع للصغر.\nوالتحقيق: أن هذا الصنف يثبت لهم شرف الصحبة، لكن رواياتهم عن النبي ﷺ مرسلة ملحقة بعموم مراسيل التابعين، لا بمراسيل الصحابة الذين لهم من النبي ﷺ سماع، يروي أحدهم عنه ﷺ ما لم يسمعه، وإنما سمعه من صحابي غيره، فأرسله، بل هؤلاء الذين لهم شرف الصحبة تابعيون في الحكم (٣).\n_________\n(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل ومعرفة الرجال \" (النص: ٣٨١٩) وإسناده صحيح.\n(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٠١٥).\n(٣) وانظر: فتح الباري، لابن حجر (٧/ ٤).","vol":"1","page":118},{"text":"فمن أدخلهم في الصحابة في كتب تراجم الصحابة، فإنما فعل ذلك لثبوت معنى الصحبة لهم، لا لاتصال رواياتهم برسول الله ﷺ، فاحذر أن تعتمد على ذلك للقول باتصال الإسناد.\n\nفائدة<span data-type=\"title\" id=toc-61> هل للصحابة عدد محصور</span>؟\nبالنظر إلى تاريخ المجتمع الإسلامي في حياة النبي ﷺ، فإن المعلوم أنه صحبه خلق كثير، منهم من لقي ربه في حياته ﷺ، ومنهم من بقي بعده، ومنهم من عرف اسمه، ومنهم من لم يعرف، ومنهم من حمل عنه العلم، ومنهم من لم يحمله، وممن حمل العلم كمن شهد معه حجة الوداع من روى وحفظ عنه الحديث، ومنهم من لم يحفظ عنه الحديث.\nقال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة (يعني الرازي) وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: \" ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قُبِضَ رسول الله ﷺ\nعن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه \"، فقال له الرجل: يا أبا زرعة، هؤلاء أين كانوا وسمعوا منه؟ قال: \" أهل المدينة، وأهل مكة، ومن بينهما، والأعراب، ومن شهد حجة الوداع، كل رآه وسمع منه يعرفه \" (١).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم ١٨٩٤) وإسناده جيِّد إلى ابن جامع هذا راويه عن أبي زُرعة، ولم أقِف على ما يُبين حاله، وقد روى عن أبي حاتم الرازي كذلك، فهو مستورٌ على أقل الأحوال إن لم تثبت ثقته، ومثله في هذا الخبر يُحتمل.","vol":"1","page":119},{"text":"فرع:\nفإذا ميزت الصحابي تيسر لك تمييز التابعي، فإنه: من لقي رجلًا من الصحابة فأكثر، فيثبت له به شرف التابعية، ولا يتحصل حديثه بالصحابي حتى ينقل شيئًا سمعه من الصحابي أو رآه.\nوعلى معناه فقس تفسير كل طبقة تليه.\n\n* * *","vol":"1","page":120},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث السادس:\n\nتمييز المشتبه من أسماء الرواة</span>\n\nالاشتباه في أسماء الرواة يقع بواحد من سببين:\n\nالسبب الأول:<span data-type=\"title\" id=toc-63> التشابه في الرسم</span>\n\nويكون معوقًا دون الوقوف على شخصية الراوي؛ ذلك لما يقع به من التصحيف والتحريف.\nقال علي بن المديني: \" أشدُّ التصحيف في الأسماء \" (١).\nواصطلحوا على تسميته بـ (المؤتلف والمختلف).\nومعناه: ما يتفق من الأسماء في الخط صورة، ويختلف في اللفظ صيغة.\nوهذا يعني الاتحاد في الرسم، والاختلاف في النقط والشكل.\nوتقدمت بعض أمثلته في (تمييز الأسماء)، وإليك صورًا منها زيادة في التوضيح والتأكيد:\n_________\n(١) أخرجه أبو أحمد العسْكري في \" أخبار المصحفين \" (ص: ٣٢ - ٣٣) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":121},{"text":"(سلًّام) بالتشديد، وهو أكثر، و(سَلَام) بالتخفيف في أسماء معينة.\n(مَعْمَر) بفتح الميم وإسكان العين ثم ميم مفتوحة خفيفة، و(مُعَمَّر) بضم أوله فعين مفتوحة فميم مشددة.\nو(البَرَاء) بالتخفيف، في الأسماء جميعًا، و(البَرَّاء) بالتشديد في نسب ثلاثة من الرواة: أبي العالية البَرَّاء، واسمه: زياد بن فيروز، وقيل غير ذلك، وأبي معشر البَرَّاء، واسممه: يوسع بن يزيد، وحماد بن سعيد البَرَّاء.\nوما كان من هذا النمط مما يرجع إلى الشكل، فإن ما يقع من الخفاء بسببه قليل، وإنما مثله مظنة اللحن.\nأم ما كان مثل (جَرير) بجيم أوله، وراء آخره، و(حَرِيز) بحاء مهملة أوله، وزاي آخره، ومثل (شُرَيح بالشين المعجمة أوله، و(سُرَيج) بالسين المهملة أوله، ومثل (يَزيد) بياء مثنَّاة ... أوله، و(بَرِيد) بباء موحدة مفتوحة أوله، ومثل (الهَمْداني) بميم ساكنة بعدها دال مهملة، و(الهَمَذاني) بميم مفتوحة بعدها ذال معجمة، و(الزُّبَيْري) بزاي مضمومة فباء موحدة مفتوحة فمثناة تحتية، و(الزَّنْبريِّ) بزاي مفتوحة، فنون ساكنة فموحدة مفتوحة؛ فإن التصحيف بمثله أشد، ويكون معوقًا دون الوقوف على الترجمة وتمييز المقصود.\nوأغمض منه ما رجع إلى بابه، لكن بزيادة حرف ونقصة، كالذي بين (عبد) و(عبيد)، أو (عمر) و(عمرو)، أو (بشر) و(بشار).\nوأشد منه ما اتحد الرسم أو تقارب إلا في حرف، مثل: (سفيان) و(شيبان)، و(عنان) و(غياث).\nوالغلط في مثل هذا لا يكاد يسلم منه أحد، وهو في الكتب المطبوعة غير قليل، فلا تركن إلى هذا.\nواعلم أن ضبط الأسماء لا يخضع إلى قاعدة في القياس، إنما","vol":"1","page":122},{"text":"العمدة فيه السماع، فعليك بضبطها وتجويدها وحفظ مواضع اجتماعها وافتراقها تسلم من اللحن والتصحيف.\nوقد نبهت سالفًا على أسماء أهم المصنفات المفيدة في هذا الفن، وفي \" إكمال \" ابن ماكولا، ثم \" تكملة \" ابن نقطة، ثم \" توضيح \" ابن ناصر.\n\nالسبب الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-64> الاشتراك</span>\n\nوربما صار بك إلى جرح عدل، أو تعديل مجروح، كما يكون سببًا في أن يدخل على الراوي ما ليس من حديثه.\nوالطريق إلى معرفة ذلك بتمييز ما اصطلحوا عليه بـ (المتفق والمفترق).\nوهو فن يعسر فهمه وتحتاج معرفته إلى يقظة شديدة، فإن الرجل تراه في الإسناد، فتبحث عن ترجمته، فتجد في التراجم من هو مسمى بنفس اسمه، ولا تجد في الإسناد من العلامة ما يساعدك على تمييزه، فكيف الطريق إلى معرفته؟\nتقدم أن النظر في الشيوخ والتلاميذ يساعدك على كشف الالتباس عن كثير من الرواة ممن هذه صفته، لكنك قد لا تصل إلى ذلك بمجرد هذا الطريق لعدم وجود الاستقصاء لجميع شيوخ الراوي أو تلاميذه عادة على ما علمت شرحه، أو ترى الراويين يشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أي: تتحد طبقتهما، فيبقى لك أن تميزه بمعرفة هذا الطريق.\nاعلم أن الاتفاق والافتراق في أسماء الرواة ممن تذكر أسماؤهم غير مميزة بما يدفع الاشتباه؛ يرجع إلى صور ثلاث:\n\nالأولى: الاتفاق في الاسم مع الافتراق في الطبقة.\nمثاله: (حيوة بن شريح) رجلان، أحدهما من طبقة الأولى من أتباع التابعين، من أقران الليث بن سعد ومالك بن أنس وأقدم منهما قليلًا، وهو من أعيان المصريين.","vol":"1","page":123},{"text":"والثاني من شيوخ البخاري والدارمي وأبي داود، من الشاميين، يروي عن بقية بن الوليد وطبقته.\nوكلاهما يأتي ذكره كثيرًا في الأسانيد (حيوة بن شريح) من غير علامة مفسرة.\nفهذا النمط يسهل تمييزه بتمييز الطبقة.\nوقد يكون الراويان المشتركان عدلين كهذا المثال، فيكون محذور الغلط في تمييزه أخف منه حين يكون أحدهما مجروحًا والآخر ثقة.\nمثل: (سعيد بن سنان) راويان معروفان، البُرْجُمي كوفي ثقة صدوق، والآخر أبو مهدي، شامي متروك الحديث.\nلكن البرمجي متأخر الطبقة عن الشامي.\n\nوالثانية: الاتفاق في الاسم مع اتحاد الطبقة، لكن مع وجود علامة تساعد على التمييز بمراجعة التراجم المشتبه في كتب الرواة.\nمثاله: (عبد الرحمن بن إسحاق) رجلان من طبقة واحدة يأتيان في الأسانيد غير مميزين، أما أحدهما فهو كوفي ضعيف الحديث، وأما الآخر فهو مدني نزل البصرة صدوق، ولا يشتركان في الشيوخ، فحديث الأول عند الكوفيين وحديث الثاني عند البصريين.\nقال الحافظ محمد بن سعيد وذكر الأول في الكوفيين: \" عبد الرحمن بن إسحاق، ويكنى أبا شيبة، وكان ضعيف الحديث، روى عن الشعبي، وهو الذي روى عنه أبو معاوية الضرير والكوفيون، وعبد الرحمان بن إسحاق المديني أثبت منه في الحديث، وهو الذي روى عنه إسماعيل بن علبة والبصريون \" (١).\n_________\n(١) الطبقات الكبرى، لابن سعد (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢).","vol":"1","page":124},{"text":"ويقرب منه في إمكان الفصل مثل: (إسماعيل بن أبان) رجلان، أحدهما (الوراق) والثاني (الغنوي)، كلاهما كوفيان، واشتركا في شيء قليل من الشيوخ والتلاميذ، والغنوي أقدم قليلًا، ولعله لا يأتي إلا منسوبًا فلا يشق التمييز.\nقال يحيى بن معين: \" إسماعيل بن أبان الغنوي كذاب لا يكتب حديثه، وإسماعيل بن أبان الوراق ثقة \" (١).\nوهذا النمط من الرواة يمكن التوصل إلى تمييز المقصود منهم ببعض البحث المتحري بتأمل بلد الراوي أو شيوخه وتلاميذه.\nفإن لم يتميز فلاحتمال أن يكون المجروح، يجب التوقف عن قبول تلك الرواية.\n\nوالثالثة: الاتفاق في الطبقة والبلد والاشتراك في بعض الشيوخ والتلاميذ، مما يجعل عملية الفصل بينهما شاقة في كثير من الأحيان يحتاج الباحث معها إلى قرينة تصير به إلى أي ترجيح.\nمثاله: (حماد) ابن زيد، و(حماد) ابن سلمة، كلاهما من طبقة واحدة، ومن بلد واحد فهما بصريان، واشتركا في طائفة من الشيوخ رويا عنهما جميعًا، مثل: (أيوب السختياني، وثابت البناني، وحميد الطويل، وأبي عمران الجوني، وغيرهم)، كما اشتركا في طائفة من التلاميذ رووا عنهما جميعًا، منهم: (عفان بن مسلم، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وغيرهم).\nولا إشكال عند مجيء اسم أحدهما منسوبًا إلى أبيه، وإنما في وروده مهملًا من القيد المفسر.\nوههنا فصل مفيد أورده الحافظ الذهبي في ترجمة (ابن زيد)، قال:\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٢٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":125},{"text":"\" اشتركا الحمادان في الرواية عن كثير من المشايخ، وروى عنهما جميعًا جماعة من المحدثين، فربما روى الرجل منهم عن حماد، لم ينسبه، فلا يعرف أي الحمادين هو إلا بقرينة، فإن عري السند من القرائن، وذلك قليل، لم نقطع بأنه ابن زيد، ولا أنه ابن سلمة، بل نتردد، أو تقدره ابن سلمة، ونقول: هذا الحديث على شرط مسلم، إذ مسلم قد احتج بهما جميعًا.\nفمن شيوخهما معًا: أنس بن سيرين، وأيوب، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سويد، وبرد بن سنان، وبشر بن حرب، وبهز بن حكيم، وثابت، والجعد أبو عثمان، وحميد الطويل، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند، والجريري، وشعيب بن الحبحاب، وعاصم بن أبي النجود، وابن عون، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعبيد الله بن عمر، وعطاء بن السائب، وعلي بن زيد، وعمرو بن دينار، ومحمد بن زياد، ومحمد بن واسع، ومطر الوراق، وأبو جمرة الضبعي، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عتيق، ويونس بن عبيد.\nوحدث عن الحمادين: عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وعفان، وحجاج بن منهال، وسليمان بن حرب، وشيبان، والقعنبي، وعبد الله بن معاوية الجمحي، وعبد الأعلى بن حماد، وأبو النعمان عارم، وموسى بن إسماعيل، لكن ما له عن حماد بن زيد سوى حديث واحد، ومؤمل بن إسماعيل، وهدبة، ويحيى بن حسان، ويونس بن محمد المؤدب، وغيرهم.\nوالحفاظ المختصون بالإكثار وبالرواية عن حماد بن سلمة: بهز بن أسد، وحبان بن هلال، والحسن الأشيب، وعمرو بن عاصم.\nوالمختصون بحماد بن زيد الذين ما لحقوا ابن سلمة، فهم أكثر وأوضح: كعلي بن الديني، وأحمد بن عبادة، وأحمد بن المقدام، وبشر بن معاذ العقدي، وخالد بن خداش، وخلف بن هشام، وزكريا بن عدي،","vol":"1","page":126},{"text":"وسعيد بن منصور، وأبي الربيع الزهراني، والقواريري، وعمرو بن عون، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ولوين، ومحمد بن عيسى بن الطباع، ومحمد بن عبيد بن حساب، ومسدد، ويحيى بن حبيب، ويحيى بن يحيى التميمي، وعدة من أقرانهم.\nفإذا رأيت الرجل من هؤلاء الطبقة قد روى عن (حماد) وأبهمه علمت أنه ابن زيد، وأنه لم يدرك حماد بن سلمة، وكذا إذا روى رجل ممن لقيهما فقال: (حدثنا حماد) وسكت، نظرت في شيخ حماد من هو، فإن رأيته من شيوخهما على الاشتراك؛ ترددت، وإن رأيته من شيوخ أحدهما على الاختصاص والتفرد عرفته بشيوخه المختصين به.\nثم عادة عفان لا يروي عن حماد بن زيد إلا وينسبه، وربما روى عن حماد بن سلمة فلا ينسبه، وكذلك يفعل حجاج بن المنهال، وهدبة بن خالد، فأما سليمان بن حرب، فعلى العكس من ذلك، وكذلك عارم يفعل، فإذا قالا: (حدثنا حماد) فهو ابن زيد، ومتى قال موسى التبوذكي: (حدثنا حماد) فهو ابن سلمة، فهو روايته، والله أعلم.\nويقع مثل هذا الاشتراك سواء في السفيانين، فأصحاب سفيان الثوري كبار قدماء، وأصحاب ابن عينية صغار لم يدركوا الثوري، وذلك أبين، فمتى رأيت القديم قد روى فقال: (حدثنا سفيان) وأبهم، فهو الثوري، وهم كوكيع، وابن مهدي، والفريابي، وأبي نعيم، فإن روى واحد منهم عن ابن عيينة بينه، فأما الذي لم يلحق الثوري وأدرك ابن عيينة فلا يحتاج أن ينسبه لعدم الإلباس، فعليك بمعرفة طبقات الناس \" (١).\nهذا الذي حكيت لك عن الذهبي مثال لاشتراك الثقتين.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٦٤ _٤٦٥)، وسبقه إلى بَعض هذا المزِّي في \" التهذيب \" (٧/ ٢٦٩).","vol":"1","page":127},{"text":"أغمض منه اشتراك ثقة ومجروح.\nومثاله: (عبد الكر يم) رجلان من طبقة واحدة، يأتي ذكرهما في بعض الأسانيد مهملين من العلامة المساعدة على التمييز، ويشتركان في بعض الشيوخ والتلاميذ، أما أحدهما فهو عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية متروك الحديث، والثاني عبد الكريم بن مالك الجزري ثقة، رويا جميعًا عن سعيد بن جبير، وطاوس اليماني، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، ومجاهد، ونافع مولى ابن عمر، وروى عنهما جميعًا عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن عيينة، وشريك بن عبد الله القاضي.\nفهذا النمط إذا جاء مهملًا فإما أن تجد قرينة خارجية مساعدة في تفسير المقصود، أو تعذر التمييز، وعليه فالمصير إلى التوقف في شأنه.\n\nتنبيه:\nيقع الالتباس في بعض أسماء الرواة من جهة مظنة القلب فيها، حيث تأتي على خلاف المعروف من الأسماء، فيظن الظان أنها جاءت على الغلط، وإنما هي أسماء لرواة آخرين جاءت على العكس من أسماء مشهورة في التقديم والتأخير في الاسم واسم الأب.\nمثالها: في الرواة (مسلم بن الوليد) وهو ابن رباح، مدني، من أتباع التابعين، وليس هو بالمشهور، فانقلب على البخاري، فسماه (الوليد بن مسلم)، وخطأه فيه أبو زرعة وأبو حاتم الرويان (١)، وهو على القلب يشارك راويين مشهورين في الاسم واسم الأب، كلاهم يدعى (الوليد بن مسلم)، أحدهما بصري، والآخر الشامي المعروف.\n_________\n(١) بيان خطأ البخاري، لابن أبي حاتم (ص: ١٣٠) والجرح والتعديل، له (٤/ ١ / ١٩٧).","vol":"1","page":128},{"text":"وكان أئمة الحديث يتحرون تمييز هذا النوع من الرواة:\nأخرج الترمذي قال: حدثنا الحسن بن الصباح البزار، حدثنا مبشر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، عن عائشة، قالت:\nلا أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى لله عليه وسلم.\nفي الرواة (العلاء بن عبد الرحمن) يروي عن أبيه عن الصحابة، وهذا هنا (عبد الرحمن بن العلاء) يروي عن أبيه عن الصحابة، وحيث إن الأول (العلاء عن أبيه) أشهر، وهو معروف بمولى الحرقة، فربما ظن الظان أن الثاني الوارد في إسناد الترمذي الذكور غلط وقلب، لذا قال الترمذي بعد روايته:\nسألت أبا زرعة فقلت له من: عبد الرحمن بن العلاء هذا؟ فقال: هو عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج (١).\n\nتتمة:\nولا تعجزن عن زيادة البحث والتنقيب عما يشتبه، حتى تقف على اليقين بدليله وحجته ما أمكنك، ولا تقنعن بالوقوف على أصل ينفرد لك بالدلالة على ما تبحث عنه حتى تعدم بغيتك في غيره، إلا أن يقطع بحجته النظر.\nوذلك أن طائفة من كبار النقاد بذلوا من الوسع غايتهم، لكن الكمال ميؤوس منه للبشر، فجاء بعدهم من أهل صنعتهم من استدرك وناقش، وحلل واستدل، ووهم وسلم، وزاد وأفاد، وكان لإمام الصناعة حافظ دار\n_________\n(١) الجامع، للترمذي (رقم: ٩٧٩)، والشمائل، له (رقم: ٣٧١).","vol":"1","page":129},{"text":"السلام، بل إمام دار السلام في هذا الفن أبي بكر الخطيب، أن أتى بتحرير لا ينقضي من حسنها العجب، في هذه الأبواب المشكلة.\nومن أنفع ما صنف فيها كتاب \" الموضح لأوهام الجمع والتفريق \"، تعقب فيه كبار أئمة هذا العلم، ﵏.\n\n* * *","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>الفصل الثاني:\n\nاتصال الإسناد</span>\n\nاتصال الإسناد طريق تلقي كل راو للحديث عمن فوقه.\nوالتحقق من اتصال الإسناد يوجب معرفة الصيغ التي يقع عليها تحمل الرواية من قبل التلميذ عن الشيخ، وهي محصورة في القسمة التالية:\n\nالأول: صيغة سماع صريحة، لا تحتمل الواسطة بحال.\nالثاني: صيغة اتصال هي بمنزلة السماع، كالمكاتبة.\nالثالث: صيغة تحتمل السماع ولا تنتفي بذاتها الانقطاع، كالعنعنة.\nوهذا الفصل معقود لبيان هذه القسمة في المباحث الثلاثة التالية، ثم إلحاقه بمبحث متمم.\n\n* * *","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث الأول:\n\nالصيغة الصريحة بالسماع</span>\n\nويقع بألفاظ، أكثرها استعمالًا: (سمعت، حدثني، حدثنا، أنبأني، أنبأنا، أخبرني، أخبرنا).\nقال الخطيب: \" ما يسمع من لفظ المحدث، الراوي له بالخيار فيه، بين قوله: (سمعت) و(حدثنا)، و(أخبرنا)، و(أنبأنا)، إلا أن أرفع هذه العبارات: سمعت \" (١).\nقال: \" ليس يكاد أحد يقول: (سمعت) في أحاديث الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليس ما لم يسمعه؛ فلذلك كانت هذه العبارة أرفع مما سواها، ثم يتلوها قول: (حدثنا) و(حدثني) \" (٢).\nقال: \" وإنما كان قول: (حدثنا) أخفض في الرتبة من قول: (سمعت)؛ لأن بعض أهل العلم كان يقول فيما أجيز له: (حدثنا) \" (٣).\nوجرت مذاهب الأكثرين على التسوية بينها، ذلك في قول سفيان بن\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٤١٢).\n(٢) الكفاية (ص: ٤١٣).\n(٣) الكفاية (ص: ٤١٣).","vol":"1","page":133},{"text":"عيينة، والشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وفقهاء الكوفة، وغيرهم (١).\nوصيغة (قال لي) و(قال لنا) و(ذكر لي)، و(ذكر لنا) و(زعم لي) و(زعم لنا) هي بمنزلة السماع، وإن احتملت أن تكون مناولة.\nمسألة: قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى: حدث أهل بلدنا، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ (حدثنا) (٢).\nنعم؛ توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان)، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها، أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>شرط قبول صيغة السماع:</span>\nلا يصح التسليم لمجرد الوقوف على صيغة السماع بين الراوي وشيخه في رواية إلا عند اجتماع شروط ثلاثة:\n\nالأول: صحة الإسناد إلى الراوي المصرح بالسماع.\nوهذا يجب أن يعتبر فيه أن لا يقوم دليل على وهم أحد رواة الإسناد فيما دون الراوي المصرح بالسماع في تلك الدعوى، فإن أهل العلم ردوا التصريح بالسماع في بعض الأسانيد.\nكقول أبي بكر الأثرم لأحمد بن حنبل: عراك بن مالك قال: (سمعت عائشة)؟ فأنكره، وقال: \" عراك بن مالك، من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ \"، قال لي: \" من روى هذا؟ \"،\n_________\n(١) جمعت ذلك عنهم في جزء مُحرر.\n(٢) وانظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٣٣).","vol":"1","page":134},{"text":"قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء، فقال: \" رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: (سمعت)، وقال غير واحد أيضًا عن حماد بن سلمة، ليس فيه (سمعت) \" (١).\n\nالثاني: أن يكون ذلك الراوي ممن يصلح الاستدلال بخبره.\nفأما إذا كان ممن يحتج بخبره فظاهر.\nوأما إذا كان من الضعفاء الذين يعتبر بهم، فإن الراوي ما دام صدوقًا في الأصل فإذا قال: (حدثني) فهو خبر عن شيخه المباشر لا يحتمل الكذب، نعم قد يحتمل الوهم، فقد يشبه للراوي، لكن احتمال وهمه في ذلك ضعيف، فلا يصار إليه إلا بدليل، ويكون قوله: (حدثني) اتصالًا.\n\nالثالث: السلامة من المعرض المؤثر.\nوهذان مثالان لتحقيق هذه الشروط:\n\nالمثال الأول: رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه:\nاختلفوا فيها على أقوال أربعة:\nأولها: لم يسمع من أبيه شيئًا.\nوإليه ذهب شعبة بن الحجاج (٢)، ويحيى بن معين في روايتي عباس الدوري وابن الجنيد عنه (٣)، وبه جزم عبد الرحمن بن يوسف بن خراش (٤)، والنسائي (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٦٣) وإسناده صحيح.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥٢).\n(٣) تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوريِّ (النص: ١٧١٦)، وسؤالات ابنِ الجنيد (النص: ٨١٩).\n(٤) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٣٥/ ٧٠).\n(٥) السنن (بعد رقم: ١٤٠٤).","vol":"1","page":135},{"text":"وثانيها: التردد في إمكان سماعه؛ لكونه كان صغيرًا.\nوهذا ظاهر المنقول عن أحمد بن حنبل، فإنه سئل: هل سمع عبد الرحمن بن عبد الله من أبيه؟ فقال: \" أما سفيان الثوري وشريك فإنهم ليقولان سمع، وأما إسرائيل فإنه يقول في حديث الضب: سمعت \" (١).\nقلت: وهذا الذي حكى عن الثوري وشريك ليس فيه نفي السماع، إنما فيه أنهما حدثنا بحديث عبد الرحمن عن أبيه وليس فيه (سمعت).\nوكان سبب تردد أحمد عائدًا إلى ما حكاه عن يحيى بن سعيد القطان، قال: \" مات ابن مسعود، وعبد الرحمن بن عبد الله ابن ست، أو نحو ذلك \" (٢).\nوتعقب هذا يعقوب بن شيبة بقوله: \" أخاف أن يكون هذا غلطا ً\" (٣).\nوعلى التردد جرى الحاكم النيسابوري، فإنه خرج لعبد الرحمن في \" المستدرك \" في مواضع، فهو يقول: \" لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل \" (٤)، وعليه فتارة يقول بعد تخريج حديثه: \" إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك \" (٥)، وتارة يقول: \" صحيح الإسناد \" دون تردد (٦).\nوثالثها: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا.\n_________\n(١) أخرجه ابن عساكر في \" تاريخه \" (٣٥/ ٦٧، ٦٩) بإسناد صحيح إلى أبي بكر مُحمدِ بن عليِّ بن شعيب السمسار عن أحمد، والسمسار هذا لم يُجرح، وكانَ من أصحاب أحمد.\n(٢) أخرجه ابن عساكر (٣٥، ٦٨) وإسناده صحيح.\n(٣) تاريخ ابن عساكر (٣٥/ ٦٨).\n(٤) المستدرك (١/ ٨٢ بعد رقم ٢٧٥).\n(٥) المستدرك (٢/ ٣٠٥ بعد رقم ٣١٩٤)، ونحوه (٤/ ٣٦٥ بعد رقم: ٨٠٨٦، ٨٠٨٧).\n(٦) انظر مثلًا: المستدرك (٤/ ١٥٩، ٢٣٩، ٤٠٤ الأرقام ٧٢٧٥، ٧٥٩٩، ٨٢٣٢).","vol":"1","page":136},{"text":"وهذا ذكره العجلي ممرضًا، فقال: \" يقال: إنه لم يسمع من أبيه إلا حرفًا واحد محرم الحلال كمستحل الحرام \" (١).\nوإلى قريب منه ذهب ابن سعد، فبعد أن أسند إليه هذا الأثر وفيه قوله: (سمعت عبد الله بن مسعود) (٢) قال ابن سعد: \" كان ثقة، قليل الحديث، وقد تكلموا في روايته عن أبيه، وكان صغيرًا \" (٣).\nورابعها: سمع من أبيه وإليه ذهب علي بن المديني، ويحيى بن معين في رواية معاوية بن صالح عنه (٤)، والبخاري، وأبو حاتم الرازي (٥).\nقال علي بن المديني: \" قد لقيَ أباه \" (٦).\nوقال: \" سمع من أبيه، وكان شعبة يقول: لم يسمع من أبيه، وهو عندي قد أدركه \" (٧).\nواستدل له البخاري بما رواه عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه (يعني عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود):\nأخر الوليد بن عقبة الصلاة بالكوفة، فانكفأ ابن مسعود إلى مجلسه، وأنا مع أبي.\n_________\n(١) ترتيب الثقات، للعجلي (النص: ١٠٥٢).\n(٢) وكذلك أسنده ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٤) من وجه آخر، وفيه تصريح عبد الرحمن بسماعه من أبيه. وهذا حدَّث به عبد الرحمن حين ذُكر بحضرته تحريم الضب، فأنكر ذلك وحدَّث بهذا عن أبيه. فهذا هو حديث الضب الذي أشار بعض العلماء إلى أن عبد الرحمن سمعه من أبيه.\n(٣) الطبقات الكُبرى (٦/ ١٨١).\n(٤) أخرجه ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٩) بإسناد صحيح.\n(٥) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٤٨) ونص قوله: \" سمِع أباه \".\n(٦) نقله ابن عساكر (٣٥/ ٦٥) بإسناده الصحيح إلى يعقوب بن شيبة، عن علي.\n(٧) نقله ابن عساكر في \" تاريخه \" (٣٥/ ٦٧) بإسناد صحيح، وهو إسناده بكتاب \" العلل \" لابن المديني.","vol":"1","page":137},{"text":"قال البخاري: \" شعبة يقول عبد الرحمن لم يسمع من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي \" (١).\nوقال في \" تاريخه الكبير \": \" سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير \" (٢).\nقلت: فإذا جئت للنظر أولًا في دليل نفي السماع أو التردد فيه، فأحسن ما يمكن التعلق به أمران:\nأولهما: أن بعض من روى حديث عبد الرحمن لا يذكرون له فيما رووا سماعا من أبيه.\nوهذا فيما لم يقل فيه الراوي: (سمعت) وما في معناها، فروايته بتلك الصيغة محلها (المبحث الثالث)، وإنما الشأن في روايته الصريحة بالاتصال، فحيث جاء نقل السماع من وجه صحيح سالم من المعارض الراجح، فيجب المصير إليه، ويكون من أتى به زاد علمًا لم يأتي به الآخر.\nوثانيهما: أن عبد الرحمن كان صغيرًا يوم مات أبوه، وهو ابن ست سنين في قول يحيى القطان، فكيف لابن ست سنين أن يحفظ كالذي رواه عبد الرحمن عن أبيه؟\nوهذا شكك فيه يعقوب بن شيبة، كما تقدم، كما أن ابن سعد مع إقراره بصغره، فإنه أورد له خبره الصريح في السماع من أبيه، وهو صحيح، فهو صغر لم يحل دون الحفظ.\nوتحديد سنه يوم مات أبوه بست سنين يحتاج إلى نقل صحيح، حيث قابل الثابت، إذ السماع ثبت به الإسناد، أما تحديد السن فمنقطع، القطان لم يدرك ذلك العهد.\n_________\n(١) التاريخ الأوسط (رقم: ٢٤٦) - ومن طريقه: ابنُ عساكر (٣٥/ ٦٧) - وإسناده بخبرِ ابن خُثيْم صحيح إلى ابن خثيم، أما إلى ابن مسعود فحسن، ابن خُثيم صدوق لا بأس به.\nوأخرجه ابن عساكر في \" تاريخه \" ٣٥/ ٦٣) من طريق آخر إلى ابن خُثيم بسياق متْنه.\n(٢) التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"1","page":138},{"text":"وأما النظر في القول الثالث، فإن القائل به قد حضر السماع في تلك الرواية الخاصة، وكان ينبغي أن تكون مظنة راجحة على السماع في الجملة، كما سيأتي في (المبحث الثالث)؛ وذلك لعدم ثبوت المعارض، ولما جرى عليه عمل الجميع أن الراوي إذا ثبت سماعه من الشيخ ولو مرة، ولم يثبت عنه التدليس، فكل ما حدث به عن ذلك الشيخ بالعنعنة فهو متصل.\nوهذا القول في التحقيق وارد في نصرة القول الرابع.\nثم يزيد عليه القول الرابع من الأدلة ما ذكره البخاري، وهو ثابت إلى عبد الرحمن من جهة الإسناد،\nفهو وقصة الضب الصحيحة الإسناد دليلان.\nينضم إليهما ثالث:\nوهو ما حدث به عبد الملك بن عمير، قال: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أن عبد الله بن سعود أوصى ابنه عبد الرحمن، فقال: \" يا بني، إني أوصيك بتقوى الله، وأمسك عليك لسانك، وابك من خطيئتك، وليسعك بيتك \" (١).\nوهذه رواية صحيحة، فمن كان في سن يعقل فيه مثل هذه الموعظة، فجدير أن يكون أهلًا لحمل العلم وحفظ الحديث.\nومن خلال القولين الرابع والخامس تعلم خطأ قول الحاكم: \" لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل \"، وأبين منه خطأ قوله في موضع آخر: \" مشايخ الحديث اتفقوا على أن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه \" (٢)!!\nفها هي الأسانيد قد صحت عن عبد الرحمن بتصريحه بالسماع من أبيه\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي عاصم في \" الزهد \" (رقم: ٣٥) وإسناده صحيح، وهو أصح إسناد رُوي به هذا الخبر عن عبد الملك بن عُمير.\n(٢) سؤالات مسعود السجزي (النص: ٢١٥).","vol":"1","page":139},{"text":"وإدراكه له وهو ثقة مقبول القول أنه سمع أباه، ولم يقم دليل على ضد ذلك، إذا: حديثه عن أبيه عبد الله بن مسعود متصل صحيح، إما يقينا، وذلك فيما جاء بالصيغة الصريحة بالاتصال، وإما رجحانًا، وذلك في سائر ما حدث به دون تصريح بالسماع.\nوعلى ذلك جرى طائفة من الأئمة، كالترمذي في مواضع من \" الجامع \" (١)، وابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣).\nوالمثال الثاني: رواية عبدِ الجبار بن وائل بن حُجر، عن أبيه:\nاختلف فيها على قولين:\nالأول: متصلة، من جهة مجيء ذكره السماع من أبيه في شيء من الرواية عنه.\nوهذا روي فيه ما قاله البخاري: \" قال فطر: عن أبي إسحاق، عن عبد الجبار، سمعت أبي \".\nلكن قال البخاري: \" ولا يصح \" (٤).\nوقال ابن حبان: \" وقد وهم فطر بن خليفة \" (٥).\nولا يوجد لدينا ما يستدل به صراحة في إثبات السماع غير هذا.\nوالثاني: منقطعة؛ لانتفاء ثبوت رواية في كونه سمع، ولقيام المعارض الصحيح.\n_________\n(١) منها: (رقم: ١٢٠٦، ٢٢٥٧، ٢٦٥٧).\n(٢) انظر مثلًا في \" صحيحه \" (رقم: ١٧٦).\n(٣) انظر \" صحيحه \" (رقم: ٦٦، ٩٧٢، ١٠٥٣، ٤٤١٠).\n(٤) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٦٩).\n(٥) المجروحين (٢/ ٢٧٣).","vol":"1","page":140},{"text":"وقال يحيى بن معين: \" ثبت، ولم يسمع من أبيه شيئًا، إنما كان يحدث عن أهل بيته عن أبيه \" (١).\nوقال: \" لم يسمع من وائل، يقولون: إنه مات وهو حبل \" يعني أن أمه به حبلى (٢).\nوقال ابن حبان: \" ولد بعد موت أبيه بستة أشهر، مات وائل بن حجر وأم عبد الجبار حامل به، وهذا ضرب من المنقطع الذي لا تقوم به الحجة \" (٣).\nقلت: وأصل هذه الحكاية التي ذكر يحيى بن معين ما حدث به البخاري، قال: قال لي ابن حجر: \" ولد عبد الجبار بعد موت أبيه بستة أشهر \" (٤).\nوابن حجر هذا هو محمد بن حجر بن عبد الجبار بن وائل، وهو هنا يخبر عن نبأ جده، لكن محمد هذا لين الحديث، وقد قال البخاري فيه: \" فيه نظر \"، ثم هو لم يدرك جده إنما يروي عن عمه عنه، فالرواية ضعيفة إذًا لا يصلح الاعتماد عليها في نفي إدراك عبد الجبار لأبيه.\nومع ذلك فكأن البخاري حين لم يقف على ضده يقاومها قد استند إليها، فقال: \" عبد الجبار لم يسمع من أبيه ولا أدركه، يقال: إنه ولد بعد موت أبيه بأشهر \" (٥).\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن مَعين، رواية الدُّوري (النص: ٤٤).\n(٢) تاريخ يحيى بن مُعين، رواية الدوري (النص: ١٨٩٠)، وحكى أبو داود عن يحيى بن مَعين قوله: \" مات وهو حمْلٌ \" (سؤالات الآجري، النص ٤٢٢).\n(٣) المجروحين (٢/ ٢٧٣ ترجمة: مُحمد بن حُجر)، وبعض ذلك في \" الثقات \" أيضًا (٧/ ١٣٥) في ترجمة (عبد الجبار).\n(٤) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٦٩، و٣/ ٢ / ١٠٦).\n(٥) نقله عنه الترمذي في \" الجامع \" (بعد رقم: ١٤٥٣) وفي \" العلل الكبير \" (٢/ ٦١٩).","vol":"1","page":141},{"text":"وابن حبان استدل بهذه الحكاية على توهيم فطر بن خليفة في الرواية التي فيه تصريح عبد الجبار بالسماع من أبيه (١).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" روى عن أبيه، مرسل، ولم يسمع منه \" (٢).\nوكذلك قال الترمذي (٣)، والنسائي (٤)، وابن حبان كما تقدم، ولذا أورده في ثقات أتباع التابعين، حيث لم تثبت عنده تابعيته.\nكذلك ذكر ابن حجر نفي سماعه من أبيه عن جماعة من الأئمة (٥).\nفالخبر إذًا بإثبات سماعه من أبيه لم يصح؛ لضعف فطر، وكذلك لم يقم دليل على اتصال ما بين عبد الجبار وأبيه.\nلكن هل لأجل أنه كان حملًا حين مات أبوه؟ أم لصغره يومئذ؟\nدليل الأول لا يثبت من جهة النقل.\nورده المزي، فقال: \" وهذا القول ضعيف جدًا، فإنه قد صح عنه أنه قال: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، ولو مات أبوه وهو حمل، لم يقل هذا القول \" (٦).\nفتعقَّبه ابن حجر فقال: \" نص أبو بكر البزار على أن القائل: كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي، هو علقمة بن وائل لا أخوه عبد الجبار \" (٧).\nقلت: وهذا تعقب ضعيف، فإن المحفوظ أن علقمة كان في سن\n_________\n(١) الثقات (٧/ ١٣٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٠).\n(٣) الجامع (بعد رقم: ١٤٥٤).\n(٤) السنن (بعد رقم: ١٤٠٤).\n(٥) تهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٠).\n(٦) تهذيب الكمال (١٦/ ٣٩٥)، وكذلك وافقه العلائي في \" جامع التحصيل \" (ص: ٢٦٧).\n(٧) تهذيب التهذيب (٢/ ٤٧٠).","vol":"1","page":142},{"text":"يعقل فيه صلاة أبيه، وقد سمع منه، ثم إن الرواية المشار إليها ترد هذا الاحتمال، فإن عبد الوارث بن سعيد (وهو ثقة)، قال: حدثنا محمد بن جحادة (وهو ثقة) قال: حدثني عبد الجبار بن وائل بن حجر، قال: \" كنت غلامًا لا أعقل صلاة أبي \"، على هذا اتفق جميع من رواه عن عبد الوارث (١).\nوهذا صريح في أن قائل ذلك هو عبد الجبار، فكيف يصح ما نقله ابن حجر عن البزار ولا اختلاف في الرواية أصلًا من الوجه المذكور؟\nفهذه الرواية كما أفاد المزي تدل على أن عبد الجبار كان قد ولد في حياة أبيه، وأدركه ورآه، لكنه لم يكن يميز يومئذ، ولذلك لم يسمع منه، إنما أخذ صلاة أبيه وروايته عن أخيه علقمة وغيره من أهل بيته.\nلذا فروايته عن أبيه منقطعة، إلا ما تبين أنه مما حدثه به ثقة عن أبيه، وهذا موجود في بعض حديثه.\n\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٧٢٣) قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر بن ميسرة، وابن خزيمة (رقم: ٩٠٥) - ومن طريقه: أبو نعيم في \" المستخرج على مُسلم \" (رقم: ٨٨٩) - قال: حدثنا عِمران بن موسى القزَّاز، وابن أبي عاصم في \" الآحاد والمثاني \" (رقم: ٢٦١٩) قال: حدثنا مُحمد بن عُبيد بن حساب، والطحاوي في \" شرح المعاني \" (١/ ٢٥٧) من طريق أبي مَعْمرٍ المقعد، والطبراني في \" الكبير \" (٢٢/ ٢٨ رقم: ٦١) من طريق المقعد وابن حساب، وابن حبان (رقم: ١٨٦٢) من طريق إبراهيم بن الحجاج السامي، هؤلاء الخمسة قالوا: حدثنا عبدُ الوارث، به.\nوجميعهم ثقات، والإسناد إلى عبد الجبار صحيح.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني:\n\nالصيغة الصريحة بالاتصال بغير لفظ السماع وما في معناه</span>\n\nهي ما يتحمل بصيغة لا تحتمل الواسطة، وليست سماعًا، ولا في معنى السماع كالتحديث والإخبار، إنما تنزل منزلته، هذه تعود جملتها إلى أقسام ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>القسم الأول: القراءة على الشيخ</span>\n\nوتمسى: (العرض) كذلك.\nوهو أن يقرأ على الشيخ حديثه، ولا فرق أن يكون القارئ هو الراوي نفسه، أو غيره وهو حاضر يسمع.\nوصيغتها: (قرأت على فلان)، أو: (قرئ على فلان وأنا أسمع)، أو: (قراءة عليه وأنا أسمع)، وما يدل على معنى ذلك.\nوحكم الرواية بها أنه صحيحة بمنزلة السماع، ويعتبر فيها ما تقدم من شروط صحة السماع.\nقال الترمذي: \" القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يقرأ عليه،","vol":"1","page":144},{"text":"أو يمسك أصله فيما يقرأ عليه إذا لم يحفظ، هو صحيح عند أهل الحديث مثل السماع \" (١).\nوقال القاضي عياض: \" لا خلاف أنها رواية صحيحة \" (٢).\nوروي تصحيحها عن علي بن أبي طالب وابن عباس، ولا يثبت عنهما.\nإنما ثبت ذلك عمن بعد الصحابة من أئمة الحديث أنهم ذهبوا إلى تصحيحها، كعامر بن شراحيل الشعبي، والحسن البصري، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي باح، ومكحول الشامي، وابن شهاب الزهري، وكبار الأئمة بعدهم، كمنصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، والشافعي، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم (٣).\nوعلى هذا جرى العمل، وكان بعضهم يرى التمييز في صيغة الأداء بين السماع والعرض، ولكن لم ينضبط ذلك في الواقع العملي من أجل أن الأكثرين لم يكونوا يرون التفريق في الصيغة، ولا يأتي له في الأسانيد فصل عادة، فلا يقال مثلًا: هذا الحديث تحمله فلان من فلان قراءة أو عرضًا، إلا بدليل خارج عن نفس ذلك الإسناد، أو يأتي التمييز صريحًا في نفس الإسناد، وهو نادر (٤)، فلما تعذر الفصل فيه كان لا فرق بين السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه.\n_________\n(١) كتاب (العلل) من آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٤).\n(٢) الإلماع (ص: ٧٠).\n(٣) بينت نُصوصهم في الجزء المشار إليه في طُرقِ التحمل.\n(٤) جاء ذلك عن سفيان بن عيينة وشُعبة بن الحجاج وغيرهما في بعْض الرواية عنهم، كما بيَّنتُ مثاله في الجزء المشار إليه.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>القسم الثاني: الإجازة</span>\nاعلم أن المتأخرين توسعوا في هذا، وابتكروا له أنواعًا وصورًا، خرجت عما يأتي بيانه، ولم آت على تفصيل ما ذكروه، من أجل أن جميع ما يخرج عما أذكره من صور الإجازة فهو باطل غير صحيح، وما أذكره فهو بحسبه، والمقصود إبراز ما قبله الأوائل من أنواع الإجازة وضروبها، حيث الحاجة إلى تمييز طرق الأسانيد قبل استقرار مصير الناس إلى الكتب المدونة الصحيحة.\nوبالاستقراء وجدت ما استعمله السلف وصححوه وخرجت به أحاديث في كتب السنة، ومنها الصحيحان، ما يلي:\n\n١ - مناولة الشيخ للتلميذ بعض حديثه مكتوبًا، وإذنه له في روايته عنه\nوهذه أعلى صور الإجازة؛ لما اشتملت عليه من مزيد التوثق.\nقال الخطيب: \" يجوز للطالب روايته عنه، وتحل الإجازة محل السماع عند جماعة من أئمة الحديث \" (١).\nوقال عياض: \" هي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين \" (٢).\nوممن صح عنه من أئمة السلف تصحيحها: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، ومعتمر بن سليمان، وعبد الرزاق الصنعاني، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.\nوكذا من قال بتصحيح الإجازة بإطلاق فإن هذا النوع أولى بالدخول\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٤٦٦).\n(٢) الإلماع، للقاضي عياض اليَحصُبي (ص: ٨٠).","vol":"1","page":146},{"text":"فيه من غيره، كسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والبخاري، وغيرهم.\n\n٢ - إعلام التلميذ للشيخ أن لديه بعض حديثه، أيرويه عنه؟ فيقول الشيخ: نعم.\nثبت هذا عن الحسن البصري، وابن شهاب الزهري، ومكحول الشامي، وهشام بن عروة، وابن جريج، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهم، وروى عنهم الثقات بذلك كما رووا عنهم بالسماع.\nوعن بعض أهل الحديث من لم يكن يختار الرواية بهذا، وهو مذهب تشدد، كيحيى بن سعيد القطان، وصالح جزرة، وإبراهيم الحربي، وروي عن شعبة ولا يصح عنه، أو مذهب تحوط كالمنقول عن أبي زرعة الرازي، وروي عن مالك، وذلك خشية الاتكال.\nوالأصل وثوق الشيخ بأن التلميذ عنى حديثًا معروفًا له من روايته، وعلامته ثقة التلميذ وأنه غير مجروح.\nقال أبو طاهر السلفي: \" الأصل في ذلك معرفة الراوي وضبطه وإتقانه على أي وجه كان، سماعًا، أو مناولة، أو إجازة \" (١).\nقلت: والأحاديث المروية بهذا الطريق لا يميز أكثرها في كتب الحديث، فلا يبين الراوي أنه أخذها عن الشيخ إجازة، ويستعمل فيها صيغة (أخبرنا) كما هو عند طائفة، وجوز بعضهم (حدثنا)، وهذا إذا لم يبين في الرواية أنه إجازة، فلا سبيل إلى تمييزه عن السماع الصريح، وحين جعلوا ذلك اتصالًا، فلم يبق للجدل فيه فائدة.\n_________\n(١) الوجيز في ذكر المُجاز والمُجيز (ص: ٥٧).","vol":"1","page":147},{"text":"٣ - كتابة الشيخ للتلميذ بشيء معين من حديثه، يقرنه بلفظ الإجازة، أو لا.\nوصورتها أن يقول الراوي: (كتب إليَّ فلان) وما في معناها.\nفهذه رواية متصلة، إذا روعيت الشروط المتقدمة لتثبيت السماع، مع شرط رابع، وهو: صحة الكتاب، بمعنى: أن يكون الكتاب كتاب الشيخ.\nقال الخطيب: \" فإذا عرف المكتوب إليه خط الراوي، وثبت عنده أنه كتابه إليه، فله أن يروي عنه ما تضمن كتابه ذلك من أحاديث \" (١).\nوتصحيح الرواية بهذا أيضًا مما عليه عمل أئمة كبار، قبل الناس ذلك منهم، واحتجوا به من روايتهم، منهم: منصور بن المعتمر، وأيوب السختياني، وشعبة بن الحجاج، وابن جريج، والليث بن سعد، وغيرهم.\nوالسنة وعمل المسلين في الصدر الأول بالمكاتبة متواتر، وهي عندهم حجة، كتب النبي ﷺ إلى ملوك، وكتب أبو بكر وعمر إلى الأمراء والولاة، ولزمت الحجة بتلك الكتب.\nقال القاضي عياض: \" استمر عمل السلف فمن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم: (كتب إلي فلان، قال: أخبرنا فلان)، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث، وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك \" (٢).\nوما ذكرنا من اشتراط صحة ذلك الكتاب عمن نسب إليه، طريقه: اعتماد نسبة الراوي عن الشيخ ذلك الكتاب إليه، مادام الراوي ثقة.\nوقد يتأكد ذلك بقرينة زائدة، كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: \" كتب\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٤٨٠)، وذكر معناه القاضي عِياض في \" الإلماع \" (ص: ٨٤).\n(٢) الإلماع (ص: ٨٦).","vol":"1","page":148},{"text":"إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، يذكر الليث بن سعد حدثهم \" (١).\nفهذه زيادة وتوكيد، وإلا فمجرد أن يقول عبد الله: (كتب إلي قتيبة) فقد بين أن ذلك الكتاب كتاب قتيبة: ومادام ثقة فهو صادق في تلك النسبة.\nومن أمثلة ما احتجوا به وهو مما روي بهذه الطريق:\n١ - قال قتادة: كتبنا إلى إبراهيم بن يزيد النخعي نسأله عن الرضاع؟ فكتب: إن شريحًا حدثنا، أن عليًا وابن مسعود كانا يقولان: يحرم من الرضاع قليله وكثيره. وكان في كتابه: إن أبا الشعثاء المحاربي حدثنا، أن عائشة حدثته، أن نبي الله ﷺ كان يقول: \" لا تحرم الخطفة والخطفتان \" (٢).\n٢ - وقال عبد الله بن عون: كتب إليَّ نافع: أن ابن عمر قال: \" نُهي عن لحوم الحمر الإنسية \" (٣).\n٣ - وقال الأوزاعي: كتب إلي قتادة، قال: حدثني أنس بن مالك: أنه صلى خلف رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ (الحمد لله رب العالمين)، لا يذكرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في أول القراءة ولا في آخرها (٤).\n_________\n(١) مُسند الإمام أحمد (رقم: ٥٧٥)، وساقَ ذلك الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٨٦) بإسناد إلى عبد الله، بزيادة.\n(٢) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه بهذا السياق: النسائي (رقم: ٣٣١١) وأبو يعلى (٨/ ١٦٣ رقم: ٤٧١٠) والرامهرمزي (ص: ٤٤١ - ٤٤٢) من طريق يزيد بن زُريع، حدثنا سعيد (هو ابن عروبة) عن قتادة، به.\nوسنده صحيح.\n(٣) حديثٌ صحيحٌ. أخرجه الطبراني في \" الكبير \" (١٢/ ٣٨٤ رقم: ١٣٤٢١) وإسناد حسنٌ، وصحَّة الحديث من جهة أصله.\n(٤) أخرجه أبو عوانة (٢/ ١٣٤ - ١٣٥) والرامهرمزي (ص: ٤٤٢)، ونحوه عند مسلم في \" صحيحه \" (١/ ٢٩٩) قلت: تكلموا فيما كتب به قتادة، قالوا: قتادة وُلد أكمه، فكيف كتب؟ إنما هذا مجاز حقيقته أنه أمر من كتب له، وعليه فيدخل الكاتب واسطة مَجهولة في الرواية، فتكون مُنقطعة، كما قال ذلك بعض العلماء، كالذهبي في \" سير أعلام النبلاء \" (٧/ ١٢١).\nوأقول: هذا تكلف، فإن الأعمى يُكتب له ما يُنسب إليه من القول، كما يُكتب للأمي الذي لايقرأ، ويُنسب ذلك إليه، ويُعتدُّ بذلك المكتوب، إذ الواجب أن يطمئنَّا إلى ما كُتب وأنهما لا يُقرَّان أنه كلاهما حتى يتيقَّناه كذلك.\nوهذه غير مسألة أن يعتمد الضرير فيما يُحدث به على كتاب كُتب له، فهو هنا أمر بأن يُكتب له مما أملاه من حفظه.","vol":"1","page":149},{"text":"٤ - ومما اتفق عليه الشيخان مما جاء بهذا الطريق:\nرواية أبي عثمان النهدي، قال: \" أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان، أن رسول الله ﷺ \" فذكر الحديث في النهي عن الحرير.\nوفي لفظ، قال أبو عثمان: \" كتب إلينا عمر ونحن بأذربيجان \"، وفي لفظ ثالث: \" كنا مع عتبة، فكتب إليه عمر \" (١).\n٥ - وما أخرجه البخاري من طريق هشام الدستوائي، قال: \" كتب إلي يحيى \" يعني ابن أبي كثير، وساق حديثًا في الصلاة \" (٢).\n٦ - وما أخرجه البخاري من طريق الليث بن سعد، قال: \" كتب إلي هشام \" يعني ابن عروة، وساق حديثًا في فضل خديحة (٣).\n٧ - وما أخرجه مسلم من طريق أيوب السختياني قال: \" كتب إلي يعلى بن حكيم \" وساق حديثًا في كراء الأرض (٤).\nبل إن البخاري ومسلمًا خرجا رواية الرجل عن الرجل ممن لم يثبت السماع بينهما البتة، وإنما كان ذلك مكاتبة، وتلك رواية الليث بن سعد عن\n_________\n(١) هذه الألفاظ للبخاري (رقم: ٥٤٩٠ - ٥٤٩٢)، ولمسلمٍ نحو ذلك (٣/ ١٦٤٢ - ١٦٤٣).\n(٢) صحيح البخاري (رقم: ٦١١).\n(٣) صحيح البخاري (رقم: ٣٦٠٥).\n(٤) صحيح مسلم (٣/ ١١٨١).","vol":"1","page":150},{"text":"عبيد الله بن أبي جعفر المصري، فإنه صح عن الليث قال: \" لم أسمع من عبيد الله بن أبي جعفر، إنما كان صحيفة كتب إلي، ولم أعرضه عليه \" (١).\nنعم الرواية في الكتابين بصيغة العنعنة، لكن المقصود أن الشيخين لم يريا تلك الصورة انقطاعًا، مع أن طريق التلقي فيها لم يكن إلا المكاتبة، بل قال البخاري في ترجمة (ابن أبي جعفر): \" سمع منه الليث \" (٢)، فعد المكاتبة بمنزلة السماع.\nوهو مذهب الليث بن سعد نفسه، فإن عبد الله بن وهب قال: لقد كان يحيى بن سعيد يكتب إلى الليث بن سعد، فيقول: \" حدثني يحيى بن سعيد \"، وكان هشام بن عروة يكتب إليه، فيقول \" حدثني هشام \" (٣).\nوالوجه في صحة الاحتجاج بالمكاتبة: ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم، قال: \" المكاتب لا يخلو من أن يكون على يقين من أن المحدث كتب بها إليه، أو يكون شاكًا فيه، فإن كان شاكًا فيه لم تجز له روايته عنه، وإن كان متيقنًا له فهو وسماعه الإقرار منه سواء؛ لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة: إما بكتاب، وإما بإشارة، وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه، كان ذلك كله سواء \" (٤).\nوقال الزيعلي في معرض نقد حديث ابن عكيم في جلود الميتة:\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٨٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٦٠) بإسناد صحيح. ومن مواضع تخريجها عند البخاري (الأحاديث: ٢٨٤، ١٤٠٥، ٢٢١٠) وعند مسلم (٢/ ٧٢٠، و٣/ ١٢١٤، ١٤٧٨).\n(٢) التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٣٧٦).\n(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ٨٢٤ - ٨٢٥) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٩١) - بإسناد صحيح.\n(٤) المحدث الفاصل (ص: ٤٥٢ - ٤٥٣).","vol":"1","page":151},{"text":"\" الكتاب والوجادة والمناولة كلها مرجوحات؛ لما فيها من شبه الانقطاع بعدم المشافهة \" (١).\nقلت: لا عبرة بهذا الشبه، فإن العلة في رد المنقطع هي وجود الواسطة المجهولة، لا عدم المشافهة، وهي معدومة هنا.\nوقد قال الحافظ محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي المعروف بلوين: \" كتب إلي، وحدثني واحد، وإن كتب النبي ﷺ قد صارت دينًا يدان بها، والعمل بها لازم للخلق، وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين، فهو معمول به، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي، يحكم به ويعمل به \" (٢).\nهذه الصور من الإجازة هي التي توجد في استعمال السلف، وقد توسع فيها المتأخرون، وزادوا في أنواعها، وأدخلوا فيها صورًا منكرة، شبيهًا بما أدركناه اليوم من طائفة يقتني أحدهم كراسًا جمع فيه له أو جمع لنفسه أسماء مصنفات عدة، كالصحيحين والسنن، له بمضمون ذلك الكراس إجازة من شيخ له، أن يروي تلك الكتب عنه، وذلك بإسناد لذلك الشيخ عن شيخ له، ويقع في السلسلة من هو معروف من علماء المتأخرين بالإسناد، ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة الحديث، كالحافظ ابن حجر أو غيره، ومنه إلى الأئمة المصنفين لتلك الكتب.\nوالعيب في هذه الإجازات أن الطالب يجاز بمجرد أسماء لكتب، لا يجاز بمضمون، بل من هؤلاء المجازين من لم يطلع على مضمون، ولم ير الكتاب الذي أجيزت له روايته عمره، خصوصًا بعض الأجزاء الحديثية التي هي في عداد المفقود، فعجبا لأحدهم يقول بعد ذلك: (لدي برواية صحيح البخاري إجازة) و: (أنا أروي جامع الترمذي عن مسند العصر فلان)، ما\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٩١) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":152},{"text":"أراه - والله - إلا يكذب في دعواه، فإنه لو قرأ البخاري أو الترمذي وحفظهما، فإنه إنما تلقاهما بالطريق الذي تلقاهما به سائر الناس، وهو هذه الوجادات عن الأصول الخطية والنسخ المنتهية أصولها إلى قرون عدة، فأي فضل في هذا لإسناد هذا المسكين، وأي صدق في دعواه: (أروي هذا عن فلان؟)، ما هذا إلا من تشبع الإنسان بما لم يعط، ولا عجب، فكثير من هؤلاء المجيزين والمجازين ممن لا حظ لهم في هذا العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>القسم الثالث: الوجادة</span>\n\nصيغتها: (وجدت، أو: وجدنا في كتاب فلان)، وقد يقول الراوي: (قرأت في كتاب فلان).\nقال عياض: \" لا أعلم من يقتدى به أجاز النقل فيها بـ (حدثنا) و(أخبرنا)، ولا من يعده معد المسند \" (١).\nوأمثلتها في استعمال السلف كثيرة.\nوربما زاد المحدث التصريح بكون تلك الوجادة بخط من وجدت عنه، وكثيراٍ ما يستعمل ذلك عبد الله بن أحمد بن حنبل في \" المسند \" عن أبيه، فيقول: \" وجدت في كتاب أبي بخط يده \"، ويسوق الحديث.\nقلت: وهذا التصريح زيادة توكيد، فإن اكتفى بالقول: (وجدت في كتاب فلان) فالأصل حمل تلك الإضافة على أنَّ ذلك الكتاب صحيح النسبة إليه.\nفمثل قول محمد بن المثنى: \" نسخت هذا الحديث (٢) من كتاب غندرٍ\n_________\n(١) الإلماع (ص: ١١٧).\n(٢) يعني حديثه أن رجلين تداعيا عنْد رسول الله ﷺ، فحلف المدَّعى عليه بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله ﷺ: \" إن الله قد غفر لك بإخلاصك \".","vol":"1","page":153},{"text":"عن شعبة عن عطاء عن أبي البختري عن عبيدة عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ، ولم أسمعه منه \" (١) فهذا وجادة متصلة، وإن لم يسمعها محمد بن المثنى.\nأما إن وجد في كتاب، ولم ينسبه لأحد، فتلك رواية منقطعة؛ لجهالة صاحب ذلك الكتاب.\nوذلك مثل قول أحمد بن صالح المصري: \" وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز .. \" فذكر الإسناد والحديث من حديث جبير بن مطعم في بعض خبر النبي ﷺ بمكة، وذكر أسمائه.\nوالإسناد لولا هذه العلة إسناد جيد، من أجل ذلك قال أحمد بن صالح في آخره: \" أرجو أن يكون صحيحًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>حكم التحديث وجادة في الصحة والضعف:</span>\nذهب جماعة من السلف إلى جواز الرواية وجادة، وحدثوا بهذا الطريق، منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، وأبو سفيان طلحة بن نافع، وقتادة بن دعامة السدوسي، والحكم بن عتيبة، والليث بن سعد، وغيرهم.\nوعن جماعة من أئمة الحديث تليين الرواية بها، ووصفها بالانقطاع؛ لكون الراوي لم يسمع من الشيخ، وربما لم يره، ولم يكاتبه الشيخ بحديثه، بل ربما لم يتعاصرا وكان بينهما زمان.\nوممن روى عنه المنع من الرواية بها: محمد بن سيرين، وذلك في التحقيق من أجل مذهبه في النهي عن الكتب جملة.\n_________\n(١) مُسند البزار (٦/ ١٣٧) وفي الإسناد اختلاف على عطاء، وهو ابن السائب.\n(٢) أخرجه الطبراني في \" المعجم الكبير \" (٢/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم: ١٥٣٢).","vol":"1","page":154},{"text":"وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.\n\nوالتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود.\nومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين.\nقال الخطيب: \" لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من\nسماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: (أخبرنا) أو (حدثنا)، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة \" (١).\nوفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (٢).\nوهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة:\n\nالمثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب.\nقال العلائي: \" قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة \" (٣).\nوقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:\nالأول: أنه لم يسمع من سمرة.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٠٤).\n(٢) ذكرت الرواية بذلك، وعامة ما لم أعزه من النقل في بيان طُرق التحمل إلى الجزء المفرد في ذلك.\n(٣) جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"1","page":155},{"text":"وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (١)، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال: \" لم يسمع الحسن من سمرة \" (٢).\nوجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (٣) وغيره.\nوالثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة.\nقال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: \" سمعنا أنها من كتاب \" (٤).\nوهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: \" كتب سمرة \" (٥).\nقال يحيى بن معين: \" لم يسمع من سمرة حرفًا قط \" (٦).\nوسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: \" لا \" (٧).\nوبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال: \" لم يسمع الحسن من سمرة شيئًا، هو كتاب \" (٨).\nوالثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٩)، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.\n_________\n(١) ذكره يحيى بن معين في \" تاريخه \" (النص: ٤٠٥٤) دون إسناد.\n(٢) رواه يحيى بن معين في \" تاريخه \" (النص: ٤٠٥٣) وإسناده صحيح.\n(٣) صحيحه (٥/ ١١٣ بعد رقم: ١٨٠٧).\n(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ١١) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ٣٢) عن شيخه محمد بن سعيد بن بلج الرازي، ولم أقف له على ترجمة.\n(٦) معرفة الرجال، رواة ابن مُحرز (١/ ١٣٠)، وروى الدقاق عنه: \" الحسن لم يَسمع من سمُرة \" (من كلام أبي زكريا، النص: ٣٩٠).\n(٧) تاريخ الدارمي (النص: ٢٧٧)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩٦).\n(٨) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٠٩٤).\n(٩) يعني حديث: \" الغلام مُرْتهنٌ بعقيقته. . \" ساق لفظه الترمذي (رقم ١٥٢٢) وغيره.","vol":"1","page":156},{"text":"وهو قول النسائي، قال: \" الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة \" (١).\nوهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (٢).\nوالثالث: أنه سمع من سمرة.\nقال علي بن المديني: \" سماع الحسن من سمرة صحيح \" (٣).\nوقال وقد ذكر رواية الحسن: \" أما أحاديث سمرة فهي صحاح \" (٤).\nوقال: \" وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثًا مرفوعًا وغيرهما،\n_________\n(١) السنن، للنسائي (بعد رقم: ١٣٨٠).\n(٢) أخرجه البُخاري (رقم: ٥١٥٥) قال: حدثنا عبد الله بنُ أبي الأسود، وفي \" التاريخ الكبير \" (١/ ٢ / ٢٩٠) - وعنه: الترمذي في \" جامعه \" (عقب رقم: ١٨٢) - قال: قال لي عليٌّ (يعني ابن المديني)، والترمذي كذلك قال: حدثنا محمد بن المثنى، والنسائي (رقم: ٤٢٢١) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٠٤٤) قال: حدثني أبو خيثمة، والبيهقي في \" الكبرى \" (٩/ ٢٩٩) والمزيُّ في \" التهذيب \" (٢٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨) من طريق أبي قلابة الرقاشي، قالوا جميعًا: حدثنا قريشُ بن أنس به، وفي رواية أبي خيثمة وأبي قلابة عنه قال: حدثنا حَبيب بن الشهيد.\nوقد ذكروا أن قريشًا اختلط وتغير قبل موته بستِّ سنين، وذكر الحافظ ابن حجر في \" الفتح \" (٩/ ٥٩٣) أن الأثرم حكى أن الإمام أحمد بن حنبل ضعَّف حديث قريش هذا، وقال: \" ما أراه بشيء \"، وردَّه ابنُ حجر أنَّ لحديثه المذكور في العقيقة طريقًا آخر، وقال: \" وأيضًا فسماع علي بن المديني وأقرانه من قريش كان قبل اختلاطه، فلعل أحمد إنما ضعفه؛ لأنه ظنَّ أنه إنما حدث به بعد الاختلاط \".\nقلت: ويؤيد صحة رواية ابن المديني عنه، أنه قال في رواية البُخاري لحديث العقيقة عنه في \" التاريخ \": \" حدثنا قريش بن أنس وكان ثقة \".\n(٣) نقله عنه البخاري في \" التاريخ الأوسط \" (١/ ٣٩٣)، و\" التاريخ الكبير \" (١/ ٢ / ٢٩٠)، وحكاه الترمذي عن البُخاري عنه في \" الجامع \" (بعد حديث رقم: ١٨٢)، وفي \" العلل الكبير \" (٢/ ٩٦٣ - بترتيب أبي طالب القاضي).\n(٤) رواه عنه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":157},{"text":"والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد \" (١).\nوتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في \" الجامع \" (٢)، وكذلك صنع ابن خزيمة في \" صحيحه \" (٣)، والحاكم في \" المستدرك \" (٤).\nوالقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة.\nقال العلائي: \" وذلك لا يقتضي الانقطاع \" (٥).\nوقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: \" قرأت في كتاب سمرة \" (٦).\nبل صح عن عبد الله بن عون، قال: \" دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتابًا من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق \" (٧).\nفهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب.\nعلى أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة:\nالأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.\n_________\n(١) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣).\n(٢) انظر الأحاديث: (رقم: ١٨٢، ١٢٣٧، ١٢٩٦).\n(٣) انظر الحديثين: (رقم: ١٧١٠، ١٧٥٧).\n(٤) انظر \" المستدرك \" (١/ ٢١٤ بعد رقم: ٧٨٠).\n(٥) جامع التحصيل (ص: ١٩٩).\n(٦) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣) وذكر أنه وقع في حديث واحد رواه الحسن عن سمُرة.\n(٧) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٢١٨٧) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":158},{"text":"والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه.\nفقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (١).\nفهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة.\nوالثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبدًا له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (٢).\nوهذه رواية صحيحة عن الحسن.\nوالثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (٥٩) أو (٦٠) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، ﵁، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ\n_________\n(١) أورد ذلك المزِّي في \" التهذيب \" (٢٣/ ٥٨٨) بعد رواية قصِّة حديث العقيقة، وإسناده إلى أبي قلابة صحيح.\n(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٣٣/ ٣١٦ رقم: ٢٠١٣٦)، وعلق محققه بالتشكيك إن كان حُميد حفظ تصريح الحسن بالسماع، وذلك من أجل أن يزيد ين إبراهيم التُّستَري رواه عن الحسن قال: (عن سمرة)، وجعل المحقق ذلك مخالفةً لحميد، وهذا عجيب، فلم يزل هذا المحقق وغيره يجعلون ذكر السماع من راوٍ من قبيل زيادة الثقة، وهو الأمر عليه إطباق عامة أهل العلم بالحديث، والعنعنة لا تُنافي السماع.","vol":"1","page":159},{"text":"ظاهر الصيت، والحسن يومئذ في سن تقدم وعلم، فقد قتل عمر بن الخطاب وله سنتان، فيكون عمره حين قتل علي تسعة عشرة سنة.\nفهذه الوجوه قاضية بصحة سماع الحسن من سمرة في الجملة، وهو الذي قطع به ابن المديني، مع شدة شرطه في الاتصال، ثم لو سلمنا أن من حديثه عنه مالم يسمعه فإنه اعتمد فيه على كتب سمرة على قول ابن معين وغيره، والرواية من الكتاب اتصال (١)، وهو مقصود هنا.\nالمثال الثاني: رواية مخرمة بن بكير عن أبيه.\nحكي عن مخرمة في شأن سماعه من أبيه حكايتان متضادتان:\nالأولى: ما رواه عنه موسى بن سلمة الجمحي المصري قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: حدثك أبوك؟ قال: \" لم أدرك أبي، ولكن هذه كتبه \" (٢).\nوفي لفظ، قال: أتيت مخرمة بن بكير، فقلت له: أخرج إلي بعض كتب أبيك، قال: فأخرج إلي كتابًا، فقلت: سمعت هذا من أبيك؟ فقال: \" لم أسمع من أبي شيئًا، وهذه كتبه \" (٣).\n_________\n(١) للذهبي تشكيك في عامة ما يقول فيه الحسن: (عن فلان) اغترَّ به جماعةٌ من المعاصرين، وذلك أنه وصف الحسن بالتدليس عن الضعفاء، فلا يُقبل منه ما قال فيه: (عن) حتى وإن ثبت سماعه أو لُقيُّه لذلك الشيخ في الجملة، وهذا القول غيرُ محرر، وليت الذهبي ﵀ لم يُرسله فيتعلق به من جاء بعده، فما هو إلا دعوى، ولمناقشتها موضعٌ آخر، وإنما كان الحسن يُرسل عمَّن لم يلقه أو لم يسمع منه، أما التدليس فهي تُهمةٌ مرسلةٌ لا تثبت عليه.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٣٦٤) و\" المراسيل \" (ص: ٢٢٠) بإسناد صحيح إلى موسى.\n(٣) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى، كما رواه (٨/ ١٧٧) عن شيخه علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، وهو شيخٌ متهم، وهو بمعناه مختصرًا عند الطحاوي في \" شرح المعاني \" (٣/ ١٦٤) من طريق صحيح.","vol":"1","page":160},{"text":"وقال في لفظ: \" ما سمعت عن أبي شيئًا، إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه \"، وزاد: \" ما أدركت أبي إلا وأنا غلام \" (١).\nلكن هذه الحكاية لا يحتج بمثلها على الانفراد، من أجل أن موسى هذا ليس بالمشهور، وغاية أمره أن يستشهد به عند الموافقة.\nووجدت له موافقًا من طريق صحيح فقد حكى حماد بن خالد الخياط، وكان ثقة، قال: أخرج مخرمة بن بكير كتبًا، فقال: \" هذه كتب أبي، لم أسمع منها شيئًا \" (٢).\nوالحكاية الثانية: ما رواه إسماعيل بن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك، قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون: إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك، فقال: \" ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي، ورب هذا المنبر والقبر، لقد سمعتها من أبي \" ثلاثًا (٣).\nقلت: وهذه الحكاية ربما طعن عليه لكونها وجادة عن مالك، وليس بطعن على التحقيق، فإنها كانت بخط مالك، وابن أبي أويس من أهل بيته ومن أصحابه، لكن المأخذ عليها إنما هو من جهة أن ابن أبي أويس لم يكن قويًا في الحديث.\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٧ - ١٧٨) بإسناد صحيح إلى موسى.\n(٢) أخرج ذلك عنه مباشرة: أحمد بن حنبل في \" العلل \" (رقم: ٥٤٥، ١٩٠٧، ٥٥٩٢) وعنه: البُخاري في \" التاريخ الكبير \" (٤/ ٢ / ١٦) وابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ٢٢٠) ويعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ١٨٣).\n(٣) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة \" (١/ ٦٦٣) عن إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس. كما رواهُ بمعناه مُختصرًا عن ابن أبي أويس: أبو حاتم الرازي، كما في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣٦٤)، أحمد بن صالح المصري عندَ أبي زُرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٤٤٢) ومن طريقه: ابنُ حبان في \" الثقات \" (٧/ ٥١٠).","vol":"1","page":161},{"text":"ولما حكى أبو حاتم القصة عن ابن أبي أويس، قال مشعرًا بضعفها: \" إن كان سمعها من أبيه، فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثًا يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير \" (١).\nغير أنه ربما قيل: يقويها قول معين بن عيسى القزاز، وهو ثقة: \" مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار \" (٢).\nوأقول: أدرك معن مخمرة وروى عنه شيئًا، لكن هذه العبارة من إنشائه، ولم يعزها إلى مخرمة من قوله كما وقع في رواية حماد الخياط المتقدمة فيجوز أن يكون بلغه ما حدث به ابن أبي أويس، وهو بلديه وقرينة في الأخذ عن مالك، ويجوز أن يكون قال ذلك بمجرد اجتهاده، ويجوز غير ذلك، وبإيراد مثل هذه الاحتمالات لا يصلح الاعتراض على ما صح نقله عن مخرمة نفسه من عدم سماعه من أبيه، إلا أن يحمل ذلك على شيء يسير، على ما ذهب إليه بعض أهل العلم بالحديث:\nقال أبو داود السجستاني: \" لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحد، وهو حديث الوتر \" (٣).\nوقال علي بن المديني: \" ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان (٤)، لعله سمع الشيء اليسير، ولم أجد بالمدينة من يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي \" (٥).\nقلت: وهذا جميعه يؤكد صحة الحكاية الأولى عن مخرمة، ويضعف الثانية.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).\n(٢) أخرجه ابن عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح إليه.\n(٣) نقله المزي في \" تهذيب الكمال \" (٢٧/ ٣٢٦).\n(٤) يعني ابن يسار.\n(٥) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":162},{"text":"وهو الأمر الذي صار إليه كبار النقاد:\nقال أحمد بن حنبل: \" مخرمة بن بكير ثقة، إلا أنه لم يسمع من أبيه شيئًا \" (١).\nوكذلك قال في رواية أبي طالب، وزاد: \" إنما يروي من كتاب أبيه \" (٢).\nوقال يحيى بن معين في رواية الدوري: \" يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب، ولم يسمع من أبيه \" (٣).\nوقال في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم ابن البرقي: \" كان مخرمة ثبتًا، ولكن روايته عن أبيه من كتاب وجده لأبيه، لم يسمع منه \" (٤).\nوقد ضعفه يحيى في رواية الدوري، حيث قال مرة: \" ضعيف الحديث \" (٥)، ومرة: \" ليس حديثه بشيء \" (٦)، وفي رواية ابن محرز: \" لا يكتب حديثه \" (٧).\nقلت: وهذا اختلاف عن يحيى، وعلة تضعيفه له ليست من جهة عدالته، ولا من جهة حفظه وإتقانه، وإنما هو لأجل أن روايته لم تكن شيئًا سمعه، إنما هي وجادة.\n_________\n(١) العلل (النص: ٣٢٣٠).\n(٢) نقله عنه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣٦٣) و\" المراسيل \" (ص: ٢٢٠)، وابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ١٧٨).\n(٣) تاريخ يحيى بن معين (النص: ١١٩٢)، ونقل ابنُ أبي خيثمة عن يحيى نحوه، كما في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣٦٣)، وفي رواية ابن مُحرز (١/ ٥٦): سُئل يحيى بن معين: مخرمة بن بُكير سمع من أبيه؟ فقال: \" كتاب \".\n(٤) نقله ابن عبد البر في \" التمهيد \" (٢٤/ ٢٠٢).\n(٥) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٤٠، ١٠١٩، ٥١٥٧)، وكذلك رَوى مُعاوية بن صالح عن يحيى، كما في \" الكامل \" لابن عدي (٨/ ١٧٨).\n(٦) تاريخ يحيى (النص: ١١٢١).\n(٧) معرفة الرجال (١/ ٥٦).","vol":"1","page":163},{"text":"ولهذا خالف يحيى في ذلك غيره مع الإقرار بكون حديثه عن أبيه وجادة، فهذا أحمد يوثقه، وكذلك قال علي بن المديني: \" ثقة \" (١)، وقال أحمد بن صالح المصري: \" من ثقات الناس \" (٢)، وقال أو حاتم: \" صالح الحديث \" (٣)، كما جرى على توثيقه غيرهم مع تسليم كون حديثه عن أبيه وجادة.\nفالرجل ثقة، حديثه عن أبيه وجادة صحيحة، كان يقول فيما يحدث به منها: (عن)، وهذا هو الذي لا يجوز سواه في الوجادة، وقد عد بعضهم مخرمة لذلك في المدلسين، ولا معنى له وقد تبين وجهه سوى التوسع في الاصطلاح.\nوهي رواية متصلة؛ نظرًا لعدم الوساطة فيها بين الراوي والمروي عنه، وأنها كتاب الشيخ نفسه وليست نسخة عنه.\nولهذا احتج مسلم في \" صحيحه \" برواية مخرمة عن أبيه.\nنعم، في القوة دون السماع، لكن ذلك لا يؤثر بالمكاتبة متصلة وليست سماعًا، فكذلك الوجادة الصحيحة\n* * *\n_________\n(١) أخرجه ابنُ عدي (٨/ ١٧٨) بإسناد صحيح.\n(٢) رواه عنه أبو زُرعة الدمشقي في تاريخه \" (١/ ٤٤٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٦٤).","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثالث:\n\nصيغة العنعنة وما يجري مجراها</span>\n\nالعنعنة، هي: قول الراوي: (عن فلان)، وتقع من لفظ المحدث نفسه عن شيخه، كما يمكن أن تكون من تصرف من روى عنه.\nوهي صيغة لا تعني الاتصال ولا الانقطاع بمجردها، وقد استعملت في السند المتصل، كما استعملت في السند المنقطع، وبها يوهم المدلسون الاتصال فيما دلسوا فيه.\nوالناظر المحرر للأسانيد يجد أن استعمال (عن) في محل السماع هو الغالب، وكانوا يتخففون بترك الصيغة الصريحة، ويكتفون بالقول: (فلان عن فلان) \".\nقال الخطيب: \" إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة؛ لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرر القول من المحدث: (حدثنا فلان عن سماعه من فلان) يشق ويصعب؛ لأنه لو قال: (أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان) حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي ﷺ، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه","vol":"1","page":165},{"text":"إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان \" (١).\nومن الدليل على إرادة التخفيف في استعمالها:\nقول عفان بن مسلم: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد، فجعل جرير يقول: \" حدثنا محمد، قال: سمعت شريحًا. حدثنا محمد، قال: سمعت شريحًا \"، فجعل حماد يقول: \" يا أبا النضر: عن محمد عن شريح، عن محمد عن شريح \" (٢).\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ فقال: \" أبو معاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش _، شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والإخبار، أبو معاوية عن عن مع أن أبا معاوية يخطئ على الأعمش خطأ \" (٣).\nوقال الوليد بن مسلم: \" كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حتى ينتهي، فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: (عن عن عن) تخففنا من الأخبار \" (٤).\nوالعلماء في حكم الإسناد المعنعن على مذاهب، يعتبر التنبيه فيها على ثلاثة:\n\nالمذهب الأول: هو من قبيل المرسل والمنقطع (٥).\nوهذا ذكره ابن الصلاح، ولم ينسبه لأحد، وهو مذكور عن شعبة بن الحجاج.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٥٣ - ٥٥٤).\n(٢) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٢٦٢) وإسناده صحيح.\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٦٨٠).\n(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ٤٦٤) وإسناده صحيح.\n(٥) انظر: المحدث الفاصل، للرامَهرمُزي (ص: ٤٥٠)، والسنن الأبين، لابن رُشيْد (ص: ٢٢ - ٢٥).","vol":"1","page":166},{"text":"فقد قال: \" فلان عن فلان مثله لا يجزئ \"، وكان سفيان الثوري يقول: \" يجزي \" (١)، فلذا جاء شعبة أنه رجع عن قوله إلى قول سفيان (٢)، ورأيت ظاهر عبارة ابن رجب الحنبلي من المتأخرين يدل عليه، كما سيأتي ذكره.\nوهو مذهب مهجور، لا تساعد عليه طريقة النقلة في رواية الحديث، ولا منهج الأئمة الكبار في الحكم بصحة الحديث.\nوقال ابن الصلاح وقد ذكر الإسناد المعنعن: \" الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه ... وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا مع براءتهم من وصمة التدليس \" (٣).\nوالمذهب الثاني: اشترط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة، ولو مرة، ثم جميع ما يرويه ذلك الراوي بالعنعنة عن ذلك الشيخ فهو محمول على الاتصال، ما لم يعرف بتدليس.\nوهذا يمكن أن يستفاد من طريقة شعبة بن الحجاج، الذي عرف بتنقيبه عن السماع فيما أخذ عن شيوخه، إلى أن قال تلميذه يحيى بن سعيد القطان:\n\" كل شيء يحدث به شعبة عن رجل، فلا تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل: إنه سمع فلانًا، قد كفاك أمره \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبدُ الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٣٠٢٦).\n(٢) حكى ذلك ابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ١٣) ولم أقف عليه مُسندًا.\n(٣) علوم الحديث (ص: ٦١).\n(٤) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٦٢) و\" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":167},{"text":"وهو مذهب كبار أئمة الحديث، فإنهم كانوا لا يثبتون الاتصال في محل العنعنة حتى يقوم الدليل عليه بين التلميذ والشيخ.\nفهو قول ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ومقتضى كلام أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أعيان الحفاظ (١).\nقلت: حكايته عن علي بن المديني، ذكره كثير من الأئمة، ولم أقف عليه مسندًا عنه، لكن في كلامه المعروف عنه ما يثبته ويدل عليه، كما علمناه مذهبًا للبخاري من خلال كتبه، إذ عليه بنى (صحيحه).\nقال الشافعي في جواب قول من قال له: \" فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول: (عن)\nوقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ \" فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده: \" وكان قول الرجل: (سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا يقول)، وقوله: (حدثني فلان عن فلان) سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق، قَبِلنا منه: (حدثني فلان عن فلان) \" (٢).\nوقال الخطيب بعد أن أورد عن بعض متأخري الفقهاء رد المعنعن بمجرد العنعنة: \" أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: (حدثنا فلان عن فلان) صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك، حديثًا نازلًا، فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عاليًا، فيقول: (حدثنا فلان عن فلان) أعني الذي لم يسمعه\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٦٥، ٣٧٢)، وانظر: موقف الإمامين، لخالد الدُّريس (ص: ٢٦٩ - ٢٨٧) فقد ساق فيه عبارات طائفة من كبار الأئمة المتقدمين في إثبات هذا المذهب.\n(٢) الرسالة (الفقرة: ١٠٣٢).","vol":"1","page":168},{"text":"منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده \" (١).\nوقال ابن عبد البر: \" تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطًا ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضًا مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس \" (٢).\nوهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة كابن الصلاح (٣)، وابن رشيد الفهري (٤)، والنووي (٥)، والذهبي (٦)، وغيرهم.\nوهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه.\nواللقاء وحده مع عدم التدليس كاف عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المدني يرى (٧).\nواللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلًا عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ، مع السلامة في كل ذلك من المعارض الراجح.\nوحين ادعى مسلم الإجماع على ما ذهب إليه من الاكتفاء بالمعاصرة،\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٤٢١).\n(٢) التمهيد (١/ ١٢).\n(٣) صِيانة صحيح مسلم (ص: ١٢٨).\n(٤) السنن الأبين (ص: ٣٢).\n(٥) شرح صحيح مسلم (ص: ١٢٨).\n(٦) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٣).\n(٧) وهذه مسألة يطول سردها ببراهينها، وقد وجدت الباحث الأستاذ خالد الدريس قد بينها بيانًا جيدًا في كتابه: \" موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين \" (ص: ١٠٨ - ١١٤)، وهو كتاب قيم مفيد، وإن كان في بعض ما استنتجه فيه مما يناقش أو يخالف فيه.","vol":"1","page":169},{"text":"قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذهب الأئمة الكبار على خلافه، وعلى اشتراط ثبوت السماع، وقال: \" بل اتفاق هؤلاء الأئمة يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم \" (١).\nوأقول: فيما أطلقه ابن رجب من أن مذاهب أولئك الأئمة على اشتراط ثبوت السماع لا يساعد عليه ما أورده دليلًا لما قال، وبيانه: أنه استدل لذلك بأمثلة تطبيقية، تلخيصها في التالي:\n١ - جماعة رأوا النبي ﷺ، لكنهم لم يثبت لهم منه سماع، فروايتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب.\n_ جماعة ثبتت رؤيتهم لبعض الصحابة، لكن حديثهم عنهم مرسل؛ لعدم السماع، كالأعمش، والرؤية أبلغ في الاتصال من مجرد إمكان اللقاء.\n٣ - وجود بعض من ثبت له اللقاء والسماع اليسير من شيخ، ولم يسمع أكثر ما روى عنه معنعنًا، كسعيد بن المسيب عن عمر.\nوساق ابن رجب بعض عبارات الأئمة أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في ذلك، ثم قال: \" فدل كلامهم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري، فإن المحكي عنهما: أنه يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع \" (٢).\nقلت: والنقد لما استخلصه ابن رجب عن هؤلاء الأئمة من وجهين:\nالوجه الأول: ما ذكره من عباراتهم مستدلًا به فجميعه لا يخلو من واحد من الأحوال الأربعة التالية:\nالأول: ما استدل به أن جماعة ثبتت لهم الرؤية ولم يثبت لهم\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٢).\n(٢) شرح علل الترمذي (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":170},{"text":"السماع، فإن ذلك عرف بصغر سن أحدهم يوم إدراكه، وأنه لم يكن في عمر من يحتمل عنه ما روى عن ذلك الشيخ، كرواية ابن المسيب عن عمر، ورواية الأعمش عن أنس، مع ما ينضم إلى هذا الأخير مما عرف عنه من التدليس.\nالثاني: عبارات لأحمد بن حنبل وغيره فيها التوقف عن القطع بالاتصال؛ لأنه لم يقف على ما يدل عليه، كقول أحمد، وقد سئل: يحيى بن أبي كثير سمع من أنس؟: \" قد رآه، قال: رأيت أنسًا، ولا أدري سمع منه أم لا \" (١).\nقلت: وهذا التوقف من جهة ما ورد من الريبة في الانقطاع؛ من أجل صغر يحيى حين أدرك أنسًا.\nالثالث: ما يوجد من نفي السماع في عبارات بعضهم في حق من عرف لهم الإدراك وإمكان اللقاء، كقول أبي زرعة الرازي في (أبي أمامة بن سهل بن حنيف): \" لم يسمع من عمر \" (٢)، مع أنه رأى النبي ﷺ، فليس في محل النزاع، إذ لانزاع أن الراوي إذا ثبت عدم سماعه فلا يغني لاتصال روايته ثبوت اللقاء، وإنما الشأن فيمن لم يثبت أنه لم يسمع، ولم يأت أنه سمع، وكان اللقاء والسماع ممكنًا لثبوت الإدراك المجيز لتحقق ذلك.\nالرابع: قيام شبهة في عدم الاتصال في محل العنعنة، مثل أن يروي الراوي عن رجل عاصره، لكنهما قد تباعدت أرضهما، ولا يعرف لأحدها ارتحال إلى بلد الآخر، مثل قول أبي حاتم الرازي في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: \" قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة \" (٣).\n_________\n(١) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٢٤٠).\n(٢) المراسيل لا بن أبي حاتم (ص: ١٦، ٢٥٨).\n(٣) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ١٨٧).","vol":"1","page":171},{"text":"ويشبه هذا في قيام الشبهة، قول أحمد بن حنبل: \" ابن سيرين لم يجئ عنه سماع من ابن عباس \" (١)، فإن أحمد قال في نص آخر: \" لم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس \" (٢)، فالانقطاع بينهما فيما يقول فيه (عن ابن عباس) في بعض الرواية عنه لا يحمل على الاتصال لمجرد الإدراك والمعاصرة، من أجل ما قام من شبهة التلقي بالواسطة.\nومثله كذلك، قول أحمد حين سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟: \" ما رأى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة \" (٣) يعني إنما المعروف من حديثه عن عائشة بالواسطة، فقام ثبوت ذلك في حديثه شبهة على كونه لم يسمع منها البتة وإن عاصرها.\nوالوجه الثاني: ما ثبت عن هؤلاء الأئمة من اعتبار إمكان السماع قائمًا مقام السماع.\nفمن نصوصهم:\nقال أبو داود السجستاني: قيل لأحمد (يعني ابن حنبل): سمع الحسن من عمران (٤)؟ قال: \" ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه \" (٥).\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: عباس بن سهل، أدرك أبا حميد؟ قال: \" عباس قديم \" (٦).\nوقال ابن هانئ لأحمد بن حنبل: ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٨٧) بإسناد صحيح.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١١٢٣، ٣٥٢٦).\n(٣) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ١١٥) ونُسب فيه القول إلى عبد الله بن أحمد، والتصويب من \" شرح العلل \" لابن رجب (١/ ٣٦٩).\n(٤) أي الحسن البصري سمع من عمران بن حصين.\n(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٢).\n(٦) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٦).","vol":"1","page":172},{"text":"\" نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح \" (١).\nوقال أبو بكر الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: \" نعم، قد سمع من الأسود غير شيء \" كأنه يقول: إن الأسود أقدم (٢).\nوسئل أحمد عن أبي ريحانة سمع من سفينة؟ قال: \" ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر \" (٣).\nوسأل الترمذي أبا عبد الله البخاري عن حديث رواه عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي، قال: أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: \" نعم \"، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: \" ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم \" (٤).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا؛ لا لأنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة \" (٥).\nقلت: أما قوله في الزهري عن أبان، فإنه علله بقوله: \" كيف سمع من أبان وهو يقول: بلغني عن أبان؟ \" (٦)، فقام هذا شبهة تمنع من قبول عنعنته عن أبان.\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢٣٩).\n(٢) نقله ابن رجب في \" شرح علل الترمذي \" (١/ ٣٦٤).\n(٣) نقله ابن رجب في \" شرح العلل \" (١/ ٣٧٥).\n(٤) العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٦٣٣).\n(٥) المراسيل (ص: ١٩٢).\n(٦) المراسيل (ص: ١٩١).","vol":"1","page":173},{"text":"وأما ما ذكره في رواية حبيب عن عروة، وهو محل الشاهد، فمقتضى قوله أن لولا اتفاق أهل الحديث على نفي سماع حبيب من عروة لكانت روايته عنه متصلة؛ من أجل أنه سمع ممن هو أكبر منه.\nوهذا موافق لأصل إجراء العنعنة على الاتصال ما لم يثبت ما ينافيه.\nوحدث أحمد بن حنبل في \" المسند \" بحديث قال فيه: حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة ..، فقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: \" كان أصله شاميًا، سمع منه بالشام \" (١).\nقلت: لعل الشبهة دخلت على عبد الله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهانًا كافيًا على إثبات الاتصال.\nوجرت بين ابن أبي حاتم وأبيه محاورة في سماع غزوان أبي مالك الغفاري من عمار بن ياسر، قال فيها: ما تنكره أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: \" بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة \" (٢).\nقلت: فدل هذا على أن اعتبار المعاصرة مع القرائن المساعدة دليلًا على الاتصال كان معروفًا من منهجهم.\nفمن هذا يظهر أن ما خلص إليه ابن رجب من القول: \" والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين \" (٣)، فهذا في التحقيق ضعيف، مع مراعاة الذي لأجله كانوا يستعملون العنعنة.\n_________\n(١) المسند (٥/ ٢٦٤).\n(٢) علل الحديث (١/ ٢٤).\n(٣) شرح علل الترمذي (١/ ٣٧٤).","vol":"1","page":174},{"text":"المذهب الثالث: أن (عن) اتصال بشرط المعاصرة.\nوهو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج، وحكي فيه إجماع من تقدمه.\nوقد ذكر مسلم في صدر \" صحيحه \" مقالة لم يفصح عن قائلها، حاصلها: أنه لا يكفي قول الراوي: (عن فلان) لإثبات اتصال ما بينهما، حتى وإن ثبت أنهما كانا جميعًا في عصر واحد، ومحتمل أن يكون الحديث الذي روى عن ذلك الشيخ قد سمعه منه وشافهه به، لكنا لا نعلم له منه سماعًا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط أو تشافها بحديث، وإنما يثبت الاتصال إذا ثبت أنهما اجتمعا مرة فأكثر، أو تشافها بالحديث (١).\nثم رد مسلم هذه المقالة وأنكرها، ووصفها بكونها مخترعة.\nوقال: \" القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه؛ لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا \" (٢).\nوناقش مسلم المقالة السابقة ورد ما يمكن التعلق به لأجلها، وهو احتمال الإرسال وعدم السماع بين الراوي وذلك الشيخ الذي عنعن عنه.\nثم أبطل ذلك بأن الاحتمال عندئذ يرد على كل موضع عنعنة، حتى في رواية الراوي عمن سمع منه مرة أو أكثر؛ لجواز أن يكون روى عنه بالواسطة فأسقطها وأرسله عنه.\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٢٩).\n(٢) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٢٩ - ٣٠).","vol":"1","page":175},{"text":"وقال مسلم: \" وما علمنا أحد من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد .. وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس \" (١).\nوذكر مسلم أمثلة عديدة لقبول أهل العلم الحديث تصحيحه والاحتجاج به، مع أنه لم يأت إلا من وجه قد قال فيه الراوي: (عن فلان) ولم يثبت أنهما اجتمعا ولا تشافها في شيء من الرواية.\nوقال الحاكم في المعنعنات: \" هي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن أنواع التدليس \" (٢).\nوهذا بينه مسلم ودل عليه ما ذكره الحاكم، تفيده كذلك عبارات بعض المتقدمين:\nفقد قال أبو بكر الحميدي وهو يذكر صفة الحديث الثابت، فجعل ما يحدثه الراوي عن شيخ قد أدركه متصلًا بمجرد ذلك، قال: \" وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا، مدركًا لمن روى ذلك عنه \" (٣).\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٢ - ٣٣).\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ٣٤).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٣) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":176},{"text":"وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت؟ قال: \" وما ينكر أن يكون قد لقيه \"، قلت روى عن أبي صالح عن زيد بن ثابت؟ قال: \" قد روى شفيق عن رجل عن عبد الله \" (١).\nقلت: طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه.\n\nوتحرير محل النزاع:\nأن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال: أن يكون الراوي المعنعن لم يثبت عليه في حديثه المعنعن تدليس، وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجح.\nفشرط البخاري ومن وافقه: أن يكون قد عرف بينهما اللقاء ولو مرة.\nوشرط مسلم ومن وافقه: أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء الموجب للسماع فالاتصال.\nوما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مندفع عند مسلم بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه، فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائل بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة، أنه وارد كذلك في حالة اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضًا، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنة.\nوالبخاري ومن وافقه يقولون بما قال به مسلم من تصحيح الاتصال بالمعاصرة إذا ترجح اللقاء بالقرائن، ومسلم أطلق القول في الاكتفاء بها، فأخذت على \" صحيحه \" أسانيد أعلت بالانقطاع، وليس كذلك البخاري.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٢٤٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":177},{"text":"وطريق البخاري أمكن وأرجح، والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للحديث الصحيح.\n\nوعليه فالراجح: أن الإسناد المعنعن يحكم له بالاتصال فيما بين الراوي والمروي عنه بتلك الصيغة، بشرط ثلاثة:\n\nالأول: أن يثبت اللقاء بينهما يقينًا أو غالبًا.\nوالثاني: أن يسلم التلميذ من التدليس.\nوالثالث: أن لا يقوم دليل على عدم سماعه.\n\n* * *","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الرابع:\n\nمسائل متفرقة في اتصال الإسناد</span>\n\nالمسألة الأولى:\nمما ينبغي مراعاته صيغ تلحق بالإسناد المعنعن،\nوتأخذ أحكامه، بيانها فيما يلي:\n\n(١) قول الراوي: (قال فلان).\nهذه الصيغة في التحقيق بمنزلة (العنعنة) يحتمل معها السماع والانقطاع.\nلكن يستثنى منها من عرف أنه لا يقولها إلا في حديث مسموع له (١).\nمثل همام بن يحيى عن قتادة، فإنه قال: \"ما قلت: (قال قتادة)، فأنا سمعته من قتادة \" (٢).\n_________\n(١) انظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٤١٨).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤١٩) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٢٣) من طريق آخر فيه عبادٌ غير منسوبِ راويه عن همام، وعنه علي بن سهل، لم أهتدِ إليه، وسواهما ثقات.","vol":"1","page":179},{"text":"وقال حماد بن زيد: \" إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب (يعني السختياني) حديثًا أن أقول: (قال أيوب كذا كذا) فيظن الناس أني قد سمعته منه \" (١).\nوكان الحجاج بن محمد الأعور يقول: (قال ابن جريج)، وذلك فيما قرأه على ابن جريج، وهو متصل عنه (٢).\n(٢) قول الراوي: (عن فلان أن فلانًا قال).\nقال ابن عبد البر: \" جمهور أهل العلم على أن (عن) و(أن) سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا، كان حديث بعضهم عن بعض أبدًا بأي لفظ ورد محمولًا على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع \".\nورد قول من جعل (أن) ليست اتصالًا بأن استدل بكون قول الصحابي: (قال رسول الله)، أو: (أن رسول الله) أو: (عن رسول الله)، أو: (سمعت رسول الله ﷺ) سواء عند أهل العلم (٣).\nوهذا هو التحقيق مادامت تلك الصيغة واقعة بين راويين قد ثبت اتصال ما بينهما.\nإنما تستثنى صورة ما إذا حدَّث الراوي عن حدث لم يدركه، وفي سياق الحديث ذكر لشيخه، ولم يبين إن كان قد أخذه عن ذلك الشيخ أم لا، كقول عروة بن الزبير: (أن عائشة قالت يا رسول الله)، فعروة سمع من عائشة، لكنه في التحقيق هنا لم يحدث عنها، إنما حدَّث عن حدث لها وقع مع رسول الله ﷺ، فهذا صورته صورة المرسل.\n_________\n(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٢٦) وإسناده صحيح.\n(٢) انظر تاريخ بغداد، للخطيب (٨/ ٢٣٧).\n(٣) التمهيد (١/ ٢٦).","vol":"1","page":180},{"text":"وقد قال أحمد بن حنبل: \" كان مالك - زعموا - يرى (عن فلان) و(أن فلانًا) سواء \" (١).\nقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: (عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله) و(عن عروة عن عائشة) سواء؟ قال: كيف هو سواء؟ \"، أي ليس هو بسواء (٢).\n\n(٣) ومن الصيغ:\n(ذكر فلان) و(ذَكره فلانًا) صيغتان قليتا الاستعمال.\n(زَعم فلان) نادرة الاستعمال.\nوكذا: (فلان يأثر عن فلان)، وتفيد احتمال الاتصال كمجرد العنعنة.\nقال ابن جريج: قلت لعطاء: أترخص في أن أضع صدقة مالي في مواضعها، أو إلى الأمراء لا بد؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: \" إذا وضعتها مواضعها ما لم تعط منها أحدًا شيئًا تعوله أنت، فلا بأس \"، سمعته مرة يأثره عن ابن عباس (٣).\nقلت: فههنا اتصال.\nلكن ما رواه عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، يأثره عن ابن مسعود، أنه قال: \" في كل مُعاهد مجوسي أو غيره الدية وافية \" (٤).\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣١١) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٧٥).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣١٢) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٧٥).\n(٣) أثر صحيح، أخرجه عبد الرزاق في \" المصنف \" (٤/ ٤٤ رقم: ٦٩١٧) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ٩٧ رقم: ١٨٤٩٧) - ومن طريقه: الطبراني في \" الكبير \" (٩/ ٤٠٩ رقم: ٩٧٣٩) - وإسناده صحيح إلى مجاهد، ضعيف عن ابن مسعود.","vol":"1","page":181},{"text":"فهذا منقطع، مجاهد لم يدرك عبد الله بن مسعود.\nووقعت في رواية بعض الأحاديث القدسية فيما رواه النبي ﷺ عن ربه ﵎.\n(٤) ومن ذلك: (فلان رد ذلك إلى فلان) أو (يرد إلى فلان).\nكقول محمد بن سيرين: عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود، ورد الحديث حتى رده إلى أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث في العزل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المسألة الثانية:\nرموز صيغ الأداء</span>\n\nاستخدام الاختصار في كتابة صيغ الأداء كان عليه عمل الكتَّاب والنساخ غالبًا، وذلك بكتابتهم:\n(حدثنا): (نا) أو (ثنا)، وربما كتبها بعضهم: (دثنا) وهي نادرة.\nو(أخبرنا): (أنا) غلبًا، ومنهم من كان يكتبها: (أبنا) بتقديم الباء على النون، وتحرف في المطبوعات إلى تقديم النون على الباء، فيحسبها من لا يفهم هذا العلم من الإنباء. ويكتبها بعضهم أيضًا: (أرنا)، وهو قليل نادر.\nوقد يجمع لفظ القول إلى التحديث في اختصار الكتابة، فيكتبون: (قال: حدثنا): (قثنا)، وليس بالشائع جدًا.\nولا تختصر: (سمعت) ولا (أنبأنا) ولا صيغ الأداء غير الصريحة بالسماع مثل (عن) و(قال).\nولفظه (قال) تحذف عادة في الكتابة، وتنطق عند القراءة، فإذا وجدت\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٧/ ١٣٦ رقم: ١١٠٧٨) ومسلم (٢/ ١٠٦٢ - ١٠٦٣) والنسائي (رقم: ٣٣٢٧) وفي \" الكبرى \" (رقم: ٥٠٤٨، ٩٠٩٤) والدارمي (رقم: ٢١٤٤).","vol":"1","page":182},{"text":"مثلًا: (فلان حدثنا فلان) فتقرأ: (فلان قال: حدثنا فلان)، وشبهها لفظ السماع والإخبار والإنباء.\nوكذلك: (فلان قال فلان) تقرأ: (قرئ على فلان، قيل له: أخبر ك فلان)، وهكذا.\nوالنصح لكل من يحقق كتابًا في الحديث اليوم أن يكتب تلك الكلمات المختصرة على تمامها وفقًا لأصولها الصحيحة؛ لزوال مقتضى الإبقاء على ذلك الاختصار، وليست كتابتها على التمام من الخروج عن مبدأ الأمانة في النقل.\nوينبغي أن تلاحظ عند الانتقال من طريق إلى طريق في إسناد الخبر، أنهم يستعملون حرف (ح).\nقال النووي: \" والمختار أنها مأخوذة من التحول، لتحوله من الإسناد إلى إسناد، ولفظها عند القراءة: ح \" (١).\n\nالمسألة الثالثة:\nيقول البخاري في \" تاريخه \" في كثير من التراجم:\n(فلان .. سمع فلانًا)، فهل هذا إثبات منه لسماعه؟ أم\nحكاية لما وقع في الإسناد من طريق ذلك الراوي قال:\n(سمعت فلانًا) وما في معناه؟\n\nقال البخاري في (ثعلبة بن يزيد الحماني): \" سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يعد في الكوفيين، فيه نظر \" (٢).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١/ ٣٨).\n(٢) التاريخ الكبير (١/ ٢ / ١٧٤).","vol":"1","page":183},{"text":"فقال ابن عدي: \" أما سماعه من علي، ففيه نظر، كما قال البخاري \" (١).\nقلت: فهو يفسر قول البخاري أنه أراد بقوله: \" فيه نظر \" سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله: \" سمع عليًا \" مجرد حكاية ما وقع في الإسناد.\nفهذا القول إن لم يظهر جليًا أن البخاري قصد به إنشاء العبارة في تثبيت السماع من جهة نفسه، فإنه لا يصح الاستدلال به على أنه قول للبخاري، إنما العمدة حينئذ لتصحيح السماع على ثبوت الإسناد الذي حكيت فيه تلك الصيغة.\nوأما مثل قول البخاري في ترجمته (عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود): \" سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير \"، فبين أن ذكر سماعه من أبيه جاء في رواية عبد الملك عنه.\nوكثيرًا ما يقول البخاري مثل هذا: (فلان .. سمع فلانًا .. قاله فلان).\nفهذا لو حكاه إنسان أنه قول للبخاري يكون قد أخطأ عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الرابعة:\nالمرسل إذا علمت فيه الواسطة</span>، وتبين أنها ثقة،\nفهو صحيح جار مجرى المتصل\n\nقال خالد الحذاء: \" كل شيء قال محمد (٢): (نبئت عن ابن عباس)، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة \" (٣).\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٣٢٣).\n(٢) يعني ابن سيرين.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٥/ ٣٣٤) من طريق أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أميَّة بن خالد، قال: سمعت شُعبة قال: قال خالد، فذكره. وإسناده صحيح. وحكاه أبو داود في \" مسائل أحمد \" (ص: ٣٢٦) بنحوه، دون تسمية أمية. كما رواه ابنُ سعدٍ في \" الطبقات \" (٥/ ٢٩١، ٧/ ١٩٤) قال: أخبرت عن أمية، فذكره.","vol":"1","page":184},{"text":"قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي خالد الحذاء: \" كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس، فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار \" (١).\nووجدت بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتمادًا على ما جاء عن الأعمش، قال:\nقلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: \" إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سميت، وإذا قلت: (قال عبد الله) فهو عن غير واحد عن عبد الله \" (٢).\nوليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كانت ثقة؛ لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم روى عن أصحاب عبد الله بن مسعود، وفيهم المجاهيل.\n\n* * *\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٦).\n(٢) أثرٌ حسنٌ. أخرجه الترمذي في (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٩) من طريق شُعبة عن الأعمش. وإسناده حسنٌ، قد رواه الترمذي عن شيخه أبي عبيدة أحمد بن عبد الله، وهو صدوق لا بأس به، ويأتي هذا الأثر مرةً أخرى في هذا الكتاب في (القسم الثاني) مباحث (المنقطع والمرسل).","vol":"1","page":185},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الباب الثاني\nنقد النقلة</span>","vol":"1","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>الفصل الأول\n\nحكم نقد النقلة\nوصفة الناقد</span>","vol":"1","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الأول:\n\nحكم نقد الراوي</span>\n\nمعنى النقد:\nقال ابن فارس: \" النون والقاف والدال أصل صحيح، يدل على إبراز شيء وبروزه \" قال: \" ومن الباب (نقد الدرهم) وذلك أن يكشف عن حاله في جودته أو غير ذلك \" (١).\nو(نقد الراوي) من هذا، فإنه يكشف عن حاله في أهليته للرواية أو عدم ذلك.\nكما سمي من يقوم بعملية الكشف هذه بـ (الناقد) لهذا الاعتبار.\nوقد اصطلح علماء الحديث على تسمية النقد هذه بـ (الجرح والتعديل)، بناء على ما ينتج عنها من ثبوت أهلية الراوي أو عدمها.\nوهذان الوصفان يشعران بثنائية القسمة عندهم، فالناقد إما أن يصير إلى (جرح) الرواي، وإما إلى (تعديله)، ولا يفيد مرتبة متوسطة.\nوتحقيق ذلك: أن النظر في أحوال الرواة لا يسفر دائمًا عن نتيجة\n_________\n(١) مقايس اللغة (٥/ ٤٦٧).","vol":"1","page":191},{"text":"(الجرح) أو (التعديل) لذلك الراوي، وإنما قد تخفى حاله ولا يسعف النظر في التوصل إلى شيء في أمره، فيصير الناقد إلى مرتبة ليست تعديلًا ولا تجرحًا صريحًا، وهي الحكم بـ (جهالة) الراوي.\nلكن، حين كان المقصود التوصل إلى كون الراوي مقبول الرواية أو مردودها، فالعبارة إذًا بالقبول أو الرد؛ وعليه فيصح أن تكون القسمة ثنائية، على اعتبار المصير بالمرتبة المتوسطة إلى (الجرح) على مذهب الأكثر، أو (التعديل) على مذهب الأقل، على ما سيأتي تفصيله.\nو(نقد الراوي) هي المرحلة الثانية من النظر في الأسانيد، فقد تقدم في الباب الأول تبيين طرق الكشف عن شخصية الراوي، وحيث تميز لنا فيتلو ذلك تمييز حاله من جهة صلاحيته لقبول حديثه أو رده.\nوهذا المبحث من أهم مباحث (علوم الحديث) وأصعبها، فأما أهميته فمن جهة كونه (القاعدة العظمى) التي ينبني عليها تصحيح نسبة السنن إلى رسول الله ﷺ، أو نفي ذلك، وأما صعوبته فمن جهتين:\nالأولى: ما يدخل على الناقد من الحرج من الكلام في المسلم بالقدح في حال ثبوت ذلك عليه؛ لأنه كلام في عرضه الذي جاءت شريعة الإسلام بحفظه.\nوالثانية: فهم قوانينه وقواعده ومنهجية تطبيقه.\nفأما ما يتصل بالجهة الثانية فهذا الفصل أكثره معقود لهذا الغرض، وأما الجهة الأولى فإنها تستلزم بيان حكم الشريعة في ذلك.\n\nحكم الكلام في النقلة:\nحفظ عرض المسلم من المسلمات في دين الإسلام، وحرمته معلومة بالضرورة، والنقاد يقولون: (فلان ضعيف) أو (سيئ الحفظ) أو (كثير الغلط) أو (ليس بشيء) أو (ليس بثقة) أو (متروك) أو (كذاب) أو غير ذلك من","vol":"1","page":192},{"text":"صيغ قدح تقال في الراوي، ولو علم بها لما رضيها، فكيف يصح مثل هذا القدح مع تلك الضرورة المسلَّمة في تحريم عرض المسلم؟\nوإذا تأملت ذلك من جهة أخرى وجدت أحوال نقاد المحدثين محل القدوة في الصلاح والدين، ومع ذلك فهم من كان يقوم بهذه الوظيفة (جرح الرواة وتعديلهم)، فكيف كانوا يرون ذلك؟ وما عذرهم فيه؟\nجواب ذلك من وجوه، منها:\n١ - حرمة العرض كحرمة الدم والمال، وحرمة الدين أعظم منها جميعًا، فإنه تسترخص له الأنفس والأموال، وهذا أيضًا معلوم من الدين بالضرورة.\nوالحديث عن رسول الله ﷺ دين، كما قال محمد بن سيرين ﵀: \" إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم \" (١)، وهو بيان الكتاب العزيز، وفيه تفصيل الأحكام والأوامر والنواهي، فالمتعرض له إنما يضيف شيئًا إلى الدين، فإما أن يكون أهلًا له صادقًا أمينًا حافظًا أو ليس كذلك، ولا طريق إلى معرفة ذلك إلا بـ (الجرح والتعديل).\nفهو واجب ألزمت به ضرورة حفظ الدين.\nوقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]، فأوجب الله تعالى التبين في خبر الفاسق قبل قبوله فيما ينبئ به عن قوم آخرين، فكيف الطريق إلى معرفة فسقه إن لم يكن بعلامة علمناها منه دلت على فسقه؟\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (رقم: ٤٢٥) وابنُ سعد (٧/ ١٩٤) ومسلم في \" مقدمة صحيحه \" (١/ ١٤) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٥) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٤) وابن عدي (١/ ٢٥٣، ٢٥٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٦، ١٩٧) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم ١٣٨) من طريق ابنِ عونٍ عن ابن سيرين، به.\nوروى معناه غير واحد عن ابن سيرين.","vol":"1","page":193},{"text":"ولو ثبت فسقه لأحد ما جاز له كتمانه على من يتضرر بخبره من الناس، فإذا كان هذا التثبت في الإخبار عن شخص أو قوم من سائر الناس ممن لا يلزم بخبرهم تحليل ولا تحريم ولا أمر ولا نهي، فكيف يجوز السكوت والإقرار لخبر من يحدث عن رسول الله ﷺ من غير دراية بأهليته أو عدمها؟\nوقد تواتر عن رسول الله ﷺ قوله: \" من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" (١) في لفظ: \" إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" (٢)، كما ثبت عنه ﷺ قوله: \" يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، من قال علي فلا يقولون إلا حقًا أو صدقًا، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار \" (٣)، وصح عنه ﷺ قوله: \" من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين \" (٤).\nقال الدارمي: \" معنى هذا الحديث: إذا روى الرجل حديثًا، ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصل، فحدث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث \" (٥).\nفهذا حكم من رسول الله ﷺ بتكذيب من حدث عنه بما لم يقل\n_________\n(١) حديث صحيح مُتواترٌ، رواه عن النبي ﷺ خلق كثيرٌ من أصحابه.\nوهو عند البخاري (رقم: ١٠٧) من حديث الزبير بن العوام، ولم يذكر \" مُتعمدًا \"، و(رقم: ١١٠، ٥٨٤٤) ومسلم (رقم: ٣) من حديث أبي هريرة، والبخاري (رقم: ٣٢٧٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلم (رقم ٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخُدري.\n(٢) حديث صحيح. متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢٩) ومسلم (رقم: ٤) من حديث المغيرة بن شعبة، به.\n(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧) وابن أبي شيبة (٨/ ٧٦١) وابن ماجة (رقم: ٣٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن معبدِ بن كعب، عن أبي قتادة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: على هذا المنبر، فذكره.\nقلت: وإسناده جيد، وابن إسحاق ذكر سماعه للحديث عند أحمد.\n(٤) أخرجه مسلم (١/ ٩) من حديث سمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة.\n(٥) الجامع للترمذي (بعد حديث رقم: ٢٦٦٢).","vol":"1","page":194},{"text":"ناسبًا ذلك إليه، وسبب تغليظ حكم الكذب عليه ﷺ؛ أن من كذب عليه فقد زاد في دين الله، فكأنما كذب على الله عزوجل.\nومن وقع في الكذب على التوهم لا القصد فربما يعذر، لكن لا يعذر من علم غلطه ولم يبين.\nفبيان أحوال النقلة يوجبه نفي الكذب عن رسول الله ﷺ ودين الإسلام، الذي يرجح حفظ ضرورته على ضرورة حفظ الأنفس والأموال والأعراض.\n٢ - تأملنا فوجدنا التعرض للمسلم إنما يحرم بغير سبب شرعي، أما إن كان بسبب معتبر صحيح في الشرع فإن ذلك يتردد بين إباحة وندب ووجوب، ولا يمتنع، وذلك بنفس أدلة الشرع، فمن اعتدى على غيره وجب منعه، وكان للمعتدي عليه الحق في الانتصار لنفسه، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨]، وقال النبي ﷺ: \" لي الواجد يحل عرضه عرضه وعقوبته \" (١)، والواجد: هو الغني يكون عليه الدين يحل أجله فلا يقضيه.\nوالتعدي على الدين أخطر من التعدي على الأنفس والأعراض والأموال، فكيف يصح أن تأذن الشريعة في الرد عن النفس بما هو ممتنع في الأصل إن لم يكن له سبب، وتمنع الذَّب عن الدين بتخليصه من عدوان الكذابين والمتهمين والغالطين عليه؟\n٣ - اعتبرت الشريعة العدالة في الشهود، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى\n_________\n(١) حديثٌ حسنٌ. أخرجه أحمد (٤/ ٢٢، ٣٨٨، ٣٨٩) وأبو داود (رقم: ٣٦٢٨) والنسائي (رقم: ٤٦٨٩، ٤٦٩٠) وابن ماجة (رقم: ٢٤٢٧) من حديث الشريد بن سُويد.\nوحققت القول فيه في تعليقي على \" المنتقى من مُسند المقلين \" لدَعلج السجْزي (رقم: ١٢).","vol":"1","page":195},{"text":"عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والعدالة لا سبيل إلى معرفتها في أعيان الشهود إلا بنقدهم ثم الحكم عليهم بمقتضى ذلك النقد من عدالة أو جرح، فإذا صح أن يطلب هذا فيمن يشهد على متاع وشيء ليس له كبير قدر، فصحته ووجوب تحققه فيمن يشهد في دين الله، فينسب شيئًا إلى الله تعالى، أو رسوله ﷺ.\nقال الثقة محمد بن عمرو الرازي المعروف بـ (زنيج): سمعت بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: \" هذه شهادات العدول المرضيين بعضعم على بعض \" وإذا ذكر له الإسناد فيه شيء قال: \" هذا فيه عهدة \"، ويقول: \" لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده، لم يستطع أخذها منه إلا بشادين عدلين، فدين الله عزوجل أحق أن يؤخذ فيه بالعدول \" (١).\n٤ - أوجب الله تعالى ورسوله ﷺ النصيحة، فعن تميم الداري ﵁، أن النبي ﷺ قال: \" الدين النصيحة \" قلنا: لمن؟ قال: \" لله، ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم \" (٢).\nوالكشف عن أمر الراوي بقصد التحذير من غلطه أو كذبه لئلا يغتر به من لا يعلم حاله من النصيحة لله ولكتابه بنفي نسبة ما لا تصح إضافته إليه، ولرسوله ﷺ بنفي نسبة ما لم يتفوه به من القول إليه، ولعموم المسلمين بوقايتهم من التدين بما ليس من دين الإسلام.\nوهذه علة كافية للفصل بين (نقد الرواة) لهذا المقصد، وبين (الغيبة) التي حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٦) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٥١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٣٥) و\" الجامع \" (رقم: ١٣١) بإسناد صحيح.\nوأخرج ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٣) طرفًا منه.\n(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ١٠٢، ١٠٣) ومُسلم (رقم: ٥٥) وأبو داود (رقم: ٤٩٤٤) والنسائي (رقم: ٤١٩٧، ٤١٩٨).","vol":"1","page":196},{"text":"ويشهد له ما جاء من حديث عائشة ﵂: أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ، فقال: \" ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة \" أو: \" بئس رجل العشيرة \"، فلما دخل عليه ألان له القول، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له القول؟ قال: \" يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: من ودعه - أو: تركه - الناس اتقاء فحشه \" (١).\nقال الخطيب: \" ففي قول النبي ﷺ: \" بئس رجل العشيرة \" دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل ليس بغيية، إذا لو كان ذلك غيبة لما أطلقه النبي ﷺ، وإنما أراد ﵇ بما ذكر فيه والله أعلم أن بئس للناس الحالة المذمومة منه، وهي الفحش فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له، وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة؛ إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره، فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرناه لا يكون غيبة \" (٢).\nقال: \" وأما الغيبة التي نهى الله تعالى عنها فهي ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والإزراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة وإيجاب الديانة، من التحذير عن ائتمان الخائن، وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب \" (٣).\nقال مسلم بن الحجاج يصف صنيع نقاد المحدثين: \" وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري (رقم: ٥٦٨٥، ٥٧٠٧، ٥٧٨٠) ومُسلم (رقم: ٢٥٩١) من طريق مُحمد بن المنكدر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، به.\n(٢) الكفاية (ص: ٨٣ - ٨٤).\n(٣) الكفاية (ص: ٨٥).","vol":"1","page":197},{"text":"أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه، ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع \" (١).\nوقال الترمذي: \" وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال، منهم الحسن البصري وطاوُس تكلما في معبد الجهني (٢)، وتكلم سعيد بن جبير في طلق بن حبيب (٣)، وتكلم إبراهيم النخعي وعامر الشعبي في الحارث الأعور (٤)، وهكذا روي عن أيوب السختياني وعبد الله\n_________\n(١) صحيح مُسلم (١/ ٢٨).\n(٢) أما أثرُ الحسن، فأخرجه الترمذي في \" العلل الصغير \" (٦/ ٢٤٨) وعبد الله بن أحمد في \" السنة \" (رقم: ٨٤٩) والآجري في \" الشريعة \" (رقم: ٥٩٢، ٥٩٩) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٣١) من طريق مَرحوم بن عبد العزيز العطار، قال: سمعت أبي وعمِّي يقولان: سَمعنا الحسن وهو ينهى عن مجالسة مَعبد الجهني، يقول \" لا تُجالسوه؛ فإنه ضال مُضل \".\nقلت: إسناد هذا الخبر إلى الحسن حسن.\nوأخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٢١٨) بإسناد آخر عن الحسن، وهو جيد.\nوأما أثر طاوُس، فأخرجه الفريابي في \" القدر \" (رقم: ٢٦٦) وعبد الله بن أحمد في \" السنة \" (رقم: ٨٤٧) والآجري في \" الشريعة \" (رقم: ٥٩٠) واللالكائي في \" السنة \" (رقم: ١٢٧٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال لنا طاوس: \" أخروا معْبد الجهني؛ فإنه قدري \". وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه البخاري في \" التاريخ الكبير \" (٢/ ٢ / ٣٥٩) و\" الأوسط \" (١/ ٣٦٩) وابن سعد في \" الطبقات \" (٧/ ٢٢٨) وعبد الله بن أحمد في \" السنة \" (رقم: ٣٠٣) من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيوب (يعني السختياني)، قال: ما رأيت أحدًا أعبد من طلْْق بن حبيب، فرآني سعيد بن جبير جالسًا معه، فقال: ألم أرك مع طلقٍ؟ لا تُجالس طلقًا، وكان طلقٌ يرى الإرجاء.\nقلت إسناده صحيح، وهذا لفظ البخاري.\n(٤) أما عن الشعبي، فأخرجه مُسلم في \" مُقدمة صحيحه \" (١/ ١٩) عنه، قال: حدثني الحارث الأعور، وكان كذابًا \".\nوأخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ١١٦ - ١١٧) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (رقم: ٩٩٠، ١١٤٨) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي (١/ ٢٠٨) وابنُ عدي (٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥١) وفي رواية لأكثرهم، قال الشعبي: \" حدثني الحارث الأعور، وأشهد أنه أحد الكذابين \".\nوهو صحيح عنه باللفظين.\nوأما عن إبراهيم، فأخرجه مسلم في \" المقدمة \" (١/ ١٩) وابنُ أبي حاتم (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي (١/ ٢٠٨) وابنُ عدي (٢/ ٤٤٩) بإسناد صحيح عن إبراهيم: \" أن الحارث اتُّهم \".","vol":"1","page":198},{"text":"بن عون وسليمان التيمي وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن سعيد القطان ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أهل العلم؛ أنهم تكلموا في الرجال وضعفوا، وإنما حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يظن بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغيبة، إنما أرادوا عندنا أن يبينوا ضعف هؤلاء لكي يعرفوا؛ لإن بعضهم من الذين ضعفوا كان صاحب بدعة، وبعضهم كان متهمًا في الحديث، وبعضهم كانوا أصحاب غفلة وكثرة خطأ، فأراد هؤلاء الأئمة أن يبينوا أحوالهم شفقة على الدين وتثبتًا؛ لأن الشهادة في الدين أحق أن يتثبت فيها من الشهادة في الحقوق والأموال \" (١).\nسياق بعض الآثار عن السلف في شرعية نقد الرواة:\n١ - عن يحيى بن سعيد القطان، قال:\nسألت سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، عن الرجل يكون واهي الحديث، يأتيني الرجل فيسألني عنه، فأجمعوا أن أقول: ليس هو بثبت، وأن أبين أمره.\nوفي لفظٍ سألهم قال: عن الرجل لا يكون ثبتًا في الحديث، فيأتيني الرجل فيسألني عنه؟ قالوا: \" أخبر عنه، وبين أمره \".\nوفي رواية قال لهم: الرجل يكون كثير الغلط في الحديث (وفي لفظ:\n_________\n(١) العلل الصغير، للترمذي في آخر كتاب \" الجامع \" (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":199},{"text":"لا يحفظ، أو يتهم في الحديث) (وفي لفظ: يتهم ويغلِّط ويصّحف) (وفي لفظ: يغلط في الحديث، أو يكذب فيه)، أبين أمره؟ قالوا: \" بين أمره \" (١).\n٢ - وعن حماد بن زيد، قال:\nكلمنا شعبة في أن يكف عن أبان بن أبي عياش لسنه وأهل بيته، فضمن أن يفعل، ثم اجتمعنا في جنازة، فنادى من بعيد: يا أبا إسماعيل، إني قد رجعت عن ذاك، لا يحل الكف عنه؛ لأن الأمر دين (٢).\n٣ - وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال:\nمررت مع سفيان الثوري برجل، فقال: \" كذاب والله، لولا أنه لا يحل لي أن أسكت عنه لسكت \" (٣).\n٤ - وعن عبد الله بن المبارك، قال:\nقلت لسفيان الثوري: إن عبَّاد بن كثير من تعرف حاله، وإذا حدث جاء بأمر عظيم، فترى أن أقول للناس: لا تأخذوا عنه؟ قال سفيان: \" بلى \".\n_________\n(١) أثر صحيح بجميع ألفاظه.\n\nأخرجه البُخاري في \" التاريخ الأوسط \" (رقم: ١٤٣٦) ومسلم في \" المقدمة \" (١/ ١٧) والجوزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٣٦ - ٣٧) وأبو داود في \" سؤالات أحمد بن حنبل \" (النص: ١٣٤) والترمذي في \" العلل الصغير \" (٦/ ٢٣١ - آخر الجامع) وأبو زرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٤٧١) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٦٨٤، ٤٦٨٥) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٣، ٢٤) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٣ - ٦) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٠) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٤٩، ١٥٠) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (رقم: ٨٥٠، ٨٥١) وأبو نُعيم في \" المستخرج على مسلم \" (رقم: ٤٥، ٥٣) والبيهقي في \" الدلائل \" (١/ ٤٥) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٨٨) و\" الجامع\nلأخلاق الراوي \" (رقم: ١٥٠٩) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٤٧) من طرُقٍ عن يحيى بن سعيد، به، وأسانيده صحيحة.\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٣٩) بإسناد جيد، وجاء معناهُ عن حماد بن زيْدٍ من غير وَجْه.\n(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه ابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢١) بإسناد صحيح.\nوأخرجه أبو نعيم في \" المستخرج على مسلم \" (رقم: ٤٧) وعنه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٨٩)، ووقع فيه: (شُعبة) بدل (سُفيان)، ولا يَرد احتمال التصحيف على رواية ابن حبان من أجل أنه نُسب فيها: (الثوري)، ومُحتملٌ على رواية الخطيب، والله أعلم.","vol":"1","page":200},{"text":"قال عبد الله: فكنت إذا كنت في مجلس ذكر فيه عبَّاد أثنيت عليه في دينه، وأقول: لا تأخذوا عنه (١).\n٥ - وقال الشافعي: \" وأما الرجل من أهل الفقْه يُسْأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول: كُفوا عن حديثه، ولا تقبلوا حديثَه؛ لأنه يغْلط، أو يُحدث بما لم يَسمع، وليست بينه وبين الرجل عداوة؛ فليس هذا من الأذى الذي يكون به القائل لهذا فيه مجروحًا عنه لو شَهِد بهذا عليه، إلا أن يُعرف بعداوةٍ له، فتُردَّ بالعداوة لا بهذا القول \" (٢).\n٦ - وعن أبي بكر محمد بن خلاد (وكان ثقة)، قال:\nقلت ليحيى بن سعيد: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تذكر حديثهم خصمائك عند الله يوم القيامة؟ فقال: \" لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله ﷺ، يقول: لم حدثت عني حديثًا ترى أنه كذب \" (٣).\nوفي رواية، قال أبو بكر بن خلاد:\nأتيت يحيى مرة، فقال لي: أين كنت؟ فقلت: كنت عند ابن داود فقال: إني لأشفق على يحيى من ترك هؤلاء الرجال الذين تركهم، فبكى يحيى، وقال: \" لأن يكون خصمي رجل من عرض الناس شككت فيه فتركته، أحب إلي من أن يكون خصمي النبي ﷺ، ويقول: بلغك عني حديث سبق إلى قلبك أنه وهم فلم حدثت به؟ \" (٤).\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" (١/ ١٧) بإسناد جيد.\n(٢) الأم (٦/ ٢٠٦).\n(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه الحاكمُ في \" المدخل إلى الصحيح \" (١/ ١١١) والبيهقي في \" الدلائل \" (١/ ٤٥) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٠) بسند جيد.\n(٤) أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٨٦) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٢٦٨) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":201},{"text":"٧ - وعن عفان بن مسلم، قال:\nكنا عند إسماعيل بن علية، فحدث رجل عن رجل، فقلت: إن هذا ليس بثبت، قال: فقال الرجل: اغتبته، قال إسماعيل: ما اغتابه، ولكنه حكم أنه ليس بثبت (١).\n٨ - وقال أبو زرعة الدمشقي:\nسمعت أبا مسهر (هو عبد الأعلى بن مسهر الغساني حافظ الشاميين) يسأل عن الرجل يغلط ويتهم (وفي لفظ: ويهم) ويصحف؟ قال: \" يبين أمره \" فقلت لأبي مسهر: أترى ذلك من الغيبة؟ قال: \" لا \" (٢).\n٩ - وعن محمد بن بندار السباك الجرجاني (وكان لا بأس به)، قال: قلت لأحمد بن حنبل: إنه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذاب؟ فقال أحمد: \" إذا سكتَّ أنت، وسكتُّ أنا؛ فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟ \" (٣).\nالخلاصة:\nفحاصل ما تقدم في بيان حكم (نقد الرواة) أنه: واجب لحفظ الدين، وليس هو من قبيل الغيبة التي حرمها الله ورسوله ﷺ.\n\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمته \" (١/ ٢٦) و\" التمييز \" (ص: ١٧٨) وابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٣) والرامهرمُزي (رقم: ٨٥٣) والعقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١١) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ١٨) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٨٩) بإسناد صحيح.\n(٢) تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٣٧٧). وأخرجه من طريقه: ابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٠) وابنُ عدي (١/ ١٥٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٢).\n(٣) أثرٌ صحيح. أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٩٢) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٦١٧) بإسناد صحيح إلى السَّبَّاك، به.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثاني:\n\nصفة الناقد</span>\n\nنقاد المحدثين هم طائفة التي امتن الله على هذه الأمة بأن يوجدها فيها؛ لتحفظ عليها سنن رسول الله ﷺ، ولتميز لها ما هو منها وتنفي عنها ما ليس منها.\nقال الخطيب: \" لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها، واستنباطها من معا دنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذا كانت مستخرجه من الآثار المحفوظة، ومستفاد من السنن المنقولة \" (١).\nوقال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: \" أفضل المسلمين رجل أحيا سنة من سنن رسول الله ﷺ قد أميتت، فاصبروا يا أصحاب السنن رحمكم الله، فإنكم أقل الناس \" (٢).\nقال الخطيب: \" قول البخاري: (إن من أصحاب السنن أقل الناس) عنى به الحفاظ للحديث، العاملين بطرقه، المميزين لصحيحه من سقيمه، وقد\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٣٥).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السامع \" (رقم: ٩٠) وإسناده لا بأس به.","vol":"1","page":203},{"text":"صدق ﵀ في قوله؛ لأنك إذا عتبرت لم تجد بلدًا من بلدان الإسلام يخلو من فقيه أو متفقه يرجع أهل مصره إليه، ويعولون في فتاويهم عليه، وتجد الأمصار الكثيرة خالية من صاحب حديث عارف به مجتهد فيه؛ وما ذاك إلا لصعوبة علمه وعزته، وقلة من ينجب فيه من سامعيه وكتبته، وقد كان العلم في وقت البخاري غضًا طريًا، والارتسام به محبوبًا شهيًا، والدواعي إليه أكبر، والرغبة فيه أكثر، وقال هذا القول الذي حكيناه عنه، فكيف نقول في هذا الزمان مع عدم الطالب، وقلة الراغب؟ \" (١).\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: \" فإن قيل: فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة؟ قيل: بنقد العلماء الجهابذة الذين خصهم الله ﷿ بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه المعرفة في كل دهر ومكان \" (٢).\nقلت: فأبان ﵀ عن كون هذه الطائفة معتبرة بأوصافها فيما يتصل بالدراية بهذا العلم، ليست مقصورة على زمان، ولا محصورة في مكان.\nوقال الخطيب: \" أجمع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل، كما أنه لا تقبل الشهادة العدل، ولما ثبت ذلك وجب متى لم تعرف عدالة المخبر والشاهد، أن يسأل عنهما، أو يستخبر عن أحوالهما أهل المعرفة بهما، إذ لا سبيل إلى العلم بما هما عليه إلا بالرجوع إلى قول من كان بهما عارفًا في تزكيتهما، فدل على أنه لا بد منه \" (٣).\nونقد الرواة - كما تقدم في المبحث السابق - صورة استثنائية من عمومات المنع من القدح في عرض المسلم، أوجبتها ضرورة حفظ الدين.\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (١/ ١١٢ - ١١٣).\nقلت: وماذا عسى أن يقول الخطيب لو أدرك زَمانَنا؟!\n(٢) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ٢).\n(٣) الكفاية (ص: ٧٨).","vol":"1","page":204},{"text":"وما كان استثناء من أصل؛ وجب في مثله الاقتصار على قدر الاستثناء وعدم مجاوزته بزيادة على ما يتحقق به المقصود.\nولهذه العلة كان أئمة النقد في غاية الحذر في الحكم على الرواة، وقد اتسمت منهجيتهم في صيغة النقد بخصلتين:\n\nالأولى: الاقتصار على وصف الراوي بالأوصاف المؤثرة في روايته، كثبت، وحافظ، ومتقن، وثقة، بما يعود إلى ضبطه لحديثه، أو سيئ الحفظ، ولين الحديث، وليس بقوي، بما يرجع إلى سوء حفظه، أو منكر الحديث إلى نكارة حديثه للتفرد بما لا يعرف مع عدم الشهرة بالعلم والصدق، أو متروك الحديث لغلبة الخطأ وفحشه، وهكذا.\nفهذا الإمام البخاري جاء عنه قوله: \" إني أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدًا \" (١).\nوتراه يستعمل من العبارات في نقد الرواة مثل: (فلان مقارب الحديث، منكر الحديث، ذاهب الحديث، متروك الحديث، فيه نظر، عنده عجائب، سكتوا عنه، ليس بالقوي عندهم، تركوه \"، وهكذا.\nفهذا وشبهه عبارات تتصل بالراوي بخصوص مرويه، وهي محققة للمقصود دون تعرض إلى ما لا يحتاج إليه من سيرته وحاله، بل ستعلم لاحقًا أن منهاجهم جار على اعتبار الرواة على السلامة في الدين ما لم يبد غير ذلك ببرهان، ويكن بعد بدوه مؤثرًا في الراوي في صدقه وأمانته في النقل.\n\nوالثانية: الإيجاز في العبارة.\nوهذه الخصلة تراها شائعة كثيرة في أحوال الرواة، فتراهم يقولون في\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٣).","vol":"1","page":205},{"text":"الراوي: \" ثقة \" لا يفصلون الأسباب التي استوجبت الحكم بثقته؛ لأنهم رأوا هذا الوصف مفيد للتزكية التي تكفي لقبول روايته، ولو ذهب الناقد إلى ذكر أسباب التزكية لطال ذلك ولا ضرورة له.\nوجانب التزكية ليس موضع حذر من جهة التوسع في استعمال الألفاظ والإطناب في ذكر أسبابها، وإنما الحذر في ألفاظ الجرح، فإنها قوادح، فترى النقاد اجتهدوا في استعمال الوصف المفيد بكلمة أو كلمتين كون هذا الراوي أهلًا للرواية أو ليس كذلك.\nوالذي نرجع له سبب ذلك، أنهم حيث بانت اصطلاحاتهم بألفاظهم، فقد أغنت شهرة الاصطلاح عن الإسهاب في ذكر أسباب الجرح، فكانت الزيادة في تلك الألفاظ لا مبرر لها، فتخرج عن حد الاستثناء من الغيبة.\nوهذا الاحتياط منهم ﵏ أحوج من بعدهم إلى البحث عن مرادهم بكثير من تلك العبارات، خصوصًا عندما يختلفون في راو جرحًا وتعديلًا، كما سيأتي تفصيله.\nفإذا لاحظت هذا من طريقتهم علمت مقدار ما كانوا يتصفون به من الورع في الدين، وأنهم لولا الذَّبُّ عن حماه لما تقحموا الكلام في أحد.\nولعسر هذا المقام ومشقته قال الإمام أبو الفتح ابن دقيق العيد: \" أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام \" (١).\nكما أن هذا الجانب لا يتم إلا بأن يكون الناقد أهلًا للنقد، فليس كل أحد يحسن الكلام في النقلة.\n_________\n(١) الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص: ٣٤٤).","vol":"1","page":206},{"text":"وتحرير ذلك بشرح أو صاف الناقد، فإليكها:\n\n١ - صلاح الدين.\nوهذه صفة تقتضي بالضرورة أن يكون مسلمًا، ولا يعرف فيمن تعرض لنقد الرواة من كان غير مسلم.\nوالصلاح يستلزم قدرًا من المحافظة والعمل الصالح، أدناه حفظ الفرائض والواجبات، وترك المحرمات.\nوالمعتبر في الواجب والمحرم ما ليس محل خلاف.\nوعليه؛ فلا يقدح في أهلية الناقد أن يذهب مذهبًا يحتمله الاجتهاد، سواء كان في قضية علمية أو عملية، ويكون مخطئًا في مذهبه.\nونعني بالقضية العلمية الغلط في بعض فروع الاعتقاد، ولما وقع الاعتذار عنهم بالتأويل؛ لم يكن ذلك مسقطًا لاعتبار كلامهم في التجريح والتعديل:\n[١] عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد المعروف بـ\" ابن خراش \" (المتوفى سنة: ٢٨٣).\nكان من الحفاظ النقاد العارفين بالحديث وأهله، وكلامه في رواة الحديث يشبه كلام أقرانه الكبار، كأبي حاتم الرازي وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي.\nقال الحافظ أبو أحمد بن عدي: سمعت عبد الملك بن محمد أبا نعيم يثني على ابن خراش، وقال: \" ما رأيت أحفظ منه، لا يذكر له شيء من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه \" (١).\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (٥/ ٥١٩)، وأبو نُعيم هذا من الأئمة الحُفاظ المُتقنين.","vol":"1","page":207},{"text":"وقال الحافظ أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي: \" كان من المعدودين المذكورين بالحفظ والفهم بالحديث والرجال \" (١).\nقلت: ولكن نقم عليه التشيع، بل رمى بكونه رافضيًا.\nوهذا في التحقيق مما يجب أن يكون من قبيل الخطأ في التأويل، ولا يجري على الإنصاف أن يطرح علمه وصدقه ودرايته لرأي أخطأ فيه، والأئمة الذين جمعوا كلام النقاد في الرجال اعتبروا قوله وقبلوه.\n[٢] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد \" ابن حزم \" الأندلسي (المتوفى سنة: ٤٥٦).\nالإمام الحافظ الفقيه المحقق صاحب المؤلفات الكثيرة، رأس أهل الظاهر، فضائله كثيرة، وعلمه جم.\nلكنه مع وقوفه عند ألفاظ النصوص في الفروع وانتصاره للنص، إلا أنه تجاوزه في أصعب الأمور، وهو باب الاعتقاد، فتكلم بكلام أهل الكلام، فوافقهم في الصفات، وخالف دلالة البرهان، حتى جاءت مقالته فيها شبيهة من بعض الوجوه مقالة جهم بن صفوان، فجرأ بعض من جاء بعده من الأئمة الأعيان لجرحه بذلك:\nقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي (المتوفى سنة: ٧٤٤): \" طالعت أكثر كتاب \" الملل والنحل \" لا بن حزم، فرأيته قد ذكر فيه عجائب كثيرة ونقولًا غريبة، وهو يدل على قوة ذكاء مؤلفه وكثرة اطلاعه، لكن تبين لي منه أنه جهمي جلد لا يثبت من معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق والحق، وسائر الأسماء عنده لا تدل على معنى أصلًا \" وشرح طرفًا من ذلك (٢).\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١٠/ ٢٨١) بإسناد صحيح.\n(٢) طبقات عُلماء الحديث، لابن عبد الهادي (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"1","page":208},{"text":"وبين سببه بما يوافقه فيه الحافظ ابن كثير، حيث قال: \" كان من أشد الناس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديث الصفات؛ لأنه كان أولًا قد تضلع من علم المنطق .. ففسد بذلك حاله في باب الصفات \" (١).\nومع ذلك فقد اعتد أهل العلم بذكر قوله في الرجال، على خطأ له في ذلك وأوهام.\n[٣] أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى سنة: ٤٥٨).\nالإمام الكبير الحافظ المحقق، صاحب التصانيف النافعة في علوم الدين، شهرته بالإمامة والمعرفة مغنية عن التفصيل.\nكان قد اجتهد في إصابة طريقة أهل الحديث والثبات عليها في العقائد، إلا أنه تأثر بشيخه أبي بكر بن فورك من رءوس أتباع أبي الحسن الأشعري، فوافق أهل الكلام في بعض فروع المسائل الاعتقادية، كمسألة القرآن (٢) وغيرها.\nومع ذلك فهو ناقد معتبر القول في الجرح والتعديل وتمييز الرواة.\nفهؤلاء الأئمة مثال لكون الخطأ في بعض فروع الاعتقاد بالتأويل لا يؤثر في أهلية الناقد واعتبار قوله.\nنعم، يوجب احتياطًا في قبول جرحه أو تعديله عند المعارضة، أي عند اختلاف نقاد المحدثين في راو جرحًا وتعديلًا، لكن ليس هذا من باب كونه معتبر القول جملة أو لا، وهذا الباب هو المقصود هنا بالتقرير.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٥٥٣).\n(٢) شرحتُ اعتقاد الأشعرية في القرآن ومُخالفته لعقيدة السلف، في كتابي \" العقيدة السلفية في كلام رب البرية \"، وخُلاصة ذلك المذهب أنهم يقولون: القرآن كلام الله، وكلام الله غير مخلوق، إذ هُو كلام نفسيٌّ قائم بذاتِهِ تعالى، ليس هو هذا المؤلف من الحروف باللسان العربي، فهذا إنما هو عبارةٌ عن كلام الله، وليس كلام الله حقيقةً، وهو مخلوق.","vol":"1","page":209},{"text":"وأما المخالف تأويلًا في بعض الفروع العملية؛ فهذا أولى بأن يقبل قوله إذا وجدت سائر الصفات الناقد.\nقال الإمام الشافعي: \" والمستحل لنكاح المتعة والمفتي بها والعامل بها؛ ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسرًا فنكح أمة مستحلًا لنكاحها مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين يدًا بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم وإن خالفنا الناس فيه، فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حلَّلتم ماحرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله ﷿ \" (١).\nوهذا الذي قاله الشافعي يتنزل على مزكي الشهود وعلى الشهود أنفسم، ولما كانت الرواية أولى من الشهادة في هذا الباب، فهذا الكلام متنزل كذلك على رواة العلم وعلى الذين تعرضوا لنقدهم من الحفاظ، لا يُقْدح على أحد منهم بشيء ذهب إليه بتأويل وشبهة.\n\n٢ - حفظ الحديث والمعرفة به وبأهله.\nوهذان في التحقيق وصفان من باب واحد، فالناقد يحتاج إلى خبرة ودراية بالمروي ليقايس به ويبني\nعلى وفقه موافقة ومخالفة تمييز حال الراوي، ولا تتهيأ له تلك المعرفة دون سعة حفظ واطلاع على الأسانيد والمتون، إضافة إلى دراية بمواضع الاتفاق منها والافتراق، وهذا يستلزم معرفة بجانب من فقهها معانيها، على ما ستعلمه من الفصول التالية في شرح منهج النقد.\n_________\n(١) الأم (٦/ ٢٠٦).","vol":"1","page":210},{"text":"ووقع من جرى أهل العلم على اعتماد قوله في (الجرح والتعديل) شاهد على مراعاة هذه الصفة في الناقد.\nيصدق ذلك: أن الناقد يسعى إلى إثبات عدالة الراوي وضبطه، فإن كان فاقدًا للعدالة أو الضبط في نفسه فكيف يقدر على الحكم على غيره، فأما عدالته فكما مر في بيان الصفة الأولى، وأما الضبط فمن كان كثير الخطأ في نقله وعلمه، أو ضعيفًا، أو متهمًا بكذب، فهذا قد سقط بسقوط درايته بحديث نفسه، فكيف يدري حديث غيره فيتمكن على وفق درايته من نقده؟!\nقال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): عمير بن سعيد؟ قال: \" لا أعلم به بأسًا \"، قلت له: فإن أبا مريم قال تسلني عن عمير الكذاب؟ قال: وكان عالمًا بالمشايخ، فقال أحمد: \" حتى يكون أبو مريم ثقة \" (١)؟.\nيقول أحمد: إنما يعتد بكلامه لو كان ثقة، أما وهو رجل مجروح ساقط، فلا.\nوأبو مريم هذا هو عبد الغفار بن القاسم الأنصاري، أحد من ذكروا بمعرفة الحديث، لكنه كان يضع الحديث.\nوإليك ثلاثة من هؤلاء الذين لهم قول مذكور في كتب الجرح والتعديل، تحتاج إلى التوقي من نقدهم وكلامهم في الرواة؛ لأن الكلام فيهم أسقط اعتمادهم في الجرح والتعديل:\n[١] محمد بن عمر بن واقدٍ الواقدي الأسلمي (المتوفى سنة: ٢٠٧).\nكان واسع المعرفة، كثير الأخبار، رواية للسير والمغازي، ومن أكثر الناس كلامًا فيها، وله كلام كثير في وفيات الشيوخ، لكن الأئمة النقاد\n_________\n(١) سؤالات أبي داود (النص: ٣٤٢).","vol":"1","page":211},{"text":"الكبار مثل: الشافعي وعبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين والبخاري وسائر من بعدهم من أمثالهم قد اتفقوا على وهائه وسقوطه، بل منهم من قضى بأنه كان كذابًا، وإنما خالفهم من هو دونهم في المعرفة بالنقلة بدرجات.\nفإذا وجدت عبارة نقد معزوة إلى الواقدي فاعلم أنها ليست موضعًا للقبول، علمًا بأن ما له في ذلك قليل.\n[٢] محمد بن الحسين بن أحمد أبو الفتح الأزدي (المتوفى سنة: ٣٧٤).\nأحد العلماء المذكورين بالحفظ، لكن ضعفه الحافظ أبو بكر البرقاني، وقال الخطيب البغدادي: \" في حديثه غرائب ومناكير، وكان حافظًا، صنف كتبًا في علم الحديث \" (١).\nوحول كلامه في الرواة قال الذهبي: \" له كتابًا كبير في الجرح والضعفاء عليه فيه مؤاخذات \" (٢).\nولو تتبعت غلطه في ذلك وجدته كثيرًا، منه ما أنكره عليه الذهبي في ترجمة (أبان بن إسحاق) (٣) حيث قال: \" أبو الفتح يسرف في الجرح، وله مصنف كبير إلى الغاية في المجروحين، جمع فأوعى، وجرح خلقًا بنفسه لم يسبقه أحد إلى التكلم فيهم، وهو المتكلم فيه \".\nوقال الحافظ ابن حجر في ترجمته (خثيم بن عراك بن مالك) (٤): \" وشذَّ الأزدي فقال: منكر الحديث، وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي، وأفرط فقال: لا تجوز الرواية عنه، وما درى أن الأزدي ضعيف، فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟ \".\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٤).\n(٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢٣).\n(٣) في \" ميزان الاعتدال \" (١/ ٥).\n(٤) في \" هدي الساري \" (ص: ٤٠٠).","vol":"1","page":212},{"text":"[٣] مسلمة بن القاسم الأندلسي (المتوفى سنة: ٣٥٣).\nكان محدثًا واسع الرحلة كثير السماع من الشيوخ، له مصنفات في تواريخ المحدثين، وكلام كثير في الجرح والتعديل، لكنه لم يكن مرضيًا عند الأندلسيين، قال ابن الفرضي: \" سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال: لم يكن كذابًا، ولكن كان ضعيف العقل \" (١)، وقال الذهبي: \" لم يكن بثقة \" (٢).\nفهؤلاء وأمثلهم ممن لهم كلام محفوظ عنهم في كتب الجرح والتعديل، لا يعتمد على جرحهم أو تعديلهم منفردين، فإن جاءت أقوالهم موافقة لأقوال من يعتبر قوله فلا بأس بحكايتها، وإن جاءت مخالفة فمطروحة، وإن لم يوجد لها الموافق أو المخالف فالتعديل منهم غير كاف، والجرح يفيد التوقف في قبول رواية الراوي، لا لأجل اعتمادنا على جرح الواحد منهم، وإنما لمجيء جرحه موافقًا للجهالة بأمر ذلك الراوي، وهي قادحة لذاتها في قبول حديثه.\n\n٣ - الورع، والحذر، والمبالغة في الاحتياط والتيقظ.\nقال الذهبي: \" الكلام في الرواة يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وخبرة كاملة بالحديث وعلله ورجاله \" (٣).\nقلت: وهذا يستلزم مراقبة الله تعالى في حرمة دينه من جهة، وحرمة أعراض الرواة من جهة أخرى، ويوجب مبالغة في الاحتياط في التحقق قبل إرسال العبارات بالتعديل أو التجريح.\nكما يوجب ترك العصبية لأحد أو على أحد، والنظر بعين الإنصاف والعدل، وإن كان ذلك صعبًا شديدًا.\n_________\n(١) تاريخ علماء الأندلس (ص: ١٣٠).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١١٠).\n(٣) الموقظة (ص: ٨٢).","vol":"1","page":213},{"text":"قال ابن حبان: سئل علي بن المديني عن أبيه؟ فقال: \" اسألوا غيري \" فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال: \" هذا الدين، أبي ضعيف \" (١).\nوهذا يحيى بن معين يتكلم في صاحب له ممن كان يحبه، فنقل عنه الحسين بن حبان قوله في (محمد بن سليم القاضي): \" هو - والله - صاحبنا، وهو لنا محب، ولكن ليس فيه حيلة البتة، وما رأيت أحدًا قط يشير بالكتاب عنه ولا يرشد إليه \"، وقال: \" قد - والله - سمع سماعًا كثيرًا، وهو معروف، ولكنه لا يقصر على ما سمع، يتناول ما لم يسمع \"، قلت له: يكتب عنه؟ قال: \" لا \". وفي رواية ابن أبي خيثمة، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: \" ليس بثقة \"، قلت: لم صار ليس بثقة؟ قال: \" لأنه يكذب في الحديث \" (٢).\nوالقاعدة في أئمة هذا الشأن الشهرة بالدين والصلاح والورع، لكن العصمة غير ثابتة لهم، فقد يتأثر الناقد ببعض العوارض فيصدر حكمه على غير سنن العدل، فيجب التفطن إلى ذلك، كما وقع من جماعة من النقاد في حق بعض النقلة وعلمنا بالقرائن أن أحكامهم تلك لم تكن منصفة.\n\nوعليك أن تتفطن إلى أمرين هنا:\n\nالأول: لا يجوز اعتماد قول ذلك الناقد في حق من دلت القرائن أنه على خلاف حكمه فيه، وإنما تلك زلة توجب الاستغفار له.\n\nوالثاني: لا يجوز إهدار سائر أحكام ذلك الناقد على غير ذلك الراوي بسبب زلته تلك، وإنما هي باقية على الاعتبار كأقوال غيره من الأئمة.\nلكن اعلم أنه لا يجوز الإقدام على رد كلام الناقد وادعاء كونه خرج على غير مخرج الإنصاف إلا بعد ثبوت المعارض الراجح.\n_________\n(١) المجروحين، لابن حبان (٢/ ١٥).\n(٢) تاريخ بغداد، للخطيب (٥/ ٣٢٦).","vol":"1","page":214},{"text":"وتفسير ذلك:\nلو أن زيدًا من النقاد قال: (فلان كذاب)، ووجدنا عامة النقاد على موافقته في جرح ذلك الراوي بالتكذيب أو ما يقرب منه، فلا يصح رد كلام ذلك الناقد (١)، ولو وجدناهم اختلفوا فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه، لم نقدر أن نقول: (قوله غير منصف)، وإنما نبحث عن طريق آخر للترجيح، ولو وجدناه انفرد بما خالفوه فيه، فإن كان فسر قوله وبين حجة مقنعة قبلناه، وإلا رددنا، وإن كان المنتقد ممن ثبت عدالته واشتهر صدقه فهذا لا يلتفت معه إلى قول الجارح ويحمل على الغلط أو عدم الإنصاف.\nومن أكثر ما وقعت به مجاوزة الإنصاف: الكلام بسبب اختلاف العقائد والمذاهب، وقليل بسبب الغضب، ونادر منه ما قد يحمل على الحسد، فتفطن لذلك.\nوهذه أمثلة منقسمة على هذه الوجوه المختلفة:\n[١] الحافظ إبراهيم بن يعقوب الجوزاجاني (المتوفى سنة: ٢٥٩)، له مصنف في جرح الرواة تحامل فيه على طائفة من ثقات الكوفيين واصفًا لهم بالزيغ والانحراف وغير ذلك، بسبب ما كان يميل إليه الكوفيون من التشيع، والجوزجاني كان قد سكن الشام، وكان أهلها يميلون إلى النصب، وهو الانحراف عن أهل البيت، فصدرت عباراته في الجرح واضحة التأثر بذلك؛ لذا فإنه لا يقبل كلامه في كوفي إلا أن يوافق من ناقد لم يوصم بذلك.\n_________\n(١) مثل قول الإمام مالك بن أنس في (عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني): \" كذاب \"، فإنه عامة نُقَّاد المحدثين مطبقون على وَهاء هذا الرجل وسُقوطه، وكذَّبه منهم طائفة، فما نقله أحمد بن صالح المصري قال سألت عبدَ الله بن وهب عن عبد الله بن زياد بن سِمعان؟ فقال: \" ثقةٌ \"، فقلت: إن مالكًا يقول فيه: كذاب؟ فقال: \" لا يُقبل قول بعضهم في بعْض \". (تاريخ أبي زُرعة الدمشقي ١/ ٣٧٩، جامع بيان العلم لابن عبد البر ٢/ ١٥٧)، فهذا الرد من ابن وهبٍ غير معتبر، فمالكٌ تكلم فيه بالإنصاف الذي اتفق عليه عامة الأئمة النقاد بعده.","vol":"1","page":215},{"text":"قال ابن عدي: \" كان مقيمًا بدمشق، يحدث على المنبر، ويكاتبه أحمد بن حنبل فيتقوى بكتابه ويقرأه على المنبر، وكان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في التحامل على علي ﵁ \" (١).\nوقال ابن حبان كان حريزيَّ المذهب، ولم يكن بداعية إليه، وكان صلبًا في السنة حافظًا للحديث، إلا أنه من صلابته كان يتعدى طوره \" (٢).\nو(حريزي) نسبة إلى حريز بن عثمان، وقد اتهم بالنصب، فصار طائفة ينسبون إليه لقولهم بهذا المذهب.\nوقال الدارقطني: \" كان فيه انحراف عن علي بن أبي طالب ﵁ \" (٣).\nونقول: يصح ما يذكره الجوزجاني من البدعة عن كثيرين من أهل الكوفة، ولكنه تجاوز في الجرح وبالغ في الحط، ولم يفرق بين تشيع غال وغير غالٍ.\n[٢] الحافظ أبو بشر محمد بن أحمد الدولابي (المتوفى سنة: ٣١٠).\nصاحب كتاب \" الكنى والأسماء \" وغيره، له كلام في الرجال ونقل كثير، لكنه كان حنفيًا متعصبًا (٤)، وحمله ذلك على المبالغة في الجرح للمخالف لمذهبه، كما حمله على الانتصار للمذهب في موضع الغلط.\nومن الدليل عليه ما يأتي:\nنقل عنه ابن عدي - وهو تلميذه - شدة طعنه على نعيم بن حماد\n_________\n(١) الكامل (١/ ٥٠٤) في ترجمة (إسماعيل بن أبان الورَّاق).\n(٢) الثقات (٨/ ٨١ - ٨٢).\n(٣) سؤالات السلمي (النص: ٧٧).\n(٤) لسان الميزان (٥/ ٥١).","vol":"1","page":216},{"text":"الخزاعي الذي كان من أشد الناس خلافًا لأهل الرأي الحنفية، ثم قال ابن عدي: \" وابن حماد متهم فيما يقوله لصلابته في أهل الرأي \" (١).\nوكان حدث برواية أبي حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عن معبد بحديث إعادة الوضوء والصلاة من القهقهة، ثم قال: \" هو معبد بن هوذة الذي ذكره البخاري في كتابه في تسمية أصحاب النبي ﷺ \"، فتعقبه ابن عدي فقال: \" وهذا الذي ذكره ابن حماد غلط، وذلك أنه قيل: معبد الجهني، فكيف يكون جهنيًا أنصاريًا؟ ومعبد بن هوذة أنصاري، وله حديث عن النبي ﷺ في الكحل، إلا أن ابن حماد اعتذر لأبي حنيفة فقال: هو معبد بن هوذة؛ لميله إلى أبي حنيفة، ولم يقله أحد (عن معبد) في هذا الإسناد إلا أبو حنيفة \" (٢).\nفأقول: من كان هذا وصفه فيخشى من جرحه لمخالفه أن لا يكون صدر منه ذلك على وجه الإنصاف، كما يخشى من تعديله لموافقه لنفس المعنى، فلا يجوز أن يقبل منه هذا ولا ذاك في راو علمنا كونه على مذهبه أو على خصام لمذهبه.\nويجب أن لا تغفل ما للخلاف في المذهب من التأثير في المتكلمين في الرجال، فراقب ذلك، خصوصًا في حال تعارض الجرح والتعديل.\nوأكثر ما كان شائعًا من العصبية للمذهب في القرون الأولى ما كان بين أهل الحديث وأهل الرأي، فلا يقبل كلام بعضهم في بعض إلا من أهل وبحجة.\nواعلم أن المثالين المتقدمين (الجوزجاني والدولابي) قد اختلت فيهما صفة الناقد، فنزل عن كونه أهلًا للاعتماد عليه بينًا انحرافه فيه، لا مطلقًا.\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٧٦).\n(٢) الكامل، لابن عدي (٤/ ١٠٢).","vol":"1","page":217},{"text":"[٣] وهناك أمثلة عديدة لوقوع الغلط من الناقد على سبيل الندرة، قامت الحجة على عدم الاعتماد بها، مع بقاء ذلك الإمام مقبول الجرح والتعديل في سائر الأحوال، منها: جرح مالك بن أنس لمحمد بن إسحاق صاحب \" السيرة \"، وتكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر.\nومنه كذلك (جرح الأقران لبعضهم) ككلام النسائي في أحمد بن صالح المصري، وكلام محمد بن إسحاق بن منده في أبي نعيم الأصبهاني، وأبي نعيم فيه.\n[٤] ما وقع من ترك رواية أبي زرعة وأبي حاتم الرازيين عن الإمام أبي عبد الله البخاري، اعتمدا فيه على ما كتب لهما به محمد بن يحيى الذهلي الحافظ من أن البخاري يقول: (لفظي بالقرآن مخلوق) (١).\nوهذه المسألة نسبت إلى البخاري وهو منها بريء، حكى محمد بن شادل (وكان محدثًا ثبتًا) قال: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله، أيش الحلية لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال: \" كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء \" فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك؟ قال: \" يا بني، هذه مسألة مشؤومة، رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة، وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها \" (٢).\nأقول: محمد بن يحيى من بحور الأئمة ومن نقادهم، وجائز أن تكون زورت له المقالة على البخاري، فكان ذلك الموقف منه، وجائز غير ذلك من طباع البشر التي لا يعصمون منها، كالذي أشار إليه البخاري نفسه،\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٩١).\n(٢) أخرجه الحاكم (كما في \" سير أعلام النُّبلاء \" ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧) وإسناده جيد.\nوهذه المسألة بينت فساد نسبتها إلى الإمام البخاري في مبحثٍ نافع في كتابي \" العقيدة السلفية في كلام رب البرية \" (ص: ٢٦١ - ٢٦٨) فارجع إليه.","vol":"1","page":218},{"text":"غفر الله للجميع، فلا يجوز أن يستعمل ذلك سببًا للنيل من البخاري بوجه، فضلًا عن ترك حديثه كما صنع أبو زرعة وأبو حاتم، غفر الله لهما.\n\n٤ - المعرفة بأسباب الجرح والتعديل.\nهذه الخصلة من أهم ما يجب ملاحظته في الناقد، فلا يقبل جرح أو تعديل إلا من عارف بما يكون جرحًا وما يكون عدالة.\nوالكلام في الرواة يأتي عادة من أئمة قد عرفوا به وعدوا من أهله وأصحاب الدراية به، لكنك تجد بعد الشيء من ألفاظ الجرح والتعديل يقع من بعض الرواة الثقات في بعض الرواة الآخرين من شيوخهم أو غيرهم، فهؤلاء يجب أن تحتاط في قبول أقوالهم على معانيها المستعملة في هذا العلم؛ لجواز صدورها على غير مراد أهل المعرفة.\nومن هذا ما صدر من جماعة من التابعين في بعضهم، كتكذيب سعيد بن المسيب لعكرمة مولى ابن عباس، وتكذيب سالم بن عبد الله بن عمر لنافع مولى ابن عمر، فإنهم كانوا يطلقون على الخطأ لفظ الكذب، بخلاف ما جرى عليه نقاد المحدثين من بعد فإن الكذب عندهم هو تعمد وضع الحديث عن رسول الله ﷺ.\nومن هذا ما قد تراه في سياق إسناد من قول الراوي الثقة: (حدثنا فلان وكان ثقة) أو شبه ذلك، فإن لم يكن ذلك الراوي معروفًا في أئمة الجرح والتعديل فلا تكفي مجرد ثقته في نفسه لاعتماد قوله والتعويل عليه، إلا أن يوافق من عارف، ومن أمثلته:\n[١] قال محمد بن إسحاق صاحب \" السيرة \": \" حدثني محمد بن يحيى بن حبان، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة وكانا ثقة \" (١).\n_________\n(١) سنن النسائي (رقم: ٢٤٧٦)، مُسند أحمد (رقم: ١١٨١٣).","vol":"1","page":219},{"text":"كما قال ابن إسحاق: \" حدثني أبو سفيان الحرشي وكان ثقة فيما ذكر أهل بلاده \" (١).\nوقال: \" حدثني عياض بن دينار وكان ثقة \" (٢).\nوقال: \" حدثني عمران بن أبي أنس أخو بني عامر بن لؤي وكان ثقة \" (٣).\n[٢] وقال يزيد بن عبد الصمد الدمشقي: \" حدثنا عبد الرزاق بن مسلم الدمشقي وكان من ثقات المسلمين من المتعبدين، قال حدثنا مدرك بن سعد \" قال يزيد: \" شيخ ثقة \" (٤).\n[٣] وقال سريج بن يونس: \" حدثنا محبوب بن محرز بياع القوارير كوفي ثقة \" (٥).\nفهؤلاء الرواة: محمد بن إسحاق ويزيد بن عبد الصمد وسريج ثقات، وأرفعهم يزيد وهو ابن محمد بن عبد الصمد، لكن ليسوا ممن عرف بالخبرة في الرواة ودرجاتهم في النقل، وذلك علامة على كون التعديل قد لا يصدر من أحدهم على المعنى الذي يقرر عليه نقاد المحدثين، وجائز أن يكون بني على ما رأوا عليه ذلك الراوي من ستر وسلامة في نفسه، أو ذكر له بالخير عند الناس، وهذا غير كاف لتوثيقه حتى ينضم إليه الدراية بحديثه والخبرة به.\nلكن لا بأس باعتبار ذلك إذا وافق شهادات النقاد العارفين.\n_________\n(١) مُسند أحمد (رقم: ٧٠٢٥).\n(٢) مُسند أحمد (رقم: ٧٤٨٩).\n(٣) مُسند أحمد (٤/ ٥٧).\n(٤) سنن أبي داود (رقم: ٥٠٨١).\n(٥) عبد الله بن أحمد في \" زوائد المسند \" (رقم: ٥٤٢).","vol":"1","page":220},{"text":"٥ - الاعتدال والتوسط في الجرح والتعديل.\nوهذا شرط يوجبه ما تقدم من الشروط، والثالث منها خاصة، في الورع والتيقظ والتحفظ توجب أن يراعي في حكمه أن يكون سديدًا، يوافق حقيقة الموصوف.\nلكن التنبيه عليه على التعيين؛ من أجل اعتبار هذا المعنى الخاص مؤثرًا في نقدكثير من الرواة، خصوصًا الجرح، فإن من الأئمة النقاد من اجتمعت فيه جميع الشروط المتقدمة، لكنه كان يبالغ في التحفظ، حتى يقدح في الراوي بالغلطة والغلطتين.\nويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام في (اختلاف الجرح والتعديل).\n\n* * *","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الثالث:\n\nنماذج لأعيان من يعتمد قوله في نقد الرواة</span>\nالخبراء بأحوال النقلة، والمتكلمون فيهم تعديلًا أو جرحًا، ممن إلى كلامهم المرجع لتمييز أحوال الرواة، لا يستقصي ذكرهم في هذا الموضع، وإنما القصد هنا إلى ذكر طائفة من رءوسهم، ممن عرفوا بكثرة النقد، تنبيهًا على مقامهم في هذه الصناعة، مع الإبانة عن منزلة كلام أحدهم بحسب ما يقتضيه المقام من الإيجاز، فمنهم:\n\n١ - شعبة بن الحجاج (المتوفى سنة: ١٦٠).\nمن أتباع التابعين، كان إمام هذه الصناعة وأمير المؤمنين فيها، حتى قال فيه تلميذه الناقد العارف يحيى بن سعيد القطان: \" كان شعبة أعلم الناس بالرجال \" (١).\nوقال أحمد بن حنبل: \" كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن \" يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقِّيه للرجال (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح \" (ص: ١٢٧) بإسناد صحيح.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٥٥٧) ومن طريقه: ابنُ عدي (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":222},{"text":"وقال أبو حاتم الرازي: \" كان شعبة بصيرًا بالحديث جدًا، فهمًا له، كأنه خلق لهذا الشأن \" (١).\nقلت: وكان من شدة تحريه أنه قل من كان يرضى من الرواة؛ لذا فإنه إذا وثق رجلًا فذاك، ما لم تقم حجة بينة على خلافه، وإذا جرح فاحتط من جرحه.\n\n٢ - مالك بن أنس (المتوفى سنة: ١٧٩).\nمن أتباع التابعين، إمام دار الهجرة.\nقال بشر بن عمر الزهراني: سألت مالكًا عن رجل؟ فقال: \" هل رأيته في كتبي؟ \"، قلت: لا، قال: \" لو كان ثقة رأيته \" (٢).\nقلت: وهذا يدل على شدة انتقائه للرواة، ومن أجله عدت روايته عن الرجل توثيقًا له.\nوقال علي بن المديني: \" كل مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء \" (٣).\n\n٣ - يحيى بن سعيد القطان (المتوفى سنة: ١٩٨).\nوهو تلميذ شعبة وخريجه، وجارٍ على طريقه ومنهاجه، وكان من أبصر الأمة بالرواة.\nقال أبو الوليد الطيالسي: \" ما رأيت أحدًا كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد \" (٤).\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٢٩).\n(٢) أخرجه مسلم في \" مُقدمة الصحيح \" (١/ ٢٦) والرامهرمزي (ص: ٤١٠) والعُقيلي (١/ ١٤) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٧٧) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٨) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه ابن عدي (١/ ٧٧) بإسناد صحيح.\n(٤) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٥٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":223},{"text":"وكان متشددًا، حتى قال لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة \" (١).\nوقال محمد بن بشار بندار: سمعت يحيى بن سعيد يقول وقلت له: عن ثقة؟ فقال: \" لا تقل (عن ثقة)، لو حققت لك ما حدثتك إلا عن أربعة: ابن عون، وشعبة، ومسعر، وهشام الدستوائي \" (٢).\nويحيى القطان لم يرد بهذا جرح سائر من أدرك من النقلة، وفيهم من هو معروف بالحفظ والإتقان، وإنما الشأن كما قال الحاكم: \" فيحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات \" (٣)، وكما قال أبو الوليد الباجي: \" لاخلاف أنه أراد بذلك النهاية فيما يرضيه؛ لأنه قد أدرك من الأئمة الذين لا يطعن عليهم أكثر من هذا العدد \" وذكر جماعة من كبار حفاظ شيوخه (٤).\nوقال يحيى بن معين: \" كان يحيى بن سعيد القطان يضعف عبد الحميد بن جعفر \"، قال الدوري: قلت ليحيى: قد روى عنه يحيى بن سعيد، قال: \" روى عنه ويضعفه \"، قال يحيى: \" وقد كان يحيى بن سعيد يروي عن قوم وما كانوا يساوون عنده شيئًا (٥).\nقلت: وإنما كان يفعل في رواة لم يبلغوا السقوط، وإن لم يكونوا عنده في المحل الذي يعدهم فيه من الثقات.\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٨٨٥) ومن طريق الدوري عن ابن معين عنه أخرجه: ابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ١٢٨) وابن شاهين في \" الثقات \" (ص: ٢٧٠) والحاكم في \" المدخل إلى الصحيح \" (ص: ١١٣).\n(٢) أخرجه ابن شاهين في \" الثقات \" (ص: ٢٧٠) بإسناد جيد.\n(٣) المدخل إلى الصحيح (ص: ١١٣).\n(٤) التعديل والتجريح (١/ ٢٨٥).\n(٥) تاريخ يحيى (النص: ٣٩٣١) ومن طريقه: العقيلي (٣/ ٤٣ - ٤٤) وابنُ عدي (٧/ ٣).","vol":"1","page":224},{"text":"٤ - عبد الرحمن بن مهدي (المتوفى سنة: ١٩٨).\nهو تلميذ شعبة كذلك، وصاحب يحيى القطان، كان إمامًا في تمييز النقلة، إمامًا في معرفة علل الحديث.\nقال تلميذه علي بن المديني: \" أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي \" (١).\nوقال: \" والله، لو أخِذْت وحُلِّفتُ بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي \" (٢).\nمقارنة بينه وبين يحيى القطان:\nروي عن ابن المديني قال: \" إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد \" (٣).\nقلت: وهذا الاختيار يؤيده الواقع التطبيقي في شأن من اختلفا فيه من الرواة.\nأما إذا اتفقا فحسبك.\nقال الذهبي، وذكر ابن المهدي: \" كان هو ويحيى القطان قد انتدبا لنقد الرجال، وناهيك بهما جلالة ونبلًا وعلمًا وفضلًا، فمن جرحاه لا يكاد - والله - يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو الحجة المقبول، ومن اختلفا فيه اجتُهِد في أمره، ونزل عن درجة الصحيح إلى الحسن، وقد وثقا خلقًا كثيرًا، وضعفا آخرين \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٤/ ١٠٥).\n(٢) أخرجه الحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ٦٨).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٢٤٣) بإسناد لين.\n(٤) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص: ١٦٧).","vol":"1","page":225},{"text":"٥ - أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني (المتوفى سنة ٢١٨).\nإمام أهل الشام، والمقدم في هذا الفن في معرفة رواة بلده.\nقال ابن حبان: \" كان يقبل كلامه في التعديل والجرح في أهل بلده، كما كان يقبل ذلك من أحمد ويحيى بالعراق، وكان يحيى بن معين يفخم أمره \" (١).\n\n٦ - يحيى معين (المتوفى سنة: ٢٣٣).\nهو رأس هذا العلم في معرفة الرجال، وإليه المنتهى فيه، فقل من الرواة وندر من لم يعرف له فيه تعديل أو جرح، كما أنه رأس في معرفة علل الحديث.\nوقد قال فيه صاحبه أحمد بن حنبل: \" يعرف خطأ الحديث \" (٢).\nوقال: \" أعرفنا بالرجال يحيى بن معين \" (٣).\nوقال الآجري: قلت لأبي داود: أيما أعلم بالرجال: يحيى، أو علي بن عبد الله؟ قال: \" يحيى عالم بالرجال، وليس عند علي من خبر أهل الشام شيء \" (٤).\nقال أبو حاتم الرازي في ترجمة (يوسف بن خالد السمتي): \" أنكرت قول يحيى بن معين فيه: إنه زنديق، حتى حمل إلي كتاب قد وضعه في\n_________\n(١) المجروحين، لابن حبان (٢/ ٧٧)، قلت: جاءَ عن يحيى بن معين قوله \" إذا حدَّثت في بلدٍ فيه مثلُ أبي مُسهر، فيجب للحيتي أن تحلق \" أخرجه ابن عدي (١/ ٢٠٩) وإسناده جيد.\n(٢) تاريخ أسماء الثقات، لابن شاهين (النص: ١٦٥٩).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٥٥) والخطيب في \" تاريخه \" (٩/ ٤١) وإسناده صحيح.\n(٤) سؤالات الآجري (النص: ١٩٦٨) ومن طريقه: الخطيب في \" تاريخه \" (١٤/ ١٨١).","vol":"1","page":226},{"text":"التهجم بابا بابا، ينكر الميزان في القيامة، فعلمت أن يحيى بن معين كان لا يتكلم إلا على بصيرة وفهم \" (١).\nوقال ابن عدي: \" به تستبرأ أحوال الضعفاء \" (٢).\nوأطلق عليه بعض المتأخرين نعت التشدد، وهذا إن أريد به أنه كان يجرح بالغلطة، فليس صوابًا، فقد وثق وأثنى على كثيرين نالهم غيره بالجرح، بل طريقته من أسد الطرق وألصقها بالعدل، لكنه كان كثير الكلام في النقلة، حتى قل أن يوجد راو ممن تقدمه أو كان في زمانه لم ينزله يحيى منزلته من تعديل أو جرح؛ لذا صح أن يكون من سكت عنه ألصق بالتعديل منه بالجرح.\nلذا ربما شدد في عبارة الجرح تارة في رواة قليلين من أجل ما بدا له فيهم من استحقاق ذلك التشديد، ولم يكن عادة مطردة له، بل عادته كما ذكرت قبل الاعتدال في العبارة.\nومن أمثلة ما يعد من مبالغة في الجرح:\n(١) قوله في (سويد بن سعيد): \" لو كان لي فرس ورمح لكنت أغزو سويد بن سعيد \" (٣).\nوقال أبو زرعة الرازي: قلنا ليحيى بن معين: إن سويد بن سعيد يحدث عن ابن أبي الرجال عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: من قال في ديننا برأيه فاقتلوه، فقال يحيى: \" سويد ينبغي أن يبدأ به فيقتل \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٢٢).\n(٢) الكامل (١/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(٣) المجروحين لابن حبان (١/ ٣٥٢)، ونحوه في \" تاريخ بغداد \" للخطيب (٩/ ٢٢٩ - ٢٣٠).\n(٤) أسئلة البرذعي لأبي زُرعة (٢/ ٤٠٩ - ٤١٠).","vol":"1","page":227},{"text":"وقال في رواية أبي داود عنه: \" هو حلال الدم \" (١).\nقلت: وتحرير أمره ليس كما قال يحيى، وإنما هو في الأصل صدوق ثقة، لكنه أتي من التدليس، حيث كان يكثر منه، وأنه كان عمي فصار يلقن ما ليس من حديثه فيحدث به.\n(٢) وقال عبد الله بن أحمد: سألت يحيى قلت: شيخ بالكوفة يقال له: زكريا الكسائي، فقال: رجل سوء يحدث بحديث سوء \"، قلت ليحيى: إنه قد قال لي: إنك قد كتبت عنه، فحول يحيى وجهه إلى القبلة وحلف بالله مجتهدًا أنه لا يعرفه ولا أتاه ولا كتب عنه، إلا أن يكون رآه في طريق وهو لا يعرفه، ثم قال يحيى: \" يستاهل أن يحفر له بئر ثم يلقى فيه \" (٢).\nقلت: وهذا هو زكريا بن يحيى الكسائي، كوفي متروك الحديث.\nوهذا التشديد من يحيى فيه وفي سويد مشعر بأنه صدر مصدر الغضب للدين، فيحيى محمود على حسن قصده فيه إن شاء الله، أما الذي يهمنا فهو منزلة الراوي في روايته، وكلام يحيى في مثله لا غنى لمشتغل بهذا العلم عنه؛ لقوة معرفته وسداد رأيه.\n٧ - علي بن عبد الله ابن المديني (المتوفى سنة: ٢٣٤).\nقال أحمد بن حنبل: \" أعلمنا بالعلل علي بن المديني \" (٣).\nوقال البخاري: \" ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني \" (٤).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" كان عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلل \" (٥).\n_________\n(١) سؤالات الآجري (النص: ١٩١١).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٩٠٤) والكامل لابن عدي (٤/ ١٧٢ - ١٧٣).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٥٥) وإسناده صحيح.\n(٤) الكامل لابن عدي (١/ ٢١٣).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٩٤).","vol":"1","page":228},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة (يعني الرازي) عن فضيل بن سليمان؟ فقال: \" لين الحديث، روى عنه علي بن المديني، وكان من المتشددين \" (١).\nأراد فاجعل من روايته عنه توثيقًا، فإنه كان غاية في الاحتياط.\n\n٨ - أحمد بن حنبل (المتوفى سنة: ٢٤١).\nقدوة الناس، وسلطان هذه الصنعة، حتى إنك ترى الإمام الناقد العارف بهذا الفن يجد لرأي أحمد في رجل أو حديث هيبة، لا يملك دفعها، بل إنه ليدفع عن نفسه التردد في الشيء اقتداء بأحمد.\nفهذا الناقد البصير أبو حاتم الرازي يقول في (أبي معشر نجيح السندي): \" كنت أهاب حديث أبي معشر، حتى رأيت أحمد بن حنبل يحدث عن رجل عنه أحاديث، فتوسعت بعد في كتابة حديثه \" (٢).\nوأحمد رأسٌ في التثبت في الجرح والتعديل، وسَط العبارة، قوله حكمٌ بين الأقوال، قلما تصيرُ بالمحقق نتيجةُ تحقيقه فيمن اختُلف فيه إلى خلافٍ قوْل أحمد.\n\nوبه تخرَّج رءوس هذا العلم بعده، كالبخاري وأبي داود السجستاني وأبي زُرعة الرازي، وأبي زُرعة الدمشقي، وغيرهم.\n\n٩ - محمد بن إسماعيل البخاري (المتوفى سنة: ٢٥٦).\nقال الترمذي: \" لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل \" (٣).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٧/ ٧٣).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٩٤).\n(٣) العلل الصغير في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٢٩).","vol":"1","page":229},{"text":"قلت: البخاري صنع للناس منهاجًا في تمييز الصحييح من السقيم، كما أتى على تتبع النقلة على صفة لم يسبق إليها، وصنف في كل ذلك ما صار للناس إمامًا في صنوف هذا العلم، وعلى منهاجه وأثره جرى مسلم بن الحجاج في تصنيف (الصحيح) وإن انفرد فيه بزيادة وتهذيب، وكذا صار القدوة لجميع من جاء من بعد فجرد الصحيح، وبه تخرج الناقد أبو عيسى الترمذي.\nوعلى كتابه في \" التاريخ \" بنى ابن أبي حاتم كتابه \" الجرح والتعديل \"، فصار يعرض تراجمه على أبيه أبي حاتم وصاحبه أبي زرعة، ويجيبان بما يأتي على الموافقة والتصديق لما قاله البخاري في أكثر ذلك الكتاب، ثم يزيدان مع ابن أبي حاتم الفوائد مما لم يذكره، ولا يتعقبان البخاري إلا في المواضع اليسيرة.\nفأصَّل لذلك البخاري، وهؤلاء الأئمة بعده بنوا على علمه وجروا على أثره، فمعاناته أعظم، وفضله على الجميع إن شاء الله أكبر، ﵀.\n\n١٠ - أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم (المتوفى سنة: ٢٦٤).\nقال الذهبي: \" يعجبني كثيرًا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يبين عليه الورع والمخبرة، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جراح \" (١).\n\n١١ - أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس (المتوفى سنة: ٢٧٧).\nقال الذهبي: \" إذا وثق أبو حاتم رجلًا فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلًا صحيح الحديث، وإذا لين رجلًا أو قال فيه: لا يحتج به، فتوقف، حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبن على تجريح أبي حاتم؛\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٨١).","vol":"1","page":230},{"text":"فإنه متعنِّت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال الصحاح: ليس بحجة، ليس بقوي، أو نحو ذلك \" (١).\nقلت هؤلاء الأعلام نماذج رءوس المؤسسين لموازين نقد الرواة، وفي طبقة كل آخرون من كبار الأئمة تكلموا في تمييز النقلة، ومن مدارس هؤلاء تخرج من انتهى إليه الناس في أزمانهم في معرفة هذا العلم، وعلى أثرهم جرى من جاء من بعد من متأخري العلماء حين ناقشوا أحوال النقلة وصنفوا فيهم، كالنسائي وابن خزيمة والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني والحاكم النيسابوري والخطيب البغدادي وابن عبد البر وابن عساكر والمزي والذهبي وابن حجر العسقلاني، وغيرهم من أهل الطبقات المختلفة، ﵃.\n\n* * *\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٦٠).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفصل الثاني\n\nتفسير التعديل</span>","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الأول:\n\nمعنى العدالة</span>\n\nرواية الحديث لا يجوز إجراؤها على مجرد حسن الظن في الناقل، حتى تبرأ ساحته وتثبت أهليته، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: \" خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم، والحديث \" (١).\nقلت: يؤيد ذلك ثبوت الجرح في كثير من الرواة.\nوالأساس الذي ينبني عليه قبول حديث الراوي مما يتصل بشخصه: أن يكون عدلًا في نفسه، ضابطًا لما يرويه.\nفهذان أصلان: العدالة، والضبط، لا بد من اجتماعهما فيه على سبيل ثبوتهما كصفة للناقل، لا يصح اعتماد نقله بدونهما.\n\nفما هو معنى العدالة؟\nالعدل في اللغة، قال ابن فارس: \" العدل من الناس: المرضي المستوي الطريقة \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٥) والعقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٩) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٤٥) وإسناده صحيح.\n(٢) مقاييس اللغة (٤/ ٢٤٦).","vol":"1","page":235},{"text":"أما في الشرع، فالمعتبر في العدالة بعد الإسلام: هو السلوك الظاهر من الراوي، مما عرف معه أنه على استقامةٍ.\nوالإنسان يذكر بالخير أو بالشر بحسب ما يبدو منه، والسرائر موكولة إلى الله، فليس اعتبارها والبحث عنها مطلوبًا لإثبات العدالة.\nوقد صح عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: \" إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة \" (١).\nوالحد المعتبر في السلوك الظاهر: أن لا يوقف منه على مفسق في دينه.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-90>لا يصلح عد الصغائر مفسقات</span>، من أجل انتفاء العصمة منها، فإن الله تعالى قال عن عباده في مقام الثناء عليهم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢].\nوقد قال ابن عباس: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ: \" إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه \" (٢).\nقلت: فهذا دليل على أن الصغائر لا ينفك عنها عموم البشر، وهي\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري في \" الصحيح \" (رقم: ٢٤٩٨) و\" خلق أفعال العباد \" (رقم: ٤١٦) والبيهقي في \" الكبرى \" (٨/ ٢٠١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٣٦) من طريق شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني حُميد بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عُتبة بن مسعود قال: سمعت عمر، به.\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٥٨٨٩، ٦٢٣٨) ومسلم (رقم: ٢٦٥٧).","vol":"1","page":236},{"text":"تكفر عن صاحبها بالحسنات الماحية، كالصلوات الخمس، وشهود الجمعة، وصوم رمضان، والاستغفار، والصدقة وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].\nولا يكون الفسق إلا بما يحتمل الشبهة في الشيء الذي يحكى عن الراوي، فقول مثلًا: (فلان كان يشرب المسكر)، كما قيلت في بعض الرواة، فهذه تحتمل أن يكون مراد قائلها بالمسكر: ما كان يراه أهل الكوفة في النبيذ ويستبيحونه منه، وهو مذهب كثير من ثقاتهم وفقهائهم، فلا يكون مفسقًا؛ لما يجري فيه من التأويل.\nوالفسق لا يجامع التأويل الذي ظهر وجهه.\nأي: من وقع في مفسق متأولًا، فلا يفسق به، من أجل اعتقاده أنه غير مفسق، وذلك كالبدعة أيضًا، فهذا لا ينافي العدالة.\nوكذلك من غلب فضله وصلاحه، فالأصل اعتبار ذلك منه، ما دام غالب حاله الاستقامة.\nقال الشافعي: \" لا نعلم أحدًا أعطي طاعة الله تعالى حتى لم يخلطها بمعصية، إلا يحيى بن زكريا، ولا عصى الله عزوجل فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح \" (١).\nويأتي لهذا مزيد بيان وتمثيل في الكلام على (صور الجرح غير المؤثر).\nوهذه هي العدالة الدينية، ولا تغني وحدها لقبول حديث الراوي، حتى ينضم إليها ركن الضبط والإتقان لما يرويه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" آداب الشافعي ومناقبه \" (ص: ٣٠٥ - ٣٠٦) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٣٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الثاني:\n\nالدليل على اشتراط عدالة الناقل لقبول خبره</span>\n\nدل على ذلك النصوص النقلية من جهتين:\nالأولى: إلغاء القرآن الاعتداد بخبر الفاسق لذاته، في قوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].\nوالفاسق ضد العدل، فإذا ألغى تصديق الفاسق في خبره، وأوجب التحري، من أجل أن الفسق لا يمنع الكذب، بل الكذب ذاته من خصال الفسق، فدل مفهمومه: أن الخبر العدل مقبول.\nوالجهة الثانية: ما فرض الله من العدالة في الشهود في غير موضع من كتابه، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وكما قال سبحانه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nووجه الدلالة في ذلك على وجوب العدالة لقبول الأخبار، هو أن إيجاب العدالة في الشاهد من أجل ما يحتاج إليه من صدقه لإثبات الحقوق في الأموال وغيرها، وحق الله أعظم من حقوق العباد، وحفظ الدين من حفظ حق الله، وهو الضرورة العظمى التي دونها سائر الضرورات، كضرورة","vol":"1","page":238},{"text":"المال والنفس والعرض، فإذا أمر الله بفرض العدالة فيمن يشهد على درهم، ففرضها في حق من يقول: (قال رسول الله ﷺ) آكد وأعظم، من جهة اتصال ذلك بحفظ ضرورة الدين.\nفكيف إذا ضممت إلى ذلك ما عظمته النصوص المتواترة في الكذب على النبي ﷺ؟ فغير العدل لا يمنعه شيء من الكذب.\nمن أجل ذلك قال الله ﷿ في القذفة: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].\nقال مسلم بن الحجاج: \" والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما \" (١).\nقلت: بل شأن الحديث يرجح من بعض الوجوه، خصوصًا في جانب ضبط الرواية، كما سيأتي في ذكر الفرق ما بين الشهادة والرواية.\nوهاتان الجهتان اللتان ذكرت ظاهرتان في وجوب حمل الحديث عن العدول، لا عن غيرهم.\nوأما ما روي من نصوص مباشرة في اشتراط ذلك فلا يثبت منه شيء، كحديث: \" هلاك أمتي في العصبية والقدرية والرواية عن غير ثبت \"، فهذا حديث موضوع (٢).\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٩).\n(٢) أخرجه الفريابي في \" القدر \" (رقم: ٣٨٨) - وعنه: الطبراني في \" الكبير \" (١١/ ٨٩ - ٩٠ رقم: ١١١٤٢) - وابن أبي عاصم في \" السنة \" (رقم: ٣٢٦، ٩٥٠) - ومن طريقه: أبو نعيم في \" المستخرج (رقم: ٣٩) - والبزار (رقم: ١٩١ - كشف الأستار) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٢ - ٤١٣) والعقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٣٥٩) - ومن طريقه: ابن الجوزي \" الموضوعات \" (رقم: ٥٣٩) - وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٤٣، ٢٤٤، و٨/ ٤٣٨) واللالكائي في \" السنة \" (رقم: ١١٣٠) من طريقين عن هارون بن هارون، عن مجاهد عن ابن عباس، به مرفوعًا.\nورواه بقية بن الوليد، فقال: عن أبي العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nأخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤) وأبو نعيم في \" المستخرج \" (رقم: ٣٩) واللالكائي في \" السنة \" (رقم: ١١٢٩) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٥٨) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٧٤) والسمعاني في \" أدب الإملاء \" (ص: ٥٦).\nقلت: أبو العلاء هذا هو هارون بن هارون، كذلك كناه بقية، وكان مبتلى بالتدليس.\n\nفأخرجه العقيلي (٤/ ٣٥٩) - ومن طريقه: ابن الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ٥٣٩) - من طريق بقية، قال: حدثنا هارون بن هارون أبو العلاء الأزدي، عن عبد الله بن زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nوكذلك أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤)، لكنه لم يذكر كنية هارون.\nوترى ههنا أنَّ هارون هذا إنما أخذه بواسطةٍ عن مجاهد، فهو تارةً يُسقطها، وتارة يذكرها، وتارة يكني عنها، فقد قال بقية مرة: عن هارون بن هارون أن شيخًا من الأنصار حدثه، عن مجاهد عن ابن عباس. كذلك أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤).\nوعبد الله بن زياد شيخ هارون فيه: هو آفته، وهو ابن سمعان، وكان يتلاعب بإسناده، فقال فيه مرة أيضا: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٤).\nوقال مرة - إن ثبت عنه _: عن عطاء، يعني ابن رباح، عن ابن عباس. أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٢) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٧٤) من طريق أحمد بن حازم الغِفاري، قال حدثنا حسن بن قتيبة، عنه. وحسن هذا ضعيف.\nقال ابن عدي: \" رواة هذا الحديث شوَّشوا الإسناد، وبلاءُ هذه الأحاديث من هارون بن هارون، وهو منكر الحديث،. . وعبد الله بن زياد بن سمعان ضعيف جدا، وهؤلاء كلهم اضطربوا في إسناده لوْنًا لوْنًا \".\nقلت: بل ظاهر الأمر أنه حديث ابن سمعان، هو الذي كان يتلاعب في تركيب أسانيده عن ابن عباس، وهارون أسقطه في بعض روايته تدليسًا، كما قال ابن الجوزي: \" ترك ذكر ابن سمعان لأنه كذاب \"، وما هذا بالاضطراب.\nوقال البزار: \" لا نعلمه يُروى بهذا اللفظ من وَجهٍ صحيح، وإنما ذكرناه إذ لا يُحفظ من وجه أحسن من هذا، وهارون ليس بالمعروف بالنقل \".\nوقال ابن الجوزي: \" حديث موضوع على رسول الله ﷺ \" وحمل فيه على ابن سمعان، فقال: \" هو المتهم بهذا الحديث \".\n\nقلت: ابن سمعان هو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سِمعان مدني كذبوه، وهو متروك الحديث.\nفقوْل ابن عبد البر بعد هذا: \" هذا حديث انفرد به بقية عن أبي العلاء، وهو إسناد فيه ضعف لا تقوم به حُجة \"، وقال: \" والحديث الضعيف لا يُدفع وإن لم يُحتج به، ورُبَّ حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى \"، فهذا لو كان الضعف يسيرًا لسوء حفظ مع الصدق، أما أن يتبيَّن أن أصل هذا الحديث ينتهي إلى ابن سمعان لا يتجاوزه، فلا.\nورُوي مرفوعًا من حديث أبي قتادة الأنصاري، وعلي بن أبي طالب.\nأما حديث أبي قتادة، فأخرجه الطبراني في \" الصغير \" (رقم: ٤٣٢) \" الأوسط \" (٤/ ٣٣٦ رقم: ٣٥٧٩) وابن عدي (١/ ٢٤٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٧٤) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٦١) والسمعاني في \" أدب الإملاء \" (ص: ٥٦) من طريق محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي، حدثنا سويد بن عبد العزيز، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، به.\nقلت: وإسناده واهٍ، ابن العلاء هذا مُتهم بوضْع الحديث وسويد ضعيف الحديث.\nوأما حديث علي، فأخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٥) من طريق عمر بن شبَّة، قال: حدثني عيسى بن مُحمد (!) بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي، به ضمن سياق. في ذم العصبية.\nقال ابن عدي: \" وهذا الحديث لا أعلم يرويه غير عيسى بن محمد \".\nقلت: كذا ذكره ابن عدي، والصواب: (عيسى بن عبد الله) وذكر (ابن مُحمد) خطأ في الإسناد، فعيسى من أبناء عبد الله، وكذلك ترجم له الأئمة، وهو آفة هذا الحديث، وسائر الإسناد يُحتمل، لكنه قد هوى به، فهو متروك الحديث، أتى بموضوعات.\nوروى هذا الحديث أبو البختري وهب بن وهب بإسنادٍ إلى الحسن البصري، به مرسلًا.\n\nأخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) وأبو البختري هذا من أعيان المعروفين بالكذب ووضْع الحديث.","vol":"1","page":239},{"text":"ومثل هذه الأحاديث لا يصح التعلق بها في شيء، وقد أغنى الله عنها.\n\nتبيين الفرق بين العدالة للشاهد والعدالة للراوي:\nروي في اتحاد معنى العدالة فيهما حديث موضوع: \" لا تأخذوا العلم إلا ممن تجيزون شهادته \" (١)، وهذا لا يعتمد عليه في شيء.\n_________\n(١) أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١١) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٥٥، ٢٥٦، و٣/ ٢٨٩ و٥/ ٧٧) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٥) والخطيب في \" تاريخه \" (٩/ ٣٠١) و\" الكفاية \" (ص: ١٥٨، ١٥٩) والرافعي في \" تاريخ قزوين \" (٣/ ٣٩٩) وابن الجوزي في \" العلل \" (رقم: ١٨٧) من طرق عن صالح بن حسان، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس، به.\nوفيمن رواه عن صالح ثقة وضعيفٌ، وليس الحمل فيه إلا على صالح هذا وهو مدني، منكر الحديث ليس بثقة.\nومن الرواة من حدث به عنه عن محمد بن كعب مُرسلًا، ليس فيه ابن عباس. ومنهم من حدث به عنه عن محمد بن كعب عن ابن عباس قوله ولم يرفعه.\nأخرج ذلك الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥٩، ١٦٠)، كما روى المرسل ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٨). والموقوف ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٥٦).\nوهكذا كان أو كذلك، فإنه لا يثبت منه شيء، قال الخطيب: \" إن صالح بن حسان تفرَّد بروايته، وهو ممن اجتمع نُقاد الحديث على ترك الاحتجاج به؛ لسوء حفظه، وقلة ضبطه \".\nوقال ابن حبان: \" هذا خبرٌ باطل رفْعه، وإنما هو قول ابن عباس \" وحَمل فيه على أحد من رواه عن صالح ..\nقلت: بل لم يثبت عنه أيضًا؛ لما ذكرت من حال صالحٍ نفسه.\nوروى بقية بن الوليد، قال: حدثنا إسحاق بن مالك، عن أبي بكر التميمي، عن الحسن، به مرسلًا.\nأخرجه ابن عدي (١/ ٢٥٦) وإسناده لا يثبت، فإسحاق من شيوخ بقية المجهولين، والتميمي هذا لم يتبين من يكون، وأخاف أن يكون دلسه بقية، ثم هو إلى ذلك كله مرسل. وأخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١/ ٣١) من رواية الحسن بن ذكوان عن الحسن به مرسلًا. وابن ذكوان هذا ضعيف.","vol":"1","page":241},{"text":"والتحقيق: أن الاتفاق بين الشاهد والراوي معتبر في العدالة والصدق، لكنهما يفترقان في معاني تقبل فيها الرواية ولا تقبل الشهادة:\nفاعتُبِرت مثلًا في الشاهد الحرية، لكنها لا تطلب في الراوي، ففي الرواة الثقات كثير من الموالي؛ إذا الرق لا ينافي العدالة.\nويقبل في الرواية خبر الواحد العدل، ويقبل في صيغة الرواية: (حدثني فلان عن فلان)، وليس كذلك في الشهادة.\nوالحديث يشهد للحديث، كما تشهد له الأصول، وليس كذلك الشهادة.\nيقابل ذلك أن قومًا تقبل شهادتهم، ولكن لا تقبل رواياتهم؛ لما يوجبه حفظ وأداء الرواية من الاحتياط في اللفظ والمعنى (١).\n_________\n(١) وانظر: الرسالة، للشافعي (الفقرات: ١٠٠٨ - ١٠١٤)، وانظر لبعض فوارق الشهادة والرواية: شروط الأئمة الخمسة، للحازمي (ص: ١٤٩ - ١٥٠).","vol":"1","page":242},{"text":"كما قال الشافعي، وحكي عن سائل سأله: قد أراك تقبل شهادة من لا تقبل حديثه؟ قال: \" فقلت: لكبر أمر الحديث وموقعه من المسلمين، ولمعنى بين، قال: وما هو؟ قلت: تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظة المحدث، والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث، فيحيل معناه، فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى، كان غير عاقل للحديث، فلن نقبل حديثه إذا كان يحمل ما لا يعقل إن كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه، وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى. قال: أفيكون عدلًا غير مقبول الحديث؟ قلت: نعم، إذا كان كما وصفت كان هذا الموضع ظنة بينة يرد بها حديثه، وقد يكون الرجل عدلًا على غيره ظنينًا في نفسه وبعض أقربيه، ولعله أن يخر من بعد أهون عليه من أن يشهد بباطل، ولكن الظنة لما دخلت عليه تركت بها شهادته، فالظنة ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه، أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته فيما هو ظنين فيه بحال \" (١).\nقلت: وليس اعتبار خصائص الشهادة من مباحثنا هذه، ومحلها مطولات كتب الفقه.\n\n* * *\n_________\n(١) الرسالة (ص: ٣٨٠ - ٣٨١).","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثالث:\nطريق إثبات عدالة الراوي</span>\nراوي الحديث قد يكون ممن عرف شأنه وتبينت سيرته بما اشتهر به من العلم أو الصلاح والعبادة أو الحكم أو غير ذلك، لكن أكثر الرواة لم يعرفوا إلا في سياق ما رووه من الحديث، وهؤلاء فيهم المكثر من الرواية، وفيهم المقل، وفيهم من اشتهر بكثرة من حمل عنه الحديث، وفيهم من لم يرو عنه إلا النفر اليسير، وفيهم من لم يرو عنه إلا راو واحد.\nوبهذه الاعتبارات المختلفة فإن إثبات العدالة بمعناها المتقدم للراوي، وهو الإسلام واستقامة الظاهر، لا سبيل له إلا اعتماد رواية الراوي عنه كتعريف نسبي به، يثبت به وجوده، ويدل على كونه جار على أصل السلامة والاستقامة في الدين ما لم يحفظ عليه قادح.\n\nوعليه فيمكن تقسيم الرواة إلى قسمين:\nالقسم الأول: من علمنا دينه وقدر استقامته من خلال سيرته المنقولة إلينا بالطرق المعتبرة، كأبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم ممن عرفت سيرهم واستقرت بذلك عدالتهم، وكسعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح والزهري وأبي حنيفة ومالك بن أنس وسفيان الثوري وشعبة بن الحجاج والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الأمة","vol":"1","page":244},{"text":"المستقرة عدالتهم بما عرف من سيرهم في العلم والعبادة والزهد، وهكذا عامة من حفظت عنهم الأخبار في بيان أحوالهم، فدلتا على منزلتهم في العدالة، ومكانتهم في الديانة حتى أغنى ذلك عن تتبع أمرهم والبحث عن درجاتهم، وفي بعض النقلة وإن كانوا قلة من حفظ لنا من سيرهم ما يفيد الجرح في العدالة، كالذي نقل لنا من سير بعض الأمراء وما ذكروا به من الظلم كبسر بن أرطاة (١)، والحجاج الثقفي.\nوالقسم الثاني: من لم يعرف من سيرته المنقولة ما يساعد على إثبات عدالته، وليس لدينا من أمره إلا راويته الحديث، وهؤلاء هم أكثر الرواة كما تقدم.\nفهذا قد اعتبر لإثبات عدالته: ثقة الراوي عنه مع صحة الإسناد إليه.\nفكأنهم قالوا: الأصل في الراوي الإسلام، والأصل في المسلم: العدالة، والفسق عارض، فحيث لم ينقل في حق الراوي فهو عدل.\nلكن اختلفوا هنا: هل يكفي لإثبات هذه العدالة أن يروي عنه واحد، أم يشترط أن يكون اثنان فصاعدًا؟ على مذهبين:\nالمذهب الأول: تثبت العدالة بأن يروي عن الراوي من هو معروف بالثقة والعلم والتثبت في الأخذ، دون اعتبار عدد.\nقال يعقوب بن شيبة: قلت ليحيى بن معين: متى يكون الرجل معروفًا؟ إذا روى عنه كم؟ قال: \" إذا روى عن الرجل مثل ابن سيرين والشعبي وهؤلاء أهل العلم، فهو غير مجهول \"، قلت: فإذا روى عن الرجل مثل سماك بن حرب وأبي إسحاق قال: \" هؤلاء يروون عن مجهولين \" (٢).\n_________\n(١) ولا صُحبة له على التحقيق، وكان ظالمًا جائرًا.\n(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي (١/ ٨١ - ٨٢).","vol":"1","page":245},{"text":"قلت: هذا قد اعتبر فيه ابن معين تثبت الراوي في الأخذ واحتياطه في عدم الرواية عمن لم يعرف، فأما من لم يكن يبالي عمن روى فلا تثبت بروايته العدالة وإن كان ثقة.\nومثله في المعنى ما نقله أبو داود السجستاني قال: قلت لأحمد (يعني ابن حبان): إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول، يحتج بحديثه؟ قال: \" يحتج بحديثه \" (١).\nوهذا المذهب جرى عليه عمل الشيخين البخاري ومسلم في الاحتجاج بحديثه من لم يرو عنه إلا واحد من الصحابة، لكن ثبوت العدالة المطلقة للصحابة يخرجهم عن سائر الرواة، ويأتي ذلك.\nوهو مذهب ابن حبان أيضًا، جرى عليه في \" ثقاته \" كما سيأتي في مبحث خاص، لكنه توسع فجعل مجرد رواية الثقة وإن لم يعرف بالاحتياط في الأخذ تعديلًا.\nوالمذهب الثاني: أن يروي عنه اثنان فأكثر.\nوهذا المذهب جاء عن الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، قال: \" إذا روى عن المحدث رجلان ارتفع عنه اسم الجهالة \" (٢).\nوقد نسبه الحاكم والبيهقي إلى البخاري ومسلم فيمن خرجا حديثه في كتابيهما، وبينت خطأ ذلك في الكلام على شرط الشيخين، وأن الصحيح أنهما أخرجا حديث من لم يرو عنه إلا واحد واحتجابه من الصحابة خصوصًا.\nوكذلك قال ابن عدي في ترجمة (سعيد بن أبي راشد): \" لا أعلم يروي عنه غير مروان الفزاري، وإذا روى عنه رجل واحد كان شبه مجهول \" (٣).\n_________\n(١) سؤالات أبي داود لأحمد (النص: ١٣٧).\n(٢) الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: ١٥٠) وإسناده صحيح.\n(٣) الكامل، لابن عدي (٤/ ٤٤٢).","vol":"1","page":246},{"text":"وقال في (أبي الجهم الإيادي) راوي حديث: \" امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار \": \" مجهول، لم يحدث عنه غير هشيم، وليس له إلا هذا الحديث الواحد \" (١).\nفجعل رواية الواحد عن رجل وإن كان ذلك الواحد ثقة لا ترفع عنه الجهالة.\nوقال أبو عبد الله بن منده: \" من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد، وإن كان مشهورًا، مثل الشعبي وسعيد بن المسيب، ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به \" (٢).\nقلت: وهذا إذا قاله في الصحابي، فهو عنده في غيره أولى في إثبات الجهالة برواية الواحد.\nوهذا القول لم يشترط عدالة الرجلين.\nوذكر الدارقطني (خشف بن مالك)، فقال: \" هو رجل مجهول، ولم يرو عنه إلا زيد بن جبير، وأهل العلم بالحديث لا يحتجون بخبر يتفرد بروايته رجل غير معروف، وإنما يثبت العلم عندهم بالخبر إذا كان راويه عدلًا مشهورًا، أو رجل قد ارتفع اسم الجهالة عنه، وارتفاع اسم الجهالة عنه أن يروي عنه رجلان فصاعدًا، فإذا كان هذه صفته ارتفع عنه اسم الجهالة، وصار حينئذ معروفًا، فأما من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره \" (٣).\nواختاره الخطيب، لكن قيده، فقال: \" أقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم \" (٤).\n_________\n(١) الكامل (٥/ ١٣٦).\n(٢) شروط الأئمة الستة، لابن طاهر المقدسي (ص: ٩٩ - ١٠٠) قلت: وقوله: واحتج به \" غيرُ مسلم إذا أجريناه في غير الصحابة حتى يتوفَّر شرط الضبط.\n(٣) سنن الدارقطني (٣/ ١٧٤).\n(٤) الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).","vol":"1","page":247},{"text":"وهذا القيد: (أن يكون من روى عنه مشهورًا بالعلم) ينبغي أن يراد به الثقة، فالشهرة بالعلم والرواية مع الكذب والوهاء لا خير فيها.\nسأل عثمان الدارمي يحيى بن معين قال: قلت: عطاء بن المبارك، تعرفه؟ فقال: \" من يروي عنه؟ \"، قلت: ذاك الشيخ أحمد بن بشير، فقال: \" هه! \" كأنه يتعجب من ذكر أحمد بن البشير، فقال: \" لا أعرفه \"، قال عثمان: \" أحمد بن بشير كان من أهل الكوفة، ثم قدم بغداد، وهو متروك \" (١).\nومثاله أيضًا (أبان الرقاشي) والد يزيد، قال فيه ابن عدي: \" لا يحدث عنه غير ابنه يزيد بالشيء اليسير، ومقداره ما يرويه ليس بمحفوظ، على أن له مقدار خمسة أو ستة أحاديث مخارجها مظلمة \" (٢).\nوهكذا قال ابن حبان: \" الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به؛ لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان \" (٣).\nوهذا النمط من المجهولين يتفرد عن أحدهم الراوي المجروح جهالة أحدهم جهالة عين في الرواية.\n\nوالراجح:\nصحة اعتبار المذهبين في عموم الرواة عدا الصحابة (٤)، على التفصيل التالي:\n١ - تثبت العدالة للراوي إذا روى عنه اتصالًا من كان متثبتًا في الأخذ، وإن كان واحدًا.\n_________\n(١) تاريخ الدارمي (النص: ٦٦٤).\n(٢) الكامل، لابن عدي (٢/ ٦٩).\n(٣) المجروجين، لابن حبان (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(٤) لعدالة الصحابة تأصيلًا، وأن مجهولهم مقبول الرواية تحقيقًا.","vol":"1","page":248},{"text":"٢ - من لم يعرف بالتثبت في الأخذ وإن كان ثقة، لا تثبت العدالة بروايته حتى يوافقه في الحمل عن ذلك الراوي غيره ممن يصلح الاعتداد به، أو يدل اختبار حديثه على حفظه فيقوم ذلك مقام العدد، كما سيأتي في (المبحث التاسع).\n٣ - من لم يرو عنه إلا راو مجروح، فهو مجهول، ولا يحكم بعدالته بذاك، من جهة الريبة في إثبات شخصه أصلًا، وهو (مجهول العين).\n\nويلحق بهذا المبحث<span data-type=\"title\" id=toc-96> مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة الأولى: هل ارتفاع الجهالة إثبات للعدالة</span>؟\nنعم؛ هو إثبات للعدالة الدينية، أو ما اصطلح عليه بعض المتأخرين بـ (العدالة الظاهرة)، وهي: الإسلام، والسلامة من القادح في الدين.\nوأطلق الخطيب أن ارتفاع الجهالة برواية اثنين لا يعني ثبوت العدالة، فقال: \" إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه \"، ورد قول من ذهب إلى أنها تثبت له (١).\nقلت: وهذا صحيح بالنظر إلى إرادة العدالة الموجبة لقبول الراوية، وهي التي تحقق فيها: العدالة الدينية وضبط الراوي، فهذه العدالة لا تثبت للراوي بارتفاع جهالته، ولكن يثبت له منه الشق الأول.\nوالمتأخرون تبعوا الخطيب، ومنه صار جماعة إلى تقسيم العدالة إلى قسمين:\nالأول: عدالة ظاهرة، واختاروا ثبوتها برواية اثنين فصاعدًا.\nومن لم تثبت له فهو في اصطلاحهم: مجهول العين، كما تقدم.\nوالثاني: عدالة باطنة، وتعني أهلية الراوي في النقل من جهة ضبطه\n_________\n(١) الكفاية، للخطيب (ص: ١٥٠).","vol":"1","page":249},{"text":"وإتقانه لما يرويه، ولا تثبت له إلا بتنصيص ناقد عارف أنه ثقة، أو بما يقوم مقام ذلك.\nوإثبات هذه العدالة ركن لصحة إطلاق وصف (العدالة) على الراوي، الموجب للاحتجاج بحديثه، والطريق إليه كما قال الخطيب: \" التعويل فيه على مذاهب النقاد للرجال، فمن عدلوه وذكروا أنه يعتمد على ما يرويه جاز حديثه، ومن قالوا فيه خلاف ذلك وجب التوقف عنه \" (١).\nومن لم تثبت له هذه العدالة من الرواة فهو في اصطلاحهم: مجهول الحال، والمستور.\nوهذا القسم ليس مرادًا لنا في هذا البحث؛ لكونه بيانه سيأتي، لكن ذكره لا بد منه لإزاحة اللبس عن استعمال لفظ (العدالة).\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المسألة الثانية: معنى وصف الراوي بالشهرة</span>.\nيطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنتفع في تقوية أمره بقدرما، إذا سلم الراوي من قادح.\nمثل قول يحيى بن معين في (سعيد بن عمرو بن أشوع قاضي الكوفة): \" مشهور، يعرفه الناس \" (٢).\nفهذا النص من يحيى لا يفيد توثيق الرجل، لكنه يثبت عينه، ويدل على عدالته في نفسه ما لم يثبت عنه ضد ذلك.\nولو تأملت أحوال النقلة لم تجد فيهم من عرفت عدالته الموجبة لقبول حديثه بمجرد الشهرة، حتى يثبت من اختبار حديثه حفظه وإتقانه.\n_________\n(١) الكفاية (ص: ١٥٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٥٠).","vol":"1","page":250},{"text":"واعلم أن قول بعض المتأخرين: (تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة) لا يصح بإطلاق؛ لأن مرجع الاستفاضة والشهرة إلى النقل الثابت عن الرواة، كالأخبار التي تحكي سيرهم وأحوالهم، فإن العدالة إنما استفيدت بدلالة تلك الأخبار، لا بمجرد استفاضة ذكرهم وشهرتهم.\nالمسألة الثالثة: في تعريف العدالة عند أبي عمر بن عبد البر:\nقال ابن عبد البر: \" كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله أو في كثرة غلطه؛\nلقوله ﷺ: \" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله \" (١).\nهذا النص في تفسير العدالة أنكره المتأخرون، فلماذا؟ هل لأنهم فهموا أنه يجعل العدالة وصفًا ثابتًا بمجرد الإسلام؟ أم لغير ذلك؟\nعمليًا وجدت ابن عبد البر جرح بالجهالة في مواضع كثيرة، ورد بها أحاديث رواها مجهولان لا طعن عليهم إلا بالجهالة، في كتبه: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، فدل على أنه لم يعن إثبات العدالة لكل من روى تأصيلًا، وإنما جعل في التحقيق على العدالة من حمل العلم وعرف أنه اعتنى به، والمجهولون لم يعرفوا بحمل العلم، إذ المعرفة والاعتناء بالعلم توجب الشهرة به، وهو ما ينافي الجهالة، وهذا الكلام لا إشكال فيه، ولم يقل ابن عبد البر: (كل من روى الحديث فهو عدل) ليصح التعقب عليه.\nفقوله صحيح في الجملة في المعروفين من الرواة.\nوأما الحديث الذي ذكره فضعيف على التحقيق (٢).\n\n* * *\n_________\n(١) التمهيد (١/ ٢٨).\n(٢) بينته في كتابي \" علل الحديث \".","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الرابع:\n\nمعنى الضبط</span>\nالصلاح في الدين بمجرده وصف قاصر لقبول حديث الراوي والاحتجاج به، ولا يتم وصفه بالأهلية الكافية لذلك حتى يكون حافظًا لحديثه متقنًا له.\nقال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان: \" أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله \" (١).\nوقال مالك بن أنس: \" لقد أدركت في هذا البلد - يعني المدينة - مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثًا قط \"، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: \" لم يكونوا يعرفون ما يحدثون \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" (١/ ١٥) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (رقم: ٤٢٥) وابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٧٧، ٢٥٩) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٤٧ - ٢٤٨، ٢٥٢)، وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (١/ ٦٨٤) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (رقم: ٤١٨) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٣ - ١٤) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٤١) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٤٨) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨٩) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٦٨) وإسناده صحيح. وأخرج ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٧) معناه بإسناد صحيح إلى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك. وإسماعيل صالحُ الأمر في مثل هذا.","vol":"1","page":252},{"text":"وعن حماد بن زيد: أن فرقدًا (يعني السبخي) ذُكر عند أيوب (يعني السختياني)، فقال: \" لم يكن صاحب حديث، وكان متقشفًا، لا يقيد علمًا، ذاك لون، والبصر بالعلم لون آخر \" (١).\nوقال عمرو بن محمد الناقد: سأل رجل وكيعًا (يعني ابن الجراح)، قال: يا أبا سفيان، تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ فقال: \" من يرويه؟ \"، قلت: وهب بن إسماعيل، قال: \" ذاك رجل صالح، وللحديث رجال \" (٢).\nقلت: واعتبار الضبط الركن الأساس لتزكية الراوي؛ من أجل كونه يباشر ذات الراوية، لذلك كان القدح في النقلة بتخلفه أكثر، فالوهم والغلط قليل ذلك وكثيره إنما هو في ضعف الحفظ.\nوليست كذلك العدالة في الدين، وإنما طلبت لدفع مظنة الكذب، إذ ضعف الوازع عند رقيق الدين مما يورد الشبهة في أمانته ولا يؤمن منه معه الكذب، فيكون قادحًا بمجرده للمظنة لا لمباشرته الرواية، إلا أن يكون ثبوت الكذب منه في الحديث، وكم تجد فيمن قدح في عدالته الدينية من كان يحفظ ما يحفظ الناس؟\nوالضبط: حفظ الراوي لحديثه.\nويلزم لتمامه: أن يقدر الراوي على أداء الحديث كما تلقاه.\nوهو واقع على نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>النوع الأول: حفظ الصدر</span>.\nكثير من الرواة، بل لو قلت: أكثر الرواة كانوا يعتمدون حفظ الصدر في أداء الحديث، ولم يكونوا يكتبون.\n_________\n(١) أخرجه الجوزَجاني في \" أحوال الرجال \" (النص: ١٥٣) بإسناد صحيح.\n(٢) وأخرجه مسلم في \" المقدمة \" (١/ ١٧) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٥٠) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":253},{"text":"فهذا أبو هريرة حافظ، وأكثرهم حديثًا عن النبي ﷺ، ما حدث إلا من حفظه بصدره.\nقال: \" ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب \" (١).\nوربما قلت: كانوا يعتمدون حفظ الصدور؛ لأنهم نهوا أولًا عن كتابة الحديث مخافة اختلاطه بالقرآن، لكن الكتابة شاعت بعدئذ.\nوأقول: هذا صحيح في الجملة، لكن بقي الاعتماد على حفظ الصدور واستمر حتى بعد التدوين.\nفكثير من كبار الأئمة كان اعتمادهم على الحفظ، كسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد.\nوهذا يحيى بن معين وسئل عن (وكيع بن الجراح): كيف كان يحدثهم؟ فقال: \" كان يحدث من حفظه، كل شيء حدث به حفظًا \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>كيف يثبت حفظ الراوي</span>؟\nقال الخطيب: \" وإذا سلم الراوي من وضع الحديث وادعاء السماع ممن لم يلقه، وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة، غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه، فحدث من حفظه، لم يصح الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر والعارفون به أنه ممن قد طلب الحديث وعاناه وضبطه وحفظه \" (٣).\nقلت: أي لابد من تزكية أهل المعرفة بهذا العلم له أنه موثوق الحفظ، فيحتج بما يؤديه عندئذ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم: ١١٣).\n(٢) معرفة الرجال، رواية: ابن مُحرز (٢/ ٧٥).\n(٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١/ ١٣٥).","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>النوع الثاني: حفظ الكتاب</span>.\nوهو: أن يكون الحديث مكتوبًا عند الراوي.\nوكان مالك بن أنس ينكر أن يكون هذا طريقًا يعتمد فيه حديث الراوي.\nقال أشهب بن عبد العزيز: سئل مالك: أيؤخذ ممن لا يحفظ ويأتي بكتبه فيقول: قد سمعتها، وهو ثقة؟ فقال: \" لا يؤخذ عنه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل \" (١).\nوقال أشهب في رواية: سمعت مالكًا، وسئل عن الرجل الثقة، فيدفع إليه الكتاب، فيعرف الحديث، إلا أنه ليس له حفظ ولا إتقان؟ قال: \" لا يؤخذ عنه، إذا زيد في الحديث شيء لم يعرف \" (٢).\nقال الباجي: \" هذا الذي قاله ﵀ هو النهاية في الاجتهاد، إلا أنه قد عدم من يحفظ، ولو لم يؤخذ إلا عمن يحفظ لعدم من يؤخذ عنه، فقد قل الحفاظ، واحتيج إلى الأخذ عمن له كتاب صحيح وهو ثقة ينقل ما في كتابه، فإذا كان الآخذ ممن يميز تبينت له الزيادة، وإن كان لا يميز فالأمر فيه ضعف، ولعله الذي عنى مالك، ﵀ \" (٣).\nوقال هشيم بن بشير: \" من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث، يجيء أحدهم بكتاب يحمله كأنه سجل مكاتب \" (٤).\nقلت: وهذا محمول على إرادة شحذ الهمم لحفظ الصدور، لا على معنى تأثيره أن يكون طريقًا لضبط الرواية.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٧) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٢) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٧) وإسناده صحيح.\n(٣) التعديل والتجريح (١/ ٢٨٩).\n(٤) أخرجه ابن عدي (١/ ١٨١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":255},{"text":"والتحقيق:\nأن الكتاب المتقن الموثق حجة عند أهل العلم، بل هو ميزان، ودليل على صحة الحفظ، ومقوم لخلله، فإن الحفظ خوان، والحافظ بشر جائز عليه الوهم والخطأ، لا سيما مع طول الأسانيد.\nقال الرامهرمزي: \" الأولى بالمحدث والأحوط لكل راوٍ أن يرجع عند الراوية إلى كتابه؛ ليسلم من الوهم \" (١).\nقال الثقة مروان بن محمد الطاطري: \" ثلاثة ليس لصاحب الحديث عنه غنى: الحفظ، والصدق، وصحة الكتب، فإن أخطأت واحدة وكانت فيه ثنتان لم تضره: إن أخطأ في الحفظ ورجع إلى صدق وصحة كتب لم يضره \"، وقال مروان: \" طال الإسناد وسيرجع الناس إلى الكتب \" (٢).\nوقال علي بن المديني: \" ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغني أنه لا يحدث إلا من كتاب، ولنا فيه أسوة حسنة \" (٣).\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: \" ما رأيت أبي، ﵀، حدث من غير كتاب، إلا بأقل من مئة حديث \" (٤).\nوقال علي بن المديني: سمعت يحيى (يعني القطان) يقول في حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في رجل آجر نفسه في الحج،\n_________\n(١) المحدث الفاصل (ص: ٣٨٨).\n(٢) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٦٣) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٤٠ - ٣٤١) وابن عساكر في \" تاريخه \" (٥٧/ ٣١٨) وإسناده صحيح. وبنحوه: أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٦) والرامهرمزي (ص: ٤٠٥ - ٤٠٦) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٤٠) وإسناده صحيح كذلك.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٩٥) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٣٠) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٣٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":256},{"text":"قال: \" أملى علي من حفظه: حدثنا عطاء عن ابن عباس، وكان في كتابه: حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء: عن ابن عباس \". قلت ليحيى: تراه حديث مسلم البطين؟ قال: \" نعم، وليس من صحيح حديثه عن عطاء \" (١).\nقلت: يريد يحيى أن هذا الحديث إنما هو حديث مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأن جريج أخطأ في التحديث به عن عطاء، وجعل ما في كتاب ابن جريج أنه حدث بذلك الحديث عن ابن جبير دليلًا على ما قال، وأن جريج وهم في قوله: (حدثنا عطاء)، وليس في هذا شيء من باب التدليس (٢).\nوقال عبد الله بن المبارك: \" إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم فيما بينهم \" (٣).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم، وذكر عنده حماد بن زيد وابن علية، وأن حمادًا حفظ عن أيوب، وابن علية كتب، فقال: \" ضمنت\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٣٨) بإسناد صحيح إلى القطان.\n(٢) وهو صحيح محفوظ من حديث مسلم البَطين عن سعيد، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباس، فقال: إني آجرت نفسي من قومي على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجْرتي على أن يدعوني أحجُّ معهم، أفيُجزي ذلك؟ قال: أنت من الذين قال الله ﷿ ﴿أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب﴾ أخرجه ابن أبي شيبة (ص: ٤٤٤ - الجزء المستدرك) وابن أبي حاتم في \" تفسيره \" (رقم: ١٨٨٨) والحاكم (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم: ٣٠٩٩) من طُرق عن الأعمش، عن مسلم، به.\nولم ينفرد به مسلم عن سعيد، بل تابعه عبد الكريم الجزري، أخرجه عبد الرزاق في \" تفسيره \" (١/ ٨٠) ومن طريقه: ابنُ خزيمة (رقم: ٣٠٥٣) - والحاكم (١/ ٤٨١ رقم: ١٧٧٠) من طريق زيد بن المبارك، كلاهما عن معمر، عن عبد الكريم، به.\nوخرجه الشافعي من رواية ابن جريج عن عطاء التي حكم يحيى بعدم صحتها.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٧١) و\" الجرح والتعديل \" (٣/ ٢ / ٢٢١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":257},{"text":"لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل \" (١).\nوقال أحمد بن حنبل: \" ما كان أقل سقطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدث من كتابه، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان له سقط، كم يكون حفظ الرجل! \" (٢).\nوقال الميموني لأبي عبد الله بن أحمد بن حنبل: قد كره قوم كتاب الحديث بالتأويل (٣)، قال: \" إذًا يخطئون إذا تركوا كتاب الحديث، حدثونا قوم من حفظهم وقوم من كتبهم، فكان الذين حدثونا من كتبهم أتقن \" (٤).\nومن المثال التطبيقي لذلك، ما حدث به عبد الرحمن بن مهدي، قال: \" لما حدث سفيان عن حماد عن عمرو بن عطية التيمي عن سلمان قال: إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور. قلت له: هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال من يقول ذا؟ قلت: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أمضه، قلت: حدثنا شعبة، قال أمضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، فأطرق هنيهة، ثم قال: أمضه، سمعت حمادًا يحدثه عن عمرو بن عطية عن سلمان \".\nقال عبد الرحمن: \" فمكثت زمانًا أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر عن شعبة، فإذا هو: عن حماد عن ربعي بن حراش عن سلمان. قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي عن\n_________\n(١) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٧) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٢٣).\n(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ١٩٧) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٢٤) وإسناده صحيح.\n(٣) يعني والله أعلم: من أجل ما ورد من النهي عن كتابة الحديث، والذي كان لعلة الاختلاط بالقرآن، فلما ذهبت العلة ذهب أثرُ النهي.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" تقييد العلم \" (ص: ١١٥) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":258},{"text":"سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه \" (١).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: \" كنا إذا أعطينا صخر بن جويرية يقرأ علينا، ما كان يجيء على ما يقرأ علينا، حتى أخذنا كتاب غندر، فكان يقرأ علينا على ما هي في كتاب غندر \" يعني أنه كان كتابًا صحيحًا (٢).\nوقال يزيد بن هارون وذكر أهل البصرة: \" إذا ختلفوا في حديث نطقوا بكتاب عبد الوارث \" (٣).\nقال الحميدي: \" من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه، ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه، ولا يكون ضارًا ذلك له في حديثه، إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره، إذا اقتصر على كتابه ولم يقبل التلقين \" (٤).\nوقال الخطيب: \" من سمع الحديث وكتبه، وأتقن كتابه، ثم حفظه من كتابه، فلا بأس براويته \" (٥).\nقلت: يقول في هذا: إن الكتاب المتقن حجة.\nوالثقات الذين عرفوا بحفظ الكتاب كثير.\nومنهم من كان يجمع بين الضبطين، وهذا كثير بعد اعتناء الناس بالتدوين.\nوفيهم من كان ضابطًا لكتبه ولم يكن حافظًا لحديثه في صدره، وقد يوصف بسوء الحفظ، وهو الذي يقولون فيه: (صحيح الكتاب) وشبه ذلك.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٦٤ - ٦٥) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١١٢٨) بإسناد صحيح عن ابن مهدي.\n(٢) أخرجه أحمد بن حنبل في \" العلل \" (النص: ٣٦٠٨).\n(٣) أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٣٠) بإسناد صحيح.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٧).\n(٥) الكفاية (ص: ٢٥٤).","vol":"1","page":259},{"text":"فمثله إذا علم أن حديثه من كتابه فهو محقق لشرط الضبط، منهم: همام بن يحيى، وحفص بن غياث، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ويونس بن يزيد الأيلي، وجماعة ليست بكثيرة.\nومن عبارات أئمة الشأن في طائفة:\nقال أحمد بن حنبل في (حاتم بن إسماعيل): \" حاتم أحب إلي من الدراوردي زعموا أن حاتمًا كان رجلًا فيه غفلة، إلا أن كتابه صالح \" (١).\nوقال يحيى بن معين: \" أتيت حاتم بن إسماعيل بشيء من حديث عبيد الله بن عمر، فلما قرأ علينا حديثًا قال: أستغفر الله، كتبت عن عبيد الله كتابًا، فشككت في حديث منها، فلست أحدث عنه قليلًا ولا كثيرًا \" (٢).\nوقال أحمد بن حنبل في (أبي عبيدة الحداد): \" لم يكن صاحب حفظ، وكان كتابه صحيحًا \" (٣).\nوقال يحيى بن معين في (محمد بن مسلم الطائفي): \" كان إذا حدث من حفظه يقول: كأنه يخطئ، وكان إذا حدث من كتابه فليس به بأس \" (٤).\nوقال أبو حاتم الرازي في (أبو عوانة وضاح اليشكري): \" كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق ثقة \"، وقال أبو زرعة الرازي: \" ثقة إذا حدث من كتابه \" (٥).\nوقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي في (شريك القاضي): \" كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح \" (٦).\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢ / ٢٥٩).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٤٧).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٢٤).\n(٤) تاريخ يحيى ين مَعين (النص: ٣٠٤).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٤١).\n(٦) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الخامس:\n\nكيف يعرف الضبط</span>؟\n\nجرى نقاد المحدثين على تمييز ضبط الراوي بطرق ترجع إلى ما يأتي:\n\n١ - عرض رواياته على روايات غيره لتبين قد موافقته أو مخالفته أو تفرده.\nويتم ذلك بالمقارنة بين حديث الراوي وأحاديث الثقات المعروفة، وأحاديث المجروحين المنكرة، ويعتبر حاله في الإتقان بقدر ما وافق فيه الثقات، وحاله في الجرح بحسب ما تفرد به، أو خالف فيه الثقات، أو وافق المجروحين.\nوهذا طريق تمييز أكثر النقلة.\nقال الشافعي: \" يعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف أهل الحفظ له \" (١).\n_________\n(١) الرسالة (الفقرة: ١٠٤٧).","vol":"1","page":261},{"text":"وكان الاستثبات بعرض حديث الراوي على حديث غيره، أو طلب الموافق له إذا أتى بما يستغرب من العلم، قديم منذ عهد الصحابة، وذلك لتبين حفظ ذلك الراوي للحديث من عدمه.\nومن شائع أمثلته:\n١ - قصة أبي بكر في توريث الجدة، فعن قبيصة بن ذؤيب، قال:\nجاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق (١).\n٢ - وقصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان، فعن أبي سعيد الخدري، قال:\nكنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إلي أن آتيه، فأتيت بابه فسلمت ثلاثًا، فلم يرد علي، فرجعت، فقال ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا علي، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ: \" إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع \"، فقال عمر: أقم عليه البينة وإلا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر\n_________\n(١) حديث صحيح في قول الترمذي وغيره، وهو الراجح عندي.\nأخرجه مالك (رقم: ١٤٦١)، ومن طريقه: أبو داود (رقم: ٢٨٩٤) والترمذي (رقم: ٢١٠١) والنسائي في \" الكبرى \" (رقم: ٦٣٤٦) وابن ماجة (رقم: ٢٧٢٤) وأحمد في \" المسند \" وابنه عبد الله في \" زوائده \" (٢٩/ ٤٩٩ رقم: ١٧٩٨٠) وغيرهم.\nوتكلمت عنه في \" علل الحديث \".","vol":"1","page":262},{"text":"القوم. قال أبو سعيد: قلت أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر، فشهدت (١).\n٣ - وقصة عائشة في حديث حدث به عبد الله بن عمرو، فعن عروة بن الزبير، قال:\nقالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو مار بنا إلى الحج، فالقه فسائله، فإنه قد حمل عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا.\nقال: فلقيته فساءلته عن أشياء يذكرها عن رسول الله ﷺ، قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي ﷺ قال: \" إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا، ولكن يقبض العلماء فيرفع العلم معهم، ويبقي في الناس رءوسا ًجهالًا يفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون \".\nقال عروة فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع النبي ﷺ يقول هذا؟\nقال عروة: حتى إذا كان قابل قالت له: إن ابن عمر قد قدم فالقه، ثم فاتحه حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم.\nقال: فلقيته، فساءلته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى.\n_________\n(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد (١٧/ ٧٤ رقم: ١١٠٢٩) والحُميدي (رقم: ٧٣٤) والبُخاري (رقم: ٥٨٩١) ومُسلم (٣/ ١٦٩٤) وأبو داود (رقم: ٥١٨٠) وأبو يعلى (٢/ ٢٦٩ رقم: ٩٨١) والبزَّار (٨/ ١٣ رقم: ٢٩٨١) وأبو نُعيم في \" المستخرج على البخاري \" - (كما في \" الفتح \" ١١/ ٢٩) - والبيهقي في \" الكبرى \" (٨/ ٣٣٩) من رواية سُفيان بن عُيينة، قال: حدثنا - والله - يزيد بن خُصيْفةَ، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول، به.\n\nولهذا الحديث طرق أخرى، وقد قال عمر في رواية عند مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشْعري نفسه: \" سبحان الله ! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت \".","vol":"1","page":263},{"text":"قال عروة: فلما أخبرتها بذلك، قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، أراه لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص (١).\nوفي هذه الآثار وما في معناها دليل على أن التيقظ والتثبت لقبول الحديث، والتحري لأحوال نقلته بدأ منذ بدأت الرواية في عهد أصحاب النبي ﷺ.\nوهذا المنهج في المقابلة لحديث الراوي بحديث غيره، ليتبين منها قدر ما يشهد له وما لا يشهد له، أو ما يخالفه ويناقضه، هو القاعدة العظمى لتمييز الحفاظ الثقات من غيرهم، وازداد ظهور ذلك كلما تأخر الزمن بعد الصحابة، بسبب طول الإسناد وتشعبه المقتضى كثرة الناقلين، مما تزداد معه مظنة الخطأ والوهم، مع ضعف الوازع عند كثير من الناس، مما ظهر معه الكذابون الذين كانوا يتعمدون وضع الحديث: متنًا أو إسنادًا، أو جميعًا.\nقال الذهبي: \" اعلم أن أكثر المتكلم فيهم ما ضعفهم الحفاظ إلا لمخالفتهم الأثبات \" (٢).\nوأقول: ولتفردهم عن المعروفين بما لا يعرف من رواية الثقات عنهم.\nومن مثاله الموضح له:\nقوله يحيى بن معين: \" قال لي إسماعيل بن علية يومًا: كيف حديثي؟\n_________\n(١) حديث صحيح. مُتفق عليه، أخرجه البُخاري (رقم: ٦٨٧٧) ومسلم (٤/ ٢٠٥٩) والبيهقي في \" المدخل \" (رقم: ٨٥٢) والسياق للأخيرين، من طريق عبد الله بن وهب، حدثني أبو شريح، أن أبا الأسود حدثه، عن عروة، به. أبو شريح هو عبد الرحمن بن شريح، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل. ووقع ذكر القصة كذلك باختصار في بعض طُرق الحديث من رواية هِشام بن عُروة عن أبيه. أخرجه كذلك مسلم (٤/ ٢٠٥٨) وفي \" التمييز \" له (رقم: ١٢)، والحديث مرويٌّ دون هذه القصة في أكثر الأصول.\n(٢) الموقظة (ص: ٥٢).","vol":"1","page":264},{"text":"قال: أنت مستقيم الحديث، قال: فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس، فرأيناها مستقيمة، قال: فقال: الحمد لله \" (١).\nوقال يحي بن معين: \" ربما عارض بأحاديث يحيى بن يمان أحاديث الناس، فما خالف فيها الناس ضربت عليه، وقد ذكرت لوكيع شيئًا من حديثه عن سفيان، فقال وكيع: ليس هذا سفيان الذي سمعنا نحن منه \" (٢).\nوكما قال مسلم بن الحجاج: \" من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس \" (٣).\nومن أجل ذلك كانوا يكتبون حديث الراوي على وجوه المختلفة ليتبينوا موضع الموافقة من موضع المخالفة، وليحكم عليه بحسب ما يظهر من ذلك.\nقال يحيى بن معين: \" لو نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه \" (٤).\nوقال ابن حبان: \" الإنصاف في النقلة في الأخبار: استعمال الاعتبار فيما رووا \" (٥).\n_________\n(١) معرفة الرجال، رواية: ابن مُحرز (٢/ ٣٩).\n(٢) تاريخ يحيى بن معين (٣/ ٣١٩).\n(٣) مُقدمة صحيح مسلم (ص: ٧).\n(٤) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٤٣٣٠)، ومن طريقه: ابن حِبان في \" المجروحين \" (١/ ٣٣)، والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٣٢)، والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٦٣٩) وفي \" تاريخ يحيى \": (الشيء) بدل الحديث.\n(٥) الإحسان (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":265},{"text":"وبين ذلك بالمثال التالي فقال:\n\" كأنا جئنا إلى حماد بن سلمة، فرأيناه روى خبرًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه والاعتبار بما روى غيره من أقرانه:\nفيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أصحاب حماد عنه؟ أو رجل واحد منهم وحده؟\nفإن وجد أصحابه قد رووه، علم أن هذا قد حدث به حماد.\nوإن وجد ذلك من رواية ضعيف عنه ألزق ذلك بذلك الراوي دونه.\nفمتى صح أنه روى عن أيوب ما لم يتابع عليه يجب أن يتوقف فيه، ولا يلزق به الوهن، بل ينظر:\nهل روى أحد هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟\nفإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل يرجع إليه.\nوإن لم يوجد ما وصفنا نظر حينئذ: هل روى أحد هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟\nفإن وجد ذلك علم أن الخبر له أصل.\nوإن لم يوجد ما قلنا، نظر: هل روى أحد هذا الخبر عن النبي ﷺ غير أبي هريرة؟\nفإن وجد ذلك صح أن الخبر له أصل.\nومتى عدم ذلك والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة (١) علم أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه.\n_________\n(١) الأشبه أنه أراد: الكتاب والسنة الثابتة والإجماع.","vol":"1","page":266},{"text":"هذا الحكم الاعتبار بين النقلة في الروايات \" (١).\nومن أمثلة تقريب ما بينه ابن حبان، قول يحيى بن معين: \" نظرنا في حديث الواقدي، فوجدنا حديثه عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث مناكير، فقلنا: يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه، ويحتمل أن تكون منهم، ثم نظرنا إلى حديثه عن ابن أبي ذئب ومعمر، فإنه يضبط حديثهم، فوجدناه قد حدث عنهما بالمناكير، فعلمنا أنه منه، فتركنا حديثه \" (٢).\nومن مثال جرح الراوي في حفظه بظهور النكارة فيما روى من أجل مجيئه بمتن منكر لا يعرف إلا به، بإسناد نظيف لا يحتمل مثله:\nما رواه أبو الحسن علي بن إبراهيم بن الهيثم البلدي، قال: حدثني أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا ليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" لا تضربوا أولادكم على بكائهم، فبكاء الصبي أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر الصلاة على محمد ﷺ، وأربعة أشهر دعاء لوالديه \".\nقال الخطيب: \" هذا الحديث منكر جدًا، ورجال إسناده كلهم مشهورون بالثقة، سوى أبي الحسن البلدي \" (٣).\nومثال وهم الراوي وضعف ضبطه بروايته ما يخالف المحفوظ:\nما رواه يحيى بن عبيد الله عن أبيه (٤)، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \" من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فأتى الذي هو خير، فهو كفارته \" (٥).\n_________\n(١) الإحسان (١/ ١٥٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٢١) بإسناد صحيح.\n(٣) تاريخ بغداد (١١/ ٢٣٨).\n(٤) هو عبيد الله بن عبد الله بن مَوْهب.\n(٥) أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٨٢) والبيهقي في \" الكبرى \" (١٠/ ٣٤).","vol":"1","page":267},{"text":"فهذا تفرد به يحيى عن أبيه.\nوالمحفوظ: ما رواه أبو حازم الأشجعي عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه \" (١).\nووافقه أبو صالح السمان عن أبي هريرة. وكذلك وافق أبا هريرة عن النبي ﷺ على ما في رواية أبي حازم: أبو موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص في الرواية المحفوظة عنه، وأبو الدرداء، وغيرهم.\nقال مسلم بعد ذكر رواية يحيى: \" فلو لم يكن مما يبين فساد هذه الرواية إلا ما ذكرنا قبل (يعني رواية أبي حازم وأبي صالح) لكفى ذلك فكيف ومعه حديث أبي موسى وعدي بن حاتم وأبي الدرداء وغيرهم؟ بمثل هذه الرواية وأشباهها ترك أهل الحديث حديث يحيى بن عبيد الله، لا يعتدون به \" (٢).\nوقال أبو داود السجستاني: \" الأحاديث كلها عن النبي ﷺ: (وليكفر عن يمينه) إلا فيما لا يعبأ به. قلت لأحمد: روى يحيى بن سعيد عن يحيى بن عبيد الله؟ فقال: تركه بعد ذلك، وكان أهلًا لذلك، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وأبوه لا يعرف \" (٣).\nوقلة حديث الراوي مع تفرده بما لا يرويه غيره من المعروفين، يدل على لينه؛ لأن قلة الحديث لا تساعد في تبين إتقان الراوي من عدمه بعرضه على روايات غيره، وتفرده بما لم يعتن بنقله الحفاظ غيره شبهة، فتكون علامة على لينه لا على حفظه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" صحيحه \" (٣/ ١٢٧١ - ١٢٧٢) و\" التمييز \" (رقم: ٨١) والبيهقي في \" الكبرى \" (١٠/ ٣٢).\n(٢) التمييز (ص: ٢٠٦).\n(٣) سنن أبي داود (عقب رقم: ٣٢٧٤).","vol":"1","page":268},{"text":"٢ - عرض ما يحدث به الراوي حفظًا على ما في كتبه.\nوذلك من أجل ما تقدم من كون الكتاب المتقن حاكمًا على مجرد الحفظ، فهو إما شاهد له دال\nعلى إتقانه، وإما كاشف لسوء حفظه، تارة مطلقًا كما تقدم مثاله، وتارة للدلالة على خطئه في الحديث المعين.\nقال البخاري: \" يروى عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ؟ فصلى، ولم يرفع يديه إلا مرة، وقال أحمد بن حنبل: عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب، ليس فيه: ثم لم يعد \".\nقال البخاري: \" فهذا أصح؛ لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم؛ لأن الرجل ربما حدث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب \" (١).\n\n٣ - اختبار حفظ الراوي بقلب الأحاديث عليه، أو تركيبها له.\nعن حماد بن سلمة، قال: كنت أقلب على ثابت البناني حديثه، وكانوا يقولون: القصاص لا يحفظون (٢)، وكنت أقول لحديث أنس: كيف حدثك عبد الرحمن بن أبي ليلى؟ فيقول: لا، إنما حدثناه أنس. وأقول لحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى: كيف حدثك أنس؟ فيقول: لا، إنما حدثناه عبد الرحمن بن أبي ليلى \" (٣).\nقلت: وهذا مثال الحافظ المتقن.\nوعن عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: \" كنا عند شيخ من أهل مكة أنا وحفص بن غياث، فإذا أبو شيخ جارية بن هرم يكتب\n_________\n(١) رفع اليدين في الصلاة، للبُخاري (ص: ٧٩ - ٨٢).\n(٢) يعني وأن ثابتًا كان يعد من القصَّاص، وهم الوعاظ.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٥٤) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":269},{"text":"عنه، فجعل حفص يضع له الحديث ويقول: حدثتك عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين بكذا وكذا، فيقول: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة بكذا وكذا، فيقول له حفص بن غياث: وحدثك القاسم بن محمد عن عائشة بكذا، فيقول: حدثني القاسم بن محمد عن عائشة بكذا، فيقول: حدثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله، فيقول: حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس. فلما فرغ ضرب حفص بيده إلى ألواح جارية فمحاها، فقال جارية: تحسدونني؟ فقال له حفص: لا، ولكن هذا يكذب \".\nقال عمرو بن علي: فقلت ليحيى: من الرجل؟ فلم يسمه، فقلت له يومًا: يا أبا سعيد لعل عندي عن هذا الشيخ ولا أعرفه، قال: \" هو موسى بن دينار \" (١).\nقلت: وهذا مثال للمغفل الذي لا يدري الحديث ولا الإسناد، أو يعني ما يقول فيعتمد الكذب.\n\n٤ - مجيء قرينة في سياق الرواية تكشف سوء حفظ الراوي.\nكقول البخاري مثلًا في (ذوَّاد بن علبة الحارثي): \" يخالف في حديثه \" (٢)، استدل له بقوله: حدثنا ابن الأصبهاني، قال: حدثنا المحاربي، عن ليث، عن مجاهد، قال لي أبو هريرة: يا فارسي، أشكم درد (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٦٩) وابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) والعقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ١٥٦) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٦) وإسناده صحيح.\nومعنى القصة كذلك ذكره ابن المديني عن يحيى القطان أخرجه ابن عدي (٨/ ٦٠) بإسناد صحيح.\n(٢) هذه عبارة \" التاريخ الأوسط \" (٢/ ١٨٥)، وعبارة \" التاريخ الكبير \" (٢/ ١ / ٢٦٤) و\" الضعفاء \" (الترجمة: ١١٢): \" يُخالف في بعض حديثه \".\n(٣) كلمتان فارسيتان: (إشكم) أو (شْكم) البطن، و(درْد) ألم (وانظر: السامي في الأسامي للميداني، ص: ٢١٦).","vol":"1","page":270},{"text":"قال ابن الأصبهاني: \" ورفعه ذوَّاد (١)، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيًا إنما مجاهد فارسي \" (٢).\nوتبعه على ذلك العقيلي، وقال: \" الموقوف أولى \" (٣)، وكذلك قال ابن الجوزي: \" وهو أصح \" يعني الموقوف (٤).\nومن أجل قلة حديثه، ومجيئه بمثل هذه المخالفات ضعفه الجمهور، فقال يحيى بن معين: \" ضعيف، ولا يكتب حديثه \" (٥)، وقال أبو حاتم\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٥/ ٢٨ - ٢٩، ١٣١ رقم: ٩٠٦٦، ٩٢٤٠) من طريقين عن ذواد بن عُلبة، عن ليث، عن مُجاهد، عن أبي هريرة، قال: كان النبي ﷺ يُهجَّر، قال: فصليت، ثم جئت فجلست إليه، فقال: \" يا أبا هريرة، اشكنْب درْد؟ \"، قال: قلت: لا، يا رسول الله، قال: \" صلِّ، فإن الصلاة شِفاء \".\nوأخرجه ابن ماجة وصاحبه أبو الحسن القطان في \" زوائده \" (رقم: ٣٤٥٨) والعقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٤٨) وابن عدي (٤/ ٢٢) وأبو الشيخ في \" أخلاق النبي ﷺ \" (رقم: ٨٠٥) وابن الجوزي في \" العلل المتناهية \" (رقم: ٢٦٩ - ٢٧٢) من طُرق أخرى عن ذوَّاد، عن ليث، به مرفوعًا.\nقال ابن عدي: \" ثم وجدناه عن الصلت بن الحجاج عن الليث مرفوعًا أيضًا كما رفعه ذوَّاد بن علبة .. وأظن أن بعض الضعفاء أيضًا قد رواه عن ليثٍ فرفعه، وأظنه معلَّى بن هلال \".\n\nقلت: أسنده ابن عدي في ترجمة (الصلت) (٥/ ١٣٠) وأبو الشيخ في \" أخلاق النبي ﷺ \" (رقم: ٨٠٦)، وابن الجوزي في \" العلل \" (رقم: ٢٧٣) والصلت ضعيف منكر الحديث، قال ابن الجوزي: \" لعله أخذه من ذوَّاد \".\n(٢) التاريخ الأوسط (رقم: ١٤٠٩) ومن طريقه: العُقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٤٨) وابن عدي (٤/ ٢٣) وابن الجوزي في \" العلل \" (رقم: ٢٧٥).\nوابن الأصبهاني هو: محمد بن سعيد بن سليمان، كان من الثقات الحفاظ، والمحاربي شيخه هو: عبد الرحمن بن محمد.\n(٣) كما أسنده العقيلي (٢/ ٤٨) ومن طريقه: ابن الجوزي في \" العلل \" من طريق عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا شريك، عن ليث، بإسناده موقوفًا. وكذلك ابن عدي (٤/ ٢٣) من طريق عبد السلام بن حرب، عن ليث، بإسناده موقوفًا.\n(٤) العلل (١/ ١٧٢).\n(٥) أخرجه ابن عدي (٤/ ١٢) من رواية ابن أبي مريم عن يحيى، وإسناده صحيح، وفي رواية عثمان الدارمي (النص: ٣٢٣): \" ضعيف \"، وفي رواية الدوري (النص: ١٧٦١) وجعفر بن أبان (كما في \" المجروحين \" ١/ ٢٩٦): \" ليس بشيء \".","vol":"1","page":271},{"text":"الرازي: \" ليس بالمتين، يكتب حديثه \" (١)، وذكره أبو زرعة في \" الضعفاء \" (٢)، وقال النسائي مرة: \" ليس بالقوي \"، ومرة: \" ليس بثقة \" (٣)، وقال ابن حبان: \" منكر الحديث جدًا، يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف \" (٤).\nفإن قلت: لم لم يحمل الخطأ فيه على ليث بن أبي سليم، فإنه كان مضطرب الحديث ليس بالقوي؟\nقلت: قد رواه ليث من وجه صحيح إليه بما لا يحمل معه الوهم في رفعه، والإسناد إن قطع الطريق فيه دون الراوي الضعيف، وذلك بعلة دونه، فلا يجوز أن يكون الحمل بعدها عليه، إلا أن تكون العلة غير مسقطة، فيكون التعليل بضعف ذلك الراوي زائدًا في ضعف الحديث.\n\nتنبيه:\nهذه الطرق ربما عرف بها أيضًا كذب الكذابين، ولكشفهم طرق تزيد على هذا ذكرتها في (الحديث الموضوع)، ولم أذكرها هنا؛ من أجل أن الكذب فسق يقدح في العدالة، لا في الحفظ، وهذا المقام إنما هو لبيان ما كان يتبعه النقاد لتمييز حفظ الراوي أو لينه.\n* * *\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٥٣).\n(٢) رواية البرذعي (٢/ ٦١٥).\n(٣) نقله المزي في \" تهذيب الكمال \" (٨/ ٥٢١).\n(٤) المجروحين (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-109>المبحث السادس:\n\nحكم تحمل الحديث في الصغر</span>\n\nالعبرة في الرواية بالضبط والتمييز، والقدرة على الأداء بعد على الوجه الذي سمع الراوي، فإن كان في سن لم يمنعه من ذلك، فسماعه صحيح.\nقال القاضي عياض: \" متى ضبط ما سمعه صح سماعه، ولا خلاف في هذا \" (١).\nوفي الصحابة جماعة كانوا صغارًا يوم توفي النبي ﷺ، وقد سمعوا منه ورووا عنه، منهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والنعمان بن بشير، وغيرهم، وهؤلاء المذكورين ليس فيهم يوم توفي النبي ﷺ من كان بلغ عشر سنين.\nوهناك جماعة من الصحابة، ثبت لهم شرف الصحبة، لكن لم يثبت لهم سماع من النبي ﷺ؛ لأنهم أدركوه صغارًا لا يميزون، منهم: محمود بن لبيد، على الأصح.\nقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في\n_________\n(١) الإلماع (ص: ٦٢).","vol":"1","page":273},{"text":"الحديث؟ فقال: \" إذا عقل وضبط \"، قلت: فإنه بلغني عن رجل (سميته) أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأن النبي ﷺ رد البراء وابن عمر، استصغرهم يوم بدر؟ فأنكر قوله هذا، وقال: \" بئس القول! يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟! \" وذكر أيضًا قومًا (١).\nقلت: ينكر أحمد في هذا مذهب صاحبه يحيى بن معين، فإنه قال: \" حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة \" (٢).\nوقال أحمد في استدلال يحيى: \" إنما ذلك في القتال \" (٣).\nأي هو استدلال غير صالح لهذه المسألة، فليست الرواية كالقتال، القتال يحتاج إلى قوة البدن، والرواية لا تحتاج إلا إلى قوة العقل، فإذا تبين من الصبي أنه يضبط، فقد تحقق المقصود.\nويصحح هذا من مذهب أحمد ما رواه عنه حنبل بن إسحاق، قال: قال أبو عبد الله: \" كان يحيى بن آدم أصغر من سمع من سفيان عندنا، وقال يحيى: قبيصة (٤) أصغر مني بسنتين \"، قلت له: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: \" كان كثير الغلط \"، قلت له: فغير هذا؟ قال: \" كان صغيرًا لا يضبط \"، قلت له: فغير سفيان؟ قال: \" كان قبيصة رجلًا صالحًا ثقة، لا بأس به في تدينه، وأي شيء لم يكن عنده في الحديث؟! \" يذكر أنه كان كثير الحديث (٥).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١١٣) بإسناد صحيح. ونحوه كذلك عنده (ص: ١١٤) من وجه آخر.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١١٣) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب (ص: ١١٤) بإسناد صحيح.\n(٤) هو ابن عقبة من صغار من روى عن سفيان الثوري.\n(٥) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٤٧٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":274},{"text":"فتكلم فيه أحمد؛ لكونه من أجل صغره لم يضبط ما سمع من سفيان، فهو يقول: لو أنه ضبط ما ضره الصغر، فالشأن في الضبط.\nوالظاهر أن يحيى بن معين إنما أراد سن النضج، ولم يرد أن الراوي يجرح في روايته عن الشيخ المعين لمجرد كونه حمل عنه في الصغر، وإنما جرحه لو كان، فمن جهة ضعف ضبطه، وذلك من أجل صغره.\nومن الدليل على هذا أن ابن معين قال في (قبيصة): \" قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في سفيان؛ فإنه سمع وهو صغير \" (١)، وروى عنه عباس الدوري قوله: \" قبيصة وأبو أحمد الزبيري ويحيى بن آدم والفريابي، سماعهم من سفيان قريبٌ من السواء \" قال عباس: قلت له: فأبو داود الحَفري؟ قال: كان أبو داود خيرًا من هؤلاء كلهم، وكان أصغرهم سِنًّا (٢).\nقلت: أبو داود هذا هو عُمر بن سعدٍ، رجحه ابنُ معين على قبيصة ومن معه في سفيان، وعده في رواية الدارمي عنه من ثقات أصحاب سفيان (٣)، مع أنه كان أصغر سنًا من قبيصة ومن معه.\nفمن جرى على غمز بعض الرواة بمجرد كونهم حملوا عن بعض شيوخهم في الصغر، لا يعتد بذلك كقادح في حديثهم، حتى يثبت أنهم لم يكونوا ضابطين:\nومن أمثلة ما لا يقبل:\n١ - ما حكاه نعيم بن حماد ن قال: سمعت ابن عيينة يقول: \" لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن \"، قيل لنعيم: لم؟ قال \" لأنه كان صغيرًا \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٤٧٤) عن \" تاريخ \" ابن أبي خيثمة عن يحيى.\n(٢) تاريخ يحيى ابن معين (النص: ١٧٧٢).\n(٣) تاريخ عثمان الدارمي (النص: ٩٧).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٤٣) و\" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ٥٦) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٠٣) وإسناده صحيح إلى نعيم، أما هو فصالحُ الأمر في مثل هذا.","vol":"1","page":275},{"text":"قلت: إن كان مراد ابن عيينة ما فسر به نعيم من الصغر، فإنه في التحقيق ضعيف؛ لأسباب ثلاثة:\nأولها: أن بعض من حكي عنه غمز روايته عن الحسن لم يذكر أحد منهم الصغر، وفيهم بعض أقرانه، وهم أعلم، ولو كانت العلة من قبل الصغر لسبقوا إلى ذكرها.\nوثانيها: أنه ثبت عن هشام قوله: \" جاورت الحسن عشر سنين \" (١).\nقلت: وهذا دليل مساعد يثبت سماعه في الجملة من الحسن.\nوثالثها: أن ابن عيينة نفسه قد سمع وهو صغير من جماعة، كالزهري وعمرو بن دينار وابن أبي نجيح، واحتج الناس بحديثه عنهم، فيكف يصح له الجرح بالرواية لمجرد الصغر؟\nوالذي ظهر لي أن مراد ابن عيينة غير ذلك، وهو أن هشامًا كان يدلس عن الحسن، وهي مظنة واردة على كل ما لا يذكر فيه السماع الصريح من الحسن.\nقال علي من المديني: \" حديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب \" (٢).\nقلت: وحوشب هذا هو ابن مسلم الثقفي من كبار أصحاب الحسن، وكان ثقة (٣)، فلو دلسه هشام فيما يرويه عن الحسن بالعنعنة، فلا يقدح ذلك في ثبوت روايته عنه.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ٥٦) وإسناده صحيح.\n(٢) العلل، لابن المديني (ص: ٦٣)، وعنه: في الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٥٥).\n(٣) انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٧٠) وتاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٢٦١) وسؤالات الآجري لأبي داود (النص: ٧٣٧) والجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٨١) والثقات لابن حبان (٦/ ٢٤٣).","vol":"1","page":276},{"text":"لكن المقصود هنا تفسير مراد ابن عيينة، وهو هذا في الأصح.\nوقد حكى نعيم نفسه عن ابن عيينة أيضًا، قال: \" كان هشام أعلم بحديث الحسن من عمرو بن دينار؛ لأن عمرو بن دينار لم يسمع من الحسن إلا بعد ما كبر \" (١).\n٢ - قول يحيى بن معين في (أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي ألاسود): \" ما أرى به بأسًا، ولكنه سمع من أبي عوانة (٢) وهو صغير، وقد كان يطلب الحديث \" (٣).\nقلت: أبو بكر هذا ثقة حافظ، فغمزه ابن معين بغير مغمز، وإلا فأين ما رواه عن أبي عوانة ولم يضبطه؟\n٣ - وقول الحافظ محمد بن مسلم بن وارة في (عمرو بن هشام البيروتي): \" كتبت عنه، كان قليل الحديث \"، قيل له: ما حاله؟ قال: \" ليس بذاك، كان صغيرًا حين كتب عن الأوزاعي \" (٤).\nقلت: هو صدوق، قال فيه ابن عدي: \" ليس به بأس \" (٥)، وما قاله ابن وارة تليين، وإنما يكون اللين من جهة الضبط، ومجرد الصغر كما تقدم لا ينافي الضبط.\nأما بعد عصر التدوين، ومصير الناس إلى رواية الكتب والأجزاء، فإن المتأخرين سهلوا في السماع في الصغر حتى بالغوا فيه.\nومن أقدم ذلك سماع إسحاق بن إبراهيم الدبري من عبد الرزاق\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ٥٤ - ٥٥) وإسناده صحيح إلى نعيم.\n(٢) الوضَّاح بن عبد الله.\n(٣) معرفة الرجال، رواية: ابن محرز (١/ ٩٠).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٦٨).\n(٥) ذكر ذلك في ترجمة (سليمان بن أبي كريمة) (٤/ ٢٥٠).","vol":"1","page":277},{"text":"الصنعاني كتبه، كـ\" المصنف \"، و\" التفسير \"، وكان صغيرًا، قال الحافظ إبراهيم الحربي: \" مات عبد الرزاق، وللدبري ست سنين أو سبع سنين \" (١).\nوقال ابن عدي: \" استصغر في عبد الرزاق، أحضره أبوه عنده وهو صغير جدًا، فكان يقول: (قرأنا على عبد الرزاق) أي قرأ غيره وحضر صغيرًا، وحدث عنه بحديث منكر \" (٢).\nقلت: والحمل في تلك النكارة على غيره، إذ في الإسناد مجروح (٣).\nثم إن وجد في تلك الكتب شيء، فينبغي أن يؤخذ فيها على عبد الرزاق، خلافًا لبعض أئمة الحديث، وذلك من أجل أنه اختلط بأخرة (٤)، سوى بعض التصحيف مما أخذ على الدبري، وليس بضاره في أصل سماعه، فإنه في الجملة سماع صحيح؛ لذلك اعتمد من جاء من بعد على ما رواه من كتب عبد الرزاق.\n\n* * *\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١١٦) بإسناد صحيح.\n(٢) الكامل (١/ ٥٦٠) و\" سِير أعلام النبلاء \" للذهبي (١٣/ ٤١٧).\n(٣) وقال الذهبي: \" لعلَّ النكارة من شيخه، فإنه أضرَّ بأخرةٍ \" (سير أعلام النبلاء ١٣/ ٤١٧).\nقلت: بل في الإسناد عبدُ الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف.\n(٤) قال الحافظ ابن الصلاح في \" علوم الحديث \" (ص: ٣٩٦): \" قد وَجدت فيما رُوي عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق أحاديث استنكرها جِدًا، فأحلْتُ أمرها على ذلك، فإن سماع الدبري منه مُتأخرٌ جِدًا \".","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث السابع:\n\nحكم الرواية بالمعنى</span>\n\nاختلف المتقدمون في شأن جواز رواية الحديث بالمعنى على مذهبين مشهورين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المذهب الأول: جواز الرواية بالمعنى</span>\nوثبتت الرواية به عن أكثر الأئمة من السلف، منهم: واثلة بن الأسقع من أصحاب النبي ﷺ، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد المكي، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي، وعمرو بن دينار، والزهري، وجعفر الصادق، والشافعي، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، ووكيع بن الجراح، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.\nوروي عن عبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، ولم بثبت عنهم.\nوروي مرفوعًا في جواز الرواية بالمعنى أحاديث عن النبي ﷺ: عن واثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عمرو، وسليمان بن أكيمة الليثي، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، ورجل من الصحابة، ولا يثبت منها شيء، وليس فيها ما تتقوى به (١).\n_________\n(١) كما شرحت ذلك في \" تنقيح النقول من نوادر الأصول \" (رقم: ٩٨ - ١٠١).","vol":"1","page":279},{"text":"ومن دليل أصحاب هذا المذهب:\nما جاء عن يحيى بن سعيد القطان، قال: \" أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ؛ لأن القرآن أعظم حرمة، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحدًا \" (١).\nوقال الرامهرمزي: \" ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب: أن الله تعالى قد قص من أنباء ما قد سبق قصصًا، كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان، وغير ذلك \" (٢).\nكذلك قال الخطيب: \" اتفاق الأمة على أن للعالم بمعنى خبر النبي ﷺ، وللسامع بقوله، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه، وغير اللغة العربية، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله، سيِّما إذا كانوا السفير يعرف اللغتين، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو يعرف الخطاب بذلك اللسان؛ لأنه لا يأمن الغلط وقصد التحريف على الترجمان، فيجب أن يرويه بنفسه.\nوإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه وامتثال موجبه، دون إيراد نفس لفظه وصورته.\nوعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه، والعلم بأحكامه.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (٣١٦) وإسناده جيد. كما روى معناه من وجهٍ آخر.\n(٢) المحدث الفاصل (ص: ٥٣٠)، وذكر أن مثل هذا الاستدلال قد حُكي عن الحسن البصري، وساقه، لكن في إسناده نظرٌ.","vol":"1","page":280},{"text":"ويدل على ذلك: أنه إنما ينكر الكذب والتحريف على رسول الله ﷺ، وتغيير معنى اللفظ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك، كان مخبرًا بالمعنى المقصود من اللفظ وصادقًا على الرسول الله ﷺ \" (١).\nوابن حزم يعيد ما يكون من اختلاف الألفاظ في بعض الروايات إلى سبب آخر، فيقول: \" ليس اختلاف الروايات عيبًا في الحديث إذا كان المعنى واحدًا؛ لأن النبي ﷺ صح عنه أنه إذا كان يحدث بحديث، كرره ثلاث مرات، فنقل كل إنسان بحسب ما سمع، فليس هذا الاختلاف في الروايات مما يوهن الحديث إذا كان المعنى واحدًا \" (٢).\nقلت: لكن هذا الاستدلال ضعيف لما يقع من الاختلاف في الرواية المتحدة المخرج عن النبي ﷺ، كما هو الشأن في الحديث الذي قصده ابن حزم بهذا التنبيه، فإنه حديث واحد، مخرجه رواية أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ، وعنه ابنه أبو بردة، وعنه بريد بن عبد الله، ووقع في روايات الرواة عنه اختلاف في بعض الألفاظ، فهذا لا يحسن الاستدلال لمثله بمثل ما صنع ابن حزم.\nوأحسبه ألجأه إلى ذلك تشديده في منع رواية الحديث بالمعنى أصلًا، فإنه قال: \" من حدث وأسند القول إلى النبي ﷺ، وقصد التبليغ لما بلغه عن النبي ﷺ، فلا يحل له إلا أن يتحرى الألفاظ كما سمعها، لا يبدل حرفًا مكان آخر، وإن كان معناهما واحدًا، ولا يقدم حرفًا ولا يؤخر آخر \" (٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-112>المذهب الثاني: التمسك باللفظ</span>\nوثبتت الرواية به عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، والقاسم بن محمد، ومحمد بن سيرين، ورجاء بن حيوة، وأبي معمر\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٣٠٣ - ٣٠٤).\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٣٩).\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":281},{"text":"الأزدي، وعبد الله بن طاوس، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم.\nوأصله من السنة حديثان صحيحان:\nالأول: عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \" نضر (١) الله امرأً سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع \" (٢).\n_________\n(١) بالتخفيف أصح.\nقال الرامهرمزي: \" قوله ﷺ: نضَر الله امرأً، مُخففٌ، وأكثر المحدثين يقوله بالتثقيل إلا من ضبط منهم، والصواب التخفيف، ويحتمل معناه وجْهين: أحدهما: يكون في معنى ألبسه الله النضرة، وهي الحُسنُ وخلوصُ اللون، فيكون تقديره: جمَّله الله وزينه.\nوالوجه الثاني: أن يكون في معنى أوْصله الله إلى نضرة الجنة، وهي نِعمتها ونضارتها \" ثم استدل لذلك (المحدث الفاصل، ص: ١٦٧)، وانظُر كذلك: تَصحيفات المحدثين، لأبي أحمد العَسكري (١/ ٣٥٨).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (رقم: ٢٦٥٧) وأبو يعلى (٩/ ١٩٨ رقم: ٥٢٩٦) والبزار (٥/ ٣٨٢ رقم: ٢٠١٤) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٩، ١٠) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ١٦٦) والهيثم الشاشي في \" مسنده \" (رقم: ٢٧٦) وابن حبان (رقم: ٦٦، ٦٨) وأبو عمرو المديني في \" جزء حديث: نضَر الله امرأ سمع مقالتي \" (رقم: ١، ٢) والخليلي في \" الإرشاد \" (٢/ ٦٩٨ - ٦٩٩) من طُرق عِدة عن سِماك بن حربٍ، قال: سمعت عبدَ الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، به. رواه عن سماك من الثقات: شُعبة بن الحجاج، وعلي بن صالح، وحماد بن سلمة، وإسرائيل بن يونس، وعمرْو بن أبي قيس.\nوسماك صدوق جيد الحديث في غير روايته عن عكرمة مولى ابنِ عباس.\nتابعه عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، به.\n\nأخرجه البزار (٥/ ٣٨٥ رقم: ٢٠١٩) وابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ٢٢٣) من طريقين عن مِهران بن أبي عُمر، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الملك.\nقلت: وهذه طريقٌ حسنة، طريق البزار عن مِهران صحيح، ومِهران صدوق فيه لين، ومن فوقه ثقات، وإن كانَ قد أغرب بهذا عن إسماعيل بن أبي خالد.\nورواه إسحاق بن منصور السلولي عن هُريم بن سفيان، وجعفرِ بن زياد الأحمر، كلاهما عن عبد الملك، به.\nأخرجه الطبراني في \" الأوسط \" (٢/ ١٧٩ - ١٨٠ رقم: ١٣٢٦ وفي سنده سقط) والسهمي في \" تاريخ جُرجان \" (ص: ١٩٩ - ٢٠٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٦٧).\nكما أخرجه مُقتصرًا على (هُريم) فقط: البيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٢٣) من طريق إسحاق بن منصور، وابن جُميع في \" مُعجمه \" (ص: ٣١٥) من طريق يحيى بن أبي بُكير، كلاهما عن هُريم.\nقلت: وإسناده صحيح، هريم وجعفرٌ ثقتان.\nوقد قال الترمذي: \" حديث حسنٌ صحيح \".","vol":"1","page":282},{"text":"وهذا المعنى مروي عن النبي ﷺ من وجوه.\nومما يتعلق به منا أيضًا في هذا الباب مما ثبت إسناده:\nحديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \" نضر الله امرأً سمع قولي، ثم لم يزد فيه \" وذكر سائر الحديث (١).\nوالحديث الثاني: عن البراء بن عازب، قال: قال النبي ﷺ:\n\" إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهم آخر ما تتكلم به \".\nقال: فرددتها على النبي ﷺ، فلما بلغت: \" اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت \" قلت: ورسولك، قال: \" لا، ونبيك الذي أرسلت \" (٢).\n_________\n(١) حديث حسنٌ.\nأخرجه أبو عمْرو المديني في \" جزئه في هذا الحديث \" والحاكم في \" المدخل إلى الصحيح \" (ص: ٨٥ - ٨٦) وفي إسناده تحريف) وابن عبد البر في \" جامع بيان العلم \" (رقم: ١٩٩) من طُرقِ عن عبد الجبار بن عاصم، قال: حدثنا هانئ بن عبد الرحمن بن أبي عبلةَ، عن إبراهيم بن أبي عبلةَ، حدثني عقبة بن وَساج، عن أنس، به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، رجاله غيرُ هانئ ثقات، أما هوَ فلا بأس به.\n(٢) حديث صحيح. مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٤٤، ٥٩٥٢) ومُسلم (رقم: ٢٧١٠) من طريق سعْد بن عبيدة، حدثني البراء، به. ورواه غيره عن البراء.","vol":"1","page":283},{"text":"تحرير القول في دلالة هذين الحديثين:\nأجاب الرامهرمزي بقوله: \" قوله: (فأداها كما سمعها) فالمراد منه حكمها لا لفظها، لأن اللفظ غير معتبر به، ويدلك على أن المراد من الخطاب حكمه قوله: (فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) \" (١).\nوأقول: كذلك فإن هذا في حق من لم يكن بفقيه، فهو إذا روى بالمعنى فربما حرف فيه، وشرط جواز الرواية بالمعنى: أن يكون عالما ً بما رواه بالمعنى.\nثم إن هذا الحديث نفسه قد نقله الناقلون الثقات فاختلفوا في لفظه، واتفقوا في معناه، فذلك في نفسه دليل على صحة الرواية بالمعنى، ومبطل للاستدلال به على منع ذلك بإطلاق (٢).\nوأما رده ﵇ الرجل من قوله: (برسولك) إلى قوله: (وبنبيك)، فإن النبي أمدح، ولكل نعت من هذين النعتين موضع، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة، واسم النبي لا يستحقه إلا الأنبياء ﵈؟ وإنما فضل المرسلون من الأنبياء؛ لأنهم جمعوا النبوة والرسالة جميعًا، فلما قال: (وبنبيك الذي أرسلت) جاء بالنعت الأمدح، وقيده بالرسالة بقوله: (الذي أرسلت). وبيان آخر: أن النبي ﷺ كان هو المعلم للرجل الدعاء، وإنما القول في اتباع اللفظ إذا كان المتكلم حاكيًا لكلام\n_________\n(١) هذا السياق الذي علَّق عليه الرامهرمزي للحديث، جاءَ من رواية أبي الحويْرث عبْد الرحمن بن معاوية، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن النبي ﷺ، أنه قال: \" نضر الله امرأً سمع مقالتي، فحفظها، فأداها كما سمعها، فرُب حامل فِقه إلى من هو أفقه منه، وربَّ حاملِ فقه غيرُ فقيه \". أخرجه البزار (٨/ ٣٤٢ رقم: ٣٤١٦) وإسناده حسن. وهو مُخرَّجٌ في غير موضعٍ نحوه، كما رواه كذلك غيرُ أبي الحويرث عن مُحمد بن جبير.\n(٢) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ٣٠٥).","vol":"1","page":284},{"text":"غيره، فقد ثبت أن النبي ﷺ نقل الرجل من قوله: (وبرسولك) إلى قوله: (وبنبيك) ليجمع بين النبوة والرسالة، ومستقبح في الكلام أن يقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله)، و(هذا قتيل زيد الذي قتله)؛ لأنك تجتزئ بقولك: (رسول فلان) و(قتيل فلان) عن إعادة اسم المرسل والقاتل، إذ كنت لا تفيد به إلا المعنى الأول، وإنما يحسن أن تقول: (هذا رسول عبد الله الذي أرسله إلى عمرو)، و(هذا قتيل زيد الذي قتله بالأمس) أو: (في وقعة كذا) \" (١).\nقلت: وهذا الجواب محقق للغرض في الإبانة عن دلالة هذين الخبرين، وليس فيهما مقابلة لما استدل به الجمهور على الجواز.\nثم إن جميع المنقول عمن ذهب هذا المذهب من السلف ليس فيه قول واحد مقتضاه المنع للرواية بالمعنى، وإنما على معنى الاجتهاد في الإتيان بالحديث على لفظه ما أمكن، وهذا مقصد لم يتجاوزه المجوزون، بل المعروف عنهم الاجتهاد في الألفاظ، لكن للمشقة سهلوا أن يؤدى الحديث على المعنى، وليس ذلك عندهم بإطلاق، وإنما بشرط أن يكون مؤديه على هذا الوجه فقيها ً عالمًا بما يحيل المعاني، لئلاَّ يقع في الكذب على النبي ﷺ.\nفالأصل الذي لا يختلف فيه: أن يؤديه بلفظه، وهذا بلا ريبة أبرأ للذمة، وأنفع للأمة، وأبعد عن التهمة.\nكما قال عمر بن الخطاب، ﵁: \" من سمع حديثًا، فحدث به كما سمع، فقد سلم \" (٢).\n_________\n(١) المحدث الفاصل (ص: ٥٣١ - ٥٣٢)، ومعناه في \" الكفاية \" (ص: ٣٠٦).\n(٢) أثرٌ صالح. أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٩) والرامهرمزي (ص: ٥٣٨) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٦٧) وإسناده صحيح، فيه الرديني بن أبي مجلز وهو شيخ ليس بالمشهور، وسائر الإسناد إما ثقةٌ وإما صدوقٌ.","vol":"1","page":285},{"text":"والأداء باللفظ محقق لصاحبه ثواب دعاء النبي ﷺ الوارد في الحديث المتقدم.\nلكن ذلك لا يتجاوز درجة الاستحباب، وقد كان محمد بن سيرين من أشد من كان يبالغ في الألفاظ، ومع ذلك كان يقول: \" كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد \" (١).\nفلم يمنعه تشدده في أداء الحديث بلفظه الذي سمع، أن يكون سمعه ممن فوقه على المعنى.\nوحيث إن العبرة في نصوص السنة ما تدل عليه من الأحكام والشرائع، فإن الأداء للحديث بمعناه عند مشقة الإتيان بلفظه، محقق للغرض، ما دام المعنى صحيحًا موافقًا لدلالة أصل لفظه.\nنعم، الرواية بالمعنى استعمال الراوي لاجتهاده في الألفاظ في سياقه الحديث، وهذا قد يقع له فيه الغلط، ولذا، فإن من صور العلل الواردة على الأحاديث النبوية: التعليل بالخطأ بسبب الرواية بالمعنى.\n\nوتتفرع عن هذا المبحث<span data-type=\"title\" id=toc-114> مسائل:</span>\nالمسألة الأولى: هل يجوز اختصار الحديث؟\nعن عبد الله بن المبارك، قال: \" علَّمنا سفيان اختصار الحديث \" (٢).\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣٢٧، ٤٥١، رقم ٢٠٦٧٢، ٢٠٩٧٧) ومن طريقه: ابن سعد (٧/ ١٩٤) والترمذي في (العلل) في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٣٩) ويعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٦٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣١١) وابن عبد البر في \" بيان العلم \" (رقم: ٤٦٤، ٤٦٥) - أخبرنا مَعْمرٌ، عن أيوب، عن ابن سيرين، به. قلت: هذا إسناد صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٣٤) من طريق الواقدي، حدثنا مَعمر، به.\n(٢) أخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٤٣) من طريق ابن عائشة عن ابن المبارك، به. وفي إسناده شيخ الرامهرمزي وهُو أبوه لم أقف على بيان أمْره.","vol":"1","page":286},{"text":"وذهب بعض أئمة الحديث إلى المنع من ذلك.\nقال يحيى بن آدم: \" ما رأيت أحدًا يختصر الحديث إلا وهو يخطئ، إلا ابن عيينة \" (١).\nوقال العباس بن محمد الدوري: سئل أبو عاصم النبيل: يكره الاختصار في الحديث؟ قال: \" نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى \" (٢).\nقال الخطيب وقد ذكر اختلافًا لأهل العلم بالحديث في ذلك جوازًا ومنعًا: \" الذي نختاره في ذلك: أنه إن كان فيما حذف من الخبر معرفة حكم وشرط وأمر لا يتم التعبد والمراد بالخبر إلا بروايته على وجهه، فإنه يجب نقله على تمامه، ويحرم حذفه؛ لأن القصد بالخبر لا يتم إلا به، فلا فرق بين أن يكون ذلك تركًا لنقل العبادة، كنقل بعض أفعال الصلاة، أو تركًا لنقل فرض آخر هو الشرط في صحة العبادة، كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها، وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال: لا يحل اختصار الحديث \" (٣).\nثم بين الخطيب بما لا مزيد عليه الصورة التي يجوز معها الاختصار للحديث، أو تقطيعه، بما يجمع بين مذاهب العلماء ويجري على المعقول الصحيح، فقال:\n\" فإن كان المتروك من الخبر متضمنًا لعبارة أخرى، وأمرًا لا تعلق له بمتضمن البعض الذي رواه، ولا شرطًا فيه؛ جاز للمحدث رواية الحديث على النقصان، وحذف بعضه، وقام ذلك مقام خبرين متضمنين عبارتين منفصلتين وسيرتين وقضيتين لا تعلق لإحداهما بالأخرى، فكما يجوز لسامع الخبر فيما تضمنه مقام الخبرين اللذين هذه حالهما رواية أحدهما دون\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي خيثمة في (أخبار المكيين) من \" تاريخه \" (ص: ٣٨٢) بإسناد صالح.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٩١) وإسناده صحيح.\n(٣) الكفاية (ص: ٢٩٠).","vol":"1","page":287},{"text":"الآخر، فكذلك يجوز لسامع الخبر فيما تضمنه مقام الخبرين المنفصلين رواية بعضه دون بعض \" (١).\nقال الخطيب: \" وإن كان النقصان من الحديث شيئًا لا يتغير به المعنى، كحذف بعض الحروف والألفاظ، والراوي عالم واع محصل لما يغير المعنى وما لا يغيره من الزيادة والنقصان، فإن ذلك سائغ له على قول من أجاز الرواية على المعنى، دون من لم يجز ذلك \" (٢).\nوفي اختلاف الفقهاء مسائل عديدة، يعود سبب اختلافهم فيها إلى اختلاف روايات الحديث اختصارًا وإتمامًا، فيستدل كل فريق بما وقع له من الرواية، والواجب في هذا أن تعاد الرواية المختصرة للمطولة التامة، لتفسر ما أبهم منها.\n\nالمسألة الثانية: تقطيع متن الحديث من أجل تفريقه في الأبواب:\nإذا كان المتن متضمنًا لما يمكن أن يستقل عن غيره مما جاء في نفس سياقه، فلا حرج في فصل الجزء المستقل منه ليوضع فيما يناسبه من بابه، فإن السورة من القرآن تستل الآية منها للاستدلال بها في الباب من الأبواب، وكذلك ينبغي أن يكون الحديث، إذا صح وجود معنى الاستقلال للجزء المقطوع منه.\nوقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري: سألت أبا عبد الله (يعني أحمد) عن الرجل يسمع الحديث، وهو إسناد واحد، فيقطعه ثلاثة أحاديث؟ قال: \" لا يلزمه كذب، وينبغي أن يحدث بالحديث كما سمع، ولا يغيره \" (٣).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٢٩٢).\n(٢) الكفاية (ص: ٢٩٣).\n(٣) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٦٦).","vol":"1","page":288},{"text":"قلت: ولا ريب أن اعتبار هذا المعنى الذي ذكره أحمد إنما هو عند أداء الحديث من قبل الراوي، أما الاستدلال منه بقصد الاستدلال فالفسحة فيه أظهر.\nوالواقع التطبيقي في مصنفات الحديث، خصوصًا تلك التي اعتنت بالأبواب، كثرة وقوع ذلك فيها، و(صحيح البخاري) من أكثرها استعمالًا لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المسألة الثالثة: إحالة الرواية على سياق مذكور:</span>\nالمقصود به: أن يسوق مخرج الخبر حديثًا بإسناده ومتنه، ثم يخرج بعده متابعة أو شاهدًا، فلا يسوق اللفظ، ويقول بعد الفراغ من الإسناد مثلًا: (مثله) أو (نحوه)، يحيل على اللفظ المتقدم.\nوهذا لا حرج فيه، ويكثر عند أهل الحديث استعماله، لكن يجب الاحتياط في حكاية لفْظ الرواية المحالة.\nقال الحاكم: \" مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثًا وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر: أن يُفرَّق بين أن يقول: (مثله)، (أو نحوه)، فإنه لا يَحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يقف على المتنين جميعًا، فيعلم أنهما على لفظٍ واحد، وإذا لم يُميز ذلك، جاز أن يقول: (نحوه)، فإذا قال: (نحوه) بين أنه مثل معانيه \" (١).\nويتفرغ عن هذه المسألة: هل يصح سياق نفس المتن المذكور للرواية الأولى للإسناد الثاني؟\nالجواب: اختلف في ذلك المتقدمون، فوسع فيه سفيان الثوري في (مثله) و(نحوه)، ووافقه النقل عن يحيى بن معين في (مثله) خاصة، ومنع شعبه بن الحجاج من ذلك فيهما (٢).\n_________\n(١) سؤالات مسْعود السجزي للحاكم (النص: ١٢٣، ٣٢٢).\n(٢) خرَّج الروايات بذلك عنهم الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣١٩، ٣٢٠) بأسانيد صحيحة. وكذلك النقل عن ابن معين موجود في \" تاريخه \" (النص: ٢٢٦٤).","vol":"1","page":289},{"text":"والاحتياط فيه أولى، وذلك بأن يقول مثلًا: (مثل حديث قبله متنه كذا وكذا) أو (نحو حديث قبله متنه كذا وكذا)، وهو اختيار الخطيب.\nومما يقويه ما ذكر هـ ابن حجر عن صنيع مسلم في \" صحيحه \" إذا قال: (مثله)، وقد كان من أدق الناس في تمييز الألفاظ: \" الذي يظهر أن مسلمًا لا يقصر لفظ المثل على المساوي في جميع اللفظ والترتيب، بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى \" (١).\nوفي باب الاعتبار، لا مانع من الاعتبار بالإسناد الثاني في تقوية الأول، اعتمادًا على المحدث فيما ادعاه من المثلية أو النحوية، وإن كان الأولى الاجتهاد للوقوف على متن ذلك الإسناد في مصادر السنن والأخبار.\n\n* * *\n_________\n(١) فتح الباري (٢/ ١٤٦).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>المبحث الثامن:\n\nمسائل متممة لركن الضبط</span>\n\nالمسألة الأولى: إصلاح الخطأ في السماع أو الكتاب هل ينافي الضبط؟\nقال أبو معمر عبد الله بن سخبرة الأزدي: \" إني لأسمع الحديث لحنًا، فألحن؛ اتباعًا لما سمعت \" (١).\nوقال إسماعيل بن أمية: \" كنا نرد نافعًا عن اللحن، فيأبى إلا الذي سمع \" (٢).\nوقال عيسى بن يونس: قال رجل للأعمش: إن كان ابن سيرين ليسمع الحديث فيه اللحن، فيحدث به على لحنه. فقال الأعمش: \" إن كان ابن سيرين يلحن، فإن النبي ﷺ لم يلحن \"، يقول: قومه (٣).\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه الدارمي (رقم: ٣٢٥) والرامهرمزي (ص: ٥٤٠) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٥٣) بإسناد رجاله ثقات، والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٨٥) بإسناد يعتبر به، ومعناه للخطيب كذلك من وجْهٍ آخر، لكن في إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني وليس بثقة، وأبو معْمر من ثقات التابعين من أصحاب ابن مسعود.\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ١٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٨٥ - ٢٨٦) و\" الجامع \" (رقم: ١٠٥٥) وإسناده صحيح. وكذلك معناه عندَ ابن أبي شيبة (٩/ ٥٦) بإسناد صحيح. ونافع: هو مولى عبد الله بن عمر.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٩٥، ٣٦٥) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":291},{"text":"وقال الأوزاعي: لا بأس بإصلاح الخطأ واللحن والتحريف في الحديث \" (١).\nوقال الأوزاعي أيضًا: \" أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عربًا \" (٢).\nوقال علي بن الحسن بن شقيق: قلت لعبد الله (يعني ابن المبارك): الرجل يسمع الحديث فيه اللحن، يقيمه؟ قال: \" نعم، كان القوم لا يلحنون \" (٣).\nوسئل أحمد بن حنبل: يجيء الحديث فيه اللحن وشيء فاحش، فترى أن يغير؟ أو يحدث به كما سمع؟ قال: \" يغيره - شديدًا _، إن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا يلحنون، إنما يجيء اللحن ممن هو دونهم، يغير - شديدًا (٤) - \" (٥).\nوقال عباس الدوري: قلت ليحيى (يعني ابن معين): ما تقول في الرجل يقوم للرجل حديثه، ينزع عنه اللحن؟ فقال: \" لا بأس به \" (٦).\nوسئل النسائي عن اللحن في الحديث؟ فقال: \" إن كان شيئًا تقوله العرب وإن كان في غير لغة قريش فلا يغير؛ لأن النبي ﷺ كان يكلم الناس\n_________\n(١) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٢٦٥) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٥٢٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٦٥) و\" الجامع \" (رقم: ١٠٦٠) وابن عبد البر في \" بيان العلم \" (رقم: ٤٥٧) بإسناد صحيح.\nورُوي عن عامر الشعبي نحو هذا، لكنه من طريق جابر الجُعفي عنه، وجابرٌ ليس بثقة.\n(٢) أخرجه أبو زرعة في \" تاريخه \" (١/ ٢٦٥) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٥٢٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٩٦) وابن عبد البر في \" بيان العلم \" (رقم: ٤٥٤، ٤٥٥) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٩٧) وإسناده صحيح.\n(٤) الأشْبه أن يكون هذا من قبيل الوصْف لتأكيد قول أحمد، أي قال: يُغير مُشددًا في ذلك، وعليه فهذه الكلمة في الموضعين من قول ابن هانئ ناقل هذا عن أحمد.\n(٥) مسائل أحمد بن حنبل، رواية ابن هانئ النسابوري (٢: ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(٦) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤١٩٥).","vol":"1","page":292},{"text":"بلسانهم، وإن كان ما لا يوجد في كلام العرب فرسول الله ﷺ لا يلحن \" (١).\nقال الحافظ الرامهرمزي: \" أما تغيير اللحن، فوجوبه ظاهر؛ لأن من اللحن ما يزيل المعنى ويغيره عن طريق حكمه، وكثير من رواة الحديث لا يضبطون الإعراب ولا يحسنونه، وربما حرفوا الكلام عن وجهه، ووضعوا الخطاب في غير موضعه، وليس يلزم من أخذ عن هذه الطائفة أن يحكي ألفاظهم إذا عرف وجه الصواب، إذا كان المراد من الحديث معلومًا ظاهرًا، ولفظ العرب به معروفًا فاشيًا، ألا ترى أن المحدث إذا قال: (لا يؤم المسافر المقيم) فنصب المسافر ورفع المقيم ..؛ كان قد أحال \" (٢).\nقلت: والقول بجواز نقل الحديث على المعنى بشروطه يصحح مذهب من قال: يغير اللحن، بل ينبغي أن يجوزه حتى من أوجب اتباع اللفظ؛ لما علل به أحمد والنسائي أن النبي ﷺ لم يكن يلحن، فالذي يوجبه اتباع اللفظ أن يصلح اللحن؛ ليأتي على وفاق لفظ النبي ﷺ.\nلكن قال القاضي عياض: \" حماية باب الإصلاح والتغيير أولى؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، ويتسلط عليه من لا يعلم \" وبين أنه يحكى كما جاء ويبين (٣).\nوقال: \" وأحسن ما يعتمد عليه في الإصلاح أن ترد تلك اللفظة المغيرة في أحاديث أخرى، فإن ذكرها، على الصواب في الحديث آمن أن يقول عن النبي ﷺ ما لم يقل بخلاف إذا كان إنما أصلحها بحكم علمه ومقتضى كلام العرب \" (٤).\n_________\n(١) الإلماع، للقاضي عِياض (ص: ١٨٣).\n(٢) المحدث الفاصل (ص: ٥٢٧).\n(٣) الإلماع (ص: ١٨٦ - ١٨٧).\n(٤) الإلماع (ص: ١٨٧).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المسألة الثانية: حكم رواية الضرير </span>من الكتاب.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي، قلت: ما تقول في سماع الضرير البصر؟ قال: \" إذا كان يحفظ من المحدث فلا بأس، وإذا لم يكن يحفظ فلا، قد كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي يرى أنه لم يحفظه يقول: في كتابنا، أو: في كتابي عن أبي إسحاق الشيباني، فلا يقول: حدثنا، ولا سمعت \". قلت: فالأمي؟ قال: \" هو كذلك بهذه المنزلة، إلا ما حفظ من المحدث \" (١).\nوقال أبو معاوية: \" ما سعت من الشيخ وحفظته عنه قلت: حدثنا، وما قرئ علي من الكتب قلت: ذكر فلان \" (٢).\nقال الخطيب: \" ونرى العلة التي لأجلها منعوا صحة السماع من الضرير والبصير الأمي، هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما \" (٣).\nقلت: وهذه العلة إذا انتفت بتحفظ الراوي واحتياطه المانع من هذه المظنة، فلا مانع في صحة الرواية عنه.\n\nالمسألة الثالثة: تساهل الرواة في الإتقان فيما بعد رأس سنة ثلاث مئة.\nقال الذهبي مبينًا شرطه في \" الميزان \": \" من قد تكلم فيه من المتأخرين لا أورد منهم إلا من قد تبين ضعفه واتضح أمره من الرواة؛ إذ العمدة في زماننا ليس على الرواة؛ بل على المحدثين والمقيدين، والذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لا بد من صون الراوي وستره. فالحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلاث مئة. ولو فتحت على نفسي تليين هذا الباب لما سلم معي إلا\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٨) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٧٩) وإسناده صحيح.\n(٣) الكفاية (ص: ٣٣٩).","vol":"1","page":294},{"text":"القليل، إذ الأكثر لا يدرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، إنما سمعوا في الصغر، واحتيج إلى علو سندهم في الكبر، فالعمدة على من قرأ لهم، وعلى من أثبت طباق السماع لهم \" (١).\nوفي ترجمة (أبي بكر بن خلاد) المتوفى سنة (٣٥٩) نقل الذهبي في \" السير \" توثيقه عن بعض النقاد، ونقل عن الخطيب قوله فيه: \" كان لا يعرف شيئًا من العلم، غير أن سماعه صحيح \"، ثم قال الذهبي: \" فمن هذا الوقت، بل وقبله، صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذي سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل، وترخصوا في تسميته بالثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسع المتأخرون \" (٢).\nقلت: وحيث تبين مرادهم فلا يوجب سوى الاحتياط في تحقيق هذا المراد، إذ العبرة بصحة نقل الكتب والأجزاء.\n\n* * *\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (١/ ٤).\n(٢) سير إعلام النبلاء (١٦/ ٦٩).","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث التاسع:\n\nأصول في تعديل الرواة</span>\n\nالأصل الأول: هل ترتفع الجهالة وتثبت العدالة بتزكية ناقد واحد للراوي، وكذلك الجرح؟\nعلمنا مما تقدم أن عدالة الراوي الموجبة لقبول حديثه هي التي تحقق فيها وصفان: العدالة الدينية، والضبط.\nوالطريق إلى العلم بها في شأن الرواة موقوف على تزكية العارفين بالنقلة، والقائمة عندهم على سلامة الراوي من القوادح في دينه، وذلك بالمشهور من سيرته وأخباره أو بناء على أصل السلامة، وعلى براءة رواياته من المخالفة والنكارة، فيحكمون بكون هذا الراوي (ثقة) مثلًا.\nهذا التعديل هل يكفي فيه قول ناقد واحد؟\nاختلفوا في إثبات عدالة الشاهد: فمن الفقهاء من أوجب اجتماع اثنين على تزكيتة، ومنهم من أجاز الاكتفاء بواحد، وجر بعضهم الخلاف إلى الراوي.\nوالتحقيق والذي عليه العمل: صحة الاكتفاء بتعديل واحد ثبتت له أهلية النقد للنقلة، ومن يصحح العمل بخبر الواحد، وهم الجميع في التحقيق، فيجب أن يصح على مذهبه قبول تزكية الواحد الكفؤ (١).\n_________\n(١) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ١٦٢)، البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين (١/ ٦٢٢).","vol":"1","page":296},{"text":"وكذلك الجرح، لا يطلب له غير كفاءة الناقد.\nولا فرق في هذا بين كون الراوي روى عنه جمع أو لم يرو عنه إلا واحد ثقة، على التحقيق، كما سيأتي في (الأصل الثالث)، فإن العلم بشخصه وثبوت عينه مع سلامة حديثه من الضعف كاف للناقد أن يحكم بثقته، ويعتمد في ذلك قوله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الأصل الثاني: هل يتوقف قبول التعديل على العلم بأسبابه</span>؟\nالتحقيق من مذاهب أهل العلم أن التعديل لا يطلب فيه الإبانة عن السبب؛ لأن أسباب الصلاح والضبط كثيرة يعسرها حدها، إذ هي خبرة به لا تقف عند صفة من صفاته لتذكر، بخلاف التجريح، فإن صفة واحدة قد تكون مؤثرة فيه قادحة.\nفإذا قال الناقد: (فلان ثقة) كان قوله واجب القبول بهذا الإطلاق، وهو على معنى ثبوت عدالة وضبط ذلك الراوي جميعًا.\nالأصل الثالث: الراوي إذا عرف شخصه من رواية ثقة واحد أو أكثر عنه، ولم يثبت عليه قادح في دينه، وسلم حديثه من المنكرات، فهو عدل ثقة يحتج بخبره.\nهذا الأصل في التحقيق منهج عامة المتقدمين من أئمة الحديث في قبول أحاديث النقلة.\nفإن الرجل إذا ارتفعت عندهم جهالة عينه، أجروا أمره على السلامة في الدين، ونظروا فيما روى، فحكموا عليه في إتقانه بحسب ما عرف من حديثه وما أنكر.\nووضوح هذا وشيوعه مستغن عن التدليل عليه بالمثال، فإنا نعلم بالضرورة أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأقرانهم وأتباعهم من تلامذتهم ومن قرب منهم ومن بعدهم، قد تكلموا في الرواة من التابعين","vol":"1","page":297},{"text":"وأتباعهم، ولم يدركوهم، ولم يبلغهم من أخبارهم في الغالب إلا تلك الأحاديث التي رويت عنهم من طرق الثقات، فحكموا على أولئك النقلة من خلال فحص مروياتهم، فمن سلم حديثه من النكارة وثقوه، أو حكموا عليه بوصف من أوصاف القبول، ومن ثبتت نكارة حديثه جرحوه بما يناسبه بحسب تلك النكارة.\nفحديث الراوي كان الطريق إلى تمييز حاله في الرواية.\nفإن أردت فهم ذلك منهم فتأمل جرحهم وتعديلهم للنقلة يتضح لك جليًا ما قلت، ومنهج الحافظ ابن عدي في \" كامله \" شرح لذلك المنهاج.\nوأما العدالة في النفس فكانت تجرى على أصل السلامة، كما تقدم، فالراوي إذا لم يأت عنه ما يقدح في عدالته في دينه فهو عدل (١).\nالأصل الرابع: من استقرت عدالته، وثبتت في الحديث إمامته، فهذا لا يشتغل في تتبع أمره؛ لم في ذلك من تحصيل ما هو حاصل، وإتعاب النفس بما ليس وراءه طائل.\nوهذا مثل الأئمة: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ولليث بن سعد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.\n_________\n(١) ورُوي عن الوَليد بن مسلم، عن عبد الله بن المبارك تفسير العدْل بمحضر سُفيان الثوري وغيره، قال: \" من رضيه أهل العلم فكتبوا عنه حديثه، فهو عدْلٌ جائز الشهادة \" فتبسم سُفيان الثوري. أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٩٣) وإسناده واهٍ؛ لكونه من رواية شيخ ابنِ عدي الحسن بن عثمان التستري، وهو متهم بالكذب. وهذا إن صحَّ فإنه يُثبت العدالة التي تُجيز الشهادة، فيبقى ذلك التعديل ناقصًا في شأن الرواية، ومُجرَّد كِتابة أهل العلم حديث الراوي لا يدلُّ على ثقته، فإنهم يكتبون حديث الراوي ليَعتبروا به، ويكتبونه ليميِّزوه.","vol":"1","page":298},{"text":"قال الخطيب: \" ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر، واستقامة الأمر، والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم، لا يسأل عن عدالتهم، وإنما يسأل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين \" (١).\nوذلك كالذي روى حنبل بن إسحاق قال: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وسئل عن إسحاق بن راهويه؟ فقال: \" مثل إسحاق يسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين (٢).\nوقال حمدان بن سهل البلخي: سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؟ فتبسم، وقال: \" مثلي يسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد يسأل عن الناس \" (٣).\nوقال أبو حاتم الرازي في (يزيد بن هارون): ثقةٌ إمام، صَدوق في الحديث، لا يُسأل عن مثلِه \" (٤).\nوقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان) وقد سئل عنه؟: \" هذا من التابعين، لا يسأل عنه \" (٥).\nقلت: كأنه يقول: له مقام كبير، ومكانة رفيعة، أغنت عن تتبع أمره والسؤال عنه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>الأصل الخامس: درجات العدول متفاوتة</span>.\nلا يقع التفاوت في تحقق ركن العدالة الدينية في الرواة، إذ هي إما عدالة وإما فسق، ولكن التفاوت يقع في تحقق الركن الثاني، وهو قوة\n_________\n(١) الكفاية في علم الرواية (ص: ١٤٧).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٤٧ - ١٤٨) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٤١٤) بإسناد صالح. وأبو عبيد هوَ القاسم بن سلاَّم.\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٩٥).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣١٢).","vol":"1","page":299},{"text":"الضبط، فإنه يتفاوت في نسبه بين النقلة، فهم درجات في القبول، ودرجات في الرد، فدرجات المجروحين يأتي بيانها في (تفسير الجرح).\nوأما درجات المقبولين فتنقسم في الجملة إلى منزلتين بحسب القسمة الاصطلاحية للحديث المقبول:\nالأولى: منزلة الحديث الصحيح.\nوالثانية: منزلة راوي الحديث الحسن.\nوالضبط الراجح شرط قبول حديث الراوي العدل، وهو كما لا يخفى مما يتفاوت فيه الناس.\nقال جرير بن عبد الحميد: لما ورد شعبة البصرة قالوا له: حدثنا عن ثقات أصحابك، فقال: \" إن حدثتكم عن ثقات أصحابي، فإنما أحدثكم عن نفر يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، ومنصور \" (١).\nقلت: فأراد شعبة أعلاهم في الثقة عنده، وإلا فإنه روى عن كثير من الثقات، ممن وثقهم هو نفسه.\nوقيل لعبد الرحمن بن مهدي: أبو خلدة (٢)، ثقة؟ فقال: \" كان صدوقًا، وكان مأمونًا، الثقة سفيان وشعبة \" (٣).\nقال الباجي: \" وإنما أراد عبد الرحمن بن مهدي، ﵀، التناهي في الإمامة، لو لم يوثق من أصحاب الحديث إلا من كان في درجة شعبة وسفيان الثوري لقل الثقات، ولبطل معظم الآثار \".\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٣٨، ١٣٩، ١٤٤) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٥٤) وإسناده صحيح.\n(٢) هو خالد بن دينار\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٦٠) و\" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٧) وابن عدي (١/ ٢٦٤) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٤٩) والحاكم في \" المدخل إلى الصحيح \" (ص: ١١٣ - ١١٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٩ - ٦٠) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":300},{"text":"وقال في شأن أبي خلدة: \" عبد الرحمن لم يرد أن يبلغه مبلغ غيره ممن هو أتقن منه وأحفظ وأثبت، وذهب إلى أن يبين أن درجته دون ذلك؛ ولذلك قال: كان خيارًا، كان صدوقًا، وهذا معنى الثقة إذا جمع الصدق والخير مع الإسلام \" (١).\nوشبيه يقول ابن مهدي هذا: قول أحمد بن حنبل وقد سئل عن عقيل بن خالد ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة من أصحاب الزهري: \" ما فيهم إلا ثقة \" قال المروذي: وجعل يقول: \" تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة وسفيان حجة، ومالك حجة \"، قلت: ويحيى؟ قال: \" يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتًا \".\nوقال المروذي: قلت (يعني لأحمد بن حنبل): عبد الوهاب (يعني ابن عطاء) ثقة؟ قال: \" تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان \" (٢).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجة، فقلت له محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: \" كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز \" (٣).\nقال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيبًا؟ قال: \" لا، ولكنه كان ثقة \" (٤).\nومن هذا قول أبي حاتم الرازي في (محمد بن مسلم بن تدرس أبي الزبير المكي): \" روى عنه الناس \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" إنما يحتج بحديث الثقات \" (٥).\n_________\n(١) التعديل والتجريح، للباجي (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، رواية المروذي (النص: ٤٨).\n(٣) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٠ - ٤٦١).\n(٤) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٢).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٧٦).","vol":"1","page":301},{"text":"وقال في (محبوب بن محرز القواريري): \" يكتب حديثه \"، فقيل له: يحتج بحديثه؟ فقال: \" يحتج بحديث سفيان وشعبة \" (١).\nوإنما أراد أبو حاتم الدرجة العليا في الإتقان.\nفدلت هذه الآثار أن العدول درجات، كلهم مقبول من أجل ثبوت عدالته وضبطه في الجملة، ولكن فائدة تمييز ذلك: الترجيح بينهم عند تعارض الروايات واختلافها في الأسانيد والمتون.\nوهذا طريق معتمد عند أئمة النقاد في علم (علل الحديث) يرجحون بتفاوت حفظ الثقات.\nوأما الثقة المطلقة فلا توجد لأحد من الرواة، إلا أن يقال: (فلان من أوثق الناس) أو (من أثبت الناس)، وليست هذه ثقة مطلقة.\nوسبب امتناع هذا أنه لا يعرف أحد من الرواة سلم من الغلط، فمن أوثق الناس شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري ومالك بن أنس، لكن ما سلم أحد منهم من خطأ يسير يؤخذ عليه.\nفإن قارنت بغيرهم نازعهم من يقرب منهم في الضبط في أعيان شيوخهم، كشعبة والثوري في الأعمش، وكمنازعة بعض الثقات من أصحاب الزهري لمالك فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الأصل السادس: هل رواية الثقة عن رجل تعديل له</span>؟\nهذه المسألة مما اختلف فيه أهل العلم على ما يمكن حصره في أربعة أقوال:\nالقول الأول: رواية الثقة عن رجل بمجردها تعديل له، وهو محكي عن الحنفية (٢).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٨٨).\n(٢) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٨٠).","vol":"1","page":302},{"text":"والقول الثاني: رواية الثقة عن رجل ليست تعديلًا له بمجردها، وهذا معروف لطائفة كبيرة من أئمة الحديث.\nقال الترمذي: \" لا يغتر برواية الثقات عن الناس \" (١).\nوقال الخطيب: \" احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له: بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحًا لذكره. وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلًا ولا خبرًا عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها، كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذهب؟ \".\nثم مثل لذلك بأمثلة، منها:\n١ - قول عامر الشعبي في (الحارث الأعور): \" حدثني الحارث وكان كذابًا \" (٢). وفي لفظ: \" حدثني الحارث، وأشْهد أنه أحد الكذابين \" (٣).\n٢ - وقال عثمان بن أبي صفوان الثقفي: سمعت سفيان الثوري يقول: \" حدثنا ثوير بن أبي فاختة، وكان من أركان الكذب \" (٤).\n_________\n(١) العلل الصغير، في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٣٥).\n(٢) أخرجه البُخاري في \" التاريخ الأوسط \" (١/ ٢٨٢) - ومن طريقه: ابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ٤٤٩) - وأبو زُرعة الرازي (٢/ ٥٨٧ - أسئلة البرذعي) ومسلم في \" مقدمة صحيحه \" (١/ ١٩) ويعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ١١٦ - ١١٧) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥١) - والرامهرمزي (ص: ٤١٨) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٢٠٨) والخليلي في \" الإرشاد \" (٢/ ٥٥٢) (١/ ٢٠٨) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٩٩٠، ١١٤٨) - ومن طريقه: ابنُ عدي في \" الكامل \" (٢/ ٤٤٩) - ومُسلمٌ في \" مُقدمة صحيحه \" (١/ ١٩) وابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٧٨) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٢٠٨) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥١) بإسناد صحيح إلى عثمان هذا، ولم أقف فيه على جرح أو تعديل، وذُكر برواية ابنه عنه.","vol":"1","page":303},{"text":"٣ - وقال يزيد بن هارون: \" حدثنا أبو روح، وكان مجنونًا، وكان يعالج المجانين، وكان كذابًا (١).\nكما استدل الخطيب لما ذهب إليه بقول شعبة بن الحجاج: \" لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثين \" (٢).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \" ليس كل من يحدث عنه سفيان كان ثقة \" (٣).\nووجدت الإمام يحيى بن معين يقول في رواة حدث عنهم من لا يخفى يحيى أنهم من أهل التثبت والنقد، مثل شعبة بن الحجاج، ومع ذلك فلم يجعل روايتهم عنهم تعديلًا لهم، فقد قال في كل من (أبي قزعة) و(أبي سلمة الكوفي) \": \" لا أعرفه \" وقد روى عنهما شعبة (٤).\nونقل ابن هانئ النيسابوري أنه سأل الإمام أحمد بن حنبل عن (البختري) الذي روى عنه شعبة؟ فقال: \" لا أعرفه \" (٥).\nوقد قال الحاكم: \" تفرد شعبة بالرواية عن زهاء ثلاثين شيخًا من شيوخه لم يرو عنهم غيره، وكذلك كل إمام من أئمة الحديث قد تفرد بالرواية عن شيوخ لم يرو عنهم غيره \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥١) بإسناد صحيح. واسم أبي روْح هذا خالد بن محْدوج الواسطي، والحق أن يزيد بن هارون لم يكن يروي عنه؛ من أجل كذبه عنده، وقد صح عنه قوله: \" حلفت أن لا أروي عن خالدِ بن مَحدوج \" (أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه: ص: ٢٤، والعقيلي ٢/ ١٥)، والظاهر أنه حين قال: \" حدثنا أبو روْح ... \" أراد أن يبين كذبه، لا أن يسوق شيئًا من حديثه، ويزيد من الحفاظ المعروفين بتثبتهم والاجتهاد في الرواية عن الثقات.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥٢) بإسناد صحيح.\n(٣) نقله ابن حجر في \" التهذيب \" (١/ ٦٢٢) عن \" تاريخ ابن أبي خيثمة \".\n(٤) معرفة الرجال، رواية ابن مُحرز (١/ ٧٧).\n(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ (٢/ ٢٣٢).\n(٦) معرفة علوم الحديث (ص: ١٦١).","vol":"1","page":304},{"text":"وقال الإمام أحمد بن حنبل: \" جون بن قتادة شيخ لا يعرف، لم يحدث عنه غير الحسن \" (١).\nبل ربما روى عن رجل ثقتان ولا يوثقه الناقد، كما سئل أحمد بن حنبل عن (عبد الأعلى التميمي) الذي روى عنه مسعر: من هو؟ قال: \" لا أعرفه، روى عنه مسعر والمسعودي \" (٢).\nقلت: ومعلوم أن كثير من الثقات رووا عن المجهولين لم يعرفوا إلا من جهة أولئك الثقات، فلم يعتبر النقاد روايتهم عن أولئك تعديلًا لهم، من أولئك الثقات: أبو إسحاق السبيعي، وعامر الشعبي، والزهري، وقتادة، والثوري، والقعنبي، ومعن بن عيسى القزاز، وأحمد بن عبد الله بن يونس.\nقال شعبة بن الحجاج: \" نعم الرجل سفيان، لولا أنه يقمِّش \" يعني يأخذ من الناس كلهم (٣).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \" لا تكتب عن معمر عن رجل لا يعرف؛ فإنه لا يبالي عمن روى \" (٤).\nوقال ابن عدي في ترجمة (عمر ذي مر الهمداني): \" هو في جملة مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لا يحدث عنهم غير أبي إسحاق؛ فإن لأبي إسحاق غير شيخ يحدث عن لا يعرف \" (٥).\nوقال في (كدير الضبي) و(كريم بن الحارث): \" غير معروفين، لا يحدث عنهما غير أبي إسحاق \" (٦).\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية: أبي داود السجستاني (ص: ٣٠٢).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ النيسابوري (٢/ ٢٢١).\n(٣) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (١/ ٧٢٨ - ٧٢٩) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٨) وإسناده صحيح.\n(٥) الكامل (٦/ ٢٤٤).\n(٦) الكامل (٧/ ٢٢٣).","vol":"1","page":305},{"text":"وقال ابن عدي: \" القعنبي روى عن جماعة من أهل المدينة وغيرهم ممن لا يعرفون \" (١).\nوقال: \" ومعن يحدث عن قوم من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين \" (٢).\nوقال: \" ابن يونس يَروي عن غير واحدٍ ممن يكنيهم ولا يُعرفون (٣).\nوممن عرف بالرواية عن المجهولين الذين رووا المنكرات مع أنهم من المعدودين في الثقات كذلك: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.\nقال عبد الله بن المبارك: \" بقية صدوق اللسان، ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر \" (٤).\nومن شيوخه المجهولين: عمر بن أبي عمر الكلاعي، وعلي بن أبي علي القرشي، ولوذان بن سليمان، ومحمد بن عبد الرحمن القُشيري، ويحيى بن خالدٍ أبو زكريا.\nوقال ابن عدي في (عُثمان بن عبد الرحمن الطرائفي) (٥): \" صُورة عُثمان بن عبد الرحمن أنه لا بأس به، إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب وتلك العجائب من جهة المجهولين، وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام، وبقية أيضًا يحدث عن مجهولين بعجائب \" (٦).\n_________\n(١) الكامل (٤/ ٥٤٩) ترجمة: سليط بن مسلم.\n(٢) الكامل (٧/ ٤٧٨) ترجمة: محمد بن عباد بن سعد.\n(٣) الكامل (٩/ ١٩٧) ترجمة: أبي يزيد الطحان.\n(٤) أخرجه مسلم في \" مقدمة الصحيح \" (ص: ١٩) بإسناد صحيح.\n(٥) انظر: الكامل، لابن عدي (٢/ ٢٨٢).\n(٦) الكامل (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"1","page":306},{"text":"وقال أبو حاتم الرازي في (سليمان بن عبد الرحمن أبي أيوب الدمشقي، المعروف بابن بنت شرحبيل): \" صدوق، مستقيم الحديث، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي في حد لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم، وكان لا يميز \" (١).\nوقال كذلك في (عبد الرحمن بن محمد المحاربي): \" صدوق إذا حدث عن الثقات، ويروي عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بروايته عن المجهولين \" (٢).\nوقال أبو حاتم أيضًا في (مروان بن معاوية الفزاري): \" صدوق، لا يدفع عن صدق، وتكثر روايته عن الشيوخ المجهولين \" (٣).\nوقال محمد بن عبد الله بن نمير: \" كان مروان بن معاوية يتلقط الشيوخ من السكك \" (٤).\nقلت: فهذه أمثلة لجماعة من الثقات رووا عن المجهولين، فما عدت روايتهم عنهم مما ترتفع به وتثبت لهم به العدالة.\nوالقول الثالث: رواية الثقة الذي عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة تعديل، ومن لم يعرف ذلك منه فليس بتعديل.\nوتصوير المسألة: الراوي الثقة المعروف بالتحري في أخذه وانتقاء الشيوخ، إذا روى عن رجل مسمى، سكت النقاد عن جرحه، ولم يتبين فيما روى شيء منكر يطعن عليه به، فهل تعد روايته عنه توثيقًا، إعمالًا لنقله حيث لا معارض له؟ أم لا؟\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ١٢٩).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٨٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٧٣).\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٣٢٤) و\" الجرح والتعديل \" (ص: ٢٧٣) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":307},{"text":"لم يعتبر النقاد في مواضع رواية بعض الثقات ممن ينطبق عليهم ما ذكرت، لكني رأيت طريقتهم في هذا ليست مطردة، بل إنهم اعتمدوا رواية بعض هؤلاء الثقات عن أولئك النقلة، وجعلوها بمنزلة التوثيق لهم.\nومن أمثلته:\nما نقله عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سئل أبي عن شهاب الذي روى عن عمرو بن مرة؟ فقال: \" شيخ يرضاه شعبة بروايته عنه، يحتاج أن يسأل عنه؟! \" (١).\nوقال أبو حاتم في (محمد بن أبي رزين): \" شيخ بصري، لا أعرفه، لا أعلم روى عنه غير سليمان بن حرب، وكان سليمان قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة \" (٢).\nوأطلق جماعة من كبار الأئمة النقاد الحكم بثقة شيوخ جماعة من الرواة عرفوا بالتثبت والتحري، جمعتهم في جزء، إليك أسمائهم:\nأحمد بن حنبل، وأيوب السختياني، وبقي بن مخلد، وحريز بن عثمان، وسليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، وسليمان بن حرب، وشعبة بن الحجاج، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي، وعفان بن مسلم، وعلي بن المديني، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ومظفر بن مدرك أبو كامل، ومنصور بن سلمة أبو سلمة الخزاعي، ومنصور بن المعتمر، وموسى بن هارون الحمال، والهيثم بن جميل، ووهيب بن خالد، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن أبي كثير.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٦١).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٥).","vol":"1","page":308},{"text":"قال ابن حجر: \" من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل، وصف بكونه ثقة عنده، كمالك وشعبة والقطان وابن مهدي وطائفة ممن بعدهم \" (١).\nقلت: وإذا روى الثقة من هؤلاء عن رجل مجروح عند غيره قامت تلك الروية تعديلًا عارض الجرح، فيحاكم بهذا الاعتبار إلى طرق الترجيح.\nوإن وقعت الرواية من قبل أحد هؤلاء عن غير مجروح فهي تعديل يرفع جهالته.\nقال ابن عبد الهادي: \" لو روى شعبة خبرًا عن شيخ له لم يعرف بعدالة ولا جرح، عن تابعي ثقة، عن صحابي، كان لقائل أن يقول: هو خبر جيد الإسناد، فإن رواية شعبة عن الشيخ مما يقوي أمره \" (٢).\nوالقول الرابع: الراوي يروي عنه أكثر من ثقة، ولا يجرح، فهل رواية العدد من الثقات تعدله؟\nوهو الراوي المستور، وربما أطلق عليه بعض الأئمة: (مجهول الحال).\nقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: \" إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولا ً نفعه رواية الثقة عنه \".\nوقال: سألت أبا زرعة عن رواية الثقات عن رجل مما يقوي حديثه؟ قال: \" إي، لعمري \"، قلت: الكلبي روى عنه الثوري! قال: \" إنما ذلك إذا لم يتكلم فيه العلماء، وكان الكلبي يتكلم فيه \" (٣).\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ١٠٨).\n(٢) الصارم المُنكي (ص: ٨١).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٦).","vol":"1","page":309},{"text":"قلت: هذا حكم أبي حاتم مع تشدده، وأبي زرعة مع اعتداله.\nقال أبو حاتم الرازي في (يحيى بن النضر الأنصاري): \" ثقة، روى عنه الثقات \" (١).\nفهذا يحتمل أنه وثقه من جهة انتفاء القادح، مع رواية الثقات.\nوابن عدي كان يجعل رواية الثقات عن رجل مقويه لأمره، ومرجحة لعدالته، في جماعة اختلف فيهم، مثل: الأحوص بن حكيم، وأفلح بن حميد، وبكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، وبهز بن حكيم، وثور بن يزيد الكلاعي، وجعفر بن ميمون أبي العوام، وزياد بن عبد الله البكائي، وسليمان بن موسى الدمشقي، وغيرهم.\nوفي هؤلاء من الراجح فيه أنه صدوق، ومنهم الضعيف الذي يعتبر به، والمقصود أن ابن عدي جعل من رواية الثقات عنهم ما يرفع من أمرهم.\nوقال في (الحسن بن ذكوان) وقد روى عنه يحيى القطان وعبد الله بن المبارك: \" وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به \" (٢).\nوقال في (حبيب بن أبي حبيب صاحب الأنماط): \" أرجو أنه لا بأس به، وقد حدث عنه ابن مهدي ويزيد بن هارون \" (٣).\nوقال في (عمرو بن يحيى بن عمارة المازني) وقد روى عنه أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر وسفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وابن عيينة وغيرهم: \" لا بأس به برواية هؤلاء الأئمة عنه \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٩٢).\n(٢) الكامل (٣/ ١٦٠).\n(٣) الكامل (٣/ ٣١٠).\n(٤) الكامل (٦/ ٢٤١).","vol":"1","page":310},{"text":"وفي (العلاء بن عبد الرحمن): \" ما أرى بحديثه بأسًا، وقد روى عنه شعبة ومالك وابن جريج ونظراؤهم \" (١).\nفرواية الثقات مما تدفع به التهمة عن الرواة، ويرد الطعن، ويرجح به قبول حديثهم.\nلكن ليس ذلك مطلقًا، وإنما في أحوال تنزل فيها رواية الثقات منزلة القرائن المساعدة، وذلك فيمن لم ينكشف أمره في السقوط، ولم يهبط في الضعف بالبرهان إلى حد الترك.\nكما أن هذه القرينة المرجحة إنما ترفع من حاله في الجملة، لا في قبول حديثه مطلقًا، إذا قابل ذلك ما يدل على نكارة أو ضعف بعض حديثه.\nوبعض متأخري الحفاظ ينسبون تقوية الراوي بهذا الطريق أيضًا إلى النسائي وابن حبان، كما قال الزيلعي وذكر حديث عبد الله بن مغفل في ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، وفيه: (عن ابن عبد الله بن مغفل)، وذكر ثلاثة من الرواة عنه: \" فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه \"، قال: \" والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء، مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو واحد منهم حديثا ً منكرًا ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه، وإنما رووا غيرهم من الثقات \" (٢).\nقلت: أما ابن حبان، فسلوك مثل هذا الطريق معروف من طريقته، وأما النسائي، فلا بأس أن ينسب له اعتباره ذلك طريقًا في تقوية الراوي، لكن لا يصح أن يقال: (احتج به)؛ لأن التحقيق أنه لم يجرد الصحيح من الحديث، ولم يشترط الصحة في كتبه، وإنما كان يبالغ في الاحتياط فيما خرجه.\n_________\n(١) الكامل (٦/ ٣٧٤).\n(٢) نصب الراية (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":311},{"text":"نعم؛ ما نسب الزيلعي إليهما من التأصل تقدم أنه طريق سلكه غيرهما من نقاد الأئمة.\n\nوالتحقيق:\nأن جميع هذه الأقاويل الأربعة صحيح معتبر بتقييد، وبيانه فيما يلي:\nأما الأول: فمقيد بكون الراوي غير معروف بالرواية عن المجروحين، فوقوع ذلك شبهة تحول دون الاعتداد بروايتهم كتعديل لمن رووا عنه.\nوأما الثاني: فمراد به من كان لا يبالي عمن روى، عمن روى، كمن استثنيت في المذهب الأول.\nوأما الثالث: فصحيح معتبر؛ إذ ليس هو في جميع الثقات، وإنما هو مقصور على الراوي المتثبت المعروف بتوقيه الرواية عن المجروحين.\nوأما الرابع: فصحيح معتبر كذلك في رفع أمر الراوي وتقويته، لا في الاحتجاج به بمجرد رواية العدد من الثقات عنه، حتى ينضم إليه سلامة رواياته من المنكرات، فيحتج به حينئذ.\nوفي الجملة، فمجرد رواية الثقة عن رجل مفيد في التعريف به والإظهار لشخصه، لكنه لا يثبت ثقته حتى يختبر حديثه فيثبت حفظه، فإن لم يثبت حفظه ولم يتبين فهو محكوم بجهالته، وإن تبين خطؤه فيلحقه من الجرح بحسبه.\nوهذا طريق سلكه النقاد في أكثر الرواة على ما تقدم ذكره، فقضوا بتعديل طائفة مع أنه لم يرو عن أحدهم إلا واحد من أجل ما رأوا من استقامة حديثهم، وقضوا بالجهالة على آخرين من أجل عدم تبين إتقانهم لما رووا، مع أن فيهم من روى عنه العدد، وبالرد لحديث آخرين منهم والجرح لهم؛ لما دل عليه النظر في حديثهم من نكارته.\nوالشأن في المشهورين من الرواة ظاهر، من جهة ثبوت العدالة","vol":"1","page":312},{"text":"أو ثبوت الجرح، ولكنه في غير المشهورين، وهذه بعض نصوص النقاد في طائفة منهم تبين منهجهم:\nفمثال الراوي يكون غير مشهور إلا من جهة حديثه أو أحاديثه التي رواها، ومن جهة راو ثقة روى عنه، يدل النظر والمقارنة أنه مستقيم الحديث، فيلحق بالثقات:\nقول أحمد بن حنبل في (سلم بن أبي الذيال): \" ما أعلم أن أحدًا روى عن سلم بن أبي الذيال إلا المعتمر، وسلم ثقة \" (١)، قلت: يرفع بذلك أحمد من أمره.\nوقول أبي حاتم الرازي في (عبد الواحد بن سلمان الأغر): \" ما أعلم أحدًا روى عنه غير أبي الربيع الزهراني، وأرى حديثه مستقيمًا، ما أرى به بأسًا \" (٢).\nوقوله في (المغيرة بن أمي المِنقري): \" لا أعلم رَوى عنه غير ابنِه عبد العزيز، وأرى حديثه مستقيمًا (٣).\nوقول ناقد الشاميين دحيم في (مرزوق بن أبي الهذيل): \" صحيح الحديث عن الزهري، وما أعلم أحدًا روى عنه غير الوليد \"، وقال أبو حاتم الرازي: \" حديثه صالح، لا أعلم رَوى عنه غير الوليد بن مسلم \" (٤).\nوقول أبي زرعة الرازي في (نبيح بن عبد الله العنزي): \" كوفي ثقة، لم يرو عنه غير الأسود بن قيس \" (٥).\nوقول أبي زرعة كذلك في (يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة): \" ثقة،\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية: ابن هانئ (٢/ ٢٤٧).\n(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ١ / ٢١).\n(٣) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٢١٩).\n(٤) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٢٦٥).\n(٥) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٥٠٨).","vol":"1","page":313},{"text":"ولم يرو عنه إلا أسامة بن زيد، ولا أعرفه إلا في هذا الحديث الواحد: حديث أبي طلحة، وما دعا رسول الله ﷺ إلى طعامه \" (١).\nومما يدخل ضمن هذا جماعة ربما حكم أبو حاتم عليهم بالجهالة، لكنه وصف حديثهم بالاستقامة؛ لأن أحدهم لم يعرف له إلا الحديث أو الشيء اليسير جدًا، وتبين أن ذلك محفوظ صحيح من غير طريقهم، فهؤلاء لاحقون بالعدول.\n\nتوضيح:\nمن عرف أنه لا يروي إلا عن ثقة على نوعين:\nأحدهما: من عرف من شأنه التثبت والتحري في انتخاب الرواية عن الثقات عنده خاصة، كمالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وأبي زرعة، فمجرد رواية أحدهم عن الرجل توثيق، بمنزلة تصريحهم بالقول: (هو ثقة).\nوثانيهما: من عرف بالتتبع أنه لا يروي إلا عن ثقة، وذلك بتتبع شيوخه الذين روى عنهم وحديثهم، فتبين كونهم ثقات، فهم ثقات عند من أطلق العبارة في شيوخ ذلك الراوي من الحفاظ.\nكقول أبي داود السجستاني: \" شيوخ حريز كلهم ثقات \"، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ حريز بن عثمان من قبل أبي داود، وكقول أبي حاتم الرازي: \" يحيى بن أبي كثير إمام لا يحدث إلا عن ثقة \"، فهذا حكم بتعديل جميع شيوخ ابن أبي كثير من قبل أبي حاتم.\nفإن قلت: فماذا لو وجدنا في بعض أولئك الشيوخ من جرح؟\nقلت: ذلك اختلاف جرح وتعديل، يرجح راجحه بحجته.\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩).","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>الأصل السابع: تصحيح الناقد لإسناد حديث، هل يفيد تعديلًا منه لرواته</span>؟\nوتصحيح الناقد للإسناد أو ما ينزل منزلة تصحيحه، كتحسينه، تعديل منه لأفراد رواته، إذ موجب الحكم بالصحة أو الحسن للإسناد المعين ثقة الرواة.\nومثاله: (يزيد بن عبد الرحمن الأودي)، أخرجه له الترمذي حديثه عن أبي هريرة في حسن الخلق، وقال: \" حديث صحيح غريب \" (١).\nفحكم الترمذي على الحديث بالصحة، مع الغرابة المطلقة، وهي الغرابة في أصل الإسناد، فهو بمنزلة لو قال: (إسناده صحيح)، فلا يقال: يحتمل أن يكون الترمذي صححه لغيره، فذلك قد يصح في الغرابة النسبية.\nفحيث حكم بتصحيح الإسناد لذاته؛ فهو حكم منه بثقة رواته عنده، إذ شرط صحة الإسناد ثقة رواته، فدل على أن يزيد هذا ثقة عند الترمذي.\nوذكر أبو الحسن ابن القطان حديث الفريعة بنت مالك في مكث المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها الذي كانت فيه حتى يبلغ الكتاب أجله، وهو من رواية سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب، عن الفريعة، قال فيه الترمذي: \" حديث حسن صحيح \" (٢).\nثم قال ابن قطان: \" الحديث الصحيح، فإن سعد بن إسحاق ثقة، وممن وثقه النسائي، وزينب كذلك ثقة، وفي تصحيح الترمذي إياه توثيقها وتوثيق سعد بن إسحاق، ولا يضر الثقة أن لا يروي عنه إلا واحد \" (٣).\nقلت: وابن قطان من أكثر المتأخرين توسعًا في تجهيل الرواة الذين\n_________\n(١) الجامع (رقم: ٢٠٠٤).\n(٢) الجامع (رقم: ١٢٠٤).\n(٣) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٥/ ٣٩٥).","vol":"1","page":315},{"text":"لا يعرفون بتوثيق قديم، ومع ذلك يجعل من تصحيح الترمذي حجة على توثيق رواة الإسناد الذي صححه.\nووقع منه أنه قال في (عمرو بن بجدان) وقد ذكر من روايته حديثًا نقل عن الترمذي تحسينه له (١): \" لا يعرف لعمرو بن بجدان هذا حال \" (٢)، فتعقبه ابن دقيق العيد بقوله: \" ومن العجب كون ابن قطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: (هذا حديث حسن صحيح)، وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة؟ أو يصحح له حديثًا انفرد به؟ وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلك لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله، وهو تصحيح الترمذي \" (٣).\nقال الذهبي بعد أن جعل تخريج حديث الراوي في (الصحيحين) توثيقًا للراوي الذي لم يذكر بجرح أو تعديل: \" وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة فجيد أيضًا، وإن صحح له كالدارقطني، والحاكم فأقل أحواله حسن حديثه \" (٤).\nويلحق بهذا الأصل مسألتان:\nالمسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-130> عمل الناقد بحديث الراوي، وذهابه إلى مقتضاه</span>.\nقال الخطيب: \" إذا عمل العالم بخبر من روى عنه لأجله، فإن ذلك تعديل له يعتمد عليه؛ لأنه لم يعمل بخبره إلا وهو رضى عنده عدل، فقام عمله بخبره مقام قوله: (هو عدل مقبول الخبر)، ولو عمل العالم بخبر من\n_________\n(١) وفي \" الجامع \" للترمذي (رقم: ١٢٤): \" حديث حسن صحيح \".\n(٢) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٣٢٧).\n(٣) نقله الزيلعي في \" نصب الراية \" (١/ ١٤٩).\n(٤) الموقظة (ص: ٧٨).","vol":"1","page":316},{"text":"ليس عنده عدلًا، لم يكن عدلًا يجوز الأخذ بقوله والرجوع إلى تعديله؛ لأنه إذا احتملت أمانته أن يعمل بخبر من ليس بعدل عنده، احتملت أمانته أن يزكي ويعدل من ليس بعدل \" (١).\nقلت: لكن الواجب مراعاته في هذا أن يكون العالم عارفًا بالنقلة، وأن يكون مستنده في العمل هو ذلك الحديث لذاته.\nفإن كان العامل بالخبر من عامة الفقهاء وليس ممن له اشتغال بتمييز النقلة، فلا عبرة بعمله بالرواية لتقوية رواتها، والواقع شاهد بعمل الفقيه غير البصير بالحديث ورواته بالأحاديث الواهية فضلًا عن الضعيفة.\nوإن كان عمل بالحديث مضمومًا إلى دليل آخر عنده، فقد يكون استأنس بذلك الحديث ولم يحتج به، فلا يعتبر ذلك تعديلًا منه لرواته.\n\nالمسألة الثانية: تخريج حديث الرواي في الصحاح هل يعد تعديلًا له من قبل من خرج له؟\nالأصل أن تخرج الحديث في الكتاب الموصوف بالصحة في جميع الكتب المعروفة بذلك أن الحديث المحتج به فيها قد استوفى شروط الصحة، وذلك يوجب أن يكون من خرج حديثه في هذه الكتب على سبيل الاحتجاج ثقة أو صدوقًا عند صاحب (الصحيح)، بمنزلة تصريحه بالقول: (هو ثقة)، أو: (هو صدوق).\nوهذه تنبيهات تتصل بهذه المسألة:\nالتنبيه الأول: اعلم أنه ليس في رواة \" الصحيحين \" ممن خرج حديثه احتجاجًا من يصح وصفه بالجهالة، وذلك لكون تصحيح صاحب الصحيح له تزكية ترفعه إلى مصاف الثقات، ومن كان من أولئك قد وصفهم بعض النقاد بالجهالة، فذلك بناء على ما عندهم في حال أولئك النقلة، وزاد\n_________\n(١) الكفاية (ص: ١٥٥).","vol":"1","page":317},{"text":"صاحب الصحيح خبرة بأمره، فزكاه، من أولئك: بيان بن عمرو، والحسين بن الحسن بن يسار، ومحمد بن الحكم المروزي.\nقال الذهبي: \" فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين) فهو موثق بذلك \" (١).\nوقال: \" من أخرج له الشيخان على قسمين:\nأحدهما: ما احتجا به في الأصول.\nوثانيهما: من خرجا له متابعة وشاهدًا واعتبارًا.\nفمن احتجا به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة حديثه قوي، ومن احتجا به أو أحدهما وتكلم فيه: فتارة يكون الكلام فيه تعنتًا والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضًا، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، فما في الكتابين بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.\nومن خرج له البخاري أو مسلم في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شيء، وفي توثيقه تردد.\nفكل من خرج له في (الصحيحين) فقد قفز القنطرة، فلا معدل عنه إلا ببرهان بين \" (٢).\nقلت: وكثير من النقاد بعد الإمامين يحتجون بالراوي يحتج به الشيخان أو أحدهما، ويعدونه بذلك قد جاز القنطرة، ويجعلونه في كفة ترجيح ثقة الراوي المختلف فيه.\n_________\n(١) الموقظة (ص: ٧٨).\n(٢) الموقظة (ص: ٧٩ - ٨٠).","vol":"1","page":318},{"text":"قال ابن عدي في (عبد الله بن يوسف التنيسي): \" البخاري مع شدة استقصائه اعتمد عليه في مالك وغيره، ومنه سمع (الموطأ)، وله أحاديث صالحة، وهو خير فاضل \" (١).\nوقال في (علي بن الجعد): \" والبخاري مع شدة استقصائه يروي عنه في صحاحه \" (٢).\nكذلك قال في (فليح بن سليمان): \" اعتمده البخاري في (صحيحه)، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به \" (٣).\nقلت: لكن الواجب أن لا تجعل هذه قاعدة مطردة في كل ما روى ذلك الراوي؛ لأن الشيخين كان من منهجهما الانتقاء من حديث من عرف بضعف من أهل الصدق، فالصواب أن يستفاد من احتجاج الشيخين أو أحدهما براو أنه مقبول من حيث الجملة، لكن حديثه المعين غير المخرج في الصحيح يجب الاحتياط في قبوله حتى يثبت أنه محفوظ، ليوافق منهج صاحب (الصحيح) في الانتقاء (٤).\nقال الزيلعي عقب حديث يرويه أبو أويس المدني في الجهر بالبسملة: \" لو ثبت هذا عن أبي أويس فهو غير محتج به؛ لأن أبا أويس لا يحتج بما انفرد به، فكيف إذا انفرد بشيء وخالفه فيه من هو أوثق منه؟ مع أنه متكلم فيه، فوثقه جماعة، وضعفه آخرون .. ومجرد الكلام في الرجل لا يسقط حديثه، ولو اعتبرنا ذلك لذهب معظم السنة؛ إذ لم يسلم من كلام الناس إلا من عصمه الله، بل خرجا في (الصحيح) لخلق ممن تكلم فيهم، منهم: جعفر بن سليمان الضبعي، والحارث بن عبيد الإيادي، وأيمن بن نابل\n_________\n(١) الكامل (٥/ ٣٤٢).\n(٢) الكامل (٦/ ٣٦٦).\n(٣) الكامل (٧/ ١٤٤).\n(٤) وانظر البحث في: شرط الشيخين.","vol":"1","page":319},{"text":"الحبشي، وخالد بن مخلد القطواني، وسويد بن سعيد الحدثاني، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. ولكن صاحبا الصحيح رحمهما الله إذا أخرجا لمن تكلم فيه، فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلًا، ولا يروون ما تفرد به، سيما إذا خالفه الثقات، كما أخرج مسلم لأبي أويس حديث: \" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي \"؛ لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة وابن عيينة، فصار حديثه متابعة \" (١).\nالتنبيه الثاني: يلاحظ أن من أخرج لهم البخاري تعليقًا، أو مسلم في \" مقدمة صحيحه \" فهؤلاء ليس لهم شرط الصحيح، فلا يستدل بذلك على تعديلهم.\nقال ابن القيم: \" مسلم لم يشترط فيها (أي المقدمة) ما شرطه في الكتاب من الصحة، فلها شأن، ولسائر كتابه شأن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك \" (٢).\nالتنبيه الثالث: ما سوى \" الصحيحين \" من الكتب المجردة لـ (الصحيح)، وذلك مثل: صحيح ابن خزيمة، وكتاب \" التوحيد \" له، وصحيح ابن حبان، فمن خرج له في شيء من هذه الكتب فلا يخلو أن يكون احتجاجًا أو متابعة، فما كان احتجاجًا فهو ثقة عند المخرج، وما كان متابعة فقد يكون ثقة وقد يكون دون ذلك، لكن يعتبر به عند ذلك المخرج على أقل الدرجات.\nوالحاكم كذلك فيمن يحكم على أسانيدهم بالصحة في \" مستدركه \"، لا في جميع من يخرج لهم، فإنه ربما حشا في كتابه ما ليس على شرطه فيه أصلًا، كما صنع في كتاب \" الصحابة \" منه.\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٤١ - ٣٤٢).\n(٢) الفروسية (ص: ٦٣).","vol":"1","page":320},{"text":"وتبقى مسألة الاحتجاج بتخريج ذلك الإمام كتعديل منه للراوي تابعة لكونه ممن يعتد بتعديله أو لا.\n\nالأصل الثامن: صيغة التعديل للجماعة على سبيل الاشتراك معتبرة، لكنها لا توجب الاحتجاج بأحدهم عند الانفراد.\nوذلك كقول الناقد في جمع الرواة إلى بعضهم في سياق واحد: \" رواه الثقات فلان وفلان \" ويسمي جماعة، فهذا توثيق منه لهم على الاجتماع، لا على الانفراد، وإنما يراعى في الانفراد الوصف اللائق بكل منهم، فإنه قد يجمع أصحاب الدرجة العليا في الضبط مع الدنيا، ولأجل اتفاقهم في تلك الرواية ساقهم مساقًا واحدًا، ولذا فربما وجدت فيهم من يعتبر به، ولا يبلغ الاحتجاج.\nلكن يرفع ذلك من الجهالة إذا كان في السياق من روى من المجهولين ما رواه الثقات.\nوالدارقطني يستعمل مثل هذا في كتاب \" العلل \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الأصل التاسع: قول الناقد: (إن كان هذا فلانًا فهو ثقة) </span>فهو توثيق منه لذلك المسمى.\nوذلك مثل ما حكاه البرقاني عن الدارقطني وسأله: ابن أبي فديك يروي عن عبد الله بن يزيد عن أبيه عن أبي هريرة؟ فقال: \" إن كان هذا يزيد مولى المنبعث فهو ثقة \" (١).\nفهذا تعديل ليزيد مولى المنبعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الأصل العاشر: أكثر رواة العلم ثقات</span>.\nقال الحاكم: \" أكثر الرواة للأخبار ثقات \" (٢).\n_________\n(١) سؤالات البرقاني (النص: ٢٥٥).\n(٢) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٥٠).","vol":"1","page":321},{"text":"قلت: وهذا قول صحيح محقق، فالمجروحون محصورون من جهة أن الجرح عارض، والمجهولون الذين لم يتبين أمرهم في العدالة أو الجرح ليسوا بالكثيرين في جمهور الرواة.\nلكن لا يصح لقائل أن يدعي أن الأصل في الرواة الثقة حتى يتبين ذلك ويثبت له بطريقه، على ما تقدم.\n\n* * *","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث العاشر:\n\nتحرير القول في تعديل جماعة\nمن المتقدمين تنازعهم الناس</span>\nهذا مبحث قصدت به إزالة الشبهة عن منزلة بعض متقدمي أئمة الحديث، وجدنا من جاء من بعد يتنازعون في قوة تعديلهم للرواة، وقصدت فيه إلى جماعة عرفوا بالكلام في الرواة، لا من له القول بعد القول، والكلام محصور في الأئمة: أحمد بن عبد الله العجلي، وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي، وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبي عمر بن عبد البر.\nومعلوم عند المعتني بهذا العلم أن لهؤلاء الأئمة كلامًا كثيرًا في تعديل الرواة، لكن أشكل منهم إطلاق التعديل في طائفة من الرواة هم في نظر غيرهم من النقاد مجهولون أو مجروحون.\nوبعض الناس شكك في توثيق يحيى بن معين ومحمد بن سعد ويعقوب بن سفيان والنسائي والدارقطني، من جهة أنهم كان يقع في كلامهم توثيق المجهولين.\nوأقول: دعوى ذلك تجن على هؤلاء الأئمة، فهؤلاء جميعًا من أعلم خلق الله برواة الحديث، وطرقهم في نقد الرواة غير خارجة عن طرق","vol":"1","page":323},{"text":"غيرهم، وذلك في إرجاع القول في الراوي الذي لم تعلم سيرته إلا من جهة رواياته، إلى اختبار مروياته، فإذا سلمت من النكارة حكموا بثقته.\nوأما هؤلاء الأئمة الذين سميت قبل، فالبيان هنا مقصور على تحرير طريقتهم في التعديل للرواة الذين يعدهم غيرهم مجهولين، أما أن يعدلوا من يجرحه غيرهم، فما من الأئمة النقاد إلا عدل من جرحه غيره، فلا ينبغي أن يكون ذلك مما يؤخذ على هؤلاء الأئمة، وإليك بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>طريقة العجلي:</span>\nأطلق بعض المتأخرين أن العجلي يوثق المجهولين، وقد تتبعت كتاب العجلي المسمى: \" معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث، ومن الضعفاء، وذكرهم مذابهم وأخبارهم \"، فوجدته في الغالب متين العبارة، موافقًا لكلام غيره من نقاد المحدثين، وذلك في تعديله وتجريحه، ويتفرد عن كبار الأئمة بتوثيق من لا يوجد لهم فيه توثيق، كما يشذ في قوله عنهم وهو في شيء قليل.\nوأقول: إذا أنصفت وجدت عامة كبار النقاد يتفرد أحدهم بتعديل لا يقوله غيره، ويخالف الجمهور في الشيء بعد الشيء، فإن عددناه مأخذًا على العجلي لزم أن يؤخذ على يحيى بن معين وأبي زرعة وأبي حاتم الرازي وغيرهم، لذا فالواجب أن يعتبر له نقده، فإن جاءت عبارته على الموافقة لعبارة سائر النقاد فذاك ظاهر القبول، وإن خالف أخضعنا قوله لقواعد الترجيح عند اختلاف الجرح والتعديل، وإن انفرد وجب قبول قوله والاحتجاج به كغيره، حتى يتبين بالحجة خطؤه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>طريقة أبي بكر بن خزيمة:</span>\nلم يصلنا لابن خزيمة مصنف في التعديل والتجريح للرواة، وإنما له في ذلك عبارات منثورة في \" صحيحه \"، وفي كتاب \" التوحيد\" له، وقد","vol":"1","page":324},{"text":"اشترط فيه الصحة كذلك، وأيضًا، ما يستفاد من احتجاجه بحديث الراوي كتوثيق، على ما تقدم ذكره في (الأصل السابع) من (المبحث السابق).\nوالذي وجدت بعض المتأخرين عابه على ابن خزيمة أنه كان يوثق المجهولين، كذا زعم، وهو ادعاء منتقض من جهتين:\nالأولى: أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول: (يوثق المجهولين)، لأنه ما من النقاد أحد وثق راويًا إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته، بناء على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة.\nوالثانية: وجدنا ابن خزيمة في الواقع جرح رواة بالجهالة، ورد حديثهم بذلك في مواضع عدة من كتابيه (١)، فلو كان الأصل عنده إجراء الرواة على الثقة والعدالة لم يكن لجرحه بالجهالة معنى.\nلكن حقيقة الأمر أن توثيقه لمن وثقه أو احتجاجه به مبنى على الخبرة بأمر ذلك الراوي، وتحقق سلامة حديثه عنده من النكارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>طريقة ابن حبان:</span>\nهو أشهر من عيب عليه من النقاد التوسع في التعديل، وتحرير القول في ذلك فيما يلي:\nاعلم أن ابن حبان، ﵀، ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى (ثقات) و(مجروحين)، وصنف كتابيه المعروفين في ذلك: \" الثقات \" و\" المجروحين \"، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين.\n_________\n(١) انظر مثاله في صحيح ابن خزيمة (٢/ ١٨١، ١٩١، ٣٥٩، و٢/ ٥٨، ٩٢، ١٧٧، ١٨٩، ٢١٠، و٤/ ٩٥، ٢١٩، ٢٨٤)، وفي التوحيد (١/ ٥٤٤، ٥٤٥، و٢/ ٥٨٠، ٦١٩ - ٦٢٠، ٦٧١، ٦٧٨، ٧٤٨، ٨٦٤ - ٨٦٦)، يقول في الراوي: \" لا أعرفه بعدالة ولا جرح \"، أو \" مجهول \".","vol":"1","page":325},{"text":"فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة، أو يقرب من ذلك، أو يرجح إلى جهته، يدخله في (الثقات).\nوإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين، أو يقرب منهم، أو يرجح عنده جرحه، فهو في (المجروحين).\nوهذان ظاهران.\nوطائفة هي محل تردده، فربما مال إلى إدخالهم في (الثقات) ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ، فيقول: \" يخطئ \"، وربما قال: \" يخطئ كثيرًا \"، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم، وقد يدخل الرجل ممن تردد فيه في (المجروحين)، فيصفه أيضًا بكونه \" يخطئ \" أو \" يخطئ كثيرًا \"، وربما علق أمره على الاستخارة.\nفمثاله في (الثقات): (إبراهيم بن سليمان الزيات)، قال: \" مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات \"، ثم قال: \" وهو أقرب من الضعفاء، ممن أستخير الله فيه \" (١).\nبينما أورد جماعة في (المجروحين)، وهم عنده من هذا النحو، منهم:\nبهز بن حكيم، قال: \" لولا حديث: إنا آخذوه وشطره إبله، عزمة من عزمات ربنا، لأدخلناه في الثقات، وهو ممن أستخير الله ﷿ فيه \" (٢).\nجعفر بن الحارث أبو الأشهب، قال: \" كان يخطئ في الشيء بعد الشيء، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة، ولكنه ممن لا يحتج به إذا نفرد، وهو من الثقات يقرب، وهو من أستخير الله فيه \" (٣).\n_________\n(١) الثقات (٨/ ٦٨).\n(٢) المجروحين (١/ ١٩٤).\n(٣) المجروحين (١/ ٢١٢).","vol":"1","page":326},{"text":"وقال نحوًا من ذلك في (خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي) (١)، و(خصيف بن عبد الرحمن الجزري) (٢)، و(سويد بن عبد العزيز) (٣)، و(يحيى بن أبي سليم أبي بلج الفزاري) (٤).\nومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد ابن حبان يجعلهم في (الثقات) أو في (الضعفاء)، وهؤلاء لا يجعل قوله حكمًا فيهم، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد، فيصار بالراوي إلى (الثقات) أو (الضعفاء).\n\nومما يؤخذ عليه:\nأنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعًا (الثقات) و(المجروحين)، مما يعد من تناقضه، منهم: إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي (٥)، رزيق أبو عبد الله الألهاني الشامي (٦)، وزياد بن عبد الله النميري (٧)، وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي (٨)، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني (٩)، وعبد الواحد بن نفيع (أو: نافع) بن علي أبو الرماح الكلاعي (١٠)، وعمر بن إبراهيم العبدي (١١)، وعمران بن ظبيان الأسلمي (١٢)، وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي (١٣).\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٢٨٤).\n(٢) المجروحين (١/ ٢٨٧).\n(٣) المجروحين (١/ ٣٥١).\n(٤) المجروحين (١/ ٣١٣).\n(٥) الثقات (٨/ ٩٦)، المجروحين (١/ ١٢٨).\n(٦) الثقات (٤/ ٢٣٩)، المجروحين (١/ ٣٠١).\n(٧) الثقات (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، المجروحين (١/ ٣٠٦).\n(٨) الثقات (٦/ ٣٧٤)، المجروحين (١/ ٣٢١).\n(٩) الثقات (٤/ ٣٢١)، المجروحين (١/ ٣٤٧).\n(١٠) الثقات (٧/ ١٢٥)، المجروحين (٢/ ١٥٤).\n(١١) الثقات (٨/ ٤٤٦)، المجروحين (٢/ ٨٩).\n(١٢) الثقات (٧/ ٢٣٩)، المجروحين (٢/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(١٣) الثقات (٥/ ٣٣٩)، المجروحين (٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":327},{"text":"وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس ترددًا، بل هو خطأ، وصواب قوليه يتميز بحكم غيره، أما قولاه هو فحيث تناقضا فقد تساقطا، إذ أبطل أحدهما الآخر.\nنعم، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بن شخصين، كالذي وقع منه في شأن (عباد (١) بن مسلم الفزاري) فإنه أورده في (الثقات) (٢)، وأورده في (المجروحين) فقال: \" منكر الحديث على قلته، ساقط الاحتجاج بما يرويه؛ لتنكبه عن مسلك المتقنين في الأخبار، واحسبه الذي يروي عن الحسن، الذي يروي عنه الثوري وأبو نعيم، فإن كان كذلك فهو مولى بني حصن، كوفي يخطئ \" (٣).\nلكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة: وهم من أوردهم في \" الثقات \" ممن لا يعرف، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون، وهؤلاء سبب وصفه بالتساهل.\nوالتحقيق: أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إمامًا بصيرًا بالنقلة، يعرضهم على موازين النقد، ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة.\nوهو في إيراد هذا الصنف من الرواة في (الثقات) فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راو لم يقف في روايته على ما يطعن فيه لأجله اللحاق بالثقات، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الرواي.\nوحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحًا فإنه يدخله في (الثقات)، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه، فهذا المنهج لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتج بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم\n_________\n(١) وصوابه: عُبادة.\n(٢) الثقات (٧/ ١٦٠).\n(٣) المجروحين (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).","vol":"1","page":328},{"text":"من دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار، والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر يحتملون هم وزره، فهؤلاء يعتبر بهم، ويحتج بحديثهم لغيره، وربما خرج حديثهم في \" الصحاح \" متابعة.\nوهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة.\nولم أر وجهًا لعيب ابن حبان بهذا خلافًا لما جرى عليه طائفة من المتأخرين؛ لأننا قد تبينا منهجه، فغاية الأمر أن لا نجعل من مجرد إيراد الراوي في (الثقات) صحة الاحتجاج به، حتى ينضم إلى ذلك سائر شروط الاحتجاج.\nوالروي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم، فهذا أبو حاتم الرازي مثلًا على تشدده يقول في (محل بن محرز): \" كان آخر من بقي من ثقات أصحاب إبراهيم، ما بحديثه بأس، ولا يحتج بحديثه، كان شيخًا مستورًا، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول من هناك \" (١).\nوهذا يدل على أمور:\nأولها: يكون الرجل ثقة، ولا يحتج به.\nوثانيها: المستور ثقة، ولا يحتج به.\nوثالثها: من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء.\nوهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في \" ثقاته \" في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة.\nيتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة، فإنه قال: \" العدالة في الإنسان: هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله؛ لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال، أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل،\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤١٤).","vol":"1","page":329},{"text":"إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله \" (١).\nقلت: وهذا لا يخالف في شيء تفسير (العدالة) عند من تقدمه من أهل العلم، وهي العدالة الدينية.\nفأما العدالة الموجبة لصحة الاحتجاج بحديث الراوي، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين، فيبينها ابن حبان في \" صحيحه \" بقوله: \" وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به، وقبلنا ما رواهُ، وأدْخلناه في كتابنا هذا (٢) ومن صحَّ عندنا أنه غيرُ عدلٍ بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح \" (٣).\nقلت: ومنهجية اعتبار حديث الراوي طريق عامة النقاد قبل ابن حبان، وهو على الأثر فيه، ويبينه في مواضع من كتابيه في الثقات والمجروحين، ومن عبارته في ذلك:\nقال في ترجمة (عبد الله بن المؤمل المخزومي): \" كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقينًا فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اعتمادًا منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس\n_________\n(١) الإحسان (١/ ١٥١).\n(٢) أي مع اعتبار سائر شُروط صِحة الحديث، وقد بيَّنها.\n(٣) الإحسان (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":330},{"text":"يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب، وعائذ بالله من هذين الخصلتين: أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين \" (١).\nوقال في ترجمة (سعيد بن زياد بن أبي هند الداري): \" الشيخ إذا لم يرو عنه ثقة، فهو مجهول، لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأن ما روى الضعيف وما لم يرو في الحكم سيان \" (٢).\nوقال في ترجمة (عبد الرحمن بن أبي نصر بن عمرو): \" منكر الحديث على قلة روايته، يروي عن أبيه المناكير، وأبوه مجهول، لا يدري من هو، ولا يعلم له من علي سماع، وفي دون هذا ما يسقط الاحتجاج برواية من هذا نعته \" (٣).\nوقال في ترجمة (عمران بن مسلم القصير): \" ولا يجوز أن يحكم على مسلم بالجرح، وأنه ليس بعدل، إلا السبر \" (٤).\nوقال في ترجمة (عائذ الله المجاشعي): \" منكر الحديث على قلته، لا يجوز تعديله إلا بعد السبر، ولو كان ممن [لا] يروي المناكير، ووافق الثقات في الأخبار، لكان عدلًا مقبول الرواية، إذ الناس أحوالهم على الصلاح والعدالة، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح فيجرح بما ظهر منه من الجرح، هذا حكم المشاهير من الرواة، وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء، فهم متروكون على الأحوال كلها \" (٥).\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢٨).\n(٢) المجروحين (١/ ٣٢٨).\n(٣) المجروحين (٢/ ٥٩).\n(٤) المجروحين (٢/ ١٢٣).\n(٥) المجروحين (٢/ ١٩٢ - ١٩٣).","vol":"1","page":331},{"text":"وقال في ترجمة (محمد بن عطية بن سعد العوفي): \" منكر الحديث جدًا، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبو ليس بشيء في الحديث، ولا يروي عنه إلا أسيد بن زيد، وأسيد يسرق الحديث، فلا يتهيأ إطلاق القدح على من يكون بين ضعيفين إلا بعد السبر والاعتبار بما يروي عن غير الضعيف، ولا سبيل إلى ذلك فيه فهو ساقط الاحتجاج، حتى تتبين عدالته بروايته عن ثقة إذا كان دونه ثقة، واستقامت الرواية فلم يخالف الثقات \" (١).\nقلت: فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي:\nأولًا: أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه.\nوهذه هي العدالة الموجبة لقبول حديثه، وهي الإتقان لما رواه، وهذا طريق عامة الأئمة في أكثر الرواة.\nثانيًا: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة.\nوحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يرو أحدهم منكرًا، فصاروا إلى توثيقه وقبوله.\nثالثًا: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابته للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي.\nوهذا القدر صحيح، موافق لطريقة غيره، ويبقى: الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد يختبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين أو بالثقات، وابن حبان لم\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"1","page":332},{"text":"يتجاوز هذا، غاية أمره أنه تعنى اختبار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات، أو ضعفه، فألحقه بالمجروحين، والأدلة على إلحاقه الراوي من هؤلاء بالثقات بناء على اختبار حديثه كثيرة في كتابه (الثقات)، وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا.\nلكن الواجب اعتباره ما بينته قبل: أن رجال (الثقات) فيهم الثقة المحتج به، وفيهم الصالح للاعتبار وليس بحجة.\nوهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه (ثقة) يحتج به عنده، إلا أن يوجد فيما ذكره قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول: (مستقيم الحديث)، وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي.\nولست أرى في هذا شيئًا من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به، وصالح يعتبر به.\nلكن، ليس في (الثقات) راو لا يعتبر به على رأي ابن حبان.\nوكذلك ليس كل راو في (المجروحين) أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقًا، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه، وهو يبين ذلك.\nوأما قول ابن حجر: \" هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب (الثقات) الذي ألفه، فإنه يذكر خلقًا ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره \" (١).\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":333},{"text":"وقول ابن حجر أيضًا في ترجمة (أيوب) رجل ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: \" لا أدري من هو، ولا ابن من هو \": \" وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه: من أنه يذكر في كتاب (الثقات) كل مجهول روى عنه ثقة، ولم يجرح، ولم يكن الحديث الذي يرويه منكرًا، هذه قاعدته، وقد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي، والحافظ شمس الدين بن عبد الهادي، وغيرهما \" (١).\nفأقول: ليس مذهبًا عجيبًا، ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن يعني ابن حجر بقول الجمهور أن جهالة الحال لا تثبت إلا براوية اثنين، وهذا قدمت من قبل له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يرو عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناء على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>طريقة الحاكم النيسابوري:</span>\nالحاكم النيسابوري رأس من رءوس هذه الصناعة كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به.\nوإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه، من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه \" المستدرك \"، كما بينته في (القسم الثاني).\nوحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح.\nلكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ٦١٤).","vol":"1","page":334},{"text":"قبله، فزكى رجالًا، وجرح آخرين، بل جرح رجالًا بالجهالة، مما دل على أن خبر المجهول عنده ليس موضعًا للحجة، ولا يحكم بصحته، وهذا موافق لمسلك جمهور أئمة هذا العلم، ووافق غيره من الأئمة في كثير مما تكلم فيه، وتفرد بفوائد في تعديل الرواة وجرحهم، تعد له، وكثير من ذلك منثور في \" المستدرك \"، ومنه في \" سؤالات مسعود السجزي \" له، ومنه في \" تاريخ نيسابور \"، ولا يكاد يخلو سائر كتبه من شيء من ذلك.\nوعهد من طريقة من يذكر عند بعض العلماء بالتساهل في التعديل أن يجري حال من لم يتبين أمره على العدالة، وليس الحاكم منهم، وهذه أمثلة من الرواة نعتهم بالجهالة في \" المستدرك \" ولم يصحح أحاديثهم لأجلهم:\n(١) يحيى بن عبد الله المصري، قال الحاكم: \" لست أعرفه بعدالة ولا جرح \" (١).\n(٢) عبد الملك بن عبد الرحمن، قال الحاكم: \" مجهول، لا نعرفه بعدالة ولا جرح \" (٢).\n(٣) غزال بن محمد، قال الحاكم: \" مجهول، لا أعرفه بعدالة ولا جرح \" (٣).\n(٤) عثمان بن جعفر أبو علي، قال الحاكم: \" لا أعرفه بعدالة ولا جرح \" (٤).\n(٥) أبو المغيرة القواس، تفرد عنه عوف الأعرابي، قال الحاكم: \" مجهول \" (٥).\n_________\n(١) المستدرك (٢/ ٦٢٠ رقم: ٤٢٣٦).\n(٢) المستدرك (٣/ ٦٠ رقم: ٤٣٩٩).\n(٣) المستدرك (٤/ ٢١١ رقم: ٧٤٧٩).\n(٤) المستدرك (٤/ ٤٠٩ رقم: ٨٢٥٥)\n(٥) المستدرك (٤/ ٥٧٥ رقم: ٨٧١٦).","vol":"1","page":335},{"text":"هؤلاء منهم من عرف مخرجه من جهة مجروح أصلًا كيحيى بن عبد الله، فقد روى عنه اليمان بن سعيد وهو ضعيف، ومنهم من عرف مخرجه من جهة عدل كغزال بن محمد فقد روى عنه زياد بن يحيى الحساني وهو ثقة، ففيه إبانة أن الجهالة عند الحاكم تفارق الجهالة عند ابن حبان، فابن حبان لا يعد من كان بين ثقتين مجهولًا، فغزال مثلًا روى عن محمد بن جحادة وهو ثقة، فيكون بهذا بين ثقتين، لكنه مجهولًا في رأي الحاكم.\nبل يؤكد أن رفع الجهالة عنده إنما هي برواية اثنين على الأقل قوله في (إسماعيل بن إبراهيم الشيباني)، قد ذكر حديثًا من رواية محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عنه: \" ولعل متوهمًا من غير أهل الصنعة، يتوهم أن إسماعيل الشيباني هذا مجهول، وليس كذلك، فقد روى عنه عمرو بن دينار الأثرم \" (١)، فجعل جهالته مرتفعة برواية اثنين: ابن ركانة وعمرو بن دينار، وهما ثقتان.\nوهذا موافق لشرط الحاكم الذي قننه لصفة الحديث الصحيح عنده، حيث قال: \" صفة الحديث الصحيح: أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة \" (٢).\nوهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: \" وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان \" عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.\n_________\n(١) المستدرك (٤/ ٣٦٥ رقم: ٨٠٨٨).\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢).","vol":"1","page":336},{"text":"وخلاصة ما تحرر لي في شأن كلامه في الرواة ما يلي:\nأولًا: إن صدرت منه العبارة صريحة في تعديل أو تجريح أو تجهيل الراوي المعين، فقوله حجة، كقول شيخه الدارقطني وشبهه، فإن خالفه غيره في بعض ذلك، فهو من اختلاف الجرح والتعديل، يرجح الراجح بحجته.\nثانيًا: حكمه على إسناد في \" المستدرك \" بقوله مثلًا: \" صحيح الإسناد \"، حكم منه بثقة رواته عنده، لكنه في مرتبة غير معينة من القبول، من أجل أنه لم يكن يفرق بين الصحيح والحسن، فقد يكون الروي في مرتبة الثقة أو مرتبة الصدوق.\nولما ثبت من خطئه الكثير في الحكم على أحاديث بالصحة وهي واهية أو ضعيفة من رواية المجروحين، فإنه لا يصح تعميم القول في الاحتجاج بذلك على كون رواة الإسناد ثقات أو صدوقين، لكنه يرفع من شأن الراوي المجهول عند غيره.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>طريقة ابن عبد البر:</span>\nابن عبد البر من طبقة الخطيب البغدادي، وهما معدودان في المتأخرين، كلاهما في الرواة المتقدمين مبني على تلخيص عبارات السلف فيهم، نعم الخطيب فارق ابن عبد البر بإنشاء القول بتعديل الرواة وجرحهم، خصوصًا من طبقة شيوخه، لكن لا يكاد يوجد ذلك لابن عبد البر إلا قليلًا.\nفإذا كان قول ابن عبد البر في الرواة خلاصة كلام السالفين، فالحجة إذًا عائدة إلى كلامهم، ويبقى تحرير ابن عبد البر للعبارة في الراوي تحرير إمام ناقد، فكما نقبل تحرير العبارة ممن جاء بعده كالذهبي وابن حجر من المتأخرين، فقبول قوله أولى، بل إن المتتبع لكلامه في الرواة في كتبه يجد له وزن عبارة الناقد العارف بهذا العلم فيه.\nوإنما دخلت الشبهة عند بعض الناس أن ابن عبد البر يتساهل في","vol":"1","page":337},{"text":"التعديل، من جهة ما فهموه عنه من قوله في تفسير العدالة، وإنه يجري المسلمين في الأصل عليها، وليس كذلك كما بينته آنفًا في (المبحث الثالث).\nبل قد وصف ابن عبد البر بالجهالة رواة عديدين، ولو كانت العدالة تثبت عنده للراوي بمجرد الإسلام فيقبل بذلك حديثه، لم يكن لوصفه بالجهالة لأولئك الرواة معنى.\nوممن ينبغي التنبيه على كلامه في الرواة من المتأخرين: الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفى سنة: ٨٠٧).\nفإنه قد نثر في كتابه \" مجمع الزائد \" من خلال حكمه على الأسانيد، كثيرًا من عبارات الجرح والتعديل، وهو يعتمد على من تقدمه، لكنها عبارات ينقصها التحرير، فربما أطلق التوثيق وهو كثير، لراو مجهول أو ضعيف، وهو يعتمد توثيق ابن حبان بإطلاق، وكثيرًا ما يقول في الراوي: \" لم أعرفه \"، وهو كان من مشايخ الطبراني في (الميزان) نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في (الميزان) ألحقته بالثقات الذين بعده \" (١).\nومعروف أن الحافظ الطبراني روى عن خلق كثيرين، ولم يكن معتنيًا بنقد النقلة، إنما كان رواية، ولم يعرف عنه انتقاء الرواة الثقات، بل وقع في شيوخه من هو معروف بالضعف، فإطلاق الهيثمي هذه المنهجية في شيوخ الطبراني إطلاق غير علمي.\n\n* * *\n_________\n(١) مجمع الزوائد، للهيثمي (١/ ٨). وأراد بـ (الميزان) \" ميزان الاعتدال \" للذهبي.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الحادي عشر:\n\nتحرير القول في عدالة الصحابة</span>\n\nالصحابي أصل الإسناد، وهو حلقة الوصل بالوحي، وحيث إن العصمة لا تثبت لآحاد الصحابة، فما القول في عدالتهم بركنيها: العدالة الدينية، وإتقان الرواية؟\nولا ريب أن الذي يهمنا هو تمييز شأن الصحابي الذي روى العلم.\nفأما العدالة الدينية، فثابتة لجميعهم بتثبيت الله ورسوله ﷺ ذلك لهم، والمقصود براءة جميعهم من وصف الفسق، وإنما كان يوجد الفسق في المنافقين، وليسوا صحابة، لتخلف معنى الصحبة فيهم، وليس من هؤلاء بفضل الله من يذكر برواية العلم.\nقال ابن حزم: \" قد كان في المدينة في عصره ﵇ منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضًا من لا ترضى حاله، كهيت المخنث الذي أمر ﵇ بنفيه، والحكم الطريد، وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليهم اسم الصحبة \" (١).\nقلت: وحتى من زنى أو سرق ممن قص علينا نبؤهم، فإن من ثبت\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٣).","vol":"1","page":339},{"text":"ذلك عليه فإنه تاب منه وأقيم عليه الحد المطهر، فعاد أمره إلى العدالة بالتوبة.\nقال الخطيب: \" كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله ﷺ؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن \" (١).\nقلت: والأدلة المثبتة عدالة جميع الصحابة كثيرة في الكتاب والسنة من حيث المعموم، ومن حيث التفصيل في كثير من أعيانهم.\nمن ذلك قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \" يدعى نوح ﵇ يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، أو: ما أتانا من أحد، قال: فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، قال: فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلنكم أمة وسطًا﴾، قال: الوسط: العدل، قال: فيدعون، فيشهدون له بالبلاغ، قال: ثم أشهد عليكم \" (٢).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٩٣).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه وكيع بن الجراح في \" نسخته \" (رقم: ٢٦) ومن طريقه: أحمد (١٧/ ٣٧٢، ٣٨٣ رقم: ١١٢٧١، ١١٢٨٣) وابن أبي حاتم في \" تفسيره \" (رقم: ١٣٣٢، ١٣٣٦) و\" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢ - ٣) عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، به. وأخرجه سعيد بن منصور في (التفسير) من \" سننه \" (رقم: ٢٢٢) وابن أبي شيبة (١١/ ٤٥٤) وأحمد (١٧/ ١٢٢ رقم: ١١٠٦٨، ١٨/ ١١٢ رقم: ١١٥٥٨) والترمذي (رقم: ٢٩٦١) والنسائي في \" التفسير \" (رقم: ٢٦، ٢٧) وابن ماجة (رقم: ٤٢٨٤) وأبو يعلى (٢/ ٤١٦ رقم: ١٢٠٧) وابن أبي حاتم في \" تفسيره \" (رقم ١٣٣١) و\" الجرح \" (١/ ١ / ٢) وابن حبان (١٦/ ١٩٩ رقم: ٧٢١٦) والبيهقي في \" الشعب \" (١/ ٢٤٨ رقم: ٢٦٥) جميعًا من رواية أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، بإسناده به. ولم يذكر ابنُ ماجة والبيهقي تفسير الوسط. واقتصر أحمد في الموضع الأول والترمذي وأبو يعلى ومن بعده سِوى البيهقي على قول أبي سعيد: عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال: \" عدلًا \". وقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح \".\n\nوأخرجه البخاري (رقم: ٤٢١٧، ٦٩١٧) من طريق أبي أسامة. و(رقم: ٣١٦١) من طريق عبد الواحد بن زياد. والبخاري أيضًا (رقم: ٤٢١٧) وأبو يعلى (٢/ ٣٩٧ رقم: ١١٧٣) من طريق جرير بن عبد الحميد. وكذا البُخاري في \" صحيحه \" (رقم: ٦٩١٧) و\" خلق أفْعال العِباد \" (رقم: ٢٠٧) وعبْد بن حميد (رقم: ٩١٣) والترمذي (رقم: ٢٩٦١) وابن جرير في \" تفسيره \" (٢/ ٧) والبيهقي في \" الشعب \" (١/ ٢٤٨ رقم: ٢٦٤) من طريق جعفرِ بن عون. وابن جرير (٢/ ٧) من طريق حَفصِ بن غياث، خمستهم عن الأعمش، به.\nلم يذكر البخاري في \" أفعال العباد \" وابنُ ماجة والبيهقي تفسير الوَسط، بينما اقتصرت عليه روايتا ابن جرير، دونَ سائر الحديث. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح \".\nخالفهم سُفيان الثوري، فروى الحديث في تفسير (الوَسط) بالعدْل من قول أبي سعيد، ولم يرفعه.\nأخرجه ابن جرير (٢/ ٧) من طريق مُؤمَّل بن إسماعيل، والحاكم (٢/ ٢٦٨ رقم: ٣٠٦٢، وكما في \" إتحاف المهرة \" ٥/ ٢٠٨ حيث سقط بعض الإسناد من طبعة المستدرك) من طريق حماد بن مسعدة، كلاهما عن الثوري عن الأعمش، بإسناده. وقال الحاكم: \" صحيح على شرْط الشيخين \".\nقلت: ورفْع هذا اللفظ أظْهر على ما في رواية السبعة عن الأعمش: وكيع وأبي معاوية والخمْسة الآخرين.","vol":"1","page":340},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعل ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم﴾ الآية [الفتح: ١٨]، وقوله ﷿: ﴿والسابقون الأولون من المهجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ الآية [التوبة: ١٠٠]، وقوله تعالى: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ حتى قوله: ﴿وكونوا مع الصدقين﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]، وقوله ﴿للفقراء المهجرين الذين أخرجوا من ديراهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هو الصدقون﴾ والآية التي بعدها [الحشر: ٨ - ٩].\nقال الخطيب: \" لا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم، إلى تعديل أحد من الخلق له، فهم على هذه الصفة، إلا أن","vol":"1","page":341},{"text":"يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية والخروج من باب التأويل؛ فيحكم بسقوط العدالة، وقد برأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم عنه، على أنه لو لم يرد من الله ﷿ ورسوله فيهم شيء ... لأوجبت الحال التي كانوا عليها، من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين؛ القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء \" (١).\nوعن البراء بن عازب، قال: \" ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ، كانت لنا ضيعة وأشغال، وكان الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب \" (٢).\nوفي رواية، عن البراء، قال: \" ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٩٦).\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٢٣٥) - ومن طريقه: ابن رُشيْد في \" السنن الأبين \" (ص: ١١٧) - والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٤٨) من طريق إسحاق بن منصور السلولي، والحاكم في \" المستدرك \" (١/ ١٢٧ رقم: ٤٣٨ وكما في \" إتحاف المهرة \" لابن حجر ٢/ ٥١٢) والخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ٩٩) من طريق عبد الله بن مُحمد بن سالم المفْلوج، كلاهما عن إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء بن عازب، به. (في كتابي: المحدث، والمستدرك، سقط).\nقال الحاكم: \" هذا حديث صحيح على شرْط الشيخين ولم يُخرجاه. ومُحمد بن سالم وابْنه عبْد الله مُحتج بهما. فأما صحيفة إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، فقد أخرجها البخاري في الجامع الصحيح \".\nقلت: إسناده حسن، من أجل أن إبراهيم بن يوسف لا يتجاوز حديثه الحُسن، وسائر الإسناد ثقات.\nوإنما صححته، لكون يوسف لم يتفرد به عن أبيه، بل هو متابع على معناه، كما بينته في (الحديث المرْسل).","vol":"1","page":342},{"text":"سمعناه من رسول الله ﷺ، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب \" (١).\nوقال قتادة - وسمع حديثًا من أنس _: قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله ﷺ؟ قال: \" نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب \" (٢).\nوقال حميد الطويل بعد أن ساق حديثًا عن أنس في الشفاعة: فقال له (أي لأنس) رجل: يا أبا حمزة، أسمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: تغير وجهه واشتد عليه، وقال: \" ما كل ما نحدثكم سمعناه من رسول الله ﷺ، ولكن لم نكن يكذب بعضنا على بعض \" (٣).\nوليس ما وقع بين الصحابة من اختلاف أفضى إلى الاقتتال فيما بينهم، كالذي وقع في الجمل وصفين، فكان بتأويل، والتأويل لا يقدح في أصل العدالة، بل صاحبه معذور.\nوقال ابن حزم: \" أما قدامة بن مظعون، وسمرة بن جندب، والمغيرة بن شعبة، وأبو بكرة، رضوان الله عليهم، فأفاضل أئمة عدول \" (٤).\nوبين أن ذلك، لكون قُدامة بدريًا، وكان متأولًا فيما جاء عنه، يعني\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. خرَّجته في (الحديث المرسل) ضِمن (القسم الثاني) من هذا الكتاب.\n(٢) أثر حسن. أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤) وابن عدي (١/ ٢٦٣) من طريق عباد بن راشد، عن قتادة، به، وإسناده حسن، عباد لا بأس به.\n(٣) أخرجه ابن منده في \" الإيمان \" (في آخر رقم: ٨٧٤) من طريق مُعتمر بن سليمان، قال: سمعت حُميدًا. وإسناده صحيح. وأخرجه ابن عدي (١/ ٢٦١) من طريق يحيى بن أيوب عن حُميد، بنحوه، وإسناده حسن. والطبراني في \" الكبير \" (١/ ٢١٨ رقم: ٦٩٩) من طريق أبي شهاب الحنَّاط، عن حميد، نحوه. وإسناده حسن كذلك. وجعفر الفِريابي في \" فوائده \" (ق: ٨٠ / ب) والخطيب في \" الجامع \" رقم: ١٠٠) من طريق حماد بنِ سلمة عن حميد، وإسناده صحيح.\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٤).","vol":"1","page":343},{"text":"في شرب الخمرة، وكان المغيرة من أهل بيعة الرضوان، وسمرة شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وكان متأولًا فيما جاء عنه يعني فيمن قتل من الخوارج، وكان حال أبي بكرة يحتمل أنه قد شبه عليه فيما وقع فيه في شأن المغيرة من قذفه بالزنا، ﵃.\nوالحاصل: أنك لا تجد في الصحابة، وخصوصًا رواة الأخبار، من يطعن عليه بمعصية لا تقبل التأويل، أو معصية طهر من أثرها بالحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>ضبط الصحابي:</span>\nوأما ضبط الصحابي لما روى، فلا ريب أن أحدهم يجوز عليه الوهم كما يجوز على غيره، ولكن قرب العهد بالنبي ﷺ، وطريق تلقي العلم عنه، بالسماع المباشر، أو بالرؤية، مع تكرار ورود العلم عليه، يضعف احتمال الوهم، بخلاف من بعدهم بعدما كثرت الوسائط.\nومع ذلك فإن حفظ الصحابي تعرض للنقد، وبدأ ذلك في الصحابة أنفسهم، ووقع من بعض من جاء من بعد من الأئمة على ندرة، وإليك مثالين:\nالأول: توهيم عائشة لابن عمر في تواريخ عمرات النبي ﷺ.\nفعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر، ﵄ جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة، ثم قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال: أربعًا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال وسمعنا أستنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يأماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمرات، إحداهم في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر","vol":"1","page":344},{"text":"عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط (١).\nالثاني: توهيم سعيد بن المسيب لابن عباس في زواج النبي ﷺ من ميمونة وهو محرم.\nفعن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أن النبي تزوج ميمونة وهو محرم.\nقال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وإن كانت خالته، إنما تزوجها حلالًا (٢).\nقال ابن تيمية: \" وأما الغلط فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحيانًا \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>مسائل في عدالة الصحابة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته، فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له:</span>\nوجد في بعض الرواة من عد في الصحابة؛ لشبهة رواية وقعت له عن النبي ﷺ، أو لزعم بعض أهل السيرة أنه ولد في حياة النبي ﷺ، فمثل\n_________\n(١) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٦٨٥) ومسلم (رقم: ١٢٥٥).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن عدي (١/ ١٢٥) وتمام الرازي في \" الفوائد \" (رقم: ٦٢٥ - ترتيبه) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٢١٢) و\" دلائل النبوة \" (٤/ ٣٣٢) وابن عبد البر في \" التهيد \" (٣/ ١٥٨) وابن عساكر في \" تاريخه \" (٣٦/ ٤٢٦ - ٤٢٧، و٥٤/ ١٢٣) من طريق الأوزاعي، عن عطاء، به.\nوهو عند البُخاري في \" صحيحه \" (رقم: ١٧٤٠) وغيره من طريق الأوزاعي، بحديث ابن عباس دونَ توهيم سعيد له.\nوقال ابن عبد البر: \" هكذا في الحديث: قال سعيد بن المسيب، فلا أدري أكان الأوزاعي يقوله أو عطاء \". قلت: هوَ من قول عطاء أولى؛ لاتصالته بالخبر من روايته.\n(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوَسيلة (ص: ١٦١).","vol":"1","page":345},{"text":"هؤلاء، إذا وجدت في أحدهم الجرح، فليس هو عند الجارح معدودًا في الصحابة، وثبت عليه الجرح عنده بسبب من أسبابه.\nوذلك مثل (بسر بن أرطاة) ويقال: (ابن أبي أرطاة)، فقد عده بعضهم في الصحابة، ولا تثبت له صحبة على التحقيق، قال يحيى بن معين: \" أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع بسر بن أبي أرطاة من النبي ﷺ، وأهل الشام يروون عنه عن النبي ﷺ \" (١).\nولما ثبت عنه من الظلم والفساد في الأرض لهوى بني أمية، قال فيه يحيى بن معين: \" رجل سوء \" (٢).\nوأورده ابن عدي في \" كتابة \" في المجروحين لقول ابن معين فيه، وأورد له حديثين: أحدهما: دعاء مرفوع، والآخر: \" لا تقطع الأيدي في الغزو \"، وقال: \" بسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي ﷺ، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أدري بإسناد هذين بأسًا \" (٣).\nقلت: إن سلم الحديثان من النكارة، فلا يسلم إسناد فيه مثل بسر من السقوط، فإن ما تقدم له من الفساد يتعذر في مثله التأويل.\nوالمهم أن تدرك هنا أنه لا يوجد قدح في عدالة من ثبتت صحبته، إنما وجد مثل هذا فيمن اختلف فيه، والراجح عدم صحبته.\nوقد يقول الناقد في الرجل: (مجهول)، وغيره يدعي له الصحبة، فلا تحمل قول بعضهم على بعض، فتظن أن من الصحابة من يطلق عليه ذلك، وإنما هذا تعارض بين أن يكون تابعيًا مجهولًا، أو صحابيًا، فإن رجح القول بصحبته، وإلا فهو تابعي مجهول، فابحث عن راجحه بحجته.\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٦٤٣).\n(٢) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٣٦).\n(٣) الكامل (٢/ ١٥٣).","vol":"1","page":346},{"text":"وذلك مثل (معبد بن خالد الجهني أبي رغوة)، فقد قال ابن أبي حاتم: \" له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر، ﵄، مات سنة ثنتين وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول \" (١)، وقد قال فيه يحيى بن معين: \" ثقة \" (٢).\nقلت: الأشبه أن يكون صدر هذه المقالة من كلام ابن أبي حاتم، لا من كلام أبيه، وأن قوله من بعد: \" سمعت أبي يقول ذلك \"، إشارة إلى روايته عن أبي بكر وعمر، وما بعده من الكلام، وكذلك وجدت ابن عبد البر نسب القول بصحبته لا بن أبي حاتم، لا لأبيه، وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر وغيرهما (٣).\nوحيث قام هذا الاحتمال فلا يصح الاعتراض بهذه الصورة على الأصل في انتفاء جرح الصحابي بالجهالة، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه أورد توثيقه عن ابن معين، فدل على أصل الاختلاف فيه، ولم أجد مستندًا في ذكر عمره الذي أقام شبهة صحبته إلا كلمة للواقدي، وهو متروك غير ثقة، نقلها عنه من سميت آنفًا وغيرهم.\nوقال أبو حاتم الرازي في (خذام بن وديعة): \" مجهول \" (٤)، وغيره يثبت له الصحبة.\nوكذا قال في (مدلاج بن عمرو السلمي) (٥)، وهو صحابي على الراجح، ولا رواية له.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٧٩).\n(٢) تاريخ الدارمي (النص: ٧٢٤).\n(٣) انظر: الاستعياب، لابن عبد البر (١٠/ ١٥٨ - ١٥٩ هامش الإصابة)، وأسد الغابة، لابن عبد الأثير (٤/ ١٦٠) والإصابة (٩/ ٢٤٢).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٠٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٢٨).","vol":"1","page":347},{"text":"وقالها في (بلال الفزاري) (١)، والقول قوله، فالرجل إنما روى مرسلًا، ولا صحبة له، ومثله آخرون، منهم: الحارث بن بدل النصري (٢)، وعبد الله بن أبي شديدة (٣)، وعبد الله بن قيس الأسلمي (٤).\nوقد وجدت لابن حجر قولًا بخصوص هذه المسألة جديرًا بالتنبيه عليه، قال في ترجمة (مدلاج) المتقدم ذكره: \" وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة، لا يريد جهالة العدالة، وإنما يريد أنه من الأعراب الذين لم يرو عنهم أئمة التابعين \" (٥).\nقلت: وليس الأمر ما أوهمته عبارته ﵀، أن أبا حاتم يقول في أحدهم: (مجهول) وهو من أعراب الصحابة، فهذا ما لا يوجد له مثال واحد البتة في كلام أبي حاتم، ولو قال: حكم أبو حاتم بجهالته لكونه من أعراب الصحابة، فلم يعرف صحبته لعدم ظهور أمره فيها، وذلك أن هؤلاء يكون أحدهم مغمورًا، فكيف إذا اقترن بذلك أنه لم يرو عنه من العلم شيء، ولم يأت في صحيح الأخبار ما يبين أمره، كمدلاج المتقدم؟\nوالتحقيق: أنه لا يوجد فيمن وصقهم أبو حاتم بقوله: (مجهول)، من له صحبة في رأي أبي حاتم نفسه.\n\nالمسألة الثانية: الرجل تدعى صحبته بناء على ما لا يثبت عنه من الرواية، فيذكر في الضعفاء من أجل نكارة حديثه، فهذا لا يصح عده صحابيًا.\nومثاله: (عمرو بن عبيد الله الحضرمي)، قال البخاري: \" رأي النبي ﷺ، لا يصح حديثه \" (٦)، فذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: \" وهذا\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٩٨).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦٩).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٨٣).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٣٨).\n(٥) لسان الميزان (٦/ ١٥).\n(٦) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٣١٢).","vol":"1","page":348},{"text":"هو حديث واحد، وإنما شك البخاري أن لا يصح له، أي ليس لعمرو بن عبيد الله صحبة \" (١).\nومثل: (زهير بن عثمان الثقفي)، روى عن النبي ﷺ: \" الوليمة حق، واليوم الثاني معروف \"، قال البخاري: \" لم يصح إسناده، ولا يعرف له صحبة \" (٢)، وذكره ابن عدي تبعًا للبخاري، وأقره (٣).\nفمثل هذين إنما ذكرا في الضعفاء، لا لضعفهما؛ وإنما لضعف الرواية عنهما، وإذا كان مثل هذه الرواية هو الطريق لإثبات الصحبة، فالصحبة لا تثبت به، وإن افترضنا ثبوتها للرجل بغير هذه الرواية فذكره في الضعفاء ليس لجرحه في عدالته، وإنما من أجل الرواية الضعيفة التي قد تكون علتها من قبل غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المسألة الثالثة: تحرير القول في جهالة الصحابي</span>.\nوالمقصود به هنا من لم يسم، وهو وارد في رواية بعض الحديث، كقول الراوي: (حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ).\nفهذا عند أهل العلم في الاحتجاج به وقبوله على مذهبين:\nالمذهب الأول: لا يقبل، وهو ظاهر صنيع الشيخين في \" صحيحيهما \".\nقال الحاكم في صفة الحديث الصحيح: \" أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة \" (٤).\n_________\n(١) الكامل (٦/ ٢٤٤).\n(٢) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٢٥).\n(٣) الكامل (٤/ ١٨٧).\n(٤) معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢).","vol":"1","page":349},{"text":"وقال ابن حزم: \" لا يقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من الصحابة، أو: حدثني من صحب رسول الله ﷺ، إلا حتى يسميه، ويكون معلومًا بالصحبة الفاضلة، ممن شهد الله تعالى لهم بالفضل والحسنى \" (١).\nوالمذهب الثاني: يقبل، بمنزلة المسند، وعليه جرى المصنفون في جمع المسانيد، كأحمد بن حنبل وغيره.\nوالتحقيق أن جهالة الصحابي غير قادحة، وذلك لاعتبارين:\nالأول: بناء على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نقلة الأثر.\nقال ابن الصلاح: \" الجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول \" (٢).\nوالثاني: لما علم بالتتبع أن الرواية عن صحابي مجهول العين قليلة، ولم يوجد فيها ما يعد منكرًا أو ضعيفًا لمجرد كون الصحابي لم يسم أو لم يعرف، فدل على سقوط أثر ذلك.\nلكن اتصال الإسناد أو عدمه إنما يعتبر فيه تقسيمه إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: مسند متصل.\nوله صور:\nالأولى: أن يقول صحابي معروف: (أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ).\nكقول أنس بن مالك: \" أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ، أن النبي ﷺ ليلة أسري به مر على موسى ﵇ وهو يصلي في قبره \" (٣).\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٣).\n(٢) علوم الحديث (ص: ٥٦).\n(٣) انظر: سنن النسائي (٣/ ٢١٦).","vol":"1","page":350},{"text":"فالجهالة بهذا الصحابي لا تضر على أي حال: صرح الصحابي المسمى بسماعه منه أم لا، وذلك تصديقًا لذلك الصحابي المسمى في خبره بصحبة مخبره.\nولو لم يخبر عن صحبته أو ما يدل عليها، فأدنى أحواله، ينزل منزلة مراسيل الصحابة، وهي مسندة عند عامة أئمة الحديث.\nوالثانية: أن يقول التابعي الثقة: (حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ)، فيصدق في وصفه لمن حدثه بالصحبة، وخبره متصل لبيانه السماع من ذلك الصحابي المبهم.\nقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل): إذا قال رجل من التابعين: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ، فالحديث صحيح؟ قال: \" نعم \" (١).\nوالقول بتصحيح ذلك أيضًا منقول عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي من أئمة الحديث، وأبي بكر الصيرفي من الأصوليين، لكن خالف البيهقي، فقال: \" هو مرسل \" (٢).\nوله أمثلة كثيرة، كقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: \" حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ، أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمها \"، الحديث (٣).\nقلت: هذا ما دام التابعي ثقة، أما إن كان مجروحًا، فقد سقط قوله بسقوطه.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٥) عن كتاب \" العلل \" للخلال، والذي يرويه الخطيب بقوله: \" حُدثت عن عبدِ العزيز بن جعفر \".\n(٢) حكى ذلك عنهم: ابن رجب في \" شرح العلل \" (١/ ٣٢٠).\n(٣) انظر: سنن أبي داود (رقم: ٢٣٧٤).","vol":"1","page":351},{"text":"والثالثة: أن يقول التابعي الثقة: (أخبرني رجل سمع النبي ﷺ) وشبه ذلك، فتثبت الصحبة لتلك الواسطة المبهمة تصديقًا للتابعي في خبره المتصل عن تلك الواسطة أنها سمعت النبي ﷺ.\nمثل قول أبي البختري سعيد بن فيروز: \" أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم \" (١).\n٢ - متوقف فيه:\nوله صورة واحدة، وهي: أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل من أصحاب النبي ﷺ)، فيذكر الخبر معنعنًا.\nفهو صادق في وصفه بالصحبة، لكنه لا يجري مجرى المتصل، وذلك لاحتمال كون التابعي لم يدرك ذلك الشيخ من الصحابة، فإنا نعلم أن الإرسال في التابعين كثير، كانوا يحدثون عمن لم يدركوا ومن لم يسمعوا منهم من الصحابة، ولم يسلم من ذلك حتى بعض كبار التابعين، كسعيد بن المسيب.\nومن أمثلته: قول راشد بن سعد: \" عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: \" كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة \" (٢).\nوأما ما سأل الحسين بن إدريس الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، أيكون ذلك حجة؟ قال: \" نعم، وإن لم يسمعه، فإن جميع أصحاب النبي ﷺ كلهم حجة \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \" مُسنده \" (٣٠/ ٢٢٢ رقم: ١٨٢٨٩ - الرسالة) و(٥/ ٢٩٣ - ميمنية).\n(٢) أخرجه النسائي (رقم: ٢٠٥٣).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٥) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":352},{"text":"فهذا للإبانة أن جهالة الصحابي لا تضره، ذكر في روايته سماعه من النبي ﷺ أم لم يذكر. وليس هو في شأن اتصال ما بين التابعي وذلك الصحابي المجهول.\n٣ - مرسل.\nوله صور واحدة، وهي أن يقول التابعي الثقة: (عن رجل عن النبي ﷺ) أو: (حدثني رجل) ولا ينسبه للصحابة، ولا يذكر عن ذلك أنه سمع النبي ﷺ.\nفهذا مرسل، وذلك الرجل مجهول جهالة مؤثرة، ولا يلحق بالصحابة، فإن التابعين رووا كثيرًا عن نظرائهم، وفي التابعين من جرح.\nكذلك رأيت أبا داود السجستاني خرج في \" المراسيل \" حديثًا من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: (حدثني من لا أتهم عن رسول الله ﷺ) فذكر حديثًا (١).\nفعده أبو داود مرسلًا.\n\n* * *\n_________\n(١) المراسيل (رقم: ٥٣٣)، وفي الإسناد إلى القُرظي راوٍ مجهول، وإنما استدللت بصنيع أبي داود في إدخال هذه الصورة في جُملةِ المراسيل.","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>الفصل الثالث\nتفسير الجرح</span>","vol":"1","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>تمهيد:\n\nفي معنى الجرح</span>\n\nالجرح يقابل التعديل، وهو: الطعن في الراوي بما يسلب عنه وصف العدالة أو الضبط، أو جميعًا.\nفسلب العدالة يكون بـ: الفسق بالفعل أو القول، والكذب في الحديث والتهمة به، وسرقة الحديث، والبدعة، والجهالة.\nوسلب الضبط في: سوء الحفظ، ومنه الاختلاط، وفحش الخطأ، وقبول التلقين، ويكون نسبيًا فلا يطرح معه الراوي، وكليًا يسقط معه الراوي.\nوتقدم تحرير القول في حكم جرح الرواة غير العدول، وأنه مما توجبه ضرورة حفظ الدين.\nوفي المباحث التالية: تحرير سائر ما يتصل بهذا الأصل، وتبقى بقية تستوعب في الفصل الخامس في تحرير في (اختلاف الجرح والتعديل).\n\n* * *","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>المبحث الأول:\n\nصور الجرح غير المؤثر</span>\n\nاعلم أنه ليس كل جرح في الراوي مقبولًا، فلا يعتد إلا بجرح من أهله، ولا يعتد بجرح إلا بصيغة بينة واضحة أن علة جرحه كذا كذا، وكانت تلك الجرحة قادحة، وسلمت من المعارض الراجح.\nوقد وقع في هذا الباب القدح في الرواة بأسباب غير معتبرة في التحقيق، أقدم بيانها ليخلص القول بعدها في تحرير القول في الأسباب المؤثرة، وذلك في صور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>الصور الأولى: استعمال المباحات، أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلًاّ وحرمة</span>.\nفوقع الراوي في الشيء من ذلك لا يجوز أن يعد قادحًا، إذ استعمال المباح مشروع، ولا يقدح في العدالة استعمال المشروعات، ولا يصح أن تكون مفسقات، وإن جرى العرف بتركها على التحقيق، فإن العرف لا يصلح دليلًا على المنع مما أباحه الله ﷿ ورسوله ﷺ.\nوما يختلف فيه الاجتهاد، فهذا إن فعله الراوي فلا يقدح فيه من جهة ما يكون له معه من عذر المخالفة، وخلاف العلماء في الأحكام كثير بينهم.","vol":"1","page":358},{"text":"وقد جاوز بعض النقاد فجرح الراوي أو تركه لمثل ذلك، فمن أمثلته:\n١ - قال شعبة بن الحجاج: \" لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق، فرأيته يلعب بالشطرنح، فتركته، فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه \" (١).\nقال الخطيب: \" ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعبه بالشطرنج مما يجرحه، فتركه، ثم استبان له صدقه في الرواية وسلامته من الكبائر، فكتب حديثه نازلًا \" (٢).\nقلت: ومعروف عن شعبة تشديده في ترك حديث الراوي لشيء رآه منه في غير الحديث، مما يحتمل التأويل أو الخطأ.\nعن ورقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: \" رأيته يزن إذا وزن فيرجح في الميزان، فتركت حديثه \"، وقلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: \" رأيته يركض دابته، فتركت حديثه \" (٣).\nوكان شعبة يقع في (الخصيب بن جحدر) يقول: \" رأيته في الحمام يغير مئزر \" (٤).\nوقال يحيى القطان: أتى شعبة المنهال بن عمرو، فسمع صوتًا، فتركه، يعني الغناء (٥).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨٣) بإسناد صحيح.\n(٢) الكفاية (ص: ١٨٣).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٣٠ وإسناده حسن، وبعضه أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨٢).\n(٤) أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٣٠) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ٤١) وإسناده صحيح. وفسَّر أبو حاتم الرازي ذلك الصوت بقوله: \" يعني أنه سمع صوْت قراءة بألحان، فكرهَ السماع منه لأجل ذلك \" (تقدمة الجرح والتعديل، ص: ١٥٣ ونحوه ص: ١٧٢). والصواب أنه الغِناء أو آلته، فقد أخرج الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨٣) بإسناد صحيح إلى شُعبة، قال: \" أتيت منزل المنهال بن عمرو، فسمعت فيه صوت الطنبور، فرجعت \"، فقال له وهْب بن جرير: فهلاَّ سألت؟ عسى ألا يعلم هو.","vol":"1","page":359},{"text":"٢ - وقال جرير بن عبد الحميد: \" أتيت سماك بن حرب، فرأيته يبول قائمًا، فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خرف \" (١).\n٣ - وقصة شرب الكوفيين للنبيذ معروفة، وقولهم فيه مشهور في عصر النقل والرواية، وكانت استباحتهم حاصلة بالتأويل، فالقدح على راو رأى ذلك الرأي أو فعل ذلك الفعل بمجرد ذلك جرح مردود غير معتبر.\nقال يحيى بن معين: \" وكيع وابن نمير كانوا يشربون النبيذ، وإنما كان نبيذهم يجعلونه في التنور، يشربونه اليوم واليومين والثلاثة، ويهريقونه، ولا يشربون كلا نبيذ يزداد على الترك جودة \".\nوقال: \" شريك وسفيان ووكيع وكل من رخص فيه كلهم يكرهون المعتق \" (٢).\nوقال أيضًا: \" ومن رخص فيه فيما أسكر كثيره: شريك وسفيان وحسن بن حي ووكيع وابن نمير، وهؤلاء، وهم مع ذلك ينهون عن الخليطين، وعن المنادمة والمعاقره والجلوس عليه، والنقيع عندهم خمر، والبصريون يرخصون في النقيع ويقولون: هو حلال، وكل نبيذ يجوز ثلاثة أيام فلا خير فيه عندهم وعند سفيان وشريك وابن حي وابن نمير ووكيع وأبي معاوية، كلهم يكرهه \" (٣).\nوقال يحيى بن معين أيضًا: \" تحريم النبيذ صحيح، وأقف عنده لا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث صحاح، وحرمه قوم آخرون بأحاديث صحاح \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (٤/ ٥٤١) بإسناد صحيح.\n(٢) من كلام أبي زكريا، رواية يزيد بن الهيثم (النص: ٢٠٤، ٢٠٥).\n(٣) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٩٤).\n(٤) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٢٨٧).","vol":"1","page":360},{"text":"وأحسن ما قيل فيمن واقع مثل هذه المخالفة متأولًا: قول أبي حاتم الرازي: جاريت أحمد بن حنبل من شرب النبيذ من محدثي الكوفة، وسميت له عددًا منهم، فقال: \" هذه زلات لهم، ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم \" (١).\n٤ - وقال الإمام أحمد بن حنبل: \" كان يحيى - يعني القطان - لا يرضى إبراهيم بن سعد \"، قال المروذي: قلت: أيش كان حاله عنده؟ قال: \" كان على بيت المال \" (٢).\nقال يحيى بن سعيد القطان: \" لو لم أرو إلا عن كل من أرضى، ما رويت إلا عن خمسة \" (٣).\nوفسر ذلك الحاكم فقال: \" يحيى بن سعيد في إتقانه وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، ويعني بالخمسة الشيوخ: الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات \" (٤).\nقلت: بل والجامعين لأوصاف الورع والعفة حتى المباح المستحسن تركه، كما يدل عليه رأيه في إبراهيم بن سعد، فإبراهيم لم يكن ليعاب في حفظه، إنما عيبه قربه من الحاكم.\n٥ - وقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يقول: \" كان وكيع لا يحدث عن هشيم؛ لأنه كان يخالط السلطان، ولا يحدث عن إبرهيم بن سعد، ولا ابن علية، وضرب على حديث ابن عيينة \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٦).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، لأبي بكر المروذي وغيره (النص: ٢١٥).\n(٣) أخرجه يحيى بن مَعين في \" تاريخه \" (النص: ٣٨٨٥) ومن طريقه: ابنُ عدي (١/ ١٨٧ - ١٨٨) والحاكم في \" المدخل إلى الصحيح \" (ص: ١١٣).\n(٤) المدخل إلى الصحيح (ص: ١١٣).\n(٥) سؤالات الآجري لأبي داود السجستاني (النص: ٨٢).","vol":"1","page":361},{"text":"وقال أبو داود: سمعت رجلًا قال لأحمد: لأيش ترك وكيع إبراهيم بن سعد؟ قال: \" ما أدري، كان إبراهيم ثقة \" (١).\n٦ - وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر (يعني عبد الأعلى بن مسهر حافظ الشاميين): إنه - يعني سليمان بن عتبة - يسند أحاديث عن أبي الدرداء؟ قال: \" هي يسيرة، وهو ثقة، ولم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان \" (٢).\n٧ - وقال أبو الحسن الميموني: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، أحمد بن عبد الملك بن واقد؟ فقال لي: \" قد مات عندنا، ورأيته كيسًا، وما رأيت بأسًا، رأيته حافظًا لحديثه \"، قلت: ضبطه؟ قال: \" هي أحاديث زهير، وما رأيت إلا خيرًا، وصاحب السنة، قد كتبنا عنه \"، قلت: أهل حران يسيئون الثناء عليه، قال لي: \" أهل حران قلما يرضون عن إنسان، هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له \"، فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسنًا، يتكلم فيه بكلام حسن (٣).\n٨ - ومن هذا القدح على المحدث بأخذ الأجرة على التحديث، وممن عيب به: أبو نعيم الفضل بن دكين، وهشام بن عمار، وعلي بن عبد العزيز المكي.\nوعلل بعضهم القدح بمثل هذه الصورة بأن أخذ الأجرة ربما أغرى المحدث بالزيادة في الحديث من أجل المال، كما قد يغريه بذلك لصوقه بالسلطان؛ لما يجره إلى محاباته.\nوالصواب في جميع ذلك:\nأن القدح فيها ليس معتبرًا، من جهة أننا اشترطنا الصدق لقبول روايته، فإذا ثبت اندفعت به مثل هذه الظنون.\n_________\n(١) سؤالات الآجري (النص: ٨٤).\n(٢) تاريخ أبي زرعة (١/ ٣٨٢).\n(٣) تاريخ بغداد (٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":362},{"text":"وكذلك فإن المخطىء المتأول بمعصية إذا عرف بالصدق فحديثه مقبولًا مطلقًا، لأن التأويل متضمن إرادة صاحبه للصواب، وعدم قصده للخطأ، وقد وقع التأويل للمخالفة الشرعية من جماعة من الصحابة فلم يمنع ذلك من قبول ما حملوه من العلم عن رسول الله ﷺ، كأهل الشام الذين قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁.\nفأولى من ذلك أن يقبل حديث من واقع مختلفًا في منعه، أو ترك مختلفًا في فرضه.\nقال الشافعي: \" والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها، ممن لا ترد شهادته، وكذلك لو كان موسرًا فنكاح أمة مستحلًا لنكاحها، مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا، وهكذا المستحل الدينار بالدينارين، والدرهم بالدرهمين يدًا بيد، والعامل به؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه، وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن، فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيه فرغبنا عن قولهم، ولم يدعنا هذا إلى أن نحرجهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم؛ لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله ﷿ \" (١).\nقلت: والقول في البدعة من هذا على التحقيق، وسيأتي في أسباب سلب العدالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>الصورة الثانية: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح</span>.\nوذلك في حالتين:\nالأولى: في رواية الراوي عرضًا.\n_________\n(١) الأم (٦/ ٢٠٦). وتقدم سِياق هذا النص أيْضًا في (صفة الناقد).","vol":"1","page":363},{"text":"وهي الرواية قراءة على الشيخ، لا سماعًا من لفظه، وتقدم أنها: متصلة بمنزلة السماع عند أكثر أئمة الحديث.\nوربما رأيت من بعض النقاد الطعن في رواية بعض الثقات عن بعض شيوخهم أنها كانت عرضًا، ويكون مرجع الأمر إلى شيء زائد على مجرد العرض، وهو أن الذي كان يعرض على الشيخ راو مجروح، ويكون ذلك الثقة قد حضر ذلك العرض.\nمثل من طعن في روايته عن مالك؛ لكونه أخذ عنه بعرض حبيب كاتبه.\nومنه قول يحيى بن معين في (حفص بن ميسرة): \" سمع عرضًا، كان عباد بن كثير يعرض لهم على زيد بن أسلم وغيره، قال أبو جعفر السويدي (١): ذهبت إلى حفص بن ميسرة فسألته أن يخرج إلي كتابًا، فقال لي: إنما كان عباد بن كثير يعرض لنا \" (٢).\nقلت: والرواية بمثل هذا في الأصل صحيحة؛ لأن العبرة بإقرار الشيخ ما يقرأ عليه، والقارئ ليس واسطة بين التلميذ وشيخه، ولذلك فلا تضر جهالته ولا كونه مجروحًا.\nولوا افترضنا صحة القدح على ما يروي بهذا الطريق، فإن ورود القدح على الشيخ أولى من وروده على التلميذ، فإنما حدث التلميذ بما أقر به الشيخ مما قرئ عليه.\nوأما أن يكون حفص بن ميسرة اتقى التحديث عن زيد بن أسلم من أجل أنه سمع بعرض مجروح، فذلك جائز أن يكون من أجل شكه في ضبطه لرواية نفسه عن شيخه.\n_________\n(١) اسمه محمد بن النوشجان، بغدادي ثقة.\n(٢) معرفة الرجال، رواية ابنِ محرز (٢/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":364},{"text":"والمقصود: أن من تكلم فيه من الرواة المعروفين بالثقة بسبب مثل هذا السماع، فليس ذلك بقادح فيهم.\nوالحالة الثانية: القدح في الراوي من جهة أنه روى وجادة.\nقال علي بن المديني: سألت سفيان (يعني ابن عيينة) عن جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر، وكان قدم اليمن، فحملوا عنه شيئًا، قلت لسفيان: روى معمر عنه أحاديث يحيى بن سعيد، فقال سفيان: \" إنما وجد ذاك كتابًا، ولم يكن صاحب حديث، أنا أعرف بهم، إنما جمع كتبًا فذهب بها \" (١).\nوقال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة: \" حديث أبي سفيان عن جابر، إنما هي صحيفة \" (٢). وفي لفظ لشعبة: \" إنما هو كتاب \" (٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" فأما جابر فإن شعبة يقول: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث \". وقال: \" ويقال: إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكري \" (٤).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: \" كان شعبة يرى أن أحاديث أبي سفيان عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكري \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٣٨ - ٣٩) بإسناد صحيح.\n(٢) أخرجه يحيى بن معين في \" تاريخه \" (النص: ٤٤٥٨) ومن طريقه: عبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٣٨١٠) وابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٠٠) والعقيلي (٢/ ٢٢٤) وابن عدي (٥/ ١٨٠ - ١٨١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٧) عن شعبة بإسناد صحيح. وابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٤٦) و\" الجرح والتعديل \" (٢/ ١ / ٤٧٥) عن سفيان، وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه يحيى بن معين (النص: ٢٣٩٧) بإسناد صحيح.\n(٤) المراسيل (ص: ١٠٠).\n(٥) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٤٤ - ١٤٥) وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في \" المعرفة \" (١٠٣ - ١٠٤) لكن قال ابن المديني: قلت لعبد الرحمن: سمعته من شعبة؟ قال: أو بلغني عنه. فهذا يُلين الرواية.","vol":"1","page":365},{"text":"وقال أبو حاتم الرازي: \" جالس سليمان اليشكري جابرًا، فسمع منه، وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر، وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة \" (١).\nوقال همام بن يحيى: \" قدمت أم سليمان اليشكري بكتاب سليمان، فقرئ على ثابت، وقتادة، وأبي بشر، والحسن، ومطرف، فرووها كلها، وأما ثابت فروى منها حديثًا واحدًا \" (٢).\nوقال سليمان التيمي: \" ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن، فرواها، أو قال: فأخذها، وأتوني بها فلم أروها \" (٣).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: حدثت سفيان (يعني الثوري) أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: \" كانت من كتاب \" يعني أنها ليست بسماع (٤).\nوقال شعبة: \" أحاديث الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال سمعت \" (٥).\nوقال يحيى القطان: قال شعبة: \" عامر الشعبي عن علي، وعطاء - يعني ابن أبي رباح - عن علي، إنما هي من كتاب \" قال يحيى: فاسترجعت أنا (٦).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١٣٦).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٦) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٦) وإسناده صحيح. كذلك أخرجه الحاكم في \" المعرفة \" (ص: ١١٠) وإسناده صحيح، وزاد إلى الحسن ذكْر قتادة.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٧١) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٣٠) وإسناده صحيح.\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٣٠) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":366},{"text":"والتحرير كما بينته في (شرط اتصال السند): أن قبول الوجادة والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود، وعليه فلا تعد الرواية بها مما يقدح في الراوي لأجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الصورة الثالثة: الجرح بسبب التحمل في الصغر</span>.\nتقدم في الفصل السابق بيان صحة تحمل الصغير إذا كان مميزًا، وضبط ما تحمله، فالقدح في الراوي بسبب صغر السن لا أثر له بمجرده، ولا يصلح أن يكون سببًا للجرح، وإنما إذا ثبت أن السن لم يكن سن ضبط، والراوي حدث بالشيء مما لم يضبطه لذلك، كان ذلك مؤثرًا، لكنا لم نجد في التحقيق له مثالًا صالحًا ترجع علته إلى مجرد هذا.\nوقد تكلم في بعض الرواة لهذه العلة، كما ذكرت بعض مثاله حيث أشرت.\nقال أحمد بن أبي الحواري (وهو ثقة): قلت للفريابي: رأيت قبيصة (١) عند سفيان؟ قال: \" نعم، رأيته صغيرًا \". قال أبو زرعة الدمشقي: فذكرته لمحمد بن عبد الله بن نمير، فقال: \" لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه \" (٢).\nقلت: يعني أنه لم يضره أن كان صغيرًا حين سمع من الثوري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>الصورة الرابعة: ما يعود إلى جحد الشيخ أن يكون حدث بالحديث، أو تركه القول بمقتضاه</span>.\nفهاتان حالتان:\nالأولى: الراوي يروي عن رجل حديثًا، فيسأل المروي عنه فينكره، أو ينكر أن يكون ذلك الراوي قد سمع منه، فذلك الخبر لا يقبل من ذلك\n_________\n(١) يعني ابن عُقبة.\n(٢) تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٥٨٠).","vol":"1","page":367},{"text":"الطريق، ولكن لا يعد هذا سببًا للطعن على ذلك إذا كان ثقة ضابطًا؛ لجواز النسيان على المحدث، إلا أن يعتضد الجرح بذلك بما يشهد له، أو أن يكون التلميذ لم تستقر ثقته.\nقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يضعف الحديث عندك بمثل هذا: أن يحدث الرجل الثقة بالحديث عن الرجل، فيسأله عنه، فينكره ولا يعرفه؟ فقال: \" لا، ما يضعف عندي بهذا \" (١).\nوالعلة في ذلك كما ذكرت: أن النسيان غير مأمون على الراوي، وإن كان ثقة، وإنما العبرة بإتقان من حفظه عنه.\nووقوعه في رواية الثقات نادر قليل.\nمثاله: ما رواه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ كره يأخذ من المختلعة أكثر مما أعطاها.\nقال وكيع: سألت ابن جريج؟ فأنكره، ولم يعرفه (٢).\nقلت: فمن ذا يجرؤ أن يطعن بهذا على سفيان الثوري؟! إنما يحمل على نسيان ابن جريج له.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٤٣) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه في \" العلل ومعرفة الرجال \" (النص: ١٣٨١) وعنه: ابنُ أبي خيثمة في \" أخبار المكيين \" من \" تاريخه \" (ص: ٣٦١). كما أخرجه يعقوب بن سفيان (٢/ ٨٣٢) ومن طريقه: البيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٣١٤) من طريق أبي نُعيم وقبيصة عن الثوري، به.\nكما نقل عن أحمد ما حكاه عن وكيع عن ابن جريج من إنكاره.\nوالثوري لم يتفرد به عن ابن جريج، إنما تابعه عليه: سفيان بن عيينة، عند سعيد بن منصور (رقم: ١٤٢٨)، وعنه: يعقوب بن سفيان (٢/ ٨٣٢ - ٨٣٣) ومن طريقه: البيهقي، وحفص بن غياث عند ابن أبي شيبة (٥/ ٥ / ١٢٢). وتابعهم ابن المبارك عن ابن جريج به في سياق مطوًّل وقصةٍ، أخرجه يعقوب بن سفيان (٢/ ٨٣٣) والبيهقي (٧/ ٣١٤).\nوتأول البيهقي إنكار ابن جريج أنه كانَ على اللفظ، وفيه نظرٌ، إنما ظاهرهُ أنه أنكر أن يكون حدَّث به.","vol":"1","page":368},{"text":"ومن مثاله: ما حدث به حماد بن زيد، قال: قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال بقول الحسن في: (أمرك بيدك)؟ قال: لا، إلا شيء حدثناه قتادة عن كثير مولى ابن سمرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. قال أيوب: فقدم علينا كثير، فسألته؟ فقال: ما حدثت بهذا قط، فذكرته لقتادة، فقال: بلى، ولكنه نسي (١).\nقلت: وهل يقبل ذلك الحديث بعينه؟\nعلى قولين:\nالأول: يقبل، والعمدة فيه على الحفظ الثقة، والشيخ قد نسي.\nوالثاني: لا يقبل، من أجل الشبة، وهو قول متأخري الحنفية (٢).\nوالأول هو الصحيح، وهو قول أهل الحديث، وعامة الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وصححه الخطيب (٣).\nفإذا كان الراوي جازمًا أن الشيخ حدثه، والشيخ يقول: لم أحدثك، فالقول قول الراوي المعروف بالثقة والإتقان، والشيخ قد نسي.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٢٠٤) والترمذي في \" الجامع \" (رقم: ١١٧٨) و\" العلل الكبير \" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) والنسائي (رقم: ٣٤١٠) والحاكم (٢/ ٢٠٦ رقم: ٢٨٢٤) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٣٤٩) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٠) من طرُقٍ عن سليمان بن حرْب، عن حماد، به.\n\nقال الترمذي: \" لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب عن حماد بن زيد، وسألت مُحمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث؟ فقال: حدثنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد بهذا، وإنما هو عن أبي هريرة موقوف. ولم يعرف مُحمدٌ حديث أبي هريرة مرفوعًا \".\nوقال النسائي: \" حديث منْكرٌ \".\nوقال البيهقي: \" كثيرٌ هذا لم يَثبت من معرفته ما يوجب قبول روايته \".\nلكن قال الحاكم: \" حديث غريب صحيح \".\nوالذي يبدو لي أن من ردَّه ولم يُفصَّل فجائزٌ أن يكون من أجْل إنكار كثيرٍ أنه حدَّث به.\n(٢) الكفاية (ص: ٥٤١).\n(٣) الكفاية (ص: ٥٤١).","vol":"1","page":369},{"text":"وأولى من ذلك بالقبول حين يكون الشيخ مترددًا غير جازم بالإنكار، فيكون حفظ الثقة مرجحًا، ومن هذا لو أن الشيخ قال لراويه عنه: لم أحدثك، فرد وقال،: بل حدثتني، فأقره الشيخ.\nمثل: ما حدث به محمد بن جعفر غندر، قال: حدثنا شعبة، عن صدقة، قال: سمعت ابن عمر، وسأله رجل، فقال: إني أهللت بهما جميعًا، قال: \" لو كنت اعتمرت كان أحب إلي \"، ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا وبالمروة، وقال: \" لا يحل منك شيء دون يوم النحر \". ثم إن شعبة نسي هذا الحديث، فقلت له: إنك حدثتني به، قال: إن كنت حدثتك به فهو كما حدثتك (١).\nوربما وقع من الشيخ من بعد أن يحدث بذلك الحديث عن راويه عنه عن نفسه.\nمثل: ما حدث به عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد.\nقال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل، قال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة، أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلًا علة أذهبت ببعض حفظه، ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (٢).\nقلت: وهذه المسألة غير تراجع الشيخ عما حدث به مبينًا عن خطئه، فإنه لو فعل ذلك فالقول قوله.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣١) وإسناده صحيح. وصدقةُ هُو ابنُ يسار الجزري نزيل مكَّة.\n(٢) أخرجه الشافعي في \" مُسنده \" (٢/ ١٧٩ - ترتيبه) ومن طريقه: البيهقي في \" الكبرى \" (١٠/ ١٦٨) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣١ - ٣٣٢) عن عبد العزيز. كما رواهُ غير الشافعي كذلك بهذه القصة، وغير عبد العزيز عن ربيعة وذكر قصة نحوها.","vol":"1","page":370},{"text":"والحالة الثانية، وهي عمل الإمام بخلاف رواية راو حدث هو عنه بتلك الرواية وقال بخلافها.\nفهذا لا يقدح به على الراوي ولا على الحديث، فمعلوم أن لترك العمل بالحديث أسبابًا عدة، فقد يكون تركه لمعارض أقوى عنده، أو قياس أو احتمال نسخه، أو غير ذلك.\nفهذا مالك روى عن نافع وهو الثقة الحافظ عنده، عن ابن عمر حديث البيعين بالخيار، ولم يقل به مالك؛ لأنه رأى عمل أهل المدينة على خلافه.\nقال الخطيب: \" إذا روى رجل عن شيخ حديثًا يقتضي حكمًا من الأحكام، فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحًا منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس، أو لكونه منسوخًا عنده، أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتملت ذلك لم يجعله قدحًا في راويه \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>الصورة الخامسة: الرواية عن المجروحين والمجهولين</span>.\nوقع هذا من نفر كثير من الثقات، بل حفاظ الناس ومتقنيهم.\nقال بندار (محمد بن بشار): \" ضرب عبد الرحمن بن مهدي على نيف وثمانين شيخًا عنهم الثوري \" (٢).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: \" اتقوا هؤلاء الشيوخ، واتقوا شيوخ أبي عامر العقدي المدنيين \" (٣).\nوهذا الأعمش أنكروا عليه التحديث ببعض الحديث الذي يكون من\n_________\n(١) الكفاية (ص: ١٨٦).\n(٢) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٠٠) بإسنادٍ صحيح.\n(٣) أخرجه ابن عدي (١/ ٢٠٠) بإسناد حسن.","vol":"1","page":371},{"text":"طريق المجروحين، فيبين وجه ذلك فيقول: \" كنت أحدثهم بأحاديث يقولها الرجل لأخيه في الغضب، فاتخذوها دينًا، لا والله لا أعود إليها أبدًا \" (١).\nوكان حدث عن موسى بن طريف عن أبيه عن علي: \" أنا قسيم النار \"، فقيل له: لم رويت هذا؟ فقال: \" إنما رويته على الاستهزاء \" (٢).\nوذكرت في الكلام عن أصل (هل رواية الثقة عن رجل تعديل له؟) (٣) جماعة من الثقات عرفوا بالرواية عن المجهولين حتى أكثروا، ومع ذلك فلم يسقط حديثهم.\nفمثل هذا لا يكون الحمل فيه على الثقة، ولا يصح أن يعد بمجرده سببًا للقدح في الراوي.\nفتأمل ذلك واعلم أن كثيرًا من النقلة تكلم فيهم بسبب ذلك، وهم في أنفسهم وحديثهم ثقات.\nمثل: (عيسى بن موسى غنجار)، قال الحاكم: \" لم يؤخذ عليه إلا كثرة روايته عن الكذابين \" (٤).\nوقال: \" يحدث عن أكثر من مئة شيخ من المجهولين لا يعرفون، بأحاديث مناكير، وربما توهم طالب هذا العلم أنه يجرح فيه، وليس كذلك \" (٥).\nوإنما كان من حال بعض النقلة أنهم لم يعرف لحديثهم مخارج إلا من جهة روايتهم عن المجروحين، فهؤلاء لو افترضنا ثقة أحدهم في نفسه، فما هو بثقة في حديثه، وإن كان الحمل فيه على من فوقه، بل التحقيق أنه لا معنى لوصف هذا الراوي بالثقة؛ لما في ذلك من التغرير بروايته.\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (٨/ ٥٣).\n(٢) الكامل، لابن عدي (٨/ ٥٣).\n(٣) في (الأصل السادس) من المبحث التاسع) من مباحث (التعديل).\n(٤) سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: ٨٨).\n(٥) معرفة علوم الحديث (ص: ١٠٦).","vol":"1","page":372},{"text":"مثل (خالد بن الحسين أبي الجنيد الضرير)، قال ابن عدي: \" عامة حديثه عن الضعفاء أو قوم لا يعرفون، فإذا كان سبيله هذا السبيل إذا وقع لحديثه نكرة؛ يكون البلاء منه، أو من غيره لا منه \" (١).\nومثل (يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي)، فقد قال فيه أبو حاتم: \" منكر الحديث، لا أدري منه أو من أبيه، لا ترى في حديثه حديثًا مستقيمًا \"، وقال أبو زرعة الرازي: \" لا بأس به، إنما الشأن في أبيه، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه قال: يحيى بن يزيد لا بأس به ولم يكن عنده إلا حديث أبيه، ولو كان عنده غير حديث أبيه لتبين أمره \" (٢).\nومنه قول الدارقطني في (محمد بن مَروان القطان): \" شيخٌ من الشيعة، حاطب ليل (٣)، لا يكاد يُحدث عن ثقة، متروك \" (٤).\nفالدارقطني جرحه من جهة أنه لا يكاد يحدث عن ثقة.\nوكقول ابن حبان في (مطرح بن يزيد): \" لا يحتج بروايته بحال من الأحوال؛ لما روى عن الضعفاء \" (٥) يعني وأن عامة ما روى فهو عن عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد، وهما مجروحان.\nومن هذا أيضًا قوله (محمد بن عطية بن سعد العوفي): \" منكر\n_________\n(١) الكامل (٣/ ٤٧٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٩٨).\n(٣) معنى قولهم: (فلانٌ حاطب ليْلٍ): لا يُبالي ماذا يَحمل ولا عمن.\n\nفائدة: قال سفيان بن عيينة: قال لي عبد الكريم الجزري: يا أبا محمد، تدري ما حاطبُ ليْل؟ قال: قلت: لا، إلا أن تخبرنيه، قال: هوَ الرجل يخرج من الليل فيتحطب، فتقع يده على أفعى فتقتله. هذا مثلٌ ضربتْه لك لطالب العلم، إن طالبَ العلم إذا حمل من العلم ما لا يُطيقه، قتله علْمه، كما قتلت الأفعى حاطب ليْل. أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ١٠٤٨) بإسناد صحيح.\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٤٥٨).\n(٥) المجروحين (٣/ ٢٧).","vol":"1","page":373},{"text":"الحديث جدًا، مشتبه الأمر، لا يوجد الاتضاح في إطلاق الجرح عليه؛ لأنه لا يروي إلا عن أبيه، وأبوه ليس بشيء في الحديث \"، كما علله أيضًا بأنه لم يعرف حديثه إلا من رواية مجروح عنه (١).\nفهذا الصنف من الرواة ليسوا معدودين في جملة الثقات أصلًا، ولهذا جاز أن تلحقهم التهمة.\n\nومن هذا الصورة: تخريج أحاديث المجروحين.\nوقد طعن به على بعض أئمة الحديث أنهم خرجوا أحاديث الضعفاء والمتروكين والكذابين في كتبهم دون بيان لعللها، كما طعن به مثلًا على الحافظ أبي نعيم الأصبهاني.\nوليس هذا في التحقيق مما يجرح به، وإن كان خلاف الأولى، وذلك من أجل أن الواحد من هؤلاء المخرجين يسند أحاديثه تلك، ومن أسند فقد أحال.\nفإن قلت: فلم كانوا يكتبون أصلًا أحاديث المجروحين، أو يروون عنهم؟\nقلت: يغلب على من كان يفعل ذلك عدم العلم بمنازل الرواة، ومن كان يعلم ذلك فكان يرويه تارة على سبيل اعتقاد عدالة المحدث بها عند ذلك الراوي عنه، وتارة على سبيل الاستهزاء كما تقدم عن الأعمش فيتلقفه من كان همه الإكثار والإغراب في الرواية، أو من أجل تمييزها عن أحاديث الثقات، كما كان يفعله بعض النقاد، أو لغير ذلك.\nلكن ليس من سبب ذلك غش الأمة، فهذا إن ورد على الراوي طعن على عدالته في نفسه.\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٤).","vol":"1","page":374},{"text":"والكتابة عنهم بقصد تمييز حديثهم، منهج جرى عليه عامة النقاد، يكتب أحدهم أحاديث المجروحين ويعتني بجمعها كما يعتني بأحاديث الثقات، وذلك لما يوجبه تحرير حال النقلة من تمييز محفوظ حديثهم من غيره (١)، أو لمصلحة الاعتبار به إذا كان المجروح ممن يصلح حديثه لذلك، وليس هذا من قبيل ما يذم ويؤخذ على الراوي فعله في الرواية عن الضعفاء.\nقال يحيى بن معين: \" كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور، فأخرجنا به خبزًا نضيجًا \" (٢).\nوقال أبو بكر الأثرم: رأى أحمد بن حنبل يحيى بن معين بصنعاء في زاوية وهو يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه، فقال له أحمد: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه! فقال: \" رحمك الله يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر على الوجه فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة؛ حتى لا يجيء بعده إنسان فيجعل بدل أبان ثابتًا، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقوله له: كذبت، إنما هي عن أبان لا عن ثابت \" (٣).\nفهذا فيه كتابة أحاديث من لا يعتبر به أصلًا، وإنما يقايس بحديثه لكشف الكذب والكذابين.\nومثال الكتابة للاعتبار، قول أحمد بن حنبل في (عبد الله بن لهيعة):\n_________\n(١) قال الحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص: ٣١): \" وللأئمة في ذلك غرضٌ ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث: من أين مخرجه، والمنفرد به: عدلٌ أو مجروحٌ \".\n(٢) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٥٦) والحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص ٣٢) والخطيب في \" تاريخه \" (١٤/ ١٨٤) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٣١ - ٣٢) والحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص ٣٢) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٨٠) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":375},{"text":"\" ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع غيره يشده، لا أنه حجة إذا نفرد \" (١).\nفهذه العلة التي كانوا يكتبون لأجلها أحاديث المجروحين، موجودة كذلك فيما يخرج من الحديث في الكتب التي لا تشترط الصحة، دون بيان في أكثرها لعلة الحديث ولا لضعف أو وهاء راويه.\nوالمفترض أن لا يرد الإنسان من هذه الموارد إلا وهو يفهم ويميز ما يقبل وما لا يقبل.\nوالمراد أن يعلم هنا أن هذا ليس من أسباب الطعن المعتبرة على أحد من الرواة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>الصورة السادسة: الجرح والتدليس</span>.\nالتدليس جرح نسبي يقدح فيما حدث به الراوي مدلسًا، أو مترجحًا فيه مظنة التدليس، على ما ستعلمه في مبحث (الحديث المدلس) من ألقاب (الحديث المردود).\nولا يكون وصف الراوي به مما يقدح في عدالته بمجرده، كما لا يكون منافيًا لثقته، لأسباب بينتها في المبحث المشار إليه.\nلذلك تجد أكثر من واقعه كانوا من الثقات المعروفين.\nولو جعلنا التدليس قادحًا، فإنه سيكون قادحًا في العدالة؛ لما فيه من معنى الغش، ولكن التأويل عند من فعله حال دون الجرح به.\nومن النقاد من جعل الإكثار من التدليس، وفحش ما يأتي به الراوي المدلس من المنكرات مما يكون قد سمعه من كذاب أو مجهول فدلسه،\n_________\n(١) شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي (١/ ٩١).","vol":"1","page":376},{"text":"ملحقًا الضرر بذلك المدلس، فيجعل علة جرحه عنده تلك المنكرات التي رواها.\nكما جرح بقية بن الوليد عند طائفة من العلماء بذلك، حتى أسقط بعضهم عامة حديثه.\nوكما قال محمد بن عبد الله بن نمير في (أبي جناب يحيى بن أبي حية الكلبي): \" صدوق، كان صاحب تدليس، أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع \" (١).\nقلت: وهذا وافقه فيه كثيرون، لكن أبو جناب، في تتبعي، وجدت عامة ما يفسرون به ضعفه هو التدليس، ووصفه بالصدق جماعة من النقاد، والقول فيه ما قاله أبو نعيم الفضل بن دكين وقد أدركه وروى عنه: \" ما كان به بأس، إلا أنه كان يدلس، وما سمعت منه شيئًا إلا شيئًا قال فيه: حدثنا \" (٢)، وقال أبو زرعة الرازي: \" صدوق، غير أنه كان يدلس \" (٣).\nوأدخل ابن عدي جماعة من الرواة في \" الكامل \" ليس فيهم قادح سوى التدليس، ولم يورد آخرين عرفوا به، وكأنه حين رأى أولئك الذين أو دعهم كتابه قد جرحهم بعض من تقدمه تبعهم في ذكرهم في المجروحين.\nومن أمثلتهم (ميمون بن موسى المرئي البصري) يروي عن الحسن البصري، وقد روى عنه يحيى القطان وغيره، لم يجرح بشيء غير التدليس مع قلة حديثه، وخشية أن يظن رد حديثه مطلقًا قال ابن عدي: \" إذا قال: حدثنا، فهو صدوق؛ لأنه كان متهمًا في التدليس \" (٤).\nوالوقوف على تحرير هذا السبب من الجرح في الموصوف به، يدفع\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٣٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ١٣٨) وإسناده صحيح.\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٣٩).\n(٤) الكامل (٨/ ١٦٢).","vol":"1","page":377},{"text":"التهمة عن بعض الرواة ممن اختلف فيهم، يعود الجرح فيهم إلى هذا السبب، فإذا تبين لم يصلح معه رد قول المعدل في حال بيان هذا الراوي سماعه للخبر.\nوليس من ذلك ما علل به ابن حبان مجيء الموضوعات في روايات الحسن بن عمارة، إذ حمله على مجرد التدليس، وأن شعبة طعن عليه لأنه لم يتبين ذلك، حيث قال ابن حبان: \" كان بلية الحسن بن عمارة أنه كان يدلس عن الثقات ما وضع عليهم الضعفاء، كان يسمع من موسى بن مطير، وأبي العطوف، وأبان بن أبي عياش، وأضرابهم، ثم يسقط أسماءهم ويرويها عن مشايخهم الثقات، فلما رأى شعبة تلك الأحاديث الموضوعة التي يرويها عن أقوام ثقات أنكرها عليه، وأطلق عليه الجرح، ولم يعلم أن بينه وبينهم هؤلاء الكذابين، فكان الحسن بن عمارة هو الجاني على نفسه بتدليس عن هؤلاء وإسقاطهم من الأخبار، حتى التزق الموضوعات به \" (١).\nفهذا الذي أعاد إليه ابن حبان جرح شعبة للحسن وأن شعبة لم يتفطن له، غير صحيح، إلا أن يكون الحسن بن عمارة كان يقول في تلك الأحاديث المدلسة (سمعت)، كما يوجد بعض ذلك فيما أثر عن شعبة أنه طعن على الحسن بسببه.\nوالتحقيق أن عبارات النقاد في ابن عمارة لم تبن على ما ذكره ابن حبان، فإنه يوجد في الموصوفين بالثقة من كان يدلس المتهمين ويعنعن عن شيوخهم، ولم يطعن عليه بمثل ما طعن على ابن عمارة وفيهم من روى عنه شعبة نفسه، وإنما قام الطعن على ابن عمار على وهائه في نفسه من جهته، وقد قال علي بن المديني: \" ما أحتاج إلى شعبة فيه، أمر الحسن بن عمارة أبين من ذلك \"، قيل: أكان يغلط؟ فقال: كان يغلط؟! أي شيء يغلط؟ \" وذهب إلى أنه كان يضع الحديث (٢).\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٢٢٩).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٧/ ٣٤٩) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>المبحث الثاني:\n\nتحرير القول فيما يسلب العدالة</span>\n\nما يطعن به على عدالة الراوي يحصر القول فيه في الأسباب التالية: الفسق، الكذب، والتهمة به، سرقة الحديث، البدعة، الجهالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>السبب الأول: الفسق</span>\n\nوالمقصود به: مواقعة المعصية.\nومن أمثلة القدح في الرواة ذلك:\nما نقله ابن أبي خيثمة قال: سألت يحيى بن معين عن (عمر بن سعد) (١): أثقة هو؟ فقال: \" كيف يكون من قتل الحسين بن علي، ﵁، ثقة؟! \" (٢).\nقلت: ولم يجعل صنيعه مما يقبل التأويل المعتبر؛ ولعله لظهور المخالفة فيه، وغيره يوثقه.\nوالمعصية القادحة هي المعلومة التي لا تقبل التأويل، وليس منها\n_________\n(١) يعني ابن أبي وقاص.\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١١١ - ١١٢).","vol":"1","page":379},{"text":"الصغائر، وقتل الحسين ﵁ كان عظيمًا من الذنوب، وهل يقبل في مثله التأويل؟ الله أعلم.\nونقل ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين قوله في (يعقوب بن حميد بن كاسب): \" ليس بثقة \"، قال: فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: \" لأنه محدود \"، قلت أليس هو في سماعه ثقة؟ قال: \" بلى \"، فقلت: أنا أعطيك رجلًا تزعم أنه وجب عليه الحد وتزعم أنه ثقة، قال: \" من هو؟ \"، قلت: خلف بن سالم، قال: \" ذلك إنما شتم بنت حاتم مرة واحدة، وما به بأس، لولا أنه سفيه \".\nقال ابن خيثمة: قلت لمصعب الزبيري \" إن يحيى بن معين يقول في ابن كاسب: إن حديثه لا يجوز؛ لأنه محدود؟ فقال: بئس ما قال، إنما حده الطالبيون في التحامل، وليس حدود الطالبيين عندنا بشيء؛ لجورهم، وابن كاسب ثقة مأمون \" (١).\nقلت: أراد يحيى أن الحد موجب لارتكابه مفسقًا، لكن رد مصعب يشكك في أن ذلك الحد كان عدلًا؛ لما عهد يومئذ من ظلم السلطان.\nونقول: غاية هذا الجرح أن يكون مبهمًا؛ للشبة فيه، والجرح المبهم لا حجة فيه.\nلكنك تعتبر به أنه كان يقع من نقاد المحدثين القدح في النقلة بسبب الفعل المفسق الذي لا يحتمل فيه التأويل، ويسقطون بذلك حديثه وإن كان متقنًا لما روى.\n_________\n(١) تاريخ ابن أبي خيثمة (ص: ٤٣٨) والتعديل والتجريح، للباجي (٣/ ١٢٤٩)، وتهذيب التهذيب، لابن حجر (٤/ ٤٤١)، وطرف منه الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ٢ / ٢٠٦).","vol":"1","page":380},{"text":"وسأل السلمي الدارقطني عن علي بن سراج؟ فقال: \" كان يعرف ويفهم، ولم يكن يذاكر، فإنه كان يشرب المسكر ويسكر \" (١).\nوقال العباس بن محمد الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول وذكرت له شيخًا كان يلزم سفيان بن عيينة يقال له: ابن مناذر، فقال: \" أعرفه، كان صاحب شعر، ولم يكن من أصحاب الحديث، [وكان يتعشق ابن عبد الوهاب الثقفي، وكان يقول فيه الشعر، وكان يشبب بنساء ثقيف؛ فطردوه من البصرة، فخرج إلى مكة]، وكان يرسل العقارب في مسجد الحرام حتى تلسع الناس، وكان يصب المداد [بالليل] في المواضع التي يتوضأ منها حتى تسود وجوه الناس، ليس يروي عنه رجل فيه خير \" (٢).\nولذا قال فيه ابن عدي كذلك: \" لم يكن من أصحاب الحديث، وكان الغالب عليه المجون واللهو \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>السبب الثاني: الكذب، والتهمة به</span>\n\nوهو نوعان: الكذب في الحديث، والكذب في كلام الناس، وهذا الثاني من صور الفسق، لكني أذكره هنا من أجل مناسبته لهذا السبب.\nفأما الكذب في الحديث، أو قيام القرينة على ثبوته في حق الراوي، فخصلة ظاهرة الأثر في القدح فيه بسببها.\nوالقدح في الراوي كونه (كذابًا)، أو (يكذب)، إذا صدر من عارف بهذا الشأن، مصدر فيه، مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فهو جرح بليغ.\n_________\n(١) سؤالات السلمي (النص: ١٩٩).\n(٢) تاريخ يحيى (النص: ٣٠٩)، ونقله عنه: ابن حبان في \" المجروحين \" (٢/ ٢٧١) وابن عدي (٧/ ٥٢٠) والزيادة له، وهيَ صحيحة عن عباس، والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٤٥) وله نحوُ زيادة ابنِ عدي.\n(٣) الكامل (٧/ ٥٢١).","vol":"1","page":381},{"text":"لكن هل يكون قاطعًا في كذبه؟ أي أن وصف الكذب لحق ذلك الراوي لذاته؟ أم هي تهمة بنيت على قرائن معتبرة عند الناقد؟ فنحن نعلم مثلًا أن من الرواة الضعفاء من لا يوصف بالكذب، مع وقوع رواية الكذب من طريقهم، وذلك أن أحدهم كان يؤتى من غفلته.\nتحرير هذه المسألة: أن نعت الراوي بالكذب إن كان بدليل لا يقبل الشك أنه كان يتعمد الكذب، كاعترافه، أو ما ينزل منزلته، فهو وصف ظاهر يوجب سقوط عدالته.\nلكن أكثر من أطلق عليه هذا الوصف من الرواة، فهو بحسب نظر الناقد وتمحيصه لحديثه، فوجد حديثه الكذب، فحكم عليه بمقتضى ذلك، ولم يطلع من أمره إلا على ذلك منه، وهذا في حقنا لا يزيد على أن يكون مجرد تهمة يسقط بها حديث ذلك الراوي، وإن وقع إطلاق الوصف من أرفع أئمة هذا الشأن، نعم، ربما جعلنا نحكم على حديثه المعين بأنه (كذاب).\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في ترجمة (أحمد بن إبراهيم الحلبي): سألت أبي عنه وعرضت عليه حديثه؟ فقال: \" لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها، ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب \" (١).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه عبد الكريم (الجرجاني)، عن الحسن بن مسلم، عن الحسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \" من حبس العنب أيام القطاف؛ ليبيع من يهودي أو نصراني، كان له من الله مقت \" (٢)؟ فقال أبو حاتم: \" هذا حديث كذاب باطل \" قال\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٠).\n(٢) أخرجه الطبراني في \" الأوسط \" (٦/ ١٧٠ - ١٧١ رقم: ٥٣٥٢) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٣٦) والسهمي في \" تاريخ جُرجان \" (ص: ٢٤١) من طرق عن عبد الكريم، عن الحسن بن مسلم، به. بلفظ: \" من حبس العنب أيام القِطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني، أو ممن يتخذه خمرًا، فقد تقحَّم النار على بصيرة \". زاد السهمي في الإسناد: (عن عُمر بن الخطاب).\nقلت: عبد الكريم في رواية الطبراني: (ابن أبي عبْد الكريم)، وفي رواية السهمي: (ابن عبد الكريم)، وفي رواية ابنِ حبان: (ابن عبد الله السكري).\nوقاله ابن حبان وقد أورد الحديث في ترجمة (الحسن بن مسلم): \" هذا حديث لا أصل له عن حسين بن واقد، وما رواه ثقة، والحسن بن مسلم هذا راويه يجب أن يعدل به عن سنن العُدول إلى المجروحين برواية هذا الخبر المنكر \".","vol":"1","page":382},{"text":"ابنه: قلت: تعرف عبد الكريم هذا؟ قال: \" لا \"، قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: \" لا، ولكن تدل روايتهم على الكذب \" (١).\nويؤيد كون ذلك الوصف في حقنا مجرد تهمة، أنا وجدنا بعض كبار الأئمة وصف بعض النقلة بالكذب، ولم يكن الأمر كما قال، بل لم يصح أن يسلم لهم فيهم حتى شبهة الكذب، بل قيل ذلك الوصف في رواة ثقات وفي آخرين لم ينزل حديثهم عن درجة الاعتبار، ومن أمثلة ذلك:\n(عكرمة مولى ابن عباس)، فقد تناولته ألسنة بعض السلف، وتحرر لي ثبوت تكذيبه عن سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في حكاية، ونقل كذلك عن غيرهما ولم يثبت، ومن هذا أن مالك بن أنس كان يكره عكرمة، وكذا تنم عن ذلك بعض عبارات غيره، ولم يكن ذلك عندهم في التحقيق من جهة ضبطه لما روى، إنما كان من جهة رأيه ومذهبه، فإنه مذكور برأي الصفرية من الخوارج أتباع زياد بن الأصفر، قيل: إن عكرمة كان ينشر رأيه ويدعو إليه، ونزل إفريقية ونشره هناك، في بيان يطول.\nوإليه يعود ذم أكثر من كره حديثه، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة مولى ابن عباس؟ فقال: هو ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه يحيى ين سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه (٢).\nوعكرمة روى الكثير وتكلم بالكثير من العلم، ولم يتفرد بشيء لا\n_________\n(١) علل الحديث (رقم: ١١٦٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٨ - ٩).","vol":"1","page":383},{"text":"أصل له، إلا المذهب، وحتى هذا فلم يظهر لنا من خلال المنقول عنه من الأخبار أنه كان له أثر يذكر، من أجل ذلك أجمع اللاحقون على ثقته في حديثه، واحتج به البخاري، وتجنبه مسلم من أجل ما قيل فيه مما تقدم ذكره.\nوسبقت تزكية عكرمة من قبل أستاذه عبد الله بن عباس:\nفقد صح عن عثمان بن حكيم (وهو ثقة) قال: جاء عكرمة إلى أبي أمامة بن سهل وأنا جالس عنده، فقال: يا أبا أمامة، أما سمعت ابن عباس يقول: \" ما حدثكم عكرمة عني من شيء فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ \"، قال: نعم (١).\nوكان عكرمة يقول: \" أرأيت هؤلاء الذين يكذبوني من خلفي؟ أفلا يكذبوني في وجهي؟! فإذا كذبوني في وجهي فقد والله كذبوني \" (٢).\nوقال عفان بن مسلم في (روح بن أسلم الباهلي): \" كذاب \"، ولم يبلغ ذلك، فهذا ابن معين على شدته يقول: \" ليس بذاك فيه، لم يكن من أهل الكذب \" وقال أبو حاتم الرازي: \" لين الحديث، يُتكلم فيه \" (٣)، فغاية أمر الرجل أن يكون ضعيفًا يعتبر بحديثه، ولا يحتج به إذا انفرد.\nونقل عثمان الدارمي عن يحيى بن معين قوله في (القاسم بن محمد المعمري البغدادي): \" خبيث كذاب \"، فتعقبه الدارمي فقال: \" وقد أدركت القاسم هذا، كان ببغداد ليس كما قال يحيى \" (٤)، ووثقه قتيبة بن سعيد (٥)،\n_________\n(١) أخرجه يحيى بنُ معين في \" تاريخه \" (النص: ١٢١٧).\n(٢) أخرجه ابن سعد (٥/ ٢٨٨٨) بإسناد صحيح.\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٩٩).\n(٤) تاريخ الدارمي (النص: ٧٠٨).\n(٥) تاريخ بغداد، للخطيب (١٢/ ٤٢٥).","vol":"1","page":384},{"text":"وابن حبان (١)، وقال ابن حجر: \" صدوق، نقل عثمان الدارمي أن ابن معين كذبه، ولم يثبت ذلك \" (٢) أي: ولم يثبت منه الكذب.\nوقال يحيى بن معين (كنانة بن جبلة الهروي): \" كذاب خبيث \"، لكن خالفه أبو حاتم الرازي فقال: \" محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث \" (٣)، فانظر فرق ما بين العبارتين؟! وملاحظته ما روى كنانة على قلته يبين صحة ما قال أبو حاتم، ومن تابع يحيى في الطعن عليه حمله ما لا يحتمل، فإنه روى من الحديث ما علته من قبل غيره.\nفتأمل هذا من كلام النقاد، ولا تعجل بتسليمه حتى تزول الشبهات، فقد وجدنا الراوي الثقة يحدث بالحديث النظيف الإسناد في الظاهر، وهو كذب، بسبب أن الواضع قد دلس، أو بسبب تلقين الثقة بعدما اختلط ما ليس من حديثه.\nكما وقع لعبد الرزاق الصنعاني في حديث حدث به بإسناد ظاهره الصحة، حمله عنه الثقة أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، فكان يحدث به، فبلغ الحديث يحيى بن معين، فقال: \" من هذا الكذاب النيسابوري الذي حدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ \"، فقام أبو الأزهر فقال: \" هو أنا ذا \"، فتبسم يحيى بن معين، وقال: \" أما إنك لست بكذاب \"، وتعجب من سلامته، وقال: \" الذنب لغيرك في هذا الحديث \" (٤).\nوقد يكون حديث الراوي موضوعًا، لكنه لا يوصف بتعمد الكذب، مثل (جبارة بن المغلس الحماني)، فقد قال يحيى بن معين: \" كذاب \"، لكن\n_________\n(١) الثقات (٩/ ١٥).\n(٢) تقريب التهذيب (الترجمة: ٥٤٩١).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٦٩ - ١٧٠).\n(٤) تاريخ بغداد (٤/ ٤١ - ٤٢) وكذلك أخرج القصة بمعناها الحاكم في \" المستدرك \" (٣/ ١٢٨ بعد رقم: ٤٦٤٠).","vol":"1","page":385},{"text":"قال أبو زرعة: قال لي ابن نمير: \" ما هو عندي ممن يكذب \"، قلت: كتبت عنه؟ \" قال: \" نعم \"، قلت: تحدث عنه؟ قال: \" لا \" قلت: ما حاله؟ قال: \" كان يوضع له الحديث فيحدث به، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب \" (١).\nقلت: فهذا وقع له بسبب الغفلة لا التعمد.\nوأما إذا قيل الدليل على صحة إلحاق وصف الكذب به، جزمنا بأنه (كذاب).\nمثل: (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني)، قال يحيى بن حسان التنيسي (وكان ثقة): \" يلزق أحاديث الليث بن سعد، إذا كانت عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالمًا، وإذا كانت عن الزهري عن عائشة أدخل عروة، قلت له: اتق الله، قال: ويجيء أحد يعرف هذا؟ ! \" (٢).\nمن أجل هذا قال جماعة من النقاد في هذا الرجل: \" كذاب \"، كقول أبي زرعة الرازي: \" هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: عن الزهري عن عائشة، جعله عن عروة عن عائشة متصلًا \" (٣).\nقلت: وهذا مما ينزل منزلة اعترافه؛ لأنه مما وقف عليه منه الثقة يحيى بن حسان واطلع عليه، ولم يعتمد فيه على مجرد النظر في روايته.\nومن كانت عامة أحاديثه مكذوبة: فهو ساقط، لا يجوز أن يعتبر بحديثه، بلا خلاف عند عامة أهل العلم، وإن تورعنا عن وصف شخصه بالكذب.\nقال عبد الرحمن بن أبي حاتم بيانًا لمنهج نقاد المحدثين: \" وإذا\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٥٥٠).\n(٢) أخرجه العُقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ١٣) بإسناد صحيح، وانظره في ميزان الاعتدال \" (١/ ٦٣٧).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٤٨).","vol":"1","page":386},{"text":"قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه \" (١).\nكما قال يحيى بن معين في (عبد الحكيم بن منصور الواسطي): \" كذاب \"، وقال أبو حاتم الرازي: \" لا يكتب حديثه \" (٢)، ولم يختلفوا أنه \" متروك الحديث \".\nفخلاصة هذا: أن ثبوت الكذب على الراوي، أو غلبه المظنة أنه كان يكذب قادح في عدالته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أثر التوبة من الكذب في الحديث:</span>\nمن ثبت عليه الكذب في حديثه، ثم ذكر بالتوبة منه، فما حكم ما يحدث به بعد التوبة؟\nوجود مثال صالح لهذه الصورة أن الراوي كان يكذب في الرواية عن النبي ﷺ، ثم تثبت توبته فلا يحدث بعد التوبة إلا بحديث صدق مستو، أحسبه متعذرًا في الواقع.\nلأنه حتى وإن تاب بعد أن حدث بالكذب، فتمييز ما يحدث به من الصدق من غيره مما حدث به قبل ذلك كالمتعذر، هذا لو صدق في توبته وروى بعدها صدقًا؛ لذلك شدد الأئمة المتقدمون في هذا (٣).\nعن عبيد الله بن أحمد الحلبي، قال: سألت أحمد (يعني ابن حنبل) عن محدث كذب في حديث واحد، ثم تاب ورجع؟ قال: \" توبته فيما بينه وبين الله تعالى، لا يكتب عنه حديث أبدًا \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٧).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٥).\n(٣) انظر: الكفاية، للخطيب (ص: ١٩٠ - ١٩١).\n(٤) طبقات الحنابلة، لابن أبي يعلى (١/ ١٩٨)، نقلًا عن أبي بكر الخلال، وكذلك رواها الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٠).","vol":"1","page":387},{"text":"وقال الحسين بن حبان: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: \" لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا \"، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: \" يخرج كتابًا عتيقًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شبه له فيها وأخطأ كما يخطئ الناس فيرجع عنها \"، قلت: فإن قال: قد ذهب الأصل وهي في النسخ؟ قال: \" لا يقبل ذلك منه \"، قلت له: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة، وليس أجدها؟ فقال: \" هو كذاب أبدًا حتى يجيء بكتابه العتيق \"، ثم قال: \" هذا دين، لا يحل هذا \" (١).\nوالرجل من هؤلاء لا يكاد ينهض بعد ثبوت كذبه، فإن من اجترأ على الكذب على الله ورسوله ﷺ بغية ترويج ضلالته أو تحقيق شهوته، فإن مظنة كذبه في ادعاء التوبة قوية.\nكحال (زياد بن ميمون أبي عمار صاحب الفاكهة)، فقد صح عن الحافظ أبي داود الطيالسي قال: \" لقيته أنا وعبد الرحمن بن مهدي، فسألناه، فقال: عدوا أن الناس لا يعملون أني لم ألق أنسًا، ألا تعلمان أني لم ألق أنسًا؟ ثم بلغناه أنه يروي عنه، فأتيناه، فقال: عدوا أن رجلًا أذنب ذنبًا فيتوب، لا يتوب الله عليه؟ قلنا: نعم، قال: فإني أتوب، ما سمعت من أنس قليلًا ولا كثيرًا، فكان بعد ذلك يبلغنا أنه يروي عنه، فتركناه \" (٢).\nوقال يزيد بن هارون: \" كان أبو جزي مرض مرضة ظن أنها الموت،\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٢) وإسناده جيد.\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٤٤)، ونحوه في \" مقدمة مُسلم \" (ص: ٢٤).","vol":"1","page":388},{"text":"فتاب من أحاديث ادعاها لعمرو بن دينار، فلما استقل من مرضه عاودها، فلم يقبل منه \" (١).\nوقد حكى النووي عمن تقدم من أهل العلم، كأحمد بن حنبل والحميدي وغيرهما عدم قبول حديث التائب من الكذب على النبي ﷺ، ثم قال: \" وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية، والمختار: القطع بصحة توبته في هذا وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة، وهي: الإقلاع عن المعصية، والندم على فعلها، والعزم على أن لا يعود إليها، فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأكثر الصحابة كانوا بهذه الصفة، وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا \" (٢).\nقلت: هذا على سبيل التنظير لا يجوز سواه في شأن التائب من أي ذنب، لكنه في الواقع في هذه المسألة بمنزلة المعدوم، ويطلب التأصيل في هذا الجانب من علوم الحديث لتمييز أحوال النقلة، فإذا عدمنا وجود من يجري عليه تقعيد النووي، فلم يعد في استدراك مثله على أهل الحديث فائدة.\nوالذي أحمل عليه عبارات المتقدمين في هذا، كأحمد بن حنبل، هو أنهم قد انكشف لهم من حال هؤلاء أن توبتهم من جنس توبة زياد بن ميمون وأبي جزي.\nوقد وقفت عل حال أحدهم ممن قد يحتمل أن ينزل عليه تقعيد النووي المذكور، وهو الحافظ أبو الحسن علي بن أحمد بن الحسن النعيمي البصري\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٦٧)، وأبو جُزي هو نصرُ بن طريف الباهلي البصري، وإسناد هذا إلى يزيد صحيح، وانظر قصة أخرى عن أبي جُزي هذا في \" المعرفة والتاريخ \" ليعقوب بن سفيان (٣/ ٦٢) رواها عبدُ الصمد بن عبد الوارث عنه.\n(٢) شرح صحيح مسلم، للنووي (١/ ٧٠)، وانظر: المقنع في علوم الحديث، لابن الملقَّن (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) بتحقيقي.","vol":"1","page":389},{"text":"(المتوفى سنة: ٤٢٣)، فقد قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري، قال: \" وضع النعيمي على أبي الحسين بن المظفر حديثًا لشعبة، ثم تنبه أصحاب الحديث على ذلك، فخرج النعيمي عن بغداد لهذا السبب، وأقام حتى مات ابن المظفر، ومات من عرف قصته في وضعه الحديث، ثم عاد إلى بغداد \" (١).\nقلت: وحمل الذهبي ذلك منه على هفوة منه في صباه، فقال: \" قد بدت منه هفوة في صباه واتهم بوضع الحديث، ثم تاب إلى الله واستمر على الثقة \" (٢).\nوكأن في جميع هذا نظرًا، وذلك أن كلام الأزهري لا يفيد غير التهمة، والرجل قد عرف عند أهل العلم بالحفظ والأمانة والإمامة، وجائز أن يكون أساس تلك التهمة أن الرجل شبه له ذلك الحديث المشار إليه، فحدث به على الوهم والخطأ لا على تعمد الكذب، فإننا لم نر ما يشهد لما قال الأزهري في معرفة الحديث، ومن رءوس أئمة البغداديين، سمع من النعيمي، بل اعتنى بحديثه، وأثنى عليه، فلو كان لما ذكر الأزهري أثر مع ما حكى من شيوع ذلك ببغداد، لما خفي البرقاني، ليطلق الثناء عليه في كل شأن إلا ما ذكره من عجب فيه.\nوكذلك لم يعتد الخطيب بقول الأزهري، فأثنى على النعيمي وروى عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>الكذب في حديث الناس:</span>\nوهذه كما تقدم مثال لما يفسق به الراوي، ويقدح به على عدالته.\nقال مالك بن أنس: \" لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت\n_________\n(١) تاريخ بغداد (١١/ ٣٣٢).\n(٢) ميزان الاعتدال (٣/ ١١٤).","vol":"1","page":390},{"text":"عنهم من العمل شيئًا، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافًا: فمنهم من كان كذابًا في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلًا بما عنده، فلم يكن عندي موضعًا للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء \" (١).\nومن مثاله في النقلة (أنس بن عبد الحميد، أخو جرير)، قال أخوه جرير: \" لا يكتب عنه؛ فإنه يكذب في كلام الناس، وقد سمع من هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر، ولكن يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>كتابة أحاديث الكذابين والمتهمين بالكذب للتمييز:</span>\nحين يقول الناقد: \" فلان لا يكتب حديثه \" يعني لا يجوز الاعتبار به في الشواهد والمتابعات، ولا يراد به منع كتابته للتمييز والمعرفة، بل كما بينت فيما تقدم في طريق تمييز ضبط الراوي، أنه لم يتميز كثير من النقلة إلا بمقارنة حديثهم بأحاديث الثقات والمجروحين جميعًا، ولم يكتشف كثير من علل الحديث إلا بذاك، فالإبقاء على تلك الأحاديث لأهل الاختصاص هو بمنزلة الآلة يميزون بها الناقل والمنقول.\nفعن سفيان الثوري قال: \" إني لأحمل الحديث على ثلاثة أوجه: أحمل الحديث عن رجل أتخذه دينًا، وأحمل الحديث عن رجل لا أستطيع جرحه ولا أستطيع أتخذه دينًا، وأحمل الحديث عن رجل لا أعبأ بحديثه أحب معرفته \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.\n(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ١ / ٢٨٩ - ٢٩٠).\n(٣) أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ١٨٧٨) والعقيلي (١/ ١٥) وابن عدي (١/ ١٦٧) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٨٢) من طُرقٍ عن نعيم بن حماد، حدثنا حاتم الفاخر، عن سفيان، به. قلت: وإسناده صالح، نُعيم صدوق في الأصل يُخطئ يُحتمل منه مثلُ هذا، وحاتم مستورٌ، وثقه نعيم في هذه الرواية.","vol":"1","page":391},{"text":"وقال أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي: جاءني علي بن المديني، فكتب عني عن عبد السلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة فقلت: أي شيء تصنع بها؟ قال: \" أعرفها، لا تقلب \" (١).\nوهذا من معنى قول الوزاعي: \" تعلم ما لا يؤخذ به، كما تتعلم ما يؤخذ به \" (٢).\nوتقدم أيضًا ذكر مثاله من صنيع يحيى بن معين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>السبب الثالث: سرقة الحديث</span>\n\nوالمراد به: أن يأخذ الراوي حديث غيره مما لم يسمعه، فيدعي سماعه.\nيفسره ما نقله الحسين بن إدريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة عن أبي هشام الرفاعي؟ فقال: \" إنه يسرق حديث غيره فيرويه \"، قلت: أعلى وجه التدليس؟ أو على وجه الكذب؟ فقال: \" كيف يكون تدليسًا وهو يقول: حدثنا! \" (٣).\nوهذا قدح شديد في العدالة، يسقط الاعتداد بجميع رواية الموصوف بذلك.\nومن أمثلته:\n١ - قال يحيى بن معين في (عبد العزيز بن أبان القرشي): \" ليس\n_________\n(١) أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٠٢) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٧٩) بإسناد صحيح.\n(٢) أخرجه أبو زُرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٢٦٣) وإسناده جيد.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٣/ ٣٧٦) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":392},{"text":"بثقة \"، قال عثمان الدارمي: قلت: من أين جاء ضعفه؟ فقال: \" كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها \" (١).\nولذا قال ابن معين في رواية معاوية بن صالح عنه: \" كذاب، يدعي ما لم يسمع، وأحاديثه لم يخلقها الله قط \" (٢).\n٢ - وقال أحمد بن حنبل في (يحيى بن عبد الحميد الحماني): \" ما زلنا نعرف أنه يسرق الأحاديث أو يتلقطها أو يتلقفها \" (٣).\n٣ - وقال الحافظ علي بن الحسين بن الجنيد في (يحيى بن أكثم التميمي المروزي): \" كانوا لا يشكون أن يحيى بن أكثم كان يسرق حديث الناس، ويجعله لنفسه \" (٤).\n٤ - وقال يحيى بن معين في (محمد بن الحسن بن زبالة): \" ليس بثقة، كان يسرق الحديث \" (٥).\nوفسر ذلك ابن حبان فقال: \" يسرق الحديث، ويروي عن الثقات ما لم يسمع منهم من غير تدليس عنهم \" (٦).\n٥ - وقال الداقطني في (عبد الله بن إبراهيم المؤدب): \" كذاب، يروي عن قوم لم يلحقهم \" (٧).\n٦ - وقال يحيى بن معين في (مطرف بن مازن): \" قال لي هشام بن يوسف: جاءني مطرف بن مازن، فقال: أعطني حديث ابن جريج ومعمر\n_________\n(١) تاريخ عثمان الدارمي (النص: ٥٦٩).\n(٢) أخرجه ابنُ عدي (٦/ ٥٠٣) وإسناده صحيح.\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٠٧٩).\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٢٩).\n(٥) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٧٩٩).\n(٦) المجروحين، لابن حبان (٢/ ٢٧٥).\n(٧) سؤالات السهمي (النص: ٣٣١).","vol":"1","page":393},{"text":"حتى أسمعه منك، فأعطيته فكتبها، ثم جعل يحدث بها عن معمر نفسه، وعن ابن جريج، فقال لي هشام بن يوسف: انظر في حديثه فهو مثل حديثي سواء، فأمرت رجلًا فجاءني بأحاديث مطرف بن مازن، فعارضت بها، فإذا هي مثلها سواء، فعلمت أنه كذاب \" (١).\nوالحافظ أبو أحمد بن عدي في عدد من الرواة بذلك، وكان يستدل لتلك التهمة، منهم: إبراهيم بن عبد السلام المخزومي المكي، والعباس بن الحسن البلخي، وجعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحسن بن عبد الرحمن بن عباد الاحتياطي، والحسين بن علي بن الأسود العجلي، وحميد بن الربيع الخزاز، وسليمان بن أحمد الواسطي، وعبد الرحمن بن واقد أبو مسلم الواقدي، وعلي بن عبدة المكتب، والنضر بن طاهر أبو الحجاج، ويحيى بن هاشم السمسار، وغيرهم.\nوللحافظ أبي أحمد بن عدي توسع في الجرح بهذه التهمة، فربما جرح بها الراوي الضعيف أو المجهول، يروي حديثًا عن شيخ، وقد عرف ذلك الحديث عن ذلك الشيخ من رواية غير هذا الضعيف أو المجهول، فيصف هذا بأنه سرق الحديث ممن حدث به عن ذلك الشيخ؛ لأن هذا المجروح لم يعرف بذلك الحديث أو بذلك الشيخ.\nولا مانع - كما لا يخفى - أن يكون الضعيف أو المجهول سمع ما سمعه غيره، لكن ذلك الحديث المعين الذي سمعه لم يشتهر من طريقه.\nوتسليم هذه التهمة للراوي تحتاج إلى دليل قوي، فإن ناسب الوصف بها كون الراوي متروكًا أو مذكورًا بالكذب، أو منكر الحديث، تساهلنا في ذكرها، إذ تكون حينئذ جارية في سياق ما علمنا من حال الراوي، أما إن\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٧٨٧) ونقله: ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣١٤) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧٥) وابنُ عدي في \" الكامل \" (٨/ ١٠٨) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٢١٦) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٥).","vol":"1","page":394},{"text":"كان الموصوف بها لم يبلغ حد الترك فلا يقبل هذا الجرح إلا بدليل قاطع أنه كان يسرق الحديث، فإن ثبت حينئذ ألحقنا ذلك الراوي بالمتروكين وأسقطنا الاعتبار بحديثه.\nوالراوي الضعيف من جهة سوء حفظه قد يقلب أحاديث سمعها من شيخ يجعلها عن شيخ آخر، ويركب إسنادًا على غير متنه، لكنه إنما أتي من جهة سوء الحفظ لا سرقة الحديث، كما يأتي شرحه في مباحث (النقد الخفي).\n\nمسألة:\nالراوي يكون قد سمع وكتب، لكن ذهبت أصوله، فيحدث بنفس تلك الأحاديث التي سمع لكن من غير أصوله، فهل يكون ذلك من هذا الباب؟\nمثاله: قول أحمد بن إسحاق بن واضح العسال المصري (وهو شيخ مستور): \" كان محمد بن خلاد الإسكندراني رجلًا صالحًا ثقة، ولم يكن فيه اختلاف، حتى ذهبت كتبه، فقدم علينا رجل يقال له: أبو موسى، في حياة ابن بكير (١)، فدفع إليه نسخة ضمام بن إسماعيل، ونسخة يعقوب بن عبد الرحمن، فقال: أليس قد سمعت النسختين؟ قال: نعم، قال: فحدثني بهما، قال: ذهبت كتبي ولا أحدث بها، قال: فما زال به هذا الرجل حتى خدعه، وقال: النسخة واحدة، فحدث بها، فكل من سمع منه قديمًا قبل ذهاب كتبه فحديثه صحيح، ومن سمع منه بعد ذلك فحديثه ليس بذاك \" (٢).\nقلت: وهذا يعني أنه لا يقبل من الراوي أن يحدث بمسموعه من أصول غيره، إلا أن يثبت سماعه على نفس ذلك الأصل.\n_________\n(١) هوَ يحيى بن عبْد الله بن بكيْر.\n(٢) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧٥)، والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٨ - ٦٩) وإسناده إلى ابن واضح صحيح.","vol":"1","page":395},{"text":"لكن إن كان الراوي قد ثبت أنه يحفظ حديثه ويميزه، فحدث بشيء من تلك الأحاديث المحفوظة له من كتب غيره، فلا يقدح فيه ذلك.\nقال الحافظ عبد الله بن محمد بن سيار الفرهياني، وذكر أبا موسى محمد بن المثنى، وبندارًا محمد بن بشار، فقال: \" ثقتان، وأبو موسى أحج؛ لأنه كان لا يقرأ إلا من كتابه، وبندار يقرأ من كل كتاب \".\nفعلق على ذلك الخطيب البغدادي بقوله: \" بندار وإن كان يقرأ من كل كتاب، كان يحفظ حديثه \" (١).\nقلت: ومنه قول يحيى بن معين في (عبد الله بن مسلمة القعنبي): \" ثقة مأمون، لا يسأل عنه، لو ضاع كتابه ثم أخذه ممن سمع معه في المثل كان جائزًا، هو رجل صدق \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>السبب الرابع: البدعة</span>\n\nهذا من أكثر ما وقع فيه الطعن على الرواة في غير ما يعود إلى الضبط، وما سلم منه طوائف من الثقات الحفاظ من الناس، بل تكلم فيهم لأجله.\nوالمعني به: البدع العقدية، لا البدع الإضافية في أبواب الفروع.\nوأصول البدع تعود جملتها إلى: بدعة الخوارج، والقدرية، والرافضة، والناصبة، والمرجئة، والجهمية، والواقفة (٣).\n_________\n(١) تاريخ بغداد (٢/ ١٠٤)، والرواية عن ابنِ سيار صحيحة الإسناد.\n(٢) مَعرفة الرجال، رواية ابنِ مُحْرز (١/ ١٠١ رقم: ٤٤٥).\n(٣) فأما الخوارج فبدعتهم أول البدع في الإسلام، وذلك حينَ شقوا عصا الطاعة وخرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁. والقدرية، هُم القائلون بنفي القدر، أي: أن الشر من خلق العبْد لا من خلق الله، ومنه من يقول: لا يعلمه الله من المخلوق حتى يفعله. والرافضة: مبْغضو أبي بكر وعُمر وعثمان، أو مكفروهم، والغلاة في علي بن أبي طالب وأهل بيته، والشيعة لقَبٌ يَشملهم، لكن يدْخل فيه: مُجرد تقديم علي على أبي بكر وعُمر دونَ البُغض. والناصبة: من قابلوا الرافضة في بُغض علي وأهْل بيته. والمرجئة: من ذهب إلى أن الإيمان مُجرَّد اعتقادِ القلب وإقرار اللسان، وأنَّ الأعمال ليست من الإيمان، وعليه فهو لا يزيد ولا ينقص، ومنهم من غلا فقال: لا يضرُّ مع الإيمان معصية. والجهمية: أتباع جهم بن صَفوان في نفي صِفات الباري تعالى، واعتقاد خلق القرآن. والواقفة: هم من توقَّف في القرآن حين ظهرت المقالة فيه فقالوا: لا نقول هو مخلوق، ولا غير مخلوق.","vol":"1","page":396},{"text":"وتضاربت فيه مذاهب أهل الحديث، بين قبول حديث الموصوف به ورده، أو قبوله في حال ورده في حال.\nوإنما دخل الإشكال على من ذهب إلى القدح بذلك أن البدعة خلل في الدين، وذلك موجب للقدح في العدالة.\nقال سلام بن أبي مطيع: بلغ أيوب (يعني السختياني) أني آتي عمرًا (يعني ابن عبيد) (١)، فأقبل علي يومًا، فقال: \" أرأيت رجلًا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث \" (٢).\nوقال ابن حبان: \" إن الداعي إلى مذهبه والذاب عنه حتى يصير إمامًا فيه، وإن كان ثقة، ثم روينا عنه، جعلنا للاتباع لمذهبه طريقًا، وسوغنا للمتعلم الاعتماد عليه وعلى قوله \" (٣).\nوتحرير القول في حديث المبتدع في بيان مذاهب علماء السلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>مذاهب أهل العلم في رد حديث أهل البدع أو قبوله:</span>\nهي محصورة في أربعة مذاهب:\nالمذهب الأول: ترك حديثهم مطلقًا، أي: البدعة جرحة مسقط للعدالة.\nوعليه يتنزل نصوص طائفة من الأئمة:\n_________\n(١) وهوَ من رءوس القدرية.\n(٢) مقدمة صحيح مسلم (١/ ٢٣) بإسناد صحيح.\n(٣) الإحسان في تقريب صحيح ابنِ حبان (١/ ١٦٠).","vol":"1","page":397},{"text":"فعن محمد بن سيرين، قال: \" كان في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد؛ لكي يأخذوا حديث أهل السنة، ويدعوا حديث أهل البدع \" (١).\nوعن مالك بن أنس، قال: \" لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئًا، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافًا: فمنهم من كان كذابًا في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلًا بما عنده، فلم يكن عندي موضعًا للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء \" (٢).\nالمذهب الثاني: التفريق بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها.\nقال أحمد بن حنبل: \" احتملوا المرجئة في الحديث \" (٣).\nوقال إبراهيم الحربي: حدثنا أحمد يومًا عن أبي قطن (يعني عمرو بن الهيثم)، فقال له رجل: إن هذا بعدما رجع من عندكم إلى البصرة تكلم\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه مُسلم في \" مُقدمة صحيحه \" (١/ ١٥) والترمذي في (العلل) آخر كتاب \" الجامع \" (٦/ ٢٣١) والجوزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٣٥ - ٣٦) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٣٦٤٠) وابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٨) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٠) وابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢١٤) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٨٢) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٧) من طريق إسماعيل بن زكريا الخُلقانيِّ، عن عاصم الأحوال، عن ابن سيرين، به. وإسناده جيد.\n\nوعدَّه يحيى بن معين في \" تاريخه \" (النص: ٢١١٥) مما تفرد به إسماعيل. لكن أخرجه بمعناه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٧) من طريق مُحمد بن حميد، قال: حدثنا جرير (يعني ابنَ عبد الحميد)، عن عاصم. غيرَ أن هذه متابعةٌ لا يُركن إليها ولا يُتعقب بها؛ لأنَّ ابنَ حُميد هو الرازي ضعيف جدًّا.\n(٢) أخرجه ابنُ عبد البرِّ في \" التمهيد \" (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.\n(٣) سؤالات أبي داود (النص: ١٣٦).","vol":"1","page":398},{"text":"بالقدر وناظر عليه، فقال أحمد: \" نحن نحدث عن القدرية، لو فتشت أهل البصرة وجدت ثلثهم قدرية \" (١).\nوأحمد شدد في حديث الجهمية لغلظ بدعتهم، وتوسط في القدرية، فقبل من لم يكن داعية، وسهل في المرجئة، قال ابن رجب الحنبلي: \" فيخرج من هذا: أن البدع الغليظة كالتجهم يرد بها الرواية مطلقًا، والمتوسطة كالقدر إنما يرد رواية الداعي إليها، والخفيفة كالإرجاء، هل يقبل معها الرواية مطلقًا، أو يرد عن الداعية؟ على روايتين \" (٢).\nوقال مسلم بن الحجاج: \" الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم، والمعاندين من أهل البدع \" (٣).\nالمذهب الثالث: التفريق بين الداعي إلى بدعته، وغير الداعي، فيرد الأول، ويقبل الثاني.\nقال الحاكم: \" الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة؛ لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه \" (٤).\nهذا منقول عن عبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين (٥).\nقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك وقيل له: تركت عمرو بن\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٢٠٠) وإسناده حَسنٌ.\n(٢) شرح علل الترمذي (١/ ٥٦)، والرواية الأولى عن أحمد في المرجئة في القبول مُطلقًا هي التي ذكرْت، وأما الثانية فتأتي في المذهب الثالث.\n(٣) مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٨).\n(٤) مَعرفة علوم الحديث (ص: ١٦).\n(٥) الكفاية، للخطيب (ص: ٢٠٣ - ٢٠٥).","vol":"1","page":399},{"text":"عبيد وتحدث عن هشام الدستوائي وسعيد وفلان، وهم كانوا في عداده، قال: \" إن عمرًا كان يدعو \" (١).\nكما روى نعيم، قال: قلت لا بن المبارك: لأي شيء تركوا عمرو بن عبيد؟ قال: \" إن عمرًا كان يدعو \" يعني إلى القدر (٢).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: \" من رأى رأيًا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيًا ودعا إليه فقد استحق الترك \" (٣).\nوقال: \" ثلاثة لا يحمل عنهم: الرجل المتهم بالكذب، والرجل الكثير الوهم والغلط، ورجل صاحب الهوى يدعو إلى بدعة \" (٤).\nوقال محمد بن عبد العزيز الأبيوردي (من أصحاب أحمد) \" سألت أحمد بن حنبل: أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: \" نعم، يكتب عنه إذا لم يكن داعيًا \" (٥).\nوكذلك قال أبو داود السجستاني: قلت لأحمد بن حنبل: يكتب عن القدري؟ قال: \" إذا لم يكن داعيًا \" (٦).\n_________\n(١) الضعفاء، للعقيلي (٣/ ٢٧٧) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٣ - ٢٠٤) - بإسناد صالح، نُعيم صدوق في الأصل، ليس بالقوي في الحديث، لكن هذا مما يُحتمل منه، خصوصًا وقد أخذه من في ابن المبارك، لم يحتج معه إلى إسناد. وروى معناه عن ابن المبارك كذلك عليُّ بن الحسن بن شقيق. أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٣) وإسناده صحيح.\nورَوى ابنُ عدي (١/ ٢٥٧) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص ٢٢٧) عن عبد الله بن المبارك قال: \" يُكتب الحديث إلا عن أربعة: غلاَّط لا يَرْجع، وكذَّاب، وصاحب هوى يدْعو إلى بدعته، ورجلٍ لا يحفظ فيُحدثُ من حفظه \".\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٧٣) وإسناده صالح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٣) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٩٤٧) وعنه: العُقيلي (١/ ٨) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(٦) سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل (النص: ١٣٥) والكفاية، للخطيب (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":400},{"text":"وقال أبو بكر المروذي: \" كان أبو عبد الله (يعني أحمد) يحدث عن المرجئ إذا لم يكن داعية أو مخاصمًا \" (١).\nوقال جعفر بن محمد بن أبان الحراني: قلت لأحمد بن حنبل: فنكتب عن المرجئ والقدري وغيرهما من أهل الأهواء؟ قال: \" نعم، إذا لم يكن يدعو إليه ويكثر الكلام فيه، فأما إذا كان داعيًا فلا \" (٢).\nوسئل أحمد بن حنبل: عمن يكتب العلم؟ فقال: \" عن الناس كلهم، إلا عن ثلاثة: صاحب هوى يدعو الناس إليه، أو كذاب، فإنه لا يكتب عنه قليل ولا كثير، أو عن رجل يغلط فيرد عليه فلا يقبل \" (٣).\nقلت: عبارات أحمد في ذلك جاءت بالتشديد في أمر الداعية، في الكتابة عنه، وليس في تخريج حديثه مطلقًا، والفرق بين الصورتين: أنه عرف من منهج أحمد التشديد على المخالفين في الأصول، والكتابة عن أحدهم تحسين لأمره عند من لا يعرفه، وتغريد للناس به، فكان يشدد في أمر هؤلاء تنفيرًا للناس عنهم، وهذا إنما يؤثر في حق الأحياء يقصد الراوي أن يحمل عن أحدهم الحديث، أما الأموات الذين لم يعرف الناس من أمرهم إلا ما خلفوه من علم أو رواية، فهؤلاء خرج أحمد من حديثهم الكثير في كتبه، من شتى طوائف أهل القبلة، وفيهم من كان غاليًا، ولا يبعد أن يكون داعية.\nولذا قال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: في حديثك أسماء قوم من القدرية، فقال: \" هو ذا نحن نحدث عن القدرية \" (٤).\nوقال عباس الدوري: سمعت يحيى (يعني ابن معين) يقول: \" ما كتبت\n_________\n(١) العلل رواية المروذي (النص: ٢١٣).\n(٢) أخرجه ابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٨٢) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٨) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٦) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":401},{"text":"عن عباد بن صهيب \"، قلت: هكذا تقول في كل داعية: لا يكتب حديثه إن كان قدريًا أو رافضيًا أو غير ذلك من أهل الأهواء من هو داعية؟ قال: \" لا يكتب عنهم، إلا أن يكونوا ممن يظن به ذلك ولا يدعوا إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر ولا يدعو إليه \" (١).\nوقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت يحيى بن معين عن عمرو بن عبيد؟ فقال: \" لا تكتب حديثه \"، فقلت له: كان يكذب؟ فقال: \" كان داعية إلى دينه \"، فقلت له: فلم وثقت قتادة وسعيد بن أبي عروبة وسلام بن مسكين؟ فقال: \" كانوا يصدقون في حديثهم، ولم يكونوا يدعون إلى بدعة \" (٢).\nوقال ابن حبان: \" والدعاة يجب مجانبة رواياتهم على الأحوال، فمن انتحل نحلة بدعة ولم يدع إليها، وكان متقنًا، كان جائز الشهادة، محتجًا بروايته \" (٣).\nوقال: \" الاحتياط ترك رواية الأئمة الداعين منهم، والاحتجاج بالرواة الثقات منهم \" (٤).\nويبين الحافظ الخطيب السبب في هذا المذهب، فيقول: \" إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة؛ خوفًا أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيه على وضع ما يحسنها \" (٥).\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٥٨١)، ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٤).\n(٢) الضعفاء، للعُقيلي (٣/ ٢٨١)، ولم أقف على حالِ الحضرمي ولا الراوي عنه شيخ العقيلي محمد بن عبد الحميد السَّهمي، وهو إسنادٌ نقل به العقيلي طائفة من السؤالات ليحيى بن مَعين.\n(٣) الثقات (٦/ ٢٨٤).\n(٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦٠).\n(٥) الكفاية (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":402},{"text":"قلت: وهذا تعليل معتبر في حل راو لم يعرف بالصدق، أما من ثبت صدقه وعرفت أمانته، وكان يذهب إلى شيء من تلك المذاهب بتأويل، وكان ينتصر إلى مذهبه ذلك، فهذا مراد كذلك في قول هؤلاء الأئمة، لكن لا يتنزل عليه تعليل الخطيب.\nوالذي يتحرر من إمعان النظر في هذا المذهب أنه مذهب نظري اليوم في شأن رواة الحديث، وذلك أن أمر الدعوة إلى البدعة مما لا يمكن حصره وضبطه، والكلام في رواة الحديث فد فرغ منه، وصارت العمدة في معرفة أحوال الرواة على ما بلغنا من أخبارهم، والمتأمل يجد في تلك الأخبار وصف عدد غير قليل من الرواة بالبدعة، لكن يندر فيهم من يمكن القول: إنه كان داعية، نعم؛ وصف طائفة بالغلو، إلا أنه لا يعني بالضرورة كون الموصوف بذلك داعية إليها.\nالمذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحًا مسقطًا لحديث الراوي، لما تقوم عليه من التأويل، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق، والسلامة من الفسق والكذب.\nوعلى هذا في التحقيق يتنزل مذهب من ذهب من كبار الأئمة إلى أن البدعة لا تمنع قبول حديثهم، إلا من كان يستحل الكذب.\nوهذا هو منقول من مذهب أبي حنيفة وصاحبه أبي يوسف وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والشافعي (١).\nقال سفيان بن عيينة: \" حدثنا عبد الملك بن أعين، وكان شيعيًا، وكان عندنا رافضيًا صاحب رأي \" (٢).\n_________\n(١) انظر: الكفاية للخطيب (ص: ٢٠٢ - ٢٠٣)، كشْف الأسرار عن أصول البَزدوي (٣/ ٢٦ - ٢٧)، وحكى الخطيب (ص: ١٩٤) عن الشافعي أنه قال: \" وتُقبل شهادةُ أهْل الأهواء، إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يروْنَ الشهادة بالزور لموافقهم \"، وأسند البيهقي في \" السنن \" (١٠/ ٢٠٨ - ٢٠٩) معناه.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٥١) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":403},{"text":"قال ابن دقيق العيد: \" والذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحدًا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية \" (١).\nوهو قول يحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، ومحمد بن عمار الموصلي، وإليه مال الخطيب البغدادي (٢).\nقال علي بن المديني: قلت ليحيى (يعني القطان) \" إن عبد الرحمن (يعني ابن مهدي) يقول: اترك من كان رأسًا في البدعة يدعو إليها، قال: \" كيف نصنع بقتادة وابن أبي رواد وعمر بن ذر؟! \" وذكر قومًا، قال يحيى: \" إن ترك هذا الصنف ترك ناسًا كثيرًا \" (٣).\nقلت: يرد يحيى مذهب ابن مهدي، بل مقتضى قوله أن يكون من سماهم ممن يندرج تحت رأي ابن مهدي، وهو يحل الاستشكال الذي نراه: ما هو حد الداعية من غيره؟ فهذا يحيى القطان يرى قتادة ومن ذكره معه من الدعاة، وإلا لما صح له الاستدراك على ابن مهدي بذكرهم، وهم من ثقات الناس ومتقنيهم وعليهم مدار كثير من الحديث.\nيقابله ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة، قال: قلت لعلي بن عبد الله المديني: يا أبا الحسن، إن يحيى بن معين ذكر لنا: أن مشايخ من البصريين كانوا يمرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر، منهم: قتادة، وهشام صاحب الدستوائي، وسعيد بن\n_________\n(١) الاقتراح في بيان الاصْطلاح (ص: ٣٣٣ - ٣٣٤) وابنُ دقيق وإن صار إلى ترك الرواية عن المبتدع الداعية، إلا أنه جعل ذلك من أجل الإهانة له والإخماد لبدعته، وإن لم نَجد ما رَوى موجودًا من غير طريقه قبلْناه تقديمًا لمصْلحة حفظ الحديث.\n(٢) الكفاية (ص: ٢٠٠ - ٢٠١).\n(٣) أخرجه أبو القاسم البَغوي في \" الجعديات \" (رقم: ١٠٩٣) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (ق: ١ / ب) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":404},{"text":"أبي عروبة، وأبو هلال، وعبد الوارث، وسلام (١)، كانوا ثقات، يكتب حديثهم، فماتوا وهم يرون القدر، ولم يرجعوا عنه، فقال لي علي، ﵀: \" أبو زكريا كذا كان يقول عندنا، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشام الدستوائي رجع قبل موته، ولم يصح ذلك عندنا \" (٢).\nقلت: ففي هذا نفي أن يكون قتادة داعية إلى بدعته، لكن فيه تثبيت أن جميع هؤلاء كانوا يذكرون بالبدعة، ويحيى اعتبر في ثقتهم أمرين: عدم الدعوة إلى البدعة، مع الحفظ والإتقان.\nوهذا عبد الرحمن بن مهدي قد ترك بعض الرواة لأجل البدعة، ثم حدث عنهم قبل موته:\nفقد قال ابن أخته الحافظ أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبد الرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر؛ للمذهب، والضعف، فلما كن بأخرة حدث عنهم، وخرجهم في تصانيفه، فقلت: يا خال، أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء؟ فقال: \" نعم، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب، سل عبد الرحمن: لم أسقط عدالتنا؟ \" (٣).\nوقد سئل الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن (علي بن غراب)، فقال: \" كان صاحب حديث بصيرًا به \" فقيل له: أليس هو ضعيفًا؟ قال: \" إنه كان يتشيع، ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث بعد أن لا يكون كذوبًا للتشيع أو القدر، ولست براو عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله ولو كان أفضل من فتح - يعني الموصلي - \" (٤).\n_________\n(١) أبو هلال اسمُه مُحمد بن سُليم الراسبي، وعبْد الوارث هوَ ابنُ سعيد، وسلاَّم هوَ ابنُ مسكين.\n(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (ص: ٤٥ - ٤٦).\n(٣) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٢٤١) بإسناد صحيح.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٧) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":405},{"text":"وسئل الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم عن (الفضل بن محمد الشعراني)، فقال: \" صدوق في الروية، إلا أنه كان من الغالين في التشيع \" قيل له: فقد حدثت عنه في \" الصحيح \" فقال: \" لأن كتاب أستاذي ملآن من حديث الشيعة \" يعني مسلم بن الحجاج (١).\nوفي \" صحيح البخاري \" عن جمع كبير من المنسوبين إلى البدع.\nفهؤلاء الأعيان قدوة الناس في هذا الفن، وممن إليهم المرجع فيه.\nوقال ابن حزم: \" من أقدم على ما يعتقده حلالًا، فما لم يقم عليه في تحريمه حجة، فهو معذور مأجور وإن كان مخطئًا، وأهل الأهواء معتزليهم ومرجئيهم وزيديهم وإباضيهم بهذه الصفة، إلا من أخرجه هواه عن الإسلام إلى كفر متفق على أنه كفر، أو من قامت عليه حجة من نص أو إجماع فتمادى ولم يرجع فهو فاسق \" (٢).\nقلت: ومن أمثلة ما يتنزل عليه هذا المذهب وهم ثقات محتج بهم:\n١ - عبد الله بن أبي نجيح.\nقال علي بن المديني: \" أما الحديث فهو فيه ثقة، وأما الرأي فكان قدريًا معتزليًا \" (٣).\nوقال يحيى بن معين: \" كان ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة \" (٤).\n٢ - خالد بن مخلد.\nقال الجوزجاني: \" كان شتامًا معلنًا بسوء مذهبه \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٨) وإسناده صحيح.\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤٩).\n(٣) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩٩).\n(٤) نقله عنه ابن أبي خيثمة في \" تاريخه \" (ص: ٣٣٥ - تاريخ المكيين).\n(٥) أحوال الرجال (النص: ١٠٨) قلت: ولا يصحُّ أن يُقبل جرح الجوزجاني فيمن فيه تشيُّع؛ لِما اتُّهم به من النصب.","vol":"1","page":406},{"text":"٣ - سالم بن عجلان الأفطس:\nقال الجوزجاني: \" كان يخاصم في الإرجاء، داعية، وهو متماسك \" (١).\n٤ - عبد الرحمن بن صالح الأزدي.\nقال يعقوب بن يوسف المطوعي (وكان ثقة): كان عبد الرحمن بن صالح الأزدي رافضيًا، وكان يغشى أحمد بن حنبل، فيقربه ويدنيه، فقيل له: يا أبا عبد الله، عبد الرحمن رافضي، فقال: \" سبحان الله! رجل أحب قوما من أهل بيت النبي ﷺ نقول له: لا تحبهم؟! هو ثقة \" (٢).\nوكان يحيى بن معين يعلم تشيعه، بل نعته بذلك، ومع فقد كتب حديثه وروى عنه، ووثقه، وكذلك وثقه غيره (٣).\nمع أن أبا داود السجستاني قال: \" لم أر أن أكتب عنه، وضع كتاب مثالب في أصحاب رسول الله ﷺ \" (٤).\n٥ - عمران بن حطان.\nقال أبو داود السجستاني: \" ليس في أهل الأهواء أصح حديثًا من الخوارج \" ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج (٥).\n٦ - عباد بن يعقوب الرواجني.\nوشأنه في الغلو في الرفض والدعوة إليه مشهور، ومن أبينه ما حكاه الثقة المتقن القاسم بن زكريا المطرز، قال:\nوردت الكوفة، وكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما\n_________\n(١) أحوال الرجال (النص: ٣٢٧).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٢٦٢) وإسناده صحيح.\n(٣) انظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٠/ ٢٦١ - ٢٦٣) وتهذيب الكمال (١٧/ ١٧٧ - ١٨٢).\n(٤) سؤالات الآجري (النص: ١٩٢٢)، وعن الحافظ موسى بن هارون الحمَّال بمعنى هذا، قال: \" كانَ يحدث بمثالبِ أزواج رسول الله ﷺ وأصحابه \" (تاريخ بغداد ١٠/ ٢٦٣).\n(٥) سؤالات الآجري (النص: ١٢٩٦) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٧).","vol":"1","page":407},{"text":"فرغت ممن سواه دخلت عليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر، فقال: هو كذلك، ولكن من حفره، فقلت: يذكر الشيخ، فقال: حفره علي بن أبي طالب، ﵁، ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله، مجري الأنهار، ومنبع العيون، فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ، فقال: أجراه الحسين بن علي، (وذكر تمام القصة) (١).\nوجاء أنه كان يشتم عثمان بن عفان، ﵁، وقال ابن حبان: \" كان رافضيًا داعية إلى الرفض \" (٢).\nقلت: ومع ذلك فخرج حديثه البخاري في \" الصحيح \"، وحكم بثقته غير واحد.\n٧ - الحسين بن الحسن الأشقر.\nقال ابن الجنيد عن يحيى بن معين: \" كان من الشيعة المغلية الكبار \"، قلت: فكيف حديثه؟ قال: \" لا بأس به \"، قلت: صدوق؟ قال: \" نعم، كتبت عنه \" (٣).\nقلت: فهذه المناهج لهؤلاء الأعلام من أئمة الحديث صريحة في عدم الاعتداد بالبدعة قادحًا في العدالة، ومن أجل هذا جرت ألفاظهم بالتعديل لهؤلاء الرواة مع ما عرفوا به من البدعة.\nوالتأويل بالبدع أوسع منه في المعاصي؛ لأن وجه المخالفة بها للشرع خفي، فإذا كنا عذرنا بالمخالفة تأويلًا في المنهيات الصريحة في الشرع كقتل المسلم، كالذي حصل بين الصحابة، فالعذر فيما كان وجه\n_________\n(١) أخرجها الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٩) بإسناد جيد.\n(٢) المجروحين (٢/ ١٧٢).\n(٣) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٦٧٤) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٠٨).","vol":"1","page":408},{"text":"المخالفة في خفيًا أولى، وإنما تكون العبرة بالصدق والإتقان، فإذا ثبت فحديثه مقبول.\nقال ابن جرير الطبري: \" لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبت عليه ما ادعي به، وسقطت عدالته وبطلت شهادته بذلك؛ للزم ترك أكثر محدثي الأمصار؛ لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه \" (١).\nقلت: وإنما يخرج من هذا التأصيل: من كان من الرواة طعن عليه لبدعته وحديثه جيمعًا، فهذا مجروح من أجل حديثه، وذلك مثل: جابر الجعفي، وعمرو بن عبيد البصري.\nقال سفيان بن عيينة: \" كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس \" فقيل له: \" وما أظهر؟ قال: \" الإيمان بالرجعة \" (٢).\nقلت: فكأن سفيان جعل اتهامه في حديثه من أجل بدعته، والواقع أنه لا تلازم بينهما، لجواز أن يكون صاحب بدعة صدوقًا، كما تقدمت له أمثلة، وإنما المعنى أنه بعدما ظهرت منه هذه العقيدة ظهر منه في روايته ما اتهم فيه.\nوكذلك القول في عمر بن عبيد، مع ظهور الفسق وضعف التأويل في بعض ما جاء عنه، فقد تكلم بما لا يحتمل (٣).\n_________\n(١) هدي الساري، للحافظ ابن حجر (ص: ٤٢٨).\n(٢) أخرجه مُسلمٌ في \" مُقدمته \" (ص: ٢٠) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٩٤) وإسناده صحيح. وأما تفسير الرجْعة، فأحسن شيء يُبيَّن ذلك ما حكاه سُفيان بنُ عيينة نفسُه قال: \" إن الرافضة تقول: إنَّ عليًاّ في السحاب، فلا نَخرج مع مَن خرج من ولده حتى يُنادي مُنادٍ من السماء: اخرجوا معَ فلانٍ \"، وحكى عن جابر الجُعفي في قوله تعالى ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] قال: لم يجئ تأويلها. قال سُفيان: كذب. أخرجه مسلم في \" مُقدمته \" (ص: ٢١) وابنُ عدي (٢/ ٣٣١) بإسناد صحيح إلى سُفيان.\n(٣) انظر ترجمته، وللدارقطني جُزءُ \" أخبار عَمرو بن عبيد \" نَشره المستشرقون (!).","vol":"1","page":409},{"text":"ولا ريبة أن كثير من أهل البدع نصروا مذاهبهم برواية النكرات إسنادًا ومتنًا، وجماعات منهم عرفوا بوضع الحديث لأجل ذلك.\nوهو المعنى الذي خافه من شدد فرد أحاديث أهل البدع.\nلكن مادامت الخشية محصورة في كون صاحب البدعة قد تدفعه بدعته إلى المجيء بالمنكرات من الروايات نصرة لتلك البدعة، فالأمر إذًا عائد إلى القول في روايته، فإذًا تحرر لنا صدقه، وسلامة روايته من النكارة، فقد ذهب المحذور.\nفمن قال من المتأخرين: إذا روى صاحب البدعة ما تعتضد به بدعته رد، وإن روى غير ذلك قبل.\nفهذا مذهب وإن تداولته كتب علوم الحديث فليس صوابًا؛ لأن قبول روايته حيث قبلناها فإنما حصل لأجل كونه بريئًا من الكذب معروفًا بالصدق والأمانة، فإذا صرنا إلى رد حديثه عند روايته ما تعتضد به بدعته فقد اتهمناه، وهذا تناقض، مع ملاحظته أن من ذهب مذهبًا كان أحرص من غيره على حفظ ما يقوي مذهبه، فينبغي أن يقال: حفظ وأتقن؛ لأن داعية الإتقان متوفرة فيه، فيكون هذا مرجحًا لقبول تلك الرواية ما دام موصوفًا بالصدق.\nوعلى مظنة أن تدعو البدعة إلى الكذب في الرواية من معروف بالصدق، فهذا لا ينحصر في البدعة، فإن الهوى يكون في غيرها أيضًا.\nوأما إطلاق القول بتكذيب طائفة من أهل البدع على التعيين، كقول يزيد بن هارون: \" لا يكتب عن الرافضة؛ فإنهم يكذبون \" (١)، فهذا مما يجري على غالب من أدرك يزيد ورأى من هؤلاء، وأن يكون أراد غلاتهم، غير أن واقع الأمر أن طائفة من الرواة وصفوا من قبل بعض النقاد بالرفض، كانوا من أهل الصدق، روى الأئمة عنهم الحديث وأثنوا عليهم، كما مثلت هنا بجماعة منهم.\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":410},{"text":"وخلاصة الفصل في هذا: أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميزوا أهل الصدق من غيرهم، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث، فأسقطهم الله، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنة، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك، وهو وإن كانوا أقل عددًا من أصحاب البدع، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية، وقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصدق من الفريقين، فأثبت أئمة الشأن له ذلك، فلا يكون في التحقيق وصف من وصفوة بالصدق إلا من أجل ما روى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>السبب الخامس: الجهالة</span>\n\nالجهالة على ما يأتي من بيان معناها في الفصل التالي، كانت جهالة عين أو جهالة حال، فإن لحاقها بالجرح لا من أجل ثبوته في حق الراوي، وإنما هو من أجل اجتماعها في معنى رد حديث الراوي؛ ولذلك صار المصنفون من المتأخرين الذين أفردوا الرواة المجروحين بالتصنيف، إلى إدخال المجهولين كذلك في كتبهم.\nوهذا معنى صحيح عندما لا يتحرر إلحاقهم بالعدول، وهو على معنى التوقف فيهم؛ لما يشترط لإثبات العدالة من ثبوت شخص أحدهم، وسلامة حديثه من النكارة، على ما تقدم بيانه في التعديل.\nوعليه: فالقدح في العدالة بسبب الجهالة صحيح بالاعتبار الذي ذكرنا (١).\n\n* * *\n_________\n(١) وتتمة بيان ما يتصلُ بالجهالة في الفصْل التالي المعقود لها.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الثالث:\n\nتحرير عود ما يسلب الضبط\nإلى سوء حفظ الراوي</span>\n\nيقع سلب الضبط عن الراوي بسبب سوء حفظه، سلبًا كليًا أو جزئيًا.\nوهذا في الجملة قسمان:\nأولهما: فساد الضبط إلى حد أن يكون الراوي متروك الحديث، وقد يكون علامة عند بعض النقاد على سوء الظن به، واتهامه بالكذب بما ينتقل به القدح إلى عدالته.\nوثانيهما: اختلال الضبط جزئيًا، فيثبت على الراوي الوهم في بعض ما يرويه، فإن كثر رجح به إلى جانب الرد دون القدح في أصل عدالته وصدقه، فيبقيه في إطار من يعتبر به عند الموافقة، وربما نزل به عن درجة المتقنين، دون النزول به عن درجة القبول، لكنه يكون في مرتبة دنيا منه.\nوهذا قد يتميز منه أن سلب الضبط وقع للراوي في حال دون حال، وتميز ذلك من أمره، فهو مجروح به في الحال المتميز، عدل مقبول فيما سواه، كمن ضبط عن بعض الشيوخ دون آخرين، وكالمختلط فيما حدث به بعد اختلاطه وقبله.","vol":"1","page":412},{"text":"وسوء الحفظ لا ينافي الصدق في الأصل.\nومراجعة إلى الغفلة وضعف تيقظ الراوي.\nوتارة تكون الغفلة طبعًا فيه، وتارة عارضة لعدم الاعتناء بالمحفوظ، وتأثير عوارض أخرى عليه، كالاشتغال بالعبادة دون العلم، أو ترك بثه في أهله، أو الانشغال بالدنيا، أو تقدم السن، أو لغير ذلك.\nوكثير من ذلك في المنسوبين للصلاح والتعبد، حتى ربما حدثوا بالموضوع والكذب، يجري على ألسنتهم دون تعمد، وربما كان أحدهم سمع بعض الحديث، فيحمل إسناد هذا على حديث هذا، وحديث هذا على إسناد هذا، ويحدث على التوهم عن الرجل بما ليس من حديثه، وربما ألصق كلامًا حسنًا بإسناد معروف، ليس ذلك الإسناد من ذلك الكلام في شيء، وربما أدخل عليه ما ليس من حديثه وهو لا يعلم فيحدث به على أنه من حديثه، وهكذا.\nلذا كان أبو الزناد عبد الله بن ذكوان يقول: \" أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله \" (١).\nوكذلك قال مالك بن أنس: \" لقد أدركت في هذا البلد - يعني المدينة - مشيخة، لهم فضل وصلاح وعبادة، يحدثون، ما سمعت من أحد منهم حديثًا قط \"، قيل له: ولم يا أبا عبد الله؟ قال: \" لم يكونوا يعرفون ما يحدثون \".\nوعن حماد بن زيد: أن فرقدًا (يعني السبخي) ذكر عند أيوب (يعني السختياني)، فقال: \" لم يكن صاحب حديث، وكان متقشفًا، لا يقيد علمًا، ذاك لون، والبصر بالعلم لون آخر \".\n_________\n(١) هذا الأثر والآثار الثلاثة التالية كلُّها صحيحة، تقدم تخريجها في (المبحث الرابع) من مباحث (التعديل) عند بيان (معنى الضبط).","vol":"1","page":413},{"text":"وقال عمرو الناقد: سأل رجل وكيعًا (يعني ابن الجراح)، قال: يا أبا سفيان، تعرف حديث سعيد بن عبيد الطائي عن الشعبي في رجل حج عن غيره، ثم حج عن نفسه؟ فقال: \" من يرويه؟ \"، قلت: وهب بن إسماعيل، قال: \" ذاك رجل صالح، وللحديث رجال \".\nوكان يحيى بن سعيد القطان يقول: \" ما رأيت الكذب في أحد، أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير \". وفي لفظ: \" لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث \" (١).\nقال الإمام مسلم: \" يجري الكذب على لسانهم، ولا يتعمدون الكذب \" (٢).\nوعلل يحيى القطان نفسه مرة بعلة أخرى غير ما قاله مسلم، فقال: \" لأنهم يكتبون عن كل من يلقون، لا تمييز لهم فيه \" (٣).\nقلت: يعني يحيى أنهم يحدثون بالكذب الواقع من غير جهتهم، وكلا العلتين صحيحتان.\nوكان يحيى القطان يقول كذلك: \" رب صالح لو لم يحدث كان خيرًا له، إنما هو أمانة، إنما هو تأدية، الأمانة في الذهب والفضة أيسر منه في الحديث \" (٤).\nومن أمثلته:\n(ثابت بن محمد الزاهد)، قال ابن عدي: \" هو ممن لا يتعمد\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمته \" (١/ ١٧) وعبد الله بن أحمد في \" العلل ومعرفة الرجال \" (النص: ٢٩٨٨ - ٢٩٩٠) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٤) وابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٤٦) وابنُ حِبان في \" المجروحين \" (١/ ٦٧) والحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٥٤) والخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٦٧، ١٦٠٧) وابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٥٢) وإسناده صحيح.\n(٢) مقدمة صحيح مُسلم (١/ ١٨).\n(٣) أخرجه الخليلي في \" الإرشاد \" (١/ ١٧١ - ١٧٢) وإسناده جيد.\n(٤) أخرجه الجوزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٣٧) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":414},{"text":"الكذب، ولعله يخطئ، وفي أحاديثه ما يشتبه عليه فيرويه حسب ما يستحسنه، والزهاد والصالحون كثيرًا ما يشتبه عليهم فيروونا على حسن نياتهم \" (١).\nو(رواد بن الجراح)، قال ابن عدي: \" كان شيخًا صالحًا، وفي حديث الصالحين بعض النكرة \" (٢).\nو(سلم بن ميمون الخواص)، قال ابن عدي: \" روى عن جماعة ثقات ما لا يتابعه الثقات عليه: أسانيدها ومتونها \"، ثم فسر فقال: \" هو في عداد المتصوفة الكبار، وليس الحديث من عمله، ولعله كان يقصد أن يصيب فيخطئ في الإسناد والمتن؛ لأنه لم يكن من عمله \" (٣).\nو(زكريا بن يحيى الوقار)، قال ابن عدي: \" سمعت مشايخ أهل مصر يثنون عليه في باب العبادة والاجتهاد والفضل، وله حديث كثير، بعضها مستقيمة، وبعضها ما ذكرت وغير ما ذكرت موضوعات، وكان يتهم الوقار بوضعها؛ لأنه يروي عن قوم ثقات أحاديث موضوعات، والصالحون قد رسموا بهذا الرسم أن يرووا في فضائل الأعمال أحاديث موضوعة بواطيل، ويتهم جماعة منهم بوضعها \" (٤).\nومثال من كانت الغفلة طبعه، حتى ربما حدث بالكذب وهو لا يدري: ذاك الواسطي الذي أخبر بقصته الحافظ يزيد بن هارون، قال: \" كان بواسط رجل يروي عن أنس بن مالك أحرفًا، ثم قيل: إنه أخرج كتابًا عن أنس، فأتيناه فقلنا له: هل عندك سوى تلك الأحرف؟ فقال: نعم، عندي كتاب عن أنس، فقلنا: أخرجه إلينا، فأخرجه إلينا، فنظرنا فيه، فإذا هي\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٣٠١).\n(٢) الكامل (٤/ ١٢٠).\n(٣) الكامل (٤/ ٣٥٠، ٣٥١).\n(٤) الكامل (٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":415},{"text":"أحاديثك شريك بن عبد الله النخعي، فجعل يقول: حدثنا أنس بن مالك، فقلنا له: هذه أحاديث شريك، فقال: صدقتم، حدثنا أنس بن مالك عن شريك \"، قال: \" فأفسد علينا تلك الأحرف التي سمعناها منه، وقمنا عنه \" (١).\nقلت: فهذا الشيخ إنما أتي من غفلته وجهله، فأين شريك من أنس، فأنس صحابي توفي سنة (٩٢)، وشريك من أتباع التابعين ولد سنة (٩٥)، فكيف روى أنس عن شريك؟!\nومن هؤلاء (محاضر بن المورع)، قال أبو سعيد أحمد بن داود الحداد الواسطي (وكان ثقة): \" محاضرًا لا يحسن أن يصدق، فكيف يحسن أن يكذب! كنا نوقفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ الموضوع أخطأ \" (٢).\nوقال أحمد بن حنبل: \" سمعت منه أحاديث، لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلًا جدًا \" (٣).\nومنهم: (عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد)، قال أبو حاتم الرازي: \" الأحاديث التي أخرجها أبو صالح في آخره عمره التي أنكروا عليه نرى أن هذا مما افتعل خالد بن نجيح، وكان أبو صالح يصحبه، وكان سليم الناحية، وكان خالد بن نجيح يفتعل الحديث ويضعفه في كتب الناس، ولم يكن وزن أبي صالح وزن الكذب، كان رجلًا صالحًا \" (٤).\nومنهم (سفيان بن وكيع بن الجراح)، قال أبو حاتم الرازي: \" دخلت\n_________\n(١) أخرجه ابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧٠ - ٧١) بإسناد جيد، ونحوه في \" المدخل إلى الإكليل \" للحاكم (ص: ٦٠).\n(٢) سؤالات الآجري لأبي داود (النص: ١٢٦).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤١١٠).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٨٧).","vol":"1","page":416},{"text":"الكوفة، فحضرني أصحاب الحديث، وقد تعلقوا بوراق سفيان بن وكيع، فقالوا: أفسدت علينا شيخنا وابن شيخنا، قال: فبعثت إلى سفيان بتلك الأحاديث التي أدخلها عليه وراقة يرجع عنها، فلم يرجع عنها، فتركته \" (١).\nوهذه الحال قد تبلغ بإنسان حد الترك لحديثه في نظر بعض الأئمة، وذلك بحسب أثر ذلك على ما روى، كما قال أبو بكر بن أبي شيبة في (مصعب بن سلام التميمي): \" تركنا حديثه، وذلك أنه جعل يملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة، حدثنا شعبة، فذهبت إلى وكيع فألقيتها عليه، قال: من حدثك بهذا؟ فقلت: شيخ ههنا، قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة، فإذا الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة \" (٢).\nوهذا ذكر يحيى بن معين أنه قد رجع عنه (٣)، لكنه ينبئ أن بعض النقلة لم يكن يميز، وهذا الرجل له حديث حسن من روايته عن غير شعبة إذ هو صدوق في الأصل، وما وقع منه من قلب فيما ذكروه من روايته عن شعبة أو الزبرقان السراج فإنه لا يسقطه جملة، إنما تبين أن ما حدث به عن غيرهما فيه المحفوظ، على أنه لا ينبغي أن يحتج به لذاته، بل يكتب حديثه للاعتبار.\nومن هؤلاء من لم يكن يفهم ما الحديث، فكان يؤتى من جهله:\nقال أبو حاتم الرازي في (عقيل الجعدي): \" منكر الحديث، ذاهب، ويشبه أن يكون أعرابيًا، إذ روى عن الحسن البصري، قال: دخلت على سلمان الفارسي، فلا يحتاج أن يسأل عنه \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٧) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٣٧)، ومعناه في \" الجرح والتعديل \" (٢/ ١ / ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٢) معرفة الرجال، رواية ابن مُحرز (٢/ ٢١٣).\n(٣) انظر: سؤالات ابن الجنيد (النص: ٢٥٣).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢١٩).","vol":"1","page":417},{"text":"وحاصل هذا:\nأن من الغفلة ينتج سوء الحفظ، فيخطئ الراوي في الأسانيد: فيرفع الموقوف، ويوقف المرفوع، ويوصل المرسل، ويرسل الموصول، ويقلب الأسانيد، فيجعل ما لهذا الشيخ لشيخ آخر، ولا يضبط المتون، ويغير فيها.\nوسوء الحفظ يكون بسبب خلقي، وهو ضعف ذاكرته، كما يكون بتفريط من الراوي، وعليه فهذان قسمان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>القسم الأول: الوهم والغلط بمقتضى الجبلة</span>\n\nوهو طبيعة ثابتة لكل نفس، ولا تكون سببًا للقدح في الراوي حتى تكثر منه إلى جنب إلى ما روى (١)، فإن كثرت صارت به إلى مرتبة في الجرح، تتفاوت قدرًا، وقد تبلغ بالراوي إلى ترك حديثه، وذلك إذا فحش منه، كما قال الشافعي: \" من كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل صحيح لم يقبل حديثه، كما يكون من كثر غلطه في الشهادة لم تقبل شهادته \" (٢).\nومن أمثلته:\nقول الدارقطني في (الجراح بن مليح أبي وكيع): \" ليس بشيء، هو كثير الوهم \"، قال البرقاني: قلت: يعتبر به؟ قال: \" لا \" (٣).\nوقول الحافظ عمرو بن علي الفلاس في (جعفر بن الزبير الشامي) وكان متروك الحديث، ومنهم من بالغ فكذبه: \" متروك الحديث، وكان رجلًا صدوقًا كثير الوهم \" (٤).\n_________\n(١) وانْظر المبحث التالي (متى يُترك حديث الراوي؟).\n(٢) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٠٧) وإسناده صحيح.\n(٣) سؤالات البَرقاني للدارقطني (النص: ٦٧).\n(٤) الكامل، لابن عدي (٢/ ٣٦٢).","vol":"1","page":418},{"text":"ومن الرواة من يكثر خطؤه إذا حدث من حفظه، ويضبط إذا حدث من كتابه، كما ذكرته في صور الجرح النسبي (١).\nوالأصل أن علة كثرة الخطأ والوهم لا تنافي الصدق، فما لم تغلب على الراوي فإنه باق في درجة من يعتبر به، كما قال الدارقطني في (مبارك بن فضالة): \" لين، كثير الخطأ، بصري، يعتبر به \" (٢).\nفهذه كثرة غير غالبة، فلم تمنع من الاعتبار بحديثه، وهذا يتبينه الباحث في حق الراوي من خلال النظر فيما قاله جماعة النقاد في ذلك الراوي، وملاحظة قدر ما عليه من الخطأ.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-170>الوهم والغلط يقع بأسباب:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>أولها: المخالفة في الأسانيد</span>.\nوالمقصود أن يأتي بها على غير ما يأتي بها الثقات.\nمثل (عبد الله بن عمر العمري)، قال أحمد بن حنبل: \" كان يزيد في الأسانيد، ويخالف، وكان رجلًا صالحًا \" (٣).\nومثل (أشعث بن عطاف)، قال ابن عدي: \" لم أر له منكرًا، إلا أنه يخالف الثقات في الأسانيد، ولأشعث بن عطاف أحاديث حسان عن الثوري وغيره، وهو عندي لا بأس به \" (٤).\nومن صور المخالفة في الأسانيد: القلب.\nمثل (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)، وقد روى الكثير، وبلغ به\n_________\n(١) فيما يأتي في (المبحث الرابع).\n(٢) سؤالات البرْقاني (النص: ٤٧٧).\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٢٠).\n(٤) الكامل (٢/ ٥٦).","vol":"1","page":419},{"text":"سوء الحفظ إلى أن قال البخاري: \" صدوق، ولا أروي عنه؛ لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا \" (١).\nكان من سوء حفظه يقلب الأحاديث سندًا أو متنًا، كما قال شعبة بن الحجاج: \" أفادني ابن أبي ليلى أحاديث، فإذا هي مقلوبة \" (٢).\nوممن عرف بسوء الحفظ، وكان من علته قلب الأحاديث (علي بن زيد بن جدعان)، قال حماد بن زيد: \" حدثنا علي بن زيد، وكان يقلب الأحاديث \" (٣).\nوقال حماد بن زيد: \" كان علي بن زيد يحدث بالحديث فيأتيه من الغد فيحدث به كأنه حديث آخر \" (٤).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-172>ثانيها: وصل المراسيل</span>.\nمثل (إبراهيم بن الحكم بن أبان)، جرحوه، قال ابن عدي: \" بلاؤه مما ذكروه أنه يوصل المراسيل عن أبيه، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه \"، وكان الحافظ عباس بن عبد العظيم قد قال فيه قبله: \" كانت هذه الأحاديث في كتبه مراسيل، ليس فيها ابن عباس، ولا أبو هريرة، يعني أحاديث أبيه عن عكرمة \" (٥).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثالثها: رفع الموقوف</span>.\nولك أن تعدها من أمثلة الزيادة في الأسانيد.\n_________\n(١) نقله الترمذي في \" الجامع \" بعدَ الحديث (رقم: ٣٦٤) ونحوه بعد الحديث (رقم: ١٧١٥).\n(٢) أخرجه البخاري في \" التاريخ الكبير \" (١/ ١ / ١٦٢) وابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٥٢) و\" الجرح \" (٣/ ٢ / ٣٢٢) والعُقيلي (٤/ ٩٨) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه العُقيلي (٣/ ٢٣٠) بإسناد صحيح.\n(٤) أخرجه العُقيلي (٣/ ٢٣١) بإسناد صحيح.\n(٥) الكامل، لابن عدي (١/ ٣٩٣، ٣٩٤).","vol":"1","page":420},{"text":"مثل (إبراهيم بن مسلم الهجري)، فقد كان ضعفه من جهة أنه كان يرفع الموقوف، قال سفيان بن عيينة: \" كان رفَّاعًا \" (١).\nومثله قول شعبة في (علي بن زيد بن جدعان): \" كان رفاعًا \" (٢)، وقوله في (يزيد بن أبي زياد) مثل ذلك (٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-174>رابعها: الجمع بين الرواة في سياق واحد وحمل حديث بعضهم على بعض</span>.\nومثاله في الضعفاء (ليث بن أبي سليم):\nقال أبو نعيم الفضل بن دكين: قال شعبة لليث بن أبي سليم: \" كيف سألت عطاء وطاوسًا ومجاهدًا كلهم في مجلس؟ \"، قال: سل عن هذا خف أبيك. قال ابن أبي حاتم: فقد دل سؤال شعبة لليث بن أبي سليم عن اجتماع هؤلاء الثلاثة له في مسألة، كالمنكر عليه (٤).\nوقال الداقطني: \" صاحب سنة، يخرج حديثه، إنما أنكروا عليه الجمع بين عطاء وطاوس ومجاهد، وحسْب \" (٥).\nقلت: وهذه صورة ناتجة عن تخليط الراوي واضطرابه؛ لما علم من سوء حفظه.\nوقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) وذكر الواقدي، فقال: \" ليس أنكر عليه شيئًا إلا جمعه الأسانيد، ومجيئه بمتن واحد على\n_________\n(١) أخرجه يعقوب بنُ سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٧١١) والعُقيلي (١/ ٦٦) بإسناد صحيح. وكقول سُفيان فيه كذلك قولُ عددٍ من أئمة الجرح والتعديل.\n(٢) أخرجه البُخاري في \" التاريخ \" (٣/ ٢ / ٢٧٥) والترمذي (بعد حديث: ٢٦٧٨) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٩٧٨) وابنُ أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٤٧) و\" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ١٨٦) والعُقيلي (٣/ ٢٢٩، ٢٣٠) وابنُ عدي (٦/ ٣٣٤، ٣٣٥) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٥٦) و\" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ٢٦٥) والعقيلي (٤/ ٣٤٠) وابنُ عدي (٩/ ١٦٤) بإسناد صحيح.\n(٤) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٥١) وإسناده صحيح.\n(٥) سؤالات البُرقاني (النص: ٤٢١).","vol":"1","page":421},{"text":"سياقة واحدة عن جماعة، وربما اختلفوا \". قال إبراهيم: ولم، وقد فعل هذا ابن إسحاق، كان يقول: حدثنا عاصم بن عمر، وعبد الله بن أبى بكر، وفلان، وفلان. والزهري أيضًا قد فعل هذا؟\nقال إبراهيم: قال بور بن أصرم (١): رآني الواقدي أمشي مع أحمد بن حنبل، قال: ثم لقيني بعد، فقال لي: رأيتك تمشي مع إنسان ربما تكلم في الناس. قيل لإبراهيم: لعله بلغه عنه شيء؟ قال: نعم، بلغني أن أحمد أنكر عليه جمع الرجال والأسانيد في متن واحد. قال إبراهيم: وهذا قد كان يفعله حماد بن سلمة، وابن إسحاق، ومحمد بن شهاب الزهري (٢).\nقلت: يعني وما أنكر عليهم، فلم ينكر على الواقدي؟\nوقد كان أحمد ربما أطلق على صنيع الواقدي هذا قلب الأحاديث، وهو إنما كان يحيل لفظ هذا على لفظ هذا، قال أحمد بن حنبل: \" يقلب الأحاديث، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر، ونحو هذا \" (٣).\nوذكر ابن حبان هذه المسألة وكان قد ضرب مثلًا بحماد بن سلمة، فقال في الجواب عن قول من قال: \" يروي عن جماعة حديثًا واحدًا، بلفظ واحد من غير أن يميز بين ألفاظهم \": \" يقال له: كان أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون يؤدون الأخبار على المعاني بألفاظ متباينة، وكذلك كان حماد يفعل، كان يسمع الحديث عن أيوب وهشام وابن عون ويونس وخالد وقتادة (٤) عن ابن سيرين، فيتحرى المعنى ويجمع في اللفظ، فإن أوجب\n_________\n(١) مرْوَزي ثقة، ممن رَوى عنه البخاري.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٣/ ١٦) وإسناده جيد.\n(٣) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٢١) بإسناد صحيح. وكذلك أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٣/ ١٦).\n(٤) أيوب هوَ السختياني، وهِشام هوَ ابنُ حسان، وابنُ عون هوَ عبد الله، ويونس هوَ ابنُ عبيْد، وخالدٌ هوَ الحذَّاء، وقتادة هوَ ابن دعامَة السدوسي، جَميعًا من حُفاظ أصْحاب مُحمد بن سيرين.","vol":"1","page":422},{"text":"ذلك منه ترك حديثه أوجب ذلك ترك حديث سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وأمثالهم من التابعين؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك \" (١).\nوتكلم شعبة بن الحجاج في (عوف بن أبي جميلة الأعرابي) بمثل ذلك.\nقال يحيى القطان: قال لي شعبة في أحاديث عوف عن خلاس عن أبي هريرة، ومحمد بن سيرين عن أبي هريرة إذا جمعهم، قال لي شعبة: \" ترى لفظهم واحد؟ \"، قال ابن حاتم: كالمنكر على عوف (٢).\nقلت: يحتمل فعل مثل هذا من راو متقن؛ لأن إتقانه حائل دون خالط، مثل الزهري، على قلته منه، أما من يكثر من ذلك ويتبين الغلط في روايته بسببه، كليث بن أبي سليم، فيكون ذلك دليلًا على ضعفه.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-175>خامسها: قبول التلقين</span>.\nوهذا حين يكون الشيخ قد استولت عليه الغفلة، فيقال له: حدثك فلان بكذا، فيما هو من حديثه وما ليس من حديثه، وهو لا يميز، فيحدث به على أنه من حديثه.\nومن أمثلة هؤلاء الذين جرحوا بقبول التلقين:\n(عبد الحميد بن إبراهيم الحضرمي أبو تقي الحمصي)، قال الحافظ\n_________\n(١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٤).\nوساق الخليلي في \" الإرشاد \" (١/ ٤١٧ - ٤١٨) محاورة بينه وبين بعض الحفاظ في شأن حماد بن سلمة، فقال: \" ذاكرت يوما بعض الحفاظ، فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في (الصحيح) وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب، وربما يخالف في بعض ذلك.\nفقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد، فيقول: حدثنا مالك وعمرو بن الحارث والليث بن سعد والأوزاعي، بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟\nفقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له \".\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمه الجرح والتعديل \" (ص: ١٤٧) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":423},{"text":"محمد بن عوف الحمصي: \" كان شيخًا ضريرًا لا يحفظ، وكنا نكتب من نسخة الذي كان عند إسحاق بن زبريق لا بن سالم، فنحمله إليه ونلقنه، فكان لا يحفظ الإسناد، ويحفظ بعض المتن، فيحدثنا، وإنما حملنا الكتاب عنه شهوة الحديث \" (١).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" ذكر أنه سمع كتب عبد الله بن سالم عن الزبيدي (٢)، إلا أنها ذهبت كتبه فقال: لا أحفظها، فأرادوا أن يعرضوا عليه، فقال: لا أحفظ، فلم يزالوا به حتى لان، ثم قدمت حمص بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، فإذا قوم يروون عنه هذا الكتاب، وقالوا: عرض عليه كتاب ابن زبريق، ولقنوه، فحدثهم بهذا، وليس هذا عندي بشيء، رجل لا يحفظ، وليس عنده كتب \" (٣).\nومنهم (سفيان بن وكيع بن الجراح)، قال ابن عدي: \" بلاؤه أنه كان يتلقن ما لقن، ويقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل في الإسناد قومًا بدل قوم \" (٤).\nوقد كان بعض نقاد المحدثين يستعملون هذا طريقًا لتبين حفظ الراوي، مثل ما حكاه أبو المنذر يحيى بن المنذر الكوفي قال: كنا بمكة، فقدم علينا عطاء بن عجلان البصري، فأخذ في الطواف، فجاء غياث بن إبراهيم وكدام بن مسعر وآخر قد سماه، فجعلوا يكتبون حديث عطاء، فإذا مروا بعشرة أحاديث أدخلوا حديثًا من غير حديثه، حتى كتبوا أحاديث وهو يطوف، فقال لهم حفص بن غياث: ويلكم؛ اتقوا الله، فانتهروه وصاحوا\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٨).\n(٢) هوَ مُحمد بن الوليد.\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٨)، وانظر: الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٣٢) في شأن ما أدْخله عليه ورَّاقه.\n(٤) الكامل (٤/ ٤٨٢).","vol":"1","page":424},{"text":"به، فلما فرغ كلموه أن يحدثهم، فأخذ الكتاب فجعل يقرأ، حتى انتهى إلى حديث فمر فيه فقرأه قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قرأ حتى انتهى إلى الثالث، فانتبه الشيخ واستضحكوا، قال: فقال لهم: إن كنتم أردتم شيني فعل الله بكم وفعل (١).\n\nوهل إطلاق العبارة على الراوي بقبول التلقين يسلم قادحًا فيه؟\nيقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة، أو التساهل في حديث النبي ﷺ، فمن عرف عنه ذلك من الرواة، فلا يخلو من أن تكون هذه البلية عرضت عليه بعد حفظ وإتقان، أو لم يعرف أصلًا بالحفظ، فإن كان من النوع الأول وتميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه، قبل ما حفظه ورد ما لقن فيه، وإن لم يتميز رد جميع حديثه، وأما من لزمه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلًا فكل حديثه مردود من طريقه.\nفقبول التلقين قد يصير الرجل متروك الحديث ليس بثقة، وذلك إذا تلقن الحديث الموضوع وحدث به، كما وقع لمثل (محمد بن معاوية النيسابوري)، قال أبو زرعة الرازي: \" كان شيخًا صالحًا، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك، حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم \".\nقلت: فأضر ذلك به حتى قال أحمد بن حنبل: \"رأيت أحاديثه أحاديث موضوعة \"، بل اتهمه يحيى بن معين فقال: \" كذاب \" (٢).\nكما قد يكون في حديثه ما يدل على رواية المنكر، وكان قبول التلقين من أسباب ذلك، مثل ما حكى ابن حبان عن عفان بن مسلم قال: كنت أسمع الناس يذكرون قيسًا (يعني ابن الربيع) فلم أدر ما علته، فلما قدمنا\n_________\n(١) أخرجه العُقيلي في \" الضعفاء \" (٣/ ٤٠٢) بإسناد صحيح، ونقله المزي في \" تهذيب الكَمال \" (٢٠/ ٩٧).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":425},{"text":"الكوفة أتيناه فجلسنا إليه، فجعل ابنه يلقنه ويقول له: حصين، فيقول: حصين، فيقول رجل آخر: ومغيرة، فيقول: ومغيرة، فيقول آخر: والشيباني، فيقول: والشيباني (١).\nقال قتادة بن دعامة السدوسي: \" إذا سرك أن يكذب صاحبك فلقنه \" (٢).\nوقال الحافظ عبد الله بن الزبير الحميدي: \" ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثًا في حفظه لا يعرف به قديمًا، وأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظه مما لقن \" (٣).\nوقال ابن حزم: \" من صح أنه قبل التلقين ولو مرة، سقط حديثه كله \" (٤).\n\nقلت: وليس كما قال ابن حزم، وإنما العبرة بثبوت أثر التلقين على حديثه، فإن ادعي أنه كان كذلك وكان موصوفًا بالثقة والصدق، ولم يثبت عليه في مثال فلا يرد حديثه بمجرد الدعوى، وإن ثبت عليه في بعض حديثه وتميز، فلا يرد سائر حديثه الذي لم يتأثر بالتلقين:\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-176>سادسها: التصحيف إذا حدث من كتبه</span>.\nويقع بسبب عدم الضبط الكتاب، فيحدث من كتابه فيخطئ الأسماء أو في المتون.\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢١٩). قلت: (حُصين) كذا وَقع فيما ذكره ابنُ حبان، فإن كانَ محفوظًا فهوَ ابنُ عبد الرحمن السلمي، لكن في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ٢ / ٩٨): (أبو حصين) وهو بهذا عثمان بن عاصم الأسدي، وأما مغيرة فهو ابن مقسم، والشيباني هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان.\n(٢) أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ١٠٦٩، ١٠٧٠) من طريقين عنه، وهوَ صحيح بهما، وربَّما حكاهُ قتادة عن أبي الأسود الدؤلي، انظر: \" الجعديات \" (رقم: ١٠٧١). وأخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٢٤) بلفظ: \" إذا أردْت أن تُغلطِّ صاحبك فلقِّنه \" وإسناده حسنٌ.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٣٥) بإسناد صحيح.\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤٢).","vol":"1","page":426},{"text":"وقلة ذلك شأنها شأن الوهم اليسير من الراوي لا يقدح في ثقته إن غلب حفظه وإتقانه، فإن كثر أضر به.\nسئل أبو حاتم الرازي عن (مؤمل بن إسماعيل) و(أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي) صاحبي سفيان الثوري؟ فقال: \" في كتبهما خطأ كثير، وأبو حذيفة أقلهما خطأ \"، وقال كذلك في (أبي حذيفة أقلهما خطأ \"، وقال كذلك في (أبي حذيفة) وقد وصفه بالصدق: \" كان يصحف \" (١).\nوممن ضعف بالتصحيف: مصعب بن سعيد المصيصي، ضعفه بذلك ابن عدي (٢).\nومن الثقات ممن ذكروا بالتصحيف جماعة، منهم:\nعبد الوارث بن سعيد، وكان حافظًا متقنًا فصيحًا، لكن أخذ عليه الخطأ في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: \" في كتابه في الإسناد وأسماء الرجال، جاء ذلك عن علي بن المديني قال: \" في كتاب عبد الوارث بن سعيد خطأ كثير \"، فقيل له: في الحديث؟ قال: \" في الإسناد وأسماء الرجال \" (٣).\nومنهم: محمد بن إسحاق صاحب \" المغازي \"، فعن صاحبه يحيى بن سعيد الأموي، قال: \" كان ابن إسحاق يصحف في الأسماء؛ لأنه إنما أخذها من الديوان \" (٤).\nفالثقة إذا ذكر بالتصحيف فإنه وإن لم يقدح ذلك في صحة حديثه، لكن يوجب الاحتياط في أسانيده ومتونه فيما حدث به من كتبه.\nوالحال أن الأخذ من الكتب يوجب الاحتياط مطلقًا، فإن مظنة\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١٦٣، ١٦٤).\n(٢) الكامل (٨/ ٨٩).\n(٣) أخرجه العَسكري في \" تصحيفات المحدثين \" (١/ ٤٦) بإسناد صالح.\n(٤) أخرجه العَسكري في \" أخبار المصحفين \" (ص: ٤١) بإسناد لا بأس به، والديوان أراد بهِ السجل الذي تُكتب فيه أسماء الجُند وأصْحاب العَطية، مما يعود إلى سُلطان الدوْلة.","vol":"1","page":427},{"text":"التصحيف في قراءة النصوص واردة على جميع الناس، ولكن الثقة المتقن من يضبط كتابه إذا كان يحدث منه.\nقال أحمد بن حنبل: \" من يفلت من التصحيف؟ كان يحيى بن سعيد يشكل الحرف إذا كان شديدًا، وغير ذاك لا، وكان هؤلاء أصحاب الشكل عفان وبهز وحَبان \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>القسم الثاني: ما يرجع من سوء الحفظ\nإلى تساهل الراوي</span>\n\nووقع من بعض الرواة في السماع والإسماع، كمن لا يبالي بالنوم عند السماع، أو يحدث من غير أصل صحيح، أو يحمل الحديث عن الشيخ في المذاكرة.\nوهذا مثل قول أبي بكر الإسماعيلي في (أحمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني): \" صدوق، ضعف آخر عمره، كتبت عنه في صحته، ثم كنت أمر به يقرأ عليه وهو نائم، أو شبه النائم \" (٢).\nومن التساهل: طعن بعض الأئمة على رواية من سمع \" الموطأ \" بقراءة حبيب بن رزيق كاتب مالك بن أنس، فإنه كان يقرأ على مالك لبعض الغرباء، وكان معروفًا بالكذب ووضع الحديث.\nقال يحيى بن معين: \" أشر السماع من مالك عرض حبيب، كان يقرأ على مالك، فإذا انتهى إلى آخر القراءة صفح أوراقًا وكتب: بلغ، وعامة سماع المصريين عرض حبيب \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٢٧٤) بإسناد صحيح. وعفان هوَ ابنُ مسلم، وبهزٌ هوَ ابن أسد، وحبانُ هوَ ابن هلال.\n(٢) المعجم، للإسماعيلي (الترجمة: ٣٢) سؤالات السهمي (الترجمة: ١٣٩).\n(٣) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (٣/ ٣٢٤) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":428},{"text":"وقال: \" كان ابن بكير سمع من مالك بعرض حبيب، وهو أشر العرض \" (١).\nقلت: وهذا يعد من التساهل في حمل الحديث أن لا يكون القارئ على الشيخ ثقة.\nقال القاضي عياض: \" عدم الثقة بقراءة مثله، مع جواز الغفلة والسهو (يعني على الشيخ) عن الحرف وشبهه، وما لا يخل بالمعنى، مؤثر في تصحيح السماع .. ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث ابن بكير عن مالك إلا القليل، وأكثر عنه الليث \" (٢).\nوالمذاكرة: ليست ظرفًا مناسبًا لتحمل الحديث عن الشيخ؛ لأنهم يتساهلون فيها؛ إذ لم يقصدوا الأداء.\nوكان جماعة من كبار أئمة الحديث، ينهون أن يحمل عنهم الحديث في المذاكرة، مثل الإمام عبد الرحمن بن مهدي، فقد كان يقول: \" حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثا؛ لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث \" (٣).\n\n* * *\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٨٢).\n(٢) الإلماع (ص: ٧٧). والليث هوَ ابن سعد.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١١١١) وإسناده جيد.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الرابع:\n\nمتى يترك حديث الراوي</span>؟\n\nعمت مما تقدم في (تفسير التعديل) أن ضبط الراوي يعرف مقارنته بحديث الثقات المعروفين، فإن وافق فيما نقل ولو معنى، أو غلبت عليه الموافقة وندرت المخالفة وتميزت؛ فهو ضابط.\nلكن أعلم أن السلامة من الغلط والوهم ليست واردة على أحد من رواة الحديث وإن وصف بكونه \" أمير المؤمنين في الحديث \".\nلذا فالخطأ النادر المتميز من الثقة، في راو أو إسناد أو متن، لا يسقط به الثقة، إنما يرد من روايته ذلك الخطأ.\nقال سفيان الثوري: \" ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ، وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك \" (١).\nوقال عبد الله بن المبارك: \" ومن يسلم من الوهم؟ \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨) بإسناد جيد.\n(٢) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٩١) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":430},{"text":"وكان يحيى بن معين يقول: \" من لا يخطئ في الحديث فهو كذاب \" (١).\nويقول: \" لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب \" (٢).\nوقال ابن حبان: \" وفي الدنيا أحد بعد رسول الله ﷺ يعرى عن الخطأ؟ ولو جاز ترك حديث من أخطأ لجاز ترك حديث الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المحدثين؛ لأنهم لم يكونوا بمعصومين \" (٣).\nقال الذهبي: \" ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على الخطأ \" (٤).\nقلت: فهذا شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، ومع ذلك فقد أخذ عليه الخطأ اليسير في أسماء الرواة.\nقال أبو زرعة الرازي: \" كان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال \" (٥)، ونحوه قال أبو حاتم كذلك (٦).\nوقال أبو داود السجستاني: \" شعبة يخطئ فيما لا يضره ولا يعاب عليه \" يعني في الأسماء (٧).\nوله في \" علل الحديث \" لا بن أبي حاتم ثمانية أو تسعة مواضع أخطأ فيها.\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٢٦٨٢، ٤٣٤٢) ومن طريقه: ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٩١) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١١٢٤).\n(٢) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢) ومن طريقة: ابن عدي (١/ ١٩١).\n(٣) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٣).\n(٤) الموقظة (ص: ٧٨).\n(٥) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٤٥).\n(٦) علل الحديث (رقم: ٤٥، ١١٩٦، ٢٨٣١).\n(٧) سؤالات الآجري (النص: ١١٩٠).","vol":"1","page":431},{"text":"وما من هؤلاء الحفاظ المكثرين من يسلم من شيء يؤخذ عليه، والإكثار مظنة العثار، والراوي يحفظ الكثير، فيهم في اليسير، فلا يقدح قليل خطئه في كثير صوابه.\nقال ابن عدي في (أبي داود الطيالسي): \" حدث بأصبهان كما حكى عنه بندار أحدًا وأربعين ألف حديث ابتداء، وإنما أراد به من حفظه، وله أحاديث يرفعها، وليس بعجب ممن يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من قبل حفظه، وما أبو داود عندي وعند غيري إلا متيقظ ثبت \" (١).\nوقال الحافظ أبو حامد ابن الشرقي في (أبي الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري): \" أبو الأزهر هذا كتب الحديث فأكثر، ومن أكثر لا بد من أن يقع في حديثه الواحد والاثنان والعشرة مما ينكر \" (٢).\nقلت: فالعبرة إنما هي بغلبة الحفظ والضبط والإتقان وأن يقل الغلط إلى جنب ما روى.\nواعلم أن ورود مظنة الغلط على كل راو أوجبت التحري والتثبت في قبول الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله ﷺ بفحص أحوال النقلة وتمييز ضبطهم من عدمه، وتمامه من نقصه، ومقدار غلطهم بالنسبة إلى جملة ما رووا، فراو حدث بمئة حديث وأخطأ في بضعة أحاديث، فرفع ما هو موقوف أو وصل ما هو مرسل، فلا تطرح المئة لأجل البضعة، وإنما يميز ما أخطأ فيه بالحجة، ويقبل سائره، وآخر روى عشرة أحاديث فأخطأ في بعضها، فقلة ما روى مع الخطأ تورد الريبة في سائر العشرة، فمثله لا يقبل منه التفرد ويوصف بعدم الضبط أو خفته، وقد يبقى في درجة من يستشهد به، وقد يطرح كلية.\n_________\n(١) الكامل (٤/ ٢٧٨).\n(٢) الكامل، لابن أبي عدي (١/ ٣١٨)","vol":"1","page":432},{"text":"قال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: \" إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، وإذا أكثر الغلط، وإذا اتهم بالكذب، وإذا روى حديثًا غلطًا مجتمعًا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه لذلك طرح حديثه، وما كان غير ذلك فارووا عنه \" (١).\nوقال أحمد بن سنان الواسطي: \" كان عبد الرحمن بن مهدي لا يترك حديث رجل إلا رجلًا متهمًا بالكذب، أو رجلًا الغالب عليه الغلط \" (٢).\nوكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: \" ثلاثة لا يحمل عنهم: الرجل المتهم بالكذب، والرجل الكثير الوهم والغلط، ورجل صاحب هوى يدعو إلى بدعة \" (٣).\nوقال أبو موسى محمد بن المثنى: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: \" يا أبا موسى، أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد \". قلت: يا أبا سعيد، إنهم يقولون: إنك تحدث عن كل أحد. قال: \" عمن أحدث؟ \"، فذكرت له محمد بن راشد المكحولي، فقال لي: \" احفظ عني، الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه. وآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس. وآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ /٣١ - ٣٢) بإسناد صحيح. وأخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٠) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧٤، ٧٧، ٧٩) والعقيلي (١/ ١٣) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٦٠) والحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ٦٢) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٥ - ٢٢٦، ٢٢٩) بمعناه من وجه آخر فيه ضعف.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٧) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٩٤٧) وعنه: العقيلي (١/ ٨) وإسناده صحيح.\n(٤) أثر صحيح. أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٣٥) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٨) والرامهرمزي في \" المحدث \" (ص: ٤٠٦) والعقيلي في \" الضعفاء \" (ق: ٢ / ب) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٤٢، ٢٦٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٧) و\" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٦٥) جميعا من رواية ابن المثنى وزاد ابن أبي حاتم تفسيرا لقوله: \" فهذا يترك حديثه \" قال: \" يعني لا يحتج بحديثه \".","vol":"1","page":433},{"text":"وقال الحميدي: \" فإن قال قائل: فما الشيء الذي ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولًا؟\nقلنا: أن يكون في إسناده رجل غير رضى، بأمر يصح عليه: بكذب، أو جرحة في نفسه ترد بمثلها الشهادة، أو غلطًا فاحشًا لا يشبه مثله، وما أشبه ذلك.\nفإن قال: فما الغفلة التي ترد بها حديث الرجل الرضى الذي لا يعرف بكذب؟\nقلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيقال له في ذلك، فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه بقولهم، لا يعقل فرق ما بين ذلك.\nأو يصحف تصحيفًا فاحشًا، فيقلب المعنى، لا يعقل ذلك، فيكف عنه.\nوكذلك من لقن فتلقن، التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه، وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديمًا، فأما من عرف به قديمًا في جميع حديثه؛ فلا يقبل حديثه، ولا يؤمن أن يكون ما حفظ مما لقن \" (١).\nوقال الشافعي: \" ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته \" (٢).\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ١ / ٣٣ - ٣٤) بسند جيد.\n(٢) الرسالة، للشافعي (ص: ٣٨٢) وأخرجه عنه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٨).","vol":"1","page":434},{"text":"قلت: هذه بعض عباراتهم الجامعة تشرح ما لخصته قبل: أن ثبوت الغلط من الراوي لا يقدح في حديثه حتى يكثر منه، وما تميز حفظه له من الحديث فهو مقبول، والصدق لا ينافي الغلط في الحفظ.\n\n* * *","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المبحث الخامس:\n\nدرجات سوء الحفظ</span>\n\nسوء الحفظ باعتبار أثره على حديث الراوي درجات متفاوتة، محصورة في الجملة في قسمين:\nالقسم الأول: اختلال الضبط بما لا يسقط به الراوي\nوتحته أربعة أصناف من الرواة:\nالصنف الأول: من غلب ضبطه، واعتراه الوهم والخطأ في اليسير\nمن حديثه:\nتقدم أنه ليس من شرط الثقة أنه لا يخطئ، وأن الخطأ لا تعصم منه نفس بشر، وإنما العبرة بغلبة الحفظ، وندرة الخطأ أو قلته.\nفمن أمثلة في الثقات:\n١ - فراس بن يحيى المكتب.\nقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن فراس المكتب؟ فقال: \" ما بلغني عنه شيء، ولا أنكرت من حديثه إلا حديث الاستبراء \" (١).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٩١)، سؤالات الآجري لأبي داود (النص: ٥٣٨).\nوحديث الاسْتبراء هوَ ما أخرجه عبْد الرزاق في \" المصنف \" (٧/ ٢٢٦ رقم: ١٢٨٩٧) ومن طريقه: الطبراني في \" الكبير \" (٩/ ٣٩٣ رقم: ٩٦٧٧): عن الثوري، عن فِراس، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال: \" تسْتبرأ الأمة بحيْضةٍ \".","vol":"1","page":436},{"text":"ولذا اتفق على توثيقه النقاد: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، ومحمد بن سعد، والعجلي، وابن حبان، وغيرهم، ولم يضعفه أحد لروايته حديثًا منكرًا؛ نظر لكثرة ما حدث به، وغاية ما جرح به قول يعقوب بن سفيان: \" في حديثه لين، وهو ثقة \" (١)، وكأنه اطلع على كلمة يحيى القطان فلينه قليلًا مع توثيقه.\n٢ - إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل المروزي.\nكان ثقة في الحديث، ما عيب عليه إلا في رأيه في مسألة القرآن (٢)، لكن قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: \" كان عندي أنه لا يكذب \"، فقيل له: إن أبا حاتم قال: ما مات حتى حدث بالكذب، فقال: \" حدث بحديث منكر \" (٣).\nقلت: فهذا إن سلم فإنه لم يتجاوز الحديث اليسير الذي لا يؤثر على ثقته في الجملة وصحة حديثه.\n٣ - الحسن بن سوار البغوي.\nهو صدوق ثقة، لكنه حدث بحديث واحد بإسناد منكر.\nفقد قال الحافظ أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء الثقة الرضى وقلت له: الحديث الذي حدثتنا: (رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت) أعده علي، وكان قد حدثتني به قبل\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (٣/ ٩٢).\n(٢) وَذلك أنه كان يتوقف في القرآن حينَ وقَعت المِحنةُ به، لا يقول: مَخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوق.\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٢١٠).","vol":"1","page":437},{"text":"هذه المرة بسنتين. قال: نعم، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن ضمضم بن جوس، عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك.\nقال أبو إسماعيل: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث؟ فقال: \" هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب \"، ثم أطرق ساعة، وقال: \" أكتبتموه من كتاب؟ \"، قلنا: نعم (١).\nوفي لفظ قال أحمد: \" أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر \" (٢).\nوأنكر هذا الحديث غير أحمد من الحفاظ: علي بن المديني، وظاهر صنيع البخاري (٣)، والعقيلي (٤).\nوذلك أن صواب الإسناد لهذا الحديث كما رواه أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله الكلابي: (رأيت النبي ﷺ) الحديث.\nفهؤلاء النقلة وشبههم لا يتوقف عن شيء من حديثهم حتى يقوم برهان على خطأ أحدهم في شيء معين من ذلك، ولا يلحقون بالمجروحين، بل هم ثقات، إنما يرد عين ما أخطأ فيه أحدهم، لا سائر حديثه.\nكما تقدم أن ثقات درجات، والراوي الصدوق نازل عن درجة الثقة العليا لنزول درجته في الحفظ لكنا لا نسقط حديثه.\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٧/ ٣١٨ - ٣١٩) بإسناد صحيح إلى أبي إسماعيل الترمذي، وسؤال أحمد إن كانوا كتَبوه من كتاب يَحتمل أنه على سبيل التعجب أن يكون منكرًا وقد حدث به من كتاب، والاحتمال الأرجح أنه لكونه من كتاب فيكون قد دخله الخطأ من جهة إدخال حديث في حديث، وهذا مُتصورُ الوقوع عند الكتابة، ولعكْرمة بن عمار بالإسناد المذكور لهذا الحديث أيْضًا أثرٌ عن عُمر في سُجود السهو، والله أعلم.\n(٢) أخرجه العُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٢٢٨).\n(٣) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣٨٥).\n(٤) في \" الضعفاء \" له (١/ ٢٢٨).","vol":"1","page":438},{"text":"ومن أمثلة هذا الصنف: (محمد بن مصعب القرفساني)، قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه؟ فقال: \" صدوق في الحديث، ولكنه حدث بأحاديث منكرة \"، قلت فليس هذا مما يضعفه؟ قال: نظن أنه غلط فيها \". قال: سألت أبي عنه فقال: \" ضعيف الحديث \"، قلت له: إن أبا زرعة قال كذا، وحكيت له كلامه، فقال: \" ليس هو عندي كذا، ضعف لما حدث بهذه المناكير \" (١).\n\nويفصح يحيى بن معين عن سبب ذلك فيقول: \" لم يكن محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلًا، حدث عن أبي الأشهب عن أبي رجاء عن عمران بن حصين: كره بيع السلاح في الفتنة، وإنما هو كلام أبي رجاء \" (٢).\nفمثل هذا لا يلغي وصف الراوي بالصدق، ويبقيه في منزلة التوثيق وقبول الحديث، لكن ينظر في حديثه ويتأنى فيه حتى تزول شبهة النكارة عن حديثه المعين الذي يرويه.\nوهذا الشأن فيمن ثبت أنه وقعت في حديثه بعض المناكير بسبب سوء الحفظ.\nأما من ادعي ذلك عليه ولم يوقف منه على شيء من ذلك، فهذا باق على مطلق الثقة وصحة حديثه.\nوهذا مثل (محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة)، وقد قال فيه على بن المديني: \" كان عندنا ثقة، وقد أنكرت عليه أحاديث \" (٣)، فهذا الإنكار لا أثر له، وابن المديني لم يعتد به، وكذلك جرى غيره من النقاد على توثيقه.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٣).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، رواية عبد الله بن أحمد (النص: ١١٤٢). وأبو رَجاء هوَ العُطاردي عِمْران بنُ ملحان.\n(٣) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١١٠).","vol":"1","page":439},{"text":"الصنف الثاني: من كان ضابطًا لكتابه، غير ضابط إذا حدث من حفظه.\nإذا كان الراوي المعروف بسوء الحفظ رجع إلى كتاب صحيح، فكان يحدث من كتابه، فحديثه من الكتاب صحيح، ويرد من حديثه ما كان حدث به من حفظه.\nوذلك مثل (شريك بن عبد الله القاضي)، فقد كان كثير الحديث جدًا، لكنه سيىء الحفظ، وحديثه القديم صحيح مطلقًا، أما ما لم يتبين منه فهو ضعيف لسوء حفظه، إلا ما كان من كتابه فهو صحيح.\nقال الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: \" شريك كتبه صحاح، فمن سمع منه من كتبه فهو صحيح \"، قال: \" ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق \" (١).\nقلت: وقد يتكلم في الراوي لمثل هذه العلة، لكنه يعرف بتعاهد كتابه، فمثل يغلب في حديثه جانب الثقة.\nوذلك مثل: (همام بن يحيى العوذي البصري)، فقد كان ثقة صادقًا، لكنه كان سيىء الحفظ، يغلط إذا حدث من حفظه.\nقال يزيد بن زريع: \" همام حفظه رديء، وكتابه صالح \" (٢)، وقال أبو حاتم الرازي: \" ثقة صدوق في حفظه شيء \" (٣).\nقلت: لكنه كان يتعاهد كتابه ويرجع إليه، فاندفع ما يخشى من سوء حفظه.\nقال أحمد بن حنبل: \" من سمع من همام بأخرة هو أصح، وذلك أنه\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٢) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ١٠٨) والعُقيلي (٤/ ٣٦٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٢) وإسناده صحيح.\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٠٩).","vol":"1","page":440},{"text":"أصابته مثل الزمانة، فكان يحدثهم من كتابه، فسماع عفان وحبان وبهز أجود من سماع عبد الرحمن؛ لأنه كان يحدثهم (يعني لعبد الرحمن، أي أيامهم) من حفظه.\nقال عفان: حدثنا همام يومًا بحديث، فقيل له فيه، فدخل فنظر في كتابه، فقال: ألا أراني أخطئ وأنا لا أدري، فكان بعد يتعاهد كتابه \" (١).\nقلت: لكن تبقى حاجة إلى اعتبار هذا الوصف فيه، فإن بين أن ذلك الحديث من كتابه، فهو صحيح، لكن إن لم يبين فربما كان قد استثبته من كتابه وربما اعتمد فيه على مجرد حفظه، غير أن هذا لا يوجب التوقف عن قبول خبره، إنما يوجب الاحتياط فيه، فيبحث فيه عن وهمه وخطئه، فإن عدم فحديثه صحيح، وهكذا ما احتج به الشيخان من حديثه، وذلك من أجل ما عرف به من الصدق والأمانة والحرص على التثبت في الرواية، فذلك يجعله في محل من يقبل حديثه.\n\nالصنف الثالث: من تميز ضبطه في حال، وسوء حفظه ولينه في حال.\nوهذا جرح نسبي، لا يسقط بالراوي جملة، وإنما حيث تميز ما يتقنه من غيره، قبل المحفوظ، وطرح ما سواه، وهنا يجب أن تتنبه إلى أن بعض النقاد ربما أطلق وصف الضعف على من هذا نعته، فظن من لا خبرة له أنه ضعيف مطلقًا، وليس كذلك.\nولهذا الصنف صور:\n\nالصورة الأولى: أن يكون ضابطًا إلا في حديث بعض الشيوخ.\n_________\n(١) سؤالات أبي داود السجستاني لأحمد (النص: ٤٩٠) وأخرج الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٣٢) منه قصة عفان من طريق أبي داود، ونقل عبد الله بن أحمد عن أبيه نحوَ ذلك في \" العلل \" (النص: ٦٨٢ - ٦٨٣) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٠٢٧).\nقلت: عفان هوَ ابنُ مُسلم، وحبان هوَ ابن هلال، وبهْزٌ هوَ ابن أسد.","vol":"1","page":441},{"text":"مثل (عبد الرزاق بن عمر) ثقة إلا عن الزهري.\nقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر - أو قيل له _: فعبد الرزاق بن عمر؟ فأخبرنا أنه سمع سعيد بن عبد العزيز يقول: \" ذهبت أنا وعبد الرزاق بن عمر إلى الزهري، فسمعنا منه \"، فحدثنا أبو مسهر أن عبد الرزاق بن عمر أخبره من بعد ما أخبرهم سعيد ما أخبرهم، من حضوره معه عند الزهري: أنه ذهب سماعه من الزهري. قال أبو مسهر: ثم لقيني عبد الرزاق بعد، فقال: قد جمعتها، من بعدما أخبره أنها ذهبت، فقال لنا أبو مسهر: \" فيترك حديثه عن الزهري، ويؤخذ عنه ما سواه \"، قلت لأبي مسهر: يحدث عن إسماعيل بن عبيد الله، فقال: \" ثقة \" يعني في إسماعيل بن عبيد الله وغيره خلا الزهري، يعني لذهابها، أو لأنه تتبعها بعد ذهابها (١).\nومثل (عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي) ثقة عن شيوخه من أهل بيته، لين عن غيرهم، وكان أيضًا قد اختلط.\nقال الدارقطني: \" إذا حدث عن أبي إسحاق وعمرو بن مرة والأعمش فإنه يغلط، وإذا حدث عن معن والقاسم وعون فهو صحيح، وهؤلاء هم أهل بيته \" (٢).\nومثل (عكرمة بن عمار)، صدوق عن إياس بن سلمة، لين عن غيره.\nقال أحمد بن حنبل: \" مضطرب عن غير إياس بن سلمة، وكأن حديثه عن إياس بن سلمة صالح \" (٣)، وقال: \" أحاديث عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير ضعاف، ليس بصحاح \" قال له عبد الله ابنه: من عكرمة أو من يحيى؟ قال: \" لا، إلا من عكرمة \"، وقال: \" أتقن حديث إياس بن سلمة \" (٤).\n_________\n(١) تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٣٧٨).\n(٢) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٢٥٥).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ٧٣٣).\n(٤) العلل (النص: ٣٢٥٥).","vol":"1","page":442},{"text":"ومثل (جرير بن حازم) ثقة إلا عن قتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري، فكان سيىء الحفظ.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت يحيى (يعني ابن معين) عن جرير بن حازم؟ فقال: \" ليس به بأس \"، فقلت له: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير؟ فقال: \" ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف \" (١).\nوقال ابن عدي: \" له أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي أشياء عن قتادة لا يرويها غيره \" (٢).\nوقال مسلم بن الحجاج: \" وجرير لم يعن في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزرًا، ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من تضعف روايته عن بعض رجاله \" (٣).\nومثل (حماد بن سلمة)، فقد كان من أثبت الناس في ثابت البناني، لكن قال مسلم: \" وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، كحديثه عن قتادة وأيوب ويونس وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد وعمرو بن دينار وأشباههم، فإنه يخطئ في حديثهم كثيرًا \" (٤).\n\nالصورة الثانية: أن يكون متقنًا فيما حدث به في بلد، دون ما حدث به في غيره.\nوذلك من أجل عدم التمكن في غير بلده، يخطئ لذلك.\nمثل (شبيب بن سعيد الحبطي)، قال علي بن المديني: \" بصري ثقة،\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، رواية: عبد الله عن أبيه وزياداته عن غيره (النص: ٣٩١٢).\n(٢) الكامل (٢/ ٣٥٥).\n(٣) التمييز، لمسلم (ص: ٢١٧).\n(٤) التمييز، لمسلم (ص: ٢١٨).","vol":"1","page":443},{"text":"كان من أصحاب يونس (١)، كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه كتاب صحيح \" (٢). قال ابن عدي: \" عنده عن يونس عن الزهري، وهي أحاديث مستقيمة، وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير، وكأن شبيبًا إذا روى عنه ابنه أحمد بن شبيب نسخة يونس عن الزهري إذ هي أحاديث مستقيمة ليس هو شبيب بن سعيد الذي يحدث عنه ابن وهب بالمناكير، ولعل شبيبًا بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب ومن حفظه؛ فيغلط ويهم، وأرجو أن لا يتعمد شبيب هذا الكذب \" (٣).\nوتكلم فيما حدث به (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب) في العراق دون الحجاز (٤).\nالصورة الثالثة: أن يكون متقنًا فيما حمله من حديث أهل بلده دون غيرهم.\nوهذا متصور من أجل اعتناء الراوي بحديث أهل بلده فيتقن حفظه، دون ما حدث به عن غيرهم.\nوذلك مثل (إسماعيل بن عياش الحمصي)، قال يحيى بن معين: \" إذا حدث عن الشاميين فحديثه صحيح، وإذا حدث عن العراقيين أو المدنيين خلط ما شئت \" (٥).\nوقال ابن عدي بعد أن ذكر طائفة من حديثه عن غير أهل بلده الشاميين: \" هذه الأحاديث من أحاديث الحجاز ليحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو، وهشام بن عروة، وابن جريج، وعمر بن محمد، وعبيد الله الوصافي، وغير ما ذكرت من حديثهم، ومن حديث العراقيين، إذا رواه\n_________\n(١) هوَ ابنُ يزيد الأيلي.\n(٢) الكامل، لابن عدي (٥/ ٤٧).\n(٣) الكامل (٥/ ٤٩).\n(٤) التمييز، لمسلم بن الحجاج (ص: ١٩١).\n(٥) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧٧) وإسناده لا بأس به.","vol":"1","page":444},{"text":"ابن عياش عنهم فلا يخلو من غلط يغلط فيه، إما أن يكون حديثًا موصولًا يرسله، أو مرسلًا يوصله، أو موقوفًا يرفعه، وحديثه عن الشاميين إذا روى عنه ثقة فهو مستقيم الحديث، وفي الجملة: إسماعيل بن عياش ممن يكتب حديثه ويحتج به في حديث الشاميين خاصة \" (١).\nومن هؤلاء (بقية بن الوليد الشامي)، قال ابن عدي: \" في بعض رواياته يخالف الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خلط، كإسماعيل بن عياش، إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن أهل الحجاز والعراق خالف الثقات في روايته عنهم \" (٢).\n\nالصورة الرابعة: أن يكون ثقة مقبولًا في أحاديث الرقائق والمواعظ، دون الأحكام.\nوهذه الصورة راجعة في الأصل إلى تسهل أهل الحديث في روايات المعروفين بالصدق في غير ما يثبت حكمًا أو أصلًا، لعلة أن الأحكام مما تتوافر الهمم على حفظه، فكونه لا يأتي إلا من طريق من في حفظه ضعف، فذلك شبهة على عدم إتقانه، بخلاف أبواب الرقائق وشبهها فالشواهد لها في الأصل قائمة، فالراوي المتكلم في حفظه لا يأتي فيها بما لا يحتمل مثله.\nوهذا مثل: (فليح بن سليمان المدني)، فقد خرج له البخاري في \" صحيحه \" في مواضع، وهو لين الحديث ليس بالقوي فيه، لكن عذر البخاري أنه لم يخرج له في الأحكام شيئًا، إنما عامة ما أخرجه له إما ما هو معروف من غير طريقه أو رقائق.\nوتكلم بعض النقاد في حفظ (محمد بن إسحاق) صاحب \" السيرة \"، في روايته في غير السير.\n_________\n(١) الكامل (١/ ٤٨٨).\n(٢) الكامل (٢/ ٢٧٦).","vol":"1","page":445},{"text":"نقل أبو الفضل عباس بن محمد الدوري عن أحمد بن حنبل قال: \" أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث \" كأنه يعني المغازي ونحوها \" فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا \"، وقبض أبو الفضل أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام (١).\nوسئل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)؟ فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيرًا بالعلو والنزول، ويخرجه في (المسند)، وما رأيته اتقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: \" لم يكن يحتج به في السنن \" (٢).\nفابن إسحاق ثقة حجة في السير والمغازي؛ لا عتنائه بها، وهو في التحقيق صدوق في الأحكام، يحكم لحديثه بالحسن بعد السبر والنظر وتحقق حفظه له على الوجه.\n\nالصورة الخامسة: أن يكون متقنًا في النقل لغير الحديث، دون ذلك في الحديث.\nوفي هذا أن الناقل يكون قد انصرف همه إلى الاعتناء بفن فأتقنه، وتقحم الحديث وليس من فنه فأتى بما لا يحمد، فحيث تميز لنا أمره وعرفنا الفصل فيما روى، فنقتصر على جرحه في الحديث خاصة دون سائر ما روى من العلم.\nوهذا مثل (حفص بن سليمان القارئ)، فقد بلغ به سوء حفظه ونكارة حديثه إلى أن كان متروكًا في الحديث، لكنه حجة في القراءة، بل عليه المعول في قراءة عاصم، والتي يقرأ بها اليوم أكثر أهل الإسلام.\n_________\n(١) أخرجه الدوري في \" تاريخ يحيى بن معين \" (النص: ٢٣١) ومن طريقه: البيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٣٧ - ٣٨).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١/ ٢٣٠) وإسناده جيد.","vol":"1","page":446},{"text":"وقال يحيى بن معين في (زياد بن عبد الله البكائي): \" ليس حديثه بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به \" (١).\nقلت: يعني في روايته \" المغازي \" عن ابن إسحاق.\nالصورة السادسة: ثقة في الأصل، لكن اختلط وتغير حفظه بأخرة، للكبر، أو لعارض.\nالاختلاط، هو: فساد العقل بالخرف، لتقدم السن غالبًا، أو لعوارض أخرى.\nمثل (صالح بن نبهان مولى التوأمة)، سأل محمد بن عثمان بن أبي شيبة علي بن المديني عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: \" صالح ثقة، إلا أنه خرف وكبر، فسمع منه قوم وهو خرف كبير، فكان سماعهم ليس بصحيح: سفيان الثوري منه سمع منه بعدما خرف، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف \" (٢).\nوقال ابن أبي مريم: سمعت يحيى بن معين يقول: \" صالح مولى التوأمة ثقة حجة \"، قلت له: إن مالكًا ترك السماع منه، فقال لي: \" إن مالكًا إنما أدركه بعد أن كبر وخرف، وسفيان الثوري إنما أدركه بعد ما خرف، فسمع منه سفيان أحاديث منكرات، وذلك بعدما خرف، ولكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف \" (٣).\nوروى عباس الدوري عن يحيى بن معين، قال: \" خرف قبل أن يموت، فمن سمع منه قبل أن يختلط فهو ثبت \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣٨).\n(٢) سؤالات ابنُ أبي شيبة (النص: ٧٩).\n(٣) الكامل، لابن عدي (٥/ ٨٥).\n(٤) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٧٨٣).","vol":"1","page":447},{"text":"وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن بشر بن عمر زعم أنه سأل مالكًا عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: \" ليس بثقة \"؟ فقال أبي: \" مالك كان قد أدرك صالحًا وقد اختلط وهو كبير، من سمع منه قديمًا فذاك، وقد روى عنه أكابر أهل المدينة، وهو صالح الحديث، ما أعلم به بأسًا \" (١).\nوقال ابن عدي: \" هو في نفسه ورواياته لا بأس به إذا سمعوا منه قديمًا، فالسماع القديم منه سمع منه ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وغيرهم، ممن سمع منه قديمًا، فأما من سمع منه بأخرة فإنه سمع وهو مختلط، ولحقه مالك والثوري وغيرهما بعد الاختلاط، وحديث صالح الذي حدث به قبل الاختلاط ولا أعرف له حديثًا منكرًا إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب، ويكون ضعيفًا فيروي عنه، ولا يكون البلاء من قبله، وصالح مولى التوأمة لا بأس بروايته وحديثه \" (٢).\nأما ابن حبان، فإنه ذكر قول يحيى بن معين من رواية الدوري عنه، وقال بعده: \" هو كذلك لو تميز حديثه القديم من حديثه الأخير، فأما عند عدم التمييز لذلك واختلاط البعض بالبعض يرتفع به عدالة الإنسان حتى يصير غير محتج به ولا معتبر بما يرويه \" (٣).\nقلت: كلام ابن حبان هذا من حيث التأصيل في شأن المختلط صحيح في الجملة، لكن القدح في عدالته إنما أراد به الإتقان، وعدم الاعتبار بما يرويه ليس على معنى الترك.\nأما بالنظر إلى حال صالح، فليس كما قال؛ لأنه قد تميز أن رواية ابن أبي ذئب والأقدمين عنه كانت قبل اختلاطه، وما مثل به ابن حبان من\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ٤١٧ - ٤١٨).\n(٢) الكامل (٥/ ٨٨).\n(٣) المجروحين، لابن حبان (١/ ٣٦٦).","vol":"1","page":448},{"text":"الحديث الذي أنكره عليه فهو من رواية ابن أبي ذئب عنه ولم يرده ابن حبان إلا من جهة معارضته في رأيه لحديث آخر صحيح، وليس بينهما معارضة في التحقيق.\nوأمثلته في الثقات عديدة، ومن أحسن ما فيه كتاب \" الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات \" لأبي البركات ابن الكيال (المتوفى سنة: ٩٣٩).\nومن العوارض الأخرى غير الخرف، ما قاله أبو حاتم الرازي في (أبي بكر بن أبي مريم): \" ضعيف الحديث، طرقته لصوص فأخذوا متاعه، فاختلط \" (١).\nومن علة الجرح بالاختلاط أن المختلط ربما قبل التلقين.\nمثل ما حدث به أحمد بن حنبل، قال: \" رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب (الجامع) - يعني لابن جريج _، فكان في الكتاب: ابن جريج، قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، و: أخبرت عن الزهري، و: أخبرت عن صفوان بن سليم. فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج عن الزهري، و: ابن جريج عن يحيى بن سعيد، و: ابن جريج عن صفوان بن سليم. فكان يقول له هكذا \".\nقال عبد الله بن أحمد: ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمه على ذلك.\nقال أحمد: \" وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه \" يعني قوله: (أخبرت)، و(حدثت عن فلان) (٢).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٠٥).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد (النص: ٣٦١٠) وسُنيدٌ هو الحسين بن داود.","vol":"1","page":449},{"text":"وليس من الاختلاط قول الحاكم في (عبد الله بن محمد بن عقيل): \" عمر، فساء حفظه، فحدث على التخمين \" (١).\nفهذا إنما هو ضعف للحفظ للكبر، كالذي وقع لهشام بن عروة، ولم يقدح في حديثه، وليس خرفًا.\n\nحكم حديث المختلط:\nوقع كثيرًا من أئمة الحديث الكبار متقدميهم ومتأخريهم تعليل الروايات بأن فلانًا إنما سمع من فلان بعد أن اختلط.\nفهذا أحمد بن حنبل يعلل حديثًا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق السبيعي، فيقول: \" زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة \" (٢).\nقال الحازمي: \" أما من زال عقله بأمر طارئ، كالاختلاط وتغيب الذهن؛ فلا يعتد بحديثه، ولكن يلزم الطالب البحث عن وقت اختلاطه، فإن كان لا يمكن الوصول إلى علمه طرح حديثه بالكلية؛ لأن هذا عارض قد طرأ على غير واحد من المتقدمين والحفاظ المشهورين، فإذا تميز له ما سمعه ممن اختلط في حال صحة جاز له الرواية عنه وصح العمل فيها \" (٣).\nوجوب تحقيق تأثير الاختلاط في حديث الراوي الموصوف به:\nالراوي إذا أطلق الكبار من نقاد المحدثين توثيقه، وذكر أنه اختلط لما كبر، فالأصل التوثيق حتى يتبين الوهم بسبب الاختلاط، ولا يجوز رد حديثه بمجرد هذا الوصف له.\nفهذا (بحر بن مرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة) وصفه يحيى بن\n_________\n(١) سؤالات مَسعود السجزي (النص: ٧٨).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود السجستاني (ص: ٣٠٣).\n(٣) شُروط الأئمة، للحازمي (ص: ٥٢).","vol":"1","page":450},{"text":"سعيد القطان بالاختلاط، فقال: \" رأيته قد اختلط \"، وتبع بعضهم يحيى على ذلك، وطائفة أطلقت توثيقه دون الاعتداد بوصفه بالاختلاط، وذلك أن الرجل لم يثبت وهمه في شيء أو تحديثه بما ينكر بسبب ما قاله يحيى من اختلاطه، مما يجيز أن يكون لم يحدث بعد اختلاطه بشيء، ولذا قال ابن عدي: \" لا أعرف له حديثًا منكرًا فأذكره، ولم أر أحدًا من المتقدمين ممن تكلم في الرجال ضعفه إلا يحيى القطان ذكر أنه كان قد خولط، ومقدار ما له من الحديث لم أر فيه حديثًا منكرًا \" (١).\nأما إن ثبت أن الاختلاط أضر بحديثه، فلينوه بعد اختلاطه من أجل ذلك، فهذا هو الذي لا يقبل من حديثه إلا ما حدث به قبل اختلاطه، وذلك بحسب قدم السامعين منه، وما حدث به بعد الاختلاط فهو صالح للاعتبار ما لم يثبت فيه وهم أو خطأ فيميز.\nقال ابن حبان وقد ذكر المختلط في آخر عمره: \" لا نعتمد من حديثهم إلا ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى؛ لأن حكمهم وإن اختلطوا في أواخر أعمارهم، وحمل عنهم في اختلاطهم بعد تقدم عدالتهم، حكم الثقة إذا أخطأ، أن الواجب ترك خطئه إذا علم، والاحتجاج بما نعلم أنه لم يخطئ فيه، وكذلك حكم هؤلاء: الاحتجاج بهم فيما وافقوا الثقات، وما انفردوا مما روى عنهم القدماء من الثقات الذين كان سماعهم منهم قبل الاختلاط سواء \" (٢).\nكما قال ابن عدي في (سعيد بن إياس الجريري) و(سعيد بن أبي عروبة): \" سعيد الجريري مستقيم الحديث وحديثه حجة من سمع منه قبل\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (٢/ ٢٣٦).\n(٢) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦١).","vol":"1","page":451},{"text":"الاختلاط، وهو أحد من يجمع حديثه من البصريين، وسبيله كسبيل سعيد بن أبي عروبة، لأن سعيد بن أبي عروبة أيضًا اختلط، فمن سمع منه قبل الاختلاط فحديثه مستقيم حجة \" (١).\nوقال في (ابن أبي عروبة): \" من سمع منه قبل الاختلاط فإن ذلك صحيح حجة، ومن سمع بعد الاختلاط فذلك ما لا يعتمد عليه \" (٢).\nويخرج من هذا الأصل: ما دل التحري أن راويًا ممن حدث عن المختلط بعد اختلاطه قد انتفى من حديثه المستقيم المحفوظ؛ فهذا استثناء يلحق بالمقبول الصالح للاحتجاج من حديث ذلك المختلط.\nقال يحيى بن معين: قلت لوكيع بن الجراح: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ قال: \" رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُستوٍ؟! \" (٣).\nومن هذا ما خرجه الشيخان من حديث من روى عن بعض الثقات المختلطين بعد اختلاطهم، فإنهما لم يخرجا من حديث هذا الضرب ما يمكن إنكاره، وما خرجا منه إلا ما هو محفوظ.\nوتلخيص القسمة في الراوي الثقة الذي ثبت أنه اختلط أن قبول ما يقبل من حديثه ورد ما يرد منه على أحوال أربعة تضبط بحسب من روى عنه:\nأولها: أن يثبت أن السماع وقع منه قبل اختلاطه، فهذا يحتج به.\nوثانيها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، فهذا ضعيف لا يحتج به، وإنما يصلح للاعتبار إن لم يكن مما ثبت خطؤه فيه بعينه فيجتنب الخطأ.\n_________\n(١) الكامل (٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(٢) الكامل (٤/ ٤٥١).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٧) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":452},{"text":"وثالثها: أن يثبت أن السماع وقع منه بعد اختلاطه، ولكن من حمل عنه تحرى في أخذه عنه، فلم يحمل عنه إلا صحيح حديثه، فهذا يحتج به.\nورابعها: أن لا يتبين متى وقع السماع منه: قبل الاختلاط أو بعده، فهذا يتحرى فيه، ويلحق بأشبه حديثه قبل اختلاطه غالبًا ألحق بمن يحتج بحديثه عنه، وإن كان العكس فالعكس، وإن تحير الباحث توقف فيه، وهذا يجعله صالحًا للاعتبار على أدنى تقدير.\n\nالراوي يختلط فلا يتميز صحيح حديثه من سقيمه:\nوهذه حال خارجة عن وصف الثقة، إذ هذا الصنف من الرواة ضعفاء.\nوصورته: الراوي يختلط فيأتي بالمنكرات بسبب اختلاطه، ولا يتميز ما حدث به على الصحة من غيره.\nفهذا يضعف مطلقًا، وغاية أمره أن يصلح حديثه للاعتبار، إذا لم يبلغ حد الترك.\nومن مثاله: (ليث بن أبي سليم)، قال مؤمل بن الفضل - وكان ثقة _: قلنا لعيسى بن يونس: لم تسمع من ليث بن أبي سليم؟ قال: \" قد رأيته وكان قد اختلط، وكان يصعد المنارة ارتفاع النهار فيؤذن \" (١).\nوقال ابن حبان في (عبيد بن معتب): \" كان ممن اختلط بأخرة، حتى يجعل يحدث بالأشياء المقلوبة عن أقوام أئمة، ولم يتميز حديثه القديم من حديثه الجديد، فبطل الاحتجاج به \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ٢ / ١٧٨) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٦٨، و٢/ ٢٣٢) بإسناد صحيح.\n(٢) المجروحين (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":453},{"text":"وممن وقع له ذلك ولم يتميز من حمل عنه قبل اختلاطه ممن حمل عنه بعده، فضعف مطلقًا (يزيد بن أبي زياد)، قال ابن حبان: \" كان يزيد صدوقًا، إلا أنه لما كبر ساء حفظه وتغير، فكان يتلقن ما لقن، فوقع المناكير في حديثه من تلقين غيره إياه وإجابته فيما ليس من حديثه؛ لسوء حفظه، فسماع من سمع منه قبل دخوله الكوفة في أول عمره سماع صحيح، وسماع من سمع منه في آخر قدومه الكوفة بعد تغير حفظه وتلقنه ما يلقن سماع ليس بشيء \" (١).\nقلت: ولا يكاد يتميز شيء مما حدث به قبل التغير، إلا أن يظهر بالمتابعة، أما لذاته فضعيف.\n\nالتخليط غير الاختلاط بأخرة:\nالتخليط اختلال عارض في الضبط يقع في حال الصحة لا الخرف.\nومنه قول أبي حاتم الرازي في (أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ابن أخي عبد الله بن وهب: \" كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط \"، وقال: \" كان صدوقًا \".\nقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة وأتاه بعض رفقائي، فحكى عن أبي عبيد الله ابن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث، فقال أبو زرعة: \" إن رجوعه مما يحسن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك \" (٢).\nوهذا زال تخليطه وضبط حديثه ورجع عن خطئه.\nومن الرواة من يقع ذلك له فيتمكن منه سوء الحفظ، حتى لا يقيم الحديث.\n_________\n(١) المجروحين (٣/ ١٠٠).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٦٠).","vol":"1","page":454},{"text":"مثل (إسماعيل بن مسلم المكي)، وقد ضعفوه، قال يحيى القطان: \" لم يزل مخلطًا، كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب \" (١).\nومثل (صالح بن أبي الأخضر)، قال عمرو بن علي: سمعت معاذ بن معاذ العنبري، وذكر صالح بن أبي الأخضر، فقال: سمعته يقول: سمعت من الزهري، وقرأت عليه، فلا أدري هذا من هذا، فقال يحيى بن سعيد القطان وهو إلى جنبه: \" لو كان هكذا لكان خيرًا، ولكنه سمع وعرض، ووجد شيئًا مكتوبًا، فقال: لا أدري هذا من هذا \" (٢).\nوقال ابن حبان: \" يروي عن الزهري أشياء مقلوبة .. اختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجد عنده مكتوبًا، فلم يميز هذا من ذاك \".\nقال: \" من اختلط عليه ما سمع بما لم يسمع ثم لم يرع عن نشرها بعد علمه بما اختلط عليه منها، حتى نشرها وحدث بها وهو لا يتيقن بسماعها؛ لبالحري (٣) أن لا يحتج به في الأخبار؛ لأنه في معنى من يكذب وهو شاك، أو يقول شيئًا وهو يشك في صدقه، والشاك في صدق ما يقول لا يكون بصادق \" (٤).\n\nالصنف الرابع: من غلب عليه سوء الحفظ، فغلب في حديثه احتمال خطئه ووهمه، مع بقاء وصف الصدق له في الجملة.\nوهذا كثير في الرواة المجروحين، ممن يعتبر بحديثهم، ولم يسقطوا، وتقدم له أمثلة كثيرة في الرواة كليث بن أبي سليم، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعلي بن زيد بن جدعان، وشبههم من الضعفاء الذين يكتب حديثهم ويعتبر به.\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٩٨) بإسناد صحيح.\n(٢) المجروحين (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، وانظر: الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٩٤).\n(٣) أي: جدير.\n(٤) المجروحين (١/ ٣٦٨، ٣٦٩).","vol":"1","page":455},{"text":"القسم الثاني: فساد الضبط إلى حد\nأن يكون الراوي متروك الحديث\n\nوهذا يقع بغلبة المناكير على حديث الراوي، فيوصف بكونه: \" منكر الحديث \"، أو \" متروك الحديث \".\nفأما أن يكون \" متروك الحديث \" فلا يدخل هذا الوصف اشتباه، إذ هو الراوي غلب عليه الوهم والخطأ حتى فحش، وغلبت المنكرات على حديثه، حتى ربما أورده الشبهة عليه بالكذب، فاتهم به بناء على ذلك، كما بينت بعض أمثلته في (المبحث الثاني).\nومن مثاله (عبد الله بن سلمة الأفطس) اتفقوا على كونه متروك الحديث، بل اتهم، ويفسر ابن حبان جرحه بقوله: \" كان سيىء الحفظ، فاحش الخطأ، كثير الوهم \" (١).\nولكن يقع الاشتباه في الراوي يوصف بكونه (منكر الحديث)، فإن تلك النكارة على درجات في عبارات النقاد، بينتها في (تفسير عبارات الجرح والتعديل)، وفي (القسم الثاني) عند الكلام على (الحديث المنكر)، حيث أطلقت على الراوي لا يبلغ الترك، كما أطلقت على المتروك.\n\nطريق كشف النكارة:\nوالمعتبر في وصف الراوي بذلك في الأصل هو ما أتى به من الروايات المنكرة التي علمت نكارتها، بالتفرد بغير المعروف، أو بالمخالفة للمعروف، بالقدر الذي يغلب على حديث الراوي.\nكما قال مسلم بن الحجاج: \" علامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى،\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":456},{"text":"خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعلمه، فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صهبان، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به \" (١).\nومن طريق كشف نكارة الحديث: أن يستغرب الحديث مما تفرد به عن الثقة، فيبحث عن أصله في كتب ذلك الثقة وقد عرف اعتناؤه بحديثه ورجوعه إلى أصول، فلا يوجد فيها الحديث، فيعرف بذلك أن الحديث منكر.\nقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد سئل عن حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أنس عن النبي ﷺ قال: \" الأئمة من قريش \"؟ قال: \" ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل \" (٢).\nومن أمثلته في الرواة: (محمد بن أبي حميد الزرقي)، قال أحمد بن حنبل: \" أحاديثه أحاديث مناكير \" (٣)، وفي معناه قول يحيى بن معين المجمل: \" ليس بشيء \" (٤)، وقال أبو حاتم: \" منكر الحديث، ضعيف الحديث، مثل ابن أبي سبرة ويزيد بن عياض، يروي عن الثقات المناكير \" (٥).\nقلت: وهذا منكر الحديث، قد يتردد في بلوغه الترك.\n_________\n(١) مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٧).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٨٩).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٨١١).\n(٤) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٨٠٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٣٤).","vol":"1","page":457},{"text":"و(مغيرة بن زياد الموصلي)، قال أحمد بن حنبل: \" ضعيف الحديث \"، وقال: \" روى عن عطاء عن ابن عباس في الرجل تحضره الجنازة، قال: لا بأس أن يصلي عليها ويتيمم \"، قال أحمد: رواه ابن جريج وعبد الملك عن عطاء، مرسل \"، قال أحمد: \" وروى عن عطاء عن عائشة عن النبي ﷺ: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة. وهذا يروونه عن عطاء عن عنبسة عن أم حبيبة: من صلى في يوم ثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة. وروى عن عطاء عن عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا سافر قصر وأتم، والناس يروونه عن عطاء، مرسل \" (١).\nوقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث المغيرة بن زياد عن عطاء عن عائشة قالت: قصر النبي ﷺ في السفر وأتم، وصام وأفطر، يصح؟ قال: \" له أحاديث منكرة \"، وأنكر هذا الحديث (٢).\nوقال أحمد مرة: \" ضعيف الحديث، له أحاديث منكرة \"، وفي موضع آخر: \" ضعيف الحديث، أحاديثه أحاديث مناكير \"، وفي موضع: \" كل حديث رفعه مغيرة بن زياد فهو منكر \" (٣).\nأما يحيى بن معين فقلل قدر المناكير في حديثه، فقال: \" له حديث واحد منكر \"، وفسره عبد الله بن أحمد عن أبيه بحديث ابن عباس في الرجل تمر به الجنازة يتيمم ويصلي (٤).\nقلت: وهذا مثال لمن يتردد بين الترك والاعتبار.\nو(محمد بن معاوية النيسابوري)، قال أحمد بن حنبل: \" رأيت أحاديثه موضوعة \"، وقال أبو حاتم الرازي: \" روى أحاديث لم يتابع عليها، أحاديثه\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٨٣٥).\n(٢) مسائل عبد الله بن أحمد عن أبيه (النص: ٥٥٨).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١٥٠١، ٣٣٦١، ٤٠١٢).\n(٤) العلل (النص: ٤٠١١).","vol":"1","page":458},{"text":"منكرة، فتغير حاله عند أهل الحديث \"، وكان يحيى بن معين يقول: \" كذاب \"، لكن أبا زرعة الرازي يفسر تلك المنكرات منه بسبب قبوله التلقين، فيقول: \" كان شيخًا صالحًا، إلا أنه كلما لقن يلقن، وكلما قيل: إن هذا من حديثك حدث به، يجيئه الرجل فيقول: هذا من حديث معلى الرازي، وكنت أنت معه، فيحدث بها على التوهم \" (١).\nوهذا التفسير من أبي زرعة يدفع عنه تعمد الكذب، مع أن أحاديثه موضوعة، فمثله متروك الحديث على أي حال.\nوالعلة في التردد في بعض هؤلاء بين الاعتبار بحديثه أو تركه كلية، وكذلك من كان أمره إلى ترك حديثه مطلقًا، هو قدر الغلط في حديثهم.\nوحيث إن أحدهم لم يبلغ به الجرح حد التهمة، فإن سبب الجرح يعود إلى سوء حفظه الموجب كثرة خطئه وغلبته.\n\nمظان سياق منكرات الراوي:\nكتب الجرح والتعديل قد سلك أكثرها مسلك الاختصار، فمع أن الناقد صار إلى جرح الراوي بحسب ما ظهر له من حاله وحديثه، إلا أنه لا يكاد يسوق مثالًا من مرويات ذلك المجروح مما كان دليلًا لديه على جرحه، سوى أن ما تفرق من جرح للرواة في أثناء كتب علل الحديث يصلح أن يستفاد من تلك الأحاديث المعللة أمثلة على ما من أجله قدح في بعض الرواة، فهذا طريق.\nكذلك اعتنى المتأخرون الذين صنفوا في تتبع المجروحين بجمع أنكر ما للراوي المجروح، أو مثلوا ببعض ذلك ليستدل به على ما عداه، وذلك مثل: أبي أحمد بن عدي في كتاب \" الكامل \"، وأبي جعفر العقيلي في كتاب \" الضعفاء \"، وأبي حاتم بن حبان في كتاب \" المجروحين \"، كما جرى على\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":459},{"text":"سننهم الذهبي في \" ميزان الاعتدال \" بحكاية بعض ما قالوا، وبالزيادة عليه.\nلكن يجدر بك أن تعلم أنهم ربما ذكروا الحديث الثابت، يكون التمثيل له للمنكر من حديث الراوي مرجوحًا، أو لا يكون ذكر الراوي في هذه الكتب صوابًا أصلًا، وابن عدي خاصة أكثرهم اعتناء بذكر ما ينكر على الراوي، لكنه يزيد فيذكر من غرائبه وأفراده، زد على ذلك أنه ربما ذكر من الرواة من الصواب فيه التعديل، في نظر ابن عدي نفسه أو نظر غيره من أهل العلم، وربما ساق للراوي من حديثه ما يستدل به على أن حديثه من قبيل المحتمل أو الصالح أو المستقيم المحفوظ.\n\n* * *","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث السادس:\nمسائل تتصل بالجرح بسوء الحفظ</span>\n\nالمسألة الأولى: الراوي قد يكون لين الحديث من جهة عدم ظهور إتقانه لقلة حديثه، أو لمجيء حديثه على غير سياق روايات الثقات، وإن لم يكن أتى بمنكر.\nمثل (عبد الصمد بن حبيب العوذي)، كان قليل الحديث، قال البخاري وأبو حاتم الرازي: \" لين الحديث، ضعفه أحمد \" (١)، زاد أبو حاتم: \" يكتب حديثه، ليس بالمتروك \".\nومثل (إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السبيعي)، ضعفه الأكثرون، لكن جاء ضعفه من جهة لين فيه لا أنه روى منكرًا، ولذا قال ابن عدي: \" ليس هو بمنكر الحديث، يكتب حديثه \" (٢)، وقال أبو حاتم قبله: \" يكتب حديثه، وهو حسن الحديث \" (٣).\n\nالمسألة الثانية: الإغراب عن الثقات.\nنعت الراوي برواية الغرائب سبب للجرح، إذا كان مثله لا يحتمل\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١٠٦)، الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٥١).\n(٢) الكامل (١/ ٣٨٥).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٤٨).","vol":"1","page":461},{"text":"مثلها، كراو لم يرو إلا بضعة أحاديث، فيغرب بأكثرها، وذلك إسنادًا أو متنًا أو جميعًا، فهذا يشعر بلين حديثه، وإن لم يصل ما تفرد به إلى حد النكارة.\nأما الثقة المكثر إذا أغرب ببعض حديثه عن شيخ عرف بالعناية به، فهو من علامة تميزه وإتقانه.\nلذا فحين تكلم في (حرملة بن يحيى التجيبي المصري) من أجل ما أغرب به عن عبد الله بن وهب رد ذلك ابن عدي، فقال: \" قد تبحرت حديث حرملة وفتشته الكثير، فلم أجد في حديثه ما يجب أن يضعف من أجله، ورجل توارى ابن وهب عندهم ويكون عنده حديثه كله، فليس ببعيد أن يغرب على غيره من أصحاب ابن وهب كتبًا ونسخًا \" (١).\nوالإغراب مما تميل إليه النفوس بطبعها، لكن من عرفوا بالإتقان كانوا يتقون الإغراب إلا بمحفوظ، بخلاف من كان همه تكثير الرواية، فهذا لا يبالي بما حدث ولا عمن حدث، حتى ربما لحقته التهمة بسبب ذلك، كما كان الشأن في حق (الهيثم بن عدي)، و(محمد بن عمر الواقدي) وشبههما.\nكما قال أبو يوسف القاضي: \" من تتبع غريب الحديث كُذِّب \" (٢).\n_________\n(١) الكامل (٣/ ٤٠٩).\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٥٦٢) وابنُ عدي (١/ ١١١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٥) بإسناد جيد. ولفظ ابن عدي: \" من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كُذِّب، ومن طلب المالَ بالكيمياء أفْلس \". قلت: ولو ضبطْتَ قوله: (كُذب) (كَذب) لجاز. وأخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٤٨١) بإسناده إلى أبي يوسف عن أبي حنيفة، به، لكنه ضعيف. وروى مُحمد بن جابر اليمامي عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي قال: \" كانُوا يَكرهون غريب الحديث، والكلام \". أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٥٦٥) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٢٤). ابنُ جابر ليس بالقوي في الحديث. لكن في معناه عن إبراهيم قال: \" كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يُخرج الرجل أحسن حديثه، أو أحسنَ ماعنده \" أخرجه الرامهرمزي (ص: ٥٦١) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٢٩٥) وإسناده صَحيح. وكانوا يعنون بذلك الغريب؛ لأنه تستحسنه النفوس.","vol":"1","page":462},{"text":"وقال ابن حبان: \" صناعة الحديث صناعة من لم يقنع بيسير ما سمع عن كثير ما فاته \"، قال: \" وكل من حدث عن كل من سمع في الأيام وبكل ما عنده، عرض نفسه للقدح والملام، ولست أعلم للمحدث إذا لم يحسن صناعة الحديث خصلة خيرًا له من أن ينظر إلى كل حديث يقال له: إن هذا غريب ليس عند غيرك، أن يضرب عليه من كتابه ولا يحدث به؛ لئلا يكون ممن يتفرد دائمًا، لو أراد الحاسد أن يقدح فيه تهيأ له، ولا يسمعه أن يروي إلا عن شيخ ثقة بحديث صحيح، يكون إلى رسول الله ﷺ بنقل العدل عن العدل موصولًا \" (١).\nوالناقد إذا روى الراوي الذي لا يحتمل الإغراب لعدم شهرته بالحفظ، أو لقلة ما روى، جاء عن الراوي المشهور بغير المعروف من حديثه من رواية الثقات، كان ذلك شبهة للقدح فيه، وتقوى حتى تثبت على ذلك الراوي بحسب نوع ما تفرد به وقدره، ويقع هذا في شأن راو قليل الحديث أصلًا غير مشهور ربه.\nومن أمثلة هؤلاء: (سعيد بن زربي)، ذكر العقيلي حديثًا من روايته عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: \" لقد أوتي أبو موسى مزمارًا من مزامير آل داود \"، قال العقيلي: \" ولا يتابع عليه من حديث ثابت، وقد روي هذا بإسناد جيد ثابت من غير هذا الوجه \" (٢).\nوكقول ابن حبان في (محمد بن عبيد الله (٣) العصري): \" منكر الحديث جدًا، يروي عن ثابت ما لا يتابع عليه كأنه ثابت آخر، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الاعتبار بما يرويه إلا عند الوفاق للاستئناس به \" (٤).\n_________\n(١) المجروحين، لابن حبان (٣/ ٩٣).\n(٢) الضعفاء، للعُقيلي (٢/ ١٠٧).\n(٣) هكذا وقع (عبيد الله) مصغَّرًا في بعض محال ترجمته، و(عبد الله) مكبَّرًا في بعض آخر، والأول أشْبه بالصواب.\n(٤) المجروحين (٢/ ٢٨٢).","vol":"1","page":463},{"text":"فأمثال هذا أو ذاك ممن لم يرو إلا القليل، ومع ذلك يتفرد بما لا يعرف عن الثقات، فهذا يعود عليه تفرده ذلك بالجرح لا بالمحمدة.\nالمسألة الثالثة: الإصرار على الخطأ.\nيراد به أن يبين للراوي أنه أخطأ، فيصر أنه مصيب، ولا يرجع إذا بين له، وهذا جعله بعض النقاد قادحًا فيمن عرف منه مطلقًا، وبعضهم يذكره قادحًا لكن لا يطلقه، ولذلك فقد ذكر به بعض من استقر عند الأكثرين توثيقهم.\nوالتحرير لهذه المسألة: أن القدح في الراوي إنما هو من جهة خطئه لا من جهة إصراره على ما يحسب نفسه مصيبًا فيه.\nقال حمزة السهمي: سألته (يعني الدارقطني) عمن يكون كثير الخطأ؟ قال: \" إن نبهوه عليه ورجع عنه فلا يسقط، وإن لم يرجع سقط \" (١).\nومن أمثلته في الضعفاء (سفيان بن وكيع) \"\nقيل لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: لم رويت عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: \" لأن أحمد بن عبد الرحمن لما أنكروا عليه تلك الأحاديث رجع عنها عن آخرها، إلا حديث مالك عن الزهري عن أنس: (إذا حضر العشاء)، فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع، فإن وراقه أدخل عليه أحاديث، فرواها، وكلمناه فيها فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه \" (٢).\nو(المسيب بن واضح)، قال أبو حاتم الرازي: \" صدوق، كان يخطئ كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل \" (٣).\n_________\n(١) سؤالات السهمي (النص: ١).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١١٢٠) وإسناده صحيح.\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٩٤).","vol":"1","page":464},{"text":"ومن أمثلته في الثقات: (محمد بن عبيد الطنافسي)، قال أحمد بن حنبل: \" كان يخطئ، ولا يرجع عن خطئه \" (١).\nو(محمد بن غالب تمتام) فقد ذكر الدارقطني من أوهامه أنه حدث محمد بن جعفر الوركاني، عن حماد بن يحيى الأبح، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال: \" شيبتني هود وأخواتها \"، قال الدارقطني: \" فأنكروا عليه موسى بن هارون وعبيدة، فأخرج أصله وجاء إلى إسماعيل بن إسحاق القاضي، فأوقفه عليه، فقال: ربما وقع على الناس الخطأ في الحداثة، ولو تركته لم يضرك، فقال: أنا لا أرجع عما في أصل كتابي \"، ثم بين الدارقطني كيف دخله الوهم، ووثقه وأثنى عليه (٢).\nقلت: وهذا من أمثلته الثقات، كان إصراره حين أصر من أجل ما اعتقده من ضبطه.\nالمسألة الرابعة: جرح الراوي مقارنة بغيره، من الجرح النسبي، ولا ينافي أصل الثقة، إلا أن تكون المقارنة بين ضعيفين.\nالناقد ربما ضعف الراوي في بعض الشيوخ، ولم يعن مطلقًا، وإنما عند المقارنة بمن هو أتقن منه عن ذلك الشيخ، كالشأن في تضعيف بعض أصحاب الزهري مقارنة بالمتقنين.\nقال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين يقول: \" كان جعفر بن برقان أميًا \"، فقلت له: جعفر بن برقان كان أميًا؟ قال: \" نعم \"، قلت: كيف روايته؟ فقال: \" كان ثقة صدوقًا، وما أصح رواياته عن ميمون بن مهران وأصحابه! \"، فقلت له: أما روايته عن الزهري ليست مستقيمة؟ قال: \" نعم \"، وجعل يضعف روايته عن الزهري (٣).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠).\n(٢) سؤالات السلمي (النص: ٣١٢).\n(٣) الكامل، لابن عدي (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":465},{"text":"هكذا ظاهر قول ابن معين أن حديثه عن الزهري ضعيف مطلقًا، لكن قال ابن عدي: \" إنما قيل ضعيف في الزهري؛ لأن غيره عن الزهري أثبت منه، أصحاب الزهري المعروفين: مالك، وابن عيينة، ويونس، وشعيب، وعقيل، ومعمر، فإنما أرادوا أن هؤلاء أخص بالزهري، وهم أثبت من جعفر بن برقان؛ لأن جعفرًا ضعيف في الزهري لا غير \" (١).\nقلت: وهذا التفسير معتضد بهذه المحاورة بين عثمان الدارمي وشيخه يحيى بن معين، قال عثمان: سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري:\nقلت له: معمر أحب إليك في الزهري أو مالك؟ فقال: \" مالك \".\nقلت: فيونس أحب إليك وعقيل، أم مالك؟ فقال: \" مالك \".\nقلت: فابن عيينة أحب إليك، أم معمر؟ فقال: \" معمر \".\nقلت: فإن بعض الناس يقولون: سفيان بن عيينة أثبت الناس في الزهري؟ فقال: \" إنما يقول ذاك من سمع منه، وأي شيء كان سفيان! إنما كان غليمًا أيام الزهري \".\nقلت: فشعيب - أعني ابن أبي حمزة _؟ فقال: \" هو ثقة مثل يونس وعقيل \"، \" شعيب بن أبي حمزة كتب عن الزهري إملاء للسطان، وكان كاتبًا \".\nقلت: فالزبيدي؟ قال: \" هو مثلهم \".\nقلت: فإبراهيم بن سعد أحب إليك أو ليث؟ فقال: \" كلاهما ثقتان \".\nقلت: فمعمر أحب إليك أو صالح بن كيسان؟ فقال: \" معمر أحب إلي، وصالح ثقة \".\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤). يونس هوَ ابن يزيد الأيلي، وشُعيبٌ هوَ ابنُ أبي حَمزة، وعُقيلٌ هوَ ابنُ خالد الأيْلي، ومَعْمرٌ هوَ ابنُ راشد.","vol":"1","page":466},{"text":"قلت: فالماجشوني - أعني عبد العزيز _؟ قال: \" ليس به بأس \".\nقلت: فصالح بن أبي الأخضر؟ فقال: \"ليس بشيء في الزهري \".\nقلت: فمحمد بن أبي حفصة؟ قال: \" صويلح، ليس بقوي \".\nقلت: فابن جريج؟ فقال: \" ليس بشيء في الزهري \".\nفجعفر بن برقان؟ فقال: \" ضعيف في الزهري \".\nقلت: فمحمد بن إسحاق؟ فقال: \" ليس به بأس، وهو ضعيف الحديث عن الزهري \".\nقلت له: عبد الرحمن بن إسحاق الذي يروي عن الزهري؟ فقال: \" صالح \".\nوسألته عن سفيان بن حسين؟ فقال: \" ثقة، وهو ضعيف الحديث عن الزهري \".\nقلت له: فمعمر أحب إليك أو يونس؟ فقال: \" معمر \".\nقلت: فيونس أحب إليك أو عقيل؟ فقال: \" يونس ثقة، وعقيل ثقة نبيل الحديث عن الزهري \".\nوسألته عن الأوزاعي: ما حاله في الزهري؟ فقال: \" ثقة \".\nقلت له: أين يقع من يونس؟ فقال: يونس أسند عن الزهري، والأوزاعي ثقة، ما أقل ما روى الأوزاعي عن الزهري! \".\nقلت: فزياد بن سعيد، أي شيء حاله في الزهري؟ فقال: \" ثقة \".\nقلت: فما حال سليمان بن موسى في الزهري؟ فقال: \" ثقة \".\nقلت: فعبد الله بن عبد الرحمن الجمحي، كيف حديثه عن ابن شهاب؟ فقال: \" لا أعرفه \".","vol":"1","page":467},{"text":"قلت: فعنبسة بن مهران عن الزهري، من عنبسة، يروي عنه يحيى بن المتوكل؟ فقال: \" لا أعرفه \".\nقلت: فعمر بن عثمان الذي يروي عن أبيه عن ابن شهاب، ما حالهما؟ فقال: \" ما أعرفهما \".\nقلت: فابن أبي ذئب، ما حاله في الزهري؟ فقال: \" ابن أبي ذئب ثقة \".\nوسألته عن أخي الزهري، ما حاله؟ فقال: \" ضعيف \" (١).\nوقال أبو بكر الأثرم: سمعت أبا عبد الله (يعني أحمد بن حنبل) وذكر يونس بن أبي إسحاق، فضعف حديثه، وقال: \" حديث إسرائيل أحب إلي منه \" (٢).\nقلت: فهذا تضعيف ليونس مقارنة بابنه إسرائيل عن أبي إسحاق خاصة، وليس ضعفًا مطلقًا، فلا يصح القول: يونس ضعيف عند أحمد مثلًا.\nوهكذا حين قيل لأحمد: غندر وحفص بن غياث؟ قال: \" غندر أحب إلي من حفص، حفص كان مخلطًا \" وضعف أمره (٣).\nقلت: فالتحقيق في الجرح الوارد على هذه الصفة أنه تليين للراوي بالمقارنة بمن ذكر معه، ولا يصلح اقتطاع لفظ الجرح في ذلك الراوي عما اقترن به، بل الشأن عند إطلاق القول في أكثر هؤلاء المضعفين مقارنة بمن هو فوقهم في بعض الشيوخ أنهم ثقات عند الإطلاق.\nفإن قلت: ما فائدة هذا الجرح؟\n_________\n(١) ساق هذه المحاورة عثمان الدارمي في \" تاريخه \" (٤١ - ٤٨) وحذفت ما أورده عثمان في ثناياها عن غير يحيى، وما ليس من موضوع أصحاب الزهري.\n(٢) تهذيب الكمال، للمزي (٣٢/ ٤٩١).\n(٣) مسائل أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":468},{"text":"قلت: الترجيح عند الاختلاف.\nوأما المقارنة بين الضعفاء فتدل على التفاوت بينهم في الضعف خفة وشدة، وقد تساعد في تقدير درجة الراوي في حفظه.\nسئل يحيى بن معين عن المثنى بن الصباح؟ فقال: \" ضعيف الحديث، هو أقوى من طلحة بن عمرو \" (١).\nقلت: المثنى يعتبر به، وطلحة متروك، لكن هذه المقارنة تنبئ بتدني رتبة المثنى حتى صار يقارن بطلحة، وإن كان أقوى منه، على حد قول القائل:\nألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا؟\nوقال أبو عبيد الآجري: سألت أبا داود عن جويبر والكلبي؟ فقدم جويبرًا، وقال: \" جويبرٌ على ضعفه، والكلبي متهم \" (٢).\nقلت: هما متروكان، وكأن أبا داود يقول: لو كان في أحد منهما خير، ففي جويْبر.\nوقال الدارقطني: \" مُجالد بن سعيد الكوفي ليس بثقة، يزيد بن أبي زياد أرجح منه، ومجالدٌ لا يُعتبر به \" (٣).\nقلت: بالغ الدارقطني في شأن مجالد، لكن المقارنة له بيزيد، ويزيد يعتبر به تجعل إمكان الاعتبار بمجالد واردًا.\nوقال البرقاني: سألته عن عدي بن الفضل؟ قال: \" يترك \"، ثم قال: \" وأبو جزي نصر بن طريف أسوأ حالًا منه \" (٤).\nقلت: كأنه يقول: إن كان عدي متروكًا، فما بالك بأبي جزي؟\n_________\n(١) سؤالات ابن الجُنيد (النص: ١٤١).\n(٢) سؤالات الآجري لأبي داود السجستاني (النص: ٢٢٧).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٤٨٤).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٥١٨).","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المبحث السابع:\n\nأصول في جرح الرواة</span>\n\nالأصل الأول: يثبت الجرح بقول ناقد واحد.\nبينت هذا في (أصول في تعديل الرواة) (١)، وأنه لا يطلب فيه أكثر من كفاءة الناقد.\n\nالأصل الثاني: هل يشترط لقبول الجرح أن يكون مفسرًا قادحًا؟\nالراوي لا يخلو إما أن يكون معدلا، أو مجروحًا، أو مختلفًا فيه، أو مسكوتًا عنه.\nفمن ليس فيه غير التعديل فهو عدل ما دام وصفه صادرًا من أهل لذلك، وتقدم أن التعديل يكتفى فيه بالقول المجمل من عارف بالتزكية، ولا يطلب فيه التفسير لتعذر حصر أسبابه.\nومن ليس فيه غير الجرح فهو مجروح بقدر ما ذكر به من الجرح إن كان بين السبب، أو كان للعبارة دلالة ظاهرة يمكن حمله عليها.\nوالجرح ربما قدح في الراوي بسبب واحد وقف عليه الناقد، فيمكن حصره، وبهذا فارق التعديل.\n_________\n(١) الأصل الأول.","vol":"1","page":470},{"text":"ولما كان قد يقع بما ليس بجارح على التحقيق، أو يكون جرحًا نسبيًا يرد على بعض حديث الراوي لا على شخصه، كما تقدم في (المبحث الأول) من هذا الفصل، كما لا يمكن ادعاء سلامة أحد من النقاد من الوقوع في جرح الراوي بما لا يعد جارحًا في التحقيق.\nلذا؛ فإنه لا يجوز تأصيلًا تسليم كون الراوي مجروحًا حتى يوقف على سبب الجرح، فيتبين أنه قادح فيه أو في حديثه.\nفإن قلت: فماذا إذا لم يأت في الراوي إلا جرح مجمل، ولم يعدل، فهل يستعمل ذلك الجرح أم لا؟\nقلت: نعم، يستعمل ذلك الجرح ما دام استعماله في حق ذلك الراوي ممكنًا، بل إعماله أولى من إهماله، لصدوره من ناقد عارف، لكن لا على تسليم صحة جرح الراوي بمجرد ذلك، ولكنا حيث اشترطنا ثبوت عدالة الراوي لقبول حديثه، وأن غير ثابت العدالة لا يخلو من أن يكون مجروحًا بسبب من أسباب الجرح، أو مجهولًا، فأدنى ما ننزل عليه حال هذا الراوي أن يكون مجهولًا غير محتج به، فيكون وجه رد حديثه عدم ثبوت العدالة.\nوقال ابن حجر: \" من جل حاله، ولم يعلم فيه سوى قول إمام من أئمة الحديث: إنه (ضعيف)، أو (متروك)، أو (ساقط)، أو (لا يحتج به)، ونحو ذلك، فإن القول قوله ولا نطالبه بتفسير ذلك، إذ لو فسره وكان غير قادح، لمنعنا جهالة حال ذلك الرجل من الاحتجاج به، كيف وقد ضعف؟ \" (١).\nوقد ذهب بعض العلماء، كابن حزم، إلى اشتراط تفسير الجرح مطلقًا، حتى في مثل هذه الحالة (٢)، وهو الأوفق للأصول.\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ١٠٨).\n(٢) انظر: الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٤٦).","vol":"1","page":471},{"text":"الأصل الثالث: درجات المجروحين متفاوتة.\nوهذا واقع بالنظر إلى اعتبار العدالة أو الحفظ جميعًا.\nلكن ما رجع الجرح فيه إلى العدالة بما يتلخص لنا تحريره مما تقدم في هذا الفصل، وهو الفسق والكذب والتهمة فيه وسرقة الحديث، فهذا لا يفيد فيه تفاوت درجات المجروحين، فالجميع ساقط لا اعتبار به، وإن كان الكذب أشد من مجرد التهمة به مثلًا.\nأما ما رجع الجرح فيه إلى الحفظ، فتفاوت درجات المجروحين فيه مؤثر، إذ منهم من هو مطروح ساقط، ومنهم من هو صالح يعتبر به، ومنهم من ناله الوصفان بحسب حديثه، ومنهم من يحتج به في حال ويرد في حال.\nفهذه أربع درجات أذكرها بحسب القوة:\nالأولى: من يحتج به في حال، وهو سيىء الحفظ في حال أخرى.\nوالثانية: من لا يحتج لسوء حفظه، مع ثبوت وصف الصدق له في الجملة، وهو الأكثر في الضعفاء.\nوالثالثة: من غلب عليه الخطأ في طرف من رواياته فصار في حد من لا يعتبر به، وكان أحسن حالًا في طرف آخر، فكان فيه صالحًا للاعتبار، كما سأذكره مثاله في (الأصل الرابع).\nوالرابعة: من بلغ به سوء الحفظ إلى أن غلب عليه الخطأ، فترك حديثه، فهذا لا يعتبر به.\nوكل من كان سوء حفظه لم يبلغ به حد الترك، فهو صالح الحديث للاعتبار، وإنما يسقط من حديثه في تلك الحال ما تفرد به.\n\nالأصل الرابع: الراوي يكون مجروحًا، يعتبر ببعض حديثه دون بعض.\nوهذا كالفرع عن الأصل السابق.\nوفي الضعفاء جماعة حديثهم في بعض الأحوال صالح يعتبر به، وفي","vol":"1","page":472},{"text":"بعضها مطروح منكر، يجب على المشتغل بهذا الفن أن يلاحظ ذلك، لئلا ينزل الجرح فيهم منزلة واحدة، فيعتبر بكل حديثهم، أو يترك كل حديثهم.\nمثل (أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن)، قال علي بن المديني: \" كان شيخًا ضعيفًا ضعيفًا، وكان يحدث عن محمد بن قيس ويحدث عن محمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن المقبري وعن نافع بأحاديث منكرة \" (١).\nوقال عمرو بن علي الفلاس: \" ضعيف، ما روى عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب ومشايخه، فهو صالح. وما روى عن المقبري وهشام بن عروة ونافع وابن المنكدر، فهي رديئة لا تكتب \" (٢).\n\nالأصل الخامس: الكتب المؤلفة في الضعفاء.\nاعتنى أئمة الحديث بتمييز المجروحين من الرواة، واختصهم طائفة كثيرة بالتصنيف، كالبخاري والجوزجاني والنسائي والعقيلي وابن عدي وابن حبان والدارقطني، ممن وصلتنا كتبهم، وفي المتأخرين: ابن الجوزي، والذهبي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم.\nوهي مصنفات تمثل مرجعية ضرورية لمعرفة هذا الصنف من الرواة.\nفأما كتب البخاري والجوزجاني والنسائي والدارقطني فمختصرة.\nوكان أبو حاتم الرازي قد قال في عدد من الرواة ذكرهم البخاري في \" الضعفاء \": \" يحول \"، ولا يوجد ذلك في كتاب البخاري الذي بين أيدينا، والعلة: أن الذي وصلنا للبخاري إنما هو \" الضعفاء الصغير \"، وله \" الكبير \"، والظاهر أنه محل تلك الأسماء المنتقدة من قبل أبي حاتم، وكذلك ابن عدي عن البخاري من الجرح ما لا يوجد في هذا \" الصغير \".\n_________\n(١) سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (النص: ١٠٦).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٣/ ٤٦٠ - ٤٦١).","vol":"1","page":473},{"text":"وأما كتاب الجوزجاني فهو معروف بـ (أحوال الرجال)، وقد اتهم بالتحيز لأهل الشام، والخصومة لأهل العراق، لذلك طعن في هذا الكتاب على جماعة من ثقات الكوفيين وأئمتهم، كما بينته في (صفة الناقد).\nوكتاب العقيلي كتاب نافع جدًا، يذكر الراوي ويعتني بالنقل لألفاظ الجرح فيه عمن تقدمه كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري، كما يجرح من جهة نفسه، ويسوق من منكرات الراوي ما يستدل به لضعفه، لكن أخذ عليه إيراد بعض الثقات فيه، مما يوجب التحوط عند الأخذ منه.\nأما كتاب ابن عدي \" الكامل في ضعفاء الرجال \"، فهو قرة عين لكل معتن بهذا الفن، رسم فيه للنقد طريق السلف فأتى به ظاهر ًا بينًا في أحسن صورة، وكاد أن تكون كل ترجمة من تراجمه بمنزلة مثل تطبيقي في نقد الرواة، يحتذيه من قصد أن يفهم منهج القوم.\nوقال منهجه في جمع الضعفاء: \" ذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيهم: فجرحه البعض، وعدله البعض الآخر، ومرجح قول أحدهما مبلغ علمي من غير محاباة، فلعل من قبح أمره أو حسنه تحامل عليه أو مال إليه، وذاكر لكل رجل منهم مما رواه ما يضعف من أجله، أو يلحقه بروايته له اسم الضعف \" (١).\nوضمن كتابه هذا ما جاوز ألفين ومئتي ترجمة.\nوفي كتابه طائفة كبيرة من الثقات المتقنين، ذكرهم فيه لأن بعض من سبقه ذكرهم بالضعف، فحرر القول، وذب عنهم، فليس ذكره لأحدهم في هذا الكتاب بمنقص من قدر المذكور، بل هو رافع لشأنه؛ لأنه إنما أورده للدفاع منه.\nمع أنه ربما وجد الحرج من ذكر الثقة الحافظ في هذا الكتاب، فتراه\n_________\n(١) الكامل (١/ ٧٨ - ٧٩).","vol":"1","page":474},{"text":"يقول مثلًا في ترجمة (أحمد بن صالح المصري): \" لولا أني شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تكلم فيه متكلم، لكنت أجل أحمد بن صالح أن أذكره \" (١).\nوذكر الحافظ (أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة)، وقال: \" ولم أجد بدًا من ذكره؛ لأني شرطت في أول كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تلكم فيه متكلم ولا أحابي، ولولا ذاك لم أذكره؛ للذي كان فيه من الفضل والمعرفة \" (٢).\nلكن أخذ على ابن عدي في كتابه أمور:\nأولها: ذكر رواة ثقات لم يذكرهم بطعن لا عن متقدم ولا عن نفسه.\nمثل (ثابت بن الوليد بن عبد الله بن جميع) (٣)، قال الذهبي: \" ذكره ابن عدي في الكامل، ولكن ما غمزه بكلمة، وساق له حديثًا واحدًا محفوظ المتن. (٤)\nو(حازم بن إبراهيم البجلي)، ساق له أحاديث، ولم يذكر فيه مطعنًا عن أحد، ولم يجرحه بشيء، بل قال: \" أرجو أنه لا بأس به \" (٥).\nوكان الذهبي يتعقبه بمثل ذلك، وذلك في الجملة في شيء يسير.\nثانيًا: ذكره الراوي الثقة بسبب كلمة لمتقدم، أجراها على معنى القدح فيه وليس الأمر كما فهم ابن عدي.\nوهذا نادر، مثاله (حنظلة بن أبي سفيان الجمحي)، ذكره من أجل\n_________\n(١) الكامل (١/ ٣٠٢).\n(٢) الكامل (١/ ٣٣٩).\n(٣) الكامل (٢/ ٢٩٨).\n(٤) ميزان الاعتدال (١/ ٣٦٩).\n(٥) الكامل (٣/ ٣٧٩).","vol":"1","page":475},{"text":"كلمة نقلها عن علي بن المديني، وقيل له: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: \" رواية حنظلة عن سالم واد، ورواية موسى بن عقبة واد آخر، وأحاديث الزهري عن سالم كأنها أحاديث نافع \"، فقال رجل: يدل على أن حديث سالم كثير، قال: \" أجل \" (١).\nفتعقبه الذهبي بقوله: \" هذا القول من ابن المديني لا يدل على غمز في حنظلة بوجه، بل هو دال على جلالته، وأنه نظير موسى وابن شهاب في حديثه عن سالم \" (٢).\nثالثا: ربما وقع في \" الكامل \" كذلك ذكر الراوي ألصقت به بعض المنكرات، والنكارة فيها من جهة غيره في الإسناد، ولا يذكر ابن عدي الطعن في ذلك الراوي عن أحد تقدمه، والأصل أن لا يورد ذلك الراوي من أجل تلك المنكرات التي هي من جهة غيره، بل ينبغي أن يسوقها في ترجمة من أتى بها من المجروحين.\nوهذا مثل (الوليد بن عطاء بن الأغر)، فإنه ذكر في ترجمة حديثًا منكرًا البلية فيه من الراوي عنه بإقرار ابن عدي نفسه، ولم يعبه بشيء (٣).\nرابعًا: استدراك تراجم عديدة لم يذكرها، وهي من شرط كتابه.\nلكنه معذور في ذلك، فهو إنما ذكر ما بلغه علمه ممن تكلم فيه.\nومن قارن بما استدركه الذهبي في \" الميزان \" ثم من جاء بعده كالعراقي وابن حجر من أسامي من تكلم فيه ممن يندرج تحت شرط ابن عدي وجد من ذلك عددًا كبيرًا.\nوكتاب ابن الجوزي \" الضعفاء والمتروكون \"، لا يعتمد عليه، لما فيه\n_________\n(١) الكامل (٣/ ٣٣٨).\n(٢) ميزان الاعتدال (١/ ٦٢٠).\n(٣) الكامل (٨/ ٣٦١).","vol":"1","page":476},{"text":"من تخاليط كثيرة، وخطأ في حكاية النقل عن الأئمة، واختصار مخل لعباراتهم.\nوللذهبي \" المغني في الضعفاء \"، فيه فوائد كثيرة، لكن الذهبي ربما أختصر العبارة وتصرف فيها فأخل.\nوفي \" الميزان \" بعض الشبه من هذا، ومما يؤخذ عليه فيه أنه يقول في عدد من الرواة: \" لا يعرف \"، وهذا إذا لم يسبق إليه، فربما كان مستنده فيه ما قاله ابن حجر عائبًا ذلك منه: \" إذا لم يجد المزي قد ذكر للرجل إلا راويًا واحدًا جعله مجهولًا، وليس هذا بمطرد \" (١).\nأما تتمة ابن حجر \" لسان الميزان \" فمليئة بالفائدة.\nوفي الجملة: يجب أن تحتاط وتحقق في الأخذ من هذه الكتب، إذ ليس بمجرد ذكر الراوي فيها تسليم للقدح فيه، كما سأذكره في فصل (اختلاف الجرح والتعديل).\n\nالأصل السادس: يطلب نقد رواة الآثار كما يطلب نقد رواة الحديث.\nعلى هذا رأينا أئمة هذا الشأن، لا يفرقون في تحقيق أهلية الراوي بين من يروي الحديث عن النبي ﷺ ومن يروي الآثار عن الصحابة والتابعين.\nلكن ليس هذا على معنى المساواة في قدر التشديد بين الصورتين، فإنهم إذا كانوا يفرقون فيما يرويه الراوي عن النبي ﷺ في الأحكام وما يرويه في الرقائق، فتفريقهم بين ما يروى عن النبي ﷺ وما يروى عن غيره أولى بالاعتبار.\nوإنما المقصود أنهم يخضعون الجميع للنقد، ولا يستسهلون نسبة رأي إلى صحابي أو عالم بمجرد أن وجد منسوبًا إليه، بل كانوا يحققون إسناده.\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (٤/ ٢٢٤ - ترجمة: النضر بن عبد الله السلمي).","vol":"1","page":477},{"text":"فهذا مثلًا (بزيع أبو خازم الكوفي) صاحب الضحاك بن مزاحم، ضعفوه، وقال ابن عدي: \" لا يعرف في الرواة، إلا في روايته عن الضحاك بن مزاحم بحروف في القرآن، ولا أعرف له شيئًا من المسند، وإنما أنكروا عليه ما يحكي عن الضحاك في التفسير، فإنه يعرف عن الضحاك بتفسير لا يأتي به غيره، ولا أعرف له مسندًا \" (١).\n* * *\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٢٤١).","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>الفصل الرابع\n\nتفسير الجهالة</span>","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث الأول:\n\nمن هو الراوي المجهول</span>؟\nعرف الخطيب (المجهول) بقوله: \" المجهول عند أصحاب الحديث هو: كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد عنه \" (١).\nقلت: وفي هذا نظر، فإنا وجدنا العدالة أثبتها أهل الشأن لرواة لم يشتهروا بالعلم، ولم يعرفوا إلا من جهة راو واحد عن أحدهم.\nوالتحقيق أن الجهالة باعتبار مقابلتها في هذا العلم للعدالة تنقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>القسم الأول: جهالة عين</span>\n\nولها صورتان:\nالأولى: كون الراوي لا يسمى، كأن يأتي في الإسناد: (عن رجل).\nوالثانية: أن يسمى، لكن لم يعرف عنه سوى اسمه من جهة تلميذ واحد روى عنه لا يروي عنه غيره، ولم يعرف ذلك التلميذ بالتحري فيمن يروي عنهم، ولا يدري أحد من أهل الحديث من يكون ذلك الراوي.\n_________\n(١) الكفاية، للخطيب البغدادي (ص: ١٤٩).","vol":"1","page":481},{"text":"ويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول)، و: (لا يعرف)، و: (لا يدرى من هو)، و: (نكرة).\nوهذا الصنف من الرواة يوجد عن أحدهم في العادة الحديث والحديثان والشيء اليسير.\nوهل يدخل في هذه الصورة الصحابة؟\nقال الحاكم: \" المحدث إذا لم يعرف شخصه، لم يكن له أن يروى عنه بإجماع الأمة \" (١).\nقلت: وهذا بعمومه يتناول الصحابة، وللحاكم قول أبين من هذا ذكرته في الكلام على جهالة الصحابي في (تفسير التعديل)، وبينت هناك أن الصحابي مستثنى مما يطلب لإثبات العدالة في غيره، وكل ما هو مطلوب لقبول حديثه صحبته، ولو لم يسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>القسم الثاني: جهالة حال</span>\n\nولها صورتان:\nالأولى: كون الراوي معروفًا برواية أكثر من واحد عنه.\nوالثانية: روى عنه واحد، لكن انضمت إليه قرينة زادت من قدر العلم به، كمجيء ذكره في خبر لا في إسناد، أو أن يكون العلم به وبحديثه جاءنا من رواية ثقة عنه لم يعرف بالرواية عن المجروحين، كإبراهيم النخعي، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح.\nلكنه مع العلم بوجوده وارتفاع جهالة عينه فإنه لم تثبت أهليته في الحديث.\n_________\n(١) سؤالات مَسعود السجزي للحاكم (النص: ٢٨٨).","vol":"1","page":482},{"text":"نعم، تثبت له العدالة الدينية بذلك على ما تقدم في (التعديل).\nويطلق على هذا النوع من الرواة وصف: (مجهول الحال)، وربما أطلق بعض علماء الجرح والتعديل وصف: (مجهول) ويعنون هذا المعنى، كما يقع من أبي حاتم الرازي.\nويوصف هذا أيضًا بـ (المستور).\nوزوال الراوي بجهالة الحال إنما يكون باختبار حديثه وتبين حفظه وإتقانه بذلك، وهو الطريق الذي سلكه أئمة الحديث للحكم على الرواة، فإن ثبت حفظه فهو ثقة أو صدوق، وإن تبين سوء حفظه نزل على ما يناسبه من الأصاف.\nوقد لا يتهيأ للناقد تبين حال الراوي إذا كان لم يرو إلا القليل من الحديث، فيثبت له الوصف بالجهالة الموجبة لرد حديثه، حتى تندفع عنه شبهة الضعف بالمتابعة.\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: سألته عن عطاء العطار؟ فقال: \" روى عنه حماد بن سلمة، وهشام بن حسان \" فقلت: كيف حديثه؟ فقال: \" كم روى؟! شيئًا يسيرًا \" (١).\nوقال ابن عدي في (عمران بن عبد الله البصري): \" غير معروف، وأنكر عليه البخاري الحديث الواحد في التسبيح، وإذا كان الرجل غير معروف بالروايات؛ فإنه يقع في حديثه المناكير \" (٢).\nوقال البخاري في (قيس أبي عمارة الفارسي): \" فيه نظر \" (٣)، فقال ابن\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ٧٨٦).\n(٢) الكامل (٦/ ١٧٣).\n(٣) التاريخ الأوسط (٢/ ١٠٨).","vol":"1","page":483},{"text":"عدي: \" هذا الذي أشار إليه البخاري إنما هو حديث واحد، وليس الذي يبين من الضعف في الرجل وصدقه إذا كان له حديث واحد \" (١).\nوقال ابن عدي في (سلم العلوي): \" قليل الحديث جدًا، ولا أعلم له جميع ما يروي إلا دون خمسة أو فوقها قليلًا، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولا سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر \" (٢).\n\n* * *\n_________\n(١) الكامل (٧/ ١٧١).\n(٢) الكامل (٤/ ٣٥٢).","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>المبحث الثاني:\n\nجهالة الراوي سبب لرد حديثه</span>\n\nالجهالة سبب لرد حديث الراوي، ما لم تثبت استقامة حديثه ذلك.\nوهذا قديم عند أهل العلم أنهم لا يحتجون بحديث المجهول.\nقال عبد الله بن عون: \" لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب \" (١).\nوقال الشافعي: \" لا نقبل خبر من جهلناه، وكذلك لا نقبل خبر من لم نعرفه بالصدق وعمل الخير \" (٢).\nوقال: \" من حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب، ولا يقبل الخبر إلا ممن عرف بالاستئهال لأن يقبل خبره، ولم يكلف الله أحدًا أن يأخذ دينه عمن لا يعرف \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٨) والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤٠٥) وابنُ عدي (١/ ٢٥٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢٥١) من طريق إبراهيم بن المنذر الحِزامي، قال: سمعت أيوب بن واصل يقول: سمعت عبد الله بنَ عون، به. وإسناده حسن.\n(٢) اختلاف الحديث (ص: ٤٥).\n(٣) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٠٧) وإسناده صحيح، والمعنى لهذا القوْل عن الشافعي أيضًا في \" الرسالة \" (ص: ٣٧٦ - ٣٧٧).","vol":"1","page":485},{"text":"وقال: \" كان ابن سيرين والنخعي وغير واحد من التابعين يذهب هذا المذهب، في أن لا يقبل إلا عمن عرف، وما لقيت ولا علمت أحدًا من أهل العلم بالحديث يخالف هذا المذهب \" (١).\nوقال البيهقي: \" لا يجوز الاحتجاج بأخبار المجهولين \" (٢).\nوقال الذهبي: \" لا حجة فيمن ليس بمعروف العدالة، ولا انتفت عنه الجهالة \" (٣).\nوقال ابن رجب: \" ظاهر كلام الإمام أحمد أن خبر مجهول الحال لا يصح ولا يحتج به \" (٤).\nقلت: وقد جرح الأئمة بالجهالة، وردوا بها الكثير من الحديث.\nفمن أمثلته (هبيرة بن يريم الشيباني)، تابعي تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبي عنه قلت: يحتج بحديثه؟ قال: \" لا، هو شيبة بالمجهولين \" (٥).\nوهذا ابن عدي أدخل في المجروحين جماعة من المجهولين كانت حجته تعود تارة إلى نكارة حديثهم، وتارة إلى قلة الرواية بحيث لا يتبين من مقدارها استقامة ما رووا، فمن كلامه:\nقوله في (إبراهيم بن عبد السلام المخزومي): \" ليس بمعروف، حدث بالمناكير، وعندي أنه يسرق الحديث \" (٦).\n_________\n(١) الأم (١٢/ ٣٦٩).\n(٢) الخلافيات (٢/ ١٧٨ - ١٧٩).\n(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٣٤).\n(٤) شرح علل الترمذي (١/ ٣٤٧).\n(٥) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١٠٩ - ١١٠).\n(٦) الكامل في ضعفاء الرجال (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":486},{"text":"وقوله في (إبراهيم بن هانئ) شيخ لبقية بن الوليد: \" ليس بالمعروف، يحدث عنه بقية، ويحدث إبراهيم هذا عن ابن جريج بالبواطيل \" (١).\nوقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الخوارزمي): \" ليس بمعروف، وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة \" (٢).\nوقوله في (بشير بن زياد الخراساني): \" غير مشهور، في حديثه بعض النكرة \" وقال: \" ليس بالمعروف، إلا أنه يروي عن المعروفين ما لا يتابعه أحد عليه، ولم أجد أحدًا يروي عنه غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة \" (٣).\nوقوله في (بكر بن يزيد المدني): \" ليس بمعروف، ولا أعلم يروي عنه غير القعنبي (٤)، وهو مجهول من أهل المدينة، والقعنبي أصله من المدينة سكن البصرة، ويروي عن قوم من أهل المدينة غير معروفين، لا يروي عنهم غيره \" (٥).\nوقال مثل هذا في (بهلول بن راشد) (٦)، و(سليمان بن أبي خالد البزار) (٧)، و(سليط بن مسلم) (٨)، و(عبد الله بن سليمان) (٩)، وهؤلاء جميعًا روى عنهم القعنبي.\nوقوله في (تمام بن بزيع السعدي): \" ليس بالمعروف، ولا يحدث عنه من البصريين غير محمد بن أبي بكر المقدمي، وهو قليل الحديث \" (١٠).\n_________\n(١) الكامل (١/ ٤٢١).\n(٢) الكامل (١/ ٤٢٢).\n(٣) الكامل (٢/ ١٨٣).\n(٤) هوَ عبد الله بن مسلمة القعنبي.\n(٥) الكامل (٢/ ٢٠١).\n(٦) الكامل (٢/ ٢٥١).\n(٧) الكامل (٤/ ٢٩٥).\n(٨) الكامل (٤/ ٥٤٩).\n(٩) الكامل (٥/ ٤٣٠).\n(١٠) الكامل (٢/ ٢٧٩).","vol":"1","page":487},{"text":"وقوله في (الحسن بن عبد الله الثقفي): \" ليس بمعروف، منكر الحديث \"، وقال بعد أن ذكر له حديثين: \" وهذان الحديثان بهذا الإسناد منكران، ولا أعلم أنّ للحسن بن عبد الله الثقفي غيرهما، وإن كان للحسن رواية غير ما ذكرته يكون مثل ما ذكرته في الإنكار \" (١).\nوقوله في (محمد بن عباد بن سعد) شيخ لمعن بن عيسى: \" ليس بالمعروف، ومعن يحدث عن قوم ٍ من أهل المدينة ليسوا هم بمعروفين \" (٢).\nوكذلك صنع العقيلي، فمن كلامه في جماعة من المجهولين:\nقوله في (إياس بن أبي إياس): \" مجهول، حديثه غير محفوظ \" (٣).\nوقوله في (إبراهيم بن زكريا الواسطي): \" مجهول، وحديثه خطأ \" (٤).\nوقوله في (إبراهيم بن عبد الرحمن الجبلي): \" ليس بمعروف في النقل، والحديث غير محفوظ \" (٥).\nوقوله في (بلهط بن عباد): \" مجهول في الرواية، حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه \" (٦).\nوقوله في (الحسن بن علي الهمداني): \" مجهول، لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به \" (٧).\nوهكذا رأيت من صنيع ابن حبان، لكن على خطته فيمن لم يرو عنه إلا مجروح، فمن كلامه:\nقوله في (عبد الله بن أبي ليلى الأنصاري)، وذكر له أثرًا عن علي بن\n_________\n(١) الكامل (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(٢) الكامل (٧/ ٤٧٨).\n(٣) الضعفاء، للعُقيلي (١/ ٣٥).\n(٤) الضعفاء (١/ ٥٣).\n(٥) الضعفاء (١/ ٥٦).\n(٦) الضعفاء (١/ ١٦٦).\n(٧) الضعفاء (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":488},{"text":"أبي طالب: \" من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة \": \" هذا شيء لا أصل له عن علي، .. وابن أبي ليلى هذا رجل مجهول، ما أعلم له شيئًا يرويه عن علي غير هذا الحرف المنكر الذي يشهد إجماع المسلمين قاطبة ببطلانه .. \" (١).\nوقوله في (عبد الله بن زياد سليم القرشي): \" شيخ مجهول، يروي عن عكرمة، روى عنه بقية بن الوليد، لست أحفظ له راويًا غير بقية \" وذكر له من تفرده ما لا يحتمل (٢).\nوقوله في رجل يقال له: (أبو زيد): \" يروي عن ابن مسعود ما لم يتابع عليه، ليس يدري من هو، لا يعرف أبوه ولا بلده، والإنسان إذا كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرًا واحدًا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والنظر والرأي يستحق مجانبته فيها، ولا يحتج به \"، وذكر له حديثًا أن النبي ﷺ توضأ بالنبيذ (٣).\nوكذلك الشأن عند الدارقطني، فجرح جماعة بقوله في أحدهم: \" مجهول يترك \" أو \" مجهول متروك \".\nقال ذلك في: إسحاق بن عمر، يروي عن عائشة (٤)، وفي: علي بن أبي فاطمة، يحدث عن يونس بن بكير (٥)، وفي: عمرو بن أبي نعيمة المعافري (٦)، وحابس اليماني، يروي عن أبي بكر الصديق (٧) وفي:\n_________\n(١) المجروحين، لابن حبان (٢/ ٥).\n(٢) المجروحين (٢/ ١٧).\n(٣) المجروحين (٣/ ١٥٨).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٢٨).\n(٥) سؤالات البرقاني (النص: ٣٦٧).\n(٦) سؤالات البرقاني (النص: ٣٧٢).\n(٧) سؤالات البرقاني (النص: ١١٢).","vol":"1","page":489},{"text":"يزيد بن زيد مولى أبي أسيد البدري (١)، وفي: أبي مريم الثقفي، يروي عن عمار بن ياسر (٢).\nوهذا الذي ذكرت يوضح منهجًا مشتركًا عند هؤلاء الأئمة، هو: أن الراوي يكون مجهولًا ويأتي بالحديث بما لا يعرف وجهه إلا من طريقه، ولكون الشبهة في ضعفه قد قويت من جهة ما تفرد به إسنادًا أو متنًا أو كليهما، فقد صار في عداد المجروحين.\nولا يلحق بالثقات إلا من ثبت تحديثه بالمحفوظ من الحديث دون غيره من أولئك المجهولين.\n\n* * *\n_________\n(١) سؤالات البرقاني (النص: ٥٥١).\n(٢) سؤالات البرقاني (النص: ٥٨٧).","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>المبحث الثالث:\n\nأصول في الراوي المجهول</span>\n\nالأصل الأول: مجاهيل التابعين أرفع ممن بعدهم لندرة الكذب يومئذ.\nهذا الأصل بالنظر إلى ندرة ما ينكر من أحاديث من أحاديث تلك الطبقة، على أن هذا لا يدل على قبول حديث من كان كذلك منهم، إنما المقصود تفاوت أثر النعت بالجهالة فيما بينهم وبين من بعدهم.\nقال عروة بن الزبير، وهو معدود في الطبقة الثانية من التابعين: \" إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به \" (١).\nقال ابن عبد البر: \" في خبر عروة هذا دليل على أن ذلك الزمان كان يحدث فيه الثقة وغير الثقة \" (٢).\nوهكذا جاء عن غير واحد من التابعين أنهم لم يكونوا يقبلون الحديث إلا عمن ثبت عندهم أنه ثقة.\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في \" الأم \" (١٢/ ٣٦٨) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٧٣، ٢١٠) وابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣٨، ٣٩) وإسناده صحيح.\n(٢) التمهيد (١/ ٣٩).","vol":"1","page":491},{"text":"قال الشافعي: \" وما زال أهل الحديث في القديم والحديث يثبتون، فلا يقبلون الرواية التي يحتجون بها ويحلون بها ويحرمون بها إلا عمن أمنوا \" (١).\nلكن لو قارنت بين مجاهيل التابعين والمجاهيل بعدهم، وجدت أكثر من بقي له نعت الجهالة فيمن بعدهم قد روي عنه من الحديث ما عدت الآفة فيه منه، كشيوخ بقية بن الوليد وغيره ممن كانوا يروون عن المجهولين الأحاديث المنكرة.\nسئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن أبي سفيان الأنماري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب عن عثمان، عن النبي صلى الله وسلم توضأ وخلل لحيته؟ فقال أبو حاتم: \" هذا حديث موضوع، وأبو سفيان الأنماري مجهول \" (٢).\nقلت: الأنماري هذا من طبقة أتباع التابعين، أتى بهذا الإسناد النظيف الذي لا يعرف عن غيره، فلظهور نكارة الإسناد والجزم بكونه باطلًا أن يروي به هذا الحديث، حمل هذا المجهول تبعته.\n\nالأصل الثاني: المجهولات من النساء.\nيقل في النساء من روين الحديث ويقل فيمن رواه منهن من عرفن، ومن عرفن فقد عرفن بالثقة، وندر في النساء من جرحت بسبب من أسباب الجرح المتقدمة، لكن أكثرهن مجهولات.\nوأكثر من ذكرن بالرواية منهن كن من الطبقات المتقدمة، من الصحابيات ومن قرب من عهدهن.\n_________\n(١) الأم (١٢/ ٣٦٨).\n(٢) علل الحديث (رقم: ١٨٠).","vol":"1","page":492},{"text":"ولعل ما ذكرت من غلبة الجهالة على النساء أنهم لم يكونوا يرغبون في الرواية عنهن؛ لأنها رواية عن المجهولات.\nقال أبو هاشم الرماني: \" كانوا يكرهون الرواية عن النساء، إلا عن أزواج النبي ﷺ \" (١).\nوقال شعبة بن الحجاج: \" كنت إذا أتيت الكوفة يسألني الأعمش عن حديث قتادة، فقلت له يومًا: حدثنا قتادة عن معاذة، قال: عن امرأة؟! اغرب، اغرب! \" (٢).\nوقال أبو الحسن ابن القطان: \" أحاديث النساء متقاة محذور منها قديمًا من أئمة هذا الشأن، إلا المعلومات منهن الثقات، فأما هؤلاء الخاملات القليلات العلم، اللاتي إنما اتفق لهن أن روين أحاديث آبائهن أو أمهاتهن أو إخوانهن أو أخواتهن أو أقربائهن بالجملة .. فإن الغالب في هؤلاء أنهن من المستورات كمساتير الرجال، فأما مثل عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة بنت طلحة وصفية بنت شيبة وأشباههن من ثقاتهن، فلا ريب في وجوب قبل روايتهن \" (٣).\nوعقد الذهبي في أواخر كتابه \" ميزان الاعتدال \" فصلًا قال فيه: \" فصل في النسوة المجهولات، وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها \" (٤).\nقلت: وهذا يدل على خفة تأثير ذلك في حديثهن.\n_________\n(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل ومعرفة الرجال \" (النص: ٤٩٥٦) بإسنادٍ صحيح، وأبو هاشم هذا ثقةٌ فقيه يروي عن التابعين.\n(٢) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٤٦) وإسناده صحيح. ومُعاذةُ هيَ العدوية، تابعيةٌ ثقةٌ.\n(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ١٤٦).\n(٤) ميزان الاعتدال (٤/ ٦٠٤).","vol":"1","page":493},{"text":"الأصل الثالث: قول الراوي: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم) ولا يسمي ذلك الشيخ، فهل يعتد بهذا التعديل؟\nعدم تسمية الراوي، أو عدم ذكر ما يتميز به شخصه، فيمن دون الصحابة من الرواة، لا يرفع من أمره شيئًا أن يقول الراوي عنه: (حدثني الثقة) أو: (حدثني من لا أتهم)، حتى وإن كان ذلك الراوي معدودًا فيمن يميز النقلة.\nوذلك أنا نعلم أن النقاد يختلفون في النقلة، فربما لو سمى ذلك الراوي شيخه لكن مجروحًا بقادح عند غيره من أئمة الحديث.\nقال العلائي: \" والذي عليه أكثر المحققين: أنه لا يكتفى بقول الراوي: حدثني الثقة، من غير ذكر اسمه، فإنه إذا صرح باسمه وعرفناه زال ذلك الاحتمال إذا لم يظهر فيه جرح بعد البحث \" (١).\nبل إن عدوله عن تسمية شبهة في أنه ربما علم أنه لو سماه لرد أهل العلم روايته.\nومن أمثلة قول الناقد: قول الشافعي: \" أخبرنا الثقة عن فلان \" ويسمي شيخ ذلك الثقة عنده.\nفالشافعي ممن له دراية بالنقلة، لكنا لا نقبل منه قوله في شيخه المبهم: \" الثقة \" دون أن يسميه، فإنه روى عن بعض الشيوخ المجروحين، ومن أبرزهم إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك عند سائر كبار النقاد، ومعروف أن الشافعي كان يوثقه.\nأما ما جاء عن بعض أهل العلم في تعيين المراد ببعض من أرادهم الشافعي بذلك، فذلك مما لا يمكن القطع به، بل الظاهر أنه أجري على مجرد الاحتمال.\n_________\n(١) جامع التحصيل (ص: ١٠٦).","vol":"1","page":494},{"text":"وذلك مثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: \" جميع ما حدث به الشافعي في كتابه فقال: حدثني الثقة، أو: أخبرني الثقة، فهو أبي \" (١).\nفهذا حصر غير دقيق، بل حدث الشافعي عن الثقة عنده عن جماعة من الرواة لم يدركهم أحمد بن حنبل، مثل: عطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وابن شهاب الزهري، وحميد الطويل ويحيى بن أبي كثير ويونس بن عبيد، وأيوب السختياني، وهشام بن عروة، وسفيان الثوري، وغيرهم.\nنعم، حدث عن الثقة عنده عن جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن علية، وهذان من شيوخ أحمد.\nوحاول بعض أهل العلم أن يبسط ذلك، فذكر أن قول الشافعي: \" عن الثقة عن الليث بن سعد \" هو يحيى بن حسان، و\" عن الثقة عن أسامة بن زيد \" هو إبراهيم بن أبي يحيى، و\" عن الثقة عن حميد الطويل \" هو إسماعيل بن علية، و\" عن الثقة عن معمر \" هو مطرف بن مازن، و\" عن الثقة عن الوليد بن كثير \" هو أبو أسامة حماد بن أسامة، و\" عن الثقة عن الزهري \" هو سفيان بن عيينة (٢).\nوهذا إضافة إلى كونه لم يستغرق كل من قاله فيه الشافعي: \" عن الثقة \"، فهو مقول بالظن، ويبدو أن مستنده يرجع إلى تفقده من عرف بالرواية عن ذلك الشيخ ممن أدركهم الشافعي وأخذ عنهم، وهذا لا يصح أن يكون مقياسًا لتعيين هؤلاء.\nثم رأيت أن فيهم من هو ثقة كابن علية وأبي أسامة، وفيهم من هو مجروح كابن أبي يحيى ومطرف بن مازن.\n_________\n(١) أخرجه أبو نُعيم في \" الحلية \" (٩/ ١٨٢) بإسناد صحيح، وهوَ في \" العلل \" لأحمد (النص: ١٠٨٢) و\" آداب الشافعي \" لابن أبي حاتم (ص: ٩٦)، ونصه: \" وكلُّ شيْءٍ في كتب الشافعي: حدثني الثقة عن هُشيْم، وغيره، هو أبي \".\n(٢) انظر: مناقب الشافعي، للبيهقي (١/ ٥٣٣)، تعجيل المنفعة، لابن حجر (٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧).","vol":"1","page":495},{"text":"فالصواب من القول: أن هذه العبارة من الشافعي لا ترتفع من شأن ذلك الراوي، بل أمره باق على الجهالة، وكأن قوله: \" أخبرنا الثقة \" بمنزلة قوله: \" أخبرنا رجل \".\nومالك بن أنس أعرف بالحديث ورجاله من الشافعي، واستعمل هذه الصيغة في مواضع من \" الموطأ \"، وكذلك اجتهد بعض العلماء لتمييز المراد (١)، وليس في ذلك شيء يقطع به، إلا أن يراد الحديث ذاته من طريق أخرى صحيحة إلى مالك يصرح فيها باسم ذلك المبهم.\nومن أمثلة قول الراوي الثقة الذي لا يعد فيمن يعتمد قوله في الرجال: قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي: \" حدثني من لا أتهم \"، فإنه جاء بأخبار كثيرة في السير يرويها بمثل هذه الصيغة، ومعروف أن ابن إسحاق يروي عن المجهولين والمتروكين (٢)، وليس معدودًا فيمن يميز المتقنين من النقلة من غيرهم، وإذا كنا لم نعتد بمثل ذلك القول من الشافعي، فكيف يغني شيئًا من مثل ابن إسحاق؟ !\nوالقول بترك الاعتماد على مثل هذا التعديل المبهم هو الذي رجحه الخطيب من أئمة الحديث (٣) وأبو بكر الصيرفي من أئمة الأصول، وذلك خلافًا لإمام الحرمين ومن تبعه (٤).\n\nالأصل الرابع: قول الناقد في الراوي: \" لا أعرفه \".\nوقع استعمال هذا اللفظ بمعنى: \" مجهول \" في كلام كثير من نقاد\n_________\n(١) انظر: الجرح والتعديل، ترجمة (مَخرمة بن بكَير) (٤/ ١ / ٣٦٣)، وتعجيل المنفعة (٢/ ٦٢٥).\n(٢) وفسَّر مرةً قوله: \" حدثنا من لا أتهم \" بأنه عنى الحسن بن عُمارة، وهوَ متروك، (انظر: الروْضً الأنف، للسهلي ٦/ ٤٣).\n(٣) الكفاية (ص: ٥٣١).\n(٤) جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٩٥، ٩٦).","vol":"1","page":496},{"text":"المحدثين، ومن أكثرهم استعمالًا له في المجاهيل: الإمامان يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي.\nلكن ينبغي أن تعلم أن تلك الجهالة إنما هي بالنسبة إلى علم ذلك الناقد، لا مطلقًا، فإن خفاء حال الراوي على ناقد وإن كان ذلك الناقد كيحيى بن معين، لا يلزم منه أن يكون مجهولًا عند غيره، فابن معين إنما يخبر عن علمه.\nمثال ذلك أنه سئل عن (إبراهيم بن محمد الشافعي) فقال: \" لا أعرفه، زعموا أنه ليس به بأس \" (١).\nكذا قال يحيى، والرجل مشهور بالعلم، روى عنه كثيرون، وكان ثقة، وإنما يبلغ يحيى من أمره ما يمكنه من الحكم على شخصه، فقال: \" لا أعرفه \".\nوقد يعرف حديثه ويميزه فيثني عليه فيه، لكنه لا يدري من يكون ذلك الراوي.\nنقل عبد الخالق بن منصور قال: سألت يحيى بن معين عن (حاجب، يعني ابن الوليد) فقال: \" لا أعرفه، وأما أحاديثه فصحيحة \"، فقلت: ترى أن أكتب عنه؟ فقال: \" ما أعرفه، وهو صحيح الحديث، وأنت أعلم \" (٢).\nويشبه أن يكون الخطيب بنى على ذلك، فقال في (حاجب): \" كان ثقة \".\nوقال أبو داود السجستاني في (العلاء بن خالد الأسدي): \" ما عندي من علمه شيء، أرجو أن يكون ثقة \" (٣).\n_________\n(١) معرفة الرجال، رواية ابن محرز (١/ ٧٥).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخ بغداد \" (٨/ ٢٧١) بإسناد حسن.\n(٣) سؤالات الآجري (النص: ١٤٣).","vol":"1","page":497},{"text":"والرجل صدوق جيد الحديث.\nوما فسر به بعض العلماء قول يحيى بن معين في بعض المواضع: \" لا أعرفه \" بكون ذلك الراوي (مجهولًا)، فهو صحيح بحسب ما وافق من حال ذلك الراوي، حيث اجتمعت فيه أسباب الوصف بالجهالة.\nوذلك كقول يحيى في (محمد بن عباد بن سعد): \" لا أعرفه \"، فقال ابن أبي حاتم: \" يعني لأنه مجهول \" (١).\nوكقوله في (أبي يزيد الطحان) الذي يروي عنه أحمد بن يونس: \" لا أعرفه \" (٢)، فقال ابن عدي: \" ابن يونس يروي عن غير واحد ممن يكنيهم ولا يعرفون، فلهذا قال ابن معين: لا أعرفه \" (٣).\nأما قول ابن عدي في ترجمة (عبد الرحمن بن آدم) الذي قال فيه ابن معين: \" لا أعرفه \": \" إذا قال مثل ابن معين: لا أعرفه، فهو مجهول غير معروف، وإذا عرفه لا يعتمد على معرفة غيره؛ لأن الرجال بابن معين تسبر أحوالهم \" (٤)، فهذا تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله: \" لا يتمشى في كل الأحوال، فرب رجل لم يعرفه ابن معين بالثقة والعدالة، وعرفه غيره، فضلًا عن معرفة العين، فلا مانع من هذا \" (٥).\nقلت: وهذا الذي قاله الحافظ هو الصواب، وإنما أخبر ابن معبن بحسب علمه، وفيمن لم يعرفهم جماعة من الثقات، وابن عدي نفسه لم يسلم لابن معين قوله ذلك في جماعة، منهم: الجراح بن مليح البهراني (٦)،\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٥).\n(٢) تاريخ الدارمي (النص: ٩٦٨).\n(٣) الكامل (٩/ ١٩٧).\n(٤) الكامل (٥/ ٤٨٥).\n(٥) تهذيب التهذيب (٢/ ٥٢٧) ترجمة: عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس.\n(٦) تاريخ الدارمي (النص: ٢١٤) الكامل (٢/ ٤١٠)، وابن مَعين لم يعرفه في رواية الدارمي، لكن عرَفه في رواية الدوري فقال: \" ليس به بأسٌ \" (تاريخه، النص: ٥٣٥٧).","vol":"1","page":498},{"text":"وحاتم بن حريث الطائي (١)، وسفيان بن عقبة (٢)، وعلل ابن عدي في غير موضع قول ابن معين في الراوي يسأل عنه: (لا أعرفه) بقلة حديث ذلك الراوي (٣)، وهذا صواب فمثل ابن معين لا يخفاه أمر راو معروف برواية الحديث، إنما يقع مثل ذلك في راو يذكر بالحديث والحديثين ونحو ذلك، فلا يخبر أمره.\nكما قال أبو حاتم الرازي: سألت يحيى بن معين عن (سعيد بن سلمة المديني) فلم يعرفه، قال ابنه عبد الرحمن: \" يعني فلم يعرفه حق معرفته \" (٤).\nوقال يحيى في (صدقة بن أبي عمران): \" لا أعرفه \"، فقال ابن أبي حاتم: \" يعني لا أعرف حقيقة أمره \"، وهو شبه ما نقله عن أبيه أبي حاتم في حق (صدقة) هذا، قال: \" صدوق، شيخ صالح، ليس بذاك المشهور \" (٥).\nوقالها يحيى في (قدامة بن كلثوم)، فقال ابن أبي حاتم: \" لم يعرفه؛ لأنه كان مجهولًا \" (٦)، ونحو ذلك في ترجمة (قرة بن أبي الصهباء) (٧)، وقالها يحيى في (محمد بن ذكوان أبي صالح السمان أخي سهيل)، فقال ابن أبي حاتم: \" يعني لا أخبره \" (٨).\nوالمقصود أن هذه العبارة لا تعني الجهالة إلا عند قائلها، فإذا فقدنا معها التعديل أو الجرح المعتبرين صرنا إلى وصف ذلك الراوي بالجهالة.\n_________\n(١) تاريخ الدارمي (النص: ٢٨٧) الكامل (٣/ ٣٧١).\n(٢) تاريخ الدارمي (النص: ٣٧٠) الكامل (٤/ ٤٧٥).\n(٣) كما قال ذلك في: الأصبغ بن سفيان، وعاصم بن سُويد الأنصاري، ومحمد بن عبد العزيز التميمي، وأبي سلَمة مولى بني ليث.\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٩).\n(٥) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٤٣٣).\n(٦) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٢٩).\n(٧) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٣٠).\n(٨) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٢).","vol":"1","page":499},{"text":"الأصل الخامس: توضيح طريقة أبي حاتم الرازي في الحكم بجهالة الراوي.\nالإمام أبو حاتم تعرض للكلام في النقلة على سبيل التصنيف المستوعب، وذلك فيما كان يعرضه عليه ولده عبد الرحمن من أسمائهم يسأله عنهم، إذ كتابه الفذ \" الجرح والتعديل \" يكاد يكون من تصنيف أبي حاتم نفسه.\nفنجد كثيرًا من الرواة يحكم عليهم أبو حاتم بالجهالة، فيقول تارة وهو الأكثر: (مجهول)، وتارة: (لا أعرفه)، وربما قال: (لا يعرف)، كما يقول في الراوي: (غير مشهور)، وربما أضاف إلى ذلك كلمة (شيخ) وهي في هذا السياق مضمومة إلى غيرها لا تدل على شيء في جرح الراوي أو تعديله.\nوقد تأملت طريقة أبي حاتم في أولئكم الرواة، فوجدت الأصل في نظره يقوم على اعتبار مقدار ما روى ذلك الراوي، ونوع مرويه مسندًا أو مرسلًا، مرفوعًا أو غير مرفوع، مع ملاحظة طريق العلم به وبروايته، وذلك بالنظر إلى من روى عنه.\nفعامة من وصفهم بالجهالة ممن لم يبلغه من حديثهم إلا الحديث الواحد، أو اليسير جدًا، أو الأثر عن صحابي قولا أو فعلًا، فذلك المروي إن كان معروفًا من طريق محفوظ وجدته أثنى على حديث ذلك الراوي دون شخصه، وهذا كثير منثور في الكتاب، وربما وصفه بالجهالة مع تقوية حديثه، كقوله مثلًا في (أحمد بن إبراهيم أبي صالح الخراساني): \" شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح \" (١)، وقال في (سعيد بن محمد الزهري): \" ليس بمشهور، وحديثه مستقيم، إنما روى حديثًا واحدًا \" (٢).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٩).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٥٨).","vol":"1","page":500},{"text":"بينما في آخرين تفردوا بالحديث والحديثين، ولا يعرف لهم غير ذلك، يزيد إلى وصف الجهالة جرح ذلك الراوي في حديثه، كقوله في (زياد بن عبيد الكوفي): \" مجهول، والحديث الذي رواه باطل \" (١)، وفي (زرعة بن عبد الله بن زياد الزبيدي) شيخ لبقية بن الوليد: \" شيخ مجهول، ضعيف الحديث \" (٢).\nوالراوي لا يعرف إلا من طريق رجل مجروح يقول فيه: (مجهول)، مثل قوله في (عبد العزيز بن أبي معاذ): \" شيخ مجهول، لا يدري من هو \" وذلك أنه لم يعرف إلا من رواية مسلمة بن الصلت عنه، ومسلمة هذا متروك الحديث.\nوقد تكون علة الراوي من جهة أنه لم يعرف حديثه إلا من روايته عمن هو معروف بالجرح، كقول أبي حاتم في (وافد بن سلامة) يروي عن يزيد الرقاشي، روى عنه محمد بن عجلان وعبد الله بن وهب: \" هو يروي عن الرقاشي، فما يقال فيه؟ \"، قال ابنه عبد الرحمن: \" يعني أن الرقاشي ليس بقوي، فما وجد في حديثه من الإنكار يحتمل أن يكون من يزيد الرقاشي \" (٣).\nورأي أبي حاتم بحسب ما بلغه من العلم في شأن الراوي، وقد يخالف في ذلك، فالراوي عنده مقل من الحديث، ولم يبلغه من الرواة عنه إلا الراوي الواحد، فيحكم بجهالته، ويكون غيره قد اطلع على أكثر من ذلك فيعدله أو يجرحه.\nكما قال في (شعيب بن يحيى التجيبي المصري): \" شيخ، ليس بالمعروف \" (٤). وذلك أنه ذكر أنه روى عن عبد الجبار بن عمر، وعنه عبد الرحمن بن عبد الحكم.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣٩).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦٠٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٥٠).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٥٣)، وعلل الحديث (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":501},{"text":"والصواب أنه مشهور كثير الحديث، حديثه معروف في أهل بلده، روى عن الليث بن سعد وابن لهيعة ويحيى بن أيوب، وروى عنه بكر بن سهل الدمياطي، وخرج له الطبراني في \" معجميه \" حديثًا كثيرًا عنه، وكذلك روى عنه الربيع بن سليمان، وزيد بن بشر ن وغيرهم، فأبو حاتم قال ذلك القول بحسب ما بلغه عن هذا الرجل.\nوقال أبو حاتم في (يحيى بن أبي زكريا أبي مروان الغساني): \" شيخ ليس بمشهور \" (١)، وله في البخاري في أربعة مواضع متابعات، وله غيرها، بل وقفت له على ثلاثة عشر حديثًا، نعم، بعضها لا يثبت، لكنها تدل على أن الرجل معروف، وروى عنه جماعة من الثقات.\nوقال في (عبد الرحمن بن الحارث السلامي): \" شيخ مجهول، لا أعلم روى عنه غير هشام، وأرى حديثه مقاربًا \" (٢)، مع أنه روى عنه أيضًا الحكم بن موسى، والرجل معروف عند أهل الشام، نعم كان قليل الرواية.\nلكن هذا إذا قارنت مقدار صواب أبي حاتم فيه بمقدار ما فاته منه، وجدت ما فاته منه قليلًا.\nوالذي تحرر لي في الجملة: أن مذهب أبي حاتم في وصف الراوي بالجهالة لا يخرج عما هو معروف من مسالك غيره من أهل العلم بالحديث.\nوعليك أن تعلم أنه ﵀، لم يراع التمييز بين جهالة الحال والعين، بل هذا الطريق لم يكن متميزًا في كلامهم يومئذ، ولذا فإنه قد يقول: (مجهول) في مجهول العين الذي لا يدري من هو، ولم يعرف ذكره إلا من رواية واحد عنه، وقد يكون ذلك الراوي عنه مجروحًا أو مجهولًا\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٤٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٢٥)، وهشام المذكور هو ابن عمار.","vol":"1","page":502},{"text":"مثله، ويقولها كذلك في مجهول الحال، وهو الذي عرف برواية أكثر من ثقة عنه، لكن لم يتبين ضبطه لقلة حديثه.\n\nالأصل السادس: طريقة ابن القطان الفاسي في تجهيل الرواة.\nعرف الإمام أبو الحسن علي بن محمد الفاسي، المعروف بابن القطان (المتوفى سنة: ٦٢٨) بتوسعة في تجهيل الرواة، خصوصًا في كتابه \" بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام \".\nوذلك التوسع منه غير محمود، ولذا رده عليه الإمامان المحققان: الذهبي، وابن حجر.\nقال ابن القطان في (حفص بن بغيل): \" لا تعرف حاله \" (١)، فتعقبه الذهبي بقوله: \" ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه عاصر ذاك الرجل أو أخذ عمن عاصره يدل على عدالته، وهذا شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خلق كثير مستورون ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل \" (٢).\nوقال ابن القطان في (مالك بن الخير الزبادي): \" هو ممن لم تثبت عدالته \" (٣)، فقال الذهبي: \" وفي رواة الصحيحين عددٌ كثير، ما علمنا أن أحدًا نصَّ على توثيقهم، والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما يُنكر عليه، أن حديثه صحيح \" (٤).\nوقال ابن حجر في ترجمة (محمد بن نجيح السندي): \" عده أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه فلا تغتر به، وقد أكثر\n_________\n(١) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (النص: ١٦٣٧).\n(٢) ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٦).\n(٣) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (النص: ١٤٥١).\n(٤) ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٦).","vol":"1","page":503},{"text":"من وصف جماعة من المشهورين بذاك، وسبقه إلى مثل ذلك أبو محمد بن حزم، ولو قالا: لا نعرفه، لكان أولى لهما \" (١).\nقلت: فهذه الطريقة تجعله مع ابن حزم في محل ترك الاعتداد بقولهما في تجهيل الرواة.\n\n* * *\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (٣/ ٧١٧).","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>المبحث الرابع:\n\nتحرير القول في الرواة المسكوت عنهم</span>\n\nعلمنا أن منهج أهل العلم بالحديث لتمييز أهلية الراوي أو عدمها فيما يرويه، هو اختبار حديثه، وهذه المنهجية كانت طريقهم لتعديل أو جرح أكثر الرواة.\nفحين ترى مثلًا الإمام علي بن المديني يقول في رجل روى عنه يحيى بن أبي كثير وزيد بن أسلم: \" مجهول \"، بينما قال في (خالد بن سمير) ولم يرو عنه غير الأسود بن شيبان: \" حسن الحديث \" (١)، فإنما قال \" مجهول \" في راو لم يتبين مما رواه منزلة حديثه، وحين تبين في الآخر ضبطه نعته بحسن حديثه.\nونحن نجد طائفة من الرواة ممن ذكروا في كتب تراجم الرواة، أو وقفنا على أسمائهم فيما رووه من الحديث، لم يؤثر عن نقاد المحدثين شيء في تعديلهم أو جرحهم، فهؤلاء يقول فيهم الواحد من المتأخرين مثلًا: (فلان ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا)، ومنهم من يجعل ذلك بمجرده سببًا لرد رواية ذلك الراوي، ومنهم من يعد سكوت الناقد عن أحدهم تعديلًا له، من جهة أنه لو وقف في أحدهم على الجرح لذكره.\n_________\n(١) انظر: شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":505},{"text":"وحيث إن محل ما يتعلق به المتأخرون في الغالب في الاعتداد بالسكوت عن الراوي الديوانان العظيمان في تاريخ الرواة: \" التاريخ الكبير \" للبخاري، و\" الجرح والتعديل \" لا بن أبي حاتم، فإليك تحرير القول فيهما، وخذ من ذلك أنموذجًا لغيرهما:\n\n\" التاريخ الكبير \" للبخاري:\nمن تأمل هذا الديوان وجد أن البخاري اجتهد في استقصاء أسماء من بلغه ممن روى العلم إلى زمانه، وهو كتاب مليء بالعلم، وما يتصل منه بموضوع الجرح والتعديل، يجب أن يؤخذ بالاعتبار في شأنه ما يلي:\nأولًا: لم ينص فيه على خطته، إنما تركها للناظر فيه.\nثانيًا: لم يلتزم فيه ذكر التعديل في الرواة، وإنما يرد ذلك أحيانًا قليلة جدًا.\nثالثًا: التزم أن يذكر الجرح في المجروحين، وذلك من جهة ما يحكيه من عبارات بعض الأئمة قبله، وتارة بعبارة نفسه، وتارة بنقد رواية ذلك الراوي فيستفاد من خلال ذلك النقد جرحه عند البخاري، ولا يلزم بأنه جرح عددًا يسيرًا جدًا من الرواة سكت عنهم في (التاريخ) وقدح فيهم في محل آخر، فالحكم للغالب الأعم.\nرابعًا: لم يجر على الجرح بالجهالة، إلا ما يمكن أن يدل عليه قوله في مواضع في الراوي: \" فيه نظر \"، فإن التتبع يدل على أن طائفة ممن قال فيهم البخاري ذلك هم في جملة المجهولين.\nوقد قال ابن عدي: \" مراد البخاري أن يذكر كل راو، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف، وإنما يريد كثرة الأسامي \" (١).\n_________\n(١) الكامل (٣/ ٢٦٧).","vol":"1","page":506},{"text":"وهذا المعنى ذكره ابن عدي فيما يزيد على ثلاثين موضعًا من \" الكامل \".\nوهو نص من إمام عارف ناقد، أن إدخال الراوي في \" التاريخ الكبير \" لا يعني بمجرده جرحًا ولا تعديلًا.\nلكن لكون البخاري قلما ترك بيان الجرح لمن هو مجروح، فلو قال قائل: من سكت عنهم البخاري فغير مجروحين عنده، وإنما هم عدول، واحتمل في القليل منهم أن لا يكونوا من المشهورين، فيلحقون بالمستورين، لكان هذا قولًا وجيهًا.\nنعم، لا يصح أن يطلق بتوثيق من سكت عنه البخاري بمجرد ذلك.\n\n\" الجرح والتعديل \" لابن أبي حاتم الرازي:\nفسر ابن أبي حاتم خطته في كتابه \" الجرح والتعديل \" وبين منهجه ولم يدعه للتخمين، فقال: \" ذكرنا أسامي كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليشتمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقوها بهم من بعد إن شاء الله \" (١).\nوينبغي أن يلاحظ من عبارة ابن أبي حاتم، أن من سكت عنهم لا يلحقون بالمجروحين ولا المجهولين ولا المعدلين، فإنه ضمن كتابه الحكم على الرواة بالأوصاف الثلاثة.\nومن قال: يجري أمرهم على التعديل تغليبًا للأصل؛ لعدم الجرح، ولعدم تنصيص العارفين على الجهالة، والأصل السلامة من القدح، فهذا من\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٨).","vol":"1","page":507},{"text":"جهة التأصيل قوي (١)، لكنه وإن مال بنا إلى اعتبار التعديل، فإنه لا ينهض بمجرده للحكم به في حق ذلك الراوي.\nغير أنه يمكن أن يستفاد من هذا: أن يعتبر لمجرد سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الراوي منزلة هي أرفع من الحكم بالجهالة، مائلة إلى الحكم بالتعديل، وهي منزلة (المستور) عند بعض الأئمة.\nوالذي يتحرر لنا في هذا الأصل في الجملة أن نقول في هذا النوع من الرواة، أنهم قسمان:\n\nالقسم الأول: الرواة المترجمون في كتب الجرح والتعديل، لكن لم يذكروا بجرح ولا تعديل.\nوهذا الصنف إذا اتبعنا فيهم النظر والتحري عند المتقدمين أمكن تمييز منازلهم في الرواية من حيث قبول حديثهم أو رده، وذلك باتباع الطرق التالية:\nالأولى: جمع مروياتهم.\nالثانية: تحري موضع الموافقة لحديث الثقات، والمخالفة له، أو التفرد دونهم.\nالثالثة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب كثرة من روى عنه.\n_________\n(١) وممن سلكه من المعاصرين العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة، ﵀، في بحث له نُشر في \" مجلة كليَّة أصول الدين \" الصادرة عن جامعة محمد بن سعود الإسلامية، العدد الثاني لعام ١٤٠٠ هـ، وذلك بعنوان: (سُكوت المتكلمين في الرجال عن الراوي الذي لم يُجرح ولم يأتِ بمتنٍ منكر يُعدُّ توثيقًا له)، وكتب الشيخ عداب الحمش رداَّ عليه في كتاب سماه (رواة الحديث الذي سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل)، وفي ردِّه فوائد، وأنا أوافقه على بعض نتائجه وأخالفه في أخرى، وربما أخذت عليه في نفسه فيه.","vol":"1","page":508},{"text":"الرابعة: اعتبار شهرته من عدمها بحسب ما ورد عنه من أخبار.\nفلو أخذت له مثالًا (عبد الله بن عوف الكناني)، فهو راو لم يوثقه غير ابن حبان، لكنه كان أحد عمال عمر بن عبد العزيز، فهذا تعديل له في شخصه دون روايته، لما عرف من صرامة عمر في الحق وعدله، فما كان ليولي فاسقًا، فبقيت عدالته في الرواية بحسب سلامته من التفرد بمنكر (١).\nالخامسة: وجود التصريح بالتعديل لشيخ له لم يعرف ذلك الشيخ إلا من طريق هذا الراوي.\nمثل: (مالك بن الخير الزبادي) رجل من أهل مصر، فزعم ابن القطان أنه لم تثبت عدالته (٢)، وتعقبه الذهبي في ذلك وقال فيه: \" محله الصدق \" (٣).\nقلت: وهذا الرجل تفرد بالرواية عن (مالك بن سعد التجيبي)، لم يرو عنه أحد سواه، وما عرف مخرج حديثه إلا من طريقه، وقد قال أبو زرعة الرازي في هذا التجيبي: \" مصري لا بأس به \" (٤)، وذكر يعقوب بن سفيان في \" ثقات التابعين من أهل مصر \" (٥)، كما ذكره ابن حبان في \" الثقات \" (٦)، فإذا صح أن يكون هذا ثقة، وجب أن يصح الطريق إليه، ولا يصح إلا بعد أن يكون رواته ثقات.\n_________\n(١) انظر تعليقي على كتاب \" تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليًا \" لأبي نُعيم (ص: ٤٧).\n(٢) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (رقم: ١٤٥١). وتقدم قريبًا في (المبحث السابق) التنبيه عليه.\n(٣) ميزان الاعتدال (٣/ ٤٢٦)، بل وجدت فيه فائدة عزيزة فاتت جميع من ترجم له، وهي قولُ ناقد أهل مصر أحمد بن صالح المصري فيه: \" ثقة \" (تاريخ أبي زُرعة ١/ ٤٤٢) زيادةً على توثيق ابنِ حبان، ولكن المقصود التمثيل بهذه الصورة في دَفع الجَهالة عن الراوي.\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٠٩).\n(٥) المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان (٢/ ٥٣٠).\n(٦) الثقات (٥/ ٣٨٥).","vol":"1","page":509},{"text":"والقسم الثاني: من وجدناه في الأسانيد، لكن لم نقف له على ترجمة.\nاعتنى الأئمة ومتأخروهم على التعيين بتتبع أسماء من تكلم فيه من الرواة على سبيل الاستيعاب، وما وقعت العناية بتتبع جميع الرواة، وإن حاولها بعضهم، وأوعب ما ألف في جمع من تكلم فيهم: \" ميزان الاعتدال \" للحافظ الذهبي، مع الزيادة عليه في \" لسان الميزان \" للحافظ ابن حجر العسقلاني، والذي أورد فيه تراجم من تكلم فيهم ممن لا ترجمة لهم في \" تهذيب الكمال \" للمزي.\nوقد ذكر ابن حجر في آخر كتاب \" اللسان \" فائدة حاصلها: أن من لم يترجم له في \" الميزان \" أو \" اللسان \" أو \" تهذيب التهذيب \" قال: \" فهو إما ثقة، أو مستور \" (١).\nقلت: وهذا أصل نافع في رواة كثيرين، إذا بحثت عن تراجم لهم لم تقف عليها، وهم معروفون بالنقل، فهذا طريق يعين على تنزيلهم ما يليق بهم، لكن بعد التحقق على نفس منهاج متقدمي النقاد، من اعتبار الشهرة بالحديث، ورواية ما هو معروف، إلى سائر ما تقدم بيانه في شرح منهجهم.\nوالعمل بهذا الطريق اقتداء بأئمة هذا الشأن ممن تعرضوا لبيان أحوال رواة لم يسبقوا إلى الكلام فيهم، كابن عدي والعقيلي وابن حبان والدارقطني والخطيب البغدادي.\nفهذا ابن عدي مثلًا، قد تتبع المجروحين إلى زمانه في كتابه الفذ: \" الكامل \"، حتى قال في مقدمته: \" لا يبقى من الرواة الذين لم أذكرهم إلا من هو ثقة أو صدوق، وإن كان ينسب إلى هوى وهو فيه متأول \" (٢).\n_________\n(١) لِسان الميزان (٧/ ٥٧١).\n(٢) الكامل (١/ ٧٩).","vol":"1","page":510},{"text":"ومنهجه في اتباع هذا الطريق واضح في كتابه، ومن عبارته في بعض الرواة:\nقوله في (سليمان بن أبي كريمة) بعد أن أذكر له جملة أحاديث: \" وله غير ما ذكرت، وليس بالكثير، وعامة حديثه مناكير، ويرويه عنه عمرو بن هاشم البيروتي، وعمرو ليس به بأس، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا، وقد تكلموا فيمن هو أمثل منه بكثير، ولم يتكلموا في سليمان هذا؛ لأنهم لم يخبروا حديثه \" (١).\nوقوله في (سعد بن سعيد سعدويه الجرجاني) وذكر له أحاديث: \" لسعد غير ما ذكرت من الحديث غرائب وأفراد غريبة تروى عنه، وكان رجلًا صالحًا، ولم تؤت أحاديثه التي لم يتابع عليها من تعمد منه فيها، أو ضعف في نفسه ورواياته، إلا لغفلة كانت تدخل عليه، وهكذا الصالحون، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا؛ لأنهم كانوا غافلين عنه، وهو من أهل بلدنا، ونحن أعرف به \" (٢).\nوهذا المنهج رأيت عمل الحافظ الذهبي قد جرى عليه في تعديل طائفة من الرواة، خصوصًا من طبقات من يأتي بعد طبقات رواة الأئمة الستة، وذلك بالنظر إلى شهرته، مع كون أمره على الستر والسلامة، وأنه لم يوقف فيما روى على شيء منكر.\n\nتنبيه وفائدة:\nقال الثقة عبد الله بن أحمد الدورقي: \" كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو عنده ثقة \" (٣).\n_________\n(١) الكامل (٤/ ٢٥٠).\n(٢) الكامل (٤/ ٣٩٨).\n(٣) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ٢١٨) وإسناده جيد.","vol":"1","page":511},{"text":"قلت: هذا يجب حمله على رجال جاءوا في معرض السؤال ليحيى، فلم يذكر فيهم جرحًا ولا تعديلًا، إذ من شأن يحيى أنه إذا سئل عن الراوي المجروح لم يسكت عنه، وإذا كان لا يعرفه أجاب بذلك، فحيث سكت عن جرحه وعن تجهيله، فهو عنده في جملة المقبولين الموثقين، والله أعلم.\n\n* * *","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>الفصل الخامس\n\nتعارض الجرح والتعديل</span>","vol":"1","page":513},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>تمهيد</span>\nجرح الرواة وتعديلهم قائم على اجتهاده النقاد، وكل ما رجع إلى الاجتهاد فهو مظنة للاختلاف، وذلك اختلاف جائز توجبه سنة التفاوت في العلم والفهم، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].\nقال المنذري: \" اختلاف هؤلاء كاختلاف الفقهاء، كل ذلك يقتضيه الاجتهاد، فإن الحاكم إذا شهد عنده بجرح شخص، اجتهد في أن ذلك القدر مؤثر أم لا، وكذلك المحدث إذا أراد الاحتجاج بحديث شخص ونقل إليه فيه جرح، اجتهد فيه هل هو مؤثر أم لا \" (١).\nقلت: نعم، ليس الاختلاف في هذا الباب واقعًا في جميع الرواة، بل منهم خلق كثير ثقات عدول متفق على قبولهم والاحتجاج بهم، كما فيهم مجروحون متفق على جرحهم، لا يحتج بهم، بل لا يعتبر بكثير منهم، وفيهم من هو مسكوت عن أمره، كما تقدم في (الفصل الرابع)، وفيهم المختلف فيه.\nوالشأن ابتداء وجوب اعتبار إعمال النصين أو النصوص التي ظاهرها التعارض بالاجتهاد في التوفيق بينهما دون تكلف، وذلك قبل المصير إلى الترجيح الموجب ترك العمل بأحد النصين، فإن تعذر الجمع بين النصوص المختلفة وجب المصير إلى العمل بالراجح، وإن كان ذلك لا يقع إلا\n_________\n(١) جوابُ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل (ص: ٨٣).","vol":"1","page":515},{"text":"بالاجتهاد؛ لأن تمييز المقبول من المردود فيما يضاف إلى صاحب الشريعة واجب.\nواعلم أن تعارض الجرح والتعديل يقع في الأصل بين قول ناقد وناقد غيره لكنه أيضًا ربما يقع في النقل عن الناقد نفسه، فيأتي عنه التعديل والجرح جميعًا، وبالنظر إلى ذلك فهاتان صورتان:\n\nالصورة الأولى: تعارض الرواية في الجرح والتعديل عن الناقد المعين.\nومن أكثر من نقل عنه مثل هذا من الأئمة يحيى بن معين، فإنه كثيرًا ما تختلف الرواية عنه.\nكقوله في (الحسن بن يحيى الخشني): \" ثقة \" في رواية ابن أبي مريم عنه، و\" ليس بشيء \" في رواية الدوري عنه (١).\nوقوله في (قَزعة بن سُويد): \" ثقة \" في رواية الدارمي عنه، و\" ضعيف \" في رواية الدوري عنه، و\" ضعيف الحديث \" في رواية أحمد بن أبي يحيى المجروح عنه (٢).\nقال الذهبي في سبب اختلاف النقل عن يحيى بن معين: \" سأله عن الرجال عباس الدوري، وعثمان الدارمي، وأبو حاتم، وطائفة، وأجاب كل واحد منهم بحسب اجتهاده، ومن ثم اختلف آراؤه وعبارته في بعض الرجال، كما اختلفت اجتهادات الفقهاء المجتهدين، وصارت لهم في المسألة أقوال \" (٣).\nوقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: \" قد يخطر على قلب المسؤول عن الرجل من حاله في الحديث وقتًا ما ينكره قلبه، فيخرج جوابه على حسب\n_________\n(١) الكامل (٣/ ١٦٨).\n(٢) الكامل (٧/ ١٧٦).\n(٣) ذكر من يُعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص: ١٧٢).","vol":"1","page":516},{"text":"النكرة التي في قلبه، ويخطر له ما يخالفه في وقت آخر، فيجيب على ما يعرفه في الوقت منه ويذكره، وليس ذلك تناقضًا ولا إحالة، ولكنه قول صدر عن حالين مختلفين، يعرض أحدهما في وقت والآخر في غيره \" (١).\n\nوالصورة الثانية: تعارض الجرح والتعديل الصادرين من ناقدين أو أكثر.\nوهذا هو الأكثر في هذا الباب، وهو أشق مسائله وأصعبها.\n\n* * *\n_________\n(١) حكاه المنذري في \" جوابه عن أسئلة في الجرح والتعديل \" (ص: ٨٩).","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>المبحث الأول:\n\nمقدمات ضرورية لتحقيق القول\nفي الراوي المختلف فيه</span>\n\nتحرير القول في الراوي المختلف فيه جرحًا وتعديلًا يحتاج إلى اعتبار تنبيهات وضوابط، لا بد من مراعاتها؛ للمصير إلى ما هو الألصق بالعدل الذي أوجب الله ﷿ في حق نقلة العلم، ولئلا ينسب إلى الدين برواية من ليس بأهل ما ليس منه، أو ينفي عنه بالقدح على الثقة ما هو منه.\nوتحرير تلك التنبيهات والضوابط في المقدمات التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>المقدمة الأولى: أهلية الناقد لقبول قوله</span>\n\nوالمقصود: أهليته للكلام في النقلة على ما تقدم بيانه في صفة الناقد.\nقال يعقوب بن سفيان: سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف، قال: \" إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة \" (١).\nقال الخطيب: \" فاحتج أحمد بن يونس على أن عبد الله العمري ثقة بما ليس حجة؛ لأن حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل والمجروح \" (٢).\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٦٥) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٦٥).\n(٢) الكفاية (ص: ١٦٥).","vol":"1","page":518},{"text":"وقال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن شداد بن سعيد الراسبي؟ فقال: \" ثقة \"، قلت ليحيى: إن ابن عرعرة (١) يزعم أنه ضعيف، فغضب، وقال: \" هو ثقة \"، وتكلم يحيى بكلام وأبو خيثمة يسمع، فقال أبو خيثمة: \" شداد بن سعيد ثقة \"، ثم قال لي يحيى: \" يزعم ابن عرعرة أن سلم بن زرير ثقة \" (٢)، قلت: كذلك يقول، قال: \" هو ضعيف ضعيف \" (٣).\nوكذلك قال ابن الجنيد: قال رجل ليحيى بن معين وأنا أسمع: زعم إبراهيم بن عرعرة أن محمد بن ذكوان والحسين بن ذكوان، ليسا بشيء، فغضب يحيى، وقال: \" أما الحسين بن ذكوان فحدثني عنه يحيى بن سعيد وعبد الله بن المبارك، ولكن كان قدريًا، وأما محمد بن ذكوان فليس به بأس، أي شيء كان عنده؟ روى عنه حماد بن زيد وعبد الوارث وعبد الصمد، لا بأس به، قل لا بن عرعرة: اذهب ازرع \" (٤).\nوالخطأ هنا في جرح ابن عرعرة لثة وتعديله لمجروح أنه وإن كان ثقة معتنيًا بالحديث، إلا أن ابن معين لم يراه من أهل الصنعة، فإنه سئل عنه فقال: \" ثقة، معروف بالحديث، كان يحيى بن سعيد يكرمه، مشهور بالطلب، كيس الكتاب، ولكنه يفسد نفسه؛ يدخل في كل شيء \" (٥).\nونقل أبو حاتم الرازي عن هشام بن يوسف الصنعاني قوله في (عبد الله بن معاذ بن نشيط صاحب معمر): \" هو صدوق، وكان عبد الرزاق يكذبه \" ثم قال أبو حاتم: \" أقول: هو أوثق من عبد الرزاق \" (٦).\n_________\n(١) هوَ الثقة إبراهيم بن محمد بن عرْعرة بن البِرنْد السامي.\n(٢) كانَ في الأصل: (سالم بن رَزين)، والتصويب من \" تهذيب الكمال \" للمزي (١٢/ ٣٩٦).\n(٣) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٧٠٦). وأبو خيْثمة هوَ الحافظ زُهير بن حرْبٍ.\n(٤) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٦٤٥).\n(٥) تاريخ بغداد، للخطيب (٦/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(٦) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٧٣).","vol":"1","page":519},{"text":"قلت: وهذا لكون عبد الرزاق لم يكن ممن له شأن في الكلام في النقلة، فحين تكلم أخطأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>المقدمة الثانية: التحقق من ثبوت الجرح أو التعديل عن الناقد المعين</span>\n\nوهذا الشرط مقدمة سابقة للنظر في صيغة النقد وأثرها في الراوي.\nوالمقصود أن تحاكم النصوص المنقولة عن علماء الجرح والتعديل في نقد الرواة بنفس قوانين علم الحديث، فلا يفرع إلى على صيغة ثبت إسنادها إلى قائلها.\nفهناك روايات عديدة ذكرت عن بعض الأئمة لا توجد عنهم من طريق مسند، أو وجدت ولكن أسانيدها لم تثبت.\nمثالها: (تاريخ) رواه أحمد بن أبي يحيى أبو بكر الأنماطي البغدادي عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، اعتمده ابن عدي في \" كامله \" في مواضع كثيرة، وهو غير ثابت عنهما، وذلك أن ابن أبي يحيى هذا قال فيه الحافظ الثقة إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: \" كذاب \" (١).\nومما يشبه هذه القاعدة: أن لا يقبل ما يحكى عن الراوي مما يكون سببًا للقدح فيه إلا بالرواية الثابتة عنه.\nفمثل ما أورده جماعة في القدح في (أبي صالح باذام) من طريق سفيان الثوري، قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: \" كل شيء حدثتك فهو كذب \" (٢)، فهذا مما لا يجوز الاعتماد عليه، فإن الكلبي\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (١/ ٣٢١) بإسناد صَحيح، وقال ابنُ عدي مُؤكِّدًا ما نقله عن ابن أورْمَة: \" ولأبي بكر بن أبي يحيى هذا غيرُ حديثٍ منكرٍ عن الثقات \".\n(٢) أخرجه البُخاري في \" التاريخ الكبير \" (١/ ١ / ١٠١) و\" الأوسط \" (٢/ ٤٠) و\" الضعفاء الصغير \" (رقم: ٣٢٢) والجَوْزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٦٣) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٦٦) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (٢/ ٢٥٥) وابنُ عدي في \" الكامل \" (٢/ ٢٥٥، و٧/ ٢٧٤) وإسناده إلى سُفيان صحيح.","vol":"1","page":520},{"text":"هو محمد بن السائب، رأس في الكذب، فكيف يصدق على أبي صالح؟\nوهكذا كان الناقد البارع يعتبر هذا الطريق في تثبيت الجرح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>المقدمة الثالثة: منع قبول صيغة الجرح أو التعديل التي لا تنسب إلى ناقد معين</span>\nوهذا كقولهم في الراوي: (تكلموا فيه)، و: (يتكلمون فيه)، كما يقع في كلام البخاري وأبي حاتم الرازي وأبي الفتح الأزدي وغيرهم، و: (فيه مقال) كما يكثر عند المتأخرين، وما يشبهها من الألفاظ التي لا تعزى إلى ناقد معين.\nولا اعتبار بأن يكون حاكيها من النقاد المعروفين، فإنه لم ينشئها من جهته، إلا أن يضيف إليها من عبارته ما يبينها، كما تراه في عدد من قيلت فيه.\nزد على ذلك أنها من قبيل الجرح المجمل أيضًا.\nلكنها تدل على شبهة الجرح، فيبحث عن تفسيرها، فإن عدم عدم أثرها.\n_________\n(١) الكامل (٣/ ٥١٧) والكُديمي هِيَ نسْبةُ مُحمد بن يونُس راويه عن ابنِ المديني.","vol":"1","page":521},{"text":"وفي التعديل مما يكثر وقوعه عند المتأخرين، كالذهبي والهيثمي: (وثق) و(موثق) فهذه عبارة يجب البحث عن قائلها المجهول الذي بنيت له، وفي الغالب يكون مرادهم ابن حبان، فكأنهم لضعف الاعتماد على ما يتفرد به من التعديل يبنون العبارة للمجهول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>المقدمة الرابعة: مراعاة ميول الناقد المذهبية في القدح في النقلة</span>\n\nالجرح والتعديل جميعًا يتأثران بهذا، فيعدل من ليس بأهل، وهو الأقل ورودًا في كلامهم، ويجرح من هو عدل، ووقع من طائفة بسبب المخالفة في العقائد والمسالك، كما قدمت التمثيل له بجرح الجوزجاني لأهل الكوفة بسب فشو التشيع فيه، والدولابي لمخالفي الحنفية، وكما وقع من طائفة من أهل الحديث في أهل الرأي من أهل الكوفة وغيرهم.\nقال ابن حجر: \" وممن ينبغي أن يتوقف في قبوله قوله في الجرح: من كان بينه وبين من جرحه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب، وذلك؛ لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة، وعبارة طلقة، حتى أنه أخذ يلين مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه، فوثق رجلًا ضعفه؛ قبل التوثيق.\nويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نسب إلى الرفض، في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد \" (١).\nومن أمثلة ذلك في النقلة ما جاء في ترجمة (أحمد بن الفرات أبي مسعود الرازي) وكان من الثقات الحفاظ المتقنين، من المعروفين بالسنة،\n_________\n(١) لسان الميزان (١/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":522},{"text":"قال ابن عدي: سمعت أحمد بن محمد بن سعيد يقول: سمعت ابن خراش يحلف بالله: \" إن أبا مسعود أحمد بن الفرات يكذب متعمدًا \".\nفتعقبه ابن عدي فقال: \" وهذا الذي قاله ابن خراش لأبي مسعود هو تحامل، ولا أعرف لأبي مسعود رواية منكرة، وهو من أهل الصدق والحفظ \" (١).\nوعاب الذهبي على ابن عدي إيراده في \" كتابه \"، فقال: \" ذكره ابن عدي فأساء، فإنه ما أبدى شيئًا غير أن ابن عقدة روى عن ابن خراش، وفيهما رفض وبدعة \" وذكر النص السابق.\nوأقول: لا عيب على ابن عدي، فإنه يذكر في كتابه من تكلم فيه، فإن كان بباطل رده، وهكذا فعل هنا.\nوقال الذهبي في \" السير \" (٢): \" من ذا الذي يصدق ابن خراش ذاك الرافضي في قوله؟! \".\nقلت: ومما نرد قول ابن خراش إلا لأجل المذهب، وأبو مسعود قد استقرت ثقته وثبت إتقانه، وشاع علمه.\nومن قبيح ما سودت به صحف كثيرة ما وقع من نقمة جماعة من أهل الحديث على أبي حنيفة وأصحابه، بسبب المذهب.\nكما قال يحيى بن معين: \" أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه \" فقيل له: أكان أبو حنيفة يكذب؟ فقال: \" كان أنبل من ذلك \" (٣).\nقلت: وتلك الطعون التي سودت بها صحف كثيرة لا تعود في التحقيق إلا إلى التحامل بسبب خلاف المذهب كمن أطلق أن أبا حنيفة\n_________\n(١) الكامل (١/ ٣١٢).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٨٧).\n(٣) أخرجه ابنُ عبد البر في \" بيان العلم \" (رقم: ٢١٠٦) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":523},{"text":"كان يبيح المسكر، وهو إنما أباح باجتهاده النبيذ الذي لم يستثن من حفاظ وأئمة الكوفيين من موافقته فيه إلا الفرد بعد الفرد، إلى أشياء أخرى طعن فيها على أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد بن الحسن، كانت بسبب مخالفة الطاعن لأبي حنيفة في مذهبه، وأنه كان يدع الحديث بالرأي، وهذا لو صح فمعروف أن الفقيه قد يدع العمل بالحديث لأسباب صحيحة معتبرة، ولم يسلم من ذلك فقيه من فقهاء الأمة الكبار المتبوعين.\nفهذا مالك بن أنس، وقد أجمعوا على ثقته، ومع ذلك فقد ترك القول بأحاديث هي عنده صحيحة، لمعارضات معتبرة لديه، وهذا ابن عبد البر المالكي يورد عن الليث بن سعد قوله: \" أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة، كلها مخالفة لسنة رسول الله صلى عليه وسلم مما قال فيها برأيه، ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك \" (١).\nوللشافعي في الرد على مالك، كما له في الرد على محمد بن الحسن والأوزاعي، وكثير مما يعود إليه ذلك: القول بالحديث أو تركه.\nفمثل هذا لا يجوز التعلق به من أقوال المجرحين، في حق من عرف مقامه في الدين.\nكما يجب أن يتفقد من عبارة الجارح في كل مخالف له في مذهبه، إذ هو بشر يعتريه من حال البشر، ويتكلم في الغضب والرضى، والعدل مجاهدة، وكم من جرح يمكن تخريجه على مثل هذا؟\nوأما الميل إلى التعديل، فكتوثيق ابن عقدة الحافظ الشيعي لبعض من على مذهبه من المجروحين، وهو قليل.\nوقال يحيى بن معين: \" كان أبو نعيم (٢) إذا ذكر إنسانًا فقال: هو\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضْله (رقم: ٢١٠٥) تعليقًا.\n(٢) يعني الفَضل بَن دُكين، وهوَ من حُفاظ الكوفة ومُتقنيهم.","vol":"1","page":524},{"text":"جيد وأثنى عليه، فهو شيعي، وإذا قال: فلان كان مرجئًا، فاعلم أنه صاحب سنة لا بأس به \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>المقدمة الخامسة: اعتبار بشرية الناقد في تأثيرها في إطلاق الجرح أو التعديل</span>\nالناقد يعتريه ما يعتري البشر من الغفلة أو الغضب، فيقول القول لا يعني به شيئًا يتصل بهذا العلم، وإنما أوقعه فيه بعض هذه العوارض، فهذا إن كان لفظ جرح أو تعديل، فإنه لا يجوز أن يكون له أثر على الراوي الموصوف بذلك.\nفمن مثال ما قد يرد على الناقد من التوهم:\nما حكاه حماد بن حفص (٢) (وكان ثقة)، قال شهدت يحيى بن سعيد (يعني القطان) وجاء إليه شيخ من أهل البصرة، فتذاكرا الحديث، فقال الشيخ ليحيى: حدثنا ابن أبي رواد بكذا وكذا، فقال يحيى: \" عرف عليه كذاب \"، فقال: فلما كان بعد ساعة قال: \" الأب حدثك أو الابن؟ \" فقال: بل الأب، فقال: \" الأب لا بأس به، إنما ظننت أنك تعني الابن \" (٣).\nومما يخرج على صدوره بسبب الغضب مثلًا: ما جاء من تكذيب أبي داود السجستاني لابنه أبي بكر، إن صح عنه، فإن أبا بكر حين مات أبوه كان شابًا، وصار إمامًا بعد وفاة أبيه، وقد عاش بعده إحدى وأربعين سنة، عرفه فيها تلامذته الحفاظ كأبي حسن الدارقطني بالحفظ والثقة.\nومن هذا (جرح الأقران)، ككلام مالك بن أنس في محمد بن إسحاق، وكلام ابن إسحاق فيه.\n_________\n(١) سؤالان ابن الجُنيد (النص: ٧٩٧).\n(٢) هوَ مُحمد بنُ حفصٍ القطان البصري، و(حماد) لقبٌ، يُستدرك على \" نُزهة الألباب \" لابن حجر.\n(٣) أخرجه يعقوب بنُ سفيان في \" المعرفة \" (١/ ٧٠٠) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":525},{"text":"وقال علي بن المديني في (سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف): \" كان أصحابنا يرمونه بالقدر، وكان عندنا ثقة ثبتًا، وكان مالك بن أنس يتكلم فيه، وكان لا يروي عنه مالك شيئًا، وكان سعد قد طعن على مالك في نسبه \" (١).\nواعلم أنه ليس المراد بالتنبيه على هذه الصورة إلغاء كلام القرين في قرينه مطلقًا، بل إن أدق صور النقد للنقلة هي النقد للمعاصر، ومنه نقد الأقران، وذلك لكون الناقد قد اطلع على حال من عدله أو جرحه وخبر أمره، فهو أقوى من جرحه أو تعديله لمن لم يدركه.\nوإنما المراد هنا البحث عن سبب الجرح عند معارضة التعديل، فإن أعاد الناقد الجرح إلى علة مدركة في شأن من جرح، واستدل لذلك وبينه، فقوله معتبر، ولا أثر للاقتران، إلا أن يثبت وجود خصومة أو خلاف بينه وبين من جرحه، فهذا مما يوجب الاحتياط، والأصل: ترك قوله فيه، على أنك لو بحثت عن حال هذا الصنف وجدت الطعون فيهم من مخالفيهم تأتي من قبيل الجرح المجمل الذي يطرح في مقابلة التعديل المعتبر؛ لمجرد إجماله.\nقال ابن عبد البر: \" والصحيح في هذا الباب: أن من صحت عدالته، وثبتت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته، لم يلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادات، والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله، لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله، فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته؛ فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.\nوالدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين\n_________\n(١) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩١).","vol":"1","page":526},{"text":"إمامًا في الدين قول أحد من الطاعنين: أن السلف، ﵃، قد سبق من بعضهم في بعض كلام، كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد ...، ومنه على جهة التأويل، مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلًا واجتهادًا، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان وحجة توجبه \" (١).\nوهل يؤثر تعديل الأقران أيضًا على اعتبار أن المعدل قد يميل لشخص لموافقة في الرأي والمذهب مثلًا، فيثني عليه ويعدله؟\nالواقع العملي لا يكاد يثبت وجود أثر لمثل ذلك، بل الأمثلة لا تكاد تحصى في تعديل المخالف وجرح الموافق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المقدمة السادسة: وجوب اعتبار مرتبة الناقد مقارنة بمخالفة</span>.\n\nوذلك بأربع اعتبارات:\nالاعتبار الأول: قلة الكلام في النقلة وكثرته.\nوهو قدر اعتناء الإمام الناقد بتعديل الرواة وتجريحهم، فإن من أثر عنه تتبع ذلك والاعتناء به، لا يوضع في درجة واحدة مع من لم يؤثر عنه من البيان لذلك إلا اليسير، وبهذا الاعتبار قسمهم الذهبي إلى ثلاثة أقسام:\n١ - من تكلموا في أكثر الرواة، كيحيى بن معين، وأبي حاتم الرازي.\n٢ - من تكلموا في كثير من الرواة، كمالك بن أنس، وشعبة.\n٣ - من تكلموا في الرجل بعد الرجل، كسفيان بن عيينة، والشافعي (٢).\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (٢/ ١٠٩٣ - ١٠٩٤)، وقد عقد لهذه المسألة في هذا الكتاب بابًا مُفيد، فُليراجع.\n(٢) ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: ١٥٨).","vol":"1","page":527},{"text":"الاعتبار الثاني: التشدد والاعتدال والتساهل.\nوقسم الذهبي الناقد باعتبار هذا المعنى إلى ثلاثة أقسام، فقال:\n\" قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، فهذا إذا وثق شخصًا، فعض على قوله بناجذيك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلًا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرًا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلًا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب.\nوابن معين، وأبو حاتم، والجوزجاني، متعنتون.\nوقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، متساهلون.\nوقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي، معتدلون منصفون \" (١).\nقلت: هذا الذي مثل به الذهبي من ذكر هؤلاء الأعيان صحيح في الجملة بالنظر إلى ما وقع من كلامهم، في النقلة، لكنك تحتاج إلى مراعاته عند اختلاف الجرح والتعديل، لا مطلقًا، فإن أقوال هؤلاء جميعًا الأصل فيها الإعمال والاعتبار، والذهبي نفسه اعتمد على جرحهم وتعديلهم في كتبه.\nوإلا فمن ذا يجافي كلام العارفين بنقلة الحديث، من أمثال يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين والنسائي، مع ما عرف عنهم من التشديد؟!\n_________\n(١) ذكر من يُعتمد قولُه في الجرْح والتعديل (ص: ١٥٨ - ١٥٩).","vol":"1","page":528},{"text":"فالقطان كان قل من يرضى من الرواة، كما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد عن محمد بن عمرو بن علقمة: كيف هو؟ قال: \" تريد العفو أو تشدد؟ \"، قلت: بل أشدد، قال: \" فليس هو ممن تريد، كان يقول: حدثنا أشياخنا أبو سلمة ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب (١)، قال يحيى: \" وسألت مالكًا عنه؟ فقال فيه نحوًا مما قلت لك \" (٢).\nوابن معين كانت تحمله الغيرة على حديث النبي ﷺ، حتى يقول من العبارة ما يتحصل المقصود بدونه، ككلامه في سويد بن سعيد وعلي بن عاصم.\nوقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: \" يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم \" (٣).\nولكن الشأن فيما إذا تعارض قول أحدهم مع قول ناقد سواه، فنلاحظ ما يحتمل وروده بسبب ما عرف عنهم من الشدة، كما نلاحظ من آخرين ما يمكن أن يكون في تعديلهم، بسبب ما ذكروا به من التساهل، كابن حبان.\nالاعتبار الثالث: النظر والإنشاء، للمتقدمين، والتحرير والترجيح، للمتأخرين.\nوالمقصود أن لا تقيم التعارض مثلًا بين جرح أبي حاتم الرازي وتوثيق الذهبي، من أجل أن أبا حاتم إنما جرح بمقتضى بحثه ودرايته بحال الراوي واختبار حديثه، والذهبي وثق ترجيحًا لقول من خالف أبا حاتم من النقاد، باتباع قوانين الترجيح التي نحن في صدد بيانها.\n_________\n(١) يعني كانَ يجمع الشيوخ.\n(٢) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٧/ ٤٥٦) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ١٠٨) وإسناده صحيح، وهو في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣١) باختصار.\n(٣) شروط الأئمة الستة، لابن طاهر (ص: ١٠٤).","vol":"1","page":529},{"text":"وإنما يقوم التعارض بين كلام المنشئين.\nالاعتبار الرابع: الناقد العارف في جرح وتعديل أهل بلده.\nوهذا وجدنا له الأثر في أن الناقد إذا عدل أو جرح بلديه كان أصح مذهبًا فيهم من الغرباء، ولا يستغرب ذلك، فكونه من أهل داره يوجب مزيد اطلاع.\nقال حماد بن زيد: \" بلدي الرجل أعرف بالرجل \" (١).\nقال أبو بكر المروذي: سألت (أحمد بن حنبل) عن قطن الذي روى عنه مغيرة؟ فقال: \" لا أعرفه إلا بما روى عنه مغيرة \"، قلت: إن جريرًا ذكره بذكر سوء، قال: \" لا أدري، جرير أعرف به وببلده \" (٢).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، ما تقول في سعيد بن بشير؟ قال: \" أنتم أعلم به \" (٣).\nوقال ابن عدي في (شقيق الضبي): \" كان من قصاص أهل الكوفة، والغالب عليه القصص، ولا أعرف له أحاديث مسندة كما لغيره، وهو مذموم عند أهل بلده، وهم أعرف به \" (٤).\nوكان محمد بن عبد الله بن نمير من نقاد الكوفيين، قال علي بن الحسين بن الجنيد: كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان في شيوخ الكوفيين: \" ما يقول ابن نمير فيهم؟ \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٧٥) بإسناد جيد.\n(٢) العلل، رواية المروذي (النص: ٩٨)، وجريرٌ هوَ ابنُ عبد الحميد.\n(٣) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٥٤٠)، وإنما قال أحمد ذلك لأن سعيدًا هذا دمشقي.\n(٤) الكامل (٥/ ٧١).\n(٥) أخرجه ابنُ أبي حاتمٍ في \" التقدمة \" (ص: ٣٢٠) عن ابنِ الجنيد.","vol":"1","page":530},{"text":"وقال ابن عدي في (محمد بن عوف الحمصي): \" هو عالم بأحاديث الشام، صحيحها وضعيفها \" (١).\nقلت: ومن أمثلته في النقاد: أبو مسهر في الشاميين، ومحمد بن عوف في الحمصيين، وأحمد بن صالح، وابن يونس في المصرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>المقدمة السابعة: ملاحظة مذهب الناقد فيما يراه جرحًا، ومذهبه فيه مرجوح</span>\n\nوهذا لا يضبطه إلا ما سيأتي ذكره في المبحث التالي من اشترط تفسير سبب الجرح، وإنما المراد هنا أن تتفطن إلى أن الناقد المعتد به في الجملة قد يقدح بما ليس بقادح في التحقيق.\nومثال ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد عن حديث ابن جريج عن عطاء الخراساني؟ فقال: \" ضعيف \"، قال: قلت ليحيى: إنه يقول: (أخبرني)، قال: \" لا شيء، كله ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه \" (٢).\nقلت: فضعفه لأنه يرى ضعف التحمل بهذا الطريق، وهو مذهب مرجوح كما بينته في (طرق التحمل).\nومن هذا ما حدث به أبو داود الطيالسي، قال: سمعت شعبة يقول: \" جرير بن حازم وحماد بن زيد أتياني يسألاني أن أسكت عن الحسن بن عمارة، ولا والله، لا سكت عنه، ثم لا والله، لا سكت عنه، هذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، قالا: إذا وضعت زكاتك في صنف من الأصناف جاز. وأنا والله سألت الحكم عن ذلك؟ فقال: إذا وضعت في\n_________\n(١) الكامل (١/ ٢٣١).\n(٢) أخبار المكيين من \" تاريخ ابن أبي خيثمة \" (ص: ٣٦٦).","vol":"1","page":531},{"text":"صنف من الأصناف أجزأك، فقلت: عمن؟ فقال: عن إبراهيم النخعي. وهذا الحسن بن عمارة يحدث عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي، أن النبي ﷺ صلى على قتلى أحد وغسلهم. وأنا سألت الحكم عن ذلك عن ذلك فقال: يصلي عليهم ولا يغسلون، قلت: عمن؟ قال: بلغني عن الحسن البصري \" (١).\nوفي رواية قال أبو داود: قال شعبة: \" ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة؛ فإنه يكذب \"، قلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: \" روى عن الحكم أشياء لم نجد لها أصلًا \"، ثم ذكر شيئًا من ذلك ببعض الاختلاف (٢).\nقال القاضي الرامهرمزي: \" وليس يستدل على تكذيب الحسن بن عمارة من الطريق الذي استدل به أبو بسطام؛ لأنه استفتى الحكم في المسألتين، فأفتاه الحكم بما عنده، وهو أحد فقهاء الكوفة زمن حماد، فلما قال له أبو بسطام: عمن، أمكن أن يكون يظن أنه يقول: من الذي يقوله من فقهاء الأمصار؟ فقال في إحداهما: هو قول إبراهيم، وفي الأخرى: هو قول الحسن، هذا مقام الحجة وليس يلزم المفتي أن يفتي بجميع ما روى، ولا يلزمه أيضًا أن يترك رواية ما لا يفتي به، وعلى هذا مذاهب جميع فقهاء الأمصار: هذا مالك يرى العمل بخلاف كثير مما يروي، والزهري عن سالم عن أبيه أثبت وأقوى عند علماء أهل الحديث من الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وقد خالف مالك هذه الرواية في رفع\n_________\n(١) أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (رقم: ٢٢٤) وإسناده صحيح، ورجَّح الرامهرمزي هذا السياق من أجْل سِياق الرواية التالية في تفسير شُعبة لروايات الحسن.\n(٢) أخرجه مسلمٌ في \" مقدمة الصحيح \" (١/ ٢٣ - ٢٤) والرامهرمزي (رقم: ٢٢٣) والبيهقي في \" الكبرى \" (٤/ ١٣) والخطيب في \" تاريخه \" (٧/ ٣٤٧) بإسنادٍ صحيح.","vol":"1","page":532},{"text":"اليدين بعد أن حدث به عن الزهري. وهذا أبو حنيفة يروي حديث فاطمة بنت أبي حبيش في المستحاضة ويقول بخلافه (١).\nوقد يمكن أن يحدث الحكم ابن عمارة من كتابه بما لا يحفظه، والعمل عنده بخلافه، ويسأله شعبة فيجيب على ما يحفظ، والعمل عليه عنده.\nوالإنصاف أولى بأهل العلم، وكان أبو بسطام سيىء الرأي في الحسن، والله يغفر لهما \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>المقدمة الثامنة: التحقق من آخر قولي أو أقوال الناقد في الراوي، إن كان قد اختلف عليه</span>\n\nوهذا كالذي نبهت عليه في صدر هذا الفصل من اختلاف النقل جرحًا وتعديلًا عن الناقد المعين، كالذي مثلت به عن يحيى بن معين.\nوالمقصود أن الناقد قد يعدل الراوي، ثم يبدو له من أمره ما يوجب جرحه فيصير إليه، كما سأل أبو بكر أبو المروذي أحمد بن حنبل عن (الحكم بن عطية البصري) قال: كيف هو؟ قال: \" كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير \" وكأنه ضعفه (٣).\nوكما في قول يحيى بن معين في (ثواب بن عتبة المهري)، ففي رواية الدوري عنه: \" ثقة \" (٤)، وكذلك نقل إسحاق بن منصور عن يحيى (٥)، وهذا ما كان قد صار إليه في شأنه، ومن الدليل عليه قول ابن حاتم:\n_________\n(١) خرَّجه الرامهرمزي (رقم: ٢٣٠) من طريقه، مع رأيه في ترك العَمل به.\n(٢) المحدث الفاصل (ص: ٣٢٢ - ٣٢٣).\n(٣) العلل، رواية المرُّوذي (النص: ١٦٥).\n(٤) تاريخه (النص: ٣٥٦٥).\n(٥) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٧١).","vol":"1","page":533},{"text":"\" سمعت أبي وأبا زرعة ورأيا في كتاب رواه عباس الدوري عن يحيى بن معين أنه قال: ثواب بن عتبة ثقة، فأنكرا جميعًا ذلك \" (١).\nيظهر لي أنهما أنكرا ما في الكتاب من توثيق يحيى، لعلمهما أن الدوري إنما سمع من يحيى تضعيفه، كما يدل عليه قول الدوري في موضع آخر من \" التاريخ \": \" سمعت يحيى يقول: ثواب بن عقبة شيخ صدق \"، قال الدوري: \" فإن كنت كتبت عن أبي زكريا فيه شيئًا أنه ضعيف،، فقد رجع أبو زكريا، وهذا هو القول الأخير من قوله \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>المقدمة التاسعة: مراعاة دلالة ألفاظ الجرح والتعديل</span>\n\nإذ منها اللفظ المجمل الذي لا يتبين وجهه فيبحث عن تفسيره في كلام قائله، أو كلام غيره، أو بتأمل حال الراوي وحديثه، ومنها اللفظ الذي هو ظاهر الإفادة للجرح، ومعناه فيه بين، ومنها اللفظ يتردد في وضوح دلالته بنفسه.\nوقد تتبعت في الفصل التالي مشهور تلك الألفاظ وأكثرها استعمالًا، وبينت نكتًا تتصل بمعناها، توقف على ما يحتاج إليه لاستعمال هذه المقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>المقدمة العاشرة: التحقق من كون العبارة المعينة قيلت من قبل الناقد في ذلك الشخص المعين</span>\n\nحكاية ألفاظ علماء الجرح والتعديل من قبل رواتها والناقلين لها عنهم قد يداخلها الوهم، فيكون الناقد قال تلك العبارة في راو، فيذكرها من أخذها عنه في راو آخر، ربما شابهه في اسمه أو نسبه، أو انتقل البصر من ترجمة إلى أخرى.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٤٧١).\n(٢) تاريخه (النص: ٤٣٣٣).","vol":"1","page":534},{"text":"مثل ما نقله العقيلي وابن عدي عن البخاري قال: \" زيد أبو عمر عن أنس، سكتوا عنه \" (١)، وأسند العقيلي لزيد هذا حديثًا عن أنس في ذكر الجهنميين، وقال بعده: \" روي هذا المتن بغير هذا الإسناد بأسانيد جياد \".\nواعتمد ابن الجوزي على ما نقله العقيلي أو ابن عدي البخاري، فذكر الرجل في \" الضعفاء \" (٢)، وكذا الذهبي، مع إقراره بكون المتن الذي رواه زيد محفوظًا (٣)، وبعده ابن حجر، ولم يتعقب بشيء إلا بذكر ابن حبان للرجل في \" الثقات \" (٤).\nوجميع هذا وهم، فإن البخاري لم يقل العبارة المذكورة في (زيد أبي عمر)، إنما قالها في الراوي الذي تلاه في \" التاريخ الكبير \"، فبعد أن فرغ من ذكر (زيد أبي عمر) وحديثه في ذكر الجهنميين، قال: \" زيد بن عوف أبو ربيعة، من بني عامر بن ذهل، ويقال: فهد، عن حماد بن سلمة، سكتوا عنه \" (٥).\nوأيد الوهم أن من تقدم ذكرهم جميعًا حين ترجموا لـ (زيد بن عوف)، لم يذكروا هذه العبارة عن البخاري فيه.\nكما يؤيده أن عبارة (سكتوا عنه) جرح بليغ من البخاري، وهذا الرجل لم يعرف إلا بحديث الجهنميين المشار إليه، وهو حديث محفوظ عن أنس من غير طريقه، لذا فقول ابن حبان في إيراده في (الثقات) هو الصواب، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا (٦).\n_________\n(١) الضعفاء، للعقيلي (٢/ ٧٢)، الكامل، لابن عدي (٤/ ١٦٥).\n(٢) الضعفاء، لابن الجوزي (١/ ٣٠٣).\n(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ١٠٨).\n(٤) لسان الميزان (٢/ ٥٩٦)، والرجل في \" الثقات \" لابنِ حبان (٤/ ٢٥٠).\n(٥) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٠٤).\n(٦) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٧٦).","vol":"1","page":535},{"text":"وهو بخلاف ابن عوف، فإنه رجل متروك الحديث.\nوربما رجع أصل الوهم إلى رواية من نسخة من أصول \" تاريخ \" البخاري، لأن العقيلي وابن عدي إنما يرويانه عنه من جهتين مختلفتين.\nوتارة يكون الوهم من قبل الناقد نفسه، كأن يسأل عن راو قد اشترك مع آخر مجروح عنده في اسم أو نسب، فيجيب بحكمه في المجروح، كالمثال المتقدم عن يحيى القطان في (المقدمة الخامسة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>المقدمة الحادية عشرة: التحقق من لفظ المنقولة عن الناقد</span>\nومن ذلك أن يأمن التصحيف أو التحريف للعبارة بما قد يحيل معناها، مثل ما وقع في كثير من الكتب من تحريف قول عبد الله بن عون البصري في (شهر بن حوشب): \" نزكوه \" بالنون والزاي في أوله، حرفت إلى \" تركوه \" بتاء فوقية في أوله فراء، في كثير من المراجع، وبين العبارتين فرق كبير في المعنى، فمعنى: (نزكوه) قال مسلم بن الحجاج: \" أخذته ألسنة الناس، تكلموا فيه \" (١)، وقال عياض: \" معناه: طعنوا عليه، مأخوذ من النيزك، وهو الرمح القصير \" (٢).\nومن قبيح التحريف أيضًا ما وقع في \" الميزان \" للذهبي في ترجمة (أبي صالح باذام مولى أم هانئ): \" وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان أبو صالح يكذب، فما سألته عن شيء إلا فسره لي \" (٣). وصواب العبارة: \" كان أبو صالح يكتب \" (٤).\nومن ذلك أن يقف على سياق لفظ الناقد بتمامه، لا يبني على اللفظ\n_________\n(١) مقدمة صحيح مُسلم (ص: ١٧) وقد أخرج الأثر عن ابنِ عونٍ بإسناد صَحيح.\n(٢) إكمال المعلم (١/ ١٣٤).\n(٣) ميزان الاعتدال (١/ ٢٩٦).\n(٤) الضعفاء، للعُقيلي (١/ ١٦٥)، والكامل، لابن عدي (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":536},{"text":"المختصر، فربما صدر لفظ الناقد في راو بما يوهم الجرح حين سئل عنه وعمن هو أوثق منه على سبيل المقارنة، كأن يقول: (فلان ثقة، وفلان ضعيف)، أي مقارنة بمن ذكر معه، لا مطلقًا، وربما نقلت العبارة عنه بتصرف، فإذا تم الوقوف على نصها كانت على دلالة أخرى، وربما نقلت على المعنى، كأن يقال: (وثقه فلان) أو: (ضعفه فلان) أو (تركه فلان)، ولا تذكر الصيغة المفيدة لذلك، وربما عكس الأمر، فيكون أصل المنقول: (تركه فلان) فتحكى عنه قولا: \" متروك \".\nقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: \" لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه \" (١).\nوله أمثلة كثيرة، منها:\nنقل العقيلي عن يحيى بن سعيد القطان قوله في حسين المعلم وقد ذكر أحاديثه: \" فيه اضطراب \"، فصدر العقيلي بقوله: \" حسين بن ذكوان المعلم، بصري، مضطرب الحديث \" (٢)، أخذها من عبارة يحيى القطان متوسعًا فيها حتى جعل الوصف اللازم لحسين هذا أنه مضطرب الحديث.\nومن هذا أيضًا: الاختصار في نقل عبارة الناقد، أو حكايتها بالمعنى، مما يقع به الخروج عن أصل دلالتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المقدمة الثانية عشرة: التيقظ إلى ما يقع أحيانًا من المبالغة في صيغة النقد</span>\n\nوذلك كاستعمال العبارات المشعرة بشدة جرح الراوي، كأن يحمل\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩١) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨١).\n(٢) الضعفاء (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":537},{"text":"خطأه على الكذب، وإنما هو الوهم، أو يحمل منكرًا رواه، عليه، وإنما هو التدليس.\nمثل ما حكى عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قلت لأبي: كان يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة الحراني كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًا، قال: \" هؤلاء - يعني أهل حران - يحملون عليه، كان أبو قتادة يتحرى الصدق، لربما رأيته يشك في الشيء \"، وأثنى عليه وذكره بخير. قال أحمد: \" لعله كبر واختلط، الشيخ وقت ما رأيناه كان يشبه الناس ما علمته، كان يتحرى الصدق \". وقال: \" أظن أبا قتادة كان يدلس \" (١).\nقلت: وفي هذا كذلك فرق ما بين نعت الناقد العارف بهذا الشأن وأدبه، وغيره، فيعقوب بن إسماعيل هذا ليس معدودًا فيمن يعرف هذا الشأن.\nوقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ترى المسيب بن شريك كان يكذب؟ قال: \" معاذ الله، ولكنه كان يخطئ \" (٢).\nوكان يحيى بن معين ربما بالغ في عبارة النقد، فكن يقظًا لذلك.\nوذلك كقوله وقد ذكر له عبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح، فقال له رجل: قوم يقدمون عبد الرحمن بن مهدي؟ فقال: \" من قدم عبد الرحمن على وكيع - فدعا عليه - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \" (٣).\nفهذا مما عيب على يحيى، وأنكر منه.\nقال يعقوب بن سفيان: \" كان غير هذا الكلام أشبه بكلام أهل العلم، ومن حاسب نفسه وعلم أن كلامه من عمله لم يقل مثل هذا \" (٤).\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١٥٣٣)، ومعناه في (النص: ٢١٦، ١٠٦٥).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٦٣٨).\n(٣) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٦٧٧).\n(٤) المعرفة والتاريخ (١/ ٧٢٨).","vol":"1","page":538},{"text":"وقال الذهبي: \" هذا كلام رديء، فغفر الله ليحيى، فالذي أعتقده أنا أن عبد الرحمن أعلم الرجلين وأفضل وأتقن، وبكل حال هما إمامان نظيران \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>المقدمة الثالثة عشرة: قد تطلق العبارة لا يراد ظاهرها</span>\n\nجرى في لسان العرب إطلاق لفظ الكذب على معناه المتبادر عند الإطلاق، الذي هو ضد الصدق، كما أنهم ربما أطلقوه على إرادة مجرد الخطأ.\nوتكرر وقوعه بهذا المعنى في مواضع في المنقول عن السلف، ومن أمثلته:\nما حدث به أبو نهيك الأزدي:\nأن أبا الدرداء كان يخطب الناس، فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح. قال فانطلق رجال إلى عائشة، ﵂، فأخبروها، فقالت: كذب أبو الدرداء، كان النبي ﷺ يصبح فيوتر (٢).\nومن هذا أنهم ربما أطلقوا على الراوي وصف (الكذب) وعنوا في رأيه ومذهبه، لا في حديثه وروايته.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٩/ ١٥٢).\n(٢) حديث صحيح. أخرجه ابنُ نصْر في \" كتاب الوتر \" (ص: ٣٠٦ - ٣٠٧) وابنُ عدي (١/ ١٢٤) - ومن طريقه: البيْهقي في \" الكبرى \" (٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩) - من طريق أبي عاصم النبيل، حدثنا ابنُ جريج، أخبرني زِياد، أن أبا نَهيكٍ أخبره، به.\nقلت: وهذا إسنادٌ صحيح، وزِياد، هوَ ابن سعْد.\n\nكذلك أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٢) من طريق روْح بن عُبادة، والطبراني في \" الأوسط \" (٣/ ٧٩ رقم: ٢١٥٣) من طريق أبي عاصم، قالا: حدثنا ابنُ جريج بإسناده، لكن لم يذكر فيه اللفظة مَحل الشاهد: (كذب ..).\nوراوه عبد الرزاق في \" المصنف \" (٣/ ١١ رقم: ٤٦٠٣) عن ابن جريج، قال: أُخبرتُ عن أبي الدرداء، به.\nقلت: ولا أثر لهذا، فقد بيَّن ابنُ جريج إسنادَه به لأبي عاصم وروْحٍ.","vol":"1","page":539},{"text":"مثل: (تليد بن سليمان المحاربي الكوفي)، كان أحد من سمع منهم أحمد بن حنبل وأثنى عليه (١)، لكنهم نقموا عليه مذهبه في التشيع، وغلظ يحيى بن معين فيه العبارة حتى قال: \" كذاب \"، لكني بحثت عن سبب تكذيبه له، فوجدته قد أحاله على مذهبه لا على حديثه، إذ نص مقالة يحيى كما رواها عنه الدوري: \" تليد كذاب، كان يشتم عثمان، وكل من يشتم عثمان أو طلحة أو أحدًا من أصحاب النبي ﷺ دجال، لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \" (٢).\nفتأثرت طائفة جاءوا من بعد بعبارة يحيى، وليس الأمر كما ذهبوا إليه، إنما علته مما ذكرت، فتأمل !\n\n* * *\n_________\n(١) ووقع في كتاب \" الكامل \" لابن عدي (٢/ ٢٨٤): قال السعدي (يعني الجوزَجاني): سَمعتُ أحمد بن حنبل يقول: \" حدثنا تليد بن سليمان، وهوَ عندي كانَ يكذب، وكان مُحمد بن عبيد يُسيءُ القول فيه \"، ونظيرها حكى العُقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٧١) عن الجوزجاني.\nوأقول: هكذا جاءت العبارة، وفيها تكذيبٌ صريحٌ من أحمد له، وجميع من نقل العبارة عن ابن عدي أو العقيلي فقد حكاها هكذا، والواقع أنه قد حُذف منها ما أفْسدها، بحيث أصْبح ذلك التكذيب من قول أحمد، بينما نصُّ العبارة في \" أحوال الرجال \" للجوزجاني (النص: ٩٢): \" سمعتُ أحمد بن حنبل يقول في كتابي: حدثنا تليد بن سُليمان الخُشني. قال إبراهيم: وهُو عندي كان يكذب، كان مُحمد بن عُبيد يُسيءُ القول فيه \"، قلت: وإبراهيم هذا هو الجوزَجاني، فتأمل! ثم إننا حرَّرنا في هذا الكتاب أن الجوزجاني لا يُقبل جرْحه في أهل الكوفة.\nقال المروذي عن أحمد: لم يَرَ به بأسًا (العلل، للمروذي وغيره، النص: ١٨٩)، وروى عنه في \" المسند \" حديثًا (رقم: ٩٦٩٨) ولم يتفطن مُحققوه لما ذكرْت، فأطلقوا أن تليدًا اتفقوا على ضَعفه، مع أنه عدَّله أيضًا غيرُ أحمد. وهذا مثال أيضًا لوجوب تحرير العبارة عن الناقد.\n(٢) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٢٦٧٠).","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>المبحث الثاني:\n\nتحرير منع تقديم الجرح على التعديل إلا بشروط</span>\n\nالتأصيل: أن من ثبت تعديله من ناقد عارف، فالواجب منع المصير إلى خلافه إلا بحجة.\nوالتحقيق من مذاهب أهل العلم: أن الجرح الثابت عن الناقد العارف متروك حتى تجتمع فيه شروط ثلاثة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>الشرط الأول:\nأن يكون مفسرًا، ولو من ناقد واحد</span>\n\nالجرح المجمل: هو اللفظ ظاهره القدح، لكن لم يبين وجهه، ولم يشرح سببه، كقول الناقد في راو: (ضعيف)، أو (ليس بشيء)، أو (متروك)، أو استعماله عبارة من العبارات النادرة الاستعمال، كقوله: (ارم به)، أو يسأل عن الراوي، فيشير بيده، أو لسانه، أو يحرك رأسه.\nكما لا عبرة بعدد المعدلين والجارحين على التحقيق، وما يسلكه بعض المنتسبين لهذا العلم من المتأخرين من حساب عدد من جرح ومن عدل، فيصير إلى الراجح بالعدد، فمذهب ضعيف لا يقوم على أصول هذا العلم.","vol":"1","page":541},{"text":"فالتأصيل: أن الجرح ولو كان من واحد في مقابل تعديل الجمع، إذا سلم كونه قادحًا، قدم على التعديل، لأن الجارح بما هو قادح بمنزلة زيادة العلم من الثقة، فالجارح قد اطلع على ما يخرج ذلك الراوي عن محل السلامة في العدالة أو الضبط، إلى حيز الجرح والقدح (١)، دون أن يكون لمجرد العدد تأثير في ذلك.\nفإن قلت: لم لا يقدح الجرح مطلقًا ما دام صادرًا من ناقد عارف، بناء على أن التعديل إنما جاء على وفاق الأصل، الذي هو السلامة من الجرح، والجرح زيادة علم جاء به الناقد، والأصل أن هؤلاء الناقد لما عرف من درايتهم بالنقلة، فهم يعنون ما يقولون، لا يطلقون عبارة الجرح إلا أن تكون جارية على اعتبارهم أسباب الجرح القادح المؤثر؟\nفالجواب: الاشتباه واقع فيما يرد على لفظ الجرح من الاحتمال بسبب الإجمال، مع صحة وقوع المثال من قبل النقاد أنفسهم أنهم ربما أطلقوا اللفظ ظاهره الجرح، ويحتمل وجهًا غير معارض للتعديل، كما أن أحدهم ربما جرح بغير جارح، أو بلغه سبب الجرح عن غيره فبنى عليه، أو خرج منه مخرج الغضب والانفعال.\nقال أبو الطيب الطبري: \" لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، وليس قول أصحاب الحديث: (فلان ضعيف) و(فلان ليس بشيء) مما يوجب جرحه ورد خبره، وإنما كان كذلك، لأن الناس اختلفوا فيما يفسق به، فلا بد من ذكر سببه؛ لينظر: هل هو فسق أم لا؟ \".\nقال الخطيب: \" وهذا القول هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده، مثل: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، وغيرهما \" (٢).\n_________\n(١) وانظر: الكفاية، للخطيب (ص: ١٧٥ - ١٧٧).\n(٢) الكفاية، للخطيب (ص: ١٧٩).","vol":"1","page":542},{"text":"ومن أمثلته المؤكدة لوجوب تحقق هذا الشروط:\nما رواه عباس الدوري في (بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي)، قال: سمعت يحيى (يعني ابن معين) يقول: حدث يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق فقال: رأيت بريدة بن سفيان يشرب الخمر في طريق الري.\nقال الدوري: \" والذي يظن ببريدة بن سفيان أنه شرب نبيذًا، فرآه محمد بن إسحاق فقال: رأيته يشرب خمرًا، وذاك أن النبيذ عند أهل المدينة ومكة خمر، لا أنه يشرب خمرًا بعينها إن شاء الله، فهذا وجه الحديث عندي \" (١).\nقلت: وكأن الجوزجاني استعمل هذه الحكاية للطعن عليه حين قال: \" مغموص عليه في دينه \" (٢)، فزاد الجرح إبهامًا، فتأمل!\nوقال يحيى القطان: \" كان محمد بن سيرين لا يرضى حميد بن هلال \" (٣).\nفقال ابن عدي: \" لحميد بن هلال أحاديث كثيرة، وقد حدث عنه الناس والأئمة، وأحاديثه مستقيمة، والذي حكاه يحيى القطان أن محمد بن سيرين لا يرضاه لا أدري ما وجهه، فلعله كان يرضاه في معنى آخر ليس الحديث، فأما في الحديث فإنه لا بأس به وبروايته \" (٤).\nوالأمر كما قال ابن عدي، وذلك المعنى الآخر غير الحديث بينه أبو حاتم الرازي بقوله: \" دخل في شيء من عمل السلطان، فلهذا كان لا يرضاه، وكان في الحديث ثقة \" (٥).\n_________\n(١) تاريخ يحيى (النص: ٢٦٨، ١٩٢٣) وعنه في: الكامل (٢/ ٢٤٣) ومعرفة علوم الحديث، للحاكم (ص: ٧٢).\n(٢) الكامل (١/ ٢٤٣).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٣٠).\n(٤) الكامل (٣/ ٨١).\n(٥) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٣٠).","vol":"1","page":543},{"text":"وقال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد القطان عن (الربيع بن عبد الله بن خطاف)، وقلت له: إن عبد الرحمن بن مهدي يثنى عليه، فقال: \" أنا أعلم به \"، وجعل يضرب فخذه تعجبًا من عبد الرحمن، وقال: \" لا ترو عنه شيئًا \"، فقلت: لا أروي عنه حديثًا أبدًا (١).\nقلت: فهذا جرح مجمل، لم يذكر يحيى له سببًا، وتسليمه له مع قيام المعارض، وهو التعديل لا يصح.\nقال ابن عدي: لم أر له حديثًا يتهيأ لي أن أقول من أي جهة أنه ضعيف، والذي يرويه عن الحسن وابن سيرين إنما هي مقاطيع \" (٢).\nوتبين أن العلة التي تكلم لأجلها فيه يحيى هي مظنة أنه كان يذهب إلى القول بالقدر.\nبين ذلك ما نقلة علي بن المديني قال: سألت عبد الرحمن بن مهدي عنه؟ فقال: \" كان عندي ثقة في حديثه \"، قلت لعبد الرحمن: كان يرى القدر؟ قال: \" كان يجالس عمرو بن فائدٍ يوم الجمعة \" (٣).\nومما يبين ضرورة تفسير سبب الجرح وقوع الحالات التالية:\nأولًا: أن الكلام في الراوي قد يكون بسبب منكرات جاءت من طريقة، ليس الحمل فيها عليه، إنما على مجروح أو مجهول غيره في الإسناد فوقه أو دونه.\nفتكلمت طائفة من النقاد في (بقية بن الوليد)، وذلك في التحقيق لشهرته بكثرة الرواية عن المتروكين والمجهولين، حتى أضر ذلك به عند طائفة.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٦٦) والضعفاء للعُقيلي (٢/ ٤٩) والكامل (٤/ ٤٣).\n(٢) الكامل (٤/ ٤٣)، ويعني بقوله: (مقاطيع) أي مقطوعات، يعني كلامَ الحسن وابن سيرين، وليست أحاديث مرفوعة، أو آثارًا موقوفة.\n(٣) الضعفاء، للعُقيلي (٢/ ٤٩)، وابنُ فائد هذا كانَ يذهب مذهب المعتزلة في القدر.","vol":"1","page":544},{"text":"قال الدارقطني: \" يروي عن قوم متروكين، مثل مجاشع بن عمرو، وعبد الله بن يحيى، ولا أعرفه، ولا أعلم له راويًا غير بقية \" (١).\nقال ابن عدي: \" إذا روى عن المجهولين، فالعدة عليهم، والبلاء منهم لا منه \" (٢).\nومن أمثلته: ما حكاه أبو حاتم الرازي في (عثمان بن أبي العاتكة): سمعت دحيمًا يقول: \" لا بأس به، ولم ينكر حديثه عن غير علي بن يزيد، والأمر من علي \"، فقيل له: إن يحيى بن معين يقول: الأمر من القاسم أبي عبد الرحمن، فقال: \" لا \".\nقلت: ودحيم المرجع في رواة الشاميين، وعثمان هذا منهم، ولذا قال أبو حاتم: \" لا بأس به، بليته من كثرة روايته عن علي بن يزيد، فأما ما روي عن عثمان عن غير علي بن يزيد فهو مقارب، يكتب حديثه \" (٣).\nوقال الذهبي في (أبي الحسن علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني): \" ليس بثقة، بل متهم يأتي بمصائب \" (٤)، فعارض قول الحافظ شيرويه الديلمي: \" كان ثقة صدوقًا عالمًا زاهدًا، حسن المعاملة، حسن المعرفة بعلوم الحديث \" (٥).\nوتبين أن التهمة بالكذب حكاها ابن الجوزي فقال: \" ذكروا أنه كان كذابًا، ويقال: إنه وضع صلاة الرغائب \" ونقل عن أبي الفضل بن خيرون قوله: \" قد تكلموا فيه \" (٦).\n_________\n(١) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٨٩).\n(٢) الكامل (٢/ ٢٧٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٦٣).\n(٤) سيَر أعلام النبلاء (١٧/ ٢٧٦)، ومعناه في \" الميزان \" (٣/ ١٤٢).\n(٥) من كتابه \" طبقات الهَمذانيين \"، نقله عنه الرافعي في \" تاريخ قزوين \" (٣/ ٣٧٠) وابنُ حجر في \" اللسان \" (٤/ ٢٧٧).\n(٦) المنتظم، لابن الجوزي (١٥/ ١٦١).","vol":"1","page":545},{"text":"وهذا الطعن متهافت، فمن ذا كذبه، فالجرح لا يقبل من مجهول، والتهمة بوضع صلاة الرغائب جاءت من جهة أنه روى الحديث فيها، لكنه لم يكن سوى ناقل، وعلتها ممن فوقه، فإسنادها مجهول (١).\nوكثير من الثقات رووا عن المجهولين والضعفاء والمتهمين ما هو منكر أو كذب، وما لحقهم الجرح بسببه، إنما التهمة لمن يعرف من رجاله بالعدالة.\nوتفطن إلى صورة تقابل هذه، وهي: أن يكون الراوي عن المتكلم فيه مجروحًا، فيروي عنه منكرات، والحمل فيه على ذلك المجروح.\nكما قال الدارقطني في (سماك بن حرب): \" إذا حدث عنه شعبة والثوري وأبو الأحوص فأحاديثهم عنه سليمة، وما عن شريك بن عبد الله وحفص بن جيمع ونظرائهم ففي بعضها نكارة \" (٢).\nوكما قال ابن عدي في (ثابت بن أسلم البناني): \" هو من ثقات المسلمين، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه؛ لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة \" (٣).\nوذكر ابن عدي جماعة من الرواة، عيبهم من هذا الباب، فذب عنهم، وحمل النكارة في أحاديث جاءت عنهم على أنها من قبل الأسانيد إليهم (٤).\nثانيًا: قد يكون الجرح من أجل الخطأ في حديث معين، فيطلق الناقد العبارة في الراوي، وليس الأمر كما قال، بل الإنصاف أن يقيد الجرح بما أخطأ فيه خاصة، ويحتج به فيما سوى ذلك.\n_________\n(١) انظر تعليقي على كتاب أبي القاسم بن منده: \" الرد على من يقول (الم) حرف \" (ص: ٣٩).\n(٢) سؤالات السلمي (النص: ١٥٨).\n(٣) الكامل (٢/ ٣٠٨).\n(٤) فانظر مثلًا: الكامل (٣/ ٧٣) ترجمة (حُميد بن قيس الأعرج)، و(٤/ ١٦١) ترجمة (زيد بن رُفيع).","vol":"1","page":546},{"text":"مثاله: عبد الرحمن بن نمر الشامي، روى عن الزهري ومكحول، وروى عنه الوليد بن مسلم وسليمان بن كثير.\nقال فيه يحيى بن معين: \" ابن نمير ضعيف في الزهري \" (١).\nوهذا الجرح تبين أنه كان من أجل حديث معين، أورده ابن عدي من طريقه عن الزهري عن عروة بن الزبير، أنه سمع مروان بن الحكم يقول: أخبرتني بسرة بنت صفوان الأسدية أنها سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالوضوء من مس الذكر، والمرأة مثل ذلك.\nثم قال ابن عدي: \" هذا الحديث بهذا الزيادة التي ذكر في متنه: والمرأة مثل ذلك، لا يرويه عن الزهري غير ابن نمر هذا \".\nقال: \" له عن الزهري غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة .. وقول ابن معين: هو ضعيف في الزهري، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما يرويه عن الزهري، أو في متونها، إلا ما ذكرت من قوله: والمرأة مثل ذلك، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء \" (٢).\nوأقول: بل ذهب ناقد أهل الشام دحيم إلى تصحيح حديثه عن الزهري، كما قال الخبير بحديث الزهري الحافظ محمد بن يحيى الذهلي بعد أن أطلق ثقته: \" لا تكاد تجد لا بن نمر حديثًا عن الزهري إلا ودون الحديث مثله يقول: سألت الزهري عن كذا؟ فحدثني عن فلان وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه \" (٣).\nعلى أنه من الجائز أن تكون تلك الزيادة التي أجلها ضعفه ابن معين على ما بينه ابن عدي مدرجة من قول الزهري ورأيه، والزهري\n_________\n(١) تاريخه (النص: ١١٦٤) وفي سؤالات ابنِ الجنيد (النص: ١٤٠): \" ضعيف الحديث \".\n(٢) الكامل (٥/ ٤٧٧، ٤٧٨).\n(٣) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٥٦١).","vol":"1","page":547},{"text":"معروف بمثل ذلك يدرج في المتون التفسير والرأي، خصوصًا مع مراعاة ما ذكره الذهلي من أنه كان يسأل الزهري.\nثالثًا أن يكون الجرح عائدًا إلى كون الراوي قد ضعف في شيخ معين، أو في حال معين، فهذا لا يصلح فيه قبول الجرح المطلق، بل يرد من حديثه القدر الذي ضعف فيه، ويحتج بما سواه من حديثه.\nقال ابن القيم منبهًا على ما يقع من بعضهم الغلط فيه من مثل هذا: \" أن يرى الرجل قد تكلم في بعض حديثه، وضعف في شيخ، أو في حديث، فيجعل ذلك سببًا لتعليل حديثه وتضعيفه أين وجده، كما يفعله بعض المتأخرين من أهل الظاهر وغيرهم، وهذا غلط، فإن تضعيفه في رجل أو في حديث ظهر فيه غلط لا يوجب التضعيف لحديثه مطلقًا، وأئمة الحديث على التفصيل والنقد واعتبار حديث الرجل بغيره، والفرق بين ما انفرد به أو وافق فيه الثقات \" (١).\n\nتنبيه:\nمما يكون من قبيل الجرح المجمل: ذكر الراوي في كتب الضعفاء.\nشأن جماعة من الثقات أوردهم ابن عدي والعقيلي في كتابيهما في الضعفاء.\nفابن عدي في \" الكامل \" ذكر طائفة من أعيان الثقات، ممن حكم هو بأنهم من الثقات المتقنين، منهم: حبيب بن أبي ثابت، وثابت بن أسلم البناني، وأبو العالية الرياحي، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وأبو نضرة العبدي، وعبد الله بن وهب المصري، وغيرهم.\n_________\n(١) الفروسية (ص: ٦٢).","vol":"1","page":548},{"text":"وذكرهم من أجل كلام بعضهم فيه، وكان شرطه إيراد كل متكلم فيه ليذب عنه.\nبل ذكر ابن عدي في (كتابه) بعض الصحابة لأجل الحديث الذي روي عنهم، لا لجرح فيهم، مثل: ذي اليدين، وزيد بن أبي أوفي، وسليك الغطفاني، وأبي الطفيل عامر بن واثلة.\nوبين ابن عدي وجه ذلك فقال: \" وكل من له صحبة ممن ذكرنا في هذا الكتاب، فإنما تكلم البخاري في ذلك الإسناد الذي انتهى فيه إلى الصحابي، أن ذلك الإسناد ليس بمحفوظ، وفيه نظر، لا أنه يتكلم في الصحابة، فإن أصحاب رسول الله ﷺ؛ لحق صحبتهم، وتقادم قدمهم في الإسلام، لكل واحد منهم في نفسه حق وحرمة؛ للصحبة، فهم أجل من أن يتكلم أحد فيهم \" (١).\nوكذا أورد العقيلي في (كتابه) جماعة وهم من المتقنين: أمية بن خالد القيسي، وجرير بن عبد الحميد الضبي، وعلي بن مسهر، وعلي بن المديني، وغيرهم.\nومع اشترط الذهبي في \" الميزان \" استقصاء من تكلم فيه، وإن كان من الثقات المتقنين؛ لإبطال دعوى الجرح فيهم، إلا أنه تحاشى ذكر أحد من الصحابة، وقال في بيان شرطه: \" إلا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرهما من الصحابة، فإني أسقطهم؛ لجلالة الصحابة، ولا أذكرهم في هذا المصنف؛ فإن الضعف إنما جاء من جهة الرواة إليهم \" (٢).\nقلت: وطريقة الذهبي أجود.\n_________\n(١) الكامل (٤/ ١٦٣).\n(٢) ميزان الاعتدال (١/ ٢).","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>الشرط الثاني:\nأن يكون جرحًا بما هو جارح</span>\n\nليس كل جرح يكون قادحًا حتى ولو كان مفسرًا؛ وذلك لما عرف أن الراوي قد يجرح بغير جارح، والعالم ربما جرح بالشيء يخالف فيه، والصواب والعدل قول مخالفه.\nوتقدم في (تفسير الجرح) أنه وقع بأسباب لا أثر لها في التحقيق، فاستبنه مما شرحته هناك.\nفإذا كان الجرح مفسرًا قادحًا فهو مقدم على التعديل، على التحقيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>الشرط الثالث:\nأن لا يكون الجرح مردودًا من ناقد آخر بحجة</span>\n\nفقد وجدنا الرجل يجرح الرجل أو يعدل من بعض النقاد، فيأتي بعده من يطلع على جرحه أو تعديله، فيرد قوله.\nفأما رد التعديل بظهور الجرح، فهذا يميز بالشرط الأول.\nمثل قول الجوزجاني: قلت لأحمد (يعني ابن حنبل): إن موسى (يعني ابن عبيدة الربذي) قد روى عنه سفيان وشعبة؟ قال: \" لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه \" (١).\nوكقول الدارقطني في (عبد الغفار بن القاسم أبي مريم): \" متروك \"، ثم قال: \" شيخ شعبة، أثنى عليه شعبة، وخفي أمره على شعبة، وبقي بعد شعبة زمانًا فخلط \" (٢).\n_________\n(١) أحوال الرجال (النص: ٢٠٨).\n(٢) سؤالات البَرقاني (النص: ٣١٦).","vol":"1","page":550},{"text":"ومن هذا تعديل بعض السلف لبعض من أدركوا من الرواة، فاكتشف من جاء بعدهم من أمرهم ما خفي على من عدلهم، كتعديل بعضهم لجابر الجعفي، وعبد الكريم بن أبي المخارق، والواقدي.\nفتقديم الجرح في هذه الأمثلة صحيح ما دام مفسرًا مبينًا قادحًا.\nولكن رد الجرح من قبل الناقد الآخر هو المعني بهذا الشرط، ومن أمثلته:\n١ - قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن هلال بن خباب وقلت: إن يحيى القطان يزعم أنه تغير قبل أن يموت واختلط؟ فقال يحيى: \" لا، ما اختلط، ولا تغير \"، قلت ليحيى: فثقة هو؟ قال: \" ثقة مأمون \" (١).\nقلت: وهذا النفي من ابن معين جائز أن يكون بالنظر إلى روايات الرجل، فلم ير لما ذكر يحيى القطان تأثيرًا فيها، فكأنه يقول: لو صح ما قال القطان فلا وجه للقدح به، إذ كأنه لم يكن.\n٢ - وقال الآجري: قلت لأبي داود: العوام بن حمزة، حدث عنه يحيى القطان، قال عباس (يعني الدوري) عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء؟ قال: \" ما نعرف له حديثًا منكرًا \" (٢).\nقلت: فأبو داود يقول: لا وجه لجرحه بما قال ابن معين؛ لسلامة حديثه، وخذ منه أن ابن معين ربما قال هذه العبارة لا يعني بها رد حديث الراوي، إنما يعني قلة حديثه.\n٣ - وقال علي بن المديني في (عبد الحميد بن جعفر الأنصاري): \" كان يقول بالقدر، وكان عندنا ثقة، وكان سفيان الثوري يضعفه \" (٣).\n_________\n(١) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٢٨٨).\n(٢) سؤالات الآجري (النص: ٣٥٥).\n(٣) سؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني (النص: ١٠٥).","vol":"1","page":551},{"text":"قلت فلم يعتد بتضعيف سفيان، وجائز أن يكون من أجل إجماله، أو من أجل البدعة، ولم يكن ابن المديني يرى لها أثرًا في صدق الراوي وثقته.\n٤ - وفي طائفة من الرواة كان البخاري عدهم في جملة الضعفاء فيما ألفه في ذلك، فخالفه فيهم أبو حاتم الرازي، على ما يذكر من تشدده:\nفمنهم: حريث بن أبي حريث، قال أبو حاتم: \" يحول اسمه من هناك، يكتب حديثه ولا يحتج به \" (١)، يريد أنه صالح الحديث للاعتبار.\nومنهم: عبيد بن سلمان الأعرج، قال أبو حاتم: \" لا أرى في حديثه إنكارًا، يحول من كتاب الضعفاء الذي ألفه البخاري إلى الثقات \" (٢).\nومنهم: عبيد الله بن أبي زياد القداح، قال أبو حاتم: \" ليس بالقوي ولا بالمتين، وهو صالح الحديث، يكتب حديثه، ومحمد بن عمرو أحب إلي منه، يحول اسمه من كتاب الضعفاء الذي صنفه البخاري \" (٣).\nومنهم: عباد بن راشد التميمي البصري، قال أبو حاتم: \" صالح الحديث \" وأنكر على البخاري إدخال اسمه في كتاب الضعفاء، وقال: \" يحول من هناك \" (٤).\nومنهم: عبد الرحمن بن مسلمة، قال أبو حاتم: \" صالح الحديث \" وأنكر على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء، وقال: \" يحول من هناك \" (٥).\nومنهم: عبد الرحمن بن عطاء المديني، قال أبو حاتم: \" شيخ \" قال له\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٦٣). يعني بقوْله: \" من هُناك \" أي: من كتاب \" الضعفاء \" للبخاري.\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٤٠٧).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣١٦).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٧٩).\n(٥) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٨٦).","vol":"1","page":552},{"text":"ابنه عبد الرحمن: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء؟ فقال: \" يحول من هناك \" (١).\nومنهم: عبد الرحمن بن حرملة، قال أبو حاتم: \" ليس بحديثه بأس، وإنما روى حديثًا واحدًا ما يمكن أن يعتبر به، ولم أسمع أحد ينكره ويطعن عليه، وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، يحول منه \" (٢).\nومنهم: عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت، قال أبو حاتم: \" ليس عندي بمنكر الحديث \" فقال ابنه: أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، قال: \" يكتب حديثه، ليس بحديثه بأس، ويحوَّل من هناك \" (٣).\nومنهم: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، قال أبو حاتم \" صدوق \"، وأنكر على البخاري إدخاله اسمه في كتاب الضعفاء، وقال: \" يحول منه \" وقال: \" يروي عن الضعفاء يشبه ببقية في روايته عن الضعفاء \" (٤).\nقلت: وتلاحظ أن المقياس عند أبي حاتم لرد جرح البخاري كان اعتبار حديث الراوي، فيكون مذهب البخاري فيهم التشديد، والصواب فيهم التوسط.\nوهذا باب يطول استقصاؤه، وإنما هذه أمثلة.\n٥ - ومنه من ذكر بجرح قديم، فأعرض عن ذلك الجرح صاحبا (الصحيح) ولم يعداه شيئًا، واحتجا بحديث ذلك الراوي، كطائفة من المتكلم فيهم في كتابيهما.\nوقد تعقب الدارقطني النسائي في جرحه لجماعة ممن احتج بهم\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٦٩).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٢٢ - ٢٢٣).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢١٩).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٥٧ - ١٥٨).","vol":"1","page":553},{"text":"البخاري ومسلم، فرد قول النسائي، كما ترى ذلك في جزء حدث به الثقة أبو محمد الحسن بن محمد الصيداوي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن بكير البغدادي عن الدارقطني (١).\nفالناقد قد يرد قول الناقد بعد أن يطلع عليه من جهة وقوفه على ما لم يقف عليه من تقدمه: فإن تعقب بتعديل فلكونه حقق مقال من سبقه في الجرح فلم يره صوابًا لثبوت ضده، أو عدم الدليل عليه، وإن تعقب بجرح؛ فلكونه كشف من أمره الراوي ما فات من سبقه.\n\n* * *\n_________\n(١) وهذا منشورٌ باسم: \" سؤالات أبي عبد الله بن بكير وغيره لأبي الحسن الدارقطني \".","vol":"1","page":554},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>المبحث الثالث:\n\nتنبيهات حول تعارض الجرح والتعديل</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>التنبيه الأول: ترك التعديل عند ظهور الجرح لا يقدح في شخص المعدل أو علمه</span>.\nاعلم أن تقديم الجرح باجتماع الشروط المتقدمة، فذلك بناء على أن الجارح أتى بزيادة علم، لم يأت بها أو لم يطلع عليها من عدله، وليس في تقديمه قدح في المعدل بهذا الاعتبار.\nقال ابن حزم: \" التجريح يغلب التعديل؛ لأنه علم زائد عند المجرح لم يكن عند المعدل، وليس هذا تكذيبًا للذي عدل، بل هو تصديق لهما معًا \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>التنبيه الثاني: الجرح لمن استقرت عدالته وثبتت إمامته مردود</span>.\nالراوي إذا ثبت عدالته وعرفت ثقته وإمامته باتفاق النقاد السالفين، فتناوله جارح متأخر فتكلم فيه بعد ذلك، فذلك مما لا يلتفت إليه، وإن كان ذلك الجارح ممن يفهم هذا الفن، وإن وجدت لهذا مثالًا فإنك لا تعدم إما نقص الحجة على الجرح، وإما الخطأ فيه.\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٤٦).","vol":"1","page":555},{"text":"سأل أبو عبد الرحمن السلمي الدارقطني عن أبي حامد الشرقي؟ فقال: \" ثقة مأمون إمام \"، قال السلمي: فقلت: فما تكلم فيه ابن عقدة، فقال: \" سبحان الله! وترى فيه مثل كلامه؟ ولو كان بدل ابن عقدة يحيى بن معين \"، قلت: وأبو علي الحافظ كان يقول من ذلك، فقال: \" وما كان محل أبي علي وإن كان مقدمًا في الصنعة أن يسمع كلامه في أبي حامد، رحم الله أبا حامد، فإنه صحيح الدين، صحيح الرواية \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>التنبيه الثالث: تقديم الجرح عند اجتماع الشروط لا يلزم منه السقوط بالراوي</span>.\nوإنما المقصود إعماله، وقد يصير إلى النزول بدرجة الراوي عن درجة المتقنين إلى من يقبل حديثه بعد تحقق سلامته من الغلط، كما قد يعتبر الجرح فيه عند مقارنته بمن هو فوقه، لا إذا استقل بالرواية، وقد ينزل به إلى درجة من يرد حديثه الذي ينفرد به، ويعتبر به عند الموافقة، وقد يلحق بالمتروكين، أو الكذابين.\nوالعبرة بدلالة ذلك الجرح المفسر وأثر قدحه.\nالتنبيه الرابع: جرى عند علماء هذا الفن أن الراوي إذا اتفق على توثيقه إماما الصناعة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فإنه جاز بذلك القنطرة.\nوالمقصود أنه لو جرح فغاية أمره أن يكون لخطأ أخطأه لا يسقط به، ولا يزيله عن درجة المقبولين، وإنما قد ينزل به عن درجة المتقنين إلى من يحسن حديثه.\n_________\n(١) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ١٨). أبو حامد هوَ أحمد بن مُحمد بن الحسن النيْسابوري، من تلامذةِ مُسلم، وأبو علي هوَ الحسين بنُ علي بن يزيد النيْسابوري، من كِبار الحُفاظ.","vol":"1","page":556},{"text":"والاستثناء لمن هذه صفته وقع من جهة انتفاء وجود حالة خرجت عما ذكرت من القبول.\nمثل: (حشرج بن نباتة الأشجعي)، أنكر عليه البخاري حديث الخلفاء (١)، وذكره ابن عدي واعتذر عنه، وأجاب عما أنكر عليه، ثم قال: \" وأحاديثه حسان وإفرادات وغرائب، وقد قمت بعذره فيما أنكروه عليه، وهو عندي لا بأس به وبروايته، على أن أحمد ويحيى قد وثقاه \" (٢).\nواتفقا على توثيق شهر بن حوشب، وضعفه بعض الحفاظ، لكنك لا تجد في المفسر القادح من الجرح ما ينزل به عن رتبة الصدوق الذي يحسن حديثه.\nويشبه هذه الصورة كذلك اتفاق يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي على الرواية عن راو.\nوإذا قلنا هذا فيمن وثقوه، فكذلك وجدناه فيمن جرحوه، لا يكاد يبرأ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>التنبيه الخامس: الراوي يختلف فيه جرحًا وتعديلًا، وهو قليل الحديث</span>.\nمثل هذا إذا كان جرحه بالخطأ في حديث أو بعض حديثه الذي روى، فالجرح يلين حديثه، وينزل بدرجة ذلك الراوي عن درجة من يحتج به، وإنما يعتبر بحديثه ويستشهد.\n\n* * *\n_________\n(١) هوَ حديث رواه عن سعيد بن جُهْمان، عن سفينة مولى النبي ﷺ فيه ذكر الخُلفاء من بعْده: أبي بكر وعمَر وعثْمان. وحوْله تفصيلٌ له مَقام آخر، وإنما الشاهد مما ذكرْت اتفاق أحمد ويحيى على توثيق حشْرَجٍ.\n(٢) الكامل (٣/ ٣٧٥).","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>الفصل السادس\n\nمراتب الرواة\nوتفسير عبارات الجرح والتعديل</span>","vol":"1","page":559},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>المبحث الأول:\n\nمراتب الرواة</span>\n\nوالمقصود اعتباره في هذا المبحث: هو مذاهب أئمة الشأن في مراتب الرواة باعتبار درجات تعود جملتها إلى: الاحتجاج، أو الاعتبار، أو السقوط.\nومراعاتها طريق الباحث لتقرير قبول الراوي أو رده، وإن رده فهل إلى الترك أم دونه.\nوأقدم من جاء عنه تقسيم مراتب الرواة هو الإمام عبد الرحمن بن مهدي، وذلك باعتبار القبول والتوسط والرد.\nقال: \" الناس ثلاثة:\nرجل حافظ متقن، فهذا لا يختلف فيه.\nوآخر يهم، والغالب على حديثه الصحة، فهو لا يترك حديثه، لو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس.\nوآخر يهم، والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه \" (١).\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٣٥) وابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٨) وغيرهما من رواية مُحمد بن المثنَّى. وقد سُقْتُ النص بتمام تخريجه وزيادةٍ في أوَّله في (تفسير الجرح).","vol":"1","page":561},{"text":"وفسر ابن أبي حاتم قوله في آخره: \" يترك حديثه \" بقوله: \" يعني: لا يحتج بحديثه \".\nوذلك لما سأذكره عنه أن من غلب عليه الوهم فهذا لا يترك مطلقًا، وإنما احتمل منه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، لا أحكام الحلال والحرام.\nمراتب الرواة في تقسيم ابن أبي حاتم:\nوللحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي السبق في تفصيل تعيين مراتب الرواة، فجعلهم على خمس مراتب، وعلى ما بينه جرى عامة من جاء بعده، وإنما أعملوا النظر في إلحاق ما لم يذكره من العبارات بقسمته، مع بعض المغايرات غير الجوهرية.\nونحن على ما جرينا عليه في هذا الكتاب، قصدنا إلى تحرير هذا العلم من خلال منهج المتقدمين الذي إليهم ترجع اصطلاحات هذا الفن وقوانينه، لم نر مزيد التحشية بتفصيل ما اجتهد بإضافته المتأخرون في هذا الباب؛ لأن جل الهم عندهم كان في تتبع الألفاظ وتنزيلها على قسمة ابن أبي حاتم، ولم يكن ابن أبي حاتم نفسه ليعجز عن ذكر أكثر مما ذكر منها، ولكنه قصد إلى التمثيل بمشهورها، على أن من تعقب لم يقدر أن يأتي على جميعها، كما أن منهم من أقحم ألفاظًا لم يعرف شيوعها إلا عند المتأخرين أنفسهم، ولم يزل الباحثون يتعقبون بالزيادة.\nورأينا: أن تتبع الألفاظ ليس ذا كبير أهمية، فإن النظير يعرف بالنظير، وتحري الكلام في كل راو لذاته يفصل في تبيين درجته، بل وفهم ما أطلق فيه من العبارة جرحًا وتعديلًا، ومما لا يضل معه المعتني بهذا العلم بأي المراتب يحلقه.\nوأحسن ابن الصلاح بقوله بعد أن تعقب على ابن أبي حاتم بألفاظ","vol":"1","page":562},{"text":"قليلة: \" وما من لفظة منها ومن أشباهها، إلا ولها نظير شرحناه، أو أصل أصلناه يتنبه إن شاء الله تعالى بها عليها \" (١).\nفأما قسمة ابن أبي حاتم لتلك المراتب لتلك نقلًا عن أهل الحديث، فإنه قال:\n\" فمنهم:\nالثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ للناقد للحديث. فهذا الذي لا يختلف فيه، ويعتمد على جرحه وتعديله، ويحتج بحديثه وكلامه في الرجال.\nومنهم:\nالعدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه. فذلك العدل الذي يحتج بحديثه، ويوثق في نفسه.\nومنهم:\nالصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله الجهابذة النقاد، فهذا يحتج بحديثه.\nومنهم:\nالصدوق الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو.\nفهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.\nوخامس:\nقد ألصق نفسه بهم، ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق\n_________\n(١) علوم الحديث، لابن الصلاح (ص: ١٢٧).","vol":"1","page":563},{"text":"والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب، فهذا يترك حديثه وتطرح روايته \" (١).\nوفي أول \" الجرح والتعديل \" ذكر قسمة أخرى باعتبار مراتب الألفاظ، فيها مزيد تفصيل، فقال:\n\" وجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى:\n(١) فإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو: متقن ثبت، فهو ممن يحتج بحديثه.\n(٢) وإذا قيل له: إنه صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه. وهي المنزلة الثانية.\n(٣) وإذا قيل: شيخ، فهو بالمنزلة الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية.\n(٤) وإذا قيل: صالح الحديث، فإنه يكتب حديثه للاعتبار.\n(٥) وإذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارًا.\n(٦) وإذا قالوا: ليس بقوي، فهو بمنزلة الأولى في كتب حديثه، إلا أنه دونه.\n(٧) وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فهو دون الثاني، لا يطرح حديثه، بل يعتبر به.\n(٨) وإذا قالوا: متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب، فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابعة \" (٢).\nقلت: فتلاحظ أن ابن حاتم اعتبر في هذه الدرجات الاحتجاج\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (ص: ١٠).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٧).","vol":"1","page":564},{"text":"بالراوي أو عدمه، وعليه يمكن أن يستخلص من قسمته ما ذكرت أولًا، أن مراتب الرواة في الجملة ثلاث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>المرتبة الأولى: الاحتجاج</span>.\nوهو درجتان:\nالدرجة الأولى: درجة راوي (الحديث الصحيح).\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: \" الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث \"، وقوله: \" العدل في نفسه، الثبت في روايته، الصدوق في نقله، الورع في دينه، الحافظ لحديثه، المتقن فيه \"، وفي القسمة الثانية: \" ثقة، أو: متقن ثبت \".\nوالدرجة الثانية: درجة راوي (الحديث الحسن).\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: \" الصدوق الورع الثبت الذي يهم أحيانًا، وقد قبله الجهابذة النقاد \"، وفي القسمة الثانية: \" صدوق، أو: محله الصدق، أو: لا بأس به \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>المرتبة الثانية: الاعتبار</span>.\nوهو ثلاث درجات:\nالدرجة الأولى: راوي الحديث الصالح المحتمل للتحسين.\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الثانية: \" شيخ \" و\" صالح الحديث \".\nنعم، جعل ابن أبي حاتم اللفظ الأول أعلى من الثاني، لكن كما سيأتي في (شرح العبارات) أنه لا يبلغ الموصوف به الاحتجاج، فهو وإن كان أرقى من \" صالح الحديث \" لكنه لا يحتج به.","vol":"1","page":565},{"text":"الدرجة الثانية: راوي الحديث اللين الصالح للاعتبار.\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الثانية: \" لين الحديث \"، و\" ليس بقوي \".\nالدرجة الثالثة: راوي الحديث الضعيف الصالح للاعتبار.\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: \" الصدوق الورع، المغفل، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو \"، وقوله في القسمة الثانية: \" ضعيف الحديث \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>المرتبة الثالثة: السقوط</span>.\nوجعلها ابن أبي حاتم درجة واحدة، وهي حرية بذلك وإن تفاوتت، فرواية أخف من رواية الكذاب، لكن جمعهما بطلان نسبة الراوية إلى النبي ﷺ.\nويندرج تحتها في قول ابن أبي حاتم في القسمة الأولى: \" من ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولي المعرفة منهم الكذب \"، وفي القسمة الثانية: \" متروك الحديث، أو: ذاهب الحديث، أو: كذاب \".\nوما يتصل بتفاوت ما بين مراتب الثقات وما بين مراتب الضعفاء فله مزيد تفصيل بينته في (تفسير التعديل) و(تفسير الجرح).\n\n* * *","vol":"1","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>المبحث الثاني:\n\nتفسير عبارات الجرح والتعديل</span>\n\nهذا المبحث معقود لبيان دلالات الألفاظ التي ورد عن السلف من أئمة هذا الشأن بيان معانيها، أو كانت كثيرة الاستعمال شائعة، يجدر التنبيه على بعض ما يتصل بها مما تكون له فائدة لكشف أثر استعمالها.\nولم أقصد إلى حصر ألفاظ الجرح والتعديل، فهذا مما لا يتحمله هذا المقام (١)، ولم أر تتبع ذلك استقصاء مما له كبير فائدة، وذلك أن منها ما يندر استعماله، بل فيها ما لم يستعمل إلا في الراوي الواحد (٢)، ومنها الشائع المنتشر، وهذا غالبه بين في دلالته اللغوية، فالأصل أن تلك الألفاظ موضوعة على دلالاتها في كلام العرب، ومنها ما يعرف بالمقايسة بما أذكر.\nفإن كانت للفظ دلالة خاصة، فالطريق إلى العلم بها أحد أمور ثلاثة:\nالأول: بيان مستعملها أنه يعني بها كذا.\n_________\n(١) ولسْتُ أرى ابتداع أمْر كهذا أن يكون على سبيل الاستقصاءِ إلا مما يثْقل به هذا العلم، فإنَّ المتعرض له الناظر في مصطلحات أهْله المشتغل به، المدمن للنظر في تراجم النقلة، لا يحتاج إلى أن يُتكلف له تتبع مثل ذلك، وهُو أمْرٌ لم يفعله المتقدمون، إنما شرحوا من تلك العبارات ما يُشكل وما يكثر، وقد رأيت كتابًا حافلًا لشيخ فاضل جمع فيه تلك الألفاظ كالمستقصي، لكني استثْقلته للمبتدئ، واستبْعدتُ فائدته للمتخصص.\n(٢) وللعالم الفاضل الدكتور سعدي الهاشمي كِتابان فريدان في جمع الألفاظ النادرة والقليلة الاستعمال، أحدهما في (ألفاظ التوثيق والتعديل)، والثاني في (ألفاظ التجريح).","vol":"1","page":567},{"text":"والثاني: دلالة قرينة في السياق على إرادة معنى معين.\nوالثالث: إفادة التتبع لاستعمالات الناقد لتلك اللفظة.\n\n١ - من هو (الحجة)؟\nقولهم: (فلان حجة)، أو: (يحتج بحديثه) أو: (لا يحتج بحديثه) مما يتكرر كثيرًا في كلام النقاد في تعديل الرواة وتجريحهم.\nفقولهم: (حجة) يعني (ثقة)، بل فوق الثقة (١)، يصحح حديثه ويحتج به.\nوتأتي عبارة (يحتج به)، في أكثر الأحيان وصفًا إضافيًا مع لفظ آخر أو أكثر من ألفاظ التعديل، لكن قد يستعملها الناقد أحيانًا وصفًا مستقلًا، وهي عندئذ من أوصاف التعديل، وصريحة في صحة الاحتجاج بحديث الموصوف بها عند قائلها.\nمن ذلك الدارقطني في (مغيرة بن سبيع الكوفي) يروي عن بريدة الأسلمي: \" يحتج به \" (٢).\nويقابلها قولهم: (لا يحتج به) في التجريح، وستأتي.\nفإذا قال الناقد: (فلان لا بأس به) فيقال له: يحتج به؟ فيقول: (لا)، دل ذلك على أنه لم يرد بعبارة التعديل ما يفهمه إطلاقها من صحة أو حسن حديث ذلك الراوي.\nويأتي في شرح عبارة: (لا بأس به) من أمثلة ما يوضح ذلك.\nوللأئمة في إطلاق وصف \" حجة \" إرادة خاص.\n_________\n(١) انْظر: تَذكرة الحفاظ، للذهبي (٣/ ٩٧٩).\n(٢) سؤالات البرقاني (النص: ٥١١).","vol":"1","page":568},{"text":"فقال أحمد بن حنبل وقد سئل عن عقيل بن خالد ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة من أصحاب الزهري: \" ما فيهم إلا ثقة \" قال المروذي: وجعل يقول: \" تدري من الثقة؟ إنما الثقة يحيى القطان، تدري من الحجة؟ شعبة وسفيان حجة، ومالك حجة \"، قلت: ويحيى؟ قال: \" يحيى وعبد الرحمن، وأبو نعيم الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتًا \".\nوشبيه به ما نقله المروذي، قال: قلت (يعني لأحمد بن حنبل): عبد الوهاب (يعني ابن عطاء) ثقة؟ قال: \" تدري من الثقة؟ الثقة يحيى القطان \" (١).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجة، فقلت له: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: \" كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز \" (٢).\nقال أبو زرعة: فقلت ليحيى بن معين: فلو قال رجل: إن محمد بن إسحاق كان حجة، كان مصيبًا؟ قال: \" لا، ولكنه كان ثقة \" (٣).\nقلت: وهذه العبارات وشبهها من هؤلاء الأعلام أرادوا بها الحجة الذي يكون حكمًا على غيره فيما يرويه، ينازع الرواة إلى روايته، ولا ينازع هو إلى غيره، لكونه قد تجاوز في الحفظ والإتقان أن يكون محكومًا عليه، أو أرادوا من يليق إطلاق القول: \" هو ثقة \"، أو \" هو حجة \" دون تحفظ.\nوإلا فإنهم احتجوا بروايات الثقات المقلين، وبالثقات الذين قورنوا هنا ببعض كبار المتقنين، بل واحتجوا بحديث الصدوق لكن بعد عرضه على المحفوظ من حديث الثقات.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، رواية المروذي (النص: ٤٨).\n(٢) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٠ - ٤٦١).\n(٣) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٢).","vol":"1","page":569},{"text":"٢ - قولهم: (ثقة)، ويشبهها: (متقن)، و(ثبت).\nهذه اللفظة إذا صدرت من ناقد عارف كمن وصفنا، فإنها تعني أن الموصوف بها صحيح الحديث، يكتب حديثه ويحتج به في الانفراد والاجتماع.\nقال أبو زرعة الرازي في (حصين بن عبد الرحمن السلمي): \" ثقة \"، فقال ابن أبي حاتم: يحتج بحديثه؟ قال: \" إي، والله \" (١).\nلكنهم إذا اختلفوا فلاحظ أن لفظ (ثقة) يمكن أن يجامع اللين اليسير الذي لا يضعف به الراوي، وإنما قد ينزل بحديثه إلى مرتبة الحسن، كقول علي بن المديني في (أيمن بن نابل): \" كان ثقة، وليس بالقوي \" (٢)، وقول يعقوب بن سفيان في (الأجلح بن عبد الله الكندي): \" ثقة، في حديثه لين \" (٣)، وفي (فراس بن يحيى): \" في حديثه لين، وهو ثقة \" (٤).\nكما أنه قد يجامع الضعف الذي يبقي الراوي في إطار من يعتبر بحديثه، مثل قول يعقوب بن شيبة في (علي بن زيد بن جدعان): \" ثقة، صالح الحديث، وإلى اللين ما هو \" (٥).\nوإدراك هذا يعين على الإجابة عن تعارض ظاهر في العبارات المنقولة عن الناقد المعين، ويكثر مثله عن يحيى بن معين، حيث تختلف عنه الروايات في شأن بعض الرواة جرحًا وتعديلًا (٦)، كما يعين على الإجابة كذلك عن تعارض يقع بين عبارات النقاد في الراوي المعين.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٩٣).\n(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٩٥).\n(٣) المعرفة والتاريخ (٣/ ١٠٤).\n(٤) المعرفة والتاريخ (٣/ ٩٢).\n(٥) نقله المري في \" تهذيب الكمال \" (٢٠/ ٤٣٨).\n(٦) كما تقدم في (الفصْل السابق).","vol":"1","page":570},{"text":"٣ - قولهم: (جيد الحديث).\nعبارة تعديل واحتجاج، مستعملة عندهم بغير شيوع، واستعملوها بما يساوي (ثقة)، ولذا فربما اقترنت بها في كلام بعض النقاد.\nفمن ذلك، قول أحمد بن حنبل في (زكريا بن أبي زائدة): \" جيد الحديث، ثقة \" (١)، وفي (سليمان بن أبي مسلم الأحول): \" ثقة، جيد الحديث \" (٢).\nووقعت مرسلة في كلام أبي داود السجستاني، فقد قال في (عمر بن عبد الله الرومي): \" جيد الحديث \" (٣)، وكذلك قال أبو زرعة الدمشقي في (الوليد بن عبد الرحمن الجرشي) (٤).\n\n٤ - قولهم: (صدوق).\nوصف الراوي بهذه العبارة جرى عند المتأخرين حملها على من يكون في مرتبة من يقولون فيه: (حسن الحديث)، والاصطلاح لا حرج فيه، لكن ليس على ذلك الإطلاق استعمال السلف.\nنعم، هي مرتبة دون الثقة في غالب استمالهم، بل حديث الموصوف بها على ما نص عليه ابن أبي حاتم عن منهج أئمة الحديث أنه يكتب وينظر فيه، أي لا يؤخذ ثابتًا على التسليم، حتى تدفع عنه مظنة الخطأ والوهم، ويكون ذلك الحديث المعين منه محفوظًا.\nو(الصدوق) هو من يحكم بحسن حديثه عند اندفاع تلك المظنة.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، رواية الميموني (النص: ٣٦٣).\n(٢) العلل، رواية الميموني (النص: ٣٦٧).\n(٣) سؤالات الآجري (النص: ٨٢٤).\n(٤) تاريخ أبي زُرعة (٢/ ٧١٣).","vol":"1","page":571},{"text":"قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عطاء الخراساني؟ فقال: \" لا بأس به، صدوق \"، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: \" نعم \" (١).\nوقد تأتي (صدوق) وصفًا للثقة المبرز في الحفظ والإتقان، فيكون إطلاقها عليه مجردة لا يخلو من قصور من قبل القائل، لا ينزل بدرجة ذلك الحافظ، من أجل ما استقر من العلم بمنزلته.\nوذلك مثل قول أبي حاتم الرازي في (عمرو بن علي الفلاس): \" كان أرشق من علي بن المديني، وهو بصري صدوق \" (٢).\nوجدير أن تعلم أن عبارة (صدوق) قد تجامع وصف الراوي بكونه (ثقة) في قول الناقد، يوصف الراوي بهما جميعًا، فإذا وجدت ذلك في راو، فالأصل أنه بمنزلة التوكيد لنعته بالثقة من قبل ذلك الناقد.\nكقول أحمد بن حنبل في (أبي بكر بن أبي شيبة): \" صدوق ثقة \" (٣)، فأبو بكر متفق على حفظه وثقته، فلم يقع هذا النعت له على سبيل التردد بين الوصفين.\nوأكثر ما يأتي ذلك على هذا المعنى.\nنعم، قد يطلق الوصفان مجموعين تارة، ويشعر استمالهما مقارنة بأوصاف سائر النقاد لذلك الراوي بأن المراد (هو صدوق أو ثقة) على سبيل التردد، كقول أبي حاتم الرازي في (سماك بن حرب): \" صدوق ثقة (٤).\nوربما جمع الناقد الأوصاف المتعددة من أوصاف التعديل في الراوي، والتي لو جاءت مفرقة لكان لكل منها دلالتها ومعناها، لكنها حيث اجتمعت\n_________\n(١) الجَرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٣٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٤٩).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١٦٥٨).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٨٠).","vol":"1","page":572},{"text":"فإنها تحمل على تأكيد التعديل، كقول أبي حاتم الرازي في (السري بن يحيى الشيباني): \" صدوق، ثقة، لا بأس به، صالح الحديث \" (١)، وقوله في (عبد الله بن محمد بن الربيع الكرماني): \" شيخ ثقة صدوق مأمون \" (٢).\nوربما جمعت إلى وصف أدنى، فتنزل بالراوي عند الناقد له إلى تلك المرتبة الدنيا، مع بقاء الوصف بالصدق في الجملة.\nمثل: (عباد بن عباد المهلبي)، قال فيه أبو حاتم: \" صدوق، لا بأس به \"، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: \" لا \" (٣).\nأما إذا جاء الوصفان من أكثر من قائل، فالأصل اعتبار دلالات ألفاظ كل على سبيل الاستقلال، فإن الرجل يختلف فيه بين أن يكون ثقة أو صدوقًا، فيصار إلى تحرير أمره تارة بالجمع بين أقوالهم، وتارة بالترجيح بدليله.\n\n٥ - قولهم: (لا بأس به)، أو: (ليس به بأس).\nالأصل أن هذه اللفظة إذا أطلقت على راو من قبل ناقد عارف فهي تعديل له في نفسه وحديثه، فإن أريد به معنى مخصوص بين.\nوذلك كقول أحمد بن حنبل في (مجاعة بن الزبير): \" لم يكن به بأس في نفسه \" (٤).\nقد يحتج به ابتداء:\nكقول أبي حاتم الرازي في (غوث بن سليمان بن زياد الحضرمي): \" صحيح الحديث، لا بأس به \" (٥).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٢٨٤).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٦٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٨٣).\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤٢٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٥٧).","vol":"1","page":573},{"text":"وقوله في (واقد بن محمد بن زيد العمري): \" لا بأس به، ثقة، يحتج بحديثه \" (١).\nوقوله في (عطاء بن أبي مسلم الخراساني): \" لا بأس به، صدوق \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" نعم \" (٢).\nوقوله في (عبد ربه بن سعيد): \" لا بأس به \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" هو حسن الحديث، ثقة \" (٣).\nوقول الدارقطني في (مبشر بن أبي المليح): \" لا بأس به، ويحتج بحديثه \" (٤).\nومن هذا استعمالها في كلام الناقدين: يحيى بن معين، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم.\nقال أبو بكر بن أبي خيثمة: قلت ليحيى بن معين: إنك تقول: (فلان ليس به بأس)، و(فلان ضعيف)؟ قال: \" إذا قلت: (ليس به بأس) فهو ثقة، وإذا قلت لك: (هو ضعيف) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه \" (٥).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم: ما تقول في علي بن حوشب الفزاري؟ قال: \" لا بأس به \"، قلت: ولم لا تقول (ثقة) ولا تعلم إلا خيرًا؟ قال: \" قد قلت لك: إنه ثقة \" (٦).\n\nولك أن تقول: إنما جعلها ابن معين ودحيم تساوي الوصف بقولهم:\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٣٣).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٣٥).\n(٣) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٤١).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٤٨٦).\n(٥) هوَ في \" تاريخ ابن أبي خيثمة \" (ص: ٣١٥ - تاريخ المكيين) وأخرجه من طريقه: ابن شاهين في \" الثقات \" (ص: ٢٧٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٠).\n(٦) تاريخ أبو زُرعة (١/ ٣٩٥).","vol":"1","page":574},{"text":"(ثقة)، على اعتبار أنها مرتبة من مراتب الثقات، لا أنها تعادلها من كل وجه عند الإطلاق.\nوقد تكون بمنزلة قولهم في الراوي: (صدوق)، فيكتب حديثه وينظر فيه، ويحتج به بعد اندفاع شبهة الوهم والخطأ، لكون الوصف بها حينئذ قاصرًا عن وصف أهل الضبط والإتقان.\nمثل قول ابن عدي في (المغيرة بن زياد الموصلي): \" عامة ما يرويه مستقيم، إلا أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس من الغلط، وهو لا بأس عندي \" (١).\nوقد يكون موضع تردد عن الناقد:\nكقول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن عقبة بن أبي عياش الأسدي) وقد وثقوه: \" صالح، لا بأس به \"، قال ابنه: قلت: يحتج بحديثه؟ قال: \" يكتب حديثه \" (٢).\nوقوله في (زهرة بن معبد أبي عقيل): \" ليس به بأس، مستقيم الحديث \" فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" لا بأس به \" (٣).\nوقد يعتبر به، ولا يبلغ حديثه الاحتجاج:\nكقول أبي حاتم في (عبيد الله بن علي بن أبي رافع المدني): \" لا بأس بحديثه، ليس منكر الحديث \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" لا، هو يحدث بشيء يسير، وهو شيخ \" (٤).\nوقوله في (عنبسة بن الأزهر الشيباني) و(محمد بن سعيد ابن\n_________\n(١) الكامل (٨/ ٧٦).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١١٧).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٦١٥).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٢٨).","vol":"1","page":575},{"text":"الأصبهاني) في كل منهما: \" لا بأس به، يكتب حديثه، ولا يحتج به \" (١).\nوقول ابن عدي في (جعفر بن ميمون أبي العوام البصري): \" ليس بكثير الرواية، وقد حدث عنه الثقات، مثل: سعيد بن أبي عروبة، وجماعة من الثقات، ولم أر بحديثه نكرة، وأرجو أنه لا بأس به، ويكتب حديثه في الضعفاء \" (٢).\nوعند الدارقطني ربما قارن هذا اللفظ قلة حديث الراوي:\nكما قال في (أيوب بن وائل) الذي يحدث عن نافع، وعنه حماد بن زيد: \" مقل، صاحب حديث، لا بأس به \" (٣).\nوقال في (ثمامة بن شراحيل) الراوي عن ابن عمر: \" لا بأس به، شيخ مقل \" (٤).\nوقال في (الخصيب بن زيد) الراوي عن الحسن البصري: \" شيخ لا بأس به، ليس له كبير مسند \" (٥).\n\nتنبيه:\nأما عبارة: (لا أعلم به بأسًا)، فهذه وقعت في كلام أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة، منهم: صالح بن نبهان مولى التوأمة قبل أن يختلط (٦)، وعبد الله بن شريك (٧)، والمختار بن فلفل (٨)، وداود بن صالح\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٤٠١، و٣/ ٢ / ٢٦٨).\n(٢) الكامل (٢/ ٣٧٠).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ١٨).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٦٥).\n(٥) سؤالات البرقاني (النص: ١٣٥).\n(٦) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٣٨٢، ٤٤٧٩).\n(٧) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣١٩٣).\n(٨) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٣٢١).","vol":"1","page":576},{"text":"التمار (١)، ويزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد (٢)، وعمير بن سعيد النخعي (٣)، وقيس بن طلق (٤).\nولم يقلها في راو من هؤلاء إلا وهو إما ثقة وإما صدوق، ليس فيهم من ينزل عن ذلك.\nوشبيه به استعمال من جرت في قوله من سواه من النقاد، كالذهبي من المتأخرين، فإنه يقولها في رواة من المستورين أو من فوقهم.\nولو جاريت مجرد دلالة اللفظ اللغوية، لوجدت بينها وبين (لا بأس به) فرقًا، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون، قال: قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه: \" لا أعلم به بأسًا \"، ثم قال له: \" إني لم أقل لك: لا بأس به، إنما قلت: لا أعلم به بأسًا \" (٥).\nقلت: لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة.\nوأرى مثلها قول أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة: (لا أعلم إلا خيرًا)، فقد تتبعتها فوجدته لا يكاد يقولها إلا في ثقة أو صدوق، وندر منه قولها في مجروح ينزل عن درجة الاعتبار.\nوذلك كالذي نقل الميموني عن أحمد في (الحكم بن عطية) قال: \" لا أعلم إلا خيرًا \"، فقال له رجل: حدثني فلان عنه عن ثابت عن أنس، قال: كان مهر أم سلمة متاعًا قيمته عشرة دراهم، فأقبل أبو عبد الله يتعجب،\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢ / ٤١٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٧٥).\n(٣) سؤالات أبي داود (النص: ٣٤٢).\n(٤) سؤالات أبي داود (النص: ٥٥١).\n(٥) أخرجه ابنُ سعد في \" الطبقات \" (٧/ ١٩٦) وأبو زُرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (٢/ ٦٨٣) وأبو نُعيم في \" الحلية \" (٢/ ٢٩٩ رقم: ٢٢٨٨) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":577},{"text":"وقال: \" هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون، إنما كانوا يحفظون، ونسبوا إلى الوهم، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم فيه \" (١).\nوكان أحمد بعد ذلك إذا سئل عنه لينه، كما قال له المروذي: الحكم بن عطية، كيف هو؟ قال: البصري؟ قلت: نعم، الذي روى عن ثابت، قال: \" كان عندي ليس به بأس، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير \" وكأنه ضعفه (٢).\nقلت: وفي هذا من الفائدة دلالة على أنه قوله في الراوي: (لا أعلم إلا خيرًا) تعديل يساوي قوله: (ليس به بأس).\nأما عن غير أحمد من سائر النقاد، فندر استعمال هذه اللفظة في كلامهم.\n\n٦ - قولهم: (حسن الحديث).\nشرحت ما يتصل به في الكلام على (الحديث الحسن).\n\n٧ - قولهم: (مقارب الحديث).\nوقع استعمال هذه العبارة في كلام أحمد بن حنبل، والبخاري، وهي عبارة تعديل وقبول، تساوي مرتبة (حسن الحديث)، على هذا دل استقراء أحوال من قيلت فيه، على قلة ذلك في كتب الجرح والتعديل.\nبل وجدت البخاري قال في (الوليد بن رباح): \" مقارب الحديث \"، وحكم على حديث رواه بقوله: \" حديث صحيح \" (٣).\nوالترمذي يبني على من يقول فيه البخاري ذلك أن يحسن حديثه (٤)،\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (١/ ٤٦٨).\n(٢) العلل، رواية المروذي (النص: ١٦٥).\n(٣) العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٦٧٦ - ٦٧٧).\n(٤) كما في جاء حديث رواهُ أبو ظِلال عن أنس، \" الجامع \" للترمذي (رقم: ٥٨٦)، وآخر لبكَّار بن عبد العزيز بن أبي بكرةَ، \" الجامع \" (رقم: ١٥٧٨).","vol":"1","page":578},{"text":"نعم، ربما خالف شيخه في قوله ذلك ولم يقنع به في رواة شاع لأهل العلم بالحديث فيهم الجرح (١).\nوبمعناه أيضًا عبارة (حديثه مقارب)، ووقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وبندرة في كلام يحيى بن معين، وغيرهم.\n\n٨ - قوهم: (وسط).\nتقع في كلام ابن المديني، ومن المتأخرين الذهبي.\nوهل هي مرتبة تعديل، أم لا؟\nدلالتها من لفظها تضع الموصوف بها في مرتبة بين التعديل والتجريح، ومن كان كذلك فلا يحسن أن يلحق بمراتب التعديل، كما لا يصار به إلى الجرح، فحديثه موقوف على المرجح، وهو المتابعات والشواهد، وعليه يقال: هي مرتبة صالح الحديث الذي لا يحتج بحديثه ولكن يعتبر به.\nومما يبين ذلك من استعمالهم:\nقول يحيى بن سعيد القطان في (يزيد بن كيسان اليشكري): \"ليس هو ممن يعتمد عليه، وهو صالح وسط \" (٢).\nوقول علي بن المديني في (محمد بن مهاجر): \" كان وسطًا \" (٣).\nوقوله في (موسى بن أعين): \" كان صالحًا وسطًا \" (٤).\nوقول أبي زرعة الرازي في (محمد بن الزبرقان أبي همام): \" صالح، هو وسط \" (٥).\n_________\n(١) مثل: عبد الرحمن بن زياد بن أنْعم الإفريقي، (الجامع، للترمذي رقم: ١٩٩)، وإسماعيل بن رافع (الجامع، رقم: ١٦٦٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ٢ / ٢٨٥) وإسناده صحيح.\n(٣) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٣١).\n(٤) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٦٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٦٠).","vol":"1","page":579},{"text":"قلت: فدلالة هذه العبارة لا تعدو صلاحية حديث الراوي للاعتبار عند من قالها في حق من قيلت فيه.\n\n٩ - قولهم: (شيخ).\nعبارة تقع في كلام بعض أئمة الحديث في معرض بيان حال الراوي على سبيل النعت المستقل، لا مضمومة إلى غيرها، وأكثرهم لها استعملًا الإمام أبو حاتم الرازي.\nوبتأمل معناها من خلال النظر في حال من قيلت فيه، فإنها لا تدل على عدالة الراوي إلا من جهة أنه مذكور برواية، وليس هذا تعديلًا ولا جرحًا، وليس فيه تمييز لضبطه، ولذا لا تقال إلا في راو قليل الحديث، ليس بالمشهور به.\nقال الذهبي: \" ليس هو عبارة جرح، ولكنها أيضًا ما هي بعبارة توثيق \" (١).\nفمن أمثلتها المبينة لذلك ما يلي:\nسأل ابن الجنيد يحيى بن معين عن (المفضل بن فضالة أبي مالك البصري)؟ فقال: \" شيخ، وأيش عنده؟ ! \" (٢).\nوقال أبو حاتم الرازي في (سليمان بن زياد الحضرمي المصري): \" صحيح الحديث \"، فقال ابنه: ما حاله؟ قال: \" شيخ \" (٣).\nقلت: وهذا رجل قليل الحديث، جملة ما روى من الحديث أربعة أو خمسة أحاديث، يرويها جميعًا عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من صغار الصحابة، وروى عنه جماعة من أهل مصر، وما رواه فجميعه\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٢/ ٣٨٥).\n(٢) سؤالات ابنِ الجنيد (النص: ٧٠٨).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١١٨).","vol":"1","page":580},{"text":"محتمل، ولذلك قال يحيى بن معين: \" ثقة \" (١)، وذكره يعقوب بن سفيان في \" ثقات التابعين من أهل مصر \" (٢).\nوقال أبو حاتم في (شبيب بن بشر البجلي): \" لين الحديث، حديثه حديث الشيوخ \" (٣).\nقلت: يعني بقوله: \" حديثه حديث الشيوخ \" أنه قليل الحديث، وكذلك أمره، فجميع ما روى من الحديث إذا استبعدت رواية بعض الهلكى عنه، إنما هو بضعة عشر حديثًا، حديثان من روايته عن عكرمة عن ابن عباس، والباقي من روايته عن أنس، ولم يعرف أكثر ما رواه إلا من طريقه، واشتهر ذكره من رواية أبي عاصم النبيل عنه، ولا يكاد توجد لغيره رواية عنه إلا من طريق لا يخلو من علة، ولذا قال غير واحد من الأئمة: \" لم يرو عنه غير أبي عاصم \"، وأحسن ما روي عنه من غير طريق أبي عاصم: رواية إسرائيل بن يونس لحديث واحد، وأحمد بن بشير الكوفي بحديث واحد كذلك، ولا كلام في كونه معروفًا، لكن في حديثه على قلته من التفرد ما لا يقدر على حمله، وله في التفسير نصوص رواها عن عكرمة عن ابن عباس، كان أبو حاتم الرازي يقول، وقد سئل عن عمر بن الوليد الشني: \" من تثبت عمر أن عامة حديثه عن عكرمة فقط، ما أقل ما يجوز به إلى ابن عباس، لا شبه شبيب بن بشر الذي جعل عامة حديثه عن عكرمة عن ابن عباس \" (٤) وهو يريد بذلك ما رواه من التفسير، وفيه نقول غريبة مستنكرة.\nوقال أبو حاتم وأبو زرعة في (طالب بن حجير أبي حجير): \" شيخ \" (٥).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١١٨).\n(٢) المعرفة والتاريخ (٤٩٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٥٧).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٤٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٤٩٦).","vol":"1","page":581},{"text":"ففسره أبو الحسن بن القطان بقوله: \" يعنيان بذلك أنه ليس من طلبة العلم ومقتنيه، وإنما هو رجل اتفقت له رواية لحديث أو أحاديث أخذت عنه \" (١).\nوقال أبو حاتم في (عبد الله بن الأسود القرشي): \" شيخ، لا أعلم روى عنه غير عبد الله بن وهب \" (٢).\nقلت: لابن وهب عنه حديثان، يروي أحدهما عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مرفوعًا: \" أعلنوا النكاح \"، والثاني عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد مرفوعًا: \" لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل اطلاع النجوم \"، كما وقفت له على حديث ثالث ظاهر صنيع أبي حاتم عدم الوقوف عليه، وهو من رواية عبد الله بن عياش بن عباس القتباني عنه عن أبي معقل، عن أبي عبيد مولى رفاعة مرفوعًا: \" ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله فمنع سائله \".\nفهذه رواية ثان عنه، ومقدار هذا الذي رواه يعسر معه تمييز حفظه وإتقانه، لكن حين رأى الدارقطني أن هذا القدر اليسير ليس فيه منكر قال: \" مصري لا بأس به \" (٣).\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي، قلت له: يحيى البكاء أحب إليك، أو أبو جناب (٤)؟ قال: \" لا هذا، ولا هذا \"، قلت: إذا لم يكن في الباب غيرهما، أيهما أكتب؟ قال: \" لا تكتب منه شيئًا \"، قلت: ما قولك فيه؟ قال: \" هو شيخ \" (٥).\n_________\n(١) بيان الوهم والإيهام (٣/ ٤٨٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٢٥٠).\n(٤) البكَّاء هو يحيى بن مسلم، وأبو جَناب هو يحيى بنُ أبي حية الكلبي.\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٨٦).","vol":"1","page":582},{"text":"وقد قال فيه ابن عدي: \" ليس بذاك المعروف، وليس له كثير رواية \" (١).\nوقد يخرج عن المعنى الذي بينت ما لا تخفى دلالته بالقرينة، وذلك كقول عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: من رأيت في هذا الشأن، أعني الحديث؟ قال: \" ما رأيت مثل يحيى بن سعيد \"، قلت: فهشيم؟ قال: \" هشيم شيخ \" (٢).\nقلت: فهذا خرج مخرج المقارنة لهشيم بن بشير بيحيى القطان، وإلا فحسبك من قدر هشيم في الحديث أن يقارن بيحيى.\n\n١٠ - قولهم: (محدث).\nهذه العبارة في كلام المتقدمين تعني الاعتناء بالحديث رواية، وهي وصف مدح، لكنها لا تفيد التعديل الذي يحتج معه بحديث ذلك الراوي، حتى يعرف منه ضبطه لحديثه، وسلامته من قادح في العدالة، فكأن العبارة تساوي (عنده حديث كثير).\nولتبين هذا المعنى خذ له مثالًا قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عن (عبد العزيز بن محمد الدراوردي) و(يوسف بن الماجشون): \" عبد العزيز محدث، ويوسف شيخ \" (٣).\nفهذه المقارنة تفسر المفارقة بين النعتين، فحيث إن لفظة (شيخ) تعني قلة الحديث، فعبارة (محدث) تعني كثرته.\nومن برهان صحة هذا أن أحمد بن حنبل قال في (الدراوردي): \" كان\n_________\n(١) الكامل (٩/ ١٥).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ١١٨١).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٩٦).","vol":"1","page":583},{"text":"معروفًا بالطلب \" (١)، وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان مقارنة بينه وبين (عبد العزيز بن أبي حازم): \" ابن أبي حازم أفقه من الدراوردي، والدراوردي أوسع حديثًا \" (٢).\nولا يبعد من هذا استعمال المتأخرين مصنفي التراجم عندما يطلقون على الرجل وصف \" المحدث \"، فهم يذكرون هذا الوصف لمن كانت له بالحديث عناية متميزة، أو فائقة.\nلكن ينبغي أن تلاحظ منه أن الدراية ليست مرادة في هذا، كذلك قدر المروي لا أصل له في كلامهم، فما ادعاه بعض المتأخرين أن (المحدث) وصف يطلق على من حفظ قدر كذا من الحديث، دعوى لا تعرف لها حجة.\n\n١١ - قولهم: (صالح الحديث).\nقال الحافظ أحمد بن سنان: \" كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حيث الرجل فيه ضعف، وهو رجل صدوق، فيقول: رجل صالح الحديث \" (٣).\nواستعمل الإمام أحمد هذه العبارة فيمن هو دون الثقة، ويحتج به.\nفقال ابن هانئ: سألته عن الأعمش: هل هو حجة في الحديث؟ قال: \" نعم \"، قلت له: فأبو الزبير؟ قال: \" نعم، هو حجة \"، قلت: فيزيد التستري؟ قال: \" نعم، هؤلاء نحتج نحن بحديثهم \"، قلت: فابن إسحاق؟ قال: \" هو صالح الحديث، وأحتج به أيضًا \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٩٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٨٣).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٠) وإسناده صحيح.\n(٤) مسائل ابن هانئ النيسابوري (٢/ ٢٤١ - ٢٤٣).","vol":"1","page":584},{"text":"لكن ربما كانت عبارة تردد هل يحتج به أم لا، عند أبي حاتم الرازي، فإنه قال في (بشير بن عقبة أبي عقيل الأزدي): \" صالح الحديث \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" صالح الحديث \" (١)، مع أن غيره يطلق توثيقه كأحمد وابن معين.\nبل ربما كانت عنده دون درجة من يحتج به، كما قال في (عمر بن روبة التغلبي): \" صالح الحديث \"، فقال ابنه: تقوم به الحجة؟ فقال: \" لا، ولكنه صالح \" (٢).\nوقال في (موسى بن أبي عائشة): \" صالح الحديث \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" يكتب حديثه \" (٣).\nوهذا يعني أنه (صالح الحديث) للاعتبار، أي في الشواهد والمتابعات.\nهذا إن صح حمله على التردد، وإلا فهو عبارة تعديل بلا تردد، فتجرى في حق الراوي منزلة سائر ألفاظ التعديل فيه، فإن كانت تلك العبارات قد صيرته إلى الاحتجاج أهملنا أثر التردد في هذه العبارة، وإن كانت تنزل به إلى الاعتبار كان محمل هذه العبارة عليه صحيحًا أيضًا، فإن من يعتبر بحديثه فهو صالح الحديث كذلك.\nكما قال أبو حاتم في (حنش بن المعتمر الكناني): \" هو عندي صالح \"، فقال ابنه: يحتج بحديثه؟ قال: \" ليس أراهم يحتجون بحديثه \" (٤).\nوقال يزيد بن الهيثم: قيل ليحيى (يعني ابن معين) وأنا أسمع: (إسماعيل بن زكريا) روى حديث حجية عن علي في قصة صدقة العباس؟\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٧٦ - ٣٧٧).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٠٨).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٥٧).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢٩١).","vol":"1","page":585},{"text":"فقال: \" ليس بشيء، إسماعيل بن زكريا صالح الحديث \"، قيل له: فحجة هو؟ قال: \" الحجة شيء آخر \" (١).\n\n١٢ - قولهم: (صويلح).\nهي كقولهم: (صالح الحديث) في الصلاحية للاعتبار لا للاحتجاج، وإن كانت صيغتها تفيد أنها دونها في القوة.\nوقد قيلت في كلام المتقدمين في طائفة غير كثيرة من الرواة، وقعت في كلام يحيى بن معين (٢)، وقالها أبو زرعة الرازي في فرد لعله لم يقلها في غيره (٣).\nوقال الدارقطني في (هارون بن مسلم صاحب الحناء): \" صويلح، يعتبر به \" (٤).\nقلت: فدل هذا، مع التأمل لحال من قالها فيهم ابن معين وأبو زرعة، على أن من هذا وصفه ليس بخارج عما قاله الدارقطني في هارون هذا.\n_________\n(١) من كلام أبي زكريا (النص: ٣٥٨).\n(٢) قالها مثلًا في (عبْد الرحمن بن سُليمان ابنِ الغسيل) و(عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي) في \" تاريخ الدارمي \" (النص: ٤٥٠، ٤٧٣)، وفي (روْح بن المسيب أبي رَجاء الكلبي) و(عبد الله بن عُمر العُمري) و(عُبيد بن طُفيل أبي سيدان) و(عبيد بن عبد الرحمن المعروف بعبيد الصيد) و(عاصم بن رَجاء بن حيوةَ) و(عائذ بن حَبيب) و(محمد بن سُليم أبي هلال الراسبي) و(مُبشر بن مُكسر) و(المستلم بن سعيد) كما في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٤٩٦، و٢/ ٢ / ١١٠، ٤٠٩، ٤١٠، و٣/ ١ / ٣٤٢، و٣/ ٢ / ١٧، ٢٧٣، و٤/ ١ / ٣٤٣، ٤٣٩)، وفي (يحيى بن يزيد الهُنائي) كما في \" الضعفاء \" للعُقيلي (٤/ ٤٣٦)، وهذا أكثرُ المأثور عن يحيى ممن قال فيهم هذه العبارة.\n(٣) قالها في (زكريا بن أبي زائدة) كما في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٥٩٤) ولابن مَعين مثلها في زكريا هذا.\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٥٢٦).","vol":"1","page":586},{"text":"ثم أكثر من استعمالها الذهبي فيما لا يخرج عن استعمال من تقدم، في المعنى الذي بينت.\nواعلم أنه ليس من هذا أن يقال في الراوي: (له أحاديث صالحة)، إذ ليس هذا وصفًا له في عموم ما روى، بل هو وصف لبعض حديثه، وقد يكون ما عدا تلك الأحاديث واهية منكرة.\nوهذا مثل قول ابن عدي في (سليمان بن أرقم) وذكر بعض حديثه: \" لسليمان غير ما ذكرت من الحديث أحاديث صالحة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه \" (١).\nوقوله في (القاسم بن غصن): \" له أحاديث صالحة غرائب، ومناكير \" (٢).\n\n١٣ - قولهم: (محله الصدق).\nهي عبارة تعديل، تقرب من (صدوق) وإن كانت دونها، فإن حققت فيها ما يشترط لحسن الحديث، حسنت حديث الموصوف بها، ما لم يقترن بها وصف تليين سواهًا، فحينئذ لا تبلغ بالراوي مرتبة الاحتجاج، وإنما هو بمنزلة من يعتبر به ويستأنس بحديثه.\nكما قال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان في (سعيد بن بشير): \" محله\n_________\n(١) الكامل (٤/ ٢٣٨).\nواعلم أن ابنَ عدي يَستعمل عِبارة (عامة) بمعنى (أكثر) أو (غالب)، دلَّ على ذلك الاستقراء، ورُبما صرَّح في بعض المواضع بما يدلُّ على ذلك أيضًا، وذلك كقوْله في ترجمة (الجرح بن مليح الرُّؤاسي) والد وَكيع: \" عامة ما يَرويه عنه ابنه وكيع، وقد حدَّث عنه غيرُ وَكيع الثقات من الناس \" (الكامل ٢/ ٤١٣)، وقال في ترجمة (داود بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي) بعدَ أن أملى له أحاديث عدة: \" وهذا الذي أمْليت لداود هوَ عامة ما يرويه، ولعله لا يرْوي ما ذكرْته إلا حديثًا أو حديثين \" (الكامل ٣/ ٥٦٠).\n(٢) الكامل (٧/ ١٥٣).","vol":"1","page":587},{"text":"الصدق عندنا \"، قال ابن أبي حاتم: قلت لهما: يحتج بحديثه؟ فقالا: \" يحتج بحديث ابن أبي عروبة، والدستوائي، هذا شيخ يكتب حديثه \" (١).\nويزيده بيانًا قول أبي حاتم الآتي عند شرح عبارة (لا يحتج به).\nأما ذكرها مجردة عن وصف التليين، فوقعت كثيرًا في كلام طائفة من الأئمة، وأكثر منها أبو حاتم الرازي.\nوشبهها قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وهي نادرة الاستعمال جدًا، إن قيلت مرسلة، فتقرب من (صدوق)، كما قالها أبو زرعة الرازي في (سعيد بن سالم القداح) (٢)، وإن ضم إليها تليين فالراوي بحسبه، كما قال أبو زرعة أيضًا في (ربيعة بن عثمان التيمي): \" إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي \" (٣)، وقال في (مشمعل بن ملحان): \" لين، إلى الصدق ما هو \" (٤)، فهذان صالحًا الأمر يعتبر بهما.\n\n١٤ - قولهم: (لين)، أو: (لين الحديث).\nقال الحافظ حمزة السهمي: سألت أبا الحسن الدارقطني، قلت له: إذا قلت: (فلان لين) أيش تريد به؟ قال: \" لا يكون ساقطًا متروك الحديث، ولكن يكون مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة \" (٥).\nقلت: وهذا المعنى في التحقيق هو الأصل في معنى هذا اللفظ في كلامهم، وهو الضعف من جهة سوء الحفظ.\nوفي معناها كذلك قولهم: (فيه لين)، و(فيه ضعف)، وإن كانت قد\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٧).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣١).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٧٧).\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٤١٧).\n(٥) سؤالات السهمي (النص: ١) وأخرجه من طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٠).","vol":"1","page":588},{"text":"تفيد خفة عن (لين) بمقتضى وضعها اللغوي، لكنها كذلك في استعمالهم.\n\n١٥ - قولهم: (ليس بالحافظ).\nقال ابن القطان الفاسي: \" هذا قد يقال لمن غيره أحفظ منه \" (١).\nقلت: وذلك كما قال يحيى بن سعيد القطان في (عاصم بن سليمان الأحول): \" لم يكن بالحافظ \" (٢)، فإن عاصمًا كان من الثقات التقنين، ولكن جفت فيه عبارة يحيى، وغاية القول: أراد بالنظر إلى أقرانه من البصريين.\nومما يبينه أيضًا أن ابن أبي حاتم سأل أباه عن حديث يرويه (حميد بن قيس الأعرج) وقد اختلف عليه فيه؟ فقال: \" إن كان شيء فمن حميد؛ لأن حميدًا ليس بالحافظ \" (٣).\nقلت: وحميد هذا من الثقات، وإنما فيه لين يسير.\nوسأل البرذعي أبا زرعة الرازي عن رواية (يونس بن يزيد الأيلي) عن غير الزهري؟ فقال: \" ليس بالحافظ \" (٤).\nقلت: أراد ليس بالمتقن لما رواه عن غير الزهري إتقانه عن الزهري، ولهذا نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة إطلاقه القول في (يونس) هذا: \" لا بأس به \" (٥).\nوقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن نافع الصائغ): \" ليس بالحافظ، هو لين، تعرف حفظه وتنكر، وكتابه أصح \" (٦).\n_________\n(١) بيان الوهم والإيهام (٤/ ٣٣٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٣٤٣) وإسْناده صحيح.\n(٣) علل الحديث (رقم: ١٤١٩).\n(٤) سؤالات البرذعي (٢/ ٦٨٤).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٤٩).\n(٦) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٨٤).","vol":"1","page":589},{"text":"قلت: وهو عندهم جيد الحديث، وهذا لا تخرج عنه عبارة أبي حاتم هذه.\nوقال ابن عدي في (الهيثم بن جميل الأنطاكي): \" ليس بالحافظ، يغلط على الثقات \" (١).\nقلت: وهو موصوف عند عامتهم سوى ابن عدي بالحفظ والإتقان والثقة، وكأنه لينه لوهم يسير وقف عليه منه، والثقة قد يخطئ.\nوممن يكثر استعماله لها: أبو أحمد الحاكم، ولفظه بها: \" ليس بالحافظ عندهم \"، فهو يلخص بذلك عبارة من تقدمه من نقاد المحدثين، وقد يعني بها ما ذكرت من دلالتها على المنزلة المتوسطة للراوي، وربما عنى الضعف الذي لحق الراوي بسبب سوء الحفظ والوهم والخطأ، وقد يكون أثر ذلك في حديثه قليلًا، وقد يكون كثيرًا.\nلذا، يجب تمييز قدر الضعف فيها بالنظر في عبارات من تقدم أبا أحمد من النقاد.\nوتقايس بها عبارات هي في معناها، كقولهم: (ليس بالمتقن).\n\n١٦ - قولهم: (معروف).\nهل تعني التعديل؟\nقال أبو حاتم الرازي في (الحجاج بن سليمان ابن القمري): \" شيخ معروف \" (٢).\nوالتحقيق: أنه هو الرعيني، مصري اختلفوا فيه جرحًا وتعديلًا، وقرين أبي حاتم أبو زرعة الرازي قال في (الرعيني) هذا: \" منكر الحديث \" (٣)، فكأن أبا حاتم أراد بالمعرفة أنه ليس بمجهول، فتأمل !\n_________\n(١) الكامل (٨/ ٣٩٩).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٦٢).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٦٢).","vol":"1","page":590},{"text":"بينما قال علي بن المديني في (حصين بن أبي الحر مالك العنبري): \" معروف \" (١)، وهو ثقة.\nوالتحقيق: أنها عبارة مجملة، يبحث في تفسيرها في عبارات سائر النقاد في ذات ذلك الراوي.\nومن دليل ذلك، قول أحمد بن حنبل في (أبي ريحانة عبد الله بن مطر): \" هو معروف \"، فسأله ابنه عبد الله: كيف حديثه؟ قال: \" ما أعلم إلا خيرًا \" (٢).\nفلو كانت العبارة دالة بمفردها على التعديل لما احتاج عبد الله ليسأل أباه عن حاله في الحديث.\nومثلها أيضًا عبارة (مشهور) إذا وصف بها الراوي مجردة، كقول يحيى بن معين في (مغيرة بن حذف العبسي): \" مشهور \" (٣).\n\n١٧ - قولهم: (يكتب حديثه).\nتأتي على ثلاثة أحوال:\nالأولى: مفردة.\nفهي عندئذ مشعرة بضعف الراوي لذاته، وصلاحية حديثه للاعتبار، على أدنى الدرجات.\nقال أبو حاتم الرازي في (الوليد بن كثير بن سنان المزني): \" شيخ يكتب حديثه \" (٤)، فقال الذهبي: \" قول أبي حاتم هذا ليس بصيغة توثيق، ولا هو بصيغة إهدار \" (٥).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٩٥).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٥٩٣).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٢٠).\n(٤) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ١٤).\n(٥) ميزان الاعتدال (٤/ ٣٤٥).","vol":"1","page":591},{"text":"والثانية: مضافة إلى لفظ تعديل، كإضافتها إلى (حسن الحديث) أو (صدوق)، فيكون المراد وجوب التحري لإثبات سلامة ما رواه من الخطأ والوهم وإثبات كونه محفوظًاَ، كما بينته في (حسن الحديث).\nومن مثاله: قول أبي حاتم الرازي في (إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي): \" يكتب حديثه، وهو حسن الحديث \" (١).\nوأورد ابن عدي عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن هارون الصنعاني \": \" ليس به بأس، يكتب حديثه \"، فقال: \" معناه: أنه في جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم، ولم أر لإبراهيم هذا عندي إلا الشيء اليسير، فلم أذكره ههنا \" (٢).\nقلت: وهذا منه مؤكد أنه لم يأت بمنكر، وإلا سارع لذكره، لكنه ليس في محل من يحتج به، لعدم ظهور ذلك لقلة حديثه.\nوالثالثة: أن تضاف إلى عبارة تجريح.\nفمقتضى العبارة أن ذلك التجريح لا يبلغ بالراوي درجة من لا يعتبر به، فهو في عداد من يصلح حديثه في المتابعات والشواهد.\nكقول أبي حاتم الرازي في (إسماعيل بن مسلم المكي): \" ضعيف الحديث، ليس بمتروك، يكتب حديثه \" (٣).\nويشبه هذه العبارة قولهم: (يخرج حديثه)، كما قال الدارقطني في (عبد الملك بن أبي زهير الطائفي): \" شيخ مقل، ليس بالمشهور، يخرج حديثه \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٤٨).\n(٢) الكامل (١/ ٣٩٤).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٩٩).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٣٠٣).","vol":"1","page":592},{"text":"لا ينبغي أن تتجاوز هذه العبارة الدلالة على أن الراوي يكتب حديثه للاعتبار، حتى يرتفع أمره بوصف تعديل يصير معه إلى الاحتجاج.\n\n١٨ - قولهم: (يعتبر به).\nظاهرة الدلالة على المراد بها، وهو صلاحية الراوي أو الحديث في المتابعات والشواهد، دون الاحتجاج، وتأتي مضافة إلى غيرها من ألفاظ التليين أو التضعيف، كما تأتي مفردة.\nوالدرا قطني يستعملها كثيرًا مفردة.\nكما قالها في (أيوب أبي العلاء القصاب)، و(أسيد بن أبي أسيد)، و(أشعث بن سوار)، و(بكر بن عمرو المعافري) وغيرهم (١).\nوبين المراد بها في غير ترجمة:\nفمن ذلك قوله في (سعيد بن زياد الشيباني): \" لا يحتج به، ولكن يعتبر به \" (٢).\nوقوله في (عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد): \" لا يحتج به، يعتبر به \" (٣).\nوقوله في (محمد بن إسحاق بن يسار) وأبيه: \" لا يحتج بهما، وإنما يعتبر بهما \" (٤).\n\n١٩ - قولهم: (لا يحتج به).\nعبارة إنما يتبادر من لفظها أنها جرح، مع أنها قد تطلق على راو صالح الأمر يعتبر بحديثه في المتابعات والشواهد، ولا يحتج به.\n_________\n(١) انظر: سؤالات البرقاني (النص: ١٧، ٣٧، ٤١، ٤٣، ٤٤، ٥٤، ٥٧).\n(٢) سؤالات البرقاني (النص: ١٨٨).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٣١٧).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٤٢٢).","vol":"1","page":593},{"text":"وهي جرح مبهم، فإذا لم يوجد تفسير مؤثر لسببها، فالأصل: أن لا عبرة بها إذا عارضت التعديل من أهله، إلا مراعاة معنى استثنائي يأتي التنبيه عليه.\nقال الضياء المقدسي في (شريح بن النعمان الصائدي) بعد أن ذكر قول أبي إسحاق السبيعي فيه: \" وكان رجل صدق \": \" وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وكذا عادة أبي حاتم يقول في غير واحد ممن روى له أصحاب الصحيح: لا يحتج به، ولا يبين الجرح، فلا نقبل إلا ببيان الجرح \" (١).\nوكذلك قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي رادًا قول أبي حاتم في (بهز بن حكيم): \" وقول أبي حاتم: لا يحتج به، لا ينبغي أن يقبل منه إلا بحجة \" (٢).\nكما قال ردًا لقول أبي حاتم في (أيوب أبي العلاء): \" وقول أبي حاتم فيه: لا يحتج به، لا يلتفت إليه إذا لم يفسره، كسائر الجرح المجمل \" (٣).\nقلت: لكن بين أبو حاتم مراده باستعمال هذه العبارة، بما يزيح عنه بعض الإجمال، فإنه قال: \" إبراهيم بن مهاجر ليس بقوي، هو وحصين بن عبد الرحمن، وعطاء بن السائب، قريب بعضهم من بعض، محلهم عندنا الصدق، يكتب حديثهم ولا يحتج بحديثهم \"، قال ابنه عبد الرحمن: قلت لأبي: ما معنى: لا يحتج بحديثهم؟ قال: \" كانوا قومًا لا يحفظون، فيحدثون بما لا يحفظون فيغلطون، ترى في حديثهم اضطرابًا ما شئت \" (٤).\nقلت: فهذا البيان يورد شبهة في حديث من وصف بها، فإن عارضها التعديل، فمع قولنا: (هي جرح مجمل)، إلا هذا البيان من أبي حاتم\n_________\n(١) الأحاديث المختارة (٢/ ١١٤).\n(٢) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٥٦٦).\n(٣) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٠٢).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٣٣).","vol":"1","page":594},{"text":"يوجب تحوطًا في الاحتجاج بحديث من وصف بها حتى تزول الشبهة، وذلك يتحقق سلامة حديثه المعين من الخطأ، شأن ما يشترط لقبول حديث (الصدوق)، أو بتفرده بإطلاقها دون سائر النقاد، وقد عرف بالتشدد.\nوفي معناها قولهم في الراوي: (ليس بحجة).\n\n٢٠ - قولهم: (ليس بذاك).\nوقعت في كلامهم بكثرة، وهي صيغة جرح، تتبعتها فوجدتها قد اطردت في تليين الراوي الموصوف بها، لكنها درجات متفاوتة في التليين:\nفأطلقت على من دون الثقة.\nوأطلقت على الصدوق الذي يعد حديثه المحفوظ من قبيل الحديث الحسن.\nكما قالها يحيى بن معين في (عمرو بن شعيب) (١)، وهو معروف بحسن حديثه، بل في رواية الدوري عن يحيى بن معين نفسه قوله فيه: \" ثقة \" (٢)، وقالها في (العلاء بن عبد الرحمن) (٣)، وهو صدوق جيد الحديث، احتج به مسلم في \" صحيحه \".\nوكما قال أبو زرعة الرازي في (الحكم بن فصيل (٤) الواسطي): \" شيخ، ليس بذاك \" (٥)، وهو صدوق لا بأس به، حسن الحديث، قال يحيى بن معين: \" ليس به بأس \" (٦)، وفي رواية: \" ثقة \" (٧).\n_________\n(١) نقله عنه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٢٣٩).\n(٢) تاريخه (النص: ٨٧٤).\n(٣) نقله ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٣٥٧).\n(٤) هكَذا صَوابه بفتح الفاء والصاد المهملة، انظر: الإكمال، لابن ماكولا (٧/ ٦٦).\n(٥) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٢٧).\n(٦) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ١٢٧)، وكذلك نحوه في \" سؤالات ابن الجنيد \" (النص: ٨٠١).\n(٧) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٨٥٢).","vol":"1","page":595},{"text":"وقال أبو داود: \" ثقة \" (١)، وذكره ابن حبان في \" الثقات \" (٢).\nوأطلقت على من يعتبر به ممن لم يتبين إتقانه لقلة حديثه.\nكما قال يحيى بن معين في (خالد بن الفزر): \" ليس بذاك \" (٣)، وهو شيخ ليس بالمشهور، لم يرو عنه غير الحسن بن صالح، وقال أبو حاتم: \" شيخ \".\nوأطلقت على من ليس بقوي في حديثه، يعتبر به ولا يحتج به.\nكما في ترجمة (إبراهيم بن رستم المروزي)، إذ سأل ابن أبي حاتم أباه قال: قلت: ما حاله في الحديث؟ قال \" ليس بذاك، محله الصدق \" (٤)، والرجل ليس بالقوي في الحديث لوهمه وخطئه.\nوكما قال يحيى بن معين في (جعفر بن ميمون الأنماطي): \" ليس بذاك \" (٥)، والرجل صالح الحديث، لكنه لا يبلغ الاحتجاج للينه، وابن معين نفسه قال مرة: \" صالح \"، وقال أخرى: \" ليس بثقة \" (٦)، فكأنه يقول: لم يبلغ مبلغ الثقات.\nوأطلقت على الضعيف المعروف بالضعف، ممن الأصل فيه الصدق فيعتبر بحديثه.\nكما قال يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله بن نمير في (عثمان بن سعد الكاتب): \" ليس بذاك \" (٧)، وهو لين الحديث، سيىء الحفظ، شرح\n_________\n(١) سؤالات الآجري (النص: ١٢٩، ١٨٠).\n(٢) الثقات (٨/ ١٩٣).\n(٣) نقله ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٣٤٦)، وفيه قولُ أبي حاتم التالي كذلك.\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٩٩).\n(٥) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٣٧٢٦، ٤١٤٩).\n(٦) انظر: تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٣٧٢٦، ٤١٤٩).\n(٧) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٣٥٩٩) والجرح والتعديل (٣/ ١ / ١٥٣).","vol":"1","page":596},{"text":"أمره ابن حبان فقال: \" كان ممن لا يميز شيخه من شيخ غيره، ويحدث بما لا يدري، ويجيب فيما يسأل، فلا يجوز الاحتجاج به \" (١).\nوكما قال يحيى بن معين في (روح بن أسلم أبي حاتم الباهلي): \" ليس بذاك، لم يكن من أهل الكذب \"، كأنه يرد قول عفان بن مسلم: \" كذاب \"، وعفان مع إتقانه لا يعد في مبرزي النقاد، وفسر العبارة فيه أبو حاتم الرازي فقال: \" لين الحديث، يتكلم فيه \" (٢)، فكأنه يشير إلى قول عفان ممرضًا، وأن الرجل لا ينزل حاله عن مجرد الضعف للين حديثه، ولذا أطلق تضعيفه طائفة، ولم يجاوزوا.\nوكما قال أحمد بن حنبل في (سلم بن سالم البلخي الزاهد): \" ليس بذاك في الحديث \" قال عبد الله بن أحمد: \" كأنه ضعفه \" (٣).\nقلت: وهو كذلك ضعيف الحديث عند أكثرهم، وعلته من جهة ما روى من المنكر، وكأنه لغفلة الصالحين، وشدد بعض النقاد القول فيه حتى أشار إلى أنه يكذب، لكنه لا يبلغ ذلك، بل هو ضعيف، يبقى في حد الاعتبار.\nولا تعني السقوط بأي اعتبار، فإن وجدتها وصف بها من هو متروك أو متهم، فذلك ممن قالها لعدم اطلاعه على سبب شدة الجرح في ذلك الراوي.\nوحيث وقع استعمالها فيما يتردد في الدرجات المتفاوتة احتجاجًا واعتبارًا، فلا يصح عدها سببًا لرد حديث الموصوف بها، حتى يحدد معناها بغيرها.\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٩٦).\n(٢) الأقوال الثلاثة في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٤٩٩).\n(٣) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٥٤٣٤).","vol":"1","page":597},{"text":"وتجد في كلامهم يذكرون تلك العبارة مضافة إلى لفظة مفسرة، وهي عندئذ بحسبها، فيقولون: (ليس بذاك الثقة)، و(ليس بذاك المعروف)، و(ليس بذاك المشهور)، و(ليس بذاك القوي)، وهذه عبارات متكررة في كلامهم، سوى الأولى منها فهي نادرة.\n\n٢١ - قولهم: (ليس بالقوي).\nعبارة تليين، يكتب حديث الموصوف بها، ويعتبر به.\nقال الذهبي: \" هذا النسائي قد قال في عدة: ليس بالقوي، ويخرج لهم في كتابه، قال: قولنا: (ليس بالقوي) ليس بجرح مفسد \" (١).\nوعليه قال الذهبي أيضًا في تفسير قول أبي حاتم: (ليس بالقوي): \" لم يبلغ درجة القوي الثبت \" (٢).\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألته (يعني أباه) عن هشام بن حجير؟ فقال: \" ليس هو بالقوي \"، قلت: هو ضعيف؟ قال: \" ليس هو بذاك \" (٣).\nوقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن فرقد السَّبخيِّ؟ فقال: \" ليس هو بقويِّ في الحديث \"، قلت: هو ضعيف؟ قال: \" ليس هو بذاك \" (٤).\nوقال علي بن المديني في (الفرج بن فضالة): \" هو وسط، وليس بالقوي \" (٥).\nوقال في (سليمان بن قَرْمٍ): \" لم يكن بالقوي، وهو صالح \" (٦)،\n_________\n(١) الموقظة (ص: ٨٢).\n(٢) الموقظة (ص: ٨٣).\n(٣)\n(٤) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٧٥١).\n(٥) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٣٤).\n(٦) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٤٧).","vol":"1","page":598},{"text":"ونحوُها في (كثير بن زيد) (١)، و(هشام بن سعد) (٢) و(منكدر بن محمد بن المنكدر \" ... (٣).\nوقال في محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزُّهريِّ: \" ضعيفٌ، ليس بالقوي، ونحن نكتب حديثه \" (٤). */*\nوفي (أبي خلف موسى بن خلف): \" ليس بالقوي، يعتبر به \" (٥).\nوقال الدارقطني في (شبل بن العلاء بن عبد الرحمن): \" ليس بالقوي، ويُخرَّج حديثه \" ... (٦).\nقلت: عامة استعمالهم لهذه العبارة لا يخرج في دلالته عما ذكرت، فهي عبارة جرح خفيف، تجعل الراوي في مرتبة (صالح الحديث) لغيره، و(لا يحتج به) لذاته.\nوقد تدل بالنظر إليها مقرونة بعبارات سائر النقاد في الراوي الذي قيلت فيه على أنه في منزلة من هو دون الثقة وفوق الضعيف، فتليينه بهذه العبارة من جهة عدم بلوغه درجة أهل الإتقان، وكذلك الصدوق، وتارة تدل سائر العبارات على أن الرجل ضعيف الحفظ، فيوصف بالضعف مع صحة الاعتبار بحديثه، لكن لا تفيد شدة الضعف لذاتها.\nوقد يراد بها لمعنى غير الحديث، لكن لا يأتي ذلك إلا مبينًا في نفس لفظ الجرح، مثل قول الدارقطني وقد سئل عن (أبي العباس أحمد بن محمد بن سعيد ابن عقدة): \" حافظ محدث، ولم يكن في الدين بالقوي، ولا أزيد على هذا \" (٧).\n_________\n(١) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٩٧).\n(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٠٩).\n(٣) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٧٨).\n(٤) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٥٠).\n(٥) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٥٠١).\n(٦) سؤالات البرقاني (النص: ٢٢٣).\n(٧) سؤالات السُّلمي (النص: ٤١).","vol":"1","page":599},{"text":"واعلم أن مما يلتحق بهذه اللفظة في المعنى: قولهم: (ليس بالمتين) على معنى قولهم: (ليس بالقوي) بتفصيله.\n\n٢٢ - قولهم: (إلى الضعف ما هو).\nعبارة تليين شائعة، لكنها قليلة الاستعمال في كلامهم، والتليين فيها لم أجده إلا من جهة سوء الحفظ.\nكقول أحمد بن حنبل في (عاصم بن عبيد الله بن عاصم العمري): \" حديثه وحديث ابن عقيل إلى الضعف ما هو \" (١).\nوقالها يحيى بن معين في (بشر بن حرب الندبي) (٢).\nويَبَيِّنُها قول أبي حاتم الرازي في (الصلت بن دينار الأزدي): \" ليِّنُ الحديث، إلى الضعف ما هو، مضطرب الحديث، يكتب حديثه \" (٣).\nوهؤلاء الرواة جميعًا عرفوا بسوءِ الحفظ، وحديثهم يعتَبَر به، ولا يحتج به، وبعضهم أرفع من بعض، وعبد الله بن محمد بن عقيل من أحسنهم حالًا، وقد يحسن حديثه مع لينه.\nوشذَّت عبارة يعقوب بن شيبة في (عبد الكريم بن مالك الجزَريِّ)، حيث قال: \" إلى الضعف ما هو، وهو صدوق ثقة \" (٤).\nقلت: وابن شيبة يجمع بين ألفاظ لا تأتي على استقامة مصطلحاتهم، فتنبَّه، وكأنه يعني هنا أن الجَزريَّ يُتردَّدُ فيه بين أن يكون صدوقًا أو ثقة، إذ في حفظه ما يميل به إلى الضعف عن درجة الثقات، وليس المراد الضعف الذي ينزل بالراوي عن درجة الاحتجاج، بل إن الجزريَّ ممن يحتج بحديثه.\n_________\n(١) أخرجه ابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٢٥/ ٢٦٦) بإسناد جيد.\n(٢) الكامل، لابن عدي (٢/ ١٥٨).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٤٣٨).\n(٤) أخرجه ابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٣٦/ ٤٦٦) بإسناد جيد.","vol":"1","page":600},{"text":"٢٣ - قولهم: (تَعرف وتُنْكر).\nعبارة جرح في التَّحقيق، تتَّصل بحديث الراوي لا بشخصه، والمعنى: تارة هكذا وتارة هكذا، يأتي بالحديث مرة على الوجه، ومرة على غير ذلك، أي: لم يكن يتقن حديثه.\nولذا كان الناقد ربما قالها في الراوي، وقرنها بالتَّعبير بالحركة إشارةًَ إلى عدم استقرار حال الراوي وثباته فيما يؤديه.\nكما قال علي بن المديني: سألت يحيى بن سعيد (يعني القطان) عن (الربيع بن حبيب)؟ فقال: \" تَعْرف وتُنْكر \" وقال بيده (١).\nقلت: وهو قد روى عن الربيع هذا، وهو صدوق جيد الحديث.\nوكما قال ابن أبي حاتم الرازي في (الحسين بن زيد بن عليٍّ الهاشميِّ): قلت: لأبي: ما تقول فيه؟ فحرك يده وقبلها، يعني تعرف وتنكر (٢).\nوفسر القول فيه ابن عدي فقال: \" أرجو أنه لا بأس به، إلا أني وجدت في بعض حديثه النكرة \" (٣).\nوكذلك قال ابن أبي حاتم في (زيد بن عوف القطعي) المقلب بـ (فهد): قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: \" تَعْرف وتُنْكر \" وحرك يده (٤).\nقلت: وقد وجدت هذا اللفظ وقع في كلام يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي والبخاري وأبي حاتم الرازي، وغيرهم، وليس بالكثير، وقيل في رواة درجاتهم متفاوتَةٌ في اللين والضَّعف، وفيهم من\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٤٥٧) وإسناده صحيح.\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٣).\n(٣) الكامل (٣/ ٢١٨).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٥٧٠).","vol":"1","page":601},{"text":"الراجح قبوله، وفيهم من الراجح ضعفه، لذا فهي عبارة تليين مجملة في قدر اللين في الراوي، فتُحرَّرُ فيمن قيلت فيه بحسب دلالة سائر أقوال النقاد فيه الراوي، أو بتأمُّل حديثه وروايته.\n\n٢٤ - قولهم: (سيئ الحفظ).\nعبارة صريحة التعلُّق بحديث الراوي، وليست كثير الورود في كلام المتقدِّمين مطلقة دون وصف آخر، وإنما كان أكثر ما ترد عنهم مقرونة بوصف آخر كالقول: (صدوق سيئ الحفظ)، و(سيئ الحفظ كثير الوهم)، أو (كثير الغلط)، أو (كثير الخطأ)، وما معناها، أو (مضطرب الحديث)، وغير ذلك، وإنما جاءت مطلقة في الراوي بعد الراوي، وقعت في كلام أحمد بن حنبل، وأبي حاتم الرازي، وأبي بكر البزار، والدر قطني، وكثر استعمالها بإطلاق كلام المتأخرين.\nويندر أن تجدها تستعمل فيمن بلغ به سوء الحفظ إلى حدِّ الترك.\nكما وقع فيما حكاه عمرو بن علي الفلاَّسُ عن يحيى بن سعيد القطان في (عيسى بن أبي عيسى الحَنَّاط)، وهو متروك الحديث، قال: \" كان سيئ الحفظ \" (١).\nوكما قال عمرو بن علي في (عبيدة بن معتب الضبي): \" سيئ الحفظ، متروك الحديث \" (٢).\nقلت: وهو متروك عند جماعة من النقاد، ضعيف لا يبلغ الترك عند آخرين.\nوقالوا في جماعة: (سيئ الحفظ جدًا)، ولا تعني السقوط.\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (٦/ ٤٣٦).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٩٤).","vol":"1","page":602},{"text":"والتحقيق: أن الضعف العائد إلى سوء الحفظ قد يبلغ صاحبه حد الترك، كما بينته في (تفسير الجرح)، لكن يندُرُ ذلك في الرواة الذين قيلت فيهم هذه العبارة، بل أكثرهم يعتبر بحديثه، ولا يكادُ يقبل حديث من رجح له هذا الوصف لذاته وإن كان منعوتًا بالصدق.\n\n٢٥ - قولهم: (فيه نظر).\nشاع استعمال هذه العبارة عن البخاريِّ، واستعملها غيره من المتقدمين بقلَّة، كأبي حاتم الرازي وابن عديِّ وأبي أحمد الحاكم وغيرهم، وأكثر من استمالها من المتأخرين أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني صاحب \" الإكمال في ذكر من له رواية في مسند أحمد \".\nوقد قال الذهبي في تفسيره هذه اللفظة: \" قلَّ أن يكون عند البخاري رجل فيه نظر، إلا وهو متهم \" (١)، وقال في موضع آخر: \" لا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبًا \" (٢).\nقلت: لكن المتَتَبَّع لاستعمال البخاري له لا يجد ما أطلقه الذهبي صوابًا، بل إنك تجده قالها في المجروحين على اختلاف درجاتهم، كما قالها في بعض المجهولين الذين لم يتبيَّن أمرهم لقلة ما رَوَوا، بل قالها في رواة هم عند غيره في موضع القبول.\nفقالها في (عبد الحكيم بن منصور الخزاعي) (٣)، وهو متروك متهم.\nوقالها في (حريث بن أبي مطر الحنَّاط) (٤)، وهو منكر الحديث.\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٥٢).\n(٢) ميزان الاعتدال (٢/ ٤١٦)، وقالَ في \" الموقظة \" (ص: ٨٣): \" هوَ عندَه أسوأ حالًا من الضعيف \".\n(٣) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١٢٥).\n(٤) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٧١).","vol":"1","page":603},{"text":"وقالها في (عمرو بن دينار قَهْرَمانِ آل الزبير) (١)، وهو ضعيف الحديث.\nوقالها في (علي بن مسعدة الباهلي) (٢)، وهو صالح الحديث يعتبر به.\nوقالها في (جميل بن عامر) (٣)، وهذا ذكره ابن عدي وقال: \" يعرف بحديث أو حديثين \" (٤).\nكما قالها في (سعيد بن خالد الخُزاعيِّ) (٥)، وقال ابن عدي: \" هذا الذي ذكره البخاري إنما يشير إلى حديث واحد، يرويه عنه عبد الملك الجُدِّيُّ، وهو يعرف به، ولا يعرف له غيره \" (٦).\nوفي (شعيب بن ميمون) يروي عن حصين بن عبد الرحمن وغيرِهِ (٧)، وذكر ابن عدي أن الرجل له حديث واحد (٨)، وقال أبو حاتم الرازي: \" مجهول \" (٩).\nوقالها في (حُيَيِّ بن عبد الله المعافِريَّ) (١٠)، وهو حسنُ الحديث لا بأس به.\nوقالها في (حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير) (١١)، وقد احتج به\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٣٢٩).\n(٢) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ٢٩٤ - ٢٩٥).\n(٣) التاريخ الكبير (١/ ٢ / ٢١٦).\n(٤) الكامل (٢/ ٤٢٨).\n(٥) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٤٦٩).\n(٦) الكامل (٤/ ٤٣٢).\n(٧) التاريخ الكبير (٢/ ٢ / ٢٢٢).\n(٨) الكامل (٥/ ٥).\n(٩) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٥٢).\n(١٠) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٧٦).\n(١١) التاريخ الكبير (١/ ٢ / ٣١٨).","vol":"1","page":604},{"text":"مسلم في \" صحيحه \" في موضع واحد (١)، وهو صدوق حسن الحديث، وثقه أبو حاتم الرازي وأبو داود السجستاني وابن حبان (٢).\nوأكثر الذين قال فيهم البخاري تلك العبارة هم ممن يكتب حديثه ويعتبر به، وفيهم جماعة كانوا قليلي الحديث، غير مشهورين به، لا يَصِلون إلى حدِّ السُّقُوط، خلافًا لما قاله الذهبي.\nومما يبين مراد البخاري بقوله هذا، ما ذكره الترمذي عنه من قوله في (حكيم بن جبير): \" لنا فيه نظر \"، قال الترمذي: \" ولم يعزم فيه على شيء \" (٣).\nفهذا يدل على أن هذه العبارة من البخاري فيمن هو في موضع تأمُّل وتوقُّف عنده، فهي عبارة احتراز عن قبول حديث الراوي والاحتجاج به، أو الاعتبار به، ولكونِها توقفًا عن القبول، فهي في جملة ألفاظ الجرح، وإن لم يقصد البخاري إلحاق الجرح بمن أطلقها عليه.\nوأكثر ما يقال: هي من عبارات الجرح المجملة، يبحث عن تفسيرها في كلام سائر النقاد في ذلك الراوي.\nوإذا عرف هذا في دلالة هذا اللفظ، تبين المراد بقوله أيضًا: (في حديثه نظر)، فالمعنى فيه غير خارج عما ذكرت من توقف البخاري في قبول حديث ذلك الراوي، أو إسناده، تارة بسببه، وتارة من جهة علة دونه في الإسناد، لا يقضى معها بقبول خبره، أو بالدلالة على أمره في إدخاله في جملة رواة العلم.\nومثال ما كان مورد النظر بسببه، قول البخاري في (إسماعيل بن\n_________\n(١) صحيح مُسلم (الحديث رقم: ٨٧٨).\n(٢) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٠٢)، سؤالات الآجري (النص: ٤٢، ٣٨١)، الثقات، لابن حِبان (٤/ ١٣٨).\n(٣) العلل الكبير (٢/ ٩٦٩).","vol":"1","page":605},{"text":"إبراهيم بن مهاجر البجلي): \" في حديثه نظر \" (١)، وهو معروف بالضَّعْف.\nوما كان النظر من جهة الإسناد الذي رواه، قوله في (إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي): \" في حديثه نظر \" (٢).\nإذ حديثه هذا الذي يشير إليه البخاري رواه محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن أبي الأشعث الكندي، قال: حدثني إسماعيل بن إياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف، في قصة.\nوابن الأشعث فيه مجهول، وإياس أبو إسماعيل قال فيه البخاري أيضًا: \" فيه نظر \" (٣) ولم يرو عنه غير ابنه (٤).\nوما نسبه الذهبي إلى البخاري أنه قال: \" إذا قلت: فلان في حديثه نظر، فهو واه متهم \" (٥)، فهذا لم أقف عليه مسندًا إلى البخاري في شيء، ولا يدل عليه ما وقفنا عليه من استعمال البخاري.\nوأما قول البخاري: (في إسناده نَظَر) فتوقُّفٌ منه في ثبوت إسناد معَّين جاء من رواية المذكور، إذ أكثر ما أتت هذه العبارة في كلامه، عقبَ حديث أو أثر يذكره في ترجمة الراوي، فالهاء في قوله (إسناده) لا تعود على الراوي، إنما تعود على الرواية المذكورة.\nومن أدل علامة عليه، قوله في ترجمة (أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي): قال لنا مسددٌ: عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء، قال: أقمت مع ابن عباس وعائشة اثنتي عشرة سنة، ليس من القرآن آية إلا سألتْهُم عنها. قال البخاري: \" في إسناده نظر \" (٦).\n_________\n(١) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٣٤٢).\n(٢) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٣٤٥).\n(٣) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٤٤١).\n(٤) وبيَّنتُ الحديث وعلته في تحقيقي لكتاب \" المفاريد \" لأبي يعلى الموصلي (رقم: ٥٩).\n(٥) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٤١).\n(٦) التاريخ الكبير (١/ ٢ / ١٦ - ١٧).","vol":"1","page":606},{"text":"قلت: فهذا ليس حُكمًا على أبي الجوزاء، فإنه ثقة معروف، وإنما هو توقُّفٌ من البخاري في إثبات هذا الخبر عنه، والمفيد اتِّصال ما بينه وبين ابن عباس وعائشة، وربما من أجل كونه من رواية جعفر بن سليمان الضبعي، وهو عند البخاري \" يخالف في بعض حديثه \" (١).\nقلت: وعلى هذا الذي بيَّنْت عن استعمال البخاري يقع استعمال غيره، إلا أن تقوم قرينةٌ على إرادة معنى مخصوص.\nوذلك كاستعمال ابن عبد البرِّ لعبارة: \" فيه نظر \" (٢)، ففسرها العلائي بقوله: \" أي في صحبته \" (٣).\nوقال السُّليمانيُّ (٤) في (محمد بن المغيرة بن سنان الضبي فقيه الحنفية بهَمَذانَ): \" فيه نظر \"، فقال الذهبي: \" يشير إلى أنه صاحب رأي \" (٥).\n\n٢٦ - قولهم: (ضعيف) أو: (ضعيف الحديث).\nهي صيغة جرح بلا تردُد، لكن هل هي مفسرة أو مجملة؟\nالتحقيق: أنها مجملة، فإذا عارضها تعديل معتبر لم يعتد بها حتى يبين وجهها.\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٢/ ١ / ١٩٢).\n(٢) الاستيعاب (٦/ ٣٢٨ - هامش الإصابة).\n(٣) جامع التحصيل (ص: ٢٦٢).\n(٤) هوَ الحافُظ الناقد أبو الفضْل أحمد بن علي البيكنْدي (المتوفى سنة: ٤٠٤) قال الذهبي: \" رأيتُ للسليماني كتابًا فيه حط على كبار، فلا يُسمع منه ما شذَّ فيه \" (سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٠٢).\n(٥) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٤).","vol":"1","page":607},{"text":"ثم إن التضعيف بها قد يراد به الضعف اليسير، كثقة أو صدوق إذا قورن بمن هو فوقه قيل فيه: \" ضعيف الحديث \".\nوقد تطلق على الراوي ويراد بها أنه دون من يحتج بحديثه، لسوء حفظه مثلًا، ولكن يعتبر به.\nقال أبو حاتم الرازي في (عُبيد بن واقد أبي عبَّاد القَيْسيَّ): \" ضعيف الحديث، يكتب حديثه \" (١).\nوقال الدارقطني في (قابوس بن أبي ظَبْيَان): \" ضعيف، ولكن لا يترك \" (٢).\nوقد تطلق على المجروح الشديد الضعف الذي لا يكاد يكتب حديثه، كقول أبي حاتم الرازي في (حمزة بن نجيح أبي عُمارة): \" ضعيف الحديث \"، فقال ابنه: يكتب حديثه؟ قال: \" زاحفًا \" (٣).\nوعلى شديد الضعف الذي يبلغ حديثه الترك، وإن كان غير مُتَّهم، كقولِ عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن أبي قتادة الحرَّاني، قلت: ضعيف الحديث؟ قال: \" نعم، لا يحدث عنه \" ولم يقرأ علينا حديثه (٤).\nوقال علي بن المديني في (الوليد بن محمد الموقَّريِّ): \" ضعيف، ليس بشيء، وكان قد روى عن الزهري، ولا نروي عنه شيئًا \" (٥).\nوقال أبو حاتم الرازي في (رَوْحِ بن مسافر أبي بشر): \" ضعيف الحديث، لا يكتب حديثه \" (٦).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٥).\n(٢) سؤالات البرقاني (النص: ٤١٨).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٢١٦).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٩٢).\n(٥) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ١٥١).\n(٦) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٩٦).","vol":"1","page":608},{"text":"ومن هذا استعمال يحيى بن معين لها، حيث قال: \" وإذا قلت لك: (هو ضعيف) فليس هو بثقة، ولا يكتب حديثه \" (١).\nومن هذا قولهم: (ضعيف جدًا)، وهي دالة بلفظها على معناها.\nكما تطلق على الراوي المتَّهم بالكذب، فإذا وجدت ذلك فلا تقل: هو جرح يسير.\nويطلب تعيين مرتبة ذلك الضعف بالنظر في القرائن.\nومن هذا قول ابن عدي في \" كامله \" في كثير من الرواة: \" هو في جملة الضعفاء \"، فربما قالها فيمن يعتبر به، وربما قالها في متروك.\n\n٢٧ - قولهم: (مضطرب الحديث).\nشرحت في تفسير (الحديث المضطرب) أنَّ إحدى صورتي الاضطراب هي الاختلاف على الراوي، حيث يأتي الحديث عنه على وجوه، تدل على لينه وسوء حفظه.\nوذلك كقول أحمد بن حنبل في (خُصَيفِ بن عبد الرحمن): \" شديد الاضطراب في المسند \" (٢)، لذلك وصفه في موضع آخر بقوله: \" ليس بقوي في الحديث \" (٣).\n\n٢٨ - قولهم: (يخالف الثقات).\nعبارة جرح مجملةٌ، إذا عارضت التعديل فإنها تثير شُبهة إمكان الشُّذوذ، وربما أيضًا التفرد.\nوابن حبان يقول في مواضع فيمن يوردهم في \" الثقات \": \" يخالف \"، \" ربَّما خالف \" فهي عبارة لا تعني الجرح المسقط، والثقة قد يخالف،\n_________\n(١) تقدَّم سياقه بتَمامه وتَخريجه في الكلام على عبارة (لا بأس به).\n(٢) العلل (النص: ٤٩٢٦).\n(٣) العلل (النص: ٣١٨٧).","vol":"1","page":609},{"text":"فتكون روايته شاذَّة إذا كانت المخالفة لمن هو أتقن منه، وإنما يكون مجرَّد المخالفة قادحًا مؤثِّرًا في الراوي إذا كان قليل الحديث.\n\n٢٩ - قولهم: (لا يتابع على حديثه).\nقال ابن القطان الفاسيُّ: \" يُمسُّ بهذا من لا يعرف بالثقة، فأما من عرف بها فانفراده لا يضره، إلا أن يكثر ذلك منه \" (١).\nقلت: والأمر كما قال، وأكثر من استعمل هذه العبارة من المتقدِّمين البخاري، وإذا قالها في راو فإنه يعني تفرده بما لا يعرف إلا من طريقه، وفي الغالب هو حديثٌ معيَّنٌ ليس لذلك الراوي سواه، ولذا فهذه اللفظة إذا قالها البخاري في راو فهو تضعيف؛ لأنها غالبًا إمَّا في مجهول أو مُقلِّ، ومن كان بهذه المنزلة ولا يروي إلا حديثًا واحد يتفرد به، فلا يحتج به.\nوتبعه على استعمالها العقيلي، وأطلقها على جماعة من الرواة هم بهذه المثابة.\nلكنه ذكر بعض الثقات أيضًا، وقال فيهم مثل ذلك، وربما أورد الحديث مما يعنيه أن ذلك الراوي لم يتابع عليه.\nفقالها مثلًا في سعد بن طارق الأشجعي، وسلام بن سليمان أبي المنذر، وعقبة بن خالد السَّكونيِّ، ويحيى بن عثمان الحربي (٢)، وغيرهم، وهؤلاء ثقات، والتفرد لا يضر في قبول ما رووا.\nوقال في (عبد الله بن خَيرانَ البغدادي) (٣): \" لا يتابع على حديثه \"، فتعقَّبه الخطيب فقال: \" قد اعتبرت من رواياته أحاديث كثيرة، فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته \" (٤).\n_________\n(١) بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٦٣).\n(٢) انظر: الضعفاء (٢/ ١١٩، ١٦٠، و٣/ ٣٥٥، و٤/ ٤٢٠).\n(٣) الضعفاء (٢/ ٢٤٥).\n(٤) تاريخ بغداد (٩/ ٤٥١).","vol":"1","page":610},{"text":"فمثل هذا من العُقيلي يتثبَّت فيه، ولا يُسلَّم ابتداء كسبب في رد حديث الموصوف به.\n\n٣٠ - قولهم: (روى مناكير) أو: (روى أحاديث منكرة).\nجرح، لكن لا يلزم منه جرح ذات الراوي الذي وصف بها، حتى لا يكون في الإسناد من يحمل عليه سواه، أو كان ذلك الراوي لم يعدل أصلًا.\nوالراوي يأتي بالمنكرات من الروايات والمأخذُ فيها عليه سواه من رجال الإسناد، سبب شائع من أسباب الطعن عليه، كما بينته في (تفسير الجرح)، ويناله من قدر الضعف بحسب ما روى من المنكرات بالنظر إلى سائر مرويَّاته.\nقال حرب بن إسماعيل الكِرمانيُّ: قلت لأحمد بن حنبل: قيس بن الربيع، أيُّ شيء ضعَّفه؟ قال: \" روى أحاديث منكرة \" (١).\n\nولمعنى النكارة هنا ولما سيأتي مما يتصل بهذا اللَّفظ انظر تفسير (الحديث المنكر).\n\n٣١ - قولهم: (منكر الحديث).\nهذا الوصف صريح في حق الراوي باعتبار حديثه، لا أمْر آخر.\nوهي من ألفاظ الجرح الموجبة ضعفه عند الناقد.\nوقدر الجرح بهذه العبارة في التحقيق متفاوت، بين الضعف الذي يبقي للراوي شيئًا من الاعتبار، والشديد الذي يبلغ به إلى حد التهمة، فهي لفظةٌ مفسَّرةُ باعتبار، مجملة باعتبار.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٩٨).","vol":"1","page":611},{"text":"ويفسَّرُ ذلك في حقِّ الراوي المعين بالقرائن المصاحبة للوصف، أو بدلالة أقاويل سائر النقاد فيه.\nومما يبين تلك الدرجات الأمثلة التالية:\n١ - قول أبي حاتم الرَّازيِّ في (سعيد بن الفضل بن ثابت البصريِّ): \" ليس بالقوي، منكر الحديث \" (١)، وقوله في (سليمان بن عطاء الحرَّانيِّ): \" منكر الحديث، يكتب حديثه \" (٢)، وقوله في (عبد الله بن جعفر بن نجيح المدينيِّ): \" منكر الحديث جدًا، ضعيف الحديث، يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديث ولا يحتج به \" (٣).\nوقول أبي زرعة الرازي في (سلامة بن روح الأيْليِّ): \" ضعيف منكر الحديث \"، فقال له ابن أبي حاتم: يُكتب حديثه؟ قال: \" نعم، يكتب على الاعتبار \" (٤).\nفاقترانُ وصف (منكر الحديث) بتليين الراوي، أو بكتابة حديثه، دليلٌ على أنه ليس بمطروح الحديث، بل يعتبر به.\nوشبيهٌ به في المعنى ما يقع في عبارات ابن حِبان، كقوله في (عبد الله بن نافع المدني مولى ابن عمر): \" منكر الحديث، كان ممن يخطئ ولا يعلم، لا يجوز الاحتجاج بأخباره التي لم يوافق فيه الثقات، ولا الاعتبار منها بما خالف الأثبات \" (٥).\nفهذا يجعله في مرتبة من يعتبر به في المتابعات والشواهد.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٥٥).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١٣٣).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٣).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٠٢).\n(٥) المجروحين (٢/ ٢٠).","vol":"1","page":612},{"text":"وجدير أن تلاحظ هنا أنَّ من يعتبر به ممن هذا نعته، فإنما هو الاعتبار بغير المنكر من روايته؛ لأن المنكر كما بينت في (القسم الثاني) من هذا الكتاب لا يعتبر به.\n٢ - وسئل أحمد بن حنبل عن (عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقيِّ)، قيل له: يروى عن الإفريقيِّ؟ قال: \" لا، هو منكر الحديث \" (١)، وقال أبو زرعة في (محمد بن عبد الله بن نمران): \" منكر الحديث، لا يكتب حديثه \" (٢)، وقال أبو حاتم الرازي في (مسلمة بن علي الخُشَنيِّ): \" ضعيف الحديث، لا يشتغل به \"، فقال له ابنه: هو متروك الحديث؟ قال: \" هو في حد الترك، منكر الحديث \" (٣).\nفهذه الأمثلة دلت على أن (منكر الحديث) يكون في منزلة المتروك الذي لا يعتبر به.\n٣ - وقال يحيى بن معين في (محمد بن سعيد الشامي المصلوب): \" منكر الحديث \" (٤).\nفهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث، ووصفه يحيى بكونه (منكر الحديث).\nوعلمنا كون هذا الاستعمال هنا أريد به المتروك الكذاب بدلالة المعروف عن النقاد في شأنه.\nإذًا استعمالهم لهذه اللفظة يجب أن يراعى فيه درجة الجرح بها، ولا\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، رواية المرُّوذي (النص: ٢٠٤).\n(٢) سؤالات البرذعي (٢/ ٣٣٦).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٦٨).\n(٤) تاريخه (النص: ٥١١٠)، واعلم أن يحيى بنَ معينٍ على كثرةِ كلامه في النقلة فإنه من أقلِّهم استعمالًا لعبارة (مُنكر الحديث).","vol":"1","page":613},{"text":"يصح أن تحمل على الشديد المسقط لذاتها، إلا أن يُعدم في الراوي من الأوصاف سِواها.\nوهذا الذي ذكرت في بيان معنى هذه العبارة هو الذي يجري عليه الاصطلاح لعامة النقاد، ومنهم البخاري في التحقيق.\n\nتفسير قول البخاري في الراوي: \" منكر الحديث \":\nحكى أبو الحسن القطان عن البخاري أنه قال في كتابه \" الأوسط \": \" كل من قلت فيه: منكر الحديث؛ فلا تحل الرواية عنه \" (١).\nهذا النص عن البخاري وجدت من يذكره يعزوه لابن القطان، ولم أجد له ذكرًا فيما في أيدينا من مصنَّفَات البخاري، ولما فيه من الشِّدَّة ألحق في رأي بعض متأخري المحدثين بأسوأ مراتب التجريح.\nوالذي وجدته بالتتبُّع أن استعمال البخاري لهذه اللفظة لا يختلف عن استعمال من سبقه أو لحقه من علماء الحديث، فهو إنما يقول ذلك في حقِّ من غلبت النكارة على حديثه، أو استحكمت من جميعه، وربما حكم عليه غيره بمثل حُكمه، وربَّما وصف بكونه (متروك الحديث)، وربما اتُّهم بالكذب، وربما وصف بمجرد الضعف، وربما قال ذلك البخاري في الراوي المجهول الذي لم يرو إلا الحديث الواحد المنكر.\nوهذه أمثلة متفاوتة من الرواة لذلك:\nقال البخاري في (إسحاق بن نجيح الملطي): \" منكر الحديث \"، وهذا رجل معروف بالكذب ووضع الحديث عندهم، ومثله ممن لا تحل الراوية عنه إلاَّ للبيان.\nوقالها في (ثابت بن زهير أبي زهير)، وهكذا جاءت عبارات غيره\n_________\n(١) بيان الوهم والإيهام، لابن القطان (٢/ ٢٦٤، و٣/ ٣٧٧).","vol":"1","page":614},{"text":"على الموافقة لما قال لفظًا أو معنى، وقال ابن عدي: \" كل أحاديثه تُخالفُ الثقات في أسانيدها ومتونها \" (١)، ومنهم من قال: \" متروك الحديث \".\nوقالها في (جُميع بن ثُوب الرَّحبيِّ)، وقال ابن عدي: \" عامَّةُ أحاديثه مناكير، كما ذكره البخاري \" (٢).\nقلت: وهذا من ابن عدي تفسير ظاهر لمراد البخاري بهذه اللفظة، والتي تؤكد ما ذكرته آنفًا أنَّه مراد أئمة الشأن.\nوقالها البخاري في (إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة)، ولم يقله غير ممن سبقه، بل قال أحمد بن حنبل: \" ثقة \"، وقال ابن معين: \" صالح \"، لكن وافقه عليه من أقرانه أبو حاتم الرازي، وفسَّره فقال: \" شيخ ليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يُحتج به، منكر الحديث \" (٣)، فكأنه يقول: له أحاديث مناكير، ولم يغلب ذلك على حديثه إلى درجة أنه صار لا تحل الراوية عنه.\nوهذا ابن عدي يقول بعدما حرَّر مروياته: \" له غير ما ذكرته من الأحاديث، ولم أجد له أوحش من هذه الأحاديث، وهو صالح في باب الرواية، كما حكي عن يحيى بن معين، ويكتب حديثه مع ضعفه \" (٤).\nقلت: وكان البخاري قال مرة: \" عنده مناكير \" (٥)، وهذه أظهر في أمره من الإطلاق المتقدِّم، لكن دل هذا على أن تلك العبارة من البخاري لا تعني دائمًا أن يكون الراوي الموصوف بذلك ينزَّل منزلة المتروك الساقط، والذي هو مقتضى عبارة: \" لا تحل الرواية عنه \".\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٢٩٨).\n(٢) الكامل (٢/ ٤١٧).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٨٣ - ٨٤).\n(٤) الكامل (١/ ٣٨٣).\n(٥) التاريخ الأوسط (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":615},{"text":"وقالها البخاري في (عبد الله بن خالد بن سلمة المخزومي)، وكذلك قال أبو حاتم الرازي (١)، وفسر أمره ابن عدي، فقال: \" ليس به من الحديث إلا اليسير، ولعله لا يروي عنه غير محمد بن عقبة \" (٢).\nومن بابه (عبد الله بن المؤمل المخزومي)، قال أبو داود: \" منكر الحديث \" (٣)، وكان قليل الحديث، كما بين ذلك ابن حبان فقال: \" قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به، وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته، فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقينًا فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحرام برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل اعتمادًا منها على رواية من ليس بعدل عندنًا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه \" (٤).\nقلت: وفي هذا بقاء على أصل استعمال هذه اللفظة فيمن لم يرو إلا المنكر أو غلب ذلك على حديثه، فهذا وإن لم يرو إلا اليسير، لكن جميعُ ذلك منكر، فصح أن يكون (منكر الحديث)، وهذا جرح له بالنظر إلى مروياته دون حاله.\nويستثنى من دلالة الاصطلاح في استعمال (منكر الحديث) صورة تحتاج إلى تيقظ، وهي:\nما وقع من استعمال بعض المتقدمين هذا الوصف يريد به أن الراوي يتفرد ويُغْرب.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٤٥).\n(٢) الكامل (٥/ ٣٦٧).\n(٣) تهذيب الكمال، للمزي (١٦/ ١٩٠).\n(٤) المجروحين (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":616},{"text":"وعلى هذا حمل بعض الأئمة قول يحيى بن سعيد القطان في (قيس بن أبي حازم): \" منكر الحديث \" وذكر له أحاديث مناكير (١).\nكما قال يعقوب بن شيبة: \" الذين أطْرَوْه يحملون هذه الأحاديث عنه على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا: هي غرائب \" (٢).\nولذا قال ابن حجر: \" ومراد القطان بالمنكر: الفرد المطلق \" (٣).\nوهو استعمال أحمد بن حنبل أيضًا في طائفةٍ من الثقات، لم يكن مرادُهُ يعدو التفرد، مثل: محمد بن حنبل أيضًا في طائفة من الثقات، لم يكن مراده يَعدو التفرد، مثل: محمد بن إبراهيم التيمي، وزيد بن أبي أنيسة، وعمرو بن الحارث، والحسين بن واقد، وخالد بن مخلد.\nومما يُؤيِّد هذا قول أحمد بن حنبل في (الحسين بن الحسن الأشقر): \" منكر الحديث، وكان صدوقًا \" (٤).\nفوصفه بالصدق مع كونه عنده منكر الحديث.\n\n٣٢ - قولهم: (روى أحاديث معضلةً) أو: (يروي المعضَلاتِ).\nجاء استعمالُ (المعضلِ) في كلام السلف بمعنى: الحديث المنكر، أو شديد النكارة، أو الموضوع، وقع ذلك في مواضع عدة في كلام الجوز جاني، وابن عدي، وابن حبان، كما وقع بِنْدرة في كلام آخرين، كالبخاري (٥)، وأبي حاتم الرازي (٦)، والعقيلي (٧).\n_________\n(١) تاريخ دمشق، لابن عساكر (٤٩/ ٤٦٤).\n(٢) تاريخ دمشق (٤٩/ ٤٦٢).\n(٣) تهذيب التهذيب (٣/ ٤٤٥).\n(٤) مسائل ابن هانئ النيْسابوري (٢/ ٢٤٣).\n(٥) كقوله في ترجمة (عُمر بن غِياث): \" مُعضل الحديث \" (التاريخ الأوسط ٢/ ١٨٦) هامشًا، ونقله ابنُ عدي في \" الكامل \" (٦/ ١١٧).\n(٦) في ترجمة (عِمران بن وَهب) في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٣٠٦)، و(عُفير بن مَعدان) في \" علل الحديث \" (٢/ ١٧٣).\n(٧) كقوله في ترجمة (عُمر بن يزيد الشيباني): \" مَجهولٌ بالنقل، جاءَ عن شُعبة بحديث مُعضلٍ \" (الضعفاء ٣/ ١٩٥).","vol":"1","page":617},{"text":"ومن عبارتهم فيه:\nقال الجوزجاني في (ضبارة بن عبد الله بن مالك الحضرمي): \" روى عن ذُويد عن الزهري حديثًا معضلًا عن أبي قتادة \"، يعني منكرًا، وهذا رجل مجهول.\nوقال ابن عدي في (الحسن بن زيد بن الحسن الهاشمي): \" يروي عن أبيه، وعكرمة أحاديث معضلة \" (١)، أراد منكرة.\nوبمعناه قوله في (حصين بن عمر الأحمسيِّ): \" عامة أحاديثه معاضيل ينفرد عن كل من يروي عنه \" (٢).\nوقال ابن حبان في (عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي): \" كان ممن يروي عن الثقات المعضلات التي إذا سمعها من الحديث صناعته لم يشك أنها معمولة، يجب التنكُّب عن روايته في الكتب \" (٣).\nولابن حبان في هذا الاستعمال نظائر أخرى معروفة.\nومنه قوله في (سلام بن أبي خُبْزة العطار): \" كثير الخطأ، معضل الأخبار، يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به \" (٤).\nوجميع هذا لا يعنون به (المعضل) بمعناه الاصطلاحي الذي شاع استعماله عند المتأخرين، وكان يُذْكر عند المتقدمين نادرًا، كما بيَّنته في (ألقاب الحديث).\n\n٣٣ - قولهم: (أستخير الله فيه).\nعرفت هذه العبارة عن ابن حبَّان، ولا تكاد تراها لغيره، ووجدتها من\n_________\n(١) الكامل (٣/ ١٧٢). ونحوه في ترجمة (الحسَن بن علي النخعي) وكانَ ابنُ عدي قد كذَّبه (الكامل ٣/ ٢١٣).\n(٢) الكامل (٣/ ٣٠١).\n(٣) المجروحين (٢/ ٨١ - ٨٢).\n(٤) المجروحين (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":618},{"text":"كلام عبد الرحمن بن مهدي، لكنِّي لم أجدها عنه بإسناد يصحُّ، ولو صحَّ عنه فهو نادر قليل.\nوظاهرها: تردُّدُ الناقد في الراوي: يُلْحق بالثقات أو الضعفاء، والترجيح بحسب ما يتبين من كلام سائر النقاد والنظر في حديث الراوي.\n\n٣٤ - قولهم: (ليس بشيء).\nتكثر في كلام يحيى بن معين، ويقولها غيره.\nقال الحاكم: \" قول يحيى بن معين: (ليس بشيء)، هذا يقوله ابن معين إذا ذكر له الشيخ من الرواة يقل حديثه، ربما قال فيه: ليس بشيء، يعني لم يسند من الحديث ما يشتغل به \" (١).\nقلت: ومن مثاله قول يحيى بن معين في (حنظلة بن عبد الرحمن التيمي): \" ليس بشيء \"، وقال مرَّة: \" لم يكن به بأس إن شاء الله \" (٢)، وفي رواية: \" ضعيف، يكتب حديثه \" (٣)، فترددت فيه عبارته في معنى متقارب، والسبب فيه ما قال ابن عدي: \" لم أر له من الحديث إلا القليل، إلا أن الثوري قد حدث عنه بشيء يسير، ولم يتبين لي ضعفه؛ لقلة حديثه \" (٤).\nقلت: أراد الضعف المسقط.\nولم يبد لي صحة ما قاله الحاكم في أكثر من أطلق عليهم ابن معين هذه العبارة، وهو قد أطلقها على عدد كثير من الراوة، وجدت أكثرهم من المعروفين بالرواية، لكنهم من الضعفاء والمتروكين والمتهمين، ومثاله منتشر جدًا في الروايات عن ابن معين.\n_________\n(١) نقله ابن حجر في \" تهذيب التهذيب \" (٣/ ٤٦١).\n(٢) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٨٤٤، ٣٤٣٠).\n(٣) الكامل، لابن عدي (٣/ ٣٤٣).\n(٤) الكامل (٣/ ٣٤٣).","vol":"1","page":619},{"text":"نعم، يوجد في بعضهم من يمكن وصفه بقلة الرواية على ضعفه، لكن لا يصح أن يحمل عليه مراد يحيى؛ لأنه الأقل مقارنة بالصنف الآخر.\nوالصواب أن عبارة يحيى هذه: عبارة جرح مجملة في تحديد قدر الجرح وسببه، ولا تخرج عن نفس مراد غيره من النقاد على ما يأتي ذكره عن المنذري.\nومما يدل على ذلك:\nما حكاه الآجري، قال: قلت لأبي داود: العوَّام بن حمزة حدث عنه يحيى القطان، قال عباس عن يحيى بن معين: إنه ليس بشيء، قال: \" ما نعرف له حديثًا منكرًا \" (١).\nوحين نقل عثمان الدارمي عن ابن معين قوله في (سليمان بن داود الخولاني): \" ليس بشيء \"، قال عثمان: \" أرجو أنه ليس كما قال يحيى، وقد روى يحيى بن حمزة أحاديث حسانًا كلها مستقيمة \" (٢).\nوقال المنذري: \" أما قولهم: (فلان ليس بشيء)، ويقولون مرَّة: (حديثه ليس بشيء)، فهذا ينظر فيه: فإن كان الذي قيل فيه هذا قد وثَّقه غير هذا القائل، واحتج به، فيحتمل أن يكون قوله محمولًا على أنه ليس حديثه بشيء يحتج به، بل يكون حديثه عنده يكتب للاعتبار وللاستشهاد وغير ذلك. وإن كان الذي قيل فيه ذلك مشهورًا بالضعف، ولم يوجد من الأئمة من يحسن أمره، فيكون محمولًا على أن حديثه ليس بشيء يحتجُّ به، ولا يعتبر به ولا يستشهد به، ويلتحق هذا بالمتروك \" (٣).\nقلت: فهذا يؤكد أن هذه العبارة من قبيل الجرح المجمل.\n_________\n(١) سؤالات الآجري (النص: ٣٥٥)، وعِبارة ابنِ معين في رواية عباس الدوري (النص: ٤٢٤٤): \" ليسَ حديثه بشيء \".\n(٢) تاريخ الدارمي (النص: ٣٨٦).\n(٣) جوابُ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل (ص: ٨٦).","vol":"1","page":620},{"text":"نعم، ربما دل على شدة ضعف الموصوف بها أيضًا عند الناقد اقترانها بما يدل على ذلك، مثل قول علي بن المديني في (أبي بكر الدَّاهريِّ): \" ليس بشيء، لا يكتب حديثه \" (١)، فعبارة (لا يكتب حديثه) لا تقال إلا في شديد الضعف، ومن يعود ضعفه في الأصل إلى روايته.\nوقال يحيى بن معين في (عمر بن موسى الوجيهيِّ): \" ليس بشيء \"، وفي موضع آخر: \" كذَّابٌ، ليس بشيء \" (٢)، وقال فيه داود السجستاني: \" ليس بشيء، يروي عن قتادة وسماك مناكير \" (٣)، قلت: وهو معروف بكذبه ونكارة حديثه.\nوقال يحيى بن معين في (معلى بن زياد القُردوسيِّ): \" ليس بشيء، ولا يكتب حديثه \"، فتعقبه ابن عدي بقوله: \" لا أرى بروايته بأسًا، ولا أدري من أين قال ابن معين: لا يكتب حديثه، وهو عند ي لا بأس به \" (٤).\nفتأمَّل استدراك ابن عدي، فلم يتعقب يحيى في قوله: (ليس بشيء)، إنما في قوله: (لا يكتب حديثه)، فدل على أن (ليس بشيء) وحدها عندهم لم تكن تدل على تفسير قدر الجرح لذاتها، ويمكن حملها على أدنى الجرح عندما يتبين من حال الراوي أنه لا يتجاوز ذلك.\nويلتحق بها قولهم: (لا يساوي شيئًا)، وإن كانت قليلة الاستعمال، فقد تتبعها فوجدتها كذلك.\n_________\n(١) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٢٠٥)، واسمُ الداهري عبْد الله بن حكيم.\n(٢) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٢٧٢، ٥٣٥).\n(٣) سؤالات الآجري (النص: ١٥٢).\n(٤) الكامل (٨/ ٩٨) وفيه (٨/ ٩٧) نقل قوْل ابنِ معين من رواية ابن أبي مَريم عنهُ بإسناد صحيح. وهذا الرجل يَبدو أن الرواية فيه عن ابن مَعين قد تناقضت، فقد روى عنه إسحاق بنُ منصور قوله فيه: \" ثقة \" (الجرح والتعديل ٤/ ١ / ٣٣١)، وهوَ الصواب فيه، وقد وثَّقه كذلك أبو حاتم الرازي وغيره. ورُبما قالَ يحيى تلك العبارة في رواية ابن أبي مريم في (مُعلَّى) آخر، والله أعلم.","vol":"1","page":621},{"text":"٣٥ - قولهم: (لا شيء).\nعبارة كثيرة الاستعمال، وهي من ألفاظ التجريح المجملة.\nومن أكثر النقاد استعمالًا لها: يحيى بن معين، كما وقعت في كلام غيره بقلَّة، كسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل والبخاري وأبي زرعة الرازي وغيرهم.\nولم أجدها خارجة عن دلالة قولهم: (ليس بشيء)، فأكثر من قيلت فيهم الضعفاء، ومراتبهم في الضعف تتفاوت بين خفته كاللِّين، وشدَّته كالتُّهمة بالكذب.\nوفسرها ابن أبي حاتم الرازي في استعمال ابن معين، فنقل عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين في (خالد بن أيوب البصري) قال: \" لا شيء \"، قال: \" يعني ليس بثقة \" (١).\nوقيلت في الراوي المقلِّ الذي لم يتبين حفظه وإتقانه لقلِّة حديثه، كما قالها مثلًا يحيى بن معين في (هبيرة بن حدير العدوي) (٢)، وقالها الدارقطني في (الهجنَّع بن قيس) (٣).\n\n٣٦ - قولهم: (لا يعتبر به).\nصريحة في ترك حديث الموصوف بها، لكن لا تكاد تجدها لسابق غير الدارقطني.\nفمن ذلك قوله: \" لا يعتبر به \" في (مسلم بن يسار أبي عثمان الطُّنبذيِّ) (٤)، و(يزيد بن صليح الحمصي) (٥).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٢١).\n(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ٢ / ١١٠).\n(٣) سؤالات البرقاني (النص: ٥٢٧).\n(٤) سؤالات البرقاني (النص: ٤٩٢).\n(٥) سؤالات البرقاني (النص: ٥٤٩).","vol":"1","page":622},{"text":"وينبغي أن يكون من بابها: \" لا يعتبر بحديثه \" من جهة واقع الاستعمال، لكنها نادرة في كلامهم، وجدتها من قول الجوزجاني في (عبد الغفار بن الحسن أبي الرَّمليِّ)، قال: \" لا يعتبر بحديثه \" (١).\nقلت: لكن أبا حازم هذا صدوق في التحقيق، قال أبو حاتم الرازي: \" كوفي، وقع إلى الشام، لا بأس به \" (٢)، وذكره ابن حبان في \" الثقات \" (٣)، ولا عبرة بقول الأزدي: \" كذاب \" (٤)، فالأزدي ليس ممن يعتمد عليه في هذا الشأن؛ لكونه مجروحًا في نفسه.\n\n٣٧ - قولهم: (ليس بثقة).\nهي عبارة جرح، قلَّ أن تجدها مقولة في راو إلا وهو شديد الضعف: متروك الحديث، أو متهم بالكذب، أو كذَّاب معروف، خصوصًا في كلام يحيى بن معين والنسائي وقد أكثر منها.\nلكن ليس ذلك بإطلاق، فقد وقعت منهم في جماعات من الرواة الضعفاء، أو ممن في حفظهم بعض اللِّين، وإنما تبيَّن ذلك بدراسة أحوال أولئك الرواة ممن قيلت فيهم هذه الكلمة.\nمثل ما قال بشر بن عمر: سألت مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب؟ فقال: \" ليس بثقة \"، وسألته عن صالح مولى التوأمة؟ فقال: \" ليس بثقة \"، وسألته عن أبي الحويرث؟ فقال: \" ليس بثقة \"، وسألته عن شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب؟ فقال:\n_________\n(١) الكامل، لابن عدي (٧/ ٢٠)، وتصحَّفت (يُعتبر) في \" الميزان \" (٢/ ٦٣٩) وغيره إلى (يغتر)، فتأمل!\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٥٤).\n(٣) الثقات، لابن حبان (٨/ ٤٢١).\n(٤) ميزان الاعتدال (٢/ ٦٣٩).","vol":"1","page":623},{"text":"\" ليس بثقة \"، وسألته عن حرام بن عثمان؟ فقال: \" ليس بثقة \"، وسألت مالكًا عن هؤلاء الخمسة؟ فقال: \" ليسوا بثقة في حديثهم \" (١).\nقلت: وليس في هؤلاء من يبلغ الترك سوى حرام بن عثمان، بل هم بين صدوق، أو صالح يعبتر به.\nوتعقب ابن القطان الفاسي قول مالك ذلك في (شعبة مولى ابن عباس) فقال: \" إن مالكًا لم يضعفه، وإنما شحَّ عليه بلفظة: ثقة، وقد كانوا لا يطلقونها إلى على العدل الضابط .. وربما قالوا: (ليس بثقة) للضعيف أو المتروك، فإذًا هو لفظ يتفسَّر مراد مطلقه بحسب حال من قيل فيه ذلك \" (٢).\nوقال الخطيب بعد أن ذكر نماذج من ألفاظ بعض النقاد في الجرح بفعل بعض المباحات أو مواقعة بعض المكروهات، أو فعل ما يختلف في تحريمه، قال: \" وكذلك قول الجارح: (إن فلانًا ليس بثقة)، يحتمل أن يكون لمثل هذا المعنى، فيجب أن يفسَّر سببه \" (٣).\nقلت: ويصدق هذا أن يحيى بن معين عن (يونس بن خباب)؟ فقال: \" ليس بثقة، كان يشتم أصحاب النبي ﷺ، ومن شتم أصحاب النبي ﷺ فليس بثقة \" (٤).\nقلت: فأعاد ابن معين هذه اللفظة حين فسرها هنا إلى معنى غير الحديث.\nفحيث قام الاحتمال في دلالتها على الضعف المسقط أو غير\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمة صحيحه \" (ص: ٢٦) وإسناده صحيح، ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن لبيبة، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية، وشعبة هو ابن دينار مولى ابن عباس.\n(٢) بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام (٥/ ٣٢٥).\n(٣) الكفاية (ص: ١٨٣).\n(٤) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٥٥٩).","vol":"1","page":624},{"text":"المسقط، بل الجرح المعتبر أو غير المعتبر، فإنه لا يصح عدها من قبيل الجرح الشديد بمجرد إطلاقها.\nوعليه: فهي لا حقة بألفاظ الجرح المجملة، لا يعتد بها مجردة حتى تفسَّر.\nنعم، رد ابن حجر تأويل ابن القطان المتقدم بقوله: \" هذا التأويل غير شائع، بل لفظة (ليس بثقة) في الاصطلاح يوجب الضعف الشديد \" (١).\nقلت: وابن حجر مسبوق إلى اعتبار هذا المعنى، فحين قال الجوزجاني في (سعيد بن كثير بن عفير): \" فيه غير لون من البدع، وكان مخلطًا غير ثقة \" (٢)، تعقبه ابن عدي بقوله: \" هذا الذي قال: فيه غير لون من البدع، فلم ينسب ابن عفير المصري إلى بدع، والذي ذكر أنه غير ثقة، فلم ينسبه أحد إلى الكذب \" (٣).\nقلت: فدل هذا على أن ابن عدي من قبل كان يحملها عنهم على الضعف الشديد الذي يبلغ بالراوي حد الكذب، وذلك فيما يبدو من خلال ما وجده عنهم في أكثر استعمالهم كما ذكرت أولًا.\n\n٣٨ - قولهم: (متروك الحديث).\nجرح بليغ، مفسِّر في لفظه، ظاهر في أنه من جهة حديث الراوي وما أتى به من المنكرات التي غلبت عليه، فاستحق بذلك هذا الوصف.\nوتقدم في (تفسير الجرح) وفي (المبحث الأول) من هذا الفصل ما بينه ابن أبي حاتم عن أهل الحديث أن من يقولون فيه ذلك، فهو ساقط الحديث، لا يعتبر به.\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (٢/ ١٧٠ - ١٧١).\n(٢) أحوال الرجال (النص: ٢٧٧).\n(٣) الكامل (٤/ ٤٧١).","vol":"1","page":625},{"text":"وفي معناها قولهم: (ذاهب الحديث)، و(ساقط الحديث)، و(واهي الحديث).\nفإذا لم تضف للفظ (الحديث)، كقولهم: (متروك) و(ذاهبٌ) و(ساقط) و(واه)، فأغلب ما استعملت له هو ذات المعنى بالإضافة، لكن قد يراد به غير ذلك، فتفطن، وابحث عن وجهه في كلمات سائر النقاد، فلن تعدم وجهه إن شاء الله.\n\n٣٩ - قولهم: (تركه فلان).\nهذه صيغة جرح، ولا تلازم بينها وبين صيغة (متروك) أو (متروك الحديث)؛ فقد يراد بها ذلك، وقد يراد بها أن الناقد ترك ذلك الراوي لمجرد ضعفه عنده.\nومن أبرز النُّقُّاد الذين يجدر بك أن تلاحظ طريقتهم في ذلك: الإمامان يحيى بن سعيد القطان، وصاحبه عبد الرحمن بن مهدي، وأكثر من نقل عنهما الحافظان: عمرو بن على الفلاس، ومحمد بن المثنى الزمن.\nفقد كان علماء هذا الفن والمصنِّفُون فيه يزنون النقلة من خلال ما بلغهم من اختيار هذين الإمامين، في موضع اتفاقهما وافتراقهما.\nوطريقة يحيى معروفة عندهم بالتشدد، وطريقة ابن مهدي بالاعتدال، فإن اتفقا على ترك الراوي، فلا يكاد جرحه يندمل، وإذا اتفقا على الرواية عنه فقد جاز القنطرة، وإذا افترقا، فقبله ابن مهدي وتركه يحيى فعندئذ يغلب الاعتدال، فيكون رأي ابن مهدي أرجح عند النقاد، أو قبله يحيى وتركه ابن مهدي رجح القبول بطريقة الأولى، لكن حال اختلافهما لا يعني أن يكون القبول فيه بمعنى الاحتجاج، كما لا يكون الترك بمعنى السقوط، بل ربما كان الراوي في موضع من يكتب حديث للاعتبار.","vol":"1","page":626},{"text":"فمن أمثلة من اتفقا على الرواية عنهم: واصل بن عبد الرحمن أبو حرة البصري (١)، وعبد الله بن عثمان بن خثيم (٢)، ويونس بن أبي إسحاق السبيعي (٣)، وما من هؤلاء إلا مقبول الحديث، فثلاثتهم من أهل الصدق.\nومن أمثلة من اتفقا على ترك الرواية عنهم، وهي كثيرة: أشعث بن سوار (٤)، ورباح بن أبي معروف (٥)، ومحمد بن راشد المكحولي (٦)، والمثنى بن الصباح (٧)، ومسلم بن كيسان الأعور (٨)، وهؤلاء لم يبلغ حديثهم الترك عند سائر الأئمة، بل هم موصوفون بالصدق في الجملة، لكن لا يحتج بهم، إنما يكتب حديثهم للاعتبار، وبعضهم أضعف من بعض والأخيران أضعفهم.\nوالصلت بن دينار (٩)، وعمرو بن عبيد المعتزلي (١٠)، ومحمد بن عبيد الله العرزمي (١١)، وإبراهيم بن يزيد الخوزي (١٢)، والحسن بن دينار (١٣)، ونصر بن طريف أبو جزي (١٤)، وأبان بن أبي عياش (١٥)، هؤلاء متروكون، بل بعضهم معروف بوضع الحديث.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٣١).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١١٢) الكامل (٥/ ٢٦٧).\n(٣) الكامل، لابن عدي (٨/ ٥٢٥).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٢٧١).\n(٥) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٤٨٩) الكامل (٤/ ١٠٦).\n(٦) الكامل (٧/ ٤١٩).\n(٧) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٢٤) الكامل (٨/ ١٧٢).\n(٨) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٩٢).\n(٩) الجرح والتعديل (٢/ ١/ ٤٣٨).\n(١٠) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٤٧) الكامل (٢/ ٣٥).\n(١١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢).\n(١٢) الجرح والتعديل (١/ ١ / ١٤٧) الكامل (١/ ٣٦٧) الضعفاء للعقيلي (١/ ٧٠).\n(١٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٢) الكامل (٣/ ١١٦).\n(١٤) الكامل (٨/ ٢٧٤).\n(١٥) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٢٩٦) الضعفاء للعقيلي (١/ ٤٠).","vol":"1","page":627},{"text":"ومن أمثلة من افترقا فيهم فروى عنهم يحيى وتركهم ابن مهدي: قابوس بن أبي ظبيان (١)، وأبو صالح باذام مولى أم هانئ (٢).\n\nوممن روى عنهم ابن مهدي وتركهم يحيى: الحسن بن أبي جعفر (٣)، وحبيب المعلم (٤)، وحرب بن شداد (٥)، والرَّبيع بن صبيح البصري (٦)، وعمران بن داور القطان (٧).\nوالراجح في جميع هؤلاء من روى عنهم يحيى أو ابن مهديِّ الصدق في حديثهم، وقبول رواياتهم، منهم احتجاجًا ومنهم اعتبارًا، وليس يلحق واحد منهم بالمتروكين.\nقال الترمذي بعد أن نقل عن ابن المديني أسماء بعض الرواة ترك الرواية عنهم يحيى القطان: \" وإن كان يحيى بن سعيد القطان قد ترك الرواية عن هؤلاء، فلم يترك الرواية عنهم أنه اتهمهم بالكذب، ولكنه تركهم لحال حفظهم. . وقد حدث عن هؤلاء الذين تركهم يحيى بن سعيد القطان: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم من الأئمة \" (٨).\nونقل الليث بن عبدة عن يحيى بن معين قال: \" كان ابن مهدي إذا حدث بحديث معاوية بن صالح زبره يحيى بن سعيد، وقال: أيش هذه الأحاديث؟ وكان ابن مهدي لا يبالي عمن روى، ويحيى ثقة في حديثه \" (٩).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٤٥).\n(٢) العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٤٦٩٠) الكامل (٢/ ٢٥٥).\n(٣) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٧٩) الكامل (٣/ ١٣٣).\n(٤) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٠١) الكامل (٣/ ٣٢١).\n(٥) الكامل (٣/ ٣٣٢).\n(٦) التاريخ الكبير، للبخاري (٢/ ١ / ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٧) الكامل (٦/ ١٦٢).\n(٨) كتاب (العلل) في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٣٧).\n(٩) الكامل (٨/ ١٤٥).","vol":"1","page":628},{"text":"قلت: لا يقبل من يحيى هذا الإطلاق في حق ابن مهدي.\nوقد ذكرت في (صفة الناقد) ما روي عن ابن المديني قال: \" إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يحيى تشدد \" (١).\nوإذ قال ابن معين هذه العبارة المشعرة بتساهل ابن مهدي وأشار إلى تقديم القطان عليه، فإنه أيضًا قال في موضع آخر: \" كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عن إسرائيل، ولا شريك، وكان يستضعف عاصمًا الأحوال، وكان يروي عمن هو دونه: مجالد \" (٢).\nوإنما كان ابن معين يتشدد، بل هو معروف بذلك، كما بينته في غير موضع.\nوفي الجملة: فهذا جرح غير مفسر السبب، وربما كان مرجع التارك إلى علة لا تكون جرحًا قادحًا.\nكما وقع من عبد الله بن المبارك، وكان من أئمة النقاد، وقد اعتدَّ أهل العلم بتركه فيمن ترك، وبروايته فيمن روى عنهم، كان ربما ترك الراوي فأعاد السَّبب إلى أنه اقتدى ببعض من يثق به في هذا العلم، وليس من أجل علة بينة بنى عليها تركه، كما قال عبد العزيز بن أبي رزمة (وكان ثقة): جلس ابن المبارك بالبصرة مع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وذكر قومًا من أهل الحديث، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، لم تركت الحسن بن دينار؟ قال: \" تركه إخواننا هؤلاء \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٢٤٣) بإسناد لين.\n(٢) تاريخ يحيى (النص: ٢٤٤٥) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ١٢) الكامل (٢/ ١٢٨)، ومجالد هو ابن سعيد.\n(٣) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (النص: ٢٠٧٩) ومن طريقه: ابن عدي (٣/ ١١٦) وابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٢٣٢) وإسناده صحيح.","vol":"1","page":629},{"text":"وقال فيه ابن المبارك أيضًا: \" اللهم إني لا أعلم إلا خيرًا، ولكنَّ أصحابي وقفوا فوقفت \" (١).\n\n٤٠ - قولهم: (لم يحدث عنه فلان).\nقد تساوي \" تركه فلان \"، فيكون لها معناها.\nقال أحمد بن حنبل في (أبي الزبير محمد بن مسلم): \" قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب وغير واحد، إلا أن شعبة لم يحدث عنه \" (٢).\nولم يحدث مالك بن أنس عن جماعة من أهل المدينة، وقد قال علي بن المديني: \" كلَّ مدني لم يحدث عنه مالك ففي حديثه شيء، ولا أعلم مالكًا ترك إنسانًا إلا إنسانًا في حديثه شيء \" (٣).\nوقال أبو حاتم الرازي: \" إذا رأيت الرجل لا يروي عنه الثوري \" وأراه قال: \" وشعبة، وقد أدركاه، فما ظنك به؟ \" (٤).\nوقال عمرو بن علي الفلاس: سألت عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - عن حديث (عمرو بن ثابت) فأبى أن يحدث عنه، وقال: \" لو كنت محدثًا عنه، لحدثت بحديث أبيه عن سعيد بن جبير في التفسير \" (٥).\nقال أبو حاتم الرازي في (القاسم بن محمد بن أبي شيبة): \" كتبت عنه، وتركت حديثه \"، وقال أبو زرعة: \" كتبت عنه ولم أحدث عنه بشيء \" (٦).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (٣/ ١١٦) وإسناده صالح.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، رواية المروذي وغيره (النص: ٦٧).\n(٣) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٧٧) وإسناده صحيح.\n(٤) علل الحديث (١/ ٣٦٥).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٢٣).\n(٦) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ١٢٠).","vol":"1","page":630},{"text":"ويراد بها أيضًا أنه لم يتهيأ له السماع منه، فلذلك لم يكتب عنه شيئًا، وليست جرحًا أصلًا.\nمثاله: قال أبو الحسن الميموني لأحمد بن حنبل وقد ذكر له دخوله الرقة وسماعه من بعض أهلها: فكيف لم تكتب عن عبد الله بن جعفر (يعني الرقي)؟ فقال: \" ما كان عبد الله بن جعفر تلك الأيام يذكر \"، قلت: فقد أتيتها بعد ذاك، فكيف لم تكتب عنه؟ قال: \" لم أكتب عنه \"، قلت: تركته من علة؟ قال: \" لا، ولكن لم أكتب عنه شيئًا \" (١).\nكذلك كقول أبي حاتم الرازي في (عبيد بن جناد الحلبي): \" صدوق، لم أكتب عنه \" (٢).\nوقول أبي زرعة الرازي في (عبد الله بن الجهم الرازي): \" كان صدوقًا، رأيته ولم أكتب عنه \" (٣).\n\n٤١ - قولهم: (سكتوا عنه).\nهي عبارة محالة، خبر من قائلها عن غيره، لا ينشئ بها شيئًا من جهته.\nفهي بمنزلة قول الناقد وقد اطلع على كلام غيره من أهل الحديث: (تكلموا فيه)، أو (طعنوا عليه)، ودلَّ الاستقراء لحال من قيلت فيه أنها مساوية لإخبار الناقد عن غيره بقوله: (تركوه).\nلذا فهي من عبارات الجرح المجملة، ولولا دلالة الاستقراء لكانت في جملة ما لا يصح الاعتماد عليه في جرح الرواة حتى يوقف على تفسيره.\nوقد عرف استعمالها عن البخاري، وندرت جدًا عن غيره، كأبي حاتم الرازي وأبي زرعة ومسلم بن الحجاج.\n_________\n(١) تهذيب الكمال، للمزي (٢٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٤٠٤).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٧).","vol":"1","page":631},{"text":"ولا يعاب استعمالها منهم فيمن قالوها فيه، إلا قول البخاري في (أبي حنيفة النعمان بن ثابت الإمام الفقيه): \" سكتوا عنه، وعن رأيه، وعن حديثه \" (١).\nفهذه حكاية من البخاري عن أهل الحديث، ومن تأمَّل فاحصًا منصفًا متبرئًا من العصبية وجد هذا القول خطأ، وذلك - بإيجاز - من جهتين:\nالأولى: دلالة الاستقراء على أن أهل الحديث قد اختلفت عباراتهم في أبي حنيفة، بين معدِّل وجارح، علمًا أن الجرح عند من جرح لم يفسر بسبب حديثه، فكيف سكتوا عنه، وفيهم من أثنى عليه وأطراه ورفع من شأنه.\nوالثانية: أن عبارات الجارحين وقع فيها من المبالغة والتَّهويل، وذلك بسبب الشِّقاق الذي كان بين أهل الرأي وأهل الحديث في تلك الفترة، علمًا بأن كثيرًا من تلك الأقاويل لا تصح نسبتها إلى من عزيت إليه.\nوأبو حنيفة شغله الفقه عن الحديث، ولعله لو اشتغل به اشتغال كثير من أهل زمانه، لم يمكن مما مُكِّن فيه من الفقه، ومع ذلك فإنه قد روى وحدث، نعم، ليس بالكثير على التحقيق؛ للعلة التي ذكرنا، وهي انصرافه إلى فقه النصوص دون روايتها.\n\n٤٢ - ومن عباراتهم في الجرح: قياس المجروح بالمجروح.\nمن مسالك نقاد النقلة أن يستدل لبيان حال الراوي بقياسه براو هو أظهر في حاله، فإذا أردت الوقوف على قدر الجرح في مراد الناقد لزمك النظر في رأيه في المقيس عليه، فإذا لم تجد له فيه نصًا مفسرًا، نظرت تفسيره في كلام غيره من النُّقَّاد، ومن أمثلته:\nقول أحمد بن حنبل في (مطر بن طهمان الورَّاق): \" كان يحيى بن\n_________\n(١) التاريخ الكبير (٤/ ٢ / ٨١).","vol":"1","page":632},{"text":"سعيد (يعني القطان) يشبه مطر الورَّاق بابن أبي ليلى \" يعني في سوء الحفظ (١).\nويبيِّن هذا قول أحمد بن حنبل في (ابن أبي ليلى): \" كان سيئ الحفظ، مضطرب الحديث، وكان فقه ابن أبي ليلى أحبَّ إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب \" (٢).\nومن مثاله أيضًا: قول أحمد في (سليمان بن داود الشَّاذ كونيِّ): \" هو من نحو عبد الله بن سلمة الأفطس \"، لكن هذا فسَّره أبو بكر الأثرم بقوله: يعني الكذب (٣).\nقلت: وليس كما قال، ولم يكن ذلك وجه المشابهة، وذلك أنك إذا عدت إلى النظر في حال (الأفطس) في رأي أحمد وغيره لم تجد أحدًا اتَّهمه بالكذب، إنما كان متروكًا عند أحمد وغيره لأمر آخر، هو سوء الخلق، قال أحمد: \" كان سيئ الخلق، وتركنا حديثه وتركه الناس \" (٤)، وكانت بينه وبين يحيى بن سعيد القطَّان خصومة، فتحدى يحيى وتكلم فيه يحيى، وعلى قاعدة ترك الكلام في الأقران إذا علم أن الشُّبهة قامت دون اعتبار ذلك الجرح، فاعتماد قول يحيى فيه محل نظر.\nفالرجل لم يترك في التحقيق من أجل كذب، إلا ما يوحيه بعض قول يحيى فيه، وهو قابل للتأويل أيضًا، إنما الأمر كما قال أحمد: \" كان خبيث اللسان \" (٥)، وقال أبو زرعة الرازي: \" صدوق، ولكنه كان يتكلم\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٨٥٢).\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٢٣).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ١١٥).\n(٤) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٥٤٥).\n(٥) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٤٥٤٦).","vol":"1","page":633},{"text":"في عبد الواحد بن زياد ويحيى القطان \" (١)، وقال أيضًا: \" إنما قيل فيه من أجل لسانه \" (٢).\nوعلى هذا فتفسير أبي بكر الأثرم لقياس أحمد للشَّاذ كونيِّ على الأفطس بأنه في الكذب، تفسير غير مسلِّم، وإنما ينبغي حمله على موضع اتفاق بين الرجلين، والذي كان في الشَّاذ كونِّي مما يشبه ما كان في الأفطس هو سوء خلق ذكر به الشَّاذ كونِّي أيضًا، أما الكذب فابن الشَّاذ كونيِّ أظهر فيه من أن يقاس بالأفطس.\nوقال أبو حاتم الرازي فيه (عبد العزيز بن حصين بن الترجمان المروزي): \" ليس بقوي، منكر الحديث، وهو في الضعف مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم \" (٣).\nوقد قال أبو حاتم في (ابن أسلم): \" ليس بقوي في الحديث، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا، ضعفه علي بن المديني جدًا \" (٤).\nفعبد العزيز عند أبي حاتم واهي الحديث ضعيف جدًا كذلك.\nوقال أبو حاتم في (عقبة بن علقمة أبي الجنوب اليشكري): \" ضعيف الحديث، وهو مثل أصبغ بن نُباتة وأبي سعيد عقيصًا متقاربين في الضعف، ولا يشتغل بهم \" (٥).\nوقال في (أصبغ): \"لين الحديث \" قال ابنه: وعقيصا؟ فقال: \" بابتهم، غير أن أصبغ أشبه \" (٦).\n_________\n(١) أسئلة البرذعي لأبي زرعة (٢/ ٣٢٨).\n(٢) أسئلة البرذعي (٢/ ٤٨٧).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٨٠).\n(٤) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٥) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣١٣).\n(٦) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٣٢٠).","vol":"1","page":634},{"text":"ولم ينقل ابنه عنه في (عقيصا) شيئًا، فإذا وازنت أمر الثلاثة في رأي أبي حاتم وجدت رأيه لم يبلغ بهم الترك وإن كان قال: \" لا يشتغل بهم \"، فهذه العبارة ليست صريحة في الترك، لذلك تجد عبارة أبي حاتم بين (ضعيف الحديث) و(لين الحديث)، وقوله: \" أصبغ أشبه \" كأنه يقول: في حديثه ما قد يعتبر به.\nوحاصل هذا النوع من ألفاظ الجرح: اللِّحاق بألفاظ الجرح المجمل، حتى يوقف على معناه بالتَّتبُّع والنظر والتَّحري.\n\nتنبيهات:\nالأول: لم أذكر ألفاظ الوصف بالكذب ووضع الحديث، لظهورها واستغنائها باللفظ عن التفسير.\nالثاني: وقولهم: (يسرق الحديث) فسرتها في (تفسير الجرح) بتفصيل أمثلتها، كذلك لم أذكر تفسير (مجهول)، و(لا أعرفه) وما في معناها؛ لكوني استوعبته في (تفسير الجهالة).\nالثالث: سائر العبارات المحالة في صيغتها على الغير كقولهم: (فيه مقال)، و: (تكلموا فيه)، و: (ضعفوه)، و: (ضعِّف)، و: (تركوه)، و: (تُرِك)، وشبهها، أعرضت عن ذكرها، وإن كثرت عند المتأخرين، لأن إجمال القول فيها: كُلُها من الجرح الذي لا يقبل ولا يعوَّل عليه حتى يوقف على فاعل القول فيه، فإن تحقَّق وجب تمييز ما يرجع إليه من تفسير أو إجمال.","vol":"1","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>الباب الثالث\nالنقد الخفي</span>","vol":"2","page":637},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-222>الفصل الأول\n\nالمراد بالنقد الخفِيِّ وبيان\nمنزلته وتعيينُ محلَّه</span>","vol":"2","page":639},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>المبحث الأول:\n\nمعنى النقد الخفي</span>\n\nمقصودنا بالنَّقد الخفي: استكشاف العلل الخفية في الأحاديث التي ظاهرها السلامة من العلل، وذلك أن الحديث يستجمع شروط القبول: من اتصال الإسناد، وعدالة الرواة، وضبطهم، فَيُحْكم عليه ظاهرًا بالقول: (إسناده صحيح)، لكن يقف الناقد على سبب غير ظاهر يرد الحكم بصحة الحديث، وقد يبلغ به الحكم بالوضع.\n\nوهذا السبب الخفي، هو (العلة).\nوحاصل تعريفها، أنها: سبب غامض خفي، يقدح في ثبوت الحديث، وظاهره السلامة منه.\nومحل (النقد الخفي): رواياتُ الثقات.\nوالبحث عن علة الحديث مُقدم في علم الحديث على إفناء العمر في مجرد الجمع والتكثير، دون تحقيق ولا تمحيص، كما يجري عليه أكثر المتعرضين إليه.\nكان الإمام عبْد الرحمن بن مهدي يقول: \" لأن أعرف علة الحديث هو عندي، أحبُّ إليَّ من أن أكتب عِشرين حديثًا ليس عندي \" (١).\n_________\n(١) / ٤٠٥)، والنووي في \" المجموع \" (٣/ ٩٢)، و\" شرح صحيح مُسلم \" (٩/ ٣١)، وابن دقيق العيد في \" إحكام الأحكام \" (١/ ٢٩).","vol":"2","page":641},{"text":"قلت وكيف لا؟ وكان همهم مَعرفة السُّنن للعمل بها وإرشاد الأمة، فإذا تميز له من التعليل سلامة الرواية عَلِم ما لزم بمُقتضاها، وإن تبين سُقوطها عَلِم سُقوط أثرها، وهذا ما لا يكون بمُجرّد الجَمع والتكثير.\nوسيأتي تحريرُ القول في لَقب (الحديث المعلل) في (القِسم الثاني) من هذا الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>طريقةُ النُّقَّاد فيما يسمَّى (علّة):</span>\nاعلم أن أئمة الحديث أطْلقوا لَفْظَ (العلَّة) على ما هو أعم من الخفية في الإسناد الجامع في الظاهر لشروط القبول، فأطلقوا اللفظ على: الظاهرة، والخفية، كما أطلقوه من جهة أخرى على: القادحة، وغير القادحة، على ما سأذكره.\nو(العلة الخفية) واردة في تحقيق أهل هذه الصنعة في الإسناد، وواردة في المتن، خلافًا لما شوش به طائفة ممن تعرض لنقد السنة من المعاصرين من المستشرقين ومن تأثر بهم من المسلمين، أن المحدثين اعتنوا بنقد الإسناد دون المتن، فهذا منهم يرجع في خلاصته إلى سببين:\nالأول: ضعف معرفتهم بمنهج أهل الحديث، وذلك ظاهر في ضعف استقرائهم.\nوالثاني: التأثر بطريقة المتأخرين من علماء الحديث، الذين أهمل أكثرهم اعتبار البحث عن العلل الخفية في الأحاديث، بل حكموا بتصحيح الأحاديث الكثيرة التي أعلها المتقدمون، من أجل ما أجروا عليه الحكم من مجرد اعتبار النظر إلى ظاهر الإسناد.\nواعلم أن (العلة) في المتن، توجب طعنًا في الإسناد ولا بد، حتى وإن كان ظاهر الإسناد السلامة من العلل، فإنه لا بد أن يكون أخطأ فيه راوٍِ، أو دلس، والنقاد يبينون ممن يكون الخطأ والوهم، أو التدليس، من رواة الإسناد الثقات.","vol":"2","page":642},{"text":"واعلم أنه لم يسلم من الوهم أوثق نقلة الحديث، من مثل شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وهؤلاء رءوس الحفاظ.\nفأحصيت لشعبة في (علل ابن أبي حاتم) الخطأ في تسعة مواضع، وللثوري في ثلاثة مواضع، وكانا يعتمدان على حفظ الصدر، والثوري أحفظ من شعبة، ولمالك الوهم في اسم بعض رواة الإسناد، ولا يكاد يذكر له وهم في الكتب إلا بَنْدرة، حتى قال في وصفه ابن حجر: \" رأس المتقنين، وكبير المتثبِّتين \" (١)، والعلة أنه كان يعود حفظه إلى طريقي التوثُّق: الصدر والكتاب.\nلكن المقصود أن تعلم أنه لم يسلم أحد من الرواة من وهم وإن ندر (٢).\nوفي هذا الباب تبيين هذا الأصل الأصعب تحقيقًا من شروط قبول الحديث، في استعراضه على سبيل الاقتداء والتحرير لمذاهب أهل الصنعة، كخلاصة تتبع طويل، مع التمثيل والتدليل لتقريبه، تأصيلًا لتطبيقه، وتبيين أنه ليس بسحر وكهانة كما خيَّله بعض الناس، بل علمٌ تُدرك مقدماته وتُفهم أسبابه، وتُمكن معرفته.\nولا تهويل فيما قاله الحافظ أبو يعلى الخليلي: \" العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتَّى لا يمكن حصرها \" (٣).\n\nفإنما هذا فيما قصد هو أن ينبه عليه من علوم الحديث، حيث تعرض لها بإيجاز في مقدمة كتابه ... \" الإرشاد \"، ولم يَكن ذلك محلاُّ لتتبع أسباب التعليل للأحاديث، وإلاَّ فإنَّ من دَرَسَ طريقة القَوم يتبين أن العلل في الأحاديث عنْدهم تَعود إلى أسباب مَفهومةٍ مُدْرَكة، يُمكن حصْرها وفَهمها، بل وتطبيقها.\n_________\n(١) تقريب التهذيب (الترجمة: ٦٤٢٥).\n(٢) وانظر ما تقدم في صدْر (المبحث الرابع) من (تفسير الجرح).\n(٣) الإرشاد (١/ ١٦٠ - ١٦١).","vol":"2","page":643},{"text":"نعمْ، وقع في تعليلهم رد الحديث بغير سبب مفسر، وهو قليل، لكن هذا ليس طريقًا ينبغي التعويل عليه، ولا يجوز القول برد رواية الثقة إلا بحجة قائمة؛ لما يقتضيه رد روايته من الحكم بخطئه، والأصل منع ذلك في أخبار العدول دون برهان.\nلك، بل ينبغي أن تجعل من تعليل الناقد لحديث معين بغير حجة مفسرة، شبهة توجب البحث عن العلة، فإن استنفدت الممكن من وسائل استكشاف العلة، وثبتت براءة الحديث منها، وجب التسليم بثبوت ذلك الحديث.\n\n* * *","vol":"2","page":644},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>المبحث الثاني:\n\nمنزلة هذا العلم والطريق إليه</span>\n\nهذا العلم من علوم الحديث من أشرفها وأعظمها قدرًا، وهو علم لا تتهيأ المعرفة به إلا بصبر طويل، وسعة تحصيل، ودراية بمقدمات في هذا العلم تكتسب بالخبرة، ويقود إليها عمق النظرة، لا يقتصر فيه على حفظ ظاهر، بل هو بحفظ وتحقيق، اقترن فيه الأخذ بالأسباب بالتوكل الموجب للتوفيق.\nوهو علم تخصص، كأي تخصص، لا يجرؤ عليه من ليس من أهله إلا سقط، ولا من لم يتأهل فيه بعد إلاَّ أكثر الغلط، فتخيله إن شئت فيمن تعرض لتطبيب إنسان، وما له نصيب في دراسة طب الأبدان، أو طالب أقبل على علم الطب بالكلية، لكنه لم يكتسب من الأهلية ما يمكنه معه إجراء عملية جراحية، فهل ترى يستغرب من عاقبة استعجاله هلاك نفس بشرية؟\nفعلم (علل الحديث) هو علم الطب لأبدان الأحاديث المروية، وليس الذكي فيه من شخص ظاهر العلل، فذلك باد بالحسن، وإنما الذكي من اكتشف العلل الباطنة الخفية.\nفلهذا، كانت معرفة هذا العلم صعبة إلا على من فتح الله عليه ومنحه من فضله، بصدق تحصيله له وسلامة قصده، مع السعي الدؤوب للبلوغ مبلغ أهله.","vol":"2","page":645},{"text":"ومن هذه الجهة جاءت عن السلف عبارات تنبئ عن هذه الحقيقة، ففسرها من لم يفهم مراد أهلها بأن هذا العلم كهانة.\nقال علي بن المديني: جاء رجل لعبد الرحمن (يعني ابن مهدي)، فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمن تقول ذلك؟ قال عبد الرحمن: \" أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال: هذا جيد، وهذا ستوق، وهذا نبهرج (١)، أكنت تسأل عمن ذلك، أو كنت تسلم الأمر إليه؟ \"، قال: لا، بل كنت أسلم الأمر إليه، قال: \" فهذا كذلك؛ لطول المجالسة أو المناظرة والخبرة \" (٢).\nقلت: فانظر كيف أعاده إلى أمر مدرك: طول مجالسة لأهله، وكثرة مناظرة فيه، وخبرة مكتسبة.\nوكذلك انظر إلى مثله المضروب، فالصَّرَّاف يميَّز مزيَّفَ النَّقد من صحيحه، لا بصدفةٍ أو إلهام مجرد، بل بدراية ومعرفة، أكسَبَها طول الملازمة، وشُغْل الوقت في المعالجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبرّزون من أئمة الحديث في معرفة علله:</span>\nحفَّاظ الحديث خلق كثير على مرِّ الأزمان، وإن شحَّ بهم هذا الزمان، لكنك لا تجد فيهم المتعرِّض إلى هذا الفن من فنون هذا العلم، إلا قليلًاَ، وذلك لما تقدمت الإشارة إليه، أن معرفة هذا العلم لا تقتصر على مجرد حفظ، فإذا كان في بعض من يحفظ الحديث من لا يميز علله الظاهرة وهم أكثر المعدودين في حفَّاظه، فكيف يفهم علله الباطنة؟\nولذا كان من عدَّ في العارفين به قلة في أئمة الأمة.\n_________\n(١) ستُّوق، ونبهرج: نقد مُزيَّف.\n(٢) أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٩٨) ومن طريقه: البيهقي في \" دلائل النُّبوة \" (١/ ٣١) وإسنادُهُ صحيح.","vol":"2","page":646},{"text":"قال أبو حاتم الرازي: \" الذي كان يحسن صحيح الحديث من سقيمه وعنده تمييز ذلك، ويحسن علل الحديث: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وبعدهم أبو زرعة كان يحسن ذلك \" فقيل له: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحدًا؟ قال: \" لا \" (١)\nقلت: بل منهم في عصره: البخاري، ومحمد بن يحيي الذهليُّ، ثم بعدهم مسلم والترمذي، فالنسائي وهكذا، وأبو حاتم نفسه رأسٌ من رءوس أهله.\nفأما أحمد بن حنبل، فعنه كلام كثير منقول في هذا الباب.\nويحيى بن معين، ففي بعض كتبه منثورات في علل الحديث.\nوعلي بن المديني، له فيه تصنيف، وصلنا بعضه، وقد قال فيه الخطيب: \" كان علي بن المديني فيلسوف هذه الصنعة وطبيبها، ولسان طائفة الحديث وخطيبها \" (٢).\nوتلميذه محمد بن إسماعيل البخاري، وله كلام كثير منثور في \" تاريخيه \" وحكى عنه الترمذي الكثير في مصنفه في (العلل)، بل \" صحيحه \" أعظم الأدلة على قوة تمكنه وكبير منزلته، فإن نقاد الحديث توالوا على تتبعه فيه ونقده في خفي علل الحديث، وما كاد يرجح فيه رأيهم على رأيه إلا في مواضع معدودة.\nوتلميذه مسلم بن الحجاج، وله فيه كتاب \" التمييز \"، وصلنا بعضه، وهو ينبئ عن تمكن ودراية، مثله الذي جعل لـ\" صحيحه \" التقدم حتى صار ثاني الكتب في صحيح السنة.\nويعقوب بن شيبة، وقد ألف مسندًا معللا، تدل القطعة التي وصلتنا\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ١ / ٢٣).\n(٢) الجامع لأخلاق الرَّاوي (٢/ ٣٠٢).","vol":"2","page":647},{"text":"منه من (مسند عمر بن الخطاب) على تبحره في معرفة هذا العلم، وذكروا أنه لم يتم ذلك الكتاب (١).\nوأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان، قدوة في معرفة هذا العلم، وكلامهما في علل الحديث كثير نافع، ضمَّنه عبد الرحمن بن أبي حاتم الكتاب الذي جمعه في ذلك عنهما.\nوأبو بكر البزار، وقد ضمَّن \" مسنده \" المعروف بـ\" البحر الزَّخَّار \" من علوم الحديث أنواعًا، وضرب منه بنصيب وافر في بيان علل الحديث، وإن كان مختصر العبارة فيه.\nوأبو عبد الرحمن النسائي، وفي كتابيه \" السنن الكبرى \" و\" المجتبى \" من بيان علل الحديث شيء كثير.\nوغيرهم عدد ليس بالكثير من أقرانهم من الحفاظ، وبعدهم طائفة من الكبار، هم قلة في أئمة الحديث، من أبرزهم:\nالحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني، وكتابه \" العلل الواردة في الأحاديث النبوية \" الذي رواه عنه تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني، من أعظم هذه الكتب نفعًا، يبين عن دقة هذا العلم، وتمكن الدارقطني فيه.\nقال ابن كثير يبين قدر هذا الكتاب: \" هو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، رقد أعجز من يريد أن يأتي بعده \" (٢).\nلكن ينبغي أن تلاحظ أنه يعل بالعلل القادحة وغير القادحة، فقد توسع في ذلك.\n_________\n(١) انظر ترجمته في \" تاريخ بغداد \" للخطيب (١٤/ ٢٨١).\n(٢) اختصارُ علوم الحديث، لابن كثير (ص: ٥٤) مع \" الباعث الحثيث \".","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>هل انتهى الزمن الذي يمكن فيه تمييز العلل الخفية للأحاديث</span>؟.\nكذا قد يخيل لبعض الناس، وذلك لما رأوا في المتأخرين من ضعف المعرفة بهذا العلم، لكن إدراك أن الحاجة إليه لا زالت قائمة، يوجب أن يكون في الأمة من يفهمه، ولو عجز عنه أهل زمان فلا يعني تعذره، بل الواجب تحصيله كسائر علوم الاجتهاد، فهذا علم قام على اجتهاد النقاد، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه، وبقاء الحاجة علة بقائه، والحاجة لمعرفة الصحيح من السقيم من الحديث لم تنته، ونقد السنن المروية لم يزل.\nوإذا كان يجب على الأمة أن توجد من بينها من يجتهد لها في دينها، ليميز لها الحلال من الحرام، وعلة ذلك بقاء الحوادث، أو للترجيح في الخلاف، فالسنن المروية لم يزل كثير منها مما يجتهد فيه أهل الحديث، وأكثره مما يحتاج فيه إلى الترجيح في الخلاف، فوجب أن يوجد فيها من يميز الصحيح من السقيم، ولا سبيل إليه إلا بتمييز علل الحديث.\nوالحق أن في المتأخرين طائفة من الأئِمة تعرضوا لنقد الأحاديث بالعلل الخفية، وإن لم يكثر ذلك منهم بالنظر إلى تعرضهم له، أو بالمقارنة بكلامهم في العلل الظاهرة، منهم: الخطيب البغدادي، وابن عبد البرِّ المالكي، وأبو طاهر السلفي، وابن القطان الفاسي، وتقي الدين ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، وابن كثير الدمشقي، وابن رجب الحنبلي، وأبو الفضل العراقي، وابن حجر العسقلاني، ومحمد ناصر الدين الألباني.\nوالمتعرضون من أهل هذا الزمان لهذا العلم كثير، لكن الشأن في أغلبهم على حد قول القائل:\n\nأوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل","vol":"2","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-228>المبحث الثالث:\n\nتحديد إطار النقد الخفيِّ</span>\n\nتقدم أن الحديث يخضع في بحث الناقد إلى إدخاله في مخبرةٍ؛ ليستكشف ما يمكن أن يكون مانعًا من القول بثبوته، وذلك يجعل الناقد يستعرض جميع ما يقف عليه مما يمكن أن يكون له تأثير ولو احتمالًا، وفيه ما تأثيره ظاهر، وفيه ما تأثيره خفي، وفيه ما يورد الشبهة.\nولكوْن هذا العلم من علوم الحديث كان النقاد يتكلمون فيه دون مصطلحات مستقرة، فقد دخل بعض صوره في بعض، كما دخل فيه ما ليس منه.\nوتوضيح ذلك بحصر أنواع التعليل الواقع في كلامهم في صور أربع، أذكرها مبينًا ما ينبغي إدراجه تحت هذا العلم، وما يخرج عنه، إما لكونه غير مرادٍ أصلا أن يدخل في هذا الباب، بل ذكره فيه خطأٌ، وإما لكونه اندرج بعد الاصطلاح تحت باب آخر:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>الصورة الأولى: ما أطلق عليه مسمى (العلة) وليس من هذا الباب</span>.\nوله مثالان:\nالأول: الحديث المنسوخ.\nتسمية (النسخ) علة، وقع بنَدرة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم","vol":"2","page":650},{"text":"الرازي (١) والترمذي ... (٢).\nوليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعًا صحيحا النسبة إلى النبي ﷺ، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي ﷺ من الحديث لقادح خفي.\nوالثاني: مُشكل الحديث.\nوذلك في الحديث يشكل معناه، أو الحديثين يتعارضان ظاهرًا، فهذا طريق لعلك لا تجد في أهل الحديث المتقدمين من أعلَّ حديثًا بمقتضاه، وإنما وقع في أزمانهم من بعض أهل البدع طعنًا منهم في السنن الصحيحة بما استشكلوه من ظاهرها، أو جاءت على النقض لبدعهم، ولو ردوه إلى أهل العلم بالسنن لعلمه الذين يستنبطونه.\nوقد اصطفى الله تعالى رجالًا من أهل الذكر، فذَبُّوا عن السنن بدفع الإشكال بأحسن البيان، كالشافعي في \" مختلف الحديث \"، والطحاوي في \"شرح مشكل الآثار \" وهو أجمع كتاب في بابه وأجله، وابن قتيبة الأديب البارع في \" تأويل مختلف الحديث \"، وغيرهم.\nوالمقصود: أنَّ ما استشكل الإنسان معناه، أو ظنه معارضًا لأصل، فإنه لا يجوز له رده حتى يستيقن فساده، ويجد في نقلته من يحمل تبعته، كما كان يصنع نقاد أهل الحديث، فإنهم ردوا أحاديث بمخالفة الأصول،\n_________\n(١) مثاله: إيراد حديث: \" الماء من الماء \" في علل الحديث \" لابنِهِ (رقم: ١١٤).\n(٢) فقد قال في كتاب (العلل) في آخر كتاب \" الجامع \" (٦/ ٢٢٧) بعد أن ذكر حديثَ ابن عباس في الجمع بينَ الصَّلاتين في الحضر، وحديثَ قتْل شارب الخمر في الرابعة بعد جلده ثلاثًا: \" وقد بيَّنَّا علَّة الحديثين جميعًا في الكتاب \"، وكان قد أخرج الأول في \" الجامع \" (رقم: ١٨٧)، والثاني (رقم: ١٤٤٤)، ولم يذكر لهما علة تقدح في صحتهما عنده، وإنما عنَى ترك العمل بهما فيما بدا له، كما ذكر ذلك أول كتاب (العلل)، وذكر بعدَ حديث شارب الخمر دعوة النَّسْخ، فتأمل كيف أطلق على ذلك اسم العلَّة !","vol":"2","page":651},{"text":"وبينوا أن الغلط وقع فيها من بعض نقلتها، كما سأذكر بعض أمثلته في (التعليل بمخالفة القرآن)، أو (السنن المحفوظة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>الصورة الثانية: ما أطلق عليه مسمى (العلة) ولا أثر له على ثبوت الحديث</span>.\nوهذه الصورة وقعت في كثير من الأحاديث المعللة في كلام أئمة الحديث، ترجع عامتها إلى اختلاف الرواة في الإسناد، أو المتن.\nوهذا له أمثلة عديدةٌ، يأتي التنبيه عليها أثناء بيان أسباب التعليل من خلال منهج النقاد، وذِكر ما لا يتأثر بالتعليل منها، كالتعليل بمجرد التفرد، وتعليل زيادة الثقة في أحوال، وكالحديث يختلف في إسناده ثقتان، كلٌّ يأتي به على وجه، ولا علة له فوق ذلك الثقة، فإن لم يترجح الخطأ في أحدهما فهو صحيح على أي حال، إذ كيفما كان المحفوظ فيه فهو صحيح إلى منتهاه.\nومما ينبغي التنبه له أمران:\nالأول: يعود إلى اختلاف ألفاظ المتن للحديث الواحد.\nفهذا إن وجدته في حديث، فليس بعلة، ما لم تتضاد تلك الألفاظ في معانيها، وذلك من أجل جواز الرواية بالمعنى بشروطه، فلا تعجل بالتعليل لهذا السبب، حتى تعدم ردَّ ذلك الاختلاف إلى معنى واحد صحيح، أو معان غير متناقضة.\nوالثاني: إذا قام الدليل على كون المختلف فيه حديثين، فليس هذا اختلافًا في التحقيق، وعليه فليس هو بعلة.\nقال ابن رجب: \" وعلامة ذلك: أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو نقص منه، أو تغييرٌ، يُستدل به على أنه حديث آخر \" (١).\n_________\n(١) شرح علل الترمذيِّ (٢/ ٧٢٩).","vol":"2","page":652},{"text":"واعتبار كونهما حديثين، ولا يُعل أحدهما بالآخر، هو على طريقة ابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيَّين وأكثر الحفَّاظ.\nأما الدارقطني، فقد كان يعل الحديث بمثل هذا الاختلاف، إذا تقارب المعنى بين الحديثين، كأحاديث الصلاة على النبي ﷺ في التشهد (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>الصورة الثالثة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو من العلل الظاهرة</span>.\n\nوهي العلَّة العائدة إلى انقطاع ظاهر، أو مجيء الرواية من طريق مجروح، أو اشتراك اسم بين راوٍ ثقة وآخر مجروح.\nوالطريق لتمييز هذه العلة معرفة المراسيل، وتواريخ الرواة لمعرفة الإدراك، والجرح والتعديل، والمتفق والمفترق أو مشتبه الأسماء.\nومن أمثلة العلل الظاهرة:\nأولًا: أن يختلف ثقة ومجروح، فليس هذا من خفي العلل، إذ رواية المجروح مرجوحة ضعيفة من جهة ضعفه المتميز، وهو لو تفرَّد فهو واهٍ، فكيف به وقد خالف؟\nنعم، يستثنى من ذلك اختلاف الرواية بين ثقة أو ثقات ومن هو ثقة أو صدوق في الأصل، يُلين في بعض شيوخه لا مطلقًا، إذا كان وقع الاختلاف على شيخه الذي هو فيه ضعيف، إذ هذا مما قد يخفى، إجراء على أصل ثقته، كرواية بعض الثقات من أصحاب الزهري عنه، وقد ضُعِّفوا فيه، وسأذكر له مثالًا بمخالفةٍ من هشام بن سعد لسائر أصحاب الزهريِّ، عنه.\nثانيًا: تعليل الحديث براوٍ غير منسوب، يشترك في إطلاقه راويان: ثقة ومجروح.\n_________\n(١) انظر: شرح العلل، لابن رجب (٢/ ٧٢٩ - ٧٣٠).","vol":"2","page":653},{"text":"وذلك كرواية وكيع بن الجراح عن النضر، لا يبينه: وهو يروي عن النضر بن عربي وهو ثقة، وعن النضر الخزاز وهو ضعيف.\nورواية حفص بن غياث عن أشعث عن الحسن البصري، وهو يروي عن أشعث بن عبد الملك وهو ثقة، وعن أشعث بن سوار وهو ضعيف.\nفهذا وإن كان فيه خفاء من أجل تعيين الراوي المهمَل، لكن ليس ذلك الخفاء علة بنفسه، واعتبار عدالة الرواة وضبطهم يوجب تمييزه، فيصار فيه إلى رواية العدل الضابط فتقبل الرواية، أو رواية المجروح فترد بالعلة الظاهرة.\nوجدير أن تعلم بخصوص التعليل بالعلة الظاهرة مسألتين تتصل إحداهما بالأخرى:\n\nالمسألة الأولى: الإسناد فيه أكثر من مجروح، والأعلى أشد ضعفًا ممن دونه، فعلى من تُحمل النكارة في ذلك الحديث؟\nوالمسألة الثانية: إذا جاء المجروحون في الإسناد على نسق، فبمن تلصق النكارة؟\n\nالجواب: إذا توالى في الإسناد أكثر من مجروح، ألصقت النكارة بأشدهم ضعفًا، إلا أن يتابع بما يقوم دليلًا على أن النكارة ليست من جهته، فيصار إلى من فوقة.\nقال يعقوب بن سفيان: حدثني عبيد بن إسحاق العطار الكوفي، حدثنا سيف بن عمر، قال: كنت عند سعد الإسكاف، فجاءه ابنه يبكي، فقال: ما لك؟ قال: ضربني المعلم، قال: أما لأخزينهم اليوم، حدثني عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \" معلمو صبيانكم أشراركم، أقلهم رحمة لليتيم، وأغلظهم على المسكين \" (١).\n_________\n(١) أخرجه في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٥٨) ومن طريقه: ابن عَدي في \" الكامل \" (٤/ ٥٠٧).","vol":"2","page":654},{"text":"قال يعقوب: \" سيف وسعد بن طريف الإسكاف، حديثهما وروايتهما ليس بشيء \".\nوقال ابن عديٍّ: \" هذا حديث منكر موضوع، وقد اتفق في هذا الحديث ثلاثة من الضعفاء فروَوه: عبيد بن إسحاق الكوفي العطار، يلقب عطار المطلقات، ضعيف، وسيف بن عمر الضَّبِّيُّ كوفي، وسعد الإسكاف كوفي ضعيف، وهو أضعف الجماعة، فأرى والله أعلم أن البلاء من جهته \".\nقلت: فيعقوب أعله بمن وافق وروده في سياقه من المجروحين، دون الإبانة عمن تلصق به التهمة، أما ابن عدي فكان كلامه أبين، فإنه بين إعلاله بالثلاثة جميعًا، لكنه صار إلى إلصاق التهمة بسعد، مع الضعف دونه، من أجل كونه عنده أشدهم ضعفًا.\nوههنا أيضًا فائدة في التعليل بالأعلى دون الأدنى، لأنه جهة مخرج الحديث، كذلك فإنه لو وقف على متابع الأدنى - كما يقع كثيرًا في مثل هذه الأحاديث الغرائب - بقي معلولًا بالأعلى، فإن المتابعة تتعذر على أصله، إلا أن تكون من سارق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>الصورة الرابعة: ما أطلق عليه مسمى (العلة)، وهو صواب</span>.\nوهي التي تقع في روايات الثقات، وفي الأسانيد التي ظاهرها الاتصال.\nوهذا محل العلل الخفية القادحة.\nقال الحاكم: \" إنما يعلل الحديث من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واهٍ، وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات: أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا \" (١).\n_________\n(١) مَعرفة علوم الحديث (ص: ١١٢ - ١١٣).","vol":"2","page":655},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>الفصل الثاني\n\nأسباب التَّعليل من خلال\nمنهج النُّقَّاد</span>","vol":"2","page":657},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>المبحث الأول:\n\nالتعليل بالتَّفرُّد</span>\nقدمت في مدخل هذا الكتاب بيان أصل ما يعود إليه معنى التفرد، وأنه يساوي الغرابة، وبينت قسمي التفرد أو الغرابة: المطلق، والنسبي وأهم الصور التي يقع عليها التفرد.\nكما ذكرتُ أن التفرد من حيث الجملة لا يعني ضعف الحديث فالأفراد فيها: الصحيح، والحسن، والضعيف المنكر.\nوالأصل في تفرد الثقات القبول، لا خلاف بين أهل العلم بالحديث في ذلك، وعلى هذا بنى أصحاب الصحاح كتبهم، وعليه جرى حكم الأئمة في تصحيح أكثر الحديث.\nوعلى هذا جرى المبرزون من أئمة الحديث في معرفة علله، كأحمد وابن المديني والبخاري ومسلم، والرازيين، وغيرهم، يحتجون بأفراد الثقات.\nمثل ما قال ابن أبي حاتم الرازي: سألت أبا زرعة عن حديث رواه علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قصة الغار؟ قال أبو زرعة: \" لا أعلم أنه رواه غير علي بن مسهر \"، قلت له: هو صحيح؟ قال: \" نعم، علي بن مسهر ثقة \" (١).\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٨٣٣).\nوحديث الغار الذي رواه هو حديث الثلاثة الذين أوَوا إلى غار فانطبق عليهم، فدَعوا بصالح أعمالهم، الحديث بطوله مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣٢٧٨) ومسلم (رقم: ٢٧٤٣) من طريق عليِّ بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر.\nوهو حديث مَحفوظ عن نافع من وُجوه، لكن التفرُّد مشار إليه في كلام أبي زُرعة عَنى به عن عُبيد الله بن عُمر خاصّةً لا مُطلقًا.","vol":"2","page":659},{"text":"وتحرير القول في الأفراد من جهة ما يكون سالمًا محفوظًا أو معلولًا، كما يلي:\nأولًا: تفرد الثقة بما لم يروه غيره مطلقًا، كحديث: \" إنما الأعمال بالنيات \" تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري بإسناده إلى النبي ﷺ، لم يروه غيره.\nفهذا التفرد صحيح محتج به، وأكثر الأحاديث الصحيحة من هذا.\nلكن قد يختلفون فيه لشبهة، والتحقيق امتناعها وقبوله.\nمثاله: ما رواه سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: \" نعم الإدَامُ الخلُّ \" (١).\nاحتج به مسلم في \" الصحيح \"، وقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح، غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث هشام بن عروة إلا من حديث سليمان بن بلال \".\nوقال أبو عبد الله بن بطة الحنبلي: \" ليس يعرف هذا الحديث من حديث عائشة إلا من هذا الطريق، ولا رواه عن هشام بن عروة غير سليمان بن بلال، وهو حديث صحيح، طريقه مستقيم، ولكن الحديث المشهور حديث جابر \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الدَّارمي (رقم: ١٩٧٧) ومسلم (رقم: ٢٠٥١) والترمذي في \" الجامع \" (رقم: ١٨٤٠) و\" الشمائل \" (رقم: ١٤٣) و\" العلل الكبير \" (٢/ ٧٦٩) وابنُ ماجة (رقم: ٣٣١٦) وأبو عوانة في \" مستخرجه \" (٥/ ٤٠٢) وأبو نعيم في \" الحلية \" (١٠/ ٣٠ رقم: ١٤٤٠٣) والبيهقيُّ في \" الكبرى \" (١٠/ ٦٢ - ٦٣) والخطيب في \" تاريخه (١٠/ ٣٠، ٣٧١ - ٣٧٢) والذهبي في \" السير \" (١٠/ ١٣٠، و١٢/ ٢٢٩) من طرقٍ عن سليمان بن بلال، به.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٣٧٢).","vol":"2","page":660},{"text":"وقال الذهبي: \" حديث صحيح غريب فرد على شرط الشيخين \" (١).\nوممن بقي عنده هذا الحديث من الحفاظ وكان يُقصد لأجله: الحافظ عبد الله بن عبد الرحمن الدرامي، وكان يرويه عن يحيى بن حسان عن سليمان بن بلال، فقد جاء عنه أنه قال: \" كان يقرع على بابي ببغداد، فأقول: من ذا؟ فيقول: يحيى بن حسان: نعم الإدَامُ الخلُّ \" (٢).\nولم يعرفه البخاري إلا من رواية يحيى بن حسَّان عن سليمان بن بلال، فيما نقله عنه الترمذي.\nوالصواب أنه معروف من رواية غير واحد عن سليمان، وإنما التَّفرد به من قبل سليمان.\nوروي من طريق وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة، لكنه لا يصح (٣)، وكذلك رواه أبو أويس المدني عن هشام، وأنكره أبو حاتم الرازي (٤).\nوقد ذهب بعض كبار النقاد إلى إنكار هذا الحديث:\nمنهم: أحمد بن حنبل (٥).\nوقال أحمد بن صالح المصري، وقد سئل عن هذا الحديث، وحديث\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٣٠).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٣٠).\n(٣) أخرجه ابن جميع في \" مُعجمه \" (٩٧ - ٩٨) ومن طريقه: الذهبي في \" سير أعلام النبلاء \" (٩/ ١٦٧ - ١٦٨)، وفيه شيخ ابن جُميع أبو بكر مُحمد بن الحسن البغدادي مَجهول.\n(٤) في \" علل الحديث \" لابنه عبد الرحمن (٢/ ١٩ - ٢٠)، وذكره عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن هشام، قال أبو حاتم: \" هذا حديث منكر \"، قلت: أبو أويس ليسَ بالقوي، وابنه مثله، ورواه مرّة أخرى عن غير أبيه بإسناد أثبت من هذا، كما سيأتي في سياق كلام أحمد بن صالح.\n(٥) نقله ابنُ رجب في \" شرح العلل \" (١/ ٤٧٧).","vol":"2","page":661},{"text":"آخر في فضل التمر يرويان جميعًا بنفس الإسناد: \" نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلًا، وحدثني ابن أبي أويس، قال حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن رجل من الأنصار، أن رسول الله صلى الله عليه سأل قومًا: ما إدامكم؟، قالوا: الخل، قال: نِعْمَ الإدَامُ الخلُّ \" (١).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث بهذا الإسناد؟ فقال: \" هذا حديث منكر بهذا الإسناد \" (٢).\nقلت: سليمان بن بلال ثقة من أصحاب هشام بن عروة، ولكن عرضت الشبهة لمن أنكر روايته هذه من جهات ثلاث:\nأولاها: كون الحديث معروفًا من حديث جابر بن عبد الله.\nوثانيها: أن أحمد بن صالح لم يجده في كتب سليمان بن بلال.\nوثالثها: أن ابن أبي أويس رواه عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة على غير ما رواه سليمان.\nوأقول: وهذه شبهات مردودة، لا يصلح بمثلها القدح على حديث الثقة.\nفأما روايته من حديث جابر، فتلك بإسناد لا صلة له بهذا، وإنما هو حديث مستقل، واحتج به مسلم كما احتج بحديث عائشة.\nوأما عدم وقوف أحمد بن صالح عليه في كتب سليمان، فلم يأتي عن سليمان أنه لم يكن يحدث إلا من كتبه، ولا أن أحمد بن صالح مع حفظه اطلع على جميع ما كان لسليمان من الأصول، على أن هذا الطعن يتوجه\n_________\n(١) أخرج ذلك عن أحمد بن صالح: أبو الفضل بن عمار الشهيد في \" علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج \" (ص: ١٠٩ - ١١٠).\n(٢) علل الحديث (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣).","vol":"2","page":662},{"text":"إلى من دون سليمان، لكن له عنه طرق صحيحة لا مجال للطعن عليها في مجموعها.\nوأما الاعتراض عليه برواية إسماعيل بن أبي أويس، عن ابن أبي الزناد، فاعتراضٌ برواية الأدنى على الأعلى، فإسماعيل لم يكن بالمتقن مع صدقه، وابن أبي الزناد صدوق حسن الحديث لا يبلغ مبلغ سليمان في الثقة.\nوبهذا المثال قايس في وجوب تحرير القول فيما تدعى عليه العلة، وهو من روايات هذا الصنف من الثقات.\nثانيًا: تفرد الثقة من أصحاب من يدور عليهم الحديث، كتفرد حماد بن سلمة عن ثابت البناني بحديث، لا يرويه عن ثابت غير حماد، وقد يعرف عن غير ثابت.\nفهذا صحيح محتج به.\nثالثًا: تفرد الثقة عن رجل ممن يدور عليهم الحديث، وليس ذلك الثقة من أصحاب ذلك الرجل، كتفرد معمر بن راشد عن قتادة بن دعامة السدوسي، بما لا يُعرف عند أصحاب قتادة المعروفين به، كشعبة بن الحجاج وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وغيرهم فهذا محل للتعليل.\nكما قال مسلم بن الحجاج: \" حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته. فأما من تراه يعمد لمثل الزُّهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، ... أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث،","vol":"2","page":663},{"text":"مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس \" (١).\nرابعًا: تفرد الصدوق الذي لم يبلغ في الإتقان مبلغ الثقات، كمحمد بن عمرو بن عَلْقَمَة، وعمر بن شعيب، وأسامة بن زيد اللَّيثي، بما لم يروه غيره مطلقًا.\nفهذا مقبول بتحقيق ما يُطلب لحسن الحديث.\nخامسًا: تفرد الصدوق عن شيخ له، عرف بالاعتناء بحديثه والضبط له، كتفرد عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل شقيق بن سلمة، أو عن زر بن حبيش.\nومنه تفرد الصدوق المعروف بالاعتناء بحديث أهل بلده بشيء عنهم لا يرويه عنهم غيره، كتفرد إسماعيل بن عياش بحديث عن ثقة من أهل الشام.\nومنه تفرده في باب اعتنائه بما لم يروه غيره من أقرانه عن شيخ مشهور، كأفراد محمد بن إسحاق فيما سمعه من شيخ ثقة في أبواب السير والمغازي؛ لاعتنائه بهذا الباب وضبطه له.\nسادسًا: تفرد الصدوق عن مشهور من الثقات بما لا يوجد عند ثقات أصحاب ذلك المشهور، وليس لذلك الصدوق اعتناء بحديث الشيخ، كتفرد يحيى بن اليمان عن سفيان الثوري والأعمش بما لا يرويه أصحابهما عنهما.\nفهذا محل للتعليل، وقد يبلغ النكارة، وربما اعتبر به إذا وجد له فيمن فوق الثوري أو الأعمش مثلا ً أصل.\nومن مثاله في الرواية: ما رواه محمد بن عمرو بن علقمة، قال: حدثني ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش:\n_________\n(١) مُقدمةُ صحيح مسلم (ص: ٧).","vol":"2","page":664},{"text":"أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ: \" إذا كان دم الحيضة، فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو عرق \" ... (١).\nقلت: هذا مما تفرد به محمد بن عمرو، وهو صدوق، ومثله لا يحتمل مثل هذا التفرد دون سائر أصحاب الزهري، بمتن لا يعرف في الباب عن غيره في جعل الفارق بين دم الحيض والاستحاضة هو اللَّونَ.\nولذا قال أبو حاتم الرازي حين سأله ابنه عن هذا الحديث: \" لم يتابع محمد بن عمرو على هذه الرواية، وهو منكر \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٨٦، ٣٠٤) - ومن طريقه: البيهقي في \" الكبرى \" (١/ ٣٢٥) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١٦/ ٦٤، و٢٢/ ١٠٥) - والنسائي (رقم: ٢١٥، ٣٦٢) وابن أبي عاصم في \" الآحاد والمثاني \" (٦/ ٢٥١ رقم: ٣٤٨٣) والدارقطني (١/ ٢٠٦، ٢٠٧) والخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١١٢٥) من طريق محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن محمد بن عمرو.\nتابع ابنَ المثنى: خلف بن سالم، حدثنا محمد بن أبي عدي، بإسناده نحوه.\nأخرجه الدارقطني (١/ ٢٠٧).\nقال أبو داود بعد روايته المتقدمة (وهو عند من رواه من طريقه كذلك): وقال ابن المثنى: حدثنا به ابن أبي عدي من كتابه هكذا، ثم حدثنا به بعدُ حفظًا، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة كانت تستحاض، فذكر معناه.\n\nوهكذا أخرجه كما ذكره أبو داود من حديث عائشة، وساق لفظه: النسائي (رقم: ٢١٦، ٣٦٣) - وعنه: الطحاوي في \" شرح المشكل \" (٧/ ١٥٤ رقم: ٢٧٢٩) - وابن أبي عاصم (٦/ ٢٥١ رقم: ٣٤٨٣) وابن حبان (٤/ ١٨٠ رقم: ١٣٤٨) والدارقطني (١/ ٢٠٧) والحاكم (١/ ١٧٤ رقم: ٦١٨) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١١٢٥) جميعًا من طريق محمد بن المثنى، بإسناده به.\nوذكر النسائي وابن أبي عاصم والدارقطني والخطيب عن محمد بن المثنى مثل ما ذكره أبو داود عنه عن ابن أبي عدي.\n(٢) علل الحديث (رقم: ١١٧).\nقلت: والحديث صححه ابنُ حبان والحاكم، وليس كما قالا، وله علة أخرى بسْطها في محل آخر.","vol":"2","page":665},{"text":"سابعًا: تفرد المجروح، كان تفردًا مطلقًا أو نسبيًا، فهو منكر، وليس من باب علل الحديث؛ لظهور نكارته بجرح راويه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>مسألتان متممتان لمبحث التفرد:</span>\n\nالمسألة الأولى: بين الترمذي عن أهل الحديث الأسباب التي يعود إليها وصف الحديث بالغرابة، في الصور التالية، ومنها يستفاد ما يأتي في استعمال الترمذي للفظ (الغريب) في كثير من الأحاديث في \" جامعه \":\n_________\n(١) وللحافظ محمد بن طاهر المقدسي قسمة تأتي في السياق التوضيحي كذلك للأفراد، فقال في \" أطراف الغرائب والأفراد \" (ق: ٩ / ب): \" اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:\nالنوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة.\nوهو أن يكون الصحابي مشهورًا براوية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديث عنه أحد الرواة الثقات لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة.\nوهذا حدُّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أخرج له نظائر في الكتابين (يعني الصحيحين).\nوالنوع الثاني من الأفراد: أحاديث يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، ينفرد عن بعض رُواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيره من طريق يصحُّ، وإن كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن شيخه، إلا أنه من رواية بعد المتفرد عن شيخه لم يروه عنه [غيره].\nوالنوع الثالث من الإفراد: أحاديث تفرد بزيادة ألفاظ فيها واحد عن شيخه، لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ، ينسب إليه التفرد بها، وينظر في حاله.\n\nوالنوع الرابع: متون اشتهرت عن جماعة من الصحابة، أو عن واحد منهم، فروي ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يعرف به، إلا من طريق هذا الواحد، ولم يُتابعه عليه غيره.\nالنوع الخامس من التفرد: أسانيد ومُتون يتفرد بها أهل بلد، لا توجد إلا من روايتهم، وسننٌ يتفرد بالعمل بها أهل مصر لا يُعمل بها في غير مِصرهم \".\nقلت: وهذا الذي ذكر ابن طاهر صحيح، لكنه لم يُراع فيه ما نحن بصدده من بيان ما يتصل منه بباب علل الحديث، وما لا يتأثر بذلك، وهو مَقصودنا بهذه المسألة.\nكما أني وجدت لغيره، كأبي يعلى الخليلي في \" الإرشاد \" (١/ ١٦٧ - ١٧٢) اعتبارات أخرى في تقسيم الأفراد، قد أتيت بقسمتي على جميعها فيما يتصل بالمقبول والمردود من الأفراد، وزيادة لا توجد في شيء منها.","vol":"2","page":666},{"text":"١ - الحديث لا يروى إلا من وجه واحد، وهو الغريب المطلق، كما يسمى الفرد المطلق.\nمثل: ما حدث حماد بن سلمة، عن أبي العشراء، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذَّكاةُ إلا في الحلق واللَّبَّةِ؟ فقال: \" لو طعنت في فخذها أجزأ عنك \".\nقال الترمذي: \" فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورًا عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا نعرفه إلا من حديثه \" (١).\n٢ - الرجل من الأئمة يحدث بالحديث، لا يعرف إلا من حديثه، لكن يشتهر الحديث لكثرة من روى عنه.\nمثل: ما روى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته.\nقال الترمذي: \" لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار. رواه عنه عبيد الله بن عمر وشعبة وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن عيينة وغير واحد من الأئِمة \"، وبين وهم من رواه عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر (٢).\n٣ - الحديث يستغرب لزيادة تكون فيه.\nومثل له الترمذي بزيادة مالك: \" من المسلمين \"، في حديث زكاة الفطر، وإن كان التحقيق أن مالكًا لم يتفرد بها (٣).\n_________\n(١) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥١ - ٢٥٢).\n(٢) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥٢).\n(٣) والتفرد بالزيادة يأتي له مزيد بيان في المبحث التالي.","vol":"2","page":667},{"text":"٤ - الحديث يروي من أوجه كثيرة، وإنما يستغرب لحال الإسناد.\nمثل: ما رواه شبابة بن سوار، قال: حدثنا شعبة، عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر، أن النبي ﷺ نهى عن الدُّباء والمز فَّت.\nأسنده الترمذي، وقال: \" هذا حديث غريب من قبل إسناده، لا نعلم أحد حدث به عن شعبة غير شبابة. وقد روى عن النبي ﷺ من أوجه كثيرة: أنه نهى أن ينتبذ في الدُّبَاءِ والمُزَفَّتْ.\nوحديث شبابة إنما يستغرب لأنه تفرد عن شعبة.\nوقد روى شعبة وسفيان الثوري بهذا الإسناد عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ أنه قال: الحج عرفة. فهذا الحديث المعروف أصح عند أهل الحديث بهذا ... الإسناد \" (١).\n\nوالمسألة الثانية: وقوع التفرد من الثقات المكثرين بعد انتشار التدوين، قليل بالنظر إلى مجموع ما يرويه أحدهم.\nقال الذهبي بعد ذكره طبقات كبار الحفاظ إلى زمانه: \" فهؤلاء الحفاظ الثقات إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مِئَتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة \" (٢).\n\n* * *\n_________\n(١) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥).\n(٢) الموقظة (ص: ٧٧).","vol":"2","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>المبحث الثاني:\nالتعليل بالزيادة</span>\nصورتها: أن يروي جماعة من الثقات حديثًا واحد بإسناد واحد ومتن واحد، فيزيد بعض الرواة الثقات فيه زيادة لم يذكرها سائرهم (١).\nوعليه: فيخرج الحديث الفرد يرويه الثقة لا يشاركه فيه غيره، فإنه وإن كان زاد علمًا لم يأت به سواه لكنه انفصل به عن غيره، فلم يشاركوه في أصله، وليس مما عنوا به كما عني به، ومقتضى ثقته قبول ما حفظه من العلم فتقبل أفراده ابتداء ما لم يقم دليل على غلطه.\nوأما لو شارك غيره في الرواية، ثم أتى بما لم يأت به غيره فيها، فذلك المقصود بزيادة الثقة.\nوالقول في زيادات الثقات يتحرر ببيان أصلين:\n_________\n(١) هذا التعريف في الأصل مستفاد من قول الحافظ ابن رجب، حيث قال: \" أن يرويَ جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد ومتْن واحد، فيزيد بعض الرواة فيه زيادة لم يذكرها بقية الرواة \" \"شرح علل الترمذي \" (١/ ٤٢٥)، لكنه لم ينعت الرُّواة بالثقة، مع أنه قال ذلك في معرض تعريف زيادة الثقة.","vol":"2","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>الأصل الأول: محل وقوع زيادات الثقات</span>.\nيتبين من التعريف المتقدم لزيادة الثقة أنها تقع في الإسناد، وتقع في المتن.\nوصورها محصورة في خمس، ثلاث في الإسناد: وصل مرسل، ورفع موقوف أو مقطوع، والزيادة خلال الإسناد، ومنه: المزيد في متصل الأسانيد، وواحدة في المتن، وهي زيادة الكلمة، أو الجملة أو أكثر، ومشتركة بينهما، وهي: الإدراج، وهذا بيانها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>أولًا: وصل المرسل</span>.\nوالمقصود بالمرسل هنا: ما رفعه التابعي فقط، لأننا احترزنا بما ذكرنا من الزيادة خلال الإسناد عن وصل المنقطع، وسيأتي. ومثاله، قال أبو يعلي الخليلي: \" حدثني رواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، وهو ثقة إمام، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.\nهذا مما يتفرد به أبو عاصم مسندًا مجودًا.\nوالناقلون رووه عن مالك عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة مرسلًا، عن النبي ﷺ\nليس فيه أبو هريرة.\nوتابع على ذلك أبا عاصم عبد الملك بن الماجشون، ويحيى بن أبي قتيلة من أهل مصر، وليسا بذاك.\nوقال أهل البصرة لأبي عاصم: خالفك أصحاب مالك في هذا، فقال: حدثنا به مالك بمكة، وأبو جعفر المنصور بها، هاتوا من سمع معي.\nورواه معمر بن راشد عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ.","vol":"2","page":670},{"text":"وهو المحفوظ المخرج في صحيح البخاري وغيره \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>ثانيًا: رفع الموقوف</span>.\nمثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: \" لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه \".\nرواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو.\nواختلف عنه:\nفرواه هشام الدستوائي، فقال: عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله موقوفًا.\nذكره العقيلي (٢) معلقًا دون إسناد، وأتبعه بقوله: \" وهذا أولى \" يعني من المرفوع الآتي.\nورواه شعبة وغيره عن قتادة، واختلف على شعبة فيه وقفًا ورفعًا:\nفرواه يحيى بن سعيد القطان، وهو من أتقن الناس، ومحمد بن جعفر غندر، وهو من متقني أصحاب شعبة، وعمرو بن مرزوق، وهو ثقة، ثلاثتهم عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قوله، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ.\nوتابع الثلاثة: عبد الله بن المبارك، ومعاذ بن هشام، عن شعبة، بإسناده إلى عبد الله بن عمرو، لكن زادا: عن النبي ﷺ، فرفعاه.\nرواه عن ابن المبارك من ثقات أصحابه: أحمد بن جميل، ويعمر بن بشر وهو صحيح عنه، وكذلك هو جيد الإسناد إلى معاذ بن هشام.\nوابن المبارك شيخ الإسلام، الحافظ المتقن الإمام، أتى عن شعبة بما\n_________\n(١) الإرشاد، للخليلي (١/ ١٦٥ - ١٦٦).\n(٢) في \" الضعفاء \" (٢/ ٢٠).","vol":"2","page":671},{"text":"لم يأت به يحيى بن سعيد القطان وهشام الدستوائي ومحمد بن جعفر، فحفظ من العلم عليهم زيادة، وافقه عليها عن شعبة: معاذ، وهو صدوق جيد الحديث.\nوجزم أبو علي النيسابوري بترجيح الوقف، وتردد تلميذه الحاكم، وجزم تلميذه البيهقي بموافقة أبي علي.\nولو نظرت إلى ما أتى به ابن المبارك وحده عن شعبة لما جاز على الأصول رده، لإتقانه وحفظه، فكيف وقد وافقه غيره عن شعبة؟\nثم كيف وأن عامة أصحاب قتادة عدا ما ذكره العقيلي عن هشام الدستوائي، يروونه عن قتادة مرفوعًا؟\nكذلك قال: سعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، وعمران بن داور القطان، وعمر بن إبراهيم العبدي، رووه جميعًا عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا بنظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه \".\nوسعيد من أتقن أصحاب قتادة قبل أن يختلط، وهذا رواه عنه سرار بن مجشر، ونص النسائي على تقديمه فيه، لكونه روى عنه قبل الاختلاط.\nوهمام من ثقات أصحاب قتادة.\nوعمران صدوق حسن الحديث، وهو في المتابعات أحسن، والإسناد إليه حسن.\nوعمر صدوق، لكنه لم يكن متقنًا لحديث قتادة، كان يخالف فيه، غير أنه ههنا جاءت روايته على الوفاق لرواية ثلاثة من ثقات أصحاب قتادة فلم يخالف ولم يتفرد، وذلك من طريقين صحيحين عنه، وخالف في رواية جاءت من طريق ابنه الخليل عنه، وهي ضعيفة، ذكر فيها (الحسن) بدل (سعيد بن المسيب).","vol":"2","page":672},{"text":"وحاصل هذا: أن الرفع زيادة في رواية هذا الحديث، جاءت من طريق خمسة من أصحاب قتادة: سعيد، وهمام، وعمران القطان، وعمر بن إبراهيم، والخامس شعبة، ولم يبق يقابل ذلك في النقص، سوى رواية هشام الدستوائي عن قتادة، فإن صحت فقد قصر فيها هشام، وحفظ الزيادة عن قتادة غيره من أصحابه، وقد اجتمع فيهم الضبط والعدد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>ثالثًا: الزيادة خلال الإسناد</span>.\nوهي غير ما يدرجه بعض الرواة من تفسير راوٍ مهمل، أو الزيادة في اسمه ونسبه، أو بيان درجته في الرواية، أو شبه ذلك.\n\nوإنما هي واقعة على صور ثلاث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>الصورة الأولى: زيادة راوٍ خلال الإسناد في موضع عنعنة</span>.\nلم يأت ذكره في رواية أخرى للحديث، فتكشف انقطاعًا في الإسناد الناقص، لم يكن ليظهر لولا تلك الزيادة.\nمثاله: ما أخرجه أحمد بن حنبل، قال: حدثنا إسماعيل، حدثنا أبو هارون الغنوي، عن مطرف، قال: قال لي عمران بن حصين:\nأي مطرف، والله إن كنت لأرى أني لو شئت حدثت عن نبي الله ﷺ يومين متتابعين لا أعيد حديثًا، ثم لقد زادني بطأً عن ذلك وكراهية له: أن رجالًا من أصحاب محمد ﷺ، أو من بعض أصحاب محمد ﷺ، شهدت كما شهدوا، وسمعت كما سمعوا، يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون، ولقد علمت أنهم لا يألون عن الخير، فأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فكان أحيانا ً يقول: لو حدثتكم أني سمعت من نبي الله ﷺ كذا وكذا رأيت أني قد صدقت، وأحيانًا يعزم فيقول: سمعت نبي الله ﷺ يقول كذا وكذا.\n_________\n(١) وتفصيل تخريج هذا الحديث في كتابي \" علل الحديث \".","vol":"2","page":673},{"text":"قلت: فهذا الحديث ظاهر إسناده الاتصال والسلامة من العلة، ورواته جميعًا ثقات (١).\nلكن كشف بشر بن المفضل عن علته، فقال: عن أبي هارون الغنوي، قال حدثني هانئ الأعور، عن مطرِّف، عن عمران بن حصين.\nحدث به عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني نصر بن علي، حدثنا بشر، به.\nقال عبد الله: فحدثت به أبي، فاستحسنه، وقال: زاد فيه رجلًا (٢).\nقلت: فبينت رواية بشر أن الرواية الأولى كانت منقطعة، ونظرنا من بعد إلى حلقة الوصل هانئًا هذا فوجدناها لينة، لا تقوم معها رواية الحديث.\nوزيادة بشر محفوظة، لكونه ثقة ضابطًا.\nواعلم أن الزيادة قد تكون مرجوحة شاذة، وذلك مثل ما رواه زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال:\nلبَّى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معًا، فقال: \" لبيك بعمرة وحجة \".\nقال البخاري: \" هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسًا \" (٣).\nهشيم بن بشير (٤)، ويحيى بن سعيد القطان (٥)،\n_________\n(١) وإسماعيل فيه هو ابن علية، وأبو هارون هو إبراهيم بن العلاء، ومطرف هو ابنُ عبد الله بن الشخير.\n(٢) انظر الحديث في \" مسند أحمد \" (٣٣/ ١٢٢ - ١٢٣ رقم: ١٩٨٩٣).\n(٣) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣٧٥).\n(٤) أخرجه أحمد (١٩/ ٢٢ رقم: ١١٩٥٨) ومُسلم (رقم: ١٢٥١) وأبو داود (رقم: ١٧٩٥) والنسائي (رقم: ٢٧٢٩) وابن خزيمة (رقم: ٢٦١٩) والطبراني في \" الصغير \" (رقم: ٩٦٨) والبيهقي في \" الكبرى \" (٥/ ٩).\n(٥) أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٣٦ رقم: ١٢٨٧٠).","vol":"2","page":674},{"text":"وسفيان بن عيينة (١)، ذكروا جميعًا عن حميد سمع أنسًا.\nكما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفسًا من أصحاب حميد، عنه، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس، بما يأتي على رواية من ذكر السماع (٢).\nفشذ زهير بن معاوية مع حفظه وإتقانه؛ لأن اتفاق جميع أصحاب حميد على ترك ما ذكره، وتأكيد ذلك بذكر السماع ممن ذكره، لا يقوم معه بعد احتمال أنه يكون من قبيل (المزيد في متصل الأسانيد) الآتي ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>الصورة الثانية: المزيد في متصل الأسانيد</span>.\nوهو الإسناد الصحيح الذي اتصل برواية العدل عن العدل بما لا يحتمل انقطاعًا، يأتي من وجه آخر صحيح يكون بعض رواته تلقى بواسطة\n_________\n(١) أخرجه الحُميدي (رقم: ١٢١٥) وأبو يعلى (٦/ ٣٢٥، ٣٩١ رقم: ٣٦٤٨، ٣٧٣٧ - وسقط منه ذكر سُفيان في الموضع الأول).\n(٢) كذلك قال: مُعتمر بن سليمان، عند أبي يعلى (٦/ ٤٣١ رقم: ٣٨٠٥)، وسفيان بن عيينة أيضًا، عند أحمد (١٩/ ١٤٣ رقم: ١٢٠٩١) والبغوي في \" شرح السنة \" (٧/ ٧٢ رقم: ١٨٨١)، ومحمد بن أبي عدي، عند ابن الجارود في \" المنتقى \" (رقم: ٤٣٠)، وأبو ضمرة أنس بن عياض، عند ابن حبان في \" صحيحه \" (٩/ ٢٤٢ رقم: ٣٩٣٣)، وحماد بنُ زيد، عند الترمذي (رقم: ٨٢١) وقال: \" حديث حسن صحيح \"، وإسماعيل بنُ عُلية، عند ابن أبي شيبة (٤/ ٩٩)، وعبد الله بن المبارك، عند أحمد (٢١/ ٣١٦ رقم: ١٣٨٠٦)، وشُعبة بن الحجاج، عند أحمد (٢١/ ٤١٢ رقم: ١٤٠٠٢)، ومروان بن معاوية، عند البغوي في \" شرح السنة \" (٧/ ٧٣ رقم: ١٨٨٢)، ويونس بن عبيد، عند الدارقطني (٢/ ٢٨٨) والحاكم (١/ ٤٧٢ رقم: ١٧٣٦) وقال: \" صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه! \"، ويزيد بن زُريع، عندَ الدارقطني (٢/ ٢٨٨)، ويزيد بن هارون، عند الدارمي (رقم: ١٨٥٩) والطحاوي في \" المشكل \" (٦/ ٢٢٩ رقم: ٢٤٤٢)، وحماد بن سلمة، عند الطحاوي في \" شرح المعاني \" (٢/ ١٥٣)، وعبْد الوهاب بن عطاء، عند ابنِ سعد في \" الطبقات \" (٢/ ١٧٥)، ومعاذ بن مُعاذ العنبري، عند البيهقي في \" الكبرى \" (٥/ ٤٠)، وداود الطائي، عند أبي نعيم في \" أخبار أصبهان \" (١/ ٢٥٠)، ومنيع بن عبد الرحمن، عند الخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ٨١)، جميعهم اتفقوا على روايته عن حميد عن أنس.","vol":"2","page":675},{"text":"عن شيخه في السند الأول، ولا يكون من باب الاختلاف الذي يدخله الترجيح، والذي يقال فيه: المحفوظ إحدى الروايتين والأخرى وهم.\nوشرحت مثال هذه الصورة في مبحث (الشاذ).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-244>الصورة الثالثة: زيادة ذكر التحديث والسماع بدل العنعنة</span>.\nوهذا كثير في الأسانيد، خصوصًا لما بينا في الكلام على العنعنة أنهم كانوا يتخففون بذكرها عن سياق ألفاظ السماع، ولا ريب أن حفظها زيادة تدفع الشبهة عن حديث الموصوف بالتدليس من الثقات، بل تنفي على أي حال شبهة الانقطاع.\nوقبولها مشروط إضافة إلى كون الراوي الحافظ لها ثقة بأن يصح الإسناد إليه، وأن يسلم ذلك من المعارض الراجح، فقد تقوم الحجة على وهم الثقة في ذكر السماع (١).\nوالصور المتقدمة كان السلف من أئمة هذا العلم يعتنون بتمييزها وحفظها، ويعيبون على من يقع له الحديث على وجهين: ظاهر الاتصال في أحدهما، ومنقطع في الآخر، فيحدث بما ظاهره الاتصال دون المنقطع.\nكما قال الميموني: تعجب إلي أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ممن يكتب الإسناد ويدع المنقطع، ثم قال: \" وربما كان المنقطع أقوى إسنادًا وأكبر \"، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: \" يكتب الإسناد متصلًا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادًا منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي ﷺ \"، معناه: لو كتب الإسنادين جميعًا عرف المتصل من المنقطع، يعني: ضعف ذا، وقوة ذا (٢).\n_________\n(١) واستفد مِثاله مما تقدم ذكْره في خطأ من روى عن عبد الجبار بن وائل سماعَه من أبيه وائل بن حجر، في (اتصال الإسناد).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٥٧٦) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>رابعًا: الزيادة في متن الحديث</span>.\nوهي ما يقع في ألفاظ متن الحديث الواحد المتحد في أصله، كحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، من مفردة، أو مفردات، أو جملة، أو مقطع، أو قصة، أو ما يزيد حتى يبلغ أن يكون بمنزلة حديث آخر.\nوهو كثير في الأحاديث، ويمكن أن يستفاد بعض مثاله مما بينته من مثال لفوائد المستخرجات على \" الصحيحين \"، وما يقع فيها من زيادات الرواة في المتون.\nوربما كان تمام الحديث بتلك الزيادة، ومن لم يذكرها اختصره، ففوت باختصاره ما قد يدل عليه من العلم أصل سياقه.\nوقد اعتنى به جماعة من فقهاء المحدثين، كأبي داود السجستاني في \" السنن \"، وأبي بكر النيسابوري في \" الزيادات على كتاب المزني \"، والبيهقي في \" السنن \".\nوجمع ألفاظ الحديث، وتبيين ما يزيد الثقات في متنه على بعضهم يحرر أصول كثير من الأحاديث، وربما أبان عن معنى يتحصل بتلك الزيادة، أو بتمام السياق لم يكن ليحصل بدونه.\nبل في اختلاف الفقهاء مسائل كثيرة يعود سبب اختلافهم فيها إلى هذا المعنى كاختلافهم في كفارة المواقع في رمضان، وهل هي لإفطاره بأي سبب، أو لإفطاره بالمواقعة خاصة، وحكم القضاء له، أو عدمه، وكاختلافهم في صفة القعود للتشهد من صلاة الصبح بالتورك أو الافتراش، لما جاء به الرواة لحديث أبي حميد السَّاعديِّ في صفة الصلاة اختصارًا وتمامًا، وغير ذلك.\nومن مثاله الذي يتنازع أئمة الحديث قبوله: زيادة \" وإذا قرأ فأنصتوا \" في حديثي أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، من قبل بعض الثقات في حديث كل منهما عن النبي ﷺ: \" إنما جعل الإمام ليؤتم به \"، وهو حديث معروف الصحة، سوى هذه الزيادة، فقد اختلفوا فيها قبولًا وردا.","vol":"2","page":677},{"text":"وقد أورد مسلم الحديث بها في \" صحيحه \" (١) من حديث أبي موسى، ولم يبال بما قاله غيره من تفرد سليمان التيمي بها عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى، من أجل ما عرف من إتقان التيمي.\nبينما أحجم مسلم أن يسوق الحديث بها في \" صحيحه \" من حديث أبي هريرة مع حكمه بصحته، من أجل شدة إنكارهم لها على محمد بن عجلان، إذ تفرد بها عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nقال إبراهيم بن سفيان راوي \" الصحيح \" عن مسلم: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث (٢)، فقال مسلم: \" تريدُ أحفظ من سليمان؟ \"، فقال أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: \" هو عندي صحيح \"، فقال: لِمَ لم تضعه ههنا؟ قال: \"ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه (٣).\nتنبيه:\nربما أطلق بعض العلماء عبارة: (زيادة الثقة) على ما يأتي به الصحابي من العلم في حديث يشاركه فيه صحابي آخر عن النبي ﷺ، لكن هذا الآخر لا يذكر تلك الزيادة في حديثه.\nمثل ما وقع في حديث عبد الله بن مغفل في غسل الإناء من ولوغ الكلب: \" وعفروه الثامنة بالتراب\"، فجعل غسلة التراب غير الغسلات السبع، وأبو هريرة حين روى ذلك جعل غسلة التراب من السبع، قال البيهقي: \" أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره، فروايته أولى \"، فتعقبه الناقد ابن\n_________\n(١) صحيح مسلم (١/ ٣٠٤).\n(٢) يعني زيادة سُليمان التيميِّ في حديث أبي موسى.\n(٣) صحيح مُسلم (١/ ٣٠٤)، والكلام حول الحديثين تفصيلًا في كتابي \" الإعلام بحكم القراءة خلف الإمام \".","vol":"2","page":678},{"text":"التركماني الحنفي فقال: \" بل رواية ابن مغفل أولى؛ لأنه زاد الغسلة الثامنة، والزيادة مقبولة، خصوصًا من مثله \" (١).\nوصاغ ذلك ابن حجر بصيغة أخرى، فقال: \" هي زيادة ثقة، فيتعين المصير إليها \" (٢).\nوكذلك وقع في كلام طائفة من العلماء (٣).\nوهذا من جهة الاصطلاح واسع، لكنه ليس المراد بكلامهم في زيادات الثقات عادة، وإنما يعنون بها زيادات الرواة الثقات فيمن دون الصحابي أصل الحديث، على اعتبار أن رواية الصحابي حديث مستقل لذاتة، بخلاف ما تتفرع به الأسانيد منه، فإنها جميعًا تنتهي إليه (٤).\nوكما يكون ذلك في الزيادة يكون كذلك في الموافقة والمخالفة، ففي الموافقة فكل منهما شاهد لحديث الآخر، وفي المخالفة يتبع طريق النظر في مشكل الحديث.\nغير أنك لو استعملت هذه العبارة فقلت: (زيادة ثقة) فيما اتحدت فيه القصة مما يحدث به الصحابيان فأكثر يزيد بعضهم على بعض، فليس في ذلك من حرج، وإنما المقصود التنبيه على طريقة القوم.\n_________\n(١) انظر: \" السنن الكبرى \" للبيهقي (١/ ٢٤٢)، و\" الجوهر النقي \" لابن التركماني، بهامشها (١/ ٢٤١).\n(٢) التلخيص الحبير (ا / ٢٤)، وظاهر السياق نِسبة العبارة إلى ابن مندَه، وليست كذلك، وانظُر: \" البدر المنير \" لابن الملقَّن (٢/ ٣٢٩).\nوذكرت هذا من أجل التمثيل، وفي تسليم القول بخصوص هذين الحديثين على وَفْقِ ما أوردت أن تكون هذه زيادة، نظرٌ، إذ الأبين تعارضُ الروايتين في بيان ليس هذا محله.\n(٣) انظر مثاله في كلام بعض المتأخرين: ابن قدامة في \" المغني \" (١/ ٤١٩، ٥٠٣، ٥٥٣) و\" الكافي \"\n(٤) نبَّه على شيء من معنى هذا ابن رجب في \" شرح علل الترمذي \" (٤٢٤).","vol":"2","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>خامسًا: الإدراج</span>.\nويقع في الإسناد والمتن.\nولوقوعه في روايات الثقات صور ثلاث:\nالصورة الأولى: أن يكون وهمًا من الثقة، وهو أن يدخل حديثًا في حديث، كأن يسوق إسنادًا، ثم يدخل عليه متنًا مرويًا بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث)، وسيأتي مثاله في (التعليل بالغلط).\nالصورة الثانية: أن يقع الحديث للراوي بإسنادين أو أكثر، ربما اختلفت وصلًا وإرسالًا، أو تفاوتت فيما بينها في المتن زيادة ونقصًا، فيحمل رواية بعضهم على بعض، ولا يبين حديث هذا من حديث هذا.\nوادعي أنه ربما فعله سفيان بن عيينة، ولم أقف له على مثال، وعيب على محمد بن إسحاق (١).\nومثله قادح في الحديث، تعل به الرواية.\nوكان الزهري يجمع بين الروايات المسندة من روايات الثقات من شيوخه، ويحمل ألفاظ بعضهم على بعض.\nكما قال في سياقه لقصة حديث الإفك: \" أخبرني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة، زوج النبي ﷺ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا (٢)، وقد وعيت عن كل واحد منهم\n_________\n(١) انظر ما سأذكره في مبحث (الحديث المدرج) في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.\n(٢) أي سياقًا للقصة.","vol":"2","page":680},{"text":"الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت \" الحديث (١).\nقال القاضي عياض: \" هو مما انتقد قديمًا على الزهري؛ لجمعه الحديث عنهم، وإنما عند كل واحد منهم بعضه، وقيل: كان الأولى أن يذكر حديث كل واحد منهم بجهته، ولا درك (٢) على الزهري في شيء منه؛ لأنه قد بين ذلك في حديثه، والكل ثقات أئمة لا مطعن فيهم، فقد علم صحة الحديث، ووثق كل لفظة منه، إذ هي أحد هؤلاء الأربعة الأقطاب عن عائشة \" (٣).\nوحين حدث محمد بن إسحاق بهذا الحديث عن الزهري، ذكر عنه هذا التلفيق وزاد، فقال عن الزهري: \" كل قد حدثني بعض هذا الحديث، وبعض القوم كان أوعى له من بعض، وقد جمعت لك الذي حدثني القوم \"، قال محمد بن إسحاق: \" وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة، عن نفسها، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع \" (٤).\nقلت: فمثل هذا لا يعل بمثل هذا التصرف؛ لكونه متصلًا، ويعود في جملته إلى رواية الثقات، وإن كان خلاف الأولى.\nوإنما يكون قادحًا معللًا لو كان بعض تلك الطرق مرسلة أو ضعيفة.\nوذلك كالإدراج الذي وقع من الزهري في روايته عن ابن أُكيمة الليثي، عن أبي هريرة:\n_________\n(١) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٢٥١٨، ٣٩١٠، ٤٤٧٣) ومسلم (رقم: ٢٧٧٠).\n(٢) أي لا تَبعةَ، أو مؤاخذة.\n(٣) إكمال المُعلم، للقاضي عياض اليَحصُبي (٨/ ٢٨٦).\n(٤) السيرة النبوية، لابن هشام، عن ابن إسحاق (٣/ ٣٠٩ - ٣١٠).","vol":"2","page":681},{"text":"أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: \" هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟ \"، فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله، قال: فقال رسول الله ﷺ: \" إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ \".\nفانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.\nقلت: فهذه الجملة (فانتهى الناس. .) إلى آخره، مما أدرجه الزهري في الحديث في قول عامة متقدمي النقاد ممن تعرض للقول في هذا الحديث، كالبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي وأبي داود السجستاني والبيهقي والخطيب، وغيرهم، وبينوا وجه ذلك وحجته بما يطول المقام بتفصيله (١).\nوهي عبارة لا يقولها الزهري إلا بتوقيف؛ لأنها خبر، فلا بد أن يكون تلقاها بواسطة بينه وبين زمان النبوة، وليست تلك الواسطة في الراجح: ابن أُكيمة عن أبي هريرة، إذ لا تساعد الروايات على تصحيح ذلك، فهي إذًا رواية مرسلة.\nفيكون الزهري قد أدرج بعض ما هو مرسل فيما هو موصول.\nوهذا لا يدعى في شيء من الحديث حتى تقوم الحجة عليه، كما تراه وقع في هذا الحديث، أو تقوى الشبهة فيه.\n\nالصورة الثالثة: أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث.\nوإدراج الزيادة من هذا يبين عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به.\nوهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.\n_________\n(١) شرحته في كتاب \" علل الحديث \".","vol":"2","page":682},{"text":"مثاله: قول أبي داود السجستاني: حدثنا مخلد بن خالد، قال: حدثنا إبراهيم، يعني ابن خالد، عن رباح بن زيد فذكر بإسناده حديثًا (١).\nفعبارة (يعني ابن خالد) إدراج من أبي داود، وعلامة الإدراج قوله: \" يعني \"، ولو لم تأت هذه\nالقرينة وجاء السياق بلفظ: (إبراهيم بن خالد)، لم يصح ادعاء الإدراج في تفسيره وإنما هو تعريف مخلد نفسه بشيخه.\nومما لايبين لظهوره مثلا، ما تراه في كتاب يعقوب بن سفيان، حيث يسوق إسناده إلى راو، لا يريد ذكر روايته، وإنما ينتهي إليه ليبين درجته في الحديث.\nكقوله مثلا: \" حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن صلة بن أشيم، تابعي كوفي ثقة \" (٢).\nفعبارة (تابعي كوفي ثقة) ليست من كلام سفيان الراوي عن صلة وهو الثوري، ولا مدرجة من كلام أبي نعيم الفضل بن دُكيِّن، إنما هي من إنشاء الحافظ يعقوب بن سفيان، يستعمل ذلك كثيرًا في كتابه هذا ومثله بين للمعتني بهذا العلم.\nفإن قلت: فماذا لو جاء الإسناد في موضع يقول فيه الثقة مثلا: (حدثنا حماد)، ويأتي في مكان آخر يقول فيه ذلك الثقة: (حدثنا حماد بن زيد)، فهل تكون زيادة (ابن زيد) مدرجة من قول من حدث بذلك الإسناد عن ذلك الثقة؟ أم هي من زيادة الثقة، يحفظ الزيادة في الإسناد كما يحفظ الزيادة في المتن، يذكرها بعض الرواة عنه ولا يذكرها بعضهم؟\nقلت: بل هي زيادة ثقة محفوظة كجزء من روايته، لا تنسب إلى غير ذلك الثقة المحدث بها عن ذلك الشيخ المهمل، ولا يدعى عليها الإدراج إلا بحجة تفسره، أو شبهة قوية تقوم دون التسليم بقبولها.\n_________\n(١) سنن أبي داود (رقم: ١٣٢٤).\n(٢) المعرفة والتاريخ (٣/ ٩٠).","vol":"2","page":683},{"text":"ويقع مثل ذلك الإدراج في المتون أيضًا، بقصد شرح لفظ غامض أو نحو ذلك.\nمثل: ما جاء في أثناء قول عائشة في حديث بدء الوحي: ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه، وهو التعبد، الليالي ذوات العدد. . الحديث (١).\nفعبارة: (وهو التعبد) جزم بعض العلماء أنها مدرجة من قول الزهري يشرح بها معنى التَّحنُّث، وفي رواية عن الزهري جاءت العبارة معترضة بصيغة: (قال: والتَّحنُّث: التعبد) (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>الأصل الثاني: الحكم في زيادة الثقة</span>.\nما هو محل للتعليل من صور زيادات الثقات: زيادة الوصل في محل الإرسال، أو الراوي في محل العنعنة، أو زيادة الرفع في محل الوقف، أو الزيادة في متن الحديث.\nوليس منه: المزيد في متصل الأسانيد، ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة، فهذا لا أثر له فيما يأتي من الخلاف.\n\nونقسم الكلام في حكم زيادة الثقة عند أهل العلم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد: </span>الوَصل، أو الرفع، أو راويًا في محل العنعنة.\nبين أهل العلم في هذا اختلاف، حصره الخطيب في المذاهب الأربعة التالية:\n_________\n(١) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣، ٦٥٨١) ومُسلم (رقم: ١٦٠).\n(٢) نقل ابن حجر القول بكونها مدرجة عن الطيبي (فتح الباري ١/ ٢٣)، والرواية الأخرى عن الزهري عند البخاري (رقم: ٤٧٦٠).","vol":"2","page":684},{"text":"المذهب الأول: عدم قبول الزيادة، والحكم لتاركها، حكاه عن أكثر أهل الحديث.\nالمذهب الثاني: الترجيح بالعدد، فإن كان التارك أكثر فالقول قوله، وكذلك العكس.\nقال الزَّيلعيُّ: \" إن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وهو قول ضعيف؛ لبعد احتمال الغلط على العدد الأكثر، ولهذا جعلت الشهادة على الزنا أربعة؛ لأنه أكبر الحدود \" (١)، وقال: \" وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجا بهم من الطرفين \" (٢).\nالمذهب الثالث: الترجيح بالحفظ، فإن كان التارك أحفظ فقوله أرجح، وكذلك العكس. وهذه طريقة الدارقطني.\nفمع إقراره بمبدأ: (الزيادة من الثقة مقبولة) لكنه لا يرجح به، إنما يرجح الأحفظ.\nفقد سئل عن حديث اختلف فيه مطرف بن طريف وسفيان الثوري روياه جميعًا عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن ابن عمر، فزاد مطَرِّف: عن عمر.\nفأجاب بأن ثلاثة رووه عن مطرف، أتقن ثقتان على روايته عنه بزيادة عمر، ورواه عنه شريك القاضي، فلم يذكر عمر، ثم قال الدارقطني: \" مطرف من الأثبات، وقد اتفق عنه رجلان ثقتان، فأسنداه عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر، لأنه زاد، وزيادة الثقة مقبولة \" (٣).\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٥٩).\n(٢) نصب الراية (١/ ٣٦٠). قلت: ويعني بالطرفين: طرف من زاد، وطرف من ترك.\n(٣) العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني (٢/ ٧٥).","vol":"2","page":685},{"text":"وسئل عن حديث رواه إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ في فضل ما يقال عند الأذان. خالف ابن جعفر فيه: إسماعيل بن عياش، فرواه عن عمارة، عن خبيب عن النبي ﷺ مرسلًا، كما خالفهما: يحيى بن أيوب الغافقي، فرواه عن عمارة عن خبيب موقوفًا؟ فقال الدارقطني: \" إسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة \" (١).\nقلت: وهكذا رأيته فعل في مواضع، ثم الترجيح بالأحفظ هو القاعدة العامة التي جرى عليها الدارقطني في تعليله الأحاديث.\nالمذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط، مطلقًا كان التارك لها واحدًا أو أكثر، مثله في الحفظ أو أحفظ منه.\nوهذا المذهب قال الخطيب: \" هو الصحيح عندنا؛ لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلًا، أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضعف ذلك أيضًا؛ لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معًا عن قصد منه فغرض له فيه \" (٢).\nوقال الخطيب: \" اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفًا؛ لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي ﷺ، ويذكره مرة أخرى على سبيل الفتوى ولا يرفعه، فحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعًا، وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرة أخرى قصدًا واعتمادًا، وإنما\n_________\n(١) العلل (٢/ ١٨٣).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨١).","vol":"2","page":686},{"text":"لم يكن هذا مؤثرًا في الحديث ضعفًا،. . . لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى؛ لأنه أزيد \" (١).\nولهذا انتصر ابن حزم، ولم يعد الاختلاف في ذلك مؤثرًا في رواية الثقة موصلة (٢).\nوهذه في التحقيق طريقة كبار النقاد من الأئمة، كما هو الشأن في إطلاق من أطلق: (زيادة الثقة مقبولة)، كأحمد بن حنبل، كما سيأتي، وغيره.\nوسئل البخاري عن حديث إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: \" لا نكاح إلا بولي \"؟ فقال: \" الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه، فإن ذلك لا يضر الحديث \" (٣).\nوالبخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقًا، إنما يعتبر في ذلك قوة الحفظ، فإنه أعل أخبارًا بالاختلاف فيها وإرسالًا، أو رفعًا ووقفًا، ولا يقبل فيها زيادة الوصل أو الرفع، في أمثلة في \" التاريخ \" وعلل الترمذي \". وقال مسلم بن الحجاج: \" والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذي لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم \" (٤).\nوقال أبو زرعة الرازي في شأن زيادة وصل لعبد الله بن المبارك: \" إذا زاد حافظ على حافظ قبل، وابن المبارك حافظ \" (٥). كما قال كذلك في زيادة الوصل أيضًا: \" زيادة الحافظ على الحافظ تقبل \" (٦).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٨٧ - ٥٨٨).\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٨٨، ١٤٩).\n(٣) أخرجه البيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ١٠٨) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٢) وإسناده جيد.\n(٤) التمييز (ص: ١٨٩).\n(٥) علل الحديث، لابن أبي حاتم (١/ ٣١٨).\n(٦) علل الحديث لابن أبي حاتم (٢/ ٣٠٢).","vol":"2","page":687},{"text":"قلت: والعمل بهذا الإطلاق يشبه أن يكون عليه عمل عامة المتأخرين من علماء الحديث، كالحاكم والبيهقي وابن الجوزي، ومن بعدهم.\nقال أبو يعلى الخليلي، وهو يذكر نوعًا من أنواع علل الحديث: \" أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا، فالمسند صحيح وحجة، ولا تضره علة الإرسال \" (١). وقال ابن القطان الفاسي من المتأخرين بعد أن ذكر حديثًا أعل بالإرسال والواصل ثقة: \" هو نظر غير صحيح أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه غبره مرسلا؛ لأجل مخالفة غيره له، والأمر يحتمل أن يكون قد حفظ ما لم يحفظه من خالفه، وإذا كان المروي من الوصل والإرسال عن رجل واحد ثقة، لم يبعد أن يكون الحديث عنده على الوجهين، أو حدث به في حالين، فأرسل مرة، ووصل في أخرى، وأسباب إرساله إيَّاه متعددة:\nفقد تكون أنه لم يحفظ في الحال حتى راجع مَكتوبًا إن كان عنده، أو تذكَّر، أو لأنه ذكره مُذاكرا ً به، كما يقول أحدنا: قال رسول الله ﷺ، لِما هو عنده بسنده، أو لغير ذلك من الوجوه.\nوإنما الشأن في أن يكون الذي يُسند ما رواه غيره مَقطوعًا أو مُرسلًا، ثقة. فإنه إن لم يكن ثقة لم يُلتفت إليه ولو لم يُخالفه أحدٌ، فإذا كان ثقة فهو حُجة على من لم يَحفظ.\nوهذا هو الحق في هذا الأصْل، وكما اختاره أكثر الأصوليون فكذلك أيضًا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كانَ أكثرهم على الرأي الأول، فمَّمن اختار ما اخترناه: أبو بكر البزار، ذهب إلى أنه إذا أرْسل الحديث جَماعة،\n_________\n(١) الإرشاد (١/ ١٦٣).","vol":"2","page":688},{"text":"وحدَّث به ثقةٌ مسندا، كان القول قول الثقة (١)، فيجيءُ على قوله أحرى وأولى بالقبول: ما إذا أرسل ثقةٌ ووصل ثقة، فإنه إذا لم يُبال بإرسال جماعة إذا وصله ثقة، فأحرى أن لا يُباليَ بإرسال واحدٍ إذا أسْنده ثقة \" (٢).\n\nالراجح:\n\nوالراجح المحرر في هذا من بين مذاهبهم، القول: زيادة الثقة للوصْل في موضِع الإرسال، أو الرفع في موضع الوقف، أو الواسِطة في موْضع العنعنة، مقبولة، ما حققت فيها اعْتبارين:\nالأول: أن يكون الراوي ثِقة ضابطًا، لا يُذكر بلين في حفظه.\nوالثاني: أن يَبْرأ من قيام حُجة على خطئه فيما زاد.\nقال الترمذي: \" وإنما تصحُّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حِفظه \" (٣)، وقال: \" إذا زاد حافظ ممن يُعتمد على حِفظه قُبل ذلك منه \" (٤).\nقلت: فأما الصدوق ومن في حِفظه لين فلا تقبل زيادته، فهؤلاء قد يزيد أحدهم الشيء وهْما، كمن يزيد الوصل في الإسناد المرسل يُجريه على الجادَّة غفلة.\nقال أحمد بن حنبل: \" كان ابنُ المنكدر رجُلًا صالحًا، وكان يُعرف بجابر، مثل ثابت عن أنس، وكان يُحدث عن يزيد الرَّقاشي، فربَّما حدَّث بالشيء مُرسلًا فجعلوه عن جابر \" (٥).\n_________\n(١) وذلك في قول البزار عقب حديث أبي سعيد مرفوعًا: \" لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة .. \" قال: \" وهذا الحديث قد رواه غيرُ واحد عن زيد عن عطاء بن يسار مرسلًا، وأسنده عبدُ الرزاق عن معمر والثوري، وإذا حدث بالحديث ثقةٌ فأسنده كان عندي الصواب، وعبد الرزاق ثقةُ \" نقله ابنُ القطان في \" بيان الوهم \" (١/ ٣١٠).\n(٢) بيان الوَهم والإيهام، لابن قطان (٥/ ٤٣٠).\n(٣) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(٤) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥٣).\n(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٢).","vol":"2","page":689},{"text":"وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: \" يونُس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث ... الناس \"، قلت: يقولون: إنه سمع في الكتاب فهو أتمُّ، قال: \" إسرائيل ابنه سمع من أبي إسحاق وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس \" (١).\nقلت: ولمثل هذا المعنى تردد شُعبة بن الحجاج في حديث تفرّد برفعه سماك بن حرب دون جماعة من الثقات وقفوه، وذلك أن سِماكًا وإن كان ثقة، لكنه يَهم ويُخطئُ وفي حفظه شيءٌ.\nقال أبو داود الطيالسي: سمعت خالد بن طُليق يسأل شعبة، فقال: يا أبا بسْطام، حدثني حديث سِماك بن حرب في اقْتضاء الذهب من الوَرق، حديث ابن عُمر، فقال: \" أصلحك الله، هذا حديثٌ ليس يرفعه أحدٌ إلا سماك \"، قال: فترهبُ أن أرْوي عنك؟ قال: \" لا، ولكن حدثنيه قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ولم يرفعه وأخبرنيه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ولم يَرفعه، وحدثني داود بنُ أبي هند عن سعيد بن جبير، ولم يَرفعه، ورفعه سِماك، فأنا أفْرقُه \" (٢).\n\nتنبيهان:\nالتنبيه الأول: الحديث قد يختلف فيه النقلة رَفعًا ووقْفًا، لكن يوجد في الرواية الموقوفة ما يدل على كون الخبر لا يُقال إلا بتوْقيف، فيكون ذلك دليلًا على ترجيح الرَّفع.\nوذلك نحو حديث أبي سعيد الخُدري، قال: \" من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة، أضاء الله له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق \".\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ٢ / ٢٤٤)، ورواه كذلك عن أحمد: الفضل بن زياد، أخرجه عنه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٥٨) والعُقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ١٧٩)\nوإسناده صحيح.","vol":"2","page":690},{"text":"فهذا الحديث مما اختلف فيه رفعًا ووقفا (١)، والصناعة الحديثية بناءً على الأصل المتقدم في قبول زيادة الثقة لا تُساعد على قبول زيادة الرفع من جهة حِفظ من زادها، ولكنه اعتضد بكون هذا وإن كان الراجح فيه الوقف بناءً على القواعد، لكنه مرفوعًا حُكمًا، إذ مثله لا يُقال من قبل الرأي، فكانت هذه قرينة مُرجحة لزيادة الرَّفع في التحقيق.\nالتنبيه الثاني: من الثقات المتقنين من كانوا يُوقِفون الحديث تَقصيرًا، وغيرهم يَرفعه، فمن تبيَّن ذلك منه لم يَصحَّ أن يُقام صَنيعه مُخالفة مُعتبرة للثقة الذي رفع الحديث.\nكقول أبي بكر المُروذيِّ: سألته (يعني أحمد بن حنبل) عن هشام بن حسان؟ فقال: \" أيوب وابنُ عوْن أحب إليَّ \" وحسَّن أمر هشام، وقال: \" قد روى أحاديث رَفعها أوْقفوها، وقد كانَ مذْهبهم أن يُقصروا بالحديث ويوقفوه \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>القسم الثاني: زِيادة الثقة في المتن</span>.\nمَذهب جُمهور أهل الفقه والأصول قَبولها، ونسب بَعضهم إلى الإمام أبي حنيفة أنه ردَّها (٣).\nوالتحقيق: أن مَذهب أبي حنيفة الذي يتبين من صنيع أصْحابه: قبولُ زيادة الثقة، كما وَجدته في كلام الطحاوي (٤)، وتعلق به المتأخرون في مَواضع، كابن الهُمام (٥)، وذكروه على التسليم.\nوأحْسب الوهْم دخل على من نسب ردَّ الزيادة لأبي حنيفة، من جهة مذْهبه في النَّصَّين المستقلين، في أحدهما من الحُكم ما ليس في الآخر،\n_________\n(١) كما شرحته في كتاب \" الأجوبة المرْضية \" (ص: ١٧ - ٢١).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، رواية المرُّوذي (النص: ٧٨).\n(٣) البرهان، لإمام الحرمين (١/ ٦٦٢)، المنخول، للغزالي (ص: ٢٨٣)، المستصفى، له (ص: ١٩٤).\n(٤) انظر: شرح مشكل الآثار، للطحاوي (١٢/ ٤٤٠).\n(٥) انظر: شرح فتح القدير، لابن الهمام (٢/ ٦٨).","vol":"2","page":691},{"text":"يتراخى أحدهما، فليس من مذهبه بناء المطلق على المقيد ولا العام على الخاص في هذه الحالة، وإنما يرى المتأخر منهما ناسخًا، وإلا تعارضا، في تفصيل يُعرف من أصول مذهبه (١).\nوليست هذه المسألة من باب زيادة الثقة في الحديث الواحد المعين.\nوكذلك الشأن عنْد أهل الصنعة، أهل الحديث، فإن الزيادة في المتن عندهم مَقبولة إذا كانَ من جاء بها ثِقة مُتقنا، لم يَقم دليل على وهمه فيها.\nفكذلك كان أحمد بن حنبل يرى، كما سيأتي بعض قوله، وعلى ذلك جرى منهج الشيخين البُخاري ومسلم، فخرَّجا الكثير من مُتون الحديث يزيد الرُّواة فيها على بعضهم، يُصححان كل ذلك.\nوسأل عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم أباه وأبا زُرعة عن حديث رواه أبو إسحاق السبيعي عن حارثة بن مُضرِّب في قصة ابن النواحة، الزيادة التي يزيد أبو عوانة أنه قال: \" وكفَّلهم عشائرهم \": هو صحيح؟ فقالا: \" رواه الثوري ولم يذكره هذه الزيادة، إلا أن أبا عوانة ثقة، وزيادة الثقة مقبولة \" (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح التلويح على التوضيح، للسعد التفتازاني (٢/ ٣٦)، و: كشف الأسرار عن أصول البزدوي، لعلاء الدين البخاري (٣/ ١١٠ - ١١٢).\n(٢) علل الحديث لابن أبي حاتم (رقم: ١٣٩٧) ومن قول أبي حاتم في قبول الزيادة أيضًا (رقم: ٣٦١).\nوقصة ابنِ النواحة هذه صحيحة الإسناد، أخرجهما البيهقي في \" الكبرى \" (٦/ ٧٧ و٨/ ٢٠٦) والخطيب في \" الموضح لأوهام الجمع والتفريق \" (٢/ ١٠٧ - ١٠٨) من طريق أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، قال: صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود، فذكر الحديث، وفيه الزيادة المذكورة من قول جَرير بن عبد الله والأشعث بن قيس، فيما أشارا به على ابن مسعود.\nوعلق الزيادة المشار إليها البخاري في \" صحيحه \" في (كتاب الكفالة) (٢/ ٨٠١).\nوالتحقيق أن أبا عوانة لم يتفرد بها عن أبي إسحاق، بل تابعه عليها: إسرائيل بن يونس. فيما أخرجه الطحاوي في \" شرح المشكل \" (١١/ ٣١٢ - ٣١٣).\nوالحديث بدونها رواه الأعمش وسُفيان الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق، في تفصيل له محلٌّ آخر.","vol":"2","page":692},{"text":"وذكر الخطيب في قبول الزيادة من الثقة أو ردّها من متن الخبر مذاهب، ورجح منها قول الجُمهور، وهو: أن الزيادة الواردة في متن خبر مقبولة مُطلقًا، ومعمولٌ بها، إذا كان راويها عدْلًا حافظًا ومُتقنًا ضابطًا (١).\nوالوجه في قبولها: أن الثقة إذا انفرد بحديث لم يأت به غيره، فهو صحيح مُحتجٌّ به، فإذا كانَ يُقبل تفرده بالحديث، فتفرَّده بالزيادة أولى بالقبول.\nكما نقل صالحُ بن أحمد عن أبيه في زيادةِ (من المسلمين) في حديثِ ابن عمر في زكاة الفِطر، قال: \" قد أنكر على مالك هذا الحديث، ومالكٌ إذا انفرد بحديث فهو ثقة، وما قال أحدٌ ممن قال بالرأي أثْبتَ منه في الحديث \" (٢).\nفهو يقول: إذا انفرد بحديث فهو ثقة، فكذلك يَجب أن تُقبل الزيادة يتفرد بها.\nفإن قيل: الحديث الواحد يُمكن أن يَسْمعه الراوي دون أن يُشاركه أحدٌ، أما الزيادة في متن حديث مَسموع لغيره كما هو مسموع له، لا يحفظ فيه ذلك الغير تلك الزيادة، فيَنبغي أن يكون دليلًا على خطئها.\nقيل: كلاَّ، وذلك لوُجوه، منها:\nأولًا: مَظنة أن يكون الراوي يُحدث بالحديث في الأحوال والأزمانِ المختلفة واقعٌ صحيحٌ، فتحديثه بالحديث تارة ببعض الاختصار وتارة بالتمام غير ممتنع (٣)، فسمعه النقلة على الوجهين.\nثانيا: كما أنه لا يَمتنع أن يحضر الجماعة المجلس الواحد، فيسمعوا\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٩٧)، وانظر: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٢/ ٩٠ - ٩١).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه صالح (النص: ١١٦٠).\n(٣) ذكر معنى هذا الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٩٨).","vol":"2","page":693},{"text":"الحديث جميعًا، فيحفظ بعضهم ما لا يحفظه الآخر، وإذا جاز أن يَسمع الراوي الحديث فينساه كله، فأولى من ذلك صِحة احتمال نِسيان بعضه.\nثالثًا: وكذلك فإن بعض الرواة عن ذلك الشيخ قد يَعمد إلى اختصار الحديث، فلا يجوز أن يكون صنيعه قادحًا في رواية من جاء بلفظ أتم من لفظه.\nوللزَّيْلعي في زيادة الثقات في المتون تفصيل مُعتبرٌ، يؤيد ما تقدم من أن القبولَ مَشروطٌ بإتقان الراوي لها، وعدم خطئه فيها، فإنه قال في شأن زيادة ذكْر البَسملة في حديث أبي هريرة من رواية نُعيم المُجمر عنه: \" فإن قيل: قدْ رواها نُعيم المجمر، وهو ثقةٌ، والزيادة من الثقة مقْبولة.\nقلنا: ليس ذلك مُجمعًا عليه، بل فيه خلاف مَشهورٌ:\nفمن الناس من يقبل زيادة الثقة مُطلقًا، ومنهم من لا يَقبلها، والصحيح التفصيل، وهوَ أنها تُقبل في موضعٍ دون موضع.\nفتُقبل إذا كان الراوي الذي رواها ثِقةً حافظًا ثبْتًا، والذي لم يذكرها مثله، أو دونه في الثقة، كما قبل الناس زيادة مالك بن أنس، قوله: \" من المسلمين \" في صدقة الفِطر، واحتج بها أكثر العلماء.\nوتُقبل في موْضع آخر لقرائن تخصها.\nومن حكم في ذلك حُكمًا عامًا فقد غلط، بل كلُّ زيادة لها حكم يخصها، ففي مَوْضعٍ يُجزم بِصِحَّتها، كزيادة مالك.\nوفي موضع يغلب على الظن صحتها، كزيادة سَعْد بن طارق في حديث: \" جُعلت الأرْضُ مسْجدًا، وجعلت ترْبتُها لنا طَهُورًا \"، وكزيادة سُليمان التميمي في حديث أبي موسى: \" وإذا قرأ فأنصتوا \".\nوفي موضع يُجزم بخطأ الزيادة، كزيادة مَعمر ومن وافقه، قوله: \" وإن كانَ مائِعاَ فلا تقْربوه \"، وكزيادة عبد الله بن زياد ذِكْر البسملة في حديث:","vol":"2","page":694},{"text":"\" قسمت الصلاة بيني وبين عبْدي نصْفين \"، وإن كان مَعْمرٌ ثقةً، وعبد الله بن زياد ضعيفاَ، فإن الثقة قد يَغلط.\nوفي موضع يَغلب على الظن خطؤها، كزيادة مَعمرٍ في حديث ماعز \" الصلاة عليه \"، رواها البُخاري في (صحيحه)، وسُئل هل رواها غيرُ معْمر؟ فقال: لا، وقد رواه أصحاب السنن الأربعة عن معمر، وقال فيه: \" ولم يُصلِّ عليه \"، فقد اختلف على معمرٍ في ذلك، والراوي عن معمرٍ هو عبد الرزاق وقد اختلف عليه أيضًا، والصواب أنه قال: \" ولم يُصلِّ عليه \".\nوفي موْضع يُتوقف في الزيادة، كما في أحاديث كثيرة.\nوزيادة نُعيم المُجمر التسمية في هذا الحديث مما يُتوقف فيه، بلْ يغلب على الظن ضَعفه \" (١).\nقلت: قد يناقش الزَّيْلعي في بعض ما مثَّل به، ولكن ما أشار إليه من عدم تنزيل الزيادة من الثقة منزلة القبول مُطلقًا، صحيحٌ في الجملة.\n\nتنبيهان:\n\nالتنبيه الأول: الراوي يبلغه الحديث أو يسمعه بواسطة عن شيخٍ، ثُم يلقى ذلك الشيخ فيحمله عنه بعُلوِّ دون واسِطة، فيقع تَحديثه به تارة بالواسطة، وتارة بعَدمها.\nهذه الصورة إذا انتفت فيها شُبهة الغلط، فالحديث مَحفوظ من الوجهين، ولا يُعدُّ ذلك اختلافًا مؤثرًا.\nلكن يجب أن يكون مَحلُّ وقوع الاختلاف على الراوي نَفسه، ومن اختلفا أو اختلفوا عليه ثقتان أو ثقاتٌ، وهو ثقةٌ كذلك، أماَّ إذا وقع الاختلاف بين النقلة في طبقة أدنى من طبقةِ من روى عن ذلك الشيخِ، فمَظنةُ الغلط أرْجح.\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٣٦ - ٣٣٧).","vol":"2","page":695},{"text":"مثال هذه المسألة:\nما رواه يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، أنه بَلغه، أن نوْفل بن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من الصلاة صَلاةُ، من فاتته فكأنما وُتر أهله وماله \"، قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" هي صلاة العصر \" (١).\n\nورواه جعفر بن ربيعة، أنَّ عِراك بن مالك حدثه، أن نَوْفل بن معاوية حدثه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \" من فاتته صلاة العصْر فكأنما وُتر أهله وماله \" (٢).\nقال الخطيب: \" والحُكم يوجب القَضاء في هذا الحديث لجعفر بن ربيعة بثبوت إيصاله الحديث؛ لثقته وضبطه، ورواية الليث (٣) ليست تكذيبًا له؛ لجواز أن يكون عِراك بلغه هذا الحديث عن نوفل بن معاوية، ثم سمعه منه بعد، فرواه على الوجهين جميعًا \" (٤).\nالتنبيه الثاني: قال ابن حبان: \" لا نقبل شيئًا منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه، حتى يُعلم أنه كان يرْوى الشيء ويَعلمه، حتى لا يُشك فيه أنه أزاله عن سننه أو غيَّره عن معناه، أم لا \" (٥).\nقلت: هذا مما انفرد به ابن حبان، واشترط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٩) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٣) من طريق الليث ابن سعد، عن يزيد، به.\n(٢) أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٨) والبيهقي في \" الشعب \" (رقم: ٢٨٤٦) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٨٣ - ٥٨٤) من طريق حَيوة بن شريح، أنبأنا جعفر، به.\n(٣) يعني ابن سعد راويه عن يزيد بن أبي حبيب.\n(٤) الكفاية (ص: ٥٨٤).\n(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":696},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المبحث الثالث:\n\nالتعليل بالمخالفة</span>\nلعدم الوُضوح في تحرير أصول هذا العلم، ولِما يَقع من إطلاق النُّقاد لعبادة: (رواه فلان وفلان، وخالف فلان)، صارت عِبارة (مُخالفة) كأنها حقيقة في كل علِّة تقع بسبب مجيء الرواة بالحديث على أكثر من وجه، وليس كذلك، بل الحديث قد يأتي على وَجهين، كأن يُروى مُتصلًا ومُرسلًا، أو مرفوعًا وموقوفًا، ويُسمى الناقد ذلك مُخالفة، أو اختلافًا، وهو كذلك بالنظر إلى صورته: أن جاء هذا على وجهٍ، لكن ليس بين النَّقص والزيادة تعارضُ أصْلًا، إذ الرواية بالزيادة في الأصل تضمنت الرواية الناقصة مع مَزيد فائدة، فغاية ما يحتاج إلى تحقيقه، هو: هل هذه الزيادة مما يُقبل أم لا؟ على ما تقدم في المبحث السابق.\n\nوالمخالفة الواقعة من الثِّقات أنواع:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>النوع الأول: الشذوذ</span>\nوهو مُخالفة الثقة لمن هو أقوى منه، على ما سيأتي في (الحديث الشاذ) (١).\n_________\n(١) في القسم الثاني من هذا الكتاب، وهناك بيانُه بتفصيل وذكرُ أمثلته.","vol":"2","page":697},{"text":"والواجب حصْرها بالمخالفة التي لا وجه لها، وقامت الحُجة على الخطأ فيها، لتعذّر جمعها إلى رواية الأحفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>النوع الثاني: مُخالفة القرآن</span>\nاعلم أنه يُخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث يَزعم صِحته، فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافيةٌ للقضاء أن لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن.\n\nلذا ما يُمكن تصور وُجوده من ذلك إن كان ظاهرُه الصحة نقلًا، فلا يَخلو من أحد حاليين:\n\nالأول: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطًا من مُدعيها، لا غلطًا في نفس الأمر، وهذا يكون تارةً وهْمًا، وتارة هوىً.\n\nوالثاني: أن تكون مُعارضة حقيقة، وعندئذ لا يَسلم الإسناد من علةٍ خفيَّة.\nوالمقصود: منع وُقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله، وحديث صحيح عن رسول الله ﷺ، إلا على معنى وُجود النسخ، وواقع الحال: امتناع أن يأتي حديث يَسلمُ من علةٍ، يُعارض آية من كتاب الله، وإنما توجد أمْثلة من الحديث يحسبها بعْض المشتغلين بالحديث صحيحة، ولم يقفوا على عِللها، ووجدها غيرُهم مما يخالف القرآن.\n\nوعرض الحديث على القرآن طريقٌ من طُرق فحصه، اعتبره أئمة هذا العلم وبنوا عليه التعليل لبعض الحديث الآتي على خلافه.\n\nوقد روي في اتباع هذا المنهج في عرض الحديث على القرآن حديثٌ ضعيف.\nفعن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إنها تكون بعدي","vol":"2","page":698},{"text":"رُواةٌ يرون عني الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فُخُذوا به، وما لم يُوافق القرآن فلا تأخذوا به \" (١).\nكما روي معناه من وُجود أخرى، ولا يثبت في هذا خبرٌ مرفوعٌ إلى النبي ﷺ (٢).\n\nولسْنا بحاجة إلى مثله لإقرار صِحة هذا المنهج، فإن القرآن حكمٌ\n_________\n(١) أخرجه الدارقطني في \" سننه \" (٤/ ٢٠٨ - ٢٠٩) من طريق جُبارة بن المغلس، والهروي في \" ذم الكلام \" (ص: ١٧٠) من طريق أبي كُريب محمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن زِر بن حبيش، عن علي بن أبي طالب، به.\nقال الدارقطني: \" هذا وهْم، والصواب عن عاصم عن زيد عن علي بن الحسين مُرسلًا عن النبي ﷺ \".\nقلت: وعلته من جهة ضَعف حفظ أبي بكر بن عياش، ولذا حكم الدارقطني بوهم هذا الإسناد. كما أخرج ابن حزم في \" الإحكام \" (٢/ ٧٦) من وجه آخر عن علي، وإسناده واهٍ.\n(٢) رُوي فيه كذلك من حديث ثوبان وعبد الله بن عمر، فأما حديث ثوبان، فعنْه: أن رسول الله ﷺ قال: \" ألا إن رَحى الإسلام دائرة \"، قال: فكيف يُصنع يا رسول الله؟ قال: \" اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته \". أخرجه الطبراني في \" الكبير \" (٢/ ٩٤ رقم: ١٤٢٩) وفيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو منكر الحديث عن أبي الأشعث.\n\nوأما حديث ابنِ عُمر، فأخرجه الطبراني كذلك (١٢/ ٣١٦ رقم: ١٣٢٢٤) عنه عن النبي ﷺ قال: \" سُئلت اليهود عن موسى، فأكثروا، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وسُئلت النصارى عن عيسى، فأكثروا فيه، وزادوا، ونقصوا، حتى كفروا، وإنه سَيفشو عني أحاديث، فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كِتاب الله واعْتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قُلته، وما لم يُوافق كتاب الله فلم أقله \". قلت: وفي إسناده أبو حاضرٍ يرويه عن الوَضين بن عطاء، قال أبو حاتم الرازي: \" مجهول \" (علل الحديث ٢/ ١٣٣)، وسماه غيرُ واحد من الأئمة (عبد الملك بن عبد ربِّه) وقال الذهبي في \" الميزان \" (٢/ ٦٥٨): \" منكر الحديث، وله عن الوليد بن مسلم خبرٌ موضوع \"، وذكره ابنُ حبان في \" ثقاته \" (٧/ ٩٩) فلم يُصب.\nكما رُوي فيه بعض المراسيل، لم تقتصر عِللها على الإرْسال، إنما في أسانيدها من العلل سِواه.","vol":"2","page":699},{"text":"على ما سواه، ووجدْنا في صنيع بَعْض أعيان أئمة الصحابة من استعمل هذا المنهج في نقد الروايات.\n\nوذلك مثل: ما صحَّ عن عمر بن الخطاب، ﵁، حين حدثت فاطمة بنْت قيسٍ بقصتها في سُكنى المطلقة:\nفعن أبي إسحاق السبيعي، عن الشعبي، عن فاطمة بنْت قيس، قالت: طلقني زوجي، فأردت النُّقلة، فأتيت رسول الله ﷺ، فقال: \" انْتقلي إلى بيت ابن عمك عمْرو بن أم مكتوم، فاعتدَّي فيه \". فحصبه (١) الأسود، وقال ويْلك، لم تُفتي بمثل هذا؟ قال عمر: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله ﷺ، وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة: ﴿لا تُخرجوهنَّ من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة بينة﴾ [الطلاق: ١] (٢).\n_________\n(١) هذا من قوْل أبي إسحاق، والأسود هو ابن يزيد النخعي، حَصبَ عامرًا الشعبي حين حدَّث بهذا.\n(٢) حديث صحيح.\nأخرجه بهذا السياق النسائي في \" الكبرى \" (رقم: ٥٧٤٣) وأبو عوانة (رقم: ٤٦١٧) من طريق الأحوص بن جوَّاب، قال: حدثنا عمار بن رُزيق، عن أبي إسحاق، به. وإسناده جيد.\nوتابع الأحوص عليه: قبيصَة بن عقبة، عند أبي عوانة (رقم: ٤٦١٨) والدارقطني (٣٤/ ٢٦) مثله.\nويحيى بن آدم عند الدارقطني أيضًا وأبي نُعيم (رقم: ٣٥٠٤) بنحوه.\nكذلك تابعهم: أبو أحمد الزُّبيري، عند مسلم في \" صحيحه \" (٢/ ١١١٨ - ١١١٩) وأبي داود (رقم: ٢٢٩١) وأبي عوانة (رقم: ٤٦١٥، ٤٦١٦) والطحاوي في (شرح المعاني) (٣/ ٦٧) والدارقطني (٤/ ٢٥) وأبي نعيم (رقم ٣٥٠٤) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٤٧٥)، وفي لفظه: \" لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة \".\n\nلكنَّ ذكرَ (السنة) أعله الدارقطني، من أجل تفرُّد أبي أحمد الزبيري دون سائر من رواه، غير أني وجدت في سياق رواية يحيى بن آدم عند أبي نعيم في \" المستخرج \" ما يُوافقها.\nوانظر تعليل الدارقطني في: \" السُّنن \" (٤/ ٢٦) و\" العلل \" (٢/ ١٤١).\nكما رواه سُليمان بن معاذ الضبي عن أبي إسحاق، بنحو رواية الأحوص، دون ذكر (السنة)، أخرجه أبو نعيم (رقم: ٣٥٠٥)، لكن سُليمان هذا لين الحديث.\nوحسِبَ بعْض الناس أن سبب رد عمرَ رواية فاطمة من أجل كونها امرأة، وليس كذلك، فقد قبل عمر وغيره روايات النساء كعائشة وغيرها، ولا معنى للتعليل بكونها امرأة، وإنما حين عرض ما روت على القرآن، قامت عنْده الشبْهة في قبول رواية تأتي في ظاهرها على خلاف عموم دلالة القرآن، لذا قال في رواية أبي أحمد: \" لا ندري لعلها حَفظت أو نسيت \"، وطلب على قولها شاهدين، وهذا قد فعل عمر نظيره في رواية بعضِ الرجال من الصحابة، كأبي موسى الأشعري في قصة الإستئذان.","vol":"2","page":700},{"text":"وكانت أم المؤمنين عائشة تعرض ما يبلغها من الرواية عن رسول الله ﷺ على كتاب الله، وكانت ترد من ذلك ما يأتي على خلاف القرآن، في وقائع عدة.\nكقصتها في تخطئة عمر وابنه عبد الله عندما حدثا عن النبي ﷺ: \" إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه \"، فقالت عائشة: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ: إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهل عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: \" إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهل عليه \"، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزر أُخرى﴾ [الإسراء: ١٥].\nوقالت في رواية: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ (١).\nوعن عروة بن الزبير، قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي ﷺ: \" إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه \"، فقالت: وَهل (٢)، إنما قال رسول الله ﷺ: \" إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن \"، وذاك مثل قوله (٣): إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: \" إنهم ليسمعون ما أقول \"، وقد وهل، إنما قال: \" إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق \" ثم\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ١٢٢٦) ومُسلم (٢/ ٦٤٠ - ٦٤٢)، والرواية الأخرى له.\n(٢) أي: غلط ونسي.\n(٣) تعني ابن عمر.","vol":"2","page":701},{"text":"قرأت: ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الآية [النمل: ٨٠]، ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [فاطر: ٢٢] (١).\nقلت: في هذا الذي استدركته عائشة في الجملة مناقشة وكلام، ولكن المقصود أن من أعيان الصحابة من كان يعرض ما يبلغه من الرواية عن النبي ﷺ على القرآن، ولا يقبل منها ما أتى على خلافه.\nوسئل الأوزاعي: أكل ما جاءنا عن النبي ﷺ نقبله؟ فقال: \" نقبل منه ما صدقه كتاب الله ﷿، فهو منه، وما خالفه فليس منه \"، فقيل له: إن الثقات جاءوا به؟ قال: \" فإن كان الثقات حملوه عن غير الثقات؟ \" (٢).\nومن أمثلته في نظر المتقدمين ما سأذكره عن الشافعي في النوع التالي. ... وتعليل بعض أهل العلم لحديث أبي هريرة، قال أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: \" خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل \" (٣).\nفهذا رده جماعة من محققي الأئمة، وأقوى مستند في رده معارضة القرآن، فإنه إذا استثني اليوم السابع في خلق آدم، فإن الحديث دل على أن الأرض خلقت في ستة أيام، والله ﷿ يقول في كتابه: ﴿قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادًا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين﴾ [فصلت: ٩، ١٠]، أي فعدة مدة خلق الأرض بما فيها أربعة\n_________\n(١) أخرجه مسلم (رقم: ٩٣٢).\n(٢) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٢٧١) وإسناده جيد.\n(٣) أخرجه مسلم في \" صحيحه \" (رقم: ٢٧٨٩).","vol":"2","page":702},{"text":"أيام، لقوله من بعد في مدة خلق السماوات: ﴿فقضاهنَّ سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها﴾ [فصلت: ١٢]، فهذه ستة أيام لخلق السماوات والأرض، كما قطع بذلك القرآن العزيز في مواضع، كقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨].\nوأبان البخاري أن الوهم من الثقة دخل فيه من جهة أن بعض الرواة أخطأ، فهذا مما حمله أبو هريرة عن كعب الأحبار، وليس هو عن النبي ﷺ، قال البخاري: \" وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح \" (١)، وأعله غيره بغير ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية</span>\n\nوهذا طريق يكشف به إتقان الرواة وحفظهم: أن يقارن حديث الراوي بالمحفوظ المعروف من روايات غيره، كما بينته في (الجرح والتعديل)، وكذلك هو طريق يكشف به وهم الثقة.\nمثاله: عرض الروايات المختلفة عن النبي ﷺ في صفة صلاة الكسوف، على السنن المحفوظة عنه أنه صلاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، كما صح من حديث عائشة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم.\nورويت فيها صفات غير ذلك من طريق بعض الثقات، لكنها لا تصح، من أجل خلافها للمحفوظ من السنة، والنبي ﷺ إنما صلى في حياته الكسوف مرة واحدة، ويمتنع تعدد الصفة لصلاة واحدة.\n_________\n(١) التاريخ الكبير (١/ ١ / ٤١٣ - ٤١٤)، وحاول الشيخ عبد الرحمن المعلمي أن يذُبَّ عن الحديث في كتابه \" الأنوار الكاشفة \" في رده على أبي ريَّة (ص: ١٨٨ - ١٩٣)، وفي بعض ما قاله تكلف.\n(٢) انظر الأسماء والصفات، للبيهقي (٢/ ٢٥١).","vol":"2","page":703},{"text":"ومن عمل الأئمة بهذا الأصل قول الشافعي وقد استدل بالمحفوظ من السنة أن لا يقطع الصلاة شيء: \" فإن قال قائل: فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مرا بين يديه. قيل: لا يجوز إذا روي حديث واحد أن رسول الله ﷺ قال: \" يقطع الصلاة: المرأة، والكلب، والحمار \" (١) وكان مخالفًا لهذا الأحاديث، فكان كل واحد منها أثبت منه، ومعها ظاهر القرآن، أن يترك إن كان ثابتًا، إلا بأن يكون منسوخًا، ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد ما يكون غير محفوظ \".\nقال: \" وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي ﷺ صلى وعائشة بينه وبين القبلة (٢)، وصلى وهو حامل أمامة، يضعها في السجود ويرفعها في القيام (٣)، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحدًا من الأمرين، وصلى إلى غير سترة (٤)، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد، وإن أخذت فيه أشياء.\nفإن قيل: فما يدل عليه كتاب الله من هذا؟ قيل: قضاء الله أن ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥]، والله أعلم: أنه لا يبطل عمل رجل\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" صحيحه \" (رقم: ٥١٠) من حديث أبي ذر الغِفاري، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا قام أحدكم يُصلي فإنه يَستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مِثل آخرة الرحل فإنه يَقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود \"، قال عبد الله بن الصامت راويه عن أبي ذر: قلت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: \" الكلب الأسْود شيْطان \".\nوله شاهد عند مسلم كذلك من حديث أبي هريرة.\n(٢) سيأتي ذكره وتخريجه.\n(٣) مُتفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٩٤، ٥٦٥٠) ومسلم (رقم: ٥٤٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.\n(٤) فيه عن عبد الله بن عباس، وأخيه الفَضل، والمطلب بن أبي وداعة، والحسن بن علي، وحديث ابن عباس فيها صحيح، بيّنتُ الجميع في الحلقة الأولى من كتاب \" الأجوبة المرْضية \" (ص: ٢٢ - ٢٩).","vol":"2","page":704},{"text":"عمل غيره، وأن يكون سعي كل لنفسه وعليها، فلما كان هذا هكذا، لم يجزْ أن يكون مرور رجل يقطع صلاة غيره \" (١).\nقلت: وسبقت عائشة أم المؤمنين الشافعي لترد ما بلغها في هذا الباب إلى ما تعلمه من حالها مع رسول الله ﷺ:\nفعنها، وذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب، والحمار، والمرأة، فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب  (وفي رواية: إن المرأة لدابة سوء)، والله، لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله ﷺ، فأنسل من عند رجليه (٢).\nقلت: وهذا المثال الذي ذكرته عن الشافعي محل مناقشة بين أهل العلم، لكنك رأيت من خلاله أنهم كانوا يردون الحديث الواحد من رواية الثقة إلى المحفوظ من السنن، ويجعلون من ذلك المحفوظ ميزان يزنون به رواية ذلك الثقة، فإن جاءت على خلاف المحفوظ جعلوا ذلك علة لها.\nوهذا يحتاج إلى تحوط شديد، كالذي ذكرته في العرض على القرآن، إذ لا يحل رد خبر الثقة بالمظنة الضعيفة، حتى تظهر حجة بينة فتكون تلك الحجة هي المعللة لروايته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>النوع الرابع: مخالفة المحسوس</span>\nوالمقصود: أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد.\nوهذه الصورة من التعليل معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس.\n_________\n(١) اختلاف الحديث (ص: ١٣٩ - ١٤٠).\n(٢) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٨٦، ٤٨٩، ٤٩٢، ٤٩٧) ومسلم (١/ ٣٦٦)، والرواية الأخرى له.","vol":"2","page":705},{"text":"لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم، يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أتوا من قبل أفهامهم أو أهوائهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه، وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد.\nوذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: \" لن يفلح قوم ولًّوا أمرهم امرأة \" (١). فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر، وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصًّ الله تعالى نبأها مع نبيه سليمان، ﵇، وكيف صارت بقومها إلى الإسلام.\nوأقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث، فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب، فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال (فذكر الحديث).\nنعم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله ﷺ، خصوصًا عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكه ما رفع الله لهم ذكرًا، ما أفلحوا حين ولوا ابنته، لما دعا عليهم به النبي ﷺ (٢)، ولقوله: \" هلك كسرى، ثم لا يكون كسرى بعده \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (رقم: ٤١٦٣، ٦٦٨٦).\n(٢) فيما قاله الزهري: حسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يُمزقوا كل مُمزق. أخرجه البخاري (رقم: ٦٤ ومواضع أخرى) في آخر حديث ابن عباس في قصة بَعث النبي ﷺ بكتاب إلى كسرى يَدعوه إلى الإسلام، فمزّق كِسرى الكتاب. وهذا المرسل مُعتَضِدٌ ببعض الطرق.\n(٣) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٢٨٦٤ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ٢٩١٨) من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":706},{"text":"فحديث أبي بكرة عام في قوم أشبهوا في الحال قوم كسرى فيما كتب الله عليهم من الهزيمة.\nوهكذا ربما اعترض بعض الناس من غير أهل الحديث على رواية الثقة الصحيحة، زعمًا أنها على خلاف الواقع، وإنما وقعت له شبهة، أو قصد الطعن على السنن فحجب بسوء قصده عن الوقوف على المعنى.\nوليس من هذا النوع: أن يفسر العلم الحديث شيئًا من الخلق بتفسير علمي يدل عليه النظر والمشاهدة، وأن يكون له تفسير نبوي آخر لا يعرف مثله إلا عن طريق الوحي، ولا يتناقض في معناه مع التفسير العلمي.\nمثاله: حديث أبي ذر الغفاري، حين قال له النبي ﷺ حين غربت الشمس: \" تدري أين تذهب؟ \"، قلت الله ورسوله أعلم، قال: \" فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقرٍ لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ [يس: ٣٨] \" (١).\nقلت: فلا يصح الاعتراض على هذا الحديث الصحيح بالمشاهد، وهو أن الشمس لا تغيب إلا باعتبار البقعة المعينة من الأرض، وهو في الوقت الذي تغيب فيه عن موضع، تكون طالعة في موضع آخر، فمتى يكون ذهابها لتسجد عند العرش وتستأذن لطلوعها؟ وذلك أن أمر العرش غيب، وخضوع غير الإنسان لله وسجوده لله على صفة يعلمها الله ليست مما يدرك بالمشاهدة، والقرآن أثبت سجود المخلوقات جميعًا لله رب العالمين في مواضع منه، كما قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب﴾ [الحج: ١٨].\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٣٠٢٧ ومواضع أخرى) ومسلم (رقم: ١٥٩).","vol":"2","page":707},{"text":"والحديث لم يتحدث عن غياب للشمس بمعنى انقطاعها عن الأرض، وإنما اعتبر لها حالًا غيبيا عند غروبها عن محل من الأرض، هو السجود تحت العرش، وعلى اعتبار أن الشمس في حال غياب وطلوع دائم لما نعلمه من طبيعة الخلق فهي في سجود لله دائم، وفي استئذان للطلوع دائم، وذلك أنها مسيرة بأمره وتدبيره ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>النوع الخامس: مخالفة العقل</span>\nوهذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في روايات الثقات، إنما يوجد ما تتفق العقول على بطلانه في رواية الكذابين الذين حدثوا بالمستحيل.\nولا وجه لافتراضه أصلا في روايات الثقات حيث كان الواقع ينفيه.\nوإنما يوجد في بعض الحديث ما لم تستوعب بعض العقول فهمه، تارة للجهل، وتارة للهوى والبدعة وبُغض السنن.\nووقع مثل ذلك عن طوائف من الناس ردوا بمحض العقول نصوصًا تتصل بالغيب، كبعض نصوص الصفات واليوم الآخر، مما لم تنفرد به السنن الصحيحة، وإنما له في القرآن نظائر، وهذا مما لا يجوز أن يكون العقل فيه حاكمًا على النص.\nوربما وقع من بعض العلماء استشكال معنى حديث صحيح، يحسبه أحدهم أتى على خلاف العقل في ظاهره، فيجتهد في تأويله لا في تعليله، وهذا وإن كان مما ينظر في أفراده وأمثلته، لكنه أقوم طريقًا من طريق من يسارع لرد الحديث وتعليله دون العمل على حمله على أحسن وجوهه.\nومن أمثلة صنيع بعض العلماء: ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" يؤتى بالموت كهيئة","vol":"2","page":708},{"text":"كبش أملح، فينادى مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت \"، ثم قرأ: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة﴾، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، ﴿وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩] (١).\nقال أبو بكر ابن العربي: \" استشكل هذا الحديث لكونه يخالف صريح العقل؛ لأن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، فكيف يذبح؟ فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه؛ لأنه الذي تولى قبض أرواحهم \" (٢).\nقلت: والذي ألجأ إلى ظن مخالفة صريح العقل قياس الغيب على الشهادة، وأمر الآخرة غيب، وقص علينا ربنا ﵎ من شأنه، وكذلك نبيه ﷺ ما لا يأتي على القياس، ولا تتصوره العقول، والله تعالى يخلق ما يشاء، ويحيل ما يشاء إلى ما يشاء، وليس في قدرته مستحيل والوقف عند النص هو اللائق هنا دون التأويل.\nوهكذا في جميع ما تظن بعض العقول أنه لا يأتي على مقاييسها من أخبار الثقات المتقنين، فإن بابه كباب هذا الحديث، أو يكون وجهه خفي على مدعي معارضته للعقول.\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٤٥٣) ومسلم (رقم: ٢٨٤٩).\n(٢) نقله ابنُ حجر في \" فتح الباري \" (١١/ ٤٢١).","vol":"2","page":709},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>خلاصة هذا المبحث:</span>\nوقوع تعليل الحديث من رواية الثقات بأنواع المخالفة المتقدمة، حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، ومخالفة القرآن، ومخالفة المعروف من السنن، على ما بينته بمثاله، دون اعتقاد كثرة وقوعه، بل هو نادر قليل في أحاديث الثقات، والنوع الأول أكثره.\nوأما التعليل بالمخالفة للمحسوس، والعقل، فلا يوجد له مثال في روايات الثقات.\nوما يقع أحيانًا من الإشكال في دلالة بعض نصوص الأحاديث الصحيحة، فشبيه بما يقع من الإشكال في دلالة بعض آيات الكتاب، ينظر وجهه ومعناه، ويؤلف بينه، وبدفع ما يبدو من تعارض الظاهر برده إلى المحكم، وحمل معناه عليه.\nولم يزل علماء الأمة يعنون بهذا، فيما ألفوه في مشكل الحديث مفردًا، أو ما ضمن في شروحه، واستحضر دائمًا قول الله ﷿: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣].\n\n* * *","vol":"2","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>المبحث الرابع:\n\nالتعليل بالاختلاف</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>معنى الاختلاف على الراوي:</span>\n\nقال أبو داود السجستاني: \" أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات، وحديث الزهري كله ألفا حديث ومئتا حديث، النصف منها مسند،. . . وأما ما اختلفوا عليه؛ فلا يكون خمسين حديثًا، والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء وقوم على شيء \" (١).\nقلت: هذا يبين معنى الاختلاف على الراوي عند أئمة هذا الشأن، فالزهري حافظ كثير الحديث، وأصحابه الذين رووا عنه الحديث خلق كثير، وهم درجات في حفظهم، والثقات المتقنون عنه كمالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وشعيب بن أبي حمزة، وغيرهم، ربما اختلفوا عنه في الرواية، وصلًا وإرسالًا، أو رفعًا ووفقًا، أو على إسنادين مختلفين، أو غير ذلك.\nوقبل ذكر صور الاختلاف على الراوي، يجب أن تعلم أنه ليس كل اختلاف في الرواية يكون قادحًا مؤثرًا في صحتها، وإنما الاختلاف بهذا الاعتبار قسمان:\n_________\n(١) تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٣١).","vol":"2","page":711},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-259>القسم الأول: اختلاف غير قادح</span>.\nولهذا صور، منها:\nالصورة الأولى: أن تتكافأ الطرق قوة عن راو ثقة، يروي حديثًا، فيقول فيه مرة: (عن فلان)، ومرة: (عن رجل آخر)، لا على سبيل الشك، وإنما افتراق الوجهان بافتراق طرق كل عن ذلك الثقة.\nمثل أن يروي بعض أصحاب سهيل بن أبي صالح حديثًا عنه عن أبيه عن أبي هريرة، وغيرهم عنه عن أبيه عن أبي سعيد.\nفهذا لا يخلو من واحد من احتمالين:\nأولهما: أن يكون صوابه من أحد الوجهين، فيكون أخطأ فيه ذلك الثقة، وقد يترجح الصواب بعينه بقرينة، فيصار إليه، وقد لا يترجح شيء، فتقبل الرواية أيضًا؛ لأنه غاية أمرها أن تكون محفوظة بأحد الإسنادين.\nوثانيهما: أن يكون محفوظًا من الوجهين جميعًا.\nوهذا طريق لا يصار إليه إلا إذا كان ذلك الثقة ممن لا يعاب من مثله تعدد الأسانيد، من مثل الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، ومنصور بن المعتمر، وشبههم.\nوطائفة من المتأخرين يصيرون إلى ترجيح الاحتمال الثاني، بعضهم يقول: \" ذلك أولى من تخطئة الثقة \"، وبعضهم يجعله منه من أجل ثقته قوة للحديث أن حفظه من وجهين.\nكما قال ابن حزم في مثل هذا: \" هذا قوة للحديث وزيادة في د لائل صحته \".\nفقال مثلًا في المثال المذكور: \" في الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة، ومن أبي سعيد، فيرويه مرة عن هذا، ومرة عن هذا \" (١).\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":712},{"text":"والتحقيق: أنه لا يكون علة قادحة؛ من أجل أن كلا الاحتمالين لا يمنع القول بثبوت الحديث.\nومن أمثلة ما يقوى فيه ترجيح الاحتمال الثاني:\nحديث رسول الله ﷺ: \" اطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء \".\nرواه أبو رجاء العطاردي، فاختلف عنه، فرواه عوف بن أبي جميلة وسلم بن زرير وقتادة وأيوب السختياني من طريق صحيح عن أبي رجاء عن عمران بن حصين. ورواه أيوب السختياني في أكثر الطرق عنه وأبو الأشهب جعفر بن حيان وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن نجيح وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن ابن عباس.\nوأخرج الحديث الشيخان: البخاري من حديث عمران بن حصين (١)، ومسلم من حديث ابن عباس (٢).\nوقال الترمذي: \" كلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعًا \" (٣).\nورواه أبو داود الطيالسي فقال: حدثنا أبو الأشهب، وجرير بن حازم، وسلم بن زرير، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين، وابن عباس، ﵄، قالا: قال رسول الله ﷺ، به (٤).\nقلت: وهذا - فيما أرى - من صنيع أبي داود أشبه، حمل رواية بعضهم على بعض، وهو مرجح لما ذهب إليه الترمذي.\n_________\n(١) صحيح البُخاري (رقم: ٣٠٦٩، ٤٩٠٢، ٦٠٨٤، ٦١٨٠).\n(٢) صحيح مسلم (رقم: ٢٧٣٧).\n(٣) جامع الترمذي (بعد الحديث رقم: ٢٦٠٣).\n(٤) مُسند الطيالسي (رقم: ٨٣٣).","vol":"2","page":713},{"text":"الصورة الثانية: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثًا بإسناد معين، وينفرد ثقة متقن عنهم، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.\nمثاله: ما رواه عامة أصحاب الأعمش عنه، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ في سؤال اليهود إياه عن الروح، ونزول قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾.\nكذلك قال في إسناده عن الأعمش: وكيع بن الجراح، وأبو معاوية الضرير، وحفص بن غياث، وعيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم (١) وهؤلاء من الحفاظ الأثبات من أصحاب الأعمش.\nخالفهم عبد الله بن إدريس الأودي، فقال: عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود، به (٢).\nوابن إدريس ثقة حافظ لا يختلف فيه.\nوهذه الرواية تختلف عن الأولى، لكنها لا تناقضها، ويخاف من مثلها من راو صد وق لم يعرف بمتانة الحفظ، أو كان ثقة قليل الحديث، فلا يحتمل أن يأتي بمثل هذه المخالفة؛ لعدم تبين إتقانه لمثلها لقلة ما جاء به، بل ربما كان مجيء مثل هذه الرواية عنه دليلًا على لينه.\nأما من ثبت كونه من الثقات المتقنين المكثرين، فالأصل: أن نقبل ما\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٢١٤، و٧/ ٢٨٠ رقم: ٣٦٨٨، ٤٢٤٨) والبخاري (رقم: ١٢٥، ٤٤٤٤، ٦٨٦٧، ٧٠١٨، ٧٠٢٤) ومسلم (رقم: ٢٧٩٤) والترمذي (رقم: ٣١٤١) والنسائي في \" التفسير \" (رقم: ٣١٩) والهيثم بن كليب الشاشي (رقم: ٣٦٩) وأبو يعلى (٩/ ٢٦٧ رقم: ٥٣٩٠) والبزار (رقم: ١٥٢٩) وابن أبي عاصم في \" السنة \" (رقم: ٥٩٢، ٥٩٣) وابن جرير في \" تفسيره \" (١٥/ ١٥٥) والطبراني في \" الصغير \" (رقم: ٩٨١) وابن حبان (رقم: ٩٨) والواحدي في \" أسباب النزول \" (ص: ٢٩٩) من طرق عِدة عن الأعمش.\nوقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح \".\n(٢) أخرجه أحمد وابنه عبد الله (٧/ ١٣ رقم: ٣٨٩٨) ومسلم (٤/ ٢١٥٣) وابن أبي عاصم في \" السنة \" (رقم: ٥٩٣، ٥٩٤) وابن حبان (رقم: ٩٧).","vol":"2","page":714},{"text":"روى حتى يقوم دليل على خطئه، وليس مما يدل على خطئه أن يستقل دون الجماعة بما لا يروونه، وإنما يروي ما يناقض رواية الجماعة، ولا يكون له مخرج سوى الحكم بخطئه أو بخطأ الجماعة، وحيث امتنع الثاني، فقد تعين الأول، وهو (الشذوذ) كما سيأتي.\nوالدارقطني متشدد، وقد يعل رواية الثقة بمجرد المخالفة وإن لم تكن مناقضة لرواية من هو أولى منه، ولكنه قال في هذا الحديث وقد ذكر مخالفة ابن إدريس للجماعة: \" ولعلهما صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابع على هذا القول \" (١).\nوهكذا دل صنيع مسلم حيث أخرج الحديث بالروايتين، وقال ابن حبان عقب إخراجه الحديث من رواية ابن إدريس التي تفرد بها: \" ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر من عبد الله بن مرة دون غيره \" وساق روايته عن إبراهيم كما رواها عنه الجماعة، فأفاد تصحيح الخبر من الطريقين.\nبل في سياق رواية مسلم ما يشعر بوقوع الحديث لابن إدريس من الوجهين، حيث قال: \" سمعت الأعمش يرويه عن عبد الله بن مرة \" وذكر إسناده، فكأنه يقول: هذا الحديث الذي رواه الأعمش عن إبراهيم سمعته كذلك يرويه عن عبد الله بن مرة.\nوكذلك وجدته رواه عبد الله بن محمد الكرماني، وهو ثقة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (٢).\nوهذه كرواية الجماعة، دلت على وقوع الحديث لابن إدريس من\n_________\n(١) العلل (٥/ ٢٥٢).\n(٢) أخرجه الهيثم بن كليب في \" مُسنده \" (رقم: ٣٧٠) قال: حدثنا ابن أبي خيثمة، حدثنا عبدُ الله بن محمد، به. وإسناده صحيح. وكذلك وقفت عليه منقولًا عن \" تاريخ ابن أبي خيثمة \" في \" شرح العلل \" لابن رجب (٢/ ٧٢١).","vol":"2","page":715},{"text":"الوجهين، والأعمش حافظ مكثر لا ينكر له حفظ الحديث من الوجهين.\nالصورة الثالثة: أن يروي الحديث ثقتان، يختلفان في راو في الإسناد، يسميه أحدهما ويبهمه الآخر.\nفهذا في التحقيق اختلاف غير مؤثر، إذ لا تضاد فيه، وإنما يؤثر الاختلاف الموجب للترجيح، أو التوقف، وأما في هذه الصورة فرواية من سمى قضت على رواية من أبهم، إذ الذي سمى قد حفظ علمًا قصر عنه من أبهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>القسم الثاني: اختلاف قادح</span>.\nوله صور أيضًا:\nالصورة الأولى: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثًا بإسناد معين، وينفرد واحد دونهم في الحفظ، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث.\nمثاله: ما رواه ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، في كفارة المواقع امرأته في نهار رمضان.\nهكذا رواه الثقات المتقنون من أصحاب الزهري: مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وابن جريح، وإبراهيم بن سعد، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، والليث بن سعد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعراك بن مالك، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم (١).\n_________\n(١) أخرجه مالك في \" الموطأ \" (رقم: ٨١٥) والحميدي (رقم: ١٠٠٨) وابن أبي شيبة (٣/ ١٠٦) وأحمد (١٢/ ٢٣٧ رقم: ٧٢٩٠، و١٣/ ١٢٥، ١٩٦ رقم: ٧٦٩٢، ٧٧٨٥، و١٦/ ٤٠٣، ٤٠٥ رقم: ١٠٦٨٧، ١٠٦٨٨) والدارمي (رقم: ١٦٦٨) والبُخاري (رقم: ١٨٣٤، ١٨٣٥، ٢٤٦٠، ٥٠٥٣، ٥٧٣٧، ٥٨١٢، ٦٣٣١، ٦٣٣٣، ٦٤٣٥) وفي \" التاريخ الأوسط \" (١/ ٤٣٢) ومسلم (رقم: ١١١١) وأبو داود (رقم: ٢٣٩٠ - ٢٣٩٢) والترمذي (رقم: ٧٢٤) والنسائي في \" الكبرى \" (رقم: ٣١١٤ - ٣١١٩) وابن ماجة (رقم: ١٦٧١) وابن الجارود في \" المنتقى \" (رقم: ٣٨٤) والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٢/ ٦٠، ٦١) وابن خزيمة (رقم: ١٩٤٣ - ١٩٤٥، ١٩٤٩، ١٩٥٠) وابن حِبان (رقم: ٣٥٢٤ - ٣٥٢٧) والدارقطني (٢/ ١٩٠) والبيهقي في \" الكبرى \" (٤/ ٢٢١، ٢٢٢، ٢٢٤ - ٢٢٦) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (٧/ ١٧٣) من طرق كثيرة عن الزهري.\nقال الترمذي: \" حديث حسنٌ صحيح \".","vol":"2","page":716},{"text":"وخالفهم في إسناده: هشام بن سعد، فقال: عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١).\nوهشام ثقة في الجملة، لكن لمجيئه بمثل هذه الرواية عن الزهري ضعف فيه خاصة؛ ولذا:\nقال البخاري: \" قال هشام بن سعد: عن الزهري، عن أبي سلمة، ولم يصح: أبو سلمة \" (٢).\nوقال ابن خزيمة: \" هذا الإسناد وهم، الخبر عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن، هو الصحيح، لا عن أبي سلمة \".\nوقال العقيلي: \" المحفوظ حديث حميد \" (٣).\nوقال ابن عدي في رواية هشام: \" خطأ \".\nوقال الخليلي: \" هذا أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة؛ لأن أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة، وليس هو من حديث أبي سلمة،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٢٣٩٣) وابن خزيمة (رقم: ١٩٥٤) والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٣/ ١١٨) وأبو الشيخ في \" طبقات الأصْبهانيِّين \" (رقم: ٩٦٢) وابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ٤١١) والدارقطني (٢/ ١٩٠) والبيهقي في \" الكبرى \" (٤/ ٢٢٦) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (٧/ ١٦٨، ١٧٥) من طرق عن هشام بن سعد، به.\n(٢) التاريخ الأوسط (١/ ٤٣٤).\n(٣) الضعفاء (٤/ ٣٤٢).","vol":"2","page":717},{"text":"ومنهم من رواه عن هشام عن الزهري مقطوعًا عن أبي هريرة، رواه هكذا وكيع (١)، قال أبو زرعة الرازي: أراد وكيع، ﵀، الستر على هشام، فأسقط أبا سلمة \" (٢).\nقلت: ولو كان من حفاظ أصحاب الزهري لاحتملنا له ما احتملناه لابن إدريس عن الأعمش.\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>الصورة الثانية: الاضطراب</span>.\nوذلك: بأن يختلف الجماعة من الثقات، ولا يقوم مع اختلافهم مرجح يصير إلى الحكم برواية على أخرى؛ لاستواء الثقات درجة واحدة.\nمثاله: ما نقله أبو داود السجستاني قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول: \" اختلف شعبة وسعيد وهشام في حديث أنس: (كان أصحاب النبي ﷺ تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون)، في اللفظ، وكلهم ثقات \" (٣).\nوساق أبو داود ألفاظهم، فلفظ شعبة عن قتادة عن أنس: (ينامون، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضأون على عهد النبي ﷺ)، ولفظ سعيد بن أبي عروبة عنه: (يضعون جنوبهم، فينامون من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ)، ولفظ هشام الدستوائي عنه: (ينتظرون العشاء الآخر حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون).\nقلت: فأعل أحمد بالاختلاف ولم يرجح، لثقة الرواة وتقارب درجاتهم في الحفظ.\n_________\n(١) أخرج هذه الرواية: العقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٣٤٢).\n(٢) الإرشاد (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\n(٣) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣١٧).","vol":"2","page":718},{"text":"وهذه صورة (المضطرب)، وهو قادح.\nالصورة الثالثة: أن يروي الثقتان حديثًا يتفقان فيه سندًا ومتنًا، إلًاّ في لفظة، يرويها أحدهما على ضد ما يرويها الآخر.\nمثل: رواية عبد الله بن نمير، وهو من الثقات، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قصة المسيء صلاته:\n\" ثم اسْجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها \".\nفذكر في القصة الجلوس بعد السجدة الثانية، وهذه الجلسة هي التي تسمى ب (جلسة الاستراحة).\nخالفه أبو أسامة حماد بن أسامة، وقد رواه عن عبيد الله بن عمر، فقال في لفظه: \" ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها \".\nفأسقط ذكر الجلسة من روايته، وبلفظ مخالف لإثباتها.\nورجح البيهقي روايته على رواية ابن نمير؛ لأنه أثبت في الجملة منه.\nلكن وجدنا من القرائن ما بين الخطأ في رواية أبي أسامة، وذلك أن الرواية عنه قد اختلفت، فرواه عنه إسحاق بن منصور وهو ثقة حافظ بترك الجلسة، ورواه إسحاق بن راهويه موافقة لرواية ابن نمير، ولا سبيل إلى الطعن على من دون أبي أسامة، فلم يبق إلا الوهم عليه، كما وجدنا الترجيح لذلك بغير ذلك من القرائن (١).\n_________\n(١) الحديث بالاختلاف أخرجه البخاري في \" صحيحه \"، وذكرت طرفًا من شرح علته في كتابي \" الأجوبة المرضية عن الأسئلة النجدية \" (ص: ٥٤ - ٥٥).","vol":"2","page":719},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الخامس:\nالتعليل بالغلط</span>\n\nويأتي على أمثلة كثيرة، يندرج تحتها بعض ما تقدم، مما يعود إلى وهم الراوي الثقة، كالخطأ في الوصل أو الإرسال، أو الرفع أو الوقف، ومن أظهر ما يكون من علل الحديث، مما ترى التعليل به عند أئمة الشأن الصور التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>الصورة الأولى: دخول حديث في حديث</span>.\nقال علي بن المديني: \" حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: لا يحرم من الرضاعة المصة والمصتان.\nرواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة.\nوهذا غلط.\nورواه يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ.\nورواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي ﷺ: ما يذهب عني مذمة الرضاع؟ قال: غرة عبد أو أمة.","vol":"2","page":720},{"text":"وحديث ابن إسحاق عندهم خطأ، وأدخل حديثًا في حديث.\nوالحديث عندي حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ: \" لا تحرم المصة والمصتان \".\nوحديث هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، أنه سأل النبي ﷺ \" ما يذهب مذمة الرضاع \".\nوعن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: الرضاع ما فتق الأمعاء.\nوقول أبي هريرة، وحديث الثلاثة صحاح، وحديث ابن إسحاق وهم \" (١).\nومن مثاله أيضًا ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن حديث أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن أم حبيبة، أن النبي ﷺ قال:\n\" أريت ما تلقى أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دم بعض، وكان ذلك سابقًا من الله ﷿، فسألته أن يوليني شفاعة فيهم يوم القيامة، ففعل \"؟.\nقال أبو عبد الله: \" ليس له عن الزهري أصل \"، وأخبرني أنه من حديث شعيب عن ابن أبي حسين، وقال لي: \" كتاب شعيب عن ابن أبي حسين اختلط بكتاب الزهري، إذ كان به ملصقًا \"، قال: \" وبلغني أن أبا اليمان قد اتهم، وليس له أصل \"، ورأيته كأنه يعذر أبا اليمان ولا يحمل.\nقال أبو زرعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح؟ فقال لي مثل قول أحمد: إنه لا أصل له عن الزهري (٢).\n_________\n(١) العلل، لابن المديني (رقم: ١٢٦).\n(٢) حديث أبي زُرعة الدمشقي (٢/ ٤٩ / أب مخطوط)، واسم ابن أبي حسين: عبد الله بن عبد الرحمن.","vol":"2","page":721},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>الصورة الثانية: التصحيف في الأسانيد والمتون</span>.\nوهذا يقع في المتن وفي الإسناد، كما بينته في (الحديث المصحف).\nفمثاله في الإسناد:\nما رواه زهير بن معاوية، عن واصل بن حيان البجلي، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال:\n\" الكمأة دواء العين، وإن العجوة من فاكهة الجنة، وإن هذه الحبة السوداء دواء من كل داء إلا الموت \" (١).\nقلت: إسناد هذا الحديث ظاهره الصحة، ولكن الحال أن زهيرًا قد تحرف عليه اسم شيخه فيه، وصوابه: (صالح بن حيان).\nبين ذلك جماعة من كبار الأئمة:\nقال أحمد بن حنبل وذكر صالح بن حيان: \" غلط زهير في اسمه، فقال: واصل بن حيان \" (٢).\nوقال يحيى بن معين وذكر زهير بن معاوية: \" يخطىء عن صالح بن حيان، يقول: واصل بن حيان، ولم يرَ واصل بن حيان \" (٣).\nوقال أبو حاتم الرازي وسأله ابنه عن هذا الحديث: \" أخطأ زهير مع إتقانه، هذا هو صالح بن حيان، وليس هو واصل، وصالح بن حيان ليس بالقوي، هو شيخ، ولم يدرك زهير واصلًا \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٦).\n(٢) سؤالات أبي داود (النص: ٨).\n(٣) تاريخ يحيى بن معين، رواية الدوري (النص: ٢١٢٧)، وروى الآجري عن أبي داود عن يحيى نَحوه (سؤالاته، النص: ٥٠٩).\n(٤) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢١٨٢).","vol":"2","page":722},{"text":"قلت: وكذلك روى هذا الحديث عن صالح بن حيان: محمد بن عبيد الطنافسي (١)، وعبدة بن سليمان (٢).\nومثاله في المتن:\nما روي عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: \" الإيمان كلمات \".\nسأل ابن أبي حاتم الرازي أباه عنه؟ فقال: \" خطأ، وإنما هو: ألا إنما هو كلمات: سبحان الله، والحمد لله. ورواه جماعة كثيرة عن حديج هكذا، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: كلمات من قالهن: سبحان الله، والحمد لله، الحديث \".\nقال أبو حاتم: \" قال لنا أبو حصين (٣): رأيت في كتاب أبي هذا الحديث: فقال رسول الله ﷺ: (الا)، وقد تآكل ما بعده، فجاء الرازيون فلقنوه: (الإيمان كلمات)، وإنما موضعه موضع دارس قد تآكل \" (٤).\nقلت: وهذا الحشو لموضع السقط أبدع للحديث معنى لم يأت به، كما لا يخفى.\nقلت: ومثل هذا نراه اليوم يقع كثيرًا من كثير من المتعرضين لنشر كتب العلم ومصادر السنن، منهم من ينشأ تحريفه من سوء قراءته لنص الأصل، ومنهم من يقع له ذلك بسبب إقحامه على النص ما ليس منه، كتعليق في هامش المخطوط ليس لحقًا مصححًا، يدخله على النص، أو يزيد\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥١) والروياني (رقم: ٢٣).\n(٢) أخرجه ابن عدي (٥/ ٨١).\n(٣) اسمه: عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، كوفي ثقة.\n(٤) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٩٥٨ - ١٩٥٩).","vol":"2","page":723},{"text":"من كتب التخرج والإحالة ما لم يكن في النص، وهذا من أقبح ما يكون، وقد رأينا من يخرج الحديث من كتاب آخر فيجده في الفرع المخرج عنه موصولًا، وهو في أصل الذي تحمل ثقل الأمانة فيه مرسل أو منقطع، فيزيد الوصل من فرع التخريج، فيجعله موصلًا، وقد يكون الإرسال في أصله علة للوصل في فرع التخريج.\nوكشف هذا النوع من أخطاء الثقات أيسر مما سواه من علل الحديث، كالقلب والوهم بمخالفة الثقات، أو التفرد عنهم بما تقوم الشبهة فيه.\nكما قال مسلم بن الحجاج: \" الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين:\nأحدهما: أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد، فينسب رجلًا مشهورًا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم \" (١).\nومثل لذلك، فمن تلك الأمثلة (٢):\n١_ قول النعمان بن راشد: عن الزهري، عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة.\nقال مسلم: \" ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر، لا عمرو \".\n٢ - قول مالك: عن الزهري: عن عباد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة.\nقال مسلم: \" وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان، معروف النسب عند أهل النسب، وليس من المغيرة بسبيل \".\n_________\n(١) التمييز (ص: ١٧٠).\n(٢) انظر: التمييز (ص: ١٧١).","vol":"2","page":724},{"text":"٣ - رواية من روى حديث: \" إن أبغض الناس إلى الله ﷿ ثلاثة: ملحد في الحرم \" الحديث، فقال: \" ملحد في الحرفة \".\nقال مسلم: \" فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ، وعارفوه في الناس أكثر.\nوالجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا.\nعلى هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>الصورة الثالثة: القلب:</span>\nوبينت معنى القلب في (الحديث المقلوب).\nومن الأمثلة التي وقع فيها القلب في الإسناد، وتضمن غير نوع من العلل:\nما رواه أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سماك بن حرب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بردة بن نيار، قال: قال رسول الله ﷺ: \" اشربوا في الظروف، ولا تسكروا \" (٢).\n_________\n(١) التمييز (ص: ١٧٢).\n(٢) أخرجه ابنُ أبي شيبة (٨/ ١٥٨)، والطيالسي (رقم: ١٣٦٩) والنسائي (رقم: ٥٦٧٧) وابن قانع في \" مُعجم الصحابة \" (٣/ ٢٠٤) والطبراني في \" الكبير \" (٢٢/ ١٩٨ رقم ٥٢٢) والدارقطني في \" السنن \" (٤/ ٢٥٩) والبيهقي في \" الكبرى \" (٨/ ٢٩٨).","vol":"2","page":725},{"text":"سأل ابن حاتم الرازي أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: \" وهم أبو الأحوص فقال: عن سماك، عن القاسم، عن أبيه، عن أبي بردة، قلب من الإسناد موضعًا، وصحف في موضع، أما القلب فقوله: عن أبي بردة، أراد: عن ابن بريدة، ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب الأسناد بأسره، وأفحش في الخطأ.\nوأفحشُ من ذلك وأشنع: تصحيفه في متنه: اشربوا في الظروف، ولا تسكروا. وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه: أبو سنان ضرار بن مرة، وزبيد اليامي، عن محارب بن دثار، وسماك بن حرب، والمغيرة بن سبيع، وعلقمة بن مرثد، والزبير بن عدي، وعطاء الخراساني، وسلمة بن كهيل، كلهم عن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ: \" نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكرًا \"، وفي حديث بعضهم قال: واجتنبوا كل مسكر. ولم يقل أحد منهم: ولا تسكروا، وقد بان وهم حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء \" (١).\n\n* * *\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٥٤٩). وهذا الحديث قد استَقْصيْت جميع طُرقه وألفاظه وعلله في كتابي \" علل الحديث \".","vol":"2","page":726},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>المبحث السادس:\n\nالتعليل بالتدليس</span>\n\nوشرحت معنى التدليس في (الحديث المدلس) (١).\nوالتعليل به بمعنى الوقوع لا المظنة، أي: ليس التعليل بمجرد العنعنة من الراوي الموصوف بالتدليس، وإنما بكشف وقوع تدليسه في ذلك الحديث، عن طريق جمع أسانيده.\nمثل: حديث بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \" إن الله ﷿ يحب الملحين في الدعاء \".\nهكذا رواه كثير بن عبيد الحذاء عن بقية (٢).\nفهذا يقول فيه المبتدئ: (في إسناده بقية، وهو مدلس وقد عنعن)، ثم\n_________\n(١) في القسم الثاني من هذا الكتاب.\n(٢) أخرجه الحكيم الترمذي في \" نوادر الأصول \" (رقم: ١٠٠٨ - تنقيح) قال: حدثنا الفضل بن محمد، والطبراني في \" الدعاء \" (رقم: ٢٠) قال: حدثنا واثلة بن الحسن العٍرقي، والعقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٤٥٢) قال: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي، والقُضاعي في \" مسند الشهاب \" (رقم: ١٠٦٩) من طريق أبي عروبة الحرَّاني، و(١٠٧٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن يونس، جَميعًا قالوا: حدثنا كثير بن عُبيد، به.","vol":"2","page":727},{"text":"يقلب فيرى بعض من رواه عن كثير قال فيه: \" حدثنا كثير بن عبيد، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا الأوزاعي \" (١)، فيقول: (انزاحت عنه شبهة التدليس، والأوزاعي فمن فوقه إسناد معروف الصحة).\nلكن يقول الناقد في هذه الرواية، كما قال البيهقي: \" هكذا قال: حدثنا الأوزاعي، وهو خطأ \"، يعني لتفرد راو بها عن كثير عن بقية دون الجماعة، مع قيام الدليل على الواسطة بين بقية والأوزاعي فيه.\nكما قال أبو حاتم الرازي: \" هذا حديث منكر، نرى بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي \" (٢).\nوقال العقيلي: \" لعله أخذه بقية عن يوسف بن السفر \".\nقلت: هو كذلك، إنما حمله بقية عن أبي الفيض يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي، عن الأوزاعي، وكان يوسف هذا متهمًا بالكذب ووضع الحديث، كذلك رواه عن بقية: عيسى بن المنذر الحمصي، وهو ثقة (٣)، وتابعه أحد المتروكين (٤) لكن العبرة برواية عيسى هذا.\nوكذلك أعله ابن عدي بتدليس بقية.\nوالتعليل بهذا الطريق لا يتفطن له إلا من رزق بصيرة وقوة معرفة وسعة اطلاع في هذا العلم، والذي يعل به الطلبة غايته ما ذكرت، لا يعدو\n_________\n(١) كذلك رَواه أحمد بن يحيى بن صفوان الأنطاكي، فيما أخرجه البيهقي في \" الشعب \" (رقم: ١١٠٨).\n(٢) علل الحديث (٢/ ١٩٩).\n(٣) أخرجه العُقيلي في \" الضعفاء \" (٤/ ٤٥٢).\n(٤) هو سليمان بن سلمة الخبائري الحِمصي، أخرجه من طريقه: يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٤٣١) - ومن طريقه: البيهقي في \" الشعب \" (رقم: ١١٠٩) - وابن عدي في \" الكامل \" (٨/ ٥٠٠) وابن عساكر في \" تاريخه \" (٣٢/ ٣٦٨). لكن أسقطت رواية ابن عساكر (بقية).","vol":"2","page":728},{"text":"أن يجد أحدهم الراوي الموصوف بالتدليس لم يصرح بالسماع في روايته، فيقول: (إسناد ضعيف، فيه فلان مدلس، ولم يصرح بالتحديث)، وليس هذا من العلل الخفية، إنما العلة الخفية كشف وقوع التدليس في تلك الرواية، والتعليل بمجرد العنعنة من الموصوف بالتدليس تعليل ظاهر، قد يكون مرجوحًا لا أثر له في اتصال الإسناد، كما تلاحظه في بيان (الحديث المدلس).","vol":"2","page":729},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>الفصل الثالث\nقوانين ضبط عملية\nتعليل الأحاديث</span>","vol":"2","page":731},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الأول\n\nعلم التخريج</span>\n\nالطريق لكشف علة الحديث: جمع الروايات ثم سبرها وتنقيحها.\nقال الخطيب: \" السبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط \" (١).\nقال الأوزاعي: \" كنا نسمع الحديث، فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزيف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا، وما تركوا تركنا \" (٢).\nوقال ابن أبي حاتم: \" تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلف عنه في الحمرة والصفاء علم أنه مغشوش، ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره، فإن خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالة بروايته \" (٣).\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع (٢/ ٢٩٥).\n(٢) أخرجه أبو زُرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٢٦٥) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٠/ ٢١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٠٥) بإسناد صحيح.\n(٣) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ٣٥١).","vol":"2","page":733},{"text":"قلت: فهو يبدأ بتتبع روايات الحديث وجمعها، ومن ثم النظر فيها وتمحيصها.\nقال عبد الله بن المبارك: \" إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض \" (١).\nقلت: والطريق إلى تحقيق الجمع المقصود لطرق الحديث هو تخريج الحديث بمعناه الآتي قريبًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>تفسير علم التخريج:</span>\nالمراد بعبارة (التخريج) عندما ظهر استعمال هذا المصطلح، هو:\nانتقاء الراوي لنفسه من أصول سماعاته عن شيوخه أحاديث، فمنها ما يصنف على ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم، وعندئذ يسمى (معجمًا)، ومنها ما يصنف على اعتبار آخر، كالبدء بحسب الأقدم، أو بحسب البلدان، وهذا يسمى (مشيخة)، ومنها ما يكون عشوائيا أو شبيها بذلك، فيسمى (الفوائد) وربما قيل: (الفوائد المنتقاة).\nويخرج من حديث كل شيخ حديث فأكثر، يراعى فيها علو الإسناد، أو قوته، أو غرابة الحديث (٢).\nوقد ينتقي تلك الأحاديث للشيخ غيره من معاصريه من رواة الحديث وحفاظه.\nقال الخطيب: \" وإن لم يكن الراوي من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه، فينبغي له أن يستعين\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٩٠٢) وإسناده صالحٌ.\n(٢) وانظر حصول التفريج بأصول التخريج، للشيخ أحمد بن الصديق الغُماري (ص: ١٣).","vol":"2","page":734},{"text":"ببعض حفاظ وقته في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يوم مجلسه، فقد كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك، فمنهم:\nأبو الحسين بن بشران، كان محمد بن أبي الفوارس يخرج له الإملاء.\nوالقاضي أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي البصري، كان أبو الحسين بن غسان يخرج له.\nوأبو القاسم عبد الرحمن بن محمد السراج النيسابوري، كان أبو حازم العبدوي يخرج له.\nوصاعد بن محمد الأستوائي فقيه أصحاب الرأي بنيسابور، كان أحمد بن علي الأصبهاني يخرج له.\nوكان أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه يخرج الإملاء لنفسه، إلى أن كف بصره.\nثم كان أبو محمد الخلال يخرج له أحيانًا، وأحيانًا كنت أنا أخرج له \" (١).\nومن أمثلة الكتب في (التخريج) بهذا المعنى: \" المعجم الصغير \" تخريج: الحافظ أبي القاسم الطبراني، خرجه لنفسه.\nو\" المعجم \" للحافظ أبي بكر الإسماعيلي، وهو (مشيخته).\nوخرج الحافظ عبد العزيز بن محمد النخشبي (المتوفي سنة: ٤٥٧) لقرينه أبي القاسم الحسين بن محمد الحنائي (المتوفي سنة: ٤٥٩) الفوائد المعروفة ب\" الحنائيات \".\nكما خرج الحافظ أبو طاهر السلفي (المتوفي سنة: ٥٧٦) الفوائد لشيخه أبي الحسين المبارك بن عبد الجبار المعروف ب\" ابن الطيوري \" (المتوفي سنة: ٥٠٠) وتسمى ب\" الطيوريات \".\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (٢/ ٨٨).","vol":"2","page":735},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>التخريج بمعنى جمع الطرق والألفاظ:</span>\nقال أحمد بن حنبل: \" الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضًا \" (١).\nوالتخريج بهذا المعنى هو: أن تعمد إلى حديث فتجمع طرقه: أسانيدها ومتونها، من الكتب الحديثية التي تقوم على الإسناد، لا الكتب الناقلة عنها، ثم التأليف بينها لتحرير مواضع الاتفاق والافتراق في الأسانيد، فتتبين المتابعات والشواهد، وفي المتون، فيتبين ما فيها من التوافق اللفظي والمعنوي، والزيادة والاختلاف.\nهذا المعنى للتخريج هو المطلوب تحقيقه لكشف علة الحديث، وليس هو المدلول القريب اليوم لمصطلح (التخريج).\nإنما (التخريج) اليوم في طريقة أكثر من يتصدى للاشتغال بالحديث، ممن يفهم وممن لا يفهم، هو: عزو الأحاديث التي تذكر في الكتب غير مروية بالإسناد، إلى محالها من كتب الإسناد، كالحديث يوجد في \" المغني \" لابن قدامة مثلًا، ربما عزاه إلى مصدر من المصادر، كسنن أبي داود، وربما لم يعز إلى مصدر، فيكون التخريج ببيان محله من \" السنن \" توثيقًا لنصه، وتيسيرًا للوقوف عليه في أصله، وقد يزيد الباحث العزو إلى ما تيسر له الوقوف عليه من الأصول.\nوليس من هذا: الكلام على درجة الحديث، فذلك زيادة على التخريج، يحسن أن تسمى (تحقيقًا) مثلًا، وهي عبارة قد شاعت اليوم تدل على هذا المعنى.\nفإن وقعت عملية التخريج هذه لكتاب مسند، كمن يعمد إلى أحاديث (مسند أحمد) فيبين محال الحديث في غيره، ويربط بين ذلك الحديث\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٦٤٠) بإسناد حسن.","vol":"2","page":736},{"text":"وسائر طرقه في سائر كتب الحديث، فهذا العمل أشبه بمصطلح (الاستخراج) (١) منه بمجرد (التخريج)، وإن كان معنى (الاستخراج) فيه ناقصًا، فإن العناية فيه إنما هي بالإسناد غالبًا دون المتن، ومعلوم أن (الاستخراج) يعتبر في الإسناد والمتن جميعًا (٢).\nفمن يفهم فإنما ذلك عنده لواحد من غرضين، أو لهما جميعًا:\nأولهما: وسيلة يتوصل بها إلى تبيين درجة الحديث، فهذا لا يكون (التخريج) بالنسبة له مقصدًا لذاته، ولذلك فقد تتحقق بغيته بأن يوقف على كون الحديث مما (أخرجه) البخاري ومسلم، ولا يزيد.\nوثانيهما: توثيق للنص المخرج، من جهة إحالته إلى أصل من الأصول.\nومن لا يفهم، فليس محلًا للحديث هنا.\nولا نجد حرجًا في هذه العملية أن يقال: (أخرجه) أو (خرجه)، فهو واسع، واللغة تحتمله، وإن كان (أخرجه) أكثر وأحسن.\nومن أمثلة كتب التخريج بهذا المعنى:\n\" تخريج أحاديث الكشاف \" و\" نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية \" كلاهما للحافظ أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي (المتوفى سنة: ٧٦٢).\nو\" البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير \" للحافظ عمر بن علي المعروف ب\" ابن الملقن \" الشافعي (المتوفى سنة: ٨٠٤).\n_________\n(١) والذي بينت ما يتصل به في مبحث خاصٍ في (القسم الثاني) من هذا الكتاب عند الكلام على (مسائل تتصل بالصحيح والحسن).\n(٢) كما بينت معناه في الكلام عن المستخرجات على \" الصحيحين \" في القسم الثاني من هذا الكتاب.","vol":"2","page":737},{"text":"وللحافظ ابن حجر العسقلاني يد طولى في ذلك.\nوفي الزمن المتأخر مؤلفات الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الأباني، والشيخ المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري، وغيرهما من محدثي العصر.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-276>من القواعد الواجب اعتبارها في علم التخريج </span>ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>أولًا: ملاحظة ألفاظ الإحالة ودلالاتها</span>.\nقال الحاكم: \" مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان إذا روى حديثًا وساق المتن، ثم أعقبه بإسناد آخر: أن يفرق بين أن يقول: (مثله)، أو: (نحوه)، فإنه لا يحل له أن يقول: (مثله) إلا بعد أن يقف على المتنين جميعًا، فيعلم أنهما على لفظ واحد، وإذا لم يميز ذلك، جاز أن يقول: (نحوه)، فإذا قال: (نحوه) بين أنه مثل معانيه \" (١).\nقلت: وكان الإمام مسلم بن الحجاج دقيقًا في سياقه الروايات، فإذا بحثت عن ألفاظ الأحاديث عنده، فإن ساق للحديث طريقًا واحدة لمتنه فذاك المتن لذاك الإسناد، وإن أخرجه بسند، ثم أحال عليه أسانيد، فإن قال: (مثله) فهو باللفظ ذاته أو يقرب منه، وإن قال: (به) فهو مثله، ما لم ينبه مسلم نفسه على زيادة في المتن أو نقص.\nوإذا ساق المتابعات قبل المتن، فإن قال: (فلان وفلان، واللفظ له) أو (واللفظ لفلان) فلفظ الحديث لمن أضافه إليه من الرواة، والثاني بنحوه أو معناه، وربما عطف المتابعات في سياق الإسناد على بعضها، وقال: (وألفاظهم متقاربة)، وقد لا ينبه على ذلك فيشعر باتحاد اللفظ. وربما قال مثلًا: (حدثنا محمد بن عباد، وابن أبي عمر، جميعًا عن مروان الفزاري،\n_________\n(١) سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: ١٢٣، ٣٢٢) وتقدم ذكر هذا النص من قبل في (المبحث السابع) من مباحث (التعديل).","vol":"2","page":738},{"text":"قال ابن عباد: حدثنا مروان، عن يزيد)، فساق الإسناد، فهذا التصرف يشعر بأن السياق لرواية ابن عباد، ورواية ابن أبي عمر قريب منه.\n\nثانيًا: المحدث يسوق حديثًا بإسناده ومتنه، ثم يلحقه بآخر يقتصر منه على الإسناد ويحيل المتن على الذي قبله قائلًا: (مثله)، أو (نحوه)، فهل يصح سياق نفس المتن للإسناد الثاني؟\nالجواب: اختلف في ذلك المتقدمون، فوسع فيه سفيان الثوري في (مثله) و(نحوه)، ووافقه النقل عن يحيى بن معين في (مثله) خاصة، ومنع شعبة بن الحجاج من ذلك فيهما (١).\nوالاحتياط فيه أولى، وذلك بأن يقول مثلًا: (مثل حديث قبله متنه كذا وكذا) أو (نحو حديث قبله متنه كذا وكذا)، وهو اختيار الخطيب.\nوفي باب الاعتبار، لا مانع من الاعتبار بالإسناد الثاني في تقوية الأول، اعتمادًا على المحدث فيما ادعاه من المثلية أو النحوية، وإن كان الأولى الاجتهاد للوقوف على متن ذلك الإسناد في مصادر السنن والأخبار.\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>ثالثًا: الأخذ من نسخة مروية بإسناد واحد</span>، يجوز أن يساق الإسناد عند اقتباس بعض تلك الأحاديث، يذكر قبل المتن كما جاء في أول حديث في تلك الصحيفة، كصحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، وهو قول وكيع بن الجراح، ويحيى بن معين، وأبي بكر الإسماعيلي، وغيرهم.\nوكان مسلم يسوق الإسناد لصحيفة همام إليه، قال: \" هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكر أحاديث منها .. \"، وهذه مبالغة في التحري والأمانة (٢).\n\nرابعًا: إذا أخرجت أحاديث أو حديثًا من جملة أحاديث، رواها\n_________\n(١) خرج الروايات بذلك عنهم الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣١٩، ٣٢٠) بأسانيد صحيحة.\nوكذلك النقل عن ابن مَعين موجود في \" تاريخه \" (النص: ٢٢٦٤).\n(٢) صِيانة صحيح مسلم، لابن الصلاح (ص: ١٠٢، ١٠٣).","vol":"2","page":739},{"text":"المخرج عن شيخ، نسبه تاما في أولها، ثم قال في سائرها: (وحدثنا فلان) ولم يزد على اسمه، جاز أن يبين على ما في أول تلك الأحاديث، ولو قلت عند قوله: (حدثنا فلان): (يعني) أو (أي: ابن فلان الفلاني) لكن أحوط، كما يفعل لبيان اسم مبهم في الإسناد.\nوترى مثل هذا يقع كثيرًا في \" مسند أحمد \" في تسمية شيوخه، و\" مسند أبي يعلى \" و\" المعجم الأوسط \" للطبراني، وغيرها.\n\nخامسًا: إذا وجدت اسمًا مهملًا في الإسناد، وتيقنت من يكون فلا يجوز أن تقحم بيانه بعبارة تفهم أنه كذلك في الرواية، فلو جاء مثلًا: (عن هشام عن قتادة) فمع تيقنك أنه الدستوائي، فلا تجعله: (عن هشام الدستوائي عن قتادة)، ولكن قل: (عن هشام - يعني الدستوائي - عن قتادة)، أو (عن هشام - هو الدستوائي - عن قتادة).\nوهذه فائدة، أنك إذا وجدت مثل هذه الصيغة (هو ابن فلان)، أو (الفلاني) فاعلم أنها ليست من قبل الراوي عن ذلك الشيخ، وإنما هي من بعض رواة الإسناد، أو من نفس مخرج الخبر (١).\n\n* * *\n_________\n(١) كما تقدم في (المبحث الثاني) من (الفصل الثاني) من هذا الباب.","vol":"2","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>المبحث الثاني:\n\nعلامات لكشف العلة من منهج المتقدمين</span>\n\nوهي أسباب تكتسب بالدراية بعلوم الحديث، وفهم ما ترد عليه الأسانيد والمتون، استعملها أئمة النقاد لمعرفة علة الحديث، وهي علامات ظنية، لا يجوز القطع بتخطئة الثقة بمجرد ورودها على فكر الناقد حتى يستدل لها.\nنعم، قد يقوم الدليل عند الناقد على علة الحديث، ولم يتبين بمن يلصق الوهم فيه من رواته، لكن ينبغي في هذه الحال أن يتوجه حمله على أدناهم حفظًا.\nومن أمثلته: ما نقله ابن أبي حاتم الرازي، قال: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث، رواه علي بن هاشم بن مرزوق، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن سالم مولى دوس: قلت لكعب: أكنت تقبل وأنت صائم؟ قال: نعم، وآخذ به (١)؟ فقالا: \" هذا خطأ، إنما هو عن سالم مولى دوس، قال: قلت لسعد بن أبي وقاص \"، قال أبو زرعة: \" وأخطأ علي بن هاشم؛ لأن يزيد بن هارون لا يذهب عليه مثل هذا \" (٢).\n_________\n(١) جاء في رواية الخطيب التالية الإشارة إليها: يعني بمتاعها.\n(٢) علل الحديث (رقم: ٦٦٦).\nوعلى الصواب رواه مُحمد بن مسلمة الواسطي عن يزيد بن هارون. أخرجه الخطيب في \" أوهام الجمع والتفريق \" (١/ ٢٩١) لكن ابنَ مسلمة هذا ليس بثقة.","vol":"2","page":741},{"text":"قلت: يقول: يزيد لحفظه وإتقانه لا يقع له مثل هذا الوهم، ولا يحمل فيه عليه الخطأ وفيمن دونه أولى بحمل الخطأ عليه منه مع صدقه، وهو علي بن هاشم الرازي.\nلكن إذا لم يتبين ما يمكن أن يحمل عليه الوهم من رواته، فتكون الرواية معلولة، دون إلحاق المأخذ فيها على معين.\nوتلك العلامات المساعدة المستفادة من طرق النقاد في التعليل، منها ما يعرف من الفصل السابق، إذ التفرد، والزيادة، والمخالفة، والاختلاف، ودخول حديث في حديث، والتصحيف، والقلب، والتدليس، جميعها تكون بملحظ الناقد، بل يقصد إلى تقصيها في الرواية، حتى تسلم له منها، فوقوع الشيء منها في الرواية علامة على العلة، فإن استقرت بحجتها كانت هي العلة.\nلكن قد بينت من قبل أنه ليس كل تفرد علة، ولا كل مخالفة مؤثرة، ولا كل اختلاف قادحًا، فما لم يكن من قبيل ما بينت قبل أنه قادح بمجرد تلك الأسباب، فإن الناقد قد يهتدي بعلامات أخرى للتوصل إلى العلة، ترجع أصولها إلى ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>أولًا: أن يأتي أحد وجهي الرواية على الجادة، والآخر خارجًا عنها</span>.\nومن عباراتهم فيه: (لزم فلان الطريق) (١). و(أخذ طريق المجرة فيه) (٢). و(وهذا الطريق كان أسهل عليه) (٣).\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم فيما نقله عن أبيه (رقم: ٤٦، ٢٨٨، ٥٨٢، ١٢٨٦، ١٨٢٣، ٢١٦٢، ٢٢٣٧، ٢٢٩٦).\n(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم (ص: ١١٨).\n(٣) الكامل، لابن عدي (٥/ ٤٢٥).","vol":"2","page":742},{"text":"والمعنى فيه: أن يروي الحديث ثقتان، فيجريه أحدهما على المعتاد في أسانيد شيخه، والآخر على غير المعتاد منها.\nفمن خرج به عن المعتاد، فذلك قرينة على إتقانه للرواية، إذ مثل ذلك يحتاج حفظه إلى مزيد احتياط، ولا يتفطن إليه متيقظ، بخلاف ما جاء على الجادة.\nوقد قال أحمد بن حنبل في مثال هذا: \" أهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما \" (١).\n\nوهذه أمثلة:\n\nالمثال الأول، ويدخل في غير شيء من علل الحديث: حديث سمرة بن جندب في كفارة تفويت الجمعة.\nرواه قتادة، واختلف عليه، فرواه همام بن يحيى، عنه، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ، قال: \" من فاتته الجمعة فليتصدق بدينار، أو بنصف دينار \"، وفي لفظ: \" من ترك جمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار \" (٢).\nتابع همامًا عليه إسنادًا ومتنًا: حجاج بن حجاج الباهلي الأحول (٣)، وهو ثقة.\nورواه خالد بن قيس بن رباح، فقال: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ، به (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ٣٠٦، و٥/ ٤٩٩ - ٥٠٠) وإسناده جيد.\n(٢) أخرجه أحمد (٣٣/ ٢٧٧، ٣٣٠ رقم: ٢٠٠٨٧، ٢٠١٥٩) وأبو داود (رقم: ١٠٥٣) والنسائي (رقم: ١٣٧٢) وغيرهم، واستوعبتُ بيانه في كتاب \" علل الحديث \".\n(٣) أخرجه البخاري في \" تاريخه \" (٢/ ٢ / ١٧٦).\n(٤) أخرجه أبو داود في \" المسائل \" (ص: ٢٩٦) والنسائي في \" الكبرى \" (رقم: ١٦٦٢) وابنُ ماجة (رقم: ١١٢٨) والبيهقي (٣/ ٢٤٨).","vol":"2","page":743},{"text":"وهذا الطريق خالفت في الإسناد، فجعلت (الحسن) بدلًا من (قدامة بن وبرة)، وهي محيلة الرواية من مجهول، وهو قدامة، إلى ثقة، وهو الحسن البصري، وهي رواية صحيحة الإسناد إلى قتادة، كصحة رواية همام عنه.\nومن يذهب من أهل العلم إلى صحة حديث الحسن عن سمرة، يصحح هذا الإسناد على طريقته، ومن لا يصححها قد يقوي روايتي قتادة ببعضهما، وهذان المنهجان كلاهما خطأ ههنا.\nفتصحيح الرواية لذاتها من رواية الحسن عن سمرة، أو اعتبارها طريقًا مستقلة للحديث تنضم إلى رواية قدامة، إغفال لمخالفة همام.\nوالتحقيق: أن همامًا ألصق بقتادة، وأعلم بحديثه وأشهر به من خالد، بل هو من المكثرين عن قتادة وغيره، وليس خالد كذلك وإن كان ثقة، ثم إن خالدًا أجرى الإسناد عن قتادة على الجادة، فقتادة عن الحسن عن سمرة نسخة، ومثل همام في كثرة حديثه عن قتادة لا يفوته مثل هذا، ليأتي به عن قتادة عن رجل غير معروف، لا يحفظ مثله ولا يتفطن له إلا بتعنٍّ، بخلاف المشهور المعروف.\nولذا قال البخاري: \" والأول أصح \" يعني رواية همام.\nوممن أشار إلى علة هذه الرواية: أبو داود في \" سننه \" وأبو حاتم الرازي فيما حكاه ابنه (١).\nوقال البيهقي: \" كذا قال، ولا أظنه إلا واهمًا في إسناده، لاتفاق من مضى على خلاف فيه \".\nوالحديث لا يصح، ولهمام فيه مخالفان آخران مرجوحان كذلك.\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٥٧٧).","vol":"2","page":744},{"text":"قال البخاري: \" لا يصح حديث قدامة في الجمعة \".\nقلت: العلة كما بينت من جهة جهالة قدامة، وكذلك لعدم العلم بثبوت سماع له ولا لقاء من سمرة، فإنه لم يذكر سماعًا في شيء من الطرق، ولم نجده يروي عن غير سمرة في شيء يثبت إسناده إليه.\nفرجل مجهول لم تثبت عدالته، يروي بالعنعنة، لا يجوز قبول حديث ينفرد به لا يرويه سواه.\n\nالمثال الثاني: ما رواه محمد بن صالح بن مهران، قال: حدثنا أرطاة أبو حاتم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة \" (١).\nقال ابن عدي: \" الحديث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر خطأ، إنما يرويه عبيد الله عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، على أنه قد روي عن هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وهذا خطأ أيضًا (٢)، وهذا الطريق كان أسهل عليه إذا قال: عبيد الله عن نافع عن ابن عمر؛ لأنه طريق واضح، وبهذا الإسناد أحاديث كثيرة، من أن يقول: عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة \".\nالمثال الثالث: ما رواه سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني المنذر بن عبد الله الحزامي، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله\n_________\n(١) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (٢/ ١٤٣) والطبراني في \" الكبير \" (١٢/ ٣٧٥ رقم: ١٣٣٨٩) من طُرق عن محمد بن صالح بن مهران، به.\n(٢) وهذا من طريق هِشام بن حسان أخرجه العُقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٢٤٦)، وعلته شبيهةٌ بهذه، وبيَّن العُقيلي أيضًا صواب روايته من طريق هشامٍ عن عبيد الله عن المقبري عن أبي هريرة.","vol":"2","page":745},{"text":"بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال: \" سبحانك اللهم، تبارك اسمك، وتعالى جدك \" وذكر الحديث بطوله (١).\nقال الحاكم: \" لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبد الله أخذ طريق المجرة فيه \".\nثم أسنده الحاكم من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، قال: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة، فذكر الحديث بغير هذا اللفظ.\nقال الحاكم: \" وهذا مخرج في صحيح مسلم \".\nالمثال الرابع: ما رواه عبد الله بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: \" ساقي القوم آخرهم \" (٢).\nقال ابن عدي: \" كذا قال المقدمي هذا: عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس، وهذا الطريق كان أسهل عليه؛ لأن ثابتًا أبدًا يروي عن أنس، وإنما روى ثابت هذا الحديث عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة \".\n\nالمثال الخامس: ما رواه عبد الرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال:\nكان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن الكريم، يقول: \" إذا هم أحدكم بالأمر أو أراد الأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك \" فذكر الحديث (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث \" (ص: ١١٨) من طريق يحيى بن عثمان بن صالح السهمي، قال: حدثنا سعيد بن كثير بن عُفير، به.\n(٢) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٥/ ٤٢٥) قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر المقدمي، به.\n(٣) أخرجه ابنُ عدي (٥/ ٥٠٠) من طريق منْصور بن أبي مُزاحم، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال، به.","vol":"2","page":746},{"text":"قال أبو طالب أحمد بن حميد: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن أبي الموال؟ قال: \" عبد الرحمن لا بأس به \"، قال: \" كان محبوسًا في المطبق حين هزم هؤلاء، يروي حديثًا لابن المنكدر عن جابر عن النبي ﷺ في الاستخارة، ليس يرويه أحد، هو منكر \"، قلت: هو منكر؟ قال: \" نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحيلون عليهما \" (١).\n\nثانيًا: أن تأتي رواية الغرباء عن الثقة على خلاف رواية أهل بلده، أو المعروفين من ثقات أصحابه.\nومثل له الحاكم بما رواه موسى بن عقبة، وهو مدني، عن أبي إسحاق السبيعي، وهو كوفي، زعم الحاكم أنه وهم في إسناده، من جهة أنه قال: عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: \" إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة \" (٢).\nقال الحاكم: \" هذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا \".\nقلت: هو إسناد ظاهره الصحة بلا ريب، والحاكم تبع جماعة من أئمة الحديث، رأوا هذا الحديث يعرف من حديث أبي بردة بن أبي موسى عن الأغر المزني رجل من أصحاب النبي ﷺ من رواية العراقيين عن أبي بردة، وأبو بردة من أئمة الكوفيين.\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (٥/ ٤٩٩ - ٥٠٠).\n(٢) أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (رقم: ٤٤٠) من طريق زياد بن يونس، والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٤/ ٢٨٩) والطبراني في \" الدعاء \" (رقم: ١٨١٠) والحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ١١٥) والبيهقي في \" الشعب \" (٥/ ٣١٨ رقم: ٦٧٨٩) من طريق سعيد بن أبي مريم، كلاهما عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن موسى بن عُقبة.","vol":"2","page":747},{"text":"ولو كان الأمر كذلك، أنه لم يروه العراقيون عن أبي بردة عن أبيه، لصح قول الحاكم ومن سبقه أو لحقه من أئمة الحديث.\nلكني وجدت لهذا الحديث أصلًا من حديث أبي إسحاق عن أبي بردة من حديث أهل بيت أبي إسحاق، بل من أخصهم به، وهو حفيده إسرائيل بن يونس.\nلكن المقصود أن تعلم أن وقوع هذه الصورة شبهة توجب البحث عن العلة (١).\n\nثالثًا: أن يأتي الحديث على شبه أحاديث راو آخر، وقد يكون ذلك الآخر من المجروحين.\nهذا أيضًا من أسباب القدح في النقلة.\nمثل أحاديث (سنان بن سعد عن أنس بن مالك).\nقال أحمد بن حنبل: \" تركت حديثه، حديثه حديث مضطرب \"، وقال: \" يشبه حديثه حديث الحسن، لا يشبه أحاديث أنس \" (٢).\nلكن العلل الخفية إنما هي في أحاديث الثقات، فهل لهذه الصورة تأثير في رواياتهم؟\nمن أئمة الحديث من أعل رواية الثقة لمشابهتها لأحاديث المجروحين.\nوالتحقيق أنه لا يصح التعليل لحديث الثقة بممجرد الشبه بحديث المجروح، أو أن ذلك الحديث رواه ذلك المجروح كذلك كما رواه الثقة، من جهة انتقاء المانع من وقوع الحديث لكليهما.\n_________\n(١) شرحت علة هذا الحديث في كتابي \" علل الحديث \".\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٣٤٠٩، ٣٤١٠).","vol":"2","page":748},{"text":"لكن قد يفيد الشبه شبهة توجب مزيد تحر، وربما كشفت عن علة قادحة.\nقال ابن رجب: \" حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه فلان، فيعللون الأحاديث بذلك \" (١).\nقلت: ومن مثاله: ما رواه أبو بكر الحنفي، حدثنا عاصم بن محمد بن زيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:\n\" قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن ولم يشكيني إلى عواده، أطلقته من إساري، ثم أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل \" (٢).\nقال الحافظ أبو الفضل بن عمار الشهيد: \" هذا حديث منكر، وإنما\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (٢/ ٧٥٦).\n(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ رقم ١٢٩٠) وعنه: البيهقي في \" الكبرى \" (٣/ ٣٧٥) و\" الشعب \" (٦/ ٥٤٧ و٧/ ١٨٧ - ١٨٨ رقم ٩٢٣٩، ٩٩٤٣) قال: حدثني بكر بن محمد الصيرفيُّ بمكة، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله، حدثنا علي بن المديني، حدثنا أبو بكر الحنفي، به.\nقال الحاكم: \" حديث صحيح على شرْط الشيخين ولم يخرجاه \"، وقال البيهقي في \" الشعب \": \" إسناد صحيح \".\nقلت: كذا قالا، وليْس كذلك كما سيأتي.\nوعزاه أبو الفَضل بن عمار الشهيد في \" علل الأحاديث في كتاب التصحيح \" (ص: ١١٧ - ١١٨) إلى \" صحيح مسلم \"، وليس في شيء من نُسخه، ولائقٌ أن لا يكون فيه، فلعل مسلمًا أدخله أولًا ثم رفعه لما كشف علته، فبقي في نُسخة وقف عليها ابنُ عمار، ولذا أيضًا استدركه الحاكم، ونبّه البيهقي أنه ليس في \" الصحيح \" وتوالى طائفة على نفيِ وُجوده فيه.","vol":"2","page":749},{"text":"رواه عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدًا أضعف من عبد الله بن سعيد المقبري. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبد الله بن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة. وهو حديث يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد \" (١).\nقلت: وذكر البيهقي أيضًا أن قرة بن عيسى، وهو الواسطي، رواه كذلك عن عاصم، عن عبد الله بن سعيد.\nوتفرد به أبو بكر الحنفي عن عاصم عن سعيد بن أبي سعيد.\nوليس في روايته أيضًا ذكر سماع بين عاصم وسعيد، ورواية غيره جعلته بالواسطة بين عاصم وسعيد، وهي عبد الله بن سعيد.\nوالحنفي اسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، ثقة، لكنه في الحفظ دون معاذ بن معاذ بلا تردد.\nفمن أتى بزيادة الواسطة فيه ثقة، بل أرجح في الثقة ممن لم يأت بها.\nأيد رواية من أتى بها أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن سعيد من رواية غير عاصم. فقد رواه كذلك محمد بن فضيل، وهو ثقة (٢)، وعبد الرحمن بن\n_________\n(١) علل الأحاديث، لأبي الفضل بن عمار (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في \" المرض والكفارات \" (رقم: ٧٨) قال: حدثنا أحمد بن عمران بن عبد الملك، قال سألت محمد بن فُضيْل؟ فحدثني: حدثنا: عبْد الله بن سعيدٍ، عن جدِّه، عن أبي هريرة، به مرفوعًا نحوه.","vol":"2","page":750},{"text":"سليمان بن أبي الجون العنسي، وهو صدوق حسن الحديث (١).\nفالحديث حديث عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو متروك ليس بثقة.\nولذا أدخله ابن الجوزي في \" الموضوعات \"، وقال: \" هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ \".\nوالمحفوظ في هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة قوله، كذلك رواه أبو صخر حميد بن زياد (٢).\nومثله وإن كان لا يقال من قبل الرأي، إلا أن أبا هريرة حمل عن أهل الكتاب (٣).\nفشبه الحديث بحديث المجروح دل على علة الحديث الظاهر السلامة منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>رابعًا: أن يأتي الحديث موافقًا للمنقول عن أهل الكتاب</span>.\nهذه علامة لا تصلح لتعليل أحاديث الثقات، حتى تقوم حجة على كون الحديث مما أخطأ فيه بعض الرواة فنسبه مرفوعًا إلى النبي ﷺ، وهو من الإسرائيليات.\n_________\n(١) أخرجه ابن الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ١٧٠٢) من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي الجوْن قال: حدثنا عبْد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة، به. قلت: إسناده إلى ابن أبي الجون جيد.\n(٢) أخرجه البهقي في \" الكبرى \" (٣/ ٣٧٥) بإسناد الصحيح إلى عبْد الله بن وهب، قال: حدثني أبو صخْر حُميد بن زياد، أنَّ سعيدًا المقْبري حدثه قال: سمعْت أبا هريرة يقول: قال الله ﷿: (فذكر نحوه).\nقلت: وإسناده جيدٌ.\n(٣) فإن قلت: للمرفوع طُرق أخرى. قلت: ليس فيها ما يُفرح به ليَثْبت به الحديث مَرفوعًا عن النبي ﷺ، وإن تكلف بعض العلماء المتأخرين لتقويته ودَرْءِ الحكم بالوضع أو النكارة عليه.","vol":"2","page":751},{"text":"والعلة في منع التعليل بمجرد موافقة ما عند أهل الكتاب، أن الوحي الذي أنزل على نبينا ﷺ جاء مصدقًا لما جاء به النبيون من قبل، وفي القرآن الكثير مما يوافق ما عند أهل الكتاب، فتأمل.\nولم أجد في منهج أهل العلم بالحديث مثالًا واحدًا أعلوا به رواية ثقة بمجرد وقوع تلك الموافقة، حتى يقوم دليل على وهم الثقة، كأن يروي ثقة حديثًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، ثم يوجد من رواية من هو أوثق منه عن أبي هريرة عن كعب الأحبار، يحكيه عن التوراة.\nولكني وجدت بعض أهل زماننا ممن ليس من هذا العلم في شيء يشكك في بعض الحديث؛ لكونه وجد نظيره في التوراة التي عند اليهود.\nكما سمعت من أحدهم في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \" خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا \" الحديث (١).\nقال: \" هذا آية في التوراة \".\nوأقول: لو صح ما زعمه ما ضر ذلك في صحته حديثًا عن نبينا ﷺ، فيكون من العلم المصدق لما عند أهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>خامسًا: أن يكون الثقة يرجع إلى أصول، ولا يوجد ذلك الحديث في أصوله</span>.\nمثاله: قول أبي داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) سئل عن حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: \" الأئمة من قريش \"؟ قال: \" ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل \" (٢).\nوقال أبو حاتم الرازي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سليمان بن\n_________\n(١) متفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٥٨٧٣) ومسلم (رقم: ٢٨٤١).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٨٩).","vol":"2","page":752},{"text":"موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: \" لا نكاح إلا بولي \"، وذكرت له حكاية ابن علية؟ فقال: \" كتب ابن جريج مدونة، فيها أحاديثه، من حدث عنهم، ثم لقيت عطاء، ثم لقيت فلانًا، فلو كان محفوظًا عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته \" (١).\nوقال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي وذكر حديث إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بن عبد الرحمن، بن رافع بن خديج، عن جده رافع، عن النبي ﷺ أنه قال لبلال: \" نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم \".\nقال أبي: \" روى أبو بكر بن أبي شيبة هذا الحديث عن أبي نعيم، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبد الرحمن، عن جده، عن النبي ﷺ، قال أبي: \" وسمعنا من أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل، الكتاب كله، فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد حدثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدي \".\nقلت لأبي: الخطأ من أبي نعيم، أو من أبي بكر بن أبي شيبة؟ قال: \" أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر، إما محمد بن يحيى أو غيره، فعلى هذا يدل أن الخطأ من أبي نعيم \" يعني أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب، وغلط في نسبته، ونسب إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع (٢).\nقلت: الحكم بخطأ أبي نعيم فيه محل نظر، فقد توبع عليه (٣)، لكني قصدت التمثيل باتباع النقاد هذا الطريق لكشف علة الحديث.\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٢٢٤).\n(٢) علل الحديث (رقم: ٤٠٠) كما قال أبو حاتم قبل ذلك (رقم: ٣٨٥): \" حدثنا هارون بن معروف وغيره عن أبي إسماعيل إبراهيم بن سليمان المؤدب، عن هُرَير، وهو أشبه \" أي من رواية أبي نعيم.\n(٣) كما بينت ذلك في تعليقي على \" تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نُعيم عاليًا \" لأبي نُعيم الأصبهاني (رقم: ٥٤).","vol":"2","page":753},{"text":"ويشبهه: أن يعاد حديث الثقة إلى أصل غيره من الثقات ممن شاركه في السماع، فلا يوجد الحديث فيه على الوجه الذي ذكره.\nمثل: قال أحمد بن منصور الرمادي: قلت لعلي بن المديني: حدثني بعض مشايخنا المصريين، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عائشة، قالت: أصبحت أنا وحفصة صائمتين: فذكر الحديث.\nفحرك رأسه، وضحك، قال: ليس هذا بشيء، وقال: جرير بن حازم إنما سمع من يحيى بن سعيد بالبصرة مع حماد بن زيد في كتاب حماد بن زيد، وهذا الحديث إنما رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري، قال: قالت عائشة: أصبحت أنا وحفصة صائمتين.\nوليس هذا من حديث عمرة، إنما سمعه يحيى بن سعيد من الزهري، والزهري إنما سمعه من رجل لا يعرفه، حدثه به بعض من يدخل على عائشة، عن عائشة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>سادسًا: أن يثبت عن راوي الحديث ترك عمله به، أو ذهابه إلى خلافه</span>.\nوهذا مسألة شائعة في الأصول على خلاف وتفصيل، لكنها أيضًا طريق جرى كبار نقاد الحديث على اعتباره في تعليل الحديث، كعلامة على العلة، أو تكون هي العلة، فيقضى على ناقلها بالوهم إن كان من الثقات، أو الضعف إن كان ممن دونهم.\nوله أمثلة كثيرة، منها.\nتضعيف جميع ما روي عن أبي هريرة في المسح على الخفين، بما جاء عنه في إنكاره.\n_________\n(١) أخرجه المقدمي في آخر كتاب \" التاريخ \" (ص: ١٥٥ - ١٥٦).","vol":"2","page":754},{"text":"نعم، الأحاديث المروية عن أبي هريرة في إثبات المسح عديدة، لكنها معلولة بغير علة (١)، غير أن مخالفتها المروي عنه في إنكار المسح من جملة تلك الأدلة على ضعفها.\nوالرواية عن أبي هريرة بترك المسح جاءت عنه من وجهين:\nالأول: عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سألت أبا هريرة عن المسح على الخفين؟ قال: فدخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، فبال، ثم دعا بماء فتوضأ، وخلع خفيه، وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم (٢).\nوالثاني: عن أبي رزين، قال: قال أبو هريرة: ما أبالي، على ظهر خفي مسحت، أو على ظهر حمار (٣).\nوهذان خبران صحيحان عن أبي هريرة، ظاهران في مذهبه في ترك المسح على الخفين، وقد حكم بثبوتها عن أبي هريرة مسلم بن الحجاج، وقال: \" ولو كان قد حفظ المسح عن النبي ﷺ كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به، فلما أنكره. . . بان ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله ﷺ، وإن من أسند ذلك عنه عن النبي ﷺ، واهي الراوية، أخطأ فيه إما سهوًا أر تعمدًا \".\nقال مسلم بعد إيراده إحدى الطرق عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في\n_________\n(١) كما بينت ذلك في \" علل الحديث \".\n(٢) أخرجه مسلم في \" التمييز \" (رقم: ٨٩) قال: حدثنا مُحمد بن المثنى، حدثنا محمد، حدثنا شُعبةُ، عن يزيد بن زاذِي (في الأصل: زاذان)، قال: سمعت أبا زُرعة، به.\nقلت: وهذا إسنادٌ صحيح، ومُحمد هو ابن جَعفر غنْدرٌ.\n(٣) أخرجه ابنُ أبي شيبة (١/ ١٨٦) قال: حدثنا يونس بن محمد، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن سُميْع، قال: حدثني أبو رَزين، به.\nقلت: هذا إسناد صحيح، وأبو رَزين اسمه مَسْعود بن مالك.","vol":"2","page":755},{"text":"إثبات المسح: \" هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست محفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ المسح عن النبي ﷺ، لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين \" (١).\nوسئل الدارقطني عن الأحاديث الواردة عن أبي هريرة في المسح، فذكر خمسة من طرقها، ثم قال: \" قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر، وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح \" (٢).\nومع صحة الرواية بإنكار المسح عن أبي هريرة، وجدت ابن عبد البر يقول فيه: \" لا يثبت \" (٣)، ولم يعلله بشيء، وتبعه على ذلك جماعة ممن جاء بعده، وقوله هذا خلاف قول أحمد ومسلم.\nبل سبق الشافعي إلى إثبات الرواية بالإنكار عن أبي هريرة، فقال: \" ومسح رسول الله ﷺ على الخفين، فأنكر المسح علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس وأبو هريرة، وهؤلاء أهل علم بالنبي ﷺ، ومسح عمر وسعد وابن عمر وأنس بن مالك، وهؤلاء أهل علم به \" (٤).\nقلت: فهذا مثال لتعليل الروية أو الروايات بمجيئها على خلاف الثابت المحفوظ عن راويها من رأيه ومذهبه.\n_________\n(١) التمييز (ص: ٢٠٩).\n(٢) العلل (٨/ ٢٧٦)، وحكي ابنُ حجر في \" التلخيص \" (١/ ١٥٨) قال: \" قال أحمد: لا يصحُّ حديث أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطلٌ \"، كذا قال، وما نقله الدارقطني عن أحمد هوَ الصواب، وبمعناه كذلك نقل ابنُ رجبٍ عن أحمد في \" شرح العلل \" (٢/ ٧٩٧)، وفي نصٍّ ساقه ابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١١/ ١٣٩) من رواية أبي بكر الأثرم عن أحمد أنَّ أبا هريرة كانَ لا يرى المسح، مما يوكِّدُ خطأ حِكاية إنكار أحمد للرواية بترك المسح عن أبي هريرة، وإنما أنكر الرواية عنه بإثبات المسح.\n(٣) التمهيد (١١/ ١٣٨).\n(٤) الأم: (١٤/ ٥٩٨).","vol":"2","page":756},{"text":"ورأيت أحمد بن حنبل أعمل هذا الأصل أيضًا (١).\nومما يتصل بهذا الأصل: تعليل زيادة في الحديث مع كونها من رواية الثقة؛ من أجل أنها جاءت على خلاف المحفوظ من رأي الصحابي راوي الحديث.\nقال أحمد بن حنبل: \" كان شعبة يتهيب حديث ابن عمر: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى. يعني يتهيبه للزيادة التي فيها: (والنهار)؛ لأنه مشهور عن ابن عمر من وجوه: (صلاة الليل)، ليس فيه: (والنهار)، وروى نافع أن ابن عمر: كان لا يرى بأسًا أن يصلي بالنهار أربعًا. وبعضهم قال: أنه كان يصلي بالنهار أربعًا فلو كان حفظ ابن عمر عن النبي ﵇: (صلاة النهار مثنى مثنى) لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعًا، وقد روي عن عبد الله بن عمر قوله: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى \" (٢).\n\nسابعًا: أن يدل على نكارة الحديث ما يجده الناقد من نفرة منه ينزه عن مثلها الوحي وألفاظ النبوة.\nوالمقصود أن يقع ذلك الشعور لمن عايش المفردات والمعاني النبوية حتى أصبح وهو يحرك لسانه بالألفاظ النبوية، وكأنه يتذوق منها ريق النبي ﷺ، فهذا قد يرد عليه من الرواية ما يجد له مرارة أو بعض مرارة، فيرد على قلبه الحرج في نسبة مثل ذلك إلى رسول الله ﷺ، فيكون ذلك\n_________\n(١) قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابنَ حنبل) ذكر حديثًا لصالح بن كيْسان، عن الحارث بن فُضيْل الخَطمي، عن جعفر بن عبد الله بن الحكم، عن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبي رافع، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ: \" يكون أمراءُ، يقولون ما لا يَفعلون، فمن جاهدهم بيده \". قال أحمد: \" جَعفرٌ هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فُضيْل ليس بمحمودٍ في الحديث، وهذا الكلام لا يُشبه كلام ابن مسعود، ابنُ مسعود يقول: قال رسول الله ﷺ: اصْبروا حتى تلْقوني \" (مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود ص: ٣٠٧).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٢٩٤)، ومعناه (ص: ٣١٠).","vol":"2","page":757},{"text":"الشعور علامة على علة في الرواية، توجب عليه بحثًا عن محل الغلط منها حتى يقف عليه.\nوليس المقصود أن ينصب الناقد هواه ومزاجه مجردًا لقبول الحديث أو رده، فإن الرأي يخطئ مهما اعتدل وراقب صاحبه ربه، والهوى لا تعصم منه نفس.\nومما وجدته يصلح لهذا مثالًا، حديث بقي في القلب منه غصة زمانًا، حتى اطمأنت النفس لعلته، وهو حديث أبي سعيد الخدري: أن رجلًا أتى بابنة له إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي هذه أبت أن تزوج، قال: فقال لها: \" أطيعي أباك \"، قال: فقالت: لا، حتى تخبرني ما حق الزوج على زوجته، فرددت عليه مقالتها، قال: فقال: \" حق الزوج على زوجته أن لو كان به قرحة فلحستها، أو انتثر منخراه صديدًا أو دمًا ثم لحسته ما أدت حقه \"، قال: فقالت: والذي بعثك بالحق، لا أتزوج أبدًا، قال: فقال: \" لا تنكحوهن إلا بإذنهن \".\nقلت: فهذا الحديث فيما ذكر فيه من وصف حق الزوج على الزوجة بهذه الألفاظ المنفرة المستنكرة، ليس في شيء من المعهود في سنة أعف خلق الله ﷺ، والذي أوتي الحكمة وفصل الخطاب وجوامع الكلم، وقد فصل الله في كتابه ونبيه ذو الخلق العظيم ﷺ في سنته الحقوق بين الزوجين بأجمع العبارات وأحسن الكلمات، كلها من باب قول ربنا ﷿: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨].\nوأما علة الحديث فما هي مجرد النفرة من صيغة تلك العبارات، وإنما روى هذا الحديث جعفر بن عون، قال: حدثني ربيعة بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد، به (١).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي شيبة (٤/ ٣٠٣) والنسائي في \" الكبرى \" (رقم: ٥٣٨٦) والبزار (رقم: ١٤٦٥) - كشف الأستار) وابن حبان (٩/ ٤٧٢ رقم: ٤١٦٤) والدارقطني (٣/ ٢٣٧) والحاكم (٢/ ١٨٨ - ١٨٩ رقم: ٢٧٦٧) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٢٩١) من طرق عن جعفر بن عون، به، واللفظ لابن أبي شيبة والبزار.","vol":"2","page":758},{"text":"قال البزار: \" لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد، ولا رواه عن ربيعة إلا جعفر \".\nوقال الحاكم: \" حديث صحيح الإسناد \"، فتعقبه الذهبي بجرح ربيعة.\nوكنت اغتررت مدة بكون ربيعة هذا قد أخرج له مسلم في \" الصحيح \" (١) حديثه \" المؤمن القوي \"، من روايته عن محمد بن يحيى بن حبان، محتجًا به، فأجريت أمره على القبول في هذا الحديث.\nوالتحقيق أن تخريج مسلم له لا يصلح الاحتجاج به بإطلاق، فمسلم قد ينتقي من حديث من تكلم فيه وكان الأصل فيه الثقة، فيخرج من حديثه ما تبين له كونه محفوظًا.\nأما هذا الحديث فالشأن كما ذكر البزار من تفرد جعفر به عن ربيعة، وهو إسناد فرد مطلق.\nوربيعة هذا قال يحيى بن معين ومحمد بن سعد: \" ثقة \"، وقال النسائي: \" ليس به بأس \"، لكن قال أبو زرعة الرازي: \" إلى الصدق ما هو، وليس بذاك القوي \"، وقال أبو حاتم الرازي: \" منكر الحديث، يكتب حديثه \" (٢).\nقلت: والجرح إذا بان وجهه وظهر قدحه فهو مقدم على التعديل، كما شرحته في محله من هذا الكتاب، فالرجل أحسن أحواله أن يكون حسن الحديث بعد أن يزول عما يرويه التفرد، فيروي ما يروي غيره، أو يوجد لحديثه أصل من غير طريقه بما يوافقه.\nوليس كذلك في هذا الحديث.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (رقم ٢٦٦٤).\n(٢) انظر ترجمته في \" الجرح والتعديل \" (١/ ٢ / ٤٧٧) و\" الطبقات \" لابن سعد (ص: ٣٩٦ - التتمة) \" وتهذيب الكمال \" (٩/ ١٣٣).","vol":"2","page":759},{"text":"وعلى هذا المعنى يحمل ما روي من حديث أبي حميد وأبي أسيد، أن النبي ﷺ قال: \" إذا سمعتم الحديث عني، تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه \".\nوهذا - فيما أرى - حديث في صحته نظر (١)، ولو صح فمحمله: أن يكون شعور العارف بالسنن المخالط للعلم النبوي، المجتهد في البراءة من الهوى، دليلًا على علة في الرواية، لا يجرؤ على القول بها والطعن على الحديث حتى يقف على وجهها.\n\n* * *\n_________\n(١) جمعت طرقه، وبينت علله في كتابي \" علل الحديث \"، وقد أخرجه أحمد (٢٥/ ٤٥٦ رقم: ١٦٠٥٨ - الرسالة و٥/ ٤٢٥) وابن سعد في \" الطبقات \" (١/ ٣٨٧) والبزار (رقم: ١٨٧ - زوائده) والطحاوي في \" شرح مُشكل الآثار \" (١٥/ ٣٤٤ رقم: ٦٠٦٧) وابن حبان في \" صحيحه \" (رقم ٦٣) وغيرهم.","vol":"2","page":760},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-290>المبحث الثالث:\n\nمقدمات أساسية لكشف العلة الخفية</span>\n\nهذا مبحث معقود لبيان أصول لا بد من مراعاتها قبل تقحم علم تعليل الحديث، إليك بيانها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>المقدمة الأولى: تمييز مراتب الرواة الثقات</span>.\n\nوهذه أعظم المقدمات، وبيانها في نوعين:\n\nالنوع الأول: معرفة مراتب الثقات الذين تدور عليهم الأحاديث الصحيحة وكيف الترجيح بينهم عند اختلافهم.\nوذلك كتمييز أصحاب أبي هريرة، وأصحاب عبد الله بن عمر، وأصحاب نافع مولاه، وأصحاب قتادة عن أنس، وأصحاب ثابت البناني عن أنس، وأصحاب الزهري، وأصحاب الحسن البصري،، وهكذا.\nوهذا طريق معتمد عند أئمة النقاد في علم (علل الحديث) يرجحون بتفاوت حفظ الثقات عمن عليهم مدار الحديث.\n\nوذلك التفاوت على صور:\n\nالأولى: المقارنة بين الثقتين في الرواية عن الشيخ الواحد المعين، كالترجيح بين أصحاب الأعمش إذا اختلفوا عليه.","vol":"2","page":761},{"text":"وذلك كقول عثمان الدارمي: \" سألت يحيى بن معين عن أصحاب الأعمش، قلت: سفيان أحب إليك في الأعمش، أو شعبة؟ فقال: سفيان أحب إلي في الأعمش. قلت: فزهير أحب إليك أم زائدة؟ فقال: كلاهما، يعني: ثبت. قلت: فأبو معاوية أحب إليك فيه أم وكيع؟ فقال: أبو معاوية أعلم به، ووكيع ثقة. قلت: فجرير أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما، قلت: وابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال كلاهما ثقتان، إلا أن ابن إدريس أرفع، وهو ثقة في كل شيء. قلت: فأبو عوانة أحب فيه أو عبد الواحد؟ فقال: أبو عوانة أحب إلي، وعبد الواحد ثقة، قلت: وأبو شهاب أحب إليك فيه أو أبو بكر بن عياش؟ فقال: أبو شهاب أحب إلي من أبي بكر في كل شيء. قلت: فأبو بكر أحب إليك فيه أو أبو الأحوص؟ فقال: ما أقربهما \" (١).\n\nوالثانية: بين الثقات مطلقًا في الرواية عن الشيخ الواحد المعين.\nكقول طائفة من النقاد: \" حماد بن سلمة أثبت الناس في ثابت البناني \" (٢).\nوكقول أحمد بن حنبل: \" كان عبد الملك بن أبي سليمان من الحفاظ، إلا أنه يخالف ابن جريج في أشياء. قال: وابن جريج أثبت عندنا منه. قال: عمرو بن دينار وابن جريج أثبت الناس في عطاء \" (٣).\n\nوالثالثة: بين الثقتين في جملة شيوخهما.\n_________\n(١) تاريخ الدارمي (النص: ٤٧ - ٥٤).\n(٢) قال ذلك أحمد بن حنبل (العلل، النص: ١٧٨٣، ٥١٨٩)، ويحيى بن معين (سؤالات ابن الجنيد، النص: ١٧٢، رواية الدوري النص: ٤٢٩٩، ٤٤٨٣)، وعليُّ بن المديني (الجرح والتعديل ١/ ٢ / ١٤٢)، ومسلم بن الحجاج (التمييز، ص: ٢١٧)، وأبو حاتم الرازي (علل الحديث، رقم ١٢١١، ١٢١٢) وغيرهم، بل حكى مُسلم إجماعَ أئمة الحديث على ذلك.\n(٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٦).","vol":"2","page":762},{"text":"كقول أحمد بن حنبل في (عاصم بن بهدلة): \" ثقة، رجل صالح خير ثقة، والأعمش أحفظ منه \" (١). وسأله ابنه عبد الله عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي عاصم الضحاك بن مخلد: من أثبتهما في الحديث؟ فقال: \" أبو أسامة أثبت من مئة مثل أبي عاصم \" (٢).\nومن هذا الترجيح بين الثقتين في الرواية عن أهل بلدهما، كمنصور بن المعتمر والأعمش في الرواية عن الكوفيين، حيث ذهب كبار النقاد إلى ترجيح منصور، وتنازعوا في روايتهما عن إبراهيم النخعي خاصة، وعلة تقديم منصور كما قال أبو حاتم الرازي: الأعمش حافظ يخلط ويدلس، ومنصورًا أتقن لا يدلس ولا يخلط \" (٣).\nواعلم كذلك أن نقاد المحدثين قد يختلفون في تلك المقارنات النسبية بين الثقات.\nقال أحمد بن حنبل: \" كنت أنا وعلي بن المديني، فذكرنا أثبت من يروي عن الزهري، فقال علي: سفيان بن عيينة، وقلت أنا: مالك بن أنس، وقلت: مالك أقل خطأ عن الزهري، وابن عيينة يخطئ في نحو من عشرين حديثًا عن الزهري، في حديث كذا، وحديث كذا، فذكرت منها ثمانية عشر حديثًا، وقلت: هات ما أخطأ فيه مالك، فجاء بحديثين أو ثلاثة، فرجعت فنظرت فيما أخطأ فيه ابن عيينة، فإذا هي أكثر من عشرين حديثًا \" (٤).\nقلت: فهذه الحكاية تبين طريقة النظر في ترجيح الثقات بعضهم على بعض.\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٩١٨).\n(٢) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٥٩٨٠).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٧٩).\n(٤) العلل ومعرفة الرجال (النص: ٢٥٤٣).","vol":"2","page":763},{"text":"قال مسلم بن الحجاج: \" أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثًا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظًا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم \" (١).\nقلت: ومثاله تمييز طبقات أصحاب الزهري، ولأئمة الحديث فيهم مقارنات ضرورية الأخذ بالاعتبار، لتمييز المحفوظ من حديث الزهري من غيره.\nوقد قسم أبو بكر الحازمي أصحاب الزهري بالنظر إلى جملتهم إلى خمس طبقات (٢)، وتبعه على قسمته غير واحد، منهم ابن رجب الحنبلي (٣)، إليكها بمزيد تهذيب وزيادة:\nالطبقة الأولى: جمعت الحفظ والإتقان وطول الصحبة للزهري، والعلم بحديثه، والضبط له، كمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وعبيد الله بن عمر العمري، محمد بن الوليد الزبيدي، وإبراهيم بن سعد، وصالح بن كيسان، وغيرهم.\nوالطبقة الثانية: أهل حفظ وإتقان، لكن لم تطل صحبتهم للزهري،\n_________\n(١) التمييز (ص: ١٧٢).\n(٢) وذلك في \" شروط الأئمة الخمسة \" (ص: ١٥١ - ١٥٥).\n(٣) في \" شرح علل الترمذي \" (١/ ٣٩٩ - ٤٠٠).","vol":"2","page":764},{"text":"وإنما صحبوه مدة يسيرة، ولم يمارسوا حديثه، وهم في إتقان دون الطبقة الأولى، كالأوزاعي، والليث بن سعد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسليمان بن موسى، ونحوهم.\nوالطبقة الثالثة: لازموا الزهري وصحبوه ورووا عنه، ولكن تكلم في حفظهم، كسفيان بن حسين، وابن أخي الزهري محمد بن عبد الله بن مسلم، ومحمد بن إسحاق، وأبي أويس عبد الله بن عبد الله المدني، وصالح بن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح، ومحمد بن أبي حفصة، وعبد الرحمن بن أبي نمر، وسليمان بن كثير العبدي، وأسامة بن زيد، وجعفر بن برقان، وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد، ونحوهم.\nوالطبقة الرابعة: قوم رووا عن الزهري من غير ملازمة ولا طول صحبة، وهم متكلم فيهم مطلقًا، مثل: إسحاق بن يحيى الكلبي، ومعاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وإبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح، ونحوهم.\nوالطبقة الخامسة: قوم من المتروكين والمجهولين، كالحكم بن عبد الله الأيلي، وبحر بن كنيز السقاء، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، ونحوهم (١).\nومن مثاله في أصحاب قتادة عن أنس، قول أبي بكر البرديجي: \" إذا ورد عليك حديث لسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مروفوعًا، وخالفه هشام وشعبة (٢)، حكم لشعبة وهشام على سعيد، وإذا روى حماد بن سلمة\n_________\n(١) وانظر عبارات الأئمة في المقارنة بين أصحاب الزهري فيما جمعه ابن رجب في \" شرح العلل \" (٢/ ٤٧٨ - ٤٨٦).\n(٢) هشامُ، هو ابن أبي عبد الله الدستوائي، وشعبة هوَ ابن الحجاج.","vol":"2","page":765},{"text":"وهمام وأبان (١) ونحوهم من الشيوخ عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ حديثًا وخالف سعيد أو هشام أو شعبة، كان القول قول هشام وسعيد وشعبة على الانفراد، فإذا اتفقوا هؤلاء الأولون، وهم: همام بن يحيى وأبان وحماد بن سلمة، على حديث مرفوع، وخالفهم شعبة وهشام وسعيد، أو شعبة وحده، أو هشام وحده، أو سعيد وحده، توقف عن الحديث؛ لأن هؤلاء الثلاثة: شعبة وسعيد وهشام (٢) أثبت من همام وأبان وحماد \" (٣).\n\nالنوع الثاني: معرفة من هو ثقة في حال فيقبل حديثه، مجروح في حال فيرد حديثه.\n\nوهم أقسام ثلاثة (٤):\n\nأولها: من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض.\nكالمختلطين للكبر، كسعيد بن أبي عروبة، وسعيد بن إياس الجريري، وعطاء بن السائب.\nومن تغير حفظه بأخرة، كأبي حمزة محمد بن ميمون السكري، بعدما ذهب بصره.\nومن ساء حفظه لكنه صحيح الكتاب، كعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وشريك بن عبد الله النخعي.\n\nوثانيها: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وهو ثلاثة أصناف:\n\nالأول: من حدث في مكان ليس معه فيه كتابه فخلط، وحدث في مكان آخر فضبط.\n_________\n(١) همام هو ابن يحيى، وأبان هو ابن يزيد العطَّار.\n(٢) القياس في العبارة النصب، لكن أهمِلتْ (سعيد) من ألف النصب، فضبطْت الجميع بالرفع على تقدير المبتدأ.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٩٠٤) وإسناده صحيح.\n(٤) هذه القسمة لابن رجب في \" شرح العلل \" (٢/ ٥٢٢ وما يليها) ولخَّصتها في التالي.","vol":"2","page":766},{"text":"مثل معمر بن راشد في لين حديثه بالبصرة، وقوته باليمن.\nوالثاني: من حدث عن أهل بلد اعتنى بحديثه عنهم فأتقنه، وعن آخرين فلم يضبطه.\nكإسماعيل بن عياش الشامي، فإنه ثقة إذا روى عن أهل بلده، ضعيف في غيرهم.\nوالثالث: من حدث عنه أهل بلد فضبطوا، وأهل بلد آخر فلم يضبطوا.\nكزهير بن محمد التميمي، فإنه ثقة إذا حدث عنه أهل العراق، ضعيف إذا حدث عنه أهل الشام.\n\nوثالثها: من كان ثقة في بعض شيوخه، ضعيفًا في آخرين.\nكجعفر بن برقان في روايته عن الزهري خاصة، فهي ضعيفة، وهو ثقة في غيره.\nوسماك بن حرب عن عكرمة خاصة ضعيف، ثقة في غيره.\nوجرير بن حازم عن قتادة ويحيى الأنصاري في حديثه عنهما خطأ ولين، ثقة حجة عن غيرهما.\nومما يشبه هذا صور:\nأولها: من كان رأسا في الحفظ، لكن في حفظ حديث الكبار، فإذا نزل للرواية عن الصغار والأقران لم يتقن.\nكالأعمش، إذا روى عن مثل الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت وأبي إسحاق السبيعي.\nثانيها: من كان إذا جمع رواياته عن الشيوخ لم يتقن، وإذا أفردها أتقنها.\nكعطاء بن السائب.","vol":"2","page":767},{"text":"ثالثها: من كان يحدث عن شيخ مجروح فيسميه باسم ثقة، وهمًا.\nكما وقع لأبي أسامة في روايته عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم)، وهو ضعيف، فيقول فيه: (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر)، وهذا ثقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المقدمة الثانية: حفظ الأسانيد المعروفة الصحة، والأسانيد المعللة</span>.\nوذلك يستفاد بطريقين: فتارة بتصريح أهل المعرفة، وتارة: بالممارسة لهذا الفن.\nكالذي قالوا فيه: أصح الأسانيد كذا، ويقابله: أوهى الأسانيد، والدرجات التي بين ذلك.\nوالأنموذج المفيد في تمييز أصح الأسانيد: كتاب \" تقريب الأسانيد \" للحافظ زين الدين أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى سنة: ٨٠٦)، فقد بناه على أصح الأسانيد التي هي موازين الحديث الصحيح.\nوهذا تلخيص لتلك الأسانيد بحسب الصحابة:\n١ - أصحاب نافع مولى ابن عمر، عنه، عن عبد الله بن عمر.\n٢ - أبو الزناد عبد الله بن ذكوان، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\n٣ - أصحاب القاسم بن محمد، عنه، عن عائشة.\n٤ - أصحاب الزهري، عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه.\nوعنه، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nوعنه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.\nوعنه، عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس.\nوعنه، عن أنس بن مالك.\n٥ - أصحاب قتادة بن دعامة السدوسي، عنه، عن أنس.","vol":"2","page":768},{"text":"٦ - أصحاب ثابت البناني، عنه، عن أنس.\n٧ - أصحاب محمد بن سيرين، عنه، عن أبي هريرة.\nوعنه، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب.\n٨ - أصحاب إبراهيم النخعي، عنه، عن علقمة، (أو الأسود)، عن عبد الله بن مسعود.\n٩ - أصحاب سعيد المقبري، عنه، عن أبي هريرة.\n١٠ - أصحاب أبي سلمة بن عبد الرحمن، عنه، عن أبي هريرة.\n١١ - أصحاب عمرو بن دينار، عنه عن جابر بن عبد الله.\n١٢ - أصحاب محمد بن المنكدر، عنه عن جابر بن عبد الله.\n١٣ - أصحاب يزيد بن أبي حبيب، عنه، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر.\nوهكذا.\nومن ذلك معرفة الأسانيد التي دارت عليها الأحاديث الصحيحة، وشاعت واشتهرت، كثابت البناني عن أنس، يقابلها الأسانيد الواهية كأبان بن أبي عياش عن أنس.\nقال علي بن المديني: \" لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح، وروى عنه حميد شيئًا، فأما جعفر فأكثر عن ثابت وكتب مراسيل، وكان فيها أحاديث مناكير. . وفي أحاديث معمر عن ثابت أحاديث غرائب ومنكرة، جعل: ثابت عن أنس أن النبي صل الله عليه وسلم كان كذا، شيء ذكره، وإنما هذا حديث أبان بن أبي عياش عن أنس \" (١).\n_________\n(١) العلل، لابن المديني (ص: ٧٢) حُميدٌ في السياق هو الطويل، وجعفرٌ هوَ ابن سليمان، ومَعْمرٌ هوَ ابنُ راشدٍ.","vol":"2","page":769},{"text":"وقال ابن المديني: \" أحاديث هشام عن الحسن عامتها تدور على حوشب، وأما أحاديثه عن محمد فصحاح \" (١).\nوبين ابن المديني من دارت عليهم الأحاديث في الأمصار الإسلامية، ومن انتهت إليهم، وخلاصة ذلك فيما يلي:\nالإسناد يدور على ستة: لأهل المدينة: ابن شهاب الزهري، ولأهل مكة: عمرو بن دينار، ولأهل البصرة: قتادة بن دعامة السدوسي، ويحيى بن أبي كثير، ولأهل الكوفة: أبي إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش.\nثم صار علم هؤلاء الستة إلى: لأهل المدينة: مالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق، ولأهل مكة: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وسفيان بن عيينة، ولأهل البصرة: سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وأبي عوانة، وشعبة بن الحجاج، ومعمر بن راشد، ولأهل الكوفة: سفيان بن سعيد الثوري، ولأهل الشام: الأوزاعي: ولأهل واسط: هشيم بن بشير.\nثم انتهى علم هؤلاء إلى: يحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم (٢).\nفتمييز النقلة بمثل هذا من أسس تمييز علل الحديث، إذ هذه مقاييس يميز بها حفظ الراوي وخطؤه، أي يقوم إسناد هؤلاء مقام الميزان لسائر من يشاركهم الرواية بمثل تلك الأسانيد، موافقة ومخالفة.\n_________\n(١) العلل، لابن المديني (ص: ٦٣). وهشام هو ابن حسان، والحسن هو البصري، وحوشبٌ هو ابنُ مسلم من أصحاب الحسن، ومُحمد هو ابنُ سيرين.\n(٢) العلل، لابن المديني (ص: ٣٦ - ٤٠) .......","vol":"2","page":770},{"text":"وأمثلة ذلك كثيرة في علل الحديث.\nونقربه بالمثالين التاليين.\nالأول: روى عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس:\nأنه رأى النبي ﷺ نام وهو ساجد، حتى غط أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت. قال: \" إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعًا؛ فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله \" (١).\nقلت: وهذا حديث معلول عند جميع الحفاظ، كأحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود والترمذي وابن عدي والدارقطني وغيرهم، وما شذ عنهم أحد فقواه إلا ابن جرير الطبري، والعلة فيه تعود إلى وجوه (٢)، لكن ما نعنيه منها هنا: أن الدالاني في حفظه ضعف، وقد جاء عن قتادة بما لم يأت به أصحاب قتادة المعروفون به والمعتنون بحديثه، من الثقات المتقنين، لذا قال أبو داود السجستاني: ذكرت حديث يزيد الدالاني لأحمد بن حنبل، فانتهرني؛ استعظامًا له، وقال: \" ما ليزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ \"، ولم يعبأ بالحديث (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \" مصنفه \" (١/ ١٣٢) - وعنه: أحمد في \" المسند \" وابنه عبد الله (٤/ ١٦٠ رقم ٢٣١٥) وأبو يعلى (٤/ ٣٦٩ رقم: ٢٤٨٧) - وعَبد بن حميد (رقم: ٦٥٩) وأبو داود (رقم: ٢٠٢) - ومن طريقه: البيهقي في \" المعرفة \" (١/ ٣٦١) - والترمذي في \" الجامع \" (رقم: ٧٧) و\" العلل الكبير \" (١/ ١٤٨) والطحاوي في \" شرح المشكل \" (٩/ ٤٩ رقم ٣٤٢٩) والطبراني في \" الكبير \" (١٢/ ١٥٧ رقم: ١٢٧٤٨) وابنُ عدِي في \" الكامل \" (٩/ ١٦٦) والدارقطني في \" سننه \" (١/ ٢٥٩ - ١٦٠) وابن شاهين في \" ناسخ الحديث ومنسوخه \" (رقم: ١٩٥) والبيهقي في \" السنن \" (١/ ١٢١) و\" الخلافيات \" (رقم: ٤٠٢) من طُرق عن عبد السلام، به.\n(٢) كما شرحت ذلك في كتاب \" علل الحديث \".\n(٣) ذكر ذلك عقب رواية الحديث في \" السنن \"، وبنحوه كذلك في \" مسائل الإمام أحمد \" رواية أبي داود (ص: ٣٥٥).","vol":"2","page":771},{"text":"والمثال الثاني: روى قران بن تمام، عن أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار العامري، قال: \" رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت على ناقته، ويستلم الحجر بمحجنه \" (١).\nقال أبو حاتم الرازي: \" لم يرو هذا الحديث عن أيمن إلا قران، ولا أراه محفوظًا، أين كان أصحاب أيمن بن نابل عن هذا الحديث؟ \" (٢).\nومن الأصول في هذا الباب أيضًا: معرفة النسخ التي تروى بها الأحاديث الكثيرة، وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، ثم استعمال كشف علل الاختلاف فيها بحسب مراتب رواة تلك النسخ عن أصحابها، وذلك مثل:\nنسخة سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن جده.\nونسخة بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.\nونسخة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\nوهذه النسخ من حيث الجملة ثابتة من صاحب النسخة إلى منتهى الإسناد، والنظر في عللها من جهة أصحاب سهيل وبهز وعمرو، في مواضع اتفاقهم واختلافهم وانفرادهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>المقدمة الثالثة: تمييز المراسيل، ومن كان معروفًا بالإرسال </span>من الرواة، وتبين مواضع سماعهم من عدمه.\n\nويدل على الطريق: معرفة الفرق بين التدليس والإرسال، ومعرفة تواريخ الرواة.\n_________\n(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" زَوائد المسند \" (٢٤/ ١٣٨ - ١٣٩ رقم ١٥٤١٤) وأبو يعلى (٢/ ٢٢٩ رقم: ٩٢٨) والفاكهي في \" تاريخ مكة \" (رقم: ٤٦٩) وابن قانع في \" معجم الصحابة \" (٢/ ٣٥٨) والطبراني في \" الأوسط \" (٩/ ١٤ - ١٥ رقم: ٨٠٢٤) و\" الكبير \" (١٩/ ٣٨ رقم: ٨٠) وابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ١٤٧) وأبو نعيم في \" معرفة الصحابة \" (٤/ ٢٣٤٨ رقم ٥٧٧١) من طرق عن قرَّان، به.\nوالمِحجن: عصا معقوفة الرأس.\n(٢) علل الحديث (رقم: ٨٨٦) .......","vol":"2","page":772},{"text":"ومما ينبه عليه من هذا على التعيين أمور ثلاثة:\n\nأولها: أن يكشف الغلط في التصريح بالسماع من الثقة، وأن الصواب الإرسال، وهذا من أغمضها.\n\nمثل: سماع محمد بن كعب القرظي من ابن مسعود، والحسن البصري من أبي هريرة.\nومن مثاله في روايات الثقات:\nما رواه أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن صفوان بن عمرو، عن يحيى بن جابر الطائي، قال: سمعت النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم؟ قال: \" البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يعلمه الناس \" (١).\nقال أبو حاتم الرازي: \" هذا حديث خطأ، لم يلق ابن جابر النواس \".\nقال ابن أبي حاتم: \" الخطأ يدل أنه من أبي المغيرة فيما قال: (سمعت النواس)، وذلك أن إسماعيل بن عياش روى عن صفوان بن عمرو عن يحيى بن جابر عن النواس، لم يذكر السماع، فيحتمل أن يكون أرسله، ويحيى بن جابر كان قاضي حمص، يروي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن النواس \" (٢).\nقلت: وكذلك وقع في بعض الرواية عن أبي المغيرة على مثل ما ذكره ابن أبي حاتم عن ابن عياش (٣)، وتابع ابن عياش على روايته كذلك:\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم الرازي في \" علل الحديث \" (رقم: ١٨٤٩) والطبراني في \" مُسند الشاميين \" (رقم: ٩٨٠) والبيهقي في \" الشعب \" (٥/ ٤٥٧ رقم: ٧٢٧٣) من طرق عن أبي المغيرة، بذكْر السماع بين يحيى بن جابر والنواس.\n(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٨٤٩).\n(٣) أخرجه أحمد (٢٩/ ١٨٠ رقم ١٧٦٣٢) والدارمي (رقم: ٢٦٨٧) كلاهما عن أبي المغيرة بالعنعنة.","vol":"2","page":773},{"text":"أبو اليمان الحكم بن نافع (١)، وروى الحديث معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه، عن النواس، فكان دليلًا آخر على أن يحيى بن جابر أرسله؛ لما عرف من روايته عن النواس بواسطة (٢).\n\nوثانيها: الانقطاع في محل قامت القرائن على قوة الاتصال فيه، كالإدراك والقدم واحتمال اللقاء.\nكرواية سعيد بن المسيب عن أنس.\nومما ينبغي التنبه له هنا أيضًا: أن لا تغتر بترجيح الاتصال في موضع بينوا فيه الإرسال، استدلالًا بتصحيح بعض أهل العلم حديثًا جاء من ذلك الوجه، كما يقع بعض ما يصححه الترمذي، وإن كان قليلًا.\n\nوثالثها: ملاحظة الرواة الذين سمعوا من بعض الشيوخ حديثًا أو عددًا، ولم يسمعوا منهم ما سواها.\n\nكرواية الحكم بن عتيبة عن مقسم.\nويلاحظ في هذا: من سمع يسيرًا، وأخذ ما سواه إجازة أو وجادة، كالحسن البصري عن سمرة بن جندب، وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله، ولا أعني بذلك تسليم وقوف الإرسال هنا؛ لما قدمت في الكلام على (ركن\n_________\n(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٣٣٩) والطبراني في \" مسند الشاميين (رقم: ٩٨٠) وابن قانع في \" معجم الصحابة \" (٣/ ١٦٣) والبيهقي في \" الشعب \" (٦/ ٢٣٦ رقم ٧٩٩٥).\nقلت: عطف الطبراني رواية أبي المغيرة بذكر سماع يحيى بن جابر من النواس على رواية أبي اليمان، فقال: (حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو اليمان، ح، وحدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، حدثنا أبو المغيرة، قالا: حدثنا صفوان ..).\nفحمل سِياق أبي اليمان على سياق أبي المغيرة، وذكْر السماع إنما هو في رواية أبي المغيرة، ولذا، فإن من أخرجه عن أبي اليمان مُفردًا لا يذكر فيه سَماعًا بين يحيى بن جابر والنواس.\n(٢) شرحت علة هذه الرواية بذكْر السماع في كتاب \" علل الحديث \" .......","vol":"2","page":774},{"text":"الاتصال) أن الرواية بهذا الطريق متصلة، وإنما نبهت عليه ليلاحظ في كلام نقاد الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>المقدمة الرابعة: تمييز ما يدخل على أحاديث بعض الثقات، وهمًا أو تعمدًا</span>.\n\nمثل: ما حكاه ابن حاتم الرازي، قال سألت أبي عن حديث رواه أبو عقيل بن حاجب (٢)، عن عبد الرزاق، عن سعيد بن قماذين (٣)، عن عثمان بن أبي سليمان، عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن حبشي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" لا تطرقوا الطير في أوكارها؛ فإن الليل أمان لها \"؟\nفقال أبو حاتم: \" يقال: إن هذا الحديث مما أدخله على عبد الرزاق، وهو حديث موضوع \" (٤).\nقلت: والعلة فيما حكاه أبو حاتم أن عبد الرزاق الصنعاني، وهو ثقة حافظ، قد ذهب بصره بعدما كبر، فصاروا يلقنونه ما ليس من حديثه الذي في كتبه، فيتلقن، فلقن أحاديث موضوعة.\nوهكذا كل ثقة كان يقبل التلقين بأخرة، كالذي جاء أيضًا عن سويد بن سعيد الحدثاني، وعثمان بن صالح بن صفوان المصري، وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد، وعليه محمل ما روي عنهم من المنكرات بالأسانيد النظيفة.\nوصح عن بسر بن سعيد، قال: \" اتقوا الله وتحفظوا من الحديث،\n_________\n(١) وانظر ما سيأتي في (المقدمة الحادية عشرة).\n(٢) واسمه مُحمد بن حاجب، يُلقَّب ب (شاه) المروزي، صدوق.\n(٣) هو سعيد بن مسلم بن قماذين اليماني.\n(٤) علل الحديث (٢/ ٤٨) .......","vol":"2","page":775},{"text":"فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله ﷺ، ويحدثنا عن كعب (١)، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا بجعل حديث رسول الله ﷺ عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله ﷺ (٢).\nوقد يقع مثل هذا بسبب تدليس التسوية (٣).\nكما قال الهيثم بن خارجة: قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة، وقرة، وغيرهما، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء، وهؤلاء ضعفاء، أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، فلم يلتفت إلى قولي (٤).\nقلت: فأحاديث الضعفاء تدخل على الثقة بمثل هذا، فتفطن إليه، ولاحظ له المقدمة التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>المقدمة الخامسة: تمييز التدليس، ومعرفة ما يقع من بعض الثقات من تدليس الأسماء</span>.\n\nوفيه أصول:\nأولها: تمييز من عرف بالتدليس عن المجروحين والمجهولين.\nثانيها: تمييز من اشتهر بالتدليس وكثر منه، فيطلب سماعه.\n_________\n(١) يعني كعْب الأحبار.\n(٢) أخرجه مسلم في \" التمييز \" (ص: ١٧٥) وإسناده صحيح.\n(٣) سيأتي بيانُ معناه في (القسم الثاني) من هذا الكتاب.\n(٤) أخرجه ابن عساكر في \" تاريخه \" (٦٣/ ٢٩١ - ٢٩٢) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":776},{"text":"وثالثها: تمييز المقلين من التدليس، وإسقاط تأثير الوصف بالتدليس في حديثهم، ما لم يثبت التدليس في حديث بعينه.\nرابعها: تمييز ما لم يدلس فيه المدلس مع عدم ذكره للسماع.\nكرواية يحيى القطان عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة (١)، وروايته عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر الشعبي (٢).\nخامسها: تمييز من كان يدلس، لكنه لا يدلس عن بعض الشيوخ.\nسادسها: تمييز ما أطلق من وصف (التدليس) على الراوي وأريد به الإرسال، ظاهرًا كان أو خفيا.\nفي تفصيل تبينه مما يأتي في الكلام على (الحديث المدلس).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>المقدمة السادسة: تمييز بلدان الرواة، ومعرفة ما يتفردون به من السنن</span>.\n\nفما من أهل مصر من الأمصار الكبرى في صدر الإسلام بعد انتشار الصحابة في البلاد إلا ووقع لهم من السنن التي ليست لغيرهم، يرويها أهل تلك البلاد بأسانيدهم.\nفأهل المدينة أعلم بالسنن عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (١/ ٢٤١).\n(٢) أخرج ذلك أحمد في \" العلل \" (النص: ١٢١٨، ٣٥٦٧، ٤٣٢٠)، وكذلك نقل عليُّ بن المديني عن يحيى القطان، كما في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٧٥). وفي \" جامع التحصيل \" للعلائي (ص: ١٧٣) استثناءُ خمس روايات: خبر المغيرة بن شعبة في شأن الثلاثة الذين شهدوا عليه، وقول للشعبي في الجراحات، وشِعر يُروى عن أيمن بن خُريم، وخبر عن الشعبي في رجل خيَّر امرأته، والخامسة عن علي في رجل تزوَّج امرأة على أن يعتق أباها. والخبران الأخيران خاف يحيى أن لا يكون إسماعيل سمعهما من الشعبي .......","vol":"2","page":777},{"text":"الخدري وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأهل مكة أعلم بالسنن التي نقلها عبد الله بن عباس، وأهل الكوفة بالسنن التي نقلها علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وأهل البصرة بالسنن التي نقلها أنس بن مالك، وأهل الشام بالسنن التي نقلها معاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأهل مصر بالسنن التي نقلها عبد الله بن عمر بن العاص، وأهل مرو بالسنن التي نقلها بريدة الأسلمي، وهكذا.\nفإذا روى المدني سنة عن ابن مسعود ليست عند أهل الكوفة، أو الكوفي سنة عن ابن عمر ليست عند أهل المدينة، كان ذلك عند الناقد شبهة وعلامة على العلة.\nولا طريق إلى معرفة هذا دون تمييز هذه المقدمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>المقدمة السابعة: تمييز المتشابه من الأسماء والكنى والألقاب</span>.\n\nوقد بينت أهمية هذا النوع من العلم للكشف عن حقيقة الراوي، إذ الاشتباه قد يصير الحديث الواهي صحيحًا، كأن يجد الطالب حديثًا يأتي في إسناده (عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير) فيفسره على أنه (عبد الكريم بن مالك الجزري) وهو ثقة، فيقضي بصحة الإسناد، وحقيقته (عبد الكريم بن أبي المخارق) وهو واه متروك.\nوتأمل أثر ذلك في المثال التالي: ......\nروى الفضل بن موسى السيناني، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \" وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن \"، فقام رجل من القوم فاتخذه، فجاء به، فقال: \" في أي شيء كان هذا؟ \"، قال: في عكة ضب، قال: \" ارفعه \" (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (رقم: ٣٨١٨) وابن ماجة (رقم: ٣٣٤١) والطحاوي في \" شرح المعاني \" (٤/ ١٩٩) والعقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ٢٥١) والبيهقي في\" الكبرى \" (٩/ ٣٢٦) و\" الشعب \" (٥/ ١١٣ رقم: ٦٠٠٢) من طرُق عن الفضل بن موسى، به.\nوأخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (١٠/ ٢٣٤ رقم ١٥٠٧٨) من طريق أبي تُراب عسْكر بن الحصين النخشبيِّ الزاهد، حدثنا نُعيم بن حماد ومعاذ بن أسد، قالا: عن الفضل، به.\n\nلكنه قال: (أيوب السختياني)، وقد رواه الطحاوي من طريقين آخرين عن نعيم بن حماد، والعقيلي من طريق آخر عن معاذ بن أسد (تحرف إلى راشد)، ولم يذْكرا (السختياني)، فزيادته وهْمٌ من أبي تراب، أو إدراج ممن دونه.","vol":"2","page":778},{"text":"قلت: هذا الحديث بإسناد إذا نظره الطالب قال: هذا إسناد نظيف، جميع رجاله ثقات لا يعرفون بتدليس، وأيوب عن نافع عن ابن عمر من أصح الأسانيد، إذ أيوب إذا جاء في مثل هذا الإسناد فهو السختياني الإمام الثقة الحافظ.\nلكن أئمة الشأن ردوه وأنكروه:\nفمنهم من حمل فيه على حسين بن واقد، كما قال الثقة أحمد بن أصرم: سمعت أحمد بن حنبل، وقيل له في حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ في الملبقة؟ فأنكره أبو عبد الله، وقال: \" من روى هذا؟ \"، قيل له: الحسين بن واقد، فقال بيده، وحرك رأسه، كأنه لم يرضه (١).\nومنهم من قال: أيوب هذا ليس بالسختياني. كما قال أبو داود بعد أن أخرج الحديث: \" هذا حديث منكر، وأيوب ليس هو السختياني \".\nومنهم من عين أن أيوب هذا هو أيوب بن خوط أحد المتروكين الهلكى، ووجدوا حسين بن واقد يروي عنه كما يروي عن السختياني، فدخلت الشبهة من الاشتراك.\nفسأل ابن أبي حاتم أباه عن الحديث؟ فقال: \" هذا حديث باطل، ولا يشبه أن يكون من حديث أيوب السختياني، ويشبه أن يكون من حديث أيوب بن خوط \".\n_________\n(١) أخرجه العقيلي (١/ ٢٥١).","vol":"2","page":779},{"text":"قال ابن أبي حاتم: قلت: فأيوب بن خوط، يروي عن نافع؟ قال: \" نعم، وهو متروك الحديث \"، قلت: فحسين بن واقد، روى عن أيوب بن خوط شيئًا؟ قال: \" لا أدري \" (١).\nقلت: وفي \" الجرح والتعديل \" ذكر أبو حاتم أن ابن خوط هذا روى عن نافع، وروى عنه حسين بن واقد (٢).\nولابن حبان كلمة فصل في (الحسين بن واقد)، قال: \" ربما أخطأ في الروايات، وقد كتب عن أيوب السختياني، وأيوب بن خوط، جميعًا، فكل حديث منكر عنده عن أيوب عن نافع عن ابن عمر، إنما هو أيوب بن خوط، وليس بأيوب السختياني \" (٣).\nقلت: فتطابقت كلمات النقاد في إنكار الحديث حيث لم يكن عند أحد من أصحاب أيوب السختياني المتقن الحافظ المكثر، ووجدوه من باب أحديث ابن خوط المتروك، فتعين التفسير للإهمال به، استدلالًا بما ظهر من نكارة الحديث، وبما اعتضد به ثقة حسين بن واقد في سائر حديثه، مع ما قام من الدليل عند بعضهم أن حسينًا روى عن الرجلين.\nفتأمل مادل عليه اعتبار توضيح المشتبه في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>المقدمة الثامنة: تمييز المقلين من الرواة والمكثرين</span>.\n\nوهذا الأصل معتبر في الصحابة فمن بعدهم من الرواة.\nفأما في الصحابة ففائدته معرفة من عليهم مدار السنن، وأن لا يستغرب أن يوجد عند المكثر من أفراد الحديث ما ليس عند غيره، كأبي هريرة في كثرة ما روى، حتى ندر من الأبواب ما لا توجد له فيه رواية.\n_________\n(١) علل الحديث (٢/ ١٩ رقم: ١٥٣١).\n(٢) انْظر: \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٤٦) .......\n(٣) الثقات (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠).","vol":"2","page":780},{"text":"بينما ترى الرواية عن الخلفاء الراشدين مثلًا قليلة.\nقال علي بن المديني: \" أحاديث أبي بكر عن النبي ﷺ الصحيحة قليلة \" (١).\nوالأحاديث عن علي بن أبي طالب مع تأخره عنهم أيضًا قليلة، وأكثر ما ينسب أو يروي عنه من الحديث لا يصح.\nكذلك الصحابي لا يعرف له إلا الحديث الواحد أو الأحاديث اليسيرة، فإن روي عنه الشيء غيره كان ذلك المروي عند الناقد محلًا للنظر.\nوأما غير الصحابة، فالزهري مثلًا في كثرة حديثه لا ينكر له التفرد، بينما الراوي لا يروي إلا القليل، يروي ما لا يشارك فيه فهو محل نظر، وإن كان ثقة، فقلة حديثه تنبئ عن ضعف اهتمامه بالنقل، وإن كان اكتسب ثقته من أجل عدم ظهور وجه القدح فيه في نفسه وفي شيء مما رواه، إلا أن حال مثله حال في قلة الحديث توجب تحريًا لإثبات حفظه لما رواه.\nولذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيرًا على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>المقدمة التاسعة: تمييز أصح ما يروى في الباب</span>.\n\nومن هذا قولهم: (أصح شيء في الباب حديث فلان) أو (حديث كذا)، وهو كثير في الأبواب التي وردت فيها الأحاديث المختلفة.\nكقول أحمد بن حنبل في حديث ثوبان: \" أفطر الحاجم والمحجوم \": \" هو أصح ما روي في هذا الباب \" (٢).\n_________\n(١) التاريخ وأسماء المحدثين، للمقدمي (ص: ١٦١) .......\n(٢) أخرجه الحاكم في \" المستدرك \" (١/ ٤٢٧ بعد رقم: ١٥٥٩) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":781},{"text":"وقال علي بن المديني في حديث رافع بن خديج في ذلك: \" لا أعلم في الحاجم والمحجوم حديثًا أصح من هذا \" (١).\nوقال البخاري في أحاديث الوضوء من مس الذكر: \" أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة \" (٢).\nوقال الترمذي في حديث عبد الله بن زيد في مسح الرأس في الوضوء: \" أصح شيء في هذا الباب وأحسن \" (٣)، وله مثل هذا نظائر أخرى.\nهذه العبارة لا تفيد صحة الحديث عند قائلها، لكن فائدتها أن جميع ما سوى ذلك الحديث عند الناقد صاحب العبارة فهو دونه في القوة، ففيها إذا الإشارة إلى منزلة سائر الأحاديث في الباب.\nوالناقد يقول العبارة فيه قد يخالفه فيها غيره من النقاد، كما بين عبارة أحمد بن حنبل وابن المديني في شأن أصح شيء في الحاجم والمحجوم، إذ كل منهما قال غير مقالة الآخر، ولكن المقصود أن يحيط المعتني بتمييز علل الحديث بمثل هذا كما يحيط بأقاويلهم في بيان أحوال النقلة، ويعمل على تحرير الراجح منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>المقدمة العاشرة: تمييز الأبواب التي لا يثبت فيها حديث</span>.\n\nهذا أصل خصه بالتصنيف بعض الحفاظ، كالحافظ عمر بن بدر الموصلي (المتوفى سنة: ٦٢٢) في كتاب \" المغني عن الحفظ والكتاب، في قولهم: لا يصح شيء في هذا الباب \".\nوهذا باب يدخله اجتهاد، ويرجع إلى قدر إحاطة العلم بطرق الأحاديث، لكن العبارة فيه إذا كانت من مقدمي أئمة هذا العلم، فقلما تترك سبيلًا للتعقب بضدها.\n_________\n(١) أخرجه الحاكم (١/ ٤٢٨ بعد رقم: ١٥٦١) وإسناده صحيح.\n(٢) نقله الترمذي في \" الجامع \" (بعد الحديث: ٨٤).\n(٣) الجامع (رقم: ٣٢) .......","vol":"2","page":782},{"text":"وفي كلام الأئمة النقاد كثير من العبارات في ذلك، من أمثلتها:\n١_ البسملة عند الوضوء.\nقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: فما وجه قوله: \" لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه \"، قال: \" فيه أحاديث ليست بذاك، وقال الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، فلا أوجب عليه، وهذا التنزيل، ولم تثبت سنة \" (١).\n٢ - الغسل من غسل الميت.\nقال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد (يعني ابن حنبل) ذكر فيمن غسل ميتًا فليغتسل؟ فقال: \" ليس يثبت فيه حديث \" (٢).\nوهكذا نقل البخاري عن أحمد وعلي بن المديني قالا: \" لا يصح من هذا الباب شيء \" (٣).\n٣ - زكاة العسل.\nقال البخاري: \" ليس في زكاة العسل شيء يصح \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>المقدمة الحادية عشرة: تفقد صيغ التحمل والأداء</span>، كالسماع والإجازة والعنعنة والوجادة.\n\nفقد يقوم الدليل على خطأ ذكر السماع في أي محل من الإسناد، كما أن طائفة من العلماء أعلت بالرواية ببعض هذه الطرق، كالوجادة.\n_________\n(١) تاريخ أبي زُرعة الدمشقي (١/ ٦٣١ - ٦٣٢).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٩).\n(٣) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٤٠٢).\n(٤) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣١٢) .......","vol":"2","page":783},{"text":"كما قال أحمد بن صالح المصري في (عطاء بن دينار): \" هو من ثقات أهل مصر، وتفسيره فيما يروي عن سعيد بن جبير صحيفة، وليست له دلالة على أنه سمع من سعيد بن جبير \"، وقال أبو حاتم الرازي: \" صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير \" (١).\nوقد بينت ما يتصل بذلك وما يقبل وما لا يقبل منه في محله من هذا الكتاب، وإنما المقصود أن يعتبر الباحث عن علل الحديث هذه الطرق، وصحتها حيث ترد.\nوتفطن منها إلى العنعنة، فإن الثقة قد يروي الحديث بها، ولا يذكر بالتدليس، لكنها مظنة للإرسال، فتأمل ذلك واستقصه، حتى تنتفي مظنته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>المقدمة الثانية عشرة: تمييز الإدراج للألفاظ في سياقات المتون</span>.\n\nوهذا يتبين بالاعتناء بجمع ألفاظ الحديث عند استقصائه من محال تخريجه، وجمع متابعاته، فذلك طريق كشف زيادات الرواة، واستظهار القرائن الدالة على الإدراج.\nوهو أمر يهمله أغلب المتعرضين لعلم الحديث من المتأخرين، وخصوصًا المعاصرين، مع أن تحرير المتون هو الغاية من النظر في الأسانيد.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٣٣٢) .......","vol":"2","page":784},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>القسم الثاني\n\nأصناف الحديث\nمن جهة القبول والرد</span>","vol":"2","page":785},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الباب الأول\n\nالحديث المقبول</span>","vol":"2","page":787},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>الفصل الأول\n\nالحديث الصحيح</span>","vol":"2","page":789},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>المبحث الأول\n\nتعريف الحديث الصحيح</span>\n\nالمتحرر في تعريف الحديث الصحيح من مجموع عبارات المتقدمين واستعمالهم، هو:\n\nالحديث الذي يجمع الشروط الأربعة التالية:\n\nالأول: اتصال السند.\n\nوالثاني: عدالة الرواة.\n\nوالثالث: ضبط الرواة.\n\nوالرابع: السلامة من العلل المؤثرة.\nوجرى المتأخرون على جعل نفي الشذوذ شرطًا مستقلًا غير نفي العلة، والتحقيق: أنه صورة من صور العلل المؤثرة، وأئمة النقاد في هذا الفن أعلوا بالشذوذ في معنى التعليل بسائر العلل غير الظاهرة.\nوالحديث إذا حقق الشروط المتقدمة مجتمعة فهو (الحديث الصحيح لذاته)، وإن تخلف شرط فلا يوصف بالصحة.","vol":"2","page":791},{"text":"ومن عبارات الأئمة المتقدمين في تعريف الحديث الصحيح ما يلي: ١ - قال الشافعي: \" ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:\nمنها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه.\nمعروفًا بالصدق في حديثه.\nعاقلًا لما يحدث به.\nعالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ.\nوأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على المعنى؛ لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.\nحافظًا إذا حدث به من حفظه.\nحافظًا لكتابه إذا حدث من كتابه.\nإذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.\nبريا من أن يكون مدلسًا: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي ﷺ ما يحدث الثقات خلافه عن النبي ﷺ.\nويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولًا إلى النبي ﷺ، أو إلى من انتهي به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغني في كل واحد منهم عما وصفت \" (١).\n٢_ وقال أبو بكر الحميدي: \" فإن قال قائل فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله ﷺ ويلزمنا الحجة به؟\n_________\n(١) الرسالة (النص: ١٠٠٠ - ١٠٠٢) .......","vol":"2","page":792},{"text":"قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله ﷺ، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته، وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي ﷺ، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: (سمعت) أو: (حدثنا) حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع؛ لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا، مدركًا لمن روى ذلك عنه.\nمثل شاهدين شهدا عند حاكم على شهادة شاهدين، يعرف الحاكم عدالة اللذين شهدا عنده، ولم يعرف عدالة من شهدا على شهادته، فعليه إجازة شهادتهما على شهادة من شهدا عليه، ولا يقف عن الحكم بجهالته بالمشهود على شهادتهما.\nفهذا الظاهر الذي يحكم به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث، وكذبه، ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا أو أكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال؛ فلا نكلف علمه، إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله؛ لما ظهر لنا منه \" (١).\n٣_ وقال الحافظ محمد بن يحيى الذهلي: \" لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح (٢).\n٤ - وقال ابنه الثقة يحيى بن محمد بن يحيى الذهلي: \" لا يكتب الخبر عن النبي ﷺ حتى يرويه ثقة عن ثقة، حتى يتناهى الخبر إلى النبي ﷺ بهذه الصفة، ولا يكون فيهم رجل مجهول، ولا رجل مجروح، فإذا ثبت\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٣ - ٦٤) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٦) وإسناده جيد.","vol":"2","page":793},{"text":"الخبر عن النبي ﷺ بهذه الصفة؛ وجب قبوله، والعمل به وترك مخالفته \" (١).\nقلت: وشرط صاحبي الصحيح، ومن عرف عنه من الأئمة المتقدمين الحكم على الحديث بالصحة، وطرقهم في تعليل الحديث، مع هذه التعاريف عن هؤلاء الأعلام، استخلصنا منه هذه القيود كحد للحديث الصحيح.\nوعلى المنهج ذاته جرى المتأخرون كابن الصلاح فمن بعده في تعريف الحديث الصحيح، واجتهدوا على حصره بأوصاف هي واضحة المعالم في الجملة، سوى ما حصل من مناقشات لهم في اشتراط نفي الشذوذ مستقلًا بالشرط عن شرط نفي العلة، وكذلك في اشتراط نفي العلة مطلقًا، أو مقيدًا بالقادحة.\nوما حرزته من عبارات جميعهم فمغن إن شاء الله عن الإيراد والنزاع، وناقل إلى اعتبار تحرير المراد بهذه الأوصاف، لا الإسهاب في كلام نظري أطال فيه المتأخرون دون فائدة تذكر سوى القصد إلى تقويم تعريف ابن الصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>المراد بشروط صحة الحديث على سبيل الإجمال:</span>\n\nتحرير المراد بالشروط الأربعة المتقدمة المثبت اجتماعها صحة الحديث، سبق مفصلًا في فصوله ومباحثه من هذا الكتاب، وإنما يوجب فهم التعريف إيضاح المراد بقيوده، ودفع محترزاته، وبيانها كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>الشرط الأول: اتصال السند</span>.\n\nالمراد به: أن يكون كل راو من رواة الإسناد أخذ الحديث ممن فوقه\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٦) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":794},{"text":"مباشرة، وذلك بصيغة من صيغ التحمل الصريحة بالسماع كأن يقول: (سمعت فلانًا)، أو الصريحة بالاتصال دون سماع كالمكاتبة من الشيخ للتلميذ بخط موثوق به، أو المحتملة للسماع احتمالًا راجحًا، كالعنعنة ممن انتفت عن روايته عن شيخه شبهة الانقطاع بتدليس أو إرسال.\nفيخرج بذلك المنقطع في جميع صوره، وألقابه المعروفة في هذا العلم هي: المنقطع، والمرسل، والمعضل، والمدلس، والمعلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>الشرط الثاني: عدالة الرواة</span>.\n\nالعدالة: استقامة الراوي في الظاهر على طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ.\nوطريق تمييز الطاعة: الكتاب والسنة، وذلك فيما لا يحتمل خلافًا من نصوصهما.\nفخرج به: ......\nرواية الفاسق بالكذب في الحديث، أو في لسانه في غير الحديث، ومن يدعي سماع ما لم يسمع، أو الفاسق بالمعصية التي لا يدخلها تأويل كشرب الخمر المتفق على حرمته، ورواية الكافر.\n\nولا يقدح في العدالة شيء مما يلي:\n\nأولًا: فعل المباحات مجردة عن المخالفة في أمر آخر، وإن جرى العرف على العيب بها.\nثانيًا: موافقة الصغيرة بمجرده؛ من أجل انتفاء العصمة منه.\nثالثًا: موافقة المعاصي بالتأويل؛ لاعتقاد المواقع كونها مباحة.\nرابعًا: البدعة غير القاضية بكفر صاحبها لعينه؛ لكون الأصل فيه قصد إصابة الحق.\nوقد تشددت طائفة فقدحت في الرواة بما تقدم، وحررت المذهب الراجح من مذاهب أهل العلم في الفصول المعقودة لذلك من هذا الكتاب.","vol":"2","page":795},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>الشرط الثالث: ضبط الرواة</span>.\n\nوالمعتبر في الضبط أن يكون الراوي حافظًا لحديثه، إما عن ظهر قلب، وإما في كتاب متقن صحيح، بحيث يقدر على أداء الحديث كما سمعه، لفظًا أو معنى، على ما تقدم شرحه في القسم الأول.\nواعتبار الحفظ شرط لا يختلف فيه لصحة الحديث.\nوأما فقه الراوي فوجده ليس علامة على كونه ضابطًا؛ فإن من الفقهاء من كان همه الاستدلال للمسألة، فلا يبالي كيف ساق متن الحديث، فربما تصرف في لفظه وحدث به على ما فهم، وهذا كثير شائع في كتب الفقه.\nكما أن طائفة منهم لغلبة اعتنائها بالفقه فإنهم لم يكونوا يقيمون الأسانيد، فتراهم تكثر في رواياتهم المراسيل، وحمل اللفظ على اللفظ، وإدخال حديث في حديث، مثل الفقيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (١).\nلا ريب أن الفقه إذا انضم إلى الحفظ فهو مزية للتقديم، ولكنه ليس بشرط يطلب لصحة الحديث.\nوقد كان أئمة السلف يعتبرون فقه الراوي مع حفظه مرجحًا على مجرد الحفظ، وإنه والذي نفسي بيده لجدير بذلك.\nكما جاء عن وكيع بن الجراح، قال: \" أيما أحب إليكم: سفيان عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؟ أو سفيان عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال علي؟ \"، قيل له: أبو إسحاق عن عاصم عن علي، قال: \" كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة \" (٢).\n_________\n(١) انظر: المجروحين، لابن حبان (١/ ٩٣) .......\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":796},{"text":"كذلك قال الثقة عبد الله بن هاشم النيسابوري: قال لنا وكيع: \" أي الإسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله؟ أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ \"، فقلنا: الأول، فقال: \" الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير مما يتداوله الشيوخ \" (١).\nوكان مالك بن أنس لا يحمل الحديث عمن لم يكن يفهمه، حيث قال: \" لقد تركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم من العلم شيئًا، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم، وكانوا أصنافًا: فمنهم من كان كذابًا في غير علمه، تركته لكذبه، ومنهم من كان جاهلًا بما عنده، فلم يكن عندي موضعًا للأخذ عنه لجهله، ومنهم من كان يدين برأي سوء \" (٢).\nوقال مالك: \" أدركت بالمدينة مشايخ أبناء مئة وأكثر، فبعضهم قد حدثت بأحاديثه، وبعضهم لم أحدث بأحاديثه كلها، وبعضهم لم أحدث من أحاديثه شيئًا، ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا، إلا أنهم حملوا شيئًا لم يعقلوه \" (٣).\nوقد شدد ابن حبان، فجعل الفقه شرطًا في راوي الحديث الصحيح، وبين علة ذلك بقوله: \" إذا كان الثقة الحافظ لم يكن فقيهًا وحدث من حفظه، فربما قلب المتن، وغير المعنى؛ حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلب إلي شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي في\" الكامل \" (١/ ١٧٢) والحاكم في \" تاريخه \" (كما في \" السير \" ١٢/ ٣٢٨ - ٣٢٩) والسياق له، والبيهقي في \" المدخل \" (رقم: ١٤، ١٥) وإسناده صحيح. وأخرجه الرامهرمزي (ص: ٢٣٨) عن شيخٍ مجهول بإسناده إلى ابن هاشم. كما أخرجه الحاكم في \" المعرفة \" (ص: ١١) والخطيب في \" الكفاية \" (ص:) من رواية علي بن خشرم، عن وكيع.\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٥) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٧) وإسناده حسن.","vol":"2","page":797},{"text":"الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار \" (١).\nقلت: وهذا تعليل ذاهب الأثر باشتراطنا الإتقان للمحفوظ؛ إذ القلب في الرواية وتغيير المعنى مظنة لا تجتمع في الراوي مع نعته بالحفظ.\nقال الخطيب: \" إن لم يكن من أهل العلم بمعنى ما روى لم يكن بذلك مجروحًا؛ لأنه ليس يؤخذ عنه فقه الحديث، وإنما يؤخذ منه لفظه، ويرجح في معناه إلى الفقهاء، فيجتهدون فيه بآرائهم \" (٢).\nواستدل لذلك بحديث: \" نضر (٣) الله امرأ سمع منا حديثًا، فبلغه كما سمعه. . \" الحديث (٤).\nقلت: وهذا الذي قاله الخطيب هو الصواب، ولو تأملت حال أكثر النقلة الثقات لم تجدهم ممن عرف بالفقه، أو حتى ذكر به أصلًا، فالعبرة بثقة الراوي وصحة الإسناد.\nقال صالح بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: رواية أبي هريرة عن النبي ﷺ إذا صح مثل حديث سعيد وأبي سلمة، والرواية عن علقمة والأسود عن ابن مسعود، والرواية عن سالم عن ابن عمر، إذا رووا عن النبي ﷺ؟ فقال: \" كل ثقة، وكل يقوم به الحجة إذا كان الإسناد صحيحًا \" (٥).\nوذكر ابن رجب كلام ابن حبان المتقدم، وقال: \" وفيما ذكره نظر،\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٩٣) .......\n(٢) الكفاية (ص: ١٥٧).\n(٣) بالتخفيف أصح، وانظر ما تقدم من تعليقٍ بخصوصه في (المبحث السابع) من مباحث (تفسير التعديل).\n(٤) سبق تخريجه في القسم الأول في المبحث المشار إليه في التعليق السابق.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٢٥) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":798},{"text":"وما أظنه سبق إليه، ولو فتح هذا الباب لم يحتج بحديث انفرد به عامة حفاظ المحدثين، كالأعمش وغيره، ولا قائل بذلك، اللهم إلا أن يعرف من أحد أنه كان لا يقيم متون الأحاديث، فيتوقف حينئذ فيما انفرد به، فأما مجرد الظن فيمن ظهر حفظه وإتقانه فلا يكفي في رد حديثه \" (١).\nكذلك فإن الراوي قد يكون حافظًا، لكن جل اهتمامه بمراعاة الطرق والأسانيد، ولا يلتفت إلى سياقات المتون (٢).\nومن أسوأ ما يقع من بعض الرواة: اختصار متن الحديث، دون وقوع العلم به من طريق آخر، ودون تحديث هذا المختصر له في موضع آخر بتمام سياقه، فهذا يفوت مصلحة ما يقع في ذلك المتن من الفائدة.\nلكن هذا القصور لا أثر له في الجملة على تحقق شرط الضبط الذي يصح به الحديث.\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>الشرط الرابع: السلامة من العلل المؤثرة</span>.\nوالعلة: سبب قادح في الحديث يظهر بالتتبع.\nفإن كانت في المتن فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك المتن بنظائره بعد صحة الإسناد، فتبدو فيه مخالفة لما هو مسلم أو أصح منه، كحكاية خلق الأرض دون السماوات في ستة أيام، وكمجيئه على غير ما رواه من هو أقوى.\nوإذا كانت في الإسناد فإنها تظهر من خلال مقارنة ذلك الإسناد بسائر أسانيد الحديث، كالحديث يرويه الثقة مرفوعًا، فإذا بك تجده موقوفًا أو مقطوعًا، أو يرويه متصلًا فإذا بك تجده منقطعًا أو مرسلًا.\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ١٥١).\n(٢) نبَه على ذلك ابن حبان قبلَ سياق النص السابق .......","vol":"2","page":799},{"text":"على ما تقدم من بيانه في (النقد الخفي) من هذا الكتاب.\nومنها الشذوذ، وهو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه.\nوالعلة المؤثرة هنا: هي رواية الثقة المرجوحة.\nوفي هذا ما يدل على أن وصف الراوي بالثقة وإن كانت القاعدة أن يصحح حديثه، لكن ذلك مشروط بسلامة رواياته من القوادح.\nولا يتم إلا بجمع طرق حديثه المعين للتأكد من حفظه له.\nوهذا على خلاف ما يظنه كثير من الناس أن ثقة الراوي مجردة كافية وحدها للحكم لحديثه بالصحة دون تحقيق هذا الشرط.\n\n* * *","vol":"2","page":800},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>المبحث الثاني:\n\nتطبيق لإظهار تحقق شروط الحديث الصحيح</span>\n\nقال الإمام أحمد بن حنبل في \" مسنده \": حدثنا ابن نمير، عن مالك - يعني ابن مغول _، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر:\nإن كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس يقول: \" رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الغفور \" مئة مرة (١).\nمخرج هذا الحديث هو أحمد بن حنبل وهو أحد كبار حفاظ الأمة وأئمتها، وكتابه \" المسند \" من أعظم دواوين الإسلام في حديث النبي ﵊، ولا يشك أهل العلم بالحديث في صحة نسبة هذا الديوان إليه، كما لا يشكون في صحة أصوله التي نشر عنها.\nولما كان أحمد ﵀ لم يشترط في \" مسنده \" أن لا يخرج إلا الصحيح، احتجنا للنظر في درجة هذا الحديث.\nوترتيب البحث فيه على مرحلتين:\n\nالمرحلة الأولى: النظر في إسناد أحمد لهذا الحديث، ويعني أمرين:\n\nأولًا: معرفة أحوال نقلته، بتمييز العدالة والضبط لكل راو.\n_________\n(١) مُسند أحمد (رقم: ٤٧٢٦) .......","vol":"2","page":801},{"text":"وثانيًا: معرفة وقوع الاتصال فيما بينهم من عدمه.\n\nفتحقيق أحوال النقلة على النحو الذي شرحه في (تمييز النقلة)، وباتباع ذلك المنهاج تبين ما خلاصته: أن رواة الإسناد كلهم ثقات، وروى لهم البخاري ومسلم.\nوأما الأمر الثاني: وهو سلامة الإسناد من الانقطاع، فإن كل موضع يصرح فيه الثقة بالسماع فإنه يزيل مظنة الانقطاع فيه بينه وبين شيخه، لكن هذا الإسناد كله معنعن، والعنعنة صيغة ليست قطعية بالاتصال، ولا يحكم باتصال الإسناد بها إلا إذا سلم المعنعن من التدليس، وثبت إمكان سماعه ممن فوقه، وقد وجدنا في تراجم رجال هذا الإسناد أن كل راو من رواته ممكن سماعه ممن فوقه، ولم يوصف أحد منهم بتدليس.\nفحيث تحقق هذا؛ فهو إسناد متصل برواية الثقات.\n\nالمرحلة الثانية: تحقيق السلامة من العلل المؤثرة.\n\nوهذا يتم بتتبع طرق هذا الحديث ومواضع وروده عند أحمد في غير الموضع المذكور، وعند غير أحمد في كتب رواية الحديث الأخرى.\nرجعنا فوجدنا الحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في \" مصنفه \" في موضعين (١)، قال في الموضع الأول: حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا مالك بن مغول، وفي الموضع الثاني كما رواه أحمد.\nوفيه أن ابن أبي شيبة وهو أحد الأئمة الحفاظ وافق الإمام أحمد على روايته، وهذه (متابعة)، وفي روايته من الفائدة تمييز (ابن نمير) وذكر سماعه من ابن مغول صريحًا.\nوتابع أحمد وابن أبي شيبة عليه: أحمد بن عبد الله، ويقال له: ابن\n_________\n(١) المصنف (١٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨، و١٣/ ٤٦٢).","vol":"2","page":802},{"text":"أبي شعيب الحراني، وهو ثقة، رواه عنه البخاري في كتاب \" الأدب المفرد \" (١).\nثم وجدنا ابن نمير لم يتفرد بروايته عن مالك بن مغول، بل تابعه جماعة من الثقات، منهم:\n١_ أبو أسامة (٢)، واسمه حماد بن أسامة ثقة محتج به في \" الصحيحين \".\n٢_ المحاربي (٣)، واسمه عبد الرحمن بن محمد، كوفي ثقة احتج به الشيخان، تكلم فيه بعض الحفاظ؛ لأنه كان يروي عن مجاهيل أحاديث منكرة، والعيب فيها من جهتهم لا من جهته، وهو هنا روى عن ثقة.\n٣_ أبو بكر الحنفي (٤)، واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد، قال: (حدثنا مالك بن مغول)، وأبو بكر هذا بصري ثقة، احتج به الشيخان.\nفهذا ابن نمير لم بنفرد برواية هذا الحديث عن مالك بن مغول، وهل انفرد ابن مغول عن محمد بن سوقة.\nلا، بل وجدناه تابعه الحافظ الإمام سفيان بن عيينة فرواه عن محمد بن سوقة (٥).\nوهل وافق ابن سوقة أحد عن نافع؟ لم نجد ذلك، لكنه ثقة فلا يضره التفرد، لا سيما أنه لم يخالفه أحد.\nفإن قلت: فهل تجد أحدًا عن ابن عمر غير نافع؟\n_________\n(١) الأدب المفرد (رقم: ٦١٨) .......\n(٢) أخرجه أبو داود في \" سننه \" (رقم: ١٥١٦) وابنُ ماجه في \" سننه \" (رقم: ٣٨١٤).\n(٣) أخرجه الترمذي في \" جامعه \" (رقم: ٣٤٣٠) وابنُ ماجه في الموضع المتقدم.\n(٤) أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (رقم: ٤٥٨).\n(٥) أخرجه الترمذي بعد روايته الماضية، وابنُ حبان في \" صحيحه \" (رقم: ٩٢٧) .............","vol":"2","page":803},{"text":"قلت: نعم، وجدته عن ابن عمر من طريقين آخرين، كلاهما عند أهل العلم بالحديث صالح.\nفإن قلت: نافع حجة بنفسه لا يتوقف في صحة حديثه حتى يوجد الموافق.\nقلت: نعم، لكن البحث قد يدل على مخالفة لنافع مؤثرة في حديثه، لا لاحتياج حديثه إلى عاضد، فحيث جاء الموافق دل على ضعف احتمال المخالفة، خصوصًا وأنك لم تجد مخالفة حصلت لأحد ممن روى هذا الحديث.\nبل قد روى غير ابن عمر عن النبي ﷺ ما يشهد لأصل هذا الحديث، فجاء معناه من حديث الأغر المزني وحذيفة بن اليمان وغيرهما.\nفدل التتبع والبحث على أن هذا الحديث سلم من العلل المؤثرة.\nفإن قلت: رأينا بعض من رواه قال في لفظه في آخره: \" الغفور \"، وبعضهم قال: \" الرحيم \".\nقلت: هذا واسع في الألفاظ، فإن الله تعالى كذلك، على أنه قد ترجح أن من قال \" الغفور \" فروايته أقوى وأبين.\nوقد وجدنا الإمام الترمذي قال في هذا الحديث: \" حديث حسن صحيح \" فزاد ذلك الطمأنينة في صحة ما استخلصناه من هذا البحث من الحكم بصحة الحديث.\n* * *","vol":"2","page":804},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>المبحث الثالث:\n\nنقد تعريفات الصحيح</span>\n\n١_ قسم الحاكم النيسابوري الحديث الصحيح بحسب استعمال أهل العلم له من فقهاء الحجاز وفقهاء العراق، وهم فقهاء الأمصار في العصر الأول، إلى عشرة أقسام، خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها:\nفالمتفق عليها:\n(١) ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وهو ما رواه الصحابي المشهور الذي عنه راويان ثقتان، في شرط ذكره.\nقلت: وهذا منتقد على الحاكم فيما ذكره من شرط الشيخين، وهو غير مصيب فيه، كما ذكرته في محله من هذا الكتاب (١).\n(٢) الحديث برواية العدل عن العدل إلى الصحابي الذي ليس له إلا راو واحد.\n(٣) أخبار جماعة من التابعين الثقات لا يعرف أحدهم إلا برواية واحد عنه.\n(٤) الأفراد الغرائب، يتفرد بها الثقة، وليس لها طرق مخرجة في الكتب.\n_________\n(١) فيما سيأتي في (المبحث السابع) من (الفصل الثالث).","vol":"2","page":805},{"text":"(٥) أحاديث من روى عن أبيه عن جده من الثقات، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.\nقلت: والمتأخرون على أن هذه الصحيفة حسنة الإسناد، والمتقدمون لم يتفقوا على الاحتجاج بها، لكن أن تقول: أكثرهم كان على قبولها والاحتجاج بها.\nوفي إدخال الحاكم لها تحت (الصحيح) إنما هو من أجل عدم فصله له عن (الحديث الحسن)، كما جرى على ذلك في حكمه على الأحاديث في كتابه \" المستدرك \".\nوالخمسة المختلف فيها، هي:\n(١) المراسيل، والمراد: ما يرفعه التابعي أو تابع التابعي. صحيحة عند جماعة من الكوفيين، كإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد.\nقلت: وهذا شامل لبعض صور (المعضل) بتعريف المتأخرين، لأن ما يرفعه تابع التابعي قد زاد فيه السقط على واحد بيقين، وهو سقط على التوالي، وهي سمة (المعضل).\n(٢) روايات المدلسين التي لا يذكرون فيها السماع.\nهي صحيحة عند بعض أئمة الكوفة، ضعيفة عند آخرين (١).\n(٣) خبر يرويه ثقة عن إمام ثقة فيسنده، ويرويه عن ذلك الإمام جماعة من الثقات فيرسلونه. أو يرفعه الثقة ويوقفه الجماعة.\nفهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، إذ القول عندهم قول من زاد. وعند غيرهم من أئمة الحديث قول الجماعة (٢).\n_________\n(١) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٥) .............\n(٢) في تفصيل بينته في (النقد الخفي) في القسم الأول من هذا الكتاب.","vol":"2","page":806},{"text":"(٤) روايات محدث صحيح السماع صحيح الكتاب، ظاهر العدالة، لكنه لا يعرف ما يحدث به ولا يحفظه.\nفهذا يحتج به أكثر أهل الحديث، ولا يرى أبو حنيفة ومالك صحة الاحتجاج به.\n(٥) روايات أهل البدع المعروفين بالصدق.\nمقبولة عند أكثر أهل الحديث. وليس ذلك عند آخرين.\nقلت: وهذه الأقسام العشرة التي عدها الحاكم أقسامًا للصحيح، فإنما هي بالنظر كما قدمت لاستعمال العلماء لها.\n\nوالتحقيق: أن الحاكم وغيره ممن نسبوا وصف (الصحيح) لهذه الأقسام التي لم تستوف شروط الصحة، فذلك لكونهم وجدوا الفقهاء يحتجون بالشيء منها. والواجب اعتباره في هذا أن يعلم أن الفقيه قد يستعمل الحديث المرسل، أو المختلف فيه رفعًا ووقفًا، أو المعلول بعلة غير مسقطة بمرة؛ لكونه وجد تلك الرواية جاءت موافقة لأصل، أو دليل آخر، لا لكونها صحيحة لذاتها مع قصورها عن استيفاء شرط الصحة، لذا تجدهم يستعملون الشيء من ذلك، لكن لا تجدهم يقولون: (هو صحيح)، كذلك تراهم يعلون روايات مخالفيهم بالقصور عن استيفاء شروط الصحة.\n٢ - من العلماء من عرف الحديث الصحيح بغير ما تقدم، وهي تعريفات يرد عليها الاعتراض.\nمنها: تعريف الحاكم النيسابوري، فإنه قال: \" صفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله ﷺ صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة \" (١).\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص: ٦٢) .......","vol":"2","page":807},{"text":"قلت: وفي هذا أن الصحابي الذي لم يسم، والصحابي الذي لم يعرف إلا برواية عدل واحد عنه، ليس حديثه مما يصح وصفه بالصحة عند الحاكم.\nوهذا ضعيف، بل ما كان عند الحاكم من أعلى درجات الصحيح، وهو ما اتفق عليه الشيخان، فيه الرواية عن جماعة لم يرو عن أحدهم إلا واحد، كما سيأتي في شرط الشيخين في الحديث الصحيح.\nكذلك فإن الصحابي الذي لم يسم إذا صح الإسناد إليه فحديثه صحيح، كما بينته في الكلام في (العدالة والجهالة) مما تقدم في هذا الكتاب.\n\n* * *","vol":"2","page":808},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>المبحث الرابع:\n\nالحديث الصحيح في اصطلاح الترمذي</span>\n\nيقول الترمذي كثيرًا في حكمه على الأحاديث المخرجة في \" جامعه \": \" حديث حسن صحيح \"، في جملة اصطلاحات أخرى، تبيين سائرها في موضعه.\nفما مراده هنا بهذه العبارة؟\nأوجدنا النظر والتتبع لما حكم عليه من الحديث بذلك، أنه أراد به: الحديث من رواية الثقات العدول المتقنين، المحفوظ غير الشاذ، والذي جاء معناه من غير وجه (١).\nفإن زاد: (غريب) فيكون حسنًا صحيحًا بذلك اللفظ بذلك الإسناد، ولا يمنع مجيء معناه من وجه آخر، كما هو الشأن في أكثر أحاديث الثقات.\nوفرق ما بين وصف الحديث بكونه (صحيحًا) أو (حسنًا صحيحًا) أن الوصف بالصحة المجردة غير مشروط أن يكون معناه جاء من وجه آخر، فبهذا الاعتبار يكون قوله: (حسن صحيح) أقوى مرتبة من القول: (صحيح)\n_________\n(١) وانظر شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٣٨٥، ٣٨٦، ٣٨٨).","vol":"2","page":809},{"text":"فقط؛ من جهة أنه صحيح لذاته، وأن معناه جاء من غير وجه، فله عاضد من غيره (١).\nولكثرة استعمال الترمذي لهذه الصيغة ظن كثير من الناس أنه أقدم من عرف عنه ذلك، وليس كذلك، بل وقع استعماله في كلام شيخه البخاري، كما نقل الترمذي عنه شيئًا من ذلك، وأبي حاتم الرازي، لكن قليلًا.\nفمنه قول ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن شيبان، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن عبد الله بن حوالة، عن النبي ﷺ قال: \" يجندون أجنادًا؟ قال: \" هو صحيح حسن غريب\" (٢).\nوقال: سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد، عن مغيث بن سمي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: \" محموم القلب، صدوق اللسان \"، قالوا: صدوق اللسان نعرف، فما محموم القلب؟ قال: \" هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا غل ولا حسد \"، قالوا: من يليه يا رسول الله؟ قال: \" الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة \"، قالوا: ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله ﷺ، فمن يليه؟ قال: \" مؤمن في خلق حسن \"، قال أبي: \" هذا حديث صحيح حسن، وزيد محله الصدق، وكان يرى رأي القدر \" (٣).\n\n* * *\n_________\n(١) ذكر معنى ذلك ابن رجب في \" شرح العلل \" (١/ ٣٨٨).\n(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٠٠١) .......\n(٣) علل الحديث (رقم: ١٨٧٣).","vol":"2","page":810},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-315>الفصل الثاني\n\nالحديث الحسن</span>","vol":"2","page":811},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-316>المبحث الأول:\n\nتعريف الحديث الحسن</span>\n\nالحديث الحسن في استعمال المتقدمين له، واقع على صورتين:\n\nالصورة الأولى: ما تقاصر عن درجة الصحيح، من جهة قدر الإتقان في بعض رواته فيما لا يهبط عن درجة القبول غالبًا، مع اعتبار سائر شروط الصحة (١).\nوالطريق إلى إدراكه: أنك تجده في الراوي الموصوف بالصدق، لكنه: إما أن يثبت له من الوهم والغلط ما نزل بحفظه عن درجة أهل الإتقان، غير أنه لم يزل فوق الضعف الذي يسقط بالرواية.\nوإما أن يكون لم يرو إلا القليل ولم يتميز من مجموع ما روى أنه يلحق بالثقات، فيبقى دون الثقة.\n\nوالتحقيق:\n\nأن الفصل بين مقبول ومردود في هذا المقام في غاية المشقة؛ لذلك كان هذا النمط من الرواة يشترط لقبول حديثه والحكم بحسنه شرطان زائدان على شروط الصحيح:\n_________\n(١) انظر شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠) .......","vol":"2","page":813},{"text":"الأول: زيادة التحري لتحقيق شرط السلامة من العلل المؤثرة.\nوالثاني: البحث عن وجود ما يوافق روايته، فلو تفرد بمضمونها؛ كأن يأتي بحكم لم يأتي به غيره، ولا يعرف في قرآن أو سنة صحيحة كان الحديث بذلك من (قسم المردود).\nولهذا يعبر بعض أهل الحديث عن الراوي الذي خف ضبطه أو لم يتبين إتقانه بعبارة: (يكتب حديثه وينظر فيه)، وهذا الشرط ليس مطلوبًا في حديث الثقة تام الضبط راوي الحديث الصحيح.\n\nوالصورة الثانية: الحديث يكون ناقصًا في شرط الاتصال، أو نازلًا في شرط الضبط عن حد من يقبل منفردًا، فيأتي معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، في نفس منزلته أو يقرب منها، بحيث إذا نظرت إلى كل من الوجهين منفردًا رددته، لكنك إذا جمعتهما قوى أحدهما الآخر، حيث سد كل منهما نقص الآخر.\nوهذا هو الحديث (الحسن لغيره).\nوهو في التحقيق: الضعيف المنجبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>الترمذي و(الحديث الحسن):</span>\n\nأول من جاء عنه تعريف (الحديث الحسن) هو الإمام الترمذي، ومعلوم أن له في كتابه \" الجامع \" مصطلحات مبتكرة، اضطرب العلماء بعده في تفسيرها، وهذا محل بيان (الحديث الحسن) عنده (١).\nقال الترمذي: \" ما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا. كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم\n_________\n(١) وسائر استعمالاته في محالِّها من هذا الكتاب، كقوله: (حديث حسنٌ صحيحٌ) و(حديثٌ غريب)، وقد ذكر ابنُ رجب ما تأوَّله المتأولون لتفسير المراد بتلك الاصْطلاحات، انظر: شرح العلل (٣٨٨ - ٣٩٤).","vol":"2","page":814},{"text":"بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك. فهو عندنا حديث حسن \" (١).\nوهذا يبينه ابن رجب بقوله: \" الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم، إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن، بشرط أن لا يكون شاذًا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة \" (٢).\nوكونه جعل الشرط فيه: رواية معناه من غير وجه، فإذا قال: (حديث حسن غريب) فيعني غرابة لفظه من ذلك الوجه، وحسنه لمجيء معناه من وجه آخر (٣).\nقلت: وهذا التعريف من الترمذي يمكن إجراء هـ على صورة (الحسن لغيره)، إذ مجيء معنى الحديث من وجه آخر لا يطلب في رواية من ثبت حفظه بثبوت السلامة من الوهم، وإن كان في حفظه لين إنما تُطلب فيه السلامة من التفرد بما لا أصل له، وفرق بين الصورتين لا يخفى.\nولذا كان (الحسن لذاته) مندرجًا عند أكثر الأئمة تحت (الصحيح)؛ لاعتبار النظر عندهم إلى ذات الإسناد وذات المتن، وأنه نفس ما اعتبروه للحديث الصحيح لذاته.\nوالحديث الحسن بتعريف الترمذي هو الضعيف الصالح عند من تقدمه من أهل العلم.\nقال ابن رجب: \" كان الإمام أحمد يحتج بالحديث الضعيف الذي لم يرد خلافه، ومراده بالضعيف قريب من مراد الترمذي بالحسن \" (٤).\n_________\n(١) كتاب (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٥١).\n(٢) شرح العلل (١/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٣) بيَّنه ابنُ رجب كذلك (١/ ٣٨٦) .......\n(٤) شرح علل الترمذي (١/ ٣٤٤).","vol":"2","page":815},{"text":"قلت: وهذا نسبه كذلك ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى طريقة أحمد وغيره من الأئمة المتقدمين:\nفقال ابن تيمية: \" والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح وحسن وغريب وضعيف، ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد، لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح وضعيف، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف لا يحتج به، وهو الضعيف في اصطلاح الترمذي، والثاني: ضعيف يحتج به، وهو الحسن في اصطلاح الترمذي،. . ولهذا يوجد في كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف، كحديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري وغيرهما، فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفًا هو أرفع من كثير من الحسن، بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحًا \" (١).\nوقال ابن القيم وهو يبين أصول مذهب أحمد: \" الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب، فإذا لم يجد في الباب أثرًا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعًا على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس.\nوليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة، فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم الحديث الضعيف على القياس \" (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٤٠ - ١٤١ - وفاء)، ونحوه في: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٣) .......\n(٢) إعلام الموقعين (١/ ٣١ - ٣٢)، معنى هذا أيضًا في كتاب \" الفروسية \" (ص: ٦٧).","vol":"2","page":816},{"text":"قلت: ومن هذا القبيل ما حكاه ابن أبي حاتم الرازي في ترجمة (مخلد بن خفاف الغفاري)، قال: سئل أبي عنه؟ فقال: \" لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وليس هذا إسناد تقوم به الحجة \" يعني الحديث الذي يروي مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ: أن الخراج بالضمان، \" غير أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال \" (١).\nوهذا الحديث يتقوى بالطرق عند جماعة من العلماء، والعلة في هذا الإسناد من جهة عدم شهرة مخلد، فمثله يحسن حديثه في غير الأحكام، أما في الأحكام كهذا الحديث فيحتاج إلى عاضد، وقد جاء ما يشده ويدفع عن مخلد فيه التفرد (٢).\nوهذا النوع من الحديث كان الأئمة من السلف يصيرون إليه عند فقدهم ما هو أولى منه، وبينت في (المرسل) أن احتجاج من احتج به من أكثرهم كان من هذه الجهة، لا من جهة اعتقاد ثبوته في لفظه وروايته.\n\nوحاصل ما تقدم أن (الحسن) يندرج تحته نوعان:\n\nالأول: الحسن بتعريفه الذي صدرت به، وهو ما عاد الفارق بينه وبين (الصحيح) إلى قدر الإتقان فيمن ترجح حفظه ولم يتفرد بأصل.\nوهذا هو (الحسن لذاته).\nوالثاني: المروي من وجه لين أو ضعيف لم يبلغ السقوط، جاء معناه من وجه آخر صالح للاعتبار به، فتقوى به.\nوهذا هو (الحسن لغيره)، وهو رواية الضعيف المنجبرة.\nوكيف يتقوى الحديث الضعيف بتعدد الطرق حتى يلحق بالمقبول من الحديث؟ بيانه في (الفصل الثالث) من (الباب الثاني).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٤٧).\n(٢) بما تحريره في كتابي (نُصوص المعاملات الماليَّة) يسَّر الله إتمامه .......","vol":"2","page":817},{"text":"وقد قال السخاوي: \" قال النووي ﵀ في بعض الأحاديث: وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة، فمجموعها يقوي بعضها بعضًا، ويصير الحديث حسنًا، ويحتج به، وسبقه البيهقي في تقوية الحديث بكثرة الطرق الضعيفة، وظاهر كلام أبي الحسن ابن القطان يرشد إليه، فإنه قال: هذا القسم لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلا إذا كثرت طرقه، أو عضده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا \" يعني ابن حجر، وأشار إلى أنَّ مذهب ابن دقيق العيد التوقف (١).\nقلت: واعلم أنه لم يذهب أحد من متقدمي أئمة الحديث، ولا متأخري المحققين منهم إلى أن قبول مثل هذا الحديث هو من جهة اشتمال الإسناد على شروط القبول، وإنما بإقرار جميع من تعرض إلى هذا النوع: هو حديث ضعيف لذاته، لكنهم وجدوا الضعف مما أشار إليه تعريف الترمذي للحديث الحسن بقوله: \" لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويروى من غير وجه نحو ذاك \"، فيطلبون فيه وجود ما ذكره الترمذي على التحقيق.\nوبعض المتأخرين توسعوا، وأهملوا اعتبار هذه الأوصاف، فقووا أحاديث بممجرد تعدد الطرق، وتسهلوا في درجات الرواة، كما وقع لمثل السيوطي ﵀ وغيره.\nواعلم أنه لا حاجة بك أن تقول فيما يتقوى عندك بهذا الطريق بعد اعتبار شروطه: (حديث حسن لغيره) كما لا حاجة للقول في الصورة الأولى: (حديث حسن لذاته)، وإنما جرى عمل المتقدمين وأكثر المتأخرين على إطلاق القول: (حديث حسن).\n\n* * *\n_________\n(١) فتح المغيث (١/ ٦٩) .......","vol":"2","page":818},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المبحث الثاني:\n\nتاريخ هذا (المصطلح)</span>\n\nيعزو كثير من المتأخرين استعمال مصطلح (الحديث الحسن) بمعنى: الحديث النازل عن درجة (الصحيح) دون الرد، إلى الإمام الترمذي صاحب \" الجامع \".\nنعم، تقسيم الحديث المقبول إلى: صحيح، وحسن، لم يكن شائعًا قبل الإمام الترمذي، وكان بعض من تقدم قبله من أئمة الحديث يرون الحديث الحسن درجة من الضعف كما تقدم عن أحمد وغيره فيما كانوا يقدمونه على القياس، ولم يكن مرادهم الضعيف المردود.\nفلما جاء الترمذي أظهر الاصطلاح بجعل (الحسن) أحد قسمي المقبول.\nوالتحقيق: أنه مسبوق إلى استعمال هذا المصطلح بالمعنى الذي قصد إليه، سبقه به أئمة الحديث، لكنه لم يتحرر يومئذ بتعريف، وفضل الترمذي أنه أول من صاغ قانونه، وحرر تعريفه.\nفممن استعمله قبله أو من معاصريه من أئمة الحديث:\n(١) الإمام مالك بن أنس، وهو أقدم من عرف عنه ذكر (الحديث الحسن).","vol":"2","page":819},{"text":"وذلك فيما أخرجه الحافظ ابن أبي حاتم الرازي (١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب، قال: سمعت عمي (يعني عبد الله بن وهب) يقول: سمعت مالكًا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس، قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن عمرو المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن المستورد بن شداد القرشي، قال:\nرأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه \".\nفقال: \" إن هذا الحديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة \" ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع.\nوهذا الحديث لو تتبعته صرت إلى أنه (حسن) بالمعنى الاصطلاحي، مع أن الاصطلاح لم يعرف بعد.\n(٢) الإمام علي بن المديني.\nومما جاء عنه في ذلك في حديث عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: \" من كان ذا وجهين في الدنيا جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة \"، قال ابن المديني: \" إسناده حسن، ولا نحفظه عن عمار عن النبي ﷺ إلا من هذا الطريق \" (٢).\n(٣) الإمام محمد بن إسماعيل البخاري صاحب \" الصحيح \".\nفقد نقل عنه الترمذي تحسينه لعدة أحاديث، وذلك في كتابي \" الجامع \" و\" العلل الكبير \"، جميعها مما يتطابق مع تعريف الحديث الحسن بما تقدم، وعنى به البخاري درجة في الثبوت، منها: حديث عثمان في تخليل اللحية\n_________\n(١) في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٣١ - ٣٢) .......\n(٢) نقله المزِّي في \" تهذيب الكمال \" (٢٩/ ٤٨٢).","vol":"2","page":820},{"text":"في الوضوء، وحديث ابن عباس في تخليل الأصابع، وحديث عائشة في \" ويل للأعقاب من النار \" في الوضوء كذلك، وغيرها.\n(٤) أبو حاتم الرازي، فحكم به على الحديث المعين، قوله في ترجمة (عمرو بن محمد) الراوي عن سعيد بن جبير: \" هو مجهول، والحديث الذي رواه عن سعيد بن جبير فهو حسن \" (١).\nوقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه شعبة والليث عن عبد ربه بن سعيد، واختلفا: فقال الليث: عن عمران بن أبي أنس.\nوقال شعبة: عن أنس بن أبي أنس.\nواختلفا: فقال الليث: عن ربيعة بن الحارث.\nوقال شعبة: عن المطلب، عن النبي ﷺ، قال: \" الصلاة مثنى مثنى، تخشع، وتضرع، وتمسكن، وتقنع بيديك - يقول: يرفعهما - وتقول: يا رب، يا رب، فمن لم يفعل ذلك لم يفعل ذلك فهيَ خداج \".\nقال أبي: \" ما يقول الليث أصح؛ لأنه قد تابع الليث عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، وعمرو والليث كانا يكتبان، وشعبة صاحب حفظ \".\nقلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: \" حسن \".\nقلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: \" هو ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب \". قلت: سمع من الفضل؟ قال: \" أدركه \". قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: \" حسن \". فكررت عليه مرادًا فلم يزدني على قوله: \" حسن \"، ثم قال: \" الحجة سفيان وشعبة \".\nقلت: فعبد ربه بن سعيد؟ قال: \" لا بأس به \". قلت: يحتج بحديثه؟ قال: \" هو حسن الحديث \" (٢).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ١ / ٢٦٢) .......\n(٢) علل الحديث (رقم: ٣٦٥).","vol":"2","page":821},{"text":"قلت: حكم أبي حاتم على راو بكونه (حسن الحديث) كثير، يأتي قريبًا بعض مثاله.\nقلت: والأشبه أن يكون ما اصطلحه الترمذي في عد الحديث الحسن قسيمًا للصحيح في جملة الحديث المقبول، مما أخذه عن شيخه البخاري، وأخذه البخاري عن شيخه علي بن المديني.\nولا نعلم أحدًا من أئمة هذا الشأن عاب على الترمذي هذا الاصطلاح عند ظهوره منه، بل إن من جاء من بعد قد تواردوا على متابعة الترمذي في استعماله.\nويعتضد ما بينته عن الترمذي في معنى (الحسن) وعمن سبقه إليه أو وافقه فيه: ما شاع من استعمال إطلاق وصف (حسن الحديث) على الراوي، فمن تأمل أحوال من أطلقت عليه هذه العبارة عند متقدمي العلماء وجدها صفة من يحكم على حديثه بالحسن الاصطلاحي.\nفمن ذلك:\n(١) قال أحمد بن حنبل في (شهر بن حوشب): \" ما أحسن حديثه \" ووثقة، قال: \" روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانًا \" (١).\n(٢) وقال أبو داود في (أشعث بن عبد الرحمن): \" حسن الحديث \" (٢).\n(٣) وقال أبو حاتم الرازي في (عبد الله بن عبد الملك بن أبي عبيدة المسعودي): \" حسن الحديث، لا بأس به عنده غرائب عن الأعمش \" (٣).\n(٤) وقال أبو حاتم في (محمد بن راشد المكحولي): \" كان صدوقًا، حسن الحديث \" (٤).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ١ / ٣٨٣).\n(٢) سؤالات الآجرِّي (النص: ٣١٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ١٠٥).\n(٤) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٥٣).","vol":"2","page":822},{"text":"(٥) وقال أبو حاتم في (محمد بن عبد الله المرادي): \" شيخ لشريك، حسن الحديث، صدوق \" (١).\nوعلى نفس المعنى جرى الناقد أبو أحمد بن عدي في تحرير عبارات المتقدمين، وإن كان قد جاء بعد الترمذي لكنه كان على سنن السابقين، ومن أمثلة كلامه في ذلك:\nنقل عن يحيى بن معين قوله في (إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب): \" ضعيف \"، ثم قال: \" هو عندي حسن الحديث، ليس كما رواه معاوية بن صالح عن يحيى، وله أحاديث كثيرة غرائب حسان، تدل على أن أبا إسماعيل من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه \" (٢).\nوقال ابن عدي في (أبان بن يزيد العطار): \" هو حسن الحديث متماسك، يكتب حديثه، وله أحاديث صالحة عن قتادة وغيره، وعامتها مستقيمة، وأرجو أنه من أهل الصدق \" (٣).\nوقال ابن عدي في (بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري) وقد ذكر له حديثًا تفرد به: \" هذا طريق حسن، ورواة ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم، وأرجو أن لا يكون ببريد هذا بأس \" (٤).\nولابن عدي بمثل المعنى في رواة آخرين (٥).\nقلت: وقول ابن عدي: (يكتب حديثه) ولم يقل: (يحتج به)؛ لأن\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٣٠٩) .......\n(٢) الكامل (١/ ٤٠٤).\n(٣) الكامل (٢/ ٧٣).\n(٤) الكامل (٢/ ٢٤٧).\n(٥) انظر مثلًا قوله في: سعيد بن سالم القدَّاح، وعبد الله بن لَهيعة، وعبد الله بن عُثمان بن خثيم، ومُحمد بن دينار الطاحي، ومُحمد بن عيسى بن القاسم بن سُميع (الكامل ٤/ ٤٥٤، و٥/ ٢٥٣، ٢٦٨، و٧/ ٤١٤، ٤٨٩) .......","vol":"2","page":823},{"text":"من كان (حسن الحديث، صدوقًا) لا يصلح الاحتجاج بخبره ابتداء حتى ينظر فيه، فيعرف أنه محفوظ، وإنما تكون عبارة (يكتب حديثه) جرحًا لو جاءت مفردة، أو مضمونة إلى لفظ جرح.\nنعم، ربما قال الناقد في الراوي (حسن الحديث) وهو من الثقات المتقنين، كما قال أحمد بن حنبل في أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج: \" شعبة حسن الحديث عن أبي إسحاق، وعن كل من يحدث عنه \" (١)، وقال في (عيسى بن يونس بن أبي إسحاق): \" حديثه حسن \" (٢)، وقال العجلي في (سفيان بن عيينة): \" كان حسن الحديث \" (٣)، وقال أحمد بن حنبل في (زيد بن أبي أنيسة): \" إن حديثه لحسن مقارب، وإن فيها لبعض النكارة، وهو على ذلك حسن الحديث \" (٤)، وقال علي بن المديني: \" ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب وليث بن سعد ومحمد بن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يسندون أحاديث حسانًا، ابن عجلان كان يخطئ فيها \" (٥).\nغير أن هذا قليل، فيكون التأصيل: أن من قيلت فيه عبارة (حسن الحديث) فهو صدوق حسن الحديث على المعنى الاصطلاح، حتى تدل قرينة على عدم إرادة ذلك.\nومن دلالة القرينة على عدم إرادة ذلك مثلًا قول ابن عدي في (حسام بن مصك): \" عامة أحاديثه إفرادات، وهو مع ضعفه حسن الحديث، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق \" (٦).\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٧٦).\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٩٧).\n(٣) معرفة الثقات (النص: ٦٣١).\n(٤) الضعفاء، للعقيلي (٢/ ٧٤)، قلت: وزيد ثقة، وأحسب النكارة التي عنى أحمد التفرد، فإنه ربما أراد ذلك.\n(٥) معرفة الرجال، لابن مُحرزٍ (٢/ ٢٠٧).\n(٦) الكامل (٣/ ٣٦٦).","vol":"2","page":824},{"text":"فسائر قول ابن عدي مع النظر في كلام غيره من نقاد الحديث في (حسام) هذا، يتبين أن حسن الحديث هنا لم يرد به المعنى الاصطلاحي له، إنما ما يكون من حديث الراوي صالحًا للاعتبار.\n\nخلاصة ما تقدم:\n\nاستعمال مصطلح (الحديث الحسن) قديم لأهل العلم بالحديث، واقع في كلام المتقدمين، يعنون به مرتبة من مراتب القبول والاحتجاج، وإنما كان للترمذي فيه فضل الإبراز والتعريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>تنبيهان:</span>\n\nالأول: وقع إطلاق لفظ (حديث حسن) في كلام بعض المتقدمين، يعنون به الغريب، وليس هذا من المعنى الاصطلاحي في شيء، والقرينة هي التي أخرجت المراد به عن المعنى المتقدم.\nفمن ذلك:\nقول وكيع بن الجراح: \" كل حديث حسن عبد السلام بن حرب يرويه \" (١).\nفهو يشير إلى أفراده وروايته الغرائب، وليس هذا من الحسن الاصطلاحي.\nومن هذا ما حدث به أمية بن خالد، قال: قلت لشعبة: ما لك لا تحدث عن عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: \" تركت حديثه \"، قال: قلت: تحدث عن فلان وتدع عبد الملك بن أبي سليمان؟ قال: \" تركته \"، قلت: إنه كان حسن الحديث، قال: \" من حسنها فررت\" (٢).\n_________\n(١) أخرجه العُقيلي (٣/ ٧٠) بإسناد صحيح .......\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ١٤٦) والعقيلي في \" الضعفاء \" (٣/ ٣٢) وابن عدي في \" الكامل \" (٦/ ٥٢٥) - ومن طريقه: البيهقي في \" الكبرى \" (٦/ ١٠٦) - والخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٩٦) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":825},{"text":"والثاني: وقع في كلام بعض العلماء إطلاق وصف (حديث حسن) يريدون به حسن السياقة لا الثبوت، وهذا ليس بجيد ممن فعله؛ لأنه يشكل ويلتبس بالاصطلاح، لكنه قليل نادر.\nمنه قول الحافظ أبي عمر ابن عبد البر بعد إيراده حديثًا هو عند أهل العلم موضوع من حديث معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ: \" تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح \" في سياق طويل، قال: \" هو حديث حسن جدًا، ولكن ليس له إسناد قوي \" (١).\n\n* * *\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضْله (١/ ٥٥).","vol":"2","page":826},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-323>المبحث الثالث:\n\nتطبيق لتحقيق شروط حسن الحديث</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>تطبيق للحديث الحسن لذاته:</span>\n\nقال الإمام أبو داود السجستاني (١): حدثنا مؤمل بن الفضل، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن يحيى بن الحارث، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ أنه قال:\n\" من أحب لله، وأبغض لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان \".\nحال الإسناد من حيث أحوال الرواة واتصاله:\nشيخ أبي داود مؤمل وشيخه ابن شابور وشيخه يحيى ثقات، سمع مؤمل من شيخه، وابن شابور لا يعرف بتدليس، ثم هو وشيخه وسائر الإسناد رواة دمشقيون لا ينكر لقاء بعضهم بعضًا وسماع بعضهم من بعض.\nوأما القاسم فهو ابن عبد الرحمن تابعي، ويعرف ب \" صاحب أبي أمامة \" معروف السماع منه، وهو عدل، لكنهم تكلموا في ضبطه وإتقانه، ولينوا روايته، ومنهم من أطلق ضعفه، كما أن منهم من وثقه، وحين تبحث عن\n_________\n(١) في \" سننه \" (رقم: ٤٦٨١) .......","vol":"2","page":827},{"text":"سبب التضعيف المطلق تجده أن بعض الرواة الضعفاء رووا عنه أحاديث منكرة، ليس البلاء فيها من جهته، إنما من جهتهم، وأمره في التحقيق كما وصفه البخاري أن أحاديث الثقات عنه كيحيى بن الحارث مقاربة، وهذا وصف يعني القبول بحيطة، إذ هذه درجة من في حديثه لين مع الصدق، وهي درجة من يقال في حديثه: (حسن).\nولنأتِ إلى النظر في الشرطين المذكورين آنفًا لقبول حديث الصدوق، فتأملنا فوجدنا الإسناد سالمًا إلى القاسم، وأما هو فوجدناه صاحبًا لأبي أمامة لا ينكر أن يسمع من أبي أمامة ما لم يسمعه غيره منه، لكنا نخشى من التفرد بما روى من العلم، فمثله لو استقل بحفظ حكم لا يعرف في كتاب ولا سنة ثابتة من غير طريقة فإنه لا يقبل منه؛ إذ يقال: أين كان حفاظ الأمة لم يعرفوه وعرفه القاسم وحده؟ فبحثنا في متن هذه الرواية فلم نجده روى ما يسنتكر معناه، وهذا مقدار كاف للحكم بحسن حديثه.\nلكن البحث أوجدنا غير أبي أمامة روى نحو ما روى أبو أمامة عن النبي ﷺ، فتيقنا حسن حديثه، بل زاده ذلك قوة حتى ارتقى به إلى درجة (الحديث الصحيح لغيره).\nوذلك ما أخرجه أحمد وغيره (١) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون، عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من أعطى لله، ومنع لله، وأحب لله، وأبغض لله، وأنكح لله، فقد استكمل إيمانه \".\n_________\n(١) هو في \" مسند أحمد \" (٣/ ٤٤٠)، كما أخرجه الترمذي في \" جامعه \" (رقم: ٢٥٢١) وأبو يعلى في \" مسنده \" (رقم: ١٤٨٥) والحاكم في \" مستدركه \" (رقم: ٢٦٩٤) .......","vol":"2","page":828},{"text":"المقرئ وشيخه سعيد من ثقات المصريين ومتقنيهم، وقد بينا السماع، على أنهما لم يعرفا بتدليس، وأبو مرحوم هذا مصري لا بأس به، أطلق ابن معين تضعيفه بعبارة مجملة فسرتها عبارة النسائي فيه، قال: \" أرجو أنه لا بأس به \"، وهذا هو الصدوق الذي في حفظه لين، والذي يحسن حديثه بعد النظر والتحري، وشيخه سهل هذا لا بأس به إذا روى عنه من يعتد به، وأبوه معاذ الجهني صحابي، فحيث أثبت التحري أن هذين الصدوقين أبا مرحوم وسهلًا رويا ما له أصل من حديث غيرهما، فحديثهما حسن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>تطبيق للحديث الحسن لغيره:</span>\n\nأخرج ابن حبان وغيره (١)، من حديث الصلت بن مسعود، قال: حدثنا مسلم بن خالد، قال: حدثنا شريك بن أبي نمر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس للنساء وسط الطريق \".\nفهذا الحديث بهذا الإسناد ليس بالقوي، اختل فيه من شروط القبول شرط الضبط في أحد رواته، وهو مسلم بن خالد، وهو المعروف بالزنجي، كان سيء الحفظ، ضعيفًا فيما يتفرد به.\nلم نجد بعد النظر في الإسناد علة سوى ذلك، فقلنا: ما نخشاه من سوء حفظ مسلم فجائز أن يندفع بالوقوف على الحديث لفظًا أو معنى من غير طريقه.\nفوجدنا الحديث أخرجه الدولابي وغيره (٢) من طريق محمد بن يوسف\n_________\n(١) صحيح ابن حبان (١٢/ ٤١٥ - ٤١٦ رقم: ٥٦٠١). وأخرجه ابن أبي عاصم في \" كتاب الديات \" (ص: ١٩٠) وابنُ عدي في \" الكامل \" (٥/ ٩) ومن طريقه: البيهقي في \" الشعب \" (٦/ ١٧٤ رقم: ٧٨٢٣) من طريق الصلْت، به.\n(٢) أخرجه الدولابي في \" الكنى والأسماء \" (رقم: ٢٧٣) والبيهقي في \" الشعب \" (رقم: ٧٨٢١) وله عنده متابعة هاشم بن القاسم لسُفيان عن ابن أبي ذئب .......","vol":"2","page":829},{"text":"الفريابي، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث بن الحكم، عن أبي عمرو بن حماس، قال: قال النبي ﷺ: \" ليس للنساء سراة الطريق \".\nوالسراة فسرها بعض الرواة: وسط الطريق.\nوهذه طريق ثابته إلى ابن أبي ذئب.\nلكن أدخل مرة بينه وبين الحارث: ابن شهاب الزهري، كما أخرجه الطبراني بإسناد فيه لين (١)، ولو صحت الزيادة فالزهري هو الحافظ الإمام، والحارث بن الحكم هو الضمري يعتبر بحديثه، صالح للاعتبار، لم يجرح، ووثقه ابن حبان (٢)، وإن كان المحفوظ رواية ابن أبي ذئب عنه لا الزهري، فابن أبي ذئب لم يكن يروي إلا عن ثقة سوى رجل واحد، ليس الحارث بن الحكم به، وابن حماس غير مشهور، ففيه لين بهذا الاعتبار، ثم إن شرط الاتصال إلى منتهى الإسناد قد تخلف، فهذا مرسل، ولم يصب من جعل لابن حماس صحبة.\nوقد روي من طريق ابن حماس متصلًا بإسناد دون هذا.\nأخرجه أبو داود وغيره (٣) من طريق عبد العزيز بن محمد الداروردي، عن أبي اليمان الرحال، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو\n_________\n(١) في \" المعجم الأوسط \" (٤/ ٣٤ رقم: ٣٠٤٢).\n(٢) الثقات (٦/ ١٧٢).\n(٣) هو في \" سنن أبي داود \" (رقم: ٥٢٧٢)، وأخرجه كذلك: البيهقي في \" الآداب \" (رقم: ٩٧١) و\" الشعب \" (رقم: ٧٨٢٢) والمزي في \" التهذيب \" (١٢/ ٤٠١ - ٤٠٢) جميعًا من طريق الدراوَرْدي به.\nوللمزي أيْضًا من طريق الدراوردي عن أبي اليمان عن شداد عن أبي أسيد، باللفظ المختصر، أسْقط من إسناده السابق رجلين، وهو راجعٌ إلى نفس العلة.","vol":"2","page":830},{"text":"خارج من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله ﷺ للنساء: \" استأخرن، فإنه ليس لكن أن تَحْقُقْنَ (١) الطريق، عليكن بحافات الطريق \"، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.\nقلت: وهذه مخالفة في الإسناد ضعيفة، وسياقٌ مفصل لا يشهد له اللفظ المتقدم لاختصاره، وإن كان معناه متضمن فيه بصيغة أدنى في شدة الحكم.\nأما ضعفها فمن جهة أن أبا اليمان هذا غير مشهور، وشدادًا شيخه مجهول.\nفالعبرة برواية ابن حماس المرسلة، فهي العاضد الذي يدفع عن رواية مسلم بن خالد أثر سوء حفظه، وبها يكون حديث أبي هريرة حسنًا.\n***\n_________\n(١) قال ابن الأثير: \" هو أن يركبن حُقها، وهو وسَطها \" (النهاية ١/ ٤١٥) .......","vol":"2","page":831},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>الفصل الثالث\n\nمباحث في الصحيح والحسن</span>","vol":"2","page":833},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-327>المبحث الأول:\n\nالكتب في الحديث الصحيح</span>\nأصح الكتب المصنفة في الحديث الصحيح: صحيح البخاري، ثم صحيح مسلم، لم يسبقهما في الصحة كتاب له مثل درجتهما، ولا خلفهما كذلك، وهما أول الكتب المجردة في الحديث الصحيح، والبخاري قبل مسلم.\nوقد جاء عن الشافعي تقديم (الموطأ) للإمام مالك بن أنس.\nفعن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، قال: \" ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك \" (١).\nوقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: \" ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صوابًا من موطأ مالك \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدِمة \" (ص: ١٢) و\" آداب الشافعي \" (ص: ١٩٥ - ١٩٦) والبيهقي في \" مناقب الشافعي \" (١/ ٥٠٧) وابن عساكر في \" كشْف المغطى في فضل الموطَّأ \" (رقم: ١٦) وإسناده صحيح. وأخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٧٧، ٧٩) وابن عساكر كذلك (رقم: ١٩) نحوه.\n(٢) أخرجه أبو نُعيم في \" الحلية \" (٦/ ٣٦٠ رقم: ٨٩٣٢) وابن عساكر في \" كشْف المغطى \" (رقم: ٢٠) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":835},{"text":"وقال هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعي يقول: \"ما كتاب بعد كتاب الله تعالى أنفع [للمسلمين] من كتاب مالك بن أنس \" (١).\nوقال أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح: سمعت الشافعي يقول: \" ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك \" (٢).\nقلت: وهذا حكم قبل أن يوجد \" الصحيحان \"، فإن الناس صنفت الكتب في حديث رسول الله ﷺ قبل البخاري ومسلم، فكان \" الموطأ \" أصح تلك الكتب حديثًا، فهو مقارن بما زامنه إلى عهد الشافعي، فلما ألف \" الصحيحان \" لم تبق تلك الدعوى صحيحة، خصوصًا وأن مالكًا ﵀ ضمن كتابه الأحاديث والآثار ورأي نفسه، كما وقع في أسانيد أحاديثه المتصل والمرسل والمنقطع والبلاغات، فلم يجرد للحديث الصحيح المتصل.\nنعم، (الموطأ) من كتب الحديث الصحيح، وليس فيه حديث مسند إلا وهو صحيح.\nوقد استحق \" الصحيحان \" التقديم لشدة ما اشترط صاحباهما الإمامان: البخاري ومسلم، ولاجتهادهما في تحقيق شرطهما؛ فإنهما التزما بشروط الحديث الصحيح إلى أقصى حد ممكن، لكن صنيعهما صنيع بشر؛ لذا لم يسلم من مؤاخذات، هي على أحرف يسيرة في \" البخاري \"، وعلى أحاديث قليلة في \" مسلم \"، قد ميزت وعرفت.\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٤١) وأبو نُعيم في \" الحلية \" (٩/ ٧٩ رقم: ١٣١٨٢) والجوهري في \" مُسند الموطأ \" (رقم: ٧٧) والبيهقي في \" مناقب الشافعي \" (١/ ٥٠٧) والزيادة له، والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٦٤) وابن عبد البر (١/ ٧٦، ٧٧) وابن عساكر في \" كشف المغطى \" (رقم: ٢٢) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه البيهقي في \" المناقب \" (١/ ٥٠٧) وإسناده جيد. ورُوي هذا المعنى الذي قاله الشافعي عن عبد الرحمن بن مَهدي، ولم يثبت عنه. أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٤٢) .......","vol":"2","page":836},{"text":"والقاعدة: أن كل ما في الصحيحين متلقى بالقبول، محكوم بصحة، وليس فيهما حديث موضوع، ولا منكر، بل ولا ضعيف، إلا أحاديث معللة معدودة في \" صحيح مسلم \".\nوقد يزعم بعض أهل البدع وجود موضوع أو منكر ساقط فيهما؛ لمجيء بعض الروايات على غير أهوائهم، أو لآخرون ظنوا في بعض الأحاديث مخالفة لمعقولهم فردوها، وفهم معاني الأحاديث يتفاوت فيه الناس كما يتفاوتون في فهم القرآن العظيم، وفوق كل ذي علم عليم.\nولا يهوَّل بما وقع من انتقادات بعض الحفاظ على \" الصحيحين \" كالحافظ الكبير أبي الحسن الدراقطني، عاب عليهما في التخريج لبعض الرجال، وعاب بعض الأحاديث بالتعليل الخفي، كما في كتاب \" التتبع \" له.\nوسأل السلمي الدارقطني: لم ترك محمد بن إسماعيل البخاري حديث سهيل بن أبي صالح في الصحيح؟ فقال: \" لا أعرف له فيه عذرًا، فقد كان أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي إذا مر بحديث لسهيل قال: سهيل - والله - خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير، وكتاب البخاري من هؤلاء ملاء \" (١).\nوقال أبو عثمان سعيد بن عمرو البرذعي: شهدت أبا زرعة ذكر كتاب الصحيح الذي ألفه مسلم بن الحجاج، ثم الفضل الصائغ على مثاله، فقال لي أبو زرعة: \" هؤلاء قوم أرادوا التقدم قبل أوانه، فعملوا شيئًا يتشوفون به، ألفوا كتابًا لم يسبقوا إليه؛ ليقيموا لأنفسهم رياسة قبل وقتها \". وأتاه ذات يوم وأنا شاهد رجل بكتاب (الصحيح) من رواية مسلم، فجعل ينظر فيه، فإذا حديث عن أسباط بن نصر، فقال لي أبو زرعة: \" ما أبعد هذا من الصحيح ! يدخل في كتابه أسباط بن نصر؟! \" ثم رأى في الكتاب قطن بن\n_________\n(١) سؤالات السلمي (النص: ١٤٨) وبنحوه كذلك (النص: ١٤٩) .......","vol":"2","page":837},{"text":"نسير، فقال لي: \" وهذا أطم من الأول، قطن بن نسير وصل أحاديث عن ثابت، جعلها عن أنس \"، ثم نظر فقال: \" يروي عن أحمد بن عيسى المصري في كتابه (الصحيح)؟!. . ما رأيت أهل مصر يشكون في أن أحمد بن عيسى \" وأشار أبو زرعة بيده إلى لسانه، كأنه يقول: الكذب، ثم قال لي: \" يحدث عن أمثال هؤلاء، ويترك عن محمد بن عجلان ونظرائه، ويطرق لأهل البدع علينا؛ فيجدون السبيل بأن يقولوا لحديث إذا احتج عليهم به: ليس هذا في كتاب (الصحيح) \"، ورأيته يذم وضع هذا الكتاب ويؤنبه.\nفلما رجعت إلى نيسابور في المرة الثانية، ذكرت لمسلم بن الحجاج إنكار أبي زرعة عليه روايته في هذا الكتاب عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن عيسى، فقال لي مسلم: \" إنما قلت: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول، فأقتصر على أولئك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات \" .......\nوقدم مسلم بعد ذلك إلى الري، فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة، فجفاه وعاتبه على هذا الكتاب، وقال له نحوًا مما قاله أبو زرعة: \" إن هذا يطرق لأهل البدع علينا \"، فاعتذر إليه مسلم، وقال: \" إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت: هو صحاح، ولم أقل: إن ما لم أخرجه من الحديث في هذا الكتاب ضعيف، ولكني إنما أخرجت هذا من الحديث الصحيح؛ ليكون مجموعًا عندي وعند من يكتبه عني، فلا يرتاب في صحتها، ولم أقل: إن ما سواه ضعيف \" ونحو ذلك مما اعتذر به مسلم إلى محمد بن مسلم، فقبل عذره وحدثه (١).\n_________\n(١) ساقَ هذه الحكاية بطولها البَرْذعي في \" سؤالاته لأبي زُرعة \" (٢/ ٦٧٤ - ٦٧٧).","vol":"2","page":838},{"text":"قلت: فهذا عيب للشيخين في بعض من خرجا لهم، لكن قولهما في ذلك أقوى عند نقاد الحديث، بل مع نقد النسائي والدارقطني للبخاري في بعض من أخرج لهم، وأبي زرعة لمسلم في بعض من أخرج لهم، لم يقع منه شيء على سبيل الطعن عليهما، إنما النقد للبخاري في تركه تخريج الثقة الأولى عند من انتقده، على أن البخاري لم يحتج إلا بما لا ينازع في كونه محفوظًا من الحديث، وإن كان خلاف الأولى عند غيره، ونقد أبي زرعة لمسلم فيه تشديد الشيخ على التلميذ حملًا له على مزيد التحري، وتحذيرًا من فتح الطريق لأهل الأهواء.\nقال الحازمي: \" أما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حدًا يرد به حديثهم، مع أنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم، ثم ينبغي أن يعلم أن جهات الضعف متباينة متعددة، وأهل العلم مختلفون في أسبابه \" (١).\nقلت: يريد الحازمي أن البخاري لم يخرج لمن يرى تسليم القول بضعفه، وإن خالفه فيه غيره، إذا الاختلاف في جرح الرواة وتعديلهم موجد، لكن ليس كل جرح معتبرًا.\nويجب أن تلاحظ في<span data-type=\"title\" id=toc-330> طريقة الشيخين في تخريج حديث من تكلم فيه من الرواة </span>ما يلي:\nأولًا: أنهما انتقيا من حديثه ما كان محفوظًا معروفًا، مثلُ: إسماعيل بن أبي أويْسٍ المديني.\nثانيًا: غالب ما خرجاه من حديث هذا الصنف فهو في المتابعات، لا في الأصول.\n_________\n(١) شروط الأئمة الخمسة (ص: ١٧٢ - ١٧٣) .......","vol":"2","page":839},{"text":"وربما حسب بعض الناس أن المراد ب (المتابعات) هنا أن يأتي الإسناد من طريق المتكلم فيه بعد إسناد الثقة غير المتكلم فيه، وليس ذلك شرطًا، فالتقديم والتأخير هنا لا أثر له، ما دام تخريج صاحب \" الصحيح \" لذلك الراوي المتكلم فيه لم يكن بما تفرد به.\nثالثًا: أن الصنف من الرواة أقل عنه صاحبا \" الصحيح \".\nرابعًا: أنهما إذا اعتمداه فخرجا عنه من محفوظ حديثه، فلا يعتمدانه في الأحكام، إنما ذلك في الرقائق وشبهها، مثل فليح بن سليمان.\nومن هنا يتبين خطأ الحاكم في كثير مما استدركه على الشيخين، وأطلق القول أنه (على شرطهما) أو (شرط أحدهما) على ما سيأتي نقده فيه.\nوأما النقد ل \" الصحيحين \" بتعليل بعض أئمة الحديث لبعض الروايات بالعلل الخفية، كما صنع الدارقطني في كتاب \" التتبع \"، فأكثره على قلته يعود إلى معنى الصناعة الحديثية، لا إلى رد الحديث، على أن مذهب الشيخين فيه أقوى وأرجح.\nوفي الجملة: ف \" صحيح البخاري \" أقوى وأرجح من \" صحيح مسلم \"، وذلك يعود إلى قوة شرط الاتصال عنده وزيادة تحريه في الرجال، وندرة الحديث المعلل في \" كتابه \".\nقال النسائي: \" ما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري \" (١).\nقال الحافظ أبو علي الحسين بن علي النيسابوري: \" ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٢/ ٩) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٥٦٣) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":840},{"text":"قال ابن تيمية مقارنًا بين (الصحيحن): \" ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري، بل كتاب البخاري أجل ما صنف في هذا الباب، والبخاري من أعرف خلق الله بالحديث وعلله، مع فقهه فيه \".\nقال: \" جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه، يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه \" (١)، وضرب أمثلة لما انتقد على مسلم وكان النقد صوابًا.\nوقد امتدح للبخاري جمعه الأبواب وتوزيعه الأحاديث عليها، ولمسلم حسن سياقته للأحاديث مجموعة الطرق والألفاظ في موضع واحد.\nوبيان شرط الشيخين يأتي في (المبحث السابع).\n\n* * *\n_________\n(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧١).","vol":"2","page":841},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>المبحث الثاني:\n\nذكر المصنفات المسماة بـ (الصحاح)\nغير كتابي الشيخين</span>\n\nوصنفت بعد الشيخين كتب لقبها أصحابها ب \" الصحاح \"، أشهرها مما وصلنا بعضه أو كله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>١ - صحيح ابن خزيمة</span>.\n\nللإمام أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري (المتوفى سنة: ٣١١).\nالتزم فيه جمع الصحيح والحسن من الحديث على وفق شروط.\nوعلم شرطه من تسميته لكتابه: \" المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل، من غير قطع في السند، ولا جرح في النقلة \" (١).\nقال الخطيب: \" شرط فيه على نفسه إخراج ما اتصل سنده، بنقل العدل عن العدل، إلى النبي ﷺ (٢).\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة (١/ ٣، و٣/ ١٨٦) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٩١).\n(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ١٨٥).","vol":"2","page":842},{"text":"كما تبين تحقيق هذا الشرط من دراسة كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>٢_ صحيح ابن حبان</span>.\n\nللإمام أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى سنة: ٣٥٤) تلميذ ابن خزيمة.\nوكان كشيخه ابن خزيمة لا يفرق في \" صحيحه \" بين الصحيح والحسن، بل كل ما يصلح للحجة عنده فهو صحيح.\nقال الحافظ ابن حجر وقد ذكر ما يتفرد به (محمد بن إسحاق) صاحب \" السيرة \": \" ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه \" يعني ابن خزيمة والحاكم (١).\nوشرطه في \" صحيحه \" علم بتصريحه به في أول كتابه، إذ لم يدع منهجه الذي سلك في انتقاء الحديث والحكم عليه بالصحة إلى الظن والتخمين، قال:\n\" شرطنا فيما أودعناه كتابنا هذا من السنن، فإنا لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:\nالأول: العدالة في الدين بالستر الجميل.\nوالثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه.\nوالثالث: العقل بما يحدث من الحديث.\nوالرابع: العلم بما يحيل من معاني ما يروي.\n_________\n(١) فتح الباري (١١/ ١٦٣) .......","vol":"2","page":843},{"text":"والخامس: المتعري خبره عن التدليس.\nفكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه، وبنينا الكتاب على روايته، وكل من تعرى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به \" (١).\nوعليه وعلى شيخه ابن خزيمة في \" صحيحهما \" مآخذ فيهما، وقعت غالبًا في ضعف بعض الشروط، وتخريجهما لحديث لطائفة ممن اختلف فيه وراجح القول فيه أنه ضعيف.\nلذا رأى جماعة من النقاد عدم الاكتفاء لقبول الحديث بكونهما أو أحدهما خرجه، ورأوا أنه لا بد من إعادة الدراسة لأحاديث هذين الكتابين، على أنك تجد من عمد إلى ذلك ظهر له قلة ما يؤخذ عليهما.\nوالذي أقول به: أن اعتماد من لا خبرة له بهذا العلم على تصحيحهما جائز، حت يتبين الخطأ، إجراء لما غلب على ما فيهما من الصحة، وبناء على ما يجوز لغير المتخصص من التقليد لأهل الاختصاص.\nوسبق إلى ذلك عمل أكثر متأخري العلماء، قال أبو عبد الله بن رشيد الفهري وذكر ابن حبان: \" وإن كان من أئمة الحديث، فعنده بعض التساهل في القضاء بالصحيح، فما حكم بصحته مما لم يحكم به غيره، إن لم يكن من قبيل الصحيح يكن من قبيل الحسن، وكلاهما يحتج به ويعمل عليه، إلا أن يظهر فيه ما يوجب ضعفه \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>٣ - المستدرك على الصحيحين</span>.\n\nللإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم ابن البيع الحاكم النيسابوري (المتوفى سنة: ٤٠٥).\n_________\n(١) الإحسان (١/ ١٥١)، ثم شرح ابنُ حبان ما ذكر من هذه الشروط، وبينتُ شرح صِفة العدْل عنده في القسم الأول من هذا الكتاب.\n(٢) السنن الأبين (ص: ١٤٥) .......","vol":"2","page":844},{"text":"قصد في هذا الكتاب أن يجمع الأحاديث التي اشتملت على شرط الصحة، ولم يخرجها البخاري ومسلم أو أحدهما.\nلكنه تساهل فيه جدًا، وكثرت عليه فيه المآخذ.\nقال ابن تيمية بعد أن ذكر عن الحاكم تصحيحه لأحاديث موضوعة: \" لهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه، بخلاف أبي حاتم بن حبان البستي، فإن تصحيحه فوق تصحيح الحاكم وأجل قدرًا، وكذلك تصحيح الترمذي والدارقطني وابن خزيمة وابن منده، وأمثالهم فيمن يصحح الحديث، فإن هؤلاء وإن كان في بعض ما ينقلونه نزاع، فهم أتقن في هذا الباب من الحاكم، ولا يبلغ تصحيح الواحد من هؤلاء مبلغ تصحيح مسلم، ولا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري \" (١).\nوقال ابن القيم: \" لا يعبأ الحفاظ أطباء الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا، ولا يرفعون به رأسًا البتة، بل لا يدل تصحيحه على حسن الحديث، بل يصحح أشياء موضوعة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا علم له بالحديث لا يعرف ذلك فليس بمعيار على سنة رسول الله ﷺ، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئًا، والحاكم نفسه يصحح أحاديث جماعة وقد أخبر في كتاب (المدخل) له أن لا يحتج بهم، وأطلق الكذب على بعضهم \" (٢).\nوقال: \" تصحيح الحاكم لا يستفاد منه حسن الحديث البتة فضلًا عن صحته \" (٣).\n_________\n(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٧٠ - ١٧١).\n(٢) الفروسية (ص: ٦٣).\n(٣) الفروسية (ص: ٧١).","vol":"2","page":845},{"text":"وقال ابن دحية في كتابه (العلم المشهور): \" ويجب على أهل الحديث أن يتحفظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط ظاهر السقط، وقد غفل عن ذلك كثير ممن جاء بعده وقلده في ذلك \" (١).\nوقال الزيلعي بعد حديث ذكره في الجهر بالبسملة: \" رواه الحاكم، وقال: رجاله ثقات، وتوثيق الحاكم لا يعارض ما يثبت في (الصحيح) خلافه؛ لما عرف من تساهله، حتى قيل: إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني، بل تصحيحه كتحسين الترمذي، وأحيانًا يكون دونه، وأما ابن خزيمة وابن حبان، فتصحيحهما أرجح من تصحيح الحاكم بلا نزاع \" (٢).\nقلت: ومن أجمع الكلمات في وصفه قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي: \" في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب، بل أقل، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما أو كليهما وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح وحسن وجيد، وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها كنت قد أفردت منها جزءًا \" (٣).\nوسيأتي ذكر تساهله في الحكم على الحديث بكونه على شرط الشيخين أو أحدهما.\nف \" المستدرك \" وإن قصد فيه إصابة شرط الصحة على طريقة الشيخين، لكن ليس له نفس منزلة \" الصحيحين \" أبدًا ولا يقاربهما، بل لا يعتمد على حكمه حتى يوافق عليه من عارف بالصناعة، وذلك لضعف تحقيقه فيه.\nكما يجدر بالملاحظة أن الحافظ الذهبي اختصر \" المستدرك \" وتعقب\n_________\n(١) نقله الزيلعي في \" نصب الراية \" (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) عن كتاب \" العلم المشْهور \" لابن دِحية .......\n(٢) نصب الراية (١/ ٣٥٢).\n(٣) سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ١٧٥) .......","vol":"2","page":846},{"text":"الحاكم في مواضع كثيرة، وأهمل مواضع أخرى، ونشر \" مختصر الذهبي \" في هامش \" المستدرك \"، وحين يقول الحاكم مثلًا: \" حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \" يختصر ذلك الذهبي بقوله مثلًا: \" على شرطهما \"، فهذا من الذهبي ليس موافقة ولا مخالفة، وإنما هو سكوت، فلا يصلح أن يضاف إليه القول بالموافقة، فيقال في الحديث: \" صححه الحاكم ووافقه الذهبي \"، إنما الصواب: \" صححه الحاكم وسكت عنه الذهبي \"، ولم يبين الذهبي أن سكوته دال على الموافقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>تنبيهان:</span>\nالتنبيه الأول: شاع عند بعض المتأخرينَ إطلاق عبارة \" الصحاح الستة \" ويعنون إضافة للبخاري ومسلم: سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.\nوهذا إطلاق ليس بصحيح، فإن هؤلاء الأئمة غير الشيخين لم يشترطوا صحة الأحاديث التي في كتبهم، وهي وإن كان أكثر ما فيها من الصحيح الثابت؛ إلا أنها تشتمل على الحديث الحسن، والضعيف بأنواع مختلفة من الضعف، بل وفي بعضها المنكر والموضوع.\nوما وقع على أغلفة بعض طبعات \" الجامع \" للترمذي من تسميته بـ\" الجامع الصحيح \" فإنه من أغلاط الناشرين، والترمذي مؤلف الكتاب لم يطلق وصفه بالصحة، بل إنه علل في كتابه كثيرًا من الأحاديث، وإنما سماه: \" الجامع \"، وكثير من متأخري العلماء سموه \" السنن\" وجعلوه أحد كتب السنن التالية لـ\" الصحيحين \" في الترتيب.\nوأما قول الحافظ أبي طاهر السلفي وقد ضم السنن عدا ابن ماجة إلى \" الصحيحين \": \" اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب \" (١)، فهذا في كتب \" السنن\" على اعتبار الأغلب، وقلة الحديث الضعيف فيها.\n_________\n(١) نقله ابنُ سيد الناس في \" النفح الشذي \" (١/ ١٩٠).","vol":"2","page":847},{"text":"التنبيه الثاني: كتاب \" الأحاديث المختارة \"، للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي (المتوفى سنة: ٦٤٣)، كتاب متأخر التصنيف لتأخر وفاة مؤلفه، عمدته فيما خرجه فيه على تخريج الحديث بأسانيده إلى أصحاب المصنفات، كـ (مسند أبي يعلي) و(معاجم الطبراني) وغيرها، وخطته فيه بينها في صدره بقوله:\n\" هذه أحاديث اخترتها مما ليس في البخاري ومسلم، إلا أنني ربما ذكرت بعض ما أورده البخاري تعليقًا، وربما ذكرنا أحاديث بأسانيد جياد لها علة، فنذكر بيان علتها حتى يعرف ذلك \" (١).\nوهذا الكتاب يغلب عليه الحديث الصحيح، لكن فيه ما هو معلل بما يذكره الضياء نفسه في تعليله، كما أشار هنا، وفيه ما يسكت عنه ولا يصح، لكن حرصه على أن يكون منتقى من أجود الحديث ظاهرٌ فيه.\nولا يصلح أن يطلق عليه وصف الصحة، إنما فيه الصحيح الغالب، كما يوجد الصحيح الغالب في كتب السنن المعروفة، غير أنه يمتاز بكون ما فيه من الصحيح فهو مما يزيد على البخاري ومسلم.\nوهو فيه أشد احتياطًا من الحاكم، ولذا قدمه طائفة من متأخري العلماء على \" المستدرك \" للحاكم.\nقال ابن تيمية: \" هو أصح من صحيح الحاكم \" (٢)، وكذلك جاء عن الزركشي (٣).\nوقال تلميذه ابن عبد الهادي المقدسي: \" اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو\n_________\n(١) الأحاديث المختارة (١/ ٦٩ - ٧٠) .......\n(٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٤٨).\n(٣) الرسالة المستطرفة، للكتاني (ص: ٢٤).","vol":"2","page":848},{"text":"قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي، ونحوهما، فإن الغلط في هذا قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم، فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة، فهذا انحطت درجته عن درجة غيره \" (١).\nوقال السخاوي: \" هي أحسن من المستدرك \" (٢).\nقلت: هو مرتب على مسانيد الصحابة، ولم يكمله.\n\nالتنبيه الثالث: كتاب \" المنتقى \" للحافظ أبي محمد عبد الله بن علي بن الجارود النيسابوري (المتوفى سنة: ٣٠٦)، كتاب مختصر في أحاديث الأحكام، عامته أحاديث صحيحه إلا شيئًا يسيرًا.\n\nالتنبيه الرابع: ادعى الإباضية أن أصح كتاب في الحديث بعد كتاب الله تعالى هو \" مسند الربيع بن حبيب الأزدي \" ويقدمونه على \" الصحيحين \".\nوهذا \" المسند \" منسوب إلى الربيع، وهو بصري معروف من أهل المئة الثانية، مقارب في الطبقة للإمام مالك بن أنس، لكنه لم يشتهر عند أهل العلم بالرجال كما اشتهر أعيان طبقته من البصريين أو غيرهم، والأشبه من خلال دراسة ترجمته أنه رجل صدوق له حديث قليل، أما هذا \" المسند \" الذي سموه بـ \" المسند الصحيح \" فإنا نقبله لو نقل إلينا من أصل صحيح النسبة إلى الربيع، لكن هذه بغية قصدها بعض معاصري الأباضية منتصرًا لثبوت هذا الكتاب، ولم أر عنده غير الدعوى، فليس للكتاب نسخة صحيحة، ولا له إسناد معروف.\n\n* * *\n_________\n(١) الصارم المنكي (ص: ٩٩).\n(٢) فتح المغيث (١/ ٣٨) .......","vol":"2","page":849},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>المبحث الثالث:\nالأحاديث المعلقات في \" صحيح البخاري </span>\"\n\nالحديث المعلق، هو: الحديث الذي حذف جميع إسناده، أو حذف من أول إسناده راو فأكثر.\nمثاله: قول الإمام البخاري: ويروى عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ: \" الفخذ عورة \".\nهكذا ذكره البخاري في \" صحيحه \" (١) بغير إسناد، ويقال في مثله: (علقه البخاري).\nومثال ما حُذف بعض إسناده: قول البخاري: وقال عفان: حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: \" أراني أتسوك بسواك، فجاءني رجلان، أحدهما أكبر من الآخر، فناولت السواك الأصغر منهما، فقيل لي: كبر، فدفعته إلى الأكبر منهما \" (٢).\nعلقه البخاري فيما بينه وبينه عفان، وهو ابن مسلم الصفار لم يدركه البخاري، إنما يروي عنه بالواسطة.\n_________\n(١) الصحيح (١/ ١٤٥).\n(٢) صحيح البخاري (رقم: ٢٤٣).","vol":"2","page":850},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>إطلاق مصطلح (المعلق):</span>\nوأول من عرف عنه من النقاد إطلاق تسمية (المعلق) هو الحافظ أبو الحسن الدارقطني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>سبب تعليق الحديث:</span>\n\nيعلق الحديث لواحد من سببين:\n\nالأول: أن لا يكون على الشرط الذي ارتضاه المعلق لثبوت الحديث.\nفالبخاري مثلًا اشترط أن يكون كتابه في الحديث المسند إلى النبي ﷺ، فيرى فائدة في ذكر بعض الآثار عن الصحابة أو من دونهم في التفسير والأحكام وغير ذلك، فلو أسندها خرج بذلك عن شرطه، فيعلقها وإن كانت صحيحة.\nوالتزم أن لا يخرج أحاديث جماعة تكلم فيهم بما ينزل بهم عن شرطه في القوة، ورأى لهم بعض الأخبار مما يصح الاستشهاد به، فيعلق عنهم.\n\nوالثاني: أن يقصد به مجرد الاختصار.\nوذلك كأن يروي البخاري في الباب ما يغني عن الإطالة بتخريج خبر تام إسنادًا ومتنًا زيادة على ما خرج.\nوأحيانًا يكون الحديث عنده بإسناد واحد على شرطه، ويحتاجه في بابين، فيسنده في أحدهما ويعلقه في الآخر اتقاء لتكرار الحديث بنفس الإسناد في مكانين؛ ولذا يندر أن يؤخذ على البخاري أنه كرر حديثًا بنفس الإسناد والمتن، إنما ترى في التكرار فائدة جديدة ولا بد.\nوقد اشتهر بكثرة الأحاديث المعلقة: صحيح الإمام البخاري.\nوإذا كان التعليق عنده مما يندرج تحت السبب الأول، وهو كونه ليس\n_________\n(١) صيانة صحيح مُسلم من الإخلاط والغلط، لابن الصلاح (ص: ٧٦) .......","vol":"2","page":851},{"text":"على شرطه، فذلك لا يعني ضعفه عنده، وإنما القول في معلقات البخاري كما يلي:\n\nأولًا: إذا علق الحديث بصيغة الجزم، بأن قال مثلًا: (قال النبي ﷺ) أو: (قال ابن عباس) فهو ثابت عنده.\n\nثانيًا: إذا علق الحديث بصيغة الجزم إلى بعض رواة ذلك الحديث كأن يقول: (قال فلان) ويسوق طرفًا من آخر الإسناد؛ فهو صحيح منه إلى من سماه، أما من ذلك المسمى إلى منتهى الإسناد فيحتاج إلى كشف.\nوهذا كحديث عفان بن مسلم المتقدم، فهو صحيح عند البخاري إلى عفان، لكنه من عفان إلى ابن عمر يحتاج إلى تحقيق ثبوته.\n\nثالثًا: إذا علق الحديث بصيغة التمريض، كقوله: (يروى، روي) ونحو ذلك من صيغ المبني للمجهول، فليس فيه حكم منه بثبوت المعلق، بل في إشعار بتعليله، فهو على الضعف حتى يتبين وصله من طريق ثابت.\nوأما ما يعلقه البخاري لأجل الاختصار، فإنه يسوقه موصولًا في موضع آخر من \" الصحيح \"، فهذا ليس من قبيل المعلق الذي يتخلف عن شرطه؛ للعلم بمخرجه في نفس \" الصحيح\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>تنبيهان:</span>\n\nالتنبيه الأول: اعلم أنه ليس في معلقات البخاري ما هو شديد الضعف، إلا نادرًا ويبينه، إنما فيها: الصحيح، والحسن، والضعيف المحتمل، وأكثر ذلك آثار عن الصحابة والتابعين أو متابعات وزيادة طرق قد روى ما هو أحسن منها مسندًا.\nومثاله النادر الذي يلحق بمعلقاته ويبينه، قوله: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: \" لا يتطوع الإمام في مكانه \" ولم يصح (١).\n_________\n(١) صحيح البخاري (١/ ٢٩٠) .......","vol":"2","page":852},{"text":"التنبيه الثاني: قول البخاري: (قال فلان)، وفلان هذا من شيوخه، هل يعد على شرط الصحيح أم لا؟ مسألة اختلف فيه العلماء على قولين:\n\nأولهما: ليست على شرطه، وشأنها شأن سائر المعلقات التي تحتاج إلى النظر في وصلها في موضع آخر غير \" الصحيح \"، وحجتهم: أن البخاري إذا روى حديثًا عن شيخ له سمعه منه وذلك الحديث على شرطه فإنه لا يقول فيه: (قال فلان) إنما يقول: (حدثنا) أو شبهها من الصيغ الصريحة في الاتصال، قالوا: ووجدنا البخاري روى لبعض شيوخه ما سمعه منهم بالواسطة.\n\nوثانيهما: هو موصول على شرط \" الصحيح \" فإن البخاري لم يعرف بالتدليس، والراوي إذا قال في بعض حديثه عن شيخه: (قال فلان) أو (عن فلان) ولم يعرف بالتدليس؛ فذلك متصل، قالوا: ووجدنا البخاري في كتابه \" التاريخ الكبير \" روى عن شيوخه حديثًا كثيرًا لا يذكر الصيغة بينه وبين شيخه إلا (قال)، وهو جار عند أهل العلم على الاتصال.\nوهذا القول الثاني أصح في الأصول.\nويذكر أهل العلم له شاهدًا حديث المعازف المشهور، فهو مخرج في \" الصحيح \"، قال البخاري: وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثنا عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال: حدثني أبو عامر - أو أبو مالك - الأشعري، والله ما كذبني، سمع النبي ﷺ يقول: \" ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني الفقير - لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيتهم الله ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة \" (١).\n_________\n(١) صحيح البخاري (رقم: ٥٢٦٨) .......","vol":"2","page":853},{"text":"فهشام بن عمار من شيوخ البخاري، روى عنه البخاري بالسماع المباشر داخل \" الصحيح \" وخارجه أحاديث، ومنه إلى النبي ﷺ كل راو قد صرح بسماعه ممن فوقه، فلا شبهة في الاتصال، والبخاري أورد الحديث المذكور تحت باب (ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) وساق هذا الحديث ولم يذكر شيئًا غيره، فهو حجته للباب المذكور، فهذا مما يؤكد اتصاله.\nلكن لماذا لم يقل: (حدثني هشام)؟ جوابه: للشك في اسم صحابيه، وهو غير قادح عند جمهور أهل العلم؛ لأنه كان عن أبي عامر أو أبي مالك فكلاهما صحابي سمع الحديث من النبي ﷺ، وجهالة الصحابي لا تؤثر لعدالة جميعهم على ما شرحته في (القسم الأول)، فكيف وقد سمي هنا وإنما وقع التردد في تعيينه (١)؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>تتمة في مسائل تتصل بالمعلقات:</span>\n\n١ - اعتنى الحافظ ابن حجر بذكر وصل المعلقات التي في \" صحيح البخاري \" في \" فتح الباري \"، وفي كتاب مفرد سماه: \" تغليق التعليق \"، وهو نافع مبرر لصحة ما ذكرت آنفًا من قسمة المعلقات في \" الصحيح\".\n٢ - ليس \" صحيح مسلم \" مظنة للحديث المعلق، وفيه شيء نادر.\nويوجد المعلق في بعض كتب السنن، كأبي داود والترمذي، كما يوجد في غيرها، وينعدم أو لا يكاد يوجد في كتب المسانيد أو المعاجم وشبهها.\nوالقاعدة فيما يوجد منه عند غير البخاري: أنه حديث ضعيف حتى يعلم وصله من وجه ثابت، وذلك للجهل بدرجة الساقط من الإسناد.\n_________\n(١) وانظر كتابي \" الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام \" .......","vol":"2","page":854},{"text":"٣ - بلاغات \" الموطأ \":\nما يعرف بـ (البلاغات) في (الموطأ) للإمام مالك هي من قبيل المعلقات، فلا يُجزم بثبوتها، بل الأصل فيها الضعف لانقطاع الإسناد، حتى توصل بإسناد ثابت، وقد وجد في \" بلاغات \" مالك كثير من البلاغات موصولًا بإسناد ضعيف، أو ضعيف جدًا، وإن كان كثير منها ثابتًا.\n٤ - كل خبر يذكر بغير إسناد، فهو:\n[١] إما أن يعلم مخرجه، كأن يقال: (رواه البخاري، رواه أبو داود) مثلًا، وهو موجود في كتابيهما، فليس بمعلق إذا كان إسناده مذكورًا في كتابيهما.\n[٢] وإما أن ينسب إلى النبي ﷺ أو قائله بغير إسناد، ولم يعلم وصله، فهو من قبيل الحديث الضعيف.\nوهذا كثير شائع في مختلف الكتب التي تورد الأحاديث من غير عزو إلى مخرج ولا اشتراط صحة، ولا التزام لبيان درجاتها، فيجب ترك الاعتماد على ما كان من ذلك حتى يستثبت منه، ففي الأحاديث المعلقة في كلام كثير من المؤلفين أحاديث كثيرة ليس لها أصل عن النبي ﷺ، بل منها ما لا يوجد في كتب الرواية أصلًا، ولا بإسناد موضوع.\n\n* * *","vol":"2","page":855},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>المبحث الرابع:\n\nالسنن الأربعة والمسند\nأعظم دواوين السنة بعد الصحيحين</span>\n\nالمعني بـ (السنن الأربعة): سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.\nوبـ (المسند) مسند أحمد بن حنبل.\nوإذا ذكرت (الكتب الستة) فالمراد: (الصحيحان) و(السنن الأربعة).\nوأول من عد ابن ماجة سادسًا: الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، ومن متأخري العلماء من رشح (مسند) الدارمي بدله، ومنهم من عد السادس (الموطأ) لمالك بدله، كما صنع ابن الأثير في \" جامع الأصول \" (١).\nوالعلة في التردد في كتاب ابن ماجة ما شانه من تخريج الواهي والموضوع في مواضع، وكثرة الضعيف على ما سيأتي نقده فيه.\nوهذه الكتب يغلب عليها الحديث المقبول، بنوعيه: الصحيح، والحسن، ويقل فيها الضعيف وما دونه.\n_________\n(١) وانظر: \" النكت على ابن الصلاح \" لابن حجر (١/ ٤٨٦)، والرسالة المستطرفة، للكتاني (ص: ١٣).","vol":"2","page":856},{"text":"وتبين ذلك بتميز شرط كل منها، وهذا بيانه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>شرط أبي داود في (سننه):</span>\n\nبين أبو داود في \" رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه \" منهجه وخطته، والذي يعنينا في هذا المبحث معرفة شرطه، وتوضيحه من عباراته كما يلي:\n١ - قال: \" ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه \" (١).\n٢ - لم يتحاش تخريج المراسيل، لكن باحتراز، حيث قال: \" إذا لم يكن مسند متصل ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة \" (٢).\nوقال: \" وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلس، وهو إذا لم توجد الصحاح \"، قال: \" ما في كتاب السنن من هذا النحو قليل \".\nوقال: \" وما روي عن النبي ﷺ من المراسيل، منها ما لا يصح، ومنها ما هو مسند عند غيري وهو متصل صحيح \".\n٣ - وقال: \" ليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء \".\n٤ - وقال: \" وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره \".\n_________\n(١) نقل هذا النص الحازمي في \" شروط الأئمة الخمسة \" (ص: ١٦٩) من رواية ابن داسة عن أبي داود، وليس في جملة الرسالة المفردة المطبوعة في وَصف السنن .......\n(٢) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه (ص: ٣٣)، وكذا سائر ما سيأتي ذكْره من النصوص عن أبي داود حتى الفقرة (٨) فهو من هذه الرسالة، من (ص: ٣١) حتى (ص: ٥١) .......","vol":"2","page":857},{"text":"٥ - وقال: \" إذا ذكر عن النبي ﷺ سنة ليس مما خرجته، فاعلم أنه حديث واه، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلم \".\nقلت: يشير إلى أنه اجتهد في استقصاء أبواب السنن، وحكمه بالوهاء على ما لم يخرجه من الحديث مما يثبت سنة لم يذكرها، لا يسلم له بهذا الإطلاق، وإنما العبرة بثبوت الرواية بتلك السنة، وفوق كل ذي علم عليم، والسنن يومئذ لم ينته من استقصائها في كتاب.\nوكان قال قبل ذلك: \" لم أكتب في الباب إلا حديثًا أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح؛ فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته \".\n٦ - وقال: \" وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده \".\n٧ - وقال: \" وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض \".\nقول أبي داود في شأن ما سكت عنه فهو صالح، ما معناه؟\nالحديث يكون صالحًا للاحتجاج، أو للاعتبار، وكلاهما مراد لأبي داود، فالأحاديث التي سكت عنها في كتابه، هي أكثر ما فيه، وهي منقسمة إلى أقسام:\nأولها: الصحيح المحتج به، وهو الأكثر.\nوثانيها: الحسن، وهو من مظانه.\nوثالثها: ما يتقوى من الروايات اللينة.\nورابعها: ما هو رواية الضعفاء الذين لم يجتمع على ترك حديثهم.","vol":"2","page":858},{"text":"٨ - وقال: \" الأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير. . فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم \".\nقلت: هذا الوصف قوة لكتابه، ولكن الغريب الصحيح حجة، وعند أبي داود كثير من أفراد الثقات، بل فيه من أفراد الضعفاء كذلك.\nوقارن ابن رجب بين أبي داود والترمذي في التخريج لبعض الرواة المتكلم فيهم، وقال في أبي داود: \" هو أشد انتقادًا للرجال منه \" (١) أي من الترمذي.\nوقال الذهبي بعد ذكره لما بينه أبو داود من شرطه في \" سننه \":\n\" قد وفى ﵀ بذلك بحسب اجتهاده، وبين ما ضعفه شديد ووهنه غير محتمل، وكاسر عما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسنا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشيه مسلم، وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج، ولبقي متجاذبًا بين الضعف والحسن.\nفكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب.\nثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر.\nثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدًا سالمًا من علة وشذوذ.\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٨).","vol":"2","page":859},{"text":"ثم يليه ما كان إسناده صالحًا، وقبله العلماء؛ لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا، يعضد كل إسناد منهما الآخر.\nثم يليه ما ضعف إسناده؛ لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يمشيه أبو داود ويسكت عنه غالبًا.\nثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبًا وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته \" (١).\nوقال الذهبي: \" من أجمع على اطراحه وتركه لعدم فهمه وضبطه، أو لكونه متهمًا، فيندر أن يخرج لهم أحمد والنسائي، ويورد لهم أبو عيسى فيبينه بحسب اجتهاده، لكنه قليل ويورد لهم ابن ماجة أحاديث قليلة، ولا يبين، والله أعلم، وقل ما يورد منها أبو داود فإن أورد بينه في غالب الأوقات \" (٢).\nقلت: وبهذا التفصيل الدقيق الحسن من الناقد الذهبي يتبين خطأ من رأى فيما يسكت عنه أبو داود أو يدخله في \" سننه \" مطلقًا الصحة.\nكما قال الساجي في (الوضين بن عطاء): عنده حديث واحد منكر غير محفوظ، عن علقمة عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي، حديث: العينان وكاء السه (٣). قال الساجي: \" رأيت أبا داود أدخل هذا الحديث في كتاب السنن، ولا أراه ذكره فيه إلا وهو عنده صحيح \" (٤).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢١٤ - ٢١٥) .......\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٦).\n(٣) السه، قال ابن الأثير: \" حلْقة الدبر .. ومعنى الحديث: أن الإنسان مَهْما كان مستيقظًا كان استه كالمشدودة المَوْكيِّ عليها، فإذا نام انْحلَّ وكاؤُها، كنى بهذا اللفظ عن الحديث وخروج الريح \" (النهاية: ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).\n(٤) نقله ابن حجر في \" تهذيب التهذيب \" (٤/ ٣١٠).","vol":"2","page":860},{"text":"وأطلق بعض العلماء على كتاب أبي داود اسم (الصحيح)، كالحاكم النيسابوري (١)، وما تقدم بيانه يرد هذا الإطلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>شرط الترمذي في \" سننه </span>\":\n\nخرج الترمذي في \" سننه \" التي سماها \" الجامع \" الحديث بمختلف درجاته، لكنه كان في غاية الاعتناء بتميز درجات الحديث، ونقده.\nوفي كتابه: الصحيح، والحسن، والضعيف بأنواع الضعف المختلفة، والمنكر والواهي والموضوع، وإن كان هذا النوع الأخير قليلًا، ويبينه.\nقال ابن رجب: \" الغرائب التي خرجها فيها بعض المناكير، ولا سيما في كتاب الفضائل، ولكنه يبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه، ولا أعلمه خرج عن متهم بالكذب متفق على اتهامه حديثًا بإسنادٍ منفرد، إلا أنه قد يخرج حديثًا مرويًا من طرق، أو مختلفًا في إسناده وفي بعض طرقه متهم، وعلى هذا الوجه خرج حديث محمد بن سعيد المصلوب، ومحمد بن السائب الكلبي، نعم قد يخرج عن سيء الحفظ، وعمن غلب على حديثه الوهم، ويبين ذلك غالبًا ولا يسكت عنه \" (٢).\nأي: أنه لم يخرج حديث من هو كهذين المتروكين الهالكين يريد اعتماده، وإنما يخرجه فيبينه، ويبين ما الأصح أو المحفوظ من طريق سواهم (٣).\nوأكثر ما في (جامع) الترمذي فهو من الصحيح والحسن، وأكثر رواته\n_________\n(١) النُّكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨١).\n(٢) شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧) .......\n(٣) لم يُخرج للمصلوب إلا حديثًا واحدًا في كتاب (الدعوات) (رقم: ٣٥٤٩) وبين وهاءَه، كما خرَّج بعده ما هو أصح من حديثه. وكذلك الكلبي، إنما خرَّج له حديثًا واحدًا في كتاب (التفسير) (رقم: ٣٠٥٩) وقال: \" حديث غريب، وليس إسناده بصحيح \"، وذكر وهاء الكلبي.","vol":"2","page":861},{"text":"الثقات الضابطون، وفيهم من يهم قليلًا، ومن يهم كثيرًا، ومن يغلب على حديثه الوهم، لكنه لا يكاد يخرج حديث هذا الصنف على قلته إلا ويبين ذلك.\nوالترمذي غير متساهل في التحقيق، خلافًا لما أطلقه بعض متأخري العلماء، وجرى عليه بعض المنتسبين إلى هذا العلم من أهل زماننا.\nوالعلة عند هؤلاء ما لخصه ابن القيم بقوله: \" الترمذي يصحح أحاديث لم يتابعه غيره على تصحيحها، بل يصحح ما يضعفه غيره أو ينكره، فإنه صحح حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف \" وبين كلام الأئمة في شدة ضعفه، وقال: \" ويصحح أيضًا حديث محمد بن إسحاق، وهو أعذر من تصحيحه حديث كثير هذا، ويصحح أيضًا للحجاج بن أرطأة مع اشتهار ضعفه، ويصحح حديث عمرو بن شعيب، وأحسن كل الإحسان في ذلك، والمقصود أنه يصحح ما لا يصححه غيره وما يخالف في تصحيحه \" (١).\nقلت: وهذا يقابله أنه يعلل أحاديث يصححها غيره.\nوالوجه في ذلك كله أنه إمام مجتهد في هذه الصنعة كغيره من أئمة هذا الشأن، واختلاف الأئمة في التصحيح والتضعيف لحديث هو من نفس باب اختلافهم في التعديل والتخريج لراو، فاحتمال هذا احتمال لذاك.\nوالترمذي جرى في هذا العلم على خطى شيخه البخاري في منهاجه، كما أظهر ذلك جليًا في كتابه، نعم، كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ.\nوالأئمة بعد الترمذي لم يزالوا يعتمدون تصحيحه للحديث أو تحسينه له، حتى يتبين خطأ قوله فيه، وهذا هو الأليق بخريج مدرسة البخاري والدارمي وأبي زرعة الرازي.\n_________\n(١) الفروسية (ص: ٦٣) .......","vol":"2","page":862},{"text":"واعلم أن من العلماء من أطلق على \" الجامع \" للترمذي اسم (الصحيح)، كذلك فعل الحاكم النيسابوري، والخطيب البغدادي، والحاكم سماه \" الجامع الصحيح \" (١).\nوهذا إطلاق غير صحيح يدل على نقضه طريقة الترمذي نفسه، كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>شرط النسائي في \" سننه </span>\":\n\nوذلك في الروايتين عنه: \" السنن الصغرى \"، أو \" المجتبى \"، وهي رواية أبي بكر أحمد بن محمد بن السني، و\" السنن الكبرى \" من رواية جماعة آخرين من الحفاظ عن النسائي.\nوشرطه فيهما بينه بقوله: \" لما عزمت على جمع كتاب السنن، استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشيء، فوقعت الخيرة على تركهم، فتركت جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم \" (٢).\nقلت: فمن هؤلاء عبد الله بن لهيعة.\nقال الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي: \" من يصبر على ما صبر عليه أبو عبد الرحمن؟! كان عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة فما حدث بها، وكان لا يرى أن يحدث بحديث ابن لهيعة \" (٣).\nوسئل الدارقطني: إذا حدث أبو عبد الرحمن النسائي وابن خزيمة بحديث، أيما تقدمه؟ فقال: \" أبو عبد الرحمن، فإنه لم يكن مثله أقدم عليه\n_________\n(١) نقله ابنُ سيِّد الناس في \" النفح الشذي \" (١/ ١٨٩)، وانظر: \" النُّكت على ابن الصلاح \" لابن حجر (١/ ٤٨١).\n(٢) أخرجه ابن طاهر في \" شروط الأئمة الستة \" (ص: ١٠٤) وإسناده صحيح.\n(٣) سؤالات السلمي (النص: ٣٣).","vol":"2","page":863},{"text":"أحدًا، ولم يكن في الورع مثله، لم يحدث بما حدث ابن لهيعة وكان عنده عاليًا عن قتيبة \" (١).\nوقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي: سألت الإمام أبا القاسم سعد بن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة، فوثقه، فقلت: إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه، فقال: \" يا بني، إن لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطًا أشد من شرط البخاري ومسلم \" (٢).\nوقال ابن رجب مرجحًا له على أبي داود والترمذي فيمن يخرج له: \" وأما النسائي فشرطه أشد من ذلك، ولا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم، ولا لمن فحش خطؤه وكثر \" (٣).\nوأطلق بعض العلماء على كتاب النسائي اسم (الصحيح)، جاء هذا عن الحفاظ، أبي علي النيسابوري، وأبي أحمد بن عدي، والدارقطني، وابن منده، وعبد الغني بن سعيد الأزدي، والحاكم، وأبي يعلي الخليلي، والخطيب البغدادي، وأبي طاهر السلفي (٤)، وذلك من أجل ما رأوه في كتابه من قوة شرطه وتحريه.\nكما ذهب إلى القول بصحة رواية ابن السني والمسماة بـ (المجتبى) أو (المجتنى)، أو (السنن الصغرى) تلميذ النسائي محمد بن معاوية الأحمر (٥).\nوالواقع: أن النسائي أعل في الكتابين (الكبرى) أو (الصغرى) أحاديث كثيرة، وضعفها، وجرح عددًا من الرواة فيهما، والمتحرر لي: أن الاختلاف\n_________\n(١) سؤالات حمزة السهمي للدارقطني (النص: ١١١).\n(٢) شروط الأئمة الستة، لابن طاهر (ص: ١٠٤).\n(٣) شرح علل الترمذي (١/ ٣٩٨) .......\n(٤) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨١).\n(٥) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨٤).","vol":"2","page":864},{"text":"بينهما طولًا وقصرًا إنما هو من جهة الرواة لهما، لا من جهة النسائي نفسه، والله أعلم، والمعنى في الكتابين خطة وشرطًا واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>شرط ابن ماجة في \" سننه </span>\":\n\nفيه حديث كثير صحيح وحسن، لكنه أيضًا اشتمل على الواهي والموضوع، وهو لا يميز فيه بين ما يثبت وما لا يثبت، فانحطت بذلك رتبة الكتاب.\nقال الذهبي: \" قد كان ابن ماجة حافظًا ناقدًا صادقًا واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات \" (١).\nوقال في موضع آخر: \" غلاة الرافضة والجهمية الدعاة، وكالكذابين والوضاعين وكالمتروكين المهتوكين، كعمر بن الصبح، ومحمد المصلوب، ونوح بن أبي مريم، وأحمد الجويباري، وأبي حذيفة البخاري، فما لهم في الكتب حرف، ما عدا عمر، فإن ابن ماجة خرج له حديثًا واحدًا فلم يصب، وكذا خرج ابن ماجة للواقدي حديثًا واحدًا، فدلس اسمه وأبهمه\" (٢).\nوقال ابن حجر: \" تفرد فيه بإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الحديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم \" وسمى بعضهم (٣).\nوقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه نظر في كتاب ابن ماجة، فما عاب عليه إلا نحوًا من ثلاثين حديثًا.\nلكن قال الذهبي: قول أبي زرعة إن صح فإنما عنى بثلاثين حديثًا:\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٧٦).\n(٣) النكت على ابنِ الصلاح (١/ ٤٨٥) .......","vol":"2","page":865},{"text":"الأحاديث المطرحة الساقطة، وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة لعلها نحو الألف \" (١).\nوقال ابن حجر: \" هي حكاية لا تصح؛ لانقطاعها، وإن كانت محفوظة فلعله أراد ما فيه من الأحاديث الساقطة إلى الغاية، أو كان ما رأى من الكتاب إلا جزءًا منه فيه هذا القدر، وقد حكم أبو زرعة على أحاديث كثيرة منه بكونها باطلة أو ساقطة أو منكرة، وذلك محكي في كتاب (العلل) لابن أبي حاتم \" (٢).\n\nقلت: فبعد هذا كيف يصلح تسميته (صحيحًا) عند من أطلق عبارة (الصحاح الستة)؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>شرط أحمد في \" المسند </span>\":\n\nقال ابن تيمية: \" نزه أحمد مسنده عن أحاديث جماعة يروي عنهم أهل السنن، كأبي داود والترمذي، مثل نسخة كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه عن جده، وإن كان أبو داود يروي في سننه منها، فشرط أحمد في مسنده أجود من شرط أبي داود في سننه \" (٣).\nوقال في موضع آخر: \" وليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره يكون حجة عنده، بل يروي ما رواه أهل العلم، وشرطه في المسند: أن لا يروي عن المعروفين بالكذب عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف، وشرطه في المسند مثل شرط أبي داود في سننه \" (٤).\nونقل ابن القيم حكاية حنبل بن إسحاق قال: جمعنا أحمد بن حنبل،\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٧٩).\n(٢) النكت على ابن الصلاح (١/ ٤٨٦).\n(٣) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٢).\n(٤) منهاج السنة النبوية (٧/ ٩٦ - ٩٧) .......","vol":"2","page":866},{"text":"أنا، وصالح، وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: \" هذا كتاب، جمعته من سبع مئة ألف وخمسين ألف حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة \"، ثم قال ابن القيم: \" هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في تاريخه، وهي صحيحة بلا شك، لكن لا تدل على أن كل ما رواه في المسند فهو صحيح عنده، فالفرق بين أن يكون كل حديث لا يوجد له أصل في المسند فليس بحجة، وبين أن يقول: كل حديث فيه حجة، وكلامه يدل على الأول، لا على الثاني.\nوقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد، وقال: في الصحيحين أحاديث ليست في المسند، وأجيب عن هذا: بأن تلك الألفاظ بعينها وإن خلا المسند عنها، فلها فيه أصول ونظائر وشواهد، وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في المسند أصل ولا نظير، فلا يكاد يوجد البتة \" (١).\nقلت: وهذه حقيقة لا يتجاوزها من درس هذا الديوان العظيم وتأمله.\n\nدعوى (ما سكت عنه أحمد في \" المسند \" فهو صحيح):\n\nقال الحافظ أبو موسى المديني: \" ما أودعه الإمام أحمد ﵀ في مسنده، قد احتاط فيه إسنادًا ومتنًا، ولم يورد فيه إلا ما صح عنده \" (٢).\nوهذه الدعوى ردها ابن القيم، فقال: \" هذه المقدمة لا مستند لها البتة، بل أهل الحديث كلهم على خلافها، والإمام أحمد لم يشترط في\n_________\n(١) الفروسية (ص: ٦٩).\n(٢) خصائص المسند، لأبي موسى المديني (ص: ٢٤) ونقله بمعناه ابن القيم في \" الفروسية \" (ص: ٦٦ - ٦٧).","vol":"2","page":867},{"text":"مسنده الصحيح ولا التزمه، وفي مسنده عدة أحاديث سئل هو عنها فضعفها بعينها وأنكرها \" (١).\nوذكر ابن القيم ما زاد على عشرين حديثًا، جميعها مما خرجه في (المسند) وهي عنده إما ضعيفة أو منكرة (٢).\nثم قال: \" وهذا باب واسع جدًا، لو تتبعناه لجاء كتابًا كبيرًا، والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحًا عنده \" (٣).\nقلت: وهذا هو التحقيق، إنما فيه الصحيح وهو الغالب، وفيه الحسن وهو كثير، وفيه الضعيف وهو أقل بكثير من الصحيح والحسن، وفيه المنكر وهو قليل، وهل فيه موضوع؟.\nقال ابن تيمية: \" تنازع الحافظ أبو العلاء الهمذاني والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: هل في المسند حديث موضوع؟ فأنكر الحافظ أبو العلاء أن يكون في المسند حديث موضوع، وأثبت ذلك أبو الفرج، وبين أن فيه أحاديث قد علم أنها باطلة.\nولا منافاة بين القولين، فإن الموضوع في اصطلاح أبي الفرج: هو الذي قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب، بل غلط فيه؛ ولهذا روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع. . وأما الحافظ أبو العلاء وأمثاله، فإنما يريدون بالموضوع: المختلق المصنوع الذي تعمد صاحبه الكذب \" (٤).\n_________\n(١) الفروسية (ص: ٦٤) وذكر ابن القيم في هذا المعنى حكاية عن أحمد مما أورده أبو موسى المديني في \" خصائص المسند \" (ص: ٢٧)، هي رواية أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش العُكْبري، وهو شيخٌ متهم، لم يكن ثقة.\n(٢) انظر: الفروسية (ص: ٦٤ - ٦٦).\n(٣) الفروسية (ص: ٦٦) .......\n(٤) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٠) .......","vol":"2","page":868},{"text":"وأدخل ابن الجوزي في كتاب \" الموضوعات \" من تلك الأحاديث عددًا، تعقبه فيها الحافظ أبو الفضل العراقي، ثم تلميذه ابن حجر في \" القول المسدد في الذب عن المسند \"، وبينا أنها لا تبلغ الوضع.\nقال ابن حجر: \" ادعى قوم فيه الصحة، وكذلك في شيوخه، وصنف الحافظ أبو موسى المديني في ذلك تصنيفًا، والحق أن أحاديثه غالبها جياد، والضعاف منها إنما يوردها للمتابعات، وفيه القليل من الضعاف الغرائب الأفراد، أخرجها، ثم صار يضرب عليها شيئًا فشيئًا، وبقي منها بعده بقية. وقد ادعى قوم أن فيه أحاديث موضوعة، وتتبع شيخنا إمام الحفاظ أبو الفضل (١) من كلام ابن الجوزي في (الموضوعات) تسعة أحاديث أخرجها من المسند، وحكم عليها بالوضع، وكنت قرأت ذلك الجزء عليه، ثم تتبعت بعده من كلام ابن الجوزي في (الموضوعات) ما يلتحق به، فكملت نحو العشرين، ثم تعقبت كلام ابن الجوزي فيها حديثًا حديثًا، وظهر من ذلك أن غالبها جياد، وأنه لا يتأتى القطع بالوضع في شيء منها، بل ولا الحكم بكون واحد منها موضوعًا، إلا الفرد النادر، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك، وسميته (القول المسدد في الذب عن مسند أحمد) \" (٢).\nقلت: واعلم أن في ثناياه زيادات كثيرة من رواية ابنه عبد الله عن غير أبيه، هي على القسمة السابقة أيضًا بين الثابت وغيره، وفيه كذلك من زيادات أبي بكر القطيعي راوي \" المسند \" عن عبد الله.\n\n* * *\n_________\n(١) يعني العراقي.\n(٢) تعجيل المنفعة (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).","vol":"2","page":869},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-355>المبحث الخامس:\n\nالمستخرجات على \" الصحيحين </span>\"\n\nالمستخرج، هو: أن يعمد المحدث إلى كتاب من كتب الحديث المسندة كـ\" صحيح البخاري \"، فيروي أحاديث ذلك الكتاب بأسانيده الخاصة بحيث يلتقي مع البخاري في كل حديث في شيخه، أو من فوقه، ولا يتجاوز الشيخ الأقرب إلى البخاري حتى لا يجد في مسموعاته ذلك الحديث عن ذلك الشيخ، ويجب أن يستخرج الحديث من طريق نفس الصحابي الذي أخرج البخاري عنه الحديث.\nهذه صفة ما يسمى بـ \" المستخرج \".\nمثاله: قال الإمام مسلم في \" صحيحه \" (١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وابن نمير، قالوا: حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة، سمع جرير بن عبد الله يقول:\nبايعت النبي ﷺ على النصح لكل مسلم.\nهكذا جاء سياق الحديث برواية مسلم، فاستخرجه الحافظ أبو عوانة الإسفراييني في \" المستخرج على صحيح مسلم \" (٢) فقال: حدثنا إسحاق بن\n_________\n(١) كتاب الإيمان (رقم: ٩٨) .......\n(٢) مُستخرج أبي عوانة المسمى \" مسند أبي عوانة \" (١/ ٣٨).","vol":"2","page":870},{"text":"سيار، قال: حدثنا عبيد الله (١)، قال: أخبرنا سفيان، عن زياد بن علاقة، قال: سمعت جريرًا يحدث حين مات المغيرة بن شعبة، خطب الناس فقال:\nأوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، والسكينة والوقار، فإني بايعت رسول الله ﷺ بيدي هذه على الإسلام، واشترط علي النصح لكل مسلم، فورب الكعبة؛ إني لكم ناصح أجمعين، واستغفر ونزل.\nفأنت رأيت مسلمًا لم يرو هذا الحديث بهذا التمام، وفي استخراجه عليه فوائد عديدة في الإسناد والمتن، فأبرزها في الإسناد أن مسلمًا روى هذا الحديث من حديث سفيان بن عيينة، فجاء في \" الاستخراج \" من رواية سفيان الثوري متابعة لابن عيينة، كلاهما عن زياد، وفيه أن التخريج للرواية لم يلتق فيه أبو عوانة بمسلم في شيخه، ولا في شيخ شيخه ابن عيينة، إنما في شيخ ابن عيينة، وفي المتن زيادة لا تخفى فائدتها.\nواستخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في \" المستخرج على صحيح مسلم \" (٢) من طريق الحافظ الحميدي قال: حدثنا سفيان، حدثنا زياد بن علاقة، سمعت جرير بن عبد الله.\nثم رواه من طريق الحافظ الحسن بن سفيان قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا زياد بن علاقة، سمعت جرير بن عبد الله قال: \" بايعت رسول الله ﷺ على النصح لكل مسلم \".\nفاستخراج أبي نعيم لم ترد فيه فائدة في المتن، لكنه جاء على الموافقة لمسلم في رواية هذا الحديث في شيخه ابن أبي شيبة في رواية الحسن بن سفيان عنه، وشيخ شيخه ابن عيينة في رواية الحميدي عنه،\n_________\n(١) هو ابنُ موسى العبسيُّ، وشيخه فيه هو الثوري بناءً على ما يُراد عند الإطلاق في شيوخ عبيد الله، والحديث مَحفوظ من رواية السفيانين.\n(٢) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم (رقم: ١٩٥) .......","vol":"2","page":871},{"text":"ولك أن تقول: فيه من الفائدة كذلك أنه ميز (سفيان) في رواية مسلم بأنه ابن عيينة، وإن كان مثله لا يخفى في هذا الإسناد على مشتغل بالحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>فوائد المستخرجات:</span>\n\nوللمستخرجات فوائد كثيرة، نبه عليها كثير من المتأخرين، أوصلها ابن ناصر الدين الدمشقي إلى عشرة، هي:\nأولًا: زيادة ألفاظ، كتتمة محذوف، أو زيادة شرح في حديث، ونحو ذلك، وربما دلت على زيادة حكم.\nثانيًا: علو الإسناد.\nقلت: وذلك أن المستخرج مع تأخر وفاته أو زمانه عن وفاة البخاري مثلًا، إلا أنه يروي الحديث الذي رواه البخاري بعدد من الرجال يتساوى مع عدد رجال إسناد البخاري، فيكون المستخرج كأنه عاش مع البخاري في زمن واحد (١).\nثالثًا: قوة الحديث بكثرة الطرق؛ للترجيح عند المعارضة.\nقلت: ولدفع الغرابة عنه كذلك.\nرابعًا: وصل تعليقٍ علقه الشيخان أو أحدهما.\nخامسًا: بيان من تابع من الرواة الراوي من رجال \" الصحيحين \" على حديثه.\nسادسًا: معرفة اتفاقهما أو اختلافهما في الحرف أو الحرفين فصاعدًا.\nسابعًا: بيان الزيادة التي على لفظ \" الصحيحين \" أو أحدهما من حديث من وقعت، وهل انفرد بها أم لا؟\n_________\n(١) وتقدم في (المدخل) لهذا الكتاب، بيان معنى العلو وفائدته.","vol":"2","page":872},{"text":"ثامنًا: ذكر قصة في الحديث لم تقع للبخاري في \" صحيحه \" مثلًا، ووقعت في المستخرج.\nتاسعًا: رفع إشكال وقع في لفظ من \" الصحيحين \" أو أحدهما.\nعاشرًا: من فاته سماع \" الصحيحين \" أو أحدهما قد يصل إلى ذلك بأحاديثه وتراجمه بسماع أحد الكتب المستخرجة على الكتاب الذي فاته سماعه (١).\nقلت: وهذه الفائدة الأخيرة حين كان التلقي للكتب بالسماع، لا يحتاج إليها اليوم في تلقي \" الصحيحين \"، خصوصًا أن انتشارهما في الناس أكثر من انتشار المتسخرجات عليهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>من أمثلة المستخرجات على \" الصحيحين </span>\":\n\nوأكثر ما صنف من المستخرجات، كان على أحد \" الصحيحين \".\nفمن المستخرجات على \" صحيح البخاري \":\n١ - مستخرج أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي (المتوفى سنة: ٣٧١).\n٢_ مستخرج أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب البرقاني (المتوفى سنة: ٤٢٥).\n٣_ مستخرج أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني (المتوفى سنة: ٤٣٠).\nوعلى \" صحيح مسلم \":\n١ - المتسخرج، لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفراييني (المتوفى سنة: ٣١٦).\n_________\n(١) ساق هذه الفوائد للمستخرجات: الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في \" افتتاح القاري لصحيح البخاري \" .......","vol":"2","page":873},{"text":"٢ - المتسخرج، لأبي نعيم الأصبهاني.\n٣_ المستخرج، لأبي سعيد أحمد بن أبي بكر محمد بن أبي عثمان الحيري النيسابوري (المتوفى سنة: ٣٥٣).\nكما صنفت مستخرجات على بعض كتب الأصول غير \" الصحيحين \"، على نفس المنحى فيهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>تنبيهان:</span>\n\nالتنبيه الأول: قال السخاوي: \" وتقع في (صحيح أبي عوانة) الذي عمله مستخرجًا على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله، وفيها الصحيح والحسن، بل والضعيف أيضًا، فينبغي التحرز في الحكم عليها \" (١).\nوقال: \" المستخرجون ليس جل قصدهم إلا العلو، يجتهدون أن يكونوا هم والمخرج عليه سواء، فإن فاتهم فأعلى ما يقدرون عليه كما صرح به بعض الحفاظ مما يساعده الوجدان، وقد لا يتهيأ لهم علو فيوردونه نازلًا، وإذا كان القصد إنما هو العلو ووجدوه، فإن اتفق فيه شرط الصحيح فذلك الغاية، وإلا فقد حصلوا على قصدهم، فرب حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلًا، فأورده المخرج من طريق آخر ممن تكلم فيه عن الزهري بزيادة، فلا يحكم حينئذ فيه بالصحة \" (٢).\nقلت: وهذا تنبيه جدير بالملاحظة في جميع المستخرجات على \" الصحيحين \"؛ إذ الحاجة إلى تخريج الحديث من غير طريق صاحب الصحيح قد تلجئ إلى تخريجه من طريق مجروح.\n_________\n(١) فتح المغيث (١/ ٣٨).\n(٢) فتح المغيث (١/ ٤٠) .......","vol":"2","page":874},{"text":"ويؤكد ذلك أنه لم يعرف عن أحمد ممن خرج على الصحيحين أنه اشترط أن لا يخرج إلا عمن يحتج به.\nوالمطلوب اعتباره من النظر في إسناد المستخرج: البحث في درجة الإسناد من جهة المستخرج حتى يلتقي في إسناده مع صاحب \" الصحيح \"، لا ما بعده إلى منتهى الإسناد؛ فذلك إسناد \" الصحيح \" فلا يحتاج إلى النظر.\n\nالتنبيه الثاني: وقع الاستخراج على \" الصحيحين \" للحديث بعد الحديث في بعض مصنفات من جاء بعد الشيخين، وليس على سبيل الاستقلال بالتصنيف في هذا الموضوع، وذلك مثل ما يقع في كتب البيهقي وأبي محمد البغوي وغيرهما، يخرجون الحديث بإسناد ينطبق عليه نعت الاستخراج، ثم يتبع مثلًا بالقول: (متفق عليه) أو (أخرجه البخاري عن فلان) أو (من طريق فلان) وهكذا، فاعلم أن هذا العزو إلى \" الصحيحين \" أو أحدهما إنما يعني الاتفاق على الإسناد من موضع الالتقاء بين البغوي مثلًا وصاحب الصحيح، والاتفاق على أصل المتن، وقد يتطابق إلى المتن أو يتغاير زيادة واختصارًا، فاحذر أن تأخذ من هذه الكتب ما عزي إلى \" الصحيحين \" وتقول: (متفق عليه) أو (أخرجه البخاري) أو (مسلم) دون الرجوع إلى \" الصحيحين \" ذاتهما.\nكما عليك أن تحذر من الحكم على لفظ البغوي مثلًا بالصحة، بمجرد عزوه الحديث إلى \" الصحيح\" وهو قد استخرجه عليه.\n\n* * *","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>المبحث السادس:\n\nأين يوجد الحديث الصحيح في غير\nالكتب الموسومة بالصحة</span>؟\n\nلم يحصر الحديث الصحيح في كتابي البخاري ومسلم، وإنما أخرجا أحسن ما في الأبواب من صحيح الحديث، وقصدا إلى الاختصار، كما سيأتي في (المبحث السابع).\nويستفاد الحديث الصحيح الزائد على ما في \" الصحيحين \" من الأمهات المشهورة، والكتب الحديثية المنثورة .......\nوأكثر تلك الكتب تخريجًا للحديث الصحيح السنن الأربعة المتقدم بيانها: لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة.\nو\" مسند \" الإمام أحمد بن حنبل أوسع تلك الكتب ومن أشملها على الحديث الصحيح.\nوفي \" صحيحي \" ابن خزيمة وابن حبان زيادات جليلة، وكذا \" مستدرك \" الحاكم.\nهذه الكتب قلما يفوتها من الحديث الصحيح، وما يجتهد المحدثون للوقوف عليه في غيرها هو في الغالب الأسانيد لا المتون، ورب حديث","vol":"2","page":876},{"text":"بإسناد ضعيف عند الترمذي يوجد له طريق أخرى صحيحة مروية في كتب الطبراني.\nعلى أن المحدث لا يستغنى عن التتبع للحديث في جميع أصناف الكتب المصنفة فيه:\nكسائر كتب السنن غير المذكورة، مثل: سنن سعيد بن منصور، ومسند الدارمي وهو على طريقة السنن في التصنيف، والسنن الكبرى للنسائي وهي غير السابقة الذكر، وسنن الدارقطني، وسنن البيهقي.\nوسائر المسانيد غير \" مسند أحمد \"، مثل: مسند ابن أبي شيبة، ومسند أبي يعلى الموصولي، ومسند البزار المسمى بـ\" البحر الزخار \".\nوالكتب المسماة بـ\" المصنف \"، وموجود منها بأيدي الناس: \" مصنف \" عبد الرزاق الصنعاني، و\" مصنف \" ابن أبي شيبة.\nوكذا كتب \" المعاجم \" وطرق تأليفها مختلفة، ومن أجلها: المعاجم الثلاثة للحافظ الطبراني، وهي: \" المعجم الكبير \" و\" الأوسط \" و\" الصغير \".\nوفي كتب الطحاوي فوائد جمة، وكذا الكتب المصنفة في أبواب من العلم، كالتفسير والتاريخ والزهد والعقائد مما جرى مؤلفوها على الرواية بالإسناد.\nكما في الكتب الموسومة بـ\" الفوائد \" و\" الأماني \" و\" الأجزاء \" فوائد لا تحصى كثرة في طرق الحديث والزيادة في متونه.\nكل تلك الكتب من مظان الوقوف على الحديث الصحيح أو الإسناد الصحيح، والأصل في جميعها بعد \" الصحيحين \" وجوب النظر لمعرفة الثبوت من عدمه في أسانيدها ومتونها، ولا يكفي مجرد الأخذ منها، وذلك لاشتمالها على المقبول والمردود .......\nوقد قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: \" ما أهلك","vol":"2","page":877},{"text":"الحديث أحد ما أهلكه أصحاب الإسناد \" يعني الذين يجمعون المسند، أي: يغمضون في الأخذ من الرجال (١).\nوليس في المسانيد فيما وصلنا منها كتاب له شرط الصحة، لكن (المسند) للإمام أحمد بن حنبل أجلها وأتقاها حديثًا.\nوسائر الكتب الممثل بأهمها أو المشار إليها من معاجم وأمالي وفوائد وأجزاء، كذلك تواريخ وتراجم تشتمل على الرواية بالإسناد، وما ذكر ابن معين من عيب المسانيد وارد عليها كذلك.\nوإنما يستثنى من الحاجة إلى النظر فيه في حق غير أهل الاختصاص: ما رجحناه من قبل في شأن ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان.\nوكذلك حكم بعض مؤلفي تلك الكتب من الحفاظ على الحديث بالصحة أو الحسن، فلك أن تعتمد قولهم ما لم يظهر خلافه بحجة، وذلك مثل أحكام الإمام الترمذي على الأحاديث بالصحة والحسن، وأحكام الدارقطني والبيهقي على كثير من الأحاديث بالثبوت.\nوكذا إذا رأيت إمامًا عارفًا أو محدثًا بارعًا حكم على شيء من أسانيد وأحاديث تلك الكتب، ولم يعرف ذلك المحدث بالتساهل في الحكم على الروايات بما يخالف طريقة نقاد المحدثين الأقدمين، فلا بأس أن يستفاد منه تمييز الحديث الصحيح الزائد على \" الصحيحين \"، من أولئك الأئمة من أعيان المتأخرين: المنذري والنووي والذهبي وابن كثير وأبو الفضل العراقي وابن حجر العسقلاني والألباني.\nوأما من عرف بتساهله وكثر وهمه في الحكم على الأحاديث بحيث أضعف الثقة بأحكامه فلا يصلح الاعتماد عليه، مثل: نور الدين الهيثمي وجلال الدين السيوطي، ومن المعاصرين الشيخ أحمد محمد شاكر، ﵏.\n_________\n(١) سؤالات ابن الجنيد (النص: ٦٢) .......","vol":"2","page":878},{"text":"تنبيه:\n\nالكتب الحديثية كثيرة للغاية، وما تقدمت تسميته أو الإشارة إليه فهو أعظمها وأوعبها، واستفادة الحديث الصحيح من أي من الكتب التي عني أصحابها بتخريج الحديث فيها بأسانيدهم توجب التحقق من أمور ثلاثة:\nالأول: أن يكون الكتاب المستفاد منه صحيح النسبة إلى مؤلفه.\nوهذا الشرط يخل به كثير من المتأخرين في شأن كتب لم تعرف صحتها إلى من نسبت إليه، أو عرفت بالضعف، مثل المسند الذي تعتمده الزيدية المعروف بـ \" مسند زيد \"، والمسند الذي تعتمده الإباضية المعروف بـ\" مسند الربيع بن حبيب \"، وكتاب \" الجهاد \" لعبد الله بن المبارك، وغيرها.\nوهذا التنبيه مطلوب اعتباره في جميع كتب الحديث، وقد اعتبره أئمة الحديث حتى في روايات \" الصحيحين \"، وحققوا صحة أسانيدهما ونسخهما إلى الشيخين، وكذلك فعلوا في شأن السنن الأربعة و\" المسند \" للإمام أحمد، ومعاجم الطبراني، والأمهات الشائعة.\nووقع لهم الكلام في الشيء من ذلك، ككلامهم في روايات كتب عبد الرزاق الصنعاني عنه من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري، وإن كان التحقيق صحة السماع والنسبة.\n\nوالثاني: أن يكون المؤلف مخرج ذلك الحديث ممن يحتج به.\nوالإخلال بترك التحقق من هذا موجود عند بعض المتأخرين أيضًا، ومعلوم أن طائفة ممن صنفوا في الحديث لم يكونوا من الثقات في أنفسهم، بل هم من المجروحين على تفاوت درجات الجرح، مثل: محمد بن عمر الواقدي، ونعيم بن حماد الخزاعي، وأبي بكر أحمد بن مروان الدينوري، وغيرهم.\n\nوالثالث: مراعاة جميع شروط صحة الحديث أو حسنه في ذلك الإسناد المخرج من مؤلفه إلى منتهاه.","vol":"2","page":879},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>المبحث السابع:\n\nتصحيح الحديث على شرط الصحيح</span>\n\nالمراد به: (على<span data-type=\"title\" id=toc-362> شرط البخاري </span>ومسلم) أو (أحدهما).\nوتوضيح هذا يوجب تحرير شرط كل من الشيخين فيما خرجاه في (كتابيهما).\n\nشرط البخاري:\n\nشرط البخاري في \" صحيحه \": أنه جرد الصحيح المستوفي لشروط الصحة: من اتصال الإسناد، وثقة الرواة، والسلامة من العلل.\nوذلك مستفاد من تتبع كتابه.\nكذلك يتبين من عنوانه، فإنه سماه: \" الجامع المسند المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه \" .......\nوقال البخاري: \" ما أدخلت في كتابي (الجامع) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول \" (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن عَدي في \" الكامل \" (١/ ٢٢٦) و\" أسامي من روى عنهم البخاري ومسلم \" (ص: ٦٢) ومن طريقه: الخليلي في \" الإرشاد \" (٣/ ٩٦٢) والخطيب في \" تاريخه \" (٢/ ٨ - ٩) وابن عساكر في تاريخه \" (٥٢/ ٧٣) من طريق إبراهيم بن مَعْقل النسفي عن البخاري، به. وعند ابنِ عساكر من وجهين عنه، هو صحيحٌ بهما.","vol":"2","page":880},{"text":"قلت: وهذا صريح منه أنه لم يقصد إلى مجرد الجمع، بل جرد الصحيح في كتابه لم يَشُبه بغيره، كذلك يدل هذا على ضعف الاستدراك عليه لما لم يخرجه من الحديث، فإنه قصد إلى الاختصار.\nفأما شرطه في الاتصال فشديد، فإنه لم يكتف بمعاصرة الراوي لشيخه، بل اشترط لقاءه له ولو مرة، وقد حررته في الكلام على (الاتصال) في (القسم الأول).\nوأما في الرجال، فإنه عمد إلى أحاديث الثقات الذين هم في أعلى درجات الثقة، واحترز من أحاديث من قامت الشبهة أو قويت مظنتها في روايته.\nقال الدارقطني: \" أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وعن بهز بن حكيم اعتبارًا؛ لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهزًا متوسط \" (١).\nوبين الحاكم شرط البخاري في صفة الثقة الذي خرج له، فقال: \" من شرط البخاري في (الصحيح) أن الحديث لا يشتهر عنده إلا بثقتين يتفقان على روايته \" (٢).\nوزاد ذلك بيانًا في موضع آخر، وضم إلى البخاري مسلمًا، فقال: \" الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله ﷺ، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته \" (٣).\n_________\n(١) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٧٥).\n(٢) سؤالات مسعود السجزي للحاكم (النص: ٢٦٧).\n(٣) المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٣) .......","vol":"2","page":881},{"text":"ومراد الحاكم بهذا أن أحاديث الصحيحين ليس فيها راو خرجا له أو خرج له أحدهما، إلا وهو معروف برواية اثنين فصاعدًا عنه، وليس مراده أن ذلك الحديث رواه اثنان، وعن كل واحد منهما اثنان.\nوالذي يرفع الإشكال عن كلام الحاكم في تفسيره لشرط الشيخين في الرجال، ما بينه بنفسه في كتاب \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" حين قسم الحديث الصحيح المتفق على الاحتجاج به عند فقهاء الحجاز وفقهاء الكوفة، لا المختلف فيه، إلى خمسة أقسام، فذكر أول الأقسام ما اتفق عليه الشيخان، وأتبعه ببيان الشرط المذكور، ثم قال: \" القسم الثاني من الصحيح المتفق عليه: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل، رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي، وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد \".\nثم مثل له بحديث عروة بن مضرس الطائي في الحج، ثم قال: \" هذا حديث من أصول الشريعة، مقبول متداول بين فقهاء الفريقين، ورواته كلهم ثقات، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم في الصحيحين، إذ ليس له راو عن عروة بن مضرس غير الشعبي. وشواهد هذا كثيرة في الصحابة \" فذكر جماعة من الصحابة لم يعرفوا إلا برواية واحد عن كل منهم (١).\nونفى الحاكم أن يكون الشيخان أو أحدهما قد خرجا لراو لم يعرف إلا بروية واحد عنه.\nلكن هذا الذي قاله الحاكم لم يقبله النقاد.\nقال الحافظ ابن طاهر المقدسي: \" إن البخاري ومسلم لم يشترطا هذا الشرط، ولا نقل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير، وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري إنه شرط حسن لو كان\n_________\n(١) المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٦ - ٣٧).","vol":"2","page":882},{"text":"موجدًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة في الكتابين جميعًا \" (١).\nفذكر أمثلة لذلك، فمما أخرجه البخاري: مرداس الأسلمي، تفرد عنه قيس بن أبي حازم. وعمرو بن تغلب، تفرد عنه الحسن البصري.\nواتفق هو ومسلم على تخريج حديث المسيب بن حزن، وتفرد عنه ابنه سعيد.\nومما أخرجه مسلم: الأغر المزني، تفرد عنه أبو بردة بن أبي موسى. وأبو رفاعة العدوي، تفرد عنه حميد بن هلال. إلى غير ذلك.\nومن الغريب في هذا أن الحاكم قد درس \" الصحيحين \" دراسة العارف، فعجبًا له كيف أطلق تلك المقالة، بل إنه كان يعلم أن الشيخين احتجا بمن لم يرو عنه إلا واحد، فقد قال في \" المستدرك \": \" وقد أخرجا جميعًا عن جماعة من الثقات لا راوي لهم إلا واحد \" (٢).\nووجدت البيهقي كذلك جرى على مذهب شيخه الحاكم في تلك الدعوى، فإنه ذكر (عمرو بن بجدان) فقال: \" وليس له راو غير أبي قلابة، وهو مقبول عند أكثرهم؛ لأن أبا قلابة ثقة، وإن كان بخلاف شرط الشيخين في خروجه عن حد الجهالة بأن يروي عنه اثنان \" (٣).\nوالرد المتقدم لكلام الحاكم رد على البيهقي كذلك.\nوأما تحري البخاري في سلامة الحديث من العلل المؤثرة، فغاية في الظهور لمن درس كتابه، ولذا ندر التعقب عليه في ذلك، وكان لفطنته لما قد يتعقب به مما يقع من اختلاف الرواة في حديث، فإنك تراه يسوق\n_________\n(١) شروط الأئمة الستة (ص: ٩٦) .......\n(٢) المستدرك (١/ ٨ بعد الحديث رقم: ١٦).\n(٣) الخِلافيات (٢/ ٤٥٧).","vol":"2","page":883},{"text":"الحديث بأحسن إسناد عنده محتجا به، ثم يذكر بعده ما وقع من الاختلاف، كأنه يقول بذلك: قد اطلعت على الاختلاف في الرواية وعلمته، ولكن لا أثر له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>شرط مسلم </span>في كتابه:\n\nأما مسلم فقد اجتهد في استيفاء شروط الصحة فيما خرجه في \" صحيحه \" كما وقع من شيخه البخاري، وإن كان خالف في شيء غير مؤثر في تقدم كتابه.\nوكتابه مختصر أيضًا في الحديث الصحيح، فإنه قال: \" صنفت هذا المسند \" يعني صحيحه \" من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة \" (١).\nوسئل عن حديث أبي هريرة في القراءة وراء الإمام، فقال: \" هو عندي صحيح \" فقال السائل: لم لم تضعْه هنا (٢)؟ فقال: \" ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه \" (٣).\nوفسر ابن الصلاح قوله: (ما أجمعوا عليه) من وجهين، فقال: \" الأول: أنه أراد أنه لم يضع في كتابه إلا الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط المجتمع عليه، وأنه لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم. والثاني: أنه أراد أنه ما وضع فيه ما اختلفت الثقات فيه في نفس الحديث متنًا أو إسنادًا، ولم يرد ما كان اختلافهم إنما هو في توثيق بعض رواته، وهذا هو الظاهر من كلامه \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \" تاريخه \" (كما في \" السير \" ١٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩) والخطيب في \" تاريخه \" (١٣/ ١٠١) وإسناده صحيح.\n(٢) يعني داخِلَ صحيح.\n(٣) صحيح مسلم (١/ ٣٠٤) .......\n(٤) صيانة صحيح مسلم (ص: ٧٥).","vol":"2","page":884},{"text":"وبين مسلم شرطه في \" مقدمة صحيحه \" فقال: \" نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ، فنقسمها على ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس \" (١).\nقال: \" فأما القسم الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى، من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين وبان ذلك في حديثهم.\nفإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم، من حمال الآثار ونقال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية، ألا ترى أنك إذا وازنت هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم عطاء ويزيد وليثًا، بمنصور بن المعتمر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتهم مباينين لهم لا يدانونهم، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك؛ للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور والأعمش وإسماعيل وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء ويزيد وليث.\nوفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران كابن عون وأيوب السختياني، مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني، وهما صاحبا الحسن\n_________\n(١) مُقدمة صحيح مُسلم (ص: ٤) .......","vol":"2","page":885},{"text":"وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البون بينهما وبين هذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم \" (١).\nقلت: لم ينص مسلم على سوى القسم الأول من الثلاثة، لكنه في التحقيق ضمن القسمين الثاني والثالث بيانه الذي ذكر لمراتب الرواة، فإن مقتضى بيانه للنقلة الذين خرج لهم في كتابه أنهم على ثلاثة أقسام:\nالأول: الحفاظ المتقنون، مثل: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن عون، وأيوب السختياني.\nوهذا القسم هو الأصل في التقديم عنده، وهو الذي يقوم عليه بناء (صحيحه).\nوالثاني: ثقات دونهم، مثل: عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وأشعث بن عبد الملك الحمراني.\nوهذا القسم يخرج حديثهم في كتابه كما يخرج الأول، ويحتج بهم، وإن كانوا دونهم.\nوالثالث: صدوقون في الأثل، ليسوا بالمتقنين، من جهة ما عرفوا به من سوء الحفظ، مثل: عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم.\nفهذا القسم قد يخرج لهم في المتابعات، حيث وافقوا فيما رووا أهل القسمين السابقين، وإن كان قد أقل من هذا جدًا (٢).\n_________\n(١) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٥ - ٦) .......\n(٢) فهو هنا قد مثل بثلاثة: عطاء بن السائب، ولم يُخرج له شيئا أصلًا، ويزيد بن أبي زياد، وليس له عنده سوى موضع واحد مُتابعةً (٣/ ١٦٣٧) من رواية ابن عيينة عنه، وليثٌ كذلك له في موضع واحد مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني (٣/ ١٦٣٦).","vol":"2","page":886},{"text":"وللحاكم في هذه الأقسام قول لم أجد له فيه مستندًا، قال: \" لما فرغ من هذا القسم الأول أدركته المنية ﵀ وهو في حد الكهولة \" (١).\nكما نص مسلم أنه لا يخرج في كتابه لصنفين من الرواة:\nالأول: المتهمون عند عامة أهل الحديث، أو عند أكثرهم، مثل: عمرو بن خالد، ومحمد بن سعيد المصلوب، وأبي داود النخعي.\nوالثاني: من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط.، مثل: يحيى بن أبي أنيسة، وعباد بن كثير، وعمر بن صهبان.\nقال الحازمي فيما يكون بيانًا لشرط الشيخين جميعًا في انتقاء أحاديث الثقات: \" مذهب من خرج الصحيح: أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه، إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض، وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم \" (٢).\nقلت: ثم مثل بمثال حاصله: تخريج حديث الزهري، فهو على مراتب بحسب طبقات أصحاب الذين حملوا عنه (٣):\nفالأولى: الثقة المتقن المقدم كمالك وابن عيينة ومعمر، فحديث هذه الطبقة أعلى حديث الزهري وأصحه.\nوالثانية: طبقة مثل الليث بن سعد والأوزاعي، وحديثهم عنه ليس\n_________\n(١) المدخل إلى كتاب الإكليل (ص: ٣٤)، وممن ردَّ مقالة الحاكم: القاضي عياض في \" إكمال المُعلم \" (١/ ٨٦) والذهبي في \" السير \" (١٢/ ٥٧٥).\n(٢) شروط الأئمة الخمسة (ص: ١٥٠).\n(٣) تقدم أن ذكرتُ هذه الطبقات لأصحاب الزهري بأبْسط مما هنا في (المبحث الثالث) من (الفصل الثالث) من (النقد الخفي) .......","vol":"2","page":887},{"text":"بالمردود، ولكنه ليس الأمثل؛ لأنهم لم تكن لهم من الملازمة للزهري ما مكنهم من إتقان حديثه، فيخرج في أدنى درجات الصحيح.\nوالثالثة: طبقة سفيان بن حسين وجعفر بن برقان، لزموا الزهري لكنهم لم يتقنوا عنه حديثه، فتفردوا وأخطأوا، وحديثهم صالح في الشواهد والمتابعات.\nوالرابعة: طبقة الضعفاء، كزمعة بن صالح، والمثنى بن الصباح، لزموا، لكنهم عرفوا بالضعف أصلا ً.\nوالخامسة: طبقة المتروكين، كإسحاق بن أبي فروة، وعبد القدوس بن حبيب.\nوقال الحافظ ابن حجر: \" وأكثر ما يخرج البخاري حديث الطبقة الثانية تعليقًا، وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقًا أيضًا، وهذا المثال هو في حق المكثرين، فيقاس على هذا أصحاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وغيرهم.\nفأما غير المكثرين، فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرد به، كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه فأخرجا له ما شاركه فيه غيره، وهو الأكثر \" (١)،\nوقال محمد بن طاهر المقدسي: \" شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن، وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه، إلا أن مسلمًا أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري\n_________\n(١) هدي الساري (ص: ١٠).","vol":"2","page":888},{"text":"حديثهم؛ لشبهة وقعت في نفسه، أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة، مثل: حماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، وداود بن أبي هند، وأبي الزبير، والعلاء بن عبد الرحمن، وغيرهم \" (١)\nوقال الحافظ الزيلعي: \" صاحبا الصحيح، رحمهما الله، إذا أخرجا لمن تكلم فيه فإنهم ينتقون من حديثه ما توبع عليه، وظهرت شواهده، وعلم أن له أصلًا، ولا يروون ما تفرد به سيما إذا خالفه الثقات \".\nومثل برواية مسلم حديث أبي أويس: \" قسمت الصلاة بيني وبين عبدي \".\nقال: لأنه لم يتفرد به، بل رواه غيره من الأثبات، كمالك وشعبة وابن عيينة، فصار حديثه متابعة \" (٢).\n\nف<span data-type=\"title\" id=toc-364>الواجب اعتباره لفهم شرط الشيخين فيما انتقياه </span>أمور أهمها:\n\nأولًا: أن يلاحظ أنهما يخرجان للراوي أصولًا ومتابعات وشواهد، فمن خرجا له في غير الأصول، فليس على شرط الصحيح.\n\nثانيًا: أنهما يخرجان حديث الراوي عن بعض شيوخه، ولا يخرجانه عن شيخ معين مع ثقة ذلك الشيخ؛ لكون الراوي عنه ضعيفًا فيه، وذلك كسفيان بن حسين خرجا له ما لم يكن من حديثه عن الزهري؛ لأنه كان ضعيفًا فيه.\n\nثالثًا: يخرجان للشيخ في بعض حديثه ضعف، فينتقيان منه ما هو محفوظ دون سائره، كتخريجهما لإسماعيل بن أبي أويس وشبهه.\n\nرابعًا: يخرجان من روايات الثقات الموصوفين بالتدليس ما ثبت أنهم\n_________\n(١) شروط الأئمة الستة (ص: ٨٦) .......\n(٢) نصب الراية (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) .......","vol":"2","page":889},{"text":"لم يدلسوا فيه، أو الذين اختلطوا في أواخر أعمارهم، ما ثبت أنه ليس مما ضر به الاختلاط.\nوهذا مما أغفله المستدركون على الصحيحين ما لم يخرجاه، وأبرزهم الحاكم في كتابه \" المستدرك \".\nومن أشد ما عيب على الحاكم الإخلال في تعقبه بسبب تساهله في تخريج أحاديث من أخرج لهم الشيخان من الرواة، دون اعتبار الصفة التي أخرج لهم عليها الشيخان.\nوبين الزيلعي أن الشيخين أو أحدهما قد يخرجان حديث الراوي فيه ضعف، انتقاء للمحفوظ من حديثه، ومن ثم فيحتج بعض من بعدهم بكون الراوي خرج له الشيخان دون مراعاة هذا المعنى، فقال: \" وهذه العلة راجت على كثير ممن استدرك على (الصحيحين)، فتساهلوا في استدراكهم، ومن أكثرهم تساهلًا الحاكم أبو عبد الله في كتابه (المستدرك)، فإنه يقول: هذا حديث على شرط الشيخين، أو أحدهما، وفيه هذه العلة، إذ لا يلزم من كون الراوي محتجًا به في الصحيح أنه إذا وجد في أي حديث، كان ذلك الحديث على شرطه؛ لما بيناه.\nبل الحاكم كثيرًا ما يجيء إلى حديث يخرج لغالب رواته في الصحيح، كحديث روي عن عكرمة عن ابن عباس، فيقول فيه: (هذا حديث على شرط البخاري)؛ يعني لكون البخاري أخرج لعكرمة، وهذا أيضًا تساهل.\nوكثيرًا ما يخرج حديثًا بعض رجاله للبخاري، وبعضهم لمسلم، فيقول: (هذا على شرط الشيخين)، وهذا أيضًا تساهل.\nوربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا (الصحيح) عن شيخ معين، لضبطه حديثه وخصوصيته به، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه، أو ضبطه حديثه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه،","vol":"2","page":890},{"text":"أو لغير ذلك، فيخرجه هو عن غير ذلك الشيخ، ثم يقول: (هذا على شرط الشيخين)، أو: (البخاري)، أو: (مسلم)، وهذا أيضًا تساهل؛ لأن صاحبي (الصحيح) لم يحتجا به إلا في شيخ معين لا في غيره، فلا يكون على شرطهما.\nوهذا كما أخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال وغيره، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن المثنى، فإن خالدًا غير معروف بالرواية عن ابن المثنى، فإذا قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد عن ابن المثنى: (هذا على شرط البخاري ومسلم) كان متساهلًا.\nوكثيرًا ما يجيء إلى حديث فيه رجل ضعيف أو متهم بالكذب، وغالب رجاله رجال الصحيح، فيقول: (هذا على شرط الشيخين) أو (البخاري) أو (مسلم)، وهذا أيضًا تساهل فاحش.\nومن تأمل كتابه (المستدرك) تبين له ما ذكرناه \" (١).\nوقال ابن القيم ناقدًا صنيع الحاكم وشبهه: \" أن يرى. . الرجل قد وثق، وشهد له بالصدق والعدالة، أو خرج حديثه في الصحيح، فيجعل كل ما رواه على شرط الصحيح، وهذا غلط ظاهر، فإنه إنما يكون على شرط الصحيح إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة، وتوبع عليه، فأما مع وجود ذلك أو بعضه فإنه لا يكون صحيحًا، ولا على شرط الصحيح، ومن تأمل كلام البخاري ونظرائه في تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم في صحيحه، علم إمامته وموقعه من الشأن، وتبين له حقيقة ما ذكرناه \" (٢).\nوقال ابن القيم أيضًا منبهًا على معنى تخريج مسلم حديث (مطر\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) .......\n(٢) الفروسية (ص: ٦٢)، وانظر كذلك لهذا المعنى: الصارم المُنكي، لابن عبد الهادي المقدسي (ص: ١٦١ - ١٦٣).","vol":"2","page":891},{"text":"الوراق) وشبهه: \" ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استردك عليه إخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع حديث سيء الحفظ، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية طريقة أبي محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن \" (١).\nقلت: فالواجب على من قصد إلى إصابة شرط الشيخين فيما لم يخرجاه أن يسلك طريقهما في الانتقاء.\n\nوخلاصة هذا المبحث:\n\nأن على الباحث أن يجتهد في تحقيق صورة الانتقاء من أحاديث من أخرجهم الشيخان، ولا يبادر إلى الحكم على حديث بأنه على شرط الشيخين أو أحدهما بمجرد تخريجهما لذلك الراوي.\nولما كان تحقيق ذلك مما يشق ويعسر فينبغي أن يستغنى عن القول مثلًا: (حديث على شرط الشيخين) بالقول: (إسناده إسناد الصحيح) وشبه ذلك، مما لا يقع به إيهام استيفاء شروط الشيخين، خصوصًا مع استحضار أن شرط الشيخين غير مقصور على أحوال الرواة، وإنما يطلب فيه سائر شروط الصحة.\n\n* * *\n_________\n(١) زاد المعاد (١/ ٣٥٣) .......","vol":"2","page":892},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>المبحث الثامن:\n\nمسائل في الحديث الصحيح والحسن</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>المسألة الأولى: الحديث الصحيح والحسن كلاهما حجة </span>في الدين.\nقال الإمام الشافعي: \" وإذا ثبت عن رسول الله ﷺ الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه \" (١).\nقلت: أما الحديث الصحيح فهذا المعنى ظاهر فيه.\nوأما الحديث إذا دل التحقيق والنظر على حسنه، فذلك يلحقه بالصحيح في الاحتجاج، من جهة أن حسنه لم يثبت إلا عندما تحققت فيه شروط القبول وانتفت عنه موانعه، وتلك هي صفة الحديث الصحيح، وان افترقا في نوع بعض تلك الشروط وكيفية تحققها، على ما تقدم بنانه.\nوكما أن (الحديث الصحيح) تثبت به الأحكام، فذلك الحسن، لكن يجب أن يعلم أن (الصحيح) يستقل بإثبات حكم لا ضد له أقوى منه، أما (الحسن) فإننا اشترطنا أن لا يتفرد راويه بأصله، وهذا يعني أنه لا يثبت حكما لا يعرف إلا من تلك الجهة، ولكنه يستدل به على الإبانة والتفصيل لحكم أصله في الجملة ثابت من وجه آخر.\n_________\n(١) الرسالة (ص: ٣٣٠) .............","vol":"2","page":893},{"text":"والعلة في هذا الفارق: أن راوي الحديث الحسن إنما قصر عن درجة من يحتج به ابتداء حتى ينظر في روايته، من أجل ما نخشى من خطئه ووهمه، وذلك لما أوردته شبهة خطئه في بعض ما روى، أو قصور درجته في الحفظ عن درجة المتقنين لعدم الشهرة بالعلم والاعتناء به.\nوإذا كان هذا ظاهرًا في الأحكام، فمن الخطأ البين القول بصحة بناه اعتقاد على (حديث حسن) جرى الحكم بحسنه على ظواهر قواعد المتأخرين في تعريفهم للحسن، دون استقصاء قدر الموافقة للمحفوظ المعروف، أو المخالفة، أو التفرد.\nوإذا تحققت هذه المسألة لم تجد لأهل الإسلام عقيدة لم يأت فيها إلا حديث حسن، بل إنك لا تجد عقيدة يقصر العلم بها على حديث صحيح فرد، فإن العقائد أبلغ من الأحكام وآكد، والديانة بها أخطر، فمن أجل ذلك لا يصح تصور أن يكون الشيء منها لم يرد فيه إلا خبر واحد فرد، لا يعلم له أصل من وجه آخر.\nنعم، قد تجد في تفاريع بعض ما يتصل بالاعتقاد ما لم يرد فيه إلا الحديث الواحد الصحيح أو الحسن، لكن أصله محفوظ معروف، كتفاصيل سؤال القبر والشفاعة وصفة الميزان يوم القيامة، فإنك لا تجدها إلا مؤيدة لأصل معلوم من دين الإسلام: جاء به الكتاب، أو الصحيح المقطوع به من السنة، والجهل بتلك التفاريع أو عدم اعتقاد ثبوتها لا يقدح في دين الإنسان، ولعذر صاحبها بالتأويل مساغ، بخلاف الإيمان بأصولها في الجملة.\nوتقدم أن بعض الحفاظ أدرجوا (الحسن) تحت مسمى (الصحيح) تغليبًا، كما وقع الشيء منه في \" الصحيحين \"، وكما هو صنيع ابن خزيمة وابن حبان في \" صحيحيهما \".\nوالتمييز بينهما في الإطلاق أدق، إذ فيه إبقاء للإشعار بطريق الوصول","vol":"2","page":894},{"text":"به إلى هذه المرتبة، كذلك فيه فائدة تمييز درجات الحفظ للنقلة، فلو أطلقنا عليه وصف (الصحة) فربما أوهم ذلك أن رواته رواة (الحديث الصحيح).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>المسألة الثانية: درجات الصحة تتفاوت في القوة بحسب القرائن</span>.\n\nالمقصود بهذا ملاحظة أن بعض الصحيح أصح من بعض، فرواية من وصف بأن (ثقة حافظ) فوق رواية من وصف بكونه (ثقة) فقط، والحديث يأتي من طريقين صحيحين أقوى من الحديث لا يأتي إلا من طريق واحدة صحيحة.\nكما أن الحديث في الفقه يرويه الثقة الفقيه أعلى من الحديث يرويه ثقة غير فقيه.\nوكذلك (الصحيح) فوق (الحسن).\nو(الحسن) يرد من وجهين أو أكثر، كل وجه منهما قد اتفقت فيه شروط الحسن، يكون (صحيحًا لغيره)، فهذا فوق (الحسن لذاته).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>المسألة الثالثة: هل صحة الإسناد توجب صحة الحديث</span>؟\n\nقلت: إذا قيل: (إسناد صحيح) وقصد القائل أنه استوفى جميع الشروط الأربعة المتقدمة فلا فرق بين ذلك وبين قوله: (حديث صحيح).\nوكذلك إذا قيل: (إسناده حسن) بشروطه، فهو كالقول: (حديث حسن) .............\nوالواجب أن لا يقال لحديث: (إسناده صحيح) أو (حسن) إلا ويراد بذلك استيفاؤه جميع الشروط الموجبة لصحة الحديث، أو حسنه؛ لأن هذا اللفظ ينبغي أن لا يفهم إلا الثبوت.\nقال الإمام شعبة بن الحجاج: \" إنما يعلم صحة الحديث بصحة الإسناد \" (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٥٧) وإسناده جيد .......","vol":"2","page":895},{"text":"لكن في المتأخرين من لا يراعي ذلك، وكأنه كان يكتفي بتحقق الشروط الثلاثة الأولى فيحكم بصحة الإسناد وحسنه، فترى بعض ما يحكمون عليه بذلك لا يسلم من علة قادحة، كما وقع ذلك في صنيع الحاكم النيسابوري، وكثر مثله بعد الذهبي فالعراقي فابن حجر، وفي زماننا صار هذا النمط لا يحصى كثرة، فيحتاج قبول كثير من تلك الأحكام إلى احتياط شديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>المسألة الرابعة: قولهم في الحديث: (رجاله ثقات) هل يعني الصحة</span>؟\n\nالجواب: ليست هذه العبارة حكمًا من قائلها بصحة الحديث ولا حسنه.\nوبين ابن القيم خطأ الحكم بصحة الحديث بناء على مجرد ثقة رواته، وذلك من وجهين، قال:\n\" أحدهما: أن ثقة الراوي شرط من شروط الصحة، وجزء من المقتضي لها، فلا يلزم من مجرد توثيقه الحكم بصحة الحديث.\nيوضحه أن ثقة الراوي هي كونه صادقًا لا يتعمد الكذب، ولا يستحل تدليس ما يعلم أنه كذب باطل.\nوهذا أحد الأوصاف المعتبرة في قبول قول الراوي.\nلكن بقي وصف الضبط والتحفظ، بحيث لا يعرف بالتغفيل وكثرة الغلط.\nثانيهما: أن لا يشذ عن الناس، فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه وليس ممن يحتمل ذلك منه، كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، ونحوهم، فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه؛ للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.","vol":"2","page":896},{"text":"فأما مثل سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر، ونحوهم، فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه، فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسًا.\nوأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهنًا على وهن.\nفكيف تقدم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل مالك، والليث، ويونس، وعقيل، وشعيب، ومعمر، والأوزاعي، وسفيان، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأضرابهم، هذا مما يستريب من له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>المسألة الخامسة: عدد الحديث الصحيح</span>.\n\nباعتبار عد الروايات الحديثية في الكتب، فإن هذا ليس مما يمكن المصير إليه؛ وذلك من أجل انتشار طرق الحديث، فالكتب التي تجمع الأسانيد كثيرة جدًا.\nكذلك لتعذر ضبط قاعدة تنزل عليها جميع روايات الحديث، فيقال: هذا من الأسانيد مقبول فيعد، وهذا ليس بمقبول فلا يعد.\nنعم، جاء عن متقدمي الأئمة أنهم كانوا يسمعون الأسانيد المتعددة للمتن الواحد أحاديث، فيما يحفظه أحدهم.\nمثل قول البخاري: \" أحفظ مئة ألف حديث صحيح، وأحفظ مئتي ألف حديث غير صحيح \" (٢).\nوقال ابن حجر العسقلاني: \" إذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما بلغ\n_________\n(١) الفروسية (ص: ٧٣ - ٧٤).\n(٢) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٢٦) - ومن طريقه: الخليلي في \" الإرشاد \" (٣/ ٩٦٢) والخطيب في \" تاريخه \" (٢/ ٢٥) - وإسناده مُحتمل .......","vol":"2","page":897},{"text":"جملة ما في كتابيهما بالمكرر هذا القدر (١)، فما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعله يبلغ هذا القدر أيضًا أو يزيد، وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي لم يبلغ شرطهما لعله يبلغ هذا القدر أيضًا أو يقرب منه، فإذا انصاف إلى ذلك ما جاء من الصحابة والتابعين تمت العدة التي ذكر البخاري أنه يحفظها، بل ربما زادت على ذلك، فصحت دعوى ابن الأخرم: إن الذي يفوتهما من الحديث الصحيح قليل، يعني مما يبلغ شرطهما، بالنسبة إلى ما خرجاه \" (٢).\nقلت: وهذا الذي جاء عن حفظ البخاري، ذكر عن غيره ما يشبهه أو يزيد عليه، كالذي قيل في مقدار حفظ أحمد بن حنبل، وأبي زرعة الرازي، لكنه جميعًا إخبار عن حفظ الواحد من هؤلاء الأئمة، لا عن مجموع أسانيد الحديث.\nوالشأن في كثرة الأحاديث المروية كما قال محمد بن أحمد بن جامع الرازي: سمعت أبا زرعة وقال له رجل: يا أبا زرعة، أليس يقال: حديث النبي ﷺ أربعة آلاف حديث؟ قال: \" ومن قال ذا؟! قلقل الله أنيابه، هذا قول الزنادقة، ومن يحصي حديث رسول الله؟ قبض رسول الله ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشرة ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه \" (٣).\nقلت: أما إذا قال القائل: يمكن ضبط السنن الصحيحة المروية عن النبي ﷺ بالعدد، فهذا صحيح، فإن ذلك يقل خروجه عن الكتب الستة الأمهات، فإذا ضممت إليها \" المسند \" لأحمد بن حنبل، ندر من السنن ما يخرج عنها، وذلك النادر يمكن تتبعه من سائر كتب الحديث.\n_________\n(١) يعني على ما ذكره قبل هذا النص: أن عدة ما في البخاري بالمكرر (٧٢٧٥) حديثًا، وعدة ما في مسلم بالمكرر أيضًا (١٢٠٠٠) حديثًا.\n(٢) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٢٩٧ - ٢٩٨).\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٨٩٤) وتكلمت عن إسناده في (القسم الأول) عند الكلام عن الصحابة .......","vol":"2","page":898},{"text":"وما أمكن حصره أمكن عده، وإن لم يقم علماء الشأن بحده بعدد إلى اليوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>المسألة السادسة: قولهم: (أصح شيء في الباب)</span>.\nقولهم: (هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب) لا يعني صحة الحديث في نفسه، فيجوز أن يكون ضعيفًا، إنما قالوا: (أصح) مقارنة بغيره مما روى في نفس الباب.\nووقوع هذه العبارة أو معناها كثير في كلام المتقدمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>المسألة السابعة: أصح الأسانيد</span>.\n\nاشتهرت عن بعض أئمة الحديث عبارة: (أصح الأسانيد فلان عن فلان).\nوقد اختلفوا فيها اختلافًا واسعًا (٢)، ثمرته: الترجيح عند الاختلاف.\nوالصواب فيه اختيار الحاكم: لا يمكن القطع لإسناد، بأنه أصح الأسانيد مطلقًا، إنما يمكن القول: أصح أسانيد ابن عمر كذا، وأصح أسانيد المدنيين، أو البصريين أو المصريين، كذا وكذا.\nوسبب صحة هذا الاختيار: وجود التكافؤ في الصحة بين كثير من الأسانيد.\nغير أن ما يوجد من تلك المقالات يفيد كثير منه - كما تقدم - للترجيح بين الثقات في حال الاختلاف في سند أو متن.\nفلو اختلف مثلًا نافع ومجاهد عن ابن عمر في حديث، فإنا نستفيد\n_________\n(١) وانظر ما تقدم في (النقد الخفي - الفصل الثالث - المبحث الثالث - المقدمة التاسعة).\n(٢) انظر معرفة علوم الحديث (ص: ٥٣ - ٥٦).","vol":"2","page":899},{"text":"من قولهم: \" أصح الأسانيد: نافع عن ابن عمر \" في ترجيح نافع على مجاهد (١).\nوتفصيل القول فيه يعرف من أحوال النقلة في كتب الجرح والتعديل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>المسألة الثامنة: قولهم: (حديث جيد) </span>يعنون به الصحة، لكن المتأخرين ربما استعملوا في منزلة تردد بين الصحيح والحسن بعد التفريق الاصطلاحي.\n\nوجرى استعماله في وصف الحديث في كلام المتقدمين قليلًا نادرًا.\nومنه قولهم في الراوي: (جيد الحديث)، فهو في التحقيق يساوي قولهم: (صحيح الحديث)، وهذا تكرار في جماعة من الرواة.\nوشبيه به قولهم: (هذا حديث قوي)، (إسناد قوي).\nوليس في القسمة درجة بين (الصحيح) و(الحسن)؛ فلذا فإن هذين الاستعمالين يلحقان عندهم بـ (الصحيح).\nوله أمثلة كثيرة في \" الصحيحين \" وغيرهما، وهو مثل أحاديث: عبد الملك بن عمير، وحماد بن سلمة، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، ومحمد بن إسحاق صاحب السيرة، وسماك بن حرب، وأبي بكر بن عياش.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>المسألة التاسعة: أين يوجد الحديث الحسن</span>؟\n\nالحديث الحسن حيث إن مرجعه إلى رواة من درجة متوسطة في الحفظ، فإنك لا تكاد تجد كتابًا من كتب السنة يخلو منه، والتحقيق أن في \" الصحيحين \" بعض الأحاديث الحسنة، خصوصًا في أبواب الرقائق وشبهها،\n_________\n(١) وسبق مزيدٌ في فائدة هذه المسألة في (النقد الخفي - الفصل الثالث - المبحث الثالث - المقدمة الثانية) .......","vol":"2","page":900},{"text":"مثل حديث فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وزهير بن محمد التميمي وشبههم، فهؤلاء لا يمكن لحديثهم أن يرقى فوق (الحسن) لذاته، وروايتهم عند البخاري، ولبعضهم عند مسلم، كما روى مسلم لجماعة حديثهم لا يرقى فوق (الحسن) منهم: إبراهيم ين مهاجر البجلي، وأسامة بن زيد الليثي، وهشام بن سعد المدني.\nوإطلاق اسم \" الصحيح \" على كتاب مسلم والبخاري فإنما هو باعتبار غلبة ذلك، أو لاندراج (الحسن) تحت (الصحيح) بجامع القبول وصحة الاحتجاج.\nوأما في غير \" الصحيحين \" فيوجد كثيرًا في \" سنن أبي داود \" و\" جامع الترمذي \" وفي طريقة الترمذي في الحكم بحسن كثير من الأحاديث ما يساعد في معرفة ذلك.\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>المسألة العاشرة: أوصاف للحديث تفيد القبول</span>، لكنها ربما اندرجت تحت (الصحيح) أو تحت (الحسن)، وربما دلت على الضعف الصالح للاعتبار.\n\nقولهم: (حديث ثابت \" و(إسناد ثابت \"، تدل على القبول: وهو إما صحيح وإما حسن.\nوقولهم: (حديث معروف) ويقابل عندهم (المنكر)، وقد يعني كون الحديث صحيحًا أو حسنًا أو في مرتبة ما يصلح للاعتبار، فلا يلزم منه القبول والاحتجاج .......\nويقولون: (حديث محفوظ) و(إسناد محفوظ) ويقابله (الشاذ)، وهذا لا يعني صحة الحديث أو حسنه، إنما هو حكم للراجح، وقد يكون الراجح ضعيفًا لذاته، كأن يختلف في إسناد وصلًا وإرسالا، فتكون الرواية المرسلة في المحفوظة، والمرسل ضعيفًا.","vol":"2","page":901},{"text":"ويقولون: (حديث صالح)، و(إسناد صالح)، وهذا قد يرادف الحسن، وقد يكون أدنى منه، فيكون المراد أنه صالح للاعتبار لا للاحتجاج.\nويقول بعضهم: (إسناده وسط)، فهذا بمنزلة (صالح)، إلا إن دلت قرينة على إرادة الحسن.\nويقول بعض المتأخرين في بعض الأسانيد: (هذا إسناد محتمل للتحسين)، فهذا لا يعني ثبوت الرواية، بل هو بمنزلة القول: (هذا إسناد لين) أو (ليس بالقوي)، أو (ليس بذلك)، وهذه من أوصاف (الحديث الضعيف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>المسألة الحادية عشرة: استدلال العالم بحديث، هل يعني تصحيحه له</span>؟\n\nيفرق بين العلماء في هذا من جهة المعرفة بصحيح الحديث وسقيمه:\nفإذا رأيت الفقيه الذي لا خبرة له بذلك يستدل بحديث، فهذا لا يحتج باستدلاله بذلك الحديث على كونه صحيحًا عنده، ولا يقنع حسن الظن في الجملة لتمشية مثل ذلك، فالواقع شاهد أن هذا الصنف من العلماء استدلوا بكثير من الحديث المردود.\nأما إذا كان الفقيه محدثًا عارفًا بالصحيح والسقيم، فاستعماله لحديث أو استدلاله به حكم منه بصحته أو حسنه، لكن بشرط أن يكون ذلك الحديث هو الدليل الواحد عنده لتلك المسألة؛ إذ لو ضم إليه سواه فربما كان ذكره له على سبيل الاستشهاد والاستئناس، لا الاحتجاج، فتأمل!\n\n* * *","vol":"2","page":902},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>الباب الثاني\nالحديث المردود</span>","vol":"2","page":903},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>مدخل</span>\n\nالحديث المردود من حيث الجملة، هو الحديث الضعيف.\nوتعريفه: من الضعف المقابل للقوة.\nوالمراد به هنا: الحديث الذي فقد شرطًا فأكثر من شروط الحديث المقبول.\n\nوالضعف درجات عديدة: أدناها ما يكون بسبب الانقطاع، أو خطأ الراوي، وأشدها ما كان بكذبه .......\nويقال أيضًا: الضعف نوعان: ضعف يمكن جبره، وضعف لا ينجبر، على ما يأتي بيانه.\nوعليه فتندرج تحته ألقاب كثيرة منقسمة في الجملة إلى قسمين بحسب ما يعود إليه سبب الضعف:\nالأول: ما يرجع إلى عدم الاتصال، وتندرج تحته ألقاب للحديث الضعيف، هي:\nالمعلق، المنقطع، المعضل، المرسل، المدلس.\nالثاني: ما يرجع إلى الجرح القادح في الراوي، وتندرج تحته عدة ألقاب، هي:\nالمجهول، اللين، المقلوب، المصحف، المدرج، الشاذ المعلل، المضطرب، المنكر، الموضوع.","vol":"2","page":905},{"text":"وليس يخلو حديث ضعيف من أن يكون معللًا بواحد من هذه الأوصاف، وهي منبئة عن تفاوت الضعف، بين الضعف اليسير المحتمل، والشديد الذي لا ينجبر.\nوإطلاق لقب (حديث ضعيف) صالح أن يكون لأي من السببين، وإن كان يوهم خفة الضعف أحيانًا، فيشكل إطلاقه على (المنكر) و(الموضوع) مثلًا.\nوتقدم ذكر (المعلق) ومعناه في شرح (الحديث الصحيح).\nوسائر الألقاب يأتي بيانها في الفصلين التاليين.\n\n* * *","vol":"2","page":906},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>الفصل الأول\n\nألقاب الحديث الضعيف\nبسبب عدم الاتصال</span>","vol":"2","page":907},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>المبحث الأول\n\nالحديث المنقطع</span>\n\nمعناه اللغوي يستوعب ما ليس باتصال، في أي محل كان ذلك في الإسناد، لكنه كلقب خاص في هذا العلم، ينبغي حصره في صورتين:\n\nالصورة الأولى: حديث الراوي عمن لم يسمع منه، في أي موضع في الإسناد دون الصحابي، ويقع في محل أو أكثر.\nوقال الحاكم: \" أن يكون في الإسناد رواية راو لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث، قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال \" (١).\nقلت: ولو قال: (قبل الوصول إلى الصحابي) لكان أصح.\nوتعريف الحاكم على أي حال أولى من التعريف الذي ذكره الخطيب فقال: \" هذه العبارة تستعمل غالبًا في رواية من دون التابعي عن الصحابة \" (٢).\nقلت: وهذا صحيح، لكنه قاصر، فصورة الانقطاع فيما بين تبع أتباع التابعين والتابعين مثلًا لا تندرج في هذا، وكذلك الانقطاع في طبقة دونها.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص: ٢٨).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨) .......","vol":"2","page":909},{"text":"فإن سقط راو فهو منقطع في موضع، وإن سقط أكثر من راو غير متواليين فهو منقطع في موضعين أو أكثر.\n\nمثال سقط راو واحد من الإسناد:\n\nما أخرجه الإمام أبو داود (١)، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، قال: حدثني أبو مجلز، عن حذيفة:\nأن رسول الله ﷺ لعن من جلس وسط الحلقة.\nأبان هو ابن يزيد العطار، ولم ينفرد بهذا الحديث عن قتادة، بل تابعه شعبة بن الحجاج، عند الإمام أحمد (٢) وغيره.\nوليس في رجال هذا الإسناد أحد غير ثقة، بل كلهم ثقات، والاتصال صريح فيه إلى أبي مجلز، واسمه لاحق بن حميد، أما بينه وبين حذيفة وهو ابن اليمان فليس بمتصل، فإن شعبة قال بعد روايته: \" لم يدرك أبو مجلز حذيفة \"، وحيث إن أبا مجلز هذا تابعي لقي بعض الصحابة، فإن أقصى ما يتصور من السقط بينه وبين حذيفة لا يعدو أن يكون رجلًا واحدًا، هذا على اعتبار الأغلب.\nهذه الصورة من الانقطاع كثيرة شائعة، خصوصًا فيما بين التابعين والصحابة الذين لم يسمعوا منهم.\n\nمثال الانقطاع في موضعين:\n\nقال الإمام الترمذي (٣): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة، قالت:\nفقدت رسول الله ﷺ ليلة، فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: \" أكنت\n_________\n(١) في \" سننه \" (رقم: ٤٨٢٦).\n(٢) في \" مسنده \" (٥/ ٣٨٤، ٣٩٨، ٤٠١).\n(٣) في \" جامعه \" (رقم: ٧٣٩) .......","vol":"2","page":910},{"text":"تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ \" قلت: يا رسول الله، إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: \" إن الله ﷿ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب \".\nقال الترمذي: \" حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا - يعني البخاري - يضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير \".\nوهذا المثال وهو سقوط ما يزيد على راو سقطًا غير متوال قليل نادر الورود إذا قارنته بسقط واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>الصورة الثانية: أن يكون بدل السقط إبهام لراو</span>، كأن يقال: (عن رجل) أو (عن شيخ).\nفهذا وإن ذكر كواسطة، إلا أنها لإبهامها أشبهت الانقطاع؛ للتساوي في جهالة الراوي عينًا وحالًا، وصح اندراجها تحت مسمى (المنقطع) في التحقيق (١).\nويشبه هذه الصورة: الانقطاع في قول الراوي: (حدثت عن فلان) و(أخبرت عن فلان) وشبهه.\nمثالها: قال أبو داود (٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن سهيل، عن رجل، عن أبي هريرة:\nأن رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته، فقال: \" أخذنا فألك من فيك \".\nقلت: هذا إسناد منقطع بين سهيل، وهو ابن أبي صالح، وأبي هريرة.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص: ٢٧).\n(٢) في \" سننه \" (رقم \" ٣٩١٧).","vol":"2","page":911},{"text":"تنبيه:\n\nتيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، فقد ذكر ذلك الخطيب عن بعض أهل الحديث (١)، كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبينه بالقرينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>سبب إبهام الراوي:</span>\n\nوهذا المبهم وما في معناه ربما كان ثقة، وربما كان مجروحًا، لكن يقال: لو كان ثقة معلوم القدر والمنزلة مقبول الأمر عند من سمع بذكره لما أبهمه الراوي عنه، ففي تصرفه ما يشعر بكونه ليس بثقة.\nقال الخطيب: \" قل من يروي عن شيخ فلا يسميه، بل يكني عنه، إلا لضعفه وسوء حاله \" (٢).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: سمعت سفيان (يعني الثوري) يقول: حدثني من رأى إبراهيم يرفع يديه تحت الكساء في الصلاة. فجعلت أسأله عن اسم الرجل، فيمطلني به ثم قال لي يومًا حين أضجرته: حدثني أبو الصباح سليمان بن قسيم. قال يحيى: وأخطأ في اسمه، يريد سليمان بن يسير. قال يحيى: وإنما مطلني به؛ لأنه قد علم أني لا أرضاه (٣).\nقلت: وربما كان المبهم من المتروكين الهلكى.\nكما قال علي بن المديني: \" كل ما في كتاب ابن جريج: أخبرت عن داود بن الحصين، وأخبرت عن صالح مولى التوأمة، فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى \" (٤).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٩).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٣٢) .......\n(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل (النص: ٤٩٧٣) وإسناده صحيح إلى يحيى بن سعيد.\n(٤) أخرجه الحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ١٠٧) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":912},{"text":"قلت: وإبراهيم هذا متروك ليس بثقة.\nنعم، ربما أبهم الراوي شيخه لكونه حدث عنه في حياته، أو لكونه من أقرانه أو أصغر منه، كما في أسباب التدليس.\nحدث أبو إسحاق الفزاري بحديث فقال فيه: عن رجل من أهل الشام، عن أبي عثمان، عن أبي خداش، فقال أبو حاتم الرازي: \" هذا الرجل من أهل الشام هو عندي بقية، وأبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان \"، وقال في سبب إبهام بقية: \" وإنما لم يسمه أبو إسحاق؛ لأنه كان حيا في ذلك الوقت \" (١).\nقلت: كانا قرينين، ومات أبو إسحاق قبل بقية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>كيف يثبت الانقطاع</span>؟\n\nالصورة الثانية من الانقطاع ظاهرة، فإبهام راو في الإسناد علامة صريحة فيه.\nوإنما تحتاج الصورة الأولى إلى طريق تميز بها، وجملة الطرق التي يستعان بها لمعرفة ذلك خمسة:\n\nالأول: التنصيص على عدم السماع.\nويقع:\nتارة من الراوي نفسه، وهو قليل، كقول عمرو بن مرة: قلت لأبي عبيدة (يعني ابن عبد الله بن مسعود): تذكر من أبيك شيئًا؟ قال: \" لا \" (٢).\n_________\n(١) نقله ابنه في \" علل الحديث \" (رقم: ٩٦٥).\n(٢) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٥٦) وابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ٢٥٦) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":913},{"text":"وتارة بتنصيص من روى عنه من الثقات، وهو قليل أيضًا، كقول عبد الملك بن ميسرة: \" الضحاك لم يسمع من ابن عباس \" (١).\nومثل ما وقع من سليمان التيمي حين حدث عن أبي مجلز، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر، فرأى أصحابه أنه قد قرأ (تنزيل السجدة)، قال سليمان: \" ولم أسمعه من أبي مجلز \" (٢).\nوتارة بتنصيص الناقد العارف، بناء على الاستقراء والنظر، على عدم الإدراك، أو اللقاء، أو السماع، بقوله مثلًا: (فلان لم يدرك فلانًا، لم يلق فلانًا، لم يسمع فلانًا، عن فلان مرسل).\nكقول علي بن المديني: \" لم يسمع أبو قلابة من هشام بن عامر، وروى عنه، ولم يسمع من سمرة بن جندب \" (٣).\nوهذا كثير، واعتنى به أئمة الجرح والتعديل، وفيه كتب مصنفة، من أنفعها: \" المراسيل \" لابن أبي حاتم الرازي، و\" جامع التحصيل في أحكام المراسيل \" للحافظ صلاح الدين العلائي، كما يوجد ذكر ذلك في كتب تراجم الرجال.\nوقد يختلف فيه بين النقاد، فيحرر الراجح بأصوله.\n\nوالثانية: معرفة التاريخ.\nوالمقصود تمييز تاريخ وفاة الشيخ، ومولد التلميذ، فإن كان التلميذ لم يولد بعد يوم مات الشيخ، أو كان صغيرًا في سن لا يحتمل السماع، فهو انقطاع.\nوهذا طريق سلكه النقاد الكبار في معرفة الاتصال والانقطاع في الأسانيد، واستدلوا به كثيرا ً.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ٩٥) وإسناده صحيح .......\n(٢) أخرجه أحمد في \" مسنده \" (رقم: ٥٥٥٦).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٠٩) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":914},{"text":"والعلم بالتاريخ قد يكون صريحًا بتحديد السنين، وقد يكون بالقرائن المساعدة على ذلك.\nفمثاله فيما هو صريح: عبد الرحمن بن أبي ليلى، من كبار التابعين، وقد روى عن أبي بكر الصديق، ومات أبو بكر سنة (١١٣)، وقال ابن أبي ليلى: \" ولدت لست بقين من خلافة عمر \" (١). فروايته عنه بهذا الاعتبار منقطعة جزمًا.\nومثل رواية محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية، عن عمر بن الخطاب، فإن أبا حاتم الرازي قال: \" ولد لثلاث بقين من خلافة عمر \" (٢)، فروايته عنه منقطعة؛ لصغره.\nوقد يتحمل الصغير شيئًا عمن أدرك، كأن يذكر أنه رآه، ثم يروي عنه ما لم يكن يحتمله سنه من الحديث، فهذا منقطع فيما رواه عن ذلك الشيخ سوى ما جاء عنه من ذلك اليسير في رؤيته أو شبهه، وأدنى درجاته أنه قامت فيه شبهة الانقطاع.\nوذلك مثل رواية إبراهيم النخغي عن عائشة أم المؤمنين فإنه أدخل عليها وهو صبي صغير، كما قاله يحيى بن معين (٣) وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي (٤) وثبتت الرواية عنه بذلك (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" المراسيل \" (ص: ١٢٦) وإسناده صحيح.\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٦) .......\n(٣) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٢٣٧٣).\n(٤) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩، ١٠).\n(٥) فقد أخرج البخاري في \" التاريخ \" (١/ ١ / ٣٣٤) وابن حبان في \" الثقات (٤/ ٩) من طريق أبي معشر، أن النخعي حدثهم، أنه دخل على عائشة، فرأى عليها ثوبًا أحمر، فقال له أيوب: كيف دخل على عائشة؟ قال: كان يحج مع عمه وخاله وهو غلام، فدخل عليها. قلت: وأبو معشر اسمه زياد بن كليب ثقة، وأيوب المذكور هو السختياني.","vol":"2","page":915},{"text":"ومثاله فيما عرفنا فيه الانقطاع بعدم الإدراك بالقرينة، رواية عبدة بن أبي لبابة عن عمر بن الخطاب، فإن أكثر روايته عن التابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود، كأبي وائل شقيق بن سلمة، وزر بن حبيش، ومن دونهم كمجاهد بن جبر، والقاسم بن مخيمرة، ورأى عبد الله بن عمر بالشام (١)، وهل يصح سماعه منه؟ أثبته بعض الأئمة كالبخاري (٢)، وظاهر عبارة أبي حاتم الرازي أنه لم يكن له نصيب من ابن عمر غير الرؤية، فإنه قال: \" رأى ابن عمر رؤية \" (٣)، فإذا كان هذا شأنه، فأنى له أن يدرك عمر؟\n_________\n(١) نص على ذلك أحمد بن حنبل في رواية الميموني عنه، نقله ابن عساكر في \" تاريخه \" (٣٧/ ٣٨٤) والمزي في \" التهذيب \" (١٨/ ٥٤٣).\n(٢) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١١٤)، ويبدو أنُّ مستند إثبات السماع ما أخرجه الفاكهي في \" أخبار مكة \" (رقم: ٨٧٠) من طريق عثمان بن ساج. وأخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٣٧١) وابن الأعرابي في \" معجمه \" (رقم: ١٤٩٨) وابن عساكر في \" تاريخه \" (٧/ ٢٧٦ و(٣٧/ ٣٨١) من طريق سلمة بن عبد الملك العوصي. كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبدة بن أبي لبابة، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: \" تابعوا بين الحج والعمرة، والذي نفسي بيده إنَّ متابعتهما لتنفي الفقر والذنوب عن العبد كما ينفي الكير خبث الحديد \".\n\nقلت: وإسناده ضعيف جدًا، إبراهيم هو ابن يزيد الخوزي، واه متروك الحديث، وليس هو ابن يزيد النصري الشامي، خلافًا لما حسبه ابن عساكر من أجل رواية العوصي عنه وهو شامي، فإنه روى عن العراقيين، وحديث الخوزي أيضا وقع للعراقين، وأما النصري فلا يوجد فيما جاءنا من ترجمته ما يساعد على اعتباره المقصود هنا، بل هو لعدم شهرته كان يحتاج إلى تمييزه بالنسبة، فحيث أُهمل ولم تقو القرائن في ترجيحه فلم يصح أن يحمل الحديث على أنه له، بل قويت وترجحت القرائن في كون المقصود هو الخوزي، فابن ساج هو عثمان بن عمرو بن ساج جزري حديثه عن الحجازيين وأهل بلده، والخوزي مكي، وزاد تأكيدًا أنّ للحديث أصلًا من حديث الخوزي، كما أخرجه من طريقه الفاكهي (رقم: ٨٦٩) وابن عدي، يرويه بإسنادٍ آخر عن ابن عمر.\nنعم، له أصل من رواية عبدة بن أبي لبابة، لكن من غير حديث ابن عمر، كما بين قصته الدارقطني في \" العلل \" (٢/ ١٣٠ - ١٣١).\n(٣) جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٢٨٢)، والعبارة في \" المراسيل \" لابن أبي حاتم (ص: ١٣٦) لكن سقطت منها كلمة (ابن)، وهو خطأ جزمًا.","vol":"2","page":916},{"text":"والثالثة: مجيء الرواية بصيغة تدل على وجود واسطة بين الراوي ومن فوقه.\nكقول الراوي: (حدثت عن فلان) أو ما في معناها، وهذا بين في الانقطاع من أجل البناء للمجهول، وأمثلته واردة في الأسانيد بنسبة غير قليلة.\nكقول يحيى بن أبي كثير: حدثت عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان إذا أفطر عند أهل بيت قال: \" أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار \" (١).\n\nوالرابعة: أن يقوم دليل على أن رواية فلان عن فلان بواسطة بينهما، فإذا وجدت دون الواسطة فهي منقطعة، وهذه لها صورتان:\nأولاهما: أن لا يأتي الإسناد بين الراويين دائمًا إلا معنعنًا، ويوقف على أن التلميذ ربما أدخل بينه وبين ذلك الشيخ واسطة.\nمثل: رواية سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى النبي ﷺ، فإنه لا يذكر في شيء من روايته سماعًا من ثوبان، وغالب ما يرويه من حديث ثوبان يدخل بينه وبينه فيه معدان بن أبي طلحة.\nولذا قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم الرازي: \" لم يسمع من ثوبان، بينهما معدان بن أبي طلحة \" (٢).\nوثانيهما: أن يروى الحديث المعين مثلًا عن (زيد عن عمرو)، ويوقف على روايته عن زيد بواسطة عن عمرو، ولا يدل دليل على أن\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (٢٩٨) و\" الكبرى \" (رقم: ٦٩٠٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، به.\nوقد رواه بعض أصحاب هشام عنه عن يحيى عن أنس، فبينت هذه الرواية علته .......\n(٢) المراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٨٠).","vol":"2","page":917},{"text":"الحديث وقع لزيد من الوجهين، فيكون ما بين زيد وعمرو منقطعًا في ذلك الحديث خاصة.\nوقد نعت النقاد أحاديث بالانقطاع، لمثل هذه العلة.\nمثاله في أسانيد الأحاديث المروية: ما أخرجه البخاري (١)، قال: حدثنا قيس بن حفص، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الحسن بن عمرو، حدثنا مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، ﵄، عن النبي ﷺ قال:\n\" من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا \".\nعبد الواحد هذا هو ابن زياد، ثقة.\nوافقه على رواية الحديث مروان بن معاوية الفزاري، لكنه قال: حدثنا الحسن بن عمرو، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبد الله بن عمرو، بالحديث عن النبي ﷺ (٢).\nفتلاحظ أن مروان حفظ واسطة بين مجاهد وعبد الله بن عمرو، ومروان ثقة حافظ، فنظر الحفاظ فوجدوا أن مجاهدًا لم يقل: (سمعت عبد الله) وإنما قال: (عن)، ورواية مروان ههنا دلت على الانقطاع بينه وبينه، عرف ذلك بالبحث في طرق الحديث.\nوقد رجح الحافظ الدارقطني الانقطاع في رواية البخاري، وأن الصواب كما جاء في رواية النسائي (٣).\nنعم؛ مجاهد لم يعرف بالتدليس، وقد ثبت أنه سمع غير هذا الحديث\n_________\n(١) في \" صحيحه \" (رقم: ٢٩٩٥، ٦٥١٦).\n(٢) أخرجه النسائي (رقم: ٤٧٥٠).\n(٣) ذكر ذلك في كتاب \" التتبع \" (ص: ٢١٣) .......","vol":"2","page":918},{"text":"من عبد الله بن عمرو، ولولا ما بدا من علة في إسناده الأول لكان إسنادًا صحيحًا، وإن كانت هذه صورة مطابقة لمعنى (التدليس) كما سيأتي.\nوالخامسة: افتراق بلد الراوي وشيخه بما يكون قرينة على عدم التلاقي.\nقال أبو زرعة الدمشقي: سألت أحمد بن حنبل عن حديث سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة: \" كل ما ردت عليك قوسك \"، رواه ضمرة عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد بن المسيب عن أبي ثعلبة؟ فقال: \" ما لسعيد بن المسيب وأبي ثعلبة؟ \"، قلت له: أتخاف أن لا يكون له أصل؟ قال: \" نعم \" (١).\nقلت: يريد لا تعرف لابن المسيب رواية عن أبي ثعلبة، لا لعدم الإدراك؛ وإنما لافتراق البلد، سعيد مدني، وأبو ثعلبة شامي، وحديثه في الشام.\n\n* * *\n_________\n(١) تاريخ أبي زرعة (١/ ٤٥٩). ومن طريق ضمرة وهو ابن ربيعة، أخرجه ابن ماجة (رقم: ٣٢١١).\n\nوذكره الدارقطني في \" العلل \" (٦/ ٣١٨ - ٣١٩) وقال: \" يرويه الأوزاعي، واختلف عنه، فرواه ضمرة .. \" فساق روايته، ثم قال: \" وغيره يرويه عن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد عن أبي ثعلبة مرسلًا والمرسل أصح \".\nقلت: وهذا في تضعيف هذا الطريق موافق لقول أحمد، وإنما نفيَ أحمد أن يكون له أصل من حديث سعيد عن أبي ثعلبة، لعدم اللقاء، فلا تعرف له عنه رواية، ولم يرد أن ينفي للحديث أصلًا عن أبي ثعلبة، فهو معروف للشاميين بأسانيدهم.","vol":"2","page":919},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>المبحث الثاني:\n\nالحديث المعضل</span>\n\nمعناه لغة من قولك: (أعضل الأمر) إذا اشتد واستغلق.\nوأما في الاصطلاح، فقد أريد به صورة من صور السقط في الإسناد، على ما يأتي تحريره.\nولم يكن إطلاق هذا الوصف (الحديث المعضل) بهذا المعنى شائعًا عند المتقدمين، وإنما كان هذا عندهم مندرجًا تحت المنقطع أو المرسل بعموم معناهما.\nوقد استعمل المتقدمون (المعضل) وصفًا للمنكر والموضوع من الحديث، كما بينته في (شرح عبارات الجرح والتعديل).\nأما بمعناه المتأخر كصورة من صور السقط في الإسناد، فقد وجدت الحاكم النيسابوري (١) أقدم من أصل لهذا النوع من علوم الحديث، وقسمه إلى قسمين:\nالأول: ما أرسله عن النبي ﷺ من دون التابعي، فيكون قدر السقط منه أكثر من واحد.\n_________\n(١) في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ٣٦ - ٣٧).","vol":"2","page":920},{"text":"ونقل هذا التعريف عن الإمام علي بن المديني، فمن بعده من الأئمة (١).\nوالثاني: قول الراوي من أتباع التابعين الموقوف عليه، يوجد نفس ذلك القول من غير طريقه مرفوعًا إلى النبي ﷺ.\nوإدراج هذا تحت مسمى (الإعضال) توسعٌ، لم أجد من سبق الحاكم إليه، والعالم قد يحدث بالشيء من قول النبي ﷺ، ولا يقول: قال رسول الله ﷺ، ولا يسنده عن أحد، وذلك في مقام الاستشهاد، ولم يزل العلماء يفعلون ذلك.\nأما القسم الأول فهو مراد بتعريف هذا اللقب عند بعض السابقين من العلماء.\nقال الخطيب: \" أما ما رواه تابع التابعي عن النبي ﷺ، فيسمونه: المعضل، وهو أخفض رتبة من المرسل \" (٢).\nوكذلك هو عند المتأخرين، لكن تعريفه عندهم أشمل من هذا، فهو: ما سقط من إسناده راويان فأكثر على سبيل التوالي.\nوصورته: أن يروي مالك حديثًا يقول فيه: عن عمر بن الخطاب، وهو إنما وصل إليه بواسطة (نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر)، فأسقط نافعًا وعبد الله، وربما بلغه عن (الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه جده عمر) فأسقط ثلاثة على نسق، وجعله عن عمر.\n_________\n(١) وجدت فيما ظاهره أنه من كلام أبي داود السجستاني في موضع من \" سننه \" عقب حديث (رقم: ٢٦٦) في كفارة من أتى امرأته وهي حائض قوله في رواية: \" وهذا مَعضل \"، بما يتفق في معناه مع ما ذكره الحاكم هنا عن ابن المديني، لكني لم أتوثَّق من صحة نِسبةِ هذه اللفظة لأبي داود، وانظر تعليق العلامة المحقق محمد عوامة على \" السنن \" (رقم: ٢٧٠) .......\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨).","vol":"2","page":921},{"text":"ومناسبة هذا الاصطلاح للمعنى اللغوي للإعضال، كما قال العلائي: \" يكون الراوي له بإسقاط رجلين منه فأكثر، قد ضيق المجال على من يؤديه إليه، وحال بينه وبين معرفة رواته بالتعديل أو الجرح، وشدد عليه الحال \" (١).\nومثاله: ما أخرجه الحافظ أبو محمد الدارمي (٢)، قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن المبارك، عن سعيد بن أبي أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر، قال: قال رسول الله ﷺ: \" أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار \".\nإسناد هذا الحديث من الدارمي إلى ابن أبي جعفر ليس له علة، لكن ابن أبي جعفر هذا من طبقة أتباع التابعين، ومن كان كذلك فأدنى ما يكون بينه وبين النبي ﷺ رجلان، فأسقط الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ، فسقط بذلك الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>طريق معرفة المعضل:</span>\n\nيعرف الإعضال في الإسناد بما يلي:\nأولًا: التاريخ، وذلك ببعد طبقة الراوي عن طبقة شيخه، بحيث إنه لو روى حديثًا من طريق ذلك الشيخ كان بينهما راويان على أقل تقدير.\nثانيًا: دلالة السبر لطرق الحديث، كنحو الذي تقدم في الانقطاع، لكن ثبوت الإعضال بهذا الطريق قليل نادر.\n\n* * *\n_________\n(١) جامع التحصيل (ص: ١٦).\n(٢) في \" مُسنده \" المسمى بـ \" السنن \" (رقم: ١٥٧) .......","vol":"2","page":922},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>المبحث الثالث:\n\nالحديث المرسل</span>\nتعريف الحديث المرسل:\nلغة: من (أرسلت الشيء) إذا أطلقته.\nقال العلائي: \" فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو معروف \" (١).\nواصطلاحًا: هو الحديث الذي يرفعه التابعي إلى النبي ﷺ، فيقول: (قال رسول الله ﷺ) لا يذكر له إسنادًا بذلك.\nهذا هو المحرر في معناه الاصطلاحي بعد استقراره، ويسمى بـ (الإرسال الظاهر) لظهوره، ويقابله (الخفي) وسيأتي.\nوالمعتبر في (المرسل) روية التابعي الذي له سماع من صحابي فأكثر، يقول: (قال - أو: فعل - النبي ﷺ).\nويجب التنبه هنا لثلاث صور يقع فيها الالتباس:\n\nالصورة الأولى: تدخل في (المرسل)، وظاهرها الاتصال، وهي رواية من رأى النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئًا.\n_________\n(١) جامع التحصيل (ص: ١٤)، وقد ذكروا في المناسبة بين اللغة والاصْطلاح غير هذا الوجْه، لكن هذا أحسنها.","vol":"2","page":923},{"text":"فهذا له شرف الصحبة لا حكمها في الرواية، فحديثه من قبيل المرسل، ولا يعد متصلًا، لكنه بمنزلة روايات كبار التابعين.\nمثل: جعدة بن هبيرة المخزومي، أمه أم هانئ بنت أبي طالب، ولد في حياة النبي ﷺ، وله رؤية، ثبت له بها شرف الصحبة؛ ولذا حكم بصحبته بعض أهل العلم، وراعى آخرون عدم سماعه من النبي ﷺ، فحكموا بتابعيته، وهذا ينبئك عن سبب اختلافهم.\nفالتحقيق أنه صحابي، لكن لحديثه حكم روايات التابعين؛ لأنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئًا.\nقال يحيى بن معين: \" لم يسمع من النبي ﷺ \" (١)، وقال أبو عبيد الآجري لأبي داود: جعدة بن هبيرة رأى النبي ﷺ، قال: \" لم يسمع من النبي ﷺ \" (٢).\n\nوالصورة الثانية: ظاهرها الإرسال، وهي معضلة، وهي رواية من له رؤية لبعض الصحابة ولم يسمع من أحد منهم، فهذا يثبت له شرف التابعية لا أحكامها.\nوعليه، فروايته عن النبي ﷺ معضلة، وروايته عن الصحابة منقطعة.\nوذلك كروايات إبراهيم النخغي أو الأعمش عن النبي ﷺ.\n\nقال أبو حاتم الرازي: \" لم يلق إبراهيم النخعي أحدًا من أصحاب النبي ﷺ، إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنسًا ولم يسمع منه \" (٣).\nوقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود (يعني السجستاني) يقول:\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ١٨٦).\n(٢) سؤالات الآجري (النص: ١٧٤٦) .......\n(٣) المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩).","vol":"2","page":924},{"text":"\" لم يسمع الأعمش من واحد من أصحاب رسول الله ﷺ، قلت: أنس؟\nقال: \" ولا كلمة، إنما رأى أنسًا، ولم ير ابن أبي أوفى، ولا سمع منه \" (١).\n\nوالصورة الثالثة: من يروي من كتاب النبي ﷺ، على ما بلغه عنه في حياته، ولم تثبت له صحبة.\nفهذا وإن أدرك زمان النبي ﷺ فهو تابعي، وحديثه مرسل؛ لتعين بلوغ الحديث له بالواسطة، وهي مجهولة.\nوليس لدينا مثال في الواقع يصلح للاستدلال به لهذا يسلم من علة، وإنما ذكرته لجوازه على من يقبل بعض ما روي بهذا الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>نقد تعريفات المرسل:</span>\n\nقال الحاكم: \" هو قول الإمام التابعي أو تابع التابعي: قال رسول الله ﷺ، وبينه وبين رسول الله ﷺ قرن أو قرنان، ولا يذكر سماعه فيه من الذي سمعه \" (٢).\nقلت: هذا التعريف ليس اختيار الحاكم، وإنما بين أنه اختيار الفقهاء من أهل الكوفة، أما عنده فالمرسل هو: \" الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي، فيقول التابعي: قال رسول الله ﷺ \" (٣).\nوقال الخطيب: \" المرسل: ما انقطع إسناده، بأن يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ \" (٤).\nقلت: وعلى هذا يندرج في (المرسل) كذلك (المنقطع) بتعريفه\n_________\n(١) سؤالات الآجري (النص: ٣٦٩).\n(٢) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣).\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ٢٥، ٢٦).\n(٤) الكفاية (ص: ٥٨) .......","vol":"2","page":925},{"text":"الاصطلاحي، ولذلك قال الخطيب: \" والمنقطع مثل المرسل \" (١)، بينما يتميزان باختيار ما جرى عليه الاستعمال في معنى المرسل.\nأما التعريف الأول الذي ذكره الحاكم عن فقهاء الكوفة، فإنه دخل فيه ما اصطلح عليه بالإسناد (المعضل)، فليس بحاصر للمعنى الخاص للإرسال.\nقال الخطيب: \" أما ما رواه تابع التابعي عن النبي ﷺ، فيسمونه: المعضل، وهو أخفض رتبة من المرسل \" (٢).\nوعلى حصر (المرسل) فيما يرويه التابعي عن النبي ﷺ، جاء تعريف ابن عبد البر عن أهل العلم، وهو الأدق والموافق لما اخترناه، قال: \" هذا الاسم أوقعوه لإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي ﷺ \"، ومثَّل بجماعة، ثم قال: \" وكذلك من دون هؤلاء \" ومثَّل بآخرين، ثم قال: \" ومن كان مثلهم من سائر التابعين الذين صح لهم لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، فهذا المرسل عند أهل العلم \" (٣).\nأما ما يرسله صغار التابعين، كمن لم يلق من الصحابة إلا الواحد والاثنين وأكثر رواياتهم عن التابعين، فذكر عن طائفة أنه (منقطع) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>مثال المرسل:</span>\n\nقال أبو داود (٥): حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، حدثنا كثير بن هشام، عن عمر بن سليم الباهلي، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٨).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٨).\n(٣) التمهيد (١/ ١٩، ٢٠).\n(٤) التمهيد (١/ ٢١).\n(٥) في كتاب \" المراسيل \" (رقم: ١٠٥) .......","vol":"2","page":926},{"text":"\" حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع \".\nإسناد هذا الحديث حسن إلى الحسن، وهو البصري الإمام من سادة التابعين، لكنه أرسله إلى النبي ﷺ، ولم يذكر عمن حمله، فهو ضعيف من جهة إرساله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>طريق تمييز المرسل:</span>\n\nيثبت كون الحديث مرسلًا بمجرد أن يعلم أن الذي حدث به عن النبي ﷺ تابعي، وتمييز التابعين من غيرهم يعرف من كتب رجال الحديث.\n\n* * *","vol":"2","page":927},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>المبحث الرابع:\n\nمسائل في الانقطاع والإرسال</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>المسألة الأولى: تداخلُ استعمال مصطلح (المنقطع) في (المرسل) عند السلف:</span>\n\nقبل تميز الاصطلاح الفاصل بين (المنقطع) و(المرسل) في زمن المتقدمين غلب عندهم استعمال لفظ (المرسل) في كل منقطع، مما يوجب التيقظ عند النظر في عباراتهم.\nومثال ذلك: ما أخرجه أبو داود (١) من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة:\nأن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ، وقال: \" يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا \" وأشار إلى وجهه وكفيه.\nقال أبو داود بعده: \" هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة \".\nقلت: وهذا في الاصطلاح منقطع.\nومن هذا قولهم: (فلان يرسل)، و: (كثير الإرسال)، يعنون روى عمن لم يسمع منه.\n_________\n(١) في \" سننه \" (رقم: ٤١٠٤) .......","vol":"2","page":928},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>المسألة الثانية: المفاضلة بين المراسيل</span>.\n\nمراسيل التابعين متفاوتة في القوة بحسب قدم التابعي المرسل وكبره، أو صغره.\nوتصور ذلك بتقسيم التابعين إلى طبقات ثلاث بحسب من لقوا وسمعوا منه من الصحابة:\nالطبقة الأولى: كبار التابعين، وهم الذين أدركوا كبار الصحابة، كأبي بكر وعمر وعثمان وابن مسعود ومعاذ بن جبل، وجُل أو أكثر رواياتهم إذا سموا شيوخهم عن الصحابة.\nوهؤلاء مثل: قيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع.\nويندرج في جملتهم من يطلق عليه اسم (المخضرمين)، وهم التابعون الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، لكنهم لم يثبت لهم شرف الصحبة، مثل: سويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهم.\nفمراسيل هذه الطبقة تقرب من المتصل.\nالطبقة الثانية: أوساط التابعين، وهم الذين أدركوا علي بن أبي طالب، ومن بقي حيا إلى عهده وبعيده من الصحابة، كحذيفة بن اليمان، وأبي موسى الأشعري، وأبي أيوب الأنصاري، وعمران بن حصين، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة أم المؤمنين، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ووقع سماعهم من بعضهم.\nومثال هؤلاء التابعين: الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس اليماني، والقاسم بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعامر الشعبي، ومجاهد بن جبر.","vol":"2","page":929},{"text":"فمراسيل هذه الطبقة صالحة تكتب ويعتبر بها.\nالطبقة الثالثة: صغار التابعين، وهم من أدرك وسمع ممن تأخر موته من الصحابة في الأمصار، الواحد والاثنين والعدد اليسير، كمن سمع من أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي أمامة الباهلي.\nوهؤلاء مثل: ابن شهاب الزهري، وقتادة بن دعامة السدوسي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وحميد الطويل، وشبههم.\nفمراسيل هذه الطبقة ألصق بالمعضل منها بالمراسل، من أجل أن أكثر حديثهم حملوه عن التابعين، فإذا أرسل أحدهم فالمظنة الغالبة أن يكون أسقط من الإسناد رجلين فأكثر.\nولنقاد المحدثين نزاع في تقوية بعض المراسيل وتضعيف بعضها، وذلك تارة من جهة التسهيل في الاعتبار بها، لا من جهة كونها صحيحة صحة المتصل، وتارة: من أجل أن الاستقراء لتلك المراسيل دل على أنها محفوظة من وجوه ثابتة.\nوفي الحالتين جميعًا ما يدل على أن المرسل ضعيف لذاته لنقص شرط الاتصال في الرواية، وإنما يكتسب القوة بسبب خارجي.\nوهذه أمثلة من أقوالهم في طائفة من أئمة التابعين مختلفي الطبقات، تحرر ذلك إن شاء الله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>القول في مراسيل سعيد بن المسيب:</span>\n\nقال أحمد بن حنبل: \" مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات \" (١)، وقال: \" مرسلات سعيد بن المسيب صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٧١) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه البيهقي في \" الكبرى \" (٦/ ٤٢) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":930},{"text":"وقال يحيى بن معين: \" مرسلات سعيد بن المسيب أحسن من مرسلات الحسن \" (١)، وقال: \" أصح المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب \" (٢).\nقلت: أحسن المراسيل عندهم مراسيل ابن المسيب، وما ذلك من جهة صحة آحادها لذاتها، وإنما الشأن كما قال الحاكم: \" تأمل الأئمة المتقدمون مراسيله، فوجدوها بإسانيد صحيحة \" (٣).\nوهل اتفقوا على تسليم ما استخلصوه بالاستقراء؟\nلا، فهذا علي بن المديني يقول: قلت ليحيى بن سعيد: سعيد بن المسيب عن أبي بكر؟ قال: \" ذلك شبه الريح \" (٤).\nفهذا إمام النقاد يحيى بن سعيد القطان يضعف مرسل سعيد عن أبي بكر، فكيف يكون عنده ما يرسله سعيد عن النبي ﷺ؟\nوطائفة نسبت إلى الشافعي أنه صحح مراسيل سعيد مطلقًا، واحتج بها، بل عدَّى بعضهم قوله إلى سائر الطبقة الأولى.\nفما حقيقة قول الشافعي في ذلك؟\nقال ﵀: ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع ابن المسيب \" (٥).\nوقال بعد أن ذكر من رواية ابن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وأتبعه بأثر عن أبي بكر، ومذهب جماعة من التابعين في النهي عن ذلك: \" إرسال ابن المسيب عندنا حسن \" (٦).\nوأصحاب الشافعي اضطربوا في تفسير مراده في قبول مرسل ابن المسيب، وذكر الخطيب لهم في تفسيره قولين:\nأولهما: مرسل سعيد حجة، فإنه استدل به في النهي عن\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٩٥٧).\n(٢) أخرجه الحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ٢٦) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٧١) وإسناده صحيح.\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ٢٦).\n(٤) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٤٣) وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في \" آداب الشافعي ومناقبه \" (ص: ٢٣٢) ومن طريقه: الخطيب في \" الفقيه والمتفقه \" (١/ ٥٣٣) وإسناده صحيح.\n(٦) مختصر المُزني (ص: ٧٨)، وأخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٧١).","vol":"2","page":931},{"text":"بيع اللحم بالحيوان، وجعله أصلًا لذاته.\nوثانيهما: ليس بحجة، والشافعي لم يقل: هو حجة، وإنما رجح به، والترجيح بالمرسل صحيح، وإن كان لا يثبت به الحكم لذاته.\nقال الخطيب: \" وهذا هو الصحيح من القولين عندنا؛ لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح، وقد جعل الشافعي لمراسيل كبار التابعين مزية على من دونهم، كما استحسن مرسل سعيد بن المسيب على من سواه \" (١).\nوقال الخطيب أيضًا: \" أما قول الشافعي: وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، فقد ذكر بعض الفقهاء أن الشافعي جعل مرسل ابن المسيب حجة؛ لأن مراسيله كلها اعتبرت فوجدت متصلات من غير حديثه، وهذا القول ليس بشيء؛ لأن من مراسيل سعيد ما لم يوجد متصلًا من وجه بتة، والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه جعل لسعيد مزية في الترجيح بمراسيله خاصة؛ لأن أكثرها وجد متصلًا من غير حديثه، لا أنه جعلها أصلًا يحتج به \" (٢).\nقلت: وهذا الذي رجحه الخطيب ذهب إليه قبيله الحافظ البيهقي،\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٧٢) .......\n(٢) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٤٦).","vol":"2","page":932},{"text":"وهو من هو في معرفة أدلة الشافعي ومذهبه، فإنه قال: \" الشافعي يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها،. . وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها لم يقبله، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره، وقد ذكرنا. . مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا أنه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ \" (١).\nقلت: من ذهب إلى أن الشافعي كان يرى مراسيل ابن المسيب جميعًا حجة، فإنما استفاد ذلك من نص الشافعي حيث قال في جواب من قال له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعًا ولم تقبلوه عن غيره؟ قال: \" قلنا: لا نحفظ أن ابن المسيب روى منقطعًا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثره عن أحد فيما عرفناه عنه إلا ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله قبلنا منقطعه، ورأينا غيره يسمي المجهول، ويسمي من يرغب عن الرواية عنه، ويرسل عن النبي ﷺ وعن بعض من لم يلحق من أصحابه المستنكر الذي لا يوجد له شيء يسدده، ففرقنا بينهم لافتراق أحاديثهم، ولم نحاب أحدًا، ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناه من صحة روايته \" (٢).\nقلت: والتحقيق أن الشافعي يبين في هذا قوة مراسيل سعيد، من جهة أنها جاءت من وجوه صحيحة، فهو لم يقل: مرسل سعيد حجة لذاته، أو صحيح لذاته، إنما هو صحيح من جهة مجيئه من غير ذلك الوجه المرسل متصلًا محفوظًا، فصحته عنده حاصلة بأمر خارج عن نفس روايته المرسلة.\nيؤيد ذلك أن هذا النص منه إنما جاء عقب استدلاله بمرسل لسعيد في (الرهن)، ساقه من بعد من طريق موصول إلى النبي ﷺ، وهو الذي\n_________\n(١) مناقب الشافعي، للبيهقي (٢/ ٣٢).\n(٢) الأم (٧/ ١٥٩) .......","vol":"2","page":933},{"text":"عنى بقوله آخر النص المتقدم: \" ولكنا قلنا في ذلك بالدلالة البينة على ما وصفناك من صحة روايته \" (١).\nوتقوية المرسل بالقرائن، كان الشافعي قد أصل له تأصيلًا دقيقًا في \" الرسالة \"، سيأتي في (الفصل الثالث).\nومما يلحق بهذه المسألة المختصة بأن المسيب، أن أهل العلم قبلوا ما رواه ابن المسيب عن عمر بن الخطاب، وأجروه مجرى المسند، وهو لم يسمع منه أكثر ما حدث به عنه، فقد كان صغيرًا يوم قتل عمر، ﵁.\nلكن كما قال مالك بن أنس: \" ولد في زمان عمر، فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه \" (٢) يريد حتى كأنه كان أخذ ذلك عنه؛ لأن رؤيته له صحيحة.\nوذكر مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.\nبل قال فيه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو تلميذه: \" يسمى رواية عمر بن الخطاب؛ لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته \" (٣).\nومن أجل الإدراك في الجملة، وصحة النقل لمادة ما نقله عن عمر، قال أحمد بن حنبل: \" هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟ \" (٤).\nوالقاعدة أن يكون هذا ضعيفًا لذاته لانقطاعه، لكن قبول السلف له، مع ما ينضم إليه من كونه مذاهب عمر في القضاء وشبهه، ومثله ليس من\n_________\n(١) انظر: تعليقي على كتاب \" المقنع في علوم الحديث \" لابن الملقَّن (١/ ١٣٧).\n(٢) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (١/ ٤٦٨) بإسناد حسن.\n(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان (١/ ٤٧٠ - ٤٧١) بإسناد صحيح.\n(٤) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ١ / ٦١) .......","vol":"2","page":934},{"text":"شأنه أن يكون سرًّا، فنقل سعيد للشيء منه دون إنكار أحد لشيء مما نقله، دليل على صحته عن عمر، زد عليه أن سعيدًا كان يتتبع أقضية عمر ويعتني بها، وهذا يوجب التحري، كذلك فإن كونه من مذاهب الصحابة مما يجعل مندوحة للتسهل فيه، بخلاف ما يكون عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>قولهم في مراسيل عروة بن الزبير:</span>\n\nومما قواه طائفة من الأئمة من المراسيل: مراسيل عروة بن الزبير، وذلك من أجل أنه قال: \" إني لأسمع الحديث فأستحسنه، فما يمنعني من ذكره إلا كراهية أن يسمعه سامع فيقتدي به، أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه من الرجل أثق به حدثه عمن لا أثق به \" (١).\nقال ابن عبد البر: \" كيف ترى في مرسل عروة بن الزبير، وقد صح عنه ما ذكرنا؟ أليس قد كفاك المؤنة؟ \" (٢).\nقلت: لا ريب أن هذا النص عن عروة يفيد شدة تحريه واحتياطه، لكن العلم بتحري التابعي وحده لا يكفي للاحتجاج بمرسله دون عاضد؛ لجواز أن يكون حمله عن غير ثقة عند غيره، وحسن الظن بالمتروك ذكره من الإسناد لا يكفي لصحة النقل ما لم يشهد له شاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>قولهم في مراسيل الحسن البصري:</span>\n\nقال يحيى بن سعيد القطان: \" ما قال الحسن في حديثه: قال رسول الله ﷺ، إلا وجدنا له أصلًا، إلا حديثًا أو حديثين \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه الشافعي في \" الأم \" (١٢/ ٣٦٨) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٧٣، ٢١٠) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣٨، ٣٩) وإسناده صحيح.\n(٢) التمهيد (١/ ٣٩).\n(٣) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨) بإسناد صحيح. ورُوي نحوه عن أبي زُرعة الرازي من قوله، لكن قال: \" ما خلا أربعة أحاديث \". أخرجه ابنُ عدي (١/ ٢٢٨) عن شيخه الحسن بن عثمان التستري، وهو واهٍ.","vol":"2","page":935},{"text":"قلت: هذه تقوية في الجملة لمراسيل الحسن، وليست تصحيحًا لمفردات رواياتها، ولم تسلم هذه ليحيى القطان:\nفعن عبد الله بن عون، وهو من تلامذة الحسن، قال: \" كان الحسن يحدثنا بأحاديث، لو كان يسندها كان أحب إلينا \" (١).\nوقال أحمد بن حنبل: \" ليس في المرسلات شيء أضعف من مرسلات الحسن وعطاء بن أبي رباح، فإنهما يأخذان عن كل أحد \" (٢).\nقلت: ومن هذا جاءت شبهة رد المرسل، وأراد أحمد أن هذه أضعف المرسلات بالنظر إلى أهل هذه الطبقة، وهي الوسطى من التابعين، فما بالك بمن بعدها؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>قولهم في مراسيل جماعة آخرين:</span>\n\nوقوى العجلي مراسيل عامر الشعبي، وهو من أوساط التابعين، فقال: \" مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحًا \" (٣).\nقلت: وهذا مفيد في قوة الاعتبار بها لذاتها، ولا يصح أن يكون حكمًا بصحة أفراد رواياته المرسلة دون شاهد، وظاهر العبارة أن العجلي تتبع مراسيل الشعبي فوجد أكثرها صحيحًا من وجوه أخرى، فعُلمت صحتها بأمر خارج عن نفس المرسل، ولذا قال: (لا يكاد)، ففيه أن ما لم تشهد له الشواهد أنه صحيح، فهو باق على الضعف.\n_________\n(١) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٥٧) وإسناده صالح، وقع في اسم راويه عن ابن عون تحريف، وهو على الصواب: (الحسن بن عبد الرحمن)، وهو ابنُ العريان، بصْري لا بأس به.\n(٢) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٤٩، ٥٧١) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في \" الكبرى \" (٦/ ٤٢) بإسناد صحيح .......\n(٣) معرفة الثقات، للعجلي بترتيب الهيثمي والسبكي (٢/ ١٢).","vol":"2","page":936},{"text":"وممن ذهب بعض العلماء إلى تقوية مراسيله ممن جعلنا مراسيلهم في التحقيق معضلة لا مرسلة: إبراهيم بن يزيد النخعي.\nقال يحيى بن معين: \" مرسلات إبراهيم صحيحة، إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة \" (١).\nقلت: يعني لقيام الحجة على ضعف هذين الحديثين.\nوقال أحمد بن حنبل: \" مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها \" (٢).\nقلت: هذا دال على شدة تحري إبراهيم، حيث وجدوا أكثر مراسيله مروية من وجوه صحاح، وليس فيه تصحيح مرسله لذاته، ولذلك استثنوا بعض ما روى، فالصحة لها مكتسبة بأمر خارجي.\nومما استدل به بعض أهل العلم لتقوية مراسيل إبراهيم عن ابن مسعود، ما صح عن الأعمش، قال: قلت لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: \" إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو\n_________\n(١) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٩٥٨).\nقلت: أماَّ حديث تاجر البحرين، فهو رواه الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ تاجرٌ أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين.\nأخرجه ابن أبي شيبة في \" مصنفه \" (٢/ ٤٤٨) وأبو داود في \" المراسيل \" (رقم: ٧٢) من طريق وَكيع بن الجراح، وعباس الدوري في \" تاريخ يحيى بن معين \" (النص: ٩٦٠) من طريق أبي يحيى الحِماني، كلاهما عن الأعمش، به.\nوأما حديث الضحك في الصلاة، فرواه الأعمش أيْضًا عن إبراهيم، قال: جاء رجلٌ ضرير البَصر، والنبي ﷺ في الصلاة، فعثرَ، فتردَّى في بئرٍ، فضحكوا، فأمرَ النبي ﷺ من ضحك أنْ يعيد الوضوء والصلاة.\nأخرجه الدارقطني في \" سننه \" (١/ ١٧١) ومن طريقه: البيهقي في \" الكبرى \" (١/ ١٤٦) من طريق أبي معاوية الضرير، حدثنا الأعمش، به.\n(٢) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٤٩، ٥٧١) وإسناده صحيح، وأخرجه نَحوه البيهقي في \" الكبرى \" (٦/ ٤٢) بإسناد صحيح أيضًا.","vol":"2","page":937},{"text":"الذي سميت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله \" (١).\nقال ابن عبد البر: \" في هذا الخبر ما يدل على أن مراسيل إبراهيم النخعي أقوى من مسانيده، وهو لعمري كذلك، إلا أن إبراهيم ليس بعيار على غيره \" (٢).\nقلت: كذا قال، وهذا عجيب أن تكون الرواية فيه عن مجهول من أصحاب عبد الله بن مسعود، ولو كان أكثر من واحد، أقوى من قول إبراهيم: (حدثني علقمة عن ابن مسعود) !\nكلا، فمعلوم أن في أصحاب عبد الله من كان مجهولًا لا يعرف، فكيف يجوز تنزيل المجهول منزلة المعروف، فضلًا عن تقديمه عليه؟\nوالتحقيق الذي فصلت أسبابه في غير هذا الكتاب: أن ما أرسله إبراهيم عن ابن مسعود ضعيف لذاته من أجل الانقطاع، وهو قوي للاعتبار به (٣).\nوتكلم أئمة الحديث في مراسيل طائفة من التابعين ممن هم أعلى من إبراهيم في القدم، كالذي تقدم في مراسيل الحسن وعطاء.\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \" مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كل ضرب \".\nوقال يحيى القطان: \" مرسلات سعيد بن جبير أحب إلي من مرسلات عطاء \".\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٩) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣٧ - ٣٨) وإسناده صحيح. وأخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ٦٠٩) مختصرًا.\n(٢) التمهيد (١/ ٣٨) .......\n(٣) شرحت ذلك في كتابي \" الموسيقى والغناء في ميزان الإسلام \".","vol":"2","page":938},{"text":"قال علي بن المديني: قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات طاوس؟ قال: \" ما أقربهما \" (١).\nقلت: وقولهم: (مراسيل فلان أحب من مراسيل فلان) ليس تصحيحًا لها، وإنما هو ترجيح في القوة مقارنة بينهما.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: \" كان قتادة لا يغث (٢) عليه شيء، يروي عن كل أحد\" (٣).\nوقال أحمد بن سنان الواسطي \" كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة شيئًا، ويقول: \" هو بمنزلة الريح \". ويقول: \" هؤلاء قوم حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء علقوا \" (٤).\nوقال يحيى القطان: \" مرسل الزهري شر من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما قدر أن يسمي سمى، وإنما يترك من لا يحسن - أو يستجيز - أن يسميه \" (٥).\nقلت: ووجدت أبا حاتم الرازي سأله ابنه عن حديث يروى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر، فحكم بخطأ الرواية، وقال \" يروى عن الزهري عن من سمع جابرًا عن النبي ﷺ، ولا يسمي أحدًا، ولو كان سمع من سعيد لبادر إلى تسميته ولم يكن عنه \" (٦).\nقلت: وتلاحظ من هذا العلة التي لأجلها صار أئمة الحديث إلى رد المرسلات.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٧)، وابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٢٤٣، ٢٤٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.\n(٢) أي لا يرى شيئًا مما يَسمع غثًا لا يستحق أن يُروى، وإنما يروي كلَّ ما وقف عليه: الغث والسمين.\n(٣) أخرجه الرَّامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤١٧) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٤٦)، وإسناده صحيح.\n(٥) أخرجه ابن عساكر في \" تاريخه \" (٥٥/ ٣٦٨) وإسناده صحيح .......\n(٦) علل الحديث (رقم: ٥٧٣).","vol":"2","page":939},{"text":"وقال يحيى بن سعيد القطان: \" مرسلات أبي إسحاق (١) عندي شبه لا شيء، والأعمش، والتيمي (٢)، ويحيى بن أبي كثير، ومرسلات ابن عيينة شبه الريح \"، ثم قال: \" إي والله، وسفيان بن سعيد \".\nقال ابن المديني: قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟ قال: هي أحب إلي \".\nثم قال يحيى: \" ليس في القوم أحد أصح حديثًا من مالك \" (٣).\nوقال يحيى القطان كذلك: \" مرسل مالك أحب إلي من مرسل سفيان \" (٤).\nوسُئل أحمد بن حنبل عن مراسيل يحيى بن أبي كثير؟ قال: \" لا تعجبني؛ لأنه روى عن رجال ضعاف صغار \" (٥).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \" مرسلات ابن أبي خالد ليس بشيء، ومرسلات عمرو بن دينار أحب إلي \" (٦).\nوقال يحيى كذلك: \" مرسلات معاوية بن قرة أحب إلي من مرسلات زيد بن أسلم \" (٧).\nقلت: وهذه نصوص في مراسيل طائفة من رواة الحديث مختلفي\n_________\n(١) يعني السبيعي.\n(٢) يعني سليمان بن طرخان التيمي.\n(٣) أخرجه الترمذي في (العلل) آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٧) وابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٢٤٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه يعقوب بن سُفيان في \" المعرفة \" (١/ ٦٨٦) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٤٩) وإسناده صحيح.\n(٥) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢٢٢).\n(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٢٤٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٠) بإسناد صحيح.\n(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٢٤٥) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":940},{"text":"الطبقات، منهم من حديثه مرسل، ومنهم من حديثه معضل، كما يدخل فيما ذُكر ما يرويه أحدهم عن شيخ لم يسمع منه، وهو المنقطع، وفيه الإبانة أن (المرسل ضعيف) لذاته، إنما قوة بعضه من جهة تحري المرسل وتثبته، ووهاء بعضه من جهة التحديث عن الثقات وغيرهم.\nوالطريق إلى جواز الاعتبار بهذا المرسل أو ذاك، هو الاستقراء لطُرق وشواهد تلك الرواية.\nفمن قوى مراسيل مالك بن أنس، وهي معضلات إذا كانت مما يرويه عن النبي ﷺ، فذلك من جهة أن التتبع دل على قوتها مع ما عرف عن مالك من التحري، كالشأن في بلاغاته في \" الموطأ \"، على أنه مع ذلك وجد فيها ما لم يوقف له على أصل.\n\nوحاصل هذه المسألة:\nأن المرسل يتفاوت في قوته، والشواهد مع تحري المرسل معيار للترجيح بينها، وللاعتبار بما يعتبر به منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>المسألة الثالثة: حكم الحديث المرسل:</span>\nبالنظر إلى الإسناد، فإن المرسل من جهة الصناعة الحديثية منقطع غير متصل.\nوالمرسل بمعناه الشائع والمنقطع في المعنى الاصطلاحي والذي يسميه الكثيرون (مرسلًا)، حكمهما فيما يأتي سواء.\n\nوللعلماء في الاحتجاج بذلك وعدمه مذاهب:\n\nالمذهب الأول: صحة الاحتجاج به، بشرط أن يكون المرسل ثقة عدلًا، وهؤلاء يكون المرسل عندهم من جملة الحديث الصحيح.\nوالقول به منقول عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سلمان، وأبي","vol":"2","page":941},{"text":"حنيفة وصاحبيه: أبي يوسف ومحمد (١)، وكذلك هو قول مالك وأهل المدينة (٢)، وذكر أصحاب أحمد أن الصحيح عنه الاحتجاج بالمرسل (٣)، وأبو داود وغيره نقلوا عنه كقول الشافعي الآتي.\nقال أبو داود السجستاني: \" أما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها \" (٤).\nوقال أبو داود: \" إذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة \" (٥).\nقال ابن عبد البر: \" زعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعوا على قبول المرسل، ولم يأت عنهم إنكاره، ولا عن أحد الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين. كأنه يعني أن الشافعي أول من أبى من قبول المرسل \" (٦).\nورأي ابن عبد البر لخصه قوله: \" كل من عرف بالأخذ عن الضعفاء والمسامحة في ذلك، لم يحتج بمرسله، تابعيا كان أو من دونه، وكل من عرف أنه لا يأخذ إلا عن ثقة فتدليسه ومرسله مقبول \" (٧). قال الحاكم: \" منهم من قال: إنه أصح من المتصل المسند؛ فإن.\n_________\n(١) فتح الغفار، لابن نُجيم (٢/ ٩٦)، المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣)، والتمهيد، لابن عبد البر، (١/ ٥)، والبرهان، لإمام الحرمين (١/ ٦٣٤).\n(٢) الكفاية، للخطيب (ص: ٥٤٧)، والتمهيد، لابن عبد البر (١/ ٢، ٣).\n(٣) شرح علل الترمذي، لابن رجب (١/ ٢٩٦)، وعدَّه العلائي إحدى الروايتين عنه (جامع التحصيل، ص: ٢٧)، واعلم أن عامة مطوَّلات كتب الأصول اعتنت بذكر مذاهب الفقهاء هذه، مما لم نرَ ضرورة للإطالة بالعزو إليه.\n(٤) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٢).\n(٥) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٣).\n(٦) التمهيد (١/ ٤)، والطبري هو أبو جعْفرٍ مُحمد بن جرير .......\n(٧) التمهيد (١/ ٣٠).","vol":"2","page":942},{"text":"التابعي إذا روى الحديث عن الذي سمعه أحال الرواية عليه، وإذا قال: قال رسول الله ﷺ، فإنه لا يقوله إلا بعد اجتهاد في معرفة صحته \" (١).\n\nالمذهب الثاني: ليس بحجة، وهو من جملة الحديث الضعيف.\nوهو قول الأئمة: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل (٢)، وقول أكثر أهل الحديث (٣).\nقال الشافعي: \" الحديث المنقطع لا يكون حجة عندنا \" (٤)، وقال: \" نحن لا نقبل الحديث المنقطع \" (٥)، وقال: \" لا نثبت المنقطع على وجه الانفراد \" (٦).\nوبعد أن ذكر أبو داود السجستاني أن الشافعي تكلم في المراسيل، قال: \" وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره \" (٧).\nوكان الإمام أحمد بن حنبل يقدم عليه الحديث الموقوف، فلو كان مما يحتج به عنده لم يقدم عليه قول الصحابي أو فعله.\n_________\n(١) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣)، وانظره عن الحنفية في \" شرح المنار \" لابن نجيم (٢/ ٩٥)، وحكى معنى ذلك ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣) عن بعض المالكية.\n(٢) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٣، ٤٥)، وكلام الشافعي في غير موضعٍ من كُتبه، انظر من ذلك: الأم (١٢/ ٣٦٨). وابن المبارك ربما قبلَ مرسل الثقة، كما نقل ذلك عنه أحمد بن حنبل، قال: حدثني الحسن بن عيسى، قال: حدثْتُ ابن المبارك بحديث أبي بكر بن عياش عن عاصم عن النبي ﷺ، قال: \" حسنٌ \"، فقلت: له - يعني ابن المبارك _: إنه ليس فيه إسناد؟ فقال: \" إن عاصمًا يُحتمل له أن يقول: قال رسول الله ﷺ \"، قال: فغدوْت إلى أبي بكر، فإذا ابن المبارك قد سبقني إليه، وهو إلى جنبه، فظننته سأله عن هذا الحديث. أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٨٧٤) وهو صحيح، الحسن هذا ثقة.\n(٣) الكفاية، للخطيب (ص: ٥٤٧)، والتمهيد، لابن عبد البر (١/ ٥).\n(٤) الأم (١٢/ ٤٨٢، و١٥/ ٢٦٥).\n(٥) الأم (١٠/ ٤٦١).\n(٦) اختلاف الحديث (ص: ١٩١).\n(٧) رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصْف سننه (ص: ٣٢).","vol":"2","page":943},{"text":"قال ابن هانئ: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد): حديث عن رسول الله ﷺ مرسل برجال ثبت، أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو التابعين متصل برجال ثبت؟ قال أبو عبد الله: \" عن الصحابة أعجب إلي \" (١).\nوقال ابن رجب: \" ظاهر كلام أحمد أن المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجئ عن النبي ﷺ أو عن أصحابه خلافه \" (٢).\nوقال مسلم بن الحجاج: \" والمرسلمن الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة \" (٣).\nوقال الترمذي: \" والحديث إذا كان مرسلًا، فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث، قد ضعفه غير واحد منهم \" (٤).\nقال: \" ومن ضعف المرسل فإنه ضعفه من قبل أن هؤلاء الأئمة (يعني أصحاب المراسيل) قد حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثًا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة \" (٥).\nوقال أبو زرعة الرازي وأبو حاتم الرازي وابنه: \" لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة \" (٦).\nوقال ابن حبان: \" المرسل والمنقطع من الأخبار لا يقوم بها حجة؛ لأن الله جل وعلا لم يكلف عبده أخذ الدين عمن لا يعرف، والمرسل\n_________\n(١) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٦٥) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٧).\n(٢) شرح العلل (١/ ٣١٣)، ونقل عن الأثرم عن أحمد ما يؤيد هذا.\n(٣) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٠).\n(٤) العلل الصغير، في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٧) .......\n(٥) العلل الصغير، في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٤٨).\n(٦) المراسيل (ص: ٧).","vol":"2","page":944},{"text":"والمنقطع ليس يخلو ممن لا يعرف، وإنما يلزم العباد قبول الدين الذي هو من جنس الأخبار إذا كان من رواية العدول، حتى يرويه عدل عن عدل إلى رسول الله ﷺ موصولًا \" (١).\nوقال الخطيب: \" الذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل غير مقبول، والذي يدل على ذلك: أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه \" (٢).\nوقال ابن حزم: \" هو غير مقبول، ولا تقوم به حجة؛ لأنه عن مجهول \" (٣).\nورد الخطيب الاعتراض بكون إرسال الثقة تعديل منه لمن أرسل عنه، بسكوت الثقات عمن يروون عنه، وربما لم يكن ذلك الثقة عالمًا أصلًا بحال من أسقطه.\nقلت: وهذا مصدق بالواقع العملي من حال المرسلين، فإن منهم من كان يروي عن كل أحد، كما تقدم بعض مثاله في المسألة السابقة.\nكذلك فليس كل ثقة له أهلية تمييز النقلة، كما بين هذا في محله، وإذا كانت رواية العدل في التحقيق عن مسمى لا تعد بمجردها تعديلًا له، فكيف بمن أسقط أصلًا بما حال دون العلم به؟ ثم لو سلمنا ثقة ذلك الذي أسقط عند من أرسل روايته، فإنه معلوم أن الراوي قد يكون مختلفًا فيه جرحًا وتعديلًا، والجرح فيه أرجح، فكيف السبيل إلى تحرير هذا في حق من لم يذكر في الإسناد أصلًا؟\nثم إن اعتناء الثقات بالأسانيد وإقامتهم لها هو الأصل الذي به عرف\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٧٢).\n(٢) الكفاية (ص: ٥٥٠ - ٥٥١)، ومعناه أيضًا في: الفقيه والمتفقه (١/ ٢٩٢).\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٢) .......","vol":"2","page":945},{"text":"ضبطهم وإتقانهم، والعذر لأحدهم أرجى في ذكر من حدثه بالخبر، فعدول أحدهم إلى الإرسال يورد مظنة القدح في ذلك الراوي الذي أسقط من الإسناد.\nوالشأن أن الثقة المتقن العارف لا يقصر في ذكر من حدثه لو كان ثقة، كما قال يحيى بن سعيد القطان: \" سفيان عن إبراهيم شبه لا شيء؛ لأنه لو كان فيه إسناد صاح به \" (١).\nوهذا قال بعض الأئمة معناه في غير واحد من أعيان الثقات يبهمون شيوخهم أو يسقطونهم، كالزهري كما تقدم عنه، ومن ذلك:\nروى زيد بن أسلم حديثًا اختلف عليه فيه: فرواه معمر بن راشد عنه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ، ورواه سفيان الثوري عن زيد بن أسلم قال: حدثني الثبت قال: قال النبي ﷺ، فقال أبو حاتم الرازي: \" فإن قال قائل: الثبت من هو؟ أليس هو عطاء بن يسار؟ قيل له: لو كان عطاء بن يسار لم يكن عنه \"، وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي زرعة: أليس الثبت هو عطاء؟ قال: \" لا، لو كان عطاء ما كان يكني عنه \" (٢).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث روي عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد الله عن يزيد بن الأصم عن ميمونة؟ فقال: \" رواه بعض أصحاب الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم عن ميمونة \" قال: \" والذي يرويه الدمشقيون عن الأوزاعي عن من سمع يزيد بن الأصم أشبه؛ لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيد الله لم يكن عنه \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٤٤) و\" المراسيل \" (ص: ٥) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٥٠) وإسناده صحيح.\n(٢) علل الحديث (رقم: ٦٤٢).\n(٣) علل الحديث (رقم: ٢٤٥٠) .......","vol":"2","page":946},{"text":"المذهب الثالث: التفريق بين المراسيل، بحسب المرسل.\nوهذا عزي للشافعي أنه كان يقبل مراسيل كبار التابعين، كما تقدم بيانه في المسألة السابقة، وتبين أن الشافعي لا يرى قبول مرسل التابعي الكبير لذاته، إنما يقبله بقرائن تقويه.\nفهذا مذهب في التحقيق لم يقل به أحد، فعاد الخلاف إلى المذهبين الأولين.\nوظاهر ما تقدمت حكاية عن أهل العلم: الاختلاف بين الفقهاء وأهل الحديث في صحة المرسل.\nلكن التحقيق كما حررته عبارة الناقد ابن رجب، حيث قال: \" اعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وأعلام الفقهاء في هذا الباب، فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلًا، وهو ليس بصحيح على طريقهم؛ لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي ﷺ، وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث، فإذا أعضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلًا قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما احتف به من القرائن، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة \" (١).\nيؤيد هذه الخلاصة المحققة قول أبي عمر بن عبد البر وهو يبين مذهب أصحابه المالكية ومن وافقهم في قولهم بقبول المرسل: \" ثم إني تأملت كتب المناظرين والمختلفين من المتفقهين وأصحاب الأثر من أصحابنا وغيرهم، فلم أر أحدًا منهم يقنع من خصمه إذا احتج عليه بمرسل، ولا يقبل منه في ذلك خبرًا مقطوعًا (٢)، وكلهم عند تحصيل المناظرة يطالب خصمه بالاتصال في الأخبار \" (٣).\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٢٩٧).\n(٢) أي: مُنقطعًا.\n(٣) التمهيد (١/ ٧).","vol":"2","page":947},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>المسألة الرابعة: رواية الصحابي ما لم يسمعه من النبي ﷺ </span>... .\n\nوهذا ما يصطلح عليه بـ (مراسيل الصحابة).\nوقد وقع ذلك من كثير من الصحابة، وأكثره في صغارهم مثل: عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك.\nفما حكم ما يروونه عن النبي ﷺ لا يذكرون فيه السماع؟.\nصورة هذه المسألة صورة التدليس، على ما سيأتي بيانه في تعريفه، وذلك أن الصحابي يروي عن النبي ﷺ مباشرة، ويروي عنه بالواسطة، وتارة يسقطها، وإسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه تدليس.\nلكن هل يجوز إطلاق مثل ذلك على ما وقع صنيع الصحابة؟\nحُكي عن شعبة بن الحجاج قال: \" أبو هريرة كان يدلس \" (١).\nوهذا خبر واهٍ من جهة الإسناد، والتحقيق: أنه قبيح من جهة اللفظ أن ينسب للصحابة تدليس، فلفظ التدليس وإن كان له معنى اصطلاحي يتناول ما نسميه بمراسيل الصحابة، إلا أن الاصطلاح منشأ من قبلنا، قصدنا به دفع ما وقع من الموصوفين بالتدليس من إسقاط الواسط المجروحة، مما يوهم سلامة الإسناد في الظاهر، وهو أمرٌ حادث بعد الصحابة.\n_________\n(١) أخرجه ابنُ عدي (١/ ١٥١) - ومن طريقه: ابنُ عساكر (٦٧/ ٣٥٩) - قال: أخبرنا الحسن بن عثمان التُّستري، أخبرنا سلمة بن شبيب، قال: سمعت [يزيد بن هارون، قال: سمعت] شعبة، به.\nسقط ما بين المعقوفين من مطبوعةِ ابن عدي ومن مخطوطة أحمد الثالث لكتاب \" الكامل \"، واستدركتها من ابن عساكر، وهذه الرواية ساقطةٌ بسقوط التستري هذا، فإنه متهم بالكذب.\nووجدت الذهبي ذكر هذا النص في \" سير أعلام النبلاء \" (٢/ ٦٠٨) وقال بعده: \" تدليس الصحابة كثير، ولا عيْب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدولٌ \". قلت: وليته بيَّن وهاء الرواية، ولم يعلق بمثل هذا، فزاد على تلك العبارة القبيحة المنسوبة إلى شُعبة أن عمم إطلاق التدليس على ما يقع من إرْسال سائر الصحابة، وهذا أقبح، وكلٌّ يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي ﷺ .......","vol":"2","page":948},{"text":"وقد صح عن البراء بن عازب، قال: \" ما كل ما نحدثكموه سمعناه من رسول الله ﷺ، ولكن حدثنا أصحابنا، وكانت تشغلنا رعْية الإبل \" (١).\nوفي رواية، عن البراء، قال: \" ما كل ما نُحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه، ولكن سمعناه، وحدثنا أصحابنا، ولكنا لا نكذب (٢).\nوروى قتادة السدوسي عن أنس بن مالك قصة، فقال له رجل: سمعت هذا من أنس؟ قال: نعم، قال رجل لأنس: أسمعه من رسول الله ﷺ؟ قال: \" نعم، وحدثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب \" (٣).\nقلت: فهذا يبطل وصف ما وقع من الصحابة من هذا القبيل بالتدليس.\nكذلك، فإن النظر في اتصال الإسناد لصحة الحديث إنما يجب أن\n_________\n(١) أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في \" المسند \" (٣٠/ ٤٥٠، ٤٥٨ رقم: ١٨٤٩٣، ١٨٤٩٨) و\" العلل \" (النص: ٣٦٧٥، ٣٦٧٦) والحاكم في \" المستدرك \" (١/ ٩٥ رقم ٣٢٦) و\" المعرفة \" (ص: ١٤) وأبو نعيم في \" معرفة الصحابة \" (رقم: ١١٦٥) وابن حزم في \" الإحكام \" (٢/ ١٢) من طريقين عن سفيان الثوري، عن إسحاق، عن البراء، به.\nقال الحاكم: \" هذا حديث له طرقٌ عن أبي إسحاق السبيعي، وهو صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه \".\n(٢) أثرٌ صحيح. أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٢٨٣٥) ويعقوب بن سُفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٦٣٤) من رواية وكيع، وجعفرٌ الفريابي في \" فوائده \" (ق: ٨٠ / ب ظاهرية) وابن عدي (١/ ٢٦١) من طريق عليِّ بن مسهر، وكذا ابن عَدي من طريق مالك بن سُعير وإسحاق بن الربيع، أربعتهم عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن البراء، به. وإسناده صحيح.\nوخرَّجته كذلك من طريق يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، وفيه سماع أبي إسحاق من البراء، وذلك فيما تقدم من هذا الكتاب في (عدالة الصحابة).\n(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤) وإسناده حسن.","vol":"2","page":949},{"text":"يراعى فيما دون الصحابي، أما الصحابي عن النبي ﷺ فإنه لا يخلو من أن يكون سمعه من رسول الله ﷺ، أو سمعه من صحابي آخر سمعه من رسول الله ﷺ، لا يروي الصحابي عن تابعي عن صحابي آخر عن النبي ﷺ إلا في صور نادرة تستطرف، ولعلها لا يثبت منها كبير شيء، فحيث عادت (مراسيل الصحابة) إلى وسائط من الصحابة أنفسهم، وهم جميعًا عدول فليس لهذه الصورة إذًا تأثيرٌ في صحة الإسناد، وإن أطلق عليها لفظ (الإرسال).\nقال الخطيب في كلامه عن (المرسل): \" إن كان من مراسيل الصحابة قبل ووجب العمل به؛ لأن الصحابة مقطوع بعدالتهم، فإرسال بعضهم عن بعض صحيح \" (١).\nوصحة الاحتجاج بمراسيل الصحابة في الواقع التطبيقي العملي، جرى عليه عامة أهل العلم، فلم يرد أحد حديثًا لابن عباس صح الإسناد به إليه، من أجل كونه كان كثير الإرسال عن النبي ﷺ، وذلك لقلة ما سمع منه لصغر سنه يومئذ، فكان أكثر حديثه مما أخذه بالواسطة عن النبي ﷺ، فلم يذكر تلك الوسائط في كثير مما حدث به.\nوهذا القول هو الذي رجحه الحافظ الخطيب (٢)، وحكاه ابن رشيد عن جمهور أهل العلم (٣).\nوذكر الخطيب أن فيمن رد المرسل من العلماء من رد مراسيل الصحابة، ولم يسم أحدًا (٤).\nوذكره بعض من جاء من بعد عن بعض أهل الكلام (٥).\n_________\n(١) الفقيه والمتفقه (١/ ٢٩١) .......\n(٢) الكفاية (ص: ٥٤٨).\n(٣) السنن الأبين (ص: ١١٦).\n(٤) الكفاية (ص: ٥٤٧).\n(٥) انظر: جامع التحصيل، للعلائي (ص: ٤٧).","vol":"2","page":950},{"text":"وأن من حجة صاحب هذا المذهب مظنة أن يكون ذلك الصحابي قد سمع ذلك الحديث من تابعي يحتاج أن يميز حاله في النقل، أو أعرابي مجهول.\nوهذا القول في التحقيق مهجور لضعف حجته.\n\n* * *","vol":"2","page":951},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>المبحث الخامس:\n\nالحديث المدلس</span>\nتعريفه:\n\nالتدليس لغة: كتمان العيب، ومنه التدليس في البيع، وهو كتمان العيب في السلعة على المشتري، فيوهم السلامة منه.\nواصطلاحًا: مأخوذ من هذا المعنى، وهو نوعان في الجملة، أولهما يندرج تحت الانقطاع في الإسناد، أما الثاني فليس انقطاعًا، إنما صلته بعدالة الراوي المدلس وضبطه خاصة، وهذا بيان النوعين:\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-401>النوع الأول: تدليس الوصل</span>.\n\nوهو قسمان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>القسم الأول: تدليس الإسناد</span>.\n\nتعريفه: أن يروي الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه؛ بصيغة موهمة للاتصال، يقول: (عن فلان) أو (قال فلان) أو شبه ذلك.\nوقال الخطيب: \" رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد \" (١).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٩) .......","vol":"2","page":952},{"text":"قلت: وهذا التعريف قد اشتمل على صورتين لعدم السماع جمعهما الإدراك، وافترقا في ثبوت السماع في الجملة:\nفالأولى: إدراك مجرد، دون سماع ذلك الراوي ولا في خبر واحد ممن روى عنه.\nوالثانية: أنه سمع ممن روى عنه غير ذلك الحديث، وإنما حدث عنه بما سمعه من غيره عنه، فأسقط تلك الواسطة، وروى الخبر بالعنعنة عن ذلك الشيخ.\nوطائفة من المتأخرين يسمون الصورة الأولى: (الإرسال الخفي)، مع أن معنى الإيهام موجود فيها، من أجل إدراك الراوي في الجملة لمن أرسل عنه.\nوعرف ابن عبد البر هذا النوع من التدليس، بعبارة أدق، تخرج منه الصورة الأولى، فقال: \" التدليس: أن يحدث الرجل عن الرجل، قد لقيه، وأدرك زمانه، وأخذ عنه، وسمع منه، وحدث عنه بما لم يسمعه منه، وإنما سمعه من غيره عنه، ممن ترضى حاله أو لا ترضى، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مرضية لذكره، وقد يكون لأنه استصغره. هذا هو التدليس عند جماعتهم، لا اختلاف بينهم في ذلك \" (١).\nوالمقصود: أن يأتي بصيغة الأداء غير صريحة في السماع، وهي (عن) ومعناها (٢).\n_________\n(١) التمهيد (١/ ١٥) ونحوه كذلك (١/ ٢٧، ٢٨). وقوله: لا اختلاف بينهم في ذلك \"، ظاهره: في حصْر التدليس في هذا المعنى، وليس كذلك، بل تقدم عن الخطيب أنه أدْرج فيه المرسل الخفي، كذلك صح وُجود بعض عبارات الأئمة في التدليس قيلت فيما هو من قبيل الإرسال الخفي، كبعض ما قيل في تدليس الحسن البصري.\n(٢) وكن يَقظًا لِما جرى من بعْض المتأخرين من إطلاق وَصف التدليس على مَن روى بطريق الإجازة فقال: (أخبرنا)، فالتدليس رواية بالواسطة، بخلاف الإجازة فلا واسطة بين المجيز والمُجاز .......","vol":"2","page":953},{"text":"والإسناد الذي يقع فيه التدليس إسناد مرسل في ذلك المحل، لكنه صورة خاصة من الإرسال أو الانقطاع، فارقت معنى الإرسال والانقطاع المعروفين فيما يقع فيها من إيهام السماع فذلك بينٌ يسهل إدراكه بخلاف ما يظن أنه مسموع وليس كذلك.\nقال الخطيب: \" والتدليس يشتمل على ثلاثة أحوال تقتضي ذم المدلس وتوهينه:\nفأحدها: إيهامه السماع من لم يسمع منه، وذلك مقارب الإخبار بالسماع ممن لم يسمع منه.\nوالثانية: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال، وذلك خلاف موجب الورع والأمانة.\nوالثالثة: أن المدلس إنما لم يبين من بينه وبين من روى عنه؛ لعلمه بأنه لو ذكره لم يكن مرضيا مقبولًا عند أهل النقل؛ فلذلك عدل عن ذكره.\nوفيه: أنه لا يذكر من بينه وبين من دلس عنه؛ طلبًا لتوهيم علو الإسناد، والأنفة من الرواية عمن حدثه، وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة، من التواضع في طلب العلم، وترك الحمية في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه \" (١).\nومما يبين كيف يقع التدليس في الإسناد: قول الأعمش: قال لي حبيب بن أبي ثابت: \" لو أن رجلًا حدثني عنك بحديث ما باليت أن أرويه عنك \" (٢). وربما أسقط المدلس أكثر من واسطة بينه وبين شيخه، كما قال أحمد بن حنبل وذكر المبارك بن فضالة: \" كان يرسل [عن] الحسن \"، قيل:\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥١٠ - ٥١١).\n(٢) أخرجه الرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤٥٥ - ٤٥٦) بإسناد حَسنٍ.","vol":"2","page":954},{"text":"يدلس؟ قال: \" نعم \"، قال: \" وحدث يومًا عن الحسن بحديث، فوقف عليه، قال: حدثنيه بعض أصحاب الحديث عن أبي حرب عن يونس \" (١).\nقلت: فأسقط ثلاث وسائط: الراوي الذي لم يسم، وأبا حرب، ويونس بن عبيد.\nوقال علي بن المديني: قلت ليحيى (يعني القطان): حديث حماد بن زيد عن أبي عبد الله الشقري، عن إبراهيم، في العبد يتسرى؟ فقال: \" بينه وبين إبراهيم ثلاثة \" أي لم يسمعه من إبراهيم (٢).\nوقال الشافعي: حدث شعبة عن حماد عن إبراهيم بحديث، قال شعبة: فقلت لحماد: سمعته من إبراهيم؟ قال: لا، ولكن أخبرني مغيرة، قال: فذهبت إلى مغيرة، فقلت: إن حمادًا أخبرني عنك بكذا، فقال: صدق، فقلت: سمعته من إبراهيم؟ قال: لا، ولكن حدثني منصور، قال: فلقيت منصورا ً، فقلت: حدثني عنك مغيرة بكذا، فقال: صدق، فقلت: سمعته من إبراهيم؟ قال: لا، ولكن حدثني الحكم، فجهدت أن أعرف طرقه فلم أعرفه ولم يمكني (٣).\nواعلم أن من المدلسين من يعرف بالتدليس كجرح نسبي لحقه في كل ما يرويه بالعنعنة عن جميع من روى عنهم، ومنهم من انحصر تدليسه في بعض حديثه، لا مطلقًا، فهذا لا يجوز تعميم رد ما لم يذكر فيه سماعًا عن كل من روى عنه، فتيقظ للتفريق بين الصنفين.\n_________\n(١) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة والتاريخ \" (٢/ ٦٣٣) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٣٥) وإسناده صحيح. اسم الشقري سلمة بن تمَّام، وإبراهيم هو النخعي، والتسري: أن تكون له الأمة يطأها.\n(٣) أخرجه البيهقي في \" معرفة السنن والآثار \" (١/ ١٦٥ - ١٦٦) و\" الخلافيات \" (رقم \" ٧٥٩، ٧٦٠) و\" مناقب الشافعي \" (١/ ٥٢٧) وإسناده إلى الشافعي صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم في \" آداب الشافعي \" (ص: ٢١٨ - ٢١٩) بمعناه. وإبراهيم فيه هو النخعي، وحماد هوَ ابنُ أبي سُليمان، ومغيرة هوَ ابنُ مِقسم الضبي، ومنصور هو ابن المعتمر، والحكم هوَ ابنُ عتيبة .......","vol":"2","page":955},{"text":"ومن قبيل تدليس الإسناد:\nما كان يصنعه هشيم بن بشير، فقد قال أحمد بن حنبل: \" كان هشيم يومًا يقول: (حدثنا)، و(أخبرنا)، ثم ذكر أنه لم يسمع، فقال: يا صباح، قل لهم: توسعون الطريق حتى يمر الصبي والمرأة، ثم قال: فلان عن يونس، و: فلان عن مغيرة \" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>القسم الثاني: تدليس التسوية</span>.\n\nوهو: أن يسقط الراوي ممن فوق شيخه في الإسناد، كراو مجروح أو مجهول، أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك ويجوده (٢).\nوهو شر صور التدليس، وفرع عن (تدليس الإسناد).\nسئل يحيى بن معين عن الرجل يلقي الرجل الضعيف من بين ثقتين، يوصل الحديث ثقة عن ثقة، ويقول أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة، يحسن الحديث بذلك؟ فقال: \" لا يفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا هو قد حسنه وثبته، ولكن يحدث به كما روي \" (٣).\nوسمي هذا النوع من التدليس (تسوية)؛ لأن فاعله يسقط المجروح من\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ٢١٥٢).\nقلت: وهذه الصورة أطلق عليها ابنُ حجر من المتأخرين اسم (تدليس القَطع)، وهي نادرةٌ إنما عُرف مثالها من صنيع هُشيم، ولا تخرُج عن تدليس الإسناد، ولم أرَ ما يدعو للتوسُّع في التقسيم لتُعدَّ هذه بمنزلة النوع المستقل للتدليس.\nكما أهملت من القِسمة ما سماه بعض المتأخرين (تدليس العَطف) ويذكرون مثاله من صنيع هُشيم في ذلك في حِكاية عنه أراد أن يختبر بها تلاميذه، أوردها الحاكم في \" معرفة علوم الحديث \" (ص: ١٠٥) بدون إسناد، ولا يوجد لها في الواقع صورةٌ حقيقةٌ مؤثرةٌ، والحكاية المذكورة عن هُشيم لو صحَّت فإنها لا تُخرج هذه الصورة عن (تدليس الإسناد).\n(٢) الكفاية (ص: ٥١٨).\n(٣) تاريخ عثمان الدارمي عن يحيى بن معين (النص: ٩٥٢) ومن طريقه: ابن عدي (١/ ٢١٦) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٢٠).","vol":"2","page":956},{"text":"الإسناد من بعد شيخه ليستوي حال رجاله في الثقة، وكان بعض المحدثين يسميه (تجويدًا) لأن المدلس يبقي جيد رواته.\nوكان جماعة من الرواة يعرفون بفعل ذلك، منهم:\nسليمان بن مهران الأعمش، قال عثمان الدارمي: كان الأعمش ربما فعل ذلك \" (١).\nوكذلك جاء عن سفيان الثوري، فعن قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان يومًا حديثا ًترك فيه رجلًا، فقيل له: يا أبا عبد الله، فيه رجل؟ قال: \" هذا أسهل الطريق \" (٢).\nومن أفعل الناس له: بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم.\nقال أبو حاتم ابن حبان: \" دخلت حمص وأكثر همي شأن بقية، فتتبعت حديثه وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو من رواية القدماء عنه، فرأيته ثقة مأمونًا، ولكنه كان مدلسًا، سمع من عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك أحاديث يسيرة مستقيمة، ثم سمع عن أقوام كذابين ضعفاء متروكين عن عبيد الله بن عمر وشعبة ومالك، مثل: المجاشع بن عمرو، والسري بن عبد الحميد، وعمر بن موسى الميثمي، وأشباههم، وأقوام لا يعرفون إلا بالكنى، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم بالتدليس ما سمع من هؤلاء الضعفاء، وكان يقول: (قال عبيد الله بن عمر عن نافع) و(قال مالك عن نافع كذا)، فحملوا عن بقية عن عبيد الله، وعن بقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهما، فالتزق الموضوع ببقية\n_________\n(١) تاريخ عثمان الدارمي عن يحيى بن معين (النص: ٩٥٢) ومن طريقه: ابنُ عدي (١/ ٢١٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٢٠).\nوتعقب هذا منه الحافظ ابن حجر، فقال في مقدمة \" لسان الميزان \" (١/ ١٠٥): \" ما علمت أحدًا ذكرَ الأعمش بذلك \".\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥١٨ - ٥١٩) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":957},{"text":"وتخلص الواضع من الواسط \" ثم اعتذر له (١).\nوقال الدارقطني: \" الوليد بن مسلم يرسل في أحاديث الأوزاعي، عند الأوزاعي أحاديث عن شيوخ ضعفاء عن شيوخهم أدركهم الأوزاعي، مثل نافع والزهري وعطاء، فيسقط الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع والزهري وعطاء \" (٢).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: \" كان صفوان بن صالح ومحمد بن المصفى يسويان الحديث \" (٣).\nقلت: لم يذكر أحد من الرجلين بتدليس التسوية إلا في هذا النص، وعليه بنى من ذكرهما في المدلسين، فهل تسلم دلالة هذا اللفظ على المعنى الاصطلاحي لهذا التدليس؟ في هذا تردد؛ لاحتمال إرادة غير معنى التدليس، والله أعلم.\n\nمثال الحديث يعل بتدليس التسوية:\nقال ابن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي روى عن هشام بن خالد الأزرق، قال \" حدثنا بقية بن الوليد، قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ: \" من أصيب بمصيبة من سقم أو ذهاب مال فاحتسب ولم يشك إلى الناس؛ كان حقا على الله أن يغفر له \" قال أبي: هذا حديث موضوع لا أصل له، وكان بقية يدلس، فظنوا هؤلاء أنه يقول في كل حديث: (حدثنا) ولا يفتقدون الخبر منه (٤).\nيعني يغرهم قوله: (حدثنا فلان)، وهو لا يسقط لهم واسطة بينه وبين شيخه، إنما يسقط من المجروحين من بعد شيخه.\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٢٠٠).\n(٢) سؤالات السلمي للدارقطني (النص: ٣٥٩).\n(٣) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٩٤) بإسناد صحيح .......\n(٤) علل الحديث، لابن أبي حاتم (٢/ ١٢٦)، وانظرْه كذلك (٢/ ١٧٨، ٢٩٥).","vol":"2","page":958},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>سبب وقوع التدليس في الإسناد:</span>\n\nنقل الذهبي قول أبي الحسن بن القطان في (بقية بن الوليد): \" بقية يدلس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مفسد لعدالته \" (١)، ثم تعقبه بقوله: \" نعم، والله! صح هذا عنه أنه يفعله، وصح عن الوليد بن مسلم، بل وعن جماعة كبار فعله، وهذه بلية منهم، ولكنهم فعلوا ذلك باجتهاد، وما جوزوا على ذلك الشخص الذي يسقطون ذكره بالتدليس أنه تعمد الكذب، هذا أمثل ما يعتذر به عنهم \" (٢).\nومن اجتهادهم: إحسان الظن بمن أسقطوه، وإن كان مجروحًا عند غيرهم، وأسقطوه تمشية لروايته.\nومن ذلك: صغر سن الشيخ المدلس عن سن المدلس.\nومن ذلك: كراهة ذكره، لسوء حاله من جهة أمر لا يعود إلى نفس حديثه.\nمثل ما وقع للوليد بن مسلم، حدث بحديث عن شيبان بن عبد الرحمن، عن علي بن عبد الله بن عباس، فبين أبو حاتم الرازي أن الوليد ترك من الإسناد (سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس)، بين ذلك وعلله فقال: \" الذي أرى أن الوليد بن مسلم ترك (سليمان) من الإسناد على العمد؛ لأن سليمان أسرف في القتل والنكاية فيهم، فكان يكره أن يكون ذكره في الحديث \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>النوع الثاني: تدليس الأسماء</span>.\n\nويقال: تدليس الشيوخ.\n_________\n(١) انظر: بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لابن القطان (النص: ١٦٣٣).\n(٢) ميزان الاعتدال (١/ ٣٣٩).\n(٣) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٩٧٨) .......","vol":"2","page":959},{"text":"تعريفه: \" أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا، فغير اسمه، أو كنيته، أو نسبه، أو حاله المشهور من أمره؛ لئلا يعرف \" (١).\nوذلك يفعل لأسباب، منها:\n١ - كون الشيخ مجروحًا.\n٢ - كون المدلس قد شورك في الرواية عن ذلك الشيخ من قبل من هم دونه في السن أو العلم أو غير ذلك.\n٣ - كون ذلك الشيخ أصغر سنا من الراوي عنه.\nكما وقع لسفيان بن عيينة، فيما أخبر به أحمد بن حنبل قال: حدثنا سفيان بن عيينة يوما ً عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين، قال: \" يجزئ الجنب أن ينغمس في الماء \"، قلنا: من دون زيد بن أسلم؟ قال: معمر، قلنا: من دون معمر؟ قال: ذاك الصنعاني عبد الرزاق (٢).\n٤ - كثرة ما عند ذلك الراوي عن الشيخ، فيغير في اسمه دفعًا للتكرار (٣).\nومن أمثلة هذا النوع من التدليس:\nعطية بن سعد العوفي، كان روى عن أبي سعيد الخدري، روى التفسير عن محمد بن السائب الكلبي، فكنى هذا الأخبار (أبا سعيد) (٤)،\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٢٠) ونحوه (ص: ٥٩).\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣١) وإسناده صحيح. وفي \" مصنف عبد الرزاق \" (١/ ٢٦٤ رقم: ١٠١٤) عن معمر، عن زيد بن أسلم في الرجل يغسل رأسه بالخِطْمي وهو جنب ثم يتركه حتى يجف، قال: سمعت علي بن الحسين يقول: ما مَسَّ الماءَ منك وأنت جُنبٌ فقد طهر ذلك المكان.\n(٣) ذكر هذه الأسباب الأربعة الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٢٠).\n(٤) العلل، للإمام أحمد (النص: ١٣٠٦، ١٣٠٧)، المجروحين، لابن حبان (٢/ ٢٥٣)، الكفاية، للخطيب (ص: ٥١٢).","vol":"2","page":960},{"text":"والكلبي متهم بالكذب، فما يرويه في التفسير عن أبي سعيد فالمظنة أن يكون الكلبي، ما لم يقل: (الخدري).\nومنهم زهير بن معاوية، فقد روى عن أبي يحيى القتات، أحد الضعفاء، وكان يقول: (أبو يحيى الكناسي) ينسبه إلى كناسة الكوفة (١)، وهو غير مشهور بذلك.\nومنهم: الوليد بن مسلم الدمشقي، ومن أمثلة فعله ذلك، أنه كان يروي عن (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم) فيقول: \" قال أبو عمرو \"، و\" حدثنا أبو عمرو عن الزهري \" يوهم أنه الأوزاعي، وإنما ابن تميم، وكلاهما رويا عن الزهري (٢)، وابن تميم هذا منكر الحديث ليس بثقة.\nومنهم: بقية بن الوليد الشامي، ومن أمثلة صنيعه: أنه كان يقول: \" حدثنا الزبيدي \"، فيذهب الظن إلى أنه عنى (محمد بن الوليد الزبيدي)، الثقة، وإنما هو (زرعة بن عبد الله، أو عمرو الزبيدي) (٣) أحد المجهولين الضعفاء.\nبل ذكر بهذا التدليس سفيان الثوري على جلالته، فقد كان يروي عن الكلبي، فيقول: \" حدثنا أبو النضر \" فيظن أنه أراد به (سعيد بن أبي عروبة) أو (جرير بن حازم) (٤)، فالجميع يكنون بهذه الكنية، وكلهم يروي عنهم الثوري، والكلبي متهم بالكذب، والآخران ثقتان.\nوكان يحدث عن عبيدة بن معتب الضبي، قال يعقوب بن سفيان: \" حديثه لا يسوى شيئًا، وكان الثوري إذا حدث عنه كناه، قال: أبو عبد الكريم، ولا يكاد سفيان يكني رجلًا إلا وفيه ضعف، يكره أن يظهر اسمه فينفر منه الناس \" (٥).\n_________\n(١) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد (النص: ١٥٢٣).\n(٢) المجروحين (١/ ٩١، و٢/ ٥٥).\n(٣) المجروحين (١/ ٩١) .......\n(٤) المجروحين (١/ ٩١).\n(٥) المعرفة والتاريخ، ليعقوب بن سُفيان الفسوي (٣/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"2","page":961},{"text":"وذكر ابن حبان في ترجمة (محمد بن سالم الكوفي) أن الثوري كان يحدث عنه ويكنيه، يقول: (حدثني أبو سهل)، قال ابن حبان: \" كان هذا مذهبًا للثوري: إذا حدث عن الضعفاء كناهم حتى لا يعرفوا، كان إذا حدث عن عبيدة بن معتب قال: حدثنا أبو عبد الكريم، وإذا حدث عن سليمان بن أرقم قال: حدثنا أبو معاذ، وإذا حدث عن بحر السقاء قال: حدثنا أبو الفضل، وإذا حدث عن الكلبي قال: حدثنا أبو النظر، وإذا حدث عن الصلت بن دينار قال: حدثنا أبو شعيب، ومن يشبه هؤلاء من الضعفاء ممن يكثر عددهم \" (١).\nومنهم: قيس بن الربيع، فقد روى عن عمرو بن خالد الواسطي أحد المتروكين، فسماه مرة: (عمرو بن عبد الله مولى عنبسة)، ومرة: (عميرًا مولى عنبسة) (٢).\nومنهم: مروان بن معاوية الفزاري، قال يحيى بن معين: \" كان مروان بن معاوية يغير الأسماء؛ يعمي على الناس، كان يحدثنا عن الحكم بن أبي خالد، وهو الحكم بن ظهير، ويروي عن علي بن أبي الوليد، وهو علي بن غراب \" (٣).\nوقال يحيى بن معين وسئل عن مروان الفزاري: \" كان ثقة فيما يروي عمن يعرف، وذاك أنه كان يروي عن أقوام لا يدري من هم، ويغير أسماهم، وكان يحدث عن محمد بن سعيد المصلوب، وكان يغير اسمه يقول: حدثنا محمد بن أبي قيس؛ لئلا يعرف \" (٤).\n_________\n(١) المجروحين (٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣)، وقال نحوه الحاكم النيسابوري في \" سؤالات مَسعود السجزي له \" (النص: ٥١).\n(٢) انظر: الموضع لأوهام الجمع والتفريق، للخطيب (٢/ ٢٨٩).\n(٣) المجروحين (١/ ٩١ - ٩٢) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٢١ - ٥٢٢) وابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٥٧/ ٣٥٥) من رواية ابن أبي خيثمة، عنه، وروى نحو ذلك غيره عن يحيى بن معين، منهم: الدوري في \" تاريخ يحيى \" (النص: ٢٦١١ - ٢٦١٢).\n(٤) الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٢٠٣)، ومن طريقه: ابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٥٧/ ٣٥٤)، وضبطُ السياق منه، وهو من رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن ابن معين .......","vol":"2","page":962},{"text":"قلت: والمصلوب هذا كان يدلس اسمه على نحو من مئة اسم (١).\nومنهم: هشيم بن بشير الواسطي، فقد كان يروي عن (عبد الله بن ميسرة السجستاني) أحد الضعفاء، ويكنيه بكنى مختلفة، قال يحيى بن معين: \" كان يكنيه بثلاث كنى: أبو إسحاق الكوفي، وأبو ليلى، وأبو جرير \" (٢)، وزاد ابن عدي كنية رابعًا (أبا عبد الجليل) (٣).\nومن غريب ما وقفت عليه من أمثلة تدليس هذا النوع ما حكاه الدارقطني عن (سليمان بن الربيع النهدي)، قال: \" يقال: كادح بن رحمة له اسم كان يعرف به، فغيره سليمان بن الربيع فسماه كادحًا، ذهب إلى قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦] \"، قال \" وقد روى سليمان بن الربيع هذا أحاديث مناكير عن شيخ آخر، فغير اسمه سماه همام بن مسلم، وأظنه ذهب إلى قول النبي ﷺ: كل بني آدم همام \" (٤)، قال الدارقطني: \" أراد: منهم من يهم بالخير، ومنهم من يهم بالشر، وذهب إلى أن أباه كان مسلمًا، فقال: همام بن مسلم \" (٥).\nومن كان يفعله لا لجرح في الراوي، وإنما للسبب الرابع المتقدم، وهو دفع الملالة بالتكرار، جماعة من المتأخرين، منهم الخطيب البغدادي، كقوله: (أخبرنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي)، ويقول أحيانًا: (أخبرنا أحمد بن\n_________\n(١) الضعفاء، للعقيلي (٤/ ٧٢)، والكفاية، للخطيب (ص: ٥٢٢).\n(٢) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (٥/ ٢٨٢) وإسناده صحيح.\n(٣) الكامل (٥/ ٢٨١).\n(٤) لم أقف عليه بهذا اللفظ من وَجهٍ يثبت، ورُوي من حديث أنس، وذكره ابن أبي حاتم في \" العلل \" (رقم: ٢٤١٣) من حديث جابر بن عبد الله، لكن بيَّن أبو حاتم أنها لفظة أدرجت في الحديث.\nويُروى من غير وجْه عن النبي ﷺ: \" أحب الأسماء إلى الله: عبْد الله وعبْد الرحمن، وأصْدقها حارثٌ وهمام، وأقبحها حرْبٌ ومُرة \"، فقد جاء من وُجوه مُرْسَلة ثلاثة عن أهل الشام، لتفصيلها مَقام آخر.\n(٥) تاريخ بغداد (٩/ ٥٥).","vol":"2","page":963},{"text":"محمد بن أحمد الروياني)، وهو شيخه الثقة الحافظ أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد العتيقي، نسبه إلى (القطيعة) محلة ببغداد نزلها لا يعرف بالنسبة إليها، ونسبته (الروياني) صحيحة لكنه غير مشهور بها كذلك (١).\nومن مظان كشف هذا النوع من التدليس، كتاب \" الموضح لأوهام الجمع والتفريق \" للحافظ الناقد أبي بكر الخطيب البغدادي.\nواعلم أن تدليس الأسماء يصير إلى الجهالة بها، والجهالة سبب لرد الحديث أصلًا، فإذا لم تتبين حقيقة ذلك الراوي فهو مجهول، لكن تكمن الخطورة في إيهام هذا التدليس أن الراوي ثقة إذا التبس باسم أو كنية شيخ له من الثقات، لذا يوجب تيقظًا زائدًا.\nوكذلك ينبغي الاعتناء بمعرفة أسماء من كان يفعل هذا من الشيوخ، فإنه يورد ريبة في كل شيخ لأحدهم غير معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>تحرير الفرق بين (التدليس) و(الإرسال الخفي):</span>\n\nتقدم تعريف (تدليس الإسناد) عن أبي بكر الخطيب، وأنه شامل لما يرويه الراوي عمن لم يلقه ولم يسمع منه، وقد أدرك زمانه.\nوأشرت إلى أن هذه صورة (الإرسال الخفي) لا التدليس.\nوذكر ابن عبد البر عن طائفة تسميتها لرواية الرجل عمن لم يدركه تدليسًا أيضًا، لكن تعقبه بقوله: \" إن كان هذا تدليسًا، فما أعلم أحدًا من العلماء سلم منه، في قديم الدهر ولا في حديثه، اللهم إلا شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان \" (٢).\nقلت: وهذه الصورة إنما هي انقطاع ظاهر، وليست تدليسًا، ولا إرسالًا خفيا.\n_________\n(١) وانظر: سير أعلام النبلاء، للذهبي (١٧/ ٦٠٣) .......\n(٢) التمهيد (١/ ١٥).","vol":"2","page":964},{"text":"وتحرير القول في الإرسال الخفي، أنه: رواية الراوي عمن أدركه بصيغة العنعنة، وثبت أنه لم يسمع منه البتة، أو سمع منه شيئًا معينًا ولم يسمع منه غيره.\nوهذا يعود إلى أسباب:\nأولها: صغر الراوي، فلم يتهيأ له السماع من الشيخ البتة، أو سمع منه أو رأى شيئًا معينًا فبقي يذكره، فرواه.\nمثل جماعة من التابعين رأوا بعض الصحابة ولم يسمعوا منهم، كالأعمش، وأيوب السختياني، وعبد الله بن عون، رأوا أنس بن مالك ولم يسمعوا منه.\nوممن سمع لهذه العلة حرفًا أو شيئًا يسيرًا ولم يسمع غيره، ما رواه الحسن البصري عن عثمان أنه رآه يصنع أشياء، أو يأمر بأشياء فمن ذلك: قوله: رأيت عثمان يخطب وأنا ابن خمس عشرة سنة قائمًا وقاعدًا (١).\nوعنه: أنه رأى عثمان بن عفان يصب عليه من إبريق (٢).\nوعنه قال: شهدت عثمان يأمر في خطبته بقتل الكلاب وذبح الحمام (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابنُ سعد في \" الطبقات \" (٧/ ١٥٧) وإسناده حسن.\n(٢) أخرجه ابن سعد (٧/ ١٥٧) وإسناده صحيح .......\n(٣) أخرجه البخاري في \" الأدب المفرد \" (رقم: ١٣٠١) وابنُ أبي الدنيا في \" ذمِّ الملاهي \" (رقم: ١٣٨) - ومن طريقه: البيهقي في \" الشعب \" (٥/ ٢٤٥ رقم: ٦٥٣٦) - وعبد الله بن أحمد في \" زوائد المسند \" (رقم: ٥٢١) والذهبي في \" السير \" (١٠/ ٣١٧) من طرق عن المبارك بن فَضالة، عن الحسن، به، وبيَّن مُبارك سماعه من الحسن، وإسناده صحيح.\nوتابعه عليه: يونس بن عبيدٍ عن الحسن أن عثمان، ولم يقل: شَهدت، أخرجه عبد الرزاق (١١/ ٣ رقم: ١٩٧٣٤) وإسناده صحيح.\nكما تابعه: يوسف بن عبدة قال: حدثنا الحسن، قال: كان عثمان لا يخطب جُمعة إلا أمرَ .. الأثر. أخرجه البخاري في \" الأدب \" (رقم: ١٣٠١) وإسناده حسن، يوسف صالح الحديث.\nكما ذكره الذهبي في \" السير \" (٤/ ٥٦٨) من طريق قتادة وشعيب بن الحبحاب عن الحسن، قال في رواية قتادة: سمعت عثمان، وفي رواية شُعيب: شَهدت عُثمان.\nفالخبر بهذه الطرق صحيح بلا ريبة عن الحسن عن عثمان.\nتنبيه: من غريب ما وقفت عليه من التحريف: أن البيهقي أخرج هذه الرواية في \" السنن \" (٢/ ٤١٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يونس، عن الحسن، أن عثمان بن عفان، ﵁، كان يأمر بغسل الكلاب في الحمام. كذا وقعَ في المطبوعة، وفي هامشها تنبيه على الرواية الصحيحة عن أكثر من نسخة: (يأمر بقتل الكلاب والحمام)، لكن يبدو أن الناشر أبقى على هذه الرواية في أصل الكتاب من أجل الباب الذي أوردها البيهقي تحته، حيث قال: \" باب نجاسة الأبوال والأرواث وما خرج من مخرج حي \" مع ما ذكره تحته من الرواية فإنه لا يُناسبه إلا هذه الرواية المحرَّفة.","vol":"2","page":965},{"text":"وثانيها: أن يكونا تعاصرا لكن لا يثبت اللقاء من أجل اختلاف البلد، وعدم قيام الدليل على اجتماعهما في محل.\nومن أمثلته:\nقال علي بن المديني: \" الحسن لم يسمع من الضحاك (يعني ابن سفيان)؛ فكان الضحاك يكون بالبوادي ولم يسمع منه \" (١).\nوقال الدارقطني: \" لا يثبت سماع سعيد (يعني ابن المسيب) من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا \" (٢).\nقلت: فكأنه يقول: لأن أبا الدرداء سكن الشام وأقام بها، وسعيدًا كان بالمدينة.\nوفي معناه، ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: سئل أبي عن ابن سيرين: سمع من أبي الدرداء؟ قال: \" قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة \" (٣).\n_________\n(١) العلل، لابن المديني (ص: ٥٥)، والمراسيل لابن أبي حاتم (ص: ٤٢).\n(٢) العلل، للدارقطني (٦/ ٢٠٤).\n(٣) المراسيل (ص: ١٨٧).","vol":"2","page":966},{"text":"وعن أحمد بن حنبل، قال: \" لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام، وزرارة بصريٌّ \" (١).\nقلت: وهذا من هذا القبيل، لكن صح عن زرارة قال: \" حدثني تميم الداري \" (٢)، وهذا نص لا يقبل التأويل في عدم ثبوت السماع، بل فيه دليل على أن عدم اللقاء في رأي أحمد كان مبنيا على مجرد المظنة، فحيث ثبت سماعه منه فقد اندفعت بذلك تلك المظنة.\nثالثها: أن يكون اللقاء ممكنًا، ولكن الراوي عن ذلك الشيخ لا يذكر في شيء من حديثه عنه ما يدل على السماع، وثبت أنه أحيانًا يروي عنه بعض حديثه بالوسائط.\nوهذا مثل سالم بن أبي الجعد عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، فإنه حدث عنه بأحاديث، وعامة النقاد كأحمد بن حنبل والبخاري على أنه لم يسمع منه، وأن روايته عنه في مواضع جاءت بواسطة معدان بن أبي طلحة.\nنعم، قال أبو حاتم الرازي مرة: \" لم يسمع من ثوبان شيئًا، يدخل بينهما معدان \"، وهو كقول أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما، وقال مرة: \" لم يدرك ثوبان \" (٣)، واللفظ الأول في نفي السماع أولى، من أجل قوة مظنة الإدراك في الجملة، ولذا قال يعقوب بن سفيان: \" لم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس \" (٤).\nواستُعمل هذا الطريق في التعليل نقاد الحديث، وهو من خفيه ومشكله، ويحتاج إلى فطنة وبحث، وتقدم في (النقد الخفي).\nوأعل الدارقطني بمثله ما يرويه الحسن البصري عن أبي بكرة، من\n_________\n(١) نقله ابن رجب في \" شرح العلل \" (١/ ٣٦٨).\n(٢) أخرج ذلك البُخاري في \" التاريخ الكبير \" (٢/ ١ / ٤٣٩) بإسناد صحيح إلى زُرارة .......\n(٣) المراسيل (ص: ٨٠).\n(٤) المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٣٦).","vol":"2","page":967},{"text":"أجل أنه وجد أحاديث الحسن عن أبي بكرة تأتي تارة بواسطة الأحنف بن قيس، وبه أعل أربعة أحاديث في \" صحيح البخاري \" (١).\nغير أن قوله مرجوح، لثبوت الرواية عن الحسن صريحة بسماعه من أبي بكرة، وثبوت السماع مرة يخرج روايته عن شمولها بمبحث (الإرسال الخفي).\nوالعلم بوقوع الإرسال الخفي حاصل إما بتنصيص النقاد كالذي ذكرت بعض مثاله عنهم، أو أن يتبين باستقراء وسبر طرق الحديث، وهي الطريق لتمييز علل الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>تاريخ التدليس:</span>\n\nوقوع التدليس قديم في الأسانيد، بدأ في عصر التابعين (٢).\n_________\n(١) قال في \" التتبع \" (ص: ٣٢٣): \" أخرج البخاري أحاديث الحسن عن أبي بكرة، منها: الكسوف، ومنها: زادك الله حرْصًا ولا تَعد، ومنها: لا يُفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة، ومنها: ابني هذا سيد. والحسن لا يَروي إلا عن الأحنف عن أبي بكرة \".\nقلت: وهو مُتعقب بما وَقع عند البخاري في رواية حديث: \" ابني هذا سيد \"، فإن الحسن قال فيه: \" ولقد سمعْت أبا بكرة \"، كما أخرجه البخاري في (كتاب الصلح) (رقم: ٢٥٥٧) و(كتاب الفتن) (رقم: ٦٦٩٢)، ومُختصرًا في (كتاب فضائل الصحابة) (رقم: ٣٥٣٦)، قال البخاري في الموضع الأول: قال لي عليُّ بن عبْد الله (يعني ابن المديني): \" إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث \"، ومعنى ذلك في \" التاريخ الكبير \" (١/ ٢ / ٥٦).\nوفسَّر أبو الوليد الباجي في \" التعديل والتجريح \" (٢/ ٤٨٦) (الحسن) قائل تلك العبارة: \" سمعت أبا بكْرة \" بأنه (الحسن بن علي) من أجل سياق القصة بذكْره، فجعل هذا الحديث من رواية الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبي بكرة، وهو قولٌ ظاهر الضعف، ومُخالفٌ للظاهر، ولم يروَ الحسن بن علي عن أبي بكرة.\nوأثبت سماع الحسن البصري من أبي بكرة بهْز بن أسد، فقال: \" سمع من أبي بكْرة شيئا \" (المراسيل، لابن أبي حاتم، ص: ٤٥).\n(٢) أما ما حُكي عن شُعبة، أنه قال: \" أبو هريرة كان يدلس \". فهذا بينت وهاءه سندًا، وقُبحه إطلاقًا في (المبحث السابق).","vol":"2","page":968},{"text":"قال يعقوب بن سفيان: \" أبو إسحاق رجل من التابعين، وهو ممن يعتمد عليه الناس في الحديث، هو والأعمش، إلا أنهما وسفيان يدلسون، والتدليس من قديم \" (١).\nوهؤلاء الثلاثة من أئمة الأمة: أبو إسحاق السبيعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وسفيان بن سعيد الثوري، ومع ذلك كانوا يفعلونه، بل ربما سوغ صنيعهم ذلك أن يترخص فيه بعض من بعدهم.\nكما قال عبيد الله بن عمر القواريري: \" كتب وكيع إلى هُشيم: بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها. فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش وسفيان \" (٢).\nوقال عبد الله بن المبارك: قلت لهشيم: ما لك تدلس وقد سمعت؟ قال: \" كان كبيراك يدلسان \" وذكر الأعمش والثوري (٣).\nوهذا الذي حمل مغيرة بن مقسم الضبي، وكان من أصحاب إبراهيم النخعي، على أن يقول: \" ما أفسد حديث أهل الكوفة غير أبي إسحاق والأعمش، أتيا بأحاديث لا يدرك ما وجوهها ولا معانيها \" (٤).\nقلت: هذا مع أن مغيرة نفسه واقع ذلك.\nوكان التدليس في الكوفيين كثيرًا، مع ما كان فيهم من حفظ السنن والعلم بها.\n_________\n(١) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣٣).\n(٢) نقله عبد الله بن أحمد في \" العلل ومعرفة الرجال \" (النص: ٢١٩٠) .......\n(٣) أخرجه الترمذي في \" العلل الكبير \" (٢/ ٩٦٦) وابن عدي في \" الكامل \" (٢/ ٥٢٠، و٨/ ٤٥٢) وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٣٢٢، ٩٩٠) وابنُ عدي (١/ ٢٤٢) واللفظ له، وإسناده صحيح. كما أخرج طرفًا منه معناه الجوزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٨١).","vol":"2","page":969},{"text":"ومن أجله قال عبد الرحمن بن مهدي: \" حديث أهل الكوفة مدخول \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>مذاهب أهل العلم في خبر المدلس:</span>\n\nذهب بعض السلف مذهبًا شديدًا في التدليس، حتى عده بعضهم بمنزلة الكذب، مع أن الواقع العلمي أننا رأيناهم جميعًا لا يجعلون التدليس جرحًا يرد به حديث الراوي مطلقًا، وإنما يرد ما عرف أنه دلس فيه، أو ما ظن أنه دلس فيه بمجرد عنعنته على قول آخرين.\nفلم يكن وقوع التدليس من الراوي قادحًا عندهم في عدالته، مع ما جاء عن طائفة من عيبه وإنكاره.\nقال حماد بن زيد وعوف الأعرابي: \" التدليس كذب \" (٢).\nوقال شعبة بن الحجاج: \" التدليس أخو الكذب \" (٣).\nوقال: \" لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أدلس \" (٤).\nوقال أبو عاصم النبيل: \" أقل حالات المدلس عندي، أن يدخل في حديث النبي ﷺ: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (١/ ٢٤٢) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٨٧٩) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن عدي (١/ ١٠٦ - ١٠٧) بإسناد حسن عن حماد، وصحيح عن عوْف.\n(٣) أخرجه ابن عدي (١/ ١٠٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٨) من طريق الشافعي، قال: قال شُعبة، به. وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٩٢) وإسناده صحيح. ورُوي عن عبد الله بن المبارك معناه. أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٩) وفي إسناده أحمد بن محمد بن عمران الجندي وهو ضعيف، ومنهم من اتهمه.\n(٥) أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٠٧ - ١٠٨) وإسناده صحيح. ورُوي قبله عن حماد بن زيد أيضًا، أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٠٨ - ٥٠٩).\nوأما حديث الذي استدلَّ به أبو عاصم، فهو مُتفق عليه من حديث أسماء بنت أبي بكر: أخرجه البُخاري (رقم: ٤٩٢١) ومُسلم (رقم: ٢١٣٠).","vol":"2","page":970},{"text":"فهؤلاء شددوا في إنكار التدليس، لكن ليس فيهم من جرح راويًا بالتدليس، فرد حديثه بذلك مطلقًا.\nوبين الشافعي فيما سيأتي من عبارته أن التدليس ليس كذبًا يرد به كل حديث الراوي، وقال ابن رجب: \" هذا أيضًا قول أحمد وغيره من الأئمة \" (١).\nقلت: التهمة بالتدليس جرح، لكنه نسبي، فهو لا ينافي الثقة، وما من أحد شدد في التدليس إلا روى عمن ذكر به، وشعبة من أظهرهم في ذلك روى عن جماعة من شيوخه من المعروفين بالتدليس، كأبي إسحاق السبيعي والأعمش من أئمة زمانه، فما منعه وقوع ذلك منهم من الرواية عنهم، ولا دعاه إلى الطعن عليهم.\n\nوالمذاهب المعتبرة لأهل العلم في حديث المدلس الذي لا يذكر فيه السماع تحصر في الأربعة التالية:\n\nالمذهب الأول: قبول روايته مطلقًا ما دام ثقة، ولم يتبين فيها علة قادحة، وإن لم يبين سماعه.\nوهذا يمكن أن تنزل عليه مذاهب من رأى قبول المراسيل؛ لأنه في التحقيق أولى بالقبول من المرسل فالمرسلُ قد عمل في الانقطاع جزمًا، والمدلس انقطاعه على سبيل المظنة الواردة بسبب العنعنة.\nوممن ذهب إلى هذا أبو محمد ابن حزم، فقال: \" نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: (أخبرنا فلان)،\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٦) .......","vol":"2","page":971},{"text":"أو قال: (عن فلان)، أو قال: (فلان عن فلان)، كل ذلك واجب قبوله، ما لم يتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته \" (١).\n\nوالمذهب الثاني: منع قبول رواية من عرف بالتدليس ولو مرة واحدة، إلا فيما بين فيه سماعه صريحًا، وردّ ما رواه بصيغة احتمال السماع واحتمال التدليس، كالعنعنة.\nوهذا هو مذهب الشافعي، فإنه قال: \" ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في رواياته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثًا حتى يقول فيه: حدثني، أو: سمعت \" (٢).\nوقال ابن حبان: \" المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه، لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به، فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: (سمعت) أو: (حدثني)، فلا يجوز الاحتجاج بخبره \" (٣).\nوقال: \" وهذا أصل أبي عبد الله الشافعي، ﵀، ومن تبعه من شيوخنا \" (٤).\nقال الخطيب: \" وهذا هو الصحيح عندنا \" (٥).\nوقال الخطيب: \" فإن قيل: لم إذا عرف تدليسه في بعض حديثه وجب حمل جميع حديثه على ذلك، مع جواز أن لا يكون كذلك؟\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ١٤٢).\n(٢) الرسالة (الفقرات: ١٠٣٣ - ١٠٣٥) .......\n(٣) الثقات (١/ ١٢)، معنى ذلك له أيضًا في \" المجروحين \" (١/ ٩٢) و\" صحيحه \" (١/ ١٦١).\n(٤) المجروحين (١/ ٩٢).\n(٥) الكفاية (ص: ٥١٥).","vol":"2","page":972},{"text":"قلنا: لأن تدليسه الذي بان لنا صير ذلك هو الظاهر من حاله، كما أن من عرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع أحاديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضها، فكذلك حال من عرف بالتدليس، ولو بحديث واحد، فإن وافقه ثقة على روايته وجب العمل به؛ لأجل رواية الثقة له خاصة دون غيره \" (١).\nوالمذهب الثالث: رد رواية من شاع عنه التدليس واشتهر به وكثر منه، حتى يبين سماعه صريحًا. دون من ذكر به، ولم يعرف له كبير أثر على صحة حديثه وروايته في الجملة، فهذا يقبل حديثه وإن عنعن فيه، من أجل ضعف مظنة التدليس، خصوصًا وأن حديث الراوي معروض في العادة على المعروف من حديث الثقات المتقنين، فلدينا بهذا الاعتبار ميزان لكشف أثر تدليسه إن وجد.\nكذلك يقال كما سبق: التدليس قدح نسبي في الراوي، مظنته فيمن استقرت ثقة ولم يكثر منه شبيهة بمظنة خطئه، فمع احتمال وقوع ذلك منه، إلا أن روايته مقبولة ما لم يثبت خطؤه فيها.\nوعلى هذا المذهب في التحقيق عمل الشيخين، وعليه دلت عبارات كبار أئمة الحديث:\nقال يعقوب بن شيبة: سألت يحيى من معين عن التدليس؟ فكرهه وعابه، قلت له: أفيكون المدلس حجة فيما روى؟ أو حتى يقول: (حدثنا) و(أخبرنا)؟ فقال: \" لا يكون حجة فيما دلس \" (٢).\nقلت: فابن معين هنا لا يشترط بيان السماع لقبول حديث المدلس، وإنما هو لديه مقبول، إلا فيما ثبت أنه دلس فيه.\n_________\n(١) الكفاية (٥١٨) .......\n(٢) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ١٠٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥١٦) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":973},{"text":"وقال يعقوب بن شيبة: سألت علي بن المديني عن الرجل يدلس، أيكون حجة فيما لم يقل: (حدثنا)؟ قال: \" إن كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا \" (١).\nقلت: فجعل غلبة التدليس على الراوي هي السبب في رد ما لم يبين فيه السماع، دون من لم يغلب عليه وكان يذكر به نادرًا.\nوكأن من هذا صنيع أحمد بن حنبل في توقفه في قبول رواية لهشيم بن بشير، وهو معروف بالتدليس مشهور به، فقد قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: \" حديث ابن شبرمة: قال رجل للشعبي: نذرت أن أطلق امرأتي، لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا \" (٢).\nكذلك قال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل (سمعت)؟ قال: \" لا أدري \"، فقلت: الأعمش، متى تصاد له الألفاظ؟ قال: \" يضيق هذا، أي: أنك تحتج به \" (٣).\nقلت: فهذا د ل على توقف أحمد في قبول عنعنة المدلس في حال، وقبولها دون توقف في حال أخرى، فحال التوقف ينبغي أن تحمل على عنعنة من اشتهر أمره بالتدليس وكثر ذلك منه كهشيم، أما من ذكر به وكان كثير الحديث الصحيح المتصل، وشق تتبع ذكره للسماع في كثرة ما روى وندرة أثر ما ذكر به من التدليس، كالأعمش، فهذا يحتج به.\nلكن يجب أن يقيد بالقول: ما لم يثبت أنه دلس فيه.\nومن ذلك قول البخاري: \" لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥١٦ - ٥١٧) وإسناده صحيح.\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٢٢).\n(٣) سؤالات أبي داود لأحمد بن حنبل (النص: ١٣٨).","vol":"2","page":974},{"text":"ثابت، ولا عن سلمة بن سهيل، ولا عن منصور - وذكر مشايخ كثيرة - لا أعرف لسفيان هؤلاء تدليسًا، ما أقل تدليسه \" (١).\nوقال مسلم بن الحجاج: \" وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه حتى تنزاح عنهم علة التدليس \" (٢).\nوقال يعقوب بن سفيان: \" حديث سفيان وأبي إسحاق، والأعمش، ما لم يعلم أنه مدلس يقوم مقام الحجة \" (٣).\nقلت: وقد جهدت لأقف لأبي حاتم الرازي أو صاحبه أبي زرعة على حديث أعلاه بمجرد العنعنة من موصوف بالتدليس، فلم أجد، وإنما وجدتهما في شيء قليل يحيلان التهمة بنكارة الحديث على عنعنة المدلس، حيث لم يبين السماع، ولا ريب أن هذا أولى من تخطئة الثقة أو الصدوق أو حمل النكارة في الرواية عليه. وتارة لثبوت التدليس في الحديث المعين (٤)، كما رأيت أبا حاتم توقف في بعض الأسانيد خشية التدليس لغلبة المظنة (٥).\nوجائز حمل عبارة ابن عبد البر على هذا المذهب، حين قال بعد أن ذكر الاتفاق على الإسناد المعنعن: \" إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه خلافًا \" (٦).\n_________\n(١) العلل الكبير، للترمذي (٢/ ٩٦٦) .......\n(٢) مقدمة صحيح مسلم (ص: ٣٣).\n(٣) المعرفة والتاريخ (٢/ ٦٣٧).\n(٤) انظر إن شئت: علل الحديث، لابن أبي حاتم (الأرقام: ٦٠، ١٠٩، ٤٧٤، ٧٢٥، ١٢٢١، ٢٠٧٨، ٢٣٠٨، ٢٥٧٩).\n(٥) علل الحديث (رقم: ٢١١٩، ٢٤٦٣).\n(٦) التمهيد (١/ ١٣).","vol":"2","page":975},{"text":"ولما ذكر ابن رجب مذهب الشافعي في رد خبر المدلس بوقوعه في التدليس مرة، قال: \" واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل \" وذكره عن علي بن المديني (١).\n\nوالمذهب الرابع: التفريق بين أصناف المدلسين من الثقات، بين من عرف أنه لم يدلس إلا عن ثقة معروف عند أهل العلم بالحديث، وبين من عرف بالتدليس عن المجروحين والضعفاء والمجهولين (٢).\nوهذا المذهب يجب اعتباره على تفصيل:\nفمن قالوا فيه: (لا يدلس إلا عن ثقة) فيجب أن يكون ذلك الثقة معروفًا لأهل العلم، لا بناء على قول الناقد: (فلان لا يدلس إلا عن ثقة)، فذلك الثقة عنده ربما كان مجروحًا عند غيره لو سمي.\nولو قيل: بل نقبل ذلك بإطلاق، ما دام قائله في الراوي من النقاد العارفين.\nقلنا: إذا يلزم أن نقبل بإطلاق كذلك خبر الحافظ الناقد المدلس إذا روى لنا عن شيخ له بالعنعنة، من أجل ما أحسناه فيه من الظن: أنه دلسه وهو عنده ثقة، لأنه لو كان يعده مجروحًا فدلسه كان ذلك مما يقدح فيه؛ لما فيه من ضد الأمانة في الدين، والصواب أن حسن الظن هنا لا يغني شيئًا.\nوقد بينا في (مباحث التعديل) أن قول الناقد: (حدثني الثقة) ولا يسميه، لا يعتمد عليه، بل هو منزل منزلة المجهول، وفي التدليس لم يقل شيئًا من ذلك، بل أسقطه جملة، فزاد في الريبة، خصوصًا مع استحضار أن المدلس قد يسقط واسطتين أو أكثر.\n_________\n(١) شرح علل الترمذي (١/ ٣٥٣ - ٣٥٤).\n(٢) نقل ابن رجب هذا المذهب في \" شرح العلل \" (١/ ٣٥٤) عن الكرابيسي وأبي الفتح الأزدي وبعض فُقهاء الحنابلة، وقال: \" هذا بناء على قولهم في قبول المرسل \" .......","vol":"2","page":976},{"text":"والواجب تقسيم هذه المسألة إلى صورتين:\nالأولى: من عرف بالتدليس عن الثقات في الجملة، كالذي ذكر به سفيان بن عيينة، فهذا إن احتملنا تدليسه عن شيخ في موضع العنعنة، وقلنا: لا يدلس إلا عن ثقة، فحيث جهلنا من يكون ذلك الثقة فهو بمنزلة تصريحه بمن دلسه بصيغة الإبهام فقال: (حدثني ثقة عن ذلك الشيخ)، والراوي إذا أبهم شيخه، فإنه لا يغني في قبول روايته أن يطلق توثيقه دون تسميته، من أجل أنه لو سماه فجائز أن يكون مجروحًا عند غيره، كما تقدم.\nفهذه الصورة لا تكاد تختلف عن صورة التدليس عن مجهول، فلا يصح إطلاق القبول فيها.\nوقد شبهها ابن حبان بمراسيل الصحابة في القبول (١)، وليس كذلك فإن جهالة الصحابي لا تضر على التحقيق؛ لعدالتهم جميعًا، بخلاف جهالة غيره.\nوالثانية: أن نكون قد عرفنا من دلسه الراوي إن كان دلس، وكان المدلس ثقة، فهذا لا يقدح في ثبوت الرواية بين المدلس ومن روى عنه.\nومن أمثلة من كانوا يدلسون عن الثقات جماعة، منهم:\n١ - حميد الطويل عن أنس بن مالك.\nقال ابن عدي: \" الذي رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت \" (٢).\n٢ - يونس بن عبيد وهو من أصحاب الحسن البصري.\n_________\n(١) في \" صحيحه \" (١/ ١٦١).\n(٢) الكامل (٣/ ٦٧) .......","vol":"2","page":977},{"text":"قال شعبة: \" عامة تلك الدقائق التي حدث بها يونس عن الحسن، إنما كانت عن أشعث \" يعني ابن عبد الملك. قال ابن أبي حاتم: \" يعني أن يونس أخذها من أشعث عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر الخبر \" (١).\n٣ - عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد في رواية التفسير:\nذكر ابن أبي خيثمة عن علي بن المديني، أنه سمع يحيى بن سعيد، وذكر تفسير مجاهد، فقال: \" لم يسمعه ابن أبي نجيح عن مجاهد، كله يدور على القاسم بن أبي بزة \" (٢).\n٤ - وذكر الحاكم قتادة وأبا سفيان طلحة بن نافع فيمن يدلس عن الثقات (٣).\nوفي هذه الأمثلة رد على ما ادعاه ابن حبان بقبوله: \" هذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده\nفإه كان يُدلس، ولا يُدلَّسُ إلا عن ثقة مُتقن، ولا يكادُ يوجد لسفيان بن عيينة خبرٌ دلس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه \" (٤).\nقلت: تبين أن ذلك غير محصور في سفيان بن عيينة.\nوهؤلاء لا يضر تدليسهم لمن دلسوه، ولا يقدح في صحة رواياتهم بذلك التدليس، فحيث علم طريق الاتصال فقد زال الإشكال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>الترجيح:</span>\nمن خلال ما تقدم عرضه من مذاهب أهل العلم فإنه لا ينبغي العدول عن المذهب الثالث، الذي جرى عليه عمل الشيخين.\n_________\n(١) تقدمة الجرح والتعديل (ص: ١٣٤ - ١٣٥) بإسناد صحيح إلى شُعبة.\n(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في \" تاريخه \" في (أخبار المكيين) (ص: ٣٢١).\n(٣) معرفة علوم الحديث (ص: ١٠٣).\n(٤) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١/ ١٦١) .......","vol":"2","page":978},{"text":"كذلك يستفاد من المذهب الرابع أيضًا قبول حديث من ذكر بالتدليس، غير أنه كان يدلس ثقة معروفًا.\nوالحديث إذا ثبت تدليس الراوي فيه فهو منقطع ضعيف.\nوإن لم يثبت، ولكنه كان محتملًا، من أجل ما اشتهر به بالراوي وعرف عنه، وكان تدليسه عن غير الثقات، فهذا يحكم على ما عنعنه عن شيخه بالضعف؛ من أجل مظنة التدليس، ما لم ينف أثرها متابعة أو شاهد.\nوإن كان ممن عرف بتدليس التسوية فإنه لا يقبل حديثه حتى يحفظ السماع فيمن فوقه إلى أن يبلغ الصحابي؛ لأن محذور تدليسه محتمل في أي موضع عنعنة.\nلكن يستثنى من هذا الصورة الأخيرة أن يكون سائر الإسناد سلسلة معروفة، كمالك عن نافع عن ابن عمر، فلو أن من يدلس التسوية روى عن مالك حديثًا فقال: (حدثنا)، ثم ذكره بالعنعنة بين مالك ونافع، وبين نافع وابن عمر، لم يضره ذلك؛ لأنها سلسلة قد عرف اتصالها.\nواعلم أن بعض العلماء التزموا مذهب الشافعي، وهو الذي جرى عليه عمل المنتسبين إلى هذا العلم من المتأخرين، خصوصًا من أهل زماننا، فلما وجدوا أحاديث لجماعة من الموصوفين بالتدليس مخرجة في \" الصحيحين \" بالعنعنة، لا يوقف في شيء من طرقها على ذكر السماع، تحيروا في الجواب، إذ مقتضى أصلهم رد مثل تلك الأحاديث.\nقال ابن حجر: \" في الصحيحين جملة كثيرة من أحاديث المدلسين بالعنعنة \" (١).\nفأجابت طائفة بأجوبة ضعيفة عن ذلك تحسينًا للظن بالشيخين، وهذا مما لا يصلح في العلم.\n_________\n(١) النكت على ابن الصلاح (٢/ ٦٣٥).","vol":"2","page":979},{"text":"ونقل ابن حجر عن الفقيه صدر الدين ابن المرحل قوله: \" إن في النفس من هذا الاستثناء غصة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، ولا سيما أنا وجدنا كثيرًا من الحفاظ يعللون أحاديث وقعت في الصحيحين أو أحدهما بتدليس رواتها \" (١).\nقلت: وهذا كله إنما نتج من إجراء أحاديث الصحيحين على قول الشافعي، واعتبار ظاهر المصطلحات، وقد علمت أن منهج الشيخين وكبار أهل التحقيق قبلهما وبعيدهما قبول الحديث المعنعن لموصوف بالتدليس على معنى غير قادح، على ما تقدم بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>تنبيه:\n\nالتهمة للثقة بالتدليس دون دليل من قبيل الجرح المبهم</span>، فيعتبر لقبوله ما يعتبر لقبول الجرح.\n\nتسليم وصف الراوي بالثقة موجب لقبول ما يخبر به، لا يستثنى من خبره إلا ما قام دليل على رده، ولا يقبل فيه الجرح إلا أن يكون مفسرًا.\nومن هذا الجرح بوصف الراوي بالتدليس، فإن إثباته في حق راو معين يجب أن يكون ببرهان، فإذا وقع من إمام من أئمة الجرح والتعديل أن أطلق كون فلان مدلسًا، فهذا لا عبرة به حتى يثبت أنه دلس، فإن ثبت في خبر معين رد ذلك بما تبين من تدليسه فيه إن كان دلسه من غير ثقة.\nوإنما يستثنى منه من كان التدليس شعارًا له، حتى كثُر فأحدث الريبة في جميع ما يقول فيه (عن)، فهذا يرد حديثه المعنعن من أجل الريبة الغالبة لا من أجل التدليس، فإن العنعنة بمجردها لا توجبه.\n_________\n(١) النكت (٢/ ٦٣٥) .......","vol":"2","page":980},{"text":"والعلة في تنزيل مجرد الوصف بالتدليس منزلة الجرح المجمل تعود إلى أسباب، أظهرها:\n\nأولًا: أننا وجدنا إطلاق اسم التدليس على صور ليست منه، فأطلق على الإرسال الظاهر، وعلى الإرسال الخفي، كما أطلق على أعيان، شهد بعض النقاد ببراءتهم منه.\nومما يبين ذلك - مثلًا - أن الحسن البصري أطلق عليه وصف التدليس، لكن الدليل عليه أنه روى عن جماعة لم يسمع منهم، أو سمع منهم شيئًا معينًا دون سائر ما يروي عنهم، وهذا لاحق بالإرسال أو الإرسال الخفي.\nكذلك قال أبو حاتم الرازي في (أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي): \" لا يعرف له تدلس \" (١).\nبينما قال الذهبي: \" يدلس عمن لحقهم وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس \" (٢).\nقلت: فكانوا يطلقون على الإرسال اسم التدليس، وأبو قلابة لم يكن يدلس بمعنى التدليس الاصطلاحي، إنما كان يرسل، وذلك منصوص عليه في رواةٍ أدركهم ولم يسمع منهم.\nوقول أبي حاتم أولى بالاعتبار والتقديم؛ لموافقته المعنى الاصطلاحي المتميز للتدليس.\nقال ابن حجر بعد ذكر عبارة أبي حاتم في نفي تدليس أبي قلابة: \" وهذا يقوي من ذهب إلى اشتراط اللقاء في التدليس، لا الاكتفاء بالمعاصرة \" (٣).\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٥٨).\n(٢) ميزان الاعتدال (٢/ ٤٢٦).\n(٣) تهذيب التهذيب (٢/ ٣٤٠) .......","vol":"2","page":981},{"text":"ثانيًا: وجدنا من الرواة من يتنازع في إطلاق وصف التدليس عليه، بمنزلة اختلافهم في جرح الراوي وتعديله.\nقال أبو داود السجستاني في (مغيرة بن مقسم الضبي): \" مغيرة لا يدلس، سمع مغيرة من إبراهيم مئة وثمانين حديثًا \" (١).\nوقال العجلي: \" كان (يعني مغيرة) يرسل الحديث عن إبراهيم، وإذا أوقف أخبرهم عمن سمعه \" (٢).\nقلت: وهذا من قول العجلي يثبت تدليسه عن إبراهيم، فكأن أبا داود أراد غالب أمره.\n\nثالثًا: وجدنا بعض من أطلق عليه وصف التدليس استفيد ذلك فيه من جهة وقوعه منه في روايته عن بعض شيوخه دون سائرهم، فإطلاق العبارة يوهم اندراج جميعهم.\nوذلك مثل رواية أبي حرة واصل بن عبد الرحمن البصري عن الحسن البصري، فإنه كان يدلس عنه، وضُعف فيه من أجل أنه لم يسمع منه إلا شيئًا يسيرًا، وكان يقول في سائر روايته عنه: (عن الحسن)، فكلامهم فيه بالتدليس محصور في الحسن خاصة، لا في سائر شيوخه أو حديثه.\nفهذه الأسباب موجبة لتمييز معنى لفظ التدليس وصحته ووجهه، فأما اللفظ المجمل فلا يصح اعتماده لرد الحديث المعنعن للراوي الثقة يرويه عن شيوخه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>كيف يعرف التدليس</span>؟\n\nيعرف التدليس في الراوية بطرق:\nالأولى: تفقد السماع من فم الراوي نفسه.\n_________\n(١) سؤالات الآجري لأبي داود (النص: ١٦٦).\n(٢) ترتيب ثقات العجلي (النص: ١٧٧٧).","vol":"2","page":982},{"text":"وذلك كثير الأمثلة من صنيع الأئمة في توقيف الراوي على ما سمع وما لم يسمع، يستكشفون به وقوع التدليس أو عدم السماع.\nكما كان يصنع شعبة بن الحجاج في حق من ذكر من شيوخه بالتدليس، كقتادة وأبي إسحاق السبيعي، وهو أبرز من شاع عنه ذلك من الأقدمين في تتبع السماع، والحكايات الصحيحة عنه في ذلك كثيرة جدًا، وكان لا يدلس أبدًا، وكان شديدًا جدًا في إنكار التدليس.\nفكان يقول مثلًا: \" كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو: حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته \" (١).\nوكذلك ربما فعل سفيان الثوري، وإن كان ربما وقع منه التدليس في الشيء النادر.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: \" كنت مع سفيان عند عكرمة (يعني ابن عمار)، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع \" (٢).\nوفي رواية، قال ابن مهدي: \" قال لي سفيان الثوري بمنى: مر بنا إلى عكرمة بن عمار اليمامي، قال: فجعل يملي على سفيان، ويوقفه عند كل حديث: قل حدثني، سمعت \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه عُثمان الدارمي في \" تاريخه \" (النص: ٧٠٣) وابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ١٦١، ١٦٩) والبغوي في \" الجعديات \" (رقم: ١٠٧٤) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٥٠٧٧) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥١٧) بإسناد صحيح. وروى ابنُ أبي حاتم كذلك في \" التقدمة \" (ص: ١٦٩ - ١٧٠) و\" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٤، و٢/ ١ / ٣٧٠) والبغوي أيضًا (رقم: ١٠٧٣، ١٠٧٥) وعبد الله في \" العلل \" (النص: ٥٠٦٨) والرامهرمزي (ص: ٥٢٢) وابنُ عدي (١/ ١٥١) والحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص: ٤٣) والخليلي في \" الإرشاد \" (٢/ ٤٨٧) والخطيب في \" الكفاية \" وابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣٥) معناه من غير وجه .......\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٦٨) بإسناد صحيح.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح \" (ص: ١١٧) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":983},{"text":"وقال يحيى القطان: \" شهدت سفيان يقول لأبي الأشهب: قل سمعت، قل سمعت \" (١).\nوقد جرى يحيى القطان على منهاج شيخه شعبة في التشديد في التدليس، والتنقيب والبحث عن السماع، حتى جاء عن أحمد بن حنبل: لم لا تقول ليحيى بن سعيد: قل حدثنا؟ فقال: \" مثل يحيى يقال له: قل حدثنا؟! \" (٢).\nقلت: يعني أن مثله لا يتفقد منه السماع؛ لأنه لا يروي إلا متصلًا.\nوعن مالك بن أنس قال: \" كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المنكدر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا كذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه، فقلنا له: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم \" (٣).\n\nالثانية: مقارنة الأسانيد، فيكشف بذلك من أسقط في موضع العنعنة للشيخ المعين، مع إدراك ذلك الشيخ وسماعه في الأصل ممن عنعن عنه.\nوذلك مثل: حديث رافع بن خديج، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \" أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر \".\nهذا الحديث رواه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبو خالد سليمان بن حيان الأحمر ويحيى بن سعيد القطان، وهؤلاء كلهم ثقات، عن محمد بن عجلان، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع، به.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح \" (ص: ٨٢) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٣٣ - ٢٣٤) وإسناده جيد.\n(٣) أخرجه أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٧٦) - ومن طريقه: ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٣٧) - وابن سعد في \" الطبقات \" (ص: ١٧٩ - القسم المتمم) وإسناده صحيح .......","vol":"2","page":984},{"text":"ورواه جماعة عن محمد بن إسحاق صاحب السيرة، عن عاصم بن عمر، ولم يقل في شيء من الروايات: (حدثني عاصم).\nوهذه متابعة لابن عجلان، هكذا أوهم ابن إسحاق بتدليسه، وكشفت رواية أخرجها الإمام أحمد (١) عن حقيقة ذلك قال فيها: حدثنا يزيد (وهو ابن هارون)، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال: أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم، بباقي الإسناد به.\nفعاد الحديث لابن عجلان، فتأمل كيف أوهم التدليس طريقًا جديدًا للحديث، ولو كان ابن عجلان ضعيفًا وأسقط، وبقي في السند الثقات لأوهم القبول، وقد عهد ابن إسحاق بكثرة التدليس، وهو يدلس عن مجروحين.\n\nالثالثة: معرفة قدر ما روى الراوي عن شيخه متصلًا، فإذا روى عنه غير ذلك علمنا أنه إنما تلقاه عنه بواسطة، فأسقطها.\nلكن هذا الطريق يوجب تحريا ًشديدًا قبل الجزم به.\nفلو اعتمدت مثلًا قول يحيى بن سعيد القطان: \" كان ابن جريج لا يصحح أنه سمع من الزهري شيئًا \"، قال: \" فجهدت به في حديث: إن ناسًا من اليهود غزوا مع رسول الله ﷺ فأسهم لهم. فلم يصحح أنه سمع من الزهري. ولم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثًا واحدًا \" (فطلقوهن في قبل عدتهن). ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثًا في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام. ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثًا: لا تجوز صدقة حتى تقبض \" (٢).\nفهذا لا يسلم على إطلاقه فيمن ذكر، ولا يصلح أن يبنى عليه بمجرده\n_________\n(١) في \" مُسنده \" (٣/ ٤٦٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٤٥) بإسناد صحيح إلى يحيى.","vol":"2","page":985},{"text":"مثلًا أن يكون جميع ما يرويه ابن جريج عن الزهري غير هذا الحديث مما لم يسمعه منه، فيحمل على أن ابن جريج دلس فيه؛ وذلك لأننا وجدنا في أحاديث كثيرة يقول فيها ابن جريج: (أخبرني الزهري) وغير ذلك من صيغ التحمل المباشر.\nوقد قال سفيان بن عيينة: \" ابن جريج جاء إلى الزهري بأحاديث، فقال: أريد أن أعرضها عليك، فقال: كيف أصنع بشغلي؟ قال: فأرويها عنك؟ قال: نعم \" (١).\nوقال أحمد بن حنبل: \" ابن جريج عرض، وهو يقول: سألت ابن شهاب \" (٢).\nوقال علي بن المديني: \" ابن جريج لم يسمع من ابن شهاب شيئًا، إنما عرض له عليه \"، قال: \" وقال يحيى (يعني القطان): قال لي سفيان بن حبيب: بلى قد سمع منه كذا كذا، قال: فأتيته، فسألته عنه؟ فقال: ما أدري، سمعته أو قرأته \" (٣).\nقلت: عرض على الزهري، وطائفة من الأئمة منهم الزهري نفسه يرون العرض كالسماع.\nإذًا، فلا تحمل روايته عنه لغير الحديث المذكور لو ذكر السماع على\n_________\n(١) أثر صحيح. أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٥٧) من طريق مُحمد بن عباد، عن سُفيان به، وإسناده جيد.\n\nورَوى ابن عيينة عنه معنى ذلك كذلك في قصة ابن جريج من غير هذا الوجه، أخرجه الرامهرمزي (ص: ٤٣٦) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٤٥٧).\n(٢) أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ٢٩٦٢) عن مُحمد بن علي الجوزجاني المعروف بحمدان الوراق عن أحمد، وإسناده صحيح، الجوزجاني من أصحاب أحمد بغدادي ثقة .......\n(٣) أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفة \" (٢/ ١٣٩) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٣٨٨) بأوله - وإسناده صحيح.","vol":"2","page":986},{"text":"الخطأ، بل هي أخبار متصلة، إلا أن تكون معنعنة، فتحمل على مظنة التدليس.\nوكذلك، ثبت سماع ابن جريج من عبد الله بن طاوس لغير الحديث المذكور (١).\nوأما مجاهد، فقد روى ابن جريج عنه كثيرًا في التفسير، لكنها مدلسة عن ثقة معروف، كما قال ابن حبان: \" ما سمع التفسير عن مجاهد غير القاسم بن أبي بزة. نظر الحكم بن عتيبة وليث بن أبي سليم وابن أبي نجيح وابن جريج وابن عيينة في كتاب القاسم، ونسخوه، ثم دلسوه عن مجاهد \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>طبقات المدلسين:</span>\nوباعتبار ما تقدم بيانه وترجيحه من مذاهب أهل العلم في رواية من ذكر أو اشتهر بالتدليس، فإن مما يساعد لمعرفة المدلسين اعتبار تقسيمهم إلى طبقات، بحسب من يقدح وصفه به في رواياته ومن لا بقدح.\nوقد ذهب جماعة من متأخرين الحفاظ إلى تقسيمهم إلى خمس طبقات:\nالأولى: من لم يوصف به إلا نادرًا، بحيث إنه لا ينبغي عده فيهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة.\n_________\n(١) ووجدت النص عن يحيى القطان قد حدَّث به يحيى بن مَعين عنه في \" تاريخه \" (النص: ٥٤٣) وفيه: (طاوس) لا (ابن طاوس)، وكذلك في نسخه من \" التقدمة \" لابن أبي حاتم، كما في الهامش، فإن كان كذلك فإن ابن جريج روى عن طاوس شيئًا معنعنًا.\n(٢) مشاهير علماء الأمصار (ص: ١٤٦)، ونحوه في \" الثقات \" (٧/ ٣٣١). وعدم سماع ابن جريج التفسير من مجاهد هو قول يحيى القطان، كما نقله عنه يحيى بن معين في \" تاريخه \" (النص: ٤٤٩٩) .......","vol":"2","page":987},{"text":"والثانية: من احتمل الأئمة تدليسه، واحتج به أصحاب الصحيح وإن لم يبين السماع، لإمامته، أو قلة تدليسه، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل: الزهري، والأعمش، وسفيان الثوري.\nقلت: الإمامة ليست معيارًا لقبول حديثه لو كان كثير التدليس، فابن جريج إمام، لكن لا تقبل عنعنته لكثرة تدليسه، سوى ما يرويه عن عطاء والتفسير عن مجاهد.\nوالثالثة: من توقف فيهم جماعة من العلماء، فلم يحتجوا إلا بما بينوا فيه السماع، مثل: أبي إسحاق السبيعي، وأبي الزبير المكي.\nوالرابعة: من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلا بما بينوا فيه السماع، لغلبة ذلك منهم، وكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجهولين، مثل: محمد بن إسحاق، وبقية بن الوليد.\nوالخامسة: من ضعفوا بأمر آخر مع جرحهم بالتدليس، مثل: أبي سعد البقال.\nهذه القسمة والتمثيل للحفاظ العلائي بتصرف، وهي أدق وألصق بالمذاهب المنقولة عن السلف من قسمة من جاء بعده (١).\nلكن محاكمة من أطلقت فيه العبارة من أولئك الرواة يحتاج إلى تحرير في حق كل راو مذكور به على سبيل الاستقلال، بمنزلة تحرير ألفاظ الجرح والتعديل فيه، لما تقدم بيانه من كون إطلاق اسم التدليس على الراوي إنما هو من قبيل الجرح المجمل.\nوكثير من المتأخرين من العلماء وطلبة هذا العلم صاروا إلى تقليد ابن حجر فيمن سماهم في \" طبقات المدلسين \" من تأليفه، وسلموا له بمجرد إيراده للراوي فيما اصطلحه (الطبقة الثالثة) وما بعدها لرد حديثه بمجرد\n_________\n(١) جامع التحصيل (ص: ١٣٠ - ١٣١).","vol":"2","page":988},{"text":"العنعنة، وفي ذلك قصور ظاهر، والتقليد في هذا لا يجوز، فهذا علم بناؤه على البحث والنظر، فلا يسوغ لمنتصب له أن يقلد فيه، فيصير إلى الطعن في الحديث الصحيح بمجرد كون ابن حجر أورد هذا الراوي أو ذاك في كتابه، علمًا بأن ابن حجر أورد الأسماء في غاية من الاختصار، والمتتبع لكلامه نفسه في تقوية الأحاديث يجده لا يلتزم ما التزمه هؤلاء المقلدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>فائدة في الرواة الوارد عليهم مظنة التدليس:</span>\n\nقال الحاكم: \" أهل الكوفة منهم من دلَّس، ومنهم من لم يدلس، وقد دلس أكثرهم، والمدلسون منهم: حماد بن أبي سليمان، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهما، فأما الطبقة الثانية، فمثل أبي أسامة حماد بن أسامة، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، وغيرهما، فإن أكثرهم لم يدلسوا \" (١).\nوقال: أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي ليس التدليس من مذهبهم، وكذلك أهل خرسان والجبال وأصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر لا يعلم أحد من أئمتهم دلس، وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة \" وذكر أهل بغداد، ونفى أن يكون التدليس فيهم موجدًا إلى زمان أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، فهو الذي أظهر فيها التدليس (٢).\nوقد صح عن شعبة بن الحجاج قال: \" ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يدلس، إلا ابن عون وعمرو بن مرة \" (٣).\nقلت: وهذا عام فيمن رآه شعبة من المعروفين بالاعتناء بالحديث، وحمله على العراقيين أهل بلده أظهر، من أجل قلة ذلك في غيرهم.\n_________\n(١) المدخل إلى كتاب الإكليل، للحاكم (ص: ٤٦) .......\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١١١، ١١٢).\n(٣) أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ٥٢) وإسناده جيد.","vol":"2","page":989},{"text":"وأما ما رُوي عن يزيد بن هارون أنه قال: \" قدمت الكوفة، فما رأيت بها أحدًا لا يدلس، إلا ما خلا مسعرًا وشريكًا \"، فهذا لا يثبت عنه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>الصيغة التي يندفع بها التدليس عن الموصوف به:</span>\n\nكل صيغة أداء صريحة في عدم احتمال الواسطة بين الراوي وشيخه فهي دافعة لمظنة التدليس ما دامت محفوظة عنه.\nمثل: (سمعت) و(حدثني) و(حدثنا) و(أخبرني) و(أخبرني) و(أنبأني) و(أنبأنا) و(قال لي) و(قال لنا) و(ذكر لي) و(ذكر لنا)، وما في معنى ذلك.\nولا يقدح في هذا استعمال بعض الرواة صيغة (أخبرنا) مثلًا فيما تحملوه بالإجازة والمكاتبة والمناولة، فإن التحمل بتلك الطرق اتصال؛ لانعدام الواسطة، كما بينته في موضعه.\nوالمعتبر في التدليس إسقاط الواسطة بين الراوي وشيخه، فكل ما لم يكن للواسطة فيه وجود فلا يقحم في التدليس، وإن لم يكن تلقيه بطريق السماع.\nومن ذلك الراوي من كتاب الشيخ الصحيح النسبة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>تتمة في مسائل في التدليس:</span>\n\nالمسألة الأولى: الراوي إذا لم يكن مدلسًا وقال فيما يرويه عن شيوخه: (عن) فهو اتصال، ولا يطلب ذكر السماع إلا زيادة في التوثق، لا شرطًا في الاتصال.\nوهذا الأصل تقدم شرحه في بيان ركن الاتصال في (القسم الأول).\n_________\n(١) أخرجه أبو نُعيم في \" الحلية \" (٧/ ٢٥٠ رقم: ١٠٣٩٠) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥١٥) وإسناده واهٍ بمرة، فيه الحسن بن علي بن زكريا العدوي البصري كان معروفًا بوضْع الحديث .......","vol":"2","page":990},{"text":"قيل لسعيد بن سليمان الواسطي سعدويه: لم لا تقول: (حدثنا)؟ فقال: \" كل شيء حدثتكم به فقد سمعته، ما دلست حديثًا قط، ليتني أحدث بما قد سمعت \" (١).\nفالثقات الذين لا يعرفون بالتدليس إذا حدثوا عن شيوخهم فقالوا فيما يروونه عنهم: (عن فلان)، فالأصل أنه مسموع لهم من أولئك الشيوخ.\n\nالمسألة الثانية: تمييز من عرف بالتدليس، لكنه لا يدلس عن بعض الرواة خاصة.\n\nوهذا مراد به الراوي يرد ما لم يبين في السماع من حديثه، حتى يوقف على ما يدفع مظنة تدليسه، لكنه استثني مما يدلس فيه روايته عن بعض شيوخه بالعنعنة.\nمنهم: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فهو مدلس مشهور بذلك يدلس عن المجروحين؛ لكنه لم يكن يدلس عن عطاء بن أبي رباح، وهو كثير الحديث عنه.\nفقد صح عنه قال: \" إذا قلت: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت \" (٢).\nوكذلك فيما يرويه عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي ملكية، فقد قال عمرو بن علي الفلاس، سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: \" أحاديث ابن جريج عن ابن أبي ملكية كلها صحاح \"، وجعل يحدثني بها، ويقول: \"\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٩/ ٨٥ - ٨٦) بإسناد صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي خيثمة في \" تاريخه \" (ص: ٣٥٦، ٣٦٩ - أخبار المكيين) وإسناده صحيح.\nقلت: وهذا نصٌّ من ابن جريج عن نفسه، مُقدم على ماجاء عن أحمد بن حنبل قال: \" كلُّ شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء \" (شرح علل الترمذي ١/ ٣٧٦).","vol":"2","page":991},{"text":"حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي ملكية \"، فقال في واحد منها: \" عن ابن أبي مليكة \"، فقلت: قل حدثي، قال: \" كلها صحاح \" (١).\nوقال أحمد بن حنبل: سألت يحيى بن سعيد، قلت: هذه الأحاديث كلها صحاح - يعني أحاديث ابن أبي خالد عن عامر - ما لم يقل فيها: حدثنا عامر؟ فكأنه قال: \" نعم \"، وقال يحيى: \" إذا كان - يريد أنه - لم يسمع أخبرتك \" (٢).\nولك أن تعد من هذا قول الذهبي في (سليمان بن مهران الأعمش): \" يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال \" (٣).\nقلت: أراد بهذا الصنف سوى من ذكر من شيوخ الأعمش الذين اعتنى بالرواية عنهم، والتحقيق: أن رواية الأعمش على القبول في الجملة، وما أورده الذهبي من احتمال التدليس نادر لا أثر له في كثرة حديث الأعمش، غير أن التحري لدفع العلة مطلوب لتحقيق صحة الحديث.\n\nالمسألة الثالثة: من عرف بالتشديد في الأخذ عمن عرف بالتدليس، فكان يوقفهم على السماع، فهذا يقبل حديث هؤلاء المدلسين من روايته عنهم.\n\nورأس من يذكر مثالًا لهؤلاء المشددين شعبة بن الحجاج، فجميع من يروي عنه من المدلسين فحديثهم عمن حدثوا عنه سماع.\n_________\n(١) أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٢٤١) وإسناده صحيح.\n(٢) العلل ومعرفة الرجال، لأحمد بن حنبل (النص: ١٢١٨، ٣٥٦٧، ٤٣٢٠)، وابنُ أبي خالد هوَ إسماعيل، وعامرٌ هو الشعبي .......\n(٣) ميزان الاعتدال (٢/ ٢٢٤) وإبراهيم هو ابنُ يزيد النخعي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وأبو صالح هو ذكوان.","vol":"2","page":992},{"text":"قال يحيى بن سعيد القطان: \" كل ما حدث به شعبة عن رجل، فقد كفاك أمره، فلا تحتاج أن يقول لذلك الرجل: سمع ممن حدث عنه؟ \" (١).\nوعرف هذا التحري عن يحيى بن سعيد القطان نفسه.\n\nالمسألة الرابعة: الراوي المعروف بالثقة والإتقان، يوجد له الحديث أو الأحاديث المنكرة يأتي بها معنعنة، فوجهه أن يحمل منه ذلك على التدليس، وإن لم ينص على نعته بالتدليس أحد.\n\nمثل ما حكاه الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) قال: أنكروا على الخفاف (يعني عبد الوهاب) حديثًا رواه لثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ، حديثا في فضل العباس، وما أنكروا عليه غيره، فكان يحيى بن معين يقول: \" هذا موضوع وعبد الوهاب لم يقل فيه: حدثنا ثور، ولعله دلس فيه، وهو ثقة \" (٢).\nوقال البخاري: \" يكتب حديثه \"، قيل له: يحتج به؟ قال: \" أرجو، إلا أنه كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير \" (٣).\n\nالمسألة الخامسة: الراوي يروي الحديث عن ثقة ومجروح أو مجهول، فيسقط غير الثقة، فهذا ليس من التدليس.\n\nكحديث يرويه الراوي عن الليث بن سعد وابن لهيعة عن شيخ لهما، فيسقط الراوي ذكر ابن لهيعة لما فيه من الجرح، ويقتصر على الليث لثقته.\nفهذه الصورة لأهل العلم بالحديث فيها قولان:\nأولهما: لا يحسن فعل ذلك، قال الخطيب: \" خوفًا من أن يكون في\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٥) وإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١١/ ٢٣ - ٢٤) بإسناد صحيح إلى صالح .......\n(٣) تهذيب التهذيب، لابن حجر (٢/ ٦٤٠).","vol":"2","page":993},{"text":"حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر وحمله عليه \" (١).\nوهذا قول الإمام أحمد بن حنبل، فقد روى حرب بن إسماعيل، أن أبا عبد الله قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت وأبان عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتًا وأترك أبانًا؟ قال: \" لا، لعل في حديث أبان شيئًا ليس في حديث ثابت \"، وقال: \" إن كان هكذا فأحب أن يسميهما \" (٢).\nوثانيهما: جواز ذلك.\nوفعله البخاري ومسلم في \" صحيحيهما \".\nفمثاله عند البخاري، قوله: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قالا: حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس، فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباس، أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، على عهد رسول الله ﷺ (وذكر الحديث) (٣).\nومثاله عند مسلم، قوله: حدثني أبو الطاهر، أخبرنا عبد الله بن وهب، عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن شماسة، أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قال: \" المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، حتى يذر \" (٤).\n_________\n(١) الكفاية (ص: ٥٣٧).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٥٣٧) وإسناده صحيح.\n(٣) صحيح البخاري (رقم: ٤٣٢٠).\n(٤) صحيح مسلم (رقم: ١٤١٤) .......","vol":"2","page":994},{"text":"قلت: فهذا (الغير) في الموضعين هو عبد الله بن لهيعة، وليس على شرطهما، فكنيا عنه.\nبين ذلك في حديث البخاري أن ابن أبي حاتم الرازي أخرجه في \" تفسيره \" (١) وغير من رواية ابن لهيعة.\nوالحديث معروف من روايته ورواية حيوة بن شريح والليث بن سعد، فأما رواية حيوة فهي التي احتج بها البخاري، وأما رواية الليث فعلقها بعدها، فدل على أن ذلك (الغير) ليس سوى ابن لهيعة.\nوأما حديث مسلم، فإن أبا نعيم في \" المستخرج \" أخرجه من طريق الحسن بن سفيان، قال: حدثنا أبو الطاهر، حدثنا ابن وهب، عن الليث وابن لهيعة، عن يزيد، به (٢).\nفدل صنيع الشيخين أن الحديث إذا رواه الراوي عن رجلين عن شيخ لهما، فأسقط أحدهما لكونه مجروحًا، أو أبهمه، فلا أثر لذلك، بناء على اعتبار أصل ما تفيده المتابعة من الاتفاق في اللفظ، أو في المعنى، وكون من جمع بينهما من الثقات، فالأصل أنه يعلم اتفاقهما، ولو اختلفا لوجب عليه البيان.\nوكذلك فإنه لو سماهما جميعًا: الثقة والمجروح، فإن الحديث ثابت صحيح، اعتمادًا على الثقة منهما، وأن رواية المجروح جاءت على وفاقه.\nوبهذا يتضح رجحان طريقة الشيخين، وضعف المظنة التي ذكرها الخطيب وسبقه إلى معناها الإمام أحمد بن حنبل، وأن الأمر على أي حال كان فليس هو من باب التدليس.\n\n* * *\n_________\n(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ١٠٤٥).\n(٢) المستخرج على صحيح مسلم (رقم: ٣٢٩٥) .......","vol":"2","page":995},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>الفصل الثاني\n\nألقاب الحديث الضعيف\nبسبب جرح الراوي</span>","vol":"2","page":997},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-417>المبحث الأول:\n\nحديث المجهول</span>\nتعريفه:\n\nهو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو مجهول.\nويقع في كلام أئمة الحديث قولهم: (إسناده مجهول)، ويريدون هذا المعنى.\nوالجهالة وإن لم تكن جرحًا حقيقيا للراوي، غير أنها اعتبرت سببًا لرد حديث الموصوف بها، إذ كون قبول الرواية يقتضي عدالة الرواة، وهي لم تثبت للمجهول، فكان القدح فيها من أجله، فصح أن تكون بمنزلة الجرح.\nقال الشافعي: \" لا يقبل إلا حديث ثابت، كما لا يقبل من الشهود إلا من عرفنا عدله، فإذا كان الحديث مجهولًا أو مرغوبًا عمن حمله كان كما لم يأت؛ لأنه ليس بثابت \" (١).\nوقال ابن عدي: \" إذا لم يعرف الرجل وكان مجهولًا، كان حديثه مثله \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الفقيه والمتفقه \" (رقم: ٢٨٦).\n(٢) الكامل (٣/ ٥٣٥).","vol":"2","page":999},{"text":"وتفسير الجهالة وبيان رد حديث بتفصيله في (القسم الأول).\nواستعمال أهل العلم بالحديث للقب (الحديث المجهول)، معروف عند المتقدمين، فمن أمثلته:\nأخرج ابن عدي (١) من طريق ابن أبي فديك، عن بريه بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ احتجم فقال له: \" خذ هذا الدم فادفنه من السباع والدواب \"، قال: فتغيبت فشربته، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فضحك.\nوقد قال البخاري في (عمر بن سفينة): \" عن أبيه، روى عنه ابنه بريه، إسناده مجهول \" (٢).\nوقال الترمذي (٣): حدثنا القاسم بن دينار الكوفي، حدثنا إسحاق بن منصور السلولي الكوفي، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن أبي خالد الدالاني، عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها، قال: قال رسول الله ﷺ: \" يشمت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا \".\nقال الترمذي: \" هذا حديث غريب، وإسناده مجهول \".\nقلت: قال ذلك لأن عمر وأمه وجده مجهولون.\n\n* * *\n_________\n(١) في \" الكامل \" (٦/ ١٠٩).\n(٢) التاريخ الكبير (٣/ ٢ / ١٦٠).\n(٣) في \" جامعه \" (رقم: ٢٧٤٥) .......","vol":"2","page":1000},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>المبحث الثاني:\n\nالحديث اللين</span>\n\nتعريفه:\n\nهو الحديث الذي يروى بإسناد فيه راو لين الحفظ، كالموصوف بسوء الحفظ وكثرة الأوهام والخطأ أو الغفلة مع صدقه في الجملة، ولم يبلغ به خطؤه درجة الفحش إلى حد الترك.\nوالواقع في كلام أهل الحديث وصفهم لهذا النوع من الأحاديث بقولهم: (حديث ضعيف)، فمع أن كل أنواع الحديث المردود موصوفة بالضعف إلا أنهم يستعملون وصف (الضعيف) لهذا النوع كالاسم العلم له، كما تجد قولهم: (إسناد لين) و(إسناد ليس بالقوي) وشبه ذلك.\nوأمثلته كثير شائعة، كروايات خصيف بن عبد الرحمن، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وعلي بن زيد بن جدعان، وأمثالهم ممن ثبت صدقه، لكن كثر غلطه ووهمه واضطرابه في رواياته، فصار دون من تقبل رواياته عند انفراده، ولا يخلو حديث هذا الصنف من وقوع المنكرات فيه، لكنهم لا يطرحون طرحًا تامًا.\nومن العبارة المفسرة المبينة لهذا المعنى قول ابن حبان في تحرير حال (أبي هلال محمد بن سليم الراسبي): \" والذي أميل إليه في أبي هلال","vol":"2","page":1001},{"text":"الراسبي: ترك ما انفرد من الأخبار التي خالف فيها الثقات، والاحتجاج بما وافق الثقات، وقبول ما انفرد من الروايات التي لم يخالف فيها الأثبات التي ليس فيها مناكير؛ لأن الشيخ إذا عرف بالصدق والسماع، ثم تبين منه الوهم ولم يفحش ذلك منه لم يستحق أن يعدل به عن العدول إلى المجروحين، إلا بعد أن يكون وهمه فاحشًا وغالبًا، فإذا كان كذلك استحق الترك، فأما من كان يخطئ في الشيء اليسير فهو عدل، وهذا مما لا ينفك عنه البشر، إلا أن الحكم في مثل هذا إذا علم خطؤه تجنبه واتباع ما لم يخطئ فيه، هذا حكم جماعة من المحدثين العارفين الذين كانوا يخطئون، وقد فصلناهم في الكتاب (١) على أجناس ثلاثة:\nفمنهم من لا يحتج بما انفرد من حديثه ذلك، ويقبل غير ذلك من روايته.\nومنهم من يحتج بما وافق الثقات فقط من روايته.\nومنهم من يقبل ما لم يخالف الأثبات، ويحتج بما وافق الثقات \" (٢).\nقلت: هذا المعنى الذي بينه ابن حبان هو من أحسن التفصيل لحال المراد بلين الحديث، أو سيء الحفظ، ممن لا يسقط حديثهم، ولا يحتج به لذاته، وفي كلامه ما يبين أنهم درجات تعود إلى قدر اللين في حفظهم من جهة خطئهم كما وكيفًا، مما بينته مفصلًا في محله من هذا الكتاب.\nويلخص القول في علة إلحاق هذا النوع بالحديث الضعيف: هو رجحان جانب الخطأ من قبل الراوي الموصوف بسوء الحفظ، وإن لم نجزم به أنه وقع في الحديث الذي ضعفناه لأجله، فحيث علمنا ضعف حفظه، فمجرد نزول ضبطه عن درجة من غلب عليه الحفظ، جعل ذلك كافيًا في رد حديثه.\n_________\n(١) يعني كتابه: المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين.\n(٢) المجروحين (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤)","vol":"2","page":1002},{"text":"ولك أن تقول: رددنا حديثه من أجل الشك الراجح في ثبوته.\nفأما إذا تبين أن الحديث المعين مما خالف فيه، أو أخطأ، فهو محكوم عليه بلقب آخر، وهو (المنكر)، وما في معناه.\nوهذا النوع من الحديث المردود لعلة سوء حفظ راويه، مما يتنازعه علماء الحديث، فمنهم من يجعله حسنًا؛ وذلك من أجل صدق راويه في الجملة، وعدم القطع بخطئه في الحديث المعين، ومنهم من يضعفه؛ لما تقدم من غلبة الظن أن التفرد من مثله محل شك.\nوالتحقيق: أنه حديث ضعيف؛ من أجل أن الحسن مطلوب فيه رجحان الراوي إلى جانب صحة حديثه، لسلامته في غالب أمره من الوهم والخطأ، بحيث غلب وصفه بالحفظ على وصفه بسوء الحفظ، بخلاف راوي هذا النوع من الحديث فإن اختبار أمره أوجدنا وهمًا وخطأً ومخالفات إسنادية ومتنية وقعت منه أورثت الريبة في سائر أفراده التي لا نقطع بخطئه فيها، إلا أن يندفع ذلك عنه بطريق صالح، فيرقى حديثه إلى القبول، وهو (الحسن لغيره) على ما تقدم ذكره في محله.\nواعلم أنه يلحق بهذا النوع من الحديث: رواية الراوي المختلط الواقعة بعد اختلاطه المؤثر، فإنه باختلاطه صار سيء الحفظ لما حدث به بعد الاختلاط، على ما بينته في (المبحث الخامس) من مباحث (تفسير الجرح).\n\n* * *","vol":"2","page":1003},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>المبحث الثالث:\n\nالحديث المقلوب</span>\n\nوهو ثلاث صور بحسب القلب، منها يتبين معناه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>الصورة الأولى: قلب في الإسناد</span>.\n\nوهو أن يقلب الراوي اسم راو في الإسناد فيقول مثلًا: (معاذ بن سعد) بدل (سعد بن معاذ)، أو (مرة بن كعب) بدل (كعب بن مرة) .......\nفإن كان الاسم لواحد لم يؤثر ويكون خطأ ممن قلبه، أما إن كان صيره بالقلب رجلًا آخر، فلا يشكل على صحة الرواية إذا كانا ثقتين أو ضعفها إذا كانا ضعيفين، إنما يقدح فيها لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا، ويعل بذلك الإسناد، فيكون الوصف بالقلب بسبب خطأ الراوي حكمًا على الحديث بالضعف.\nكما وقع لعبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: \" ما حدث عن عبيد الله بن عمر، فهو عن عبد الله بن عمر \"، وفي رواية: \" ربما قلب حديث عبد الله العمري، يرويه عن عبيد الله بن عمر \" (١).\nقلت: الدراوردي سمع من عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة، وسمع\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٢/ ٢ / ٣٩٥، ٣٩٦).","vol":"2","page":1004},{"text":"من عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، فكان ربما قلب أحاديث عبد الله فجعلها عن عبيد الله، مما أوقعه في رواية المنكرات عن عبيد الله، والتي أصلها أحاديث عبد الله، فصار حديثه ضعيفًا عن عبيد الله، وإن كان الدراوردي ثقة في غيره.\nومن مثال وقوع ذلك من الراوي دون أن يقدح في نفس حديثه وإن كان خطأ منه، من أجل قلبه من ثقة إلى ثقة، قول الحافظ يحيى بن محمد بن صاعد: \" انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها \"، قال: \" انقلبت عليه وكان عنده عن ابن الهاد عن عبد الله بن دينار، فقال: عن يحيى بن سعيد عن ابن دينار، في الأحاديث كلها \" (١).\nقلت: فلو سلم ابن صرمة من جرح سوى وقوع هذا منه، لما أضر في روايته؛ من أجل العلم بكونها في الأصل عن ثقة، وهو قد انتقل بها من ثقة إلى ثقة، لكن الرجل ضعيف.\nومن أسوأ أمثلة القلب: ما نقله ابن أبي حاتم، قال: سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن المبارك، عن عنبسة بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: لا يستقاد من الجرح حتى يبرأ \"؟ قال أبو زرعة: \" هو مرسل مقلوب \" (٢).\nيعني أبو زرعة أن صوابه: (ابن المبارك عن عنبسة بن سعيد عن جابر عن الشعبي عن النبي ﷺ).\nفهذا قلب مفسد جدًا، ليس في تصيير المرسل موصولًا فقط؛ إذ الشعبي تابعي، بل جابر هذا في حال الوصل هو جابر بن عبد الله الأنصاري\n_________\n(١) نقله ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٤٠٨).\n(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٣٧١) .......","vol":"2","page":1005},{"text":"الصحابي، وفي حال كونه الراوي عن الشعبي فهو جابر بن يزيد الجعفي أحد المتهمين بالكذب في الحديث، فتأمل !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>الصورة الثانية: قلب في المتن</span>.\n\nوهو كما وقع في \" صحيح مسلم \" في سياقه للفظ حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: \" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله \"، فساق الحديث، وفيه: \" ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله \".\nفعكس لفظ الحديث، والرواية المحفوظة: \" حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه \"، كما هي عند البخاري (١) وغيره.\nفهذا وقع الخطأ في رواية مسلم؟ فيه اختلاف، يرجع فيه إلى مظانه، إذ ليس للإطالة به هنا ضرورة (٢).\nفهذا إذا قام عليه دليل بأنه مقلوب، كما هو الشأن في هذا المثال، فالمقلوب خطأ، وهو لاحق بقسم المردود، ولا يعتبر به ولا يتكلف له التأويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>الصورة الثالثة: التحول من حديث إلى حديث</span>.\n\nويفسر هذه الصورة قول ابن عدي في (ثابت بن حماد أبي زيد البصري): \" له أحاديث يخالف فيها وفي أسانيدها الثقات، وأحاديثه مناكير ومقلوبات \"، فلما جئنا لتبين معنى القلب فيها وجدنا مثاله، ما أخرجه ابن عدي من طريقه، قال: عن سعيد (٣)، عن قتادة عن أنس، قال: قال\n_________\n(١) في \" صحيحه \" (رقم: ٦٢٩، ١٣٥٧، ٦٤٢١).\n(٢) انظر لذلك: إكمال المعلم بفوائد مُسلم، للقاضي عِياض (٣/ ٥٦٣) وفتح الباري، لابن حجر (٢/ ١٤٦).\n(٣) هو ابن أبي عروبة.","vol":"2","page":1006},{"text":"رسول الله ﷺ: \" لو يعلم الناس ما في الصف المقدم، لكانت قرعة \"، قال ابن عدي: \" وهذا الحديث وهم فهي ثابت بن حماد، وإنما يرويه قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة \" (١).\nقلت: يعني ابن عدي أنه قلبه، فركّب إسنادًا على غير متنه.\nوعبارات النقاد في المجروحين من الرواة لهذه العلة كثيرة، فمن ذلك:\nقال عمرو بن علي الفلاس: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فضالة، ويقول: \" حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة \" (٢).\nوقال أحمد بن حنبل في (عبد الرحمن بن يزيد بن تميم): \" قلب أحاديث شهر بن حوشب وصيرها حديث الزهري \" وجعل يضعفه (٣).\nوقال في (مصعب بن سلام): \" انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم بن أبي شيبة مرة فجعل يذاكر عنه أحاديث عن شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة، انقلبت عليه أيضًا (٤).\nوقال أبو زرعة الرازي في (معاوية بن يحيى الصدفي): \" ليس بقوي، أحاديث كله مقلوبة ما حدث بالري، والذي حدث بالشام أحسن حالًا \" (٥).\nهؤلاء كان القلب يقع لأحدهم دون تعمد، إنما هو لسوء الحفظ.\n_________\n(١) الكامل (٢/ ٣٠٣) .......\n(٢) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٨٦).\n(٣) العلل، لأحمد (النص: ٤٣٩٠).\n(٤) العلل (النص: ٥٣١٧)، وانظر: التاريخ الكبير، للبخاري (٤/ ١ / ٣٥٤) والجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٤/ ١ / ٣٠٨).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٣٨٤).","vol":"2","page":1007},{"text":"وممن كان يتعمد القلب من المتروكين الهلكى: صالح بن أحمد القيراطي، قال ابن حبان: \" يسرق الحديث، ولعه قد قلب أكثر من عشرة آلاف حديث \" (١).\nوقال ابن عدي: \" يسرق الأحاديث، ويلزق أحاديث تعرف بقوم لم يرهم على قوم آخرين لم يكن عندهم وقد رآهم \" (٢).\nقلت: وهذا هو وجه إطلاقهم: (يسرق الحديث) على الراوي (٣)، لكن لا يصح تسليم العبارة لقائلها في حق من أوقعه في القلب سوء الحفظ وضعف التيقظ، إنما هي في المتعمدين من جهة ادعاء أحدهم سماع ما لم يسمع.\nومما يستدل به تارة لهذه الصورة عند النقاد شبه حديث الراوي بحديث راو آخر، فيستدلون بذلك الشبه على كون أحدهما سرقه من الآخر.\nهذه هي صور الحديث المقلوب، وما ثبت أنه كذلك فهو ضعيف خطأ، حتى ما ذكرته في الصورة الأولى من وقوع القلب بالتحول من ثقة إلى ثقة في الإسناد، فالحديث في هذه الحالة وإن كان محفوظًا في أصله، إلا أن ذلك الإسناد الذي وقع فيه القلب خطأ ضعيف، لا يعتبر به.\n\n* * *\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٣٧٣).\n(٢) الكامل (٥/ ١١٢).\n(٣) وانظر: الاقتراح، لابن دقيق العيد (ص: ٢٣٦) والموقظة للذهبي (ص: ٦٠). وانظر تفسير هذه العبارة في (المبحث الثاني) من مباحث (تفسير الجرح) .......","vol":"2","page":1008},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-423>المبحث الرابع:\nالحديث المصحف</span>\n\nتعريفه:\n\nهو الحديث يقع فيه تغيير في نقط الكلمة في إسناد أو متن، مع بقاء صورة الخط.\nمثل تصحيف: (جمرة) إلى (حمزة) في الأسماء، و(الحر) إلى (الخز) في المتون.\nويعدون تغيير (عبيد الله) إلى (عبد الله) تصحيفًا لقرب الرسم.\nفإن وقع التغيير في حروف الكلمة مما تختلف به صور الخط، سمي (المحرف).\nمثل تحريف: (وكيع بن حدس) وهو الصواب، إلى: (وكيع بن عباس).\nوعند تحريف كثير من العلماء جواز إطلاق أحد اللفظين على الآخر، ومن اعتنى بهذا الباب سماه جميعًا (التصحيف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-424>طريق معرفة التصحيف أو التحريف في الرواية:</span>\n\nإن كان في أسماء الرواة فبمراجعة كتب التراجم، خصوصًا كتب","vol":"2","page":1009},{"text":"المتاشبه والمؤتلف والمختلف، وإن كان في المتون فبتتبع لفظ الحديث في كتب الرواية، وبمراجعة كتب اللغة، وغريب الحديث.\nوفي هذا الباب كتب خاصة مفيدة، منها: \" إصلاح غلط المحدثين \" للخطابي، و\" تصحيفات المحدثين \" لأبي أحمد العسكري.\nوأهمية معرفة هذا النوع من علوم الحديث لا تخفى؛ لما يقع بالتصحيف من الإحالة، فربما صيرت الراوي المجروح ثقة أو العكس، وما يقع في ألفاظ المتون من إفساد المعنى والخروج به عن جادته.\nوالقدر المتميز تحريفه أو تصحيفه من الحديث ضعيف، وهو خطأ لا يعتبر به وسببه: وهم الراوي وخطؤه، فهو نتيجة لعدم إتقانه لما أخطأ فيه من ذلك.\nومن مثاله: ما رواه قبيصة بن عقبة، قال: حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عياض (١)، عن أبي سعيد، قال:\nكنا نورثه على عهد رسول الله ﷺ، يعني الجد.\nفبين مسلم بن الحجاج أن قبيصة لم يحسن قراءته فصحف فيه، قال مسلم: \" وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ، يعني في الطعام وغيره في زكاة الفطر \"، قال مسلم: \" فقلب قوله إلى أن قال: نورثه، ثم قلب له معنى فقال: يعني الجد \" (٢).\nوتكلم النقاد في طائفة من الرواة، بسبب ما عرفوا به من التصحيف في الأسماء والمتون، كما بينت في أسباب الجرح في باب (تمييز النقلة).\n\n* * *\n_________\n(١) هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرْح العامرِي .......\n(٢) التمييز، لمسلم بن الحجاج (ص: ١٨٩ - ١٩٠).","vol":"2","page":1010},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>المبحث الخامس:\n\nالحديث المدرج</span>\n\nالمدرج قسمان (١)، ببيانهما يتضح معناه الاصطلاحي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>القسم الأول: مدرج الإسناد</span>\n\nوهو أربع صور:\n\nالصورة الأولى: أن يقع الحديث للراوي عن جماعة يحمله عنهم فيجمع الكل بإسناد واحد، ولا يبين الاختلاف.\nوصورته: أن يروي الثقة الحديث عن رجلين، يجمع بينهما، رواية أحدهما مرسلة، ورواية الآخر متصلة، فيسوقه متصلًا، ومثل هذا الصنيع قيل: فعله سفيان بن عيينة مع حفظه، كما ذكره بعض الحفاظ (٢)، ولم أقف له على مثال صالح من فعل سفيان، أو من فعل غيره من الثقات المتقنين.\nوكذلك سأل أيوب بن إسحاق بن سافري أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)، قال: يا أبا عبد الله، ابن إسحاق إذا تفرد بحديث\n_________\n(١) تقدم ذكْر ما يقع الإدراج فيه من روايات الثقات في مباحث (النقد الخفي).\n(٢) نقله ابن رجب في \" شرح العلل \" (٢/ ٧٦٥) عن يعقوب بن شيبة.","vol":"2","page":1011},{"text":"تقبله؟ قال: \" لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا \" (١).\nقلت: فأحمد لينه لهذا الصنيع.\nوكذلك كان من أسباب الطعن على (محمد بن عمر الواقدي)، حيث قال أحمد بن حنبل: \" كنا نرى أن عنده كتبًا من كتب الزهري أو كتب ابن أخي الزهري، فكان يحيل، وربما يجمع، يقول: فلان وفلان عن الزهري إخال حديث نبهان عن معمر. والحديث لم يروه معمر أيضًا، هو حديث يونس، حدثناه عبد الرزاق عن ابن المبارك عن يونس، كان يحيل الحديث ليس هذا من حديث معمر \" (٢).\nالصورة الثانية: أن يكون المتن عند راو بإسناد، إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راو عنه تاما بالإسناد الأول.\nومن هذا ما رأيته وقع من بعض أهل الحديث، يجد خبرًا ساقه محمد بن إسحاق في السير والمغازي، ذكر طرفًا منه مسندًا، ثم أدرج فيه شيئًا في ذلك الخبر ليس مما وقع له بنفس ذلك الإسناد، فيخرجه الراوي من طريق ابن إسحاق بالإدراج كالجزء من ذلك الحديث المسند، بل ربما فصل المدرج عن سياق الخبر المسند مركبًا له على إسناده (٣).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١/ ٢٣٠) بإسناد لا بأس به، وابن سافري صدوق.\n(٢) العلل (النص: ٥١٣٩) .......\n(٣) كما يصلح له مثالًا الحديث الذي تعلق به طائفة من الفقهاء في مسألة مترتبةٍ على إسلام المرأة قبل زوجها، وهو ما جاء في قصة زينب ابنة النبي ﷺ في شأنها مع زوجها أبي العاص بن الربيع فقال: \" أي بُنية، أكرمي مثواه، ولا يخلصنَّ إليك، فإنك لا تحلين له \"، وسياقه وعلته في كتابي \" إسلام أحد الزوجين ومدى تأثيره على عقد النكاح \".\nومن مثاله أيضًا ما وقعَ لسعيد بن أبي مرْيم في روايته لحديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ: \" لا تَباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تَدابروا .. \" الحديث، فأدرج فيه: \" ولا تنافسوا \"، وكان قد رواه كذلك بالإدراج عن مالك، وأخطأ فيه، دخلت عليه هذه اللفظة من حديث أبي هريرة، انظر بيانه في تعليقي على كتاب \" المقنع في علوم الحديث \" لابن الملقن (١/ ٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"2","page":1012},{"text":"الصورة الثالثة: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان كل منهما بإسناد يخصه، فيرويهما راو عنه بأحد الإسنادين، أي يدخل متن أحدهما على إسناد الآخر.\nوهذه من صور دخول حديث في حديث، وشرحت مثالها في (النقد الخفي)، وهي غير الصور المتقدمة في (القلب).\n\nالصورة الرابعة: أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قبل نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن الحديث فيرويه بذلك الإسناد.\nومثال هذا ما وقع لثابت بن موسى الزاهد، قال ابن حبان: \" روى عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \" من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار \"، وهذا قول شريك، قاله في عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد)، فأدرج ثابت بن موسى في الخبر، وجعل قول شريك كلام النبي ﷺ، ثم سرق هذا من ثابت بن موسى جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك \" (١).\nقلت: وهذا ضعف بين وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث.\nقال أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن بن كامل (وكان ثقة): قلت لمحمد بن عبد الله بن نمير: ما تقول في ثابت بن موسى؟ قال: \" شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة \"، قلت: ما تقول في حديث جابر: \" من كثر صلاته بالليل؟ \" فقال: \" غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه \" (٢).\n_________\n(١) المجروحين (١/ ٢٠٧)، وانظر: الإرشاد، للخليلي (١/ ١٧١)، انظر كذلك قصة ثابت هذا في \" المدخل إلى الإكليل \" للحاكم (ص: ٦٣) .......\n(٢) أخرجه الحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٦٣) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":1013},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>القسم الثاني: مدرج المتن</span>\n\nقال الذهبي: \" هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنه من صلب الحديث، ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة لا تفصل هذا من هذا \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>طريق معرفة الإدراج:</span>\n\nيعرف الإدراج في المتن بأمور:\n\nأولها: وجود قرينة في السياق تدل على أن الجملة مدرجة، كاستحالة إضافته إلى النبي ﷺ.\nمثل ما وقع في رواية البخاري (٢) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" للعبد المملوك الصالح أجران. والذي نفسي بيده، لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي، لأحببت أن أموت وأنا مملوك \".\nفقوله: \" والذي نفسي بيده \" إلى آخره، ليس من كلام النبي ﷺ، بقرينة قوله: \" وبر أمي \"، فإن أمَّه ﷺ ماتت عنه وهو صغير.\nوهذه الصورة من الإدراج متميزة دون حاجة إلى دليل خارجي، مع أن مسلمًا حين أخرج الحديث (٣) قال في روايته: \" والذي نفس أبي هريرة بيده. . \" فذكره.\n\nوثانيها: تصريح الصحابي راوي الحديث بأن تلك الجملة من كلامه.\nوذلك كحديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار \"، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (٤).\n_________\n(١) الموقظة (ص: ٥٣ - ٥٤).\n(٢) في \" صحيحه \" (رقم: ٢٤١٠).\n(٣) في \" صحيحه \" (رقم: ١٦٦٥).\n(٤) أخرجه البخاري (رقم: ١١٨١، ٤٢٢٧، ٦٣٠٥) .......","vol":"2","page":1014},{"text":"قلت: وهذا الإدراج لا يخفى.\n\nوثالثها: تصريح بعض رواة الحديث بفصلها عن أصل الحديث.\nومثاله ما وقع من بعض الرواة لحديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مئة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة \".\nفأدرج فيه بعضهم سياق الأسماء، كما أخرجه الترمذي (١) وغيره، من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، مرفوعًا، زاد بعد قوله ﷺ: \" دخل الجنة \": \" هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك. . \" إلى آخرها، لم تفصل فيه هذه الزيادة عن الحديث، مما ظنه بعض الناس في جملة الحديث.\nوهو عند البخاري (٢) وغيره، عن أبي اليمان عن شعيب، دون ذكرها، وكذلك رواه سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، دونها (٣)، ومن غير وجه عن أبي هريرة بدونها أيضًا.\nولك أن تقول: زادها ثقة، والزيادة وغير المخالفة من الثقة مقبولة.\nونقول: نعم، على التحقيق، هي كذلك، لو كان بعض الرواة لم يذكرها وبعضهم ذكرها، وليس في مجرد ذلك دليل على الإدراج، ولكنا وجدنا ما بين أنها مدرجة:\nفأخرج الحديث عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد آخر للوليد بن مسلم،\n_________\n(١) في \" جامعه \" (رقم: ٣٥٠٧)، وقال: \" غريب \"، وقال: \" لا نعلم في كبير شيء من الروايات ذِكر الأسماء إلا في هذا الحديث \".\n(٢) في \" الصحيح \" (رقم: ٢٥٨٥، ٦٩٥٧).\n(٣) مُتفق عليه: أخرجه البُخاري (رقم: ٦٠٤٧) ومسلم (رقم: ٢٦٧٧).","vol":"2","page":1015},{"text":"قال عثمان: حدثنا هشام بن عمار، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا خليد بن دعلج، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: لله تسعة وتسعين (١) اسمًا، من أحصاها كلها دخل الجنة \".\nزاد بعده: قال هشام (يعني ابن عمار): وحدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، مثل ذلك، وقال: كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو، فساق الأسماء (٢).\nفدل هذا على أن الوليد كان يحدث بالحديث المرفوع بإسنادين، وكان يدرج فيه الأسماء مما أخذه عن سعيد بن عبد العزيز قوله.\nلكن يجب أن تعلم أن كشف مثل هذه العلة ليس مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث.\nقال الذهبي: \" هذا طريق ظني، فإن ضعف توقفنا، أو رجحنا أنها من المتن \" (٣).\nواعلم أن الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري كان ممن عرف بالإدراج في المتون، يدرج اللفظ يفسر فيه اللفظ، ونحو ذلك، وليس بالكثير في حديثه.\nوالتأصيل في الجملة: أنه لا يصح ادعاء الإدراج في إسناد أو متن إلا إذا قام برهان بين على وجوده، وإذا ثبت فإن كان من مدرج المتن حكم لذلك القدر المدرج بكونه ليس من الخبر، ولا يقدح هذا في سائر الخبر ويكون ذلك القدر من الجملة الحديث الضعيف رفعه إلى النبي ﷺ.\n_________\n(١) كذا، والجادة: (وتسمعون).\n(٢) انظر: النقض على المريسي، لعُثمان الدارمي (١/ ١٨٠ - ١٨٣) .......\n(٣) الموقظة (ص: ٥٤).","vol":"2","page":1016},{"text":"وإن كان من مدرج الإسناد فإنه قد يستدل به على لين الرواي أو ضعفه، وإن كان من الثقات المتقنين فبيان إدراجه فيها مزيل لأثر محذورها، ولا يقدح صنيع ذلك فيه، إنما يقدح فيما نتج عن إدراجه من أثر، وحديثه دون الإدراج صحيح.\nوللحافظ أبي بكر الخطيب كتاب \" الفصل للوصل المدرج في النقل \"، وهو كتاب ثري نافع في بابه.\n\n* * *","vol":"2","page":1017},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>المبحث السادس:\n\nالحديث الشاذ</span>\n\nالشذوذ هو: مخالفة الثقة في روايته لمن هو أقوى منه، وقعت المخالفة في المتن أو السند.\nوالأقوى منه قد يكون ثقة آخر، وقد يكون عددًا حاصلًا بمجموعهم رجحان إتقانهم على إتقانه.\nكما أنه إذا وقع فقد يكون في سند أو بعض سند، ومتن أو بعض متن.\nوقد عرفه الشافعي بقوله: \" ليس الشاذ من الحديث: أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يروي الثقات حديثًا، فيشذ عنهم واحد، فيخالفهم \" (١).\nوعرفه الحاكم بقوله: \" حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة \" (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" آداب الشافعي ومناقبه \" (ص: ٢٣٣) بإسناد صحيح، ونحوه (ص: ٢٣٤).\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١١٩)، وفي سؤالات مسعود السجزي له (النص: ١٥٠) قال: \" بهْز بن حكيم بن معاوية بن حيْدة القشيري من ثقات البصريين ممن يُجمع حديثه، وإنما أسقط من الصحيح روايته عن أبيه عن جده؛ لأنها شاذةٌ لا مُتابع لها في الصحيح \". قلت: بل لم يُخرجاها لأنها دون شرطهما في القوة، وإلا فهي جيدة قوية .......","vol":"2","page":1018},{"text":"ثم استدل بتعريف الشافعي للشاذ، وبين التعريفين مفارقة، وهي أن الشافعي اشترط لصحة الوصف بالشذوذ المخالفة من قبل الثقة، واقتصر الحاكم على مجرد تفرد الثقة بما لم يأت عن غيره.\nوالتحقيق أن تعريف الشافعي يبطل تعريف الحاكم الذي استشهد به، فإنه نفى أن يكون الشذوذ تفرد الثقة، والحاكم يجعله تفرد الثقة، وأكده بالمثال الذي مثل به، وهو حديث معاذ بن جبل في جمع الصلاتين في غزوة تبوك، وهو حديث لم تأت في إسناده ولا في متنه مخالفة من ثقة، ولكنه حديث فرد.\nوالحاكم حكم عليه بالشذوذ، بل زعم أن الحديث موضوع، مع أنه قال: \" لا نعرف له علة نعلله بها \" (١).\n\nوالتحقيق: أن تفرد الثقة بحديث من غير مخالفة لا يعد من الشذوذ، بل وقوع المخالفة شرط في الشذوذ، أو ما ينزل منزلة المخالفة، كزيادة الثقة المتوسط الرفع أو الوصل وليس محله في الإتقان محل من تسلم زيادته على من لم يأت بها، هذه هي القاعدة (٢).\n\nمثال الشذوذ في الإسناد:\n\nحديث حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد الخطمي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم فيعدل، ويقول: \" اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك \" (٣).\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث (ص: ١٢٠).\n(٢) انظر الكلام حول التفرد في (النقد الخفي).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وأحمد (٦/ ١٤٤) والدارمي (رقم ٢١٢٧) وأبو داود (رقم: ٢١٣٤) والترمذي في \" الجامع \" (رقم: ١١٤٠) و\" العلل \" (١/ ٤٤٨) والنسائي (رقم: ٣٩٤٣) وابن ماجة (رقم: ١٩٧١) وابن أبي حاتم في \" العلل \" (رقم: ١٢٧٩) والطحاوي في \" شرح المشْكل \" (رقم: ٢٣٢، ٢٣٣) وابن حبان (رقم: ٤٢٠٥) والحاكم (٢/ ١٨٧ رقم: ٢٧٦١) والبيهقي في \" الكبرى \" (٧/ ٢٩٨) والخطيب في \" الموضع لأوهام الجمع والتفريق \" (٢/ ١٠٧) من طرق عن حماد بن سلمة، بإسناده به.","vol":"2","page":1019},{"text":"حماد بن سلمة ثقة، لكنه تفرد بوصل هذا الحديث.\nقال أبو زرعة الراوي: \" لا أعلم أحدًا تابع حمادًا على هذا \" (١).\nقلت: خالفه حماد بن زيد وإسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي، فقالوا: عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان رسول الله ﷺ، فذكر الحديث (٢).\nوهذه رواية مرسلة، وحماد بن زيد وابن علية وعبد الوهاب كل واحد منهم أوثق من حماد بن سلمة، فكيف بهم مجتمعين؟.\nفلذا حكم جماعة من الحفاظ بترجيح روايتهم المرسلة.\nفرجح أبو زرعة الرازي الإرسال.\nوقال الترمذي بعد ذكر مخالفة حماد بن زيد وغير واحد لابن سلمة: \" وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة \"، وكان في \" العلل \" سأل البخاري عنه؟ فأشار إلى تعليله بإرسال حماد بن زيد له.\nوكذلك أعقبه النسائي بذكر إرسال ابن زيد له، مشيرًا إلى علته.\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ١٢٧٩).\n(٢) أخرجه ابن جرير في \" تفسيره \" (٥/ ٣١٥) من طريق حماد بن زيد. وابن أبي شيبة (٤/ ٣٨٦) وابنُ سعد في \" الطبقات \" (٨/ ١٦٨) عن ابنِ عُلية. وابن جرير أيضًا (٥/ ٣١٤) من طريق ابنِ عُلية وعبد الوهاب.\nوكان قد أخرجه عن عبد الوهاب بواسطة مُحمد بن بشار عنه، بالرواية المرسلة، وأخرجه (٥/ ٣١٥) عن سُفيان بن وكيع، عن عبد الوهاب، بمثل رواية حماد بن سلمة موصولة، لكن هذه رواية ضعيفة، ابنُ وكيع ضعيف، وخالف ابن بشار الثقة الحافظ عن عبد الوهاب .......","vol":"2","page":1020},{"text":"وحاصله: أن رواية الجماعة (محفوظة) ورواية ابن سلمة (شاذة).\nوهذا مثال للشذوذ مع أن وجه المخالفة فيه ليس على معنى المعارضة للرواية الأخرى، وإنما جاء من جهة أن حماد بن سلمة ليس في الإتقان في درجة من يستقل عن الجماعة بزيادة، لما له من الأوهام مع ثقته.\n\nمثال الشذوذ في المتن:\n\nما رواه همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: \" كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه \".\nقال فيه أبو داود: \" هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس، أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ورق، ثم ألقاه، والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام \" (١).\nقلت: أراد أبو داود بالمنكر الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة شذوذ لا نكارة، وهمام ثقة، لكن هذا معنى اصطلاحي واسع، وإنما ذكرت هذا الحديث مثالًا للتنبيه أيضًا على إطلاقهم النكارة على الشذوذ، بجامع الوهم والخطأ في كلٍّ.\nوما ذكره من تفرد همام به بهذا اللفظ صحيح بالنظر إلى وروده من طريق ثقة، وإلا فقد جاء من وجه آخر ضعيف لا يعتبر به.\nوقد قال النسائي: \" هذا الحديث غير محفوظ \" (٢)، وهذه العبارة ألصق بالاصطلاح من عبارة أبي داود.\nوالحديث شاذ لمخالفة سياق متنه لما هو المحفوظ من رواية أصحاب الزهري كيونس بن يزيد الأيلي وشعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن سعد\n_________\n(١) سنن أبي داود (رقم: ١٩).\n(٢) السنن الكبرى (رقم: ٩٥٤٢).","vol":"2","page":1021},{"text":"وزياد بن سعد وغيرهم، والحكم بالوهم فيه من قبل همام مظنة لا قطع، إذ يحتمل أن يكون ابن جريج دلس فيه (١).\nوالحكم بشذوذ هذا اللفظ إدراك من الناقد لما وراء ظاهر الإسناد، وإبانة لوهم الثقة بالبرهان، إذ أتى بما هو على خلاف المحفوظ عن الزهري من رواية متقني أصحابه.\nوتلاحظ من هذا أن اعتبار درجات الثقات هو المقياس لتمييز الحفظ من الشذوذ.\nويتفرع عن الكلام في (الشذوذ) مسألتان:\n\nالمسألة الأولى:<span data-type=\"title\" id=toc-430> زيادات الثقات</span>.\nالثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه.\nفهذان نوعان، فأما الأول فليس مرادًا هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصًا أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به.\nكما قال علي بن المديني: \" نظرنا فإذا يحيى بن سعيد يروي عن سعيد بن المسيب ما ليس يروي أحد مثلها، ونظرنا فإذا الزهري يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد، ونظرنا فإذا قتادة يروي عن سعيد بن المسيب شيئًا لم يروه أحد \" (٢).\nوأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة.\n_________\n(١) وانظر الحديث بتخريجه والكلام في علته في تعليقي على كتاب \" المقنع في علوم الحديث \" لابن الملقن (١/ ١٨٢ - ١٨٤) .......\n(٢) سؤالات ابن أبي شيبة (النص: ٧٦).","vol":"2","page":1022},{"text":"وجملة ما يحتاج إليه في هذا المقام هو أن الزيادة كانت في الإسناد أو المتن، لا تخلو من أن تكون مخالفة لرواية من لم يأت بها أو غير مخالفة:\nفإن كانت مخالفة لرواية الأقوى ضبطًا، حكمنا بكونها (شاذة).\nوإن كانت غير مخالفة نظرنا اعتبار أمرين لقبولها: أن تكون من ثقة متقن، وأن لا يقوم دليل على خطئه فيها، فإن كانت بهذه كانت المثابة حكمنا بكونها (محفوظة).\nوإن لم يكن من أتى بها في إتقانه في المنزلة التي ترجح معها زيادته، للين في حفظه، كحماد بن سلمة في المثال المتقدم، حكمنا بكونها (شاذة) (١).\nوما حكمنا بشذوذه فهو (ضعيف).\n\nالمسألة الثانية:<span data-type=\"title\" id=toc-431> المزيد في متصل الأسانيد</span>.\nهذا مبحث يراد به الإسناد الذي يأتي صريحًا بذكر السماع بين ثقتين، فيقول الراوي الثقة المسمى (خالد) مثلًا: (حدثني زيد) ثم يوجد عن خالد هذا قوله: (حدثني بكر عن زيد)، ويبحث في كل من الإسنادين إلى (خالد) فلا يوجد فيهما علة تدل على وهم أو خطأ، وخالد نفسه لا يعاب في حفظه وصدقه، بل هو ثقة، فيقال: (هذا من المزيد في متصل الأسانيد) حملًا على كون (خالد) سمع الحديث أولا بواسطة، ثم لقي (زيدًا) فحدثه به، وهذا واقع في الأسانيد غير مستنكر.\nفالقول: هو من المزيد في متصل الأسانيد أولى من تخطئة الثقة بغير حجة بينة، إلا أن يوجد أن خالدًا لم يدرك زيدًا، فيكون بعض الرواة أخطأ فيه، أو وقع في الإسناد سقط من نسخة أو كتاب.\n_________\n(١) وراجع القول في (زيادات الثقات) فيما تقدَّم في (النقد الخفي) .......","vol":"2","page":1023},{"text":"مثاله: ما رواه حجاج بن أبي عثمان الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى \".\nقال (أي عكرمة): فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة، فقالا: صدق.\nفهذا إسناد صحيح متصل، جاء بيان سماع رواته بعضهم من بعض من وجوه عن حجاج الصواف، وهو ثقة.\nوروى الحديث معمر بن راشد ومعاوية بن سلام، وهما ثقتان، وسعيد بن يوسف، وهو ضعيف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري.\nفزادوا عن ابن كثير رجلًا بين عكرمة والحجاج.\nوهذه رواية صحيحة كذلك، لكنها لا تقدح في اتصال الأولى، لثقة حجاج الصواف وإتقانه عن يحيى بن أبي كثير.\nفهذه صورة للمزيد في متصل الأسانيد، بنيت على اعتبار انتفاء المسوغ لتخطئة الثقة، فيكون الجمع: أن عكرمة سمعه بواسطة عن الحجاج، ثم لقي الحجاج فسمعه منه دون واسطة (١).\nأما إن جاء الإسناد معنعنًا في موضع، وجاء من جهة أخرى صحيحة بزيادة راو في محل العنعنة، فليس من المزيد في متصل الأسانيد، بل الرواية الناقصة ضعيفة للانقطاع، لا للشذوذ، والمزيدة هي المحفوظة.\nوذلك مثل: ما رواه أبان بن يزيد العطار وحرب بن شداد،\n_________\n(١) شرحت الاختلاف في هذا الحديث في كتاب \" علل الحديث \"، وهناك تخريجه .......","vol":"2","page":1024},{"text":"ومحمد بن المثنى، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن:\nأنه دخل على عائشة، وهو يخاصم في أرض، فقالت عائشة: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض، فإن رسول الله ﷺ قال: \" من ظلم قيد شبر من الأرض، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين \" (١).\nولا إشكال في صحته على هذا الظاهر، لكن رواه أصحاب ابن أبي كثير مرة أخرى: علي بن المبارك، وحسين المعلم، وأبان العطار، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي سلمة، به (٢).\nفزادوا واسطة بين يحيى وأبي سلمة، ولم نجد في شيء من الطرق أن يحيى سمعه من أبي سلمة، فدل على أنه تلقاه عنه بالواسطة، وروايته بدونها منقطعة.\nأما مجيء الزيادة وهي مرجوحة شاذة، فمثل ما رواه زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، قال: لبى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معًا، فقال: \" لبيك بعمرة وحجة \".\nقال البخاري: \" هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسًا \" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٦/ ٦٤، ٢٥٩) من طريق أبان بن يزيد العطار، والطحاوي في \" شرح المشْكل \" (رقم: ٦١٤٥، ٦١٤٦) من طريق حرْب بن شداد، ومُحمد بن المثنى، جميعًا، عن يحيى بن أبي كثير، به، واللفظ لأبان.\n(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٧٨) والبخاري (رقم: ٢٣٢١) من طريق حسين المعلم، والبخاري (رقم: ٣٠٢٣) من طريق علي بن المبارك، وأحمد (٦/ ٢٥٢) ومسلم (رقم: ١٦١٢) من طريق حرْبٍ، ومسلم من طريق أبان، وفي رواية حُسين وأبان قال يحيى: \" حدثني مُحمد بن إبراهيم، أن أبا سلمة حدثه \".\n(٣) العلل الكبير، للترمذي (١/ ٣٧٥).","vol":"2","page":1025},{"text":"قلت: كذلك قال هشيم بن بشير (١)، ويحيى بن سعيد القطان (٢)، وسفيان بن عيينة (٣)، ذكروا جميعًا عن حميد سمع أنسًا.\nكما رواه غيرهم ما يزيد على ستة عشر نفسًا من أصحاب حميد، عنه، لم يذكروا واسطة بينه وبين أنس، بما يأتي على تأييد رواية من ذكر السماع.\nفهذه الصورة أيضًا ليست من المزيد في متصل الأسانيد.\n\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١٩/ ٢٢ رقم: ١١٩٥٨) ومسلم (رقم: ١٢٥١) وأبو داود (رقم: ١٧٩٥) والنسائي (رقم: ٢٧٢٩) وابنُ خزيمة (رقم: ٢٦١٩) والطبراني في \" الصغير \" (رقم: ٩٦٨) والبيهقي في \" الكبرى \" (٥/ ٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢٠/ ٢٣٦ رقم: ١٢٨٧٠).\n(٣) أخرجه الحميدي (رقم: ١٢١٥) وأبو يعلى (٦/ ٣٢٥، ٣٩١ رقم: ٣٦٤٨، ٣٧٣٧ - وسقط منه ذكر سفيان في الموضع الأول) .......","vol":"2","page":1026},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-432>المبحث السابع:\n\nالحديث المعلل</span>\n\nتعريفه:\nهو الحديث الذي يُطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها، ويتطرق ذلك إلى الإسناد الجامع شروط الصحة في الظاهر.\nويندرج فيه مما تقدم: صور من المعلل بالقلب، والتصحيف، والإدراج، كما يندرج تحته: الشذوذ، والاضطراب.\nفهذه وإن كانت لها ألقابها في الضعف، لكن يصلح تسميتها عند اكتشاف الضعف بسببها: (المعلل).\nويدخل في المعلل ما هو أوسع من ذلك، إذ تارة تكون العلة من جهة تفرد الراوي، وتارة من جهة المخالفة، وتارة من جهة الاختلاف.\nوشرح هذا النوع بعمومه، وأمثلته، وصوره، وطرق كشفها في (النقد الخفي).\nكما يجب ملاحظة أن من الصور ما يدرج تحت العلة، لكنه لا يقدح في ثبوت الحديث، كشك الراوي وتردده بين ثقتين، يقول: (حدثني فلان","vol":"2","page":1027},{"text":"أو فلان)، فهذا وشبهه لا يقدح؛ لأن الحديث كيفما كان فهو عن ثقة (١).\nومن هذا: \" الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن تابعي مثلًا عن صحابي، ويرويه آخر مثله سواء عن ذلك التابعي بعينه، لكن عن صحابي آخر، فإن الفقهاء وأكثر المحدثين يجوزون أن يكون التابعي سمعه منهما معًا إن لم يمنع منه مانع \" (٢).\nقال السخاوي: \" وفي الصحيحين الكثير من هذا، وبعض المحدثين يعلون بها، متمسكين بأن الاضطراب دليل على عدم الضبط في الجملة \".\nقال: \" والكل متفقون على التعليل بما إذا كان أحد المتردد فيهما ضعيفًا \" (٣).\nوالأصل أن طريق معرفة علة الحديث جمع طرقه، ثم النظر في اختلاف رواته، ومراعاة مكانهم في الحفظ والضبط.\n\n* * *\n_________\n(١) انظر معنى ذلك في \" الكفاية \" للخطيب (ص: ٥٣٤).\n(٢) فتح المغيث، للسخاوي (١/ ٢٠).\n(٣) فتح المغيث، للسخاوي (١/ ٢٠) .......","vol":"2","page":1028},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>المبحث الثامن:\n\nالحديث المضطرب</span>\n\nتحرير معنى الاضطراب يتبين من حصره في الصورتين التاليتين:\n\nالصورة الأولى: أن يروى الحديث على أوجه مختلفة متساوية في القوة، بحيث يتعذر الترجيح.\nفهذا وإن لم نجزم بخطأ أحد من رواته، لكن الخطأ موجود من راو أو أكثر من غير تعيين.\nوتصح دعوى الاضطراب حين يتعذر الجمع بين الوجوه المختلفة، فإذا أمكن الجمع فلا اضطراب.\nوهذه الصورة واردة في السند والمتن.\nفمثالها في السند: ما وقع من الاضطراب الشديد في إسناد حديث جرهد عن النبي ﷺ قال: \" الفخذ عورة \".\nفهذا الحديث اضطرب فيه الرواة على نحو من عشرين وجهًا مختلفًا، قد يمكن إرجاع بعض منها إلى بعضها الآخر، لكن لا انفكاك عن بقاء الاختلاف المؤثر، الذي يتعذر معه ترجيح بعضها على بعض (١).\n_________\n(١) شرحت علته في كتابي \" أحكام العورات \".","vol":"2","page":1029},{"text":"كما يصلح له مثالًا حديث: \" إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث \"، فإن التحقيق أنه مضطرب سندًا ومتنًا (١).\n\nوالصورة الثانية: التردد في الإسناد أو المتن من الراوي المعين، فيقال: (كان فلان يضطرب فيه فتارة يقول كذا، وتارة يقول كذا).\nمثاله: ما أخرجه الترمذي (٢) من طريق شعبة بن الحجاج، قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أن رسول الله ﷺ قال: \" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم \".\nقال الترمذي: \" كان ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث، يقول أحيانًا: عن أبي أيوب عن النبي ﷺ، ويقول أحيانًا: عن علي، عن النبي ﷺ \".\nقلت: وابن ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، كان ضعيفًا لسوء حفظه.\nوفي هذا أن اضطراب الراوي المعين في أحاديثه من أسباب ضعفه في حفظه، والحديث الذي اضطرب فيه يعل من جهة لين ذلك الراوي في حفظه، ومن جهة اضطرابه في تلك الرواية.\nوربما وقع الاضطراب من الثقة، لكن يكون قليلًا إلى جنب ما روى، فمثله يوجب احتياطًا ومزيد تحر قبل تسليم قبول روايته، وذلك بتتبع طرق حديثه المعين، فإن سلم من الاختلاف المؤثر فهو صحيح الحديث؛ إعمالًا لما ترجح من الثقة المقتضية لضبطه.\n_________\n(١) كما بينته في كتابي \" علل الحديث \"، وتقدم لهذه الصورة مَزيد تمثيل في (النقد الخفي).\n(٢) في \" جامعه \" (رقم: ٢٧٤٢) .......","vol":"2","page":1030},{"text":"مثال هؤلاء (عبد الملك بن عمير)، فهو ثقة، وقد ذكر بذلك، قال أحمد بن حنبل: \" مضطرب الحديث جدا مع قلة حديثه، ما أرى له خمس مئة حديث، وقد غلط في كثير منها \"، وقال يحيى بن معين: \" مخلط \" (١) وهو يريد هذا المعنى.\nواضطرابه بينه أحمد بن حنبل في رواية أخرى عنه، فقال: \" يختلف عليه الحفاظ \" (٢).\nقلت: وهذا يعني أن ما لم يختلف عليه فيه فهو من صحيح حديثه، وما اختلف عليه فيه اختلافًا غير قادح على أي وجوهه كان، فهو كذلك من صحيح حديثه، وما كان منه غير ذلك فهو مما يعل باضطرابه فيه، ويضعف لذلك.\nوقد يقع الاضطراب للرواي الثقة في روايته عن شيخ معين لا مطلقًا.\nوذلك كقول أحمد بن حنبل في (محمد بن عجلان): \" ثقة \"، فقيل له: إن يحيى (يعني القطان) قد ضعفه؟ قال: \" كان ثقة، إنما اضطرب عليه حديث المقبري، كان عن رجل، جعل يصيره عن أبي هريرة \" (٣).\nقلت: فمثل هذا إن قدح في حديث الراوي، فإنه لا يقدح إلا فيما رواه عن ذلك الشيخ، على أن ابن عجلان لم يضر حديثه عن المقبري أنه اضطرب فيه خلافًا لما قد يفهم من جرح يحيى القطان؛ لأن اضطرابه من جهة أن سعيدًا المقبري كان يروي عن أبيه عن أبي هريرة، وسمع كذلك من أبي هريرة، فذكر ابن عجلان عن نفسه أنها اختلطت عليه، فجعلها جميعًا عن سعيد عن أبي هريرة، فما ذكر فيه من روايته عن سعيد: (عن\n_________\n(١) الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم (٢/ ٢ / ٣٦١).\n(٢) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٦٠ - ٣٦١)، أي: أنَّ الرواة الثقات المتقنين إذا رووا عنه يذْكرون في رواياته اختلافًا، وذلك من جهته لا من جهتهم؛ لحفظهم.\n(٣) العلل، رواية أبي بكر المروذي وغيره (النص: ١٦٢) .......","vol":"2","page":1031},{"text":"أبيه) فهو متصل صحيح، وما لم يذكر (عن أبيه) فإما أن يكون سعيد بين سماعه من أبي هريرة، وإما أن يكون رواه بالعنعنة، فإن كان مبين السماع فهو كذلك متصل، وما لم يبين فإن وافق ابن عجلان عليه غيره، فهو متصل، وإلا وردت عليه مظنة الانقطاع بين سعيد وأبي هريرة، وإذا احتملنا فيه سقوط الواسطة فهو منقطع مظنة، لكن حيث علمنا الواسطة المظنون سقوطها وهي (أبو سعيد المقبري) وهو ثقة، فلك أن تقول: عاد الإسناد إلى أن يكون صحيحًا للعلم بالساقط المتعين كونه ثقة.\n* * *","vol":"2","page":1032},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>المبحث التاسع:\n\nالحديث المنكر</span>\n\nهو ضد (المعروف).\nوله بعد الاصطلاح صورتان:\n\nالصورة الأولى: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أو المضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض.\nمثل ما رواه مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: \" عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء \".\nقال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\nقلت: خالف مصعب سليمان التيمي وأبو بشر جعفر بن إياس، فقالا: عن طلق، قال: فذكراه من قوله.","vol":"2","page":1033},{"text":"وهذان ثقتان، ومصعب ضعيف، ولا متابع له (١).\nالصورة الثانية: الحديث الذي يتفرد به الراوي الضعيف ولا يوجد له أصل من غير طريقه.\nفهذا منكر لمجرد تفرد الضعيف وإن لم يخالف.\nمثل ما رواه محمد بن عمر بن الرومي، قال: حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: \" أنا دار الحكمة، وعلي بابها \" (٢).\nفهذا تفرد به ابن الرومي هذا عن شريك، وهو ضعيف، قال أبو حاتم الرازي: \" روى عن شريك حديثًا منكرًا \" (٣).\nقلت: يعني هذا الحديث.\nوقال الترمذي: \" هذا حديث غريب منكر \"، وقال ابن حبان: \" هذا خبر لا أصل له عن النبي ﵊، ولا شريك حدث به، ولا سلمة بن كهيل رواه، ولا الصنابحي أسنده \" (٤).\nقلت: والرومي هذا لين الحديث ليس بالقوي.\nواعلم أن النكارة تقع في الإسناد وتقع في المتن، إذ التفرد أو المخالفة واردة فيهما.\nومظنة وجوده: كتب الضعفاء التي عنيت بذكر ما يؤخذ على الراوي أو بعض ما يؤخذ عليه، مما يندرج تحت أسباب ضعفه، مثل: \" الكامل \"\n_________\n(١) خرجت هذا الحديث وبينت علته بتفصيل في كتابي \" إعفاء اللحية، دراسة حديثية فقهية \" .......\n(٢) أخرجه الترمذي (رقم: ٣٧٢٣).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٢).\n(٤) المجروحين (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":1034},{"text":"لابن عدي، و\" الضعفاء \" للعقيلي، و\" المجروحين \" لابن حبان، وهي أنفع الكتب في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين:</span>\n\nوقع في كلام متقدمي أئمة الحديث إطلاق وصف (المنكر) على ما يأتي:\nأولًا: تفرد الثقة، وقع هذا في بعض كلام أحمد بن حنبل، وقاله أبو بكر البرديجي (١).\nوكان يحيى القطان يتشدد في تفرد الثقة، حتى ربما عد ذلك من وهمه.\nقال أحمد بن حنبل: قال لي يحيى بن سعيد: \" لا أعلم عبيد الله (يعني ابن عمر) أخطأ إلا في حديث واحد لنافع، حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام \"، قال أحمد: فأنكره يحيى بن سعيد عليه، فقال لي يحيى بن سعيد: \" فوجدته، فوجدت به العمري الصغير (٢) عن نافع عن ابن عمر، مثله \"، قال أحمد: لم يسمعه إلا من عبيد الله، فلما بلغه عن العمري صححه (٣).\nقلت: حكم بالنكارة للغرابة، فلما زالت بالمتابعة حكم بصحته، مع أنها متابعة من لين، إذ العمري الصغير ضعيف ليس بالقوي في الحديث، لكنه صالح في المتابعات.\nوهذا مما لم تجر عليه طريقة الشيخين ولا غيرهما، بل الثقة مقبول التفرد، ما لم يأت بما يخالف فيه.\n_________\n(١) انظر: شرح علل الترمذي (١/ ٤٥٠ - ٤٥٢) .......\n(٢) يعني عبد الله بن عمر العمري.\n(٣) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ٢١٦) .......","vol":"2","page":1035},{"text":"ثانيًا: أنواع من الحديث الضعيف لأسباب أخرى، كالحديث الشاذ، أو الحديث الفرد الذي قام الدليل على أنه قد وهم فيه الثقة، والمدرج، والمنقطع، وحديث المجهول، وقع ذلك في كلام غير واحد من الأئمة المتقدمين، كيحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وغيرهم، يطلقون لقب (المنكر) على هذه الأنواع.\n\nثالثًا: الحديث الفرد الذي يرويه الصدوق النازل عن درجة أهل الإتقان، وليس له عاضد يصحح به، ترى هذا في كلام أحمد بن حنبل وأبي داود والنسائي والعقيلي وابن عدي وغيرهم.\nوهذا هو (الحديث الحسن) وهو أحد قسمي (الحديث المقبول).\nفالنكارة هنا لا يراد بها غير معنى التفرد، ويزول أثرها إذا استقصينا تحقيق شروط حسن الحديث.\n\nرابعًا: الحديث الفرد الذي يرويه المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ، أوالمضعف في بعض شيوخه دون بعض، أو بعض حديثه دون بعض، وليس له عاضد يقوي به.\nوهذا يوجد في كلام كثير من أئمة الحديث.\nمثل ما رواه جعفر بن سلميان الضبعي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال:\n\" إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، ويقال له: يرحمكم الله، وإذا قيل له: يرحمكم الله، فليقل: يغفر الله لكم \" (١).\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \" عمل اليوم والليلة \" (رقم: ٢٢٤) وعنه: ابن السني في \" اليوم والليلة \" له (رقم: ٢٥٩). وأخرجه الهيثم الشاشي في \" مسنده \" (رقم: ٧٥١) والحاكم (٢/ ٢٦٦ رقم: ٧٦٩٤) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١٧/ ٣٣١) من طريق مُحمد بن عبد الله الرقاشي، عن جعفر، به.\nتابع جعفرًا عليه: أبيض بن أبان. أخرجه الطبراني في \" الكبير \" (١٠/ ٢٠٠ رقم: ١٠٣٢٦) و\" الأوسط \" (٦/ ٣٢٠ رقم: ٥٦٨١) و\" كتاب الدعاء \" (رقم: ١٩٨٣) والحاكم، والبيهقي في \" الشعب \" (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٧، ٩٣٤٨).\nوذكر الطبراني كذلك أن المغيرة بن مسلم رواهُ عن عطاء كما رواهُ أبيض.\nوقال الحاكم: \" هذا حديث لم يرفعه عن أبي عبد الرحمن عن عبْد الله بن مسعود غيرُ عطاء بن السائب، تفرد بروايته عنه جعفر بن سليمان الضُّبعي وأبيض بن أبان القُرشي، والصحيح فيه رواية الإمام الحافظ المتقن سُفيان بن سعيد الثوري عن عطاء بن السائب \" يعني موقوفًا من قوْل ابن مسعود.\nوكذلك قال البيهقي في الموقوف: \" وهو الصحيح \".\nوالرواية الموقوفة أخرجها البُخاري في \" الأدب المفرد \" (رقم: ٩٣٤) والحاكم (رقم: ٧٦٩٥) والبيهقي في \" الشعب \" (٧/ ٣٠ رقم: ٩٣٤٦) من طرق عن سفيان، به.\nوأخرجها ابن أبي شيبة (٨/ ٦٩٠) قال: حدثنا ابنُ فضيل، عن عطاء، بإسناد به موقوفًا كذلك.\n\nكذلك ذكر الدارقطني أن جرير بن عبد الحميد وعلي بن عاصم روياه عن عطاء موقوفًا أيْضًا، وقال: \" والموقوف أشهر \" (العلل ٥/ ٣٣٤) .......","vol":"2","page":1036},{"text":"قال النسائي: \" هذا حديث منكر، ولا أرى جعفر بن سليمان إلا سمعه من عطاء بن السائب بعد الاختلاط، ودخل عطاء بن السائب البصرة مرتين، فمن سمع منه أول مرة فحديثه صحيح، ومن سمع منه آخر مرة ففي حديثه شيء \".\nوهذه الصورة يمكن إدراجها تحت السادسة الآتية؛ من أجل أنها جاءت عن الراوي في حال الضعف، وإن كان ذلك الراوي قد يقبل في حال أخرى.\n\nخامسًا: الحديث الفرد المخالف الذي يرويه من سبق وصفه في الصورة الثانية، ويوصف الراوي بالضعف بحسب كثرة ذلك منه أو قلته، وربما كثر منه حتى يصير متروكًا، كما شرحته في (تفسير الجرح).\nوعلى هذه الصورة أكثر ما يقع إطلاق وصف (المنكر).\n\nسادسًا: الحديث الذي يتفرد به الضعيف بما لا يعرف من غير طريقه، ولا يحتمل منه.","vol":"2","page":1037},{"text":"وهذه الصورة مع التي قبلها ينبغي أن يجري عليهما الاصطلاح على ما تقدم اختياره.\n\nسابعًا: حديث المتروكين والكذابين.\nوتسميته بـ (المنكر) أولى من غيره، وهو غني عن التمثيل؛ لكثرة وقوعه في كلام علماء الحديث.\nوحديث هؤلاء كذلك يطلق عليه وصف: (الحديث الواهي)، وذلك لأجل شدة ضعف راويه، وسقوط الاعتبار به بمرة، يقولون في ذلك: (حديث واه)، و(إسناده واه).\n\nتنبيه:\nقد يوصف (الحديث المنكر) عندهم بـ (الحديث الباطل)، ويكثر مثله في كلام الإمام أبي حاتم الرازي، وربما أطلق هذا الوصف على أي من درجات النكارة المتقدمة، وفيما تقدم بعض مثاله.\nومن ذلك قول ابن عدي في (إبراهيم بن البراء الأنصاري): \" ضعيف جدًا، حدث عن شعبة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم من الثقات بالبواطيل \"، وساق بعض حديثه، ثم قال: \" أحاديثه التي ذكرتها وما لم أذكرها، كلها مناكير موضوعة، ومن اعتبر حديثه علم أنه ضعيف جدًا، وهو متروك الحديث \" (١).\nقلت: بل فيه تسوية بين (المنكر) و(الباطل) و(الموضوع)، ولا يخفى إمكان التناسب بينها، وإن تفاوتت عند التفريق بينها دلالاتها.\n\n* * *\n_________\n(١) الكامل (١/ ٤١١ - ٤١٢).","vol":"2","page":1038},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-438>المبحث العاشر:\n\nالحديث الموضوع</span>\n\nتعريفه:\nهو الحديث المختلق المكذوب على النبي ﷺ، ركب له إسناد أو جاء بغير إسناد.\nوهذا النوع يدرج في ألقاب الحديث الناتجة عن جرح الراوي، ويذكر في أنواع الحديث الضعيف، وإن كان الضعف فيه ليس حقيقيا؛ فإن الضعف لا يمنع الاحتمال المرجوح، بخلاف (الموضوع)، فإنه المقطوع بكذبه.\nوالكذب في الحديث من جهة التعمد وعدمه، يعود إلى سببين:\n\nالأول: التعمد والقصد.\n\nوهذا ظاهر، وعرفت به طائفة من الهلكى، لأغراض سيأتي التنبيه عليها.\nمثل: محمد بن سعيد الشامي المصلوب، وكان من أجرأ الناس على وضع الحديث، حتى جاء عنه أنه يسمع الكلام يستحسنه فيضع له إسنادًا (١).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه عنه.","vol":"2","page":1039},{"text":"مثل: أبي البختري وهب بن وهب القاضي، فقد كان يكذب يضع الحديث بلا حياء، اتفقت على ذلك عبارات جميع النقاد، وأمثلة ما وضعه أسانيد ومتونًا كثيرة في كتب المجروحين.\nومثل: جعفر بن الزبير، قال محمد بن جعفر غندر: رأيت شعبة (يعني ابن الحجاج) راكبًا على حمار، فقيل له: أين تريد يا أبا بسطام؟ قال: أذهب فأستعدي (١) على هذا (يعني جعفر بن الزبير)؛ وضع على رسول الله ﷺ أربع مئة حديث كذبًا \" (٢).\nومثل: محمد بن أحمد بن عيسى الوراق، قال ابن عدي: (يضع الحديث، ويلزق أحاديث قوم لم يرهم، يتفرد بها، على قوم يحدث عنهم ليس عندهم \"، قال: \" عندي عنه آلاف الحديث، ولو ذكرت مناكيره لطال به الكتاب \" (٣).\nوهذا الصنف نفوسهم مريضة عرية من الورع، رخيصة، يكذبون على رسول الله ﷺ بغاية من الوقاحة وسوء الأدب ورقة الدين.\nوفيهم طائفة ربما تذرعوا بجهل أنهم قصدوا نصر الدين، فقالوا: نكذب له ﷺ لا عليه، ونكذب لمصلحة لا لمفسدة، والكذب المحرم إنما هو في حق من كذب عليه يريد بذلك شينه وشين الإسلام، كما يتنزل على هذا حال نوح بن أبي مريم وشبهه.\nوهذا الصنف من الرواة هم المعنيون بالوعيد الشديد الوارد في الكذب على النبي ﷺ، كالحديث الصحيح المتواتر: \" من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" (٤).\n_________\n(١) أسْتنْصر عليه، كأنه يعني يَشكو أمره إلى السلطان ليَدفع سوءَه.\n(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل \" (١/ ١٨٢) وإسناده صحيح .......\n(٣) الكامل (٧/ ٥٥٩، ٥٦٢).\n(٤) جمع طرقه الحافظ الطبراني في \" جزء \"، وابن الجوزي في صدْر كتاب \" الموضوعات \".","vol":"2","page":1040},{"text":"والثاني: الغفلة والخطأ.\nكمن لا يفهم الحديث، فيحدث فيشبه له، أو يكون أتي من تغير حفظه واختلاطه، أو من قبوله التلقين، أو أن يدس في كتبه وهو لا يعلم.\nوهذا مما يصاب به كثير من الرواة ليسوا متهمين، لكن الحديث يكون موضوعًا.\nكقصة ثابت الزاهد (١)، وكمن جعل الأثر عن بني إسرائيل حديثًا، وهمًا منه، كحديث: \" الربا سبعون بابًا \"، والذي صوابه مما حدث به عبد الله بن سلام، وابن سلام كان من أحبار أهل الكتاب فأسلم (٢).\nوفي الرواة عدد ذكروا في الكذابين، وعلتهم من جهة الغفلة.\nمثل: عباد بن كثير الثقفي، فقد قال أبو طالب: سمعت أحمد بن حنبل يقول: \" عباد بن كثير أسوأهم حالًا \"، قلت: كان له هوى؟ قال: \" لا، ولكن روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان من أهل مكة، وكان رجلًا صالحًا \"، قلت: كيف كان يروي ما لم يسمع؟ قال: \" البلاء والغفلة \" (٣).\nومثل: عطاء بن عجلان العطار، قال يحيى بن معين: \" لم يكن بشيء، وكان يوضع له الحديث: حديث الأعمش، عن أبي معاوية الضريرة غيره، فيحدث بها \" (٤).\nوبسبب الغفلة ربما وضع للراوي الحديث، فحدث به على أنه من حديثه وهو لا يعلم، مثل (محمد بن ميمون الخياط المكي)، قال أبو حاتم الرازي: \" كان أميا مغفلًا، ذكر لي أنه روى عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثًا باطلًا، وما أبعد أن يكون وضع للشيخ؛ فإنه كان أميا \" (٥).\n_________\n(١) وذكرتها في (الحديث المدرَج).\n(٢) شرحت علل هذا الحديث في كتابي \" علل الحديث \".\n(٣) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (٥/ ٥٣٨) وإسناده جيد .......\n(٤) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٥٢٧٠).\n(٥) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٨٢). قلت: علل بالأمية وأراد الجهْل؛ لأنه المعنى المناسب للغفلة.","vol":"2","page":1041},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-441>بداية ظهور الكذب في الحديث:</span>\nعن طاوس بن كيسان، قال: \" جاء هذا إلى ابن عباس (يعني بشير بن كعب) فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، ثم حدثه، فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: ما أدري، أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا؟ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال له ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه \" (١).\nوعن محمود بن لبيد، قال أمرني يحيى بن الحكم على جرش، فقدمتها، فحدثوني أن عبد الله بن جعفر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: \" اتقوا صاحب هذا الداء - يعني الجذام - كما يتقى السبع، إذا هبط واديًا فاهبطوا غيره \"، فقلت: والله، لئن كان ابن جعفر حدثكم هذا ما كذبكم، قال: فلما عزلني عن جرش قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن جعفر فقلت له: يا أبا جعفر، ما حديث حدثه عنك أهل جرش؟ ثم حدثته الحديث فقال: كذبوا، والله ما حدثتهم (٢).\nقلت: هذا يدل على أن الكذب بدأ ظهوره في عصر التابعين، ثم صار يزيد مع الإقبال على الحديث والإسناد والاشتغال بذلك.\n_________\n(١) أثرٌ حسن. أخرجه الدارمي (رقم: ٤٣٢) ومُسلم في \" مقدمته \" (ص: ١٢ - ١٣) وعبد الله بن أحمد في \" العلل \" (النص: ٤٠٦٩) وابن عدي (١/ ١٢٠) وابنُ حبان في \" المجروحين \" (١/ ٣٨) والحاكم في \" المستدرك \" (١/ ١١٢ - ١١٣ رقم: ٣٨٤) و\" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٥٢) وأبو نعيم في \" المستخرج على مسلم \" (رقم: ٧٢) وابنُ عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٤٣) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوُس، به.\nقلت: إسناده حسنٌ، ابن جحير صدوق فيه ضعْفٌ، وقد خرَّج له الشيخان حديثًا اتفقا عليه هوَ مروي عندهما أيضًا من غير طريقه، وتفرَّد عنه مسلم بحديث أيضًا لم ينفرد به كذلك. ولخبره هذا عن طاوس أصْل من رواية ابن طاوُس عن أبيه، ومن رواية مُجاهد أيضًا عن ابن عباس، بمعناه.\n(٢) أخرجه ابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٥٢ - ٥٣) وإسناده حسنٌ، وبعد هذا ساق ابنُ جعفر قصة عن عمر .......","vol":"2","page":1042},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-442>أسباب تعمد وضع الحديث:</span>\nالحامل للكذابين على وضع الحديث على النبي ﷺ، يرجع إلى أسباب عدة، تعود جملتها إلى ما يلي:\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>السبب الأول: الطعن على الإسلام، والتشكيك فيه</span>.\nقال حماد بن زيد: \" وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ اثني عشر ألف حديث \" (١).\nوهذا سبب ظن بعض الطاعنين على السنة أن أئمة الحديث غفلوا عنه.\nوواقع الأمر أن حقيقة هؤلاء كانت مشهورة، وأباطيلهم كانت مكشوفة، ومن عرف مبلغ التثبت الذي أصلت عليه قوانين النقد في الحديث، والتي لا تمرر يسير الوهم من الثقة الحافظ؛ علم أن أمثال هؤلاء المغرضين لم يكونوا ليقدروا على إفساد سنة النبي ﷺ على الأمة دون أن يقيض الله لهم من أنصار دينه من يظهر حقيقة أمرهم.\nكما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: \" يعيش لها الجهابذة \" (٢).\nمن هؤلاء المفضوحين: محمد بن سعيد المصلوب، ومغيرة بن سعيد البجلي، وبيان بن سمعان، وعبد الكريم بن أبي العوجاء.\nومن مثاله في الحديث: ما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن\n_________\n(١) أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (١/ ١٤) والخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٦٠٤) وابن الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ٦) وإسناده صحيح لكن عند ابن الجوزي: (أربعة عشر ألف حديث).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في \" التقدمة \" (ص: ٣) و\" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ١٨) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٨٠) - وابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٩٢) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٦٠) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":1043},{"text":"حميد، عن أنس، أن النبي ﷺ قال: \" أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله \" (١).\nفهذا من كذب هذا المصلوب الذي فضحه الله به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>السبب الثاني: نصرة الأهواء:</span>\nومن سلك هذا أصناف بحسب الأهواء:\n١ - فمنهم من يضع للسلاطين تزلفًا لهم، في فضائلهم أو مثالب خصومهم، كالذي وضع في بني أمية وبني العباس.\nومنه التقرب إلى السلطان بوضع الحديث في فضل ما يحب.\nقال داود بن رشيد: دخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يعجبه الحمام الطيارة التي تجيء من البعد، فروى حديثًا: أن رسول الله ﷺ قال: \" لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح \" قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام وخرج قال: \" أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله ﷺ، والله ما قال رسول الله ﷺ: جناح، ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا، يا غلام، اذبح الحمام \"، قال: فذبح الحمام في الحال (٢).\n٢ - ومنهم من يضع نصرة للمذهب العقدي، كالأحاديث التي وضعت لنصرة عقائد أهل الإثبات في أبواب الصفات، كبعض المنتسبين إلى طريقة الإمام أحمد، وأكثر منهم مقابلوهم كالمنتصرين لمذهب جهم، والأحاديث التي وضعها سني لنصرة مذهبه في الصحابة، فقابله شيعي فوضع في فضائل أهل البيت وفي مثالب الصحابة.\n_________\n(١) ذكره الحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٥١ - ٥٢). وأخرجه الجُورْقاني في \" الأباطيل \" (رقم: ١١٦). والحكم بوضْعه مما لا يختلف فيه .......\n(٢) قصة صحيحة. أخرجها الحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص: ٥٥) والخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٣٢٤) وإسنادها لا بأس به. ولها إسنادٌ آخر عند الحاكم، وثالثٌ عند الخطيب.","vol":"2","page":1044},{"text":"ومن أمثلة هؤلاء:\nعمرو بن عبد الغفار الفقيمي، قال ابن عدي: \" كان السلف يتهمونه بأنه يضع الحديث في فضائل أهل البيت، وفي مثالب غيرهم \" (١).\nومحمد بن شجاع ابن الثلجي، قال ابن عدي: \" كان يضع أحاديث في التشبيه ينسبه إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به \"، فذكر منها حديثًا، ثم قال: \" مع أحاديث كثيرة وضعها من هذا النحو، فلا يجب أن يشتغل به؛ لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصب على أنه وضع أحاديث يثلب أهل الأثر بذلك \" (٢).\nومن أكثر ما يوجد من هذا ما شحنت به كتب الأصول والفروع العتيقة عند الشيعة، فإن فيها الكثير من الأحاديث والأخبار مما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وغيره من سادة أهل البيت، بأسانيد واهية.\nقال عبد الرحمن بن أبي ليلي: \" صحبت عليا، ﵁، في الحضر والسفر، وأكثر ما يحدثون عنه باطل\" (٣).\nوكان عامر الشعبي يقول: \" ما كذب على أحد من هذه الأمة ما كذب على علي بن أبي طالب \" (٤).\n٣ - ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم.\n_________\n(١) الكامل (٦/ ٢٥٣).\n(٢) الكامل (٧/ ٥٥١).\n(٣) أخرجه الجوزجاني في \" أحوال الرجال \" (ص: ٤٠) والبيهقي في \" المدخل \" (رقم: ٨٤) واللفظ له، وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه البغوي في \" الجعديات \" (رقم: ٢٥٥٦) وإسناده جيد .......","vol":"2","page":1045},{"text":"٤ - ومنهم من يضع انتصارًا للأوطان، كمن وضع في فضائل بلد، ومثالب آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>السبب الثالث: الترغيب في الأعمال الصالحة</span>.\nوهذا يوجد في طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، يرغب في طاعة أو ينفر من معصية.\nويكثر مثل هذا عند الوعاظ.\nقال أبو عمار الحسين بن حريث المروزي (وكان ثقة): قيل لأبي عصمة (يعني نوح بن أبي مريم): من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: \" إني قد رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة \" (١).\nوممن كان يفعل ذلك من أولئك الكذابين: ميسرة بن عبد ربه، وأحمد بن محمد بن غالب الباهلي المعروف بغلام خليل (٢).\nقال أبو زرعة الراوي وسئل عن ميسرة بن عبد ربه: \" كان يضع الحديث وضعًا، قد وضع في فضائل قزوين نحوًا من أربعين حديثًا، كان يقول: إني أحتسب في ذلك \" (٣).\nومن هذا ما ذهب إليه بعض أهل الضلالة من جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب، والثواب والعقاب؛ لأنه ليس كذبًا عليه ﷺ، إنما هو كذب لمصلحة الإسلام (٤)، زعموا!\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \" المدخل إلى الإكليل \" (ص: ٥٤) ومن طريقه: ابنُ الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ١٦) وإسناده صحيح.\n(٢) انظر قصته في \" الكامل \" لابن عدي (١/ ٣٢٢).\n(٣) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢٥٤)، قلت: فكأنه وضعها للترغيب في الرباط هناك.\n(٤) وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (١/ ١٣٤ - ١٣٩).","vol":"2","page":1046},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>السبب الرابع: الرغبة في استمالة السامعين</span>، وصرف وجوه الناس إليه.\nكشأن أحاديث القصاص.\nقال ابن الجوزي في تعليل صنيع هؤلاء: \" يريدون أحاديث تنفق وترقق، والصحاح يقل فيها هذا، ثم إن الحفظ يشق عليهم، ويتفق عدم الدين، ومن يحضرهم جهال \" (١).\nومن مثال هذا صنيع (محمد بن أبان ابن عائشة القصراني)، قال أبو زرعة الرازي: \" أول ما قدم الري قال للناس: أي شيء يشتهي أهل الري من الحديث؟ فقيل له: أحاديث في الإرجاء، فافتعل لهم جزءًا في الإرجاء \" (٢).\nقلت: فهذا لم يفعل ذلك ينتصر به إلى مذهب، إنما قصد به استمالة وجوه العامة إليه.\nكذلك الإغراب بالروايات؛ لما يحصل به من الإعجاب.\nوذكر ابن عدي (جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء) وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرمًا بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع (٣).\nومن هذا: العمد إلى وضع أسانيد لأحاديث صحيحة مشهورة مروية بغير تلك الأسانيد، كما كان يصنع إبراهيم بن اليسع، وحماد بن عمرو النصيبي، وغيرهما من المذكورين بالكذب.\n_________\n(١) الموضوعات (١/ ٢٩) .......\n(٢) الجرح والتعديل (٣/ ٢ / ٢٠٠).\n(٣) انظر ترجمته في \" الكامل \" (٢/ ٤٠٠ - ٤٠٥).","vol":"2","page":1047},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-447>مصادر المتون الموضوعة:</span>\nمتون الأحاديث الموضوعة ترجع إلى واحد من مصادر ثلاثة:\nالأول: من ذات واضعه، وذلك بأن يصنعه بألفاظ نفسه.\nوالثاني: أن يكون مأثورا عن صحابي أو تابعي قولهما، أو قولا من الحكمة أو أمثال الناس السارية، إلى النبي ﷺ.\nوالثالث: أن يكون من الأخبار المستوردة من بني إسرائيل، والتي تسمى (الإسرائيليات)، فتضاف إلى النبي ﷺ.\nوأما الأسانيد لتلك المتون، فإن من وضع المتن فلا يعجزه أن يركب له الإسناد، وقد يكون إسنادًا لا يعرف إلا لذلك الخير، يكون الواضع قد صنعه كما صنع المتن، وهذا قليل (١)، وقد يكون إسنادًا معروفًا نظيفًا، ركب عليه الواضع ذلك المتن، وهذا هو الأكثر، ويفعلون لما يقع من الإغراء به لنظافة الإسناد في الظاهر.\nفإن كان الواضع صير ما ليس عن النبي ﷺ عنه كالآثار والإسرائيليات، فتلك ربما مروية بإسناد، فيزيد فيه الواضع النسبة للنبي ﷺ، أو يصله إليه بزيادة ما يقتضيه الوصل، وربما وضع لتلك الآثار الإسناد أيضًا وركبها عليه.\nومن تلك المتون ما لا سند له، وشاع بين الناس منسوبًا إلى النبي ﷺ\n_________\n(١) مثل ما قاله ابنُ عدي في (الحسن بن علي بن صالح العدوي): \" يضع الحديث، ويسرق الحديث، ويُلزقه على قوم آخرين، ويُحدث عن قوم لا يُعرفون، وهو متهم فيهم، فإن الله لم يخلقهم \"، قلت: ومن أمثلة هؤلاء ممن ذكر ابنُ عدي رجلٌ يُقال له: (خِراشُ بن عبد الله) اصْطنعه العَدوي هذا وزَعم أنه خادِم أنس بن مالك، وبعد أن ساق ابن عدي له أحاديث عنه قال: \" وهذه الأحاديث أربعة عشر حديثًا، وخِراش هذا لا يُعرف، ولم أسْمع أحدًا يذْكر خراشًا غير العدوي \" (الكامل ٣/ ١٩٥، ٢٠٤ - ٢٠٥) .......","vol":"2","page":1048},{"text":"وهذا أظهر في الوضع مما صيغت له الأسانيد؛ لأن الخبر عن النبي ﷺ لا يقبل بدون الإسناد.\n\nوالكذب في الحديث يعلم بطرق، تعود جملتها إلى ما يلي:\nالأولى: أن يقر واضعه بأنه وضعه.\nووقع من بعض من عرفوا بالكذب اعترافهم بذلك، كنوح بن أبي مريم، وعبد الكريم بن أبي العوجاء، وزياد بن ميمون، وغيرهم.\nقال أبو داود الطيالسي: \" أتينا زياد بن ميمون، فسمعته يقول: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث \" (١).\nقلت: لكن كشف الحديث الموضوع المعين بهذا الطريق فيما في أيدي الناس من الحديث المروي لا يكاد يوجد، إنما كان طريقًا تكشف به حال أولئك المخذولين.\nالثانية: أن يكون ظاهرًا منه بحيث كأنه ينزل منزل إقراره بوضعه.\nوذلك كما قال يحيى بن معين في (أبي داود النخعي): \" رجل سوء كذاب، يضع الأحاديث، انصرفنا من عند هشيم في أبواب من الطلاق، فقال: ليس منها شيء إلا وعندي بإسناد، كان يدخل فيضع الحديث ثم يخرج \"، قال يحيى \" سمعت أبا داود يقول: حدثني خصيف وخصاف ومخصف، كذب كله \" (٢).\nقلت: كأن ابن معين يقول: كان الكذب ظاهرًا في وجهه.\nوانكشف لكثير من النقاد حال طائفة من هؤلاء الكذابين، فقضوا بأنهم وضعوا الحديث المعين أو الأحاديث، مثل قطعهم بوضع ميسرة بن عبد ربه\n_________\n(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \" العلل \" لأبيه (النص: ٢٩٩٧) بإسناد صحيح.\n(٢) من كلام أبي زكريا يحيى بن مَعين (النص: ٢١٨) .......","vol":"2","page":1049},{"text":"كتابًا في أحاديث في فضل العقل، سرقه منه داود بن المحبر وغيره، وحكمهم على نسخ مجموعة من قبل بعض الكذابين بكونها موضوعة، كنسخة أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط، وغيره.\nالثالثة: أن يظهر من حال الراوي عند تحديثه به ما يدل على أنه وضعه.\nكالذي وقع من غياث بن إبراهيم حين دخل على الخليفة المهدي في زيادته في حديث: \" لا سبق إلا في خف \" ذكر الجناح، حين علم أن المهدي يحب الحماح، فأراد التزلف له، فكشف المهدي حقيقة أمره من ساعته (١).\nوهذا طريق كان معتبرًا في كشف روايات الكذابين لمن كان يقظًا عند مباشرة السماع منهم.\nالرابعة: أن يستدل بما عرف عن الراوي من أنه كان يكذب، بكون حديثه موضوعًا، وذلك حين تثبت نكارته، ولا يعرف له ما يدل على أن له أصلًا من غير طريقه.\nوهذا طريق يستعمله عامة النقاد في الحكم على كثير من الأحاديث الموضوعة، وهو الطريق الواجب اعتباره فيما لم تقم قرينة أخرى على اعتباره كذبًا؛ وذلك لإمكان إجرائه في الواقع.\nوبيانه: أنك تجد الحديث يرويه رجل من المعروفين بالكذب بإسناد له، لا يوجد له أصل من وجه آخر بحيث لا تبرأ عهدة ذلك الكذاب منه، فتقول: هذا حديث موضوع، آفته من جهة هذا الكذاب.\nمثل: ما رواه أحمد بن محمد بن علي بن الحسن بن شقيق\n_________\n(١) وتقدم في هذا المبحث سِياق قصته.","vol":"2","page":1050},{"text":"المروزي، قال: حدثنا الحسين بن عيسى، قال: أنبانا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول:\n\" من سقى مسلمًا شربة من ماء في موضع يوجد فيه الماء فكأنما أعتق رقبة، فإن سقاه في موضع لا يوجد فيه الماء فكأنما أحيا نسمة مؤمنة \".\nقال ابن عدي: \" هذا الحديث كذب موضوع على رسول الله ﷺ \".\nوحكم على (أحمد بن علي) رواية بقوله: \" يضع الحديث عن الثقات \" (١).\nوهكذا ترى أحكامه وأحكام ابن حبان وابن الجوزي وغيرهم على الأحاديث الكثيرة بالوضع، فإنما هو لكونها لم تعرف إلا من طريق من هو مذكور بالكذب، وربما يكون كذب ذلك الراوي لهم قد انكشف بالمجيء بمثل تلك الأحاديث، فصح لهم أن يستدلوا على كذبه بها، وعلى كذبها به.\nالخامسة: أن يكون الحديث شبيهًا بحديث الكذابين، وإن كان لا يتهم بوضعه معين في إسناده، بل ربما كان من رواية مجهول، أو مما أدخل على بعض الرواة الضعفاء، أو دلس اسم الكذاب الذي تلصق به التهمة.\nوقد ذكرت في (تفسير الجرح) من نماذج الرواة من لزمه الجرح بسبب إدخال الموضوعات عليه وهو لا يعلم، ومن أجله رد من المدلس المعروف بالتدليس عن المجروحين ما لم يبين فيه السماع لو كان ثقة.\nومن مثال هذه الصورة ما ذكره عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثت أبي بحديث حدثنا خالد بن إبراهيم أبو محمد المؤذن، قال: حدثنا\n_________\n(١) الكامل (١/ ٣٣٨) .......","vol":"2","page":1051},{"text":"سلام بن رزين قاضي أنطاكية، قال: حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود، قال:\nبينما أنا والنبي ﷺ في بعض طرقات المدينة، إذا أنا برجل قد صرع، فدنوت فقرأت في أذنيه، فاستوى جالسًا، فقال النبي ﷺ: \" ماذا قرأت في أذنه يا ابن أم عبد؟ \"، قلت: فداك أبي وأني، قرأت: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فقال لي النبي ﷺ: \" والذي بعثني بالحق، لو قرأها موقن على جبل لزال \"؟ أحمد من جهة\nقال أحمد بن حنبل: \" هذا الحديث موضوع، هذا حديث الكذابين، منكر الإسناد \" (١).\nقلت: هو حديث لم يتعين واضعه، أو واضع إسناده، وجائز أن تكون حجة أحمد من جهة أن الأعمش معروف الحديث، وليس هذا عند أحد من أصحابه، فكيف صار مثله إلى رجل مجهول كسلام هذا، وجائز أن تكون الحجة أن الحديث معروف من حديث عبد الله بن لهيعة، رواه عن عبد الله بن هبيرة، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن مسعود (٢).\nولم يأت من ابن لهيعة ذكره السماع في روايته، ومعروف أنه وقعت في روايته المنكرات، تارة من جهة حفظه، وتارة من مظنة التدليس.\nومن أثبت الروايات عنه رواية عبد الله بن وهب، وقد رواه عنه بإسناده إلى حنش، مرسلًا (٣).\n_________\n(١) العلل (النص: ٥٩٧٩) وعنه: العقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ١٦٣) وابن الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ٤٩٨).\n(٢) أخرجه أبو يعلى (رقم: ٥٠٤٥) وابن السني في \" اليوم والليلة \" (رقم: ٦٣١) والحكيم: الترمذي في \" نوادر الأصول \" (رقم: ٨٤٧ - تنقيح) والطبراني في \" الدعاء \" (رقم: ١٠٨١) وأبو نُعيم في \" الحلية \" (١/ ٣٨ رقم: ١١) من طريقين عن ابن لهيعة به .......\n(٣) كذلك أخرجه ابنُ أبي حاتم في \" تفسيره \" (٨/ ٢٥١٣)، وأيضًا هوَ مرسلٌ عند الخطيب في \" تاريخه \" (١٢/ ٣١٢) من طريق عفيف بن سالم الموصلي عن ابن لهيعة.","vol":"2","page":1052},{"text":"السادسة: أن يدل جمع الطرق وتتبع الروايات على عورة الكذاب فيه.\nوهذا طريق كشف عن حال كثير من الموصوفين بالكذب، وخصوصًا أولئك الذين عرفوا بالكذب في الأسانيد، كتوصيل منقطع يضع له أحدهم الإسناد يوصله به أو وضع إسناد مختلف لحديث صحيح معروف مروي بإسناد آخر صحيح.\nومثل هذا لا يقدح في متن الحديث، ولا يحكم بسببه بكونه موضوعًا، وإنما الموضوع هو الإسناد.\nوذلك كحال (خالد بن القاسم أبي الهيثم المدائني)، قال يحيى بن معين: \" كان يزيد في الأحاديث الرجال، يوصلها لتصير مسندة \"، ويفسر ذلك أبو زرعة الرازي فيقول: \" هو كذاب، كان يحدث الكتب عن الليث عن الزهري، فكل ما كان: الزهري عن أبي هريرة، جعله: عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وكل ما كان: الزهري عن عائشة، جعله: عن عروة عن عائشة، متصلًا \" (١).\nوترى الحكم بالوضع بهذا الطريق وقع من طائفة من متقدمي الحفاظ، كأبي حاتم الرازي في \" علل الحديث \".\nالسابعة: أن يعرف بالتاريخ، كأن يوجد من الراوي ذكر السماع من قوم لم يدركهم، فيكون قرينة على كون ما حدث به عنهم كذبًا، وهو معدود فيمن يسرق الحديث.\nولا يلزم منه أن يكون المتن أو حتى سائر الإسناد موضوعًا، إنما قد يكون الكل موضوعًا، وقد يكون حكم الوضع مقصورًا على رواية ذلك الكذاب عن ذلك الشيخ الذي لم يلقه، فتكون روايته تلك من طريقه ساقطة لا اعتداد بها؛ لأجله.\n_________\n(١) الجرح والتعديل (١/ ٢ / ٣٤٧، ٣٤٨).","vol":"2","page":1053},{"text":"والتاريخ من أبرز طرق كشف الكذب والكذابين في الحديث: يحدث الراوي عمن مات قبله، أو كان يوم مات الشيخ في سن لا يحتمل السماع منه.\nقال حفص بن غياث: \" إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين \" يعني: احسبوا سنه وسن من كتب عنه (١).\nوقال أبو نعيم الفضل بن دكين وذكر المعلى بن عرفان: \" قال: حدثنا أبو وائل قال: خرج علينا ابن مسعود بصفين \" فقال أبو نعيم: \" أتراه بعث بعد الموت؟ \" (٢).\nقال البخاري: \" وهذا لا أصل له؛ لأن عبد الله مات قبل عثمان، ﵁، وقبل صفين بسنين \" (٣).\nوقال إسماعيل بن عياش: \" كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث، فقالوا: هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان، قال: فأتيته، فقلت: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ قال: سنة ثلاث عشرة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع \"، قال إسماعيل: \" مات خالد سنة ست ومئة \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٣) ومن طريقه: ابن عساكر في \" تاريخه \" (١/ ٥٤) وإسناده لا بأس به.\n\nوروُي في هذا المعنى عن سفيان الثوري قال: \" لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ \" أخرجه ابنُ عدي في \" الكامل \" (١/ ١٦٩ - ١٧٠) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٩٣) وابنُ عساكر (١/ ٥٤) وفي إسناده من لم أقف عليه .......\n(٢) أخرجه مسلم في \" مقدمته \" (ص: ٢٦) وعنه: ابنُ أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٤/ ١ / ٣٣٠) وإسناده صحيح إلى أبي نعيم.\n(٣) التايخ الأوسط (٢/ ٧٨).\n(٤) أخرجه ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ٧١) والحاكم في \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص: ٦٠ - ٦١) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٤٥) وإسناده جيد.","vol":"2","page":1054},{"text":"وقال صالح بن محمد الأسدي المعروف بـ (جزرة) في (محمد بن مهاجر الطالقاني أخي حنيف): \" أكذب خلق الله، يحدث عن قوم ماتوا قبل أن يولد هو بثلاثين سنة، وأعرفه بالكذب منذ خمسين سنة \" (١).\nوقال ابن أبي حاتم الرازي في (محمد بن منده الأصبهاني): \" لم يكن عندي بصدوق، أخرج أولًا عن محمد بن بكير الحضرمي، فلما كتب عنه استحلى الحديث، ثم أخرج عن بكر بن بكار، والحسين بن حفص، ولم يكن سنه سن من يلحقها \" (٢).\nوقال ابن عدي في (أحمد بن محمد بن الصلت أبي العباس): \" رأيته في سنة سبع وتسعين ومئتين يحدث عن ثابت الزاهد وعبد الصمد بن النعمان وغيرهما من قدماء الشيوخ، قوم قد ماتوا قبل أن يولد بدهر، وما رأيت في الكذابين أقل حياء منه، وكان ينزل عند أصحاب الكتب يحمل من عندهم رزمًا، فيحدث بما فيها، وباسم من كتب الكتاب باسمه، فيحدث عن الرجل الذي اسمه في الكتاب، ولا يبالي ذلك الرجل متى مات، ولعله قد مات قبل أن يولد \" (٣).\nومثاله أيضًا: محمد بن عبدة بن حرب العباداني، أدركه ابن عدي وكتب عنه، وقال: \" قوله: كتبت عن بكر بن عيسى كذب عظيم، وذاك أنه كان يقول: ولد سنة ثماني عشرة، وبكر مات أربع ومئتين، فكيف يكتب عنه؟ \" (٤).\nوقال ابن حبان في (أبي العباس أحمد بن محمد بن الأزهر) وقد أدركه: \" قد روى عن محمد بن المصفى أكثر من خمس مئة حديث، فقلت\n_________\n(١) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (٣/ ٣٠٣) وإسناده صحيح.\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ١٠٧).\n(٣) الكامل (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(٤) الكامل (٧/ ٥٦٥) .......","vol":"2","page":1055},{"text":"له: يا أبا العباس، أين رأيت محمد بن المصفى؟ فقال: بمكة، فقلت: في أي سنة؟ قال: سنة ست وأربعين ومئتين، قلت: وسمعت هذه الأحاديث منه في تلك السنة بمكة؟ قال: نعم، فقلت: يا أبا العباس، سمعت محمد بن عبيد الله بن الفضيل الكلاعي عابد الشام بحمص يقول: عادلت محمد بن المصفى من حمص إلى مكة سنة ست وأربعين، فاعتل بالجحفة علة صعبة، ودخلنا مكة، فطيف به راكبًا، وخرجنا في يومنا إلى منى، واشتدت به العلة، فاجتمع علي أصحاب الحديث، وقالوا: أتأذن لنا حتى ندخل عليه؟ قلت: هو لما به، فأذنت لهم، فدخلوا عليه، وهو لما به لا يعقل شيئًا، فقرأوا عليه حديث ابن جرير عن مالك في المغفر، وحديث محمد بن حرب عن عبيد الله بن عمر: ليس من البر الصيام في السفر، وخرجوا من عنده، ومات فدفناه. فبقي أبو العباس ينظر إلي \" (١).\nقلت: فرواية الواحد من هؤلاء شيئًا عمن لم يدركوه يدعون السماع منه، كذب، وإسناد ذلك الراوي عن ذلك الشيخ موضوع.\nالثامنة: أن يختبر الراوي بسؤاله عن المكان الذي سمع فيه من شيخ معين، أو عن صفة ذلك الشيخ، فيذكر ما يخالف الحقيقة، فيكون تحديثه بما حدث به عن ذلك الشيخ كذبًا.\nمثل: سهيل بن ذكوان، فقد ادعى أنه سمع من أم المؤمنين عائشة، فسئل: أين لقيت عائشة؟ قال: بواسط، وعائشة ما دخلت واسط (٢).\nكما قيل له: صف عائشة، فقال: كانت أدماء، أو: سوداء (٣)، وكذب في ذلك.\n_________\n(١) المجروحين من المحدثين (١/ ١٦٤).\n(٢) الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب (رقم: ١٥١).\n(٣) التاريخ الكبير، للبخاري (٢/ ٢ / ١٠٤)، العلل، لأحمد بن حنبل (النص: ٩٨٨)، تاريخ يحيى بن مَعين (النص: ٢٤٨٦) .......","vol":"2","page":1056},{"text":"التاسعة: أن يكون معلومًا أن زيدًا من الرواة غير معروف بالرواية عن فلان، فيروي رجل حديثًا يذكر فيه رواية لزيد عن فلان هذا، فيستدل به على تركيبه الأسانيد، وأن ذلك الإسناد موضوع مركب.\nمثل: (عبد الله بن حفص الوكيل) روى بإسناده عن سليمان التيمي عن حميد عن أنس حديثًا منكرًا، فقال ابن عدي: \" هذا موضوع المتن والإسناد، وذاك أن سليمان التيمي لا يحفظ له عن حميد شيء \" (١).\nوالوكيل هذا متهم بالكذب ووضع الحديث، ومثل هذه العلة دليل على أنه كان يركب الأسانيد.\nالعاشرة: أن يستدل بطراوة الخط في الكتاب العتيق أو بلون الحبر مثلًا على أن الراوي أضاف اسمه في طباق السماع، فادعى لنفسه السماع واتصال ما بينه وبين من روى عنه ذلك الحديث أو الكتاب، وإنما هو يكذب.\nوصنيع هذا وقع من طائفة من المتأخرين بعدما صارت الرواية إلى الكتب، ولذا يلزم تتبع ذلك من النقلة لكشف صحة السماع أو عدمه، قال الحاكم: \" يتأمل أصوله: أعتيقة هي أم جديدة، فقد نبغ في عصرنا هذا جماعة يشترون الكتب فيحدثون بها، وجماعة يكتبون سماعاتهم بخطوطهم في كتب عتيقة في الوقت فيحدثون بها \" (٢).\nقلت: ومن أمثلة من فضحه الله بتزوير السماع: محمد بن عبد الخالق اليوسفي (٣)، وأبو البقاء محمد بن محمد بن معمر بن طبرزد (٤).\n_________\n(١) الكامل (٥/ ٤٣٥).\n(٢) معرفة علوم الحديث (ص: ١٦).\n(٣) انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣) ولسان الميزان (٥/ ٢٤٦) وتكملة الإكمال لابن نُقطة (٤/ ٤٨٦).\n(٤) انظر ترجمته في: ميزان الاعتدال (٤/ ٣٠ - ٣١) ولسان الميزان (٥/ ٣٦٥) .......","vol":"2","page":1057},{"text":"ومنهم: محمد بن أيوب بن سويد الرملي، قال أبو زرعة الرازي: \" أتيناه، فأخرج إلينا كتب أبيه أبوابًا مصنفة بخط أيوب بن سويد، وقد بيض أبوه كل باب، وقد زيد في البياض أحاديث بغير الخط الأول، فنظرت فيها، فإذا الذي بخط الأول أحاديث صحاح، وإذا الزيادات أحاديث موضوعة ليست من حديث أيوب بن سويد، قلت: هذا الخط الأول خط من هو؟ فقال: خط أبي، فقلت: هذه الزيادات، خط من هو؟ قال: خطي، قلت: فهذه الأحاديث من أين جئت بها؟ قال: أخرجتها من كتب أبي، قلت: لا ضير، أخرج إلي كتب أبيك التي أخرجت هذه الأحاديث منها \"، قال أبو زرعة: \" فاصفار لونه وبقي (١)، وقال: الكتب ببيت المقدس، فقلت: لا ضير، أنا أكتري فيجاء بها إلي. . \" قال: \" فبقي ولم يكن له جواب، فقلت له: ويحك ! أما تتقي الله؟ ما وجدت لأبيك ما تفقه به سوى هذا؟ أبوك عند الناس مستور وتكذب عليه؟ أما تتقي الله؟ فلم أزل أكلمه بكلام من نحو هذا ولا يقدر لي على جواب \" (٢).\nواعلم أنه ليس كل من ادُّعي عليه أنه يفعل ذلك يكون مما يقدح فيه، فقد تكلم الحافظ ابن النجار، في شيخه (عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عبد الكريم السمعاني) فقال: \" كانت سماعاته التي بخط والده وخطوط المعروفين من المحدثين صحيحة، فأما ما كان بخطه فلا يعتمد عليه، فإنه كان يلحق اسمه في طباق لم يكن اسمه فيها إلحاقًا ظاهرًا، ويدعي سماع أشياء لم يوجد سماعه منها، وكان متسامحًا \" (٣).\nفاعتذر عنه ابن حجر، فقال: \" هذا الذي قاله ابن النجار فيه لا يقدح بعد ثبوت عدالته وصدقه، أما كونه كان يلحق اسمه في الطباق، فيجوز أنه\n_________\n(١) أي أفحِم وسكت.\n(٢) سؤالات البرذعي (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).\n(٣) المستفاد من ذيْل تاريخ بغداد، لابن النجار، انتقاء: الدمياطي (ص: ٢٨٩).","vol":"2","page":1058},{"text":"كان يحقق سماعه، وأما كونه ادعى سماع أشياء لم توجد، فهذا إنما يتم به القدح فيه لو وجد الأصل الذي ادعى أنه سمع فيه، ولم يوجد اسمه فيه، أما فقدان الأصول فلا ذنب للشيوخ فيه \" (١).\nالحادية عشرة: أن يكون في نفس المروي قرينة تدل على كونه كذبًا.\nكالأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، أو تخالف البراهين الصريحة ولا تقبل تأويلًا بحال.\nقال الشافعي: \" لا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أنه يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه \" (٢).\nوذكر ابن القيم (٣) لتمييز الحديث الموضوع بهذا الطريق علامات، إليكها ملخصة مقربة مع زيادة فائدة يقتضيها المقام:\n[١] اشتمال الحديث على المجازفات في ترتيب الجزاء المبالغ في وصفه على العمل اليسير.\nمثل: \" من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبيا \" (٤).\n[٢] مخالفة الواقع المحسوس.\nمثل: \" الباذنجان شفاء من كل داء \" (٥).\n_________\n(١) لِسان الميزان (٤/ ٧) .......\n(٢) الرسالة (الفقرة: ١٠٩٩).\n(٣) في كتابه: \" المنار المنيف في الصحيح والضعيف \".\n(٤) وانظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٩٩٢).\n(٥) وانظر: المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: ٢٧٩).","vol":"2","page":1059},{"text":"قلت: كالذي روى العلاء بن زيدل، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال \" العالم لا يخرف \".\nسئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث فقال: \" العلاء ضعيف الحديث، متروك الحديث، قد وجدنا من ينسب إلى العلم: المسعودي، والجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعطاء بن السائب، وغيرهم \" (١).\nقلت: يعني أنه كبروا فخرفوا.\n[٣] مناقضة السنن الإلهية في التشريع والتكليف.\nمثل ما يروى في حرمة النار على من اسمه (محمد) أو (أحمد) (٢).\n[٤] أن يشمل على تحديد تاريخ مستقبل، تقع فيه حوادث، فيقال: \" إذا كانت سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت \" (٣).\nومن هذا ما يذكر في عمر الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة (٤).\nوالمبين لكذب هذا النوع من الأخبار: خلو أخبار الوحي المعروفة من ذلك بالاستقراء، مع ظهور كذب تلك الأخبار في الواقع المشاهد.\n[٥] أن تقوم الشواهد الصحيحة، والعلم القاطع، للدلالة على بطلانه.\nمثل: \" إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة، فتحركت الأرض، وهي الزلزلة \".\n[٦] أن يشمل على خلاف الصحيح الثابت.\nمثل حديث وضع الجزية على يهود خيبر، فهو باطل لأن فيه شهادة\n_________\n(١) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٨٢١).\n(٢) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٣٢٦).\n(٣) انظر من ذلك ما في \" الموضوعات \" لابن الجوزي (رقم: ١٦٨٨ - ١٦٩٨).\n(٤) انظر الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٧٩١) .......","vol":"2","page":1060},{"text":"سعد بن معاذ، ولم يكن حيا يومئذ، ولم يكن أسلم يومئذ والجزية لم تكن شرعت يومئذ، إلى قرائن أخرى.\n[٧] أن يكون سمج اللفظ، أو يكون كلامًا تقبح إضافة مثله إلى نبي.\nمثل: \" لا تسبوا الديك، فإنه صديقي، ولو يعلم بنو آدم ما في صورته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب \" (١).\nومثل: \" أربع لا تشيع من أربع: انثى من ذكر، وأرض من مطر، وعين من نظر، وأذن من خبر \" (٢).\nومن قبيح كذبهم: \" عليكم بالوجوه الملاح، والحدق السود، فإن الله يستحيي أن يعذب وجهًا مليحًا بالنار \" (٣).\n[٨] أن يشتمل على ما يوجب اتفاق الأمة في زمن على الضلالة.\nكادعاء أن يكون النبي ﷺ فعل أمرًا ظاهرًا بمحضر من جميع الصحابة، ثم اتفقوا على كتمانه، مثل الذي تدعيه الرافضة في شأن الوصي.\n[٩] أن يكون كلامًا هو ألصق بكلام الأطباء أو أصحاب المهن أو الحكماء، منه بكلام الأنبياء.\nمثل: \" كلوا التمر على الريق، فأنه يقتل الدود \" (٤).\nقلت: ومما يشكل على هذا الطريق: أن من الكذابين من كان يحاكي الكلمات النبوية، ويأتي بالعبارات البليغة، والحق من القول، مركبًا على الأسانيد التي ظاهرها السلامة، فيحسبه بعض الناس من كلام النبي ﷺ\n_________\n(١) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٣٤٧).\n(٢) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٤٦٢ - ٤٦٤).\n(٣) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ٣٣٣ - ٣٣٤).\n(٤) انظر: الموضوعات، لابن الجوزي (رقم: ١٣٩٢) .......","vol":"2","page":1061},{"text":"وهذا من أغمض ما يكون، إذ لا يتبينه إلا حاذق عارف، يقارن بين المتون والأسانيد فيقيس على المحفوظ المعروف.\nومثال ذلك من هؤلاء الكذابين (أبو جعفر عبد الله بن المسور الهاشمي)، فقد صح عن الثقة رقبة بن مصقلة العبدي قوله: \" كان يضع أحاديث، كلام حق، وليست من أحاديث النبي ﷺ، وكان يرويها عن النبي ﷺ \" (١).\nوثبت عن محمد بن سعيد الشامي المصلوب قوله: \" إني لأسمع الكلمة الحسنة، فلا أرى بأسًا أن أنشئ لها إسنادًا \" (٢).\nقلت: ووجود مثل هذا يبطل عبارة يدعيها بعض الناس في بعض أحاديث الضعفاء المتهمين والمجهولين: (هذه الكلمات حق، لا بد أن تكون خارجة من مشكاة النبوة)، كذلك يبطل قبول خبر المجهول الذي لا يعرف له على خبره متابع معتبر على ما روى؛ لجواز أن يكون على نفس صفة هذا الهالك، حتى يتبين أمره في الثقة والأمانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>مسائل في الموضوع:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>المسألة الأولى: مصطلح (حديث لا أصل له)</span>.\n\nكان يستعمل في عرف السلف في الحديث يروى بإسناد، لكنه خطأ أو باطل لا حقيقة له ولم يوجد أصلًا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \" مقدمته \" (١/ ٢٢) وأبو أحمد الحاكم في \" الكنى \" (٣/ ٤٦) والخطيب في \" تاريخه \" (١٠/ ١٧٢) بإسناد صحيح.\n(٢) أخرجه أبوزرعه الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٤٥٤) ومن طريقه: ابن حبان في \" المجروحين \" (٢/ ٢٤٨) وابن الجوزي في \" الموضوعات \" (رقم: ١٩) وابن عساكر في \" تاريخه \" (٥٣/ ٧٧)، وبنحوه أخرجه يعقوب بن سفيان في \" المعرفه والتاريخ \" (١/ ٧٠٠) وابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (٣/ ١ / ٢٦٣) والبرذعي في \" أسئلته لأبي زرعه \" (٢/ ٧٢٦) وابن عدي (٧/ ٣١٧) وابن عساكر، وإسناده جيد .......","vol":"2","page":1062},{"text":"وإذا حكموا بذلك على الحديث أرادوا: لا أصل له عن النبي ﷺ، وإذا حكموا على الإسناد أرادوا: لا أصل له عمن أضيف إليه في ذلك الطريق ممن لم يعرف من حديثه من الثقات، وجائز أن يكون له أصل محفوظ عن النبي ﷺ من غير ذلك الوجه.\nوالعبارة تساوي: ما هو كذب في نفسه متنًا أو سندًا، أو في كليهما، ولذلك كثيرًا ما تقترن بلفظ (موضوع) أو (كذب).\nوكثيرًا ما يستعمل هذه العبارة أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان والعقيلي وابن عدي وابن حبان، وغيرهم من السالفين في الخبر له إسناد، لكنه باطل أو كذب.\nومن أمثلته:\nمثال ما ليس له أصل بإسناد معين، ومتنه محفوظ عن النبي ﷺ من وجه آخر:\nسئل أبو حاتم الرازي عن حديث رواه نوح بن حبيب، عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ: \" إنما الأعمال بالنيات \" (١)؟\nفقال أبو حاتم: \" هذا حديث باطل، لا أصل له، إنما هو: مالك،\n_________\n(١) أخرجه من هذا الوجه: أبو نعيم في \" الحلية \" (٦/ ٣٧٤ رقم: ٨٩٨٤) والخليلي في \" الإرشاد \" (١/ ٢٣٣) والقضاعي في \" مسند الشهاب \" (رقم \" ١١٧٣) من طرق عن نوح به.\nكما أخرجه الدارقطني في \" غرائب مالك \" (كما في \" تخريج أحاديث المختصر \" لابن حجر ٢/ ٢٧٤) وابن حجر نفسه في الكتاب المذكور، من طريق إبراهيم بن محمد العتيق، عن ابن أبي رواد، به، كما ذكر ابن حجر (٢/ ٢٤٨) تخريج الحاكم له في \" تاريخ نيسابور \" من وجه ثالث عن ابن أبي رواد.","vol":"2","page":1063},{"text":"عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص، عن عمر، عن النبي ﷺ (١) \" (٢).\nومثال ما روي بإسناد، ولا أصل له عن النبي ﷺ من وجه:\nما رواه العلاء بن عمرو الحنفي، قال: حدثنا يحيى بن بريد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \" أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي \" (٣).\nفهذا قال فيه العقيلي: \" منكر، لا أصل له \" (٤).\nوسبقه أبو حاتم الرازي فقال: \" هذا حديث كذب \" (٥).\nوالمتأخرون استعملوا العبارة أيضًا فيما يضاف إلى النبي ﷺ من المتون\n_________\n(١) كذلك هو مخرج في \" الصحيحين \" من طريق مالك: أخرجه البخاري (رقم: ٥٤، ٤٧٨٣) ومسلم (رقم: ١٩٠٧)، وهو في \" الموطأ \" من رواية محمد بن الحسن (رقم: ٩٨٣).\nورواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري خلق كثير، مخرجة رواياتهم في أكثر الأصول.\n(٢) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٣٦٢).\nوقال الخليلي في \" الإرشاد \" (١/ ١٦٧): \" عبد المجيد صالح، محدث ابن محدث .. لكنه يخطئ، ولم يخرج في الصحيح، وقد أخطأ في الحديث الذي يرويه مالك والخلق عن يحيى بن سعيد الأنصاري \" فذكره بإسناده المعروف إلى عمر بن الخطاب، ثم قال: \" وهذا أصل من أصول الدين، ومداره على يحيى بن سعيد، فقال عبد المجيد وأخطأ فيه: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم .. \" فذكر هذا الإسناد، وقال: \" غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه، فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة \".\n(٣) أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (٣/ ٣٤٨) والطبراني في \" الكبير \" (١١/ ١٨٥ رقم: ١١٤٤١) و\" الأوسط \" (٦/ ٢٧١ رقم: ٥٥٧٩) وابن الأنباري في \" الوقف والابتداء \" (رقم: ١٩) والحاكم في \" المستدرك \" (٤/ ٨٧ رقم: ٦٩٩٩) و\" معرفة علوم الحديث \" (ص: ١٦١ - ١٦٢) والبيهقي في \" الشعب \" (٢/ ١٥٩، ٢٣٠ رقم: ١٤٣٣، ١٦١٠) وأبو زكريا ابن مندة في \" ذكر أبي القاسم الطبراني \" (ص: ٣٥٧ - ٣٥٩) من طريق العلاء المذكور، به.\n(٤) الضعفاء (٣/ ٣٤٩).\n(٥) علل الحديث، لابن أبي حاتم (رقم: ٢٦٤١).","vol":"2","page":1064},{"text":"الموضوعة، ولا تروى عنه بإسناد، ولا ريب أنه استعمال صحيح أيضًا ليس بخارج عما استعمله فيه السلف، بل إطلاقه على هذه الصورة أولى.\nوذلك كحكم ابن حجر العسقلاني وغيره على حديث: \" علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل \" بقوله: لا أصل له \" (١).\nويشبه هذه العبارة في المعنى قول الناقد في حديث ما: \" ليس له إسناد \"، فإنه حكم بكونه لا أصل له.\nومن ذلك ما حكاه أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: \" يروى عن النبي ﷺ قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وليس له إسناد \"، قال أبو داود: \" يعني حديث عبد الله بن جعفر المخرمي من ولد مسور بن مخرمة، عن عثمان الأخنسي، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، يريد بقوله: ليس له إسناد؛ لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة \" (٢).\n\nالمسألة الثانية: الحديث الذي لا أصل له يكثر في أبواب الفضائل، والترغيب والترهيب، والقصص، والتفسير، والفتن والملاحم، والسير والمغازي.\n\nقال أحمد بن حنبل: \" ثلاثة كتب ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير \" (٣).\nقال الخطيب: \" وهذا الكلام محمول على وجه، وهو أن المراد به كتب\n_________\n(١) المقاصد الحسنة، للسخاوي (رقم: ٧٠٢) .......\n(٢) مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود (ص: ٣٠٠ - ٣٠١).\n\nوالحديث أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) والترمذي (رقم: ٣٤٤) والطبراني في \" الأوسط \" (رقم: ٧٩٤ - ٩١٣٦) من طرق عن المخرمي، به. وقال الترمذي: \" حديث حسن صحيح \"، كذا قال، وقول أحمد في تعليله أرجح، وفصلت القول فيه في كتاب \" علل الحديث \".\n(٣) أخرجه ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢١٢) ومن طريقه: الخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٤٩٣) وإسناده صحيح.","vol":"2","page":1065},{"text":"مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير معتمد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مصنفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القصاص فيها \" (١).\nقال: \" أما كتب الملاحم فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المرتقبة والفتن المنتظرة غير أحاديث يسيرة اتصلت أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضية، وطرق واضحة جلية \" (٢).\nقلت: ومن تأمل الكتب العتيقة المدونة في هذه الأبواب وجد الوهاء سمة مؤلفيها، ككتب محمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الضبي في السير والمغازي، وتفيسر الكلبي ومقاتل بن سليمان.\nوإن كان المؤلف موصوفًا بالسلامة كمحمد بن إسحاق، كان تصنيفه كثير الغث قليل الصواب.\nنعم، ربما يسهل في قبول بعض ما جمعه هذا الصنف، مما استفادوه من كلام العرب ولغتها، لا الرواية.\nقال يحيى بن سعيد القطان: \" تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث \" ثم ذكر ليث بن أبي سليم، وجرير بن سعيد، والضحاك، ومحمد بن السائب يعنى الكلبي، وقال \" هؤلاء لا يحمد حديثهم، ويكتب التفيسر عنهم \" (٣).\nويبين البيهقي وجه هذا الترخص فيقول: \" وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم؛ لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط \" (٤).\n_________\n(١) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٦٢).\n(٢) الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٦٢ - ١٦٣) .......\n(٣) أخرجه البيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٣٥ - ٣٧) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٨٨) وإسناده صحيح.\n(٤) دلائل النبوة (١/ ٣٧).","vol":"2","page":1066},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-452>المسألة الثالثة: الكتب المؤلفة في تمييز الأحاديث الموضوعة</span>.\nاعلم أن الأحاديث الموضوعة في أزمان أولئك الكذابين كانت كثيرة، ولكن الله نفى أكثرها بأئمة الهدى الذين سخرهم للذب عن دينه، ففضح بهم أمر الكذابين، وكشفوا عن حقيقة أمرهم، وأبطلوا ما جاءوا به، ثم صنفت التصانيف الموثقة في حديث رسول الله ﷺ، فعمد أصحابها إلى انتقاء الحديث فيها، متقين ما انكشف وظهر بطلانه ووضعه، وأكثروا تخريج أحاديث الثقات، وانعدم تارة وندر أخرى فيما خرجوه أحاديث الكذابين، خصوصًا تلك الكتب الأمهات المحتوية على تفاصيل السنن، والتي لا يكاد يخرج عنها من الحديث الصحيح إلا ما ندر.\nفحين ترى مثلًا ما جاء عن الرجل الواحد من رءوس الكذب أنه وضع الآلاف من الحديث، فلا يغرنك هذا فتحسب له أثرًا في حفظ سنة النبي ﷺ.\nوذلك كقول الحاكم النيسابوري: \" مُحمد بن تميم الفاريابي، قد وضَعَ على رسول الله ﷺ أكثر من عشْرة آلافِ حديث، وهُو قريبٌ من الجوباري \" (١).\nقول ابن حبان في (محمد بن يونس الكديمي): \" يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث \" (٢).\nفهذا وشبهه جميعًا مما لم يبق له وجود من رواية هؤلاء وأمثالهم إلا الشيء اليسير المتميز الذي تسلم منه أمهات السنة بفضل الله ونعمته، فله الحمد.\nولعل من حكمة بقاء ذلك اليسير أن يستدل به على كذب هؤلاء وفضيحتهم، وقد اعتنى ببيانه علماء الأمة، ولا يزالون.\n_________\n(١) سؤالات مسعود السجزي (النص: ١٣٧).\n(٢) المجروحين (٢/ ٣١٣) .......","vol":"2","page":1067},{"text":"ومن أشهر المؤلفات فيه كتاب \" الموضوعات \" لأبي الفرج ابن الجوزي.\nوهو كتاب نافع، غير أنه انتقد في مواطن منه، وعيب عليه فيه أمران أساسيان:\nالأول: أنه أدخل فيه أحاديث لا تبلغ الوضع، بل الضعف، إنما هي من الحديث المقبول، وبعض ذلك في كتب \" السنن\" و\" مسند أحمد \"، بل فيه حديث هو في \" صحيح مسلم \" (١).\nوأكثر من اجتهد في تعقبه في ذلك: جلال الدين السيوطي في كتاب \" اللآلئ المصنوعة \"، وكان قبله قد تعقبه العراقي وابن حجر فيما أورده في \" الموضوعات \" من أحاديث \" المسند \".\nوالتحقيق: أن زعم أن يكون شيء مما أورده ابن الجوزي في \" الموضوعات \" مما هو من قسم المقبول، محل بحث في أكثره، فقد يسلم فيه الحديث بعد الحديث، لكن أغلب ذلك مما اجتهد في دفع الضعف عنه بتكلف لا يخفى على من تأمله.\nوإنما يصدق النقد لابن الجوزي في أنه حكم على ما ضمنه كتابه بالوضع، وفيه أحاديث كثيرة لا تهبط إلى ذلك القدر، بل هي من قسم الضعيف.\nوعلة أوهام ابن الجوزي في كثير منها ناتجة عن التقليد لمن تقدمه كابن عدي والعقيلي وابن حبان، حيث يتابعهم في إيراد أحاديث انتقدوها\n_________\n(١) وهو حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" يوشك إن طالت بك مدة، أن ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله \". أخرجه مسلم (رقم: ٢٨٥٧)، وهو في \" الموضوعات \" لابن الجوزي (رقم: ١٥٤٤)، وابن الجوزي قلد في إيراده ابن حبان في \" المجروحين \" (١/ ١٧٦)، فإنه قال: \" خبر بهذا اللفظ باطل \" .......","vol":"2","page":1068},{"text":"على بعض الرواة، ربما لم يحكموا عليها بأكثر من النكارة، فيوردها ابن الجوزي على أنها موضوعة.\nوالثاني: أنه بنى في نقده على إعماله الجرح غير المحرر في الراوي المختلف فيه، وأوهامه في هذا كثيرة في جميع كتبه التي تعرض فيها لنقد الأحاديث أو الرجال، فإنه يذكر الجرح ويقصر في التعديل، أو يغفله جملة، وغاية أمر الراوي أن يكون ضعيفًا لا يتهم.\nقال الذهبي وذكر قدر معرفة ابن الجوزي بنقد الحديث: \" أما الكلام على صحيحه وسقيمه، فما له فيه ذوق المحدثين، ولا نقد الحفاظ المبرزين، فإنه كثير الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة، مع كونه كثير السياق لتلك الأحاديث في الموضوعات، والتحقيق أنه لا ينبغي الاحتجاج بها، ولا ذكرها في الموضوعات وربما ذكر في الموضوعات أحاديث حسانًا قوية، ونقلت من خط السيف أحمد بن المجد (١) قال: صنف ابن الجوزي كتاب \" الموضوعات \"، فأصاب في ذكره أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل. ومما لم يصب فيه إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو: ليس بالقوي، أو: لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة ولا معارضة لكتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع، سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وهذا عدوان ومجازفة \" (٢).\nقلت: نعم، أكثر ما في كتاب \" الموضوعات \" من الحديث الأحاديث الموضوعة.\nقال ابن تيمية: \" الموضوع في اصطلاح أبي الفرج: هو الذي قام دليل على أنه باطل، وإن كان المحدث به لم يتعمد الكذب، بل غلط فيه؛ ولهذا\n_________\n(١) هو الحافظ سيف الدين أبو العباس أحمد بن مجد الدين عيسى بن موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (المتوفى سنة: ٦٤٣).\n(٢) تاريخ الإسلام (حوادث وفيات ٥٩١ - ٦٠٠) (ص: ٣٠٠).","vol":"2","page":1069},{"text":"روى في كتابه في الموضوعات أحاديث كثيرة من هذا النوع، وقد نازعه طائفة من العلماء في كثير مما ذكره، وقالوا: إنه ليس مما يقوم دليل على أنه باطل، بل بينوا ثبوت بعض ذلك، لكن الغالب على ما ذكره في الموضوعات أنه باطل باتفاق العلماء \" (١).\nوقبل ابن الجوزي وبعده كتب مفيدة في معرفة الأحاديث الموضوعة، لكن ليس فيها ما استقصى، وكأن هذا مطمع غير ممكن من أجل حظ الاجتهاد، إذ ما يدخله التردد: هل هو موضوع، أم شديد الضعف واه، أم منكر، في هذا الباب كثير.\nوابن الجوزي ممن حاول الفصل بين الموضوع والواهي في كتابين منفصلين، لكن عند غيره أشياء كثيرة مما يخالفه فيها في أي القسمين تكون، أو هي خارجهما أصلًا.\nكما أن من مظان معرفة الموضوعات أيضًا كتب الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ككتاب \" المقاصد الحسنة \" للسخاوي، لكن تنبه إلى كون هذه لم تقصد إلى الحديث الموضوع ومما لا أصل له، وإنما عنيت بالأحاديث المشتهرة على ألسنة الناس، وفيها الصحيح والحسن والضعف والموضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>المسألة الرابعة: مما يساعد على تمييز الموضوع في الحديث: معرفة أبواب مخصوصة</span>، عامة ما يروى فيها من الحديث موضوع.\nوذلك كالأحاديث في فضل العقل، والأحاديث في حياة الخضر، وأحاديث صلوات الأيام والليالي، كصلوات أيام الأسبوع، وما جاء في صوم رجب والصلاة المسماه بصلاة الرغائب فيه، وصلاة النصف من شعبان، والأحاديث في ذم الحبشة والسودان والترك والمماليك، وغير ذلك (٢).\n_________\n(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٠) .......\n(٢) ولهذه المسألة مزيد بيان يستفاد مما تقدم في (النقد الخفي) من (القسم الأول) .......","vol":"2","page":1070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>الفصل الثالث\n\nحكم الاعتبار\nبالحديث الضعيف</span>","vol":"2","page":1071},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-456>المبحث الأول:\n\nتفسير الاعتبار</span>\n\nيستعمل أهل الحديث مصطلح (الاعتبار) و(يعتبر به)، وما في معناها في معنيين:\nالمعنى الأول: أن الراوي أو الحديث ضعيف ضعفًا يرجى برؤه، ولا يسقط به.\nوقد يعبر عنه بالقول: (صالح)، وفي الراوي تارة: (يكتب حديثه)، و(يخرج حديثه اعتبارًا).\nوتدل عليه جميع عبارات الجرح التي لا يطرح بها الراوي أو حديثه.\nفيجمع ما كان ضمن هذا النوع من الحديث، أو الرواة، ويكتب، أو يخرج في الكتب، رجاء أن يوجد له في الروايات سواه مما يشاكله في القوة أو يرقى فوقه، من متابعات في الأسانيد أو شواهد، فيزول به أثر الضعف وينتقل به الحديث إلى درجة القبول.\nفإن فقد ذلك فهي أفراد الضعفاء.\nوسيأتي بيان ما يعتبر به على هذا المعنى من الروايات.","vol":"2","page":1073},{"text":"والمعنى الثاني: أن يميز حديث الراوي ويعرف، لا على معنى جواز تقويته أو التقوية به، فكأنه من معنى: أتخذه عبرة خشية الضرر به.\nكقول أبي حاتم الرازي في (عبد العزيز بن عمران): \" متروك الحديث ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا \"، قال ابنه: قلت: يكتب حديثه؟ قال: \" على الاعتبار \" (١).\nوكقول أبي زرعة أيضًا في (محمد بن عمر الواقدي): \" ضعيف \"، قال ابن أبي حاتم: قلت: يكتب حديثه؟ قال: \" ما يعجبني إلا على الاعتبار، ترك الناس حديثه \" (٢).\nقلت: وتأمل قوله: \" على الاعتبار \"، ولم نقل: \" للاعتبار \"، وهذا فرق ما بين هذا الاستعمال ومصطلح (الاعتبار) بالمعنى الأول.\nيؤيد هذا ما قاله أبو نعيم الأصبهاني عقب الفصل الذي ذكر فيه الضعفاء والمتروكين: \" كل واحد من المذكورين في هذا الفصل بنوع من الأنواع، إذا نظرت في حديثه وتميزته، ارتفع الريب في أمره، وظهر لك حقيقة ما نسبته إليه، وأكثرهم عندي لا تجوز الرواية عنهم ولا الاحتجاج بحديثهم، وإنما يكتب حديث أمثالهم للاعتبار والمعرفة، إذ لا سبيل إلى معرفتهم في حديثهم، وإذا احتاج الراوي إلى ذكرهم عرف لهم من الوضع والكذب والوهم والخطأ والإنكار وغير ذلك، ما يذكرهم به ويضيفه إليهم؛ ليكون ما كتب من حديثه شاهدًا له على جرحه لهم \" (٣).\nوالمعنى المقصود هنا لهذا المبحث هو الأول.\n\n* * *\n_________\n(١) الجرح والتعديل (٢/ ٢ / ٣٩١).\n(٢) الجرح والتعديل (٤/ ١ / ٢١).\n(٣) الضعفاء، لأبي نعيم (ص: ١٧٠) .......","vol":"2","page":1074},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-457>المبحث الثاني:\n\nتمييز ما يصلح للاعتبار</span>\n\nعماد مسألة ما يصلح للاعتبار وما لا يصلح يقوم على أساسين:\nالأول:<span data-type=\"title\" id=toc-458> صلاحية الراوي</span>.\nوذلك أن يكون الراوي محل الاعتبار لم يبلغ حديثه في الضعف درجة السقوط.\nوللناقد الخبير أبي عبد الله الذهبي تصوير دقيق لمنازل الرواة يقرب فهم هذه المسألة، قال: \" منهم هو العدل الحجة، كالشاب القوي المعافى.\nومنهم من هو ثقة صدوق، كالشاب الصحيح المتوسط في القوة.\nومنهم من هو صدوق، أو لا بأس به، كالكهل المعافى.\nومنهم الصدوق الذي فيه لين، كمن هو في عافية، لكن يوجعه رأسه أو به دمل.\nومنهم الضعيف الذي تحامل، ويشهد الجماعة محمومًا، ولا يرمي جنبه.\nومنهم الضعيف الواهي، كالرجل المريض في الفراش، وبالتطبيب ترجى عافيته.","vol":"2","page":1075},{"text":"ومنهم الساقط المتروك، كصاحب المرض الحاد الخطر.\nوآخر، حاله كحال من سقطت قوته، وأشرف على التلف.\nوآخر، من الهالكين، كالممحتضر الذي ينازع.\nوآخر، من الكذابين الدجالين \" (١).\nقلت: فهذا توضيح لصفة أحوال الرواة، فإذا استثنيت الصدوق ومن فوقه، وجدت سائر الأوصاف تعود في جملتها إلى قسمين:\nالأول: من يمكن أن يعالج حديثه من الرواة تبعًا لحاله في المرض.\nوالثاني: ما لا سبيل إلى علاجه؛ لتمكن المرض، أو لبلوغه مبلغ الهلاك.\nوالصالح للاعتبار من هؤلاء: من أمكن علاج علته، وهذا ما كان ضعفه ناتجًا عن سوء حفظه، وكثرة خطئه، أو ورود مظنة ذلك عليه كالمجهول.\nفبالنظر للأنواع المتقدمة للحديث الضعيف، نجد ما يمكن علاجه مما يعود ضعفه إلى ضعف راويه، ما يلي:\nأولًا: حديث المجهول والمستور.\nوينبغي أن يلاحظ فيه التسهيل في الاعتبار بمجاهيل التابعين، ومزيد الاحتياط فيمن بعدهم.\nوذلك أن الكذب في التابعين كان قليلًا نادرًا؛ لقرب العهد من نور النبوة، ولعدم ظهور الشره في الحديث الذي أصاب من بعدهم مما حمل كثيرين على الكذب ووضع الحديث.\n_________\n(١) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص: ١٧١).","vol":"2","page":1076},{"text":"قيل لزيد بن أسلم (وهو من صغار التابعين): عمن يا أبا أسامة؟ قال: \" ما كنا نجالس السفهاء، ولا نحمل عنهم \" (١).\nكذلك مما يوجب التشديد في الاعتبار بحديث المجهول في الطبقات المتأخرة، خصوصًا مجهول العين: ما عرف من طائفة من الرواة من تدليس الأسماء، فربما كان ذلك المجهول شيخًا واهيًا لم يتعين أمره للتدليس.\nولا شك أن تمييز من يفعل ذلك من المدلسين طريق لتوقي حديث مثل هؤلاء المجهولين.\nغير أن الشأن في الجملة: صحة الاعتبار برواية المجهول، وإن كان مجهول العين، كشأن الاعتبار بالحديث المنقطع، من جهة الجهالة بعين الساقط.\nقال الدارقطني: \" من لم يرو عنه إلا رجل واحد، انفرد بخبر، وجب التوقف عن خبره ذلك حتى يوافقه غيره \" (٢).\nوإذا صح الاعتبار برواية مجهول العين، صح بالأولى الاعتبار برواية مجهول الحال والمستور، خصوصًا أن الأخيرين ربما صرنا إلى الحكم بقبول حديثهما لذاته، وذلك عند استيفاء شروط الحسن.\n\nثانيًا: حديث سيء الحفظ، وهو راوي الحديث الذي يضعف بسبب لينه، لا من يبلغ الترك لغلبة خطئه.\nوهذا من أكثر ما اعتنى أئمة الحديث بالاعتبار به، وأكثر ما جرى عليه الترمذي فيما حسنه من الحديث لغيره إنما كان من روايات هذا الصنف، والمعنى فيه ظاهر فإن الصدق في الجملة ثابت للراوي، وسوء حفظه لم يغلب الخطأ على حديثه، فحيث نجد ما يشده فإن قبول حديثه متعين؛ لزوال الشبهة.\n_________\n(١) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في \" تاريخه \" (١/ ٤٤١) وإسناده حسن .......\n(٢) سنن الدارقطني (٣/ ١٧٤) .......","vol":"2","page":1077},{"text":"ويندرج في جملته: حديث الثقة المختلط الذي عرف أنه حدث به بعد اختلاطه، وحديث من عرف بقبول التلقين.\nثالثًا: من وقع الاضطراب في حديثه؛ لكون ذلك واقعًا بسبب سوء الحفظ، والاضطراب تكافؤ في الوجوه، فإذا وجد المرجح تعين المصير إليه، والمرجح قد يكون إلى جانب القبول.\nرابعًا: من وقع في حديثه الاختلاف، فرد لأجله، فإن لم يتعين في ذلك الاختلاف الخطأ، ووجد المرجح إلى جهة القبول وجب المصير إليه والاعتداد بذلك الراوي، إذ ما خشيناه من مظنة خطئه قد زال.\nوما لا يمكن علاجه منها، ما يلي:\nأولًا: الراوي الموصوف بكونه (منكر الحديث)، أو (متروك الحديث)، أو (شديد الضعف)، أو بأي عبارة تقتضي الوهاء.\nثانيًا: الراوي المتهم بالكذب، أو سرقة الحديث، وأولى منه من يثبت ذلك عليه.\nفإن قلت: ربما روى الواحد من هذا الصنف أو الذي قبله ما يرويه الثقات، فهل يعتبر بما يوافق فيه الثقات أم لا؟\nقلت: وجدنا من الناس من المتأخرين من يغتر بتلك الموافقات، والتحقيق: منع الاعتبار بروايات هذين الصنفين، وإن وقعت موافقة لروايات الثقات، والعلة في ذلك: ما يقع في رواياتهم من التحديث بما ليس من حديثهم المسموع لهم، سرقة، أو تشبيهًا عليهم، أو تلقينًا لهم، أو دسا في كتبهم.\nفالواجب النظر إلى روايات هؤلاء بمنزلة المعدوم في هذا الباب.\nومن كلام الأئمة في توكيد هذا الأصل في التمييز بين من يعتبر به ومن لا يعتبر به، ما يلي:\nقال الترمذي بعد ذكر (محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى)","vol":"2","page":1078},{"text":"و(مجالد بن سعيد): \" إذا تفرد أحد من هؤلاء بحديث ولم يتابع عليه، لم يحتج به، كما قال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج به، إنما عنى إذا تفرد بالشيء \" (١).\nقلت: فهذا دال على أن حديث هذا الصنف صالح عند عدم التفرد.\nوقال أحمد بن حنبل: \" ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به، ويقوي بعضه بعضًا \" (٢).\nفإن كان من أحاديث متهم أو متروك أو منكر الحديث، ممن هو شديد الضعف، فهذا لا يعتبر بحديثه عندهم.\nقال أحمد بن حنبل في الفرق بين النوعين: \" الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدًا منكر \" (٣).\nوبين ذلك بأكثر من هذا في روية أخرى، قيل له: فهذه الفوائد التي فيها المناكير، ترى أن يكتب الحديث المنكر؟ قال: \" المنكر أبدًا منكر \"، قيل له: فالضعفاء؟ قال: \" قد يحتاج إليهم في وقت \" كأنه لم ير بالكتاب عنهم بأسًا (٤).\nقلت: وجه ترك كتبة المنكرات، عدم صحة الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار لا يكون بما ليس له أصل، والمنكرات لا أصول لها.\nأما أحاديث الضعفاء التي يوجد ما يشدها فهذه تكتب؛ لأن لها أصلًا.\nوكذلك صنع أحمد في \" مسنده \" فإن أكثره من رواية الثقات المتقنين، وفيه روايات الضعفاء الذين تعرف أحاديثهم أو معانيها من وجوه أخرى، إلا\n_________\n(١) كتاب (العلل) في آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٣٩).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٥٨٣) وإسناده صحيح.\n(٣) العلل، رواية أبي بكر المروذي (النص: ٢٨٧).\n(٤) مسائل الإمام أحمد، رواية ابن هانئ (٢/ ١٦٧) .......","vol":"2","page":1079},{"text":"قليلًا جدًا مما يمكن وصفه بالنكارة، ولم يجر من أحمد على سبيل القصد مع تبينه لنكارته.\nقال الجوزجاني في (سعيد بن سنان أبي مهدي الحمصي): \" كان أبو اليمان يثني عليه في فضله وعبادته، قال: كنا نستمطر به. فنظرت في حديثه فإذا أحاديثه معضلة، فأخبرت أبا اليمان بذلك، فقال: أما إن يحيى بن معين لم يكتب منها شيئًا، فلما رجعت إلى العراق ذكرت أبا المهدي ليحيى بن معين، وقلت: ما منعك يا أبا زكريا أن تكتبها؟ قال: من يكتب تلك الأحاديث؟ من أين وقع عليها؟ لعلك كتبت منها يا أبا إسحاق؟ قلت: كتبت منها شيئًا يسيرًا لأعتبر به، قال: تلك لا يعتبر بها، هي بواطيل \" (١).\nقلت: وعند بعض النقاد لا يترك حديث الراوي حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، وعلى هذا فمن لم يتفق على ترك حديثه فهو عند هذه الطائفة صالح للاعتبار.\nوهذه طريقة أحمد بن صالح المصري.\nقال يعقوب بن سفيان: سمعت أحمد بن صالح، وذكر مسلمة بن علي، قال: \" لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: (فلان ضعيف)، فأما أن يقال: (فلان متروك) فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه \" (٢).\nوكذلك جاء عن أحمد بن شعيب النسائي، أنه لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه (٣).\nلكن هذا يجب أن يكون مشروطًا بعدم ظهور وجه الجرح الذي يسقط\n_________\n(١) أحوال الرجال، للجوزجاني (النص: ٣٠١) والكامل، لابن عدي (٤/ ٣٩٩). واسم أبي اليمان: الحكم بن نافع.\n(٢) المعرفة والتاريخ (٢/ ١٩١) ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ١٨١).\n(٣) النكت على ابن الصلاح، لابن حجر (١/ ٤٨٢) .......","vol":"2","page":1080},{"text":"به حديث الراوي، وإلا فإطلاقه لا بجري على الأصول، فإن الجماعة قد تعدل الراوي، ويطلع واحد من أهل الاختصاص على كذبه، فهذا عندهم في التحقيق كاف لإسقاط جميع روايته.\n\nوالثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-459> صلاحية نفس الحديث</span>.\nفيعتبر بكل ما لم يثبت أنه: كذب، أو منكر، أو خطأ.\nفيصح الاعتبار بما يلي:\nأولًا: المنقطع.\nثانيًا: المرسل.\nثالثًا: المعضل بسقط اثنين، وذلك فيما يرفعه صغار التابعين أو كبار أتباع التابعين (١)، فإن طال السقط، أو كان في الطبقات المتأخرة فلا ينبغي الاعتداد به؛ لقوة مظنة الوهاء بتتابع العلل، أو من أجل تساهل متأخري الرواة فيمن يحملون عنهم.\nرابعًا: حديث المدلس الذي عنعن فيه، أو ثبت تدليسه فيه، ما لم يرجع تدليسه فيه إلى متروك الحديث أو متهم بالكذب.\nخامسًا: المرسل إرسالًا خفيًا.\nولا يصح الاعتبار بما يلي:\nأولًا: المعلق حتى يوقف على إسناده، إذ المعلقات ترجع في الأصل إلى الأسانيد، فإن لم يوقف له على إسناد نزل منزلة ما لا أصل له.\nثانيًا: المقلوب.\n_________\n(١) قال الخطيب: \" حكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط \" (الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ١٩١).","vol":"2","page":1081},{"text":"ثالثًا: المصحف.\nرابعًا: المدرج.\nخامسًا: الشاذ.\nسادسًا: المعلل المتعين خطؤه.\nوهذه لا يعتبر بها من أجل كون الراجح فيها الخطأ، والحديث إذا تبين أنه خطأ فإنه لا يصلح الاعتداد به، إذ الخطأ لن يكون صوابًا.\nسابعًا: المنكر.\nووجه سقوط الاعتبار به أنه لا يخلو من أن تكون نكارته بسبب المخالفة من الراوي الضعيف، وهذه مرجوحة خطأ، ولا يعتبر بالخطأ.\nأو أن تكون نكارته بسبب التفرد، فيخرج عن هذه المسألة؛ لأن الاعتبار إنما يكون بما يوجد له الموافق.\nوربما جاءت النكارة بسبب التدليس عن متروك أو متهم.\nثامنًا: الموضوع (١).\nوعدم الاعتبار بما ثبت أنه كذب أو منكر، ظاهر، وإن تعددت له\n_________\n(١) قال ابن الصلاح في توكيد طرفٍ مما بينته هنا: \" ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت: فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا مارواه قد جاء من وجهٍ آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختلَّ فيه ضبطه له.\nوكذلك إذا كان ضعْفه من حيث الإرسال، زال بنَحو ذلك، كما في المرسل الذي يُرسله إمامٌ حافظٌ، إذْ فيه ضعْفٌ قليلٌ يزول بروايته من وجهٍ آخر.\nومن ذلك ضعْفٌ لا يزول بنحو ذلك؛ لقوَّة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبْره ومُقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي مُتهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا \". (علوم الحديث، ص: ٣٤) .......","vol":"2","page":1082},{"text":"الطرق وكثرت، فلا تعني كثرتها في التحقيق شيئًا؛ لجواز التواطؤ من قبل الكذابين والمتهمين على تنويع الأسانيد للحديث الواحد، فربما نتج تعدد الطرق عن رواية رجل من الضعفاء، عرف بذلك الحديث، فسرقه المتهمون وتداولوه بينهم، يسرقه بعضهم من بعض.\nوجائز أن يكون الضعيف الذي ترجع إليه جميع الطرق ممن يعتبر به، ولكن ليس في تلك الطرق ما يشده؛ لوهائها.\nوهذا لا يتقى إلا بتمييز ما كان يصلح للاعتبار بحسب رواته من جهة حفظهم وأنهم لم يبلغوا الترك، والسلامة من العلة القادحة في الإسناد أو المتن.\nوأمثلة ما لا تعتد به من تعدد الطرق كثيرة.\nمثل حديث: \" من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر ديناه، بعثه الله يوم القيامة فقيهًا \"، فهذا روي من حديث ثلاثة عشر رجلًا من الصحابة، بأسانيد كثيرة كلها واهية ساقطة (١).\nوحديث \" زر غبا تزدد حبا \"، روي من حديث أبي هريرة وأبي ذر وحبيب بن سلمة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وعائشة أم المؤمنين، وكلها واهية الأسانيد، وما كان فيه بعض النفس فإنه يفتقر إلى ما يشده.\nوقال الزيلعي في شأن أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة: \" وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها، لكنها كلها ضعيفه، وكم من حديث كثرت رواته وتعددت طرقه، وهو حديث ضعيف، كحديث الطير (٢)، وحديث الحاجم\n_________\n(١) شَرحت علله في جزء \" التبيين لطُرق حديث الأربعين \".\n(٢) هوَ ما رُوي أن النبي ﷺ أتي بطيْرٍ، فقال: \" اللهم ائْتني بأحبِّ خلْقك إليْك يأكل معي من هذا الطير \"، فجاء عليٌّ، فأكل معه. الحديث. انظر طُرقه في \" العلل المتناهية \" لابن الجوزي (١/ ٢٢٥ - ٢٣٤).","vol":"2","page":1083},{"text":"والمحجوم، وحديث \" من كنت مولاه فعلي مولاه \"، بل قد لا يزيد الحديث كثرة الطرق إلا ضعفًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>تنبيه:\nالاعتبار بالطرق المرجوحة التي دل النظر على أنها خطأ، لا يصح </span>كما تقدم، وهو مما يغفل عنه كثير من المشتغلين بهذا العلم، يغر أحدهم ظاهر ورود طريق أخرى للحديث، فيقوي بها، دون ملاحظة شذوذها في الإسناد مثلًا، أو رجوعها إلى نفس طريق الحديث الأولى التي أراد تقويتها.\nوإليك مثالين توضيحًا لذلك:\nالمثال الأول: روى منصور بن المعتمر، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا سمر إلا لأحد رجلين: لمصل أو مسافر \".\nهذا الحديث رواه عن منصور الثقات من أصحابه: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة الوضاح اليشكري، وعمرو بن أبي قيس، جميعًا هكذا، لكن منهم من يذكر واسطة مبهمة بين خيثمة وابن مسعود، ومنهم من لا يذكر وعلى كلا الحالين فإنه منقطع، خيثمة لم يدرك ابن مسعود، والواسطة مبهمة.\nخالف الجماعة عن منصور: إبراهيم بن يوسف الصيرفي، فرواه عن سفيان بن عيينة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زياد بن حدير، عن ابن مسعود.\nفحسب بعض الناس هذه طريقًا أخرى للحديث، وما فطنوا إلى أن\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠) .......","vol":"2","page":1084},{"text":"الصيرفي هذا وهم في إسناده على ابن عيينة، من أجل المحفوظ عن منصور، فمن يعتمد قوله في النقلة كالنسائي قال في (الصيرفي): \" ليس بالقوي \" وهو من شيوخه، والرجل حسن الحديث ما أتى بما هو موافق لرواية الثقات، أما أن يأتي بمثل هذا الإسناد فهذا مقام إعمال قول الناقد (ليس بالقوي).\nفإذا تبين أن رواية الصيرفي وهم، والحديث كما رواه جماعة الثقات عن منصور، فيسقط الاعتداد بطريق الصيرفي لتقويته؛ لأنه رواية خطأ (١).\nوالمثال الثاني: ما رواه الضحاك بن نبراس، عن ثابت البناني، عن أنس من مالك، عن زيد بن ثابت، قال:\nأقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﷺ يمشي، وأنا معه، فقارب في الخطا، ثم قال لي: \" أتدري لم فعلت هذا؟ لتكثر عدد خطانا في طلب الصلاة \" (٢).\n_________\n(١) خرَّجت الحديث وبيَّنتُ علَّته في تعليقي على كتاب \" تَسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن أبي نعيم الفضْل بن دُكين \" لأبي نعيم الأصبهاني (رقم: ٥٥).\nكذلك انْظر ما بيَّنته لتطبيق ما يُشبه هذه الصورة في مثالٍ آخر، وهو بياني لعلَّة حديث \" من حسْن إسلام المرءِ ترْكه ما لا يعنيه \"، في تعليقي على كتاب \" الرسالة المغنية في السكوت ولُزوم البيوت \" لابن البنَّاء الحنبلي (رقم: ٣٥).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في \" مُسنده \" (كما في \" المطالب العالية \" ٢/ ٣٩٠ رقم: ٥٦٦، و\" إتحاف الخيرة \" رقم: ١٤١٩) وعبْد بن حميد (رقم: ٢٥٦) وأبو يعلى (كما في \" المطالب \" رقم: ٥٦٧) والطبراني في \" الكبير \" (٥/ ١٢٦ رقم: ٤٧٩٨) وابنُ عدي في \" الكامل \" (٥/ ١٥٣) من طريق عبيْد الله بنُ موسى. والبخاري في \" الأدب المفرد \" (رقم: ٤٥٨) حدثنا موسى (وهوَ ابن إسماعيل). والطبراني أيضًا (رقم: ٤٧٩٩) من طريق حرَمي بن عمارة، والعُقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٢١٩) من طريق مُسلم بن إبراهيم، أربعتهم قالوا: حدثنا الضَّحَّاك، به، ولفظ حرمَي مَعناه.\nوأخرجه الطبراني (رقم: ٤٧٩٧) من طريق مُسلمِ بن إبراهيم، أيضًا لكن من مُسند أنسٍ، لم يذْكر زيْدًا.","vol":"2","page":1085},{"text":"فهذا تابع الضحاك عليه: محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، به مرفوعًا (١).\nوالضحاك لين الحديث، ومحمد بن ثابت ليس بالقوي، وكلاهما يعتبر به، ولو سلم حديثهما هذا من المخالفة لكان حديثًا حسنًا، غير أن حماد بن سلمة والسري بن يحيى وجعفر بن سليمان الضبعي رووه عن ثابت البناني عن أنس عن زيد موقوفًا من فعل زيد وقوله (٢).\nوقال العقيلي: \" حديث حماد أولى \"\nقلت: كيف لا، وأثبت الناس في ثابت حماد بن سلمة؟ ومتابعة السري ثقة، وجعفر صدوق، ولا يقاوم الضحاك ومحمد بن ثابت مجتمعين جعفرًا وحده فكيف بمن فوقه، كحماد؟ بل كيف بهم مجتمعين؟\nلذا قال أبو حاتم الرازي: \" روى هذا الحديث جماعة عن ثابت البناني، فلم يوصله أحد إلا الضحاك بن نبراس، والضحاك لين الحديث، وهو ذا يتابعه محمد بن ثابت، ومحمد أيضًا ليس بقوي، والصحيح موقوف \" (٣).\nفهذا مما يبين لك أن ما يعتبر به من طرق الحديث: ما سلم من المعارض الراجح، إذ قيام المعارض الراجح خطأ، فيتعذر حينئذ دفع الضر عنه.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود الطيالسي في \" مُسنده \" (كما في \" إتحاف الخِيرة \" رقم: ١٤١٨) ومن طريقه: الطبراني في \" الكبير \" (٥/ ١٢٧ رقم: ٤٨٠٠) والبيهقي في \" الشعب \" (٣/ ٦٠ رقم: ٢٨٦٨) قال: حدثنا مُحمد بن ثابت، به.\n\nووقعَ في رواية البيهقي فيما يَبدوا اختِصارٌ أوْهم أنَّ الرواية من هذا الوَجهِ موقوفةٌ.\n(٢) أخرجه العُقيلي (٢/ ٢١٩) والبيهقي في \" الشعب \" (٣/ ٦٠ رقم: ٢٨٦٩) من طريق حماد، والطبراني في \" الكبير \" (٥/ ١٢٦ رقم: ٤٧٩٦) من طريق السري. وعبد الرزاق في \" المصنف \" (١/ ٥١٧ رقم: ١٩٨٣) ولم يذكر البيهقي في روايته زيْدًا .......\n(٣) علل الحديث (رقم: ٥٤٨) .......","vol":"2","page":1086},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>المبحث الثالث:\n\nتقوية الحديث بتعدد الطرق</span>\n\nتقدم في (الحديث الحسن) ذكر (الحسن لغيره)، وأنه الحديث الضعيف الذي لم يبلغ ضعفه السقوط لاتهام راويه بالكذب أو غلبة الخطأ، ينجبر بممجيئه من وجه آخر يعتبر به.\nوبينت في المبحث السابق ما يعتبر به وما لا يعتبر به من الحديث، والذي هو مقدمة ضرورية لفهم هذا المبحث.\nومحل الحديث منه هنا مقصور على المنهاج الذي يصح به تقوية حديث ضعيف يعتبر به في الأصل لخفة ضعفه، بغيره، إذ أسقطنا فيما تقدم ما لا يعتبر به.\nوبيان هذا الأصل أن نقول:\nاعلم أن تقوية الحديث الضعيف الصالح بغيره يشترط لها في الجابر أربعة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>الشرط الأول: أن يكون حديثًا له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه</span>.\n\nأي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثًا مرفوعًا، وجب في جابره","vol":"2","page":1087},{"text":"أن يكون مرفوعًا، صراحة أو حكمًا؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل.\nويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث.\nولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي ﷺ.\n\nأولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم.\nوهذا يكون صحيحًا أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي ﷺ قولًا أو فعلًا.\nوليس اشتمال الحديث على الحق، مما يجيز بمجرده نسبته إلى النبي ﷺ، وإلا أسقطنا الاعتداد بقوانين هذا العلم، ولقال من شاء ما شاء.\nومن مثال هذا: تقوية ما رواه دراج أبو السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \" إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] \" (١).\nفهذا معناه في كتاب الله صحيح، لكن الحديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد ضعيف، دراج ضعيف الحديث عن أبي الهيثم، وقد جاء بالأمر بالشهادة بالإيمان لمرتاد المسجد، وهو مما لا شاهد له من القرآن.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (رقم: ٢٦١٧، ٣٠٩٢) وغيره.","vol":"2","page":1088},{"text":"ثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة.\nالحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل.\nفإن قلت: وجدنا في كلام الشافعي ما نعتبر فيه تقوية المرسل بالمنقول عن الصحابة (١).\nقلت: ليس لهذا مثال يقول فيه الشافعي بتصحيح نسبة حديث مرفوع إلى النبي ﷺ علته الإرسال، بقول صحابي أو فعله، وإنما وجد في كلامه تعضيد الحكم المستفاد من المرسل، بجريان عمل بعض الصحابة به، كما وقع منه في بعض مراسيل سعيد بن المسيب.\nوثبوت الحكم بهذا الطريق غير ثبوت نسبة الحديث.\nوجاء عن أحمد بن حنبل في هذا ما قد يتعلق به، وذلك ما حكاه أبو زرعة الدمشقي، قال: سألت يحيى بن معين عن حديث أبي سلمة عن جابر في الشفعة، قلت له، ما تقول فيه؟ قال: \" منكر \"، ورأيته ينكر رفعه عن جابر، ويعجبه وقوفه عن سعيد وأبي سلمة. قال أبو زرعة: قلت لأحمد بن حنبل: ما تقول فيه؟ قال: \" هو ثبت \"، ورفع منه، واعتد برواية معمر له، واحتج له برواية مالك وإن كانت موقوفة. قلت لأحمد: ومن أي شيء ثبت؟ قال: \" رواه صالح بن أبي الأخضر \" يعني مثل رواية معمر، قلت: صالح يحتج به؟ قال: \" يستدل به، يعتبر به \" (٢).\nقلت: فظاهر هذا أن أحمد قوى المرفوع بالموقوف، وليس كذلك وإنما أطلق لفظ (الموقوف) هنا على المرسل، وذلك أن الحديث رواه معمر بن راشد وصالح بن أبي الأخضر وغيرهما، عن ابن شهاب الزهري\n_________\n(١) وسيأتي ذِكر نصِّه فيه .......\n(٢) تاريخ أبي زُرعة (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤).","vol":"2","page":1089},{"text":"عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة.\nورواه مالك في \" الموطأ \" (١) فقال: عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قضى بالشفعة، الحديث معناه.\nوهذا مرسل، وليس بموقوف.\nورجح أحمد والبخاري (٢) وغيرهما وصله، وهو الصواب، إذ معمر من حفاظ أصحاب الزهري، وزاده رجحانًا في حفظ الوصل متابعة من تابعه ممن يعتبر به (٣).\n\nثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به.\nيستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية.\nأما عد ذلك العمل منهم دليلًا على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.\n_________\n(١) هوَ في رواية يحيى الليثي (رقم: ٢٠٧٩).\n(٢) فقد أخرجه في \" صحيحه \" (رقم: ٢٠٩٩، ٢١٠٠، ٢١٠١، ٢١٣٨، ٢٣٦٣، ٢٣٦٤، ٦٥٧٥) من طُرقٍ عن معمرٍ، به.\n(٣) بل اختلف الرُّواة على مالك فيه، فأرسله عنه أكثر رُواة \" الموطَّأ \"، ورواه بَعض أصْحابه عنه موصولًا.\nقال ابن حبان في \" صحيحه \" (١١/ ٥٩١ - ٥٩٢) بعْد أن أخرجه من طريق عبْد الملك بن عبد العزيز الماجشون، عن مالك موصولًا: \" رفع هذا الخبر عن مالك أربع أربعة أنفس: الماجشون، وأبو عاصم، ويحيى بن أبي قُتيْلة، وأشْهَب بن عبد العزيز، وأرْسله عن مالكٍ سائر أصْحابه، وهذا كانت عادةً لمالك، يرْفع في الأحايين الأخبار، ويوقفها مِرارًا، ويُرسلها مرَّة، ويُسندها أخرى، على حسَب نشاطه، فالحكم أبدًا لمن رفَع عنه وأسْند، بعدَ أن يكون ثقةً حافظًا مُتقنًا \" .......","vol":"2","page":1090},{"text":"على أنه لا يوجد لهذا مثال صالح، أن حديثًا ضعيفًا تقوى بالعمل، وإنما يوجد العمل بما هو ضعيف، وله أمثلة كثيرة.\nكالذي روي عن سعيد بن عبد الله الأودي، قال:\nشهدت أبا أمامة وهو في النزع، فقال: إذا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله ﷺ فقال: \" إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان بن فلانه، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانه، فإن يستوي قاعدًا، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إمامًا، فإن منكرًا ونكيرًا يأخذ واحد منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نقعد عند من قد لقن حجته، فيكون الله حجيجه دونهما \"، فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمه؟ قال: \" فينسبه إلى حواء: يا فلان بن حواء \" (١).\nذكره ابن القيم، وقال: \" فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار، كاف في العمل به \" (٢).\nقلت: فجعل العمل به مع ضعفه عنده سائغًا، من أجل ما جرت به العادة، وكان ذكر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه استحسن تلقين الميت في قبره واحتج عليه بالعمل، ولم يذكر عن أحمد غير ذلك.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \" الكبير \" (٨/ ٢٩٨ - ٢٩٩ رقم: ٧٩٧٩) وابنُ عساكر في \" تاريخه \" (٢٤/ ٧٣) من طريقين عن إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الله بن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد، به، في رواية ابن عساكر: سعيد الأزدي.\nقلت: وإسناده واهٍ، والتبعة فيه على القرشي هذا، فهو مجهولٌ منكر الحديث.\n(٢) الروح، لابن القيم الجوزية (ص: ١٧).","vol":"2","page":1091},{"text":"وابن القيم قد طعن على هذا الحديث ورده في غير هذا الموضع من كتبه (١)، وليس هو من قسم الحديث الصالح للاعتبار أصلًا، بل هو منكر باطل.\nومحاكمة هذا الاستعمال للحديث الضعيف، تتصل بأصل (منع الاحتجاج بالحديث الضعيف) وسيأتي بيانه.\n\nرابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به.\nوهذا أضعف مما تقدم، فإن الواقع أن الاستدلال بالحديث الضعيف، بل بما هو شديد الضعف أحيانًا كثيرة، هو مما وقع لكثير من المجتهدين، خصوصًا من برز في الفقه منهم دون الحديث.\nومنهم، وفيهم العارفون بالحديث، من يستدل بالحديث الضعيف في الباب لا يوجد فيه ما هو ثابت، كما لا يوجد لدلالة ذلك الضعيف معارض، كاستدلالهم بالمرسل وحديث المستور والمجهول وسيء الحفظ، وإن تحققت هذا منهم وجدتهم يصيرون إليه لاحتمال الثبوت لا لترجيحه، تقديمًا له على محض النظر، كالذي بينت وجهه عنهم في (المرسل).\nعلى أنك يجب أن تذكر أن لقب (الضعيف) كان في كلام بعض السلف، كأحمد بن حنبل، ربما أطلق على (الحديث الحسن)، كما بينته في محله.\n\nخامستها: تقوية الحديث عن طريق الكشف.\nوهذا يذكر عن بعض متأخري الصوفية، كما زعمه الشعراني في\n_________\n(١) قال في \" زاد المعاد \" (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤) \" ولم يكُن يجلس (يعني النبي ﷺ) على القبر، ولا يُلقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم، وأمَّا الحديث الذي .. \" وساقه، ثم قال: \" فهذا حديث لا يصحُّ رفعه \"، وقال في \" تهذيب السنن \" (٧/ ٢٥٠): \" مُتفق على ضعفه، فلا تقوم به حُجةٌ \"، فتقوية بعض العلماء له لا تَجري على الأصول .......","vol":"2","page":1092},{"text":"حديث \" أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم \"، حيث حكم بصحته عند أهل الكشف، مع إقراره بعدم ثبوته عند المحدثين (١).\nوليس هذا بطريق من طرق العلم، فالكشف هذا إن كان من صالح صاحب سنة فغايته أن يكون فتحًا في الفهم وتوفيقًا وتسديدًا فيه، والفهم رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ومن دليل خطئه مخالفة الدليل، فإذا قام الدليل على علة الحديث، فكيف يرد بظن مجرد؟\nولو ساغ اتباع هذا الطريق في أي أمر من العلم لفسدت الأصول، بل لاستغني به عن النقول.\nومن بابه تصحيح النبي ﷺ للحديث في النوم، وهذا وإن كان مثاله نادرًا، لكنه وقع لبعضهم، وقد يكون المنام حقا، والرائي صالحًا صادقًا، لكن المنامات لا تجري على الظواهر، إنما تقبل التأويل لو كانت حقا، كما أنها لا تكون طرقًا للمعارف، وإن كانت ربما دلت على الشيء منها لشخص الرائي.\n\nسادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع.\nوهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، كمن نظر إلى أحاديث الفتن وتغير الزمان، وما يطرأ من الحوادث، فوجد لها ذكرًا في بعض الأحاديث التي لا يثبت نقلها عن النبي ﷺ، فجعل وقوع الشيء مما ورد ذكره في الحديث الضعيف دليلًا على صحة ذلك الحديث، وصدوره من (مشكاة النبوة) كما يعبر به بعضهم.\nكما قال التويجري في صدر كتاهبه الذي جمعه في الفتن: \" بعض الأمور التي ورد الإخبار بوقوعها لم ترو إلا من طرق ضعيفة، وقد ظهر مصداق كثير منها، ولا سيما في زماننا، وذلك مما يدل على صحتها في\n_________\n(١) انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للألباني (١/ ١٤٥) .......","vol":"2","page":1093},{"text":"نفس الأمر، وكفى بالواقع شاهدًا بثبوتها وخروجها من مشكاة النبوة \" (١).\nقلت: أصَّل بهذا، وجرى على ذكر الضعيف والمنكر والواهي الساقط من روايات المتروكين والمتهمين، ويقويه بهذا الطريق.\nوهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحًا، ويسقط الاعتداد بالقواعد، ومما ينقض صحة اختياره طريقًا لتقوية الحديث أن المتأمل للمنقول من أخبار الفتن وتغير الزمان، يجد الكثير من تلك الأخبار جاء من روايات كعب الأحبار، ووهب بن منبه وغيرهما ممن عرف بالتحديث بالإسرائيليات، ومثل هذا كان زادًا للضعفاء والمتروكين والكذابين، فركبت الأسانيد لكثير منه وأسند إلى رسول الله ﷺ، وتقدم عن أحمد بن حنبل الإشارة إلى الموضوع في هذا الباب، حين ذكر الملاحم مما ليس له أصول.\nوما ينقل عن أهل الكتاب قد يكون فيه الحق، كما يكون فيه الباطل، فكيف يسوغ بعد ذلك غيور على سنة النبي ﷺ أن يجعل من الخبر يروى على هذا النحو، يصحح نسبته إلى النبي ﷺ بتحقق مضمونه في الواقع المشاهد، دون اعتبار شروط ثبوت الحديث؟ على أن واقع صنيع من ذهب إلى هذا المذهب تكلف تفسير كثير من تلك الروايات لربطها بالواقع المشاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>الشرط الثاني: أن يكون في أدنى درجاته مما يصلح الاعتبار به</span>.\nفيتقوى الضعف بما يماثله في الضعف، أو يقرب منه وإن كان دونه ما لم يكن من الأنواع السابقة التي لا يعتبر بها، كما يتقوى بما هو في فوقه في القوة، بل ذلك أولى.\nوتقدم بيان ما يعتبر به من أنواع الضعيف.\n_________\n(١) إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري (١/ ١٢) .......","vol":"2","page":1094},{"text":"الشرط الثالث: إن كان ضعيفًا صالحًا، وجب أن يغاير الطريق الآخر المجبور به في محل الضعف؛ خشية مردهما إلى علة واحدة، فإن ضعف هذا الاحتمال تقويا.\nوبيانه: لو كان الضعف في الطريق المراد جبره من جهة الانقطاع، وجب في جابره لو كان كذلك منقطعًا أن لا يكون انقطاعه في نفس موضع انقطاع الآخر، لمظنة أن يرجعا إلى علة واحدة.\nفإن قلت: فماذا لو كان الإسناد فيما فوق محل الانقطاع فيهما مختلفًا؟\nقلت: لا يدفع ذلك تلك المظنة، من أجل أن الضعفاء لسوء الحفظ قد يأتي أحدهم بالأسانيد للحديث الواحد على ألوان، فإذا كان الساقط من هؤلاء احتملنا أن يكون غير في أحد الإسنادين لسوء حفظه.\nفإذا كانت العلة في كل من الطريقين عائدة إلى راو ضعيف مسمى، وجب أن يكون ذلك الضعيف في كل من الإسنادين غير الضعيف في الآخر منهما، ليعضد أحدهما الآخر، فإن كان الضعيف ذاته هو الذي روى الحديث بالإسنادين، لم يجز تقوية أحدهما بالآخر، بل كان هذا الاختلاف في الأسانيد دليلًا مؤكدًا لسوء حفظه ذلك الراوي، كما كان يقع مثله لليث بن أبي سليم، وهو ممن يعتبر بحديثه في الجملة.\nفإن قلت: فالمرسل، هل يقوي المرسل؟\nقلت: هذا الشرط يرد القول بصحة تقوية المرسل بالمرسل، للاتفاق بين المرسلين في محل الضعف، ما لم تقم قرينة تدل على افتراق المرسلين في مصادر التلقي لذلك الحديث، وهذا دل عليه كلام الشافعي، كما سيأتي.\nووجدت له من المثال: ما اتفق على روايته فقيس بن أبي حازم، وعامر الشعبي، وإبراهيم النخعي: أن النبي ﷺ بايع النساء وعلى يده ثوب .......","vol":"2","page":1095},{"text":"فهذا مما رواه كل منهم بسياق غبر سياق الآخر، لكن اتفقوا فيه على المعنى، فكانت قرينة على المفارقة، كذلك معلوم أن الثلاثة من التابعين تفاوتوا تفواتًا بينًا في تباعد الطبقات، فقيس من كبار التابعين كاد أن يكون صحابيًا، أدرك وروى عمن لم يدركه عامر وإبراهيم، إذ عامر من أوساط التابعين، وإبراهيم له شرف التابعية وأكثر روايته عن أصحاب ابن مسعود وعلي، وهذا التفاوت بين الثلاثة مفارقة أخرى (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>مناقشة قول الشافعي فيما يتقوى به المرسل:</span>\nقال الشافعي: \" من شاهد أصحاب رسول الله ﷺ من التابعين، فحدث حديثًا منقطعًا عن النبي ﷺ اعتبر عليه بأمور:\nمنها: أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث، فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه.\nوإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده، قبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر:\nهل يوافقه مرسل غيره ممن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم؟\nفإن وجد ذلك كانت دلالة يقوى له مرسله، وهي أضعف من الأولى.\nوإن لم يوجد ذلك، نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قولًا له، فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله.\n_________\n(١) خرَّجت الحديث في كتابي \" أحكام العورات \"، وذكرْتُ فيه أنَّ إسحاق بن راهويه ممن احتجَّ به.","vol":"2","page":1096},{"text":"وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ.\nثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولًا ولا مرغوبًا عن الرواية عنه، فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه \" (١).\nقلت: وهذا عند الشافعي في تقوية مرسل التابعي الذي له قدم في التابعية، من أجل استثنائه مراسيل الصغار منهم، فإنه قال بعد:\n\" فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله ﷺ، فلا أعلم منهم واحدًا يقبل مرسله؛ لأمور:\nأحدها: أنهم أشد تجوزًا فيمن يروون عنه.\nوالآخر: أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.\nوالآخر: كثرة الإحالة.\nكان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه \" (٢).\nوذكر من حجته: الزهري وما له من المنزلة في الإتقان والحمل عن الثقات، ومع ذلك فربما أحال على غير مليء ودلسه، مثل سليمان بن أرقم.\nوبين الشافعي عذره بقوله: \" رآه رجلًا من أهل المروءة والعقل، فقبل عنه وأحسن الظن به، فسكت عن اسمه، إما لأنه أصغر منه، وإما لغير ذلك، وسأله معمر عن حديثه عنه، فأسنده له، فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروى عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب، لم يؤمن مثل هذا على غيره \" (٣).\n_________\n(١) الرسالة (ص: ٤٦١ - ٤٦٣) .......\n(٢) الرسالة (ص: ٤٦٥ الفقرة: ١٢٧٧).\n(٣) الرسالة (ص: ٤٧٠ الفقرتان: ١٣٠٤، ١٣٠٥) .......","vol":"2","page":1097},{"text":"قلت: هذا نص الشافعي في تقوية المرسل، قد صار فيه إلى التفريق بن مراسيل الكبار والصغار، فمنعه في مراسيل صغار التابعين، وقواه في مراسيل الكبار بقرائن، حاصلها:\n١ - تقوية المرسل بالمتصل المحفوظ من طريق أخرى، وهذا ظاهر.\n٢ - تقوية المرسل بمرسل مثله بشرط أن لا يكون شيوخ أحدهما شيوخ الآخر.\n٣ - تقوية المرسل بالمنقول عن آحاد الصحابة قوله.\n٤ - تقوية المرسل بجريان الفتوى عند أهل العلم على وفقه.\nوظاهر كلامه أن تكون تقويته بالقرائن الثلاثة الأخرى مشروطة كذلك بأن لا يعرف عن ذلك التابعي عادة أنه يروي عمن يرغب عن الرواية عنه من المجهولين والضعفاء، والذي من أجله منع القول بتقوية مراسيل صغار التابعين.\nوقبل نقد التقوية بالطرق الثلاثة الأخريرة، يجب أن تلاحظ أن الشافعي لم يقل في شيء من عبارته: هذه القرائن تصحح نسبة الحديث إلى النبي ﷺ، إنما بين أنها تثبت لما دل عليه المرسل أصلًا فلا يقال فيه: منكر، أو العمل به مردود، مع الميل بما دل عليه إلى جانب القبول، من أجل القرينة.\nوهذا المعنى في الواقع حاصل في شأن أكثر أحاديث الضعفاء، فإنك تجدها تفيد أحكامًا هي معلومة من غير ذلك الوجه، لكن لا تجد من القرائن ما يجعلك تصحح نسبتها إلى النبي ﷺ على أنه قال أو فعل، إنما تتبع ما هو معلوم الثبوت بغير هذا الطريق الضعيف، وقد تذكر الضعيف استئناسًا.\nفإذا تبين هذا، فاعلم أن ما جعله الشافعي قرائن مقويات للمرسل لا يخلو منه شيء من الاحتمالات المضعفة:\nفما ذهب إليه في تقوية المرسل بالمرسل، واشتراط التغاير في","vol":"2","page":1098},{"text":"الشيوخ مما يعسر تحققه في الواقع إلا على سبيل الظن الغالب؛ لأن احتمال أن يكون مرجع المرسلين إلى أصل واحد باق وإن تغايرا في الشيوخ، فلا ينفك مثلًا سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير من الرواية عن شيخ من الصحابة، لكن حيث إن محل اتفاقهما يغلب أن يكون فيمن يسقط ذكره من الصحابة، فإن مظنة التلقي لذلك الحديث عن واسطة مجروحة تصبح في غاية الضعف.\nفيتجه ما ذكره الشافعي في هذا، لغلبة مظنة التغاير في الواسطة، أو لغلبة أن تكون هي الصحابي، ولا يضر عود الحديث إليه من طريقيه وإن كان واحدًا؛ إذ ليس الصحابي محلًا للضعف.\nوأما التقوية بما جاء عن الصحابة موافقًا له، فإن الصحابي قد يقول الشيء بمجرد رأيه، ويكون المرسل بلغه ذلك القول عن الصحابي فظنه حديثًا فأرسله، وهذا قد يدفع أثره قليلًا كون المرسل من الثقات الحفاظ كسعيد بن المسيب، فيكون الشافعي قد اعتبر وفاق رأي الصحابي علامة على أن لرأيه أصلًا من الحديث عن النبي ﷺ .......\nوهذا أمر يجب تحريره في نماذج حقيقية جاءت على هذه الصفة، فإن من قال من أهل الفقه والأصول بصحة الاحتجاج بمذهب الصحابي، كان هذا مما اعتمدوا عليه، أن الصحابي لا يمكن أن يقول بالشيء دون أصل، لكن هذا الظن الحسن لا يصلح أن يكون مستندًا في تصحيح نسبه قول إلى النبي ﷺ نقصت فيه بعض صفات القبول، ولم يأت له من درجته ما يشده، إنما يقع به تعضيد الحكم المستفاد من ذلك الحديث، وقد لا يبلغ بتلك القوة الثبوت.\nوالتقوية بموافقة قول الفقهاء أضعف من التقوية بالموقوف (١).\n_________\n(١) وانظر معنى هذا النقد في كلام ابن رجب في \" شرح علل الترمذي \" (١/ ٣٠٥).","vol":"2","page":1099},{"text":"ولا نزاع في الجملة أن المرسل إذا جاء له ما يعضده يتقوى، كما قال الزيلعي: \" المرسل إذا وجد له ما يوافقه فهو حجة باتفاق \" (١)، وإنما الخلاف فيما يتقوى به المرسل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>الشرط الرابع: أن يوجد فيه معنى المجبور به إن لم يطابقه في لفظه</span>.\nوبيانه: أن اتفاق الشاهد والمشهود له يجب أن يقع إما لفظًا وإما معنى، فأما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فالواجب أن ما يدعى تقويته من هذا الحديث بالآخر يجب أن يكون موجودًا فيهما جميعًا، فإن وجد قدر من الحديث في معنى الآخر، فذلك القدر هو الذي ينجبر لا سائر الحديث، فلا يقال: صار جميعه بذلك حسنًا لغيره.\nوالمعتبر في المعنى في الشواهد هو نفس المعتبر في المعنى في رواية الحديث إذا روي بالمعنى، وهذا يستلزم أن يكون الباحث في درجة الحديث عارفًا بدلالات الألفاظ وما تفيده من المعاني.\nويجب أن تراعي المعاني دون تكلف، فلو جاءك حديثان كلاهما في النهي عن أمر متحد، لكن أحدهما قول للنبي ﷺ: (لا تفعلوا كذا)، والآخر بلفظ الصحابي: (نهى رسول الله ﷺ عن كذا)، صح أن يتقوى أحدهما بالآخر مع وجود الفارق بين القول النبوي الصريح وبين حكاية الصحابي بلفظه مقتضى القول النبوي، لكن مراعاة هذا الفارق هنا تكلف، وإنما قد يحتاج إلى مراعاة مثله في مقام تعارض الأدلة لا توافقها، وهنا قد توافق الدليلان، بل لك أن تقول: أفاد مجيء اللفظ النبوي في أحد الحديثين تفسيرًا للصفة التي استفاد منها الصحابي النهي.\n\n* * *\n_________\n(١) نصب الراية (١/ ٣٥٣) .......","vol":"2","page":1100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-473>الفصل الرابع\n\nاستعمال\nالحديث الضعيف</span>","vol":"2","page":1101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-474>المبحث الأول:\n\nحكم الاحتجاج بالحديث الضعيف</span>\n\nفيما تقدم علمت أن الحديث الضعيف هو الحديث المردود، وذلك إما من جهة رجحان عدم الثبوت، أو القطع بعدم الثبوت، وبين الدرجتين درجات متفاوتة في الضعف، وبناء على تفاوت تلك الدرجات علمت أن منه الضعيف الذي يصلح الاعتبار به، والضعيف الذي لا يصلح الاعتبار به، كما علمت أن المعتبر به منه، هو ما فيه القدرة على النهوض لو وجد مساعدًا، وما دون ذلك فهو ساقط.\nوعليه فهذا التأصيل يوجب أن لا يتردد في منع الاحتجاج بالقسمين جميعًا، فأما غير الصالح للاعتبار، فظاهر، حيث لا يرجى برؤه، وأما الصالح للاعتبار فلتوقف قبوله على الجابر، فما لم يوجد فهو على الأصل في رجحان الرد .......\nقال أحمد بن الحسن الترمذي: كنا عند أحمد بن حنبل، فذكروا على من تجب الجمعة، فلم يذكر أحمد فيه عن النبي ﷺ شيئًا. قال أحمد بن الحسن: فقلت لأحمد بن حنبل: فيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. فقال أحمد: عن النبي ﷺ؟ قلت: نعم. قال أحمد بن الحسن: حدثنا حجاج بن نصير، قال: حدثنا معارك بن عباد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: \" الجمعة على من آواه الليل إلى أهله \".","vol":"2","page":1103},{"text":"قال: فغضب علي أحمد، وقال لي: \" استغفر ربك، استغفر ربك \".\nقال الترمذي صاحب \" الجامع \" بعد تخريجه: \" وإنما فعل هذا أحمد بن حنبل؛ لأنه لم يصدق هذا عن النبي ﷺ لضعف إسناده؛ لأنه لم يعرف عن النبي ﷺ، والحجاج بن نصير يضعف في الحديث، وعبد الله بن سعيد المقبري ضعفه يحيى بن سعيد القطان جدًا في الحديث \" (١).\nمن أجل ذلك اتفق أهل العلم بالحديث على منع الاحتجاج بالحديث الضعيف، وبناء الأحكام عليه بمجرده.\nقال ابن تيمية: \" لم يقل أحد من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع \" (٢).\nقلت: نعم، قد تجد في كلامهم في الأحكام ذكر الضعيف، بل في كلام الفقهاء ما هو واه شديد الضعف، أو ساقط موضوع، وهذا في التحقيق يعود إلى أحد سببين:\nالأول: أن يكون الحكم ثابتًا بدليل غير ذلك الضعيف، فيأتي ذكره على سبيل الاستئناس، وهذا قد يتساهل فيه فيما يكون ضعفه غير مسقط.\nوالثاني: أن يكون المستدل به ممن لا شأن له في تمييز المقبول من المردود، على ما عليه الحال الذي صار إليه أكثر الفقهاء، خصوصًا المتأخرين، فكم تراهم يتداولون الحديث يأخذه اللاحق عن السابق وهو لا أصل له، بل لا يوجد مسندًا في شيء من الكتب البتة، لا بإسناد صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا موضوع، وكم من حديث لا يروى إلا موقوفًا أو مقطوعًا عدوه مرفوعًا، وهذا ترى أمثلته واضحة في الكتب التي اعتنت بتخريج أحاديث كتب الفقه، كتخاريج النووي والزيلعي وابن الملقن وابن\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \" الجامع \" (رقم: ٥٠٢) وفي (العلل) منه (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٢) قاعدة جليلة في التوسَّل والوسيلة (ص: ١٦٢) .......","vol":"2","page":1104},{"text":"حجر والألباني، وغيرهم، كذلك الكتب التي اعتنت بتخريج الأحاديث المشتهرة على الألسنة.\nومن عجيب ما تراه في طريقة بعض الفقهاء في شأن هذا النوع من الحديث، أنهم إذا أرادوا الرد على استدلال المخالف لهم في المذهب بالحديث الضعيف اجتهدوا في إبراز ضعف ذلك الحديث، وعملوا على إسقاطه عليه من جهة الضعف، مما يدلك على أن الضعيف عندهم جميعًا مما لا تثبت به الحجاج، ولا يصح به الاحتجاج.\nوالخطورة في الاحتجاج بالحديث الضعيف تأتي من جهة بناء شيء من الشرائع على الظن المرجوح، كما فيه نسبة تشريع إلى النبي ﷺ لم يثبت عنه جزمًا، أو غالبًا، ونسبة قول أو فعل لم يثبت عنه جزمًا أو غالبًا، وهذا لا يسلم صاحبه من الدخول في الوعيد الوارد في القول عليه ﷺ ما لم يقله.\nفعن أبي قتادة الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على هذا المنبر: \" يا أيها الناس، إياكم وكثرة الحديث عني، من قال علي فلا يقولن إلا حقا أو صدقًا، فمن قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار \" (١).\n_________\n(١) حديث صحيح.\nأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧) وابن أبي شيبة (٨/ ٧٦١) وابن ماجة (رقم: ٣٥) والدارمي (رقم: ٢٤١) والطحاوي في \" شرح المشْكل \" (رقم: ٤١٤) والحاكم (١/ ١١١ رقم: ٣٧٩) من طُرق عن محمد بن إسحاق، عن مَعبد بن كعب بن مالك، قال سمعت أبا قِلابة، به.\nبيَّن ابن إسحاق سماعه من ابن كعب عند أحمد والحاكم.\nقلت: وإسناده جيد وقال الحاكم: \" حديث على شرْط مُسلم \".\n\nوله طريق أخرى صالحة عن معْبد بن كعْب مُتابعة لابن إسحاق، عند الطحاوي في \" شرح المشكل \" (رقم: ٤١٣)، وثانيةٌ يعتبر بها من طريق عبد الرحمن بن كعْبٍ بن مالك، متابعة لمعبد عن أبي قتادة بمعناه، عند الحاكم (١/ ١١٢ رقم: ٣٨٠).","vol":"2","page":1105},{"text":"وعن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ، قال: \" من حدث عني حديثًا، وهو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين \" (١).\nقال الشافعي في تفسيره: \" إذا حدثت بالحديث، فيكون عندك كذبًا ثم تحدث به، فأنت أحد الكاذبين في المأثم \" (٢).\nوسأل الترمذي شيخه الإمام أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن هذا الحديث، قال: قلت له: من روى حديثًا وهو يعلم أن إسناده خطأ، أيخاف أن يكون قد دخل في حديث النبي ﷺ؟ أو إذا روى الناس حديثًا مرسلًا، فأسنده بعضهم، أو قلب إسناده، يكون قد دخل في هذا الحديث؟ فقال: \" لا، إنما معنى هذا الحديث: إذا روى الرجل حديثًا، ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصل، فحدث به، فأخاف أن يكون قد دخل في هذا الحديث \" (٣).\nوقال ابن حبان: \" إني خائف على من روى ما سمع من الصحيح والسقيم\n_________\n(١) حديث صحيح.\nأخرجه الطيالسي في \" مُسنده \" (رقم: ٨٩٥) وابنُ أبي شيبة (٨/ ٥٩٥) وأحمد (٣٣/ ٣٣٣، ٣٧٤، ٣٧٦، رقم: ٢٠١٦٣، ٢٠٢٢١، ٢٠٢٢٤) ومسلم في \" مقدمة الصحيح \" (١/ ٩) وابنُ أبي الدنيا في \" الصمت \" (رقم: ٥٣٧) وأبو القاسم البغوي في \" الجعديات (رقم: ١٤٤) وابن القطان في \" زوائده \" على ابن ماجة (بعد رقم: ٤٠) والطحاوي في \" شرح المشكل \" (رقم: ٤٢٢) والخرائطي في \" مساوئ الأخلاق \" (رقم: ١٦٦) وابن أبي حاتم في \" العلل \" (٢/ ٢٨٧) والطبراني في \" الكبير \" (٧/ ٢١٥ رقم: ٦٧٥٧) وابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٩٢) والقطيعي في \" الفوائد \" (رقم: ٣١٦) وابن حبان في \" صحيحه \" (رقم: ٢٩) و\" المجروحين من المحدثين \" (١/ ٧) وابن قانع في \" معجمه \" (١/ ٣٠٦) وأبو نعيم في \" مستخرجه \" (رقم: ٢٨، ٦٢، ٦٣) والبيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٣٣) والخطيب في \" تاريخه \" (٤/ ١٦١) وابن عبد البر في \" التمهيد \" (١/ ٤٠ - ٤١) من طرٍق كثيرة عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة، به.\nقلت وإسناده صحيح. وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، وثانٍ من حديث المغيرة بن شعبة. بينت ذلك في كتاب \" علل الحديث \" .......\n(٢) أسنده ابن عدي في \" الكامل \" (١/ ٢٠٧).\n(٣) جامع الترمذي (عقب رقم: ٢٦٦٢).","vol":"2","page":1106},{"text":"أن يدخل في جملة الكذبة على رسول الله ﷺ، إذا كان عالمًا بما يروي \" (١).\nوقال أيضًا: \" المحدث إذا روى ما لم يصح عن النبي ﷺ مما تقول عليه، وهو يعلم ذلك، يكون كأحد الكاذبين، على أن ظاهر الخبر ما هو أشد من هذا، وذاك أنه قال ﷺ: من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب، ولم يقل: إنه تيقن أنه كذب، فكل شاك فيما يروي أنه صحيح أو غير صحيح، داخل في ظاهر خطاب هذا الخبر \" (٢).\nوقال الترمذي: \" كل من روي عنه حديث، ممن يتهم، أو يضعف لغفلته وكثرة خطئه، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من حديثه، فلا يحتج به \" (٣).\nقلت: وفي المنقطع والمرسل بينت اختلافهم في الاحتجاج بهما في محله عند بيانهما، وبينت أن الراجح من مذاهبهم فيهما منع الاحتجاج بما كان كذلك، وكذلك في روايات المجهولين.\nلكن لم يقع الخلاف منهم في منع الاحتجاج بما اشتد ضعفه، بل هم متفقون عليه، وظهور ذلك من صنيع أهل العلم من السلف الأولين، ومن جرى على طريقهم من أئمة هذا العلم والعارفين به، في ترك الاحتجاج بالضعيف في الأحكام، حتى ما خف ضعفه، ظاهر مشهور، تغني شهرته عن سياق العبارات فيه، حيث لم يضع هذا العلم بقوانينه الدقيقة إلا لتحاشي مالا تثبت نسبته إلى صاحب الشريعة ﷺ.\nولم يترخصوا في الحديث الضعيف احتجاجًا به وإن خف ضعفه، ما لم يبلغ القبول، ولكن منهم من ترخص في الاستئناس بالحديث الضعيف غير الساقط في فضائل الأعمال، والترغيب والترهيب، فيما له أصل معروف، وهو الآتي تحريه في المبحث التالي.\n_________\n(١) المجروحين من المحدثين (١/ ٦).\n(٢) المجروحين (١/ ٧ - ٨).\n(٣) كتاب (العلل) من آخر \" الجامع \" (٦/ ٢٣٤) .......","vol":"2","page":1107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>المبحث الثاني:\n\nالحديث الضعيف في فضائل الأعمال</span>\n\nشاع عند أكثر المتأخرين التساهل في الأحاديث الضعيف في فضائل الأعمال، وأطلق بعضهم عده مذبها ًلأهل العلم من أئمة الحديث، وتحرير القول في صحة هذا المذهب لا بد له من سياق المنقول عن أهل العلم من أئمة الحديث ممن يتعلق بنسبة ذلك إليهم، وتبيين مرادهم به.\nفأما النصوص المروية عنهم، فجاءت عن: سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وأبي زكريا العنبري، فإليكها:\n\n١ - روي عن سفيان الثوري لإسناد ضعيف، قال: \" لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان، ولا بأس بما سوى ذلك من المشايخ \" (١).\n٢ - وصح عن عبدة بن سليمان، قال: قيل لابن المبارك، وروى عن\n_________\n(١) أخرجه ابن عدي (١/ ٢٥٧) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٢) - والرامهرمزي في \" المحدث الفاصل \" (ص: ٤٠٦، ٤١٧ - ٤١٨) والخطيب في \" الجامع لأخلاق الراوي \" (رقم: ١٢٦٦) من طرقٍ عن رواد بن الجراح، عن سفيان، به.\nقلت: وإسناده ضعيف، رواد ضعيف الحديث، والأسانيد بهذا الخبر إليه غير نقية.","vol":"2","page":1108},{"text":"رجل حديثًا، فقيل: هذا رجل ضعيف، فقال: \" يحتمل أن يروى عنه هذا القدر أو مثل هذه الأشياء \".\nقال أبو حاتم الرازي: قلت لعبدة: مثل أي شيء كان؟ قال: \" في أدب، في موعظة، في زهد، أو نحو هذا \" (١).\n٣ - وصح عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: \" إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال. وإذا روينا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات والدعوات، تساهلنا في الأسانيد \" (٢).\nوروي عن أحمد بن حنبل نحوه، ولا بثبت عنه (٣).\n٤ - وروي عن أحمد بن حنبل، قال: \" أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها، حتى يجيء شيء فيه حكم\" (٤).\n٥ - وقال أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري (أحد الثقات): \" الخبر إذا ورد لم يحرم حلالًا،لوم يحل حرامًا، ولم يوجب حكمًا، وكان في ترغيب أو ترهيب، أو تشديد أو ترخيص، وجب الإغماض عنه والتساهل في رواته \" (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٣٠ - ٣١) وإسناده صحيح .......\n(٢) أخرجه الحاكم في \" المستدرك \" (١/ ٤٩٠ بعد رقم: ١٨٠١) وفي \" المدخل إلى كتاب الإكليل \" (ص: ٢٩) والبيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٣٤) والخطيب في \" الجامع \" (رقم: ١٢٦٧) وإسناده صحيح.\n(٣) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٣) بإسناده إلى أحمد أنه قال: \" إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي ﷺ في فضائل الأعمال وما لا يَضع حُكمًا ولا يَرفعه تساهلنا في الأسانيد \"، وفي إسناده أحمد بن مُحمد بن الأزهر السجزي مُتهم بالكذب.\n(٤) أخرجه الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٣) عن كتاب \" العلل \" لأبي بكر الخلال، وهو كتاب لا يرويه الخطيب بسندٍ مُتصل، بل يقول فيه: \" حُدثت عن عبد العزيز بن جعفر، أخبرنا الخلال \"، ولولا ذاك فهو خبرٌ صحيح عن أحمد.\n(٥) أخرجه الخطيبب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٣) بإسناد صحيح.","vol":"2","page":1109},{"text":"قلت: هذه النصوص عن هؤلاء الأئمة دلت جميعًا على أن الأحاديث التي تروى في غير إثبات الشرائع والأحكام، كانوا يتساهلون في روايتها وكتابتها عن الضعفاء؛ وذلك لثبوت أصولها في الجملة، ولكونها لم تأت بحكم ليس في المحفوظ المعلوم.\nوليس في شيء من قولهم جواز الحكم بنسبتها إلى النبي ﷺ، إنما غايته جواز ذكرها وكتابتها في الكتب، وإن لم يوجد ما يشدها لذاتها.\nومن هذا أيضًا قولهم في بعض الرواة: يقبل في الرقائق وشبهها، لا في الأحكام، ومن أمثلته:\n١ - قال سفيان بن عيينة: \" لا تسمعوا من بقية ما كان في سنة واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره \" (١).\n٢ - وقال أحمد بن حنبل في (رشدين بن سعد): \" رشدين ليس به بأس في أحاديث الرقاق \" (٢).\n٣ - وسئل أحمد بن حنبل عن (النظر بن إسماعيل أبي المغيرة)؟ فقال: \" قد كتبنا عنه، ليس هو بقوي، يعتبر بحديثه، ولكن ما كان من رقائق \" (٣).\n٤ - ونقل أبو الفضل عباس بن محمد الدوري عن أحمد بن حنبل قال: \" أما محمد بن إسحاق فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث \" كأنه يعني المغازي ونحوها \" فأما إذا جاء الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا \"،\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في \" تقدمة الجرح والتعديل \" (ص: ٤١) وفي \" الجرح والتعديل \" (١/ ١ / ٤٣٥) - ومن طريقه: الخطيب في \" الكفاية \" (ص: ٢١٢) - من طريق يحيى بن المغيرة، قال: سمعْت ابن عيينة، به. وإسناده صحيح.\n(٢) هوَ من رواية الميموني عن أحمد في \" العلل \" رواية المروذي وغيره (النص: ٤٨١)، وكذلك أخرجه العقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ٦٧).\n(٣) العلل، رواية أبي بكر المروذي (النص: ٢١٨) .......","vol":"2","page":1110},{"text":"وقبض أبو الفضل أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام (١).\nوسئل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن (محمد بن إسحاق)؟ فقال: كان أبي يتتبع حديثه ويكتبه كثيرًا بالعلو والنزول، ويخرجه في (المسند)، وما رأيته اتقى حديثه قط، قيل له: يحتج به؟ قال: \" لم يكن يحتج به في السنن\" (٢).\nقلت: وهذه العبارات وشبهها في الرواة، صريحة في منع قبول الحديث في إثبات حكم شرعي إلا من طريق الثقات المتقنين، إنما يتسهل عمن دونهم في نقل ما ليس بشرائع، وهذا لا يتعدى كتابة حديث هؤلاء، وجواز إيراده في الكتب في غير أبواب الشرائع، تارة لاعتنائهم به، كابن\n_________\n(١) أخرجه الدوري في \" تاريخ يحيى بن مَعين \" (النص: ٢٣١) ومن طريقه: البيهقي في \" دلائل النبوة \" (١/ ٣٧ - ٣٨).\n(٢) أخرجه الخطيب في \" تاريخه \" (١/ ٢٣٠) وإسناده جيد.\nقلت: وقد عابَ ابنُ حزم على من ذهب هذا المذهب في الرجال، فقال: \" مما غلطَ فيه بعْضُ أصْحاب الحديث أن قال: فلانٌ يُحتمل في الرقائق، ولا يُحتمل في الأحكام \"، قال: \" وهذا باطل؛ لأنه تقسيم فاسدٌ لا برْهان عليه، بل البرهان يُبطله، وذلك أنه لا يخلو كلُّ أحد في الأرض من أن يكون فاسقًا أو غير فاسق، فإن كان غير فاسق كان عدْلًا، ولا سبيل إلى مرْتبةٍ ثالثة، فالعدل ينْقسم إلى قسميْن: فقيه، وغير فقيه، فالفقيه العدْل مقبولٌ في كل شيء، والفاسق لا يُحتمل في شيء، والعدْل غير الحافظ لا تُقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء؛ لأنَّ شرْط القبول الذي نصَّ الله تعالى عليه ليس موجودًا فيه، ومنْ كان عدْلًا في بعْض نقْله فهو عدْلٌ في سائره، ومن المحالِ أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره، إلا بنصٍّ من الله تعالى، أو إجماع في التفريق بين ذلك، وإلا فهو تحكُّم بلا برْهانٍ، وقوْلٌ بلا علم، وذلك لا يحلُّ \". (الإحكام في أصول الأحكام ١/ ١٤٣).\n\nقلت: وهذا استدْراك ضعيف، فإنَّ الحفْظ يتفاوت، والخطأ فيه واردٌ، والواقع مثْبتٌ أن الراوي يعتني بحديث بعْض شيوخه فيكون له مُتقنًا، دون حديثه عن غيرهم، فلا يأتي بالحديث على وجهه، وهذا مُتميزٌ في عدد من الرواة، فإن رددْنا جميع حديثه، أنْكرنا ما هو صحيح محفوظ منه مما أمكننا معرفته وتمييزه، وإن قبلْنا جميع حديثه، قبلْنا منه الخطأ وما لم يحْفظه من الحديث، كذلك هنا جهةُ التفريق حاصلةٌ فيما يرويه الراوي الصدوق الذي لم يرْق صدْقه إلى درجةِ الاحتجاج؛ لسوءِ حفظه، يروي ما له أصْلٌ معروف من الأحكام من غير طريقه، ولا يأتي في حديثه إلا بترغيب أو ترهيب مثلًا، فهذا لا يثْبت بما نقله شريعةٌ، وإنما قصد من ذهب إلى التسهيل فيه أن الرقائق لا يُطلب فيها التشديد لعدم إضافتها إلى الدين ما ليس منه.","vol":"2","page":1111},{"text":"إسحاق في \" السير والمغازي \"، وتارة لخفة أمر ما ينقلونه ورجوعه في الجملة إلى فضيلة عمل معلوم الثبوت في نفسه من غير طريق الضعيف.\nويبين ابن تيمية الوجه في ترخيص من رخص من العلماء بالضعيف في الفضائل، فيقول: \" أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب، وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله، حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقا، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه، وروي حديث في وعيد الفاعل له، ولم يعلم أنه كذب، جاز أن يرويه، فيجوز أن يروى في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله \" (١).\nقلت: فهذا وجه هذه المسألة عند من قال بها من الأئمة، دون تعرض منهم إلى صيغة الأداء لمثل هذا الحديث.\nوعلمنا من النظر في صنيعهم أنهم تركوا من المجروحين خلائق ومنعوا من الحديث عنهم بشيء، وعلمنا أن منهم من كانوا يستعملون (الحديث الحسن) بالمعنى الاصطلاحي فيسمونه (الضعيف)، كما وقع من أحمد بن حنبل، وعلمنا منهم من يعتبر قلة ما أتى به الراوي من المنكرات في الأصول، ويحترز عما تبين فيه خطؤه في غير الأصول، ويخرج ما لا ينبني عليه عمل، إعمالًا لصدق ذلك الراوي في الجملة، كما وقع للبخاري حين جرح في \" الصحيح \" أحاديث لجماعة في الرقائق وتحاشاهم في الأحكام.\n_________\n(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص: ١٦٢ - ١٦٣) .......","vol":"2","page":1112},{"text":"فاعتبار ذلك منهم واجب لفهم طبيعة ما قصدوه من التسهيل في هذه المسألة.\nكذلك، فإن أولئك المرخصين فيه من السلف، معلوم عنهم سياق الإسناد، كما يدل عليه المعهود من صنيعهم، وما تشير إليه عباراتهم المتقدمة من تعيين التساهل في الأسانيد، فيحدثون بالشيء من تلك الأخبار بأسانيدها، ومن أسند فقد أحال، والإسناد لمن يفهمه، لا لمن لا يفهمه.\nوهذا المعنى بهذا القدر لم يجر عليه حال المتساهلين من المتأخرين في هذه المسألة، بل إنهم جاوزوا طريقة أولئك العلماء من السلف في ثلاثة أمور ضرورية:\nأولها: أنهم حذفوا الإسناد غالبًا، وكان السلف يسوقون الأسانيد.\nوثانيها: أنهم ترخصوا في التحديث به للعامة منسوبًا إلى النبي ﷺ، دون بيان، والعامة ربما اعتقدوا بسماعه أو قراءته في الكتب صحة نسبته إلى النبي ﷺ.\nوثالثها: أنهم جاوزوا فيه الضعيف الصالح للاعتبار، إلى الواهي والمنكر والموضوع.\nفمن فعل هذا لم يصح له دعوى الاقتداء بترخيص من ترخص بذلك من السلف، لتجاوزه الصفة التي قصدوا .......\nفلما رأى بعض أعيان الأئمة المتأخرين ذلك التوسع عمدوا إلى ضبط التسهيل في هذه المسألة بشروط، هي ضوابط لازمة للتحديث بالحديث الضعيف في الفضائل لمن رأى اختيار هذا المذهب، فإليكها محررة من عبارة الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال ﵀:\n\" إن شرائط العمل بالضعيف ثلاثة:\nالأول: متفق عليه، أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين، والمتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه.","vol":"2","page":1113},{"text":"الثاني: أن يكون مندرجًا تحت أصل عام، فيخرج ما يخترع بحيث لا يكون له أصل أصلًا.\nالثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله.\nقال: الأخيران عن ابن عبد السلام، وعن صاحبه ابن دقيق العيد والأول نقل العلائي الاتفاق عليه \" (١).\nقلت: وهذه قيود لا يفهمها إلا من له بالحديث عناية، يميز شديد الضعف من خفيفه، أما أن يسترسل في ذلك من ليس الحديث مهنته فهذا يخشى عليه الوقوع في جملة القائلين على رسول الله ﷺ ما لم يقل.\n\n* * *\n_________\n(١) نقل هذا النص عن ابن حَجر تلميذه: الحافظ السخاوي في \" القول البديع \" (ص: ٣٦٣ - ٣٦٤) عن خطِّ ابنِ حجرٍ كتبَ له به .......","vol":"2","page":1114}]}