{"ً":{"ٌ":142,"ٍ":"الاتصال والانقطاع","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/WAQ65092/65092.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الاتصال والانقطاع - سلسلة نقد المرويات (٢)\nالمؤلف: إبراهيم بن عبد الله اللاحم\nالناشر: مكتبة الرشد، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م\nعدد الصفحات: ٤٨٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1135,"ٕ":10,"ٖ":1780758448,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":3},{"title":"التمهيد","level":1,"page":6},{"title":"حقيقة شرط الاتصال يعود إلى شرطين آخرين من شروط الحديث الصحيح، وهما: عدالة الرواة، وضبطهم","level":2,"page":6},{"title":"أقوال النقاد في اشتراط الاتصال لصحة الحديث","level":2,"page":6},{"title":"جهة دخول الخلل في دراسة شرط الاتصال على المشتغلين بنقد السنة في الوقت الحاضر","level":2,"page":9},{"title":"الخطوات البارزة التي يسير عليها الباحث في التحقق من شرط الاتصال","level":2,"page":9},{"title":"الفصل الأول: صفة رواية الراوي عمن روى عنه","level":1,"page":10},{"title":"المبحث الأول: صيغ الأداء ودلالالتها","level":2,"page":11},{"title":"أقسام صيغ الأداء","level":3,"page":11},{"title":"القسم الأول: الصيغ الصريحة في الاتصال","level":4,"page":11},{"title":"مجرد وجود صيغة تدل بظاهرها على الاتصال لا يكفي للحكم بالاتصال والسبب في ذلك أمور","level":5,"page":11},{"title":"القسم الثاني: الصيغ المحتملة للسماع وعدمه","level":4,"page":12},{"title":"التعبير بـ (عن) قد يكون من الراوي نفسه، إلا أنه في الأعم الأغلب هو من التلميذ أو من دونه","level":5,"page":13},{"title":"(عن) قد تكون مبدلة من صيغة صريحة في السماع أو صريحة في الانقطاع أو محتملة للأمرين، وقد تكون هي أصل الرواية، وذكر ما يدل على ذلك كله من نصوص الأئمة","level":5,"page":15},{"title":"ذكر بعض من حكي عنهم اشتراط التصريح بالتحديث للحكم بالاتصال ومناقشة قولهم","level":5,"page":20},{"title":"المبحث الثاني: الرواية عن الشخص والرواية لقصته","level":2,"page":27},{"title":"ذكر بعض الصيغ الدالة على قصد الرواية لقصة الشخص","level":3,"page":27},{"title":"بيان وجه تفريق أحمد ويعقوب بن شيبة والبرديجي بين (عن) و(أن) وغلط من غلط عليهم في ذلك","level":3,"page":28},{"title":"استخدام (عن) في حكاية قصة الشخص لا الرواية عنه، وسبل معرفة ذلك مع ذكر الأمثلة عليه","level":3,"page":32},{"title":"القاعدة في هذا المبحث: أن كل ما تبين به من الصيغ قصد الرواية عن الشخص فإنه يبحث في اتصال الإسناد وانقطاعه بين الراويين، وكل ما تبين به قصد حكاية قصة الشخص فإنه لا يبحث في الاتصال والانقطاع بينهما","level":3,"page":37},{"title":"الإشارة إلى بعض أخطاء الباحثين في هذه المسألة من جهة عدم مراعاة القاعدة السابقة","level":3,"page":39},{"title":"الفصل الثاني: سماع الراوي ممن روى عنه","level":1,"page":44},{"title":"المبحث الأول: الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه","level":2,"page":45},{"title":"الطريقة الأولى: النظر في ترجمة الراويين في كتب الجرح والتعديل للوقوف على أنه يروي عنه","level":3,"page":45},{"title":"مناقشة الاستدلال بعمل المزي في تهذيبه على إثبات السماع بذكره شيوخ الراوي ومن روى عنه، وذكر القدر الأسلم الذي يفيده عمل المزي هذا","level":4,"page":45},{"title":"جرت عادة الأئمة التعبير بالرواية عن الشخص ولا يريدون بذلك إثبات السماع، وكذا قولهم \" حدث عن فلان \" و\" حدث عنه فلان \"","level":4,"page":48},{"title":"الطريقة الثانية: كلام أئمة النقد في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه نفيا وإثباتا","level":3,"page":53},{"title":"استفادة الباحث من الكلمات المجملة التي تأتي عن الأئمة حين يفقد النص عنهم في سماع راو من آخر أو نفيه","level":4,"page":55},{"title":"سلوك الباحث طريق التخريج على أقوال النقاد حين يعدم عنهم نصا مباشرا في سماع راو من آخر أو نفيه، ولهذه الطريقة صورتان","level":4,"page":57},{"title":"الصورة الأولى: أن يعرف أن راويا لم يدرك آخر ولم يسمع منه فمن باب أولى أن لا يدرك من مات قبله","level":5,"page":57},{"title":"الصورة الثانية: أن يعلم أن شخصا لم يدرك آخر فيستدل بذلك على أن من هو أصغر منه لم يدركه من باب أولى (عكس الصورة الأولى)","level":5,"page":60},{"title":"موقف الباحث في حالة إجماع النقاد أو اختلافهم في سماع راو من آخر أو نفيه","level":4,"page":60},{"title":"الطريقة الثالثة: النظر في دلائل ثبوت السماع أو نفيه","level":3,"page":69},{"title":"الصعوبات التي يواجهها الباحث في معرفة إدراك راو لآخر، وذكر طريقة علاجها","level":4,"page":70},{"title":"بعض أهم القرائن المستخدمة في ترجيح أو نفي السماع بعد ترجيح الإدراك والمعاصرة","level":4,"page":72},{"title":"١ - اختلاف مكان الراويين ولا رحلة لأحدهما إلى مكان الآخر حال وجوده فيه","level":5,"page":72},{"title":"٢ - إدخال الواسطة","level":5,"page":75},{"title":"٣ - أن يكون الراوي كثير الإرسال، ويلتحق به من كان من بلد عرف أهله بكثرة الإرسال","level":5,"page":79},{"title":"٤ - أن يروي الراوي عن شخص أحاديث كثيرة ولا يذكر في واحد منها سماعا أو ما يدل عليه","level":5,"page":80},{"title":"ليس الغرض من جمع دلائل إثبات السماع أو نفيه وإبرازها للباحث إعادة النظر في أحكام الأئمة، وإنما هو الموازنة بين أقوالهم عند الاختلاف أو في حال عدم الوقوف على قول لهم","level":4,"page":81},{"title":"مثالان تطبيقيان لكيفية استخدام المتأخر لدلائل إثبات السماع ونفيه في الموازنة بين أقوال النقاد: (سماع محمد بن المنكدر من عائشة) و(سماع أبان بن عثمان بن عفان من أبيه)","level":5,"page":82},{"title":"مثالان آخران لاستخدام المتأخر تلك الدلائل في إعادة النظر في كلام النقاد: (سماع الحسن البصري من أبي هريرة) و(سماع الحسن البصري من الأسود بن سريع)","level":5,"page":84},{"title":"المبحث الثاني: اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن","level":2,"page":88},{"title":"ما كتب بعد مسلم حول مسألة حكم عنعنة المعاصر يتلخص في أربعة أقسام","level":3,"page":91},{"title":"نصوص الأئمة الدالة على اشتراط العلم بالسماع، وهي في الجملة على أربعة أقسام","level":3,"page":95},{"title":"القسم الأول: التفتيش عن السماع مع غير المدلس حتى مع ثبوت سماعه ممن روى عنه","level":4,"page":96},{"title":"القسم الثاني: ما فيه إثبات السماع أو اللقي لوجود التصريح به، أو نفي ذلك لعدم وجوده","level":4,"page":99},{"title":"القسم الثالث: ما فيه إثبات إدراك الراوي من روى عنه مع نفي سماعه منه، وفوق ذلك أن يثبتوا رؤيته له أو دخوله عليه","level":4,"page":101},{"title":"القسم الرابع: ما جاء عنهم من نفي السماع دون النص على الإدراك لكن يعرف ذلك وأن اللقاء بينهما ممكن من ترجمتي الراويين","level":4,"page":103},{"title":"يمكن الاعتراض على النصوص السابقة من ثلاثة أوجه","level":3,"page":105},{"title":"الوجه الأول: أن ما يتعلق منها بنفي السماع فليس مرجعه أن السماع لم يرد بل لورود نفي السماع، والجواب عنه","level":4,"page":105},{"title":"الوجه الثاني: إقامة الأئمة الدليل على أن فلانا لم يسمع من فلان وعدم اكتفائهم بالقول: إن فلانا لم يثبت له السماع من فلان، والجواب عنه من وجهين","level":4,"page":106},{"title":"الوجه الثالث: إثبات النقاد في نصوص كثيرة عنهم السماع بالقرائن مع عدم وجود للتصريح، والجواب عنه من وجهين، مع ذكر أمثلة كثيرة يستدل بها على هذا الوجه الثالث ومعالجتها","level":4,"page":114},{"title":"استخدام الأئمة النقاد القرائن مع المدلسين حين لا يذكرون التصريح بالتحديث من شيوخهم دال على أن اكتفاؤهم بالقرائن مع غير المدلس في نصوص كثيرة عنهم لا يدل على عدم اشتراطهم العلم بالسماع، مع التنبيه على أن كثيرا من الباحثين يحشدون نصوصا قالها النقاد في المدلسين بغرض تأييد ما ذهبوا إليه من اكتفاء الأئمة بالقرائن في إثبات السماع","level":3,"page":131},{"title":"تنبيهات مهمة على مسائل أربعة","level":3,"page":134},{"title":"المسألة الأولى: مناقشة ابن القطان ومن تابعه في أن ابن المديني والبخاري إذا لم يعلما لقاء الراوي للآخر لا يقولان إنه منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع فلان من فلان","level":4,"page":134},{"title":"المسألة الثانية: معرفة حال الرواية في العصور الأولى، وما يستفاد من هذه المعرفة فيما يتعلق بقضية السماع","level":4,"page":137},{"title":"المسألة الثالثة: إغفال من يذهب مذهب مسلم من الأئمة والباحثين تطبيق شروط مسلم في الإسناد المعنعن، وذكر بعض الأمثلة على ذلك","level":4,"page":143},{"title":"المسألة الرابعة: ضرورة التزام الباحث المذهب الذي اختاره في مسألة الإسناد المعنعن تحاشيا للاضطراب من جهة التنظير أو التطبيق، وتحاشيا للتلفيق بين قولين مختلفين عند التطبيق، وذكر بعض الأمثلة على ذلك","level":4,"page":151},{"title":"الفصل الثالث: التدليس","level":1,"page":161},{"title":"تمهيد","level":2,"page":162},{"title":"المحاور التي دارت عليها جهود الأئمة في مكافحة التدليس (التحذير منه، الكشف عنه)","level":3,"page":162},{"title":"المبحث الأول: التدليس والإرسال","level":2,"page":167},{"title":"إذا أرسل الراوي عن شخص وروى عنه ما لم يسمعه منه فلا يخلو الأمر من ثلاث حالات","level":3,"page":167},{"title":"رواية الراوي عن من لم يدرك عصره ليست تدليسا، والإشارة إلى من أطلق عليها تدليسا","level":3,"page":167},{"title":"بحث مسألة دخول رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه في التدليس، ومناقشة قول ابن حجر في ذلك، والوقوف مع نسبة القول بعدم دخول رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه في التدليس لبعض النقاد في هذه المسألة (الشافعي والبزار والخطيب وابن القطان الفاسي)","level":3,"page":170},{"title":"الآثار المترتبة على ما ترسخ في أذهان الباحثين من تفريق ابن حجر بين التدليس والإرسال الخفي","level":3,"page":179},{"title":"من وصفه الأئمة بالتدليس عمن لم يسمع منه فلا يبحث عن تدليسه في ذلك الحديث بعينه","level":3,"page":182},{"title":"تحقيق القول في مسألة من ثبت ارتكابه لإحدى صورتي التدليس (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، ورواية الراوي عمن سمع منه) هل يعطى حكم المدلس في الصورة الأخرى؟","level":3,"page":185},{"title":"مناقشة بعض أدلة من فرق فذكر أن من كان يدلس عمن لم يسمع منه لم يؤثر تدليسه في روايته عمن سمع منه إذا لم يصرح","level":3,"page":189},{"title":"المبحث الثاني: التدليس وصورة التدليس","level":2,"page":193},{"title":"هل يصح للمتأخر إذا وقف على راو ورد عنه ارتكاب صورة التدليس وصفه بذلك وإن لم يفعله المتقدمون؟","level":3,"page":193},{"title":"اعتبار قد الإيهام في صنيع الراوي حتى يعد مدلسا مع ذكر الأمر الذي يفهم به قصد الإيهام","level":3,"page":205},{"title":"ألفاظ استعملها النقاد في وصف الراوي بالتدليس ليست بلفظ \" التدليس \" مع ذكر ما أداه جمود عدد من الباحثين على لفظ \" التدليس \" واشتراطه لوصف الراوي بذلك","level":3,"page":211},{"title":"يقابل جمود بعض الباحثين على لفظ \" التدليس \" لوصف الراوي به، فهم كلام الناقد على غير وجهه وتحميله ما لا يحتمل لوصف الراوي بالتدليس","level":3,"page":216},{"title":"التحقق من ثبوت التدليس","level":3,"page":219},{"title":"خلاصة هذا المبحث","level":3,"page":222},{"title":"المبحث الثالث: التدليس والنص على السماع أو نفيه","level":2,"page":224},{"title":"أمثلة لنصوص الرواة أنفسهم فيما سمعوا من شيوخهم وما لم يسمعوا بأنواعها المتعددة","level":3,"page":225},{"title":"أمثلة لنصوص النقاد في بيان ما سمعه المدلسون من شيوخهم وما لم يسمعوه بأنواعها المتعددة","level":3,"page":232},{"title":"سبب اختلاف الأئمة في عد ما سمعه الراوي المدلس من شيخه الذي لقيه","level":3,"page":238},{"title":"طريقة استفادة الباحث من كلام الأئمة في حالة النص على أحاديث سمعها المدلس من شيخه، أو في حالة ذكر عددها من غير نص","level":3,"page":245},{"title":"المبحث الرابع: التدليس والتصريح بالتحديث","level":2,"page":251},{"title":"اتفاق أئمة الحديث على قبول رواية المدلس إذا صرح بالتحديث، وما يذكر من خلاف في هذه المسألة فهو عن غيرهم","level":3,"page":251},{"title":"أثر التدليس على حديث الروي وإن صرح بالتحديث","level":3,"page":252},{"title":"قد يرد في الرواية تصريح المدلس بالتحديث ومع ذلك لا يقبل لأسباب ترجع في جملتها إلى أربعة","level":3,"page":255},{"title":"السبب الأول: تعمد بعض المدلسين إخفاء تدليسهم، وأمثلة ذلك","level":4,"page":255},{"title":"السبب الثاني: أخطاء المدلسين أنفسهم، وأمثلة ذلك","level":4,"page":258},{"title":"السبب الثالث: تدليس التسوية، وأمثلة ذلك","level":4,"page":260},{"title":"السبب الرابع: أخطاء الرواة، وما يلتحق به من أخطاء النساخ والطباعة، وأمثلة ذلك","level":4,"page":266},{"title":"ذكر جماعة من الرواة نسب إليهم الخطأ على شيوخهم في ذكر التصريح","level":3,"page":287},{"title":"يقوم مقام التصريح بالتحديث رواية من عرف أنه لا يأخذ من شيوخه إلا ما كان مسموعا لهم عمن رووا عنه ومن هؤلاء: شعبة، والقطان، ومحمد بن فضيل، وعبدالرحمن بن مهدي، ويزيد بن زريع، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلم","level":3,"page":289},{"title":"المبحث الخامس: رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع","level":2,"page":296},{"title":"جملة ما يحكى من أقوال في حكم رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث ثلاثة، مع مناقشتها، وتحقيق نسبة الأقوال إلى قائليها وبيان المراد منها","level":3,"page":297},{"title":"القول الأول: أن رواية المدلس الثقة محمولة على الاتصال ما لم يتبين أنه دلس في حديث بعينه","level":4,"page":297},{"title":"القول الثاني: أن رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع أبدا، ولا يحكم لروايته بالاتصال إلا إذا صرح، يستوي في ذلك المقل من التدليس والمكثر منه، ومن دلس مرة واحدة","level":4,"page":301},{"title":"القول الثالث: التفريق بين المقل من التدليس والمكثر منه، فالأول روايته محمولة على الاتصال، والثاني روايته محمولة على الانقطاع، وهو القول الراجح","level":4,"page":307},{"title":"يمكن رد ما خالف القول الثالث من أقوال نسبت لبعض الأئمة إليه فيكون إجماعا، وهو ما نقله غير واحد صراحة أو إشارة، كما أنه هو الموافق لما يظهر من عمل الأئمة مع المدلسين","level":3,"page":308},{"title":"لا فرق بين المتقدم والمتأخر في الحكم الذي تعامل به رواية المدلس إذا لم يصرح","level":3,"page":315},{"title":"تنبيهات وضوابط خمسة للنظر في التعامل مع المدلسين ورواياتهم إذا لم يصرحوا","level":3,"page":320},{"title":"الأمر الأول: القول في قضية التمييز بين المقل والمكثر من التدليس","level":4,"page":320},{"title":"الأمر الثاني: تنزيل ما يعرف في الجرح والتعديل بالتوثيق والتضعيف المقيدين على التدليس وفيه صورتان","level":4,"page":323},{"title":"الصورة الأولى: من دلس عمن أكثر عنه الرواية من شيوخه، وبحث هذه الصورة","level":5,"page":323},{"title":"الصورة الثانية: من عرف واشتهر بالتدليس عن راو دون غيره، وبحث هذه الصورة","level":5,"page":327},{"title":"الأمر الثالث: الذي يعتني به الباحث حين الاختلاف في مسألة هو معرفة منهج الأئمة فيها لا البحث عن ترجيح أحد الأقوال في نفسه، وذكر ما يترتب على هذا الأمر في خصوص مسألة التدليس","level":4,"page":330},{"title":"إذا أعل الأئمة إسنادا بعلة وأغفلوا نقده بالتدليس فهل يعني هذا انتفاءه عندهم؟","level":5,"page":332},{"title":"الأمر الرابع: الطريقة التي تعامل بها رواية من عرف بتدليس التسوية","level":4,"page":333},{"title":"الأمر الخامس: ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس على جميع الأقوال إذا جاءت روايته بـ (عن) واحتف ذلك بقرينة ترجح وقوع التدليس في روايته المعينة","level":4,"page":335},{"title":"ذكر بعض القرائن التي يترجح بها وقوع التدليس في رواية المدلس","level":5,"page":336},{"title":"القرينة الأولى: التصريح بالواسطة في رواية أخرى صحيحة عن المدلس","level":6,"page":336},{"title":"يلتحق بذكر الواسطة: أن يأتي عن المدلس في بعض الروايات عنه ما يعرف منه صيغة الراوي التي حدث بها عن شيخه، وأنه لم يصرح بالتحديث","level":7,"page":346},{"title":"القرينة الثانية: أن يكون في متن الحديث أو إسناده نكارة وشذوذ","level":6,"page":349},{"title":"القرينة الثالثة: أن يخالف المدلس غيره في الإسناد أو المتن","level":6,"page":352},{"title":"المبحث السادس: تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس","level":2,"page":355},{"title":"مسوغات تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس","level":3,"page":355},{"title":"بعض الأمثلة عن النقاد في هذا المبحث","level":3,"page":356},{"title":"ليس كل راو أعل حديثه بالتدليس يصح عده من المدلسين","level":3,"page":360},{"title":"الفصل الرابع: موضوعات متفرقة في الاتصال والانقطاع","level":1,"page":362},{"title":"المبحث الأول: شرط الاتصال والحديث الصحيح","level":2,"page":363},{"title":"الجواب عن أسانيد من صحيح البخاري استدل بها بعض الباحثين على عدم اشتراط البخاري العلم بالسماع إما مطلقا أو في بعض الأحوال","level":3,"page":364},{"title":"الأول: عروة بن الزبير، عن أم سلمة","level":4,"page":364},{"title":"الثاني: عبدالله بن بريدة عن أبيه","level":4,"page":365},{"title":"الثالث: أبو عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي، عن عثمان بن عفان","level":4,"page":367},{"title":"الرابع: قيس بن أبي حازم أن بلالا قال لأبي بكر","level":4,"page":369},{"title":"الفرق بين قضية النزول عن الشرط وعدم اشتراط الشرط، وذكر الأمثلة من عمل البخاري في هذه القضية فيما يتعلق بشرطه في العلم بالسماع","level":3,"page":370},{"title":"إخراج مسلم أسانيد نزل فيها عن شرطه في العلم بالسماع!","level":3,"page":383},{"title":"ما يقال في نزول الشيخين عن شرطهما في العلم بالسماع يقال مثله في تدليس الراوي عمن سمع منه","level":3,"page":387},{"title":"المبحث الثاني: درجات الاتصال والانقطاع","level":2,"page":390},{"title":"بيان ضعف قول من يستدل لترجيح رأي مسلم بأنه يلزم على القول المخالف طرح أحاديث كثيرة","level":3,"page":390},{"title":"تفاوت درجات الاتصال لاعتبارات متعددة","level":3,"page":391},{"title":"تفاوت درجات الانقطاع لاعتبارات متعددة","level":3,"page":393},{"title":"درجات تعيين الساقط من الإسناد (ثلاث درجات)","level":3,"page":393},{"title":"الأولى: تسمية الواسطة في الحديث المعين","level":4,"page":393},{"title":"الثانية: تسمية الواسطة في جملة ما يرويه الراوي عمن أرسل أو دلس عنه","level":4,"page":396},{"title":"الثالثة: أن يعرف بالقرائن حال من يسقطهم المرسل أو المدلس عادة","level":4,"page":411},{"title":"المبحث الثالث: مصطلحات في الاتصال والانقطاع","level":2,"page":418},{"title":"١ - التوقيف","level":3,"page":418},{"title":"٢ - التصحيح","level":3,"page":420},{"title":"٣ - الخبر","level":3,"page":425},{"title":"٤ - الألفاظ","level":3,"page":427},{"title":"٥ - حديثه يهوي","level":3,"page":429},{"title":"٦ - أحاديث بتر","level":3,"page":429},{"title":"٧ - الإلزاق","level":3,"page":430},{"title":"المبحث الرابع: الحكم على الإسناد بعد دراسة الاتصال والانقطاع","level":2,"page":431},{"title":"الألفاظ التي يمكن للباحث أن يلخص بها نتيجة دراسته للشروط الثلاثة (عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد) تنقسم في الجملة ثلاثة أقسام","level":3,"page":431},{"title":"خطورة الحكم الجازم على الأسانيد المفردة وذلك من عدة أوجه","level":3,"page":434},{"title":"تحرير المقصود بشرط الشيخين، مع التنبيه بالأمثلة على أخطاء الباحثين في هذا","level":3,"page":438},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":449}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,49":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,169":161,"1,171":162,"1,172":163,"1,173":164,"1,174":165,"1,175":166,"1,177":167,"1,178":168,"1,179":169,"1,180":170,"1,181":171,"1,182":172,"1,183":173,"1,184":174,"1,185":175,"1,186":176,"1,187":177,"1,188":178,"1,189":179,"1,190":180,"1,191":181,"1,192":182,"1,193":183,"1,194":184,"1,195":185,"1,196":186,"1,197":187,"1,198":188,"1,199":189,"1,200":190,"1,201":191,"1,202":192,"1,203":193,"1,204":194,"1,205":195,"1,206":196,"1,207":197,"1,208":198,"1,209":199,"1,210":200,"1,211":201,"1,212":202,"1,213":203,"1,214":204,"1,215":205,"1,216":206,"1,217":207,"1,218":208,"1,219":209,"1,220":210,"1,221":211,"1,222":212,"1,223":213,"1,224":214,"1,225":215,"1,226":216,"1,227":217,"1,228":218,"1,229":219,"1,230":220,"1,231":221,"1,232":222,"1,233":223,"1,235":224,"1,236":225,"1,237":226,"1,238":227,"1,239":228,"1,240":229,"1,241":230,"1,242":231,"1,243":232,"1,244":233,"1,245":234,"1,246":235,"1,247":236,"1,248":237,"1,249":238,"1,250":239,"1,251":240,"1,252":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,263":251,"1,264":252,"1,265":253,"1,266":254,"1,267":255,"1,268":256,"1,269":257,"1,270":258,"1,271":259,"1,272":260,"1,273":261,"1,274":262,"1,275":263,"1,276":264,"1,277":265,"1,278":266,"1,279":267,"1,280":268,"1,281":269,"1,282":270,"1,283":271,"1,284":272,"1,285":273,"1,286":274,"1,287":275,"1,288":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,294":282,"1,295":283,"1,296":284,"1,297":285,"1,298":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,306":294,"1,307":295,"1,309":296,"1,310":297,"1,311":298,"1,312":299,"1,313":300,"1,314":301,"1,315":302,"1,316":303,"1,317":304,"1,318":305,"1,319":306,"1,320":307,"1,321":308,"1,322":309,"1,323":310,"1,324":311,"1,325":312,"1,326":313,"1,327":314,"1,328":315,"1,329":316,"1,330":317,"1,331":318,"1,332":319,"1,333":320,"1,334":321,"1,335":322,"1,336":323,"1,337":324,"1,338":325,"1,339":326,"1,340":327,"1,341":328,"1,342":329,"1,343":330,"1,344":331,"1,345":332,"1,346":333,"1,347":334,"1,348":335,"1,349":336,"1,350":337,"1,351":338,"1,352":339,"1,353":340,"1,354":341,"1,355":342,"1,356":343,"1,357":344,"1,358":345,"1,359":346,"1,360":347,"1,361":348,"1,362":349,"1,363":350,"1,364":351,"1,365":352,"1,366":353,"1,367":354,"1,369":355,"1,370":356,"1,371":357,"1,372":358,"1,373":359,"1,374":360,"1,375":361,"1,377":362,"1,379":363,"1,380":364,"1,381":365,"1,382":366,"1,383":367,"1,384":368,"1,385":369,"1,386":370,"1,387":371,"1,388":372,"1,389":373,"1,390":374,"1,391":375,"1,392":376,"1,393":377,"1,394":378,"1,395":379,"1,396":380,"1,397":381,"1,398":382,"1,399":383,"1,400":384,"1,401":385,"1,402":386,"1,403":387,"1,404":388,"1,405":389,"1,407":390,"1,408":391,"1,409":392,"1,410":393,"1,411":394,"1,412":395,"1,413":396,"1,414":397,"1,415":398,"1,416":399,"1,417":400,"1,418":401,"1,419":402,"1,420":403,"1,421":404,"1,422":405,"1,423":406,"1,424":407,"1,425":408,"1,426":409,"1,427":410,"1,428":411,"1,429":412,"1,430":413,"1,431":414,"1,432":415,"1,433":416,"1,434":417,"1,435":418,"1,436":419,"1,437":420,"1,438":421,"1,439":422,"1,440":423,"1,441":424,"1,442":425,"1,443":426,"1,444":427,"1,445":428,"1,446":429,"1,447":430,"1,449":431,"1,450":432,"1,451":433,"1,452":434,"1,453":435,"1,454":436,"1,455":437,"1,456":438,"1,457":439,"1,458":440,"1,459":441,"1,460":442,"1,461":443,"1,462":444,"1,463":445,"1,464":446,"1,465":447,"1,466":448,"1,467":449,"1,469":450,"1,470":451,"1,471":452,"1,472":453,"1,473":454,"1,474":455,"1,475":456,"1,476":457,"1,477":458,"1,478":459,"1,479":460,"1,480":461,"1,481":462,"1,482":463,"1,483":464,"1,484":465,"1,485":466},"ٜ":{"1":[1,485]},"ٝ":["1,1","1,2","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,49","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,377","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485"],"ٞ":{"3":[1],"6":[2,3,4],"9":[5,6],"10":[7],"11":[8,9,10,11],"12":[12],"13":[13],"15":[14],"20":[15],"27":[16,17],"28":[18],"32":[19],"37":[20],"39":[21],"44":[22],"45":[23,24,25],"48":[26],"53":[27],"55":[28],"57":[29,30],"60":[31,32],"69":[33],"70":[34],"72":[35,36],"75":[37],"79":[38],"80":[39],"81":[40],"82":[41],"84":[42],"88":[43],"91":[44],"95":[45],"96":[46],"99":[47],"101":[48],"103":[49],"105":[50,51],"106":[52],"114":[53],"131":[54],"134":[55,56],"137":[57],"143":[58],"151":[59],"161":[60],"162":[61,62],"167":[63,64,65],"170":[66],"179":[67],"182":[68],"185":[69],"189":[70],"193":[71,72],"205":[73],"211":[74],"216":[75],"219":[76],"222":[77],"224":[78],"225":[79],"232":[80],"238":[81],"245":[82],"251":[83,84],"252":[85],"255":[86,87],"258":[88],"260":[89],"266":[90],"287":[91],"289":[92],"296":[93],"297":[94,95],"301":[96],"307":[97],"308":[98],"315":[99],"320":[100,101],"323":[102,103],"327":[104],"330":[105],"332":[106],"333":[107],"335":[108],"336":[109,110],"346":[111],"349":[112],"352":[113],"355":[114,115],"356":[116],"360":[117],"362":[118],"363":[119],"364":[120,121],"365":[122],"367":[123],"369":[124],"370":[125],"383":[126],"387":[127],"390":[128,129],"391":[130],"393":[131,132,133],"396":[134],"411":[135],"418":[136,137],"420":[138],"425":[139],"427":[140],"429":[141,142],"430":[143],"431":[144,145],"434":[146],"438":[147],"449":[148]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة نقد المرويات\n(٢)\n\nالاتصال والانقطاع\n\nبقلم\nإبراهيم بن عبدالله اللاحم\n\n١٤٢٥ هـ","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، وبعد:\nفهذا هو القسم الثاني من سلسلة (نقد المرويات)، يتعلق بمباحث اتصال الإسناد وانقطاعه، سرت فيه على الطريقة التي سرت عليها في القسم الأول (الجرح والتعديل)، وذلك فيما يتصل بشمول البحث لأكبر قدر ممكن من المسائل التي تندرج تحت هذا الموضوع، مع مراعاة الحيز المخصص لكل منها، بحيث ينسجم ذلك مع القدر المخصص للموضوع كله، فغير خاف أن بحث هذه المسائل مجتمعة، يختلف عنه في حال إفراد كل مسألة منها ببحث يختص بها.\nوقد كنت أثناء كتابتي للقسم الأول يثور دائمًا في نفسي هاجس الخوف من التعمق في بحث جزئياته، والتشعب في تناولها، بحيث يؤدي ذلك إلى الحيلولة دون فهم القارئ لما يكتب، أو ملله، فاجتهدت ما أمكنني في تفادي هذه المشكلة التي قد يقع فيها الباحث دون أن يشعر.\nوفي هذا القسم لا أتردد في القول بأن هذا الهاجس قد ارتفعت وتيرته، وزادت حدته، لسبب بسيط جدًا، سيدركه القارئ لأول وهلة، وهو أن المسائل المندرجة تحت باب (الاتصال والانقطاع) تفوق - بكثير - في الدقة والعمق والتداخل ما يتصل بـ (الجرح والتعديل)، مع أن طرق هذا الموضوع والبحث في قواعده من قبل الأئمة والباحثين لا يقارن به في الكثرة طرقهم لموضوع (الاتصال والانقطاع).\nومع أنني بذلت أقصى جهدي في الكتابة بطريقة سهلة ميسرة، متجنبًا","vol":"1","page":5},{"text":"الخوض في بعض الدقائق التي رأيت أن صرف النظر عن البحث فيها ضمن هذا المشروع هو الأنسب، إلا أنني مع ذلك آمل من القارئ الكريم - عطفًا على ما تقدم - أن يلتمس لي بعض العذر، إن وجد فيه مباحث أطلت فيها، أو كان تناولي لها بصفة حالت بين القارئ وفهمها.\nكما آمل من القارئ الكريم أن يلتفت إلى نفسه أيضًا، فالبحث - أي بحث - لا شك أن المقصود به القارئ، وعليه أيضًا يقع جزء من التبعة في فهم واستيعاب ما يقرأ، وأعني بذلك أن الباحث مطالب بالاقتراب ما أمكن من القارئ، لكن لا يجوز له أبدًا أن يهبط ويضعف في تناول جزئيات بحثه، إذ يقع على القارئ النصف الباقي من الطريق إلى نقطة الالتقاء، وعليه أن يبذل جهده في قطع هذا الجزء من الطريق، ليلتقي بالباحث الذي يقرأ له.\nولست أعني بما قلت أن القارئ لابد أن يوافق الباحث فيما وصل إليه، وإلا فقد أخلّ بمسؤولياته، فهذا لا يمكن لأحد أن يقر به، أو يقول به، وإن سلكه بعض الباحثين في بحوثهم، فتجده يأخذ بتلابيب القارئ، ويتهدده ويتوعده إن لم يوافقه على ما يقول، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إقحام قضايا الابتداع ومخالفة أهل السنة في مسائل علمية بحتة.\nوإنما الذي أعنيه أن يكون القارئ لديه ملكة يستطيع بها فهم القاعدة التي تقرر، والربط بينها وبين ما يساق لها من أدلة، أو ما يضرب لها من أمثلة، والمتن في التطابق بينهما، والتوقف فيما يوجب التوقف، والقدرة على المناقشة وتحرير موضعها، وحسن السؤال عن ذلك، فهذا هو المفترض في القارئ، ولا يتم ذلك كله إلا بالاستعداد النفسي، والقراءة المتأنية، بل وتكرار القراءة أحيانًا، وتفريغ الذهن من المشاغل ما أمكن.","vol":"1","page":6},{"text":"وعندي أمل كبير أن يكون القارئ - بعد قراءته للقسم الأول (الجرح والتعديل) - قد تهيأ للقسم الثاني هذا، فهذا العلم - كغيره من العلوم - حلقاته مترابطة، يأخذ بعضها بزمام بعض، فكثير من تقسيمات العلوم ألجأ إليها حاجة التعليم والتفهيم.\nأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعًا للسداد والرشاد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.\nكتبه\nإبراهيم بن عبد الله اللاحم\nبريد إلكتروني:\nIBRAHIMALLAHEM ٣@hotmail.com","vol":"1","page":7},{"text":"تمهيد\nاتصال الإسناد أحد الشروط الخمسة المعروفة لصحة الحديث، مع أن حقيقة هذا الشرط تعود إلى شرطين آخرين وهما عدالة الرواة، وضبطهم، إذ الإسناد المنقطع لم يتحقق فيه وجود هذين الشرطين، فقد يكون الساقط غير عدل، أو غير ضابط، وحينئذٍ فالنص على شرط الاتصال إنما هو - فيما أرى - من باب التأكيد.\nوقد تضافرت نصوص النقاد في اشتراط اتصال الإسناد، فروى حماد بن زيد، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عائشة حديث: \"كان النَّبِيُّ ﷺ لا يصلي في ملاحفنا \"، ثم قال حماد: \"سمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدًا عنه فلم يحدثني، وقال: سمعته منذ زمان، ولا أدري أسمعته من ثبت أم لا؟ فسلوا عنه\" (^١).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \"ينبغي لكتبة الحديث أن يكون ثبت الأخذ، ويفهم ما يقال له، ويبصر الرجل - يعني المحدث -، ثم يتعاهد ذلك منه - يعني نطقه - يقول: حدثنا، أو سمعت، أو يرسله، فقد قال هشام بن عروة: إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا؟ أو ممن سمعته؟ فإن الرجل يحدث عن آخر دونه - يعني دونه في الإتقان والصدق -، قال يحيى: فعجبت من فطنته\" (^٢).\n_________\n(^١). \"سنن أبي داود\" حديث (٣٦٨).\n(^٢). \"الجرح والتعديل\" ٢: ٣٤.","vol":"1","page":9},{"text":"وروى إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: \" قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبدالرحمن، الحديث الذي جاء: \"إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك\"، قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت: هذا من حديث شهاب بن خراش، فقال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة، عَمَّن؟ قال: قلت: قال رسول الله ﷺ، قال: يا أبا إسحاق، إن بين الحجاج بن دينار وبين النَّبِيّ ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، ولكن ليس في الصدقة اختلاف\" (^١).\nوقال الشافعي: \"إذا اتصل الحديث عن رسول الله - ﷺ-، وصح الإسناد به، فهو سنة، وليس المنقطع بشيء، ماعدا منقطع سعيد بن المسيب\" (^٢).\nوقيل لأحمد بن حنبل: حديث عن رسول الله - ﷺ - مرسل برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو عن التابعين متصل برجال ثبت؟ فقال أحمد: \"عن الصحابة أعجب إليّ\" (^٣).\nوقال محمد بن يحيى الذهلي: \"لا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث الموصل غير المنقطع، الذي ليس فيه رجل مجهول، ولا رجل مجروح\" (^٤).\nوقال مسلم حكاية عن غيره مقرًا له: \"والمرسل من الروايات في أصل\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" ١: ١٦، و\" الجرح والتعديل\" ١: ٢٧٤.\n(^٢). \"آداب الشافعي ومناقبه\" ص ٢٣٢، و\" المراسيل\" ص ٦.\n(^٣). \"مسائل إسحاق\" ٢: ١٦٥، و\" الكفاية\" ص ٣٩٢.\n(^٤). \"الكفاية\" ص ٢٠.","vol":"1","page":10},{"text":"قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي وأبازرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا\" (^٢).\nوقال ابن خزيمة في بيانه لشرطه في \"صحيحه\": \"بنقل العدل عن العدل، موصولًا إليه - ﷺ -، من غير قطع في أثناء الإسناد ... \" (^٣)\nولهذا السبب فقد بذل أئمة الحديث جهدًا كبيرًا في البحث عن الاتصال والانقطاع، فدرسوا كل راوٍ تقريبًا، درسوا رواياته عن شيوخه، فقالوا مثلًا: فلان روايته عن فلان متصلة، فلان سمع من فلان وفلان، فلان روايته عن فلان مرسلة، فلان لم يسمع من فلان، فلان رأى فلانًا ولم يسمع منه، أو دخل عليه لكن لم يسمع منه، إلى غير ذلك، ونظروا في مراسيل المشهورين بذلك من الرواة وحكموا عليها، ووازنوا بينها، وفي كلامهم على الأحاديث التزموا هذا الشرط، فضعّفوا أحاديث كثيرة جدًا بالانقطاع، وهذا أمر متقرر مشهور.\nونلاحظ في كلام النقاد على مراتب أحاديث الأقطار الإسلامية تأثير الاتصال والانقطاع في هذه المراتب (^٤).\nوعلى الباحث أن يسلك منهج هؤلاء الأئمة في التحقق من اتصال الإسناد أو انقطاعه، وهو في سبيل ذلك عليه النظر أولًا في سماع كل راو في الإسناد ممن\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" ٣٠: ١.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٧.\n(^٣). \"صحيح ابن خزيمة\" ١: ٥، وانظر أيضًا \"صحيح ابن حبان\" ١: ١٦٣.\n(^٤). انظر: الجامع لأخلاق الراوي ٢: ٢٨٦ - ٢٨٨.","vol":"1","page":11},{"text":"فوقه في الجملة، ثم سماعه لهذا الحديث بعينه منه، وكل هذا يسير فيه الباحث وفق قواعد وأصول منقولة عن أئمة النقد، أو مأخوذة من عملهم وتطبيقهم، فالأمر المتقرر في كل قضية من قضايا النقد هو النظر في عمل أئمة النقد وقواعدهم، ومتابعتهم في ذلك.\nوالمتأمل في عمل المشتغلين بنقد السنة في الوقت الحاضر يرى خللًا في التحقق من شرط الاتصال والانقطاع في دراستهم للأسانيد، إما لأن القاعدة لم تتحرر عند الباحث كما ينبغي، أو لأنه ذهب إلى خلافها، أو أُتي من قِبل طرده لبعض القواعد في وقت معارضة قواعد أخرى لها، وأهم مما سبق كله التقصير وعدم الاستقصاء في البحث.\nوالباحث يسير في عمله في التحقق من شرط الاتصال في ثلاث خطوات بارزة: الأولى: نظره في صفة الرواية للراوي عمن فوقه في الإسناد، وهل قصد الرواية عنه أو لا؟ الثانية: إذا كان قصد الرواية عنه فهل لقيه وسمع منه؟ الثالثة: إن كان قد لقيه وسمع منه فهل سمع منه هذا الحديث موضع الدراسة؟\nوسأتناول هذه الخطوات الثلاث في ثلاثة فصول، أردفها بفصل رابع، أتناول فيه قضايا متفرقة تتعلق بالاتصال والانقطاع، وهي: درجات اتصال الإسناد وانقطاعه، ومصطلحات يتداولها الأئمة في كلامهم عن الاتصال والانقطاع، وحكم الباحث على الإسناد بعد فراغه من دراسة اتصاله وانقطاعه.","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الفصل الأول\nصفة رواية الراوي عمن روى عنه</span>\n\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: صيغ الأداء ودلالالتها.\nالمبحث الثاني: الرواية عن الشخص والرواية عن قصته.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الأول\nصيغ الأداء ودلالالتها</span>\nتنقسم صيغ أداء الراوي للحديث قسمين رئيسين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>القسم الأول: الصيغ الصريحة في الاتصال </span>مثل أن يقول: سمعت فلانًا يقول، أو حدثنا فلان، أو أخبرنا فلان، أو حدثني فلان، أو رأيت فلانًا فقال كذا، ونحو ذلك من العبارات الصريحة في الاتصال، فالباحث سيحكم بداية بأن الرواية بين هذا الراوي وبين من روى عنه متصلة، يحكم عليها بالاتصال بحكم أن الصيغة التي أدى بها هذا الراوي روايته تفيد ذلك، ومع هذا فإن مجرد وجود صيغة تدل بظاهرها على الاتصال لا يكفي، لكن البحث المبدئي يقتضي أن يحكم الباحث على الرواية بالاتصال، وقد يتبين له بعد ذلك خلاف ما حكم به، فقد تكون الصيغة صريحة في الاتصال ومع هذا فالإسناد منقطع، وهذا له صور:\nمنها ما إذا كان الراوي كذابًا، فإن كثيرًا من الكذابين يدعي السماع ممن روى عنه ويصرح بالتحديث، وهو لم يسمع منه، وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول من «الجرح والتعديل» ذكر عدة أخبار في تصريح الكذابين بالتحديث، وإقرارهم بأنهم لم يسمعوا شيئًا.\nومن الصور أيضًا ما يستخدمه بعض الرواة من الصيغ الموهمة للسماع وهو لا يقصد ذلك، مثل خطبنا فلان، أو جاءنا فلان، أو حدثنا فلان، وهو يقصد قومه أو أهل بلده.","vol":"1","page":15},{"text":"ومنها - وهي أهمها - أخطاء الرواة، فتكون الرواية في الأصل ليس فيها تصريح بالتحديث، فيخطئ بعض رواة الأسانيد ويستبدل بها بصيغة صريحة في اللقي والسماع.\nوانضم إلى ذلك منذ عصر الرواية إلى عصرنا هذا أخطاء النساخ، ثم أخطاء المطابع في العصر الحاضر، فصار لزامًا على الباحث أن يتريث في الحكم باتصال الإسناد وإن كان ظاهره الاتصال، ولا سيما إذا أخذ الإسناد من كتب غير مشهورة، مثل كتب الغرائب، وكتب الفوائد، والأجزاء الحديثية التي ليست من الكتب المشهورة، فهذه يكثر فيها وجود الأخطاء في الأسانيد، وكذلك الكتب المشهورة المنشورة دون تحقيق علمي جيد.\nوسيأتي الحديث عن الصورتين الأخيرتين في المبحث الثاني من الفصل الثاني بشيء من التفصيل.\nالقسم الثاني: أن تأتي الرواية بصيغة محتملة للاتصال وعدمه، وهذه الصيغ كثيرة وأشهرها: عن فلان، فيقول الراوي: حدثنا فلان عن فلان، مثل أن يقول يحيى بن سعيد القطان مثلًا: حدثنا شعبة، عن قتادة، أو حدثنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، أو يقول الأعمش: حدثنا منصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود.\nومن الصيغ المحتملة للسماع وعدمه: (قال)، (ذكر)، (حكى)، (حدث)، وما يؤول إليها، مثل: أن فلانًا قال، أو أنه ذكر ... الخ.\nوكون هذه الصيغ - عدا (عن) - محتملة للسماع وعدمه أمر ظاهر، لأنها تستخدم في الأمرين كثيرًا، فيقول الشخص حاكيًا عن شخص شيئًا سمعه منه: قال فلان، ذكر فلان، كما يقول ذلك في حكاية قول شخص لم يسمعه منه، بل","vol":"1","page":16},{"text":"قد يكون بينه وبينه أزمان متباعدة، كما نقول نحن: قال رسول الله - ﷺ - كذا.\nوأما صيغة (عن) فإنما كانت محتملة للأمرين لأنها في الأصل ليست صيغة أداء، وإنما هي بدل عن صيغ الأداء، ثم هي قد يكون الراوي نفسه عبر بها، فيقول الأعمش - مثلًا - ابتداء: عن إبراهيم، أو عن أبي وائل، أو يقول يحيى القطان: عن سفيان الثوري ...، ويسوق الإسناد.\nومن النصوص في هذا ما ذكره أحمد، عن سفيان بن عيينة قال: \"سمعت محمد بن المنكدر يقول غير مرة: عن جابر، قال: وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرًا، فظننت أنه سمعه من ابن عقيل، حديث جابر: «أن النبي - ﵇ - أكل لحمًا، ثم صلى ولم يتوضأ» \" (^١).\nوقال عمرو بن أبي سلمة: \"قلت للأوزاعي في المناولة أقول فيها: حدثنا؟ قال: إن كنت حدثتك فقل، فقلت: أقول: أخبرنا؟ قال: لا، قلت: فكيف أقول؟ قال: قل: قال أبو عمرو، وعن أبي عمرو \" (^٢).\nوذكر عباس الدوري قال: \"سألت يحيى بن معين عن حديث ورقاء بن عمر أنه كان يقول في أولها: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - فقيل له (يعني لابن معين): ترى بأسًا أن يخرجها إنسان فيكتب في كل حديث: ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؟ قال: ليس به بأس \" (^٣).\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" ٣: ٣٠٧، و\" مسائل أبي داود\" ص ٣٢٢.\n(^٢). \" تاريخ أبي زرعة الدمشقي \" ١: ٢٦٤، ٢: ٧٢٣.\n(^٣). \"الكفاية\" ص ٢١٥.","vol":"1","page":17},{"text":"وقال ابن معين: \"كان ابن عيينة يدلس فيقول: عن الزهري، فإذا قيل له: من دون الزهري؟ فيقول لهم: أليس لكم في الزهري مقنع؟ فيقال: بلى، فإذا استقصي عليه يقول: معمر، اكتبوا لا بارك الله فيكم\" (^١).\nوقال أبوحاتم: \"عبدالله بن شوذب خراساني ثقة، وقع إلى الرملة، ويقول ابن شوذب: عن الحسن، ولم يره ولم يسمع منه\" (^٢).\nوربما ذكر الراوي اسم نفسه من أجل الابتداء بـ (عن)، فيقول سفيان بن عيينة مثلًا لتلاميذه: اكتبوا: سفيان، عن عمرو بن دينار (^٣).\nوفي الأغلب الأعم فإن التعبير بصيغة (عن فلان) إنما هو من التلميذ أو من دونه، إما لأن الراوي لم يذكر صيغة أصلًا، فقد يبتدئ باسم شيخه مباشرة، كما يفعله كثير من الرواة، وخاصة عند الإملاء، أو يكون الشيخ بين تلاميذه، فيذكر المتن، وهم يذكرون الإسناد، أو العكس، ويسمونه الترقيع.\nومن النصوص في ذلك ما رواه إبراهيم الحربي، عن أبي زرعة الرازي، عن إبراهيم بن موسى الفراء الصغير، قال: سمعت جريرًا يقول: \"ليس هذه الأحاديث التي أحدثكم عن الأعمش سمعتها كما أحدثكم، إنما كان الأعمش يذكر الإسناد، فيقول بعض أصحابه: خبر هذا كذا، وخبر هذا كذا، فنكتبه عنهم، ويذكر الخبر فيقول بعض أصحابه: إسناد هذا كذا وكذا، فنكتبه عنهم\"، قال إبراهيم الحربي: \"فحدثت بذلك ابن نمير، فقال: هكذا ينبغي أن يكون\n_________\n(^١). \"التمهيد\" ١: ٣١.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١١٦.\n(^٣). انظر: \"التمهيد\" ١: ٢٧.","vol":"1","page":18},{"text":"سماع أبي، وابن فضيل، ووكيع، ونظرائهم: مرقعًا، ولكن هؤلاء كتموا ذلك، وذاك تكلم به\" (^١).\nوقال أبوداود: \"سمعت أحمد سئل عن المحدث يذكر الحديث فيقال: مَنْ دون فلان؟ فيقول: فلان - هو جائز؟ قال: نعم، قلت: يؤلفه - أعني الذي يسمع هكذا -؟ قال: يؤلفه، وهل كان شريك يحدث إلا هكذا؟ كان يذكر الحديث فيقال: من ذكره؟ فيقول: فلان، فيقال: عمن؟ فيقول: فلان\" (^٢).\nوقال المروذي: \"سمعت أبا عبدالله يقول: كان أبو بدر لا يقول: حدثنا، ولقد أرادوه على أن يقول: حدثنا خصيف، فأبى، وقال: أليس هو ذا أقول: خصيف؟ \" (^٣).\nوقد يكون الراوي قد ذكر صيغة حين التحديث، إما صريحة في الاتصال أو في الانقطاع، أو محتملة لهذا وهذا، والغرض حينئذٍ من التعبير بـ (عن) التخفيف على رواة الحديث وكتبته، كما قال الخطيب: \"إنما استجاز كتبة الحديث الاقتصار على العنعنة لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرار القول من المحدث: حدثنا فلان، عن سماعه من فلان - يشق ويصعب، لأنه لو قال: أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر، إلى أن يرفع إلى رسول الله - ﷺ -، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد\n_________\n(^١). \"الكفاية\" ص ٧١، وانظر: \"المعرفة والتاريخ \" ٢: ٨٢٩.\n(^٢). \"مسائل أبي داود\" ص ٢٨١، و\"الكفاية\" ص ٢١٢.\n(^٣). \"علل المروذي\" ص ١٦٣.","vol":"1","page":19},{"text":"- لطال وأضجر، وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه إضرار بكتبة الحديث، وخاصة المقلين منهم (^١)، والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال: عن فلان\" (^٢).\nوما أشار إليه الخطيب فيه نصوص كثيرة عن الأئمة، من ذلك قول الوليد: \"كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان، حتى ينتهي، قال الوليد: فربما حدثت كما حدثني، وربما قلت: عن، عن، عن، تخففًا من الأخبار\" (^٣).\nوروى أحمد بن محرز قال: \"سمعت يحيى بن معين يقول: قال يحيى بن سعيد القطان: كل حديث سمعته من سفيان قال: حدثني وحدثنا إلا حديثين: سماك عن عكرمة، ومغيرة عن إبراهيم - ذكر يحيى بن معين الحديثين فنسيتهما-، وكل حديث شعبة قال: حدثني وأخبرني، وكل حديث عبيدالله قال: حدثني وأخبرني، فإذا حدثتك عن أحد منهم فلا تحتاج أن أقول لك: حدثني ولا أخبرني، ولا حدثنا ولا أخبرنا، فقال حبيش بن مبشر - يفسر ذلك بحضرة يحيى بن معين -: هذا بمنزلة رجلٍ قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، فإذا قال بعد ذلك: حدثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، لم يحتج أن يقول: حدثنا يزيد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وقال عبدالله بن\n_________\n(^١). يعني بالمقلين من هو قليل المال.\n(^٢). \"الكفاية\" ص ٣٩٠.\n(^٣). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٤٦٤، و\"الكفاية\" ص ٣٩٠.","vol":"1","page":20},{"text":"رومي اليمامي بحضرة ابن معين: هو أن يقول فيه: حدثنا، قال: حدثنا، ثم إذا قال: فلان عن فلان، كان كله حدثنا\" (^١).\nوقال محمد بن عبدالله بن عمار: \"قلت له: (يعني لحفص بن غياث) ما لكم حديثكم عن الأعمش إنما هو: عن فلان، عن فلان، ليس فيه حدثنا، ولا سمعت؟ قال: فقال: حدثنا الأعمش، قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول ...، قال: وذكر حديثًا آخر مثله، قال: وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع\" (^٢).\nوقال أبو زرعة: \"سألت أحمد بن حنبل عن حديث أسباط، عن الشيباني، عن إبراهيم، قال: سمعت ابن عباس، فقال: عن ابن عباس، فقلت: إن أسباط هكذا يقول، فقال: قد علمت، ولكن إذا قلت: عن فقد خلصته، وخلصت نفسي، أو نحو هذا المعنى\" (^٣).\nومراد أحمد أن أسباط يخطئ في جعله رواية إبراهيم سماعًا من ابن عباس، فأبدل بها أحمد صيغة عن، سترًا عليه، ولكي لا يظن موافقته على الخطأ.\nوقال أحمد في محمد بن سيرين: \"لم يسمع من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس\" (^٤)، والموجود في رواياته عن ابن عباس أكثره بالعنعنة أو\n_________\n(^١). \"معرفة الرجال\" ص ٢١٥، وانظر: \"تاريخ الدوري\" ١: ٣٠٦.\n(^٢). تهذيب الكمال\" ٧: ٦٣.\n(^٣). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٧٦٨، وانظر: \" مسند أحمد \" حديث (٢٠٤٩).\n(^٤). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٨٧، ٢: ٥٩٥، و\"المراسيل\" ص ١٨٦.","vol":"1","page":21},{"text":"بصيغة (أن)، والقليل منه فيه ما ذكره أحمد (^١).\nوقال عبدالله بن أحمد: \"قال أبي: رأيت سنيدًا عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتاب \"الجامع\" - يعني لابن جريج -، فكان في الكتاب: ابن جريج قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وأخبرت عن الزهري، وأخبرت عن صفوان بن سليم، فجعل سنيد يقول لحجاج: قل يا أبا محمد: ابن جريج، عن الزهري، وابن جريج، عن يحيى بن سعيد، وابن جريج، عن صفوان بن سليم، فكان يقول له هكذا.\nولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج، وذمَّه على ذلك، قال أبي: وبعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه؟ يعني قوله: أخبرت وحدثت عن فلان\" (^٢).\nقال ابن حجر بعد أن ذكر هذه القصة: \"وحكى الخلال عن الأثرم نحو ذلك. ثم قال الخلال: وروي أن حجاجًا كان منه هذا في وقت تغيره، ويرى أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح، إلا ما روى سنيد\" (^٣).\nوروى المروذي قال: \" قال أحمد: كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين، إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال، ثم قال: يقول: قال أبو الزناد، قال فلان، قال: وتنظر في كتاب يزيد بن هارون: عن\n_________\n(^١). انظر: \"تحفة الأشراف\" ٥: ٢٣١، و\" أطراف المسند\" ٢: ٢٧٢، ٣: ٢٦٠.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٥٥١.\n(^٣). \"تهذيب التهذيب\" ٤: ٢٤٤.","vol":"1","page":22},{"text":"أبي الزناد، كلها\" (^١).\nوقد جاء في نص واحد عن حماد بن زيد الابتداء بها من المحدث، والتعبير بها عن صيغة أخرى للشيخ، فقال عفان: \"جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد فجعل يقول: حدثنا محمد قال: سمعت شريحًا، حدثنا محمد قال: سمعت شريحًا، فجعل حماد يقول: يا أباالنضر: عن محمد، عن شريح، عن محمد، عن شريح\" (^٢).\nفاتضح مما تقدم أن صيغة (عن) محتملة للسماع وعدمه، إذ قد تكون هي أصل الرواية فهي في نفسها محتملة للسماع وعدمه، وقد تكون مبدلة عن صيغ صريحة في الاتصال أو الانقطاع أو عن صيغ محتملة.\nوقد تحدث المعلمي عن استخدام (عن) في الرواية فذكر أنها كلها من تعبير من دون الراوي (^٣)، والذي يظهر ما تقدم آنفًا أنها قد تكون من إنشاء الراوي نفسه، وإن كان الأغلب الأعم أنها من تعبير من دونه.\nوذكر أيضًا أنها مبدلة إما من صيغة صريحة كحدثنا، وسمعت، أو من صيغة محتملة كحدث وقال، ولا يحتمل أن تكون مبدلة من صيغة صريحة في الانقطاع مثل بلغني عن فلان، لأن فعل هذا من تدليس التسوية، لكن المعلمي رجع مرة أخرى فسلَّم بوقوع ذلك، حيث يكون الراوي معروفًا بالتدليس، فالراوي إذا كان كذلك، لا فرق بين أن تكون روايته بـ (عن)، أو مصرحًا\n_________\n(^١). \"علل المروذي\" ص ٣٨.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٧٩، وانظر أيضًا: ٢: ٥٣٦.\n(^٣). \"التنكيل\" ١: ٨٢.","vol":"1","page":23},{"text":"بالانقطاع (^١).\nوالذي ظهر لي أنها تستخدم بدلًا عن الصيغ الصريحة في الانقطاع مع المدلس ومع غيره، وقد تقدم في الأمثلة آنفًا ما يوضح ذلك، ويأتي له أمثلة تطبيقية في أماكن أخرى من هذا الكتاب.\nبل إنها تستخدم مع إسقاط راو في وسط الإسناد، ثم تجعل الرواية بين من دونه ومن فوقه بـ (عن)، سواء كان بقصد التدليس، كما يفعله من يدلس تدليس التسوية، وسيأتي هذا بأمثلته، أو بغير قصد التدليس، كما يفعله مالك وغيره (^٢).\nقال الجياني بعد أن تكلم على حديث أسقط فيه وهب بن جرير بن حازم أحد رواته، وربما ذكره: \" وإنما كان يسقطه وهب بن جرير بن حازم في بعض الأحايين، ويسوقه معنعنًا: على طريق التخفيف، وتقريب الإسناد، أو تزيينه\" (^٣).\nوسيأتي في المبحث الثاني أنها تستخدم بغير قصد الرواية، فليست مبدلة عن صيغة أداء أصلًا.\nفالخلاصة أن من قال: إن الرواة لا يبدلون (عن) إلا من صيغ صريحة في الاتصال، أو محتملة - لم يحرر قوله هذا جيدًا، والله أعلم.\nولما كانت هذه الصيغ محتملة للسماع وعدمه فقد شدد بعض الأئمة، فرأوا أن لا يقبل إلا ما فيه تصريح بالتحديث، وقد حكى هذا المذهب الحارث\n_________\n(^١). \"التنكيل\" ١: ٨٢، ٢٢٧ - ٢٢٩.\n(^٢). \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦١٨ - ٦٢١.\n(^٣). \"تقييد المهمل\" ٢: ٦٥٥.","vol":"1","page":24},{"text":"المحاسبي - فيما نقله عنه ابن حجر - عن جماعة لم يسمهم، قال: \"لابد أن يقول كل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت، إلى أن ينتهي إلى النبي - ﷺ -، فإذا لم يقولوا كلهم ذلك أو لم يقله إلا بعضهم فلا يثبت، لأنه عرف من عادتهم الرواية بالعنعنة فيما لم يسمعوه\" (^١).\nونقل الزركشي عن أبي العباس بن سريج حكايته عن الظاهرية أو من ذهب منهم إليه (^٢).\nونسبه الرامهرمزي إلى بعض المتأخرين من الفقهاء، ولم يسمهم (^٣).\nوكذا نسبه ابن الصلاح إلى من لم يسمه فقال: \"الإسناد المعنعن - وهو الذي يقال فيه: فلان عن فلان - عدّه بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع، حتى يتبين اتصاله بغيره\" (^٤).\nوممن اشتهر عنه هذا المذهب شعبة بن الحجاج، ومن أقواله في ذلك: \"كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام\" (^٥)، وقوله: \"كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خل وبقل\" (^٦)،\n_________\n(^١). \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٥٨٤.\n(^٢). \"البحر المحيط \" ٤: ٣١٧.\n(^٣). \"المحدث الفاصل\" ص ٤٥٠، و\" الكفاية\" ص ٢٩٠.\n(^٤). \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥٢.\n(^٥). \"المجروحين\" ١: ٣٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٢٢٥.\n(^٦). \"الجعديات\" ١: ١٣، و\"المجروحين\" ١: ٩٢، و\"الكامل ١: ٨٩، و\" المحدث الفاصل\" ص ٥١٧، و\"الكفاية\" ص ٢٨٣.","vol":"1","page":25},{"text":"وفي لفظ له: \"كل حديث ليس فيه: سمعت، قال: سمعت - فهو خل وبقل\" (^١).\nوكان - ﵀ - قد خبر الرواة، وهاله كثرة الإرسال عندهم، فكان يقول: \"لو أتيت محدثًا عنده خمسة أحاديث أصبت ثلاثة لم يسمعها\" (^٢).\nوكان يوصي بسؤال الرواة عن سماعهم، لاحتمال الإرسال، فكان يقول: \"وقِّفوهم، يصدقوا أو يكذبوا\" (^٣).\nوذكر ابن عبدالبر أن شعبة رجع عن قوله هذا (^٤)، لكنه مع حكاية الرجوع هذه قد اشتهر بتفقد السماع في الأسانيد، كما سيأتي في المبحث الثاني من الفصل الثاني.\nوروى سفيان بن عيينة قال: حدثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني عمرو بن أوس الثقفي، أن عبدالرحمن بن أبي بكر أخبره \"أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم\" (^٥)، ثم قال سفيان: \"وهذا بابة شعبة: أخبره، أن\n_________\n(^١). \"الكفاية\" ص ٣١٦.\n(^٢). \"الكامل\" ١: ٩١، و\" الجامع لأخلاق الراوي\" ٢: ٢٩٥.\n(^٣). \"الجعديات\" ١: ٨.\n(^٤). \"التمهيد\" ١: ١٣.\n(^٥). \"صحيح البخاري\" حديث (١٧٨٤)، (٢٩٨٥)، و\"صحيح مسلم\" حديث (١٢١٢)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٩٣٤)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٩٩٩)، و\"مسند أحمد\" ١: ١٩٧، و\"مسند الحميدي\" حديث (٥٦٣)، و\"سنن الدارمي\" حديث (١٨٦٩)، والإسناد عند بعضهم معنعن كله أو بعضه، وهذا مثال لما تقدم من تصرف الرواة في صيغ التحديث.","vol":"1","page":26},{"text":"النَّبِيّ - ﷺ - أمره، يقول: متصل\" (^١)، وفي لفظ له: \"كان شعبة يعجبه مثل هذا الإسناد - يعني: أخبرني، قال: أخبرني-\" (^٢).\nولا شك أن ما ذهب إليه هؤلاء أكثر احتياطًا للسنة النبوية، وأقرب إلى التثبت فيها، ولكن اشتراط ذلك يؤدي إلى مفسدة أعظم، إذ قد كثر من الرواة - كما تقدم آنفًا - عدم التصريح بالتحديث تخففًا خشية طول الإسناد، فاشتراط ذلك حينئذٍ يؤدي إلى مفسدة عظمى، وهي طرح كثير من السنن الثابتة، قال ابن رشيد: \"مقتضى النظر كان التوقف في هذا المعنعن حتى تُعلم صحةُ سماعه في كل حديث حديث، لما علم من أئمة الصناعة نقلًا من أنهم كانوا يكسلون أحيانًا فيرسلون، وينشطون تارة فيسندون، لكن لما تعذر ذلك وشق تعرفه مشقة لا خفاء بها اقتنع بما ذكرناه من معرفة السماع في الجملة، مع السلامة من وصمة التدليس، معتضدًا ذلك بقرينة شهادة بعضهم على بعض بقولهم: فلان عن فلان، المفهمة قصد الاتصال\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"وهذا المذهب - وهو اشتراط التحديث في كل رواية - وإن قلَّ القائل به بحيث لا يسمى ولا يعلم - فهو الأصل الذي كان يقتضيه الاحتياط ...، ولو اشترط ذلك لضاق الأمر جدًا، ولم يتحصل من السنة إلا النزر اليسير، فكأن الله تعالى أتاح الإجماع عصمة لذلك، وتوسعة علينا،\n_________\n(^١). \"مسند الحميدي\" حديث (٥٦٣).\n(^٢). \"مسند الحميدي\" حديث (٥٦٣)، و\"سنن الدارمي\" حديث (١٨٦٩)، و\" الجعديات\"\n١: ١٤، وانظر: \"حلية الأولياء\" ٧: ١٥٣.\n(^٣). \"السنن الأبين\" ص ٣١.","vol":"1","page":27},{"text":"والحمد لله\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وأما من حيث النظر، فكان الأصل كما قدمنا: ألا يقبل\nإلا ما علم فيه السماع حديثًا حديثًا، عند من لا يقول بالمرسل، لاحتمال الانفصال، إلا أن علماء الحديث رأوا أن تتبع طلب لفظ صريح في الاتصال يعز وجوده ... \" (^٢).\nوقد حكى الإجماع على قبول الإسناد المعنعن في الجملة غير واحد من الأئمة، منهم الخطيب، وابن عبدالبر، وابن رشيد، وغيرهم (^٣).\nوفسر ابن حجر حكاية الإجماع مع وجود الخلاف السابق بأنه إجماع بعد انقراض الخلاف (^٤).\nوأما ابن رشيد فعكس القضية، فقال بعد أن نقل ما تقدم عن الرامهرمزي أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين: \"وإذ بان أنه قول لبعض الفقهاء المتأخرين، فهو مسبوق بإجماع علماء الشأن\" (^٥).\nومع هذا الإجماع فلا يزال التصريح بالتحديث أقوى من عدمه، كما قال الخطيب: \"وقول المحدث: حدثنا فلان، قال: حدثنا فلان - أعلى منزلة من قوله: حدثنا فلان، عن فلان، إذ كانت (عن) مستعملة كثيرًا في تدليس ما\n_________\n(^١). \"السنن الأبين\" ص ٤٤ - ٤٧.\n(^٢). \"السنن الأبين\" ص ٦٢.\n(^٣). \" الكفاية \" ص ٢٩١، و\"التمهيد\" ١: ١٢، ١٣، و\"السنن الأبين\" ص ٤٧.\n(^٤). \"النكت\" ٢: ٥٨٤.\n(^٥). \"السنن\" الأبين\" ص ٤٩.","vol":"1","page":28},{"text":"ليس بسماع\"، ثم أخرج عن بشر بن بكر قوله: \"ذهب أهل العراق بحلاوة الحديث، يقولون: عن فلان، عن فلان، ولا يقولون: حدثنا ولا أخبرنا\" (^١).\nومثل ذلك قول أحمد في ثنائه على محدثي البصرة: \"ما رأيت قومًا سود الرؤوس في هذا الشأن مثل أهل البصرة - يعني الحديث والألفاظ - كأنهم تعلموه من شعبة\" (^٢)، وفي مقابل ذلك قوله في أهل الكوفة: \"أهل الكوفة ليس لحديثهم نور، لا يذكرون الأخبار\" (^٣).\nوروى ابن محرز قال: \"سمعت علي بن المديني يقول: حدثني حبان بن هلال، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني يعلى بن حكيم، أن يوسف بن ماهك حدثه، أن عبدالله بن عصمة حدثه أن حكيم بن حزام حدثه: \"أن النَّبِيّ - ﷺ - نهاه عن بيع ماليس عنده\"، قال حبان: هذا الدست بدست\" (^٤).\n_________\n(^١). \"الكفاية\" ص ٢٨٩.\n(^٢). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٠٠.\n(^٣). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٠٠، وليس في المطبوع حرف النفي (لا)، وهو في المخطوطة كأنه موجود فوق السطر، وبه يتم المعنى فيما أرى.\n(^٤). \"معرفة الرجال\" ٢: ١٨٦.\nوالحديث أخرجه النسائي كما في \"تحفة الأشراف\" ٤: ٧١، وابن الجارود حديث (٦٠٢)، والطحاوي ٤: ٤١، وابن حبان حديث (٤٩٨٣)، من طرق عن يحيى بن أبي كثير به، وانظر: \"إتحاف المهرة\" ٤: ٣٢٥.","vol":"1","page":29},{"text":"ومعناها: يدًا بيد، والدست بالفارسية: اليد (^١).\n_________\n(^١). \"الألفاظ الفارسية المعربة\" لأدي شير الأشوري، ذكر ذلك أحمد شاكر في حاشيته على كتاب \"المعرب\" للجواليقي ص ٢٨٥.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني\nالرواية عن الشخص والرواية لقصته</span>\nأول ما يهتم به دارس الاتصال والانقطاع في الإسناد التأمل في صيغة الأداء هل قصد بها الرواية عن الشخص، أو قصد بها حكاية قصة له، فيكون ذكره في المتن لا في الإسناد؟ .\nوحكاية قصة لشخص ما تارة تكون بصيغة ظاهرة في ذلك، مثل أن يقول الراوي - كسعيد بن المسيب، أو عروة بن الزبير مثلًا -: جاء أبوبكر إلى النبي - ﷺ -، أو دخل أبوبكر على النبي - ﷺ -، أو قال أبوبكر للنبي - ﷺ - كذا.\nومعنى الظهور هنا أن مثل هذه الصيغ لا تستخدم في الرواية عن الشخص، فلم يقصد سعيد أو عروة هنا أن يحكي القصة عن أبي بكر، وإنما هو يحكي قصة أبي بكر.\nوتارة تكون بصيغة فيها شيء من الخفاء، لكونها تستخدم في الرواية عن الشخص مع تغيير يسير، وذلك في صيغة (أن فلانًا)، فهذه الصيغة تستخدم بغرض الرواية عن الشخص إذا قرنت بلفظ (قال) أو (ذكر) ونحوهما، فيقول الراوي - كالأعرج مثلًا -: أن أباهريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -.\nوتستخدم أيضًا في حكاية قصة للشخص، كما إذا قال الأعرج: أن أباهريرة سلَّم على النبي - ﷺ -، أو دخل عليه، ونحو ذلك.\nفإذا قصد بها الرواية فهي صيغة من الصيغ المحتملة للسماع وعدمه، مثل","vol":"1","page":31},{"text":"(عن) و(قال) و(ذكر) ونحوها، وإذا قصد بها حكاية القصة فليست صيغة رواية عن الشخص، وإنما هي صيغة لحكاية قصته.\nقال الخطيب في صفة الحافظ: \" ...، يميز الروايات بتغاير العبارات، نحو عن فلان، وأن فلانًا، ويعرف اختلاف الحكم في ذلك، بين أن يكون المسمى صحابيًا، أو تابعيًا\" (^١).\nوعلى المعنى الثاني - وهو حكاية قصة الشخص لا الرواية عنه - خرَّج الأئمة المتأخرون - كابن المَوَّاق، وابن رجب، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي (^٢) - تفريق أحمد، ويعقوب بن شيبة، والبرديجي بين (عن)\nو(أن)، فالتفريق بينهما يكون إذا قصد بصيغة (أن) حكاية القصة لا الرواية عن الشخص، ورد هؤلاء الأئمة على من فهم من كلام هؤلاء التفريق بينهما مطلقًا، وأن صيغة (أن) محمولة على الانقطاع أبدًا (^٣).\nفقد ذكر أبو داود أن أحمد سئل فقيل له: إن رجلًا قال: عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة - سواء؟ فقال: \"كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء\" (^٤).\n_________\n(^١). \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" ٢: ١٧٣.\n(^٢). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠١ - ٦٠٤، و\"التقييد والإيضاح\" ص ٨٤ - ٨٦، و\"النكت\" ٢: ٥٩٠ - ٥٩٣، و\"فتح المغيث\" ١: ١٩٤ - ١٩٨.\n(^٣). انظر: \"التمهيد\" ١: ٢٦، و\"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥٣، فقد فهما ذلك، إلا أن ابن عبدالبر لم يذكر سوى كلام البرديجي.\n(^٤). \"الكفاية\" ص ٤٠٨، وهو في \"مسائل أبي داود \" ص ٤٢٧، لكن لفظه: \"سمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: عروة أن عائشة، وعروة، عن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة: سواء؟ فقال: كيف هو سواء؟ - أي ليس هو بسواء - \".","vol":"1","page":32},{"text":"وأما يعقوب بن شيبة فإنه ذكر ما رواه أبوالزبير، عن ابن الحنفية، عن عمار قال: «أتيت النبي - ﷺ - وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد عليّ السلام»، وجعله مسندًا موصولًا، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: «أن عمارًا مر بالنبي - ﷺ - وهو يصلي ...»، فجعله مرسلًا (^١).\n_________\n(^١). \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥٤.\nورواية أبي الزبير، عن ابن الحنفية، عن عمار أخرجها أحمد ٤: ٢٦٣، وابن أبي شيبة ٢: ٧٥، وأبو يعلى حديث (١٦٣٤).\n\nوأخرجه البزار حديث (١٤١٥) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية، عن عمار قال: \"أتيت النَّبِيّ - ﷺ - وهو يصلي ... \".\nورواية عطاء، عن ابن الحنفية أن عمارًا مر بالنَّبِيّ - ﷺ -، أخرجها ابن قانع في \"معجم الصحابة\" ٢: ٢٥٠، وقد أخرجها النسائي حديث (١١٨٧)، وفي \"الكبرى\" حديث (٥٤١)، والبزار حديث (١٤١٦)، وأبو يعلى حديث (١٦٤٣)، والحازمي في \"الاعتبار\" ص ١٤٣، عن عطاء، عن ابن الحنفية، عن عمار: \"أنه سلم على النبي - ﷺ - وهو يصلي فرد عليه \"، ومدار الرواية عند الجميع على وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن محمد بن الحنفية به.\nوأخرجه عبدالرزاق حديث (٣٥٨٧) عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن علي بن الحسين: \"أن النَّبِيّ - ﷺ - سلم عليه عمار بن ياسر، والنَّبِيّ - ﷺ - يصلي ... \" الحديث، قال ابن جريج: أخبرني به عطاء، عن محمد بن علي، فلقيت محمد بن علي فسألته، فحدثني به.\nوعلقه الحازمي، ص ١٤٣، عن إسحاق بن راهويه، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي: \"أن عمار بن ياسر سلَّم على النَّبِيّ - ﷺ - وهو يصلي ... \" الحديث.","vol":"1","page":33},{"text":"ونقل ابن عبدالبر عن البرديجي قوله: \" (أن) محمولة على الانقطاع حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من طريق آخر، أو يأتي ما يدل على أنه قد شهده وسمعه\" (^١).\nوأوضح الأئمة - ابن المواق ومن معه - أن هذا التفريق بين (أن) إذا لم يقصد بها الرواية عن الشخص، وإنما سرد حكاية وقعت له، وبين (عن) - هو أيضًا قول سائر الأئمة، كأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، فقد حرصوا في كلامهم على الأحاديث على النص على هذا، وضربوا أمثلة لصنيعهم.\nقال ابن المواق في شرح مذهب الأئمة في الرواية بـ (أن) إذا حكى الراوي بها قصة: \" ...، وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة ... \" (^٢).\nوما ذكره هؤلاء الأئمة ظاهر، إلا أنني رأيت الترمذي لما أخرج حديث ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله - ﷺ - يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي»، عقبه بقوله: \"حديث صفوان رواه معمر وغيره عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله - ﷺ - ...»،\n_________\n(^١). \"التمهيد\" ١: ٢٦.\n(^٢). \"التقييد والإيضاح\" للعراقي ص ٨٦، نقلًا عن كتاب ابن المواق \"بغية النقاد\".","vol":"1","page":34},{"text":"وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما هو: سعيد بن المسيب، أن صفوان\" (^١).\nفظاهر كلام الترمذي التفريق بين (عن) و(أن) رغم قصد الرواية بـ (أن) عن صفوان، لا حكاية قصته، وعلى هذا مشى أحد الإخوة الباحثين، اعتبر كلام الترمذي حكاية للاختلاف في الوصل والإرسال، ولم يتردد الباحث في ذلك.\nفيحتمل أن يكون الترمذي يذهب إلى التفريق بينهما مطلقًا كما هو ظاهر صنيعه، ويحتمل - على بعد - أن يكون قد سها في حكاية رواية معمر، فقد أخرجها ابن جرير من طريق محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري قال: قال صفوان بن أمية (^٢)، هكذا ليس فيه سعيد بن المسيب، فيكون الاختلاف المؤثر بين رواية يونس بن يزيد، وبين رواية معمر: ذكر سعيد بن المسيب وحذفه، لا صيغة الرواية.\nوالمعروف عن أئمة النقد هو ما ذكره ابن المَوَّاق ومن معه، من أن التفريق بينهما إذا قصد الراوي حكاية القصة بـ (أن) لا الرواية عن الشخص، وقد أخرج مسلم حديث صفوان هذا من طريق ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري كرواية معمر التي ذكرها الترمذي، وفيها: أن صفوان قال (^٣)، وحينئذٍ فقد اتحدت الصيغتان في هذا الحديث وأمثاله، وينصب البحث على سماع سعيد بن المسيب من صفوان - هل سمع منه أو لا؟ .\n_________\n(^١). \"سنن الترمذي\" حديث (٦٦٦).\n(^٢). \"تفسير ابن جرير\" ١: ١٦٢.\n(^٣). \"صحيح مسلم\" حديث (٢٣١٣).","vol":"1","page":35},{"text":"وأشدُّ خفاء من حكاية قصة للشخص بصيغة (أن) هو حكايتها بصيغة (عن)، فيقول الراوي: عن فلان أنه فعل كذا، إذ ظاهر هذا أنه يروي عنه، ويسند سرد الحكاية إليه، إذ الغالب في (عن) أنها تستخدم في الرواية عن الشخص، ولذلك استوجب التنبيه هنا إلى أن بعض الرواة ربما استخدمها أيضًا لا بقصد الرواية عن الشخص، وإنما بغرض حكاية قصته، وقد نص على صنيعهم هذا جماعة من الحفاظ، كسليمان بن حرب، وأحمد، وموسى، ويزيد بن هارون، والإسماعيلي وغيرهم (^١).\nوالذي يصنع هذا - فيما يظهر - هو أحد رواة الإسناد بعد راوي القصة، فكما أنهم استبدلوا بصيغ الرواية الأخرى الصريحة كحدثنا وسمعت، أو أخبرت عن فلان، وغير الصريحة كقال وذكر صيغة عن - كما تقدم هذا في المبحث الأول - استبدلوا أيضًا بالصيغ التي قصد بها حكاية قصة عن الشخص بصيغة (عن)، وأسندوها إلى صاحب القصة.\nولا شك أن استبدال صيغة رواية بصيغة رواية أخرى أمر مقبول، إما أن تستبدل بصيغة حكاية قصة للشخص صيغة رواية عنه ويُسند ذلك إليه ففيه ما فيه، ولذا وصفه أحمد بأنهم كانوا يتساهلون فيه، كما سيأتي قريبًا عنه، ووصفه ابن رجب بأنه \"يقع ذلك منهم أحيانًا على وجه التسامح وعدم التحرير\" (^٢).\nوربما عبر بعض الأئمة عن هذا بأنه خطأ أو وهم، أو بأن الأصح جعله\n_________\n(^١). انظر: \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠٣، ٦٠٤، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٥٩٠، و\"فتح المغيث\" ١: ١٩٤.\n(^٢). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠٤.","vol":"1","page":36},{"text":"حكاية عن القصة (^١).\nوهناك سبيلان لحمل (عن) على حكاية القصة لا على الرواية:\nالسبيل الأول: أن يعرف ذلك من متن الرواية، كأن يكون صاحب القصة فيها ذكر موته، فلا سبيل حينئذٍ إلى حملها على قصد الرواية، لاستحالة ذلك، ولهذا أمثلته (^٢).\nالسبيل الثاني: معرفة ذلك من الطرق الأخرى للحديث، فبعد جمع الطرق يتضح التغيير في الصيغة، وهذا هو الذي اعتنى به أئمة النقد، وهو جزء من علم (علل الحديث).\nومن أمثلته ما رواه يزيد بن الهاد ويحيى بن سعيد الأنصاري - في رواية بعض أصحابه عنه - عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري ﵁، في قصة رجل من بهز وصيده الحمار الوحشي (^٣).\nورواه يحيى بن سعيد الأنصاري في رواية بعض أصحابه، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن الرجل البهزي (^٤).\n_________\n(^١). ينظر مثلًا: \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ١١٦، حديث (٣١٤)، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٥٦.\n(^٢). \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٥٨٦ - ٥٨٨.\n(^٣). \"سنن النسائي \" حديث (٤٣٥٥)، و\"مسند أحمد \" ٣: ٤١٨، و\"صحيح ابن حبان \" حديث (٥١١٢).\n(^٤). \"سنن النسائي \" حديث (٢٨١٧)، و\"مسند أحمد \" ٣: ٤٥٢، و\"صحيح ابن حبان \" حديث (٥١١١).","vol":"1","page":37},{"text":"قال إسماعيل بن إسحاق القاضي تعليقًا على هذا الاختلاف: \" قولهم: عن البهزي، زيادة في الإسناد، لا أنه من رواية البهزي عن النبي - ﷺ - ....، وقد رأيت سليمان بن حرب ينكر أن يكون عمير رواه عن البهزي، وجعل سليمان يغضب ويقول: إنما الحديث عن عمير بن سلمة، عن النبي - ﷺ -، والذين قالوا: عن البهزي - إنما هو لأن البهزي هو صاحب القصة، لا أن عمير بن سلمة رواه عنه، وهو عندنا كما قال سليمان بن حرب ... \" (^١).\nوقال موسى بن هارون: \" ليس الوهم فيه عندي من الجماعة الذين رووه عن يحيى فقالوا في إسناده: عن البهزي، لأن فيهم مالك بن أنس وغيره من الرفعاء، ولكن يحيى بن سعيد كان - أرى - يرويه أحيانًا فلا يقول فيه: عن البهزي، ويرويه أحيانًا فيقول فيه: عن البهزي، وكان هذا عند المشيخة الأول جائزًا، يقولون: عن فلان، وليس هو عن رواية فلان، وإنما هو عن قصة\nفلان ... \" (^٢).\nوما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناده إلى الأثرم قال: \"قلت لأبي عبدالله: حديث سفيان، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبدالله بن حذافة في\n(أيام التشريق)، سفيان أسنده، وقال مالك بن أنس: إن النبي - صلى الله عليه\n_________\n(^١). \"علل الدارقطني \" ٤: الورقة ٩٩.\n(^٢). \"مسند الموطأ \" للجوهري ص ٦٠٥، و\"علل الدارقطني \" ٤: الورقة ٩٨ - ٩٩، وانظر: \"التمهيد\" ٢٣: ٣٤٣.\nوانظر في بقية طرق الحديث والكلام عليه: \"علل ابن أبي حاتم \" حديث (٨٩٨) بتحقيق تركي الغميز.","vol":"1","page":38},{"text":"وسلم - بعث عبدالله بن حذافة؟ فقال: نعم، مرسل، وسليمان بن يسار لم يدرك عبدالله بن حذافة، قال: وهم كانوا يتساهلون بين: عن عبدالله بن حذافة، وبين: أن النبي - ﷺ - بعث عبدالله بن حذافة، وهو مرسل.\nوقلت لأبي عبدالله: وحديث أبي رافع: «أن النبي - ﷺ - بعثه يخطب ميمونة»، قال مالك: عن سليمان بن يسار، أن النبي - ﷺ -، وقال مطر: عن أبي رافع، فقال: نعم، وذاك أيضًا\" (^١).\nومن أمثلته أيضًا ما رواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب،\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٨١.\nوحديث عبدالله بن حذافة من رواية سفيان، عن أبي النضر أخرجه النسائي في \"الكبرى\" حديث (٢٨٧٦)، ومن رواية مالك، عن أبي النضر أخرجه النسائي أيضًا حديث (٢٨٧٧)، لكن لم يذكر عبدالله بن حذافة.\nوقد وقع مثل الاختلاف الذي أشار إليه أحمد في هذا الحديث بعينه بين سفيان، ومالك، في روايتهما لهذا الحديث عن عبدالله بن أبي بكر، عن سليمان بن يسار، فقد أخرج رواية سفيان أبوبكر البرقاني في \"مستخرجه على مسلم\" فيما ذكر المزي في \"تحفة الأشراف\" ٤: ٣١١، مقرونة برواية سفيان، عن سالم أبي النضر، وقال البرقاني بعده: \"وقال عبدالرحمن ابن مهدي حين حدث بهذا الحديث: حدثنا مالك بن أنس - ولا أراه إلا كان أحفظ من سفيان - عن عبدالله بن أبي بكر، عن سليمان بن يسار: \"أن النبي - ﷺ - أمر ابن حذافة أن ينادي أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب\".\nوأما حديث أبي رافع فرواية مالك في \"الموطأ\" ١: ٣٤٨، ورواية مطر أخرجها الترمذي، حديث (٨٤١)، والنسائي في \"الكبرى\" حديث (٥٤٠٢)، ومالك ومطر يرويانه عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار.","vol":"1","page":39},{"text":"أن سعدًا أتى النَّبِيّ - ﷺ - فقال: \"أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء\" (^١).\nوكذا رواه مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة به (^٢).\nورواه شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، قال: \"قلت: يا رسول الله ... \"، وفي بعض طرقه إلى شعبة: عن سعد بن عبادة أنه أتى النَّبِيّ .... (^٣).\nوكذا رواه وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة قال ...، وفي بعض طرقه إلى وكيع: عن سعد بن عبادة أنه أتى النَّبِيّ .. (^٤).\nوسعيد بن المسيب لم يدرك سعد بن عبادة، كما هو ظاهر من ترجمتيهما، ومجموع هذه الروايات تدل على أن سعيد بن المسيب يروي قصة سعد، لا يرسل الحديث عنه رواية، وأن قتادة - أو من دونه - يتجوز في استعمال (عن) في غير موضع الرواية.\n_________\n(^١). \"سنن أبي داود\" حديث (١٦٧٩)، و\" المستدرك\" ١: ٤١٤.\n(^٢). \"مسند الهيثم بن كليب\" حديث (١٥١) غير أنه أورده في أحاديث سعد بن أبي وقاص، وهو عنده غير مسمى، والصواب أنه سعد بن عبادة.\n(^٣). رواية شعبة أخرجها أبو داود حديث (١٦٨٠)، وابن خزيمة حديث (٢٤٩٦)، والبيهقي ٤: ١٨٥.\n(^٤). \"سنن النسائي\" حديث (٣٦٦٦ - ٣٦٦٧)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٣٦٨٤)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٢٤٩٧)، و\" صحيح ابن حبان\" حديث (٣٣٤٨)، و\"المعجم الكبير\" حديث (٥٣٧).","vol":"1","page":40},{"text":"وروى الفضل بن موسى، عن سفيان الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ: \"أنها اختلعت على عهد النَّبِيّ - ﷺ -، فأمرها النَّبِيّ - ﷺ - أو أمرت - أن تعتد بحيضة\" (^١).\nورواه وكيع، عن سفيان، عن محمد بن عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار: \"أن الربيع اختلعت، فأمرت بحيضة \" (^٢).\nدلت رواية وكيع أن قوله في رواية الفضل بن موسى: عن الربيع، أي عن قصتها، لا أن سليمان يرويه عنها.\nوالقاعدة في جميع ما تقدم أن كل صيغة تبين أن الراوي قصد بها الرواية عن الشخص، أو من حضر قصته، سواء كان من ظاهر الصيغة، أو عرف ذلك بقرينة في المتن (^٣)، فإنه يبحث في الاتصال بينهما، هل يثبت أولا؟ وكل صيغة تبين أن الراوي قصد بها حكاية قصة الشخص وليس الرواية عنه - سواء عرف ذلك من ظاهر لفظ الصيغة، أو من متن الحديث، أو من الطرق الأخرى - فإنه لا يبحث في اتصال الإسناد وانقطاعه بين الراوي وبين صاحب القصة، هل سمع منه أو لا؟، لأنه تبين أنه لم يرد الرواية عنه، وإنما يكون النظر في حاكي القصة هل أدرك زمانها أو لا؟ فإن لم يكن أدرك زمانها فالإسناد منقطع ابتداء،\n_________\n(^١). \"سنن الترمذي\" حديث (١١٨٥)، و\"المنتقى\" حديث (٧٦٣).\n(^٢). \"مصنف ابن أبي شيبة\": ١١٤.\n(^٣). تأتي بعض الروايات في ظاهرها حكاية قصة الشخص، ولكن في أثناء المتن ما يدل على أنه يرويها عن صاحب القصة، أو عمن حضرها، انظر: \"هدي الساري\" ص ٣٦٢، ٣٦٨، ٣٧١، ٣٧٣، ٣٧٧، و\"النكت الظراف\" ٨: ٦.","vol":"1","page":41},{"text":"وإن كان أدرك زمانها ويمكنه حضورها ومشاهدتها فيبحث في اتصال الإسناد.\nفإذا روى الصحابي قصة مرفوعة للنبي - ﷺ - مع بعض أصحابه، فإن كان الصحابي يمكنه إدراكها ومشاهدتها فهو متصل، وإلا - كأن تكون القصة في مكة وهو أنصاري، أو في أول الهجرة وقد تأخر إسلامه - فهو مرسل صحابي، وحكمه حكم الذي قبله، إذ ليس في قبول مراسيل الصحابة خلاف يذكر، وإن كان راوي القصة تابعيًا فهو مرسل تابعي، ولا يلتفت إلى سماعه من ذلك الصحابي، لأنه لم يسندها إليه.\nوإن روى التابعي حكاية جرت لصحابي غير مرفوعة فإن كان يمكنه إدراكها وحضورها، وقد علم سماعه من ذلك الصحابي، فهو متصل، بشرط أن لا يعرف الراوي بالتدليس، وإن لم يمكنه حضورها فهو منقطع، حتى وإن كان قد سمع من ذلك الصحابي صاحب القصة، إذ قد يكون سمع منه، لكن تلك القصة وقعت في وقت لا يمكنه السماع منه وحضور قصة له، وهو لم يسندها إليه رواية (^١).\nوكثيرًا ما يتفق أن يروي الراوي القصة في بعض الطرق حاكيًا لها، وفي بعض الطرق يسندها إلى صاحب القصة، وهو يمكنه حضورها، وقد سمع من صاحبها، فمثل هذا متصل على كل حال، لكن ينظر ما هو المحفوظ من جهة قواعد الرواية واختلافها، هل الصواب أنه يحكيها هو، أو الصواب أنه يسندها عن صاحبها، أو كلاهما صواب؟\n_________\n(^١). انظر: \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠١، و\" التقييد والإيضاح\" ص ٨٦، و\"النكت\" ٢: ٥٩١.","vol":"1","page":42},{"text":"ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر، عن عمر أنه سأل رسول الله - ﷺ -: «أينام أحدنا وهو جنب ...» الحديث، وفي بعض طرقه عن ابن عمر «أن عمر قال: يا رسول الله ....» الحديث (^١).\nوحديث أنس في قصة زواج عبدالرحمن بن عوف في أول الهجرة، فقد حكى القصة أنس، وأسندها أيضًا عن عبدالرحمن (^٢).\nوالذي دعاني إلى إفراد هذا الموضوع - وهو الفرق بين رواية الراوي عن الشخص وبين حكايته لقصته - بمبحث مستقل هو أنني رأيت بعض من يتكلم على الأحاديث لا يراعي هذا الفرق، فربما بحث عن سماع الراوي ممن فوقه وقصد الرواية عنه غير موجود، كما وقع للحاكم حين ذكر قصة رؤيا عبدالله بن زيد للأذان، من رواية سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن زيد، فقد تكلم على إثبات سماع سعيد بن المسيب من عبدالله بن زيد (^٣).\nوبصرف النظر عن مناقشة الحاكم في إثبات سماعه منه، فإن جعله من رواية سعيد، عن عبدالله بن زيد جاء في رواية محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، لكن أصل الرواية حكاية سعيد للقصة مرسلة لا يسندها إلى عبدالله بن زيد، هكذا رواه الحفاظ من أصحاب الزهري، وهم معمر، وشعيب بن\n_________\n(^١). انظر: \"تحفة الأشراف\" حديث (٧٢٢٤، ٧٧٨١، ٧٧٨٨، ٧٩٣٧، ٨٠١٩، ٨١٧٨، ٨٢٤٧، ٨٣٠٣، ٨٥٣٠، ٨٥٨٧، ١٠٥٣٤، ١٠٥٤١، ١٠٥٥٢، ١٠٥٧٧).\n(^٢). انظر: \"تحفة الأشراف\" حديث (٢٨٨، ٥٧٦، ٦٦٨، ٦٧٨، ٧٣٦، ٧٩٨، ٨٠٢، ١٠٢٤، ٩٧١٦).\n(^٣). \"المستدرك\" ١: ٣٣٦.","vol":"1","page":43},{"text":"أبي حمزة، ويونس بن يزيد (^١)، فدل على أن في رواية ابن إسحاق تجوزًا وتسامحًا، وأن المقصود بها عن قصة عبدالله بن زيد.\nوأخرج الترمذي من طريق مالك بن مغول، عن عبدالرحمن بن سعيد بن وهب، أن عائشة ﵂ - زوج النَّبِيّ - ﷺ - قالت: \"سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ ... \" الحديث، ثم قال الترمذي: \" وقد روي هذا الحديث عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ - ﷺ - نحو هذا \" (^٢).\nفعلق أحد الباحثين على كلام الترمذي هذا بأنه لم يقف عليه من حديث أبي هريرة، وإنما وقف عليه من رواية أبي هريرة، عن عائشة، وذكر في ذلك ما أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس الملائي، عن عبدالرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: \"قالت عائشة: يا رسول الله ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾ ... \" الحديث (^٣).\nولم ينتبه الباحث إلى أن هذا الحديث لأبي هريرة، وليس لعائشة، فهو يحكي قصتها، لا يرويها عنها.\nولما ذكر أحد الباحثين حديث محمد بن عمرو الواقفي، عن محمد بن\n_________\n(^١). رواية ابن إسحاق أخرجها أحمد ٤: ٤٢، وابن خزيمة حديث (٣٧٣)، ورواية معمر أخرجها عبدالرزاق حديث (١٧٧٤)، ورواية شعيب أخرجها يعقوب الفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" ١: ٢٦٠، والبيهقي ١: ٤٢٢، ورواية يونس أخرجها البيهقي ١: ٤١٤.\n(^٢). \"سنن الترمذي\" حديث (٣١٧٥)، وحديث عائشة أخرجه أيضًا ابن ماجه حديث (٤١٩٨)، وأحمد ٦: ١٥٩، ٢٠٥.\n(^٣). \"تفسير ابن جرير \" ١٨: ٣٣.","vol":"1","page":44},{"text":"سيرين، عن محمد بن عبدالله بن زيد قال: «أراد النبي - ﷺ - في الأذان شيئًا فجاء عمي عبدالله بن زيد ....» الحديث (^١) - عبر هذا الباحث عن هذا الإسناد حين أراد أن يبين الاختلاف على محمد بن عمرو حيث رواه على أوجه أخرى - بقوله: \"فقال مرة: عن محمد بن سيرين، عن محمد بن عبدالله بن زيد، عن عمه عبدالله بن زيد، كما عند البخاري في تاريخه\".\nوالمؤاخذة على الباحث إن كان لا يدرك الفرق بين حكاية قصة الشخص، وبين الرواية عنه، أما إن كان يدرك ذلك، وأراد التسامح، دون أن يبني عليه شيئًا، فالخطب سهل، فإن الأئمة يتسامحون كثيرًا في حكاية الرواية، كما يفعله الدارقطني في كتابه \"العلل\"، وذلك حين يسوق الاختلاف، يستخدم (عن)، وإن كان الراوي يحكي القصة، فإذا روى الدارقطني هذا رواية أتى بالإسناد كما هو (^٢)، فينتبه لذلك.\nولا شك أن الفرق بين الرواية عن الشخص، والرواية لقصته - من المواضيع الدقيقة في علم الرواية، فهو مزلة قدم، سواء للمتكلمين على الأسانيد، أو للرواة أنفسهم أيضًا، فحديث البهزي الذي تقدم التمثيل به قريبًا جاء من رواية عباد بن العوام، ويونس بن راشد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، أن البهزي أخبره (^٣).\nولو صح هذا لم يستقم أن يقال: إن من قال فيه: عن عمير بن سلمة، عن\n_________\n(^١). \"التاريخ الكبير\" ٥: ١٨٣، و\"سنن البيهقي\" ١: ٣٩٩.\n(^٢). ينظر مثلًا: \"العلل\" ١: ١٩٣ - ٢١١.\n(^٣). \"علل الدراقطني \" ٤: الورقة ١١٩.","vol":"1","page":45},{"text":"البهزي - أراد عن قصة البهزي، لأن في هذا الإسناد التصريح بتحديث البهزي به لعمير بن سلمة، لكن هذا التصريح لا يصح، ولذا قال ابن حجر: \" يحتمل أن يكون ذلك وهمًا منهما، ظنا أن قوله: عن البهزي على سبيل الرواية، فروياه بالمعنى، فقالا: حدثه \" (^١).\nومن طريف ما وقع من ارتباك الباحث في فهم صيغة الرواية، أن أحد الباحثين سألني: هل سمع الحسن البصري، من الحسن بن علي ﵁؟ فسألته عن الباعث على سؤاله هذا، فذكر أن ابن أبي شيبة روى عن وكيع، عن الفضل بن دلهم، عن الحسن، قال: \"جاء رجل إلى الحسن فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا، قال: بانت منك العجوز\" (^٢).\nفلما تأملت الإسناد تبين لي أن الحسن الثاني هو الأول، وهو الحسن البصري، فقول الفضل بن دلهم أولًا: عن الحسن، أي أروي عن الحسن قولًا له في قصة، ثم أنشأ الفضل يحكي القصة ومعها قول الحسن.\nولا شك أن الباحث معذور في هذا، لغموضه، ويحتاج الباحث إلى كثرة قراءة في الأسانيد، فإن الرواة يتفننون في أساليب الرواية، وتكثر منهم الجمل المعترضة، وعطف الأسانيد بعضها على بعض دون تمييز (^٣).\nوأما إذا كان الأمر ظاهرًا، كما يصنع بعض الباحثين، حين يتكلمون عن الاتصال والانقطاع بين الراوي ونفسه، فيتكلمون على تدليس الراوي مع أن\n_________\n(^١). \"تهذيب التهذيب \" ٨: ١٤٧، وانظر: \"الإصابة \" ٧: ١٦٥.\n(^٢). \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٥: ١٤.\n(^٣). سيأتي شرح هذا في قسم \"مقارنة المرويات\" في الفصل الأول منه.","vol":"1","page":46},{"text":"النص من كلامه هو، أو القصة وقعت له هو يحكيها تلميذه، فلا عذر له فيه حينئذ.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>الفصل الثاني\nسماع الراوي ممن روى عنه</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه.\nالمبحث الثاني: اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الأول\nالطريق إلى معرفة سماع الراوي ممن روى عنه</span>.\nهناك ثلاث طرائق للتحقق من سماع الراوي ممن روى عنه يسلكها الباحثون، سأتناولها في هذا المبحث، موضحًا درجة الاعتماد على كل طريقة منها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الطريقة الأولى: النظر في ترجمة الراويين في كتب الجرح والتعديل، للوقوف على أنه يروي عنه</span>، فإن وجد الباحث في الترجمتين أو إحداهما أنه يروي عنه حكم بالاتصال بينهما، وإلا توقف في ذلك.\nولما كان أشهر الكتب عناية بهذا الجانب كتاب \"تهذيب الكمال\" للمزي - الذي هذّب به كتاب \"الكمال\" لعبدالغني المقدسي - صار الاعتماد عليه، فنرى كثيرًا من الباحثين يستدل على الاتصال بين راوٍ وآخر بأن المزي ذكر في ترجمته أنه يروي عنه، أو العكس، كما يستدل بعضهم على الحكم بالانقطاع بينهما أو بأن فلانًا ليست له رواية عن فلان بعدم ذكر المزي لذلك.\nوقد رأيت بعض الأئمة يفعل ذلك أيضًا بالنسبة للحكم بالاتصال، فقد ذكر البيهقي قول البخاري: \"لا أعرف لأبي خالد الدالاني سماعًا من قتادة\" (^١)، فتعقبه ابن التركماني بقوله: \"ذكر صاحب \"الكمال\" أنه سمع من قتادة\" (^٢).\nوالظاهر أن ابن التركماني يعني بذلك ذكر عبدالغني المقدسي لقتادة فيمن\n_________\n(^١). \"سنن البيهقي \" ١: ١٢٠، وقول البخاري رواه عنه الترمذي في \"العلل الكبير \"\n١: ١٤٩.\n(^٢). \"الجوهر النقي \" ١: ١٢٠.","vol":"1","page":51},{"text":"روى عنه أبوخالد الدالاني، واعتبر ذلك حكمًا منه بالسماع.\nولما كان أشهر كتاب بيد الباحثين يعتني بمن روى عنه صاحب الترجمة أو روى عن صاحب الترجمة هو كتاب المزي فسأكتفي بالحديث عنه.\nوأبدأ بالقضية الثانية - وهي الحكم بالانقطاع بمجرد ذلك - إذ إن أمرها واضح جدًا، فهي طريقة مخطئة تمامًا، فالمزي وغيره لم يستوعبوا جميع من روى عن المترجم له، أو روى عنه المترجم له، ولا سبيل إلى استيعاب ذلك في أغلب الرواة، وقد حاول الإمام مغلطاي تتميم عمل المزي بإضافة ما يقف عليه ممن أغفلهم المزي في كتابه \"إكمال تهذيب الكمال\" فأفاد جدًا، لكنه أيضًا لم يستوعب\nوابن حجر في مختصره \"تهذيب التهذيب\" توقف عند عمل مغلطاي، وأشار إلى أن الفائدة إنما تكون لو تم استقصاء ذلك، ولا سبيل إليه، فعمد إلى حذف كثير ممن ذكرهم المزي (^١)، ولايشك أحد أنه لو تمم عمل مغلطاي بإضافة من يقف عليه لكان أجود من المنهج الذي اختاره، لكن الشاهد هنا هو قوله: إنه لا سبيل إلى استيعابهم، وهذا حق، فعلى سبيل المثال ذكر المزي في ترجمة حماد بن سلمة من روى عنهم حماد، فبلغوا مائة واثنين وعشرين راويًا، فذكر أحد الباحثين أنه وقف على نحو هذا العدد ممن يروي عنهم حماد، لكن بعضهم قد ذكر المزي في تراجمهم أنه يروي عنهم (^٢).\nوعليه فلا يصح الحكم بالانقطاع بمجرد أن المزي وبعده مغلطاي لم يذكرا\n_________\n(^١). \"تهذيب التهذيب\" ١: ٤.\n(^٢). \"حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت\" لمحمد الفوزان ص ٣٧.","vol":"1","page":52},{"text":"أحد الراويين في ترجمة الآخر، ويمكن اعتبار ذلك قرينة ولكن بحذر شديد.\nوأما القضية الأولى - وهي الاستدلال بالذكر على الاتصال، فأما الجهة الأولى فلم أقف على نص عن المزي في هذا الموضوع، إلا أن هناك مواضع في كتابه قد يستدل بها على أنه يحكم بالاتصال بين الراويين، فمن ذلك أنه ربما تعقب صاحب الكتاب الأصل وهو عبدالغني المقدسي في ذكره لبعض من روى عنه المترجم له أو روى عن المترجم له، فقد ذكر عبدالغني في ترجمة (عبدالله بن نافع الصائغ) أنه يروي عن هشام بن عروة، ويروي عنه عبدالوهاب بن بخت - فتعقبه المزي قائلًا: \"وذكر صاحب \"الكمال\" في شيوخه: هشام بن عروة، ولم يدركه، وفي الرواة عنه عبدالوهاب بن بخت، وفي ذلك - بل في إدراك الصائغ لزمانه - نظر ... \" (^١).\nوكذلك يفعل ابن حجر، يتعقب المزي أحيانًا، من ذلك أن المزي ذكر فيمن روى عنهم عبدالله بن معقل بن مقرن: سالمًا مولى أبي حذيفة، فقال ابن حجر: \"وأطلق المؤلف روايته عن سالم مولى أبي حذيفة، والظاهر أنها مرسلة ... \" (^٢).\nوكل ما تقدم أرى أنه غير كافٍ لنسبة ذلك - أي الحكم بالاتصال - إلى المزي، حتى يوقف على نص له هو في ذلك، إذ تحول - في حال عدم الوقوف - دون نسبة ذلك إليه عقبات، فهو يعنون لمن يريد ذكرهم بقوله: «روى عن» و«روى عنه»، وهذا لا يفيد سوى إثبات ورود روايته عنه، ولا إشكال في\n_________\n(^١). \"تهذيب الكمال\" ١٦: ٢٠٩.\n(^٢). \"تهذيب التهذيب\" ٦: ٤١.","vol":"1","page":53},{"text":"ذلك، إذ هو قد روى عنه، أو في أقل الأحوال وردت الرواية عنه بذلك، لكن الكلام - بعد إثبات صحة الرواية عنه بذلك - في الاتصال، وقد جرت عادة الأئمة أن يعبروا بالرواية عن الشخص، ولا يريدون بذلك إثبات السماع والاتصال.\nمن ذلك قول أحمد حين سأله أبوداود: عامر بن مسعود القرشي له صحبة؟ قال: \"لا أدري، قد روى عن النبي - ﷺ -\" (^١).\nوقال أبوداود أيضًا: \"قلت لأحمد: صالح مولى التوأمة؟ قال: لقيه مالك - زعموا - بعد ما كبر، قلت لأحمد: هو مقارب الحديث؟ قال: أما أنا فأحتمله وأروي عنه، وأما أن يقوم موضع حجة فلا\" (^٢)، وأحمد لم يدرك صالحًا مولى التوأمة، فمعنى روايته عنه أي بواسطة.\nوقال حرب بن إسماعيل: \"قال أحمد بن حنبل: ابن جريج هو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، وأبوه يروي عن عائشة، وذهب أحمد إلى أنه لم يلق عائشة\" (^٣).\nوقال ابن معين: \"عمر بن معروف، شيخ من أهل الرأي، روى عنه جرير، ليس بشيء، روى عن عكرمة ولم يسمع منه شيئًا\" (^٤).\n_________\n(^١). \"سؤالات أبي داود\" ص ١٨٤.\n(^٢). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٠٨، وآخر النص فيه هكذا: \"وأما أن يقوم موضع مجد فلا\"، والتصويب من المخطوط.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ١٣١، وانظر أيضًا: \"المراسيل\" ص ١٧٠، فقرة (٦٢٥).\n(^٤). \"معرفة الرجال\" ١: ٥١.","vol":"1","page":54},{"text":"وقال ابن المديني: \"لم يسمع أبوقلابة من هشام بن عامر، وروى عنه\" (^١).\nوقال أيضًا: \"روى قيس بن أبي حازم عن بلال، ولم يلقه، وروى عن عقبة بن عامر، فلا أدري سمع منه أم لا\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سئل أبوزرعة عن عنبسة بن سعيد بن غنيم الكلاعي المدني، روى عن عكرمة، روى عنه عمر بن بشر بن السرح - قال: لم يسمع من عكرمة شيئًا\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: \"قلت لأبي: عدي بن عدي سمع من الصنابحي؟ قال: روى عنه، فلا ندري سمع منه أم لا\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"سألت أبي عن: الأعمش عن عبدالرحمن هل سمع منه؟ فقال: قد روى عنه، ولم يسمع منه\" (^٥).\nوأما استخدامهم لعبارة (روى عن فلان)، و(روى عنه فلان) في\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٠٩.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١٦٨.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ١٦١.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ١٥٣.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ٨٤، و\"جامع التحصيل \" ص ٢٢٩، وفسر العلائي عبد الرحمن بقوله: \"أظنه ابن يزيد \".\n\nوانظر أيضًا: \"المراسيل \" ص ٤٦ فقرة (١٥٨)، ص ٦٨ فقرة (٢٣٨)، ص ٢٠٨ فقرة (٧٧٤)، ص ٢١٥ فقرة (٨١٣)، ص ٢١٦ فقرة (٨١٤)، ص ٢٢٤ فقرة (٨٤٥)، ص ٢٢٦ فقرة (٨٤٩)، ص ٢٥٤ فقرة (٩٤٤).","vol":"1","page":55},{"text":"المتصل فكثير جدًا لا يحتاج إلى التمثيل له.\nومثل ذلك يقال في عبارة: (حدث عن فلان)، و(حدث عنه فلان)، قد يطلقونهما ويريدون بهما التحديث عنه بواسطة، من ذلك قول أحمد في خالد الحذاء: \"حدث عن الشعبي، وما أراه سمع منه\" (^١).\nوسئل ابن المديني عن القاسم بن عبدالرحمن هل لقي ابن عمر؟ فقال: \"كان يحدث عن ابن عمر بحديثين، ولم يسمع من ابن عمر شيئًا\" (^٢).\nوقال أبوداود: \"سمعت أحمد يحدث عن رباح بن أبي معروف\" (^٣)، وهو لم يدرك رباحًا، فالمراد التحديث بالواسطة.\nوقال أيضًا: \"وسمعت أحمد يحدث عن المثنى بن الصباح\" (^٤)، وهذا مثل سابقه.\nوقال أبو داود: \"حدث قتادة عن ثلاثين رجلًا لم يسمع منهم \" (^٥).\nوحينئذٍ فجعل صنيع المزي موافقًا لما عليه الأئمة، وأنه يريد مجرد الرواية، وقد تكون متصلة أو منقطعة - أولى، ما لم يقم دليل قوي على نقيض هذا.\nومما يدل أيضًا على أن المزي يقصد مجرد الرواية أنه يعقب ذكر بعضهم بقوله: «لم يدركه» أو «مرسلًا»، أو «يقال: مرسل»، ونحو ذلك.\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٥٤، وانظر أيضًا: ص ٧٨ فقرة (٢٨١)، ص ٢٣١ فقرة (٨٦٣).\n(^٢). \"العلل\" ص ٦٧، و\"المراسيل\" ص ١٧٥.\n(^٣). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٣٢.\n(^٤). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٣٨، وانظر أيضًا: ص ٣١٦ فقرة (٤٢٦).\n(^٥). \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٣٨.","vol":"1","page":56},{"text":"وقد يقول قائل: هذا يصلح دليلًا على نقيض قولك، إذ هو يدل على أن ما سكت عنه فقد حكم عليه بالاتصال، أما ما نبه عليه فلا إشكال فيه - فما الجواب عن هذا الإيراد؟\nوالجواب: أن المزي بعد أن يفرغ من سرد المذكورين في ترجمة الراوي يأخذ في ذكر ما قيل في الراوي، ومن ذلك أحكام الأئمة على سماعه من بعض من ذكرهم المزي وسكت عنهم، فينقل عنهم أو عن بعضهم نفي إدراكه، أو نفي سماعه، ويبعد جدًا أن يكون اجتهاد المزي قد خالف الأئمة في كل من صنع بهم ما تقدم، فإنه كثير جدًا، وكثير منه ظاهر الانقطاع، ولو افترضنا أن المزي خالف اجتهاده اجتهاد الأئمة فأقل الأحوال أن ينبه عند ذكر اسمه أن هناك من قال بأنه لم يدركه، أو لم يسمع منه، وهو لم يفعل ذلك.\nفإن قال معترض: ما نقل المزي في سماعه ممن روى عنه كلامًا للأئمة ألحقناه بمن نص على ذلك عند ذكر اسمه، لكن ما لم ينقل في سماعه شيئًا لم لا نقول إنه حكم بالاتصال؟\nوالجواب: أن هذا يفعله بعض الباحثين، يجعل عدم اعتراض المزي على الرواية دليلًا على ثبوت السماع عنده، وهذا في رأيي غير سليم، ذلك أن عبارة «روى عن» و«روى عنه» لا تفيد سوى وجود الرواية، فيبقى ثبوتها، ويبقى ثبوت الاتصال، كما تقدم آنفًا، وحينئذٍ فتحميل المزي تبعة الحكم بالاتصال بمجرد أنه لم يعترض فيه بعد، فهو لم يدّع استيفاء أقوال الأئمة في إثبات السماع ونفيه، وإنما ذكر من ذلك نتفًا، وأضاف ابن حجر زيادات كثيرة، وترك ابن حجر أيضًا قدرًا لا بأس به يجده الباحث هنا وهناك، وعليه فهذا ومن أثبت المزي الكلام فيه بابه واحد، لأن وقوف المزي على ما قيل في سماعه ممن","vol":"1","page":57},{"text":"روى عنه أو عدم وقوفه لا يغير من الأمر شيئًا.\nومما يؤكد ما تقدم أن جمع من روى عنه المترجم له، ومن روى عن المترجم له تم من الأسانيد التي في كتب الحديث المختلفة، فإذا وقف المزي على إسناد فيه رواية المترجم له عن شخص أثبت ذلك في ترجمته، وقد يكون اعتمد في ذلك على الإسناد الذي مع الباحث، وحينئذٍ فالباحث يستدل بشيء قد اعتمد أصلًا على ما يريد الباحث الاستدلال له، فيكون المستدل له عين الدليل، وهذا هو الدور، وهو خلل في الاستدلال.\nوالافتراض بأن المزي درس جميع ما يثبته من ذلك ولم يكتف بوجود ذلك في الأسانيد - فيه بعد، كما تقدم في الاعتراض عليه من كلام ابن حجر.\nومن ذلك أيضًا أن المزي ذكر في ترجمة (محمد بن قيس اليشكري) أن من الرواة عنه: حماد بن سلمة (^١)، ويظهر أنه أخذ ذلك من بعض الأسانيد، فهو كذلك في إسناد عند الطبراني في \"المعجم الكبير\" (^٢)، فتعقب ابن حجر المزي في ذلك، وذكر أن ابن المديني نص على أن هذا الراوي تفرد بالرواية عنه حميد الطويل (^٣)، وعليه يكون حماد بن سلمة يروي عنه بواسطة خاله حميد، وسقط حميد من هذا الإسناد.\nفالخلاصة: أنه من الأهمية بمكان ألا يجعل الباحث ذكر الراوي فيمن روى عنه المترجم له دليلًا على الاتصال، وإنما يجعله قرينة على الاتصال فقط،\n_________\n(^١). \"تهذيب الكمال\" ٢٦: ٣٢٧.\n(^٢). \"المعجم الكبير\" ٢٤: ٤٣٥ حديث (١٠٦٤).\n(^٣). \"تهذيب التهذيب\" ٩: ٤١٥.","vol":"1","page":58},{"text":"وتقوى هذه القرينة إذا كان صاحب الكتاب عرف عنه بالاستقراء حرصه على ذكر من سمع منهم المترجم له، ومن سمعوا منه، مثل \"الجرح والتعديل\" لابن أبي حاتم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>الطريقة الثانية: كلام أئمة النقد في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه نفيًا وإثباتًا</span>، فقد تكلموا في هذا كثيرًا، وتصدى أئمة للتأليف في هذا، وجمع كلامهم، فألف ابن أبي حاتم كتابه \"المراسيل\"، والعلائي كتابه \"جامع التحصيل في أحكام المراسيل\"، ثم أبوزرعة بن العراقي كتابه: \"تحفة التحصيل بأحكام المراسيل\"، وكلها مطبوعة.\nكما يوجد كلامهم في الكتب التي جمعت أقوالهم في الراوي مثل \"تهذيب الكمال\" للمزي، و\" إكمال تهذيب الكمال \" لمغلطاي، و\"تهذيب التهذيب\" لابن حجر.\nوبعض كلامهم في ذلك لا يزال منثورًا في كتب العلل، والسؤالات، وتواريخ الرجال، والجوامع، والسنن، وغيرها.\nوعلى الباحث أن يبذل جهده ما استطاع في الوقوف على كلامهم، فقد اختصروا لنا الطريق، ورأيت من بعض الباحثين الذي يتصدون للتصحيح والتضعيف تقصيرًا واضحًا في هذا الجانب.\nوأعلى ذلك أن يقف الباحث على نص عن الراوي أنه لم يسمع ممن روى عنه، كما في قول عاصم بن أبي النجود: \"قلت لأبي العالية: من أكبر من رأيت؟","vol":"1","page":59},{"text":"قال: أبوأيوب، غير أني لم آخذ منه\" (^١).\nوقال مشاش: \"قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس؟ قال: لا، قلت: رأيته؟ قال: لا\" (^٢)، وقال عبدالملك بن ميسرة: \"قلت للضحاك: سمعت من ابن عباس شيئًا؟ قال: لا، قلت: فهذا الذي تحدث به؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا\" (^٣).\nوقال سفيان بن عيينة: \"قلت لعمرو بن دينار: رأيت الأسود بن يزيد؟ قال: نعم، قلت: حفظت عنه شيئًا؟ قال: لا\" (^٤).\nوقال شعبة: \"كنت عند أبي إسحاق الهمداني فقال له رجل: إن شعبة يزعم أنك رأيت علقمة، ولم تسمع منه، قال: صدق شعبة\" (^٥).\nوروى حسين المعلم قال: \"لما قدم علينا يحيى بن أبي كثير وَجَّه إليَّ مطر: أنِ احمل الدواة والقرطاس وتعال، قال: فأتيته، فأخرج إلينا صحيفة أبي سلام، فقلنا له: سمعت من أبي سلام؟ قال: لا، قلت: فمن رجل سمعه من أبي\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٥٨.\n(^٢). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٦٨٣، و\"المراسيل\" ص ٩٤، و\"الجرح والتعديل\" ٣: ٤٥٨.\n(^٣). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٦٨٣، و\"المراسيل\" ص ٩٥، و\"الجرح والتعديل\" ٣: ٤٥٩، ٨: ٣٣٣.\n(^٤). \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي \" ١: ٥١١.\n(^٥). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣٦٥، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٥٦٢، و\"المراسيل\" ص ١٤٥، و\"الكامل\" ١: ٨٦.","vol":"1","page":60},{"text":"سلام؟ قال: لا\" (^١).\nوقال هشيم: \"قال لي الحجاج بن أرطاة: سمعت من الزهري؟ قلت: نعم، قال: لكني لم أسمع منه شيئًا\" (^٢).\nوروى أحمد عن سفيان بن عيينة قوله حين أراد أن يروي عن آدم بن علي: \"ذُكر عن آدم بن علي، قال (يعني سفيان): وقد رأيته ولم أسمع منه\" (^٣).\nفي أشياء كثيرة من هذا القبيل.\nويلي ذلك أحكام أئمة النقد بأن فلانًا سمع من فلان، أو لم يسمع منه.\nوربما لم يقف الباحث على كلام لهم في خصوص رواية الراوي عمن روى عنه في إسناده المعين، لكن يجد من كلامهم ما يفيده في هذا، وذلك مثل الكلمات المجملة في بعض الرواة، كقول ابن معين حين سئل عن محمد بن إبراهيم بن الحارث هل لقي أحدًا من أصحاب النبي -﵊-؟ فقال: \"لا، لم أسمعه\" (^٤)، فعلى هذا فكل ما يأتي عن محمد من روايته عن أحد من الصحابة فهو منقطع.\nومثله قول ابن معين وسئل عن عطاء الخراساني هل لقي أحدًا من أصحاب النبي - ﵊ -؟ فقال: \"ما سمعت\" (^٥)، وفي رواية:\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٢٤٠.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٤٧.\n(^٣). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٤، و\"المراسيل\" ص ٨٥.\n(^٤). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٩.\n(^٥). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٩.","vol":"1","page":61},{"text":"\"لا أعلمه\" (^١).\nوقول ابن المديني: \"إبراهيم النخعي لم يلق أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - ...، وقد رأى أباجحيفة، وزيد بن أرقم، وابن أبي أوفى، ولم يسمع منهم\" (^٢).\nوكذا قال أبوحاتم في إبراهيم: \"لم يلق أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - إلا عائشة، ولم يسمع منها شيئًا، فإنه دخل عليها وهو صغير، وأدرك أنسًا، ولم يسمع منه\" (^٣).\nوقال البخاري في سليمان بن موسى الدمشقي: \"لم يدرك أحدًا من أصحاب النَّبِيّ - ﷺ - \" (^٤).\nوقال أبوحاتم في محمد بن عبدالله الشعيثي: \"لم يدرك من أصحاب رسول الله - ﷺ - أحدًا\" (^٥).\nويشبه هذا ما إذا نص الإمام على من سمع منهم الراوي ونفى من عداه، أو في قوة كلامه نفي ذلك، كما في قول أحمد حين سئل عن سماع أبي الزناد من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - فقال: \"نعم، سمع من ربيعة\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٥٧.\n(^٢). \"العلل\" ص ٦٥، و\"المراسيل\" ص ٩.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٩، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١١.\n(^٤). \"العلل الكبير\" ١: ٣١٣.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٨٢.","vol":"1","page":62},{"text":"بن عباد\" (^١).\nوقال ابن المديني: \"لم يلق القاسم بن عبدالرحمن من أصحاب النبي - ﷺ - غير جابر بن سمرة\" (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي يقول: قد سمع زرارة من عمران بن حصين، ومن أبي هريرة، ومن ابن عباس، قلت: ومَنْ أيضًا؟ قال: هذا ما صح له\" (^٣).\nوقال أبوحاتم أيضًا: \"عمرو بن مرة لم يسمع من أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلا من ابن أبي أوفى\" (^٤).\nوإذا لم يجد الباحث نصًا لإمام يستفيد منه مباشرة في إثبات أو نفي السماع لراو ممن روى عنه فبإمكانه أن يستخدم طريقة التخريج على أقوال النقاد، وقد جاءت نصوص عن النقاد، استخدم النقاد أنفسهم فيها هذه الطريقة، والتخريج هنا له صورتان:\nالصورة الأولى: أن يعرف أنه لم يدرك راويًا ولم يسمع منه، فمن باب أولى أن لا يدرك من مات قبله، فقد سأل أبو طالب أحمد عن سماع محمد بن علي من أم سلمة، فقال: \"لا يصح أنه سمع\"، ثم سأله عن سماعه من عائشة، فقال: \"لا،\n_________\n(^١). \"مسائل إسحاق\" ٢: ١٩٩.\n(^٢). \"العلل\" ص ٦٣، و\"المراسيل\" ص ١٧٥.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٦٣.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ١٤٧، وانظر أيضًا: ص ٢١١ فقرة (٧٨٩)، و\"الجرح والتعديل\" ٦: ٢٥٧.","vol":"1","page":63},{"text":"ماتت عائشة قبل أم سلمة\" (^١).\nوقال البخاري لما سأله الترمذي عن سماع أبي البختري من سلمان: \"لا، لم يدرك أبو البختري عليًا، وسلمان مات قبل علي\" (^٢).\nومراد البخاري أن عدم إدراك أبي البختري لعلي ثابت لا شك فيه - كما سيأتي قريبًا في كلام شعبة، وكذا غيره من النقاد - (^٣) فعدم إدراكه لسلمان - وقد مات قبل علي - من باب أولى.\nوعلى هذه الصورة في التخريج يعول المتأخرون كثيرًا، كالعلائي، والذهبي، وابن رجب، وابن حجر، كما في قول العلائي بعد أن ذكر عن ابن معين أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، وعن أبي زرعة أنه لم يلقه (^٤): \"وروى له النسائي عن أبي أيوب، وأبي قتادة -﵄ -، والظاهر أن ذلك مرسل\" (^٥).\nوروى خليد بن عبد الله العصري، عن علي، وسلمان، وأبي ذر وغيرهم، فقال إسحاق بن منصور: \"وسألته (يعني ابن معين) قلت: خليد العصري لقي\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٨٥.\n(^٢). \"العلل لكبير\" ٢: ٩٦٤.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٧٤، ٧٦ - ٧٧.\n(^٤). \"تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٥٤٠، و\" المراسيل\" ص ١٨٩.\n(^٥). \"جامع التحصيل\" ص ٣٣٢، وانظر أيضًا: \"سير أعلام النبلاء\" ٥: ٣٥٣، و\" تهذيب التهذيب\" ٩: ٤٧٤.","vol":"1","page":64},{"text":"سلمان؟ قال: لا، قلت: إنه يقول: لما ورد علينا، قال: يعني البصرة\" (^١).\nقال ابن حجر بعد أن ساق هذا: \"وعلى هذا فيبعد سماعه من علي، وأبي ذر\" (^٢).\nوذكر المزي في ترجمة (عمر بن الحكم بن ثوبان) أنه يروي عن أسامة بن زيد، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، وذكر جماعة (^٣)، فنقل ابن حجر عن ابن المديني قوله: \" لم يسمع من أسامة بن زيد، ولم يدركه \"، ثم قال ابن حجر: \" وإذا لم يدرك أسامة فهو لم يدرك سعد بن أبي وقاص أيضًا، ولا كعب بن مالك \" (^٤).\nوسماعه من سعد بن أبي وقاص جاء إنكاره عن يحيى بن سعيد القطان (^٥)، فالظاهر أن ابن حجر لم يقف عليه، فاستدل عليه بكلمة ابن المديني.\nوأخرج ابن ماجه من طريق ميمون بن مهران، عن أبي هريرة، وعائشة: «أن النبي - ﷺ - توضأ ثلاثًا ثلاثًا» (^٦).\nفمن السهل جدًا تعليله بالانقطاع، وأن ميمونًا لم يدركهما، أخذًا من قول\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٥٥.\n(^٢). \"تهذيب التهذيب\" ٣: ١٥٩.\n(^٣). \"تهذيب الكمال \" ٢١: ٣٠٧.\n(^٤). \"تهذيب التهذيب \" ٧: ٤٣٦، وكلمة ابن المديني ذكرها أيضًا ابن العراقي في \"تحفة التحصيل \" ص ٢٣٩، وزاد فيها: \"روى عن مولى أسامة، عن أسامة \".\n(^٥). \"المراسيل \" ص ١٣٨، و\"الجرح والتعديل \" ١: ٢٤٥.\n(^٦). \"سنن ابن ماجه\" حديث (٤١٥).","vol":"1","page":65},{"text":"أحمد في نفي لقي ميمون لحكيم بن حزام، وأنه إنما يروي عن ابن عباس، وابن عمر (^١).\nالصورة الثانية - وهي عكس التي قبلها -: أن يعلم أن شخصًا لم يدرك آخر، فيستدل بذلك على أن من هو أصغر منه لم يدركه من باب أولى، كما في قول شعبة: \"كان أبو إسحاق أكبر من أبي البختري، لم يدرك أبو البختري عليًا، ولم يره\" (^٢).\nومراده أن أبا البختري لم يدرك عليًا، بدلالة أن أبا إسحاق -وهو أكبر منه- لم يدركه.\nوقال ابن معين: \" سعيد بن أبي عروبة لم يسمع من مجاهد، وقتادة لم يسمع من مجاهد فكيف يسمع منه سعيد؟ \" (^٣).\nومن الأهمية بمكان أن يستحضر الباحث ضرورة اعتمادنا على أئمة النقد في معرفة الاتصال والانقطاع، وضرورة التسليم لهم في أحكامهم، كما هي الحال في باقي قضايا هذا الفن، ويتأكد هذا فيما إذا وقف الباحث على إجماع لهم، أو ما يشبه الإجماع، كأن يتوارد على الحكم بالاتصال أو الانقطاع أكثر من إمام، فيتجنب الباحث الاعتراض عليهم.\nومن هذا الباب قول أبي حاتم: \"الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئًا،\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٢٠٦.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٧٤، ٧٦، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣١.\n(^٣). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٠٤.","vol":"1","page":66},{"text":"لا أنه لم يدركه، قد أدركه، وأدرك من هو أكبر منه، ولكن لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة\" (^١).\nوأرى أنه يلتحق بهذا ما إذا وقف الباحث على كلام إمام واحد من أئمة النقد، في إثبات الاتصال أو نفيه، فإنه ينبغي له التسليم بهذا، وإن بدا للباحث أن الأمر محتمل لغير ذلك، من خلال دراسة قام بها، وذلك في حال عدم وجود قول من إمام آخر معارض له.\nوإذا وقف الباحث على كلام لإمام أو أكثر من أئمة النقد فعليه أن يتحقق جيدًا من صحة نسبة القول إلى صاحبه، إذ قد يقع في النقل اضطراب، لسبب من الأسباب، يلزم معه البحث والتحري في نسبة القول إلى من روى عنه، مثل ما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناده إلى بهز بن أسد أنه قال في الحسن البصري: \"لم يسمع من عمران بن حصين شيئًا\" (^٢)، ثم أخرج فيما ثبت للحسن البصري سماعه من أصحاب رسول الله - ﷺ - بالإسناد نفسه عن بهز قوله: \"وسمع من عمران بن حصين شيئًا\" (^٣).\nوجاء في \"سؤالات أبي داود للإمام أحمد\" ما نصه: \"حفص - أعني ابن غياث - لم يسمع من أشعث بن عبدالملك؟ قال: نعم، وأشعث بن سوار،\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٩٢.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٣٨.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٤٥.","vol":"1","page":67},{"text":"وربما لم يبين\" (^١).\nوبسبب هذا النص كدت أذكر في كلام على حديث أن أحمد نص على أن حفص بن غياث لم يسمع من أشعث بن سوار، ثم تبين لي أن النص وقع فيه اضطراب، فإن حفص بن غياث قد سمع منهما جميعًا وإن كانت روايته عن أشعث بن سوار أكثر وأشهر (^٢).\nومراد أحمد أنه ربما حدث عن أحدهما ولم ينسبه، فهذا معنى عدم البيان، ويكون صواب النص: \"حفص - أعني ابن غياث - سمع من أشعث بن عبدالملك؟ قال: نعم، وأشعث بن سوار، وربما لم يبين\".\nوأخرج ابن أبي حاتم عن حرب بن إسماعيل قوله: \"قلت لأبي حفص - يعني عمرو بن علي -: القاسم بن عبدالرحمن لقي أحدًا من الصحابة؟ قال: لا، ولكنه يروي عن ابن عمر، ولا أشك إلا أنه قد لقيه\"، كذا في إحدى المطبوعات من \"المراسيل\" (^٣)، وفي أخرى \"ولا أشك أنه ما لقيه\" (^٤).\nومن هذا الباب أيضًا ما وقع في المصادر من اختلاف في حكاية أقوال ثلاثة من الأئمة، وهم: أحمد، وابن معين، ومصعب الزبيري، في عامر بن\n_________\n(^١). \"سؤالات أبي داود\" ص ١٦٤.\n(^٢). انظر: \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ١٢٢، و\"معرفة الرجال\" ١: ٦٨، و\"المجروحين\" ١: ٥٨، و\"الكامل\" ١: ٣٦٠، ٣٦١، و\"تهذيب الكمال\" ٣: ٢٧٩.\n(^٣). \"المراسيل\" تحقيق شكر الله قوجاني ص ١٧٥، وانظر: \"جامع التحصيل\" ص ٣١٠، و\"تحفة التحصيل \" ص ٢٥٩.\n(^٤). \"المراسيل\" تحقيق أحمد عصام ص ٤٢.","vol":"1","page":68},{"text":"مسعود الجمحي هل هو صحابي أو تابعي؟ (^١).\nومن ذلك أيضًا ما وقع في \"علل ابن المديني\" في حكاية قوله عن لقي سعيد بن المسيب لزيد بن ثابت، ففي مكان إثبات لقائه له، وفي مكان آخر نفي ذلك (^٢).\nونحو ذلك اضطراب المصادر في تحرير رأي ابن المديني في سماع عكرمة مولى ابن عباس من عائشة (^٣)، وفي سماع أبي قلابة من سمرة بن جندب (^٤).\nوذكر ابن أبي حاتم في كتاب \"المراسيل\" عن أبيه أن عكرمة لم يسمع من عائشة، وفي \"الجرح والتعديل\" أنه سمع منها (^٥).\nوحينئذٍ فعلى الباحث أن يجيل نظره في المصادر، ويتحقق جيدًا من صواب النقل عن الإمام، وأنه لم يقع تحريف في النص.\nومن جانب آخر على الباحث أن يدرك أن هذه المسألة كغيرها من مسائل\n_________\n(^١). انظر: \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٨٩، و\"تهذيب الكمال\" ١٤: ٧٥، و\"تحفة الأشراف\" ٤: ٢٣٣، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٤٩، و\"الإصابة\" ٥: ٣٠٢، و\"تهذيب التهذيب\" ٥: ٨١.\n(^٢). \"علل ابن المديني\" ص ٤٥، ٤٦، وانظر: ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٣). \"جامع التحصيل\" ص ٢٩٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٥: ١٣.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ١٠٩، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٥٧، و\"تهذيب الكمال\" ١٤: ٥٤٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٤٧١، و\"تهذيب التهذيب\" ٥: ٢٢٦، و\"تحفة التحصيل\" ص ١٧٦.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٥٨، و\"الجرح والتعديل\" ٧: ٧.","vol":"1","page":69},{"text":"هذا الفن مبنية أحكامهم فيها على الاجتهاد بحسب ما يتوافر للإمام من قرائن، وبسبب هذا يقع بينهم اختلاف في سماع بعض الرواة ممن رووا عنه، بل قد يكون عن الإمام الواحد روايتان ظاهرهما التعارض، كما في سماع الحسن البصري من عمرو بن تغلب، فقد أثبت أحمد له السماع منه في رواية، وتوقف في سماعه منه في رواية أخرى (^١)، وكذا في سماع قتادة من عبدالله بن سرجس، عن أحمد روايتان (^٢)، وفي سماع عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود من أبيه روايتان عن ابن معين (^٣)، ومثله كثير.\nوحينئذٍ فعلى الباحث أن يبالغ في الفحص عن كلامهم وتتبعه، وألا يكتفي بأول حكم يقف عليه، فقد يكون لهذا الإمام قول آخر، أو يكون قد خالفه غيره.\nوإذا وقف الباحث على خلاف في سماع راوٍ من آخر وتحقق من نسبة الأقوال إلى أصحابها فعليه أن يقوم بدراسة الاختلاف جيدًا، ويتمعن فيه، فيحتمل أن لا يكون خلافًا حقيقيًا، بأن يكون مراد إمام بالإثبات شيئًا، ومراد إمام آخر بالنفي شيئًا آخر.\nومثال ذلك أن ينفي إمام صحبة راوٍ ويريد بها الصحبة الخاصة، ويثبتها إمام آخر ويريد بها ثبوت الرؤية، فمرد الاختلاف حينئذٍ إلى الاختلاف في\n_________\n(^١). \"مسائل أبي داود\" ص (٣٢٢)، و\"المراسيل\" ص ٤٥.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٨٤، و\"المراسيل\" ص ١٠٦.\n(^٣). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٣٥١، و\"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٤٧٣، و\"تهذيب الكمال\" ١٧: ٢٤٠.","vol":"1","page":70},{"text":"مصطلح (الصحابي).\nومن ذلك أن يثبت إمام لقي راوٍ لآخر، ويريد به اللقي المجرد عن السماع، وينفيه إمام آخر، ويريد به اللقي بمعنى السماع.\nومن ذلك أيضًا أن ينفي إمام السماع ويريد به معناه الخاص، وهو أن يكون سمع منه حديثًا أو أكثر، ويثبته إمام آخر على معنى التوسع في مصطلح\n(السماع) فقد يكون عرض عليه أحاديث فأقر بها، أو غير ذلك من وجوه التحمل.\nوإذا كان الاختلاف حقيقيًا فقد يكون ضعيفًا، بمعنى أن جمهور الأئمة على قول، ويخالفهم واحد أو اثنان، كما في سماع الحسن البصري من أبي هريرة، فالجمهور على أنه لم يسمع منه (^١).\nوكذا سماع الزهري من أبان بن عثمان بن عفان، فلقوة القول بأنه لم يسمع منه، وكثرة القائلين به عده أبوحاتم اتفاقًا من أهل الحديث، كما تقدم آنفًا، مع وجود من خالف فأثبت ذلك (^٢).\nوإذا كان الاختلاف قويًا فيمكن للناظر الترجيح بالكثرة، فالقول الذي يذهب إليه اثنان أو ثلاثة، أقوى مما ينفرد به الواحد منهم، كما في سماع يحيى بن\n_________\n(^١). انظر: \"علل المروذي\" ص ١٨٠ - ١٨١، و\"تاريخ الدارمي عن ابن معين\" ص ٩٩، و\"معرفة الرجال\" ١: ١٢٨، و\"علل ابن المديني\" ص ٥٧، و\"المراسيل\" ص ٣٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٦٧.\n(^٢). انظر في سماع الزهري من أبان: \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٥٠٨ - ٥١٠، و\"المراسيل\" ص ١٨٩، و\"تهذيب التهذيب\" ٩: ٤٥٠.","vol":"1","page":71},{"text":"أبي كثير من السائب بن يزيد، فقد نفاه ابن معين، والبخاري، وأبوحاتم، وابن حبان، وأثبته أحمد (^١).\nويتأكد هذا إذا كان الأقل قد اختلف رأيه، أو تردد، كما في سماع يونس بن عبيد من نافع مولى ابن عمر، فقد جزم أحمد، والبخاري، وأبوحاتم بأنه لم يسمع منه شيئًا، واختلفت الرواية عن ابن معين، وأما أبوزرعة فقال: \"أتوهم أن في حديثه شيئًا يدل على أنه سمع منه\" (^٢).\nومن أهم ما يطالب الباحث بالانتباه له وهو ينظر في أقوال النقاد في سماع راو من آخر، أو حين يريد التخريج على أقوالهم أن لا يغيب عن باله ما تقدم في قسم \"الجرح والتعديل\" من وقوع الاشتباه في بعض الرواة على النقاد، فيقع بينهم اختلاف هل هو راو واحد أو اثنان؟ فلهذا أثر كبير في معالجة الاختلاف في السماع.\nومن أمثلة ذلك في التخريج، أن موسى بن عبيدة الربذي روى عن\nعمر بن الحكم، قال: سمعت سعدًا ...، فسئل عن ذلك يحيى بن سعيد\nالقطان، فأنكر أن يكون عمر بن الحكم سمع من سعد، ولم يرض موسى\nابن عبيدة (^٣).\n_________\n(^١). انظر: \"مسائل إسحاق\" ٢: ١٩٩، و\"علل الترمذي\" ٢: ٩٦٥، و\"المراسيل\" ص ٢٤٢، و\"ثقات ابن حبان\" ٧: ٥٩٢.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٣٨٧، ٣: ٣١، و\"العلل الكبير\" ١: ٥٢٣، و\"المراسيل\" ص ٢٤٩، و\"الكامل\" ٧: ٢٥٩٥.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ١٣٨، و\"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤٥.","vol":"1","page":72},{"text":"قال أبو زرعة العراقي: \"روايته عن أم حبيبة في \"صحيح ابن حبان\"، وقال والدي في \"أطراف ابن حبان\": الظاهر أنه لم يسمع منها، وقد أُنكر سماعه من سعد بن أبي وقاص، وقد ماتت أم حبيبة قبله بأكثر من عشر سنين، وكانا جميعًا بالمدينة، وأيضًا فعمر بن الحكم يستصغر عن ذلك، فإن مولده سنة سبع وثلاثين، وماتت أم حبيبة سنة أربع وأربعين، فسماعه منها فيه نظر، ولكنه ممكن\" (^١).\nوكلام العراقي إنما يتم إذا كان عمر بن الحكم الذي روى عنه موسى بن عبيدة، هو عمر بن الحكم الذي روى عن أم حبيبة، وفي القضية اختلاف، وفيها غموض شديد (^٢).\nوإذا لم يكن هناك ملجأ للناظر عن الموازنة والترجيح فبإمكانه أن يسلك الطريقة الثالثة، وهي الطريقة التي بنى عليها الأئمة أحكامهم في الاتصال والانقطاع، فينظر بنفسه في دلائل ثبوت السماع أو عدمه، ويفعل ذلك أيضًا فيما إذا لم يجد للأئمة كلامًا في سماع راوٍ من آخر، ولا جدال أنه محتاج - في الحالتين - إلى كثير من الخبرة والمران والتدرب، والتحلي بالصبر والمثابرة، ولزوم الأناة، وعدم التعجل.\nالطريقة الثالثة: النظر في دلائل ثبوت السماع أو نفيه:\n_________\n(^١). \" تحفة التحصيل\" ص ٢٣٩.\n(^٢). انظر: \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٤٢٦، و\"التاريخ الكبير\" ٦: ١٤٦، و\"الجرح والتعديل\" ٦: ١٠١، و\"ثقات ابن حبان\" ٥: ١٤٧، ١٤٨، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٥٣٦٧) وكلام ابن حبان عليه، و\"تهذيب الكمال\" ٢١: ٣٠٧ - ٣١٠.","vol":"1","page":73},{"text":"بذل الأئمة جهودًا كبيرة جدًا في سبيل معرفة سماع الراوي ممن روى عنه، وسخروا من أجل ذلك جميع ما يلزمه من وسائل، من نظر في الطرق، وتتبع لسير الرواة، ورحلاتهم، وولادتهم ووفاتهم، وكيفية رواية الراوي عن شخص بعينه، إلى غير ذلك.\nوالباحث حين يجد في نفسه القدرة على الخوض فيما خاضوا فيه، وقد استعد لذلك بكثرة النظر والتأمل في صنيعهم وتطبيقاتهم، وتدرب هو أيضًا على ذلك - بإمكانه أن يسلك سبيلهم، فيوازن بين أقوالهم حين اختلافهم، ويرجح ما يراه راجحًا، وينظر في رواة لم يقف على كلام للأئمة في سماعهم ممن رووا عنه.\nوغير خاف أن سماع راو ممن روى عنه مبني على إدراكه له، أي أن يكون ولد قبل وفاة من روى عنه، فهذا القدر لا يجادل فيه أحد، وهو أول ما يبدأ به الباحث، فمتى وجد أن الراوي ولد بعد وفاة من روى عنه حكم حينئذٍ بالانقطاع بينهما.\nويلتحق به ما إذا كان أدرك من عمره شيئًا يسيرًا، كأن يكون ولد قبل وفاته بسنوات قليلة، فالحكم حينئذ هو الانقطاع بينهما.\nوهذه الحالة هي التي يعبر عنها الأئمة بقولهم عن راو: لم يدرك فلانًا، فإذا قالوا ذلك فالغالب بأنهم يريدون أنه لم يعاصره، أو عاصره في جزءٍ يسيرٍ من حياته.\nوما نراه من عناية الأئمة بتحديد ولادة الراوي ووفاته الغرض الأول منه هذا، أي معرفة من أدركه ومن لم يدركه.\nوكثيرًا ما يواجه الباحث صعوبة في معرفة إدراك الراوي لمن روى عنه، إما","vol":"1","page":74},{"text":"لأن ولادته أو وفاة من روى عنه لم يتفق عليها، بل اختلف فيها، وربما كان الاختلاف واسعًا، فالبحث الآن ينصب على معرفة الراجح من الأقوال إن أمكن.\nوإما لأن الأئمة لم يذكروا على وجه التحديد ولادة الراوي، أو وفاة من روى عنه، وفي هذه الحالة يستعان بكتب الطبقات، لمعرفة طبقة الراوي ومن روى عنه، مثل: \"الطبقات\" لمحمد بن سعد، ولخليفة بن خياط، ولمسلم بن الحجاج، ومن أهمها وأكثرها فائدة - وإن لم يسم بالطبقات - كتاب البخاري: المطبوع باسم: \"التاريخ الصغير\"، ثم طبع باسم \" التاريخ الأوسط\"، فقد جعله على فصول، كل فصل يتضمن وفيات عشر سنوات، تحديدًا أو تقريبًا.\nفإذا وجد الباحث أن الراوي مذكور - مثلًا - في طبقة صغار التابعين، وشيخه في الإسناد من كبار الصحابة، أو من أواسطهم - استدل بذلك على أنه لم يدركه، وعكسه كذلك، لو كان هو من طبقة كبار التابعين، أو من صغارهم وشيخه من صغار الصحابة، كان ذلك قرينة على الإدراك.\nلكن الحالة الثانية هذه غير مأمونة، إذ قد يكون ذكر الراوي أصلًا في الطبقة المعينة مبنيًا على رواية جاءت عنه، وقد تكون هي التي مع الباحث، فالاستدلال بالطبقة حينئذٍ فيه دور، ولابد من دليل خارجي، فيمكن تأكيد ذلك أو نفيه بالنظر في بقية شيوخه، إن كان له شيوخ آخرون.\nوالنقاد أنفسهم قد استخدموا هذه الطريقة - أعني النظر في شيوخ الراوي -، فمن ذلك قول أحمد حين سئل عن ميمون بن مهران هل لقي حكيم بن حزام؟","vol":"1","page":75},{"text":"فقال: \"لا، من أين لقيه؟ لم يرو إلا عن ابن عباس، وابن عمر\" (^١).\nومراد أحمد أنه لم يثبت له لقي إلا لهذين، وهما من صغار الصحابة.\nوقال ابن أبي حاتم: \" سألت أبي عن الحسن بن الحكم هل لقي أنس بن مالك، فإنه يروي عنه؟ فقال: لم يلق أنسًا، إنما يحدث عن التابعين\" (^٢).\nوقال أبوحاتم أيضًا: \"المسيب بن رافع لم يلق ابن مسعود، ولم يلق عليًا، إنما يروي عن مجاهد ونحوه\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"موسى بن يسار الدمشقي، روى عن أبي هريرة، مرسل، ولم يدرك أباهريرة، يروي عن مكحول، وعطاء، ونافع، والزهري\" (^٤).\nوذكر العلائي أن إبراهيم بن مهاجر روى عن ابن مسعود حديث: «عليكم بالباءة»، ثم قال: \"وإرساله ظاهر، لأن إبراهيم هذا يروي عن إبراهيم النخعي، وطارق بن شهاب، ونحوهما\" (^٥).\nوذكر أبو زرعة أن سعيدًا العلاف يروي عن ابن عباس، ثم قال: \"هو لين الحديث، لا أظنه سمع من ابن عباس\" (^٦).\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٢٠٦.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٤٦.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٢٠٧.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ٢٠٨.\n(^٥). \"جامع التحصيل \" ص ١٦٧.\n(^٦). \"الجرح والتعديل\" ٤: ٧٦.","vol":"1","page":76},{"text":"وتأيد ما ذكره أبو زرعة بأن سعيدًا هذا يروي عن مجاهد (^١)، وهو من تلامذة ابن عباس.\nومن جهة ثانية يمكن لمعرفة إدراك الراوي من روى عنه الاستعانة بطبقة تلاميذه، فإذا كانوا من طبقة متأخرة عرف أنه صغير، لا يمكن أن يلحق من روى عنه، والعكس كذلك.\nومن أمثلته قول ابن معين في رواية الدوري: \"حديث عبد الله بن نيار، عن عمرو بن شأس، ليس هو متصلًا، لأن عبد الله بن نيار يروي عن ابن أبي ذئب، أو قال: يروي عنه القاسم بن عباس - شك أبو الفضل -، لا يشبه أن يكون رأى عمرو بن شأس\" (^٢).\nوهناك قرائن ودلائل تستخدم كثيرًا في ترجيح أو نفي السماع، بعد ترجيح الإدراك والمعاصرة، وقد تستخدم أيضًا في النظر في الإدراك.\n- فمنها اختلاف مكان الراويين، ولا رحلة لأحدهما إلى مكان الآخر حال وجوده فيه، وهي من أهم القرائن التي استخدمها الأئمة في نفي السماع، وتتأكد هذه القرينة مع صغر سن الراوي حين وفاة من روى عنه.\nقال ابن رجب: \"ومما يستدل به أحمد وغيره من الأئمة على عدم السماع والاتصال - أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يُعلم أنه رحل إلى بلده،\n_________\n(^١). \"الكفاية\" ص ٣٥٩.\n(^٢). \" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٣٣٥، وانظر: \" سنن أبي داود \" حديث (٢٩٥٢).","vol":"1","page":77},{"text":"ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه\" (^١).\nفمن ذلك قول الشافعي: \"لا نعلم عبدالرحمن بن أبي ليلى رأى بلالًا قط، عبدالرحمن بالكوفة، وبلال بالشام، وبعضهم يدخل بينه وبين عبدالرحمن رجلًا لا نعرفه، وليس يقبله أهل الحديث\" (^٢).\nوقال أحمد حين سئل عن سماع الحسن البصري من ابن عباس: \"لم يسمع الحسن من ابن عباس، إنما كان ابن عباس بالبصرة واليًا أيام علي - ﵄\"- (^٣).\nومراده أن الحسن وقتذاك كان بالمدينة كما قال ابن المديني: \"الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي - ﵁ -، وخرج إلى صفين\" (^٤).\nوقال أبوحاتم لما سأله ابنه عن سماع ابن سيرين من أبي الدرداء: \"قد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة\" (^٥).\nوهذه القرينة سهلة التطبيق بالنسبة للمتأخر، وقد استخدمها الأئمة\n_________\n(^١). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩٢.\n(^٢). \"معرفة السنن والآثار\" للبيهقي ٢: ٧٥٧.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٣٣.\n(^٤). \"العلل\" ص ٥٥، و\"المراسيل\" ص ٣٣.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٨٧، وانظر أيضًا: \"علل ابن المديني\" ص ٥٩ فقرة (٦٣)، ص ٦٠ فقرة (٦٥)، و\"المراسيل\" ص ٣١ فقرة (٩٢)، ص ٣٩ فقرة (١٢٧)، ص ٤٢ فقرة (١٣٩)، ص ١٢٦ فقرة (٤٥٣).","vol":"1","page":78},{"text":"المتأخرون بكثرة.\nفمن ذلك قول المنذري: \"أبووائل أدرك معاذًا بالسن، وفي سماعه عندي نظر، وكان أبووائل بالكوفة، ومعاذ بالشام\" (^١).\nوكذا قال ابن رجب: \"لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام، وأبووائل بالكوفة، ومازال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد\" (^٣).\nولعل مراده أن سماع من بالكوفة ممن هو بالمدينة أقرب من سماعه ممن هو بالشام، فإذا انتفى الأقرب انتفى الأبعد، يضاف إلى ذلك أن معاذًا مات قبل عمر.\nوقال العلائي في سفيان بن هاني الجيشاني: \"هو تابعي سمع من علي، وأبي ذر - ﵄ - ومن غيرهما\"، ثم استدرك قائلًا: \"وأظن روايته عن أبي ذر مرسلة، لأنه مصري وفد على علي - ﵁ - في خلافته، وأبوذر مات في خلافة عثمان - ﵄ - \" (^٤).\n_________\n(^١). \"الترغيب والترهيب\" ٣: ٥٢٩.\n(^٢). \"جامع العلوم والحكم\" ص ٢٥٥.\n(^٣). \"جامع العلوم والحكم\" ص ٢٥٥، وانظر: \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٦٥٦ - ٦٥٧، فقرة (١٩٦١ - ١٩٦٣).\n(^٤). \"جامع التحصيل\" ص ٢٢٦، وانظر: \"الإصابة\" ٥: ١٢.","vol":"1","page":79},{"text":"ولهذا السبب يبحث النقاد عن مكان سماع الراوي ممن روى عنه إذا لم يكن من أهل بلده، ولم يرحل أحدهما إلى بلد الآخر، أو كانت رحلة أحدهما إلى بلد الآخر غير مشهورة، كما في قول سفيان بن عيينة: \"قلت لابن سوقة: أين رأيت نافع بن جبير؟ قال: رأيته جاء إلى أبي، قال - سفيان -: وكان قدم الكوفة زمن الحجاج، وكان سوقة رجلًا بزازًا معروفًا يشتري لهم حوائجهم \" (^١).\nوقال عبد الله بن أحمد: \"سألت أبي: أين سمع قتادة من سالم بن أبي الجعد؟ قال: بالكوفة، أو بمكة، وأنكر أن يكون سمع منه بالشام، وقال: قد جاء قتادة إلى الكوفة، إلى الشعبي\" (^٢).\nوقال عباس الدوري: \"قلت ليحيى: إن ابن شبرمة يروي عن ابن سيرين، قال: دخل ابن سيرين الكوفة في وقت لم يكن ابن شبرمة، ولكن لعله سمع منه في الموسم\" (^٣).\nوقال أبو زرعة: \"لقي الشعبي فاطمة بنت قيس بالحيرة\" (^٤).\nوكانت فاطمة قد وفدت على أخيها الضحاك بن قيس في ولايته على الكوفة (^٥).\n- ومن القرائن أيضًا أن يروي الراوي عن شخص ثم يروي عنه بواسطة،\n_________\n(^١). \" التاريخ الكبير \" ١: ١٠٢.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٥١٥٦.\n(^٣). \"تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٥٢١.\n(^٤). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٧٦٤.\n(^٥). \"الإصابة\" ١٣: ٨٦.","vol":"1","page":80},{"text":"فإن الأئمة قد استدلوا بهذا كثيرًا على عدم السماع.\nقال ابن رجب: \"إن كان الثقة يروي عمن عاصره أحيانًا، ولم يثبت لقيه له، ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة - فهذا يستدل به هؤلاء الأئمة على عدم السماع منه\" (^١).\nفمن ذلك قول عبدالله بن أحمد: \" سئل أبي عما روى سعيد بن جبير عن عائشة: على السماع؟ قال: لا أراه سمع منها، عن الثقة، عن عائشة - ﵂ -\" (^٢).\nوقال أحمد: \"خيثمة (يعني ابن عبد الرحمن) لم يسمع من عبد الله بن مسعود شيئًا، روى عن الأسود، عن عبد الله \" (^٣).\nوسئل أحمد هل سمع أبووائل من عائشة؟ فقال: \"ما أدري، ربما أدخل بينه وبينها مسروق في غير شيء\"، وذكر حديث: «إذا أنفقت المرأة ...» (^٤).\nوقال أحمد في الحجاج بن أرطاة: \"لم يسمع من عكرمة شيئًا، إنما يحدث عن داود بن الحصين، عن عكرمة\" (^٥).\nوسئل ابن معين هل سمع ثابت من أبي برزة؟ فقال: \"لا، حدث عن\n_________\n(^١). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩٣، وانظر أيضًا ٢: ٥٩٥.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٨٤، و\" المراسيل\" ص ٧٤، و\"تحفة الأشراف\" ١١: ٣٧٥، ٤١١.\n(^٣). \" العلل ومعرفة الرجال \" ١: ١٤٤، و\" المراسيل \" ص ٥٤.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ٨٨، و\"تحفة الأشراف\" ١١: ٤٢٤.\n(^٥). \"جامع التحصيل\" ص ١٩٢.","vol":"1","page":81},{"text":"معاوية بن قرة، عن أبي برزة\" (^١).\nوقال إسحاق بن منصور: \"قلت ليحيى بن معين: عبدالله بن نجي سمع من علي؟ قال: لا، بينه وبين علي أبوه\" (^٢).\nوقال ابن معين أيضًا: \"لم يسمع قتادة من سعيد بن جبير، ولا من مجاهد، ولا من سليمان شيئًا، ربما أدخل بينهم رجلًا، وربما أرسل، وأكثر ذلك لا يدخل، يرسلها\" (^٣).\nوقال البخاري: \"ما أرى يونس بن عبيد سمع من نافع، وروى يونس بن عبيد، عن ابن نافع، عن أبيه حديثًا\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"لم يسمع الحسن من سلمة، بينهما قبيصة بن حريث\" (^٥).\nوقال أبوحاتم: \"أبووائل قد أدرك عليًا، غير أن حبيب بن أبي ثابت روى عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - بعثه: لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته» \" (^٦).\nوقال أيضًا: \"أبوقلابة لم يسمع من أبي زيد عمرو بن أخطب، بينهما عمرو\n_________\n(^١). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٨.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١١٠.\n(^٣). \"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٣١٧.\n(^٤). \"العلل الكبير\" ١: ٥٢٣.\n(^٥). \"التاريخ الكبير\" ٤: ٧٢.\n(^٦). \"المراسيل\" ص ٨٨، و\"تحفة الأشراف\" ٧: ٣٦٩، ٣٨٥.","vol":"1","page":82},{"text":"ابن بجدان\" (^١).\nوسئل أبوحاتم هل سمع ابن جريج من أبي سفيان طلحة بن نافع؟ فقال: \"ما أراه، رأيت في موضع بينه وبين أبي سفيان: أباخالد - شيخًا له -\" (^٢).\nوقال أبوحاتم أيضًا: \"الشعبي عن عائشة مرسل، إنما يحدث عن مسروق عن عائشة\" (^٣).\nومثل هذا كثير جدًا في كلام الأئمة، ويشبهه ما إذا قال في رواية: بلغني عنه، كما قال أبوحاتم: \"كيف سمع (يعني الزهري) من أبان وهو يقول: بلغني عنه؟ \" (^٤)، أو يقول: نبئت عنه، كما قال أحمد: \"لم يسمع محمد بن سيرين من ابن عباس شيئًا، كلها يقول: نبئت عن ابن عباس\" (^٥).\nويتأكد عدم السماع بهذه القرينة إذا كان إدخاله الواسطة وحذفها جاء عنه في حديث واحد، كما قال أبو حاتم: \"سعيد بن يزيد الذي يحدث عنه أبو الخير: \"أن رجلًا أتى النَّبِيّ - ﷺ - فقال: أوصني، قال: أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي رجلًا صالحًا من قومك\" - كنا لا ندري له صحبة أم لا، فروى عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن سعيد بن يزيد،\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١١٠، و\"تحفة الأشراف\" ٨: ١٣٣.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١٣٣.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ١٦٠، و\"تحفة الأشراف\" ١١: ٤٢٩.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ١٩١.\n(^٥). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٨٧، ٢: ٥٣٤، و\"المراسيل\" ص ١٨٦، وانظر: \"مسند أحمد\" ١: ٢٠٠.","vol":"1","page":83},{"text":"عن رجل من أصحاب النَّبِيّ - ﷺ -، بهذا الحديث بعينه، - يعني: فدلنا على أن لا صحبة له -\" (^١).\n- ومنها أن يكون الراوي كثير الإرسال، فقد عرف بذلك جماعة من الرواة، فإذا احتيج إلى النظر في سماعه من راو، فلابد من اعتبار حاله عند الترجيح، فهذه القرينة من مرجحات أنه لم يسمع منه، ومن هؤلاء الرواة: الحسن البصري (^٢)، وقتادة (^٣)، وسالم بن أبي الجعد (^٤)، والمطلب بن عبدالله (^٥)، وسعيد بن أبي عروبة (^٦)، وهشيم بن بشير (^٧)، وغيرهم.\nوقد اعتنى الحافظ ابن حجر بالنص على ذلك في كتابه \"التقريب\".\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٦٨.\n(^٢). انظر: \"المراسيل\" ص ٣١ - ٤٤، و\" جامع التحصيل\" ص ١٩٤ - ١٩٩، و\" تحفة التحصيل\" ص ٦٧ - ٧٦، و\" تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٦٦ - ٢٧٠.\n(^٣). انظر: \"المراسيل\" ص ١٦٨ - ١٧٥، و\" جامع التحصيل\" ص ٣١٢ - ٣١٤، و\"تحفة التحصيل\" ص ٢٦٢ - ٢٦٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٨: ٣٥٣ - ٣٥٦.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ٧٩ - ٨٠، و\"جامع التحصيل\" ص ٢١٧، و\"تحفة التحصيل\" ص ١٢٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ٢٠٩ - ٢١٠، و\"جامع التحصيل\" ص ٣٤٧، و\"تحفة التحصيل\" ص ٣٠٧، و\"تهذيب التهذيب\" ١٠: ١٧٨ - ١٧٩.\n(^٦). \"المراسيل\" ص ٧٧ - ٧٩، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٢١ - ٢٢٢، و\"تحفة التحصيل\" ص ١٢٥ - ١٢٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٤: ٦٤.\n(^٧). \"المراسيل\" ص ٢٣١، و\"جامع التحصيل\" ص ٣٦٣، و\"تحفة التحصيل\" ص ٣٣٣، و\"تهذيب التهذيب\" ١١: ٦٢ - ٦٤.","vol":"1","page":84},{"text":"ويلتحق بذلك ما إذا كان الراوي من أهل بلد عرف أهله بكثرة الإرسال، وقد توارد عدد من الأئمة على وصف أهل الشام بذلك، فإن الإرسال يغلب على رواياتهم، قال أبو عوانة: \"كنا يومًا عند الحكم فذكر حديثًا ليس بمسند، فقال: ليس هذا من بابة شعبة، قال: فقال شعبة: لا ينبغي أن تروي عن الشامي كثيرًا\" (^١).\n- ومنها أن يروي الراوي عن شخص أحاديث كثيرة، ولا يذكر في واحد منها سماعًا أو ما يدل عليه، فإن الأئمة يستدلون بذلك على أنه لم يسمع منه، كما قال أبوحاتم: \"يحيى بن أبي كثير ما أراه سمع من عروة بن الزبير، لأنه يُدخل بينه وبينه رجل أو رجلان، ولا يُذكر سماع، ولا رؤية، ولا سؤاله عن مسألة\" (^٢).\nوالباحث في أحيان كثيرة يحتاج إلى النظر في القرائن، إذ تكون القرينة نفسها قد وقع فيها اختلاف، أو لم تتحرر كما ينبغي، فالباحث حينئذٍ ملزم بالنظر في ذلك، وهذا كما إذا كان هناك خلاف في وفاة المروي عنه، أو في ولادة الراوي، أو في صحة وضعف دخول واسطة بين الراوي والمروي عنه.\nفمن ذلك أن سماع مسروق من أم رومان والدة عائشة - ﵄ - مختلف فيه، وسببه الاختلاف في وفاتها هل كان قبل موته - ﷺ - أو بعده؟، وأيضًا\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٤١٥، وانظر أيضًا: \"الجامع لأخلاق الراوي\" ٢: ٢٨٧ - ٢٨٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٣٥٥، ٤٨٨، و\"تاريخ الإسلام\" وفيات سنة ٧٠ ص ٢٩١، و\"ميزان الاعتدال ٤: ٤١٠.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٢٤٢.","vol":"1","page":85},{"text":"الاختلاف في صحة تصريحه بالتحديث عنها (^١).\nوفوق القرائن العامة التي تقدمت قد يجد الناظر في الحالة المعينة التي يبحث فيها ما يعين على ترجيح السماع أو عدمه، فهذا لا يمكن حصره، وقد يكون بعضها من الدقة بحيث لا يقوم به إلا أئمة النقد.\nوأعيد هنا ما تقدم ذكره من أن هذه القرائن واستخدامها في الإدراك والسماع لا يمكن فصلها عن التصريح بالتحديث، هل ورد عن الراوي أو لم يرد؟ وإذا كان قد ورد فهل يثبت عنه أولا؟ والناقد يستخدم دلائل النفي مع عدم ورود التصريح بالتحديث عنده لتأكيد الانقطاع، وتنبيهًا للناظر أن يتريث في حال وقوفه على تصريح، وقد يستخدمها مع ورود التصريح عنده ليدلل بذلك على أنه لا يثبت.\nويستخدم دلائل الإثبات مع ورود التصريح بالتحديث وثبوته عنده لتأكيد هذا الثبوت، كما يستخدمها وإن لم يقف على تصريح بالتحديث، وليس الغرض حينئذ إثبات السماع، وإنما الغرض تقريبه للناظر، فكأن الناقد يقول: في حال ورود السماع فالقرائن تؤيد ذلك.\nوأعيد أيضًا ما أشرت إليه سابقًا، وهو أن جمع هذه الدلائل وإبرازها للباحث ليس المقصود به أن يعيد النظر في أحكام الأئمة، فما حكموا فيه قد انتهى، والحكم حكمهم، وإن بدا للباحث خلاف ذلك، وإنما يستفيد منها\n_________\n(^١). انظر: \"صحيح البخاري\" حديث (٣٣٨٨)، و\"التاريخ الصغير\" ص ١: ٣٧ - ٣٨، و\"تحفة الأشراف\" ١٣: ٧٩، و\"زاد المعاد\" ٣: ٢٦٦، و\"جامع التحصيل\" ص ٣٤٠، و\"فتح الباري\" ٧: ٤٣٨.","vol":"1","page":86},{"text":"الباحث في حال وقوع اختلاف قوي بينهم، أو في حال عدم وقوفه على كلام لهم نفيًا أو إثباتًا.\nوسأعرض الآن مثالين لكيفية استخدام المتأخر لهذه الدلائل في الموازنة بين أقوال النقاد حين اختلافهم.\nأحدهما في سماع محمد بن المنكدر من عائشة، ذلك أن الترمذي سأل البخاري هل سمع محمد بن المنكدر من عائشة؟ فقال: \"نعم، روى مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمد بن المنكدر قال: سمعت عائشة ... \" (^١).\nوأما البزار فقال بعد أن ذكر رواية لمحمد بن المنكدر عنها: \"ابن المنكدر لم يسمع من عائشة\" (^٢).\nوقد رجح المتأخرون - كالذهبي مرة، وابن حجر - أن روايته عنها مرسلة، وذكر ابن حجر ثلاث قرائن تدل على ذلك:\nإحداها: أن محمد بن المنكدر توفي سنة ١٣٠ أو ١٣١، وكان عمره ستًا وسبعين سنة، فتكون ولادته قبل سنة ستين بيسير، يعني فلا يمكنه السماع من عائشة، لأنها ماتت سنة سبع وخمسين.\nوالثانية: أن ابن معين قال: إنه لم يسمع من أبي هريرة، وقال أبوزرعة: لم يلقه، وعائشة ماتت قبل أبي هريرة.\n_________\n(^١). \"العلل الكبير\" ١: ٣٧٣، وانظر: \"سنن الترمذي\" ٣: ١٦٥.\n(^٢). \"كشف الأستار عن زوائد البزار\" ١: ٥٧ بعد حديث (٧٤).","vol":"1","page":87},{"text":"والثالثة: حكاية ذكرها في دخول المنكدر والد محمد على عائشة (^١).\nوعلى هذا فالتصريح بالتحديث في الإسناد الذي اعتمد عليه البخاري خطأ من أحد رواته، وفي سماع مخرمة بن بكير من أبيه كلام مشهور للعلماء، والأكثر على أنه لم يسمع منه، وإنما يروي من كتبه (^٢)، فلا يبعد وقوع الخطأ حينئذٍ.\nفهذه طريقة الموازنة والترجيح بين رأيين.\nوقد سلك الذهبي مرة أخرى طريقة أخرى، فذكر أن ولادة محمد بن المنكدر سنة بضع وثلاثين، ثم عقب على كلام البخاري بقوله: \"إن ثبت الإسناد إلى ابن المنكدر بهذا فجيد، وذلك ممكن، لأنه قرابتها، وخصيص بها، ولحقها وهو ابن نيف وعشرين سنة\" (^٣).\nوكأن الطريقة الأولى أجود، فعلى الثانية يكون ابن المنكدر قد قارب عمره المائة، وهذا بعيد، مع كونه خلاف المشهور في ولادته، والله أعلم.\nوالمثال الثاني: اختلافهم في سماع أبان بن عثمان بن عفان من أبيه، فقد نفاه\n_________\n(^١). \"سير أعلام النبلاء\" ٢: ١٣٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٩: ٤٧٤، وانظر: \"طبقات ابن سعد\" (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة) ص ١٨٨، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٥٤٠، و\"المراسيل\" ص ١٨٩، و\"ثقات ابن حبان\" ٥: ٣٥٠، و\"طبقات خليفة\" ص ٢٦٨، وفيه أن وفاة محمد بن المنكدر سنة ١٣٦.\n(^٢). \"تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٥٥٤، و\"الكامل\" ٦: ٢٤٢١، و\"تهذيب التهذيب\" ١٠: ٧٠.\n(^٣). \"سير أعلام النبلاء\" ٥: ٣٥٣، ٣٥٤.","vol":"1","page":88},{"text":"أحمد، وأثبته أبوحاتم (^١)، وأمكن ترجيح إثبات السماع بالوقوف على تصريحه بالتحديث في أسانيد صحيحة إليه (^٢).\nأما ما يفعله بعض المتأخرين من استخدام دلائل إثبات السماع أو عدمه في إعادة النظر في كلام النقاد حال اتفاقهم أو اتفاق جمهورهم على إثبات سماع أو نفيه، أو في حال ورود ذلك عن بعضهم دون معارض - فهذا فيما أرى - مزلة قدم، ولا ينبغي فعله، وقد رأيت من أقدم على ذلك، ثم بالتأمل تبين أنه لم يحكم صنيعه، وهذا أمر لا مفر منه، فمخالفة أصحاب الشأن، ومن بإمكانهم استخدام الدلائل على وجهها - كاف في معرفة النتيجة مسبقًا، وأنها مخطئة.\nفمن ذلك أن الحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة، ولم يلقه، في قول جمهور النقاد، ومنهم من هو من تلامذة الحسن، وقد ورد تصريحه بالتحديث في أسانيد تكلم فيها النقاد (^٣)، ومع هذا قال ابن حجر: \"ووقع في \"سنن النسائي\" من طريق أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة في المختلعات، قال الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث، أخرجه عن إسحاق بن راهويه، عن المغيرة بن\n_________\n(^١). \"التاريخ الكبير\" ١: ٤٥٠، و\"المراسيل\" ص ١٦، و\"الجرح والتعديل\" ٢: ٢٩٥.\n(^٢). \"انظر: \"صحيح مسلم\" حديث (١٤٠٩)، و\"سنن أبي داود\" حديث (١٨٣٨)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٩٥٢)، و\"مسند أحمد\" ١: ٥٩، ٦٨.\n(^٣). انظر: \" طبقات ابن سعد\" ٧: ١٥٨، و\"علل المروذي \" ص ١٨٠ - ١٨١، و\"تاريخ الدارمي عن ابن معين \" ص ٩٩، و\"معرفة الرجال \" ١: ١٢٨، و\"علل ابن المديني\" ص ٥٧، و\"المراسيل \" ص ٣٤، و\" علل الدارقطني\" ٨: ٢٤٩، و\"تهذيب التهذيب \" ٢: ٢٦٧، و\"معرفة علوم الحديث \" ص ١١١.","vol":"1","page":89},{"text":"سلمة، عن وهيب، عن أيوب، وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع منه في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء\" (^١).\nكذا وقعت العبارة عند ابن حجر، وجاءت العبارة في النسخ المطبوعة هكذا: \"قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، قال أبو عبدالرحمن: الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا\" (^٢).\nفهذه العبارة محتملة، فيحتمل أن يكون معناها: لم أسمعه من غير حديث أبي هريرة، يدل على ذلك تعقيب النسائي، وقد ذكر ابن حجر هذا التفسير لعبارة النسائي في \"فتح الباري\"، ورده بأنه تكلف، وأنه لا مانع أن يسمع هذا من أبي هريرة، ويرسل غيره (^٣).\nوقد بنى ابن حجر القول بأنه تكلف على لفظ العبارة التي وقعت عنده، وهو \"لم أسمع من أبي هريرة غير هذا الحديث\"، وقد تبين أن اللفظ ليس هكذا فلا تكلف إذًا.\nومما يضعف الاستدلال بالعبارة على مراد ابن حجر أيضًا أنها جاءت في بعض النسخ كلها من كلام النسائي مضعفًا الحديث، قال النسائي: \"الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئًا، ومع هذا إني لم أسمع هذا إلا من حديث أبي هريرة\" (^٤).\n_________\n(^١). \"تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٦٩.\n(^٢). \"سنن النسائي\" حديث (٣٤٦١).\n(^٣). \"فتح الباري\" ٩: ٤٠٣.\n(^٤). \"تحفة الأشراف\" ٩: ٣١٩.","vol":"1","page":90},{"text":"وأخرج ابن حزم هذا الحديث من طريق النسائي، وجاءت العبارة عنده هكذا: \"قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة\"، وعقب عليها ابن حزم بقوله: \"فسقط بقول الحسن أن نحتج بذلك الخبر\" (^١).\nوقد روى هذا الحديث عفان بن مسلم، وعبد الأعلى بن حماد، عن وهيب به، وليس في روايتهما قول الحسن أصلًا (^٢)، مما يرجح أن العبارة كلها من كلام النسائي.\nورواه أبو الأشهب جعفر بن حيان، عن الحسن مرسلًا ليس فيه أبو هريرة (^٣).\nويزيد الأمر وضوحًا، بأن اللفظ الذي اعتمده ابن حجر لا ينهض أبدًا على رد قول الأئمة، أن ابن سعد روى عن عفان بن مسلم، عن وهيب، عن أيوب قوله: \"لم يسمع الحسن من أبي هريرة\" (^٤).\nوبعد أن كتبت هذا رأيت أحد المشايخ الفضلاء تكلم على هذه القضية بكلام غريب، رأيت أن أثبته هنا، ليتضح للقارئ خطورة التسرع في مناقشة النقاد، والتعقب عليهم، قال في كلامه على حديث أبي هريرة هذا بعد أن أورد العبارة من \"سنن النسائي\" بلفظ: \"قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة \"-: \"قلت: وهذا نص صريح منه أنه سمعه من أبي هريرة، وهو ثقة صادق، فلا\n_________\n(^١). \"المحلى\" ١١: ٥٨٦.\n(^٢). \"مسند أحمد\" ٢: ٤١٤، و\"سنن البيهقي\" ٧: ٣١٦.\n(^٣). \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٥: ٢٧١.\n(^٤). \" طبقات ابن سعد\" ٧: ١٥٨.","vol":"1","page":91},{"text":"أدري وجه جزم النسائي رحمه الله تعالى بنفي سماعه منه، مع أن السند إليه صحيح على شرط مسلم، وقد قال الحافظ في \"التهذيب\" بعد أن ساقه في ترجمة الحسن: وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء.\nقلت: يعني أن الذي تحرر في اختلاف العلماء في سماع الحسن من سمرة أنه سمع منه شيئًا قليلًا، فكذلك سماعه من أبي هريرة ثابت، ولكنه قليل أيضًا، بدلالة هذا الحديث، والله أعلم.\nوبالجملة فهذا الإسناد متصل صحيح، فلا يلتفت إلى إعلال النسائي بالانقطاع، لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصري في قوله المذكور، وإما توهيم أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه، وكل منهما مما لا سبيل إليه، أما الأول فواضح، وأما الآخر فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجة أو بينة، وهذا واضح بين\".\nهذا كلام الشيخ، ولا أظنني بحاجة إلى التعقيب عليه.\nوصرح جماعة من النقاد منهم ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبو داود، والبزار، وغيرهم، بأن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع (^١).\nولم أقف على قول ناقد يذهب فيه إلى سماع الحسن من الأسود بن سريع.\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١٢٤، و\" علل ابن المديني\" ص ٥٥، و\" تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ١١١، ١١٢، و\" سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣٨٥، و\" الجرح والتعديل\" ٨: ٣٣٩، و\" نصب الراية\" ١: ٩٠، و\" تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٦٩، ١٠: ٢٩.","vol":"1","page":92},{"text":"ومع هذا كله تصدى أحد الباحثين لهذه القضية، وخالف النقاد في ذلك، فذهب إلى أن الحسن سمع من الأسود بن سريع، وأطال - بما لا طائل تحته - في إثبات إدراكه له بالبصرة، وفي تصحيح ما ورد من التصريح بالتحديث عنه، مما لم يلتفت له النقاد.\nوفي ختام هذا المبحث أود أن أشير إلى أن ما ذكرته من أن منهج الأئمة في طريقة إثبات السماع أو نفيه قد نسبه إليهم أئمة كبار، ممن يحررون منهجهم وطريقتهم في عموم مسائل النقد، ورأيت - بالتتبع - أن هذه النسبة صحيحة لا إشكال فيها، غير أن بعض الأئمة قد نسب إليهم أنهم لا يشترطون العلم بالسماع لإثباته، ولما كانت هذه النسبة تحتاج إلى شيء من البسط رأيت أن أجعل هذا المبحث خاليًا عن ذلك، متضمنًا - فقط - إيضاح منهجهم وطريقة عملهم، فهو الذي يحتاجه الباحث، وأما الاستدلال لذلك من كلامهم وتطبيقاتهم، ومناقشة ما نسب إلى أئمة النقد بخلاف ما ذكرته فسأتعرض له في المبحث التالي، لينظر فيه من أراده، والله أعلم.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الثاني\nاشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن</span>\nلا يختلف اثنان على أن مقدمة مسلم ل-\"صحيحه\" تعتبر من أوائل ما دون في علوم الحديث وقواعده، فقد خالف نهج من سبقه من الأئمة الذين ألفوا في السنة النبوية، فوضع لكتابه مقدمة ضافية، كتبها بأسلوب أدبي بليغ، تطرق فيها لموضوعات متعددة، مثل سبب تأليفه للكتاب، وضرورة تنقية الأحاديث التي تلقى إلى العامة، والإسناد المعنعن، وجواز جرح الرواة، وشرطه في كتابه، وغير ذلك.\nغير أن كلام مسلم - ﵀ - عن بعض هذه الموضوعات أثار إشكالًا واسعًا، وجدلًا عريضًا، عند من جاء بعده، في بعض الموضوعات التي تعرض لها، ومن هذه الموضوعات: الإسناد المعنعن، وعلى التحديد كما يصوره مسلم بقوله: \"كل إسناد لحديث فيه: فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روى عنه قد سمعه منه وشافهه به، غير أنه لا نعلم منه سماعًا، ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث\" (^١).\nثم ذكر أن هناك من ذهب إلى أن الحكم بأن الرواية بينهما منقطعة والحالة هذه، ولم يسم من ذهب إلى ذلك، لكنه حمل عليه حملة عنيفة، ونسبه إلى اختراع\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" ١: ٢٩.","vol":"1","page":95},{"text":"قول لم يسبق إليه، و\"أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا: أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام - فالرواية ثابتة، والحجة لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئًا، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدًا، حتى تكون الدلالة التي بيّنا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"وما علمنا أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني، وابن عون، ومالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومن بعدهم من أهل الحديث - فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد، كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل، وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم: إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس، فمن ابتغى ذلك من غير مدلس - على الوجه الذي زعم من حكينا قوله - فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا ولم نسم من الأئمة\" (^٢).\nوحينئذٍ فحجة مسلم التي اتكأ عليها هي أن القائل بعدم الاتصال قد اخترع قولًا جديدًا لم يسبق إليه، وأنه زاد شرطًا في شروط الحديث الصحيح لم\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" ١: ٢٩.\n(^٢). \"صحيح مسلم\" ١: ٣٢.","vol":"1","page":96},{"text":"يكن معروفًا من قبل، فالأئمة النقاد لم يكونوا يفتشون عن السماع إذا كان الراوي ثقة غير مدلس، وأمكن له اللقي.\nوساق مسلم لهذا الغرض عددًا من الأسانيد على هذه الصفة، جاءت بها أحاديث، \"وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد، لا نعلمهم وهنوا منها شيئًا قط، ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض\" (^١).\nوذكر مسلم للقول الآخر حجة واحدة وهي خشية أن يكون مرسلًا حيث لم يثبت السماع، ثم نقض هذه الحجة عن طريق الإلزام، فقد ألزم من قال بذلك أن لا يحكم بالاتصال إذا كانت الرواية معنعنة وإن ثبت السماع بين الراويين، لاحتمال الإرسال أيضًا، وساق من أجل ذلك جملة من الأحاديث، جاءت من طرق عن رواة غير مدلسين سمعوا ممن رووا عنه بدون واسطة، وجاءت من طرق أخرى عنهم بواسطة بينهم وبين من رووا عنه، والراجح - كما يقول مسلم - أن إسقاط الواسطة منها إرسال، فالاحتمال في كل عنعنة موجود إذًا، فيلزم حينئذٍ - من أجل احتمال الإرسال - أن لا تقبل العنعنة أصلًا.\nوقد تعرض لهذه المسألة بعد مسلم أئمة كثيرون، وباحثون معاصرون، بل من الأئمة والباحثين من أفرد لها مؤلفًا خاصًا، فابن رشيد ألف فيها كتابه: \"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في الإسناد المعنعن\" أحكمه أيما إحكام، وقد طبع الكتاب.\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" ١: ٣٥.","vol":"1","page":97},{"text":"والشيخ عبدالرحمن المعلمي كتب رسالة في الأسانيد التي ساقها مسلم محتجًا بها على رأيه الذي اختاره، وفي الأحاديث التي نقض بها حجة خصمه، وطبعت هذه الرسالة أيضًا.\nكما تحدث عن الموضوع أيضًا في كتابه \"التنكيل\"، وفي رسالته \"عمارة القبور\"، وكلاهما مطبوع.\nوخصص الباحث الأخ خالد الدريس رسالته في الماجستير لهذه المسألة بعنوان: \"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\"، بذل فيها جهدًا مشكورًا.\nوقد تناولت هذه الكتابات كل كلمة قالها مسلم - ﵀ -، بدءًا من تعيين المخالف الذي عناه مسلم، هل هو البخاري وشيخه ابن المديني، أو أحدهما، أو ليس واحدًا منهما؟ وهل ما نقله مسلم من إجماع أئمة النقد على أن الإسناد في هذه الحالة محمول على الاتصال - دقيق أو لا؟ ثم ما احتج به مسلم من الأسانيد التي ساقها هل يصلح حجة له؟ وهل ما نقض به على خصمه من أحاديث يسلم له هذا النقض؟ وقبل ذلك كله الطريقة التي عالج بها مسلم هذه القضية وهجومه العنيف على المخالف هل هو لائق من الناحية العلمية؟\nوالمتأمل فيما كتب بعد مسلم حول هذه المسألة يرى أن الأئمة والباحثين على أربعة أقسام:\nالأول: جماعة من الأئمة وغيرهم خالفوا مسلمًا في القول الذي اختاره، ورجحوا أن الإسناد في هذه الحالة غير متصل، وأيضًا خالفوه في دعواه أن الإجماع قائم على الحكم بالاتصال، وبينوا أن مذهب جمهور أئمة النقد قبل مسلم على عدم الاكتفاء بإمكان اللقي، بل منهم من قلب المسألة على مسلم،","vol":"1","page":98},{"text":"فقال: إنه لو ادعى مدعٍ أن الإجماع قائم على هذا قبل مسلم لم يكن قوله بعيدًا.\nواشتغل بعض هؤلاء - وهم الذي أطالوا في بحث هذه المسألة - بنقض الحجج التي ذكرها مسلم، وأنه لا يسلم له الاحتجاج بها، وصنيعه في سرد أسانيد قال إنها صحيحة عند الأئمة ولم يثبت فيها سماع - غير دقيق، فبعضها قد ثبت فيها السماع، وقد يكون ذلك عند مسلم في \"صحيحه\"، وبعضها له طرق أخرى صحيحة غير هذه، وغفل عنه، وبعضها قد تكلم فيه الأئمة فلم يصححوه.\nومن هؤلاء: ابن الصلاح، والنووي، وابن رشيد، والعلائي، وابن رجب، وابن حجر، وغيرهم من الأئمة والباحثين (^١).\nالثاني: من سلم لمسلم أن الحكم بالاتصال في هذه الحالة هو قول الجمهور، لكنه اختار القول المخالف الذي شنع مسلم على قائله، وهو عدم ثبوت الاتصال، ومن هؤلاء ابن القطان الفاسي، قال: \"البخاري وعلي بن المديني يريان رأيًا قد تولى رده عليهما مسلم، وهو أن المتعاصرين لا يحمل معنعن\n_________\n(^١). انظر: \"صيانة صحيح مسلم\" لابن الصلاح ص ١٢٨، و\"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥٧، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي ١: ١٢٨، و\"إرشاد طلاب الحقائق\" للنووي ص ٨٦، و\"السنن الأبين والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن\" لابن رشيد، و\"جامع التحصيل\" للعلائي ص ١٣٤ - ١٤١، و\"شرح علل الترمذي\" لابن رجب ٢: ٥٨٦ - ٥٩٩، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" لابن حجر ٢: ٥٩٥ - ٥٩٨، و\"موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين\" لخالد الدريس.","vol":"1","page":99},{"text":"أحدهما عن الآخر على الاتصال، ما لم يثبت أنهما التقيا، وخالفهما الجمهور في ذلك، وعندي أن الصواب ما قالاه ... \" (^١).\nويمكن أن يفهم هذا من صنيع الذهبي، فإنه اكتفى بنسبة القول بعدم الاتصال إلى علي بن المديني والبخاري، فقال عن مسلم: \"افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة (عن)، وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبّخَ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبوعبدالله البخاري، وشيخه علي بن المديني، وهو الأصوب الأقوى\" (^٢).\nالثالث: من وافق مسلمًا على ما ذهب إليه من الحكم بالاتصال، ونصر قوله، وجعل بعضهم الاختلاف بين مسلم وجمهور الأئمة، وجعل بعضهم قول مسلم هو قول الجمهور، والمخالف هو البخاري.\nومن هؤلاء: المزّي، فقد قال بعد أن نقل عن البخاري قوله في إسناد حديث من رواية سالم بن أبي الجعد، عن نبيط، عن جابان، عن عبدالله بن عمرو - وقيل: عن سالم، بإسقاط نبيط -: \"لا يعرف لجابان سماع من عبدالله ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط\" (^٣) - قال: \"وهذه طريقة سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة\n_________\n(^١). \"بيان الوهم والإيهام\" ٣: ٢٨٧، وانظر أيضًا: ٢: ٥٧٥، ٣: ٦٠٣، ٥: ١٠٥.\n(^٢). \"سير أعلام النبلاء\" ١٢: ٥٧٣.\n(^٣). \"التاريخ الكبير\" ٢: ٢٥٧.","vol":"1","page":100},{"text":"كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق\" (^١).\nونسبه ابن رجب إلى كثير من العلماء المتأخرين فقال: \"وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - ﵀ - من أن إمكان اللقي كافٍ في الاتصال، من الثقة غير المدلس\" (^٢).\nواختار هذا المذهب كثير من المشايخ المعاصرين، كعبدالرحمن المعلمي، وأحمد شاكر (^٣).\nالرابع: جمع من الباحثين، ذهب إلى أن ما ذكره مسلم من الإجماع على الاكتفاء بإمكان اللقي صحيح، والمخالف الذي يعنيه مسلم بالرد ليس من أهل الحديث.\nثم من هؤلاء الباحثين من يوجد فرقًا بين مذهب مسلم، وبين مذهب جمهور النقاد من جهة إعمال القرائن في إثبات السماع أو نفيه، فمسلم يكتفي بإمكان اللقاء، وجمهور النقاد يعملون هذه القرائن، وهذا سمعته من بعض الباحثين.\nومنهم من يقول: بل مذهب الجميع واحد، وهو عدم اشتراط العلم بالسماع، مع إعمال القرائن لإثبات السماع أو نفيه، ومن هؤلاء الباحث الأخ حاتم الشريف في رسالته: \"إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين\".\n_________\n(^١). \"تهذيب الكمال\" ٤: ٤٣٣.\n(^٢). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٨.\n(^٣). \"عمارة القبور\" ص ٢٣٣ - ٢٥١، و\"شرح ألفية السيوطي\" لأحمد شاكر ص ٣٢.","vol":"1","page":101},{"text":"وأقرب هذه الأقسام إلى الصواب هو الأول منها، وأبعدها - بلا تردد - هو الأخير منها، فلا ذكر للقرائن في كلام مسلم، ومذهب جمهور النقاد واضح لا خفاء فيه، وهو اشتراط العلم بالسماع والتصريح بالتحديث، وسأكتفي هنا بذكر ما يثبت ذلك من نصوصهم، والجواب عما يعترض به على الاستدلال بهذه النصوص، فإن بحث المسألة من جميع جوانبها لا يحتمله هذا الموضع، وكنت قد بحثت ذلك في رسالة خاصة بعنوان: \"اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن\" (^١)،\nوأقتطع منها هنا ما يتعلق بالنصوص التي أشرت إليها، وهي تنقسم في الجملة إلى أربعة أقسام:\n_________\n(^١). هذه الرسالة مضمونها الاستدلال على أن جمهور الأئمة يشترطون ورود التصريح بالتحديث لإثبات السماع، ومسلمًا يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي، ومناقشة من ذهب من الباحثين إلى أن مسلمًا يعمل القرائن في إثبات السماع، والأئمة كذلك اعتمادهم على القرائن، لا على التصريح بالتحديث، وكذلك من ذهب منهم إلى أن مسلمًا لا يعمل القرائن، ويكتفي بإمكان اللقي، فهذا وجه الفرق بين مذهبه ومذهب الجمهور، فالجمهور وإن كانوا لا يشترطون التصريح بالتحديث فهم ينظرون في قرائن إثبات السماع أو نفيه، وكذلك من ذهب منهم إلى أن أئمة النقد - غير مسلم - يشترطون ثبوت التصريح بالتحديث وإن كان بعضهم\n- كابن المديني والبخاري - ربما أثبتوا السماع بدون التصريح إذا كانت القرائن قوية جدًا، وهذا في أمثلة معدودة، وقد ناقشت في هذه الرسالة جميع ما أوردوه من أدلة ونصوص، وكانت المناقشة أشد مع بعض الإخوة الباحثين الذين خرجوا في استدلالهم ومناقشتهم لأدلة مخالفهم عن المنهج العلمي الصحيح في النظر والاستدلال، فجاءت الرسالة طويلة في نحو ثلاثمائة صفحة، ثم ظهر لي - بمشورة بعض الإخوة الفضلاء - أنه من غير المناسب نشرها - في الوقت الحاضر على الأقل - مخافة أن توضع في غير موضعها، ويؤول الغرض منها بغير تأويله، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":102},{"text":"القسم الأول: ما يفيد تفتيشهم عن السماع مع غير المدلس، حتى مع ثبوت سماعه ممن روى عنه، وهذا ينقض قول من يقول إنهم كانوا لا يفتشون عن السماع إلا مع المدلس.\nفمن هذه النصوص توقيفهم لشيوخهم على السماع، فقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول رأي شعبة في قبول الإسناد المعنعن بصفة عامة، وانزعاجه من كثرة الإرسال عند الرواة، وهو وإن كان قد حكي عنه رجوعه عن عدم قبول الإسناد المعنعن إلا أنه كان كثير التفتيش عن السماع مع المدلسين وغيرهم، حتى من عرف بسماعه من شيخه، فإنه كان يوقفه في كل حديث، فقد ورد عنه قوله: \"كل شيء حدثتكم به عن رجل فهو حدثني به، قال: سمعت، أو حدثني، إلا ما بينته لكم\"، قال ابن المديني تعليقًا على هذا النص: \"وإنما تعلم شعبة هذا التوقيف من أبي مريم عبدالغفار بن القاسم\" (^١).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: \"كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا\n_________\n(^١). \"معرفة الرجال\" ٢: ٢١٠، وانظر أيضًا: \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ١٥١ - ١٥٢، ٢: ١٦٢، و\"علل المروذي\" ص ٩٢، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٧٣.\nوعبدالغفار بن القاسم هذا كان له عناية بالعلم وبالرجال، وقد سمع منه شعبة، ثم تركه، فقد كان شيعيًا غاليًا، روى أحاديث بواطيل في عثمان - ﵁ -، تركه الجمهور، ورماه بعضهم بوضع الحديث، وممن رماه بذلك ابن المديني، وهو الذي قال فيه ما في النص أعلاه، انظر: \"الجرح والتعديل\" ٦: ٥٣، و\"الميزان\" ٢: ٦٤٠، و\"اللسان\" ٤: ٤٢.\nوممن تعلم منه شعبة التفتيش عن سماع الرواة ممن رووا عنه والدته، فروى ابن معين في \"معرفة الرجال\" ٢: ١٥٧، عن عفان، عن شعبة قال: \"قالت أمي لهشام بن حسان: عمن يحدث ابن سيرين؟ قال: فقال: عن أبي هريرة، وابن عمر، قال: فقالت: وسمع منهما؟ \".","vol":"1","page":103},{"text":"تحتاج أن تقول عن ذاك الرجل إنه سمع فلانًا، قد كفاك أمره\" (^١).\nوقال أبوداود الطيالسي: \"رأيت رجلًا يقول لشعبة: قل: حدثني أو أخبرني، فقال له شعبة: فقدتك وعدمتك، وهل جاء أحد بهذا قبلي؟ \" (^٢).\nوجاء عنه قوله لعدي بن ثابت حين روى له حديثًا عن البراء بن عازب: \"أنت سمعته من البراء؟ قال: إياي حدث\" (^٣).\nوسمع شعبة عبدالرحمن بن القاسم يحدث عن أبيه عن عائشة بحديث قصص بريرة الثلاث، قال شعبة: \"قلت لسماك بن حرب: إني أتقي أن أسأله عن الإسناد فسله أنت - قال: وكان في خلقه ... - فقال له سماك بعدما حدث: أحدثك هذا أبوك عن عائشة؟ قال عبدالرحمن: نعم، فلما خرج قال لي سماك: يا شعبة استوثقت لك منه\" (^٤).\nوربما وصل به الأمر إلى تحليف شيخه أنه سمع، كما في قصته مع عبدالله بن دينار حين روى له حديثًا عن ابن عمر (^٥).\nوحدث أبو داود السجستاني بحديث شعبة، عن أبي زياد الطحان، عن أبي هريرة: \"رأى النَّبِيّ - ﷺ - رجلًا يشرب قائمًا ... \" الحديث، ثم قال: \"أبو زياد\n_________\n(^١). \"الجرح والتعديل\" ١: ١٦٢.\n(^٢). \"الجرح والتعديل\" ١: ١٦٦، و\"الكامل\" ١: ٨٧.\n(^٣). \"صحيح مسلم\" ١: ٦٠.\n(^٤). \"الجرح والتعديل\" ١: ١٦٥.\n(^٥). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٧٠٣، و\" الجرح والتعديل\" ١: ١٦٤، ١٧٠.","vol":"1","page":104},{"text":"الطحان حلَّفه شعبة، فقال: والرحمن لقد سمعت أبا هريرة\" (^١).\nومثل ما جاء عن شعبة جاء عن سفيان الثوري (^٢)، وهشام بن عروة، وعن تلميذهم يحيى بن سعيد القطان (^٣)، إلا أن شعبة اشتهر أيضًا بأنه يؤديها بألفاظ السماع أيضًا، ولا يختصرها بإبدال (عن) بها، قال عبدالله بن أحمد: \"قلت لأبي: أبومعاوية فوق شعبة - أعني في حديث الأعمش -؟ فقال: أبومعاوية في الكثرة والعلم - يعني علمه بالأعمش - شعبة صاحب حديث، يؤدي الألفاظ والأخبار، أبومعاوية: عن، عن ... \" (^٤).\nولهذا كان الأئمة يعدون رواية شعبة بمثابة ترجيح السماع، فقد سئل أحمد: هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ قال: \"قتل سليمان في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدث عنه شعبة: عن عمرو، عن سليمان، وأراه قد سمع منه\" (^٥)، والظاهر أنه رجح سماعه برواية شعبة، وليس بوجود التصريح بالسماع، فقد سئل مرة أخرى عن سماع عمرو منه فقال: \"لعل عمرًا أدركه\" (^٦).\n_________\n(^١). \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٠. والحديث أخرجه أحمد ٢: ٣٠١، والدارمي حديث (٢١٣٤).\n(^٢). \"الجرح والتعديل\" ١: ٦٨، ٨٢.\n(^٣). انظر: ما تقدم في المبحث الأول.\n(^٤). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٣٧٧.\n(^٥). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٨٤.\n(^٦). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٨٧.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>القسم الثاني: ما فيه إثبات السماع أو اللقي لوجود التصريح به، أو نفي ذلك لعدم وجوده</span>.\nفمن ذلك أن علي بن المديني سأل يحيى بن سعيد القطان: هل سمع زرارة (يعني ابن أوفى) من ابن عباس؟ فقال: \"ليس فيها شيء: سمعت\" (^١).\nوقال عبدالله بن أحمد في شأن سليمان بن قيس اليشكري: \"قال أبي: وقد حدث عنه الجعد أبوعثمان، فقلت له: سمع منه؟ قال: يقول الجعد: حدث سليمان، حدث سليمان، فلا أدري - يعني سمع منه أم لا -\" (^٢).\nوسئل ابن معين عن وهب بن منبه هل لقي النعمان بن بشير؟ فقال: \"يُروى عنه في حديث أنه لقيه\" (^٣).\nوقيل له: ثابت سمع من ابن عمر؟ قال: \"نعم، قال: سمعت ابن عمر\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"قالوا: إن عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه، ولا يصحح له سماع\" (^٥).\nوقال ابن المديني: \" قيس بن أبي حازم سمع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ... \"، قيل له: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس بن أبي حازم سماعًا؟ قال:\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٦٣.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٨٧.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٢٢٨.\n(^٤). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٨.\n(^٥). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٦.","vol":"1","page":106},{"text":"\"نعم، سمع منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نعد له سماعًا \" (^١).\nوقال أيضًا في همام بن الحارث: \"روى عن أبي الدرداء، ولا ينكر لقاؤه عندنا، وقد لقيه، ولم يقل: سمعت\" (^٢).\nوسئل ابن المديني عن سماع سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عبدالله بن جعفر؟ فقال: \"ليس فيه سماع\"، ثم قال: \" لم يلق سعد بن إبراهيم أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - \" (^٣).\nوقال الفلاس في ميمون بن أبي شبيب: \"كان يحدث عن أصحاب النَّبِيّ - ﷺ - ....، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي - ﷺ -\" (^٤).\nوسئل محمد بن عوف الحمصي الحافظ عن سماع شريح بن عبيد من أحد من أصحاب النبي - ﷺ -، فقال: \"ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء: سمعت، وهو ثقة\" (^٥).\nوقال أبوحاتم حين سئل عن خالد بن معدان عن أبي هريرة، هل هو متصل؟: \"قد أدرك أباهريرة، ولا يُذكر سماعٌ\" (^٦).\n_________\n(^١). \"علل ابن المديني\" ص ٦١.\n(^٢). \"علل ابن المديني\" ص ٦١.\n(^٣). \"تهذيب الكمال\" ١٠: ٢٤٤.\n(^٤). \"تهذيب الكمال \" ٢٩: ٢٠٧.\n(^٥). \"تاريخ دمشق\" ٢٣: ٦٤.\n(^٦). \"المراسيل\" ص ٥٣.","vol":"1","page":107},{"text":"وقال في سماع أبي عبدالرحمن السلمي من عثمان بن عفان: \"قد روى عنه، ولم يذكر سماعًا\" (^١).\nوقال في رواية مجاهد عن علي: \"أدرك عليًا، لا يُذكر رؤيةٌ ولا سماعٌ\" (^٢).\nوأما البخاري فقد أكثر من نقد الأسانيد بعدم ذكر السماع، أو الحكم بالاتصال لذكر السماع، ويصفو منه شيء كثير في محل النزاع (^٣)، وقد كان البخاري في كتابه: \"التاريخ الكبير\" شديد الحرص على بيان كيفية رواية المترجم له عن شيوخه، فينص على التصريح بالتحديث، وعلى من ذكر عنه رؤية، وعلى من روى عنه بالعنعنة، أو بصيغة أن (^٤).\nالقسم الثالث: ما فيه إثبات إدراك الراوي لمن روى عنه، ونفي سماعه منه، وفوق ذلك أن يثبتوا رؤيته له أو دخوله عليه وينفوا سماعه منه، فمن ذلك قول شعبة: \"قد أدرك رفيع أبوالعالية: علي بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئًا\" (^٥).\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٠٧.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٢٠٦، وانظر أيضًا ص ٧٩ فقرة (٢٨٢)، ص ٨٨ فقرة (٣١٩)، ص ٢٠٩ فقرة (٧٨٠)، ص ٢٤٢ فقرة (٩٠٤).\n(^٣). انظر \" موقف الإمامين\" ص ١٦٥ - ٢٥٠، ٢٥٩، ٤٥٦.\n(^٤). انظر: \"موقف الإمامين\" ص ٩٤ - ١٠٧.\n(^٥). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ١٦٧، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٨٣٢، و\"المراسيل\" ص ٥٨، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣١، وانظر: \"التاريخ الكبير\" ٣: ٣٢٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ٢٨٥، فقد روى أبوالعالية عن علي - ﵁ -، واختلف في سماعه منه.","vol":"1","page":108},{"text":"ونقل ابن المديني عن يحيى القطان قوله في الرواة عن زيد بن ثابت: \"ومن أهل المدينة ممن روى عنه ممن أدركه، ولا يثبت له لقاؤه، ولا يثبت له السماع منه\"، ثم عد جماعة (^١).\nوقال أحمد: \"عطاء - يعني ابن أبي رباح - قد رأى ابن عمر، ولم يسمع منه\" (^٢).\nوسئل أحمد عن ابن عون هل سمع من أنس؟ فقال: \" قد رآه، وأما سماع فلا أعلم\" (^٣).\nوقال الدوري: \"سمعت يحيى بن معين يقول في حديث عبدالجبار بن الورد، عن عبيدالله بن أبي يزيد - قال: دخلت على أبي لبابة بن عبدالمنذر، فقلت ليحيى: سمع من أبي لبابة؟ فقال: لا أدري\" (^٤).\nوقال أبوحاتم في إبراهيم النخعي: \"أدرك أنسًا، ولم يسمع منه\" (^٥).\nوقال أيضًا: \"حصين بن جندب أبوظبيان قد أدرك ابن مسعود، ولا أظنه سمع منه\" (^٦).\nوقال أبوحاتم أيضًا: \"أيوب السختياني رأى أنس بن مالك، ولم يسمع\n_________\n(^١). \"علل ابن المديني\" ص ٤٨.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١٥٤.\n(^٣). \"علل المروذي\" ص ٤١.\n(^٤). \"تاريخ عباس\" ٢: ٣٨٤، و\" المراسيل\" ص ١٢٠.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ٩.\n(^٦). \"المراسيل\" ص ٩٩.","vol":"1","page":109},{"text":"منه، وهو مثل الأعمش\" (^١).\nوقال أيضًا: \"جماعة بالبصرة قد رأوا أنس بن مالك، ولم يسمعوا منه\"، وذكر منهم: ابن عون، وقرة بن خالد (^٢).\nوقال أيضًا: \"مكحول لم يسمع من واثلة، دخل عليه \" (^٣).\nوقال أيضًا: \"طاوس لم يسمع من عثمان شيئًا، وقد أدرك - يعني زمن عثمان - لأنه قديم\" (^٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>القسم الرابع: ما جاء عنهم من نفي السماع دون النص على الإدراك، لكن يعرف ذلك وأن اللقاء بينهما ممكن من ترجمتي الراويين</span>.\nوهو كثير، فمن ذلك نفي شعبة لسماع أبي عبدالرحمن السلمي من عثمان (^٥)، ومجاهد من عائشة (^٦)، وجعفر بن أبي وحشية من مجاهد (^٧)، ومن\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٤.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١١٣، ١٧٧، ٢٤٤.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٢١٣.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ٩٩، وانظر أيضًا: \"المراسيل\" ص ٦٥ فقرة (٢٣٢)، ص ٩٨ فقرة (٣٤٨ - ٣٥١)، ص ١١٠ فقرة (٣٩٥)، ص ١٣٦ فقرة (٤٩٠)، ص ١٤٦ فقرة (٥٢٦، ٥٢٩)، ص ١٩٢ فقرة (٧٠٦)، ص ١٩٣ فقرة (٧١٠)، ص ٢٤٤ فقرة (٩١٠).\n(^٥). \"مسند أحمد\" ١: ٥٨، و\"صحيح البخاري\" حديث (٥٠٢٧)، و\"المراسيل\" ص ١٠٦، ١٠٨.\n(^٦). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٠٨، ٢: ٩٤، و\"صحيح البخاري\" حديث (١٧٧٥ - ١٧٧٦)، و\"المراسيل\" ص ٢٠٣.\n(^٧). \"المراسيل\" ص ٢٥ و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٢، ١٥٧، ١٥٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٨.","vol":"1","page":110},{"text":"حبيب بن سالم (^١).\nوقال مالك: \"لم يسمع سعيد بن المسيب من زيد بن ثابت\" (^٢).\nوقال أحمد حين سئل عن سماع أبان بن عثمان بن عفان من أبيه: \"لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ \" (^٣)، وعلق ابن رجب على كلمة أحمد هذه بقوله: \"ومراده: من أين صحت الرواية بسماعه منه؟ وإلا فإن إمكان ذلك واحتماله غير مستبعد\" (^٤).\nوقال أبوزرعة في أبي أمامة بن سهل بن حنيف: \"لم يسمع من عمر\" (^٥)، وعلق ابن رجب على كلامه هذا بقوله: \"هذا مع أن أبا أمامة رأى النبي - ﷺ -\" (^٦).\nوقال البخاري: \" أبو الزناد لم يسمع من أنس بن مالك \" (^٧).\nفهذه نصوص عن الأئمة قبل عصر مسلم، وفي عصره، تدل دلالة ظاهرة على أنهم يشترطون العلم بالسماع للحكم بالاتصال.\nوأما من بعد مسلم من الحفاظ كالبزار، والدارقطني، فالنصوص عنهم\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٢٦، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٢، ١٥٧، ١٥٨، ٢: ٤٧٣.\n(^٢). \"علل ابن المديني\" ص ٤٨، و\"المراسيل\" ص ٧٢.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ١٦.\n(^٤). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩١.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٦، ٢٥٨.\n(^٦). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩١.\n(^٧). \"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٤.","vol":"1","page":111},{"text":"كثيرة أيضًا (^١).\nوالنصوص التطبيقية هذه اعترض على الاستدلال بها، وذلك من ثلاثة أوجه أذكرها مع الجواب عنها:\nالوجه الأول: أن ما يتعلق منها بنفي السماع ليس مرجعه إلى أن السماع لم يرد، ولكن قد يكون لأن نفي السماع قد ورد، فقد قال يحيى بن معين في رواية الدوري: \"قد رأى حاتم بن إسماعيل: محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، ولم يسمع منهما شيئًا\" (^٢)، ونقله عنه هكذا ابن أبي حاتم (^٣)، لكنه قال مرة أخرى في رواية الدوري أيضًا: \"قد أدرك حاتم بن إسماعيل محمد بن المنكدر، وزيد بن أسلم، وقال لنا: قد رأيتهما، ولم أسمع منهما شيئًا\" (^٤).\nومثله قول ابن معين أيضًا: \"لم يسمع أبوإسحاق من علقمة شيئًا، ولكنه قد رآه\" (^٥)، فإن نفي السماع ثابت عن أبي إسحاق نفسه (^٦).\nوكذا عدم سماع الأعمش من أنس فإنه قد جاء عنه قوله: \"رأيت أنسًا، وما منعني أن أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي\" (^٧).\n_________\n(^١). انظر: \"موقف الإمامين\" ص ٢٨٤ - ٢٩٠.\n(^٢). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٩١، ٣: ١٦٧.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٥١.\n(^٤). \"تاريخ الدوري \" ٢: ٩١، ٣: ٢٤٥.\n(^٥). \"معرفة الرجال\" ١: ١٢٨.\n(^٦). انظر: \"المراسيل\" ص ١٤٥.\n(^٧). \"تاريخ بغداد \" ٦: ٢٤٦.","vol":"1","page":112},{"text":"ونفى أحمد أن يكون عمار الدهني قد سمع من سعيد بن جبير شيئًا (^١)، وقد جاء النفي عن عمار نفسه، قال أبو بكر بن عياش: \" مَرَّ بي عمار الدهني فدعوته، فقلت: سمعت من سعيد بن جبير؟ قال: لا، قلت: فاذهب \" (^٢).\nفمثل هذا يدل على أنهم إنما ينفون السماع حين يرد النفي، ولا كلام في ذلك، فإن محل النزاع فيما إذا لم يرد ذلك.\nوالجواب أن ما ذكره المعترض قد يتهيأ في بعض النصوص، لكنه لا يتهيأ فيها كلها، كما في النص السابق عن ابن معين في عبيدالله بن أبي يزيد مع أبي لبابة، فلم يثبت السماع لكونه لم يرد، لا لوجود نفيه، وقد تقدم مثله عن الأئمة مع عدم وجود الرؤية، فقد نفوا السماع لكونه لم يرد، وأثبتوه لوروده.\nالوجه الثاني: نرى الأئمة - وقد تقدم هذا في المبحث الأول من هذا الفصل - حين يسألون عن سماع راوٍ من آخر يقيمون الدليل على أنه لم يسمع منه، فيذكرون مثلًا أنه يدخل بينه وبينه رجلًا، أو أكثر، أو يقولون: إن هذا كان في بلد، والمروي عنه في بلد آخر، أو يذكرون أنه يقول في بعض رواياته عنه: نبئت، أو بلغني عنه، وحينئذٍ فلو كانوا يتطلبون ثبوت السماع للحكم بالاتصال لاكتفوا بالقول: إنه لم يثبت السماع، ولا حاجة لإقامة دليل آخر على ذلك.\nوالجواب عن هذا سهل جدًا، ذلك أنهم يفعلون هذا لسببين:\n_________\n(^١). \"جامع التحصيل \" ص ٢٩٥.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال \" ٢: ٤٥٩، وانظر: \"سؤالات الآجري لأبي داود \" ١: ١٧٥.","vol":"1","page":113},{"text":"الأول: أن وجود قرينة على عدم السماع أقوى في نفي السماع من عدم وجودها، وكلما كثرت القرائن ازداد النفي قوة، لا يجادل في ذلك أحد، فعدم وجود قرينة على النفي مع إمكان السماع لا يكفي لإثبات السماع، وحينئذٍ فعملهم هذا من باب تأكيد حكم ثابت، ويجلي هذا بوضوح نصوص عن النقاد في هذا.\nفمن ذلك ما تقدم عن أبي حاتم في إدخال واسطة بين سعيد بن يزيد، والنَّبِيّ - ﷺ -، فقد تأكد بها أن لا صحبة له، لكن قبل الوقوف عليها لم تثبت له صحبة بمجرد ذلك، ولهذا قال أبو حاتم: \"كنا لا ندري له صحبة أم لا \" (^١).\nوقال ابن الجنيد: \"قلت ليحيى بن معين: تعلم محمد بن سيرين يدخل بينه وبين عقبة بن أوس أحدًا، أو عقبة بن أوس يدخل بينه وبين عبدالله بن عمرو أحدًا؟ فقال: لا أعلمه، وعقبة بن أوس يقال له أيضًا: يعقوب بن أوس، قال ابن الغلابي: يزعمون أن عقبة بن أوس السدوسي لم يسمع من عبدالله بن عمرو، إنما يقول: قال عبدالله بن عمرو\" (^٢).\nفنلاحظ في هذا النص البحث عن قرينة تدل على عدم السماع، فكان السؤال عن أشهر قرينة في ذلك، وهي إدخال راو بين راويين، وعدم الوقوف عليها لم يغير من الحكم شيئًا، وهو عدم السماع.\nومثل هذا النص قول أحمد حين سئل: هل سمع حميد بن هلال من هشام\n_________\n(^١). \"المراسيل \" ص ٦٨.\n(^٢). \"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٣١٨، والقائل: قال ابن الغلابي - هو ابن الجنيد، واسم ابن الغلابي المفضل بن غسان، وهو أحد تلاميذ ابن معين.","vol":"1","page":114},{"text":"ابن عامر؟ فقال: \"ما أراه سمع منه، وذاك أنه يُدخل بينهما رجل، وبعضهم يقول: أبوالدهماء\" (^١).\nوأما أبوحاتم فقال: \"حميد بن هلال لم يلق هشام بن عامر، يدخل بينه وبين هشام: أبوقتادة العدوي، وبعضهم يقول: عن أبي الدهماء، والحفاظ لا يدخلون بينهم أحدًا: حميد، عن هشام\"، قيل له: فأي ذلك أصح؟ قال: \"ما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد، عن هشام\" (^٢).\nفنلاحظ أن أباحاتم يرجح رواية من لم يدخل بينهما أحدًا، ومع ذلك وافق أحمد على أنه لم يسمع منه ولم يلقه، فاتضح أن القرينة التي ذكرها أحمد قصد بها تأكيد عدم السماع وعدم اللقي، والحكم بذلك باقٍ حتى مع انتفائها.\nالسبب الثاني: وجود أخطاء كثيرة في التصريح بالتحديث، فيحرص الأئمة على ذكر القرائن على أنه لم يسمع خشية وقوع خطأ في التصريح بالتحديث، وقد وقع ذلك كثيرًا فعالجوه بهذه الطريقة.\nفمن ذلك قول علي بن المديني: \"قلت ليحيى بن سعيد القطان: الفزاري روى عن ابن أبي خالد، عن هلال بن يساف قال: سمعت أبامسعود، قال يحيى: أنكر أن يكون هلال سمع من أبي مسعود، قال يحيى: مات أبومسعود أيام علي\" (^٣).\n_________\n(^١). \"مسائل أبي داود \" ص ٤٢٥.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٤٩، وانظر: \"تحفة الأشراف\" ١١: ٤٢٩.\n(^٣). \"المراسيل\" ص ٢٢٩.","vol":"1","page":115},{"text":"وروى الأثرم قال: \"قال أبوعبدالله أحمد بن حنبل: عبدالله البهي سمع من عائشة! ! ما أرى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة، وقال (يعني أحمد):\nفي حديث زائدة، عن السدي، عن البهي قال: حدثتني عائشة - في حديث الخمرة -، وكان عبدالرحمن (يعني ابن مهدي) قد سمعه من زائدة، فكان يدع فيه: حدثتني عائشة، وينكره\" (^١).\nوقال عبد الله بن أحمد: \"حدثني أبي، قال: حدثنا حجاج، عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن محمد بن كعب، قال: سمعت علي بن أبي طالب، قال أبي: هذا وهم، محمد بن كعب يحدث عن عبدالله بن شداد، عن علي، وعن شبث بن ربعي، عن علي، ولم أر أبي يصحح أن محمد بن كعب سمع من علي\" (^٢).\nوروى الأثرم قال: \"سمعت أباعبدالله وذكر حديث خالد بن الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - قال: «حولي مقعدي إلى القبلة»، فقال: مرسل، فقلت له: عراك ابن مالك قال: سمعت عائشة - ﵂ -، فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع من عائشة؟ ماله ولعائشة، إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا عن حماد\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١١٥، وانظر \"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٤، و\"تحفة الأشراف\" ١١: ٤٧٢ - ٤٧٤، ومعه \"النكت الظراف\".\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٢٧.","vol":"1","page":116},{"text":"ابن سلمة، ليس فيه سمعت\" (^١).\nوقال الأثرم أيضًا: \"قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل -: الزهري سمع من عبدالرحمن بن أزهر؟ قال: ما أراه سمع من عبدالرحمن بن أزهر، ثم قال: إنما يقول الزهري: كان عبدالرحمن بن أزهر يحدث، كذا يقول معمر وأسامة: سمعت عبدالرحمن بن أزهر، ولم يصنعا عندي شيئًا، ما أراه حُفظ، وقد أدخل بينه وبينه: طلحة بن عبدالله بن عوف\" (^٢).\nوقال محمد بن البراء: \"سئل (يعني ابن المديني) عن حديث الأسود - وهو ابن سريع -: «بعث رسول الله - ﷺ - سرية فأكثروا القتل ...» - فقال: إسناده منقطع، رواية الحسن عن الأسود بن سريع، والحسن عندنا لم يسمع من الأسود، لأن الأسود خرج من البصرة أيام علي، وكان الحسن بالمدينة، فقلت له: فإن المبارك يقول في حديث الحسن، عن الأسود: «أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إني حمدت ربي بمحامد ...» -: أخبرني الأسود، فلم يعتمد على المبارك في ذلك\" (^٣).\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٦٢، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٣: ٩٨.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١٩١، ومراد أحمد أن معمرًا وأسامة بن زيد رويا عن الزهري، عن عبدالرحمن بن أزهر مصرحًا الزهري فيه بالتحديث، وعد أحمد ذلك خطأ من معمر وأسامة، وأقام قرينتين على ذلك.\n(^٣). \"علل ابن المديني\" ص ٥٥، وانظر: \"مسند أحمد\" تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ٢٣: ٣٥٢ - ٣٥٧، الأحاديث (١٥٥٨٦ - ١٥٥٨٩)، و\"المراسيل\" ص ٣٩.","vol":"1","page":117},{"text":"وقضية الأخطاء في التصريح بالتحديث قضية ضخمة جدًا في باب الاتصال والانقطاع، شغلت الأئمة كثيرًا، فالراوي المتأخر كما يخطئ في رفع الحديث، وفي وصله، وفي زيادة رجل أو نقصه وغير ذلك - يخطئ في إبدال صيغة الرواية، فيضع الأعلى بدل الأدنى، أي يضع التصريح بالتحديث أو اللقي مكان الصيغة المحتملة للسماع وعدمه، أو التي فيها الانقطاع صراحة، أو يسقط رجلًا، فتكون الرواية عمن فوقه لمن دونه، وقد سخَّر الأئمة لكشف هذه الأخطاء في كثير من الأحيان علم مقارنة المرويات، فانتظمت هذه الأخطاء وبيانها في سلك علم (علل الحديث) (^١).\nوربما وقع التصريح بالتحديث خطأ من الراوي نفسه، كأن يكون تغير، أو لم يضبط اسم شيخه فسماه بآخر لم يسمع منه، كما ذكر أحمد عن وهيب قال:\n_________\n(^١). انظر نماذج من أخطاء التصريح بالتحديث أو اللقي في: \"مسند أحمد\" ٤: ٨٨، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٠٥، ٤٥٣، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٠٨، ٢: ٤٨، ٩٤، و\"علل ابن المديني\" ص ٥٤، ٥٥، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٥٥٠، و\"التاريخ الكبير\" ١: ٢٧٨، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٤٣٩، (١٦)، (٤٣١)، (٥٥٠)، (٧٩٥)، (٧٩٩)، (٨٢١)، (٨٢٢)، (٩٠٨)، (٩٥٧)، (٩٦٦)، (٩٨٨)، و\"المراسيل\" ص ١٢، ٣٤، ٣٦، ٣٧، ٣٨، ٤٠، ٥٢، ٦١، ٨٦، ٩٦، ١٠٢، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٨، ١٤٢، ١٥٦، ١٥٧، ١٥٩، ١٦٣، ١٧٦، ١٨٢، ١٩١، ٢٠٣، ٢٠٤، ٢١٣، ٢١٥، ٢٢٧، ٢٢٩، ٢٣٦، ٢٤٦، و\"علل ابن أبي حاتم\" حديث (١٦)، (٤٣١)، (٥٥٠)، (٧٩٥)، (٧٩٩)، (٨٢١)، (٨٢٢)، (٩٠٨)، (٩٥٧)، (٩٦٦)، (٩٨٨)، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٤٠، ١٤٧، ٢٤٣، ٢٤٥، و\"تهذيب الكمال\" ٢٠: ٢٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٤٣٧، و\"جامع التحصيل\" ص ١٩٠، ٢٢٧، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩١، ٥٩٣ - ٥٩٤، ٧٨٩.","vol":"1","page":118},{"text":"\"أتيت عطاء بن السائب فقلت له: كم سمعت من عبيدة؟ قال: ثلاثين حديثًا، قال: ولم يسمع من عبيدة شيئًا، قال: ويدل ذلك على أنه قد تغير\" (^١).\nوذكر أحمد، وابن معين، وأبوحاتم أن زهير بن معاوية سمع من صالح ابن حيان، فقلب اسمه إلى واصل بن حيان (^٢).\nوكذلك اعتنى الأئمة بالنص على الراوي الذي يخطئ على شيخه في صيغ الأداء، فيذكر عنه التصريح بالتحديث، وهو لم يسمع ممن روى عنه، مثل المبارك ابن فضالة مع الحسن البصري (^٣).\nوكثيرًا ما يشير الأئمة في عباراتهم إلى أخطاء التصريح بالتحديث، فيقولون في الراوي مثلًا: لم يصح له سماع من فلان، أو لا يثبت له سماع من فلان، أو إنما صح له السماع من فلان وفلان، ونحو هذه العبارات، أو يسأل عن سماع شخص من آخر فيقول: أما عن ثقة فلا، أو يسأل عن صحبته فيقول: أما صحيحة فلا، أو ينقل الإمام عن إمام آخر أنه كان ينكر سماع راوٍ من آخر، ونحو ذلك (^٤).\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٥٧، وانظر: \"مسائل أبي داود\" ص ٢٨٧.\n(^٢). انظر: \"سؤالات أبي داود \" ص ١٦٣، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٢٦٣، و\"سؤالات الآجري لأبي داود \" ١: ٣٠٨، و\"الكامل\" ٤: ١٣٧١، و\"ضعفاء الدارقطني\" ص ٢٤٦، و\"شرح علل الترمذي \" ٢: ٨١٩، و\"تهذيب التهذيب \" ٤: ٣٨٦.\n(^٣). \" الجرح والتعديل \" ٨: ٣٣٩، و\"الضعفاء الكبير\" ٤: ٢٢٥.\n(^٤). انظر مثلًا: \"علل ابن المديني\" ص ٥٤، ٦٨، و\"التاريخ الصغير\" ١: ١٨٧، ٢٠٨، ٢٤٠، و\"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٤، و\"المراسيل\" ص ١٦، ٢٦، ٣٨، ٤٢، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٦٣، ١٠٢، ١٠٤، ١٤٦، ١٨٥، ١٩٢، ٢١١، ٢١٦، ٢٣٠.","vol":"1","page":119},{"text":"ويشبه أخطاء التصريح بالسماع واللقي ما يأتي عن الرواة من ألفاظ موهمة للسماع أو اللقي، ولا يقصد بها ذلك، مثل أن يقول الراوي: قدم علينا فلان، أو خطبنا فلان، وهو يقصد قومه، أو أن فلانًا حدثهم، وهو يقصد الناس.\nمثال ذلك: قول أحمد: \"الأسود بن سريع ما أرى سمع منه الحسن، وذاك أن يونس يقول: حدثهم\" (^١).\nوقال إسحاق بن منصور: \"وسألته - يعني ابن معين - قلت: خليد العصري لقي سلمان؟ قال: لا، قلت: إنه يقول: لما ورد علينا، قال: يعني البصرة\" (^٢).\nوقال محمد بن البراء: \"قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس، وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة استعمله عليها علي - ﵄ - وخرج إلى صفين، وقال لي عن حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة - إنما هو كقول ثابت: قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع بن مسعود\" (^٣).\nويؤكد ما تقدم أن النقاد استخدموا القرائن لنفي السماع مع المدلسين\n_________\n(^١). \"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٨، ووقع في النسخة: \"حدثه\"، ولا يستقيم بها المعنى.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٥٥.\n(^٣). \"علل ابن المديني\" ص ٥١، و\"المراسيل\" ص ٣٣، وانظر أيضًا نماذج أخرى في: \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٦٣٢، و\"المراسيل \" ص ٤٠، ٥٥، ٧٦، ٢١٧، و\"شرح معاني الآثار\" ١: ٤٥١، و\"نصب الراية\" ١: ٩٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٦٩.","vol":"1","page":120},{"text":"أيضًا، كما في ترجمة الحسن البصري، وقتادة، وغيرهما، مع أنهم - بالاتفاق - لا يثبت لهم السماع إلا بالعلم به، ولم يكتف النقاد بأن يقولوا في حقهم: لم يرد التصريح بالتحديث.\nثم إن الوجه الثاني هذا يمكن دفعه من أصله، وذلك بقلب السؤال، فيقال: نرى الأئمة حين يريدون إثبات السماع ينصون أحيانًا على العلم به، فيقولون مثلًا: يقول في حديثه: سمعت، أو يقول: حدثنا، فلو كان مجرد إمكان اللقي كافيًا لكان الناقد يكتفي به، فيثبت سماعه معتمدًا عليه، مع عدم وجود ما ينفيه.\nفإن قيل في الجواب: إنما ينص الناقد على العلم بالسماع حين يحتاج إلى ذلك، مثل وجود قرينة على عدم السماع، ثم له أن يفعله وإن لم يوجد ذلك، إذ بالاتفاق أن العلم بالسماع أقوى من مجرد الحكم به اعتمادًا على إمكان اللقي، وعدم المعارض، وهذا الجواب هو ما نجيب به على الوجه الثاني هذا، وهو أنه يستخدم القرينة للنفي - وإن لم يحكم بالسماع إذا عدمت - لأن النفي مع وجودها أقوى وآكد، ثم قد يحتاج إليها لدفع دليل على السماع لم يره صحيحًا، كالتصريح خطأ بالتحديث.\nالوجه الثالث: جاء عن النقاد نصوص كثيرة فيها إثبات السماع بالقرائن، لا ذكر للتصريح بالتحديث فيها، وهذا يدل على أن التصريح بالتحديث دليل من الأدلة، وليس الاعتماد عليه وحده، وذلك كأن يسأل الإمام عن سماع شخص من آخر، فيجيب بأنه قد أدركه، أو بأنه قديم يمكنه السماع منه، أو يذكر أن من هو أصغر منه قد سمع منه، أو يذكر أن المسؤول عنه قد سمع من شخص مات قبل من روى عنه في السؤال، ونحو ذلك.","vol":"1","page":121},{"text":"ولاشك أن هذه النصوص أهم ما يمكن أن يتمسك به من يقول: إن الأئمة يكتفون بالقرائن، وقد رأيتها مشكلة على كثير من الباحثين، مع أن المتمعن فيها وفي سياقها، مقارنًا لها بالنصوص الأخرى للنقاد التي تدل على اشتراطهم العلم بالسماع لا يجد فيها إشكالًا، فمنهجهم واحد منضبط لا ينخرم، فهذه النصوص تؤول إلى اشتراط العلم بالسماع، إذ القرائن على إثبات السماع أو نفيه بمثابة التمحيص لورود السماع إذا ورد، قبولًا أو ردًا.\nوأما شرح ذلك فإن ابن رجب أجاب عن هذه النصوص وأمثالها (^١) بما ملخصه أنه ليس فيها إثبات السماع بمجرد ما ذكر في أجوبتهم، وإنما يستخدمونها لأمرين:\nالأول: تقريب إمكان السماع، فقد يستفاد منه عند الوقوف على تصريح بالتحديث، وأيضًا للتفريق بينه وبين ما لا يحتمل فيه الاتصال، فإذا قالوا: ينبغي أن يكون سمع منه، لأنه قديم، أو قالوا: قد أدركه، ونحو ذلك، فهذا تقريب لإمكان السماع بهذه القرينة.\nوعلى هذا حمل ابن رجب قول الترمذي بعد أن أخرج حديثًا لسعيد بن المسيب، عن أنس: \" لا نعرف لسعيد بن المسيب رواية عن أنس إلا هذا الحديث، ومات أنس بن مالك سنة ٩٣، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين، مات سنة ٩٥ \" (^٢).\n_________\n(^١). \" شرح علل الترمذي \" ٢: ٥٨٨ - ٥٩٩.\n(^٢). \" سنن الترمذي \" حديث (٢٦٧٨)، والنص فيه مطول.","vol":"1","page":122},{"text":"وحمل عليه أيضًا قول أحمد حين سئل عن أبي ريحانة هل سمع من سفينة؟ فقال: \" ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر \".\nقال ابن رجب: \" لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، وليس في كلامه أكثر من هذا\" (^١).\nومن النصوص التي تؤيد ما أشار إليه ابن رجب، من أن ذكرهم للقرائن قد يكون الغرض منه تقريب السماع قول أحمد في رواية خلاس بن عمرو، عن علي، قال أبو داود: \"قلت لأحمد: خلاس سمع من علي؟ قال: قد سمع من عمار، وكان في الشرط مع علي، فلا يكون سمع من عمار إلا وقد أدرك عليًا\" (^٢).\nومراد أحمد هنا تقريب سماعه من علي، فإنه يروي عنه، وكان في شرطته، وقد سمع من عمار، وعمار مات قبل علي، لكن ليس في كلامه هذا إثبات السماع، فقد قال في رواية: \"خلاس، عن علي: كتاب\" (^٣)، وفي رواية: \"كان من شرطة علي، وروايته عن علي يقال: كتاب\" (^٤).\nومن ذلك أيضًا قول أبي حاتم حين سئل عن سماع الحسن من محمد بن\n_________\n(^١). \" شرح علل الترمذي \" ٢: ٥٩٩.\n(^٢). \"مسائل أبي داود\" ص ٤٢٦، وانظر: \"مسائل صالح\" ص ٧١، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٣٠.\n(^٣). \" الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٩.\n(^٤). \"أحوال الرجال\" ص ١٩٦.","vol":"1","page":123},{"text":"سلمة: \"قد أدركه \" (^١).\nوقوله في أبي إدريس الخولاني: \"ويحتمل أن يكون أبو إدريس قد سمع من عوف، والمغيرة أيضًا، فإنه من قدماء تابعي أهل الشام، وله إدراك حسن\" (^٢).\nوقوله حين سئل عن سماع مقسم من عائشة: \"قد أدركها\" (^٣).\nومن ذلك قول البخاري بعد أن أورد قصة ليوسف بن عبد الله بن الحارث مع الأحنف بن قيس: \" عبد الله (يعني ابن الحارث) أبو الوليد، روى عن عائشة، وأبي هريرة، ولا ننكر أن يكون سمع منهما، لأن بين موت عائشة، والأحنف بن قيس قريبًا من اثنتي عشرة سنة \" (^٤).\nوهناك قصة أخرى تدل على إدراك عبد الله بن الحارث لعائشة فيها دخول عبد الله بن الحارث على زيد بن ثابت بالمدينة (^٥)، وموت زيد بن ثابت كان قبل موت عائشة.\nونص البخاري السابق لو استدل به مستدل على أن البخاري لا يثبت السماع بمجرد المعاصرة لم يكن ذلك بعيدًا، ذلك أنه لم يخرج لعبد الله بن الحارث عنهما شيئًا، وقد أخرج مسلم له عنهما حديثين (^٦)، وحديث عائشة رجاله على\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٤٤.\n(^٢). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٤٠، وانظر أيضًا: ٢: ٤٣ حديث (١٦٠٧).\n(^٣). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٢٥٦.\n(^٤). \" التاريخ الأوسط \" ١: ٢٨٦.\n(^٥). \" المعرفة والتاريخ \" ٢: ٥٨.\n(^٦). \" صحيح مسلم \" حديث (٥٩١)، (١٦١٣).","vol":"1","page":124},{"text":"شرط البخاري، وهو أصل في بابه، لم يخرج ما يقوم مقامه، وكذلك حديث أبي هريرة أصل في بابه، إلا أنه من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه، ويوسف لم يخرج له البخاري شيئًا، وأخرج البخاري حديث عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، وقد صرح بالسماع منه (^١)، فمراد البخاري إذًا تقريب سماع عبد الله بن الحارث منهما لا إثباته.\nومما يدل على أن ذكرهم للإدراك إنما هو تقريب للسماع استخدامهم له مع من هو كثير الإرسال، كما في قول أبي حاتم في المطلب بن عبد الله وروايته عن جابر، بعد أن عد جماعة من الصحابة غير جابر يرسل عنهم: \" يشبه أن يكون أدركه \" (^٢)، وفي موضع آخر قال: \" لم يسمع من جابر \" (^٣).\nفأبو حاتم يقرب سماعه منه من جهة السن، وأنه يشبه أن يكون أدركه، ثم ينفي سماعه منه لعدم ثبوته.\nالثاني: استخدام هذه القرائن لتأكيد صحة تصريح بالتحديث قد ورد، فليس الحكم مبنيًا عليها وحدها.\nوأشار ابن رجب إلى أن القرائن كما تستخدم في الدلالة على خطأ تصريح بالتحديث - وقد تقدم شرح هذا - فكذلك تستخدم في تأكيد صحة تصريح بالتحديث.\nقال ابن رجب: \"قال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٦١٦)، (٦٦٨)، (٩٠١).\n(^٢). \" الجرح والتعديل \" ٨: ٣٥٩.\n(^٣). \" المراسيل \" ص ٢١٠.","vol":"1","page":125},{"text":"سعيد بن جبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء، كأنه يقول: إن الأسود أقدم، لكن قد يكون مستند أحمد أنه وجد التصريح بسماعه منه، وما ذكره من قدم الأسود إنما ذكره ليستدل به على صحة قول من ذكر سماعه من سعيد بن جبير، فإنه كثيرًا ما يرد التصريح بالسماع ويكون خطأ، وقد روى ابن مهدي عن شعبة: سمعت أبا بكر بن محمد بن حزم، فأنكره أحمد، وقال: لم يسمع شعبة من أحد من أهل المدينة من القدماء ما يستدل به على أنه سمع من أبي بكر إلا سعيدًا المقبري، فإنه روى عنه حديثًا، فقيل له: إن المقبري قديم، فسكت أحمد \" (^١).\nوما استظهره ابن رجب من كون أحمد ذكر القرينة للاستدلال بها على صحة تصريح بالتحديث وقف عليه قوي جدًا، يدل عليه جزمه بالسماع منه، ولم يكتف بذكر القرينة، وقد قال أحمد في محمد بن سوقة أيضًا: \"قد سمع من نافع ابن جبير، حدثناه ابن عيينة\" (^٢).\nوقد جاء تصريحه بالتحديث من نافع بن جبير، وسئل عن مكان لقيه له فأخبر بذلك (^٣).\nوما ذكره ابن رجب من استخدام القرائن لتأكيد صحة تصريح بالتحديث تدل عليه نصوص عن النقاد، فمن ذلك قول أبي داود: \" سمعت أحمد قال: أبو الأشهب ثقة قديم، حدثنا يحيى، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء،\n_________\n(^١). \" شرح علل الترمذي \" ٢: ٥٨٩.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١٣٦.\n(^٣). \"التاريخ الكبير\" ١: ١٠٢، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٦٧٥٥)، و\"فتح الباري\" ٤: ٣٤٠.","vol":"1","page":126},{"text":"ذكرت له قول من قال: أبو الأشهب لم يلق أبا الجوزاء\" (^١).\nومعنى كلام أبي داود أنه سأل أحمد عن قول من قال: إن أبا الأشهب لم يلق أبا الجوزاء، فرده أحمد بأن أبا الأشهب قديم، وقد جاء تصريحه بالسماع من أبي الجوزاء بإسناد صحيح، وهو ما رواه يحيى القطان عنه.\nوكذا جاء تصريح أبي الأشهب بالتحديث من رواية مسلم بن إبراهيم الفراهيدي عنه، وذلك في \" صحيح البخاري \" (^٢).\nومن ذلك أن الدارقطني سئل عن سماع ابن لهيعة، عن الأعرج، فقال: \"صحيح، قدم الأعرج مصر وابن لهيعة كبير\" (^٣).\nفالقرينة التي ذكرها الدارقطني ليس المراد بها إثبات السماع بمجردها، ولا يصح أن يستدل بها على أنهم يثبتون السماع بمجردها، ولابد من النظر في كيفية رواية ابن لهيعة، عن الأعرج، فإذا تبين أنه يصرح بالتحديث عنه، فالاعتماد حينئذ على هذا التصريح، وهذه القرينة تؤكده، وتدل على صحته، ليس فيها أكثر من ذلك، وإن كان الناظر فيها لأول وهلة قد يظن أن الاعتماد في إثبات السماع على هذه القرينة، ولقيا ابن لهيعة للأعرج وسماعه منه معروف (^٤)، وتتبع روايات\n_________\n(^١). \" سؤالات أبي داود \" ص ٣٢٧.\n(^٢). \"صحيح البخاري \" حديث (٤٨٥٩).\n(^٣). \" علل الدارقطني\" ١١: ١٢٨.\n(^٤). \" المعرفة والتاريخ \" ٢: ٤٤٢.","vol":"1","page":127},{"text":"ابن لهيعة، عن الأعرج، أفاد أنه يصرح بالتحديث عنه في أحاديث كثيرة (^١).\nومثله ما رواه أبو داود، قال: \" قيل لأحمد: سمع الحسن من عمران؟ قال: ما أنكره، ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه، قال أحمد: وقتادة يدخل - يعني الحسن وعمران - بينهما هياج \" (^٢).\nفذكر أحمد أولًا قرينة تدل على أنه سمع منه، وهي أن ابن سيرين قد سمع منه في رأي أحمد، وهو أصغر من الحسن بعشر سنين، ولم يرد أحمد إثبات السماع بمجرد ذلك، وإنما أراد بها أن ما ورد من التصريح بسماع الحسن من عمران بن حصين غير مستبعد، ولهذا قال أحمد: \" ما أنكره \"، وورود لقائه له وتصريحه بالسماع منه مشهور عند الأئمة، إلا أن أكثرهم على تخطئة هذا (^٣)، ولعل أحمد عاد إلى تخطئته في نهاية الجواب، فإنه ذكر قرينة على عدم السماع، وهي إدخال واسطة بينه وبين عمران، وقد جاء عن أحمد روايات أخرى فيها إنكاره لتصريحه بالتحديث عن عمران (^٤).\n_________\n(^١). \"سنن ابن ماجه\" حديث (٤٢٤٠)، و\"مسند أحمد\" ٢: ٣٤٩، ٣٥٠، و\"شرح معاني الآثار\" ١: ١٥.\n(^٢). \" مسائل أبي داود \" ص ٤٤٨.\n(^٣). انظر: \" سؤالات أبي داود \" ص ٢٨٩، و\" معرفة الرجال \" ١: ١٣٠، و\" تاريخ الدارمي عن ابن معين\" ص ١٠٠، و\" علل ابن المديني \" ص ٥١، و\" المراسيل \" ص ٣٨، ٣٩، ٤٥، و\" تهذيب التهذيب \" ٢: ٢٦٨.\n(^٤). \" مسائل صالح \" ص ١٨٩، و\" المراسيل \" ص ٣٨، ٤٥، و\" الجرح والتعديل \" ٨: ٣٣٩، و\" الضعفاء الكبير \" ٤: ٢٢٥.","vol":"1","page":128},{"text":"ويشبه ذلك في تعارض القرائن عند الناقد لترجيح صواب تصريح بالتحديث أو ترجيح خطأ ذلك - ما رواه سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك الغفاري، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن عمار بن ياسر، عن النبي - ﷺ - في التيمم (^١)، ورواه جماعة منهم شعبة، عن حصين بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري، عن عمار في التيمم، غير مرفوع في أكثر الروايات (^٢)، هكذا بدون واسطة بين أبي مالك، وعمار، وصرح أبو مالك بسماعه من عمار في رواية شعبة، فسأل ابن أبي حاتم والده عن سماع أبي مالك من عمار، قال ابن أبي حاتم: \" قلت: فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟ فقال: ما أدري ما أقول لك!، قد روى شعبة، عن حصين: سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما كان شعبة يرويه، وسلمة أحفظ من حصين، قلت: ما تنكر أن يكون سمع من عمار وقد سمع من ابن عباس؟ قال: بين موت ابن عباس وبين موت عمار قريب من عشرين سنة\" (^٣).\nفاستخدم أبو حاتم أولًا قرينة لتصحيح التصريح بالسماع، وهي حرص\n_________\n(^١). أخرجه أبو داود (٣٢٢)، والنسائي حديث (٣١٥)، وأحمد ٤: ٣١٩.\n(^٢). أخرجه ابن أبي شيبة ١: ١٥٩، والطبري ٥: ١١٠، وابن المنذر ٢: ٥٢، والطحاوي ١: ١١٢، والدارقطني ١: ١٨٣، ١٨٤.\n(^٣). \" علل الحديث \" ١: ٢٤.\nوقوله: \" قريب من عشرين سنة \" هكذا هو أيضًا في النسخ المخطوطة لكتاب ابن أبي حاتم، والمعروف أن عمار بن ياسر قتل في معركة صفين سنة سبع وثلاثين، وابن عباس مات سنة ثمان وستين، فتكون صحة النص: \" قريب من ثلاثين \"، والله أعلم.","vol":"1","page":129},{"text":"شعبة على تفقد السماع والتحقق من ثبوته، ثم عاد فذكر قرينتين على تخطئة هذا التصريح، وهما أن سلمة بن كهيل أحفظ من حصين بن عبد الرحمن، وأن عمار ابن ياسر قديم الوفاة.\nوكذا رجح الدارقطني عدم ثبوت السماع، فقال: \" وأبو مالك في سماعه من عمار نظر، فإن سلمة بن كهيل قال فيه: عن أبي مالك، عن ابن أبزى، عن عمار، قاله الثوري عنه \" (^١).\nويؤيد ذلك أيضًا أن جماعة - غير شعبة - رووه عن حصين ليس فيه التصريح بالسماع، فيحتمل أن يكون الخطأ ممن دون حصين، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه، ويكون منقطعًا (^٢).\nوقد يقول قائل: إذا رأينا الإمام قد استخدم قرينة للدلالة على السماع فمتى نعد هذا تقريبًا للسماع، ومتى نعده تصحيحًا للتصريح بالتحديث قد ورد؟\nوالجواب أن هذا الأمر لا يختلف عن غيره من مسائل هذا الفن، فهو بحاجة إلى النظر في كلام الناقد بمجموعه، فقد يكون في كلامه ما يوضح مراده، وقد يوجد ذلك في كلام النقاد الآخرين، وربما أمكن ترجيح مراد الناقد بالنظر في مرويات الراوي، هل فيها تصريح بالتحديث؟ وهل الأقرب أن يكون الناقد وقف عليه؟\n_________\n(^١). \" سنن الدارقطني \" ١: ١٨٣.\n(^٢). \" شرح علل الترمذي \" ٢: ٥٩٤.","vol":"1","page":130},{"text":"مثال ذلك ما تقدم ذكره عن ابن رجب في تعليقه على جواب أحمد حين سئل عن سماع أبي ريحانة من سفينة، وقوله: \"ينبغي، هو قديم، قد سمع من ابن عمر\"، علق عليه ابن رجب بقوله: \"لم يقل إن حديثه عن سفينة صحيح متصل، إنما قال: هو قديم، ينبغي أن يكون سمع منه، وهذا تقريب لإمكان سماعه، ليس في كلامه أكثر من هذا\".\nوهذا التعليق صحيح لا إشكال فيه، فليس في كلام أحمد هنا أكثر مما ذكره ابن رجب، فإذا وقفنا على كلام آخر لأحمد في إثبات السماع أو في نفيه فهذا قدر زائد على هذا النص، يفسر به، وكذلك لو وقفنا على تصريح بالتحديث من أبي ريحانة، والظن الغالب أن أحمد قد وقف عليه واستحضره في الجواب - فهذا يفسر به كلام أحمد أيضًا، وأن مراده إثبات السماع بالأمرين.\nوتصريح أبي ريحانة بالتحديث عن سفينة موجود عند أحمد في \"مسنده\" (^١).\nوقد نظرت في النصوص التي استدل بها جمع من الإخوة الباحثين على أن النقاد يكتفون بالقرائن لإثبات السماع، فرأيتها لا تخرج عما تقدم، فهي إما لتقريب السماع، أو لتأييد تصريح بالتحديث قد ورد، وسقت فيما مضى آنفًا بعض هذه النصوص التي يستدلون بها، وسأذكر الآن مجموعة أخرى من هذه النصوص وأتكلم عليها، ولولا خشية الإطالة لسقت كافة ما وقفت عليه، ولكني أكتفي ببعضها ليستدل بها على ما وراءها.\nفمن ذلك قول علي بن المديني: \"قلت ليحيى بن سعيد: بسر بن سعيد لقي\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" ٥: ٢٢٢.","vol":"1","page":131},{"text":"زيد بن ثابت؟ قال: وما ينكر أن يكون قد لقيه؟ قلت: روى عن أبي صالح، عن زيد بن ثابت، قال: قد روى شقيق عن رجل، عن عبد الله\" (^١).\nعلق عليه أحد الباحثين بقوله: \"طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة، ولم يوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة، وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه\".\nكذا علق عليه الباحث، وقد ذكر قبل ذلك أن إدخال الراوي بينه وبين من يروي عنه رجلًا قرينة على عدم السماع، يراعيها الأئمة، وعلى هذا فلابد من شيء يدفع هذه القرينة، وظاهر جدًا هنا أنه ورود السماع، وذلك لأن المثال الذي ضربه القطان لعلي بن المديني هو كذلك، فهو يقول: شقيق قد سمع من عبدالله، وروى عنه شيئًا كثيرًا، وقد روى عن رجل عنه، وأراد بذلك أن يدفع ما وقع في نفس ابن المديني من الاستدلال بإدخال الواسطة على تخطئة السماع الوارد.\nويدل عليه أيضًا أنه قد جاء عن بسر بن سعيد رؤيته لزيد بن ثابت (^٢)، فلا يبعد أبدًا أن يكون قد جاء عنه التصريح بالسماع، وهو موضع الحوار.\nومما يؤكد هذا أيضًا حال راو آخر مع زيد بن ثابت، وهو عروة بن الزبير، فقد روى عنه، وروى عن رجل عنه، ولكن لكون السماع لم يرد فلم يتردد القطان في الجزم بكونه لم يسمع منه، مع قوة القرائن الأخرى على السماع، نقل\n_________\n(^١). \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤٤، وانظر: \"علل ابن المديني\" ص ٤٩، فالنص فيه محرف.\n(^٢). \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٦٤٤ - ٦٤٥، و\"شرح معاني الآثار\" ٤: ٢٥٦.","vol":"1","page":132},{"text":"عنه ابن المديني قوله وهو يعدد من روى عن زيد بن ثابت من أهل المدينة ولم يسمع منه: \"وعروة بن الزبير، روى عن زيد بن ثابت، وروى عمن روى عنه، وقد روى عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه سمع أبا حميد بحديث الصدقة، فقال أبو حميد: سمع إذنيه، وبصر عينيه، وسلوا زيد بن ثابت فقد سمعه معي، فهذا يدل أن عروة سمع هذا من أبي حميد وزيد حي\" (^١).\nومن ذلك أيضًا أن أحمد في \"المسند\" حدث بحديث قال فيه: حدثنا محمد ابن يزيد الواسطي، عن عثمان بن أبي العاتكة ...، فقال عبدالله بن أحمد: \"قلت لأبي: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ قال: كان أصله شاميًا، سمع منه بالشام\" (^٢).\nعلق عليه أحد الباحثين بقوله: \"لعل الشبهة دخلت على عبدالله من جهة أن هذا واسطي، ويروي عن شامي بالعنعنة، فأزاحها عنه أبوه بكون الواسطي إنما كان بالشام، فكأنه جعل من مظنة اللقاء والسماع برهانًا كافيًا على إثبات الاتصال\".\nكذا قال الباحث، وهو قد ذكر قبل هذا أن اختلاف البلدان ولا رحلة لأحدهما دليل على أنه لا سماع بينهما، وكلامه في المكانين ينقض بعضه بعضًا، وبيانه أن عبدالله بن أحمد قبل أن يعرف أن محمد بن يزيد أصله شامي، فهو عنده واسطي قد قام الدليل عنده على أن الرواية بينهما غير متصلة، وأنه لا سماع،\n_________\n(^١). \"علل ابن المديني\" ص ٤٨، والنص فيه محتمل أن يكون من كلام ابن المديني نفسه، ولا يضر هذا في الاستدلال به.\n(^٢). \" مسند أحمد \" ٥: ٢٦٤.","vol":"1","page":133},{"text":"فلابد أن يكون عنده دليل يرفع هذه القرينة، وهو ثبوت السماع، لأنه يقول: من أين سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ فهذه صيغة سؤاله، ولو كان كما يريد الباحث لقال: هل سمع محمد بن يزيد من عثمان بن أبي العاتكة؟ فالسؤال إذًا عن سماع معروف ثابت.\nوأيضًا محمد بن يزيد في طبقة متأخرة، شيخ لأحمد، فمن المستبعد جدًا أن لا يكون أحمد يعرف أنه سمع من عثمان، وليس يروي عنه فقط، هذا أمر ظاهر، فالحوار كله إذًا عن سماع ثابت معروف.\nومن ذلك أيضًا ما تقدم عن أحمد في ترجيح سماع عمرو بن دينار، من سليمان اليشكري، فقد أوهم أحد الباحثين وهو يستدل به أن الاعتماد على مجرد المعاصرة، وليس كذلك، فإن أحمد إنما اعتمد على كون الراوي عن عمرو هو شعبة، ولهذا ذكره في الجواب، والأئمة يستدلون بهذا على أن شعبة قد علم السماع، كما تقدم آنفًا في كلام أبي حاتم على سماع أبي مالك الغفاري من عمار.\nويؤكد هذا أن أبا بشر جعفر بن إياس قد روى عن سليمان بن قيس، وهو معاصر له، بل قيل إنه في كُتَّاب سليمان بن قيس (^١)، ومع هذا فلم يثبت أحمد سماعه منه، قال أبو داود: \" سمعت أحمد يقول: بعضهم يقول: سليمان - يعني اليشكري - لم يسمع منه أحد، قال: روى عنه أبو بشر، فلا أدري أسمع منه أم لا؟، وروى عنه عمرو بن دينار حديثًا، فإن كان سمع أحد - يعني من سليمان - فهو، قال أحمد: قتل سليمان في فتنة ابن الزبير \" (^٢).\n_________\n(^١). \" العلل ومعرفة الرجال \" ٣: ٤٣٦.\n(^٢). \" مسائل أبي داود \" ص ٤٥١.","vol":"1","page":134},{"text":"وقال أبو داود: \"قلت لأحمد: عباس بن سهل أدرك أبا حميد؟ قال: عباس قديم\" (^١).\nاستدل بهذا النص أحد الباحثين كذلك على أن الأئمة يكتفون بالقرائن لإثبات السماع، ولا يصح الاستدلال به أبدًا، فإن السؤال عن الإدراك، فالجواب موافق للسؤال، ولو افترضنا أن الإدراك هنا مراد به السماع - وهو أحد معانيه الواردة في كلام النقاد - فلا دلالة فيه أيضًا، فسماع عباس بن سهل من أبي حميد مشهور (^٢)، فالقرينة إذًا تقريب للسماع الوارد وتأييد له.\nوقال الدوري: \" سمعت يحيى يقول: قد سمع ابن سيرين بالكوفة الحديث، سمع من عبيدة ونحوه، وسمع من شريح، قلت ليحيى: إن ابن شبرمة يروي عن ابن سيرين، قال: دخل الكوفة في وقت لم يكن ابن شبرمة، ولكن لعله سمع منه في الموسم، قال هذا أو نحوه \" (^٣).\nعلق على هذا النص أحد الباحثين بعد أن ذكر الجزء الأخير منه مستدلًا به على الاكتفاء بالقرائن بقوله: \" يقول ابن معين ذلك، لأن ابن سيرين لم يكن مكثرًا من الرواية عمن عاصره ولم يلقه \".\nكذا قال الباحث، وصوابه: \" لأن ابن شبرمة لم يكن مكثرًا ... \"، فالرواية لابن شبرمة وليست لابن سيرين، وليس هذا موضع المناقشة، فجلَّ\n_________\n(^١). \"مسائل أبي داود \" ص ٤٥٤.\n(^٢). \"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٦٨١)، و\"شرح معاني الآثار \" ٤: ٣٥٨، و\"إتحاف المهرة\" ١٤: ٨٢، ٨٣.\n(^٣). \" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٥٢١.","vol":"1","page":135},{"text":"من لا يسهو، وإنما المناقشة في دعوى الاكتفاء بالمعاصرة في هذا النص، ذلك أن الباحث نفسه معترف بأن من القرائن على عدم السماع اختلاف البلدين، ولا رحلة لأحدهما إلى بلد الآخر، أو له رحلة في وقت لم يكن فيه الآخر، فالعنعنة مع وجود هذه القرينة محمولة على الإرسال، وإذا كان الأمر كذلك فلابد أن يكون إثبات السماع بناء على وروده، لا على القرائن.\nوقد يجيب بأنه يحتمل أن يكون ابن معين اعتمد على قرينة أخرى أقوى من هذه، وتعارض القرائن أمر وارد، وهذا الجواب غير نافع، إذ للمخالف أن يقول: ابن معين لم يذكر قرينة أخرى، والاحتمال الأقرب أن يكون اعتمد على التصريح بالتحديث، لأنه لو كان الاعتماد على قرينة لذكرها، ليدفع بها قرينة عدم السماع، فالأظهر أنه وقف على تصريح ابن شبرمة بالتحديث، وهذا هو الذي يفهم بداءة من قوله: \" لعله سمع منه في الموسم\".\nعلى أن النص غير محتاج إلى هذا كله، بعد أن أمكن الوقوف على نصوص في دخول ابن شبرمة على ابن سيرين، وتصريحه بالسماع منه (^١)، فالسؤال بلا تردد كان عن سماع معروف عندهم.\nومثل هذا النص عن ابن معين نص آخر عنه، استدل به أيضًا هذا الباحث، قال ابن الجنيد: \" قلت ليحيى: حماد بن سلمة دخل الكوفة؟ قال: لا أعلمه دخل الكوفة، قلت: فمن أين لقي هؤلاء؟ قال: قدم عليهم عاصم،\n_________\n(^١). انظر: \"التاريخ الكبير\" ٥: ١١٧، و\"تاريخ قزوين\" ١: ٤٧٤، \"وتاريخ دمشق \" ٥٣: ٢٠٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٦١٤.","vol":"1","page":136},{"text":"وحماد بن أبي سليمان، والحجاج بن أرطاة، قلت: فأين لقي سماك بن حرب؟ قال: عسى لقيه في بعض المواضع، لو كان دخل الكوفة لأجاد عنهم \" (^١).\nولم يعلق الباحث على النص بشيء، والاعتماد على هذا النص وأمثاله يدل على أنه يتخبط فيما يستدل به، ولا زلت في حيرة من استدلاله بهذا النص، إذ ظاهر جدًا أن السؤال عن لقي معلوم ثابت، فالسؤال عن مكانه، وهؤلاء المذكورون من شيوخ حماد المعروفين، تصريحه بالتحديث عنهم قد ملأ السهل والجبل، ويكفي من ذلك ما في \" مسند أحمد \" (^٢)، وحماد بن سلمة بصري، وهؤلاء كوفيون فهذه قرينة على عدم السماع، لا يرفعها إلا وروده.\nوروى الترمذي حديثًا من رواية عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي، ثم قال الترمذي: \" سألت محمدًا عن هذا فقلت له: أترى هذا الحديث محفوظًا؟ قال: نعم، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم \" (^٣).\nاستدل به أكثر من باحث على إثبات السماع بمجرد القرائن، وكأنهم فهموا من الحفظ هنا تصحيح الحديث، وبنوا عليه تصحيح السماع، وليس الأمر كذلك، إذ هذا الحديث قد اختلف فيه على زيد بن أسلم راويه عن عطاء بن\n_________\n(^١). \" سؤالات ابن الجنيد \" ص ١٠٧.\n(^٢). انظر: \" حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غير ثابت \" ص ٢٧٠ - ٢٩١، ٣٠١ - ٣١٩، ٥٥٠ - ٥٨٣، ٦٦١ - ٧٤٥.\n(^٣). \" العلل الكبير \" ٢: ٦٣٢.","vol":"1","page":137},{"text":"يسار، وجعله عن أبي واقد الليثي أحد الأوجه فيه (^١)، فسأل الترمذي البخاري: هل هذا الوجه محفوظ؟ أي عن زيد بن أسلم، ثم أنشأ الترمذي يسأله عن إدراك عطاء بن يسار لأبي واقد.\nثم إنه ليس فيه إثبات السماع بالإدراك والمعاصرة، وليس هو بمحتاج إلى تأويل، فظاهره يدل على أن البخاري يقرب السماع بالإدراك، ليس فيه أكثر من هذا، وقد ورد تصريحه بالسماع منه (^٢)، فيحتمل أن البخاري يشير بهذه القرينة إلى هذا التصريح الوارد، وأنه يقويه، ويحتمل أنه لم يقف عليه، فكلامه في الحالين ليس فيه إلا تقريب السماع.\nثم إن الاستدلال بنصوص النقاد التي قد يبدو منها اكتفاؤهم بالقرائن مدفوع من أساسه، وذلك إذا لاحظنا أن النقاد استخدموا هذه القرائن في سماع المدلسين من بعض شيوخهم، دون النص على التصريح بالتحديث، وقد جرى الاتفاق على أن المدلس المعروف بالرواية عمن عاصرهم ولم يلقهم خارج محل النزاع، فلابد من مطالبته بالتصريح بالتحديث، فإذا كان النقاد استخدموا هذه القرائن مع المدلس، ولم يكن هذا كافيًا لإثبات السماع بالاتفاق، فلا يصح حينئذ الاستدلال ببعض النصوص التي قد يبدو من ظاهرها اكتفاؤهم بالقرائن مع غير المدلس.\n_________\n(^١). انظر: \"علل ابن أبي حاتم\" حديث (١٤٧٩)، و\" علل الدارقطني \" ٦: ٢٩٧، ١١: ٢٥٩، و\" تحفة الأشراف \" ٥: ٣٤٩، ١١: ١١١، و\" إتحاف المهرة \" ٨: ٣٢٥، ١٦: ٣٢٤.\n(^٢). \" سنن الدارمي \" حديث رقم (٦).","vol":"1","page":138},{"text":"وهؤلاء الإخوة الباحثون الذين ذهبوا إلى أن الأئمة يكتفون بالقرائن ووقفت على كلامهم كلهم - بلا استثناء - يحشدون نصوصًا قالها النقاد في المدلسين، مع إقرار هؤلاء الباحثين أن المدلس لابد من مطالبته بالتصريح بالتحديث.\nفمن هذه النصوص التي أوردوها كلام أحمد المتقدم في سماع الحسن البصري من عمران بن حصين.\nوقول أبي حاتم في الحسن أيضًا حين سئل هل سمع من محمد بن مسلمة؟: \"قد أدركه\" (^١).\nوكذا قال البزار: \" روى الحسن عن محمد بن مسلمة ولا أبعد سماعه منه\". (^٢).\nوالحسن البصري من أشهر من عرف عنه الإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه.\nومن النصوص كذلك قول أحمد حين سأله ابنه عبد الله عن سماع قتادة من عبد الله بن سرجس: \" ما أشبهه، قد روى عنه عاصم الأحول\" (^٣)، وقال عبد الله مرة أخرى: \" قيل: (يعني لأبيه): سمع قتادة من عبد الله بن سرجس؟ قال: نعم، قد حدث عنه هشام - يعني قتادة عن عبد الله بن سرجس - حديثًا\n_________\n(^١). \" المراسيل \" ص ٤٤.\n(^٢). \" نصب الراية\" ١: ٩٠.\n(^٣). \" العلل ومعرفة الرجال \" ٣: ٨٦.","vol":"1","page":139},{"text":"واحدًا، وقد حدث عنه عاصم الأحول \" (^١).\nوقتادة كذلك مشهور جدًا بالإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه.\nوقول أحمد أيضًا حين سئل عن سماع ابن إسحاق من عطاء بن أبي رباح: \"نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق، وقد سمع من عطاء بن أبي رباح\" (^٢)، وابن إسحاق مشهور بالتدليس، بل قد جاء عن أحمد نصوص كثيرة فيها أن ابن إسحاق إذا قال: قال فلان، وذكر فلان - فلم يسمعه (^٣) - فكيف يثبت سماعه بمجرد القرينة؟\nويلتحق بالنصوص عن المدلسين ما جاء فيمن هو كثير الإرسال، مثل قول أبي زرعة حين سئل عن سماع المطلب بن عبد الله بن حنطب من عائشة: \" نرجو أن يكون سمع منها \" (^٤).\nعلق عليه أحد الباحثين بقوله: \" فلو كان أبو زرعة يقوي احتمال السماع بناء على نص يدل عليه لما أجاب بهذا الجواب، ولقال: نعم، قد سمع منها\".\n_________\n(^١). \" العلل ومعرفة الرجال \" ٣: ٢٨٤، وانظر: \" المراسيل \" ص ١٦٨، ١٧٥، و\"الجرح والتعديل \" ٧: ١٣٣، فقد نفى أحمد في رواية عنه سماع قتادة من عبد الله بن سرجس، بينما أثبته أبو حاتم.\n(^٢). \"مسائل إسحاق بن هانئ \" ٢: ٢٣٩.\n(^٣). \" مسند أحمد \" ٢: ٢١٦، ٢١٧، و\"سؤالات أبي داود\" ص ٢٢٤، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٤، و\"علل المروذي\" ص ٣٨، ٣٩، و\"المنار المنيف\" ص ٢١، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠٠.\n(^٤). \" الجرح والتعديل \" ٨: ٣٥٩.","vol":"1","page":140},{"text":"كذا قال، ولمخالفه أن يقول: ولو كان أبو زرعة يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي لما تردد أيضًا، ولقال: نعم سمع منها، فليس في كلام أبي زرعة سوى تقريب السماع وهذا هو موضع المناقشة هنا، فإن المطلب بن عبد الله من أشهر الرواة رواية عمن لم يدركه، وعمن عاصره ولم يلقه، فلو قال قائل: إنه بالنظر إلى ما رواه منقطعًا وما رواه متصلًا هو أشهر من يروي المراسيل، ويحدث عمن لم يلقهم، لما كان قوله بعيدًا، ولولا خوف الإطالة لنقلت نصوص النقاد فيه، فإذا كان مثل هذا الراوي يكتفى فيه بالمعاصرة، وإمكان اللقي، وبالقرائن، ولا يشترط أن يصرح بالتحديث انفلتت المسألة، ولم يعد لها زمام، فلابد من حمل كلام أبي زرعة على أنه تقريب للسماع لا إثبات له، ويحتمل على بعد أن يكون وقف على تصريح بالتحديث تردد فيه.\nوإنما قلت: على بعد، لأن جمهور النقاد على أنه لا يثبت له سماع من أحد من الصحابة، سوى قوله: حدثني من شهد النبي - ﷺ -، نص عليه البخاري، والدارمي، بل نص أبو حاتم على أنه لم يدرك عائشة (^١).\nوفي ختام الكلام على هذه المسألة العويصة أنبه على مسائل:\nالمسألة الأولى: قال ابن القطان في كلام له على حديث من رواية مسروق، عن معاذ، ضعفه عبدالحق بأن مسروقًا لم يلق معاذًا، ولا ذكر من حدثه به - ما نصه: \"فهما - أعني البخاري وابن المديني - إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر إنه منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماع\n_________\n(^١). \" العلل الكبير \" ٢: ٩٦٤، و\" المراسيل \" ص ٢٠٩، و\"تهذيب التهذيب \" ١٠: ١٧٨، و\" التقريب \" ص ٥٣٤.","vol":"1","page":141},{"text":"فلان من فلان، فإذًا ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان، أحدهما: هو محمول على الاتصال، والآخر: لم يعلم اتصال ما بينهما، وأما الثالث -وهو أنه منقطع- فلا، فاعلم ذلك، والله أعلم\" (^١).\nوإلى مثل هذا مال الباحث الأخ خالد الدريس، وأيده بشيئين، الأول: بقول مسلم في حكاية مذهب مخالفه: \"فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة وسمع منه شيئًا - لم يكن في نقله الخبر عمن روى عنه ذلك - والأمر كما وصفنا - حجة، وكان الخبر عنده موقوفًا حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث قل أو كثر\" (^٢)، وقول مسلم أيضًا حكاية عن مخالفه: \"فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء - ثبت عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد، فإن عزب عني معرفة ذلك أوقفت الخبر، ولم يكن عندي موضع حجة، لإمكان الإرسال فيه\" (^٣).\nوالثاني: أن عبارة البخاري فيما ثبت عنده الانقطاع جازمة، كأن يقول: لم يسمع منه، وأما ما لم يثبت فيه الاتصال مع إمكانه فليست كذلك، كأن يقول: لا يعرف سماع فلان من فلان، أو لم يذكر سماعًا، ونحو ذلك.\nثم عقب على ذلك بقوله: \"ومن تأمل هذا الموضع يتضح له الفرق بين المنقطع المعلوم الانقطاع، وبين ما لم يثبت فيه السماع فلا يسمى منقطعًا، كما قال ابن القطان، لأن من لم يثبت له سماع ممن روى عنه ففي ذلك شبهة عدم اتصال\n_________\n(^١). \"بيان الوهم والإيهام\" ١: ٥٧٦.\n(^٢). \"صحيح مسلم\" ١: ٢٩.\n(^٣). \"صحيح مسلم\" ١: ٣٠.","vol":"1","page":142},{"text":"السند، أما المنقطع فعدم الاتصال يكون محل يقين وجزم\" (^١).\nوأما الذهبي فإنه تعقب عبارة ابن القطان السابقة بقوله: \"قلت: بل رأيهما دال على الانقطاع\" (^٢).\nوما قاله الذهبي هو المترجح، بل هو القول الذي لا يصح غيره، والقول بأن هناك أسانيد ليست متصلة ولا منقطعة بعيد جدًا، فالإسناد في واقع الأمر إما متصل أو منقطع، وهو كذلك في نقد الناقد، فالأصل أن الراوي لم يلتق بمن روى عنه ولم يسمع منه، حتى يقف الناقد على ناقل عن هذا الأصل، والناقل هو ثبوت السماع، أو إمكانه عند من يقول به، فإذا لم يكن شيء من ذلك بقي على الأصل وهو الانقطاع.\nوما نقله الباحث خالد الدريس عن مسلم إنما يتعلق بالاحتجاج بالحديث، وأنه يتوقف فيه ولا يحتج به، ولو قيل إن المقصود به درجة الحديث فهذا لا يؤثر شيئًا أيضًا، فالتوقف فيه حتى يوقف على السماع، فإذا لم يوقف بعد بحث رجع الأمر إلى الانقطاع.\nومن تأمل ما ينص الأئمة فيه على التوقف في هذه القضية وغيرها تبين له أن مآل التوقف إما إلى القبول إن انزاحت العلة، أو إلى الرد إن بقيت، لا ثالث لهما.\nوأما ما استدل به من اختلاف عبارة البخاري، وكذا ما عقب به فمقتضاه\n_________\n(^١). \"موقف الإمامين\" ص ٢٥١ - ٢٥٣.\n(^٢). \"نقد بيان الوهم والإيهام\" ص ٨٣.","vol":"1","page":143},{"text":"أن ما حكم الأئمة عليه بعبارة جازمة كقولهم: لم يلق فلانًا، أو لم يسمع منه، أو هو مرسل، أو منقطع فإنه خارج عن موضع الخلاف، وأنه مما لا يمكن فيه سماع الراوي ممن روى عنه، ولذا عبروا بالعبارات التي تفيد الجزم واليقين، وعكسه كذلك، ما عبروا فيه بالعبارات غير الجازمة فالسماع فيه ممكن، وغير خافٍ أن طرد هذا بعيد جدًا، يدل عليه أنهم يقولون العبارات غير الجازمة مع المدلسين، ومع المجاهيل الذين لم تعلم معاصرتهم لمن رووا عنه أصلًا، فهل يقال إن أحكامهم هذه أيضًا لا تفيد الانقطاع؟\nولو سلم بهذا الفرق - ولا يسلم به - فغاية ما فيه أنهم أرادوا أن تحمل عباراتهم دليل الانقطاع، إذ قد يكون الدليل هو ثبوت عدم السماع، وقد يكون عدم ثبوت السماع، وكله انقطاع.\nالمسألة الثانية: رأيت كثيرًا من الباحثين في كلامهم النظري، وفي أحكامهم التطبيقية حين النظر في إسناد ما، يأسرهم في تعاملهم مع قضية الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما - استبعاد أن يكون الراوي قد أدرك من حياة من روى عنه قدرًا كافيًا للسماع منه، وهما جميعًا في بلد واحد، ثم لا يسمع منه، ولا يأخذ عنه، مع حرصهم المعروف على الرواية، وطلب العلم، ومع كون مدنهم في ذلك الوقت غير متسعة، وسكانها ليسوا بالكثرة التي يتصور معها عدم اللقاء بينهما.\nفإذا قيل إن فلانًا أدرك من حياة من روى عنه ثلاثين سنة، ثم نفى بعض الأئمة سماعه منه، أو قال: لم يصح له سماع منه، كبر ذلك في عين الباحث، واستغربه، فتجد الباحث مقتنعًا بضرورة اشتراط العلم بالسماع، لكنه يتوقف كثيرًا حين تمر به مثل هذه الحالة.","vol":"1","page":144},{"text":"والخطأ الذي يقع فيه هؤلاء هو توحيد نمط الرواية والبحث عنها في جميع العصور، ففي أذهان كثير من الباحثين أن الرواة في العصور الأولى للرواية كان شأنهم كشأن الرواة في العصور اللاحقة، بعد اتساع الرواية، وانتشارها، وتميزها عن غيرها من الفنون، واعتناء الرواة بالرحلة، وبالعلو، والتبكير بالسماع، وغير ذلك، وليس الأمر كذلك قطعًا، وإنما كان الرواة ينقلون المرويات في العصور الأولى بصورة عفوية في الغالب، فالتلميذ هو المنشئ لنفسه، لا يبكر به أحد للسماع، كما صارت الحال فيما بعد، وعليه فلا يستغرب أن يكون طلبه للعلم أصلًا في وقت متأخر.\nثم قد يكون في طلبه للعلم قد اتجه أولًا إلى علوم أخرى، كاللغة، والأدب، وغيرهما.\nوقد يلازم الراوي شيخًا له، ومن عداه فإنما يأخذ عنهم دون تقصد، مع كونهم في بلده، فربما أخذ عن بعضهم، ولم يأخذ عن البعض الآخر، فكيف بمن هم في البلدان الأخرى؟ .\nولترسيخ هذه النظرة المهمة جدًا في التعامل مع هذه القضية يحسن بالقارئ أن يعود إلى ما تقدم نقله عن الأئمة في إثبات إدراك الراوي لمن روى عنه، لكنه لم يلقه، بل ربما يثبتون رؤيته له، أو دخوله عليه، وينفون أخذه عنه، ومن هذه النصوص ما هو عن الرواة أنفسهم.\nوأذكر الآن شيئًا من هذه النصوص مما لم يتقدم ذكره، فقد روى أحمد بإسناده عن ابن عون قوله: \"قد رأيت عطاء، وطاوسًا\" (^١)، قال أحمد: \"ولم\n_________\n(^١). \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٤٠.","vol":"1","page":145},{"text":"يحمل عنهما\" (^١).\nوقال ابن المديني في مسروق بن الأجدع: \" صلى خلف أبي بكر، ولقي عمر، وعليًا - ولم يرو عنهم شيئًا - وزيد بن ثابت، وعبد الله بن المغيرة\" (^٢).\nوروى محمد بن عبد الرحمن، عن ابن المديني أنه أثبت سماع ابن سرين من أبي هريرة، وابن عمر، وجندب، وأنس، قال محمد: \"فقلت له: رافع، فقال: لا، ولا من زيد بن ثابت سماع شيء - إلا أنه قد رآه حين دخلوا عليه، فقال: هذا وهذا لأم - قط- ولم يحفظ عنه شيئًا \" (^٣).\nوقال أبو حاتم: \" كان عمر بن عبدالعزيز واليًا على المدينة، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد حيين، فلو كان حضرهما لكتب عنهما\" (^٤).\nوقال الذهبي: \"ولقد كان (يعني هشام بن عروة) يمكنه السماع من جابر، وسهل بن سعد، وأنس، وسعيد بن المسيب، فما تهيأ له عنهم رواية\" (^٥).\nوقال أيضًا في أيوب السختياني: \"وقد رأى أنس بن مالك، وما وجدنا له عنه رواية، مع كونه معه في بلده، وكونه أدركه وهو ابن بضع وعشرين سنة\" (^٦).\nوروى وكيع، عن الأعمش قوله: \"رأيت أنس بن مالك، وما منعني أن\n_________\n(^١). \"تهذيب التهذيب\" ٥: ٣٤٩.\n(^٢). \"علل ابن المديني\" ص ٦٠.\n(^٣). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٠، وانظر قصة الدخول في ٢: ٥٨.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ١٣٦.\n(^٥). \"سير أعلام النبلاء\" ٦: ٣٥.\n(^٦). \"سير أعلام النبلاء\" ٦: ١٦، وانظر أيضًا: ٣: ٢٨٧.","vol":"1","page":146},{"text":"أسمع منه إلا استغنائي بأصحابي\" (^١).\nوروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة قوله: \"لولا الشعر لجئتكم بالشعبي\" (^٢).\nومراده أنه أولًا كان يطلب الشعر ويتتبعه، ثم بعد ذلك طلب الحديث، فلو كان ابتدأ بطلب الحديث لأخذ عن الشعبي، لأنه يمكنه ذلك (^٣).\nوروى ابن معين، عن عباد بن عباد قوله: \" لم يمنع هشيمًا من أن يسمع من سعيد بن أبي عروبة إلا الكبر والأنفة\" (^٤).\nوروى صالح بن أحمد، عن علي بن المديني قوله: \" قلت لسفيان: كنت جالست عمارة بن غزية؟ قال: نعم، جالسته كم من مرة، فلم أحفظ عنه شيئًا\" (^٥).\nوقال عمرو بن علي: \" سألت أبا الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب ابن سريج، فقال: كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئًا\" (^٦).\n_________\n(^١). \" تاريخ بغداد \" ٩: ٤.\n(^٢). \"الكامل\" ١: ٨٨، و\"تاريخ بغداد\" ٩: ٢٥٧.\n(^٣). انظر: \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٥٣، و\"معرفة الرجال\" ٢: ٧٤، و\" تاريخ بغداد\" ٩: ٢٥٧، وينظر أيضًا ترجمة (محمد بن عبدالرحمن بن أبي ذئب)، في \"تاريخ بغداد\" ٢: ٣٠٢.\n(^٤). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢٠.\n(^٥). \"الضعفاء الكبير\" ٣: ٣١٥.\n(^٦). \"الكامل\" ٢: ٨٢٤.","vol":"1","page":147},{"text":"ومن نظر في ترجمة (صالح بن كيسان) وكون كثير من شيوخه أصغر سنًا منه، بسبب تأخره في طلب الحديث، واشتغاله بالشعر واللغة رأى عجبًا (^١).\nوقال عبد الله بن أحمد: \"سألته (يعني أباه) عن أيوب سمع من أبي عثمان النهدي وقلت له: إن خلفًا البزار يقول: عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان، فقال: روى عنه حديثين، وقال: حدثنا مؤمل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: كان أبو عثمان لي صديقًا، فما حفظت عنه إلا حديثين\" (^٢).\nوحال الرواية في العصور الأولى يلخصه هشام بن يوسف قاضي صنعاء - مع تأخر عصره نسبيًا - بقوله: \" كان معمر هاهنا عندنا عشرين سنة، حي صحيح، وما كتبنا عنه إلا اليسير، ولو علمنا أنه يكتب عنا، ويرحل إلينا لكنا أشد طلبًا، وأحرص عليه \" (^٣).\nومما يؤكد ما تقدم أن هذا الأمر ظل موجودًا حتى في عصر ازدهار الرواية، والحرص على السماع، والرحلة إلى البلدان.\nفمن ذلك قول أبي الوليد هشام بن عبد الملك، عن حرب بن سريج: \"كان جارنا، لم يكن به بأس، ولم أسمع منه شيئًا \" (^٤).\nوقال أحمد: \"رأيت الأشجعي - ونحن عند أبي بدر - ولم أكتب عنه شيئًا ...، ورأيت بشر بن عمر - يعني الزهراني - وكان إنسانًا غلقًا سيئ الخلق، فلم يقدر أن أكتب عنه شيئًا ...، ورأيت زافر بن سليمان، ولم أكتب عنه شيئًا ...،\n_________\n(^١). انظر: \"تهذيب الكمال \" ١٣: ٧٩ - ٨٤، و\"تهذيب التهذيب \" ٤: ٣٩٩ - ٤٠١.\n(^٢). \" العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٩٧.\n(^٣). \"معرفة الرجال\" ٢: ٣٨.\n(^٤). \"الكامل\" ٢: ٨٢٤.","vol":"1","page":148},{"text":"ورأيت عبد الله بن معاذ الصنعاني ولم أكتب عنه شيئًا، ورأيت مبارك بن سعيد ابن مسروق أخا الثوري - من ذاك الجانب - فلم أكتب عنه شيئًا، ورأيت عمران ابن عيينة، ولم أكتب عنه شيئًا، ورأيت نهشل بن حريث العدوي، ولم أكتب عنه شيئًا، قلت: كيف هو؟ قال: ليس به بأس\" (^١).\nوقال عبد الله: \"سألت أبي عن أبي زيد الهروي، فقال: شيخ ثقة، ليس به بأس، لم أكتب عنه شيئًا، وجعل يتلهف عليه\" (^٢).\nوقال عبد الله أيضًا: \"سألت يحيى عن إبراهيم بن خالد الصنعاني، فقال: كان صديقًا لي، وكان ثقة، وما كتبت عنه حديثًا \" (^٣).\nوقال ابن معين في محمد بن إبراهيم والد أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة: \"رأيته ببغداد، وكان رجلًا جميلًا، ثقة، كيسًا، أكيس من يزيد بن هارون، وكان على قضاء فارس، مات قديمًا، ولم أكتب عنه شيئًا\" (^٤).\nوسأل البرذعي أبا زرعة إن كان قد لقي إسماعيل بن أبي أويس، فقال: \"دخلت المدينة ثلاث مرات، وهو حي، ولم يقدر لي أن أكتب عنه شيئًا، كان مرة\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١٢٩.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٩٩.\n(^٣). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٠٥.\n(^٤). \"تهذيب التهذيب\" ٩: ١٢.\n\nوانظر نصوصًا أخرى عن ابن معين في: \"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٣٧٩ فقرة (٤٣٤)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٠٥ فقرة (٣٨٧٩).","vol":"1","page":149},{"text":"عليلًا، ومرة متواريًا، وكان مرة غائبًا \" (^١).\nوروى الآجري قال: \" سمعت سليمان بن الأشعث أبا داود يقول: ولدت سنة اثنتين ومئتين، وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين ...، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئًا، ورأيت خالد بن خداش ولم أسمع منه شيئًا ...، قلت: سمعت من يوسف الصفار؟ قال: لا، قلت: سمعت من ابن الأصبهاني؟ قال: لا، قلت: سمعت من عمرو بن حماد بن طلحة؟ قال: لا، ولا سمعت من مخول بن إبراهيم، ثم قال: هؤلاء كانوا بعد العشرين، - والحديث رزق - ولم أسمع منهم\" (^٢).\nومراد أبي داود بقوله: والحديث رزق - أن سماع الحديث من راو كالرزق، قد يرزقه الشخص، وقد يحرمه، مع قربه منه، وقد سبقه إلى ذلك عمرو بن علي الفلاس، حيث قال: \" السماع من الرجال أرزاق\" (^٣).\nومما يزيد القضية وضوحًا في ذهن القارئ وقوفه على آراء الأئمة في سماع الصغار من آبائهم، وآل بيتهم (^٤).\nالمسألة الثالثة: كان مسلم - ﵀ - دقيقًا جدًا حين حرر محل النزاع، وأنه في رواية راوٍ توافر فيها عدة شروط، كونه ثقة، غير مدلس، عاصر من\n_________\n(^١). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٧٧٥.\n(^٢). \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ٢٩٤.\n(^٣). \"تاريخ بغداد\" ١٢: ٢٠٩.\n(^٤). انظر مثلًا: \" العلل ومعرفة الرجال \" ٢: ٨٦ فقرة (١٦٣٣) ٢: ١٥٠ فقرة (١٨٣٤)، و\"التمييز\" ص ٢١٥، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٤٧، و\"علل الدارقطني\" ٥: ٣٠٨، و\"تهذيب الكمال\" ٧: ٣٦٤.","vol":"1","page":150},{"text":"روى عنه، وأمكن له لقاؤه والسماع منه، ولم يثبت ذلك صريحًا، ولم يكن هناك دلالة بينة على أنه لم يلقه، أو لم يسمع منه.\nوهذه شروط محكمة جدًا، تضيق دائرة الخلاف بين مسلم ومخالفه، فإذا لم تتوافر الشروط أو بعضها فإن مسلمًا لا يثبت السماع، ولا يحكم بالاتصال.\nومن ذلك قوله في رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس: \" ومحمد بن علي لا يعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه \" (^١).\nومحمد بن علي كان له من العمر عشر سنوات حين وفاة جده (^٢)، فالإمكان الحديثي للسماع غير متوافر، وانضم إلى ذلك أنه يروي عنه بواسطة والده (^٣).\nوقد رأيت بعض الأئمة والباحثين ممن اختار مذهب مسلم، أو اختار مذهب الجمهور، أو ذهب إلى أنه لا خلاف أصلًا، والإجماع على ما ذكره مسلم، ربما أغفل بعض هذه الشروط، فلم يتحرر عنده محل النزاع، سواء في ذلك حين عرض القولين وأدلتهما، أو حين التطبيق، فربما لم يراع ثقة الراوي، أو تدليسه، أو إمكان سماعه ممن روى عنه، أو معاصرته له، أو وجود التصريح بالتحديث من عدمه.\nوقد ذكرت في رسالة \" اشتراط العلم بالسماع في الإسناد المعنعن \" أمثلة\n_________\n(^١). \"التمييز \" ص ٢١٥.\n(^٢). \"تهذيب التهذيب \" ٥: ٢٧٨، ٩: ٣٥٥.\n(^٣). \"صحيح مسلم \" حديث (٧٦٣)، وانظر: \"بيان الوهم والإيهام \" ٢: ٥٥٨.","vol":"1","page":151},{"text":"كثيرة لهذا.\nومن ذلك أيضًا أن أحد الباحثين وهو ممن يذهب إلى أن الجمهور على اشتراط العلم بالسماع ذكر قول أبي زرعة: \"عكرمة، عن علي - مرسل\" (^١)، في معرض سرده لنصوص الأئمة الدالة على الاشتراط، وهذا النص لا يصلح لذلك، فإن عكرمة كان سنه نحو ١٥ عامًا حين قتل علي، وكان علي بالكوفة، وعكرمة بالبصرة، ثم بالمدينة (^٢)، فمثل هذا خارج محل النزاع، وروايته مرسلة على جميع الآراء، إذ الإمكان الحديثي الذي ذكره مسلم غير موجود فيها.\nومن ذلك - في دراسة أسانيد معينة - أن عبدالحق الإشبيلي في كتابه \"الأحكام\" قد اختار مذهب مسلم - فيما حرره عنه ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" -، لكنه يضعف أحاديث بعدم معرفة سماع بعض الرواة من بعض، فيتعقبه ابن القطان بأن هذا لا يتمشى مع المذهب الذي اختاره، وإنما يتمشى مع مذهب ابن المديني والبخاري، والملاحظ أن ابن القطان لا يراعي في تعقبه شروط مسلم، كما في حديث ركانة بن عبد يزيد قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس» (^٣)، قال ابن القطان متعقبًا عبدالحق حين أعله بذلك بعد أن بيّن ابن القطان أن إعلاله بعدم السماع من كلام البخاري: \"البخاري إذا قال ذلك في هؤلاء فعلى\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٥٨.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ١٥٨.\n(^٣). \"سنن أبي داود\" حديث (٤٠٧٨)، و\" سنن الترمذي\" حديث (١٧٨٤).","vol":"1","page":152},{"text":"أصله، وأما أنت إذا قلته فقد تركت أصلك، إذ الزمان محتمل للقاء\" (^١).\nوبالنظر في إسناد الحديث - وهو من رواية أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه، عن ركانة - يتضح أن فيه مجاهيل، مع اضطراب في تسمية شيخ أبي جعفر، وفي ذكر أبي جعفر وحذفه، ولذا قال الترمذي: \"حديث حسن غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أباالحسن العسقلاني، ولا ابن ركانة\" (^٢).\nفقد تخلف شرطان مهمان لمذهب مسلم، وهما ثقة الرواة، والعلم بالمعاصرة.\nوقال عبدالحق في حديث للمطلب بن عبدالله، عن جابر: \"لا يعرف للمطلب سماع من جابر\"، فتعقبه ابن القطان بقوله: \"وهذا لم تجر به عادته، أن يضعف أحاديث المتعاصرين اللذين لم يعرف سماع أحدهما من الآخر، وإنما يجيء ذلك على رأي البخاري وابن المديني\" (^٣).\nوالناظر في المطلب بن عبدالله يدرك أنه لا يحكم لروايته هنا بالاتصال على جميع الآراء، فإنه كثير الإرسال عمن أدركه، ومن لم يدركه (^٤).\nومن ذلك قول ابن تيمية بعد أن نقل عن البخاري تضعيفه لإسناد حديث فيه رواية يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بقوله: \"لا يعرف لسلمة\n_________\n(^١). \"بيان الوهم والإيهام\" ٣: ٢٨٧.\n(^٢). \"سنن الترمذي\" ٤: ٢٤٨.\n(^٣). \"بيان الوهم والإيهام\" ٥: ١٠٥.\n(^٤). \"المراسيل\" ص ٢٠٩، و\"تحفة التحصيل \" ص ٣٠٧.","vol":"1","page":153},{"text":"سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب سماع من أبيه\" (^١)، - قال ابن تيمية: \"وهذا غير واجب في العمل، بل العنعنة مع إمكان اللقاء ما لم يعلم أن الراوي يدلس .... \" (^٢).\nويعقوب بن سلمة ووالده كلاهما غير معروف (^٣)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة.\nولما ذكر المزي قول البخاري في إسناد حديث من رواية سالم بن أبي الجعد، عن نبيط، عن جابان، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، - وقد روي أيضًا بإسقاط نبيط -: \"لا يعرف لجابان سماع من عبدالله بن عمرو، ولا لسالم من جابان، ولا من نبيط\" (^٤) - عقبه بقوله: \"وهذه طريقة قد سلكها البخاري في مواضع كثيرة، وعلل بها كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، وليست هذه علة قادحة، وقد أحسن مسلم وأجاد في الرد على من ذهب هذا المذهب في مقدمة كتابه بما فيه كفاية، وبالله التوفيق\" (^٥).\nكذا قال المزي، مع أن هذا الإسناد منقطع على رأي الجميع، فجابان،\n_________\n(^١). \"التاريخ الكبير\" ٤: ٧٦.\n(^٢). \"شرح العمدة\" (الطهارة) ص ١٧١، والنقط من عندي، فإن الكلام لم يتم، وربما كان الساقط كلمة (متصلة) أو نحوها.\n(^٣). ينظر \"ثقات ابن حبان\" ٤: ٣١٧، و\"ميزان الاعتدال\" ٤: ٤٥٢، و\"الكاشف\" ٣: ٢٩١، و\"تهذيب التهذيب\" ٤: ١٦٢، ١١: ٣٨٨.\n(^٤). \"التاريخ الكبير\" ٢: ٢٥٧.\n(^٥). \"تهذيب الكمال\" ٤: ٤٣٣.","vol":"1","page":154},{"text":"ونبيط غير معروفين (^١)، فلم يتوافر شرط الثقة، ولا العلم بالمعاصرة.\nوذكر العلائي قول أبي زرعة في حميد بن عبد الرحمن بن عوف: \"حديثه عن أبي بكر، وعلي - مرسل \" (^٢)، ثم قال العلائي: \"قد سمع من أبيه، وعثمان - ﵄ -، فكيف يكون عن علي مرسلًا وهو معه بالمدينة؟ \" (^٣).\nوسماع حميد من أبيه، ومن خاله عثمان فيه خلاف كبير، ومن يثبته لا ينكر أنه كان صغيرًا حين وفاتهما (^٤)، وقد جاء تصريحه بالسماع منهما، فلا ينقل هذا إلى سماعه من علي، وليس بينه وبينه قرابة، فالإمكان الحديثي غير موجود هنا، فلابد من التصريح بالتحديث على جميع الآراء.\nومثل ما تقدم صنيع ابن التركماني في بعض تعقباته على البيهقي، فعند قول البيهقي: \"علي بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود\" (^٥) - قال ابن التركماني: \"قدمنا أن مسلمًا أنكر في ثبوت الاتصال اشتراط السماع، وادعى اتفاق أهل العلم على أنه يكفي إمكان اللقاء والسماع، وعلي هذا ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكره أبوسعيد بن يونس، فسماعه من ابن مسعود ممكن بلا شك، لأن ابن\n_________\n(^١). انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢: ٣٧، ١٠: ٤١٨.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٤٩.\n(^٣). \"جامع التحصيل\" ص ٢٠٢.\n(^٤). \"تهذيب التهذيب\" ٣: ٤٥، و\"التابعون الثقات المتكلم في سماعهم من الصحابة\" رسالة ماجستير ص ٣٧٨.\n(^٥). \"سنن البيهقي\" ١: ١١٠.","vol":"1","page":155},{"text":"مسعود توفي سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: سنة ثلاث وثلاثين\" (^١).\nكذا قال، ورواية علي بن رباح عن ابن مسعود منقطعة حتى على مذهب مسلم، فاللقاء بعيد جدًا، لأن عليًا مصري، وابن مسعود مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة (^٢)، وكان عمر علي سبع عشرة سنة، أو ثماني عشرة سنة، وقد روى عنه ابنه موسى أنه قال: \"كنت خلف معلمي (وفي رواية: مع عمي مسلم بالشام) فبكى، فقلت له: ما لك؟ فقال: قتل عثمان\" (^٣)، فمثل هذا لا يحتمل لقاؤه لابن مسعود.\nومثله تعقب ابن التركماني للبيهقي لما قال عن إسناد حديث من طريق عمرو بن دينار، عن أبي هريرة: \"هو منقطع بين عمرو بن دينار، وأبي هريرة\" (^٤).\nقال ابن التركماني: \"ولد عمرو سنة ست وأربعين، فسماعه منه ممكن\" (^٥).\nوأبوهريرة مدني، وعمرو مكي، كان له من العمر حين وفاة أبي هريرة نحو اثنتي عشرة سنة، لأن أباهريرة مات سنة سبع، أو ثمان، أو تسع\n_________\n(^١). \"الجوهر النقي\" ١: ١١٠.\n(^٢). \"تهذيب الكمال\" ١٦: ١٢٦.\n(^٣). \"تهذيب الكمال\" ٢٠: ٤٢٨.\n(^٤). \"سنن البيهقي\" ٦: ٤٠، وانظر: \"المراسيل\" ص ١٤٤، و\"الجرح والتعديل\" ٦: ٢٣١، فقد نقل ابن أبي حاتم عن أبي زرعة أنه لم يسمع منه.\n(^٥). \"الجوهر النقي\" ٦: ٤٠.","vol":"1","page":156},{"text":"وخمسين (^١)، فالإمكان الحديثي الذي يعنيه مسلم غير موجود هنا.\nومن التساهل أيضًا ما رجحه ابن حجر في رواية التابعي عن الصحابي الذي لم يُسَمَّ بالعنعنة، كأن يقول: عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، أو عمن سمع النبي - ﷺ -، أو عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، فإنه اختار الحكم بالاتصال (^٢).\nوكذا أشار الشيخ عبدالرحمن المعلمي إلى إمكانية ترجيح هذا القول، لكنه عاد فذكر أن عنده فيه توقفًا (^٣).\nوغير خافٍ أن شرط العلم بالمعاصرة هنا مفقود، ويلزم منه أيضًا فقد إمكان اللقاء، فهو منقطع على جميع الآراء (^٤).\nومن ذلك قول أحمد شاكر في رده لقول أبي زرعة: \" عكرمة، عن علي - مرسل\" (^٥)، قال أحمد شاكر: \"وهذا قول هو دعوى، والعبرة في صحة الرواية - بعد الثقة والضبط - بالمعاصرة، وعكرمة أهداه سيده حصين بن أبي الحر العنبري لابن عباس حين ولاه علي البصرة، وعلي أمَّر ابن عباس على البصرة سنة ٣٦ ...، فقد عاصر عكرمة عليًا أربع سنين أو أكثر مملوكًا لابن عباس ابن عم علي، ثم قد كان يافعًا إذ ذاك، فإنه مات على الراجح سنة ١٠٥، عن ثمانين\n_________\n(^١). \"تهذيب الكمال\" ٣٤: ٣٧٨.\n(^٢). \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٥٦٢.\n(^٣). \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٥٦٢.\n(^٤). وانظر: \"التقييد والإيضاح\" للعراقي ص ٧٤، و\"موقف الإمامين\" ص ٣٢٤.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٥٨.","vol":"1","page":157},{"text":"سنة، كما قالت ابنته، فكان عمره حين مقتل علي ١٥ سنة\" (^١).\nكذا قال أحمد شاكر، ورواية عكرمة - على ما حرره أحمد شاكر - منقطعة على جميع الآراء، فإن لقاءه لعلي - ﵁ - غير ممكن، والدلالة البينة قد قامت على أنه لم يسمع منه لو كانا في بلد واحد، وذلك لصغر سنه، فكيف وهذا بالبصرة ثم بالمدينة، وعلي بالكوفة؟ (^٢).\nومنه أيضًا قول أحد المشايخ المعاصرين في كلام له على حديث من رواية بسر بن سعيد، عن عثمان، وقد نقل قول أبي حاتم: \"بسر بن سعيد عن عثمان: مرسل\" (^٣)، فقال بعد علامة التعجب: \"مع أن بسر بن سعيد كان له من العمر عند ما قتل عثمان شهيدًا ثلاث عشرة سنة\".\nومثل هذا يوجد كثيرًا في نقد الباحثين المعاصرين، بل وفي كلام الأئمة المتأخرين، وهو تساهل غير مرضي، وهو أحد الأبواب التي ضعف جدًا عن طريقها نقد السنة النبوية.\nالمسألة الرابعة: اختيار رأي من الآراء، وترجيح مذهب على آخر - يقتضي من فاعله التزام هذا المذهب وتطبيقه، وهو أمر لا جدال فيه، لكني أنبّه هنا إلى دقة هذه المسألة، وضرورة تحاشي الباحث - ما أمكنه - تجنب الاضطراب فيها، من جهة التنظير أو التطبيق، أو كليهما.\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" تحقيق أحمد شاكر ١: ٣١٧.\n(^٢). وانظر مثالًا آخر من صنيع أحمد شاكر في تعليقه على \"مسند أحمد\" ٣: ١٢٧ - ١٢٨.\n(^٣). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٥٥.","vol":"1","page":158},{"text":"وقد دعاني إلى هذا التنبيه ما رأيته من بعض الأئمة المتأخرين، وبعض الباحثين من التذبذب في ترجيح أو تطبيق أحد المذهبين، وسأذكر هنا بعض النماذج على سبيل التمثيل.\nفمن ذلك أن ابن الصلاح قد رد قول مسلم فقال في كتابه \"صيانة صحيح مسلم\": \"والذي صار إليه مسلم هو المستنكر، وما أنكره قد قيل: إنه القول الذي عليه أئمة هذا العلم ... \" (^١).\nلكنه عند كلامه على حديث عائشة: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل الناس منازلهم»، الذي ذكره مسلم في المقدمة معلقًا عنها بلفظ: وقد ذكر عن عائشة - ﵂ -، عند هذا الحديث ذكر ابن الصلاح أن أباداود أخرجه من طريق ميمون بن أبي شبيب، عن عائشة، وأنه ذكر بعد تخريجه له أن ميمونًا لم يدرك عائشة (^٢)، ثم تعقبه ابن الصلاح بقوله: \"وفيما قاله أبوداود توقف ونظر، فإنه كوفي متقدم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كافٍ في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة استقام لأبي داود الجزم بعدم إدراكه، وهيهات ذلك\" (^٣).\nكذا صنع ابن الصلاح، وأبوداود إنما جزم بذلك تمشيًا مع مذهبه في ضرورة ثبوت اللقاء والسماع، ولا سيما مع قرينة اختلاف البلدان، وهو القول\n_________\n(^١). \"صيانة صحيح مسلم\" ص ١٢٨.\n(^٢). \"سنن أبي داود\" حديث (٤٨٤٢).\n(^٣). \"صيانة صحيح مسلم\" ص ٨٤.","vol":"1","page":159},{"text":"الذي رجحه ابن الصلاح أولًا.\nولم ينفرد أبو داود بذلك، بل نفى سماعه أيضًا أبو حاتم (^١)، وقال عمرو بن علي الفلاس في ميمون: \"كان يحدث عن أصحاب النَّبِيّ - ﷺ - ....، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب\nالنَّبِيّ - ﷺ - \" (^٢).\nومن ذلك أن العلائي وهو ممن رد على مسلم قوله وناقشه فيه (^٣)، لكنه رجح سماع حميد بن عبدالرحمن بن عوف من علي على رأي مسلم، كما تقدم آنفًا في المسألة الثالثة.\nوذكر قول ابن المديني في قيس بن أبي حازم: \" لم يسمع من أبي الدرداء، ولا من سلمان، وروى عن بلال ولم يلقه، وروى عن عقبة بن عامر، ولا أدري سمع منه أم لا \" (^٤)، ثم قال: \"في هذا القول نظر، فإن قيسًا لم يكن مدلسًا، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي - ﷺ -، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحد الظاهر سماعه منه\" (^٥).\nولا شك أن هذا تطبيق لرأي مسلم، فإن قيسًا وإن كانت هذه صفته فإنما يثبت الأئمة سماعه من صحابي إذا ورد ذلك صريحًا، كما تقدم نقل ذلك عن ابن\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ٢١٤.\n(^٢). \"تهذيب الكمال\" ٢٩: ٢٠٧.\n(^٣). \"جامع التحصيل \" ص ١٣٤ - ١٤١، ١٤٥.\n(^٤). \"علل ابن المديني\" ص ٥٠.\n(^٥). \"جامع التحصيل\" ص ٣١٦.","vol":"1","page":160},{"text":"المديني في أول هذا المبحث.\nوممن رجح مذهب جمهور الأئمة أيضًا من المتأخرين: ابن حجر، لكنه في مسألة رواية التابعي عن صحابي غير مسمى بالعنعنة اختار ترجيح الحكم بالاتصال، كما تقدم ذكره آنفًا، وقد علق على ذلك المعلمي بقوله: \"والعجب من الحافظ - ﵀ - كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، مع أنها قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها - بل احتج لقبولها - في حق من لم يعلم معاصرته أصلًا، وكان العكس أقرب كما هو واضح\" (^١).\nوهذا التردد من بعض الأئمة يجعل الباحث ينسب القول إلى الإمام مع خوفه من أن يكون مال إلى القول الآخر أو طبقه في مكان آخر، وهذا وإن كان غير مستنكر في مسائل كثيرة، لكنه في هذه المسألة ظاهر جدًا، لاسيما في وجود فرق بين التنظير والتطبيق، فقد قال ابن رجب عن قول مسلم: \"وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم - ﵀ - من أن إمكان اللقي كافٍ في الاتصال من الثقة غير المدلس، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره\" (^٢).\nوما ذكره ابن رجب يحتمل أن يكون أخذه استقراء من صنيع ابن حبان في \"صحيحه\"، لكن لابن حبان كلام قوي جدًا في اشتراط العلم بالسماع، كرره في كتابه \" الثقات \" (^٣).\n_________\n(^١). \"عمارة القبور\" ص ٢٥١.\n(^٢). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٨.\n(^٣). \"الثقات \" ١: ١١، ٦: ٢، ٩: ٢٠٩.","vol":"1","page":161},{"text":"وأوسع ما يكون التناقض في هذه المسألة - مع خفاء فيه - أن يلفق الباحث بين القولين عند التطبيق، وذلك بأن يبحث عن كلام الأئمة في سماع راوٍ من آخر، فإذا وجد قولًا لإمام بنفي السماع أعمله، وإن لم يجد لجأ إلى قول مسلم فطبقه، مع أن نفي الإمام للسماع قد يكون بناه على عدم وجود السماع، فهو متصل على رأي مسلم، وتطبيقه لرأي مسلم فيما إذا لم يجد نفيًا للسماع يناقض أخذه بقول ذلك الإمام الذي نفى السماع لكونه لم يرد، مع أنه ممكن.\nومع أن هذا الصنيع أسلم في النهاية، إذ هو تطبيق للرأي الراجح - رأي الجمهور - على عدد غير قليل من الروايات، وفيه أيضًا احترام لأقوال أئمة النقد، وتسليم لهم، وبعد عن معارضتهم - إلا أنه من الناحية العلمية البحتة تناقض، لا ينفك عنه الباحث إلا بطرد الرأي الذي يختاره، فإن طبق مذهب الجمهور، وبحث عن كلامهم، وسلم لهم إذا وجده، فعليه أن يلتزمه فيما إذا لم يجد لهم كلامًا، وذلك بحمل الرواية على عدم الاتصال حتى يثبت السماع، وإن اختار رأي مسلم ومن وافقه فعليه دراسة كل حالة على حدة، بعيدًا عن أقوال الأئمة فيها، فإن تبيّن له أنها متصلة على هذا الرأي فعليه التزام ذلك.\nوقد فعل مسلم ذلك حين أخرج أسانيد لم يرد فيها السماع، وقد نفاها إمام أو أكثر ممن سبقه (^١)، ويفعله أيضًا بعض من تابعه على رأيه، كابن دقيق العيد حين ذكر قول أحمد، وموسى بن هارون في عدم سماع عراك من عائشة، ثم قال: \"وقد ذكروا سماع عراك من أبي هريرة ولم ينكروه، وأبوهريرة توفي هو وعائشة\n_________\n(^١). انظر: \"موقف الإمامين\" ص ٤٣٥ - ٤٦٠.","vol":"1","page":162},{"text":"في سنة واحدة، فلا يبعد سماعه من عائشة مع كونهما في بلدة واحدة\" (^١).\nوعلق على قول الدارقطني: \"أبورافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود\" (^٢) بقوله: \"لا ينبغي أن يفهم منه أنه لا يمكن إدراكه وسماعه منه، فإن أبارافع جاهلي إسلامي ...، ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع سماعه من جميع الصحابة، اللهم إلا أن يكون الدارقطني يشترط في الاتصال ثبوت السماع ولو مرة، وقد أطنب مسلم في الكلام على هذا المذهب\" (^٣).\nومثله صنيع ابن التركماني في تعقباته على البيهقي، فإنه يحتج على نفي السماع أو عدم ثبوته بإمكان اللقاء، ويصرح بأنه مذهب مسلم (^٤).\nولما ذكر الشيخ أحمد شاكر قول أبي زرعة: \"عمرو بن شرحبيل أبوميسرة، عن عمر: مرسل\" (^٥) - تعقبه بقوله: \"وقول أبي زرعة إن أباميسرة لم يسمع من عمر لا أجد له وجهًا، فإن أباميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة ٦٣ هـ-\" (^٦).\nوذكر أحمد شاكر أيضًا قول ابن المديني في عطاء بن فروخ: \"لم يلق عثمان\n_________\n(^١). \"نصب الراية\" للزيلعي ٢: ١٠٦.\n(^٢). \"سنن الدارقطني\" ١: ٧٧، و\"العلل\" ٥: ٣٤٦.\n(^٣). \"نصب الراية\" للزيلعي ٢: ١٤١.\n(^٤). انظر: \"الجوهر النقي\" ١: ٩، ١١٠، ٦: ٤٠، ٧: ١١٨، ٤٣٨.\n(^٥). \"المراسيل\" ص ١٤٣.\n(^٦). \"مسند أحمد\" تحقيق أحمد شاكر ١: ٣١٧.","vol":"1","page":163},{"text":"- ﵁ -\" (^١)، فتعقبه بقوله: \"ولم أجد ما يؤيد هذا\" (^٢).\nوخصص الباحث الأخ مبارك بن سيف الهاجري رسالتيه في الماجستير، والدكتوراه، للثقات من التابعين الذين تكلم في سماعهم من الصحابة، ولهم رواية في الكتب الستة، لكنه لطول الموضوع وقف عنه، وقد مشى في الرسالتين على مذهب مسلم في الجملة، في عدم اشتراط العلم بالسماع، والتزمه.\nوهكذا فإن من يرجح رأيًا أو يقول بقول فعليه أن يكون مدركًا لما يترتب عليه من تبعات، وما ينبغي عليه أن يلتزمه من أجله.\nومن جهة ثانية فإن وقوف الباحث على ما يظنه تناقضًا ينبغي أن يتأمله كثيرًا قبل إطلاق هذا الحكم عليه، فقد لا يكون كذلك بعد التأمل والنظر.\nومن أمثلة ذلك أنني كدت أرمي الإمام النووي بالتناقض في هذه المسألة، تقليدًا لأحد الباحثين، فقد ذكر الباحث النووي فيمن اختار رأي ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ونقل عنه قوله في \"شرح صحيح مسلم\": \"وهذا الذي صار إليه مسلم قد أنكره المحققون، وقالوا: هذا الذي صار إليه ضعيف، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن: علي بن المديني، والبخاري، وغيرهما\" (^٣)، وأحال أيضًا إلى كتاب آخر للنووي وهو \"التقريب\"، وذكر أن النووي عزاه للمحققين.\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" تحقيق أحمد شاكر ١: ٣١٧.\n(^٢). \"مسند أحمد\" تحقيق أحمد شاكر ١: ٣٣٥.\n(^٣). \"شرح صحيح مسلم\" ١: ١٢٨.","vol":"1","page":164},{"text":"وهذا كله لا إشكال فيه، لكن الباحث عاد مرة أخرى في ذكره للعلماء الذي تابعوا مسلمًا على رأيه فنقل عن النووي قوله في \"التقريب\": \"والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل، بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا\".\nولا شك أن كلام النووي في هذا النص يوهم تناقضه مع ما قاله في \"شرح مسلم\"، ولكن بعد التأمل تبين لي أن رأيه في الكتابين واحد لا اختلاف فيه، وهو ترجيحه القول بعدم الاتصال، وأما ما نقله الباحث من \"التقريب\" فهو ناقص، وغرض النووي منه الرد على من ذهب إلى عدم قبول العنعنة مطلقًا، واشترط التصريح بالتحديث دائمًا، فبين النووي أن جماهير العلماء على قبول العنعنة، وأنهم اتفقوا على اشتراط بعض الشروط، وهما الشرطان اللذان في النص السابق، ثم ذكر بعد ذلك من اكتفى بهما، ومن زاد عليهما، ونسب اشتراط ثبوت اللقاء إلى البخاري، وابن المديني، والمحققين.\nوهذا نص النووي تامًا ليتضح منه عدم التناقض بين كلاميه: \"الإسناد المعنعن - وهو فلان عن فلان - قيل: إنه مرسل، والصحيح الذي عليه العمل وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول أنه متصل، بشرط أن لا يكون المعنعن مدلسًا، وبشرط إمكان لقاء بعضهم بعضًا، وفي اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة، ومعرفته بالرواية عنه - خلاف، منهم من لم يشترط شيئًا من ذلك، وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادعى الإجماع فيه، ومنهم من شرط اللقاء وحده، وهو قول البخاري، وابن المديني، والمحققين ... \" (^١).\n_________\n(^١). \"التقريب\" ١: ٢١٤، وانظر أيضًا: \"إرشاد طلاب الحقائق\" ص ٨٦.","vol":"1","page":165},{"text":"وذكر الباحث أيضًا عن ابن جماعة في \"المنهل الروي\" (^١)، والطيبي في \"الخلاصة\" (^٢) أنهما رجحا مذهب مسلم، ونقل عنهما نحو عبارة النووي التي نقلها من \"التقريب\"، ويقال فيهما ما تقدم عن النووي، بأن الأمر ليس كذلك، وإنما غرضهما حكاية مذهب الجماهير في قبول الإسناد المعنعن بشروط، ردًا على من عده مرسلًا بإطلاق، وإن كان الثاني لم يذكر من زاد على الشرطين المجمع عليهما.\nثم إنهم نصوا جميعًا على أنه قد أودعه البخاري ومسلم وغيرهما ممن ألف في الصحيح كتبهم، مع أن الذي يكتفي بإمكان اللقاء هو مسلم وحده، وقد نسبه إليه في نفس الموضع النووي وابن جماعة، فدل هذا على أن حديثهم في الرد على من حكم على كل معنعن بأنه غير متصل.\nوأصل الكلام لابن الصلاح، فالثلاثة اختصروا كتابه، إلا أن عبارته كما في المطبوع: \"وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضًا، مع براءتهم من وصمة التدليس\" (^٣).\nفإما أن يكون الثلاثة ينقلون من نسخة أخرى لابن الصلاح، فيها التعبير بالإمكان بدل الثبوت، ويكون غرضه حينئذٍ النص على ما هو مجمع عليه من الشروط، ثم ذكر الاختلاف فيما زاد عليه، وإما أن يكون التغيير في العبارة من المختصرين، وذلك لأنهم ذكروا الاختلاف فيما زاد على الإمكان في نفس\n_________\n(^١). \"المنهل الروي \" ص ٤٨.\n(^٢). \"الخلاصة \" ص ٥٠.\n(^٣). \"الخلاصة \" ص ٥٠.","vol":"1","page":166},{"text":"الموضع، وكان ابن الصلاح قد فصله عن الكلام في أصل الإسناد المعنعن (^١).\nوالباحث حين وقع في هذا لا شك أنه معذور، فإن المسألة برمتها من دقائق العلم، ويزداد الأمر دقة في جمع الأئمة بين الكلام في أصل قبول العنعنة، وبين الكلام في الإسناد المعنعن بين متعاصرين لم يعلم اللقاء بينهما.\n_________\n(^١). \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٥٢، ١٥٧.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الثالث\nالتدليس</span>\nوفيه: تمهيد، ومباحث:\nالمبحث الأول: التدليس والإرسال.\nالمبحث الثاني: التدليس وصورة التدليس.\nالمبحث الثالث: التدليس والنص على السماع أو نفيه.\nالمبحث الرابع: التدليس والتصريح بالتحديث.\nالمبحث الخامس: رواية المدلس بصيغة محتملة للسماع.\nالمبحث السادس: تعليل الإسناد بتدليس غير مدلس.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>تمهيد:</span>\nبعد فراغ الباحث من دراسة سماع الراوي ممن فوقه فإنه سيحكم بالانقطاع إن لم يثبت السماع، فإن ثبت السماع فيبقى عليه البحث في أمر آخر قبل أن يحكم بالاتصال، وهو سماعه لذلك الحديث بعينه، فإن بعض الرواة وإن كان قد سمع من شيخه إلا أنه يروي عنه شيئًا لم يسمعه منه، ويسقط الواسطة بينه وبين شيخه، يفعل ذلك - في الغالب - على سبيل التدليس.\nوقد بذل أئمة الحديث ونقاده جهودًا مضنية في مكافحة التدليس بأنواعه والكشف عنه، تمثلت مكافحته في الغارة العنيفة التي شنها عليه أئمة فضلاء، كشعبة بن الحجاج، وله في ذلك كلمات مأثورة، مثل قوله: \"التدليس أخو الكذب \" (^١).\nوقوله: \"هو أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء أحب إليّ من أن أدلس\" (^٢).\nوقوله: \" لأن أقع من فوق هذا القصر - لدار حياله - على رأسي، أحب إلي من أن أقول لكم: قال فلان - لرجل ترون أنه قد سمعت ذاك منه - ولم أسمعه \" (^٣).\n_________\n(^١) \"الكامل\" ١: ٤٧، و\"حلية الأولياء\" ٩: ١٠٧، و\"الكفاية\" ص ٣٥٥.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٥٦، و\"التمهيد\" ١: ١٦، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٢١٠، ٢١٦، ٢٢٠.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٧٤، وانظر: \"الكامل\" ١: ٨١، و\"التمهيد\" ١: ١٦.","vol":"1","page":171},{"text":"وذكر الذهبي عنه نحو الجملة الأخيرة، ثم علق عليها بقوله: \"هذا والله الورع\" (^١).\nوتبع شعبة على ذلك جماعة من الأئمة، فأثر عن ابن المبارك نحو الجملة الأخيرة عن شعبة (^٢)، وقال أيضًا: \"إن الله لا يقبل التدليس\" (^٣).\nوقال يزيد بن زريع: \" لأن آخرَّ من السماء أحب إلي من أن أدلس \" (^٤).\nوقال خالد بن خداش: \"سمعت حماد بن زيد يقول: التدليس كذب، ثم ذكر حديث النبي ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»، قال حماد: ولا أعلم المدلس إلا متشبعًا بما لم يعط\" (^٥).\nوقال وكيع: \"لا يحل تدليس الثوب، فكيف يحل تدليس الحديث\" (^٦).\nوالمدلس نفسه يشعر بالغضاضة من ارتكابه للتدليس، قال ابن المبارك: \"حدثت سفيان بحديث، فجئته وهو يدلسه، فلما رآني استحيا وقال: نرويه\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٢٢١.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٥٦.\n(^٣) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٣.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٦١.\n(^٥) \"الكفاية\" ص ٣٥٦.\n(^٦) \"الكفاية\" ص ٣٥٦، وانظر: \"علل المروذي\" ص ٥٠.\nوانظر في نصوصًا أخرى في ذم التدليس وكراهته في: \"الكامل\" ١: ٤٧ - ٤٨، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٣، و\"الكفاية\" ص ٣٥٥ - ٣٥٧.","vol":"1","page":172},{"text":"عنك\" (^١).\nوهذه الحملة على التدليس آتت ثمارها في الحد من وقوعه، لكنها لم تقض عليه، فقد ارتكبه جماعة كثيرون من الرواة، وفيهم أئمة فضلاء، كقتادة، والأعمش، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وغيرهم، قال ابن المبارك: \"قلت لهشيم: ما لك تدلس وقد سمعت كثيرًا؟ قال: كان كبيراك يدلسان، وذكر الأعمش، والثوري\" (^٢).\nوكتب وكيع إلى هشيم: \"بلغني أنك تفسد أحاديثك بهذا الذي تدلسها\"، فكتب إليه: \"بسم الله الرحمن الرحيم: كان أستاذاك يفعلانه: الأعمش، وسفيان\" (^٣).\nولذلك كان الجانب الأهم الذي بذله أئمة النقد تجاه التدليس هو في الكشف عنه، وقد قاموا في سبيل ذلك بجهود عظيمة جدًا، تأتي على رأس ما بذلوه من جهد في عموم نقد السنة، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وذلك لما يحتاجه الكشف عن التدليس من دقة وشدة تتبع، ولتعلقه في كثير من الأحيان بالرواة الثقات.\nوجهودهم هذه نلاحظها بسهولة في تراجم الرواة، إذ ينصون في كلامهم\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ٤: ١١٥.\n(^٢) \"العلل الكبير\" ٢/ ٩٦٦، و\"الكامل\" ٢: ٦٤٢، و\"التمهيد\" ١: ٣٥.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦١.","vol":"1","page":173},{"text":"في الراوي على ارتكابه للتدليس، فيقولون مثلًا: كان يدلس، أو: ثقة إلا أنه يدلس، أو: صدوق لكنه يدلس، أو ضعيف مدلس، ونحو ذلك.\nكما نلاحظ هذه الجهود بصورة أدق في الكشف عن الأحاديث المدلسة، تارة بصورة مجملة، وتارة بالنص على حديث معين، بل وصل الأمر إلى الكشف عن تدليس الكلمة الواحدة في الإسناد أو المتن.\nولم يحابوا في سبيل ذلك أحدًا كائنًا من كان.\nوالذي يهمنا كثيرًا من موضوع (التدليس) حكم رواية المدلس، ولا سيما إذا روى الحديث بصيغة محتملة للسماع وعدمه، ولما كانت أحكام هذا الفن بصورة عامة إنما ينظر فيها إلى صنيع أئمة النقد وعملهم - فإن الوصول إلى حكم رواية المدلس بالنسبة لنا يقتضي النظر فيما نقل عن أئمة النقد من نصوص عن حكمها، وهذا قليل، كما يقتضي - وهو الأهم - سبر تطبيقاتهم وأحكامهم على الأسانيد التي يوجد فيها مدلسون.\nونظرًا لكثرة المدلسين، وكثرة أحاديثهم، وضخامة المنقول عن أئمة النقد في تطبيقاتهم، وكثرة ما طرح في هذه المسألة من آراء تنسب إلى أئمة النقد - فإن الوصول إلى حكم نهائي قاطع في المسألة كالمتعذر، والممكن إذًا هو التسديد والمقاربة.\nثم إن البحث في هذه المسألة يستلزم تقديم دراسة بعض القضايا المرتبطة بها، فلزم أولًا تحرير العلاقة بين الإرسال والتدليس، وأثرها في حكم رواية","vol":"1","page":174},{"text":"المدلس، وتحرير كيفية ثبوت التدليس على الراوي، وأيضًا التدقيق في رواية المدلس التي يقوم الباحث بدراستها، وما احتف بها من قرائن، والتدليس من حيث هو علة في الإسناد، بغض النظر عمن وقع منه.\nفانتظم موضوع التدليس مباحث ستة، بذلت فيها جهدي في تصوير المسألة أولًا، ثم في عرض ما فيها من آراء، وما توصلت إليه، بحسب اجتهادي وطاقتي، فإن البضاعة مزجاة، والموضوع عويص شائك.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الأول\nالتدليس والإرسال</span>\nتدليس الإسقاط نوع من الإرسال، إذ الإرسال في اصطلاح المتقدمين يشمل كل انقطاع في الإسناد أيًا كان موضعه، فكل تدليس إرسال (^١)، لكن هل كل إرسال يعدّ تدليسًا؟\nللإجابة على هذا لابدّ من ذكر أنواع الإرسال، ثم النظر فيما يشمله اسم التدليس منها - باختصار ـ، ثم الغرض من بحث هذا هنا.\nفإذا أرسل الراوي عن شخص وروى عنه ما لم يسمعه منه فلا يخلو من ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون لم يدرك زمانه.\nالثانية: أن يكون أدرك زمانه وعاصره، لكنه لم يسمع منه.\nالثالثة: أن يكون لقيه وسمع منه، لكن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه، أو تلك الأحاديث بعينها لم يسمعها منه.\nفأما النوع الأول فذكر ابن عبدالبر أن قومًا - ولم يسمهم - ذهبوا إلى أنه تدليس، وأن الجمهور ذهبوا إلى أنه إرسال فقط، قال: \"وعلى القول الأول فما سلم من التدليس أحد لا مالك ولا غيره، سوى شعبة ويحيى القطان\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر: \"الكفاية\" ص ٣٥٧.\n(^٢) \"التمهيد\" ١: ١٥.","vol":"1","page":177},{"text":"وممن وقفت على كلام له يسمي فيه رواية الراوي عمن لم يدركه تدليسًا ابن حبان، فقد قال في عبدالجبار بن وائل بن حجر: \"مات أبوه وائل وأمه حامل به، كل ما روى عن أبيه مدلَّس، وإن كان لا يصغر عن صحبة الصحابة\" (^١).\nوعلى هذا مشى الذهبي في تعريف التدليس فقال: \"ما رواه الرجل عن آخر ولم يسمعه منه، أو لم يدركه\" (^٢)، وقال في ترجمة أبي قلابة: \"ثقة في نفسه، إلا أنه يدلس عمن لحقهم ومن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها ويدلس\" (^٣).\nويحتمل - على بُعد - أن يفسر الإدراك واللحاق في كلام الذهبي باللقي والسماع.\nومن نصوص الجمهور في هذا وأن رواية الراوي عمن لم يدركه لا تعد تدليسًا قول أبي حاتم في أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي: \"لا يعرف له تدليس\" (^٤)، مع أن أبا قلابة قد روى عن أناس لم يدركهم (^٥)، فتفسير ذلك أن يكون\n_________\n(^١) \"مشاهير علماء الأمصار\" ص ١٦٣.\n(^٢) \"الموقظة\" ص ٤٧.\n(^٣) \"الميزان\" ٢: ٤٢٦.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٥: ٥٨.\n(^٥) انظر: \"المراسيل\" ص ١٠٩.","vol":"1","page":178},{"text":"حيث عرف واشتهر أنه لم يلقهم، فحينئذٍ لا إيهام في روايته، وعليه فلا تدليس.\nويحتمل أن يكون أبوحاتم أراد أنه لا يتعمد الإسقاط، لكنه يحفظ شيئًا عن بعض الصحابة فيرويه عنهم غير مستحضر لمن حدثه، قال الذهبي معلقًا على كلمة أبي حاتم: \"معنى هذا أنه إذا روى شيئًا عن عمر أو أبي هريرة - مثلًا - مرسلًا لا يدري من الذي حدثه به، بخلاف تدليس الحسن البصري فإنه يأخذ عن كل ضرب، ثم يسقطهم، كعلي بن زيد تلميذه\" (^١).\nفهذا النوع لا إشكال إذًا في عدم دخوله في التدليس إلا على سبيل التوسع كما نقله ابن عبدالبر عمن لم يسمهم، ومشى عليه ابن حبان، وكذا الذهبي في ظاهر كلامه.\nوأما النوع الثالث - وهو الإرسال عمن سمع منه - فلا إشكال في دخوله في التدليس، فكل من عرَّف التدليس أدخله فيه، وهو أيضًا موجود بكثرة في استعمال أئمة النقد، فمن ذلك قول أحمد: \"كان أبوحُرَّة صاحب تدليس عن الحسن، إلا أن يحيى القطان روى عنه ثلاثة أحاديث يقول في بعضها: حدثنا الحسن، منها حديث سعد بن هشام، وحديث عائشة في الركعتين\" (^٢).\n_________\n(^١) \"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٤٧٣.\n(^٢) \"علل المروذي\" ص ٣٨، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٦٦، ٣١٠، ٢: ٥٩٥، ٣: ٩، ٢٢٩، ٢٤٢، و\"مسند أحمد\" ٦: ٣٠، ٢٠٣، و\"صحيح مسلم\" حديث (٧٦٧)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ٢: ٢٧٢، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٣٣.","vol":"1","page":179},{"text":"وقال عباس الدوري: \"سمعت يحيى يقول في حديث: \"من وسع على عياله ... \"ـ قال: حدثنا أبوأسامة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قلت ليحيى: قد رواه سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن محمد، قال يحيى: إنما دلسه سفيان عن أبي أسامة، فقلت ليحيى: فلم يسمع سفيان من إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فقال: بلى، قد سمع منه، ولكن لم يسمع هذا منه\" (^١).\nوقال إبراهيم بن عبدالله الهروي في هشيم: \"كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين\" (^٢).\nوأبوبشر هو جعفر بن إياس، وحصين هو ابن عبدالرحمن، وقد سمع منهما هشيم.\nوسيأتي في ثنايا هذا البحث نصوص كثيرة في هذا المعنى.\nوأما النوع الثاني - وهو الإرسال عمن عاصره ولم يسمع منه - فهل يدخل في التدليس؟\nعرف ابن الصلاح التدليس بقوله: \"هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه\" (^٣)،\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري \" ١: ٢٩٠.\n(^٢) \"المراسيل\" ص ٢٣٢.\n(^٣) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٦٥.","vol":"1","page":180},{"text":"فأدخل ابن الصلاح هذا النوع في التدليس، وهو يحكي بذلك اصطلاح أهل الحديث.\nوذكر العراقي أن غير واحد من الحفاظ - وسمى منهم البزار، وابن القطان - أخرجوا هذا النوع من التدليس، فخصوه بالنوع الثالث فقط، وهو رواية الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه، ثم قال العراقي: \"وما ذكره المصنف - يعني ابن الصلاح - في حد التدليس هو المشهور بين أهل الحديث، وإنما ذكرتُ قول البزار وابن القطان لئلا يغترّ بهما من وقف عليهما فيظن موافقة أهل هذا الشأن لذلك، والله أعلم\" (^١).\nوقد تعقب ابن حجر كلام شيخه العراقي، ونسب قول البزار وابن القطان أيضًا إلى الشافعي، وأن كلام الخطيب يقتضيه أيضًا، وذكر أن الصواب أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ليس بتدليس، وإنما هو إرسال خفي، ثم قال: \"ويدل على أن اعتبار اللقي في التدليس دون المعاصرة وحدها لابد منه إطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم، عن النبي ﷺ من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس، ولو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعًا، ولكن لم يعرف هل لقوه أو لا\" (^٢).\n_________\n(^١) \"التقييد والإيضاح\" ص ٩٦، وانظر: \"بيان الوهم وإيهام\" ٥: ٤٩٣.\n(^٢) \"نزهة النظر\" ص ١١٤ - ١١٥، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦١٤ - ٦١٥.","vol":"1","page":181},{"text":"وسبق ابن حجر إلى تخصيص التدليس برواية الراوي عن شيخه حديثًا لم يسمعه منه - ابن رشيد، فإنه قال في معرض كلام له: \"وأما المعاصر غير الملاقي إذا أطلق: (عن) فالظاهر أنه لا يعدّ مدلسًا، بل هو أبعد عن التدليس؛ لأنه لم يعرف له لقاء ولا سماع، بخلاف من علم له لقاء أو سماع\" (^١).\nوكذا العلائي في \"جامع التحصيل\" عند تعريفه للتدليس (^٢)، لكنه في تراجم الرواة في الكتاب ربما رجع عنه، من ذلك قوله معقبًا على كلمة البخاري في ابن جريج وأنه لم يسمع من عمرو بن شعيب شيئًا: \"قد روى عنه عدة أحاديث، وهي عن جماعة ممن تقدم ذكرهم، ولكنه مدلس كما سبق ذكره فيهم\" (^٣).\nوالدليل الذي ذكره ابن حجر لتخصيص التدليس بهذه الصورة غير ناهض، فإنها موجودة أيضًا في بعض روايات الصحابة عن النبي ﷺ كابن عباس وأبي هريرة وغيرهما، فإنهم يروون عنه ما لم يسمعوه منه، ولم يسم العلماء ذلك تدليسًا، وإن سماه بعضهم بذلك (^٤)، وقد ذكر هذا ابن حجر (^٥)، وذكر أن مسلك العلماء هذا يفسر بأنه تأدب مع الصحابة، وإذا كان\n_________\n(^١) \"السنن الأبين\" ص ٦٥.\n(^٢) \"جامع التحصيل\" ص ١١٠، وانظر أيضًا: ص ١٣٩.\n(^٣) \"جامع التحصيل\" ص ٢٨٠، وانظر أيضًا ص ١١١.\n(^٤) \"سير أعلام النبلاء\" ٢: ٦٠٨.\n(^٥) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٢٣.","vol":"1","page":182},{"text":"ذلك كذلك فلم لا يفسر بهذا عدم إطلاقهم التدليس على رواية المخضرمين وأنه تأدب معهم؟ .\nثم هناك جواب آخر في عدم إطلاق التدليس على صنيع الصحابة وعلى صنيع المخضرمين، وهو أن من شرط التدليس أن يكون بغرض إخفاء عيب في الإسناد، ولم يكن غرض أولئك هذا، وإنما كان غرضهم التخفيف، كما قال الحاكم: \"ففي هؤلاء الأئمة المذكورين بالتدليس من التابعين جماعة وأتباعهم، غير أني لم أذكرهم، فإن غرضهم من ذكر الرواية أن يدعوا إلى الله عزوجل، فكانوا يقولون: قال فلان - لبعض الصحابة ـ، فأما غير التابعين فأغراضهم مختلفة\" (^١)، وسيأتي شرح هذا مطولًا في المبحث التالي.\nفلما انتشر قصد إخفاء عيب في الإسناد عند من بعدهم سمي عملهم كله تدليسًا، وإن لم يتحقق وجود هذا الغرض أحيانًا.\nثم إن جزم ابن حجر بأن الصواب أن رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه ليس بتدليس - إن كان يعني تصويب ذلك من جهة النظر والاجتهاد فهذا شأن، لكن القضية الآن في حكاية اصطلاح الأئمة، فإن كانوا يطلقون على هذا تدليسًا لم يكن للتصويب هنا كبير فائدة، إذ هو لا يغير من الواقع شيئًا، فهو اصطلاح قد مضى وانتهى فلا يمكن تغييره، وهذه قاعدة عامة في قضايا مصطلح الحديث ينبغي أن تستقر في أذهان الدارسين، وهي (أن اختيار المتأخر\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٤.","vol":"1","page":183},{"text":"لرأي ما في قضية ما لا يلغي ما تقدم مادام موجودًا في اصطلاحهم) (^١).\nوالمتأمل في كلام أئمة النقد في موضوع التدليس يدرك بسهولة أن ما ذكره العراقي من أن حد ابن الصلاح للتدليس هو المشهور بين أهل الحديث - هو الأقرب للواقع، فمن ذلك قول ابن أبي حاتم: \" قلت لأبي: أبو وائل سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه ولا يحكي سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام، وأبو وائل بالكوفة، قلت: كان يدلس؟ قال: لا، هو كما قال أحمد بن حنبل (^٢) \"، فقوله: \"كان يدلس؟ \" - يدل على أنه قد تقرر عندهم اعتبار رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه تدليسًا، وقد نفى والده عنه التدليس، ولعل ذلك لكونه لا يمكن سماعه منه، فقد ذكر أبوحاتم أن أبا الدرداء بالشام وأبا وائل بالكوفة، فهو بحكم من لم يدركه، أو لكونه لم يكن غرضه التدليس، أو لكون الذي أسقط الواسطة هو من دون أبي وائل، وقد يكون فعل ذلك خطأً.\nوسئل أحمد وابن معين، عن حديث يرويه عبدالمجيد بن أبي رواد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فقالا: \"ليس بصحيح، وليس يعرف هذا الحديث من أحاديث عبيد الله، ولم يسمع عبدالمجيد بن أبي رواد من عبيدالله شيئًا، ينبغي أن يكون عبدالمجيد دلسه، سمعه من إنسان فحدث به\" (^٣).\n_________\n(^١) وهي من ضمن قواعد عامة كنت قد ألقيتها في بعض الدروس العلمية، يراعيها الدارس لمصطلح الحديث، وعلى الأخص أساتذة هذا الفن في تدريسهم له، لعل الله تعالى ييسر كتابتها وتحريرها بعونه وتوفيقه.\n(^٢). \" المراسيل \" ص ٨٨.\n(^٣). \"المنتخب من علل الخلال\" ص ٢٢٧.","vol":"1","page":184},{"text":"ومن ذلك أيضًا قول ابن معين: \"دلس هشيم عن زاذان أبي منصور، ولم يسمع منه\" (^١).\nوقال أيضًا: \" لم يلق يحيى بن أبي كثير زيد بن سلام، وقدم معاوية بن سلام عليهم، فلم يسمع يحيى بن أبي كثير، أخذ كتابه عن أخيه ولم يسمعه، فدلسه عنه\" (^٢).\nوقال البخاري: \"لا أعرف لابن أبي عروبة سماعًا من الأعمش، وهو يدلّس ويروي عنه\" (^٣).\nوقال العجلي في الحجاج بن أرطاة: \"كان جائز الحديث، إلا أنه صاحب إرسال، وكان يرسل عن يحيى بن أبي كثير ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مجاهد ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن مكحول ولم يسمع منه شيئًا، ويرسل عن الزهري ولم يسمع منه شيئًا، فإنما يعيب الناس منه التدليس\" (^٤).\nوقال الفسوي: \"وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيدالله بن عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر، ولم يسمع منهم، إنما دلس عنهم، ولعمري إن ما روى عنهم مناكير\" (^٥).\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢٠.\n(^٢). \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٥٢.\n(^٣). \"العلل الكبير\" ٢: ٢٦٢.\n(^٤). \"الثقات\" ١: ٢٨٤.\n(^٥) \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ١٢٣.","vol":"1","page":185},{"text":"وقال أيضًا: \"لم يسمع سالم من ثوبان، إنما هو تدليس\" (^١).\nوقال ابن حبان في ترجمة يحيى بن أبي كثير: \"فكل ما روى عن أنس فقد دلس عنه، ولم يسمع من أنس ولا من صحابي شيئًا\" (^٢).\nوقال أيضًا وهو يذكر أنواع جرح الضعفاء: \"المدلس عمن لم يره، كالحجاج بن أرطاة، وذويه، كانوا يحدثون عمن لم يروه ويدلسون حتى لا يعلم ذلك منهم\" (^٣).\nوقال ابن عدي في سعيد بن أبي عروبة: \"ثَبْت عن كل من روى عنه، إلا من دلس عنهم، وهم الذين ذكرتهم ممن لم يسمع منهم\" (^٤).\nوقال الدارقطني: \"لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبدالله بن حنطب شيئًا، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء\" (^٥).\nوقال الحاكم - وهو يعد أجناس المدلسين ـ: \"الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قط، ولم يسمعوا منهم إنما قالوا: قال\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" ٣: ٢٣٦.\n(^٢) \"ثقات ابن حبان\" ٧: ٥٩٢، وانظر أيضًا: ٦: ٩٨، و\"المجروحين\" ١: ٢٢٩، و\"مشاهير علماء الأمصار\" لابن حبان ص ١٤٥ ترجمة (١١٤٥)، ص ١٧٩ ترجمة (١٤١٥)، ص ١٩١ ترجمة (١٥٣٧)، ص ١٩٥ ترجمة (١٥٦٦).\n(^٣) \"المجروحين\" ١: ٨٠.\n(^٤) \"الكامل\" ٣: ١٢٣٣.\n(^٥) \"تحفة التحصيل\" ص ٢١٢.","vol":"1","page":186},{"text":"فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عالٍ ولا نازل\" (^١).\nولما ذكر الذهبي قول أحمد في سعيد بن أبي عروبة: \"لم يسمع من الحكم بن عتيبة ... \" وعد أحمد أناسًا عاصرهم سعيد، وحدث عنهم ولم يسمع منهم، قال الذهبي: \"وقد حدث عن هؤلاء على التدليس، ولم يسمع منهم\" (^٢)، وقال مرة: \"يعني: يقول: عن، ويدلس\" (^٣).\nوقال الذهبي أيضًا: \"ومن أمثلة التدليس: الحسن، عن أبي هريرة، وجمهورهم على أنه منقطع\" (^٤).\nبل عَدَّ الإمام يعقوب بن شيبة رواية الراوي عمن عاصره ولم يلقه أشد تدليسًا من روايته عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، فقال: \"التدليس - جماعة من المحدثين لا يرون به بأسًا، وكرهه جماعة منهم، ونحن نكرهه، ومن رأى التدليس منهم فإنما يجوّزه عن الرجل الذي قد سمع منه، ويسمع من غيره عنه ما لم يسمعه منه، فيدلسه، يري أنه قد سمعه منه، ولا يكون ذلك أيضًا عندهم\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٩، وانظر أيضًا: \"تعريف أهل التقديس\" ص ١٤٤، ١٤٥.\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" ٦: ٤١٥، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٣٣١.\n(^٣) \"الميزان\" ٢: ١٥٢.\n(^٤) \"الموقظة\" ص ٤٩، وانظر أيضًا: \"سير أعلام النبلاء\" ٥: ٢٧٧، ٦: ١٤١، ٢٢٧، ٣٣٦، ٨: ٢٨٩.","vol":"1","page":187},{"text":"إلا عن ثقة، فأما من دلَّس عن غير ثقة، وعمن لم يسمع هو منه، فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء\" (^١).\nوكذا قال ابن عبدالبر: \"إن حدث عمن لم يسمع منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه\" (^٢)، وقال أيضًا: \"وإذا وقع ذلك فيمن لم يلقه فهو أقبح وأسمج\" (^٣).\nولما ذكر ابن رجب كلمة يعقوب بن شيبة عقب عليها بقوله - موافقًا له على تسميته تدليسًا ـ: \"وقد كان الثوري وغيره يدلسون عمن لم يسمعوا منه أيضًا، فلا يصح ما قال يعقوب\" (^٤)، يعني لا يصح قوله: إن هذا لم يرخص فيه العلماء.\nفي أشياء كثيرة جدًا عن المتقدمين والمتأخرين فيها إطلاق ذلك.\nوأما ما نسب إلى الشافعي، والبزار، وابن القطان مما يخالف ذلك فنعم، إذ كلامهم يحتمل ما رجحه ابن حجر، على أنه يمكن للناظر المتأمل بنوع تأويل أن يرد قولهم إلى قول الجمهور فيدخل صورة تحديث المعاصر عمن لم يلقه.\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص ٣٦٢.\n(^٢) \"التمهيد\" ١: ٢٨.\n(^٣) \"التمهيد\" ١: ٢٧.\n(^٤) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٥، وانظر أيضًا في ذم هذا النوع من التدليس، وكونه أشد من التدليس عمن سمع منه: \"جامع التحصيل\" ص ١١١.","vol":"1","page":188},{"text":"وأما قول ابن حجر: إن كلام الخطيب يقتضيه - يعني يقتضي ما رجحه - فليس الأمر كذلك، فإن للخطيب كلامًا آخر لم يذكره ابن حجر يجلي رأيه بوضوح، قال: \"والمدلَّس: رواية المحدث عمن عاصره ولم يلقه، فيتوهم أنه سمع منه، أو روايته عمن قد لقيه ما لم يسمعه منه، هذا هو التدليس في الإسناد\" (^١).\nوقد عقد الخطيب فصلًا في أخبار المدلسين ذكر فيه من دلس عمن لم يسمع منه، وعمن سمع منه، ثم كلامه عن التدليس يدل على إدخال هذه الصورة - وهي رواية المعاصر عمن لم يسمع منه - فيه (^٢).\nوابن حجر معترف بأن من الأئمة من يسمي هذا تدليسًا، ولكنه اختار أن يخرجه من التدليس، ويسميه باسم خاص به، وهو الإرسال الخفي، تمييزًا للأنواع، كما قال (^٣)، مع أنه هو ربما سماه تدليسًا (^٤).\nوغرضي من بحث هذه المسألة هنا عدد من الأمور:\nالأمر الأول: رأي ابن حجر - باعتبار تأخر عصره وتحريره لمصطلحات أهل الحديث على طريقة التعاريف - هو المشهور في كتب المصطلح المتأخرة بعده\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص ٢٢.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٥٥ - ٣٦٤.\n(^٣) \"تعريف أهل التقديس\" ص ٢٥.\n(^٤). \"إتحاف المهرة\" ١٤: ١٨١.","vol":"1","page":189},{"text":"أنه الراجح، فإذا رجحه الباحث فلابد أن يستحضر القاعدة السابقة المتضمنة أن هذا الترجيح لا يلغي استخدام الأئمة بحال، فإذا وقف الباحث على كلمة لأحد الأئمة يصف فيها شخصًا بالتدليس عن شخص لم يسمع منه فلا يعد هذا تناقضًا؛ لأنه اختار أن التدليس من شرطه أن يكون عمن سمع منه، فهم سائرون على اصطلاحهم، فلا تناقض.\nوأهم من ذلك أنه لا يجوز أن نجعل وصف إمام لراوٍ بالتدليس عن شخص إثباتًا لسماعه منه، بناءً على ترجيح ابن حجر لمعنى التدليس، وهو رواية الراوي عمن سمع منه حديثًا لم يسمعه منه، فقد اتضح بجلاء أن الأئمة يطلقون التدليس أيضًا على رواية المعاصر الذي لم يسمع ممن روى عنه.\nمثال ذلك أن أباحاتم قال في نقده لحديث رواه زياد بن الربيع، عن هشام ابن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر \"، قال: \"هذا حديث منكر، لم يروه عن محمد إلا الضعفاء: إسماعيل بن مسلم، ونحوه، ولعل هشام بن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، فإنه كان يدلس\" (^١).\nفقد سألتني إحدى الباحثات الفاضلات عن قول أبي حاتم: \"فإنه كان يدلس\"، ما معنى تدليسه عن محمد بن المنكدر وهو لم يذكر في الرواة عنه؟\n_________\n(^١) \"العلل\" ٢: ٢٦٠، وانظر: \"الكامل\" ٣: ١٠٥٢.","vol":"1","page":190},{"text":"فقلت لها: ما الذي تعرفينه من تعريف للتدليس؟ قالت: هو ما أخذناه في الدراسة: رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، فقلت لها: لكن الأئمة يطلقون التدليس كثيرًا على غير هذه الصورة أيضًا، فيطلقونه على من روى عن معاصر له لم يسمع منه أبدًا، كما في كلمة أبي حاتم هذه، فلا غرابة إذًا، ولا ينبغي أيضًا أن تثبتي منها سماع هشام من محمد بن المنكدر، بناءً على ما كنت تعرفينه عن معنى التدليس.\nومثل ذلك صنيع أحد المشايخ، فإنه ذكر كلمة أبي حاتم هذه ثم أجاب عنها، وصحح الإسناد، قال في الجواب: \"لم أر من رماه بالتدليس مطلقًا، وإنما تكلموا في روايته عن الحسن، وعطاء خاصة؛ لأنه يرسل عنهما، كما قال أبوداود ...، وهذا الحديث من روايته عن محمد بن المنكدر، فلا مجال لإعلاله\".\nوعلى هذا الكلام مناقشات من عدة أوجه، لكن موضع الشاهد هنا هو أن الباحث فهم من رمي أبي حاتم له بالتدليس: أنه دلَّس عمن سمع منه، وليس الأمر كذلك، ويحتاج إلى إثبات سماعه من محمد بن المنكدر، وكلمة أبي حاتم هذه لا تفيد هذا - كما تقدم ـ، فإنهم يطلقون التدليس على رواية الراوي عن معاصر لم يسمع منه. وقضية الانتباه لاختلاف الاصطلاح مهمة جدًا، فلا يصح حمل كلام إمام على كلام إمام آخر يخالفه في الاصطلاح، في هذا العلم وغيره، ومثال ذلك ما وقع فيه أحد الباحثين في مسألتنا هذه، فإنه فسر مراد مسلم بأن الأئمة يتفقدون السماع إذا كان الراوي معروفًا بالتدليس مشهورًا به - فسره بأن يصفه أكثر من إمام بالتدليس ولا يلزم إكثاره منه، ومن ضمن ما استدل به على","vol":"1","page":191},{"text":"ذلك أن ابن جريج مشهور بالتدليس، وقد صرح ابن حجر بأن تدليسه قليل (^١).\nكذا استدل الباحث بكلام ابن حجر، مع أنه ذكر أن ابن حجر قد خص التدليس برواية الراوي عمن سمع منه شيئًا لم يسمعه منه، وأن المشهور عند أئمة النقد خلاف ما ذكره ابن حجر، فرواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه تدليس أيضًا، وحينئذٍ فكلام ابن حجر عن تدليس ابن جريج - بعد التسليم به - مراد به فقط تدليسه على الصورة الأولى التي اختارها ابن حجر لتعريف التدليس، يدل عليه أيضًا أن نوع التدليس في الأحاديث التي ذكر ابن حجر في كلامه عليها أن فيها دلالة على قلة تدليس ابن جريج هو على هذه الصورة، وأما إذا ضم إلى ذلك تدليسه على الصورة الثانية فيبعد - كما يلاحظ من ترجمته - وصفه بأنه قليل (^٢)، وابن حجر نفسه قد عدّ ابن جريج من المكثرين من التدليس المعروفين به (^٣).\nالأمر الثاني: كل المسائل اللاحقة في موضوع التدليس - ولاسيما مبحث حكم رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث - متعلقة بما إذا روى عن شخص سمع منه شيئًا لم يسمعه منه، فهو الذي يتصور فيه ذلك، أما الذي نازع ابن\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" ٣: ٤١٢، ٤: ٢٣٣، ٤٠٩، ٥: ٢٥، ١٠: ٣٦٤.\n(^٢) انظر: \"المراسيل\" ص ١٣٣، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٨٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٦: ٤٠٥، و\"تحفة التحصيل\" ص ٢١١.\n(^٣) \"تعريف أهل التقديس\" ص ٩٥، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٤١.","vol":"1","page":192},{"text":"حجر في تسميته تدليسًا - وهو رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه - فهذا مضى حكمه في الفصل الأول، وعلى هذا فإذا وقف الباحث على كلام لبعض الأئمة يصف شخصًا بالتدليس عن شخص لم يسمع منه - فلا ينشغل الباحث بالبحث عن تدليس المدلس في هذا الحديث بعينه، فذلك لا يتصور، إذ هو لم يسمع منه أصلًا، وإنما يطبق عليه قواعد (الانقطاع) الماضية في الفصل الثاني، ولذا قال ابن رجب: \"وأما من يدلس عمن لم يره فحكم حديثه حكم المرسل ... \" (^١).\nمثال ذلك أن ابن جريج معروف بالتدليس، وهو يروي عن عمرو بن شعيب أحاديث (^٢)، فإذا كان مع الباحث واحد منها، وأراد نقده، فعليه أن يبحث أولًا في سماعه من عمرو بن شعيب، وسيجد أن البخاري نص على أنه لم يسمع منه (^٣)، وقال البيهقي: \"لا يرون له سماعًا منه\" (^٤).\nوعلى هذا فالحكم على الإسناد يكون بالجزم بالانقطاع، ولا يقال - كما يفعله بعض الباحثين -: ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالسماع، فإن هذا الحكم على الإسناد يوهم أنه يحتمل الوقوف على رواية يصرح فيها بالسماع، والحال أنه\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٤.\n(^٢) \" تحفة الأشراف \" ٦: ٣٢٤.\n(^٣) \" العلل الكبير \" ١: ٣٢٥.\n(^٤) \" سنن البيهقي \" ٦: ٨.","vol":"1","page":193},{"text":"لم يسمع منه أصلًا، وغير المدلس هذا حكمه، فالمدلس من باب أولى.\nوكون الأئمة يسمون عمل ابن جريج هذا تدليسًا لا يبرر قول الباحث هنا: إن ابن جريج مدلس، ولم يصرح بالسماع، لأن هناك نوعًا من التدليس يكون المدلس قد سمع من شيخه في الأصل، والأئمة إذا وصفوا ابن جريج - مثلًا - بالتدليس عن عمرو بن شعيب يذكرون أنه لم يسمع منه، فالحكم على الحديث المعين إذًا هو النص على الانقطاع والجزم بأنه لم يسمعه.\nوقد رأيت بعض الباحثين يضعف بالتدليس رواية مدلس لشيء لم يدركه أصلًا، فقد قال أحد الباحثين عن أثر قتادة: \"أن زيد بن ثابت ترك ذهبًا وفضة كسر بالفؤوس\"-. قال الباحث: \" إسناده ضعيف لتدليس قتادة\".\nوقتادة فوق أنه لا يروي هذا الأثر عن زيد بن ثابت، وإنما يرسله، كما هو ظاهر من صيغة الرواية - فإنه لم يدرك زيد بن ثابت، فلا معنى لتعليل الإسناد بتدليس قتادة.\nالأمر الثالث: اتضح مما تقدم أن التدليس عند أكثر الأئمة له صورتان: إحداهما تحديث الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، والثانية: تحديثه عمن سمع منه بشيء لم يسمعه منه، فإذا ارتكب الراوي واحدة منهما وصف بأنه مدلس.\nوكثير من المدلسين يرتكب الصورتين جميعًا، وهؤلاء لا إشكال فيهم بأنهم يعاملون بأحكام المدلسين في الحالتين، أما في الأولى فالمقصود بذلك","vol":"1","page":194},{"text":"اشتراط تصريح المدلس بالتحديث ليحكم له بالاتفاق أنه سمع ممن روى عنه، ولا يكفيه إمكان اللقاء الذي يقول به مسلم ومن وافقه، لأن مسلمًا اشترط عدم التدليس، كما تقدم شرح هذا في الفصل الماضي، وأما في الثانية فالمقصود أحكام المدلسين التفصيلية الآتية في المبحث الثالث.\nوالإشكال قائم فيمن عرف بارتكاب إحدى الصورتين هل يعطى حكم المدلس في الصورة الأخرى؟ فإذا وصف شخص بالتدليس والمراد بذلك تدليسه عمن عاصره ولم يسمع منه هل تقبل روايته عمن سمع منه مطلقًا وإن لم يصرح بالتحديث؟ وإذا وصف شخص بالتدليس عمن سمع منه هل يشترط مسلم ومن وافقه تصريحه بالتحديث إذا روى عمن عاصره وأمكن لقاؤه له، لكي يحكموا له بأن هذا من شيوخه الذين سمع منهم؟\nبالنسبة للحالة الأخيرة لم أجد أحدًا تكلم عليها، رغم كثرة طرق الباحثين المعاصرين لموضوع التدليس، وقد يكون ذلك لكون الأمر فيها ظاهرًا، إذ سيعود الأمر إلى مطالبة المدلس بالتصريح بالتحديث في كل حديث حديث حتى وإن ثبت له أصل السماع بمجرد إمكان اللقاء، فكأننا طالبناه من البداية بالتصريح بالتحديث.\nلكن يبقى مع ذلك إشكال، خلاصته أن اشتراط التصريح بالتحديث في كل حديث حديث ممن روى عن شيخه الذي سمع منه أمر غير متفق عليه، وله أحكام تفصيلية سيأتي شرحها في المبحث الخامس، فإن عاملناه بهذه الأحكام كنا قد أثبتنا له سماعًا ممن روى عنه بمجرد إمكان اللقاء، ولم يؤثر تدليسه عمن","vol":"1","page":195},{"text":"سمع منه على إثبات أصل سماعه ممن أمكن لقاؤه له، ولا أدري هل يلتزم بهذا من يذهب مذهب مسلم أو لا؟ فإن مسلمًا اشترط عدم التدليس، ولم يفصّل، وإن لم نثبت له سماعًا ممن روى عنه لكونه يدلس عمن سمع منه كنا قد نقلناه إلى النوع الأشد والأقبح من التدليس، وهو روايته عمن عاصره ولم يسمع منه، مع أن الثابت عنه التدليس من النوع الأدنى.\nومما ينبغي ذكره هنا أن هذا الإشكال لا يرد على ما تحرر عن جمهور العلماء أنهم لا يثبتون سماع الراوي ممن روى عنه مع إمكان اللقاء إلا بوجود التصريح بالتحديث، سواء كان الراوي مدلسًا أو غير مدلس على ما مضى شرحه في الفصل الثاني، فتوقفهم إذا لم يوجد تصريح بالتحديث ليس سببه التدليس، بل لأن السماع لم يثبت، وليس كل راوٍ عمن عاصره ولم يسمع منه يعدّ مدلسًا، كما سيأتي شرحه في المبحث الثاني.\nوأما الحالة الأولى - وهي ما إذا وصف شخص بالتدليس والمراد تدليسه عمن عاصره ولم يسمع منه هل تقبل روايته عمن سمع منه مطلقًا؟ - فأول من رأيته أشار إلى هذه المسألة الحافظ ابن حجر، فإنه قال حين ذكر المرتبة الأولى من مراتب المدلسين، وهم الذين وصفوا بالتدليس على الندرة: \"والغالب أن إطلاق من أطلق ذلك عليهم تجوّز من الإرسال إلى التدليس\" (^١).\nوأطلق عليه تجوّزًا لأنه رجح أن التدليس خاص بمن روى عمن سمع منه\n_________\n(^١) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٣٦.","vol":"1","page":196},{"text":"شيئًا لم يسمعه منه، وقد تقدم آنفًا مناقشته في ذلك، لكن الشاهد هنا هو أنه أشار إلى نوع التدليس الذي رمي به الراوي حين البحث في روايته المعينة.\nوفي العصر الحاضر رأيت بعض الباحثين صرح بما أشار إليه ابن حجر، فذهبوا إلى أن الراوي إذا رمي بالتدليس والمقصود بذلك تحديثه عمن عاصره ولم يسمع منه، فروايته عمن سمع منه مقبولة مطلقًا، وإن لم يصرح بالتحديث.\nوهذه المسألة مرتبطة أيضًا ارتباطًا قويًا بمسألة كيفية ثبوت أصل سماع الراوي ممن روى عنه الماضي بحثها في الفصل الثاني، ومن لم يتفطن لذلك وقع في التناقض، فأحد الباحثين خصص بحثًا مطولًا مستوعبًا بحث فيه كيفية ثبوت أصل سماع الراوي الثقة ممن روى عنه، ورجح فيه أن كبار الأئمة - كشعبة، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي حاتم، وأبي زرعة - يشترطون لذلك في المدلس وغير المدلس ثبوت التصريح بالسماع، وبعضهم اكتفى بثبوت اللقاء، خلافًا لمسلم في اكتفائه بإمكان اللقاء مع سلامة الراوي من التدليس، ثم قطع الباحث هنا بأن من رمي بالتدليس والمقصود به تدليسه عمن عاصره ولم يسمع منه، إذا ثبت سماعه ممن روى عنه ولو مرة واحدة فباقي رواياته لا تحتاج إلى تصريح بالتحديث، وعلى هذا فليس هناك فرق بين المدلس على هذه الصورة وغير المدلس، فإذا صرحا بالتحديث ولو مرة واحدة قبلت رواياتهما مطلقًا وإن لم يصرحا بالتحديث، مع أن كلام الأئمة كله يدور حول وجود فرق بينهما، وهذا الفرق لا يتحقق إلا بأحد أمرين، إما بترجيح رأي مسلم في الاكتفاء بإمكان اللقاء من غير المدلس،","vol":"1","page":197},{"text":"واشتراط التصريح بالتحديث من المدلس، وإما بأن يشترط فيهما جميعًا التصريح بالتحديث لإثبات أصل السماع، ثم يفرق بينهما بأن عنعنة غير المدلس بعد ذلك مقبولة، وأما المدلس فيتوقف فيه، ويحتاج إلى نظر خاص.\nولا شك أن التدليس - وهذه المسألة بخصوصها - من مضايق مسائل هذا الفن، والذي أراه هنا أن التدليس بابه واحد، وأن من عرف بالتدليس واشتهر به في الصورتين أو إحداهما أخذ حكم المدلس بصفة عامة، وذلك لسببين:\nالأول: من العسير جدًا بالنسبة للمعروفين بالتدليس إثبات أن ذاك المدلس لا يرتكب سوى التدليس الذي هو الرواية عن معاصر لم يسمع منه، وقد ذكر أحد الباحثين مثالًا لذلك: الحسن البصري، وقتادة بن دعامة، وذكر باحث آخر أبا إسحاق السبيعي، وذكر باحث ثالث سعيد بن أبي عروبة.\nوهؤلاء الأربعة تبين بالتتبع أنهم ارتكبوا التدليس بالصورة الثانية أيضًا، وهي التدليس عمن سمع منه، وسيأتي في ثنايا مباحث التدليس أمثلة لهذا.\nالثاني: كلام الأئمة في حكم رواية المدلس ليس فيه التفصيل المذكور، فمن ذكر منهم حكم رواية المدلس ذكره بإطلاق، ولم يفرق بين تدليس وتدليس، ويتأكد ذلك إذا عرفنا أن إطلاق التدليس على من روى عمن عاصره ولم يسمع منه مشتهر عندهم جدًا، بل نص بعض الأئمة على أنه أكثر شناعة من التدليس عمن سمع منه كما تقدم في أول هذا المبحث، فلو كان هذا التفصيل الذي ذكره بعض الباحثين موجودًا لنصوا عليه.","vol":"1","page":198},{"text":"وإذا كان الأمر كذلك فالأصل أن نبقى على هذا حتى يقوم دليل قوي على خلافه، وما ذكره الباحثون من أدلة لا ينهض لذلك، ولولا خشية الإطالة لذكرتها بمناقشاتها، وأخاف أن يكون جزم هؤلاء الباحثين بما توصلوا إليه سببه ما رأوه من إسراف في رد الأحاديث وتضعيفها بالتدليس، فصاروا يتمسكون بأدنى شبهة لدفع ذلك.\nوقد رأيت بعضهم يستدل على التفصيل المذكور بأدلة لا يليق الاستدلال بها لولا أن الباحث مندفع لما يريد ترجيحه، فقد ذكر أحدهم أن من الأدلة على عدم تفتيشهم عن سماع قتادة من شيوخه الذين ثبت سماعه منهم قول شعبة: \"كنت أعرف حديث قتادة ما سمع مما لم يسمع، فإذا جاء ما سمع قال: حدثنا أنس، وحدثنا الحسن، وحدثنا سعيد (يعني ابن المسيب)، وحدثنا مطرف، وإذا جاء ما لم يسمع كان يقول: قال سعيد بن جبير، وقال أبوقلابة\"، وفي رواية ذكر سليمان بن يسار مع الأخيرين (^١).\nفالأربعة الأولون قد سمع منهم قتادة، والآخرون لم يسمع منهم، فدلّ ذلك على أن شعبة إنما يتفقد السماع لقتادة ممن لم يسمع منه.\nكذا يقرر الباحث، وهو كلام ينقض بعضه بعضًا، ذلك أن قتادة إذا كان قد سمع من الأولين فعنعنته عنهم مقبولة مطلقًا كما يذهب إليه الباحث، ولم\n_________\n(^١) \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٢٢٩، و\"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٤٥٦، و\"الجعديات\"\n١: ٣١١، و\"الكفاية\" ص ٣٦٣، و\"التمهيد\" ١: ٣٥.","vol":"1","page":199},{"text":"يسمع من الآخرين فيحتاج إلى التصريح بالتحديث، وشعبة يعرف ذلك في الأمرين، فما الحاجة إلى التفقد حينئذٍ؟\nوقد جاءت عنه رواية أخرى أطلق فيها ولم يسم أحدًا، وأنه لا يحفظ عن قتادة حتى يقول: حدثنا، وأهم من ذلك النصوص المتضافرة على أن شعبة كان يتفقد سماع قتادة ممن سمع منه، بل من أخص شيوخه، وهو أنس بن مالك، وفوق هذا هناك أحاديث يقول فيها قتادة: حدث مطرف، وحدث الحسن، وسيأتي هذا كله في المبحثين الرابع والخامس.\nويكون شعبة قد ذكر الثلاثة الأولين لأن قتادة قد سمع منهم، فروايته عنهم هي التي يمكن أن يقول فيها: حدثنا، ثم لما أراد شعبة أن يضرب مثالًا لما لم يسمعه قتادة مثل بروايته عن أناس لم يسمع منهم أصلًا، ليكون أبلغ في التمثيل، ولا يدل على أنه لا يقول ذلك فيمن سمع منهم.\nومثل ما تقدم استدلال الباحث أيضًا على قبول عنعنة الحسن البصري مطلقًا ممن ثبت سماعه منهم بأحاديث أخرجها البخاري، عن الحسن، عن أبي بكرة، وهو لم يصرح بالتحديث إلا في حديث واحد، والبخاري أخرج ثلاثة أخرى بالعنعنة، فدل على قبوله عنعنته مطلقًا.\nومع أن قول الباحث إن الثلاثة الأحاديث الباقية جاءت بالعنعنة عن الحسن، عن أبي بكرة - فيه نظر، إذ واحد منها ورد التصريح بالسماع فيه في \"صحيح البخاري\" نفسه، والثاني ورد التصريح بالسماع فيه خارج \"الصحيح\"، ويبقى الثالث موضع بحث، إلا أن المهم هنا هو أن","vol":"1","page":200},{"text":"الباحث نفسه قد استدل في بحث آخر له بهذه الأحاديث الأربعة بعينها على أن البخاري يكتفي بالمعاصرة وإمكان اللقي، كما هو مذهب مسلم، ولا يشترط ثبوت التصريح بالتحديث، بدليل أن بعض الأئمة - كالدارقطني وغيره - تعقب البخاري في إخراجه أحاديث الحسن، عن أبي بكرة، وأنه لم يسمع منه، فهذا - كما ترى - تناقض في الاستدلال، فأحاديث الحسن، عن أبي بكرة إن صح الاستدلال بها على إحدى القضيتين - امتنع الاستدلال بها على القضية الثانية، ويبقى النظر في دلالتها على المراد في القضية التي يُسْتَدَلُّ بها عليها.\nوقد رأيت كلامًا لباحث آخر يناقش فيه وصف ابن حجر في كتابه \"التقريب\" لمجموعة من الرواة بأنهم مدلسون، وهذا نص كلام الباحث: \"ومن ذلك أيضًا (يعني من الجوانب التي هل محل انتقاد في كتاب ابن حجر) وصف عدد من التابعين الذين لم يدركوا أحدًا من الصحابة أو بعضهم وأرسلوا أحاديثهم - بالتدليس، مثل سليمان بن مهران الأعمش، وحبيب بن أبي ثابت، ويحيى بن أبي كثير، والحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم، فهؤلاء وأمثالهم إذا رووا عن الصحابة لم يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع فيقبل حديثهم\".\nكذا قال الباحث، وقد قلبت كلامه هذا على النار طويلًا فلم ينضج، ولست أجزم بمراده على التحديد، لكن أقرب ما وقع في ذهني في تفسيره هو ما تقدم من أن هناك عددًا من الرواة أرسلوا عمن عاصروه ولم يسمعوا منه،","vol":"1","page":201},{"text":"فوصف الأئمة عملهم هذا بالتدليس، وحينئذٍ فلا يكونون مدلسين فيما عنعنوا فيه مما رووه عن مشايخهم الذين سمعوا منهم، فإن كان فهمي للعبارة صحيحًا فلا تحتاج إلى تعليق لنقدها، إذ المجازفة فيها ظاهرة جدًا.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثاني\nالتدليس وصورة التدليس</span>\nتحرر في المبحث السابق أن التدليس عند جمهور أئمة النقد هو تحديث الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، أو تحديثه عمن سمع منه بشيء لم يسمعه منه.\nومن الملاحظ أن جماعة من الرواة وقع منهم مثل هذا فأطلق عليهم الأئمة المتقدمون وصف التدليس، وفي المقابل جاءت صورة التدليس عن رواة آخرين ولم يوقف على وصف لهم بذلك من أحد الأئمة، والسؤال هو:<span data-type=\"title\" id=toc-72> هل يصح للمتأخر إذا وقف على راوٍ ورد عنه ارتكاب صورة التدليس وصفه بذلك، وإن لم يفعله المتقدمون</span>؟\nفإن كان الجواب بالإيجاب فلا شك أن الغرض منه هو أن يأخذ هذا الراوي حكم المدلسين، وإن كان الجواب بالنفي فهل المقصود منع إطلاق التسمية فقط، مع أخذ الراوي حكم المدلسين، أو المنع منهما جميعًا؟\nظاهر صنيع جماعة من الأئمة المتأخرين يدل على أنهم يذهبون إلى أن العبرة\nبورود صورة التدليس عن الراوي، وإن لم يوصف بذلك من أحد ممن تقدم،\nفقد أطلقوا هذا الوصف على جماعة من الرواة غير مسبوقين بذلك، فمثلًا\nوصف ابن الجوزي بشير بن زاذان بالتدليس (^١)، وكذا وصف الذهبي أبا قلابة\n_________\n(^١) \"تعريف أهل التقديس\" ص ١٣٨.","vol":"1","page":203},{"text":"الجرمي (^١)، وجبير بن نفير (^٢)، وخالد بن معدان بالتدليس (^٣)، ووصف الهيثمي بذلك شريح بن عبيد الحضرمي (^٤)، غير مسبوقين بذلك، بل إن أبا قلابة - بخصوصه قال فيه أبوحاتم: \"لا يعرف له تدليس\" (^٥).\nوعلى هذا مشى الحافظ ابن حجر حين جمع أسماء المدلسين في كتاب مستقل وهو \"تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس\"، إلا أنه توسع في ذلك فنحا منحى الجمع والاستقصاء، والتعلق بأدنى سبب، فبلغ عددهم في هذا الكتاب مائة واثنين وخمسين راويًا.\nذكر فيهم من رماه بالتدليس إمام أو أكثر من أئمة هذا الشأن المتقدمين، وهؤلاء لا إشكال فيهم، كما ذكر فيهم من وصفه بذلك أحد الأئمة المتأخرين، مثل من تقدم ذكرهم آنفًا.\nوذكر فيهم أيضًا جماعة اعتمد في ذكرهم على مجيء صورة التدليس في رواياتهم، دون أن ينقل عن أحد وصفهم بذلك، مثل أيوب السختياني، ذكره لكونه عاصر أنسًا ولم يسمع منه، ثم روى عنه بالعنعنة أحاديث، وكذلك ابنا عبدالله بن مسعود ﵁: عبدالرحمن، وأبوعبيدة، بناءً على سماعهما\n_________\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" ٢: ٤٢٦.\n(^٢) \"تذكرة الحفاظ\" ١: ٥٢.\n(^٣) \"تذكرة الحفاظ\" ١: ٩٣.\n(^٤) \"مجمع الزوائد\" ١: ٨٨.\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" ٥: ٥٨.","vol":"1","page":204},{"text":"من أبيهما شيئًا، وروايتهما عنه أحاديث أخر لم يسمعاها، مع أن في ثبوت سماعهما من أبيهما نظرًا كبيرًا.\nوأكثر من ذلك أن ابن حجر أثبت في هذا الكتاب من وجدت منه صورة التدليس ولو في حديث واحد، مثل زيد بن أسلم، وحماد بن أبي سليمان، وخالد بن مهران الحذاء، وعبدالله بن عطاء الطائفي.\nوذكر أيضًا من لم يثبت عنه التدليس كأبي داود الطيالسي، حتى أنه ذكر من هذا الضرب البخاري ومسلمًا، لكنه دافع عنهم.\nوأثبت فيهم من جَرَّب التدليس ثم رجع عنه، كيزيد بن هارون، فإنه قال: \"ما دلست قط إلا حديثًا واحدًا عن عوفٍ الأعرابي، فما بورك لي فيه\" (^١).\nوأثبت فيهم من يدلس تدليس الشيوخ فلا يسقط أحدًا.\nوما سار عليه ابن حجر في هذا الكتاب من أن الاكتفاء بوجود صورة التدليس في روايات الراوي كافٍ للحكم عليه بذلك - يوافق تعليله عدم وصف الجمهور للصحابة الذين وقع منهم ذلك بالتدليس، فإنه علل ذلك بأنه تأدب معهم (^٢).\nفكأنه يقرر أن هذا العمل تدليس، وحينئذٍ فما يوجد من الرواة بعدهم من باب أولى أنه تدليس، فما المانع من إطلاق الوصف حينئذٍ؟ .\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" ٣٢: ٢٦٨.\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٢٣.","vol":"1","page":205},{"text":"وبعد ابن حجر تبارى عدد من الباحثين في الاستدراك عليه، سائرين على منهجه، فاستدرك أحد الباحثين عليه ثمانين راويًا، لم يذكرهم في \"تعريف أهل التقديس\"، ومن الطريف في الأمر أنهم استدركوا الحافظ ابن حجر نفسه، فإنه قد وصف بتدليس الشيوخ.\nوحجة هؤلاء الأئمة ومن تابعهم ظاهرة، خلاصتها أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فمتى وجدت صورة التدليس فهو تدليس، وكونه لم يرد عن أحد من المتقدمين لا تأثير له، مع احتمال أن يكونوا قد وصفوا بذلك ولم يبلغنا كلامهم.\nولا شك أن هذا التوسع في الوصف بالتدليس من هؤلاء الأئمة، لاسيما من الحافظ ابن حجر في كتابه هذا الذي أصبح مرجعًا معتمدًا لدى كثير من المتكلمين في التصحيح والتضعيف، وما صاحب ذلك من تشديد في قبول رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث، كما سيأتي شرحه في المبحث التالي - قد ولَّد ردة فعل قوية لدى باحثين آخرين، فصاروا يعيدون النظر في عمل من قبلهم، ويبرز في هذا الصدد رأيهم في هذه المسألة، إذ توارد عدد من الباحثين على القول بأن من لم يوصف بالتدليس من أحد من الأئمة - وإن وجد ذلك في رواياته - لا ينبغي أن يوصف بالتدليس، وعليه فلا يأخذ حكم المدلسين، قال أحد الباحثين بعد كلام له: \"وعلى هذا فلا يرمى الراوي بالتدليس بمجرد الوقوف على ما يظن أنه دلَّسه ...، والمعتمد في ذلك على كلام أئمة الجرح والتعديل، وأهل الشأن، هل وصموا هذا الراوي بالتدليس أم لا؟ كما هو الحال في التعديل والتجريح، والله أعلم\".","vol":"1","page":206},{"text":"وقال باحث آخر: \"من لم يصفه أحد أئمة الجرح والتعديل بالتدليس فلا ينبغي أن يوصف بذلك، فإن بعض الرواة يقع فيما يروونه ما يتطابق مع تعريف التدليس، ولم نجد من الأئمة من وصفهم ...، فلا يجوز لأحد أن يصف راويًا بالتدليس، إلا من وصفه الأئمة من أهل الحديث بالتدليس\".\nومن العجيب أن ابن حجر - وهو الذي توسع جدًا في حصر المدلسين كما تقدم آنفًا - هو السابق إلى هذه الفكرة، أعني قصر الوصف بالتدليس على من وصفه به الأئمة، فقد تصدى لجمعهم في كتاب آخر له وهو \"النكت على كتاب ابن الصلاح\"، فبلغ عددهم مائة واثني عشر روايًا، وقال بعد أن سردهم: \"وكل من ذكر هنا فهو بحسب ما رأيت التصريح بوصفه بالتدليس من أئمة هذا الشأن، على التفصيل ... \" (^١).\nولكن لا يظهر لي أن غرضه من هذا ما ذهب إليه هؤلاء الباحثون، بدليل أنه قد نوَّهَ هنا بكتابه الأول \"تعريف أهل التقديس\".\nومع أن ابن حجر قد أسقط من جمعه الأخير عددًا من الرواة الذين ليسوا على شرطه وقد ذكرهم في الكتاب الأول، إلا أنه أبقى منهم أفرادًا لا ينطبق عليهم شرطه، حسب ما ذكره في تراجمهم في الكتاب الأول، مثل أيوب السختياني، لم ينقل عن أحد وصفه بالتدليس، وإنما اعتمد في ذكره على روايته عن أنس وهو قد عاصره ولم يسمع منه، ومثل أبي قلابة الجرمي، إنما وصفه\n_________\n(^١) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٣٦ - ٦٥١.","vol":"1","page":207},{"text":"الذهبي بالتدليس، ولم يذكر ابن حجر أن أحدًا من أئمة الجرح والتعديل وصفه بذلك، بل قال أبوحاتم - كما تقدم آنفًا ـ: \"لا يعرف له تدليس\"، وكذلك سالم ابن أبي الجعد، وعكرمة بن خالد، اعتمد ابن حجر في كتابه الأول على وصف الذهبي لهما بالتدليس.\nفيحتمل أن يكون ابن حجر قد وقف بعد تأليفه للكتاب الأول على وصفهم بالتدليس من إمام من أئمة هذا الشأن، فأعادهم في الكتاب الثاني، فسالم بن أبي الجعد قد وصفه يعقوب الفسوي بالتدليس (^١)، ويحتمل أنه أبقاهم سهوًا.\nفإن قيل: لعله قصد بأئمة هذا الشأن من تأخر أيضًا، فالجواب: أنه قد أسقط رواة آخرين وصفهم المتأخرون بالتدليس، كجبير بن نفير، وخالد بن معدان، وسعيد بن عبدالعزيز، ثم إن هذا التفسير لا ينفع في مثل أيوب السختياني، فإن ابن حجر لم يذكر أن أحدًا وصفه بذلك، لا من المتقدمين ولا من المتأخرين.\nوصنيعه هنا يشبه عمله في كتابه \"التقريب\"، فإن كثيرًا ممن ذكرهم في \"تعريف أهل التقديس\" لم يصفه بالتدليس في \"التقريب\"، وربما وصف بعض الرواة فيه بالتدليس وهو قد أسقطهم من جمعه في \"النكت\"، مثل أيوب بن النجار، ليس هو على شرطه في \"النكت\"، فلذلك حذفه، لكنه وصفه في\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" ٣: ٢٣٦.","vol":"1","page":208},{"text":"\"التقريب\" بقوله: \"ثقة مدلس\" (^١)، ووصف في \"التقريب\" أناسًا بالتدليس لم يذكرهم في الكتابين، ولم يوصفوا بالتدليس من أحد من الأئمة، مثل عطاء بن أبي مسلم الخراساني (^٢)، وعثمان بن عاصم أبي حصين (^٣).\nوفي المقابل فإن ابن حجر قد نظر في بعض مؤلفات من سبقه في المدلسين، فجمع من ذكروه فيها، وزاد عليهم من كلام غيرهم ما وقف عليه، لكنه مع ذلك فاته رواة آخرون رماهم الأئمة بالتدليس، استدرك عليه بعض الباحثين رواة على شرطه، وقد فاتهم أيضًا رواة آخرون، ومن هؤلاء سعيد بن جبير، قال المروذي: \"وذكر له التدليس - يعني لأحمد بن حنبل ﵀ -، فقال: قد دلس قوم - وذكر الأعمش -، وذكر له مجاهد، وسعيد بن جبير أنه يروى عنهما، فقال: نعم \" (^٤).\nوجعفر بن حيان أبوالأشهب، قال أبوداود: \"سمعت أحمد قال: أبوالأشهب كانوا يرون أنه يدلس عن الحسن ...، زعموا كان يأخذ عن أصحاب الحسن، يعني عن الحسن\" (^٥).\n_________\n(^١) \"التقريب\" ص ١١٩.\n(^٢) \"التقريب\" ص ٣٨٤.\n(^٣) \"التقريب\" ص ٣٩٢.\n(^٤) \"علل المروذي\" ص ٣٨.\n(^٥) \"سؤالات أبي داود\" ص ٣٢٨، وانظر أيضًا: \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٦٦ فقرة (٣٩٤، ٣٩٦)، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٣٣، لكن يتنبه لما وقع في النسخة من سقط واضطراب، فقد تداخل فيها كلام لأحمد في أبي الأشهب مع كلام له في محمد بن إسحاق.","vol":"1","page":209},{"text":"وداود بن الزبرقان، قال فيه أحمد: \"إنما كتبت عنه حديثًا، وما أراه يكذب، ولكن كان يدلس\" (^١).\nوعبد السلام بن حرب الملائي، قال ابن محرز: \"سمعت ابن نمير يقول: قال أبو نعيم: أحاديث عبد السلام - يعني الملائي - عن سالم إنما هي أحاديث شريك كلها، قال ابن نمير: كان عبد السلام يدلس\" (^٢).\nوقال أحمد: \" كنا ننكر من عبد السلام بن حرب شيئًا، كان لا يقول: حدثنا إلا في حديث واحد أو حديثين، سمعته يقول فيه: حدثنا \" (^٣).\nوجرير بن عبدالحميد، علق له الترمذي حديثًا يرويه عن هشام بن عروة، ثم قال: \"وحديث جرير يقال: تدليس، دَلَّس فيه جرير، لم يسمعه من هشام ابن عروة\" (^٤).\nوحماد بن سلمة، قال ابن حبان في معرض مناقشته لمن ترك الاحتجاج بحماد: \"فإن قال: كان حماد يدلس، يقال له: فإن قتادة، وأباإسحاق السبيعي، وعبدالملك بن عمير، وابن جريج، والأعمش، والثوري، وهشيمًا - كانوا يدلسون، واحتججت بروايتهم\" (^٥).\n_________\n(^١) \"مسائل إسحاق\" ٢: ٢٣٠.\n(^٢) معرفة الرجال ٢: ٢٢٣.\n(^٣) \" العلل ومعرفة الرجال \" ٣: ٤٨٥.\n(^٤) \"العلل الكبير\" ١: ٥١٥.\n(^٥) \"صحيح ابن حبان\" ١: ١٥٤.","vol":"1","page":210},{"text":"والحجة لهذا القول - أعني الوقوف عند من رماهم أئمة هذا الشأن بالتدليس - ترجع في جملتها إلى ما تكرر ذكره مرارًا، وهو أننا متبعون لأئمة هذا الفن في كل شيء، فكما نتبعهم في جرح الراوي وتعديله - نتبعهم في أحكامهم الأخرى على الراوي، بل إن التدليس نوع جرح في الراوي، وقد تقدم شيء من أقوالهم في ذم التدليس والمدلسين في المبحث الأول.\nوهم مع ذمهم للتدليس والمدلسين لم يستحبوا في بادئ الأمر التنويه بمن وصف بالتدليس صراحة، لوقوعه من أئمة كبار، وممن دارت عليهم الرواية، كما قال الحاكم: \"ولم أستحسن ذكر أسامي من دلَّس من أئمة المسلمين صيانة للحديث ورواته\" (^١).\nوكره أحمد وجماعة من الأئمة صنيع حسين الكرابيسي حين وضع كتابًا ذكر فيه أسامي المدلسين، وذمُّوه لما فيه من الطعن عليهم وغمزهم (^٢)، وألف الطحاوي كتابًا في نقض كتاب الكرابيسي (^٣).\nعلى أن بعض أئمة الحديث قد صنف في المدلسين، مع الذب عنهم، وكان غرضهم من ذلك صحيحًا، إذ قصدوا حفظ السنة وصيانتها، فعلى سبيل المثال\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١١١.\n(^٢) انظر: \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٩٢ - ٨٩٣.\n(^٣) \"الفهرست\" لابن النديم ص ٢٦٠.","vol":"1","page":211},{"text":"ألف فيهم ابن المديني كتابًا (^١)، وكذا الدارقطني (^٢)، ثم الخطيب البغدادي (^٣)، وسمى النسائي عددًا منهم في جزء صغير (^٤).\nوفي أحايين كثيرة يكون الرمي بالتدليس من قبل الأئمة قصد به المنافحة عن الراوي، وذلك بتبرئته من أحاديث منكرة يرويها، فيدفعون عنه تعمد الكذب أو الغلط، كما تقدم آنفًا من كلام أحمد في داود بن الزبرقان.\nومثله وصفه لعبدالله بن واقد أبي قتادة الحراني، قال عبدالله بن أحمد: \"قلت لأبي: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أنه كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًا، وقال: كان أبوقتادة يتحرى الصدق، وأثنى عليه، وقال: قد رأيته، يشبه أصحاب الحديث، وأظنه كان يدلس، ولعله كبر فاختلط\" (^٥).\nوقال ابن المديني: \" لم أجد لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: \" إذا نعس أحدكم يوم الجمعة\"، والزهري، عن عروة، عن زيد بن خالد: \"إذا مس أحدكم فرجه\"، هذان لم يروهما عن أحد،\n_________\n(^١) \"الفهرست\" لابن النديم ص ٢٨٦، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ٧١، و\"تاريخ بغداد\"\n١٠: ٩.\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٥٠.\n(^٣) \"الكفاية\" ص ٣٦١، وفيه: \"وأخبار المدلسين تتسع، وقد ذكرت أسماءهم، وسقت كثيرًا من رواياتهم المدلسة في كتاب \"التبيين لأسماء المدلسين\"، وانظر أيضًا: ص ٣٥٧.\n(^٤) \"سؤالات السلمي للدارقطني\" ص ٣٦٧ - ٣٧٠، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٧٤.\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" ٥: ١٩١، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٥٤ فهو فيه مطول.","vol":"1","page":212},{"text":"والباقون يقول: ذكر فلان، ولكن هذا فيه: حدثنا\" (^١).\nومراد ابن المديني أن المناكير التي في حديث ابن إسحاق سببها أنه يروي عن ضعفاء، ومجاهيل، ثم يسقطهم تدليسًا، فإذا صرح بالتحديث فالمناكير في حديثه قليلة.\nوقال الجوزجاني في روح بن جناح: \"ذكر عن الزهري حديثًا معضلًا فيه ذكر البيت المعمور، فإن كان قال: سمعت الزهري - أرجئ ونظر في أمره\" (^٢).\nوقال عثمان بن أبي شيبة في حميد بن الربيع وقد رمي بالكذب: \"أنا أعلم الناس بحميد بن الربيع، هو ثقة، لكنه شره يدلس\" (^٣).\nومثله صنيع عدد من الأئمة مع يحيى بن أبي حية، حيث وصفوه بالصدق وعزوا ما في روايته من المناكير إلى تدليسه (^٤).\nوقال ابن حبان في عيسى بن موسى المعروف بغنجار: \"اعتبرت حديثه بحديث الثقات، وروايته عن الأثبات مع رواية الثقات - فلم أر فيما يروي عن\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٢٧، و\"تهذيب الكمال\" ٢٤: ٤٢٠.\n(^٢) \"أحوال الرجال\" ص ٢٧١، وانظر: \"الضعفاء الكبير\" ٢: ٥٩، و\"الكامل\" ٣: ١٠٠٤.\n(^٣) \"ميزان الاعتدال\" ١: ٦١١.\n(^٤) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٤٢، و\"الجرح والتعديل\" ٩: ١٣٨، و\"الضعفاء الكبير\" ٤: ٣٩٨، و\"المجروحين\" ٣: ١١١، و\"ثقات ابن حبان\" ٧: ٥٩٧، و\"الكامل\" ٧: ٢٦٦٩، و\"تهذيب التهذيب\" ١١: ٢٠٢.","vol":"1","page":213},{"text":"المتقنين شيئًا يوجب تركه إذا بين السماع في خبره، لأنه كان يدلس عن الثقات ما سمع من الضعفاء عنهم ... \" (^١).\nوسلك ابن حبان هذه الطريقة في عدد من الرواة (^٢).\nويستفاد من كل هذا أن وصف الراوي بالتدليس ليس بالأمر الهيِّن، سواء بالنسبة لشخصه، أو لما يترتب على ذلك من إعطائه حكم المدلسين.\nويتأكد هذا إذا عرفنا الأسباب التي من أجلها يصف الأئمة صنيع راوٍ بأنه تدليس، ثم توجد صورة هذا الصنيع عند راوٍ آخر ولا يطلقون عليه ذلك، فإن معرفتها تفيد في الوقوف عند كلام الأئمة في وصف الرواة بالتدليس، وعدم تجاوز ذلك.\nوأول من رأيته تعرض لذكر هذه الأسباب هو ابن رشيد، فإنه قال: \"فإن قيل: قد وجد الإرسال من الصحابة ﵃، وممن بعدهم، ممن يعلم أو يظن أنه لا يدلس عمن لقيه وسمع منه، قلنا: أما حال الصحابة ﵃ في ذلك، الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس - فتحتمل وجوهًا:\nمنها: أن يكونوا فعلوا ذلك اعتمادًا على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أمن ... .\n_________\n(^١) \"الثقات\" ٨: ٤٩٢.\n(^٢) انظر مثلًا: \"الثقات\" ٨: ٣٠٩، و\"المجروحين\" ١: ٢٠٠، ٢: ١٢، ٩٧، ١١٧، ٣: ٩٣.","vol":"1","page":214},{"text":"ومنها: أن يكونوا أتوا بلفظ: قال، أو عن - ولفظ: قال أظهر ـ، إذ هو مَهْيَع الكلام قبل أن يغلب العرف في استعمالهما للاتصال.\nومنها: أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة مفهمة للإرسال، مع تحقق سلامة أغراضهم، وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين وأغراضهم.\nومنها: أن يكونوا أتوا بلفظ مفهم لذلك، فاختصره من بعدهم لثقة جميعهم ... .\nوأما من سوى الصحابة فإنما فعل ذلك من فعله بقرينة مفهمة للإرسال في ظنه، وإلا عُدَّ مُدَلِّسًا ...، وبالجملة فلولا ما فهم قصد الإيهام بالإفهام من جماعة من الأعلام ما جاز أن ينسبوا إلى ذلك، ولَعُدُّوا مرسلين، كما عُدَّ من تحقق منه أنه لا يدلس إذا أرسل\" (^١).\nوقيد الإيهام في صنيع الراوي حتى يعدّ مدلسًا ورد في كلام أئمة آخرين قبل ابن رشيد، مثل الخطيب البغدادي (^٢)، لكن هل قصد الإيهام يفهم من مجرد صيغة الرواية، وذلك بأن تكون محتملة للسماع وعدمه، أو هو أمر زائد عليها؟\nظاهر صنيع كثير من الأئمة المتأخرين وغيرهم من الباحثين ممن جمع أسماء المدلسين أن الإيهام يقع بمجرد صيغة الرواية، ولهذا ذكروا في المدلسين - كما تقدم قريبًا - من وجدت منه صورة التدليس، وإن لم ينص إمام من أهل هذا\n_________\n(^١) \"السنن الأبين\" ص ٦٣ - ٦٥.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٥٧، ٣٦١.","vol":"1","page":215},{"text":"الشأن على وصفه بذلك.\nوكلام ابن رشيد ظاهر في أن الإيهام أمر زائد على مجرد الصيغة، ويمكن أن يستدل له بقول أبي داود: \" كان ابن سيرين يرسل وجلساؤه يعلمون أنه لم يسمع، سمع من ابن عمر حديثين، وأرسل عنه نحوًا من ثلاثين حديثًا\" (^١).\nوبقول شعبة في التحذير من التدليس: \"لأن أقع من فوق هذا القصر - لدار حياله- على رأسي، أحب إلي من أن أقول لكم: قال فلان - لرجل ترون أنه قد سمعت ذاك منه - ولم أسمعه\" (^٢).\nوذكر الشيخ عبدالرحمن المعلمي أن هذا هو مقتضى كلام الإمام مسلم، والخطيب البغدادي، قال المعلمي: \"وصنيع مسلم يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام، ويوافقه ما في \"الكفاية\" للخطيب، وذكر مسلم أمثلة فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن سمعوا منه ولم تعد تدليسًا، ولا عدوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الرواية تدفع ظهور الصيغة في السماع ... \" (^٣).\nوإذا كان هذا هو المراد بالإيهام فلا شك أن إدراك المتأخر لغرض الراوي\n_________\n(^١) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ٥٥.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٧٤.\n(^٣) التنكيل ١: ٧٨.","vol":"1","page":216},{"text":"وهل قصد الإيهام أو لا شبه متعذر في أغلب الأحيان، وعليه فينبغي حينئذٍ الوقوف عند أحكام أئمة النقد الأولين.\nثم إن ابن رشيد قد ذكر من وجوه الاحتمالات في عدم تسمية ما وقع من الصحابة تدليسًا - أنهم قد يكونون أتوا بلفظ مفهم لذلك - يعني للإرسال - فاختصره من بعدهم، وهذا المعنى ينطبق تمامًا على من بعد الصحابة، وفي نظري أنه أهم سبب مانع من تسمية كل ما جاء على صورة التدليس تدليسًا، فقد تكون صيغة الرواية في الأصل صريحة في عدم الاتصال، كأخبرت عن فلان، أو بلغني عن فلان، ثم يتم تغييرها فيما بعد إلى صيغة (عن)، كما يتم ذلك في الصيغ الصريحة في الاتصال، وقد تقدم شرح هذا وبيانه في المبحث الأول من الفصل الأول، وذكرت هناك مثالًا على ذلك وهو قول أحمد إن كل روايات محمد بن سيرين عن ابن عباس فيها: نبئت عنه، لكن الموجود في الكتب أنه يروي عنه بالعنعنة في الغالب، وهو قد عاصره وأمكن سماعه منه، لكن لم يسمع منه، فلا يصح وصفه بالتدليس بمجرد هذا، وإن كانت صورته صورة التدليس، إذ قد تبين أن الرواية بصيغة (عن) من تصرف الرواة بعد ابن سيرين.\nومن الأمثلة أيضًا ما رواه معاذ بن هشام، ووكيع، ويزيد بن هارون، وإسحاق الأزرق، وغيرهم عن هشام بن أبي عبدالله الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس قال: \" كان النبي ﷺ إذا أفطر عند أهل","vol":"1","page":217},{"text":"بيت قال: أفطر عندكم الصائمون ... \" الحديث (^١)، ويحيى بن أبي كثير رأى أنسًا ولم يسمع منه، كما قاله جماعة من الأئمة (^٢)، وقد روى هذا الحديث عبدالله بن المبارك، عن هشام بن أبي عبدالله، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثت عن أنس (^٣)، ورواه خالد بن الحارث - في رواية عنه - عن هشام، عن يحيى قال: بلغني عن أنس (^٤)، وفي رواية أخرى عن خالد، عن هشام، عن يحيى، أن أنسًا حدث .... (^٥)\nفاتضح من كل هذا أن أصل رواية يحيى لهذا الحديث مرسلة، وأن روايته بالعنعنة من تصرف من بعده تجوّزًا، وربما أطلق عليه بعض الأئمة أنه وهم، كما قال أبوزرعة: (يحيى بن أبي كثير بلغه عن أنس، وحديثه عنه مرسل أصح، وهو وهم، يعني المرفوع، يعني في حديثه عن أنس: \" أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار \") (^٦).\nوحديث منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة قال: \" أتت النبي - ﷺ - امرأة معها صَبِيّان لها، قد حملت أحدهما، وهي تقود الآخر ... \" الحديث،\n_________\n(^١) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٩٠١، ١٠١٢٨)، و\"مسند أحمد\" ٣: ١١٨، ٢٠١.\n(^٢) \"المراسيل\" ص ٢٤٠ - ٢٤٤.\n(^٣) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٩٠٢، ١٠١٣٠)، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١١٧.\n(^٤) \"المراسيل\" ص ٢٤٣.\n(^٥) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (١٠١٢٩).\n(^٦) \"المراسيل\" ص ٢٤٣، وانظر: \"سنن البيهقي\" ٤: ٢٣٩.","vol":"1","page":218},{"text":"رواه هكذا عن منصور جماعة منهم أبوالأحوص سلام بن سليم، وشريك، وزياد البكائي، وسفيان الثوري فيما رواه عنه مؤمل بن إسماعيل (^١)، ورواه شعبة عن منصور، عن سالم قال: ذكر لي عن أبي أمامة: \" أن امرأة أتت النبي ﷺ ... \" الحديث (^٢).\nوقد توجد صورة التدليس من الراوي لكن يبدو احتمال آخر أنه لم يقصده، ومثاله أن عفان بن مسلم روى عن أبي عوانة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي هريرة حديثًا، ثم قال عفان: \"وكان أبو عوانة حدثنا بأحاديث عن أبي إسحاق، ثم بلغني بعد أنه قال: سمعتها من إسرائيل، وأحسب هذا الحديث منها\" (^٣).\nوأبو عوانة لم يوصف بالتدليس، وصورة فعله هذا أنه تدليس، لكن يحتمل أن يكون وقع ذلك منه خطأ، فظن أن هذه الأحاديث مما سمعه من أبي إسحاق مباشرة، وقد وصفوه بأنه يخطئ إذا حدث من حفظه (^٤).\nويلتحق بهذا ما إذا كان إسقاط شيخ الراوي ليس منه، وإنما وقع ممن بعده،\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه \" حديث ٢٠١٣، و\"مسند أحمد\" ٥: ٢٥٧، ٢٦٩، و\"مسند الطيالسي\" حديث ١١٢٦.\n(^٢) \"مسند أحمد\" ٥: ٢٥٢، و\"المستدرك\" ٤: ١٧٣.\n(^٣) \" مسند أحمد \" ٢: ٣٨٣.\n(^٤) \" تهذيب التهذيب \" ١١: ١١٧ - ١٢٠.","vol":"1","page":219},{"text":"إما جزمًا أو احتمالًا، فلا عهدة عليه بيقين، مثال ذلك قصة محمد بن القاسم ابن سميع الآتية، فقد سقط من الإسناد رجل واهٍ، بينه وبين ابن أبي ذئب، ثم تبين أن الإسقاط ممن بعده.\nوكذلك حديث جعفر بن مسافر، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر مرفوعًا: \" إذا دخلت على مريض فمره أن يدعو لك ... \" الحديث (^١)، فقد سقط من إسناده بين كثير بن هشام، وجعفر ابن برقان رجل ضعيف جدًا، وهو عيسى بن إبراهيم الهاشمي.\nقال ابن حجر بعد أن ذكر ذلك: \"فكأن جعفر (يعني ابن مسافر) يدلس تدليس التسوية، إلا أني وجدت في نسختي من ابن ماجه تصريح كثير بتحديث جعفر له، فلعل كثيرًا عنعنه، فرواه جعفر عنه بالتصريح، لاعتقاده أن الصيغتين سواء من غير المدلس، لكن ما وقفت على كلام أحد وصفه (يعني كثير بن هشام) بالتدليس، فإن كان الأمر كما ظننت أولًا، وإلا فيسلم جعفر من التسوية، ويثبت التدليس في كثير، والله أعلم\" (^٢).\nوهناك احتمالات أخرى في هذا المثال، مثل أن يكون السقط وقع خطأ من أحدهما لا على سبيل التدليس، وقد يكون قد وقع الإسقاط كذلك من ابن ماجه، أو من الناسخ.\n_________\n(^١) \" سنن ابن ماجه \" حديث (١٤٤١).\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ٢: ١٠٧.","vol":"1","page":220},{"text":"هذا ما وقفت عليه مما يمكن الاحتجاج به لقول من يقول بوجوب الوقوف عند من وصفهم الأئمة بالتدليس، وعدم رمي من عداهم بذلك، وإن جاءتنا عنه رواية فيها صورة التدليس.\nولا شك أنه قول قوي جدًا، به يتبين مدى خطورة المبالغة في جمع أسماء المدلسين التي سلكها بعض من ألف في هذا الموضوع، حتى وصل عددهم عند بعض الباحثين إلى ما يزيد على مائتين وثلاثين راويًا، كما تقدم آنفًا، وكثير منهم لم يصفه أحد من الأئمة بالتدليس، وإنما أُخذ ذلك من روايات جاءت عنهم فيها صورة ذلك، حتى أن بعض الباحثين ذكر أئمة أعلامًا مشهورين، لو عرفوا بالتدليس لاشتهر ذلك، ولنوه به الأئمة، فذكر مثل سعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي.\nمع ذلك فلابد من تأكيد أمر مهم هنا، وهو أنه لا ينبغي حين البحث عن وصف الأئمة لراوٍ بالتدليس الجمود على هذه الكلمة وما اشتق منها، فإذا كان في كلام الأئمة ما يفيد ارتكابه للتدليس كفى لوصفه به، فهنا يقال: ليست العبرة بالألفاظ، وإنما العبرة بالمعاني.\nمثال ذلك قول أحمد في مغيرة بن مقسم: \"كان صاحب سنة، ذكيًا حافظًا، وعامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة، وغيره، وجعل يضعف حديث مغيرة عن إبراهيم وحده\" (^١).\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٠٧، و\"الجرح والتعديل\" ٧: ٢٢٩.","vol":"1","page":221},{"text":"وقال العجلي: \"كان يرسل الحديث عن إبراهيم، فإذا وقف أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم\" (^١).\nفهذا هو التدليس وإن لم يصرحا به، فهو وقول من وصفه بالتدليس شيء واحد، فقد قال فضيل بن غزوان فيه: \"كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم\" (^٢)، وكذا وصفه النسائي، وابن حبان بالتدليس (^٣).\nومثله عبدالوهاب بن عطاء الخفاف قال فيه أبوزرعة: \"روى عن ثور حديثين ليسا من حديث ثور، وذُكر ليحيى بن معين هذان الحديثان فقال: لم يذكر فيهما الخبر\" (^٤).\nفهذا وصف بالتدليس، وهو مرادف لقول صالح جزرة بعد أن ذكر أحد الحديثين: \"عبدالوهاب لم يقل فيه: حدثنا، ولعله دلس فيه، وهو ثقة\" (^٥)، وقول البخاري: \"كان يدلس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير\" (^٦).\n_________\n(^١) \"الثقات\" ٢: ٢٩٤.\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" ٢٨: ٣٩٩.\n(^٣) \"سؤالات السلمي للدارقطني\" ص ٣٧٠، و\"ثقات ابن حبان\" ٧: ٤٦٤، وانظر: \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ١٧٥.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٦: ٧٢، و\"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٤٩٦ - ٤٩٨، وفي النسخة تحريف.\n(^٥) \"تاريخ بغداد\" ١١: ٢٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٦: ٤٥٢.\n(^٦) \"تهذيب التهذيب\" ٦: ٤٥٣.","vol":"1","page":222},{"text":"وقد اعتبر ابن حجر قول أحمد في عطاء بن أبي رباح: \"رواية عطاء عن عائشة لا يحتج بها إلا أن يقول: سمعت\"، وصفًا لعطاء بالتدليس (^١)، وهو استدلال صحيح، ومع هذا فلم يدخله ابن حجر في أي من كتبه.\nوقد أكثر ابن حبان في تراجم الرواة من عبارة: \"يعتبر حديثه إذا بين السماع في خبره\"، أو نحوها (^٢)، وهي مفيدة للوصف بالتدليس بلا إشكال، ولهذا فإنه ربما زاد عليها: \"فإنه كان مدلسًا\" (^٣).\nوقال في حق محمد بن صدقة الفدكي: \"يعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته، فإنه كان يسمع من قوم ضعفاء عن مالك، ثم يدلس عنهم\" (^٤).\nفالمهم هنا هو أن تأكيد الوقوف عند كلام الأئمة في وصف الراوي بالتدليس يضم إليه تأكيد عدم التنطع في قبول كلامهم أو في تفسيره، وعدم الجمود عند كلمة (التدليس)، واشتراط ورودها في كلام الأئمة.\nوقد رأيت من بعض المشايخ والباحثين بوادر ذلك، فذكر أحد المشايخ حديثًا رواه زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: \"عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلي البصر، وينبت الشعر\" (^٥)،\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ٧: ٢٠٣.\n(^٢) انظر مثلًا: \"الثقات\" ٨: ٣٤٥، ٣٩٤، ٤٢١، ٤٣٧، ٤٥٣، ٩: ٦١.\n(^٣) \"الثقات\" ٩: ٤٩.\n(^٤) \"الثقات\" ٩: ٦٧، وانظر أيضًا: ٧: ٥٠٤، ٨: ٤٩٢.\n(^٥) \"الكامل\" ٣: ١٠٥٢، أخرجه عن ابن مكرم، عن عمرو بن علي الفلاس، عن زياد بن الربيع به.","vol":"1","page":223},{"text":"ثم قال بعد أن صححه: \"وقد أعل بما لا يقدح، فقد ذكره ابن أبي حاتم في \"العلل\" ٢: ٢٦٠ من هذه الطريق، وأنه سأل عنه أباه، فأجابه بقوله: حديث منكر، لم يروه عن محمد إلا الضعفاء: إسماعيل بن مسلم ونحوه، ولعل هشام ابن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، فإنه كان يدلس\"، ثم قال الشيخ: \"لم أر من رماه بالتدليس مطلقًا، وإنما تكلموا في روايته عن الحسن وعطاء خاصة، لأنه كان يرسل عنهما كما قال أبوداود ...، وهذا الحديث من روايته عن محمد بن المنكدر، فلا مجال لإعلاله\".\nكذا قال الشيخ، وعلى كلامه مناقشات من وجوه عدة، لكن الشاهد هنا رفضه لوصف أبي حاتم له بالتدليس، فإذا رفض كلام مثل هذا الإمام فمن الذي يقبل كلامه؟، ثم إن هشامًا قد سمع من الحسن، وعطاء، فإرساله عنهما هو من التدليس المتفق على تسميته تدليسًا، وإن لم يصرحوا بذلك (^١).\n_________\n(^١) والشاهد هنا هو نص أبي حاتم على أن هشام بن حسان كان يدلس، وأما تدليس هشام لهذا الحديث بعينه ففيه ما فيه، فقد أخرجه الطبراني في \" الأوسط\" حديث (٦٠٥٦)، عن محمد بن يونس العصفري، عن عمرو بن علي الفلاس، عن زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن المنكدر به، هكذا بذكر إسماعيل بن مسلم، وهذا يؤيد ما ذكره أبو حاتم أن هشام بن حسان أخذه من إسماعيل بن مسلم، لكن يدل على أن الإسقاط ليس منه، وإنما هو ممن بعده.\nوقد رواه عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن المنكدر غير هشام بن حسان، انظر: \"سنن ابن ماجه\" حديث (٣٤٩٦)، و\"مسند عبد بن حميد\" حديث (١٠٨٥).","vol":"1","page":224},{"text":"وذكر أحد الباحثين وصف النسائي ليونس بن عبيد بالتدليس (^١)، ثم قال: \"لا نعلم أن أحدًا قبله وصفه بهذا\"، كذا قال الباحث، ووصف النسائي له بالتدليس كافٍ في اعتماد ذلك، على أن في كلام من تقدم النسائي بل من الرواة عن يونس وصفه بذلك وإن لم يصرحوا به، كما سيأتي في آخر المبحث الرابع، بل قد قال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر عن شعبة أن يونس بن عبيد يروي أشياء عن الحسن لم يسمعها منه، وإنما أخذها عن أشعث بن عبدالملك: \"يعني أن يونس أخذها من أشعث، عن الحسن، ودلسها عن الحسن، ولم يذكر فيه الخبر\" (^٢).\nومما يوصى به الباحث هنا أن يكون شديد التنقيب والبحث عن كلام النقاد، وألا يكتفي بما جمعه غيره، فلهم كلام كثير لا يزال مفرقًا، مثال ذلك أن ابن حجر قال في ترجمة عمرو بن دينار: \"أشار الحاكم في \"علوم الحديث\" إلى أنه كان يدلس\" (^٣).\nوقد أشار إلى تدليس عمرو بن دينار جمع من النقاد المتقدمين، قال عبد الله ابن أحمد: \"سئل - يعني أباه - عما روى عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن الزبير، في القراءات: سماع؟ قال: قال ابن عيينة: كان عمرو لا يقول فيها:\n_________\n(^١) \"سؤالات السلمي للدراقطني\" ص ٣٦٧، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٧٤.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٥.\n(^٣). \"تعريف أهل التقديس\" ص ٤٢، وانظر: \"معرفة علوم الحديث\" للحاكم ص ١١١.","vol":"1","page":225},{"text":"سمعت ابن عباس\" (^١).\nوقال المروذي: \"سألته - يعني أحمد - عن عمرو بن دينار في ابن عباس، وابن عمر، فقال: من الثقات، يحكى عن شعبة أنه قال: ما رأيت أثبت من عمرو ابن دينار، قلت: له أشياء يرسلها، قال: إذا قال: سمعت أو حدثنا، وقد كان يحدث بأشياء عن رجل، عن ابن عباس\" (^٢)، وعد أحمد ما سمع عمرو من ابن عباس (^٣).\nوكما يوصى الباحث بالعناية بكلام الأئمة في الرواة يوصى أيضًا بالتثبت فيما ينقل عنهم من وصف راو بالتدليس، فقد يكون الخطأ في فهم كلام الناقد، ومما مرَّ بي في هذا الصدد، أن أحد الباحثين في كتاب له في الجرح والتعديل نقل قول ابن عدي في ثابت البناني: \"له حديث كثير، وهو من ثقات المسلمين، وما وقع في حديثه من النكرة فليس ذلك منه، إنما هو من الراوي عنه، لأنه قد روى عنه جماعة ضعفاء ومجهولون، وإنما هو في نفسه إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه فهو مستقيم الحديث، ثقة\" (^٤).\nعلق عليه الباحث بقوله: \"هل هذا اللفظ إذا قيل في أحد الرواة يدل على\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٨٥، وانظر: \"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٨.\n(^٢). \"علل المروذي\" ص ٢٣٠.\n(^٣). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١٨٦.\n(^٤). \"الكامل\" ٢: ٥٢٧.","vol":"1","page":226},{"text":"أن الراوي يدلس؟ ليس ذلك ببعيد، لقوله: \"إذا روى عمن هو فوقه من مشايخه ... \"، فإن هذا يدل على أنه يسقط شيخه القريب، ويعنعن عن شيخ بعيد، وإن كان من جملة شيوخه، لكنه ليس بشيخه في هذا الحديث، فمن هنا تكثر المناكير في روايته، أو تقع في روايته، ولو أنه بين شيخه وسماه لكان مستقيم الحديث\".\nكذا قال هذا الباحث، ولا أظنني بحاجة إلى الإطالة في رد كلامه، فليس في كلام ابن عدي رمي بالتدليس، والعبارة - رغم ما فيها من اضطراب، وهو معروف عن ابن عدي - لا تفيد ذلك، فمراده بيان أن ثابتًا إذا صحت الرواية عنه عن مشايخه فهو مستقيم الحديث ثقة، والخلل يأتي من الرواة الضعفاء الذين يروون عنه.\nونقل أحد الباحثين عن ابن حجر قوله في إسماعيل بن عياش الحمصي: \"أشار ابن معين، ثم ابن حبان في \"الثقات\" إلى أنه كان يدلس\" (^١).\nوأراد الباحث تفسير إشارة ابن معين، وابن حبان، فنقل عن الأول ما رواه عنه محمد بن عثمان بن أبي شيبة: \"ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم\" (^٢).\nونقل عن ابن حبان ما ملخصه أن إسماعيل تغير حفظه لما كبر، فما سمع في\n_________\n(^١). \"تعريف أهل التقديس\" ص ٨٢.\n(^٢). \"تاريخ بغداد\" ٦: ٢٢٦.","vol":"1","page":227},{"text":"صباه حفظه، وما سمعه في كبره عن الغرباء خلط فيه (^١).\nثم قال الباحث معلقًا على كلامهما: \"ومراد الحافظ بإشارة ابن معين - والله أعلم - أنه يروي عن غير أهل الشام ما لم يسمعه منهم على سبيل التخليط، ولما كان قد سمع من أهل الحجاز وأهل العراق في آخر حياته، وضاعت كتبه أو تغير حفظه، فإنه ربما روى عنهم ما ليس من حديثهم، وهذا هو التدليس، وعلى هذا يمكن أن نصف كل من اختلط من الرواة بالتدليس، لأنه ربما روى عمن سمع منه أو لقيه ما لم يسمعه منه ...، وإذًا فيمكن أن يروي عن العراقيين حديثًا كاملًا ليس عندهم، وهذا من التدليس الذي تقدم تعريفه ... \".\nكذا قال هذا الباحث - عفا الله عنه -، بكل سهولة يقرر أن كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله هو مراد ابن حجر بإشارتهما إلى تدليسه، ثم يبني على هذا أنه يمكن أن يوصف كل مختلط بالتدليس، وهذا شيء لم يسبق إليه، وهو من الخطورة بمكان لا يخفى.\nوكلام الباحث في القضيتين غير دقيق أبدًا، فليس في كلام ابن معين، وابن حبان الذي نقله رمي لإسماعيل بن عياش بالتدليس، وفهم ذلك منه بعيد جدًا، فما بني عليه من تقعيد لا يصح كذلك، ومراد ابن حجر بإشارتهما ليس هو ما نقله الباحث عنهما.\n_________\n(^١) \" المجروحين \" ١: ١٢٥.","vol":"1","page":228},{"text":"والذي دفع الباحث إلى هذا هو أنه لم يقف على كلام الإمامين في رميه بالتدليس، فترجمة إسماعيل من \"ثقات ابن حبان\" ساقطة من المطبوع، ويحتمل أنه لم يترجم له أصلًا، وكلامه فيه ورد عرضًا في ترجمة غيره.\nوأما كلام ابن معين فهو موجود في \" التهذيبين \" بعد النص الذي نقله الباحث مباشرة، ولعل الباحث لم يتبين له معناه، لكون ابن معين استخدم مصطلحًا غير مصطلح التدليس.\nوكلام ابن معين في رميه بالتدليس، ليس في روايته عن أهل الحجاز، بل عمن هو قوي فيهم، وهم أهل الشام، فنقل عنه مضر بن محمد الأسدي قوله: \"إذا حدث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، وإذا حدث عن الحجازيين والعراقيين خلَّط ما شئت\" (^١).\nوقد يكون التدليس غير ثابت عمن رمي به، فقد ذكر ابن حجر عمر بن عبيد الطنافسي فيمن وصفهم الأئمة بالتدليس (^٢)، وقال أيضًا: \"روينا في \"الكامل\" لابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا، ثم يسكت - ينوي القطع - ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂\" (^٣).\n_________\n(^١) \" تاريخ دمشق \" ٩: ٤٩ - ٥٠، و\"تهذيب الكمال\" ٣: ١٧٤، و\"تهذيب التهذيب\" ١: ٣٢٣، وانظر: \"المجروحين\" ١: ١٢٤.\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٤١.\n(^٣) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦١٧، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٣.","vol":"1","page":229},{"text":"وعمر بن عبيد ليس له في \"الكامل\" ترجمة أصلًا، وليس في ترجمته في الكتب الأخرى شيء مما ذكره ابن حجر، بل لم يرمه أحد بالتدليس مطلقًا، وهشام بن عروة لم يذكر في شيوخه، والصنيع الذي نسبه إليه ابن حجر معروف عن عمر بن علي بن عطاء المقدمي، فلعله اشتبه عليه، فهما بصريان من طبقة واحدة (^١)، مع أنه قد ذكر المقدمي أيضًا فيمن رماه الأئمة بالتدليس، والخلط بين الترجمتين وارد جدًا، فقد وقع ذلك أيضًا للحافظ عبدالغني المقدسي في كتابه \"الكمال\" حيث ذكر كلمة لأبي حاتم في تدليس المقدمي في ترجمة الطنافسي (^٢).\nوممن رمي بالتدليس ولم يثبت عنه محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع الدمشقي، فقد قال فيه ابن حبان: \"مستقيم الحديث إذا بين السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان - لم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله التيمي، عن ابن أبي ذئب، فدلس عنه، وإسماعيل واهٍ\" (^٣).\nوكذا أشار جماعة من الأئمة إلى أنه أسقط إسماعيل (^٤).\n_________\n(^١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" ٧: ٤٨٠، ٤٨٥، و\"تعريف أهل التقديس\" ص ١٣١، و\"التدليس في الحديث\" لمسفر الدميني ص ٣٢٢.\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" ٢١: ٤٧٣ حاشية (٥).\n(^٣) \"الثقات\" ٩: ٤٣.\n(^٤) انظر: \"الكامل\" ٦: ٢٢٥٠، و\"تهذيب الكمال\" ٢٦: ٢٥٧.","vol":"1","page":230},{"text":"وقد ذكر الحافظ صالح جزرة حكاية ظهر منها أن إسقاط إسماعيل ليس من محمد، وإنما هو ممن بعده (^١).\nوقد يكون رميه بالتدليس ظاهرًا، لكن ارتكابه له نادر جدًا بحيث لا يمكن اعتباره وصفًا للراوي، كقول الترمذي المتقدم آنفًا في تدليس جرير بن عبدالحميد لحديث رواه عن هشام بن عروة، فهو حديث واحد، مع أن جريرًا إنما ذكره في المناظرة لا على سبيل الرواية، فقد قال البخاري: \"قال محمد بن حميد: إن جريرًا روى هذا في المناظرة ولا يدرون له فيه سماعًا\" (^٢)، والمناظرة نوع من المذاكرة، يتسامح فيها، إذ ليس المقصود فيها الرواية.\nوقد سئل أبو خيثمة زهير بن حرب عن جرير بن عبدالحميد هل كان يدلس لكونه لا يصرح بالتحديث كثيرًا، فأجاب بأنه لا يدلس، وأوضح ذلك (^٣)، وذكر ابن معين أن جريرًا لا يحسن أن يدلس أصلًا، فالتدليس يحتاج إلى مهارة وخبرة (^٤).\nوقد وقع لأبي زرعة الرازي في حديث مثل ما وقع لجرير بن عبدالحميد (^٥)،\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" ٢٦: ٢٥٦، وانظر: \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٩٨ - ١٩٩، ٢٠٠ - ٢٠١، و\"تهذيب التهذيب\" ٩: ٣٩٢.\n(^٢) \"العلل الكبير\" ١: ٥١٥.\n(^٣) \"تاريخ بغداد\" ٧: ٢٥٩.\n(^٤) \"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين\" ص ٤٧، وانظر: \" سنن الدارمي\" حديث (٤٢٢ - ٤٢٣).\n(^٥) \"لسان الميزان\" ٣: ٨٧ - ٨٨، وانظر مثالًا آخر في إلجاء المذاكرة الراوي إلى الإرسال، في \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٥٧٨ - ٥٧٩.","vol":"1","page":231},{"text":"وتقدمت الإشارة إلى عذرهم في ذلك (^١).\nوقد يكون نص الناقد فيه احتمال، فيحتاج إلى النظر في كلام غيره، كما في قول أبي الوليد الطيالسي في الربيع بن صبيح: \"كان لا يدلس، وكان المبارك بن فضالة أكثر تدليسًا منه\" (^٢).\nفهذا يحتمل أن يكون أراد به أنه لا يدلس كثيرًا كما يفعل المبارك، وإن كان يقع منه التدليس، ويحتمل أنه لا يدلس أبدًا، وأفعل التفضيل على غير بابه، ويترجح الثاني بأن أحدًا لم يصف الربيع بن صبيح بالتدليس.\nوكذلك إذا اختار الباحث أن وصف الراوي بالتدليس يكفي في ثبوته أن يصفه إمام متأخر، أو توجد صورة التدليس في شيء من رواياته، فعليه أيضًا أن يتحقق من ثبوت ذلك عنه، والأمثلة على وقوع الخلل في هذا الجانب كثيرة، تركتها خشية الإطالة (^٣).\nويتلخص من هذا المبحث أمور:\n١ - لا يصح وصف الراوي بالتدليس وإن جاءت صورته عنه ما لم يصفه\n_________\n(^١) انظر: المبحث الأول من الفصل الأول من \" الجرح والتعديل \".\n(^٢) \" التاريخ الكبير \" ٣: ٢٧٩، و\"الضعفاء الصغير\" ص ٤٤.\n(^٣) انظر مثلًا: \"التدليس في الحديث\" ص ٢٠٢ ترجمة (سعيد بن سويد)، و(سعيد بن عبدالعزيز)، ص ٢٠٥ ترجمة (عاصم بن عمر بن قتادة)، ص ٢٢٤ ترجمة (محمد بن حماد الطهراني)، ص ٢٢٧ ترجمة (محمد بن مهدي)، ص ٢٤٦ ترجمة (يونس بن عبدالأعلى).","vol":"1","page":232},{"text":"بذلك أحد من أئمة النقد، وعليه فإن كثيرًا ممن جمعهم المتأخرون الذين صنفوا في المدلسين ليسوا بمدلسين.\n٢ - كلام أئمة النقد في وصفهم الرواة بالتدليس لا ينبغي قصره على لفظ التدليس، بل كل كلام لهم يفهم منه ارتكاب الراوي للتدليس فهو مفيد لذلك.\n٣ - بعض الرواة الذين وصفهم أئمة النقد بالتدليس لم يذكرهم المتأخرون الذين جمعوا أسماء المدلسين، ولا شك أننا بحاجة لتضافر الجهود للوقوف على كلام النقاد.\n٤ - رمي الناقد للراوي بأنه دلَّس حديثًا ليس معناه وصفه بالتدليس، فقد يقع ذلك من الرواة على سبيل الندرة، أو عند الضرورة، وسيأتي للأمر الرابع هذا زيادة إيضاح في المبحث السادس بعونه تعالى.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الثالث\nالتدليس والنص على السماع أو نفيه</span>\nتقدم في المبحث الأول أن الباحث حين نظره في رواية معينة لمدلِّس إنما يفعل هذا بعد ثبوت سماع ذلك الراوي ممن روى عنه، فإذا لم يثبت فالمسألة حينئذٍ تحولت إلى إثبات أصل السماع، فلا فائدة حينئذ من البحث في التدليس في الرواية المعينة، إذ السماع لم يثبت أصلًا.\nوهذا أمر ظاهر، والغرض من التذكير به هنا هو أن البحث في السماع بابه واحد، فمتى وقفنا على نص من المدلِّس أنه سمع ذلك الحديث المعين من شيخه، أو تلك الأحاديث، أو نص على عدم السماع - خرج الأمر عن موضوع التدليس، فيجزم هنا بأن الراوي قد سمع، إن كان النص على السماع، أو أنه لم يسمع، إن كان النص على عدم السماع.\nومثل ذلك يقال فيما لو جاء النص على السماع أو عدمه من النقاد، فالواجب الوقوف مع كلامهم، وكذلك إذا جاء من واحد منهم ولم نقف على معارض له.\nوالأئمة النقاد كما اشتغلوا بالبحث في أصل سماع الراوي ممن يروي عنه، اشتغلوا كذلك في الأحاديث نفسها، وتمييز ما سمعه الراوي مما لم يسمعه، وبذلوا في سبيل ذلك جهدًا كبيرًا، لا يقل عما بذلوه في البحث عن أصل سماع الراوي ممن روى عنه.\nوقد رأيت من الباحثين تقصيرًا واضحًا في هذا الجانب، ولذا أفردت الموضوع بمبحث خاص به، وسأذكر الآن بعض نصوص الرواة فيما سمعوه أو","vol":"1","page":235},{"text":"فيما لم يسمعوه، ثم أردفها ببعض النصوص عن النقاد.\nفأما النوع الأول فمن النص على السماع ما رواه ابن المبارك قال: \"قلت لإسماعيل بن أبي خالد: سمعت من زر بن حبيش غير هذا الحديث - حديث ليلة القدر -؟ قال: لا \" (^١).\nوقول أشعث بن عبدالملك الحمراني: \" كل شيء حدثتكم عن الحسن فقد سمعته منه إلا ثلاثة أحاديث: حديث زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة: \" أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف \"، وحديث عثمان البتِّي، عن الحسن، عن علي في (الخلاص)، وحديث حمزة الضبي، عن الحسن: \" أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى تحرم علينا الميتة؟ قال: إذا رويت من اللبن، وحانت ميرة أهلك \" \" (^٢).\nولعل مراد الأشعث ما رواه عن الحسن مما يرويه الحسن من أحاديث عن غيره، ذلك أن يونس بن عبيد - وهو من أصحاب الحسن أيضًا - أخذ من الأشعث أشياء من كلام الحسن، وقد قيل إن الأشعث لم يسمعها من الحسن، فبينهما واسطة (^٣).\nوقول يحيى القطان: \"كان سفيان (يعني الثوري) يُصَحِّح: عن واصل،\n_________\n(^١). \"المعرفة والتاريخ\" ٣: ١٨٢.\n(^٢) وفي رواية عنه أنها أربعة أحاديث، انظر: \"التاريخ الكبير\" ١: ٤٣١، و\"الكامل\" ١: ٣٦١، و\"تهذيب الكمال\" ٣: ٢٨٤.\n(^٣). انظر: \" طبقات ابن سعد \" ٧: ٢٧٦، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٥، ٢: ٢٧٥، و\"تهذيب الكمال\" ٣: ٢٨٢.","vol":"1","page":236},{"text":"عن أبي وائل: \" أن كعب المسلم رأى مع جرير قضيبًا .... \"، وأردته على الآخر: \" لا يشفع في حدٍ ... \" فلم يحدثني به\" (^١).\nوقول سفيان بن عيينة: \"لم أسمع من زياد بن علاقة إلا هذه الأربعة أحاديث، ثم حدث بحديث جرير: \" بايعت النبي ﷺ على النصح ... \"، وحديث المغيرة: \" قام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه ... \"، وحديث زياد بن علاقة، عن عمه قطبة بن مالك قال: \" صليت خلف النبي ﷺ الفجر ... \"، وحديث أسامة بن شريك: \" حضرت الأعراب رسول الله ﷺ فجعلوا يسألونه، فقال: وضع الله الحرج ... \"، \" (^٢).\nوقوله أيضًا: \"حديث الأعراب عن ابن بحينة سمعته من الزهري\" (^٣).\nوأما النص على عدم السماع فهو كثير جدًا، تقدم شيء منه آنفًا، ومنه أيضًا\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٩.\n(^٢) \"أخبار المكيين\" ص ٤١٧.\n(^٣) \"أخبار المكيين\" ص ٤١٩، وفسر محقق الكتاب حديث (الأعراب) هذا بما رواه ابن ماجه حديث (١٢٠٦)، وأحمد ٥: ٣٤٥، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن الأعرج، عن ابن بحينة: \" صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة - نظن أنها العصر - فقام في الثانية لم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين \"، لفظ أحمد.\nويشكل على هذا التفسير تسميته بحديث (الأعراب)، ولا ذكر للأعراب فيه، فإما أنه حديث آخر غيره، وإما أن في النسخة خطأ، ولاسيما أنه قد جاء للأعراب ذكر في الكتاب في النص الذي قبله.","vol":"1","page":237},{"text":"ما رواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: \"كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ - يعني العزل - \".\nقال شعبة: \" فقلت: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا \" (^١).\nوروى الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، أن النبي ﷺ قال: \" فلان في النار ينادي: ياحنان، يا منان \"، قال أبوعوانة: \"قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ قال: لا، حدثني به حكيم بن جبير عنه\" (^٢).\nوروى أبونعيم أيضًا، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن عقبة، عن سعيد بن المسيب قال: \" إذا أدخل بطنه فهو يحرِّم، ولا أقول كما قال ابن عباس \"، قال عبدالرحمن بن مهدي: \"سألت سفيان عن حديث إبراهيم - يعني ابن عقبة - في الرضاع - يعني هذا الحديث - فقال: لم أسمعه، حدثني معمر عنه\" (^٣).\nوقال عبد الرحمن بن مهدي أيضًا: \" سألت سفيان عن حديث عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة (في الوتر لأهل القرآن) قال: لم أسمعه، قال: وسئل عن حديث عمرو بن مرة: \"كان يعز على عبد الله أن يتكلم بعد طلوع الفجر\"، قال:\n_________\n(^١) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٩٠٩٢)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٣٦٨، و\"مسند الطيالسي\" حديث (١٨٠٣)، وانظر: \"مسند أحمد\" ٣: ٣٠٩، فقد رواه ابن عيينة أيضًا، عن عمرو، عن جابر.\n(^٢) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٥.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٢٤.","vol":"1","page":238},{"text":"حدثني رجل عن عمرو بن مرة\" (^١).\nوقال يحيى القطان: \"سألت سفيان عن حديث أبي إسحاق، عن أبي عمرو الشيباني: \" رأيت عبدالله يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة \" - فلم يصححه لي، وقال: كتبته عن شعبة قال: حدثني أبوإسحاق ... \" (^٢).\nوقال يحيى أيضًا: \"كان سفيان بن سعيد لا يصحح حديث علي بن الأقمر: \" أتي أبوالدرداء بجارية ... \"، كأنه لم يسمعه\" (^٣).\nوقال القطان أيضًا: \"سمعت سفيان سئل عن حديث أبي إسحاق في (القارن)، فقال: لم أسمعه\" (^٤).\nوذكر الدارقطني حديث محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عبدالله ابن عتبة بن مسعود، عن عمر: \"ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين ... \"، وقال: \"رواه الثوري، عن محمد بن عبد الرحمن بهذا الإسناد، حدث به (يعني الثوري) بصنعاء، وقال عبد الرحمن بن مهدي: سألت سفيان عن هذا الحديث فقال: لم أسمعه من محمد، وقال علي بن المديني: حدثنا ابن عيينة قال: أنا حدثت به سفيان بن سعيد، فدل هذا على أن الثوري دلسه عن ابن عيينة، والله\n_________\n(^١) \" جامع التحصيل\" ص ٢٢٥.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٥.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٥.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٩.","vol":"1","page":239},{"text":"أعلم\" (^١).\nوروى أبو حاتم، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة، أن النبي - ﷺ - قال: \"اقتدوا باللذين من بعدي ... \"، ثم قال أبو حاتم (والظاهرأنه ينقله عن الحميدي): \"كان (يعني سفيان) يحدث به أيام الموسم عن عبد الملك بن عمير، ولم يذكر زائدة، ثم قال: لم آخذه من عبد الملك، إنما حدثناه زائدة، عن عبد الملك، وقال سفيان: إذا ذكرت لهم زائدة لم يسألوني عنه، وهذا حديث فيه فضيلة للشيخين\" (^٢).\nومراد سفيان أنه إذا ذكر زائدة نزل بالحديث درجة، فلم يسأل عن الحديث، وإذا دلسه عن عبد الملك بن عمير رغب التلاميذ فيه لكون عبد الملك من كبار شيوخه، وهو يحب أن ينشر الحديث لأن فيه فضيلة للشيخين، فلذلك يدلسه، وزائدة ثقة، فلا يضر إسقاطه.\nوروى عمرو بن محمد الناقد قال: \"حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: \" أن ابن الزبير كان لا يدع شيئًا إلا خالفهم فيه - يعني بني أمية ـ\"، قال:\n_________\n(^١) \" علل الدارقطني \" ٢: ١٦٨.\nوانظر حديثًا آخر لسفيان الثوري نص على أنه لم يسمعه، دلّسه، في: \"الكامل\" ٧: ٢٤٧٢، و\"سنن الدارقطني\" ٣: ٢٠١.\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٣٧٩، وانظر: \"سنن الترمذي\" حديث (٣٦٦٢)، و\"مسند أحمد\" ٥: ٣٨٢، و\"مسند الحميدي\" حديث (٤٤٩)، و\"طبقات ابن سعد\" ٢: ٣٣٤، و\"مسند البزار\" حديث (٢٨٢٧)، و\"شرح المشكل\" حديث (١٢٢٦ - ١٢٢٨)، و\"شرح السنة\" حديث (٣٨٩٤ - ٣٨٩٥).","vol":"1","page":240},{"text":"فقلت: يا أبا محمد سمعته من عمرو؟ ... \"، فذكر سفيان أنه سمعه من العلاء ابن عبدالرحمن، عن سلم بن قتيبة، عن عمرو بن دينار (^١).\nوروى شعيب بن حرب، قال: \"حدثنا سفيان بن عيينة بحديث عن ابن أبي نجيح، عن عطاء في الهدي قال: \" ركوب يومين، ومشي يومين \"، قال: فقلت لسفيان: سمعته من ابن أبي نجيح؟ فقال: أنت ممن سمعته؟ قال: فقلت له: سمعته من إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، فقال سفيان: وأنا سمعته من إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح \" (^٢).\nوقال أحمد: \"قال سفيان: لم أسمع منه - حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن النبي ﷺ في (الحمام والمقبرة) \"، قال أحمد: \"قد حدثنا به سفيان، دلسه\" (^٣).\nوقال أحمد أيضًا: \"حدثنا سفيان، عن الزهري قال: \"إذا \" أتاها قبل أن يكفر كفر مرتين \"، قيل له: سمعته من الزهري؟ قال: لا \" (^٤).\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٧.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٥٧.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ١٩٢، ٢: ١٤٩، وانظر: \"الأم\" ١: ٩٢.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ١٨٧.\nوانظر في أمثلة أخرى: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٤ فقرة (١٥٦٠)، ٢: ٢٩٢ فقرة (٢٢٩٨) - ٢٢٩٩، ٣: ١٣٩ فقرة (٤٦٠٩ - ٤٦١٠)، ٣: ١٥٣ فقرة (٤٦٧٥)، ٣: ٣٣٦ فقرة (٥٤٨٨)، و\"الضعفاء الكبير\" ١: ٢٩، و\"الكفاية\" ص ٣٥٩، و\"التمهيد\" ١: ٣١، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٢٥.","vol":"1","page":241},{"text":"وربما أتى عن المدلس بيان أنه لم يسمع جملة من الحديث ممن رواه عنه، وأنه سمع تلك الجملة بواسطة.\nمثال ذلك أن يحيى بن سعيد القطان روى عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر الشعبي، عن أيمن بن خريم حديثًا، وفيه شعر، ثم قال: \"قال لي إسماعيل: لم أسمع هذا الشعر من عامر \" (^١).\nوروى جماعة من أصحاب سفيان الثوري منهم الفريابي، ووكيع، وإسحاق الأزرق وغيرهم، عنه، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قصة أذان بلال بالأبطح، وفيها: \" فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا بالأذان\" (^٢).\nورواه عبدالرزاق، عن الثوري بلفظ: \" رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويتبع فاه ههنا وههنا، وإصبعاه في إذنيه \" (^٣)، وبنحوه رواه مؤمل بن إسماعيل، عن الثوري، إلا أنه ليس فيه الدوران (^٤).\nثم تبين أن سفيان إنما روى النص على دوران بلال، عن حجاج بن أرطاة، عن عون بن أبي جحيفة، وذكر سفيان أنه لقي بعد ذلك عون بن أبي جحيفة فلم\n_________\n(^١) \"جامع التحصيل\" ص ١٧٣.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" حديث (٦٣٤)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٤٩٩)، و\"سنن أبي داود\" حديث (٥٢٠)، و\"سنن النسائي\" حديث (٦٤٢)، (٥٣٩٣)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٣٠٨، واللفظ للفريابي عند البخاري.\n(^٣) \"سنن الترمذي\" حديث (١٩٧)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٣٠٨.\n(^٤) \"مستخرج أبي عوانة\" ١: ٣٢٩.","vol":"1","page":242},{"text":"يذكر الاستدارة، هكذا رواه عنه يحيى بن آدم (^١)، ورواه عبدالله بن الوليد العدني في روايته لـ\"جامع سفيان الثوري\"، عن سفيان، عن رجل لم يسم، عن عون (^٢).\nوهكذا يقال في وضع الإصبع في الإذنين، فهو كالاستدارة معروف من رواية حجاج بن أرطاة، عن عون (^٣).\nوأما النوع الثاني - وهو نصوص النقاد فيما سمعه المدلسون، وفيما لم يسمعوه - فمن النص على السماع قول أحمد: \" سمع عمرو بن دينار من ابن عباس ستة أشياء ... - وذكرها \" (^٤).\nوتوارد جمع من النقاد منهم شعبة وغيره على أن أبا إسحاق السبيعي سمع من الحارث بن عبد الله الأعور أحاديث قليلة، منهم من قال: إنها ثلاثة، ومنهم من قال: إنها أربعة، والباقي من كتاب وجده، وذلك أنه خلفه على امرأته، ونص أبو داود على أن الأحاديث التي سمعها ليس منها شيء مسند (^٥).\n_________\n(^١) \"المعجم الكبير\" حديث (٢٦١).\n(^٢) \"سنن البيهقي\" ١: ٣٩٦.\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" حديث (٧١١)، و\"سنن الدارمي\" حديث (١٢٠٢)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٣٨٨)، وضعفه بتدليس الحجاج بن أرطاة.\n(^٤) \" العلل ومعرفة الرجال \" ٢: ١٨٦، وانظر: \" علل المروذي \" ص ٢٣٠.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١٩٦، ٣: ١٤٢، و\"التاريخ الصغير\" ١: ١٥٦، و\"أحوال الرجال\" ص ٣٣، و\"رسالة أبي داود إلى أهل مكة\" ص ٣١، و\"معرفة الثقات \" ٢: ١٧٩، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٤٨، و\"الكامل\" ١: ٨٦.","vol":"1","page":243},{"text":"وروى علي بن المديني، عن يحيى القطان قال: \" قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أشياء، قلت ليحيى: عُدَّها، قال: قول علي ﵁: \"القضاة ثلاثة \"، وحديث: \" لا صلاة بعد العصر \"، وحديث يونس بن متى\" (^١).\nونقل أبوداود معلقًا عن شعبة أنها أربعة، وزاد فيها: \"وحديث ابن عمر في الصلاة\" (^٢).\nوذكر شعبة أيضًا أن الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم مولى ابن عباس إلا أربعة أحاديث، وعدها شعبة: حديث الوتر، وحديث قنوت عمر، وحديث عزمة الطلاق، وحديث جزاء مثل ما قتل من النعم، وهناك حديث واحد سمعه من عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، وهو حديث الرجل يأتي امرأته وهي حائض، والباقي أخذه عن مقسم من كتاب، وربما أجمل ذلك في بعض الروايات، فجاء فيها أنه سمع منه خمسة أحاديث (^٣).\n_________\n(^١). \"المراسيل\" ص ١٧١، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٢٧، و\"سنن الترمذي\" حديث ١٨٣.\n(^٢). \"سنن أبي داود \" في كلامه على حديث ٢٠٢.\nوكذا قال يعقوب بن شيبة: إنها أربعة، نسبه إليه ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" ٨: ٣٥٦، ولا أدري هل هو من كلامه، أو ينقله عن شعبة؟\n(^٣). \"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٦، و\"سنن الترمذي\" ٢: ٤٠٦، ٣: ٢٢٧، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٣٦، و\" مسائل صالح\" ص ٢٢٥، و\"أخبار المكيين\" ص ٢٩٧، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٠، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١١٠، و\"تهذيب الكمال\" ٢٨: ٤٦٢، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٥٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٤٣٤، وانظر: \"رسالة أبي داود إلى أهل مكة\" ص ٣٠.","vol":"1","page":244},{"text":"وقد جاء عن شعبة أيضًا أنها ستة أحاديث، لكن دون عدّ لها (^١).\nوقال يحيى القطان: \"عَدَّ عَلَيَّ سفيان (يعني الثوري) عن حبيب بن أبي ثابت: سمعت ابن عمر - ثلاثة ـ، يعني (حديث الضالة)، و(تأتونا بالمعضلات)، و\" سئل ابن عمر وأنا أسمع عن رجل وهب لابنه ناقة ... \"، ثم قال: ليس غير هذه عن ابن عمر\" (^٢).\nوقال يحيى أيضًا: \"عَدَّ عَلَيَّ سفيان، عن حبيب، عن ابن عباس، اثنتين سمعها، في (الصرف)، وآخر\" (^٣).\nوقال علي بن المديني: \"إنما سمع الأعمش من سعيد بن جبير أربعة أحاديث، قال: \" صلى بنا ابن عباس على طنفسة \"، وحديث أبي موسى: \" ما أحد أصبر على أذى من الله \"، وقول ابن عباس: \" الوتر بسبع أو خمس \"، وقول سعيد بن جبير: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ [قال: الذكر: الذي في السماء] \" (^٤).\nوقال يحيى بن معين: \"سمع ابن جريج من حبيب بن أبي ثابت حديثين، وما روى عنه سوى ذلك يظنه بلغه عنه ولم يسمعها، سمع حديث أم سلمة (ما أكذب الغرائب)، والحديث الآخر حديث (الرقبى)، حدث به ابن جريج،\n_________\n(^١). \"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٩.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٠، وانظر: \"إتحاف المهرة\" ٨: ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٠.\n(^٤) \"جامع التحصيل\" ص ٢٣٠، وانظر: \" التعديل والتجريح\" ٣: ١١١٧، و\"تفسير ابن جرير\" ١٧: ١٠٣، و\"تحفة الأشراف\" ٦: ٤٢٤، و\"إتحاف المهرة\" ٧: ١١٣.","vol":"1","page":245},{"text":"قال: حدثني عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، فلقيت حبيبًا فحدثني\" (^١).\nوقال يحيى القطان: \"لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثًا واحدًا: \" فطلقوهن في قبل عدتهن \"، ولم يسمع ابن جريج من ابن طاوس إلا حديثًا \" في محرم أصاب ذرات، قال: فيها قبضات من طعام\"، ولم يسمع الحجاج بن أرطاة من الشعبي إلا حديثًا: \" لا تجوز صدقة حتى تقبض \"، \" (^٢).\nكذا قال القطان في سماع ابن جريج من مجاهد، وقال ابن معين: \"لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حرفًا أو حرفين\" (^٣).\nوقال مرة أخرى: \" سمع ابن جريج من مجاهد حرفًا واحدًا في القراءة: (فإن الله لا يهدي من يضل) - قال ابن الجنيد: لا أدري كيف قرأه يحيى بن معين -، لم يسمع منه غيره، كان أتاه ليسمع منه فأتاه فوجده قد مات \" (^٤).\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٣٧٣، وانظر: \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (١٦٩٢٠)، و\"مسند أحمد\" ٦: ٣٠٧.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤٥، وذكر محققه أنه في نسخة: \"ولم يسمع ابن جريج من طاوس ... \". وهو الصواب، فقد نص على ذلك ابن معين أيضًا، كما في \" تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٣٧٢، وأما ابن طاوس - واسمه عبد الله - فقد روى عنه ابن جريج أحاديث، انظر: \"تهذيب الكمال\" ١٨: ٣٤٠، ٣٤١، و\"تحفة الأشراف\" ٥: ١٣ - ١٥.\nوانظر أيضًا في سماع الحجاج بن أرطاة حديثًا واحدًا من الشعبي: \"المجروحين\" ١: ٢٢٦، ففيه ذلك عن الحجاج نفسه، لكنه لم يذكر الحديث.\n(^٣). \"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٤١٦.\n(^٤). \" سؤالات ابن الجنيد\" ص ٤١٥، وانظر: \" تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٣٧٢.","vol":"1","page":246},{"text":"وقال أبو داود في ميمون المرئي: \" ليس به بأس ...، روى عن الحسن ثلاثة أشياء - يعني سماعًا -\" (^١).\nوقال أحمد: \"ما سمع سفيان الثوري من أبي عون غير هذا الحديث الواحد - يعني حديث الوضوء مما مست النار - والباقي يرسلها عنه \" (^٢).\nوقال أحمد: \"لم يسمع هشيم من محمد بن جحادة إلا هذا الحديث الواحد: حدثنا هشيم، عن محمد بن جحادة - قال أحمد: سمعه منه - عن الحارث، عن إبراهيم: أنه كان لا يرى بأسًا للمريض والشيخ الكبير أن يعتمدا في الصلاة، ويكرهه لغيرهما\" (^٣).\nوذكر أحمد أيضًا أن هشيمًا سمع من جابر الجعفي حديثين، والباقي مدلس، وذكر أحمد الحديثين (^٤).\nوقال أحمد بعد أن روى عن سفيان بن عيينة، عن خالد بن سلمة، عن الشعبي، عن مسروق كلامًا في حب أبي بكر وعمر وأنه من السنة - قال: \"ولم يسمع سفيان من خالد بن سلمة إلا هذا الحديث\" (^٥).\nوقال إبراهيم بن عبدالله الهروي: \"لم يسمع هشيم من علي بن زيد إلا\n_________\n(^١). \" سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٤٣٩.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣٨٦، وانظر: ١: ٣٨٧.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٧٩.\n(^٤) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٢، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٠، و\"مسائل إسحاق\" ٢: ٢٢٦، ٢٣٥.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٥٢، وانظر: \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٨١٣.","vol":"1","page":247},{"text":"حديث المداراة\" (^١).\nويلاحظ هنا أنه قد يقع اختلاف بين الأئمة في عدد الأحاديث التي سمعها المدلس من شيخه، وفي تعيينها، فمثلًا ما تقدم آنفًا عن شعبة أن قتادة سمع من أبي العالية ثلاثة أحاديث أو أربعة، ذكر البيهقي أنه سمع منه أيضًا حديثين آخرين، وفي كلامه ما يدل على أنه قد سمع غيرهما أيضًا (^٢).\nوفيما سمعه الأعمش من سعيد بن جبير تقدم عن ابن المديني أنها أربعة، وذكر ابن معين أنها خمسة، لكنه لم يعدّها (^٣)، بل جاء عن ابن معين أنه سمع من سعيد حديثًا واحدًا (^٤).\nوذكر لأحمد أنه روي عن أيوب قوله: \" لم يسمع قتادة من عكرمة إلا حديثين\"، فقال أحمد: \"باطل، قد روى عنه أحاديث \" (^٥).\nوقال المروذي: \"قلت لأحمد: يقولون: إن قتادة لم يسمع من عكرمة، قال: هذا لا يدري الذي قال، وأخرج إلي كتابه فيه أحاديث مما سمع قتادة من عكرمة، فإذا ستة أحاديث: سمعت عكرمة، وقال: قد ذهب من يحسن هذا، وعجب من قوم يتكلمون بغير علم، وعجب من قول من قال: لم يسمع، وقال:\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص ٢٣٢، وانظر: \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢٢.\n(^٢) \"سنن البيهقي\" ١: ١٢٠، وانظر \": \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٥١، و\"تهذيب التهذيب\" ٨: ٣٥٦، و\"فتح الباري\" ١١: ١٤٥.\n(^٣) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٣٤.\n(^٤). \" التعديل والتجريح \" ٣: ١١١٧.\n(^٥). \" مسائل إسحاق \" ٢: ٢١١.","vol":"1","page":248},{"text":"سبحان الله، فهو قدم إلى البصرة فاجتمع عليه الخلق، وقال يزيد بن حازم - هذا رواه حماد بن زيد -: إن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة \" (^١).\nوهذا الاختلاف قد يكون سببه وقوف إمام على ما لم يقف عليه غيره، أو تصحيح الإمام لتصريح بالتحديث، وتوقف غيره فيه، أو عدّ بعض الأئمة الحديث الواحد حديثين لاشتماله عليهما، أو يكون بعضهم قصد بالحديث أي من المرفوع، وغيره عدّ ماهو موقوف أيضًا.\nبل ربما جاء الاختلاف عن الإمام الواحد، كما تقدم آنفًا عن شعبة فيما سمعه الحكم من مقسم، وفيما سمعه قتادة من أبي العالية، وعن ابن معين فيما سمعه الأعمش من سعيد بن جبير.\nوقد يكون نص الناقد على السماع ليس في حديث أو أحاديث بعينها، وإنما هو في جملة أحاديث، كما في قول عمرو بن علي: \"سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها ويقول: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل: حدثني، قال: كلها صحاح\" (^٢).\nوقال يحيى القطان أيضًا في الأعمش: \" أحاديثه عن عمارة - يعني ابن عمير -، ومالك بن الحارث، وخيثمة - يعني ابن عبد الرحمن - كلها صحاح\" (^٣)، يعني أنها سماع.\n_________\n(^١). \" المنتخب من علل الخلال \" ص ٢٨٣، وانظر: \" الكامل \" ٢: ٦٧٧.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤١.\n(^٣). \" إكمال تهذيب الكمال\" ٦: ٩٤.","vol":"1","page":249},{"text":"وعلى الباحث أن يدقق جيدًا في الروايات المنقولة عن الأئمة فيما سمعه راو من آخر، قبل أن يعتمد إثبات السماع، فقد روى الحكم بن عتيبة عن مقسم، عن ابن عباس حديث (إتيان الحائض)، وأعله بعض الأئمة بأنه لم يسمعه من مقسم، وإنما سمعه من عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، ورد ذلك أحمد شاكر معتمدًا على أنه جاء عن يحيى القطان وأحمد أنه سمع منه خمسة أحاديث، وهذا منها، واستظهر أنه سمعه من عبدالحميد، عن مقسم، وسمعه من مقسم (^١).\nوقد دلت الروايات المفصلة أن هذين الإمامين يذكران ذلك عن شعبة، وأن مراد شعبة بسماعه لحديث إتيان الحائض أي بواسطة عبدالحميد، والغرض من ذلك استثناء ما سمعه الحكم من أحاديث مقسم، سواء منه مباشرة أو بواسطة، فإن باقي أحاديثه عنه من كتاب كما تقدم، وقد ذكر أحمد أن حجاجًا روى عن الحكم، عن مقسم نحوًا من خمسين حديثًا (^٢).\nوأما نص الناقد على أن الراوي لم يسمع فقد يكون جاء بصفة مجملة، فينص الناقد على عدد الأحاديث التي سمعها المدلس، فباقي رواياته عنه إذًا غير مسموعة، وبما صرح الناقد بذلك، وقد تقدمت هذه النصوص آنفًا.\nوقد يكون ذلك بالنص على الحديث المعين وأن المدلس لم يسمعه، وهذا\n_________\n(^١) \"السنن الكبرى للنسائي\" حديث (٩١٠٠ - ٩١٠١)، و\"سنن الدارمي\" حديث (١١١٧)، و\"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٥٠، و\"سنن البيهقي\" ١: ٣١٥، وتعليق أحمد شاكر على \"سنن الترمذي\" ١: ٢٤٩.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٣٧.","vol":"1","page":250},{"text":"أيضًا كثير، فمن ذلك أن الأعمش روى عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: \" من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتًا في الجنة \" (^١) - وقد قال سفيان الثوري، وشعبة: \"لم يسمع الأعمش هذا الحديث من إبراهيم التيمي\" (^٢).\nوكذا قال عبدالرحمن بن مهدي: إنه لم يسمعه (^٣).\nوذكر شعبة أن الحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم مولى ابن عباس حديث احتجامه ﷺ وهو صائم (^٤).\nولما روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب حديث: \" أن النبي - ﷺ - مرَّ بناس من الأنصار وهم جلوس في الطريق، فقال: إن كنتم لابدَّ فاعلين، فردوا السلام، وأعينوا المظلوم، واهدوا السبيل \"- ذكر أن أبا إسحاق لم يسمعه من البراء (^٥).\n_________\n(^١). وقد اختلف فيه على الأعمش رفعًا ووقفًا، والراجح وقفه، انظر: \"مسند الطيالسي\" حديث (٤٦١)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ١: ٣١٠، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (١٥٤٩ - ١٥٥٢)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (١٦١٠ - ١٦١١)، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٤٣٧، و\"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٩٧، و\"علل الدارقطني\" ٦: ٢٧٤.\n(^٢) \"التمهيد\" ١: ٣٢.\n(^٣). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٩٧.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٩٣، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٦، و\"أخبار المكيين\" ص ٢٩٨.\n(^٥) \"سنن الترمذي\" حديث (٢٧٢٦)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٨٢، ٢٩١، ٣٠١.","vol":"1","page":251},{"text":"وكذا قال ابن المديني: إنه لم يسمعه منه (^١).\nوسئل يحيى القطان عن حديث سليمان التيمي، عن أنس (في القبلة للصائم)، فقال: \" لا شيء، لم يسمعه \" (^٢).\nوقال سفيان الثوري: \"لم يسمع الأعمش حديث إبراهيم في (الضحك) \" (^٣)، يعني حديث الوضوء من الضحك في الصلاة.\nوقال يزيد بن هارون: \"لم يسمع سليمان التيمي حديث سجود النبي ﵇ في الظهر من أبي مجلز\" (^٤).\nولما روى أحمد حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: \" أنه قال في دية الخطأ: أخماسًا، ما دون النفس \" - عقبه بقوله: \"قال يحيى بن سعيد في حديث إسماعيل هذا: لم يسمعه إسماعيل من الشعبي\" (^٥).\nوروى أحمد حديث هشيم، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود: \" كنا لا نتوضأ من الموطئ \" - ثم قال: \"لم يسمعه هشيم من الأعمش، ولا الأعمش سمعه من أبي وائل\" (^٦)، وذكر أحمد مرة أخرى أن الأعمش يرويه\n_________\n(^١) \"جامع التحصيل\" ص ٣٠٠.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٧.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٧.\n(^٤) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٧.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦٦.\n(^٦) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٢.","vol":"1","page":252},{"text":"عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي وائل (^١).\nوقال أحمد أيضًا: \"لم يسمع هشيم من الزهري حديث علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﷺ: \" لا يتوارث أهل ملتين شتى \"، وقد حدثنا به هشيم\" (^٢).\nوقال أيضًا بعد أن روى عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي: \" أن عمر ابن الخطاب أوصى في عماله ألا يعزلوا سنة، قال: وأقروا الأشعري أربع سنين \" - قال أحمد: \"أراه سمعه هشيم من الهيثم بن عدي\" (^٣).\nوقال أيضًا بعد أن روى عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عبدالله بن سفيان الثقفي، عن أبيه: \" أن رجلًا قال: يا رسول الله - وقد قال هشيم: قلت: يا رسول الله - مرني بأمر في الإسلام، أمرًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك \" - قال: \"لم يسمعه هشيم من يعلى بن عطاء\" (^٤).\nوسئل يحيى بن معين عن حديث هشيم، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبدالله اللخمي، عن ابن عمر قال: \" وقع في سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة، فما ملكت نفسي أن قبلتها والناس ينظرون \" - قال يحيى: \"لم يسمعه من علي بن زيد\" (^٥).\n_________\n(^١) \"جامع التحصيل\" ص ٢٣٠، وانظر: \"علل الدارقطني\" ٥: ١١٠ - ١١١.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦٥.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٥.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٦.\n(^٥) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢٢.","vol":"1","page":253},{"text":"وروى الدارمي عن عبيد الله بن موسى، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: \"ما قاتل رسول الله - ﷺ - قومًا حتى دعاهم\"، ثم قال: \"سفيان لم يسمع من ابن أبي نجيح - يعني هذا\nالحديث - \" (^١).\nوسئل البخاري عن حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - قضى باليمين مع الشاهد \"، فقال: \"عمرو بن دينار لم يسمع عندي من ابن عباس هذا الحديث \" (^٢).\nوسيأتي في المبحث الخامس مزيد أمثلة للأحاديث التي نص الأئمة على وقوع التدليس فيها.\nوأدق من ذلك أن يبينوا وقوع التدليس في الكلمة الواحدة، في متن الحديث أو إسناده، فقد اتفقت كلمة أحمد وابن معين على أن شيخهما هشيمًا لم يسمع كلمة \" فانحرف \" في حديثه عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه: \" أن النبي ﷺ صلى بهم الغداة فانحرف ... \" الحديث (^٣).\n_________\n(^١). \" سنن الدارمي\" حديث (٢٤٤٨)، وانظر: \" مصنف عبد الرزاق \" حديث (٩٤٢٧).\n(^٢). \" العلل الكبير \" ١: ٥٤٦، وانظر: \" العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١٨٦، فقد عد أحمد ما سمع عمرو بن دينار من ابن عباس، وليس هذا منها.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦٨، و\"مسند أحمد\" ٤: ١٦١، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ١: ٢٣٠.","vol":"1","page":254},{"text":"وقال عبدالله بن أحمد: \"حدثني أبي، قال: حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: \" كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي ﷺ: ارجع فقد بايعناك \" - سمعت أبي يقول: قد سمعه هشيم من يعلى، عن رجل من آل الشريد، وإذا لم يقل خبرًا قال: عن عمرو بن الشريد\" (^١).\nومراد أحمد أن هشيمًا إذا لم يصرح بالتحديث سمى ابن الشريد، وأنه عمرو بن الشريد، وقد سمعه هكذا بواسطة عن يعلى بن عطاء، وحذفها، وإذا صرح بالتحديث عن يعلى لم يسم الرجل، لأنه هكذا سمعه من يعلى مبهمًا.\nفي أشياء كثيرة جدًا من هذا القبيل، يبين فيها الأئمة أن المدلس لم يسمع الحديث أو الكلمة فيه ممن روى عنه.\nوقد كان للإمام أحمد تتبع دقيق لما دلسه شيخه هشيم، فجاء عنه النص على كثير من أحاديثه التي دلسها (^٢)، وكذلك يحيى بن معين (^٣).\nواشتهر بذلك أيضًا سعيد بن منصور، بالنسبة لهشيم، قال الطحاوي: \"هو\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٧٦، وانظر: \"صحيح مسلم\" حديث (٢٢٣١)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٨٧١٥)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٣٥٤٤).\n(^٢) ينظر: \"مسائل أبي داود\" ص ٣٨٨ - ٣٨٩، ٣٩٦، ٣٩٩، ٤٠٨، ٤٤٨، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٣٠٠، ٣٤٧، ٢: ٢٤٥ - ٢٨٤، ٣: ٢١٦، و\"مسائل إسحاق\" ٢: ٢٠٩، و\"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٥.\n(^٣). تقدم شيء من كلامه، وانظر: \" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ١٧٥.","vol":"1","page":255},{"text":"أضبط الناس لألفاظ هشيم، وهو الذي ميز للناس ما كان هشيم يدلس به من غيره \" (^١).\nوكذلك محمد بن عيسى المعروف بابن الطباع، قال البخاري: \"قال لي علي: سمعت عبدالرحمن ويحيى يسألانه عن حديث هشيم، وما أعلم أحدًا أعلم به منه\" (^٢).\nوأعود إلى تأكيد ما ذكرته في أول هذا المبحث من أن وقوفنا على نص على السماع أو عدمه، من المدلس، أو من غيره من النقاد - مخرج للحديث عن موضوع التدليس، بالنسبة لنا، فقد كفيناه، وأن الباب واحد في متابعتنا للرواة وللنقاد في إثبات أصل السماع أو نفيه، وفي إثبات سماع الحديث المعين أو نفيه.\nوهذه القاعدة مأثورة عن النقاد أنفسهم في نقد الأحاديث، فروى أبو إسحاق، عن الحارث بن عبد الله، عن علي ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا علي، إني أحب لك ما أحب لنفسي .... \"الحديث، قال أبو داود في نقده له: \"أبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث، ليس هذا منها \" (^٣).\nوقال الترمذي بعد أن روى حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: \" بعث النبي ﷺ عبدالله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة .... \"، فإنه روى قول شعبة فيما سمعه الحكم من مقسم، ثم قال\n_________\n(^١). \" شرح معاني الآثار\" ١: ٣٨٧، وانظر: \" المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٦٦.\n(^٢). \" التاريخ الكبير \" ١: ٢٠٣، وانظر: \"تاريخ بغداد\" ٢: ٣٩٥، و\"تهذيب الكمال\" ٢٦: ٢٦١.\n(^٣). \" سنن أبي داود \" حديث (٩٠٨)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٢٨٢)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٨٩٤)، و\"مسند أحمد\" ١: ١٤٦.","vol":"1","page":256},{"text":"الترمذي: \"وليس هذا الحديث فيما عَدَّ شعبة، فكأن هذ الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم\" (^١).\nوبهذا أيضًا نقد الترمذي حديث الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: \"أن النبي - ﷺ - صلى بمنى الظهر والفجر، ثم غدا إلى عرفات \" (^٢).\nوأين هذا من صنيع أحد الباحثين، فقد مر به هذا الحديث من طريق عبدالرحمن بن محمد المحاربي، عن الحجاج، عن الحكم به، ثم قال: \"حسن، عبدالرحمن بن محمد المحاربي، والحجاج - هو ابن أرطاة - مدلسان، وقد عنعنا، إلا أنهما قد توبعا\"، ولم يتعرض لانقطاعه بين الحكم ومقسم.\nومن تطبيقات ذلك أن سفيان الثوري نص - كما تقدم - على ثلاثة أحاديث سمعها حبيب بن أبي ثابت من ابن عمر، وقد روى عن ابن عمر أحاديث غير هذه (^٣)، فهي مما لم يسمعه.\nومثله نص ابن المديني على أن الأعمش سمع من سعيد بن جبير أربعة أحاديث ذكرها، وقد جاء عنه من روايته عن سعيد غير هذه الأربعة (^٤)، فلم يسمعها إذًا.\nوكذلك ما ذكره ابن معين من أن ابن جريج سمع من حبيب بن أبي ثابت\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" حديث (٥٢٧).\n(^٢) \"سنن الترمذي\" حديث (٨٨٠).\n(^٣) انظر: \"تحفة الأشراف\" ٥: ٣٢٩ - ٣٣٠، و\"إتحاف المهرة\" ٨: ٢٩٣ - ٢٩٤.\n(^٤) انظر: \"إتحاف المهرة\" ٧: ١٥٣، ١٦٦ - ١٦٧.","vol":"1","page":257},{"text":"حديثين، وقد جاء عنه غيرهما (^١).\nوظاهر جدًا أن الاستفادة من كلامهم هو في حال النص على الأحاديث، لا ذكر عددها فقط، ذلك أن كثيرًا مما ورد عنهم فيه عددها دون النص عليها، فالفائدة منه حينئذٍ محدودة، إذ كل حديث ورد بصيغة محتملة يحتمل أن يكون من العدد الذي سمعه، ويحتمل ضد ذلك، اللهم إلا في حالات معينة، يمكن الاستفادة من كلامهم فيها وإن لم ينصوا على الأحاديث المسموعة أو غير المسموعة، كأن يذكروا صفة للأحاديث التي سمعها، فيكون ما عداها غير مسموع، ومثاله أحاديث أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث بن عبد الله، فقد نص أبو داود - كما تقدم آنفًا - أنه ليس من مسموعه ما هو مسند، وعلى هذا فكل ما جاء بهذا الطريق من المرفوع فهو منقطع.\nوكأن يذكر الإمام أن المدلس سمع من شيخه حديثًا، ثم يوقف له على تصريح بالسماع في حديث مما روي عنه، فيغلب على الظن أن ذلك الحديث هو الذي عناه الإمام، وأن ما عداه ليس من مسموعه عنه.\nمثال ذلك أن جمهور العلماء على سماع الحسن البصري من ابن عمر، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم (^٢)، ونفاه ابن حبان،\n_________\n(^١) انظر: \"المعجم الكبير\" حديث (٧٢٥)، و\"الدعاء\" للطبراني حديث (٢١١٨)، و\"أمالي المحاملي\" ص ٢١٦، و\"معجم الشيوخ\" للصيداوي ص ٢٦٢.\n(^٢) \"مسائل صالح\" ص ١٨٩، و\"تاريخ الدوري\" ٢: ١١١، و\"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٩٩، و\"معرفة الرجال\" ٢: ٢٠٢، و\"المراسيل\" ص ٤٥، ٤٦، و\"الجرح والتعديل\" ٣: ٤١.","vol":"1","page":258},{"text":"والحاكم (^١)، وذكر بهز بن أسد شيخ أحمد أن الحسن سمع من ابن عمر حديثًا واحدًا (^٢).\nويظهر أن إثبات السماع من قبل الأئمة الذين أثبتوه مبني على هذا الحديث، فقد أشار إليه أحمد، وابن المديني، وابن معين في كلامهم.\nوالحديث هو ما أخرجه أحمد، عن إسحاق بن يوسف، والطحاوي من طريق يزيد بن زريع، كلاهما عن عبدالله بن عون، عن الحسن قال: \" دخلنا على عبد الله بن عمر بالبطحاء فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن إن ثيابنا هذه يخالطها الحرير وهو قليل، قال: دعوا الحرير قليله وكثيره \" (^٣)، ولا يثبت من تصريح الحسن بالسماع من ابن عمر غير هذا الحديث.\nوللحسن عن ابن عمر عدة أحاديث غير هذا (^٤)، فلم يسمعها منه إذًا.\nوليس الأمر مختصًا بالحديث الواحد، كما في حال الحسن البصري مع ابن عمر، بل كل ما جاءنا عن النقاد فيه عدٌّ لما سمعه المدلس من شيخه، دون النص عليه، وأمكن بالتتبع معرفة تلك الأحاديث المسموعة، فيكون الباقي أيضًا خارج موضوع التدليس، وهي منقطعة جزمًا.\nمثال ذلك سماع الأعمش من مجاهد، فهو قليل السماع منه، سمع منه\n_________\n(^١) \"المجروحين\" ٢: ١٦٣، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١١١.\n(^٢) \"المراسيل\" ص ٣٢، ٣٤، ٣٦، ٤٥.\n(^٣) \" مسائل صالح\" ص ١٩٠، \"شرح معاني الآثار\" ٤: ٢٤٩.\n(^٤) \"تحفة الأشراف\" ٥: ٣٣٢، و\"إتحاف المهرة\" ٨: ٢٩٦ - ٢٩٨، و\"المرسل الخفي\" ٤: ١٦٦٥ - ١٦٦٦.","vol":"1","page":259},{"text":"أحاديث معدودة - كما سيأتي في المبحث الخامس -، فلو تصدى باحث لاستقراء مرويات الأعمش عن مجاهد، لتحديد المسموع وغير المسموع - أمكن تطبيق هذه القاعدة عليه.\nولابد من الإشارة أيضًا إلى أن حكم الناقد على حديث معين بأن المدلس لم يسمعه، قد يكون اجتهادًا من الناقد يخالفه فيه غيره من النقاد، وقد يقوم عند الباحث نفسه، ما يدل على أنه قد سمعه، كتصريح بتحديث، كما يقع ذلك في إثبات أصل السماع، فيحتاج الباحث حينئذٍ إلى النظر والموازنة.\nمثال ذلك حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس في القضاء بالشاهد واليمين، فقد تقدم في أول هذا المبحث عن أحمد ما يدل على أنه لم يسمعه، فإن أحمد نص على الأحاديث التي سمعها، وليس هذا منها، وتقدم قريبًا نص البخاري على أنه لم يسمعه، والحديث أخرجه مسلم من هذا الطريق أصلًا في بابه (^١)، وقواه جماعة من الأئمة (^٢).\nوذكر العلائي عن أبي نعيم قوله في: \"حديث سفيان، عن عمرو بن مرة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء: \"قنت النبي - ﷺ - في الصبح \" - لم يسمعه سفيان من عمرو، دلسه \".\nواستظهر العلائي أن المقصود سفيان الثوري (^٣).\nوالحديث أخرجه مسلم في \"صحيحه\"، من رواية الثوري، وشعبة، عن\n_________\n(^١) \" صحيح مسلم \" حديث (١٧١٢).\n(^٢) انظر: \" التلخيص الحبير \" ٤: ٢٢٥.\n(^٣) \" جامع التحصيل \" ص ٢٢٦.","vol":"1","page":260},{"text":"عمرو بن مرة (^١)، وجاء تصريح الثوري بسماعه من عمرو في غير \"صحيح مسلم\" من غير طريق (^٢).\nوقال الأثرم: \"سمعت أبا عبد الله ذكر حديث هشيم، عن ابن شبرمة، عن الشعبي في (الذي يصوم في كفارة ثم يوسر)، فقال: لا أراه سمعه من ابن شبرمة، قيل لأبي عبدالله عن أبي جعفر محمد بن عيسى: إنه يقول فيه: قال: أخبرنا ابن شبرمة، فكأنه تعجب، ثم قال: هذا قال لي إنسان: إنه لم يسمعه، وإنه عن رجل، عن ابن شبرمة، قلت لأبي عبد الله: إنهم يغلطون عليه، ويقولون في كثير من حديثه، وقلت له: ألا إن أبا جعفر عالم بهذا، فقال: نعم، أبو جعفر كيِّس فهم \" (^٣).\nومراد الأثرم - فيما يظهر - أن هشيمًا لما كان مشهورًا بالتدليس مكثرًا منه صاروا يتهمونه به في أحاديث قد سمعها، يغلطون عليه، ثم عقبه بأن أبا جعفر محمد بن عيسى - وهو المعروف بابن الطباع - عالم بما سمعه هشيم وما دلسه.\n_________\n(^١) \" صحيح مسلم\" حديث (٦٧٨).\n(^٢) \" سنن النسائي \" حديث (١٠٧٥)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٦٣)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٩٩.\n(^٣) \" تاريخ بغداد \" ٢: ٣٩٥، و\"تهذيب الكمال\" ٢٦: ٢٦١.","vol":"1","page":261},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث الرابع\nالتدليس والتصريح بالتحديث</span>\nإذا روى المدلس حديثًا بصيغة صريحة في السماع والاتصال، مثل: حدثنا فلان، وأخبرنا فلان، وسمعت فلانًا يقول، ونحو ذلك، فالقاعدة العامة فيها أن المدلس يلتحق بغيره ممن لم يوصف بالتدليس، إذ خرج بها عن كونه مدلسًا، ولا يعرف عن أحد من المحدثين بعينه أنه ذهب إلى رد رواية المدلس بسبب تدليسه وإن صرح بالتحديث، وإنما يذكر ذلك عن بعض الأصوليين، وخص بعضهم الرد بمن يسقط الضعفاء والمجهولين، فإن روايته مردودة وإن صرح بالتحديث.\nورد رواية المدلس حينئذٍ لا يدخل في باب الاتصال والانقطاع، وإنما هو من باب جرح الراوي والقدح في عدالته لارتكابه هذا الفعل، لما فيه من الغش والخداع.\nوالذي عليه أئمة الحديث أن التدليس ضرب من الإيهام وليس بكذب يجرح به الراوي في عدالته، وقد فعله أئمة كبار، فإذا صرح بالتحديث قبلت روايته، بل حكى ابن القطان الإجماع على قبول ما صرح فيه المدلس بالتحديث إذا كان ثقة (^١).\n_________\n(^١) \"الجليس الصالح\" ٢: ٤٢٨، و\"الكفاية\" ص ٦٣١، و\"الإحكام\" لابن حزم ١: ١٥٨، و\"بيان الوهم والإيهام\" ٢: ٤٣٥، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٤٦٠، و\"ميزان الاعتدال\" ٢: ٢٢٤، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٣٢، و\"فتح الباري\" ١: ٤٩٨، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٤، ٢١٦.","vol":"1","page":263},{"text":"ولا شك أن العبرة بما سار عليه أئمة الحديث دون غيرهم، وما على الباحث إذا حقق ما ذهبوا إليه سوى شرحه وتفصيله، والتنبيه على بعض جزئياته التي تحتاج إلى ذلك، وفي مسألتنا هذه ثلاثة أمور تحتاج إلى تنبيه:\nالأمر الأول: كون التدليس غير مؤثر في عدالة الراوي وفي قبول روايته إذا صرح بالتحديث ليس معناه أنه لا تأثير للتدليس مطلقًا على روايات الراوي بصفة عامة، فالتدليس له تأثير وأي تأثير، وتختلف درجته بحسب إكثار الراوي من التدليس وإقلاله منه، وبحسب نوع التدليس الذي يرتكبه، والرواة الذين يسقطهم، وأهم ذلك حفظ الراوي وضبطه.\nفلا تأثير للتدليس يذكر على من فعله من الأئمة الحفاظ الأثبات، كالأعمش، وهشيم، وابن جريج إذا صرحوا بالتحديث.\nوفي مقابلهم جماعة من الرواة في حفظهم شيء في الأصل، ثم ارتكبوا التدليس بكثرة، وقد يصاحب ذلك الإكثار من التدليس عن الضعفاء والمجاهيل، فعاد هذا على جملة رواياتهم بالضعف، وإن صرحوا بالتحديث، إذ يخشى أن يكون ما يصرح به بالتحديث - بسبب ضعف حفظه - مما لم يسمعه أصلًا، فاشتبه عليه، أو لُقِّن إياه.\nويمثل لذلك بيحيى بن أبي حية أبي جناب الكلبي، قال فيه يزيد بن هارون: \"كان صدوقًا، ولكن كان يدلس\" (^١)، وقال أيضًا: \"كان أبوجناب\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ٢٠٢.","vol":"1","page":264},{"text":"يحدثنا عن عطاء، والضحاك، وابن بريدة، فإذا وقفناه نقول: سمعت من فلان هذا الحديث؟ فيقول: لم أسمعه منه، إنما أخذت من أصحابنا\" (^١).\nوقال أبونعيم: \"أبوجناب ثقة، كان يدلس\" (^٢)، وقال أيضًا: \"ما كان به بأس، إلا أنه كان يدلس\" (^٣).\nوقال ابن نمير: \"صدوق، كان صاحب تدليس أفسد حديثه بالتدليس، كان يحدث بما لم يسمع\" (^٤).\nوقال ابن حبان: \"كان ممن يدلس على الثقات ما سمع من الضعفاء، فالتزقت به المناكير التي يرويها عن المشاهير، فوهاه يحيى بن سعيد القطان، وحمل عليه أحمد بن حنبل حملًا شديدًا\" (^٥).\nوكذا وصفه بالصدق جماعة غير هؤلاء ورموه بالتدليس، وأطلق وصف الضعف عليه جماعة آخرون.\nفهذا قد أثّر تدليسه على باقي أحاديثه، فلا يقول قائل: قد وصفه الأئمة بالصدق، فإذا صرح بالتحديث زالت شبهة التدليس فقبل حديثه، كما وقع ذلك من بعض الباحثين، فقد ذكر إسنادًا فيه يحيى بن أبي حية، ثم نقل عن ابن\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ٩: ١٣٩.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١١٤.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ٩: ١٣٩.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٩: ١٣٩.\n(^٥) \"المجروحين\" ٣: ١١١.","vol":"1","page":265},{"text":"حجر قوله فيه: \"ضعفوه لكثرة تدليسه\" (^١)، وعقبه بقوله: \"وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه\"، إذ يقال له: تدليس ابن أبي حية لكثرته وصفته عاد على باقي رواياته بالضعف، إذ هو - بغض النظر عن تدليسه - وسط، لم يقو على دفع تأثير التدليس عليه، ولذا قال فيه ابن حجر كلمته السابقة.\nومن هذا الباب ترك عبدالرحمن بن مهدي الرواية عن المبارك بن فضالة، فحال مبارك في نفسه لا توجب ترك الرواية عنه، فهو لا بأس به، وقد بين أحمد سبب ترك عبدالرحمن له، وأنه بسبب كثرة التدليس، قال أحمد: \"تركه عبدالرحمن، لأنه كان يروي أقاويل للحسن يأخذها من الناس، قال الحسن، وقال الحسن، فتركه لهذا\" (^٢).\nوالمتأمل في حال بقية بن الوليد يرى تأثير التدليس على باقي رواياته، فقد أكثر منه جدًا، وارتكب ضروبًا من التدليس، ولهذا فهو مع صدقه وحفظه ليس له في \"الصحيحين\" سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات، فقد أخرجه من طرق كثيرة (^٣).\nوالعجيب أن هذا الحديث عند مسلم يحتمل أن يكون بقية دلس فيه مع تصريحه بالتحديث، فقد قال: حدثنا الزبيدي، عن نافع، وظاهره أنه يعني محمد بن الوليد الزبيدي الثقة الحافظ، لكن كان بقية يروي عن سعيد بن\n_________\n(^١) \"التقريب\" ص ٥٨٩.\n(^٢). \"الضعفاء الكبير\" ٤: ٢٢٥.\n(^٣) \"صحيح مسلم\" حديث (١٤٢٩).","vol":"1","page":266},{"text":"عبدالجبار الزبيدي، وهو ضعيف، ويروي عن زرعة الزبيدي، وهو مجهول، ويقول فيهما: حدثنا الزبيدي، يوهم أنه محمد بن الوليد (^١)، وهذا من تدليس الشيوخ.\nالأمر الثاني: حين يقال بأن المدلس إذا صرح بالتحديث فروايته مقبولة - مراد به أن يصح تصريحه بالتحديث، فلا يكون هناك خطأ أو لبس في هذا التصريح، وأن يكتفى به من المدلس، فكثير من الباحثين يسعى دائبًا في البحث عن رواية يصرح فيها المدلس بالتحديث، وبمجرد وقوفه عليها يحكم بالاتصال، دون دراسة لهذه الرواية، مع أن بعض ما يرد من تصريح بالتحديث من قبل المدلسين بعد دراسته وتمحيصه لا يثبت عنه، أو يثبت عنه ولكن لا يصح أيضًا، أو يصح ولكن لا يكتفى به، وجملة ذلك ترجع إلى أربعة أسباب:\nالأول: تعمد بعض المدلسين إخفاء تدليسهم، فيسلكون طرقًا من أجل ذلك، وقد يصرحون بالتحديث مع أنهم قد دلسوا، إذ لم يسمعوا ذلك ممن رووا عنه، يفعلون ذلك في مواجهة حرص الرواة على أن يكتشفوا تدليس المدلسين، فيميزوا بين ما سمعه المدلس من شيخه، مما لم يسمعه منه، وجرت بين الفريقين مناورات طريفة.\nومن هذا الباب ما سماه ابن حجر (تدليس القطع) (^٢)، وهو أن يقول\n_________\n(^١) \"المجروحين\" ١: ٩١، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٢٤، وانظر في أثر التدليس على بقية بن الوليد: \"جامع التحصيل\" ص ١١٤.\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦١٧، و\"تعريف أهل التقديس\" ص ١٣١، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٣.","vol":"1","page":267},{"text":"المدلس: حدثنا، ثم يسكت قليلًا ينوي القطع، ثم يقول: فلان، عن فلان، وهو لم يسمعه منه.\nقال ابن سعد في عمر بن علي المقدمي: \"كان يدلس تدليسًا شديدًا، وكان يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش\" (^١).\nوقال أبوداود: \"بلغني عن أحمد قال: ما أعياني أحد في التدليس ما أعياني عمر بن علي المقدمي، يقول لي: اكتب: حدثنا\" (^٢)، ولهذا - والله أعلم - لم يكتب أحمد عنه شيئًا (^٣).\nوربما سمى المدلس بينه وبين نفسه من حدثه، كما حكى أبوالأحوص البغوي محمد بن حيان وذكر هشيمًا وتدليسه فقال: \"جلست إلى جانبه وهو يحدث، فجعل يقول: أخبرنا - يرفع صوته ـ، ثم يسكت فيقول فيما بينه وبين نفسه: فلان، ثم يرفع صوته: داود، عن الشعبي، عن فلان، عن فلان\" (^٤).\nومنه ما سماه ابن حجر أيضًا (تدليس العطف) (^٥)، وصفته أن يصرح المدلس بالتحديث عن شيخ له قد سمع منه الحديث، ثم يعطف عليه شيخًا آخر\n_________\n(^١) \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٢٩١.\n(^٢) \"سؤالات الآجري\" ٢: ٢٩.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١٤.\n(^٤) \"الكفاية\" ص ١٦٥.\n(^٥) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦١٧، و\"تعريف أهل التقديس\" ص ٢٥، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٣.","vol":"1","page":268},{"text":"له لم يسمعه منه.\nومن أمثلته قصة هشيم المشهورة مع أصحابه، \"فقد اجتمعوا يومًا على أن لا يأخذوا منه التدليس، ففطن لذلك، فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين، ومغيرة، عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلَّست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفًا مما ذكرته، إنما قلت: حدثنا حصين، ومغيرة غير مسموع لي\" (^١).\nوكذلك ما حكى أحمد قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: \" أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين، وللرجل سهمًا ... \"، حدثنا هشيم قال: وعبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثل ذلك، قال أحمد: \"لم يسمعه هشيم من عبيدالله\" (^٢).\nوروى سعيد بن منصور، قال: \"جاء عبدالرحمن بن مهدي إلى هشيم، فسأله عن أحاديث، وجعل يتحفظ ألا يدلس، ويسمع ويتحفظ ولا يكتب، ثم تنحى وجعل يكتب ما سأله باختيار، وكان فيما سأله: منصور بن زاذان، عن الحسن - شيء في القوارير - قال: فكتب باختيار، فقلت له: يا أبا سعيد، هذا لم يسمعه من منصور، دَلَّس عليك ... \" (^٣).\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٥.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦١ - ٢٦٢، وانظر: \"مسائل أبي داود\" ص ٤٢٥، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢.\n(^٣). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٦٦، وفي النسخة تحريف.","vol":"1","page":269},{"text":"ومن أدق التدليس وأخفاه تدليس جملة أو كلمة في أثناء الإسناد أو المتن، كما قال أحمد في هشيم: \"كان يدلس تدليسًا وحشًا، وربما جاء بالحرف الذي لم يسمعه، فيذكره، في حديث آخر، إذا انقطع الكلام يوصله\" (^١).\nفربما وقف الباحث على تصريح للمدلس بالتحديث في أصل الحديث، ولم يتنبه لموضع التدليس، وقد تقدم في المبحث الثالث أمثلة على التدليس الجزئي.\nولا شك أن تمييز ما تقدم يعسر على الباحث، لكن يمكنه أن يستفيد منه حين يعارضه نفي السماع، أو حين تدل القرائن على عدم السماع.\nوقد يكون في الرواية ما يثير ريبة الناظر فيها، كما إذا وقف الباحث على رواية لمدلس صرح فيها بالتحديث في أول شيخ له، ثم عطف عليه غيره، فإن هذا يحدث ريبة في النفس أن يكون دلَّس فيه، إذا كان المدلس عرف عنه ارتكاب هذا النوع من التدليس.\nمثال ذلك ما رواه أحمد قال: \"حدثنا هشيم، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، وإسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، والمغيرة، عن إبراهيم - أنهم قالوا في دية الخطأ: أخماسًا، ما دون النفس \" (^٢).\nالثاني: أخطاء المدلسين أنفسهم، فيخطئ المدلس ويصرح بالتحديث، ظنًا منه أنه مما سمعه، ولا يكون الواقع كذلك.\nمثال ذلك ما روى أبو بكر بن خلاد، قال: \"سمعت يحيى (يعني القطان)\n_________\n(^١). \"علل المروذي\" ص ٥١.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٦٦.","vol":"1","page":270},{"text":"يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة، قال يحيى: رفعه قال فيه: حدثنا - يعني محمد بن عباد - وهو في الكتب عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به\" (^١).\nومراد القطان أن ابن جريج روى له الحديث من حفظه عن محمد بن عباد ابن جعفر، وصرح بالتحديث عنه، وهو مخطئ في ذلك، إذ الحديث في كتب ابن جريج يرويه بواسطة عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، وقد رواه جماعة عن ابن جريج كذلك، ورواه آخرون بإسقاط عبدالحميد، لكن دون تصريح ابن جريج بالتحديث عن محمد (^٢).\nوقال أحمد: \"كان هشيم يومًا يقول: حدثنا، وأخبرنا، ثم ذكر أنه لم يسمع فقال: يا صَبَّاح قل لهم: يوسعون الطريق حتى يمر الصبي والمرأة، ثم قال: فلان عن يونس، وفلان عن مغيرة\" (^٣).\nوقال ابن معين: \"سمعت هشيمًا يحدث يومًا فقال: حدثنا علي بن زيد، ثم ذكر أنه لم يسمعه من علي بن زيد، فتنحنح، ثم قال: سووا الطريق، ثم قال:\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٣٩.\n(^٢). \"صحيح البخاري\" حديث (١٩٨٤)، و\"صحيح مسلم\" حديث (١١٤٣)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٢٧٤٦ - ٢٧٤٩).\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٠.","vol":"1","page":271},{"text":"قال علي بن زيد\" (^١).\nوانصراف هشيم إلى تسوية الطريق من أجل تصحيح ما وقع فيه من خطأ دون أن يتنبه الحاضرون لخطئه.\nوقال علي بن المديني: \"سمعت يحيى يقول في حديث ابن جريج: عن ابن عباس في رجل آجر نفسه في الحج - قال: أملى علي (يعني ابن جريج) من حفظه: حدثنا عطاء، عن ابن عباس، وكان في كتابه: حدثت عن سعيد بن جبير، وقال عطاء، عن ابن عباس، قلت ليحيى: تراه حديث مسلم البطين؟ قال: نعم، وليس من صحيح حديثه (يعني ابن جريج) عن عطاء\" (^٢).\nولا شك أن معرفة هذا بالنسبة للباحث أمر عسير أيضًا، ويمكن أن يقال فيه ما تقدم في السبب الأول، في كيفية استفادة الباحث منه.\nالثالث: يرتكب بعض المدلسين نوعًا من التدليس لا يسقط فيه شيخه الذي حدثه، ويرويه عنه بصيغة صريحة في السماع، لكنه يسقط راويًا من وسط الإسناد، ويجعل الرواية بين من دون المسقط ومن فوقه بصيغة (عن)، وقد يكون المسقط ثقة، فالغرض من إسقاطه طلب علو الإسناد، وقد يكون ضعيفًا - وهذا هو الغالب - فالغرض منه تقوية الإسناد (^٣).\nوقد كان الأئمة يسمونه تسوية، فيقولون: فلان يسوي الأسانيد، كما قال\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢١.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٨.\n(^٣) \"الكفاية\" ص ٣٦٤، و\"بيان الوهم والإيهام\" ٥: ٤٩٩، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٢١.","vol":"1","page":272},{"text":"أبوزرعة الدمشقي: \"كان صفوان بن صالح، ومحمد بن مصفى يسويان الحديث\" (^١).\nوقال ابن حبان في إبراهيم بن عبدالله المصيصي: \"كان يسوي الحديث\" (^٢).\nكما يدخل هذا الصنيع في مصطلح آخر وهو (التجويد)، فيقولون: جوده فلان، أي جعل الإسناد جيدًا، لكن التجويد أعم منه، فلا يشترط قصد التدليس والتغطية، إذ قد يكون ذلك وقع غلطًا، بل قد يكون الصواب مع المجوِّد، ثم إن التجويد قد يكون بزيادة راوٍ وليس بحذفه، فالتجويد إذًا جعل صورة الإسناد جيدة، في مقابل رواية أخرى فيها علة، بغض النظر عن الصواب منهما، وعن النية والقصد، وعن الحذف والزيادة، وليس هذا موضع شرح هذا المصطلح.\nوقد ارتكب تدليس التسوية بعض المدلسين من الأئمة، كالأعمش، والثوري، وابن جريج، وهشيم (^٣)، لكنهم لم يشتهروا به، ولعل ذلك لندرة ارتكابهم له.\nواشتهر هذا النوع من التدليس عن بعض مدلسي أهل الشام، كالوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، ومحمد بن المصفى، وصفوان بن صالح، وإبراهيم\n_________\n(^١) \"المجروحين\" ١: ٩٤.\n(^٢) \"المجروحين\" ١: ١١٦.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال ١: ٣٧٦، ٢: ٢٤٧ فقرة (٢١٣٨)، و\"الكامل\" ١: ١٦١، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١١٧، و\"الكفاية\" ص، ٣٦٤، ٣٦٥، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٢١.","vol":"1","page":273},{"text":"المصيصي، ونسب ابن حبان هذا الفعل إلى أصحاب بقية، وأنهم يفعلون هذا أيضًا بأحاديثه (^١).\nقال الهيثم بن خارجة: \"قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: وكيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي، عن نافع، وعن الأوزاعي، عن الزهري، وعن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع: عبدالله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري قرة وغيره، فما يحملك على هذا؟ قال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء، قلت: فإذا روى الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي، قال: فلم يلتفت إلى قولي\" (^٢).\nوقال أبوداود: \"الوليد أفسد حديث الأوزاعي، أحاديث عند الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وعن رجل عن عطاء، وعن رجل عن نافع، جعلها: الأوزاعي عن الزهري، وعن عطاء، وعن نافع، ولا نعلم أن الأوزاعي حَدَّث عن نافع إلا بمسألة\" (^٣).\nوقال أبوداود أيضًا: \"أدخل الأوزاعي بينه وبين الزهري، ونافع، وبين عطاء نحوًا من ستين رجلًا، أسقطها الوليد كلها\" (^٤).\n_________\n(^١) \"المجروحين\" ١: ٩٤، ٢٠١.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ١٥٤.\n(^٣) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٨٦.\n(^٤) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٨٦، وانظر: \"الضعفاء والمتروكون\" للدارقطني ص ٤١٥.","vol":"1","page":274},{"text":"ومن الأحاديث التي صنع بها الوليد مثل ما تقدم فانشغل النقاد بسببه - حديث المغيرة بن شعبة في مسح أعلى الخف وأسفله، قال الوليد: أخبرني ثور ابن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة بن شعبة، عن المغيرة: \" أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله \" (^١).\nفهذا الحديث أطبق النقاد على أنه عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن النبي ﷺ، هكذا رواه ابن المبارك عن ثور بن يزيد (^٢)، فالوليد دلسه تدليس تسوية، وأخطأ في ذكر المغيرة، فالحديث مرسل.\nوقد دلس هذا الحديث أيضًا تدليس تسوية إبراهيم بن أبي يحيى، فرواه عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، كرواية الوليد بن مسلم (^٣)، لكن إبراهيم هذا متروك الحديث، كذبه الأئمة (^٤).\nومن أمثلة تدليس التسوية أيضًا حديث رواه بقية بن الوليد قال: حدثنا معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" حديث (١٦٥)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٩٧)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٥٥٠)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٥١، و\"المنتقى\" حديث (٨٤)، و\"المعجم الكبير\" حديث (٩٣٩)، و\"سنن الدارقطني\" ١: ١٩٥، و\"سنن البيهقي\" ١: ٢٩٠، و\"التمهيد\" ١١: ١٤٧.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" ١: ١١٧، و\"سنن الترمذي\" ١: ١٦٣، و\"سنن الدارقطني\" ١: ١٩٥، و\"المحلى\" ٢: ١٥٥، و\"التلخيص الحبير\" ١: ١٦٨.\n(^٣) \"مختصر المزني\" ص ١٠.\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" ١: ١٥٨، و\"التقريب\" ص ٩٣.","vol":"1","page":275},{"text":"الله ﷺ: \" إن المعونة لتأتي من الله على قدر المؤونة ... \" (^١)، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه وأبازرعة عنه، فقال أبوحاتم: \"كنت معجبًا بهذا الحديث حتى ظهرت لي عورته، فإذا هو: معاوية، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد\"، وقال أبوزرعة: \"الصحيح ما رواه الدراوردي، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، فبين معاوية بن يحيى وأبي الزناد: عباد بن كثير، وعباد ليس بالقوي\" (^٢).\nوعباد بن كثير هذا هو البصري، وهو متروك الحديث (^٣).\nوحديث آخر رواه بقية أيضًا، قال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية، قال: حدثني أبو وهب الأسدي، قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: \" لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه \".\nقال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها، روى هذا الحديث عبيدالله ابن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، وعبيدالله بن عمرو كنيته أبووهب، وهو أسدي، فكأنَّ بقية ابن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد، لكي لا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، قال: وكان بقية من أفعل\n_________\n(^١) \"الكامل\" ٢: ٤٧٠، ٦: ٢٣٩٧.\n(^٢) \"علل الحديث\" ٢: ١٣٣، وانظر: \" الكامل\" ٤: ١٤٣٥، ٦: ٢٢٤٢، و\"كشف الأستار\" ٢: ١٩٥ حديث (١٥٠٦).\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ٥: ١٠٠.","vol":"1","page":276},{"text":"الناس لهذا، وأما ما قال إسحاق في روايته عن بقية، عن أبي وهب: حدثنا نافع - فهو وهم، غير أن وجهه عندي أن إسحاق لعله حفظ عن بقية هذا الحديث، ولما يفطن لما عمل بقية من تركه إسحاق من الوسط، وتكنيته عبيدالله بن عمرو، فلم يتفقد لفظ بقية في قوله: حدثنا نافع، أو عن نافع\" (^١).\nويؤيد ما قاله هذا الإمام الجليل أن بقية رواه لغير إسحاق بن راهويه غير مُدَلَّس، فذكر إسناده تامًا (^٢).\nوإسحاق بن أبي فروة الذي أسقطه بقية متروك الحديث، كذبه بعض الأئمة (^٣).\nوقد أسقطه راوٍ آخر في حديث ذكره ابن أبي حاتم أيضًا، وهو يدل على خطورة تدليس التسوية، وأنه - كما قال الأئمة - شر أنواع التدليس، ويبرز فضل أئمة النقد، وعلو مكانتهم، قال ابن أبي حاتم: \" وسمعت أبي: سئل عن حديث رواه منصور بن [سقير]، عن موسى بن أعين، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: \"إن الرجل ليكون من أهل الصوم والصلاة والزكاة والحج - حتى ذكر سهام الخير - فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله\".\nقال أبي: سمعت ابن أبي الثلج يقول: ذكرت هذا الحديث ليحيى بن معين، فقال: هذا حديث باطل، إنما رواه موسى بن أعين، عن صاحبه عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" ٢: ١٥٤، وانظر ١: ٣٩٣ حديث (١١٧٧).\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٦٥.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٢٤٠.","vol":"1","page":277},{"text":"النبي - ﷺ -، فرفع إسحاق من الوسط، فقيل: موسى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.\nقال أبي: وكان موسى، وعبيد الله بن عمرو صاحبين يكتب بعضهما عن بعض، وهو حديث باطل في الأصل.\nقيل لأبي: ما كان منصور هذا؟\nقال: ليس بقويّ، كان جنديًا وفي حديثه اضطراب.\nأخبرنا أبو محمد (^١)، قال: حدثنا عبدالرحيم بن شعيب، قال: حدثنا ابن أبي الثلج، قال: كنا نذكر هذا الحديث ليحيى بن معين سنتين أو ثلاثًا، فيقول: هو باطل ولا يدفعه بشيء. حتى قدم علينا زكريا بن عديّ فحدثنا بهذا الحديث عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، فأتيناه فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو \" (^٢).\nإذا تبين هذا فالمدلس تدليس تسوية يحتاج إلى النظر في رواية من بعده، وهل فيها تصريح بالسماع أو لا، ولا يكفي تصريحه هو بالتحديث، فإذا صرح بالتحديث انتقل النظر إلى رواية من بعده.\nالرابع: أخطاء الرواة، فكما يخطئ الراوي على شيخه أو شيخ شيخه في رفع حديث أو في وصله، أو في تغيير متنه، يخطئ عليه في التصريح بالتحديث\n_________\n(^١) أبو محمد هو ابن أبي حاتم.\n(^٢) \"علل الحديث\" ٢: ١٢٩، وانظر: \"الضعفاء الكبير\" ٤: ١٩٢، و\"المجروحين\" ٣: ٤٠، وانظر مثالًا آخر لتدليس التسوية في \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ١٠٦، و\"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ٢: ٣٦٥.","vol":"1","page":278},{"text":"من شيخه، وقد تقدم في الفصل الثاني أن الراوي قد يخطئ في التصريح بالتحديث من راوٍ لم يسمع أصلًا ممن روى عنه، فكذلك هنا، فقد ذكر أبوحاتم أحاديث من رواية هشام بن خالد الأزرق، عن بقية بن الوليد يصرح فيها بالتحديث عن ابن جريج، وحكم أبوحاتم عليها بأنها موضوعة، ثم قال: \"وكان بقية يدلس، فظن هؤلاء أنه يقول في كل حديث: حدثنا، ولم يتفقدوا الخبر منه\" (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن حديث رواه بقية قال: حدثني ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \" لا تبدؤوا بالكلام قبل السلام، فمن بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه \"، قال أبي: هذا حديث باطل، ليس من حديث ابن أبي رواد\" (^٢).\nوسئل أبو زرعة عن هذا الحديث - والراوي عن بقية كما في السؤال أبو تقي الحمصي - فقال: \"هذا حديث ليس له أصل، لم يسمع بقية هذا الحديث من عبدالعزيز (يعني ابن ابي رواد)، إنما هو عن أهل حمص، وأهل حمص لا يميزون هذا\" (^٣).\nوكذا ذكر ابن عدي في ترجمة بقية جملة من الأحاديث المنكرة يصرح فيها بالتحديث، وأشار إلى معنى ما ذكره أبوحاتم وأبو زرعة في نقدها (^٤).\nوقال ابن رجب بعد أن تحدث عن وقوع الأخطاء من الرواة في صيغ\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" ٢: ١٢٦، ٢٩٥.\n(^٢) \"علل الحديث\" ٢: ٢٩٤.\n(^٣). \"علل الحديث\" ٢: ٣٣١.\n(^٤) \"الكامل\" ٢: ٥٠٧.","vol":"1","page":279},{"text":"التحديث، وأنه ينبغي التفطن، فلا يغتر بمجرد ذلك: \"وذكر أحمد أن ابن مهدي حدث بحديث عن هشيم: أخبرنا منصور بن زاذان، قال أحمد: ولم يسمعه هشيم من منصور\" (^١).\nوقد ذكر ابن معين أيضًا خطأ عبدالرحمن بن مهدي هذا (^٢).\nومن الطريف في هذا أن يبلغ المدلس الخطأ عليه في تصريحه بالتحديث، فيصحح هذا الخطأ، ويبين أنه لم يروه بصيغة صريحة، فمن ذلك قول أبي عبيدة عبدالواحد بن واصل الحداد: \"كتبت لأبي حرة حديثه: سمعت الحسن، أو حدثنا الحسن، فقال: ما قلت هذا، أنا أقول هذا؟ ! !، قال: فما قال في شيء: سمعت الحسن، إلا في ثلاثة أشياء\" (^٣).\nويلتحق بأخطاء الرواة أخطاء النساخ بالنسبة للمخطوطات، وأخطاء الطباعة بالنسبة للمطبوعات، وهذا كثير جدًا، وقد شكا من ذلك الإمام الذهبي في عصره وما قبله، فما الظن بالعصور اللاحقة؟ قال: \"فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيرًا عن الهلكى، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي - تجنبوه، وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود - عاينوا الأصول، وعرفوا عللها، وأما\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩٤.\n(^٢) \" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٣٦٠.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٦٦، وانظر أيضًا: ١: ٣١٠ فقرة (٥٣٠)، ٢: ٥٩٥ فقرة (٣٨٢٣)، ٣: ٢٤٢ فقرة (٥٠٦٣)، و\"سؤالات أبي داود\" ص ٣٢٩ فقرة (٤٦٦).","vol":"1","page":280},{"text":"نحن فطالت علينا الأسانيد، وفقدت العبارات المتيقنة، وبمثل هذا ونحوه دخل الدخل على الحاكم في تصرفه في (المستدرك) \" (^١).\nوالتفريق بين ما هو من أخطاء الرواة وما هو من أخطاء النساخ قد لا يتهيأ دائمًا، لكن النتيجة واحدة.\nولأهمية هذا الموضوع سأذكر الآن جملة من الأحاديث كأمثلة على هذه المسألة.\nمنها ما أخرجه البخاري عن شيخه علي بن المديني، عن محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن الأعمش، قال: حدثني مجاهد، عن ابن عمر مرفوعًا: \" كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل \" (^٢).\nفهذا الحديث أنكر الإمام عمرو بن محمد الناقد على علي بن المديني جعله رواية الأعمش عن مجاهد بصيغة (حدثني)، وذكر أن الطفاوي إنما حدثهم بالعنعنة بين الأعمش ومجاهد، واستظهر أن الأعمش إنما رواه عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد (^٣).\nوذكر ابن رجب أن جماعة - لم يسمهم - أنكروا كذلك سماع الأعمش لهذا الحديث من مجاهد (^٤).\nوتأيد هذا بأن جماعة آخرين رووه عن الطفاوي بالعنعنة، وكذلك رواه\n_________\n(^١). \"الموقظة\" ص ٤٦.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" حديث (٦٤١٦).\n(^٣) \"الضعفاء الكبير\" ٣: ٢٣٩.\n(^٤) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٥٤، و\" جامع العلوم والحكم \" ص ٣٥٦.","vol":"1","page":281},{"text":"غير الطفاوي بالعنعنة أيضًا (^١)، ثم إن الحديث معروف عن ليث بن أبي سليم، حيث رواه حماد بن زيد، وسفيان الثوري، وأبومعاوية عنه عن مجاهد (^٢)، وقد سئل الأعمش عن شيء رواه عن مجاهد، فذكر أنه سمعه من ليث بن أبي سليم (^٣).\nولعل البخاري تسامح في إخراجه لكونه في الرقاق، ثم له طريق آخر إلى ابن عمر، فقد جاء عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر (^٤)، لكن عبدة بن أبي لبابة رأى ابن عمر، وفي سماعه منه خلاف (^٥).\nومثله ما أخرجه مسلم عن نصر بن علي الجهضمي، عن أبي أسامة حماد ابن أسامة، عن الأعمش قال: حدثنا أبوصالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \" من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ... \" الحديث (^٦).\n_________\n(^١) انظر: \"صحيح ابن حبان\" حديث (٦٩٨)، و\"روضة العقلاء\" لابن حبان ص ١٤٨ - ١٤٩، و\"المعجم الكبير\" حديث (١٣٤٧)، و\"فتح الباري\" ١١: ٢٣٣، و\"هدي الساري\" ص ٤٤١.\n(^٢) \"سنن الترمذي\" حديث (٢٣٣٣)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٤١١٤)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٤١.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٥٥.\n(^٤) \"مسند أحمد\" ٢: ١٣٢، و\"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ١١٧، و\"تحفة الأشراف\" ٥: ٤٨١.\n(^٥) انظر: \"المراسيل\" ص ١٣٦، و\"حلية الأولياء\" ٦: ١١٥، و\"تهذيب الكمال\" ١٨: ٥٤٣.\n(^٦) \"صحيح مسلم\" حديث (٢٦٩٩).","vol":"1","page":282},{"text":"فهذا الحديث رواه محمود بن غيلان عن أبي أسامة فلم يذكر تصريح الأعمش بالتحديث من أبي صالح (^١)، وهكذا رواه جمع غفير عن الأعمش فلم يذكروا تصريحه بالتحديث (^٢).\nورواه أسباط بن محمد، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح (^٣)، ورواه عبيدة بن الأسود، عن الأعمش، عمن حدثه، عن أبي صالح (^٤).\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" حديث (٢٦٤٦، ٢٩٤٥).\n(^٢) \"صحيح مسلم\" حديث (٢٦٩٩)، و\"سنن أبي داود\" حديث (٤٩٤٦)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١٤٢٥)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٧٢٨٨ - ٧٢٨٩)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٢٥)، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢٥٢، ٤٠٧، و\"مستدرك الحاكم\" ٤: ٣٨٤، و\"علل الدارقطني\" ١٠: ١٨٣.\n(^٣) \"سنن أبي داود\" حديث (٤٩٤٦)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١٤٢٥، ١٩٣٠)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٧٢٩٠)، و\"علل الأحاديث في صحيح مسلم\" ص ١٣٦.\n(^٤) \"علل الدارقطني \" ١٠: ١٨٥ معلقًا.\nوانظر أمثلة أخرى لما أخرجه البخاري، وقد قيل: إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث على مدلس في \"صحيح البخاري\" الأحاديث (٢٤١)، (٣٩١ - ٣٩٣)، (٧٥٠)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٢ فقرة (٤٩٦٦)، و\" فتح الباري\" لابن رجب ٢: ٢٨٤، ٣٢٥ ولابن حجر ١: ٤٩٧.\nومثالين آخرين لما أخرجه مسلم، في \"صحيح مسلم\" حديث (٣١١)، (٢٨٦٥)، و\"مسند أحمد\" ٤: ١٦٢، ٢٦٦، و\"مسند الطيالسي\" حديث (١١٧٥)، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٢ فقرة (٤٩٦٦)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٦٥٣)، و\"المعجم الكبير\" ١٧: ٣٦٠ - ٣٦١ حديث (٩٩٢ - ٩٩٤).\n\nومثالًا لما اتفقا عليه، وتعقبا بأنه وقع فيه تدليس، لكن التصريح بالتحديث فيه خارج \"الصحيحين\"، ويحتمل وقوع خطأ فيه، في \"صحيح البخاري\" حديث (١٨٥٣)، و\"صحيح مسلم\" حديث (١٣٣٥)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٩٢٨)، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (٢٥٣٦)، و\"الإلزامات والتتبع\" ص ٣٥٢، ٤٧٣، و\"هدي الساري\" ص ٣٥٨، و\"فتح الباري\" لابن حجر ٤: ٦٦.","vol":"1","page":283},{"text":"وبهذا أعله جماعة من الحفاظ منهم الترمذي، وأبوالفضل بن الشهيد، والدارقطني، وهو ظاهر صنيع النسائي (^١).\nوقال أبوزرعة لما سئل عن رواية الجماعة، عن الأعمش، عن أبي صالح: \"منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، والصحيح: عن رجل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ\" (^٢).\nوإنما سقت هذين المثالين من \"صحيح البخاري\" و\"صحيح مسلم\" ليضدرك الباحث ضرورة مراعاة الخطأ في التصريح بالتحديث من مدلس، وأنه إذا كان قد استدرك على هذين الكتابين مع جلالتهما، وتحري مؤلفيهما البالغ ـ\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" حديث ١٤٢٥، و\"سنن النسائي الكبرى حديث (٧٢٨٨ - ٧٢٩٠، و\"علل الأحاديث في صحيح مسلم\" ص ١٣٦، و\"جامع العلوم والحكم\" ص ٣١٨.\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ١٦٢، وجاء في حواشي بعض النسخ كما في \" علل ابن أبي حاتم\" تحقيق محمد الدباسي تعليقًا على عبارة: \" منهم من يقول: الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة\" - ما نصه: \"لعله: عن أبي صالح\"، أي لعله: عن رجل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ومثل ذلك يقال في الجملة الأخيرة.","vol":"1","page":284},{"text":"فغيرهما من باب أولى، والأمثلة على ذلك كثيرة.\nفمن ذلك أن مالك بن أنس، وأبا أويس، وعبدالرحمن بن خالد، رووا عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خَرَشة، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر الصديق في شأن الميراث (^١)، وكذا رواه سفيان بن عيينة مرة عن الزهري، إلا أنه لم يسم عثمان (^٢).\nورواه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي، ومعمر، وشعيب، وصالح بن كيسان، وإسحاق بن راشد، ويونس بن يزيد، وسفيان بن عيينة مرة، عن الزهري، عن قبيصة مباشرة دون واسطة، وفي رواية صالح وحده قال الزهري: أخبرني قبيصة (^٣).\nقال النسائي بعد أن أخرج رواية صالح: \"الصواب حديث مالك،\n_________\n(^١). \"موطأ مالك\" ٢: ٥١٣، و\"سنن أبي داود\" حديث (٢٨٩٤)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٢١٠١)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٣٤٦)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٧٢٤)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٢٥، و\"علل الدارقطني\" ١: ٢٤٨، و\"التمهيد\" ١١: ٩٥.\n(^٢). \"سنن الترمذي\" حديث (٢١٠٠)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٣٤٥)، و\"التمهيد\" ١١: ٩٥.\n(^٣). \"سنن الترمذي\" حديث (٢١٠٠)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٣٣٩ - ٦٣٤٠)، (٦٣٤٢ - ٦٣٤٤)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٧٢٤)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٢٥، و\"سنن سعيد بن منصور\" حديث (٨٠)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ١١: ٣٢٠، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (١٢٠)، و\"علل الدارقطني\" ١: ٢٤٨.","vol":"1","page":285},{"text":"وحديث صالح خطأ، لأنه قال: إن قبيصة أخبره، والزهري لم يسمعه من قبيصة\" (^١).\nوروى جماعة كثيرون جدًا من أصحاب ابن جريج عنه، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا في أنه لا قطع على منتهب، أو مختلس، أو خائن، ومنهم من اقتصر على بعضه، ومنهم من زاد فيه: \" ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا \"، رووه عن ابن جريج بالعنعنة، أو بصيغة: قال أبوالزبير، وقد نص جماعة من الأئمة منهم أحمد، وأبوداود، وأبوحاتم، وأبوزرعة، والنسائي أنه لم يسمعه من أبي الزبير، وذكر أحمد أنه سمعه من ياسين الزيات، عن أبي الزبير، وأشار إلى ذلك أبوحاتم، وأبوزرعة أيضًا، وقالا: \"قال زيد بن حباب: أنا حدثت به ابن جريج، عن أبي الزبير \" (^٢).\nوقد رواه عبد الرزاق، عن ياسين الزيات، أن أبا الزبير أخبره عن جابر (^٣).\n_________\n(^١). \"تحفة الأشراف\" ٨: ٣٦٢، وانظر: \"علل الدارقطني\" ١: ٢٤٨، و\"التمهيد\" ١١: ٩٥.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" حديث (٤٣٩١ - ٤٣٩٣)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١٤٤٨)، و\"سنن النسائي\" حديث (٤٩٨٧ - ٤٩٨٩)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٥٩١)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٣٨٠، و\"مصنف عبدالرزاق\" حديث (١٨٨٥٨)، (١٨٨٦٠)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ١٠: ٤٥، ٤٧، و\"شرح معاني الآثار\" ٣: ١٧١، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (١٣١٤)، و\"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٤٥٠، - وفي النسخة سقط - و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٤٤٥٦ - ٤٤٥٧)، و\"الكامل\" ٧: ٢٦٤٢، و\"سنن الدارقطني\" ٣: ١٨٧، و\"الإرشاد\" ١: ٣٥٢، و\"سنن البيهقي\" ٨: ٢٧٩، و\"تاريخ بغداد\" ١: ٢٥٦، ١١: ١٥٣.\n(^٣) \"مصنف عبد الرزاق\" حديث (١٨٨٤٥)، (١٨٨٥٩).","vol":"1","page":286},{"text":"وقد جاء عن ابن جريج مصرحًا فيه بالسماع من أبي الزبير (^١)، ويترجح جدًا وقوع الخطأ في ذلك، إما من الرواة، أو من النساخ، ولَّما أخرجه النسائي من طريق محمد بن حاتم، عن سويد، عن عبدالله بن المبارك، عن ابن جريج قال: أخبرني أبوالزبير به، قال عقبه: \"ما عمل شيئًا، ابن جريج لم يسمعه من أبي الزبير عندنا\" (^٢).\nوروى محمد بن طلحة، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن هارون، وسليمان بن بلال، عن حميد، عن ثابت، عن أنس قصة صلاته ﷺ في مرضه خلف أبي بكر (^٣).\nورواه جماعة آخرون منهم سفيان الثوري، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وأخوه محمد، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي عن حميد، عن أنس ليس بينهما أحد (^٤).\n_________\n(^١) \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (١٨٨٤٤)، و\"سنن الدارمي\" حديث (٢٣٥١)، و\"تاريخ بغداد\" ١: ٢٥٦، و\"العلل المتناهية\" حديث (١٣٢٦).\n(^٢) \"السنن الكبرى\" حديث (٧٤٦٣.\n(^٣). \"سنن الترمذي\" حديث (٣٦٣)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٢٤٣، و\"شرح معاني الآثار\" ١: ٤٠٦، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (٤٢١٣)، (٥٦٤٩)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٢١٢٥).\n(^٤). \"سنن النسائي\" حديث (٧٨٥)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٢١٦، ٢٣٣، ٢٤٣، ٢٥٩، ٢٦٣، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (٣٧٥١)، و\"الأوسط\" لابن المنذر حديث (٢٠٤١)، و\"دلائل النبوة\" ٧: ١٩٢.","vol":"1","page":287},{"text":"ورجح الترمذي بعد تخريجه قول من ذكر فيه ثابتًا، ومعناه أن حميدًا قد دلسه حين رواه عن أنس.\nوحجة الترمذي ظاهرة، وهي أن حميدًا مدلس، ولم يصرح بالتحديث، وقد أدخل واسطة في بعض الطرق إليه، ولا يعكر عليه ما وقع في رواية محمد بن جعفر بن أبي كثير، وهي عند البيهقي في \"الدلائل\" - من تصريح حميد بالتحديث عن أنس، فمثل هذا لا يعتمد عليه، فهو إما من خطأ النساخ، أو من خطأ أحد رواة الإسناد.\nوقد تعرض أحد الباحثين لدراسة الإسناد، ثم قال في نهاية كلامه: \"وكلا الوجهين صحيح محفوظ عن حميد، سمعه حميد من أنس ﵁، كما حفظه محمد بن جعفر عنه، وسمعه من ثابت، عن أنس ﵁، فكان يرويه على الوجهين\".\nوقال باحث آخر: \" قد صرح حميد بسماعه الحديث من أنس عند البيهقي، ورواه مرة أخرى بواسطة ثابت، عن أنس، فلعله سمعه من الاثنين، فرواه على الوجهين \".\nوما قرراه تساهل ظاهر لا يلتفت إليه.\nوروى ابن حبان، عن محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا يوسف بن سعيد، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: \" كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصبي وضعوها على رأسه، فقال النبي - ﷺ -: اجعلوا مكان الدم","vol":"1","page":288},{"text":"خلوقًا \" (^١).\nفهذا إسناد رجاله ثقات، صرح فيه ابن جريج بالإخبار، فصححه ابن حبان، وتوارد على تصحيحه جمع من الباحثين المعاصرين، اعتمادًا على تصريح ابن جريج بالإخبار عند ابن حبان، وهو جزء من حديث مطول يعرف بحديث (العقيقة)، وقد رواه عن ابن جريج غير حجاج بن محمد: روح بن عبادة، وعبدالرزاق، وعبدالمجيد بن أبي رواد، وهشام بن سليمان، فرواه روح، وعبدالمجيد، عن ابن جريج بالعنعنة بينه وبين يحيى بن سعيد، وقيل عن روح - وكذا هو في رواية هشام بن سليمان - عن ابن جريج قال: حدثنا عن يحيى، ورواه عبدالرزاق عن ابن جريج قال: حدثت حديثًا رفع إلى عائشة ...، وروى أيضًا بعض حديث (العقيقة) عن ابن جريج: أبوقرة موسى بن طارق، ومحمد ابن عمرو اليافعي بالعنعنة أيضًا، بل صيغة أبي قرة: عن ابن جريج حديثًا ذكره عن يحيى بن سعيد (^٢).\nفإذا أضيف إلى ذلك قول عبدالله بن أحمد: \"قلت ليحيى (يعني ابن معين): ابن أبي رواد حدث عن ابن جريج، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ في العقيقة، فقال: هذا في كتب ابن جريج: عن رجل، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي - صلى الله عليه\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" حديث (٥٣٠٨).\n(^٢) \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (٧٩٦٣)، و\"مسند البزار\" حديث (١٢٣٩)، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (٤٥٢١)، و\"مشكل الآثار\" حديث (١٠٥١)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٥٣٠٨)، (٥٣١١)، و\"المستدرك\" ٤: ٢٣٧، و\"سنن البيهقي\" ٩: ٢٩٩ - ٣٠٣.","vol":"1","page":289},{"text":"وسلم\" (^١) - وقول الدارقطني بعد أن ذكر رواية روح بن عبادة، وهشام بن سليمان وفيهما قول ابن جريج: حدثنا عن يحيى بن سعيد - قال: \"وهو الصحيح، فإن ابن جريج لم يسمعه من يحيى\" (^٢) - ترجح جدًا أن رواية حجاج ابن محمد التي عند ابن حبان وقع فيها خطأ في صيغة التحديث، ولعل أصلها: أخبرت عن يحيى بن سعيد، وقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" أن حجاجًا يرويه بالعنعنة، فالخطأ ممن بعده بلا شك.\nوأخرج أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، من طرق عن ابن إسحاق، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قصة إهدائه ﷺ يوم الحديبية جملًا لأبي جهل، ووقع عندهم تصريح ابن إسحاق بالتحديث (^٣).\nوقد جاء الحديث من طرق أخرى عن ابن إسحاق بعضها بالعنعنة، وبعضها بصيغة: قال ابن أبي نجيح، وبعضها بلفظ: حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح (^٤)، فترجح إذًا أن التصريح بالتحديث وقع فيه خطأ، ويظهر أن سبب\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١٩.\n(^٢). \"علل الأحاديث\" الورقة ١٥٣.\n(^٣). \"مسند أحمد\" ١: ٢٦١، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٢٨٩٨)، و\"المستدرك\" ١: ٤٦٧، و\"سنن البيهقي\" ٥: ١٨٥.\n(^٤). \"سنن أبي داود\" حديث (١٧٤٩)، و\"سيرة ابن هشام\" ٣: ٤٢٠، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٢٨٩٧)، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (١٤٠٣ - ١٤٠٤)، و\"المعجم الكبير\" حديث (١١١٤٧)، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٧، و\"سنن البيهقي\" ٥: ٢٢٩، و\"التمهيد\" ١٧: ٤١٤، و\"إتحاف المهرة\" ٨: ١٦.","vol":"1","page":290},{"text":"وقوع الخطأ كون ابن إسحاق صرح بالتحديث عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، في حديث قبله، ثم عطف عليه هذا بقوله: وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس.\nوأخرج ابن ماجه قال: حدثنا جعفر بن مسافر، قال: حدثني كثير بن هشام، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن عمر بن الخطاب قال: قال لي النبي ﷺ: \" إذا دخلت على مريض فمره أن يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة \" (^١).\nقال النووي عن إسناد هذا الحديث: \" صحيح أو حسن، لكن ميمون بن مهران لم يدرك عمر\" (^٢).\nوقال البوصيري: \"إسناده صحيح، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع ... \" (^٣).\nوقد رأيت هذا الحديث في بعض مقررات التعليم عندنا، وهو حديث ضعيف جدًا شبيه بالموضوع، فقد رواه الحسن بن عرفة العبدي، عن كثير بن هشام، عن عيسى بن إبراهيم، عن جعفر بن برقان (^٤)، وعيسى بن إبراهيم هذا هو الهاشمي الشامي متروك الحديث، يروي كثيرًا عن جعفر بن برقان، ويروي عنه كثير بن هشام (^٥)، وقد سقط من الإسناد الأول.\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" حديث (١٤٤١).\n(^٢) \"الأذكار\" ص ٢٨٩.\n(^٣) \"مصباح الزجاجة\" ١: ٤٦٥.\n(^٤) \"عمل اليوم والليلة\" لابن السني حديث (٥٦٢)، و\"النكت الظراف\" ٨: ١١١.\n(^٥) \"الكامل\" ٥: ١٨٩٠، و\"الميزان\" ٣: ٣٠٨.","vol":"1","page":291},{"text":"وسواء كان سقط عمدًا أو خطأً فإن صورته صورة التدليس، لكن يكون أصل صيغة الرواية بالعنعنة بين كثير، وجعفر بن برقان، إن كان الإسقاط عمدًا، فأبدلت خطأ بصيغة تحديث، لأن كثير بن هشام لم يوصف بتدليس، وهو من أروى الناس عن جعفر بن برقان (^١)، ولهذا ذكرت المثال هنا، وإن كان الإسقاط وقع خطأ فالقائل: حدثنا جعفر بن برقان هو عيسى بن إبراهيم، وقد سقط من الإسناد.\nوسئل أحمد عن حديث هشيم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: \" الإمام ضامن ... \" وقول هشيم عن الأعمش فيه: حدثنا أبوصالح (^٢)، فقال أحمد: \"لم يسمعه هشيم من الأعمش\" (^٣).\nيشير أحمد إلى خطأ التصريح بالتحديث، وأن هشيمًا دلسه عن الأعمش، ولم يسمعه منه، فيحتمل أنه أسقط ضعيفًا عليه عهدة تصريح الأعمش بالتحديث، وكان أحمد يذهب إلى أن الأعمش لم يسمع هذا الحديث من أبي صالح.\nوروى سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان ابن بلال، عن عمار، عن النبي ﷺ حديث (تخليل اللحية)،\n_________\n(^١) \"معرفة الثقات\" ٢: ٢٢٦، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٢: ١٠٧، و\"النكت الظراف\" ٨: ١١١.\n(^٢). أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" حديث (٢١٨٧) من طريق سريج بن النعمان، عن هشيم به.\n(^٣) \"مسائل أبي داود\" ص ٣٨٩.","vol":"1","page":292},{"text":"وقد جاء بالعنعنة بين سفيان، وسعيد، فأعله أبوحاتم باحتمال تدليس ابن عيينة وبغير ذلك (^١).\nورد ذلك أحمد شاكر بوقوع التصريح بالتحديث من ابن عيينة عند الحاكم (^٢)، ولا يخفى أنه لا يصح الاعتماد على \"المستدرك\" في إثبات تصريح بالسماع ولا سيما مع التحريف الكثير في المطبوع، ولو لم يكن فهي رواية معلولة.\nوروى يزيد أبوخالد القرشي، عن ابن جريج: أخبرني حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ: \" لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت \" (^٣)، وكذا جاء في رواية عن روح بن عبادة، عن ابن جريج (^٤).\nوجاء من روايات متعددة، عن روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، هكذا بالعنعنة (^٥)، وكذا رواه عبدالعزيز بن أبي رواد (^٦)، ورواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرت عن حبيب بن أبي ثابت (^٧).\n_________\n(^١) \" علل ابن أبي حاتم \" ١: ٣٢.\n(^٢) \"المستدرك\" ١: ١٤٩، وتعليق شاكر على \"سنن الترمذي\" حديث (٣٠).\n(^٣) \"مسند أحمد\" ١: ١٤٦، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (٣٣١)، و\"الكامل\" ٧: ٢٧٣٤.\n(^٤) \"سنن الدارقطني\" ١: ٢٢٥.\n(^٥) \"سنن ابن ماجه\" حديث (١٤٦٠)، و\"مسند البزار\" حديث (٦٩٤)، و\"المستدرك\" ٤: ١٨٠، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٢٢٨.\n(^٦) \"سنن الدارقطني\" ١: ٢٢٥.\n(^٧) \"سنن أبي داود\" حديث (٣١٤٠)، (٤٠١٥)، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٢٢٨.","vol":"1","page":293},{"text":"قال أبوحاتم: \"ابن جريج لم يسمع هذا الحديث بهذا الإسناد من حبيب، إنما هو من حديث عمرو بن خالد الواسطي، ولا يثبت لحبيب رواية عن عاصم، فأرى أن ابن جريج أخذه من الحسن بن ذكوان، عن عمرو بن خالد، عن حبيب، والحسن بن ذكوان، وعمرو بن خالد ضعيفا الحديث\" (^١).\nوعمرو بن خالد أشدهما ضعفًا، فهو متروك الحديث، متهم بالوضع (^٢).\nوقال ابن حجر: \"وقع في \"زيادات المسند\"، وفي الدارقطني، و\"مسند الهيثم بن كليب\" تصريح ابن جريج بإخبار حبيب له، وهو وهم في نقدي\" (^٣).\nوتأيد وقوع الخطأ في التصريح بالتحديث، وأن ابن جريج دلسه بما ذكره ابن معين من كون ابن جريج لم يسمع من حبيب بن أبي ثابت سوى حديثين، ليس هذا واحدًا منهما، كما تقدم في المبحث الثالث.\nوقد مر أحد الباحثين بأحد الطرق التي وقع فيها تصريح ابن جريج بالتحديث، فراح يشتغل ببيان قوة رواية ابن جريج إذا صرح بالإخبار، ولم يتعرض لكلام الأئمة على تدليسه لهذا الحديث، وأن التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، ولا ذكر الباحث أن حبيب بن أبي ثابت لا تصح له رواية عن عاصم ابن ضمرة، كما تقدم آنفًا من كلام أبي حاتم، وقاله غيره من الأئمة (^٤)، فما جاء من ذلك عنه فهو من رواية عمرو بن خالد المذكور آنفًا، بل نقل الباحث عن أبي\n_________\n(^١) \"علل الحديث\" ٢: ٢٧١.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ٢: ٢٧٦، ٨: ٢٦.\n(^٣) \"التلخيص الحبير\" ١: ٢٩٨.\n(^٤) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣٠١، و\"جامع التحصيل\" ص ١٩٠.","vol":"1","page":294},{"text":"داود قوله بعد أن روى الحديث: \"هذا الحديث فيه نكارة\" (^١)، ثم عقبه بقوله: \"وأما النكارة التي صرح بها أبوداود ... فهي ليست أكثر من وهم، لا يصمد أمام الدراسة الجادة للحديث ولرجاله\".\nكذا قال الباحث - سامحه الله ـ، وهكذا فلتكن الدراسة الجادة للسنة النبوية! ! .\nوهذا باحث آخر علق على نفي الإمام أحمد أن يكون شيخه هشيم سمع كلمة (فانحرف) من يعلى بن عطاء في حديث يزيد بن الأسود، فقال الباحث معلقًا على كلام أحمد: \"ولكن رواه الترمذي (حديث ٢١٩) عن شيخه أحمد بن منيع، عن هشيم قال: أخبرنا يعلى بن عطاء، حدثنا جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: \" شهدت مع النبي ﷺ حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليّ بهما ... \"، والمدلس إذا صرح بالإخبار والتحديث فروايته مقبولة صحيحة عند الجمهور ... \".\nكذا قال الباحث، وظاهر جدًا أن رد كلام أحمد بمثل هذا غير لائق، فالكلمة مدرجة في هذه الرواية بلا شك، والباحث نفسه قد خرج الحديث من \"سنن النسائي\" (حديث ٨٥٧)، من رواية زياد بن أيوب، عن هشيم، ومن \"مسند أحمد (٤: ١٦١)، وليس فيهما هذه الكلمة، بل فيه في رواية أحمد: \"وربما قيل لهشيم: فلما قضى صلاته تحرف، فيقول: تحرف عن مكانه\".\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" حديث (٤٠١٥).","vol":"1","page":295},{"text":"وكما يقع الخطأ على المدلس في تصريحه بالتحديث يقع عليه أيضًا إذا دلَّس تدليس تسوية، فيرد التصريح بالتحديث بين راويين قد أسقط المدلس مَنْ بينهما، كما تقدم مثاله في رواية إسحاق بن راهويه، عن بقية بن الوليد، عن أبي وهب الأسدي، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: \" لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه \"، حيث جاءت هذه الرواية بالتصريح بالتحديث بين أبي وهب ونافع، مع أن بقية قد أسقط أحد المتروكين بينهما.\nومثله حديث الوليد بن مسلم المتقدم أيضًا، فقد رواه جماعة كثيرون منهم داود بن رشيد في رواية أحمد بن يحيى الحلواني عنه، عن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة، هكذا بالعنعنة بين ثور ورجاء، ورواه البغوي، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم بالتصريح بالتحديث بين ثور ورجاء، فيترجح جدًا أن هذه الرواية وقع فيها خطأ، ولا يصح الاعتماد عليها لنفي تدليس التسوية من الوليد، ومعارضة أقوال كبار الأئمة، كما فعل أحمد شاكر وغيره من الباحثين (^١).\nوروى إبراهيم بن المنذر، ودحيم، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: \"كان النبي ﷺ يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه ... \" الحديث (^٢)، وكذا رواه ابن أبي العشرين، عن الأوزاعي (^٣).\n_________\n(^١) انظر: \"التلخيص الحبير\" ١: ١٦٩، وتعليق أحمد شاكر على \"سنن الترمذي\" ١: ١٦٤، وتعليق محقق \"العلل الكبير\" ١: ١٨٠.\n(^٢). \"صحيح البخاري\" حديث (٩٧٣)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (١٣٠٤).\n(^٣). \"النكت الظراف\" ٦: ١١٤.","vol":"1","page":296},{"text":"ورواه داود بن رشيد، وإسحاق بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن نافع، هكذا بالعنعنة بين الأوزاعي، ونافع، وكذا قال عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي.\nورواه الوليد بن مزيد، وعمر بن عبدالواحد، عن الأوزاعي قال: بلغني عن نافع، ورواه شعبة، عن الأوزاعي، عن رجل، عن نافع (^١).\nفالاحتمال الأقوى أن يكون الأوزاعي لم يسمعه من نافع، وأنه دلس عليه تدليس تسوية، ثم وقع التصريح بالتحديث خطأ ممن دونه، وليس للأوزاعي، عن نافع في الكتب الستة، و\"مسند أحمد\"، وكتب أخرى كثيرة غير هذا الحديث (^٢)، وقد قال أبو داود السجستاني: \"لا نعلم أن الأوزاعي حدث عن نافع إلا بمسألة\" (^٣).\nوروى أبو زرعة الدمشقي بإسناده إلى عمرو بن أبي سلمة قال: \"قلت للأوزاعي: يا أبا عمرو: الحسن أو رجل عن الحسن؟ قال: رجل عن الحسن، قلت: فنافع أو رجل عن نافع؟ قال: رجل عن نافع ... \" (^٤).\nقال أبو زرعة بعد أن روى هذا: \"لا يصح عندنا للأوزاعي عن نافع شيء ... \" (^٥).\n_________\n(^١). \"سنن ابن ماجه\" حديث (١٣٠٤).\n(^٢). \"تحفة الأشراف\" ٦: ١١٣، و\"إتحاف المهرة\" ٩: ١٤١.\n(^٣). \"سؤالات الآجري لأبي داود \" ٢: ١٨٦.\n(^٤). \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ١: ٢٦٥، ٢: ٧٢٣.\n(^٥). \"تاريخ أبي زرعة الدمشقي\" ٢: ٧٢٣.","vol":"1","page":297},{"text":"والحديث له طرق مشهورة إلى نافع من غير طريق الأوزاعي (^١).\nومن دقائق موضوع أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس أن يكون التدليس قد وقع في جملة من الحديث، وباقيه على السماع، فتأتي الرواية عن المدلس مصرحًا فيه بالتحديث في الكل.\nفمن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - ومنهم شعبة، والثوري، وأبو الأحوص، وابن عيينة - رووا عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: \"أن النبي - ﷺ - أوصى رجلًا فقال: إذا أردت مضجعك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، ووجهت وجهي إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ... \" الحديث، وفي رواية شعبة قول أبي إسحاق: سمعت البراء بن عازب (^٢).\nوجاء عن أبي إسحاق من رواية حفيده إسرائيل بن يونس: \" وكان أبو إسحاق يزيد فيه: لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ويقول: لم أسمع هذا من البراء، سمعتهم يذكرونه عنه: لا ملجأ ولا منجى \" (^٣).\n_________\n(^١). \"صحيح البخاري\" حديث (٤٩٤)، (٤٩٨)، (٩٧٢)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٥١٠)، و\"سنن أبي داود\" حديث (٦٨٧)، و\"سنن النسائي\" حديث (٧٤٦)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (١٣٠٥)، و\"مسند أحمد\" ٢: ١٣، ١٨، ٩٨، ١٠٦، ١٤٢، ١٤٥.\n(^٢). \"صحيح البخاري\" حديث (٦٣١٣)، (٧٤٨٨)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٢٧١٠)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٣٣٩٤)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (١٠٦٠٩ - ١٠٦١٢)، و\"سنن ابن ماجه \" حديث (٣٨٧٦)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٢٨٥، ٢٩٩.\n(^٣). \" سنن النسائي الكبرى\" حديث (١٠٦١٣)، وانظر: \"فتح الباري\" ١١: ١١٤.","vol":"1","page":298},{"text":"وغير خاف - بعد ما تقدم - أهمية التحقق من صواب تصريح المدلس بالتحديث، وأن ما يفعله كثير من المتكلمين على الأسانيد من التعلق بأدنى شبهة طريقة غير سليمة، وفي نظري أن تشدد المتأخرين في الرد بعنعنة المدلس قابله تسامح كبير منهم في إزالة شبهة التدليس بما يقفون عليه من التصريح بالتحديث دون دراسة له وتمعن فيه.\nوالذي يوصى به الباحث أن يسلك منهج أئمة النقد في المقارنة، وإنعام النظر، وتوقع أخطاء الرواة والنساخ، ويتأكد هذا الأمر إذا كان الراوي عن المدلس ممن نسب إليه الخطأ في هذا الجانب، أي إنه يخطئ على شيخه فيجعل روايته بالتصريح بالتحديث، كما تقدم في حال أصحاب بقية بن الوليد، ويوجد ذلك في غيره أيضًا.\nفممن نسب إليه الخطأ على شيخه: عبد الواحد بن زياد مع الأعمش، قال أبو داود الطيالسي: \"عمد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش فوصلها كلها، يقول: حدثنا الأعمش، قال: حدثنا مجاهد - في كذا وكذا - \" (^١).\nومحمد بن كثير العبدي مع سفيان الثوري، قال ابن معين: \"كان في حديثه ألفاظ، حدثنا أبو إسحاق - كأنه ضعفه -\" (^٢).\nوكذلك إذا كان رواة الإسناد من الأمصار التي نص العلماء على تساهلهم بألفاظ الأداء، فيبدلون بالصيغ غير الصريحة صيغًا صريحة، كما تقدم في كلام أبي\n_________\n(^١). \"الضعفاء الكبير\" ٣: ٥٥.\n(^٢). \"سؤالات ابن الجنيد لابن معين\" ص ٣٥٧.","vol":"1","page":299},{"text":"حاتم وابن عدي في أهل حمص مع أحاديث بقية.\nوقال الإسماعيلي: \"عادة الشاميين والمصريين جرت على ذكر الخبر فيما يروونه، لا يطوونه طيّ أهل العراق\".\nقال ابن رجب معقبًا على كلمة الإسماعيلي: \"يشير إلى أن الشاميين والمصريين يصرحون بالتحديث في رواياتهم، ولا يكون الإسناد متصلًا بالسماع\" (^١).\nوقال في موضع آخر في كلام له على حديث من رواية الشاميين قيل إنه وقع فيه خطأ في التصريح بالتحديث: \"قد قيل: إن الشاميين كانوا يتسامحون في لفظة (أنا) و(ثنا)، ويستعملونها في غير السماع، ذكره الإسماعيلي وغيره\" (^٢).\nويكفي لإدراك ما تقدم من ضرورة التحقق من تصريح المدلس بالتحديث أن شعبة بن الحجاج هو أشهر من كان يتفقد السماع من شيوخه المدلسين وغير المدلسين، كما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول، وكما سيأتي قريبًا في هذا المبحث، ومع هذا وقع في الخطأ، قال ابن رجب: \"لا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد، فقد ذكر ابن المديني أن شعبة وجدوا له غير شيء يذكر فيه الإخبار عن شيوخه ويكون منقطعًا \" (^٣).\nوبعد، فهذه أربعة أسباب إذا وجد واحد منها لزم التوقف في تصريح المدلس بالتحديث، ولا شك أن ترجيح وجود الأول والثاني والرابع منها ليس بالأمر اليسير، وإنما تثور الشبهة إذا عارض التصريح بالتحديث ما يعلم منه\n_________\n(^١). \" فتح الباري \" ٢: ٢٨٤، وانظر: ٢: ٣١٧، ٣٢٦، ٣: ٢٠٠.\n(^٢). \" فتح الباري\" ٦: ١٣٨.\n(^٣). \" شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩٤.","vol":"1","page":300},{"text":"الانقطاع، والباحث - إذا واجه مثل هذا - عليه أن يقوم بالدراسة المتأنية، والموازنة بين دلائل إثبات السماع وعدمه.\nالأمر الثالث: يقوم مقام تصريح المدلس بالتحديث أن تأتي الرواية عنه من طريق من عرف بالانتقاء عن شيخه، وأنه لم يأخذ عنه إلا ما كان قد سمعه، أو يأخذ عنه لكن لا يحدث عنه إلا بما كان مسموعًا له.\nوقد عرف الالتزام بهذا عن جماعة من تلامذة المدلسين، ومن أشهرهم شعبة، ويحيى القطان، وقد تقدم في الفصل الثاني ذكر تحريهما في تصريح من يأخذان عنه بالتحديث، سواء كان مدلسًا أو غير مدلس، وتقدم عن شعبة أيضًا أن كل ما رواه عن شيوخه فقد صرحوا فيه بالتحديث إلا ما بينه لتلاميذه.\nومن النصوص عن شعبة في خصوص المدلسين قوله: \"كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت، أو حدثنا - حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبوإسحاق، وقتادة\" (^٢).\nواستثنى شعبة من روايته عن قتادة عن أنس أربعة أحاديث، فإنه تسامح فيها ولم يسأل قتادة عن سماعه، أحدها حديث إقامة الصفوف في الصلاة (^٣)،\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٦١، ١٦٩، ٤: ٣٧٠، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٤٤، و\"تاريخ الدارمي عن ابن معين\" ص ١٩٢، و\" الجعديات\" ١: ٣١١، و\"الكامل\" ١: ٨١، و\"المدخل في أصول الحديث\" ص ٩٤، و\"الكفاية\" ص ١٦٤، ٣٦٣.\n(^٢) \"معرفة السنن والآثار\" ١: ٦٥، وانظر \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٤.\n(^٣) \"سؤالات أبي داود\" ص ٣٤٩، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٢٧٧، ٣: ٣٠، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٧٠، ٢٣٩، وفي هذا الموضع لم يستثن مما حدث عن قتادة، عن أنس، سوى هذا الحديث، فالظاهر أن شعبة لم يحدث بالثلاثة الباقية.","vol":"1","page":301},{"text":"وجاء عنه قوله في هذا الحديث: \"كرهت أن أوقفه عليه فيفسده عليَّ، فلم أوقفه عليه\" (^١)، وقال أيضًا: \"داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة: أسمعته من أنس أم لا؟ \" (^٢).\nوقال ابن المديني في كلامه على أصحاب قتادة الكبار: \"وشعبة أعلم بما سمع وما لم يسمع\" (^٣).\nومما جاء عن يحيى القطان في شيوخه المدلسين قوله: \"لم أكن أهتم لسفيان (يعني الثوري) أن يقول - لمن فوقه - قال: سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلانًا، وحدثني فلان\" (^٤).\nوقال أيضًا: \"ما كتبت عن سفيان شيئًا إلا ما قال: حدثني، أو حدثنا، إلا حديثين ... \" (^٥).\nوذكر سفيان الثوري معتمر بن سليمان فقال فيه: \"رجل صالح، يأخذ عن كل\"، وفسر أحمد ذلك بقوله: \"كان معتمر لا يوقفه، يقول: يأخذ عن كل، سفيان عن رجل، وسفيان بلغه، ليس مثل يحيى يوقِّفه، قل: حدثني، قل:\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٧٠.\n(^٢) \"فتح الباري\" ٢: ٢٠٩.\n(^٣). \"معرفة الرجال\" ٢: ١٩٤، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ١٤٠، وانظر في رواية شعبة عن شيوخه المدلسين: \" فتح الباري \" ٤: ٣٨ م ١١: ١٤٦، ١٩٦، ٢٤١.\n(^٤) \"التاريخ الكبير\" ٤: ٩٢، و\"الكفاية\" ص ٣٦٣.\n(^٥). \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٤٢، ٥١٧، وسمى أحمد الحديثين، وانظر: ٣: ١١٢، و\"معرفة الرجال\" ١: ١٥٩، و\"سير أعلام النبلاء\" ٩: ١٧٩.","vol":"1","page":302},{"text":"سمعت\" (^١).\nولذا قال علي بن المديني: \"الناس يحتاجون في حديث سفيان إلى يحيى القطان، لحال الإخبار\" (^٢).\nوقال البخاري: \"أعلم الناس بالثوري يحيى بن سعيد، لأنه عرف صحيح حديثه من تدليسه\" (^٣).\nومما جاء عن يحيى أيضًا قوله في أبي حرة واصل بن عبدالرحمن: \"كتبت عن أبي حُرَّة أحاديث يسيرة، ما قال: سمعت، وسألت\" (^٤).\nوسمع يحيى القطان من إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أحاديث كثيرة، وكان يميز ما دلس فيه إسماعيل مما ليس كذلك، قال أحمد: \"كنت أسأل يحيى ابن سعيد عن أحاديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، عن شريح وغيره، فكان في كتابي: إسماعيل قال: حدثنا عامر، عن شريح، حدثنا عامر، عن شريح، فجعل يحيى يقول: إسماعيل، عن عامر، فقلت: إن في كتابي: حدثنا عامر، حدثنا عامر، فقال لي يحيى: هي صحاح، إذا كان - يعني مما لم يسمعه إسماعيل - أخبرتك\" (^٥).\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ١١٢.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٦٢.\n(^٣). \"الكامل\" ١: ١١١.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٩.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥١٩، ٢: ٥٤٢، وانظر أيضًا: ٣: ٩٠ فقرة (٤٣٢٠)، ٣: ٢١٧ فقرة (٤٩٤٠، ٤٩٤٢).","vol":"1","page":303},{"text":"وقال ابن المديني: \"قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل، عن عامر - هي صحاح؟ قال: نعم، إلا أن فيها حديثين أخاف ألا يكون سمعهما، قلت ليحيى: ما هما؟ قال: قال عامر في رجل خير امرأته حتى تفرقا، والآخر قول علي ﵁ في رجل تزوج امرأة على أن يعتق أباها\" (^١).\nوقال أيضًا: \"كل شيء كتبت عن إسماعيل: حدثنا عامر، إلا أن يسمي رجلًا دون الشعبي\" (^٢).\nوكأن هذا في عموم رواية إسماعيل، عن الشعبي وغيره، كما قال أحمد: \"يحيى أحسن الناس حديثًا عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخبارًا، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر\" (^٣).\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: \"لو كنت لقيت ابن أبي خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه، لأعرف صحيحها من سقيمها\" (^٤).\nوقال يحيى القطان لأبي بكر بن خلاد: \"أتيت ميمون المرئي فما صحح لي إلا هذه الأحاديث التي سمعتها\" (^٥).\nوقال يحيى أيضًا في روايته عن مبارك بن فضالة: \"لم أقبل منه شيئًا قط إلا\n_________\n(^١) \"جامع التحصيل\" ص ١٧٣، وانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢: ١٧٥.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٧.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣١٩.\n(^٤). \"تهذيب الكمال\" ٣: ٢١٧.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢١٨، و\"الضعفاء الكبير\" ٤: ١٨٦، و\"تهذيب الكمال\" ٢٩: ٢٢٨، لكن في الأخيرين أن هذا قاله يحيى للإمام أحمد.","vol":"1","page":304},{"text":"ما قال: حدثنا، فيه\" (^١).\nونقل ابن حجر في كلام له على حديث عن الإسماعيلي حكمًا عامًا في جميع ما يرويه يحيى القطان عن شيوخه المدلسين، وأنه لا يحمل عنهم إلا ما كان مسموعًا لهم (^٢).\nوما قاله ليس ببعيد، إذ جاء عنه في بعض المدلسين أنه لا يأخذ عن تلميذ المدلس إلا ما صرح فيه المدلس بالسماع، فقد ذكر الإسماعيلي أن يحيى بن سعيد كان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق (^٣).\nوقال أبو خيثمة زهير بن حرب: \"كان يحيى بن سعيد يحدث من حديث الحارث (يعني ابن عبدالله النخعي) ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث\" (^٤).\nولكن ينبغي أن تحمل كلمة الإسماعيلي وقوله: إن يحيى القطان لا يحمل عن شيوخه إلا ما كان مسموعًا لهم - على معنى ما يحدث به يحيى القطان عن شيوخه، أو على معنى تمييزه ما دلسوه مما سمعوه، إذ قد ثبت عنه أخذه ما دلسه بعض شيوخه، كما تقدم آنفًا في سماعه من إسماعيل بن أبي خالد، وكما في قوله: \"كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد كلها ملزقة، لم يسمعها\" (^٥).\n_________\n(^١). \" الجعديات \" ٢: ٤٦٩، و\"تاريخ بغداد\" ١٣: ٢١٣.\n(^٢) \"فتح الباري\" ١: ٣٠٩.\n(^٣) \"فتح الباري\" ١: ٢٥٨، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٣١، وانظر: \"الجوهر النقي\" لابن التركماني ١: ١٠٩.\n(^٤). \"تهذيب الكمال\" ٥: ٢٤٨.\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤١.","vol":"1","page":305},{"text":"وأما ما جاء عن غير هذين الإمامين - شعبة والقطان - فمنه قول محمد بن فضيل في المغيرة بن مقسم: \"كان يدلس، فكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم\" (^١).\nوقول عبدالرحمن بن مهدي: \"مبارك بن فضالة يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: سمعت الحسن\" (^٢)، وقال أيضًا: \"كنا نتتبع من حديث مبارك (يعني ابن فضالة) ما قال فيه: حدثنا الحسن\" (^٣).\nوقول يزيد بن زريع: \"ما منعني أن أحمل عن يونس (يعني ابن عبيد) أكثر مما حملت عنه إلا أني لم أكتب عنه إلا ما قال: سمعت، أو سألت، أو حدثنا الحسن\" (^٤).\nوقال أبونعيم الفضل بن دكين في أبي جناب يحيى بن أبي حية: \"ما سمعت منه شيئًا إلا شيئًا قال فيه: حدثنا\" (^٥).\nوقال عفان بن مسلم في عمر بن علي المقدمي: \"كان رجلًا صالحًا، ولم يكن ينقمون عليه شيئًا، غير أنه كان مدلسًا، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أقبل منه حتى يقول: حدثنا\" (^٦).\n_________\n(^١) \" الجعديات\" ١: ٢١٣.\n(^٢). \" الجعديات\" ٢: ٤٦٨، و\"الضعفاء الكبير\" ٤: ٢٢٥.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ١٠: ٣١.\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ٤٤٥.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ٢٠٢.\n(^٦) \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٢٩١.","vol":"1","page":306},{"text":"وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: \"قلت له (يعني حفص بن غياث): ما لكم حديثكم عن الأعمش إنما هو: عن فلان، عن فلان، ليس فيه حدثنا، ولا سمعت؟ قال: فقال: حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا عمار، عن حذيفة يقول ...، وذكر حديثًا آخر مثله، وكان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع\" (^١).\nفهذه الكلمات وأمثالها تفيد ثبوت سماع المدلس وإن جاء الحديث عنه غير مصرح فيه بالسماع، ويبقى حكمها حتى يعارضها ما هو أخص وأقوى منها في ظهور التدليس، فقد تقدم قريبًا في الأمر الثاني أن مجيء الرواية عن المدلس مصرحًا فيها بالتحديث قد يعارضه ما هو أقوى منه، فلا يعتد به، فههنا من باب أولى.\n_________\n(^١). \"تاريخ بغداد\" ٨: ١٩٨، وانظر: \"تاريخ المقدمي\" ص ٢٠٤.","vol":"1","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الخامس\nرواية المدلس بصيغة محتملة للسماع</span>\nإذا روى المدلس بصيغة محتملة للسماع وعدمه مثل: قال فلان، وذكر فلان، وحدث فلان، وعن فلان، ونحو ذلك، ولم نقف على نص في إثبات السماع أو عدمه، فروايته والحال هذه إحدى المسائل العويصة في نقد المرويات، حتى أن الإمام أحمد لما سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني أو سمعت؟ قال: \"لا أدري\" (^١).\nيضاف إلى ذلك أن بعض الذين تعرضوا لبحث هذه المسألة خلطوا فيها بين الاحتجاج برواية المدلس إذا احتمل السماع وعدمه، وبين الحكم باتصالها، كما أدخلوا فيها حكم رواية المدلس إذا صرح بالتحديث (^٢).\nوفي نظري أن بحث هذه المسألة - بعيدًا عن المباحث الأصولية - ينبغي أن يقتصر فيه على أقوال أهل الحديث، المشترطين اتصال الإسناد للحكم بالصحة، القائلين بقبول رواية المدلس إذا علم اتصال حديثه، بصرف النظر عن قضية الاحتجاج، إذ هي ترجع إلى الاحتجاج بالمرسل سواء كان مدلسًا أو غير مدلس، وما يوجد في كلام أئمة الحديث وفي أجوبتهم - وسيأتي قريبًا شيء منه - من ذكر للاحتجاج فالمراد به - فيما يظهر لي - الاتصال، أي هل يحكم لرواية المدلس حينئذٍ بالاتصال أو بالانقطاع؟\n_________\n(^١) \"سؤالات أبي داود\" ص ١٩٩، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٣.\n(^٢) انظر مثلًا: \"الكفاية\" ص ٣٦١ - ٤٦٤، و\"التدليس في الحديث\" ص ١١٠ - ١١٩.","vol":"1","page":309},{"text":"وبصرف النظر - أيضًا - عن البحث في رواية المدلس إذا صرح بالتحديث، فإن القول بالرد راجع إلى العدالة، وليس إلى اتصال الإسناد وانقطاعه، ثم لا قائل بذلك من أهل الحديث كما تقدم تقريره في المبحث السابق.\nومع صعوبة هذه المسألة - أعني حكم رواية المدلس إذا لم يصرح بالتحديث من حيث الاتصال وعدمه - فإن الناظر في كلام الأئمة وفي أحكامهم يمكنه أن يصل إلى رأي في هذه القضية الشائكة، وقبل أن أذكر ما توصلت إليه لابد من عرض ما يحكى فيها من أقوال ومناقشتها، وجملتها ترجع إلى ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن رواية المدلس بهذه الصفة إذا كان ثقة محمولة على الاتصال، ولا يحكم على رواية المدلس بالانقطاع إلا إذا تبين أنه دلس في تلك الرواية بعينها.\nوهذا القول حكاه ابن القطان هكذا بإطلاق عن قوم لم يسم أحدًا منهم، وخصصه مرة حين حكاه عنهم بمن عرف عنه أنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده (^١).\nوينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، فقد قال يعقوب بن شيبة: \"سألت يحيى بن معين عن التدليس، فكرهه وعابه، قلت له: فيكون المدلس حجة فيما روى، أو حتى يقول: حدثنا، أو أخبرنا؟ فقال: لا يكون حجة فيما دَلَّس فيه\" (^٢).\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" ٢: ٤٣٥، ٥: ٤٩٣.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٦٢، و\"التمهيد\" ١: ١٨.","vol":"1","page":310},{"text":"فهذا يحتمل أن يكون مراده ما تبين أنه دلس فيه، فيوافق هذا القول، وبناء على هذا الاحتمال نسب بعض الباحثين هذا القول إلى ابن معين، ويحتمل أن يكون مراده ما لم يصرح فيه بالتحديث، فإن عدوله عن التصريح يوجب ريبة أن يكون دلس فيه، والاحتمال الأخير هو الذي فهمه ابن رجب، والسخاوي من جواب ابن معين (^١).\nويظهر لي أن الاحتمال الثاني هو الأقرب، فقد قال أحمد حين سئل عن هشيم: \"ثقة إذا لم يدلس\" (^٢) - ومراده إذا لم يصرح بالتحديث، يدل عليه قوله في حديث لهشيم: \"لم يقل فيه: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا\" (^٣).\nومثل ذلك يقال في عبارة يعقوب بن سفيان: \"وحديث سفيان، وأبي إسحاق، والأعمش - ما لم يعلم أنه مدلس - يقوم مقام الحجة \" (^٤).\nفالعلم بكونه قد دلس يحتمل أن يكون بأمر خارجي، ويحتمل أيضًا - وهذا هو الأقرب - أن يكون قد عرف من صيغة الرواية.\nوالذي دعاني إلى تفسير عبارة ابن معين، وعبارة الفسوي بما ذكرته أن هذا التفسير هو الموافق لأقوال أئمة النقد وتصرفاتهم مع المدلسين - كما سيأتي في القول الثالث -.\nوأيضًا فإن العلم بكون هذا الحديث المعين وقع فيه تدليس يستوي في\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٢، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٦.\n(^٢). \"طبقات الحنابلة\" ١: ٣٤٨.\n(^٣). \" مسائل أبي داود \" ص ٤٤٨.\n(^٤). \" المعرفة والتاريخ \" ٢: ٦٣٧.","vol":"1","page":311},{"text":"التعليل به المدلس وغير المدلس كما سيأتي شرحه في المبحث السادس، فلا يكون هناك فرق ظاهر بين المدلس وغيره.\nويحتمل أن يكون ابن القطان عنى بالقوم الذين لم يسمهم ابن حزم الظاهري، فإنه كثير الاستمداد منه، وله كلام يقرب من هذا القول، فقد قال بعد أن قسم المدلسين إلى قسمين: \"أحدهما: حافظ عدل، ربما أرسل حديثه، وربما أسنده ...، نترك من حديثه ما علمنا يقينًا أنه أرسله، وما علمنا أنه أسقط بعض من في إسناده، ونأخذ من حديثه ما لم نوقن فيه شيئًا من ذلك، وسواء قال: أخبرنا فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلان عن فلان، كل ذلك واجب قبوله، ما لم نتيقن أنه أورد حديثًا بعينه إيرادًا غير مسند، فإن أيقنا ذلك تركنا ذلك الحديث وحده فقط، وأخذنا سائر رواياته ... .\nوهذا النوع منهم كان جلة أصحاب الحديث وأئمة المسلمين، كالحسن البصري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة بن دعامة، وعمرو بن دينار، وسليمان الأعمش، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة \" (^١).\nويلاحظ أن هناك فرقًا جوهريًا بين عبارة ابن حزم، وعبارة ابن القطان، إذ عبر ابن حزم باليقين، فعلى قوله هذا لا أثر للتدليس مطلقًا، اللهم إلا من جهة التنقيب والبحث في رواية المدلس المعينة التي لم يصرح فيها بالتحديث، فإن تيقنا أنه دلسه، وإلا عاد المدلس وأخذ حكم غيره، وحينئذٍ فليس هناك للمدلس إلا حالتان، ما تيقنا أنه دلسه فحكمه الانقطاع، وما صرح فيه\n_________\n(^١) \"الإحكام\" ١: ١٥٨.","vol":"1","page":312},{"text":"بالتحديث، أو لم يصرح فيه بالتحديث ولكن لم نتيقن أنه دلسه - فحكمه الاتصال.\nوقضية اليقين هذه لا أدري كيف تضبط؟ إذ يحتمل أن تشمل ما تقدم من الدلائل على ثبوت الانقطاع التي مضى ذكرها في المبحث الثالث، ويحتمل أن بعضها هو الذي يفيد ذلك، وهو ما إذا ورد عن المدلس ما يفيد أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه، وأما ما دون ذلك - مثل حكم إمام بأن فلانًا لم يسمع الحديث من فلان، فلا تفيد ذلك.\nوالاحتمال الثاني هو الأقرب، فإن حكم الإمام إذا لم يكن من تلامذة المدلس - بناه في الغالب على قرائن الأحوال، وليس على نص من المدلس، بل إني رأيت أحمد شاكر - وهو ممن يقول بقول ابن حزم - يذهب إلى عدم قبول قول تلميذ المدلس بأنه لم يسمعه، مع أن الظن الغالب أن يكون قد تلقى ذلك منه، فقد تعقب أحمد شاكر تضعيف الترمذي لحديث من رواية الحكم بن عتيبة، عن مقسم، بأن شعبة قد عَدَّ الأحاديث التي سمعها الحكم من مقسم وليس هذا منها، تعقبه بقوله: \"وليس في هذا دلالة على ضعف روايته عن مقسم، فالحكم ثقة ثبت فقيه عالم، وكان معاصرًا لمقسم، فيحمل ما يرويه عنه على الاتصال، ما لم يثبت بيقين أن حديثًا معينًا لم يسمعه منه\" (^١).\nوالناظر المتأمل في أقوال أئمة النقد وصنيعهم - وسيأتي شيء من ذلك لاحقًا - لا يتخالجه شك في أن هذا القول على إطلاقه بعيد جدًا عن منهجهم،\n_________\n(^١) \"سنن الترمذي\" حديث (٥٢٧)، وتعليق أحمد شاكر عليه.","vol":"1","page":313},{"text":"وفيه تساهل كبير، وإهدار لجهود الأئمة في التفتيش عن التدليس، وإعمال القرائن لكشفه.\nوالأمر يهون حين يتبنى شخص هذا الرأي، كما فعل ابن حزم، وأحمد شاكر، لكنه ليس كذلك حين يحرره الباحث على أنه قول الأئمة المتقدمين، وعليه ساروا في نظرهم لمرويات المدلسين، وقد رأيت بعض الباحثين يلهج بذلك، وإن كان يعبر بالعلم بدل اليقين، وعندي أن ما نسبه إلى أئمة النقد كان منه ردة فعل للإسراف في نقد المرويات بالتدليس من قبل باحثين آخرين، كتطبيق حرفي للقول الثاني الآتي.\nوأما ابن القطان فقد عبر بالتبين بدل اليقين، وهو يمكن أن يشمل ما تقدم في المبحث الثالث من النص على الانقطاع، ويشمل أيضًا ما سيأتي من قرائن ترجح الانقطاع، وإذا كان كذلك فهذا القول قريب جدًا.\nالقول الثاني: رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع أبدًا، ولا يحكم لروايته بالاتصال إلا إذا روى بصيغة صريحة فيه، كحدثنا، وسمعت، وأخبرنا، يستوي في ذلك المكثر من التدليس والمقل منه، حتى لو دلَّس مرة واحدة أخذ هذا الحكم.\nوهذا قول الشافعي، مشهور عنه، قال الشافعي: \"وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان - إذا لم يكن مُدَلِّسًا، ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته، وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه، ولا النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلناه من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نقبل من","vol":"1","page":314},{"text":"مدلس حديثًا حتى يقول: حدثني أو سمعت\" (^١).\nوتبع الشافعي على هذا جماعة من الأئمة منهم ابن حبان، فإنه قال وهو يعدد أجناس أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها: \"الجنس الثالث: الثقات المدلسون الذين كانوا يدلسون في الأخبار، مثل قتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأبي إسحاق، وابن جريج، وابن إسحاق، والثوري، وهشيم، ومن أشبههم ممن يكثر عددهم من الأئمة المرضيين، وأهل الورع في الدين، كانوا يكتبون عن الكل، ويروون عمن سمعوا منه، فربما دلسوا عن الشيخ بعد سماعهم منه عن أقوام ضعفاء، لا يجوز الاحتجاج بأخبارهم، فما لم يقل المدلس - وإن كان ثقة ـ: حدثني أو سمعت، فلا يجوز الاحتجاج بخبره، وهذا أصل أبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي ﵀، ومن تبعه من شيوخنا\" (^٢).\nومنهم الخطيب البغدادي، وقد نص - كالشافعي - على ثبوت هذا الحكم في حق من دلَّس مرة واحدة (^٣).\nهذا هو القول الثاني، وأود أن أنَبِّه فيه على أمور:\nالأمر الأول: ذكر ابن رجب، والسخاوي أن ابن معين موافق للشافعي فيما ذهب إليه، بناء على جواب ابن معين حين سئل عن المدلس يكون حجة فيما\n_________\n(^١) \"الرسالة\" ص ٣٧٩ - ٣٨٠، وانظر: \"الجليس الصالح\" ٢: ٤٢٨، و\"شرح علل الترمذي\" ٥٧٧، ٥٨٢.\n(^٢) \"المجروحين\" ١: ٩٢، وانظر: \"صحيح ابن حبان\" ١: ١٦١، و\"الثقات\" ١: ١٢.\n(^٣) \"الكفاية\" ص ٣٦١ - ٣٦٤.","vol":"1","page":315},{"text":"روى، أو حتى يقول: حدثنا أو أخبرنا؟ فقال: \"لا يكون حجة فيما دلس فيه\" (^١).\nوكلام ابن معين غير صريح في هذا، إذ هناك احتمال آخر يمكن أن يفهم من جوابه، تقدم ذكره في القول الأول، وهو أنه لا يكون حجة فيما تبين أنه دلَّس فيه، فيكون عكس كلام الشافعي، وإذا تطرق إليه الاحتمال ضعف إلحاقه به.\nيضاف إلى ذلك أن السؤال كان عن (المدلس)، فنحتاج إلى معرفة إطلاق ابن معين هذا الوصف على من دلَّس مرة، كما صرح به الشافعي، إذ يمكن أن يكون رأيه أن يكون وصف (المدلس) إنما يستحقه من عرف بالتدليس وأكثر منه.\nويؤيد هذا أن ابن حبان نسب هذا القول إلى الشافعي ومن تبعه من شيوخهم، فلو كان عنده عن أحد من أئمة النقد المعروفين لسارع بذكره، والله أعلم.\nالأمر الثاني: كلام الشافعي صريح في أن هذا الحكم الذي ذهب إليه إنما هو في نوع التدليس الذي شرحه، وهو رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه بصيغة محتملة، فقد قرر الشافعي ذلك في موضعين، قال الشافعي في شروط الراوي الذي تقوم الحجة بخبره: \"بريًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمن لقي\n_________\n(^١) \"الكامل\" ١: ٤٨، و\"الكفاية\" ص ٣٦٢، و\"التمهيد\" ١: ١٨، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٢، و\"فتح المغيث\" ١: ٢١٦.","vol":"1","page":316},{"text":"ما لم يسمع منه\" (^١).\nوقال في مكان آخر: \"ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى، ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا، فإن منهم من قبله عمن لو تركه عليه كان خيرًا له، وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا، وقوله: حدثني فلان عن فلان - سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع\nمنه\" (^٢).\nوسواء قلنا: إن الشافعي يخص التدليس بهذه الصورة كما نسبه إليه ابن حجر، أو قلنا: إنه ذكر هذه الصورة وسكت عن الأخرى، وهي رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه، ولا يدل سكوته عنها على أنه لا يراها تدليسًا، فإن الحكم الذي أطلقه الشافعي على رواية المدلس، وأنها غير مقبولة حتى يصرح بالتحديث، وأن من ثبت عنه التدليس مرة واحدة فهو مدلس - ينبغي أن يقصر في نسبته إلى الشافعي على الصورة التي ذكرها فقط، ويبقى رأيه في الصورة الثانية على فرض أنه يراها تدليسًا - لم يذكره، فهل يلحقها بالأولى في هذا الحكم، أو يلحق بالأولى من أكثر منها، أو يرى أن من ارتكبها فقط فعنعنته عمن سمع منه مقبولة مطلقًا؟\nوأما ابن حبان فمع أنه مَثَّل بأناس يدلسون عمن سمعوا منه، ونص هو على هذا، إلا أنه ثابت عنه تسمية الرواية عمن عاصره ولم يسمع منه تدليسًا، بل ربما سمى الرواية عمن لم يدركه تدليسًا، كما تقدم في المبحث الأول، وعلى هذا\n_________\n(^١) \"الرسالة\" ص ٣٧١.\n(^٢) \"الرسالة\" ص ٣٧٩.","vol":"1","page":317},{"text":"فالظاهر أنه ذكر الصورة الأولى على سبيل التمثيل، فسرد جماعة من المشهورين بالتدليس يرتكبونها.\nوما يقال عن ابن حبان يقال عن الخطيب البغدادي، لكن رأيه بشمول هذا الحكم لمن دلَّس على الصورتين من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى البحث عن قرائن، فقد عرف التدليس بصورتيه، ثم ذكر شيئًا من أخبار المدلسين على الصورتين، ثم ذكر الخلاف في رواية المدلس، واختار هذا القول، ونص على سريانه فيمن دلس مرة واحدة (^١).\nوبناءً على ما تقدم فرأي الخطيب البغدادي في رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة للسماع وعدمه أشد ما وقفت عليه من أقوال للأئمة.\nالأمر الثالث: صحح القول بأن رواية المدلس بصيغة محتملة محمولة على الانقطاع كثير ممن ألف في \"علوم الحديث\"، كابن الصلاح، والنووي، والعلائي، وابن حجر، وغيرهم، ونسبه العلائي إلى جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول، بل إن النووي نقل الاتفاق على أن المدلس لا يحتج بخبره إذا عنعن (^٢)، إلا أن العلائي وابن حجر عادا فأخرجا من هذا الحكم من هو قليل التدليس، كما أن المكثرين منه ليسوا على درجة واحدة، وذلك بتقسيمهما المدلسين إلى الطبقات المعروفة، وسيأتي الكلام عنها في القول الثالث.\n_________\n(^١) \" الكفاية \" ص ٣٥٥ - ٣٦٤، وانظر: \"الجامع لأخلاق الراوي\" ٢: ١٧٣.\n(^٢) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١٧١، و\"إرشاد طلاب الحقائق\" ص ٩٣، و\"المجموع\" ٧: ١٣٦، ١٤٦، و\"جامع التحصيل\" ص ١١١، ١١٥، ١١٦، و\"نزهة النظر\" ص ١١٣.","vol":"1","page":318},{"text":"الأمر الرابع: نظرًا لتصحيح كثير ممن ألف في \"مصطلح الحديث\" هذا القول، ونسبته إلى جمهور الأئمة، وسهولة تطبيقه لاطراده - فقد سار عليه جماعة كثيرون جدًا من الأئمة المتأخرين والباحثين المعاصرين، فكثر نقد الأحاديث وتضعيفها بعنعنة المدلسين، وصاحب ذلك ما تقدم ذكره في المبحث الثاني من التوسع في جمع من وصف بالتدليس، أو جاءت عنه رواية فيها صورة التدليس وإن لم يوصف بذلك، والاعتماد على كتاب ابن حجر \"تعريف أهل التقديس\"، مع قصور واضح في البحث عن دلائل ثبوت سماع المدلس لهذا الحديث، أو ثبوت عدم سماعه.\nوترتب على هذا الصنيع شيئان، أحدهما: أن بعض الباحثين تحرج من كثرة تضعيف الأحاديث بعنعنة المدلسين، فصاروا يتمسكون بأدنى رواية فيها تصريح المدلس بالتحديث، دون دراسة لها والتحقق من ثبوتها، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الرابع.\nوالثاني: ردة فعل قوية من باحثين آخرين، ينادون بضرورة مراجعة ما يسير عليه المتأخرون من قواعد في نقد السنة، ومن ذلك قواعد التدليس، لكن بعضهم سارع إلى الجزم بآراء بعضها قريب، مثل وجوب الاقتصار في وصف الراوي بالتدليس على من وصفه أئمة النقد بذلك، دون من جاءت عنه صورة التدليس ولم يوصف به، وبعضها يحتاج إلى مزيد بحث ودراسة، مثل ما نسبه بعضهم إلى أئمة النقد أن من وصف بالتدليس وأريد به روايته عمن عاصره ولم يسمع منه فإن ما رواه عن شيوخه الذين سمع منهم محكوم له بالاتصال وإن رواه بصيغة محتملة لعدم السماع، ومثله ما تقدم ذكره آنفًا في القول الأول من أن بعض الباحثين نسب إلى أئمة النقد أن رواية المدلس محمولة على السماع أبدًا،","vol":"1","page":319},{"text":"حتى يعلم الانقطاع في حديث بعينه.\nالقول الثالث: التفريق بين المقل من التدليس وبين المكثر منه، فالمقل روايته بصيغة محتملة للسماع وعدمه محمولة على الاتصال، والمكثر روايته محمولة على الانقطاع.\nوهذا القول منقول صراحة عن ابن المديني، فيمكن نسبته إليه والنفس مطمئنة، في موضوع عسر فيه الوقوف على أقوال صريحة لغيره من أئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، فقد سأله يعقوب بن شيبة عن الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم يقل: حدثنا؟ - فقال: \"إذا كان الغالب عليه التدليس فلا، حتى يقول: حدثنا\" (^١).\nومراده بالغالب - فيما يظهر - أي كثر ذلك منه وعرف به، إذ يبعد أن يكون مراده ظاهر اللفظ؛ لأن معرفة ذلك تقتضي تمييز ما دلس فيه مما سمعه، ثم الموازنة، وإذا عرف ما دلَّس فيه انتهى الأمر، اللهم إلا أن يقال: إنه أمكن تمييز ما دلس فيه فكان هو الغالب على رواياته، وعنده فوق ذلك أشياء رواها بصيغة محتملة لم تتميز، وهذا بعيد جدًا، فقد نقل عنه يعقوب بعد ذلك قوله: \"والناس يحتاجون في صحيح حديث سفيان إلى يحيى القطان - يعني علي أن سفيان كان يدلس، وأن القطان كان يوقفه على ما سمع وما لم يسمع - \" (^٢).\nولا يقول أحد إن رواية سفيان الثوري أكثرها مدلسة، بل قد قيل: إنه من\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص ٣٦٢، و\"التمهيد\" ١: ١٨.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٦٢، و\"التمهيد\" ١: ١٨.","vol":"1","page":320},{"text":"المقلين من التدليس، يقول البخاري: \"لا أعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور - وذكر مشايخ كثيرة - لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسًا، ما أقلَّ تدليسه\" (^١)، ولعل المراد بقلة تدليسه مقارنة بكثرة مروياته، فإنه واسع الرواية جدًا.\nوما أجاب به ابن المديني هو المفهوم من كلام للحميدي ذكر فيه أن من أكثر الرواية عن شخص وعرف به فإنما يترك من حديثه ما عرفنا أنه أسقط الواسطة بينه وبينه، وما عدا ذلك فمحمول على السماع، وسيأتي نقله بنصه،\nوهو يدل على أن الأصل في رواية من عرف بالتدليس أنه لابد من تصريحه بالتحديث.\nويمكن أن ينسب هذا القول إلى يحيى بن معين، بناء على تفسير عبارته السابقة في القولين الأولين: \"ولا يكون - يعني المدلس - حجة فيما دلس فيه\"، وأن مراده: لا يكون حجة فيما رواه بصيغة محتملة، وليس مراده ما تبين فيه تدليسه، مع مراعاة أن يكون المقصود بالمدلس من عرف بهذا الوصف واشتهر به، لا من دلَّس نادرًا، وليس هذا الفهم لعبارة ابن معين ببعيد.\nومثل ذلك كلمة أحمد في حق هشيم بن بشير، قال مهنا: \" سألت أحمد عن هشيم، فقال: ثقة إذا لم يدلس، فقلت له: والتدليس عيب هو؟ قال: نعم\" (^٢).\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٦.\n(^٢). \" طبقات الحنابلة \" ١: ٣٤٨.","vol":"1","page":321},{"text":"فمراد أحمد - فيما يظهر - أنه ثقة إذا صرح بالتحديث، وبه يعرف أنه لم يدلس.\nوقد ذكر مسلم في معرض مناقشته لقول من يشترط ثبوت التصريح بالتحديث لإثبات السماع بين راوٍ وآخر معاصر له - ما يمكن اعتباره نقلًا لقول ابن المديني عن الأئمة كلهم، والشاهد من العبارة هنا تحرير الوصف الذي يأخذ به المدلس حكمًا يخالف به غيره، قال مسلم: \"وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم - إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذٍ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس\" (^١).\nوقد ذكر ابن رجب احتمالين لمعنى كلمة مسلم هذه \"عرف بالتدليس في الحديث وشهر به\"، أحدهما ما ذكرته، والثاني: أن يكون مراده: ثبت عليه التدليس وصح عنه - يعني ولو مرة واحدة ـ، فيوافق كلام الشافعي (^٢).\nوالاحتمال الأول هو الأظهر، فإنما يعرف بالتدليس ويشتهر به إذا أكثر منه.\nوفي السؤال الموجه لأحمد الماضي ذكره في أول هذا المبحث عن حكم رواية المدلس ما يفهم منه بوضوح أن المحك هو فيمن عرف بالتدليس، لا من وقع منه على سبيل الندرة.\n_________\n(^١) \"صحيح مسلم\" ١: ٣٣.\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٣.","vol":"1","page":322},{"text":"وهذا القول - وهو مطالبة المعروف بالتدليس بالتحديث - نقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، فقد قال بعد أن ذكر توقف شعبة في بادئ الأمر عن قبول الإسناد المعنعن من المدلس وغيره: \"وقد أعلمتك أن المتأخرين من أئمة الحديث، والمشترطين في تصنيفهم الصحيح، قد أجمعوا على ما ذكرت لك (يعني قبول الإسناد المعنعن)، وهو قول مالك وعامة أهل العلم - والحمد لله -، إلا أن يكون الرجل معروفًا بالتدليس، فلا يقبل حديثه حتى يقول: حدثنا، أو سمعت، فهذا ما لا أعلم فيه أيضًا خلافًا\" (^١).\nوالمتتبع لموقف الأئمة من المدلسين يرى بوضوح أن مذهبهم هو ما أجاب به علي بن المديني، ونقل ابن عبدالبر الإجماع عليه، وهو الأقرب لتفسير عبارة أحمد، وابن معين، فهم يشترطون تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، ولكن من كثر منه التدليس حتى عرف به واشتهر عنه.\nوقد تقدم في المبحث الرابع شيء من كلام الرواة في خصوص مشايخهم المدلسين، وتفقدهم لتصريحهم بالتحديث، كشعبة، ويحيى القطان مع شيوخهما، ومحمد بن فضيل مع المغيرة بن مقسم، وعبدالرحمن بن مهدي مع المبارك بن فضالة، ويزيد بن زريع مع يونس بن عبيد، وعفان بن مسلم مع عمر بن علي المقدمي، وغيرهم، بل إن بعضهم يتفقد السماع من شيخ شيخه إذا كان مدلسًا.\nوقال محمد بن سعد في هشيم: \"كان ثقة، كثير الحديث، ثبتًا، يدلس كثيرًا، فما قال في حديثه: أخبرنا، فهو حجة، وما لم يقل فيه: أخبرنا، فليس\n_________\n(^١). \"التمهيد\" ١: ١٣.","vol":"1","page":323},{"text":"بشيء\" (^١).\nوقال الذهلي في ابن جريج: \"إذا أخبر الخبر فهو جيد، وإذا لم يخبر فلا يعبأ به\" (^٢)، وقال أيضًا: \"إذا قال: حدثني، وسمعت، فهو محتج بحديثه، داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزهري\" (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي قلت: قتادة، عن معاذة، أحب إليك، أو أيوب، عن معاذة؟ فقال: قتادة إذا ذكر الخبر\" (^٤).\nوقال أبو حاتم في الحجاج بن أرطاة: \"صدوق، يدلس عن الضعفاء، يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح، لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه\" (^٥).\nوقال البرديجي في حميد الطويل: \"وأما حديث حميد فلا يحتج منه إلا بما قال: حدثنا أنس\" (^٦).\nوأعلى من ذلك قول هشيم بن بشير عن نفسه لبعض أصحابه: \"طلبت الحديث وذاكرت به ثلاثين سنة، فإذا قلت لك: حدثنا وأخبرنا - فلا عليك من\n_________\n(^١) \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٣١٣.\n(^٢). \"تاريخ الدارمي عن ابن معين\" ص ٤٣.\n(^٣). \"تهذيب التهذيب\" ٦: ٤٠٦.\n(^٤). \"الجرح والتعديل\" ٧: ١٣٥.\n(^٥). \"الجرح والتعديل\" ٣: ١٥٦.\n(^٦). \"تهذيب التهذيب\" ٣: ٤٠.","vol":"1","page":324},{"text":"خالفك\" (^١)، وفي رواية عنه: \"طلبت الحديث عشرين سنة، وجالست الناس وذاكرتهم عشرين سنة، فإذا قلت لكم: حدثنا وأخبرنا - فشدوا به أيديكم\" (^٢).\nويؤكد ما تقدم - بل هو فاصل في الموضوع - نصوصهم الكثيرة في أن المعروف بالتدليس إذا قال: قال فلان، أو ذكر فلان - يعني لم يأت بصيغة صريحة في السماع - علم أن ذلك الحديث لم يسمعه، فلم يبق مجال للقول بأن الأئمة لا يفتشون عن التدليس، وأن الصيغة المحتملة محمولة على السماع حتى نتيقن الانقطاع، أو يتبين لنا.\nومن هذه النصوص قول شعبة: \"كنت أتفقد فم قتادة، فإذا قال: سمعت أو حدثنا، حفظت، وإذا قال: حدث فلان، تركت \" (^٣).\nوقال سفيان الثوري في جابر الجعفي: \"إذا قال لك جابر: حدثني، أو سمعت، أو سألت - فذاك، فإذا قال: قال ... \" (^٤).\nوقال يحيى القطان في ابن جريج: \"إذا قال: حدثني فهو سماع، وإذا قال: أخبرني فهو قراءة، وإذا قال: قال، فهو شبه الريح\" (^٥).\nوكذا قال أحمد: \"إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت،\n_________\n(^١) \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٢٤٣.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٤٦.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٦١، ١٦٩.\n(^٤). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٩٢، والنقط من عندي، والمراد تضعيفه إذا لم يصرح بالتحديث، وانظر: \"الجرح والتعديل\" ٢: ٤٩٧، ٤٩٨.\n(^٥). \"تهذيب الكمال\" ١٨: ٣٥١.","vol":"1","page":325},{"text":"جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا قال ابن جريج: قال، فاحذره، وإذا قال: سمعت، أو سألت، جاء بشيء ليس في النفس منه شيء\" (^٢).\nوقال أحمد في محمد بن إسحاق: \"إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان - فلم يسمعه منه\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"كان ابن إسحاق يدلس، إلا أن كتاب إبراهيم بن سعد يبين إذا كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال ... \" (^٤).\nوذكر أبوداود عن أحمد قوله: \"عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد، حديث الأعرج، ولم يسمعها، هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد\" (^٥).\nويعقوب هو ولد إبراهيم بن سعد.\nوكذا أشار ابن المديني إلى نحو ما ذكره أحمد في رواية ابن إسحاق (^٦).\nوقال أحمد فيه أيضًا: \"هو كثير التدليس جدًا، فكان أحسن حديثه عندي\n_________\n(^١). \"تاريخ بغداد\" ١٠: ٤٠٥، وانظر: \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٣١.\n(^٢). \"تهذيب الكمال\" ١٨: ٣٤٨.\n(^٣) \"المنار المنيف\" ص ٢١، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٠٠.\n(^٤) \"علل المروذي\" ص ٣٨.\n(^٥) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٤، وانظر \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٢٤، و\" علل المروذي \" ص ٣٩، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢١٦، ٢١٧، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٣٣، وفي النسخة سقط.\n(^٦) \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٢٧.","vol":"1","page":326},{"text":"ما قال: أخبرني وسمعت \" (^١).\nوقال أبو داود: \"سمعت أحمد يقول: حديث ابن شبرمة قال رجل للشعبي: \"نذرت أن أطلق امرأتي\" - لم يقل فيه هشيم: أخبرنا، فلا أدري سمعه أم لا\" (^٢)، فتوقف أحمد اعتمادًا على صيغة الأداء، وأن هشيمًا لم يأت بلفظ صريح في السماع.\nومثله ما رواه عمرو بن علي قال: \"سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: أحاديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة كلها صحاح، وجعل يحدثني بها، ويقول: حدثنا ابن جريج، قال: حدثني ابن أبي مليكة، فقال في واحد منها: عن ابن أبي مليكة، فقلت: قل: حدثني، قال: كلها صحاح \" (^٣).\nفتوقف ابن المديني في هذا الحديث المعين حين رأى الرواية فيه لابن جريج بعن، فأخبره يحيى أنه مسموع لابن جريج.\nوالخلاصة من كل ما تقدم أن أئمة النقد على اختلاف طبقاتهم يطالبون المعروف بالتدليس بالتصريح بالتحديث، وأنه إذا أتى بصيغة محتملة للسماع وعدمه فقد ارتكب التدليس، فهي دلالة على أنه قد دلس، ولا يحتاج الأمر إلى قرينة خارجية، وما يحكى عن أئمة النقد خلاف ذلك فهو - فيما أرى- ضعيف جدًا.\nولقائل أن يقول: تفقد النقاد للتصريح بالسماع من شيوخهم المدلسين وما\n_________\n(^١) \" الجرح والتعديل \" ٧: ١٩٣.\n(^٢). \"مسائل أبي داود\" ص ٤٤٨.\n(^٣) \" الجرح والتعديل \" ٧: ١٩٣.","vol":"1","page":327},{"text":"في معناه لا حجة فيه بالنسبة لنا، ذلك أن الناقد في ذلك الوقت يمكنه أن يتحقق من صيغة الرواية التي حدث بها المدلس، إما تصريح بالسماع، كأن يقول: سمعت، أو حدثنا، أو عدم تصريح، كأن يقول: قال، أو ذكر، أو حدث، فإذا لم يصرح المدلس بالتحديث حكم الناقد بأنه قد دلس، وليس هذا محل مناقشة، وإنما المناقشة فيما إذا وردتنا رواية عن المدلس فيها عنعنة بين المدلس وشيخه، فهي موضع الإشكال، لكثرة ورودها في الأسانيد، فالاحتمال قائم أن يكون المدلس صرح بالتحديث، والتغيير ممن بعده، ذلك أن التعبير بصيغة عن أكثره ليس من الراوي المعنعن، وإنما هو ممن بعده، ولهذا فإننا لو عرفنا بطريقة ما أن المعنعن هو المدلس لحكمنا أيضًا بوقوع التدليس، كما لو روى بصيغة قال، وذكر.\nولابد من التسليم بقوة هذا الاعتراض، ومع هذا فعنه جواب، فالاستدلال بهذه النصوص الغرض منه تأكيد اهتمام النقاد بالتدليس، وبذلهم الجهود المضنية للكشف عنه، فقد شاع بين الباحثين أن المتقدمين لم يكونوا يشددون في التدليس، وليس الأمر كذلك، بل شددوا فيه أبلغ تشديد، ولاقوا في سبيل ذلك عناء ومشقة، فمطالبة المدلس بالتصريح والإلحاح عليه - بل وغير المدلس - ليس بالأمر الهين عليه، والناقد يلاقي من ذلك عنتًا.\nفمن ذلك ما رواه حماد بن سلمة قال: \"جاء شعبة إلى حميد فسأله عن حديث لأنس، فحدثه به، فقال له شعبة: سمعته من أنس؟ قال: فيما أحسب، فقال شعبة بيده هكذا - وأشار بأصابعه -: لا أريده، ثم ولَّى، فلما ذهب قال حميد: سمعته من أنس كذا وكذا مرة، ولكنني أحببت أن أفسده عليه\" (^١).\n_________\n(^١). \" الجعديات\" ١: ٨، و\"حلية الأولياء\" ٧: ١٥٠، وانظر: \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٥٦، ٣: ٣١، وفي الموضع الأخير خلل.","vol":"1","page":328},{"text":"وروى همام قال: \"كان شعبة يوقف قتادة، قال: فحدث شعبة ذات يوم بحديث، فقال قتادة: من حدثك؟ - أو من ذكر ذلك؟ - فقال: نسألك فتغضب وتسألنا؟ \" (^١).\nوروى علي بن المديني عن أبي سعيد مولى بني هاشم قال: \"سأل رجل شعبة عن حديث إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، فقال له: سمعته من إسماعيل بن رجاء؟ قال: سمعته يا غلام من إسماعيل بن رجاء ثمانين مرة، ولا والله لا أحدثك به أبدًا \" (^٢).\nوقال زهير بن معاوية: \"قدمت البصرة، فأتيت حميدًا الطويل، وعنده أبو بكر بن عياش، فقلت له: حدثني، فقال: سل، فقلت: ما معي شيء أسأل عنه، قلت: حدثني، فحدثني بثلاثين حديثًا، قلت: حدثني، فحدثني بتسعة وأربعين حديثًا، فقلت له: ما أراك إلا قد قاربت، قال: فجعل يقول: سمعت أنسًا، والأحيان يقول: قال أنس، فلما فرغ قلت له: أرأيت ما حدثتني به عن أنس أنت سمعته منه؟ فقال أبو بكر بن عياش: هيهات، فاتك ما فاتك - يقول: كان ينبغي لك أن تقفه عند كل حديث وتسأله -، فكأن حميدًا وجد في نفسه فقال: ما حدثتك بشيء عن أحد فعنه أحدثك، فلم يشف قلبي - أو لم يشفني - \" (^٣).\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة: \"بلغني أن أبا جزي كان عند الحجاج بن أرطاة، فقال الحجاج: مكحول، فقال له أبو جزي: يا أبا أرطاة قل: سمعت\n_________\n(^١). \" الجرح والتعديل \" ١: ١٦٦.\n(^٢). \" معرفة الرجال\" ٢: ٢١٠.\n(^٣). \"تهذيب الكمال\" ٧: ٣٦١، وانظر: \" العلل الكبير\" ١: ١٣٠، و\"المجروحين\" ١: ٢٢٧.","vol":"1","page":329},{"text":"مكحولًا، فقال: مه، من هذا؟ ثم أشرف إليه فقال: متى اجترأت علي يا قصاب، يا قصاب ما هذا، حدثني مكحول، لا تعد إلى مثلها \" (^١).\nونقل الدارقطني عن أبي معاوية الضرير قوله: \"قال لي حجاج (يعني ابن أرطاة): لا يسألني أحد عن الخبر - يعني إذا حدثتكم بشيء فلا تسألوني: من أخبرك به؟ -\" (^٢).\nوقال ابن الهيثم الدقاق: \"سمعت يحيى يقول: شهدت ابن أبي الليث وقال لهشيم: إن قلت: أخبرنا، وإلا لاكتبنا عنك حرفًا، فقلت له أنا بعض هذا الكلام، فقال يحيى: أنا شاهد ذلك المجلس، فقال له هشيم: غير مستوحشة منك الدار، فتركه وقام\" (^٣).\nوروى شجاع بن مخالد قال: \"سمعت رجلًا يسأل هشيمًا فقال: يا أبا معاوية، أخبركم أبو حرة، عن الحسن؟ فضحك هشيم، ثم قال: أخبرنا أبوحرة، عن الحسن\" (^٤).\nومما يشير إلى اهتمام النقاد بتدليس المدلسين أنهم كانوا يتذاكرون أحاديث المدلسين، للكشف عنه، كما روى محمد بن عيسى بن الطباع، قال: \"اختلف عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود، في حديث هشيم، فقال أحدهما: كان يدلسه،\n_________\n(^١). \" معرفة الرجال \" ٢: ٢١٧.\n(^٢). \"سنن الدارقطني\" ٣: ١٧٤.\n(^٣). \"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين\" ص ١٠٣.\n(^٤). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٤٢.","vol":"1","page":330},{"text":"وقال الآخر: بل هو سماع، فتراضيا، فأخبرتهما بما عندي، فاقتصرا عليه\" (^١).\nفاستفدنا من ذلك اهتمام النقاد بالتدليس وحذرهم الشديد منه، ونستدل بفعلهم هذا على رواية المدلس إذا وصلتنا بالعنعنة من جهة أن الواجب على الناقد المتأخر عنهم إذا جاءت رواية للمدلس بالعنعنة، واحتمل أن يكون المدلس صرح بالتحديث، واحتمل أنه لم يصرح، فالواجب حينئذ الاحتياط، والبقاء على الأصل، وهو أنه لم يسمع هذا الحديث من شيخه الذي رواه عنه، فهذا وجه الاستدلال بهذه النصوص وأمثالها.\nثم إن وجه الاستدلال هذا عليه دليل من عمل النقاد أنفسهم، وذلك في أسانيد متقدمة عن الناقد، قد بلغته بالعنعنة، فهم ومن تأخر عنهم في الأمر سواء.\nفمن ذلك قول أحمد: \"كان ابن أبي زائدة إذا قال: قال ابن جريج، عن فلان، فلم يسمعه، وكان يحدث عن ابن جريج فلا يجيء بالألفاظ والأخبار، وكذا كان حفص بميزان يحيى، كان يحيى يقول: ابن جريج، سمعت أبا الزبير\" (^٢).\nومراد أحمد أن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، يرويان عن ابن جريج ما لم يسمعه من شيوخه، بالعنعنة بينه وبينهم، وأما القطان فيروي عن ابن جريج ما سمعه من شيوخه، ويذكر تصريحه بالتحديث.\n_________\n(^١). \"تاريخ بغداد\" ٢: ٣٩٦.\n(^٢). \"علل المروذي\" ص ٤٠.","vol":"1","page":331},{"text":"وقد تقدم في المبحث الرابع أن رواية حفص بن غياث، عن الأعمش عامتها على السماع، وقد نقل ابن حجر عن أبي الفضل بن طاهر - ووافقه - أن حفص بن غياث يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، وأن البخاري اعتمد عليه في ذلك (^١).\nوقال ابن حجر في هشيم: \"ذكر جماعة من الحفاظ أن البخاري كان لا يخرج عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، واعتبرت أنا هذا في حديثه فوجدته كذلك، إما أن يكون قد صرح به في نفس الإسناد، أو صرح به من وجه آخر\" (^٢).\nومن تأمل طريقة البخاري في أحاديث قتادة لم يتخالجه شك في اعتنائه بتدليس قتادة، وأنه يخرج له ما صرح فيه بالتحديث، أو توبع عليه، وربما ساق أسانيد ليس الغرض منها إلا بيان تصريحه بالتحديث (^٣).\nوكذلك الحال بالنسبة لأبي إسحاق السبيعي، وعمر بن علي المقدمي، وأمثالهما.\nوأخرج النسائي حديثًا لأبي الزبير، عن جابر، معنعنًا، ثم قال: \"كان شعبة سيئ الرأي فيه، وأبو الزبير من الحفاظ، روى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، ومالك بن أنس، فإذا قال: سمعت جابرًا فهو صحيح، وكان يدلس ... \" (^٤).\n_________\n(^١). \" هدي الساري \" ص ٤١٨.\n(^٢). \" هدي الساري \" ص ٤٤٩.\n(^٣). انظر مثلًا: \"صحيح البخاري\" حديث (٥٩٧)، (٧١٠)، (١٤٩٥)، (٢٣٢٠)، (٥٦٠٠).\n(^٤). \"سنن النسائي الكبرى\" ١: ٦٤٠ حديث (٢١٠٠ - ٢١٠١).","vol":"1","page":332},{"text":"وأما تعليلهم الأحاديث بتدليس المدلسين إذا لاحت قرينة في الإسناد أو المتن فأشهر من أن يذكر، وسيأتي شرح ذلك قريبًا.\nوهذا المنهج لهؤلاء الأئمة منهج وسط، يراعي الاحتياط للسنة بالنسبة للمكثرين والمقلين، أما المكثرون فمن جهة أن لا يدخل فيها ما ليس منها، ولا سيما أن أصل الرواية بصيغة محتملة - وإن لم يكن الراوي مدلسًا - فيه كلام قديم لبعض الأئمة، فمنهم من كان يشترط في بادئ الأمر تصريح الجميع بالتحديث، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول.\nوأما المقلون فمن الجهة الأخرى، أي درء مفسدة ردّ أحاديثهم الصحيحة التي سمعوها بسبب تدليس نادر منهم، فهذه - بلا شك - مفسدة كبرى، لاحظها الأئمة حين فرقوا هذا التفريق.\nوإذا ترجح هذا القول فإني أنبّه على عدد من الأمور، الغرض منها شرحه، ووضع ضوابط لكيفية تطبيقه بالنسبة للباحث، ذلك أن كثيرًا من الخلل يأتي من طرد القول في حالات يعارضه فيها ما هو أخص منه، وهي خمسة أمور:\nالأمر الأول: يشكل على هذا القول قضية التمييز بين المقلّ والمكثر من التدليس، وصعوبة وضع حد إذا بلغه المدلس ألحق بالمكثرين، إذ ليست المسألة مسألة عدد، وإنما يلاحظ فيها ما عند المدلس أصلًا من الحديث، وما ثبت عليه التدليس فيه، ولا شك أن هذا بالنسبة للباحث المتأخر عسر جدًا، فالسبيل إذًا هو الرجوع إلى كلام أئمة الجرح والتعديل، فمتى توارد عدد منهم على وصف راوٍ بالتدليس عرفنا أنهم قصدوا شهرته بذلك لتطبق عليه أحكام المدلسين.\nوللعلائي تصنيف للمدلسين باعتبار القلة والكثرة، وباعتبارات أخرى أيضًا، يحسن النظر فيه، فقد وضع خمس مراتب للمدلسين:","vol":"1","page":333},{"text":"١ - من لم يوصف بذلك إلا نادرًا.\n٢ - من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح وإن لم يصرح بالسماع، وذلك إما لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة.\n٣ - من توقف فيهم جماعة فلم يحتجوا بهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، وقبلهم آخرون مطلقًا كالطبقة التي قبلها، لأحد الأسباب المتقدمة.\n٤ - من اتفقوا على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا ما صرحوا فيه بالسماع، لغلبة تدليسهم وكثرته عن الضعفاء والمجهولين.\n٥ - من قد ضعف بأمر آخر غير التدليس.\nوذكر العلائي أمثلة على كل مرتبة من هذه المراتب.\nثم جاء ابن حجر فوافق العلائي على هذا التصنيف، ورام استقصاء أسماء المدلسين، وإلحاق كل واحد منهم بالمرتبة اللائقة به، وذلك في كتاب خصصه لهذا الغرض، وهو \"تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس\".\nوقد اشتهر كتاب ابن حجر، واعتمده كثير من الباحثين، فصاروا يردون أو يقبلون ما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث على ضوء هذه المراتب، قال أحد الباحثين في رسالة له وهو يعرض منهجه لدراسة الرواة: \"إذا كان الراوي مختلطًا أو مدلسًا بينت حكم روايته من حيث القبول والرد، بالرجوع إلى الكتب المصنفة في هذا الفن، مع الاعتماد على تقسيم الحافظ ابن حجر في كتابه \"تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس\" في الغالب ... \".\nوفي الآونة الأخيرة تعرض هذا التصنيف للمدلسين لانتقادات كثيرة،","vol":"1","page":334},{"text":"سبق منها في المبحث الثاني ما يتعلق بالطريقة التي سلكوها لجمعهم.\nومن الانتقادات إلحاق بعض المدلسين بمرتبته اللائقة به، فقد يذكرون شخصًا في مرتبة، وحقه أن يكون في غيرها، مثال ذلك أن العلائي ذكر الزهري في المرتبة الثانية، وذكره ابن حجر في الثالثة، وحقه أن يكون في الأولى، إذ هو نادر التدليس كما قال الذهبي (^١).\nوقد وقع بين العلائي وابن حجر بعض الاختلاف في هذا الجانب، بل إن ابن حجر صَنَّفهم ضمن كتاب آخر له، وهو \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" بنحو تصنيفه لهم في الكتاب المفرد (^٢)، وبين الكتابين شيء من الاختلاف أيضًا، وللأخ مسفر الدميني في كتابه \"التدليس في الحديث\" جهد مشكور في مناقشة ابن حجر.\nوالذي يهمنا هنا من الانتقادات ما يتعلق بالمراتب نفسها، إذ هي محل انتقاد، حتى قال بعض الباحثين عنها: \"ذكر المراتب هذه في الأصل - ظاهر فيه التحكم وعدم المنهجية\".\nوالمتأمل في المراتب الخمس يجد ثلاثًا منها لا اعتراض عليها، وهي الأولى والرابعة، والخامسة، وأما الثانية والثالثة ففي النفس منهما شيء، والتفريق بينهما غير واضح، وهما يضمان من اشتهر بالتدليس وعرف به، وهو يدلس عن الثقات، أو عنهم وعن غيرهم، وهؤلاء هم موضع الإشكال الحقيقي في باب\n_________\n(^١) \"ميزان الاعتدال\" ٤: ٤٠.\n(^٢) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٦٣٦ - ٦٥٠.","vol":"1","page":335},{"text":"التدليس كله، والذي يظهر أن حال أصحابهما واحد في الجملة، وهو البحث والتفتيش عن سماعهم من قبل الأئمة، وضرورة تصريحهم بالتحديث.\nالأمر الثاني: تقدم في (الجرح والتعديل) ما يعرف بالتوثيق المقيد، والتضعيف المقيد، أي أن يكون الراوي قويًا في بعض شيوخه، ضعيفًا فيمن عداهم، أو عكس ذلك بأن يكون ضعيفًا في بعض شيوخه، قويًا فيمن عداهم، ومثله أن يكون في بعض شيوخه أقوى منه في بعضهم الآخر، وإن كان في الجميع قويًا، أو أضعف في بعض شيوخه وإن كان في الجميع ضعيفًا.\nويأتي في التدليس ما يشبهه، وذلك في صورتين:\nالصورة الأولى: أن يكون المدلس مكثرًا من الرواية عن شيخ له كثرة ظاهرة، ثم يأتي عنه أنه دلس عنه، فقاعدة القلة والكثرة يمكن تطبيقها عليه حينئذٍ، وتكون روايته عنه محمولة على الاتصال أبدًا حتى يتبين في حديث معين أنه دلَّسه عنه، وليس هذا بترك للقول المرجح، بل هو موافق له، فالمدلس في شيخه هذا قليل التدليس، لكثرة ما روى عنه في الأصل.\nوقد نص على هذا الأئمة، قال الحميدي: \"وإن كان رجل معروفًا بصحبة رجل والسماع منه، مثل ابن جريج عن عطاء، أو هشام بن عروة عن أبيه، وعمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، ومن كان مثل هؤلاء في ثقتهم ممن يكون الغالب عليه السماع ممن حدث عنه، فأدرك عليه أنه أدخل بينه وبين من حدَّث رجلًا غير مسمى، أو أسقطه - ترك ذلك الحديث الذي أدرك عليه فيه أنه لم يسمعه، ولم يضره ذلك في غيره، حتى يدرك عليه مثل ما أدرك عليه في هذا،","vol":"1","page":336},{"text":"فيكون مثل المقطوع\" (^١).\nومن ذلك أيضًا أن هشيمًا أثبت الناس في حصين بن عبدالرحمن، وكان يقدم فيه على سفيان الثوري، وشعبة (^٢)، وذكر أحمد أنه لايكاد يدلس عن حصين (^٣)، وقال إبراهيم بن عبدالله الهروي: \"كان يدلس عن أبي بشر أكثر مما يدلس عن حصين\" (^٤).\nوقال الذهبي في سليمان الأعمش: \"وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدرى به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم النخعي، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال\" (^٥).\nوقد قال عبدالله بن أحمد: \"سمعت محمد بن عبدالله بن نمير قال: سمعت أباخالد الأحمر يقول: سمعت الأعمش يقول: سمعت من أبي صالح ألف حديث\" (^٦)، ورواه أبو زيد بن طريف، عن ابن نمير وزاد فيه: \"ثم مرضت فنسيت بعضها\" (^٧).\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص ٣٧٤.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ٦٠ - ٦١.\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٧٥١.\n(^٤) \"المراسيل\" ص ٢٣٢.\n(^٥) \"ميزان الاعتدال\" ٢: ٢٢٤.\n(^٦) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٣٢، ٣: ٣٦٢، وانظر: \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٩٢، و\"سير أعلام النبلاء\" ٦: ٢٣٠.\n(^٧). \"الكفاية\" ص ٣٨٣، ولم أعرف أبا زيد بن طريف.","vol":"1","page":337},{"text":"ولعل هذا هو مراد أحمد في جوابه على سؤال وجه إليه، قال أبوداود: \"سمعت أحمد سئل عن الرجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه: حدثني، أو سمعت؟ قال: لا أدري، فقلت: الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا - أي إنك تحتج به- \" (^١).\nوالمفهوم من سؤال أبي داود وجواب أحمد أنَّ الأعمش يقلّ تصريحه بالتحديث، فإذا اشترطنا تصريحه ضاق الأمر، وذهب جلّ حديثه، مع أنه قد سمع شيئًا كثيرًا جدًا، ولاسيما من شيوخه المشهورين الذين أشار إليهم الذهبي، ولعل قلة تصريحه بالتحديث مراده إلى الطريقة التي تلقى بها تلامذة الأعمش حديثه، فقد يذكر الأعمش الإسناد، ويذكر بعض أصحابه المتن، أو يذكر هو المتن، ويذكر بعض أصحابه الإسناد، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في المبحث الأول من الفصل الأول.\nفالقولان - الأول والثالث - في حكم رواية المدلس إذا روى بصيغة محتملة يلتقيان في هذه الحالة.\nكما تلتقي المذاهب الثلاثة فيما إذا كان المدلس قد سمع من شيخه أحاديث قليلة، ثم روى عنه شيئًا كثيرًا بالنسبة لما سمعه، فلابد حينئذٍ من التصريح بالتحديث، والظن الغالب أن ما لم يصرح فيه بالتحديث قد دلّسه عنه.\nفمن ذلك الأعمش في مجاهد، فقد سمع منه أحاديث قليلة، واختلفوا في\n_________\n(^١) \"سؤالات أبي داود\" ص ١٩٩.","vol":"1","page":338},{"text":"عدها فذكر هشيم أنها أربعة (^١)، وكذا قال ابن معين: إنها أربعة أو خمسة (^٢).\nوقال وكيع: \"كنا نتتبع ما سمع الأعمش من مجاهد فإذا هي سبعة أو ثمانية\" (^٣).\nوقال يعقوب بن شيبة: \"ليس يصح للأعمش عن مجاهد إلا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إلا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة\" (^٤).\nوقال أبوحاتم: \"الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس\" (^٥).\nوأما البخاري فذكر أنه عدَّ له نحوًا من ثلاثين حديثًا يصرح فيها بالتحديث (^٦).\nوأيَّا ما كان العدد فتوافقهم على عدِّها وتتبعها يدل على اتفاقهم على مطالبته بالتصريح بالتحديث.\nومن ذلك أيضًا الحجاج بن أرطاة في عمرو بن شعيب، فقد قال أبونعيم\n_________\n(^١) \"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٦، و\"الكامل\" ٢: ٦٤٢.\n(^٢) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٣٤، وانظر: \"تاريخ ابن الهيثم عن ابن معين\" ص ٤٦، والتعليق عليه، و\"التعديل والتجريح\" ٣: ١١١٧.\n(^٣). \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٢٧.\n(^٤) \"إكمال تهذيب الكمال\" ٦: ٩٢، وانظر: \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٥٣.\n(^٥) \" علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٢١٠.\n(^٦) \"العلل الكبير\" ٢: ٩٦٦.","vol":"1","page":339},{"text":"الفضل بن دكين: \"لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث\" (^١)، وقد روى عنه أحاديث كثيرة (^٢)، إلا أن الحجاج في نفسه مضعف.\nومحمد بن إسحاق في أبي الزناد، فقد قال أحمد: \"عامة حديث ابن إسحاق، عن أبي الزناد - حديث الأعرج - ولم يسمعها، قال: هي في كتب يعقوب: ذكر أبوالزناد، ذكر أبوالزناد\" (^٣).\nالصورة الثانية: إذا نسب الأئمة راويًا من الرواة إلى التدليس عن بعض شيوخه، وسكتوا عن الباقين، فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه يقتصر على من رموه بالتدليس عنه، وأما من عداه فحكمه فيه حكم غير المدلس.\nومثلوا لذلك بزكريا بن أبي زائدة، فإن الأئمة قد وصفوه بكثرة التدليس عن الشعبي، ولم يذكروا تدليسه عن غيره (^٤).\nوكذلك إسماعيل بن أبي خالد في الشعبي أيضًا، فإنه يدلس عنه (^٥).\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص ٤٨.\n(^٢) \"تحفة الأشراف\" ٦: ٣٠٦ - ٣٠٨، و\"إتحاف المهرة\" ٩: ٤٩٢، ٤٩٧، ٥٠٧، ٥٠٩، ٥١٦، ٥٢١، ٥٢٤، ٥٢٧ - ٥٢٩، ٥٣٣ - ٥٣٥.\n(^٣) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٤، وانظر: \" علل المروذي \" ص ٣٩.\n(^٤) \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٩٨، و\"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣١٥، ٣٢٢ - ٣٢٣، و\"الجرح والتعديل\" ٣: ٥٩٤، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ٣٣٠.\nوقد ذكر ابن حجر في \"تعريف أهل التقديس\" ص ٦٢، عن أبي حاتم قوله: \"يدلس عن الشعبي وابن جريج\"، ولم أجده عند غيره، ولم أقف على من ذكر له رواية عن ابن جريج.\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥١٩، ٣: ٩٠، ٢١٧، و\"الجرح والتعديل\" ٢: ١٧٥، و\"تهذيب التهذيب\" ١: ٢٩٢.","vol":"1","page":340},{"text":"ولم أقف على شيء من كلام الأئمة في خصوص هذه المسألة، سوى أن ابن حبان قال في ترجمة محرز بن عبدالله الجزري: \"كان يدلس عن مكحول، يعتبر بحديثه ما بين السماع فيه عن مكحول وغيره\" (^١).\nفظاهره أنه ثبت لديه تدليسه عن مكحول فطرد الحكم في غيره أيضًا، وابن حبان متشدد في موضوع التدليس كما تقدم في القول الثاني، ويحتمل أنه نص على مكحول لشهرته في شيوخه، ويكون قد عرف تدليسه عن غيره أيضًا.\nوهذه المسألة ينبغي أن يتأنى فيها، إذ لا ريب أننا لو أدركنا من كلام الأئمة أنه لا يدلس إلا عمن ذكر لانتهى الأمر، كما في تدليس مغيرة بن مقسم، فقد نسبه الأئمة إلى التدليس عن إبراهيم النخعي، وفي كلام أحمد أنه لا يدلس إلا عن إبراهيم (^٢).\nولكن قد يكون سبب تنصيصهم على بعض شيوخ المدلس لقوته فيه، وشهرته بالرواية عنه، وليس لما ذكر، فإسماعيل بن أبي خالد، وزكريا بن أبي زائدة، من كبار أصحاب الشعبي، فقد يكون هذا هو سبب تنصيص النقاد على تدليسهما عنه، وقد قال أحمد في إسماعيل: \"يحيى أحسن الناس حديثًا عن إسماعيل - يعني ابن أبي خالد - يقول: لأن فيها أخبارًا، حدثنا قيس، حدثنا حكيم بن جابر\" (^٣)، فهذا يدل على أنه كان يدلس عن غير الشعبي.\nثم إني رأيت بعض الباحثين توسع جدًا في هذه القضية، فذكر قول الحاكم\n_________\n(^١) \"الثقات\" ٧: ٥٠٤.\n(^٢). تقدم النقل عنهم في المبحث الأول.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣١٩.","vol":"1","page":341},{"text":"في قتادة: \"وكذلك قتادة بن دعامة - وهو إمام أهل البصرة - إذا قال: قال أنس، أو قال: قال الحسن، وهو مشهور بالتدليس عنهما\" (^١)، فأراد الباحث أن يقصر تدليس قتادة على أنس، والحسن، وظاهر جدًا أن الحاكم أراد التمثيل بذلك، إذ هو قاله في معرض شرحه لمعنى التدليس.\nوأبعد من هذا ما فهمه الباحث من قول الذهبي في الوليد بن مسلم: \"فإذا قال الوليد أو بقية: عن الأوزاعي - فواهٍ، فإنهما يدلسان كثيرًا عن الهلكى، ولهذا يتقي أصحاب الصحاح حديث الوليد، فما جاء إسناده بصيغة: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي - تجنبوه\" (^٢)، ومن قول الذهبي أيضًا: \"إذا قال الوليد: عن ابن جريج، أو عن الأوزاعي فليس بمعتمد، لأنه يدلس عن كذابين، فإذا قال: حدثنا فهو حجة\" (^٣).\nفقد أخذ الباحث من هذا أن التوقف في عنعنة الوليد بن مسلم خاص بهذين الشيخين - الأوزاعي، وابن جريج ـ، وهو تساهل غير مرضي، فالذهبي أراد التمثيل بهذين الشيخين للوليد، لكونه مكثرًا عنهما، ومشهورًا بالتدليس عنهما، وحينئذٍ فمطالبته بالتصريح لا تقتصر عليهما، وقد قال الذهبي: \"لانزاع في حفظه وعلمه، وإنما الرجل مدلس، فلا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع\" (^٤).\nوقال ابن عبدالهادي: \"يدلس عن الضعفاء، فإذا قال: حدثنا الأوزاعي،\n_________\n(^١) \"المدخل إلى الصحيح\" ص ٩٤.\n(^٢) \"الموقظة\" ص ٤٦.\n(^٣) \"ميزان الاعتدال\" ٤: ٣٤٨.\n(^٤) \"تذكرة الحفاظ\" ١: ٣٠٤.","vol":"1","page":342},{"text":"أو غيره، أو أخبرنا - فهو حجة\" (^١).\nثم إن الوليد مشهور بالتدليس عن الكذابين، وبارتكاب أنواع التدليس، فلا ينبغي أن يتسامح معه أبدًا، ومقاومة الإسراف في نقد الأسانيد بالتدليس لا يصح أن تخرج إلى حد التساهل فيه، فقد رأيت بوادر هذا في كلام بعض الباحثين على التدليس.\nوالذهبي قد ذكر بقية بن الوليد وعنعنته عن الأوزاعي، فهل يقال فيه أيضًا ما قيل في الوليد؟\nالأمر الثالث: يستحضر القارئ وهو ينظر في الأقوال الثلاثة السابقة والموازنة بينها ما تكرر ذكره مرارًا، وهو أننا نبحث في وضع قواعد دراسة الأسانيد عن منهج الأئمة في كل قضية معينة يجري بحثها، وربما لا يتضح المنهج تمامًا، إما لاختلاف المنقول عنهم، أو لاختلاف اجتهاد الباحثين في تفسير عملهم، وحينئذٍ فالموازنة والترجيح بين الأقوال في مسألة ما ليس معناه البحث في أي الأقوال هو الأرجح في نفسه، والاستدلال لإثبات ذلك، وإنما يكون البحث في ترجيح أي الأقوال هو الذي عليه أئمة النقد، وإذا ترجح ذلك صار هو الراجح في نفسه وإن لم يستدل عليه، والاستدلال عليه حينئذٍ من نافلة القول.\nوالغرض من استحضار القارئ لهذا هنا مهم جدًا، يغفل عنه كثير من الباحثين، وذلك أنه إذا افترضنا سلامة ترجيحنا للقول الثالث، وأنه هو الذي\n_________\n(^١) \"تنقيح التحقيق\" ١: ٥٣١.","vol":"1","page":343},{"text":"عليه الأئمة، فمن الضروري جدًا أن نضم إلى ذلك أنهم قد قاموا بتفقد السماع من المدلسين المعروفين بالتدليس.\nفإذا صحح الأئمة أو أحدهم حديثًا واعتمد في تصحيحه على طريق فيه مدلس معروف بالتدليس فمعناه أنه وقف على تصريح المدلس بالتحديث أو ما يقوم مقامه، وهذا معنى قول الحاكم وهو يذكر أجناس المدلسين: \"الجنس الخامس من المدلسين قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء عنهم فيدلسون ...، ومن هذه الطبقة جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين مخرج حديثهم في الصحيح، إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز بين ما سمعوه وما دلسوه\" (^١)، وقوله: \"وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يدلسوا، وما لم يدلسوا ظاهر في الأخبار\" (^٢).\nوقال الخليلي في معرض كلامه عن حديث دلسه ابن جريج: \"وابن جريج يدلس في أحاديث، ولا يخفى ذلك على الحفاظ\" (^٣).\nومثل هذا يقال لو تم ترجيح القول الثاني، وأنه هو الذي عليه الأئمة، وقد قال ابن حبان - وهو أحد من نسب إليه هذا القول ـ: \"إذا صح عندي خبر من رواية مدلس أنه بين السماع فيه، لا أبالي أن أذكره من غير بيان السماع في خبره بعد صحته عندي من طريق آخر\" (^٤).\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٢) \"المدخل في أصول الحديث\" ص ٩٤.\n(^٣). \"الإرشاد\" ١: ٣٥٢.\n(^٤) \"صحيح ابن حبان\" ١: ١٦٢.","vol":"1","page":344},{"text":"ومتى قَدَّرنا غير هذا وأنهم لم يقوموا بتفقد السماع لزمنا أحد أمرين: إما رميهم بالتقصير في نقد الأسانيد، وأنهم سنوا قانونًا لم يطبقوه، ورميهم بهذا لا يرضاه أحد لنفسه، أو إعادة النظر في ترجيح ما نسبناه إليهم، وأنه هو منهجهم، وهذا الثاني لا مفر منه، ويترجح حينئذٍ القول الأول، وهو أنهم إنما يتوقفون فيما لم يصرح فيه المدلس بالتحديث إذا ظهر لهم أنه قد دلَّس حديثًا بعينه، وهو قول قوي لا يبعد أن يكون هو الراجح، وإنما تَمَّ ترجيح القول الثالث كما تقدم بناء على قرائن أقوى دلَّت على أنه هو الراجح عنهم.\nويبقى النظر في جانب آخر يتعلق بهذه المسألة، وهو ما<span data-type=\"title\" id=toc-106> إذا أعل الأئمة إسنادًا بعلة، وأغفلوا نقده بالتدليس، فهل يعني هذا انتفاءه عندهم</span>؟ كنت أولًا أميل لهذا، وأرى أنه لو كان منتقدًا بالتدليس لنص عليه الناقد، ثم تأملت نقدهم للأحاديث بصفة عامة، فرأيت الواحد منهم ينص على علة يسقط بها الحديث يكتفي بها، مع وجود علل أخرى في الإسناد.\nومن أمثلة ذلك - فيما نحن فيه - أن مسعرًا روى عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: \"إذا أصبح صائمًا تطوعًا ثم أفطر قضى يومًا مكانه\" (^١) - قال أحمد: \" أبى ابن مهدي أن يحدث بهذا عن سفيان، لأنه يروى عن ابن عباس خلافه، لا بأس به، ابن عباس [يقول] فيه، خالفوا حبيبًا في هذا\" (^٢).\n_________\n(^١). \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٣: ٢٩، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٨.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٨، وانظر: \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (٧٧٦٧ - ٧٧٧٠)، (٧٧٧٣)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ٣: ٣٠، و\"سنن البيهقي\" ٤: ٢٧٧.","vol":"1","page":345},{"text":"فلم يتعرض ابن مهدي، ولا أحمد، لتدليس حبيب بن أبي ثابت، وهو مشهور بهذا، فهل يقال: إن روايته بلغتهم بصيغة التحديث فلم يتعرضوا لتدليسه؟ أرى أنه لا يسعنا الاعتماد على هذا، ونص الناقد على علة لا يمنع من التعليل بغيرها متى ظهر ذلك.\nعلى أن القول بالمنع من النقد بالتدليس في هذه الحالة له حظ من النظر فيما إذا انضم إليه مانع آخر، كأن ينضم إلى عدم النقد بالتدليس أن يكون الراوي موصوفًا بالتدليس عن شيخ له فقط، ثم يكون الحديث الذي معنا عن شيخ آخر، فقد تقدم في الأمر الثاني أن جمعًا من الباحثين يمنع من الحكم بتدليس راو مطلقًا، إذا كان الأئمة قد نصوا على تدليسه عن شيخ معين، وقدمت هناك أن هذا غير ظاهر بالنسبة لي، فإذا اجتمع في حديث رواية المدلس له عن شيخ لم يوصف بالتدليس عنه، وأعرض الأئمة عن نقده بالتدليس في هذا الحديث، فلا يبعد أن يقال: إن التعليل بالتدليس بعيد حينئذ.\nومثاله زكريا بن أبي زائدة، فقد تقدم أن النقاد أكثروا من النص على تدليسه عن الشعبي، وهم في روايته عن أبي إسحاق - مثلًا - لا يتعرضون لتدليسه، حتى مع مخالفته لغيره، ويلجؤون إلى تعليله بتأخر سماعه من أبي إسحاق، والله أعلم.\nالأمر الرابع: تقدم في الحالة الأولى شرح نوع من التدليس يبقي فيه المدلس شيخه، لكنه يسقط راويًا من وسط الإسناد، وهو ما يعرف بتدليس التسوية.\nوالمرتكب لهذا النوع من التدليس يعامل في بقية الإسناد ومطالبته بالتصريح بالتحديث بمبدأ القلة والكثرة، فمن فعله على سبيل الندرة فروايته محكوم لها بالاتصال، والمكثر منه مطالب بالتصريح بالتحديث في جميع الإسناد.","vol":"1","page":346},{"text":"وقد تقدم أن ممن ارتكبه بقلة: الأعمش، والثوري، وابن جريج، وهشيمًا، فهؤلاء لا يتوقف في عنعنة من بعدهم في الإسناد، ما لم يتبين أن فيه تدليس تسوية، كما قال يحيى القطان: \"لم أكن أهتم لسفيان أن يقول - لمن فوقه - قال: سمعت فلانًا، ولكن كان يهمني أن يقول هو: سمعت فلانًا، وحدثني فلان\" (^١).\nوتقدم أيضًا أن ممن ارتكبه بكثرة: الوليد بن مسلم، وبقية بن الوليد، فهذان لا يكتفى بتصريحهما بالتحديث، بل لابد من وجود ذلك في جميع الإسناد.\nقال ابن حجر في كلام له على إسناد حديث فيه الوليد بن مسلم: \"قد صرح بتحديث الأوزاعي له، وبتحديث نافع للأوزاعي، فأمن تدليس الوليد وتسويته\" (^٢).\nوقال أيضًا في إسناد حديث بهذه الصفة: \"وزال بهذا ما كان يخشى من تدليس الوليد وتسويته\" (^٣).\nوقد رأيت من الباحثين المعاصرين بصفة عامة إغفال نقد الإسناد بتدليس\n_________\n(^١) \"الكفاية\" ص ٣٦٣.\n(^٢) \"فتح الباري\" ٢: ٤٦٣.\n(^٣) \"فتح الباري\" ٢: ٥١٩، وانظر: \"بيان الوهم والإيهام\" ٥: ٤٩٩، و\"المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر\" للزركشي ص ١٢٢.","vol":"1","page":347},{"text":"التسوية، فقد نظر أحد المشايخ الفضلاء في الحديث السابق في المبحث الرابع، الذي رواه بقية، عن معاوية بن يحيى، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: \" إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة ... \"، وحين رأى بقية مصرحًا بالتحديث جعل الإسناد حسنًا عند المتابعة، من أجل الكلام في معاوية ابن يحيى، ثم ضم إليه طريقًا آخر إلى أبي الزناد، وحسن الحديث بالطريقين، ثم ضم إليهما متابعة ثالثة صحح بها الحديث.\nوالحديث ضعيف جدًا لا يصح، لكن الشاهد هنا أن طريق معاوية بن يحيى هذا قد ارتكب فيه بقية تدليس التسوية، فأسقط عباد بن كثير، بين معاوية وأبي الزناد، كما تقدم ذكره عن أبي حاتم، وعباد متروك الحديث.\nالأمر الخامس: ينبغي أن يرتفع الخلاف في حكم رواية المدلس إذا جاءت روايته بصيغة عن، واحتف بذلك قرينة ترجح أن ذلك الحديث المعين مما دلَّسه وليس مما سمعه، فيحكم حينئذٍ للرواية بالانقطاع على جميع الأقوال، سواء كان المدلس مكثرًا من التدليس أو مقلًا منه، وسواء كان مكثرًا عن ذلك الشيخ الذي روى عنه أو مقلًا، وسواء كان وصفه بالتدليس قد جاء عن الأئمة في عموم رواياته أو في شيخ معين، يستوي في ذلك التدليس في مبدأ الإسناد، والتدليس في وسطه، وهو المعروف بتدليس التسوية.\nوهكذا في جميع ما قيل: إن رواية المدلس محمولة على السماع حتى يتبين الانقطاع، فهذا التبين يعني ظهور قرينة تدل على الانقطاع، وعلى الباحث أن يجتهد في التحقق من وجود هذه القرينة أو عدم وجودها.","vol":"1","page":348},{"text":"وعلى القول بأن رواية المدلس بصيغة عن محمولة على الانقطاع فالباحث بحاجة أيضًا إلى البحث في هذه القرائن، حتى وإن كان سيحكم بالانقطاع ولو لم توجد، ذلك أن حكمه بالانقطاع إذا وجدت أقوى وآكد، ويرفع الخلاف بينه وبين غيره.\nوسأذكر من هذه القرائن ما رأيت الأئمة استخدموه في ترجيح وقوع التدليس، وقد يصادف الباحث أحاديث ليس لهم فيها كلام، فبإمكانه استخدامها إذا وجدت.\nالقرينة الأولى: أن تأتي رواية أخرى صحيحة يروي فيها المدلس ذلك الحديث عن شيخه بواسطة، سواء سماه، أو أبهمه بأن قال: عن رجل، أو قال: بلغني عنه، أو نبئت عنه، ونحو ذلك.\nومثله في تدليس التسوية: إذا جاءت رواية أخرى عن المدلس فيها هذه الزيادة في وسط الإسناد.\nوهذه أهم القرائن وأقواها وأكثرها استخدامًا، كما قال ابن القطان: \"وأبين ما يكون الانقطاع بزيادة واحد في حديث من عرف بالتدليس\" (^١).\nومن الأمثلة على ذلك ما رواه الأعمش، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس حديث قصة اللذين يعذبان في قبريهما (^٢)، ورواه منصور بن المعتمر، عن\n_________\n(^١) \"بيان الوهم والإيهام\" ٢: ٤٣٥.\n(^٢). \"صحيح البخاري\" حديث (٢١٨)، (١٣٦١)، (١٣٧٨)، (٦٠٥٢)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٢٩٢).","vol":"1","page":349},{"text":"مجاهد، عن ابن عباس (^١).\nوالبخاري مع أنه أخرج رواية منصور ولم يخرجها مسلم، إلا أن البخاري رجح رواية الأعمش (^٢)، وكذا رجحها الترمذي (^٣)، والدارقطني (^٤)، فإما أن يكون الخطأ من منصور، وإما أن يكون مجاهد حين حدث به منصورًا أسقط طاوسًا، ورواه عن ابن عباس مباشرة.\nومن ذلك أن جمعًا غفيرًا روى عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: \" الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ... \" الحديث (^٥)، فذهب جماعة من الأئمة منهم سفيان الثوري، وأحمد، وابن المديني، وابن خزيمة، والبيهقي، وغيرهم إلى أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، لأنه كان يقول في طرق أخرى عنه: عن رجل، عن أبي صالح، وفي بعضها: حدثت عن أبي صالح، وفي\n_________\n(^١). \"صحيح البخاري\" حديث (٢١٦)، (٦٠٥٥).\n(^٢). \"العلل الكبير\" ١: ١٤١، لكن وقع فيه قلب في السؤال، فقد جعل رواية الأعمش بإسقاط طاوس، ورواية منصور بذكره، والصواب العكس، وانظر: \"سنن الترمذي\" حديث (٧٠) وتعليق الترمذي عليه، و\"عمدة القاري\" ٣: ١١٥.\n(^٣). \"سنن الترمذي\" ١: ١٠٣، بعد حديث (٧٠).\n(^٤). \"الإلزامات والتتبع\" ص ٥٠٠.\n(^٥) \"سنن الترمذي\" حديث (٢٠٧)، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢٨٤، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢، ٥١٤، و\"مسند الطيالسي\" حديث (٢٤٠٤)، و\"مسند الحميدي\" حديث (٩٩٩)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (١٥٢٨)، و\"علل الدارقطني\" ١٠: ١٩٢.","vol":"1","page":350},{"text":"بعضها: حدثت عن أبي صالح - ولا أراني إلا وقد سمعته - (^١).\nوروى جماعة كثيرون منهم الثوري، وحماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي، وأنس بن عياض، وغيرهم، عن حميد الطويل، عن أنس قصة صلاته ﷺ خلف أبي بكر في مرض موته (^٢)، ورواها محمد بن طلحة، وسليمان بن بلال، ويحيى بن أيوب، ويزيد بن هارون، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، قال الترمذي: \"ومن ذكر فيه: عن ثابت - فهو أصح\" (^٣).\nوقال ابن المديني: \"سمعت يحيى (يعني القطان) يقول: حديث التيمي، عن الحسن: \" أن ابن عباس كان يعرف \" - لم يسمعه من الحسن، كان يقول: رجل عن الحسن، قال يحيى: فبلغني أنه رواه عن أبي بكر الهذلي\" (^٤).\nوقال أحمد في حديث سفيان الثوري، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" حديث (٥١٧ - ٥١٨)، و\"سنن الترمذي\" ١: ٤٠٣، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢٣٢، ٣٨٢، و\"مسائل أبي داود\" ص ٢٩٣، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٢٣٦، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٥٢٨ - ٥٢٩)، و\"مشكل الآثار\" حديث (٢١٩٢ - ٢١٩٣)، و\"علل الدارقطني\" ١٠: ١٩٥، و\"سنن البيهقي\" ١: ٤٣٠، و\"التلخيص الحبير\" ١: ٢١٨.\n(^٢) \"سنن النسائي\" حديث (٧٨٥)، و\"مسند أحمد\" ٣: ١٥٩، ٢١٦، ٢٣٣، ٢٤٣، ٢٦٣، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (٣٧٥١)، و\"الأوسط\" لابن المنذر ٤: ٢٠٤، و\"سنن البيهقي\" ٧: ١٩٢، و\"دلائل النبوة\" ٧: ١٩٢.\n(^٣) \"سنن الترمذي\" حديث (٣٦٣)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٢٤٣، و\"شرح معاني الآثار\" ١: ٤٠٦، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٢١٢٥).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٨.","vol":"1","page":351},{"text":"\" أنه كان يقول: اندرايم \" ـ: \"لم يسمعه سفيان من حماد، في إملاء اليمن: عن جابر، عن حماد\" (^١).\nوالمقصود بإملاء اليمن ما سمعه عبدالرزاق من الثوري باليمن، وكان أحمد يرى أنه أحكم وأضبط مما سمعه منه بمكة (^٢).\nوقال أحمد أيضًا في حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة مرفوعًا: \" لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين \"، وهو من رواية يونس عن الزهري، جاء ذلك من طرق عن يونس (^٣)، قال أحمد: \"أفسدوا علينا حديث الزهري ...، قالوا: عن سليمان بن أرقم - يعني قالوا: عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة - ... \" (^٤).\nوكذا قال غير واحد من الأئمة: إن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة،\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٣٠٠، ٢: ٢١.\n(^٢) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٧٧٠.\n(^٣) \"سنن أبي داود\" حديث (٣٢٩٠ - ٣٢٩١)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١٥٢٤)، و\" سنن النسائي \" حديث (٣٨٤٣ - ٣٨٤٧)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٢١٢٥)، و\"مسند أحمد\" ٦: ٢٤٧، وجاء في رواية عن يونس، عن الزهري قال: بلغني عن أبي سلمة، عن عائشة به موقوفًا عليها، انظر: \"التاريخ الكبير\" ٤: ٢، و\"التاريخ الصغير\" ٢: ١٩٧، و\"المعرفة والتاريخ\" ٣: ٣.\n(^٤) \"سنن أبي داود\" ٣: ٥٩٥، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٠١، وحديث سليمان بن أرقم أخرجه أبو داود حديث (٣٢٩٢)، والترمذي حديث (١٥٢٥)، والنسائي حديث (٣٨٤٨)، من رواية موسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري.","vol":"1","page":352},{"text":"معتمدين على هذه القرينة (^١).\nوروى إسماعيل بن علية، وعبدالوهاب بن عبدالمجيد، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \" لا يسترعي الله ﵎ عبدًا رعية - قلَّت أو كثرت - إلا سأله الله ﵎ عنها يوم القيامة ... \" الحديث (^٢).\nقال ابن خزيمة: \"لم يسمع الحسن هذا الخبر من ابن عمر، حدثنا محمد بن عبدالأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس، عن الحسن قال: نبئت أن ابن عمر قال ... \" (^٣).\nوقد تقدم أن الحسن قد سمع من ابن عمر في قول الجمهور، لكن يظهر أنهم إنما يثبتون له سماعه لحديث واحد، كما تقدم شرحه في المبحث الثالث، وعلى هذا فهذه القرينة تأكيد لعدم سماعه منه هذا الحديث المعين، ونفي لاحتمالات أخرى قد تكون قائمة في سماع الحسن من ابن عمر، وعنعنته عنه.\nوفي هذا المثال يقرب أن حذف الواسطة ليس من الحسن، وإنما هو من الراوي عنه يونس بن عبيد، فالطرق مدارها عليه، فكأنه ربما استبدل العنعنة بقول الحسن: نبئت، بالعنعنة، ويونس مدلس أيضًا كما تقدم في المبحث الثاني،\n_________\n(^١) \"سنن أبي داود\" ٣: ٥٩٥، و\"سنن الترمذي\" ٤: ١٠٣، و\"سنن النسائي\" ٧: ٣٤، و\"العلل الكبير\" ٢: ٦٥٢، و\"التاريخ الكبير\" ٤: ٢، و\"التاريخ الصغير\" ٢: ١٩٧، و\"سنن البيهقي\" ١٠: ٦٩.\n(^٢) \"مسند أحمد\" ٢: ١٥، و\"إتحاف المهرة\" ٨: ٢٩٦.\n(^٣) \"إتحاف المهرة\" ٨: ٢٩٦.","vol":"1","page":353},{"text":"وقد يكون تسامح في ذلك للعلم بأن الحسن لم يسمعه من ابن عمر.\nوروى جماعة عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ مرفوعًا: \" نضر الله عبدًا سمع مقالتي ... \" الحديث (^١).\nورواه عبدالله بن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن عبدالسلام بن أبي الجنوب، عن الزهري به (^٢)، قال العلائي عن الطريق الأول: \"الظاهر أن هذا مما دلسه ابن إسحاق ...، وعبدالسلام قال فيه أبوحاتم: متروك\" (^٣).\nوروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: \" من إذًا اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ... \" الحديث (^٤).\nوقد رواه يحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عمن حدثه، عن نافع به، وذكر البخاري أن هذا أشبه (^٥).\nوروى مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر\n_________\n(^١) \"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٣١)، و\"مسند أحمد\" ٤: ٨٠، ٨٢، و\"سنن الدارمي\" حديث (٢٣٤)، و\"الجرح والتعديل\" ٢: ١٠، و\"المجروحين\" ١: ٢، و\"المعجم الكبير\" حديث (١٥٤١ - ١٥٤٤)، و\"المستدرك\" ١: ٨٧.\n(^٢) \"سنن ابن ماجه\" حديث (٢٣١).\n(^٣) \"جامع التحصيل\" ص ٥٣، وانظر: \"تهذيب التهذيب\" ٦: ٣١٥.\n(^٤) \"سنن ابن ماجه\" حديث (٧٢٨)، و\"المستدرك\" ١: ٢٠٥.\n(^٥) \"التاريخ الكبير\" ٨: ٣٠٦.","vol":"1","page":354},{"text":"مرفوعًا: \" ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع \"، قال النسائي بعد أن رواه: \"لم يسمعه سفيان من أبي الزبير ... \"، ثم أخرجه من طريق أبي داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن أبي الزبير به (^١).\nوروى الدارقطني من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر قال: \" زوجني خالي قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان بن مظعون، فدخل المغيرة بن شعبة على أمها فأرغبها في المال ... \" الحديث، وقال الدارقطني بعده: \"لم يسمعه محمد بن إسحاق من نافع، وإنما سمعه من عمر بن حسين عنه، كذلك رواه إبراهيم بن سعد عنه، وتابعه محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عمر بن حسين \"، ثم أخرج الطريقين (^٢).\nوروى جماعة منهم أبومعاوية، ويعلى بن عبيد، وجرير بن عبدالحميد، وغيرهم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله\n- ﷺ -: \" كم مضى من الشهر ... \" الحديث في ليلة القدر (^٣).\nقال الحاكم: \"لم يسمع هذا الحديث الأعمش من أبي صالح، وقد رواه أصحابه عنه هكذا منقطعًا\"، ثم أخرجه من طريق عبيدالله بن سعيد قائد\n_________\n(^١) \"سنن النسائي\" حديث (٤٩٨٦) - ٤٩٨٧)\n(^٢) \"سنن الدارقطني\" ٣: ٢٣٠، وانظر: \"مسند أحمد\" ٢: ١٣٠، و\"المستدرك\" ٢: ١٦٧، و\"سنن البيهقي\" ٧: ١٢٠.\n(^٣) \"سنن ابن ماجه\" حديث (١٦٥٦)، و\"مسند أحمد\" ٢: ٢٥١، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ٣: ٨٤، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٢١٧٩)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٢٥٤٨)، (٣٤٥٠)، و\"سنن البيهقي\" ٤: ٣١٠.","vol":"1","page":355},{"text":"الأعمش، عن الأعمش، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (^١).\nوعبيدالله بن سعيد قائد الأعمش ضعيف (^٢)، وكأن الحاكم هنا اعتمد زيادته لأن عنعنة الأعمش عن أبي صالح في جميع الطرق إليه أوجبت ريبة.\nوكلام الأئمة في الحكم بالتدليس اعتمادًا على هذه القرينة كثير جدًا (^٣).\nويمكن للباحث أن يستخدمها في الاستدلال لكلام الأئمة إذا حكموا بوقوع تدليس، ولم يذكروا دليل ذلك، مثاله ما روى معتمر بن سليمان التيمي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: \" إن فاجأتك جنازة وأنت على غير وضوء فصلِّ عليها \" (^٤)، قال يحيى القطان: \"حديث إسماعيل بن أبي خالد: \" إذا فجأتك جنازة \" - ليس هو من صحيح حديثه\" (^٥)، يعني لم يسمعه من عامر الشعبي.\nودليل هذا أن عبدالله بن نمير قد رواه عن إسماعيل، عن رجل، عن عامر الشعبي، قال عبدالله: \"هو مطيع الغزال - يعني الرجل ـ\" (^٦).\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ٣٥.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ٧: ١٦.\n(^٣) انظر مثلًا: \" سنن الترمذي \" حديث (٣٦٦٢)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٧٠٩٤ - ٧٠٩٩)، (١٠٣٨٣ - ١٠٣٨٤)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٣٧)، و\"الإلزامات والتتبع\" ص ١٦٨، و\"التمهيد\" ١٢: ٢٦٧.\n(^٤) \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (٦٢٨٠).\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٨.\n(^٦) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣٤٤.","vol":"1","page":356},{"text":"وروى محمد بن يوسف الفريابي، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبدالله بن مسعود مرفوعًا: \" ما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً، فعليكم بألبان البقر، فإنها ترم من كل الشجر \" (^١)، وسئل عنه أبوحاتم فقال: \" ... وأما الثوري فإنه لا يسنده إلا الفريابي، ولا أظن الثوري سمعه من قيس، أراه مدلسًا\" (^٢).\nوقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، عن الثوري، عن يزيد بن أبي خالد، عن قيس بن مسلم، عن طارق مرسلًا (^٣).\nويمكن للباحث أن يستند على هذه القرينة في الحكم بوقوع تدليس، وإن لم ينص أحد على ذلك، كما في رواية عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي: \" أن عمر وابن مسعود كانا يصليان في السفر قبل المكتوبة وبعدها \" (^٤)، فقد رواه ابن مهدي، عن الثوري، عن مالك بن مغول، عن حماد به بمعناه (^٥).\nوروى وكيع، وعلي بن مسهر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي \"في المرأة تزوجت رجلًا على أنه حر، فوجد عبدًا، قال: تخير \"، لفظ وكيع (^٦)،\n_________\n(^١) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٨٦٣).\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٢٥٤، وفي المطبوع سقط.\n(^٣) \"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٦٨٦٤).\n(^٤) \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (٤٤٥٤).\n(^٥) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٨.\n(^٦) \"مصنف ابن أبي شيبة\" ٤: ١٦٢.","vol":"1","page":357},{"text":"ورواه يحيى القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عمن حدثه، عن الشعبي (^١).\nومما يؤكد أهمية هذه القرينة - أعني إدخال واسطة بين المدلس وشيخه - في الدلالة على وقوع تدليس، أن إدخال واسطة في إسناد معنعن بين راو وشيخه دليل على وقوع انقطاع في الإسناد الذي حذفت منه الواسطة، وإن لم يوصف الراوي بالتدليس (^٢)، والفرق بين المدلس وغيره حينئذ أن المدلس يكتفى للحكم بوقوع التدليس منه بأدنى شبهة، ويكون وصف الراوي بالتدليس قرينة مستقلة على ترجيح الزيادة.\nوقد تقدم في ذكر أخطاء التصريح بالتحديث من المدلسين وعليهم، أن من أهم دلائل ذلك ورود واسطة بين المدلس وشيخه في بعض الروايات.\nولابد من الإشارة هنا إلى أنه ليس كل زيادة بين المدلس وشيخه يحكم من أجلها على الراوي بأنه دلس في هذا الحديث، فبعض الزيادات لا تصح، فهذا الأمر يخضع للقرائن، فهو محل اجتهاد إذًا.\nومن ذلك أن جماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي - منهم الثوري، وشعبة، وعمر بن عبيد، وغيرهم - رووا عنه، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣٤٣.\nوانظر في أحاديث أخرى يرويها إسماعيل عن الشعبي بواسطة، وربما حذفها، وكذلك قتادة عن سعيد بن المسيب: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٣٢٢ - ٣٣٥ فقرة (٥٤٣٦ - ٥٤٨٣)، ٣: ٣٣٦ - ٣٤٦ فقرة (٥٤٩١ - ٥٥٢٧)، وتخريج محقق الكتاب.\n(^٢). انظر: \"بيان الوهم والإيهام\" ٢: ٤٣٥.","vol":"1","page":358},{"text":"الخدري: \"أصبنا سبايا فكنا نعزل عنهن .... \" الحديث (^١).\nورواه أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد (^٢).\nفهذه الزيادة لا تصح، لمخالفة أبي بكر بن عياش لأصحاب أبي إسحاق، وفيهم كبار أصحابه، وهو متكلم فيه وفي روايته عن أبي إسحاق على وجه الخصوص (^٣).\nوأيضًا فإن من رواة الوجه الأول عن أبي إسحاق شعبة، وقد تقدم في المبحث الرابع أنه لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما سمعه، وقد صرح أبو إسحاق بالتحديث في روايته.\nقال الدارقطني عن رواية أبي بكر: \"ليس بمحفوظ، والصحيح: عن أبي إسحاق، عن أبي الوداك \" (^٤).\nويلتحق بذكر الواسطة أن يأتي عن المدلس في بعض الروايات عنه ما يعرف منه صيغة الرواية التي يحدث بها بينه وبين شيخه في الحديث المعين، وأنه لم يصرح بالتحديث، بل روى بصيغة قال، أو ذكر، أو حدث، ونحوها، فقد تقدم أننا إذا عرفنا أن المدلس لم يصرح بالتحديث، وعرفنا صيغة روايته على وجه\n_________\n(^١) \" مسند أحمد \" ٣: ٤٩، ٥٩، و\"مسند الطيالسي\" حديث (٢٢٨٩)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٤١٩١).\n(^٢) \" المعجم الأوسط \" حديث (٨١٠٤).\n(^٣) \" علل ابن أبي حاتم \" ١: ٣٤، و\"تهذيب التهذيب \" ١٢: ٣٤.\n(^٤) \" علل الدارقطني \" ١١: ٣٤٩.","vol":"1","page":359},{"text":"التحديد، فنرجح حينئذ أنه لم يسمعه، ويكون حكمنا في ذلك حكم النقاد في عصر الرواية، الذين وقفوا على صيغ رواية المدلس، وقد تقدم في هذا المبحث النقول عنهم فيما يشبه الإجماع على أن المدلس إذا روى بهذه الصيغ فقد دلَّس.\nومن الأمثلة التطبيقية على ذلك حديث: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\"، الماضي ذكره آنفًا، فقد تقدم أن من قرائن وقوع التدليس فيه إدخال الزهري واسطة في بعض الروايات عنه.\nومن القرائن كذلك أنه جاء في بعض الطرق إلى يونس قول الزهري: حدث أبو سلمة، قال أبو داود: \"سمعت أحمد بن شبويه يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل على أن الزهري لم يسمعه من أبي\nسلمة \" (^١).\nوقال البيهقي بعد أن أخرجه من طريق عنبسة بن خالد، عن الزهري كذلك: \"هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة \" (^٢).\nومن الأمثلة أيضًا ما رواه سعيد بن أبي عروبة، وعمران القطان - في رواية عنه - عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله، عن عياض بن حمار، قال:\n_________\n(^١) \" سنن أبي داود \" ٣: ٥٩٥.\n\nوممن رواه كذلك عن يونس أيضًا أبو ضمرة، أخرجه النسائي حديث (٣٨٤٧)، لكن وقع فيه: حدثنا أبو سلمة، وقد جاء على الصواب في \"تحفة الأشراف\" ١٢: ٣٦٧، فهو من أمثلة أخطاء التصريح بالتحديث من مدلس، وقد تقدم الحديث عنها بتوسع في المبحث الرابع.\n(^٢) \" سنن البيهقي \" ١٠: ٦٩.","vol":"1","page":360},{"text":"\"قلت: يا رسول الله، رجل من قومي يشتمني، وهو دوني، علي بأس أن أنتصر منه؟ قال: المستبان شيطانان ... \" (^١).\nورواه شيبان بن عبد الرحمن في بعض الروايات عنه، عن قتادة قال: وحدث مطرف، عن عياض بن حمار (^٢).\nفأفادت هذه الرواية أن قتادة لم يسمعه من مطرف، وأنه يدلسه عنه، وأكد ذلك أن الحديث رواه همام بن يحيى، وحجاج بن حجاج، وعمران القطان- في رواية عنه - عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله - أخي مطرف - عن عياض بن حمار (^٣).\nوقتادة يروي عن مطرف بن عبد الله، ويروي عن يزيد بن عبد الله، عن أخيه مطرف، وربما أسقط يزيد (^٤).\nوروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، قال: \"لما جاء بهن رسول الله - ﷺ - إلى قومه - يعني الصلوات الخمس - خلى عنهن، حتى إذا زال الشمس عن بطن السماء نودي فيهم: الصلاة جامعة .... \" الحديث (^٥).\n_________\n(^١) \" مسند أحمد \" ٤: ١٦٢، و\"مسند الطيالسي\" حديث (١١٧٦)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٥٧٢٦ - ٥٧٢٧)، و\"سنن البيهقي\" ١٠: ٢٣٥.\n(^٢) \" مسند أحمد \" ٤: ١٦٢، و\"سنن البيهقي\" ١٠: ٢٣٥.\n(^٣) \" مسند أحمد\" ٤: ١٦٢، ٢٦٦، و\"مسند الطيالسي\" حديث (١١٧٦)، و\"الأدب المفرد\" حديث (٤٢٨).\n(^٤) انظر: \" مسند أحمد \" ٤: ٢٦٦، و\"مسند الطيالسي \" حديث (١١٧٥).\n(^٥) \" المراسيل \" لأبي داود حديث (١٢)، و\"سنن الدارقطني\" ١: ٢٦٠.","vol":"1","page":361},{"text":"ورواه شيبان، عن قتادة قال: حدث الحسن (^١).\nفرواية شيبان هذه تدل على أن قتادة قد دلسه عن الحسن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>القرينة الثانية: أن يكون في متن الحديث أو إسناده نكارة وشذوذ</span>، فإن الأئمة يلجؤون كثيرًا إلى التعليل بالتدليس، وغرضهم من ذلك تبرئة المدلس الثقة، وجعل العهدة على من أسقطه.\nمثال ذلك حديث أبي معاوية، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن ابن عمر: \"كنا نعد ورسول الله ﷺ حي، وأصحابه متوافرون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ثم نسكت\" (^٢).\nسئل عنه علي بن المديني فقال: \"أنا أفرقه، كان أبو معاوية لا يقول فيه: حدثنا\" (^٣).\nوهذا الحديث عن سهيل لا يرويه ثقة غير أبي معاوية، رغم كثرة أصحاب سهيل، وفيهم حفاظ ثقات مكثرون عنه (^٤)، وليس لأبي معاوية عن سهيل في\n_________\n(^١) \" سنن البيهقي \" ٩: ٣٦٢، و\"فتح الباري\" لابن رجب ٢: ١٢٥، ووقع في الأول: ثنا الحسن، وهو تحريف فيما يظهر.\n(^٢). \"مسند أحمد\" ٢: ١٤، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" ١٢: ٩، و\"السنة\" لابن أبي عاصم حديث (١١٩٥)، و\"مسند أبي يعلى\" حديث (٥٧٨٤)، و\"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٣٥٢، و\"السنة\" للخلال حديث (٥٤١)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٧٢٥١)، و\"المعجم الكبير\" حديث (١٣٣٠١)، من طرق كثيرة عن أبي معاوية.\n(^٣). \"معرفة الرجال\" ٢: ٢٣٢.\n(^٤). انظر في أصحاب سهيل: \"تحفة الأشراف\" ٩: ٣٩٤ - ٤٢٦.","vol":"1","page":362},{"text":"الكتب الستة سوى حديث واحد عند مسلم في المتابعات (^١)، وهذا المتن فيه كلام لبعض الأئمة، وخاصة الجملة الأخيرة منه (^٢)، فمثل هذا لا تردد في ضرورة مطالبة المدلس بالتصريح بالتحديث فيه، لينظر بعد ذلك في الأمور الأخرى في الإسناد، مثل كون أبي معاوية يهم في غير حديث الأعمش، وما في حفظ سهيل بن أبي صالح من كلام.\nوروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قصة شكوى امرأة صفوان بن معطل، وأنه كان يضربها إذا صلت، ويمنعها الصيام، وأنه كان لا يستيقظ للفجر حتى تطلع الشمس (^٣)، قال البزار بعد أن وصفه بالنكارة: \"وإنما أتت نكرة هذا الحديث أن الأعمش لم يقل: حدثنا أبوصالح، فأحسب أنه أخذه عن رجل غير ثقة، وأمسك عن ذكر الرجل، فصار الحديث ظاهر إسناده الحسن ... \" (^٤).\nومن ذلك أن أبا معاوية، وحفص بن غياث، رويا عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي مرسلًا حديث الضحك في الصلاة (^٥)، وقد تقدم في المبحث\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" حديث (١٨٧٨)، و\"تحفة الأشراف\" ٩: ٤٢٥.\n(^٢). انظر: \"فتح الباري\" لابن حجر ٧: ١٦، ٥٨، كلامه على الحديثين (٣٦٥٥)، (٣٦٩٧).\n(^٣) \"سنن أبي داود\" حديث (٢٤٥٩)، و\"مسند أحمد\" ٣: ٨٠ - ٨٥، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (١٤٨٨).\n(^٤) \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري ٣: ٣٣٧ (الحاشية)، وانظر: \"التاريخ الصغير\" ١: ٤٣، و\"فتح الباري\" ٨: ٤٦٢.\n(^٥). \"الكامل\" ٣: ١٠٢٨، و\"سنن الدارقطني\" ١: ١٧١، و\"سنن البيهقي\" ١: ١٤٦.","vol":"1","page":363},{"text":"الثالث أن سفيان الثوري قال: إن الأعمش لم يسمعه من إبراهيم.\nومن أهم ما يستدل به على ذلك بالنسبة لنا رواية وكيع، عن الأعمش، ففيها قول الأعمش: أرى إبراهيم ذكره (^١)، ولذا قال أحمد: \"يقول الأعمش: أرى إبراهيم، يعلم أنه ليس من حديث إبراهيم المشهور، يعني بقوله: أرى\" (^٢).\nولعل هذا من الأحاديث التي قال فيها الأعمش فيما رواه عنه عبدالله بن نمير: \"حدثت بأحاديث على التعجب، فبلغني أن قومًا اتخذوها دينًا، لا عدت لشيء منها\" (^٣).\nوقال يحيى القطان: \"كان الأعمش إذا جاء بإسناد جيد تهلَّل وجهه، وإذا جاء بذاك الآخر فالله أعلم \" (^٤).\nوروى ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار: \" رأيت النبي ﷺ يخلل لحيته \" (^٥)، قال أبوحاتم: \"لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة، ولم يذكر ابن عيينة في هذا الحديث\n_________\n(^١). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٦٧.\n(^٢). \"مسائل أبي داود\" ص ٤١٤.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤١٦.\n(^٤). \"الجامع لأخلاق الراوي\" ٢: ١٠٢، وانظر حديثًا من هذا النوع في \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٤٠٦.\n(^٥) \"سنن الترمذي\" حديث (٣٠)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٤٢٩).","vol":"1","page":364},{"text":"الخبر، وهذا أيضًا مما يوهنه\" (^١)، يعني لم يصرح ابن عيينة بالتحديث.\nوقال البرذعي: \"قلت (يعني لأبي زرعة): ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: \"كلام القدرية كفر \"- قال: هذا عندي باطل، إنما روى هذا أبو عصمة نوح بن أبي مريم، ليس هذا من حديث ابن جريج، ابن أبي رواد أخاف أن يكون قد عمل في هذا عملًا، ألا ترى أنه يقول في آخره: \"ولا أعلم قومًا خيرًا من قوم أرجوا \"، قال لي أبو زرعة: ابن عباس يقول مثل\nهذا؟ \" (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>القرينة الثالثة: أن يخالف المدلس غيره، في الإسناد أو المتن</span>، فيستدل بهذا على أنه قد دلَّسه، ويبرأ هو من نسبة الخطأ إليه.\nمثال ذلك قول أبي حاتم في حديث رواه عمر بن علي المقدمي وزاد فيه على غيره رجلًا في الإسناد: \"أما عمر فمحله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا إذ جاء بالزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة \" (^٣).\nوروى الأعمش، والحسن بن عمرو الفقيمي، وفطر بن خليفة، وغيرهم، عن مجاهد، عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \" ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها \"، إلا\n_________\n(^١) \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٣٢، دون كلمة (الخبر)، وهي موجودة في المخطوط، وانظر أيضًا: \"التاريخ الكبير\" ٣: ٣١، و\"التلخيص الحبير\" ١: ٩٧.\n(^٢) \" أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٣٢٥.\n(^٣) \" علل ابن أبي حاتم \" ١: ١٦٦، وانظر: \" الجرح والتعديل \" ٦: ١٢٥.","vol":"1","page":365},{"text":"أن الأعمش جعله موقوفًا على عبدالله بن عمرو (^١).\nقال أبوحاتم حين سئل عنه: \"الأعمش أحفظهم، والحديث يحتمل أن يكون مرفوعًا، وأنا أخشى أن لا يكون سمع الأعمش من مجاهد، فإن الأعمش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يرويه عن مجاهد مدلس\" (^٢).\nوقال ابن حجر في معرض كلامه عن \"المستخرجات\" وشروط تصحيح ما فيها من زيادات على \"الصحيحين\": \"فإذا روى البخاري - مثلًا - عن علي ابن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري حديثًا، ورواه الإسماعيلي - مثلًا - عن بعض مشايخه، عن الحكم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، واشتمل حديث الأوزاعي على زيادة على حديث ابن عيينة - توقف الحكم بصحتها على تصريح الوليد بسماعه من الأوزاعي، وسماع الأوزاعي من الزهري، لأن الوليد بن مسلم من المدلسين على شيوخه، وعلى\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" حديث (٥٩٩١)، و\"سنن أبي داود\" حديث (١٦٩٧)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١٩٠٨)، و\"مسند أحمد\" ٢: ١٦٣.\n(^٢) \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٢١٠.\nوانظر في أحاديث أخرى أعلها الأئمة بتدليس الراوي مستندين إلى مخالفته لغيره: \" سنن النسائي الكبرى\" حديث (٥١٩٤ - ٥١٩٦)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٤٠٧)، (١٠٩٥ - ١٠٩٦)، و\" صحيح ابن حبان\" كلامه بعد حديث (٢٨٥٤)، و\"الإلزامات والتتبع\" ص ٥٥٦، و\"سنن البيهقي\" ٣: ٣٢٧.","vol":"1","page":366},{"text":"شيوخ شيوخه\" (^١).\nهذا ما وقفت عليه من القرائن المستخدمة في ترجيح وجود تدليس، وقد يوقف على غيرها أيضًا.\nوقد يقول قائل: قد ذكرت في المبحث الثالث أن نص إمام من الأئمة على أن فلانًا لم يسمع الحديث ممن روى عنه ينهي موضوع التدليس، ونحكم على الحديث بالانقطاع، مع أننا نرى الأئمة يصدرون أحكامهم بناءً على القرائن المذكورة هنا، فإما أن نجعل نص الإمام مجرد قرينة، وإما أن نجعل هذه القرائن وإن لم يوجد نص للإمام كما إذا وجدنا نصًا عنه.\nوالجواب: أنني ذكرت أحكام الأئمة هنا مع هذه القرائن لأبين اعتماد الأئمة عليها في الحكم بالانقطاع، فنحن نقتفي أثرهم في استخدامها، ونرجح وجود تدليس إذا وجدت، وإن لم نقف لهم على كلام في الحديث المعين، ويبقى ذلك مجرد قرينة مرجحة، أما إذا كان هناك كلام لإمام من الأئمة فالواجب اتباعه في ذلك، ولا يكون هذا مجرد قرينة، بل يجب متابعته وإن لم يتحرر لنا سبب حكمه هذا، إذ كثير من أحكامهم يظهر أنهم عرفوها من المدلسين أنفسهم، والله أعلم.\n_________\n(^١) \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ١: ٢٩٢.","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المبحث السادس\nتعليل الإسناد بتدليس غير مدلس</span>\nربما تشتد نكارة الحديث، فيحتاج الباحث إلى الطعن في الإسناد بأمور خفية، وفيما يتعلق بالتدليس، عليه أن يستحضر إذا واجهه مثل هذا ما تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول عن بعض الأئمة كشعبة بن الحجاج من توقفهم في الإسناد غير المصرح فيه بالتحديث، وإن لم يكن الراوي مدلسًا.\nويستحضر كذلك ما نقل عن بعض الأئمة من ارتكاب جمع كثير من الرواة للتدليس دون تحديد، كقول شعبة: \"ما رأيت أحدًا إلا وهو يدلس، إلا عمرو بن مرة، وابن عون\" (^١)، وقول يزيد بن هارون: \"قدمت الكوفة فما رأيت بها أحدًا إلا وهو يدلس، إلا مسعر بن كدام، وشريكًا\" (^٢).\nوقد تقدم في المبحث الثاني من هذا الفصل أن التدليس والإرسال ربما لجأ إليهما الراوي لعارض، كالمذاكرة، وأن النقاد يرمون الراوي بالتدليس دفاعًا عنه، لئلا يتحمل عهدة ما رواه من أحاديث منكرة، وأن معرفتنا بكون الراوي مدلسًا إنما هو بحسب وقوفنا على كلام النقاد، وقد فات الذين جمعوا من رمي بالتدليس جماعة من الرواة، وأن صورة التدليس قد تقع من الراوي دون أن يقصده.\nوبناء على ما تقدم فقد يلجأ الباحث إلى تضعيف الإسناد باحتمال وقوع\n_________\n(^١) \"التمهيد\" ١: ٣٤.\n(^٢) \"الكفاية\" ص ٣٦١.","vol":"1","page":369},{"text":"التدليس فيه، وإن لم يكن في رواته من وقف عليه أنه رمي بالتدليس، ولا غرابة في ذلك، فكما منع الباحث من الطعن في الإسناد بالتدليس - مع وجود مدلس فيه، كأن يكون نادر التدليس، والمتن والإسناد لا نكارة فيهما، ونحو ذلك - يطالب الباحث بالتضعيف بالتدليس، وإن لم يكن فيه مدلسًا، متى ألجأت الضرورة لذلك.\nوالباحث إذا صنع ذلك إنما يقتدي بأئمة النقد، فقد فعلوا ذلك كثيرًا.\nفمن أمثلة تعليل النقاد بالتدليس والراوي لم يوصف بذلك أن النقاد ضعفوا رواية معمر بن راشد، عن ثابت البناني، وأشاروا إلى أن فيها غرائب مناكير، وتقدمت نصوصهم فيها في الفصل الثاني من \"الجرح والتعديل\".\nوسئل أحمد عن حديث منها، وهو ما رواه معمر، عن أبان، وثابت وغير واحد، عن أنس مرفوعًا: \"لا شغار في الإسلام\" (^١)، فقال: \"هذا عمل أبان - يعني أنه حديث أبان -، وإنما معمر - يعني لعله دلسه -\" (^٢).\nومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر عن أبان، وهو حديثه، وهو متروك الحديث، وأما روايته للحديث عن ثابت فالظاهر أنه لم يسمعه منه، وإنما دلسه عنه.\nوقال البرذعي: \"قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري، وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما، قال أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضها مراسيل، عن ابن أبي فروة، وابن سمعان \" (^٣).\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" ٣: ١٦٥، و\"مصنف عبدالرزاق\" حديث (١٠٤٣٤).\n(^٢). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٦٥.\n(^٣). \"أسئلة البرذعي لأبي زرعة\" ص ٣٦١، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٦٧، وفيه: \"وقال لي أبو حاتم\".","vol":"1","page":370},{"text":"فقد استنكر أبو زرعة بعض ما يحدث به هذان، مع كونهما صدوقين، فاضطر أبو حاتم إلى رميهما بالتدليس - وإن لم يكونا معروفين به - عن رواة متروكين، قال ابن رجب معلقًا على هذا النص: \"ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان، فوجده يشبهه، ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهم، فخاف أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة، وابن سمعان، ودلسا عن شيوخهما\" (^١).\nوروى عبدالله بن صالح كاتب الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة مرفوعًا: \"عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ... \" (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي وذكر حديثًا رواه معاوية بن صالح ...، قال أبي: هو حديث منكر، لم يروه غير معاوية، وأظنه من حديث محمد بن سعيد الشامي الأزدي، فإنه يروي هذا هو بإسناد آخر\" (^٣).\nومحمد بن سعيد هذا هو المعروف بالمصلوب، وهو وضاع للحديث مشهور (^٤)، وقد روى هذا الحديث بإسناد آخر - كما قال أبوحاتم ـ، فرواه عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال به مرفوعًا (^٥).\n_________\n(^١). \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٦٧.\n(^٢) \"صحيح ابن خزيمة\" حديث (١١٣٥)، و\"المعجم الكبير\" حديث (٧٤٦٦)، و\"المستدرك\" ١: ٣٠٨، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٥٠٢.\n(^٣) \"علل الحديث\" ١: ١٢٥.\n(^٤) \"تهذيب التهذيب\" ٩: ١٨٤.\n(^٥) \"سنن الترمذي\" حديث (٣٥٤٩).","vol":"1","page":371},{"text":"ومعاوية بن صالح لم يوصف بالتدليس، وإنما كان يغرب بحديث أهل الشام جدًا، وقد روى عنه عبدالله بن صالح مائتي حديث غريب (^١)، فرجح أبوحاتم أن يكون قد سقط من الإسناد محمد بن سعيد المصلوب، إما خطأ، أو عمدًا، وقد يكون سقط معه غيره، ويحتمل أن يكون هذا من قبل عبدالله بن صالح الراوي عنه، فهو متكلم فيه أيضًا، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في ترجمته (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن حديث رواه أبو بكر بن أبي عتاب الأعين، عن أبي صالح، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: \"يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من مضر وبني تميم، فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: \"أويس القرني\".\nقال أبي: هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح، عن الليث، نظرت في أصل الليث وليس فيه هذا الحديث، ولم يذكر أيضًا الليث في هذا الحديث خبرًا، ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة، ودلسه، ولم يروه غير أبي صالح \" (^٣).\nقال أبو حاتم هذا مع أن الليث بن سعد من أثبت الناس في سعيد المقبري (^٤)، ولم يوصف بالتدليس.\nوروى الأوزاعي، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن سعيد المقبري، عن\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ١٠: ٢١١.\n(^٢) \"الكامل\" ٤: ١٥٢٤.\n(^٣) \" علل الحديث \" ٢: ٣٥٣.\n(^٤) \" شرح علل الترمذي\" ٢: ٦٧٠.","vol":"1","page":372},{"text":"القعقاع بن حكيم، عن عائشة حديث وطء الأذى بالنعل (^١).\nوالحديث مشهور لعبد الله بن زياد بن سمعان، عن سعيد المقبري، وهو متروك الحديث، وقد اختلف عليه فيه (^٢)، فقال العقيلي في نقد طريق الزبيدي: \"لعل الزبيدي أخذه عن ابن سمعان\" (^٣).\nوروى جرير بن حازم، عن عبدالله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: \"أن النبي ﷺ أهدى في بدنه بعيرًا كان لأبي جهل، في أنفه بُرَّة من فضة\" (^٤).\nوالحديث معروف بابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، ولذا قال البيهقي في نقد رواية جرير بن حازم: \"هذا إسناد صحيح، إلا أنهم يرون أن جرير بن حازم أخذه من محمد بن إسحاق ثم دلسه، فإن بين فيه سماع جرير من ابن أبي نجيح صار الحديث صحيحًا، والله أعلم\" (^٥).\nوابن إسحاق قد دلسه أيضًا على ابن أبي نجيح، وإن كان قد جاء عنه التصريح بالتحديث، لكنه خطأ عليه، وقد تقدم هذا في المبحث الرابع.\nوروى الحسن بن الربيع، عن عبد ربه بن نافع أبي شهاب الحناط، عن\n_________\n(^١). \"سنن أبي داود\" حديث (٣٨٧)، و\"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٥٧، و\"سنن البيهقي\" ٢: ٤٣٠.\n(^٢). \"مصنف عبدالرزاق\" حديث (١٠٤)، و\"مسند أبي يعلى\" (٤٨٦٩)، و\"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٥٦، و\"المعجم الأوسط\" حديث (٢٧٥٩)، و\"الكامل\" ٤: ١٤٤٥.\n(^٣). \"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٥٧، وانظر مثالًا آخر للعقيلي في ٢: ١١.\n(^٤). \"مسند أحمد\" ٢: ٢٧٣، و\"سنن البيهقي\" ٥: ٢٣٠.\n(^٥). \"سنن البيهقي\" ٥: ٢٣٠.","vol":"1","page":373},{"text":"عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن جرير بن عبدالله مرفوعًا: \" تبنى مدينة بين دجلة ودجيل ... \"، وهو حديث موضوع، وظاهر إسناده القوة، فقال الخطيب في نقده: \"أحسب أنه وقع إليه (يعني إلى أبي شهاب) حديث عاصم، من جهة عمار بن سيف، أو سيف بن محمد، أو محمد بن جابر، فرواه عن عاصم مرسلًا، لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه، والله أعلم\" (^١).\nوعبد ربه بن نافع لم يوصف بالتدليس، وهو يروي عن عاصم الأحول، لكن الحديث موضوع، فلجأ الخطيب إلى رميه بأنه ارتكب التدليس في هذا الحديث (^٢).\nوأعيد ما ذكرته آنفًا من أن الرمي بالتدليس عند ترجيح وقوعه لأمر ظاهر لا ينبغي أن يقصر على المدلسين، وهو أمر في غاية الأهمية، ومن المواضع التي يحس فيها الناقد بذوق هذا الفن، ويبتعد فيه عن الاكتفاء بظواهر الأمور.\nوقد يقول قائل: هذا الموضوع لا جديد فيه، لأن الناقد المتقدم إذا ضعف حديثًا بتدليس معنعن فهذا هو وصفه بالتدليس، ويكون الراوي مدلسًا، فيعود الأمر إلى التعليل بتدليس مدلس، وليس بوقوع التدليس من غير المدلس.\nوالجواب: أن من لم يعرف بالتدليس إذا عنعن، وظهر للناقد أن الحديث خطأ، ولجأ إلى تعليله بتدليس الراوي، فإنه يفعل ذلك التماسًا لعلة يسقط بها الحديث، وهو يفعل ذلك مع تردده في وقوع التدليس، لاحتمال أن يكون وقع\n_________\n(^١) \"تاريخ بغداد ١: ٣٦، وانظر: \" العلل ومعرفة الرجال \" ٢: ٥٠.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ٦: ١٢٨.","vol":"1","page":374},{"text":"منه خطأ ولم يقصده، أو وقع الإسقاط ممن بعده، ونحو ذلك، ولهذا يقول الناقد: لعله دلسه، أو لعله أخذه من فلان، أو أظنه، كما تقدم في كلام أحمد، وأبي حاتم، والعقيلي، فلا يكون هذا وصفًا للراوي بالتدليس، وإن أعل به بعض حديثه.\nومما يتضح به ما تقدم أيضًا ما رواه مهنا، قال: \" سألت أحمد عن حديث رواه أبو قتادة الحراني، عن الأوزاعي، عن مكحول: \"أن النبي ﷺ أتي بترس فيه تمثال عقاب، فوضع يده عليه فأذهبه الله\"، قال أبو قتادة: فقلت للأوزاعي: أسمعته منه؟ قال: أو رجل عنه، فقال: (يعني أحمد): ليس بصحيح عن مكحول، قلت: أتراه من قبل الأوزاعي؟ قال: ينبغي، قلت: تراه دلسه عليه؟ قال: لا أدري، بعضهم يقول: الأوزاعي، عن خصيف، وبعضهم يقول: الأوزاعي، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، وليس هو صحيحًا\" (^١).\n_________\n(^١) \" المنتخب من علل الخلال\" ص ١٧٤.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفصل الرابع\nموضوعات متفرقة في الاتصال والانقطاع</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: شرط الاتصال والحديث الصحيح.\nالمبحث الثاني: درجات الاتصال والانقطاع.\nالمبحث الثالث: مصطلحات في الاتصال والانقطاع.\nالمبحث الرابع: الحكم على الإسناد بعد دراسة الاتصال والانقطاع.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الأول\nشرط الاتصال والحديث الصحيح</span>\nذكر عدد من الباحثين أسانيد من \"صحيح البخاري\" أخرجها مع أن السماع بين بعض رواتها لم يعلم، أي لم يرد السماع، أو ورد لكنه لا يثبت، ورأيت بعضهم يستدل بها على أن البخاري لا يشترط العلم بالسماع، وإنما يكتفي بالقرائن، ويستدل بها بعضهم على أن البخاري وإن كان يشترط العلم بالسماع، إلا أنه ربما اكتفى بالقرائن في بعض الأحوال، وذلك حين تقوى القرائن جدًا على إثبات السماع.\nولا أتردد لحظة واحدة في القول بأن هذا الاستدلال غير صحيح، وأن هؤلاء الباحثين - ومثلهم كثير - لم يتضح في أذهانهم أن شروط الحديث الصحيح بابها واحد، فالناقد ربما نزل عن شرط من شروط الصحيح لسبب يراه، مع علمه بتخلف هذا الشرط.\nوهذا الأمر مشهور متداول عند الأئمة والباحثين في الشرطين المتعلقين بالرواة، وهما العدالة والضبط، فصاحب الصحيح قد يخرج لأناس ليسوا على شرط الصحيح، يخرج لهم مقرونين بغيرهم، وفي المتابعات والشواهد، وفي المعلقات، بل قد يسوق أسانيد فيها من ليس على شرط الصحيح دون قصد التخريج له، وقد مضى شرح هذا في \"الجرح والتعديل\"، في الفصل الثاني منه.\nوأما الشروط الثلاثة الباقية - وهي الاتصال، وعدم الشذوذ، وعدم العلة - فالكلام في إيضاح موقف النقاد منها في الأحوال الخاصة قليل جدًا، ولهذا يظن بعض الباحثين أن كل ما في \"الصحيحين\" في شرط الاتصال - مثلًا","vol":"1","page":379},{"text":"- هو على شرط الصحيح، وبنوا عليه ما تقدم من الاستدلال بالأسانيد التي أخرجها البخاري والسماع لم يعلم فيها على أنه لا يشترطه، وربما يخرج علينا بعض الباحثين فيلتقط أسانيد في \"الصحيحين\" وقع فيها شذوذ أو علل، فيستدل بها على أن الأئمة لا يشترطون في الحديث الصحيح خلو الإسناد منها.\nوفي هذا المقام سأقصر الحديث عن شرط الاتصال، وأما ما يتعلق بالشذوذ والعلل فسيأتي الحديث عنه بإذًا الله تعالى في القسم الثالث \"مقارنة المرويات\"، وسأجعل نقطة الانطلاق في هذا الحديث من تلك الأسانيد التي يستدل بها بعض الباحثين على صنيع البخاري، وأنه لا يشترط العلم بالسماع، إما مطلقًا، أو في بعض الأحوال، وهي أربعة أسانيد:\n١ - حديث عروة بن الزبير، عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \" إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون\" (^١).\nذكر بعض الباحثين أن هذا الحديث قال عنه الدارقطني: \" هذا مرسل \"، وبين الدارقطني أنه جاء من طريق عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة (^٢)، وقال الطحاوي في كلامه على هذا الحديث: \" عروة لم نعلم له سماعًا من أم سلمة \" (^٣).\nفهذا إسناد اكتفى فيه البخاري بالمعاصرة، وإمكان اللقي، لأن عروة\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (١٦٢٦).\n(^٢). \" التتبع \" ص ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(^٣). \" شرح مشكل الآثار \" ٩: ١٤١.","vol":"1","page":380},{"text":"أدرك من حياة أم سلمة نيفًا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد.\nوالجواب عن هذا الإسناد أختصره في أمرين:\nالأول: لو بحث من يذهب إلى أن الأئمة يشترطون العلم بالسماع عن نصوص تؤيد قوله لم يجد أفضل من هذا المثال، ذلك أن حال عروة مع أم سلمة ما ذكر، ومع هذا قال الطحاوي كلمته السابقة، وكذلك حكم الدارقطني بأنه مرسل، فأين الاكتفاء بالمعاصرة؟\nالثاني: من المعلوم أن إدخال راو بين راويين لم يعلم السماع بينهما من أقوى القرائن على الانقطاع بينهما، كما تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني، ويتأكد هذا جدًا إذا كان إدخال الراوي بينهما في الحديث نفسه الذي جاء من طريق آخر بالرواية بينهما مباشرة، كما في هذا الحديث، ذلك أن إدخال راو بين راويين هو دليل على الانقطاع، ولو كان السماع بينهما ثابتًا معلومًا في أحاديث أخرى (^١).\nوهذه مسائل معروفة مقررة، وعلم السنة حلقة مترابطة، قواعده يخدم بعضها بعضًا.\nإذا تقرر هذا فرواية عروة بن الزبير عن أم سلمة منقطعة جزمًا، عند البخاري وغيره، والبحث ينبغي أن يكون حول إخراج البخاري لإسناد منقطع في \" صحيحه \".\n٢ - رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وقد أخرج البخاري بهذا الإسناد\n_________\n(^١). انظر: \" بيان الوهم والإيهام \" ٢: ٤٣٥.","vol":"1","page":381},{"text":"حديثين، أحدهما حديث: \" بعث النبي - ﷺ - عليًا إلى خالد ليقبض الخمس ... \" الحديث، والثاني حديث: \" غزا رسول الله - ﷺ - ست عشرة غزوة \" (^١).\nوالبخاري ذكر في ترجمة عبد لله بن بريدة أنه روى عن أبيه بالعنعنة، وسمى البخاري من سمع منه عبد الله بن بريدة، فهذا يدل على أن البخاري لم يقف على تصريح له بالسماع من أبيه، ومع هذا أخرج له في \" صحيحه \" عن أبيه هذين الحديثين، فدل على أنه لا يشترط العلم بالسماع، هذا تقرير الاستدلال بهذا الإسناد.\nوالجواب: أن سماع عبد الله بن بريدة من أبيه معلوم، فقد جاءت عدة أحاديث فيها التصريح بالسماع، وهي من طريق علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه (^٢).\nوهذا التصريح وإن كان محل نظر من جهة ثبوته، فلا بعد أن يكون البخاري اطلع عليه فيما بعد واعتمده، فعلي بن الحسين بن واقد قد رآه البخاري في حياة شيخه إسحاق بن راهويه، ولم يكتب عنه، لأن إسحاق كان سيئ الرأي فيه بسبب الإرجاء، ثم كتب عن إسحاق عنه (^٣).\nوعلى افتراض أن البخاري لم يقف على هذا التصريح، أو لم يره صحيحًا فلا دلالة في تخريجه للحديثين على حكمه باتصال الإسناد، ويكون السؤال هو: كيف أخرج هذين الحديثين بهذا الإسناد وهو منقطع؟ .\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٤٣٥٠)، (٤٤٧٣).\n(^٢). \" سنن أبي داود \" حديث (٢٥٧٢)، (٢٨٤٣)، (٥٢٤٢)، و\" سنن الترمذي \" حديث (٢٧٧٣)، (٣٦٨٩ - ٣٦٩٠)، (٣٧٧٤)، و\" الشمائل المحمدية \" حديث (٢٠).\n(^٣). \" الضعفاء الكبير \" ٣: ٢٢٦، و\" ثقات ابن حبان \" ٨: ٤٦٠.","vol":"1","page":382},{"text":"٣ - رواية أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن عثمان ابن عفان، أخرج البخاري بهذا الإسناد حديثين، أحدهما: حديث: \" خيركم من تعلم القرآن وعلمه \"، والثاني: حديث: (حصار عثمان) (^١).\nوقد نفى شعبة، وابن معين سماع أبي عبد الرحمن من عثمان، وروى أحمد نفي شعبة ولم يعترضه بشيء، وقال أبو حاتم حين سئل عن سماعه من عثمان: \" قد روى عنه، ولم يذكر سماعًا \" (^٢).\nوهذا يدل على اكتفاء البخاري بالمعاصرة وإمكان اللقي ولا يشترط العلم بالسماع.\nوالجواب: في هذا الإسناد دليل قوي جدًا على أن النقاد يشترطون ثبوت السماع، فالقرائن قوية على احتمال سماع أبي عبد الرحمن من عثمان، فكان في زمنه مقرئًا للقرآن، كما أخرجه البخاري تتمة للحديث الأول، وكان إقراؤه للقرآن بسبب هذا الحديث، ولفظ الراوي عنه بعد أن ساق المرفوع: \" وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا \"، ومع كل هذا نفى الجمهور سماعه، وعلل أبو حاتم ذلك بأنه لم يذكر سماعًا.\nوإخراج البخاري له عن عثمان لا يدل على الاكتفاء بالمعاصرة، لسببين:\nالأول: جزم البخاري في ترجمة أبي عبد الرحمن السلمي أنه سمع من\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٢٧٧٨)، (٥٠٢٧).\n(^٢). \" مسند أحمد \" ١: ٥٨، و\" المنتخب من علل الخلال \" ص ١٢٠، و\" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٣٠١، و\" المراسيل \" ص ١٠٦ - ١٠٨، و\" فتح الباري \" ٩: ٧٥.","vol":"1","page":383},{"text":"عثمان، فقال: \" سمع عليًا، وعثمان، وابن مسعود ...، عن أبيه \" (^١)، ولا يبعد أن يكون البخاري يأخذ بما ورد أنه قرأ على عثمان بن عفان، وإن كانت الأسانيد فيها مقال (^٢)، وإلى هذا مال ابن حجر في بحثه سبب إخراج البخاري لهذا الإسناد مع قول الأئمة السابق ذكرهم: إنه لم يسمع منه (^٣)، وبعض الباحثين لم يحكم النظر في كلام ابن حجر، فحمله على أنه يقرر على البخاري إخراجه لمعاصر لم يصرح بالتحديث عن من روى عنه.\nوقد يكون غير البخاري يثبت هذا السماع أيضًا، فقد ذكر أبو عوانة أن أهل العلم من أهل التمييز اختلفوا في سماع أبي عبد الرحمن من عثمان (^٤)، وذكر الذهبي نفي شعبة لسماعه من عثمان، ورده (^٥).\nالثاني: على افتراض أن يكون البخاري لا يصحح هذا السماع، ويريد بما ذكره في ترجمته بيان ورود السماع فقط - فلا دليل في إخراجه لهذين الحديثين على إثبات السماع بالمعاصرة، ويبعد جدًا أن يخالف البخاري جمهور النقاد الذين نفوا سماعه منه وهو لا يصحح السماع، فالمتتبع لمخالفات البخاري للجمهور يراه فيها معتمدًا على تصريح بالسماع، وغيره لا يصححه.\n_________\n(^١). \" التاريخ الكبير \" ٥: ٧٣، و\" التاريخ الصغير \" ١: ٢٠١.\n(^٢). انظر: \" علل الدارقطني \" ٣: ٦٠، و\" معرفة القراء الكبار \" ١: ٥٢ - ٥٧، و\" سير أعلام النبلاء \" ٤: ٢٦٧ - ٢٧٢.\n(^٣). \" فتح الباري \" ٩: ٧٦.\n(^٤). \" إتحاف المهرة \" ١١: ٥٥.\n(^٥). \" معرفة القراء الكبار \" ١: ٥٤، ٥٧، و\" سير أعلام النبلاء \" ٤: ٢٦٩.","vol":"1","page":384},{"text":"بل في الحديث الثاني دليل قوي على أنه يرى هذا الإسناد منقطعًا، فإنه أخرجه معلقًا، فالاحتمال القوي أن يكون فعل ذلك لهذا السبب، نعم يحتمل أن يكون فعل ذلك للاختلاف في إسناده، لكن الاحتمال الأول باق.\nوعلى هذا فالنظر في سبب إخراج البخاري للحديث الذي رواه مسندًا، ولم يعلقه، وهو الحديث الأول، مع كونه يراه منقطعًا.\n٤ - رواية قيس بن أبي حازم: \" أن بلالًا قال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله\".\nذكره بعض الباحثين هكذا: حديث قيس بن أبي حازم، عن بلال بن رباح ﵁ أنه قال لأبي بكر، ثم ذكر قول ابن المديني: \" روى عن بلال، ولم يلقه (^١) \"، ثم استدل بهذا على أن البخاري يكتفي بالمعاصرة، حيث أخرج لقيس رواية عن بلال، وهو قد عاصره، ولم يرد له سماع منه.\nوهذا الصنيع مثال لما ذكرته في الفصل الأول، من أن كثيرًا من الباحثين لا يفرقون بين صيغة: عن فلان أنه قال لفلان كذا، فهذه رواية عنه، وبين صيغة: أن فلانًا قال لفلان كذا، فهذه حكاية للقصة، وليست رواية عنه، فقيس بن أبي حازم لا يروي عن بلال حكايته لموقف جرى بينه وبين أبي بكر، وإنما قيس يحكي هذا الموقف بنفسه، فينظر في إدراكه لهذا الموقف وحضوره من عدمه، وإدراكه لهذا الموقف يعرف بإدراكه لأصحابه ولقيه لهم، وابن المديني ينفي أن يكون لقي بلالًا، وحجته ظاهرة، فإن بلالًا خرج من المدينة إلى الشام بعيد\n_________\n(^١). \" علل ابن المديني \" ص ٥٠.","vol":"1","page":385},{"text":"وفاته - ﷺ -، ولم يؤذن لأبي بكر، هذا هو الراجح في ذلك (^١)، وقيس قدم المدينة بعد وفاة الرسول - ﷺ - (^٢)، ولم يرد سماعه من بلال، فالظاهر أنه لم يلقه، وعلى هذا فالإسناد إذًا منقطع، وثبوت لقيه لأبي بكر لا يكفي للحكم بالاتصال، إذ هو لا يسند النص عنه، وإنما يحكي قصة وقعت لبلال معه، فلابد من إدراكه لهذه القصة.\nلكن النظر لم ينته بعد، فالسؤال هو: لم أخرج البخاري هذا الإسناد وهو منقطع؟ .\nوأبدأ الآن بالجواب عن هذا السؤال الذي تكرر مع الأسانيد الأربعة كلها، وهو: لم أخرجها البخاري وهي أسانيد منقطعة؟\nوالجواب عن هذا السؤال يتعلق بالقضية التي أشرت إليها في أول هذا المبحث، وهي قضية الشرط، والنزول عن الشرط، فإذا عرفنا أن شروط الحديث الصحيح هي ثقة الرواة، واتصال الإسناد، وخلوه عن الشذوذ، والعلل، لابد أن نضم إلى هذا إدراك أن الالتزام الدقيق بهذه الشروط بالقدر الذي يصلح لشرط الصحيح أمر غير موجود، فما من شرط من هذه الشروط إلا وقد نزل فيه صاحبا الصحيح عن الشرط.\n_________\n(^١). انظر: \" مصنف عبد الرزاق \" حديث (١٨٢٧)، (٢٠٤١٢)، و\" طبقات ابن سعد \" ٣: ٢٣٥ - ٢٣٨، و\" أعلام الحديث \" ١: ٤٥٦، و\" المحلى \" ٣: ٢٠٢، و\" سنن البيهقي \" ١: ٤١٩، و\" سير أعلام النبلاء \" ١: ٣٥٧، و\" التحقيق في أحاديث التعليق \" لابن الجوزي (مسائل الأذان) بتحقيقي، ص ١٣٤.\n(^٢). \" تهذيب التهذيب \" ٨: ٣٨٧.","vol":"1","page":386},{"text":"والذي يهمنا هنا في النظر إلى هذه الأسانيد الأربعة هو شرط الاتصال، والإرسال منه على وجه الخصوص، وسأحاول تلخيص الكلام فيه بحيث يدرك القارئ بسهولة انتظامه مع القضية العامة، وهي النزول عن الشروط كلها.\nوخلاصة الكلام أن إخراج البخاري لأسانيد قليلة لم يعلم فيها سماع الراوي ممن روى عنه إنما هو نزول عن شرطه وهو العلم بالسماع، ولا دلالة فيه مطلقًا على أنه لا يشترطه، فمن الجناية على هذا الإمام أن تذهب جهوده العظيمة التي تمثلت في الحرص على تتبع السماع، وفي التزامه بذلك في \" صحيحه \"، حتى أنه ربما ذكر أسانيد الغرض منهما إثبات السماع (^١)، وفي إعراضه عن عشرات الأسانيد التي هي على شرط الصحيح لولا عدم العلم بالسماع، من الجناية عليه أن تذهب هذه الجهود بمجرد وقوفنا في أثناء مئات الأسانيد على بضعة أسانيد لم يعلم فيها السماع، مع وجود مخارج صحيحة لها غير كونه لا يشترط العلم به.\nوعندما أقول بأنه أخرج هذه الأسانيد القليلة نازلًا بها عن شرطه فإني لا أقول ذلك جزافًا، بغرض التخلص منها، وإنما أقوله اعتمادًا على دليل ظاهر جدًا، وخلاصته أننا نجد أسانيد في \" صحيح البخاري \" ظاهرة الانقطاع بالاتفاق، ويلزم على صنيع هؤلاء الباحثين في استدلالهم بإخراج البخاري للأربعة الأسانيد السابقة على أن البخاري لا يشترط العلم بالسماع - أن يكون البخاري لا يشترط الاتصال أصلًا، وقد وقع إلزام البخاري بهذا فعلًا، كما\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (١٠)، (٤٨٤١ - ٤٨٤٢)، وانظر: \" هدي الساري \"\nص ١٤.","vol":"1","page":387},{"text":"سأوضحه، وأوضح أنه غير لازم له، فالنزول عن الشرط مختلف تمامًا عن التخلي عن الشرط.\nفقد أخرج البخاري من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵄ قال: \" تعرق رسول الله - ﷺ - كتفًا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ \"، وعن أيوب، وعاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \" انتشل النبي - ﷺ - عرقًا من قدر فأكل ثم صلى ولم يتوضأ \" (^١).\nومحمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس، وإنما سمع من عكرمة عنه، لم يخالف في ذلك أحد (^٢).\nقال ابن حجر: \" اعتماد البخاري في هذا المتن إنما هو على السند الثاني ...، وكأن البخاري أشار بإيراد السند الثاني إلى ما ذكرت من أن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس، وما له في البخاري عن ابن عباس غير هذا الحديث، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق محمد بن عيسى بن الطباع، عن حماد بن زيد، فأدخل بين محمد بن سيرين، وابن عباس: عكرمة، وإنما صح عنده لمجيئه من الطريق الأخرى الثانية، فأورده على الوجه الذي سمعه\" (^٣).\nوأخرج البخاري عددًا من الأسانيد، يروي فيها التابعي حكاية وقعت\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٥٤٠٤ - ٥٤٠٥).\n(^٢). \" مسائل أبي داود \" ص ٤٥٥، و\" العلل ومعرفة الرجال \" ١: ٤٨٧، ٢: ٥٣٤، و\" تاريخ الدوري عن ابن معين \" ٢: ٥٢٠، و\" علل ابن المديني \" ص ٦٠، و\" المعرفة والتاريخ \" ٢: ٥٥، و\" مسند البزار \" ١: ٧٣، و\" المراسيل \" ص ١٨٧.\n(^٣). \" فتح الباري \" ٩: ٥٤٥.","vol":"1","page":388},{"text":"للصحابي مع رسول الله - ﷺ -، دون أن يسندها إلى الصحابي، وقد تقدمت الإشارة إلى قيام الإجماع على أن هذا مرسل غير متصل في المبحث الثاني من الفصل الأول.\nوالبخاري يتسامح في هذا إذا كان التابعي معروفًا بالرواية عن الصحابي صاحب القصة، فالاحتمال الكبير أن يكون أخذها عنه، مع ضميمة أمر آخر، كأن يكون هناك طرق أخرى للقصة أو لأصلها في \" صحيح البخاري\"، أو خارج \" الصحيح \"، أو يكون الحديث المرسل ليس فيه حكم شرعي.\nفمن ذلك أنه أخرج من طريق الزهري، عن عروة أن عائشة أخبرته: \" أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله، اعتراض الجنازة \" (^١).\nثم أعقبه بطريق عراك بن مالك، عن عروة: \" أن النبي - ﷺ - كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة، على الفراش الذي ينامان عليه \" (^٢).\nقال ابن حجر: \" صورة سياقه بهذا: الإرسال، لكنه محمول على أنه سمع ذلك من عائشة، بدليل الرواية التي قبلها، والنكتة في إيراده أن فيه تقييد الفراش بكونه الذي ينامان عليه ...، بخلاف الرواية التي قبلها فإن قولها: \"فراش أهله \" أعم من أن يكون هو الذي ناما عليه أو غيره \" (^٣).\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٣٨٣)، وانظر: الأحاديث (٣٨٢)، (٥٠٨)، (٥١١ - ٥١٥)، (٥١٩)، (٩٩٧)، (١٢٠٩)، (٦٢٧٦).\n(^٢). \" صحيح البخاري \" حديث (٣٨٤).\n(^٣). \" فتح الباري \" ١: ٤٩٢.","vol":"1","page":389},{"text":"وأخرج من طريق مالك، عن وهب بن كيسان قال: \" أتي رسول الله - ﷺ - بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبي سلمة ... \" (^١).\nوهذا مرسل، فإن وهب بن كيسان تابعي، ولم يحضر القصة، قال ابن حجر بعد أن تحدث عن الاختلاف فيه على مالك في وصله وإرساله: \" وإنما استجاز البخاري إخراجه، وإن كان المحفوظ فيه عن مالك الإرسال، لأنه تبين بالطريق الذي قبله صحة سماع وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة ... \" (^٢).\nويعني بالذي قبله رواية الوليد بن كثير، عن وهب، أنه سمع عمر بن أبي سلمة بالقصة، ورواية محمد بن عمرو بن حلحلة، عن وهب، عن عمر بن أبي سلمة بالقصة (^٣).\nوأخرج من طريق طلحة بن مصرف، عن مصعب بن سعد، قال:\n\" رأى سعد أن له فضلًا على من دونه، فقال - ﷺ -: هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟ \" (^٤).\nوتعقبه الدارقطني بأنه مرسل (^٥)، وقال ابن حجر في الجواب عن ذلك: \" صورته صورة المرسل، إلا أنه موصول في الأصل، معروف من رواية مصعب ابن سعد، عن أبيه، وقد اعتمد البخاري كثيرًا من أمثال هذا السياق، فأخرجه\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٥٣٨٧).\n(^٢). \" فتح الباري \" ٩: ٥٢٤.\n(^٣). \" صحيح البخاري \" حديث (٥٣٧٦ - ٥٣٧٧).\n(^٤). \" صحيح البخاري \" حديث (٢٨٩٦).\n(^٥). \" التتبع \" ص ٢٤٣.","vol":"1","page":390},{"text":"على أنه موصول، إذا كان الرواي معروفًا بالرواية عمن ذكره، وقد رويناه في \" سنن النسائي \" ... من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه: \" أنه رأى ... \" فذكره، وقد ترك الدارقطني أحاديث في الكتاب من هذا الجنس لم يتتبعها \" (^١).\nوأخرج من طريق عراك بن مالك، عن عروة: \" أن النبي - ﷺ - خطب عائشة إلى أبي بكر، فقال له أبو بكر: إنما أنا أخوك، فقال له: أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال \" (^٢).\nوتعقبه الإسماعيلي، والدارقطني بأنه مرسل، زاد الإسماعيلي: \" فإن كان يدخل مثل هذا في الصحيح فيلزمه في غيره من المراسيل \" (^٣).\nوأجاب ابن حجر عن الإرسال بأن الظاهر أنه حمله عروة عن خالته عائشة، أو عن أمه أسماء بنت أبي بكر، وأجاب عن الإلزام بقوله: \" القصة المذكورة لا تشتمل على حكم متأصل، فوقع فيها التساهل في صريح الاتصال، فلا يلزم من ذلك إيراد جميع المراسيل في الكتاب الصحيح \" (^٤).\nوالجواب عن الإلزام ظاهر، وأما الجواب عن الإرسال ففيه ما فيه، إذ\n_________\n(^١). \" هدي الساري \" ص ٣٦٢، وانظر: \" سنن النسائي \" حديث (٣١٧٨)، و\" مسند البزار \" حديث (١١٥٩)، و\" مسند الشاشي \" حديث (٧٠)، و\" علل الدارقطني \" ٤: ٣١٤، و\" حلية الألياء \" ٥: ٢٦، ٨: ٢٩٠، و\" فتح الباري \" ٦: ٨٨، و\" النكت الطراف \" ٣: ٣١٩.\n(^٢). \" صحيح البخاري \" حديث (٥٠٨١).\n(^٣). \" التتبع \" ص ٥١٤، و\" فتح الباري \" ٩: ١٢٤.\n(^٤). \" فتح الباري \" ٩: ١٢٤.","vol":"1","page":391},{"text":"هناك احتمال أن يكون حمله عن تابعي آخر، والبخاري لم يخرجه متابعًا أو شاهدًا، فلا مناص من القول بالتسامح في النزول عن الشرط.\nفإذا عدنا إلى الأسانيد الأربعة الماضية التي أخرجها البخاري مع أن السماع لم يعلم بين التابعي والصحابي، وجدناها لا تخرج عما ذكره من توجيه لما أخرجه البخاري وهو بالاتفاق مرسل.\nفرواية عروة بن الزبير، عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \" إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون \" - إنما ذكره البخاري متابعة، وقد ساق هذا الإسناد من \" صحيح البخاري \" أحد الإخوة الباحثين، مستدلًا به على أن البخاري لا يشترط العلم بالسماع، وقد تبين لي وأنا أنظر في كلام هذا الباحث أن المسألة شائكة جدًا، وأنه قد اقتحم الكلام فيها من لم يتهيأ للنظر فيها وفي أمثالها.\nفقد تكلم الباحث على هذا الإسناد بما مفاده أنه حديث أصل، واستشهد على ذلك بكلام لابن حجر، وأنا أسوق الإسناد بتمامه، ليتضح للقارئ هل هو إسناد أصل عند البخاري، أو متابعة؟ قال البخاري: \" حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة ﵂: \" شكوت إلى رسول الله - ﷺ - \"، وحدثني محمد بن حرب، حدثنا أبو مروان يحيى بن أبي زكريا الغساني، عن هشام، عن عروة، عن أم سلمة ﵂ زوج النبي - ﷺ -: \" أن رسول الله - ﷺ - قال وهو بمكة، وأراد الخروج، ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت، وأرادت الخروج، فقال رسول","vol":"1","page":392},{"text":"الله - ﷺ -: \" إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون \"، ففعلت ذلك، فلم تصل حتى خرجت \" (^١).\nفالمبتدئ يدرك أن البخاري إنما ساق طريق عروة، عن أم سلمة مقرونًا، فاعتماده على الطريق الموصول الأول الذي فيه زينب، وفي السياق كله ما يشعر بأن البخاري يرى الثاني منقطعًا، فلم يثبت السماع بمجرد المعاصرة.\nغير أن الباحث أصر على أن البخاري أخرج الإسناد الثاني - إسناد عروة، عن أم سلمة - أصلًا لا متابعة، فإنه لما نقل عن ابن حجر أن البخاري أخرجه متابعة، قال: \" مع اعتراف الحافظ أن لفظ الروايتين مختلف، بل قد رجح الحافظ أنهما حديثان مختلفان: أحدهما: في طواف الإفاضة يوم النحر، والآخر في طواف الوداع، بل يظهر أن البخاري كان معتمدًا على رواية عروة، عن أم سلمة، لأنه أورد إسناد حديث عروة، عن زينب، عن أم سلمة، ثم لم يذكر لفظه، وأحال على لفظ حديث عروة، عن أم سلمة، وأورده بإسناده ومتنه كاملًا، إذًا فهذا الحديث داخل في أصل موضوع كتاب البخاري، الذي يشترط فيه الصحة \".\nثم نقل عن الحافظ أن سماع عروة من أم سلمة ممكن غير مستبعد، فهما من بلد واحد، وأدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة.\nفالخلاصة من كل هذا أن ابن حجر يقر ويعترف بأن البخاري يكتفي بالمعاصرة لإثبات السماع.\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (١٦٢٦).","vol":"1","page":393},{"text":"والحقيقة أن ما توصل إليه هذا الباحث قد آلمني كثيرًا، أن يتولى دراسة مثل هذه المسألة من يهبط إلى هذا المستوى: ابن حجر معترف بأن لفظ الروايتين مختلف، ويرجح أنهما حديثان مختلفان، أحدهما في طواف الإفاضة يوم النحر، والآخر في طواف الوداع، فالبخاري أخرج - إذًا - بالإسنادين قصتين مختلفتين، كلتاهما أصل.\nخطأ في الفهم، ومجازفة في الاستدلال، أما الاستدلال فظاهر، فإننا لو افترضنا - جدلًا - أن ابن حجر يقرر هذا فهل يصح أن يحاسب البخاري بما يقرره ابن حجر؟ ولنقطع النظر عن كلام ابن حجر، وكأننا في العصر الذي قبله: ما صفة إخراج البخاري للإسناد الثاني أصل أم متابعة؟ المبتدئ في هذا العلم - كما قدمت - يدرك لأول وهلة أنه أخرجه متابعة، وأنه ساق الإسناد المتصل أولًا ليوضح اعتماده عليه، وأن الواسطة بين عروة، وأم سلمة معروفة، وهي زينب بنت أم سلمة، وقد ساق الإسناد المتصل في مواضع من \" صحيحه\" (^١)، وأما الإسناد الذي ليس فيه زينب فلم يخرجه إلا في هذا الموضع، وساق لفظه من أجل زيادة فيه، وهي أن أم سلمة لم تصل ركعتي الطواف حتى خرجت، فإن هذه الزيادة ليست في الإسناد الأول في جميع مواضعه، وهي جزء موقوف من الحديث من فعل أم سلمة.\nفظهر من هذا أن البخاري لا غرض له من سوق الإسناد الأول إلا ليبين فيه الواسطة بين عروة، وأم سلمة، وأنه تسامح في إخراج الإسناد الثاني لهذا السبب، ولا سيما أن ما فيه من الزيادة موقوف.\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري \" حديث (٤٦٤)، (١٦١٩)، (١٦٣٣)، (٤٨٥٣).","vol":"1","page":394},{"text":"وأما الخطأ في الفهم فقد أبعد الأخ الباحث النجعة جدًا في فهم مراد ابن حجر، فليس مراده أنهما قصتان مختلفتان، بالإسنادين المذكورين، وبيان ذلك أن الدارقطني تعقب البخاري لتخريجه الإسناد الثاني - وقد أخرجه البخاري عن محمد بن حرب، عن أبي مروان يحيى بن زكريا الغساني، عن هشام، عن عروة، عن أم سلمة بقصة طوف الوداع - وأنه منقطع، واستدل الدارقطني على ذلك بأن حفص بن غياث قد رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة بالقصة، وكذلك رواه أبو الأسود يتيم عروة، عن عروة، عن زينب، عن أم سلمة (^١).\nفتعقبه ابن حجر في استدلاله برواية حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، واستظهر ابن حجر خطأ حفص بن غياث أو من دونه على هشام بن عروة، بذكر زينب في قصة طواف الوداع، فالمحفوظ عن هشام هو ما رواه الجماعة من أصحابه: يحيى بن زكريا الغساني، وعبدة بن سليمان، وعلي بن هاشم، ومحاضر بن المورع، بإسقاط زينب.\nثم بين ابن حجر أن الإسناد الذي يرويه هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، إنما هو بقصة أخرى، وهي تعجل أم سلمة ليلة مزدلفة، وصلاتها صلاة الصبح بمكة يوم النحر، وليس في قصة طواف الوداع هكذا رواه عن هشام أبومعاوية الضرير، ورواه معه عن هشام جماعة منهم: وكيع، ويحيى القطان، وكذلك رواه أيضًا عن هشام: الثوري، وابن عيينة، وعبدة بن\n_________\n(^١). \" التتبع \" ٣٥٩.","vol":"1","page":395},{"text":"سليمان، وجماعة آخرون إلا أنهم اختلفوا في إسناده (^١).\nوأما الشق الثاني من استدلال الدارقطني على الانقطاع، وهو أن أبا الأسود يتيم عروة، رواه عن عروة عن زينب، عن أم سلمة - فلم يدفعه ابن حجر، وكيف يدفعه مع قاعدة أن الإسناد المعنعن بين راويين، إذا جاء بزيادة راو بينهما، فالحكم للزيادة، حتى وإن كان السماع ثابتًا بينهما، فأما إذا كان السماع غير ثابت - كما هنا - فهو أدل على الانقطاع.\nلكن ابن حجر في معرض كلامه أوضح أن ما ذكره الدارقطني من الاستدلال بإسناد أبي الأسود عين ما فعله البخاري، فالبخاري لم يفته أن الإسناد الثاني منقطع، ولهذا ذكره مقرونًا بالإسناد المتصل، فهما لقصة واحدة، والإسناد الثاني مع انقطاعه ليس بفاحش الانقطاع، فإن السماع قريب جدًا، فعروة وأم سلمة في بلد واحد، وأدرك من حياتها نيفًا وثلاثين سنة.\nهذا توضيح كلام ابن حجر في \" فتح الباري \"، وفي \" هدي الساري\".\nومن المناسب هنا أن أذكر حديثًا من \" صحيح البخاري \" صنع فيه البخاري نحو صنيعه في حديث أم سلمة، والانقطاع فيه مأخوذ من كلام البخاري نفسه، وليس من تصرفه، فقد أخرج من طريق الأعمش عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس قصة صاحبي القبرين، وأخرجها أيضًا من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس، ليس فيه طاوس (^٢)، ومجاهد قد سمع من\n_________\n(^١). انظر أيضًا: \" التمييز\" ص ١٨٦ - ١٨٧، وتحقيق الأرناؤط \" مسند أحمد\" ٤٤: ٩٦ - ٩٨، حديث (٢٦٤٩٢).\n(^٢). \" صحيح البخاري \" حديث (٢١٦)، (٢١٨)، (١٣٦١)، (١٣٧٨)، (٦٠٥٥).","vol":"1","page":396},{"text":"ابن عباس، لكن في هذا الحديث بعينه دلت رواية الأعمش على أنه لم يسمعه منه، وقد سأل الترمذي البخاري عن هذا الاختلاف أيهما أصح؟ فقال: \"حديث الأعمش \" (^١)، وكذا قال الترمذي: \" حديث الأعمش أصح \" (^٢).\nوهذا المثال لا يحتاج إلى تعليق، وهو يؤكد ما ذكرته وما سأذكره من أن البخاري قد يخرج أسانيد وهي منقطعة.\nوهكذا يقال في حديثي عبد الله بن بريدة، عن أبيه، فحديث بعث النبي - ﷺ - عليًا إلى خالد باليمن قصته مشهورة، ساق البخاري في بابها مع حديث بريدة أربعة أحاديث أخر (^٣)، وحديث عدد غزوات النبي - ﷺ - أخرج البخاري مع حديث بريدة حديثين آخرين (^٤).\nومما يؤكد انتقاء البخاري لهما وإخراجه لهما في الشواهد أن رواية عبد الله ابن بريدة، عن أبيه نسخة، لم يخرج منها سوى هذين الحديثين، وأخرج منها مسلم خمسة أحايث، بعضها في الأصول وبعضها في الشواهد (^٥)، ورواية سليمان بن بريدة، عن أبيه نسخة أيضًا، ولم يخرج منها البخاري شيئًا، مع أنه\n_________\n(^١). \" العلل الكبير \" ١: ١٣٩، و\" عمدة القاري \" ٣: ١١٥، لكن وقع في \" العلل الكبير \" أن الأعمش هو الذي يسقط طاوسًا، ولعل الخطأ فيه من الناسخ.\n(^٢). \" سنن الترمذي \" حديث (٧٠).\n(^٣). \" صحيح البخاري \" حديث (٤٣٤٩ - ٤٣٥٤).\n(^٤). \" صحيح البخاري \" حديث (٤٤٧١ - ٤٤٧٣).\n(^٥). \" صحيح مسلم \" حديث (٧٩٣)، (٩٧٧)، (١١٤٩)، (١٦٩٥)، (١٨١٤).","vol":"1","page":397},{"text":"أقوى من أخيه عبد الله، وأصح حديثًا عند الأئمة (^١)، وأخرج منها مسلم عشرة أحاديث بعضها في الأصول، وبعضها في الشواهد، ومن الأصول ما هو من أحاديث الأحكام (^٢).\nوأما رواية قيس بن أبي حازم قول بلال لأبي بكر، فيحتمل أن يكون البخاري اعتمد على كون قيس قد لقي أبا بكر - كما تقدم تقريبًا - فتسامح فيه، فإن قيل: إنما يتسامح البخاري في مثل هذا: إذا كان الراوي معروفًا بصحبة من حكى قصته، كما في حال مصعب بن سعد مع أبيه، وعروة بن الزبير مع عائشة، وليس كذلك بالنسبة لقيس مع أبي بكر، فالجواب - بعد التسليم بهذا -: أن البخاري تسامح فيه لكونه ليس من أصل كتابه، فهو موقوف من كلام بلال، لا ذكر فيه للنبي - ﷺ -، وهذا ظاهر.\nويبقى حديث أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان، فهذا يقال فيه ما قاله ابن حجر في قصة خطبة النبي - ﷺ - لعائشة، وهو أن الحديث ليس فيه حكم، وإنما هو في الترغيب في تعليم القرآن، وفي سياقه ما يدل على أن أبا عبد الرحمن السلمي أخذه عمن يثق به، فإنه عمل به، ومن أجله مكث يعلم القرآن من عهد عثمان إلى زمن الحجاج.\nفتلخص مما تقدم أن نزول البخاري عن شرط الاتصال، سواء في الإرسال الظاهر، أو في الإرسال الخفي، أو في التدليس عمن سمع منه - في مواضع من\n_________\n(^١). \" تهذيب التهذيب \" ٤: ١٧٤، ٥: ١٥٧.\n(^٢). \"صحيح مسلم\" حديث (٢٧٧)، (٦١٣)، (٩٧٥)، (١١٤٩)، (١٦٩٥)، (١٧٣١)، (١٨٩٧).","vol":"1","page":398},{"text":"\" صحيحه \" أمر مشهور معروف، ولم أستوف فيما تقدم ما جرى فيه بحث مع البخاري (^١)، والبخاري إنما يفعل ذلك لسبب، فليس فيها دلالة على نزول البخاري عن شرط الاتصال.\nومما يؤكد ما نحن فيه - وهو تسامح البخاري في شرط العلم بالسماع لسبب - أن مسلمًا أخرج أسانيد نزل فيها عن شرطه، فهل يستدل بها على أن شرطه الذي شرحه غير معتبر عنده أيضًا؟\nفمن ذلك أنه أخرج من طريق عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبدالله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة - قال عكرمة: ولقي شداد أبا أمامة، وواثلة، وصحب أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا - عن أبي أمامة قال: قال عمرو بن عبسة ... الحديث (^٢).\nورواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة منقطعة، فإنه لم يسمع منه بالاتفاق، فإنه لم ير أحدًا من الصحابة سوى أنس بن مالك رآه رؤية (^٣)، وهو مشهور بالإرسال، موصوف بالتدليس، فلا تقبل عنعنته عمن عاصره إلا أن يصرح بالتحديث بنص مسلم، وساق مسلم روايته لاعتماده على رواية شداد بن\n_________\n(^١). ينظر: مثلًا: \" هدي الساري \" ص ٣٥٦، ٣٥٨، ٣٦٨، ٣٧٧، ٣٧٩، ٣٨٢، الفصل الثامن، الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره على البخاري، الأحاديث (١٨)، (٢٥)، (٦٢)، (٨٧)، (٩٢)، (٩٣)، (١٠٨).\n(^٢). \" صحيح مسلم \" حديث (٨٣٢).\n(^٣). \" المراسيل \" ص ٢٤١ - ٢٤٤، و\" ثقات ابن حبان \" ٧: ٥٩٢، و\" تهذيب الكمال \" ٣١: ٥٠٦.","vol":"1","page":399},{"text":"عبد الله.\nوأخرج مسلم من طريق يزيد بن حميد أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن عباس حديث (البدن المعطوبة)، ثم أخرجه من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، عن ذؤيب أبي قبيصة (^١).\nوقتادة لم يسمع من سنان بن سلمة، قال ابن الجنيد: \" قلت ليحيى بن معين: إن يحيى بن سعيد يزعم أن قتادة لم يسمع من سنان بن سلمة الهذلي حديث ذؤيب الخزاعي في (البدن)، فقال ابن معين: ومن يشك في هذا، أن قتادة لم يسمع منه، ولم يلقه؟ \" (^٢)، وكذا روى ابن أبي خيثمة، عن ابن معين قوله: \" قتادة لم يدرك سنان بن سلمة، ولم يسمع منه شيئًا \" (^٣).\nوقتادة مشهور بالتدليس أيضًا، وما ذكره ابن عبد البر من أن شعبة قد روى هذا الحديث عنه (^٤)، وعليه فيحتمل أنه قد صرح بالتحديث، لأن شعبة كان لا يحمل عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث - لا يفيد شيئًا، فإن ابن عبد البر ذكر هذا الإسناد معلقًا، فلابد من النظر في طريقه إلى شعبة، وقد قال رشيد الدين العطار عن إسناد قتادة عن سنان هذا: \" وهذا الإسناد غير متصل عند جماعة من أهل النقل ... والعذر لمسلم ﵀ أنه إنما أخرج هذا الحديث بهذا\n_________\n(^١). \" صحيح مسلم \" حديث (١٣٢٥ - ١٣٢٦).\n(^٢). \" سؤالات ابن الجنيد \" ص ٢٨٤.\n(^٣). \" نصب الراية \" ٣: ١٦٢.\n(^٤). \" التمهيد \" ٢٢: ٢٦٧، و\" الاستذكار \" ١٢: ٢٧٩.","vol":"1","page":400},{"text":"الإسناد في الشواهد ... \" (^١).\nوأخرج مسلم من طريق قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: \"أن النبي - ﷺ - صلى ست ركعات وأربع سجدات\" (^٢).\nقال ابن عبد البر في نقد هذا الإسناد: \"يرويه قتادة، عن عطاء، عن عبيد ابن عمير، عن عائشة، وسماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح، وقتادة إذا لم يقل: سمعت، وخولف في نقله، فلا تقوم به حجة؛ لأنه يدلس كثيرًا عمن لم يسمع منه، وربما كان بينهما غير ثقة ... \" (^٣).\nومسلم أخرج هذا الإسناد في المتابعات، فقد ساق قبله من طريق ابن جريج، قال: سمعت عطاء يقول: سمعت عبيد بن عمير يقول: حدثني من أصدق (حسبته يريد عائشة) ... فذكر الحديث مطولًا (^٤).\nوفي \" صحيح مسلم \" أسانيد كثيرة ليست على شرط مسلم في الاتصال، ويكون أخرجها إما في المتابعات، والشواهد، أو لم يقصد تخريجها، وإنما جاءت هكذا في الإسناد، وهو يريد آخر معه، وربما اعتذروا عن بعضها بأنها وجدت موصولة خارج \" صحيحه \"، وقد أوردها رشيد الدين العطار في كتابه: \" غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأسانيد المقطوعة \".\nوأكثر من ذلك، أن مسلمًا ربما نزل عن شرطه في حديث أصل، فقد\n_________\n(^١). \" غرر الفوائد المجموعة \" ص ٢٦١، وانظر: \" نصب الراية \" ٣: ١٦٢.\n(^٢). \"صحيح مسلم\" حديث (٩٠١).\n(^٣). \"التمهيد\" ٣: ٣٠٧.\n(^٤). \"صحيح مسلم\" حديث (٩٠١).","vol":"1","page":401},{"text":"أخرج من طريق حميد بن هلال قال: قال أبو رفاعة: \" انتهيت إلى النبي - ﷺ - وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته، حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ -، وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى خطبته فأتم آخرها \" (^١).\nوقد قال ابن المديني: \" حديث أبي رفاعة: \" أتيت النبي - ﷺ - وهو على كرسي من حديد \" رواه سليمان بن المغيرة، عن أبي هلال (كذا في النسخة) عن أبي رفاعة، ولم يلق عندي أبا رفاعة \" (^٢).\nوكل الدلائل تشير إلى ما قاله ابن المديني، فأبو رفاعة صحابي مقل جدًا، لم يرو عنه سوى حميد بن هلال، وصلة بن أشيم (^٣)، وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث عند مسلم، والنسائي، وليس هو معنعنًا، فلا يرد احتمال أن يكون حميد بن هلال صرح بالتحديث - فأبدلت الصيغة ممن بعده، وحميد بن هلال يظهر من ترجمته أنه يرسل (^٤)، والأقرب أنه لم يدرك أبا رفاعة أصلًا (^٥)، وفي حديثه هذا ما يدل على ذلك، فقد اعترض على أبي رفاعة بقوله: \"أراه رأى\n_________\n(^١). \" صحيح مسلم \" حديث (٨٧٦)، وأخرجه النسائي حديث (٥٣٩٢)، وأحمد ٥: ٨٠.\n(^٢). \" علل ابن المديني \" ص ٨٦.\n(^٣). \" تهذيب التهذيب \" ١٢: ٩٦.\n(^٤). \" تهذيب التهذيب \" ٣: ٥٢.\n(^٥). انظر: \" التابعون الثقات الذين تكلم في سماعهم من الصحابة \" ص ٣٨٩ - ٣٩١.","vol":"1","page":402},{"text":"خشبًا أسود حسبه حديدًا\" (^١).\nومثل ما يقال في الإرسال يقال في تدليس الراوي عمن سمع منه، سواء بسواء، ففي \"الصحيحين\" أحاديث للمدلسين ليس فيها تصريح بالسماع، وإنما أخرجها الشيخان لأسباب خاصة، كأن تكون في المتابعات، أو الشواهد، أو في غير المرفوع، ولا يبعد أيضًا أن يكون فاتهما فأخرجا شيئًا وقع فيه تدليس، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث أنهما أخرجا أحاديث فيها تصريح بالسماع، وأعلت مع ذلك بالتدليس.\nوقد تقدم أيضًا في المبحث الخامس من الفصل الثالث شرح طريقة البخاري في تخريج أحاديث المعروفين بالتدليس، مثل هشيم، والأعمش، وقتادة.\nوعلى هذا فلا يصح أبدًا أن يلتقط باحث بضعة أسانيد في \"الصحيحين\" فيها عنعنة مدلس، ثم يبني عليه أن منهج النقاد في تعاملهم مع أحاديث المدلسين أنهم لا يلتفتون للتدليس إلا إذا ظهر ذلك في الحديث المعين.\nوقد رأيت أحد الإخوة الباحثين ممن ينتصر لهذا الرأي يفعل هذا، ومن أمثلة ما ذكره والاستدلال به غير صحيح أنه ذكر أن جمهور النقاد وصفوا عمر ابن علي المقدمي بالتدليس (^٢)، وأن البخاري قال: \"لا أعرف أن عمر بن علي يدلس\" (^٣)، ثم قال الباحث: \"وقد احتج (يعني البخاري) بأحاديث له معنعنة لم\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" ٥: ٨٠، ٤٥٦، و\"الأدب المفرد\" حديث (١١٦٨).\n(^٢). \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٢٩١، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٤٣٣، و\"الجرح والتعديل\" ٦: ١٢٤، و\"علل ابن أبي حاتم\" ١: ١٦٦.\n(^٣). \" العلل الكبير\" ١: ١٩١.","vol":"1","page":403},{"text":"يجد لها الحافظ نفسه طريقًا آخر مصرحًا فيه بالتحديث\"، ثم عزا للتمثيل إلى \"صحيح البخاري\" المطبوع مع فتح الباري ١١: ٢٣٩ حديث (٦٠٥٦).\nوقصد الباحث بذلك الرد على ابن حجر حيث وضع عمر بن علي في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين، وهم من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع (^١).\nوصنيع الباحث غير مستقيم أبدًا، وابن حجر لم يقل إنهم لم يخرجوا له، وإنما قال: إنهم لم يحتجوا إلا بما صرح فيه بالسماع، وقد ذكر في \"هدي الساري\" أنه لم ير له في \"الصحيح\" إلا ما توبع عليه (^٢)، ولم يأت الباحث بشيء ينقض به كلام ابن حجر، وقول الباحث: إن البخاري احتج به في أحاديث معنعنة لم يجد لها الحافظ نفسه طريقًا آخر مصرحًا فيه بالتحديث - كلام مرسل لا معنى له، والمثال الذي عزا إليه لتأييد قوله لم يتمعنه الباحث، فلم يحتج به البخاري، وإنما أخرجه متابعة، والباحث عزا إلى الحديث برقم (٦٠٥٦)، ولم أجده بهذا الرقم، وإنما هو برقم آخر، وهذا نص البخاري:\n\" حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \" أعذر الله إلى امرئ أخَّر أجله حتى بلغه ستين سنة\"، تابعه أبو حازم، وابن عجلان، عن المقبري\" (^٣).\n_________\n(^١). \" تعريف أهل التقديس\" ص ١٣٠.\n(^٢). \" هدي الساري \" ص ٤٣١.\n(^٣). \"صحيح البخاري\" حديث (٦٤١٩).","vol":"1","page":404},{"text":"فهذا البخاري قد ذكر متابعين لعمر بن علي، في شيخ شيخه، فهي متابعة قاصرة، ولا يشترط في الاعتضاد أن تكون متابعة تامة، مع أن ابن حجر حين بحث هذا الإسناد، وأوضح أن عمر بن علي مدلس لم يصرح بالتحديث، ذكر أنه قد توبع في شيخه، وإن كانت غير صريحة، قال: \"هذا الحديث أخرجه أحمد، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن رجل من بني غفار، عن سعيد المقبري بنحوه، وهذا الرجل المبهم هو معن بن محمد الغفاري، فهي متابعة قوية لعمر بن علي ... \" (^١).\nوأختم هذا المبحث بتأكيد ما بدأت به، وهو أن شروط النقاد التي وضعوها لقبول الحديث لا ينبغي لباحث أن يستعجل في نفيها لمجرد وقوفه على بعض الأسانيد في \"الصحيحين\" لا تتوافر فيها تلك الشروط، والله أعلم.\n_________\n(^١). \"فتح الباري\" ١١: ٢٣٩.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>المبحث الثاني\nدرجات الاتصال والانقطاع</span>\nمن الأدلة التي يستند إليها من يرجح رأي مسلم في مسألة رواية الثقة عن شخص أمكن لقاؤه له ولم يثبت دليل خطابي خارج عن أصل القضية، فهو يقول: إن الأخذ بقول الجمهور يؤدي إلى رد أحاديث كثيرة، وهذا معناه تعطيل جملة من السنة النبوية.\nفهذا دليل خطابي لا يقدم ولا يؤخر في المسألة، فلو افترضنا أن ما ذكره صحيح فما المانع من التزامه؟ فقد ردت أحاديث كثيرة جدًا بأسباب أخرى، ولو فتح هذا الباب لأدى ذلك إلى إلغائها أيضًا، ولذهبت جهود أئمة الحديث سدى.\nثم إن القول بأن الأخذ برأي الجمهور معناه تعطيل جملة من السنة النبوية غير صحيح، كما قال ابن رجب: \"فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث، وترك الاحتجاج بها، قيل: من ههنا عظم على مسلم ﵀، والصواب أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد\" (^١).\nوهذا الذي قاله من الأهمية بمكان، وليس خاصًا بمسألة الانقطاع، فهو جارٍ أيضًا في جرح الرواة وتعديلهم كما تقدم شرحه، فما ضعف بسبب اختلال شرط من شروط الصحة ليس معناه طرحه بالكلية، وعليه فليس الحكم على\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٩٧.","vol":"1","page":407},{"text":"تلك الأحاديث بأنها غير متصلة بموجب لطرحها، فقد تعضد غيرها، ويعضدها غيرها، ويحتج بها مع أدلة أخرى، وقد يحتج بها استقلالًا من يرى العمل بما فيه ضعف غير شديد إذا لم يكن في الباب ما يدفعه، أو لسبب آخر.\nومن هذا الباب قول أبي داود وهو يصف \"سننه\": \"وإن من الأحاديث في كتابي \"السنن\" ما ليس بمتصل، وهو مرسل ومدلَّس، وهو - إذا لم توجد الصحاح - عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل، وهو مثل الحسن، عن جابر، والحسن، عن أبي هريرة، والحكم، عن مقسم \" (^١).\nوقد ذكر أبو زرعة حديث حفص بن غياث، عن محمد بن قيس، عن حبيب بن أبي ثابت قال: \"كان عمر لا يجيز نكاحًا في عام سنة - يعني مجاعة -\"، قيل لأبي زرعة: ما ترى في هذا؟ قال: \"هو مرسل، ولكن عن عمر، أهاب أن أرد قوله\" (^٢).\nوقد مر بنا في الفصل الثاني من \"الجرح والتعديل\" مراتب الجرح والتعديل، وتبين من عرضها أن درجات الأحاديث تختلف بحسب اختلاف درجات رواتها، ومثل هذا يقال في شرط (الاتصال)، فما حكم له بالاتصال هو على درجات، وما حكم عليه بالانقطاع فهو على درجات أيضًا، وإن كان الأئمة لم ينصوا على درجات للاتصال والانقطاع، لكن يمكن للباحث أن يتلمس هذا من صنيعهم وتطبيقهم.\n_________\n(^١). \" رسالة أبي داود إلى أهل مكة\" ص ٣٠.\n(^٢). \"المراسيل\" ص ٢٩.","vol":"1","page":408},{"text":"فأما درجات الاتصال فإن إثبات سماع راوٍ من آخر ظاهر جدًا أنه يختلف باختلاف قوة دليل ذلك الثبوت، فحال من اتفق الأئمة على ثبوت سماعه ممن روى عنه، واشتهاره بالأخذ عنه واستفاضة ذلك - ليس كحال من ثبت سماعه عندهم بحديث واحد صرح فيه بالتحديث، وإن لم يجر خلاف في نفي السماع.\nثم دون ذلك من جرى بين الأئمة خلاف في سماعه ممن روى عنه، وإن ترجح ثبوت السماع.\nوعلى هذا فاتصال حديث من رواية عروة بن الزبير - مثلًا - أو القاسم بن محمد، أو عمرة بنت عبدالرحمن، ونحوهم ممن استفاض لقاؤه لعائشة وسماعه منها، ليس كاتصال حديث من رواية مجاهد، أو عكرمة، عن عائشة، وقد جرى بين الأئمة خلاف في سماعهما منها (^١).\nومثل ذلك يقال في حديث معين بعد ثبوت أصل السماع، فحديث يرويه مدلس قد صرح فيه بالتحديث وثبت عنه ليس في الاتصال كحديث لم يصرح فيه المدلس بالتحديث، وإن كانت عنعنته مقبولة، إما لكونه قليل التدليس، أو لكونه يروي ذلك الحديث عن شيخ أكثر عنه جدًا، أو لسبب آخر أوجب قبول عنعنته في ذلك الحديث، أو لكون دارس الإسناد يذهب إلى أن الأصل في رواية المدلس بصيغة محتملة هو الاتصال ما لم يتبين في الحديث المعين أنه دلسه.\nوأيضًا ورود تصريح المدلس بالتحديث من طرق متعددة أقوى من وروده من طريق واحد يتطرق إليه الاحتمال، ثم هذا الطريق الواحد قد يكون قويًا\n_________\n(^١) انظر: \"تحفة التحصيل\" ص ٢٣٢، ٢٩٤، ٢٩٥.","vol":"1","page":409},{"text":"جدًا، وقد يكون دون ذلك.\nوتبرز الاستفادة من معرفة درجات الاتصال عند التعارض، والحاجة إلى الموازنة والترجيح، وقد يحتاج إليها وإن لم يكن هناك تعارض، مثل كون الحديث فردًا في حكم مهم تعم به البلوى، ونقل المكلف عن البراءة الأصلية فيه يحتاج إلى دليل قوي.\nوأما درجات الانقطاع فيمكن وضع درجات له كما سبق في الاتصال، أي باعتبار قوة القول بالانقطاع وضعفه، فرواية راوٍ عن شخص لم يدركه، ليست في الانقطاع كرواية راوٍ عن شخص قد أدركه، ورواية راوٍ عن شخص أدركه ولكن لا يمكن سماعه منه، ليست كرواية راوٍ عن شخص أدركه وأمكن سماعه منه، لكن لم يثبت سماعه، فإن بعض الأئمة - كما تقدم في الفصل الثاني- يحكم لمثل هذه الحالة بشروط معينة بالاتصال.\nويدخل في ذلك وجود الاختلاف بين الأئمة في الحالة المعينة وعدمه، فرواية راوٍ عن شخص قد اتفق على أنه لم يدركه ليست كرواية راوٍ عن شخص قيل إنه أدركه، ورواية راوٍ عن شخص قد اتفق على أنه أدركه ولم يسمع منه ليست كرواية راوٍ عن شخص أثبت أئمة له سماعًا منه، وإن ترجح عدمه.\nكما يمكن وضع درجات للانقطاع باعتبار مرتبة الساقط من الإسناد، إذ من المتقرر أن شرط اتصال الإسناد يرجع في نهاية الأمر إلى الشرطين الأولين، وهما عدالة الرواة وضبطهم، فإذا أمكن معرفة درجة الساقط تحديدًا أو تقريبًا فالحكم على الإسناد حينئذٍ يكون بحسب درجة هذا الساقط.\nويتهيأ في أحيان كثيرة معرفة الساقط من الإسناد في الحديث المعين على وجه التحديد، إما بوروده في رواية أخرى، أو بنص إمام من أئمة هذا الشأن،","vol":"1","page":410},{"text":"ثم قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفًا أو كذابًا، وقد يكون مجهولًا، أو مبهمًا غير مسمى، بل في أحيان كثيرة يكون الدليل على وجود انقطاع في الإسناد هو نفسه الدليل المعرف بالساقط من هو.\nوقد تقدم في الفصل الثالث أمثلة كثيرة على تسمية الساقط من إسناد أحاديث معينة.\nومن أمثلة ذلك أيضًا حديث شعبة، وابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر في (العزل)، الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثالث، وقد نص عمرو على أنه لم يسمعه من جابر، والواسطة بينهما عطاء بن أبي رباح، هكذا رواه سفيان بن عيينة - في المشهور عنه - عن عمرو (^١).\nوروى أحمد قال: \"حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم: \"أن ابن عمر حلف على مملوك له يطلق امرأته، فأبى، فكفر عن يمينه\"، قال شعبة: أراه بلغه - يعني الحكم - عن أبان بن أبي عياش\" (^٢).\nوأبان متروك الحديث (^٣).\nوروى جماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن\n_________\n(^١). \" صحيح البخاري\" حديث (٥٢٠٨ - ٥٢٠٩)، و\"صحيح مسلم\" حديث (١٤٤٠)، و\"سنن الترمذي\" حديث (١١٣٧)، و\"سنن النسائي الكبرى\" حديث (٩٠٩٣)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (١٩٢٧).\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١١٠.\n(^٣). \"تهذيب التهذيب\" ١: ٩٧.","vol":"1","page":411},{"text":"يزيد بن أبي مالك، عن أبي سباع، عن واثلة بن الأسقع قصة شراء ناقة معيبة (^١)، ذكر لأحمد فقال: \"أبو جعفر لم يسمع من هذا، إنما روى هذا عن محمد بن سعيد -والله أعلم-، فترك محمد بن سعيد، وقال: عن يزيد\"، ثم ذكر أحمد حال محمد ابن سعيد، وأنه متروك الحديث، يقال: إن أبا جعفر المنصور صلبه على الزندقة (^٢).\nويتنبه هنا إلى عبارات يستخدمها الأئمة قد يفهم منها تسمية الواسطة جزمًا، وليس الأمر كذلك، كما في قول أحمد بعد أن روى عن هشيم، عن أبي بشر، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أنه كان يقول: «تذاكروا الحديث، فإن الحديث يهيج بعضه بعضًا» - قال أحمد: \"لم يسمعه هشيم من أبي بشر، هذا حديث شعبة\" (^٣)، فقد يفهم من هذه العبارة أن هشيمًا سمعه من شعبة، عن أبي بشر، والعبارة لا تؤدي ذلك، إذ قد يكون هشيمًا لم يسمعه من شعبة أيضًا، وإنما رواه عنه بواسطة.\nومثله قول أحمد أيضًا في حديث رواه عن هشيمًا، عن أيوب أبي العلاء، عن عطاء: «أنه سئل عن الملاح يكون في السفينة فيها أهله وتنوره، قال: يصلي أربعًا» - قال أحمد: \"لم يسمعه هشيم من أبي العلاء، هذا حديث أبي شهاب - يعني الحناط ـ، كان يرويه أبوشهاب\" (^٤).\n_________\n(^١). \"مسند أحمد\" ٣: ٤٩١، و\"المعجم الكبير\" ٢٢: حديث (٢١٧)، و\"المستدرك\" ٢: ٩، و\"سنن البيهقي\" ٥: ٣٢٠، و\"تاريخ بغداد\" ١١: ١٤٤.\n(^٢). \"علل المروذي\" ص ١٠٥.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٤.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٧٥.","vol":"1","page":412},{"text":"وإذا لم يتهيأ تسمية الساقط من الإسناد في الحديث المعين فقد يتهيأ تسميته في جملة ما يرويه الراوي عن ذلك الشيخ الذي أسقط من دونه، إما بتسميته على وجه التعيين، أو بتسمية عدد من الرواة، وقد تقدم في الفصل الثاني ذكر أمثلة لذلك.\nومن أمثلته أيضًا أحاديث يرويها خلاس بن عمرو، عن علي، وهو لم يسمع منه في قول جمهور العلماء، وإنما يحدث من صحيفة، قال أبوداود: \"كانوا يخشون أن يكون خلاس يحدث عن صحيفة الحارث الأعور\" (^١).\nومثله رواية محمد بن سيرين، عن ابن عباس عدة أحاديث، وهو لم يسمع منه، وإنما سمع من عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، كذا قال خالد الحذاء، وشعبة، وغيرهما (^٢)، وأخرج البخاري منها حديثًا واحدًا في المتابعات، وساق بعده طريقين آخرين إلى عكرمة، عن ابن عباس، واستظهر ابن حجر أن\n_________\n(^١) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٤٥، وانظر: \"طبقات ابن سعد\" ٧: ١٤٩، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٣٠، و\"مسائل صالح\" ص ٧١، ٢٣٢، و\"المراسيل\" ص ٥٥، و\"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٦، ٣: ٤٠٢، و\"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٨، و\"تحفة الأشراف\" ٧: ٣٧٠، و\"إتحاف المهرة\" ١١: ٣٧٣ - ٣٧٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ١٧٦، و\"تحفة التحصيل \" ص ٩٦.\n(^٢) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٥٥، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٥٢٠، و\"علل ابن المديني\" ص ٦٠، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٥٥، و\"مسند البزار\" ١: ٧٣، و\"المراسيل\" ص ١٨٧، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٤٨٧، ٢: ٥٣٤.","vol":"1","page":413},{"text":"يكون البخاري قصد بإيرادهما الإشارة إلى الانقطاع في السند الأول (^١).\nوأحاديث يرسلها معاوية بن قرة عن ابن عباس وغيره، وهنها شعبة، يرى أنها عن شهر بن حوشب (^٢)، وشهر بن حوشب مختلف فيه كثيرًا، وكان شعبة يضعفه (^٣).\nوأحاديث يرويها عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس، ذكر أبوحاتم، وابن حبان، أنه أخذها عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وكذا نص على ذلك أحمد في أحاديث منها، وقد سئل عباد نفسه عن شيء منها فأخبر بذلك (^٤)، وإبراهيم بن أبي يحيى متروك الحديث، كذبه أئمة (^٥).\nومن الأمثلة أيضًا أحاديث يرويها الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، وهو لم يسمع منه، فهذه الأحاديث أخذها من أحد المتروكين المتهمين، وهو عمرو بن خالد الواسطي، عنه، كذا قال أحمد، وابن معين، وابن صاعد،\n_________\n(^١) \"صحيح البخاري\" حديث (٥٤٠٤ - ٥٤٠٥)، و\"فتح الباري\" ٩: ٥٤٥.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٣١، ١٦٩.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ٤: ٣٦٩.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٦: ٨٦، و\"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٢٦٠، ٣١٦، و\"الضعفاء الكبير\" ٣: ١٣٦، و\"المجروحين\" ٢: ١٦٦، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٨٢٦، وانظر: \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ١٣٨.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ١: ١٥٨.","vol":"1","page":414},{"text":"وابن عدي، وغيرهم (^١).\nومثل ذلك رواية ابن جريج أيضًا عن صفوان بن سليم، وهو لم يسمع منه، قال أبومسعود أحمد بن الفرات: \"رأيت عند عبدالرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم أحاديث حسانًا، فسألته عنها، فقال: أي شيء تصنع بها؟ هي أحاديث إبراهيم بن أبي يحيى \"، قال أبو مسعود: \"كان ابن جريج يدلسها عن إبراهيم بن أبي يحيى، فتركتها ولم أسمعها\" (^٢).\nوقال أبوحاتم: \"ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم غير شيء\" (^٣).\nونقل ابن المديني عن يحيى بن سعيد القطان قوله: \"لم يسمع سعيد - يعني ابن أبي عروبة - من حماد، ولا من أبي بشر، ولا من هشام بن عروة، ولا من يحيى بن سعيد شيئًا، إنما كان يأخذها عن البري\" (^٤).\nوالبري هو عثمان بن مقسم البري، فقيه مشهور، لكنه متروك الحديث (^٥).\nوقال أحمد في رواية مطرف بن طريف، عن الحسن البصري: \"مطرف لم\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ١١٤، و\"سؤالات الآجري لأبي داود\" ٢: ٩١، و\"المراسيل\" ص ٤٦، و\"الضعفاء الكبير\" ١: ٢٢٣، و\"الكامل\" ٥: ١٧٧٦، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٩.\n(^٢). \"ضعفاء أبي زرعة\" ص ٧٤٣.\n(^٣) \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٤١٨.\n(^٤). \"معرفة الرجال\" ٢: ١٨٤.\n(^٥). له ترجمة مطولة في \"الكامل\" ٥: ١٨٠٤ - ١٨٠٧، و\"لسان الميزان\" ٤: ١٥٥ - ١٥٨.","vol":"1","page":415},{"text":"يسمع من الحسن شيئًا، إنما يروي عن إسماعيل بن مسلم، عنه\" (^١).\nوإسماعيل هذا هو البصري نزيل مكة، وهو ضعيف (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: \"سئل (يعني أباه) عن حديث الفريابي، عن سفيان، عن القاسم بن عبدالرحمن: \"أن عمر صلى بهم - يعني بالناس - وهو جنب\"، فقال أبي: سفيان لم يسمع من القاسم بن عبدالرحمن، إنما روى عن أشعث - يعني ابن سوار - عنه\" (^٣).\nوأشعث هذا ضعيف الحديث (^٤).\nوذُكر لأبي حاتم، وأبي زرعة، حديثٌ من رواية الثوري، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، فقالا: \"هذا هو جعفر بن أبي وحشية، ولم يدرك الثوري جعفر ابن أبي وحشية، إنما يروي الثوري، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية\" (^٥).\nوسئل أبو حاتم عن حديث لموسى بن عقبة، عن أبي إسحاق السبيعي، خالف فيه موسى إسرائيل بن يونس، فقال: \"إسرائيل أحفظ، وموسى بن عقبة يروي هذه الأحاديث عن رجل يقال له: عبد الله بن علي، عن أبي إسحاق،\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٣٣٥.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٣٣١.\n(^٣). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٥٧.\n(^٤). \"تهذيب التهذيب\" ١: ٣٥٢.\n(^٥). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٢٦٤.","vol":"1","page":416},{"text":"وعبد الله هذا رجل مجهول\" (^١).\nوسئل أحمد عن معمر هل سمع من يحيى بن سعيد الأنصاري، فقال: \"لا أراه، ولكن كان عندهم ابن محمد بن عباد بن جعفر، فأراه سمع منه، وكان رباح يحدث عنه\" (^٢).\nومراد أحمد أن ابن محمد بن عباد - واسمه جعفر - كان في اليمن، وكان رباح بن زيد الصنعاني يحدث عنه، فالظاهر أن معمرًا كذلك، إنما سمع أحاديث يحيى بن سعيد بواسطته.\nوقد ذكر أبو حاتم في ترجمة جعفر هذا أن معمرًا يروي عنه (^٣).\nوقال أحمد أيضًا في أحاديث يرويها هشيم عن القاسم الأعرج: \"هشيم لم يسمع من القاسم الأعرج شيئًا، إنما سمعها من أصبغ الوراق\" (^٤)، وأصبغ هو ابن زيد، وقد قواه أكثر الأئمة (^٥).\nفهذه الأمثلة كلها فيمن لم يسمع ممن روى عنه، وأما من سمع منه غير أنه روى عنه أحاديث بواسطة وأسقطها، فمثاله رواية حميد الطويل، عن أنس بن مالك أحاديث كثيرة، وهو إنما سمع منه القليل، والباقي سمعها بواسطة ثابت البناني، وهو ثقة ثبت غير مدلس، قال شعبة: \"لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة\n_________\n(^١). \" علل ابن أبي حاتم\" ١: ٣٥٧، وانظر: \"الجرح والتعديل\" ٥: ١١٤.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٣٦، وانظر: \"جامع التحصيل\" ص ٣٥٠.\n(^٣). \"الجرح والتعديل\" ٢: ٤٨٧.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ١٤٤، و\"المراسيل\" ص ٢٣١.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٣٦١.","vol":"1","page":417},{"text":"وعشرين حديثًا، والباقي سمعها من ثابت، أو ثبته فيها ثابت\" (^١).\nوقال مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة: \"عامة ما يروي حميد، عن أنس، سمعه من ثابت - يعني البناني - عنه\" (^٢).\nوقال ابن خراش: \"يقال: إن عامة حديثه عن أنس إنما سمعه من ثابت\" (^٣).\nوقال ابن حبان: \"سمع من أنس ثمانية عشر حديثًا، وسمع الباقي من ثابت فدلس عنه\" (^٤).\nقال ابن عدي معقبًا على ما قاله شعبة: \"ما ذكر عنه أنه لم يسمع من أنس إلا مقدار ما ذكر، وسمع الباقي من ثابت عنه - فإن تلك الأحاديث يميزها من كان يتهمه أنها عن ثابت، عنه، لأنه قد روى عن أنس، وقد روى عن ثابت، عن أنس أحاديث، فأكثر ما في بابه أن الذي رواه عن أنس البعض مما يدلسه عن أنس، وقد سمعه من ثابت، وقد دلَّس جماعة من الرواة عن مشايخ قد رأوهم\" (^٥).\nوقد قيل: إنه يدلس عن غير ثابت أيضًا كقتادة (^٦)، ولذا قال البرديجي:\n_________\n(^١) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ١٣٦، و\"الكامل\" ٢: ٦٨٤، و\"تهذيب الكمال\" ٧: ٣٦٠.\n(^٢) \"الكامل\" ٢: ٦٨٤، و\"تهذيب الكمال\" ٧: ٣٦٠.\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" ٧: ٣٥٩.\n(^٤) \"الثقات\" ٤: ١٤٨.\n(^٥) \"الكامل\" ٢: ٦٨٤.\n(^٦) \"تعريف أهل التقديس\" ص ٨٦، و\"هدي الساري\" ص ٣٩٩.","vol":"1","page":418},{"text":"\"لا يحتج من حديث حميد إلا ما قال: حدثنا أنس\" (^١).\nوالذي يظهر أن تدليسه عن غير ثابت قليل، فإن تبين شيء منه فذاك، وإلا فالأصل سماعه من أنس، أو تدليسه عن ثابت، والله أعلم.\nورواية هشام بن حسان، عن الحسن، وعطاء، فهو يرسل عنهما (^٢)، وما يرسله عن الحسن أخذه من كتب حوشب بن عقيل، وهو ثقة، وما يرسله عن عطاء شيء منه أخذه من قيس بن سعد، وهو ثقة أيضًا، قال ابن المديني: قال بعضهم: \"كتب هشام بن حسان أخذها من حوشب، وأحاديث عطاء شيء منه في المناسك عن قيس بن سعد\" (^٣).\nوقال أيضًا: \" أحاديث هشام، عن الحسن عامتها تدور على حوشب\" (^٤).\nوقال أبوداود: \"كانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب\" (^٥).\nورواية يونس بن عبيد، عن الحسن البصري، فهو من أصحاب الحسن، وقد روى عنه أشياء لم يسمعها منه، وإنما أخذها من أشعث بن عبدالملك الحمراني، وهو ثقة، قال شعبة: \"عامة تلك الدقائق - يعني مسائل الدقائق - التي حدث بها يونس - يعني ابن عبيد - عن الحسن، إنما كانت عن أشعث ـ\n_________\n(^١) \"شرح علل الترمذي\" ٢: ٥٨٢.\n(^٢) \" تهذيب التهذيب\" ١١: ٣٤ - ٣٧.\n(^٣). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٥٣.\n(^٤). \"علل ابن المديني\" ص ٦٣.\n(^٥) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣٩٢.","vol":"1","page":419},{"text":"يعني ابن عبدالملك ـ\" (^١).\nوقال أحمد في أشعث: \"كان عالمًا بمسائل الحسن الرقاق، ويقال: ما روى يونس فقال: نبئت عن الحسن - إنما أخذه من أشعث بن عبدالملك\" (^٢).\nثم إن الأشعث لم يسمعها من الحسن أيضًا، فبينهما حفص بن سليمان المنقري، كما قال شعبة: \"إنما فقه مسائل يونس، عن الحسن؛ لأنه كان - يقال -: أخذها من أشعث، وإنما كثرة علم الأشعث لأن أخته كانت تحت حفص بن سليمان مولى بني منقر، وكان قد نظر في كتبه، وكان حفص أعلمهم بقول الحسن\" (^٣).\nوقال إسماعيل بن علية: \"كنا نرى أن يونس سمعها من أشعث، وأشعث من حفص\" (^٤).\nوحفص بن سليمان هذا ثقة، من قدماء أصحاب الحسن، ومن المقدمين فيه، بل قدمه ابن المديني على جميع أصحابه (^٥).\nورواية ابن جريج، عن داود بن الحصين، وصالح بن نبهان مولى التوأمة، قال ابن المديني: \"كل ما في كتاب ابن جريج: أخبرت عن داود بن الحصين،\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ١: ١٣٤، و\"الكامل\" ١: ٣٦٠، وفيه: \"وهذه الرقائق، وهذه الطرف التي يرويها يونس، عن الحسن - هي عن الأشعث\".\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ٢: ٢٧٥.\n(^٣). \"طبقات ابن سعد\" ٧: ٢٧٦، و\"تهذيب الكمال\" ٣: ٢٨٢، وفيه: \"لأنه كان يقول ... \".\n(^٤). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦١.\n(^٥). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٥٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٤٠٢.","vol":"1","page":420},{"text":"وأخبرت عن صالح مولى التوأمة - فهو من كتب إبراهيم بن أبي يحيى\" (^١).\nورواية الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، قال ابن المبارك: \"كان الحجاج مدلسًا، كان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه محمد العرزمي، والعرزمي متروك الحديث، لا نقر به\" (^٢).\nوقال أبونعيم: \"لم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إلا أربعة أحاديث، والباقي عن محمد بن عبيدالله العرزمي\" (^٣).\nوكذا قال ابن معين: \"إنه يدلس عن عمرو بن شعيب بإسقاط العرزمي\" (^٤).\nويصلح أن يكون هذا قاعدة في عنعنة الحجاج بن أرطاة، فإذا روى عن رواة هم من شيوخ العرزمي هذا يكون قد أسقطه، قال ابن المبارك أيضًا: \"رأيت الحجاج بن أرطاة يحدث في مسجد الكوفة، والناس مجتمعون عليه، وهو يحدثهم بأحاديث محمد بن عبيدالله العرزمي، يدلسها حجاج عن شيوخ العرزمي، والعرزمي قائم يصلي ما يقر به أحد، والزحام على الحجاج\" (^٥).\nومثله ما يرويه ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب بالعنعنة، فإنه يسقط القاسم\n_________\n(^١) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٧.\n(^٢) \"الضعفاء الصغير\" ص ٣٢، و\"التاريخ الكبير\" ٢: ٣٧٨، و\"التاريخ الصغير\" ٢: ١١٠، و\"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٧٨.\n(^٣) \"المراسيل\" ص ٤٨.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٣: ١٥٦، وانظر: \" مسند أحمد \" ٢: ٢٠٨.\n(^٥) \"الكامل\" ٢: ٦٤٢.","vol":"1","page":421},{"text":"ابن عبد الله العمري، وهو يضع الحديث، وإسحاق بن أبي فروة، وهو متروك الحديث، متهم، والمثنى بن الصباح، وهو ضعيف مختلط (^١).\nوكذا رواية هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم النخعي، أحاديث منكرة المتون، فإنه يدلسها عن راوٍ متروك الحديث، وهو إبراهيم بن عطية، وربما ذكره لكن يبهمه فيقول: أخبرنا صاحب لنا، قال عباس الدوري: \"سألت يحيى عن أحاديث يرويها هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: «النظر في مرآة الحجام دناءة»، و«إذا بلي المصحف دفن»، وأشباه هذه الأحاديث - فقال: سمعها هشيم من إبراهيم بن عطية الواسطي، عن مغيرة، قلت ليحيى: إبراهيم هذا سمع من المغيرة هذه الأحاديث؟ قال: كان إبراهيم هذا لا يساوي شيئًا، وينبغي أن يكون قد سمع من مغيرة، فهشيم إنما سمع هذه الأحاديث منه عن مغيرة، وكان يقول: مغيرة، هكذا قال يحيى، أو شبيه بهذا\" (^٢).\nومراد ابن معين أن إبراهيم هذا سمع من مغيرة في الجملة، لا أنه سمع منه هذه الأحاديث.\nوأما تسمية عدد من الوسائط بين الراوي ومن روى عنه، فإن كانوا كلهم ثقات أو كلهم ضعفاء فكما لو كان المسمى واحدًا، وإن كان فيهم ثقات وضعفاء فيتوقف فيه، وما يتوقف فيه فمآله دائمًا إلى الرد حتى يثبت نقيضه.\n_________\n(^١). \"الجرح والتعديل\" ٥: ١٤٦، و\"الضعفاء الكبير\" ٢: ٢٩٤، ٢٩٦، و\"المجروحين\" ٢: ١٢، و\"تهذيب الكمال\" ١٥: ٤٩١ - ٤٩٣.\n(^٢) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٦٢١، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٨٠، و\"مسائل أبي داود\" ص ٣٨٨ فقرة (١٨٦٥)، (١٨٦٨).","vol":"1","page":422},{"text":"ومن أمثلة ذلك رواية معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس تفسيره، فإن عليًا لم يسمع منه بالاتفاق، وقد سمى بعض العلماء الواسطة بينهما، فقيل: الواسطة بينهما مجاهد، وقيل: مجاهد وعكرمة، وقيل: مجاهد وسعيد بن جبير، والثلاثة أئمة ثقات، ولهذا يعدّ هذا الطريق - رغم انقطاعه - أقوى الطرق في التفسير إلى ابن عباس، وقد اعتمدها البخاري كثيرًا فيما يعلقه عن ابن عباس (^١).\nوقال أحمد في شأن هذه النسخة: \"لو أن رجلًا رحل إلى مصر، فانصرف منها بكتاب التأويل لمعاوية بن صالح، ما رأيت رحلته ذهبت باطلًا \" (^٢).\nوبضد ذلك ما تقدم ذكره في المبحث الرابع من الفصل الثالث في الحديث عن تدليس التسوية، حيث سمى العلماء عددًا من الضعفاء والمتروكين يسقطهم الوليد بن مسلم بين الأوزاعي، وعطاء بن أبي رباح، وبين الأوزاعي، ونافع مولى ابن عمر.\nومثله رواية ابن جريج، عن المطلب بن عبدالله - وهو لم يسمع منه ـ، فقد ذكر ابن المديني أنه كان يأخذ أحاديثه عن ابن أبي يحيى، عنه (^٣).\n_________\n(^١). انظر: \" شرح معاني الآثار \" ٣: ٢٨٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٧: ٣٤٠، و\"الإتقان\" ٢: ١٨٨.\n(^٢) \"شرح معاني الآثار\" ٣: ٢٨٠، و\"الناسخ والمنسوخ\" للنحاس ١: ٤٦١، و\"إعراب القرآن\" للنحاس ٣: ١٠٤، و\" تاريخ بغداد \" ١: ٤٢٨، و\"تهذيب الكمال\" ٢٠: ٤٩٠، و\"فتح الباري\" ٨: ٤٣٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٧: ٣٤٠، و\"الإتقان\" ٢: ١٨٨.\n(^٣) \"الكفاية\" ص ٣٥٨، وانظر: \" المعرفة والتاريخ \" ٢: ٨٢٥.","vol":"1","page":423},{"text":"وقال الدارقطني: \"لم يسمع ابن جريج من المطلب بن عبدالله بن حنطب شيئًا، ويقال: كان يدلسه عن ابن أبي سبرة أو غيره من الضعفاء\" (^١).\nوابن أبي سبرة هو أبوبكر بن عبدالله بن محمد بن أبي سبرة، متروك الحديث، ورماه أحمد بالوضع (^٢).\nورواية الأعمش، عن مجاهد، فإن بينهما في أحاديث يدلسها عنه جماعة من الضعفاء والمتروكين، منهم ليث بن أبي سليم، قال عبدالله بن أحمد: \"قلت لأبي: أحاديث الأعمش، عن مجاهد - عمن هي؟ قال: قال أبوبكر بن عياش: قال رجل للأعمش: ممن سمعته - في شيء رواه عن مجاهد ـ؟ قال: مر كزاز مر - بالفارسية ـ، حدثنيه ليث، عن مجاهد\" (^٣).\nوذكر ابن المديني أن أحاديثه التي يدلسها عن مجاهد هي عن أبي يحيى القتات، وحكيم بن جبير، وهؤلاء (^٤).\nوكذلك رواية الأعمش، عن أنس، فإنه لم يسمع منه، وذكر ابن المديني أن ما يرويه عن أنس سمعه من يزيد الرقاشي، وأبان (^٥)، ويزيد، وأبان متروكا\n_________\n(^١) \"تحفة التحصيل\" ص ٢١٢.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥١، و\"تهذيب التهذيب\" ١٢: ٢٧.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٥٥.\n(^٤). \" إكمال تهذيب الكمال \" ٦: ٩٢. وانظر في تدليس الأعمش عن مجاهد: \" الكفاية \" ص ٣٥٩، و\"التمهيد\" ١: ٣٢.\n(^٥). \"تاريخ بغداد\" ٩: ٤.","vol":"1","page":424},{"text":"الحديث (^١).\nوبين الدرجتين من كان فيمن يسقطهم الراوي ثقات وضعفاء، أو غير معروفين، كما في رواية الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس تفسيره، فإنه لم يسمع منه، وروى شعبة عن عبدالملك بن ميسرة قوله: \"الضحاك لم يسمع من ابن عباس، إنما لقي سعيد بن جبير بالري فسمع منه التفسير\" (^٢).\nوسئل أحمد: ممن سمع التفسير؟ فقال: \"يقولون: سمعه من سعيد بن جبير\" (^٣).\nفهذان ثقتان، لكن جاء في رواية عن شعبة، عن عبدالملك بن ميسرة قوله: \"قلت للضحاك: أسمعت من ابن عباس؟ قال: لا، قلت: فهذا الذي ترويه عمن أخذته؟ قال: عنك، وعن ذا، وعن ذا\" (^٤).\nومثله زكريا بن أبي زائدة في الشعبي، فقد كان يدلس عن فراس بن يحيى (^٥)، وفراس ثقة (^٦).\nوروى أبوداود عن أحمد قوله: \"كان عند زكريا كتاب فكان يقول فيه: سمعت الشعبي، ولكن زعموا كان يأخذ عن جابر، وبيان، ولا يسمي - يعني\n_________\n(^١). \"تهذيب التهذيب\" ١: ٩٧، ١١: ٣٠٩.\n(^٢) \"المراسيل\" ص ٩٥.\n(^٣) \"المراسيل\" ص ٩٦.\n(^٤) \"المراسيل\" ص ٩٥، و\"الجرح والتعديل\" ٤: ٤٥٩، ٨: ٣٣٣.\n(^٥) \"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(^٦) \"تهذيب التهذيب\" ٨: ٢٥٩.","vol":"1","page":425},{"text":"ما يروي من غير ذاك الكتاب يرسلها عن الشعبي ـ\" (^١)، وجابر هو الجعفي متروك الحديث (^٢)، وبيان هو ابن بشر ثقة ثبت (^٣).\nوقال أبوحاتم: \"يقال: إن المسائل التي يرويها زكريا لم يسمعها من عامر، إنما أخذها من أبي حريز\" (^٤)، وأبوحريز هو عبدالله بن الحسين الأزدي، مختلف فيه (^٥).\nوكذا مغيرة بن مقسم في إبراهيم النخعي، فقد قال أحمد: \"عامة حديثه عن إبراهيم مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد ابن الوليد، والحارث العكلي، وعن عبيدة وغيره - وجعل يضعف حديثه عن إبراهيم وحده ـ\" (^٦).\nوالحارث هو ابن يزيد ثقة (^٧)، وحماد هو ابن أبي سليمان، ثقة في إبراهيم وتغير حفظه في الآخر (^٨)، ويزيد مستور (^٩)، وعبيدة هو ابن المعتب ضعيف\n_________\n(^١) \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٩٨، و\"سؤالات الآجري لأبي داود\" ١: ٣٢٣.\n(^٢) \"تهذيب التهذيب\" ٢: ٤٦.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٥٠٦.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٣: ٥٩٤.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ٥: ١٨٧.\n(^٦) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٠٧، و\"الجرح والتعديل\" ٧: ٢٢٩.\n(^٧) \"تهذيب التهذيب\" ٢: ١٦٣.\n(^٨) \"تهذيب التهذيب\" ٣: ١٦.\n(^٩) \"التاريخ الكبير\" ٨: ٣٦٦، و\"الجرح والتعديل\" ٩: ٢٩٣، حيث لم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، و\"ثقات ابن حبان\" ٧: ٦٢٧.","vol":"1","page":426},{"text":"مختلط (^١)، قال أحمد: \"ترك الناس حديثه، قال له رجل: هذا رأي إبراهيم؟ قال: لا، إنما قست على رأيه\" (^٢).\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أن الأئمة قد يذكرون واسطة بين راوٍ وآخر، إما شخصًا واحدًا أو أكثر، ويكون غرضهم بيان أنه لم يسمع منه، وهذا كثير جدًا، وقد تقدم شرحه وذكر أمثلته في المبحث الأول من الفصل الثاني، لكن لا يصح أن تجعل هذه الواسطة هي التي بينهما في كل رواية ترد عنه وليس بينهما أحد، إذ غرض الأئمة من ذكرها هو إقامة الدليل على أنه لم يسمع منه لا أكثر، وقد يكون هناك غيرها ممن لم يسم، ولكن لا بأس أن يستأنس بها استئناسًا، كما قال يحيى القطان: \"أما مجاهد، عن علي - فليس به بأس، قد أسند عن ابن أبي ليلى، عن علي\" (^٣).\nومراد يحيى أن ما يرسله مجاهد عن علي ﵁ ليس به بأس، رغم أنه منقطع، لأن مجاهدًا قد روى عن علي بواسطة عبدالرحمن بن أبي ليلى غير ما أرسله (^٤)، وعبد الرحمن ثقة، فلا يبعد أن يكون قد أسقطه فيما يرسله.\nقال ابن رجب معقبًا على كلمة القطان: \"من عرف له إسناد صحيح إلى من أرسل عنه فإرساله خير ممن لم يعرف له ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ٧: ٨٦.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٥٤٩.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤٤.\n(^٤). \" تحفة الأشراف \" ٧: ٤٢٤ - ٤٢٥.\n(^٥) \"شرح العلل\" ١: ٥٣٤.","vol":"1","page":427},{"text":"وإذا لم يتهيأ تسمية الواسطة في الحديث المعين، أو في جملة ما يرويه الراوي عمن أرسل أو دلس عنه - فالدرجة الثالثة أن يعرف بالقرائن حال من يسقطهم هذا المرسل أو المدلس عادة.\nوعن طريق هذا وضع الأئمة مراتب للمراسيل، ينص الأئمة على مبررات تفريقهم بينها (^١)، وعلى الباحث أن ينظر فيها حين يريد الحكم على مرسل أمامه، ما درجته؟ وهل يصلح للاعتضاد أو لا؟ ومثل ذلك يقال في التدليس.\nومن أمثلة حكم الأئمة على مرسل بدراسة حال من أرسله ما يرويه سعيد ابن المسيب، عن عمر بن الخطاب، فقد مات عمر وهو صغير، سمع منه خطبته ينعي النعمان بن مقرن، لكن حال سعيد في نفسه وجلالته، وكونه عرف عنه أنه لا يرسل إلا عن الثقات، واعتناءه بشأن عمر بن الخطاب وقضاياه وجمعه لها حتى كان ابن عمر يسأله عن شأن أبيه - أوجب ذلك كله قوة لما يرسله عنه، قال أحمد لما سئل: سعيد بن المسيب، عن عمر - حجة؟: \"هو عندنا حجة، وقد رأى عمر وسمع منه، وإذا لم يقبل سعيد، عن عمر، فمن يقبل؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) \"المراسيل\" ص ٣ - ٧، و\"العدة في أصول الفقه\" ٣: ٩٢٠ - ٩٢٤، و\"الموقظة\" ص ٢٦ - ٢٨، و\"جامع التحصيل\" ص ٩٩ - ١٠٢، و\"شرح علل الترمذي\" ١: ٥٢٩ - ٥٥٧.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٤٦١، و\"التاريخ الكبير\" ٣: ٥١٠، و\"المراسيل\" ص ٧١ - ٧٣، و\"تهذيب الكمال\" ١١: ٧٣، و\"سير أعلام النبلاء\" ٤: ٢٢١، و\"شرح علل الترمذي\" ١: ٥٣٩، ٥٥٢، ٥٥٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٤: ٨٤.","vol":"1","page":428},{"text":"ومثله رواية أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، فجمهور الأئمة على أنه لم يسمع من أبيه، وقد توارد عدد منهم على تقوية حديثه عن أبيه، وعللوا ذلك، قال ابن رجب بعد أن ذكر حديثًا بهذا الإسناد: \"وأبوعبيدة وإن لم يسمع من أبيه - إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره\" (^١).\nونقل أيضًا عن ابن المديني قوله في حديث يرويه أبوعبيدة، عن أبيه: \"هو منقطع، وهو حديث ثبت\" (^٢).\nوقال يعقوب بن شيبة: \"إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة، عن أبيه في المسند - لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر\" (^٣).\nوقال الشافعي في حديث لطاوس، عن معاذ بن جبل: \"طاوس لم يلق معاذًا، لكنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه، لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ، وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافًا\"، قال السخاوي بعد أن ذكر هذا: \"وتبعه البيهقي وغيره\" (^٤).\nومثل ذلك يقال في تدليس سفيان بن عيينة، فقد تتبع الأئمة من يسمي إذا\n_________\n(^١) \"فتح الباري\" ٥: ١٨٧.\n(^٢) \"شرح العلل\" ١: ٥٤٤.\n(^٣) \"شرح علل الترمذي\" ١: ٥٤٤، وانظر: \"شرح معاني الآثار\" ١: ٩٥، و\"سنن الدارقطني\" ١: ١٤٥، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ١: ٣٩٨.\n(^٤) \"فتح المغيث\" ١: ١٦٣.","vol":"1","page":429},{"text":"دلّس ثم طولب بالسماع، فوجدوهم ثقات، حتى قال ابن حبان بعد أن بين مذهبه في التوقف في عنعنة المدلس: \"إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس قط إلا عن ثقة، فإذا كان كذلك قبلت روايته وإن لم يبين السماع، وهذا ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة وحده، فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة متقن، ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلَّس فيه إلا وجد ذلك الخبر بعينه قد بيّن سماعه عن ثقة مثل نفسه، والحكم في قبول روايته لهذه العلة - وإن لم يبين السماع فيها - كالحكم في رواية ابن عباس إذا روى عن النبي ﷺ ما لم يسمع منه ... \" (^١).\nوقول ابن حبان: \"عن ثقة مثل نفسه\" - أي في مطلق كونه ثقة، لا أن المقصود أن كل من أسقطهم ابن عيينة فهم في درجته، هذا هو الظاهر - والله أعلم ـ، فقد أسقط مرة إبراهيم بن نافع، بينه وبين ابن أبي نجيح (^٢)، وإبراهيم هذا ثقة، لكنه لا يقارن بابن عيينة (^٣).\nوأسقط مرة وائل بن داود، وولده بكر بن وائل، بينه وبين الزهري (^٤)،\n_________\n(^١) \"صحيح ابن حبان\" ١: ١٦١، وانظر: \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٥٧ فقرة (٥١٣٧)، و\"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ١: ٢٩٠، و\"سؤالات الحاكم للدارقطني\" ص ١٧٥، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٥، و\"الكفاية\" ص ٣٥٩، ٣٦٢، و\"التمهيد\" ١: ٣١.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ١: ١٧٤.\n(^٤) \"سنن الترمذي\" حديث (١٠٩٥ - ١٠٩٦)، و\"مسند أحمد\" ٣: ١١٠، و\"مسند الحميدي\" حديث (١١٨٤)، و\"المنتقى\" حديث (٧٢٧)، و\"تحفة الأشراف\" ١: ٣٧٧.","vol":"1","page":430},{"text":"وبكر صدوق، ووائل ثقة (^١).\nوأسقط مرة العلاء بن عبدالرحمن، وسلم بن قتيبة، بينه وبين عمرو بن دينار (^٢)، والعلاء، وسلم بن قتيبة صدوقان (^٣).\nوبضد ذلك من عرف عنه أنه يروي عن الضعفاء والمتروكين والمجهولين، ويكثر ذلك منه، فمتى حكم على إسناد هو فيه بالانقطاع ضعف جدًا، فلا يصلح للاعتضاد، كما هو حال ابن جريج، ومحمد بن إسحاق (^٤)، وبقية بن الوليد (^٥)، والوليد بن مسلم (^٦)، ومروان بن معاوية الفزاري (^٧)، وعيسى بن موسى غنجار (^٨)، وغيرهم.\nقال أحمد: \"بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٤٨٨، ١١: ١٠٩.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٢٥٧.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ٤: ١٣٣، ٧: ١٨٦.\n(^٤) \"علل المروذي\" ص ٦٢، و\"سؤالات أبي داود\" ص ٢١٤، و\"جامع التحصيل\" ص ١٣٠، و\"تهذيب التهذيب\" ٩: ٤٣، ٤٥.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ١: ٤٧٣ - ٤٧٨.\n(^٦) \"تهذيب الكمال\" ٣١: ٩٦.\n(^٧) \"تاريخ الدوري عن ابن معين\" ٢: ٥٥٦، و\"الكفاية\" ص ٣٦٦.\n(^٨) \"ثقات ابن حبان\" ٨: ٤٩٢، و\"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٦، و\"تعريف أهل التقديس\" ص ١٣١.","vol":"1","page":431},{"text":"موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذه - يعني قوله: أخبرت، وحدثت عن فلان\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت - جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت، فحسبك به\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"إذا قال ابن جريج: قال - فاحذروه، وإذا قال: سمعت، أو سألت، جاء بشيء ليس في النفس منه شيء\" (^٣).\nوقال الدارقطني: \"يتجنب تدليسه، فإنه وحش التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما\" (^٤).\nويقرب من هؤلاء سليمان الأعمش إذا دلس، فإنه يسقط الضعفاء والمتروكين كثيرًا، وربما أسقط ثقة، قال الأزدي: \"فنحن نقبل تدليس ابن عيينة ونظرائه، لأنه يحيل على مليء ثقة، ولا نقبل من الأعمش تدليسه، لأنه يحيل على غير مليء، والأعمش إذا سألته: عمن هذا؟ قال: عن موسى بن طريف، وعباية بن ربعي ... \" (^٥).\nفمن عرف عنه إسقاط المتروكين فما يدلسه أو يرسله يكون شديد الضعف\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٥٥١.\n(^٢) \"سير أعلام النبلاء\" ٦: ٣٢٨.\n(^٣) \"سير أعلام النبلاء\" ٦: ٣٢٨.\n(^٤) \"سؤالات الحاكم للدارقطني\" ص ١٧٥.\n(^٥) \"الكفاية\" ص ٣٦٢، و\"تهذيب السنن\" ١: ٢٣.","vol":"1","page":432},{"text":"لا يصلح للمتابعة، وإن لم يعرف الساقط في رواية معينة.\nمثاله رواية ابن جريج، عن مجاهد، قال ابن الجنيد: \"سألت يحيى بن معين قلت: ابن جريج سمع من مجاهد شيئًا؟ قال: حرفًا أو حرفين، قلت: فمن بينهما (يعني فيما يدلسه عن مجاهد)؟ قال: لا أدري\" (^١).\nوبين هؤلاء وأولئك جماعة من الرواة يسقطون فيما يرسلونه أو يدلسونه الثقات وغيرهم.\nوأعود إلى تأكيد ما بدأت به هذا المبحث من أن الانقطاع ليس على درجة واحدة، بل هو متفاوت جدًا، فإذا عرف هذا لم يكن مستغربًا أن نجد في \"الصحيح\" ما صورته الانقطاع، واحتف به ما يجعله في حكم المتصل (^٢)، وكذلك أن نجد من أحاديث المدلسين ما يحتمل أو يترجح أنه وقع فيه تدليس، لكن يتسامح فيه لأنه ليس عليه الاعتماد (^٣).\nويستغرب جدًا من باحث يأتي إلى إسناد فيه إرسال أو تدليس من يكثر منه إسقاط الضعفاء والمتروكين ثم يعضده بغيره، أو يعضد غيره به.\nوالأمر في مثل هذا ظاهر جدًا، وذلك باستحضار ما تقدم من أن شرط الاتصال يعود في النهاية إلى شرطي العدالة والضبط، فإعطاء المنقطع حكمًا لائقًا\n_________\n(^١). \"سؤالات ابن الجنيد\" ص ٣٦٤.\n(^٢) \"صحيح البخاري\" حديث (٧٢٣)، (٢٨٩٦)، (٥٠٨١)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٤٣٣)، و\"فتح الباري\" ٢: ٢٠٩، ٦: ٨٨، ٩: ١٢٤.\n(^٣) انظر مثلًا: \"صحيح البخاري\" حديث (٧٢٢ - ٧٢٣)، و\"صحيح مسلم\" حديث (٣١١)، (٤٣٣)، (٤٣٥)، و\"الجرح والتعديل\" ١: ١٥٧.","vol":"1","page":433},{"text":"به يرجع إلى تحديد الساقط على التعيين أو التقريب، ومن الأمر البدهي في هذا العلم جعل الرواة على طبقات، فمنهم من يعتمد عليه في نفسه، ومنهم من لا يعتمد عليه، ثم هذا الثاني قد يصلح أن يعتضد بغيره أو يعضد غيره، وقد لا يصلح لذلك، فالسقط في الإسناد يرجع إلى هذه المراتب ولابد، والله أعلم.","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثالث\nمصطلحات في الاتصال والانقطاع</span>\nهناك مصطلحات يستخدمها الأئمة في حديثهم عن اتصال الإسناد وانقطاعه، وكثير من هذه المصطلحات شائع معروف، مثل: الإرسال، الانقطاع، التدليس، الإدراك، الاتصال، اللقي، وما تصرف منها نفيًا أو إثباتًا.\nوهناك مصطلحات أخرى غير شائعة عند الباحثين، إما لقلة استخدامها عند الأئمة، أو لاستخدام الباحثين مصطلحات أخرى بديلة لها مما هو شائع معروف، أو لأسباب أخرى، وسأقتصر هنا على شرح هذا النوع من المصطلحات، إذ ما هو شائع معروف لا يحتاج إلى بيان.\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>١ - التوقيف:</span>\nمعنى التوقيف سؤال الراوي لشيخه عن أمر ما في روايته، وأكثر ما يستخدم في مطالبة الراوي لشيخه أن يصرح له بالتحديث، فإذا فعل فقد وقف، وإلا قالوا: لم يقف، فيقولون: وقفته فوقف لي، أي طالبته بالتصريح بالتحديث فصرح به، أو: وقفته فلم يقف لي، أي طالبته فلم يصرح بالتحديث، ومثل ذلك: وقف فلان فلانًا، أي سأله أن يصرح له بالتحديث، ونحو هذه العبارات، وقد يكون الجواب عن التوقيف أن يذكر الواسطة بينه وبين من حدث عنه.\nوفيما مضى من هذا البحث نصوص كثيرة في التوقيف بهذا المعنى.","vol":"1","page":435},{"text":"ومن ذلك أيضًا قول شعبة: \" وقِّفوهم، تُصدقوا، أو تُكذبوا\" (^١)، أي طالبوا الرواة بالتصريح بالتحديث، ليتبين سماعهم للحديث من عدمه.\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: \"كنت مع سفيان عند عكرمة، فجعل يوقفه على كل حديث على السماع\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"شهدت سفيان عند العمري، فجعل يوقفه في كل حديث توقيفًا شديدًا\" (^٣).\nونقل أبومعاوية عن الحجاج بن أرطاة قوله: \"لا توقفوني على السماع\" (^٤).\nوقال علي بن المديني: \"سمعت يحيى بن سعيد وذكر توقيف الرجال على سماع الحديث - يعني المحدثين - فقال: قلت ليحيى بن سعيد الأنصاري - وهو قاض - في حديث معاذ بن جبل: سمعته من سعيد بن المسيب؟ قال: نعم\" (^٥).\nوقال علي أيضًا: \"قلت ليحيى بن سعيد: إن في كتاب عباد بن صهيب أحاديث عن الجعد بن أوس يقول فيها: سمعت السائب بن يزيد، فقال يحيى: أخذت أطرافها من حكيم فما صحح الجعد منها حرفًا، ولا وقف عليه\" (^٦).\nوفي رواية أخرى عن ابن المديني أن يحيى بن سعيد ذكر له أن الجعد يذكر\n_________\n(^١). \"مسند علي بن الجعد\" ١: ٨، و\"سير أعلام النبلاء\" ٧: ٢١٦.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٦٨.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ١: ٦٨.\n(^٤) \"المجروحين\" ١: ٢٢٧.\n(^٥). \"الجرح والتعديل\" ٢: ٣٤.\n(^٦). \"الضعفاء الكبير\" ٣: ١٤٤.","vol":"1","page":436},{"text":"الواسطة بينه وبين السائب، فكان يقول: حدثني يزيد بن خصيف، عن السائب (^١).\nومراد يحيى بن سعيد بهذا بيان خطأ كتاب عباد بن صهيب، بذكر التحديث بين الجعد بن أوس، وبين السائب بن يزيد.\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: \"كنا إذا وقفنا أبا الأشهب نقول له: قل: سمعت الحسن - يقول: سمعت الحسن أو غيره\" (^٢).\nومثله في توقيف أبي الأشهب قول بهز بن أسد: \"وقفنا أبا الأشهب، فوقف لنا فقال: حدثنا الحسن\" (^٣).\nوقال أحمد: \"كان مبارك يرسل [عن] الحسن، قيل: يدلس؟ قال: نعم، قال: وحدث يومًا عن الحسن بحديث فوقف عليه، قال: حدثنيه بعض أصحاب الحديث، عن أبي حرب، عن يونس\" (^٤).\nوقال العجلي في إسماعيل بن أبي خالد: \"وكان ربما أرسل الشيء عن الشعبي، فإذا وقف أخبر\" (^٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>٢ - التصحيح:</span>\nويريدون به اتصال الإسناد بالسماع، فيقولون: سألت فلانًا أن يصحح لي\n_________\n(^١). \"الضعفاء الكبير\" ٣: ١٤٤.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٦٦.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٦٦، وانظر: \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٣٣.\n(^٤) \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٦٣٣، وفي النسخة: \"يرسل إلى الحسن\".\n(^٥). \"الثقات\" ١: ٢٢٥.","vol":"1","page":437},{"text":"هذه الأحاديث فصححها، يعني صرح بالتحديث فيها، أو لم يصححها، يعني أبى ذلك، أو صحح لي منها كذا، يعني صرح بالتحديث في بعضها دون بعضها الآخر، فهو لم يسمعه، ويقولون: أحاديث فلان عن فلان صحاح، يعني سمعها، أو ليست بصحاح، يعني لم يسمعها، ونحو هذه العبارات.\nوفي بعض عباراتهم ما يشتبه بالتصحيح المطلق، وهو الحكم على الحديث، ولكن يفهم من السياق أو من عبارات أخرى أن ذلك خاصٌ بالسماع، ولا شك أنه بالنسبة للنفي يوافق عدم التصحيح المطلق، لأن معناه اختلال شرط من شروط الصحة، وهذا كافٍ في التضعيف، أما بالنسبة للإثبات فلا يلزم منه الصحة المطلقة، إذ يبقى النظر في باقي الإسناد، وفي بقية شروط الصحة للحديث.\nوقد تقدم في هذا البحث نصوص كثيرة في التصحيح بهذا المعنى.\nومن نصوصهم في ذلك أيضًا قول شعبة: \"هذه الأربعة التي يصححها الحكم، سماع من مقسم\" (^١).\nوقال الآجري: \"سألت أبا داود عن عمار بن أبي عمار، فقال: ثقة، روى عنه شعبة حديثًا، قال شعبة: وكان لا يصحح لي\" (^٢).\nومراد شعبة أنه لم يصرح له بالتحديث، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث عن شعبة أن كل ما رواه عن شيوخه قد صرحوا فيه بالسماع، إلا\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٣٧.\n(^٢). \"سؤالات الآجري\" ١: ٤٣٣، وانظر: \"سنن الدارمي\" حديث (٧٩٣)، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٢٨.","vol":"1","page":438},{"text":"ما بينه شعبة.\nوقال يحيى القطان: \"كان عند عثمان بن غياث كتاب عن عكرمة، فلم يصححه لنا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"قتادة لم يصحح عن معاذة\" (^٢)، ومراده أن قتادة لا يثبت له سماع من معاذة العدوية.\nوقال ابن المديني: \"قلت ليحيى: قول عامر في طلاق الصبي سمعه إسماعيل من عامر؟ قال: لا، قلت ليحيى: سألته عنه؟ قال: نعم - فيما أعلم ـ، فضعفه، قلت ليحيى: فطلاق السكران - قول عامر - من صحيح حديثه؟ قال: لا، قلت: سألته عنه؟ قال برأسه: أي نعم، قلت: فلم يصححه؟ قال: لا ... \" (^٣).\nوقال ابن المديني أيضًا: \"سمعت يحيى يقول: أخذت أطراف بحر بن مرار، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، فسألته عنها، فلم يصحح منها شيئًا، قلت ليحيى: أي شيء منها؟ قال: حديث: «شهرا عيد لا ينقصان ...» \" (^٤).\nوذكر أحمد أن يحيى القطان كان لا يحدث عن قتادة، عن خلاس بن عمرو الهجري، عن علي، وكان يحدث عن قتادة، عن خلاس، عن غير علي، قال أحمد: \"كأنه يتوقى حديث خلاس، عن علي وحده - يعني يقول: ليس هي\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٦.\n(^٢). \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٢٢٧.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٩.\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٩.","vol":"1","page":439},{"text":"صحاحًا - أو لم يسمع منه -\" (^١).\nوذكر ليحيى القطان حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، في (الجراحات أخماس)، فقال يحيى: \"كان معي فلم يصححه إسماعيل\" (^٢)، يعني ذكر أنه لم يسمعه من الشعبي.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي في حديث الأعمش، عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: \"من بنى لله مسجدًا ... \" الحديث: \"ليس من صحيح حديث الأعمش\" (^٣).\nومراده أنه دلسه، فلم يسمعه من إبراهيم بن يزيد.\nوقال أحمد: \"إبراهيم بن سعد صحيح الحديث عن ابن إسحاق\" (^٤).\nومراد أحمد أن إبراهيم بن سعد يبين في روايته عن ابن إسحاق ما سمعه ابن إسحاق وصرح فيه بالتحديث مما ليس كذلك.\nوقال حرب بن إسماعيل عن أحمد في عبدالله بن الوليد العدني: \"سمع من سفيان، وجعل يصحح سماعه، ولكن لم يكن صاحب حديث، وحديثه حديث صحيح، وكان ربما أخطأ في الأسماء، وقد كتبت أنا عنه كثيرًا\" (^٥).\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٣١، وانظر: ٣: ٨٠، و\"جامع التحصيل\" ص ٢٠٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ١٧٦.\n(^٢) \" جامع التحصيل\" ص ١٧٣.\n(^٣). \"علل ابن أبي حاتم\" ١: ٩٧.\n(^٤) \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٢٤.\n(^٥) \"الجرح والتعديل\" ٥: ١٨٨، وانظر: \"المعرفة والتاريخ\" ١: ٧١٨.","vol":"1","page":440},{"text":"ومراد أحمد - فيما يظهر - بصحة حديثه أنه يعتني بالتصريح بالتحديث، يوضح ذلك قول أحمد: \"لم يكن يفصل ... بن القاسم، وبين المسعودي، ولكن كانت صدور أحاديثه صحاحًا، كتبت عنه شيئًا، صالح\" (^١).\nوقال أحمد أيضًا: \"كان ابن علية يقولون: عنده حديث واحد - يعني عن يحيى بن عتيق ـ، فلم يصح له، ولم يكن يحدث به، لم أدرك أحدًا يحدث عن يحيى ابن عتيق\" (^٢).\nومراد أحمد أن هذا الحديث لم يسمعه ابن علية من يحيى بن عتيق، فلم يكن يحدث به، وقد كان حدث به أولًا وسمعه منه يعقوب بن إبراهيم الدورقي الحافظ، وتفرد به عن ابن علية، ثم سرقه منه بعض المتروكين، وسأل الإمام أحمد سائل عنه فقال: \"لم أسمعه من ابن علية، وقد سمعه يعقوب الدروقي، فاسمعه منه\".\nوجاء عن أحمد أيضًا أنه نهى يعقوب أن يحدث به (^٣).\nوقال أحمد أيضًا: \"الذي يُصَحِّح الحكم، عن مقسم أربعة أحاديث ... \" (^٤).\nوذكر أحمد أن سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان ولم يلقه، وقال: \"بينهما\n_________\n(^١) \"سؤالات أبي داود\" ص ٢٣٧.\n(^٢) \"مسائل أبي داود\" ص ٤٠٣.\n(^٣) \"سنن النسائي\" حديث (٥٨)، و\"سؤالات الآجري لأبي داود\" ص ٢٧٧، و\"المعجم الأوسط\" حديث (٩٢٤٥)، و\"الكامل\" ٤: ١٥٦٤، و\"تاريخ بغداد\" ٩: ١٩٣، ٤: ٢٧٨.\n(^٤) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٥٣٦.","vol":"1","page":441},{"text":"معدان بن أبي طلحة، وليست هذه الأحاديث بصحاح\" (^١).\nوقال ابن المديني في هشام بن حسان بعد أن ذكر أنه يرسل عن الحسن: \"وأما أحاديثه عن محمد فصحاح\" (^٢).\nوقال أيضًا في حديث رواه ابن إسحاق: \"كنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه\" (^٣).\nوقال ابن معين: \"إبراهيم بن سعد أحب إليّ من ابن أبي ذئب في الزهري، ابن أبي ذئب يقولون: لم يصحح عن الزهري شيئًا\" (^٤).\nومراد ابن معين أنه لم يسمع من الزهري سماعًا، ولكنه عرض عليه، وقيل إن الزهري كتب إليه أحاديث فكان يحدث بها (^٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>٣ - الخبر:</span>\nيطلق الخبر ويراد به متن الحديث، وجمعه أخبار، وهذا كثير، ويطلق ويراد\n_________\n(^١) \"تهذيب الكمال\" ١٠: ١٣٢.\n(^٢) \"علل المديني\" ص ٦٣.\n(^٣) \"معرفة علوم الحديث\" ص ١٠٧.\n(^٤) \"تاريخ بغداد\" ٥: ٨٢.\n(^٥) \"تهذيب التهذيب\" ٩: ٣٠٥، ٣٠٦، ٣٠٧.\nوانظر نصوصًا أخرى في التصحيح بهذا المعنى: \"مسائل أبي داود\" ص ٣٨٩، و\"سؤالات أبي داود\" ص ٢٣١، و\"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٤٣٥، و\"مسائل إسحاق\" ٢: ٢٢٠، و\"علل ابن المديني\" ص ٥١، ٥٤، ٥٧، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٥٢، و\"التمهيد\" ١: ٤٩، و\"تهذيب الكمال\" ٤: ١٩٧، و\"جامع التحصيل\" ص ١٧٣، و\"تهذيب التهذيب\" ٢: ٤٤١، ٣: ٤٣٨.","vol":"1","page":442},{"text":"به التصريح بالسماع، فإذا قالوا: قد ذكر الخبر فيه، فمعناه أنه صرح بالتحديث، أو: لم يذكر الخبر، يعني لم يصرح بالتحديث، وإذا قالوا: في حديثه أخبار، فمعناه أنه يعتني بالتصريح بالتحديث منه وممن فوقه، أوليس في حديثه أخبار، أي لا يعتني بذلك.\nوقد تقدم في هذا البحث نصوص كثيرة بهذا المعنى، وسيأتي في المصطلح الذي بعده نصوص أخرى.\nومن ذلك أيضًا قول عفان بن مسلم: \"كنت أوقف شعبة على الأخبار\" (^١).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن عبد الملك بن سليمان، والربيع بن صبيح أيهما أحب إليه في عطاء، فقال: \"عبد الملك بن أبي سليمان، وهو أحب إلي من الحجاج ابن أرطاة، إلا أن يخبر الحجاج الخبر\" (^٢).\nوقال أبو حاتم في حديث رواه ابن إسحاق فقال: ذكر الزهري، عن عطاء ابن أبي ميمونة، قال أبوحاتم: \"الزهري لا يروي عن عطاء بن أبي ميمونة، وإنما يروي هذا الحديث شعبة، عن عطاء بن أبي ميمونة، ولو ذكر ابن إسحاق في هذا الحديث خبرًا لترك حديث ابن إسحاق\" (^٣).\nومراده أن ابن إسحاق لم يصرح بالتحديث، ودلسه عن الزهري، فالعهدة على من أسقطه ابن إسحاق.\n_________\n(^١). \"تاريخ بغداد\" ١٢: ٢٧٣.\n(^٢). \"الجرح والتعديل\" ٥: ٣٦٨.\n(^٣) \"المراسيل\" ص ١٩٢.","vol":"1","page":443},{"text":"وقد خفي استخدام هذه الكلمة بهذا المعنى على بعض الباحثين، فعلق أحدهم على قول أحد الأئمة: \"أهل الكوفة ليس لحديثهم نور، لا يذكرون الأخبار\"، وقد قرأ العبارة بحذف (لا)، فقال معلقًا: \"في ذلك مغمز لحديث أهل الكوفة، وعلل ذلك بذكرهم الأخبار، لأن الأخبار يتساهل في قبولها، فكثرة التعامل معها يعطي في الغالب تساهلًا لا يتناسب مع دقة نقل الحديث، ونور الحديث إنما يستمد من ألفاظ النبوة، لا من الأخبار\".\nوعلق باحث آخر على قول إمام في نقده لحديث: \"وهو حديث رواه الخلق عن الأعمش، عن أبي صالح، فلم يذكر الخبر في إسناده غير أبي أسامة، فإنه قال فيه: عن الأعمش، قال: حدثنا أبوصالح ... \" - قال الباحث - معلقًا على كلمة (الخبر): \"كذا قرأتها (يعني في المخطوط)، وكأنه يريد صيغة التحديث\"، وهذا تعليق فيه برود، فلا تحتاج العبارة إلى تعليق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٤ - الألفاظ:</span>\nتطلق هذه الكلمة ويراد بها ألفاظ متن الحديث، وتطلق ويراد بها الصيغ الصريحة في السماع، وقد مضى في هذا البحث عدة نصوص في استخدام هذه الكلمة بالمعنى الأخير.\nومن ذلك أيضًا قول أحمد: \"ما رأيت الألفاظ في كتاب أحد من أصحاب شعبة أكثر منها عند عفان - يعني أنبأنا، وأخبرنا، وسمعت، وحدثنا، يعني شعبة -\" (^١).\n_________\n(^١). \"تاريخ بغداد\" ١٢: ٢٧٣، وانظر: \"معرفة الرجال\" ٢: ٧٦ فقرة (١٦١).","vol":"1","page":444},{"text":"وروى الفضل بن زياد قال: \"وسألت أبا عبد الله: من تقدم من أصحاب شعبة؟ فقال: أما في العدد والكثرة فغندر، قال: صحبته عشرين سنة، ولكن كان يحيى بن سعيد أثبت، وكان غندر صحيح الكتاب، ولم يكن في كتبه تلك الأخبار، إلا أن بهزًا، ويحيى، وعفان، هؤلاء كانوا يكتبون الألفاظ والأخبار ... \" (^١).\nوقال ابن المديني: \"كان يحيى يقول: حفص (يعني ابن غياث) ثبت، فقلت: إنه يهم، فقال: كتابه صحيح ...، فلما أخرج حفص كتبه كان كما قال يحيى، إذا فيها أخبار وألفاظ، كما قال يحيى\" (^٢).\nوهذا المصطلح أقل استعمالًا من المصطلحات السابقة، وقد سئل أحد الأئمة عن رجل يعرف بالتدليس يحتج فيما لم يقل فيه سمعت، فقال: \"لا أدري\"، فقال له السائل: \"الأعمش متى تصاد له الألفاظ؟ قال: يضيق هذا - أي إنك تحتج به ـ\"، فعلق أحد الباحثين على كلمة (تصاد) بقوله: \"هكذا في الأصل، ويحتمل أن تقرأ: (تعاد)، لأن رسمها قريب من ذلك، ولعل معناهما واحد، أي متى تصاد مروياته التي لم يصرح فيها بالسماع، وتعاد له، ولا يحتج به\"، وعلق على عبارة (يضيق هذا ...) بقوله: \"أي يقل وجود التدليس في مروياته إذا قورنت بكثرتها، والرأي أنك تحتج به ولو لم يصرح بالسماع ... \".\nوكلا التعليقين بعيد عن المراد، وسببه قلة استخدام هذا المصطلح وندرة\n_________\n(^١). \"المعرفة والتاريخ\" ٢: ٢٠٢، وانظر: \"علل المروذي\" ص ٤٤، و\"معرفة الرجال\" ٢: ٧٧ فقرة (١٦٨).\n(^٢). \"تاريخ بغداد\" ٨: ١٩٧.","vol":"1","page":445},{"text":"تداوله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٥ - حديثه يهوي:</span>\nيعني أن أحاديثه مراسيل، وهو مصطلح نادر جدًا، قال عبدالله بن أحمد: \"قال أبي: كان شعبة يقول: فلان حديثه يهوي، قلت لأبي: ما يهوي؟ قال: مرسل\" (^١).\nواستخدمه أحمد أيضًا، فقال في الحارث بن سليمان الفزاري: \"لم يكن به بأس، حديثه يهوي - يعني مرسل - \" (^٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>٦ - أحاديث بتر:</span>\nيعني مراسيل، والبتر هو القطع، قال يحيى القطان: \"سألت شعبة كم سمعت من أبي معشر؟ قال: أربعة بتر - يعني مراسيل - \" (^٣).\nوسئل أبو حاتم عن حديث روي عن ضمام بن إسماعيل، عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله علي وسلم: \"زر غبًا تزدد حبًا\"، فقال: \"ليس هذا الحديث بصحيح، إنما يرويه ضمام مبترًا\" (^٤).\nفالظاهر أن مراد أبي حاتم أنه يرويه مرسلًا.\n_________\n(^١) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٣: ٩٤.\n(^٢) \"العلل ومعرفة الرجال\" ٢: ٣٦٢.\n(^٣) \"العلل ومعرفة الرجال\" ١: ٢٩٥، ٥٣٧، و\"مسائل أبي داود\" ص ٤٢٦، و\"مسائل صالح\" ص ٢٥٩، و\"المعرفة والتاريخ\" ٣: ١٧١، ١٨٢، لكن ليس في الثلاثة الأخيرة قوله: \"يعني مراسيل\".\n(^٤). \"علل ابن أبي حاتم\" ٢: ٢٢٩.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>٧ - الإلزاق:</span>\nومعناه أن الراوي لم يسمع الحديث ممن رواه عنه، وقد استخدم يحيى القطان هذا المصطلح، فقال: \"كتبت عن الأعمش أحاديث عن مجاهد كلها ملزقة، لم يسمعها\" (^١).\nوقال ابن المديني: \"ذكرت ليحيى حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مجلز قال: «كتب عمر إلى عثمان بن حنيف ...» الحديث الطويل في الجزية، فقال يحيى: هذا ملزق عن أبي مجلز، قلت ليحيى: ليس هو من صحيح حديث قتادة؟ قال: لا\" (^٢).\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٤١.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ١: ٢٣٦.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الرابع\nالحكم على الإسناد بعد دراسة الاتصال والانقطاع</span>\nبعد أن ينتهي الباحث من دراسة اتصال الإسناد يكون قد فرغ من النظر في ثلاثة شروط من شروط الحديث الصحيح، وهي: عدالة رواته، وضبطهم، واتصال الإسناد.\nوالباحث الآن بصدد تلخيص نتيجة هذه الدراسة بجملة مختصرة.\nوالألفاظ التي يمكن للباحث أن يلخص بها نتيجة دراسته للشروط الثلاثة تنقسم في الجملة ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: عبارة عن وصف للإسناد أكثر منه حكمًا عليه، مثل أن يقول الباحث: رجاله ثقات، وإسناده متصل، فهو لم يحكم على الإسناد بشيء، لا بصحة ولا بضعف، وإنما وصف الإسناد بأن رجاله ثقات، وأن إسناده متصل.\nوقد يقول: رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا بين فلان وفلان، وقد يقول مباشرة: هذا الحديث فيه فلان وهو ضعيف، أو فيه فلان وهو متروك، وباقي رواته ثقات، وإسناده متصل، أو يقول: هذا الإسناد فيه انقطاع بين فلان وفلان، ويسكت، فالنقد موجه للاتصال، ورجال الإسناد ثقات.\nوالألفاظ التي يوصف بها الإسناد لا نهاية لها، ولا يمكن أن يعطى الباحث ألفاظًا ويقال له: خذ هذه الألفاظ وصف بها الأسانيد، فكل باحث سيصف الإسناد بما توصل إليه بالعبارة التي يراها مناسبة.\nالقسم الثاني: ألفاظ تطلق والمقصود بها بيان درجة الإسناد، كأن يقول الباحث: هذا الإسناد صحيح، أو حسن، أو ضعيف، أو يقول: إسناده","vol":"1","page":449},{"text":"صحيح لولا كذا، أو إسناده حسن لولا أن فيه فلانًا - مثلًا - وهو مختلط، وروى عنه فلان بعد الاختلاط، ونحو ذلك، ويقال فيها ما سبق في القسم الأول بأنها ألفاظ لا حصر لها، ويختار منها ما يناسب حديثه.\nالقسم الثالث: ما درج عليه كثير من العلماء والباحثين من مقارنة الأسانيد التي يدرسونها بأسانيد الصحيحين، فيكثر من العلماء والباحثين جدًا أن يقول أحدهم: هذا الإسناد على شرط الشيخين، أو على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، أو: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ... الخ.\nوأخف الأقسام الثلاثة السابقة القسم الأول، إذ هو عبارة عن وصف للإسناد بتوافر ثلاثة شروط فيه، وهي العدالة، والضبط، واتصال الإسناد، أو عدم توافرها أو شيء منها، ليس فيه أكثر من ذلك، فليس فيه حكم على الإسناد، ولهذا فإنني أقول: إنه لابأس باستخدام هذه الأوصاف وإن كان الباحث لم يستكمل مراحل دراسة الحديث، باعتباره لم يقطع بشيء يتعلق بدرجة الحديث، واعتمد في ذلك على افتراض أن القارئ لم يأخذ حكمًا على الحديث من هذا الوصف، وإلا لوجب أن يقال فيه ما يقال في القسم الثاني.\nأما القسم الثاني فهو عبارة عن إصدار حكم على الإسناد بعد الفراغ من دراسة الشروط الثلاثة، ويوجد بكثرة في كلام الأئمة المتأخرين بعد عصر الرواية والنقد، مثل ابن الصلاح، والنووي، والمنذري، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، والهيثمي، والبوصيري، وابن حجر، وعلى الأخص في كلام الأربعة الأخيرين، فقد اشتغلوا بالتخريج وما يتضمن ذلك من حكم على الأسانيد، ولما كانت الأحاديث التي حكموا عليها كثيرة جدًا، فإنه من العسير جمع طرقها والنظر فيها، واستكمال مراحل الحكم على الحديث، وإلا لما تمكنوا","vol":"1","page":450},{"text":"من إنجاز هذه المؤلفات، فلجؤوا إلى الأحكام الجزئية التي تفيد الفراغ من بعض مراحل الدراسة، فربما اكتفوا بالحكم على رواة الإسناد، وربما تجاوزوه إلى دراسة الاتصال والانقطاع، فيعطون الإسناد وصفًا كما في القسم الأول هنا، أو يصدرون حكمًا كما في القسم الثاني هنا، فكثر من هؤلاء الأئمة كثرة بالغة لا حصر لها قولهم: إسناده صحيح، إسناده ضعيف، إسناه حسن، إسناده صحيح إن سلم من كذا ... الخ، وربما جمعوا بين هذا وبين القسم الأول فيقولون: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وإسناده متصل.\nثم عمّ وطمّ هذا الصنيع في الوقت الحاضر، بحكم انتشار الرسائل العليا للماجستير والدكتوراه، ومطالبة الأقسام للباحثين بإصدار أحكام على الأسانيد، من متخصصين وغيرهم، والاكتفاء منهم بذلك، نظرًا لصعوبة المراحل اللاحقة، يضاف إلى ذلك انتشار تحقيق الكتب وما يصاحب ذلك من عجلة في الإخراج.\nلكن العلماء - في كتب علوم الحديث - نبّهوا إلى أن هذا الحكم ليس بحكم نهائي، وأنه ينبغي التفريق بين: إسناده صحيح، فهذا حكم بتوافر ثلاثة شروط فقط، وبين: حديث صحيح، فهذا حكم بعد استكمال خطوات تصحيحه، ومثله الحسن (^١)، فما قال فيه الباحث: إسناده صحيح، في كثير من الأحيان يتبين له فيما بعد أن الإسناد ضعيف، إما لأن فيه انقطاعًا وإن كانت صورته صورة الاتصال، أو لأنه مخطئ في تسمية رجل وأنه ليس هذا الثقة وإنما هو شخص آخر ضعيف اشترك معه في الاسم، أو يتبين أن أحد هؤلاء الثقات وإن كان ثقة\n_________\n(^١) \"مقدمة ابن الصلاح\" ص ١١٣، و\"فتح المغيث\" ١: ١٠٦.","vol":"1","page":451},{"text":"لكنه في هذا الحديث بعينه نزل عن درجة الثقة فتبين أن حديثه ضعيف، وهذا يكثر في الأسانيد الحسنة، وكذلك يوجد في الأسانيد الصحيحة.\nعكس ذلك أن يحكم على الإسناد بالضعف ويسكت فيقول: إسناده ضعيف، وقد تبين من خلال طرق أخرى أن الحديث صحيح أو حسن، وإن كان الإشكال الأهم هو في الأمر الأول، وهو في ما إذا حكم على الإسناد بالقوة ثم تبين غير ذلك.\nوهذا التوسع في هذا الباب - وهو الحكم الجازم على الأسانيد مفردة - أرى أنه من الخطورة بمكان، وذلك من عدة أوجه:\n١ - أن فيه إيهامًا، لأنه ليس كل القراء يعرفون أن الباحث إذا قال: إسناده صحيح، فهو حكم منه على الإسناد، وأنه توافر فيه عدالة الرواة وضبطهم واتصال الإسناد، فالعامي والقارئ غير المتخصص لا يخالطه شك أنه إذا قيل: إسناده صحيح - فهذا يعني صحة الحديث، وهذا فيه إيهام، ويخشى على صاحبه من الإثم إذا كان يعرف أن لهذا الإسناد علة وسكت عنها، وهو يظن أنه قد ألقى عن نفسه العهدة بناءً على أن الأئمة يصنعون مثل هذا، والخوف من الوقوع في الإثم يزداد إذا كان الحديث يوافق هوى في نفس الباحث، فقد يكون الحديث يستدل به لمذهبه، أو لرأي يقول به، أو يزين بحثه ومقاله بهذا الحديث، فلا يريد أن يضعفه، فيلجأ إلى الحكم على الإسناد المفرد، أما إذا لم يستكمل البحث لعدم قدرته أو لاستعجاله كما يفعله كثير من الأئمة - فهذا أخف الأمرين، وإن كان ينبغي سد الباب، فأما إذا عرف الباحث أن الإسناد فيه علة وسكت عنها، أو عرف أن الحديث صحيح وقال: إن الإسناد ضعيف، وهو يعرف أن له متابعات وليس الاعتماد على هذا الإسناد، فهذا هو الذي يخشى","vol":"1","page":452},{"text":"عليه من الإثم.\n٢ - الاعتناء بالحكم على الأسانيد مفردة جرأ كثيرًا من الباحثين على أحاديث حكم عليها الأئمة بالصحة، ومنها أحاديث في \"الصحيحين\"، يأتون إليها ويأخذون أسانيدها واحدًا واحدًا ويحكمون عليها، وقد يكون في بعضها - لو نظر إليه وحده - ضعف، وقد قرأت رسالة تتعلق بـ\"صحيح مسلم\" مزق فيها الباحث أسانيد من هذا الكتاب بما يتعجب منه.\n٣ - قال المشرفون على أقسام السنة في الجامعات: نعفي الطلاب من البحث في العلل، لصعوبتها، ولعدم تمرسهم وتمكنهم منها، ونلزمهم بإصدار الأحكام على الأسانيد مفردة.\nوهذا الكلام لا يصح من جهتين، أما الأولى فكما قال السخاوي: \"الإذًا بالحكم على الإسناد قبل استكمال البحث في علله وفي شذوذه سيؤدي إلى أن يدخل إلى التصحيح والتضعيف من لا يحسنه \" (^١)، وهذا هو الواقع، فإن كثيرًا ممن يصحح ويضعف لا يعرف أصلًا أن هناك شذوذًا وعللًا، وبعضهم إذا شرحت له العلة يقول: هذا الإسناد صحيح، فكيف تعودون وتقولون: إنه معلول؟ وقد مكثت زمانًا أحاول إقناع بعض الباحثين بذلك فسلم لي مجاملة.\nوأما الجهة الثانية فإن الاعتذار عن عدم المطالبة ببحث الشذوذ والعلة لعدم تمكن الطلاب - لست أفهم معناه، فإن كان المقصود أن لا يتعرضوا له أبدًا طيلة حياتهم العلمية - وهذا مع الأسف هو حال كثير من المنتسبين لهذا\n_________\n(^١) \"فتح المغيث\" ١: ١٧.","vol":"1","page":453},{"text":"العلم - فالسؤال هو: ما معنى انتسابهم لهذا العلم وقد تركوا أهم ما فيه، وما به يتميزون عن غيرهم؟ وإن كان المقصود تأجيل ذلك إلى أمد، فكيف يصح هذا وهو عند مطالبته بالدخول فيه عري عنه لم يتدرب عليه؟\nفالمنهج الأسلم في هذا هو تدريب الطلاب والباحثين على النظر في خطوات التصحيح والتضعيف كلها دون استثناء، وإعدادهم لتحمل المسؤولية، تحت إشراف أساتذتهم ومشرفيهم، فأقل ما يحصلون عليه إدراك عظم الخطورة من الحكم على الأسانيد مفردة قبل استكمال خطوات البحث، ويمكن تعويضهم بالتخفيف عنهم في القدر المطلوب إنجازه، فقليل متقن محرر يخرج منه الطالب بالفائدة المهمة في تخصصه خير من كثير تقل فيه الفائدة.\nوعطفًا على هذا فإنني أرى أن ما يشيع في بعض الأقسام العلمية من تقسيم لأنواع البحوث إلى أحاديث معللة وغير معللة ... الخ ينبغي أن لا يؤخذ على ظاهره، فمن بحثه يدخل تحت القسم غير المعلل لا يصح إعفاؤه من النظر في هذا الفن والتدرب عليه، والوصول إلى نتيجة نهائية في الحديث تعتمد على المقارنة ودراسة الطرق وعرض المرويات، فإخلاء بحثه من هذا جناية عليه هو قبل أن يكون جناية على غيره.\nفالمقصود أن الورع يقتضي سد هذا الباب - أعني الاكتفاء بالحكم على الإسناد مفردًا - ولا يلجأ إليه إلا عند الضرورة، كإسناد ليس له متابعات ولا شواهد، ولا يود الباحث - ورعًا - أن يحكم على الحديث كله، فيحكم فقط على الإسناد الذي أمامه، أما إسناد طرقه كُثُر، وقد تكلم عليه العلماء، وقد يكون فيه علل، ويسكت عليه الباحث، أو يكتفي ببحث أولي، فهذا إن صح للتدريب وليكتبه الباحث لنفسه فهذا أمر مسلّم، أما غير ذلك بأن ينشر، وقد","vol":"1","page":454},{"text":"يجادل عليه، أو يُعمل به، أو ينقل كدليل ونحو ذلك، فهذا هو الذي يحذر منه.\nوغير خافٍ على المشتغلين بهذا العلم أن من أهم الأبواب التي دخل منها الضعف إلى تصحيح الأحاديث وتضعيفها قضية الأسانيد المفردة، والحكم عليها، فقد حُكم الآن على أسانيد كثيرة جدًا بالصحة لم تكن معروفة، فلا فرق عند كثير من الباحثين بين إسناد تداوله الأئمة في عصرهم، وأخرجوه في كتبهم، وبين إسناد عثر عليه الباحث في أحد \"معاجم الطبراني\"، أو في \"الكامل\" لابن عدي، أو في بعض كتب الغرائب، بل حكم على أسانيد بالصحة قد ضعفها الأئمة وفرغوا منها، وكأننا ننشئ علمًا جديدًا.\nوالكلام السابق كله مبني على افتراض أن الباحث حين حكم على الإسناد مفردًا قد أجاد النظر في الشروط الثلاثة: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد. أما إذا كان قد ضم إلى إغفال النظر في الشرطين الآخرين تساهلًا في النظر في الشروط الثلاثة الأولى فالخطب أعظم، وهو أمر قد كثر جدًا - وهذا شيء يؤسف له - لدى المشتغلين بنقد السنة.\nفقد يشتبه عليه رواة الإسناد، فلا يستطيع تمييز رواته أو بعضهم، أو لا يحسن النظر في أقوال النقاد في الجرح والتعديل، أو لا يراعي التوثيق والتضعيف المقيد في الراوي، أو لا يدقق النظر في الإرسال والتدليس، وتقدم في ثنايا هذا الكتاب أمثلة على هذا.\nوبإدراك ما تقدم أظنني لست بحاجة إلى القول بأن استخدام القسم الثالث من الألفاظ التي تطلق على الأسانيد مفردة، وذلك بمقارنة الإسناد موضع الدراسة بشرط الشيخين أو أحدهما - أعظم وأشد خطورة من إطلاق الأحكام غير مقارنة، رغم أن هذا الأمر قد كثر جدًا من أئمة سابقين، ومن","vol":"1","page":455},{"text":"باحثين معاصرين، وإن كانت كثرته في العصر الحاضر قد تجاوزت حدود المعقول، فابتذل الباحثون هذا المصطلح ابتذالًا ليس وراءه ابتذال، فلم تحفظ له كرامة، ولم يقدر حق قدره، فلم يعد يفرح به، ولأهمية الموضوع أستميح القارئ عذرًا في الإطالة عليه في بيان المراد بشرط الشيخين، ثم أعرج على واقع الحال في تطبيقه.\nأحسن ما قيل في المقصود بشرط الشيخين أن يكون الإسناد موجودًا بتمامه وعلى صفته في الكتابين، أو في أحدهما إن كان الكلام في شرطه، يضاف إلى ذلك اشتراط خلو الحديث من الشذوذ والعلة.\nوهذه بعض الأوجه التي يمكن من خلالها أن يتطرق الخلل إلى دعوى أن الحديث على شرط الشيخين أو أحدهما:\nأولًا: أن يوجد راوٍ في الإسناد أو أكثر لم يخرج له الشيخان، وحينئذٍ فلا يكون الإسناد على شرطهما ولا على شرط واحد منهما، وهذا الخلل كثيرًا ما يقع للحاكم في \"المستدرك\"، إذ يعقب على أحاديث بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما، وفي رواتها من لم يخرجا له، ويقع هذا لغير الحاكم أيضًا.\nثانيًا: أن يوجد في الإسناد راوٍ قد أخرج له مسلم عن راوٍ آخر قد أخرج له البخاري أو العكس، فلا يصح أن يقال عن هذا الإسناد إنه على شرط الشيخين، ويمثل لذلك بأحاديث سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، فإن سماك بن حرب قد أخرج له مسلم ولم يخرج له البخاري، وعكرمة قد أخرج له البخاري ولم يخرج له مسلم - وقد تكلم العلماء في رواية سماك عن","vol":"1","page":456},{"text":"عكرمة (^١)، وحينئذٍ فالإسناد الذي اجتمعا فيه ليس على شرطهما ولا على شرط واحد منهما.\nثالثًا: أن يوجد في الإسناد راوٍ قد أخرج له البخاري ومسلم، وشيخه في هذا الإسناد قد أخرجا له أيضًا، لكن لم يخرجا لهما على الاجتماع، بل أخرجا لكل واحد من هذين الراويين منفردًا عن الآخر، مثال ذلك: سفيان بن حسين أخرج له الشيخان، والزهري قد أخرجا له أيضًا، لكنهما لم يخرجا لسفيان بن حسين من روايته عن الزهري شيئًا، فإذا جاء إسناد فيه رواية سفيان بن حسين، عن الزهري فلا يكون على شرط البخاري ومسلم، ولا على شرط واحد منهما، وإنما لم يخرجا لسفيان عن الزهري لأنه ضعيف في الزهري، وإن كان ثقة في غيره (^٢)، ومثل هذا يقال في رواية هشيم بن بشير عن الزهري، فإنه ضعيف فيه، ولم يخرجا له من روايته عن الزهري شيئًا (^٣).\nرابعًا: أن يوجد راوٍ في الإسناد قد أخرج له الشيخان أو أحدهما مقرونًا بغيره، أو في المتابعات والشواهد لا في الأصول، بمعنى أنهما لم يعتمدا عليه، وحينئذٍ فلا يكون الإسناد الذي فيه هذا الراوي على شرطهما ولا على شرط واحد منهما، إذا كان الحديث أصلًا في بابه، والذين أخرج لهم الشيخان أو أحدهما بهذه الصفة كثيرون جدًا، بل هناك رواة جاء ذكرهم في الإسناد،\n_________\n(^١) \" سير أعلام النبلاء\" ٥: ٢٤٧، و\"شرح علل الترمذي\" ٢: ٧٩٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ٢٣٢.\n(^٢) \"الجرح والتعديل\" ٤: ٢٢٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٤: ١٠٨.\n(^٣) \"تهذيب التهذيب\" ١١: ٦٠، و\"هدي الساري\" ص ٤٧٢.","vol":"1","page":457},{"text":"فأبقاهم الشيخان دون قصد التخريج فيما يظهر، كعبدالكريم بن أبي المخارق عند البخاري، وكابن لهيعة، وعلي بن زيد، وشهر بن حوشب، وبقية بن الوليد، وعبد الله بن عمر العمري، عند مسلم.\nخامسًا: أن يوجد راوٍ في الإسناد متكلم فيه، وقد أخرج له البخاري ومسلم أو أحدهما في الأصول محتجًا به، ويكون الشيخان قد أخذا صحيح حديثه وتركا ما أخطأ فيه، فلا يكون الإسناد الموجود فيه هذا الراوي وهو خارج \"الصحيحين\" على شرط الشيخين، مثال ذلك: إسماعيل بن أبي أويس أخرج له الشيخان، وهو متكلم فيه، لكن صح عن البخاري أنه طلب من إسماعيل أن يخرج له أصوله (يعني نسخه التي يرويها)، فانتقى منها أحاديث أودعها في \"صحيحه\"، فما كان من خارج \"الصحيحين\" لإسماعيل لا يلتحق بشرطهما من أجل الكلام فيه (^١).\nومثله العلاء بن عبدالرحمن بالنسبة لمسلم خاصة، فالعلاء متكلم فيه من قبل حفظه، وقد أخرج له مسلم انتقاءً (^٢).\nسادسًا - وهو أدقها ـ: أن يكون الإسناد ظاهرًا على شرط الشيخين،\nبمعنى أنه لم يتطرق الخلل إليه من جهة الأمور الخمسة السابقة، فلأول وهلة يظن أنه على شرطهما، لكن بعد التفتيش وجمع طرق الحديث يتبين أن له علة من أجلها ترك الشيخان أو أحدهما تخريج الحديث، فلا يصح حينئذٍ أن يدعى أنه\n_________\n(^١) \"الجرح والتعديل\" ٢: ١٨١، و\"الكامل\" ١: ٣١٧، و\"تهذيب التهذيب\" ١: ٣١٢، و\"هدي الساري\" ص ٤١٠.\n(^٢) \"الإرشاد\" ١: ٢١٨، و\"تهذيب التهذيب\" ٨: ١٨٦.","vol":"1","page":458},{"text":"على شرطهما، أو على شرط واحد منهما (^١).\nوقد يقول قائل: ما حظ مراعاة هذه الشروط في وصف إسناد بأنه على شرط الشيخين أو أحدهما من التطبيق؟\nوالجواب - بكل أسف ـ: لا أكون مبالغًا إذا قلت: إن مراعاة هذه الشروط معدومة تمامًا أو شبه معدومة، فهذه حقيقة الحال، ولاسيما في عصرنا الحاضر، فكل - أو جلّ - دعاوى أن الإسناد الفلاني على شرط الشيخين، أو أن الإسناد الفلاني على شرط البخاري أو على شرط مسلم - هي خلل في خلل، وذلك إذا لم يكن الحديث في \"الصحيحين\" أو أحدهما، فإن بعض الباحثين يطلق هذه العبارة على أحاديث موجودة فيهما أو في أحدهما، وغرضه من ذلك الإسناد، ولو ذهبت أسوق ما وقفتُ عليه من الخلل في صنيع بعض الأئمة والباحثين لطال المقام جدًا، ولذا سأكتفي ببعض الأمثلة، ومنها يدرك ما وراءها، وليس شيء من هذه الأمثلة مما وقع للحاكم في \"المستدرك\"، فإن أمره أظهر من أن يذكر له أمثلة.\nقال النووي عن حديث أخرجه أبوداود من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في أمره للمسبل بإعادة صلاته (^٢): \"أخرجه أبوداود بإسناد صحيح على شرط مسلم\" (^٣).\n_________\n(^١) وللمزيد في شرط الشيخين انظر: \"المنار المنيف\" ص ٢١، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ١: ٣١٢ - ٣٢١.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" حديث (٦٣٨)، (٤٠٨٦).\n(^٣) \"رياض الصالحين\" ٣: ٢٨٣.","vol":"1","page":459},{"text":"وأبوجعفر الذي في الإسناد ليس من رجال مسلم، بل هو شبيه بالمجهول (^١).\nوذكر النووي حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات» (^٢)، ثم قال: \"رواه أبوداود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم\" (^٣).\nوأبوداود قد أخرجه من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وحماد ليس من رجال البخاري، وإنما أخرج له شيئًا يسيرًا معلقًا، وهو من رجال مسلم لكن لم يخرج له مسلم عن محمد بن عمرو شيئًا (^٤)، ومحمد بن عمرو أخرج له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره، وعلق له، وأخرج له مسلم عدة أحاديث في المتابعات فقط، وقد تكلم فيه من قبل حفظه (^٥)، فكيف يكون هذا على شرط الشيخين؟\nوذكر المنذري ما رواه عبدالله بن صالح، عن يحيى بن أيوب، عن ابن\n_________\n(^١) \"تهذيب التهذيب\" ١٢: ٥٥.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" حديث (٥٦٥).\n(^٣) \"المجموع\" ٤: ٨٣.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" حديث (٦٤٤٠)، و\"تهذيب الكمال\" ٧: ٢٥٦، و\"تهذيب التهذيب\" ٣: ١١، و\"هدي الساري\" ص ٤١٩.\n(^٥) \"صحيح البخاري\" حديث (٢٠٤٠)، و\"تهذيب التهذيب\" ٩: ٣٧٥، و\"هدي الساري\" ص ٤٦٣.","vol":"1","page":460},{"text":"جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «من إذًا اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة ...»، ثم ذكر المنذري أن الحاكم صححه على شرط البخاري، وعقبه المنذري بقوله: \"وهو كما قال، فإن عبدالله بن صالح - كاتب الليث - وإن كان فيه كلام فقد روى عنه البخاري في \"الصحيح\"، \" (^١).\nكذا قال المنذري، وعبدالله بن صالح لم يخرج له البخاري من روايته عن يحيى بن أيوب شيئًا (^٢)، ولا أخرج ليحيى بن أيوب من روايته عن ابن جريج شيئًا، وهو متكلم فيه كثيرًا (^٣)، ثم في الإسناد تدليس ابن جريج، وقد رواه مرة أخرى عمن حدثه، عن نافع به (^٤).\nوذكر ابن كثير ما رواه أسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، عن هشام ابن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس\" (^٥)، ثم قال: \"انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري\" (^٦).\nوكذا قال باحث معاصر نظر في هذا الإسناد، وعبارته: \"إسناده صحيح على شرط البخاري\".\n_________\n(^١) \"الترغيب والترهيب\" ١: ٨٢.\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" ١٥: ٩٩، و\"هدي الساري\" ص ٤١٣.\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" ٣١: ٢٣٦، و\"هدي الساري\" ص ٤٥٠.\n(^٤) \" التاريخ الكبير \" ٨: ٣٠٦.\n(^٥). \"مسند أحمد\" ٢: ٣٢٥، و\"شرح مشكل الآثار\" حديث (١٠٦٩ - ١٠٧٠).\n(^٦). \"البداية والنهاية \" ١: ٣٢٣.","vol":"1","page":461},{"text":"والبخاري لم يخرج لأسود بن عامر، عن أبي بكر بن عياش، ولا لأبي بكر، عن هشام بن حسان، وقد قال أحمد حين سئل عن هذا الحديث: \"أبو بكر - يعني ابن عياش - كان يضطرب في حديث هؤلاء الصغار، فأما عن أولئك الكبار ما أقربه\" (^١).\nوقال العقيلي: \"يروي أبو بكر عن البصريين: عن حميد، وهشام، غير حديث منكر\" (^٢).\nوذكر أحد الباحثين ما أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأحمد من طريق إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ: «اغتسل النبي ﷺ وميمونة من إناء واحد قصعة فيها أثر العجين» (^٣)، ثم قال الباحث: \"هذا سند صحيح على شرط الشيخين ... \".\nكذا قال، والبخاري ومسلم لم يخرجا لمجاهد عن أم هانئ شيئًا (^٤)، بل قد نص البخاري على أنه لا يعرف لمجاهد من أم هانئ سماعًا (^٥)، وكذا قال جماعة من الأئمة: إن مجاهدًا لم يسمع منها (^٦).\n_________\n(^١). \"المنتخب من علل الخلال\" ص ١٨١، و\"المعرفة والتاريخ\" ٢: ١٧٢\n(^٢). \"الضعفاء الكبير\" ٢: ١٨٩.\n(^٣) \"سنن النسائي\" حديث (٢٤٠)، و\"سنن ابن ماجه\" حديث (٣٧٨)، و\"مسند أحمد\" ٦: ٣٤٢.\n(^٤) \"تهذيب الكمال\" ٢٧: ٢٣٠.\n(^٥) \"سنن الترمذي\" حديث (١٧٨١).\n(^٦) \"سنن البيهقي\" ١: ٧، ٨، و\"تنقيح التحقيق\" للذهبي الورقة ٢، و\"جامع التحصيل\" ص ٣٣٦، و\"الجوهر النقي\" ١: ٧.","vol":"1","page":462},{"text":"وذكر أحد الباحثين حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي سعيد في قصة صفوان بن معطل وامرأته الماضي ذكره في التدليس، ثم قال: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\"، وبهذه العبارة حكم باحث آخر على الإسناد في تعليقه على هذا الحديث، مع أن البخاري نفسه قد تكلم في هذا الحديث واستنكر متنه (^١)، فكيف يكون على شرطهما؟\nولما مر أحد الباحثين بحديث عبدالعزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ...» (^٢) - قال: \"إسناده قوي على شرط البخاري\".\nكذا قال، والبخاري لم يخرج للدراوردي عن هشام بن عروة سوى حديثين معلقين غير موصولين، قد تابعه عليهما جماعة (^٣)، وعبدالعزيز تكلم الأئمة فيه من قبل حفظه (^٤)، وحديثه هذا على وجه الخصوص جزم جماعة من الأئمة بأنه انقلب عليه، وأن الصواب عن عائشة - وهو الذي في \"الصحيحين\" - أن الذي يؤذن بليل هو بلال، وكذا هو الصواب عن غير عائشة، نعم قد صحح حديث الدراوردي بعض الأئمة، وراموا الجمع بينه وبين ما في\n_________\n(^١) \" التاريخ الصغير\" ١: ٤٣، وانظر: \"مختصر سنن أبي داود\" ٣: ٣٣٧ (الحاشية).\n(^٢) \"مسند أبي يعلى\" حديث (٤٣٨٥)، و\"صحيح ابن خزيمة\" حديث (٤٠٦)، و\"صحيح ابن حبان\" حديث (٣٤٧٣)، و\"سنن البيهقي\" ١: ٣٨٢.\n(^٣) \"صحيح البخاري\" حديث (٥٥٠٧)، (٧٣٩٣)، (٧٣٩٨).\n(^٤) \"الجرح والتعديل\" ٥: ٣٩٥، و\"تهذيب التهذيب\" ٦: ٣٥٣.","vol":"1","page":463},{"text":"الأحاديث الصحيحة (^١)، لكن الشأن في كونه على شرط البخاري، ودون ذلك خرط القتاد.\nوحكم أحد الباحثين على حديث يرويه الأعمش، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في صلاة النبي ﷺ بمنى خمس صلوات قبل ذهابه إلى عرفة - (^٢)، بقوله: \"إسناده صحيح على شرط البخاري\".\nكذا قال، وهو أمر عجيب، فإن البخاري لم يخرج للأعمش، عن الحكم، ولا للحكم، عن مقسم شيئًا (^٣)، ومقسم متكلم فيه، ولم يخرج له البخاري إلا حديثًا واحدًا من قول ابن عباس في تفسير آية (^٤)، ثم هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم كما تقدم هذا في المبحث الثالث من الفصل الثالث.\nوفي كلامه على حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «الإمام ضامن ...»، قال أحد الباحثين: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\"، مع أن جماعة كثيرين من الأئمة ذهبوا إلى أن الأعمش لم يسمعه من\n_________\n(^١) \"سنن البيهقي\" ١: ٣٨٢، و\"فتح الباري\" لابن رجب ٣: ٥٢٠، و\"التنقيح\" لابن عبدالهادي ١: ٦٩٩، و\"النكت على كتاب ابن الصلاح\" ٢: ٨٧٨ - ٨٨١، و\"فتح الباري\" لابن حجر ٢: ١٠٣، وتعليقي على كتاب ابن الجوزي: \"التحقيق في أحاديث التعليق\" (مسائل الأذان) ص ١٥٤ - ١٥٩.\n(^٢) \"سنن أبي داود\" حديث (١٩١١)، و\"سنن الترمذي\" حديث (٨٨٠)، و\"مسند أحمد\" ١: ٢٥٥، ٢٩٧، ٣٠٣.\n(^٣) \"تهذيب الكمال\" ٧: ١١٥، ١١٦.\n(^٤) \"صحيح البخاري\" حديث (٣٩٥٤)، و\"تهذيب التهذيب\" ١٠: ٢٨٨.","vol":"1","page":464},{"text":"أبي صالح، وأقاموا الدليل على ذلك، وقد سبق هذا في المبحث الخامس من الفصل الثالث.\nوتكلم باحث على ما رواه سفيان الثوري، عن السدي، عن أبي هبيرة، عن أنس بن مالك حديث الأمر بإهراق خمر لأيتام (^١)، قال: \"إسناده حسن، من أجل السدي - وهو إسماعيل بن عبد الرحمن - وهو وإن كان من رجال مسلم فيه كلام ينزله عن رتبة الصحيح، وباقي رجال الإسناد ثقات\".\nثم مر عليه هذا الإسناد بعينه من طريق إسرائيل بن يونس، عن السدي، فقال فيه - وقد عرَّف برجال الإسناد -: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\".\nوذكر أحد الباحثين ما أخرجه ابن عدي من طريق زياد بن الربيع، عن هشام بن حسان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: «عليكم بالإثمد عند النوم، فإنه يجلو البصر، وينبت الشعر»، ثم قال: \"هذا إسناد صحيح على شرط البخاري\".\nوزياد بن الربيع لم يخرج له البخاري عن هشام بن حسان (^٢)، ولم يخرج لهشام عن محمد بن المنكدر، بل لم يسمع منه أصلًا، فبينهما في هذا الحديث إسماعيل بن مسلم المكي أحد الضعفاء (^٣)، فالإسناد واهٍ جدًا.\nومثل ذلك حديث ثمامة بن عبدالله بن أنس، عن أبي هريرة مرفوعًا في\n_________\n(^١). \"صحيح مسلم\" حديث (١٩٨٣).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" ٩: ٤٥٩.\n(^٣) انظر: ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثالث.","vol":"1","page":465},{"text":"(الذباب إذا وقع في الشراب) (^١) - قال عنه الباحث: \"سنده صحيح على شرط مسلم\".\nوثمامة بن عبدالله لم يخرج له مسلم عن أبي هريرة شيئًا (^٢)، وهو لم يدرك أباهريرة (^٣)، فالإسناد منقطع.\nويلتحق بدعوى أن الإسناد على شرط الشيخين أو أحدهما ما درج عليه بعض العلماء من نقل حكم إمام على إسناد ورد به حديث معين، إلى هذا الإسناد في حديث آخر، فيقول مثلًا: قد صحح أحمد هذا الإسناد في حديث كذا، ولا تلازم بين صحة إسناد في حديث، وصحته في حديث آخر، فقد يصح هنا، ولا يصح هناك، لتطرق الشذوذ أو العلل إليه، فلينتبه لذلك.\n_________\n(^١) \"مسند أحمد\" ٢: ٢٦٣، ٣٥٥، ٣٨٨، و\"سنن الدارمي\" حديث (٢٠٤٥).\n(^٢) \"تهذيب الكمال\" ٤: ٤٠٥.\n(^٣) \"الجرح والتعديل\" ٢: ٤٦٦، و\"تهذيب الكمال\" ٤: ٤٠٥.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-148>فهرس\n\nالمصادر والمراجع</span>","vol":"1","page":467},{"text":"المصادر المراجع\n١ - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق زهير الناصر وآخرون، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، نشر مركز خدمة السنة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\n٢ - الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، الطبعة الثالثة ١٣٧٠ هـ، نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.\n٣ - الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري، ت ٤٥٧، تحقيق محمد عبدالعزيز، نشر مكتبة عاطف، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٨ هـ.\n٤ - أحوال الرجال، للجوزجاني، تحقيق عبدالعليم البستوي، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ، نشر حديث أكاديمي، باكستان.\n٥ - أخبار المكيين، التاريخ اللكبير، لابن أبي خيثمة، تحقيق إسماعيل حسين، الطبعة لأولى ١٤١٨ هـ، نشر دار الوطن، الرياض.\n٦ - الأدب المفرد، للبخاري، تحقيق كمال الحوت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر عالم الكتب، بيروت.\n٧ - أطراف مسند الإمام أحمد، لابن حجر العسقلاني، تحقيق زهير الناصر، نشر دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٨ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للنووي، تحقيق نور الدين عتر، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية عام ١٤١١ هـ.\n٩ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للنووي ت ٦٧٦،","vol":"1","page":469},{"text":"تحقيق نور الدين عتر، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية عام ١٤١١ هـ.\n١٠ - الإرشاد في معرفة علماء الحديث، لأبي يعلى الخليلي، تحقيق محمد سعيد عمر، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، نشر مكتبة الرشد، الرياض.\n١١ - أسئلة البرذعي، لأبي زرعة الرازي، مطبوع ضمن كتاب: (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية)، لسعدي الهاشمي، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٢ هـ، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\n١٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني من تحقيق طه الزيني، نشر كطتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأولى، .\n١٣ - إكمال تهذيب الكمال، لمغلطاي، تحقيق عادل محمد وأسامة إبراهيم، نشر الفاروق الحديثة، القاهرة.\n١٤ - الإلزامات والتتبع، للدراقطني ت ٣٨٥ هـ، تحقيق مقبل الوادعي، نشر دار الخلفاء، الكويت.\n١٥ - الأنساب، للسمعاني، نشر محمد أمين دمج، بيروت.\n١٦ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن المنذر، تحقيق أبي حماد صغير، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٥ هـ، نشر دار طيبة، الرياض.\n١٧ - البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي، تحقيق عمر الأشقر، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، نشر دار الصفوة، القاهرة.\n١٨ - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لابن القطان الفاسي، تحقيق حسين سعيد، نشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى\n١٤١٨ هـ.\n١٩ - التابعون الثقاتالمتكلم في سماعهم من الصحابة، لمبارك الهاجري،","vol":"1","page":470},{"text":"رسالتا ماجستير ودكتوراه.\n٢٠ - تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق شكر اللَّه قوجاني، من مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.\n٢١ - تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق عمر تدمري، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٢ - تاريخ الدارمي عن ابن معين، تحقيق أحمد نور سيف، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، نشر مركز البحث لعلمي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة.\n٢٣ - تاريخ الدوري، عن ابن معين، تحقيق نور سيف (ضمن كتاب: يحيى بن معين وكتابه التاريخ)، نشر جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى، سنة ١٣٩٩ هـ.\n٢٤ - التاريخ الصغير، للبخاري، تحقيق محمود زايد، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ، نشر دارالوعي، حلب.\n٢٥ - التاريخ الكبير، للبخاري، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.\n٢٦ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٢٧ - تاريخ دمشق، لابن عساكر، الطبعة الأولى، .\n٢٨ - التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم، للمقدمي، تحقيق محمد اللحيدان، الطبعة الأولى، ١٤٥ هـ، نشر دار الكتاب والسنة، باكستان.\n٢٩ - النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر العسقلاني، تحقيق ربيع هادي، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر الجامعة الإسلامية، المدينة","vol":"1","page":471},{"text":"النبوية.\n٣٠ - التتبع = الإلزامات والتتبع.\n٣١ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للمزي، تحقيق عبدالصمد شرف الدين، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، والدار القيمة، الهند، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣ هـ.\n٣٢ - تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل، لأبي زرعة العراقي، تحقيق عبدالله نوارة، الطبعة الولى ١٤١٥ هـ، نشر مكتبة الرشد، الرياض.\n٣٣ - التحقيق في أحاديث التعليق، لابن الجوزي، تحقيق مسعد السعدني، نشر دار الكتب العلمية نبيروت.\n٣٤ - التدليس في الحديث، لمسفر الدميني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٣٥ - تذكرة الحفاظ، للذهبي، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٣٦ - تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، لابن حجر العسقلاني، تحقيق عبدالغفار البنداري، ومحمد عبدالعزيز، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٧ - التغريب والترهيب للمنذري، تعليق محمد عمارة، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٣٨ - تفسير ابن جرير = جامع البيان.\n٣٩ - تقريب التهذيب، لابن حجر، تحقيق محمد عوامة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، طبع دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n٤٠ - تقييد المهمل وتمييز المشكل، للجياني، تحقيق علي العمران، ومحمد عزيز، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، نشر دار عالم الفوائد، مكة.","vol":"1","page":472},{"text":"٤١ - التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للعراقي، تحقيق عبدالرحمن عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة النبوية، سنة ١٣٨٩ هـ.\n٤٢ - التلخيص الحبير، لابن حجر، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٩ هـ.\n٤٣ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر، تحقيق جماعة من المحققين، نشر وزارة الأوقاف، المغرب.\n٤٤ - التمييز، لمسلم بن الحجاج، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، الرياض، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٢ هـ.\n٤٥ - تنقيح التحقيق، لابن عبدالهادي، تحقيق أيمن شعبان، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٤٦ - تنقيح التحقيق، للذهبي، مخطوط.\n٤٧ - التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل، لعبدالرحمن المعلمي، نشر دار الكتب السلفية، القاهرة.\n٤٨ - تهذيب التهذيب، لابن حجرن نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى، سنة ١٣٢٧ هـ.\n٤٩ - تهذيب الكمال في اسماء الرجال، للمزي، تحقيق بشار عواد، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٥٠ - الثقات للعجلي = معرفة الثقات.\n٥١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبريت ٣١٠ هـ، نشر مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة، الطبعة الثالثة سنة ١٣٨٨ هـ.\n٥٢ - جامع التحصيل في أحكام المراسيل، للعلائي، تحقيق حمدي السلفي،","vol":"1","page":473},{"text":"الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ، نشر الدار العربية، بغداد.\n٥٣ - الجامع الصحيح، للبخاري، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، نشر المكتبة السلفية، القاهرة، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٠ هـ.\n٥٤ - جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، الطبعة الرابعة ١٣٩٣ هـ، نشر مكتبة مصطفى الحلبي، القاهرة.\n٥٥ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، تحقيق محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٣ هـ.\n٥٦ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، الطبعة الأولى، ١٣٧١ هـ، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.\n٥٧ - الجعديات (حديث علي بن الجعد الجوهري)، لآبي القاسم البغوي، تحقيق رفعت فوزي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة.\n٥٨ - الجليب الصالح الكافي، للمعافى النهرواني، تحقيق محمد مرسي الخولي، الطبعة الأولى، نشر عالم الكتب، بيروت.\n٥٩ - الجوهر النقي، لابن التركماني، (مطبوع مع كتاب سنن البيهقي) نشر دار الفكر، بيروت، عن الطبعة الأولى، عن دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، سنة ١٣٤٤ هـ.\n٦٠ - الحلاصة في أصول الحديث، للطيبي ت ٧٤٣، تحقيق صبحي السامرائي، نشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٥ هـ.\n٦١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٦٢ - حماد بن سلمة ومروياته في مسند أحمد عن غيرثابت، لمحمد بن سليمان","vol":"1","page":474},{"text":"الفوزان، رسالة دكتوراه.\n٦٣ - الدعاء، للطبراني، تحقيق محمد سعيد، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n٦٤ - دلائل النبوة، للبيهقي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٥ - دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٦ - الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق أحمد شاكر.\n٦٧ - رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، لأبي داود السجستاني ت ٢٧٥، تحقيق محمد لطفي الصباغ، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة ١٤٠٥ هـ.\n٦٨ - رياض الصالحين، للنووي، مطبوع مع شرحه دليل الفالحين لابن علان، تعليق محمود ربيع، نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي،\nالقاهرة ١٣٩٧ هـ.\n٦٩ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، تحقيق شعيب الأرناؤوط وأخيه عبدالقادر، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٧٠ - سؤالات أبي داود للإمام أحمد، تحقيق زياد منصور، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية.\n٧١ - سؤالات ابن أبي شيبة لعلي ابن المديني، تحقيق موفق عبدالقادر، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر مكتبة المعارف، الرياض.\n٧٢ - سؤالات ابن الجنيد، ليحيى بت معين، تحقيق أحمد نور سيف، نشر","vol":"1","page":475},{"text":"مكتبة الدار، المدينة النبوية، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٨ هـ.\n٧٣ - سؤالات الآجري، لأبي داود، تحقيق عبدالعليم البستوي، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، نشر دار الاستقامة، مكة المكرمة.\n٧٤ - سؤالات البرقاني، للدارقطني، تحقيق عبدالرحيم القشقري، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر في لاهور، باكستان.\n٧٥ - سؤالات السلمي، للدارقطني، تحقيق سليمان آتش، ١٤٠٨ هـ، نشر دار العلوم، الرياض.\n٧٦ - السنن، لابن ماجه، حقيق محمد فؤاد عبدالباقي، طبع عيسى الحلبي، القاهرة.\n٧٧ - السنن، لأبي داود السجستاني، تحقيق عزت عبيدالدعاس، نشر محمد السيد حمص الطبعة الأولى، سنة ١٣٨٨ هـ.\n٧٨ - السنن، للترمذي، تحقيق أحمد شاكر، ومحمد عبدالباقي، وإبراهيم عطوة، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٧٩ - السنن، للدارقطني، تحقيق عبدالله هاشم، طبع دار المحاسن، القاهرة، سنة ١٣٨٦ هـ.\n٨٠ - السنن، للدارمي، تحقيق عبدالله هاشم، نشر حديث أكاديمي، باكستان، سنة ١٣٨٦ هـ.\n٨١ - السنن الأبين والمورد الأمعن للمحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن، لابن رشيد الفهرس ت ٧٢١ هـ، تحقيق صلاح المصراتي، نشر مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، سنة ١٤١٧ هـ.\n٨٢ - السنن الصغرى، للنسائي، تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية، سنة ١٤١٢ هـ.","vol":"1","page":476},{"text":"٨٣ - السنن الكبرى، للبيهقي، نشر دار الفكر، بيروت.\n٨٤ - السنن الكبرى، للنسائي، تحقيق عبدالغفار البنداري، وسيد كسروي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤١١ هـ.\n٨٥ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٨٦ - السيرة النبوية، لابن هشام، تعليق خليل هراس، نشر مكتبة الجمهورية، القاهرة.\n٨٧ - شرح السنة، للبغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، الطبعة الأولى، ١٣٩٠ هـ، نشر المكتب الإسلامي، بيروت.\n٨٨ - شرح العمدة، لابن تيمية، تحقيق سعود العطيشان، رسالة ماجستير.\n٨٩ - شرح صحيح مسلم، للنووي، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\n٩٠ - شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي، تحقيق همام عبدالرحيم، نشر مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٩١ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٩٢ - شرح معاني الآثار، للطحاوي، تحقيق محمد النجار، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٩٣ - شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق مختار الندوي، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، نشر الدار السلفية، الهند.\n٩٤ - الشمائل المحمدية، للترمذي، تحقيق محمد الزعبي، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، نشر دار العلم للطباعة، جدة.","vol":"1","page":477},{"text":"٩٥ - الصحيح، لابن حبان ت ٣٥٤ هـ، ترتيب علاء الدين بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، نشر مؤسسة الرسالة ت الطبعة الثانية، سنة ١٤١٤ هـ.\n٩٦ - الصحيح، لمسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، نشر إدارة البحوث بالمملكة العربية السعودية، سنة ١٤٠٠ هـ.\n٩٧ - صحيح البخاري = الجامع الصحيح.\n٩٨ - صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، لابن الصلاح ت ٦٤٣، تحقيق موفق عبدالقادر، نشر دار الغرب الإسلامي.\n٩٩ - الضعفاء الكبير، للعقيلي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر إدارة البحوث بالمملكة العربية السعودية، سنة ١٤٠٤ هـ.\n١٠٠ - الضعفاء والمتروكون، للدارقطني، تحقيق موفق عبدالقادر، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر مكتبة المعارف، الرياض.\n١٠١ - الضعفاء والمتروكين، للنسائي، تحقيق محمود زايد، نشر دار الوعي، حلب.\n١٠٢ - طبقات الحنابلة، للقاضي أبي يعلى، نشر دار المعرفة، بيروت.\n١٠٣ - الطبقات الكبرى، لابن سعد، نشر دار صادر، بيروت، وجزء منه، وهو (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم)، تحقيق زياد منصور، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\n١٠٤ - طبقات خليفة بن خياط، تحقيق أكرم العمري، نشر جامعة بغداد.\n١٠٥ - العدة في أصول الفقه، لأبي يعلى الحنبلي، ت ٤٥٨، تحقيق أحم مسير، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٠ هـ.","vol":"1","page":478},{"text":"١٠٦ - العلل، لعلي بن المديني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي.\n١٠٧ - علل الحديث، لابن أبي حاتم، نشر مكتبة المثنى، بغداد.\n١٠٨ - العلل الكبير، للترمذي، تحقيق حمزة مصطفى، نشر مكتبة الأقصى، عمان، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n١٠٩ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، تحقيق إرشاد الحق الأثري، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ، نشر إدارة العلوم الأثرية، باكستان.\n١١٠ - علل المروذي، العلل ومعرفة الرجال.\n١١١ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن السلفي، نشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى، سنة ١٤٠٥ هـ.\n١١٢ - العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد، رواية ابنه عبدالله، تحقيق وصي اللَّه عباس، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١١٣ - العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد، رواية المروذي، تحقيق وصي اله عباس، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ، نشر الدار السلفية، الهند.\n١١٤ - عمارة القبور، لعبدالرحمن المعلمي، أعدها للنشر ماجد الزيادي، نشر المكتبة المكية، مكة المكرمة، سنة ١٤١٨ هـ.\n١١٥ - عمدة القاري، شرح صحيح البخاري، للعيني ت ٨٥٥، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١١٦ - عمل اليوم والليلة، لابن السني، تحقيق عبدالقادر عطا، نشر دار المعرفة، بيروت ١٣٩٩ هـ.\n١١٧ - عمل اليوم والليلة، للنسائي، تحقيق فاروق حمادة، الطبعة الثانية","vol":"1","page":479},{"text":"١٤٠٦ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١١٨ - غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأسانيد المقطوعة، لرشيد الدين العطار، تحقيق سعيد الحميد، الطبعة الأولى، ١٤٢١ هـ، نشر مكتبة المعارف، الرياض.\n١١٩ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.\n١٢٠ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب، تحقيق جماعة من المحققين، نشر مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، الطبعة الأولى،\n١٤١٧ هـ.\n١٢١ - فتح المغيث شرح ألفية الحديثن للسخاوي، تحقيق علي حسين، نشر الجامعة السلفية، بنارس، الهند، الطبعة الأولى،\nسنة ١٤٠٩ هـ.\n١٢٢ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٢٣ - الكفاية في علم الراوية، للخطيب البغدادي ت ٤٦٣ هـ، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى، ١٣٥٧ هـ.\n١٢٤ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، الطبعة الأولى، ١٣٢٩ هـ، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.\n١٢٥ - المجموع شرح المهذب، للنووي، تحقيق محمد نجيب المطيعي، توزيع المكتبة العلامية، القاهرة.\n١٢٦ - مجموعة الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.","vol":"1","page":480},{"text":"١٢٧ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي، تحقيق محمد عجاج الخطيب، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة، سنة ١٤٠٤ هـ.\n١٢٨ - المحلى، لابن حزم الظاهري، تصحيح زيدان حسن، نشر مكتبة الجمهورية العربية، القاهرة.\n١٢٩ - مختصر المزني، نشر دار المعرفة، بيروت.\n١٣٠ - مختصر سنن أبي داود للمنذري تحقيق أحمد شاكر، وحامد الفقي، نشر دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٣١ - المدخل إلى الإكليل، للحاكم ت ٤٠٥ هـ، طبع ضمن (مجموعة الرسائل الكماليةفي الحديث ٢) باسم: المدخل إلى الصحيح، نشر مكتبة المعارف، الطائف.\n١٣٢ - المدخل في اصول الحديث، للحاكم، طبع ضمن الرسائل الكمالية في الحديث، المجموعة الثانية، نشر مكتبة المعارف، الطائف.\n١٣٣ - المراسيل، لابن أبي حاتم، تحقيق شكر اللَّه قووجاني، الطبعة الأولى، ١٣٩٧ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٣٤ - المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس، لحاتم العوني، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ، نشر دار الهجرة، الرياض.\n١٣٥ - مسائل أحمد، رواية أبي داود السجستاني، تحقيق طارق عوض اللَّه، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ، نشر مكتبة ابن تيمية.\n١٣٦ - مسائل أحمد، رواية إسحاق بن هانئ، تحقيق زهير الشاويش، نشر المكتب الإسلامي.\n١٣٧ - مستخرج أبي عوانة = مسند أبي عوانة.\n١٣٨ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية،","vol":"1","page":481},{"text":"حلب.\n١٣٩ - المسند، لأبي بكر البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، نشر مؤسسة علوم القرآن، بيروت، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n١٤٠ - المسند، لأبي بكر الحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر عالم الكتب، بيروت.\n١٤١ - المسند، لأبي داود الطيالسي، نشر دار المعرفة، بيروت.\n١٤٢ - المسند، لأبي يعلى الموصلي، تحقيق حسين أسد، نشر دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت الطبعة الأولى، سنة ١٤١٢ هـ.\n١٤٣ - المسند، للإمام أحمد، نشر المكتب الإسلامي، ودار صادر، بيروت.\n١٤٤ - مسند ابن الجعد = الجعديات.\n١٤٥ - مسند إسحاق بن راهويه، تحقيق عبدالغفور البلوشي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، نشر مكتبة الإيمان، المدينة النبوية.\n١٤٦ - مسند الهيثم بن كليب الشاشي، تحقيق محفوظ الرحمن زين اللَّه، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية.\n١٤٧ - مسندي أبي عوانة، الطبعة الأولى، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.\n١٤٨ - مشاهير علماء الأمصار، لابن حبان البستي، تحقيق المستشرق فلايشمهر، نشر دار الكتب العمية، بيروت.\n١٤٩ - مصباح الزجاج في زائد ابن حاجة، للبوصيري، تحقيق مرسي محمد علي، وعزت عطية نشر دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n١٥٠ - المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق عبدالخالص الأفغاني وآخرين، نشر","vol":"1","page":482},{"text":"الدار السلفية، الهند، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٣ هـ.\n١٥١ - المصنف، لعبدالرزاق، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر المجلس العلمي، كراتشي، الطبعة الثانية، سنة ١٤٠٣ هـ.\n١٥٢ - معجم الشيوخ، للصيداوي، تحقيق عمر تدرمي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر مؤسسة مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٥٣ - المعجم الصغير، للطبراني، تحقيق محمد شكور، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٥٤ - المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ، مطبعة الوطن العربي، بغداد.\n١٥٥ - المعجم الوسيط، للطبراني ت ٣٦٠، تحقيق طارق بن عوض اللَّه، وعبدالمحسن الحسيني، نشر دار الحرمين، القاهرة، سنة ١٤١٥ هـ.\n١٥٦ - المعرب من الكلام الأعجمي، للجواليقي، تحقيق أحمد شاكر، الطبعة الثانية ١٣٨٩ هـ، نشر دار الكتب، القاهرة.\n١٥٧ - معرفة الثقات، للعجلي، تحقيق عبدالعليم البستوي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر مكتبة الدار، المدينة المنورة.\n١٥٨ - معرفة الرجال، ليحيى بن معين، تحقيق محمد كامل نصار،\nسنة ١٤٠٥ هـ.\n١٥٩ - معرفة السنن والآثار، للبيهقي، تحقيق سيد كسروي حسن، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٠ - معرفة القراء الكبار، للذهبي، تتحقيق بشار عواد وآخرين، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٦١ - معرفة علوم الحديث، للحاكم، تحقيق معظم حسين، الطبعة الثانية،","vol":"1","page":483},{"text":"١٣٩٧ هـ، نشر المكتب التجاري، بيروت.\n١٦٢ - المعرفة والتاريخ، للففسوي، تحقيق أكرم العمري، الطبعة الثانية، ١٤٠١ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٦٣ - المقدمة، لابن الصلاح، تحقيق عائشة عبدالرحمن، نشر الهيئة المصرية للكتاب ١٣٩٤ هـ.\n١٦٤ - من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال، رواية أبي خالد، يزيد ابن الهيثم الدقاق، تحقيق نور سيف، نشر دار المأمون للتراث، دمشق، بيروت.\n١٦٥ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن قيم الجوزية، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب.\n١٦٦ - المنتخب من علل الخلال، لابن قدامة المقدسي، تحقيق طارق عوض اللَّه، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ، نشر دار الراية، الرياض.\n١٦٧ - المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق مصطفى العدوي، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر دار الأرقم، الكويت.\n١٦٨ - المنتقى، لابن الجارود، نشر حديث أكاديمي، فيصل آباد، باكستان.\n١٦٩ - الموضوعات، لابن الجوزي، تحقيق عبدالرحمن عثمان، الطبعة الأولى، سنة ١٣٨٨ هـ، نشر المكتبة السلفية، المدينة النبوية.\n١٧٠ - الموطأ، للإمام مالك، رواية يحيى بن يحيى، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٧١ - الموقظة في مصطلح الحديث نللذهبي، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية حلب.","vol":"1","page":484},{"text":"١٧٢ - موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع في السند المعنعن بين المتعاصرين، لخالد الدريس، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ، نشر مكتبة الرشد، الرياض.\n١٧٣ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، تحقيق علي البجاوي، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى م ١٣٨٢ هـ.\n١٧٤ - الناسخ والمنسوخ، للنحاس، تحقيق سليمان اللاحم، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٧٥ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢، تحقيق علي حسن عبدالحميد، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثانية سنة ١٤١٤ هـ.\n١٧٦ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ، نشر دار المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٧٧ - هدي الساري = ينظر: فتح الباري لابن حجر.","vol":"1","page":485}]}