{"ً":{"ٌ":142182,"ٍ":"المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق","َ":4,"ُ":3,"ِ":{"root":"علوم الحديث/بحث المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق","files":["bmhei.pdf"]},"ّ":"الكتاب: المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق\nالمؤلف: د راوية بنت عبد الله بن علي جابر\nرسالة: دكتوراه في قسم الشريعة والدراسات الإسلاميَّة، تخصُّص الكِتَابِ والسُّنَّةِ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الملك عبد العزيز بجدة - المملكة العربية السعودية\nإشراف: د فاتن بن حسن حلواني\nالعام الجامعي: ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م\nعدد الصفحات: ٦٢٥\nالرسالة ناقشها د سعد بن عبد الله الحميد، وأثنى عليها ثناء كبيرا","ْ":"هذا الكتاب هو بحث ورسالة علمية ودراسة تحليلية موضوعية تستخدم المنهج التحليلي الاستنباطي في تحرير تعريفات اثني عشر مصطلحًا حديثيًا، هي: (الصحيح، والحسن، والضعيف، والشاذ، والمنكر، والمعلل، والأفراد، وزيادة الثقة، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع).\nويشتمل الكتاب على مقدمة، وتمهيد - بذكر نبذة عن أهم المصنفات في علوم الحديث- واثني عشر فصلًا، كل فصل منها: يُعرِّف بمصطلح من المصطلحات الاثني عشر، ويندرج تحت كل فصل ثلاثة مباحث رئيسية: الأول: ويتضمن التعريف بالمصطلح، لغة، واصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني)، والثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها، والثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nويهدف الكتاب إلى: تحرير التعريفات، واستنباط قيودها، وبيان أوجه الاتفاق أو الافتراق، وذكر الأمثلة المعزّزة لذلك، والإشارة إلى أوجه التداخل بين الأنواع والمصطلحات الحديثية، والفروق بينها، والإجابة عمّا يعرض من إشكالات أثناء تحرير هذه المصطلحات.\nوتبرز أهمية الموضوع: في تيسير علوم الحديث، بتحرير مصطلحاته وأنواعه، والتمثيل لها، مما يُعين طالب هذا العلم على فهمه، والإجابة عن بعض ما يعرض له من إشكالات وتساؤلات بخصوصه.\nوخُتم الكتاب بخاتمة ضمّت العديد من النتائج، يمكن إجمالها فيما يلي:\n- إن قيود التعريف لكل مصطلح، والمستنبطة من تعريف ابن الصلاح - في معظم فصول البحث- هي قيود أغلبية تندرج تحتها معظم التعريفات السابقة لابن الصلاح واللاحقة، مع وجود استثناءات يسيرة، قد تندرج تحت التعريف اللغوي، أو تتبع مصطلحًا خاصًا لواضعه.\n- أظهر الكتاب اتفاق أكثر التعريفات على أبرز قيود التعريف لكل مصطلح إما بالنصّ عليها في حدّ التعريف، أو تضمينها في شروطه وأقسامه، أو شواهده من الأمثلة والاستدلالات.\n- أجاب الكتاب عن عدد من الإشكالات والتساؤلات فيما يظهر من تعارض بين مسائل بعض المصطلحات.\n- دعّم الكتاب عددًا من نتائجه بالاستفادة من الأبحاث والدراسات المعاصرة، والتي: جمعت أمثلة مصطلح بعينه وتناولته بالدراسة التطبيقية، كمصطلح: الحسن، والشاذ، والمنكر، والمدرج، والمضطرب، وغيرها …\nوتضمنت خاتمة الكتاب كذلك العديد من النتائج التفصيلية لكل مصطلح بعينه، بحيث يبرز فيها أهم المعاني لكل مصطلح، والفروق بين المصطلحات، وأوجه التداخل فيما بينها.\nوتوصي المؤلفة بالاهتمام بعلوم الحديث، والسعي إلى تبسيطها وتقريبها لطلبة العلم خاصة وللناس عامة.\n- وتلخيص مناقشات وتساؤلات علماء الحديث واستدراكاتهم أثناء تقعيد المصطلحات، وتوجيه النظر إلى ما تحمله تلك المناقشات من إثارة لكوامن الفكر، وإثراء لمهارات التفكير.\nهذا والحمد لله رب العالمين.","ٓ":"1.0","ٔ":2962,"ٕ":10,"ٖ":1770156195,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":10},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":12},{"title":"أسباب اختياره","level":2,"page":13},{"title":"مصطلحات البحث","level":2,"page":13},{"title":"أهداف البحث","level":2,"page":14},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":14},{"title":"حدود البحث","level":2,"page":16},{"title":"مخطط البحث","level":2,"page":17},{"title":"منهج البحث","level":2,"page":20},{"title":"إجراءات البحث","level":2,"page":20},{"title":"تمهيد","level":1,"page":23},{"title":"نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه","level":2,"page":23},{"title":"الفصل الأول: الحديث الصحيح","level":1,"page":40},{"title":"المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحا","level":2,"page":41},{"title":"المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة","level":3,"page":41},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحا","level":3,"page":41},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":49},{"title":"قيود الصحيح عند ابن الصلاح","level":3,"page":50},{"title":"القيد الأول: اتصال السند","level":4,"page":50},{"title":"القيد الثاني: العدالة","level":4,"page":58},{"title":"القيد الثالث: الضبط","level":4,"page":64},{"title":"القيد الرابع: السلامة من الشذوذ","level":4,"page":71},{"title":"القيد الخامس: السلامة من العلة","level":4,"page":83},{"title":"القيد السادس: اشتراط كونه مسندا","level":4,"page":92},{"title":"الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح","level":3,"page":98},{"title":"قيد نفي التدليس","level":4,"page":98},{"title":"قيد الشهرة في الطلب","level":4,"page":104},{"title":"قيد اشتراط العدد","level":4,"page":114},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":132},{"title":"الفصل الثاني: الحديث الحسن","level":1,"page":136},{"title":"المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحا","level":2,"page":137},{"title":"المطلب الأول: تعريف الحسن لغة","level":3,"page":137},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحا","level":3,"page":137},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":152},{"title":"القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة","level":3,"page":155},{"title":"القيد الثاني: قيد الستر للراوي","level":3,"page":167},{"title":"القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة","level":3,"page":177},{"title":"القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة","level":3,"page":197},{"title":"القيد الخامس: قيد السلامة من العلة","level":3,"page":209},{"title":"من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح","level":3,"page":216},{"title":"قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن","level":4,"page":216},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":221},{"title":"الفصل الثالث: الحديث الضعيف","level":1,"page":228},{"title":"المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحا","level":2,"page":229},{"title":"المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة","level":3,"page":229},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحا","level":3,"page":229},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":233},{"title":"أسباب ضعف الحديث","level":3,"page":238},{"title":"السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال","level":4,"page":238},{"title":"السبب الثاني: الطعن في عدالة الرواة أو أحدهم","level":4,"page":248},{"title":"السبب الثالث: الطعن في ضبط الرواة أو أحدهم","level":4,"page":256},{"title":"السبب الرابع: انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار","level":4,"page":264},{"title":"السبب الخامس: الشذوذ المردود","level":4,"page":268},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":275},{"title":"الفصل الرابع: الحديث الشاذ","level":1,"page":281},{"title":"المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحا","level":2,"page":282},{"title":"المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة","level":3,"page":282},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحا","level":3,"page":282},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":290},{"title":"قيود الشاذ عند ابن الصلاح","level":3,"page":292},{"title":"القيد الأول: المخالفة","level":4,"page":293},{"title":"القيد الثاني: التفرد","level":4,"page":304},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات","level":2,"page":322},{"title":"الفصل الخامس: الحديث المنكر","level":1,"page":326},{"title":"المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحا","level":2,"page":327},{"title":"المطلب الأول: تعريف المنكر لغة","level":3,"page":327},{"title":"المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحا","level":3,"page":327},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":336},{"title":"قيود المنكر عند ابن الصلاح","level":3,"page":336},{"title":"القيد الأول: التفرد","level":4,"page":336},{"title":"القيد الثاني: المخالفة","level":4,"page":346},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات","level":2,"page":355},{"title":"الفصل السادس: الأفراد","level":1,"page":359},{"title":"المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحا","level":2,"page":360},{"title":"المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة","level":3,"page":360},{"title":"المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحا","level":3,"page":360},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":368},{"title":"المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي","level":3,"page":369},{"title":"المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب","level":3,"page":378},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":383},{"title":"الفصل السابع: زيادة الثقة","level":1,"page":386},{"title":"المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحا","level":2,"page":387},{"title":"المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة","level":3,"page":387},{"title":"المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحا","level":3,"page":387},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":395},{"title":"القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقة","level":3,"page":396},{"title":"القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه","level":3,"page":399},{"title":"القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر","level":3,"page":401},{"title":"الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند","level":3,"page":404},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":413},{"title":"الفصل الثامن: الحديث المعلل","level":1,"page":418},{"title":"المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحا","level":2,"page":419},{"title":"المطلب الأول: تعريف المعلل لغة","level":3,"page":419},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":421},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":424},{"title":"قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح","level":3,"page":424},{"title":"القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفية","level":4,"page":425},{"title":"القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث","level":4,"page":436},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":446},{"title":"الفصل التاسع: الحديث المضطرب","level":1,"page":451},{"title":"المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحا","level":2,"page":452},{"title":"المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة","level":3,"page":452},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":452},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":458},{"title":"قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح","level":3,"page":459},{"title":"القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد","level":4,"page":459},{"title":"القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف","level":4,"page":466},{"title":"مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند","level":3,"page":472},{"title":"مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب","level":3,"page":474},{"title":"حكم الحديث المضطرب","level":3,"page":477},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":478},{"title":"الفصل العاشر: الحديث المدرج","level":1,"page":486},{"title":"المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحا","level":2,"page":487},{"title":"المطلب الأول: تعريف المدرج لغة","level":3,"page":487},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":487},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":493},{"title":"قيود الحديث المدرج","level":3,"page":494},{"title":"القيد الأول: أن يدخل في الخبر ما ليس منه","level":4,"page":495},{"title":"القيد الثاني: ألا يفصل بين أصل الخبر وما أدخل فيه بفاصل يميزه","level":4,"page":508},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":512},{"title":"الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب","level":1,"page":518},{"title":"المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحا","level":2,"page":519},{"title":"المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة","level":3,"page":519},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":519},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":527},{"title":"قيود الحديث المقلوب","level":3,"page":528},{"title":"قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه","level":4,"page":528},{"title":"أقسام الحديث المقلوب","level":3,"page":530},{"title":"أسباب القلب في الحديث سندا أو متنا","level":3,"page":531},{"title":"سبب يخص وقوع القلب في المتن","level":3,"page":539},{"title":"حكم الحديث المقلوب","level":3,"page":539},{"title":"طرق معرفة الحديث المقلوب","level":3,"page":540},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":541},{"title":"الفصل الثاني عشر: الموضوع","level":1,"page":544},{"title":"المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحا","level":2,"page":545},{"title":"المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة","level":3,"page":545},{"title":"المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحا","level":3,"page":545},{"title":"المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها","level":2,"page":551},{"title":"قيود الموضوع عند ابن الصلاح","level":3,"page":552},{"title":"قيد: الاختلاق والصنع","level":4,"page":552},{"title":"طرق معرفة الموضوع","level":3,"page":556},{"title":"أسباب الوضع في الحديث","level":3,"page":561},{"title":"حكم الموضوع، وروايته","level":3,"page":565},{"title":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف","level":2,"page":570},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":573},{"title":"النتائج العامة لهذا البحث","level":2,"page":573},{"title":"النتائج التفصيلية","level":2,"page":574},{"title":"توصيات البحث","level":2,"page":585},{"title":"قائمة المصادر والمراجع","level":1,"page":589}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":7,"1,7":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,174":168,"1,175":169,"1,176":170,"1,177":171,"1,178":172,"1,179":173,"1,180":174,"1,181":175,"1,182":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,514":508,"1,515":509,"1,516":510,"1,517":511,"1,518":512,"1,519":513,"1,520":514,"1,521":515,"1,522":516,"1,523":517,"1,524":518,"1,525":519,"1,526":520,"1,527":521,"1,528":522,"1,529":523,"1,530":524,"1,531":525,"1,532":526,"1,533":527,"1,534":528,"1,535":529,"1,536":530,"1,537":531,"1,538":532,"1,539":533,"1,540":534,"1,541":535,"1,542":536,"1,543":537,"1,544":538,"1,545":539,"1,546":540,"1,547":541,"1,548":542,"1,549":543,"1,550":544,"1,551":545,"1,552":546,"1,553":547,"1,554":548,"1,555":549,"1,556":550,"1,557":551,"1,558":552,"1,559":553,"1,560":554,"1,561":555,"1,562":556,"1,563":557,"1,564":558,"1,565":559,"1,566":560,"1,567":561,"1,568":562,"1,569":563,"1,570":564,"1,571":565,"1,572":566,"1,573":567,"1,574":568,"1,575":569,"1,576":570,"1,577":571,"1,578":572,"1,579":573,"1,580":574,"1,581":575,"1,582":576,"1,583":577,"1,584":578,"1,585":579,"1,586":580,"1,587":581,"1,588":582,"1,589":583,"1,590":584,"1,591":585,"1,592":586,"1,593":587,"1,594":588,"1,610":589,"1,611":590,"1,612":591,"1,613":592,"1,614":593,"1,615":594,"1,616":595,"1,617":596,"1,618":597,"1,619":598,"1,620":599,"1,621":600,"1,622":601,"1,623":602,"1,624":603,"1,625":604},"ٜ":{"1":[1,625]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4",null,null,"1,5",null,"1,7","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625"],"ٞ":{"10":[1],"12":[2],"13":[3,4],"14":[5,6],"16":[7],"17":[8],"20":[9,10],"23":[11,12],"40":[13],"41":[14,15,16],"49":[17],"50":[18,19],"58":[20],"64":[21],"71":[22],"83":[23],"92":[24],"98":[25,26],"104":[27],"114":[28],"132":[29],"136":[30],"137":[31,32,33],"152":[34],"155":[35],"167":[36],"177":[37],"197":[38],"209":[39],"216":[40,41],"221":[42],"228":[43],"229":[44,45,46],"233":[47],"238":[48,49],"248":[50],"256":[51],"264":[52],"268":[53],"275":[54],"281":[55],"282":[56,57,58],"290":[59],"292":[60],"293":[61],"304":[62],"322":[63],"326":[64],"327":[65,66,67],"336":[68,69,70],"346":[71],"355":[72],"359":[73],"360":[74,75,76],"368":[77],"369":[78],"378":[79],"383":[80],"386":[81],"387":[82,83,84],"395":[85],"396":[86],"399":[87],"401":[88],"404":[89],"413":[90],"418":[91],"419":[92,93],"421":[94],"424":[95,96],"425":[97],"436":[98],"446":[99],"451":[100],"452":[101,102,103],"458":[104],"459":[105,106],"466":[107],"472":[108],"474":[109],"477":[110],"478":[111],"486":[112],"487":[113,114,115],"493":[116],"494":[117],"495":[118],"508":[119],"512":[120],"518":[121],"519":[122,123,124],"527":[125],"528":[126,127],"530":[128],"531":[129],"539":[130,131],"540":[132],"541":[133],"544":[134],"545":[135,136,137],"551":[138],"552":[139,140],"556":[141],"561":[142],"565":[143],"570":[144],"573":[145,146],"574":[147],"585":[148],"589":[149]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق\nدراسة تحليلية موضوعية\n\nتأليف:\nد. راوية بنت عبد الله علي جابر","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"صورة من إجازة الكتاب علميًا لنيل درجة الدكتوراه","vol":"1","page":3},{"text":"المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق\nدراسة تحليلية موضوعية\nالقسم الأول\n\nإعداد الدكتورة:\nراوية بنت عبدالله علي جابر\n\nبحث مقدَّم لنيل درجة الدكتوراه في قسم الشريعة والدراسات الإسلاميَّة،\nتخصُّص الكِتَابِ والسُّنَّةِ\n\nإشراف:\nالأستاذة الدكتورة فاتن بنت حسن بن عبدالرحمن حلواني\n\nكلية الآداب والعلوم الإنسانية\nجامعة الملك عبد العزيز\nجدة - المملكة العربية السعودية\nذو الحجة ١٤٣٩ هـ - أغسطس ٢٠١٨ م","vol":"1","page":4},{"text":"-[شكر وتقدير]-\nأحمد اللَّه ﷿ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشكره أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا على ما منّ به عليّ من إتمام هذه الرسالة، وأتقدّم بوافر الشكر، وعظيم الامتنان لوالديّ الكريمين، فقد أغدقا عليّ وعلى أولادي بالرعاية والعناية، فتمكنتُ بعد فضل الله - ﷿ -، وجميل معاونتهما من إتمام هذه الرسالة، سائلة ربي أن يحفظهما، ويرزقني برِّهما، وجميل صحبتهما.\nوإلى من بعثه الله في أحلك ظروف البحث؛ ليكون نعم الصاحب والرفيق، إلى زوجي الفاضل الشيخ سيف بن علي جابر، شكر الله لك حسن صحبتك.\nوإلى نافذة المستقبل وثمرة الفؤاد، إلى من عاصروا يوميّات هذا البحث، وتعايشوا معه، أولادي أشكر لكم مساندتكم وتشجيعكم.\nوإلى من حباها الله علمًا وحلمًا، ووسع بالها مرافقتي بين سطور هذا البحث وكلماته، فأعانت، وسدّدت، وصبرت، وشجّعت، إلى مشرفتي الفاضلة: الأستاذة الدكتورة: فاتن بنت حسن حلواني، حفظها الله، وبارك فيها وفي علمها، ونفع بها الإسلام والمسلمين، لكِ مني مشرفتي كل شكر وتقدير.\nوإلى من تفضَّل عليّ باقتراح موضوع البحث، وشجعني على خوض غماره، الشيخ الفاضل والأستاذ القدير، الدكتور: محمد فال الشنقيطي، شكر الله لكم ما قدّمتموه، وجزاكم خير الجزاء، وأوفره.\nوأختم بشكر كل من سيتكرّم ويتفضّل بقراءة رسالتي، وتقويمها، وإرشادي إلى مواطن الزلل؛ لتعديلها وتصويبها، فشكر الله للجميع ما قدموه، وجعله في ميزان حسناتهم.","vol":"1","page":null},{"text":"المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق\n(دراسة تحليلية موضوعية)\n\nد. راوية بنت عبدالله علي جابر\n\n-[المستخلص]-\nالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد - ﷺ - وبعد، فإن هذا البحث يستخدم المنهج التحليلي الاستنباطي في تحرير تعريفات اثني عشر مصطلحًا حديثيًا، هي: (الصحيح، والحسن، والضعيف، والشاذ، والمنكر، والمعلل، والأفراد، وزيادة الثقة، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع).\nويشتمل على مقدمة، وتمهيد - بذكر نبذة عن أهم المصنفات في علوم الحديث- واثني عشر فصلًا، كل فصل منها: يُعرِّف بمصطلح من المصطلحات الاثني عشر، ويندرج تحت كل فصل ثلاثة مباحث رئيسية: الأول: ويتضمن التعريف بالمصطلح، لغة، واصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني)، والثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها، والثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nويهدف البحث إلى: تحرير التعريفات، واستنباط قيودها، وبيان أوجه الاتفاق أو الافتراق، وذكر الأمثلة المعزّزة لذلك، والإشارة إلى أوجه التداخل بين الأنواع والمصطلحات الحديثية، والفروق بينها، والإجابة عمّا يعرض من إشكالات أثناء تحرير هذه المصطلحات.\nوتبرز أهمية الموضوع: في تيسير علوم الحديث، بتحرير مصطلحاته وأنواعه، والتمثيل لها، مما يُعين طالب هذا العلم على فهمه، والإجابة عن بعض ما يعرض له من إشكالات وتساؤلات بخصوصه.\nوخُتم البحث بخاتمة ضمّت العديد من النتائج، يمكن إجمالها فيما يلي:\n- إن قيود التعريف لكل مصطلح، والمستنبطة من تعريف ابن الصلاح - في معظم فصول البحث- هي قيود أغلبية تندرج تحتها معظم التعريفات السابقة لابن الصلاح واللاحقة، مع وجود استثناءات يسيرة، قد تندرج تحت التعريف اللغوي، أو تتبع مصطلحًا خاصًا لواضعه.\n- أظهر البحث اتفاق أكثر التعريفات على أبرز قيود التعريف لكل مصطلح إما بالنصّ عليها في حدّ التعريف، أو تضمينها في شروطه وأقسامه، أو شواهده من الأمثلة والاستدلالات.","vol":"1","page":null},{"text":"- أجاب البحث عن عدد من الإشكالات والتساؤلات فيما يظهر من تعارض بين مسائل بعض المصطلحات.\n- دعّم البحث عددًا من نتائجه بالاستفادة من الأبحاث والدراسات المعاصرة، والتي: جمعت أمثلة مصطلح بعينه وتناولته بالدراسة التطبيقية، كمصطلح: الحسن، والشاذ، والمنكر، والمدرج، والمضطرب، وغيرها ...\nوتضمنت خاتمة البحث كذلك العديد من النتائج التفصيلية لكل مصطلح بعينه، بحيث يبرز فيها أهم المعاني لكل مصطلح، والفروق بين المصطلحات، وأوجه التداخل فيما بينها.\nوتوصي الباحثة بالاهتمام بعلوم الحديث، والسعي إلى تبسيطها وتقريبها لطلبة العلم خاصة وللناس عامة.\n- وتلخيص مناقشات وتساؤلات علماء الحديث واستدراكاتهم أثناء تقعيد المصطلحات، وتوجيه النظر إلى ما تحمله تلك المناقشات من إثارة لكوامن الفكر، وإثراء لمهارات التفكير.\nهذا والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":5},{"text":"Tradition (Hadith) terms between agreement and separation\n\n(Analytical objective study)\n\nRawiah Abdullah Ali Jaber\n\n-[Abstract]-\nPraise be to Allah، peace and blessings be upon Allah's Prophet Muhammad. This research uses the deductive analytical methodology in editing the twleve hadith terminology definitions. Which are: (Saheeh (sound)، Hasan (good)، Daeef (weak)، Shaz (Isolated)،Munkar (denounced)، Muallal (defected)، Afrad (singular narrations)، Ziadatu Thiqah (addition by a reliable reporter)، Mutarib (Perplexed)، Mudraj (interpolated)، Maqloob (Turned)، Maudu` (fabricated or forged».\nThe research includes an introduction، a preface - with a brief description of the most important books in the science of Hadith - and twelve chapters. Each chapter is defined as one of the twelve terminologies. In addition، each chapter contains three main topics. The first: includes the terminology's definition، lingual definition and terminology definition (in chronological order). The second: editing definitions with their examples. The third: edited definition's summary.\nThe research aims to edit definitions، derive limitations، indicate agreement or divergence، provide examples which confirm that، indicate overlaps between Hadith terminologies and the types، and answer the problems posed while editing these terminologies.\nThe importance of the topic is highlighted in facilitating Hadith science by editing its terminologies and types، and representing it، which helps Hadith science student to understand this science and to answer some of the problems and questions that are posed to him.\nThe research's conclusion included many results، which can be summarized as follows:\nThe limitations of each term's definition which are derived from Ibn AlSalah's definition in most of the chapters of the research، are limitations of the majority in which most of the previous and later","vol":"1","page":null},{"text":"definitions of Ibn AlSalah's fall under it. There are minor exceptions which may fall under the lingual definition، or follow an author's special term.\nThe research shows that most definitions agreed on the prominent defintion's limitations of each term either by referring to it in the definition، or including it in the conditions and sections، or its evedince of examples and inferences. The research answers a number of problems and questions in the apparent contradiction between some of the terminologies issues.\nThe research includes examples of each definition's limitations، and supports some of the terminologies such as Hasan (good)، Shaz (isolated)، Munkar (denounced)، Mudraj (interpolated)، Mutarib (perplexed) and others ...\nAlso، the conclusion of the research included several detailed results for each particular term، highlighting the most important meanings of each term، and the differences between the terms and the overlapping between them.\nThe researcher recommends to take care of Hadith sciences، and to seek to simplify it and bring it closer especially to students and generally to the public. Also، to summarize the discussions and questions of Hadith scholars and their perceptions during devloping terminology rules، and to draw attention to what these discussions carry for stirring hidden thoughts، and enriching thinking skills.\nPraise be to Allah، Lord of the worlds","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين.\nأما بعد:\nفلا يخفى على ذي لبٍّ وبصيرة ما للسنة النبوية من مكانة عظيمة في التشريع الإسلامي؛ لذا أولاها علماؤنا الأجلاء عنايةً فائقةً، فحفظوا متونها وأسانيدها، واحتاطوا في نقلها وتمحيصها، وتوالت الأجيال على ذلك، وبرز جُلّة من العلماء والحفاظ فوضعوا قواعد وأصول تقرّب إلى الأفهام جهود السلف الصالح في نقد مرويات السنة وتمحيصها، فنتج ما يُعرف بمصطلح (١) الحديث.\nوعلم مصطلح الحديث كغيره من فنون العلم، كانت بدايته مُجملةً ومنثورةً في كتب علوم الشريعة ثم أُفرِد أبوابٌ منه في تصانيف مستقلِّة، وتوالى التصنيف جمعًا لأبوابه، وتحريرًا لمسائله، وضبطًا لقواعده حتى استوى كعلمٍ مُستقِلٍّ.\nويُعدُّ كتاب ابن الصلاح (٢) في علوم الحديث عمدةً في ذلك حيث\n_________\n(١) معنى كلمة المصطلح: \"ما جعله أهل فنٍّ أو عُرفٍ من الألفاظ خاصًا لمعنىً مرادٍ عندهم. مثل: الصحيح والحسن والمجهول والمدلس وغيرها من الاصطلاحات عند المحدثين.\" الليث الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث وعلومه، ١٤٥.\n(٢) تقي الدين عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوريّ، أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح، أحد الفضلاء المقدمين في التفسير والحديث والفقه وأسماء الرجال، من مصنفاته: (علوم الحديث، ويعرف بمقدمة ابن الصلاح) و(معرفة المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال)، وغيرها. مات سنة ٦٤٣ هـ. ينظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ٢٣/ ١٤٠، ابن العماد، شذرات الذهب ٧/ ٣٨٣، كحالة، معجم المؤلفين، ٢/ ٣١٦ (٨٨٥٠).","vol":"1","page":16},{"text":"وصفه ابن حجر (١) بقوله: \"اجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر\" (٢)، وقد ذكر فيه مؤلفه - ﵀- خمسةً وستين نوعًا من أنواع علوم الحديث، وأشار إلى أنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى. (٣)\nولم تسلم هذه الأنواع المتعددة من وقوع التداخل بين معانيها، والمراد بها، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير (٤) - في مختصره على كتاب ابن الصلاح- فقال: \"في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر؛ إذ يمكن إدماج بعضها في بعض، وكان أليق مما ذكره. ثم إنه فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوعٍ إلى جانب ما يناسبه\" (٥).\nوقد كان للزركشي (٦) - وتبعه أيضًا ابن حجر- رأي في هذا التنويع فأجابا عن ذلك بقولهما: \"اُعترض عليه بأن كثيرًا من هذه الأنواع متداخل، لصدق رجوع\nبعضها إلى بعض: كالمتصل بالنسبة إلى الصحيح، وكالمنقطع، والمعضل، والمعنعن، والمرسل،\n_________\n(١) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حَجَر: من أئمة العلم والتاريخ. له مصنفات كثيرة منها: (فتح الباري بشرح صحيح البخاري) و(نخبة الفكر) و(الإصابة في تمييز الصحابة)، وغيرها. مات سنة ٨٥٢ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات،٩/ ٣٩٥، الزِرِكْلي، الأعلام، ط ١٥، ١/ ١٧٨. كحالة، المؤلفين، ١/ ٢١٠ (١٥٥٢).\n(٢) ابن حجر، نزهة النظر، ٣٤.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١.\n(٤) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي الدمشقيّ، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ فقيه. من تصانيفه: (اختصار علوم الحديث) و(جامع المسانيد)، و(البداية والنهاية). مات سنة ٧٧٤ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٣٤ (١١٦١)، ابن العماد، الشذرات، ١/ ٦٧، الزركلي، الأعلام، ١/ ٣٢٠.\n(٥) ابن كثير، اختصار علوم الحديث، تحقيق: فيصل يوسف العلي، ٢٧.\n(٦) محمد بن بهادر بن عبدالله الزركشي، أبو عبدالله المصري الشافعي، الإمام بدر الدين، العلامة، المُصنِّف، المُحرِّر، عالم بفقه الشافعية والأصول، من مصنفاته: (البرهان في علوم القرآن)، (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (التذكرة في الأحاديث المشتهرة). مات سنة ٧٩٤ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات، الزركلي، الأعلام، ٦/ ٦٠، كحالة، المؤلفين، ٣/ ١٧٤ (١٢٤٧٤).","vol":"1","page":17},{"text":"والشاذ، والمنكر، والمضطرب وغيرها من أقسام الضعف. والجواب عن هذا: أن المصنف لما كان في مقام تعريف الجزئيات انتفى التداخل؛ لاختلاف حقائقها في أنفسها بالنسبة إلى الاصطلاح، وإن كانت قد ترجع إلى قدر مشترك\" (١).\nوقد تركوا ﵏ في تحريراتهم ونكاتهم (٢) وشروحهم ومختصراتهم دررًا متناثرة حريٌّ بطالب العلم أن يجمعها، ويضم المتشابه منها، ويُعلِّل التباين إن وجد، فأحببت أن أسلك هذا الطريق، وأحرِّر تلك التعريفات ضمن سياق الاتفاق والافتراق حول أبرز قيود التعريف لكل مصطلح.\nفبعد استخارة للمولى ﷿، واستشارة لأهل الاختصاص- اخترت موضوع رسالة الدكتوراه في مسار الكتاب والسنة في تحرير اثني عشر مصطلحًا حديثيًا، من أبرز ما أورده ابن الصلاح في كتابه (علوم الحديث)، ودراستها دراسة تحليلية موضوعية تحت عنوان (المصطلحات الحديثية بين الاتفاق والافتراق). (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>أهمية الموضوع:</span>\n- المساهمة في تيسير علوم الحديث، وتحرير مصطلحاته وأنواعه؛ لارتباطه بالسنّة الشريفة، وتمييز صحيحها من سقيمها.\n- تحرير المصطلحات والأنواع الحديثية ومحل النزاع فيها - إن وُجِد- والتمثيل لها يعين على فهمها، والإجابة عن بعض إشكالات وتساؤلات طلاب هذا العلم.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت على كتاب ابن الصلاح، ١/ ٢٣٢. نص العبارة المنقولة لابن حجر، وتتشابه إلى حد كبير مع ما ذكره الزركشي. ينظر: الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، ١/ ٥٦ - ٥٧.\n(٢) \"النكتة: هي مسألة لطيفة أخرجت بدقة نظر وإمعان، من: نكت رمحه بأرض، إذا أثر فيها، وسُمِّيت المسألة الدقيقة: نكتة؛ لتأثير الخواطر في استنباطها.\" الجرجاني، التعريفات، ٢٤٦.\n(٣) أتبعت العنوان بعبارة: القسم الأول، لأنني تناولت في الدراسة اثني عشر مصطلحًا فقط، فلعل أحدًا من الباحثين يرغب في سلوك هذا النهج، ويختار عددًا آخر من المصطلحات لدراستها.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>أسباب اختياره:</span>\n- الجِدَّة في طريقة عرض الموضوع، وكونه - حسب اطلاعي- لم يُسبق بالدراسة الأكاديمية على هذه الكيفية. (١)\n- بناء شخصية الباحثة العلمية، خاصة وأن تحرير محل النزاع في الأنواع والمصطلحات تشحذ الذهن، وتدرّبه على الاستنباط.\n- الرغبة في خوض غمار هذا العلم، وفهم المراد بمصطلحاته، والاطلاع على بعض دقائقه؛ لكونه جزءًا مهمًا من تخصص الباحثة، ولتحوز قدرًا من التمكّن العلمي؛ لأداء رسالتها الأكاديمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>مصطلحات البحث:</span>\n- المصطلحات الحديثية: يراد بها التعريف بحدود المصطلح الحديثي وقيوده عند علماء الحديث، وعددها اثني عشر مصطلحًا مذكورةً في حدود البحث.\n- الاتفاق: بيان القيود التي اجتمعوا عليها في حدود تعريف المصطلح سواء صرّحوا بذات الألفاظ أو بمعناها، أو دلّ صنيعهم عليها، وتوضيح مرادهم من هذا القيد.\n- الافتراق: بيان القيود التي اختلفوا في إدراجها ضمن حدود تعريف المصطلح أو في المراد بها، وهل كان الاختلاف من باب التنوّع في العبارة مع الاتفاق في المعنى؟ أو من باب اختلاف التضاد لفظًا ومعنىً؟\nاسئلة البحث:\nيجيب البحث عن التساؤلات الآتية:\n- ما مدى اتفاق علماء المصطلح واختلافهم في تعريف الأنواع والمصطلحات الحديثية؟\n_________\n(١) لا يعني ذلك أنني لم اُسبق بتحرير مسائل هذا العلم، بل أرجو أن يكون بحثي حلقة في سلسلة من سبقني، ومن سيلحقني في تحرير مصطلحات هذا العلم.","vol":"1","page":19},{"text":"- ما مدى التداخل بين الأنواع الحديثية، وهل هناك أمثلة على ذلك؟\n- ما مدى انطباق الأمثلة المذكورة للنوع أو المصطلح الحديثي على التعريفات التي وضعت له؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أهداف البحث:</span>\nيهدف البحث إلى:\n- جمع ما يتعلّق بتعريفات المصطلحات الحديثية (المذكورة في حدود البحث)، وسردها حسب الترتيب الزمني قدر الإمكان.\n- تحرير تعريف المصطلحات الحديثية واستنباط قيود التعريف لكل مصطلح، بحيث يكون تعريف ابن الصلاح - في الغالب- هو المحور الذي يُرتكز عليه في ذلك.\n- تعزيز هذه القيود بذكر الأمثلة من كتب مصطلح الحديث، وغيرها من كتب السنة حسب الحاجة.\n- بيان مدى الاتفاق أو الافتراق بين أهل الحديث في قيود هذه التعريفات.\n- بيان أثر هذا الاتفاق أو الافتراق في التداخل بين الأنواع والمصطلحات الحديثية، والفروق بينها.\n- الإجابة عمّا يعرض من إشكالات أثناء تحرير هذه المصطلحات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الدراسات السابقة:</span>\nعند وضع خطة البحث، ومراسلة كل من: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ومكتبة الملك فهد الوطنية؛ حصلت منهما على إفادة بعدم وجود دراسة سابقة لهذا الموضوع على هذه الكيفية، ولم تُسجّل لديهم رسالة علمية بعنوان مشابه أو مقارب، وإنما هناك دراسات بحثت في الاختلاف بين المحدثين أسبابه وآثاره، منها:\n١ - رسالة بعنوان: (أسباب الاختلاف في قبول الأحاديث وردها عند المحدثين) للباحث خلدون ابن محمد الأحدب، وهي رسالة قدّمت لنيل درجة الماجستير في السنة النبوية من","vol":"1","page":20},{"text":"كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لعام ١٤٠٢ هـ، وقد طُبعت في مجلدين بعنوان (أسباب اختلاف المحدثين دراسة نقدية مقارنة حول أسباب الاختلاف في قبول الأحاديث وردها)، وقدّ تناول البحث القواعد والأصول الحديثية التي اختلف المحدثون وغيرهم من الفقهاء والأصوليين فيها، وأثر هذا الاختلاف في قبول الأحاديث أو ردّها، وركّز البحث على إظهار حقيقتين علميتين هما:\nأولًا: أن الاختلاف بين العلماء في قبول الأحاديث وردّها حقيقة علمية، وهي نتيجة لازمة لمقدمات سبقتها.\nثانيًا: أن هذا الاختلاف في القَبول والرّد هو اختلاف منضبط، تحكمه مجموعة ضوابط وأصول راسخة.\n٢ - رسالة بعنوان: (القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين والأصوليين وأثر ذلك في قبول الأحاديث وردها) للباحثة أميرة بنت علي الصاعدي، وهي رسالة قدّمت لنيل درجة الماجستير في الكتاب والسنة من كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى لعام ١٤١٤ هـ، وقد تناولت الاختلاف بين منهج المحدثين ومنهج بعض الأصوليين في بعض القواعد الحديثية، وما ترتب على ذلك من أثر في قبول الأحاديث والعمل بها، مع دراسة مذهب كل فريق وأدلته ثم المناقشة والترجيح والمسائل التطبيقية.\nوهاتان الرسالتان ركزتا على ذكر أسباب الاختلاف بين المحدثين وغيرهم في القواعد والأصول الحديثية وأثر ذلك على قبول الأحاديث أو ردّها.\nفي حين أن هذا البحث تناول تحرير تعريفات مصطلحات من علوم الحديث، وبيان أوجه الاتفاق والافتراق والتداخل بين هذه المصطلحات، وبيان مدى انطباق المثال المذكور للمصطلح على تعريفه.\n٣ - وأثناء البحث على الشبكة العنكبوتية، وجدت بحثًا للدكتور محمد بن عمر بازمُول، يذكر فيه الأنواع الحديثية المتداخلة مع الحديث المقلوب وعنوانه (الأنواع والمصطلحات","vol":"1","page":21},{"text":"الحديثية التي تتداخل مع الحديث المقلوب) حيث قام الباحث برصد واستقراء علاقة التداخل الموجودة بين الحديث المقلوب، والأنواع والمصطلحات الحديثية، حيث يذكر النوع أو المصطلح ثم يبيّن محل التداخل وصورته، وقدّم بين يدي ذلك تعريفًا موجزًا للحديث المقلوب، ويقع بحثه في حوالي ستين صفحة يُركِّز فيها على قضية التداخل بين المصطلحات- التي أوصلها إلى ثلاثين مصطلحًا أو نوعًا حديثيًّا- وبين الحديث المقلوب فقط؛ فهو يقترب من هذه الدراسة في فكرة إبراز التداخل بين المصطلحات، ولكنه يختلف من حيث الطريقة والمضمون، حيث اشتمل بحثي على اثني عشر مصطلحًا من ضمنها الحديث المقلوب، وتحريرها وفق قيود تعريف ابن الصلاح - في الغالب- وبيان أوجه الاتفاق والافتراق بين التعريفات.\nكان ما سبق ذكره أثناء وضعي لخطة البحث، أما مع مكابدة فصول هذا البحث ومباحثه، فإنني قد اطّلعت على عدد لا بأس به من البحوث الأكاديمية، والمحكّمة، والتي تتعرّض لتحرير أنواع من هذه المصطلحات بشكل موسّع - وفي الغالب يكون مصطلحًا واحدًا في كل بحث-، وقد استفدت مما اطّلعت عليه من هذه البحوث، وأشرت لذلك أثناء البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>حدود البحث:</span>\nتناول البحث دراسة اثني عشر مصطلحًا حديثيًا من أبرز المصطلحات التي ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث وهي: (الصحيح، والحسن، والضعيف، والشاذ، والمنكر، والمعلل، والأفراد، وزيادة الثقة، والمضطرب، والمدرج، والمقلوب، والموضوع) (١)\n_________\n(١) كونها رسالة علمية محدودة بزمن، ويصعب استيعاب جميع الأنواع المذكورة في كتاب ابن الصلاح، فقد اخترت بناءً على الاستقراء المبدئي - أثناء وضع خطة البحث- أبرز هذه المصطلحات، فبدأت بالأنواع الثلاثة الأولى التي بدأ بها ابن الصلاح، وألحقتها بما له علاقة وتداخل في تعريفاتها، فانتفاء الشذوذ والنكارة والعلة له علاقة بتعريف الصحيح والحسن، والأفراد لها علاقة بالشذوذ، وزيادة الثقة لها علاقة بالأفراد، والاضطراب والإدراج والقلب والوضع من أنواع الضعيف.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مخطط البحث:</span>\nاشتمل البحث على المقدمة، وتمهيد، واثني عشر فصلًا، وخاتمة.\nالمقدمة: وفيها: أهمية الموضوع وأسباب اختياره، ومشكلة البحث وأهدافه، وحدود البحث، والدراسات السابقة، ومخطط البحث، ومنهجه، وإجراءاته.\nالتمهيد: وفيه: نشأة علم مصطلح الحديث، وأهم المصنفات فيه.\nالفصل الأول: الحديث الصحيح، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها.\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الثاني: الحديث الحسن، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الثالث: الحديث الضعيف، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الرابع: الحديث الشاذ، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.","vol":"1","page":23},{"text":"المطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الخامس: الحديث المنكر، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل السادس: الحديث المعلل، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل السابع: زيادة الثقة، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الثامن: الأفراد، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:","vol":"1","page":24},{"text":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل التاسع: الحديث المضطرب، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل العاشر: الحديث المدرج، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\nالفصل الثاني عشر: الموضوع، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحًا، وفيه مطلبان.\nالمطلب الأول: تعريفه لغة، المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني).\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":25},{"text":"ثم الخاتمة: تناولت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، مع ذكر بعض التوصيات.\nثم الفهارس: أدرجت في آخره بعض الفهارس الفنية، التي تتناسب مع طبيعة البحث، وتكشف عن مضمونه، وتسهل الوصول إلى محتوياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>منهج البحث:</span>\nالمنهج الذي سلكته هو المنهج الاستقرائي التحليلي الاستنباطي (١).\nاستقرائي: باستقراء كتب مصطلح الحديث، وجمع التعاريف لكل نوع أو مصطلح من علوم الحديث محل الدراسة.\nتحليلي: بتحليل التعريفات وتحرير قيودها.\nالاستنباطي: ببيان أوجه الاتفاق أو الاختلاف بين التعريفات، ومدى التداخل بين المصطلحات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>إجراءات البحث:</span>\nوفيه عدّة نقاط:\n- عند التعريف الاصطلاحي للنوع أو المصطلح الحديثي، فإنني قمت بسرد التعريفات الاصطلاحية وفق الترتيب الزمني لوفاة صاحبها- خاصة فيمن سبق ابن الصلاح- سواء كان التعريف بالنصّ على حد التعريف أو حقيقته، أو ذكرًا لأنواع هذا المصطلح وأقسامه، أو شروطه.\n_________\n(١) ينظر: قلعه جي، طرق البحث في الدراسات الإسلامية، ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":26},{"text":"أما من جاء بعد ابن الصلاح فقد تمت الإشارة إلى تعريفاتهم حسب موافقتها لتعريف ابن الصلاح أو تلخيصها أو استدراكها، وتم التصريح بأبرز هذه التعريفات مما فيه إضافة على ماسبق (١).\n- عزوت الآيات القرآنية في الهامش بذكر اسم السورة، ورقم الآية.\n- خرّجت الأحاديث من كتب السنة حسب الحاجة، فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك، أو خرّجته من بقية الكتب الستة، فإن لم أجده، ففي بقيّة التسعة، أو فيما وقفت عليه من مصادر.\n- ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في البحث ترجمة مختصرة، بحيث يُترجم لكل علم منهم عند ذكره لأول مرة، باستثناء مشاهير الأعلام، وهم: الخلفاء الراشدون الأربعة، وأصحاب كتب الحديث الستة: (البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائيّ، وابن ماجة)، وأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة: (أبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وأحمد)، فلا تُذكر ترجمتهم لشهرتهم.\n- شرحت الألفاظ الغريبة بالرجوع إلى كتب غريب الحديث ثمّ إلى معاجم اللغة.\n- عرّفت بالمصطلحات الواردة في أثناء البحث - قدر الإمكان- وذلك من كتب الفن الذي يتبعه المصطلح، أو كتب المصطلحات المعتمدة.\n- ما نقلته حرفيًّا من أي مرجع وضعته بين علامتي تنصيص \" \" مع توثيقه بذكر المصدر في الحاشية، وما لم يُوضع بين علامتي تنصيص فالنقل فيه ليس حرفيًا، وصدّرته بعبارة (يُنظر).\n_________\n(١) في الغالب كنت أتوقف عند أشهر مؤلفات تلاميذ ابن حجر (البقاعي، والسخاوي، والسيوطي)، ما لم أجد في تعريفات من بعدهم إضافة مؤثرة في قيود التعريف.","vol":"1","page":27},{"text":"- رجعت في كثير من كتب المصطلح إلى طبعتين أو أكثر أحيانًا، وذلك لأنني جعلت نسخة المكتبة الشاملة المصوّرة هي الأساس؛ لتنقّلها معي وتوفّرها على جهاز الحاسوب أثناء كتابة البحث، وحيث إن بعضها طبعات قديمة، أوغير محقَّقة، أو أن تحقيقها يعتريه بعض السقط والتصحيف؛ لذا فإنني عمدتُ إلى الاستفادة من تحقيقات وطبعات أخرى، ووثقت ذلك في الحاشية.\n\nهذا وأحمد الله على عونه وتيسيره، وأسأله سبحانه التوفيق والسداد، وأن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا يوم العرض عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>تمهيد</span>\nنشأ علم مصطلح الحديث تبعًا للسُّنّة الشريفة، وخدمةً لها، يجلو عنها الدخيل، ويميز الصحيح من السقيم، ومرّ خلال نشوئه إلى يومنا هذا بمراحل وأطوار يجدر التعريج عليها، وذكر نبذة مختصرة عنها، والإشارة إلى أبرز المصنفات فيها؛ تمهيدًا للولوج في فصول البحث، وتحرير مصطلحاته، وبعون الله وتيسيره أبدأ في الشروع بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>نشأة علم مصطلح الحديث، وأبرز المصنفات فيه:</span>\nيُعدُّ علم مصطلح الحديث من العلوم التي أولاها علماء المسلمين عنايةً واهتمامًا؛ لشرفه المُستمدِّ من سنة المصطفى - ﷺ -، وارتباط نشأته بها، فقد جاءت أسسه في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، حيث أمر الله عزّوجلّ عباده المؤمنين في كتابه الكريم بالتثبت عند تلقّي الأخبار ونقلها، والتدقيق في عدالة ناقليها، فقال ﷻ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١)، وجاءت السنة المطهّرة مُؤكِّدة على استيعاب الخبر وضبطه عند نقله للآخرين،\nحيث قال - ﷺ -: «نضَّر الله امرأً سمع منا شيئا فبلَّغه كما سمع، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أوعى من سامع» (٢).\n_________\n(١) سورة الحجرات، الآية: ٦.\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ٤/ ٣٣١ ح (٢٦٥٧)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجة في سننه كتاب الإيمان والعلم، باب من بلّغ علمًا، ١/ ٨٥ ح (٢٣٢)، كلاهما من حديث ابن مسعود، واللفظ للترمذي.","vol":"1","page":29},{"text":"وقد امتثل الصحابة الكرام - ﵃ - لما جاء في الكتاب والسنة من الأمر بالتثبت في نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والسؤال عن إسناد الخبر ونقلته، واسّتنَّ بهم من جاء بعدهم من السلف الصالح خاصةً بعد وقوع الفتن بين المسلمين، وظهور أهل الأهواء والبدع- فكانوا لا يأخذون الحديث إلا من أهل الحق والصدق.\nفقد أسند الإمام مسلم إلى التابعي الجليل محمد بن سيرين (١) قوله: (إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم) (٢)، وأسند عنه أيضًا قوله: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) (٣)، \"فقوله ﵀: (سمّوا لنا رجالكم) قاعدة أصيلة في طلب الإسناد والتفتيش عن الرواة، وقوله (فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ\nحديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم) قاعدة تؤسس لعلم الجرح والتعديل ودراسة الأسانيد.\" (٤)\n\"ومن أعظم القواعد التي يقوم عليها علم الحديث، قول الإمام ابن المبارك (٥) ﵀:\n_________\n(١) محمد بن سيرين مات سنة: ١١٠ هـ. المراجع: ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٧٨ (٤٨٩٨)، ابن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب، ٤٨٣ (٥٩٤٧).\n(٢) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه. ١/ ١٤.\n(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ١/ ١٥، والترمذي في آخر السنن (ويسمّى بالعلل الصغير)، ٦/ ٢٣٤ ح (٤٠٥٢).\n(٤) آل عجين، المفيد في تقعيد علوم الحديث، ٢٨.\n(٥) عبدالله بن المبارك بن واضح الحنظلى التميمى مولاهم، أبو عبدالرحمن المروزي، قال الذهبي: \"شيخ خراسان\"، وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير\"، مات سنة: ١٨١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩١ (٢٩٣٥)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٠ (٣٥٧٠).","vol":"1","page":30},{"text":"(الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) (١) \" (٢).\nومن فضل الله على هذه الأمّة أن هيّأ لها من يقوم بواجب الدفاع عن الدين، والذَّبِّ عن سنة المصطفى الأمين - ﷺ - من العلماء الجهابذة النقّاد، والذين تصدّوا لأهل الأهواء، وميّزوا بين صحيح المرويات وسقيمها، ووضعوا لذلك ضوابط وشروطًا، يتذاكرونها ويتناقلونها مشافهةً فيما بينهم، وتحفظها صدورهم، وكان منهم من سجّل شيئًا من هذه القواعد ممزوجًا بغيره من علوم الشريعة، \"فبدأ تدوين مبادئ هذا العلم، وتسجيل مسائله:\nببدء تدوين التاريخ للرجال والتصنيف للحديث في الكتب، وكان قبل ذلك محفوظًا في الصدور مترددًا على الألسنة\" (٣).\nفكان ما كتبه الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) في (الرسالة) (٤) - من مباحث تتضمن شروط الحديث الصحيح، وشروط الراوي العدل، وحجية خبر الآحاد، ونحو ذلك- \"أول ما بلغنا من علوم الحديث مدونًا في كتاب (٥)، و\"خلال القرن الثالث اتضحت معالم هذا العلم، بما ذُكِر من مسائله في كتب الرجال، أو في كتب الحديث، أو في كتب مستقلّة ذات موضوع واحد،\n_________\n(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ١/ ١٥، والترمذي في آخر السنن، ٦/ ٢٣٥ ح (٤٠٥٣).\n(٢) آل عجين، المرجع السابق، ٢٩.\n\"الإسناد، وتاريخ الرواة والرجال، ونقد الرواة وبيان حالهم من تزكية وجرح، وسبر متن الحديث ومعناه، وعلم الجرح والتعديل، هي شعب كبرى من (علم مصطلح الحديث) فهو المَقسِم العام، وتلك أقسام منه.\" أبو غدّة، ١٠٠ - ١٠١.\n(٣) أبو غدّة، المرجع السابق، ١٠١.\n(٤) ينظر: الشافعي، الرسالة، ٣٧٠ - ٣٨٠، ٤٠١، ٤٦١ - ٤٦٤، \"ولعل تأليف الإمام الشافعي ﵀ لكتاب (الرسالة) كان نقطة تحوّل في التقعيد الحديثي حيث أنه أول من دوّن تلك القواعد\". آل عجين، المفيد في التقعيد، ٣٠.\n(٥) عتر، منهج النقد، ٦١، ينظر: أبو غدّة، تاريخ السنة، ١٠٦.","vol":"1","page":31},{"text":"مثل كتب الإمام علي بن المديني (١) (ت ٢٣٤ هـ) \" (٢)؛ إذ كان أول من ألّف في بعض بحوثه بشكل مستقل (٣)، وقد ذكر الإمام الحاكم\nعلم: الحاكم\" (٤) في كتابه (معرفة علوم الحديث) جملة من تلك الكتب، ليستدلّ بها على مكانة هذا الإمام وتقدّمه في هذا العلم (٥)،\nوذكر الخطيب البغدادي (٦) في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي) أن جميع هذه الكتب قد انقرضت، ولم يقف إلا على أربعة أو خمسة منها فحسب (٧).\n_________\n(١) على بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي، مولاهم، أبو الحسن ابن المديني البصري ثقة ثبت إمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله، قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي علي، وقال شيخه ابن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤٢ (٣٩٣٧)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٣ (٤٧٦٠).\n(٢) أبو غدّة، المرجع السابق، ١٠٧.\n(٣) ينظر: السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ١٢٨.\n(٤) محمد بن عبدالله بن حمدويه بن نعيم الضبي، الطّهماني النيسابورىّ، الشهير بالحاكم، من أكابر حفاظ الحديث، صنف كتبا كثيرة جدا منها: (المستدرك علي الصحيحين) و(المدخل إلى علم الصحيح) و(معرفة علوم الحديث) وغيرها. مات سنة ٤٠٥ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٧/ ١٦٢، ابن العماد، الشذرات، ٥/ ٣٣، الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٢٧\n(٥) قال الحاكم: \"هذه أسامي مصنفات علي بن المديني، كتاب الأسامي والكنى، ثمانية أجزاء، كتاب الضعفاء عشرة أجزاء، كتاب المدلسين خمسة أجزاء، كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم جزء، كتاب الطبقات عشرة أجزاء، كتاب من روى عن رجل لم يره جزء، كتاب علل المسند ثلاثون جزءا، كتاب العلل لإسماعيل القاضي أربعة عشر جزءا، كتاب علل حديث ابن عيينة ثلاثة عشر جزءا، كتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط جزءان، كتاب الكنى خمسة أجزاء، كتاب الوهم والخطأ خمسة أجزاء، كتاب قبائل العرب عشرة أجزاء، كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان خمسة أجزاء، كتاب التاريخ عشرة أجزاء، كتاب العرض على المحدث جزءان، كتاب من حدث ثم رجع عنه جزءان، كتاب يحيى وعبد الرحمن في الرجال خمسة أجزاء، كتاب سؤالاته يحيى جزءان، كتاب الثقات والمثبتين عشرة أجزاء، كتاب اختلاف الحديث خمسة أجزاء كتاب الأسامي الشاذة ثلاثة أجزاء، كتاب الأشربة ثلاثة أجزاء، كتاب تفسير غريب الحديث خمسة أجزاء، كتاب الإخوة والأخوات ثلاثة أجزاء، كتاب من تعرف باسم دون اسم أبيه جزءان، كتاب من يعرف باللقب جزء، وكتاب العلل المتفرقة ثلاثون جزءا، وكتاب مذاهب المحدثين جزءان قال الحاكم: إنما اقتصرنا على فهرست مصنفاته في هذا الموضع ليستدل به على تبحره وتقدمه، وكماله.\" الحاكم، معرفة علوم الحديث، ٧١ - ٧٢.\n(٦) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، الخطيب الحافظ، كان من أكثر أهل عصره معرفة، وإثباتا، وضبطا لحديث رسول الله - ﷺ -، وتفننا في علله وأسانيده، من مصنفاته: (الكفاية في علم الرواية)، و(شرف أصحاب الحديث)، و(اقتضاء العلم العمل)، وغير ذلك من المصنفات. مات سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٨/ ٢٧٠، ابن العماد، الشذرات،، ١/ ٣٨، الزركلي، الأعلام،، ١/ ١٧٢.\n(٧) ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ٢/ ٣٠١.","vol":"1","page":32},{"text":"وكثُر المدونون لمسائل علم الحديث، منهم: الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) حيث تكلّم في مقدمة صحيحه عن تقسيم الأخبار، وتقسيم طبقات الرواة من حيث الحفظ والإتقان، وتكلم عن الحديث المنكر، وعن تفرد الرواة، وغيرها من مباحث متنوعة في علوم الحديث (١)، ومثله\nالإمام الترمذي (ت ٢٩٧ هـ) حيث ضمّن آخر كتابه الجامع (٢) - وهو الجزء المسّمى (بالعلل الصغير) - قواعد مهمة في علوم الحديث، فنقل اختلاف العلماء في جواز الجرح والتعديل، ورجّح وجوب نقد الرجال، وقسّم أجناس الرواة من حيث الضبط وعدمه، وتكلم عن تفاوت الرواة في ذلك، وتكلم عن مفهوم الحديث الحسن عنده، وغير ذلك (٣).\nوكذلك ذكر الحافظ ابن حبان (٤) (ت ٣٥٤ هـ) بعضًا من مسائل مصطلح الحديث في عدد من مقدمات كتبه منها: كتاب (الثقات) (٥)، وكتاب (المجروحين) (٦)، ثم كان هناك عدد من العلماء أكبّوا على تصانيف من سبقهم، فجمعوا ما تفرّق في مؤلفات الفن الواحد، واستدركوا عليها - وامتدّ ذلك من منتصف القرن الرابع إلى أوائل القرن السابع (٧) - وكان \"أول من صنف في هذا الفن تصنيفا علميًا بحيث جمع كل أبوابه وبحوثه في مصنف\n_________\n(١) ينظر: مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥ - ٧، أبو غدّة، تاريخ السنة، ١٠٧.\n(٢) \"يسمى: بالسنن أيضا خلافًا لمن ظن أنهما كتابان\". الكتاني، الرسالة المستطرفة ١١.\n(٣) ينظر: الترمذي، سنن الترمذي، ٦/ ٢٣٠ - ٢٥٩.\n(٤) محمد بن حبان بن أحمد التميمي البُستي، أبو حاتم، ويقال له ابن حبان: شيخ خراسان، كان عالمًا في الفقه، واللغة، والحديث، والوعظ، وهو أحد المكثرين من التصنيف، من كتبه: (الأنواع والتقاسيم المعروف بالصحيح) و(الثقات) و(كتاب المجروحين) وغيرها. مات سنة ٣٥٤ هـ ينظر: الذهبي، السير،، ١٦/ ٩٢. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ١٣١. الزركلي، الأعلام،، ٦/ ٧٨.\n(٥) ينظر: ابن حبان، الثقات، ١/ ١٠ - ١٣.\n(٦) ينظر: ابن حبان، المجروحين ١، /٦٢ - ٩٥.\n(٧) عتر، منهج النقد، ٦٣.","vol":"1","page":33},{"text":"واحد هو القاضي أبو محمد، الحسن بن عبدالرحمن\nالرامهرمزي (١) (ت ٣٦٠ هـ)، في كتابه (المُحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي) \" (٢).\nقال محقق الكتاب في مقدمة تحقيقه: \"حفظ لنا الرامهرمزي في كتابه كثيرًا من أقوال أهل العلم في بعض الأمور الحديثية ما لم يتيسر لغيره نقلها إلينا، فكان المصدر الوحيد لها، كما نقل عن آثار بعض الأئمة في الحديث وعلومه، تلك الآثار التي لم يكتب لأكثرها البقاء، فكان كتاب المحدث الفاصل خير دليل عليها، وحافظًا أمينًا لبعضها ... \" (٣) كما يُعتبر كتابه المادة الأولية لكتاب الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، المسمّى (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)، والذي صنّفه الخطيب بعد مئة عام من كتاب الرامهرمزي (٤).\nومن المآخذ على كتاب الرامهرمزي أنه لم يستوعب أنواع علوم الحديث (٥).\n- ثم برز كتاب (معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه) للإمام أبي عبدالله، محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ)، وكان أول من نصّ على التأليف بمسمّى (علوم الحديث) (٦)، وتضمن كتابه منها اثنين وخمسين نوعًا، حيث قال في مقدمة كتابه:\n\" أما بعد: فإني لما رأيت البدع في زماننا كثُرت، ومعرفة الناس بأصول السنن قلَّت، مع إمعانهم في كتابة الأخبار، وكثرة [طالبيها] على الإهمال والإغفال؛ دعاني ذلك إلى\n_________\n(١) الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزيّ الفارسيّ، أبو محمد: محدث حافظ متقن، من أدباء القضاة له كتاب (المحدث الفاصل بين الراويّ والواعي). ينظر: الذهبي، السير، ١٦/ ٧٣ السيوطي، طبقات الحفاظ، ٣٧٠. كحالة، المؤلفين، ١/ ٥٥٧ (٤١٧٩).\n(٢) السباعي، السنة ومكانتها، ١٢٨، ينظر: أبو غدة، تاريخ السنة، ١٠٩.\n(٣) محمد الخطيب، من مقدمة تحقيقه لكتاب المحدث الفاصل، للرامهرمزي، ٣٤ - ٣٥.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) ينظر: ابن حجر، النزهة، ٢٩، المناوي، اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، ١/ ٢٠٨.\n(٦) ينظر: أحمد فارس السلوم، \"الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث\" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه، ١١.","vol":"1","page":34},{"text":"تصنيف كتاب خفيف يشتمل على ذكر أنواع علم الحديث، مما يحتاج إليه طلبة الأخبار، المواظبون على كتابة الآثار، و[أعمد] في ذلك سلوك الاختصار، دون الإطناب في الإكثار، والله الموفق لما قصدته، والمانُّ في بيان ما أردته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.\" (١) ومن المآخذ على كتابه، ما ذكره ابن حجر بقوله: وكتابه لم يهذب، ولم يُرتب. (٢)\n- ثم جاء الإمام أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)، فصنف في قوانين الرواية كتابا سماه: (الكفاية في علم الرواية)، قال في مقدمته: \"وأنا أذكر بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في هذا الكتاب ما بطالب الحديث حاجة إلى معرفته، وبالمتفقه فاقة إلى حفظه ودراسته، من بيان أصول علم الحديث وشرائطه، ... \" (٣)، وصنّف كذلك في آداب الرواية كتابا سماه: (الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع)، وكان للخطيب البغدادي دور واسع في مصطلح الحديث، وألف كتبًا مستقلةً في أغلب فنون هذا العلم، مما حذا بابن حجر أن يقول عنه: \"وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابا مفردا؛ فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة (٤): كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه.\" (٥)\nثم جاء بعض من تأخر عن الخطيب، فأخذ من هذا العلم بنصيب:\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١ - ٢، وما بين المعقوفتين من ط ابن حزم، ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق.\n(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ٧.\n(٤) محمد بن عبد الغني بن أبي بكر بن شجاع البغدادي الحنبلي، أبو بكر، المعروف بابن نقطة. أحد أئمة الحديث، من مصنفاته: (التقييد بمعرفة رواة السنن والمسانيد) و(تكملة الإكمال) وله غير ذلك. مات سنة ٦٢٩ هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، ٣/ ٢١٩ (١٣١٠)، ابن العماد، الشذرات، ٧/ ٢٣٤، كحالة، المؤلفين، ٣/ ٤١٧ (١٤١٠٣).\n(٥) ابن حجر، النزهة، ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":35},{"text":"فجمع القاضي عياض بن موسى اليحصبي (١) (ت ٥٤٤ هـ) كتابًا لطيفًا سماه: (الإلماع في أصول الرواية والسماع)، ذكر في مقدمته أنه عمد إلى \"تلخيص فصول في معرفة الضبط وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها عند أهل التحصيل والدراية، وما يصحُّ منها وما يَتزيَّف، وما يتفق فيه من وجوهها ويختلف.\" (٢)\nوألَّف أبو حفص عمر بن عبدالمجيد الميانشي (٣) (ت ٥٨٠ هـ) جزءًا مختصرًا سماه: (ما لا يسع المحدث جهله)، أشار في مقدمته أنه ذكر من علوم الحديث زُبدًا تفتح باب الطلب لهذا العلم، وختمه بقوله: \"وإنما قصدنا التنبيه على علوم الحديث؛ لتلتفت الهمم إلى ذلك فتطلب مظانّه من الموضوعات فيه\". (٤)\nواستمر الحال في التصنيف على هذا المنوال إلى أن جاء الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ)، فألّف كتابه المشهور (معرفة أنواع علم الحديث) أو ما يسمّى بـ (مقدمة ابن الصلاح)، وأصل كتابه\nدروسٌ كان يمليها على طلابه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب. (٥) وامتاز كتابه بما يلي:\n\"١ - بالاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من أقوالهم المأثورة عنهم.\n_________\n(١) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي القاضي، أبو الفضل السّبْتيّ، كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، من تصانيفه: كتاب (الإكمال في شرح كتاب مسلم)، و(مشارق الأنوار). ينظر: ابن خلكان، الوفيات، ٣/ ٤٨٣ (٥١١)، الذهبي، السير، ٢٠/ ٢١٢، الذهبي، تاريخ الإسلام، ١١/ ٨٦٠.\n(٢) عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية، ٣.\n(٣) عمر بن عبدالمجيد بن عمر بن حسين القرشي، أبو حفص الميانشي: شيخ الحرم بمكة. من مصنفاته: (مالا يسع المحدث جهله) و(تعليقات على الفردوس). ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٦/ ٤٤٧. الزركلي، الأعلام، ٥/ ٥٣.\n(٤) الميانشي، إيضاح ما لا يسع المحدث جهله، ٣٠.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ٣٢ - ٣٣.","vol":"1","page":36},{"text":"٢ - أنه ضبط التعاريف التي سُبِق بها وحرَّرها، وأوضح تعاريف لم يُصرِّح بها من قَبله.\n٣ - أنه عقّب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاداته.\" (١)، \"فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره؛ فلهذا عكف الناس عليه، وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر، ومستدرك عليه ومقتصر، ومعارض له ومنتصر.\" (٢)\nويُعتبر كتاب ابن الصلاح واسطة العقد بين من سبقه، ومن لحقه، فكل من جاء بعده دار في فلكه، إما مختصرًا، أو شارحًا، أو منكتًا أو متعقبًا ومستدركًا، ومن أهم وأبرز هذه الكتب:\n- كتاب (إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق) للإمام محيي الدين، يحيى ابن شرف بن حسن النّوويّ (٣) (ت ٦٧٦ هـ)، وقد اختصره من كتاب ابن الصلاح، ثم اختصر هذا المختصر وسمّاه (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير)، وقد بالغ في اختصاره حيث قال في مقدمته: \"وهذا كتاب اختصرته من كتاب (الإرشاد) الذي اختصرته من علوم الحديث للشيخ الإمام الحافظ المتقن المحقق أبي عمرو عثمان\nابن عبدالرحمن المعروف بابن الصلاح ﵁، أبالغ فيه في الاختصار إن شاء الله تعالى من غير إخلال بالمقصود، وأحرص على إيضاح العبارة.\" (٤)\n_________\n(١) عتر، منهج النقد، ٦٦.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ٣٤.\n(٣) يحيى بن شرف بن مرِي النوويّ، محي الدين، أبو زكريا، علامة في الفقه والحديث، صاحب المؤلفات الكثيرة ومنها: (رياض الصالحين) و(شرح صحيح مسلم) و(اختصار علوم الحديث) وغيرها. ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ٤/ ١٧٤. ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٨/ ٣٩٥. ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ٢/ ١٥٣ - ١٥٧\n(٤) النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، ٢٣.","vol":"1","page":37},{"text":"وكتاب التقريب شرحه جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (١) (ت ٩١١ هـ) في كتابه المشهور والموسوم بـ (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) (٢)، وهو من الشروح النفيسة في هذا الفن.\n- وللإمام تقي الدين محمد بن عليّ بن دقيق العيد (٣) (ت ٧٠٢ هـ) كتاب (الاقتراح في بيان الاصطلاح) قال في مقدمته: \"هذه نُبذٌ من فنونٍ مهمةٍ في علوم الحديث، يستعان بها على فهم مصطلحات أهله ومقاصدهم ومراتبهم على سبيل الاختصار والإيجاز، لتكون كالمدخل إلى التوسع في هذا الفن إن شاء الله تعالى\" (٤)، \"وقد تضمن كتابه مادة مختصرة في علوم أصول الحديث في تسعة أبواب، وأودع فيه مؤلِّفه\nآراء وملاحظات على ابن الصلاح وغيره، أحلَّها علماء مصطلح الحديث الذين جاءوا بعده محل الاعتبار\" (٥)،\n_________\n(١) عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي، أبو بكر جلال الدين: إمام حافظ مؤرخ أديب. وكان أعلم زمانه بعلم الحديث وفنونه. له مصنفات كثيرة منها: (تدريب الراوي) و(تنوير الحوالك في شرح موطأ الإمام مالك) و(الجامع الصغير) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ١٠/ ٧٤، الزركلي، الأعلام، ٣/ ٣٠١، كحالة، المؤلفين، ٢/ ٨٢ (٦٧٩٢).\n(٢) قال في مقدمته: \"وقد طالما قيّدت في هذا الفن فوائد وزوائد، وعلقت فيه نوادر وشوارد، وكان يخطر ببالي جمعها في كتاب، ونظمها في عقد لينتفع بها الطلاب، فرأيت كتاب (التقريب والتيسير) لشيخ الإسلام الحافظ، ... أبي زكريا النواوي، كتابا جل نفعه، وعلا قدره، وكثرت فوائده، وهو مع جلالته لم يتصدّ أحد إلى وضع شرح عليه، ...، فقوي العزم على كتابة شرح عليه كافل بإيضاح معانيه، وتحرير ألفاظه ومبانيه، مع ذكر ما بينه وبين أصله من التفاوت في زيادة أو نقص، أو إيراد أو اعتراض، مع الجواب عنه إن كان مضيفا إليه زوائد علية، وفوائد جلية، لا توجد مجموعة في غيره، ... وسميته: (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، وجعلته شرحا لهذا الكتاب خصوصًا، ثم لمختصر ابن الصلاح ولسائر كتب الفن عمومًا ... \".ينظر: السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٤ - ٢٥ باختصار يسير.\n(٣) محمد بن علي بن وهب، تقيّ الدين القشيري، أبو الفتح، المعروف بابن دقيق العيد، برع في علوم كثيرة ولاسيما في علم الحديث الذي فاق فيه أهل زمانه. له تصانيف منها: (إحكام الأحكام) و(الإلمام) و(الاقتراح) وغيرها. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٦١، ابن العماد، الشذرات، ٨/ ١١. الزركلي، الأعلام ٦/ ٢٨٣\n(٤) ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، ٤.\n(٥) قحطان الدوري، من مقدمة تحقيقه لكتاب الاقتراح في بيان الاصطلاح، لابن دقيق العيد، ١٠.","vol":"1","page":38},{"text":"ويُرجّح أن كتاب الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (١) (ت ٧٤٨ هـ) الموسوم بـ (الموقظة) هو مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد، وإن لم يُصرّح الذهبي بذلك. (٢)\n- ويُعدّ كتاب (المنهل الرّوي في مختصر علوم الحديث النبوي) للإمام بدر الدين، أبى عبدالله، محمد بن إبراهيم بن جماعة (٣) (ت ٧٣٣ هـ)، من أفضل المختصرات لكتاب ابن الصلاح ترتيبًا وتبويبًا، فقد قام بترتيبه على مقدمة وأربعة أطراف فجاء مشتملًا على خمسة أمور وهي: التعريفات وأقسام المتن، والسند، وأسماء الرجال وكيفية تحمل الحديث. (٤)\n- وجاء الإمام الحسين بن محمد بن عبدالله الطِّيبي (٥) (ت ٧٤٣ هـ) فجمع بين المقدمة لابن الصلاح، ومختصرها للنووي، والمنهل الروي لابن جماعة، واختصرهم في كتاب سمّاه\n(الخلاصة في معرفة الحديث). \"فجاء بمصنف رائع، ليس بالمختصر المُخلِّ، ولا\n_________\n(١) الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، أبو عبد الله، المؤرخ، المحدّث، النقاد، له مصنفات عديدة، منها: (المستدرك على مستدرك للحاكم) و(معجم المحدثين) و(السير) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٨/ ٢٦٤. الزركلي، الأعلام، ٥/ ٣٢٦.\n(٢) ينظر: عبدالفتاح أبو غدة، من مقدمة تحقيقه لكتاب الموقظة، للذهبي، ٥ - ٦.\n(٣) محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، بدر الدين أبو عبدالله الكناني الحموي الشافعيّ، قاضي القضاة، من العلماء بالحديث وسائر علوم الدين، وله تواليف في الفقه والحديث والأصول والتاريخ وغير ذلك، منها (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم) و(مختصر في السرة النبويّة) ينظر: الذهبي، معجم الشيوخ الكبير ٢/ ١٣٠، الزركلي، الأعلام، ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨.\n(٤) ينظر: محيي الدين رمضان، (المنهل الروي وأهميته) من مقدمة تحقيقه لكتاب المنهل الروي لابن جماعة، ١٧ - ١٨، وينظر كذلك: جاسم بن محمد الفجي من مقدمة تحقيقه للكتاب ٣٠ - ٣١.\n(٥) الحسين - وقيل: الحسن- بن محمد بن عبدالله، شرف الدين الطِّيبي: من علماء الحديث والتفسير والبيان. كان آية في استخراج الدقائق من الكتاب والسنة، من تصانيفه: (الخلاصة في معرفة الحديث) و(شرح مشكاة المصابيح). يُنظر: الأدنه وي، طبقات المفسرين، ٢٧٧، الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٥٦، كحالة، المؤلفين، ٤/ ٥٣.","vol":"1","page":39},{"text":"بالمسهب المُمِلِّ، وهو مناسب جدا لجمهرة طلبة هذا العلم الشريف، على اختلاف طبقاتهم ومراحلهم العلمية\" (١).\n- ومن المختصرات المشهورة لكتاب ابن الصلاح (اختصار علوم الحديث)، للحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، حيث قال في مقدمته:\nولما كان من أهم العلوم وأنفعها أحببت أن أعلق فيه مختصرًا نافعًا ...، وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة، أبو عمر بن الصلاح تغمده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، ... اختصرت ما بسطه، ونظمت ما فرطه. وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري شيخ المحدثين. وأنا - بعون الله - أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي (٢)، المسمى (بالمدخل إلى كتاب السنن)، وقد اختصرته أيضًا بنحو من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان، وعليه الاتكال (٣).\n- وممن اعتنى بكتاب ابن الصلاح الإمام سراج الدين، أبي حفص، عمر بن علي الأنصاري، المعروف بابن الملقن (٤) (ت ٨٠٤ هـ)، - وهو من شيوخ ابن\nحجر العسقلاني- حيث صنّف كتابه (المقنع في علوم الحديث) وهو مختصر من كتاب ابن الصلاح، وقال في مقدمته: \"ومن أجمعها كتاب العلامة الحافظ تقي الدين أبي عمرو بن الصلاح - سقى\n_________\n(١) ينظر: أبو عاصم الشوامي الأثري من مقدمة تحقيقه لكتاب الخلاصة، للطيبي، ٧.\n(٢) أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، أبو بكر، محدث فقيه من أئمة الحديث. له تصانيف عديدة، منها: (السنن الكبرى) و(السنن الصغرى) و(شعب الإيمان) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٣٦٣. الصفدي، الوافي بالوفيات، ٦/ ٢١٩ (٥٠٣)، كحالة، المؤلفين، ١/ ١٢٩.\n(٣) ابن كثير، الاختصار، ٢٤ - ٢٥ باختصار يسير.\n(٤) عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي، سراج الدين، أبو حفص ابن النحوي، المعروف بابن الملقن: من أكابر العلماء بالحديث والفقه وتاريخ الرجال. له مصنفات عديدة، منها (شرح البخاري) و(التذكرة في علوم الحديث). ينظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ٤/ ٤٣. السيوطي، طبقات الحفاظ،٥٤٢. الزركلي، الأعلام، ٥/ ٥٧.","vol":"1","page":40},{"text":"الله ثراه، وجعل الجنة مأواه- فإنه جامع لعيونها، ومستوعب لفنونها. وجعل أنواعه زائدة على الستين، وأنها تزيد على ذلك.\nوقد وقع الاختيار- بفضل الله وقوته- على تلخيصه وتقريبه، وتنقيحه، وتهذيبه، مع زيادات عليه مهمة، وفوائد جمة، لا تُلفى مسطورة، ولا تكاد توجد في الكتب المشهورة\" (١) ثم عاد واختصره اختصارًا موجزًا جدًا في كتاب سمّاه (التذكرة في علوم الحديث).\n- ومن المختصرات كذلك: كتاب (محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح) للإمام سراج الدين، أبي حفص، عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني (٢) (ت ٨٠٥ هـ).\n- وكان من عناية الحافظ أبي الفضل، زين الدين عبدالرّحيم بن الحسين العراقي (٣) (ت ٨٠٦ هـ) بكتاب ابن الصلاح أن صنّف كتابًا سمّاه (التقييد والإيضاح)، وهو عبارة عن شرح وتنكيت على كتاب ابن الصلاح، ولم يكتفِ بذلك بل نظم كتاب ابن\nالصلاح في منظومة اُشتهِرت بـ (ألفية العراقي)، وقد شرحها بنفسه أيضًا، وسمّى الشرح (التبصرة والتذكرة) (٤)، وقد تعددت شروح الألفية، ومن أشهرها:\n_________\n(١) ابن الملقن، المقنع في علوم الحديث، ٣٩ - ٤٠.\n(٢) عمر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني الشافعي. سراج الدين أبو حفص، عالم في الفقه والحديث والتفسير. من مصنفاته: (محاسن الإصلاح وتضمين ابن الصلاح) و(شرح صحيح البخاري) و(شرح الترمذي). ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٤٢. الأدنه وي، طبقات المفسرين، ٣٠٨. الزركلي، الأعلام، ٥/ ٤٦.\n(٣) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، أبو الفضل، زين الدين، من كبار حفاظ الحديث. ومن مصنفاته العديدة: (المغني عن حمل الأسفار في الإسفار) و(تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) و(نكت ابن الصلاح) و(تخريج أحاديث الإحياء) وغيرها. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٤٣. ابن العماد، الشذرات،٩/ ٨٧. الزركلي، الأعلام، ٣/ ٣٤٤.\n(٤) على اختلاف في اسم الشرح بين (شرح التبصرة والتذكرة) والذي رجّحه محققا الكتاب، وبين (شرح ألفية العراقي) و(فتح المغيث). ينظر: عبداللطيف الهميم، ماهر ياسين فحل، المبحث الثاني من فصل التعريف بالكتاب، في مقدمة تحقيقهما لكتاب شرح التبصرة والتذكرة، لزين الدين العراقي، ١/ ٧٤.","vol":"1","page":41},{"text":"- (النكت الوفية بما في شرح الألفية) للإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (١) (ت ٨٨٥ هـ)، ويستشهد فيها كثيرًا بكلام شيخه ابن حجر، حيث قال: \"قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل شهاب الدين، أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني، ثم المصري الشافعي، قاضي القضاة بالديار المصرية أيام سماعي لبحثها عليه ... \" (٢).\n- ومن شروح الألفية أيضًا: (فتح المغيث شرح ألفية الحديث) للإمام أبي الخير، محمد بن عبدالرحمن بن محمد السخاوي (٣) (ت ٩٠٢ هـ)، وهو أطول شروح الألفية، وأوفاها بالغرض. (٤)\n- وللحافظ شهاب الدين، أبي الفضل، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) مؤلفات مشهورة في هذا الفن منها: (نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)، وهو\nالمختصرات المبتكرة في تصنيف علوم الحديث، وشرحه في (نزهة النظر بشرح نخبة الفكر في مصطلح حديث أهل الأثر)، وقال في مقدمته - مُبيّنًا سبب تأليفه للمختصر وشرحه-:\n\" سألني بعض الإخوان أن ألخص له المهم من ذلك، فلخصته في أوراق لطيفة، سميتها: \"نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر\"، على ترتيب ابتكرته، وسبيل انتهجته،\n_________\n(١) برهان الدّين إبراهيم بن عمر بن حسن الرُبَاط البقاعي الشافعي، أبو الحسن. المحدّث المفسّر الإمام العلّامة المؤرّخ. من مصنفاته: (عنوان الزمان في تراجم الشيوخ والأقران). ينظر: ابن العماد، الشذرات،، ٩/ ٥٠٩. الأدنه، طبقات المفسرين،، ٣٤٧. الزركلي، الأعلام،، ١/ ٥٦.\n(٢) البقاعي، النكت الوفية بما في شرح الألفية، ١/ ٥٣.\n(٣) محمد بن عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد، شمس الدين السخاوي، مؤرخ حجة، وعالم بالحديث والتفسير والأدب. من تآليفه الكثيرة: (المقاصد الحسنة) و(شرح ألفية العراقي). ينظر: الزركلي، الأعلام، ٦/ ١٩٤، كحالة، المؤلفين، ٣/ ٣٩٩ (١٣٩٩٦).\n(٤) ينظر: عبدالكريم الخضير ومحمد آل فهيد، الفصل الرابع (المقارنة بينه وبين الشروح الأخرى) من مقدمة تحقيقهما لكتاب فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، للسخاوي، ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":42},{"text":"مع ما ضممت إليه من شوارد الفرائد، وزوائد الفوائد. فرغب إلي، ثانيا، أن أضع عليها شرحا يحل رموزها، ويفتح كنوزها، ويوضح ما خفي على المبتدئ من ذلك، فأجبته إلى سؤاله؛ رجاء الاندراج في تلك المسالك، فبالغت في شرحها، في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خفايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه ... \" (١)\nولابن حجر كذلك (النكت على كتاب ابن الصلاح ونكت العراقي) قال في مقدمته:\n\"كنت قد بحثت على شيخي العلامة حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين الفوائد التي جمعها على مصنف الشيخ الإمام الأوحد الأستاذ أبي عمرو بن الصلاح، وكنت في أثناء ذلك وبعده إذا وقعت لي النكتة الغريبة، والنادرة العجيبة، والاعتراض القوي طورا، والضعيف مع الجواب عنه أخرى، ربما علّقت بعض ذلك على هامش الأصل، وربما أغفلته.\nفرأيت الآن أن الصواب الاجتهاد في جمع ذلك، وضم ما يليق به ويلتحق بهذا الغرض وهو تتمة التنكيت على كتاب ابن الصلاح، فجمعت ما وقع لي من ذلك في هذه الأوراق.\" (٢)\nوغير ذلك من التآليف التي جاءت بعد ابن الصلاح حيث النضج والاكتمال في تدوين علوم الحديث، وذلك خلال القرن السابع الهجري إلى العاشر، ثم عقبه نوع من الركود\nوتوقف الاجتهاد في مسائل العلم والابتكار في التصنيف، وامتدّ ذلك الركود من القرن العاشر إلى مطلع القرن الرابع عشر الهجري (٣).\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٣٥.\n(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٢٢.\n(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٦٩.","vol":"1","page":43},{"text":"ومع مطلع القرن الرابع عشر الهجري أخرجت المطابع الكثير من المؤلفات المبتكرة النافعة، وتصدّى عدد منهم للرد على شبهات المستشرقين (١) المثارة حول السنة وثبوتها وحجيّتها، فكان من أبرز هذه المصنفات (٢):\nكتاب (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث) لمحمد جمال الدين بن محمد القاسمي (٣) (ت ١٣٣٢ هـ)، وكتاب (توجيه النظر إلى أصول الأثر) لطاهر بن صالح الجزائري الدمشقيّ (٤) (ت ١٣٣٨ هـ)، وكتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) لمصطفى بن حسني السباعي (٥) (ت ١٣٨٤ هـ).\nواستمر العلماء في التصنيف والتأليف في مصطلح الحديث إلى يومنا هذا، اهتمامًا بهذا العلم، وتبسيطًا له وتقريبًا لطلابه.\n_________\n(١) الاستشراق: \"تعبير يدل على الاتجاه نحو الشرق، ويطلق على كل من يبحث في أمور الشرقيين وثقافتهم وتاريخهم. ويقصد به ذلك التيار الفكري الذي يتمثل في إجراء الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي تشمل حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته.\" الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ٢/ ٦٨٧.\n(٢) ينظر: عتر، منهج النقد، ٦٩ - ٧٢، خلدون الأحدب، التصنيف في السنة النبوية وعلومها، ١/ ١٢.\n(٣) جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق، إمام الشام في عصره، علما بالدين، وتضلعا من فنون الأدب. فانقطع في منزله للتصنيف وإلقاء الدروس الخاصة والعامة، في التفسير وعلوم الشريعة الإسلامية والأدب، ومن مصنفاته: (تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب)، و(إصلاح المساجد من البدع والعوائد)، ينظر: الزركلي، الأعلام، ٢/ ١٣٥. كحالة، المؤلفين، ١/ ٥٠٤ (٣٧٨٣)\n(٤) طاهر بن صالح بن أحمد السمعوني الجزائري، ثم الدمشقيّ. أديب، باحث، لغوي. له كتاب: (الإلمام في السيرة النبوية) وغيره. ينظر: الزركلي، الأعلام،٣/ ٢٢١. كحالة، المؤلفين، ٢/ ١١ (٦٢٨٧).\n(٥) مصطفى بن حسني، أبو حسان السباعي: عالم إسلامي، مجاهد، من مصنفاته: (الدين والدولة في الإسلام) و(المرأة بين الفقه والقانون). ينظر: الزركلي، الأعلام،٧/ ٢٣١. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٨٥٩ (١٦٩٣١).","vol":"1","page":44},{"text":"وأرجو من الله بمنه وكرمه أن يكون هذا البحث مقتفيًا لآثار من سبق، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.\n\nوبعد هذه الجولة المختصرة في بيان نشأة علم مصطلح الحديث، والإشارة إلى أبرز مصنفاته، نشرع بحول من الله وقوة في الفصل الأوّل من هذا البحث، ونبدأ بما بدأ به ابن الصلاح وهو الحديث الصحيح.","vol":"1","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الأول: الحديث الصحيح</span>\nالمبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الأول: تعريف الصحيح لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المطلب الأول: تعريف الصحيح لغة </span>(١):\nالصحيح في اللغة من صحَّ يصِح صحَّة، والصحة: ذهاب السقم ونقيضه وخلافه، وهي البراءة من كل عيب ومرض وريب.\nوالجمع صِحاح بالكسر، والصَحيح والصَحاح بالفتح بمعنى واحد أي: غير مقطوع. (٢)\nفالصحيح في اللغة ضدُّ السقم، ويُراد به الخلو من كل عيب. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>المطلب الثاني: تعريف الصحيح اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nاعتنى بعض علماء الحديث ونقادّه ببيان مفهوم بعض المصطلحات الحديثية المتداولة بينهم، وذلك إما: بتعريفها ووضع حدّ لها، أو بذكر بعض قيودها وشروطها التي تميّزها عن غيرها، وكان مما وجدته في بيان مفهوم الحديث الصحيح (٤) أو شروطه ما يلي:\n_________\n(١) من النكات اللطيفة في معنى الحديث الصحيح: ما اختاره الجعبري في معنى الصحيح في اللغة بأنه: الصدق، ولعل ما دعاه لاختيار هذا المعنى كون تعريف الخبر في اللغة: هو الكلام المحتمل للصدق والكذب، وبالنظر في تعريف الصدق في اللغة فإنه: أصل يدل على قوة في الشيء قولا وغيره. وهي إشارة لطيفة منه إلى الصفات التي تحفّ الحديث الصحيح. المراجع: الجعبريّ، رسوم التحديث في علوم الحديث، ٥٤، ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ٣/ ٣٣٩ مادة (ص د ق)، الجرجاني، التعريفات، ٩٦، مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ١/ ٢١٥.\n(٢) يُنظر مادة (ص ح ح): الأزهري، تهذيب اللغة، ٣/ ٢٦٠. ابن فارس، المرجع السابق، ٣/ ٢٨١. الجوهري، الصحاح، ١/ ٣٨١. الرازي، مختار الصحاح، ٣٧٥. ابن منظور، لسان العرب، ٢/ ٥٠٧. الفيروزآبادى، القاموس المحيط، ٢٢٨.\n(٣) وهو حقيقة في الأجسام، مجاز في غيرها. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٦١.\n(٤) سبق في التمهيد - عند الحديث عن نشأة الإسناد- الإشارة إلى دور الصحابة، ومن جاء بعدهم من السلف الصالح في التثبت عند نقل الأخبار، والتدقيق فيها، والتأكّد من اتصال السند وثقة الرواة وعدالتهم (إذ أهم شروط الصحيح كما سيأتي عند تحرير التعريفات)، فمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه، باب المسح على الخفين أن عبدالله بن عمر - ﵁ - سأل أباه - ﵁ - عن روايةٍ لسعد بن أبي وقاص - ﵁ -، فقال له عمر - ﵁ -: إذا حدَّثك سعدٌ عن النبي - ﷺ -، فلا تسأل عنه غيرَه. ١/ ٥١ ح (٢٠٢).\nوأخرج الحاكم في المستدرك أن عمرًا - ﵁ - سأل عبدالرحمن بن عوف عن حديثٍ، فوجد عنده منه علمًا، فقال له: هَلُمَّ؛ فأنت العدل الرضا.١/ ٤٧١ ح (١٢١٣)\nوأخرج مسلم -في مقدمة صحيحه- قول التابعي الجليل محمد بن سيرين ١/ ١٤، وأخرج عنه أيضًا قوله: \"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، ١/ ١٥، فالتدقيق في نقل الأخبار، والسؤال عن الإسناد إنما لمعرفة حال رواته من العدالة والضبط، وهذا يستلزم أن يكون السند متصلًا غير منقطع، وإلا لم تُعرف عدالة الساقط من السند.","vol":"1","page":47},{"text":"تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):\nقال الشافعي: \"إذا حدّث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، فهو ثابت عن رسول الله - ﷺ - \" (١)\nوقد استطرد -﵀- في ذكر شروط الحديث الصحيح، فقال:\n\"خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهى به إلى النبي - ﷺ - أو من انتهى به إليه دونه، ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا:\nمنها أن يكون من حدّث به ثقة في دينه، معروفًا بالصدق في حديثه، عاقلًا لما يحدث به، عالمًا بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدّي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدّث به على المعنى، لأنه إذا حدث على المعنى وهو غير عالم بما يحيل به معناه: لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه بحروفه فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث، حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه. إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم، بريًا من أن يكون مدلسا (٢)، يحدث عن من\nلقي ما لم يسمع منه، ويحدّث عن النبي - ﷺ - ما يحدث الثقات خلافه عن النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) ذكره الشافعي في كتابه الأم، ولم ينصّ على كونه تعريفًا للصحيح؛ لكنه يتضمنه، وقد استشهد به ابن جماعة في كتابه المنهل الروي بعد أن عرّف الحديث الصحيح، وكذلك ابن الملقن في كتابه المقنع. المراجع: الشافعي، الأم، ٨/ ٥١٣، ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣، ابن الملقن، المقنع، ٤٣.\n(٢) قال أيضًا ﵀ في كتابه الرسالة: \"وأقبل في الحديث: (حدثني فلان عن فلان)، إذا لم يكن مدلسا\" إلى أن قال: \"ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته ... فقلنا: لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه: (حدثني) أو (سمعت) \". ا. هـ. والتدليس نوع من أنواع الانقطاع في السند، وهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: \"يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه\". المراجع: الشافعي، الرسالة، ٣٧٣ - ٣٨٠، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣، وسيأتي الحديث عنه بشيء من التفصيل في قيد نفي التدليس من ضمن القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح للصحيح.","vol":"1","page":48},{"text":"ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهى بالحديث موصولًا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت.\" (١)\nتعريف الحميدي (٢) (ت ٢١٩ هـ):\nقال ﵀:\n\" فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله - ﷺ - ويلزمنا الحجة به؟ قلت: هو أن يكون الحديث ثابتًا عن رسول الله - ﷺ -، متصلًا غير مقطوع، معروف الرجال، أو يكون حديثًا متصلًا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جَهِلْتُه وعَرَفَه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتًا يعرفه من حدثنيه عنه حتى يصل إلى النبي - ﷺ -، وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعت، أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، وإن أمكن أن يكون بين المحدِّث والمحدَّث عنه واحد أو أكثر، لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المُحدِّث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ -، ولازم صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا، إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى ذلك عنه، ... قال: فهذا الظاهر الذي يُعمل به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا\nوأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نُكلَّف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه\". (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق، ٣٧٠ - ٣٧٢، قال ﵀: \"وإذا ثبت عن رسول الله - ﷺ - الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لا يقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمرا يخالف أمره.\"المرجع السابق ٣٣٠.\nوقد استطردت في ذكر شروط الصحيح عند الشافعي اقتداءً بابن رجب الحنبلي الذي ذكرها في شرحه لعلل الترمذي بعد قوله: \" أما الصحيح من الحديث: وهو الحديث المحتجُّ به فقد ذكر الشافعي ﵀ شروطه بكلام جامع\". قال محقق الكتاب الدكتور نورالدين عتر -مُعلِّقًا على ذلك-: \"وهذا أقدم تعريف مدوّن يصلنا للحديث الصحيح. ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٢) عبدالله بن الزبير بن عيسى القرشي الأسدي، أبو بكر الحميدي، المكي، من شيوخ البخاري، ثقة حافظ فقيه أجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٥٢ (٢٧٢١)، ابن حجر، التقريب، ٣٠٣ (٣٣٢٠).\n(٣) أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، ٢٤. وقد ذكر محقق كتاب معرفة علوم الحديث للحاكم -الدكتور أحمد فارس السلّوم- في مقدمة تحقيقه أن للحميدي رسالة صغيرة في من يقبل حديثه ويُردّ، وقد أفادني مشكورًا هو والدكتور سعد الحميّد بأنني سأجد بعضًا من نصوصها في مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وفي الكفاية للخطيب البغدادي. والحميدي من تلاميذ الإمام الشافعي، وفي نفس الوقت =","vol":"1","page":49},{"text":"تعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ):\nوصف الإمام مسلم الأحاديث -التي أودعها في صحيحه- بقوله في مقدمة كتابه الصحيح: \"الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد ولا تخليط فاحش، كما قد عثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم\". (١)\nتعريف ابن خزيمة (٢) (ت ٣١١ هـ):\nقال ﵀ في بداية كتاب الوضوء من كتابه الصحيح: \"مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - بنقل العدل عن العدل، موصولًا إليه - ﷺ - من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار، التي نذكرها بمشيئة الله تعالى\". (٣)\n_________\n= من شيوخ البخاري حيث قال ابن حجر في فتح الباري: \"جزم كل من ترجمه- أي البخاري- بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث\"، وقد افتتح كتابه الصحيح بالرواية عنه، حيث ذكر ابن حجر من ضمن تعليله لسبب ذلك: \"لكونه أفقه قرشي أخذ عنه\"، فلا عجب إذن من اهتمام الحميدي -﵀- بذكر شروط الحديث الصحيح، ونجد محقق كتابه المسند الأستاذ حسين سليم أسد يذكر من ضمن الأسباب التي دفعته لتحقيق الكتاب: \"نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (١٣٣٠) حديثًا، منها (٥٨٢) حديثًا اتفق عليه الشيخان، وانفرد البخاري بـ (٩٦) حديثًا منها، بينما انفرد مسلم بـ (١٥٢) حديثًا، وإذا علمنا أن هناك عددًا من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه من الضعيف لوجدناها أقل من ٧% وهذه النسبة لا تكون إلا في الكتب التي بلغت غاية في النظافة\".ا. هـ. المراجع: ابن حجر، فتح الباري، ١/ ١٠، ١/ ١٥، حسين سليم أسد، \"آثار الحميدي، من تحقيقه ودراسته لكتاب أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي، مسند الحميدي، ١/ ٥٨، أحمد فارس السلوم، \"الحاكم أول من صنف في جمع علوم الحديث\" من تحقيقه لكتاب أبي عبدالله الحاكم، معرفة علوم الحديث، ١١.\n(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥، ولم ينصّ ﵀ على تعريف الصحيح بل ذكر طريقة انتقائه للمرويات، ومواصفات الراوي والمروي، ولكونه جرّد كتابه للأحاديث الصحيحة؛ فيُعدّ ذلك تضمينًا لشروط الصحيح عنده، قال ابن الصلاح في كتابه صيانة صحيح مسلم: \"شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر\"، ولابن حجر تعقيب على ما ذكره ابن الصلاح بخصوص اشتراط مسلم نفي الشذوذ، نقل هذا التعقيب السيوطي في تدريب الراوي، وسيأتي بيان ذلك عند تحرير التعريفات بإذن الله. المراجع: ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ٧٢، يُنظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠.\n(٢) محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، أبو بكر، كان فقيها مجتهدا، عالما بالحديث. وله مصنفات عديدة تزيد على ١٤٠ من أشهرها كتابه الصحيح. ينظر: الذهبي، السير، ١١/ ٢٢٥. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٩.\n(٣) ابن خزيمة، الصحيح، ١/ ٤٥، أيضًا نجده ﵀ لم ينص على تعريف للصحيح، بل وصف لنا بشكل عام صفات مروياته في كتابه.","vol":"1","page":50},{"text":"تعريف ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ):\nذكر ﵀ في مقدمة صحيحه شروطه في الراوي والمروي فقال: \"نملي الأخبار بألفاظ الخطاب بأشهرها إسنادًا وأوثَقِها عمادًا من غير وجود قطع في سندها ولا ثبوت جرح في ناقليها\" (١)، وأضاف في نهاية مقدمته: \" وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها.\" (٢)\nوقال في شروط رواة صحيحه:\n\"وأما شرطنا في نَقْلَةِ ما أودعناه كتابنا هذا من السنن فإنا لم نحتجَّ فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء:\nالأول: العدالة في الدين بالسَّتر الجميل. والثاني: الصدق في الحديث بالشُّهرة فيه. والثالث: العقل بما يُحدِّثُ من الحديث. والرابع: العلم بما يُحيلُ من معاني ما يروي. والخامس: المُتَعَرِّى خبره عن التدليس.\nفكل من اجتمع فيه هذه الخصال الخمس احتججنا بحديثه وبَنَيْنَا الكتاب على روايته وكل من تعرَّى عن خصلة من هذه الخصال الخمس لم نحتج به.\" (٣)\nوقال في مقدمة كتابه \"المجروحين\" - مختصرًا لما فصّله سابقًا-:\n\"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد (٤) الثقة في دينه، المعروف بالصدق في حديثه، العاقل بما يحدث به، العالم بما يحيل معاني\n_________\n(١) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، ١/ ٥١ باختصار.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ١٢٦.\n(٣) المرجع السابق، ١/ ١١٢.\n(٤) إشارة منه إلى حجية خبر الآحاد، ورد على من يشترط التعدد في الصحيح.","vol":"1","page":51},{"text":"الحديث من اللفظ، المتبرّي على (١) (هكذا (التدليس في سماع ما يروى عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - سماعًا متصلًا.\" (٢)\nتعريف الخطابي (٣) (ت ٣٨٨ هـ):\nعرّف الخطابي الصحيح بقوله: \"ما اتصل سنده، وعُدِّلت نقَلتُه\" (٤).\nتعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nذكر الحاكم في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم: \"وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة (٥)، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول إلى وقتنا\n_________\n(١) هكذا في المطبوع، ولعل الصواب \"من\" بدلا من \"على\"، كما جاء في تعريف الشافعي السابق: \"بريًّا من أن يكون مدلسا\".\n(٢) ابن حبان، المجروحين، ١/ ٨.\n(٣) حمد بن محمد بن إبراهيم ابن الخطاب البستيّ، أبو سليمان. كان إمامًا في الفقه والحديث واللغة. من تصانيفه: (غريب الحديث) و(شرح البخاري). ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ٣/ ٢٨٢. السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٠٤. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٧٣.\n(٤) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.\n(٥) مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي: إلى ثلاث حالات هي:\n١ - من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). ٢ - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.\n٣ - جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصًا بالجهالة وهو قلّة الرواية.\nالمراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤١٥، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦، ابن حجر، فتح الباري، ١٠/ ٥٧٥، ابن حجر، لسان الميزان، ٦/ ١٣، الجديع، تحرير علوم الحديث، ١/ ٣٥٠. عبدالجواد حمام، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي، ٢/ ٩١١ - ٩٣٧، ٢/ ١١٣٧.","vol":"1","page":52},{"text":"هذا كالشهادة على الشهادة.\" (١)\nتعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):\nنقل الميانشي تعريف الحاكم للصحيح، فقال: \"وصفة الصحيح: أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل العلم بالقَبول، وهو بمنزلة الشهادة، حكاه الحاكم أبو عبدالله\". (٢)\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nقال ﵀: \"أما الحديث الصحيح فهو: الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه؛ ولا يكون شاذًا ولا معللًا\". (٣)\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٦٢. هذا ما عرّف به الحديث الصحيح في هذا الكتاب بينما نجده قد ذكر في كتابه الآخر (المدخل إلى الإكليل) أن الحديث الصحيح على أقسام عشرة ذكرها بأمثلتها، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء تحرير التعريفات ..\n(٢) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٧.\n(٣) ثم بعد أن ذكر التعريف ومحترزاته أردف بقوله: \"فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث. وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف، كما في المرسل.\nومتى قالوا: هذا (حديث صحيح) فمعناه: أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة، وليس من شرطه أن يكون مقطوعا به في نفس الأمر، إذ منه ما ينفرد بروايته عدل واحد، وليس من الأخبار التي أجمعت الأمة على تلقيها بالقبول\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١ - ١٤، ويشير تعقيبه إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تصحيح بعض الأحاديث، وأثر التفرّد في الرواية ولو جمعت شروط الصحيح، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل يتضح بإذن الله في تحرير مصطلح الفرد والشاذ، وبيان من يُحتمل تفرّده من الرواة، ومن لا يُحتمل.","vol":"1","page":53},{"text":"تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من اختصر تعريفه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٢)، ومنهم من استدرك وتعقّب كابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، وتلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث أضاف قيد نفي التدليس، فقال في كتابه الموقظة: \"فالمجمع على صحته إذًا: المتصل السالم من الشذوذ والعلة، وأن يكون رواته ذوي ضبط وعدالة وعدم تدليس\" (٤).\nوأطال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، في تعريف الصحيح - جامعًا أغلب ما اُستدرِك على من سبقه- فقال: \"حاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى\nينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذًا، ولا مردودًا، ولا معللًا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورًا أو غريبًا\" (٥)\n_________\n(١) قال -﵀-: \"هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة\". وقوله \"بالعدول الضابطين\" محتملة لأن يكون مراده مجموع رواة الإسناد من أوله إلى آخره، ويحتمل اشتراطه العدد وليس مرادًا كما قال السيوطي في \"التدريب\": \"توهم أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين، وليس مرادا\"، المراجع: النووي، التقريب، ٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧.\n(٢) قال -﵀- مختصرًا لكلام ابن الصلاح: \"اعلم أن الحديث الصحيح: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة\". ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٣. ثم أشار كغيره إلى سبب الاختلاف في الحكم على بعض الأحاديث بالصحة، والسبب في ذلك اختلافهم في وجود هذه الشروط أو انتفائها، وأعقب ذلك بذكر تعريف الشافعي والخطابي للحديث الصحيح.\n(٣) ناقش تعريف ابن الصلاح ثم تعقّبه بقوله: \"ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط بعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا.\"ا. هـ، فقد أشار إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، ولعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة، حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال. ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥.\n(٤) الذهبي، الموقظة، ٢٤. وسلفه- في إضافة نفي التدليس- الشافعي وابن حبان في شروطهما في رواة الصحيح، وحين ناقش تعريف الحديث الحسن أشار إلى التداخل بينه وبين الصحيح.\n(٥) ابن كثير، الاختصار، ٢٨. فأشار تعريفه إلى أن الصحة لا تقتصر على المسند المرفوع، بل يشمل الموقوف والمقطوع، وكذلك ليس شرطًا أن يكون الحديث عزيزًا بل قد يكون مشهورًا أو غريبًا، ووصف العلة بكونها قادحة، وزاد قيدًا بقوله \"ولا مردودًا\"، ولعله أضافه من باب التأكيد على أن الصحيح من نوع المقبول لا المردود، فإن اُختلف في معنى الشذوذ-كما سيأتي في فصل الحديث الشاذ- فمراده أن الصحيح المتفق عليه يكون من المقبول الذي لم يرد، والله أعلم.","vol":"1","page":54},{"text":"وبعد أن أطال ابن كثير في تعريف الصحيح، عاد ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لاختصاره، حيث نجده في كتابه المقنع صاغ تعريف الصحيح بما عرّفه به النووي في التقريب، فقال: \"ما اتصل إسناده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة\" (١)، ثم عاد واختصره في كتابه التذكرة (٢)، فقال: \"الصحيح: ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه\" (٣).\nومن أبرز ما تمت إضافته - لتعريف ابن الصلاح- وصف التمام لضبط الراوي، وأضافه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) في كتابه نخبة الفكر، فقال: \"وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته\". (٤)\nووافق ابن حجر على إضافة هذا الوصف من جاء بعده من تلامذته وغيرهم (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nاشتمل تعريف ابن الصلاح للصحيح على عدد من القيود والشروط، فقد اشترط لصحة الحديث أن يكون مُسندًا، وأن يكون الإسناد متصلًا، واشترط في رواته العدالة والضبط،\n_________\n(١) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١.\n(٢) ذكر في مقدمة كتابه التذكرة في علوم الحديث: أنها مقتضبة من المقنع، فقال: \"فهذه تذكرة في علوم الحديث، يتنبه بها المبتدي، ويتبصر بها المنتهي، اقتضبتها من (المقنع) تأليفي\"، وهي رسالة مختصرة في علوم الحديث. ابن الملقن، التذكرة، ١٣.\n(٣) ثم أتبعه بقوله: \"ومنه المتفق عليه، وهو ما أودعه الشيخان في صحيحهما\". المرجع السابق، ١٤.\n(٤) ابن حجر، نزهة النظر، ٦٧.\n(٥) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٨٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩، السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣.","vol":"1","page":55},{"text":"ونفى عنه الشذوذ والعلة، وهناك من زاد شروطًا أخرى: كاشتراط الشهرة في الرواة، واشتراط تعددهم، ونفي التدليس في روايتهم، وسيأتي إيضاح لكل قيد من هذه القيود، وبيان اتفاقهم على اشتراطها أو اختلافهم في ذلك.\n\nوأبدأ أولًا ب<span data-type=\"title\" id=toc-18> قيود الصحيح عند ابن الصلاح</span>، مؤخرةً اشتراط كونه مسندًا رغم تقدّمه في التعريف لتعلّق إيضاح المراد به بوضوح المراد في القيود الأخرى، ثم ألحقت بها القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح.\nقيود الصحيح عند ابن الصلاح:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>القيد الأول: اتصال السند:</span>\nالاتصال في اللغة: من الوصل، واتصل الشيء بالشيء: لم ينقطع (١)، فالاتصال ضد الانقطاع.\nوفي الاصطلاح: قال ابن الصلاح تحت النوع الخامس من أنواع علوم الحديث: معرفة المتّصل، \"ويقال فيه أيضا: الموصول، ومطلقه يقع على المرفوع (٢) والموقوف (٣). وهو\nالذي اتصل إسناده، فكان كل واحد من رواته قد سمعه ممن فوقه، حتى ينتهي إلى منتهاه\". (٤)\n_________\n(١) ينظر مادة (وص ل): الفيروز آبادي، القاموس، ١٠٦٨، الزبيدي، تاج العروس، ٣١/ ٧٩.\n(٢) \"المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله - ﷺ - خاصة.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٥، ينظر: النووي، التقريب، ٣٢، الذهبي، الموقظة، ٤١، ابن حجر، النزهة، ١٣١.\n(٣) الموقوف: \"ما يروى عن الصحابة ﵃ من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله - ﷺ -.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٦. ينظر: النووي، التقريب، ٣٣، الذهبي، الموقظة، ٤١، ابن حجر، النزهة، ١٣٩.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٤.","vol":"1","page":56},{"text":"وقال ابن حجر: \"المتّصل: ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه.\" (١)\nوالسَّند في اللغة: \"أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا\" (٢)، و\"السَّنَدُ: ما ارتفع من الارض ...، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئًا فهو مُسنَد\" (٣).\nوفي الاصطلاح: ذكر نقلة الخَبر، أو الطريق الموصلة إلى المتن، وهو رجاله الذين رووه (٤).\nفمعنى اتصال السند: أن يكون كل راوٍ من الرواة قد تحمّل الحديث عن شيخه بوجه من وجوه التحمّل (٥) الصحيح،\nويخرج بهذا القيد ما في سنده نوع انقطاع (٦).\nواشتراطهم الاتصال في الحديث الصحيح؛ للجهالة بحال الساقط من السند من حيث توفّر شرط الصحيح فيه أو اختلال ذلك، وبتأمل ما ذكره من سبق ابن الصلاح في بيان حد الصحيح، أو شروطه نجد شبه اتفاق على هذا القيد، وإن لم ينصّ بعضهم عليه.\n_________\n(١) ابن حجر، نزهة النظر، ٧٠.\n(٢) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٠٥.\n(٣) الفراهيدي، كتاب العين، ٧/ ٢٢٨.\n(٤) ينظر: الجعبري، الرسوم، ١٣٤، ابن حجر، النزهة، ١٣٠، الدهلوي، أصول الحديث، ٤٠.\n(٥) تحمّل الحديث: هو تلقِّي الحديث وأخذه عن الشيوخ، ونقله عنهم بأيّ طريقة من طُرق التحمّل المعتبرة عند علماء الحديث. يُنظر: أبو شُهبة، الوسيط، ٩٤، الغوري، موسوعة علوم الحديث، ١/ ٤٣٣.\n(٦) كالمرسل، والمنقطع، والمعضل، والمعلّق، ... هذا عند الإطلاق ; كما يشير إليه قول ابن الصلاح.\n(فمطلق المتصل) - يقع على المرفوع والموقوف، أما مع التقييد فهو جائز، بل واقع أيضا في كلامهم، يقولون: هذا متصل إلى سعيد بن المسيب، أو إلى الزهري، أو إلى مالك، ونحو ذلك. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":57},{"text":"فلقد نصّ الشافعي على شرط الاتصال صراحةً بقوله: \"حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه\"، (١) وكذلك الحميدي نصّ على الاتصال بقوله: \"متصلًا غير مقطوع (٢) \"، بل نجده يتحرّى ذلك في مسنده. (٣)\nأما مسلم فلم ينصّ على شرط الاتصال صراحة لكن كلامه في مقدمة صحيحه يتضمنه حين صحح الحديث المعنعن (٤) وحمله على السماع بقوله: \"كل رجل ثقة روى عن مثله\n_________\n(١) ونجده يُشدد في قبول الحديث المرسل -والذي هو نوع من انقطاع السند- ويضع لذلك شروطًا لكل من الراوي المُرسِل وللرواية المرسلة وذلك في كتابه الرسالة، ينظر: الشافعي، الرسالة، ٤٦١ - ٤٦٤، وتتكرر عباراته وتتنوع -في تقديم الرواية المتصلة على المنقطعة، وعدم احتجاجه بالمنقطع إلا بشروط- في مناقشته للمسائل والأحكام في كتابه الأم، وكذلك إثباته سماع الراوي ممن هو فوقه في الإسناد، أو عدم سماعه. ينظر: الشافعي، الأم، ٢/ ١٢٣، ٤/ ١٨٣، ٥/ ٤٠٨، ٧/ ٣٢٢، ٩/ ١٩٩.\n(٢) أخرج الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية عن الحميدي قوله: \"فإن قال قائل: \"فما الحجة في ترك الحديث المقطوع، والذي يكون في إسناده رجل ساقط وأكثر من ذلك، ولم يزل الناس يحدثون بالمقطوع، وما كان في إسناده رجل ساقط وأكثر ... \" ويتضح من كلام الحميدي أنه يريد بالمقطوع المنقطع. قال ابن الصلاح: \"المقطوع: ما جاء عن التابعين موقوفا عليهم من أقوالهم أو أفعالهم، ... وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع غير الموصول في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني وغيرهما، والله أعلم\". وقد ذكر ذلك السيوطي في كتابه تدريب الراوي حيث قال: \"المقطوع، وجمعه المقاطع، والمقاطيع، وهو الموقوف على التابعي قولا له، أو فعلا، واستعمله الشافعي، ثم الطبراني في المنقطع الذي لم يتصل إسناده، وكذا في كلام أبي بكر الحميدي، والدارقطني. إلا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح\" والذي استقرّ عليه المتأخرون أن المنقطع غير المقطوع. المراجع ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٩٠، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٤٠، السيوطي، التدريب، ١/ ١٠١.\n(٣) فمن أمثلة تحرّيه اتصال السند ما أخرجه في مسنده من طريق شيخه سفيان بن عيينة، وأشار إلى أنه بداية لم يصرّح بسماعه من الزهري، فأوقف الرواية عليه، ثم صرّح بالسماع فرواها عنه مسندة، فقال: \"ثنا سفيان قال سمعت الزهري يحدث عن عروة، عن عائشة قالت: «طيبت رسول الله - ﷺ - بيدي هاتين لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت» قال أبو بكر: وهذا مما لم يكن يحدث به سفيان قديما عن الزهري فوقفناه عليه، فقال: قد سمعته من الزهري.\" الحميدي، المسند، ١/ ٢٦٢ ح (٢١٣). وصرّح في حديث آخر بأن شيخه سفيان لم يسمعه من الزهري فقال: \"ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة عن النبي - ﷺ - ... قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان من الزهري.\" المرجع السابق، ١/ ٢٨١ ح (٢٤٧).\n(٤) تطرّق ابن حجر- في مقدمة كتابه فتح الباري- إلى ما يتعلّق بخصوص شرط الاتصال عند مسلم في صحيحه، والفرق بينه وبين شرط البخاري فيه، فقال: \"ما يتعلق بالاتصال ... وذلك أن مسلما كان مذهبه ... أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن ومن عنعن عنه، وإن لم يثبت اجتماعهما إلا إن كان المُعنعِن مُدلِّسا، والبخاري لا يحمل ذلك على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة ...، وهذا مما ترجح به كتابه لأنا وإن سلَّمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال، فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال، والله أعلم\".\nوقال أيضًا في كتابه النكت: \"وأما أول من صنف الصحيح المعتبر عند أئمة الحديث.\nوقد اختلفت مذاهب العلماء في الحديث المعنعن، وممن حقق المسألة وأطال فيها ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، وإنما أشرت إلى مسألة الحديث المعنعن عند مسلم لبيان شرطه للاتصال في صحيحه. المراجع: ابن حجر، هدي الساري، ١٢، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٧٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٦١. الحاكم، علوم الحديث، ٣٤. ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٩٥ - ٥٩٩.","vol":"1","page":58},{"text":"حديثا وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام فالرواية ثابتة. والحجة بها لازمة. إلا أن يكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا.\" (١)\nويرى ﵀ أن التفتيش عن موضع السماع في الأسانيد يكون لمن عُرف عنه التدليس، حيث قال: \"وإنما كان تفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس.\" (٢)، وكلامه ﵀ يُدلِّل على حرص الأئمة على التأكد من سلامة الإسناد من السقط والانقطاع، ويدلل على ذلك أيضًا صنيعه في كتابه التمييز، حيث أعلّ أحاديث لانقطاع في سندها (٣).\n_________\n(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٢٩.\n(٢) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٣٣. ذكر ابن حجر حين قسّم المدلسين إلى طبقات ومراتب أن منهم: \"من احتمل الائمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري أو كان لا يدلس الا عن ثقة كابن عيينة\". ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣.\n(٣) من أمثلة ذلك: ما ذكره من سبب إعلاله لحديث ابن لهيعة، وهو أنه أخد الحديث من كتاب دون سماع ولا عرض على المحدث، فقال: \"الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب، وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر. وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية، أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه فيما ذكر، وهي الآفة التي نخشى على من أخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه. فإذا كان أحد هذين -السماع أو العرض- فخليق أن لا يأتي صاحبه التصحيف القبيح وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله.\" مسلم، كتاب التمييز، ١٨٨.\nوقد أعلّ كذلك بعض طرق حديث مواقيت الحج المكانية بعدد من العلل، وأعلّ طريق ميمون ابن مهران عن ابن عمر، بعدم سماع ميمون من ابن عمر فقال: \"وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم، ونافع، وابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر، من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر\". المرجع السابق، ٢١٥. ينظر كذلك: محمد عوّامة، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه.","vol":"1","page":59},{"text":"وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وعدّ من أسباب إعلاله الحديث وتضعيفه انقطاع سنده وتصريحه بعدم سماع الراوي ممن هو فوقه (١)، بل يستدرك على\nنفسه في بعض الأحاديث التي اتضحت له علتها -بانقطاع سندها- بعد إخراجه لها فنبّه عليها. (٢)\nوكذلك صرّح ابن حبان بضرورة اتصال السند لصحة الحديث، ولم تخْلُ تعقيباته بعد بعض مروياته في صحيحه من الإشارة إلى ذلك (٣)، وقد حرص أيضًا على بيان\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في صحيحه: قوله تحت كتاب الإمامة في الصلاة، \"باب اختيار صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في المسجد، إن ثبت الخبر، فإني لا أعرف السائب مولى أم سلمة بعدالة ولا جرح، ولا أقف على سماع حبيب بن أبي ثابت هذا الخبر من ابن عمر، ولا هل سمع قتادة خبره من مورق، عن أبي الأحوص أم لا؛ بل كأني لا أشك أن قتادة لم يسمع من أبي الأحوص؛ لأنه أدخل في بعض أخبار أبي الأحوص بينه وبين أبي الأحوص مورقا، وهذا الخبر نفسه أدخل همام وسعيد بن بشير بينهما مورقا ... \" ثم ذكر عددًا من الأحاديث (١٦٨٣ - ١٦٨٤ - ١٦٨٥ - ١٦٨٦ - ١٦٨٧) ثم أعقبها بقوله: \"وإنما قلت: ولا هل سمع قتادة هذا الخبر عن أبي الأحوص لرواية سليمان التيمي هذا الخبر عن قتادة عن أبي الأحوص؛ لأنه أسقط مورقًا من الإسناد، وهمام وسعيد بن بشير أدخلا في الإسناد مورقًا، وإنما شككت أيضا في صحته لأني لا أقف على سماع قتادة هذا الخبر من مورق\". ابن خزيمة، الصحيح، ٣/ ٩٢ - ٩٣، وذكر تحت كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا ... عددًا من الأحاديث ثم أعقبها بقوله: \" فكل ما لم أقل إلى آخر هذا الباب: إن هذا صحيح، فليس من شرطنا في هذا الكتاب، والحسن لم يسمع من ثوبان\". المرجع السابق، ٣/ ٢٣٦، ح (١٩٨٤). للاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.\n(٢) ينظر صحيح ابن خزيمة: قوله: \"هذا الخبر له علة لم يسمعه الأعمش، عن شقيق لم أكن فهمته في الوقت\" ١/ ٢٥ ح (٣٧)، وقوله كذلك: \"خبر حماد بن زيد غير متصل الإسناد غلطنا في إخراجه؛ فإن بين هشام بن عروة، وبين محمد بن عمرو بن عطاء، وهب بن كيسان\" ١/ ٢٦ ح (٣٨). وقوله: \"غلطنا في إخراج الحديث؛ لأن هذا مرسل، موسى بن أبي عثمان لم يسمع من أبي هريرة، أبوه أبو عثمان التبان، روى عن أبي هريرة أخبارا سمعها منه\" ٣/ ١١٥ ح (١٧٢٨).\n(٣) من أمثلة ذلك في صحيحه: - أن ابن حبان بعد أن أخرج حديثًا لأبي هريرة - ﵁ - من رواية سعيد ابن أبي الحسن عنه، أشار إلى سبب إثباته لسماع هذا التابعي من أبي هريرة؛ بقوله: \"سعيد بن أبي الحسن سمع أبا هريرة بالمدينة؛ لأنه بها نشأ. والحسن لم يسمع منه؛ لخروجه عنها في يَفَاعته.\" صحيح ابن حبان، ٢/ ٢٩٧ ح (٩٦٧).\n- وأخرج كذلك حديثًا لثوبان من رواية أبي كبشة السلولي، ولم يخرجه من طريق سالم بن أبي الجعد لانقطاعه، فقال: \"وخبر سالم بن أبي الجعد عن ثوبان خبر منقطع فلذلك تنكبناه\" المرجع السابق، ٢/ ٣٣٧ ح (١٠٣٤). والرواية الأخرى من طريق سالم أخرجها الإمام أحمد في مسنده، والدارمي في سننه، والحاكم في المستدرك. ينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، ٣٧/ ٦٠ ح (٢٢٣٧٨)، مسند الدارمي كتاب الطهارة، باب ما جاء في الطهور، ١/ ٥١٩ ح (٦٨١)، الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، ١/ ٢٢١ ح (٤٤٨).","vol":"1","page":60},{"text":"مسموعات الراوي من عدمها في كتابيه الثقات (١) والمجروحين (٢).\nوصرّح الخطابي بهذا الشرط، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (٣)\nأما الحاكم -وقد تابعه الميانشي (٤) - فلم ينصّ عليه في تعريفه للصحيح، لكنه أشار إلى أهمية شرط الاتصال؛ للاحتجاج بالرواية، وذلك حين عرّف المُسنَد (٥) في كتابه معرفة\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في كتابه الثقات: ذكر ابن حبان في ترجمة: حرام بن سعد أنه يروى قصة ناقة البراء، ولم يسمع من البراء، وقيل إنه يروي عن أبيه عن البراء. ٤/ ١٨٥، وفي ترجمة زياد بن مالك قال: \"يروي عن ابن مسعود، ولم يسمع منه\" ٤/ ٢٦٠، وفي ترجمة: أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: \"يروي عن أبيه، ولم يسمع منه\" ٥/ ٥٦١.\n(٢) من أمثلة ذلك في كتابه المجروحين: قوله في ترجمة: باذام أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب، يحدث عن ابن عباس، ولم يسمع منه. ١/ ١٨٥، وفي ترجمة: عبد الله بن زياد ابن سمعان مولى أم سلمة، قال: \"يروي عن الزهري ونافع وقد روى عن مجاهد ولم يره روى ... كان ممن يروي عمن لم يره ويحدث بما لم يسمع\" ٢/ ٧، وقال عن: مطرف بن مازن الكناني: \"قاضي اليمن، ... كان ممن يحدث بما لم يسمع، ويروي ما لم يكتب عمن لم يره، لا تجوز الرواية عنه إلا عند الخواص للاعتبار فقط.\" ٣/ ٢٩.\n(٣) من أمثلة ذلك: ففي سنن أبي داود كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء عند الحدث: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن عكرمة، أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت «فأمرها النبي - ﷺ - أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، ...» ١/ ٨٢ ح (٣٠٥) قال الخطابي في معالم السنن: \"هذا الحديث منقطع، وعكرمة لم يسمع من أم حبيبة بنت جحش.\" ١/ ٩٤.\nوأخرج أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا عباد بن العوام، ح وحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، قال: هارون عن أبي هريرة، أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي - ﷺ -: شاة مسمومة، ... \" وفي الحديث الآخر قال: \"حدثنا سليمان بن داود المهري، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية، من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله - ﷺ -، ... \" ٤/ ١٧٣ - ١٧٤ ح (٤٥٠٩ - ٤٥١٠)، قال الخطابي: \"أما حديث اليهودية فقد اختلفت الرواية فيه وأما حديث أبي سلمة فليس بمتصل. وحديث جابر أيضًا ليس بذاك المتصل؛ لأن الزهري لم يسمع من جابر شيئًا.\" ٤/ ٧. ووضّح الخطابي في حديث آخر سبب تضعيفهم له بقوله: \"إنما ضعفوا حديث عمرو ابن شعيب من قبل الحجاج بن أرطاة لأنه معروف بالتدليس.\" ٣/ ٢٥٩.\n(٤) فقد نقل تعريف الحاكم، ولم يعقّب عليه.\n(٥) ذُكِر للمُسند تعريفات ثلاثة ذكرها ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث:\n١ - وهو الذي اتصل إسناده من راويه إلى منتهاه.\n٢ - ما رُفِع إلى النبي - ﷺ - خاصة، سواءٌ كان متصلًا أو منقطعًا.\n٣ - ما جمع بين رفعه إلى النبي - ﷺ -، واتصال إسناده. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢ - ٤٣، وسيأتي مزيد إيضاح للمراد بالمسند في القيد السادس من قيود التعريف.","vol":"1","page":61},{"text":"علوم الحديث، وحدّه بكونه المرفوع الموصول، وأردف بقوله: \"ثم مع هذه الشرائط أيضًا لا نحكم لهذا الحديث بالصحة، فإن الصحيح من الحديث له شرط نذكره في موضعه إن شاء الله.\" (١)\nوقد ذكر -﵀- اختلاف الأئمة في الاحتجاج بغير المتصل، بل عدّ المراسيل (٢)، وأخبار الأئمة الثقات من المدلسين من أقسام الصحيح المختلف فيه، وذلك في كتابه المدخل إلى الإكليل (٣)، هذا فيما يخص روايات الثقات؛ بينما عدّ ضمن طبقات المجروحين، في الطبقة الخامسة: رواة وصلوا أحاديث مرسلة، والطبقة السابعة: رواة أكثروا السماع من شيوخ ثم عمدوا إلى أحاديث لم يسمعوها عنهم فرووها بالسماع، ولم يميزوا بين ما سمعوا وما لم يسمعوا (٤)، وفي تجريح الرواة بما سبق تضمين لاشتراط الاتصال لصحة الإسناد.\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٧. حيث قال في النوع الرابع من معرفة علوم الحديث: \"معرفة المسانيد من الأحاديث وهذا علم كبير من هذا الأنواع لاختلاف أئمة المسلمين في الاحتجاج بغير المسند\n(٢) جمع مرسل، والمرسل في الاصطلاح اُختلف في تعريفه، والمشهور: هو ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان التابعي صغيرًا أم كبيرًا. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥١، ابن حجر، النزهة، ١٠٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢١٩، عتر، منهج النقد، ٣٧٠، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٣) الحاكم، المدخل إلى كتاب الإكليل، ٣٧ - ٣٩.\n(٤) ينظر: المرجع السابق، ٦١ - ٦٤.","vol":"1","page":62},{"text":"أمّا من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحت أغلب تعريفاتهم باشتراط الاتصال في السند، بينما تضمّن بعضها ذلك باشتراط السلامة من القدح أو الطعن بشكل عام، فإن كان الانقطاع في السند قادحًا فقد تضمن شرطهم نفيه. (١)\nنخلص مما سبق:\nأن الأغلب سواء قبل ابن الصلاح أو بعده قد اشترطوا اتصال السند في الحديث الصحيح إما نصاّ أو ضمنًا، مع إشارة الحاكم إلى اختلاف بعضهم في تصحيح بعض المراسيل أو روايات الثقات من المدلسين. (٢)\nفاشتراط اتصال السند في حدّ تعريف الحديث الصحيح إنما هو في الصحيح المتّفق عليه كما أشار أكثر من واحد من علماء هذا الفن، ويوضح ذلك ما ذكره ابن حجر حين المفاضلة بين موطأ مالك، وصحيح البخاري، حيث قال:\n\"ذلك محمول على أصل اشتراط الصحة، فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا؛ فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات (٣) والبلاغات (٤) في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع\n_________\n(١) كتعريف الجعبري للصحيح، وتعريف ابن الملقّن في التذكرة بينما صرّح في كتابه المقنع باشتراطه، وقد اختصر عبدالحق الدهلوي تعريف ابن حجر للصحيح إلا أنه أغفل ذكر هذا القيد!، ولعله سقط سهوًا. المراجع: ينظر: الجعبري، الرسوم، ٥٤، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١، ابن الملقن، التذكرة، ١٤، الدهلوي، أصول الحديث، ٥٨.\n(٢) ويلحق بشرط الاتصال ما اشترطه بعضهم من الشروط الزائدة على حدّ الصحيح عند ابن الصلاح، وهو شرط نفي التدليس، وسيأتي معنا تفصيل ذلك بإذن الله.\n(٣) اُختلِف في تعريف المنقطع، حيث يشمل عند المتقدمين لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره. أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته، بينما خصّ المتأخرون تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي. المراجع، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧ - ٥٩، ابن حجر، النزهة، ١٠٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٥ - ١٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٤) \"البلاغات: الأسانيد التي ورد فيها: (بلغني عن فلان). مثل بلاغات مالك وغيره.\" الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث، ٣١.","vol":"1","page":63},{"text":"كتابه كالتعليقات (١) والتراجم (٢)، ولا شك أن المنقطع وأن كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصل أقوى منه إذا اشترك كل من رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شفوف (٣) (هكذا (كتاب البخاري\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>القيد الثاني: العدالة:</span>\nالعدالة في اللغة:\nمصدر من عَدَلَ يَعْدِلُ، فهو عادِلٌ وعَدْل.\n_________\n(١) المعلّق في الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤، ابن حجر، النزهة، ٩٨.\n(٢) يقصد بها عناوين الأبواب، فالترجمة: \"يراد بها في كتب الحديث عنوان على الأحاديث يدل على موضوعها\". قال ابن الصلاح: \"ثم إن ما يتقاعد من ذلك عن شرط الصحيح قليل، يوجد في كتاب البخاري في مواضع من تراجم الأبواب دون مقاصد الكتاب وموضوعه الذي يشعر به اسمه الذي سماه به ... \" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٦، الخيرآبادي، المعجم، ٣٦.\n(٣) كذا في المطبوع (طبعة دار المعرفة)، وفي المخطوط \" تفوق\". شهاب الدين أبو الفضل أحمد ابن علي بن محمد بن حجر العسقلاني، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، ٣٢٨٩٣٧، مصورة، اللوح ٥، ص ١٠.\n(٤) ابن حجر، هدي الساري، ١٠، وقد أفرد ابن حجر في مقدمته فصلًا كاملًا للرد على الأحاديث التي اُنتقد على الشيخين إخراجها في الصحيح، وكان مما اُنتقد عليهما إخراج أحاديث أُعلِّت بالانقطاع، وكان جوابه على ذلك:\n\"وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساما:\nمنها ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة، وعلله الناقد بالطريق الناقصة، فهو تعليل مردود كما صرح به الدارقطني فيما سيحكيه عنه في الحديث الخامس والأربعين؛ لأن الراوي إن كان سمعه فالزيادة لا تضر؛ لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطع والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعل الصحيح ... وإن أخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف، فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيا أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكا بينا أو صرح بالسماع إن كان مدلسا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرا فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد أو ما حفته قرينة في الجملة تقويه ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع ...\nوربما علل بعض النقاد أحاديث أدعى فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة والإجازة، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإجازة؛ بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإجازة عنده، ... \" ابن حجر، المرجع السابق، ٣٤٧ باختصار، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ١٤٧ - ١٤٩.","vol":"1","page":64},{"text":"والعدْل من الناس: المرضيُّ من الناس قوله وحكمه، وقيل: المستوي الطريقة. (١)\nوفي الاصطلاح: تتقارب أقوال العلماء في بيان معنى العدالة، وصفات العَدْل، ومن ذلك:\nقول الشافعي: \"لا أعلم أحدًا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا ﵇، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعة، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المُعدَّل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المُجرَّح.\" (٢)، فأجمل الشافعي القول في العدْل بأنه من غلبت عليه الطاعة، وفصّل ابن الصلاح صفاته فقال:\n\"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ... وتفصيله أن يكون مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، سالمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة (٣).\" (٤)\nأمّا ابن حجر فقد عرّف العدل بقوله: \"من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة\". (٥)\n_________\n(١) يُنظر: الفراهيدي، كتاب العين، ٢/ ٣٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٢٤٦، الفيروزأبادي، القاموس، ١٠٣٠.\n(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٧٩.\n(٣) فالمروءة كما ذكر السخاوي في الفتح هي: \"رعاية مناهج الشرع وآدابه، والاهتداء بالسلف، والاقتداء بهم\"، وقيل: \"آداب نفسانية تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات\"، وخوارم المروءة: \"هي كل ما يحطّ من قدر الإنسان في العُرف الاجتماعي الصحيح، مثل التبوُّل في الطريق، وكثرة السخرية، والاستخفاف؛ لأن من فعل ذلك كان قليل المبالاة، لا نأمن أن يستهتر في نقل الحديث النبوي، وأما الأكل، والشرب في السوق- كما عدّهما البعض خلاف المروءة- فهما يُنظر فيهما إلى العُرف، فشرب المشروبات من الشاي، والبارد، وتناول بعض الأشياء في السوق لا يُعدُّ في عرف اليوم مخالفًا للمروءة.\" المراجع: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٧، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٩٧، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٦٠.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥.\n(٥) ابن حجر، نزهة، ٦٩.","vol":"1","page":65},{"text":"قال الحازمي (١): \"قد أجمع أهل العلم على أنه لا يُقبل إلا خبر العدل، وكل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي - ﷺ - لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، وإمعان النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله - ﷺ -؛ لأن عدالة الصحابي ثابتة معلومة بتعديل الله تعالى لأصحاب النبي - ﷺ - وإخباره عن طهارتهم، وصفات العدالة هي اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه، وتجنّب الفواحش\nالمسقطة، وتحرّي الحق والتوقّي في اللفظ مما يلثم الدين والمروءة، وليس يكفيه في ذلك اجتناب الكبائر حتى يجتنب الإصرار على الصغائر.\" (٢)\nوبالنظر إلى تعريفات الحديث الصحيح نجدها قد تضمنت اشتراط العدالة في الرواة كشرط للصحيح إمّا بالنصّ على لفظ العدل أو ما يقوم مقامه من صفات كالثقة (٣) والاستقامة، وحرصوا على خلوِّ مروياتهم من الرواة المجروحين في عدالتهم، قال الإمام مسلم في مقدمته: \"فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم ... \" (٤)\n_________\n(١) محمد بن موسى بن عثمان بن حازم، الحافظ أبو بكر الحازمي الهمداني الشافعي. محدث مؤرخ فقيه، ومن أحفظ الناس للحديث وأسانيده. له: (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ). مات سنة ٥٨٤. ينظر: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ٢/ ٤٦. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٧٤٢ (١٦٢٠١).\n(٢) الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، ٥٥.\n(٣) استدرك الزركشي وتبعه السيوطي على ابن الصلاح إسهابه في تعريف الصحيح برواية العدل الضابط، فقال الزركشي: \"ولو قال بنقل الثقة عن الثقة لاستغنى عما ذكر؛ لأن ذلك معنى الثقة\" ونقل السيوطي هذا الاستدراك بقوله: \"قيل: كان الأفضل أن يقول بنقل الثقة؛ لأنه من جمع العدالة والضبط، والتعاريف تصان عن الإسهاب\". إلا أن للذهبي رأيًا آخر معتبرًا بخصوص لفظ الثقة حيث قال: \"وقد اشتَهَر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يُجرَح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يُسمَّى: (مستورًا)، ويُسمىَّ: (محلهُّ الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) \". لذا قد يكون الجمع بين لفظ العدالة وبيان درجة ضبطه وإتقانه في حدّ الصحيح أكثر دقة ووضوح لصفات الراوي، وأبعد عن الإشكال من الاقتصار على لفظ الثقة، والله أعلم. المراجع: الزركشي، النكت، ١/ ١٠٠، السيوطي، التدريب، ٦١، الذهبي، الموقظة، ٧٨.\n(٤) مسلم، الصحيح، ١/ ٧. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: \"ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم ... \" ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.","vol":"1","page":66},{"text":"وقد صرّح ابن خزيمة بهذا الشرط في صحيحه، وضعّف أحاديث وأعلّها أو توقّف في صحتها لجرح في رواتها أو في أحدهم. (١)\nولابن حبان تعريف خاص بالعدل عنده، فقد قال في كتابه الثقات: \"العدْل من لم يُعرَف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلَم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده، إذ لم يُكلَّف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلِّفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المُغيّب عنهم.\" (٢)؛ لذا اُنتقد عليه إخراجه لأحاديث رواة مجروحين، إلا أنه برر ذلك بالشروط التي اشترطها في كتابه الثقات حيث أحال عليه، فقال في مقدمة صحيحه:\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: نجده يؤكّد على اشتراط عدالة الرواة لصحة الخبر، فقال بعد أن أخرج حديثًا في كتاب الوضوء، باب الأمر بالوضوء من أكل لحوم الإبل: \"ولم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر أيضا صحيح من جهة النقل لعدالة ناقليه.\" ١/ ٢١ ح (٣٢).\nوأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، تحت باب إباحة الفطر في اليوم الذي يخرج المرء فيه مسافرا من بلده ثم أعلّه بقوله: \"إن ثبت الخبر! \" فقال: \"حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى، حدثنا عبدالله بن يزيد المقرئ، حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب، حدثني يزيد بن أبي حبيب أن كليب بن ذهل الحضرمي حدثه، عن عبيد ابن جبير .... ثم أعقبه بقوله: \"لست أعرف كليب بن ذهل، ولا عبيد بن جبير، ولا أقبل دين من لا أعرفه بعدالة\" ٣/ ٢٦٥ ح (٢٠٤٠).\nوأخرج حديثاّ في كتاب الصيام، باب ذكر البيان أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم جميعا، وعقّبه بقوله: \"وهذا الإسناد غلط ليس فيه عطاء بن يسار، ولا أبو سعيد وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبيت بحديثه لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد\" ٣/ ٢٣٣ ح (١٩٧٢).\nللاستزادة ينظر: محمد عوّامة، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه.\n(٢) ابن حبان، الثقات، ١/ ١٣. وقد تعقّب ابن حجر مذهب ابن حبان بقوله في كتابه لسان الميزان: \"وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه، مذهب عجيب، والجمهور على خلافه. وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه فإنه يذكر خلقا ممن ينص عليهم أبو حاتم، وَغيره على أنهم مجهولون، وكأن عند ابن حبان: أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره.\" ا. هـ.\nوقد أشار الدكتور عوامة إلى اختلاف موقف ابن حجر من مذهب ابن حبان في توثيق الرواةويُجمع بين موقفه الأول النظري، وموقفه الثاني التطبيقي، بأن الأول كان أولًا من حيث الزمن، فإن فراغه من تأليف (لسان الميزان) كان سنة ٨٠٥ هـ، ولنقدِّر تاريخ البدء به قبل سنة واحدة، أما نقوله المتقدمة عن (الأمالي المطلقة) فكانت متأخرة، كان أولها آخر سنة ٨٢٨ هـ، وآخرها أواخر سنة ٨٣٠ هـ. والله تعالى أعلم.\".\nوقال الدكتور عبدالجواد حمام ضمن نتائج بحثه الموسوم بـ (جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي): \"منهج ابن حبان الذي اختطّه وأدار عليه كتابه (الثقات) فيه توسّع وتساهل في الظاهر من حيث عدّ الأصل في الرواة العدالة حتى يثبت خلافها، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أحاديث هؤلاء إلا بشروط نصَّ عليها، وكثير من المحدِّثين المحقِّقين يوافقونه في تطبيقاتهم وأحكامهم.\" المراجع: ابن حجر، لسان الميزان، ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩، حمام، جهالة الرواة، ٢/ ١١٣٧، محمد عوّامة، لمحات في بيان مذهب ابن حبان في معرفة الثقات، ٤٩ - ٥٢ باختصار.","vol":"1","page":67},{"text":"\"وقد احتججنا في كتابنا هذا بجماعة قد قَدَحَ فيهم بعض أئمتنا، فمن أحب الوقوف على تفصيل أسمائهم؛ فلينظر في الكتاب المختصر من (تاريخ الثقات) يجد فيه الأصول التي بنينا ذلك الكتاب عليها، (١) حتى لا يُعرِّجَ على قدح قادح في محدِّث على الإطلاق من غير\nكشفٍ عن حقيقته.\" (٢)\n_________\n(١) \"فكل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره؛ إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال:\n- إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره،\n- أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته.\n- أو الخبر يكون مرسلا لا يلزمنا به الحجة.\n- أو يكون منقطعا لا يقوم بمثله الحجة.\n- أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره ... \" ابن حبان، الثقات، ١/ ١١ - ١٢.\n(٢) صحيح ابن حبان، ينظر: الألباني، التعليقات على صحيح ابن حبان، ١/ ١٢٦. من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ - في التشهّد في الصلاة، أعقبه بقول الحسن بن الحر: \"وزادني فيه محمد بن أبان بهذا الإسناد قال: فإذا قلت هذا، فإن شئت فقم.\" وعقّب ابن حبان بقوله: \"محمد بن أبان ضعيف قد تبرأنا من عهدته في كتاب (المجروحين).\" ينظر: صحيح ابن حبان، ٣/ ٣٩٦ ح (١٩٦٠).\n- وقد عنون لحديث بقوله: ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول، ذكر تحته حديث لجابر بن سمرة - ﵁ - في الترخيص في الصلاة في مَبَات الغنم ... وأعقبه بقوله: \"أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور؛ فجعفر بن أبي ثور، هو: أبو ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة، روى عنه: عثمان بن عبد الله بن موهب، وأشعث بن أبي الشعثاء، وسماك ابن حرب؛ فمن لم يُحكِم صناعة الحديث توهم أنهما رجلان مجهولان فتفهموا- رحمكم الله- كيلا تغالطوا فيه.\" المرجع السابق، ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ ح (١١٢٣).\nونبّه إلى الخلط أو الوهم بين الرواة خاصة إذا كان أحدهم ثقة أو صدوق والآخر ضعيف، وكان سبب الخلط اشتهارهم بالكنية، وروايتهم عن الشيخ نفسه، فقال بعد أن أخرج حديثًا لابن عباس - ﵁ - في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها ... \"أبو حريز؛ اسمه: عبدالله بن الحسين قاضي سجستان.\nوأبو حريز -مولى الزهري- ضعيف واهٍ؛ اسمه: سليم، وجميعًا يرويان عن الزهري.\" المرجع السابق، ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢ ح (٤١٠٤). وقال في كتابه الثقات: \"أبو حريز اسمه عبدالله بن الحسين، أصله من البصرة، كان قاضيا بسجستان، يروي عن: الشعبي وعكرمة. روى عنه: الفضيل بن ميسرة، وليس هذا بأبي حريز مولى الزهري ذاك واه وهذا صدوق.\" ابن حبان، الثقات، ٧/ ٢٤ - ٢٥.","vol":"1","page":68},{"text":"وصرّح الخطابي باشتراط العدالة في رواة الصحيح، وأعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لاختلال شرط العدالة في بعض رواتها. (١)\nوقد نصّ ابن الملقن على شرط العدالة في كتابه المقنع، أما في التذكرة فقد كان تعريفه عامًا باشتراط السلامة من الطعن في الإسناد والمتن، ولا شك أن العدالة تدخل ضمنًا في تعريفه؛ إذ هي \"الركن الأكبر في الرواية\" (٢)، وسبق في كلام الحازمي ذِكر الإجماع على اشتراط العدالة في الراوي؛ ليُقبل خبره.\nنخلص مما سبق:\nأن اشتراط العدالة أو ما يقوم مقامها في حدّ الصحيح من الشروط المتفق عليها عند أهل العلم. (٣)\n_________\n(١) من أمثلة ذلك للخطابي في معالم السنن:\n- قوله عقب حديث: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم ..» - سنن أبي داود كتاب الصلاة ١/ ١٦٧ ح (٦١٧) - \"هذا الحديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته\" ١/ ١٧٥.\n- وقال أيضًا عقب حديث آخر: \"قد جاء في هذا الحديث إيجاب القضاء إلاّ أن الحديث إسناده ضعيف وزميل مجهول.\" ٢/ ١٣٥.\nوقال بعد حديث: «الجار أحق بشفعة جاره ...» -سنن أبي داود كتاب الإجارة، باب في الشفعة ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٨) - قال الشيخ \"عبد الملك بن أبي سليمان لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث.\" ٣/ ١٥٥.\n(٢) نص على ذلك الزركشي في كتابه النكت على ابن الصلاح. الزركشي، النكت، ١/ ٩٨.\n(٣) ومن المسائل التي تتعلق بالعدالة: - مسألة تفاوت العدالة، .\n- مسألة تقسيم العدالة إلى ظاهرة وباطنة: وقد ناقش هذه المسألة الدكتور عبدالجواد حمام، فأوضح أن العدالة في أصلها لا تتجزأ، فالراوي إما صادق أو كاذب، لكن علمنا بعدالته وحاله هو الذي يتجزَّأ، فأحدهم لا نعرف عن حاله شيئًا، والآخر نعرف استقامة ظاهره، وهناك آخر ممن زكّاه من اختبر حاله وعرف حقيقته، فمرجع التجزّؤ ليس إلى أصل العدالة وماهيتها، وإنما إلى نسبية المعرفة بالشخص، واختبار حاله. وضابط التفرقة بين العدالة الظاهرة والباطنة، أن العدالة الظاهرة: هي الإسلام، والعلم بعدم المُفسِّق. والعدالة الباطنة: هي ما أخبر به المزكّون والمُعدِّلون من تحقق صفات القبول في الراوي.\nالمراجع: ينظر: الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٠١، الحسنيّ، معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم العلل، ٢/ ٩٧ - ١٠٩ باختصار، حمام، جهالة الرواة، ١/ ١٤٨ - ١٤٩.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>القيد الثالث: الضبط:</span>\nالضبط في اللغة: لزوم الشيء وحبْسه وحفظه وعدم مفارقته.\nورجل ضابط: حازم قوي شديد. (١)\nويراد بالضبط: اتصاف الراوي باليقظة وعدم الغفلة، وبالحفظ إن حدّث من حفظه، والإتقان إن حدّث من كتابه، مع الدراية بالمعنى إن روى الحديث بغير لفظه. (٢)\nومن طرق معرفة ضبط الراوي وحفظه ما ذكره الشافعي فقال: \"ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له.\" (٣)\nقال ابن الصلاح: \"يُعرف كون الراوي ضابطًا، بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو\n_________\n(١) يُنظر: الفراهيدي، العين، ٧/ ٢٣. ابن سِيده، المحكم، ٨/ ١٧٥. الرازي، مختار الصحاح، ١٨٢.\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٥٣، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٣٧٥، وذكر الشيخ طاهر الجزائري تعريف الضابط بقوله: \"الضابط من الرواة هو الذي يقل خطؤه في الرواية، وغير الضابط هو الذي يكثر غلطه ووهمه فيها، سواء كان ذلك لضعف استعداده، أو لتقصيره في اجتهاده\". الجزائري، التوجيه، ١/ ١٠٥.\n(٣) الشافعي، الرسالة، ٣٨٠.","vol":"1","page":70},{"text":"موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه، والله أعلم\" (١).\nوالضبط نوعان، ذكرهما الشافعي بقوله: \" حافظًا إن حدث به من حفظه، حافظًا لكتابه إن حدث من كتابه\" (٢)، وشرحهما ابن حجر فقال: \"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يُثبِت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.\" (٣)\nوبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، نجد منهم من نصّ على اشتراط الضبط وهم كل من جاء بعد ابن الصلاح.\nوإن كان ابن الملقن لم يُصرّح بهذا الشرط في كتابه التذكرة (٤) لكن ذكره في المُقنع (٥)، ومنهم من ذكر صفات الضابط أو بعضها وهم بعض من جاء قبل ابن الصلاح، فقد ذكر\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٦.\n(٢) الشافعي، الرسالة، ٣٧١.\n(٣) ابن حجر، نزهة النظر، ٦٩، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ١٦٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٢.\nوقال ابن الأثير -في معنى الضبط، ونوعيه-: \"الضبط: وهو عبارة عن احتياطٍ في باب العلم، له طرفان. طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئًا معتبرًا، كما لو سمع صياحًا لا معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة، لم يكن ضبطًا، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع، لم يكن ضبطًا.\nثم الضبط نوعان: ظاهر، وباطن.، فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه ... \" ابن الأثير، جامع الأصول ١/ ٧٢، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٤.\n(٤) اقتصر في تعريفه للصحيح على سلامته من الطعن في السند والمتن، وهذا التعريف مُتضمن لاشتراط الضبط على وجه العموم، أما على وجه الخصوص فيشهد لذلك تعريفه للحديث الحسن بقوله: \"ما كان إسناده دون الأول في الحفظ والإتقان\" فقد أشار للفرق بين الصحيح والحسن بأن راوي الحسن في درجة أدنى من الصحيح في الحفظ والإتقان، وهو ما يُطلق عليه مصطلح الضبط. ينظر: ابن الملقن، التذكرة، ١٤.\n(٥) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٤١.","vol":"1","page":71},{"text":"الشافعي (١) والحميدي (٢) ومسلم من الصفات ما يكون به الراوي ضابطًا لحديثه (٣)، ومنهم من لم ينص عليها كالحاكم، حيث لم ينص على هذا القيد في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث؛ إلا أنه أشار إلى شرط الاتقان في رواة الصحيح حين ذكر أقسام الصحيح في كتابه المدخل إلى الإكليل (٤).\nوممن لم ينص على قيد الضبط -ممن سبق ابن الصلاح- الإمام الخطابي، وقد نقل السخاوي انتقاد العراقي لذلك، وتعقيب ابن حجر عليه فقال: \"ولذلك تعقب المصنف الخطابي في اقتصاره على العدالة، وانتصر شيخنا (٥) للخطابي ; حيث كاد أن يجعل الضبط من أوصافها، لكن قال في موضع آخر (مما ظاهره المخالفة (: إن تفسير الثقة بمن\n_________\n(١) تضمن تعريف كل من الشافعي والحميدي وصف الراوي بالثقة، وهذا الوصف عند المتقدمين يشمل العدالة والضبط. يُنظر: الزركشي النكت، ١/ ١٠٠. والسيوطي، التدريب، ٦١. وتوسع الشافعي بذكر صفات الراوي من حيث العدالة والضبط، ينظر: الشافعي، الرسالة، ٣٧٠ - ٣٧٢.\n(٢) نفى الحميدي قبوله لحديث الواهم، ويضاف إليه ما أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل نقلًا عن الحميدي يذكر فيه معنى غفلة الراوي التي تّردّ بها روايته، وهذا متضمن لمفهوم ضبط الرواة، فقال: \" ... فما الغفلة التي ترد بها حديث الرجل الرضا الذي لا يعرف بكذب؟ قلت: هو أن يكون في كتابه غلط فيقال له في ذلك فيترك ما في كتابه ويحدث بما قالوا، أو يغيره في كتابه؟ قولهم لا يعقل فرق ما بين ذلك، أو يصف تصحيفًا فاحشًا فيقلب المعنى لا يعقل ذلك فيكف عنه، وكذلك من لقن فتلقن التلقين يرد حديثه الذي لقن فيه وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم أن ذلك التلقين حادث في حفظه لا يعرف به قديما فأما من عرف به قديما في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن ان يكون ما حفظ مما لقن.\" ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٣٣ - ٣٤.\n(٣) وصف مسلم الرواة بالإتقان وهو من معاني الضبط.\n(٤) نص الحاكم على صفة الاتقان، فقال عن القسم الأول من الصحيح المتفق عليه: \"ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة ثم يكون شيخ البخارى أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة\". الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٢٩. وأكّد على ثقة الرواة في الأقسام الأربعة الباقية من الصحيح المتفق عليه، والراوي الثقة في الغالب من جمع بين العدالة والضبط.\n(٥) يقصد ابن حجر العسقلاني.","vol":"1","page":72},{"text":"فيه وصف زائد على العدالة وهو الضبط إنما هو اصطلاح لبعضهم، (ويمكن التئامهما (\" (١).\nوأيّد السيوطي الانتصار للخطابي فقال: \"الذي يظهر لي أن ذلك داخل في عبارته، وأن بين قولنا: العدل وعدّلوه فرقًا؛ لأن المغفل المستحق للترك لا يصح أن يقال في حقه: عدّله أصحاب الحديث، وإن كان عدلًا في دينه، فتأمل.\nثم رأيت شيخ الإسلام ذكر في نكته معنى ذلك فقال: إن اشتراط العدالة يستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء.\" (٢)، ويدلل على ذلك أيضًا صنيع الخطابي في معالم السنن وتضعيفه لأحاديث بسبب وهم رواتها أو اضطرابهم في النقل. (٣)\n_________\n(١) يظهر من نقل السخاوي لأقوال ابن حجر أن الوصف بالعدالة قد يحتمل الضبط عند بعضهم، وقد لا يحتمله. السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥. ملاحظة: ما بين المعقوفتين من طبعة (دار المنهاج) تحقيق: عبدالكريم الخضير، ومحمد آل فهيد، وغير موجود في طبعة (مكتبة السنة). تحقيق: علي حسين. ١/ ٢٩\n(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٢.\n(٣) من الأمثلة على ذلك:\n- بعد أن ذكر حديث أبي داود في سننه كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن أصحابها: \"حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا شريك، عَن أبي إسحاق عن عطاء عن رافع بن خديج - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته». ٣/ ٢٦١ ح (٣٤٠٣).\nأعقبه الخطابي بقوله: \"هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الجمال أنه كان ينكر هذا الحديث ويضعفه ويقول لم يروه، عَن أبي إسحاق غير شريك ولا عن عطاء غير أبى إسحاق وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا وضعفه البخاري أيضًا، وقال تفرد بذلك شريك، عَن أبي إسحاق وشريك يَهِمُ كثيرًا أو أحيانًا. ٣/ ٩٦\n- وذكر حديث أبي داود في كتاب الإجارة، باب في الشفعة: \"حدثنا عبدالله بن محمد النفيلي، قال: حَدَّثنا سفيان عن إبراهيم بن ميسرة سمع عمرو بن الشريد سمع أبا رافع - ﵁ - سمع النبي - ﷺ - يقول: «الجار أحق بسقبه». ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٦)\nثم قال: \"وقد تكلم أهل الحديث في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه، فقال بعضهم عن عمرو ابن الشريد، عَن أبي رافع، وقال بعضهم عن أبيه، عَن أبي رافع وأرسله بعضهم. وقال فيه قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد والأحاديث التي جاءت في أن لا شفعة إلاّ للشريك أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب\" ٣/ ١٥٤.\n- وذكر حديث أبي داود في كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية: \"حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبدالله بن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين.» ٣/ ٢٣٢ ح (٣٢٩٠)\nثم قال معقِّبًا: \"لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبًا والمصير إليه لازمًا إلاّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة عن عائشة فحمله عن الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى ابن أبي كثير.\" ٤/ ٥٤.","vol":"1","page":73},{"text":"وقد زاد ابن حجر قيد التمام لصفة الضبط في راوي الصحيح، وتبعه بعض من جاء بعده، ولعل زيادته لهذا القيد ليمايز بين الصحيح والحسن (١)، ولعلها كذلك سبب تعقّبه لابن خزيمة في تعريفه للصحيح حيث قال:\n\"فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف، لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله أن يكون راوي الحديث عدلًا مشهورًا بالطلب غير مدلس سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي؛ فإن كان يروي من حفظه فليكن عالمًا بما يحيل المعاني؛ فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف -يعني ابن الصلاح- في الصحيح من وجود الضبط ومن عدم الشذوذ والعلة ... \" إلى أن قال: \"فإذا تقرر ذلك عرفت أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة؛ وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح فلا؛ والله أعلم.\" (٢)\n_________\n(١) وصف الضبط بالتمام، يشير إلى مسألة تفاوت الضبط بين الرواة،\nقال الحسني في بحثه مدار الإسناد: ولما كانت الأسباب المؤدية إلى التفاوت في الضبط كثيرة جدًا مع قلة الأسباب المؤدية إلى التفاوت في العدالة قلَّ جدًا ترجيح المحدثين بين الرواة بالعدالة، وأكثر ترجيحاتهم ترجع إلى أمور تتعلق بالضبط، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية ... ولابد من اشتراك من يُقبل حديثه من الرواة في أصل العدالة، والتفاضل فيها طفيف مقارنة بالضبط التي تتفاوت مراتبه تفاوتًا بيّنًا ... المراجع: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٧، ابن حجر، النزهة، ٧١ - ٧٢، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٢٤٧، القاري، شرح شرح نخبة الفكر ٢٥٦، الحسني، مدار الإسناد، ٢/ ١٠٨ - ١٠٩ باختصار، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٠٠.\n(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٩٠ - ٢٩١.","vol":"1","page":74},{"text":"فابن خزيمة لم ينصّ على شرط الضبط؛ لكنه قد يُفهم من قوله \"ولا جرح في ناقلي الأخبار\" أنه يشترطه، ويدلل على ذلك صنيعه في كتابه الصحيح، وإعلاله أحاديث بسبب الطعن في ضبط رواتها (١)،\nوقد يُثار تساؤل حول السبب في انتصار ابن حجر للخطابي وتضمين معنى الضبط في تعريفه للصحيح -رغم عدم تنصيص الخطابي عليه- وفي المقابل تعقّبه لابن خزيمة رغم اشتراطه نفي الجرح عن الرواة؟\nولعل الجواب على ذلك: لأن الخطابي مايز بين الصحيح والحسن، وعرّف كل منهما بتعريف مستقلّ، بينما ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان لم يذكرا ما يفرّقا بين الصحيح والحسن أو كما قال ابن حجر: \"لأنهما ممن لا يرى التفرقة بين الصحيح والحسن، بل عندهما أن الحسن قسم من الصحيح لا قسيمه؛ \" هذا من جهة.\nومن جهة أخرى فإن نفي الجرح عن الرواة لا يعني اتصافهم بأعلى درجات الضبط والإتقان المطلوبة في الصحيح، حيث شرط الصحيح -عند ابن حجر ومن وافقه- يتطلّب مزيد ضبط من الرواة؛ لذا تعقّب ابن خزيمة وابن حبان في ذلك، وهذا لا ينفي اشتراطهم مجمل ضبط الراوي لمروياته. (٢)\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة: تعليله بعض الأحاديث بشكه في ضبط راويه أو سوء حفظه أو وهمه، حيث قال: \"في القلب من النعمان بن راشد فإن في حديثه عن الزهري تخليط كثير\" وكان هذا سبب تردده في إثبات الخبر، وذلك بعد أن أخرجه من حديث النعمان عن الزهري في باب إعادة الخطبة الثانية بعد صلاة الاستسقاء، ح ١٤٢٢، ٢/ ٣٣٨. وأيضًا جاء عنه في: \"باب ذكر شهود من كان خارج المدن الجمعة مع الإمام إذا جمع في المدن إن صح الخبر؛ فإن في القلب من سوء حفظ عبد الله بن عمر العمري ﵀\" ٣/ ١٧٧، ح (١٨٦٠)، وقال أيضًا في: \" باب الرخصة في الشرب في الطواف إن ثبت الخبر؛ فإن في القلب من هذا الإسناد، وأنا خائف أن يكون عبد السلام أو من دونه وهم في هذه اللفظة أعني قوله: في الطواف\" ٤/ ٢٢٦، ح (٢٧٥٠). للاستزادة ينظر: عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث.\n(٢) يدلل على ذلك صنيع ابن حبان في كتابه الثقات، حيث يذكر فيه الرواة الثقات عنده، ويميّز بين بعض مروياتهم التي وقع فيها وهم أو اضطراب ومن ذلك:\n- قوله عن عكرمة بن عمار العجلي، وإدخاله في طبقة التابعين؛ \"لأن له لقيا وسماعًا من الصحابي، ومتى صح ذلك دخل في جملة التابعين، سواء قلت روايته أو كثرت، وأما روايته عن يحيى ابن أبي كثير ففيه اضطراب، كان يحدث من غير كتابة.\" ٥/ ٢٣٣.\n- وقوله عن: \"جرير بن حازم بن زيد الأزدي العتكي، ... كان يخطئ؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت بالبصرة أحفظ من رجلين هشام الدستوائي، وجرير بن حازم\" ٦/ ١٤٤.\n- ويظهر كذلك تفاوت الرواة عنده حسب حفظه وإتقانهم في مفاضلته بين حماد بن زيد، وحماد بن سلمة فقال: \"ما كان حماد بن زيد يحدث إلا من حفظه، وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم لأن حماد بن زيد كان أحفظ وأتقن وأضبط من حماد بن سلمة، كان اللهم إلا أن يكون القائل بهذا أراد فضل ما بينهما في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أدين وأفضل وأورع من حماد بن زيد، ولسنا ممن يطلق الكلام على أحد بالجزاف بل نعطى كل شيخ قسطه وكل راو حظه.\" ٦/ ٢١٧.","vol":"1","page":75},{"text":"قال السخاوي: \"وعلى كل حال فاشتراطه (أي: الضبط (في الصحيح لا بد منه، والمراد التام كما فهم من الإطلاق المحمول على الكامل، وحينئذ فلا يدخل الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط\" (١)، أي بشكل عام، فراويا الحديث الصحيح والحديث الحسن لذاته يجتمعان في اشتراط الضبط، وإنما يتميّز راوي الصحيح عن راوي الحسن لذاته بتمامه. (٢)\nنخلص مما سبق:\nأن التنصيص على شرط الضبط في رواة الصحيح إنما كان ظاهرًا في تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح؛ بل وزاد ابن حجر وصف التمام على الضبط؛ ليكون مُميزًا لدرجات رواة الصحيح عن الحسن- كما سيأتي بيانه في تعريف الحسن- وأما من كان قبل ابن الصلاح، فقد كانت صفة الضبط للراوي متضمنة لدى بعضهم فيما ذكروه من صفات الرواة، أو من صنيعهم بردّ أحاديث وتعليلها للشك في ضبط الراوي أو سوء حفظه كما في صحيح ابن خزيمة.\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩.\n(٢) قال ابن حجر: \"وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند، غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته ... فإن خف الضبط-أي: قَلّ ... والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح - فهو الحسن لذاته\" ينظر: ابن حجر، النزهة، ٦٧ - ٧٨ باختصار، وسيأتي تفصيل المراد بالحديث الحسن في الفصل الخاص به.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>القيد الرابع: السلامة من الشذوذ </span>(نفي الشذوذ) (١):\nالشذوذ في اللغة: يأتي بمعنى: الانفراد والمفارقة. (٢)\nوقد اُختلف في تعريف الشاذ في الاصطلاح إلى ثلاث معانٍ رئيسية حسب ما ذكرها ابن الصلاح في مقدمته فنقل عن الشافعي قوله: \"ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس\" (٣).\nثم نقل تعريف الخليلي (٤) للشاذ بأن \"الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به\" (٥).\nوأتبعه بقول الحاكم: \"أن الشاذ هو الحديث الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة\" (٦). وعقّب بتوضيح أكثر لمراد الحاكم بمعنى الشذوذ، والفرق بين الشاذ والمعلل فقال: \"وذكر أنه يغاير المعلل من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك\" (٧).\n_________\n(١) سيأتي التفصيل في بيان معنى الحديث الشاذ بشكل أوسع وذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.\n(٢) ينظر مادة (شذّ): الفراهيدي، العين، ٦/ ٢١٥، ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٨٠.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: ابن أبي حاتم، آداب الشافعي ومناقبه، ٢٣٣، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.\n(٤) الخليل بن عبدالله بن أحمد القزويني الحافظ، أبو يعلى الخليلي. قاض من أئمة وحفاظ الحديث العارفين بعلله وبرجاله. له كتاب: (الإرشاد في معرفة المحدّثين). مات سنة ٤٤٦ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ،،٣٤٠. ابن العماد، الشذرات،، ٥/ ١٩٩. الزركلي، الأعلام،،٢/ ٣١٩.\n(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٦) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.\n(٧) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٦ - ٧٧.","vol":"1","page":77},{"text":"وبعد أن ذكر ابن الصلاح مذاهب العلماء في الحديث الشاذ- وتعقّب واستدرك-؛ خلص - ﵀- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: \"الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.\nوالثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (١)\nوقد سبق في تحرير قيد ضبط الرواة في الصحيح تضمّن تعريفات الأئمة لاشتراط الضبط في الراوي سواء: بالتنصيص على ذلك، أو بصنيعهم في تعليل الحديث أو تضعيفه أو نزوله عن رتبة الصحيح؛ لانخرام شرط ضبط راويه؛ وعليه فيخرج من حدّ الصحيح القسم الثاني الذي ذكره ابن الصلاح لنوعيّ الشذوذ وهو: - (الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط) - باشتراط ضبط الرواة أو تمامه (٢)، ويقتصر معنى الشذوذ المنفي في الصحيح على القسم الأول وهو: الفرد المخالف.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) قال الزركشي في النكت: \"هلا اكتفى بقوله: (الضابط) عن قوله: (ولا يكون شاذا)، لأن الضبط عبارة عن موافقة الثقات فيما يروونه، فإن خالفهم لم يكن ضابطا، وهذا معنى الشاذ؟\nفالجواب عن ذلك: أن مخالفة الثقات على قسمين: غالبة، ونادرة. فمتى خالف الثقات فيما رواه غالبا لم يكن حافظًا، ومتى خالفهم نادرًا ولو في حديث واحد كانت مخالفته شذوذا، فاحتاج المصنف أن يذكر في حد الصحيح السلامة من الشذوذ وكون الراوي ضابطا\".\nوقال نور الدين عتر: \"والحقيقة أن نفي الشذوذ يتحقق بالشروط السابقة، لكنهم صرحوا بانتفائه؛ لأن الضبط ملكة عامة بالنسبة لجملة أحاديث الراوي، إلا أنه قد يحتمل أن يقع منه وهم في حديث ما، دون أن يفقد صفة الضبط لسائر حديثه، فهذا يخل بصحة الحديث الذي وهم فيه فقط، لذلك صرحوا بنفي الشذوذ.\" المراجع: الزركشي، النكت، ١/ ١٠٢، عتر، منهج النقد، ٢٤٣.","vol":"1","page":78},{"text":"وهذا ما أكده كلٌ من الزركشي وابن حجر - في تنكيتهما على كتاب ابن الصلاح- حين شرحا قيد نفي الشذوذ في حدّ الحديث الصحيح، فذكرا أن المراد بالشذوذ المنفي في حدّ الصحيح هو: المخالفة (١).\nورجحه السيوطي أيضًا فقال: \"قيل: لم يفصح بمراده من الشذوذ هنا، وقد ذكر في نوعه ثلاثة أقوال؛ أحدها: مخالفة الثقة لأرجح منه. والثاني: تفرد الثقة مطلقًا. والثالث: تفرد الراوي مطلقًا. ورد الأخيرين؛ فالظاهر أنه أراد هنا الأول.\" (٢)\nوبالنظر في تعريفات الأئمة للحديث الصحيح، وما وضعوه من شروط في الراوي والمروي، نجد أن قيد نفي الشذوذ قد ذكره الشافعي حين نفى عن الراوي للصحيح وصف التدليس وعطف عليه نفي المخالفة بقوله: \"بريًا من أن يكون مدلسًا، يحدث عمّن لقي ما لم يسمع منه، ويحدث عن النبي - ﷺ - ما يحدث الثقات خلافه عن النبي - ﷺ - \" أي: وبريًّا من المخالفة كذلك، وتحديث الثقة بما يخالف رواية الثقات هو ما اختاره الشافعي تعريفًا للشذوذ.\nأما الحميدي فقد عدد ما قد يُردّ به حديث الراوي من: الوهم، والكذب، والنسيان، وغير ذلك إلى أن قال: \"وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال\"، وفي موضع آخر نجده يتحدث عن ضبط الراوي وحفظه لكتابه، وصيانة مروياته عن المخالفة، وذلك لما للمخافة من أثر في ردّ الحديث وطرحه، فقال:\n_________\n(١) قال الزركشي في النكت: \"من شرط الحكم على الحديث بالصحة ألا يكون شاذًا والشاذ أن يروي الثقة حديثًا مخالفًا لرواية من هو أحفظ منه [وأضبط] \"، وقال ابن حجر في النكت: \"مراده بالشاذ هنا ما يخالف الراوي فيه من هو أحفظ منه أو أكثر كما فسره الشافعي. لا مطلق تفرد الثقة كما فسره به الخليلي. فافهم ذلك. وللمخالفة شرط يأتي في نوع زيادة الثقة.\" ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ١٠١ - ١٠٢، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٤.","vol":"1","page":79},{"text":"\"من اقتصر على ما في كتابه فحدث به، ولم يزد فيه ولا ينقص منه ما يغير معناه، ورجع عما يخالف فيه بوقوف منه عن ذلك الحديث، أو عن الاسم الذي خولف فيه من الإسناد ولم يغيره، فلا يطرح حديثه ولا يكون ضارا ذلك له في حديثه؛ إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزق غيره إذا اقتصر على كتابه، ولم يقبل التلقين (١).\" (٢)\nفما ذكره الحميدي يتضمن اشتراطه خلو حديث الراوي من المخالفة في المتن والإسناد لكيلا يُردّ، وإن لم يُسمّ ذلك شذوذًا.\nأما مسلم فلم ينص على نفي الشذوذ - في مقدمة صحيحه- في حين أن ابن الصلاح قال: \"شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه سالما من الشذوذ ومن العلة وهذا هو حد الحديث الصحيح في نفس الأمر\" (٣)، ولعله استنتج ذلك من صنيع الإمام مسلم في كتابه الصحيح، أو فهمه من مقدمته لكتاب التمييز؛ حيث أوضح الإمام مسلم أن المخالفة من الراوي- وإن كان حافظًا- لغيره من الرواة الحفّاظ؛ تنفي الصحة عن الحديث - وإن لم يسمّه شذوذًا- فقال: \"فيُعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظًا.\" (٤)\n_________\n(١) التلقين في اللغة: التفهيم، والمتلقن المتفهم، وهو يقبل على ما يُفهِّمه من غير منازعة، ولا توقف.\nوفي العرف: إلقاء كلام إلى الغير ابتداء، أو يكون ذلك عند غياب شيء مما يحدث به عنه فيتوقف، يدعي من يلقنه أن ذلك الذي لقنه له هو الذي غاب عنه، والتلقين في الحديث: وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه.\nفقبول كل ما يلقى من ذلك قادح في الراوي. ينظر: المراجع: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٦٦، البقاعي، النكت، ١/ ٥٨٣، ٢/ ١٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٤٠١.\n(٢) ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٢٧.\n(٣) ابن الصلاح، صيانة مسلم، ٧٢.\n(٤) ثم قال: \"على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبدالرحمن بن مهدي وغيرهم من أئمة أهل العلم\". مسلم، التمييز، ١٧٢.وكتابه مليء بذكر أمثلة على مخالفة الراوي (ثقة أو صدوق أو ضعيف) لغيره من الحفاظ في سند الحديث ومثنه، ومن أمثلة ذلك: =","vol":"1","page":80},{"text":"وقد نقل السيوطي تعقيب ابن حجر - لما ذكره ابن الصلاح، وتخريجه له- بقوله: \"ولم يتبين لي أخذه انتفاء الشذوذ من كلام مسلم، فإن كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة صحيحه فذاك، ... قال: ثم ظهر لي مأخذ ابن الصلاح، وهو أنه يرى أن الشاذ والمنكر اسمان لمسمى واحد. وقد صرح مسلم بأن علامة المنكر أن يروي الراوي عن شيخ كثير الحديث والرواة شيئا ينفرد به عنهم، فيكون الشاذ كذلك فيشترط انتفاؤه.\" (١)\nوكذلك لم ينص ابن خزيمة على اشتراط نفي الشذوذ في حدّ الصحيح، ولكن قد يدخل ذلك ضمنًا في نفيه تجريح الراوي بشكل عام -كما سبق في قيد الضبط- وقد يدخل ضمنًا\n_________\n= - ما أخرجه في كتابه التمييز وعنون له بقوله \"ومن الاخبار المنقولة على الوهم في الاسناد والمتن جميعا\" وذكر تحته خطأ أيمن بن نابل في حديث التشهد، فقال: \"حدثنا أبو بكر، ثنا أبو خالد، عن أيمن عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي - ﷺ - «أنه كان يقول بسم الله وبالله والتحيات لله».\nسمعت مسلما يقول: فقد اتفق الليث وعبدالرحمن بن حميد الرؤاسي عن أبي الزبير عن طاووس.\nوروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوكل واحد من هذين -عند أهل الحديث- أثبت في الرواية من أيمن.\nولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله.\nفلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث، بخلاف الليث وعبدالرحمن إياه دخل الوهم أيضا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه.\nوقد روي التشهد عن رسول الله - ﷺ - من أوجه عدة صحاح. فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: بسم الله وبالله. ولا ما زاد في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار.\nوالزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. المرجع السابق، ١٨٨ - ١٨٩ ح (٥٨ - ٥٩).\n- من الأمثلة كذلك حديث الاستسعاء، حيث عنون له بقوله: \"ومن الحديث الذي في متنه وهم\" فقال:\nحدثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ - «من أعتق نصيبًا له في عبد، ضمن لأصحابه في ماله، ثم ذكر الطرق الأخرى الصحيحة. ينظر: المرجع السابق، ١٩٠ - ١٩١ ح (٦١ - ٦٢).\n(١) السيوطي، التدريب، ٦٨.","vol":"1","page":81},{"text":"كذلك في شرط انتفاء العلة - كما سيأتي في قيد نفي العلة- بل إن صنيعه في صحيحه وتعليله لأحاديث بسبب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل يشهد لذلك. (١)\nأما تلميذه ابن حبّان فله نقول كثيرة في كتابيه (الثقات) و(المجروحين) يُبيّن فيها أثر مخالفة الراوي للثقات في ردّ ذلك الحديث الذي وقعت فيه المخالفة (٢)، وأثر كثرة مخالفة\n_________\n(١) من أمثلة ذلك: في صحيح ابن خزيمة وتعليله لبعض الأحاديث بسب مخالفة الراوي أو تفرّده غير المحتمل:\n- ما أخرجه في صحيحه كتاب الصلاة، باب كراهة تسمية صلاة العشاء عتمة، فقال: \" نا عمار ابن خالد الواسطي، نا محمد وهو ابن يزيد وهو الواسطي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله ابن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: «وقت الظهر إلى العصر، ووقت العصر إلى اصفرار الشمس ١/ ١٨٢ ح (٣٥٤).\nومحمد بن يزيد الواسطي، قال عنه ابن حجر: \"ثقة ثبت عابد\"، إلا أنه روى لفظة عن شعبة مخالفة لما رواه أصحاب شعبة عنه. ينظر: ابن حجر، التقريب، ٥١٤ (٦٤٠٣).\n- وأخرج كذلك في صحيحه كتاب الصلاة باب إجازة الصلاة في الثوب الذي يخالطه الحرير فقال: \"نا عمر بن حفص الشيباني، حدثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله، عن عقبة بن عامر، عن عمر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - «صلى في فروج من حرير، ثم لم يلبث أن نزعه» وحدثنا به بندار، وأبو موسى قالا: (ثنا أبو عاصم، عن عبدالحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبدالله اليزني، - إتحاف المهرة (١٣٨٨٦) (عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله - ﷺ -، ولم يذكرا عمر هذا هو الصحيح، وذكر عمر في هذا الخبر وهم، وإنما الصحيح عن عقبة بن عامر: رأيت النبي - ﷺ -. ١/ ٣٧٩ ح (٧٧٣ - ٧٧٤).\n- وأخرج أيضًا في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر الدليل على أن قيام شهر رمضان سنة النبي - ﷺ - خلاف زعم الروافض الذين يزعمون أن قيام شهر رمضان بدعة لا سنة، فقال: \"حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا نوح بن قيس الخزاعي (صوابه: الحُدّاني كما في إتحاف المهرة (١٣٥١٦) وهو على الصواب في طبعة ماهر الفحل (٢٢٠١)، وكذا في الطبعة الثانية عند العظمي (، حدثنا نصر بن علي، عن النضر بن شيبان، عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن قال: قلت لأبي سلمة: ألا تحدثنا حديثا سمعته من أبيك، سمعه أبوك من رسول الله - ﷺ -؟ فقال: بلى، أقبل رمضان، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن رمضان شهر افترض الله صيامه، .٣/ ٣٣٥ ح (٢٢٠١).\nوالنضر بن شيبان الحدّاني ممن لا يُحتمل تفرّده، قال عنه ابن حجر: \"لين الحديث\". ينظر: ابن حجر، التقريب، ٥٦٢ (٧١٣٦). للاستزادة من الأمثلة ينظر: بلعمري، الحديث الشاذ عند المحدثين ٣٥ - ٣٩. عوّامة، مصطلح ابن خزيمة في إعلال الحديث،\n(٢) من أمثلة ذلك: أنه قال - في كتابه الثقات- في ترجمة: معقل بن عبيدالله الجزري، =","vol":"1","page":82},{"text":"الراوي للثقات في ترك الاحتجاج بخبره، ومتى يُحتمل تفرّد الراوي؟ ومتى لا يُحتمل منه ذلك؟ . (١)\nأما الشذوذ عند الحاكم فهو في الغالب إذا أطلقه على الحديث أُريد به التفرّد الذي يُستغرب ويُستنكَر لغموضٍ في علته، وكان شذوذًا مردودًا، وإن قُرن وصف الشذوذ بالصحة أُريد\n_________\n= \"وكان يخطئ، لم يفحش خطؤه فيستحق الترك، وإنما كان ذلك منه على حسب ما لا ينفك منه البشر، ... بل يحتج بخبر من يخطئ ما لم يفحش ذلك منه، فإذا فحش حتى غلب على صوابه ترك حينئذ.\nومتى ما علم الخطأ بعينه وأنه خالف فيه الثقات ترك ذلك الحديث بعينه واحتج بما سواه هذا حكم المحدثين الذين كانوا يخطؤن ولم يفحش ذلك منهم\" ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٩١ - ٤٩٢ باختصار.\n- وقال - في كتابه المجروحين-: \"والذي عندي في سويد بن عبدالعزيز تنكب ما خالف الثقات من حديثه والاعتبار بما روى مما لم يخالف الأثبات والاحتجاج بما وافق الثقات وهو ممن أستخير الله ﷿ فيه لأنه يقرب من الثقات.\" ١/ ٣٥١.\nوقال كذلك في ترجمة عبدالله بن عبدالله بن أويس بن أبي عامر الأصبحي: \"كان ممن يخطئ كثيرًا لم يفحش خطؤه حتى استحق الترك، ولا هو ممن سلك سَنَن الثقات فيسلك مسلكهم.\nوالذي أرى في أمره تنكب ما خالف الثقات من أخباره والاحتجاج بما وافق الأثبات منها. وكان يحيى ابن معين يوثقه مرة ويضعفه أخرى.\" ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٤.\n(١) من أمثلة ذلك: ما فصّله في ترجمة يحيى بن عبد الله بن الضحاك البَابلُتِّيُّ في كتابه المجروحين، حيث قال: \"فهو عندي فيما انفرد به ساقط الاحتجاج وفيما لم يخالف الثقات معتبر به، وفيما وافق الثقات محتج به، ولا يَتوهمن مُتوهِّم أن ما لم يخالف الأثبات هو ما وافق الثقات؛ لأن ما لم يُخالف الأثبات هو ما رَوَى من الروايات التي لها أصول من حديث رسول الله - ﷺ -، وإن أتى بزيادة اسم في الإسناد أو إسقاط مثله مما هو محتمل في الإسناد.\nوأما ما وافق الثقات فهو ما يروي عن شيخ سَمِع منه جماعة من الثقات، وأتى بالشيء على حسب ما أَتوْا به عن شيخه، وما انفرد من الروايات هو زيادة ألفاظ يرويها عن الثقات، أو إتيان أصل بطريق صحيح، فهذا غير مقبول منه، لما ذكرنا من سوء حفظه وكثرة خطئه، وأنه ليس بالمحل الذي تُقبل مفاريده، وإنما تقبل المفاريد إذا كان رواتها عدولٌ عاقلون، يعقلون ما يحدثون عالمون بما يحيلون من معاني الأخبار وألفاظها، فأما الثقة الصدوق إذا لم يكن يعلم ما يحيل من معاني الأخبار، وحدث من حفظه ثم انفرد بألفاظ عن الثقات لم يستحق قبولها منه؛ لأنه ليس يعقل ذلك، ولعله أحاله متوهما أنه جائز، فمن أجل ما ذكرنا لم تقبل الزيادة في الأخبار إلا عمن سمينا من العدول على الشرط الذي وضعنا.\" ملاحظة: علمًا أنني اعتمدت في نقل هذا النص على طبعة دار الصميعي، وذلك لأن المعنى لم يستقم عندي وشككت بوجود سقط وتحريف في النصّ في طبعة حلب ٣/ ١٢٧ - ١٢٨، وبالفعل وجدته كذلك، فاستدركته من الطبعة الأخرى. ينظر: ابن حبان، كتاب المجروحين من المحدثين، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١٢٢٠).","vol":"1","page":83},{"text":"به المعنى اللغوي للشذوذ، وهو: التفرّد والانفراد، يدل على ذلك الأحاديث التي وصفها بالشذوذ في كتبه. (١)\nأما بالنسبة لمخالفة الراوي لغيره من الثقات، فإنه وإن لم يُسمّه شذوذًا، فإنه قد صرّح بأن المخالفة من الراوي سبب لردّ حديثه، حيث قال في كتابه معرفة علوم الحديث في النوع الثامن عشر بيان معرفة الجرح والتعديل:\n\"وأصل عدالة المحدث أن يكون مسلمًا لا يدعو إلى بدعة، ولا يعلن من أنواع المعاصي ما تسقط به عدالته، فإن كان مع ذلك حافظا لحديثه، فهي أرفع درجات المحدثين، وإن كان صاحب كتاب فلا ينبغي أن يحدث إلا من أصوله، وأقل ما يلزمه أن يحسن قراءة كتابه على ما ذكرته في أول هذا الكتاب من علامات الصدق على الأصول، وإن كان المحدث غريبًا لا يقدر على إخراج أصوله فلا يكتب عنه إلا ما يحفظه إذا لم يخالف الثقات في حديثه، فإن حدث من حفظه بالمناكير التي لا يتابع عليها لم يؤخذ عنه\" (٢)\n_________\n(١) قال ابن حجر في النكت- مُعلّقًا على الحديث الثالث الذي ذكره الحاكم كمثال على الشذوذ-: \"وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في التسمية\"، وجمع الباحث بلعمري في كتابه (الحديث الشاذ)، ثلاثة عشر مثالًا للأحاديث التي أطلق عليه الحاكم وصف الشذوذ -من كتب الحاكم كالمستدرك والمعرفة والمدخل، وبعض الأمثلة نُقلت عنه- وخَلُص الباحث بعد دراسته للأمثلة إلى أن الحاكم حين أطلق وصف الشذوذ على بعض الأحاديث أراد بذلك غالبًا: المعنى الاصطلاحي من إطلاق الشذوذ على التفرّد غير المحتمل من الراوي إما لضعف الراوي أو كونه ممن يُحتمل تفرّده لكنه يخالف فيما يرويه، بينما أطلق في بعض الأمثلة لفظ الشذوذ مقرونًا بالصحة، وأراد به المعنى اللغوي للشذوذ أي: كونه حديثًا فردًا. ينظر المراجع: ابن حجر، النكت، ٢/ ٢٧٠ - ٦٧١، بلعمري، الحديث الشاذ، ١٩٠ - ٢٠٥ باختصار. ينظر كذلك: اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، ١٦ - ١٧.\n(٢) الحاكم، علوم الحديث، ٥٣.","vol":"1","page":84},{"text":"وقال السخاوي فيما يخص اشتراط نفي الشذوذ والعلة من حدّ الصحيح: \"وهذان: الرابع والخامس من الشروط، ... وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما، ولا يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما; إذ لم يخالف أحد فيه.\" (١)\nويشير كلامه إلى أن عدم ذكر الخطابي لهما في تعريفه للصحيح لا يدل على عدم اشتراط نفيهما لصحة الحديث؛ بل إن تعليله أحاديث في كتابه معالم السنن للتفرّد غير المحتمل من الراوي أو مخالفته يدل على اعتباره لذلك (٢).\nأما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد تابعه معظمهم في ذكر هذا القيد في حدّ الصحيح، ونصّوا عليه سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن في السند والمتن بشكل عام- وقد يدخل نفي الشذوذ في ذلك ضمنًا- كابن الملقّن (٣) في التذكرة، بينما نصّ على ذلك في كتابه المقنع.\n\nنخلص مما سبق:\nأن ابن الصلاح أشار إلى أن أبرز تعريفات الحديث الشاذ عند العلماء تدور حول معانٍ ثلاثة:\n_________\n(١) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠.\n(٢) من ذلك: في سنن أبي داود كتاب البيوع، باب في الشفعة، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هشيم، أخبرنا عبدالملك، عن عطاء، عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا». ٣/ ٢٨٦ ح (٣٥١٨). قال الخطابي في معالم السنن: \"عبدالملك بن أبي سليمان: لين الحديث، وقد تكلم الناس في هذا الحديث. وقال الشافعي: نخاف أن لا يكون محفوظًا وأبو سلمة حافظ، وكذلك أبو الزبير ولا يعارض حديثهما بحديث عبدالملك.\nوحكي عن شعبة أنه أنكر هذا الحديث وقال إن روى عبدالملك حديثا آخر مثل هذا تركت حديثه. وجعله بعضهم رأيًا لعطاء أدرجه عبدالملك في الحديث، وقال أبو عيسى الترمذي: قلت لمحمد بن إسماعيل في هذا، فقال: تفرد به عبدالملك، وروي عن جابر خلاف هذا.\" ٣/ ١٥٥.\n(٣) والجعبري في رسوم التحديث حيث اختصر ذلك بالسلامة من القادح في الحديث الصحيح بشكل عام، فقال معرفا للصحيح: \"ما نقله العدل الضابط عن مثله من أوله إلى آخره، سالما من قادح\". ينظر: الجعبري، الرسوم، ٥٤.","vol":"1","page":85},{"text":"١ - مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه.\n٢ - تفرد الثقة بما لا أصل له ولا متابع.\n٣ - تفرد الشيخ (وهو ما دون مرتبة الثقة) بما لا متابع له.\nوبالرغم مما قد يظهر من اختلاف في تعريف الأئمة للشذوذ والحديث الشاذ؛ إلا أنهم شبه مجمعين على أن مخالفة الراوي للثقات - وإن لم يُطلق عليها بعضهم وصف الشذوذ- فهي مؤثرة وقادحة في صحة الحديث؛ لذا فإن أغلب من سبق ابن الصلاح اشترط لثبوت الرواية: ضبط الراوي، وعدالته، وعدم وقوع الوهم منه، وعدم مخالفته للثقات، وغير ذلك من الشروط والصفات التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وإن لم ينصّوا على نفي الشذوذ بلفظه.\nبينما غالب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تضمنت نفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وأشاروا إلى أن المراد بالشذوذ هنا هو المخالفة؛ حيث رجّح ابن القيم (١) تعريف الشافعي للشاذ فقال: \"إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردًا به- لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يُسمّى شاذًا، وإن اصْطُلِح على تسميته شاذًا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغًا له.\" (٢) يُشير بذلك: إلى أن إطلاق وصف الشذوذ على تفرّد بعض الثقات برواية\nما لا يُتابع عليه لا يؤثر على صحة الرواية، إنما يؤثر عليها فيما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا، فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددًا، أو أكثر ملازمة منه. قال السخاوي: \"والمحدثون\n_________\n(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزّرعي ثم الدمشقي الفقيه الحنبلي، شمس الدّين أبو عبدالله، المجتهد المطلق، المفسّر النّحويّ الأصولي، المتكلم، الشهير بابن قيم الجوزية. ألّف تصانيف كثيرة منها: (إعلام الموقعين) و(زاد المعاد) و(مدارج السالكين) وغيرها. مات سنة ٧٥١. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٨/ ٢٨٧. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٥٦.\n(٢) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.","vol":"1","page":86},{"text":"يسمونه شاذًا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرَدُّ قول الجماعة بقول الواحد بعيد\" (١)، فمخالفة الثقة لغيره من الثقات في الغالب تكون قرينة الغلط والوهم إلا إن دلت القرائن على قبولها (٢)،\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠.\n(٢) حالات يقبل فيها العلماء رواية الثقة، وإن خالف من هو أوثق منه: (لكنها ليست مطّردة دائمًا)\n١ - ... أن يكون الراوي من أثبت الناس في الشيخ المختلف عليه، فتُقبل روايته - في الجملة- وإن خالف أكثر منه عددًا أو وصفًا.\n٢ - ... أن يكون المخالِف من الأئمة المشاهير.\n٣ - ... أن يأتي راوٍ آخر-غير الثقة المخالِف، وغير الجماعة الذين خالفوه- فيروي الحديث على الوجهين.\n٤ - ... أن يكون الشيخ المختلف عليه مُكثرًا واسع الرواية، فيمكن أن يُحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة.\n٥ - ... أن يكون لهذا المخالِف رواية أخرى يوافق فيها رواية الجماعة الذين خالفهم، فيدل على أنه عنده ما عندهم، بل عنده زيادة علم ليست عندهم.\n٦ - ... أن يكون المخالِف من الصحابة، فإن زيادة الصحابة على غيره من الصحابة مقبولة باتفاق المحدثين.\n٧ - ... أن يكون المخالِف صاحب كتاب، وحدّث من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك.\n٨ - ... إذا احتفّ حديث المخالِف بقرائن خارجية تدل على أن الحديث محفوظ، كأن يروي مع الحديث قصة.\n٩ - ... إذا روى الجماعة عن مدلِّس بالعنعنة، ورواه عنه واحد فصرّح في رواية المدلس بالسماع من واسطة عن شيخه في رواية الجماعة أو الأوثق، قُبلت رواية الواحد.\n١٠ - ... إذا كان الإسناد يدور على راوٍ، وقد عُرف بأن هذا الراوي إذا شك في الحديث نقص منه، وروى عنه جماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا، ورواه واحد عنه تامًا، فقد يُحمل الحديث على الوجهين. ينظر: السليماني، الجواهر السليمانية، ٣٠٤ - ٣٠٦ باختصار. مع تأكيد المؤلف إلى أن: كون معظم هذه الحالات غير مطردة بل تخضع لنظر نقاد الحديث حسب القرائن المحتفة بالرواية،\nوينظر كذلك: رد الشيخ مقبل الوادعي -﵀- بخصوص قرائن الترجيح -ضمن إجابته على سبب اختلاف مذاهب العلماء في زيادة الثقة - فقال: \"وهكذا إذا وجدت زيادة ثقة ولم تجد للعلماء المتقدمين فيها كلامًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا ترجع إلى تعريف الإمام الشافعي في الشاذ، أن الشاذ: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وتقارن بين الصفات وبين العدد، فربّ شخص يعدل خمسة، فلا تقارن بين العدد فقط.\nمثل يحيى بن سعيد القطان، أو سفيان بن سعيد الثوري لو خالفه اثنان أو ثلاثة ممكن أن تجعل الحديث مرويًّا على الوجهين، وقد قال الدارقطني في \"التتبع\" بعد أن ذكر جماعةً خالفوا يحيى بن سعيد القطان يرويه عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، وجماعة يروونه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة.\nفيحيى بن سعيد تفرد بزيادة عن أبيه. ثم بعد أن ذكر الدارقطني الجمع الكثير الذين يخالفون يحيى ابن سعيد قال: ولعل الحديث روي على الوجهين، فقد هاب الدارقطني أن يقول: إن يحيى بن سعيد شاذ.\nإذا تساوت الصفتان يحمل على أن الحديث روي على الوجهين وأنصح أن يرجع إلى ما ذكره الحافظ ابن رجب في شرحه \"علل الحديث للترمذي\" و\"توضيح الأفكار\" للصنعاني وما كتبته في \"الإلزامات والتتبع\". الوادعي، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، ١٥٠ - ١٥١.","vol":"1","page":87},{"text":"بينما الحال في تفرّد الثقة على العكس ففي الغالب مقبول ما لم تدل قرينة على خطئه أو وهمه.\nو\"بعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة\" (١) وإطلاق الشذوذ على الحديث الصحيح أو الجمع بين وصفيّ الصحة والشذوذ يُحمَل على المعنى اللغوي كما ذكر ابن القيم (٢)، وهو الانفراد أو التفرّد.\nونقل الزركشي عمن سبقه ما يفيد بانقسام الشذوذ إلى محتجٍ به وغير محتجّ، فقال:\n\"كلام الشافعي محمول على حكم الشاذ الذي لا يحتج به، وهو الذي انفرد به ثقة عن غيره مخالف لما رواه الناس ... ثم قال: \"وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف.\" (٣)\nوأشار السخاوي إلى موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ، فقال: \"على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح،\nفيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه. ولا\n_________\n(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧\n(٢) ابن القيم، المرجع السابق.\n(٣) الزركشي، المرجع السابق، ٢/ ١٣٩ - ١٤٠.","vol":"1","page":88},{"text":"يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به\" ثم أردف ذلك بقوله: \"وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا\". (١)\nولا ريب أن التفصيل في معنى الشذوذ وأثره، والأمثلة عليه يحتاج مزيدًا من البسط والتحرير، سيأتي شيء من ذلك في الفصل الخاص بالحديث الشاذ بإذن الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>القيد الخامس: السلامة من العلّة </span>(نفي العلة):\nالعلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه، أو حدث يشغله عن وجهه. (٢)\nومعنى العلة في الحديث اصطلاحًا: \"عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.\nويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.\" (٣)\nأكّد على ذلك الحاكم بقوله: \"وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢، ينظر كذلك: البقاعي، النكت، ١/ ٨٢، السيوطي، التدريب، ١/ ٦٤ - ٦٥، وزاد في التدريب نقل أمثلة على ذلك فقال: \"ولم يرو مع ذلك عن أحد من أئمة الحديث اشتراط نفي الشذوذ المعبر عنه بالمخالفة. وإنما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة.\nوأمثلة ذلك موجودة في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وقد رجح البخاري الطرق التي فيها الاشتراط على غيرها، مع تخريج الأمرين، ورجح أيضا كون الثمن أوقية مع تخريجه ما يخالف ذلك، ومن ذلك أن مسلما أخرج فيه حديث مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في الاضطجاع قبل ركعتي الفجر، وقد خالفه عامة أصحاب الزهري كمعمر ويونس وعمرو بن الحارث والأوزاعي وابن أبي ذئب وشعيب، وغيرهم عن الزهري، فذكروا الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح، ورجح جمع من الحفاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخر أصحاب الصحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم. وأمثلة ذلك كثيرة.\" السيوطي، المرجع السابق، ١/ ٦٤ - ٦٥.\n(٢) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٣ - ١٤، الرازي، المختار، ٢١٦.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٥.","vol":"1","page":89},{"text":"علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولًا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (١)\nقال الخطيب البغدادي: \"والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.\" (٢)\nوبالنظر إلى تعريفات الأئمة للصحيح نجد أن: الشافعي والحميدي لم ينصّا على نفي العلة صراحة بل ذكرا من ضمن شروط الراوي والمروي ما يتضمن نفي ما قد يُعلُّ الرواية ويمرضها، ومن ذلك اشتراط عقل الراوي بما يُحدّث، وعلمه بما يحيل المعنى، واشتراط الحفظ والفهم والموافقة لغيره من الثقات وعدم مخالفتهم، ونفي التدليس وما إلى ذلك مما اشترطه الشافعي.\nأما الحميدي فقد ذكر أنه متى ظهر له وهم الراوي أو كذبه أو نسيانه، وما إلى ذلك من علل خفيّة، فإنها تكون سببًا في ردّ الحديث، وعدم قبوله، حيث قال: \"والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه، وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلًا وأكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلم نكلف علمه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبوله لما ظهر لنا منه.\" (٣)، وصنيعه في مسنده- والذي يظهر دقّته في\nالنقل وبيان بعض الأوهام اليسيرة التي وقع فيها شيخه ابن عيينة، والتنبيه عليها- دليل على حرصه في تنقية الحديث مما قد يضعفه ويوهنه (٤).\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\n(٢) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.\n(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٢٤.\n(٤) من أمثلة ذلك في مسند الحميدي:\n- فقد أخرج الحميدي لشيخه سفيان بن عيينة حديثًا لأم المؤمنين عائشة ﵂ من طريقين، مرة عن هشام بن عروة، والأخرى عن الزهري، وصرّح بعدم سماع شيخه لهذا الحديث من الزهري. \"فقال: ثنا سفيان قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ من غلبة الدين» ١/ ٢٨١ ح (٢٤٦).\nوأخرج له أيضًا حديثًا من روايته عن أبي الزبير، وصرّح بأنه لم يسمعه منه، فقال: \"ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: نزلت في آية الميراث. قال أبو بكر: ولم يسمعه سفيان عن أبي الزبير\" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ ح (١٢٦٥).\n- وأشار إلى وهم شيخه بزيادة راوٍ فقال: \"ثنا سفيان، قال: ثنا إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير - قال الحميدي: كان سفيان يغلط فيه - «أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في العيد بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وكان يقرأ فيهما إذا وافق ذلك يوم الجمعة» ٢/ ١٦٦ ح (٩٤٩)، وقد أوضح المراد بغلط سفيان قول الترمذي في كتابه العلل: \"سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر فيضطرب في روايته. قال مرة حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير وهو وهم، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير\". الترمذي، العل الكبير، ٩٢ ح (١٥٢).","vol":"1","page":90},{"text":"أما مسلم فقد اشترط السلامة من العيوب بشكل عام، وأضاف في مقدمة كتابه قوله: \"وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى.\" (١)\n_________\n(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٤. هذا عدا أنه ألّف كتاب التمييز، والذي يذكر فيه أحاديث أخطأ فيها الثقات، مما يدلل على إمامته في علم العلل، واهتمامه ببيان علل الأحاديث، وقد أشاد بذلك ابن حجر في فتح الباري في أكثر من موضع منها:\nقوله \"وأخرج مسلم حديث ابن علية (١/ ٣٦٨ ح (٢٧٦) (فاقتصر على المتفق على رفعه وحذف الباقي وذلك من حسن تصرفه والله أعلم\" ابن حجر، الفتح، ١/ ٤٧٥.\nوأشار في موضع آخر، أثناء شرحه لحديث جرّ الثوب خيلاء، بأن مسلمًا أخرج الحديث من رواية ابن عمر، وأن الترمذي زاد فيه قول أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال يرخين شبرا ... \" فعقّب ابن حجر بقوله: \"وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم، فإنها ليست عنده، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع\". المرجع السابق، ١٠/ ٢٥٩.\nوللأستاذ محمد عوّامة بحثان يُظهِر فيهما شيئًا من منهج الإمام مسلم في إعلاله للأحاديث: الأول بعنوان: من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه، والثاني بعنوان: حذف طرف من الحديث الواحد اختصارًا له أو إعلالًا، وذكر في الأول أن للإمام مسلم منهجًا فيما إذا أخرج بعض الأحاديث على وجه فيه بعض الشيء، فله طريقتان في ذلك: الأولى وتكون في الأسانيد: وهي طريقة الأصول أو الاحتجاج ثم المتابعات أو الشواهد، فيذكر الأصل والحجة أولًا ثم قد يُتبعه بمتابع أو شاهد، أو بهما معًا وفي بعض رجاله كلام.\nوالطريقة الثانية (وتكون في المتون): قد يذكر أول الباب حديثاّ في لفظه بعض الشيء، ثم يُتبعه باللفظ السليم، وينبّه إلى الفرق بين اللفظين أو محل الوهم.\nفمن أمثلة الطريقة الأولى: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى، ...» ثم رواه عقبه من طريق جعفر بن سليمان، بنحو حديث حماد، وقال: \"وليس في حديثه ذكر =","vol":"1","page":91},{"text":"وابن خزيمة لم يذكر نفي العلة في شرطه للصحيح إلا أنه مارس تعليل بعض الأحاديث أثناء سرده لأحاديث صحيحه. (١)\nوأما ابن حبان فقد ذكر في مقدمة صحيحه أنه ترك من الأحاديث التي ظاهرها الصحة لعلل خفية، حيث قال: \"وقد تركنا من الأخبار المشاهير التي نقلها عدول ثقات لعلل تبين لنا منها الخفاء على عالم من الناس جوامعها.\" (٢)\n_________\n= سعد بن معاذ\". ورواه أيضًا من طريق سليمان بن المغيرة، وقال: \"لم يذكر سعد بن معاذ، في الحديث\" ١/ ١١٠ ح (١١٩). قال ابن كثير في تفسيره موضحًا علة رواية حماد بن سلمة:\n\"فهذه الطرق الثلاث معللة لرواية حماد بن سلمة، فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح: أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودا؛ لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل سنة خمس، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.\"\n- ومن أمثلة الطريقة الثانية: ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصوم، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن غيلان بن جرير ... أن رسول الله - ﷺ - «سُئِل عن صوم يوم الاثنين؟ ٢/ ٨١٩ - ٨٢٠ ح (١١٦٢). فهنا أخّر الرواية السليمة، وقدّم المعللّة، ووضّحها.\nينظر: المراجع: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٣٦٧. عوّامة، من منهج مسلم في عرض الحديث المعلل، ٢٢ - ٢٤، ٤٣، محمد عوامة، حذف طرف من الحديث الواحد اختصارًا له أو إعلالًا.\n(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة:\n- فقد أخرج في صحيحه كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن وطء الأنجاس لا يوجب الوضوء. قال: ثنا عبد الجبار بن العلاء، وعبدالله بن محمد الزهري، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي قالوا: حدثنا سفيان قال عبدالجبار: قال الأعمش: وقال الآخران: عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله قال: «كنا نصلي مع النبي - ﷺ - فلا نتوضأ من موطئ ..». ١/ ٢٥ ح (٣٧).\n- وبعد أن أخرج حديث أبي هريرة في كتاب المناسك، باب ذكر الدليل على أن النبي - ﷺ - قد كان أعلمهم وهو بمنى أن ينزل بالأبطح، أعقبه بقوله: \"سؤال النبي - ﷺ - أين ينزل غدا في حجته إنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فأما آخر القصة: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ٤/ ٣٢٢ ح (٢٩٨٤).\n(٢) صحيح ابن حبان، ١/ ١٢٦. ومن أمثلة حرصه على بيان العلل أو نفيها في صحيحه ما يلي: فبعد أن أخرج حديثًا في تحريم الذهب والحرير على الذكور أشار إلى طريق معلولة فقال: \"خبر سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى - في هذا الباب - معلول لا يصح.\" ٨/ ٦٩ - ٧٠ ح (٥٤١٠). وهذه الطريق ذكر الدارقطني في كتابه العلل السبب في إعلالها، فقال: \"لأن سعيد بن أبي هند لم يسمع من أبي موسى شيئا\". الدارقطني، العلل الواردة في الأحاديث النبوية، ٧/ ٢٤١ ح (١٣٢٠). =","vol":"1","page":92},{"text":"وأما الخطابي فلم ينصّ في تعريف الصحيح على اشتراط نفي العلة؛ لكنه بعد أن عرّف الصحيح ثم الحسن ذكر أن سنن أبي داود تجمع هذين النوعين، ثم تطرّق إلى الضعيف، وما فيه علّة تضعفه فأشار إلى خلو الكتاب منه، وإن كان فيه شيء فإن أبا داود \"لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته.\" (١)، وهو يشير إلى استبعاد كل ما فيه علة عن حد الصحيح والحسن (٢).\nأما الحاكم فلم ينصّ على نفي العلة في وصفه للصحيح، لكنّه قال تحت هذا النوع: \"إن الصحيح لا يُعرف بروايته فقط، وإنما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا\n_________\n= ونجد ابن حبان في صحيحه في أكثر من موضع يدفع ما قد يُتوهم من علّة في بعض الأحاديث التي أخرجها، ويذكر السبب، ومن ذلك:\nقوله تحت باب ذكر الأمر بالوضوء من أكل لحم الجزور،: \"ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن هذا الخبر معلول:\nأخبرنا عبدالله بن محمد الأزدي قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا النضر بن شميل قال: حدثنا شعبة عن سماك قال: سمعت أبا ثور بن عكرمة بن جابر بن سمرة عن جابر بن سمرة عن رسول الله - ﷺ -: أنه سئل عن الصلاة في مبات الغنم فرخص فيها وسئل عن الصلاة في مبات الإبل فنهى عنها وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم. ٢/ ٣١٩ ح (١١٢٣).\nوقال في موضع آخر: \"ذكر خبر قد يوهم غير المتبحر في صناعة الحديث أن خبر أبي حميد الذي ذكرناه معلول ... \" وبعد أن ذكر الحديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي - ﷺ - عقّب بقوله: \"سمع هذا الخبر محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي وسمعه من عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه فالطريقان جميعا محفوظان.\" ٣/ ٣٤٠ - ٣٤٢ ح (١٨٦٣).\n(١) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.\n(٢) من أمثلة ذلك في كتابه معالم السنن:\nتأييده لتعليل الإمام أحمد لحديث رافع بن خديج في النهي عن المزارعة، للاضطراب في الرواية، فقال: \"وضعف أحمد بن حنبل حديث رافع، وقال هو كثير الألوان يريد اضطراب هذا الحديث واختلاف الروايات عنه فمرة يقول سمعت رسول الله - ﷺ -، ومرة يقول حدثني عمومتي عنه ... \" وأوضح أن من أخذ بظاهر الرواية لم يطّلع على علتها، فقال: \"فإنما صار هؤلاء إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليه أحمد.\" ٣/ ٩٥.\nوضعّف حديثًا لتكلّم الأئمة في رواته، ولمعارضته لأحاديث أقوى منه، فقال أثناء شرحه لحديث عبدالله ابن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم ...» \"هذا الحديث ضعيف وقد تكلم الناس في بعض نقلته وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره\"١/ ١٧٥.","vol":"1","page":93},{"text":"النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة؛ ليظهر ما يخفى من علة الحديث\" (١)، وجاء كلامه بعد أن ذكر أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة لكنها معلولة بعلل بيّنها (٢)، وهو بهذا يشير إلى العلل الخفية التي تؤثر في صحة الحديث، وأن مذاكرة نقاد الحديث وأهل معرفة علله تعين على تمييز الصحيح من السقيم، فقال - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة علل الحديث-: \"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث،\nيكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (٣)\nقال ابن الصلاح: \"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.\" (٤)\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.\n(٢) فقد ذكر ثلاثة أحاديث بأسانيد تخلو من رواة مجروحين إلا أنه أعلّ متونها، فأعلّ الحديث الأول بزيادة لفظة، فأخرج حديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ...» ثم قال: \"هذا حديث ليس في إسناده إلا ثقة ثبت، وذكر النهار فيه وهم، والكلام عليه يطول\" المرجع السابق، ٥٨.\nوأعلّ الآخر بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، فأخرج حديث: «ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط، ...» وقال: \"هذا إسناد تداوله الأئمة والثقات، وهو باطل من حديث مالك، وإنما أريد بهذا الإسناد: «ما ضرب رسول الله - ﷺ - بيده امرأة قط، ...»، ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري على أنه صدوق مقبول. المرجع السابق، ٥٩. وأعلّ الثالث كذلك فقال: \"هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه\"، ثم ذكر أنه ذكرها للمثال فقط ويُقاس عليها ما شابهها من الأسانيد الصحيحة التي رُكّب عليها متون رويت بأسانيد أخرى.\n(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.","vol":"1","page":94},{"text":"وقد ذكر الحاكم للعلة أجناسًا عشرة على سبيل التمثيل لا الحصر (١)، ولعله هو أول من أشار إلى اختلاف العلماء - من فقهاء ومحدثين- في هذا القيد -قيد اشتراط نفي العلة في الحديث الصحيح- أو بشكل أدق في ماهية العلة المؤثرة في صحة الحديث، حيث ذكر في المدخل إلى الإكليل في القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه: \"خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه ... \" ثم أعقب بقوله: \"فهذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم فيها: قول من زاد في الإسناد أو المتن إذا كان ثقة.\nفأمّا أئمة الحديث فإن القول فيها عندهم: قول الجمهور الذي أرسلوه لما يخُشى من الوهم على هذا الواحد.\" (٢) ويُعدّ ما ذكره في هذا القسم مما اُختلف فيه فيعدّه بعض النقاد من أنواع العلل، حيث تُعلّ الرواية المسندة بالمرسلة.\nبينما نجد الخليلي يسمّي ذلك علة لكنها لا تتنافى عنده مع الصحة، فيطلق عليه: الصحيح المعلول (٣)، حيث يقول: العلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها. فمنها أن\n_________\n(١) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩.\n(٢) الحاكم، الإكليل، ٤٧. قال النووي: \"وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلًا وبعضهم مرسلًا، أو بعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا، أو وصله هو أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه في وقت، فالصحيح الذى قاله المحققون من الحديث وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول وصححه الخطيب البغدادي أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر وأحفظ؛ لأنه زيادة ثقة وهى مقبولة. وقيل: الحكم لمن أرسله أو وقفه قال الخطيب: وهو أكثر قول المحدثين، وقيل: الحكم للأكثر، وقيل: للأحفظ\".\nبينما عزا ابن حجر ترجيح المحدثين إلى القرائن التي تحفُّ بكل رواية على حده، فقال عن منهج الشيخين في كتابه الفتح: \"والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد؛ بل هو دائر مع القرينة فمهما ترجح بها اعتمداه. وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله\".\nوقال في النكت - فيما يخص منهج المحدثين بشكل عام-: \"والذي يجري على قواعد المحدثين أنهم لا يحكمون عليه بحكم مستقل من القبول والرد، بل يرجحون بالقرائن كما قدمناه في مسألة تعارض الوصل والإرسال.\". ينظر: المراجع: النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم، ابن حجر، الفتح، ١٠/ ٢٠٣، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٧\n(٣) سيأتي تفصيل مراد الخليلي بالصحيح المعلول في الفصل الثامن (الحديث المعلل).","vol":"1","page":95},{"text":"يروي الثقات حديثًا مرسلًا، وينفرد به ثقة مسندًا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال\" (١).\nمن أجل ذلك عقّب ابن دقيق العيد على تعريف ابن الصلاح بقوله: \"ولو قيل في هذا الحدِّ: الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره لكان حسنًا، لأَنَّ من لا يشترط\nبعض هذه الشروط لا يحصر الصحيح في هذه الأوصاف. ومن شَرْطِ الحدِّ أن يكون جامعًا مانعًا.\" (٢)\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فقد نصّوا على نفي العلة ضمن حدّ الحديث الصحيح سوى من أجمل تعريفه، واقتصر على اشتراط السلامة من القدح أو الطعن كابن الملقن في التذكرة بينما نصّ على ذلك في المقنع كما سبق وأشرنا إلى ذلك في نفي الشذوذ.\n\nنخلص مما سبق:\nأن العلة بشكل عام هي كل ما يمرض الحديث ويُضعفه سواء كانت ظاهرة أم خفية، وبما أن نفي العلة جاء ضمن قيود الحديث الصحيح، والذي اُشترِط في حدّه شروط تخص الراوي والمروي من اشتراط العدالة والضبط واتصال السند ونحوه، فينصرف المعنى\n_________\n(١) فمن أقسام الصحيح عند الخليلي في كتابه الإرشاد: صحيح متفق عليه، وصحيح معلول، وصحيح مختلف فيه. وذكر مثالا للصحيح المتفق عليه بما يرويه (رواة ثقات عدول)، ومثّل للصحيح المعلول بعلة لا تضرّه، وذكر أمثلة في حال خالف الثقة الثقات، وعدّها من العلل غير القادحة. وذكر على ذلك مثالا من صحيح البخاري حديث: «أن النبي - ﷺ - يقبل الهدية ويثيب عليها» - أخرجه في صحيحه كتاب الهبة، باب المكافأة في الهبة ٣/ ١٥٧ ح (٢٥٨٥) وقال: \"لم يذكر وكيع، ومحاضر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة\"- قال محقق كتاب التتبع للدارقطني -في خاتمة تحقيقه ضمن ثمرات البحث- يبيّن: \"دقة نظر علمائنا ﵏، بحيث إننا نقرأ في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) أوقات كثيرة فما نتفطن لتلك العلل التي ربما أشار إليها صاحبا الصحيح، ومن الأمثلة على ذلك حديث: «أن النبي - ﷺ - يقبل الهدية ..» انتقده الدارقطني، وقد نبّه البخاري أن له علة، ولعلها غير قادحة عنده\"\nوصحيح مختلف فيه (ومراده ما اختلف الأئمة في تصحيحه؛ لاختلافهم في شروط الصحيح). ينظر: المراجع: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٥٧ - ١٦٣، الدارقطني، الإلزامات والتتبع، ٥٧٦.\n(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥","vol":"1","page":96},{"text":"المراد بالعلة هنا - على الأرجح- إلى ما قد يكون سببًا خفيًا قادحًا في الصحة، \"فالمحدثون إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدا لابد منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح.\" (١)\nولا ريب أن صنيع الأئمة ونقّاد الحديث في مجمله يدل على اشتراطهم خلو الحديث الصحيح مما يُعلّه أو يقدح في صحته، وإن لم ينصّ بعضهم على هذا الشرط إلا أن صنيعه يثبت ذلك، وإنما وقع الاختلاف بينهم في بعض العلل من حيث كونها قادحة في\nالصحة أو غير قادحة، ولعل ذلك هو الذي دعا بعضهم للجمع بين وصف الصحيح والعلة فأطلق (الصحيح المعلول).\nوقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن ما ذكره ابن الصلاح من قيود للحديث الصحيح إنما تنطبق على المجمع على صحته، وأن هناك من لا يشترط كل هذه القيود، (٢) فاقترح أن يقال - لكي يكون الحدّ جامعًا مانعًا-: \"الصحيح المجمع على صحته هو كذا وكذا إلى آخره ... \" (٣).\n_________\n(١) فحل، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، ١٧.\n(٢) لعله يقصد بالشروط التي لم يشترطها بعضهم: نفي الشذوذ والعلة؛ حيث ذكر أن مدار التعريف عند الأصوليين والفقهاء على عدالة الراوي وتيقّظه، وبعضهم يزيد قيد الاتصال.\n(٣) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥","vol":"1","page":97},{"text":"وعلى كل حال: \"فوجود العلة في الحديث تعني أنه وقع فيه خلل في الاتصال، أو في عدالة الرواة أو ضبطهم، فعاد الأمر إلى (ما اتصل سنده بنقل الثقة) \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>القيد السادس: اشتراط كونه مُسندًا </span>(٢):\nالمُسنَد بفتح النون في اللغة: مأخوذ من السَّند، وهو \"أصل يدل على انضمام الشيء إلى الشيء. يقال سنَدت إلى الشيء أسْنُدُ سُنُودا، واستَنَدت استنَادا. وأسنَدت غيري إسنَادا\". (٣)\nو\"السَّنَدُ: ما ارتَفَعَ من الارض ...، وكلُّ شيء أسنَدت إليه شيئًا فهو مسند\" (٤).\nوللمسند ثلاثة تعريفات:\n١ - تعريف الحاكم: \"ما اتصل سنده إلى النبي - ﷺ - \".\n٢ - تعريف ابن عبدالبر: \"كل حديث مرفوع للنبي - ﷺ - متصلًا كان أو غير متصل\".\n٣ - تعريف الخطيب: \"ما اتصل سنده على أي وجه كان\".\nنقلها ابن الصلاح (٥)، ولم يرجّح بينها هذه التعريفات، وحين عرّف الحديث الصحيح ذكر لفظ المُسند في حدّه، فقال: \"الحديث الصحيح: فهو الحديث المسند الذي يتّصل إسناده\"، ورجّح ابن حجر أنه يقصد بالمُسند الحديث المرفوع، فقال: \"اُعترض عليه بأنه لو قال: المسند المتصل لاستغنى عن تكرار لفظ الإسناد.\n_________\n(١) هذه العبارة من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.\n(٢) رأيت تأخير هذا القيد- رغم ابتداء تعريف ابن الصلاح به-؛ لكونه غير متفق عليه كقيد مستقل إنما يندرج في أحد معانيه تحت اتصال السند، وقدّمت القيود الأخرى عليه؛ لبروزها في إيضاح حدّ الصحيح.\n(٣) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٠٥.\n(٤) الفراهيدي، العين، ٧/ ٢٢٨.\n(٥) أعقبها بقوله: \"فهذه أقوال ثلاثة مختلفة، والله أعلم.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢ - ٤٣.","vol":"1","page":98},{"text":"والجواب عن ذلك: أنه إنما أراد وصف الحديث المرفوع؛ لأنه الأصل الذي يتكلم عليه، والمختار في وصف المسند على ما سنذكره أنه الحديث الذي يرفعه الصحابي مع ظهور الاتصال في باقي الإسناد، فعلى هذا لا بد من التعرض لاتصال الإسناد في شرط الصحيح، والله أعلم\" (١).\nوبتأمل تعريف الصحيح عند من سبق ابن الصلاح نجد أن الشافعي لم يشترط في الصحيح أن يكون من قبيل المرفوع فقال: \"حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي - ﷺ - أو إلى من انتهي به إليه دونه\".\nأما الحميدي فقد كان جوابه وفق ما وُجِّه إليه من سؤال، فإنه سُئِل عن الحديث المرفوع، فأكّد على اتصال السند إلى النبي - ﷺ -، ونصه: \"فإن قال قائل: فما الحديث الذي يثبت عن رسول الله - ﷺ - ويلزمنا الحجة به؟ ... \" إلى أن قال: \" حتى ينتهي ذلك إلى النبي - ﷺ - \"، فقد أجاب وفق منطوق السؤال، ولا يُفهم من ذلك حصره لشروط الصحيح في الحديث\nالمرفوع فقط، وقد ضمّ مسنده نسبة قليلة جدًا من الأحاديث الموقوفة، وكان ينبّه إلى أن شيخه ابن عيينة لم يرفعها. (٢)\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٤.\n(٢) كان الحميدي حريصًا في تمييز الطرق التي أوقفها شيخه عن المرفوعة رغم قلتها، وكان يسأل شيخه عن بعضها، ومن أمثلة ذلك في مسنده:\n- بعد أن أخرج قول علي بن أبي طالب - ﵁ - في خطبة العيد: «لا يأكلن أحدكم من لحم نسكه فوق ثلاث». ١/ ١٥٢ ح (٨).\n- وأخرج عن أبي أيوب - ﵁ - قال: «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر». ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ ح (٣٨٤).\n- وأخرج حديث أسامة بن زيد - ﵁ - مرفوعا «الربا في النسيئة» .. ١/ ٤٦٩ ح (٥٥٥). وتدل الأمثلة على حرصه في تبيين وتمييز الموقوف من المرفوع في مسنده.","vol":"1","page":99},{"text":"وأما ابن خزيمة فقد وصف أحاديث كتابه الصحيح، بقوله: \"مختصر المختصر، من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ - بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه - ﷺ - ... \"، مما يدل على أن شروط الصحة في كتابه إنما تنطبق على الأحاديث المسندة والمرفوعة إلى النبي - ﷺ -، وكان ينبّه في حال صحّ الإسناد عنده موقوفًا ولم يصح مرفوعا. (١)\nوعلى نهج شيخه سار ابن حبان، فقد أشار إلى اعتماده للروايات المسندة المرفوعة في صحيحه بقوله في مقدمته: \"كون الخبر عن مثل من وصفنا نعته بهذه الخصال الخمس؛\nفيرويه عن مثله سماعا، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - \" (٢)، بل جعل وصف المسند المرفوع من صفات الخبر المحتجّ به، فقال: \"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم: هو خبر الواحد الثقة في دينه، ... عن الواحد مثله في الأحوال بالسنن وصفاتها، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ - سماعًا متصلًا.\" (٣)، فالمسند المرفوع مقدّم عنده على المرسل والموقوف (٤).\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في صحيح ابن خزيمة:\n- فقد أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الهرة لا تقطع الصلاة، إنها من متاع البيت» ٢/ ٢٠ ح (٨٢٨ - ٨٢٩).\n- وأخرج حديثًا لعبد الله بن مسعود - ﵁ -، كان إذا رأى النساء قال: أخروهن حيث جعلهن الله ...، وذلك تحت \"باب ذكر بعض أحداث نساء بني إسرائيل الذي من أجله منعن المساجد\" ثم قال: \"الخبر موقوف غير مسند\" ٣/ ٩٩ ح (١٧٠٠).\n- وعقّب بعد أن أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: «تعرض أعمال الناس في كل جمعة مرتين: ٣/ ٢٩٩ ح (٢١٢٠).\n(٢) ابن حبان، الصحيح، ١/ ١١٣.\n(٣) ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٨.\n(٤) من أمثلة ذلك في صحيحه: فبعد أن أخرج ابن حبان حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت ٧/ ٤٢٠ ح (٥١٦٢). فالرفع مقدم على الوقف، وإن كان كلاهما صحيحا؛ بل أن ذلك لا يمنع من أن يصحح غير المسند المرفوع، فبعد أن أخرج ابن حبان في صحيحه حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا نكاح إلا بولي». ٦/ ٢٠٢ ح (٤٠٧١).","vol":"1","page":100},{"text":"وأيضًا نجد الحاكم يصف الحديث الصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث بأنه ما رفعه الصحابي إلى النبي - ﷺ -، فقال: \"وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة ... \"، ومفهوم تعريفه اشتراطه للرفع في صفة الحديث الصحيح، إلا أنه قد ذكر في كتابه المدخل إلى الإكليل ضمن أقسام الحديث الصحيح المختلف فيه المراسيل، وقد اقتصر في تعريفه للمُسند على ما جمع بين صفتي الرفع والوصل (١)، ولعل الجمع بين أقواله بأن حدّ الصحيح المتفق عليه أن يكون مُسندًا، وما فقد\n_________\n(١) تعريف المسند عند الحاكم: المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه (لسنٍ يحتمله (، وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله - ﷺ -. الحاكم، علوم الحديث، ١٧، ولقد اُختلف في عبارة (لسنٍ يحتمله (هكذا وجدتها في طبعتي المعرفة للحاكم ط (دار الكتب العلمية)، وط (دار ابن حزم)، وكذلك في كتاب النكت لابن حجر، ط (الجامعة الإسلامية) ١/ ٥٠٨، ووجه ابن حجر تعريف الحاكم بقوله: \"فلم يشترط حقيقة الاتصال، بل اكتفى بظهور ذلك كما قلته تفقها\".\nوفي طبعتي فتح المغيث ط (مكتبة السنة) ١/ ١٣٥، وط (دار المنهاج) ١/ ١٨٤ (ليس يحتمله (حيث قال السخاوي: \"فالظاهر أن قوله: (ليس يحتمله) يخرج عنعنة المدلس، خصوصا وقد صرح الحاكم بعدُ باشتراط عدم التدليس في رواته.\" ورجحها الدكتور ماهر الفحل في تحقيقه لنكت ابن حجر ط (الميمان) ٣١٠.\nبينما علّق محقق المعرفة ط (دار ابن حزم)، د. أحمد السلوم على تعريف الحاكم للمسند بما يأتي: يؤخذ من كلام الحاكم ما يلي:\n١ - ... المسندلا يقع إلا على ما أضافه الصحابي إلى النبي - ﷺ -، فيخرج بذلك المرسل وما شابهه.\n٢ - ... الحاكم يقصر المسند على المتصل المرفوع.\n٣ - ... رجّح رواية (لسنٍ يحتمله)، وعليه فالمعنى أن المسند ما يرويه المحدّث عن شيخه، وسماع المحدّث من شيخه ظاهر لا يدفعه شيء؛ إذ سنهما محتملة لذلك. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ط ابن حزم ١٣٧ - ١٤١ الحاشية باختصار.","vol":"1","page":101},{"text":"أحد شرطي المُسند من الرفع أو الوصل فمُختلف في صحته، والله أعلم. (١)\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فلم يذكروا هذا القيد في حدّ الصحيح، بل هناك من اتّبع الشافعي في تصريحه بأن الحديث متى ما استوفى شروط الصحة فهو صحيح سواء رُفع إلى النبي - ﷺ - أو إلى من دونه، كابن كثير حيث قال: \"فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل\nسنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ... \" (٢)\nوقد ضمّت كثير من مصادر كتب السنة الأحاديث والآثار الموقوفة والمقطوعة (٣)، مثل موطأ مالك، ومصنف عبدالرزاق (٤) وابن أبي شيبة (٥)، بل نجد أن ابن حجر ألّف كتابًا\n_________\n(١) وفي مسألة الاحتجاج بالأحاديث الموقوفة والمقطوعة، وما شابهها قال الخطيب في كتابه الكفاية في علم الرواية - فيما يخص الأحاديث المُسندة-: \"فأما الأحاديث المسندات إلى النبي - ﷺ - فهي أصل الشريعة ومنها تستفاد الأحكام وما اتصل منها سنده وثبتت عدالة رجاله فلا خلاف بين العلماء أن قبوله واجب والعمل به لازم والراد له آثم\".\nوقال في الموقوفات على الصحابة: \"جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي - ﷺ - في لزوم العمل بها، وتقديمها على القياس وإلحاقها بالسنن ... وأما الأحاديث المرسلات عن النبي - ﷺ - فهي أيضا عند خلق من العلماء بمنزلة المسندات المتصلة في تقبلها والعمل بمتضمنها، ومن لم يرها كذلك من نقاد الآثار وحفاظ الأخبار، فإنه يكتبها للاعتبار بها ولن يجعلها علة لغيرها ... وأما المقاطيع: فهي الموقوفات على التابعين فيلزم كتبها والنظر فيها؛ لتتخير من أقوالهم ولا تشذ عن مذاهبهم\". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٢/ ١٨٩ - ١٩١. وكلامه ﵀ يدل على وجود الخلاف بين العلماء في الاحتجاج بغير المُسند من الحديث.\n(٢) ابن كثير، الاختصار، ٢٨.\n(٣) ذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي تحت نوع المقطوع فائدة فقال: \"جمع أبو حفص ابن بدر الموصلي كتابا سماه: \" معرفة الوقوف على الموقوف \" أورد فيه ما أورده أصحاب الموضوعات في مؤلفاتهم فيها، وهو صحيح عن غير النبي - ﷺ - إما عن صحابي أو تابعي فمن بعده. وقال إن إيراده في الموضوعات غلط، فبين الموضوع والموقوف فرق.\nومن مظان الموقوف والمقطوع مصنف ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وتفاسير: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم.\" السيوطي، التدريب، ١/ ١٠١.\n(٤) عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، أبو بكر الصنعاني. من حفاظ الحديث الثقات. من مصنفاته: (الجامع الكبير) و(المصنَّف). مات سنة ٢٢٠ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٨/ ٢٢٢، الصفدي، الوافي بالوفيات، ١٨/ ٢٤٤ (٦٩٦٨)، الزركلي، الأعلام، ٣/ ٣٥٣.\n(٥) عبدالله بن محمّد بن أبي شيبة العبسيّ الكوفيّ، أبو بكر. حافظ للحديث، وله مصنفات منها: (المسند) و(المصنف في الأحاديث والآثار) و(الإيمان). مات سنة ٢٣٥ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ١٩٢. الزركلي، الأعلام، ٤/ ١١٧.","vol":"1","page":102},{"text":"سماه \"الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم\" وقال في مقدمته: \"هذه أحاديث موقوفة ومقطوعة تتبعتها من صحيح مسلم، وقد وقع أكثرها في ضمن أحاديث مرفوعة ... \" (١)\nثم ذكر سبب تأليفه لهذا الجزء بقوله:\n\"وكان الحامل على جمع هذه الأحاديث أنه يقع في بعض مجالس الحديث قول أبي عمرو بن الصلاح في \" علوم الحديث \" أنه ليس في صحيح مسلم بعد الخطبة والمقدمة إلا الحديث المرفوع الصرف غير ممزوج بالموقوفات، واستدرك من تأخر عن عصر ابن الصلاح عليه أنه وقع في مسلم شيء من الموقوفات على بعض التابعين، وهو:\nقول يحيى بن أبي كثير (٢): (لا يستطاع العلم براحة الجسد) (٣).\" (٤)\nوقد ذكر أنه تتبع أمثال هذا القول، وجمعه في هذا الكتاب. (٥)\nنخلص مما سبق:\nأن الراجح في معنى المسند هو المرفوع المتّصل، وأن المسند المرفوع مقدم في الاحتجاج على المرسل والموقوف؛ لذا غلب في مصنفات المتقدمين اهتمامهم بجمع\n_________\n(١) ابن حجر، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، ٢٥.\n(٢) يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، قال الذهبي: الإمام، أحد الأعلام، كان من العباد العلماء الأثبات. وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل\"، وجعله ضمن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين ممن احتمل الأئمة تدليسهم لإمامتهم، مات سنة ١٢٩ وقيل: ١٣٢ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٣ - ٣٧٤ (٦٢٣٥)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٦ (٧٦٣٢)، ابن حجر، طبقات المدلسين، ٣٦ (٦٣).\n(٣) في صحيح مسلم \"براحة الجسم\"، وقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب أوقات الصلوات الخمس، ١/ ٤٢٨ ح (٦١٢).\n(٤) ابن حجر، الوقوف على الموقوف، ٢٧.\n(٥) الوقف قد يكون الوجه الأصوب للرواية، ويكون مُعللًا للرفع، كما أشار لذلك الأستاذ محمد عوّامة في كتابه (من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه) فذكر أنه في حال وقع الاختلاف في رفع الحديث ووقفه-وهو اختلاف في أمر إسنادي- فطريقة الإمام مسلم أنه يُقدّم الإسناد الصحيح، ويؤخر المعلل، وذكر أمثلة على ذلك. ينظر: عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، ٦٤ - ٦٥.","vol":"1","page":103},{"text":"الأحاديث المرفوعة وتمييزها عن الموقوفة والمقطوعة، ولعل ذلك سبب ذكر بعضهم -كابن خزيمة وابن حبان- قيد المسند ضمن شروط مروياته في كتابه الذي خصه بجمع الصحيح وتمييزه عن غيره؛ إلا أن لفظ الصحيح غير قاصر على الأحاديث المسندة المرفوعة؛ وإنما يشمل الآثار الموقوفة والمقطوعة إذا جمعت شروط الصحة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلت من شذوذ وعلة؛ لذا فإن من جاء بعد ابن الصلاح لم يذكر شرط المُسند ضمن شروط الصحيح بل صرّح ابن كثير فقال: \"حاصل حد\nالصحيح: أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ... \" (١)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الشروط أو القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:</span>\nجاء في تعريفات بعضهم للصحيح شروط وقيود لم يصرّح بها ابن الصلاح ضمن تعريفه، من ذلك: نفي التدليس، واشتراط شهرة الرواة في الطلب، واشتراط العدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>قيد نفي التدليس:</span>\nمن القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، وقد ذكره الشافعي ضمن شروط راوي الحديث المحتجّ به بقوله: \"بريًّا من أن يكون مدلسا، يُحدِث عن من لَقِي ما لم يَسمع منه\"، وكذلك الحال بابن حبان حيث ذكر شروط من يحتجّ بخبره فقال: \" المتعرَّى خبره عن التدليس\"، والذهبي -على الرغم من كون كتابه الموقظة مختصر من كتاب شيخه ابن دقيق العيد- إلا أنه حين اختصر تعريفه للصحيح زاد عليه قيد \"عدم التدليس\".\n_________\n(١) ابن كثير، الاختصار، ٢٨.","vol":"1","page":104},{"text":"والتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (١)\nوهو في الحديث على أنواع منها: تدليس الإسناد، ويُعدُّ من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد، والذي عناه الشافعي بقوله: \" يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه\" (٢) وعرّفه ابن\nالصلاح بقوله: \"وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر.\" (٣)، وقد تعقّبه ابن حجر حيث قال: \"وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي\" (٤)، وصوّب التفريق بين المصطلحين، وأشار إلى الفرق بينهما بقوله: \"والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي دقيق، ... وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.\nومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما.\" (٥)\nوعليه فالتدليس نوع من علل الإسناد التي قد تؤثر في اتصاله، وسبق معنا أن اشتراط الاتصال في السند شرط من شروط الحديث الصحيح المتفق عليه، وقد اشترطته أغلب\n_________\n(١) ينظر: الجوهري، الصحاح، ٣/ ٩٣٠. الفيروزآبادي، القاموس، ٥٤٦. قال ابن حجر: \"واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء\". وقال في النكت: \"وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه.\" ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٣، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.\n(٢) وفي كتب مصطلح الحديث يعدّدون أنواعًا أخرى للتدليس كتدليس التسوية، وتدليس الشيوخ، وتدليس الصيغ، إلا أنني اقتصرت على ما يخص تدليس الإسناد الذي وضّح معناه الشافعي.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١٠٤. وهناك كتاب اُلّف لبيان أوجه الموافقة والمخالفة بين هذين المصطلحين، ينظر: خالد القريوتي، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة.","vol":"1","page":105},{"text":"تعريفات الصحيح إمّا صراحة أو ضمنًا، ويكون اشتراط نفي التدليس من باب التأكيد على أهمية الاتصال، والتأكد من خلو السند من الانقطاع الظاهر أو الخفي.\nفهذا القيد مُتضمَن في قيود الصحيح السابق ذكرها من حيث اشتراط الاتصال، واشتراط نفي العلل القادحة، فقد أشار مسلم في مقدمة صحيحه - وذلك في معرض حديثه عن الاحتجاج بالإسناد المعنعن- بأن نقاد الحديث من السلف لم يفتشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فقال: \"وإنما كان\nتَفقُّد من تفقَّد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم، إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس في الحديث، وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس (١).\" (٢)\nوكذلك كان ابن خزيمة يتوقّف في تصحيح بعض الأحاديث، ويُعِلُّها بتدليس بعض رواتها.\nأمّا ابن حبّان فقد تشدّد في قبول رواية المدلّسين- ولو كانوا ثقات- إلا إذا صرّحوا بالسماع، ولم يستثن سوى سفيان بن عيينة (٣)؛ لأنه عُرِف أنه لم يُدلِّس إلا عن ثقة. (٤)\n_________\n(١) حقّق ابن رجب الحنبلي مسألة الحديث المعنعن وشروط قبوله، وذكر فيها مذاهب العلماء واختلافهم، وذلك في كتابه شرح علل الترمذي. يُنظر: ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٨٥ - ٥٩٩.\n(٢) مسلم، الصحيح، ١/ ٣٢ - ٣٣.\n(٣) سفيان بن عيينة بن أبى عمران أبو محمد الهلالي، مولاهم، الكوفي ثم المكي، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، ثقة ثبت حافظ إمام، وقال ابن حجر: \"ثقة حافظ فقيه إمام حجة؛ إلا أنه تغير حفظه بأخرة وكان ربما دلس لكن عن الثقات، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار\"، مات سنة ١٩٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤٩ (٢٠٠٢)، ابن حجر، التقريب، ٢٤٥ (٢٤٥١).\n(٤) حيث قال في مقدمة صحيحه: \"وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا - مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المُتَّقين وأهل الورع في الدين - لأنا متى قبلنا خبر مدلس لم يُبيِّنِ السماع فيه - وإن كان ثقة - لَزِمَنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعل هذا المدلس دَلَّسَ هذا الخبر عن ضعيف يَهِي الخبر بذكره إذا عُرِفَ اللهم إلا أن يكون المدلس يعلم أنه ما دلَّس - قط - إلا عن ثقة فإذا كان كذلك قُبِلَتْ روايته وإن لم يبين السماع.\nوهذا ليس في الدنيا إلا سفيان بن عيينة وحده فإنه كان يُدلِّسُ ولا يُدلِّسُ إلا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد لسفيان بن عيينة خبر دلس فيه إلا وجد الخبر بعينه قد بين سماعه عن ثقة مثلِ نفسه\". يُنظر: ابن حبان، الصحيح، ١/ ١٢١.","vol":"1","page":106},{"text":"وقد أجاب عمّا جاء في صحيحه من رواية المدلسين دون تصريح منهم بالسماع بقوله: \"فإذا صحَّ - عندي - خبر من رواية مُدلِّسِ أنه بَيَّنَ السماع فيه، لا أبالي أن أذكُرَه من غير بيان السماع في خبره بعد صِحَّتِه عندي من طريق آخر.\" (١)\nوأما الحاكم فقد ذكر في كتابه \"المدخل إلى الإكليل\" تحت القسم الثاني من الصحيح المختلف في صحته: \"روايات المدلسين إذا لم يذكروا إسماعهم في الرواية\" أن جماعة من أئمة أهل الكوفة صححوها، وردّها جماعة من أئمة أهل المدينة، ثمّ مثّل للمراد\nبالتدليس إلى أن قال: \"وأخبار المدلسين كثيرة، وضبط الأئمة عنهم ما لم يُدلِّسوا، والتمييز بين ما دلسوا وما لم يُدلِّسوا ظاهر في الأخبار.\" (٢)\nوالمدلسون من حيث قبول روايتهم أو ردّها على أجناس ومراتب:\nفقد ذكر الحاكم في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" أجناسًا ستة للمدلسين (٣)، وفرّق كذلك الخطيب البغدادي بين أنواع المدلسين وذكر مذاهب العلماء في خبر المُدلِس بين القَبول والرد، وبين الإكثار من التدليس والإقلال منه، وبين التدليس عن ثقة أو عن غير ثقة، وعن التصريح المُدلِس بالسماع وعدمه، وقد صحّح مذهب من يشترط التصريح بالسماع. (٤)\n_________\n(١) المرجع السابق، ١/ ١٢٢.\n(٢) الحاكم، الإكليل، ٣٩ - ٤٠.\n(٣) يُنظر: الحاكم، علوم الحديث، ٣٣٨ - ٣٥٨. تحت النوع السادس والعشرين: معرفة المدلسين.\n(٤) يُنظر، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٦١ - ٣٦٢.","vol":"1","page":107},{"text":"ثم جاء العلائي (١) وجمع أسماء ثمانية وستين ممن وُصفوا بالتدليس، مرتّبين على حروف المعجم، وصنّفهم إلى خمس طبقات ومراتب - مستفيدًا ممن سبقه في ذلك- وبيّن اختلاف الحكم على رواياتهم باختلاف طبقاتهم (٢)، وقد قام الحافظ ابن حجر بتلخيص ذلك، وجعلهم على خمس مراتب:\n- الأولى: لمن لم يوصف بذلك إلا نادرًا. (٣)\n- والثانية: لمن احتمل الأئمةُ تدليسَهُ، فأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لكونه لا يدلس إلا عن ثقة. (٤)\n- والثالثة: من أكثر من التدليس، فاختلف الأئمة في حديثهم بين:\nالاحتجاج بما صرحوا فيه بالسماع، أو رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم مطلقًا. (٥).\n- والرابعة: اتفقوا على عدم الاحتجاج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء، والمجاهيل (٦).\n- والخامسة: ردوا حديث من ضُعِّف بأمر آخر سوى التدليس، ولو صرحوا بالسماع (٧). (٨)\n_________\n(١) خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الدمشقيّ، أبو سعيد، صلاح الدين. كان إماما محدثا حافظا متقنا جليلا فقيها أصوليا نحويا. من مصنفاته: (جامع التحصيل في أحكام المراسيل) و(الوشي المعلم) و(الأربعين في أعمال المتقين). مات سنة ٧٦١ هـ. ينظر: ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ١٠/ ٣٦. السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٣٣. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٣٢١.\n(٢) يُنظر: العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ١١٣ - ١١٤.\n(٣) كيحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة.\n(٤) كسفيان الثوري، وابن عيينة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير.\n(٥) كالحسن وقتادة، وأبي الزبير المكي.\n(٦) كبقية بن الوليد، وابن إسحاق، وجابر الجعفي.\n(٧) كأبي جناب الكلبي وأبي سعد البقال، إلا أن يُوثّق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة.\n(٨) ينظر: العلائي، المراسيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":108},{"text":"فحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (١)\nوأمّا ما جاء في الصحيحين من روايات المدلسين فهي على النحو الآتي:\n-إمّا أن يكونوا من أهل المرتبتين الأولى والثانية، فهؤلاء احتمل الأئمة تدليسهم.\n- وأمّا أن يكونوا ممن اشترط الأئمة تصريحهم بالسماع لقبول مروياتهم، فما جاء في الصحيحين من رواية هؤلاء أُجيب عنه بأنه: \"محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات تحسينا للظن بمصنفيها.\" (٢)\nقال الحافظ ابن حجر في كتابه النكت: \"فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسين بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى\". (٣)، وزاد السيوطي\n_________\n(١) ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي مذاهب العلماء في قبول رواية المُدلِّس أو ردها. ينظر: ابن رجب، علل الترمذي، ٢/ ٥٨٢ - ٥٨٥، القريوتي، الإرسال والتدليس، ٤٧ - ٤٨.\n(٢) قاله السخاوي في فتح المغيث، وعقّب بقوله: \" يعني ولو لم نقف نحن على ذلك لا في المستخرجات التي هي مظنة لكثير منه ولا في غيرها.\" ثم أردفه بقوله: \"وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في \"القدح المعلى\": \" أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزَّلة مَنزِلة السماع\"، يعني: إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها.\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٣٢ - ٢٣٣. ينظر كذلك: النووي، التقريب، ٣٩، ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٥٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٢ - ٢٦٤.\n(٣) ابن حجر، النكت، ١/ ٣١٥. وقال في مقدمته لفتح الباري: \"وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري، لما عُلم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذُكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تُسبر أحاديثهم الموجودة عنده بالعنعنة، فإن وُجد التصريح فيها بالسماع اندفع الاعتراض، وإلا فلا.\" ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٥.\nوقد قام الدكتور عواد الخلف في رسالته للدكتوراه بجمع جميع روايات المدلسين في صحيح البخاري ٥١٩.\nوقد بيّن هذه الضوابط والاعتبارات في مقدمة بحثه، وذكر فيها ثلاثًا وثلاثين ضابطًا في قبول عنعنة المدلس فيما يخص روايات صحيح البخاري.\nيُنظر: عوّاد الخلف، روايات المدلسين في صحيح البخاري جمعها- تخريجها- الكلام عليها، ٢٦ - ٣٣.","vol":"1","page":109},{"text":"قوله: \"وإنما اختار صاحب الصحيح طريق العنعنة على طريق التصريح بالسماع؛ لكونها على شرطه دون تلك.\" (١)\nنخلص مما سبق:\nأن زيادة قيد نفي التدليس في حدّ الصحيح زيادة من باب التأكيد على اتصال السند، وعدم انقطاعه، سواءً كان الانقطاع جليًّا فيخرج باشتراط اتصال السند، أو كان خفيًّا فيخرج باشتراط نفي العلّة، فقد تضمّن كل من: شرطيّ اتصال السند ونفي العلة - للحديث الصحيح- هذا القيد؛ لذا لم ينشط لذكره كل من جاء بعد ابن الصلاح سوى الذهبي ﵏ جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>قيد الشهرة في الطلب:</span>\nمن القيود التي زيدت في شرط الصحيح، قال الحافظ ابن حجر: \"زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، ... \" (٢)\nومعنى الشهرة في اللغة: الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٣)\nوفي الاصطلاح: شهرة الراوي تعني خروجه عن حد الجهالة. (٤)\n_________\n(١) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٤.\n(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨.\n(٣) ينظر: الرازي، مختار الصحاح، ١٧٠، ابن منظور، اللسان، ٤/ ٤٣٢. الفيروزآبادي، القاموس، ٤٢١، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٨.\n(٤) قال البقاعي في النكت: \"والمشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تصيره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين، ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: (وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية) وإلا فهو مجهول الحال، ... \". قال ابن حجر: \"والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين.\"\nوقال الخطيب البغدادي في الكفاية: \"المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد\".\nوقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور. وجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوثّق.\nوتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعدًا عنه، قال الخطيب البغدادي: \"وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك ... إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه\".ا. هـ. أي أنه يصبح من طبقة \"مجهول الحال\" وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة، أو \"المستور\" وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم\". ينظر: المراجع: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٦٢٦، ابن حجر، النزهة، ١٠٧، ١٢٦، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨ - ٨٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، عتر، منهج النقد، ٩٠.","vol":"1","page":110},{"text":"والشهرة بشكل عام شيوع أمر الراوي وانتشاره بين نقاد الحديث، فإن كان هذا الشيوع ثناءً ومدحًا كان إثباتًا لعدالته، وإن كان ذمًا وقدحًا كان نفيًا لها. (١)\nقال ابن الصلاح: \"فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا.\" (٢)\nوالمراد بالشهرة بالطلب -في هذا القيد-: أن يكون للراوي \"مزيد اعتناء بالرواية؛ لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى\" (٣)، أي شهرة بالطلب مقيّدة بالضبط والإتقان،\n_________\n(١) من الرواة من اُشتهِر بالعدالة والحفظ بل وبالإمامة فيهما، وشاع أمره بين نقاد الحديث، كمالك وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومنهم على النقيض من ذلك من شاع أمره بالكذب والوضع في الحديث كنوح ابن أبي مريم، وأبان بن جعفر النجيرمي، وأحمد بن الصلت الحماني، وغيرهم.\n(٢) ثم قال: \"وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي - ﵁ -، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ، ومثل ذلك بمالك، وشعبة، والسفيانين، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر، فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم، وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٥، يُنظر أيضًا: النووي، التقريب، ٤٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٥٣.\nنكتة في الفرق بين التزكية والتعديل: حمام، جهالة الرواة، ١/ ٤٠٤.\n(٣) السيوطي، تدريب، ١/ ٦٨.","vol":"1","page":111},{"text":"تجمع بين عدالة الراوي وضبطه وإتقانه والشهرة فيهما، وهي شهرة تزيد على ما ذهب إليه ابن عبدالبر (١) في تعديله للرواة ممن عُرف بحمل العلم ومجالسة العلماء، ولم يُجرّح (٢)، فمن اشترط في رواة الصحيح شهرتهم بالطلب إنما قيّدها بالضبط\nوالإتقان، بينما من عدّلهم ابن عبدالبر لشهرتهم بالطلب، تُوقِّف في أمر ضبطهم إلى أن يتبيّن حالهم بعد اختبار مروياتهم.\nويشير إلى قيد الإتقان مع الشهرة الخطيب البغدادي حين ذكر تفاوت الرواة في العلم، وحثّه طالب الحديث أن يتخيّر من شيوخه من اتصف بالشهرة في طلب الحديث المُشار إليه بالإتقان، فقال: \"درجات الرواة لا تتساوى في العلم، فيقدم السماع ممن علا إسناده على ما ذكرنا، فإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو، وأراد الطالب أن يقتصر على السماع من بعضهم، فينبغي أن يتخيّر المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه\n_________\n(١) يوسف بن عبدالله بن محمد بن عبدالبر النمري القرطبي، أبو عمر. من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ وفقيه، وأديب. من مصنفاته: (التمهيد شرح الموطأ) و(الاستذكار) و(الاستيعاب في معرفة الأصحاب) وغيرها. مات سنة ٤٦٣ هـ. ينظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٣١. الزركلي، الأعلام، ٨/ ٢٤٠. كحالة، المؤلفين، ٤/ ١٧٠ (١٨٤٥٥).\n(٢) قال ابن عبدالبر: \"كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى تتبين جرحته في حاله، أو في كثرة غلطه؛ لقوله - ﷺ -: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله» - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الشهادات، باب: الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث ١٠/ ٣٥٣ ح (٢٠٩١١) \". قال السخاوي: \"ونحوه قول ابن الموَّاق من المتأخرين: أهل العلم محمولون على العدالة، حتى يظهر منهم خلاف ذلك. وقال ابن الجزري: إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإن رده بعضهم، وسبقه المزي فقال: هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين.\nونحوه قول ابن سيد الناس: لست أراه إلا مرضيا، وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور ; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح\".\nأضاف فضيلة المناقش استدراكًا: \"لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة\".\nالمراجع: ابن عبدالبر، التمهيد، ١/ ٢٨، البيهقي، السنن الكبرى، ١٠/ ٣٥٣، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢٠.","vol":"1","page":112},{"text":"بالإتقان له والمعرفة به\" (١). فأشار إلى أن العلو في مراتب الشيوخ وطلبة العلم يجمع بين الشهرة بالطلب والإتقان والمعرفة.\nوكذلك حين ذكر الحاكم أقسام الحديث الصحيح، فإنه وصف رواة القسم الأول - المخرّج في الصحيحين- فيما هم دون الصحابي بالشهرة بالثقة والإتقان، بينما اكتفى في الصحابي بالشهرة بالرواية، فقال:\n\"القسم الأول من المتفق عليها اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور (٢) بالرواية عن رسول الله - ﷺ -\nوله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح\" (٣)\nهذه الشهرة التي ذكرها الحاكم، فسّرها ابن حجر مُعلِّقًا وموضحًا فقال:\n\" زاد الحاكم في علوم الحديث (٤) في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة. واستدل الحاكم\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١/ ١٢٦.\n(٢) جاء في تعريفه للصحيح في كتابه معرفة علوم الحديث \"أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وسبق تفصيل مسألة إطلاق لفظ الجهالة على الصحابي- في حاشية تعريفه في بداية هذا الفصل. \" وبيان أن المراد بنفي الجهالة هنا هي المتعلّقة بشهرة الرواة لا بعدالتهم.\nوقد توسع الدكتور عبدالجواد حمام في عرض هذه المسألة في كتابه جهالة الرواة، وأرجع ما يقع من بعض الأئمة في وصف بعض الصحابة بالجهالة إلى ثلاث حالات هي:\n١ - من جُهل اسمه (فأُطلِق على الإبهام جهالة). ٢ - إطلاق الجهالة لعدم ثبوت الصحبة عند القائل.\n٣ - جهالة الاشتهار بالعلم والرواية. ثم لخّص ضمن نتائج بحثه: أنّ من وصف أحد الصحابة بالجهالة من المحدثين، فإنه لم يرد الجهالة الاصطلاحية، وإنما يقصد معنىً خاصًا بالجهالة وهو قلّة الرواية. ينظر: حمام، جهالة الرواة، ٢/ ٩١١ - ٩٣٧، ٢/ ١١٣٧.\n(٣) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٣٣.\n(٤) ملاحظة: لفظ الشهرة لم يأت في كتاب \"معرفة علوم الحديث\" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب \"المدخل إلى الإكليل\" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.","vol":"1","page":113},{"text":"على مشروطية الشهرة بالطلب بما أسنده (١) عن عبدالله بن عون (٢) قال: (لا يؤخذ العلم إلا ممن شُهِد له عندنا بالطلب) (٣). والظاهر من تصرف صاحبي الصحيح اعتبار ذلك.\nإلا أنهما حيث يحصل للحديث طرق كثيرة يستغنون بذلك عن اعتبار ذلك - والله أعلم\" (٤).\nوكلام ابن حجر يدل على أن الشيخين اعتبرا هذا الشرط - وهو: الشهرة بالطلب مع الثقة والإتقان- في روايات دون أخرى، فحيث كثرت طرق الحديث الموافقة لرواية الراوي دل على ضبطه وعنايته بالراوية، فيكون في غنىً عن هذا الشرط (٥).\n_________\n(١) اطّلعت على طبعتين لتحقيق كتاب النكت للحافظ ابن حجر، وقد أشار كلا المحققين إلى أنهما لم يجدا هذا النص في طبعات كتاب علوم الحديث للحاكم. ينظر: ابن حجر، النكت، ط (الجامعة الإسلامية)، تحقيق: ربيع المدخلي، ١/ ٢٣٨، وط (الميمان) بتحقيق: ماهر الفحل، ٨٨.\n(٢) أبو عون عبدالله بن عون بن أرطبان المزني مولاهم البصري، الإمام الحافظ، شيخ أهل البصرة، قال الذهبي في التذكرة: لابن عون جلالة عجيبة ووقع في النفوس؛ لأنه كان إماما في العلم رأسا في التأله -أي: التعبد- والعبادة حافظا لأنفاسه. كبير الشأن. وقال ابن حجر: ثقة ثبت فاضل. مات سنة ١٥١ هـ. ينظر: الذهبي، تذكرة الحفاظ، ١/ ١١٨، ابن حجر، التقريب، ٣١٧.\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. قال أبو زرعة: فسمعت أبا مسهر يقول: \"إلا جليس العالم فإن ذلك طلبه\". قال الخطيب: أراد أبو مسهر بهذا القول أن من عرفت مجالسته للعلماء وأخذه عنهم، أغنى ظهور ذلك من أمره أن يسأل عن حاله، والله أعلم. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٢٨، الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.\n(٤) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٥) وليس كل رواة الصحيحين قد اشتهروا بالطلب، بل تتفاوت درجاتهم في الضبط والإتقان. يقول ابن حجر في مقدمته لفتح الباري: \"ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان، مقتض لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأئمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما هذا إذا خرج له في الأصول، فإما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره مع حصول اسم الصدق لهم ... \".\nونقل الترمذي في كتابه العلل الكبير قول البخاري: \"كل رجل لا أعرف صحيح حديثه من سقيمه، لا أروي عنه ولا أكتب حديثه\". ومعنى كلامه: أنه يروي عن الرجل الذي في حديثه الصحيح والسقيم، لكنه ينتقي منه الصحيح ويَدَع السقيم، هذا حال الإمام مسلم كذلك. المراجع: ينظر: الترمذي، العلل، ٣٩٤، ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤، عوّامة، منهج مسلم في الحديث المعلل، ٦٦ - ٦٧.\nوقد سرد ابن حجر في هذه مقدمة فتح الباري أسماء من طُعن فيه من رواة الصحيح، وأجاب عن ذلك، وميّز من أخرج له البخاري في الأصول ممن أخرج له في المتابعات، ومن أمثلة من أخرج لهم في المتابعات:\n\"أحمد بن بشير الكوفي أبو بكر مولى عمرو بن حريث المخزومي، قال النسائي: ليس بذلك القوي، وقال عثمان الدارمي متروك وقواه بن معين وأبو زرعة وغيرهما أخرج له البخاري حديثا واحدا تابعه عليه مروان بن معاوية وأبو أسامة وهو في كتاب الطب، فأما تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ ... \" ٣٨٤ - ٣٨٥.\n- أحمد بن عاصم البلخي معروف بالزهد والعبادة له ترجمة في حلية الأولياء وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال روى عنه أهل بلده وقال أبو حاتم الرازي مجهول قلت روى عنه البخاري حديثا واحدا في كتاب الرقاق\" ٣٨٦.\n- أحمد بن يزيد بن إبراهيم الحراني أبو الحسن المعروف بالورتنيس قال أبو حاتم ضعيف الحديث أدركته ولم أكتب عنه قلت روى له البخاري حديثا واحدا في علامات النبوة متابعة\" ٣٨٧، ... وغيرهم. ينظر: ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤ - ٤٥٦.","vol":"1","page":114},{"text":"إذ كثرة الطرق الموافقة لرواية الراوي تدل على ضبطه تلك الرواية، وقد أوضح السيوطي- نقلًا عن شيخه ابن حجر- سبب اشتراط الشهرة بالطلب في الراوي (١)، وهو التأكد من ضبط الراوي لما رواه، فقال: \"يستغنى بكثرة الطرق عن اعتبار الضبط التام.\nقال شيخ الإسلام: ويمكن أن يقال: اشتراط الضبط يغني عن ذلك، إذ المقصود بالشهرة بالطلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرواية لتركن النفس إلى كونه ضبط ما روى.\" (٢)\nفإذا كان الراوي موصوفًا بجودة حفظه وضبطه، فهذا دليل عنايته بالرواية، وشهرته في طلبها، وإنّ اتصاف راوي الصحيح بالضبط أو بتمامه يُغني عن وصفه بالشهرة في الطلب.\nوبتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتاب \"معرفة علوم الحديث\"، فإنه عرّف الصحيح بوجه عام، ولم يقيّد ذلك بما أخرجه الشيخان، واقتصر في تعريفه على اشتراط زوال وصف الجهالة من الصحابي راوي الحديث؛ وذلك بأن يروي عنه تابعيان عدلان ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول-أي: وفق شروطهم للصحيح أو المقبول بوجه عام- ولم يَرِد التنصيص بذكر نوع الشهرة - والتي هي قدر زائد عن مطلق الشهرة المخرجة عن الجهالة- في هذا التعريف، فقد اقتصر بقوله \"صحابي زائل عنه اسم الجهالة\" واكتفى\n_________\n(١) ذكر ابن حجر في كتابه النكت أن من ضمن الشروط - التي تعارف عليها المحدثون- لإطلاق لقب الحافظ على الراوي، شهرته بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٢٦٨.\n(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٦٨.","vol":"1","page":115},{"text":"بوصف الرواة عنه بالعدالة؛ بينما ابن حجر فسّرها بقوله: \"زاد الحاكم في علوم الحديث في شرط الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب، وهذه الشهرة قدر زائد على مطلق الشهرة التي تخرجه من الجهالة\" (١)، ولعله فهم ذلك من مجموع كلام الحاكم في كتبه؛ لأن وصف الشهرة بالإتقان لم يأت في كتاب المعرفة (٢)؛ إنما ذكره الحاكم في كتابه \"المدخل\nإلى الإكليل\" - وهو سابق في التأليف عن المعرفة (٣) - حيث قسّم الصحيح إلى أقسام، وجعله على درجات أوّلها وأعلاها ما أخرجه الشيخان، وقد ذكر من أوصافهم الشهرة بالرواية فيما يخص الصحابي، والشهرة بالإتقان والثقة لمن هم دونه، بينما لم يأت ذكر الشهرة في الأقسام الأربعة التي تليها من المتفق على صحته، ولعل وصف الشهرة إنما كان للتأكيد على إتقان وتمام ضبط رواة الصحيحين مقارنة بغيرهم، والله أعلم.\nوبتأمل ما سبق نستنتج أن للشهرة درجات:\nفقد عقد الخطيب بابًا -في كتابه الكفاية - في أن المحدث المشهور بالإمامة والعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المُعِّدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك وأحمد بن حنبل وغيرهم فهؤلاء كما قال: \"لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين\" (٤)، وهذه منزلة عالية من الشهرة في ميزان نقّاد الحديث، وتليها منازل أخرى كالشهرة بالطلب، والشهرة\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(٢) لفظ الشهرة لم يأت في كتاب \"معرفة علوم الحديث\" - كما في المطبوع- إنما جاء في كتاب \"المدخل إلى الإكليل\" في الدرجة العليا من الصحيح فقط.\n(٣) أشار إلى ذلك محقق طبعة دار ابن حزم، ويُضاف إلى ذلك أن الحاكم أحال في أكثر من موضع في كتابه معرفة علوم الحديث على ما ذكره في كتاب الإكليل. ينظر: أحمد بن فارس السلوم، مقدمة تحقيقه لكتاب المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، ٧، ٣٢.\n(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.","vol":"1","page":116},{"text":"بالصدق، وهناك من يوصف بمطلق الشهرة دون تقييد لنوع هذه الشهرة حيث \"يطلق بعض النقاد على الراوي وصف (مشهور) (١)، وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح\" (٢).\nفوصف الراوي بأنه (مشهور): تقتضي عدم جهالة عينه، ولعل هذا الوصف هو مراد ابن حجر من قوله \"مطلق الشهرة\".\nو\"ينبغي أن يُفرَّق بينها وبين كلمة أخرى هي: مشهور الحديث، فشهرة الحديث غير شهرة الرجل، فقد يكون حديثه مشهورا بين الرواة - أو الناس -من غير طريقه، أما هو فمجهول، ولا يضره أن يكون حديثه غير مشهور إذا كان هو مشهورًا بين علماء الحديث\" (٣).\nويُفهم من ذلك أن وصف الشهرة مُجرّدًا ينفي عن الراوي جهالة العين، فإن قُيّد هذا الوصف بالعدالة أو الصدق أو الطلب أفاد عدالة الراوي - بدرجات مختلفة حسب مرتبة\n_________\n(١) أي بمفردها مجرّدة عن التعديل أو التجريح.\n(٢) الجديع، التحرير، ١/ ٢٥٠. يُنظر أيضًا: الحمش، الإمام الترمذي ومنهجه في كتابه الجامع دراسة نقدية تطبيقية ٢/ ٧٦٥. من أمثلة ذلك: من كتاب بيان الوهم والإيهام للقطان:\nفقد نقل ابن القطان قول ابن معين في أحد الرواة فقال: \"حرب بن عبيد الله بن عمير، سئل عنه ابن معين، فقال: مشهور.\" ثم عقّب على ذلك بقوله: \"وهذا غير كاف في تثبيت روايته، فكم من مشهور لا تقبل روايته\".٣/ ٤٩٤.\n- وقال عن أخر: \"عبدالرحمن بن أبي شميلة وهو أيضا لا تعرف حاله.\nوإن كان قال فيه ابن معين وأبو حاتم: مشهور، فإنما يعنيان برواية حماد ابن زيد عنه، وكم من مشهور لا تقبل روايته.\" ٣/ ٦٠٥ - ٦٠٦. المرجع: ابن القطان، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام.\n(٣) قاله محمد عوامة في دراساته على الكاشف، ثم استدل على ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة حفص بن حسان حيث قال: أن النسائي قال فيه: (مشهور الحديث)، وهي عبارة لا تشعر بشهرة حال هذا الرجل، لا سيما ولم يرو عنه إلا جعفر بن سليمان، ففيه جهالة \". ثم عقّب الدكتور محمد عوامة بقوله: \"فأفادنا هذا القول التفرقة بين هاتين الكلمتين، وأن (مشهور) فقط تدل على رفع جهالة عين الرجل. والله أعلم\".\nوجاء أيضًا في التقريب قول ابن حجر: \"عمرو ابن حَريش الزُبيدي، له حديث مشهور، وهو مجهول الحال\". ينظر: المراجع: ابن حجر، تهذيب التهذيب، ١/ ٤٥٠، ابن حجر، التقريب، ٤٢٠ (٥٠١٠). محمد عوامة، دراسات الكاشف للإمام الذهبي، ١/ ٧٥.","vol":"1","page":117},{"text":"الوصف عند علماء الجرح والتعديل-؛ لأن من الرواة من يشتهر بين نقاد الحديث بالكذب أو التهمة به، فوصف الراوي مجردًا بكونه مشهورًا أو معروفًا خروج له عن حيّز الجهالة إلى معرفة عينه، أمّا المعرفة بحاله فتختلف من راوٍ لآخر، حسب الحال التي اُشتهر أو عُرف بها، \"فإن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه\nجهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: \"وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية\" وإلا فهو مجهول الحال.\" (١)\nنخلص مما سبق:\nأن الشهرة بشكل عام خروج الراوي عن حدّ الجهالة، سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.\nوالشهرة درجات:\nأعلاها: شهرة الراوي بالإمامة والحفظ شهرة تغنيه عن تزكية المعدِّلين (٢).\nثم تليها شهرة بطلب الحديث وإتقانه والعناية به والتي تدل على عدالته وتمام ضبطه، ثم شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان (٣)، ثم شهرة بحمل العلم والعناية به -وهو مذهب ابن عبدالبر والذي عدّه تعديلًا للراوي (٤) - ويليها مُطلق الشهرة دون قيد أو وصف، وهي التي ترفع عن الراوي جهالة عينه ولا تدل على تعديله.\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٦٢٦.\n(٢) إذ الشهرة والاستفاضة أحد طرق إثبات العدالة.\n(٣) سيأتي بيانها في مبحث الشهرة بالصدق ضمن قيود الحديث الحسن.\n(٤) \"قد انتقده ابن الصلاح فقال: \"وفيما قاله اتساع غير مرضي\"، وكأن ابن الصلاح لحظ في ذلك إلى الشبه بالمستور. لكن صوَّب هذا القول المحققون من أهل الحديث كالجزري، والمزي، والذهبي، والسخاوي، وصوروه بما لا يشابه مجهول الحال\".\nفهو أرفع حالًا من المستور ومجهول الحال، فحاله في العلم والعناية به معروفة. قال الذهبي: \"ولا يدخل في ذلك المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا ولا اتفق لهم على علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ وأنه يكون مقبول الحديث، إلى أن يلوح فيه جرح\" ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢٠، عتر، منهج النقد، ١٠٣. أضاف فضيلة المناقش استدراكًا: \"لكن ابن عبدالبر يُعلّ الأحاديث بالجهالة\".","vol":"1","page":118},{"text":"وما ذكره الحاكم في الصحيح من كون رواته مشهورين بالطلب يغني عنه -كما ذكر ابن حجر- اشتراط تمام الضبط في الراوي؛ لأن ضبطه دليل عنايته بالرواية مُضافًا إليه تأكيده انتفاء الجهالة من رواة الصحيح، وخروجهم عن حدّ الجهالة بنوعيها حيث قال:\n\"فأما جهالة الحال فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون راويه معروفا بالعدالة، فمن زعم أن أحدا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته مقدم على من يدعي عدم معرفته؛ لما مع المثبت من زيادة العلم ومع ذلك فلا تجد في رجال الصحيح أحدًا ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا.\" (١)\nوتجدر الإشارة إلى أن وصف الحاكم لرواة الصحيح بالشهرة بالرواية أو بالطلب-المقيّدة بالثقة والإتقان (٢) - إنما كان خاصًا بما أخرجه كل من البخاري ومسلم في صحيحهما، إذ عدّه القسم الأول من الصحيح المتفق على صحته، وجعله في الدرجة الأولى منه، ولم يشترط ذلك في الأقسام الأخرى من الصحيح المتفق عليه والذي أخرجه غيرهما، وبذلك يكون ما نُسِب إليه من اشتراط الشهرة بالطلب كشرط للصحيح مقيّدًا بما أخرجه الشيخان\n_________\n(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥٥ - ٥٦.\n(٢) ملاحظة: إنما وصف الصحابي بالشهرة بالرواية عن رسول الله - ﷺ -، وزاد على الشهرة وصف الثقة والإتقان فيمن هو دون الصحابي؛ ولعل ذلك إشارة منه - ﵀- لعدالة الصحابة وعدم الحاجة إلى البحث عن عدالتهم، والله أعلم.","vol":"1","page":119},{"text":"في كتابيهما، وليس شرطًا عامًا لكل حديث صحيح (١)، إذ يُكتفى بالشروط السابقة من اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وخلو الحديث من الشذوذ والعلة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>قيد اشتراط العدد:</span>\nوهو من القيود الزائدة على شرط الصحيح عند ابن الصلاح، والمراد باشتراط العدد في الحديث الصحيح أو المقبول بوجه عام \"أن يرويه عدلان عن عدلين حتى يتصل السند مثنى مثنى برسول الله - ﷺ - \" (٢).\nوممن نُسب إليه اشتراط هذا الشرط -في الحديث الصحيح - من أئمة الحديث (٣): الإمام الحاكم -﵀- مستدلين بما جاء في تعريفه للصحيح في كتابه \"معرفة علوم\n_________\n(١) معلوم أن البخاري ومسلم رحمهما الله لم يستوعبا في كتابيهما كل الصحيح، بل جاء عن البخاري قوله: \"ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول\" الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ٣٢٢.\nوقال مسلم في صحيحه: \" قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه\" مسلم، الصحيح، ١/ ٣٠٤ ح (٦٣).\n(٢) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٨. أشار إلى ذلك المعنى العراقي في كتابه التقييد، بنقله جزءًا من رسالة البيهقي إلى أبي محمد الجويني -رحمهما الله- حيث قال: \"رأيت في الفصول التي أملاها الشيخ حرسه الله تعالى حكاية عن بعض أصحاب الحديث أنه يشترط في قبول الأخبار أن يروى عدلان عن عدلين حتى يتصل مثنى مثنى برسول الله - ﷺ -. ولم يذكر قائله إلى آخر كلامه.\nوكأن البيهقي رآه في كلام أبى محمد الجوينى فنبهه على أنه لا يعرف عن أهل الحديث والله أعلم.\" العراقي، التقييد، ٢١.\n(٣) مسألة اشتراط العدد.١٣/ ٢٣٣.\nومن أقوال أهل الحديث في حجية خبر الآحاد:\nقول ابن حبان في مقدمة صحيحه: \"فأما الأخبار فإنها - كلها - أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي - ﷺ - خبر من رواية عدلين روى أحدهما عن عدلين وكل واحد منهما عن عدلين حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله - ﷺ -. فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار - كلها - أخبار الآحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك السنن كلها لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد.\"\nوقال ابن عبدالبرَّ في التمهيد: \"أجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به، إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو إجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لاتعد خلافًا \".\nوفى ذلك يقول الإمام الحازمي -في كتابه شروط الأئمة-: \"ولا أعلم أحدًا من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة؛ فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الأحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان\".\nإن مسألة اشتراط وجود أكثر من راوٍ في كل طبقة من طبقات الإسناد لقبول الحديث، وتفنيد الأقوال فيها، وبيان حجية خبر الآحاد من المسائل المبسوطة بأدلتها في كتب علوم الحديث وكتب أصول الفقه، المراجع: ابن حبان، الصحيح، ١/ ١١٨، ابن عبد البر، التمهيد، ١/ ٢، الحازمي، شروط الأئمة، ٦١. وللاستزادة ينظر: الشافعي، الرسالة، ٤٠١، محمد بن علي الطيب أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، ٢/ ١٣٨، أبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، ٢٣، الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، ٤/ ٤١٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤١ - ٢٤٧، البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٨٧، ٢/ ٤٣٩ - ٤٤٢، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٦٩ - ٧٥، السيوطي، البحر الذي زخر، ١/ ٣٦٣ - ٣٧٦، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٨١ - ١٨٦، الجديع، تحرير علوم الحديث، ١/ ٥٢.","vol":"1","page":120},{"text":"الحديث\" حيث قال: \"وصفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله - ﷺ - صحابي زائلٌ عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان (١)، ثم يتداوله أهل الحديث بالقَبول\n_________\n(١) قال أحمد السلوم في تعليقه على هامش كتابه-في بيان شرط الشيخين-: \"مما اُنتقِد على الإمام البخاري في أسلوب تعامله مع الصحابة - ﵃ -، إطلاقه لفظ الضعف على بعضهم كـ (هند بن أبي هالة، وهو هند ابن خديجة - ﵃ -، فقد أدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فأنكر عليه ذلك أبو حاتم وقال: \"روى عنه قوم مجهولون فما ذنب هند ابن أبي هالة أدخله البخاري في كتاب الضعفاء. قال أبو محمد بن أبي حاتم: فسمعت أبي يقول: يحول من هناك.\"\nواعتذر الحافظ المعلمي عن صنيع البخاري فقال-في تعليقه في حاشية كتاب ابن أبي حاتم-: \"ذاك اصطلاح للبخاري إذا لم يكن للصحابي إلا حديث واحد- لم يصح عنه.\nالمراجع: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٩/ ١١٦، ٩/ ٢٢، ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، ٤/ ١٦١ - ١٦٣، ابن حجر، اللسان، ٦/ ١٣، أحمد بن فارس السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما-مطبوع مع تحقيقه لكتاب المدخل إلى الإكليل، ١٨٠. بتصرف.\nولعل الحاكم -﵀- قلّد البخاري في اصطلاحه هذا؛ لذا اشترط في الصحيح بوجه عام: أن يكون الصحابي قد زال عنه وصف الجهالة برواية عدلين عنه، ويكون الطريق إليه صحيحًا قد استوفى شروط القبول عند أهل الحديث، ونجد كذلك الإمام الحافظ أبا عبدالله محمد بن إسحاق بن منده (ت ٣٩٥ هـ)، -وهو من معاصري الحاكم- يُصرّح بنسبة الصحابي إلى الجهالة ما لم يروِ عنه إلا تابعي واحد حيث قال: \"من حُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة. فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين\". ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة الستة، ٢٢، ولعل مراده بقوله (ُاحتُجّ به) أي: جُعل في مرتبة الاحتجاج به أي في أصول الصحيحين لا في الشواهد والمتابعات؛ لذا أعقبه بقوله (وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما)، فمرادهم بالجهالة هنا: قلة الرواة عن الراوي، وعدم اشتهاره، وليس المقصود جهالة عدالته، فعدالة الصحابة معلومة كما سبق، والله أعلم.","vol":"1","page":121},{"text":"إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة\" (١)، أو بما ذكره من أقسام الصحيح في \"المدخل إلى الإكليل\" حيث قال:\n\"والصحيح من الحديث منقسم على عشرة أقسام. خمسة متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها. فالقسم الأول من المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح، ومثاله: الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله - ﷺ - وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة ثقات من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظا متقنا مشهورًا بالعدالة في روايته. فهذه الدرجة الأولى من الصحيح.\nالقسم الثاني من الصحيح المتفق عليها: الحديث الصحيح بنقل العدل عن العدل رواه الثقات الحفاظ إلى الصحابي وليس لهذا الصحابي إلا راو واحد ... \".\nوبعد أن ذكر أمثلة على هذا القسم قال: \"والشواهد لما ذكرناه كثيرة ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح\".\nالقسم الثالث من الصحيح المتفق عليها: أخبار جماعة من التابعين عن الصحابة، والتابعون ثقات إلا أنه ليس لكل واحد منهم إلا الراوي الواحد ... \"\nثم قال: \"وليس في الصحيح من هذه الروايات شيء وكلها صحيحة، بنقل العدل عن العدل متداولة بين الفريقين محتج بها\".\nالقسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول تفرد به ثقة من الثقات وليس لها طرق مخرجة في الكتب ... \"\nثم قال: \"وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرجة في الكتابيين.\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٦٢.","vol":"1","page":122},{"text":"القسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم ... \"\nوقال أيضا: \"فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث -أي: الأقسام الأربعة دون الأول- لما بيناه في كل قسم منها\". (١)\nوقد تفاوتت مذاهب العلماء في توجيه كلام الحاكم في كتابيه السابقين- المعرفة والإكليل- إلى مذهبين رئيسيين، الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراط العدد في رواة الصحيح، والثاني: فهم اشتراط شهرة رواة الحديث الصحيح، هذا بشكل مجمل، أما تفصيل ذلك فهو على النحو الآتي:\nالمذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين)\nوانقسموا إلى قسمين:\nالقسم الأول: من فهم اشتراط العدد، وأيّده كالميانشي (ت ٥٨١ هـ)، فقد عرّف الصحيح بنفس عبارات الحاكم وعزاه إليه- ثم عقَّب بقوله: \"فأما الذي شرطه الشيخان في صحيحهما، فهو أنهما لا يدخلان في كتابيهما إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه عن النبي - ﷺ - اثنان من الصحابة فصاعدًا، وما نقله عن كل واحدٍ من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كل واحد من التابعين أكثر من أربعة\" (٢).\nقال الزركشي -مستغربًا ما ذهب إليه المانشي-: \"وأغرب مما قاله الحاكم قول أبي حفص الميانشي: إن شرطهما في صحيحيهما ألا يدخلا فيه إلا ما صح عندهما، وذلك ما رواه\n_________\n(١) ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٣ - ٤١.باختصار. وقد تعقّب ابن حجر ما ذكره الحاكم من أقسام الحديث الصحيح- فقال: \"وكل من هذه الأقسام التي ذكرها في هذا المدخل مدخول\"، وردّ عليه بذكر أمثلة من الصحيحين تنقض ما ذكره الحاكم من العموم في هذه الأقسام. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٧ - ٣٧٠.\n(٢) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٧","vol":"1","page":123},{"text":"عن رسول الله - ﷺ - اثنان فصاعدا وما نقله عن كل واحد من الصحابة أربعة من التابعين فأكثر.\" (١)\nوكذلك تعجّب السيوطي مما ذهب إليه الميانشي، فقال: \"وما أدري من أين له ذلك؟ !، وقد كنت أقول: لعله سرى إليه من فهمه كلام الحاكم على غير وجهه، حتى رأيت كتابه، فرأيته ساق أولا كلام الحاكم معزوّا إليه وجعله شرط مطلق الصحيح، ثم قال: فأما الذي شرط الشيخان وذكر ما تقدّم بنصه.\" (٢)\nوبالنظر فيما ذكره الميانشي من شرط الشيخين، نرى أنه زاد على تعريف الحاكم، وأضاف - ما لم يذكره في تعريفه- من تعدد طبقة الصحابة والتصريح بكونهم اثنان فصاعدًا، وضاعف العدد فيمن بعدهم، وقد تعقّبه ابن حجر - فيما ذكره- بقوله: \"فهذا الذي قاله مستغنٍ بحكايته عن الرد عليه، فإنهما لم يشترطا ذلك ولا واحد منهما. وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرح مسلم في صحيحه ببعض ذلك\" (٣).\n\nالقسم الثاني: من فهم اشتراط العدد، واعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت ٥٨٤ هـ).\nفقد قال الحازمي في كتابه \"شروط الأئمة الخمسة\": \"وذكرت أن بعض الناس يزعم أن شرط الشيخين أن لا يخرجا إلا حديثًا سمعاه من شيخين عدلين، وكل واحد منهما رواه أيضًا عن عدلين كذلك إلى أن يتصل الحديث على هذا القانون برسول الله - ﷺ -. ولم يخرجا\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ١/ ٢٦٦.\n(٢) السيوطي، البحر، ١/ ٦٩٦ - ٦٩٧.\n(٣) ذكر سبب تعقبّه لكلام الميانشي فقال: \"وإنما حكيت كلام الميانجي (أو الميانشي كلاهما ورد في كتب التراجم) هنا لأتعقبه لئلا يغتر به\". ابن حجر، النكت، ٢٤١.","vol":"1","page":124},{"text":"حديثًا لم يُعرف إلا من جهة واحدة أو لم يروه إلا راوٍ واحد وإن كان ثقة ... وهذا قول قد قيل ودعوى قد تقدمت حتى ذكره بعض أئمة الحديث في مدخل الكتابين\".\nثم نقل أقسام الحديث الصحيح التي ذكرها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، وعلّق بقوله: \"ولم يُصب فيها\". (١)\nوذكر تحت الباب الذي عنونه بقوله: - في إبطال قول من زعم أن شرط البخاري إخراج الحديث عن عدلين وهلم جرا إلى أن يتصل الخبر بالنبي - ﷺ - عددًا من الأمثلة على الأحاديث الأفراد المخرّجة في الصحيحين أو أحدهما، ثم قال: \"ومن أمعن النظر في هذه الأمثلة المذكورة بان له فساد وضع الأقسام التي ذكرها الحاكم\". (٢)\nقال ابن حجر مُعقِّبا وشارحًا: \"قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين.\nوالظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك، وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه\" (٣).\n_________\n(١) ينظر: الحازمي، شروط الأئمة الخمسة، ٣٣ - ٣٨ باختصار.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ٤٣ - ٤٩.\n(٣) أشار إلى ما قد يكون سببًا في فهم كلام الحاكم على أنه يشترط العدد في رواة الصحيح فقال: \"إن قوله -أي الحاكم- في آخر الكلام: \"ثم يتداوله أهل الحديث كالشهادة على الشهادة\". إن أراد به تشبيه الرواية بالشهادة من كل وجه فيقوى اعتراض الحازمي، وإن أراد به تشبيهها بها في الاتصال والمشافهة، فقد ينتقض عليه بالإجازة، والحاكم قائل بصحتها. وأظنه إنما أراد بهذا التشبيه أصل الاتصال والإجازة عند المحدثين لها حكم الاتصال - والله أعلم- ولا شك أن الاعتراض عليه بما في علوم الحديث أشد من الاعتراض عليه بما في المدخل؛ لأنه جعل في المدخل هذا شرطا لأحاديث الصحيحين. وفي العلوم جعله شرطا للصحيح في الجملة.\"ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤٠. ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":125},{"text":"\"فالحازمي ظن أن الحاكم يذهب إلى أن شرط الشيخين هو إخراج الحديث المروي عن عدلين إلى نهاية السند، ... والحقيقة أنه لم يرد ذلك، ويبعد من الحاكم أن يذهب ذلك المذهب، ولو أراد ما فهمه المعترضون لقال: الحديث الذي يرويه صحابيان ... إلخ\" (١)\nفلم يأت في كلام الحاكم التصريح بأن يكون الحديث من رواية اثنين من الصحابة، بل نجده قد ذكر في كتابه المعرفة - ضمن أنواع علوم الحديث- تحت النوع الرابع والعشرين معرفة الغريب من الحديث فنوع منه غرائب الصحيح، ومثّل له من الصحيحين، ووصفها بالأحاديث الصحيحة الغريبة. (٢)\nوهذا يدلل على أنه لم يُرِد اشتراط العدد في الحديث الصحيح.\n\n- أما أصحاب المذهب الثاني: وهم من فهم كلام الحاكم على أنه اشتراط لشهرة رواة الصحيح في كل طبقات السند بما في ذلك طبقة الصحابة (أي: شهرة تخرج الراوي عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل)، وهم على أقسام:\n_________\n(١) عتر، الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، ٦٠ - ٦١ باختصار.\n(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٤. من الأمثلة التي ذكرها:\nفقد أخرج الحاكم حديث جابر بن عبد الله قال: «كنا يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فيهرواه البخاري في الجامع الصحيح- كتاب المغازي، باب غزة الخندق ٥/ ١٠٨ ح (٤١٠١) - عن خلاد بن يحيى المكي، عن عبدالواحد بن أيمن، فهذا حديث صحيح وقد تفرد به عبدالواحد بن أيمن، عن أبيه، وهو من غرائب الصحيح\". المرجع السابق، ٩٤.\n- وأخرج حديث عبدالله بن عمرو قال: لما حاصر النبي - ﷺ - أهل الطائف فلم ينل منهم شيئا، فقال: «إنا قافلون إن شاء الله غدا ...» رواه مسلم في المسند الصحيح -كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف ٣/ ١٤٠٢ ح (١٧٧٨) - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره، عن سفيان، وهو غريب صحيح، فإني لا أعلم أحدا حدث به عن عبدالله بن عمرو غير أبي العباس السائب بن فروخ الشاعر، ولا عنه غير عمرو بن دينار، ولا عنه غير سفيان بن عيينة فهو غريب صحيح.\" المرجع السابق، ٩٥.","vol":"1","page":126},{"text":"القسم الأول: من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، وأبو علي الجياني (١) -الغساني- (ت ٤٩٨ هـ).\nفأما البيهقي فقد أكّد أن هذا هو مذهب كثير من حفاظ الحديث (٢)، وهو ما يدل عليه صنيع الإمامين البخاري ومسلم، فقال:\n\"والذي عندنا من مذهب كثير من الحفاظ، وعليه يدل مذهب الإمامين: أبي عبد الله البخاري، وأبي الحسين النيسابوري:\n- أنهما إنما يشترطان أن يكون للصحابي الذي يروي الحديث راويان فأكثر؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، وهكذا من دونه.\n- ثم إن انفرد أحد الراويين عنه بحديث، وانفرد الآخر بحديث آخر، أو بحكاية، أو جرى له [ذكر] في حديث آخر، قبل.\n- وإنما التوقف في رواية صحابي أو تابعي لا يكون له إلا راوٍ واحدٌ\" (٣)\n_________\n(١) الحسين بن محمد بن أحمد الغساني الجياني الأندلسي، أبو علي. محدث الأندلس. من مصنفاته: (تقييد المهمل وتمييز المشكل) و(الألقاب) و(التنبيه على الأوهام الواقعة في المسندين الصحيحين) وغيرها. ينظر: الذهبي، السير، ١٤/ ١٧٢. ابن العماد، الشذرات، ٥/ ٤٢٠. الزركلي، الأعلام، ٢/ ٢٥٥.\n(٢) ذلك بعد أن أشار إلى القول الأول، وإبهام قائله، فقال: \"ورأيت في الفصول التي أملاها في الأصول -من هذه الأجزاء- حكايةً عن بعض أصحاب الحديث: أنه اشترط في قبول الأخبار:\n(أن يروي عدلان، عن عدلين، [عن عدلين]، حتى يتصل مثنىً مثنىً برسول الله - ﷺ -) ولم يذكر قائله! \".\n: البيهقي، رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني، ٨٣.\n(٣) ذكر أمثلة لبعض الرواة من الصحابة والتابعين ممن ليس له إلا راوٍ واحد:\n- كصفوان بن عسال، لم يرو عنه من الثقات إلا: زر بن حبيش.\n- وكعروة بن مضرس، وهو صحابي، لم يرو عنه من الثقات إلا: عامر الشعبي.\n- وكالصُبّي بن معبد، وهو تابعي، لم يرو عنه من الثقات إلا: أبو وائل شقيق بن سلمة.\nينظر: البيهقي، المرجع السابق، ٨٤ - ٨٥.\nومن أمثلة ذلك في كتابه السنن الكبرى، حيث أخرج في كتاب الزكاة، باب ما ورد فيمن كتمه، حديثًا عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «في كل أربعين من الإبل السائمة ابنة لبون ...» هذا حديث قد أخرجه أبو داود في كتاب السنن -كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، ٢/ ١٠١ ح (١٥٧٥) -، فأما البخاري ومسلم رحمهما الله فإنهما لم يخرجاه جريا على عادتهما في أن الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين، ومعاوية بن حيدة القشيري لم يثبت عندهما رواية ثقة عنه غير ابنه فلم يخرجا حديثه في الصحيح والله أعلم.\" البيهقي، السنن الكبرى، ٤/ ١٧٦ ح (٧٣٢٨).","vol":"1","page":127},{"text":"وممن تأوّل كلام الحاكم كذلك- وبيّن أن مراده: إثبات شهرة الراوي وخروجه عن حدّ الجهالة (١) -: أبو علي الجيانى -الغساني- حيث قال: \"وليس مراده أن يكون كل خبرٍ\nروياه يجتمع فيه راويان عن صحابيه وتابعيه ومن بعده، فإن ذلك يعزُّ وجوده، وإنما المراد أَن هذا الصحابي، وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرَج بهما عن حدّ الجهالة برواية الواحد\" (٢).\nقال السيوطي: \"واعتنى جماعة (٣) بالحاكم فقالوا: \"إن الحازمي ظن أن مراد الحاكم: أن كل حديث في الكتابين يشترط أن يرويه اثنان وليس ذلك مراده، إنما مراده أن كل راو فيهما يُشترط أن يكون له راويان؛ ليخرج بذلك عن حد الجهالة، لا أن يتفقا على رواية ذلك الحديث بعينه\" (٤).\nوقد تعقّب أبو عبدالله بن المواق (٥) هذا الرأي فقال:\n_________\n(١) قال الجديع - بعد أن نقل تعريف الحاكم للصحيح-: \"وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عنى أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك، إنما قوله: \"وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان\" عائد على ما ترتفع به الجهالة، فهو يقول: رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابي فمن دونه من رواة الحديث.\". قال الخطيب البغدادي: \"المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد\" المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨، الجديع، التحرير، ١/ ٣٣٦\n(٢) نقل كلامه القاضي عياض في مقدمته لشرح صحيح مسلم. عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، إكمالُ المُعْلِم بفوائد مسلم، ١/ ٨٣.\n(٣) منهم: ابن حجر حيث تعقّب الحازمي بقوله: \"قد فهم الحافظ أبو بكر الحازمي من كلام الحاكم أنه ادعى أن الشيخين لا يخرجان الحديث إذا انفرد به أحد الرواة، فنقض عليه بغرائب الصحيحين.\nوالظاهر أن الحاكم لم يرد ذلك وإنما أراد كل راو في الكتابين من الصحابة فمن بعدهم، يشترط أن يكون له راويان في الجملة، لا أنه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه عنه\". ابن حجر، النكت، ١/ ٢٤٠\n(٤) السيوطي، البحر الذي زخر، ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١.\n(٥) محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري الغرناطي، أبو عبدالله المواق: فقيه مالكي. له: (التاج والإكليل في شرح مختصر خليل) و(سنن المهتدين في مقامات الدين). مات سنة ٨٩٧ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٧/ ١٥٤. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٣٠٢.","vol":"1","page":128},{"text":"\"ما حمل الغساني عليه كلام الحاكم -وتبعه عليه عياض وغيره- ليس بالبيِّن، ولا أعلم أحدا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في كتابيهما ولا خارجا عنهما، فإن كان قائل ذلك عرفه من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في كتابيهما فلم يصب؛ لأن الأمرين معًا في كتابيهما، وإن كان أخذه من كون ذلك أكثريًا في كتابيهما، فلا دليل فيه على كونهما اشترطاه، ولعل وجود ذلك أكثريا إنما هو لأن من روى عنه أكثر من واحد، أكثر ممن لم يرو عنه إلا واحد من الرواة مطلقا، لا بالنسبة إلى من خرج له\nمنهم في الصحيحين، وليس من الإنصاف إلزامهما هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به؛ لأنهما إذا صح عنهما اشتراط ذلك كان في إخلالهما به درك عليهما.\" (١)\nفقد اعترض ابن المواق على إلزام الشيخين بهذا الشرط، ونسبته لهما دون أن يصرحا بذلك، ولو كان هذا النوع هو الغالب في كتابيهما، ويشير ابن المواق بذلك إلى النسبة الغالبة في أحاديث الصحيحين - بل في الحديث عمومًا - من كون أغلب رواة الحديث قد روى عنهم أكثر من واحد.\n\nالقسم الثاني: من فهم اشتراط الحاكم لشهرة الرواة، وانتقد تعميمه ذلك على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت ٤٧٠ هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني (٢) - (ت ٥٠٧ هـ).\n_________\n(١) قال ابن حجر: \"وهذا كلام مقبول وبحث قوي.\" السيوطي، التدريب، ١/ ١٣٥ - ١٣٦. السيوطي، البحر، ٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥.\n(٢) محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني، شمس الدين أبو الفضل. من حفاظ الحديث. له كتب كثيرة، منها: (أطراف الكتب الستة) و(أطراف الغرائب والأفراد) و(معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٦/ ٣٠. الزركلي، الأعلام، ٦/ ١٧١، كحالة، المؤلفين، ٣/ ٣٦٤ (١٣٧٧٠).","vol":"1","page":129},{"text":"حيث أوضحوا أنها قاعدة غير مطّردة، وذكروا ما ينقض ذلك مما يخالف القاعدة التي ذكرها الحاكم، فقال ابن طاهر المقدسي في كتابه \"شروط الأئمة الستة\" - في نقد كلام الحاكم فيما قدَّرهُ شرطًا للبخاري ومسلم-:\n\"الجواب أن البخاري ومسلمًا لم يشترطا هذا الشرط، ولا نُقِل عن واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن. ولعمري إنه شرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنا وجدنا هذه القاعدة التي أسسها الحاكم منتقضة\nفي الكتابين جميعًا ... \" (١)، ثم ذكر أمثلة من الصحيحين لعدد من الصحابة لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد (٢)، وأتبع ذلك بقوله: \"هذا في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر لتعلم أن القاعدة التي أسسها منتقضة لا أصل لها .. \" (٣)\nويحوي رد ابن طاهر -على الحاكم- جانبين:\nالأول: أن ما ذكره الحاكم من شرط البخاري ومسلم لم ينصّا عليه في كتابيهما.\nوالثاني: أن ما ذكره من شرط مُنتَقَض بما يخالفه من صنيعهما في كتابيهما، فالإمامين البخاري ومسلم لم يلتزما ما اشترطه الحاكم في كتابيهما.\nوقد أشار ابن طاهر بأن سبيل معرفة شرط كل إمام من أئمة الحديث - كالبخاري ومسلم- في كتابه إن لم يصرّح به؛ إنما يكون بسبر كتبهم، ثم ذكر ما توصّل إليه من شرطهما\n_________\n(١) ابن طاهر المقدسي، شروط الأئمة، ٢٢.\n(٢) ذكر الذهبي أن مجموع الرواة من الصحابة الذين أخرج لهم البخاري، ولم يرو عنهم سوى واحد هم عشر رواة، هم: \"مرداس الأسلمي؛ عنه قيس بن أبي حازم، حزن المخزومي؛ تفرد عنه ابنه أبو سعيد المسيب بن حزن، زاهر بن الأسود؛ عنه ابنه مجزأة، عبدالله بن هشام بن زهرة القرشي؛ عنه حفيده زهرة بن معبد، عمرو بن تغلب؛ عنه الحسن البصري، عبدالله بن ثعلبة بن صعير؛ روى عنه الزهري قوله، سنين أبو جميلة السلمي؛ عنه الزهري، أبو سعيد بن المعلى؛ تفرد عنه حفص بن عاصم، سويد ابن النعمان الأنصاري شجري؛ تفرد بالحديث عنه بشير بن يسار، خولة بنت ثامر؛ عنها النعمان بن أبي عياش، فجملتهم عشرة\". الذهبي، السير، ١٢/ ٤٧٠.\n(٣) ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، ٢٣.","vol":"1","page":130},{"text":"فقال: \"اعلم أن شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور ... فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن وإن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه\" (١).\nثم أيّد ما ذكره بما نقله عن ابن منده، فقال: \"وأما الإمام الحافظ المتقن أبو عبدالله محمد ابن إسحاق بن منده، فأشار إلى نحو ما ذكرناه، وخلاف ما رسمه الحاكم ... - قال-: \"من\nحُكْم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد -وإن كان مشهورًا مثل الشعبي (٢) وسعيد بن المسيب (٣) - ينسب إلى الجهالة (٤). فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا، واحتج به، وعلى هذا بنى البخاري ومسلم كتابيهما الصحيحين، إلا أحرفا تبين أمرها ... \" ثم عقّب ابن طاهر بقوله: \"فاستثنى ابن منده أحرفًا وهو هذا النوع الذي أشرت إليه، فقد صح لديك بيان ما قدمته إليك، والله أعلم بالصواب.\" (٥)\nوبالنظر فيما ذكره ابن طاهر، وما استدل به من قول ابن منده، نجده موافقًا لما ذكره الحاكم من جهة أن ثلاثتهم -ابن منده والحاكم وابن طاهر - ﵏- اشترطوا شهرة\n_________\n(١) المرجع السابق، ١٧ - ١٨.\n(٢) عامر بن شراحيل الشعبي. مات سنة: ١٠٣ أو ١٠٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٢٢ (٢٥٣١)، ابن حجر، التقريب، ٢٨٧ (٣٠٩٢).\n(٣) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب القرشي المخزومي، أبو محمد المدني، قال عنه الذهبي: \"الإمام، أحد الأعلام، وسيد التابعين، ثقة حجة فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل\"، وقال ابن حجر: \"أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل وقال ابن المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه\"، مات سنة ٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤٤ (١٩٦٠)، ابن حجر، التقريب، ٢٤١ (٢٣٩٦).\n(٤) المقصود بالجهالة هنا عدم الشهرة بالرواية لا جهالة العدالة، فالصحابة كلهم عدول، وسبق بيان هذه المسألة في حاشية تعريف الحاكم في بداية الفصل، أضاف فضيلة المناقش استدراكًا: \"بل المقصود عدم ثبوت صحبته\".\n(٥) ابن طاهر المقدسي، المرجع السابق، ٢٢.","vol":"1","page":131},{"text":"الصحابي راوي الحديث المُخرّج له في الصحيحين- والفارق بينهم أنّ ابن طاهر وابن منده استثنيا من هذا الشرط من أُخرِج حديثه من الصحابة ولم يرو عنه إلا واحد، وهم قلة في الصحيحين، بينما الحاكم أطلق قوله - في التعريف بالصحيح- دون استثناء، ولكنه ذكر هذا الاستثناء في تعقيبه على حديث في المستدرك (١)، وهو ما نبه إليه السخاوي بقوله: \"وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا\nلكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: \"الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا.\" (٢)\nوبهذا الاستثناء يكون الحاكم قد وافقهم فيما ذكروه من القاعدة الأغلبية.\n\n- وهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا كابن الأثير (٣) (ت ٦٠٦ هـ)، وبيّن أن مراد الحاكم يحتمل الأمرين (سواء اشتراط العدد أو إثبات الشهرة للرواة)، ولا إنكار عليه، فقال في \"مقدمته لجامع الأصول\" - بعد أن سرد مقولة الحاكم في شرط الصحيح عند الشيخين-:\n\"وقد قال غيره: إن هذا الشرط غير مطَّرد في كتابَي البخاري ومسلم، فإنهما قد أخرجا فيهما أحاديث على غير هذا الشرط.\n_________\n(١) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٦٨.\n(٣) مبارك بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجرزي ثم الموصلي المعروف بابن الأثير مجد الدين أبو السعادات، كان فقيها، محدّثا، أديبا، نحويا، عالما بصنعة الحساب والإنشاء، وله المصنفات البديعة والرسائل الوسيعة منها: (جامع الأصول في أحاديث الرسول) و(النهاية في غريب الحديث) وغيرها. مات سنة ٦٠٦ هـ. ينظر: الذهبي، السير،١٦/ ٤٥. ابن العماد، الشذرات، ٧/ ٤٢. الأدنه وي، طبقات المفسرين، ٢١٢.","vol":"1","page":132},{"text":"والظن بالحاكم غير هذا، فإنه كان عالمًا بهذا الفن، خبيرًا بغوامضه، عارفًا بأسراره، وما قال هذا القول وحكم على الكتابين بهذا الحكم إلا بعد التفتيش والاختبار والتيقن لما حكم به عليهما.\nثم غاية ما يدعيه هذا القائل، أنه تتبع الأحاديث التي في الكتابين، فوجد فيهما أحاديث لم ترد على الشرط الذي ذكره الحاكم، وهذا منتهى ما يمكنه أن ينقض به، وليس ذلك ناقضًا، ولا يصلح أن يكون دافعًا لقول الحاكم، فإن الحاكم مثبت، وهذا ناف، والمثبت يقدم على النافي، وكيف يجوز له أن يقضي بانتفاء هذا الحكم بكونه لم يجده، ولعل\nغيره قد وجده ولم يبلغه وبلغ سواه؟ وحسن الظن بالعلماء أحسن، والتوصل في تصديق أقوالهم أولى، على أن قول الحاكم له تأويلان:\nأحدهما: أن يكون الحديث قد رواه عن الصحابي المشهور بالرواية راويان، ورواه عن ذينك الراويين أربعة، عن كل راو راويان، وكذلك إلى البخاري ومسلم.\nالتأويل الثاني: أن يكون للصحابي راويان ويروي الحديث عنه أحدهما، ثم يكون لهذا الراوي راويان، ويروي الحديث عنه أحدهما، وكذلك لكل واحد ممن يروي ذلك الحديث راويان، فيكون الغرض من هذا الشرط تزكية الرواة، واشتهار ذلك الحديث بصدوره عن قوم مشهورين بالحديث.\" (١)\n_________\n(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٦٢ - ١٦٣. تعقّب الحافظ ابن حجر ما ذكره الحاكم - من أقسام الصحيح في كتاب المدخل إلى الإكليل- وذكر ما يُنتقض به عليه في كل قسم فقال في النكت: \"ولولا أن جماعة من المصنفين كالمجد بن الأثير في مقدمة جامع الأصول تلقوا كلامه فيها بالقبول، لقلة اهتمامهم بمعرفة هذا الشأن واسترواحهم إلى تقليد المتقدم دون البحث والنظر؛ لأعرضت عن تعقب كلامه في هذا؛ فإن حكايته خاصة تغني اللبيب الحاذق عن التعقب.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٧.\nوجاء عن ابن حجر أيضًا استغرابه مما اُشتهر عن شرط الشيخين فقال في الفتح: \"قال الكرماني: قالوا لم يرو عن المسيب بن حزن -وهو وأبوه صحابيان- إلا ابنه سعيد بن المسيب، وهذا خلاف المشهور من شرط البخاري أنه لم يرو عن واحد ليس له إلا راو واحد.\nقلت- أي ابن حجر-: وهذا المشهور راجع إلى غرابته، وذلك أنه لم يدّعه إلا الحاكم ومن تلقى كلامه، وأما المحققون فلم يلتزموا ذلك، وحجتهم أن ذلك لم ينقل عن البخاري صريحا، وقد وجد عمله على خلافه في عدة مواضع منها: \"هذا فلان يعتد به\" وقد قررت ذلك في \"النكت على علوم الحديث\".\nوعلى تقدير تسليم الشرط المذكور، فالجواب عن هذا الموضع أن الشرط المذكور إنما هو في غير الصحابة، وأما الصحابة فكلهم عدول فلا يقال في واحد منهم بعد أن ثبتت صحبته مجهول، وإن وقع ذلك في كلام بعضهم فهو مرجوح، ويحتاج من ادعى الشرط في بقية المواضع إلى الأجوبة\". ابن حجر، فتح الباري، ١٠/ ٥٧٥.","vol":"1","page":133},{"text":"- وهناك من رجّح المذهب الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، وتلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، فقد توسطوا، وجمعوا بين تأويل الشرط بالشهرة، وبيان عدم اطّراده في جميع ما أُخرِج في الصحيحين.\nبينما رجّح السيوطي (ت ٩١١ هـ) هذا المذهب، وأشار إلى أنه مطّرد فقال: \"ولا ينتقض أيضًا ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم والبيهقي، ولله الحمد\" (١).\nقال ابن حجر: \"والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان مُنتقِضًا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه مُعتَبر في حق من بعدهم فليس في الكتاب حديث أصل (٢) من رواية من ليس له إلا راو واحد قط\" (٣)، وفي كلام ابن حجر إشارة إلى أن هذا الشرط إنما اُنتقض في روايات بعض الصحابة ممن لا راوي عنه إلا واحد، أما من أخرج لهم البخاري في صحيحه ممن هم دون الصحابي - وكانت روايته في أصول الكتاب دون الشواهد والمتابعات- فهذا الشرط متحقق فيهم.\n_________\n(١) السيوطي، البحر، ١/ ٦٩٦.\n(٢) حين يكون الحديث عن شرط الشيخين \"ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار تقسيمهما لأحاديث الكتابين، لأن مما لا خلاف فيه أن أحاديث الكتابين على قسمين:\nالأول: ما أخرجاه أصولًا للأبواب.\nالثاني: ما كان من قبيل المتابعات والشواهد، فالأمر في هذا أخف، وقد يحصل فيه تساهل، لا يخرجه من دائرة الصحيح، على اختلاف مراتبه وأنواعه. ونحن إذ نتكلم على تحديد شرطهما، فالمراد القسم الأول من الأحاديث.\" السلوم، تتمة في بيان شرط الشيخين، ١٧٧.\n(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٩. وإن كان السيوطي لا يرى في عدم اطراد الشرط اختلاله أو انتقاضه بل يصدق عليه حكم الأغلبية حيث قال: \"ولا ينتقض أيضًا ببعض الصحابة المشار إليهم لما سأبينه في محله، فصحّ كلام الحاكم، والبيهقي، ولله الحمد\" السيوطي، البحر الذي زخر، ٢/ ٦٩٦.\n\"وكذا الحال في مسلم، فإن من طُعن فيه لأجل تفرد راوٍ واحد عنه، ماله في الأصول شيء. وقد يُخرج هو والبخاري في المتابعات أحرفًا يسيرة لبعض هؤلاء. وإنما شرطا ذلك في الراوي؛ لأن تفرد رجل واحد بالرواية عنه موجب لعدم شهرته بالطلب، ومعرفته بالعلم، وهذا أمر يحجم الاطمئنان إليه، والاعتماد عليه.\" السلوم، شرط الشيخين، ١٨١.","vol":"1","page":134},{"text":"وساق السخاوي من كلام الحاكم ما يدل على استثناء الصحابة من هذا الشرط فقال: \"قد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك، وإن كان مناقضا لكلامه الأول، ولعله رجع عنه إلى هذا، فقال: الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف، احتججنا به، وصححنا حديثه ; إذ هو صحيح على شرطهما جميعا\" (١).\nوقد لخَّص أحد الباحثين في رسالته (٢) - والتي كانت عن الإمام الحاكم وكتابه المستدرك- ما توصّل إليه في بحث هذه الجزئية فقال:\n\"خلاصة الأمر: أن الحاكم يعلم أن الشيخين أخرجا لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد، وفي الوقت نفسه هو يذهب إلى أن الأصل الذي بنى الشيخان عليه كتابيهما الإخراج عن الصحابي الذي له أكثر من راو من التابعين - ثم أردف بقوله- والذي عندي في تفسير موقف الحاكم هذا بشعبتيه أمران، لكل شعبة منهما أمر:\n- فأما أنه يعلم تخريج الشيخين لبعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راو واحد فحق؛ في علمه وفي واقع الأمر (٣)، غير أنه يمكن أن يضاف إلى ذلك علمه- فيما أرى- أن هؤلاء الذين أخرج لهم الشيخان هم من الصحابة المعروفين، وإن لم يرو عنهم إلا تابعي واحد.\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٦٨. ينظر: الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.\n(٢) ينظر: عادل حسن علي، الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك، ٢٢٨ - ٢٢٩ باختصار.\n(٣) مثال ذلك قول الحاكم بعد أن أخرج أحد الأحاديث في مستدركه: \"هذا حديث صحيح قد اتفقا على الاحتجاج برواته، عن آخرهم إلى الصحابة، وعبد الرحمن بن قتادة من بني سلمة من الصحابة، وقد احتجا جميعا بزهير بن عمرو، عن رسول الله - ﷺ -، وليس له راو غير أبي عثمان النهدي، وكذلك احتج البخاري بحديث أبي سعيد بن المعلى، وليس له راو غير حفص بن عاصم\" الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٨٤) ١/ ٨٥.\nوقال بعد أخرج حديثًا آخر: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا جميعا على إخراج جماعة من الصحابة ليس لكل واحد منهم إلا راو واحد\" الحاكم، المرجع السابق، كتاب الإيمان ح (١٢٦) ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":135},{"text":"والدليل على هذا من كلام الحاكم نفسه، فقد قال: \"الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به، وصححنا حديثه إذ هو صحيح على شرطهما جميعا\" (١)\n- وأما أن القاعدة عند الشيخين كما يراها الحاكم: التخريج للصحابة الذين روى عن الواحد منهم أكثر من تابعي فكذلك، غاية الأمر أن تُحمَل على القاعدة المطردة أو الحكم الأغلبي، وما ورد في الصحيحين على خلافها فهو محمول على الاستثناء الذي لا ينفي\nالقاعدة، ولا يلغي الحكم الأغلبي، وقد صرح بمثل هذا أحد الأئمة المعاصرين للحاكم، وهو أبو عبدالله محمد بن إسحاق بن منده، فقال: \"من حكم الصحابي أنه إذا روى عنه تابعي واحد- وإن كان مشهورًا مثل الشعبي وسعيد بن المسيب- ينسب إلى الجهالة، فإذا روى عنه رجلان صار مشهورًا واحتج به، وعلى هذا بنى محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج كتابيهما، إلا أحرفًا تبين أمرها.\" (٢)\nثم أضاف الدكتور من ضمن ردوده في هذه المسألة قوله: \"ولا يشغب على هذا قول الحاكم عن حديث الصحابة الذين ليس للواحد منهم إلا الراوي الواحد من التابعين: \"ولم يخرج البخاري ومسلم هذا النوع من الحديث في الصحيح\" (٣)؛ ذلك أن تفسير هذه الجملة من كلام الحاكم هو أن المقصود بها استيعاب هذا النوع (٤) من الحديث في الصحيحين، أو\n_________\n(١) الحاكم، المستدرك، كتاب الإيمان ح (٦١) ١/ ٧٤.\n(٢) المقدسي، شروط الأئمة، ٢٣.\n(٣) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٣٨\n(٤) حيث نجد الحاكم قد صرّح في المستدرك باحتجاج البخاري ومسلم ببعض هذا النوع، ومن ذلك: قوله: \"هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه وهي في جملة ما قلنا: إنهما أعرضا، عن الصحابي الذي لا يروي عنه غير الواحد، وقد احتجا جميعا ببعض هذا النوع.\" الحاكم، المستدرك، كتاب الطهارة، ح (٥٢٢) ١/ ٢٤٧.","vol":"1","page":136},{"text":"جعله في مكانة واحدة من حيث الاختيار منه عند الرواية، مع غيره من روايات الصحابة؛ ولا شك أن هذا وذلك غير الواقع في الصحيحين.\" (١)\nنخلص مما سبق (٢):\nأن علماء الحديث اختلفوا في تأويل مراد الحاكم من شرط الشيخين، وهل مراده اشتراط العدد في كل طبقة من طبقات الإسناد، أو أن يكون الراوي مشهورًا زال عنه وصف الجهالة برواية راويين عنه فأكثر.\nوالمعنى الثاني أيّده الأكثر، ومنهم من كان معاصرًا له كتلميذه البيهقي، بل إن أغلب من ذهب إلى تأويل مراده باشتراط الشهرة كانوا أقرب لعصره ممن اشترط العدد، ونلحظ أن من اشترط العدد قد زادوا على نص الحاكم ما لم يصرّح به من تعدد رواة الحديث من الصحابة، ولعله قد اُلبِس عليهم في ذلك.\nإلا أن ما ذهب إليه الحاكم - عموما- لم يسلم من توجيه الانتقاد إليه في نسبة ذلك إلى الشيخين رغم إخراجهم لأحاديث رواة ليس لهم إلا راوٍ واحد، ووجه بعضهم ذلك بكونه شرطًا أغلبيًا، وذكروا أن ما أُخرِج في أصول الكتابين اُلتُزِم فيه بالشرط، وإنما الاعتراض بالنقد يتوجّه للرواة الذين أُخرج لهم في الشواهد والمتابعات، وهؤلاء ليسوا ضمن شرط الشيخين في الاحتجاج بهم.\nومن يتأمل تعريف الحاكم للصحيح في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" فإنه جاء عامًا ولم يُقيد بما أخرجه الشيخان في صحيحهما، واقتصر فيه على اشتراط زوال الجهالة عن\n_________\n(١) ينظر: علي، الإمام الحاكم، ٢٢٨ - ٢٢٩ باختصار.\n(٢) إن اختلاف العلماء في فهم كلام الحاكم وتوجيهه والاستدلال بصنيعه، يجعل من الصعب أو العسير الحكم على مراده دون جمع لأقواله، ومعرفة المتقدم منها من المتأخر، وما نُقِّح من كتبه وما عاجلته المنية قبل أن يتيسّر له تنقيحه وتبيضه، هذا عدا استقراء كتبه ومنهجه بشكل عام ومستفيض؛ لاستخراج القاعدة الأغلبية التي يسير عليها، وفي هذا المبحث يطول الأمر ويصعُب استقصاء ذلك، فهو بحاجة إلى بحث مطوّل بل أبحاث؛ لذا ما ذُكر هنا من خلاصة هذا المبحث إنما هو مجرد اجتهاد في جمع الأقوال، وتأمل استنتاجات من سبق مع أدلتهم، والخروج بنتيجة وفق هذه المعطيات، والله أعلم بالصواب.","vol":"1","page":137},{"text":"الصحابي راوي الحديث، ويقصد بالجهالة هنا: قلة الرواة عنه وعدم اشتهاره بالرواية لا جهالة العدالة أو الحال، فالصحابة كلهم عدول.\nوقد فسّر زوالها: بأن يروي عنه تابعيان عدلان، بينما جاء التصريح بوصف الشهرة للرواة في كتابه \"المدخل إلى الإكليل\"- وهو سابق في التأليف عن المعرفة- (١) وفيه قسّم الصحيح إلى أقسام خص القسم الأول منهما بالصحيح عند الشيخين، وفيه وصف\nالصحابي بالشهرة بالرواية، ووصف من بعده بالشهرة بالإتقان -وقد سبق تفصيل ذلك في قيد الشهرة بالطلب.\nوالراجح \"أن الحاكم موافق لجمهور أهل السنة من المحدثين الذين لم يشترطوا تعدد الرواية، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد (٢)، إذا توفرت شروط صحتها وقبولها خلافًا لبعض أهل البدع الذين اشترطوا التعدد، ولم يقبلوا رواية الواحد\" (٣)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:</span>\n- لقد تفاوتت القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن الصلاح للحديث الصحيح من حيث اتفاقهم عليها أو اختلافهم.\n_________\n(١) أضاف فضيلة المناقش: \"إذا كان المدخل إلى الإكليل سابقًا للمعرفة، فالأولى القول برجوع الحاكم عن هذا القول، أو أنه قصد الأغلبية\".\n(٢) من أمثلة ذلك: قول الحاكم في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة». الحاكم، المستدرك، ١/ ٩١ ح (١٠٠).\n(٣) عبدالجواد حمام، التفرّد في رواية الحديث ومنهج المحدثين في قبوله أو رده، ٣٧٣.","vol":"1","page":138},{"text":"- وقد اتفقوا على اشتراط العدالة في رواة الصحيح، وإن كان هناك تفاوت غير مؤثر في بيان معنى العدل إلا أن العدالة - وما يتعلّق بديانة الراوي وتقواه- هي الركن الأساس في الرواية.\n\n- وكذلك ما يخص قيد ضبط الراوي وإتقانه لما يروي، فهو من القيود والشروط الأساسية للحديث الصحيح، وإن لم يتم التصريح والتنصيص عليه في بعض التعريفات التي سبقت\nابن الصلاح؛ إلا أن ما يذكرونه من شروط لرواية الراوي تتضمن ذلك، أما من جاء بعد ابن الصلاح، فقد صرّحوا به ونصّوا عليه، وزاد ابن حجر وصف التمام للضبط؛ لتمييز مراتب الحديث الصحيح عن الحسن.\n- أما شرط اتصال السند، فقد اشترطته أغلب التعريفات خاصة فيما يتعلّق بالحديث المتفق على صحته، بينما أشار الحاكم إلى اختلاف العلماء في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات الثقات من المدلسين.\n- ومن الشروط التي نص عليها ابن الصلاح في حدّ الحديث الصحيح: نفي الشذوذ، وقد تعددت تعريفات الحديث الشاذ - قبل ابن الصلاح- إلى ثلاثة معاني، ثم صاغها ابن الصلاح في قسمين هما: الفرد المخالف، والفرد غير المُحتمل.\nوبالرغم من الاختلاف في المقصود من الشذوذ إلا أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث - وإن لم يُسَمِّ ذلك شذوذا.\nولقد صرّح الزركشي وابن حجر على أن المراد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة.\n- أما بخصوص نفي العلة، وإن لم ينصّ بعضهم عليه في حد الصحيح -خاصة من قبل ابن الصلاح- إلا أنهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم، وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة، فكل ما","vol":"1","page":139},{"text":"يقدح ويؤثر على صحة الحديث من سبب ظاهر أو خفي فهو خارج عن حد الصحيح، ولكون الشروط والقيود السابقة أخرجت الأسباب الظاهرة التي تقدح في الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة في الصحة.\n- أما بخصوص اشتراط كون الحديث مُسندًا كشرط من شروط الصحيح، واختلافهم في معنى المسند على معانٍ منها: اتصال إسناده، وهو بهذا المعنى يكون تكرارًا لاشتراط اتصال السند، والحدود تُصان عن التكرار.\nومن معاني المسند: المرفوع، وفي اشتراط ذلك في حدّ الصحيح قصر للصحة على الأحاديث المسندة المرفوعة، بينما الصحة وصف يتطرّق لكل ما يجمع شروط الصحة السابقة من الآثار والأقوال الموقوفة والمقطوعة.\n- وقد زيدت بعض الشروط والقيود التي لم تُذكر في حد الصحيح عند ابن الصلاح، ومن ذلك:\n- اشتراط نفي التدليس، الذي هو نوع من الانقطاع الخفي في السند، ويمكن اندراج نفي التدليس ضمن شرطي اتصال السند ونفي العلة، فباتصال السند يخرج كل سند منقطع ظاهر الانقطاع، وبنفي العلة يخرج الانقطاع الخفي.\n- وهناك شرط شهرة الرواة بالطلب، والذي نُسِب للإمام الحاكم اشتراطه في رواة الصحيح، والمراد بهذه الشهرة: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنها كما ذكر ابن حجر: وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، وضبط الراوي لمروياته دليل إتقانه وعنايته بالرواية.\n- وكذلك نُسِب للحاكم اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين:","vol":"1","page":140},{"text":"المذهب الأول: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين) فمنهم من فهم ذلك وأيّده كالميانشي (ت ٥٨١ هـ)، ومنهم من اعترض عليه وخطّأه كالحازمي (ت ٥٨٤ هـ).\nوالمذهب الثاني: فهم من كلام الحاكم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) فمنهم من فهم ذلك ووافقه عليه كتلميذه البيهقي (ت ٤٥٨ هـ)، وأبو علي الجياني -الغساني- (ت ٤٩٨ هـ).\nومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِج في الصحيحين كابن منده (ت ٤٧٠ هـ)، وابن طاهر المقدسي-ابن القيسراني- (ت ٥٠٧ هـ).\nوهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا كابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ)، وهناك من رجّح المذهب الثاني كالسيوطي (ت ٩١١ هـ)، بينما هناك من رجّح الثاني وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين كابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، وتلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ).\nبينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد.\nفهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لا يَعُمُّ كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد.\nهذا، ويمكن اختصار تعريف الصحيح بكونه (ما اتصل سنده بنقل الثقة) (١).\nوبهذا نختم فصل الحديث الصحيح، وننتقل إلى الفصل الثاني من فصول هذا البحث، وتحرير النوع الثاني الذي ذكره ابن الصلاح، وهو الحديث الحسن.\n_________\n(١) من إضافات فضيلة المناقش أ. د. سعد بن عبدالله الحُميّد.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفصل الثاني: الحديث الحسن</span>\nالمبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الأول: تعريف الحسن لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الأول: تعريف الحسن لغة:</span>\nالحُسن - بالضم-: الجمال، وهو ضد القبح ونقيضه.\nوالحَسَن - محرّكة-: ما حَسُن من كل شيء.\nواستحسنه عدّه حسنًا، وحسّن الشيء تحسينًا: زيّنه. (١)\nوأشار ابن الصلاح إلى معنى الحسن في اللغة بقوله: \"هو ما تميل إليه النفس، ولا يأباه القلب\" (٢) وقال الجعبري: \"الحسن لغة: الملائم\". (٣)\nفما تميل إليه النفوس لجماله وتستحسنه، فهو حَسن في اللغة (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثاني: تعريف الحسن اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nذكر ابن الصلاح في مقدمته بأن أول من أَشهَر مصطلح الحديث الحسنكتاب أبي عيسى الترمذي -﵀ - أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه باسمه وأكثر من ذكره في (جامعه).\n_________\n(١) يُنظر: ابن فارس، المقاييس، ٢/ ٥٧. الرازي، المختار، ٧٣. ابن منظور، اللسان، ١٣/ ١١٤. الفيروزآبادي، القاموس، ١١٨٩.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٩.\n(٣) الجعبري، الرسوم، ٦١.\n(٤) \"يُفهم من ذلك أن تحسين بعض الأمور قد لا يكون موضع اتفاق؛ لأن النفوس تختلف فيما تميل إليه، وتتباين فيما ترغب فيه، وتتضاد فيما تأباه؛ لذا فلا يخلو التحسين من النسبية بسبب اختلاف طبائع البشر\". الدريس، الحديث الحسن لذاته ولغيره دراسة استقرائية نقدية، ١/ ٤٠.","vol":"1","page":143},{"text":"ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله كأحمد بن حنبل، والبخاري، وغيرهما\" (١)\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥ - ٣٦، ولقد أشار السخاوي في -فتح المغيث- إلى بعض معاني الحسن عند من سبق الترمذي، من ذلك إطلاقه على الحديث الغريب، أو المنكر، فكأنهم أرادوا بذلك المعنى اللغوي، وكذلك أطلقوه على الصحيح، والحسن لذاته ولغيره، فقال: \"قد وجد إطلاقه على المنكر، قال ابن عدي في ترجمة سلام بن سليمان المدائني: حديثه منكر، وعامته حسان، إلا أنه لا يتابع عليه.\nوقيل لشعبة: لأي شيء لا تروي عن عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو حسن الحديث؟ فقال: من حسنه فررت. وكأنهما أرادا المعنى اللغوي، وهو حسن المتن.\nوربما أُطلق على الغريب، قال إبراهيم النخعي: كانوا إذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان حديثه، فقد قال ابن السمعاني: إنه عنى الغرائب.\nووُجِد للشافعي إطلاقه في المتفق على صحته، ولابن المديني في الحسن لذاته، وللبخاري في الحسن لغيره، ونحوه - فيما يظهر - قول أبي حاتم الرازي: فلان مجهول، والحديث الذي رواه حسن ...\nوبالجملة فالترمذي هو الذي أكثر من التعبير بالحسن، ونوه بذكره; كما قاله ابن الصلاح، ... \" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٥ - ٩٦.\nولقد كان للدكتور خالد الدريس جهد مشكور في رسالته (الحديث الحسن لذاته ولغيره) حيث استقرأ كتب السنة، خاصة كتب أئمة الحديث الذين ورد التحسين ضمن أحكامهم على الحديث أو الإسناد أو الراوي، وقام بدراسة أسانيدها وبيان درجتها، ومن أولئك الأئمة -ممن جاء قبل الترمذي-:\n- الشافعي (ت ٢٠٤ هـ): أورد له الباحث ثمانية أحاديث، كانت نتيجة دراستها: أن ستة منها عنى بها الصحيح، وواحد عنى به الحسن لذاته -كما عند المتأخرين- وواحد أطلق الحسن عليه لغرابته. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ١/ ٨٠ - ٩٥.\n- علي بن المديني (ت ٢٣٤ هـ): أورد له ثلاثة وعشرين نصًا منها تسعة عشر نصاّ تم وصف الحديث فيها بالحسن، وأربعة في وصف بعض الرواة بحسن الحديث، وقد قسّم الأحاديث التسعة عشر إلى ثلاثة أقسام: أحاديث حسّنها وهي صحيحة وعددها سبعة، ومثلها أحاديث حسّنها وفي إسنادها من ليس بمشهور، وخمسة أحاديث أطلق عليها الحسن مقيدًا.\nوقد رجّح الباحث أن مراد الإمام ابن المديني من إطلاقه الحسن: هي الصحة بدرجاتها المتفاوتة، وأتبعه بمبررات ذلك. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ١/ ٩٦ - ١٧٦.\n- أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ): وقف الباحث على سبعة وستين نصًا، منها ثمانية وعشرون في الحكم على الأحاديث، وتسعة وثلاثون في الحكم على الرواة، واستنتج الباحث بعد أن سرد النصوص وحلّلها: أن إطلاق الإمام أحمد وصف الحسن كان متنوعًا، ومتعددًا بين الصحيح، والضعيف المنجبر، والأقل ضعفًا.\nفاستعمل الحسن بمعنى قوة الحديث في أربعة عشر نصًا، منها: تسعة على الصحيح ومافي حكمه، وواحد على الحديث الضعيف المنجبر، وأربعة بمعنى الأقل ضعفًا، أي: أحسن الضعيف، أو أفضل ما ورد مع ضعفه.\nواستعمل الحسن بمعنى الإعجاب بالحديث - لميزة فيه بغض النظر عن مدى قوته- في أربعة عشر نصًا: ستة منها إطلاقه الحسن على متن الحديث، وثمانية على الحديث الغريب الذي لا يُعرف من قبل.\nأما استعماله الحسن في حكمه على الرواة، فقد جاء في تسعة وثلاثين نصًا، منها: خمسة عشر بمعنى الاتقان وجودة الضبط، وواحد وعشرون بمعنى القبول العام، وثلاثة بمعنى سعة الرواية. ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٧ - ٣٩٤.\n- البخاري (ت ٢٥٦ هـ): جمع الباحث ما يقارب ثمانية وثلاثين نصًا من تحسينات الإمام البخاري، وذكر أن من تعرّض لتحسينات البخاري من العلماء قديمًا وحديثًا لم يتفقوا على تفسير معنى الحسن عنده، واختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء:\n- ... ابن سيد الناس في النفح الشذي: \"لعله عند قائليه من المتقدمين يجري مجرى الصحيح\". ابن سيد الناس، النفح الشذي في شرح جامع الترمذي، ١/ ١٩٦. =","vol":"1","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - ... ابن حجر في النكت: أن البخاري استعمل الحسن بمعناه الاصطلاحي عند المتأخرين بقسميه الحسن لذاته ولغيره. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٢٦ - ٤٢٩.\n- ... وكذا السخاوي في فتح المغيث: صرّح بوجود الحسن لغيره في تحسينات البخاري. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٢.\nورأى الباحث أن كثيرًا من الأحاديث التي حسّنها البخاري أمثل وأقوى من تلك التي صححها، حيث قال: \"والمتأمل أيضًا يعلم أن الحسن لا يمكن أن يكون أقل مرتبة من الصحيح عند البخاري؛ لأنه قد حسّن أحاديث هي صحيحة عنده بلا شك. ويعلم مما تقدّم أن مفهوم الصحيح عند البخاري أوسع وأشمل مما استقر عليه الاصطلاح في تعريف الحديث الصحيح؛ لأنه يُدخل فيه حتى أحاديث المتكلم فيهم التي عُلِم أنها محفوظة\" ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٦٩٦.\n- يعقوب بن شيبة (ت ٢٦٢ هـ): أورد الباحث له تسعة نصوص في تحسين الأحاديث، واثنان في تحسين سياق رواية أحد الرواة، وقد استنتج الباحث من دراسته لهذه النصوص، وما وجده من شواهد أن الإمام يعقوب بن شيبة يُطلق الحسن، ويريد به الحديث الصحيح الثابت. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٦٩٩ - ٧٢٤.\n- أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤ هـ): أورد الباحث أربعة عشر نصًا منها: ستة نصوص في تحسين الحديث، وقد جاءت على معنين: حسن لقوته، وحسن لغرابته، وثمانية في تحسين أحاديث بعض الرواة، وجاءت على ثلاثة معاني: فحديثه حسن لما فيه من فوائد، أو حسن لاستقامة حديثه، أو حسّن-بالتشديد- أي زينه وجمّله. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٧٢٥ - ٧٥٩.\n- أبو حاتم الرازي (٢٧٧ هـ): أورد الباحث له ستة وثلاثين نصًا في التحسينات منها: تسعة عشر تحسينًا للحديث، وسبعة عشر في كلامه على الرواة.\nواستنتج أن لأبي حاتم منهجًا متميّزًا عن غيره في إطلاق التحسينات، فمما أطلق عليه الحسن: الحديث الغريب الذي انفرد بروايته من لا يخلو من بعض ضعف محتمل، ويكون ذلك الحديث سالمًا من المخالفة الموجبة للخطأ والنكارة.\nوأبو حاتم يُفرق بين الصحيح والحسن، ويأبى أن يحكم بصحة بعض الأحاديث، ويختار لفظًا أقل منزلة وأدنى وهو الحسن، ومن شروطه في الحسن كون الحديث محفوظًا.\nوإطلاقه الحسن على الرواة يريد بذلك: أن بعض حديثهم قوي، والبعض الآخر ضعيف، وقد قرن حسن الحديث بصالح الحديث، ومحله الصدق، ولا بأس به، وليس بقوي ولا ثبت، وقال عن بعضهم: هو حسن الحديث ليس بمنكر الحديث؛ ليفيد أن الحسن لا يكون منكرًا.\nوقرنه أيضًا بقوله: لا يُحتجّ به: ولا يعني عدم الاحتجاج مطلقًا، وإنما لا يكون حديثه حجة على الدوام، ولا يُحتجّ به إلا بعد التمييز، وقد أطلق هذه العبارة في حق عدد من الرواة احتج بهم الشيخان في صحيحهما. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٢/ ٧٦٠ - ٨٣٩.\nومن أهم النتائج التي توصّل إليها الباحث، وسجّلها ضمن نتائج بحثه:\n\"- أن (الحسن) اُستعمِل وأُطلق على الحديث الصحيح عند الشافعي وابن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ويعقوب بن شيبة وغيرهم.\n- ظهر له من دراسته لمصطلح (الحسن) عند الأئمة النقاد قبل الترمذي تنوّع استعمالاتهم له، وأنهم من حيث العموم استعملوه بغرض عام، ولم يكن لديهم تعريف محدد دقيق له، كما أنهم كانوا يعنون به القبول العام، فهو أشبه ما يكون بمصطلح (صالح) عند أبي داود؛ إذ صرّح أنه ينطوي تحته الصحيح وما يشبهه وما يقاربه وما ليس فيه ضعف شديد. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٥/ ٢٤٨٧ - ٢٤٨٨. وقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر قوله: \"فإن المتقدمين الذين أطلقوا وصف الحسن على ما هو صحيح كالشافعي وغيره، لم يكن تقرر عندهم الاصطلاح على أن الحسن قاصر عن الصحيح، ولو تقرر لما خالفوه.\" البقاعي، المرجع السابق ١/ ٣٠٢.","vol":"1","page":145},{"text":"وقد ذكر الخطابي في مقدمة كتابه (معالم السنن) أن للحديث ثلاثة أقسام، فقال: \"اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم\" (١)، وقد عقّب على ذلك العراقي بقوله: \"ولم أر من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذلك، وإن كان في كلام المتقدمين ذكر الحسن، وهو موجود في كلام الشافعي والبخاري وجماعة، ولكن الخطابي نقل التقسيم عن أهل الحديث وهو إمام ثقة.\" (٢)\nولعل مراد العراقي أن التصريح بالقسمة الثلاثية لأنواع الحديث إنما صرّح به الخطابي، وإن وردت مسمياتها في كلام من سبقه، فقد أشار ابن تيمية (٣) أن الترمذي هو أول من قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيفوأما قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، فهذا أول من عُرِف أنه قسّمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي (٤)، ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله.\" ثم قال بعد ذلك: \"وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عُرِف عنهم هذا التقسيم الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان:\nضعيف ضعفًا لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي. وضعيف ضعفا يوجب تركه وهو الواهي.\" (٥)\n_________\n(١) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦. قال ابن حجر: \"والظَّاهر أنَّ قوله: عند أهل الحديث، من العام الَّذي أُريد به الخُصوص، أي الأكثر، أو الَّذي استقرَّ اتفاقهم عليه بعد الاختلاف.\" السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦.\n(٢) العراقي، التقييد، ٢٠.\n(٣) أحمد بن عبد الحليم بن عبدالسلام، تقي الدين بن تيمية، الحراني، الحنبلي. أبو العباس، شيخ الإسلام. فقيه أصولي، محدث، مفسر، نحوي، أديب، خطيب. له من المصنفات الكثير، منها: (مجموع الفتاوى) و(اقتضاء الصراط المستقيم) وغيرها. مات سنة ٧٢٨ هـ. ينظر: محمد بن شاكر الكتبي، فوات الوفيات، ١/ ٧٤. ابن العماد، الشذرات، ٨/ ١٤٢. الزركلي، الأعلام، ١/ ١٤٤.\n(٤) تبع الذهبي شيخه في ذلك فقال في الموقظة: \"وأما الترمذي، فهو أول من خص هذا النوع باسم (الحسن) \". الذهبي، الموقظة، ٢٧.\n(٥) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ١٨/ ٢٣ - ٢٥. ينظر: المدخلي، تقسيم الحديث، ١٢ - ١٣.","vol":"1","page":146},{"text":"إذن فوصفُ الحديث بكونه حسنًا، أو وصف الإسناد بذلك موجود في كلام أئمة الحديث؛ -وإن اختلف مرادهم بذلك (١) - إلا أن أوّل تعريف للحسن أشار إليه العلماء هو تعريف الترمذي (٢).\n_________\n(١) اعترض ابن الصلاح على ما ذهب إليه البغوي في كتابه مصابيح السنة من تقسيم الأحاديث فيها إلى صحاح وحسان، قاصدًا بالصحاح ما أخرجه الشيخان، وبالحسان: ما أوردته كتب السنن كسنن أبي داود والترمذي، فقال: \"فهذا اصطلاح لا يعرف، وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك. وهذه الكتب تشتمل على حسن وغير حسن\" ووافقه النووي على هذا الاعتراض؛ بينما أوضح كلٌ من الزركشي وابن الملقن وابن حجر أن ما ذهب إليه البغوي هو اصطلاح خاص به في كتابه، ولا مشاحة في الاصطلاح. المراجع: ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٧، النووي، التقريب، ٣٠، الزركشي، النكت، ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٤٦، السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٢) ومما توصل له الدكتور الدريس - في بحثه الخاص بالحديث الحسن- أن: الحسن اُستعمل عند المحدثين بتوسع ينطوي تحته على عدة معانٍ، حتى بعد تعريف الترمذي للحسن، حيث استمر المحدثون في استعمال الحسن من دون تحديد معنى واحدٍ ومن دون تعريف دقيق مُتفق عليه.\nفوجدهم يطلقون الحسن على الحديث الصحيح وما دونه؛ بل وحتى على الحديث الموضوع وإن كان نادرًا جدًا، وبمعنى حُسن المتن وسياقه.\nومن الأمثلة التي ذكرها على تحسينات من جاء بعد الترمذي، ما يلي:\n-البزار (ت ٢٩٢): ذكر الباحث أن غالب تحسيناته يقصد بها قوة السند عنده، وأن الأحاديث التي حسّنها على ثلاثة أقسام:\n١ - صحيحة،\n٢ - فيها ضعف يسير،\n٣ - فيها ضعفاء أو مجاهيل شرط أن يكون الضعيف ممن روى عنه أهل العلم واحتملوه، وأن يكون الحديث سليمًا من المخالفة والخطأ. أما بالنسبة لإطلاقه (حسن الحديث) على الراوي فمراده أن الراوي لا يخلو من بعض الضعف، وأن بعض ما يرويه لا بأس به. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٢/ ٨٥٠ - ٨٦٢.\n-أبو الشيخ ابن حيان (ت ٣٦٩): أطلق التحسين في كتابه (طبقات المحدثين بأصبهان) بمعنى الغرابة والفائدة. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٦٢ - ٨٦٤.\n-الدارقطني (ت ٣٨٥): تتبع الباحث تحسينات الدارقطني حيث بلغت عنده ثلاثين نصًا وجدها موجهة لرجال السند دون التعرض للمتن، وقد استعمله في معنيين: في الحديث الصحيح عنده، وفي الحديث الذي فيه ضعف يسير عنده بما يتوافق مع الحسن لذاته عند المتأخرين. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٦٤ - ٨٨٩.\n-ابن شاهين (ت ٣٨٥): وجد الباحث أنه يُطلق الحسن أحيانًا مقيدًا بالسند، كما يُطلقه مقيدًا بالمتن، وأن الأحاديث التي حسّنها لإسنادها يدخل فيها الصحيح والحسن لذاته ورواية الضعيف. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٨٩ - ٨٩٣.\n-البيهقي (ت ٤٥٨): وجد الباحث أن معنى الحسن عند البيهقي واسع، حيث أطلقه على الصحيح، وعلى الحديث الذي في سنده راو فيه بعض الضعف الذي لا ينزل به عن منزلة الوسطية (الحسن لذاته)، وعلى الحديث الذي فيه راو مستور، وعلى الحديث الحسن لغيره.\nوقد استنتج الباحث أن البيهقي استعمل الحسن أكثر الأحيان بوصفه مرتبة وسطى بين الصحيح والضعيف. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٩٣ - ٩٠٣.\n-ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): وجد الباحث أنه استعمل الحسن استعمالات متعددة منها: أ) استعماله للحسن بمعنى الحكم على الحديث بالقبول، ويدخل في ذلك: إطلاقه الحسن على الحديث الصحيح، وعلى الحديث الحسن لذاته، وعلى الحديث الضعيف المحتمل في الفضائل لا في الأحكام.\nب) استعماله للحسن بمعنى حُسن المتن ولو كان السند ضعيفًا. ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٩٠٣ - ٩٢٧.","vol":"1","page":147},{"text":"تعريف الترمذي (ت ٢٧٩ هـ):\nقال الترمذي ﵀ في آخر كتابه الجامع: \"كلُّ حديث يُرْوى لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذًا، ويُرْوى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن.\" (١)\nتعريف الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):\nعرّفه الخطابي ﵀ - وذلك بعد أن ذكر أقسام الحديث وعرّف بالصحيح منها ثم أتبعه بتعريف الحسن- فقال: \"والحسن منه ما عُرِف مخرجه (٢)\n_________\n(١) وذلك بعد قوله: \"وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا حسن إسناده عندنا\". الترمذي، الجامع الكبير، ٦/ ٢٥١.\nوقد عدّ بعض العلماء قوله \"عندنا\" أنه اصطلاح خاص بالترمذي في كتابه، حيث قال ابن سيد الناس في كتابه النفح الشذي: \" فهذا كما ترى - إخبار عن مصطلحه في هذا الكتاب، فلو قال في كتاب غير هذا عن حديث بأنه حسن، وقال قائل: ليس لنا أن نفسر الحسن هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان، لكان له ذلك\". وقد حرر محقق النفح الشذي هذه المسألة، وملخّصها: أن العراقي في كتابه (التقييد والإيضاح) استشكل ما اعتبره ابن سيد الناس اصطلاحًا خاصًا بالترمذي في كتابه، وذلك في مقابلة من عدّه اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث كابن الصلاح ومن وافقه، وقد نقل السخاوي في كتابه (فتح المغيث) جواب العراقي باعتبار ذلك اصطلاحًا عامًا لأهل الحديث كما يظهر له، وتعقّبه السخاوي بأن ذلك يبعد بقول الترمذي \"وما ذكرنا\" \"فإنما أردنا به\" فالنون؛ لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، مع الأمن من الإعجاب ونحوه.\nوقد أجاب المحقق على تعقيب السخاوي بأن كلام الترمذي عبارة عن فقرتين:\nالفقرة الأولى قوله: \"وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن فإنما أردنا حُسن إسناده\" وهذه الفقرة يُحمل فيها الضمير \"نا\" على الترمذي وحده، على الاعتبار الذي ذكره السخاوي وهو إظهار نعمة التلبس بالعلم، ومقصود الترمذي بهذه الفقرة التنبيه على أن مقصوده بالحَسَن في جامعه عمومًا حُسْن الاسناد.\nوأما الفقرة الثانية فهي قوله: \"عندنا كل حديث يروى ... الخ.\"، وهذه جملة مستأنفة لبيان تعريف النوع المُشكِل -في نظره- مِنْ حُسن الإسناد عند أهل الحديث كما ذكر العراقي، أو عند الترمذي ومن يرى رأيه كما قال ابن حجر\".\nالمراجع: ينظر: ابن سيد الناس، النفح الشذي ١/ ٢٠٥ - ٢٠٧، العراقي، التقييد والإيضاح ٤٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٠، الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٤٨ - ١٠٤٩.\n(٢) المعروف مخرجا أي: لم يفقد سنده الاتصال ظاهرا - كالانقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولا خفيا، كالتدليس.\nوقيل: مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها.\nفالمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، ٤٤، البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦، الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.","vol":"1","page":148},{"text":"واشتهر رجاله (١)، وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.\" (٢)\nتعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):\nقال الميانشي ﵀: \"وأما الحسن: فهو ما عُرف مخرجه، واشتهر رجاله بالرواية، فإنه يحسُن الاحتجاج به، وإن اختُلف في كمال حفظ رواته وعدالتهم.\" (٣)\n_________\n(١) وقد وُجّه مقصوده بشهرة الرواة، أنها شهرة دون شهرة رواة الصحيح. ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٧، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥.\n(٢) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.\nاُختلف في قوله (وعليه مدار أكثر الحديث) وما بعده هل هو من تمام الحد؟، فإن الميانشي في تعريفه المشابه لتعريف الخطابي اقتصر على شقه الأول فقط، وابن كثير في اختصاره شكّ في كونه من تمام الحد بقوله: \"وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، فليس هذا الذي ذكره مُسلّمًا له\". وقد رجّح الزركشي خروجه عن الحد فقال: \" قلت هذا إن جعلنا الحد عند قوله واشتهر رجاله وهو الظاهر فإن ما بعده أحكام لأن قبول الحديث والاحتجاج به فرع ثبوت حسنه ويدل له تكراره.\" وصرّح بذلك ابن حجر كما نقله عنه البقاعي حيث قال: \"وقوله (وعليه مدار) إلى آخره، كلام كاشف، لا أنه داخل في الحد\". وتبعه تلميذه السخاوي فقال: \"فقد قال الخطابي متصلا بتعريفه السابق ; لكونه متعلقا به في الجملة، لا أنه تتمته: وعليه - أي: الحسن - مدار أكثر الحديث - أي: بالنظر لتعدد الطرق - فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح المتفق عليه\". وقال السيوطي: \"وهذا الكلام فهمه العراقي زائدا على الحد فأخر ذكره وفصله عنه. وقال البلقيني: بل هو من جملة الحد، ليخرج الصحيح الذي دخل فيما قبله، بل والضعيف أيضا.\". وما نقله السيوطي عن البلقيني هو بمعناه أما لفظه فقوله: \"لا يقال: إن تم التعريف عند قوله: (رجاله) فالصحيحُ والضعيف كذلك، وإن كان آخرُ الكلام من جملة التعريف (منع أن يكون الحسن كذلك؛ لأنا نقول: (آخر الكلام من جملة التعريف\". المراجع: ينظر: ابن كثير، اختصار علوم الحديث، ٣٦، الزركشي، النكت، ١/ ٣٠٥، البلقيني، محاسن الاصطلاح، تحقيق: عبدالقادر مصطفى المحمدي، ١٠٢، ملاحظة: ما بين المعقوفتين غير موجود في طبعة دار المعارف تحقيق بنت الشاطئ. البقاعي، النكت، ١/ ٢٢٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٢، السيوطي، التدريب، ١/ ١٦٧.\n(٣) ملاحظة: سبق هذا التعريف ذكره لمراتب الصحيح، وجعل أدنى مرتبة فيه: ما كان إسناده حسنًا. ينظر: الميانشي، ما لًا يسع المحدث، ٢٧ - ٢٨.\nويظهر مشابهة تعريفه لتعريف الخطابي، وقد اقتصر على الشق الأول منه. ثم عقّب بقوله: \"فإنه يحسُن الاحتجاج به، وإن اختُلف في كمال حفظ رواته وعدالتهم\". وفي هذا إشارة إلى وجود اختلاف بين نقاد الحديث في راوي الحديث الحسن من حيث الحفظ والعدالة، ففي الحفظ يقصر رواة الحسن عن الصحيح، وفي العدالة اختلفوا في اشتهارها أو سترها، ويُفهم من هذا التعقيب أن تفاوت رواة الحسن عن رواة الصحيح لا يقتصر على الضبط فقط بل قد يتفاوتون في العدالة، فمرتبة رواة الحسن لذاته تقصر من حيث الضبط والحفظ، بينما رواة الحسن لغيره، -والذي هو في أصله نوع من الضعيف- قد يكون سبب الضعف ناشئ عن الجهالة بعدالة الراوي، ولعل هذا يتضح أكثر أثناء تحرير قيود التعريف، وقد سبق في الفصل الأول الإشارة إلى مسألتي تفاوت العدالة وتفاوت الضبط عند رواة الحديث.","vol":"1","page":149},{"text":"تعريف ابن الجوزي (١) (ت ٥٩٧ هـ):\nعرّف ابن الجوزي ﵀ الحسن - في مقدمة كتابه الموضوعات (٢) في معرِض بيانه لأنواع الحديث- بقوله: \"ما فيه ضعف قريب محتمل\". (٣)\nتعريف ابن القطان الفاسي (٤) (ت ٦٢٨ هـ):\nقال ﵀ في كتابه بيان الوهم والإيهام (٥):\n_________\n(١) أبو الفرج العلامة الحافظ المفسِّر، المعروف بابن الجوزي، هو: جمال الدين عبدالرحمن بن علي ابن محمد بن علي، يرجع في نسبه إلى أبي بكر الصديق ﵁. وله التصانيف الكثيرة في أنواع العلوم من التفسير والحديث والفقه والوعظ والطب، ومن مصنفاته الحديثية: (مُشكل الصحاح) و(الموضوعات) و(الضعفاء). يُنظر: ابن خلكان، الوفيات، ٣/ ١٤٠، الذهبي، السّير، ٢١/ ٣٦٥.\n(٢) كتاب الموضوعات الكبرى لابن الجوزي، ومادته: الموضوعات من الأحاديث المرفوعة، وقد اُعترض على المؤلف ﵀ في إدراجه لأحاديث ليست بموضوعة بل ضعيفة أو يرتقي بعضها للحُسن أو الصحة. يُنظر: حاجي خليفة، كشف الظنون، ٢/ ١٩٠٦، الكتاني، المستطرفة، ١٤٩ - ١٥٠.\n(٣) ثم قال: \"وهذا هو الحسن، ويصلح البناء عليه والعمل به، وقد كان أحمد بن حنبل يقدم الحديث الضعيف على القياس\" ثم أردفه بشديد الضعف فقال: \"القسم الخامس: الشديد الضعف الكثير التزلزل، فهذا تتفاوت مراتبه عند العلماء فبعضهم يدنيه من الحسان ويزعم أنه ليس بقوي التزلزل، وبعضهم يرى شدة تزلزله فيلحقه بالموضوعات.\"ابن الجوزي، كتاب الموضوعات، ١/ ٣٥.\nومن الانتقادات التي وُجّهت لتعريفه كون هذا الضعف المحتمل غير مضبوط بضابط، فهو مجهول، وليس على طريقة صناعة الحدود والتعاريف. المراجع: يُنظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٨، ابن جماعة، المنهل، ٣٦، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٠.\nأما البقاعي فقد ردّ على هذا الانتقاد بقوله: \"وأما ابن الجوزي فالظاهر أنه لم يرد الحد، وإنما أراد الوصف بصفة تقرب الحسن من التمييز.\" ثم عاد ووجّه كونه حدًا بإمكانية انضباطه، فقال: \"ويقال: بل هو مضبوط؛ إن كان عرف الصحيح والضعيف بالحيثية، وهي: أن ضعفه بالنسبة إلى الصحيح، واحتماله بالنسبة إلى الضعيف، أي: فيكون متوسطا بينهما، لا يعلو إلى رتبة الصحيح؛ لما فيه من الضعف، ولا ينحط إلى رتبة الضعيف؛ لما فيه من قلة الضعف، ويؤيد ذلك أنه قال عقب ما نقل عنه: (ويصلح للعمل به) فوصفه بوصف هو بين بين؛ فإن الصحيح يوصف بأنه يجب العمل به، والضعيف أعلى ما يقال فيه: يعمل به في الفضائل، لا مطلقا، والله أعلم.\" ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، ١/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(٤) أبو الحسن علي بن محمد بن عبدالملك الفاسي، المعروف: بابن القطان. من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء رجاله، وأشدهم عناية بالرواية، من أشهر مؤلفاته: كتاب الوهم والإيهام. يُنظر: الذهبي، السير، ٢٢/ ٣٠٦، السيوطي، طبقات الحفاظ، ٤٩٨. (١٠٩٦).\n(٥) بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، هو كتاب وضعه ابن القطان على كتاب الأحكام لأبي محمد عبدالحق بن عبدالرحمن بن عبدالله الأزدي الأشبيلي المعروف: بابن الخراط، متتبعًا فيه ما وقع فيه من أوهام، ولابن الخراط الأحكام الكبرى والوسطى والصغرى، وقد رجّح محقق كتاب بيان الوهم د. الحسين آيت سعيد بأنها الوسطى. يُنظر: الكتاني، المستطرفة، ١٧٨. الحسين آيت سعيد، \"علاقة بيان الوهم والإيهام بالأحكام الوسطى\" من دراسته لكتاب ابن القطان الفاسي، بيان الوهم والإيهام، ١/ ٢٠٥ - ٢١٣.","vol":"1","page":150},{"text":"\"فإن الحسن معناه الذي له حال بين حالي الصحيح والضعيف\" (١)\nوقال في موضع آخر من كتابه بشيء من التفصيل: \"ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف، ويكون الحديث حسنا هكذا، إما بأن يكون أحد رواته مختلفا فيه؛ وثقه قوم وضعفه آخرون، ولا يكون ما ضعف به جرحا مفسرًا، فإنه إن كان مفسرًا، قدم على توثيق من وثقه، فصار به الحديث ضعيفا.\nوإما بأن يكون أحد رواته؛ إما مستورا وإما مجهول الحال.\" (٢)\n_________\n(١) ابن القطان، المرجع السابق، ٣/ ٣٧٤.\n(٢) ابن القطان، المرجع السابق، ٤/ ١٣ - ٢٠.\nثم قال: \"ولنبين هذين القسمين، فأما المستور فهو من لم تثبت عدالته لدينا ممن روى عنه اثنان فأكثر، ... فهذا قسم المساتير؛ فأما قسم مجهولي الأحوال، فإنهم قوم أنما روى عن كل واحد منهم واحد، لا يعلم روى عنه غيره\"\nوقد أردف كل قسم بحكم روايته من حيث القبول والرد: فقال عن رواية المستور: \"فإن هذا يختلف في قبول روايته من لا يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له.\nفطائفة منهم يقبلون روايته، وهؤلاء هم الذين لا يبتغون على الإسلام مزيدا في حق الشاهد والراوي، بل يقنعون بمجرد الإسلام، مع السلامة عن فسق ظاهر، ويتحققون إسلامه برواية عدلين عنه، إذ لم يعهد أحد ممن يتدين يروي الدين إلا عن مسلم.\nوطائفة يردون روايته، وهؤلاء هم الذين يبتغون وراء الإسلام مزيدا، وهو عدالة الشاهد أو الراوي، وهذا كله بناء على أن رواية الراوي عن الراوي ليست تعديلا له، فأما من رآها تعديلا له فإنه يكون بقبول روايته أحرى وأولى، ما لم يثبت جرحه.\nوالحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته.\"\nوقال عن رواية المجهول: \" فهؤلاء إنما يقبل رواية أحدهم من يرى رواية الراوي العدل عن الراوي تعديلا له، كالعمل بروايته، فأما من لا يرى رواية الراوي عن الراوي تعديلا له، فإنهم لا يقبلون رواية هذا الصنف إلا أن تعلم عدالة أحدهم، فإنه إذا علمت عدالته، لم يضره أن لا يروي عنه إلا واحد، فأما إذا لم تعلم عدالته، وهو لم يرو عنه إلا واحد، فإنه لا يقبل روايته لا من يبتغي على الإسلام مزيدا، ولا من لا يبتغيه.\nوقد عمل أبو محمد في هذا بالصواب: من رد روايتهم وقبول رواية من علمت عدالته منهم، وأخطأه ذلك في قوم منهم، صحح أيضا أحاديثهم بالسكوت عنها، تبين ذلك في هذا الباب إن شاء الله تعالى\". ابن القطان، المرجع السابق، ٤/ ١٣ - ٢٠.\nويُفهم من كلامه ﵀ أن الرواة المختلف فيهم يُحكم على حديثهم بالحُسن ما لم يكن الضعف المجروح به الراوي مُفسّرًا، فإن كان الجرح مُفسّرًا يُقدّم الجرح على التوثيق، ويُحكم على الحديث بالضعف.\nقال الباحث محمد بوعيّاد عن منهج ابن القطان في الرواة المختلف فيهم أنه \"يُحسّن أحاديثهم، لكن بالنسبة لمجهولي الحال والمساتير، فقد سبقت الإشارة إلى اضطراب رأي ابن القطان في هذا الباب، فتارة يُحسّن أحاديثهم وتارة يُضعفها\". محمد بوعيّاد، تحسين الحديث النبوي الشريف، ١٤٩.\nوذكر الدكتور الدريس -من تأمله لتعريف ابن القطان- أن الحسن عنده على قسمين:\n١ - حسن يحتج به، وهو ما يرويه الراوي المختلف فيه.\n٢ - حسن لا يحتج به، وهو ما يرويه المستور والمجهول.\nوتوصّل إلى استنتاج مهم وهو: أن ابن القطان يحرص بشدة على تمييز الحسن من الصحيح ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٢/ ٩٤٦، ٢/ ٩٧٤ - ٩٧٥. بتصرّف يسير.","vol":"1","page":151},{"text":"تعريف ابن دحية (١) (٦٣٣ هـ):\nقال ابن دحية ﵀: \"الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعفٌ قريبٌ محتملٌ، عن راوٍ لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق\" (٢).\n_________\n(١) الحافظ عمر بن الحسن بن علي بن محمد الأندلسي، أَبُو الخَطَّاب، ابن دحية الكلبي، وكان بصيرا بالحديث معتنيا به، وكان مع معرفته وحفظه مجازفا في النقل، ويستعمل حدثنا في الإجازة، ومن تصانيفه الكثيرة: (العلم المشهور في فضائل الايام والشهور)، و(نهاية السؤل في خصائص الرسول - ﷺ -). يُنظر: السيوطي، طبقات الحفاظ، ٥٠١، الزِرِكْلي، الأعلام، ٥/ ٤٤، كحالة، المؤلفين، ٢/ ٥٥٦.\n(٢) ابن دحية الكلبي، أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب، ١٣٣، وذكره ابن حجر في النكت، وذكره الزركشي في نكته على ابن الصلاح - دون عبارة \" إلى درجة العدالة، ولا ينحط \"- وعزاه لكتاب العلم المشهور لابن دحية.\nوقد ماثل تعريفه تعريف ابن الجوزي غير أنه أضاف إليه تحديد حال الراوي، وقد جوّد تعريفه ابن حجر فقال: \"وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي - والله أعلم.\" المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣١٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.","vol":"1","page":152},{"text":"تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nقال ابن الصلاح ﵀: \" الحديث الحسن قسمان:\nأحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.\nالقسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين (١) بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا (٢)، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا.\nوعلى القسم الثاني يتنزل كلام الخطابي.\" (٣)\n\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nلقد قسّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين، وإن لم يميّز كل قسم باسم خاص، لكنه اشترط في أحدهما مجيئه من طرق أخرى، ولم يشترط في الآخر ذلك. (٤)\n_________\n(١) وقال السليماني عن اشتراط الشهرة في رواة الحديث الحسن \"ليس ذلك شرطًا في راوي الحديث الصحيح فضلًا عن راوي الحديث الحسن ... \". السليماني، الجواهر، ٨٢.\nولعل مراد ابن الصلاح بالشهرة: ما يدل على مزيد ضبط راوي هذا القسم من الحسن-والذي يُطلق عليه ابن حجر الحسن لذاته مقارنة بالقسم الآخر من الحسن، وهو الحسن لغيره- كما جاء معنا في الفصل السابق، في قيد الشهرة بالطلب في بيان المراد باشتراط بعضهم الشهرة بالطلب في رواة الصحيح، وتوجيه ذلك بزياة ضبط المرويات والعناية بها.\n(٢) بما أن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو على نوعين: أحدهما مخالفة الراوي _ويدخل في ذلك الثقة والضعيف- لمن هو أولى منه، والآخر: تفرد الضعيف، فيكون قوله: \"يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا\" احتراز من الضعيف الذي تفرده يكون منكرًا.\nواشتراط ابن الصلاح -بعد ذلك- السلامة من الشذوذ والنكارة هو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، وهو الناتج عن المخالفة. ينظر: السليماني، المرجع السابق، بتصرّف.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١ - ٣٢.\n(٤) يقول الدكتور خالد الدريس: \"أول من قسّم الحسن إلى قسمين الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٤٣.\nوابن القطان -وهو معاصر لابن الصلاح ومات قبله- قد قسّم الحسن إلى ثلاثة أقسام، الأول: رواية المختلف فيهم، والثاني: رواية المستور، والثالث: رواية مجهول الحال. ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ١٣ - ٢٠.","vol":"1","page":153},{"text":"ودارت أغلب تعريفات من جاء بعده حول اختصار أو تعقّب أو دمج ما جاء في تعريفه،\nفممن اختصر تعريفه النووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) إلا أنه تعقّب ابن الصلاح في إيراده تعريف الترمذي للحسن، واستنكر وجوده في كتب الترمذي، ولعل ذلك سهوٌ منه ﵀ (٢).\nوقد أشار ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣) -وتبعه في ذلك تلميذه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤) - إلى الاضطراب الحاصل في تحرير معنى الحديث الحسن، مما دعا الذهبي -أثناء مناقشته للتعريفات- إلى أن يصوغ ثلاثة تعريفات (٥) ذكرها مبثوثةً أثناء مناقشاته\nلتعريفات من سبقه، كان أولها أنه قال: \"الحسن ما ارتقى عن درجة الضعيف، ولم يبلغ\n_________\n(١) النووي، التقريب، ٢٩.\n(٢) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٣٦ - ٣٧، وقد ردّ العراقي على ابن كثير هذا الإنكار، فقال: \"وهذا الانكار عجيب، فإنه في آخر العلل التي في آخر الجامع ... \" ينظر: العراقي، التقييد والإيضاح، ٤٥، وكذلك تعليق أحمد شاكر في هامش الباعث الحثيث، ٣٨ - ٣٩.\n(٣) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٧. واستشكل ﵀ وضع حدّ يميّز الحسن عن الصحيح، وفي ذات الوقت يجعله مما يُحتجّ به، فإن الاحتجاج يُدرج الحسن ضمن الصحيح، بحيث يكون الصحيح له مراتب أدناها يُسمّى بالحسن.\n(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٢٦ - ٢٨.\n(٥) لعل ذكره لثلاثة من التعاريف لمصطلح الحسن يوضحه ما ذكره بعد ذلك بقوله: \"ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه!\nوهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق. الذهبي، الموقظة، ٢٨ - ٢٩.","vol":"1","page":154},{"text":"درجة الصحة.\" (١) ثم أتبعه بقوله: \"وإن شئت قلت: \"الحسن ما سلم من ضعف الرواة\" (٢)، ثم عاد وقال: \"إن الحسن ما قصر سنده قليلا عن رتبة الصحيح.\" (٣)، وقريب منه اختيار ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث اقتصر في كتابه التذكرة- بقوله: \"والحسن: ما كان إسناده دون الأول (٤) في الحفظ والإتقان\" (٥)، فهو يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح، ويؤكد هذا الاختيار، اختصاره لتعريف ابن الصلاح في كتابه المقنع، وتعقّبه له في القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي فقال: \"في هذا نظر، لأن الأصح أن رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته مردودة، فكيف يجعل ما يرويه من قسم الحسن، ويُنزّل عليه كلام الترمذي، وليس في كلامه ما يدل عليه، لكون الاحتجاج لم يقع به وحده\" (٦).\nويُعدّ من أبرز تعريفات الحسن، والتي جمعت بين قسميه:\nتعريف ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) حيث قال -في كتابه المنهل-: \"ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة\n_________\n(١) الذهبي، المرجع السابق، ٢٦.\n(٢) المرجع السابق، ٢٧. وأتبعه بقوله: \"فهو حينئذ داخل في قسم الصحيح. وحينئذ يكون الصحيح مراتب كما قدمناه، والحسن ذا رتبة دون تلك المراتب، فجاء الحسن مثلا في آخر مراتب الصحيح.\"\n(٣) المرجع السابق، ٢٨. وكانه يرجّحه إذ أتبعه بقوله \" وسيظهر لك بأمثلة\"، وسيأتي ذكرها ضمن أمثلة رواة الحسن.\n(٤) أي: دون الصحيح.\n(٥) هو بذلك يشير إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن، حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن حيث قال: \" الصحيح ما سلم من الطعن في إسناده ومتنه\" ثم أردفه بتعريف الحسن، وأتبعه بقوله \" ويعمّه والذي قبله -أي: الصحيح- اسم الخبر القوي\". ينظر: ابن الملقن، التذكرة، ١٤.\n(٦) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥. فابن الملقن يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح - وهو الذي أطلق عليه تلميذه ابن حجر مسمّى الحسن لذاته- ويدل لذلك اقتصاره على قسم واحد في اختياره في التذكرة، ويُضاف إلى ذلك ما ذكره من أمثلة في كتابه المقنع، حيث استدل بأمثلة من تحسين البخاري، وأوجد للمثال الثاني شواهد وقال: أنه يصبح صحيحا بذلك، وسيأتي ذكر هذه الأمثلة أثناء تحرير التعريفات. ينظر: المرجع السابق، ١/ ٨٦ - ٨٧.","vol":"1","page":155},{"text":"الإتقان\" (١)، ثم اختصره بقوله: \" ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن\" (٢)، وقريب منه -نوعًا ما- تعريف الطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في -كتابه الخلاصة- حيث قال: \"مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة\" (٣).\nثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) وسمّى أحدهما بالحسن لذاته، والآخر الحسن لغيره، فبعد أن عرّف الحديث الصحيح لذاته بقوله: \"خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، متصل السند،\nغير معلل ولا شاذ: هو الصحيح لذاته\" أردفه ببيان ما يفارق فيه الصحيح الحسن فقال: \"فإن خف الضبط: فالحسن لذاته\" (٤).\nويظهر كامل التعريف في جوابه لمن سأله حدّ الحديث الحسن، فقال: \"إن كان المراد بالسؤال عن الحديث الذي يوصف بالحسن لذاته، فله حد على طريق التعريف الذي يقتنع\n_________\n(١) ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٦.\n(٢) ابن جماعة، المرجع السابق، ٣٦. وقد تعقّب ابن حجر تعريف ابن جماعة للحسن من أربعة أوجه: أولها: اشتراطه الاتصال في شقي الحسن كليهما، وأوضح أن ذلك إنما يكون شرطًا في الحسن لذاته، والذي هو من رواية الصدوق، والثاني: اقتصاره في الحسن لغيره على رواية المستور دون سواه من الضعفاء كسيِّئ الحفظ وغيره، والثالث: اشتراطه نفي العلة في قسمي الحسن، وأن ذلك لا يصلح بالنسبة للحسن لغيره على المعنى العام الشامل للعلة-سيأتي مزيد إيضاح لهذا التعقّب وتوجيهه والرد عليه في أثناء تحرير قيد نفي العلة في الحديث الحسن. الوجه الرابع: عدم انضباط قيد القصور في الراوي المشهور بضابط. يُنظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٣) الطيبي، الخلاصة، ٤٥. وقوله: \"ورُوي كلاهما من غير وجه\" يفيد اشتراطه قيد المتابعة أو الشاهد للحديث الحسن بشقّيه المذكورين في تعريفه- بل نجده لم يميّز بينهما فجمعهما في سياق واحد حيث قال: \"شرائط الصحيح معتبرة في حدّ الحسن لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملًا، وليس ذلك بشرط في الحسن، ومن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به\" كلمة (مشهود (بالدال من الشهادة، هكذا جاءت في تحقيقات طبعات كتاب الخلاصة للطيبي -سواء هذه الطبعة التي اعتمدتها؛ لقلة التصحيفات فيها مقارنة بينها وبين تحقيق الدكتور صبحي السامرائي- وأظنها تصحّفت من كلمة (مشهور) من الشهرة، كما جاء في تعريف ابن جماعة ومن سبقه ووصفهم الرواة بالشهرة، والله أعلم.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ٧٨. قال ابن حجر: \"ومحصله أنه هو والصحيح سواء، إلا في تفاوت الضبط، فراوي الصحيح يشترط أن يكون موصوفًا بالضبط الكامل، وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة، وإن كان ليس عريًا عن الضبط في الجملة، ليخرج عن كونه مغفلًا، وعن كونه كثير الخطأ، وما عدا ذلك من الأوصاف المشترطة في الصحيح، كالصدق والاتصال، وعدم كونه شاذًا، ولا معلولًا، فلا بد من اشتراط ذلك كله في النوعين\". السخاوي، الجواهر والدرر، ٢/ ٩١٣ - ٩١٤.","vol":"1","page":156},{"text":"به الفقهاء والمحدثون، وهو: الحديث المتصل السند برواة معروفين بالصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيح، ولا يكون الحديث معلولًا، ولا شاذًا\" (١).\nوأما ما يخص تعريف الحسن لغيره فقد قال: \"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختلط (٢) الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع\" (٣).\nوبهذا يكون ابن حجر قد أطلق على كل قسم من أقسام الحسن - التي سبقه إلى بيان قسميها ابن الصلاح- تسمية خاصة، فأطلق على أحدهما الحسن لذاته حين لم يحتج إلى المعاضدة، وأطلق على الآخر حين احتاج إليها الحسن لغيره.\nوقد ماثل تعريف الشُّمُني (٤) (ت ٨٧٢ هـ) للحديث الحسن تعريف ابن حجر إلا أنه زاد\n_________\n(١) السخاوي، المرجع السابق، ٢/ ٩١٣. ويوهم تعريفه أنه يشترط خفة الضبط في الراوي في جميع طبقات السند، \"والجواب: أن هذا ليس مرادًا للحافظ -﵀- وصنيعه أكبر شاهد على هذا، وإن كانت عبارته قد توهم ذلك، بل الحديث يكون حسنًا بمجرد وجود خفة الضبط ولو في طبقة واحدة.\nولو أن الحافظ -﵀- قال بعد تعريف الحديث الصحيح \"فإن خف الضبط في أحد رواته أو أكثر؛ فهو الحسن لذاته\" لكان بعيدًا عن الإيهام والاعتراض، والله اعلم.\" السليماني، الجواهر، ٨٧.\n(٢) المحتلطون على أقسام: منهم من خلط لاختلاطه وخرفه. ومنهم من خلط لذهاب بصره أو لغير ذلك، والمراد بالاختلاط: فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال; إما بخرف أو ضرر أو مرض أو عرض من موت ابن وسرقة مال; كالمسعودي، أو ذهاب كتب كابن لهيعة أو احتراقها كابن الملقن. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٩١، ابن حجر، النزهة، ١٢٩، السخاوي، فتح المغيث، ٣٣٦.\n(٣) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠.\n(٤) أحمد بن محمد بن محمد بن حسن بن علي الشُمُنَّي القُسَنْطيني الأصل، الإسكندري. أبو العباس، تقي الدين. مفسر، محدّث، فقيه، أصولي متكلم، من مصنفاته: \"شرح نظم نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر\"، و\"مزيل الخفا عن ألفاظ الشفا\" في السيرة. يُنظر: السخاوي، الضوء اللامع، ٢/ ١٧٤، الزركلي، الأعلام، ١/ ٢٣٠، كحالة، المؤلفين، ٢/ ١٤٩.","vol":"1","page":157},{"text":"عليه في - حال راوي الحسن لذاته- بقوله: \"وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكرًا\" (١).\nوقد جمع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بين قسمي الحسن فقال: \"وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ «٢) إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة\". (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nسرد ابن الصلاح في نوع الحديث الحسن تعريف الخطابي، واتبعه بتعريف الترمذي، ثم ذكر تعريف ابن الجوزي دون أن ينسبه، إلا أن ما ذكره من التعريفات لم يشفِ غليله كما ذكر، فتعقّب ذلك بعد إمعانه النظر، وقسّم الحديث الحسن إلى قسمين، وذكر لكل قسم منه قيود، وأنزل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي.\nوقد أطال﵀- في عبارات التعريف شرحًا وتفصيلًا، فتعقّبه من جاء بعده استدراكًا وجمعًا واختصارًا.\nفأما القسم الأول والذي نزّل عليه تعريف الترمذي، فقد قال فيه:\n_________\n(١) ذكره السيوطي فقال: \"وقال شيخنا الإمام تقي الدين الشمني: الحسن خبر متصل قل ضبط راويه العدل، وارتفع عن حال من يعد تفرده منكرا، وليس بشاذ ولا معلل.\" السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣.\nوهذا الوصف الذي زاده الشمني إنما أخذه من تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، ومن كان هذا حاله في قبول تفرده، عُلم أن قصوره ونزوله عن تمام الضبط إنما هو بشيء يسير، وأن خفة ضبطه أو قلته لا تؤثر في قبول روايته إلا في حال معارضة أو مخالفة من هو أولى منه.\n(٢) الكلمات بين المعقوفتين موجود في طبعة دون أخرى، طبعة: دار المنهاج، تحقيق: عبدالكريم الخضير، ومحمد آل فهيد، وقد ذكرا في حاشية التحقيق وجود الزيادة في مخطوطة دون أخرى.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٢٥.","vol":"1","page":158},{"text":"\" الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا\" (١)\nوبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها التعريف ما يلي:\n- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الستر للراوي، فلا يكون كثير الغفلة ولا متهمًا بالكذب.\n- وأن يروى هذا الحديث من غير وجه نحوه أو مثله، أو ما يُعرف بوجود الشاهد أو المتابع.\n- مع السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).\n- والسلامة من العلة.\nوأما القسم الثاني والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، فقد قال فيه: \"أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا، ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا\" (٢).\nوبتأمله فإن أبرز القيود التي يدور حولها ما يلي:\n- ألّا تقل مرتبة رواة إسناده عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والاتقان قصورًا لا يُنكر به تفرّد الراوي بالحديث إذا تفرّد به.\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.\n(٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":159},{"text":"- ويضاف إلى ذلك من القيود: السلامة من الشذوذ والنكارة (ومذهب ابن الصلاح اعتبارهما بمعنى واحد).\n- والسلامة من العلة.\nوقد اشترك كلا القسمين -الحسن لذاته ولغيره- في قيديّ السلامة من الشذوذ والنكارة، والسلامة من العلة، وانفرد كل منهما بوصف خاص براويه، فمن كان راويه مشهورًا بالصدق قاصرًا في حفظه وضبطه عن ضبط رواة الصحيح قصورًا يسيرًا، بحيث لا يُعدّ ما تفرّد به منكرًا، لم يحتج حديثه للمعاضدة، بينما من وصف بكونه مستورًا لم تتحق أهليته احتاج حديثه للمعاضدة.\nفالقيود التي يُحتاج إلى إيضاحها وتحريرها وبيان حدودها-بعد جمع المتفق عليه في القسمين كليهما -هي كالآتي:\nقيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة. (١)\nقيد الستر للراوي.\nقيد المتابعة والمعاضدة.\nقيد السلامة من الشذوذ والنكارة.\nقيد السلامة من العلة.\n_________\n(١) سبق في الفصل الأول تحرير قيد الشهرة بالطلب، وسأعيد جزءًا منه بشكل مختصر، لبيان المراد بشهرة الراوي في الحديث الحسن.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>القيد الأول: قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة </span>(١):\nسبق في قيد الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح بيان معنى الشهرة في اللغة، وأنها تأتي بمعنى الوضوح والبيان والانتشار والذيوع. (٢)\nوفي الاصطلاح فإن شهرة الراوي يراد بها: خروجه عن حد الجهالة، (٣) سواء باشتهار شخصه فيخرج عن جهالة العين، أو باشتهار حاله فيخرج عن جهالة الحال.\nوالشهرة درجات، وأعلى درجاتها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ (٤) شهرة تغنيه عن تزكية المعدّلين، فقد عقد الخطيب بابًا في كتابه الكفاية في أن المحدث المشهور\nبالعدالة والثقة والأمانة لا يحتاج إلى تزكية المعدل، ومثّل لهم بعدد من الأئمة والحفاظ كالإمام مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، فهؤلاء كما قال: \"لا يُسأَل عن عدالتهم، وإنما يُسأَل عن عدالة من كان في عداد المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين\". (٥)\n_________\n(١) ملاحظة: سبق في الفصل الأول تحرير قيد الشهرة بالطلب، وبيان المراد به.\n(٢) ينظر: الرازي، المختار، ١٧٠، ابن منظور، اللسان، ٤/ ٤٣٢. الفيروزآبادي، القاموس، ٤٢١. مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٨.\n(٣) وقد سبق في تحرير قيد الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح، بيان أن إطلاق وصف الشهرة على الراوي دون تقييد بالعدالة ونحوها إنما يُراد به دفع جهالة العين دون جهالة الحال.\n(٤) ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالإمامة والحفظ:\n١ - أبو زرعة الرازي. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٨٣ (٣٥٦٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٧٣ (٤٣١٦).\n٢ - القاسم بن سلاّم الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٢٨ (٤٥١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٥٠ (٥٤٦٢)\n٣ - يحيى بن معين. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٦ (٦٢٥٠)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٧ (٧٦٥١).\n(٥) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٧.","vol":"1","page":161},{"text":"ثم يأتي بعد ذلك الشهرة بطلب الحديث والعناية به وإتقانه (١)، والتي تدل على تمام ضبط الراوي لمروياته، وقد سبق معنا- في تحرير قيد الشهرة بالطلب- حث الخطيب البغدادي طلاب العلم أن يتخيّروا من الشيوخ من اشتهر بطلب الحديث والعناية به، والمشار إليه بالإتقان والمعرفة (٢). بل إن هذه الشهرة ذكرها ابن حجر من ضمن شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ، بحيث يكون مشهورًا بطلب الحديث والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. (٣)\nثم هناك شهرة أدنى مرتبة منهما وهي: الشهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، (٤) فهذه هي درجة الشهرة المطلوبة في راوي الحديث الحسن، قال الطيّبي -مبيّنًا مراد الخطابي بقوله -في الحسن-: (واشتهر رجاله) -: \" وأما قول الخطابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه،\n_________\n(١) هي شهرة زائدة عن مطلق الشهرة عمومًا، وكذلك عن مُطلق الشهرة بحمل العلم والعناية به دون تقيدها بالضبط والإتقان، وهو مذهب ابن عبدالبر، وفيه اتساع، وقد سبق بيان ذلك في مبحث شهرة الراوي بالطلب.\n(٢) ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ١/ ١٢٦.\n(٣) ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٢٦٨. ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالحفظ والإتقان:\n١ - عامر بن شراحيل الشعبي ابن حجر، التقريب، ٢٨٧ (٣٠٩٢).\n٢ - عباس بن الفضل الهروي المرجع السابق، ٢٩٤ (٣١٨٤).\n٣ - عبيدالله بن مقسم المدني. المرجع السابق، ٣٧٤ (٤٣٤٤).\n(٤) ومن أمثلة هؤلاء الرواة المشهورين بالصدق والأمانة:\n١ - عبدالملك بن حبيب الأندلسي ابن حجر، المرجع السابق، ٣٦٢ (٤١٧٤).\n٢ - معروف بن مُشكان المكي المرجع السابق، ٥٤٠ (٦٧٩٥).\n٣ - يحيى بن أكثم التميمي. المرجع السابق، ٥٨٨ (٧٥٠٧).\n٤ - عبدالله بن الحكم القطواني. الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٤٦ (٢٦٩٠).","vol":"1","page":162},{"text":"وحيث كان مطلقا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح\". (١)\nوكذلك نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر في شرحه لقيد (واشتهر رجاله) أن مراد الخطابي بالشهرة في الحديث الحسن اشتهار رواته \"بالصفات المتوسطة بين صفات الصحيح والضعيف، فلا يشترط أن يبلغوا الاتقان المشروط في رواة الصحيح، بل يكون إتقانهم دون ذلك، ولا ينزلون في خفة الضبط إلى القدر الموصل إلى الضعيف\" (٢).\nفهذه الدرجة من الشهرة، وهي الشهرة بصفات متوسطة بين الصحة والضعف هي المطلوبة في راوي الحديث الحسن (٣).\nثم تتدنى مراتب الشهرة إلى أن تصل لأدنى درجاتها وهي وصف الراوي بالشهرة مُطلقًا دون قيد، فيوصف بلفظ (مشهور) \"وهي مفردة دالة بأصل استعمالها على دفع جهالة العين، لكنها لا تفيد التعديل الذي يثبت معه حديث الراوي، وإنما تنفع في تقوية أمره بقدرٍ ما، إذا سَلِم الراوي من قادح\" (٤)، وهذه شهرة نسبيّة حيث عُرِفت عين الراوي، وجُهِلت عدالته، وهو ما يطلق عليه لفظ (مجهول الحال) أو (المستور)، فأدنى درجات الشهرة\n_________\n(١) وذلك بعد قوله: \"وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة.\" الطيبي، الخلاصة، ٤١.\n(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١ - ٢٢٢. ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦.\n(٣) سيأتي معنا في تحرير قيد الستر للراوي، وصف الرواة المتوسطون في الحفظ والإتقان بلفظ الستر، وهذا نوع تداخل بين الشهرة بالصدق وإطلاق اسم الستر على الراوي، يأتي بيانه وتوضيحه في الصفحات القادمة بإذن الله.\n(٤) الجديع، التحرير، ١/ ٢٥٠. فهناك من الرواة من يُشتهر بالكذب والوضع، ومنهم: أحمد بن محمد بن حرب أبو الحسن الملحمي. قال ابن عدي: \"هذا هو مشهور بالكذب ووضع الحديث\". ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ١/ ٣٣٢ (٤٦).\nوعمر بن محمد، أبو حفص التَّلعُكبري الخطيب، \"مشهور بوضع الحديث\". الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ١٣/ ٩٧ (٥٩٤٤).","vol":"1","page":163},{"text":"تتداخل مع درجة الستر للراوي، وتحتاج إلى مزيد من الإيضاح يأتي معنا في تحرير قيد الستر للراوي.\nوبالنظر في تعريف أحد قسمي الحديث الحسن عند ابن الصلاح - والذي نزّل عليه تعريف الخطابي، وأطلق عليه ابن حجر الحسن لذاته- نجده وصف الرواة بكونهم من المشهورين بالصدق، وبالبحث عن أمثلة لأحاديث حسنها الخطابي في كتابه معالم السنن -الذي ذكر فيه هذا التعريف- وجدته أطلق وصف الحسن على حديثين، أما الحديث الأول: وهو قول النبي - ﷺ -: «وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ،\nوَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، ...» (١) ورواته سلسلة من الحفاظ المتقنين وهم ذاتهم من أخرج الإمام مسلم هذا الحديث من طريقهم، وتحسين الخطابي له دلالة على أنه أطلق وصف الحسن على حديث الحفاظ المتقنين الذين هم شرط الصحيح، وهم أعلى وأتمّ ضبطًا من الرواة المشهورين بالصدق.\nوالحديث الثاني الذي حسنه الخطابي وهو حديث: «لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ، ...» (٢) وهو\n_________\n(١) قال أبو داود في سننه: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن قتادة، سمع أبا أيوب، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «وقت الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس»، كتاب الصلاة، باب في المواقيت (١/ ١٠٩) ح (٣٩٦). وأخرجه مسلم -بنفس الإسناد مع اختلاف يسير في بعض ألفاظ الحديث- في صحيحه كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس. ١/ ٤٢٧ ح (٦١٢)\n(٢) قال أبو داود في سننه: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام، ح وحدثنا ابن الصباح، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، قالا: حدثنا مطر الوراق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: «لا طلاق إلا فيما تملك، ولا عتق إلا فيما تملك، ولا بيع إلا فيما تملك»، زاد ابن الصباح، «ولا وفاء نذر إلا فيما تملك»، كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح ٢/ ٢٥٨ ح (٢١٩٠)، والترمذي في سننه كتاب الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح ٣/ ٤٧٢ ح (١١٨١) وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وابن ماجة في سننه كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح ١/ ٦٦٠ ح (٢٠٤٧).","vol":"1","page":164},{"text":"من رواية عمرو بن شعيب (١)، عن أبيه (٢)، عن جده (٣)، وقد وصفت روايته بأنها من أعلى مراتب الحسن (٤)، بل عدّ الحاكم روايته ومن مثله ضمن القسم الخامس من أقسام الصحيح المتفق عليه (٥).\n_________\n(١) عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، أبو إبراهيم ويقال أبو عبدالله. قال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن عمرو بن شعيب فقال ليس بقوي يكتب حديثه، ... وقال سئل أبو زرعة عن عمرو بن شعيب فقال: مكي كأنه ثقة في نفسه إنما تكلم فيه بسبب كتاب عنده\". قال ابن عدي: \" وعمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلا أنه إذا روى عن أبيه، عن جده على ما نسبه أحمد بن حنبل يكون ما يرويه، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - مرسلا لأن جده عنده هو محمد بن عبدالله بن عمرو محمد ليس له صحبة، وقد روى عن عمرو بن شعيب أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا أن أحاديثه، عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - اجتنبه الناس مع احتمالهم إياه ولم يدخلوه في صحاح ما خرجوه وقالوا هي صحيفة.\" قال الذهبي مُعقّبًا على ذلك في الميزان: \"هذا لا شيء، لأن شعيبا ثبت سماعه من عبدالله، وهو الذي رباه حتى قيل إن محمدا مات في حياة أبيه عبدالله، فكفل شعيبا جده عبدالله\"، وقال أيضًا: \"ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن\"، وقال ابن حجر في طبقات المدلسين: \" تابعي صغير مشهور مختلف فيه، والأكثر على أنه صدوق في نفسه وحديثه عن غير أبيه عن جده قوي\"، وقد ذكره في المرتبة الثانية من مراتب المدلسين، وهم من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته، وقلة تدليسه في جنب ما روى .. أو كان لا يدلس إلا عن ثقة. مات سنة ١١٨ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٦/ ٢٣٨ (١٣٢٣)، ابن عدي، الضعفاء، ٦/ ٢٠١ (١٢٨١)، الذهبي، ميزان الاعتدال ٣/ ٢٦٦ (٦٣٨٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٧٨ (٤١٧٣)، ابن حجر، المدلسين، ٣٥، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٤٩).\n(٢) شعيب بن محمد. قال الذهبي: صدوق. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٤/ ٣٥١ (١٥٣٩)، ابن حبان، الثقات، ٤/ ٣٥٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٨ (٢٢٩٤)، ابن حجر، التهذيب، ٤/ ٣٥٦ (٥٩٧). ابن حجر، التقريب، ٢٦٧ (٢٧٩٤).\n(٣) عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم من أبناء كعب بن لؤي القرشي السهمي، كنيته أبو محمد عند الأكثر. ويقال: أبو عبدالرحمن، صحابي جليل، أسلم قبل أبيه، كان حافظًا عالمًا عابدًا، ومن المكثرين من رواية الحديث، مات سنة ٦٥، وقيل: ٦٨، وقيل: ٦٩ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤٢١ (١٤٤٠)، ابن الأثير، أسد الغابة ٣/ ٣٤٥ (٣٠٩٢)، ابن حجر، الإصابة، ٦/ ٣٠٨ (٤٨٦٩).\n(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٣٢.\n(٥) ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٤٠.","vol":"1","page":165},{"text":"وفي هذا الإسناد -الذي حسنه الخطابي- الراوي: مَطَر الوراق (١)، وهو راوٍ مختلف فيه قال عنه الذهبي: \" مَطَر من رجال مسلم، حسن الحديث\" (٢) بالإضافة إلى أنه توبع في هذا الحديث بمن هو مثله أو أقوى منه، فيكون رواة الحديث الذي حسّنه\nالخطابي متفاوتين من حيث القوة في مراتب رواة الحسن بين أعلاها - والذي يجعلها بعضهم ضمن الصحيح- وأدنى منها مما يحتاج للمعاضدة والمتابعة؛ ليَحسُن حديثه. (٣)\nونجد كذلك ابن الملقن يستدل في نوع الحسن بمثالين من تحسين البخاري، فقال:\n\"قلت: قد حسّن البخاري حديث أسامة بن زيد (٤) عن نافع (٥) عن ابن عمر (٦) عن النبي - ﷺ - أنه قال في السواك: «ناوله أكبر القوم» (٧) قال الترمذي: \"سألت محمدا عن هذا\n_________\n(١) مطر بن طهمان الوراق الخراساني، أبو رجاء السلمي مولاهم، ضعفوه في روايته عن عطاء، قال ابن حجر: \"صدوق كثير الخطأ\" روى له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات، مات سنة: ١٢٥ هـ، وقيل: ١٢٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٦٨ (٥٤٧١)، ابن حجر، التهذيب، ١٠/ ١٦٧ (٣١٦)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٤ (٦٦٩٩).\n(٢) الذهبي، الميزان، ٤/ ١٢٦ (٨٥٨٧).\n(٣) \"الذي أميل إليه أن تعريف الخطابي للحسن لا يُحمل على الحسن لذاته فقط بل هو أعم من ذلك نظرًا لربطه ذلك بما في كتاب أبي داود، والتحقيق الذي قام به غير واحد من كبار العلماء المحققين يؤكد أن في أحاديث سنن أبي داود الضعيف المعتضد بغيره، وظاهر كلام الخطابي أن الحديث غير شديد الضعف سكت عنه أبو داود فوصف الحسن داخل فيه\". الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٦١ - ١٦٦٢.\n(٤) أسامة بن زيد الليثي مات سنة ١٥٣ هـ. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٧٨ (٢١٢)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٣٢ (٢٦٣)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٢٠٩، ابن حجر، التقريب، ٩٨ (٣١٧).\n(٥) نافع أبو عبدالله المدني، الفقيه، مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب، قال عنه الذهبي: من أئمة التابعين وأعلامهم، وقال ابن حجر: ثقة ثبت فقيه مشهور، مات سنة ١١٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣١٥ (٥٧٩١)، ابن حجر، التقريب، ٥٥٩ (٧٠٨٦)\n(٦) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبدالرحمن المكي المدني، صحابي جليل، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحُلُم، من المكثرين من رواية الحديث، مات سنة: ٧٣ أو ٧٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤١٩ (١٤٣٥)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٣/ ٣٣٦ (٣٠٨٢)، ابن حجر، الإصابة، ٦/ ٢٩٠ (٤٨٥٦).\n(٧) علّقه البخاري في صحيحه كتاب الوضوء، باب دفع السواك إلى الأكبر، ثم عقّب بقوله: \"اختصره نعيم، عن ابن المبارك، عن أسامة، عن نافع، عن ابن عمر ١/ ٥٨ (٢٤٦)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الطهارة، باب دفع السواك إلى الأكبر ١/ ٦٥ ح (١٧٢) وقال: استشهد البخاري بهذه الرواية.\nقال ابن حجر: \"قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري بلا رواية، قلت: وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن عفان وكذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي من طريقه.\" ابن حجر، الفتح، ١/ ٣٥٦، وقد وصله ابن حجر في تغليق التعليق، ينظر: ابن حجر، تغليق التعليق، ٢/ ١٥٠.","vol":"1","page":166},{"text":"الحديث؟ فقال: \"حديث حسن\" انتهى. وأسامة مختلف فيه، وهو من رجال مسلم. وحسّن أيضا حديث موسى بن عقبة عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس رفعه:\n«إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء» (١) الحديث، قال الترمذي: \"سألت محمدا عنه؟ فقال: حديث حسن، وموسى سمع من صالح قديما\" (٢) انتهى.\nثم عقّب ابن الملقن بقوله: \"وله شاهد نحوه من حديث المسيء صلاته، فلهذا صار حسنا، بل ينبغي أن يكون صحيحا.\" (٣)\nويدل استدلال ابن الملقن بهذين المثالين، وإتباعه أحدهما بالشواهد التي بمجموعها-عنده- ارتقى الحديث للصحة، ثم اقتصاره في كتابه التذكرة على ذكر قسم واحد للحسن- وهو الذي أطلق عليه تلميذه مسمّى الحسن لذاته، - أن ابن الملقن يُرجّح إطلاق الحسن على القسم الذي يلي الصحيح في القوة والمرتبة.\nومن الأمثلة أيضًا على الرواة الذين وصفت أحاديثهم بالحسن ما يلي:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه كتاب الطهارة، باب في تخليل الأصابع، ١/ ٩٥ ح (٣٩) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب تخليل الأصابع، ١/ ١٥٣ ح (٤٤٧).\n(٢) الترمذي، العلل الكبير، ٣٤ (٢١).\n(٣) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٨٥ - ٨٧.","vol":"1","page":167},{"text":"- محمد بن عمرو بن علقمة (١)، قال عنه ابن الصلاح: \"من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن\" (٢)\nومنهم من جعل رواة الحديث الحسن على مراتب وهو الذهبي حيث قال: \"أعلى مراتب الحسن:\n- بَهز بن حكيم (٣)، عن أبيه (٤)، عن جده (٥).\n- وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\n_________\n(١) محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبدالله، وقيل: أبو الحسن المدني، أخرج له البخاري مقرونًا بغيره، ومسلم في المتابعات، قال ابن معين: ثقة. وسُئِل مرة عنه فقال: مازال الناس يتقون حديثه، قيل له: وما علّة ذلك؟ قال: كان يُحدِّث مرّة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يُحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قال النسائي: ليس به بأس، وقال مرة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يُكتب حديثه، وهو شيخ. وقال يحيى القطان: محمد بن عمرو رجل صالح ليس بأحفظ الناس للحديث. قال ابن عدي: له حديث صالح. ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ. قال ابن حجر: صدوق له أوهام. توفي سنة: ١٤٤ هـ، وقيل: ١٤٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨/ ٣٠ (١٣٨)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٣٧٧، ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ٧/ ٤٥٥ (١٦٩٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٠٧ (٥٠٨٧)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٣٧٥ (٦١٧)، ابن حجر، التقريب، ٤٩٩ (٦١٨٨).\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥.\n(٣) بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، أبو عبدالملك، وثقه ابن معين وعلي بن المديني، واحتج به أحمد وإسحاق بن إبراهيم، وحسّن حديثه الترمذي-في سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء في بر الوالدين، ٤/ ٣٠٩ ح ١٨٩٧ - وقال: \" وهذا حديث حسن وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، وسفيان الثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة\"، وقال ابن حبان: \"كان يخطئ كثيرا\" قال ابن عدي: \" \"ولم أر له حديثا منكرا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه\". وروى له البخاري في الصحيح تعليقًا. قال الدارقطني: \"أخرج البخاري عن بقية بن الوليد وعن بَهز بن حكيم اعتبارا؛ لأن بقية يحدث عن الضعفاء، وبهز متوسط.\" مات قبل ١٥٠ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٤٣٠ (١٧١٤)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٩٤، ابن عدي، الكامل في الضعفاء، ٢/ ٢٥٤ (٢٩٩)، السلمي، سؤالات السلمي للدارقطني، ١٣٥ (٨٠)، الذهبي، السِّير، ٦/ ٢٥٣ (١١٦)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٧٦ (٦٥١)، ابن حجر، التقريب، ١٢٨ (٧٧٢).\n(٤) حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، والد بهز بن حكيم. قال النسائي: ليس به بأس، ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في الثقات. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٨ (١٢٠٦)، ابن حجر، التهذيب، ٢/ ٤٥١ (٧٨٥)، ابن حجر، التقريب، ١٧٧ ح (١٤٧٨).\n(٥) معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري، صحابي جليل، وهو جد بهز بن حكيم بن معاوية من أهل البصرة، غزا خراسان ومات بها. ينظر: ابن الأثير، أسد الغابة، ٤/ ٤٣٢ (٤٩٧٥)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٧٥ (٥٥٢٠)، ابن حجر، الإصابة، ١٠/ ٢٢٥ (٨١٠٢).","vol":"1","page":168},{"text":"- ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة (١)، عن أبي هريرة (٢).\n- وابن إسحاق (٣)، عن محمد بن إبراهيم التيمي (٤). وأمثال ذلك.\nوهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن. فإن عدة من الحفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح.\" (٥)\n_________\n(١) أبو سلمة بن عبدالرحمن بن عوف. توفي سنة: ٩٤ هـ، وقيل: ١٠٤ هـ، وعمره: ٧٢ سنة. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٥/ ١، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤٣١ (٦٦٦١)، ابن حجر، التهذيب، ١٢/ ١١٥ (٥٣٧)، ابن حجر، التقريب، ٦٤٥ (٨١٤٢).\n(٢) أبو هريرة - ﵁ - عبدالرحمن بن صخر الدوسي اليماني صاحب رسول الله - ﷺ - وحافظ الصحابة، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا. أسلم في السنة السابعة من الهجرة. روى عن النبي - ﷺ - الكثير الطيب، قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال ابن حجر: الصحابي الجليل حافظ الصحابة. توفي سنة: ٥٧ هـ، وقيل: ٥٨ هـ، وقيل: ٥٩ هـ وله: ٧٨ سنة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٨٦٢ (٣١٨٢)، ابن الأثير، أسد الغابة، ٣/ ٤٥٧ (٣٣٣٤)، ٦/ ٣١٣ (٦٣٢٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ١٦٣ (٥١٣٢)، ٧/ ١٩٩ - ٢٠٧ (١١٧٩)، ابن حجر، التهذيب، ١٢/ ٢٦٢ (١٢١٦)، ابن حجر، التقريب، ٦٨٠ (٨٤٢٦).\n(٣) محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر ويقال أبو عبد الله المطَّلبي مولاهم، المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، قال الذهبي: \"كان صدوقا من بحور العلم وله غرائب في سعة ما روى تستنكر واختلف في الاحتجاج به وحديثه حسن وقد صححه جماعة\". قال ابن حجر: \"صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر\"، وذكره ضمن الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين، وهم: \"من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع؛ لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل\". مات سنة ١٥٠ هـ ويقال بعدها. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٧/ ٣٨٠، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٦ (٤٧١٨)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٣٨، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧٢٥)، ابن حجر، طبقات المدلسين، ٥١.\n(٤) محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أبو عبدالله المدني كان جده الحارث من المهاجرين الأولين، أخرج له البخاري ومسلم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وابن خراش: ثقة. وزاد ابن سعد: كثير الحديث. قال أحمد بن حنبل: \"في حديثه شيء يروي أحاديث مناكير أو منكرة\". قال ابن عدي: \" هو عندي لا بأس به، ولاَ أعلم له شيئا منكرا إذا حدث عنه ثقة\" توفي سنة ١١٩ هـ، وقيل: ١٢٠ هـ، وقيل: ١٢١ هـ. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ٣٠٣ (١٦٣٣)، الذهبي، السير، ٥/ ٢٩٥ (١٤٠)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٣ (٤٦٩٥)، ابن حجر، التهذيب، ٩/ ٥، ابن حجر، التقريب، ٤٦٥ (٥٦٩١).\n(٥) الذهبي، الموقظة، ٣٢ - ٣٣. وبعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، أتبعهم بقوله: \"ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة، وخصيف، ودراج أبي السمح، وخلق سواهم\". الذهبي، المرجع السابق، ٣٣. وسيأتي بيان ذلك في قيد الستر للراوي.","vol":"1","page":169},{"text":"ويشهد لذلك حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي - الذي ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري (١) - وذكر تخريج أصحاب السنن له وتصحيح الترمذي وابن خزيمة والحاكم وقول الدارقطني: إسناده حسن متصل، وقول البيهقي: إسناده حسن\nصحيح، ثم قال: \"هذه الزيادة تفرد بها ابن إسحاق، لكن ما ينفرد به وإن لم يبلغ درجة الصحيح، فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن، ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا، وهذه طريقة ابن حبان ومن ذكر معه\". (٢)\nبل إن الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل قد صرّح بذكر بعض من هؤلاء الرواة ضمن رواة الصحيح، أو من مراتب رواة الصحيح، حيث قال:\n\"القسم الخامس: من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم يتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني (٣) عن أبيه (٤) عن جده (٥)، وجد بهز بن حكيم معاوية بن حيدة القشيري، وجد عمرو بن\n_________\n(١) حيث قال: \"وهو ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبدالله بن زيد عنه بلفظ \"فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا\" ...، وقال الدارقطني إسناده حسن متصل وقال البيهقي إسناده حسن صحيح\". ابن حجر، فتح الباري، ١١/ ١٦٣.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق ١١/ ١٦٣.\n(٣) إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو واثلة البصري، القاضي المشهور بالذكاء، ولجدّه صحبة، وقال الذهبي: علّامة، وقال في السير: \" وكان يضرب به المثل في الذكاء، والدهاء، والسؤدد، والعقل. قلَّما رُوِي عنه. وقد وثقه: ابن معين. له شيء في مقدمة صحيح مسلم\".وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١٢٢ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٢٨٢ (١٠١٨)، ابن حبان، الثقات، ٦/ ٦٤، الذهبي، السير، ٥/ ١٥٥ (٥٦)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٥٩ (٥٠٢)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٣٩٠ (٧٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١١٧ (٥٩٠).\n(٤) معاوية بن قُرَّة. مات سنة ١١٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٨/ ٣٧٨ (١٧٣٤)، ابن حبان، الثقات، ٥/ ٤١٢، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٧٧ (٥٥٣٣)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٨ (٦٧٥٩).\n(٥) قُرَّة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني، أبو معاوية البصري، ويُقال له: قرة بن الأغر، صحابي جليل، وهو جد إياس بن معاوية بن قرة المزنى القاضى. مات سنة ٦٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٦١٧ (٢١٣٨)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٤/ ٣٨١ (٤٢٩٢)، ابن حجر، الإصابة، ٩/ ٥٣ (٧١٣٤).","vol":"1","page":170},{"text":"شعيب عبدالله بن عمرو بن العاص السهمي، وجد إياس ابن معاوية قرة بن عبدالله (١) المزني.\nثم قال: جماعتهم صحابيون وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء.\" (٢)\nوقد نبّه ابن الصلاح إلى صنيع الحاكم ومن وافقه فقال: \"من أهل الحديث من لا يفرد نوع الحسن، ويجعله مندرجا في أنواع الصحيح، لاندراجه في أنواع ما يحتج به، وهو الظاهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ في تصرفاته، ... \" (٣) إلى أن قال: \" ثم إن من سمّى الحسن صحيحا لا ينكر أنه دون الصحيح المقدم المبين أولا، فهذا إذًا اختلاف في العبارة دون المعنى، والله أعلم.\" (٤)\nوصنيع الحاكم في ذكر هؤلاء الرواة ضمن مراتب الصحيح منسجم مع تصنيفه لكتابه\n\"معرفة علوم الحديث\" حين لم يذكر الحديث الحسن ضمن الأنواع الحديثية، على الرغم من كون الخطابي أحد شيوخه إلا أنه لم يقلده بذكر نوع الحديث الحسن ضمن أقسام الحديث، ولعله وجد أن تقسيم الحديث الصحيح إلى عشرة أقسام وبيان المتفق منها\n_________\n(١) هكذا في المطبوع (قرة بن عبدالله).\n(٢) الحاكم، المدخل إلى الإكليل، ٤٠. ثم أتبعه بقوله: \"فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة محتج بها، وإن لم يخرج في الصحيحين منها حديث لما بيناه في كل قسم منها.\" وقد تعقّب ابن حجر الحاكم فقال: \"وأما قوله: إنه ليس فيهما من روايات من روى عن أبيه عن جده مع تفرد الابن بذلك عن أبيه، فمنتقض برواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده، وبرواية عبدالله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما عن علي وغير ذلك. وفي ذلك ما تفرد به بعضهم وهو في الصحيحين أو أحدهما.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٠.\n(٤) ابن الصلاح، المرجع السابق، ٤٠.","vol":"1","page":171},{"text":"والمختلف فيها يتضمن أنواع الروايات المقبولة، ودرجتها من القَبول، وإن كانت أحكامه في المستدرك لا تخلو من وصف الحديث بالحسن أحيانًا. (١)\nنخلص مما سبق:\nأن الشهرة درجات أعلاها شهرة الراوي بالعدالة والإمامة والحفظ، وهذه الشهرة من أعلى درجات موثوقية الرواة، ولا يُحتاج معها إلى تزكية المعدلين، ثم تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، وإتقانه، وهي إحدى شروط استحقاق الراوي لقب الحافظ عند ابن حجر، ثم تليها شهرة بالصدق دون بلوغ الغاية في الضبط والإتقان، وهي درجة متوسطة في الإتقان والضبط بين رواة الصحيح ورواة الضعيف، وهي الشهرة الموصوف بها رواة الحديث الحسن لذاته، ثم تتدنى درجات الشهرة إلى أن تصل إلى وصف الراوي بالشهرة مطلقًا دون تقييد الشهرة بوصف، فيُرفع بها عن الراوي جهالة عينه، لكنها لا تفيد تعديله.\nويظهر من أمثلة الرواة والأحاديث التي وردت خلال هذا المبحث، أن رواة هذا القسم من الحسن، والذين وصفهم ابن الصلاح بالشهرة بالصدق والأمانة، وبقصورهم عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان، تتفاوت أحاديثهم في القوة بين الصحة والحُسن، إلا أنها في الأغلب تقصر عن الصحيح المتفق عليه، وذلك لقصور ضبط الرواة، أو لخفة ضبطهم كما وصفهم ابن حجر.\n_________\n(١) ذكر الدكتور خالد الدريس بعض الأمثلة في كتابه \"الحديث الحسن لذاته ولغيره\"، وذكر توجيهه لتحسين الحاكم لهذه الأحاديث منها: حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق تَلِيد بن سليمان، وقد حسنه الحاكم، وعلل سببن التحسين ندرة وقلة رواية الإمام أحمد عن تَلِيد، ومنها حديث \"اللهم اجعل أوسع رزقك عليّ عند كبر سني ... \" وقد حسّن الحاكم سنده، وفي السند عيسى بن ميمون، وعلل سبب التحسين: أن الحاكم احتمل ضعف هذا الراوي، فحسّن السند لذلك. ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٧٨٩ - ١٨٠٠.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>القيد الثاني: قيد الستر للراوي:</span>\nالمستور:\nلغة: اسم مفعول من (ستر)، أي أخفى وغطّى.\nورجل (مستور) و(ستير) أي: عفيف. (١)\nوقيل: \" (المستور) العفيف، ومن لا يُدرَى حاله\" (٢).\nوفي الاصطلاح (٣):\nالمستور عند ابن الصلاح: هو \"الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر\" (٤)\nوعند ابن حجر المستور هو مجهول الحال، وهو: \"من روى عنه اثنان فصاعدًا، ولم يُوثق\" (٥)، وهذا التعريف موافق لتعريف المستور عند ابن القطان، إلا أن المستور عنده\n_________\n(١) يُنظر: مادة (س ت ر) الرازي، المختار، ١٤٢. ابن منظور، اللسان، ٤/ ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(٢) المعجم الوسيط، ١/ ٤١٦.\n(٣) تتبّع الدكتور عبدالجواد حمام - في رسالته (جهالة الرواة - استعمال أئمة الحديث ونقادهم لوصف (مستور)، تتبّعًا تاريخيًا، وتوصّل إلى ما يلي:\n- مصطلح (مستور) مستعمل عند متقدّمي المحدثين والنقاد؛ كالإمام أحمد، ومسلم، والبزار، وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين، وغيرهم، كما أكثر منه الحفاظ المتأخرون خاصة في كتب التراجم.\n- جُلّ المواضع التي اُستعمل فيها هذا الوصف -عند المتقدمين- جاء في سياق التعديل والمدح، لكنه في الغالب وصف لمن لم يشتهر بالحديث والرواية، بأن كان متوسطًا في الضبط أو كان مُقلًّا.\n- مما يؤكد إرادة كثير منهم بوصف المستور أنه التعديل، إردافهم إياه بوصف صريح في التوثيق أو العدالة كقولهم: (مستور ثقة)، (مستور صالح).\n- لم يجد الباحث فيما استقرأه ربطهم وصف الراوي بالستر بتعدد الرواة عنه.\n- وجد الباحث في حالات قليلة وصف (مستور) على من لم يُعلم حاله، ولم تُعرف عدالته كما في استعمال البزار، أو من كان خفي الحال كما في بعض استعمالات أبي حاتم. ينظر: حمام، جهالة الرواة، ١/ ١٢٦ - ١٢٧ بتصرف.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١. والعدالة الظاهرة: ما يُعلم من ظاهر حاله، أو هي العلم بعدم الفسق، وأما الباطنة: فهي التي يُرجع فيها إلى أقوال المزكِّين، أوهي العلم بما في نفس الأمر. \"وليست العدالة الباطنة هي العدالة التي لا يعلمها إلا الله تعالى! إنما المراد بها حال الرجل الخاصة في بيته ومعاملته وسفره، وأما الظاهرة: فهي حاله الظاهرة، بأن تُرى عليه علائم التديُّن والاستقامة، دون أن يُعرف شيء عن حاله الخاصة.\" المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٨، القاري، شرح نخبة الفكر، ٥١٨، عوامة، دراسات الكاشف، ١/ ٩١.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١٢٦.","vol":"1","page":173},{"text":"غير مجهول الحال، فمجهول الحال عند ابن القطان من لم يروِ عنه غير راوٍ واحد، وهو ما يسميه ابن حجر مجهول العين. (١)\nقال الزركشي: \" المستور وهو غير المشتهر\" (٢)، وقد أشار الذهبي إلى أن من صفات المستور عدم اشتهاره بين نقاد الحديث بالعناية بعلم الحديث. (٣)\nوما سبق من تعريفات المستور تدور حول جهالة حاله أو جهالة عدالته الباطنة، إلا أن ابن الوزير (٤) حين عرّف المستور قال:\n\" المستور في عرف المحدثين من قصر عن المتواترة عدالتهم أو المشهور شهرة تقرب من التواتر، أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم\" (٥)، ونجده قد\n_________\n(١) يُنظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٠. ابن حجر، المرجع السابق، ١٢٥.\n(٢) الزركشي، النكت، ١/ ٣١٤.\n(٣) نقل السخاوي ذلك عنه في معرض الحديث عن العدل عند ابن عبدالبر، وتصويب الذهبي لمذهبه في تعديل من عُرف بالعناية بحمل العلم، حيث قال السخاوي: \"وكذا قال الذهبي: إنه حق، قال: ولا يدخل في ذلك المستور; فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم، فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروف بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تليينا، ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه، فهذا الذي عناه الحافظ، وأنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح.\" السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ١٦.\n(٤) محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن المفضل الحسني الصنعاني، أبو عبد الله، عز الدين. مجتهد، متكلم، باحث، ناظم. له كتب نفيسة، منها: (تنقيح الأنظار في علوم الآثار) و(الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم)، وغيرها. مات سنة ٨٤٠ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٥/ ٣٠٠. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٣٥ (١١٥٠٣).\n(٥) ذكر ذلك بعد قوله: \"فأما المستور فهو المظنون العدالة، ولو لم يكن كذلك، لم يتميز من المجهول لكنه غير مخبور بخبر يوجب سكون النفس الذي يسميه كثير من المحدثين علمًا\". ابن الوزير، تنقيح الأنظار، ٧٣.","vol":"1","page":174},{"text":"نسب هذا التعريف لعرف المحدثين (١)، ولعله استقى ذلك من وصف الإمام مسلم لطبقة من الرواة وصفهم بالستر- وذلك في مقدمة صحيحه- فقال:\n\"فإذا نحن تقصينا أخبار هذا الصنف من الناس (٢)، أتبعناها أخبارًا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان، كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر، والصدق، وتعاطي العلم يشملهم كعطاء ابن السائب (٣)، ويزيد بن أبي زياد (٤)، وليث بن أبي سُليم (٥)، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار، فهم وإن كانوا بما وصفنا من\nالعلم، والستر عند أهل العلم معروفين،\n_________\n(١) اعترض الصنعاني على هذا التعريف واستشكله، فقال: \"فعلى كلامه لا بد أن تكون عدالته أمرًا بين الأمرين، وهذا غير كلام ابن الصلاح ومن تبعه ومن تقدمه في تفسير المستور، وتقدم أن الحافظ ابن حجر قال: \"إن المستور من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق\". فلا أدري من أين جاء هذا التفسير الذي أتى به المصنف للمستور، وزعم أنه اصطلاح المحدثين؟ ! ثم هذه الرتبة التي ذكرها رتبة مجهولة.\nفهذا كلامه في عدالة المستور - أي من حيث العدالة، - وأما من حيث حفظه، فقال \"أو من قصر عن الحفاظ في مرتبة الإتقان والضبط العظيم\" يريد: أن المستور إما مستور العدالة: فهو الذي فسره قريبًا، أو مستور الحفظ: وهو الذي لا يبلغ رتبة الإتقان والضبط، وهو الذي خف ضبطه المذكور في تعريف الحسن لذاته.\nقلت: ولا خفاء أن هذا خلط لشرائط الحسن لذاته والحسن لغيره\" الصنعاني، توضيح الأفكار، ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.\n(٢) يعني بهم أهل الحفظ والإتقان، وقد سبق ذكر وصفهم في فصل الحديث الصحيح ضمن تعريف الإمام مسلم له.\n(٣) عطاء بن السائب مات سنة ١٣٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٢ (٣٧٩٨)، ابن حجر، اللسان، ٩/ ٣٧١ (١٨٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٣٩١ (٤٥٩٢).\n(٤) يزيد بن أبى زياد القرشي الهاشمي، مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات، قال الذهبي في السيّر: \"كان من أوعية العلم، وليس هو بالمتقن؛ فلذا لم يحتج به الشيخان\" وقال: \"شيعيٌّ عالم فَهِمٌ صدوق ردئ الحفظ لم يترك\" قال ابن حجر: \"ضعيف كبر فتغير وصار يتلقّن وكان شيعيا.\" مات سنة ١٣٦، وقيل: ١٣٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٦/ ١٢٩، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٨٢ (٦٣٠٥)، ابن حجر، التقريب، ٦٠١ (٧٧١٧).\n(٥) الليث بن أبي سُليم ابن زُنيم الأموي، مولاهم، اسم أبيه أيمن وقيل: أنس وقيل: غير ذلك، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم في المتابعات. قال الذهبي في السيّر: \"محدث الكوفة، وأحد علمائها الأعيان، على لين في حديثه؛ لنقص حفظه\"، وقال: \"فيه ضعف يسير من سوء حفظه ... وبعضهم احتج به\". قال ابن حجر: \"صدوق اختلط جدا ولم يتميز حديثه فتُرك\". اُختلف في سنة وفاته فقيل: ١٣٨، وقيل: ١٤٢، وقيل: ١٤٣، وقيل: ١٤٨ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ٦/ ١٧٩، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥١ (٤٦٨٦)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٤ (٥٦٨٥).","vol":"1","page":175},{"text":"فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان، والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة.\" (١)\nفمسلم -﵀- جمع في وصفه للقسم الثاني من الرواة بين الستر والصدق وتعاطي العلم، ونبّه إلى كونهم أدنى منزلة من المرتبة الأولى، وهم أهل الحفظ والإتقان، وهو بذلك قد جمع بين وصف الستر والشهرة (٢) حين قال: \"تعاطي العلم يشملهم\" وقال: \"وإن كانوا بما وصفنا من العلم، والستر عند أهل العلم معروفين\"، وتبعه ابن الصلاح حين شرح كتابه فوصف هؤلاء الرواة بالستر والتوسط في الحفظ والإتقان، فقال:\n\" ذكر مسلم ﵀ أولًا: أنه يقسم الأخبار ثلاثة أقسام:\nالأول: ما رواه الحفاظ المتقنون.\nوالثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.\nوالثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون\" (٣)\nوقد يُستشكل صنيع ابن الصلاح ومتابعته للإمام مسلم في وصفه لطبقة الرواة الثانية وجمعه بين الستر والتوسط في الحفظ والإتقان، رغم أن اصطلاحه في المستور هو:\n_________\n(١) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٥ - ٦.\n(٢) في هذا إشارة إلى تداخل بين مصطلحي الستر والشهرة، وسيأتي تحريره بإذن الله في هذا المبحث.\n(٣) شرح ذلك بقوله \" فإذا فرغ من القسم الأول اتبعه بذكر القسم الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه، فذكر الحاكم أبو عبد الله الحافظ وصاحبه أبو بكر البيهقي: أن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وذكر القاضي الحافظ عياض بن موسى من المغاربة: أن ذلك مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم وتابعوه عليه، وأن الأمر ليس على ذلك، فإنه ذكر في كتابه هذا أحاديث الطبقة الأولى وجعلها أصولا، ثم أتبعها بأحاديث الطبقة الثانية على سبيل المتابعة والاستشهاد، وليس مراد مسلم بذلك إيراد الطبقة الثانية مفردة، وكذلك ما أشار إليه مسلم من أنه يذكر علل الأحاديث قد وفى به في هذا الكتاب في ضمن ما أتى به فيه من جمع الطرق والأسانيد والاختلاف.\" ثم علّق على ما نقله بقوله: \" قلت: كلام مسلم محتمل لما قاله عياض، ولما قاله غيره. نعم روي بالصريح عن إبراهيم بن محمد بن سفيان أنه قال: أخرج مسلم ثلاثة كتب من المسندات، واحد الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي وضرباؤهما، والثالث يدخل فيه من الضعفاء، وهذا مخالف لما قاله الحاكم، والله أعلم.\" ابن الصلاح، صيانة صحيح مسلم، ٩٠ - ٩١.","vol":"1","page":176},{"text":"\"الذي جُهلت عدالته الباطنة، وهو عدلٌ في الظاهر\" (١)، ولعل في صنيعه إشارة إلى تعدد معاني الستر والوصف بالمستور بين اللغة والاصطلاح، والإطلاق والتقييد.\nوالمتأمل لحال الرواة الذين وصفهم مسلم بالستر يجدهم ليسوا ممن جُهلت عدالتهم وضبطهم؛ بل توافرت أقوال نقّاد الحديث في بيان حالهم من الجرح والتعديل، وعدّهم مسلم في المرتبة الثانية بعد رواة الصحيح من الحفاظ المتقنين، ووصفهم ابن الصلاح بالتوسّط في الحفظ والإتقان.\nونجد ابن الصلاح كذلك حين عرّف أحد أقسام الحسن قال: \"الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ فيما يرويه، ولا هو متهم بالكذب في الحديث، أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سبب آخر مفسق ... \" (٢).\nفقد وصف المستور بأنه لا يكون مغفلًا ولا كثير الخطأ، ولم يظهر منه تعمّد الكذب، ولا سبب آخر مفسّق، فالمستور بهذا الوصف قد ظهر جانب من عدالته وكذلك ضبطه، فهذا أحد معاني الستر المقيّدة بنفي بعض الأوصاف المُؤثرة في ضبط الرواة.\nوقد يُقصد بوصف الستر كذلك: \"الرجل الفاضل النبيل العفيف الكريم في قومه، وما شابه هذه الكلمات\" (٣)، وقد جاء ذلك في بعض كتب التراجم، وهذا من استعمالهم الكلمة\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١.\n(٢) المرجع السابق، ٣١. وقد لخّص ذلك السخاوي بقوله: \"أن يكون في الإسناد مستور لم تتحقق أهليته [ولكنه بالنظر إلى ما ظهر]، غير مغفل، ولا كثير الخطأ في روايته، ولا يتهم بتعمد الكذب فيها، ولا ينسب إلى مفسق آخر، واعتضد بمتابع أو شاهد\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩١ ط مكتبة السنة، وما بين المعقوفتين من ط دار المنهاج ١/ ١٢٣، بينما اكتفت الطبعة الأولى بذكرها في الهامش.\n(٣) ينظر: عوامة، دراسات الكاشف، ١/ ٧٥ بتصرف.\nوقد استدل المؤلف على ذلك بعشرة نصوص تؤيد ما توصّل له فقال: \"ثم وقفت على نصوص كثيرة تدل على المعنى الذي قدمته، وعدد منها جاء في تراجم الأندلسيين، مما صحح ظني السابق أنها كلمة محلية (بغدادية) \". ١/ ٧٥ - ٧٩.","vol":"1","page":177},{"text":"استعمالًا لغويًا، أي بمعنى: \"لم يظهر منه ما يُعاب عليه، ولم يريدوا المعنى الاصطلاحي الذي وُصف بنوع من أنواع الجهالة ... وفي تاريخ بغداد أمثلة كثيرة جدًا يوصف فيها الثقة بالمستور (١).\nفكل ذلك استعمال للكلمة استعمالًا لُغويًا لا اصطلاحيًا، ومن ذلك أيضًا: قول مسلم في مقدمة صحيحه أن عطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سُليم، وأضرابهم من الموصوفين بعدم الحفظ: إن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم\" (٢)\nوبالنظر إلى ما سبق من معاني تعددت للموصوفين بالستر نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال - وهو الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته (٣) - وهذا في حال إرادة المعنى الاصطلاحي من الستر، وإذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم.\nوإطلاق لفظ الستر على الراوي - دون تقييد بأوصاف أخرى- يتداخل إلى حد كبير مع ما ذكرنا سابقًا من وصف الشهرة مُطلقًا - دون تقيد بالعدالة أو الطلب أو الصدق- فمطلق الستر، ومطلق الشهرة أفادا رفع جهالة العين عن الراوي ولم يفيدا تعديله؛ إلا أن أحدهما\n_________\n(١) من أمثلة ذلك في تاريخ بغداد ما جاء في: ترجمة محمد بن أحمد بن روح الحريري، قيل فيه: \"مستور ثقة\"، وفي ترجمة: حامد بن سعدان بن يزيد الفارسي \"مستور صالح ثقة\" ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ١٦٢ (١٢١)، ٩/ ٣٧ (٤٢٣٢).\n(٢) يُنظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٧٥ - ١٠٧٦ باختصار.\n(٣) سبق معنا الإشارة إلى أن هذا المعنى يُطلق على وصف (مشهور) بغير أن يقيّد بنوع الشهرة، إنما هو مطلق الشهرة، وهذا يتداخل مع معنى المستور.","vol":"1","page":178},{"text":"وهو المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عددًا يشهرون به أمره (١) بينما \"المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين\" (٢).\nومما يدلل على أثر قلة حديث الراوي، أو قلة من يرون عنه في شهرته ومعرفته، قول ابن حبان في ترجمة (عبدالله بن المؤمل المخزومي) (٣): \"كان قليل الحديث، منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد؛ لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به؛ وذاك أنه قليل الحديث، لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا يتهيأ إطلاق العدالة على من ليس نعرفه بها يقينًا فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله - ﷺ - ما لم يقل اعتمادًا منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا يتهيأ إطلاق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول الكتاب\" (٤).\n_________\n(١) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: \"المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد\" الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.\nفكلّما قلّ عدد الرواة عن الراوي، كلما اقترب من الجهالة خاصة إذا لم يُعرف بجرح ولا تعديل.\n(٢) \"ثم نقول: إن كان في حاله التي اشتهر بها ما يتضمن العدالة فقد زالت عنه جهالة الحال أيضا، وانطبق عليه قوله فيما تقدم: \"وصححوا استغناء ذي الشهرة عن تزكية\" وإلا فهو مجهول الحال، وسيأتي ... ما يؤيد هذا من أن الشهرة تزيل الجهالة\". البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٦٢٦.\n(٣) عبدالله بن المؤمل بن وهب الله المخزومي، قال ابن حجر: \"ضعيف الحديث\"، وقال الذهبي: \"قال أبو داود: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوى\" مات سنة ١٦٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٠١ (٣٠٠٩)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٥ (٣٦٤٨).\n(٤) ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٨.","vol":"1","page":179},{"text":"و\"لذا كان أئمة الجرح والتعديل ينبهون كثيرًا على قلة حديث الراوي أو كثرته؛ ليعرف محله في الاعتناء بهذا العلم من عدمه، وليعتبر ذلك في تمحيص رواياته.\" (١)\nفاسم الستر عام يشمل مطلق المستور -من عُرفت عينه ولم يوثق- وأهل الفضل والنبل والعفة، ومن عُرفت عدالته الظاهرة وجُهلت عدالته الباطنة، ومن اُختلف فيه ولم يترجّح أمره فتوقّف فيه. ومن ارتفعت عنه الجهالة ولم يُجرّح، قال الذهبي:\n\"وقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين (٢) إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ) \". (٣)\nولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام بالمستور، حيث قال: \"ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح\" (٤) فبالرغم من تقسيم المتأخرين الحسن لقسمين-قسم لرواية المشهور بالصدق، وقسم لرواية المستور- إلا أنه لم يُشر لذلك، بل اكتفى بالتعبير عن الحديث الحسن برواية المستور؛ لشمولها درجات رواة الحسن لذاته ولغيره، وذلك حسب السياق والقرينة التي تقترن بهذا الوصف. (٥)\n_________\n(١) الجديع، التحرير، ٢/ ٧٨١.\n(٢) \"الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس سنة ثلثمائة.\" الذهبي، الميزان، ١/ ٤.\n(٣) الذهبي، الموقظة، ٧٨.\n(٤) الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٩.\n(٥) خلص الدكتور عبدالجواد حمام إلى أن المحدثين استخدموا مصطلح (مستور) على ثلاثة معانٍ:\n١ - لغرض التوثيق والمدح، ٢ - من كان عدل الظاهر مجهول عدالة الباطن، ٣ - من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثّق. ثم أشار إلى حكم رواية المستور حسب كل معنى:\nفعلى المعنى الأول: فهذا الوصف يفيد صلاحية حديث الراوي للقبول، وإن لم يكن بتلك المرتبة من التوثيق والتعديل.\nوعلى المعنى الثالث: فحكمه حكم مجهول الحال، والجمهور على ردّه، واختار ابن حجر وغيره التوقّف فيه.\nوأطال في بيان الحكم على المعنى الثاني، وتوصّل إلى أن كثيرًا من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجّح لكفّة العدالة على كفّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل؛ إلا أن حديث المستور لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال. ينظر: حمام، الجهالة، ٢/ ٨٣٨ - ٨٤٨ باختصار.، وينظر في حكم رواية المستور كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، النووي، شرح مسلم، ١/ ٢٨، العراقي، التقييد، ١٤٥، ابن حجر، النزهة، ١٢٦، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٧١ - ٣٧٢.","vol":"1","page":180},{"text":"أمثلة لهؤلاء الرواة:\nبعد أن ذكر الذهبي أمثلة للرواة في أعلى مراتب الحديث الحسن، وأقربها للصحة، أتبعها بذكر أمثلة لرواة تتردد أحاديثهم بين الحسن والضعف فقال:\n\"ثم بعد ذلك، أمثلة كثيرة يتنازع فيها: بعضهم يحسنونها، وآخرون يضعفونها. كحديث الحارث بن عبدالله (١)، وعاصم بن ضمرة (٢)، وحجاج بن أرطاة (٣)، وخصيف (٤)، ودراج\n_________\n(١) الحارث بن عبدالله الأعور الهمداني الحوتي الخارفي، أبو زهير الكوفي، قال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن الحارث الأعور فقال: ضعيف الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه\". قال الذهبي: \"شيعي لين، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس.\" قال ابن حجر: \" كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف\". مات في خلافة ابن الزبير سنة ٦٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٧٨ (٣٦٣)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٢٢، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٠٣ (٨٥٩)، ابن حجر، التقريب، ١٤٦ (١٠٢٩).\n(٢) عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، قال ابن حبان: \" كان رديء الحفظ فاحش الخطأ، يرفع عن علي قوله كثيرًا، فلما فحش ذلك في روايته استحق الترك، على أنه أحسن حالا من الحارث -أي: الأعور-\". قال الذهبي: \"وثقه ابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عدي بتليينه، وهو وسط\". قال ابن حجر: صدوق. مات سنة ٧٤ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٦/ ٣٤٥ (١٩١٠)، ابن حبان، المجروحين، ٢/ ١٢٥، الذهبي، الكاشف، ١/ ٥١٩ (٢٥٠٤)، ابن حجر، التقريب، ٢٨٥ (٣٠٦٣).\n(٣) حجاج بن أَرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، قال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي يقول: حجاج بن أرطأة صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وإذا قال: حدثنا فهو صالح لا يرتاب في صدقه وحفظه إذا بين السماع، ولا يحتج بحديثه\". قال ابن حجر: صدوق كثير الخطأ والتدليس، وذكره في المرتبة الرابعة من مراتب المدلسين وقال: \"أخرج له مسلم مقرونا، وصفه النسائي وغيره بالتدليس عن الضعفاء\". مات سنة: ١٤٥ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ١٥٤ (٦٧٣)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٢٥، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣١١ (٩٢٨)، ابن حجر، المدلسين، ٤٩، ابن حجر، التقريب، ١٥٢ (١١١٩).\n(٤) خُصَيف بن عبدالرحمن. مات سنة: ١٣٧ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٤٠٣ (١٨٤٨)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٨٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٧٣ (١٣٨٩)، ابن حجر، التقريب، ١٩٣ (١٧٠٧).","vol":"1","page":181},{"text":"أبي السمح (١)، وخلق\nسواهم.\" (٢)، وبالنظر في أقوال النقاد في الرواة السابقين، نجدهم كما ذكر الذهبي تتردد بين التحسين والتضعيف.\nنخلص مما سبق:\nأن لفظ المستور ذو معنى واسع يتنوّع بحسب السياق والقرينة، وتتفاوت مراتب ستر الرواة بين:\n- إرادة المعنى اللغوي، فيصاحب الستر وصف الثقة أو الصلاح بشكل عام: أي لم يظهر منه ما يُعاب عليه.\n- وبين إرادة التوسط في الحفظ والإتقان خاصة إذا جاء في مقابلة رواة الصحيح الضابطين المتقنين.\n- وبين مطلق الستر وعدم الاشتهار، فهو عدلٌ في الظاهر مجهول عدالة الباطن، وقد يُراد به خفاء أمره وقلة الرواة عنه، أو اختلافهم في الترجيح بين تعديله وجرحه.\nوظهر من الأمثلة المذكورة للرواة المستورين تفاوت حديثهم بين التحسين والتضعيف، ولعل شمول معنى الستر هو الذي دعا الزركشي لوصف راوي الحسن بشكل عام\n_________\n(١) درَّاج بن سمعان. مات سنة: ١٢٦ هـ ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٣/ ٤٤١ (٢٠٠٨)، ابن حبان، الثقات، ٥/ ١١٤، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٨٣ (١٤٧٣)، ابن حجر، التقريب، ٢٠١ (١٨٢٤).\n(٢) الذهبي، الموقظة، ٣٣.","vol":"1","page":182},{"text":"بالمستور، حيث قال: \"ولهذا فرّق المحدثون بين الصحيح والحسن والضعيف، فالصحيح رواية العدل، والحسن رواية المستور، والضعيف رواية المجروح.\" (١)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>القيد الثالث: قيد المتابعة والمعاضدة </span>(٢) (يُروى من غير وجه):\nجاء في تعريف الترمذي للحسن قوله: \"ويُروى من غير وجه\" وتبعه على ذلك ابن الصلاح (٣)، وهذه العبارة تشير إلى بعض المصطلحات التي تتردد في كتب الحديث وعلومه للمرويات المعاضدة لبعضها، ومن ذلك مصطلح المتابعة، والشاهد، وطريقة التوصّل إليهما وهو ما يُسمى بالاعتبار (٤).\nقال ابن الصلاح - مُفسرًا قول الترمذي \"ويُروى من غير وجه\"- بقوله: \"ويكون متن الحديث مع ذلك قد عُرِف بأن رُوِي مثلُه أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد\nبمتابعة من تابع راوِيه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا\" (٥)\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٣/ ٣٧٩.\n(٢) المعاضدة في اللغة: \"المعاونة، واعتضد به: استعان.\" الرازي، المختار، ٢١١.\n(٣) وذلك في القسم الأول من الحسن، والذي هو عنده لا يخلو من رواية المستور الذي لم تتحقق أهليته، فاشترط لحسنه روايته من وجه آخر مثله أو نحوه. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.\n(٤) الاعتبار لغة: من اعتبر الشيء اختبره وامتحنه، والاعتبار النظر في الأمور وتدبّرها؛ ليُستدل بها على غيرها. يُنظر: مادة (عبر) ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ٢١٠، الرازي، مختار الصحاح، ١٩٨، ابن منظور، لسان العرب، ٤/ ٥٣١، الزبيدي، تاج العروس، ١٢/ ٥١١. والاعتبار عند المحدثين: سبر دواوين كتب الحديث، والنظر فيها، والبحث عن من شارك أحد رواة الإسناد في روايته لهذا الحديث، سواء اتفقا في لفظ الحديث أو معناه. فالاعتبار هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن الشاهد والمتابعة. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، الدهلوي، أصول الحديث، ٥٦ - ٥٧.\n(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.","vol":"1","page":183},{"text":"ومن هذه المصطلحات التي وردت في كلام ابن الصلاح، مصطلح المتابعة والشاهد.\nومعنى المتابعة لغة:\nمأخوذة من تابع، ويأتي بمعنى الموالاة، والموافقة، والإتقان والإحكام.\nتابع عمله أو كلامه، أي: والاه وأتقنه وأحكمه وأحسنه. (١)\nاصطلاحًا:\nأن يشارك راوي الحديث في روايته أو يوافقه راوٍ آخر يصلح للاعتبار.\nفإن كانت المشاركة في جميع الإسناد -أي: حصلت للراوي في شيخه- فهي متابعة تامة، وإن كانت في أثناء الإسناد -أي: حصلت لشيخه فمن فوقه- فهي قاصرة. (٢)\n\"ولا اقتصار في هذه المتابعة - سواء كانت تامة أم قاصرة- على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي\" (٣).\nومعنى الشاهد لغة:\nاسم فاعل من (شهد)، وهو \" أصل يدل على حضور وعلم وإعلام\" (٤)\n_________\n(١) يُنظر مادة (تبع): الرازي، المختار، ٤٤، الزبيدي، تاج العروس، ٢/ ٣٨٢، المعجم الوسيط، ١/ ٨١.\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، الدهلوي، ٥٦ - ٥٧\n(٣) ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، والمسألة خلافية، \"وبالتأمل فيه نرى أن ابن الصلاح خص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد: خصه بما كان بالمعنى سواء أكان عن ذلك الصحابي أم لا، وقيل: الشاهد أعم من أن يكون باللفظ أو بالمعنى. وقد جاء الإمام الحافظ ابن حجر فخالف ابن الصلاح في هذا واعتبر المتابعة فيما إذا كانت عن ذلك الصحابي الذي روى الحديث المتابع -بفتح الباء الموحدة- سواء أكانت باللفظ أم بالمعنى، واعتبر الشاهد فيما إذا كان عن صحابي آخر سواء أكان باللفظ أم بالمعنى.\" أبو شُهبة، الوسيط، ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(٤) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ٢٢١. مادة (شهد).","vol":"1","page":184},{"text":"والشاهد: الدليل، ومن يؤدي الشهادة. (١)\nاصطلاحًا:\nأن يُروى حديث آخر بلفظه أو معناه من حديث صحابي آخر. (٢)\n\"وخصّ قوم المتابعة بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد بما حصل بالمعنى كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل.\" (٣)\nوالغرض من المتابعات والشواهد للحديث تقويته، ويُضاف لذلك أغراض أخرى \" تكثير طرق الحديث، وبيان التواتر من الصحابة - ﵃ -، أو إثبات الزيادات في المتن، أو توضيح بعض غموضه، أو لبيان الزمان والمكان وغيرها.\" (٤)\nومن الأمثلة التي ذُكِرت للمتابعة:\nقول ابن الصلاح: \"الاعتبار في الأخبار مثاله (٥): أن يروي حماد بن سلمة (٦) حديثا لم\n_________\n(١) يُنظر: مادة (شهد) الرازي، المختار، ١٦٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٢٩٢، المعجم الوسيط، ١/ ٤٩٧.\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢ - ٨٤، ابن الملقن، التذكرة، ٢٠، ابن حجر، النزهة، ٨٧ - ٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦ - ٢٥٨، السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ٢٨١ - ٢٨٣.\n(٣) ابن حجر، النزهة، ٩٠. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤.\n(٤) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧١، الأعظمي، معجم مصطلحات الحديث، ٢٠٠، الغوري، موسوعة علوم الحديث، ٢/ ٢٦١.\n(٥) قد يُوهم أن الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك بل هو هيئة التوصِّل لهما. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٩١، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٦، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٢.\n(٦) حماد بن سلمة، مات سنة ١٦٧ هـ. يُنظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٩).","vol":"1","page":185},{"text":"يتابع عليه، عن أيوب (١)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.\nفينظر: هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه، وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي - ﷺ -، فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.\nقلت: فمثال المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير حماد، فهذه المتابعة التامة، فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي\nهريرة، أو رواه غير أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -، فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا، لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها، ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.\nفإن لم يُرو ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوِي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة.\" (٢)\n_________\n(١) أيوب بن أبى تميمة، مات سنة ١٣١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٦٠ - ٢٦١ (٥١١)، ابن حجر، التقريب، ١١٧ (٦٠٥).\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٣ - ٨٤، وهذا المثال نقله ابن الصلاح من مقدمة ابن حبان لصحيحه، وقام بتوضيحه. ينظر: ابن حبان، صحيح ابن حبان، ١/ ١٥٥.\nوقد ذكر ابن حجر مثالًا اجتمع فيه المتابعة التامة والناقصة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى فقال: \"ما رواه الشافعي في \"الأم\" عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر - ﵃ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «الشهر تسع وعشرون فلا تصموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثي» - كتاب الصيام الصغير ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ - فإن الحديث المذكور في جميع الموطآت عن مالك بهذا الإسناد بلفظ، \"فإن غم عليكم فاقدروا له\".\nفأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه- كتاب الصوم ٣/ ٢٧ ح (١٩٠٦) - فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵃ - فساقه باللفظ الذي ذكره الشافعي سواء فهذه متابعة تامة في غاية الصحة. لرواية الشافعي - ﵁ - والعجب كيف خفيت عليه؟، ودل هذا على أن مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا.\nوقد توبع عليه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر - ﵃ -:\nأحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر - فذكر الحديث وفي آخره: «فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين». كتاب الصيام، باب وجوب صيام رمضان ٢/ ٧٥٩ ح (١٠٨٠).\nوالثاني: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه -كتاب الصيام ٣/ ٢٠٢ ح (١٩٠٩) - من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر - ﵃ - بلفظ: «فإن غم عليكم فكملوا ثلاثين».\nفهذه متابعة - أيضا - لكنها ناقصة.\nوأما شاهده فله شاهدان: شاهد لحديث الشافعي: أحدهما: من حديث أبي هريرة - ﵁ - رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة - ﵁ - ولفظه: «فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».\nوثانيهما: من حديث ابن عباس - ﵃ - أخرجه النسائي -في سننه كتاب الصيام ٤/ ١٣٥ ح (٢١٢٥) - من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس - ﵃ - بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر - ﵃ -.\nفهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة، والمتابعة الناقصة. والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى والله الموفق سبحانه\". ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٢ - ٦٨٥، ينظر كذلك: ابن حجر، النزهة، ٨٨ - ٩٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤ - ٢٨٥.","vol":"1","page":186},{"text":"ما سبق كان بيانًا لمعنى المتابعة والشاهد، ومثال توضيحي ذكره ابن الصلاح أشار فيه إلى أن الشاهد قد يُطلق على المتابعة، وأيّده على ذلك ابن حجر فقال: \"وقد تطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل.\" (١)، فالاختلاف بينهم دائر على راوي الحديث من الصحابة، هل رُوِي الحديث من طريقه أو من طريق صحابي آخر؟، وعلى متن الحديث، هل رُوِي بلفظه أو معناه؟ \"ويستفاد من ذلك كله التقوية.\" (٢)\nوقد أشار ابن رجب (٣) - ﵀- إلى أن المعاضدة لا تقتصر على الأحاديث المرفوعة بل يحتمل كلام الترمذي التقوية بالموقوف حيث قال: \"وقول الترمذي ﵀ يُروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي - ﷺ - فيحتمل أن يكون مراده\nعن النبي - ﷺ - ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُروى من غير وجه، ولو موقوفًا، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به\" (٤).\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٩٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٤.\n(٢) السخاوي، المرجع السابق.\n(٣) عبدالرحمن بن أحمد بن رجب السّلامي البغدادي ثم الدمشقيّ. زين الدين، أبو الفرج، الشهير بابن رجب. محدث، حافظ، فقيه، أصولي، مؤرخ. من مصنفاته: (شرح صحيح الترمذي) و(شرح علل الترمذي) و(جامع العلوم والحكم) وغيرها. مات سنة ٧٩٥ هـ. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٨/ ٥٨٠. الزركلي، الأعلام، ٣/ ٢٩٥. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٧٤ (٦٧٥١).\n(٤) ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٣٨٧.","vol":"1","page":187},{"text":"أي: أن المراد البحث عن ما يعضد الحديث ويقويه سواء كان حديثًا مرفوعًا للنبي - ﷺ - أو موقوفًا على الصحابي - ﵁ -. (١)\nوقد شمل صنيع الترمذي في كتابه في بيان مراده من الرواية من غير وجه- المتابعات والشواهد، فقد أشار لورود أحاديث من غير وجه عن النبي - ﷺ - (٢) - أي: الشواهد- وكذلك\nورودها من غير وجه عن أحد الصحابة (٣) - ﵃ - أي: المتابعات.\n_________\n(١) أشار الدكتور خالد الدريس في كتابه الحديث الحسن إلى أن ما ذكره ابن رجب فيه نظر، واستدل بعدد من الأمثلة\n- منها: قول الترمذي: \"هذا حديث غريب إنما نعرفه مرفوعا من حديث ابن لهيعة.\nوقد رُوِي شيء من هذا عن عطية، عن أبي سعيد، موقوفا.\" أخرجه الترمذي في سننه، كتاب التفسير، باب من سورة المدثر، ٥/ ٢٨٦ ح (٣٣٢٦). ففي هذا المثال لم يحسّن الترمذي هذا الحديث -رغم أنه حسّن أحاديث لابن لهيعة- ورغم وجود شاهد موقوف لا يُقال مثله بالرأي.\n- ... ومنها: قول الترمذي في أكثر من موضع \"لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه\" مما يدل على أن همه وموضوع كتابه هو الحديث المرفوع.\n- ... وقد استقرأ الدكتور -في بحثه- سنن الترمذي وقال: \"لم أجد الترمذي مطلقًا ولا في موضع واحد نصّ على تحسين حديث بسبب شاهد موقوف، وهذا كافٍ في الرد على ما ذكره الحافظ ابن رجب من قولٍ لم يستدل هو على وقوعه في جامع الترمذي فعليًا، وإنما ذكره على سبيل الاحتمال\". الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٤٤ - ١١٤٦. بتصرّف.\n(٢) من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن النبي - ﷺ - ما يلي:\n- ... ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر يبيعها له، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: \"كان عندنا خمر ليتيم فلما نزلت ... \" قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن النبي - ﷺ - نحو هذا. ٢/ ٥٥٤ ح (١٢٦٣).\n- ... وفي كتاب اللباس، باب ما جاء في الاكتحال، من حديث ابن عباس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: \"اكتحلوا بالإثمد ... \" قال الترمذي: حديث ابن عباس حديث حسن، ... وقد روي من غير وجه عن النبي - ﷺ -. ٣/ ٢٨٧ ح (١٧٥٧).\n- ... وفي كتاب الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب، من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"المرء مع من أحب ... \". قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث الحسن عن أنس بن مالك ...، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي - ﷺ -. ٤/ ١٧٤ ح (٢٣٨٦).\n(٣) من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي، وتُروى من غير وجه عن الصحابي - ﵁ - ما يلي:\n- ... ما أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قيل: \"يا رسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة، ... \"، قال الترمذي: هذا حديث حسن، ... وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. ١/ ١٢٢ ح (٦٦).\n- ... وفي كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يشتري الجارية وهي حامل، من حديث رويفع ابن ثابت - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره\". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن رويفع بن ثابت ٢/ ٤٢٨ ح (١١٣١).\n- ... وفي كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، من حديث عبدالله بن عمرو - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"من قتل دون ماله فهو شهيد\". قال الترمذي: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وقد روي عنه من غير وجه. ٣/ ٨١ ح (١٤١٩).","vol":"1","page":188},{"text":"وقد يشير إلى الشواهد بنوعيها - شواهد باللفظ وشواهد بالمعنى- بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، قال العراقي:\n\"وهكذا يفعل الترمذي في الجامع حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان، فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين، وإنما يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في ذلك الباب، وإن كان حديثًا آخر غير الذي يرويه في أول الباب، وهو عمل صحيح إلا أن كثيرًا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه الذي رواه في أول الباب بعينه، وليس الأمر على ما فهموه بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب.\" (١)\nوليس في تعريف الترمذي للحسن تحديد عدد معين للأوجه والطرق المطلوبة لتحسين الحديث؛ حيث \"أطلق الترمذي كلامه ولم يحدد الحد الأدنى من تعدد الوجوه الأخرى التي تلزم لتحسين الحديث، ولكن يُفهم من ذلك أنه يتحقق عنده بأدنى شيء وأقله، وعلى هذا فيكون الحديث المراد تحسينه إذا شهد له حديث آخر نحوه تقوّى بذلك واستحق التحسين.\nإلى هذا ذهب ابن الصلاح (٢)، وابن تيمية (٣)، والعراقي (٤)، وابن حجر (٥)، بأن الحديث إذا رُوي من وجهين كان حسنًا عند الترمذي.\" (٦)\n_________\n(١) العراقي، التقييد، ١٠٢.\n(٢) حيث ذكر أن الضعف المُنجَبِر يزول بمجيء الحديث من وجه آخر، فقال: \"ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:\nفمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له ... إلخ\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤.\n(٣) \"وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب، ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة\". ابن تيمية، الفتاوى، ١٨/ ٣٩.\n(٤) \"فمجيئه من وجهين كاف في حد الحديث الحسن\" العراقي، التقييد، ٤٨.\n(٥) حيث ذكر من شروط الحديث الحسن عند الترمذي: \"أن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا\" ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٧.\n(٦) الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٣٩ - ١١٤٠.","vol":"1","page":189},{"text":"والمتأمل لصنيع الترمذي في جامعه يجده لم يَقصُر تحسينه للأحاديث التي رُويت من غير وجه، بل أكثر ما اُنتقِد عليه - في تعريفه- تحسينه لأحاديث جاءت منفردة، وجمعه بين وصفيّ الحُسن والغرابة للحديث الواحد. (١)\nوقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه ذلك، ومنها:\n- ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريبًا في أصله ثم تتعدد الطرق عن التابعي، فيجمع بين غرابة الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك، فقال:\n\"وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما رُوِي من وجهين، وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. فهذه الشروط هي التي شرطها الترمذي في الحسن، لكن من الناس من يقول: قد سُمِّى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول فيه: حسن غريب؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسنا، وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريبا. لم يرو إلا عن تابعي واحد، لكن رُوِي عنه من وجهين فصار حسنا لتعدد طرقه عن ذلك الشخص وهو في أصله غريب.\" (٢)\n- وأجاب ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا نفس اللفظ، فقال: \"لا يشكل قوله: \"حديث حسن غريب\"، ولا قوله: \"صحيح حسن غريب\nلا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، لأن مراده أن هذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه.\" (٣)\n_________\n(١) فممن أشار إلى هذا الإشكال ابن دقيق العيد، فقال: \"وهذا يشكل عليه ما يقال فيه أنه حسن مع أنه ليس له مخرج إلا من وجه واحد\". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٨، وكذلك ابن جماعة، حيث قال في تعقّبه للقسم الأول من الحسن-والذي اشترط فيه ابن الصلاح مجيئه من طريق آخر-: \"ويرد على الأول الفرد من الحسن فإنه لم يرو من وجه آخر\" ابن جماعة، المنهل، ٣٦.\n(٢) ابن تيمية، الفتاوى، ١٨/ ٣٩.\n(٣) ثم أتبع كلامه بذكر مثال على ذلك فقال: \"وهذا كما في حديث \"الأعمال بالبينات\" فإن شواهده كثيرة جدًا في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مرويًا من غير حديثه من وجه يصح.\" ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٣٨٦، وقال الشيخ أحمد شاكر في حاشية كتاب الباعث الحثيث: \"الذي يبدو لي في الجواب عن هذا: أن الترمذي لا يريد بقوله في بيان الحسن (ويُروى من غير وجه نحو ذاك) أن نفس الحديث عن الصحابي يُروى من طرق أخرى؛ لأنه لا يكون حينئذ غريبا، وإنما يريد أن لا يكون معناه غريبا: بأن يروى المعنى عن صحابي آخر، أو يعتضد بعمومات أحاديث أخر، أو بنحو ذلك، مما يخرج معناه عن أن يكون شاذا غريبا. فنأمل\". شاكر، الباعث الحثيث، ٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":190},{"text":"- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع منه، حيث قال:\n\"فإن قيل: قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يُروى من غير وجه؛ فكيف يقول في بعض الأحاديث: \"حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"؟ . فالجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن مطلقا، وإنما عرَّف نوعا خاصا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: \"حسن\"، من غير صفة أخرى\" (١)\n- ومن الأجوبة أيضًا: ما ذكره العراقي في شرحه لألفيته حيث قال:\n\" (قلتُ وقد حسَّن بعض ما انفرد). هذا من الزوائد على ابن الصلاح. وهو إيرادٌ على الترمذي، حيث اشترط في الحسن أن يُروى من غير وجه نحوه. ومع ذلك فقد حسَّن أحاديث لا تُروى إلا من وجه واحدٍ، كحديث إسرائيل (٢)، عن يوسفَ بن أبي بردة (٣)، عن أبيه (٤)، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا خرج من\nالخلاء قال:\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٨٠.\n(٢) إسرائيل بن يونس مات سنة ١٦٠، وقيل: ١٦٢ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٤١ (٣٣٦)، ابن حجر، التقريب، ١٠٤ (٤٠١).\n(٣) يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، روى له البخاري في الأدب المفرد، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: مقبول. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩٩ (٦٤٢٧)، ابن حجر، التقريب، ٦١٠ (٧٨٥٧).\n(٤) أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر وقيل: الحارث، قاضي الكوفة، أخرج له البخاري ومسلم، قال الذهبي: كان من نبلاء العلماء، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل غير ذلك. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤٠٧ (٦٥٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٦٢١ (٧٩٥٢).","vol":"1","page":191},{"text":"غفرانك». فإنَّه قال فيه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة. قال: ولا يُعرفُ في هذا الباب إلا حديثُ عائشة. (١)\nوأجاب أبو الفتح اليعمري عن هذا الحديث (٢) بأنّ الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه\nما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته\" (٣).\nوقد توصّل الدكتور خالد الدريس إلى: \"أنّ ما يقول الترمذي فيه: \"حسن غريب\" لا يخلو من حالتين:\n١ - ما توجد له متابعات أو شواهد، ولو بعموم المعنى.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهرة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، ١/ ٥٧ ح (٧)، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء، ١/ ٨ ح (٣٠)، وابن ماجة في سننه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء، ١/ ١١٠ ح (٣٠٠)، وأحمد في مسنده، ٤٢/ ١٤٢ ح (٢٥٢٢٠)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب الخروج من المتوضأ، ١/ ٤٨ ح (٩٠)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، ٤/ ٢٩١ ح (١٤٤٤).\nقال ابن أبي حاتم: \"سمعت أبي يقول: أصح حديث في هذا الباب- يعني: في باب الدعاء عند الخروج من الخلاء -: حديث عائشة\". عبد الرحمن بن محمد بن إدريس ابن أبي حاتم الرازي، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف وعناية سعد بن عبدالله الحميد، خالد بن عبدالرحمن الجريسي، (الرياض: مطابع الحميضي، ١٤٢٧ هـ=٢٠٠٦ م) ١/ ٥٤٠ - ٥٤١ ح (٩٣).\n(٢) وذلك في كتابه النفح الشذي، حيث قال: \"وأما أنه لا يعرف في الباب إلا حديث عائشة، مع قوله في \"الحسن\": إنه يُروى مثل ذلك الحديث، أو نحوه، من وجه آخر، فهذا قد يوهم منافاة الحُسن الذي وصفه به، على شرطه، فيحتاج إلى الجواب عن ذلك، فنقول:\nلا يشترط في كل حسن أن يكون كذلك، بل الذي يحتاج فيه إلى أن يُروى نحوه من وجه آخر، هو: ما كان راويه في درجة المستور، ومن لم تثبت عدالته، ولا ارتقى إلى أن تدخل في \"الصحيح\" مع المتابعة، روايته. فهناك يحتاج إلى تقويته بالمتابعات والشواهد؛ ليصل بمجموع ذلك إلى تلك الدرجة. وأما هذا، فقد كان من شأنه أن يكون من الصحيح؛ فإن إسرائيل المنفرد به، متفق على إخراج حديثه عند الشيخين وقد تقدم في الكلام على الشذوذ، والمنفردات، ما يوضح أن ما انفرد به الثقة، ولم يتابَع عليه، لا يرتقي إلى درجة الصحيح، حتى يكون -مع الثقة- في المرتبة العليا من الحفظ والإتقان، وإن لم يتجاوز الثقة، فحديثه هناك حسن كما أن المستور، مع التفرد، لا يرتقي إلى درجة الحسن، بل تفرده مردود فكذلك هذا الحديث، لو وَجَد شاهدًا له، لما وقف [به] عند مرتبة الحسن، وربما لم يقف عندها فقد أخرجه أبو حاتم بن حبان، في صحيحه، كما يأتي بيانه.\nوأكثر ما في الباب، أن الترمذي، في الموضع الذي شرط فيه، في الحسن، تقويته بالمتابعات، عرف بنوع منه، وهو أكثره وقوعًا عنده، لا بكل أنواعه.\" ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.\nوفي كلام اليعمري بيان لاختلاف الحكم على الحديث الفرد، وذلك بحسب مرتبة الراوي في العدالة والضبط، وتفريقه بين وصف الراوي بالثقة المجردة، وبين وصفه بالحفظ والإتقان، وسيأتي -بإذن الله- بيان ذلك في فصل الأفراد.\n(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٥٣.","vol":"1","page":192},{"text":"٢ - ما لا توجد له متابعات وشواهد، ولكن السند قوي لذاته لا يحتاج لعاضد.\" (١)\nوتوصّل كذلك إلى أن اشتراط تعدد الطرق - (يُروى من غير وجه) في الحديث الحسن عند الترمذي-: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز سوى رواة من أهل الصدق قد خفّ ضبطهم ...، ومن ذلك مثلًا: أحاديث لبهز بن حكيم، وأحاديث لعمرو بن شعيب ... إلخ. (٢)\nوالحديث الحسن الذي لا يحتاج للمعاضدة هو ما أُطلِق عليه الحسن لذاته (٣)؛ وما يحتاج للمعاضدة هو الحسن لغيره؛ لذا حين قسَّم ابن الصلاح الحديث الحسن إلى قسمين نجده:\nوافق الترمذي في اشتراط مجيء الحديث من وجه آخر- وذلك في أحد قسميّ الحسن، - حيث جعله قيدًا لرواية المستور الذي لم تتحقق أهليته.\nولم يشترطه في القسم الآخر الذي هو من رواية المشهور بالصدق، وتبعه في ذلك ابن جماعة، وابن سيد الناس (٤)، إلا أن الطّيّبي حين تعقّب من سبقه وعرّف الحسن اشترط المعاضدة للقسمين (٥).\n_________\n(١) ثم قال: \"ويخلص إلى حمل الأمر على فهم الترمذي واجتهاده؛ لأن الأصل أنه لا يُخالِف ما اشترطه في تعريفه الذي حكاه بنفسه عن عمله في كتابه\" ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٠٦٣ - ١٠٦٤ باختصار.\n(٢) ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٤/ ١٦٤٣ - ١٦٤٥ باختصار.\n(٣) أطلقه ابن حجر، وذلك حين أردف تعريف الصحيح لذاته بالحسن لذاته بفارق خفة ضبط راوي الحسن. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٧٨.\nويرى الدكتور الدريس: أن تعريف ابن القطان يقرّبه من الحسن لذاته، ولا يدخل فيه حديث الضعيف المعتضد بمثله؛ لأن ابن القطان لا يحتجّ بمثله فضلًا عن أن يسميه حسنًا. ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٤/ ١٦٧٠.\n(٤) محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمري الربعي، أبو الفتح، فتح الدين، المعروف بابن سيّد الناس. مؤرخ، عالم بالأدب. من حفاظ الحديث، من مصنفاته: (عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير) و(النفح الشذي في شرح جامع الترمذي) لم يكمله. مات سنة ٧٣٤ هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات،١/ ٢١٩ (٢٠٠)، ابن العماد، الشذرات، ٨/ ١٨٩. الزركلي، الأعلام، ٧/ ٣٤.\n(٥) \"مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة\". الطيبي، الخلاصة، ٤٥.\nبل إن الفرد عنده يأتي على أنواع، فرد مطلق ليس له معاضد لا في سنده ولا في متنه، وفرد حسن وهو ما كان فرد الإسناد ورُوي معناه بإسناد آخر حيث قال: \"إن قولنا يروى من غير وجه يحتمل وجوها؛ أن يروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يروى معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يبعد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فرد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار يغلب ظنا احتمال طريق آخر يتقوى به، بخلاف الفرد المطلق.\"\nثم ذكر وجهًا آخر للمعاضدة فقال: \"وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضعف وإلا كان عبثا.\" الطيبي، المرجع السابق ٤١ - ٤٢.\nويفهم مما قاله أن الحديث لا يُطلق عليه حسنًا إلا إذا رُوي من وجه آخر، وعلل ذلك بكون الحسن من الحديث استحق ذلك الوصف لانجبار ضعفه بالمعاضد، والله أعلم.","vol":"1","page":193},{"text":"وأمّا ابن حجر فقد وافق ابن الصلاح في تقسيم الحديث الحسن لقسمين، أطلق على أحدهما الحسن لذاته؛ لقوته وعدم احتياجه للمعاضدة، والآخر الذي اكتسب الحُسن بمعاضدة غيره له هو الحسن لغيره.\nومما ينبغي الإشارة إليه أنّ الضعف يتفاوت في درجاته (١)، فليس كلُّ ضَعفٍ قابلًا للانجبار، قال ابن الصلاح:\n\"ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:\nفمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم\nيختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر (٢).\n_________\n(١) يأتي توضيح ذلك وتفصيله -بإذن الله- في الفصل الثالث: الحديث الضعيف.\n(٢) تقوية المرسل بالمرسل لها ضوابط، إذ ما كل مرسل يجبر مثله. ينظر في حكم الاحتجاج بالمرسل: العلائي، جامع التحصيل، ٣٣ - ٥٠، ابن رجب، علل الترمذي، ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٩٦.","vol":"1","page":194},{"text":"ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. (١) وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.\nوهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم.\" (٢)\nوعقّب ابن حجر على ذلك بقوله: \"لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القَبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.\nوأما إذا رجح جانب القَبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي، والله أعلم\" (٣).\nفيُفهم من ذلك أن ما يصلح للاعتبار من الأحاديث يُشترط فيها:\n- ألا يكون ضعفها شديدًا بحيث لا ينجبر هذا الضعف بمجيئه من طرق أخرى.\n- وألا يكون المتابِع منحطًا عن هذه الدرجة، بل لابد من أن يكون المتابَع والمتابِع مما يصلح كلاهما للاعتبار، ويجبر كلا منهما ضعف الآخر.\n_________\n(١) وقد مثّل ابن الصلاح لذلك بحديث: «الأذنان من الرأس» أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٣٣ ح (١٣٤)، والترمذي في سننه كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الأذنين من الرأس ١/ ٩٣ ح (٣٧)، وابن ماجة في سننه كتاب الطهارة، باب الأذنان من الرأس.\nوقال: \"إنا نجد أحاديث محكوما بضعفها مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٣.\nوقد نُوزع ﵀ في تمثيله بهذا، وتُعقّب عليه، ومن ذلك قول ابن حجر:\n\"إذا نظر المنصف إلى مجموع هذه الطرق علم أن للحديث أصلا، وأنه ليس مما يطرح، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها دون هذه - والله أعلم -\"\nثم قال: \"ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث «من حفظ على أمتي أربعين حديثا» - أخرجه ابن حبان في المجروحين من حديث ابن عباس ١/ ١٣٤، ومن حديث أبي الدرداء ٢/ ١٣٣، وابن عدي في الكامل في الضعفاء من حديث ابن عباس ٣/ ٤٣٦، ومن حديث أبي هريرة ٦/ ٢٥٧، ٧/ ٤٥٤ -\nفقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه- والله أعلم -.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٤١٥.\n(٢) ابن الصلاح، المرجع السابق ٣٤.\n(٣) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.","vol":"1","page":195},{"text":"وقد أوضح ابن حجر ذلك بذكر أمثلة للرواة التي تنجبر روايتهم، وترتقي للحسن بمجيئها من طريق آخر مثلها أو نحوها، فقال في كتابه النزهة:\n\"ومتى توبع السيِّئ الحفظ (١) بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز (٢)، والمستور،\nوالإسناد المرسل (٣)، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه (٤) صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم\n_________\n(١) استشهد ابن حجر لما ذكره بأمثلة لما حسّنه الترمذي في كتابه، فقال:\nمن أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ:\n١ - ما أخرجه في سننه كتاب النكاح، باب ما جاء في مهور النساء، من طريق شعبة عن عاصم ابن عبيدالله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: \"إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - ﷺ -: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟». قال الترمذي: هذا حديث حسن. ٢/ ٤١١ ح (١١١٣).\nوفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة - ﵃ -، وذكر جماعة غيرهم. وعاصم بن عبيدالله ضعفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، وقد حسن الترمذي حديثه هذا لمجيئه من غير وجه كما شرط، والله أعلم.\n٢ - ومن أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ: ما أخرجه في سننه كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي للملم أن يدفع إلى الذمي الخمر ليبيعها، من طريق عيسى بن يونس عن مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد ﵁ قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلمّا نزلت المائدة، فقال رسول الله - ﷺ -: «أهريقوه». قال: هذا حديث حسن. ٢/ ٥٤٤ ح (١٢٦٣).\nقلت: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من غير وجه عن النبي - ﷺ - من حديث أنس، وغيره - ﵃ -\nوذكر ابن حجر غيرها من الأمثلة لأحاديث حسّنها الترمذي لرواة ضُعّفوا لسوء حفظهم وكثرة غلطهم، جاء ما يعضدها من المتابعات والشواهد. ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٨ - ٣٩٢ بتصرف.\n(٢) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه:\n- ما أخرجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيا، من طريق يزيد ابن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة قال: \"صلى بنا المغيرة بن شعبة - ﵁ - فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس فسبح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم\". وقال: \"هكذا صنع رسول الله - ﷺ - \". قال الترمذي: هذا حديث حسن. ١/ ٤٧٤ ح (٣٦٥).\nقلت: \"والمسعودي اسمه: عبدالرحمن وهو ممن وصف بالاختلاط وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط. وإنما وصفه بالحسن لمجيئه من أوجه أخر بعضها عند المصنف أيضا والله أعلم. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٣.\n(٣) من أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد:\n- ما أخرجه في سننه كتاب المناقب، باب مناقب أبي الفضل عم النبي - ﷺ - وهو العباس بن عبدالمطلب - ﵁ -، من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي - ﵁ - قال: \"إن النبي - ﷺ - قال لعمر في العباس - ﵁ -: «إن عم الرجل صنو أبيه». وكان عمر - ﵁ - تكلم في صدقته. وقال: هذا حديث حسن.٦/ ١١٢ ح (٣٧٦٠).\nقلت: \"أبو البختري: اسمه سعيد بن فيروز ولم يسمع من علي - ﵁ - \".\nفالإسناد منقطع ووصفه بالحسن؛ لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره، وأمثلة ذلك عنده كثيرة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٦.\n(٤) من أمثلة ما وصفه الترمذي بالحسن وهو من رواية مدلس قد عنعن:\n- ما أخرجه في سننه كتاب الجنائز، باب ما جاء في أن المؤمن يموت بعرق الجبين، من طريق يحيى ابن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبدالله بن بريدة عن أبيه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"المؤمن يموت بعرق الجبين\". قال: \"هذا حديث حسن\". ٢/ ٣٠١ ح (٩٨٢).\nوقد قال بعض أهل العلم: \"لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة - ﵁ - قلت: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس، وقد روى هذا بصيغة العنعنة، وإنما وصفه بالحسن؛ لأن له شواهد من حديث عبدالله بن مسعود وغيره - ﵃ -\n- ومن ذلك ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجمعة، باب في السواك والطيب يوم الجمعة، من طريق هشيم عن يزيد عن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب - ﵃ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن حقا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة وليمس أحدهم من طيب أهله فإن لم يجد فالماء له طيب\". قال: \"هذا حديث حسن\".١/ ٦٦٢ ح (٥٢٨).\nقلت: \"وهشيم موصوف بالتدليس، لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي\".\nوللمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره - ﵃ - ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٣٩٤ - ٣٩٥ بتصرف يسير.","vol":"1","page":196},{"text":"احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه.\" (١)\nولعل ابن حجر - ﵀- يُشير بعبارته الأخيرة - والتي تفيد توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن على الحديث الضعيف المعتضد بغيره- إلى ما نقله الزركشي وعزاه لابن سيّد الناس، - من أن المتابِع إذا كان بمنزلة المتابَع في الضعف ومساويًا له، فإنه قد يقويه لكنها قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف- فقال:\n\"الحق في هذه المسألة أن يقال: إما أن يكون الراوي المتابِع مساويا للأول في ضعفه أو منحطا عنه أو أعلى منه، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئا وأما مع المساواة فقد\nتقوي، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف، بل الضعيف يتفاوت فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المتابَع، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح، وأما إن كان المتابِع أقوى من الراوي الأول، إن أفادت\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠.","vol":"1","page":197},{"text":"متابعته ما دفع شبهة الضعيف عن الطريق الأول، فلا مانع من القول بأنه يصير حسنًا\". (١)\nفالحديث الضعيف الصالح للاعتبار إذا توبع بما دونه لا يتقوّى، وإذا توبع بمثله يتقوى ويرتقي للحسن لغيره، وعند ابن سيد الناس - يتقوى قوة لا تخرجه عن وصف الضعف، بل يَشترط لوصفه بالحُسن أن يكون المتابِع أقوى منه.\nأما البلقيني فكان رأيه معاكسًا لرأي ابن سيد الناس، حيث أشار إلى أنه: \"لا يقال: ينجبر بأن يُروى من وجه صحيح؛ لأن الكلامَ فيما إذا رُوِي بطرقٍ كلُّ منها مثلُ الأخرى في ذلك الضعف.\" (٢) ومفهوم كلامه أن الضعيف ينجبر بما يماثله في الضعف، أما إن ورد من طريق صحيح، فلا يُقال أنه انجبر به؛ لأن الاعتماد حينئذ على الصحيح. (٣)\nوعليه فإن الضعيف الصالح للاعتبار: - إذا توبع بأقوى منه ارتقى إلى الحسن لغيره عند ابن سيد الناس وابن حجر، ومن وافقهم في ذلك، بينما رأى البلقيني أن الاعتماد في هذه الحالة يكون على الحديث القوي، ولا يُقال أن الضعيف انجبر به.\n- أما إذا تُوبع بمثله فإنه ينجبر ويرتقي إلى الحسن لغيره، بينما عند ابن سيد الناس فإنه يتقوى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعف.\n- وإذا توبع الضعيف الصالح للاعتبار بما هو أدنى منه، فإنه لا يتقوى بذلك ولا ينجبر على ما سبق من كلام نقاد الحديث، .\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ١/ ٣٢٢، قال الزركشي معقِّبا: \"قلت: وهو تفصيل حسن، ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا كان الحديث في الأحكام، فإن كان من الفضائل فالمتابعة فيه تقوم على كل تقدير لأنه عند انفراده مفيد\".\n(٢) البلقيني، محاسن الاصطلاح، ١٠٦.\n(٣) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٨١. وقد ذكر المؤلف رأيه في ذلك فقال: \"وفي نظري أن (الحسن لغيره) ينبغي أن يُقتصر استعماله على الضعيف المعتضد بمثله فقط\".","vol":"1","page":198},{"text":"- فإن جاء هذا الحديث شديد الضعف من طرق متعددة، فهناك من يرقّيه من كونه ضعيفًا منكرًا لا يجوز العمل به بحال إلى الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، حيث قال ابن حجر:\n\"الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث رجح على حديث فرد، فكون الضعف الذي ضَعفُه ناشئٌ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحَسن، والذي ضَعفُه ناشئٌ عن تُهمة أو جهالة إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال.\" (١)\nوقد تتابع بعض تلامذة ابن حجر -﵏- كالبقاعي (٢) والسخاوي (٣) وتبعهم السيوطي (٤) في الإشارة إلى هذا الرأي في كتبهم، وصرّحوا فيه بارتقاء الحديث بمجموع ذلك إلى مرتبة الحسن.\nدون أن يتعقّبوا هذا القول، بل أكّده السيوطي في ألفيته فقال:\n.................. كما ... يَرْقَى إِلى الحُسْنِ الذي قد وُسِمَا\nضَعفًا لِسُوءِ الحِفظِ أَو إِرسَالٍ أو ... تَدليسٍ أو جَهالةٍ إِذا رَأَوا\nمَجِيئَهُ من جِهةٍ أُخرى، وما ... كان لِفِسقٍ او يُرَى مُتَّهَمَا\nيَرْقَى عن الإنكار بالتَّعَدُّدِ ... بل رُبَّما يَصيرُ كالذي بُدِي (٥)\n_________\n(١) ابن حجر، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع، ٧٠.\n(٢) البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٢٤٨.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٧.\n(٤) السيوطي، تدريب الراوي، ١/ ١٩٤، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٠٢٩.\n(٥) السيوطي، ألفية السيوطي، ١٠، وقد تعقّب الشارح ما ذهب إليه السيوطي بقوله: \"وأما اذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لا يرقى الى الحسن، بل يزداد ضعفًا إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف رواياتهم. وبذلك يتبين خطأ المؤلف وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي الى الحسن مع هذه العلة القوية\". السيوطي، المرجع السابق، ١٠. ينظر كذلك: شاكر، الباعث الحثيث، ٤٠. وهناك من أيّد هذا التعقيب فقال: \"وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإن الضعفاء قد يسرق بعضهم من بعض ويشتهر عندهم فقط، ولا نجده في روايات الثقات الأثبات مما لا يزيد الضعيف إلا ضعفا على ضعف.\" فحل، أثر علل الحديث، ٣٦ - ٣٧. وسيأتي مزيد توضيح لمسألة تعدد طرق الحديث الضعيف في الفصل الثالث بإذن الله.","vol":"1","page":199},{"text":"بينما أقوال من سبقه تنفي تقوية الحديث الواهي بكثرة الطرق، منها:\nقول ابن جماعة في المنهل الروي: \"وأما الضعيف لكذب راويه وفسقه فلا ينجبر بتعدد طرقه\" (١)، وكذلك قول ابن رجب في شرحه للعلل: \"وتسمية الحديث الواهي التي تعددت\nطرقه حسنًا، لا أعلمه وقع في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه\" (٢).\nوسيأتي مزيد إيضاح لذلك في الفصل الخاص بالحديث الضعيف بإذن الله.\n\nنخلص مما سبق:\nأنَّ قيد (يُروى من غير وجه) في تعريف الترمذي للحسن عنده، هو ما يُفسّر باشتراط المعاضدة للحديث، وتتنوع هذه المعاضدة بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها.\nولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر.\nوإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد، وضابط ذلك يرجع كما ذكر ابن حجر ﵀: \"إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي\n_________\n(١) ابن جماعة، المنهل الروي، ٣٧ - ٣٨.\n(٢) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٩٤.","vol":"1","page":200},{"text":"يصلح لأن ينجبر، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر. وأما إذا رجح جانب القبول فليس من هذا، بل ذاك في الحسن الذاتي.\" (١)\nفما أُطلِق عليه الحسن لذاته ترجّح فيه جانب القَبول، وإن وُجد عاضد له زادت قوته والتحق بالصحيح لغيره. بينما الضعيف ضعفًا يسيرًا - حيث يستوي فيه الاحتمال بين القبول والرد- هو الذي يحتاج المعاضَدة؛ لترجيح جانب القبول، وهو الذي يَصلُح للانجبار بعكس الضعيف ضعفًا شديدًا حيث ترجّح فيه جانب الرد.\nواختلفوا - في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسنًا لغيره- هل يُشترط فيه أن يكون مساويًا لمرتبة المتابَع أو أعلى منه أو أدنى؟\n- أما في حال كونه أعلى منه وأقوى فهناك من جعله جابرًا للمتابَع وعاضدًا له فيُرقِّيه للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسنًا؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.\n- وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسنًا لغيره.\n- وأما إن كان المتابِع مُنحَطًا عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:\nفي حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفًا شديدًا، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكرًا أو لا أصل له، وأضافوا: \"بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور والسيئ الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.","vol":"1","page":201},{"text":"قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن\" (١)، وفيما قاله - ﵀- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهنًا وضعفًا، وكذلك يخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (٢) والله تعالى أعلم.\nوكان من أكثر ما اُنتقد على الترمذي في تعريفه، اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن، بينما جمع في أحكامه على بعض الأحاديث بين وصفيّ الحسن والغرابة للحديث الواحد، وقد تعددت أجوبة العلماء في توجيه صنيعه ﵀، من ذلك:\n- جواب شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الحديث قد يكون غريبًا في أصله، ثم تتعدد الطرق ... عن التابعي، فيجمع بين الغرابة في الأصل، والحُسن لتعدد طرقه بعد ذلك.\n- وكان جواب ابن رجب بأن المراد أن يُروى معناه من غير وجه، لا بنفس اللفظ، فهذا اللفظ لا يُعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد بغير لفظه.\n- وأجاب ابن حجر بأن الترمذي حين عرَّف الحسن في كتابه اقتصر على نوع خاص، وهو ما يقول فيه (حسن) من غير صفة أخرى.\n- وأجاب أبو الفتح اليعمري بأنّه لا يُشترط في كل حديث يصفه الترمذي بالحسن مجيئه من غير وجه، إنما الذي يحتاج إلى مجيئِه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته.\n- وتوصّل بعض الباحثين إلى أن اشتراط تعدد الطرق في الحديث الحسن عند الترمذي: شرط أغلبي لا كُلّي، واستدل على ذلك بتحسين الترمذي لأحاديث لا يوجد فيها أي مغمز\n_________\n(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٢٤٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ١٩٤، السيوطي، البحر الذي زخر، ٣/ ١٠٢٩.\n(٢) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٨٣.","vol":"1","page":202},{"text":"سوى رواة من\nأهل الصدق قد خفّ ضبطهم، أي أن وصف الحديث بكونه حسنًا عند الترمذي لا يختص بالحسن لغيره، بل يدخل فيه الحسن لذاته (١)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>القيد الرابع: قيد السلامة من الشذوذ والنكارة </span>(٢):\nأولًا: السلامة من الشذوذ:\nسبق الإشارة إلى معاني الشاذ في اللغة والاصطلاح - وذلك عند الحديث عن قيود الحديث الصحيح- وأن الشذوذ في الاصطلاح يتراوح بين معانٍ ثلاثة هي:\nمخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.\nوقد نصّ الترمذي باشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن، لكنه لم يحدد معنى الشذوذ، ولم يصف أي حديث في جامعه بالشذوذ، مما جعل تحديد مراده من هذا الاصطلاح أمرًا صعبًا؛ لا سيما وأن المحدثين لم يتفقوا على تعريف واحد للشذوذ. (٣)\nوقد اجتهد العلماء في تفسير مُراد الترمذي بالشذوذ على ثلاث مذاهب:\n\n- المذهب الأول: تفسيره بالمخالفة (٤)،\n_________\n(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٤٣ - ١٦٤٥.\n(٢) سبق في فصل الحديث الصحيح الكلام عن قيد نفي الشذوذ، وزِيد في قيود الحسن نفي النكارة، والمنكر بمعنى الشاذ عند ابن الصلاح، وسيأتي بإذن توضيح كل مصطلح منهما في فصل مستقل، وبيان أوجه التداخل بينهما.\n(٣) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١٠٦.\n(٤) يرى الدكتور أبو سمحة: أن المراد بالشاذ عند الترمذي: هو مخالفة الراوي -سواء كان ثقةً أو ضعيفًا- للأوثق منه.\nوأضاف الدكتور الدريس إلى ما ذكره أبو سمحة: شرط ألا يكون الجمع بين الحديثين ممكنًا. وقد أضاف الدريس هذا القيد ليجيب عن إشكال تحسين الترمذي لبعض الأحاديث رغم مخالفتها لأحاديث صحيحة، المراجع: ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤. الدريس، ٣/ ١١٣٣، عبدالسلام أبو سمحة، الحديث المنكر، ١٤٩ - ١٥٢.","vol":"1","page":203},{"text":"وقال بذلك كلٌ من: ابن تيمية (١)، والزركشي (٢)، وابن رجب (٣)، وابن حجر (٤).\n- المذهب الثاني: فسّره بالتفرّد: وقال به ابن الصلاح (٥)، ومن سار على نهجه في تلخيص كتابه أو شرحه دون تعقيب، إلا أن الحافظ ابن حجر تعقَّب هذا التفسير لمعنى الشذوذ فقال في كتابه النكت على ابن الصلاح:\n\"قوله (٦): حكاية عن بعض المتأخرين (٧) أنه زعم أن قول الترمذي: ولا يكون شاذا \"زيادة لا حاجة إليها، لأن قوله يُروى من غير وجه يغني عنه، ثم قال: فكأنه كرره بلفظ مباين\".\nأقول: ليس في كلامه تكرار بل الشاذ عنده ما خالف فيه الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر سواء انفرد به أو لمن ينفرد، كما صرح به الشافعي - ﵁ -.\nوقوله: يُروى من غير وجه شرط زايد على ذلك. وإنما يتمشى ذلك على رأي من يزعم أن الشاذ ما تفرد به الراوي مطلقا. وحمل كلام الترمذي على الأول أليق؛ لأن الحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، ولا سيما في التعاريف - والله أعلم\" (٨).\n_________\n(١) \" وأما الحسن في اصطلاح الترمذي فهو: ما روي من وجهين وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة.\" ابن تيمية، الفتاوي، ١٨/ ٣٩.\n(٢) \"احترز بقوله: \"ولا يكون حديثا شاذا\" عن الشاذ، وهو: ما خالف فيه الثقة روايات الثقات\". الزركشي، النكت، ١/ ٣٠٧.\n(٣) \"الظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي - ﷺ - خلافه.\" ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٨٤.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٦.\n(٥) حيث صرّح بذلك في تعريفه للحسن الذي نزّله على تعريف الترمذي، وفسّر نفي الشذوذ بمجيء الحديث أو نحوه من طريق آخر. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.\n(٦) أي الحافظ العراقي، عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ). ينظر: العراقي، التقييد، ٣٩ - ٤٠.\n(٧) يقصد: الحافظ أبي عبدالله علاء الدين مُغلطاي (ت ٧٦٢ هـ). ينظر: مُغلطاي، إصلاح كتاب ابن الصلاح، ٢/ ١٢٢.\n(٨) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٦.","vol":"1","page":204},{"text":"- المذهب الثالث: ما ذهب إليه ابن سيّد الناس حيث جمع بين المعنيين (١) ولم يرجّح أحدهما على الآخر، فقال - بعد أن ذكر معاني الشاذ في الاصطلاح: \"والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ.\" (٢) ثم قال بعد ذلك- وهو يظهر تردده في الجزم بالمراد من الشذوذ في تعريف الترمذي-: \" إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: \"ويُروى من غير وجه نحو ذلك\"، تفسير\n_________\n(١) وهو ما ذهب إليه الدكتور عداب الحمش في كتابه عن منهج الإمام الترمذي في جامعه، فقد تتبع إطلاق الترمذي للفظ (غير محفوظ) -والذي يُعدّ رديفًا للشاذ عند أهل الاصطلاح- على ثمانية وعشرين حديثًا، واستنتج من صنيع الترمذي أنه: استعمل هذا اللفظ استعمالًا يشمل الشاذ والمنكر أو استعمالًا يشمل كل ما يندرج تحت المخالفة وتفرد الضعفاء، ومن يلتحق بهم.\nفمن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الثقات: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الأذان بالليل، من حديث ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: «إن بلالا يؤذن بليل ...» ... ثم قال الترمذي: وروى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: «أن بلالا أذن بليل، فأمره النبي - ﷺ - أن ينادي: إن العبد نام.» قال الترمذي: هذا حديث غير محفوظ، ... وهذا لا يصح، واستدل بقول علي بن المديني بأنه غير محفوظ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة. ١/ ٢٧٦ ح (٢٠٣). وحماد بن سلمة من الثقات. يُنظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢٢٠)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٩).\nومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على مخالفة الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال لدخول مكة، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر قال: «اغتسل النبي - ﷺ - لدخوله مكة بفخ». ٢/ ٢٠٠ ح (٨٥٢).\nومن أمثلة إطلاقه وصف (غير محفوظ) على تفرد الضعيف: ما أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر؟، من حديث سويد بن عبدالعزيز، عن حميد، عن أنس، «استعار النبي - ﷺ - قصعة فضاعت، فضمنها لهم.» قال الترمذي: وهذا حديث غير محفوظ، وإنما أراد عندي سويد الحديث الذي رواه الثوري. ٣/ ٣٣ ح (١٣٦٠).\nوسويد بن عبدالعزيز بن نمير السلمي، أبو محمد الدمشقي، قاضي بلعبك، نقل الذهبي قول البخاري: فيه نظر لا يُحتمل، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة ١٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٧٢ (٢١٩٥)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٠ (٢٦٩٢).\nينظر: الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٣٦ - ٣٤٢.\n(٢) ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.","vol":"1","page":205},{"text":"لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين.\" (١)\nوقد ذهب أحد الباحثين إلى أن الخلاصة من مراد الترمذي بالشاذ هو:\n- أن لا يتفرد الراوي - الذي هو دون الثقة- بالحديث إن كان ممن لا يقوى حاله على التفرّد.\n- وأن لا يخالف الراوي الثقة غيره إن كان ممن يسمح حاله بالتفرّد.\n- وأن لا يعارض هذا الحديث أصلًا من الأصول. (٢)\nما سبق كان بيانًا لبعض الاجتهادات في تفسير مراد الترمذي بنفي الشذوذ في حد الحديث الحسن، أما الخطابي فلم ينص على نفي الشذوذ في تعريفه، لكن قد يُشير إليه قوله: \"يقبله أكثر العلماء\" إذ الشاذ مردود عندهم، ويُضاف إليه ما ذكره البقاعي من أن: \"قول الخطابي: \"ما عرف مخرجه\" يُخرِج المعلل فإنه لم يُعرف مخرجه، والشاذ قسم من أقسام المعلل، والمنكر معلل على كل حال.\" (٣)\nورغم اختصار ابن الجوزي لتعريف الحسن إلا أن مفهوم قوله: \"ما فيه ضعف قريب محتمل\" (٤) يتضمن نفي الشذوذ المُسبب لضعف الحديث ضعفًا لا يُحتمل، هذا عدا أنه أضاف \"ويصلح البناء عليه والعمل\" بينما الشاذ لا يصلح لذلك.\n_________\n(١) ابن سيد الناس، المرجع السابق، ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(٢) ينظر: بلعمري، الشاذ، ٧٢ بتصرّف يسير.\n(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣٢.\n(٤) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.","vol":"1","page":206},{"text":"وماثل تعريف ابن دحية (١) في شقٍ منه تعريف ابن الجوزي مع إضافة شروط في الراوي دون المروي مما حدا بابن حجر للتعقيب بقوله: \"وهو جيد بالنسبة إلى النظر في الراوي لكن صحة الحديث وحسنه ليس تابعا لحال الراوي فقط، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة، فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي لا المجبور على رأي الترمذي، والله أعلم.\" (٢)\nوالفرق بين تعريف ابن الجوزي وابن دحية، أن الأول رغم اختصاره إلا أنه كان عامًا شاملًا للراوي والمروي على حد سواء، بينما الثاني جعل الضعف خاصًا بالراوي، فتعقّبه ابن حجر لذلك، والله أعلم.\nأما ابن القطان فمما \"يؤخذ عليه في تعريفه أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى (٣) إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة.\" (٤)\nوقد استنتج الدكتور أكرم بلعمري معنى الشذوذ عند ابن القطان عن طريق دراسة آرائه وأقواله في المسائل المتعلّقة تعلّقًا وطيدا بمبحث الشاذ، كزيادة الثقة وتعارض الوصل\n_________\n(١) قال ابن دحية ﵀: \"الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق\". ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(٣) ينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٥ - ٢٦.\n(٤) الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠، وستأتي الإشارة إلى بعض آرائه في العلل غير المؤثرة على صحة الحديث، في قيد السلامة من العلة.","vol":"1","page":207},{"text":"والإرسال والوقف والرفع، فمن خلال ذلك - كما ذكر- حدّد مفهوم الشاذ عند ابن القطان الفاسي بأنه:\n\"مخالفة الراوي لغيره مخالفة منافية يلزم من قبولها ردّ رواية الأحفظ أو رواية الجماعة. ويتوسع في ذلك فيشمل مخالفة الضعيف، فإن رُدّت مخالفة الثقة بالقرينة فمن باب أولى تُردّ مخالفة الضعيف بها.\" (١)\n\nأما من جاء بعد ابن الصلاح:\n- فهناك من لم يصرح بنفي الشذوذ في حدّ الحديث الحسن؛ إلا أنه داخل في مفهوم تعريفه، ومن ذلك:\nتعريف ابن جماعة (٢)، إذ اكتفى بنفي العلل، والشذوذ نوع منها، (٣) وكذلك ابن الملقّن في كتابه التذكرة (٤)، فإن نفي الشذوذ داخل في تعريفه المجمل، خاصة أنه اكتفى بذكر تعريف واحد مجمل للحسن، ويريد به الحسن لذاته، وأشار فيه إلى موضع الافتراق بين الصحيح والحسن بشيء من الدقة حيث حصر ذلك في ضبط الراوي، أما ما عدا ذلك فيبقى كما\n_________\n(١) بلعمري، الشاذ، ١١٤. ينظر ما ذكره من آراء ابن القطان في هذه المسائل. المرجع السابق، ١١١ - ١١٤.\n(٢) \"ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن\". ابن جماعة، المنهل، ١٠٣.\n(٣) فقد أوضح ابن الصلاح أن مما يُستعان بع في معرفة العلل وجود التفرد أو المخالفة من الراوي فقال: \"ويستعان على إدراكها - أي: العلل- بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.\n(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٤.","vol":"1","page":208},{"text":"اشترطه في تعريفه للصحيح من سلامة الإسناد والمتن من الطعن، والشذوذ يطعن في سلامتهما.\n- وهناك من صرّح بنفي الشذوذ عن قسم واحد من أقسام الحديث الحسن دون الآخر، حيث صرّح بنفيه عن الحسن لذاته ابن حجر في تعريفه (١)، وتبعه الشّمُني في ذلك، وزاد في وصف راويه بقوله: \"وارتفع عن حال من يُعدّ تفرده منكرًا\" (٢).\nأما ما يخص تعريف الحسن لغيره، فإذا حملنا معنى الشذوذ على ما اعتمده ابن حجر واختاره في النخبة، وهو: مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، فإن الشذوذ إنما يكون في أحاديث الثقات، والحسن لغيره في أصله ضعيف انجبر بمثله أو نحوه فلم يصرّح بنفي الشذوذ فيه.\nوفي حال فُسِّر الشذوذ بالمعنى الثاني الذي عزاه ابن حجر لبعض أهل الحديث-وهو: تفرد الراوي سيِّئ الحفظ، - فإن تعريفه للحسن لغيره يتضمنه، وإن لم يصرّح به؛ لأن من شروطه في الحسن لغيره أن يكون ضعفه مُنجبِرًا، ويُتابَع بمُعتَبر، فاشتراط المتابِع المُعتبر هنا ينفي التفرّد، وبالتالي ينتفي الشذوذ بانتفاء التفرّد، والله أعلم.\n- أما ابن الصلاح - ومن تبعه وسار على نهجه- فالشذوذ عندهم على قسمين: \"أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (٣)\nوالحسن عنده على قسمين كذلك، وفي تعريفه نفى الشذوذ عن القسمين كليهما (الحسن لذاته ولغيره)، ويظهر أنه أراد في كل قسم معنى للشذوذ دون الآخر.\n_________\n(١) ينظر: السخاوي، الجواهر والدرر، ٢/ ٩١٣ - ٩١٤.\n(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ١٧٣.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩.","vol":"1","page":209},{"text":"ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي، وقال فيه: \"ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا ... \"، فهو هنا صرّح بأن نفي الشذوذ مرادف لقوله \"ويُروى من غير وجه\" أي أنه نفي للتفرد.\nبينما في القسم الثاني، والذي نزّله على تعريف الخطابي، اشترط في راويه أن يكون من مرتبة من لا يُستنكر تفرّده، فقال: \"وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا\"، والشذوذ والنكارة عند ابن الصلاح بمعنى واحد، فإذا كان تفرّد رواة هذا القسم لا يُعدّ منكرًا ولا شاذًا، فيُحمل اشتراط نفي الشذوذ هنا على المعنى الثاني الذي قرره من معاني الشاذ اصطلاحًا، وهو المخالفة، والله تعالى أعلم. (١)\n\nثانيًا: السلامة من النكارة (٢):\nالنكارة تأتي في اللغة بمعنى: الدهاء، والأمر الشديد أو الصعب، والنكرة: خلاف المعرفة، والمنكر: ضد المعروف.\nونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه، ولم يعترف به لسانه. (٣)\n_________\n(١) \"فقوله: \"يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرا\" احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكرًا، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة.\" السليماني، الجواهر، ٨٢.\n(٢) سيأتي الحديث بالتفصيل عن المنكر في الفصل الخاص به بإذن الله.\n(٣) ينظر مادة (نكر): الفراهيدي، العين، ٥/ ٣٥٥، ابن فارس، المقاييس، ٥/ ٤٧٦، الرازي، المختار، ٣١٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٤٨٧.","vol":"1","page":210},{"text":"والمنكر في الاصطلاح: عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ حيث قال: \"المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ؛ فإنه بمعناه\" (١).\nأما ابن حجر فقد عرّف الشاذ ثم أتبعه بتعريف المنكر فقال: \" وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر\" (٢)، فالمنكر عنده: ما رواه الضعيف مخالفًا به من هو أولى منه.\nوأشار كذلك إلى الإطلاقات الأخرى للمنكر، ومنها: إطلاقهم المنكر على مجرد التفرد، إلا أنه ذكر معيارًا لذلك فقال: \"حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده\" (٣)، ويُشير بذلك إلى اختلاف الحكم بالنسبة للحديث الفرد، فليس كل تفرد منكر (٤)، ثم أعقب كلامه ببيان موطن الاختلاف بين المنكر والشاذ فقال:\n\"وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط، لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط، فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد في تسميته.\nوأما انفرد المستورُ، أو الموصوفُ بسوء الحفظ، أو المضعفُ في بعض مشايخه دون بعض، بشيء لا متابعَ له ولا شاهدَ، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.\nوإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠.\"أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف\".\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٦.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.\n(٤) سيأتي الحديث عن الفرد، وأنواع الأفراد بإذن الله في فصل مستقل.","vol":"1","page":211},{"text":"فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة، والله أعلم\". (١)\nوخلاصة كلامه: أن الراوي الصدوق إذا كان ضبطه في مرتبة رواة الصحيح والحسن، ثم خالف من هو أرجح منه فيُحكم على روايته بالشذوذ، وهذا هو المعتمد في تسمية الشاذ.\nوإذا كان ضبط الراوي الصدوق أقل مما يُشترط في الصحيح أو الحسن ثم تفرّد بالرواية، فروايته شاذة على قول، فإن خالف هذا الراوي من هو أولى منه كان شذوذه أشد، وهناك من يحكم بالنكارة على هذه الرواية. (٢)\nأما الراوي الضعيف في بعض شيوخه أو الموصوف بسوء الحفظ (٣) أو المستور-بمعناه عند ابن حجر (٤) - إذا تفرّد بالرواية، فروايته منكرة على قول كثير من أهل الحديث، وإذا خالف بروايته من هو أولى منه، فهذا هو القسم الثاني من المنكر، وهو المعتمد عند الأكثرين.\nويظهر من كلام ابن حجر﵀- أن الراوي كلما نزلت مرتبته عن الرواة المتقنين-رواة الصحيح والحسن- وضعف ضبطه، كان المعتمد عند الأكثر إطلاق النكارة على تفرده أو مخالفته؛ لذا فرّق بين رواة الشاذ والمنكر، فذكر أن المعتمد إطلاق الشاذ على رواية المقبول إذا خالف من هو أولى منه، وإطلاق النكارة على رواية الضعيف إذا وقعت منه المخالفة للأَولى.\n_________\n(١) ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٦٧٤ - ٦٧٥.\n(٢) فهذا جزء مشترك - في إطلاقات العلماء- بين الشاذ والمنكر، يأتي تفصيله في كل من: الفصل الخاص بالشاذ، وكذلك الفصل الخاص بالمنكر، وبيان أوجه التداخل بينهما بإذن الله.\n(٣) وقد أشار أيضًا إلى ان سوء حفظ الراوي \"إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.\" ابن حجر، النزهة، ١٢٩.\n(٤) والمستور عند ابن حجر مرادف لمجهول الحال، وهو: من روى عنه اثنان فصاعدا، ولم يوثق. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١٢٦.","vol":"1","page":212},{"text":"وبتأمل تعريف ابن الصلاح للصحيح وللحسن، نجده:\n- نفى الشذوذ في حدّ الصحيح، إذ راوي الصحيح يكون على درجة عالية من الثقة والضبط فغالبًا لا يُستنكر منه التفرّد.\nبينما في تعريفه للحسن: قرن نفي الشذوذ بالنكارة في قسميّ الحسن.\n- ففي القسم الذي نزّله على تعريف الترمذي: قال: \"ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر أو أكثر حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله، أو بما له من شاهد، وهو ورود حديث آخر بنحوه، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا ومنكرا ... \"\nفجعل نفي الشذوذ والنكارة ثمرة لاشتراط تعدد طرق الحديث ومجيئه من طريق آخر. (١)\n- بينما في القسم الذي نزّله على تعريف الخطابي صرّح بأن راويه في مرتبة من لا يُعدّ تفرده منكرًا، وقوله هذا يُعدُّ نفيًا ضمنيًا للنكارة التي هي بمعنى التفرد، ثم إن تكراره لنفي النكارة في حد الحسن بقوله: \"ويعتبر في كل هذا - مع سلامة الحديث من أن يكون شاذا ومنكرا - سلامته من أن يكون معللا.\" (٢) إما أن:\nيُحمل على التأكيد، أو على المعنى الآخر للنكارة وهي المخالفة، وبهذا يكون قد نفى النكارة عن قسمي الحديث الحسن كليهما.\n_________\n(١) مما يدعم هذا، ما توصّل إليه الدكتور عبدالجواد حمام في المراد بالمنكر عند الترمذي. المراجع: حمام، التفرد، ٤٨٨، التركي، الحديث المنكر ٦٧.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١.","vol":"1","page":213},{"text":"- أما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الصحيح ولا في الحسن، وعلّل ذلك بقوله: \"أن المنكر على قسميه عند من يخرجُ الشاذَّ هو أشد ضعفا من الشاذ. فنسبة الشاذ من المنكر نسبة الحسن من الصحيح فكما يلزم من انتفاء الحسن عن الإسناد انتفاء الصحة؛ كذا يلزم من انتفاء الشذوذ عنه انتفاء النكارة\" (١).\nوكذلك فإن تعريف المنكر عنده هو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وكونه لم يشترط في تعريف الحسن لذاته نفي النكارة؛ لأن رواة الحسن لذاته ليسوا ضعفاء، إنما هم في مرتبة تقلّ قليلًا عن مرتبة رواة الصحيح عنده.\nأما الحسن لغيره فمن شروطه أن يكون ضعفه منجبرًا؛ بينما المنكر لا ينجبر في جميع أحواله؛ إذ يتراوح عنده بين تفرّد ضعيف لا يُحتمل تفرّده- ففي هذه الحالة لم يتحقق شرط المتابعة - وبين ضعيف خالف من هو أولى منه، وكليهما لا ينجبران، فانتفى شرط النكارة باشتراط انجبار الضعف؛ لذا لم يكن هناك داعٍ لاشتراطه في حد الحسن عند ابن حجر، والله أعلم.\nنخلص مما سبق:\nأن من المعاني التي يأتي بها الشذوذ في اللغة معنى التفرّد، والمخالفة، وهي كذلك في الاصطلاح، وقد استعمل ابن الصلاح المعنيين في تعريف الشاذ اصطلاحًا -إذ جعله على قسمين- بينما اختار ابن حجر لتعريف الشاذ أنه: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، وذكر أنه هو المعتمد عند أهل الاصطلاح (٢)، وفرّق بين الشاذ والمنكر خلافًا لابن الصلاح الذي جعلهما بمعنى واحد.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.\n(٢) وأشار إلى الإطلاقات الأخرى للشذوذ والنكارة والتي يتداخل بعضها مع الآخر.","vol":"1","page":214},{"text":"واختلف من جاء بعد الترمذي في تفسير معنى الشذوذ في تعريفه للحسن، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.\nفبالنسبة لاشتراط نفي الشذوذ في تعريفات الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها اشتراط نفي الشذوذ إما نصًا أو مفهومًا، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به، والله أعلم.\nأما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعًا لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.\nأما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعًا لاشتراطه ذلك في الصحيح.\nواشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبرًا، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفًا عنده من الشاذ، (١) والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القيد الخامس: قيد السلامة من العلّة:</span>\nسبق الحديث عن قيد السلامة من العلة ضمن قيود الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل، ولا بأس بشيء من الإيجاز في الإشارة إلى\n_________\n(١) سيأتي مزيد إيضاح في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.","vol":"1","page":215},{"text":"معنى العلة لغة واصطلاحًا، فالعلة في اللغة: تتراوح معانيها بين المرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. (١)\nوفي الاصطلاح، العلة: سبب خفي غامض يقدح في صحته (٢)، وهي غالبًا ما يُكشف عنها في الأحاديث التي ظاهرها الصحة، حيث قال ابن الصلاح: \"الحديث المعلل هو الحديث الذي اُطُّلِع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.\nويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.\" (٣)\nوسبقه إلى ذلك الحاكم بقوله: \"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (٤)\nفالعلة تتطرق إلى الحديث الذي ظاهره الصحة بشكل عام، وقد أشار ابن الصلاح إلى أنها قد تُطلق على غير ذلك فقال: \"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من\n_________\n(١) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٣ - ١٤، الرازي، المختار، ٢١٦.\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠، ابن حجر، النزهة، ٧٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٤.\n(٣) ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٠.\n(٤) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣. قال الخطيب البغدادي: \"والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.\" الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.","vol":"1","page":216},{"text":"العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح.\" (١)\nوبالنظر إلى اشتراط هذا القيد في حد الحديث الحسن:\n- فإن الترمذي حين عرّف الحسن عنده لم يُصرّح بنفي العلة، واكتفى بنفي الشذوذ، وهو نوع من العلل الخفية، والذي يُقاس عليه ما يشبهه من أنواع الضعف الشديد غير المنجبر، فيُفهم من ذلك اشتراطه نفي ما يُعِلُّ الحديث ويضعفه بما لا ينجبر بمجيئه من طريق آخر (٢)؛ خاصة وأن الترمذي \"إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثًا فيه علة يعلمها\" (٣).\n- أما الخطابي فإن قوله: \" (ما عرف مخرجه) يُخرِج المعلل، فإنه لم يعرف مخرجه\" (٤)، وتبعه الميانشي وزاد بقوله: \"فإنه يحسن الاحتجاج به\" والحديث المعلل يرده النقاد ولا يحتجون به.\nوابن الجوزي اشترط أن يكون الضعف في الحديث محتملًا، والعلة تقدح في صحة الحديث فلا يُحتمل ضعفه.\n_________\n(١) ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٠.\n(٢) أما الضعف المنجبر كرواية الضعيف بسبب سوء حفظه، أو غفلته أو خطئه، أو رواية من سمع من مُختلِط بعد اختلاطه، أو رواية مدلس قد عنعن، أو حديث فيه انقطاع في سنده، فقد ذكر ابن حجر أمثلة لما وصفه الترمذي بالحُسن وهو من هذا القبيل.-سبق ذكرها في قيد المعاضدة- ينظر: ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٨ - ٣٩٩.\n(٣) ينظر: السليماني، الجواهر، ٧٧، ولعل عدم تصريحه بنفي العلة في تعريفه للحسن؛ لأن مفهوم العلة يتّسع عند نقاد الحديث؛ ليشمل السبب القادح وغير القادح، والخفي والظاهر، والمنجبر وغير المنجبر، فاكتفى الترمذي بنفي الشذوذ؛ لكونه من العلل الخفية القادحة، والضعف الذي لا ينجبر، ويُقاس عليه مثله من الضعف غير المنجبر، والله أعلم.\n(٤) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣٢.","vol":"1","page":217},{"text":"والحديث الحسن عند ابن القطان أعلى من الضعيف، وهو يَردُّ الحديث لوجود جَرْح مُفسّر في الراوي، فمن باب أولى أن يردّه لوجود علة تقدح في صحته. (١)\n- أما ابن الصلاح فإنه حين عرّف الحسن جعله على قسمين:\nنزّل أحدهما على تعريف الترمذي، والآخر على تعريف الخطابي، وممن جاء بعده من فهم منه اشتراط نفي العلة عن القسمين كليهما، واشترط القيد فيهما، وهناك من اقتصر على اشتراطه في الحسن لذاته دون الحسن لغيره.\nفَمِن مَن فهم اشتراط ابن الصلاح -السلامة من العلة في الحديث الحسن بقسميه-:\nابن جماعة (٢)، وتبعه الطيّبي (٣)، وكذلك العراقي حيث قال في ألفيته:\n\"وقال بان لي بإمعان النظر ... أن له قسمين كل قد ذكر\nقسما، وزاد كونه ما عللا ... ولا بنكر أو شذوذ شملا\" (٤)\n_________\n(١) قال محقق كتابه مشيدًا بتحقيق ابن القطان لمسألة التدليس-وهو نوع خفي من الانقطاع يندرج ضمن علل الحديث، -: \"كلام المؤلف على التدليس كلامٌ متقن، نقله الأئمة، واحتفوا به، وتفريقه بين التدليس والإرسال تفريق غوّاص على المعاني ... \" الحسين آيت سعيد، من مقدمة تحقيقه لكتاب بيان الوهم، ١/ ٢٧١.\nوأشار الدريس إلى أن مما \"يؤخذ على ابن القطان في تعريفه للحسن: \"أنه لم يتعرّض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى هذه الأمور موجبة لضعف الحديث وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن، لكن عُرِف ذلك في مواضع أخرى إلا أن له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة.\" الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠.\nمن أمثلة هذه الآراء: قول ابن القطان في تعليقه على الحديث رقم (١٠٢٢): \"وهو أيضا مضطرب المتن، وذلك علة، لا كالاضطراب في الإسناد، فإنه لا ينبغي أن يعد علة، وإن رآه المحدثون علة.\" ابن القطان، بيان الوهم، ٣/ ٢٧٥.\nومما خالف فيه جمهور العلماء أنه: \"علل بالإرسال عددًا من الأحاديث رواها الصحابة، كحديث جابر أن جبريل أتى النبي - ﷺ - ليلة الإسراء، وحديث المسيب بن حزن في ذكره قصة وفاة أبي طالب عم الرسول - ﷺ -، وغير ذلك.\" بوعيّاد، تحسين الحديث، ٢٥٩. ينظر: ابن القطان، المرجع السابق، ٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧ ح (٤٦٥)، ٢/ ٤٧٠ ح (٤٦٧).\n(٢) \" ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان\" ابن جماعة، المنهل، ١٠٣.\n(٣) مُسند من قَرُب من درجة الثقة أو مُرسَل ثقة، ورُوِي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شذوذ وعلة. الطيبي، الخلاصة، ٤٥.\n(٤) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٥٤.","vol":"1","page":218},{"text":"ومن شرحها بعده أوضح هذا المفهوم، حيث قال البقاعي: \" (وزاد كونه ما عللا) إلى آخره، نفي العلة، والنكارة زيادة على كل منهما\" (١).\nوقال السخاوي في شرحه لألفية العراقي: \" (وزاد) أي ابن الصلاح في كل منهما (كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ) أي: بكل منهما\" (٢)، بل صرّح السخاوي في تعريفه لمطلق الحسن- والذي ضم قسميه- باشتراط السلامة من العلة في القسمين معًا (٣).\nأما ابن حجر فقد اعترض على اشتراط السلامة من العلة في الحسن لغيره، فقال متعقّبًا تعريف ابن جماعة: \"اشتراط نفي العلة لا يصلح هنا؛ لأن الضعف في الراوي علة في الخبر والانقطاع في الإسناد علة الخبر، وعنعنة المدلس علة في الخبر، وجهالة حال الراوي علة في الخبر، ومع ذلك فالترمذي يحكم على ذلك كله بالحسن إذا جمع الشروط الثلاثة (٤) التي ذكرها، فالتقييد بعدم العلة يناقض ذلك والله أعلم.\" (٥)\nويدل تعقّب ابن حجر لابن جماعة دون ابن الصلاح، على أنه يرى أن ابن جماعة هو من زاد هذا القيد في الحسن لغيره، وأن تعريف ابن الصلاح لا يتضمنه، وإلا كان الأولى أن يتعقّب ابن الصلاح؛ لأنه العمدة في ذلك.\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٢٣١.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩١.\n(٣) حيث قال: \"وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدوق الضابط المتقن غير تامهما، أو بالضعيف بما عدا (المفسِّق (كالكذب (إن لم يفحش خطأ سيِّئ الحفظ (إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة\" السخاوي، فتح المغيث، ما بين المعقوفتين من طبعة دار المنهاج ١/ ١٢٥.\n(٤) ابن حجر يرى أن الحسن عند الترمذي لا يقتصر على رواية المستور \"بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف، فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة وهي:\n١ - أن لا يكون فيهم من يتهم بالكذب.\n٢ - ولا يكون الإسناد شاذا.\n٣ - وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدا، وليس كلها في المرتبة على حد السواء بل بعضها أقوى من بعض\". ابن حجر، النكت، ١/ ٣٨٧.\n(٥) ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٠٧.","vol":"1","page":219},{"text":"وبالنظر إلى اشتراط السلامة من العلة في الحديث الحسن:\n- فأمّا ما يخص الحسن لذاته-والذي يدخله بعضهم ضمن مراتب الصحيح، - فإن اشتراط خلوه من العلة تابع لاشتراط ذلك في الصحيح؛ لأن العلة تطعن في الصحة، واشتراط ذلك ظاهر أو مفهوم في تعريف ابن الصلاح ومن سبقه أو لحقه.\n- وأما تعريف الحسن لغيره، والذي فيه ضعفٌ انجبر بالمعاضدة بمثله أو نحوه، فإن اشتراط خلوه من العلل قد يُلبِس من جهة اصطلاحهم بأن العلة تتطرق إلى الإسناد الذي ظاهره الصحة، بينما إسناد الحديث الحسن لغيره في أصله ضعيف، وإنما يكتسب القوة من الاعتضاد، وهذا الاعتضاد - كما جاء في قيد المعاضدة- قد يُخرج الحديث عن حيّز الضعف، وقد يُقويه قوة لا تخرجه عنه؛ لذا أجد أن اعتراض ابن حجر على اشتراط السلامة من العلة - في تعريف الحسن لغيره، والذي نُزِّل على تعريف الترمذي- وجيهًا، وأن الرد عليه بأن العلة حسب الاصطلاح رد ضعيف (١)؛ لأن نفي العلة بالمعنى الاصطلاحي غير متحقق في الحسن لغيره، حيث ظاهره الضعف، والعلة إنما تتطرق للحديث الذي ظاهره الصحة، هذا من جهة.\nومن جهة أخرى: فإن نفي العلة بمعناها اللُّغوي - الذي يشمل كل ما يُمرض الحديث- غير ظاهر كذلك في الحديث الحسن لغيره؛ لأنه يُوصَف بكونه ضعيف ضعفًا منجبرًا،\nحيث يكون ضعفه إما بسبب الانقطاع في السند أو الإرسال أو سوء حفظ الراوي، ونحو ذلك، مما يُعده نقاد الحديث من العلل الظاهرة التي يُعلّ بها الحديث، وإن كان الاصطلاح قد استقرّ على حصر تعريف العلة بالعلل الخفية القادحة.\n_________\n(١) ينظر: تعقّب محققيّ كتاب النكت على ابن الصلاح، سواء في طبعة الجامعة الإسلامية، ١/ ٤٠٧، أو طبعة الميمان، ٢٢٥.","vol":"1","page":220},{"text":"قال الدكتور الدريس: \"والذي أراه أن اشتراط نفي العلة لا يصلح في الحديث المعتضد بمثله، والُحسَّن بمجموع طرقه الضعيفة، وذلك لأن العلة ميدانها الحقيقي أحاديث الثقات المحتج بهم ولا أدلّ على ذلك من قولهم في تعريفها (مع أن الظاهر السلامة منها) والأحاديث المضعفة بسبب سوء حفظ رواتها أو جهالتهم أو لانقطاع في أسانيدها يُعدّ السبب القادح فيها ظاهرًا وليس غامضًا أو خفيًا\" (١)\nفاشتراط نفي العلة عن الحسن لغيره غير متوجّه على المعنى الاصطلاحي للعلة ولا على المعنى العام لها؛ ولعل ذلك هو الذي حذا بابن حجر - ﵀- بأن يعترض على اشتراط الخلو من العلة في حدّ الحسن لغيره، ويرى أن اشتراط الضعف المحتمل فيه كافٍ عن اشتراط نفي العلة، والله أعلم.\nنخلص مما سبق:\nالعلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، وإن استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة (٢).\nوبالنظر إلى اشتراط سلامة الحديث الحسن من العلة، فسواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط نفيها في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، وقد سبق معنا - في قيد المعاضدة- أن المعاضدة\n_________\n(١) الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٩٨ - ٢١٩٩.\n(٢) سيأتي مزيد تفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل بإذن الله.","vol":"1","page":221},{"text":"قد تقوي الحديث الضعيف قوة لا تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي الضعف الشديد غير المنجبر، وفي نفي الترمذي للشذوذ في حده للحديث الحسن، إشارة إلى نوع من أنواع الضعف غير المنجبر والذي يُقاس عليه مثله. خاصة وأن الترمذي \"إمام من أئمة نقد الحديث وبيان علله، ولا يمكن أن يُحسِّن حديثًا فيه علة يعلمها\" (١)، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح:</span>\nوبتأمل القيود الزائدة في التعريفات السابقة واللاحقة لابن الصلاح نجدها قد ذكرت قيد (اتصال السند)، وقد سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عنه ضمن قيود تعريف الصحيح، وإنما يتم تحريره هنا بما يخص اشتراطه في الحديث الحسن، وعلاقته بنوعيه (لذاته ولغيره).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قيد اتصال السند في تعريف الحديث الحسن </span>(٢):\nالاتصال من الوصل، وهو ضد الانقطاع، ومتصل السند: \"ما سلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه.\" (٣)\nوبتأمل تعريفات الحديث الحسن السابقة لابن الصلاح أو اللاحقة:\n_________\n(١) ينظر: السليماني، الجواهر، ٧٧.\n(٢) سبق في فصل الحديث الصحيح الحديث عن قيد اتصال السند.\n(٣) ابن حجر، النزهة، ٧٠.","vol":"1","page":222},{"text":"نجد بعضًا ممن جاء بعد ابن الصلاح قد صرّح باشتراط اتصال السند في قسم الحديث الحسن -الموسوم بالحسن لذاته- كالطيبي (١)، وابن حجر (٢)، وتبعه الشمّني، والسخاوي، بينما اشترطه ابن جماعة في الحسن بقسميه -كما يظهر من تعريفه (٣) - وقد تعقّبه ابن حجر في ذلك، فقال بأن: \"قيد الاتصال إنما يُشترط في رواية الصدوق الذي لم يوصف بتمام الضبط والإتقان، وهذا هو الحسن لذاته، وهو الذي لم يتعرض الترمذي لوصفه. بخلاف القسم الثاني الذي وصفه، فلا يشترط الاتصال في جميع أقسامه كما قررناه\". (٤)\nأما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم اشتراط الاتصال من تعريف بعضهم ضمنًا، من ذلك:\nتفسير قول الخطابي: (عُرف مخرجه) بكون سنده لم يفقد الاتصال ظاهرا - كالانقطاع، والإرسال، ونحوهما- ولا خفيا، كالتدليس.\nوقيل: عُرف مخرجه من حيث كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا. كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده، كقتادة ونحوه في البصريين، فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه، كان مخرجه معروفا بخلافه عن غيرهم، وذلك كناية\n_________\n(١) حيث قال: \"مُسند من قَرُب من درجة الثقة\". الطيبي، الخلاصة، ٤٥.\n(٢) إذ الحسن لذاته كالصحيح في شروطه وقيوده، وإنما يفترقان في درجة ضبط راويهما.\n(٣) \" ولو قيل الحسن كل حديث خال من العلل وفي سنده المتصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان\". ثم اختصره بقوله: \" ما اتصل سنده وانتفت علله في سنده مستور وله شاهد أو مشهور غير متقن\". ابن جماعة، المنهل، ٣٦.\n(٤) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٨.","vol":"1","page":223},{"text":"عن الاتصال; إذ المرسل والمنقطع والمعضل - لعدم بروز رجالها - لا يعلم مخرج الحديث منها. (١)\nهذا بالإضافة إلى أن الخطابي أعلّ أحاديث وضعّفها -في شرحه لسنن أبي داود- لعلة الانقطاع في سندها. (٢)\nوكذلك يُفهم من تعريف ابن القطان اشتراطه للاتصال، فقد خصّ وصف الحسن عنده ببيان حال الراوي ودرجته دون التطرق لشروط الإسناد الأخرى من الاتصال، ونحوه، إلا أنه قد صرّح في كتابه بتضعيف الحديث الذي يفقد سنده الاتصال فقال: \"والضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب مما سكت عنه، هو ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال.\" (٣)\nومما يدلل على عناية ابن القطان باتصال الإسناد، وتعليل بعض الأحاديث بالانقطاع أنه عنون لباب في كتابه بيان الوهم بقوله: \"باب ذكر أحاديث أوردها (٤) على أنها متصلة وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها\" ثم سرد تحته الطرق التي يستدل بها على وجود الانقطاع فقال:\n\"اعلم أن ما أذكره في هذا الباب من انقطاع الأحاديث، هو مدرك من إحدى أربع جهات:\n_________\n(١) المراجع: ينظر: العراقي، التقييد، ٤٤، البقاعي، النكت، ١/ ٢٢١، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٨٦، والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم. الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.\n(٢) سبق ذكر أمثلة على ذلك في فصل الحديث الصحيح، ينظر: الخطابي، معالم السنن، ١/ ٩٤، ٤/ ٧، ٣/ ٢٥٩.\n(٣) ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ٢٥ - ٢٦.\n(٤) يريد: أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتابه الأحكام.","vol":"1","page":224},{"text":"الأولى: قول إمام من أئمة المحدثين: هذا منقطع، لأن فلانا لم يسمع من فلان، فنقبل ذلك منه ما لم يثبت خلافه.\nالثانية: أن توجد رواية المحدث عن المحدث، لحديث بعينه بزيادة واسطة بينهما، فيقضى على الأولى التي ليس فيها ذكر الواسطة بالانقطاع، وسنزيد هذا شرحا إذا انتهينا إليه.\nالثالثة: أن تعلم من تاريخ الراوي والمروي عنه أنه لم يسمع منه.\nالرابعة: أن يكون الانقطاع مصرحا به من المحدث، مثل أن يقول: حُدثت عن فلان، أو بلغني، إما مطلقا، وإما في حديث [حديث].\" (١)\nوكذلك يُفهم من تعريف ابن دحية (٢)، ومن استدراك ابن حجر عليه؛ اشتراطه الضمني للاتصال، حيث جوّد ابن حجر تعريفه، وجعله صالحًا لتعريف الحسن لذاته في حال تم إضافة قيد نفي الشذوذ والنكارة إليه، فقال: \"فإذا اعتبر في مثل هذا سلامة راويه الموصوف بذلك من الشذوذ والإنكار كان من أحسن ما عرف به الحديث الحسن الذاتي\" (٣).\nومن ثمَّ فإن اشتراط الاتصال تصريحًا أو ضمنًا يُعدّ لازمًا للتأكد من حال رواة الإسناد، من حيث قبول روايتهم أو ردّها، وإنّ انقطاع السند ظاهرًا أو خفيًا يحول دون ذلك، ويؤدي للجهالة بحال الساقط منه، لذا فإن من عرّف الحسن باشتراط وصف معين لرواته، وضمّ إلى ذلك نفي العلل، فإن اتصال السند يستتبع ذلك ضمنًا، ليخلو من جميع أنواع\n_________\n(١) ابن القطان، بيان الوهم، ٢/ ٣٧١. يُنظر ما ذكره من أمثلة تحت هذا الباب.\nقال الدكتور خالد - فيما يخص اشتراط الاتصال وغيره في تعريف ابن القطان-: \"لم يتعرض للاتصال أو عدم الشذوذ والسلامة من العلة، ولكن يُجاب على ذلك بأن ابن القطان يرى أن هذه الأمور موجبة لضعف الحديث، وإن كان لم يذكر هذا في كلامه على الحسن لكن عُرِف ذلك من كلامه في مواضع أخرى إلا أنه له بعض الآراء الخاصة تخالف جمهور المحدثين في العلة\". الدريس، الحديث الحسن، ٤/ ١٦٧٠.\n(٢) \"الحديث الحسن هو: ما دون الصحيح مما فيه ضعف قريب محتمل عن راو لا ينتهي إلى درجة العدالة، ولا ينحط إلى درجة الفسق\" ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣١٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(٣) ابن حجر، المرجع السابق ١/ ٤٠٥.","vol":"1","page":225},{"text":"الانقطاع الظاهر أو الخفي، التي تحول دون تحقق شرطي معرفة حال الراوي، وانتفاء العلة، وينطبق على ذلك تعريف ابن الصلاح للقسم الثاني من الحسن، الذي نزّله على تعريف الخطابي، والذي يوصف بالحُسن لذاته؛ إذ لم يشترط فيه مجيئه من وجه آخر. والله أعلم.\nوتجدر الإشارة أن ما سبق من اشتراط اتصال السند في الحديث الحسن، إنما يخص الحسن لذاته، أما ما يُحمل تعريفه على الحسن لغيره، والذي هو في أصله ضعيف ضعفًا مُنجبرًا تقوّى بمجيئه من وجه آخر، فإن كان سبب الضعف انتفاء شرط الاتصال، فينبغي الإشارة إلى أن ارتقاءه للحسن لغيره يكون حسب قابلية هذا الانقطاع للانجبار وعدمه، فمن أنواع الانقطاع ما ينجبر ومنها ما لا ينجبر، \"فالذي يصلح للشواهد ما كان من قسم المنقطع الاصطلاحي، لا المعضل ولا المعلق إذا كان الساقط فيه أكثر من واحد، والله أعلم.\" (١)\nنخلص مما سبق:\nأن وصف الحديث بالحُسن، والذي يُعدّ من أدنى مراتب الصحيح يستلزم اتصال سنده، وقد ظهر ذلك في التعريفات الخاصة بالحسن لذاته، إما صراحة أو ضمنًا، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ ان بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر.\n_________\n(١) السليماني، الجواهر، ٧٨. سيأتي تفصيل أنواع الانقطاع في فصل الحديث الضعيف.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف:</span>\n- بعد سرد التعريفات والاطلاع على ما كتبه السابقون عن المراد بالحديث الحسن، فإن أقدم من عرّف الحسن كمصطلح (١)\n- تكاد تدور أغلب التعريفات على بيان درجة راوي الحديث الحسن، وتحديد درجته من حيث الجرح والتعديل بين درجات الصحيح نزولًا إلى ما يُضعّف به الراوي ضعفًا يسيرًا منجبرًا بغيره، فكان أن قسّم ابن الصلاح الحسن إلى قسمين:\nجعل رواة قسم منه من المشهورين بالصدق والإتقان شهرة تقصر قليلًا عن شهرة رواة الصحيح.\nوالقسم الآخر يكون في إسناده مستور لم تتحقق أهليته، إلا أنه لم يُتهم بالكذب، ولم يُتصفّ بالغفلة وكثرة الخطأ، ... ومن كانت هذه حاله يحتاج حديثه للمعاضدة بالمتابعة أو الشواهد ليرتقي حديثه إلى الحسن.\nوهذا ما دعا ابن حجر لتسمية الأول بالحسن لذاته، والثاني الحسن لغيره.\nقيود الحديث الحسن:\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٥ - ٣٦.","vol":"1","page":227},{"text":"- قيد الشهرة للراوي بالصدق والأمانة، وهي مرتبة رواة الحسن لذاته، فلا تقل مرتبتهم عن درجة الشهرة بالصدق والأمانة، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان قصورًا لا يُستنكر به حديث الراوي حال انفراده بالإسناد.\nوهذا القيد يُقابل اشتراط العدالة مع تمام الضبط في شروط الحديث الصحيح، فالشهرة المطلوبة في رواة الحسن لذاته هي درجة متوسطة في الإتقان والضبط، عبّر عنها ابن حجر بخفة الضبط.\nوشهرة الرواة درجات: أعلاها شهرة بالعدالة والإمامة والحفظ، تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، ثم شهرة تقصر في ضبطها عن رواة الصحيح، ثم مطلق الشهرة دون تقييد بوصف معيّن، وتُفيد رفع جهالة العين عن الراوي، وكثرة الرواة عنه، لكنها لا تُفيد تعديله.\nوممن ورد وصف الرواة بالشهرة في تعريفه للحديث الحسن: الخطابي، والميانشي، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لذاته)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة.\nوتتفاوت أحاديث هؤلاء الرواة في القوة بين الصحة والحُسن، إلا أنها في الأغلب تقصر عن درجة الصحيح المتفق عليه.\n\n- قيد الستر للراوي: يتنوع المراد بستر الرواة حسب القرينة والسياق، فإذا اقترن بوصف الصدق والأمانة أُريد به التوسط في الحفظ والإتقان، وكان كالقيد السابق في مقابلة رواة الصحيح من حيث نزول ضبطه قليلًا عن رواة الصحيح، وإذا أُريد بالستر المعنى الاصطلاحي من خفاء أمره وقلة الرواة عنه أو اختلاف النقاد بين تعديله أو تجريحه، فهو في أدنى مراتب التعديل، وحديثه في أصله ضعيف إنما يرتقي إلى الحسن لغيره في حال مجيئه من طرق أخرى تعضده.","vol":"1","page":228},{"text":"وممن ورد وصف الرواة بالستر في تعريفه للحديث الحسن: ابن القطان، وابن الصلاح في أحد قسميّ الحسن (الحسن لغيره)، ومن اختصر تعريفه كالنووي، وابن كثير، وابن جماعة.\n- وتجدر الإشارة إلى أن: أدنى درجات الشهرة هي وصف الراوي بالشهرة مُطلقًا دون تقييده بأي وصف آخر، ويدل ذلك على رفع جهالة العين، بينما يظل حاله من حيث العدالة أو الجرح مجهولًا، وهذا يتداخل مع وصف الراوي بالستر مطلقًا، فالمستور معروف العين مجهول الحال، وعلى هذا فإن (مطلق الشهرة) و(مطلق الستر) يجتمعان في معرفة عين الراوي مع جهالة حاله من حيث عدم وجود أقوال لأئمة الجرح والتعديل في بيان درجة عدالته أو ضبطه، أو كونه ممن اُختلِف فيه، ولم يترجّح أمره فتظل حاله مجهولة إلا أن الفرق بين مطلق الشهرة ومطلق الستر إنما هو في عدد الرواة عنهما، ففي المستور روى عنه اثنان فأكثر- لكن لم يبلغ الرواة عنه عددًا يُشهرون به أمره (١) بينما \"المشهور بحال من الأحوال لا بد من أن يكون روى عنه تلك الحال من بلغوا الكثرة التي تُصيّره في عداد المشهورين فلا يكون حينئذ مجهول العين\" (٢).\n- قيد المتابعة والمعاضدة، والمراد به: أن يُروى الحديث من غير وجه، وتتنوع بين المتابعات والشواهد سواء باللفظ أو بالمعنى، والغرض منها تقوية الأحاديث وجبر ضعفها.\nولا يُشترط في المعاضدة عدد معين، بل يكفي على الراجح مجيئه من طريق آخر، وإنما يُشتَرط صلاحيتها للاعتبار والاعتضاد.\n_________\n(١) يؤيد ذلك ما جاء عن الخطيب البغدادي في وصفه للمجهول حيث قال: \"المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد\" الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.\n(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٦٢٦.","vol":"1","page":229},{"text":"واختلفوا في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسنًا لغيره.\n- ففي حال كون المعاضِد أعلى وأقوى فهناك من جعله جابرًا، فيرتقي به الضعيف للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسنًا؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.\n- وأما في حال كون المتابَع والمتابِع متساويين ومتماثلين في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، واعتبر آخرون أنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسنًا لغيره.\n- وأما إن كان المتابِع مُنحَطًا عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:\nفي حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفًا شديدًا، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكرًا أو لا أصل له، وفيما ذهبوا إليه - ﵏- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهنًا وضعفًا، ويخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. (١) والله أعلم.\n- قيد السلامة من الشذوذ والنكارة:\nنص الترمذي على اشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن عنده، واختلف من جاء بعده في تفسير مراده بالشذوذ، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.\n_________\n(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٨٣.","vol":"1","page":230},{"text":"وبالنسبة لغير الترمذي، واشتراطهم نفي الشذوذ في تعريف الحسن: فإن غالب التعريفات يدخل فيها ذلك إما نصًا أو مفهومًا، ويتردد فيها المعنى المراد بالشذوذ -بين التفرّد أو المخالفة- حسب السياق أو نوع الحسن -لذاته أو لغيره- الوارد به.\nأما بالنسبة لاشتراط نفي النكارة في تعريفات الحسن: فإن ابن الصلاح قد صرّح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعًا لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.\nأما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعًا لاشتراطه ذلك في الصحيح.\nواشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبرًا، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفًا عنده من الشاذ، والله أعلم.\n- قيد السلامة من العلة:\nإن اشتراط السلامة من العلة في تعريف الحديث الحسن سواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح، ويُشكل اشتراط ذلك في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، والحديث هنا ضعيف جُبر بالمتابعة والمعاضدة بمثله، والمعاضدة قد تقوي الحديث الضعيف قوة لا تخرجه من حيّز الضعف عند بعضهم؛ لكن قد يوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي: الضعف الشديد غير المنجبر، وممن صرّح بهذا الشرط في تعريفه للحسن (لذاته ولغيره) ابن الصلاح - على الراجح- وابن جماعة، والطيبي، والسخاوي، أما ابن حجر فقد اشترطه في الحسن لذاته، وتبعه الشمني.\nأما من جاء قبل ابن الصلاح فلم يُصرّحوا بهذا الشرط في تعريفهم للحديث الحسن، وإنما فُهم ذلك ضمنًا من شروطهم الأخرى.","vol":"1","page":231},{"text":"- من القيود الزائدة على تعريف ابن الصلاح، قيد اتصال السند، فكل من جاء بعد ابن الصلاح اشترط هذا القيد في قسم الحسن لذاته، بينما لم يُشترط هذا الشرط في الحسن لغيره، والذي اكتسب وصف الحُسن بمجموع طرقه، إذ أن بعض أنواع انقطاع السند تُجبر بمجيء الحديث من طريق آخر.\nأما من جاء قبل ابن الصلاح، فقد فُهِم هذا الشرط من تعريفات بعضهم، كالخطابي، وابن القطان، وصنيعهما في نقد الأحاديث يدل عليه.\n\n- إن المتأمل لقيود الحديث الحسن يجدها تتقابل مع قيود الصحيح، فاشتراط شهرة الرواة بالصدق والأمانة - في قسم الحسن لذاته- يقابله اشتراط العدالة والضبط في رواة الصحيح، بحيث يكون رواة الصحيح في أعلى درجات العدالة والضبط بينما يقصر رواة الحسن لذاته في درجة الضبط عن التمام.\nوكذلك الأمر بالنسبة لاشتراط ستر الرواة في الحسن لغيره، فهو يقابل اشتراط العدالة والضبط في الصحيح؛ إلا أن مرتبة راوي الحسن لغيره تصل إلى أدنى مراتب التعديل، شريطة ألا ينزل عمن يُجبر حديثه بمجيئه من وجه آخر.\n- وجاء شرط المعاضدة لجبر النقص الحاصل في قيد العدالة والضبط عند رواة الحسن، أو لجبره في بعض أنواع الانقطاع، ونجد أن ابن الصلاح في القسم الموسوم بالحسن لغيره، لم يذكر أنواع الحديث الضعيف بسبب الانقطاع (كالمرسل والمنقطع والمعضل، ولم يذكر المختلط ..) وإنما وصف الراوي بكونه مستورًا، وأوضح مراده بالستر، بأن الراوي لم تتحقق أهليته، أي لم يترجّح جانب ضبطه للرواية، ولم ينزل إلى درجة المتروك والمردود، ونجد في كلا القسمين تركيز ابن الصلاح على تحديد درجة الراوي ومدى ضبطه وإتقانه، ولم يتطرّق لشرط الاتصال، ولكنه عاد ونفى الشذوذ والعلة، وفي","vol":"1","page":232},{"text":"هذا ملحظ لانتفاء العلل الظاهرة من باب أولى كأنواع الانقطاع؛ لأن الانقطاع جهالة بالراوي الساقط، وبالتالي جهالة بحاله.\nوإن كان المستور كما تم إيضاحه في تحرير القيد يشمل درجات من الرواة، فهنا ابن الصلاح وضع حداّ أدنى وأعلى للراوي، فلا يكون مشهورًا- معتنٍ بالرواية والضبط، وإن قَصُر فلا يصل إلى حد الاتهام بالكذب والتغفيل وكثرة الخطأ، والله أعلم.\nقال الذهبي في الموقظة:\n\"ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك! فكم من حديث تردد فيه الحفاظ: هل هو حسن؟ أو ضعيف؟ أو صحيح؟ بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده في الحديث الواحد: فيوما يصفه بالصحة، ويوما يصفه بالحسن، ولربما استضعفه!\nوهذا حق، فإن الحديث الحسن يستضعفه الحافظ عن أن يرقيه إلى رتبة الصحيح. فبهذا الاعتبار فيه ضعف ما، إذ الحسن لا ينفك عن ضعف ما. ولو انفك عن ذلك، لصح باتفاق\". (١)\nوبكلام الذهبي نختم فصل الحديث الحسن، وننتقل للفصل الثالث، وتحرير ثالث أنواع علوم الحديث عند ابن الصلاح، وهو: الحديث الضعيف.\n_________\n(١) الذهبي، الموقظة، ٢٨ - ٢٩.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>الفصل الثالث: الحديث الضعيف</span>\nالمبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الأول: تعريف الضعيف لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>المطلب الأول: تعريف الضعيف لغة:</span>\nالضعيف من الضُّعف أو الضَّعف - بضم الضاد وفتحها-: خلاف القوة والصحة، ويُستعمل في ضعف الجسد، وكذلك في ضعف العقل والرأي. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المطلب الثاني: تعريف الضعيف اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nعند البحث عن حدّ الحديث الضعيف قبل ابن الصلاح نجد أن بعضهم اكتفى بتعريف الصحيح بينما عرّف آخرون الحسن، ولم يضعوا حداّ للضعيف؛ ولعلهم -بتعريف الصحيح والحسن- يشيرون إشارة ضمنية إلى أن ما خلا من هذه القيود فهو حديث مردود.\nفقد أشار ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي، إلى مصنفات بعض أئمة الحديث ونقاده، وأن منهم من أفرد الصحيح كالبخاري ومسلم، ومنهم من لم يشترط الصحة، وجمعوا الصحيح وما يقاربه، لكنهم لم يتكلموا على الصحيح والضعيف، ثم قال: \"وأول من علمناه بيَّن ذلك عيسى الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) - ﵀ - وقد بين في كلامه هذا أنه لم يسبق إلى ذلك\" (٢)، فقد أكثر الترمذي ﵀ من إطلاق الحكم - بالصحة أو الحُسن أو الغرابة أو الضعف -على الأحاديث في جامعه، واكتفى ببيان مراده بالحسن في كتابه -كما سبق في الفصل الماضي- وبيان أنواع الغريب عند المحدثين (٣)، وكان ﵀ إمامًا\n_________\n(١) ينظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٢٨١، الرازي، مختار الصحاح، ١٨٤، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ٨٢٩، الزبيدي، تاج العروس، ٢٤/ ٤٨.\n(٢) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٤٥.\n(٣) الترمذي، الجامع، ٦/ ٢٥١.","vol":"1","page":235},{"text":"من أئمة العلل، استفاد كثيرًا مما ذكره في كتاب العلل في آخر جامعه ممن سبقوه من أئمة الحديث ونقاده، وأكثر النقل عن شيخه البخاري (١)، في تعليل الأحاديث، وبيان أوجه ضعفها، وأشار إلى تفاوت الرواة في مراتب التعديل والتجريح، وأسباب ضعف بعضهم، ومن يُحتج به ومن لا يُحتج، ولعل هذا ما دعا ابن رجب -حسب علمه- للقول بأن الترمذي هو أوّل من تكلّم في الصحيح والضعيف، وميّز بينهما في كتابه.\nثم نجد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) عرّف الصحيح وأتبعه بالحسن ثم قال: \"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها، فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره، فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته\". (٢) وهو بذلك ذكر أنواعًا من الحديث السقيم -الضعيف- دون أن يذكر حدًا له (٣).\nوكذا الحاكم (ت ٤٠٥ هـ) في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" ذكر النوع التاسع عشر من علوم الحديث وهو معرفة الصحيح والسقيم، ... \" (٤)، وقد استطرد في بيان الصحيح\n_________\n(١) قال الترمذي: \"وما كان فيه من ذكر العلل في الأحاديث والرجال والتاريخ فهو ما استخرجته من كتاب التاريخ، وأكثر ذلك ما ناظرت به محمد بن إسماعيل، ومنه ما ناظرت عبدالله بن عبدالرحمن، وأبا زرعة، وأكثر ذلك عن محمد، وأقل شيء فيه عن عبدالله وأبي زرعة.\nولم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد ابن إسماعيل.\" الترمذي، المرجع السابق ٦/ ٢٢٩.\n(٢) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦.\n(٣) ولقد ضعّف الخطابي في كتابه معالم السنن أحاديث لأسباب عدة، سبق ذكر أمثلة منها في فصل الحديث الصحيح، فمنها ما ضعفها بسبب انقطاع في السند، ينظر: الخطابي، المرجع السابق ١/ ٩٤، ٤/ ٧، ٣/ ٢٥٩.\nوهناك أحاديث ضعّفها لوهم رواتها واضطرابهم. ينظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٦، ٣/ ١٥٤، ٤/ ٥٤.\nوضعّف أحاديث لما ظهر له من علة فيها، ينظر: المرجع السابق، ٣/ ٩٥، ١/ ١٧٥.\n(٤) الحاكم، معرفة علوم الحديث، ٥٨.","vol":"1","page":236},{"text":"وتعريفه وأمثلته ولم يذكر تعريفًا للسقيم -الضعيف- اكتفاءً بتمييز الصحيح، فبالضدِّ تتميّز الأشياء (١).\nأما ابن القطان (ت ٦٢٨ هـ) فبعد أن عرّف الحسن - في كتابه \"بيان الوهم والإيهام\"، وجعله في منزلة متوسطة بين الصحيح والضعيف (٢) - لم يذكر حداّ للضعيف بل ذكر أمثلة عليه فقال: \"الضعيف الذي أنبه عليه إن شاء الله في هذا الباب ... هو، ضعيف إما بضعف راو من رواته، وإما بكونه مجهولا البتة عينه وحاله، وإما بالانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال ... \" (٣) ثم أشار إلى أنه اجتهد حسب ما غلب على ظنه في تمييز الضعيف عن الصحيح والحسن فقال: \"ولست أدعي - فيما أنبه عليه في جميع هذا الباب، وأزعم أنه ليس بصحيح أو حسن، ... أني مصيب فيما ذهبت إليه من ذلك، ولكنه مبلغ علمي، بعد بحث يغلب لأجله الظن.\" (٤)، وهو بتعريفه للحسن ميَّز بينه وبين الضعيف، وجعل الضعيف أدنى منزلة منه.\n_________\n(١) نجد أنه في كتابه المدخل إلى الإكليل، والذي ألّفه سابقًا على كتابه المعرفة، ذكر أقسام الصحيح وجعلها على عشرة أقسام، خمسة متفق عليه، وخمسة مختلف فيها، ثم أتبعها بذكر أنواع الجرح والمجروحين، وجعلهم على عشر طبقات. ينظر: الحاكم، المدخل إلى الإكليل، .\n(٢) كما سبق في فصل الحديث الحسن، حيث قال: \"ونعني بالحسن، ما له من الحديث منزلة بين منزلتي الصحيح والضعيف\" ابن القطان، بيان الوهم، ٤/ ١٣.\n(٣) ابن القطان، المرجع السابق ٤/ ٢٥ - ٢٦ باختصار.\n(٤) المرجع السابق، ٢٧.","vol":"1","page":237},{"text":"تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\n\"كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف.\" (١)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nلقد دارت أغلب تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح للحديث الضعيف حول اختصار تعريف ابن الصلاح وإعادة صياغته، أو الاقتصار على بيان مرتبة الضعيف مما سبقه، ومن أبرزها:\nتعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) حيث عرّف الضعيف بأنه: \"ما نقص عن درجة الحسن\" (٢)، وقد حدد هذا النقصان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في تعريفه - في كتاب الموقظة (٣) - فقال: \"ما نقص عن درجة الحسن قليلًا\" (٤)، وقريب منه ما نظمه العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤١، وقد ذكر الزركشي الاعتراض الذي وُجّه لهذا التعريف بقوله: \"اعترض عليه بأنه لا حاجة إلى ذكر الصحيح لأن ما قصر عن الحسن فهو على الصحيح أقصر\" ثم رد على هذا الاعتراض، إلا أن ابن حجر تعقّب رد الزركشي وأيّد الاعتراض على ابن الصلاح فقال: \"والحق أن كلام المصنف معترض؛ وذلك أن كلامه يعطي أن الحديث حيث ينعدم فيه صفة من صفات الصحيح يسمى ضعيفا، وليس كذلك؛ لأن تمام الضبط مثلا إذا تخلف صدق أن صفات الصحيح لم تجتمع، ويسمى الحديث الذي اجتمعت فيه الصفات سواه حسنا لا ضعيفا.\" إلا أن السيوطي تعقّب اعتراض ابن حجر فقال: \"في صدر الكلام نظر؛ لأنه إنما كان يرد عليه ذلك لو اقتصر على قوله لم يجتمع فيه صفات الصحيح، أما وقد ضم إليه قوله (ولا صفات الحسن) فكيف يعطي ذلك؟ \". المراجع: ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٢، السيوطي، البحر، ٣/ ١٢٨٦.\n(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١١.\n(٣) أشار محقق الكتاب الدكتور عبدالفتاح أبو غدة -﵀- إلى أن كتاب الموقظة للذهبي هو اختصار لكتاب الاقتراح لابن دقيق العيد، وإن لم يُشر الذهبي إلى ذلك في كتابه. ينظر: عبدالفتاح أبو غدة \"مقدمة الطبعة الأولى\" ٦، من تحقيقه لكتاب الذهبي، الموقظة، .\n(٤) الذهبي، المرجع السابق ٣٣. ثم أوضح ذلك بقوله: \"فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في \"السنن\" وفي كتب الفقهاء\" وقد ذكر أمثلة للرواة الضعفاء غير المتروكين ينظر: المرجع السابق، ٣٤.","vol":"1","page":238},{"text":"ألفيته بوصف الضعيف بأنه: \"ما لم يبلغ مرتبة الحسن\" (١)، وعبّر عن ذلك السيوطي (ت ٩١١ هـ) بقوله: \" هو الذي عن صفة الحسن خلا\" (٢).\nأما ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) فقد لخّص تعريف ابن الصلاح، فقال في المقنع: \"هو كل حديث لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا الحسن\" (٣)، ثم أكّد ذلك في كتابه التذكرة بقوله: \"والضعيف ما ليس واحدًا منهما\" (٤)، أي: لم تتوفر فيه شروط الصحيح، ولا شروط الحسن.\nبينما عرّف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) الضعيف بقوله: \"كل حديث لم تجتمع فيه صفات القبول\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nدارت أغلب تعريفات الحديث الضعيف لبيان حده على نفي صفات الصحيح والحسن وشروطهما أو ما يُطلق عليها بشروط القَبول، وعددها ستة (٦) ذكرها العراقي في شرح ألفيته حيث قال: \"وشروط القبول هي شروط الصحيح والحسن، وهي ستة:\n_________\n(١) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٦.\n(٢) السيوطي، الألفية، ١٢.\n(٣) ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٠٣.\n(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٤.\n(٥) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٢، واُعتبِر هذا التعريف للحديث الضعيف أسلم من الاعتراض، وأخصر من تعريف ابن الصلاح، حيث قال الدكتور عبدالكريم الخضير: \"فإنه أسلم من الاعتراضات الواردة على تعريف ابن الصلاح في جمعه بين صفتي الحسن والصحة. كما أنه أخصر؛ إذ جمع اللفظين في لفظ واحد، وأسلم من تعريف العراقي ومن تبعه في اقتصاره على صفة الحسن، إذ قد يكون الحديث صحيحًا وليس بحسن كما ذكر ذلك جماعة\". الخضير، الحديث الضعيف، ٦٠.\n(٦) أضاف ابن حجر لها شرطًا آخر فقال: \"من جملة صفات القبول التي لم يتعرض لها شيخنا أن يتفق العلماء على العمل بمدلول حديث، فإنه يقبل حتى يجب العمل به. وقد صرح بذلك جماعة من أئمة الأصول.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٤.\nو\"ينبغي التفريق بين الحكم بصحة الحديث وبين قبوله والعمل به؛ وذلك أن التصحيح على مقتضى الصناعة الحديثية شيء وقبول الحديث شيء آخر، فإذا وجد حديث مثل هذا فهو مقبول يعمل به لكنه لا يسمى صحيحا، ورحم الله الحافظ ابن حجر حيث قال: \"لأن اتفاقهم على تلقي خبر غير ما في الصحيحين بالقبول ولو كان سنده ضعيفا يوجب العمل بمدلوله\" - المرجع السابق، ١/ ٣٧٢ - فقد أشار ﵀ إلى العمل ولم يتكلم عن الصحة الاصطلاحية\" فحل، علل الحديث، ٤٢ - ٤٣.","vol":"1","page":239},{"text":"- اتصال السند.\n- وعدالة الرجال.\n- والسلامة من كثرة الخطأ والغفلة. (١)\n- ومجيء الحديث من وجه آخر حيث كان في الإسناد مستور لم تعرف أهليته، وليس متهما كثير الغلط- أو ما عبّر عنه بعض من جاء بقولهم: \"العاضد عند الاحتياج\"-. (٢)\n- والسلامة من الشذوذ.\n- والسلامة من العلة القادحة.\" (٣)\nفإذا انتفت صفة أو أكثر من صفات القَبول، صار الحديث ضعيفًا مردودًا، فالضعيف إنما هو نتاج انتفاء صفة أو أكثر من صفات القبول، أو بمعنى أدق: ما لم تجتمع فيه شروط\n_________\n(١) قال ابن حجر: \"والتعبير باشتراط الضبط أولى\". ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٩٣.\n(٢) أضاف ابن حجر: \"وكذا إذا كان فيه ضعيف بسبب سوء الحفظ، أو كان في الإسناد انقطاع خفيف أو خفي، أو كان مرسلا. كما قررنا ذلك في الكلام على الحسن المجبور.\" ولخّص ذلك كلٌ من البقاعي والسخاوي بقولهم: ووجود العاضد عند الاحتياج إليه. المراجع: ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ١/ ٤٩٣، البقاعي، النكت، ١/ ٣٠٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٢٦.\n(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٦ - ١٧٧ باختصار.","vol":"1","page":240},{"text":"القَبول (١)، وبالنظر إلى هذه الشروط يمكن صياغة مسببات الضعف أو مسالك الضعف إلى الحديث (٢) على النحو الآتي:\n- السقط في السند أو نفي اتصاله.\n- الطعن في عدالة الرواة أو أحدهم.\n- الطعن في ضبط الرواة أو أحدهم.\n- انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار.\n- الشذوذ المردود. (٣) (تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه) (٤)\n_________\n(١) \"تبعًا لتخلف أي صفة من صفات القبول يتنوع الضعيف، فهو أنواع كثيرة، أوصله ابن حبان إلى خمسين قسمًا إلا واحدًا، والعراقي إلى اثنين وأربعين قسمًا، كما أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وستين قسما، وأوصلها آخر إلى مائة وتسعة وعشرين قسمًا باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود؛ وإن لم يتحقق وجودها. وبلغت في إحصاء بعضهم إلى خمسمائة وإحدى عشرة صورة\". الخضير، الحديث الضعيف، ٦٠ - ٦١. ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ١٧٩، البقاعي، النكت، ١/ ٣١٠، السيوطي، التدريب، ١/ ١٩٦، أبو شهبة، الوسيط، ٢٧٦.\n\"السبب في الحكم على الحديث بالضعف لفقد أحد شروط القبول فباجتماع هذه الشروط ينهض الدليل الذي يثبت أن الحديث قد أداه رواته كما هو، فإذا اختل واحد منها فقد الدليل على ذلك.\nوهنا يتضح لنا احتياط المحدثين الشديد في شروطهم لقبول الحديث، حيث جعلوا مجرد فقد الدليل كافيا لرد الحديث والحكم عليه بالضعف، مع أن فقد الدليل ليس دليلا محتما على الخطأ أو الكذب في رواية الحديث، مثل ضعف الحديث بسبب سوء حفظ الراوي وغلطه مع صدقه وأمانته، فإنه لا يعني أنه قد أخطأ فيه حتما، بل يحتمل أن يكون قد أصاب، لكن لما طرأ هذا التخوف القوي من وقوع الخطأ فيه حكمنا عليه بالرد.\nكذلك ضعف الحديث بسبب فقد الاتصال فإنه يضعف للجهالة بحال الواسطة المفقودة، فيحتمل أن يكون من الثقات وأن يكون من الضعفاء، وعلى فرض أنه ضعيف فإنه يحتمل أن يكون أخطأ فيه أو حرفه ... فأخذ المحدثون بعين الاعتبار احتمال الاحتمال، وجعلوا ذلك قادحا في قبول الحديث، وذلك غاية ما تكون الحيطة المنهجية في النقد العلمي.\" عتر، منهج النقد، ٢٨٦ - ٢٨٧.\n(٢) سمّاها الدكتور عبدالكريم الخضير \"مسالك الضعف إلى الحديث\" وبعد أن عددها قال: \"هكذا عدد بعض العلماء أسباب الضعف، لكن الحافظ ابن حجر﵀- حصر أسباب الضعف في سببين رئيسيين، هما:\n١ - السقط في السند،\n٢ - الطعن في الراوي. ولا فرق بين هاتين الوجهتين؛ إذ إن الشذوذ داخل في مخالفة الثقات التي هي من أوجه الطعن في الراوي، والعلة داخلة في وهم الراوي، وهو كذلك\" الخضير، الحديث الضعيف، ٦٣.\n(٣) تقييد وصف الشذوذ بكونه مردودًا؛ وذلك للاختلاف في تعريف الشذوذ، وما يترتب على ذلك من أثر في قبول الحديث أو رده، وقد سبق الإشارة إلى ذلك في قيد نفي الشذوذ في الحديث الصحيح وفي الحديث الحسن، ويأتي تفصيله - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.\n(٤) زاد بعضهم قيد: (وتعذّر الجمع بينهما). السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤.","vol":"1","page":241},{"text":"- وجود العلة القادحة (١) في القبول.\nوكل سبب من هذه الأسباب سيأتي بيانه وتفصيله، وتجدر الإشارة -قبل الخوض في تفاصيلها- إلى تفاوت مراتب رواة الضعيف، وتفاوت الضعف من حيث خفته وشدته، وقد أشار الذهبي في كتابه الموقظة إلى ذلك فقال: \"فآخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف، أعني الضعيف الذي في \"السنن\" وفي كتب الفقهاء، ورواته ليسوا بالمتروكين: كابن لَهِيعَة (٢)، وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم (٣)،\nوأبي بكر بن أبي مريم الحمصي (٤)، وفرج بن فضالة (٥)، ورِشْدين (٦)، وخلق كثير.\" (٧)\n_________\n(١) تقييد العلة بالقادحة؛ لإخراج ما قد يعتبره بعضهم علة لكنها ليست قادحة في صحة الحديث وقبوله، كالنسخ حيث اعتبره الترمذي علة في الحديث إلا أن النسخ ليس دليل ضعف في الحديث، وذلك لوجود أحاديث صحيحة لكنها منسوخة، قال العراقي: \"أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مل إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة، \" ومن باب التأكيد بأن المراد في هذا الفصل ما يقدح في صحة الحديث وقبوله، ورده لضعفه. المراجع: يُنظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٢.\n(٢) عبدالله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبدالرحمن المصري الفقيه القاضي، نقل الذهبي في الكاشف تضعيفه، وقال: \"العمل على تضعيف حديثه\"، قال ابن حجر: \"صدوق، خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون\" قال ابن حبان: \"أما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه ففيها مناكير كثيرة وذاك أنه كان لا يبالي ما دُفِع إليه قراءةً سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المُدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه لما فيه مما ليس من حديثه\" قال ابن عدي: \"حديثه حسن كأنه يستبان عمن روى عنه، وهو ممن يكتب حديثه\". مات سنة ١٧٤ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ١٣، ابن عدي، الضعفاء، ٥/ ٢٥٣ (٩٧٧)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩٠ (٢٩٢٩)، ابن حجر، التقريب، ٣١٩ (٣٥٦٣). ابن الكيال، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، ٤٨١ (٢٥).\n(٣) عبدالرحمن بن زيد بن أسلم القرشي العدوي مولاهم، المدني، قال ابن حبان: \"كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف فاستحق الترك\"، وقال الذهبي: \"ضعفوه\"، وقال ابن حجر: \"ضعيف\" مات سنة ١٨٢ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٥٧، ابن عدي، الضعفاء، ٥/ ٤٤١ (١١٠٥)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٢٨ (٣١٩٦)، ابن حجر، التقريب، ٣٤٠ (٣٨٦٥).\n(٤) أبو بكر بن عبدالله بن أبي مريم الغساني، قيل اسمه: بكير وقيل: عبدالسلام، قال ابن حبان: \"من خير أهل الشام، ولكنه كان رديء الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه، لم يفحش ذلك منه حتى استحق الترك، ولا سلك سنن الثقات حتى صار يحتج به فهو عندي ساقط الاحتجاج به إذا انفرد\"، وقال ابن عدي: \"الغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه عليه الثقات وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه ولكن يكتب حديثه.\" قال الذهبي: \"ضعفوه، له علم وديانة\"، وقال ابن حجر: \" ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط\". مات سنة ١٥٦ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١٤٦، ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٢١٣ (٢٧٧)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٤١١ (٦٥٢٦)، ابن حجر، التقريب، ٦٢٣ (٧٩٧٤).\n(٥) فرج بن فضالة بن النعمان التنوخي، أبو فضالة الشامي الحمصي، قال ابن حبان: \"كان ممن يقلب الأسانيد، ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به\"، وقال ابن عدي: \" وهو مع ضعفه يكتب حديثه\"، وقال الذهبي: ضعفه الدارقطني وغيره، وقواه أحمد\"، وقال ابن حجر: ضعيف. مات سنة ١٧٦ هـ، وقيل: ١٧٧ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٠٦، ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ١٤١ (١٥٧٤)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٢٠ (٤٤٤٦)، ابن حجر، التقريب، ٤٤٤ (٥٣٨٣).\n(٦) \"رِشْدين اثنان: أحدهما: رشدين بن كريب، مولى ابن عباس. والثاني: رشدين بن سعد المصري.\nوكلاهما ضعيف فهذه الترجمة من الأسماء ليس فيها ثقة، فيما نعلم.\" ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٧٤، وقد رجّح الدكتور أبو غدّة في تحقيقه للموقظة بأن المراد هو الثاني.\nرِشْدين بن سعد بن مفلح بن هلال المهري، أبو الحجاج المصري، وهو رشدين بن أبى رشدين، قال ابن حبان: \"كان ممن يجيب في كل ما يسأل ويقرأ كل ما يدفع إليه سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه\" وقال ابن عدي: \"وهو مع ضعفه يكتب حديثه\"، قال الذهبي: \"قال أبو زرعة ضعيف، كان صالحا عابدا محدثا سيِّئ الحفظ\" قال ابن حجر: \"ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث\" مات سنة ١٨٨ هـ. ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٣٠٣، ابن عدي، الضعفاء، ٤/ ٨٥ (٦٦٩)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٩٧ (١٥٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٢٠٩ (١٩٤٢).\n(٧) الذهبي، الموقظة، ٣٣ - ٣٤.","vol":"1","page":242},{"text":"ثم أتبع الضعيف بنوع المطروح، وعرَّفه بأنه: \"ما انحط عن رتبة الضعيف\" (١)، فالضعيف الذي عناه بدايةً هو الذي يلي الحسن في المرتبة حيث عرّفه بأنه: \"ما نقص عن درجة الحسن قليلا\" (٢) بينما هناك الضعف الشديد، والذي هو أدنى من الضعف\nالخفيف، وأعلى من الموضوع، وسمّاه المطروح (٣) ثم أتبعه بنوع الموضوع، وهو أشدّها ضعفًا. (٤)\n_________\n(١) الذهبي، المرجع السابق، ٣٤.\n(٢) الذهبي، المرجع السابق، ٣٣.\n(٣) وعدَّد أمثلة على رواته منهم: عمرو بن شمر، وصدقة الدقيقي، وحفص بن عمرو العدني، ثم قال: \"وأشباه ذلك من المتروكين والهلكى، وبعضهم أفضل من بعض.\" الذهبي، المرجع السابق، ٣٥. ينظر: العوني، شرح موقظة الذهبي، ٥٦ - ٥٨، عمرو عبدالمنعم سليم، شرح الموقظة، ٤٣ - ٤٤.\n(٤) قال ابن الصلاح: \"وهو المختلق المصنوع. اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨. وسيأتي بإذن الله مزيد بيان للموضوع في الفصل الخاص به.","vol":"1","page":243},{"text":"وينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث -الآتي ذكرها- تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى العوامل المؤثرة في خفة الضعف وشدته: تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته، وسيأتي الإشارة إلى ذلك أثناء بيان كل سبب من هذه الأسباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>أسباب ضعف الحديث:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>السبب الأول: السقط في السند أو نفي اتصال </span>هـ:\nإن اتصال السند شرط من شروط صحة الحديث، وقد سبق ذكره وتفصيله ضمن قيود الحديث الصحيح، والحسن، وتتنوع مسميات الحديث حسب موقع السقط في سنده، \"فالسقط إما أن يكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه، ويدخل تحت ذلك المرسل\nوالمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل\" (١)، ويتنوع كذلك من حيث وضوح السقط وخفائه، قال ابن حجر: \"ثم إن السقط من الإسناد قد:\n١ - يكون واضحا (٢) يحصل الاشتراك في معرفته، ككون الراوي، مثلا، لم يعاصر من روى عنه.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤.\n(٢) السقط الظاهر: وهو ما يعرفه الأئمة الحُذّاق وغير الحذّاق، ويُعرف هذا السقط من عدم حصول اللقاء بين الراوي ومن روى عنه؛ لأنه لم يُدرِك عصره، أو أدرك ولكنه لم يجتمع به، وليست له منه إجازة، ولا وِجادة. تفرعت عنه أربعة أنواع من الحديث الضعيف، وهي: المعلّق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع. الخيرآبادي، معجم مصطلحات الحديث ٧٢، ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ٦٦.","vol":"1","page":244},{"text":"٢ - أو يكون خفيا (١) فلا يدركه إلا الأئمة الحذاق المطلعون على طرق الحديث، وعلل الأسانيد.\nفالأول: وهو الواضح، يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه، بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكن، لم يجتمعا، وليست له منه إجازة (٢)، ولا وجادة (٣).\nومن ثم، احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.\nوالقسم الثاني: وهو الخفي: المدلَّس -بفتح اللام- سمي بذلك لكون الراوي لم يُسمِّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه به.\nواشتقاقه من الدَلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء\" (٤).\nفالسقط في الإسناد نوعان - كما ذكر ابن حجر-: سقط ظاهر، وسقط خفي، وهناك من عدَّ وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع (٥)؛ والتعبير بنفي الاتصال يشمل ذلك كله سواء\n_________\n(١) السقط الخفي: وهو ما لا يعرفه إلا الحذّاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. تفرّع عنه نوعان من الحديث الضعيف، وهما: المدلَّس، والمرسَل الخفي. الخيرآبادي، المرجع السابق، ٧٢. ينظر: الخضير، المرجع السابق ٩٨.\n(٢) الإجازة عند المحدثين تُعدّ قسم من أقسام نقل الحديث وتحمّله عن الشيوخ: وهي الإذن بالرواية أو التحديث لفظًا أو كتابة، ولها أنواع متعددة، واختلف النقاد في قَبول بعضها. للاستزادة ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٥٣، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣١٤، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٢١٩، الأعظمي، المعجم، ٨.\n(٣) الوِجادة: وهي أيضًا من أقسام تحمّل الحديث ونقله، ومثالها كما ذكره ابن الصلاح: \"أن يقف على كتاب شخص فيه أحاديث يرويها بخطه، ولم يلقه، أو لقيه، ولكن لم يسمع منه ذلك الذي وجده بخطه، ولا له منه إجازة، ولا نحوها. فله أن يقول (وجدت بخط فلان، أو قرأت بخط فلان، أو في كتاب فلان بخطه أخبرنا فلان بن فلان) ويذكر شيخه، ويسوق سائر الإسناد، والمتن. أو يقول: (وجدت، أو قرأت بخط فلان عن فلان)، ويذكر الذي حدثه ومن فوقه\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٧٨، للاستزادة ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٣٣٤، ابن حجر، النزهة، ١٦٠، الأعظمي، المعجم، ٥٢٢.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٣.\n(٥) ذكر الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث تحت نوع المنقطع أنه على أنواع منها: \"قد يروى الحديث، وفي إسناده رجل غير مسمى، وليس بمنقطع\". الحاكم، علوم الحديث، ٢٨، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧.\nقال العلائي: \"والتحقيق أن قول الراوي عن رجل ونحوه متصل ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به\" العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.","vol":"1","page":245},{"text":"كان الساقط واحدًا أو متعددًا، أو اختلف موضع السقط من الإسناد سواء كان في أوّله أو وسطه أو آخره.\nوأنواع السقط الظاهر أربعة: المرسل، والمعلّق، والمنقطع، والمعضل، فإذا كان السقط في أول الإسناد فهو المُعلَّق، ومعناه في اللغة: \"أن يناط الشيء بالشيء العالي\" (١) وفي الاصطلاح: ما حُذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر (٢).\nوتتفاوت شدة ضعف الإسناد كلما ازداد عدد الرواة الساقطون منه، وجُهلت عدالتهم وضبطهم، \"وقد يُحكَم بصحته إن عُرِف، بأن يجيءَ مُسمّىً من وجه آخر ... لكن، قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتاب اُلتزِمت صحته، كالبخاري، فما أَتى فيه بالجزم دل\nعلى أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُذِف لغرض من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم ففيه مقال، وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح\" (٣).\nأما المرسل (٤)، فمعناه في اللغة: من الإرسال بمعنى الإطلاق (٥)، واصطلاحا: اُختلف في تعريفه، وأشهرها: هو ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ - سواء كان التابعي صغيرًا أم كبيرًا،\n_________\n(١) ابن فارس، المقاييس، ٤/ ١٢٥.\n(٢) قال ابن الصلاح: \"ثم إن لفظ التعليق وجدته مستعملا فيما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، حتى إن بعضهم استعمله في حذف كل الإسناد. مثال ذلك: قوله \" قال رسول الله - ﷺ - كذا وكذا، قال ابن عباس كذا وكذا. روى أبو هريرة كذا وكذا. قال سعيد بن المسيب عن أبي هريرة كذا وكذا، قال الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - كذا وكذا \". وهكذا إلى شيوخ شيوخه.\" ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤، ٦٩، ابن حجر، النزهة، ٩٨.\n(٣) ابن حجر، النزهة، ٩٩ - ١٠٠.\nوقد أفرد ابن حجر فصلًا كاملًا في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٤ - ٢٦، ابن حجر، النكت، ١/ ٣٢٣ - ٣٢٤، ابن حجر، هدي الساري، ١٧ - ١٩.\n(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥١، ابن حجر، النزهة، ١٠٠، السيوطي، التدريب، ١/ ٢١٩، عتر، منهج النقد، ٣٧٠، الغوري، الموسوعة، ٣/ ٢٤٦ - ٢٤٧.\n(٥) ينظر: الفيروزأبادي، القاموس، ١٠٠٦.","vol":"1","page":246},{"text":"ومنهم من جعل المرسل مختص بما أرسله كبار التابعين دون صغارهم، ويجعل ما يرفعه صغار التابعين من المنقطع. (١)\nوقد ذكر ابن حجر العلة من إدراج الحديث المُرسل ضمن أنواع الحديث الضعيف فقال: \"وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون صحابيا، ويحتمل أن يكون تابعيا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفا، ويحتمل أن يكون ثقة\" (٢)،\nقال ابن الصلاح مستثنيًا لما يُطلق عليه مرسل الصحابي (٣): \"ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه (٤) مرسل الصحابي، مثلما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله - ﷺ - ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم\n_________\n(١) ينظر: ما ذكره ابن حجر من تفصيل لهذه التعريفات وتعقيبه عليها. ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٦.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠١.\nومثال الحديث المرسل: ما أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، حيث قال: \"حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا هشيم، عن محمد بن خالد القرشي، عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا».\nوعطاء بن أبي رباح من التابعين، وهو في هنا قد رفع الحديث إلى النبي - ﷺ - دون أن يذكر الواسطة التي بينه وبين النبي - ﷺ - فهو مرسل. ينظر: أبو داود، المراسيل،، ٧٤ ح (٥).\n(٣) مرسل الصحابي: هو الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي - ﷺ - ; كابن عباس، وابن الزبير، ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي - ﷺ - إلا اليسير، وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عنه أنه لم يسمعه إلا بواسطة. السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٢.\n(٤) قال العراقي: \"اعترض على المصنف في قوله ما يسمى في أصول الفقه بأن المحدثين أيضا يذكرون مراسيل الصحابة فما وجه تخصيصه بأصول الفقه والجواب: أن المحدثين وإن ذكروا مراسيل الصحابة فإنهم لم يختلفوا في الاحتجاج بها، وأما الأصوليون فقد اختلفوا فيها فذهب الأستاذ أبو إسحاق الاسفرايني إلى أنه لا يحتج بها، وخالفه عامة أهل الأصول فجزموا بالاحتجاج بها ... \" العراقي، التقييد، ٧٩ - ٨٠.","vol":"1","page":247},{"text":"الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة (١)، والجهالة بالصحابي غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول، والله أعلم.\" (٢)\nوالنوع الثالث من السقط الظاهر في السند هو المنقطع، وتعريفه في اللغة: القطع ضد الوصل (٣)، واصطلاحا: عرّفه ابن عبدالبر فقال: \"المنقطع عندي كل ما لا يتصل سواء\nكان يُعزى إلى النبي - ﷺ - أو إلى غيره\" (٤)، وتعريفه يمثّل مذهب المتقدمين من حيث شمول لفظ المنقطع عندهم لكل أنواع السقط في الإسناد سواء من أوله أو وسطه أو آخره.\nوقد أشار إلى ذلك ابن الصلاح في مقدمته حين اختصر أقوال من سبقه في بيان معاني المنقطع فقال: \"أن المنقطع: منه الإسناد فيه قبل الوصول إلى (التابعي) (٥) راو لم يسمع من الذي فوقه، والساقط بينهما غير مذكور، لا مُعينا ولا مُبهما، ومنه الإسناد الذي ذُكِر\n_________\n(١) تعقّب العراقي ابن الصلاح فقال: \"قوله (لأن روايتهم عن الصحابة) ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين.\"\nوقد استدرك ابن حجر على ما ذكره العراقي فقال: \" قلت: وهو تعقب صحيح، لكن ألزم بعض الحنفية من يَردُّ المرسل بأنه يلزم على أصلهم عدم قبول مراسيل الصحابة - ﵃ - وتقرير ذلك أنه إذا لم يُعلَم أنه سمعه من النبي - ﷺ - احتمل أن يكون سمعه منه، أو من صحابي آخر، أو من تابعي ثقة، أو من تابعي ضعيف، فكيف يجعل حجة والاحتمال قائم؟\nوالانفصال عن ذلك أن يقال: قول الصحابي: قال رسول الله - ﷺ -؛ ظاهر في أنه سمعه منه أو من صحابي آخر، فالاحتمال أن يكون سمعه من تابعي ضعيف نادرا جدا لا يؤثر في الظاهر، بل حيث رووا عن من هذا سبيله بينوه وأوضحوه.\nوقد تتبعت روايات الصحابة - ﵃ - عن التابعين وليس فيها من رواية صحابي عن تابعي ضعيف في الأحكام شيء يثبت، فهذا يدل على ندور أخذهم عن من يضعف من التابعين، والله أعلم\". ينظر: العراقي، التقييد، ٧٥، ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٠.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٦.\n(٣) ابن سيده، المحكم، ١/ ١٦٢، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٢٧٩.\n(٤) ابن عبدالبر، التمهيد، ١/ ٢١.\n(٥) قال المحقق نور الدين عتر في هامش تحقيقه: \"الصواب (الصحابي) ... لكن السهو وقع من الحاكم، وسرى إلى ابن الصلاح\"، وهو ما ذهب إليه كذلك محقق المعرفة - ط دار ابن حزم- فقد استدرك على الحاكم قصره التعريف على المروي عن التابعي، وصوّب أن يُعمم التعريف في كل ما أُسند إلى قائل. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧، الحاكم، علوم الحديث، ١٧٣ ط دار ابن حزم بتحقيق السلوم.","vol":"1","page":248},{"text":"فيه بعض رواته بلفظ مبهم نحو رجل، أو شيخ، أو غيرهما (١) .... ومنها: ما حكاه الخطيب أبو بكر عن بعض أهل العلم بالحديث أن (المنقطع ما روي عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه، من قوله أو فعله) (٢). وهذا غريب بعيد، والله أعلم\" (٣).\nبينما خصّ المتأخرين تعريف المنقطع بأنه: ما سقط في أثناء سنده واحد فأكثر بشرط عدم التوالي (٤).\nأما النوع الرابع من السقط الظاهر في الإسناد فهو المعضل، ومعناه في اللغة: من \" (عَضل) العين والضاد واللام أصل واحد صحيح يدل على شدّة والتواء في الأمر. والأمر المعضل: وهو الشديد الذي يُعيي إصلاحه وتداركه.\" (٥)\nواصطلاحًا: ما سقط من إسناده اثنان فأكثر على التوالي (٦).\n_________\n(١) هذه الأنواع نقلها ابن الصلاح عن الحاكم. قال العلائي: \"والتحقيق أن قول الراوي (عن رجل) ونحوه: متصل، ولكن حكمه حكم المنقطع لعدم الاحتجاج به\". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٢٧ - ٢٨، العلائي، جامع التحصيل، ٩٦.\n(٢) هذا النوع يُطلق عليه المتأخرون المقطوع، قال ابن حجر: \"المقطوع، وهو ما انتهى إلى التابعي. ومن دون التابعي من أتباع التابعين، فمن بعدهم، فيه، أي: في التسمية مثله، أي: مثل ما ينتهي إلى التابعي في تسمية جميع ذلك مقطوعا، وإن شئت قلت: موقوف على فلان.\nفحصلت التفرقة في الاصطلاح بين المقطوع والمنقطع؛ فالمنقطع من مباحث الإسناد -كما تقدم- والمقطوع من مباحث المتن، كما ترى، وقد أطلق بعضهم هذا في موضع هذا، وبالعكس، تجوزا عن الاصطلاح. ويقال للأخيرين، أي الموقوف والمقطوع: الأثر\" ابن حجر، النزهة، ١٤٥. \"تنبيه: تيقظ إلى أنك ربما وجدت في عبارة متقدم إطلاق لقب (المنقطع) يعني به (المقطوع) الذي هو الخبر عن التابعي لا يجاوزه، ... كما وجد في كلام بعضهم إطلاق (المقطوع) على (المنقطع)، وتبيُّنُه بالقرينة.\" الجديع، التحرير، ٢/ ٩١٢.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٧ - ٥٩ باختصار.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٢، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٩٥ - ١٩٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(٥) ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ٣٤٥. باختصار.\n(٦) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩، الذهبي، الموقظة، ٤٠، ابن حجر، النزهة، ١٠٢، الأعظمي، المعجم، ٤٣٣.\nنبّه ابن حجر إلى وجود معنى آخر للمعضل فقال: \"قد وجدت التعبير بالمعضل في كلام الجماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة ... \" ثم ذكر أمثلة لذلك وأتبعها بقوله: \" فإذا تقرر هذا فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضَل الذي عرَّف به المصنف وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة بكسر الضاد ويعنون به المستغلقَ الشديد. وفي الجملة فالتنبيه على ذلك كان متعينا.\nفإن قيل: فمن سلف المصنف - في نقله - أن هذا النوع يختص بما سقط من إسناده اثنان فصاعدا؟ قلنا: سلفه في ذلك علي بن المديني ومن تبعه. وقد حكاه الحاكم في علوم الحديث عنهم.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٩.","vol":"1","page":249},{"text":"\"سمي بذلك لأن الحديث بسقوط واحد يصير مردودا، فإذا سقط منه اثنان أو أكثر كان أمره أشد، فكأن المحدث بهذا الإسقاط أعضله، أي أعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه\" (١)\nقال ابن الصلاح: \"وهو لقب لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس كل منقطع معضلا\" (٢).\nتلك الأنواع الأربعة السابقة تندرج تحت السقط الظاهر، أما السقط الخفي فيندرج تحته نوعان هما: المُدلّس، والمرسل الخفي (٣).\nوالتدليس في اللغة من الدّلَس، وهو الظلمة. (٤) قال ابن حجر: \"واشتقاقه من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام بالنور، سُمِّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء\". (٥)\n_________\n(١) عتر، منهج النقد، ٣٧٩.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٥٩.\nومثال المعضل من الحديث، - والذي سقط من إسناده راويان أو أكثر على التتالي- بلاغات الإمام مالك -﵀- ومنها ما جاء في الموطأ عن مالك أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - قال: «استقيموا ولن تحصوا. واعملوا، عتر، منهج النقد، ٣٧٩. مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م) ١/ ٣٤ ح (٣٦).\n(٣) وسبق الإشارة إليهما في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح.\n(٤) ينظر: الجوهري، الصحاح، ٣/ ٩٣٠. الفيروزآبادي، القاموس، ٥٤٦.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١٠٣. وقال في النكت: \"وكأنه أظلم أمره على الناظر؛ لتغطية وجه الصواب فيه.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.","vol":"1","page":250},{"text":"والتدليس من أنواع السقط الخفيّ في الإسناد.\nومعناه في الاصطلاح: أشار إليه الشافعي بقوله: \"يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه\" (١) وعرّفه ابن الصلاح بقوله: \"وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر.\" (٢)، وتعريفه عام يشمل التدليس والإرسال الخفي؛ لذا تعقّبه ابن حجر وفرّق بينهما فقال: \"وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي.\" (٣)، وأشار إلى وجه الاختلاف بينهما بقوله: \"والفرق بين المُدَّلس والمرسل الخفي\nدقيق، ... وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عُرِف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره، ولم يُعرَف أنه لقيه، فهو المُرَسل الخفي.\nومن أدخل في تعريف التدليس المعاصرة ولو بغير لُقِيّ، لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما.\" (٤)\nوللتدليس أنواع ذكر ابن الصلاح منها نوعين هما: تدليس الإسناد - السابق تعريفه- وتدليس الشيوخ: \"وهو: أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، فيسميه أو يُكنِّيه، أو ينسبه، أو يصفه بما لا يعرف به، كي لا يعرف.\" (٥) وقد استدرك عليه العراقي نوعًا ثالثًا فقال: \"ترك المصنف ﵀ قسما ثالثا من أنواع التدليس، وهو شر الأقسام، وهو الذى\n_________\n(١) الشافعي، الرسالة، ٣٧١.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٣.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٤.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ٣١، ينظر: القريوتي، الإرسال والتدليس، .\n(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٤.","vol":"1","page":251},{"text":"يسمونه تدليس التسوية\" (١) وهذا النوع هو الذي أشار إليه الخطيب بقوله: \"وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الرواية أو صغير السن ويُحسّن الحديث بذلك\" (٢)، إلا أن ابن حجر تعقّب العراقي في ذلك، فقال:\n\"عندي أن ما فعله ابن الصلاح هو اللائق، والتحقيق أنه ليس لنا إلا قسمان:\nالأول: تدليس الإسناد، والثاني: تدليس الشيوخ.\nويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف.\nوأما تدليس التسوية، فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند،\nوهذا يسميه القدماء: تجويدا، فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء\" (٣)\nوأوضح المراد بتدليس القطع والعطف بقوله: \"ويلتحق بتدليس الإسناد تدليس القطع: وهو أن يحذف الصيغة، ويقتصر على قوله مثلا الزهري (٤) عن أنس (٥). وتدليس العطف:\n_________\n(١) العراقي، التقييد، ٩٥. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٠٥، ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٢٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٥٧.\n(٢) الخطيب، الكفاية، ٣٦٤.\n(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥١.\n(٤) محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن شهاب القرشي الزهري، أبو بكر المدني، قال عنه الذهبي: \"أحد الأعلام\"، وقال ابن حجر: \"الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه\" مات سنة ١٢٤ هـ، وقيل: ١٢٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢١٩ (٥١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٦ (٦٢٩٦).\n(٥) قال ابن حجر: \"تدليس القطع مثاله ما رويناه في \"الكامل\" لأبي أحمد ابن عدي وغيره.\nعن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂\". النكت، ٢/ ٦١٧.","vol":"1","page":252},{"text":"وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك من الثاني (١) \" (٢)\nوالرواة المدلسون مراتب وطبقات، فمنهم من يُدلس عن الثقات ومنهم من يُدلِّس عن الضعفاء، وحكم رواية المُدلِّس تختلف باختلاف طبقته ومرتبته فمنهم من يُحتمل تدليسه، ومنهم من يُردّ، ومنهم من يُقبل تدليسه إذا صرّح بالسماع. (٣)\nنخلص مما سبق:\nأن السقط في الإسناد نوعان: سقط ظاهر، وسقط خفي، وعدّ بعضهم وجود راوٍ مبهم في السند نوع انقطاع؛ لذا كان التعبير بنفي الاتصال يشمل كل ما يُعلّ به الحديث في سنده من حيث السقط الظاهر أو الخفي، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، وسواء كان السقط في أوّل الإسناد أو وسطه أو آخره، فإن انقطاع السند يطعن في صحته ... وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.\n_________\n(١) \"تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول، ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان.\nمثاله: ما رويناه في \"علوم الحديث\" للحاكم قال:\n\"اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه. ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم، فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئا؟\nقالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟ \" ابن حجر، النكت، ٢/ ٦١٧. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٠٥.\n(٢) ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٦.\n(٣) سبق بيان مراتب المدلسين في قيد نفي التدليس في فصل الحديث الصحيح، ينظر: العلائي، جامع التحصيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤، القريوتي، الإرسال والتدليس، ٤٧ - ٤٨.","vol":"1","page":253},{"text":"السبب الثاني: الطعن (١) في عدالة الرواة أو أحدهم:\nسبق في فصل الصحيح بيان معنى العدالة، والمراد منها، ومن ذلك قول ابن الصلاح: \"أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على: أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ... وتفصيله أن يكون مسلما، بالغا، عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة.\" (٢)\nوجاء عن الإمام مالك -﵀- قوله: \"لا يؤخذ العلم من أربعة، وخذوا ممن سوى ذلك؛ لا يؤخذ من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله - ﷺ -، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف ما يحدث.\" (٣)\nوالطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال أو البدعة، قال ابن حجر: \"ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط.\" (٤)\n\"أما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس:\n١ - الأول بالكذب ٢ - والثاني باتهامه بالكذب ٣ - والثالث بالفسق ٤ - والرابع بالجهالة ٥ - والخامس بالبدع\" (٥) وهي على التفصيل كما يلي:\n_________\n(١) \"المراد بالطعن الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٤ - ١٠٥.\n(٣) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ١٧٨، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٢، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.\n(٥) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٣.","vol":"1","page":254},{"text":"الأول: طعن الراوي ووصفه بالكذب:\nوذلك: إذا روى عن النبي - ﷺ - ما لم يقله، متعمدًا الكذب، ويثبت كذبه في الحديث النبوي إما بإقرار الواضع، أو بغير ذلك من القرائن، ويُسمّى حديث المطعون بالكذب موضوعًا. (١)\nالثاني: اتهام الراوي بالكذب:\n\"بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي.\" (٢)، ويُسمّى حديث المتهم بالكذب متروكًا. (٣)\nوقد سبق معنا قريبًا قول الإمام مالك: \"لا يؤخذ العلم من أربعة، ... ذكر منهم: ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه أن يكذب في حديث رسول الله - ﷺ - ... \" (٤)\nالثالث: طعن الراوي ووصفه بالفسق:\nو\"أصل الفسوق: الخروج عن الاستقامة، والجَوْر، وبه سُمّي العاصي فاسقا.\" (٥)\nوقيل: الفسق ارتكاب كبيرة، أو إصرار على صغيرة. (٦)\n_________\n(١) سيأتي - بإذن الله-الكلام عن الموضوع بشكل موسّع في الفصل الخاص به.\nومثال الرواة الموصوفين بالكذب: معلى بن هلال الطحان كوفي، قال عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وسفيان بن عيينة: كذاب، وقال النسائي: معلى بن هلال ممن يضع الحديث. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٩٩ - ١٠١ (١٨٥٤).\n(٢) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.\n(٣) مثال الرواة المتهمين بالكذب: \"إسماعيل بن يحيى الشيباني ويقال له الشعيري متهم بالكذب\" ابن حجر، التقريب، ١١٠ (٤٩٤)، \"حمزة بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي، واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك متهم بالوضع\" ابن حجر، المرجع السابق ١٧٩.\n(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٠.\n(٥) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، ٣/ ٤٤٦.\n(٦) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٢٧، السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ٥.","vol":"1","page":255},{"text":"والمراد بالفسق هنا: الفسق العملي أي بالقول أو الفعل، أما الفسق بالمعتقد فهو داخل في الابتداع، وأكثر ما تُستعمل البدعة في الاعتقاد. والكذب وإن كان داخلا في الفسق العملي لكنهم عدوه أصلا على حدة، وأفردوه بالذكر في أولى مراتب الطعن في عدالة الراوي؛ لكون الطعن به أشد وأغلظ. (١)\nوخبر الفاسق بارتكاب الكبائر والخروج عن طاعة الله تعالى لا يُقبل، وإن لم يظهر عليه الكذب، لأنه لا يؤمن أن يقع فيه حيث إنه مستهتر بمقام ربه، قد هتك الستر بينه وبينه والعياذ بالله، ولأن النصوص قد نهت عن قبول خبره بمجرد الفسق. إلا إذا أقلع عن ذنبه وتاب توبة نصوحا تبدل ما كان من حاله، إلى حال التقى فإنه يقبل خبره وتعود عدالته؛\nلقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢). أما من لم يقع في الكبيرة، ولا عرف بالإصرار والاستهتار في الصغائر، فإنه يقبل حديثه، ويغتفر له ما قد يبدو منه من الهفوات، ويوهب نقصه لفضله. (٣)\nالرابع: طعن الراوي ووصفه بالجهالة:\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥.\nمثال الرواة الموصوفين بالفسق: قال الذهبي في الميزان: \"محمد بن عمر، أبو بكر الجعابى الحافظ من أئمة هذا الشأن ببغداد، على رأس الخمسين وثلثمائة، إلا أنه فاسق رقيق الدين\". الذهبي، الميزان، ٣/ ٦٧٠ (٨٠٠٦).\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٧٠\n(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٨١ - ٨٢. بتصرف يسير.","vol":"1","page":256},{"text":"والمراد بجهالة الراوي: بأن لا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. (١) وسبب الطعن بالجهالة؛ لأنه لما لم يُعرف اسمه وذاته لم يُعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة. (٢)\nوقال الخطيب البغدادي: \"المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد\" (٣).\nوقد جعل ابن الصلاح المجهول على ثلاثة أقسام: مجهول العين، ومجهول العدالة الظاهرة والباطنة، ومجهول العدالة في الباطن دون الظاهر، وهو المستور.\nوجعلهم ابن حجر على قسمين: مجهول العين: وهو من لم يروِ عنه غير واحد ولم يُوثّق. ومجهول الحال وهو المستور: من روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يُوثّق. (٤)\nوتزول جهالة عين الراوي برواية اثنان فصاعدًا عنه قال الخطيب البغدادي: \"وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم كذلك ... إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه\" (٥).\n\"وإنما يصبح من طبقة (مجهول الحال) وهو من لم تعرف عدالته الظاهرة ولا الباطنة أو (المستور) وهو من عرفت عدالته الظاهرة أي لم يوقف منه على مفسق، لكن لم تثبت عدالته الباطنة، وهي التي ينص عليها علماء الجرح والتعديل ولو واحد منهم\" (٦).\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.\n(٢) ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٥ - ٦٦.\n(٣) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨.\n(٤) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١١١ - ١١٢، ابن حجر، النزهة، ١٢٦.\n(٥) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٨٨ - ٨٩.\n(٦) عتر، منهج النقد، ٩٠","vol":"1","page":257},{"text":"\"الأصل في المجهول التوقف في حديثه حتى تستبين عدالته، وهو ملحق بالحديث الضعيف حكمًا لفقدانه أحد شروط الصحة؛ إلا إن وجد مؤيد ومقوٍّ له من متابعة أو شاهد، فإنها قد تجبره وترتقي به\" (١).\nالخامس: طعن الراوي ووصفه بالابتداع (٢):\nالبدعة في اللغة: ابتداء الشيء لا عن مثال سابق، يُقال: أبدعت الشيء قولا أو فعلا: إذا\nابتدأته أو اخترعته لا عن سابق مثال. (٣)\n_________\n(١) عبدالجواد حمام، جهالة الرواة ٢/ ١١٣٧.\nوقد لخّص أثر الجهالة في الحكم على الرواية في النقاط التالية:\n١ - جماهير المحدثين على رد حديث مجهول العين وعدم الاحتجاج به؛ لفقدان شرط العدالة والضبط في راويه.\n٢ - العدالة والضبط لا يثبتان عند جمهور المحدثين إلا بمُثبتٍ، والراجح أن الأصل في الراوي التوقف حتى تثبت عدالته وضبطه، ولا يقال: الأصل فيه الفسق.\n٣ - جمهور المحدثين لا يحتجون بحديث مجهول الحال ما لم ترتفع جهالته من طريق معتبر.\n٤ - نص كثير من محققي المحدثين على قبول حديث المستور؛ لوجود مرجح لكفَّة العدالة على كفَّة الجرح، وهو العلم بسلامة الظاهر، ولا ينبغي العدول عن هذا الظن الغالب إلا بدليل.\n٥ - على القول بقبول حديث المستور فإنه لا يُعامل معاملة الراوي الثقة المعروف، ولا يُعارض بحديثه الأحاديث الصحيحة نظيفة الإسناد مشهورة الرجال.\n٦ - يحكم المحدثون على حديث الراوي المجهول بالقبول إذا كان موافقا للثقات، ويحكمون عليه بالرد والبطلان إذا خالف الثقات أو تفرّد بما يُنكر عليه.\n٧ - محل الخلاف في حديث المجهول هو حالة تفرّده بما لا يظهر فيه مخالفة للثقات، ولم يتضمن المروي ما ينكر عليه سندًا ومتنًا، وكان محتملًا.\n٨ - حديث مجهول العين ليس بشديد الضعف، وهو صالح للاعتبار والتقوية إذا وجد له ما يقويه.\n٩ - الأصل في الجهالة ألا تصنف في العلل لكونها من أسباب الضعف الظاهرة في الحديث، لكن المحدثين ربما توسعوا فأطلقوا العلة على كل سبب قادح ومنها الجهالة\" حمام، المرجع السابق، ٢/ ٨٨٣ - ٨٨٤.\n(٢) يرى الدكتور خلدون الأحدب أن الجرح بالتبديع يلي في شدته الجرح بالكذب في حديث رسول الله - ﷺ -؛ لاتصاله بعقيدة المرء، وأن التهمة به تستلزم التمحيص والتثبت. إلا أن ترتيب ابن حجر لمسببات الطعن في الراوي حسب الأشد جعل الفسق العملي (بالقول أو الفعل) في مرتبة أشد، ورواية الفاسق جعلها ضمن المنكر المردود بلا خلاف، حيث قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: \"خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم\".\nبينما جعل الفسق الاعتقادي (البدعة) أخف في التجريح من الفسق العملي، وذكر اختلاف النقاد في رواية المبتدع بين القبول والرد. المراجع: الأحدب، أسباب اختلاف المحدثين ٢/ ٤٨٧. ينظر: مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٨، ابن حجر، النزهة، ١٠٦ - ١٢٨، الخضير، الضعيف، ١٥٥ - ١٥٦.\n(٣) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ١/ ٢٠٩، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٦.","vol":"1","page":258},{"text":"وفي الاصطلاح: قال ابن حجر: \"هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي - ﷺ -، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة.\" (١)\nوالبدعة \"إما أن تكون بمكفر:\n١ - كأن يعتقد ما يستلزم الكفر.\n٢ - أو بمفسق.\nفالأول: لا يقبل صاحبها الجمهور، وقيل: يقبل مطلقا، وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته قبل. (٢)\nوالتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف.\nفالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله. (٣)\nوالثاني: وهو من لا تقتضي بدعته التكفير أصلا، وقد اختلف، أيضا، في قبوله ورده:\nفقيل: يرد مطلقا. وهو بعيد، وأكثر ما علل به أن في الرواية عنه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، وعلى هذا فينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع.\nوقيل: يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد حل الكذب، كما تقدم.\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧.\n(٢) قال الخطيب البغدادي في الكفاية: \"وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء، الذين لا يُعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة، وممن قال بهذا القول من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي فإنه قال: وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، وحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري، وروي مثله عن أبي يوسف القاضي \"\nقال ابن تيمية: \"والبدع متنوعة، فالخوارج مع أنهم مارقون يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ... ليسوا ممن يتعمد الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال: إن حديثهم من أصح الحديث لكنهم جهلوا، وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة، وإلحاد، بل عن جهل، وضلال في معرفة معاني الكتاب\". المراجع: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٠، ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ١/ ٦٧.\n(٣) وقد رجّح الدكتور الخضير ما حققه ابن حجر. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١٦٦.\nذكر الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل -ضمن أقسام الصحيح المختلف فيه-: \"روايات المبتدعة وأصحاب الأهواء فإن رواياتهم عند أكثر أهل الحديث مقبولة إذا كانوا فيها صادقين.\"\nوقال ابن دقيق العيد: \"الذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية؛ إذ لا نكفر أحدا من أهل القبلة، إلا بإنكار متواتر من الشريعة.\nفإذا اعتقدنا ذلك، وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية وهذا مذهب الشافعي ﵁ فيما حُكي عنه\". المراجع: الحاكم، الإكليل، ٤٩، ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٥٨.","vol":"1","page":259},{"text":"وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته (١)؛ لأن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا في الأصح \" (٢)\n\n\"وبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء\". (٣)\nوما وقع في صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما من وقوع الرواية عن بعض المبتدعة، فقد اعتذر الحافظ ابن حجر ﵀ عن ذلك بأنه: \"لم يكن داعية، أو كان وتاب، أو اعتضدت روايته بمتابع\". (٤)\nثم إن عدد هؤلاء الرواة - ممن فيهم بدعة - تسعة وستون، (٥) وهو عدد يسير جدًا مقارنة بعدد رواة البخاري وهم بضعة آلاف، وهذا يُظهر جليًا أن الرواية في الصحيح عن المبتدعة معدول بها عن الأصل. (٦)\n_________\n(١) قال عبدالرحمن بن مهدي: \"ثلاثة لا يؤخذ عنهم: المتهم بالكذب، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، والرجل الغالب عليه الوهم والغلط\"، وقال أيضًا: \"من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك\"، وسئل الإمام أحمد بن حنبل: \"أيكتب عن المرجئ والقدري؟ قال: \"نعم يكتب عنه إ ذ لم يكن داعيا\". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٢٦ - ١٢٨، ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٩٩.\n(٢) ثم قال: \"وأغرب ابن حبان؛ فادعى الاتفاق على قبول غير الداعية، من غير تفصيل.\nنعم، الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوي بدعته فيرد، على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، شيخ أبي داود والنسائي، في كتابه \"معرفة الرجال\"، فقال في وصف الرواة: ومنهم زائغ عن الحق -أي عن السنة- صادق اللهجة؛ فليس فيه حيلة إلا أن يؤخذ من حديثه ما لا يكون منكرا، إذا لم يقو به بدعته انتهى.\nوما قاله متجه؛ لأن العلة التي لها رد حديث الداعية واردة فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع، ولو لم يكن داعية، والله أعلم\". ابن حجر، النزهة، ١٢٦ - ١٢٨. ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٦ - ٦٧.\n(٣) الدهلوي، المرجع السابق، ٦٧. قال الذهبي مُلخّصًا لهذه المذاهب: \" فإن كان كلامهم فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب: فمنهم: من بدعته غليظة. ومنهم: من بدعته دون ذلك. ... ومنهم: الداعي إلى بدعته. ومنهم: الكافُّ، وما بين ذلك.\nفمتى جمع الغلظ والدعوة، تجنب الأخذ عنه. ومتى جمع الخفة والكف، أخذوا عنه وقبلوه. فالغلظ كغلاة الخوارج، والجهمية، والرافضة. والخفة كالتشيع، والإرجاء. وأما من استحل الكذب نصرا لرأيه كالخطابية، فبالأولى رد حديثه.\" الذهبي، الموقظة، ٨٥، ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(٤) ابن حجر، هدي الساري، ٤٥٩.\n(٥) تقسيم الرواة حسب ثبوت البدعة وتوفر شروط القبول:\n١ - الرواة الذين لم تثبت لهم بدعة أو تابوا عددهم واحد وثلاثون.\n٢ - الرواة الذين ثبتت لهم بدعة وتوافرت فيهم شروط القبول عددهم أربعة وثلاثون.\n٣ - الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول، وقُبلت روايتهم لاعتبارات أخرى هو راوٍ واحدٍ فقط.\n٤ - الرواة الذين ثبتت لهم بدعة ولم تتوافر فيهم شروط القبول عددهم ثلاثة. ينظر: إندونيسيا خالد حسون، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، ٢/ ٩٨٤.\n(٦) ينظر: العثمان، المحرر في مصطلح الحديث، ٤٠٤ - ٤٠٥ بتصرف.\nملاحظة: \"ها هنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن رجال الجرح والتعديل عدوا في مصنفاتهم كثيرًا ممن رُمِيَ ببدعة، وسَنَدُهم في ذلك ما كان يقال عن أحد من أولئك أنه شيعي أو خارجي، أو ناصبي أو غير ذلك، مع أن القول عنهم بما ذُكر قد يكون تقوُّلا، وافتراء، ومما يدلُّ عليه أن كثيرًا ممن رمي بالتشيع من رواة الصحيحين لا تعرفهم الشيعة أصلا القاسمي، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ١٩٥.","vol":"1","page":260},{"text":"نخلص مما سبق:\nالطعن في عدالة الرواة يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل، وتتأثر شدتها كذلك حسب تشدد الناقد أو تساهله، وغالب دلالات هذه الألفاظ مرتبط بجانبي العدالة والضبط عند الراوي (١)، والتي تؤثر في درجة ضعف الحديث بين الضعف المحتمل والشديد، ولأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية كان الطعن فيها أشد.\n_________\n(١) وذلك مبسوط في كتب الجرح والتعديل. ومن ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم في مراتب جرح الرواة: منهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام.\nومنهم من ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق والأمانة، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ١/ ١٠ بتصرف يسير، ينظر كذلك: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢١ - ١٢٧، مقدمة ابن حجر في كتابه تقريب التهذيب، ابن حجر، التقريب، ٧٤ - ٧٦.","vol":"1","page":261},{"text":"السبب الثالث: الطعن (١) في ضبط الرواة أو أحدهم:\nسبق الحديث عن المراد بالضبط وأنواعه ضمن قيد الضبط في فصل الحديث الصحيح،\nوالضبط نوعان وضّحهما ابن حجر - ﵀- بقوله:\n\"والضبط: ضبط صدر: وهو أن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء. وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه.\" (٢)\nوالمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته (٣) مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ولا ريب أن هذه الصفات تتفاوت بين الجرح الخفيف والشديد، أشار إلى ذلك ابن حجر بقوله: \"ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض: خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط. ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر؛ لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد\" (٤)، فلم يحرص ﵀ على التمييز بين\n_________\n(١) المراد بالطعن: جرح الراوي باللسان، والتكلم فيه من ناحية ضبطه وحفظه وتيقظه. ينظر: الخضير، الحديث الضعيف، ١١٦.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٦٩. ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ١٦٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨، الدهلوي، أصول الحديث، ٦٢.\n(٣) بعد أن ذكر الدكتور نور الدين عتر تعريف الحديث الضعيف، وسرد شروط الحديث المقبول أضاف قيدًا لشرط الضبط بقوله (ولو لم يكن تامًا)، ثم علل لهذه الإضافة، فقال مستدركًا على من سبقه: \"كذا عدها البقاعي والسيوطي وغيرهما: لكن عبروا بقولهم: \"الضبط\" بدون زيادة \"ولو لم يكن تاما\". وهذا مشكل لأنه إذا فقد تمام الضبط بأن خف ضبط الراوي، فإنه يصير عندئذ حسنا، ولا يكون ضعيفا، لذلك كان الصواب في التعبير عن هذا الشرط ما قلناه: \"الضبط ولو لم يكن تاما\". عتر، منهج النقد، ٢٨٦.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٦.","vol":"1","page":262},{"text":"وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة وبين وجوه الطعن المتعلقة بالضبط إنما سردها حسب شدة الطعن من الأشد وهو الوصف بالكذب إلى الأخف وهو الوصف بسوء الحفظ.\n\"أما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضا خمسة:\n١ - فرط الغفلة.\n٢ - كثرة الغلط.\n٣ - مخالفة الثقات.\n٤ - الوهم.\n٥ - سوء الحفظ.\" (١)\nوهي على التفصيل كما يلي:\nالأول: وصف الراوي بفحش الغلط:\nالغلط في اللغة: خلاف الإصابة، وأن تعيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه. (٢)\nوالمراد بفحش الغلط: أي: كثرته، وفحش الغلط في رواية الراوي أي: غلبة غلطه على صوابه. (٣)\nقال سفيان الثوري: \"ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإذا كان الغالب عليه الغلط ترك\" (٤).\n\nالثاني: وصف الراوي بكثرة الغفلة:\nالمغفل في اللغة: من لا فطنة له (٥)، والغفلة: عدم الفطنة لتمييز الصواب من الخطأ.\n_________\n(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.\n(٢) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٣٩٠، ابن منظور، اللسان، ٧/ ٣٦٣.\n(٣) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٥٦٧.\n(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٤.\nمثال الراوي الذي تُرك حديثه لكثرة غلطه: أيوب ابن خوط أبو أمية البصري، قال عمرو بن علي: \"كان أيوب أميا لا يكتب وهو متروك الحديث ولم يكن من أهل الكذب كان كثير الغلط كثير الوهم\". ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٢٤٦ (٨٧٦)، ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٧ (١٨١).\n(٥) الفراهيدي، العين، ٤/ ٤١٩، ابن منظور، اللسان، ١١/ ٤٩٢.","vol":"1","page":263},{"text":"والمراد بكثرة غفلة الراوي في الرواية: غلبة غفلته على تيقّظه فلا يتقنها. (١)\nو\"فرط الغفلة وكثرة الغلط متقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء\" (٢)، وقد أطلق ابن حجر وصف النكارة على حديث فاحش الغلط أو كثير الغفلة فقال: \"فمن فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر\" (٣).\nوقد أشار الحميدي إلى بعض أنواع الطعون التي يُردّ بها الحديث، وذكر منها: فحش الغلط، وأوضح المراد بالغفلة التي يُردّ بها حديث الراوي فقال:\n\"فإن قال قائل: فما الشيءُ الذي إذا ظهر لك في الحديث أو من حدث عنه لم يكن مقبولا؟\nقلنا: أن يكون في إسناده رجل غيرُ رِضا، بأمرٍ يَصِحُّ ذلك عليه: بكذب، أو جَرْحَةٍ في نفسه تُردُّ بمثلها الشهادة، أو غلطا فاحشا لا يَشْبَهُ مثله، وما أشبه ذلك.\nفإن قال: فما الغفلة التي تَرُدُّ بها حديث الرجل الرِّضا الذي لا يُعرَفُ بكذب؟\nقلت: هو أن يكون في كتابه غلط، فيُقال له في ذلك، فيترُك ما في كتابه ويُحدِّث بما قالوا، أو يُغيِّره في كتابه بقولهم، لا يَعقِل فرق ما بين ذلك، أو يُصحِّف تصحيفا فاحشا، فيقلب المعنى لا يَعقِلُ ذلك، فيُكَفُّ عنه\" (٤)\n\nالثالث: وصف الراوي بالوهم:\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٥.\n(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٦٩.\n(٣) ابن حجر، النزهة، ١١٣، وزاد السيوطي إطلاق وصف الترك على أحاديثهم، فقال: \"الحديث الذي لا مخالفة فيه، وراويه متهم بالكذب، بأن لا يروى إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، أو عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط أو الفسق أو الغفلة يسمى المتروك\" السيوطي، التدريب، ١/ ٢٨٠، ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.\n(٤) ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٣ - ٣٤.\nمثال الراوي كثير الغفلة: المسيب بن شريك التميمي كنيته أبو سعيد، أصله من بخارى سكن الكوفة ... مات سنة ١٨٦ هـ، قال عنه ابن حبان: \"وكان شيخا صالحا كثير الغفلة، لم تكن صناعة الحديث من شأنه، يروي فيخطأ ويحدث فيَهِم من حيث لا يعلم، فظهر من حديثه المعضلات التي يرويها عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه إلا على سبيل التعجب.\" ابن حبان، المجروحين، ٣/ ٢٤.","vol":"1","page":264},{"text":"الوَهِم - بكسر الهاء - في اللغة: الغلط والسهو. (١)\nوالمراد بوهِم الراوي في الرواية: أي أخطأ وسها ورواها على سبيل التوهم.\nوالطعن على الراوي إنما يكون من جهة الوهم والنسيان وخطئه في الرواية، وكثيرًا ما تُعلُّ الأحاديث بسبب الوهم وهذا أغمض علوم الحديث وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزق فهما وحفظا واسعا ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وأحوال الأسانيد والمتون. (٢)\nقال عبدالرحمن بن مهدي (٣): \"الناس ثلاثة، رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، وآخر يهم والغالب على حديثه الصحة، فهذا لا يترك حديثه، وآخر يهم والغالب على حديثه الوهم، فهذا يترك حديثه\" (٤).\n\nالرابع: وصف الراوي بمخالفة الثقات:\nالمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٥).\n_________\n(١) ينظر: ابن فارس، المقاييس، ٦/ ١٤٩، ابن منظور، اللسان، ١٢/ ٦٤٤.\n(٢) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٠٧، الغوري، الموسوعة، ٢/ ٧١٦.\nومثال الراوي كثير الخطأ والوهم: أشعث بن سوار الكندي النجار الكوفي، مات سنة ١٣٦ هـ، ضعفه ابن معين، وقال عنه ابن حبان: \" فاحش الخطأ كثير الوهم\". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧١.\n(٣) عبدالرحمن بن مهدى بن حسان العنبري، أبو سعيد البصري قال عنه الذهبي: \"الحافظ، الإمام العالم، كان أفقه من يحيى القطان، قال على ابن المديني: أعلم الناس بالحديث عبدالرحمن\"، وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث\"، مات سنة: ١٩٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٤٥ (٣٣٢٣)، ابن حجر، التقريب، ٣٥١ (٤٠١٨).\n(٤) ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٦٤، ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٨، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤٣.\n(٥) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨ مادة (خلف).","vol":"1","page":265},{"text":"وفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: \"هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه\" (١).\nوالمراد بها: مخالفة الراوي - سواء كان ثقة أو ضعيف- لمن هو أرجح منه، فإن كان المُخالِف ثقة سُمِّي حديثه في اصطلاح المتأخرين شاذًا، وإن كان المُخالِف ضعيفًا سُمِّي\nحديثه منكرًا. (٢) قال ابن حجر: \"وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرا.\" (٣)\nومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٤)\n_________\n(١) \"سبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط. وتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها\". أبو بكر كافي، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها، ٢٥٩.\n(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، الخيرآبادي، المعجم، ١٣٤.\nهذا هو اختيار ابن حجر؛ وإلا فإن ابن الصلاح، ومن وافقه، عندهم الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وقد سبقت الإشارة في الفصول السابقة لمعنى الشذوذ والنكارة، وسيأتي تفصيل كل مصطلح في الفصل الخاص به بإذن الله.\nمثال الراوي الموصوف بالمخالفة: \" أشعث بن براز الهجيمي، كنيته أبو عبد الله، من أهل البصرة، يروي عن: قتادة وعلي بن زيد، روى عنه: زيد بن حباب، ومسلم بن إبراهيم، يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حد الاحتجاج به.\" ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٧٣.\n(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.","vol":"1","page":266},{"text":"وجعل المخالفة \"من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط، من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغير والتبديل\". (١)\n\nالخامس: وصف الراوي بسوء الحفظ:\nذكر ابن حجر المراد بسوء الحفظ بقوله: \"من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه\" (٢)، وعرفه كذلك بأنه \"عبارة عمن يكون غلطه أقل من إصابته\" (٣)، وفرّق بين كثير الغلط وسيِّئ الحفظ فقال:\n_________\n(١) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٠.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.\n(٣) ابن حجر، المرجع السابق، ١٠٧. ملاحظة: اختلفت طبعات تحقيق كتاب النزهة-حسب اطلاعي- في بيان معنى سوء الحفظ، وترجيح أي العبارتين أصوب:\n١ - (عمن يكون غلطه أقل) هكذا في طبعة سفير الأولى بتحقيق الرحيلي حيث قال معلقًا في هامشها: \"هذا هو الصواب، كما في الأصل، وفي بعض النسخ التي اطلعت عليها: عن أن لا يكون غلطه أقل .... وهذا غلط واضح وعكس للمقصود من العبارة! .\"، وهي موافقة لطبعة الصباح بتحقيق نور الدين عتر.\n٢ - وشاء الله ان أطّلع على الطبعة الثانية لتحقيق الدكتور الرحيلي، فوجدته قد غيّر اختياره السابق، فوضع عبارة (عن أن لا يكون غلطه أقل) في المتن، وقال في حاشيته: \"في الأصل (عمن يكون) وهو لا يستقيم مع ما سيذكره المصنف أن سوء الحفظ المراد به: من لم يرجح جانب إصابته على جانب خطئه، والمثبت من عدة نسخ. وقد نبّه على هذا الخطأ كثير من شراح النزهة.\" ووافقته طبعة دار الآثار، وكذلك ما ذهب إليه الدهلوي في أصول الحديث حيث قال: \"وأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به: أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه. يعني إن كان خطأه ونسيانه أغلب أو مساويا لصوابه وإتقانه كان داخلا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإتقانه وكثرتهما\"\nوما ذهب إليه الرحيلي في طبعته الثانية، وما ذكره الدهلوي يشير إلى ترجيحهم أن معنى سوء الحفظ ألا يكون غلطه أقل من إصابته، وهذا قد يوقع في إشكال بيان الفرق بين الراوي كثير الغلط أو فاحشه وبين الراوي سيِّئ الحفظ.\nولعل ما حرره الجديع في هذه المسألة بذكر درجات الراوي سيِّئ الحفظ\nالمراجع: ابن حجر، النزهة، ١٠٧ الطبعة الأولى، ١٠٥ الطبعة الثانية، ابن حجر، نزهة النظر، تحقيق: نور الدين عتر، ٨٩. ابن حجر، نزهة النظر، ط دار الآثار، ٣٣، الدهلوي، أصول الحديث، ٧١ - ٧٢، ينظر: الجديع، التحرير، ١/ ٤٣٦ - ٤٥٦ باختصار.","vol":"1","page":267},{"text":"\"وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي، وتارة يقلُّ، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما أخرج له إن وجد مرويا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف بالغلط\nعلم أن المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطريق، وأن لم يوجد إلا من طريقه فهذا قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة ما هذا سبيله، وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.\nوحيث يوصف بقلة الغلط كما يقال: سيِّئ الحفظ، أو لَهُ أوهام، أو لَهُ مناكير وغير ذلك من العبارات، فالحكم فيه، كالحكم في الذي قبله إلا أن الرواية عن هؤلاء في المتابعات أكثر منها عند المصنف من الرواية عن أولئك\" (١)\nأي: إن أُخرِج في الصحيحين أو أحدهما من رواية سيِّئ الحفظ أو كثير الغلط فالاعتماد على أصل الحديث لا على هذه الطريق، وإنما هي من باب المتابعات والشواهد، ونسبة رواية كثير الغلط -في المتابعات- أقل من سيِّئ الحفظ.\nفوصف سيِّئ الحفظ - عند ابن حجر- في أدنى مراتب التجريح وأسهلها (٢)، وفي أدنى مراتب طعن الراوي في ضبطه كما سبق معنا عند ترتيبه لوجوه الطعن في الراوي من الأشد إلى الأخف؛ لذا كانت روايته قابلة للانجبار إذا وُجد لها متابع فقال:\n_________\n(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٨٤.\n(٢) وهو كذلك عند الذهبي- في مقدمة كتابه ميزان الاعتدال- حين ذكر مراتب جرح الرواة جعل سيِّئ الحفظ في أدناها وعلى كذلك العراقي في شرح التبصرة، وهي مرتبة من يُكتب حديثه، ويُنظر فيه للاعتبار.\nوقال ابن حجر في مقدمة كتابه التقريب: \"وأسهلها-أي: الألفاظ الدالة على الجرح- قولهم: فلان لين، أو سيِّئ الحفظ، أو: فيه أدنى مقال.\" بل نجده قد أطلق هذا الوصف في كتابه التقريب على ما يقرب من اثنين وعشرين راويًا قرن سوء الحفظ بالصدق فقال: \"صدوق سيِّئ الحفظ في واحد وعشرين منهم أرقام تراجمهم في التقريب كما يلي: ٤٤٠ - ١٤٥٠ - ١٧١٨ - ١٨٩٥ - ٢٠٥٤ - ٢١٧٨ - ٢٢٣٧ - ٢٦٨٧ - ٢٧٩٢ - ٣٠٩٥ - ٤٠١١ - ٥٨٧٠ - ٦٠٨١ - ٦٩٣٣ - ٦٩٨٨ - ٧٠١٠ - ٧٠٢٩ - ٧١٥٤ - ٧٤٠٨ - ٧٥٦٣ - ٨٠١٩. المراجع: ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧٨، ابن حجر، التقريب، ابن حجر، النزهة، ١٧٥.","vol":"1","page":268},{"text":"\"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، ... صار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع\" (١)\nبالإضافة إلى ما سبق، فإنه جعل سوء الحفظ على قسمين:\n١ - \"إن كان لازما للراوي في جميع حالاته فهو الشاذ، على رأي بعض أهل الحديث.\n٢ - أو إن كان سوء الحفظ طارئا على الراوي؛ إما لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه أو عدمها، بأن كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء فهذا هو المختلط.\" (٢)\nفنجده وصف رواية سيِّئ الحفظ - إن كان لازمًا للراوي- بالشذوذ، بينما أطلق وصف المنكر على رواية فاحش الغلط، والمنكر -عند ابن حجر- أشد ضعفًا من الشاذ. (٣)\nنخلص مما سبق:\nالمراد بالطعن في ضبط الرواة أو أحدهم هو وصفه بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، فيوصف الراوي بصفات تنفي عنه تمام الضبط وخفته مثل وصفه: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ، ويتفاوت الطعن بين الجرح\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق ١٢٩.\n(٣) \"لأن المنكر على قسميه عند من يخرج الشاذ هو أشد ضعفا من الشاذ.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.","vol":"1","page":269},{"text":"الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.\n\nالسبب الرابع: انتفاء العاضد (١) في الضعيف القابل للانجبار:\nإن من الحديث ما يكون ضعفه يسيرًا قابلا للانجبار في حال وجود ما يعضده ويقويه، وسبق معنا في الحديث الحسن بيان المراد من قيد المعاضدة والمتابعة، حيث خصّ هذا\nالقيد - من أنواع الحديث المقبول- الحديث الحسن لغيره، إذ كان فيه ضعف خفيف انجبر بالمُعاضِد من المتابع أو الشاهد، وأصبح في عداد المقبول، أما إن انعدم المُعاضِد بقي الحديث على حاله من الضعف.\nفهذا السبب أو المسلك من مسالك الضعف إنما يخص أنواعًا من الضعيف وهو القابل للانجبار، أما غير القابل للانجبار فيظل على حاله سواء وُجد له متابع أم لم يوجد.\nقال ابن الصلاح: \"ليس كل ضعفٍ في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت:\nفمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة. فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له. وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل، يزول بروايته من وجه آخر.\nومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته. وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب، أو كون الحديث شاذا.\n_________\n(١) سبق بيان معنى المعاضدة والمصطلحات الدالة عليها والغرض منها في قيد المتابعة والمعاضدة في الحديث الحسن.","vol":"1","page":270},{"text":"وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة. والله أعلم.\" (١)\nوقال ابن حجر في كتابه النزهة:\n\"ومتى توبع السيِّئ الحفظ بمُعتبر: كأن يكون فوقه، أو مثله، لا دونه، وكذا المختِلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يُعرف المحذوف منه\nصار حديثهم حسنا، لا لذاته، بل وصفه بذلك باعتبار المجموع، من المتابِع والمتابَع؛ لأن كل واحدٍ منهم احتمال أن تكون روايته صوابا، أو غير صواب، على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين روايةٌ موافقةٌ لأحدهم رَجَح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودل ذلك على أن الحديث محفوظ؛ فارتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول. ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو مُنحَطٌّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقف بعضهم عن إطلاق اسم الحسن عليه.\" (٢)\nولتقوية الحديث الضعيف شروط، حصرها الدريس في ستة شروط (٣) على النحو التالي:\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤.\n\"فالضعف الخفيف أو اليسير في الحديث: بأن يكون سبب ضعفه سوء حفظ أحد الرواة، أو الانقطاع في السند، أو الجهالة في الرواة. فالحديث المعلق، والمرسل، والمعضل، والمنقطع، والمدلَّس، والمرسل الخفي، وحديث المختلِط، والمتلقِّن، ومجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم، ضعف هذه الأحاديث خفيف، ترتقي إلى الحسن لغيرها إذا رويت من طريق آخر أحسن منها أو مثلها، أو الطرق الأخرى ...\nوالضعف الشديد (في الحديث): بأن يكون سبب ضعفه الكذب، أو التهمة بالكذب، أو البدعة، أو الفسق، أو كثرة الخطأ، أو الشذوذ، أو النكارة، أو الوهم.\nفالحديث الموضوع، والمتروك، وحديث المبتدع إذا كان في بدعته، وحديث الفاسق، وكذلك الحديث الشاذ والمنكر بأنواعه الستة: المدرج، والمقلوب، والمزيد في متصل الإسناد بشروطه، والمضطرب، والمصحَّف، والمحرَّف، وكذلك المعلول. هذه الأحاديث ضعفها شديد لا ترتقي إلى درجة الحسن لغيرها. ينظر، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ١٢٩ - ١٣٠، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٩٤، الفحل، العلل، ٣٥.\n(٣) يُضاف إليه شرط سابع ذكره الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث، وهو: أن يكون حديثًا له نفس درجة المجبور به من جهة من يضاف إليه. أي: إن كان الضعيف المراد تقويته حديثًا مرفوعًا، وجب في جابره أن يكون مرفوعًا، صراحة أو حكمًا؛ لأن المراد تقوية أحد الطريقين بالآخر لتصحيح نسبتهما إلى نفس القائل أوالفاعل.\nويخرج منه: تقوية الحديث بما ليس بحديث، أو بما نسبته إلى من هو دون درجة من ينسب له ذلك الحديث. ولذلك طرق لا يصلح اتباع شيء منها لتقوية نسبة الحديث الضعيف إلى النبي - ﷺ -.\nأولها: تقويته بموافقة ظاهر القرآن، زعمه بعضهم، وهذا يكون صحيحًا أن يقال: المعنى الذي جاء به الحديث الضعيف موجود في كتاب الله، لكن يبقي للحديث وصف الضعف في نسبته إلى النبي - ﷺ - قولًا أو فعلًا.\nثانيها: تقويته بالموقوفات على الصحابة، فالحديث الموقوف لا يقوي المرفوع إلا إذا كان مما لا مجال للرأي فيه، ولم يكن من أحاديث بني إسرائيل.\nثالثها: تقوية الحديث بجريان العمل أو الفتوى به، حيث يستأنس بالضعيف الذي لا معارض له، إذا جرى عليه عمل أهل العلم، من الصحابة فمن بعدهم في عصر النقل والرواية. أما عد ذلك العمل منهم دليلًا على ثبوت الحديث، فلا، إذ العمل قد يجري بالشيء بناء على أصل آخر، من دلالة كتاب أو سنة صحيحة غير هذا الحديث.\nرابعها: تقوية الحديث باستدلال المجتهد به، وهذا أضعف مما تقدم.\nخامسها: تقوية الحديث عن طريق الكشف، وهذا يُذكر عن بعض متأخري الصوفية، ... وليس هذا بطريق من طرق العلم.\nسادسها: تقوية الحديث بمطابقته للواقع، وهذا طريق لم يسلكه المتقدمون، وقل من سلكه من المتأخرين، ... وهذا منهج يضرب عن قوانين الحديث صفحًا، ويسقط الاعتداد بالقواعد. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٨٧ - ١٠٩٤، المرتضى الزين، مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث ٢٢ - ٣٤، ٨١ - ٨٣.","vol":"1","page":271},{"text":"١ - أن لا يكون فيه متهم بالكذب أو من لا يُعتبر به.\n٢ - أن يروى من وجه آخر فأكثر، ... وأقل ما تحصل به تقوية الضعيف أن يروى من وجه آخر صالح للاعتبار، وكلما كثرت الطرق المعتبر بها، كلما قوي الظن بثبوت الحديث (١).\n٣ - عدم مخالفته لما هو أقوى منه (٢).\n٤ - أن لا يختلف معنى المتن (يُشترط في متن الشاهد أن يكون موافقًا في معناه لحديث الأصل) (٣).\n٥ - اختلاف المخارج، والمقصد من اشتراط ذلك: أن يكون للحديث أكثر من راوٍ واحد، وحتى لا تكون الطرق المتعددة في حقيقتها تدور على راوٍ واحد، ولا شك\n_________\n(١) \"والمعمول به عند من يرى أن الحديث يتقوى بمجموع طرقه الضعيفة أن الحديث الضعيف يتقوى بمتابع أو شاهد إذا كان صالحًا للاعتبار وسلم من الشذوذ، فكل ما كان صالحًا للاعتبار فهو مساوٍ من حيث القوة النسبية للحديث الأول.\" الدريس، الحسن، ٥/ ٢١٨٦، ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٤، ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.\n(٢) لأنه بالمخالفة يكون شاذًا أو منكرًا، وسيأتي الحديث عن الشذوذ المردود ضمن مسالك الضعف إلى الحديث، وذلك في المسلك التالي.\n(٣) يؤيد ذلك قول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي: \"يروى نحوه من غير وجه، يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - \". وقال أيضًا: \" المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه.\" ابن رجب، العلل، ٢/ ٦٠٦.","vol":"1","page":272},{"text":"أنه كلما كانت المخارج مختلفة ومتنوعة مع صلاحيتها للاستشهاد كان ذلك أقوى وأكمل وأبلغ في انجبار الضعف (١).\n٦ - أن يحصل غلبة ظن بقوة الحديث من مجموع الطرق الضعيفة. (٢)\nومن الأسباب التي قد تكون مانعة لتقوية الحديث الضعيف المعتضد بحديث آخر مثله قابل للاعتضاد، ولها تأثير في غلبة ظن الباحث ما يلي:\n- أن يترجح للناقد أو الباحث خطأ الراوي الشاهد أو خطأ الراوي الأول (٣).\n- أن يكون المتن فيه إثبات فرض أو تحريم (٤).\n- تفرد الضعيف بما لا يُحتمل له. (٥)\n_________\n(١) اشترط ابن رجب كذلك تعدد الطرق واختلاف المخارج في المتابِع، فقال: \"يعني أن يروي معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ - بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا الحديث الذي يرويه الثقة العدل، ومن كثر غلطه، ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهمًا، كله حسن؛ بشرط أن لا يكون شاذًا، مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة.\" المرجع السابق.، ويؤيده كذلك قول ابن حجر: \"فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا\". ابن حجر، الفتح، ٨/ ٤٣٩.\n(٢) نقل الخطيب البغدادي عن عبدالرحمن بن مهدي قوله في الحافظ المتقن: \"ويجب أن يتثبت في الرواية حال الأداء، ويروي ما لا يرتاب في حفظه، ويتوقف عما عارضه الشك فيه\". الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٦٥.\n(٣) وقال ابن حجر في النكت -في ضابط المرويات القابلة للانجبار-: \"لم يذكر للجابر ضابطا يعلم منه ما يصلح أن يكون جابرا أو لا، والتحرير فيه أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ينجبر.\". ابن حجر، النكت، ١/ ٤٠٩.\n(٤) قال ابن أبي حاتم في كتابه المراسيل: \"سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلا بالأسانيد الصحاح المتصلة، وكذا أقول أنا\". ابن أبي حاتم، المراسيل، ٧.\n(٥) حيث يُطلق النقاد على هذه المرويات وصف: المنكر، والباطل، وما لا أصل له. ينظر: كتب العلل، وكتب التراجم الخاصة بذكر الضعفاء وبعض مروياتهم، كالضعفاء لابن عدي.","vol":"1","page":273},{"text":"- إذا اجتمع في الحديث أكثر من سبب للضعف (١).\n- وجود سبب خاص أو قرائن خاصة (٢) تُضعف صلاحية الحديث للاستشهاد. (٣)\nنخلص مما سبق:\nتتفاوت درجات الحديث الضعيف في الضعف بين خفيف الضعف وشديده، وخفة الضعف تنجبر بوجود العاضد المقوي لها -بالشروط التي سبق ذكرها- بينما الشديد الضعف يظل على حاله ولا يقبل الانجبار.\nوإن انتفاء العاضد للضعيف القابل للانجبار يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>السبب الخامس: الشذوذ المردود </span>(٤):\nوجود الشذوذ المردود أو النكارة في الحديث من مسببات ضعفه، وقد اعتبر ابن الصلاح كلًا من الشاذ والمنكر بمعنى واحد، وفرّق بينهما ابن حجر، واعتبر إطلاق الشذوذ خاص بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، بينما النكارة تُطلق على مخالفة الضعيف، وذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاقًا آخر عند المحدثين، وهو إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي\n_________\n(١) كما سبق معنا في الإشارة إلى طبقات المدلسين، فقد ردّوا حديث الطبقة الخامسة ولو صرّحوا بالسماع؛ لكونهم ضُعِّفوا بأمر آخر سوى التدليس. ينظر: العلائي، المراسيل، ١١٣ - ١١٤، ابن حجر، طبقات المدلسين، ١٣ - ١٤.\n(٢) مثال هذه القرينة قول ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين: \"لا يجوز الاحتجاج بخبر في روايته كنية إنسان لا يُدرى من هو، وإن كان دونه ثقة؛ لأنه يُحتمل أن يكون كذابًا كنّى عن ذكره\"، وقال ابن حجر: \"للحاكم إذا تعارضت عنده الأحوال وتعددت البينات أن يستدل بالقرائن على الترجيح\". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ٩١، ابن حجر، الفتح، ٦/ ٥١٨.\n(٣) ينظر: الفصل الخامس من الباب الرابع. الدريس، الحديث الحسن، ٥/ ٢١٧٩ - ٢٢٣٤ باختصار.\n(٤) ويدخل فيه كذلك النكارة، وتقييد وصف الشذوذ بكونه مردودًا؛ للتأكيد على أن المراد هو الشذوذ المؤثر في الحكم على الحديث بالرّد وعدم القبول، ويأتي بيانه - بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث الشاذ.","vol":"1","page":274},{"text":"سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته (١)، وإطلاقهم النكارة على رواية فاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق. (٢)\nوسبقت الإشارة إلى معاني الشاذ في الاصطلاح (٣) - وأنها تراوحت بين معانٍ ثلاثة هي:\nمخالفة الثقات، أو تفرّدهم، أو التفرّد بشكل عام.\nوخَلَص ابن الصلاح إلى أن \"الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (٤)\nوتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر \"الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة (٥) \" (٦)\nقال السخاوي -موضحًا موقف شيخه ابن حجر من إطلاق الصحة على الشذوذ-:\n\"على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا، وقال: غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة، وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٢٩.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ١١٣.\n(٣) عند الحديث عن قيد نفي الشذوذ في فصل الحديث الصحيح، وسيأتي مزيد بيان وتفصيل في الفصل الخاص بالحديث الشاذ، وكذلك في الفصل الخاص بالحديث المنكر بإذن الله.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩.\n(٥) الحديث الغريب: \"هو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند\". ابن حجر، النزهة، ٥٤.\n(٦) الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧.","vol":"1","page":275},{"text":"وأصح، فيُعمَل بالراجح ولا يُعمَل بالمرجوح ; لأجل معارضته له، لا لكونه لم تصح طريقه.\nولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف، وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به ... \" (١)\nثم أردف ذلك بقوله: \"وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا.\" (٢)\nويمكن صياغة المراد بالشذوذ المردود -ويدخل ضمنها النكارة (٣) - بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه وتعذّر الجمع بينهما، فمتى وجد من الراوي\nتفرّد لا يُحتمل منه (٤)، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظًا وإتقانًا أو عددًا، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت لشذوذها أو نكارتها، ولم تقبل الانجبار؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.\n\"ويدخل في المعارضة التي يُرد بها الحديث الضعيف ولو اُعتضد بغيره أن يكون مُعارضًا لآية من كتاب الله أو لقاعدة من قواعد الشريعة المقررة أو لمقصد من مقاصد الشريعة العامة أو الخاصة، ولكن يجب أن يُطبّق ذلك بوسطية بعيدة عن الغلو والتكلف.\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢.\n(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٣٢.\n(٣) المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، بينما المنكر عند ابن حجر أشدّ ضعفًا من الشاذ. ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠، ابن حجر، النكت، ١/ ٢٣٧.\n(٤) قال عمرو عبدالمنعم: \"وقد أشار الإمام مسلم في مقدمة صحيحه إلى أن الإعلال بالتفرد إنما يكون بالقرائن الدالة على النكارة، لا بعموم مجرد التفرد، حيث قال: \"وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبوله.\" مسلم، مقدمة الصحيح، ١/ ٧، سليم، ما لا يسع المحدث جهله، ١٠٩.","vol":"1","page":276},{"text":"وغني عن القول أن تطبيق هذا الشرط يحتاج لأن يكون المعني به ذا حظ وافر من الفقه، ومن الخبرة بكتب مختلف الحديث ومشكله، وأن يعرف مناهج الأئمة وأساليبهم في الجمع والترجيح، وأن يفرق بين الجمع المتكلف وغيره، وبين الجمع الممكن والجمع اللازم، وعليه أن يعرف متى يقدم الترجيح على الجمع والعكس، ولا يتسنى ذلك إلا لمن رزقه الله الجمع بين الحديث والفقه مع طول الممارسة وتواصل الخبرة.\" (١)\n\nنخلص مما سبق:\nيعدّ الشذوذ المردود -ويدخل ضمن ذلك النكارة أيضًا- من مسالك الضعف إلى الحديث، ويمكن اختصار تعريفهما بأنه: تفرّد الراوي بما لا يُحتمل منه، أو مخالفته لمن هو أولى منه مع تعذّر الجمع بينهما.\nفمتى وجد من الراوي تفرّد لا يُحتمل منه، أو خالف في روايته من هو أولى منه حفظًا وإتقانًا أو عددًا، وتعذّر الجمع بين الروايتين، ضُعِّفت روايته ورُدّت، ولم تقبل الانجبار؛ لشذوذها -وذلك في حال كون المُخالِف ثقة- أو نكارتها في حال كون المُخالِف ضعيفًا؛ لأن الوصف بالشذوذ أو النكارة المردودين من أنواع الضعف الشديد الذي لا ينجبر.\n\nالسبب السادس: وجود العلة (٢) القادحة في القبول:\nالعلة بشكل عام تُطلق على كل ما يقدح في صحة الحديث، وفي الاصطلاح على الخفي منها، والعلة الخفية تتطرق غالبًا للأحاديث التي ظاهرها الصحة، فإذا ضُعِّف إسناد\n_________\n(١) الدريس، الحسن، ٥/ ٢١٩٢.\n(٢) سبق في فصل الصحيح وكذلك في الحسن بيان المراد بالعلة، وذلك في قيد نفي العلة في كل منهما، وسيأتي - بإذن الله- مزيد تفصيل وإيضاح في الفصل الخاص بالحديث المعلل.","vol":"1","page":277},{"text":"لوجود راوٍ مجروح أو لانقطاع في سلسلة الإسناد، ونحو ذلك فهذا ظاهر العلة، وليس مرادًا في هذا المبحث إذ سبق بيان أنواع الضعف الظاهر في المباحث السابقة. (١)\nقال الحاكم: \"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (٢)\n\"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في\nحديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.\" (٣)\nوقد تُؤثر بعض أنواع العلل في ضعف يسير ينجبر بمعاضدة غيره له إلا أن المقصود هنا هي: العلة الخفية والتي تسبب ضعفًا شديدًا لا يقبل الانجبار، والتي غالبًا ما تأتي من خطأ الرواة أو بعضهم، ووهمهم، وسواء كان وجودها في الإسناد أو في المتن، إلا أن صفتها: أن تكون خفية وقادحة في الصحة.\nومما يدلل على تتنوع العلل بين الظهور والخفاء، والقدح وعدمه، ما ذكره ابن حجر في كتابه النكت ومثّل له من أنواع العلل القادحة وغير القادحة حيث قال:\n_________\n(١) ينظر: سليم، ما لا يسع جهله، ١٢٢.\n(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.\nوتعرف العلة في الحديث بأمور منها:\n١ - الإلهام من الله - ﷾ - الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.\n٢ - كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم ...\n٣ - جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.\n٤ - النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك. ينظر: الخضير، الضعيف، ٢٣٥ - ٢٣٦ باختصار.","vol":"1","page":278},{"text":"\"مثال ما وقعت العلة في الإسناد ولم تقدح مطلقا: ما يوجد مثلا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح بالسماع تبين أن العلة غير قادحة.\nوكذا إذا اُختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.\n٢ - ومثال ما وقعت العلة فيه في الإسناد وتقدح فيه دون المتن ما مثل به المصنف من إبدال راو ثقة براو ثقة وهو بقسم المقلوب (١) أليق، فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة\nوتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة.\" (٢)\nوالعلة أنواع وأجناس متعددة ذكر الحاكم منها عشرة أجناس للعلة على سبيل التمثيل لا الحصر (٣).\nوقال ابن الصلاح: \"ثم اعلم أنه قد يُطلَق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به، على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل (٤)، ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ، ونحو ذلك من أنواع الجرح. (٥) ... ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو\n_________\n(١) \"وحقيقة القلب تغيير من يُعرَف برواية ما بغيره عمدا أو سهوا.\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٥، وسيأتي بيانه وتفصيله وذكر أنواعه -بإذن الله- في الفصل الخاص بالحديث المقلوب.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٧.\n(٣) ينظر أمثلة على أجناس العلل: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩، ويأتي بشيء من التفصيل في الفصل الخاص بالحديث المعلل.\n(٤) \"وبعض العلماء يقيد العلة القادحة بالخفية، وليس معنى هذا أن الظاهرة لا تقدح في صحة الحديث ولكنها تخرج بشرط الاتصال.\" أبو شهبة، الوسيط، ٢٢٩، وبالشروط الأخرى لصحة الحديث كعدالة الرواة وضبطهم.\n(٥) قال: \"وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث\". تعقّبه العراقي فقال: \"إن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح فاجنح له، أي مِلْ إلى كلامه، وإن يُرد أنه علة في صحة نقله، فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة\" العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، ينظر كذلك: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١.","vol":"1","page":279},{"text":"إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول.\" (١)\nنخلص مما سبق:\nإن من مسالك الضعف إلى الحديث وجود علة فيه، والحديث المعلل هو نوع من أنواع الحديث الضعيف، والمعنى الاصطلاحي الخاص للعلة يشمل العلة القادحة الخفية التي\nيكون الظاهر السلامة منها، وهذه تختص برواية الثقات. أما العلة بالمعنى الأعم فإنها تتعلق بالرواية عموما، سواء أكان الراوي ثقة أم ضعيفا وسواء كذلك أكان الوهم بالإسناد أو بالمتن (٢).\nوالعلة الظاهرة قد تزول بالمتابعات والشواهد، أو بتلقي أهل العلم للحديث بالقبول، أما العلل الخفية فلا تزول، وهي على نوعين:\nأحدهما: ما كان سببه المخالفة، فتكون الرواية شاذة أو منكرة.\nوثانيهما: أحاديث أعلت بأسباب أخرى غير المخالفة: كمعارضة القرآن، أو نص صحيح متواتر أو تأريخ مجمع عليه فهذه لا تزول، ويبقى الحديث معلا.\nفالعلل الظاهرة وهي التي سببها انقطاع في السند، أو ضعف في الراوي، أو تدليس، أو اختلاط تتفاوت ما بين الضعف الشديد والضعف اليسير، فما كان يسيرا زال بمجيئه من\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢ - ٩٣. ولعله يقصد أبو يعلى الخليلي، حيث قال في كتابه الإرشاد: \"العلة فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى لا يمكن حصرها، فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال.\" الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٠ - ١٦٣.\n(٢) \" ومن الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ\" الفحل، العلل، ١٨","vol":"1","page":280},{"text":"طريق آخر مثله أو أحسن منه، وما كان ضعفه شديدا فلا تنفعه كثرة الطرق، ولا تزول علته بذلك. (١)\nوفي بيان الفرق بين التضعيف بسبب الشذوذ، والتضعيف بسبب العلة قال السخاوي: \"وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا (٢)، بخلاف العلة القادحة; كالإرسال الخفي (فتوذي) لوجودها الصحة الظاهرة، ويمتنع معها الحكم والعمل معا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- لم يضع - من جاء قبل ابن الصلاح- تعريفًا للحديث الضعيف أو حدًا له، بل اكتفى بعضهم ببيان معنى الصحيح وشروطه أو مراتبه، وزاد آخرون ببيان معنى الحسن، واستغنوا بذكر ذلك عن تحديد معنى للضعيف؛ إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود، فبالضّد تتميز الأشياء؛ لذا نجد أن ابن الصلاح قال في حدّ الضعيف: \"كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح، ولا صفات الحديث الحسن المذكورات فيما تقدم فهو حديث ضعيف.\" (٤) وتبعه في ذلك من جاء بعده، فذهبوا إلى اختصار تعريفه، أو إعادة صياغته، بحيث دارت تعريفاتهم للضعيف على نفي شروط القَبول، فالضعيف عندهم: (ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول).\n_________\n(١) ينظر: الفحل، المرجع السابق، ٣٤ - ٣٥ بتصرف.\n(٢) أوضح ذلك بقوله: \"غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى، والمرجوحية لا تنافي الصحة\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١.\n(٣) المرجع السابق ١/ ٣٢.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤١.","vol":"1","page":281},{"text":"- وحسب ما مضى معنا في فصل الصحيح والحسن، فبمقدار اتفاقهم على كل شرط من شروط القبول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يسلب الحديث صفة القبول، ويجعله في حيّز الضعف والرّد (١).\n- فكما أن من شروط الصحيح والحسن لذاته اتصال سنده- كما مرّ سابقًا في فصل الصحيح والحسن- واشترطت ذلك أغلب التعريفات سوى ما ذكره الحاكم وأشار إليه من اختلافهم في تصحيح بعض المراسيل، أو روايات بعض الثقات المُدلسين، ففي الغالب يُعدُّ انتفاء شرط الاتصال -أي: السقط في السند- مُخِلًّا بصحة الحديث وقبوله.\nوالسقط في الإسناد بوجه عام على نوعين: سقط ظاهر، وسقط خفي، فمما يندرج تحت السقط الظاهر: المعلق، والمرسل، والمنقطع، والمعضل.\nويندرج تحت السقط الخفي: المدلس، والمرسل الخفي.\nوأيًّا كان موقع الساقط من الإسناد في أوّله أو وسطه أو آخره، وسواء كان الساقط واحدًا أو متعددًا، متفرقًا، أو متتاليًا، فإن انقطاع السند يطعن في صحته ... وذلك للجهالة بحال الراوي الساقط من السند، وكلما كان احتمال كون الساقط عدلا كما في المرسل -مرسل كبار التابعين؛ لأنهم يروون في الغالب عن الصحابة- كلما خفّ ضعفه وكان قابلًا\n_________\n(١) \"المردود، وهو ما اختل فيه شرط أو أكثر من شروط القبول، ويندرج تحته هذه الأنواع، نسردها تبعا لفقد كل شرط منها:\n١ - ما ضعف لاختلال العدالة: الموضوع، المتروك، المطروح.\n٢ - ما ضعف لاختلال الضبط: الضعيف، المنكر، المضطرب، المصحف، المقلوب، المدرج.\n٣ - ما ضعف لفقد الاتصال: المنقطع، المرسل، المعضل، المعلق، المدلس، المرسل الخفي. وهذا القسم يرد للجهل بحال المحذوف فيحتمل أن يكون ضعيفا.\n٤ - ما ضعف لفقد شرط عدم الشذوذ، وهو الشاذ، والمنكر بالأولى، لأنه دليل على اختلال الضبط.\n٥ - ما ضعف لفقد شرط عدم العلة، وهو المعلل بأحد أوجه الإعلال، فهذا مردود، لأن العلة فيه إما من وهم الراوي، أو تبين الانقطاع في سند ظاهره الاتصال.\nوقد ظهر من ذلك أن مدار الشروط في الحقيقة على توفر العدالة والضبط، وسائر الشروط دلائل على هذين الشرطين اللذين لا بد منهما لتوفر أداء الحديث كما هو\" عتر، منهج النقد، ٤٥٧ - ٤٥٨.","vol":"1","page":282},{"text":"للانجبار، بينما إذا تعدد الساقط ازداد الأمر غموضًا واشتد ضعف الإسناد كما في المعضل، والله أعلم.\nهذا فيما يخص المسلك الأول من مسالك الضعف إلى الحديث، وهو: السقط في السند.\n- أما ما يخص الركن الأكبر في الرواية وهي عدالة الرواة، فقد اتفقوا على اشتراطها كشرط من شروط قبول الرواية، وإن تخلل مفهوم العدالة تفاوت في مراتب رواتها -يفيد في الترجيح بينهم عند التعارض- إلا أنه غير مؤثر في مدلولها، والتأكيد على اشتراطها؛ لذا كان الطعن في عدالة الرواة من مسببات ضعف الحديث، وهو يتنوع بين وصفهم بالكذب أو التهمة به، أو بالفسق أو البدعة أو الجهالة بنوعيها جهالة عين أو جهالة حال، وتتراوح مراتب الرواة في الجرح وتختلف حسب شدة أوصاف الطعن وخفتها، ودلالة معانيها عند علماء الجرح والتعديل.\n- وغالبًا ما ترتبط دلالات ألفاظ الجرح والتعديل بجانبيّ العدالة والضبط عند الرواة، لذا كان المسلك الثالث من مسالك الضعف في الرواية الطعن في ضبط الرواة.\nوالمراد به: وصف الراوي بصفات تنفى عنه تمام الضبط (المشترط في راوي الصحيح) وكذلك نفي خفة الضبط (التي يجب ألا ينزل عنها راوي الحسن لذاته)، كأن يوصف: بسوء الحفظ، أو فحش الغلط، أو كثرة الغفلة، أو الوهم والخطأ.\nويتفاوت الطعن بهذه الصفات بين الجرح الخفيف والشديد، فالوصف بسوء الحفظ أو لينه أخفّ في الجرح من الوصف بفحش الغلط أو كثرة الغفلة، وخفة الطعن في رواة الحديث أو شدته، تعدّ من العوامل المؤثرة على ضعف الحديث خفة أو شدة، وبالتالي قابليته للانجبار أو عدمه.\nوغالب ألفاظ الجرح والتعديل مرتبطة بجانبي العدالة والضبط معًا، قال ابن الملقن: \"واعلم أن العدالة والضبط إما أن ينتفيا في الراوي، أو يجتمعا، أو يوجد واحد منهما فقط، فإن انتفيا فيه لم يقبل حديثه أصلا، وإن اجتمعا فيه قُبِل، وهو الصحيح المعتبر، وإن","vol":"1","page":283},{"text":"وُجِدت العدالة وحدها دون الضبط قُبِل حديثه لعدالته، وتوقّف فيه لعدم ضبطه، على شاهدٍ منفصل يجبر ما فات من صفة الضبط، وإن وُجِد فيه الضبط دون العدالة لم يُقبل حديثه، لأن العدالة هي الركن الأكبر في الرواية.\" (١)\n- ولعل ما مرّ في فصل الحسن من بيان درجات رواته (٢)، وتقسيمه إلى قسمين، أحدهما يحسُن لذاته، بينما الآخر في أصله ضعيف اكتسب الحُسن بتعدد طرقه، هو الذي حدا ببعضهم إلى اعتبار انتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، شرطًا من شروط الضعيف ضعفاّ خفيفًا قابلًا للانجبار؛ إذ أن انتفاء العاضد يجعل الحديث الضعيف باقيًا على حاله من الضعف؛ لذا تم إدراجه ضمن أسباب ضعف الحديث وعدم تقويته.\nوينبغي التنبه إلى أن مسببات الضعف في الحديث تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته.\n- ومن أنواع الضعيف الذي لا ينجبر (٣):\n_________\n(١) ابن الملقن، المقنع، ١/ ٩٦. ينظر: الزركشي، النكت، ١/ ٩٩.\n\"لعلماء الجرح والتعديل ألفاظ في جرح الرواة تجعلنا نقسم الحديث الضعيف إلى أربعة أقسام:\n١ - ضعيف ضعفًا يسيرًا، كقولهم: فلان فيه لين، أو ليّن.\n٢ - ضعيف ضعفًا متوسطًا، كقولهم: فلان ضعيف، فلان كثير الغلط.\n٣ - ضعيف ضعفًا شديدًا، كقولهم: تالف، هالك.\n٤ - هو الذي يطلقون فيه على الراوي صفة الكذب والوضع.\nوالضعف اليسير والمتوسط يكون بسبب شيء في ضبط الراوي، أما الضعف الشديد، فقد يكون بسبب الطعن في عدالته، وقد يكون بسبب خلل شديد في ضبطه، بأن تكون أوهامه كثيرة عددًا أو فاحشة معنى.\" محمد عوّامة، حكم العمل بالحديث الضعيف بين النظرية، والتطبيق، والدعوى، ٣٢.\n(٢) \"آخر مراتب الحسن هي أول مراتب الضعيف\". الذهبي، الموقظة، ٣٢.\n(٣) \"ميز المحدثون بين مراتب الضعف الناشئ من القدح في رجاله، فهناك الضعف الذي يقبل التقوية وهذا يسمونه ضعيفا أيا كان سبب ضعفه، وهناك الضعف الشديد الذي لا ينجبر وهذا يطلقون عليه أيضا الضعيف ويؤخذ من تعابيرهم تمييزه كقولهم ضعيف جدا. أو فيه فلان متروك أو متهم. إلا أن كثيرا من المحدثين ميزوا بعض حالات الضعيف بألقاب خاصة بها هي: (المنكر، المتروك، المطروح) ندرسها فيما يلي: واتفقوا على تمييز الضعف الأخس وهو الكذب المختلق بلقب خاص هو (الموضوع).\" عتر، منهج النقد، ٢٨٩ - ٢٩٠،\nوإطلاق لقب (حديث ضعيف) صالح أن يكون لأي من السببين، -أي: الضعف الشديد، أو الضعف الخفيف- وإن كان يوهم خفة الضعف أحيانًا، فيشكل إطلاقه على (المنكر) و(الموضوع) مثلًا.\nينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦، الخيرآبادي، المعجم، ٨٩.\nويُفهم من ذلك أن الحديث الذي فيه ضعف يمكن انجباره يدخل تحت مسمى الأحاديث الضعيفة، بينما الشديد الضعف الذي لا ينجبر له في العادة مسميات خاصة منها: المنكر، المتروك، المطروح، الموضوع.","vol":"1","page":284},{"text":"كون الحديث شاذًا مردودًا، أو منكرًا أو معللًا بعلة قادحة في صحته، لذا كان من مسميات الحديث الضعيف غير المنجبر: المنكر، والمعلل، وسيأتي بيان كل نوع منهما في فصل مستقل بإذن الله.\nوقبل الانتقال إلى الفصل الرابع، والذي يُعنى بتحرير مصطلح الحديث الشاذ، تجدر الإشارة إلى أسباب وجود الأحاديث الضعيفة في المصنفات الحديثية، والتي لخّصها بعض المعاصرين في أمور أربعة، هي:\n- أن يكون الغرض من إيراد الأحاديث الضعيفة، هو: معرفة مخرجها، أي: من باب التعريف بها لا الاحتجاج (١).\n- أو الذهول عن مواطن الضعف بها، وأسباب ردّها. (٢)\n- أو من باب الضرورة إذا لم يكن في الباب غيره، أو لا يُعرف الحديث إلا من ذلك الوجه الضعيف. (٣)\n_________\n(١) قال الحاكم: \"وللأئمة ﵃ في ذلك غرض ظاهر، وهو أن يعرفوا الحديث من أين مخرجه والمنفرد به عدل أو مجروح\". الحاكم، الإكليل، ٣١.\n(٢) قال ابن حجر: \"بعض من صنف الأبواب قد أخرج فيها الأحاديث الضعيفة؛ بل والباطلة، إما لذهول عن ضعفها، وإما لقلة معرفة بالنقد.\" ابن حجر، النكت، ١/ ٤٤٧.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣٧.، ابن حجر، المرجع السابق.","vol":"1","page":285},{"text":"- أو باب إخراج كل ما أُسند في هذا الموضوع، فيروي كل ما جمعه في هذا الباب. (١)\n\nوبهذه الأسباب نختم الفصل الثالث؛ لننتقل إلى تحرير مصطلح الشذوذ، والذي رأيت أن يكون ترتيبه الرابع بين فصول هذا البحث؛ لتعلّقه بتحرير قيود تعريفات الفصول الثلاثة السابقة (الصحيح، والحسن، والضعيف)، وإلى الفصل الرابع: الحديث الشاذ.\n_________\n(١) ينظر: العثمان، المحرر، ١٣٥ - ١٤١ باختصار.","vol":"1","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الرابع: الحديث الشاذ</span>\nالمبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:","vol":"1","page":287},{"text":"المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول: تعريف الشاذ لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>المطلب الأول: تعريف الشاذ لغة:</span>\nالشاذ في اللغة: مأخوذ من شذَّ يَشِذُّ ويَشُذُّ (بكسر الشين أو ضمّها) شذوذًا: أي انفرد، وندر عن الجمهور أو الجماعة أو خالفهم. وشذاذ الناس: مُتَفَرِّقوهم، الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم.\nفالشذوذ في اللغة يأتي بمعنى الانفراد، والمفارقة، والتنحِّي، والإقصاء، والمخالفة. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>المطلب الثاني: تعريف الشاذ اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nبتتبّع كتب الحديث وعلومه بحثًا عن تعريف للحديث الشاذ، وبيان حدوده (٢)، وجدت أغلب من تكلّم على هذا النوع من علوم الحديث يذكر تعريف الإمام الشافعي - ﵀- ثم يذكرون بعضًا من تعريفات من جاء بعده، وفي ذلك إشارة منهم إلى أنه أقدم من عرّف الشاذ من الحديث (٣)، وفيما يلي سرد هذه التعريفات حسب ترتيبها الزمني إلى عصر ابن الصلاح:\n_________\n(١) ينظر مادة (ش ذ ذ): الفراهيدي، العين، ٦/ ٢١٥، ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١٨٠، الرازي، المختار، ٣٥٤، ابن منظور، اللسان، ٣/ ٤٩٤، الفيروزآبادي، القاموس، ٣٣٤، المعجم الوسيط، ١/ ٤٧٦.\n(٢) \"بعض أهل العلم ممن له استقراء لكتب العلل يقول: إنه لم يقف في أحكام المتقدمين على حكم لحديث بلفظ (شاذ)، وهذا حق إلا في النادر، لكن لا شك أن أهل الحديث استعملوا من الأحكام ما يدل على معنى الشذوذ، كقولهم: (خطأ)، وقولهم (لا يُتابع عليه)، وقولهم (غير محفوظ)، وهذا معنى قول ابن الصلاح ﵀: \"وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث\" -ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠ - وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر ﵀ من كلام المتقدمين حيث رأى أن ذلك يُراد به في بعض الأحيان الشاذ.\" العثمان، المحرر، ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(٣) استدراك من فضيلة المناقش: كلام الشافعي يدل على أن هناك من عرّف الشاذ في عصره بالتفرّد.","vol":"1","page":288},{"text":"تعريف الشافعي (ت ٢٠٤ هـ):\nروى ابن أبي حاتم (١) بإسناده إلى الشافعي قوله: \"ليس الشاذ من الحديث، أن يروي الثقة حديثا لم يروه غيره، إنما الشاذ من الحديث: أن يرويَ الثقات حديثا، فيشذ عنهم واحد، فيُخالِفهم\" (٢)، وبنحوه أخرجه الحاكم في كتابه المعرفة. (٣)\nوروى ابن أبي حاتم أيضًا عن الشافعي قوله: \"إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثا على نص، ثم يرويه ثقة خلافا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم.\" (٤)\nتعريف أبو بكر الأثرم (٥) (مختلف في وفاته ما بين ٢٦١ - ٢٧٣ هـ):\nقال أبو بكر الأثرم: \"الشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره\". (٦)\n_________\n(١) عبدالرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الرازي، أبو محمد ابن أبي حاتم. محدث حافظ. من مصنفاته: (الجرح والتعديل) و(علل الحديث)، وغيرها. مات سنة ٣٢٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٢٦٣. الصفدي، الوافي بالوفيات، ١٨/ ١٣٥ (٦٨٣٢)، كحالة، المؤلفين، ٢/ ١٠٩ (٦٩٦١).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في كتابه آداب الشافعي ومناقبه، والخطيب البغدادي في كتابه الكفاية. ينظر: عبدالرحمن بن محمد بن أبي حاتم الرازي، آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق: عبدالغني عبدالخالق، ط ٢ (القاهرة: مكتبة الخانجي، ١٤١٣ هـ= ١٩٩٣ م) ٢٣٣، الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.\n(٣) أخرجه البيهقي كذلك من طريق الحاكم في معرفة السنن والآثار، ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٩، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، (القاهرة-المنصورة: دار الوفاء، ١٤١٢ هـ=١٩٩١ م) ١/ ١٤٣ ح (١٦٩).\n(٤) ابن أبي حاتم، آداب الشافعي، ٢٣٤، وأخرجه أيضًا ابن عدي في مقدمة الكامل في الضعفاء مع وجود خطأ مطبعي دمجت فيه كلمة (نصّ) وما بعدها فكتبت (نصرتهم)، ابن عدي، الضعفاء، ١/ ٢٠٧.\nومن هذه الروايات الثلاث لمعنى الشاذ عند الشافعي نجده -﵀- قيّد الشاذ بقيدين: قيد المخالفة، وقيد الثقة. وما جاء في بعض روايات التعريف بعموم المخالَف وهو قوله: \"يروي الثقة حديثا يخالف فيه الناس\" خصته الروايات الأخرى بالثقات.\nيقول الدكتور عبدالجواد حمام أنه بحث عن تعريف الشاذ في كتب الشافعي فلم يجده، والذين نقلوا كلامه في الشاذ لم يعزوه إلى شيء من كتبه، \"وإنما رُوي كلام الشافعي عنه مُسندًا، ولعله قاله مشافهة ولم يسطّره في كتاب؛ ولذلك وقع شيء من الاختلاف في النقل عنه\". حمام، التفرد، ٣٣٢.\n(٥) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي، ويقال: الكلبي، أبو بكر الأثرم البغدادي، الفقيه الحافظ، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وروى عنه الناس، قال ابن حبان \"وكان من خيار عباد الله من أصحاب أحمد ابن حنبل\" اُختلف في تاريخ وفاته، قيل: ٢٦١، وقيل ما بعدها، وقيل تأخرت وفاته إلى ٢٧٣ هـ. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٨/ ٣٦، الذهبي، السير، ١٢/ ٦٢٣ (٢٤٧)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ٧٨ (١٣٣).\n(٦) هكذا جاء تعريفه للشاذ مقيّدًا بالمخالفة، والناظر للتعريف مجردًا يجده قد أطلق رتبة المخالِف، والمخالَف ولم يحددهما، لكن بتتبّع السياق الذي ورد فيه التعريف والمثال الذي ذكره يظهر أنه أراد مخالفة الثقة للثقات، وبهذا يكون موافقًا للشافعي في تعريفه للشاذ. ينظر: أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبد الله بن حمد المنصور، ط ١، بلد النشر] بدون [: ن] بدون [(١٤١٩ هـ) ١٨١، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٧. وسيأتي مزيد إيضاح أثناء تحرير التعريفات.","vol":"1","page":289},{"text":"تعريف صالح جزرة (١) (ت ٢٩٤ هـ)\nقال الحافظ صالح بن محمد الأسدي المعروف بجزرة: \"الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف\" (٢).\nتعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nذكر الحاكم تحت النوع الثامن والعشرين تعريف الشاذ فقال: \"الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة\". (٣)\n_________\n(١) صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب السدي، يكنى أبا علي، ويلقب جزرة، وكان حافظا عارفا من أئمة الحديث، وممن يرجع إليه في علم الآثار، ومعرفة نقلة الأخبار. مات سنة ٢٩٣ هـ. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٩/ ٣٢٢ - ٣٢٨ (٤٨٦٢)، الذهبي، السير، ١٤/ ٢٣ - ٣٣ (١٢)،\n(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.\nتعريفه الشاذ بالمنكر الذي لا يُعرف، أي الشاذ في مقابلة المعروف عند الأئمة، يترتب عليه أن الشاذ والمنكر عنده بنفس المعنى، وقال الدكتور أبو سمحة: \"قوله (لا يُعرف) إما بتفرّد أو مخالفة الراوي\". بينما كان للدكتور عبدالجواد حمام رأي آخر حيث قال شارحًا لتعريف الحافظ صالح جزرة: \"يلاحظ في عبارته: ... أن الوصف المؤثر في الشاذ هو كون الحديث منكرًا غير معروف، أي عدم معرفة الحفاظ له؛ على سعة اطلاعهم، وإحصائهم للرواة والمرويات، وعدد الروايات المروية بكل سند تقريبًا، فكونه خارجًا عن محفوظاتهم، غريبًا عليهم، هو الذي أثر في وصفه بالشذوذ. -أنه لم يذكر في الشاذ وصف المخالفة. - أنه إنما يتكلّم عن الشاذ في معرض الذم والقدح.\" المراجع: أبو سمحة، الحديث المنكر، ١٥٢، حمام، التفرد، ٣٤٣.\n(٣) وذلك بعد أن قال: \"معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم\". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.\nقال ابن الأثير موضحًا ما ذهب إليه الحاكم بقوله: \"وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه، فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذكرت، ... والشاذ: ما لا يعرف له علة.\" ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧.\nيقول الدكتور نورالدين عتر في تحقيقه لشرح علل الترمذي: \"وثمة تحقيق جديد في مراد الحاكم بالشاذ، هو أنه نوع دقيق من المعلل، قد أُعلَّ بأمر دقيقٍ من التفرد، هو أعمق من ظاهر معنى التفرد، فهو نوع من المعلل ينقدح في نفس الناقد تعليله، وقد تقصر عبارته عن الإفصاح به، لكون علته ليست من نوع العلل المعروفة، كوصل حديث مرسل، أو وهم راو، أو دخول حديث في حديث.\nوهذا ما تفيده عبارة الحاكم، وتدل عليه الأمثلة التي ذكرها للشاذ، وهو أن الشاذ نوع من الحديث الفرد، يقع رجاله في السند على نسق فريد لم يُعرف في سياق أسانيد الأحاديث غير سياق الحديث المحكوم عليه بالشذوذ، وكذلك المتن. وذلك يُشعر بوقوع خلل في الحديث وإن كنا لا نستطيع بيان هذا الخلل وتعيينه ما هو؟ \". ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠.\n\"أي: أن للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:\n١ - تفرد ثقة.\n٢ - ينقدح في نفس الناقد أنه غلط. وبهذا إذا كان هناك حديث فرد ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم. الأثري، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، ٤١.","vol":"1","page":290},{"text":"تعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):\nعرّف الخليلي الحديث الشاذ بعد أن ذكر تعريف الشافعي له، ونسبه كذلك لجماعة من أهل الحجاز (١)، ثم أردفه بقوله: \"والذي عليه حفَّاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يَشذُّ بذلك شيخ (٢)، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يُقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يُحتج به\" (٣)\n_________\n(١) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٢) لفظ (شيخ. المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٢/ ٣٧، ابن القطان، الوهم والإيهام، ٤/ ٦٢٧، الذهبي، الميزان، ٢/ ٣٨٥ (٤١٧٧)، الذهبي، الموقظة، ٧٨، الليث آبادي، المعجم، ٧٧، الغوري، الموسوعة، ٢٨٥ - ٢٨٦.\n(٣) الخليلي، المرجع السابق. حيث ذكر المراد بالشاذ بعد أن ذكر أنواع الأفراد، وميّز بين تفرّد الأئمة الحفاظ، وتفرّد الشيوخ.\nقال ابن رجب موضحًا مراد الخليلي من تفرد الشيوخ بقوله: \"ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره، فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، ... \" إلى أن قال: \"وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم\" ينظر: ابن رجب، العلل، ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ باختصار.\nوعلى ذلك فإن \"وصف (شيخ) ليس المراد منه هنا الجرح أو التعديل من حيث الضبط والعدالة؛ لأنه ذكر أن هذا الشيخ قد يكون ثقة وقد يكون غير ذلك، وما كان عن غير ثقة فهو متروك، وما كان عن ثقة فهو متوقف فيه، وغير محتج به. فما الفرق إذن بينه وبين الأئمة والحفاظ؟\nالظاهر أن الفرق يتعلّق بكمِّ الرواية، وسعة المرويات، وشهرة هذا الراوي، لا من حيث التوثيق والتجريح، فالإقلال من الرواية قد يكون سببًا في عدم شهرة الراوي أو معرفته؛ لذا يوصف بأنه: (مستور) أو (محله الصدق)، أو يوصف بأنه (شيخ) فهو لم يوثق ولم يجرح، لعدم اختبار ضبطه، لكن قد ارتفعت الجهالة عنه.\" حمام، التفرد، ٣٧٨ - ٣٧٩.","vol":"1","page":291},{"text":"تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):\nقال الميانشي: \"وأما الشاذ: فهو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون\" (١).\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nقال ابن الصلاح: \"الشاذ المردود (٢) قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (٣)\n_________\n(١) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٩.\nقال الزركشي: \"وجرى الميانشي على طريق المحدثين.\" ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف، وقال محقق الكتاب: وقوله: \"ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون\" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جريًا على طريق المحدثين. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٩.\n(٢) وتقييده للشاذ بالمردود، لأن هناك من يُفسّر \"الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون صحيح شاذ وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضا لا ينافي الصحة كالغرابة\" الدهلوي، أصول الحديث، ٧٧.\n\"وهذا تقسيم لبعضهم الشاذ إلى صحيح وغير صحيح كما فعلوا في العلل، بل قسم بعضهم الشاذ إلى ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وضعيف؛ لأن المنفرد إن كان ثقة فصحيح، وإن كان غير ثقة فحسن، وإلا فضعيف.\" الزركشي، النكت، ١٤٠، ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١ - ٣٢.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩.\nذكر ابن الصلاح التقسيم السابق بعد أن ناقش تعريف كل من الشافعي والحاكم والخليلي، واعترض على الأخيرين بقوله: \"فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول:\n\" إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مزحزحًا له عن حيز الصحيح.\nثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر.\" ابن الصلاح، المرجع السابق.","vol":"1","page":292},{"text":"تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nلقد قسّم ابن الصلاح الشاذ إلى قسمين، تضمَّنا - بشيء من التصرّف- ما ذكره السابقون له في تعريفهم للشاذ، أما من جاء بعد ابن الصلاح فلم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.\nوممن اختصر كلامه دون تعقيب: ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (١)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، بينما تعقّبه ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) في تقسيمه فقال: \"وهذا التفصيل حسن ولكنه مخل لمخالفة الثقة من هو مثله في الضبط وبيان حكمه\" (٥).\nوكان ممن رجّح بين التعريفات: ابن القيم (ت ٧٥١ هـ) حيث رجّح تعريف الشافعي للشاذ فقال: \"إنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة\n_________\n(١) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧.\n(٢) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٤٢.\n(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ١٧٠.\n(٤) ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٤٦.\n(٥) ابن جماعة، المنهل، ٥١.\nقال الطيبي في الخلاصة: \"قوله (أحفظ منه وأضبط) على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردودًا\" الطيبي، الخلاصة، ٧٧.\nأضاف محقق المنهل ط غراس: \"بل يُعطى له حكم التعارض، ويُدفع ذلك التعارض بأحد وجوه الترجيح المعروفة عند علماء هذا الفن\". ينظر: ابن جماعة، المنهل الروي، ١٣٦.","vol":"1","page":293},{"text":"حديثا منفردا به - لم يرو الثقات خلافه-: فإن ذلك لا يسمى شاذًا، وإن اُصْطُلِح على تسميته شاذا بهذا المعنى لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده ولا مُسوّغا له.\" (١)\nوكذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) ففي كتابه (التقريب) (٢) اختصر ما ذكره ابن الصلاح، ولم يُعقّب عليه، لكن في كتابه (المجموع شرح المهذب) رجّح ما ذهب إليه الشافعي في الشاذ بقوله \"ومذهب الشافعي وطائفة من علماء الحجاز أن الشاذ ما يخالف الثقات، أما ما لا يخالفه فليس بشاذ، بل يُحتجُّ به. وهذا هو الصحيح وقول المحققين\" (٣)، وممن رجّح تعريف الشافعي أيضًا: ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث اختصر كلام ابن الصلاح، وأكّد على تصويب مذهب الشافعي في الشاذ فقال: \"الذي قاله الشافعي أولًا هو الصواب؛ أنه إذا روى الثقة شيئًا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ -يعني المردود-؛ وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يروِ غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلًا ضابطًا حافظًا\" (٤).\nوابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (٥) بينما اقتصر في التذكرة على ما يوافق تعريف الشافعي للشاذ، فقال: \"الشاذ: وهو ما روى الثقة مخالفا لرواية الثقات\" (٦).\nومن أبرز التعاريف للحديث الشاذ بعد ابن الصلاح:\n_________\n(١) ابن قيم الجوزية، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.\n(٢) النووي، التقريب، ٤٠.\n(٣) النووي، المجموع شرح المهذب ٤/ ١٤٣، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.\n(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.\n(٥) ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٦٥.\n(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.","vol":"1","page":294},{"text":"تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث اعتمد تعريف الشافعي للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف بأن قيّده بالقبول، بينما الشافعي قيّده بالثقة، فقال في كتابه (نزهة النظر): \"الشاذ: ما رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه.\" (٢)، وأتبعه بقوله: \"وهذا هو المعتمد (٣) في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح.\"\nوقال في كتابه (النكت): \"فالأليق في حد \"الشاذ\" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم\". (٤)\nوسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) وتبعه السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة (٦)، ففي كتابه (فتح المغيث) ذكر ترجيح قول الشافعي في الشاذ، وأشار إلى أنه اختيار شيخه ابن حجر، فقال: \"فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي؛ ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه\". (٧)\n_________\n(١) أي: ثقة أو صدوق. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩.\nوعبّر بالمقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن. ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٠٢.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.\n(٣) ذكر أن لكل من الشذوذ والنكارة إطلاق آخر عند المحدثين، مثل إطلاقهم الشذوذ على رواية الراوي سيِّئ الحفظ إذا لازمه سوء الحفظ في جميع حالاته. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١٢٩.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.\n(٥) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.\n(٦) قيّد التهانوي المخالفة في تعريفه للشاذ بكونها تستلزم رد ما رواه الأرجح، فقال: \"والشاذ: ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفًا لمن هو أرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو مرجِّحٍ سواهما (مخالفة تستلزم ردَّ ما رواه الأرجح).\"\nوقال الجزائري في توجيه النظر: \"والشذوذ مخالفة الثقة في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين.\"\nالمراجع: التهانوي، قواعد في علوم الحديث، ٤٢، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ١٨٠\".\n(٧) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩.","vol":"1","page":295},{"text":"ووضّح المراد بالحديث الشاذ بقوله: \"الشاذ اصطلاحا: (ما يخالف) الراوي (الثقة فيه) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن (الملا) - بالهمز وسهل تخفيفا- أي: الجماعة الثقات من الناس; بحيث لا يمكن الجمع بينهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nابتدأ ابن الصلاح - في نوع الحديث الشاذ- بتعريف الشافعي للشاذ، وأتبعه بتعريف الخليلي ثم الحاكم، وأعقب ذلك بتصويب ما ذكره الشافعي، واستشكل ما جاء عن غيره بأفراد العدول الضابطين المخرجة في الصحيح، وقال:\n\"فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبيِّنه، فنقول:\nإذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا (٢). وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان\nعدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبِل ما انفرد به (٣)، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما\n_________\n(١) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٤٤.\n(٢) وقد ذكر ابن الملقن في كتابه المقنع مثالًا لكل نوع: فقال:\n\"مثال الحديث الفرد المخالف: ما رواه أبيض بن أبان الثقفي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان مصليا فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعا.\n- والحديث أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار ١٠/ ٢٩٨ ح (٤١٠٨).\nقال محقق كتاب المقنع في الهامش: تفرد أبيض بذكر الأربع قبل الجمعة ... حيث رواه الثقات عن سهيل، ومنهم سفيان الثوري، بدون الأربع قبل الجمعة، - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجمعة ٢/ ٦٠٠ ح (٨٨١) - فخالف أبيض بن إبان الثقات في ذلك. ومثله لا يحتمل ذلك، فإنه لين الحديث ليس بالقوي. ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٦٩.\n(٣) \"ومثال ما تفرد به الحافظ الضابط المقبول: كحديث مالك عن الزهري عن أنس «أن رسول الله - ﷺ - دخل مكة وعلى رأسه المغفر» ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٦.\nوالحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب جزاء الصيد، باب دخول الحرم ٣/ ١٧ ح (١٨٤٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام ٢/ ٩٨٩ ح (١٣٥٧).","vol":"1","page":296},{"text":"سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له، مُزحزحًا له عن حيز الصحيح (١).\nثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك (٢)، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به (٣)، وكان من قبيل الشاذ المنكر.\" (٤)\nوقد فصّل وذكر أنواع التفرد الحاصلة من الرواة في روايتهم، وأثر مرتبة الراوي من الضبط والإتقان في قبول روايته أو ردّها، ثم خلص - ﵀- إلى أن جعل الشاذ على قسمين، فقال: \"الشاذ المردود قسمان: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.\n_________\n(١) \"ومثال ما رواه غير الموثوق بحفظه وإتقانه منفردا به: حديث ابن عباس في التقاء الخضر وإلياس كل عام. قال الدارقطني: \"لم يحدث به غير الحسن ابن رزين عن ابن جريج عن عطاء عنه\". قلت: وهو صاحب مناكير.\" ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٠ - ١٧١. والقصة أخرجها ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٩٥ -\n(٢) \"ومثال المتفرد الذي هو غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، وتفرده حسن: حديث واثلة مرفوعا: «المرأة تحوز ثلاثة مواريث» رواه ابن ماجة -في سننه كتاب الفرائض، باب تحوز المرأة على ثلاث مواريث ٢/ ٩١٦ ح (٢٧٤٢)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ما يرث النساء من الولاء ٣/ ٥٠٠ ح (٢١١٥) - وقال: \"حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن حرب على هذا الوجه\". ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٣) مثال البعد من درجة الحافظ الضابط المقبول: حديث أبي سعيد الخدري في الدعاء بعد الوضوء بـ «سبحانك اللهم وبحمدك» - أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب فضائل القرآن ١/ ٧٥٢ ح (٢٠٧٢)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه- قال الدارقطني: \"تفرد به عيسى بن شعيب\". ابن الملقن، المرجع السابق، ١/ ١٧١ - ١٧٦.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٨ - ٧٩.\nقال البقاعي: \"ليس في هذا التفصيل من الشاذ إلا ما قاله أولا، وهو الذي عرف به الشافعي، وأما الثاني: فهو صحيح غريب، وأما الثالث: فهو حسن لذاته غريب، وأما الرابع: فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي.\" البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥.","vol":"1","page":297},{"text":"والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قيود الشاذ عند ابن الصلاح:</span>\nنجد أن ابن الصلاح حين قسّم الشاذ إلى قسمين، جعل أحدهما موافقًا لتعريف الشافعي للشاذ من حيث اشتراط المخالفة من الراوي لغيره من الثقات؛ إلا أنه أطلق رتبة الراوي المُخالِف فيشمل بذلك الثقة وغيره، بينما الشافعي قيّد المخالِف بالثقة.\nوجعل القسم الثاني خاصًا بتفرّد الرواة الذين هم في الثقة والضبط دون مرتبة رواة الصحيح والحسن لذاته (٢).\nفالقسم الأول من الشاذ عند ابن الصلاح: مطلق المخالفة من الراوي - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.\nوالقسم الثاني من الشاذ عند ابن الصلاح: تفرّد الضعيف (٣)، أو بشكل أدق تفرّد من لا\n_________\n(١) ابن الصلاح، المرجع السابق.\n(٢) إذ أنه اشترط في راوي الحسن لذاته \"أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا\". ابن الصلاح، المرجع السابق، ٣١ - ٣٢.\n\"وسوف يأتي أنه يشترط في الشاذ هذا الذي أشار إليه: أن لا يكون راويه في مرتبة الثقات الأثبات من رجال الصحيح، ولا في مرتبة من دونهم من رجال الحسن كما سيأتي واضحًا، فهذا يدلك على أن رجال الحسن مرتفعون عن مرتبة المجاهيل والضعفاء بمرة.\" ابن الوزير، التنقيح، ٧٥.\nويُفهم من ذلك أن رواة الحديث الصحيح، ورواة الحسن لذاته على مراتب من الحفظ والإتقان تجبر لهم تفردهم بالحديث فلا يُستنكر ما لم تكن هناك قرينة تدل على النكارة والشذوذ.\n(٣) حيث قال: \"فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطَّهُ إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر.\" ابن الصلاح، المرجع السابق، ٧٩.\nوقد تعقّبه البقاعي في تسمية تفرد الضعيف شذوذًا فقال في تفرد الضعيف: \"فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسنا لغيره، وتسميته له شاذا نظرا إلى محض التفرد، فهو نظر لغوي.\"\nواستشكل السخاوي تسمية ما تفرّد به الضعيفُ شاذًا فقال: \"وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته ضعيف أو سيئ الحفظ، أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا، وذلك فيهما مناف لغموضهما\".\nومن التعقيبات - بخصوص تسمية تفرّد الضعيف بالشاذ ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩، السليماني، الجواهر، ٣٠٣.","vol":"1","page":298},{"text":"يُحتمل تفرّده من الرواة. (١)\nوبتأمل قسميّ الشاذ عند ابن الصلاح فإن أبرز القيود التي تحتاج إلى تحرير في تعريفه للشاذ (٢) هما: المخالفة، والتفرّد.\n- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.\n- تفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده). أو (التفرّد غير المحتمل).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>القيد الأول: المخالفة:</span>\nالمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وتخالف الأمران، واختلفا: لم يَتَّفقا، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٣).\nوفي الاصطلاح: اجتهد أحد الباحثين بتعريفها فقال: \"هي أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه\" (٤).\n_________\n(١) حيث صرّح بذلك حين مثلّ للحديث المنكر، -المرادف للشاذ عنده- فقال: \"ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.\nهذا عدا أن الثقة قد يُخطئ ويُستنكر تفرده؛ لقرائن تحفّ بالرواية، إذ \"ليس من حد الثقة أنه لا يغلط ولا يخطئ، فمن الذي يسلم من ذلك غير المعصوم الذي لا يقر على خطأ! \". الذهبي، الموقظة، ٧٨.\n(٢) وكذلك بالنسبة لقيود الحديث المنكر كما سيأتي في فصل الحديث المنكر بإذن الله، إذ أن الشاذ والمنكر عند ابن الصلاح بمعنى واحد.\n(٣) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.\n(٤) حيث قال: \"لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله. كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩.","vol":"1","page":299},{"text":"ثم أشار إلى بعض أسباب هذا التغاير فقال: \"وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.\nوتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها\" (١).\nومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة. (٢)\nوالمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث. (٣)\nوممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - ﵀- إلا أنه جعل الشذوذ خاصًا بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.\nوتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.\nأما المثال الذي ذكره أبو بكر الأثرم في كتابه ناسخ الحديث ومنسوخه في باب صيام العشر (٤) فهو من حديث موسى بن عُلي (٥) عن أبيه (٦) عن عقبة بن عامر (٧)\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٩.\n(٣) \"مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.\n(٤) الأترم، ناسخ الحديث، ١٧٩.\n(٥) موسى بن عُلي بن رباح، مع أنّ جمهور النقاد على توثيقه، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، والأربعة، مات سنة ١٦٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٨/ ١٥٣ - ١٥٤ (٦٩١)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٥٣، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٠٦ (٥٧١٩)، ابن حجر، التهذيب، ١٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٦٤١)، ابن حجر، التقريب، ٥٥٣ (٦٩٩٤).\n(٦) على بن رباح بن قصير اللخمي المصري، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى، (والد موسى بن على بن رباح) قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة. مات سنة ١١٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠١ (٤٧٣٢).\n(٧) عقبة بن عامر الجهنى - ﵁ -، صحابي جليل، اُختلف في كنيته فقيل: أبو حماد وقيل أبو عمرو وقيل أبو عبس وقيل غير ذلك، روى عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، من فقهاء الصحابة، شهد فتوح الشام، وتولّى مصر زمن معاوية ومات بها سنة ٥٨ هـ. ينظر: ابن الأثير، أُسد الغابة، ٤/ ٥١ (٣٧١١)، ابن حجر، الإصابة، ٧/ ٢٠٥ (٥٦٢٦).","vol":"1","page":300},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - قال: «يوم عرفة وأيام التشريق أيام أكل وشرب» (١).\nثم قال - بعد أن ذكر أحاديث ظاهرها الاختلاف في حكم صوم يوم عرفة-: \"وأما حديث عقبة بن عامر فإنه حديث تفرد به موسى بن علي، وروى الناس هذا الحديث من وجوه كثيرة، فلم يدخلوا فيه صوم عرفة، غيره.\nوقد يكون من الحافظ الوهم أحيانًا، فالأحاديث إذا تظاهرت فكثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، ... \" ثم أعقبه بقوله: \"فالشاذ عندنا: هو الذي يجيء بخلاف ما جاء به غيره، وليس الشاذ الذي يجيء وحده بشيءٍ لم يجئ أحد بمثله ولم يخالفه غيره\". (٢)\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصيام، باب صيام أيام التشريق ٢/ ٣٢٠ ح (٢٤١٩)، والترمذي في سننه كتاب الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ٢/ ١٣٥ ح (٧٧٣) وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في سننه كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة ٥/ ٢٥٢ ح (٣٠٠٤)، وأحمد في مسنده ٢٨/ ٦٠٥ ح (١٧٣٧٩)، والدارمي في سننه كتاب الصوم، باب في صيام يوم عرفة ٢/ ١١٠٦ ح (١٨٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصيام، باب ذكر خبر روي عن النبي - ﷺ - في النهي عن صوم يوم عرفة مجمل غير مفسر ٣/ ٢٩٢ ح (٢١٠٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصوم، باب الصوم المنهي عنه ٨/ ٣٦٨ ح (٣٦٠٣)، والحاكم في مستدركه كتاب الصوم ١/ ٦٠٠ ح (١٥٨٦) هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، جميعهم من حديث عقبة بن عامر، ولفظ أبي داود \" يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب\".\n(٢) الأثرم، ناسخ الحديث، ١٨٠ - ١٨١.","vol":"1","page":301},{"text":"فهذا المثال الذي ذكره الأثرم زاد الراوي لفظة لم تأتِ من الوجوه الأخرى للحديث، وقد أشار إلى أن الحافظ قد يهم، ويشذ في مقابلة الأكثر.\nومن تعريفه للشاذ وتقييده بالمخالفة، يظهر اعتباره هذه اللفظة مخالفة لما جاءت به الأحاديث الأخرى في فضل صوم عرفة، وأيّده إلى ما ذهب إليه بخصوص هذا الحديث ابن عبدالبر حيث قال: \"هذا حديث انفرد به موسى بن عُلي عن أبيه، وما انفرد به فليس بالقوي، وذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي - ﷺ - من وجوه، يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق أيام أكل وشرب\". (١)\nوقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:\n- ابن القيم (٢)، والنووي في كتابه المجموع (٣)، وصوّبه كذلك ابن كثير\" (٤)،\nواقتصر ابن الملقن على تعريف الشافعي للشاذ في كتابه (التذكرة) (٥)، واعتمده ابن حجر - غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق-، فقال: \"الشاذ: ما\n_________\n(١) ابن عبدالبر، التمهيد، ٢١/ ١٦٣.\nوقد ذكره السخاوي في فتح المغيث مثالًا للشذوذ في المتن فقال: \"ومثاله في المتن: زيادة يوم عرفة في حديث: أيام التشريق أيام أكل وشرب، فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى ابن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر. قال الأثرم: والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانا. على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم.\nوقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، وينظر: الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥١٤ - ٥١٥.\n(٢) ابن القيم، إغاثة اللهفان، ١/ ٥٢٢.\n(٣) ينظر: النووي، المجموع، ٤/ ١٤٣، الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٨.\n(٤) ابن كثير، الاختصار، ٥٠.\n(٥) ابن الملقن، التذكرة، ١٦.","vol":"1","page":302},{"text":"رواه المقبول (١) مخالفًا لِمَنْ هو أَولى منه.\" (٢)، وأتبعه بقوله: \"وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ، بحسَبِ الاصطلاح.\"، وقال في كتابه (النكت): \"فالأليق في حد \"الشاذ\" ما عرَّف به الشافعي، والله أعلم\". (٣)\nقال ابن حجر في النزهة - ممثلًا للحديث الشاذ-: \"مثال ذلك: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار (٤)، عن عوسجة (٥)، عن ابن عباس: «أن رجلا توفي على عهد النبي - ﷺ -، ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه ...» (٦) ... وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج (٧) وغيره، وخالفهم\nحماد بن زيد (٨)؛\n_________\n(١) وفسر مراده بالمقبول بقوله: \"الشاذ رواية ثقة أو صدوق\" ابن حجر، النزهة، ٨٧. ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩.\nوإنما \"ذكر المقبول؛ ليشمل كل من يُقبل بذاته، سواء كان من مرتبة الصحيح أو الحسن\". السليماني، الجواهر، ٣٠٢.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٥.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧١.\n(٤) عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، قال الذهبي: \"مكي إمام\"، وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت\". مات سنة ١٢٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٧٥ (٤١٥٢)، ابن حجر، التقريب، ٤٢١ (٥٠٢٤).\n(٥) عوسجة المكي مولى ابن عباس، روى عن ابن عباس، وعنه عمرو بن دينار. قال الذهبي: \"وثق، وقال البخاري: لم يصح حديثه\"، وقال ابن حجر: \"ليس بمشهور\" ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠١ (٤٣٠٨)، ابن حجر، التهذيب، ٨/ ١٦٥ (٣٠١)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٣ (٥٢١٤).\n(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام ٣/ ١٢٤ ح (٢٩٠٥)، والترمذي في سننه كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المولى الأسفل ٣/ ٤٩٤ ح (٢١٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الفرائض، باب إذا مات العتيق وبقي المعتق ٦/ ١٣٢ ح (٦٣٧٦) وقال: عوسجة ليس بالمشهور لا نعلم أن أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار ولم نجد هذا الحديث إلا عند عوسجة، وابن ماجه في سننه كتاب الفرائض، باب من لا وارث له ٢/ ٩١٥ ح (٢٧٤١).\n(٧) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم، أبو الوليد وأبو خالد المكي، قال الذهبي: \"أحد الأعلام\"، وقال ابن حجر: \" ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل\". مات سنة ١٥٠ هـ أو بعدها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٦٦ (٣٤٦١)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٣ (٤١٩٣).\n(٨) حماد بن زيد. مات سنة ١٧٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٤٩ (١٢١٩)، ابن حجر، التقريب، ١٧٨ (١٤٩٨).","vol":"1","page":303},{"text":"فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة. ولم يذكر ابن عباس. قال أبو حاتم (١): المحفوظ حديث ابن عيينة (٢). انتهى.\nفحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك، رجح أبو حاتم (٣) رواية من هم أكثر عددًا منه.\" (٤)\nفي هذا المثال حماد بن زيد -وهو ثقة- روى الحديث مرسلًا، وخالف بذلك رواية عدد من الثقات رووه موصولًا، وهذا المثال الذي مثّل به ابن حجر للشذوذ في السند يُناسب ما عرّف به الشاذ من كونه مخالفة المقبول لمن هو أولى منه.\n- وسار على نهج ابن حجر تلميذه السخاوي وتبعه السيوطي (٥) إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة. (٦)، ولعله استفاد هذا القيد\n_________\n(١) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: \"الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: \"أحد الحفاظ\"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).\n(٢) قال ابن أبي حاتم: وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى ابن عباس: أن رجلا توفي على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا، إلا مولى هو أعتقه ...، الحديث. \"فقلت له: فإن ابن عيينة ومحمد بن مسلم الطائفي يقولان عن عوسجة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، فقلت له: اللذان يقولان ابن عباس محفوظ؟ فقال: نعم. قَصَّر حماد بن زيد\". ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٦٤ ح (١٦٤٣).\n(٣) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، قال عنه الذهبي: \"الحافظ، قال موسى ابن إسحاق الأنصاري: ما رأيت أحفظ منه، وقال ابن حجر: \"أحد الحفاظ\"، مات سنة: ٢٧٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٥٥ (٤٧١١)، ابن حجر، التقريب، ٤٦٧ (٥٧١٨).\n(٤) ابن حجر، النزهة، ٨٥.\nأضاف فضيلة المناقش: اجتمع في هذا الترجيح ثلاثة مرجّحات:\n١ - الاختصاص: فابن عيينة لا يتقدمه أحد في الرواية عن عمرو بن دينار.\n٢ - متابعة محمد بن مسلم وحماد بن سلمة، وابن جريج لسفيان بن عيينة، فهذا ترجيح بكثرة العدد.\n٣ - صفة رواية الراوي: وهو حماد بن زيد، فإنه معروف بشدة التوقّي والاحتراز، فإذا شكّ في شيء قصّر أخذًا بالأحوط.\n(٥) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٢.\n(٦) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٤، ٢٤٩.\nوتوسّع في الشرح فقال: \"ومن المسائل المختلف فيها مما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددا، أو أكثر ملازمة منه، فإن الفقيه والأصولي يقولان: المثبت مقدم على النافي فيقبل.\nوالمحدثون يسمونه شاذا; لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه، عند تعسر الجمع بين الروايتين، ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور، بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، أي: لأن تطرق السهو إليه أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير، وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعيد.\" السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٣٠.","vol":"1","page":304},{"text":"من كلام شيخه ابن حجر حين قال: \"وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددا بخلاف ما روى بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ (١)، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم\n_________\n(١) أمثلة على وقوع المخالفة من الراوي إلا أن علماء الحديث قبلوا الحديث على الوجهين -البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم ١/ ١٥٢ ح (٧٥٧)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة ١/ ٢٩٧ ح (٣٩٧) - قال الدارقطني: وقد خالف يحيى أصحاب عبيدالله كلهم منهم أبو أسامة وعبدالله ابن نمير وعيسى بن يونس وغيرهم ورووه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة، فلم يذكروا أباه، ورواه معتمر عن عبيدالله عن سعيد مرسلا عن النبي - ﷺ -، ويحيى حافظ ويشبه أن يكون عبيدالله حدث به على الوجهين. والله أعلم.\" ٢٢٣ - ٢٢٤ ح (٩).\nقال ابن حجر: \"لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين\". ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ٢٧٧.\nالمثال الثاني: قال الدارقطني: \"وأخرجا جميعا حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «لا يحل لامرأة تسافر وليس معها محرم» الحديث- أخرجه البخاري في صحيحه أبوا تقصير الصلاة ٢/ ٤٣ ح (١٠٨٨)، ومسلم في صحيحه كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم ٢/ ٩٧٧ ح (١٣٣٩) - وزاد مسلم عن ليث عن سعيد مثله فقال وقد رواه مالك ويحيى بن أبي كثير وسهيل عن سعيد عن أبي هريرة.\" ٢٢٧ - ٢٢٨ ح (١٢)، ذكر ابن حجر في الفتح بأن موطن الاختلاف هنا: أن بعض الطرق ذكرت في الإسناد رواية سعيد عن أبيه، وبعضها لم تذكر ذلك، وأشار إلى تصحيح المحدثين لكلا الوجهين فقال: \"لم يهمل البخاري حكاية هذا الاختلاف بل ذكره عقب حديث بن أبي ذئب، والجواب عن هذا الاختلاف كالجواب في الحديث الثاني، فإن سعيدا المقبري سمع من أبيه عن أبي هريرة وسمع من أبي هريرة فلا يكون هذا الاختلاف قادحا ... \". ابن حجر، هدي الساري، ٣٥٤.\nالمثال الثالث: \"وأخرج البخاري- في صحيحه كتاب الجنائز، باب من انتظر حتى تُدفن ٢/ ٨٧ ح (١٣٢٥) - وحده عن سعيد عن أبيه أنه سأل أبا هريرة فقال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من صلى على جنازة» قال: وقد رواه عبيدالله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة قال: نصر بن علي وغيره عن عبدالأعلى. ٢٢٨ - ٢٢٩ ح (١٣)، وأشار ابن حجر بأن الجواب على هذا الحديث كالجواب على المثال السابق، إلا أن الرواية التي أخرجها البخاري هي المعتمدة، بينما الرواية الثانية غير مشهورة. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٣٥٥.","vol":"1","page":305},{"text":"على ما يخالف فيه بكونه منكرا.\" (١) فقد ذكر ضابطًا للمخالفة، وهو: تعذر الجمع بين الروايات على قواعد المحدثين.\nوقد أورد السخاوي في كتابه فتح المغيث مثالين في الشذوذ، فذكر المثال الذي استشهد به الحافظ ابن حجر على أنه شذوذ في السند، والمثال الذي ذكره الأثرم على أنه شذوذ في المتن (٢)، والأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.\nذكر السيوطي في كتابه تدريب الراوي ثلاثة أمثلة تحت نوع الشاذ، المثال الأول أثناء مناقشته لقول الحاكم في الشاذ والفرق بينه وبين المعلل فقال:\n\"قلت: ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي (٣)،\nعن علي بن حكيم (٤)، عن شريك (٥)، عن عطاء بن\n_________\n(١) المرجع السابق، ٣٨٤ - ٣٨٥.\n(٢) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(٣) عبيد بن غنام ابن القاضي حفص بن غياث، أبو محمد النخعي الكوفي، قال الذهبي في السير: \"الإمام، المحدث، الصادق، ... وهو ثقة\" مات سنة ٢٩٧ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٣/ ٥٥٨ (٢٨٢).\n(٤) على بن حكيم بن ذبيان الأودي، أبو الحسن الكوفي، قال البخاري: سمع شريكًا، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ٢٣١. ينظر: البخاري التاريخ الكبير، ٦/ ٢٧١ (٢٣٧٦)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٩ (٣٩٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧٢٣).\n(٥) شريك بن عبدالله بن أبى نمر القرشي، أبو عبد الله المدني، نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله: \"شريك بن عبدالله بن أبي نمر ليس به بأس\"، وقال ابن حجر: \"صدوق يخطيء\"، مات سنة ١٤٠ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٤/ ٣٦٤ (١٥٩٢)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٥ (٢٢٧٧)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٦ (٢٧٨٨).","vol":"1","page":306},{"text":"السائب، عن أبي الضحى (١)، عن ابن عباس قال: «في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى» (٢). وقال: صحيح الإسناد.\nولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له، حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح، ولكنه شاذ بمرة\" (٣)\nقال ابن كثير: \"وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: «في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه الأرض حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم» فهذا ذكره ابن جرير مختصرا، واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات، وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس - ﵁ - عن الإسرائيليات (٤) والله أعلم\" (٥)\nبينما ذكر ابن حجر تعليق البيهقي على الحديث بالشذوذ، ولم يُعقّب. (٦)\nوقال السيوطي: \"هذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد، ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة، وهذا الكلام من البيهقي في غاية الحسن، فإنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن كما تقرر في علوم الحديث لاحتمال أن يصح الإسناد ويكون في المتن شذوذ أو علة تمنع صحته، وإذا تبين ضعف\n_________\n(١) مسلم بن صبيح الهمداني مولاهم، أبو الضحى الكوفي، مشهور بكنيته، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث\"، وقال ابن حجر: \"ثقة فاضل\"، مات سنة ١٠٠ هـ في خلافة عمر بن عبدالعزيز. ينظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ٦/ ٢٨٨، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٥٩ (٥٤١٨)، ابن حجر، التقريب، ٥٣٠ (٦٦٣٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٣/ ٧٧، والحاكم في مستدركه كتاب التفسير، باب تفسير سورة الطلاق ٢/ ٥٣٥ ح (٣٨٢٢ - ٣٨٢٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في الأسماء والصفات ٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨ ح (٨٣١ - ٨٣٢) وقال: إسناد هذا عن ابن عباس ﵄ صحيح، وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعا والله أعلم.\n(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٨.\n(٤) أي أقاويل بني إسرائيل مما ذكر في التوراة، أو أخذ من علمائهم ومشايخهم من قصص وأخبار الأمم الماضية وبدء الخلق وغيرها. ينظر: القاري، شرح النخبة، ٤٤٥، الغوري، معجم المصطلحات، ٩٨.\n(٥) ابن كثير، البداية والنهاية، ١/ ٤٢ - ٤٣.\n(٦) ينظر: ابن حجر، الفتح، ٦/ ٢٩٣.","vol":"1","page":307},{"text":"الحديث أغنى ذلك عن تأويله؛ لأن مثل هذا المقام لا تقبل فيه الأحاديث الضعيفة، ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النُذُرُ الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر، ولا يبعد أن يسمى كل منهم باسم النبي الذي بلَّغ عنه\". (١)\n\n- وأما المثال الثاني الذي ذكره السيوطي تحت نوع الشاذ، فهو المثال الذي أورده ابن حجر تحت نوع الشاذ، وقد سبقت الإشارة إليه قريبا (٢).\n- وأما المثال الثالث فقد ذكره كمثال على الشذوذ في المتن (٣) فقال:\n\"ومن أمثلته في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبدالواحد بن زياد عن الأعمش (٤)، عن أبي صالح (٥)، عن أبي هريرة مرفوعا:\n«إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجع عن يمينه» (٦).\n_________\n(١) السيوطي، الحاوي للفتاوي ١/ ٣٨٦.\n(٢) و\"مثاله ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفى على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه الحديث\".\n(٣) هذا المثال ذكره الزركشي تحت نوع المنكر؛ لأنه ممن يساوي بين الشاذ والمنكر، وستأتي الإشارة إلى ذلك في فصل الحديث المنكر بإذن الله.\n(٤) سليمان بن مهران الأسدي، أبو محمد الكاهلي، الكوفي، الحافظ المشهور بالأعمش، قال عنه الذهبي: أحد الأعلام، قال ابن حجر: \"ثقة حافظ عارف بالقراءات، ورع، لكنه يدلس\"، مات سنة: ١٤٧ أو ١٤٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٦٤ (٢١٣٢)، العلائي، جامع التحصيل، ١٨٨، ابن حجر، التقريب، ٢٥٤ (٢٦٠٢).\n(٥) ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني، قال الذهبي: \"من الأئمة الثقات عند الأعمش\"، وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت\". مات سنة: ١٠١ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٨٦ (١٤٨٩)، ابن حجر، التقريب، ٢٠٣ (١٨٤١).\n(٦) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢١ ح (١٢٦١)، والترمذي في سننه كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ٢٨١ ح (٤٢٠) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب استحباب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٢/ ١٦٧ ح (١١٢٠)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب النوافل ٦/ ٢٢٠ ح (٢٤٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحيض، باب ما ورد في الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٣/ ٦٤ ح (٤٨٨٨) وقال: \"رواه محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح عن أبي هريرة حكاية عن فعل النبي - ﷺ - لا خبرا عن قوله ... \"ثم ساق الحديث من رواية التيمي وقال: \" وهذا أولى أن يكون محفوظا لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس.","vol":"1","page":308},{"text":"قال البيهقي: (١) خالف عبدالواحد (٢) العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي - ﷺ - لا من قوله، وانفرد عبدالواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ\" (٣)\nوقد ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة عبدالواحد في ميزان الاعتدال، وأشار إلى تجنب صاحبي الصحيحين إخراجه لكونه مما اُستنكر عليه فقال: \"عبد الواحد بن زياد أبو بشر العبدي البصري، أحد المشاهير احتجا به في الصحيحين، وتجنبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال رسول الله\n- ﷺ -: «إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح. (٤)\nوقد أعلّه البيهقي بمخالفة عبدالواحد للعدد الكثير.\nنخلص مما سبق:\nالمخالفة من الاختلاف وهي ضد الاتفاق، والمراد بمخالفة الراوي هي أن يروي عن شيخه حديثًا يُغاير ما رواه غيره من الثقات عن الشيخ ذاته، وتكون هذه المغايرة أو الاختلاف في السند أو في المتن، من تغيير سياق الإسناد أو زيادة راوِ فيه، أو تقديم أو تأخير، أو دمج موقوف بمرفوع وما إلى ذلك من أنواع المخالفة، وتكثر المخالفة أو تقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ أو قلتهم.\n_________\n(١) لم أجد هذا القول بنصه إنما بمعناه، وقد ذكرته عند تخريج الحديث.\n(٢) عبدالواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري، وثقه أحمد، وابن معين، وأبوزرعة، وأبوحاتم، والعجلي، وذكره العقيلي في الضعفاء، قال ابن حجر: ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، توفي سنة ١٧٦ هـ. ينظر: العجلى، معرفة الثقات ٢/ ١٠٧ (١١٤٣)، العقيلي، الضعفاء الكبير، ٣/ ٥٥ (١٠١٥)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٦/ ٢١ (١٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٦٧ (٤٢٤٠).\n(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧١.\n(٤) الذهبي، الميزان، ٢/ ٦٧٢ (٥٢٨٧).","vol":"1","page":309},{"text":"وقد عدّ الشافعي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه شذوذًا، ووافقه على ذلك: الأثرم، والنووي في كتابه المجموع، وابن الملقن في كتابه التذكرة، وابن حجر - مع توسّعه بإضافة الراوي الصدوق؛ ليصبح الشاذ عنده مخالفة المقبول لمن هو أولى منه-، وتبعه السخاوي، والسيوطي، ومثّلوا للشذوذ بأمثلة يُخالف فيها الراوي المقبول (الثقة أو الصدوق) غيره من الثقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>القيد الثاني: التفرد:</span>\nومعناه في اللغة: مأخوذ من الفَردُ، وهو ما كان وحده، والذي لا نظير له، و(تَفَرَّدَ) بكذا و(اسْتَفْرَدَه) انفرد به. (١)\nاصطلاحا:\nلم يُفرد له تعريف مستقل في كتب مصطلح الحديث (٢)، وقد اجتهد بعض الباحثين في تعريفه، فعرّفه الدكتور عبدالجواد - في رسالته الموسومة ب (التفرّد في رواية الحديث) - بقوله: \"التفرد: ما يأتي من طريق راوٍ واحد، دون أن يشركه غيره من الرواة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، مع المخالفة أو دونها، بزيادة فيه أو بدون زيادة، في المتن أو السند، ثقة ضابطًا كان الراوي أو دون ذلك\" (٣)\n_________\n(١) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠.\n(٢) \"يجب التأكيد هنا على صعوبة الوقوف على تعريف جامع مانع للتفرد عند المحدثين، وذلك لأنه مما يدخل في كثير من أبواب الحديث وأنواعه كدخوله في نوع الغريب، والشاذ، والمنكر، والمعلل، وفي أبواب زيادة الثقة وفي غيرها ... \" زهار، التفرد، ١٢٠.\nوليس هناك في كتب علوم الحديث تعريف لمسألة التفرُّد كمصطلح خاص ... إنما يجري ذكره في كتب العلل والرجال والتواريخ بالإضافة إلى تناول بعض جوانبه ضمن مسائل مصطلح الحديث. ينظر: حمام، التفرد، ٨٢.\n(٣) حمام، المرجع السابق، ٩٠.","vol":"1","page":310},{"text":"واختصره الدكتور عبدالله زهّار في كتابه (التفرد عند المحدثين) بقوله: \"هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سندًا أو متنًا\" (١).\nوالتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مؤشر على علة قد تكون موجودة، (٢) وفي هذا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: \"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: (إنه لا يتابع عليه) ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كَثُر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه،\nوربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه\" (٣)\n_________\n(١) زهار، المرجع السابق، ١٢٤.\n(٢) \"هو علامة يتتبعها المحدثون للوصول إلى خفايا العلل، فالأصل في الرواية عند المحدثين وجود المتابعات والشواهد التي تؤيد الرواية وتساندها، وأما التفرد فهو خلاف الأصل، وهو يثير في نفس الناقد الارتياب، ويجعله يفتش فيما وراء هذا التفرد عن علة أو خلل أو وهم في الرواية، لا سيما في تفردات الثقات، إذ العلل في أحاديث الثقات أغمض وأخفى، فالغالب على حديثه القبول والصحة، ولا يسهل الوقوف على ما فيه من العلة الخفية ... \"حمام، المرجع السابق، ١٤٦. ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد ٩٠.\n(٣) ابن رجب، العلل، ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣. \"لا يضر تفرد الراوي بالحديث إذا كان المتفرد عدلا ضابطا ولم يخالف من هو أكثر حفظا أو عددا.\nقال الإمام مسلم: \"للزهري نحو من تسعين حديثا يرويها عن النبي - ﷺ - لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد\". وقال ابن حجر: \"وكم من ثقة تفرد بما لم يشاركه فيه ثقة آخر، وإذا كان الثقة حافظا لم يضره الانفراد\". ينظر: مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، ٣/ ١٢٦٨ ح (١٦٤٧)، ابن حجر، الفتح، ٥/ ١١.\nوهذا إذا كان الراوي مُبرّزًا في الحفظ. أما إذا لم يكن كذلك، أو قليل الطلب، أو إذا روى عن المشهورين ما لا يعرفه ملازموهم، فأن تفرده عندئذ يوجب النظر والتأني. ونحن حين ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقاد كثيرا ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد، والتفرد بحد ذاته ليس علة لكنه يكشف عن العلة بل قد يكون أحيانا من أسباب العلة.\nفالتفرد من أهم المسائل الحديثية وأغمضها إذ تتميز بدورها الفعال في إلقاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علة أو وهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل الحديثي نجد أن المحدثين قد أفردوا هذا النوع بالتصنيف، فالتفرد لا يؤخذ ضابطا لرد روايات الثقات بل له أحوال مختلفة، حتى رواية الضعيف لا يرد ما ينفرد به مطلقا، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صح من حديثه، وقد روى الإمام البخاري ومسلم عمّن في حفظه شيء لما ثبت لديهما أنه من صحيح حديثه، ومثل هذا لا يستطيعه كل أحد.\nوالتفرد إذا كان بالطبقات المتقدمة كطبقة الصحابة فإنه لا يضر، وكذلك الحال في طبقة كبار التابعين، وذلك إذا كان المتفرد عدلا ضابطا، أما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخرة التي من شأنها التعدد والشهرة، لا سيما إذا كان عن الرواة المكثرين الذين يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرد عنه، وكيف كانت ملازمته له، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموما، وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصا، وحالة ضبطه لما يرويه عامة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم، ولم يكونوا يطلقون فيه حكما مطّردا بالقبول إذا كان ثقة أو بالرد إذا كان ضعيفا، وإنما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب البصيرة والخبرة التامة بصناعة الحديث؛ وذلك لأن الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كيفية التلقي للأحاديث، أو لعدم توفر الوسائل التي تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه، حتى ولو كان من أثبت أصحابهم وألزمهم له؛ ولهذا يستنكر النقاد بعض أحاديثهم. ينظر: فحل، علل الحديث، ١٣١ - ١٣٧. باختصار.","vol":"1","page":311},{"text":"وممن قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:\nالإمام الحاكم، وخصَّه - في تعريفه المختصر للشاذ- بتفرد الثقة (١)؛ إلا أن المتأمل لسياق كلامه يفهم منه أن الشذوذ يُطلق على التفرّد الذي فيه علة لم يُهتدَ إليها، فهو يفرّق بين\nالشاذ والمعلل بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته، قال ابن الصلاح مُعقّبًا- بعد نقله لتعريف الشاذ عند الحاكم-: \"وذكر أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وُقِف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك\" (٢).\nوقال البقاعي نقلًا عن شيخه -ابن حجر-: \"أَسْقَطَ من قول الحاكم قيدًا لابد منه، وهو أنه قال: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك\". (٣)\nقال السخاوي مُعقِّبًا على ما سبق: \"وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك (٤) في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تَقصُر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض\n_________\n(١) حيث قال: \"الشاذ حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة\"، وذلك بعد قوله: \"معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثٌ في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم\" الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.\nقال ابن حجر في النكت: \"والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم، وأخص منه الكلام الحاكم؛ لأنه يقول: إنه تفرد الثقة، فيخرج تفرد غير الثقة فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٥٢ - ٦٥٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٧.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٧.\n(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٥.\n(٤) أي: الشاذ مع المعلل.","vol":"1","page":312},{"text":"الأنواع وأدقها، ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب، والحفظ الواسع، والمعرفة التامة بمراتب الرواة، والملكة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ - كما نُسِب لشيخنا- أدق من المعلل بكثير.\" (١)؛ لذا حين اُستُشكِل على تعريف الحاكم - ما تفرّد به العدل الحافظ الضابط مما حُكِم بصحته، وأُخرِج في الصحيح، - أجاب البقاعي بقوله:\n\"وأما الحاكم فبعد علمك بالقيد الذي قاله تعلم أنه لا يرد عليه ذلك؛ لأن ما في الصحيح من ذلك مما مثل به الشيخ (٢)، وما شاكله لم يقع في قلب أحد من النقاد ضعفه\" (٣).\nوبهذا يُستنتج \"أنّ للحديث الشاذ عند الحاكم شرطين:\n١ - تفرد ثقة.\n٢ - وينقدح في نفس الناقد أنه غلط.\nوعليه فإذا كان هناك حديث فرد، ولم ينقدح في نفس الناقد أنه غلط فهو حديث صحيح لا شيء فيه عند الحاكم\" (٤).\nفالحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذًا مردودًا، فقد قال في المستدرك بعد إخراجه لحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة» (٥)\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٦.\n(٢) يقصد ابن الصلاح، حيث مثّل لتفرد الثقات بحديث: «إنما الأعمال بالنيات» -أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الوحي، ١/ ٦ ح (١)، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة ٣/ ١٥١٥ ح (١٩٠٧) -وحديث: «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وهبته» - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العتق، باب بيع الولاء ٣/ ١٤٧ ح (٢٥٣٥)، ومسلم في صحيحه كتاب العتق، باب النهي عن بيع الولاء ٢/ ١١٤٥ ح (١٥٠٦) - وحديث: «أن النبي - ﷺ - دخل مكة وعلى رأسه المغفر». ثم قال: \"فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة. وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٧ - ٧٨.\n(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٦.\n(٤) الأثري، الحديث الشاذ، ٤١.\n(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الإيمان، ١/ ٩١ ح (١٠٠).","vol":"1","page":313},{"text":"\"هذا حديث صحيح على شرطهما فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير (١)، والتفرد من الثقات مقبول\".\nوقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:\nالمثال الأول: حديث معاذ بن جبل - ﵁ - «أن النبي - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب» (٢).\nثم قال مُعلِّقًا عليه: \"هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن لا نعرف له علة نعلله بها\" ... ثم ذكر قول قتيبة بن سعيد -فيمن كتب عنه هذا الحديث-فقال: \"على هذا الحديث علامة أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة حتى عد قتيبة أسامي سبعة من أئمة الحديث، كتبوا عنه هذا الحديث ... \"\nثم عقّب الحاكم بقوله: \"فأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن واحد منهم أنه ذكر للحديث علة، وقد قرأ علينا أبو علي الحافظ هذا الباب،\n_________\n(١) مالك بن سعير بن الخمس التميمى الكوفي، أبو محمد، ويقال أبو الأحوص، قال أبو حاتم وأبو زرعة: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن حجر: لا بأس به. مات سنة ١٩٨ هـ وقيل: ٢٠٠ هـ أو بعدها بقليل. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٨/ ٢٠٩ (٩٢٤)، ابن حبان، الثقات، ٧/ ٤٦٢، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥١)، ابن حجر، التقريب، ٥١٧ (٦٤٣٤).\n(٢) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين ٢/ ٧ ح (١٢٢٠) وقال: ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، والترمذي في سننه كتاب السفر، باب ما جاء في الجمع بين الصلاتين ١/ ٦٩٠ - ٦٩١ ح (٥٥٣ - ٥٥٤) وقال: وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وأحمد في مسنده ٣٦/ ٤١٣ ح (٢٢٠٩٤)، وابن حبان في صحيحه كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين (٤/ ٤٦٥) ح (١٥٩٣)، وقال: سمعت محمد بن إسحاق الثقفي يقول: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: عليه علامة سبعة من الحفاظ كتبوا عني هذا الحديث: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو خيثمة حتى عد سبعة، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب صلاة المسافر، باب الجمع بين الصلاتين في السفر ٣/ ٣٢٣ ح (٥٥٢٨) تفرد به قتيبة بن سعيد عن ليث عن يزيد.","vol":"1","page":314},{"text":"وحدثنا به، عن أبي عبدالرحمن النسائي، وهو إمام عصره، عن قتيبة بن سعيد، ولم يذكر أبو عبدالرحمن، ولا أبو علي للحديث علة ... \" (١).\nقال الذهبي معقّبًا على كلام الحاكم \"بل رووه في كتبهم واستغربه بعضهم\" (٢). وقال أيضًا مستدركًا بأن النسائي لم يُخرج هذا الحديث من طريق قتيبة \"وأما النسائي فامتنع من إخراجه لنكارته\" (٣).\nقال أبو داود - عقب إخراجه للحديث-: \"ولم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده\" (٤) وقال الترمذي أيضًا بعد إخراجه للحديث: \"وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره، وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ: أن النبي - ﷺ - جمع في غزوة تبوك بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء\" (٥)\nوقد أعلّ هذا الحديث عدد من الأئمة النقاد:\nقال ابن أبي حاتم: \"وسمعت أبي يقول: كتبت عن قتيبة حديثا عن الليث بن سعد لم أصبه بمصر، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ، عن النبي - ﷺ -: أنه كان في سفر فجمع بين الصلاتين. قال أبي: لا أعرفه من حديث يزيد، والذي عندي أنه دخل له حديث في حديث حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا الليث، عن\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.\n(٢) الذهبي، السير، ١١/ ٢٣.\n(٣) المرجع السابق ١١/ ٢٢.\n(٤) أبو داود، السنن، ٢/ ٧ ح (١٢٢٠)\n(٥) الترمذي، السنن، ١/ ٦٩٠ ح (٥٥٤)","vol":"1","page":315},{"text":"هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - بهذا الحديث\" (١).\nوقال الدارقطني في العلل: \"وحدث به قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ أن النبي - ﷺ - كان إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر، فيصليهما جميعا ... الحديث.\nكذلك حدث به جماعة من الرفعاء، عن قتيبة. ورواه المفضل بن فضالة، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بهذه القصة بعينها، وهو أشبه بالصواب، والله أعلم\" (٢).\nقال ابن حجر في فتح الباري: \"والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل، وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة حكاه الحاكم في علوم الحديث\" (٣).\nفالحديث معلول بتفرد قتيبة، وأنه دخل عليه حديث في حديث كما جاء عن أبي حاتم، أو أدخله عليه بعض الضعفاء كما نُقل عن البخاري، والمثال مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً؛ إلا أنه بعد التمعن والنظر وصف الحديث بالوضع (٤)، حيث قال: \"فنظرنا، فإذا الحديث موضوع، وقتيبة بن\n_________\n(١) ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ١٠٤ ح (٢٤٥).\n(٢) الدارقطني، العلل، ٦/ ٤٢ ح (٩٦٥).\n(٣) ابن حجر، الفتح، ٢/ ٥٨٣.\n(٤) يطلق بعض الأئمة وصف (الكذب أو الوضع) على الخطأ الجديع، التحرير، ١/ ٥٣٩.","vol":"1","page":316},{"text":"سعيد، ثقة، مأمون، ... \" ثم ذكر بإسناده عن البخاري قوله: \"قلت لقتيبة بن سعيد: مع من\nكتبت عن الليث بن سعد حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟، فقال: كتبته مع خالد المدايني، قال: البخاري، وكان خالد المدايني يدخل الأحاديث على الشيوخ\".\n\"وهذا الكلام يدل على أن الشاذ عند الحاكم، حديث مخالف للمعروف، أو المحفوظ، وأنه حديث مشتمل على نوع من الخلل أو العلة غير أنه لا يعثر على علته أو يصعب جدًا الوقوف على سبب الخطأ وموضع العلة فيه، وسبب ذلك هو أنه ليس له إلا إسناد واحد.\nولو كان هذا الحديث ليس مُشكِلًا عند الحاكم لما كلّف نفسه النظر فيما يُعِل به الحديث، ولما أخذ يتتبع حلقات الإسناد يتفحصها لعله يقف على شيء يكون مفسرًا للإشكال، أو مفصحًا عن العلة المظنونة أو المتحسَّسة. وكذلك فعل في المثال الثاني.\" (١)\n\nوالمثال الثاني- الذي ذكره الحاكم كمثال للشاذ-: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في صلاة الظهر: يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع\" (٢)\nقال الخطيب البغدادي: \"هذا حديث غريب من حديث الثوري عن أبي الزبير عن جابر تفرد بروايته عنه محمد بن كثير العبدي، ولم يروه عن ابن كثير غير أحمد بن سيار المروزي، ولا نعلم رواه عن أحمد بن سيار إلا المحبوبي\" (٣).\n_________\n(١) اللحياني، الحديث الشاذ عند المحدثين، ١٥.\n(٢) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في ترجمة محمد بن أحمد بن عثمان المروزي ٢/ ١٦١ (١٦١).\n(٣) المرجع السابق.","vol":"1","page":317},{"text":"ويصدق على هذا المثال تعريف الحاكم للشاذ حيث قال: \"وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن، إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر\nأحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها، ولا نعلم أحدا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان، وحده، تفرد به ... \" (١)\nفقد صرّح بأنه لم يقف على علة للحديث، لكن قوله: \"وليس عند الثوري، عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر، أو غيرها\" يدل على ما انقدح في نفسه من وجود علة لكنها لم تظهر له.\n\"فالمعروف بين الحفاظ أن هذا الحديث هو من أفراد إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير، وليس في متنه ذكر صلاة الظهر (٢)، وقد تكلّم فيه الحفاظ أيضًا (٣).\nفهذا الحديث يخالف ما يحفظه المحدثون من أن الحديث حديث ابن طهمان (٤) عن أبي الزبير، ويُخالف أيضًا في ذكر صلاة الظهر في متنه، فلم ترد في حديث آخر، وليست كذلك في حديث ابن طهمان المعروف بهذا الحديث.\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٢١.\n(٢) تنبيه: العلة هنا في زيادة لفظ (صلاة الظهر)، وليس في حكم رفع اليدين عند التكبير، فهو ثابت بالسنة الصحيحة، ففي حديث ابن عمر - ﵃ -، قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا قام للصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، ثم كبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الركوع فعل مثل ذلك، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السجود». أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع اليدين في التكبيرة، ١/ ١٤٨ ح (٧٣٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين مع تكبيرة الإحرام، والركوع، وفي الرفع من الركوع، ١/ ٢٩٢ ح (٣٩٠). كلاهما من حديث ابن عمر، واللفظ لمسلم.\n(٣) نُقل عن الحافظ أحمد بن علي السليماني -في ترجمة إبراهيم بن طهمان- قوله: \"أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في \"رفع اليدين\". الذهبي، الميزان، ١/ ٣٨ (١١٦)، ابن حجر، التهذيب، ١/ ١٣٠ (٢٣١)\n(٤) من إضافات فضيلة المناقش: أخرجه ابن ماجه (٨٦٨) عن محمد بن يحيى، والسراج في مسنده (٩٢) عن أبي بكر الأعين، وابن عبدالبر في التمهيد (٩/ ٢١٧) من طريق أبي بكر الأثرم، ثلاثتهم (محمد بن يحيى، وأبو بكر الأعين، والأثرم) عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله: كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك ويقول: رأيت رسول الله - ﷺ - فعل مثل ذلك، ورفع إبراهيم بن طهمان يديه إلى أذنيه.\nوأخرج البخاري في رفع اليدين (١٠٩) عن عبدالله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن طاوس، أن ابن عباس كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تحاذي أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع واستوى قائمًا فعل مثل ذلك.\nورواية أبي عامر العقدي أصح؛ لكونه أوثق من أبي حذيفة، ولأن أبا حذيفة سلك الجادة.","vol":"1","page":318},{"text":"فالحديث ليس له أصل متابع عند المحدثين، أي لا يعرفونه، ولا يحفظونه بهذا السياق، وليس له متابعة، وحقُّ مثل هذا الحديث أن توجد له المتابعات لشهرة سفيان، وأبي الزبير.\nوقد نُقل عن بعض الحفاظ تعليلهم الحديث بأن محمد بن كثير أخطأ فجعل سفيان الثوري مكان ابن طهمان، لكن الحاكم ردّ ذلك؛ لكون محمد بن كثير ليس له رواية عن ابن طهمان حتى يخلط بينه وبين الثوري، فالحاكم يُقرّ بوجود علّة فيه، لكنه لم يوافق على هذا التعليل.\" (١)\n\nالمثال الثالث: حديث أنس - ﵁ - قال: «كان قيس بن سعد - ﵁ - من النبي - ﷺ - بمنزلة صاحب الشرط من الأمير» (٢)، يعني ينظر في أموره ... ثم قال الحاكم: \"وهذا الحديث شاذ بمرة، فإن رواته ثقات، وليس له أصل عن أنس، ولا عن غيره من الصحابة بإسناد آخر.\" (٣)\nقال ابن حجر في النكت: \"وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه من هذا الوجه، والحاكم موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذًا، ولا مشاحة في التسمية\" (٤). ولعل ما يدل\n_________\n(١) حمام، التفرّد، ٣٥٢.\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام، باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الذي فوقه ٩/ ٦٥ ح (٧١٥٥)، والترمذي في سننه كتاب المناقب، باب ما جاء في مناقب قيس بن سعد بن عبادة ٦/ ١٧٣ ح (٣٨٥٠) وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري.\n(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١٢٢.\n\"لم يتلمس الحاكم علة لهذا الحديث، وكأنه - والله أعلم - رآه خاليًا من الإشكال إلا التفرد؛ ولذلك لم يبحث في سنده عن علة كما بحث في المثالين السابقين وكأنه يشير بهذه الأمثلة إلى أن الشاذ منه ما هو مردود كالمثالين الأولين، وما هو مقبول كالمثال الثالث، والله أعلم.\". اللحياني، الحديث الشاذ، ١٦.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٠ - ٦٧١.\n\"حاول بعضهم الجواب عن الحاكم فقال إن مقتضى كلامه أن في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، فلا يكون الشذوذ عنده منافيا للصحة مطلقا، ويدل على ذلك أنه ذكر في أمثلة الشاذ حديثا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، ويؤيد ذلك ما ذكره الحاكم في الشاذ من أنه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك، وما في الصحيحين من ذلك ليس مما ينقدح في نفس الناقد أنه غلط.\" الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥١٣.","vol":"1","page":319},{"text":"على كون الحاكم موافقًا على صحته: استدلاله بمعنى الحديث في المستدرك، وذلك بعد أن أخرج حديثا من رواية قيس بن سعد، وأعقبه بقوله: \"ثم يعرف من فضل قيس بن سعد - ﵁ - أنه خدم النبي - ﷺ - حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرط\" (١).\nومما يؤيد أيضًا ما ذهب إليه ابن حجر- من إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على أحاديث حكم عليها بالصحة- ما ذكره الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل، حين ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه، وذكر منها:\nالقسم الرابع من الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب، التي يرويها الثقات العدول، تفرد بها ثقة من الثقات، وليس لها طرق مخرجة في الكتب، واستشهد بعدد من الأمثلة منها حديث عائشة ﵂ أنها قالت: طُّبَّ (٢) رسول الله - ﷺ - حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. (٣) ثم قال: \"هذا الحديث مخرج في الصحيح وهو شاذ بمرة ... \" (٤).\nوالقسم الخامس من الصحيح المتفق عليه: أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية عن آبائهم وأجدادهم (بها (إلا عنهم. (٥)\n_________\n(١) الحاكم، المستدرك، ٤/ ٣٢٣ ح (٧٧٨٧).\n(٢) طُبَّ: أي سُحِر، كنَّوا بالطب عن السحر، تفاؤلا بالبُرء، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. ينظر: ابن الأثير، النهاية، ٣/ ١١٠.\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده ٤/ ١٢٢ ح (٣٢٦٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السحر ٤/ ١٧١٩ ح (٢١٨٩).\n(٤) ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٩ باختصار.\n(٥) ومثّل لذلك برواية: \"عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وأياس بن معاوية بن قرة المزني عن أبيه عن جده.","vol":"1","page":320},{"text":"قال الحاكم ﵀: \"جماعتهم صحابيون، وأحفادهم ثقات، والأحاديث على كثرتها محتج بها في كتب العلماء\" (١) ثم ألحق في آخر الكتاب رموز هذه الأقسام فقال: \"وأنا ممتثل بمشيئة الله سبحانه ما رسمه بعلامات تدل على كل حديث منها على ما شرحته في أول هذه الرسالة (٢) ...، وعلامة القسم الرابع من الصحيح والإشارة فيه أنه براو واحد به ثقة واحد: (صف) (٣).\nوعلامة القسم الخامس من الصحيح والإشارة فيه أنها أخبار رواتها ثقات وهي شواذ (بلا «٤) شواهد: (صش) (٥) \" (٦).\nفالمثال الثالث - الذي ذكره الحاكم- للشاذ يُعدّ من الغرائب الصحيحة التي أخرجها البخاري في صحيحه، فيصدق عليه شق من تعريف الحاكم كونه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة؛ إلا أن تخريج البخاري له في الصحيح يدل على خلوه من العلل المنافية للصحة، وقد عدّ ابن حجر إطلاق الحاكم لفظ الشذوذ على هذا الحديث إطلاقًا لفظيًا، ولا يُراد به ردّ الحديث.\n\"ومما سبق يمكننا القول إن الغريب عند الحاكم هو ما كان على نحو المثال الثالث وهو ما يتفرد به الثقة، ولم ينقدح في نفس الناقد أن به علة.\nويكون الشاذ ما تفرد به الثقة وانقدح في نفس الناقد أن به علة، مع عدم وقوفه عليها.\nوهذا الشاذ عنده - هو الشاذ المردود.\n_________\n(١) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ٤٠ باختصار.\n(٢) ثم قال: \"وكل حديث يخلو عن علامة من هذه العلامات المبينة فإنه من رواية المجروحين\".\n(٣) رمز للصحيح الذي تفرّد به ثقة واحد.\n(٤) النفي موجود في طبعة دار ابن حزم، بتحقيق السّلوم ١٧٠، وهو ساقط من طبعة دار الدعوة بتحقيق: فؤاد عبدالمنعم، والنفي موافق للمعنى، إذ الشذوذ يعني التفرد بلا شواهد ولا متابعات.\n(٥) رمز للصحيح الشاذ.\n(٦) الحاكم، المرجع السابق، ٧١.","vol":"1","page":321},{"text":"والحاكم ﵀ لم يفصح عن هذا التقسيم كما هو ظاهر، ولكن كلامه في كتاب المعرفة والمدخل وتصرفه في المستدرك يجعلنا نذهب هذا المذهب في فهم كلامه ومعرفة مصطلحه.\nوهذا يعني أن الشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه.\nوهو قسمان:\n١ - شاذ مقبول وهو ما يرادف الغريب عنده، وهو ما تفرد به الثقة ولم ينقدح في نفس العارف لهذا العلم أن به علة.\nوهذا النوع هو الذي صحح الحاكم أمثاله في المستدرك مع النص على شذوذه.\nفمن ذلك قوله في حديث: \"إسناده صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة\" (١).\nومنه أيضًا قوله في حديث آخر: \"هذا حديث شاذ صحيح الإسناد\" (٢).\nوعلى هذا يحمل قوله: \"ولعل متوهمًا يتوهم أن هذا متن شاذ، فلينظر في الكتابين ليجد من المتون الشاذة، التي ليس لها إلا إسناد واحد، ما يتعجب منه، ثم ليقس هذا عليها\" (٣).\n٢ - شاذ مردود، وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.\nوعلى هذا يحمل المثال الأول والثاني اللذان ذكرهما الحاكم للشاذ.\" (٤)\n\nوممن قال كذلك بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد: الخليلي -وهو تلميذ الحاكم- وذلك في كتابه الإرشاد، ولم يقيّد التفرّد بالثقة بل جعله مُطلقًا؛ ليشمل الثقة وغيره، فقال: \"الذي\n_________\n(١) ينظر: الحاكم، المستدرك، ١/ ٢٨٩ ح (٦٤٢).\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٤١٢ ح (١٠٢٧).\n(٣) المرجع السابق، ١/ ٧٠ ح (٥٢).\n(٤) اللحياني، الحديث الشاذ، ١٦ - ١٧.","vol":"1","page":322},{"text":"عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ، ثقة كان، أو غير ثقة. فما كان عن غير ثقة، فمتروك لا يقبل. وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به\" (١).\nوقد فُهم من ذلك أنه يُسوّي بين الشاذ والفرد المطلق (٢) إلا أن ابن رجب كان له تعقيب يوضح مراد الخليلي لمعنى الشاذ فقال:\n\"ولكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة والحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره.\nفأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات، أو أفراد إمام من الحفاظ الأئمة صحيح متفق عليه، ... \" إلى أن قال: \"وفرّق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات، وبين ما ينفرد به إمام أو حافظ. فما انفرد به إمام أو حافظ قبل واحتج به، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ. وحكى ذلك عن حفاظ الحديث والله أعلم\". (٣)\nقال العراقي: \"الخليلى يجعل تفرد الراوي الثقة شاذا صحيحا، وتفرد الراوي غير الثقة شاذا ضعيفا\" (٤)؛ إلا أن المتأمل لما ذكره الخليلي يجد هذا الإطلاق من العراقي - ﵀- غير دقيق، فالأفراد على أنواع عند الخليلي كما ذكر في كتابه الإرشاد (٥) - وأشار إلى ذلك أيضًا ابن رجب في النقل السابق- فهناك تفرد الحافظ الثقة المشهور وهو صحيح،\nوتفرّد الضعيف المتهم بالوضع فهو موضوع، وتفرّد كثير الغلط فهو منكر أو متروك،\n_________\n(١) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٦ - ١٧٧.\n(٢) \"والحاصل من كلامهم أن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعم\". ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٥٢.\n(٣) ابن رجب، العلل، ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ باختصار.\n(٤) العراقي، التقييد، ١٠١.\n\"والذي يبدو لي: أن الخليلي يفرق بين ثقة مبرز في الحفظ فيحتمل تفرده، وبين ثقة لا يحتمل تفرده فحل، علل الحديث، ٢٨١. تعليق المؤلف في الحاشية.\n(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٧ - ١٧٣.","vol":"1","page":323},{"text":"وتفرّد من لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه فهو الشاذ، ويتوقف فيه فلا يُحكم بصحته ولا بضعفه، فبالنظر إلى هذه الأقسام الأربعة مع ما ذكره في تعريف الشاذ يمكن استنتاج ما يلي:\n\"أن الخليلي لم يقصد في تعريفه أن كل تفرّد يُعدّ شاذًا (١)، فهو لم يتعرض في تعريفه لتفرد الحافظ المشهور الثقة أو الإمام، إذ حكم بصحة تفرده حين ذكر أقسام التفرّد، وحين عرّف الشاذ ذكر تفرّد شيخ ثقة، وقال: يتوقف فيه، وهذا يوافق كلامه على القسم الرابع من تقسيمه للأفراد والذي مثّل له بحديث (أبي زُكَير) (٢) وقال عنه: شيخ صالح، وقال: لا يُحكم بصحته ولا بضعفه؛ أي: أنه توقف فيه أيضًا.\nوتحدث كذلك في تعريفه للشاذ عن تفرّد شيخ غير ثقة، وحكم برد حديثه، وهذا يوافق كلامه على القسمين الثاني والثالث من تقسيمه للأفراد، والتي حكم عليها بالردّ. والله أعلم\". (٣)\nوبعد أن عرّف الخليلي الشاذ لم يذكر أمثلة عليه، إنما أطلق وصف الشذوذ على أحد أقسام الفرد التي سبقت ذكره لمعنى الشذوذ، فقال:\n\"نوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه ولا توثيقه ... \" ثم أخرج بإسناده إلى عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول:\nعاش ابن آدم حتى أكل الجديد\n_________\n(١) \"قلت: والظاهر أن كلام الخليلي مقيد بما قيد به الحاكم، أو نحو ذلك، وإلا كان كلامه ساقطا؛ لأنه لم يذكر فيمن اشترط العدد في الصحيح\". البقاعي، النكت، ١/ ٤٥٦.\n(٢) يحيى بن محمد بن قيس المحاربي الضرير، أبو محمد المدني، نزيل البصرة، لقبه أبو زُكير بالتصغير، ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة إلا حديثين حدث بهما، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، قال ابن حبان: كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمد، فلما كثر ذلك منه صار غير محتج به إلا عند الوفاق وإن اعتبر بما لم يخالف الأثبات في حديثه فلا ضير، وقال ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ٤/ ٤٢٧ (٢٠٥٥)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٩/ ١٨٤ (٧٦٤)، ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١١٩، ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٤ (٢١٤١)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧٥ (٦٢٤١)، ابن حجر، التقريب، ٥٩٦ (٧٦٣٩).\n(٣) ينظر: الأثري، الحديث الشاذ، ٣٩ - ٤٠ بتصرف يسير.","vol":"1","page":324},{"text":"بالخَلِق!». (١) وأعقبه بقوله: \"وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام، غير أبي زكير. وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع\". (٢)\n\"فهذا النوع من الأفراد الذي سمّاه الخليلي فردًا شاذًا، هو ما تفرّد به شيخ ليس على درجة من الضبط والإتقان حتى يُقبل ما يَتفرّد به كما تُقبَل تفردات الأئمة الحفاظ، ولا هو ساقطٍ واهٍ فيُرد حديثه ويُضعّف مباشرة، ولو كان للحديث أصل شاهد أو متابعة، أو كان معروفًا محفوظًا عند المحدثين لانتفى تفرّده، وجُبِر الضعف الذي فيه، حيث تفرد به من لا يُحتمل تفرّده.\" (٣)\nوالمثال السابق تفرّد به أبو زكير، وقد اُختلف في توثيقه، وأُنكِر عليه روايته لهذا الحديث (٤)، وقد سمّاه الخليلي فردًا شاذًا.\n\"والظاهر أن الخليلي أراد بالشاذ أحاديث الشيوخ غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فردًا، ونصّ على كونها صحيحة ... فأفراد الشيوخ عند الخليلي على مرتبتين:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الأطعمة، باب أكل البلح بالتمر ٢/ ١١٠٥ ح (٣٣٣٠)، والنسائي في السنن الكبرى كتاب الوليمة، باب البلح بالتمر ٦/ ٢٥٠ ح (٦٦٩٠)، والبزار في مسنده ١٨/ ٩٩ ح (٣٢) وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدا رواه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ غير يحيى بن محمد بن قيس، والعقيلي في الضعفاء، ٤/ ٤٢٧ (٢٠٥٥) وذكر أن أبا زكير لا يُتابع على حديثه، ولا يُعرف هذا الحديث إلا من طريقه، والحاكم في المستدرك كتاب الأطعمة ٤/ ١٣٥ ح (٧١٣٨). قال الذهبي في التلخيص: حديث منكر. جميعهم من حديث عائشة.\n(٢) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٢ - ١٧٣.\nقال ابن حجر: \"أما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في المستدرك لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكره في \"الموضوعات\". والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: \"إنه منكر\". باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين، وقد جزم ابن عدي بأنه تفرد به. وقول الخليلي: إنه شيخ صالح أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون في الديانة. والله أعلم.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٠. لكن الحاكم -شيخ الخليلي- صححه في المدخل إلى الإكليل، تحت القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه ثم قال: وشواهد هذا القسم كثيرة كلها صحيحة الإسناد غير مخرّجة في الكتابين. ينظر: الحاكم، الإكليل، ٣٩ - ٤٠.\n(٣) حمام، التفرد، ٣٧٦.\n(٤) قال ابن حبان: \"وهذا كلام لا أصل له من حديث النبي - ﷺ - \". ابن حبان، المجروحين، ٣/ ١٢٠، وقال ابن عدي: \"عامة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث التي بينتها\" وعدّ منها هذا الحديث. ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٤ (٢١٤١).","vol":"1","page":325},{"text":"١ - ما كان عن شيخ غير ثقة، فما يتفرّد به متروك لا يُقبل، ولا يُحتج به.\n٢ - وما كان عن شيخ ثقة فيتوقف في تفرده، ولا يُحتج به، فإن وجد ما يعضدها ويشهد لها زال التوقف، وتقوّت بغيرها.\" (١)\n\nوممن فُهم من تعريفه للشاذ بأنه التفرّد: الميانشي، حيث قال: \"هو أن يرويه راوٍ معروف، لكنه لا يُوافقه على روايته المعروفون\" (٢)، وعلّق الزركشي بقوله: \"جرى الميانشي على طريق المحدثين.\" (٣)، ويُفهم من سياق كلام الزركشي- والنقول التي نقلها- أن المراد بطريق المحدثين في الشاذ: هو تفرّد الثقة سواء خالف غيره أم لم يخالف.\nوكتاب الميانشي مختصر، ولم يذكر أمثلة على ما ذكر ليتضح مقصوده، وبالنظر إلى تعريفه مجردًا يمكن حمله على مذهبين من مذاهب العلماء في الشاذ (٤)، المذهب القائل بتفرّد الثقة مطلقًا، والمذهب المقيّد له بمخالفة الثقات، وإن كان الحمل على الإطلاق أولى، ويؤيد ذلك سرده لتعريف الفرد والغريب والشاذ بشكل متتالٍ، فعرّف الفرد بقوله:\n_________\n(١) حمام، المرجع السابق، ٣٨٠ - ٣٨١ بتصرّف.\n(٢) الميانشي، ما لا يسع جهله، ٢٩.\n(٣) قال محقق الكتاب: وقوله: \"ولكن لا يوافقه على روايته المعروفون\" أي لا يتابعونه عليها، وليس بمعنى يخالفونه، وإلا لما كان جريًا على طريق المحدثين. الزركشي، النكت، ٢/ ١٣٩.\n(٤) وجدت اختلاف بعض الباحثين المعاصرين في توجيه كلامه ﵀، فقال الدكتور عبدالجواد حمام: \"هذا التعريف يُظهر أن الشاذ هو تفرد وقع من راوٍ معروف، أي ليس مجهولًا ولا مستورًا، والغالب أنه يقصد الثقة أو نحوه. وهذا الراوي المعروف يأتي بحديث لا يوافقه عليه أصحابه الثقات، ولا يرويه غيره من أقرانه الحفاظ المعروفين بالضبط والتقصي، فهذا الذي يُسمّى شاذًا\".\nبينما اعتبر الدكتور أبو سمحة تعريف الميانشي موافقًا لما قرره الشافعي من أن مراده بقوله: \"لا يوافق على روايته المعرفون\" هو مخالفة الثقة لما رواه الثقات. المراجع: حمام، التفرد، ٣٩٤، أبو سمحة، المنكر، ١٤٩.","vol":"1","page":326},{"text":"\"ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ.\" ثم قال: \"وقد حكى شيخنا المازري (١) -﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة\" (٢)، ثم أتبع ذلك بتعريف الغريب، فقال: \"ما شذّ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية\"، وأردفه بتعريف الشاذ، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، وبالغريب: تفرّد قليل الرواية، وبالشاذ: تفرد كثير الرواية؛ ليميّز بين الأنواع الثلاثة، والله أعلم.\nنخلص مما سبق:\nالتفرّد في الرواية هي الانفراد بها دون متابعة أو مشاركة، سواءٌ كان بأصل الحديث أو بجزء منه، وسواءٌ كان الراوي ثقةً أو غير ثقة، والتفرد ليس بعلة في نفسه أو في كُلّ أحواله، ولكنه مظنة لوجودها.\nوممن اشترط التفرد في الشذوذ: الحاكم، والخليلي، أما الحاكم فقد قيّد الشاذ بتفرد الثقة بما لا يُتابع عليه، وأضاف - مما يُستنتج من سياق كلامه وأمثلته- بأن هذا التفرد مشوب باستنكار النقاد -وهو نوع أدقُّ من المعلل- إذ ينقدح في ذهنهم وجود علة وإن لم تكن ظاهرة ...، فليس كل تفرد من الثقة مردود بل ما ينقدح في ذهن الناقد وجود خطأ في الرواية تقصر عبارته عن بيانه. (٣)\nونُسب للخليلي إطلاق تفرد الراوي بالرواية سواء كان ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن التأمل فيما ذكره، وسياقه يجد أنه ليس على الإطلاق المذكور بل قيّد تعريفه بتفرّد الشيوخ، وسبق تعريفه مثال للفرد الشاذ بسبب تفرّد راوِ وصفه بكونه شيخ لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه.\n_________\n(١) محمد بن علي بن عمر بن محمد التميمي المازَري المالكي. أبو عبد الله. فقيه محدث وأحد الأئمة الأعلام. مات سنة ٥٣٦ هـ. ينظر: الصفدي، الوافي بالوفيات، ٤/ ١١٠ (١٦٨٢)، ابن العماد، الشذرات، ٦/ ١٨٧. الزركلي، الأعلام، ٦/ ٢٧٧.\n(٢) ينظر: المازري، المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٧٣) ح (٧٣٧).\n(٣) ينظر: تحقيق كتاب ابن رجب، المرجع السابق ١/ ٤٥٩ - ٤٦٠، الأثري، الحديث الشاذ، ٤١ - ٤٢.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات</span>.\n- أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحًا لأحدهم، أو دمجًا فيما بينهم كما فعل ابن الصلاح في جعل الشاذ على قسمين: أحدهما: الحديث الفرد المخالف.\nوالثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\n- ومن جاء بعد ابن الصلاح لم تخرج تعريفاتهم عمّا ذكره السابقون، فمن مصوِّبٍ ومرجّحٍ لتعريف على آخر، أو مختصر لما ذكره ابن الصلاح.\n\n- وكانت أبرز القيود التي احتاجت إلى تحرير في تعريف الشاذ هما: المخالفة، والتفرّد.\nوالمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.\n- وممن سبق ابن الصلاح في تقييد الشذوذ بالمخالفة: الإمام الشافعي - ﵀- إلا أنه جعل الشذوذ خاصًا بمخالفة الثقة للثقات، بينما أطلق ابن الصلاح الشذوذ على مخالفة الراوي بشكل عام - أي: سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.\n- وتبع الأثرمُ الشافعيَ فيما اشترطه - في الحديث الشاذ- من تخصيص المُخالِف بالثقة، حيث دلّ مثاله الذي مثّل به، وسياق كلامه عليه.\n- وقد رجّح كذلك -ما ذهب إليه الشافعي من كون الشذوذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه- كل من:","vol":"1","page":328},{"text":"ابن القيم وأشار إلى أن تفرّد الثقة بما لم يروه غيره ليس شذوذًا، وإن سُمّي شذوذًا فهو من باب الاصطلاح الذي لا يوجب رد الحديث به، والنووي في كتابه المجموع، وابن كثير صوّبه كذلك، واقتصر ابن الملقن على ذكره - دون سواه - في كتابه (التذكرة)، واعتمده ابن حجر كتعريف للشاذ غير أنه توسّع في صفة الراوي المخالِف ليشمل الثقة والصدوق، ومثّل له بما وافق معناه، وسار على نهج شيخه السخاوي وتبعه السيوطي إلا أن السخاوي زاد قيداَ - في التعريف- وهو: عدم إمكانية الجمع بين الروايات المختلفة، ومثلوا للشاذ بأمثلة تؤيد المذهب القائل بأن الشذوذ مخالفة الراوي (الثقة أو الصدوق) لمن هو أولى منه، سواء كانت هذه المخالفة في الإسناد أو في المتن.\n- وأما من قال بأن المراد بالشذوذ هو التفرّد:\nالإمام الحاكم وتبعه تلميذه الخليلي في ذلك مع اختلاف يسير بينهما إذ قيّد الحاكم الشذوذ بتفرد الثقة، بينما أطلقه الخليلي ليعم الثقة وغيره، هذا بشكل عام إلا أن المتأمل لسياق كلام كلٌ منهما وأمثلته يتضح له أمور من ذلك:\n- أن الحاكم لا يَعُدُّ كل حديث يتفرّد به الثقة شذوذًا مردودًا، بل يشترط له ضمنًا أن ينقدح في ذهن الناقد أن هذا التفرد غلط، وقد تقصر عبارة الناقد عن بيانه، وهذا هو الفرق بين الشاذ والمعلل عند الحاكم، - وصرّح به ابن الأثير من فهمه لكلام الحاكم- بكون المعلل وُقِف على علته، بينما الشاذ لم يوقف على علته.\n- وقد مثّل الحاكم للشاذ - في كتابه معرفة علوم الحديث- بثلاث أمثلة:\nالمثال الأول والثاني مُطابق لما ذكره الحاكم عن الحديث الشاذ، ففيه تفرّد أعلّه النقاد، وإن لم تظهر له علته بدايةً، أما المثال الثالث: فيصدق عليه وصف الغريب الصحيح، وعُدّ إطلاقه لفظ الشذوذ عليه إطلاقًا لفظيًا.","vol":"1","page":329},{"text":"وعليه فالشاذ عند الحاكم هو الحديث الذي وقع فيه تفرد الثقة بأصل لم يتابع عليه، وهو قسمان: شاذ مقبول: وهو ما يرادف الغريب عنده، وشاذ مردود: وهو الحديث الذي يتفرد به ثقة، مع اشتماله على علة، لم يقف عليها الناقد.\n- أما الخليلي فالظاهر أنه أراد بالشاذ تفرّد الشيوخ المستورين غير المكثرين، ولا المشهورين، أما ما يتفرّد به حافظ أو إمام مكثر معروف حفظه وضبطه فهذا سمّاه فردًا، ونصّ على كونها صحيحة. (١)\n- ويشبه ما ذهب إليه الخليلي من تعريف الشاذ، ما استنتجه ابن سيد الناس من تعريف الترمذي للحسن، وتقييده بنفي الشذوذ؛ ففسّر الشذوذ بناءً على ذلك بقوله: \"والذي يظهر من كلام الترمذي التوسع في ذلك، وأن تفرد المستور داخل في مسمى الشاذ.\" (٢) وقال أيضًا -مُظهِرًا تردده بعدم الجزم بمعنى معين للشذوذ عند الترمذي، واحتماله للمعاني السابقة في الشذوذ-: \"إن كان الترمذي يرى الشذوذ: تفرد الثقة أو المستور، من غير اشتراط لمخالفة ما روى الناس، كما اشترط الشافعي، فالشرطان واحد وقوله: \"ويُروى من غير وجه نحو ذلك\"، تفسير لقوله: ولا يكون شاذًا، وإن كان [يرى] تفسير الشذوذ بمخالفة الناس، فيستقيم أن يكونا شرطين.\" (٣)\nفقوله بأن تفرّد المستور داخل في مسمى الشاذ، يقارب قول الخليلي في إطلاقه الشاذ على تفرّد الشيخ الذي لا يُعرف ضعفه ولا توثيقه،\n_________\n(١) ينظر: حمام، التفرد، ٣٨٠ - ٣٨١ بتصرّف.\n(٢) ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.\n(٣) ابن سيد الناس، المرجع السابق، ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧.","vol":"1","page":330},{"text":"- وأما الميانشي فقد فرّق بين الفرد والغريب والشاذ، فعرّف كل واحد منهما بتعريف مستقل، فعنى بالشاذ تفرّد كثير الرواية، وبالغريب تفرّد قليل الرواية، وبالمفرد أو الفرد زيادة الثقة.\nوالمحصلة النهائية أن المحدثين استعملوا الشاذ بمعنيين (١):\nالأول: ما رواه الثقة مخالفًا غيره من الثقات.\nالثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفردًا به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة.\nوحقيقة الشاذ (٢): هو ما لا يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لا يعرفه الآخرون، أو لا يتابعه عليه أحد، والله أعلم.\nهذا كان ختام تحرير تعريف الحديث الشاذ، ولأن المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ؛ ناسب أن أُلحق فصل الحديث الشاذ بالحديث المنكر.\n_________\n(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١١١٠ - ١١١١.\n(٢) ينظر: حمام، التفرد، ٤٠٦ - ٤٠٩.","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفصل الخامس: الحديث المنكر</span>\nالمبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الأول: تعريف المنكر لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المطلب الأول: تعريف المنكر لغة:</span>\nالمُنكَر اسم مفعول من أنكَر، و\"النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونَكِر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه\". (١) والمنكر: ضد المعروف.\nويأتي النُّكْر كذلك بمعنى: الدّهاء، والأمر الشديد أو الصعب. (٢)\nففي المنكر معنى زائد على مجرد الجهل بالشيء؛ وهو الشك وعدم الارتياح؛ بل قد يصل إلى الجحود والرفض. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المطلب الثاني: تعريف المنكر اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nقال ابن رجب - ﵀- في شرحه لعلل الترمذي:\n\"ولم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر من الحديث، وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي (٤) الحافظ، وكان من أعيان الحفاظ المبرزين في\nالعلل\" (٥)، وقد اختلف بعض المعاصرين فيما ذهب إليه ابن رجب ﵀- من أن البرديجي هو أقدم من\n_________\n(١) ابن فارس، المقاييس، ٥/ ٤٧٦.\n(٢) ينظر مادة (ن ك ر): الفراهيدي، العين، ٥/ ٣٥٥، الرازي، المختار، ٣١٩، الفيروزآبادي، القاموس، ٤٨٧.\n(٣) ينظر: حمام، التفرد، ٤١٦، أبو سمحة، المنكر، ٢٧ - ٢٩.\n(٤) أحمد بن هارون بن روح، أبو بكر البرذعي ويعرف بالبرديجي، كان من حفاظ الحديث المذكورين بالحفظ والفقه. جمع وصنف، وبرع في علم الأثر. نزيل بغداد وقدم أصبهان مرتين، وتُوفي ببغداد سنة ٣٠١ هـ. ينظر: أبو نعيم، تاريخ أصبهان، ١/ ١٤٨ (١٠٨)، الخطيب، تاريخ بغداد، ٦/ ٤٣١ (٢٩٣١)، الذهبي، السير، (١٤/ ١٢٢).\n(٥) ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠.","vol":"1","page":333},{"text":"وضع حدًا للمنكر- بين مؤيد لذلك (١)، ومتعقّب (٢)، ومنهم من توسّط بين الأمرين (٣). إلا أنني أتجاوز هذا الخلاف، وأذكر ما وجدت من عبارات الأئمة في بيان كل نوع حديثي من الأنواع أو المصطلحات التي يتضمّنها حدود البحث، ومن تلك العبارات أو التعريفات التي جاءت في بيان مصطلح المنكر ما يلي:\nتعريف مسلم (ت ٢٦١ هـ):\nقال الإمام مسلم - ﵀-: \"وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد\nتوافقها (٤)، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله\". (٥)\n_________\n(١) وقد استدل على ذلك بعدم ذكر ابن الصلاح لتعريف مسلم للمنكر، واقتصاره على تعريف البرديجي فقال مُعقّبًا: \"وكأنه لم يقف على تعريف للمنكر عند غيره! ... ومما يؤكد هذا الفهم أن الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ لما تعرّض للكلام عن المنكر ... نصّ على أن أول من وجده عرّف المنكر هو البرديجي ... فعلى هذا ليست عبارة مسلم تعريفًا عند ابن رجب؛ لأنه وقف عليها حتمًا\" ينظر: السلمي، الحديث المنكر، ٢٢.\n(٢) مثل: الدكتور نور الدين عتر في تحقيقه لكتاب ابن رجب، حيث قال متعقِّبًا لكلامه: \"بلى، قد وقع في مقدمة مسلم ما يُبيّن تعريف الحديث المنكر ... \".\nوكذلك العثمان في كتابه المحرر في مصطلح الحديث حيث قال: \"وقد تكلّم الإمام مسلم ﵀ في حد المنكر\" ثم قال بعد نقله لكلام مسلم: \"وهذا تعريف الإمام مسلم للمنكر وهو من المتقدمين، فحينئذ يكون قول الحافظ ابن رجب ... فيه نظر بيّن\".\nويؤيد ما ذهبا إليه قول النووي في شرحه على صحيح مسلم: \"هذا الذى ذكر، -أي: الإمام مسلم﵀ هو معنى المنكر عند المحدثين\". المراجع: ينظر: النووي، شرح مسلم، ١/ ١٨، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠، العثمان، المحرّر، ٢٣٥.\n(٣) مثل: الدكتور عبدالجواد حمام في كتابه التفرد في رواية الحديث، حيث قال: \"أقدم كلام حول الحديث المنكر وصلنا مفصّلًا. ينظر: حمام، التفرد، ٤١٨، ٤٢٣.\n(٤) قال النووي: \"هذا الذى ذكر - ﵀- هو معنى المنكر عند المحدثين\" ... ثم قال: \"وقوله (أو لم تكد توافقها) معناه: لا توافقها إلا في قليل\". النووي، شرح مسلم، ١/ ١٧ - ١٨.\n(٥) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٧.","vol":"1","page":334},{"text":"تعريف الحافظ البرديجي (ت ٣٠١ هـ):\nقال ابن الصلاح: \"بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجهٍ آخر.\" (١)\nبينما نقل ابن رجب عن البرديجي قوله في بيان الحديث المنكر: \"أن المنكر هو الذي يُحدِّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، لا يُعرَف ذلك الحديث، وهو متن الحديث، إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرًا.\" (٢)\nتعريف ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ هـ):\nأشار ابن أبي حاتم لعلامة تُميّز صحيح الحديث من منكره بقوله: \"ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم\" (٣)\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nبعد أن نقل ابن الصلاح تعريف البرديجي صوّب أن المنكر على قسمين، وأنه بمعنى الشاذ، فيكون المنكر عنده قسمان: \"أحدهما: الحديث الفرد المخالف، والثاني: الفرد الذي\n_________\n(١) ثم علّق عليه قائلا: \"فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصِّل. وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث. والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠.\n(٢) ثم وضّح ابن رجب السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك يأتي ذكرها - بإذن الله- أثناء تحرير التعريف. ينظر: ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠ - ٤٥٣.\n(٣) ابن أبي حاتم، الجرح، ١/ ٣٥١.","vol":"1","page":335},{"text":"ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف.\" (١)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nلقد جعل ابن الصلاح الحديث المنكر مرادفًا للشاذ وبمعناه (٢)، وتابعه على هذا جُلُّ من جاء بعده، ولخّص كتابه:\nكالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٣)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٤)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) حيث قال: \"المنكر: وهو كالشاذ، إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلًا ضابطًا - وإن لم يخالف- فمنكر مردود.\nوأما إن كان الذي تفرد به (عدلًا ضابطًا حافظًا «٥) قُبِل شرعًا، ولا يقال له منكر، وإن قيل له ذلك لغةً\" (٦).\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٩ - ٨٠، ثم أتبعه بذكر أمثلة لكل قسم، ويستنتج من تعريف ابن الصلاح أنه يَعدُّ مخالفة الراوي لمن هو أولى منه (سواء كان ثقة أو ضعيف) منكرًا وشاذًا، أما بخصوص تفرد الراوي، فقد جعل النكارة والشذوذ خاصة بتفرّد الضعيف الذي هو دون رواة الصحيح والحسن في الضبط والإتقان، حيث أن المنكر عند ابن الصلاح نوعان، \"وقوله في تعريف الحسن لذاته: (يرتفع عن حال من يُعدُّ ما ينفرد به من حديثه منكرًا) احتراز من الضعيف، الذي تفرّده يُعدُّ منكرًا، ثم اشترط بعد ذلك السلامة من الشذوذ والنكارة، وهو احتراز من النوع الثاني من الشاذ والمنكر، والناتج عن المخالفة\". السليماني، الجواهر، ٨٢.\n(٢) سبقه في التصريح بذلك- كما جاء في فصل الحديث الشاذ- الحافظ صالح جزرة حيث قال: \"الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يُعرف\". الخطيب البغدادي، الكفاية، ١٤١.\n(٣) ينظر: النووي، التقريب، ٤١، وفي شرحه لصحيح مسلم ذكر من أنواع الحديث الفرد أربعة منهما اثنان وصفهما بالشذوذ والنكارة، وهما: \"فرد مخالف للأحفظ وفرد ليس في رواية من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم\". النووي، شرح مسلم، ١/ ١٥٤.\n(٤) حيث قال: \"المنكر، وهو كالشاذ\". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧.\n(٥) هكذا في ط: غراس، ٥١، وط: دار المعارف، ١٨٣. وعقّب محققها في الحاشية: \"في طبعة الشيخ شاكر: (عدلٌ ضابطٌ حافظٌ) مُخالفًا النسختين وقواعد اللغة\".\n(٦) ابن كثير، الاختصار، ٥١، فابن كثير يرى أن تفرد الضابط الحافظ مقبول، وليس بمنكر، وإن أُطلق عليه وصف النكارة فهو إطلاق لُغوي وليس اصطلاحي.","vol":"1","page":336},{"text":"وممن اختصر تعريف ابن الصلاح كذلك: البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (١)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٢).\nواقتصر بعضهم على شق من التعريف كابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) حيث اقتصر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف، فقال: \"قيل: هو ما تفرد به من ليس ثقة ولا ضابطا، فهو الشاذ على هذا، كما تقدم، وقال البرديجي: هو الفرد الذي لا يعرف متنه عن غير راويه، والصواب ما تقدم.\" (٣).\nولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:\nما ذكره الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، فبالرغم من أنه وافق ابن الصلاح في تعريفه للشاذ إلا أنه حين عرّف المنكر اقتصر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض\nتفردات الصدوق فقال: \"المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مفرد الصدوق (٤) منكرا.\" (٥)\n_________\n(١) ينظر: البلقيني، المحاسن، ١٧٩.\n(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٥، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٥١.\n(٣) ابن جماعة، المنهل، ١٣٦. \"وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل\" حمام، التفرد، ٤٣٧.\n(٤) الراوي الصدوق عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: \"ممن يُكتب حديثه ويُنظر فيه\".\nوقال ابن الصلاح: هذه العبارات لا تُشعر بشريطة الضبط، فينظر في حديثه ويُختبر حتى يُعرف ضبطه\".\nوذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثالثة من مراتب التعديل، وهو ممن يُكتب حديثه، وينظر فيه.\nبينما ذكره ابن حجر في المرتبة الرابعة والتي تقصر عنده قليلًا عن المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن.\nالمراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٧، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢٢ - ١٢٣، الذهبي، الميزان، ١/ ٤، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧١، ابن حجر، التقريب، ٧٤. \"والصدوق: هو العدل الذي خفّ ضبطه، والأصل في حديثه أن يكون حسنًا\". العوني، شرح الموقظة، ٩٣.\n(٥) الذهبي، الموقظة، ٤٢.","vol":"1","page":337},{"text":"أما ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) فإنه لخّص كلام ابن الصلاح في كتابه (المقنع) (١) بينما اقتصر في كتابه (التذكرة) على تفرّد الضعيف، فقال: \"هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ.\" (٢)، واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (٣)، والنكارة بتفرّد الضعيف.\nولعل تلميذه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. (٤)\nفنجد أن ابن حجر حين عرّف المنكر قال في تنكيته على ابن الصلاح: \"وأما ما انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه دون بعض بشيء لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث.\nوإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين.\" (٥)\nفذكر من أقسام المنكر تفرد الراوي الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار، فهذا منكر عند كثير من أهل الحديث، فإن خالف - من هذه حاله- من هو أولى منه، فهذا ما يُطلق عليه المنكر عند الأكثرين، وهو ما اعتمده ورجّحه.\n_________\n(١) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(٢) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.\n(٣) إذ أن المقنع اختصار لعلوم الحديث لابن الصلاح، والتذكرة اختصار للمقنع. ينظر تعريفه للشاذ: المرجع السابق، ١٦.\n(٤) حيث جمع بين الشاذ والمنكر في اشتراط المخالفة والتفرّد، وفرّق بينهما في مرتبة راوٍ كلٍّ منهما، فخصّ الشذوذ برواية الثقة، والمنكر برواية الضعيف. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٠.\n(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.","vol":"1","page":338},{"text":"وقد صاغ البقاعي عبارة شيخه ابن حجر في تعريف المنكر بقوله: \"والمنكر: اسم لما\nخالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه بمتابعة مثله\" (١)\nفتفرّد الضعيف ضعفًا لا ينجبر بالرواية - دون مُتابِع- كافٍ لإطلاق النكارة على حديثه، وإن لم يُخالَف، وهذا ما أشار إليه ابن حجر في النزهة بأنه: \"المنكر - على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة - ... \" ومثّل له بمن \"فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، فحديثه منكر\" (٢)، ونجده كذلك استشهد بما ذكره الإمام مسلم - ﵀- في\nبيانه لعلامة الحديث المنكر، ثم أتبعه بقوله: \"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون. فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -\". (٣)\nوقد أشار ﵀ إلى إطلاق بعضهم النكارة على مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده فقال: \"فالصدوق إذا تفرد بشيء لا متابع له ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن (٤)، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان\nأشد في شذوذه، وربما سماه بعضهم منكرا\". (٥)\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧، وكذلك الأنصاري في كتابه فتح الباقي حيث قال: \"والمنكر: ما خالف فيه المستور، أو الضعيف الذي ينجبر بمتابعة مثله، أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بذلك.\" الأنصاري، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، ١/ ٢٣٨.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ١١٢ - ١١٣ باختصار. قال أبو شهبة: \"ويقرب من هذا ما ذكره ابن الصلاح في النوع الثاني للشاذ والمنكر، أي ما انفرد به راويه الذي ليس بعدل ولا ضابط، ومثله لا يقبل تفرده.\" أبو شهبة، الوسيط، ٣٠٤.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.\n(٤) حيث اشترط ابن الصلاح في راوي الحسن لذاته \"أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنه لم يبلغ درجة رجال الصحيح، لكونه يقصر عنهم في الحفظ والإتقان، وهو مع ذلك يرتفع عن حال من يعد ما ينفرد به من حديثه منكرًا\". ابن الصلاح، علوم الحديث، ٣١ - ٣٢، فراوي الحديث الحسن وإن خفّ ضبطه إلا أنه يرتفع عن حال من يُستنكر حديثه عند الانفراد. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.","vol":"1","page":339},{"text":"\"فحاصل كلام ابن حجر - ﵀- أنه يرى تفرد من هو في آخر مراتب الحسن وقريب جدًا من مراتب الضعيف، بل في أول مراتب الضعيف يُعتبر شاذًا، ومع المخالفة يكون منكرًا\" (١)\nفنجد أن ابن حجر - ﵀- ذكر أقسامًا وأنواعًا للمنكر منها:\n- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: \"وربما سماه بعضهم منكرا\". (٢)\n- وكذلك تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: \"فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث\". (٣)\n- ومنها كذلك مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: \"وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين\". (٤)\n- وأيضًا تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: \"المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة\". (٥)\n_________\n(١) العثمان، المحرر، ٢٢٩.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤.\n(٣) المرجع السابق، ٢/ ٦٧٥.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٢.\nوقد عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: \"هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات\" الخضير، الضعيف، ١٨٧ - ١٨٨.","vol":"1","page":340},{"text":"- وكذلك رواية المتروك (١) تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: \"فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم\". (٢)\nوقد اُشتهر عن ابن حجر - ﵀- ترجيحه لأحد هذه الأقسام، وهو: مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه، وذلك في كتابيه (نخبة الفِكَر) وشرحه (النزهة) (٣)، حيث قال- بعد أن\nعرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقًا) لمن هو أولى منه-: \"وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له:) المنكر) \" (٤).\nوقد سار على نهج ابن حجر في التفريق بين الشاذ والمنكر تلامذته: البقاعي (ت ٨٨٥ هـ) (٥)، والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) (٦)، وزكريا الأنصاري (٧) (ت ٩٢٦ هـ) (٨)، وتبعهم السيوطي (ت ٩١١ هـ) (٩).\n_________\n(١) \"ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب- هو المتروك.\" ابن حجر، النزهة، ١١٢.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.\n(٣) قال السيوطي: \"المنكر الذي روى غير الثقة ... مخالفا، في نخبة قد حققه\". الألفية، ٢٣.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ٨٦.\n(٥) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧.\n(٦) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.\n(٧) زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري المصري الشافعيّ، أبو يحيى، قاض فقيه، مفسر، من حفاظ الحديث. له تصانيف كثيرة، منها: (تحفة الباري على صحيح البخاري) و(شرح صحيح مسلم) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات،١٠/ ١٨٦، الزركلي، الأعلام، ٣/ ٤٦. كحالة، المؤلفين، ١/ ٧٣٣ (٥٤٨٠).\n(٨) ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٨.حيث قال: \"والمعتمد أنهما متميزان، كما جرى عليه شيخنا\".\n(٩) ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nقسّم ابن الصلاح المنكر- تبعًا لتقسيمه الشاذ؛ فهما عنده بمعنى واحد- إلى قسمين، ومُحصِّلَتهما: استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه، بينما يُستنكر التفرّد - الخالي من المخالفة- إذا كان المُتفرِّد بالرواية ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>قيود المنكر عند ابن الصلاح:</span>\nهي قيود الحديث الشاذ، وقد سبق بيانها في الفصل السابق ضمن حدود تعريفات الحديث الشاذ، ويُعاد ذكرها في هذا الفصل لبيان علاقتها بتعريفات الحديث المنكر، وهما قيدان:\n- مخالفة الراوي لمن هو أولى منه.\n- وتفرّد الضعيف أو (من لا يُحتمل تفرّده).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>القيد الأول: التفرد:</span>\nأبدأ بقيد التفرد لكونه الأشمل؛ ولتعلّق أغلب تعريفات المنكر به. (١)\nومعنى التفرد في اللغة: هو: ما كان وحده، وكذلك يُطلق على الذي لا نظير له. (٢)\nواصطلاحا: \"هو أن يأتي الراوي برواية لا يشاركه فيها أحد سندًا أو متنًا\" (٣).\n_________\n(١) فالتفرّد أعم حيث يشمل انفراد الراوي بالرواية دون متابعة وكذلك تدخل المخالفة إذ هي نوع تفرد (انفراد برواية مخالفة). قال الدكتور عبدالجواد حمام: \"وجود المخالفة في التفرّد أو عدم وجودها: هذا جانب مهم في قضية التفرد، وهو من أدق مباحثه وأعسرها؛ لكثرة الآراء، واختلاف وجهات النظر، ... وسبب الإشكال هو تحديد حقيقة المخالفة وماهيتها وزاوية النظر إليها ... \" حمام، التفرد، ١٢١ باختصار.\n(٢) سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد هنا بشيء من الاختصار. ينظر: الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠، ابن سيده، المحكم، ٩/ ٣٠٦، الرازي، مختار الصحاح، ٢٣٦.\n(٣) زهار، المرجع السابق، ١٢٤، وينظر كذلك: حمام، المرجع السابق، ٩٠.","vol":"1","page":342},{"text":"ويُستنكر التفرد في بعض الروايات؛ لكونه قد يكون مؤشرًا لوجود علة فيها (١)، وألمح ابن الوزير كذلك إلى سبب استنكار بعض تفرّدات الرواة فقال: \"قلت: أما من تفرد عن العالم الحريص على نشر ما عنده من الحديث وتدوينه، ولذلك العالم كتب معروفة وقد قُيَّد حديثه فيها، وتلاميذه حُفَّاظ حِراص على ضبط حديثه وكتبه حفظا وكتابة، فكلام المحدثين\nمعقول؛ لأن في شذوذه (٢) ريبة توجب زوال الظن (٣) على حسب القرائن، وهو موضع اجتهاد، وأمّا من شذَّ بحديث عمن ليس كذلك فلا يلزم ردُّه\" (٤).\nوقد مثّل ابن الصلاح لقيد التفرّد بقوله:\n\"ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده-: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلِق (٥») تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه (٦)، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. والله أعلم\" (٧).\n_________\n(١) سبق الإشارة إلى هذا في فصل الحديث الشاذ.\n(٢) أي: انفراده.\n(٣) \" (توجب زوال الظن) بحفظه (على حسب القرائن وهو موضع اجتهاد) ردًا وقبولًا\". الصنعاني، توضيح الأفكار، ١/ ٣٨٤.\n(٤) ابن الوزير، التنقيح، ١٥٢ - ١٥٣.\n(٥) الخَلِق: البالي والقديم. ينظر مادة (خ ل ق): ابن الأثير، النهاية، ٢/ ٧١، ابن منظور، اللسان، ١٠/ ٨٨.\n(٦) قال ابن الملقن: \"إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول\" ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٨٦، ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٩، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٢.\n(٧) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.","vol":"1","page":343},{"text":"قال ابن حجر: \"وأما حديث أبي زكير في أكل البلح بالتمر، فقد أورده الحاكم في (المستدرك) (١) لكنه لم يحكم له بالصحة ولا غيرها. وأما ابن الجوزي أبو الفرج، فذكرهفي (الموضوعات) (٢). والصواب فيه ما قال النسائي- وتبعه ابن الصلاح-: \"إنه\nمنكر\" باعتبار تفرد الضعيف به على إحدى الروايتين. وقد جزم ابن عدي (٣) بأنه تفرد به (٤).\nوقول الخليلي: إنه شيخ صالح (٥) أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأن من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيدوا ذلك، فقالوا: صالح الحديث. فإذا أطلقوا الصلاح، فإنما يريدون به في الديانة. - والله أعلم\" (٦).\nوفي تعليقه على حديث أبي زكير قال البقاعي:\n\"فيه من النكارة وجهان:\nالأول: تفرد أبي زكير، وهو غير ضابط، فإنه صدوق يخطئ كثيرا، وهو وإن كان في عداد من ينجبر، لكنه لما أتى بهذا المتن الركيك الألفاظ، البعيد من القواعد، كان كأنه خالف من هو أقوى منه ...\nالوجه الثاني من نكارته: ركاكة معناه، وعدم انطباقه على محاسن الشريعة؛ لأن الشيطان لا يغضب من مطلق حياة ابن آدم، بل من حياته مسلما مطيعا ... \" (٧)\n_________\n(١) كتاب الأطعمة ٤/ ١٣٥ ح (٧١٣٨).\n(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ٣/ ٢٦.\n(٣) عبدالله بن عدي بن عبدالله بن محمد بن المبارك، أبو حمد الجرجاني، الحافظ، ويُعرف بابن القطان، واُشتهر بين علماء الحديث بابن عديّ، أحد أئمة أصحاب الحديث والمكثرين له والجامعين له والرحالين فيه، ومن أشهر كتبه (الكامل في ضعفاء الرجال). مات سنة: ٣٦٥ هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٣١/ ٥ (٣٤٠٣)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٨/ ٢٤٠.\n(٤) ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٩/ ١٠٥ (٢١٤١).\n(٥) ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٢.\n(٦) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٠.\n(٧) \"بل ولا يغضب من حياته كذلك لطمعه في إغوائه، بل ولا نظر له في غضبه إلى الحياة أصلا، إنما نظره إلى بقائه على الطاعة، ولو مات عليها لأغضبه ذلك، ولو كان الأمر إليه في حياته لسره أن يمد في عمره رجاء استدراجه أيضا، وأيضا فإنه علل غضبه بجمع الجديد والعتيق، ومجرد دخول زمان هذا على الآخر كاف من غير احتياج إلى أكله له، أو رؤيته، والله أعلم.\" البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٨ - ٤٧٠ ينظر كذلك: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥١ - ٢٥٢. الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":344},{"text":"يشير البقاعي بذلك إلى قسميّ المنكر عند ابن حجر حيث قال: \"والمنكر: اسم لما خالف فيه الضعيف، أي الذي ينجبر إذا توبع، أو تفرد به الأضعف، أي: الذي لا ينجبر وهيه\nبمتابعة مثله\" (١)، ويظهر من هذا الفرق بين رواية الضعيف القابل للانجبار، والضعيف شديد الضعف عند ابن حجر، فليس كل تفرد من الضعيف يُعدّ عنده منكرًا، بل بحسب مرتبته من الضعف، فإن كان ضعفه قابلًا للانجبار لا يُعدّ تفرده منكرًا إلا إذا خالف من هو أولى منه، بينما يُستنكر مجرد التفرد من الضعيف الشديد الضعف (٢).\nوممن قال بالتفرد في الحديث المنكر: - الحافظ البرديجي كما نُقل عنه (٣). قال ابن الصلاح: \"أطلق البرديجي ذلك ولم يُفصّل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث\" (٤).\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٣٨.\n(٢) ونظرًا لأن الشذوذ والنكارة يُعدّان من الضعف الشديد غير القابل للانجبار، فقد استشكل بعضهم إطلاق الوصف بالشذوذ والنكارة على تفرّد الضعيف المراجع: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٩، السليماني، الجواهر، ٣٠٣.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٠، ابن رجب، العلل، ١/ ٤٥٠.\n(٤) ثم قال: \"والصواب فيه التفصيل الذي بينّاه آنفًا في شرح الشاذ.\" ابن الصلاح، المرجع السابق.","vol":"1","page":345},{"text":"قال ابن حجر: \"مذهب البرديجي أن المنكر هو الفرد سواء تفرد به ثقة أو غير ثقة\" (١)، وقد استدرك موضّحًا ذلك - في تنكيته على ابن الصلاح- بقوله: \"وهذا ينبغي التيقظ له،\nفقد أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، لكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده\" (٢).\nوبعبارة مشابهة نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر قوله:\n\"ما أطلقه البرديجي موجود في كلام أحمد، فإنه يصف بعض ما تفرد به بعض الثقات بالمنكر، ويحكم على بعض رجال الصحيحين أن لهم مناكير، لكن يعلم من استقراء كلامه أنه لابد مع التفرد من أن ينقدح في النفس أن له علة، (٣) ولا يقوم عليها دليل على نحو ما تقدم عن الحاكم في الشاذ (٤)، ويؤيده قول مسلم (٥): إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها\" (٦)\n_________\n(١) ابن حجر، هدي الساري، ٤٥٥.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٤، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧.\n\"فتأمل قول ابن حجر ﵀ حيث قال: \"حيث لا يكون المتفرد في وزن من يُحكم لحديثه بالصحة\"؛ ولذلك لا يلتفت حذاق المحدثين إلى زيادات وأفراد من ليس في وزن من يُحكم بصحة حديثه\" العثمان، المحرر، ٢٣٤.\n(٣) \"هناك من يُطلق القول بأن المتقدمين يطلقون النكارة على مجرد التفرد فقط، كاللكنوي، والتهانوي، وغيرهما، وهناك من الأئمة من قد يُفهم من كلامه أن القطان، وأحمد، والنسائي، والبرديجي، يريدون بإطلاق النكارة التفرد. والواقع أن من نظر في كلام هؤلاء وغيرهم من المتقدمين وجدهم يطلقون ذلك على الجرح الشديد، وعلى الخطأ والوهم، ويطلقون ذلك أيضًا على التفرد، والأصل في إطلاق الأئمة هؤلاء وغيرهم النكارة على الجرح لا مجرد التفرد، فلابد من التأني في الأمر، والله أعلم.\" السليماني، الجواهر، ٣٦٨ - ٣٦٩.\n(٤) ينظر ما سبق ذكره من مذهب الحاكم في معنى الحديث الشاذ، وذلك في الفصل السابق.\n(٥) ينظر: مسلم، الصحيح، ١/ ٧. وقد نقل البقاعي ما ذكره مسلم بتصرّف.\n(٦) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧.","vol":"1","page":346},{"text":"أما ابن رجب فبعد نقله لتعريف البرديجي أوضح السياق الذي ورد فيه التعريف، وذكر أمثلة على ذلك فقال:\nذكر هذا الكلام في سياق ما إذا انفرد شعبة (١) أو سعيد بن أبي عروبة (٢) أو هشام الدستوائي (٣) بحديث عن قتادة (٤)، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، وهذا كالتصريح بأن كل ما ينفرد به ثقة عن ثقة ولا يعرف المتن من غير ذلك الطريق فهو منكر ... قال البرديجي بعد ذلك: فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ مثل حماد بن سلمة، وهمام (٥)، وأبان (٦)، والأوزاعي (٧)، يُنظر في الحديث، فإن كان الحديث يُحفظ من غير طريقهم عن النبي - ﷺ -، أو عن أنس بن مالك من وجه آخر لم يُدفع، وإن كان لا يُعرف عن أحد عن النبي - ﷺ - ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرًا.\n_________\n(١) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، قال عنه الذهبي: \"أمير المؤمنين في الحديث، ثبت حجة ويخطئ في الأسماء قليلا\"، وقال ابن حجر: ثقة حافظ متقن، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا\". مات سنة ١٦٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٨٥ (٢٢٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٦ (٢٧٩٠).\n(٢) سعيد بن أبى عروبة مهران العدوي، أبو النضر اليشكري مولاهم، البصري، قال عنه الذهبي: \"أحد الأعلام، قال أحمد: كان يحفظ لم يكن له كتاب، وقال ابن معين: هو من أثبتهم في قتادة، وقال أبو حاتم: هو قبل أن يختلط ثقة\" وقال ابن حجر: \"ثقة حافظ، له تصانيف، كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة\"، مات سنة: ١٥٦ هـ وقيل ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٤١ (١٩٣٣)، ابن حجر، التقريب، ٢٣٩ (٢٣٦٥).\n(٣) هشام بن أبى عبدالله سنبر الدستوائي، أبو بكر البصري، قال الذهبي: \"الحافظ، وكان يطلب العلم لله، قال الطيالسي: هشام أمير المؤمنين في الحديث\"، وقال ابن حجر: \"ثقة ثبت، وقد رُمِي بالقدر\"، مات سنة: ١٥٤ هـ ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٧ (٥٩٦٩)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٣ (٧٢٩٩).\n(٤) قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، الحافظ المفسّر، قال عنه ابن حجر: ثقة ثبت، مات سنة ١١٧ هـ، وقيل: ١١٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٣٤ (٤٥٥١)، ابن حجر، التقريب، ٤٥٣ (٥٥١٨)\n(٥) همام بن يحيى بن دينار العوذي المحلمي مولاهم، أبو عبدالله، ويقال أبو بكر البصري، قال الذهبي: \"الحافظ، قال أحمد: هو ثبت في كل المشايخ\"، وقال ان حجر: \"ثقة ربما وهم\"، مات سنة: ١٦٣، وقيل: ١٦٤ أو ١٦٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٩ (٥٩٨٦)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٤ (٧٣١٩).\n(٦) أبان بن يزيد العطار البصري، أبو يزيد، قال الذهبي: \"قال أحمد: ثبت في كل المشايخ\"، وقال ابن حجر: ثقة له أفراد، مات سنة: ١٦٠ هـ تقريبا. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٠٧ (١١١)، ابن حجر، التقريب، ٨٧ (١٤٣).\n(٧) عبدالرحمن بن عمرو، الفقيه أبو عمرو الأوزاعي، شيخ الإسلام، ثقة حافظ فقيه زاهد، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٣٨ (٣٢٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٤٧ (٣٩٦٧).","vol":"1","page":347},{"text":"وقال أيضًا: إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - حديثًا لا يُصاب إلا عند الرجل الواحد لم يضره أن لا يرويه غيره إذا كان متن الحديث معروفًا، ولا يكون منكرًا ولا معلولًا.\nوقال في حديث رواه عمرو بن عاصم (١) عن همام عن إسحاق بن أبي طلحة (٢) عن أنس أن رجلًا قال للنبي - ﷺ - «إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ ...» (٣) الحديث: هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم.\nونقل ابن أبي حاتم عن أبيه أنه قال: هذا حديث باطل بهذا الإسناد. (٤)\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من هذا الوجه. وخرج مسلم (٥) معناه أيضًا من حديث أبي أمامة (٦) عن النبي - ﷺ - فهذا شاهد لحديث أنس. (٧)\n_________\n(١) عمرو بن عاصم بن عبيدالله بن الوازع الكلابي القيسي، أبو عثمان البصري، الحافظ، قال: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا، وقال ابن حجر: \"صدوق في حفظه شيء\"، مات سنة: ٢١٣ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٠ (٤١٧٧)، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٥٥).\n(٢) إسحاق بن عبدالله بن أبى طلحة الأنصاري النجاري، أبو يحيى المدني، قال عنه الذهبي: حُجّة، وقال ابن حجر: ثقة حُجّة، مات سنة: ١٣٢ هـ وقيل: ١٣٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٣٧ (٣٠٧)، ابن حجر، التقريب، ١٠١ (٣٦٧).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه، ٨/ ١٦٦ ح (٦٨٢٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، ٤/ ٢١١٧ ح (٢٧٦٤).\n(٤) ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ ح (١٣٦٤).\n\"فكلام أبي حاتم يدل على أن وهم عمرو بن عاصم كان بسبب مخالفة من روى الحديث بغير هذا الإسناد، والله أعلم.\" السليماني، الجواهر، ٣٦٤.\n(٥) وأخرجه مسلم من حديث أبي أمامة في صحيحه كتاب التوبة، باب قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)، ٤/ ٢١١٧ ح (٢٧٦٥).\n(٦) صُديّ بن عجلان بن وهب، أبو أمامة الباهلي، صحابي جليل مشهور بكنيته، مات سنة ٨٦ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٤٨ (١٢٢٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٣/ ١٥ (٢٤٩٧)، ابن حجر، الإصابة، ٥/ ٢٤١ (٤٠٨١).\n(٧) ولأن الحديث مخرّج في الصحيحين، وله شاهد كذلك من حديث أبي أمامة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، استدرك ابن حجر على البرديجي وصفه الحديث بالمنكر فقال: \"لم يبين وجه الوهم، وأما إطلاقه كونه منكرا فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا إذا لم يكن له متابع؛ لكن يجاب بأنه وإن لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه ومن ثم أخرجه مسلم عقبه، والله أعلم\". ابن حجر، الفتح، ١٢/ ١٣٤.\nمن استدراكات فضيلة المناقش: بل الحديث مخرّج في الصحيحين من حديث ابن مسعود - ﵁ - وهو الأصل، ولذلك صدّر به مسلم هذا الباب، ثم أتبعه بحديث أنس الذي تفرّد به عمرو بن عاصم، وهو أقوى من حديث أبي أمامة الذي هو آخر هذه الأحاديث.","vol":"1","page":348},{"text":"ولعل أبا حاتم والبرديجي إنما أنكرا الحديث؛ لأن عمرو بن عاصم ليس هو عندهما في محل من يحتمل تفرده بمثل هذا الإسناد، والله أعلم. (١)\n\nإن ما نُقِل عن البرديجي في تعريفه المنكر ليس فيه تقييد الراوي المتفرّد بكونه ثقة أو غير ثقة؛ إلا أن السياق الذي ذكر ابن رجب ورود التعريف ضمنه، وهو سياق تفرّد الراوي عن شيخٍ - مشهور يكثر تلاميذه ويُجمع حديثه- فيتفرّد هذا الراوي برواية حديث عن هذا الشيخ دون بقية التلاميذ، ولا يتابعه أحد في روايته، ولا يكون هذا المتن معروفًا من غير ذلك الطريق، مما يُشير إلى وهم الراوي أو خطئه، فتفرد الثقة بحديث - متن- لا يضره إلا إذا كان فيه أمر لا يعرفه من لا يفوتهم معرفته أو جاء بأمر يُستنكر ... يدل على ذلك حديث عمرو بن عاصم السابق ذكره، والذي قال عنه: \"هذا عندي حديث منكر، وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم\" ...، ولما كان هذا الحديث عنده معلولًا كان لا بد أن يكون له علة، وقد أعله بأخف رواة السند ضبطًا \"عمرو بن عاصم الكلابي\"، فقال: وهو عندي وهم من عمرو بن عاصم. (٢)\n\"إذن فالمنكر عند البرديجي لا يعني مجرد التفرد بل الخطأ الذي يقع في الحديث\". (٣)\nوممن قيّد وصف المنكر بالتفرّد كذلك:\nـ ابن أبي حاتم، حيث تُعرف نكارة الحديث عنده بتفرّد من لم تصح عدالته بالرواية (٤)،\n_________\n(١) ينظر: ابن رجب، المرجع السابق، ١/ ٤٥٠ - ٤٥٣ باختصار.\n(٢) ينظر: المحمدي، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ٥١ - ٥٢. باختصار.\n(٣) المرجع السابق، ٥٢.\nلخّص الدكتور عبدالجواد حمام معنى المنكر عند البرديجي فقال: خلاصة هذا:\n١ - استعمل البرديجي وصف المنكر على ما تفرد به راوٍ عن إمام حافظ لا يُتصوَّر التفرد عن مثله؛ لكثرة أصحابه الثقات الذين ضبطوا حديثه، ولم يَفُتْهُم منه شيء.\n٢ - استعمل مصطلح المنكر لوصف التفرد بمتن لا يُعرف عن النبي - ﷺ - من وجه آخر، مع التفرد بالسند على الصورة السابقة.\n٣ - المنكر عنده من الحديث المردود المرادف للمعلل. ينظر: حمام، التفرد، ٤٢٩ باختصار.\n(٤) حيث قال - في مقدمة كتابه الجرح والتعديل- في بيان ما يميّز صحيح الحديث من سقيمه ومنكره: \"ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته، والله أعلم.\" ابن أبي حاتم، الجرح، ١/ ٣٥١.","vol":"1","page":349},{"text":"وكذلك ابن جماعة اقتصر في تعريفه للمنكر على الشق الخاص بتفرّد الضعيف (١)، والذهبي اقتصر في تعريفه للمنكر على الشِقِّ الخاص بتفرد الضعيف، وأضاف إليه بعض تفردات الصدوق، فقال: \"المنكر: وهو ما انفرد الراوي الضعيف به. وقد يُعدُّ مُفرَد الصدوق منكرا\" (٢)، بينما كان تعريفه للشاذ بأنه: \"هو ما خالف راويه الثقات، أو ما انفرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده\".\nوما ذهب إليه الذهبي يُلمح إلى نوع تداخل بين الشاذ والمنكر، وأن أحدهما قد يغلب عليه جانب دون آخر مع وجود حيّز كبير يشتركان فيه، فنجدهما يجتمعان - حسب تعريفه- في تفرد من لا يُحتمل تفرّده، بينما يغلب إطلاق المنكر على تفرّد الضعيف، وقليل من تفردات الصدوق، وينفرد الشاذ بمخالفة الثقة لمن هو أولى منه، وأما ما يخص تفرد الثقة، فهو صحيحٌ عنده حيث قال: \"وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن\nتفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا\" (٣)، بل نجده يُصرّح بأن التفرّد من الثقة الحافظ دليل\n_________\n(١) ابن جماعة، المنهل، ١٣٦. \"وكأن ابن جماعة يحصر المنكر بأحد صورتيه عند ابن الصلاح، وهو تفرّد الضعيف غير المحتمل\" حمام، التفرد، ٤٣٧.\n(٢) الذهبي، الموقظة، ٤٢.\n\"فكلامه عام يشمل كل ما ينفرد به الضعيف، سواء كان تفردًا نسبيًا مخالفًا لغيره، أو كان تفردًا مطلقًا ممن لا يحتمله حاله؛ بل حتى بعض روايات الصدوق الأفراد تدخل في المنكر بحسب كلام الذهبي\". حمام، التفرد، ٤٣٨.\n(٣) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤٠ - ١٤١.\nوقد بيّن في كتابه الموقظة أقسام الرواة من حيث تفرّدهم. ينظر: الذهبي، الموقظة، ٧٧ - ٧٨.\n\"والذي يظهر من كلامه ﵀ أنه بناه على الاستقراء، وقد أشار في عبارته السابقة إلى مجموعة من القرائن التي تؤثر على التفرد فتكسبه صفة القبول، أو الرد. وجملة القرائن التي أشار إليها: (قوة الحفظ والوثاقة- الفقه والمعرفة- كثرة الطلب والملازمة- علو الطبقة). ولب قوله ﵀ أن التفرد يُقبل من الثقات إذا ما احتفت قرائن تؤكد أن الثقة ضبط روايته هذه، ولم يدخلها الوهم والخطأ ... وإذا غلَّبت القرائن جانب وهم الثقة أو خطئه كان حديثه منكرًا ... \". السلمي، المنكر، ١/ ٥٢.","vol":"1","page":350},{"text":"علو مرتبته في الحفظ - مالم تكن هناك قرينة تدل على خطئه- فقال: \"الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرُتْبَته، وأدل على اعتنائه بعلم الأثر، وضَبْطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبيّن غلَطُه ووهمُه [في] الشيء فيُعرف ذلك\". (١)\nويُفهم من كلامه أن التفرّد مقبول من الثقات الحفاظ - ما لم يتبيّن خطؤه- فيُميّز النقاد ذلك، وإنما يُستنكر التفرد عادةً ممن هو دون الثقة المُتقِن، أي: في روايات الصدوق ومن دونه من الضعفاء، وإن كان الوصف بالنكارة أقل في تفردات الصدوق كما يُشير قوله: \"وقد يُعدُّ مُفرَد الصدوق منكرا.\" (٢)\nوكذلك نجد ابن الملقن قد اقتصر في تعريفه للمنكر - في كتابه (التذكرة) - على تفرّد الضعيف، فقال: \"هو ما تفرد به واحد غير متقن ولا مشهور بالحفظ.\" (٣) واقتصاره هذا يوحي بتفريقه بين الشذوذ والنكارة، حيث خصّ معنى الشذوذ بمخالفة الثقة لغيره من الثقات (٤)، والنكارة بتفرّد الضعيف. (٥)\n_________\n(١) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤٠.\n(٢) الذهبي، الموقظة، ٤٢. \"قوله (وقد): يفيد التقليل أو التردد. أي: إن تفرّد الصدوق في بعض الأحيان قد يكون منكرًا.\" العوني، شرح الموقظة، ٩٣.\n(٣) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.\n(٤) ينظر: المرجع السابق، ١٦.\n(٥) ولعل تلميذه ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) تبعه في ذلك حين صرّح بالتفريق بين الشاذ والمنكر. ينظر: ابن حجر، النزهة، ٨٧، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٠.","vol":"1","page":351},{"text":"نخلص مما سبق:\nأغلب تعريفات المنكر التي قيّدته بالتفرّد إنما خصته بتفرّد الضعيف على وجه الإطلاق، بينما فرّق ابن حجر بين مراتب الضعفاء ودرجاتهم في الضعف، وأطلق النكارة على تفرّد الشديد الضعف غير القابل للانجبار.\nوأشار الذهبي إلى إطلاق النكارة على بعض تفردات الصدوق.\nوأما تعريف البرديجي فقد أطلق التفرّد ولم يحدد مرتبة راويه، وإنما قيّده السياق والمثال بالتفرّد المُوهِم بالعلة والخطأ؛ وذلك لتفرّد الراوي عن شيخ مشهور بما لا يعرفه بقية تلامذة الشيخ الحريصين على جمع حديثه، وضبطه، ويُضاف إليه عدم معرفة المتن من طريق آخر، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>القيد الثاني: المخالفة: </span>(١)\nوالمخالفة في اللغة: من الاختلاف ضد الاتفاق، وكل مَا لم يَتساو فقد تخَالف واختلف (٢).\nوفي الاصطلاح: \"أن يروي الرواة عن شيخهم حديثًا ما، فيقع بينهم تغاير في سياق إسناده أو متنه\" (٣).\n_________\n(١) سبق تعريف المخالفة في فصل الحديث الشاذ، ويُعاد تعريفها هنا بشيء من الاختصار.\n(٢) ينظر مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨.\n(٣) كافي، منهج الإمام البخاري، ٢٥٩. حيث قال مؤلف الكتاب: \"لم أجد لها تعريفًا، وقد اجتهدت في تعريفها حسب ممارستي لكتب الحديث وعلله\"، ثم أشار إلى بعض أسباب مخالفة الرواة لبعضهم في الرواية، فقال: \"وسبب هذا التغاير في بعض الأحيان، كثرة طرق هذا الحديث واتساع الشيخ في الرواية، وأحيانًا يكون سببه الوهم والغلط.\nوتكثر المخالفة وتقل حسب كثرة تلاميذ الشيخ وقلتهم، فكلما كثر أصحابه وتلاميذه كثر الاختلاف في حديثه، وكلما قلّ أصحابه وتلاميذه قلّ الاختلاف في حديثه، وهذا راجع إلى اختلاف مراتبهم في الضبط والإتقان وطول الملازمة للشيخ أو قلتها\". المرجع السابق.","vol":"1","page":352},{"text":"والمخالفة تعتبر مُخِلّة برواية الراوي، حيث تُعدُّ - والتفرد كذلك- مما يُستعان به على إدراك علل الحديث.\nوإن كانت المخالفة تدخل ضمن التفرّد إلا أنها نوع خاص منه، وقد مثّل ابن الصلاح للفرد المخالف بقوله:\n\"مثال الأول - وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات -: رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين (١) عن عُمر بن عثمان (٢) عن أسامة بن زيد (٣)، عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (٤) فخالف مالك غيره من\nالثقات في قوله عُمر ابن عثمان - بضم العين-. وذكر مسلم صاحب الصحيح في كتاب (التمييز) (٥)، أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال فيه: عَمْرو بن عثمان، يعني: بفتح العين، وذكر أن مالكًا كان يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه عَلِم أنهم يخالفونه. وعَمْرو\n_________\n(١) علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب القرشي الهاشمي، زين العابدين، قال الذهبي: قال الزهري: \"ما رأيت قريشا أفضل منه\"، وقال ابن حجر: ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور\" مات سنة ٩٣، وقيل: ٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٧ (٣٩٠٠)، ابن حجر، التقريب، ٤٠٠ (٤٧١٥).\n(٢) قال ابن حجر في التقريب: \"عمر بن عثمان بن عفان في حديث أسامة صوابه عمرو تفرد مالك بقوله عمر\" وعمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي، أبو عثمان، ثقة. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٣ (٤١٩٦)، ابن حجر، التهذيب، ٧/ ٤٨١، ابن حجر، التقريب، ٤١٥، ٤٢٤ (٥٠٧٧).\n(٣) أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبى، أبو محمد ويقال أبو زيد، صحابي جليل، الحِبُّ وابن الحِبِّ، ولد في الإسلام، ومات سنة: ٥٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٤٦ (١٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ١/ ١٩٤ (٨٤)، ابن حجر، الإصابة، ١/ ١٠٢ (٨٩).\n(٤) أخرجه مالك في الموطأ من حديث أسامة بن زيد كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الملل (٢/ ٥١٩) ح (١٠). مقتصرًا على الشق الأول منه «لا يرث المسلم الكافر»، والحديث كاملًا متفقٌ عليه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ٨/ ١٥٦ ح (٦٧٦٤)، ومسلم في صحيحه كتاب الفرائض، ٣/ ١٢٣٣ ح (١٦١٤).\n(٥) لم أجد هذا النص في الجزء المطبوع من كتاب التمييز، ولعله في الجزء المفقود منه، والله أعلم. ينظر: ابن عبدالبر، التمهيد، ٩/ ١٦٠ - ١٦١.","vol":"1","page":353},{"text":"وعُمر جميعا: ولدا عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن عَمرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيرُه على مالك بالوهم فيه، والله أعلم\". (١)\nوقد تُعقِّب في هذا المثال، فمن وافقه في كون المنكر والشاذ بمعنى واحد، تعقّبه بأنه \"لا يلزم من تفرد مالك بقوله في الإسناد عمر أن يكون المتن منكرًا، فالمتن على كل حال صحيح؛ لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة\" (٢) فالحديث ليس بمنكر، ولم يُطلق عليه أحد اسم النكارة ... والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا، أو شاذا لمخالفة الثقات لمالك في ذلك (٣).\nوأما ابن حجر - ومن سار على نهجه (٤) من التفريق بين الشاذ والمنكر، وترجيح إطلاق الشذوذ على مخالفة الثقة لغيره من الثقات، وإطلاق النكارة على مخالفة الضعيف- فقد استدرك على ابن الصلاح تمثيله للمنكر بمخالفة الإمام مالك لغيره، فقال:\n\"وإذا تقرر كون هذا - أيضا - لا يصلح مثالا للمنكر فلنذكر مثالا للمنكر غيره. وقد ذكر الحافظ العلائي في هذا المقام حديث هشام بن سعد (٥) عن\nالزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - أفطر في رمضان\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.\n(٢) العراقي، التقييد، ١٠٦.\n(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٥٤ بتصرف يسير.\n(٤) ينظر: البقاعي، النكت الوفية، ١/ ٤٧٠، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٥، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٤٤.\n(٥) هشام بن سعد المدني، أبو عباد، ويقال: أبو سعيد القرشي، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: لم يكن بالحافظ، قال الذهبي: حسن الحديث. وقال ابن حجر: صدوق له أوهام، ورُمِي بالتشيع. مات سنة: ١٦٠ هـ وقيل: قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٣٦ (٥٩٦٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٧٢ (٧٢٩٤).","vol":"1","page":354},{"text":"\" (١) فذكر حديث المواقع أهله في رمضان، وذكر فيه الكفارة وقوله: \"على أفقر مني\" وزاد في آخر المتن \"وصم يوما مكانه واستغفر الله\".\nقال العلائي: \"تفرد به هكذا هشام بن سعد - وهو متكلم فيه سيِّئ الحفظ، وخالف فيه عامة أصحاب الزهري الكبار الحفاظ فمن دونهم، فإنه عندهم عنه عن حميد ابن عبدالرحمن، عن أبي هريرة لا عن أبي سلمة وليست عندهم هذه الزيادة\".\nقلت: وذكر أبو عوانة (٢) في صحيحه (٣) حديث هشام بن سعد هذا وقال: غلط هشام ابن سعد، وأورده ابن عدي (٤) في مناكير هشام بن سعد ... \" (٥)\n\nويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر - ﵀- من تضييق معنى المنكر، وحصره في مخالفة الضعيف لمن هو أولى منه (٦) - وذلك فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في\n_________\n(١) أصل حديث أبي هريرة من طريق حميد بن عبدالرحمن مخرّج في الصحيحين، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء، ٣/ ٣٢ ح (١٩٣٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، ٢/ ٧٨٢ ح (١١١١).\n(٢) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد أبو عوانة، الحافظ النّيسابوري ثمّ الإسفرايينّي صاحب (المسند الصحيح المخرج على كتاب مسلم) مات سنة: ٣١٦ هـ. ينظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق، ٧٤/ ١٤٥ (١٠١٢١)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٧/ ٣١٥.\n(٣) أبو عوانة، المسند، ٢/ ٢٠٤ (٢٨٥٧).\n(٤) ابن عدي، الضعفاء، ٨/ ٤١١ (٢٠٢٥).\n(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٨ - ٦٧٩.\n(٦) قال الدكتور نور الدين عتر: \"اختلفت عبارات علماء المصطلح في تعريف المنكر عتر، منهج النقد، ٤٣٠.\nوقال الدكتور أبو سمحة: \"إطلاق المنكر على المخالفة من الضعيف. وهذا ما استقر عليه رأي ابن حجر العسقلاني، واعتمده في (النزهة) ... ونجد هنا: أن ابن حجر تفرّد بالسبق إلى هذا التقييد؛ بجعله صورة المنكر مقتصرةً على هذه الصورة دون غيرها مما عُرف من صوره السابقة ... \" أبو سمحة، المنكر، ٥٧ باختصار، ينظر كذلك: حمام، التفرد، ٤٣٨.","vol":"1","page":355},{"text":"كتابه النخبة وشرحه النزهة حيث قال- بعد أن عرّف الشاذ بمخالفة المقبول (ثقةً كان أو صدوقًا) لمن هو أولى منه-: \"وإن وقعت المخالفة مع الضعف؛ فالراجح يقال له: (المعروف)، ومقابله يقال له:) المنكر) \" (١)، وذكر أنه المعتمد على رأي الأكثرين وذلك في تنكيته على كتاب ابن الصلاح. (٢)\nومثّل له في النزهة بمثال خالف فيه الضعيف غيره من الثقات فقال:\n\"ومثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبَيِّب بن حُبَيِّب (٣) -وهو أخو حمزة ابن\nحُبَيِّب الزيات المقرئ (٤) - عن أبي إسحاق (٥) عن العَيْزار بن حُرَيث (٦) عن ابن عباس ﵄ عن النبي\n- ﷺ - قال: «من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف، دخل الجنة» (٧).\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٨٦.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥.\n(٣) حُبيّب بن حبيب، أخو حمزة الزيات، قال الذهبي: وهاه أبو زرعة، وتركه ابن المبارك. وقال ابن معين: لا أعرفه، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث عن الثقات لا يرويها غيره. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٤٥٧ (١٧٢٢)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ١٧٤، ٧٨٢.\n(٤) حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات القارئ، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم، قال الذهبي: وثقه ابن معين، قال ابن حجر: صدوق زاهد ربما وهم، مات سنة: ١٥٦ وقيل: ١٥٨ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٣٥١ (١٢٣٣)، ابن حجر، التقريب، ١٧٩ (١٥١٨).\n(٥) عمرو بن عبدالله بن عبيد، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، قال الذهبي: أحد الأعلام، وهو كالزهري في الكثرة، قال ابن حجر: ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، مات سنة ١٢٧ وقيل: ١٢٩ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٨٢ (٤١٨٥)، ابن حجر، التقريب، ٤٢٣ (٥٠٦٥).\n(٦) العيزار بن حريث العبدى الكوفي، قال الذهبي: وثقوه، وقال ابن حجر: ثقة، مات سنة ١١٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٠٨ (٤٣٦٣)، ابن حجر، التقريب، ٤٣٨ (٥٢٨٣).\n(٧) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ١٢/ ١٣٦ ح (١٢٦٩٢)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء، ٣/ ٣٣٠ (٥٣٢) في ترجمة حبيب بن أبي حبيب وقال -بعد أن أخرجه مع حديث آخر له-: \"وهذان الحديثان الذي ذكرتهما لا يرويهما، عن أبي إسحاق غيره وهما أنكر ما رأيت له من الرواية\".","vol":"1","page":356},{"text":"قال أبو حاتم (١): هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفا وهو المعروف\". (٢)\n\nوممن قال بالمخالفة في معنى الحديث المنكر:\nالإمام مسلم حيث أشار إلى أن من علامة المنكر في حديث الراوي كثرت مخالفته للثقات، أو تفرده بما لا يوافقونه عليه، فقال - ﵀-: \"وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرِضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها\" (٣).\nذكر ذلك في مقدمة صحيحه في سياق بيانه لصفات الرواة الذين تجنّب إخراج أحاديثهم في صحيحه ممن اُتهِم بوضع الحديث، ثم أتبعهم بذكر من غلب على حديثه المنكر والغلط، فقال: \"وكذلك، من الغالب على حديثه المنكر، أو الغلط أمسكنا أيضا عن حديثهم\"، ومثّل لهم بقوله: \"فمن هذا الضرب من المحدثين:\nعبدالله بن محرر\" (٤)، ويحيى ابن أبي أنيسة (٥)، والجراح بن المنهال أبو العطوف (٦)، وعباد بن كثير (٧)، وحسين ابن عبدالله بن ضميرة (٨)،\n_________\n(١) ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٣٥٩ ح (٢٠٤٣)، والقول لأبي زرعة كما جاء في كتاب العلل.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٨٦\n(٣) مسلم، صحيح مسلم، ١/ ٧. \"المنكر عند الإمام مسلم - ﵀-: راجع إلى المخالفة، وللمخالفة مراتب، ويُحكم على الراوي بقدر مخالفته.\" السليماني، الجواهر، ٣٦٤.\n(٤) عبد الله بن محرر العامري الجزري، قاضي الجزيرة، قال الذهبي: قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حجر: متروك. مات في خلافة أبي جعفر. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٩٢ (٢٩٤٤)، ابن حجر، التقريب، ٣٢٠ (٣٥٧٣).\n(٥) يحيى بن أبى أنيسة، أبو زيد الجزري، قال الذهبي: تالف، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٤٦ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣١٦ (٦١٣٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٨٨ (٧٥٠٨).\n(٦) الجراح بن منهال، أبو العطوف الجزري. قال أحمد: كان صاحب غفلة، وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك. مات سنة ١٦٧، وقيل: ١٦٨ هـ. ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ٣٩٠ (١٤٥٣)، ابن حجر، اللسان، ٢/ ٩٩ (٤٠٤).\n(٧) عباد بن كثير الثقفي البصري العابد، قال الذهبي: قال البخاري: تركوه، وقال ابن حجر: متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب. مات سنة: ١٤٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٣١ (٢٥٧٢)، ابن حجر، التقريب، ٢٩٠ (٣١٣٩).\n(٨) الحسين بن عبد الله بن ضميرة الحميرى المدني. قال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ترك الناس حديث الحسين بن ضميرة، وهو عندي متروك الحديث كذاب. سُئل أبو زرعة عن الحسين بن عبد الله بن ضميرة فقال: ليس بشئ ضعيف الحديث، اضرب على حديثه. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ١/ ٢٤٦ (٢٩٤)، ابن أبي حاتم، الجرح، ٣/ ٥٨، ابن عدي، الضعفاء، ٣/ ٢٢٥ (٤٨٨).","vol":"1","page":357},{"text":"وعمر بن صهبان (١)، ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث\" (٢). وجميع من ذكر من الرواة الضعفاء والمتروكين.\nقال ابن حجر - مُعقِّبا على كلام مسلم -: \"فالرواة الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار - والله أعلم -\" (٣).\nويؤيد ما ذهب إليه ابن حجر من إطلاق وصف الترك على هؤلاء الرواة قول الذهبي: \"وإن إكثار الراوي من الأحاديث التي لا يوافق عليها لفظا أو إسنادا يصيره متروك الحديث.\" (٤)\n_________\n(١) عمر بن صهبان الأسلمي، أبو جعفر المدني، قال الذهبي: قال الدارقطني: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف، مات سنة ١٥٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٣ (٤٠٧٥)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٣).\n(٢) مسلم، المرجع السابق، ثم قال: \"فلسنا نعرج على حديثهم، ولا نتشاغل به، لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته\".\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٧٥. قال الدكتور أبو سمحة: \"فإن أراد ابن حجر قصر المنكر عند مسلم على هذه الصورة، فواقع المنكر عنده يخالف ذلك، وإن أراد بيان صورة من صوره، فالأمر كما قال.\" فهو يرى أن دلالة المنكر عند الإمام مسلم أوسع من قصرها على مخالفة الضعيف فقط، فقال: \"فالإمام مسلم يُعدّ ممن وسّع دلالة المنكر لتشمل المخالفة والتفرد ممن لا يُحتمل منه ذلك، وهذا بصريح قوله في مقدمته ... \" ثم قال: \"أن ما ذكره في (التمييز) من أخبار منتقدة هي مناكير عنده. وفيها من المخالفات والأفراد المردودة ما يشمل الثقات والضعفاء الذين لا يتحمل منهم ذلك على حد سواء، بما يكشف لنا دلالة المنكر عنده.\" ينظر: أبو سمحة، المنكر، ٤٢ - ٤٤ باختصار.\n(٤) الذهبي، الميزان، ٣/ ١٤١. وقال أيضًا: الكثير الخطأ مع القلة - أي: قلة روايته- هو المتروك. ينظر: الذهبي، السير، ٩/ ٤٢٩.","vol":"1","page":358},{"text":"ويُمثّل لمخالفة الضعيف غيره من الثقات: ما ذكره مسلم في كتابه التمييز، حيث أخرج خبرًا في إسناده عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم (١)، ووصف هذا الخبر بكونه غير محفوظ الإسناد عن أبي هريرة، (٢) ثم قال: \"وإن من أسند ذلك عنه عن النبي - ﷺ - واهي الرواية، أخطأ فيه إما سهوًا أو تعمدًا.\nفبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميز صحيحها من سقيمها، وتتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ. ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن\nعبدالله بن أبي خثعم وأشباهم من نقلة الأخبار، لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ\" (٣)، فسمّى مخالفة الضعيف للثقات منكرًا.\nقال الزركشي: \"ومن تأمل كلام الأقدمين من أهل الحديث وجدهم إنما يطلقون النكارة على الحديث الذي يخالف رواية الحفاظ المتقنين\" (٤) ثم استشهد بكلام مسلم في مقدمة صحيحه في علامة الحديث المنكر.\n_________\n(١) عمر بن عبدالله بن أبي خثعم اليمامي، قال الذهبي: قال البخاري: ذاهب الحديث، قال ابن حجر: ضعيف. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٦٤ (٤٠٧٨)، ابن حجر، التقريب، ٤١٤ (٤٩٢٨).\n(٢) حيث قال مسلم ﵀: \"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن حباب ثنا عمر بن عبدالله ابن أبي خثعم حدثني يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله ما الطهور بالخفين؟ قال: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن». مسلم، التمييز، ٢٠٨ - ٢٠٩، ح (٨٨).\n(٣) مسلم، التمييز، ٢٠٩.\n(٤) الزركشي، النكت، ٢/ ١٥٦. وقال أيضًا: \"كتاب الحافظ أبي أحمد بن عدي أصل نافع في معرفة المنكرات من الأحاديث\" يقصد به الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي.\nقال الكتاني: \"وكتابه هذا هو المعروف: بالكامل ذكر فيه كل من تكلم فيه ولو كان من رجال الصحيحين وذكر في ترجمة كل واحد حديثا فأكثر من غرائبه ومناكيره\". الكتاني، المستطرفة، ١٤٥.","vol":"1","page":359},{"text":"ويتلخّص من عبارة الإمام مسلم﵀- أنه يتجنب ذكر المناكير في صحيحه، ويترك الرواية عمن عُرف بروايتها واشتهر بها، وأن الحديث المنكر ضعيف مردود، ويُستدل عليه بمخالفة الثقات، أو بتفرّد من لا يُحتمل منه هذا التفرّد. (١)\nوأشار البقاعي إلى أن هذا التفرّد ينقدح في النفس أن له علة قد لا يُقدر على التعبير عنها، فقال ناقلًا لما ذكره الإمام مسلم - بتصرّف-: \"إن المنكر أن يعمد الرجل إلى مثل الزهري في كثرة الأصحاب، فينفرد من بينهم عنه برواية حرف لا يوجد عند أحد منهم، فمثل هذا يقوم في النفس فيه ريبة لمجرد التفرد، وقد لا يقدر على التعبير عنها\" (٢). فقد أوضح البقاعي نوع التفردات التي يستنكرها الإمام مسلم، ويُفهم من ذلك - ومما جاء عن مسلم في مقدمة صحيحه- أنه يجمع في إطلاق وصف النكارة بين رواية الضعيف المُخالف للثقات، والمتفرّد تفردًا لا يُحتمل.\nنخلص مما سبق:\nلقد سبق الإمام مسلم ابن الصلاح في الجمع بين قيدي المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في أن التفرّد غير المحتمل من الراوي يُعدُّ منكرًا، بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات، وأطلق ابن الصلاح المخالفة من الراوي (ثقة كان أو غير ثقة) لمن هو أولى منه.\nومن أبرز التعريفات التي جمعت بين المخالفة والتفرّد ضمن قيود المنكر: تعريف ابن حجر الذي نقله عنه بعض تلامذته كالبقاعي والأنصاري، وأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، بينما عدّ مجرد التفرّد من الشديد الضعف منكرًا.\n_________\n(١) ينظر: السلمي، المنكر، ١/ ٤١، حمام، التفرّد، ٤٢٢. بتصرف.\n(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٤٦٧. نقل كلامه بتصّرف، وهو يدل على ما فهمه من قيام ريبة في حديث المتفرد دعت إلى استنكار حديثه، وليس فقط مجرد التفرّد.","vol":"1","page":360},{"text":"ويُلاحظ من تأمل تعريفات المنكر أن أيًّا منها لم يقتصر على معنى المخالفة دون التفرد إلا ما اُشتهِر عن ابن حجر﵀- فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريفات</span>.\n- المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وهو عنده على قسمين مُحصِّلَتهما:\nأ) استنكار حديث المُخالِف - سواء كان ثقة أو غير ثقة- لمن هو أولى منه.\nب) واستنكار رواية الفرد الذي ليس لديه من الثقة والإتقان ما يُحتمل معه هذا التفرد سواء خالف أو لم يخالف غيره من الثقات.\n- وسبقه الإمام مسلم - ﵀- في الجمع بين المخالفة والتفرد في بيانه لعلامة الأحاديث المنكرة، فاتفقا في التفرّد غير المحتمل بينما خصّ مسلم المخالفة برواية الضعيف المُخالِف لغيره من الثقات.\n- وقريبًا مما ذهب إليه الإمام مسلم صاغ ابن حجر تعريفه للمنكر جامعًا بين قيديّ التفرد والمخالفة - وذلك فيما نقله عنه تلميذيه البقاعي والأنصاري- فأطلق النكارة على مخالفة الضعيف القابل للانجبار، واستنكر مجرد التفرّد من الشديد الضعف.\nوقد اُشتهر عنه ﵀ اقتصاره على معنى المخالفة دون التفرد فيما انتخبه من معاني المصطلحات الحديثية في كتابه النخبة وشرحه النزهة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، ومجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:","vol":"1","page":361},{"text":"- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن، حيث قال: \"وربما سماه بعضهم منكرا\".\n- تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه، وعبّر بقوله: \"فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث\".\n- مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط، حيث قال: \"وإن خولف في ذلك، فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين\".\n- تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق، وهذا ما أشار إليه بأنه: \"المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة\".\n- رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة، حيث قال: \"فعلى هذا رواية المتروك عند مسلم تسمى منكرة. وهذا هو المختار، والله أعلم\".\nواُشتهر عنه كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وابن حجر ليس أول من فرّق بين الشاذ والمنكر، بل سبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن، ولعل لهما سلف في ذلك، مثل قول ابن معين: \"إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا\" (١).\n- أما غالب تعريفات المنكر فقد دارت حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل (٢)، وأضاف الذهبي - ﵀- تفردات الصدوق وألمح إلى قلة نسبتها إلى ما سبق.\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.\n(٢) عرّف الدكتور عبدالكريم الخضير الحديث المنكر بقوله: \"هو الحديث الذي في سنده راو فحش غلطه، أو كثرت غفلته، أو ظهر فسقه، وانفرد به بحيث لا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، وإن لم يخالف غيره من الثقات\" الخضير، الضعيف، ١٨٧ - ١٨٨.\n\"خلاصة القول: من خلال الاستقراء لمنهج الأئمة المتقدمين يظهر بجلاء أن الأحاديث المنكرة هي الأحاديث التي يخطئ فيها الراوي؛ في إسنادها أو متنها، سواء أكان هذا الراوي ثقة أم صدوقًا، أم ضعيفًا، أم متروكًا؛ وأنّ النكارة تطلق على تفرد الضعيف، أو على ما يرويه المتروك مطلقًا.\" المحمدي، الشاذ، ٨٠ - ٨١.ينظر: مبحث تفسير مصطلح (المنكر) في كلام المتقدمين. الجديع، التحرير، ١٠٣٥ - ١٠٣٨.","vol":"1","page":362},{"text":"- ويدخل ضمن المنكر كذلك تفردات الثقات الناشئة من الخطأ أو الوهم أو غلبة الظن بذلك كما يُفهم من تعريف البرديجي - ﵀- وأمثلته.\n- وفي الإحصائية التي أجراها الدكتور عبدالجواد حمام حول ما جمعه من الأحاديث الموصوفة بالنكارة وجد أن ثلثي هذه الأحاديث تفردات للضعفاء أو مخالفتهم، والثلث في تفرد الثقة أو الصدوق أو مخالفتهم (١).\nوبشأن التفريق بين الشاذ والمنكر:\nفلعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر (٢) تعريفات الشاذ - كما سبق في الفصل الخاص بالحديث الشاذ-: عن مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر يدور غالبها حول تفرّد الضعيف ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد.\nفالناس في المنكر فريقان:\nفريق يقول إنه هو والشاذ سيان، ...، وفريق يقول إن المنكر أسوأ حالا من الشاذ. (٣)\n_________\n(١) \"مجموع كل المواضع التي درستها وعددها اثنان وسبعون حديثًا، نجد أن ثمانية وأربعين راويًا منهم ضعفاء، وأربعة وعشرون منهم ما بين ثقة وصدوق، أي مقبول، وهذه نسبة تساوي الثلث تقريبًا. إذًا فماهية المنكر عند الحفاظ ليست محض التفرد، ولا محض المخالفة، ولا مجرد رواية الضعيف، بل المنكر عندهم فيما ظهر لي: (الفرد الذي ترجّح فيه خطأ راويه).\nوكثيرًا ما تكون أمارة الخطأ المخالفة، أو ضعف الراوي لكن ليست هي العلة المؤثرة، إنما ما ثبت عند الحفاظ أنه خطأ في الرواية المتفرّدة يسمونه منكرًا؛ خالف أو لم يخالف، ثقة كان المتفرد أو ضعيفًا.\" حمام، التفرد، ٥٠٠.\n(٢) \"الشاذ عند أهل الحديث ثلاثة أنواع:\n١ - مخالفة الثقة لأرجح منه.\n٢ - تفرّد الراوي الثقة.\n٣ - تفرّد الشيخ سواء كان ثقة أو ضعيفًا، والشيخ في اصطلاحهم من دون الأئمة الحفاظ؛ وهو يشمل الثقة والضعيف ....\nوالمنكر ثلاثة أنواع:\n١ - ما انفرد به ظاهر الفسق، أو المستور، أو سيِّئ الحفظ، أو المضعّف في بعض مشايخه.\n٢ - ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة أو الصدوق.\n٣ - ما تفرد به الثقة وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولم يُقم على ذلك دليلًا\". أحمد أشرف عمر لبي، الحديث الشاذ تسهيل وتأصيل، ١٦٦ - ١٦٧.\n(٣) ينظر، الجزائري، التوجيه، ١/ ٢١٣ باختصار.","vol":"1","page":363},{"text":"\"قال الحسين بن حبان (١): قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحاب الحديث، إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي فقد رجعت عنها؟ فقال: \" لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد فلا\" (٢)،\nولعل سبب اشتباه الحديث الشاذ كونه من رواية الثقات، والخطأ في روايات الثقات أشد غموضًا ولا يميّزه في الغالب إلا النقّاد (٣)، أما كون المنكر لا يشتبه لأحد فهذا دليل وضوحه وعدم اشتباهه لكونه في الغالب متعلّقا برواية الضعفاء والمتهمين والمتروكين، والله أعلم.\nولأن التفرّد كان قيدًا بارزًا في تعريف كل من مصطلح الشاذ والمنكر؛ رأيت من المناسب أن أُلحِق فصل الأفراد بهما.\n_________\n(١) الحسين بن حبان بن عمار بن الحكم، أبو علي صاحب يحيى بن معين كان من أهل الفضل، والتقدم في العلم، وله عن ابن معين كتاب (سؤالات) غزير الفائدة مات سنة ٢٣٢ هـ قبل ابن معين بسنة. ينظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٨/ ٥٦٤ (٤٠٤٠)، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٥/ ٨١٢.\n(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٨.\n(٣) \"من الملاحظ: أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الفصل السادس: الأفراد</span>\nالمبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث الأول: تعريف الأفراد لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المطلب الأول: تعريف الأفراد لغة:</span>\nالأفراد جمع فرد، وهو أصل يدل على الوحدة، من ذلك الفرد وهو الوتر، أو الذي لا نظير له. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الثاني: تعريف الأفراد اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nقال ابن الصلاح - تحت النوع السابع عشر (معرفة الأفراد) -: \"وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، لكن أفردته بترجمة كما أفرده (الحاكم أبو عبدالله)، ولما بقي منه\" (٢)، فالأفراد متعلّق بأنواع عدة من علوم الحديث (٣)، والحاكم هو أقدم من أفرده بالذكر مستقلًا عن الأنواع الأخرى من أنواع علوم الحديث، والله أعلم.\n\nتعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nذكر الحاكم تحت النوع الخامس والعشرين: \"معرفة الأفراد من الأحاديث، وهو على ثلاثة أنواع: فالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله - ﷺ - يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي (٤)، ... والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من\n_________\n(١) ينظر مادة (ف رد): الفراهيدي، العين، ٨/ ٢٤، ابن فارس، المقاييس، ٤/ ٥٠٠، ابن سيده، المحكم، ٩/ ٣٠٦، الرازي، مختار الصحاح، ٢٣٦.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.\n(٣) خاصة: نوعي الشاذ، والمنكر- وقد سبق تفصيلهما في الفصل الرابع والخامس من هذا البحث، - وكذلك تعلّقه بنوع زيادة الثقة، والمعلل وسيأتي بيانهما في الفصول اللاحقة بإذن الله.\n(٤) مثّل لهذا النوع بسبعة أمثلة. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٦ - ٩٩.","vol":"1","page":366},{"text":"الأئمة، (١) ... فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه (٢) \" (٣)\nتعريف أبي يعلى الخليلي (ت ٤٤٦ هـ):\nذكر الخليلي أنواع الحديث الفرد (٤)، فقال: وأما الأفراد: فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة، أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه (٥) ...،\n- ومن الأفراد الذي يتفرد به ضعيف، وضعه على الأئمة، والحفاظ (٦) ...،\n- وما تفرد به غير حافظ يضعف من أجله، وإن لم يتهم بالكذب (٧) ...،\n- ونوع آخر من الأفراد لا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويتفرد به شيخ لا يعرف ضعفه، ولا توثيقه ...، وهذا فرد شاذ (٨).\n_________\n(١) مثّل له بثلاثة أمثلة ثم قال الحاكم: \"هذا النوع من الأفراد يكثر، ولا يمكن ذكره لكثرته، وهو عند أهل الصناعة متعارف\" المرجع السابق، ١٠٠.\n(٢) مثّل له بسبعة أمثلة. ينظر: المرجع السابق، ١٠٠ - ١٠٢.\n(٣) ينظر: المرجع السابق، ٩٦ - ١٠٢ باختصار.\n(٤) ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٦٧ - ١٧٣ باختصار.\n(٥) مثّل له بمثال انفرد مالك بإسناده عن ابن شهاب، والحديث مخرّج في الصحيحين، ثم قال: \" فهذا وأشباهه من الأسانيد متفق عليها\". ينظر: الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٨ - ١٦٩.\n(٦) مثّل له بمثال لحديث استنكر تفرّد راويه الضعيف فقال: \"وهذا منكر بهذا الإسناد، ما له أصل من حديث ابن شهاب، ولا من حديث مالك، والحمل فيه على ابن غزوان\". ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٦٩.\n(٧) مثّل له بمثال عقّب عليه بقوله: \"لم يروه عن مالك، إلا محمد بن الحسن بن زبالة، وليس بالقوي، لكن أئمة الحديث قد رووا عنه هذا، وقالوا: هذا من كلام مالك بن أنس نفسه، فعساه قرئ على مالك حديث آخر عن هشام بن عروة، فظن هذا أن ذلك من كلام النبي - ﷺ -، فحمله على ذلك. ومثل هذا قد يقع لمن لا معرفة له بهذا الشأن، ولا إتقان\" ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٠.\n(٨) هذا النوع من الأفراد وصفه الخليلي بالشذوذ، وعقّب عليه بقوله: \"وهذا فرد شاذ، لم يروه عن هشام غير أبي زكير، وهو شيخ صالح، ولا يحكم بصحته، ولا بضعفه، ويستدل بهذا على نظائره من هذا النوع\". ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧٢ - ١٧٣.","vol":"1","page":367},{"text":"تعريف ابن طاهر المقدسي (ت ٥٠٧ هـ):\nقال ابن طاهر المقدسي: \"اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع:\nالنوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورًا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة (١) والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في الكتابين.\nوالنوع الثاني من الأفراد: أحاديثُ يرويها جماعة من التابعين عن الصحابي، ويرويها عن كل واحد منهم جماعة، فينفرد عن بعض رواتها بالرواية عنه رجل واحد، لم يرو ذلك الحديث عن ذلك الرجل غيره من طريق يصح، وإن كان قد رواه عن الطبقة المتقدمة عن (شيخ (شيخه (جماعة «٢)،\nإلا أنه من رواية هذا المنفرد عن شيخه لم يروه عنه (غيره (. (٣)\nوالنوع الثالث: أحاديث يتفرد بزيادة ألفاظ فيها واحد عن شيخه، لم يرو تلك الزيادة غيره عن ذلك الشيخ، فينسب إليه التفرد بها، وينظر في حاله.\nوالنوع الرابع: متونٌ اشتهرت عن جماعة من الصحابة أو عن واحد منهم، فيُروَى ذلك المتن عن غيره من الصحابة ممن لا يُعرف به إلا من طريق هذا الواحد، ولم يتابعه عليه غيره.\nوالنوع الخامس من التفرد: أسانيد ومتون ينفرد بها أهل بلد لا توجد إلا من روايتهم، وسننٌ يتفرد بالعمل بها أهل مِصْرٍ لا يُعْمَل بها في غير مصرهم ... \" (٤)\n_________\n(١) سبق بيان المراد بشهرة الراوي، والتفصيل في أنواعها في مبحثين سابقين، الأول مبحث في بيان الشهرة بالطلب في فصل الحديث الصحيح، والثاني في بيان الشهرة بالصدق في فصل الحديث الحسن.\n(٢) كلمتا (شيخ، وجماعة) غير موجودتين في النسخ المطبوعة للأطراف، وإنما تمت إضافتها من نسخة النفح الشذي إذ بهما يكون المعنى أكثر وضوحًا. ينظر: ابن سيّد الناس، النفح الشذي، ١/ ٣٠٧.\n(٣) هناك اختلاف يسير في الصياغة بين الطبعات، وقد اعتمدت تحقيق جابر السريِّع.\n(٤) المقدسي، أطراف الغرائب والأفراد، ١/ ٥٣.\nأردف النوع الخامس بقوله: \"وليس هذا النوع مما أراده الدارقطني، ولا ذكره في هذا الكتاب إلا أنا ذكرناه في بابه. ولكل نوع من هذه الأنواع شواهد وأدلة لم نذكرها للاختصار والمتبحر يعلم ذلك في أثناء هذا الكتاب\". وذلك في الطبعة الأخرى التي هي بتحقيق: جابر بن عبدالله السريَّع ١/ ٢٩ - ٣٠.\nوقد شرح هذه الأنواع ومثّل لها ابن سيد الناس في شرحه لجامع الترمذي، ينظر ابن سيد الناس، النفح الشذي، ١/ ٣٠٧ - ٣١٢.\nوحكم الحديث الفرد عند ابن سيّد الناس: -إذا لم يخالف فيه الراوي غيره- يأتي على ثلاثة أحوال ترجع إلى مرتبة الراوي في الحفظ والثقة، وهي:\nصحيح إذا كان المتفرد بالرواية من الحفاظ، وحسن إذا كان المتفرد من الثقات، ومردود إذا كان الراوي مستورًا. ينظر: المرجع السابق، ١/ ٢٥٢.","vol":"1","page":368},{"text":"تعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):\nقال الميانشي: \"وأما المُفرَد (١)، فهو: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ\" (٢).\nتعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):\nقال ابن الأثير: \"ومن الغرائب: الأفراد، (٣) وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي - ﷺ -، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور\" (٤).\n_________\n(١) قال المحقق: \"كذا في المطبوع والمخطوط، والجادة: الفرد. ينظر: هوامش الكتاب صـ ٣٩.\n(٢) الميانشي، ما لا يسع المحدث جهله، ٢٩. ثم أردفه بقوله: \"وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه. وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية\".\n(٣) على الرغم أن ابن الأثير نقل كثيراّ مما ذكره في أصول الحديث عن الحاكم، ونقل عنه أنواع الغريب إلا أنه دمج معها نوع الأفراد، فجعل الأفراد ضمن أنواع الغريب ولم يفردها بنوع مستقل كما فعل الحاكم، واقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد.\nولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من الأفراد كما ذكر ابن الصلاح بقوله: \"وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٧٠.\n(٤) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.\nثم مثّل لذلك بقوله: \"مثل ما حدث حماد بن سلمة عن أبي العُشَرَاء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما تكون الذكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ فقال: «لو طعنت في فخذها أجزأ عنك»\nوالحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الضحايا، باب ما جاء في ذبيحة المتردية ٣/ ١٠٣ ح (٢٨٢٥)، والترمذي في سننه كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق ٣/ ١٢٧ ح (١٤٨١).","vol":"1","page":369},{"text":"تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nقال ابن الصلاح: \"الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.\nأما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد ...\nوأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة، وحكمه قريب من حكم القسم الأول. ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أول أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو: لم يروه عن فلان غير فلان - وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.\nولسنا نطول بأمثلة ذلك؛ فإنه مفهوم دونها. وليس في شيء من هذا ما يقتضي الحكم بضعف الحديث، إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يروه إلا واحد من أهل مكة أو واحد من البصريين ونحوه، ويضيفه إليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيلة إليها مجازا\" (١).\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨ - ٨٩.","vol":"1","page":370},{"text":"تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nغالب من جاء بعد ابن الصلاح لخّص كلامه في الأفراد وبيان أقسامها، كالنووي (١) (ت ٦٧٦ هـ)، وابن جماعة (٢) (ت ٧٣٣ هـ)، والطيبي (٣) (ت ٧٤٣ هـ)، وابن كثير (٤) (ت ٧٧٤ هـ)، والعراقي (٥) (ت ٨٠٦ هـ).\n\nولعل من أبرز التعريفات بعد ابن الصلاح:\nتعريف ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه التذكرة حيث لم يخرج عمّا ذكره ابن الصلاح أو أشار إليه في كتابه إلا أنه أفرد كلًا من الفرد والغريب بتعريف مستقل فقال:\n\"الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.\nوالغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه (٦) \" (٧)، وكأنه يُشير بذلك إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. (٨)\n_________\n(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٣. حيث لخّص تعريف ابن الصلاح، وفي شرحه على مسلم ذكر أنواع الحديث الفرد وبيّن أن له أربعة أحوال فقال:\n\"وإذا انتفت المتابعات وتمحض فردا فله أربعة أحوال: - حال يكون مخالفا لرواية من هو أحفظ منه فهذا ضعيف، ويسمى شاذا ومنكرا - وحال يكون مخالفا ويكون هذا الراوي حافظا ضابطا متقنا فيكون صحيحا. - وحال يكون قاصرا عن هذا ولكنه قريب من درجته فيكون حديثه حسنا. - وحال يكون بعيدا عن حاله فيكون شاذا ومنكرا مردودا. فتحصل أن الفرد قسمان مقبول ومردود، والمقبول ضربان فرد لا يخالف وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه. والمردود أيضا ضربان فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في روايه من الحفظ والاتقان ما يجبر تفرده والله أعلم\". النووي، شرح مسلم، ١/ ٣٤.\n(٢) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥١.\n(٣) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٥٣.\n(٤) ينظر: ابن كثير، علوم الحديث، ٥٢.\n(٥) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٦٨ - ٢٧١، وذكر أمثلة للأفراد.\n(٦) قال البقاعي: \"قوله: (ممن يُجمَع حديثه البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٩، ينظر كذلك: الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٥.\nوقد ذكر الخطيب البغدادي عددًا ممن يُجمع حديثهم منهم:\nسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأعمش، والأوزاعي، والزهري ... إلخ.\nوقال الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث: \"ذكر النوع التاسع والأربعين من معرفة علوم الحديث، هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ، والمذاكرة، والتبرك بهم.\" الحاكم، علوم الحديث، ٢٤٠. ينظر: الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٧، السخاوي، شرح التبصرة، ٢/ ٥٧ - ٥٨،\n(٧) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.\n(٨) قال السخاوي في شرحه لتذكرة ابن الملقن: \" (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يجمع حديثه) وحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا، فكل غريب فرد ولا عكس.\" السخاوي، التوضيح الأبهر لتذكرة ابن الملقن، ٤٨. من إضافات فضيلة المناقش: أن اسم الكتاب الصحيح حسب الرجوع إلى المخطوطات هو (التوضيح الأسرّ).","vol":"1","page":371},{"text":"أما ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فقد ساوى بين الفرد والغريب، وجعلهما مترادفين، وأشار إلى أن وجه المغايرة بينهما في كثرة الاستعمال وقلته، فقال:\n\"ثم الغرابة إما أن تكون:\n١ - في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. (١)\n٢ - أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد.\nفالأول: الفرد المطلق (٢).\nوالثاني: الفرد النسبي، سُمِّي بذلك لكون التفرد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورا، ويقل إطلاق الفردية عليه، لأن الغريب والفرد\n_________\n(١) \"أصل السند: هو طرفه الذي فيه الصحابي، والصحابي حلقة من حلقات السند، أي إذا تفرد الصحابي برواية الحديث، فإن الحديث يسمى غريبا غرابة مطلقة، وأما ما فهمه الملَّا علي القاري من كلام الحافظ ابن حجر ... من أن تفرد الصحابي لا يعد غرابة، وتعليله ذلك بأنه ليس في الصحابة ما يوجب قدحا، أو أن الصحابة كلهم عدول. فما أظن أن ابن حجر أراد ذلك، والله أعلم، ... وعلى كل حال، فما قاله الملا علي القاري هو رأي لبعض أهل الحديث.\" الطحان، تيسير المصطلح، ٣٩. ينظر: القاري، شرح النخبة، ٢٣، الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٤٩٠.\n(٢) ذكر أمثلة له فقال: \"كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك.\" ابن حجر، النزهة، ٦٥.","vol":"1","page":372},{"text":"مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان.\" (١)\n\nوتراوح موقف بعض تلامذة ابن حجر بين التصريح بموافقته وترجيح مذهبه فيما ذهب إليه من ترادف الأفراد والغرائب كالسخاوي (٢)، وبين الإشارة إلى هذا المذهب دون ترجيح أو تعقيب كالبقاعي (٣)،\nوالأنصاري (٤)، وبين من جعل الغرائب قسمًا خاصًا من أقسام الأفراد التي تضمه وتضم غيره - تبعًا لابن الصلاح- كالسيوطي (٥).\n_________\n(١) ابن حجر، المرجع السابق، ٦٤ - ٦٦.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ٤/ ٣.\n(٣) البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٧.\nفالبقاعي ينقل عن شيخه ابن حجر، ولم يعقّب، ولعل عدم تعقيبه دليل موافقة لما أورده، فقد نقل عن شيخه بأن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال - بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-\" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يجمع حديثه كما قيده به ابن منده أولا ... فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، وابن منده ما وقع به الانفراد من ذلك، فإنه حد الغريب منه، مخصص له بما انفرد به الراوي عن إمام يجمع حديثه، والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا.\" ينظر: البقاعي، المرجع السابق باختصار.\n(٤) الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٨. حيث قال عند شرحه لنوع الغريب: \"وقد علم من كلام الناظم: أن الغريب عند غير ابن منده قسمان: مطلق، ونسبي، وهو على وزان الأفراد السابق بيانه في بابه، حتى قيل: إنه لا فرق بين البابين.\"\n(٥) قال السيوطي في ألفيته- تحت نوع الأفراد:\n\" الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَا .... رَاوٍ بِهِ فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَا\nرُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ .... أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ\nوَمِنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدٍ يُعْتَمَدْ .... بِثِقَةٍ أَوْ عَنْ فُلانٍ أَوْ بَلَدْ\nفَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدٍ وَرَدْ ... وَهَكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ \"\nثم ذكر الأنواع التالية: \"الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض، والمتواتر\" وقال:\nالأول المطلق فردا، ............. السيوطي، الألفية، ٢٣ - ٢٤.\nقال الشارح: \"والمعنى: أن الغريب هو الفرد المطلق الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط، .. \" الأثيوبي، شرح أَلفيَّة السُّيوطي ١/ ٢٠٨.","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nمصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع أخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، قال السخاوي في شرحه لألفية العراقي - عند ذكره لمناسبة نوع المتابعات والشواهد لما قبلها، وذلك بعد مجيئها عقب الشاذ والمنكر-: \"لما انتهى الشاذ والمنكر المجتمعان في الانفراد، أُردِفا ببيان الطريق المبين للانفراد وعدمه، ولكنه لو أُخِّر عن الأفراد والغريب الآتيين، كان أنسب\" (١).\nوقال كذلك في بداية نوع الأفراد: \"ومناسبته لما قبله واضحة، ولكن لو ضُمَّ إلى المنكر والشاذ - كما قدمنا - كان أنسب\" (٢)، ونجد أن السخاوي - في كلامه السابق عن الأفراد والغريب- صرّح إلى أن الأنسب هو ضم النوعين، وذلك حين ابتدأ ذكر مناسبة نوع الغريب لما قبله فقال: \"وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد\" (٣)، وهو بذلك يحتذي حذو شيخه ابن حجر الذي قال بترادف مصطلح الأفراد والغريب.\nوبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الأفراد أو ذكر لأنواعه، نجدها تدور في غالبها حول محورين:\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٥.\n(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٦٨.\n(٣) السخاوي، المرجع السابق، ٤/ ٣.","vol":"1","page":374},{"text":"- أحدهما: من جهة أقسام الحديث الفرد وتنوعه بين مطلق ونسبي، ومدى اتفاقهم على هذا التقسيم.\n- والثاني: من جهة علاقة مصطلح الأفراد بالغريب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المحور الأول: تقسيم الأفراد إلى نوعين مطلق، ونسبي:</span>\nفقد قسّم ابن الصلاح الأفراد إلى قسمين: فرد مطلق، وفرد نسبي.\nأما القسم الأول: وهو التفرّد المطلق: فقد قيّده بالانفراد بالرواية دون متابعة أو مشاركة، سواء كان التفرّد بأصل الحديث أو جزء منه، وسواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة (١)، ولم يقيّد موضع التفرّد من السند إنما أطلق موضع التفرّد دون تحديد، فقال: \"الأفراد منقسمة إلى ما هو فرد مطلقًا، وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة.\nأما الأول: فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد، وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا.\" (٢) ويقصد بأقسامه وأحكامه ما ذكره في الأنواع التي سبقت الفرد من الشاذ والمنكر وزيادة الثقة، ويختلف حكم الحديث الفرد فيها حسب مرتبة راويه من الثقة والضبط، واحتمال التفرّد منه أو عدم احتماله.\n- أما القسم الثاني: التفرد النسبي: وإنما سُميّ نسبيًا؛ لكون التفرد فيه ليس مطلقًا بل بالنسبة لطريق معين، أو بالنسبة لصفة في أحد الرواة أو لجهة معينة أو بالنسبة لأهل بلد معين، حيث قال: \"وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة، فمثل ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة،\nوحكمه قريب من حكم القسم الأول، ومثل ما يقال فيه: هذا حديث تفرد به أهل مكة، أو تفرد بها أهل الشام، أو أهل الكوفة، أو أهل خراسان، عن غيرهم، أو لم يروه عن فلان\n_________\n(١) سبق بيان ذلك في قيد التفرّد في فصل الحديث الشاذ والمنكر.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.","vol":"1","page":375},{"text":"غير فلان - وإن كان مرويًا من وجوه عن غير فلان، أو تفرد به البصريون عن المدنيين، أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك ... \" (١).\nوما ذكره الحاكم من أنواع الفرد تدخل ضمن هذا التقسيم، حيث قال:\n\"معرفة الأفراد من الأحاديث وهو على ثلاثة أنواع:\nفالنوع الأول منه معرفة سنن رسول الله - ﷺ - يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي، ... والنوع الثاني من الأفراد أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة، ... فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه\" (٢).\nوحين اعترض مغلطاي على تقسيم ابن الصلاح، وأراد منه كما تبع الحاكم في إفراد هذا المصطلح بالذكر أن يتبعه كذلك في تقسيم الأفراد إلى ثلاثة أنواع، فقال: \"كان ينبغي له إذ يتبع الحاكم في أفراده أن يتبعه في تقسيمه ... \" (٣)\nأجاب على اعتراضه ابن حجر فقال: \"وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:\nأحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث.\nوالثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.\nوالأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد .... وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعًا:\n_________\n(١) المرجع السابق. ينظر في تقسيم الأفراد لمطلق ونسبي غالب كتب الحديث بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو نكّت عليه، ومن ذلك: النووي، التقريب، ٤٣، ابن جماعة، المنهل، ٥١، الطيبي، الخلاصة، ٥٣، ابن كثير، علوم الحديث، ٥٢، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦٨.\n(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٩٦ - ١٠٢ باختصار.\n(٣) مغلطاي، الإصلاح، ٢/ ٢٧١ - ١٧٢.","vol":"1","page":376},{"text":"أحدهما: تفرد شخص عن شخص.\nثانيها: تفرد أهل بلد عن شخص.\nثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.\nرابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى ... \" (١)\n\nوقال الزركشي - مُلحقًا أنواع الأفراد عند الحاكم إلى ما تندرج تحته من الفرد المطلق أو النسبي-: \"وقسم الحاكم التفرد ثلاثة أقسام: الأول: تفرد أهل مدينة عن صحابي، الثاني: تفرد رجل واحد عن إمام من الأئمة، الثالث: تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى. والأول والثالث يدخلان تحت الفرد بالنسبة إلى جهة خاصة.\" (٢).\nويُلاحظ أن الزركشي أدرج القسم الأول من الأقسام التي ذكرها الحاكم - وهو: تفرد أهل مدينة عن صحابي- ضمن الفرد النسبي (٣)، حيث مثّل الحاكم لهذا النوع بأمثلة منها: حديث عائشة ﵂ أنها: \"لما توفي سعد بن أبي وقاص (٤)،\nقالت: ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه، فأنكر ذلك عليها، فقالت: والله، لقد صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء (٥) وأخيه (٦) في المسجد\" (٧).\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥ باختصار.\n(٢) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٣) ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٠٠.\n(٤) سعد بن مالك بن أُهيب بن عبد مناف القرشي الزهري، أبو إسحاق ابن أبي وقاص، من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، روى الكثير عن النبي - ﷺ -. مات سنة: ٧ أو ٨ للهجرة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٢٧٥ (٨٩١)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٢٨٦ (٣٢٠٨).\n(٥) سهيل بن البيضاء، واسم أمه البيضاء دعد بنت الجحدم، وهو أخو سهل، وصفوان ابني بيضاء، يعرفون بأمهم، وأبوهم وهب بن ربيعة بن من بني النضر بن كنانة القرشي الفهري، وكان سهيل قديم الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة، فجمع الهجرتين جميعا، ثم شهد بدرا وغيرها، ومات بالمدينة في حياة النبي - ﷺ - سنة تسع، وصلى عليه رسول الله - ﷺ - في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣١٤ (١٠٧٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٨٢ (٢٣١٦)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٥١٣ (٣٥٧٨).\n(٦) سهل بن بيضاء أخو سهيل وصفوان، أمهم البيضاء، كان ممن قام في نقض الصّحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، ومات بالمدينة وصلّى عليه النبيّ - ﷺ - وعلى أخيه سهيل في المسجد. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٠٧ (١٠٤٢)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٢/ ٥٦٩ (٢٢٨٣)، ابن حجر، الإصابة، ٤/ ٤٩٠ (٣٥٣٧).\n(٧) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٩ ح (٩٧٣).","vol":"1","page":377},{"text":"قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، ... \". (١)\n- بينما نجد ابن حجر في كتابه النكت ذكر هذا المثال كمثال للنوع الثاني من الفرد المطلق، وهو: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٢)، فقال: \"ومثال النوع الثاني: حديث عائشة - ﵂ - \"في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء - ﵁ - \" له طريقان عنها (٣) رواتها كلهم مدنيون. قال الحاكم: \"تفرد أهل المدينة بهذه السنة.\" (٤)\n- ولعل ما أشار إليه السخاوي في شرحه لألفية العراقي يوضح بعض التداخل في أمثلة الفرد النسبي مع المطلق، فقال -قاصدًا أمثلة الفرد النسبي-: \"والحاصل أن القسم الثاني\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٩٧.\n(٢) قال السخاوي: \"وصنف أبو داود (السنن) التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد; كحديث طلق في مس الذكر، قال: إنه تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي - ﷺ - على سهيل بن بيضاء، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة.\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.\n(٣) أخرج مسلم في صحيحه حديث الصلاة على سهيل بن البيضاء من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير، ومن طريق أبي سلمة بن عبدالرحمن كلاهما عن عائشة ﵂. ينظر: صحيح مسلم كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد، ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩ ح (٩٧٣).\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥.\nقال السليماني: \"قسّم الحافظ الفرد المطلق إلى قسمين، وبالنظر فيهما حصل تداخل بين بعض صوره، وبين بعض صور النسبي.\nونقل المناوي عن بعضهم أنه لا فرق بين النسبي والمطلق في أقسام النسبي، كما في (اليواقيت والدرر)، وصرّح السخاوي بأن بعض أنواع النسبي تشترك في بعض أنواع المطلق، كما في (فتح المغيث).\nوذكر بعضهم أن بعض الروايات تكون مطلقة من جهة، ونسبية من جهة، مع أنها رواية واحدة، وحصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم\" السليماني، الجواهر، ٣٢٠ - ٣٢١.","vol":"1","page":378},{"text":"أنواع، منها ما يشترك الأول معه فيه ; كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط. (١)\nوتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد ... \" (٢) ذكر هذه النتيجة بعد أن أسبقها بشرحه لعبارات الألفية فقال: \" (فإن يريدوا) أي: القائلون بقولهم هذا وما أشبهه (واحدا من أهلها) بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحدًا فقط وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد (تجوزا) كما يُضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا (فاجعله من أولها) أي: الصور المذكورة في الباب، وهو الفرد المطلق.\" (٣)\nثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله: \"إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، ... \" (٤)\n- وبالنسبة لأقسام الأفراد عند المقدسي، فالقسم الأول عنده يدخل في التفرد المطلق، وقد أشار فيه إلى التفرّد في أصل السند- ولعل ابن حجر تبعه في ذلك حين عرّف الفرد\n_________\n(١) مثال ذلك: حديث عبدالله بن زيد في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -: إن قوله: «ومسح رأسه بماء غير فضل يده» - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب في وضوء النبي - ﷺ - ١/ ٢١١ ح (٢٣٦) - فقد نقل السخاوي عن الحاكم قوله: سنة غريبة تفرد بها أهل مصر، ولم يشركهم فيها أحد.\nثم عقّب بقوله: \"فإنه لم يروه من أهل مصر إلا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري، عن أبيه عنه، فأطلق الحاكم أهل البلد وأراد واحدا منهم.\" ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ بتصرّف.\n(٢) السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧١، ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٥٧.\n(٣) السخاوي، المرجع السابق.\n(٤) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٨، السخاوي، المرجع السابق، ١/ ٢٧٢.","vol":"1","page":379},{"text":"المطلق، واختار تقييد موضع التفرّد بأصل السند، وذلك في كتابه النزهة (١)، - بينما الأنواع الأخرى عند المقدسي تفرّدات وغرائب نسبيّة.\n- وأما ابن الأثير - فعلى الرغم من كونه لخّص ما ذكره الحاكم في كتابه- إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين للأفراد فقال: \"ومن الغرائب: الأفراد، وهو أن ينفرد أهل مدينة واحدة عن صحابي بأحاديث عن النبي - ﷺ -، لا يرويها عنه أهل مدينة أخرى، أو ينفرد به راو واحد عن إمام من الأئمة وهو مشهور\" (٢)، فالأول يتراوح في دخوله تحت الفرد النسبي كما صرّح الزركشي (٣)، وبين اعتباره نوعًا من الفرد المطلق حسب المثال الذي استشهد\nبه ابن حجر لتفرّد أهل البلد بالحديث دون غيرهم (٤)، أما القسم الثاني الذي ذكره ابن الأثير فإنه يتبع الفرد المطلق.\n- وأما الخليلي فقد ذكر أنواع الأفراد حسب مرتبة الراوي المتفرّد من الثقة وعدمها، ولم يُشر لجهة الإطلاق في التفرّد أو النسبية، وإن كانت الأنواع التي ذكرها في مجملها لا تخلو من أن تندرج تحت واحدٍ منهما.\n- وكذلك الميانشي ذكر نوعًا واحدًا للفرد، أطلق فيه موضع التفرد، وحدد مرتبة راويه بكونه ثقة، وأردفه بما يشير إلى أنه يقصد بالفرد زيادة الثقة، فقال \"وأما المفرد: فهو ما\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٦٤ - ٦٦. بينما نجده في كتابه النكت على ابن الصلاح أطلق موضع التفرّد، وجعل الفرد المطلق على قسمين فقال: \"الفرد إما مطلق وإما نسبي، وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:\nأحدهما: تفرد شخص من الرواة بالحديث. والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.\nوالأول ينقسم أيضا إلى نوعين: أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد ... \" ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤ باختصار.\n(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.\n(٣) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥.","vol":"1","page":380},{"text":"انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ\" (١)، فإذا قصد تفرّده بالحديث مُطلقًا بحيث لم يروه أحدٌ سواه لا عن شيخه ولا عن غيره، فهذا فرد مطلق، وإن خصّ التفرّد بالرواية عن الشيخ دون باقي تلامذته، بينما رُوي الحديث عن شيوخ آخرين، فهذا تفرّد نسبي.\n- وغالب من جاء بعد ابن الصلاح ممن لخّص كتابه تابعوه في هذه التقسيم إلى مطلق ونسبي، وهذا شبه اتفاق بينهم على هذه القسمة، وإنما حدّد موضع التفرد - في الفرد المطلق- ابن حجر في كتابه النزهة فقال:\n\"ثم الغرابة إما أن تكون: في أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي.\" - وقصد بذلك أن يرويه عن الصحابي تابعي واحد، - وقد أوضح ذلك بالأمثلة التي ذكرها، وفيها يتفرّد\nالتابعي في روايته عن الصحابي (٢)، وأشار أيضًا إلى أن هذا التفرد قد يستمر في الطبقات التي تلي التابعي فقال: \"وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ... \"، هذا فيما يخص الفرد المطلق، (٣) بينما أشار إلى أن موضع التفرد في الفرد النسبي يكون في الطبقة التي تلي التابعين فقال: \"أو لا يكون كذلك، بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن\n_________\n(١) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.\n(٢) فقال: \"كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته، تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر.\nوقد ينفرد به راو عن ذلك المنفرد، كحديث شعب الإيمان، تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط، للطبراني أمثلة كثيرة لذلك.\" ابن حجر، النزهة، ٦٥، ومن مظان الأفراد كذلك المعجم الصغير للطبراني كما ذكر السخاوي في الفتح. ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٢.\n(٣) \"إن كان التفرد في أصل السند أو في كل السند، فهو الفرد المطلق، وإلا فهو الفرد النسبي.\" أبو شبهة، الوسيط، ٣٦٩.","vol":"1","page":381},{"text":"الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد. فالأول: الفرد المطلق. والثاني: الفرد النسبي ... \" (١).\nوقد علّق الدكتور الزهار على تخصيص ابن حجر لموضع التفرد بقوله: \"بالنظر إلى تعريفات باقي الحفاظ للفرد المطلق يتضح أن الحافظ ابن حجر رأى التخصيص في إطلاق التفرد في طبقة معينة وهي أصل السند، وذهب الباقون إلى جعله مطلق التفرد.\" (٢) ولعل لابن حجر سلفًا فيما ذهب إليه، وذلك فيما ذكره المقدسي في النوع الأول من الغرائب والأفراد حيث قال: \"النوع الأول: غرائب وأفراد صحيحة، وهو أن يكون الصحابي مشهورا برواية جماعة من التابعين عنه، ثم ينفرد بحديثٍ عنه أحدُ الرواة الثقات، لم يروه عنه غيره، ويرويه عن التابعي رجل واحد من الأتباع ثقة، وكلهم من أهل الشهرة والعدالة، وهذا حدٌّ في معرفة الغريب والفرد الصحيح، وقد أُخرِج نظائر في\nالكتابين ... \" (٣) حيث خصص موضع التفرّد بتفرد التابعي عن الصحابي، بل وأتبعه أيضًا بتفرد من بعده - أي: تابع التابعي- عنه بالرواية، وقد أشار إلى ذلك ابن حجر حين قال: \"وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم ... \" (٤)، وتحديد موضع التفرّد من السند إنما ذكره ابن حجر في كتابه النخبة وفي شرحه عليها وهو النزهة، بينما نجده أطلق موضع\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٦٤ - ٦٦.\n(٢) زهار، التفرد، ١٣٨.\n(٣) المقدسي، الأطراف، ١/ ٢٩.\n(٤) ابن حجر، المرجع السابق.","vol":"1","page":382},{"text":"التفرّد وتابع ابن الصلاح في ذلك في كتابه النكت على ابن الصلاح، بل وأشار إلى أن للمطلق أقسامًا، وجعل من ضمنها تفرّد أهل البلد بالرواية دون غيرهم. (١)\nنخلص مما سبق:\nأن معظم تعريفات الحديث الفرد أو الأفراد، وما جاء في تفصيل بعضهم لأنواعها يشمل في غالبه الفرد المطلق والنسبي (٢)، وإن لم يُشر قائلها لذلك، فهي في مجملها لا تخلو من هذين القسمين، والله أعلم.\nوتجدر الإشارة إلى أن تقسيم الحديث إلى فرد مطلق ونسبي لا تعلّق به مباشرة من حيث الحكم على الحديث بالصحة والضعف، وإنما القبول والرد، وتصحيح الروايات وتضعيفها\nمتعلّق باعتبارات أخرى لا مدخل للتفرّد المطلق أو النسبي فيها، ولكنه من القرائن المهمة في عملية النقد الحديثي. (٣)\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٥. \"الذي ذهب إليه لم أجده لغيره من المحدثين، ولم أرَ من قسّم المطلق هذين القسمين، مطلق أهل البلد ومطلق الراوي المنفرد ... \" حمام، التفرد، ٢٣١.\n(٢) بل دعا ذلك بعض المعاصرين إلى الإشارة أن الفائدة من التوسّع بذكر الأمثلة على هذه الأقسام قليلة من الفائدة العلمية، فقال: \"حصل اضطراب في التمثيل ببعض الأحاديث على بعض صور المطلق والنسبي، وكل هذا يدل على أن الفائدة المرجوة من وراء التوسع في هذا المبحث من الجهة العلمية قليلة، والله أعلم\". السليماني، الجواهر، ٣٢١.\nولعل من أبرز الفوائد بيان ما يجتمع فيه إطلاق الفردية والغرابة من هذه الأنواع، وما يختصّ به نوع الفرد عن الغريب.\n(٣) ينظر مباحث حكم الحديث الفرد المطلق والفرد النسبي في كتاب التفرد لعبدالجواد حمام، ٢٣١ - ٢٤٣، عتر، منهج النقد، ٤٠١.\nوقد ذكر القاسمي أقسام الفرد المطلق ثم قال: \"فتحصل أن الفرد المذكور قسمان: مقبول، ومردود. والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية، وفرد هو قريب منه، والمردود أيضًا ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ والإتقان ما يجبر تفرده. -وقد استفاد هذا التقسيم من النووي في شرحه على مسلم، ١/ ٣٤ - ثم ألحقه بأقسام الفرد النسبي، وقال: \"ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفه إلا أن يراد تفرد واحد من أهل هذه البلاد فيكون من الفرد المطلق. أو قيد براو مخصوص كقولهم لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير فلان فيكون غريبًا.\" القاسمي، قواعد التحديث، ١٢٨.\n\"فتلخص من هذا أن الحديث الفرد يدور على سبعة أضرب وأحوال، أربعة منها مندرجة ضمن الفرد المطلق، والثلاثة الباقية تندرج ضمن الفرد النسبي، والحكم على كل نوع منها يرجع إلى قرائن أخرى، على اختلاف في ذلك بين المحدثين، ... \" زهار، التفرد، ١٤٢.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المحور الثاني: العلاقة بين مصطلحي الأفراد والغريب:</span>\nمصطلح الأفراد من المصطلحات المتداخلة مع أنواع عدة من علوم الحديث (١)، وبالنظر إلى تعريفات من سبق ابن الصلاح نجد من أفرد هذا النوع بالذكر، ومنهم من ذكره مع الغرائب أو الغريب، وجعلهما نوعًا واحدًا، ومنهم من ذكره كنوعين متتالين يظهر فيهما التداخل.\nومن جاء بعد ابن الصلاح كذلك هناك من ميّز بينهما، وهناك من جعلهما نوعًا واحدًا.\n\n- أما الحاكم فقد ميّز الغريب عن الأفراد (٢)، وذكر كلًا منهما في نوع ظاهره الاستقلال، وجعلهما متتالين، وكأنه يشير إلى ما بينهما من علاقة وطيدة مما جعل ابن الأثير في\nمقدمة جامعه (٣) بعد أن نقل عن الحاكم أنواع الغريب الثلاثة -التي ذكرها في كتابه علوم الحديث (٤) - يدمج الأفراد بالغريب، وذكرها كقسم منه، إلا أنه اقتصر على ذكر نوعين فقط من الأنواع الثلاثة التي ذكرها الحاكم للأفراد، ولم يذكر النوع الثالث وهي: الأفراد المضافة للبلاد، ولعلها إشارة منه بأنها لا تدخل ضمن الغرائب بل هي نوع مستقل من\n_________\n(١) علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: \"هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى (يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك) وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب ... \". ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.\n(٢) ينظر: حمام، التفرد، ٢٧٤. وقد اعتبر المؤلف أن كل نوع منهما مستقلٌّ عن الآخر، وأن لكل منهما تقسيمًا لا ينطبق على الآخر.\n(٣) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٥.\n(٤) هي: غرائب الصحيح، وغرائب الشيوخ، وغرائب المتون، علما بأن أغلب مقدمة ابن الأثير في أصول الحديث مختصرة من كتاب الحاكم (معرفة علوم الحديث).","vol":"1","page":384},{"text":"الأفراد كما صرّح بذلك ابن الصلاح حيث قال: \"وليس كل ما يعد من أنواع الأفراد معدودا من أنواع الغريب، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما سبق شرحه\" (١).\nوهذا الصنيع من ابن الأثير - رغم كونه نقل واختصر غالب مقدمته من كتاب علوم الحديث للحاكم- يدل على أنه فهم أن فصل الحاكم بين الغريب والفرد، وإفراد كل نوع بالذكر إنما هو فصل في ظاهر الأمر وليس في حقيقته، وأن مساحة الاشتراك بين النوعين كبيرة، واقتصر على ذكر أنواع الفرد المشتركة مع الغريب دون النوع الثالث، والذي أشار الحاكم إلى ندرة وجوده وفهمه، فقال: \"فأما النوع الثالث من الأفراد فإنه أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم أهل مكة مثلا وأحاديث لأهل مكة ينفرد بها عنهم أهل المدينة مثلا وأحاديث ينفرد بها الخراسانيون، عن أهل الحرمين مثلا، وهذا نوع يعز وجوده وفهمه\" (٢).\nقال الدكتور صبحي الصالح - بعد أن ذكر نوع الغريب واستشهد على أنواعه بالأمثلة-: \"وأكثر الأمثلة التي استشهدنا بها عليه ذكرها الحاكم في النوع الخامس والعشرين من علم\nالحديث وهو معرفة الأفراد، كأنه لا يرى بين الفرد والغريب فرقًا إلا في التوجيه والتعليل بين إطلاق وتقييد\" (٣).\n- أما ابن طاهر المقدسي فقد جمع بين الأفراد والغرائب، وعدّهما نوعًا واحدًا له أقسام فقال: \"اعلم أن الغرائب والأفراد على خمسة أنواع: ... \" (٤) ثم عدّد هذه الأنواع، ويُفهم من ذلك أنه يسوّي بين الأفراد والغرائب، ولعله ومن سار على نهجه يُعدُّ سلفًا لابن حجر في\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٢٧٠.\n(٢) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٠٠.\n(٣) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، ٢٢٩.\n(٤) ابن طاهر المقدسي، أطراف الغرائب، ١/ ٢٩ - ٣٠.","vol":"1","page":385},{"text":"اعتباره ترادف مصطلحي الغريب والفرد، وأنه قد يُطلق أحدهما على الآخر، فيقال: أغرب به فلان، وتفرّد به فلان.\nوقد أشار إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة الاستعمال أو كثرته، فقال: \"الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي، وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي تفرد به فلان، أو أغرب به فلان.\" (١)\n- وقد احتذى السخاوي حذو شيخه ابن حجر حيث صرّح بترادف مصطلح الأفراد والغريب حين ذكر أن الأنسب هو ضم النوعين إلى بعضهما، فقال - في مقدمة شرحه لنوع الغريب-: \"وكان الأنسب تقديمها إلى الأنواع السابقة، وضم الغريب إلى الأفراد\" (٢).\n- وقد نقل بعض تلامذة ابن حجر كالبقاعي والأنصاري عن شيخهما ابن حجر ما ذكره من أن ابن منده خصّ الغريب برسم خاص عن باقي أنواع التفرد فقال البقاعي- بعد تعريفه للغريب بالتفرّد المطلق-\" أي: سواء كان انفراده بالنسبة إلى إمام يُجمَع حديثه كما قيده به ابن منده أولًا ... فهو الغريب على ما حده به الأئمة، إلا ابن منده، ... والحاصل أن التقدير: وابن منده خالف هذا الرسم، فحد الغريب بأنه: انفراد راو عن إمام يجمع حُديثه، وكان ابن منده يسمي الغريب في عرفنا فردا.\" (٣)\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ٦٤ - ٦٦.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث ٤/ ٣.\n(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ٢/ ٤٣٧ باختصار، الأنصاري، فتح الباقي، ٢/ ١٥٨.","vol":"1","page":386},{"text":"فابن منده إنما خصّ الغريب بجزء مما استقرّ عليه تعريف الغريب عند ابن حجر ومن وافقه، وأن ما يتفرّد به الراوي عمن يروي عنه بشكل عام يعدّه ابن منده فردًا لا غريبًا وإنما الغريب عنده خاص بما كان تفرداّ عن إمام يُجمع حديثه.\nفالبقاعي وكذلك الأنصاري ينقلان عن شيخهما ابن حجر، ولم يعقّبا، ولعل عدم تعقيبهما دليل موافقة لما ذهب إليه من ترادف الفرد والغريب.\n- وفي مقابل من اعتبر ترادف المصطلحين فهناك من فرّق بينهما، فأفرد كل نوع بتعريف مستقلّ:\n- كابن الملقن، ويُشبه ظاهر تعريفه ما ذهب إليه ابن منده من التفريق بين الغريب والفرد، حيث جعل لكل منهما تعريفًا مستقلًا فقال- في كتابه التذكرة-: \"الفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة، كقولهم: (تفرد به أهل مكة)، ونحوه.\nوالغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمَع حديثه.\" (١)، وهو بذلك يُشير إلى أن الغريب نوع خاص من التفرّد. قال السخاوي شارحًا كلام ابن الملقن: \" (والغريب: وهو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه) كمالك (ممن يُجمع حديثه)\nوحينئذ فهو والفرد النسبي سواء، بل هما مشتركان في المطلق أيضًا، وقد أشار ابن الصلاح إلى افتراقهما فيما إذا كان المنفرد به من مكة (٢) أكثر من واحد، فإنه حينئذ يكون فردًا لا غريبًا (٣)، فكل غريب فرد ولا عكس.\" (٤)\n_________\n(١) ابن الملقن، التذكرة، ١٧.\n(٢) ضرب ذلك كمثال للفرد النسبي بتفرّد أهل بلد بالرواية عن شيخ ونحوه، ومثّل لهم بتفرد أهل مكة.\n(٣) فإذا كان المتفرد من أهل البلد واحدًا اجتمعت فيه الغرابة والفردية، وإذا كان المتفرّد أكثر من واحد إلا انهم من بلد واحد، فيُعدُّ هذا من الفرد النسبي، ولا يصح إطلاق الغرابة عليه.\n(٤) السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، ٤٨.","vol":"1","page":387},{"text":"- وممن فرّق كذلك بين المصطلحين، وجعل لكل منهما تعريفًا مستقلًا في ظاهره الميانشي حيث قال: \"وأما المفرد: فهو ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ ... وأما الغريب: فهو ما شذ طريقه، ولم تُعرف رواته بكثرة الرواية\" (١).\nفقد خصَّ الميانشي الفردَ بتفرّد الثقة، وأعقب كلامه بما يدل على أن المقصود بالفرد عنده زيادة الثقة، (٢) وعرّف الغريب بكونه انفراد وشذوذ في الرواية من راوة مُقلّين في الرواية، فيُثير شذوذهم وانفرادهم الغرابة.\n- وهناك من لم يذكر الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث، واكتفى بذكر الغريب، ومنهم: ابن دقيق العيد في الاقتراح (٣) (ت ٧٠٢ هـ) فلم يذكر في كتابه نوع الأفراد، بل اقتصر\nعلى ذكر الغريب بعد ذكره لنوعيّ الشاذ والمنكر، ولعل في ذلك إشارة منه إلى ترادف الغريب والفرد أو كون الأفراد داخلة ضمن هذه الأنواع فلا حاجة إلى إفرادها بالذكر.\nوتبعه الذهبي في كتابه الموقظة (٤) (ت ٧٤٨ هـ) إلا أنه تحدث عن الأفراد بشكل مبثوث ضمن مباحث الكتاب، وحكم ما لو انفرد ثقة أو ما دونه (٥).\n_________\n(١) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.\n(٢) فقال: \"وقد حكى شيخنا المازري رحمه الله تعالى في كتابه (المُعْلِم بفوائد مسلم) إن زيادة العدل مقبولة. وذكره الإمام أبو عبدالله الحاكم في كتابه.\" المرجع السابق.\n(٣) حيث قال: \"الرابع عشر الغريب: وهو تارة ترجع غرابته إلى اللفظ، وتارة ترجع إلى الإسناد، ثم تارة يكون غريبا مطلقا، بأن ينفرد راوٍ بإسناده كله، وتارة يكون غريبا عن شخصٍ معيَّنٍ، ويكون معروفا عن غيره. فإذا قيل: هذا غريبٌ من حديث فلان عن فلان، احتمل الوجهين جميعًا.\nوكذلك إذا قلنا: تفرد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعيَّن، ويكون مرويًّا من غير جهة ذلك المعيَّن فتنبّه لذلك ... \". ابن دقيق العيد، الاقتراح، ١٧ - ١٨.\n(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٤٣.\n(٥) فقد بيّن في كتابه الموقظة أقسام الرواة من حيث تفرّدهم فقال: \"فهؤلاء الحفاظ الثقات، إذا انفرد الرجل منهم من التابعين، فحديثه صحيح.\nوإن كان من الأتباع، قيل: صحيح غريب.\nوإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد. ويندر تفردهم، فتجد الإمام منهم عنده مئتا ألف حديث، لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة. ومن كان بعدهم: فأين ما ينفرد به؟، ما علمتُه، وقد يوجد.\nثم اليقظ، الثقة، المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلق عليه أنه: ثقة، وهم جمهور رجال \"الصحيحين\" فتابعيهم، إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في (الصحاح). وقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق (الغرابة) مع (الصحة) في حديث أتباع الثقات. وقد يوجد بعض ذلك في (الصحاح) دون بعض.\nوقد يُسمّي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هُشيم، وحفص بن غياث: منكرا. فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما انفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: (هذا منكر) ... \".ينظر: الذهبي، المرجع السابق ٧٧ - ٧٨.","vol":"1","page":388},{"text":"نخلص مما سبق:\nأن التداخل بين مصطلح الفرد والغريب تداخل كبير، وقد تعددت مذاهب العلماء في بيان العلاقة بينهما، ما بين علاقة عموم أحدهما وخصوص الآخر، وما بين علاقة الترادف واعتبارهما نوعًا واحدًا، والإشارة إلى أن وجه التغاير بينهما إنما هو من حيث قلة استعمال أحدهما أو كثرتها في موطن دون آخر.\nقال الدكتور نور الدين عتر: \"ومن هذا يظهر تقارب هذين النوعين: الغريب والفرد من بعضها، حتى اختلف فيهما المحدثون هل هما نوع واحد أو نوعان مفترقان. والأولى جعلهما نوعين لما عرفت من عدم دخول بعض الأفراد في الحديث الغريب، مثل أفراد البلدان وأفراد القبائل.\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- يُفهم من تعريف ابن الصلاح أن الأفراد أو التفرّد حالة من الحالات التي تعرض للحديث (٢)، وأنها على قسمين تفرد مطلق، أو تفرّد نسبي.\n_________\n(١) عتر، منهج النقد، ٤٠١.\n(٢) الحديث الفرد فيه شيء من التعميم، فهو من حيث التعريف شامل لكل ما يتفرد به الراوي، ... ومصطلح الفرد يمكن أن يتداخل مع المصطلحات الأخرى، فالفرد حالة عامة، يمكن أن يكون فردًا خالف فيه الثقة الثقات فيدخل في نوع الشاذ، ... ويمكن أن يكون فردًا خالف فيه الضعيف من هو أرجح منه، ويمكن أن يكون فردًا زاد فيه راويه الثقة شيئًا على غيره من الرواة فيكون من قيبل زيادة الثقة، وهكذا.\nفالحديث الفرد إنما يدل على وقوع حالة تفرد مجردة، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، أما الأنواع الأخرى ففيها دلالة واضحة على التفرد مع معنى زائد عليه، كالمخالفة، أو الزيادة، أو الرد، ونحو ذلك .. \". ينظر: حمام، المرجع السابق، ٢١٩ - ٢٢٠ باختصار.\nوقد علّق الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ألفية السيوطي بقوله: \"هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرّد الراوي بما روى - يقصد: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف والمتروك- وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب ... \" ينظر: السيوطي، الألفية، ٢٣.","vol":"1","page":389},{"text":"حيث \"لم يتصدّ كثيرٌ من المحدثين الذين دونوا في علوم الحديث لتعريف (الحديث الفرد) بصورته العامة، بل كانوا يبوبون له في مصنفاتهم، ثم يَلِجون مباشرة في تقسيمه، والكلام على نوعيه المطلق والنسبي، والتمثيل له، والحكم عليه، كما فعل الحاكم، وابن الصلاح، والسخاوي، والسيوطي، وغيرهم ...\nوقد عرّف بعضهم -وإن كان قليلًا- (الحديث الفرد) منهم الميانشي ... \" (١)\n- ونجد أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقسامًا تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح البعض بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتميز مصطلح الأفراد بتداخله مع مصطلح الغريب، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعًا واحدًا أو التفريق بينهما:\n- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كصنيع الحاكم.\n- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.\n- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.\n_________\n(١) ينظر: حمام، المرجع السابق، ٢١٧ باختصار.","vol":"1","page":390},{"text":"- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.\n- وهناك من جعلهما نوعًا واحدًا وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.\nإن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، وعن درجة الراوي المتفرد وحاله، وبغض النظر هل يستغرب الحفاظ هذا التفرّد، ويتحفّظون عليه، أم أنه سائغ مقبول لديهم لا غبار عليه، وبغض النظر هل كانت فيه مخالفة أم لا، كل هذا داخل في حقيقة الحديث الفرد.\nأما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغربًا، أو استقلالًا بالرواية تثير عند الحفاظ شيئًا من الاستغراب ...\nإذًا: الحديث الفرد أعم من الحديث الغريب، فبينهما عموم وخصوص مطلق، وكل غريب يسمّى فردًا، وليس كل فرد يسمى غريبًا، هذا من حيث الماهية والجوهر، فماهية الفرد أعم وأشمل من ماهية الغريب، وليست هي ذاتها، (١) والله أعلم.\nإلى هنا انتهى تحرير مصطلح الأفراد، ولأن زيادة الثقة صورة من صور التفرّد؛ رأيت من المناسب أن يتبعها في ترتيب فصول البحث، فإلى الفصل السابع، وتحرير مصطلح زيادة الثقة.\n_________\n(١) حمام، التفرد، ٣١٢ - ٣١٣. باختصار.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الفصل السابع: زيادة الثقة</span>\nالمبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:\nالمطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الأول: تعريف زيادة الثقة لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الأول: تعريف زيادة الثقة لغة:</span>\nزيادة الثقة: مركب إضافي من كلمتين، والزيادة من زاد الشيء وازداد أي نما وكَثُر، والزيادة خلاف النقصان (١).\nوالثقة من وثِق، و\"الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثّقت الشيء: أحكمته.\" (٢)\n\"ووثِق به يثِق فهو ثِقة إذا ائتمنه\" (٣)، فمن معاني الثقة في اللغة: الإحكام والإئتمان. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الثاني: تعريف زيادة الثقة اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\n_________\n(١) ينظر: مادة (ز ي د) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ٤٠، الرازي، المختار، ١٣٩، ابن منظور، اللسان، ٣/ ١٩٨.\n(٢) ابن فارس، المرجع السابق، ٦/ ٨٥. مادة (وث ق)\n(٣) الرازي، المرجع السابق، ٣٣٢، ابن منظور، المرجع السابق، ١٠/ ٣٧١.\n(٤) هذا معنى الثقة في اللغة، والثقة عند المحدثين مرتبة من مراتب تعديل الرواة، فالراوي الثقة عند ابن أبي حاتم وابن الصلاح في المرتبة الأولى من مراتب التعديل، وهو الذي قال عنه ابن أبي حاتم: \"فهو ممن يحتج بحديثه\". وذكره الذهبي ومن بعده العراقي في المرتبة الثانية من مراتب التعديل، ونقل عن الخطيب قوله: \"أرفع العبارات أن يقال: حجة، أو ثقة\"، وذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة وهي: من أُفرِد بصفة مثل: ثقة أو متقن.\nوقال الذهبي في الموقظة -موضحًا مراتب الثقة-: \"الثقة: من وثقه كثير، ولم يضعف. ودونه: من لم يوثق ولا ضعف. فإن خرج حديث هذا في (الصحيحين)، فهو موثق بذلك. وإن صحح له مثل الترمذي وابن خزيمة، فجيد أيضا. وإن صحح له كالدارقطني والحاكم، فأقل أحواله: حسن حديثه.\nوقد اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على: من لم يجرح، مع ارتفاع الجهالة عنه. وهذا يسمى: (مستورا)، ويسمى: (محله الصدق)، ويقال فيه: (شيخ).\"\nوقال الجزائري في توجيه النظر: \"الثقة قد يطلق على من كان مقبولا وإن لم يكن تام الضبط\". المراجع: ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٢/ ٣٧، ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٢٢ - ١٢٣، الذهبي، الميزان، ١/ ٤، الذهبي، الموقظة، ٧٨، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٧١، ابن حجر، التقريب، ٧٤، الجزائري، التوجيه، ١/ ١٨١.","vol":"1","page":393},{"text":"مصطلح زيادة الثقة له ارتباط وثيق بالتفرّد والأفراد، (١) فهو صورة من صور التفرّد، وفرع من فروعه، \"بل علاقته به علاقة العموم بالخصوص، إذ التفرّد أعم، ومن صوره زيادة الثقة\" (٢)؛ ولعل هذا ما دعا ابن كثير - ﵀- في اختصاره لكتاب ابن الصلاح أن يقدّم نوع الأفراد ثم يتبعه بنوع زيادة الثقة (٣) - وذلك على خلاف ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح- وقد احتذيتُ صنيع ابن كثير في ذلك فقدّمت الكلام عن التفرّد والأفراد في الفصل الماضي ثم أتبعته بزيادة الثقة.\nوبالنظر في كتب الحديث وعلومه نجد أن \"معظم كتب المصطلح، وبخاصة القديمة منها لم تهتم بتعريف زيادة الثقة، وإنما اقتصرت على بيان حكم هذه الزيادات؛ وذلك لوضوحها في أذهان الحفاظ والمحدثين، وأهل هذا الشأن\" (٤).\nوكان ممن جاء قبل ابن الصلاح من أفردها بالذكر، ومثّل لها تحت نوع مستقل كالإمام الحاكم، أو ذكر حكمها تحت باب مستقل كالخطيب البغدادي كما سيأتي تفصيله.\n_________\n(١) سيأتي معنا أن الميانشي عرّف الفرد ومثّل له بزيادة الثقة.\n(٢) زهار، التفرد، ٢٢٣، ينظر: حمام، التفرد، ٥١١.\nوذكر الجديع في كتابه التحرير: أن الثقة يزيد أحاديث يحفظها لا يرويها غيره، أو يشارك غيره في رواية حديث، لكنه يزيد فيه ما لم يأت به غيره في إسناده أو متنه.\nفهذان نوعان، فأما الأول فليس مرادًا هنا، إذ هو في أفراد الثقات التي يتميز بها الراوي عن غيره، وهي الأكثر في روايات الأحاديث الصحيحة، لا يكاد ثقة يخلو من أن يأتي بالشيء الذي لا يرويه غيره، خصوصًا أولئك الحفاظ الذين أكثروا رواية الحديث والاعتناء به ... وأما النوع الثاني فهو المراد بهذه المسألة. ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٢٢ باختصار.\n(٣) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٢٧، قال في خطبة كتابه: \"ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب\".\n(٤) حمام، التفرد، ٥١١ - ٥١٢.","vol":"1","page":394},{"text":"تعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nقال الحاكم تحت النوع الحادي والثلاثين- وهو يشير إلى نوع من أنواع زيادات الرواة-: \"معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد\" (١).\nتعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):\nعنون الخطيب بقوله: \"باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها\" (٢)\nتعريف الميانشي (ت ٥٨١ هـ):\nنجد الميانشي عرّف الفرد بقوله: \"ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه، دون سائر الرواة عن ذلك الشيخ.\" (٣) ثم قال: \"وقد حكى شيخنا المازري﵀ في كتابه (المُعلِم بفوائد مسلم): إن زيادة العدل مقبولة\" (٤)، فيظهر أنه عنى بالفرد: زيادة الثقة، فيكون الفرد وزيادة الثقة عنده بمعنى واحد.\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٣٠.\nأردف بقوله: \"هذا مما يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه، وقد كان أبو بكر عبد الله ابن محمد بن زياد النيسابوري الفقيه ببغداد يذكر ذلك وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني بخراسان، وبعدهما شيخنا أبو الوليد ﵃ أجمعين، ... \" وأتبع ذلك بذكر عشرة أمثلة لهذا النوع ينظر: المرجع السابق، ١٣١ - ١٣٤.\n(٢) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤.\nقام بسرد أقوال العلماء ومذاهبهم في حكم زيادة الثقات، ثم ذكر اختياره منها وترجيحه، فقال: \"والذي نختاره من هذه الأقوال أن الزيادة الواردة مقبولة على كل الوجوه، ومعمول بها إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا، ... \" وأتبع ذلك بما يدلّل على صحة اختياره. ينظر: المرجع السابق، ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(٣) الميانشي، ما لا يسع المحدث، ٢٩.\n(٤) ينظر: المازري، المُعْلم، ٢/ ٣٧٣ ح (٧٣٧).","vol":"1","page":395},{"text":"تعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):\nذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث- فقال في تعريف زيادة الثقة: \"هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله.\" (١)\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) (٢):\nلخّص ابن الصلاح شيئًا مما ذكره الحاكم والخطيب البغدادي فيما يخص زيادة الثقة، فعنّون النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث: بمعرفة زيادات الثقات وحكمها، ثم ذكر بشكل مختصر من اهتم من العلماء بهذه الزيادات (زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث) (٣)، وحكمها عند الجمهور من الفقهاء والمحدثين، ثم توصّل إلى تقسيم ما ينفرد به الثقات بشكل عام، فقال:\n\"وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥.\nثم أشار إلى حكم الزيادة -مستفيدًا ذلك من كتاب المستصفى للغزالي-: \"إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفَّاظ قُبِلَ. فكذلك الزيادة ... \" ابن الأثير، المرجع السابق، ١/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(٢) \"لم يذكر تعريفًا لها، ولم يُبيّن مفهومها، وإنما شرع مباشرة في تفصيل الكلام على حكمها، وتبعه على ذلك النووي، وابن جماعة، وغيرهما، ومردُّ ذلك وضوح المسألة عندهم، أو لكون هذا النوع مفرعًا عن أنواع أخرى، وقسيمًا لها، كالشاذ والمنكر، فهذه الأنواع متكاملة، وبتكاملها يتضح معناها وينجلي.\" حمام، التفرد، ٥١٥.\n(٣) اعترض مغلطاي على ابن الصلاح بقوله: \"وفيه نظر من حيث: إن النوع إنما هو مبني على الزيادات في الروايات أما الزيادات من الفقهاء التي من غير رواية فليس هذا النوع من بابها\".\nوأُجيب على اعتراضه بأن المراد: الألفاظ الفقهية والزيادات التي يُستنبط منها الأحكام الفقهية كزيادة لفظة (تربتها) في حديث التيمم، ... وليس المراد ما زاده الفقهاء دون المحدثين، فذلك يدخل في نوع المدرج. المراجع: مغلطاي، الإصلاح، ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.","vol":"1","page":396},{"text":"أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا (١) لما رواه سائر الثقات؛ فهذا حكمه الرد كما سبق في نوع الشاذ.\nالثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلًا لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة، ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا؛ فهذا مقبول. وقد ادعى \"الخطيب\" فيه اتفاق العلماء عليه. وسبق مثاله في نوع الشاذ.\nالثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث.\" (٢)\nثم ختم هذا النوع بالإشارة إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها، فقال:\n\"وأما زيادة الوصل مع الإرسال؛ فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه، ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدحٍ في الحديث، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل. ويجاب عنه بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع من وصل، (٣) والله أعلم.\" (٤)\n_________\n(١) ملاحظة: في الفرق بين المخالفة والمنافاة المراجع: ابن حجر، النزهة، ٨٢، البقاعي، النكت، ١/ ٣٨٣، الأثري، الحديث الشاذ، ١٥، أحمد عمر بازمول، المقترب في بيان المضطرب، ٧٩ - ٨٠.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٥ - ٨٦.\nثم أتبع ذلك بذكر أمثلة على القسم الثالث، سيأتي ذكرها في تحرير التعريف.\n(٣) \"ما قاله النسائي وغيرُه من أنَّ مَنْ أرسل معه زيادة علم على من وصَلَ؛ لأن الغالب في الألسنة الوصل، فإذا جاء الإرسال عُلِم أن مع المرسل زيادة علم، وقد رجَّحه ابن القطان وغيره، مُعارَضٌ بأن الإرسال نقصٌ في الحفظ، وذلك لما جُبِلَ عليه الإنسان من السهو والنسيان، فتبيَّن أن النظر الصحيح، أن زيادة العلم إنما هي مع من أسند\". البلقيني، المحاسن، ١٩١.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.","vol":"1","page":397},{"text":"تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه وما ذكره من أقسام لتفرّد الثقات بشكل عام، وتعقّبه فيما نقله عن الترمذي من تفرّد الإمام مالك - بزيادة (من المسلمين) في حديث زكاة الفطر (١) -، بأن مالكًا لم يتفرّد بهذه الزيادة، حيث قال السخاوي: \"شُوحِح (٢) ابن الصلاح في التمثيل به\" (٣)، وكان ممن تعقّبه في ذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٦)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع فقد ذكر لمالك اثني عشر مُتابِعًا (٧)، وأسهب في ذكر المذاهب والأقوال في حكم الزيادة عند المحدثين والفقهاء والأصوليين (٨)، بينما اكتفى في التذكرة بقوله: \"وزيادة الثقات: والجمهور على قبولها.\" (٩)\n_________\n(١) والحديث بتمامه أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الزكاة، باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ٢/ ١٣٠ ح (١٥٠٤)، ومسلم في صحيحه كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين ٢/ ٦٧٧ ح (٩٨٤) كلاهما من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵃ -: «أن رسول الله - ﷺ - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين».\n(٢) شاحّ فلان أي خاصمه وجادله وماحكه. ينظر: المعجم الوسيط، ١/ ٤٧٤.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦٦.\n(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٢ - ٤٣. وحكم بقبول القسم الثالث الذي سكت عن حكمه ابن الصلاح، حيث قال: \"والصحيح قبول هذا الأخير، ومثله الشيخ أيضًا بزيادة مالك في حديث الفطرة (من المسلمين)، ولا يصح التمثيل به فقد وافق مالكًا عمر بن نافع، والضحاك بن عثمان، والله أعلم\".\n(٥) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٨.\n(٦) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٥٠ - ٢٥٦.\n(٧) ذكر محقق الكتاب بعد تتبعه لطرق هذه المتابعات بأن الصالح منها للمتابعة سبع متابعات. ينظر: الجديع في حاشية تحقيقه لكتاب المقنع لابن الملقن، ١/ ٢٠٦.\n(٨) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٩١ - ٢٠٨.\n(٩) ابن الملقن، التذكرة، ٢٠.","vol":"1","page":398},{"text":"وذكر العراقي (ت ٨٠٦ هـ) أن ابن الصلاح حين نقل كلام الترمذي أسقط آخره، وأن الترمذي لم يُصرّح بتفرد مالك بهذه الزيادة دون غيره من الرواة، وإنما قيّد وصف المتفرّد بكونه من الحفاظ دون غيره ممن روى هذه الزيادة (١)، إلا أن ابن حجر برّر صنيع ابن الصلاح بقوله: \"راجعت كتاب الترمذي فوجدته في كتاب الزكاة (٢) قد أطلق كما حكاه عنه المصنف ...، وفي (كتاب العلل المفرد) (٣) قد قيّد كما حكاه عنه شيخنا- يقصد العراقي-.\nفكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل، والله أعلم.\" (٤)\nوقد نقل البقاعي تصريح ابن حجر بأن ما شُوحِح به ابن الصلاح لا يصلح اعتراضًا عليه، فقال في النكت: \"على أنه لا يصلح اعتراضا على ابن الصلاح؛ فإنه قال: (انفرد من بين الثقات) يعني: أنه لم يروها من الثقات غيره، وإلا لم يكن لقوله: (من بين الثقات) كبير فائدة، وكان حذفه أخصر، وأدل على الإطلاق ... \" (٥). ... وهناك من اختصر كلام ابن الصلاح دون استدراك كالطّيبي (٦) (ت ٧٤٣ هـ)، وهناك من استدرك عليه ما ذكره من تقسيم تحت نوع زيادة الثقة، لكون ما ذكره يضم أنواع الأفراد بشكل عام، وليس خاصًا بزيادة الثقة فقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في نكته:\n_________\n(١) حيث قال: \"فلم يذكر التفرد مطلقا عن مالك، وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لم يعتمد على حفظه فأسقط المصنف آخر كلامه وعلى كل تقدير فلم ينفرد مالك بهذه الزيادة بل تابعه عليها جماعة من الثقات\". العراقي، التقييد، ١١١ - ١١٢.\n(٢) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب ما جاء في صدقة الفطر، ٢/ ٥٤ - ٥٥ ح (٦٧٦).\n(٣) ينظر: سنن الترمذي، ٦/ ٢٥٥.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩٧.\n(٥) البقاعي، النكت، ١/ ٤٩٠.\n(٦) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٦٢ - ٦٣.","vol":"1","page":399},{"text":"\"هذا التقسيم ليس على وجهه، فإن الأول والثاني لا مدخل لهما في زيادة الثقة بحسب الاصطلاح؛ فإن المسألة مترجمة بأن يروي الحديث جماعة ويتفرد بعضهم بزيادة فيه، والقسمان قد فرضهما في أصل الحديث لا في الزيادة فيه، وإنما هما قسما الشاذ بعينه على ما ذكره هناك فلا معنى لتكراره، وإدخاله مسألة في أخرى، ... \" (١) وقد تعقّب محقق الكتاب استدراك الزركشي بأن: \"ابن الصلاح إنما قسم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام، وليس المتفرد به دائمًا زيادة فقد يكون غيرها؛ ولذلك صرّح ابن الصلاح في القسمين الأول والثاني بأنهما من نوع الشاذ. وإنما أراد استقراء أحوال التفرد وزيادة الثقة قسم منه، ولذلك لم يمثل للأول والثاني ومثّل للثالث الذي هو بيت القصيد عنده\" (٢)؛ بينما وجّه أحد الباحثين تقسيم ابن الصلاح بكونه ليس خاصًا بموضوع (زيادة الثقة) بل هو تقسيم لما ينفرد به الثقة من الخبر المستقل بشكل عام، مع انطباق هذا التقسيم على زيادة الثقة، بحيث يمكن أن يُقال بأن تقسيم ابن الصلاح هذا يُعتبر تقسيم (زيادة الثقة) بالنظر إلى قبولها وردّها، وبالنظر إلى نفس الزيادة من حيث المخالفة، أو عدمها، أو المخالفة من وجه دون وجه. وعلى ضوء ذلك يمكن أن تتنوع زيادة الثقة إلى ثلاثة أنواع:\n١ - زيادة ليست فيها مخالفة أصلًا.\n٢ - زيادة خالفت من بعض الوجوه.\n٣ - زيادة خالفت من كل وجه. (٣)\nوكان من أبرز التعاريف لزيادة الثقة بعد ابن الصلاح:\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٢/ ١٨٩.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، حاشية التحقيق للدكتور: زين العابدين بلافريج.\n(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقات وموقف المحدثين والفقهاء منها، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ باختصار.","vol":"1","page":400},{"text":"تعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (١) حيث قال: \"إذا تفرَّد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة\".\nوقال ابن رجب (ت ٧٩٥ هـ): \"وأما مسألة زيادة الثقة التي نتكلم فيها ههنا فصورتها: أن يروي جماعة حديثًا واحدًا بإسناد واحد، ومتن واحد فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة.\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nسبق الإشارة إلى التداخل الكبير بين مصطلح الأفراد وزيادة الثقة، بل إن زيادة الثقة صورة من صور التفرد، ذكرها ابن الصلاح في النوع السادس عشر من أنواع علوم الحديث ثم أتبعها بذكر نوع الأفراد قائلًا: \"وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله، ... \" (٣) أي أن مصطلح الأفراد له حالات عدّة جاءت مبثوثة ضمن أنواع\nأخرى كالشاذ والمنكر وزيادة الثقة، وحين اختصر ابن كثير كتاب ابن الصلاح وجد أن\n_________\n(١) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٥٢ - ٥٣.\nملاحظة: وجدت أثناء قراءتي في مختصر ابن كثير وشرحه وجود اختلاف في صياغة آخر عبارة في هذا النوع أدى إلى تغيير المعنى، ففي المختصر (ص: ٥٣) وطبعة دار الكتب العلمية للباعث الحثيث (ص: ٦٢) وردت العبارة على هذا النحو:\n\"وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول زيادة الثقة.\"\nوفي طبعة مكتبة المعارف للباعث الحثيث تحقيق: علي حسن عبدالحميد. (ص: ١٩٥) كانت العبارة على هذا النحو: \"أن الخلاف في الوصل والإرسال، بخلاف قبول زيادة الثقة.\" وأشار المحقق في الهامش إلى اختلاف النسخ.\nولا يخفى أن العبارتين متناقضيتن في معناهما، فأحدهما تثبت التشابه في حكم الزيادة سواء كانت في المتن أو الإسناد، والأخرى تنفيه، ولعل العبارة الثانية أقرب للصواب حيث يأتي أثناء تحرير التعريفات بيان أن ابن الصلاح يُفرّق بين حكم الزيادة في المتن والإسناد، فبينما رجّح قبول الزيادة من الثقة في الإسناد، جعل الزيادة في المتن على ثلاثة أقسام.\n(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٨.","vol":"1","page":401},{"text":"تقديم الأفراد على زيادة الثقة أنسب، فقال في خطبة كتابه: \"ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب\". (١)\nوقد أشار ابن حجر إلى السبب من أن ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح لم يكن بالشكل المتناسب، وذلك لكونه كان يُملي هذا الكتاب على تلامذته \"شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب\" (٢)؛ لذا نجد ابن الصلاح في هذا النوع ذكر الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ومثّل لها بزيادة الوصل مع الإرسال، واكتفى بذلك ولم يذكر لزيادة الثقة حدًا أو تعريفًا، وبالنظر إلى ما ذُكر في نوع زيادة الثقة ممن جاء قبل ابن الصلاح أو بعده، فلعل أبرز ما ذُكر من قيود لزيادة الثقة هي:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-86> القيد الأول: أن يكون الراوي صاحب الزيادة في الحديث ثقةً:</span>\nفحين ذُكِر نوع زيادات الرواة في كتب علوم الحديث، هناك من قيّد وصف الراوي الزائد في الحديث بوصف الثقة، وهناك من لم يصرّح بهذا القيد لكن سياق الكلام يدل عليه، بل ويقتضيه؛ حيث الزيادة في الحديث لا يكون لها أثر ما لم يكن راويها في حيّز القبول، \"فالزيادات في الأحاديث تكون من الثقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضعيف غير\nمقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلا سواء زاد أم لم يزد\" (٣)، بل نجد أئمة الحديث يشترطون\n_________\n(١) ابن كثير، الاختصار، ٢٧.\n(٢) ابن حجر، النزهة، ٣٤.\n(٣) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣٢٠.","vol":"1","page":402},{"text":"في قبول الزيادة من الرواة كونهم من الحفاظ المتقنين، حيث قال الإمام مسلم \"والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم\" (١).\nوقال الترمذي: \"ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه\" (٢).\nونقل ابن حجر عن ابن خزيمة قوله: \"لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته\". (٣)\nوزاد ابن حبان شرطًا وهو أن يكون الراوي فقيها في حال كانت الزيادة في متن الحديث، فقال: \"وأما زيادة الألفاظ في الروايات؛ فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلمَ أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يَشُك فيه أنه أزاله عن سَننِه، أو غيَّره عن معناه أم لا؟ \" (٤)\n_________\n(١) مسلم، التمييز، ١٨٩.\n(٢) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٥٥.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٩.\n(٤) صحيح ابن حبان، ١/ ١١٩، وعلل ذلك بقوله: \"لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط.\nوكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ\". ينظر كذلك: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٩٣ - ٩٤.","vol":"1","page":403},{"text":"وهذا الشرط \"مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان.\" (١).\nونجد ابن حجر في النزهة يحدد مرتبة راوي الزيادة المقبولة بأنه من كان في مرتبة رواة الصحيح أو الحسن، ثم زاد زيادة ... فقال: \"وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة ... \" (٢)، فالثقة \"قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط\" (٣).\nوبالرغم من أن الحاكم حين ذكر نوع الزيادات أطلق ذكرها دون تقييد بوصف الراوي الزائد بدرجة القبول، وذكر ضمن أمثلته زيادات للثقات وغيرهم، إلا أنه حين تكون الزيادة من ثقة فهو ينبّه على ذلك في الغالب (٤)، بل إنه صرّح في النوع الثالث عشر من الأنواع التي ذكرها في كتابه هذا: بأن الزيادة من الثقة مقبولة (٥)، ونجده يبني كتابه المستدرك على ذلك.\n_________\n(١) الجديع، التحرير، ٢/ ٦٩٦، \"وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه\". سليم، زيادة الثقة في الأسانيد والمتن، ٨٨.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ٨٢.\n(٣) الجزائري، التوجيه، ١/ ١٨١.\n(٤) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٣١ - ١٣٥.\nفبعد أن ذكر المثال الأول قال: \"هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك ابن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان\"\nوبعد المثال الرابع قال: \"هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم، عن محمد بن جابر، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء، عن همام بن يحيى، وهما ثقتان.\"\nوبعد المثال السادس قال: \"هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم ابن موسى الرازي، وهو ثقة، مأمون\".\nوبعد المثال التاسع قال: هذا حديث رواه الناس عن أيوب، فلم يذكر الزيادة من تثنية «قد قامت الصلاة»، غير سماك بن عطية البصري، وهو ثقة\".\nأما المثال العاشر فقد تفرّد به أنس بن مالك وهو إمام في الحديث.\n(٥) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ٤٠.","vol":"1","page":404},{"text":"فأكّد في خطبة كتابه: \"أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة\" (١)، ونجده كثيرًا ما يكرر قوله: \"فأنا على الأصل الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-87> القيد الثاني: اتحاد سند الحديث أو مخرجه:</span>\nذكر ابن رجب تعريفه لزيادة الثقة بعد أن أكّد على أن مبحث زيادة الثقة إنما يتطرق لزيادة بعض الرواة فيما إذا كان مخرج الحديث واحدًا (من رواية صحابي واحد)، حيث قال: \"فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد\" (٣).\nوما ذهب إليه ابن رجب - من اشتراط اتحاد المخرج أو السند فيما يزيده الرواة على الحديث؛ لتدخل هذه الزيادة تحت مسمّى زيادة الثقة- أيّده ابن حجر بقوله:\n\"وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر - ﵄ - إذا روى الحديث\n_________\n(١) الحاكم، المستدرك، ١/ ٤٢.\n(٢) المرجع السابق، (١/ ١٦١) ح (٢٩١)، ينظر كذلك: (١/ ١٠١) ح (١٢٤)، (١/ ١٩١) ح (٣٧٠)، (١/ ٤٦٤) ح (١١٩٤)، (١/ ٧٥٣) ح (٢٠٧٤)، (٢/ ٦٧) ح (٢٣٤٧)، (٢/ ٢١٠) ح (٢٧٨٣)، (٢/ ٥٧٧) ح (٣٩٥٥)، (٤/ ٢٥٨) ح (٧٥٦٦).\n(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.","vol":"1","page":405},{"text":"جماعة من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة ... \" (١)\nوقال أيضًا: \"واعلم أن هذا كله إذا كان للمتن سند واحد. أما إذا كان له سندان، فلا يجري فيه هذا الخلاف.\" (٢) ذكر ذلك أثناء مناقشته مسألة (تعارض الإرسال والاتصال والرفع والوقف).\nويترتب على هذا القيد: كون الراوي صاحب الزيادة من طبقة التابعين فمن بعدهم؛ لأن زيادة الصحابي على الصحابي لا تدخل ضمن زيادة الثقة إنما هما حديثان مستقلان (٣)، وهذا ما أوضحه قول ابن رجب: \"فإذا رُوي حديثان مستقلان في حادثة، وفي أحدهما زيادة فإنها تُقبل من الثقة، كما لو انفرد الثقة بأصل الحديث. وليس هذا من باب زيادة الثقة، (ولا سيما إذا كان الحديثان موقوفين عن صحابيين)، وإنما قد يكون أحيانًا من باب المطلق والمقيد\" (٤).\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩٢.\n(٢) المرجع السابق، ٢/ ٦١١.\n(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقات، ٧٩.\nمثّل ابن حجر لذلك بقوله: \"أما الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر إذا صح السند إليه فلا يختلفون في قبولها، كحديث أبي هريرة - ﵁ - الذي في الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وإن الله تعالى يقول له - بعد أن يتمنى ما يتمنى - لك ذلك ومثله معه، وقال أبو سعيد الخدري: «أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لك ذلك وعشرة أمثاله» أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب فضل السجود، ١/ ١٦٠ ح (٨٠٦)، ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية ١/ ١٦٨ ح (١٨٣).\nوكحديث ابن عمر - ﵃ -: «الحمى من فيح جهنم فأبردها بالماء» متفق عليه- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق، باب صفة النار ٤/ ١٢١ ح (٣٢٦٤)، ومسلم في صحيحه كتاب السلام، باب لكل داء دواء ٤/ ١٧٣١ ح (٢٢٠٩) - وفي حديث ابن عباس - ﵃ - عند البخاري: «فأبردوها بماء زمزم» ٤/ ١٢٠ ح (٣٢٦١).\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢.\n(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.","vol":"1","page":406},{"text":"قال ابن حجر: \"الذي يبحث فيه أهل الحديث في هذه المسألة، إنما هو في زيادة (بعض الرواة) من التابعين فمن بعدهم.\" (١)\nوقال السخاوي: \" (واقبل) أيها الطالب (زيادات الثقات) من التابعين، فمن بعدهم\" (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-88> القيد الثالث: تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر:</span>\nلم تتفق تعريفات هذا النوع على عدد رواة الزيادة هل هو واحد أو أكثر، فبعضها نصّ على كون راوي الزيادة واحدًا، حيث جاء في نوع الزيادات عند الحاكم قوله: \"ينفرد بالزيادة راوٍ واحد\" - إلا أنه في أمثلته ذكر في المثال الأول تفرّد راويان ثقتان (٣) - وتبعه في التقييد بمجيء الزيادة من راوٍ واحد: ابن الأثير، وابن كثير.\nبينما أفادت بعض التعريفات احتمال ورود الزيادة عن أكثر من راوِ، ومن ذلك: ما جاء عن الميانشي، وكذلك ما ذكره ابن رجب في تعريفه، حيث قال: \"فيزيد بعض الرواة فيه زيادة، لم يذكرها بقية الرواة\" (٤)\n\"وذِكرُ كلمة (بعض) في التعريف تومئ إلى أن هناك حالتين للزيادة:\nالحالة الأولى: أن ينفرد بالزيادة راوٍ واحد، لم يتابعه عليها غيره من الرواة الذين رووا أصل الحديث، وهذا هو المفهوم الشائع والمتبادر لزيادة الثقة، وهو الأصل فيها.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٦١، وقال في تتمة هذا النوع: \"الزيادة الحاصلة من بعض الصحابة على صحابي آخر، إذا صح السند مقبولة بالاتفاق.\" المرجع السابق، ٢٦٨.\n(٣) حيث قال الحاكم بعد أن ذكر المثال الأول: \"هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك بن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان.\" الحاكم، علوم الحديث، ١٣١.\n(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥.","vol":"1","page":407},{"text":"الحالة الثانية: أن يروي الزيادة أكثر من واحد، بأن توجد لهذه الزيادة متابعة، لكن تبقى الزيادة في حكم الانفراد؛ لأن الأكثر من رواة الحديث لم يذكروها.\" (١)\nوقد مثّل الترمذي لزيادة الثقة بزيادة مالك في حديث زكاة الفطر، فقال:\n\"ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: «فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على كل حر، أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير».\nقال: وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين.\nوروى أيوب السختيانى، وعبيدالله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عمر، ولم يذكروا فيه من المسلمين وقد روى بعضهم، عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه ... \" (٢)\nقال ابن رجب مُعقّبًا: \"ولا تخرج بالمتابعة عن أن تكون زيادة من بعض الرواة، لأن عامة أصحاب نافع لم يذكروها.\" (٣)\nوقد كان لأحد الباحثين رأي في التفريق بين مجيء الزيادة من راوٍ واحد ومجيئها عن أكثر من راو، واعتبار الأول زيادة ثقة بينما الثاني مختلف الحديث (٤)، فقال:\n\"وصورة الزيادة التي تعنى هنا، كما عرفها أهل المصطلح: تفرد راو واحد ثقة عن بقية الرواة بنفس السند عن نفس الشيخ، بزيادة لفظة في المتن، أو وصل مرسل، أو رفع موقوف، ونحوه.\n_________\n(١) حمام، التفرد، ٥١٨.\n(٢) سنن الترمذي، ٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٢.\n(٤) مختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر. ينظر: النووي، التقريب، ٩٠، ابن جماعة، المنهل، ٦٠، ابن الملقن، التذكرة، ١٩، ابن حجر، النزهة، ٩١.","vol":"1","page":408},{"text":"وأما إذا كان أكثر من واحد كأن يتابع ذلك الثقة بثقة آخر، أو ممن يعتبر به في المتابعة خرج عن أن يكون هذا الحديث من قبيل زيادة الثقة، وإنما هو من قبيل المختلف، لاحتمال أن يكون الشيخ رواه على الوجهين، فحمله كل جماعة على وجه.\" (١)\nوقد تعقّبه بعض الباحثين فعُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، \"فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد تأتي من ثقات آخرين كما أخبر بذلك العلماء، وإلا لما كان للقرائن التي تُحيط بتلك الزيادة واعتد بها العلماء أي فائدة أو قيمة تذكر.\nفالعلماء مثلًا: اعتدّوا بالمتابعة مثلًا كقرينة لقبول زيادة الثقة، وهذا بدوره يدل على أن الثقة لم يتفرد بتلك الزيادة لوحده ... \" (٢)\n\"وأما احتمال كون الشيخ قد حدّث به على الوجهين فلا يتأتّى هنا، ذلك أننا هنا لا نتكلم عن روايتين متكافئتين قوة أو عددًا؛ إنما عن رواية أو روايتين فيها زيادة لم تذكرها روايات أخرى كثيرة، فهنا باعتبار الكثرة، وقلة من روى الزيادة، تبقى في حكم زيادة الثقة، ولا تدخل باب المختلف، والله أعلم.\" (٣)\nفكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحدًا، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد. (٤)\nهذا فيما يخص أبرز القيود التي تطرقت لها تعريفات زيادة الثقة قبل وبعد ابن الصلاح، أما ابن الصلاح فإنه لم يذكر حداّ ولا تعريفًا لزيادة الثقة إلا أنه اهتم بذكر حكمها، وأشار إلى الأقسام التي تنتج من تفرد الثقات بالمتون أو الألفاظ، من حيث موافقتها أو مخالفتها\n_________\n(١) المحمدي، الشاذ والمنكر، ١٥٣.\n(٢) مستورة المطيري، زيادة الثقة وأثر القرائن في قبولها أو ردها عند المحدثين، ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(٣) حمام، التفرد، ٥٢٠.\n(٤) بيكر، زيادة الثقات، ١/ ٨٠، ينظر كذلك: حمام، المرجع السابق، ٥١٧، سليم، زيادة الثقة، ١١.","vol":"1","page":409},{"text":"لما رواه سائر الثقات، ثم عرّج إلى ذكر الزيادة في الأسانيد، ممثّلًا لها بزيادة الوصل مع الإرسال.\nمما دعا إلى التطرّق لموضوع: محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد: (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>الزيادة ومحل ورودها في المتن أو السند:</span>\nيُعدّ من المحاور الرئيسية التي تطرّق إليها نوع زيادة الثقة عند ابن الصلاح (محلّ ورود الزيادة في المتن أو السند)، وفيما يخص تقسيم زيادات الثقات إلى أقسام حسب محلّ ورود هذه الزيادة في المتن أو الإسناد، فلعل هذا ظاهر في كتب وأبحاث المعاصرين،\n_________\n(١) حكم زيادة الثقة من حيث القبول أو الرد:\nلقد استفاضت كتب علوم الحديث وأصول الفقه في ذكر مذاهب العلماء في زيادة الثقة، وقد جمعها الباحث شوكت - في رسالته- فوجد أنها في مجملها تعود إلى أربعة أقوال:\n١ - قبول زيادة الثقة مطلقًا.\n٢ - ردها مطلقًا.\n٣ - اعتبار بعض الشروط في قبولها، وهي شروط تتعلّق (بالراوي، والمروي، وحال التلقّي).\n٤ - ليس هناك حكم مطّرد على الزيادة من القبول أو الرد؛ بل تُلاحظ القرائن لكل زيادة على انفرادها.\nثم ناقش هذه الأقوال، وكانت نتيجتها:\nأما القول الأول بقبول الزيادة مطلقا: فقد نُوزع فيه وظهر خطأ هذا الإطلاق، وكذلك القول بردّ الزيادة مطلقًا غير مرضي؛ حيث يؤدي إلى طرح كثير من الأحاديث التي ورد فيها زيادات تفيد أحكامًا.\nوالقول الثالث وما ذُكر فيه من شروط قد يُعتبر بعضها في قبول الزيادة أو ردها؛ بل هذه الشروط تعتبر من القرائن التي يُشير إليها القول الرابع، وهو القول الوسط في قبول الزيادة أو ردها، وهو ما رجّحه الباحث، ولخّص عبدالجواد حمام الأقوال في حكم زيادة الثقة بقوله:\n\"أن الزيادة تُقبل بشرطين:\nالأول: أن يكون راويها من العدالة والضبط والإتقان ما تحتمل منه هذه الزيادة.\nالثاني: أن تخلو هذه الزيادة بعد الدراسة والنظر من أي قرينة أو أمارة على خطئها وعدم صحتها.\nفبهذا الأصل وهو القَبول، مع هذين الشرطين تجتمع كل الأقوال السابقة، وتلتقي آراء المحدثين المختلفة\"، \"وهذا هو الصواب وهو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك أما الجزم بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة كبيرة\".\nوفي بحث الدكتورة مستورة المطيري في بيان أثر هذه القرائن من حيث قبول الزيادة أو ردّها، قالت: \"رأيت في هذا البحث أن أُشير إلى دور القرائن والمرجحات وأهميتها في قبول زيادة الثقة، وأبين أن هذا المنهج هو الذي انتهجه وسار عليه معظم العلماء سواء منهم القدامى والمعاصرين\".\nالمراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤ - ٤٢٦، ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٥ - ٦٣٩، ابن حجر، النزهة، ٨٢ - ٨٤، السخاوي، فتح المغيث، ٢٦٦، بيكر، زيادة الثقات، ١/ ١١٠ - ١٧٤ باختصار، حمام، التفرد، ٥٧٢، الفحل، أثر الاختلاف، ٣٣٣، أميرة الصاعدي، القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين، ٢٢٧ - ٢٣٠، المطيري، زيادة الثقة، ٢٧٣.","vol":"1","page":410},{"text":"بينما حين يُتتبّع ذلك عند من سبق فإن ما يتعلّق بزيادات الإسناد، وحكمها يكون - في الغالب- مبثوثًا بين أنواع أخرى من علوم الحديث. (١)\n- فقد أفرد الحاكم زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية) (٢)،\nومثّل لها بعشرة أمثلة (٣) ضمّت زيادات للثقات وغيرهم، ولعله لذلك لم يذكر - حكم الزيادة في المتن- في هذا النوع، وإنما أشار إلى قَبولها من الثقة في نوع سابق في ترتيب كتابه (٤)، هذا فيما يخص الزيادة في المتن.\nأما الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أن الحاكم في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد (٥)، يُضاف إليه ما\n_________\n(١) \"قد خصّ كثير من أهل العلم الكلام على الزيادات بما وقع في المتون كما فعل الحاكم وغيره، وذكروا ما يقع من الزيادات في الأسانيد ضمن أبواب أخرى كـ (الشاذ والمنكر والمزيد في متصل الأسانيد والمعلل)، ومنهم من جمع الكلام على الصنفين جميعًا كالحافظ ابن رجب وغيره.\" سليم، زيادة الثقة، ١١ - ١٢.\n(٢) \"التقييد بـ (ألفاظ فقهية) غير سديد، إذ وردت هناك زيادات لا صلة لها بالفقه البتة، وإنما هي تفيد فوائد أخرى، مثل: رفع الإشكال، أو زيادة بيان وتوضيح، وغير ذلك\" بيكر، زيادة الثقات، ٧٨.\n\"والظاهر أن الحاكم إنما يتكلم عن نوع خاص من الزيادات التي لها تعلّق بالأحكام، ويشهد لذلك الأمثلة التي ساقها فكلها في مواضيع فقهية\" حمام، التفرد، ٥١٣.\nوالمراد: الألفاظ الفقهية والزيادات التي يُستنبط منها الأحكام الفقهية، وليس ما زاده الفقهاء دون المحدثين، فذلك يدخل في نوع المدرج. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.\n(٣) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٣٠ - ١٣٥.\n(٤) في النوع الثالث عشر، وهو نوع معرفة المدرج. ينظر: المرجع السابق، ٤٠.\n(٥) قال الحاكم في\"القسم الثالث من الصحيح المختلف فيه:\nخبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده ثم يرويه عنه جماعة من الثقات فيرسلونه. ومثاله: حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» الحاكم، الإكليل، ٤٧.\nوالحديث أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلّف عن الجماعة ١/ ٢٦٠ ح (٧٩٣)، والحاكم في المستدرك كتاب الطهارة ١/ ٣٧٢ ح (٨٩٣).","vol":"1","page":411},{"text":"ذكره في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، (١) إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد. (٢)\nأشار إلى ذلك ابن رجب حيث قال في شرح العلل: \"وقد تكرر في هذا الكتاب ذكر الاختلاف في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، وكلام أحمد وغيره من الحفاظ يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك، والأحفظ - أيضًا - ...\nوذكر الحاكم أن أئمة الحديث على أن القول قول الأكثرين، الذين أرسلوا الحديث، وهذا يخالف تصرفه في المستدرك.\" (٣)\nفكلام الحاكم في مواضع كثيرة من (المستدرك) صريح في أنه يقبل وصل المرسل ورفع الموقوف، إذا كانا من ثقة، مهما كان شأن المُرسِل أو المُوقِف، وعلى هذا بنى الكتاب.\n_________\n(١) مثّل تحت الجنس الثاني من أجناس العلل (بتعارض الوصل مع الإرسال)، وفي الجنس العاشر (بتعارض الوقف مع الرفع) وعدّ ذلك مما يُعلل به الحديث. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٤ - ١١٨.\n(٢) نقل الزركشي في كتابه النكت عن العلائي قوله: \"ومنهم من قبل الزيادة من الثقة مطلقا، سواء اتحد المجلس أو تعدد، كثر الساكتون أو تساووا، فمن هؤلاء: ابن حبان والحاكم فقد أخرجا في كتابيهما اللذين التزما فيهما الصحة كثيرا من الأحاديث المتضمنة للزيادة التي يتفرد بها راو واحد وخالف فيها العدد والأحفظ.\" الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٦،\nوالأمثلة في كتابه المستدرك كثيرة ينظر: الحاكم، المستدرك،: ١/ ٥٤ ح (٢٢ - ٢٣ - ٢٤ - ٢٥)، ١/ ٣٢٧ ح (٧٥٥)، ١/ ٣٩٢ ح (٩٥٩)، ١/ ٤٣٢ ح (١٠٨٧)، ١/ ٦٢٣ ح (١٦٦٤ - ١٦٦٥)، ١/ ٧٤٢ ح (٢٠٤٢)، ٢/ ١٩ ح (٢١٨٢)، ٢/ ١٧٤ ح (٢٦٨٠).\n(٣) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧. ينظر: سليم، زيادة الثقة، ٧٣ - ٧٤.","vol":"1","page":412},{"text":"أما النصوص القليلة التي توهم أنه يُشترط في قبول الزيادة أن يكون راويها أحفظ من راوي النقص، كقوله عن حديث رواه: \"أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة\" (١)، فيمكن توجيهها على النحو الآتي:\nأن مثل هذه النصوص لا حكم لها فيما نحن بصدده، ولا يستفاد منها قيد يُقيَّد به كلام الحاكم المطلق في قبول الزيادة؛ وذلك لأمرين:\nالأول: أن هذه النصوص نادرة جدّا في الكتاب؛ فلا تقاوم النصوص المطلقة التي تكررت كثيرًا، إلى الحد الذي لا يصلح معه تقييدها بهذه النصوص القليلة النادرة.\nالآخر: أن هذه النصوص وصف لما هو كائن، وليست شرطًا يوضع لقبول زيادة الثقة، (٢) ...\nوقبول الزيادة في الإسناد هو الذي جرى عليه الحاكم في رواياته في (المستدرك) وتعليقاته عليها، وتصحيحاته لها. (٣)\n- والخطيب البغدادي حين عنون أحد أبواب كتابه الكفاية بقوله: \"باب القول في حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة، إذا انفرد بها\" (٤)، فإنه عنى بالزيادة: الزيادة في المتن، وذلك\n_________\n(١) الحاكم، المستدرك، ١/ ١٨١ ح (٣٤٣).\n(٢) وربما يتضح هذا الأمر من معرفة المقصود بالمقارنة في قول الحاكم: \"أسنده جماعة وأوقفه جماعة والذي أسنده أحفظ والزيادة منهم مقبولة\"، فمن أوقفه هو أبو جناب الكلبي، واسمه يحيى بن أبي حيّة، وهو ضعيف، وقد قال عنه الحاكم: \"وأبو جناب من لا يحتج بروايته في هذا الكتاب\" أما من رفعه فهو شيبان بن فروخ وهو صدوق حسن الحديث. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٤٩١ (٢٣١٧)، ٢/ ٣٦٤ (٦١٥٤)، ابن حجر، التقريب، ٢٦٩ (٢٨٢٤)، ٥٨٩ (٧٥٢٢). علي، الإمام الحاكم، ٢٤٨ - ٢٥٠.\n(٣) ينظر: علي، الإمام الحاكم، ٢٤٨ - ٢٥٠ باختصار.\n(٤) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٢٤.","vol":"1","page":413},{"text":"يُفهم مما أورده تحت عنوان الباب من مناقشة حكم هذه الزيادة من جهة تعلّقها بحكم شرعي أو لا، أو من جهة تعلّق الزيادة بلفظ الحديث أو معناها ...\nأما ما يتعلّق بالزيادة في الأسانيد فقد أفرد أبوابًا لذلك منها ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: \"باب القول فيما روي من الأخبار مرسلا ومتصلا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟ \" (١)، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلًا ضابطًا للرواية، فقال:\n\"ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية، فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله، ولا تكذيب له، ولعله أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، ... \" (٢)\nوقال تحت \"باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى، ما حكمه؟ ... والأخذ بالمرفوع أولى، لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولا ومقطوعا، وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لا يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لازم، والله أعلم\" (٣)، حيث أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ\n_________\n(١) المرجع السابق، ٤٠٩.\n(٢) المرجع السابق، ٤١١.\n(٣) المرجع السابق، ٤١٧.","vol":"1","page":414},{"text":"زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد (١)، فقال:\n\"وقد صنف في ذلك الحافظ أبو بكر الخطيب مصنفًا حسنًا سماه \"تمييز المزيد في متصل الأسانيد\" وقسمه قسمين:\nأحدهما: ما حُكِم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.\nوالثاني: ما حُكِم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.\nثم إن الخطيب تناقض، فذكر في كتاب الكفاية للناس مذاهب في اختلاف الرواة في إرسال الحديث ووصله، كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين، ثم إنه اختار أن الزيادة من الثقة تقبل مطلقًا، كما نصره المتكلمون وكثير من الفقهاء. وهذا يخالف تصرفه في كتاب (تمييز المزيد) \" (٢).\n- وأما ابن الأثير فقد عنى بالزيادة: زيادة المتون، حيث صرّح بذلك حين عرّفها بكونها زيادة تُرفع إلى النبي - ﷺ - وتُجعل من قوله (٣)، ثمّ فرّق بينها وبين المُدرج (٤).\n_________\n(١) ونوع المزيد في متصل الأسانيد: هو أن يُزاد في الإسناد رجلًا فأكثر غلطًا. شريطة أن يكون ظاهر الإسناد الاتصال، وكان الذي لم يزد أتقن ممن زاد، وصرح في موضع الزيادة بالسماع. ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٩٩، ابن الملقن، التذكرة، ٢٠، ابن حجر، النزهة، ١١٧.\n(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧ - ٦٣٨.\n(٣) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥.\n(٤) قال الحاكم: \" معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - \"، وذكر ابن الصلاح أقسام الحديث المدرج، ومنها:\n١ - ما أدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته، بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب ما يرويه من الحديث كلاما من عند نفسه، فيرويه من بعده موصولا بالحديث غير فاصل بينهما.\n٢ - أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفا منه، فإنه عنده بإسناد ثان، فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول، ويحذف الإسناد الثاني، ويروي جميعه بالإسناد الأول.\n٣ - أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر، مخالف للأول في الإسناد.\n٤ - أن يروي الراوي حديثا عن جماعة، بينهم اختلاف في إسناده، فلا يذكر الاختلاف، بل يدرج روايتهم على الاتفاق. ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٣٩، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨.","vol":"1","page":415},{"text":"وحكم بقبولها عند الأكثر، فقال: \"إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى\" (١)\n- أما ابن الصلاح فقد بدأ بذكر الزيادة في المتن ضمن ما ينفرد به الثقة عمومًا، وعمد إلى تقسيمها إلى أقسام حسب موافقتها أو مخالفتها لما رواه سائر الثقات (٢)، ثم أشار إلى الزيادة في الأسانيد، وحكمها (٣)، وفرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقًا (٤)، حيث قال: \"فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع؛ لأنه مثبت وغيره ساكت، ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه؛ لأنه علم ما خفي عليه.\" (٥)\nبينما هناك من يعدُّ تعارض الوصل والإرسال أو الوقف والرفع من أجناس العلل التي تُعلَّل بها الروايات - كما سبق عند الحاكم- فيعدّ الإرسال أو الوقف قادحًا في الوصل والرفع، بينما الزيادة في المتن لا تُعدّ كذلك، قال الزركشي: \"الإرسال علة في السند فكان وجودها - أي الزيادة في الإسناد- قادحا في الوصل وليست الزيادة في المتن كذلك ... \" (٦)\n_________\n(١) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٣\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٥ - ٨٦.\n(٣) ينظر: المرجع السابق، ٨٨.\n(٤) المطيري، زيادة الثقة، ٢٩٠.\n(٥) المرجع السابق، ٧٢.\n(٦) الزركشي، النكت، ٢/ ١٨٨.","vol":"1","page":416},{"text":"قال عمرو عبدالمنعم - في كتابه زيادة الثقة-: \"فرق كبير بين ما يزيده الثقة في الإسناد وما يزيده في المتن، بخلاف من أطلق قبول (زيادة الثقة) فلم يُفرِّق بين الأسانيد والمتون، ... \" (١).\nوقال في موضع آخر:\n\"فالاختلاف على راوٍ في السند بزيادة أو نقصان بخلاف الاختلاف عليه في المتن في زيادة لفظة أو جملة، من جهة: أن الثقة إذا انفرد برواية حديث لم يأت به غيره، فهو صحيح محتج به إذا استوفى شروط الصحة لا سيما انتفاء الشذوذ والعلة، فقبول ما تفرّد به من الزيادة في الحديث أولى إن كانت هذه الزيادة مما يُحتمل من مثله، ولا تستنكر عليه، بخلاف أن يروي الحديث بسند زائد أو ناقص فيخالف فيه من هو أولى منه بقبول روايته، فحينئذ تُردُّ روايته ويُحكم عليها بالشذوذ ... \" (٢)\nفالزيادة في المتن تُعلَّل في حال ثبت شذوذها، قال الحافظ ابن حجر:\n\"ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا لا يؤثر التعليل به، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع.\nأما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقل فلا، اللهم إلا إن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته، فما كان من هذا القسم فهو مؤثر\" (٣)\n- ولقد ذهب ابن حبان في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهبًا خاصًا، ففرّق بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في\n_________\n(١) سليم، زيادة الثقة، ٣٢.\n(٢) المرجع السابق، ٧٩.\n(٣) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٧.","vol":"1","page":417},{"text":"المتن فلا، لأن اعتناءه بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر. (١)\n\"وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه، ولا شك أن توثيق الأئمة للراوي يتناول ضبطه للأسانيد وللمتون جميعًا، فإذا عُلِم منه أنه يروي ما يخالف فيه من هو أوثق منه سواءً بالمعنى الذي يُخلَ، أو باللفظ الذي يحيل على معانٍ أخرى سوى ما روت الأثبات فحينئذ لا يدخرون جهدًا في تليينه أو الكلام فيه، وإن كان ممن يُنسب إلى الحفظ والتثبت.\" (٢)\n\n- بينما رجّح ابن رجب - بعد أن استعرض الأقوال في حكم زيادة الثقة- وخَلُص إلى: أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة كأحمد وغيره يدور على اعتبار قول الأوثق في ذلك والأحفظ أيضًا (٣)، وهو ما رجّحه كذلك ابن حجر نقلًا عن أئمة الحديث المتقدمين (٤) من أنهم يعتبرون الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة.\n_________\n(١) فقد قال ابن حبان في مقمة صحيحه: \"وأما زيادة الألفاظ في الروايات، فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويَعلمُه، حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن سَننهِ أو غيَّره عن معناه أم لا؟ لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع مُحدِّث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط.\nوكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ.\" صحيح ابن حبان، ١/ ١١٩، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٠١ - ٧٠٢.\n(٢) سليم، زيادة الثقة، ٨٨.\n(٣) ينظر: ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧.\n(٤) \"كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم\" ابن حجر، النزهة، ٨٢ - ٨٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ٢٦٦.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- ضوابط زيادة الثقة (قيود زيادة الثقة المستنبطة من تعريفاتها):\n- إن من القيود ما اتفقت عليه التعريفات، وإن لم يتم التصريح به في بعضها، إلا أن سياق الكلام يدل عليه، أو جاءت الإشارة إليه ضمن شرحهم لقيود التعريف أو التمثيل له، من ذلك:\n١) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لا تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يرو الزيادة.\n٢) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقًا ولا تدخل في باب زيادة الثقة.\n- أما تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على عدد رواة الزيادة، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحدًا، ليفيد بأنه قد يروي الزيادة جماعة من الرواة كما أنه يرويها راوٍ واحد.\n- وفيما يخص محلّ ورود الزيادة، وأثر ذلك في الحكم عليها من حيث القبول أو الرد،\nوتفريق بعضهم بين الزيادة في المتن والزيادة في الإسناد، فهو على النحو الآتي:\n- الحاكم أفرد زيادات المتون بنوع مستقل، وعنى بالزيادة (الألفاظ الفقهية)، وحكم بقَبولها من الثقة، وكذلك فيما يخص الزيادة في الأسانيد، فعلى الرغم من أنه في كتابه (المدخل إلى الإكليل) أشار إلى الفرق بين منهج الفقهاء والمحدثين تجاه زيادات الثقات في الأسانيد، وما ذكره كذلك في نوع العلل وأجناسها في (علوم الحديث) مما يدلّل على أنه يُرجّح منهج المحدثين في الأخذ بالقرائن في زيادات الأسانيد، إلا أنه بنى كتابه المستدرك على قبول الزيادة إذا كانت من الثقة سواء كان ذلك في المتن أو الإسناد.","vol":"1","page":419},{"text":"- الخطيب البغدادي أطلق الحكم بقبول الزيادة من العدل سواء كانت الزيادة في المتن أو الإسناد، وقد أشار ابن رجب إلى تناقض ما ذكره الخطيب فيما يخصّ زيادات الأسانيد في كتابه (الكفاية) مع صنيعه في كتابه (تمييز المزيد في متصل الأسانيد).\n- ابن الصلاح فرّق بين حكم الزيادة في المتن، والزيادة في الإسناد، فالزيادة في المتن يختلف حكمها حسب نوع الزيادة من حيث المخالفة والمنافاة لما رواه سائر الثقات، في حين أن ابن الصلاح يقبل الزيادة الواقعة في السند مطلقًا.\n- ابن حبان ذهب في تفريقه بين زيادة الثقة في الإسناد أو المتن مذهبًا خاصًا، ففرّق في الزيادة بين الفقيه والمُحدّث، فإن كانت الزيادة من مُحدّث في الإسناد قُبلت، وإن كانت في المتن فلا، لأن اعتناء المحدِّث بالإسناد أكثر، وإن كانت الزيادة من فقيه في المتن قُبلت وإن كانت في الإسناد فلا، لأن اعتناءه بالمتن أكبر.\n- بينما رجّح كل من: ابن رجب، وابن حجر أنه لا فرق في الزيادة بين الإسناد والمتن، وأن خلاصة كلام الأئمة المتقدمين فيما يتعلق بزيادة الثقة سواء في المتن أو الإسناد، أنهم يعتبرون الترجيح ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قَبول الزيادة.\n- اعتنت أكثر كتب علوم الحديث ببيان حكم زيادة الثقة في المتن؛ لما لذلك من أهمية في استنباط الأحكام الفقهية، بينما زيادات الإسناد تفرّق الحديث عنها في أبواب (تعارض الوصل مع الإرسال، وتعارض الرفع مع الوقف، والعلل) ونحوها.\nوهناك تداخل بين بعض المصطلحات مع زيادة الثقة، يمكن الإشارة إليها على النحو الآتي:\n- الفرق بين الأفراد وزيادة الثقة:\n\"إن الفرق بين تفرد الراوي بالحديث من أصله وبين تفرده بالزيادة ظاهر، لأن تفرده بالحديث لا يلزم منه تطرق السهو والغفلة إلى غيره من الثقات إذ لا مخالفة في روايته لهم","vol":"1","page":420},{"text":"- بخلاف تفرده بالزيادة إذا لم يروها من هو أتقن منه حفظًا وأكثر عددًا، فالظن غالب بترجيح روايتهم على روايته. ومبنى هذا الأمر على غلبة الظن.\" (١)\n-الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة:\nفي زيادة الثقة: الزيادة تكون ألفاظ تُستنبط منها أحكام فقهية، لا ما زاده الفقهاء دون المحدثين في الأحاديث فإن تلك تدل على المدرج. (٢)\nويضاف إلى ذلك أن: \"- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف ...\n- يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلامًا للنبي - ﷺ - ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلامًا للصحابي فما دونه.\" (٣)\n- الفرق بين علم الزوائد وزيادة الثقة:\nعلم الزوائد: \"علم يتناول إفراد الأحاديث الزائدة في مُصنّف رويت فيه الأحاديث بأسانيد مؤلِّفه، على أحاديث كتب الأصول الستة أو بعضها، من حديث بتمامه لا يوجد في الكتب المزيد عليها، أو هو فيها عن صحابي آخر، أو من حديث شارك فيه أصحاب الكتب المزيد عليها أو بعضهم، وفيه زيادة مؤثرة عنده\". (٤) فالصلة بين علم الزوائد، وزيادة الثقة، أن كتب الزوائد تضم بين دفّتيها أحاديث فيها زيادات للرواة، فإذا كان راوي الزيادة\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٩١.\n(٢) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، البلقيني، المحاسن، ٢٥٠، ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٦.\n(٣) عفيف سميح مصاروة، زيادة الثقة عند الإمام البخاري دراسة نظرية تطبيقية، ٥٥.\n(٤) خلدون الأحدب، علم زوائد الحديث، ١٢.","vol":"1","page":421},{"text":"ثقة، فهي عين زيادة الثقة، (١) وعليه فإن زيادات الثقات إنما هي نوع من الأحاديث المخرّجة في كتب الزوائد.\n- الفرق بين مختلف الحديث وزيادة الثقة:\nفرّق أحد الباحثين بين زيادة الثقة ومختلف الحديث فقال:\n\"إن الزيادة إذا جاءت من ثقة واحد عن الشيخ نفسه وانفرد بها عن أقرانه -رواة الحديث- فهذا الذي يُسمّى زيادة الثقة.\nأما إذا وجدنا متابعة لهذا الثقة فإنه يخرج من دائرة الزيادة والتفرد إلى دائرة الاختلاف (مختلف الحديث) ... أي إن: زيادة الثقة إنما تكون من واحد أمام جماعة، أما إذا تكافأ العدد كأن يكون واحد أمام واحد أو أكثر فهذه لا تسمّى زيادة ثقة بل تُسمّى (مختلف الحديث).\" (٢)\nوقد عُدّ ما ذهب إليه حصر لمفهوم زيادة الثقة في نطاق ضيق، فزيادة الثقة قد تأتي من ثقة انفرد بتلك الزيادة دون غيره، أو قد يتابعه عليها ثقات آخرين، فتكون الصلة بين نوع (مختلف الحديث) وبين نوع (زيادة الثقة) على النحو الآتي:\nإن الزيادات التي تخالف المزيد عليه، أي أصل الحديث؛ فيمكن الجمع أو الترجيح بينهما -أي: بين الزيادة وبين المزيد عليه- فهي تندرج أيضًا تحت نوع (مختلف الحديث). أما الزيادات التي لا تخالف المزيد عليه فلا تدخل في هذا النوع (٣)، والله أعلم.\n\nوبهذا نختم فصل زيادة الثقة، وننتقل إلى الفصل الثامن، وتحرير مصطلح الحديث المعلل، والذي له تعلّق بالمصطلحات السابقة، حيث انتفاء العلة قيدٌ بارزٌ في فصليّ\n_________\n(١) ينظر: بيكر، زيادة الثقة، ١/ ٩٠.\n(٢) ينظر: المحمدي، الشاذ والمنكر، ٥ - ٦ باختصار.\n(٣) ينظر: بيكر، زيادة الثقة، ١/ ٩٤ بتصرف.","vol":"1","page":422},{"text":"الصحيح والحسن، والتفرّد مظنة العلة، ولا يكتمل تحرير تلك المصطلحات إلا ببيان المراد بالعلة والحديث المعلل.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الفصل الثامن: الحديث المعلل</span>\nالمبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المبحث الأول: تعريف المعلل لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المطلب الأول: تعريف المعلل لغة:</span>\nالمعلل: اسم مفعول من علَّل.\nوقد ذكر ابن فارس (١) أن الفعل (علَّ) يأتي على أصولٌ ثلاثة صحيحة:\nالأول: تكرُّرٌ أو تكرير، ومنه: العَلَلُ، وهي الشربة الثانية.\nوالثاني: عائق يعوق صاحبه، والعلة حدث يشغل صاحبه عن وجهه.\nوالثالث: ضَعفٌ في الشيء، فالعلة مرض، وصاحبها معتل. (٢)\nوعليه فإن من معاني العلة في اللغة: التكرير، والمرض، والعائق يعوق صاحبه. (٣)\nقال السخاوي: \"أعله الله فهو مُعلّ، ولا يقال: معلل، فإنهم إنما يستعملونه من علله بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به، ومنه تعليل الصبي بالطعام، وما يقع من استعمال أهل الحديث له;\n_________\n(١) أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي، أبو الحسين القزويني، كان إمامًا في علوم شتى، وخصوصًا اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه (المجمل) في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئًا كثيرًا. مات سنة ٣٩٥ هـ. ينظر: ابن خلكان، الوفيات، ١/ ١١٨، الذهبي، السير، ١٧/ ١٠٣.\n(٢) ينظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، ٤/ ١٣ - ١٤.\nوقد أوضح الدكتور همام سعيد العلاقة بين هذه المعاني اللغوية للعلة، وبين المعنى الاصطلاحي فقال -في مقدمة تحقيقه لشرح علل الترمذي-: \"ولما كان من معاني (علّ) في أصل اللغة الشربة الثانية، كما ذكر ابن فارس في معنى هذه المادة، فيكون هذا الاستعمال لا غبار عليه، لا في اللغة ولا في الاصطلاح، وتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي أن العلة ناشئة عن إعادة النظر في الحديث مرة بعد مرة.\nوكما يقال (معلول) بهذا المعنى فإنه يقال (معلّ) لما دخل على الحديث من العلة بمعنى المرض. وأما استعمال (معلل) فلا تمنعه القواعد إذا كان مشتقًا من (علله) بمعنى ألهاه به وشغله، ويكون معنى (الحديث المعلل): هو الحديث الذي عاقته العلة وشغلته فلم يعد صالحا للعمل به.\" همام عبدالرحيم سعيد، \"مقدمة في العلة وميدانها\" من تحقيقه لشرح علل الترمذي لابن رجب، ١/ ٢١.\n(٣) يُنظر: الفراهيدي، العين، ١/ ٨٨. الرازي، مختار الصحاح، ٢١٦.","vol":"1","page":425},{"text":"حيث يقولون: علله فلان، فعلى طريق الاستعارة.\" (١) \"فكأن وجه الشبه الشغل، فإن المُحدِّث يشتغل بما فيه من العلل.\" (٢)\nوتعقّب ابن الصلاح تسميّة الحديث المُعلّ بالمعلول، فقال: \"ويسميه أهل الحديث (المعلول)، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: (العلة والمعلول) مرذول عند أهل العربية واللغة\" (٣).\nوتبعه النووي في ذلك فقال: هو لحن (٤)، أي: تسميته بالمعلول، بينما جوّد العراقي تسميته بالمُعلّ، وأشار إلى أن لفظ معلول قد وقع في عبارات النقّاد من المحدثين (٥)، مما حدا بابن حجر إلى ترجيح هذه التسمية على غيرها؛ نقل ذلك عنه البقاعي في النكت، فقال: \"قال شيخنا: والأولى عندي أن يقال: معلول؛ لأنها وقعت في عبارات أهل الفن ... \" (٦).\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٤.\n(٢) القاري، شرح النخبة، ٤٥٩.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٩.\n(٤) النووي، التقريب، ٤٣، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩٤.\n(٥) ينظر: العراقي، التقييد، ١١٧ - ١١٨.\n(٦) وأتبع ذلك بقوله: \"وهي لغة، كما في كلام أبي إسحاق، وعلى ما خرجه سيبويه، وقد فر ابن الصلاح من استعمال لغة، هي على زعمه رديئة، فوقع بقوله: (معلل) في أشد من ذلك باستعمال ما ليس من هذا الباب أصلا، بل من باب التعلل، الذي هو التشاغل والتلهي\". البقاعي، النكت، ١/ ٤٩٩.\nوفي بحث قواعد العلل قال مؤلفه: \"وأقدم من وجدته استعمل كلمة معلول بمعنى مريض.\nالمراجع: ينظر: الشافعي، الأم، ٤/ ٣٢٥، أبو داود، رسالة أبي داود إلى أهل مكة، ٣٣، الترمذي، العلل الكبير، ٢٠٦ ح (٣٦٥)، الترمذي، السنن، ١/ ١٥٨ ح (٩٧) - ٢/ ٤١٩ ح (١١١٩)، الخليلي، الإرشاد، ٣/ ٩٦١، الزرقي، قواعد العلل وقرائن الترجيح، ٨ - ٩. الصياح، جهود المحدثين في بيان علل الحديث، ١٤.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nورد لفظ العلة - وكذلك وصف الحديث بكونه مُعلًا أو معلولًا- في كتب نقاد الحديث، إلا أن تفسير معنى العلة أو الحديث المعلول، وحدِّه بما يُميِّزه إنما ورد في بعض الكتب التي صُنِّفت في علوم الحديث، وكان \"أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث- وهو أقرب إلى الوصف منه إلى التعريف-\" (١) ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث.\n\nتعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nقال الحاكم في كتابه \"معرفة علوم الحديث\"- تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث-: \"معرفة علل الحديث، وهو علم برأسه غير الصحيح، والسقيم، والجرح والتعديل ... \".\nثم أتبعه بقوله: \"وإنما يُعلَّل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (٢)\nتعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):\nأما ابن الأثير فقد ذكر صفة الحديث المعلل في مقابلة الحديث الشاذ (٣)، فقال في مقدمة كتابه جامع الأصول: \"وربَّ حديث شاذ انفرد به الثقة، إلا أنه لا أصل له، ولا يتابع عليه،\n_________\n(١) محمد عبدالرحمن طوالبة، مفهوم العلة عند المحدثين، ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\n(٣) ما ذكره ابن الأثير استفاده من علوم الحديث للحاكم، كما سبق بيانه في فصل الحديث الشاذ.","vol":"1","page":427},{"text":"فيخالف فيه الناس، ولا يعرف له علة يعلل بها، فإن الحديث المعلل: هو ما عُرفت علته، فذُكِرت، فزال الخلل منه (١). والشاذ: ما لا يعرف له علة.\" (٢)\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nذكر ابن الصلاح - في كتابه علوم الحديث تحت (النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل) - معنى علل الحديث، فقال: \"عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.\nويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.\" (٣)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فالأغلب اختصر كلامه كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)،\n_________\n(١) عبارة (زال الخلل منه) أجدها مُبهَمة، إذ كيف يزول الخلل مع ظهور علته، ولعل المقصود منها: ظهور وجه الخلل بها، فزال خفاؤه.\nفقد ذهب الحاكم -في بيان الفرق بين الشاذ والمعلول- إلى أن المعلول ما يوقف على علته بعد البحث وجمع الطرق، بينما الشاذ يتفرّد الراوي به ولا متابع له، وينقدح في نفس الناقد بأن له علة لم يقف عليها، حيث قال: \"فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة\". الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.\nوقد راجعت مخطوطة لجامع الأصول وجدتها على موقع الألوكة، للتأكد من عدم وجود تصحيف أو سقط في المطبوع، فوجدت العبارة بنصها. ينظر: المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير، جامع الأصول في أحاديث الرسول - ﷺ -، مكتبة الغازي خسروبك، مصوّرة، اللوح ١٩، السطر ٢٧. http://www.alukah.net/library/0/76159/.\n(٢) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٧٧.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠. قال ابن حجر: \"قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث) \". ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.\n(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٣ - ٤٤.","vol":"1","page":428},{"text":"وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (١)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٢)، والبلقيني (ت ٨٠٥ هـ) (٣)، والعراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) نقل عبارة ابن الصلاح بتصرّف يسير في المقنع (٥)، واختصرها في التذكرة، فقال: \"والمعلل: وهو ما اطلع فيه على علة قادحة في صحته، مع السلامة عنها ظاهرا.\" (٦)\nولعل من أبرز تعريفات الحديث المعلل بعد ابن الصلاح (٧):\nتعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) حيث قال في النزهة: \"المعلل لغة: ما فيه علة، واصطلاحا: ما فيه علة خفية قادحة\" (٨). ثم أوضح مراده بهذه العلة - في موضع آخر- فقال:\n\"ثم الوهم ... إن اُطّلِع عليه بالقرائن الدالة على وهم راويه -من وصل مرسل أو منقطع أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق- فهذا هو المعلل.\" (٩)\nفالمعلل - وفق ما ذكر- ناتج عن وهم الرواة. (١٠)\n_________\n(١) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٢.\n(٢) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٧٨.\n(٣) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٥٩.\n(٤) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٧٤.\n(٥) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٢.\n(٦) ابن الملقن، التذكرة، ١٧ - ١٨.\n(٧) ملاحظة: لم أُشر إلى ما جاء في النسخة المطبوعة من كتاب الموقظة في الجمع بين مصطلحي (المضطرب والمعلل)؛ لأن إدراج لفظ المعلل من صنيع المحقق -﵀- وقد أدرجه لوجوده في إحدى النسخ، على الرغم من أن شيخ الذهبي (ابن دقيق العيد) لم يورده في كتابه (الاقتراح). ينظر: الذهبي، الموقظة، ٥١، سليم، شرح الموقظة، ١٢٠، العوني، شرح الموقظة، ١٣٧.\n(٨) ابن حجر، النزهة، ٧٠.\n(٩) المرجع السابق، ١١٣.\n(١٠) \"كثير من أجناس العلل راجع إلى تخلّف صفة الضبط في الراوي، وذلك هو الوهم، والأوهام تتنوع بحيث لا يُمكن حصرها أو تسمية كل منها باسم اصطلاحي خاص\". الحسني، مدار الإسناد، ١/ ١٩٩.","vol":"1","page":429},{"text":"وقد صاغ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) تعريف الحديث المعلل بقوله: \"فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اُطُّلِع فيه بعد التفتيش على قادح.\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nحرّر ابن الصلاح كلام الحاكم في نوع الحديث المعلل - كما ذكر ابن حجر (٢) - ثم عمد إلى تعريف الحديث المعلل بقوله: \"هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها\"، وذلك بعد أن ذكر تعريف علل الحديث بكونها: \"عبارة عن أسباب خفية غامضة قادحة فيه\"، وذكر أن العلل عادةً تتطرق \"إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.\" (٣)\nويمكن الإشارة إلى أن أبرز قيود العلة الواردة في تعريف ابن الصلاح هما قيّدي: الغموض، والقدح في الصحة، وفيما يلي تفصيل ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>قيود الحديث المعلل عند ابن الصلاح:</span>\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٦.\n(٢) قال ابن حجر في النكت على ابن الصلاح: \"وهذا تحرير لكلام الحاكم في (علوم الحديث) \". ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.","vol":"1","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>القيد الأول: أن تكون العلة غامضة خفيّة</span>.\nوالخفي في اللغة من: الاستتار وعدم الظهور، وهو خلاف الظاهر. (١)\nوالغامض من الكلام: خلاف الواضح. (٢)\nوبالنظر إلى ما سبق من تعريفات للعلة، فقد أشار الحاكم إلى قيد الغموض والخفاء في العلة حيث قال: \"يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (٣)\n_________\n(١) ينظر: ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٦٥، المعجم الوسيط، ١/ ٢٤٧.\n(٢) ينظر: الرازي، الصحاح، ٣/ ١٠٩٦، المعجم الوسيط، ٢/ ٦٦٢.\n(٣) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\nومن أمثلة غموض العلة وخفائها، ما صرّح به أبوحاتم في تعليله لبعض الأحاديث بقوله: (هذا الحديث له علة قل من يفهمها، أو ومن لا يفهم يستغرب هذا، ونحو ذلك من العبارات الشبيهه ...) ومثال ذلك:\n- المثال الأول: قول ابن أبي حاتم: \"وسألت أبي عن حديث رواه إسحاق بن الطباع، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؟\nقال أبي: هذا من تخاليط ابن لهيعة، ومن لا يفهم يستغرب هذا، وهو عندي خطأ؛ وحدثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه؛ أنه كان يقول: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها؛ وهذا أشبه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٦ - ٣٨ (١٢٣٣).\n- المثال الثاني: قوله: \"وسألت أبي عن حديث رواه قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان؛ قال: قلت للنبي - ﷺ -: قرأت في التوراة: بركة الوضوء قبل الطعام، فقال رسول الله - ﷺ -: بركة الطعام: الوضوء قبل الطعام وبعده؟ قال أبي: هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيح؛ كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو.\nقال: ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت.\nقال أبي: روى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي - ﷺ - أحاديث موضوعة؛ خمسة، ستة.\nقال أبي: ومن لم يفهم - ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم - يظن أن [أبا] خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخفى عليه. ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٤ (١٥٠٢).\n- المثال الثالث: قوله: \"وسمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه، عن بقية؛ قال: حدثني أبو وهب الأسدي؛ قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: (لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تعرفوا عقدة رأيه).\nقال أبي: هذا الحديث له علة قل من يفهمها؛ روى هذا الحديث عبيدالله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وعبيدالله بن عمرو كنيته: أبو وهب، وهو أسدي؛ فكأن بقية بن الوليد كنى عبيدالله بن عمرو، ونسبه إلى بني أسد؛ لكيلا يفطن به، حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له، وكان بقية من أفعل الناس لهذا ... \" ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٢٥٠ - ٢٥٢ (١٩٥٧).","vol":"1","page":431},{"text":"وقد أخرج الحاكم عن عبدالرحمن بن مهدي قوله: \"معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعلِّل الحديث: من أين قلت هذا؟، لم يكن له حجة\" (١).\nورُوي عن ابن مهدي أيضا، قوله: \"إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة\" (٢).\nفمعرفة العلل يغمُض على غير أهل هذا العلم، حيث أخرج الحاكم ما جاء في قصة أبي زُرْعة: أن رجلًا قال له:\n\"ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة، فأذكر علته ثم تقصد ابن وارة - يعني محمد بن مسلم بن وارة (٣) - وتسأله عنه ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منّا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة، فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام.\" (٤)\n\"وهذه الحكاية التي ذكرها \" الحاكم \" تدل على أن الجهابذة النقادَ يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه ومعوجِّه، كما يميز الصيّرفي بين الجيد والرديء. وكم من شخص لذلك لا يهتدي.\" (٥)\nوقال ابن حجر- موضّحًا خفاء هذا العلم على غير أهله-:\n\"وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصًا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣.وقول ابن مهدي أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي. ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٣٨٨، الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٥.\n(٢) ابن أبي حاتم، المرجع السابق، ١/ ٣٨٩.\n(٣) محمد بن مسلم بن عثمان بن عبدالله الرازي الحافظ، أبو عبد الله المعروف بابن وارة، ثقة حافظ، مات سنة ٢٧٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٢٢١ (٥١٥٣)، ابن حجر، التقريب، ٥٠٧ (٦٢٩٧)\n(٤) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣، ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٦.\n(٥) البلقيني، المحاسن، ٢٦٣.","vol":"1","page":432},{"text":"أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.\"\nوقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح [إحدى] الروايتين على الأخرى [كما] في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم - بتعليله - فالأولى إتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه.\" (١)\n\nفالمراد بالغموض والخفاء في قيد العلة: غموض هذه العلل وخفائها على غير أهل هذا الفن؛ فهو غموض نسبيّ، وليس غموضًا مطلقًا (٢)؛ إذ لا يخفى ذلك على نقاد الحديث وجهابذته، -كما أوضح ذلك ابن حجر- وأكد عليه الجزائري بقوله:\n\"وهذه المسألة ليست من المسائل الغامضة، فإن كل من اشتغل بفن من الفنون، وتفرغ له، وسلك مسلك أهله، وصرف عنايته إليه، قد يَحكُم في مسائله بحكم لا يتيسَّر له إقامة الدليل الظاهر عليه، وإن كان له في نفس الأمر دليل ربما كان أقوى من الأدلة الظاهرة، إلا أن العبارة تقصر عنه، ولذلك ترى المشاركين له في تلك الحال يحكمون بمثل حكمه في الغالب.\nومن ثم اتفق الجهابذة من العلماء على أنه يُرجَع في مسائل كل فن إلى أهله المعنيين بأمره.\nوعلى ذلك فلا يستغرب أن يقال إنه يجب في الحديث أن يرجع فيه إلى أئمته المشهورين، الذين تفرغوا له، وصرفوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله وأحوال رجاله، فإذا ثبت اتفاقهم على شيء ثبوتا بينا، لم يسغ العدول عنه، ومن سلك مسلكهم تبين له مثل ما تبين لهم\". (٣)\nوقال الخطيب البغدادي -مبيّنًا تفاوت العلة في الغموض والخفاء-:\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١١.\n(٢) ينظر: الحسني، المدار، ١/ ١٨٥.\n(٣) الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٦٥٢.","vol":"1","page":433},{"text":"- فمن الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد ... كقول علي بن المديني: \"ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة\"\n- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.\nقيل لشعبة: \"من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي - ﷺ - لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب\" (١)\nفلا يَحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله، قال ابن رجب: \"ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة، العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة صلح له أن يتكلم فيه.\" (٢)\nوالعلة الخفية تتطرق غالبًا للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما صرّح بذلك ابن الصلاح، فقال: \"ويتطرق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر.\" (٣)\nوأشار إلى ذلك الحاكم بقوله: \"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه، وعلة الحديث، يكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له\n_________\n(١) ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٧ باختصار.\n(٢) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٦٤.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.","vol":"1","page":434},{"text":"علة، فيخفى عليهم علمه، فيصير الحديث معلولا، والحجة فيه عندنا الحفظ، والفهم، والمعرفة لا غير.\" (١)\nقال ابن حجر - معقبا على كلام الحاكم-: \"فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك. وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود.\" (٢)\nوعقَّب أيضًا على قول ابن الصلاح: -\"وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل: أن يجيء الحديث بإسناد موصول، ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول ... \" (٣) - بقوله: \"ليس هذا من قبيل المعلول على اصطلاحه- وإن كانت علة في\nالجملة- إذ المعلول على اصطلاحه مقيد بالخفاء، والإرسال أو الانقطاع ليست علتها بخفية.\" (٤)\nوما قرره ابن حجر - من أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته- قد يُشكِل مع قول ابن الصلاح:\n\"ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث، المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف، المانعة من العمل به على ما\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١١٢ - ١١٣.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠٢.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٥. وأكّد إنكاره على من عرَّف المعلل بالإرسال أو الانقطاع، جاء ذلك تعقيبًا على ما نقله شيخه ابن الملقن في كتابه المقنع بقوله: \"وذكر ابن خُشَيش في كتابه (علوم الحديث) أن المعلل: أن يَروي عمن لم يجتمع به، إما بطريق التاريخ - كما تقدم- كمن تتقَّدم وفاته عن ميلاد من يروي عنه، وإما بطريق الجهة، بأن يروي الخُراساني عن المغربي، ولم يُنقل أن الخراساني انتقل من خراسان، ولا أن المغربي انتقل من المغرب\" ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٣.","vol":"1","page":435},{"text":"هو مقتضى لفظ العلة في الأصل. ولذلك تجد في كتب علل الحديث الكثير من الجرح بالكذب (١)،\nوالغفلة (٢)، وسوء الحفظ (٣).\n_________\n(١) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بكذب بعض رواته، ما يلي:\n- ما أخرجه الترمذي في العلل من رواية عمرو بن مالك، لحديث: «من كذب علي متعمدا أو رد علي شيئا أمرت به فليتبوأ بيتا في جهنم»، ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: عمرو بن مالك هذا كذاب، كان استعار كتاب أبي جعفر المسندي فألحق فيه أحاديث (أو قال: حديثا كذبا) .. \" فقد أعلّ البخاري هذا الطريق بكذب راويه. ينظر: الترمذي، العلل، ٣٤٠ (٦٣١).\n- وكذلك تضمّن ما أخرجه ابن أبي حاتم من سؤالاته لأبيه تعليل بعض الطرق بكذب راويها، من ذلك قوله: سألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن عبدالملك بن محمد الصنعاني؛ قال: حدثنا أبو سلمة العاملي، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي - ﷺ - قال لأكثم بن الجون: يا أكثم، اغز مع غير قومك تحسن خلقك، وتكرم على رفقائك؟\nقال أبي: أبو سلمة العاملي متروك الحديث، كان يكذب، والحديث باطل.\" ابن أبي حاتم، العلل، ٦/ ١٤٤ - ١٤٥ (٢٣٩٨).\nومن أمثلة ذلك في علل الدارقطني، حيث سئل عن أحاديث رويت، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين، منها: حديث يرويه جرير بن أيوب البجلي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: إذا أدخل أحدكم قدميه طاهرتين فليمسح للمقيم يوما، وللمسافر ثلاثا.\nفقال: هذا باطل عن أبي هريرة، وقد قال أبو نعيم: كان جرير يضع الحديث.\nوحديث يروى عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في نحو ذلك.\nرواه أيوب بن عتبة، وعمر بن أبي خثعم وهما ضعيفان روياه، عن يحيى، وتابعهما معلى ابن عبدالرحمن الواسطي وكان كذابا فرواه عن عبدالحميد بن جعفر، عن يحيى نحو ذلك، وزاد فيه والخمار، ولم يذكر التوقيت. ينظر: الدارقطني، العلل، ٨/ ٢٧٥ (١٥٦٣).\n(٢) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بالغفلة في بعض رواته، ما يلي:\nما جاء في علل الحديث لابن أبي حاتم حيث قال: \"سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو خالد الأحمر، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن عطاء، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: ما آمن بالقرآن من استحل محارمه؟\nقال أبو زرعة: رواه وكيع بن الجراح، عن يزيد بن سنان، عن أبي المبارك، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -.\nقلت: ورواه محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن عطاء، عن مجاهد، عن سعيد ابن المسيب، عن صهيب، عن النبي - ﷺ -.\nقال أبو زرعة: حديث محمد بن يزيد أشبه عن أبيه؛ لأنه أفهم بحديث أبيه؛ أن كان كتب أبيه عنده، ويزيد بن سنان ليس بقوي الحديث.\nوقال أبي: هذه كلها منكرة، ليست فيها حديث يمكن أن يقال: إنه صحيح، وكأنه شبه الموضوع، وحديث أبيه أنكرها، ومحل يزيد محل الصدق، والغالب عليه الغفلة، فيحتمل أن يكون سمع من أبي المبارك هذا، وهو شبه مجهول.\nقال أبي: ومحمد بن يزيد أشد غفلة من أبيه، مع أنه كان رجلا صالحا، لم يكن من أحلاس الحديث.\" ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٥٧٠ - ٥٧٢ (١٦٤٧).\n-وجاء أيضًا عن ابن أبي حاتم قوله: \"وسألت أبي عن حديث رواه هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن عبد الملك بن جابر ابن عتيك؛ قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: قضى أوفاهما؟\nقال أبي: رأيت هذا الحديث قديما في أصل هشام بن عمار: عن حاتم، هكذا مرسل، ثم لقنوه بأخرة: عن جابر، فتلقن، وكان مغفلا.\" ابن أبي حاتم، العلل، ٤/ ٦٩٥ (١٧٤٣).\n(٣) من أمثلة تعليل الحديث - في كتب العلل- بسوء حفظ بعض رواته، ما يلي:\n- ما رواه عبدالله ابن الإمام أحمد عن أبيه حيث قال: \"سألت أبي عن حديث البراء بن عازب في الرفع، فقال: حدثنا محمد بن جعفر غندر قال: حدثنا شعبة عن يزيد بن أبي زياد قال: سمعت ابن أبي ليلى يقول: سمعت البراء يحدث قوما فيهم كعب بن عجرة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - حين فتح الصلاة رفع يديه.\nقال أبي وكان سفيان بن عيينة يقول: سمعناه من يزيد هكذا ... حدثني أبي عن محمد بن عبد الله بن نمير قال نظرت في كتاب بن أبي ليلى فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد.\nقال أبي: وحدثناه وكيع سمعه من بن أبي ليلى عن الحكم وعيسى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم وعيسى يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد كما رآه بن نمير في كتاب بن أبي ليلى.\nقال أبي: ابن أبي ليلى كان سيِّئ الحفظ ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ.\" أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال، ١/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٧٠٨).\nمن أمثلة ذلك في علل الدارقطني حيث \"سُئل عن حديث ثابت، عن أنس، قالت الأنصار لرسول الله - ﷺ -: ادع لنا بالمغفرة، فقال: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار.» فقال: يرويه يزيد بن أبي زياد واختلف عنه: رواه عبد العزيز بن مسلم، عن يزيد بن أبي زياد، عن ثابت، عن أنس.\nوخالفه أبو الأحوص؛ فرواه عنه عن يزيد الرقاشي، عن أنس، والاضطراب فيه من يزيد بن أبي زياد، فإنه كان سيِّئ الحفظ.\" الدارقطني، العلل، ١٢/ ٣٨ (٢٣٨٢).\n- وسئل أيضا: \"عن حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ - «إذا اشتريت ذهبا بفضة فلا تفارق صاحبك وبينك وبينه لبس.» فقال: اختلف في رفعه على سعيد بن جبير؛ فرواه سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، مرفوعا. حدث به عنه أبو خالد الدالاني، وأبو الأحوص، وإسرائيل، والثوري، وعمر بن رزين، وحماد بن سلمة، ومحمد بن جابر. وقال عمر بن عبيد: حدثنا سماك، أو عطاء بن السائب، والصواب: سماك. وخالفه داود بن أبي هند، فرواه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، موقوفا. وكذلك رواه سعيد بن المسيب، ونافع، عن ابن عمر، موقوفا.\nولم يرفعه غير سماك، وسماك سيِّئ الحفظ. الدارقطني، العلل، ١٣/ ١٨٤ (٣٠٧٢).","vol":"1","page":436},{"text":"ونحو ذلك من أنواع الجرح (١). وسمى (الترمذي) النسخ علة (٢) من علل الحديث.\" (٣)\nإلا أن ابن حجر أجاب على هذا الإشكال بقوله:\n_________\n(١) \"من ينظر في كتب الشروح والتخريج والعلل يجد إطلاق لفظ العلة والمعلول والمعل على كثير من الأحاديث التي فيها جرح ظاهر، وقد قمت باستقراء كتاب علل ابن ابي حاتم، وأشرت على الأحاديث التي أعلت بالجرح الظاهر فوجدتها كثيرة العدد يزيد مجموعها عن مائتين وسبع وأربعين حديثا، فقد أعل بالانقطاع سبعة وعشرين حديثا، ... وبضعف الراوي مائة وثلاثة وأربعين حديثا، ... وبالجهالة ثمانية وستين حديثا، ... وبالاختلاط خمسة أحاديث، ... وبالتدليس أربعة أحاديث.\" ينظر: الفحل، علل الحديث، ١٥ - ١٦. باختصار.\n(٢) تسمية النسخ علة\nقال الجديع: تسمية (النسخ) علة، وقع بنَدْرَة في كلام بعض الأئمة، كأبي حاتم الرازي والترمذي.\nوليس هذا من موضوع (علل الحديث)؛ إذا الناسخ والمنسوخ جميعًا صحيحا النسبة إلى النبي - ﷺ -، وموضوع (علم العلل) ما لا يثبت عن النبي - ﷺ - من الحديث لقادح خفي.\nالمراجع: ينظر: الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٠، ابن أبي حاتم، العلل، ١/ ٥٧١ (١١٤) - ٢/ ١٠٧ (٢٤٦)، الزركشي، النكت، ٢/ ٢١٥، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢٠، العراقي، التبصرة، ١/ ٢٠٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١، الجديع، التحرير، ٢/ ٦٥٠.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢ - ٩٣.","vol":"1","page":437},{"text":"\"مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق بين ما حققه المُصنّف وبين ما يقع في كلامهم؛ أن اسم العلة إذا أُطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا.\nإذ المعلول ما علته قادحة خفية، والعلة أعم من أن تكون قادحة أو غير قادحة، خفية أو واضحة، ولهذا قال الحاكم: \"وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل\". (١)\nوقد نقل البقاعي عن شيخه ابن حجر جواب هذا الإشكال- بشكل أكثر إيجازًا- فقال: \"وذلك من قائله إما تجوزا عن الاصطلاح، ونظرًا إلى معناها اللغوي فقط، وإما أن يكون قاله قبل تقرر الاصطلاح.\" (٢)\nوذهب الصنعاني (٣) إلى أن ما استقرّ عليه الاصطلاح \"تعريف أغلبي للعلة وإلا فإنه سيأتي أنهم قد يعلون بأشياء ظاهرة غير خفية ولا غامضة ويعلون بما لا يؤثر في صحة الحديث\" (٤)\nولعل ما ذهب إليه السخاوي من إجابة على هذا الإشكال أكثر استيعابًا، حيث قال:\n\"ولكن ذلك - أي: الإعلال بالأمور الظاهرة- منهم بالنسبة للذي قبله قليل، على أنه يُحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي; لخفاء وجود طريق آخر ينجبر بها ما في هذا من ضعف، فكأن المعلل أشار إلى تفرده.\" (٥)\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧١.\n(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢. قال محقق الكتاب مُعقّبا: \"إن إطلاق العلة على الأمر الخفي القادح: قيد أغلبي؛ لأنا وجدنا كثيرا من الأقوال عند العلماء الجهابذة الفهماء أطلق لفظ العلة على غير الخفي\".\n(٣) محمد بن إسماعيل بن صلاح محمد الحسني، الصنعاني. حدث، فقيه، أصولي، مجتهد، متكلم، من أئمة اليمن. من كتبه: (سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر العسقلاني) وغيرهما. مات سنة ١١٨٢ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٦/ ٣٨، كحالة، المؤلفين، ٣/ ١٣٢ (١٢١٨٣).\n(٤) الصنعاني، توضيح الأفكار، ٢/ ٢٢.\n(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٨٧. \"وأيضًا فبعض الأحاديث التي علتها ظاهرة، ترجع إلى رواية الثقات المشاهير، فلعل من أعلَّ بالعلة الظاهرة في مثل هذا الموضع؛ أراد أن يدفع بذلك شبهة الاحتجاج بالثقة مطلقًا؛ ويثبت أن الثقة قد يروي عن كذاب، أو متروك، أو ضعيف، أو مجهول، أو يروي ما لا يتصل سنده، فليس كل ما رواه الثقة فهو صحيح، ومع هذا، فما قاله السخاوي، وكذا الصنعاني في تقييد استعمال العلة في الأمر الخفي بالأغلب أقوى في الجواب. والله أعلم\" السليماني، الجواهر، ٣٢٦.","vol":"1","page":438},{"text":"فذكر هنا جوابين لهذا الإشكال:\nالأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.\nالثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.\nوالجواب الثاني لعله يؤيّد ما ذهب إليه شيخه ابن حجر بقوله: \" لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول أو مُضعَّف معلولا، وإنما يسمى معلولا إذا آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك.\" (١)\nفالعلة في الاصطلاح إذن: \"لا تُطلق على الضعف الظاهر في السند من جهة الانقطاع أو ضعف أحد الرواة أو بعضهم، ولكن تُطلق على ما خفي أولًا على الناقد ثم اكتشفه مما يضعف به الحديث.\" (٢)\n\"وما تقدم من إعلال المُحَدِّثين بالظاهر كالإرسال أو الوقف وعدم السماع أو ضعف الراوي، أو جهالته .. هو في حقيقة الأمر إعلال بالخفي غالبًا. فالتعليل بالإرسال وإن كان ظاهرًا في الجملة؛ لكن التعليل به وبيان أنه الصواب في الرواية أو أنه خطأ أمر خفي، إذ كيف يرجحون الإرسال ويعرفون أنه الصواب في الرواية وأن الخطأ في المسند نفسه لولا المقارنة والحفظ والفهم والمعرفة.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٠.\n(٢) سليم، ما لا يسع جهله، ١٢٢.","vol":"1","page":439},{"text":"والتعليل بعدم سماع الراوي ممن فوقه أمر خفي كذلك؛ لأنهم يعلون به في خبر يتوهم فيه سماع الراوي ممن فوقه، بل قد يختلفون فيه مما يدل على شدة الخفاء في ذلك، وهم لا يقولون هذا تخمينًا، مع علمهم أن الراوي أدرك من روى عنه لكنه قد لا يكون سمع منه مطلقًا أو لم يسمع منه خبرًا من الأخبار وهذا لا يدركه إلا جهابذة النقاد من أهل المعرفة والحفظ.\" (١)\nويلاحظ أيضًا:\n\"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.\nومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه.\" (٢)\nولكون العلة مقيّدة بالخفاء والغموض، \"فيستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه. وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.\" (٣)\n_________\n(١) طوالبة، العلة، ٤٥٠.\n(٢) الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.","vol":"1","page":440},{"text":"وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: \"والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.\" (١)\nفمن طرق معرفة العلة: (٢)\n١ - الإلهام من الله - ﷾ - الناشئ عن الإخلاص وكثرة الممارسة.\n٢ - كثرة الممارسة للحديث ومعرفة الرجال، وأحاديث كل واحد منهم.\n٣ - جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته، والاعتبار بمكانتهم من الحفظ والإتقان.\n٤ - النص على علة الحديث من إمام من أئمة الحديث المعروفين بتمرّسهم في ذلك.\n\"فما حاز علم العلل هذه الشهرة، وحظي بالتقديم والتبجيل دون سائر علوم الحديث إلا بخفاء العلل التي يبحث فيها ودقتها\" (٣)؛ لذا قال الخطيب البغدادي تحت باب (بيان علل المسند): \"يستحب أن يُصنّف المُسنَد مُعَللا، فإن معرفة العلل أجل أنواع علم الحديث.\" (٤)\nهذا فيما يخص قيد الغموض والخفاء في العلة (٥).\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.\n(٢) ينظر: الخضير، الضعيف، ٢٣٥ - ٢٣٦ باختصار، عتر، منهج النقد، ٤٥١ - ٤٥٣، أيضًا ينظر: مبحث (علامات لكشف العلة من منهج المتقدمين). الجديع، التحرير، ٢/ ٧٤١.\n(٣) أبو سفيان مصطفى باحو، العلة وأجناسها عند المحدثين، ٢١. ينظر: عتر، منهج النقد، ٤٤٧.\n(٤) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٤.\n(٥) قال ابن حجر - ممثّلًا لعلة خفية بشيء من التفصيل-:\n\"ومن المواضع الخفية في الأحاديث المعللة - ما ذكره ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من باع عبدا وله مال ...» الحديث. فقال: \"قد كنت أستحسن هذا الحديث من ذي الطريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر - ﵁ - فعاد الحديث إلى الزهري، والزهري إنما رواه عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه - ﵁ -\nوهو معلول (يعني لأن نافعا رواه عن ابن عمر - ﵁ -) فجعل مسألة بيع العبد عن عمر - ﵁ - ومسألة بيع النخل عن النبي - ﷺ - ...\nقلت: وسبب الخفاء في هذا المثال أن عكرمة بن خالد أكبر من الزهري، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر - ﵁ -، فلما وجد الحديث من رواية حماد بن سلمة عنه كان ظاهره الصحة، وكان يعتضد بها ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه، ويرجح على رواية نافع ... لكن لما فتشت الطرق تبين أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه وهو الزهري، والزهري لم يسمعه من ابن عمر - ﵁ - إنما سمعه من سالم فوضح أن رواية حماد بن سلمة مدلسة أو مسوّاة، ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد الأول الذي حكم عليه بالوهم، وكان سبب حكمهم عليه بالوهم كون سالم أو من دونه سلك الجادة؛ لأن العادة والغالب أن الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي - ﵁ - قيل بعده: عن النبي - ﷺ -، فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله -كان الظن غالبا على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطا، والله أعلم.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٢ - ٧١٤، ينظر: ابن أبي حاتم، العلل، ٣/ ٦٠٣ (١١٢٢)، وقد ورد كلامه عقب حديث «من باع نخلًا قد أُبّرت ...».","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>القيد الثاني: أن تكون قادحة في صحة الحديث</span>.\nويُطلق لفظ القادحة في اللغة: على عدد من الآفات، كالدودة التي تأكل السِّن والشجر، وعلى الصَدْع في العود، والسوادُ الذي يظهر في الأسنان.\nوالقدح في النسب: الطعن والعيب. (١)\nوالقدح في الحديث: الطعن في صحته، ومن قيود العلة في تعريف ابن الصلاح: كونها قادحة في صحة الحديث، حيث قال: \"فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته، مع أن ظاهره السلامة منها.\" (٢)\nوعقّب بعد أن ذكر أنواعًا من العلل - التي يتنبّه إليها أهل هذا الفن، ويعلّون الأحاديث بها- بقوله: \"وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه\" (٣)، فلا يوصف الحديث بكونه\n_________\n(١) ينظر: الرازي، الصحاح، ١/ ٣٩٤، ابن منظور، اللسان، ٢/ ٥٥٥.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.\n(٣) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٠.","vol":"1","page":442},{"text":"معلولا إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية (١)، \"وحينئذ فالمعلل أو المعلول: خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح.\" (٢)\nوسبق في فصل الحديث الصحيح ضمن قيوده: اشتراط نفي العلة عن الصحيح، وقد جاء عن الحاكم قوله في النوع التاسع عشر من كتابه معرفة علوم الحديث: \"إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث\" (٣)، ذكر ذلك بعد أن استعرض أمثلة لأحاديث ظاهرها الصحة؛ لكنها مردودة ومعلولة بعلل بيّنها (٤).\nوقد ذكر الحاكم - تحت النوع السابع والعشرين من علوم الحديث- عشرة أجناس للعلل على سبيل التمثيل لا الحصر (٥)، حررها البلقيني وذكر أمثلتها، (٦) ونقلها عنه السيوطي في تدريب الراوي (٧)، وهي على النحو الآتي:\n١ - أن يكون السند ظاهرُه الصحة، وفيه من لا يُعرف بالسماع ممن روى عنه. (٨)\n_________\n(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠١ بتصرّف.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٧٦.\n(٣) الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.\n(٤) حيث ذكر ثلاثة أحاديث أعلّ متونها: فأعلّ الأول بزيادة لفظة، وأعلّ الثاني بالخطأ في متنه، وأن الإسناد قد رُكّب عليه متن آخر، وأعلّ الثالث بقوله: \"هذا حديث تداوله الثقات هكذا، وهو في الأصل معلول واه\". ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ٥٩ - ٦٠.\n(٥) الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٩.\n(٦) ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٣.\n(٧) ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٧.\n(٨) مثّل له بأحد الطرق المعلولة لحديث كفارة المجلس، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، ...». أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه، ٥/ ٣٧١ ح (٣٤٣٣)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه، وأحمد في مسنده ١٦/ ٢١٦ ح (١٠٤١٥).\nينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١١٣ - ١١٤، البلقيني، المحاسن، ٢٦٣، وقد تعقّب ابن حجر الحاكم فيما نقله من كلام البخاري على الحديث، وأنه أخطأ في نقل عبارته، حيث قال: \"ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا أنه معلول\" وذكر أن الصواب هو قول البخاري: \"لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث\" - والله أعلم - وقد أسهب في بيان طرق الحديث وتخريجه. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧١٥ - ٧٤٥.","vol":"1","page":443},{"text":"٢ - أن يكون الحديث مرسلا من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة. ولكن له علةً تمنع من صحة السند. (١)\n٣ - أن يكون الحديث محفوظا عن صحابي، ويروى عن غيره، لاختلاف بلاد رواته، كرواية المدنيين عن الكوفيين. (٢)\n٤ - أن يكون محفوظا عن صحابي، فيروى عن تابعي يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي (صحبته «٣)، بل ولا يكون معروفا من جهته. (٤)\n_________\n(١) مثّل له بحديث: «أرحم أمتي أبو بكر وأشدهم في دين الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأقرأهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وإن لكل أمة أمينا، وإن أمين هذه الأمة أبو عبيدة». -والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب الإيمان وفضائل الصحابة، باب فضائل زيد بن ثابت، ١/ ٥٥ ح (١٥٤)، وأحمد في مسنده ٢٠/ ٢٥٢ ح (١٢٩٠٤). قال الحاكم: \"لو صح بإسناده لأخرج في الصحيح، إنما روى خالد الحذاء، عن أبي قلابة أن رسول الله - ﷺ - قال: «أرحم أمتي»، مرسلا وأسند ووصل: «إن لكل أمة أمينا، وأبوعبيدة أمين هذه الأمة». هكذا رواه البصريون الحفاظ، عن خالد الحذاء، وعاصم جميعا، وأسقط المرسل من الحديث وخرج المتصل بذكر أبي عبيدة في الصحيحين\". الحاكم، المرجع السابق، ١١٤. ينظر: البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(٢) مثّل له بحديث أبي موسى الأشعري: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، أخرجه أحمد في مسنده ٣٢/ ٤٤٨ ح (١٩٦٧٢) بلفظ: «إني لأتوب إلى الله ﷿ في كل يوم مائة مرة»، قال الحاكم: \"وهذا إسناد لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زَلِقوا\". الحاكم، المرجع السابق، ينظر: الدراقطني، العلل، ٧/ ٢١٦ ح (١٣٠٠).\n(٣) هكذا وردت في طبعات كتاب محاسن الاصطلاح، ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٣، بينما في تدريب الراوي جاء في بعض الطبعات (صحته)، وقد أثبتت طبعة دار ابن الجوزي لفظ (صحبته) بدلا من (صحته) وأشارت إلى أنها اعتمدت على إحدى نسخ المخطوط بينما بقية النسخ (صحته). ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٩٩ ط دار ابن الجوزي.\n(٤) مثل له بحديث: عثمان بن سليمان، عن أبيه «أنه سمع النبي - ﷺ -: يقرأ في المغرب بالطور». الحاكم، المرجع السابق، ١١٥، والحديث إنما اُخرج في الصحيح من حديث جبير ابن مطعم، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الجهاد، باب فداء المشركين، ٤/ ٦٩ ح (٣٠٥٠)، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب القراءة في المغرب ١/ ٣٣٨ ح (٤٦٣).","vol":"1","page":444},{"text":"٥ - أن يكون رُوِي بالعنعة، وسقط منه رجل دلّ عليه طريق أخرى محفوظة. (١)\n٦ - أن يُختَلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد، فيكون ذلك علة في المسنَد. (٢)\n٧ - الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله. (٣)\n٨ - أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، ولكنه لم يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلَّتها أنه لم يسمعها منه. (٤)\n_________\n(١) مثل له بحديث: يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن رجال من الأنصار «أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - ذات ليلة فرمي بنجم المرجع السابق، ١١٦، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة، ٤/ ١٧٥٠ ح (٢٢٢٩).\n(٢) مثل له بحديث: عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، ما لك أفصحنا، ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: «كانت لغة إسماعيل قد دَرَسَتْ ففي الإسناد انقطاع. ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٦، البلقيني، المحاسن، ٢٦٦، والحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ٤/ ٤. علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الشافعي، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: عمرو ابن غرامة العمروي، (بيروت: دار الفكر، ١٤١٥ هـ = ١٩٩٩٥ م).\n(٣) مثل له بحديث: الحجاج بن فرافصة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: «المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم». وعلته: ما أسند عن محمد ابن كثير، ثنا سفيانُ الثوري، عن الحجاج بن فرافصة، عن رجلٍ، عن أبي سلمة - قال سفيان: أراه ذكر أبا هريرة - قال رسول الله - ﷺ -. فذكره. والحديث من رواية أبي هريرة أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأدب، باب في حسن العشرة، ٤/ ٢٥١ ح (٤٧٩٠)، والترمذي في سننه كتاب البر والصلة، باب ما جاء في البخيل، ٣/ ٤٠٩ ح (١٩٦٤)، وأحمد في مسنده ١٥/ ٥٩ ح (٩١١٨).\nينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٧، البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٧.\n(٤) مثل له بحديث: يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ -: كان إذا أفطر عند أهل بيت، قال: «أفطر عندكم الصائمون، ...» - أخرجه الدارمي في سننه كتاب الصوم، باب دعاء الصائم لمن يفطر عنده ٢/ ١١١١ ح (١٨١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، باب ما يدعو به الصائم لمن أفطر عنده، ٤/ ٤٠٣ ح (٨١٣٥). وقال: \"وهذا مرسل، لم يسمعه يحيى عن أنس إنما سمعه عن رجل من أهل البصرة يقال له عمرو بن زنيب ويقال ابن زبيب، عن أنس.\".\nقال الحاكم: \"قد ثبت عندنا من غير وجه رواية يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، إلا أنه لم يسمع منه هذا الحديث\". \"ثم أسنَد عن يحيى قال: حُدِّثتُ عن أنَس أن النَبي - ﷺ - كان إذا أفطر عند أهل بيتٍ قال: \" أفطر عندكم الصائمون ...» \". ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٧، البلقيني، المرجع السابق، ٢٦٧.","vol":"1","page":445},{"text":"٩ - أن يكون طريقه معروفة، يروي أحد رجالها حديثا من غير تلك الطريقة، فيقع من رواه من تلك الطريقة (بناءً «١) على الجادة في الوهم. (٢)\n١٠ - أن يُروى الحديث مرفوعا من وجه، وموقوفا من وجه. (٣)\nثم أتبعها الحاكم بقوله: \"فقد ذكرنا علل الحديث على عشرة أجناس وبقيت أجناس لم نذكرها وإنما جعلتها مثالا لأحاديث كثيرة معلولة يهتدي إليها المتبحر في هذا العلم، فإن معرفة علل الحديث من أجل هذه العلوم.\" (٤)\nوبالنظر إلى أجناس العلل - التي مثّل لها الحاكم - فإنها تقع في الإسناد، ولا يعني ذلك أنها لا تقع في المتن، فقد أخبر ابن الصلاح بأن وقوعها في الإسناد هو الغالب، وأنها تتفاوت في القدح، فقال: \"قد تقع العلة في إسناد الحديث، وهو الأكثر، وقد تقع في متنه. ثم\n_________\n(١) التصحيح من طبعة محاسن الاصطلاح (دار ابن حزم)، ٢٠٨، بينما في طبعة المعارف كلمة (ثنا)، وهي اختصار حدثنا. ينظر: البلقيني، المحاسن، ٢٦٧.\n(٢) مثل له بحديث: المنذر بن عبدالله الحزامي، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة، قال: «سبحانك، اللهم تبارك اسمك، ...». قال الحاكم: \"لهذا الحديث علة صحيحة، والمنذر بن عبدالله أخذ طريق المجرَّة فيه\"، عقّب البلقيني: \"وإنما هو من حديث عبدالعزيز بن أبي سلمة: حدثنا عبدُالله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن النبي - ﷺ - \". ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٨، البلقيني، المرجع السابق ٢٦٧. وحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب صلاة المسافر، باب الدعاء في صلاة الليل، ١/ ٥٣٤ ح (٧٧١) بغير هذا اللفظ.\n(٣) مثل له بحديث: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، قال: «من ضحك في صلاته يعيد الصلاة، ...». قال الحاكم: لهذا الحديث علة صحيحة، ثم أسند عن الأعمش، عن أبي سفيان، قال: سئل جابر، عن الرجل يضحك في الصلاة، قال: «يعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء». ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ١١٨ - ١١٩.\nوأخرج الدارقطني كلا الحديثين المرفوع والموقوف وبيّن عللها في سننه كتاب الطهارة، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها، ١/ ٣١٥ - ٣١٦ ح (٦٤٧ - ٦٥٠).\n(٤) المرجع السابق.","vol":"1","page":446},{"text":"ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعا، كما في التعليل بالإرسال والوقف. وقد يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن ... \" (١)\nوقد قسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام:\n١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.\nمثاله: ما يرويه مدلّس بالعنعنة، فذلك عِلَّةٌ تُوجِبُ التوقف عن قبوله، فإذا وجد من طريق أخرى قد صرح فيها بالسماع تبين أن العلة غير قادحة. (٢)\n٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.\nمثاله: إبدال راوٍ ثقة براوٍ ثقة. (٣)\n٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.\nمثاله: كإبدال راو ضعيف براو ثقة. (٤)\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٩.\n(٢) وأضاف ابن حجر: \"وكذا إذا اختلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن التي تحف الإسناد تبين أن تلك العلة غير قادحة.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٤٧.\n(٣) \"ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «البيعان بالخيار ...» ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩١.\nوالحديث من رواية عبدالله بن دينار بمعناه، أخرجه البخاري في صحيحه كتاب البيوع، باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع ٣/ ٦٤ ح (٢١١٣)، ومسلم في صحيحه كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس ٣/ ١١٦٤ ح (١٥٣١).\n(٤) \"فإن أبدل راو ضعيف براو ثقة، وتبين الوهم فيه استلزم القدح في المتن- أيضا- إن لم يكن له طريق أخرى صحيحة. ومثال ذلك: ما وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات، عن عبدالرحمن ابن يزيد بن جابر وهو من ثقات- الشاميين قدم الكوفة فكتب عنه أهلها ولم يسمع منه أبو أسامة، ثم قدم بعد ذلك الكوفة عبدالرحمن بن يزيد بن تميم - وهو من ضعفاء الشاميين- فسمع منه أبو أسامة وسأله عن اسمه فقال: عبدالرحمن بن يزيد، فظن أبو أسامة أنه ابن جابر، فصار يحدث عنه وينسبه من قِبل نفسه، فيقول: حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، فوقعت المناكير في رواية أبي أسامة، عن ابن جابر وهما ثقتان فلم يفطن لذلك إلا أهل النقد، فميزوا ذلك ونصوا عليه كالبخاري وأبي حاتم وغير واحد.\" ابن حجر، النكت، . ٢/ ٧٤٧ - ٧٤٨.","vol":"1","page":447},{"text":"٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.\nمثاله: \"ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن ردَّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.\" (١)\n٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد. (٢)\n٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.\nمثاله: \"ما يرويه راو بالمعنى الذي ظنه يكون خطأ والمراد بلفظ الحديث غير ذلك، فإن ذلك يستلزم القدح في الراوي فيعلل الاسناد\" (٣)\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) \"ما انفرد مسلم بإخراجه- في صحيحه كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يُجهر بالبسملة ١/ ٢٩٩ ح (٣٩٩) - في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم). فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: «فكانوا يستفتحون القراءة بـ الحمد لله رب العالمين»، من غير تعرض لذكر البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ١/ ١٤٩ ح (٧٤٣) - ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له. ففهم من قوله: كانوا يستفتحون بالحمد أنهم كانوا لا يُبسملون، فرواه على ما فهم، وأخطأ؛ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة، وليس فيه تعرض لذكر التسمية.\nوانضم إلى ذلك أمور، منها: أنه ثبت عن أنس: أنه سُئِل عن الافتتاح بالتسمية، فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله - ﷺ -، والله أعلم.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٢.\nوعلّل ابن الملقن إسناد هذا الحديث بعلتين، فقال: \"وفيه علتان:\nالأولى: أن في إسناده كتابة، لا يُعلم من كتبها، ولا من حملها، وقتادة ولد أكمه.\nالثانية: أنه اشتمل على عنعنة مدلس، وهو الوليد، ولا ينفعه تصريحه بالتحديث، فإنه اشتهر بتدليس التسوية، وهو أن لا يدلس شيخ نفسه، ولكن شيخ شيخه.\nفهذا المثال الذي ذكره ابن الصلاح ﵀ للمتن يصلح أن يكون مثالا للعلة في الإسناد أيضا كما قررته، وهو مهم عزيز.\" ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢١٨.\nوفصّل ابن حجر في الردّ على العلة الثانية، والتي تخص تدليس الوليد. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٥٣ - ٧٥٦.\n(٣) ابن حجر، المرجع السابق. ٢/ ٧٤٨.","vol":"1","page":448},{"text":"وما بيّنه ابن حجر من هذه الأقسام يدل على تفاوت العلل في القدح وعدمه، وقد قال - في شرحه على الصحيح- أن \"مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح.\" (١)\nفعبّر عن تقسيم العلل إلى قادحة وغير قادحة بـ: (مراتب العلل). (٢)\n\"فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.\nوذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق كما قال علي بن المديني ﵀: الباب إذا لم تُجمع طرقه، لم يتبين خطؤه.\" (٣)\n\nقال ابن الصلاح: \" ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف، نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما\n_________\n(١) وذلك بعد أن ذكر استدراك الدارقطني على البخاري إخراجه لحديث \"أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء به أحدهما» والحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ٨/ ٢٦ ح (٦١٠٣).\nقال ابن حجر: \"والحق أن مثل هذا لا يتعقب به البخاري؛ لأنه لم تخف عليه العلة بل عرفها وأبرزها وأشار إلى أنها لا تقدح، وكان ذلك لأن أصل الحديث معروف ومتنه مشهور مروي من عدة طرق، فيستفاد منه أن مراتب العلل متفاوتة، وأن ما ظاهره القدح منها إذا انجبر زال عنه القدح، والله أعلم\". ابن حجر، الفتح، ١٠/ ٥١٥.\n(٢) ينظر: الزرقي، العلل، ٢٥. حيث ذكر تقسيم العلل حسب أثرها إلى قسمين هما: \"أ- علة قادحة، كالإرسال في السَّند، وتغيير المعنى في المتن. ب- علة غير قادحة، كتعيين الصَّحابي.\".\n(٣) مقبل بن هادي الوادعي، أحاديث معلة ظاهرها الصحة، ٢٠.","vol":"1","page":449},{"text":"هو صحيح معلول ... \" (١)، ومراده بهذا البعض (أبو يعلى الخليلي) كما صرّح بذلك الزركشي في النكت (٢)، والعراقي في كتابه التقييد (٣).\nقال الخليلي - في كتابه الإرشاد-: \"فأما الحديث الصحيح المعلول: فالعلة تقع للأحاديث من أنحاء شتى، لا يمكن حصرها. فمنها أن يروي الثقات حديثا مرسلا، وينفرد به ثقة مسندا. فالمسند صحيح، وحجة، ولا تضره علة الإرسال.\" (٤)\nومثّل لذلك بقول الإمام مالك: \"بلغنا عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «للمملوك طعامه وشرابه، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق» (٥).\nفالخليلي أخرج الرواية من طريق مُعضل ثم أتبعها بذكر الروايات الموصولة، وقال: \"فقد صار الحديث بتبيين الإسناد صحيحا، يعتمد عليه، وهذا من الصحيح المبين، بحجة ظهرت. وكان مالك ﵀ يرسل أحاديث، لا يبين إسنادها، وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله، ربما أجابه إلى الإسناد.\" (٦)\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣، ينظر: النووي، التقريب، ٤٤.\n(٢) \"وهو أبو يعلى الخليلي قاله في كتاب الإرشاد في حديث للمملوك طعامه وشرابه\". الزركشي، النكت، ٢/ ٢١٦.\n(٣) فقال: \"أبهم المصنف قائل ذلك وهو الحافظ أبو يعلى الخليلي، فقال في كتاب الإرشاد إن الأحاديث على أقسام كثيرة صحيح متفق عليه وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه إلى آخر كلامه.\" العراقي، التقييد، ١٢٤.\n(٤) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦١ - ١٦٣.\n(٥) أورده مالك في الموطأ بلاغًا عن أبي هريرة، كتاب الاستئذان، باب الأمر بالرفق بالمملوك، ٢/ ٩٨٠ ح (٤٠)، بلفظ: «للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». والحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه، من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج، عن العجلان عن أبي هريرة، ٣/ ١٢٨٤ ح (١٦٦٢).\n(٦) الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٦٤ - ١٦٥.","vol":"1","page":450},{"text":"وقد ذكر البقاعي في النكت أن مراد الخليلي بقوله: (صحيح معلول) أي: كأن يظهر أن فيه علة، فيتبين بعد ذلك بالفحص أنه ليس له علة، ... فيسميه معلولا باعتبار ما كان عليه، وصحيحا باعتبار ما آل به النظر إليه ...، وهذا عكس المعلول سواء، فإن المعلول ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (١)\n\"فمراد الخليلي بالصحيح المعلول إذًا هو: المتن الصحيح الذي جاء بسند فيه علة نحو الإرسال، أو الإنقطاع، أو الإعضال، ثم جاءت طريق من نفس المخرج تُبيِّن أن الحديث موصول صحيح من طريق الثقات.\" (٢)\nأي: \"بعض الأحاديث التي يكون ظاهرها العلة ثم وُجِد ما يصححها.\" (٣)\nومن الأمثلة على العلل غير القادحة:\nما ابتدأ الدارقطني به كتابه (التَّتبع) حيث قال: \"ابتداء ذكر أحاديث معلولة اشتمل عليها كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما بينت عللها والصواب منها.\" (٤)\nفالدارقطني يصف الأحاديث التي استدركها على الشيخين بكونها معلولة، مع أنها علل غير قادحة، حيث \"عُرِف وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له، أو له علة إلا أنها غير مؤثرة عندهما\". (٥)\n_________\n(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣ باختصار، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٣.\n(٢) طوالبة، العلة، ٤٣٠.\n(٣) الحسني، المدار، ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(٤) الدارقطني، التتبع مع الإلزامات، ١٢٠.\n(٥) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٧. ينظر: الحسني، المدار، ١/ ١٩٣.\nوقد خصص ابن حجر الفصل الثامن من مقدمته في الرد على ما اُنتقد من الأحاديث في صحيح البخاري، فعنون له بقوله: \"الفصل الثامن في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد\"، وذكر ما تضمن هذا الاستدراك من علل غير قادحة في صحة الحديث. ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٣٤٦.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- تأتي العلة في اللغة على عدة معانٍ منها: التكرار، والمرض والضعف، والعائق يعوق صاحبه. أو حدث يشغله عن وجهه.\n- ولعل أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث: هو ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث. (١)\n- حرر ابن الصلاح- في تعريفه للحديث المعلل- كلام الحاكم، وكان أبرزُ قيود التعريف قيدين: الأول: غموض العلة وخفائها، والثاني: قدحها في الصحة.\n- القيد الأول: غموض العلة وخفائها، وقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف.\nوالمراد بالغموض والخفاء: الاستتار وعدم الوضوح؛ إلا أنه غموض نسبي وليس مطلقًا، إذ لا تخفى هذه العلل عن نقاد الحديث وجهابذته، والذين يُرجع إليهم في معرفة وتمييز ذلك، ولا يحسُن الكلام في علم العلل إلا لأهله.\n- ويتفاوت هذا الغموض من حديث لآخر، حيث ذكر الخطيب البغدادي أن من الأحاديث ما تخفى علته، فلا يُوقف عليها إلا بعد النظر الشديد، ومُضِيّ الزمن البعيد ... كقول علي ابن المديني: \"ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة\"\n- ومنها ما قد كفى راويه مؤونته، وأبان في أول حاله علَّته.\n_________\n(١) ينظر: طوالبة، مفهوم العلة، ٤٢٨ - ٤٢٩.","vol":"1","page":452},{"text":"قيل لشعبة: \"من أين تعلم أن الشيخ يكذب؟ قال: إذا روى عن النبي - ﷺ - لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه يكذب\" (١)\n- والعلة الخفية تتطرق غالبًا للإسناد الذي ظاهره الصحة، كما جاء في كلام الحاكم وابن الصلاح، ومن تبعهم، وذكر ابن حجر أن المعلول في الاصطلاح إنما يُطلق على ما خفيت علّته.\n- وأُجيب عن الإشكال الوارد من إطلاقهم - أحيانًا- وصف المعلل أو المعلول على الحديث ظاهر العلة بجوابين:\nالأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.\nالثاني: أن ما قد يبدو -في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.\n\n- وأشار الخطيب البغدادي إلى سُبل معرفة العلة بقوله: \"والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يُجمَع بين طرقه، ويُنظر في اختلاف رواته، ويُعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.\" (٢)\n- ويلاحظ أيضًا:\n\"أن الخطأ في رواية الثقة أشد غموضا من الخطأ في رواية الضعيف، لأن الأصل في رواية الثقة الصواب والخطأ طارئ - فالقلب من حيث الأساس - مطمئن إلى رواية الثقة. وليس كذلك رواية الضعيف، فالقلب غير مطمئن أساسا إليها فالأصل الحكم عليها بالخطأ والصواب طارئ.\n_________\n(١) ينظر: الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٥٧ باختصار.\n(٢) الخطيب البغدادي، أخلاق الراوي، ٢/ ٢٩٥.","vol":"1","page":453},{"text":"ومع ذلك فإن معرفة الخطأ في رواية الضعيف ليس بالأمر السهل وذلك لأن الحكم عليه بالضعف أساسًا يحتاج إلى متابعة روايته ومقارنتها برواية الثقات، فإن كثرت مخالفته لهم حكم بضعفه.\" (١)\n- أما القيد الثاني: أن تكون العلة قادحة في الحديث، أي: تطعن في صحته.\nوقد تضمنت تعريفات العلة - بعد ابن الصلاح- هذا الوصف، بحيث استقرّ اصطلاحهم على أن الحديث لا يوصف بكونه معلولأً إلا إذا قدحت فيه العلة الخفية. (٢)\n- وقد أخبر ابن الصلاح أن العلة تقع في الإسناد، وفي المتن؛ إلا أن وقوعها في الإسناد أغلب وأكثر، وأشار كذلك إلى تفاوتها في القدح.\nوقسّم ابن حجر الأحاديث حسب موقع العلة منها، وأثرها في القدح وعدمه إلى ستة أقسام.\n١ - أن تقع العلة في الإسناد ولا تقدح مطلقا.\n٢ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه دون المتن.\n٣ - أن تقع العلة في الإسناد وتقدح فيه وفي المتن معا.\n٤ - أن تقع العلة في المتن دون الإسناد، ولا تقدح فيهما.\n٥ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه دون الإسناد.\n٦ - أن تقع العلة في المتن، وتقدح فيه وفي الإسناد معا.\n- وأشار ابن حجر كذلك إلى أن هذا القدح يتفاوت في تأثيره:\nبين ما ظاهره القدح فإذا جاء ما يجبره - بورود الحديث من طرق أخرى صحيحة- زال عنه القدح، وبين القدح الشديد الذي لا ينجبر، وعبّر عن ذلك بـ (مراتب العلل).\n_________\n(١) الفحل، علل الحديث، ١٨ - ١٩.\n(٢) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٠١","vol":"1","page":454},{"text":"قال الوادعي - في مقدمة كتابه (أحاديث معلة) -: \"فإذا وجدت في الحديث علة قادحة ثم أزيلت وسلم الحديث من العلة، يقال: فيه علة غير قادحة.\nوذلك كعنعنة المدلس الذي تضرُّ عنعنته ثم جاء من طريق تنتهي إلى ذلك المدلس وفيها تصريحه بالسماع، والإرسال والوصل، ثم ترجح الوصل، والوقف والرفع ثم ترجح الرفع، وهكذا بقية العلل القادحة التي تطرأ على الحديث، وتعرف بجمع الطرق\" (١)\n- ولعل هذا ينطبق على مراد الخليلي في جمعه بين وصفيّ الصحة والعلة، بقوله: (صحيح معلول): أي أحاديث يكون ظاهرها العلة ثم يتبيّن وجود ما يصححها، وهذا عكس المعلول في الاصطلاح، فإن المعلول: ما كان ظاهره السلامة، فاطلع فيه بعد الفحص على عوار. (٢)\n- \"فالحاصل مما ذكرنا: إن الاصطلاح الشائع والمشهور بين أهل الحديث تخصيص لفظ العلة لما كان خفيًا وغامضًا قادحًا.\nوأما إطلاقهم اسم العلة على كل قادح، فليس من باب المعنى الاصطلاحي، بل من استعمال العلة بمعناها اللغوي العام.\" (٣)\nوهناك تنبيه مهم أشار إليه أحد الباحثين المعاصرين بقوله: \"أن المحدثين إذا تكلموا عن العلة باعتبار أن خلو الحديث منها يعد قيدًا لابُدّ منه لتعريف الحديث الصحيح، فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها المعنى الاصطلاحي الخاص، وهو: السبب الخفي\n_________\n(١) الوادعي، أحاديث معلة، ٢٠.\n(٢) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٢٢ - ٥٢٣، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٠٣.\n(٣) باحو، العلة، ٢٣.","vol":"1","page":455},{"text":"القادح. وإذا تكلموا في نقد الحديث بشكل عام فإنهم في هذه الحالة يطلقون العلة ويريدون بها: السبب الذي يعل الحديث به: سواء كان خفيا أم ظاهرا قادحا أم غير قادح.\" (١)\n- فالعلة إذن ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، أما المتأخرين: فبتحرير ابن الصلاح لكلام الحاكم في الحديث المعلل، فإن غالب تعريفات العلة في - كتب علوم الحديث- دارت حول تقييدها بقيديّ: الخفاء والقدح في الصحة.\nوعليه فقد استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة، والله أعلم. (٢)\nوبهذا نختم فصل الحديث المعلل، ونتبعه بالحديث المضطرب؛ لكون الاضطراب في رواية الحديث نوع من أنواع علل الحديث، فمن المناسب أن يتبعه في ترتيب فصول هذا البحث.\n_________\n(١) الفحل، علل الحديث، ١٧.\n(٢) \"فالتعليل في بعض الأخبار كان بالأمر الظاهر وليس بالخفي كالإرسال أو الوقف، أو الانقطاع، أو عدم سماع الراوي، أو ضعف الراوي، أو جهالته، أو الزيادة في الإسناد، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك فالتعليل يكون بالعلل الخفية - الوهم أو الخطأ - الواقعة في الرواية، وهو أمر لا يدركه إلا نقاد الحفاظ.\" طوالبة، مفهوم العلة، ٤٥٠","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>الفصل التاسع: الحديث المضطرب</span>\nالمبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الأول: تعريف المضطرب لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الأول: تعريف المضطرب لغة:</span>\nالمُضطرِب: بكسر الراء اسم فاعل من (اضطرب) (١).\nوالاضطراب: الاختلاف والاختلال، يُقال: اضطّرب الحبل بين القوم، إذا اختلفت كلمتهم. واضطرب أمره: اختلّ.\nويُطلق الاضطراب على الحركة، يُقال: الموج يضطرب، أي: يضرب بعضه بعضًا.\nفالاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، والحركة وعدم الاستقرار. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nإن وصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط راويه (٣)، بل يُعدُّ الاضطراب نوعًا من علل الحديث (٤)؛ لذا قال السخاوي في مناسبة إرداف نوع المضطرب بالمعلل - في كتاب ابن الصلاح ومن تبعه-: \"لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة،\n_________\n(١) من الباحثين المعاصرين من ذكر أن كسر الراء هو الدارج عند المحدثين، فقال بازمول: \"يجوز في الراء من كلمة مضطرب الفتح على اعتبار اسم المكان، والكسر على اعتبار اسم الفاعل لغة. والذي درج عليه أهل الحديث الكسر\" بازمول، المقترب، ٣٦، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧١، القاري، شرح النخبة، ٤٨١.\nبينما ذهب آخرون إلى أن فتح الراء هو الأولى والأظهر لتحقيق المعنى الاصطلاحي، فنبّه الفحل، - وسبقه كذلك الأحدب- إلى \"أن الشائع تسميته ب (المضطرِب) على وزن اسم الفاعل، هو من باب الإسناد المجازي؛ لأن الاضطراب واقع فيه لا منه، إذ إنه اسم مكان، فيظهر فيه اضطراب الراوي أو الرواة، فهو على الحقيقة: مضطرَب -بفتح الراء- ولو سمي كذلك لكان أظهر في المعنى الاصطلاحي.\". الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢١ - ٢٢٢، ينظر: الأحدب، اختلاف المحدثين، ١/ ٣٩٠.\n(٢) ينظر مادة (ض ر ب): الفراهيدي، العين، ٧/ ٣٢، الأزهري، تهذيب اللغة، ١٢/ ١٧، ابن سيده، المحكم، ٨/ ١٨٧، الرازي، المختار، ١٨٣، ابن منظور، اللسان، ١/ ٥٤٤، الفيروزآبادي، القاموس، ١٠٨، الكفوي، الكليات، ١٣٧.\n(٣) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤.\n(٤) ينظر: الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧١، الصنعاني، توضيح الأفكار، ٢/ ٤٣٨، ينظر: بازمول، المقترب، ٢٧.","vol":"1","page":458},{"text":"ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح\" (١)، أي: في حال ظهرت العلة وترجّحت للنقاد أطلقوا على الحديث وصف المُعلّ، وفي حال تساوت وجوه العلة والاختلاف، ولم تترجّح أطلقوا عليه وصف المضطرب، فالمضطرب \"قسيم المُعلِّ من حيثية الترجيح والتساوي\" (٢).\nوقد ذكر محققا كتاب ابن الصلاح - ضمن سمات منهج ابن الصلاح في كتابه- أن تعريف الحديث المضطرب من التعاريف التي ابتكرها ابن الصلاح، ولم يُسبق إليها. (٣)\nومقصدهما من الابتكار هو حدّه بحدّ يميّزه عن غيره، فوصف الحديث بالاضطراب، أو وصف الراوي بكونه مضطربًا موجود بكثرة في كتب أهل الحديث ونقّاده، ويلخّص ذلك قول أحد الباحثين: \"وجدت كلام ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث يتضمن خلاصة كلام أهل الفن في المضطرب مع ما في كلامه - ﵀ - من قوة ومتانة.\" (٤)\nوبالبحث عن معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح، وجدت من قسّم الاضطراب إلى قسمين (اضطراب سند، واضطراب متن)، وعرّف أحدهما وأشار إلى معنى الآخر، وهناك من فرّق بينهما في الحكم، وفما يلي بيان ذلك:\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٢٩٧.\n(٣) ينظر: الهميم، والفحل، \"سمات منهج ابن الصلاح\"، من تحقيقهما لكتاب علوم الحديث لابن الصلاح، ٣٤.\n(٤) بازمول، المقترب، ٤٣١.","vol":"1","page":459},{"text":"تعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):\nذكر الخطيب البغدادي المراد باضطراب السند، فقال: \"واضطراب السند أن يذكر راويه رجالًا فيُلبِّسُ أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم، وإنما يفعل ذلك غالبًا في الرواية عن الضعفاء.\" (١)\nوعرّج على المراد باضطراب المتن حين قابل بين الحديث السالم من الاضطراب في متنه والحديث المضطرب في متنه، فقال:\n\"فمما يوجب تقوية أحد الخبرين المتعارضين وترجيحه على الآخر: سلامته في متنه من الاضطراب، وحصول ذلك في الآخر، لأن الظن بصحة ما سلم متنه من الاضطراب يقوى، ويضعف في النفس سلامة ما اختلف لفظ متنه. فإن كان اختلافًا يؤدي إلى اختلاف معنى الخبر، فهو آكد وأظهر في اضطرابه، وأجدر أن يكون راويه ضعيفًا قليل الضبط لما سمعه، أو كثير التساهل في تغيير لفظ الحديث، وإن كان اختلاف اللفظ لا يوجب اختلاف معناه فهو أقرب من الوجه الأول، غير أن ما لم يختلف لفظه أولى بالتقديم عليه.\" (٢)\nفيكون مراده باضطراب المتن: روايته بلفظ مختلف، فإن أدّى ذلك إلى اختلاف معنى الحديث فهو ظاهر الاضطراب، وإن لم يختلف المعنى فهو أقرب إلى السالم من الاضطراب، إلا أنه دونه في حال الترجيح، فيقدّم ما خلا من الاضطراب في متنه على ما اُختلف لفظه وإن لم يختلف المعنى.\nبينما ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ) - وهو معاصر لابن الصلاح- فرّق بين حكم الاضطراب في المتن والاضطراب في السند دون أن ينصّ على تعريف لأيّ منهما، ولعل استدراكاته - على من سبقه فيما يخصّ اضطراب السند، وذلك في كتابه بيان الوهم\n_________\n(١) ذكر ذلك تحت (باب القول في ترجيح الأخبار)، حيث تطرق إلى طرق الترجيح بين الروايات، ومن ضمنها سلامة متن الحديث من الاضطراب، وكذلك سلامة سنده من الاضطراب. ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.\n(٢) المرجع السابق، ٤٣٤.","vol":"1","page":460},{"text":"والإيهام- (١)، وتفنيده سبب مخالفته عامة أهل الحديث في عدم اعتباره هذا النوع من الاضطراب علة؛ يشير إلى معنى اضطراب السند عنده.\nمن ذلك قوله: \"وإن كنت لا أرى الاضطراب في الإسناد علة، وإنما ذلك إذا كان من يدور عليه الحديث ثقة، فحينئذ لا يضره اختلاف النقلة عنه إلى مسند ومرسل، أو رافع وواقف، أو واصل وقاطع. وأما إذا كان الذي اضطرب عليه بجميع هذا، أو ببعضه، أو بغيره، غير ثقة، أو غير معروف، فالاضطراب حينئذ يكون زيادة في وهنه.\" (٢)\nفيكون مراده باضطراب السند، أنه: اختلاف النقلة عن الراوي (الشيخ) في إسناد الحديث أو إرساله، أو رفعه ووقفه، أو وصله وقطعه.\nتعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nقال ابن الصلاح تحت النوع التاسع عشر من أنواع علوم الحديث:\n_________\n(١) لخّص الباحث إبراهيم بن الصديق منهج ابن القطان في الحديث المضطرب فذكر أن: ابن القطان يعتبر اضطراب المتن علة ويرد به الحديث في حال لم يمكنه الجمع بين معانيه، فإذا أمكن الجمع وصح إسناده اعتمده.\nوأما اضطراب الإسناد فله فيه منهجان عام وخاص، أما منهجه العام: فهو لا يُعِلّ الحديث باضطراب الإسناد، ويعتبره صحيحا إذا كان التخالف بين الثقات لا بين ضعيف وثقة.\nوأما منهجه الخاص: فإن ابن القطان لا ينظر إلى الحديث بمجموع طرقه ورواياته، بل ينظر نظرة جزئية إلى كل إسناد على حدة، فإذا صح ذلك الإسناد حكم على الحديث بالصحة، فإذا كان للحديث إسناد آخر يخالف ذلك الاسناد نظر إليه نظرة منفصلة تماما عن الإسناد الأول، فإن كان ضعيفا فالحديث بالإسناد الثاني ضعيف، وبالأول صحيح ولا يُعِل ضعيفٌ صحيحا.\nوإن كان الإسنادان ضعيفين ضعفا يسيرا بحيث يمكن الانجبار، بقيا على ضعفهما ولا يجبر هذا ولا يقوي الضعيف ضعيفا، ومن ثم ندر - ولا أتجاوز الواقع إن قلت: انعدم- في كتابه تصحيح الأحاديث بالمتابعات والشواهد. أو اعتبار الطرق والاعتضاد ...\nوإذا كانت هذه هي نظرته إلى الأسانيد والطرق فهو لا يتصور أن يقع اضطراب في إسناد حديث. مادام كل إسناد مستقلا عن الآخر.\nينظر: ابن القطان، بيان الوهم، ٣/ ٢٧٥ ح (١٠٢٢)، ٣/ ٢٧٧ ح (١٠٢٤)، ٣/ ٣٣٩ ح (١٠٨٣)، ٣/ ٣٧٥ ح (١١١٨)، ٣/ ٤٦٩ ح (١٢٣٢)، ٤/ ٢٦ ح (١٤٤٩)، ٥/ ٢٦٣ ح (٢٤٦٢)، ٥/ ٣١٥ ح (٢٤٩٣)، إبراهيم بن الصديق، علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام، ٢/ ١٦٣ - ١٧٩ باختصار.\n(٢) ابن القطان، المرجع السابق، ٣/ ٣٣٩.","vol":"1","page":461},{"text":"\"معرفة المضطرب من الحديث: هو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر مخالف له.\" (١)\nثم أردف بذكر شرط التساوي بين الروايات، فقال: \"وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه.\" (٢)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nأما من جاء بعد ابن الصلاح فمنهم من نقل تعريفه للمضطرب كما هو، كالطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٣)، ومنهم من فصّل عبارته - فذكر وقوع الاختلاف من الراوي نفسه أو من عدة رواة- كالعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (٤)، وتبعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) (٥).\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣ - ٩٤.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٨٣. ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، ولم يراعِ في ذلك ترتيب الأنواع عند من سبقه، ممن لخّص كتابه عنهم، ولعله استفاد ذلك من كلام الخطيب في المراد باضطراب السند، أو تبع ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح، والله أعلم.\n(٤) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠، حيث قال: \"هو ما اختلف راويه فيه. فرواه مرة على وجه، ومرة على وجه آخر مخالف له. وهكذا إن اضطرب فيه راويان فأكثر، فرواه كل واحد على وجه مخالف للآخر.\"\n(٥) ابن الوزير، التنقيح، ١٦٥.","vol":"1","page":462},{"text":"وأغلب من جاء بعد ابن الصلاح، فقد اختصر كلامه: كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٢)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٣)، والذهبي (ت ٧٤٨ هـ) (٤)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) حيث ذكره مختصراّ في كلا كتابيه المقنع (٥)، والتذكرة (٦).\nولعل من أبرز تعريفات الحديث المُضطرب بعد ابن الصلاح، والتي فيها إضافة أو تركيز على شق من التعريف:\nتعريف ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): حيث قال: \"وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أُخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض.\" (٧)، فقد أبرز ابن كثير في تعريفه موضع الاختلاف على الشيخ، وهو نوع من اضطراب السند، إلا أن قوله (أو من وجوه أُخر) يعمّ كذلك أنواع الاضطراب الأخرى.\nوكذلك تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ): في نزهة النظر حين ذكر المضطرب تحت أنواع مخالفة الراوي، فقال: \"أو كانت المخالفة بإبداله - أي: الراوي (٨)، - ولا مرجح\n_________\n(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٥.\n(٢) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٢، ملاحظة: ذكر نوع المضطرب بعد المدلس، وستأتي الإشارة إلى العلاقة بسن التدليس والاضطراب أثناء تحرير التعريفات.\n(٣) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٢.\n(٤) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٥١.\n(٥) ينظر: ١/ ٢٢١.\n(٦) ينظر: ١٨.\n(٧) ابن كثير، الاختصار، ٥٥.\n(٨) \"أي بإبدال الشيخ المروي عنه، كأن يروي اثنان حديثا فيرويه أحدهما عن شيخ، والآخر عن آخر، ويتفقان فيما بعد ذلك الشيخ\". المناوي، اليواقيت والدرر، ٢/ ٩٥.","vol":"1","page":463},{"text":"لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب\" (١)، وتعريفه رغم اختصاره؛ إلا أن بعض الشراح فهموا اشتماله على ما يخص اضطراب السند والمتن. (٢)\nوقد أطنب الدهلوي (٣) (ت ١٠٥٢ هـ) - حين عرّف المضطرب- في ذكر أنواع المخالفة من الراوي، فقال:\n\"وإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو تصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك: فالحديث مضطرب\" (٤)\nولخّص الجزائري (ت ١٣٣٨ هـ) تعريف المضطرب بقوله: \"هو ما وقعت المخالفة فيه بالإبدال على وجه يحصل فيه التدافع مع عدم وجود المُرجِّح.\" (٥)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nإن المتأمل لكلام ابن الصلاح في المضطرب يجد أن القيود التي يدور حولها التعريف تتمثل في: الاختلاف في الرواية، والتساوي بين أوجه الاختلاف مع تعذر الجمع أو الترجيح، ويمكن صياغة هذه القيود على النحو الآتي:\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١١٧.\n(٢) \"أشار إلى أن الإبدال مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي الشيخ المروي عنه، أو بعضا من المروي، فيكون شاملا لمضطرب المتن أيضا\". القاري، شرح النخبة، ٤٨١، وصي الله بن محمد عباس، علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية، ط (بدون (، (المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، ت [بدون]) ٢٦.\n(٣) عبدالحق بن سيف الدين بن سعد الله الدهلوي الحنفي. فقيه، محدث. له: (مقدمة في مصطلح الحديث). مات سنة ١٠٥٢ هـ. ينظر: الزركلي، الأعلام، ٣/ ٢٨٠. كحالة، المؤلفين، ٢/ ٥٨ (٦٦٢٦).\n(٤) الدهلوي، أصول الحديث، ٤٩.\n(٥) الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٥٨١.","vol":"1","page":464},{"text":"١ - اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج.\n٢ - التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد: </span>(١)\nوالاختلاف في اللغة: من اختلف: ضد اتّفق، فالاختلاف نقيض الاتفاق.\nوتخالف الأمران، واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. (٢)\nوالاضطراب يُعدّ نوعًا من أنواع اختلاف الرواة في الرواية (٣)، ونلحظ أن تعريفات المضطرب السابقة اتفقت على ذكر الاختلاف بين الروايات أو مخالفة الراوي لغيره - في حدّ الحديث المضطرب- سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها، كتعريف الخطيب حين ذكر أن الاضطراب تلبيس أسماء الرواة وأنسابهم وتدليسها، والتلبيس بمعنى التعمية والتخليط، وعدم الوضوح (٤)، فيُذكر الراوي على خلاف ما اُشتهر به، وهذا نوع مخالفة في الإسناد.\n_________\n(١) سبق في فصل الحديث الشاذ الكلام على قيد المخالفة.\n(٢) ينظر: مادة (خ ل ف): ابن سيده، المحكم، ٥/ ٢٠١، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٠٨، الزبيدي، تاج العروس، ٢٣/ ٢٧٥، المعجم الوسيط، ١/ ٢٥١.\n(٣) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٧، بازمول، المقترب، ٧٣، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢١، الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٤٨\n(٤) ينظر: الرازي، المختار، ٢٧٨، الفيروزآبادي، القاموس، ٥٧٢.","vol":"1","page":465},{"text":"وقد نُقل عن أبي داود - في المراد بالاختلاف- قوله: \"والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء\" (١)، ولعل عبارة الترمذي أكثر وضوحًا في بيان حد الاختلاف في الأسانيد، حيث قال - عن أحد الرواة الموصوفين بكثرة الاضطراب، وهو ابن أبى ليلى (٢) - أنه: \"كان يروي الشيء مرة هكذا ومرة هكذا، يغيِّر الإسناد\" (٣)، ... ونقل أيضًا عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: \"ابن أبى ليلى لا يُحتجُّ به\"، ثم عقّب ببيان المراد من عدم الاحتجاج وسببه، فقال: \"إنما عنى إذا تفرد بالشيء. وأشد ما يكون هذا إذا لم يحفظ الإسناد، فزاد في الإسناد، أو نقص، أو غيَّر الإسناد، أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه، وغير اللفظ. فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير به المعنى.\" (٤)\nوفي موضع آخر في سننه أخرج لهذا الراوي حديثًا، وذكر اضطرابه فيه (٥)، وفي ذلك إلماحة منه بما يحويه الاضطراب من تغيير وتبديل في الرواية، سواء من حيث الإسناد\n_________\n(١) المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ٢٦/ ٤٣١.\n(٢) محمد بن عبدالرحمن بن أبى ليلى الأنصاري، أبو عبدالرحمن الكوفي، القاضي، الفقيه، قال عنه الإمام أحمد: \"ابن ابى ليلى كان سيِّئ الحفظ، مضطرب الحديث وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه، حديثه فيه اضطراب.\" وقال ابن حجر: \"صدوق سيِّئ الحفظ جدا\"، مات سنة ١٤٨ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٧/ ٣٢٣ (١٧٣٩)، ابن حبان، المجروحين، ٢/ ٢٤٣، ابن عدي، الضعفاء، ٧/ ٣٩٠ (١٦٦٣)، الذهبي، الكاشف، ٢/ ١٩٣ (٥٠٠٠)، ابن حجر، التقريب، ٤٩٣ (٦٠٨١).\n(٣) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٨، ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤١٥. عدّ أحد المعاصرين كلام الترمذي أقدم ما قيل في حد اختلاف الأسانيد، وتعريفه. ينظر: العثمان، المحرر، ٢٧١.\n(٤) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٣٩.\n(٥) أخرج الترمذي في سننه كتاب الآداب، باب ما جاء كيف يُشمّت العاطس، ٤/ ٤٥٧ ح (٢٧٤١)، فقال: حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا أبو داود، قال: أخبرنا شعبة قال: أخبرني ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يرد عليه، يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم.». وقال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن ابن أبي ليلى، بهذا الإسناد نحوه.\nثم عقّب بقوله: هكذا روى شعبة هذا الحديث عن ابن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ - وكان ابن أبي ليلى يضطرب في هذا الحديث، يقول أحيانا: عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ -، ويقول أحيانا: عن علي، عن النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":466},{"text":"أو المتن، وسواء وقع هذا الاختلاف في رواية الراوي الواحد حيث يرويه مرة هكذا، ومرة هكذا كما ذكر الترمذي (١)، أو وقع الاختلاف بين عدد من الرواة في روايتهم عن شيخهم، فيروي بعضهم ما يخالف رواية الآخرين؛ لذا استدرك الزركشي ما قد يُتوهم من إغفال تعريف ابن الصلاح للاضطراب الصادر عن راوٍ واحد فقال - مُعقِّبًا على قول ابن الصلاح \"هو الذي يختلف الرواة فيه\"-: \"قد يخرج ما لو حصل الاضطراب من راو واحد. وقد يقال فيه: نبنيه على دخوله من باب أولى، فإنه أولى بالرد من الاختلاف بين راويين\". (٢)\nولأن \"الاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد\" (٣)؛ فإن اختلاف الرواة منه القادح في صحة الحديث، ومنه غير القادح، وإنما يُعدّ هذا الاختلاف اضطرابًا إذا كان قادحًا في الصحة، وهذا ما استدركه الزركشي على ابن الصلاح فقال: \"وينبغي\n_________\n(١) قال الدكتور عداب الحمش - بعد أن استعرض عددًا من أمثلة الحديث التي وصفها الترمذي بالاضطراب-: \"وقد ظهر لي أن حدّ الاضطراب عند الترمذي يعني مطلق اختلاف الراوي المدار، أو الرواة عنه في سياقة الحديث سندًا أو متنًا، أو جميعهما معًا.\" الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٥٦.\n(٢) الزركشي، النكت، /٢٢٤. \"هذا اعتراض متجه، لأن الاضطراب في الأعم الأغلب يحصل من راو واحد، وهو الذي يوجه الغلط فيه لمن اضطرب فيه. أما الاضطراب من راويين فهو أقل، وكذلك قد يوجه الاضطراب لأحد الراويين أو للشيخ، وربما كان قد حدث بالوجهين\" الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٢.\n(٣) ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، ٢/ ٧٧٨. واختلاف التنوع: \"منه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصَوْغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك ... وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع ... \" المرجع السابق، ٢/ ٧٧٩.","vol":"1","page":467},{"text":"أن يقال على وجه يؤثر\" (١)، أي: الاختلاف المؤثر في الصحة، وأكّد على ذلك ابن حجر بقوله: \"الاضطراب هو: الاختلاف الذي يُؤثِّر قدحًا\". (٢)\nفاشتراط كونه مؤثرًا يُخرج اختلاف التنوِّع في الرواية، والذي مثَّل له الذهبي بقوله: \"ومن أمثلة اختلاف الحافظين: أن يُسمِّي أحدهما في الإسناد ثقة، ويُبدله الآخر بثقة آخر. أو يقول أحدهما: (عن رجل)، ويقول الآخر: (عن فلان) فيسمي ذلك المبهم. فهذا لا يضر في الصحة.\" (٣)\nولأن الاضطراب يقع في السند وفي المتن، فقد قسّم ابن سيّد الناس - في كتابه النفح الشذي- (٤) الاضطراب من حيث موضعه في السند أو المتن، ومن حيث القدح وعدمه إلى أربعة أقسام.\nاضطراب في الإسناد، ومنه القادح، وغير القادح (٥)، أما القادح: فالحديث يُروى عن الثقة تارة وعن من تُكُلِّمَ فيه تارة، والراوي عنهما واحد، والطرق إليه مختلفة. (٦)\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٤.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٣.\n(٣) الذهبي، الموقظة، ٥١، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٢، ابن حجر، المرجع السابق، بازمول، المقترب، ٤٢.\n(٤) ابن سيد الناس، النفح الشذي شرح جامع الترمذي، ١/ ١٩٩ - ٢٠١.\n(٥) مثّل له بحديث: عبدالله بن مسعود قال: «خرج النبي - ﷺ - لحاجته، فقال: التمس لي ثلاثة أحجار، قال: فأتيته بحجرين وروثة ...»، أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الطهارة، باب في الاستنجاء بالحجرين، ١/ ٦٩ ح (١٧)، قال الترمذي: \"وهذا حديث فيه اضطراب\".\nقال ابن سيد الناس: \"وصفوه كلهم بالاضطراب وخُرِّج مع ذلك في الصحيح، وهو اضطراب يرجع إلى الإسناد، والخلاف فيه على أبي إسحاق بين أبي عبيدة والأسود بن يزيد وعبدالرحمن ابنه وعبدالرحمن بن يزيد وعلقمة وكلُّهم ثقاتٌ فكيف ما انقلبنا انقلبنا إلى ثقة، فهذا وأمثاله لا يضر ولا يُعدُّ قادحًا.\" المرجع السابق.\n(٦) مثّل له بقوله: \"كما وقع من الاختلاف في الحديث المروي عن عبيدالله العمري وعبدالله أخيه عن الزهري أو غيره من الشيوخ فإنَّ عبيد الله مجمع على قوله وعبد الله مختلف فيه فهذا اضطراب يرجع إلى الإسناد وهو مما يوجب الوهن؛ لأنَّ ناقل الحديث في نفس الأمر أشكلَ علينا ودار الأمر فيه: متفق عليه، ومختلف فيه فلم يثبت عن من نعرف حاله يقينًا بغير شك.\" المرجع السابق.","vol":"1","page":468},{"text":"واضطراب في المتن، ومنه القادح، وغير القادح، فالقادح في المتن: وهو ما اختلفت فيه مدلولات ألفاظه وتباينت معانيه، ولم يمكن أن تردَّ إلى معنىَّ واحد، ولا معانٍ يَقرب بعضُها منْ بعض.\nوغير القادح هو: ما اختلف ألفاظه وأمكن ردّها إلى شيء واحد ومعان متقاربة (١).\nوالمراد بالاختلاف في هذا القيد:\nهو الاختلاف القادح أو المؤثّر: وهو المشعر بقلة ضبط راويه (٢)، ويقع على وجه يقدح في صحة الرواية، بحيث لا يحتمل التوفيق والجمع، بمعنى: أن الراوي لم يضبط الحديث، فهو وإن كان ثقة إلا أنه ضعيف في هذا الحديث خاصة. (٣)\nوكثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر -أثناء كلامه على حديث اختلف فيه الرواة- فقال: \"التلون في الحديث الواحد، بالإسناد الواحد، مع اتحاد المخرج يوهن راويه وينبئ بقلة ضبطه ... \" (٤)\n_________\n(١) كما في قوله - ﷺ -: «اذهب فقد زوجتكها» أو أنكحتكها أو ملكتها ... إلى غير ذلك من الألفاظ التي إنْ وقع بينها خلاف في المعنى فيسير محتمل. ابن سيد الناس، المرجع السابق.\nوالحديث أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب إذا كان الولي هو الخاطب ٧/ ١٧ ح (٥١٣٢) بلفظ (زوجتكها)، وفي باب إذا قال الخاطب للولي: زوجني فلانة ٧/ ١٨ ح (٥١٤١) بلفظ (ملكتكها)، وفي باب التزويج على القرآن ٧/ ٢٠ ح (٥١٤٩) بلفظ (أنكحتكها).\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤، النووي، التقريب، ٤٥، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٣.\n(٣) ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٢.\n(٤) ابن حجر، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ٢/ ٤١٤.","vol":"1","page":469},{"text":"وقد أشار ابن حجر في كلامه السابق إلى الشق الثاني من هذا القيد، ألا وهو: اتحاد المخرج، فاختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، \"والمَخْرَج: موضع خروج الحديث، وهو رواة الإسناد الذين خرج الحديث من طريقهم.\" (١)\nذكر هذا الشرط ابن دقيق العيد - فيما يخص الاختلاف المؤثر- فقال: \"وهذا بشرط أن لا يكون الطريقان مختلفين، بل يكونان عن رجل واحد\" (٢)\nوحين عرّف ابن كثير المضطرب، قال: \"وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، ... \" (٣)، فقوله (على شيخ بعينه) اشتراط لاتحاد المخرج.\nوقال ابن رجب في معرض بيانه لتعليل الأئمة حديثًا بآخر: \"واعلم أن هذا كله إذا عُلِم أن الحديث الذي اُختلِف في إسناده حديث واحد، فإن ظهر أنه حديثان بإسنادين لم يحكم بخطأ أحدهما.\nوعلامة ذلك أن يكون في أحدهما زيادة على الآخر أو نقص منه أو تغير يستدل به على أنه حديث آخر\". (٤)\n- أما \"تعليلهم الحديثين المختلفين سندًا بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحًا. أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة\". (٥)\n_________\n(١) الخيرآبادي، معجم المصطلحات، ١٣٥.\n(٢) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.\n(٣) ابن كثير، الاختصار، ٥٥.\n(٤) ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٨٤٣.\n(٥) بازمول، المقترب، ٤١.\nمثال ذلك: \"قال الميموني: قلت ليحيى بن معين: الأحاديث التي عن النبي - ﷺ - في كراهة الحجامة للصائم. كيف تأويلها؟ قال: جياد كله، . قلنا: فما يقولون: مضطربة؟ قال: أنا لا أقول إن هذه الأحاديث مضطربة\". ابن حنبل، العلل، ٢١٣ ح (٤٠٣).","vol":"1","page":470},{"text":"\"وإذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله.\" (١)\n- وتجدر الإشارة إلى أن تعدد أوجه الرواية قد يُحتمل من بعض الرواة دون غيرهم، وذلك في حال كان الراوي معروفًا بكثرة الرواية وجمع الطرق، أوضح ذلك ابن حجر بقوله:\n\"التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتحاد المخرج، يوهن راويه ويُنبِئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ضبطه.\" (٢)\nوسبقه ابن رجب في تقرير هذا، وبيان حال الرواة ممن يُحتمل منه الاختلاف في الرواية ومن لا يُحتمل، فقال: \"اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهمًا؛ فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ؛ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما (يُحتمل مثل ذلك) ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما.\" (٣)\nنخلص مما سبق:\nأن المراد بالاختلاف في قيد الحديث المضطرب، هو اختلاف التضاد القادح في الصحة، والواقع في روايات الحديث الواحد سواء في السند أو في المتن أو في كليهما، وسواء وقع هذا الاضطراب من راوٍ واحد أو أكثر.\n_________\n(١) بازمول، المقترب، ١٦٢.\n(٢) ابن حجر، تلخيص الحبير، ٢/ ٤١٤.\n(٣) ابن رجب، شرح العلل، ١/ ٤٢٤.","vol":"1","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:</span>\nالتساوي في اللغة: من سَوِيَ، والسين والواو والياء: \"أصل يدل على استقامة واعتدال بين شيئين. يقال هذا لا يساوي كذا أي لا يُعادِله.\" (١) واستوى الشيئان وتساويا تماثلا، وتعادلا. (٢)\nوالمراد بالتساوي بين وجوه الاختلاف، أي: تساوي \"الاختلاف في الجهتين أو الجهات; بحيث لم يترجح منه شيء، ولم يمكن الجمع.\" (٣)\nوقد صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط التساوي بين أوجه الروايات من حيث القوة، فوصفت الروايات المختلفة بمعاني مترادفة (كالتقارب، والتقاوم، والتعادل ...). (٤)\nوعقّب ابن الصلاح بذكر هذا الشرط، فقال: \"وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان ... \" (٥)، فلا يُسمّى الحديث مضطربًا عند ابن الصلاح إلا إذا تساوت الروايات المختلفة في القوة، وتعذّر الترجيح بينها؛ بينما يرى الزركشي أن مجرد الاختلاف في الرواية يُعدّ اضطرابًا، ولا يكون هذا الاضطراب قادحًا إلا في حال التساوي بين\n_________\n(١) ابن فارس، المقاييس، ٣/ ١١٢.\n(٢) ينظر: مادة (س وي): ابن سيده، المحكم، ٨/ ٦٣٩، الفيروزآبادي، القاموس، ١٢٩٧، المعجم الوسيط، ١/ ٤٦٦.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.\n(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٥، ابن جماعة، المنهل، ٥٢، ابن كثير، الاختصار، ٥٥، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢١.\n(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٣ - ٩٤. قال العراقي: \"وإنما يسمى مضطربا إذا تساوت الروايتان المختلفتان في الصحة\". العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٠.","vol":"1","page":472},{"text":"الروايات المختلفة، فاستدرك على ابن الصلاح بقوله: \"وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت، وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت\" (١).\nويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة:\nفقد أشار ابن الصلاح إلى اشتراط انتفاء الترجيح - بأحد طرقه المعتمدة- بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: \"وإنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان. أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب، ولا له حكمه.\" (٢)\nوزاد ابن حجر ذكر عدم إمكانية الجمع بين روايات الحديث المختلفة؛ ليصح إطلاق الاضطراب عليه، فقال: \"وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف ألفاظه\" (٣)، \"وأما مع إمكان الجمع بين ما اختلف من الروايات ولو تساوت وجوهها فلا يستلزم اضطرابًا.\" (٤)\n\"فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربًا إلا بشرطين:\nأحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٦.\n(٢) ابن الصلاح، المرجع السابق.\n(٣) ابن حجر، فتح الباري، ٤/ ٣٣٢.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٥٢، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.","vol":"1","page":473},{"text":"ثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث.\" (١)\n\"فالأصل عند الاختلاف بين الروايات أن يجمع بينها برابط يزيل الاختلاف، فالترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع؛ لأن الجمع أولى منه إذا أمكن\" (٢)، حيث قال الحافظ: \"الجمع بين الروايتين أولى ولا سيما إذا كان الحديث واحدًا والأصل عدم التعدد\" (٣)، فإن تعذر الجمع انتقل إلى الترجيح، \"ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق.\" (٤)\nوبالنظر إلى الكثير من أمثلة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في كتب الحديث وعلله، نجد أن عددًا من الأحاديث أُطلِق عليها وصف الاضطراب بالرغم من ترجيح بعض علماء الحديث ونقّاده لأحد الروايات، ففي دراسة أجراها أحد الباحثين (٥) جمع فيها مائة حديث وصف بالاضطراب في السنن الأربع، وباستقراء سريع لهذه الأمثلة، وجدت ما يلي: -\n_________\n(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٢) بازمول، المقترب، ٤٤.\n(٣) ابن حجر، تلخيص الحبير، ٣/ ٤٢٠.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٨.\n(٥) ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣، ينظر كذلك الأمثلة التي استعرضها الدكتور عداب الحمش من كتاب جامع الترمذي، فخلص إلى أن \"حدّ الاضطراب عند الترمذي الحمش، الإمام الترمذي، ١/ ٣٥٦.","vol":"1","page":474},{"text":"- نسبة الأحاديث المضطربة في المتن ٤%، وهي نسبة قليلة كما أشار لذلك ابن حجر بقوله: \"وهو يقع في الإسناد غالبا. وقد يقع في المتن. لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث باضطراب بالنسبة إلى اختلاف في المتن دون الإسناد.\" (١)\n- نسبة الأحاديث التي جمعت بين اضطراب السند والمتن ١١%، فيكون مجموع الأحاديث التي أُعلّ فيها السند دون المتن ٨٥%، وهي النسبة الغالبة على الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب.\n- ونسبة الأحاديث التي وصفت بالاضطراب مع ترجيح أحد الطرق ٣٢%، وهي تقريبًا ثلث الأحاديث المحكوم عليها بالاضطراب في هذه الدراسة. (٢)\n- وهنا قد يظهر إشكال: وهو وصف المحدث حديثًا ما بالاضطراب مع ترجيحه لرواية منها، فكيف يجمع بين الوصف بالاضطراب والترجيح؟\nوللجواب عن هذا الإشكال عدة أجوبة:\nالأول: أنه وصف بالاضطراب دون النظر إلى النتيجة والحكم النهائي، ومرادهم أن الرواة اختلفوا واضطربوا فيه، والراجح من الاختلاف رواية فلان، وعندها لا يكون\nهناك اضطرابًا معلًا للرواية؛ بل محفوظ وشاذ أو معروف ومنكر (٣)، ولذلك لما قال ابن الصلاح: \"إنما نسميه مضطربًا إذا تساوت الروايتان\".\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١١٧، ينظر: السخاوي، التوضيح الأبهر (الأسرّ)، ٥٦.\n(٢) ينظر: بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣.\n(٣) مثل لذلك بقول البخاري - لما سأله الترمذي عن حديث عائشة أنها ذكرت لرسول الله - ﷺ - إن قومًا يكرهون استقبال القبلة بغائط أو بول فأمر بخلائه فاستقبل به القبلة-: \"هذا حديث فيه اضطراب والصحيح عن عائشة قولها\".ينظر: الترمذي، العلل، ٢٤ ح (٦).","vol":"1","page":475},{"text":"علق عليه الزركشي بقوله: \"وإنما يؤثر الاضطراب إذا تساوت؛ وإلا فلا شك في الاضطراب عند الاختلاف تكافأت الروايات أم تفاوتت\" (١).\nالثاني: أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راو (٢).\nالثالث: أنه ترجيح افتراضي (٣) لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر. (٤)\nويمكن إضافة وجه رابع: أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.\nكالمثال الذي مثّل به ابن الصلاح لمضطرب السند، حيث مثّل بحديث الخط في السترة (٥)،\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٢٦.\n(٢) مثال ذلك: قال ابن أبي حاتم: \"سألت أبي عن حديث رواه ثابت بن عبيد عن القاسم عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال لها: \"ناوليني الخمرة. قلت: إني حائض! قال: إن حيضك ليس في يدك\". ورواه عبد الله البهي، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - نحوه؟\nفقال أبي: حديث ثابت، عن القاسم، عن عائشة أحب إلي؛ وذلك أن البهي يُدخِل بينه وبين عائشة عروة، وربما قال: حدثني عائشة، ونفس البهي لا يحتج بحديثه، وهو مضطرب الحديث\" ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ٤٧ - ٤٨ ح (٢٠٦).\nوكان من نتائج بحث مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، أن توصل الباحث إلى أن الإمام الترمذي يروي الحديث، ويشير إلى الاختلاف على بعض رواته، وقد يُرجّح إحدى الروايات، ويحكم على البقية بالاضطراب، فيكون حكمه بالاضطراب متوجهًا إلى بعض طُرق الحديث، وليس جميعها. ينظر: عبدالعزيز عبدالله الهليل، مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، ١٦٦.\n(٣) مثال ذلك: سؤال ابن أبي حاتم لأبي زرعة عن حديث اضطرب فيه الرواة، فقال: \"قلت لأبي زرعة: الصحيح ما هو؟ قال: الله أعلم! قد اضطربوا فيه، والثوري أحفظهم.\"المرجع السابق ٣/ ٢٦ ح (٦٦٥).\n(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ٤٨ - ٥٠ باختصار.\n(٥) الحديث أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الخط إذا لم يجد عصا ١/ ١٨٣ ح (٦٨٩)، فقال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا إسماعيل بن أمية، حدثني أبو عمرو بن محمد ابن حريث، أنه سمع جده حريثا يحدث، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا، ثم لا يضره ما مر أمامه»، وأخرجه ابن ماجه في سننه كتاب الصلاة، باب ما يستر المصلي، ١/ ٣٠٣ ح (٩٤٣)، وأحمد في مسنده ١٢/ ٣٥٤ ح (٧٣٩٢)، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب الاستتار بالخط ٢/ ١٣ ح (٨١١)، وابن حبان في صحيحه باب ما يكره للمصلي وما لا يكره، ذكر وصف استتار المصلي في صلاته ٦/ ١٢٥ ح (٢٣٦١).","vol":"1","page":476},{"text":"وقد رُوِي على أوجه ذكرها ابن الصلاح (١) وغيره (٢)، مع عدم تمكنه من ترجيح بعضها على بعض، لكن الحافظ ابن حجر استدرك على ابن الصلاح والعراقي ما ذهبا إليه من اضطراب الحديث، فقال:\n\" بقي أمر يجب التيقظ له، وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية (٣)، عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه\nأو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر لم يكن فيه حقيقة الاضطراب.\" (٤)\nنخلص مما سبق:\nأن اشتراط التساوي في القوة بين وجوه الاختلاف، وما يلحق به من عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات كقيد من قيود الحديث المضطرب، هو اشتراط أغلبي، إذ أن هناك أمثلة ليست بالقليلة وصفت بالاضطراب رغم وجود الترجيح بين رواياتها.\n_________\n(١) حيث قال: \"ومن أمثلته: ما رويناه عن إسماعيل بن أمية، عن أبي عمرو بن محمد بن حريث، عن جده حريث، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - في المصلي: «إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه؛ فليخط خطا». فرواه بشر بن المفضل، وروح بن القاسم عن إسماعيل، هكذا.\n- ورواه سفيان الثوري عنه، عن أبي عمرو ابن حريث، عن أبيه عن أبي هريرة.\n- ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة.\n- ورواه وهيب، وعبدالوار عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث، عن جده حريث.\n- وقال عبدالرزاق عن ابن جريج: سمع إسماعيل، عن حريث بن عمار عن أبي هريرة. وفيه من الاضطراب أكثر مما ذكرناه. والله أعلم\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤ - ٩٥.\n(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٢٤ - ١٢٧.\n(٣) إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي، الأموي، المكي، قال عنه الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: ثقة ثبت. مات سنة ١٤٤ هـ، وقيل قبلها. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٤٤ (٣٥٨)، ابن حجر، التقريب، ١٠٦ (٤٢٥).\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٧٧٢.","vol":"1","page":477},{"text":"هذا فيما يخص قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، ومدى اتفاق تعريفات المضطرب معها.\nأما تعريف الخطيب البغدادي للمضطرب، فقد أثار لديّ تساؤلا عن سبب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء، دون غيره من أنواع الاضطراب في الأسانيد؛ علمًا بأن الاضطراب في السند يتنوع إلى خمسة أنواع هي:\n١ - تعارض الوصل والارسال.\n٢ - تعارض الوقف والرفع.\n٣ - تعارض الاتصال والانقطاع.\n٤ - زيادة رجل في أحد الاسنادين.\n٥ - الاختلاف في اسم الراوي ونسبه اذا كان مترددا بين ثقة وضعيف. (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>مسألة: العلاقة بين تدليس الراوي لأسماء الرواة واضطراب السند:</span>\n- إن المتأمل في تعريف الخطيب البغدادي لاضطراب السند قد يستغرب تخصيصه اضطراب السند بتدليس الراوي لأسماء الرواة في السند أو بعضهم، دون أنواع الاضطراب الأخرى التي تقع في السند (كاختلاف الرواة في السند بين الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، ونحو ذلك) وذكر أن الدافع في الغالب لتدليس أسمائهم وتبديلها بما لم يشتهروا به كونهم ضعفاء، ويمكن توجيه ذلك على النحو الآتي:\n- لعله عمد إلى ذلك؛ لكونه أفرد ذكر التعارض بين الرواة في وصل الحديث وإرساله، وكذلك في رفعه أو وقفه في أبواب أخرى في كتابه الكفاية (٢)، هذا من جهة.\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٧٧٨، الفحل، علل الحديث، ١٩٩.\n(٢) - ما يخص تعارض الوصل مع الإرسال، فقال: \"باب القول فيما روي من الأخبار مرسلًا ومتصلًا، هل يثبت ويجب العمل به أم لا؟ \"، وقد رجّح فيه الحكم للوصل شريطة أن يكون راوي الزيادة عدلًا ضابطًا للرواية.\n- وأما ما يخص تعارض الرفع والوقف، فقد قال: تحت \"باب في الحديث يرفعه الراوي تارة ويقفه أخرى، ما حكمه؟ ... والأخذ بالمرفوع أولى، لأنه أزيد كما ذكرنا في الحديث الذي يروى موصولا ومقطوعا، وكما قلنا في الحديث الذي ينفرد راويه بزيادة لفظ يوجب حكما لا يذكره غيره: إن ذلك مقبول والعمل به لازم، والله أعلم\" ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٠٩، ٤١٧.","vol":"1","page":478},{"text":"- ومن جهة أخرى: إذا استثنينا من صور اضطراب السند: (تعارض الرواة في الوصل والإرسال، والوقف والرفع، والمزيد في متصل الأسانيد؛ حيث ألّف فيه الخطيب كتابًا مستقلًا (١» فسيكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب؛ لذا خصّها بتعريف اضطراب السند، للتمييز بين الأنواع؛ فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم.\nإذ الناظر والمتأمل في أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد يجدها لا تكاد تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل،\nوالغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو وفقه أو رفعه أو وصله أو إرساله. (٢)\n_________\n(١) هو كتاب: \" (تمييز المزيد في متصل الأسانيد) وقسمه قسمين: أحدهما: ما حكم فيه بصحة ذكر الزيادة في الإسناد، وتركها.\nوالثاني: ما حكم فيه برد الزيادة وعدم قبولها.\" ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٣٧ - ٦٣٨.\n(٢) مثال ذلك: في ترجمة: محمد بن أحمد بن يونس بن يزيد، أبو بكر البزَّاز، أخرج المصنف حديثًا من طريق سهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - وقد لدغته عقرب، فقال: «أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضرك شيء حتى تصبح». ثم عقّب المصنف بذكر اختلاف الرواة عن سهيل في إسناد الحديث، فقال: \"تفرد برواية هذا الحديث عن سفيان الثوري، هكذا مجودا الأشجعي، ورواه غير واحد، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن رجل من أسلم أنه لدغته عقرب من غير ذكر لأبي هريرة، ورواه عمر بن مدرك الرازي، عن عصام بن يوسف، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رجل من أسلم. وروى هذا الحديث، عن سهيل، كما رواه الأشجعي، عن سفيان، عن مالك بن أنس، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي، ومحمد بن رفاعة بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي. ورواه عن سهيل أيضا، عن أبيه، عن رجل من أسلم شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، وخالد بن عبد الله الطحان.\nونرى أن سهيلا كان يضطرب فيه ويرويه على الوجهين جميعا، والله أعلم\". الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ٢/ ٢٥٨ (٢٩٤).\nينظر كذلك الأحاديث التي وصفت بالاضطراب في التراجم الآتية: في ترجمة: محمد بن الفضيل الخراساني ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (١٤٧٣)، وفي ترجمة: سليمان بن حرب بن بجيل، أبو أيوب الأزدي الواشجي البصري، ١٠/ ٤٤ (٤٥٧٥)، وفي ترجمة: محمد بن نصر بن سليمان، أبو الأحوص الأثرم، ٤/ ٥٠٥ (١٦٨٠)، وفي ترجمة منصور بن صُقير، أبو النضر، ١٥/ ٨٩ (٧٠٠٥).","vol":"1","page":479},{"text":"- وجدير بالذكر الإشارة إلى أن: ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف.\n\nوهناك مسألة أخرى تتعلّق أيضًا بتعريف الخطيب البغدادي، وهي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>مسألة: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:</span>\n- فقد عرَّف الخطيب اضطراب السند بقوله: \"أن يذكر راويه رجالًا فيُلبَّس أسماءهم وأنسابهم ونعوتهم تدليسًا للرواية عنهم\" (١)، وهذا التعريف قريب من تعريفه لتدليس\nالشيوخ، والذي قال فيه: \"هو أن يروي المحدث عن شيخ سمع منه حديثًا فغيّر اسمه أو كنيته أو نسبه أو حاله المشهور من أمره لئلا يُعرَف\" (٢)، والفرق بين التعريفين:\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.\n(٢) ذكر الدافع لذلك عند الرواة فقال: \"والعلة في فعله ذلك كون شيخه غير ثقة في اعتقاده أو في أمانته أو يكون متأخر الوفاة قد شارك الراوي عنه جماعة دونه في السماع منه أو يكون أصغر من الراوي عنه سنا أو تكون أحاديثه التي عنده عنه كثيرة فلا يحب تكرار الرواية عنه فيغير حاله لبعض هذه الأمور.\" الخطيب البغدادي، الكفاية، ٣٦٥.\nينظر تصريحه بتسمية هذا النوع من التدليس، بتدليس الشيوخ: المرجع السابق، ٢٢.","vol":"1","page":480},{"text":"- أنه في تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، وذكر لذلك دوافع متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب قد يطرأ التغيير على اسم أي راوٍ من رواة السند، والدافع لتبديل أسمائهم في الغالب لكونهم رواة ضعفاء. (١)\nولعل لذلك علاقة بصنيع الحاكم حين ذكر تحت النوع السادس والعشرين من علوم الحديث (نوع معرفة المدلسين) ثم ذكر أجناسهم، وخصّ: الجنس الرابع من المدلسين\nبأنهم: \"قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا\" (٢)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب (٣).\n_________\n(١) ملاحظة: يجدر بالذكر أن ابن الصلاح ومن بعده ذكروا اشتهار الخطيب بتدليس الشيوخ في مروياته ابن الصلاح، علوم الحديث، ٧٦.\nوقد ذكر أمثلة لذلك فقال: \"والخطيب الحافظ يروي في كتبه، عن أبي القاسم الأزهري، وعن عبيدالله ابن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيدالله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، والجميع شخص واحد من مشايخه.\nوكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب، وعن أبي محمد الخلال، والجميع عبارة عن واحد.\nويروي أيضا عن أبي القاسم التنوخي، وعن علي بن المحسن، وعن القاضي أبي القاسم علي ابن المحسن التنوخي، وعن علي بن أبي علي المعدل، والجميع شخص واحد، وله من ذلك الكثير، والله أعلم.\" المرجع السابق، ٣٢٤.\nقال العراقي في شرح التبصرة \"وقد يكون الحامل على ذلك إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في مواضع، يعرفه في موضع بصفة، وفي موضع آخر بصفة أخرى يوهم أنه غيره. وممن يفعل ذلك كثيرا الخطيب، فقد كان لهجا به في تصانيفه ... \"، وقد نقل البقاعي في النكت الوفية استدراك ابن حجر على شيخه العراقي فيما ذهب إليه، فقال: \"ولم يكن الخطيب يفعله إيهاما للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفننا في العبارة، وربما أدت ضرورة التصنيف إلى تكرار الشيخ الواحد عن قرب، فينوع أوصافه لئلا يصير مبتذلا ينفر السمع منه؛ للتكرار المحض، والله أعلم.\"\nقال نور الدين عتر في منهج النقد: \"وكثيرا ما يقصد المحدث من ذلك امتحان أذهان الطلاب واختبار المشتغلين بالعلم، ولفت نظرهم إلى حسن التأمل في الرواة وأحوالهم وأنسابهم، وغير ذلك. وذلك فيما يبدو لنا من مقصد الخطيب في تدليسه، فإنه كثير الشيوخ جدا، وتدليسه كان لهذا الغرض، والأمثلة التي أوردناها من كلامه قد أمكن كشف الراوي فيها بالتأمل والنظر.\". ينظر المراجع: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٤١، البقاعي، النكت، ١/ ٤٤٩، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٣٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٢٦٥، عتر، منهج النقد، ٣٨٦. (١/ ٢٤١)\n(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١٠٣.\n(٣) مثال ذلك: \"قال علي بن المديني: حدثنا يعلى بن عبيد، عن محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي أن النبي - ﷺ -: «أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل». قال ابن المديني: فكنت أرى أن هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه حدثنا يعقوب ابن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني من لا أتهم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فإذا الحديث مضطرب.\" المرجع السابق، ١٠٧، ينظر: الدارقطني، العلل، ٣/ ٢٧١ ح (٤٠٠).","vol":"1","page":481},{"text":"فالحاكم في هذا النوع من التدليس صرّح بتدليس أسماء الرواة المجروحين، والخطيب حين عرّف اضطراب السند أعقبه بذكر السبب في تغيير وتدليس أسماء الرواة، فقال: \"وإنما يفعل ذلك غالبًا في الرواية عن الضعفاء.\" (١)\n- والناظر في الاقتراح لابن دقيق العيد يجد نوع المضطرب بعد المُدلَّس، وكذلك عند الطيبي في الخلاصة؛ فبالرغم من أنه اختصر كتابه من كتاب ابن الصلاح، والنووي، وابن جماعة، إلا أنه عقّب بقوله: \"فهذبته تهذيبًا، ونقحته تنقيحًا، ورصفته ترصيفًا أنيقًا. فوضعت كل شيء في مصبَّه ومقره\" (٢)، ونجده قد خالفهم في ترتيب الأنواع، وذكر المضطرب بعد المُدلَس.\n- فلعل ابن دقيق العيد والطيّبي بانتهاجهم هذا الترتيب بين الأنواع في كتبهم رأوا شبهاّ بين التدليس، وبين الاضطراب في الإسناد مما حذا ببعض المعاصرين إلى أن أشاروا لتلك العلاقة سواء من قريب أو من بعيد، فذهب أحدهم إلى أن: \"التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف\nعن سقوط راو أحيانًا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون\" (٣)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن كثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٤)\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الكفاية، ٤٣٥.\n(٢) الطيبي، الخلاصة، ٢٦.\n(٣) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣١.\n(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ١٩٨.","vol":"1","page":482},{"text":"ومثّل لذلك بما قيل في الراوي: الحجاج بن أرطأة، حيث \"قال عنه إسماعيل القاضي (١): \"مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر (٢): الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ.\" (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>حكم الحديث المضطرب: </span>(٤)\nقال ابن الصلاح في بيان حكم الحديث المضطرب: \"الاضطراب موجب ضعف الحديث؛ لإشعاره بأنه لم يضبط\" (٥)، إذ الضبط شرط من شروط صحة الحديث، فإذا اختل ضبط\nالراوي أصبح حديثه ضعيفًا لفقده شرطًا من شروط الصحة، هذا في الغالب، لكن لا يمنع ذلك أن يجتمع الاضطراب والصحة في بعض الحالات، حيث قال ابن حجر: \"إن الاختلاف في الإسناد إذا كان بين ثقات متساوين، وتعذر الترجيح، فهو في الحقيقة لا يضر في قبول الحديث والحكم بصحته، لأنه عن ثقة في الجملة، ولكن يضرُّ ذلك في الأصحيّة عند التعارض - مثلا -.\n_________\n(١) إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل، القاضي أبو إسحاق الأزدي، مولاهم، البصري، المالكي، العلّامة الحافظ قاضي بغداد، وصاحب التصانيف، منها: (أحكام القرآن)، و(معاني القرآن). مات سنة ٢٨٢ هـ. ينظر: الذهبي: السير، ١٣/ ٣٤٠، وتاريخ الإسلام، ٦/ ٧١٧.\n(٢) محمد بن نصر المروزى الفقيه، أبو عبدالله الحافظ، قال ابن حجر: \"ثقة حافظ إمام جبل\". مات سنة: ٢٩٤ هـ. ينظر: الذهبي، السير، ١٤/ ٣٣، ابن حجر، التقريب، ٥١٠ (٦٣٤٥).\n(٣) ابن حجر، التهذيب، ٢/ ١٩٦، مثال ما اضطرب فيه: قوله: روي أنه - ﷺ - قال: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء» - أحمد في مسنده ٣٤/ ٣١٩ ح (٢٠٧١٩)، والبيهقي-في السنن الكبرى، كتاب الأشربة، باب السلطان يكره على الاختتان، ٨/ ٥٦٣ ح (١٧٥٦٧) - من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه به، والحجاج مدلس وقد اضطرب فيه، فتارة رواه كذا، وتارة رواه بزيادة شداد بن أوس بعد والد أبي المليح ... ينظر: ابن حجر، تلخيص الحبير، ٤/ ١٥٣.\n(٤) ينظر: القاسمي، قواعد التحديث، ١٣٢، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٢٢٨ - ٢٢٩، بازمول، المقترب، ٤٢.\n(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٤.","vol":"1","page":483},{"text":"فحديثٌ لم يختلف فيه على روايةٍ - أصلًا - أصح من حديث اختلف فيه في الجملة، وإن كان ذلك الاختلاف في نفسه يرجع إلى أمر لا يستلزم القدح- والله أعلم -\" (١).\nوقد شرح السيوطي كلام الحافظ ابن حجر فقال:\n\"وقع في كلام شيخ الإسلام السابق أن الاضطراب قد يجامع الصحة، وذلك بأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذكر مع تسميته مضطربًا، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره، فقال: وقد يدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن.\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- الاضطراب في اللغة يأتي بمعنى: الاختلاف، والاختلال، وعدم الاستقرار، والمضطرِب بكسر الراء هو الشائع، ويجوز فيه فتحها.\n- ومعناه في الاصطلاح له ارتباط وثيق بمعناه اللغوي، فوصف الحديث بالاضطراب يوحي باختلال في ضبط الرواة، ويُعدُّ الوصف بالاضطراب نوعًا من العلة.\n- معنى الاضطراب قبل ابن الصلاح:\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٠.\n(٢) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٤.","vol":"1","page":484},{"text":"أقدم من وجدته عرّف المضطرب هو الخطيب البغدادي، حيث صرّح بالمراد من اضطراب السند، وأشار إلى معنى الاضطراب في المتن بالمقابلة بين الحديث السالم من الاضطراب والحديث المضطرب متنه.\nويثير تعريفه لمضطرب السند إشكالًا، حين قصره على نوع من أنواع الاضطراب في السند - بتدليس الراوي لأسماء الرواة الضعفاء- دون بقية الأنواع ولعل إجابة هذا الإشكال، تكون على النحو الآتي:\n- بالنسبة للأنواع الأربعة الأخرى فقد أفردها بالذكر إما في أبواب من كتابه الكفاية، أو في كتاب مستقل كنوع المزيد في متصل الأسانيد.\n- بعد استثناء الأنواع السابقة يكون الإبدال في اسم الراوي من الصور البارزة والغالبة فيما حُكم عليه بالاضطراب، فيكون تخصيصه لذلك من باب الغالب، وليس الحصر، والله أعلم، حيث يُلاحظ أن: أمثلة الأحاديث الموصوفة بالاضطراب، والمبثوثة في كتاب تاريخ بغداد لا تخرج عن الإطار العام لأمثلة الحديث المضطرب في كتب العلل، والغالب عليها اختلاف الرواة في رواية الحديث الواحد واضطرابهم في أسماء رواته أو في رفع الحديث أو وقفه أو وصله أو إرساله، وليست مقصورة على نوع واحد فقط.\n- ويلاحظ: أن ما انتخبه ابن حجر في تعريفه للحديث المضطرب، يتقارب مع ما ذهب إليه الخطيب في تعريفه لاضطراب السند؛ من حيث كون تدليس أسماء الرواة يدخل في معناه إبدال اسم الراوي أو تسميته بما لا يُعرف.\n- مسألة أخرى أثارها تعريف الخطيب البغدادي، وهي: العلاقة بين التدليس (خاصة تدليس الشيوخ) والحديث المضطرب، أو وصف الراوي بالاضطراب:\n- ففي تدليس الشيوخ خصّ التغيير والتبديل في اسم شيخ الراوي، والدوافع لهذا التبديل متعددة، بينما في تعريفه للاضطراب فالتغيير قد يطرأ على اسم أي راوٍ من رواة السند؛ وذلك لكونهم في الغالب رواة ضعفاء.","vol":"1","page":485},{"text":"- كذلك نجد أن الحاكم حين ذكر أجناس المدلسين، ذكر منهم: \"قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أساميهم وكناهم، كي لا يعرفوا\" (١)، ومثّل له بمثال موصوف بالاضطراب.\nوقد أشار بعض الباحثين إلى العلاقة بين التدليس والاضطراب: فذهب أحدهم إلى أن: \"التدليس - بشكل عام-: هو أحد الأسباب الرئيسة التي تُدخِل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عن سقوط راو أحيانا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون\" (٢)، وصرّح الآخر بأن: التدليس سبب من أسباب اضطراب الرواة؛ فمن\nكثرة ما يُدلِّس، تضطرب عليه الرواية، فلا يحفظ على هذا الوجه سماعه، أو على الآخر. (٣)\n- ونجد كذلك ابن دقيق العيد في الاقتراح، ومن بعده الطيبي في الخلاصة، يورد نوع المضطرب بعد المدلس، وهو ترتيب مخالف لمن سبقهم، ولعلهم وجدوا شبهًا بين النوعين فذكروهما متتاليين، والله أعلم.\n- لابن القطان الفاسي مذهب خاص في التعليل بالاضطراب، حيث ذهب إلى أن: الاضطراب في المتن يُعلُّ الحديث، بينما اضطراب السند ليس بعلة، وذلك في حال كان الراوي الذي وقع منه الاضطراب ثقةً، بينما إذا كان الراوي غير ثقة فحديثه ضعيف، واضطرابه يزيد الحديث وهنًا.\n- أما ما يخص أبرز قيود الحديث المضطرب عند ابن الصلاح، فهي على النحو التالي:\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ١٠٣،\n(٢) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣١.\n(٣) مثّل لذلك بما قيل في الراوي: الحجاج بن أرطأة، حيث \"قال عنه إسماعيل القاضي: \"مضطرب الحديث؛ لكثرة تدليسه، وقال محمد بن نصر: الغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ.\" ينظر: بازمول، المقترب، ١٩٨.","vol":"1","page":486},{"text":"القيد الأول: الاختلاف في روايات الحديث الواحد:\n- تضمنت تعريفات من سبق ابن الصلاح ومن بعده الإشارة إلى هذا القيد ضمن تعريفها للاضطراب، سواء كان ذلك بمنطوق العبارة أو بمفهومها.\n- إن اختلاف الرواية مع اتحاد مخرجها دليل على الاضطراب، وتعليلهم أحيانًا الحديثين المختلفين سندًا بالاضطراب إنما مرادهم الاضطراب لغة لا اصطلاحًا، أو تكون تلك الأحاديث كلها مضطربة.\n- أما إذا وقع الاختلاف في المتن مع اختلاف المخرج: فهذا يُعرف بمختلف الحديث: وهو الحديث المقبول المعارض في الظاهر بمثله.\n- كثرة وقوع الاضطراب من الراوي والاختلاف في الرواية ينبئ بقلة ضبطه، ما لم يكن هذا من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث.\n\n- القيد الثاني: التساوي بين وجوه الاختلاف:\n- صرّحت بعض تعريفات المضطرب باشتراط ذلك بمعاني مرادفة للتساوي كالتقارب، والتعادل.\n- ويرى ابن الصلاح بأن التساوي شرط لتسمية الاختلاف بين روايات الحديث اضطرابًا، بينما ذهب الزركشي إلى أن مجرد الاختلاف من الرواة في رواية الحديث كافٍ لتسمية الحديث بالمضطرب، وإنما يؤثر تساوي هذه الوجوه في القوة في جعل هذا الاضطراب قادحًا في صحة الحديث.\n- ويُلحق بشرط التساوي عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات بأحد طرق الترجيح المعتمدة:\nقال ابن حجر: \"فالاختلاف على الحفاظ في الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين:","vol":"1","page":487},{"text":"أحدهما: استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم ولا يُعَل الصحيح بالمرجوح.\nثانيهما: مع الاستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين ويغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالاضطراب ويتوقف عن الحكم بصحة ذلك الحديث.\" (١)\n- تجدر الإشارة إلى أن أمثلة الحديث الموصوف بالاضطراب في كتب نقّاد الحديث، تحوي عددًا ليس بالقليل مما وُصف بالاضطراب مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها، (٢) ويُعدّ هذا إشكالًا في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عددًا من الأجوبة، وهي كما يلي:\n١ - أن هناك من يصف الحديث بالاضطراب لمجرد الاختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت.\n٢ - أنهم وصفوا الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍ.\n٣ - أنه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر.\n٤ - أنه قد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.\n_________\n(١) ابن حجر، هدي الساري، ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(٢) \"قلت: وقع في عبارات بعض الأئمة من المتقدمين ما يدل على أنهم قد يُطلقون وصف الاضطراب على المعنى اللغوي: بمعنى الاختلاف في الروايات والطرق، ويرجحون طريقا على أخرى.\nولكن هذا لا يمنع من أن المضطرب بمعناه الاصطلاحي كان متداولًا بينهم، فكم من حديثٍ وصفوا طرقه بالاختلاف والتعارض، ولم يرجحوا فيه وجها على وجه، وقد يقع الاضطراب في السند، كما قد يقع في المتن، والأكثر شيوعا الأول، وقد يقع الاضطراب من الثقة وقد يقع من الضعيف المتكلّم فيه، والأكثر شيوعا وقوعه من الضعيف لقلة ضبطه.\" سليم، ما لا يسع جهله، ١١٦ - ١١٧، ينظر كذلك: العوني، شرح الموقظة، ١٣٨.","vol":"1","page":488},{"text":"هذا، وتظل النسبة الغالبة من أمثلة الحديث المضطرب لم يتم الترجيح بين رواياتها المختلفة. (١)\n- أما ما يخص حكم الحديث المضطرب، ففي الغالب يكون إطلاق وصف الاضطراب على الحديث يوجب ضعف الحديث؛ إلا أنه في حالات قد يجتمع وصف الاضطراب مع\nالصحة؛ كأن يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه، ونسبته، ونحو ذلك، ويكون ثقة، فيحكم للحديث بالصحة، ولا يضر الاختلاف فيما ذُكِر مع تسميته مضطربا.\nالفرق بين الشاذ والمضطرب:\n\"قد تقرر:\n- أن الثقة إذا خالفه من هو أرجح منه سمي حديثه شاذًا، والشاذ من المردود.\n- وأن الحديث إذا وقع الخلاف فيه بالإبدال في متنه أو سنده ولا مرجح سمي حديثه مضطربا، والمضطرب من المردود.\" (٢)\nالفرق بين مختلف الحديث والمضطرب:\nمختلف الحديث: هو أن يأتي حديثان متضادان أو متعارضان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما، أو يرجح أحدهما على الآخر. (٣)\nفالفرق بينهما: (٤)\n_________\n(١) ينظر أمثلة الحديث المضطرب في هذين البحثين: الهليل، الحديث المضطرب، ١٦٦، بازمول، الحديث المضطرب، ٣١٢ - ٨٤٣.\n(٢) الجزائري، توجيه النظر، ١/ ٥٤٠.\n(٣) ينظر: النووي، التقريب، ٩٠، ابن جماعة، المنهل، ٦٠، ابن الملقن، التذكرة، ١٩، ابن حجر، النزهة، ٩١.\n(٤) ينظر: بازمول، المقترب، ١٦٢، ينظر كذلك مسألة التعارض بين المتون: محمد الراوندي، أبو الفتح اليعمري حياته وآثارُه وتحقيق أجوبته، ٢/ ١١٢ - ١١٣. وخلاصة الجواب: أن الاختلاف في المتن بين احتمال: - تعدد المخرج لتعدد الحادثة.\nأو اتحاد المخرج: فالجمع أو الترجيح، أو الحكم بالاضطراب.","vol":"1","page":489},{"text":"- أن التعارض في مختلف الحديث هو تعارض ظاهري بين معاني متون الأحاديث (مع اختلاف مخرجها)، مع إمكان الجمع بينها أو الترجيح.\n- أما المضطرب، تعارض بين روايات الحديث الواحد (مع اتحاد مخرجها)، ويقع غالبًا في السند، وقد يقع بقلة في المتن، ويتعذر الجمع أو الترجيح.\nالفرق بين الاضطراب وزيادة الثقة:\n- الاضطراب اختلاف يكون بين راوٍ أو مجموعة من الرواة يرويه بعضهم على وجه والآخرون على وجه مخالف لا يمكن الجمع ولا الترجيح بينهما.\n- بينما زيادة الثقة، فإن الراوي يروي الحديث ذاته الذي يرويه الآخرون إلا أنه يزيد عليه سواء في السند أو المتن.\n- كلاهما يشترط اتحاد المخرج، وقد تتداخل الزيادة مع الاضطراب في حال روى الراوي الحديث الواحد مرة بالزيادة ومرة بالنقصان (كتعارض الوصل والإرسال- وتعارض الرفع والوقف ...).\n- من حيث درجة الراوي: راوي الزيادة يكون ثقة، بينما يقل الاضطراب في روايات الثقات، ويكثر في روايات الضعفاء.\nوقد فصّل ابن سيد الناس في بيان (الفرق بين زيادات الثقات في المتون واضطراب الرواة في المتن)، وملخّص ما ذكر في ذلك:\nأن الحديث الواحد المتحد المخرج، إن اختلفت ألفاظ رواته، وترتب على ذلك اختلاف المعنى:","vol":"1","page":490},{"text":"- فإما أن يكون المخالف أتى بأمر زائد على ما أتى به غيره، فلا تنافي، وهذه زيادة تقبل من الثقات.\n- وإن أتى الاختلاف بلفظ مباين لغيره من الرواة من غير زيادة، فإما أن تستوي أحوال الرواة عند هذا الاختلاف أو تتفاوت، فإن تفاوتت فالترجيح، وإن تساوت وتعذر الترجيح فالحديث حينئذٍ مضطرب لا يقوم له حجة (١)، والله أعلم.\nوبعد ذكر الفرق بين الحديث المضطرب وأنواع أخرى من أنواع علوم الحديث، ننهي هذا الفصل؛ لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وهو الإدراج في الحديث، فإلى الفصل العاشر وتحرير مصطلح الحديث المدرج.\n_________\n(١) ينظر: ابن سيد الناس، النفح الشذي، ٣/ ١١٨ - ١١٩ باختصار. ط الصميعي.","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفصل العاشر: الحديث المدرج</span>\nالمبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الأول: تعريف المدرج لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الأول: تعريف المدرج لغة:</span>\nالمُدْرَج: بضم الميم وفتح الراء اسم مفعول من (أدرج).\nوالإدراج: لَفُّ الشيء في الشيء، ودَرَج الشيء في الشيء يدرُجُهُ دَرْجًا، وأدرجه: طواه وأدخله.\nومنه: أدرج الميت في الكفن والقبر: أدخله.\nوأدرج الكتاب في الكتاب: أدخله، ودَرْجُ الكتاب: طيه وداخله. (١)\nفمعنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nأشار السخاوي إلى المناسبة من ذكر الحديث المدرج بعد كلٍ من المعلل والمضطرب بقوله: \"لما انتهى من المُعلّ الذي شرطه ترجيح جانب العلة، ناسب إردافه بما لم يظهر فيه ترجيح\" (٢) وهو المضطرب، ولما كان مما يُعلُّ به كذلك إدخال متن ونحوه في متن، ناسب إردافه بالمدرج. (٣)\n_________\n(١) ينظر مادة (درج): الأزهري، تهذيب اللغة، ١٠/ ٣٣٩، ابن سيده، المحكم، ٧/ ٣٢٠، الزبيدي، تاج العروس، ٥/ ٥٥٥.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٠.\n(٣) ينظر: المرجع السابق، ١/ ٢٩٧. بينما ذهب الزركشي إلى أن الأولى ذكر المدرج ضمن أنواع التدليس، فقال: \"وأما تدليس المتون فهو الذي يسميه المحدثون المدرج وهو أن يدرج في كلام النبي - ﷺ - كلام غيره فيظن السامع أن الجميع من كلام النبي - ﷺ - وقد ذكره المصنف في النوع العشرين وكان ذكره هنا أنسب.\" الزركشي، النكت، ١/ ٥٦، ٢/ ١١٣، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٤٣.","vol":"1","page":493},{"text":"فالمدرج نوع من أنواع المعلول، ولا يُعدّ الكشف عن علة الإدراج في الحديث مما يتهيأ بيسر، بل هو صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا يُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية. (١).\nوإطلاق وصف الإدراج على بعض الأحاديث موجود في كلام الأئمة النقاد (٢)، ولعل أقدم من ذكر حدًّا للمدرج هو الإمام الحاكم في معرفة علوم الحديث.\nتعريف الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ):\nقال الحاكم في كتابه \"معرفة علوم الحديث\" تحت النوع الثالث عشر: \"معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - \". (٣)\nتعريف الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):\nلقد صنَّف الخطيب البغدادي كتابًا في الأحاديث المدرجة، واسمه (الفصل للوصل المدرج في النقل) ذكر فيه أنواعًا وأقسامًا للحديث المدرج (٤)، فقال:\nهذا كتاب ذكرت فيه أحاديث يشكل شأنها على جماعة من أصحاب الحديث والأثر، ... فمنها: أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة، فصار الكل مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) ينظر: الجديع، التحرير، ٢/ ١٠١٦، حمزة عبدالله مليباري، الحديث المعلول قواعد وضوابط، ٨١.\n(٢) لعل أول من استعمل مصطلح المدرج هو ابن المديني. ينظر: شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، المدرج وعلاقته بمباحث المصطلح الأخرى، ٢ - ١٠. ينظر: ابن المديني، العلل، ٧٧ ح (١١٦)، الترمذي، العلل، ٢٠٩ ح (٣٧٤)، ٣٧٨ ح (٧٠٤)، ابن أبي حاتم، العلل، ٥/ ٢٣٢ ح (١٩٤١)، الدارقطني، العلل، ٢/ ٩٥ ح (١٣٧)، ٣/ ٥٧ ح (٢٨٣)، ٥/ ١٢٨ ح (٧٦٦).\n(٣) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩، ليس المدرج خاصًا بما يُدرج في الحديث من كلام الصحابي كما يظهر، ... وإنما يريد التنويه بنوع منه، وهو ما كان من كلام الصحابة؛ ليدل على أن المدرج من كلام غيرهم له الحكم نفسه، .... ولعل في بقية كلامه (وتخليص كلام غيره من كلامه) ما يدل على هذا، ... والأمثلة التي ساقها تؤكد هذا، فقد ذكر مثالين: الأول: ما كان مدرجا من قول الصحابي وهو حديث ابن مسعود في التشهد. والثاني: ما كان مدرجا من قول من بعد الصحابي وهو حديث قتادة في الاستسعاء. ينظر: القضاة، قوفي، المدرج، ٤ - ٥ باختصار.\n(٤) الزهراني، من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ١/ ٢٥.","vol":"1","page":494},{"text":"ومنها: ما كان متن الحديث عند راويه بإسناد غيرُ لفظةٍ منه أو ألفاظ فإنها عنده بإسناد آخر فلم يبين ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد.\nومنها: ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر.\nومنها: ما كان بعض الصحابة يروي متنه عن صحابي آخر عن رسول الله - ﷺ - فوصل بمتن يرويه الصحابي الأول عن رسول الله - ﷺ -.\nومنها: ما كان يرويه المحدث عن جماعة اشتركوا في روايته فاتفقوا غير واحد منهم خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق. (١)\nتعريف ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ):\nذكر ابن الأثير الأقوال في حكم زيادة الثقة، ثمّ عرّج إلى تعريفها وتوضيحها -للتفريق بينها وبين الإدراج في الحديث (٢) - ثم أتبعها بذكر تعريف المدرج، وأشار إلى الفرق بين النوعين، فقال: النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه ...، وهذا النوع: (هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلا أنه لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي - ﷺ -، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة).\nوأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي - ﷺ - ولم يُميِّز بينهما، فَيُظَنُّ أن جميعه لفظ النبي - ﷺ -. (٣)\nتعريف ابن القطان الفاسي (ت ٦٢٨ هـ):\nأشار ابن القطان إلى المراد من الإدراج، والموقف من الحديث المدرج بقوله: \"كل كلام مسوق في السياق لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة\" (٤).\n_________\n(١) الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: الزهراني، ١/ ١٠٠ - ١٠١ باختصار.\n(٢) حيث قال في تعريفها: \"هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله.\" ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥.\n(٣) ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ باختصار.\n(٤) ثم أردف بقوله: \" وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب.\" بيان الوهم، ٥/ ٣٨٧.","vol":"1","page":495},{"text":"تعريف ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):\nلقد ذكر ابن الصلاح أقسام المدرج، فقال: (١) معرفة المدرج في الحديث، وهو أقسام:\nمنها: ما أدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي - أو: من بعده - عقيب (٢) ما يرويه من الحديث كلامًا من عند نفسه فيرويه من بعده موصولًا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله - ﷺ -. (٣)\n- ومن أقسام المدرج: أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني ويروي جميعه بالإسناد الأول. (٤)\nومنها: أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد. (٥)\nومنها: أن يروي الراوي حديثًا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق (٦).\n_________\n(١) ينظر: علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨.\n(٢) استدرك على ابن الصلاح وقوع الإدراج في أول المتن ووسطه كل من الزركشي، الأبناسي، وابن الملقن، والعراقي، واستشهدوا بما ذكره الخطيب البغدادي وبعض الأمثلة على ذلك. ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٤١، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢١٦، ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٢٨، العراقي، التقييد، ١٢٨.\n(٣) مثّل له بحديث ابن مسعود في التشهد الأخير في الصلاة. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، ٩٦. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦)، والدارقطني في سننه، ٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣).\n(٤) ومثّل له بحديث وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق، ٩٧. الحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ١/ ١٩٤ ح (٧٢٩)، وأحمد في مسنده، ٣١/ ١٤٠ - ١٤١ ح (١٨٨٤٧).\n(٥) مثّل له بحديث أنس في النهي عن التباغض والتحاسد. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق.\nوالحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٧٣٩ ح (٨١)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦.\n(٦) مثّل له بحديث ابن مسعود: «قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم ..». ينظر: المرجع السابق، ٩٨.\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ٢٠٠ ح (٤١٣١)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، ٥/ ١٩٠ ح (٣١٨٣)، وقال: \"حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ - نحوه.\nهكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل.\" الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٨١٩ ح (٩٣).","vol":"1","page":496},{"text":"تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\nلقد تعددت مسالك من جاء بعد ابن الصلاح في تعريف المدرج وبيان أقسامه:\n- فمنهم من نقل تعريف ابن الصلاح لأقسام المدرج بتصرّف يسير كابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في كتابه المقنع (١)، وابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في التنقيح (٢)، إلا أن ابن الملقن عاد واختصر هذا التعريف بشكل مجمل وموجز في التذكرة، فقال: المدرج: \"وهو زيادة تقع في المتن ونحوه.\" (٣)\n- ومنهم من اختصر كلام ابن الصلاح - ودمج بين القسم الثاني والثالث من أقسام المدرج عنده- كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٥)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٦).\nولعل من أبرز تعريفات الحديث المدرج بعد ابن الصلاح، ما يلي:\n_________\n(١) ينظر: ١/ ٢٢٧ - ٢٣١. وقد تعقّب ابن الصلاح فيما يخص موضع الإدراج، فقال: \"وقد يدرج في أول الحديث وفي وسطه كما نبه عليه الخطيب، وإن قيده الشيخ بالعقب\". المرجع السابق، ١/ ٢٢٨.\n(٢) ١٦٧ - ١٧١.\n(٣) ١٨.\nقال السخاوي في التوضيح الأبهر (الأسرّ): \" (والمدرج: وهو زيادة تقع في المتن) من صلةٍ بآخره، أو غيرها من أوله وأثنائه دون فصلٍ لها عنه، (ونحوه) كأن يسوق سندًا ثم يَعرضُ عارضٌ فيقول كلامًا من قِبلِ نفسه فيظن بعض من سمعه أن ذاك الكلام هو متن ذلك الإسناد فيرويه عنه كذلك\". ٥٦.\n(٤) ينظر: النووي، التقريب، ٤٦.\n(٥) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٣.\n(٦) ينظر: ٥٣ - ٥٤.","vol":"1","page":497},{"text":"تعريف ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ)، حيث قال: \"وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول - ﷺ -، ويكون ظاهرها أنها من لفظه فيدل دليل على أنه من لفظ الراوي\" (١) ونجده قد خصّ مدرج المتن بالتعريف دون مدرج الإسناد، وتبعه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في الموقظة (٢)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) في الاختصار فقال:\n\"وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك.\" (٣)، ثم أشار إلى وقوع الإدراج في الإسناد فقال: \"وقد يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة.\" (٤)\nثم جاء ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) فأفرد كلًا من مدرج الإسناد، ومدرج المتن بتعريف خاص، فقال في النزهة (٥):\n\"ثم المخالفة، إن كانت واقعة بسبب: تغير السياق، أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد.\"\nوأتبع ذلك بذكر أقسام الإدراج في السند، ثم عرّف مدرج المتن بقوله:\n\"وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوّله، وتارة في أثنائه، وتارة في آخره، وهو الأكثر؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف\n_________\n(١) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.\n(٢) ينظر: ٥٣ - ٥٤، تعريفه مختصر بشيء بسيط من تعريف شيخه ابن دقيق العيد، حيث قال: \"هي ألفاظ تقع من بعض الرواة متصلة بالمتن، لا يبين للسامع إلا أنها من صلب الحديث. ويدل دليل على أنها من لفظ راو، بأن يأتي الحديث من بعض الطرق بعبارة تفصل هذا من هذا.\"\n(٣) ٥٦، ثم أتبعه بقوله: \"قد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحِسان والمسانيد وغيرها.\" وهو يشير بذلك إلى أن حكم الإدراج يتراوح بين الصحة والحسن والضعف.\n(٤) المرجع السابق.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٤ - ١١٥.","vol":"1","page":498},{"text":"من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي - ﷺ -، من غير فصل، فهذا هو مدرج المتن.\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nإن المتأمل لتعريفات الحديث المدرج يجد أن أغلبها ركّز على ذكر حدّ المدرج في المتن، وإن لم يُصرّح بذلك، فبدءًا من الحاكم ومن تبعه كابن الأثير، وابن دقيق العيد، وتلميذه الذهبي؛ نجدهم اقتصروا في تعريفهم على ما يخُصّ إدراج المتن، وقد أشار بعضهم كابن كثير وابن الملقن إلى أقسام الإدراج الأخرى بإشارة مجملة.\nأما الخطيب البغدادي فقد عمد في تصنيفه لكتاب (الفصل للوصل) إلى بيان أنواع الإدراج في الحديث وأقسامه (٢)، والتمثيل لكل قسم، وقد حذا حذوه ابن الصلاح في ذكر أقسام\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٥.\n(٢) الإدراج في الحديث على نوعين رئيسيين: إدراج في المتن، وإدراج في السند، ولكل منهما أقسام، حيث يتفق الباحثون والكتاب في مجال علوم الحديث على جعل المدرج على أنواع. لكن تقسيمهم لهذه الأنواع يختلف زيادة ونقصا، كما يختلف باعتبار الحيثيات التي ينبني عليها ذلك التقسيم.\nوتأسيسا على ما مضى يمكن تقسيم الإدراج من حيث مكان وقوعه إلى نوعين:\nالنوع الأول: الإدراج في المتن، النوع الثاني: الإدراج في السند.\nويمكن تقسيم مدرج المتن إلى ثلاثة أقسام، وهذه الأقسام الثلاثة لإدراج المتن منهم من قسّمها باعتبار مكان وقوع الإدراج من المتن، وهي مراتب الإدراج في المتن عند ابن حجر: (إدراج في أول المتن، وإدراج في وسطه، وإدراج في آخره)، بينما ذكر آخر أن أقسام مدرج المتن الثلاثة هي:\n١ - ما كان من قول الصحابي ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -.\n٢ - ما كان من قول التابعي ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -.\n٣ - ما كان من قول من بعد التابعين ووصل بحديث رسول الله - ﷺ -.\n- وبالنسبة لأقسام الإدراج في السند اختلف عددها عند علماء الحديث.\nينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١١، ابن حجر، النزهة، ١١٥، البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٤ - ٣٠٨، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧ - ٣٢١، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤١٦ - ٤٢٩، عبدالسميع محمد الأنيس، \"الإدراج عند المحدثين\" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ٦٨ - ٧٣، محمد مطر الزهراني، \"المدرج وأنواعه\" من مقدمة تحقيقه لكتاب الخطيب البغدادي، الفصل للوصل المدرج في النقل، ٢٢ - ٢٨.","vol":"1","page":499},{"text":"المدرج إلا أنه اقتصر على ذكر أربعة منها، حيث قال ابن حجر: \"لم يذكر المصنف من أقسام المدرج إلا أربعة: قسم في المتن وثلاثة في الإسناد، وقد قسمه الخطيب الذي صنف فيه إلى سبعة أقسام.\" (١)\nوهناك من تبع ابن الصلاح في ذكر أقسام المدرج والتمثيل لها، ومنهم من عرّف المدرج بشكل مجمل دون أن يصرّح بتخصيص نوع منه، بينما ذهب ابن حجر إلى تعريف كُلٍّ من مدرج المتن ومدرج الإسناد على حدة.\nوبتأمل ما سبق من تعريفات لمصطلح الحديث المدرج نجدها تضم قيدين أساسيين هما:\n- أن يُدخَل في الخبر (٢) ما ليس منه.\n- ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.\nوفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>قيود الحديث المدرج:</span>\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١١.\n(٢) التعبير هنا بلفظ الخبر لأنه أعم وأشمل حيث يشمل المرفوع، والموقوف، والمقطوع، وقد ذكر ابن حجر في النزهة الفرق بين الخبر والحديث على ثلاثة أقوال:\n١ - الخبر: عند علماء هذا الفن مرادف للحديث.\n٢ - وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي - ﷺ -، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن ثمة قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: (الإخباري)، ولمن يشتغل بالسنة النبوية: (المُحدِّث).\n٣ - وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق: فكل حديث خبر، من غير عكس، وعبر هنا بـ (الخبر) ليكون أشمل.\" ابن حجر، النزهة، ٣٥ - ٣٦، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٢٩، القاري، شرح النخبة، ١٥٣.","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>القيد الأول: أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه</span>.\nلقد تضمنت أقسام المدرج التي ذكرها ابن الصلاح تقييد الإدراج بكونه زيادة في الخبر ليست منه، يظهر ذلك في قوله: (ما أُدرِج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام بعض رواته ... كلاما من عند نفسه ...) وقوله: (أن يدرج في متن حديث بعض متن حديث آخر ...)، وقوله: (أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده ... تدرج روايتهم على الاتفاق)، وقد تبع ابن الصلاح من جاء بعده ممن لخّص كلامه.\nوقد سبقه في بيان هذه الأقسام الخطيب البغدادي، والتي تضمّنت عباراته التنصيص على هذا القيد كقوله في أحدها: \"ما ألحق بمتنه لفظة أو ألفاظ ليست منه وإنما هي من متن آخر\".\n- وأيضًا جاءت الإشارة لهذا القيد في تعريف الحاكم حيث قال: \"معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - \". (١)\n- وأما ابن الأثير فقد صرّح بذكر هذا القيد؛ للتفريق بين الإدراج وزيادة الثقة، فعرّف الأخيرة بقوله: \"هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي - ﷺ - ويجعلها من قوله\" ثم أتبعها بذكر المراد بالإدراج، فقال في بيانه: \"الإضافة إلى الحديث ما ليس\nمنه ... \"، فقوله: (ما ليس منه) احتراز من زيادة الثقة (٢)، إذ الإدراج وزيادة الثقة يتفقان في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩.\n(٢) ينظر فصل زيادة الثقة، وهو الفصل السابع من هذا البحث.","vol":"1","page":501},{"text":"- ويظهر أيضًا اشتراط هذا القيد - في الحديث المدرج- في قول ابن دقيق العيد: \"وهي ألفاظ تقع مع بعض الرواة متصلة بلفظ الرسول - ﷺ -، ... \"، وتبعه الذهبي، وابن كثير كذلك بقوله: \"وهو: أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي\"، وكذلك ابن حجر بقوله: \"أن يقع في المتن كلام ليس منه ... \"، فقد نصّ على كون الزيادة في الإدراج ليست من متن الحديث، وذكر أيضًا بأن مدرج الإسناد ناتج عن مخالفة الراوي بتغيير سياق الإسناد، وهذا التغيير كذلك إدخالٌ في الإسناد ما ليس منه، وللإدراج صور متعددة حسب موقعه في الإسناد أو المتن، وصور ذلك على النحو الآتي:\nصور الإدراج في السند:\nقسَّم الخطيب الإدراج في الإسناد إلى أربعة أقسام، ووافقه ابن الصلاح على ثلاثة منها، وقسمه الحافظ إلى خمسة أقسام، وملخصها ما يلي (١):\n١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها. (٢)\n_________\n(١) ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ١٠٠ - ١٠١، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٥ - ٩٨، ابن حجر، النزهة، ١١٥، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٢ - ٨٣٥ باختصار.\n(٢) \"مثاله: ما رواه عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي، عن سفيان الثوري، عن منصور والأعمش وواصل الأحدب، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، قلت: «يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨.\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ٢٠٠ ح (٤١٣١)، والترمذي في سننه كتاب التفسير، باب: ومن سورة الفرقان، ٥/ ١٩٠ ح (٣١٨٣)، وقال: \"حديث سفيان، عن منصور، والأعمش، أصح من حديث شعبة، عن واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا. حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ - نحوه.\nهكذا روى شعبة، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبدالله، ولم يذكر فيه عمرو بن شرحبيل.\"، والخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٨١٩ ح (٩٣).","vol":"1","page":502},{"text":"٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني. (١)\n٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، (٢) فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل، (٣) قال ابن حجر:\n\"وهذا مما يشترك فيه الإدراج والتدليس\" (٤).\n٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، (٥) فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي. (٦)\n_________\n(١) مثاله: حديث ابن عيينة وزائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله - ﷺ -، وفي آخره: «أنه جاء في الشتاء، فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب».- والحديث أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ١/ ١٩٤ ح (٧٢٩)، وأحمد في مسنده، ٣١/ ١٤٠ - ١٤١ ح (١٨٨٤٧) - والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة الصلاة خاصة، وفصل ذكر رفع الأيدي عنه، فرواه عن عاصم، عن عبدالجبار بن وائل، عن بعض أهله، عن وائل بن حجر. ينظر: ابن الصلاح، المرجع السابق ٩٧.\n(٢) \"الفرق بينه وبين النوع الثاني أن الطرف المدرج في النوع الثاني هو عن شيخ مغاير لشيخه في بقية المتن، وهنا فإن شيخه في كليهما واحد.\" الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٣٥ (الحاشية).\n(٣) \"مثال ذلك: حديث إسماعيل بن جعفر، عن حميد عن أنس - ﵁ - في قصة العرنيين وأن النبي - ﷺ - قال لهم: «لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٤، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٥.\nوالحديث أخرجه النسائي في سننه كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس ابن مالك فيه، ٧/ ٩٦ ح (٤٠٣٠)، وأحمد في مسنده ١٩/ ٩٧ ح (١٢٠٤٢).\n(٤) ابن حجر، المرجع السابق. \"الفرق بينهما أن في التدليس يكون الإيهام مقصودًا بخلاف الإدراج.\" السليماني، الجواهر، ٣٤٦.\n(٥) يفترق عن القسم الثاني والثالث: أن القسمين السابقين، الذي تم إدراجه هو طرف المتن فقط، وهو حديث واحد من رواية نفس الراوي بإسنادين مختلفين، وهنا أُدرج فيه متن آخر ليس من رواية الراوي، وهما حديثان مختلفان. ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٤٧.\n(٦) مثاله: \"رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا. .» الحديث. فقوله: (لا تنافسوا) أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر، رواه مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة فيه: «لا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٧.\nوالحديث أخرجه الخطيب في الفصل للوصل، ٢/ ٧٣٩ ح (٨١)، وابن عبد البر في التمهيد ٦/ ١١٦.\n\"فحديث مالك مختلف الإسناد، رواه سعيد بن أبي مريم عنه مدرجًا بعضه في بعض دون أن يميّز بينها.\" مليباري، المعلول، ٨٦.","vol":"1","page":503},{"text":"٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. (١)\nهذا فيما يخص صور الإدراج في السند.\nأما الإدراج في المتن فقد ذكر ابن حجر أنه على مراتب ثلاث (٢) هي:\n١ - أن يقع الإدراج في أول المتن. (٣)\n٢ - أن يقع الإدراج في وسط المتن. (٤)\n_________\n(١) \"وقع لشيخ زاهد ثقة بالكوفة، يقال له ثابت بن موسى، دخل على شريك بن عبد الله القاضي، فكان يقرأ عليه حديث عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي - ﷺ -، فلما بصر به ورأى عليه أثر الخشوع، قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. فظن ثابت، أن ما تكلم به شريك من قبل نفسه، هو حديث عن النبي - ﷺ - بهذا الإسناد، فرواه عن شريك بعده، وسمع منه الكبار، وسرقه جماعة من الضعفاء، فرووه عن شريك\" الخليلي، الإرشاد، ١/ ١٧٠ - ١٧١.\n(٢) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢.\n(٣) مثال ما وقع الإدراج في أول المتن: حديث أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -:\n«أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». فقوله: (أسبغوا الوضوء)، مدرج من قول أبي هريرة، كما بين في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: «أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: ويل للأعقاب من النار» كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، ١/ ٤٤ ح (١٦٥). ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٤١، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢١٩، العراقي، التقييد، ١/ ١٢٨، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧\n(٤) مثال ما وقع الإدراج في وسطه: ما رواه الدارقطني في سننه - كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، ١/ ٢٦٩ ح (٥٣٦) - من طريق عبدالحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مس ذكره، أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». قال الدارقطني كذا رواه عبدالحميد عن هشام، ووهم في ذكر الأنثيين والرفغ وإدراجه ذلك في حديث بسرة قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما. ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: «من مس ذكره فليتوضأ». قال وكان عروة يقول: «إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ».\nوقال الخطيب: عبدالحميد تفرد بذكر الأنثيين والرفغين وليس من كلام رسول الله - ﷺ - وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وقد بين ذلك حماد وأيوب.\nمع أن عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في الكبير- ٢٤/ ٢٠٠ ح (٥١٠) - من رواية أبي كامل الجحدري ولفظه: «إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». ورواه الدارقطني أيضا - في سننه كتاب الطهارة، باب ما روي في لمس القبل والدبر والذكر والحكم في ذلك، ١/ ٢٧٠ ح (٥٣٩) - من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه الرفغ.\nينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ٣٤٤ ح (٢٢)، الزركشي، المرجع السابق، ٢/ ٢٤٢، الأبناسي، المرجع السابق ١/ ٢٢٠، العراقي، المرجع السابق ١/ ١٣٠، ابن حجر، المرجع السابق ٢/ ٨٣٠، السيوطي، المرجع السابق ١/ ٣١٨.","vol":"1","page":504},{"text":"٣ - أن يقع الإدراج في آخر المتن. (١)\nثم قد يكون المدرج من قول الصحابي (٢) أو التابعي (٣) أو من بعده (٤).\n_________\n(١) قال ابن الصلاح: \"ومن أمثلته المشهورة: ما رويناه في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، عن القاسم بن مخيمرة، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله - ﷺ - علمه التشهد في الصلاة فقال: «قل: التحيات لله فذكر التشهد، .. وفي آخره: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد»، هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر، فأدرج في الحديث قوله: فإذا قلت هذا إلى آخره، وإنما هذا من كلام ابن مسعود، لا من كلام رسول الله - ﷺ -.\nومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية الحسن بن الحر كذلك، واتفق حسين الجعفي وابن عجلان وغيرهما في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكر هذا الكلام في آخر الحديث، مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره، عن ابن مسعود على ذلك، ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضا.\" ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٦.\nوالحديث أخرجه أحمد في مسنده ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦)، والدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه ٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣).\nينظر: الأبناسي، المرجع السابق ١/ ٢١٦، السيوطي، المرجع السابق ١/ ٣١٥.\n(٢) مثال: \"ما وقع في المتن من كلام الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مدرجا في كلام النبي - ﷺ -: حديث ابن مبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك». رواه البخاري - في صحيحه كتاب العتق، باب العبد إذا أحسن عبادة ربه ونصح سيده، ٣/ ١٤٩ ح (٢٥٤٨) - عن بشر بن محمد عن ابن المبارك.\nفهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي - ﷺ - إذ يمتنع عليه أن يتمنى أن يصير مملوكا - وأيضا فلم يكن له أم يبرها، بل هذا من قول أبي هريرة - ﵁ - أدرج في المتن.\nوقد بينه حيان بن موسى عن ابن المبارك، فساق الحديث إلى قوله \"أجران\" فقال فيه: \"والذي نفس أبي هريرة بيده .. \" إلى آخره\". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٣.\nوالحديث أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأيمان، باب ثواب العبد وأجره إذا نصح لسيده، ٣/ ١٢٨٤ ح (١٦٦٥) مبيّنًا الجزء المدرج من كلام أبي هريرة - ﵁ -\n(٣) مثال: \"ما وقع من كلام التابعين، فمن بعدهم: حديث عد الأسماء الحسنى فيما رواه الترمذي - في سننه، كتاب الدعوات ٥/ ٤١١ ح (٣٥٠٧) - واستغربه من طريق الوليد بن مسلم، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة - ﵁ - فإن الحديث الصحيح من طريق شعبة عن أبي الزناد دون ذكر الأسماء.\" ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨٢٠.\n(٤) مثال: \"ما أدرج من كلام بعض التابعين أو من بعدهم في كلام الصحابة - ﵃ -،: حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في قصة مرضه بمكة واستئذان النبي - ﷺ - في الوصية، وفيه:\nلكن البائس سعد بن خولة - يرثي له رسول الله - ﷺ - إن مات بمكة فإن قوله: \"يرثي له .. \" إلى آخره من كلام الزهري أدرج في الخبر إذ رواه عن عامر بن سعد، عن أبيه.\" المرجع السابق، ٢/ ٨٢١.\nوالحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي - ﷺ - سعد بن خولة، ٢/ ٨١ ح (١٢٩٥)، ومسلم في صحيحه كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، ٣/ ١٢٥٠ ح (١٦٢٨).","vol":"1","page":505},{"text":"- وتتفاوت أمثلة هذه المراتب بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث (١)، بل إنه ذهب إلى أنه لم يجد للتمثيل على الإدراج في أول السند غيرَ مثالين (٢)، ووافقه من\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢.\n(٢) قال ابن حجر في النكت: \"وفتشت ما جمعه الخطيب في المدرج، ومقدار ما زدت عليه منه، فلم أجد له مثالا آخر إلا ما جاء في بعض طرق حديث بسرة الآتي من رواية محمد بن دينار، عن هشام بن حسان ... \" المرجع السابق، ٢/ ٨٢٤.\nولعله يقصد ما صح إدراجه عنده، وإلا فإن أمثلة مدرج المتن في كتاب الخطيب والتي عددها ٤٧ حديثًا (كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني) منها سبعة أحاديث من المدرج في أول المتن وأرقامها: (٥، ٦، ٨، ١٤، ١٥، ٣٦، ٧٤)، وثامن مختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، ورقمه: (١٨)، ولم يذكر سوى مثالين من المدرج في وسط المتن (٣٢، ٧٣). ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة.\nويُشكل قول ابن حجر بأنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين. ينظر: ابن حجر، فتح الباري، ٢/ ١٩٦، ٣/ ٩٦، ٤/ ٤٣٧.\nفلعل مقصود ابن حجر بأنه فتّش ولم يجد سوى مثالين، أي: مما صح عنده، ويعضد هذا قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: \"وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مُسلَّمٍ له إدراجه.\"\nوقال الباحث محمد الرعود: \"وأرى أن الحق ما قاله الحافظ ابن حجر، إذ أنني بحثت في البخاري وغير البخاري فوجدت الإدراج أول المتن قليلًا جدًا ووسطه أكثر ... \" ثم ذكر مثالين للمدرج في أول المتن:\n- الأول: حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري أن أبا سعيد الخدري - ﵁ -، قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك، أو باديتك، فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه: «لا يسمع مدى صوت المؤذن، جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله - ﷺ -. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأذان، باب رفع الصوت بالنداء، ١/ ١٢٥ ح (٦٠٩).\n- الثاني: حديث عبدالله بن مسعود - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «بئس ما لأحدهم أن يقول نَسِيت آية كيت وكيت، بل نُسِّي واستذكروا القرآن، فإنه أشد تفصِّيا من صدور الرجال من النَّعَمِ» - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، ٦/ ١٩٣ ح (٥٠٣٢) - وذكر أن الخطيب قال: \"ورفع جميع هذا الحديث عن الأعمش خطأ، وإيقاف جميعه أيضا عنه خطأ ... \"، وأن الحافظ ابن حجر رجّح رفعه جميعه.\nوعقّب الباحث -بعد ذكره للأمثلة- بقوله: \"هذا ما استطعت أن أجده من مدرج الحديث في أول النص في صحيح البخاري، ولعل هناك أمثلة في غير البخاري\". المراجع: ينظر: الخطيب البغدادي، الفصل للوصل، ١/ ٢١٦ ح (١٥)، الذهبي، الموقظة، ٥٤، ابن حجر، فتح الباري، ٩/ ٨٢، محمّد عبدالرزاق الرعود، المدرج في الحديث النبوي الشريف، ١٦٢ - ١٦٦.","vol":"1","page":506},{"text":"تلامذته فيما ذهب إليه: البقاعي (١)، والسخاوي (٢)، وزكريا الأنصاري (٣) الذي اعتبر ذلك كافيًا لإسقاط القول بأن المدرج في الأول أكثر منه في الأثناء، ولعله يقصد بذلك قرينه السيوطي كما جاء في كتابه التدريب حيث قال: \"والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه; لأن الراوي يقول كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث، فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث.\" (٤)\nوما ذهب إليه السيوطي قد يُشكل من جهتين:\n- الأولى: من جهة معارضته لما ذهب إليه شيخه من كون أمثلة الإدراج في أول المتن نادرة؛ بينما ذهب السيوطي لكونها أكثر من الأمثلة في وسط المتن.\n- الثانية: من جهة تعارضه مع ما أورده هو بعد ذلك القول؛ حيث نجده قد ذكر مثالا واحدا للمدرج في أول السند، وثلاثة أمثلة للمدرج في الوسط، وعقّب بكون الأمثلة عليه كثيرة (٥).\nويمكن الإجابة على هذا الإشكال على النحو الآتي:\n- من جهة معارضته إلى ما ذهب إليه شيخه، فيمكن توجيه ما ذهب إليه السيوطي -من كون أمثلة الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه- بالنظر إلى عدد الأمثلة الواردة في\n_________\n(١) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٠ - ٥٤١.\n(٢) حيث قال: \"فهو مثال لما الإدراج في أوله وهو نادر جدا، حتى قال شيخنا: إنه لم يجد غيره إلا ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي.\". السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٠\n(٣) الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧٨.\n(٤) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧.\n(٥) المرجع السابق، ١/ ٣١٩.","vol":"1","page":507},{"text":"كتاب الخطيب؛ حيث نجد أن المجموع الكلي لمدرج المتن سبعة وأربعون حديثًا (١)، يمثّل المدرج في أول المتن سبعة أحاديث، وواحد مختلف بين كون الإدراج في أوله أو آخره، (٢) أي بنسبة: ١٧%، ويقابلها مثالين للمدرج في الوسط، (٣) أي بنسبة: ٤%.\nوكذلك في الجزء الذي لخّصه السيوطي من مدرج المتن من كتاب ابن حجر- والذي هو في الأساس تهذيب وترتيب لكتاب الخطيب (٤) - فعدة الأحاديث التي اقتصر عليها السيوطي من تلخيصه لكتاب ابن حجر واحد وأربعون حديثًا، عدد الأحاديث المدرجة في أولها\nأربعة أحاديث (٥)، أي: بنسبة ١٠% تقريبًا، وعدد مدرج الوسط ثلاثة أحاديث (٦)، أي: بنسبة ٧% تقريبًا، وهذه النسب تؤيّد ما ذهب إليه السيوطي بداية من كون المدرج في أوله أكثر من المدرج في وسطه.\n- ومن جهة تعارض ما ذهب إليه السيوطي بداية مع ما أورده هو بعد ذلك:\nفإن السيوطي بعد أن ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) قام بإلحاق زياداته على مدرج المتن؛ بحيث أصبح مجموع أحاديث الكتاب سبعين حديثًا، وعدد ما أضافه من مدرج\n_________\n(١) كما ذكر محقق الكتاب مطر الزهراني. ينظر: الخطيب، الفصل للوصل، ط دار الهجرة.\n(٢) أرقام الأحاديث السبعة من المدرج في أول المتن هي: (٥، ٦، ٨، ١٤، ١٥، ٣٦، ٧٤). والثامن المختلف في موقع الإدراج منه بين أوّله وآخره، رقمه: (١٨). ينظر: المرجع السابق.\n(٣) أرقام المثالين من المدرج في وسط المتن هما: (٣٢، ٧٣). ينظر: المرجع السابق.\n(٤) كتاب ابن حجر المسمّى تقريب المنهج بترتيب المدرج، قال السيوطي في مقدمة كتابه المدرج إلى المدرج: \"هذا جزء لطيف سميته المدرج إلى المدرج لخصته من تقريب المنهج بترتيب المدرج لشيخ الإسلام والحفاظ أبي الفضل ابن حجر إلا أني أقتصرت فيه على مدرج المتن دون مدرج الإسناد\" السيوطي، المدرج إلى المدرج، ١٧.\nوكتاب ابن حجر مفقود كما أشار بذلك محققا كتاب الفصل للوصل للخطيب البغدادي. ينظر: ١/ ٤٤ طبعة دار الهجرة تحقيق: محمد الزهراني، ١/ ٣٢ طبعة دار ابن الجوزي تحقيق: الأنيس.\n(٥) أرقام هذه الأحاديث: (٣، ٣٢، ٣٦، ٤١). ينظر: السيوطي، المدرج.\n(٦) أرقام هذه الأحاديث: (٢، ٢٥، ٢٩). ينظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":508},{"text":"الوسط تسعة أحاديث - علمًا أن سبعة منها استفادها من فتح الباري لابن حجر (١) - ليصبح مجموع الأحاديث المدرجة في الوسط اثنا عشر حديثًا (٢) أي بنسبة ١٧%؛ بينما لم يضف في زياداته أي مثال على المدرج في أوله، فانخفضت نسبته إلى ٦% من المجموع الكلي لأحاديث الكتاب البالغ عددها سبعون حديثًا.\nولعل السيوطي ذكر ذلك، أي: قوله: \"والغالب وقوع الإدراج آخر الخبر، ووقوعه أوله أكثر من وسطه ; ... \" (٣) قبل أن يؤلّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج)؛ لأنه لم يُشر إليه في التدريب، بل ذكر مُصنَّف الخطيب، وتلخيص ابن حجر له فقط.\n- وعلى كل حال فهم متفقون على أن النسبة الغالبة للإدراج في المتون من نصيب المدرج في آخره، (٤) ولعل اختلافهم في نسبة الإدراج في أوله ووسطه اختلاف بين نِسَبٍ متقاربة\nيحسمه ما ذكره ابن الوزير في كتابه التنقيح، حيث بدأ بذكر المدرج في الآخر ثم الأول ثم الوسط، ثم عقّب بقوله: \"وهي متقاربة، وأكثرها وقوعًا الأول\" (٥)، وأوضح مقصوده الصنعاني بقوله: \"وهو الإدراج في آخره.\" (٦)\n_________\n(١) أرقام هذه الأحاديث في كتاب المدرج إلى المدرج للسيوطي، هي: (٤٣، ٤٤، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥٢، ٥٦).\n(٢) أرقامها: (٢، ٢٥، ٢٩، ٤٣، ٤٤، ٤٦، ٤٩، ٥٠، ٥٢، ٥٥، ٥٦، ٦٤).\n(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٧.\n(٤) قال العراقي معللًا اقتصار ابن الصلاح في نوع مدرج المتن على المدرج في آخره بقوله: \"واعلم أن ابن الصلاح قيد هذا القسم من المدرج بكونه أدرج عقب الحديث. وقد ذكر الخطيب في المدرج ما أدخل في أول الحديث، أو في وسطه ...؛ لأن الغالب في المدرجات ذكرها عقب الحديث.\" العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٢٩٧.\n(٥) ابن الوزير، التنقيح، ١٦٨.\n(٦) الصنعاني، التوضيح، ٢/ ٤٧١. ينظر: العوني، شرح الموقظة، ١٤٨.","vol":"1","page":509},{"text":"- ولو دققنا لوجدنا أنهم خصّوا بالأكثرية في أمثلة مدرج المتن- بعد المدرج في آخره- المدرج في وسط المتن لتفسير الغريب، حيث قال السخاوي: \"ثم قد يكون تفسير الغريب في الخبر، وهو الأكثر; كحديث النهي عن نكاح الشغار (١)، ... \" (٢)، وكذلك جاء قول السيوطي بأكثرية أمثلة مدرج الوسط في المتن بعد أن ذكر عددًا من الأمثلة المدرجة؛\nلتفسير غريب الحديث (٣)، ويؤيد ذلك قول الجزائري: \"وأما المدرج في أثناء الحديث فهو كثير إذا نظر إلى ما أدرج لتفسير الألفاظ الغريبة.\" (٤)\n- ولعل تفاوت الأمثلة يتعلّق بمدى اتفاق العلماء ونقاد الحديث على إثبات الإدراج ونفيه، حيث نجد ابن دقيق العيد يقول بتضعيف القول بالإدراج في أول الحديث ووسطه، فقال: \"مما يَقوَى فيه أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي - ﷺ - متصلا بآخره.\nومما قد يَضعُف فيه: أن يكون مدرجًا في أثناء لفظ الرسول - ﷺ -. لا سيما أن كان مقدمًا على اللفظ المروي، أو معطوفًا عليه بواو العطف، \" (٥)\n_________\n(١) عن ابن عمر ﵄: «أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الشغار» والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح، باب الشغار، ٧/ ١٢ ح (٥١١٢)، ومسلم في صحيحه كتاب النكاح، باب تحريم نكاح الشغار وبطلانه ٢/ ١٠٣٤ ح (١٤١٥).\n\"وهو نكاح معروف في الجاهلية، كان يقول الرجل للرجل: شاغرني: أي زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها، حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من ألي أمرها، ولا يكون بينهما مهر، ... وقيل له شغار لارتفاع المهر بينهما.\" ينظر: ابن الأثير، النهاية، ٢/ ٤٨٢.\n(٢) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٧.\n(٣) ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٨ - ٣١٩.\n(٤) الجزائري، التوجيه، ١/ ٤١٠.\n(٥) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.، ينظر: الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢٢٠.","vol":"1","page":510},{"text":"وقال تلميذه الذهبي: \"ويبعد الإدراج في وسط المتن\" (١)، \"بمعنى: أنه يندر، لا أنه لا يقع\" (٢)؛ إلا أن ابن حجر يرى أن تضعيف ابن دقيق العيد فيه نظر، وعقّب بقوله: \"إنه إذا ثبت بطريقه أن ذلك من كلام بعض الرواة لا مانع من الحكم عليه بالإدراج.\nوفي الجملة إذا قام الدليل على إدراج جملة معينة بحيث يغلب على الظن ذلك، فسواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر، فإن سبب ذلك الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك.\" (٣)\n- ثم إن الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، تتعدد وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:\n١ - أن يريد الراوي بذلك تفسير بعض الألفاظ الغريبة الواردة في متن الحديث النبوي (٤)، فيحملها عنه بعض الرواة من غير تفصيل لتفسير تلك الألفاظ.\n\"كحديث الزهري، عن عائشة -﵂-: «كان النبي - ﷺ - يتحنث في غار حراء - وهو التعبد- الليالي ذوات العدد ...» (٥)،\n_________\n(١) الذهبي، الموقظة، ٥٤. \"هنا يشير إلى قرينة تضعف القول بالإدراج، وهو إذا كانت اللفظة في أثناء المتن، وأُضيف قيدًا: ولم تكن من باب الشرح والتفسير. فهذه قرينة تُضعِف القول بالإدراج، ولكنها لا تنفيه أبدًا\" العوني، شرح الموقظة، ١٤٧.\n(٢) سليم، شرح الموقظة، ١٣١.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٨ - ٨٢٩، ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٠.\n(٤) \"أن يقع بقصد لفائدة، وليس هذا من علل الحديث. وإدراج الزيادة من هذا يُبيَّن عادة، وإن ترك بيانه فلظهوره فلا محظور منه ولا يُعل به. وهو مثل إدراج لفظة تشرح اسم راوٍ في الإسناد، بتبيين نسبه أو جرحه وتعديله، أو شيء من أمره، وهو كثير الورود في الأسانيد، فهذا يأتي الإدراج فيه بقرينة مبينة.\" الجديع، التحرير، ٢/ ٦٨٢.\n(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ١/ ٧ ح (٣)، وفي كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، ٦/ ١٧٣ ح (٤٩٥٣).","vol":"1","page":511},{"text":"فقوله: (وهو التعبد) تفسير للتحنث.\" (١) وهو مدرج من كلام الزهري في الحديث.\n٢ - أن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي - ﷺ -:\n\"كحديث ابن مسعود في التشهد (٢)، فإنه استنبط من الخبر أنه إذا فرغ من التشهد فقد خرج من الصلاة، ... \". (٣)\n٣ - أن يقصد الراوي إثبات حكم ما، ويستدل على ذلك بقول النبي - ﷺ - فيأتي به بلا فصل، فَيُتَوَهَّم أن الكل حديث. (٤)\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٦، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٧.\n(٢) أخرج الإمام أحمد في مسنده قوله: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن الحر، قال: حدثني القاسم بن مخيمرة، قال: أخذ علقمة، بيدي وحدثني، أن عبدالله بن مسعود، أخذ بيده، وأن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد عبدالله، فعلمه التشهد في الصلاة، قال: «قل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - قال زهير: حفظت عنه إن شاء الله - أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، قال: فإذا قضيت هذا، أو قال: فإذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد. مسند أحمد، ٧/ ١٠٨ ح (٤٠٠٦).\nوأخرجه الدارقطني في سننه كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه-٢/ ١٦٥ ح (١٣٣٣) - ثم قال: \"ورواه زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحر، فزاد في آخره كلاما وهو قوله: \"إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد قضيت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد\". فأدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ووصله بكلام النبي - ﷺ -، وفصله شبابة، عن زهير، وجعله من كلام عبدالله ابن مسعود، وقوله: أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي - ﷺ -، لأن ابن ثوبان، رواه عن الحسن بن الحر، كذلك وجعل آخره من قول ابن مسعود، ولاتفاق حسين الجعفي، وابن عجلان، ومحمد ابن أبان في روايتهم عن الحسن بن الحر على ترك ذكره في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن عبد الله بن مسعود على ذلك، والله أعلم\".\n(٣) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٦، وذكر مثالًا آخر، فقال: \"وهكذا حديث عروة، عن بسرة بنت صفوان: «من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ». فهم عروة من الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنة الشهوة، فجعل حكم ما قرب من الذكر كذلك؛ لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه، فقال كل منهما ذلك، فظن بعض الرواة أنه من صلب الخبر فنقله مدرجا فيه، وفهم الآخرون حقيقة الحال، ففصلوا.\" المرجع السابق، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٨.\n(٤) يكون الكلام المدرج \"كلامًا مستقلًا، وربما يكون حديثًا آخر، كأسبغوا الوضوء، والأمر في أولها سهل; إذ الراوي أعرف بمعنى ما روى.\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٨، ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٠.","vol":"1","page":512},{"text":"ومثاله: حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار». (١)\n٤ - أن يكون الإدراج نتيجة وهم الراوي أو غفلته (٢)، مثال ذلك: قصة ثابت بن موسى العابد (٣)، في روايته: «من كثرت صلاته بالليل\nحسن وجهه بالنهار» (٤). فقد دخل ثابت ابن موسى على شريك بن عبدالله القاضي وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال رسول الله - ﷺ -. فدخل ثابت عليه، فلما نظر إلى ثابت ذكر ذلك يريد به ثابتًا لزهده وورعه. فظن ثابت أن ذلك سند الحديث فكان يحدث به بهذا الإسناد.\n\"وهذا ضعف بيِّن وغفلة ظاهرة، كانت من أسباب ضعف ثابت هذا في الحديث\" (٥)، وعدّ ابن الصلاح هذا المثال من شبه الوضع، واختار الحافظ العراقي، وتبعه تلميذه ابن حجر أن يُعدَّ هذا النوع من أقسام المدرج. (٦)\n_________\n(١) أخرج الخطيب في كتابه الفصل للوصل بإسناده رواية أبي قطن عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: «أسبغوا الوضوء ويل للأعقاب من النار». ١/ ١٥٨ ح (٨).\nوأخرج البخاري حديث أبي هريرة في صحيحه مبيّنًا الإدراج في أول الحديث، فقال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا محمد بن زياد، قال: سمعت أبا هريرة، وكان يمر بنا والناس يتوضئون من المطهرة، قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم - ﷺ - قال: «ويل للأعقاب من النار». كتاب الوضوء، باب غسل الأعقاب، ١/ ٤٤ ح (١٦٥).\n(٢) \"أن يكون وهمًا من الثقة، وهو أن يدخل حديثًا في حديث، كأن يسوق إسنادًا، ثم يدخل عليه متنًا مرويًا بإسناد آخر، وهذا أكثر ما يدخل من صور الإدراج تحت (علل الحديث) \" الجديع، التحرير، ٢/ ٦٨٠.\n(٣) ثابت بن موسى العابد الضرير، أبو إسماعيل الشيباني الكوفي، قال العقيلي: \"حديثه باطل ليس له أصل\"، قال ابن حبان: \"كان يخطئ كثيرا لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد\". مات سنة ٢٢٩ هـ. ينظر: العقيلي، الضعفاء، ١/ ١٧٦ (٢٢١)، ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٠٧، الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٨٣ (٦٩٩).\n(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل، ١/ ٤٢٢ ح (١٣٣٣).\n(٥) الجديع، التحرير، ٢/ ١٠١٣.\n(٦) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦، ابن حجر، النزهة، ١١٥، عتر، منهج النقد، ٤٤٢، الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٠.","vol":"1","page":513},{"text":"٥ - اختصار الحديث والرواية بالمعنى، فإن من أسباب الإدراج: \"الاختصار من بعض الرواة بحذف أداة التفسير أو التفصيل فيجيء من بعده فيرويه مدمج من غير تفصيل فيقع ذلك.\" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>القيد الثاني: ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه</span>.\nفالمدرج: \"ما أضيف إلى الخبر، من غير كلام صاحبه بلا تمييز\" (٢)، وقد تنوعت عباراتهم في بيان هذا القيد بين التنصيص بكون الكلام المدرج موصولًا بالخبر، أو اشتراط عدم الفصل أو التمييز بينهما، حيث جاء عن ابن الصلاح قوله - في أحد أقسام المدرج-: (موصولا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه ...)، وقال أيضًا - في قسم آخر-: (... فلا يذكر الاختلاف بل تدرج روايتهم على الاتفاق)، واشترط ابن قيق العيد كون الزيادة موصولة، وتبعه الذهبي، وأشار إلى ذلك ابن كثير بقوله: (فحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك)، ونصّ على عدم الفصل ابن حجر فقال: \"يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوف من كلام الصحابة، أو من بعدهم، بمرفوع من كلام النبي - ﷺ -، من غير فصل ...)، أي: \" (بلا فصل ظهر) بين هذا الملحق بعزوه لقائله، وبين كلام النبوة ; بحيث يتوهم أن الجميع مرفوع\" (٣)\nهذا فيمن جاء بعد ابن الصلاح.\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٢٩. ينظر: الفحل، المرجع السابق.\nزاد أحد الباحثين سبب من أسباب الإدراج في الحديث، وهو: التمويه والتزوير، وهو من صنيع المتروكين والكذابين، ويأتي بيانه بشكل أوسع في الفصل الثاني عشر، في نوع الموضوع. ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ٤ - ١٣.\n(٢) البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٥ - ٥٣٦.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٩٧.، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٤ - ٣١٥، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٧٥.","vol":"1","page":514},{"text":"- أما من جاء قبله - كقول الحاكم \"معرفة المدرج في حديث رسول الله - ﷺ - من كلام الصحابة، وتلخيص كلام غيره من كلامه - ﷺ - \". (١) - فإن كلامه يشير إلى الغرض من بيان هذا النوع؛ ألا وهو حرص العلماء ونقاد الحديث في التمييز بين الأقوال ونسبتها إلى قائلها، إذ يلتبس أمر المدرج على من لا يعلم حقيقة الحال.\nوأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع (المُدرَج) يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي - ﷺ - ولم يُميِّز بينهما، أي: لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي - ﷺ -، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة. (٢)\nونص الخطيب على اتصال الكلام المدرج بالخبر، فقال في بعض أقسام المدرج: (أحاديث وصلت متونها بقول رواتها وسيق الجميع سياقة واحدة)، وقال أيضًا: (فوصل بمتن يرويه الصحابي)، وقوله كذلك: (خالفهم في إسناده فأدرج الإسناد وحمل على الاتفاق)\nونصَّ على عدم التمييز في قسم آخر. (فلم يُبيِّن ذلك بل أدرج الحديث، وجعل جميعه بإسناد واحد).\nوكذلك وصف ابن القطان المدرجَ بأنه: \"كل كلام مسوق في السياق\"، وسياق الكلام تتابعه (٣)، فلم يُفصل بينهما بفاصل يميّزه؛ لذا نجده أتبعه بقوله: \"لا ينبغي أن يقبل ممن يقول: إنه مدرج إلا أن يجيء بحجة\" (٤)، وقد ذكر العلماء عددًا من الأدلة والقرائن التي\n_________\n(١) الحاكم، علوم الحديث، ٣٩.\n(٢) ينظر: ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٠٥ - ١٠٦ بتصرف.\n(٣) سياق الكلام تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه\". المعجم الوسيط، ١/ ٤٦٥.\n(٤) ثم أردف بقوله: \" وهذا الباب معروف عند المحدثين، وقد وضعت فيه كتب.\"\nابن القطان، بيان الوهم، ٥/ ٣٨٧.","vol":"1","page":515},{"text":"يُعرف بها وجود إدراج في متن الحديث أو إسناده، ولمعرفة وجود الإدراج في المتن وجوهٌ وطرقٌ ذكرها ابن حجر في النكت، فقال: (١)\n\"الأول: أن يستحيل (٢) إضافة ذلك إلى النبي - ﷺ -. (٣)\nالثاني: أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي - ﷺ -. (٤)\nالثالث: أن يصرح بعض الرواة بتفصيل المدرج فيه عن المتن المرفوع فيه بأن يضيف الكلام إلى قائله.\" (٥)\nثم عقّب ابن حجر بالإشارة إلى تباين قوة هذه الطرق في إثبات الإدراج، فقال: \"والحكم على هذا القسم الثالث بالإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد، ولا يوجب\n_________\n(١) ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١٦، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٦، السيوطي، التدريب، ١/ ٣١٥، شرف محمود القضاة، حميد يوسف قوفي، الإدراج أسبابه ووسائل معرفته، ١٤ - ٢٨.\n(٢) هذا المسلك ذكره الحافظ ابن حجر، وأراه لم يُسبق إليه، والاستحالة المقصودة هي الاستحالة الشرعية التي يُقطع بها أو يكاد. ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ١٩.\n(٣) مثاله: \"حديث ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده؛ لولا الجهاد في سبيل الله، والحج، وبر أمي؛ لأحببتُ أن أموت وأنا مملوك» رواه البخاري عن بشر بن محمد عن ابن المبارك به.\nفهذا الفضل الذي في آخر الحديث لا يجوز أن يكون من قول النبي - ﷺ - إذ يمتنع أن يتمنى أن يصير مملوكا، وأيضًا فلم يكن له - ﷺ - أم يَبْرُها، بل هذا من قول أبي هريرة أُدرِج في المتن.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٨١٢ - ٨١٣.\n(٤) مثاله: \"حديث ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «من مات وهو لا يشرك بالله شيئا؛ دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله شيئا؛ دخل النار» - أخرجه الخطيب في الفصل للوصل ١/ ٢١٧ ح (١٦) - هكذا رواه أحمد بن عبدالجبار العطاردي عن أبي بكر ابن عياش بإسناده، ووهم فيه: فقد رواه الأسود بن عامر شاذان وغيره عن أبي بكر بن عياش بإسناده إلى ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من جعل لله ندًا دخل النار»، وأخرى أقولها، ولم أسمعها منه - ﷺ - «من مات لا يجعل لله ندًّا دخل الجنة».\nوالحديث في (صحيح مسلم) من غير هذا الوجه عن ابن مسعود - ﵁ - ولفظه قال رسول الله - ﷺ - كلمة، وقلتُ أخرى ... فذكره \". ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨١٣ - ٨١٤.\n(٥) مثاله: حديث عبدالله بن خيران عن أنس بن سيرين أنه سمع ابن عمر - ﵁ - يقول: طلقت امرأتي وهي حائض، فذكر عمر - ﵁ - ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: «مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها» قال: فتحسب تطليقة؟ قال: فمه؟».- أخرجه احمد في مسنده من حديث بهز عن شعبة ٩/ ٣١٧ ح (٥٤٣٤)، والخطيب في الفصل للوصل ١/ ١٥٤ ح (٧) - قال الخطيب: هذا مدرج، والصواب أن الاستفهام من قول ابن سيرين، وأن الجواب من ابن عمر - ﵁ - \".ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨١٥ - ٨١٦.","vol":"1","page":516},{"text":"القطع بذلك خلاف القسمين الأولين، وأكثر هذا الثالث يقع تفسيرًا لبعض الألفاظ الواقعة في الحديث\" (١).\nوبعد أن ذكر أقسام مدرج الإسناد، أتبعه بقوله: \"والطرق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة وتتقوى الرواية المفصلة، بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين\" (٢)\nوذكر في النزهة عددًا مما يُدرك به وجود إدراج في الحديث بشكل عام سواء في المتن أو في الإسناد فقال: \"ويدرك الإدراج بورود رواية مفصلة للقدر المدرج فيه (٣)، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، ... \" (٤). \"ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق\". (٥)\n_________\n(١) المرجع السابق، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٣.\nقال ابن دقيق العيد: \"وكثيرا ما يستدلون على ذلك، بأن يَرِد الفصل بين كلام الرسول - ﷺ - وكلام الراوي مبينا في بعض الروايات. وهذا طريق ظني قد يَقوَى قوة صالحة في بعض المواضع، وقد يَضعُف.\nفمما يَقوَى فيه: أن يكون كلام الراوي أتى بعد انقضاء كلام النبي - ﷺ - متصلا بآخره.\nومما قد يضعف فيه: أن يكون مُدرجا في أثناء لفظ الرسول - ﷺ -. لا سيما إن كان مُقدَّما على اللفظ المروي، أو معطوفا عليه بواو العطف\" ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٣.\n(٢) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٦.\n(٣) \"لا بد أن تأتي رواية غير مفصلة، ثم تأتي أخرى مصرحة، فيكتفى بها في معرفة الإدراج، وتارة يقتصر عليها، وتارة تؤكد بمجيء الحديث من طريق أخرى محذوفا منه القدر المدرج\" البقاعي، النكت، ١/ ٥٣٨.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ١١٦.\n(٥) السليماني، الجواهر، ٣٤٣، ينظر: القضاة، قوفي، أسباب الإدراج، ١٤.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- معنى الإدراج في اللغة يدور حول: الطيّ، واللّفِّ، وإدخال الشيء في الشيء (١).\n- المتأمل لتعريفات المدرج في الاصطلاح:\nيجد أغلبها اقتصر على تعريف مدرج المتن، وإن لم يُصرَّح بذلك، كتعريف الحاكم وتبعه ابن الأثير، وابن دقيق العيد، والذهبي، وابن كثير، وابن الملقن؛ بينما ذهب قسم منهم إلى\nبيان أقسام المدرج وأنواعه كابن الخطيب، ومن سلك مسلكه، كابن الصلاح، ومن جاء بعده ممن اختصر تعريفه كالنووي، وابن جماعة، ثم جاء ابن حجر وأفرد تعريف كُلٍّ من مدرج المتن والإسناد على حدة.\n- ولعل اقتصار أغلبهم على تعريف مدرج المتن؛ يبرز أهمية معرفة الإدراج في تمييزه لكلام النبوة من كلام الرواة، فهذا النوع من علوم الحديث شاهد على حرص المحدثين ونقّاد الحديث على تمحيص الروايات وتمييزها، وتخليص حديث رسول الله - ﷺ - مما ليس منه.\n- تضمنت أغلب تعريفات المدرج على قيدين أساسين هما:\n١ - أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه.\n٢ - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.\n- ويقع الإدراج في السند وفي المتن، ولكل منهما صور متعددة، فمن صور إدراج السند:\n١ - أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راوٍ واحد عنهم، فَيَحمِل بعض رواياتهم على بعض، ولا يميز بينها.\n_________\n(١) \"العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: وجدنا أن معنى الفعل الثلاثي المجرد (درج) يدور على أمرين:\n١ - طوي الشيء،\n٢ - إدخال الشيء في الشيء. وكأن المُدرِج طوى البيان، فلم يوضح تفصيل الأمر في الحديث. أو كأنه أدخل الحديث في الحديث، فالاستعمال الاصطلاحي باق على الوضع اللغوي الأول، ولم يخرج إلى المجاز.\" الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤١٥.","vol":"1","page":518},{"text":"٢ - أن يكون المتن عند الراوي له بالإسناد إلا طرفًا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تامًا بالإسناد الأول، ولا يذكر الإسناد الثاني.\n٣ - أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفًا منه، فإنه لم يسمعه من شيخه فيه، وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل.\n٤ - أن يكون متنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي.\n٥ - ألا يَذكُر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يَقطَعُه قاطع، فيذكر كلامًا، فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد.\n- ذلك فيما يخص صور الإدراج في السند، أما الإدراج في المتن:\nفإما أن يكون المُدرَج من قول الصحابي، أو التابعي، أو من بعده، ويقع الإدراج في أول المتن، أو وسطه، أو آخره.\n- وتتفاوت أمثلته بين القلة والكثرة حيث ذكر ابن حجر أن وقوع الإدراج في آخر المتن هو الأكثر، بينما وقوعه في الوسط قليل، ويندر وقوعه في أول الحديث.\nوذكر ابن حجر أنه فتّش ما جمعه الخطيب في المدرج، وما زاده هو عليه من الأمثلة، ولم يجد سوى مثالين من المدرج في أول المتن، رغم أن المذكور في الكتاب أكثر من ذلك، ولعل ابن حجر يقصد ما صحّ عنده، ويعضده قول الذهبي: في الموقظة عن كتاب الخطيب البغدادي الفصل للوصل-: \"وقد صنف فيه الخطيب تصنيفا، وكثير منه غير مسلم له إدراجه.\" (١)\n_________\n(١) الذهبي، الموقظة، ٥٤.","vol":"1","page":519},{"text":"وذهب السيوطي بداية إلى أن وقوع الإدراج في أول المتن أكثر من وسطه، ثم عاد وذكر أن أمثلة الإدراج في الوسط - خاصة المفسِّرة للغريب- كثيرة، ويمكن توجيه ذلك:\nبأن نسبة الأحاديث التي وقع الإدراج في أولها في كتاب الخطيب أكثر من المدرجة في وسطها، فلعل ما ذهب إليه لهذا السبب، ثم لما ألّف كتابه (المَدْرَج إلى المُدرَج) أضاف لمدرج المتن زيادات ضمّت عددًا من مدرج الوسط، بحيث أصبح نسبته ١٧%، مقابل ٦% لمدرج الأول أي تضاعفت نسبة مدرج الوسط إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف نسبة مدرج الأول.\nوعلى كل حال تظل النسبة الغالبة للإدراج في المتن هي للمدرج في آخره، وهم متفقون على ذلك.\n- وتتعدد الأسباب التي حملت الراوي على الإدراج في الحديث، وتختلف من حديث لآخر، فمن الأسباب الحاملة على الإدراج:\nأن يريد الراوي بذلك بيان حكم يُستنبط من كلام النبي - ﷺ -، أو أن يقصد إثبات حكم ما، أو تفسير بعض الألفاظ الغريبة (وهي أكثرها وقوعًا في وسط المتن)، أو اختصار الحديث وروايته بالمعنى، أو يقع الراوي في الإدراج لوهمه وغفلته.\n- يُعرف وجود الإدراج في المتن من وجوه، تتفاوت من حيث قطعية الحكم على الحديث بالإدراج أو غلبة الظن به، وهي:\nأن يستحيل إضافة الكلام المُدرَج إلى النبي - ﷺ -، أو أن يصرِّح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي - ﷺ -، فهذان الوجهان قطعيان في الحكم على الحديث بالإدراج كما ذهب إليه ابن حجر.\nأما الوجه الثالث، وهو أن يأتي الكلام المدرج مفصولا في روايات أخرى منسوبا إلى قائله، فالحكم به على الإدراج يكون بحسب غلبة ظن المحدث الحافظ الناقد.\n- يُعرف وجود الإدراج في السند:","vol":"1","page":520},{"text":"بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو بالتنصيص عليه من بعض الأئمة المطلعين، ولا يكون هذا من الإمام إلا بجمع الطرق.\n- وهذا يؤكد العلاقة بين المدرج والمعلل: (١)\nفحين ذكر الحاكم أنواعًا للحديث المعلل -وذلك في معرض المقابلة بينه وبين الشاذ- قال: \"فإن المعلول ما يوقف على علته، أنه دخل حديثا في حديث، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد، فوصله واهم\" (٢)، والإدراج يقع تحت قوله: (دخل حديث في حديث أو وهم فيه)، وعليه: فالمدرج من أنواع الحديث المعلل من عدة نواحي:\n- لأنه إدخال في الحديث ما ليس منه.\n-ولوقوع الوهم من الراوي في بعض حالاته.\n_________\n(١) على الرغم من أن الإدراج في الحديث نوع من العلل، إلا أن الإدراج عند البخاري في صحيحه لا يُعدّ علة قادحة، وذلك أن مدرجات الإمام البخاري يمكن القول أنها تندرج تحت الجوانب التالية:\n١ - أن يخرج البخاري الحديث مدرجًا في مكان: ثم يخرجه في مكان آخر من صحيحه مقتصرًا على القدر المرفوع فقط، مما يقطع بإحاطة البخاري بهذا الأمر، فلا مطعن عليه إذن، أو يُخرِج - أحيانًا - حديثًا مدرجًا في صحيحه ويخرجه في مكان آخر خارج الصحيح موضحًا الإدراج، كما فعل في حديث أبي هريرة: «للعبد المملوك ...»، فقد فصَّل البخاري في الرواية خارج الصحيح، وبين المرفوع والمدرج، مما يؤكد علمه القطعي بذلك.\n٢ - أن يُخرِج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج، فإذا بيَّن موطن الإدراج فيه، فلا يُعاب عليه - حين ذلك.\n٣ - أن يُخرِج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه إذا كان خفيًا، فغالب الروايات التي وقع فيها إدراج عن البخاري إنما هي لتفسير غريب وبيان لمعنى لفظة أثناء النص، فهو يخرجها دون بيان لموضع الإدراج، وذلك أن الحديث النبوي له سياق خاص، وبصمة معينة، وورود التفسير لكلمة أثناءه أمرٌ واضح أصلًا، فلا مؤاخذة في ذلك للبخاري.\n٤ - قد يُترجم البخاري للباب بحديث، ويدرج فيه من كلامه استنباطًا أو تقريرًا لمسألة فقهية أو غير ذلك، فيتوهّم بعض الشراح أنه من صلب الحديث، فأي ذنب للبخاري إذا كان غيره قد وهم ونسب إليه ما لم يفعله.\n٥ - وربما حكم بعضهم على لفظ ثابت لرسول الله - ﷺ - بأنه مدرج من كلام غيره دون دليل. ينظر: الرعود، المدرج، ١٤١ - ١٤٣، كافي، منهج البخاري، ٣٣٢ - ٣٣٨.\n(٢) الحاكم، علوم الحديث، ١١٩.","vol":"1","page":521},{"text":"- ولأن الكشف عن علة الإدراج في الحديث لا تتهيأ بيسر وسهولة، بل هي صورة من الصور الخفية لعلل الحديث، ولا تُعرف إلا بالجمع والمقارنة والحفظ والمعرفة إضافة إلى رصيد معتبر من الخلفيات الحديثية.\n- أما الفرق بين الإدراج وزيادة الثقة:\nإن الإدراج وزيادة الثقة يتفقان: في كون كل منهما زيادة في الظاهر في السند أو في المتن، ويفترقان في أن زيادة الثقة هي جزء من الحديث رُوِي من بعض الطرق ولم يُروَ من بعضها الآخر؛ بينما الزيادة في المدرج ما أُضيف للحديث وليس منه.\nقال ابن حجر: \" الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل\" (١)، فزيادة الثقة لم يقم الدليل على إثبات أنها من قول غير النبي - ﷺ -؛ بينما المدرج وقع الدليل على نسبته لغير النبي - ﷺ -. (٢)\n- يكون المخرج متحدّا في زيادة الثقة، بينما لا يُشترط في المدرج ذلك، فربما أدرج الراوي كلامًا للنبي - ﷺ - ثبت بإسناد آخر مع اختلاف المتن، أو أدرج كلامًا للصحابي فما دونه.\" (٣)\nويضاف إلى ذلك أن: \"- زيادة الثقة لا تكون إلا من ثقة، بينما الإدراج يحصل من الثقة ومن الضعيف.\nحكم الإدراج:\n_________\n(١) ابن حجر، فتح الباري، ٤/ ٤٣٧.\n(٢) ينظر: الرعود، المدرج، ١٥٠ - ١٥١.\n(٣) مصاروة، زيادة الثقة، ٥٥.","vol":"1","page":522},{"text":"الإدراج علة يعل بها الحديث، سواء وقعت في المتن أو الإسناد، لذا فتعمد الإدراج حرام، قال ابن الصلاح: \"واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور\" (١)؛ لما يتضمن ذلك من عزو الشيء لغير قائله.\nوأسوأ أنواع الإدراج: ما كان في المتن المرفوع مما لا دخل له في تفسير الغريب المتسامح في خلطه، أو الاستنباط. (٢) قال السيوطي: \"وعندي أن ما أدرج لتفسير غريب لا يمنع، ولذلك فعله الزهري وغير واحد من الأئمة. (٣)\nوالخلاصة: أن من أدخل ذلك قاصدًا أن يُلبِّس على الناس دينهم؛ فهو مجروح ساقط العدالة، وأما من قصد الاستنباط، أو الاستدلال، أو التفسير، ونحو ذلك؛ فهو مأجور بقصده، وكان الأولى به أن يفصل كلامه من كلام غيره، والله أعلم. (٤)\nوبهذه الخلاصة نختم فصل الحديث المدرج، لننتقل إلى تحرير نوع آخر من أنواع علوم الحديث وعلله، وتحرير مصطلح الحديث المقلوب.\n_________\n(١) ابن الصلاح: علوم الحديث، ٩٨، تعقّبه الزركشي بقوله: \" فيه أمران:\nأحدهما: لم يبين حكم فاعل ذلك، وقد سبق في التدليس أن الماوردي والروياني وابن السمعاني في القواطع قالوا: (إن فاعله مجروح ساقط العدالة وهو ممن يحرف الكلم عن مواضعه وكان ملحقا بالكذابين).\nالثاني: لم يتكلم على تفاوت هذه المراتب، وأقواها في المنع الأول لخلطه المرفوع بالموقوف، ونسبته إلى النبي - ﷺ - ما لم يقله، وأخفها الأخير لرجوع الخلاف إلى الإسناد خاصة، لا سيما إذا كان الكل ثقات.\" الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥١.\n(٢) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٠٨.\n(٣) السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٢. \"والذي أراه أن لا بأس بهذا الاستثناء لا سيما إذا أتي بفصل يبين المدرج، والله أعلم.\" الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٤٦ - ٤٤٧.\n(٤) ينظر: السليماني، الجواهر، ٣٤٨ بتصرّف يسير.","vol":"1","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>الفصل الحادي عشر: الحديث المقلوب</span>\nالمبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الأول: تعريف المقلوب لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الأول: تعريف المقلوب لغة:</span>\nالمقلوب: اسم مفعول من قَلَبَ، و\"القاف واللام والباء أصلان صحيحان:\nأحدهما يدل على: خالص شيء وشريفه، والآخر على: رد شيء من جهة إلى جهة.\" (١)\nفالقلب يأتي على معاني:\n- القلب من الشيء: لُبُّه ووسطه وخالصه، ومنه: قلب الإنسان وغيره، سمي لأنه أخلص شيء فيه وأرفعه.\n- والقلب للشيء: تحويله وصرفه عن وجهه، ومنه: كلام مقلوب، أي: مصروف عن وجهه.\n- وقلب الشَّيْء، وقلَّبه: جعل أعلاه أسفله، ويقال قلب الأمر ظهرا لبطن اختبره، ونظر في عواقبه. (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nلم يلتزم كل من جاء بعد ابن الصلاح ممن اختصر كتابه، بالترتيب الذي انتهجه ابن الصلاح في ترتيب الأنواع الحديثية (٣)، إذ قام بعضهم بتقديم بعض الأنواع على بعض،\n_________\n(١) ابن فارس، المقاييس، ٥/ ١٧.\n(٢) ينظر مادة (ق ل ب): الفراهيدي، العين، ٥/ ١٧١، الأزهري، التهذيب، ٩/ ١٤٤، ابن سيده، المحكم، ٦/ ٤٢٢، الفيروزآبادي، القاموس، ١٢٧، المعجم الوسيط، ٢/ ٧٥٣.\n(٣) أشار ابن حجر إلى السبب من أن ترتيب الأنواع عند ابن الصلاح لم يكن بالشكل المتناسب، وذلك لكونه كان يملي هذا الكتاب على تلامذته \"شيئا بعد شيء؛ فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب\". النزهة، ٣٤.","vol":"1","page":525},{"text":"ومن ذلك نوع الحديث المقلوب، فقد ذكره ابن الصلاح بعد نوع الموضوع، في حين قمت في هذا البحث بتقديم الكلام على الحديث المقلوب وتأخير الموضوع، والذي هو شرّ أنواع الضعيف (١)، ووجدت لذلك سلفًا وهو الإمام بدر الدين (ابن جماعة) في كتابه المنهل الرويّ، فبالرغم من أنه مختصر من كتاب ابن الصلاح إلا أنه قال في مقدمته: \"لم أزل حريصًا على تلخيص ألفاظه لنفسي، وتخليص خلاصة محصوله لتقريب مراجعتي له ودروسي، وترتيبه على ما هو أسهل عندي وأولى، وأخلى من الاعتراض عليه (وأجلى (\" (٢).\nأيضًا، فإن الحديث المقلوب مرتبط بالأنواع الحديثية السابقة خاصة المعلل، إذ أن من أنواع القلب - كما سيأتي- ما يقع سهوًا من الراوي ووهمًا، فمن هذه الجهة يكون نوعًا من المعلل، قال ابن حجر: \"كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللا أو شاذا؛ لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، والله أعلم.\" (٣)\nأما من جهة وقوع القلب في الحديث عمدًا، وقصد فاعله الإغراب (٤) فهو قسم من أقسام الموضوع (٥)، والذي سيأتي بيانه في الفصل التالي والأخير من هذا البحث.\n_________\n(١) قال الخطابي: \"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب\" معالم السنن، ١/ ٦.\n(٢) المنهل الروي، ٢٥ ط دار الفكر تحقيق: محي الدين رمضان، ٦٠ ط غراس تحقيق: جاسم الفجي.\n(٣) النكت، ٢/ ٨٧٤.\n(٤) يقال: \"أغرب على أقرانه الغوري، المصطلحات الحديثيّة، ١٣٦، ولقد سبق في فصل الأفراد بيان معنى الغريب والفرد.\n(٥) ذكر ابن حجر أن أحد أسباب الوضع في الحديث هو: الإغراب لقصد الاشتهار. ينظر: ابن حجر، النزهة، ١١١.","vol":"1","page":526},{"text":"وبالبحث عن المراد بالحديث المقلوب عند علماء الحديث، نجد وصفهم لبعض الأحاديث بأنهما مقلوبة، كذلك جرحهم لبعض الرواة بكونهم ممن يقلب الأحاديث والأسانيد (١)، من ذلك ما جاء عن الإمام مسلم (ت ٢٦١ هـ) في مقدمة كتابه التمييز، حيث ذكر من بعض الأخطاء والأوهام التي تقع من الرواة- وإن كانوا ثقات-:\n\"أن يروي نفر من حفاظ الناس حدثنا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد، مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظا\". (٢)\n\nومن أكثر من جاء عنه جرح الرواة بقلب الأسانيد الإمام ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ)، خاصة في كتابه المجروحين (٣)، فقد ذكر عشرين نوعًا من أنواع جرح الرواة الضعفاء، خصّ النوع العاشر منهم بقوله: \"ومنهم من كان يقلب الأخبار، ويسوّي الأسانيد كخبرٍ مشهورٍ عن [سالم] يجعله عن نافع، وآخر لمالك يجعله عن عبيدالله بن عمر ونحو هذا\" (٤)، وليس معنى ذلك أنه يقصر القلب على الإسناد فقط، بل جاء عنه أيضًا وصفه لأحاديث بالقلب في المتن، وفيهما معًا. (٥)\n_________\n(١) ينظر: مبحث: (الأئمة الذين استعملوا في عباراتهم الوصف بالقلب) من بحث: محمد عمر بازمول، الحديث المقلوب تعريفه، فوائده، حكمه، والمصنفات فيه، ١٩٥ - ٢١٢.\n(٢) التمييز، ١٧٢.\n(٣) \"كلامه في ذلك كثير جدًا، لا تكاد تمر صفحات من كتابه المجروحين إلا وتجد له وصفاُ بالقلب أو السرقة! وهو أكثر أئمة الجرح والتعديل وصفًا بالقلب\". المرجع السابق، ٢٠٥ - ٢٠٦.\n(٤) ابن حبان، المجروحين، ١/ ٧٣ ط دار الوعي، ١/ ٧٢ ط دار الصميعي.\n(٥) ينظر: المرجع السابق، ١/ ١٧١، ١٧٢، ١٣٥، ٣٥٨.","vol":"1","page":527},{"text":"وأشار الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) إلى مراده من الحديث المقلوب، بعد أن ذكره في المرتبة التي تلي الموضوع في شدة الضعف، فقال: \"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول\" (١).\nهذا أبرز ما جاء في الإشارة إلى المراد من القلب في الأسانيد أو المتون عمن سبق ابن الصلاح.\nتعريف أما ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) فقال: \"معرفة المقلوب هو: نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه.\" (٢)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\n- أما من جاء بعد ابن الصلاح، فهناك من تابع ابن الصلاح فيما ذكره، واقتصر على اختصار كلامه دون تعقيب كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (٣)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٤)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) (٥)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)، وزاد قوله: \"وقد يكون في الإسناد كله\n_________\n(١) الخطابي، معالم السنن، ١/ ٦. ثم أتبعه بقوله: \"كتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته.\n(٢) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠١ - ١٠٢.\nقال ابن حجر: \"أقول: هذا تعريف بالمثال.\" وقال الزركشي: \"هذا التعريف غير واف بحقيقة المقلوب وإنما هو تفسير لنوع منه\". المراجع: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٩٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٤.\n(٣) ينظر: النووي، التقريب، ٤٧.\n(٤) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٣.\n(٥) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٨٣.","vol":"1","page":528},{"text":"أو بعضه.\" (١)، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في المقنع (٢)، إلا أنه في التذكرة، صاغ المراد بالمقلوب بعبارة مجملة فقال: \"المقلوب: وهو إسناد الحديث إلى غير راويه\" (٣).\n- وهناك من تعقّب ابن الصلاح كالزركشي (ت ٧٩٤ هـ) حيث قال: \"وهذا التعريف غير واف بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه. وحقيقته: (جعل إسناد لمتن آخر، وتغيير إسناد بإسناد).\" (٤)\nوتعقّبه كذلك البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) بأن ما ذكره في نوع المقلوب؛ إنما يخص نوع مقلوب السند، فقال: \"ما سبق هو القلب في الإِسناد. وقد يقع القلب في المتن، ... \" (٥)، ومثّل له بمثال ثم قال: \"ويمكن أن يسمى ذلك المعكوسَ، ولكن لم أر من تعرض له.\" (٦)\nأما ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) فقد أعاد صياغة ما ذكره ابن الصلاح كمثال، فقال:\n_________\n(١) ابن كثير، الاختصار، ٥٧.\n(٢) ينظر: ١/ ٢٤١.\n(٣) ١٨.\n(٤) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٩٩، ثم قال: فالنسبة من اصطلاحهم إطلاق المقلوب على شيئين:\nأحدهما: ما ذكره ابن الصلاح، وهو أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غريبا مرغوبا فيه كحديث مشهور بسالم فيجعل مكانه نافعا، وقد يقع ذلك غلطا من بعض الرواة الثقات، كحديث المرور بين يدي المصلي ....\nالثاني: أن يوجد إسناد متن فيجعل على متن آخر، أو متن فيجعل بإسناد آخر، ... وهذا قد يقصد به أيضا الإغراب، فيكون ذلك كالوضع، وقد يفعل اختبارا لحفظ المحدث، هل يقبل التلقين أم لا؟ . ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٣٠٠ - ٣٠٢\n(٥) البلقيني، المحاسن، ٢٨٥.\n(٦) المرجع السابق، ٢٨٦.\nقال ابن حجر: \"هو نوع من أنواع علوم الحديث أغفله ابن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب؛ لكنه قصره على ما يقع في الإسناد، ونبّه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح، ومثَّل له بحديث «أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل» ...، وقال شيخنا ينبغي أن يُسمّى هذا النوع المعكوس انتهى. والأولى تسميته مقلوبا فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن. ابن حجر، الفتح، ٢/ ١٤٦، والحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب ذكر خبر روي عن النبي - ﷺ - رأى بعض أهل الجهل أنه يضاد هذا الخبر الذي ذكرنا أن النبي - ﷺ - قال: «إن بلالا يؤذن بليل». ١/ ٢١١ ح (٤٠٦).","vol":"1","page":529},{"text":"\"وهو أن يكون الحديث معروفًا برواية رجل معين، فيُروى عن غيره، طلبًا للإغراب، وتنفيقًا لسوق تلك الرواية.\" ثم قال: \"وقد يطلق المقلوب على اللفظ بالنسبة إلى الإسناد، والإسناد بالنسبة إلى اللفظ\" (١).\n- ومنهم من ذكر أقسامًا للمقلوب، ومثّل له:\nكالذهبي (ت ٧٤٨ هـ) حيث قال: \"هو ما رواه الشيخ بإسناد لم يكن كذلك، فينقلب عليه ويَنُطُّ من إسناد حديث إلى متن آخر بعده.\nأو: أن ينقلب عليه اسم راوٍ، مثل (مُرّة بن كعب) بـ (كعب بن مرة)، و(سعد بن سنان) بـ (سنان بن سعد).\" (٢)\nوقال العراقي (ت ٨٠٦ هـ): من أقسام الضعيف المقلوب، وهو قسمان:\nأحدهما: أن يكون الحديث مشهورًا براو، فجعل مكانه راو آخر في طبقته؛ ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه ... القسم الثاني من قسمي المقلوب: وهو أن يؤخذ إسناد متن، فيجعل على متن آخر، ومتن هذا فيجعل بإسناد آخر ... (٣)\n- وتابع ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في كتابه (التنقيح) ما ذكره العراقي في (شرح التبصرة)، وزاد عليه مقلوب المتن، فقال: وهو ما انقلب متنه على بعض الرواة كما رواه مسلم في\n_________\n(١) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥، وفسّر الدكتور عمر المقبل هذه العبارة بقوله: \"كما أن القلب يقع في الأسانيد وفي أسماء الرجال، فكذلك يقع في المتون\". ينظر: شرح كتاب الاقتراح لابن دقيق العيد، للدكتور عمر بن عبدالله المقبل، في دروسه الصوتية على الشبكة العنكبوتية، الشريط السادس عشر، الدقيقة ٥٢، https://archive.org/details/morfil-ifsah\n(٢) الذهبي، الموقظة، ٦٠.\n(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٩ - ٣٢١ باختصار.","vol":"1","page":530},{"text":"حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله (١)، وحديث أبي هريرة عند البخاري (٢) في محاجة الجنة والنار\" (٣).\n- ولعل من أبرز تعريفات الحديث المقلوب بعد ابن الصلاح، تعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، فبعد أن تعقّب كلام ابن الصلاح - في النكت - بقوله: \"هذا تعريف بالمثال\"، وضّح حقيقة المقلوب، فقال: \"وحقيقته: إبدال من يعرف بروايةٍ بغيره\"، ثم أردفه بقوله: \"فيدخل فيه إبدال راو أو أكثر من راو حتى الإسناد كله، وقد يقع ذلك عمدا إما بقصد الإغراب أو لقصد الامتحان، وقد يقع وهما.\" (٤)\nونجده في النزهة يذكر كل قسم على حدة: فقال:\n- \"إن كانت المخالفة بتقديم أو تأخير أي في الأسماء كمُرَّة بن كعب، وكعب بن مرة؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو المقلوب.\" (٥)\n- ثم أشار إلى القلب في المتن، ومثّل له بحديث السبعة الذين يظلهم الله في عرشه، ففيه: «ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا\nتعلم يمينه ما تنفق شماله». فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٦) كما في الصحيحين.\" (٧)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (٢/ ٧١٥) ح (١٠٣١).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: «إن رحمة الله قريب من المحسنين» ٩/ ١٣٤ ح (٧٤٤٩.\n(٣) ابن الوزير، التنقيح، ١٨٣.\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٤.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٦.\n(٦) أخرجه البخاري في صحيحه بلفظ «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، ١/ ١٣٣ ح (٦٦٠)، وكتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، ٢/ ١١١ ح (١٤٢٣).\n(٧) ابن حجر، النزهة، ١١٧.","vol":"1","page":531},{"text":"وتبع السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) شيخه ابن حجر في بيان حقيقة المقلوب، فقال: \"وحقيقة القلب: تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره عمدا أو سهوا\" (١)، وبينما اكتفى شيخه بذكر أمثلة على المقلوب في المتن، فإن السخاوي ذكر حقيقته بقوله:\n\"وأما قلب المتن فحقيقته: أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر\" (٢) ثم نقل تعريف ابن الجزري (٣) (ت ٨٣٣ هـ)، فقال: \"ونحوه قول ابن الجزري: هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي، فيتغير معناه وربما انعكس\" (٤).\nوأشار السخاوي إلى وقوع اختلاف في تسمية بعض أقسام المقلوب، حيث سمّى ابن الجزري مقلوب المتن بالمنقلب، وأفرده في نوع مستقل، وسمّى مقلوب الإسناد عمدًا بقصد الامتحان (مركب)، بينما سمّى ابن حجر - هذا الأخير- (المبدل)، قال السخاوي: \"واختار في تسمية قسّميِّ العمد الإبدال لا القلب\" (٥)، فما كان فى المتن - عند ابن حجر-\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٥.\n(٢) المرجع السابق، ١/ ٣٤٥.\n(٣) محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف العمري الدمشقيّ ثم الشيرازي الشافعيّ، أبو الخير، شمس الدين، الشهير بابن الجزري. من حفاظ الحديث، وشيخ الإقراء في زمانه. من مصنفاته العديدة: (سلاح المؤمن) و(الهداية في علم الرواية) و(المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد) وغيرها. ينظر: ابن العماد، الشذرات، ٩/ ٢٩٨. الزركلي، الأعلام، ٧/ ٤٥. كحالة، المؤلفين، ٣/ ٦٨٧ (١٥٨٢٨).\n(٤) المرجع السابق. ينظر: السخاوي، الغاية في شرح الهداية، ٢١١.\n(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٤٥.\nلعل السخاوي يقصد قول ابن حجر في النزهة: \"وقد يقع الإبدال عمدًا امتحانًا\". قال قاري في شرحه على النخبة: \"جعله المصنف من أقسام الإبدال، وإن جعله غيره من أقسام القلب، لقلة مناسبته بالقلب، كذا قاله شارح، والأظهر عندي أن مناسبته بالقلب أقوى، فإنه يفيد العكس بخلاف الإبدال.\" المراجع: ابن حجر، النزهة، ١١٧، القاري، شرح النخبة، ٤٨٥.","vol":"1","page":532},{"text":"المقلوب، وما كان من الأسماء المبدل (١)، أي: \"ما بدل فيه راو بآخر في طبقته، أو أُخذ إسناد متنه فرُكب على متن آخر\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nإن المتأمل فيما سبق من تعريفات المقلوب يجد ابن الصلاح قد عرّفه بذكر المثال، فقال: \"هو: نَحْوُ حديثٍ مشهورٍ عن سالم، جعل عن نافع؛ ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه\"، ولعل سلفه في ذلك ما ذكره ابن حبان حين مثّل لمقصوده من جرح الرواة بقلب الأخبار والأسانيد.\nوقد تُعقِّب ابن الصلاح بأن تعريفه غير وافٍ بحقيقة المقلوب، وإنما هو تفسير لنوع منه (٣)؛ فكانت الإضافات في هذا النوع من باب ذكر أقسام المقلوب في الإسناد والمتن أو فيهما معًا، والتمثيل لذلك.\n_________\n(١) السخاوي، الغاية، ٢١٠.\n(٢) القاسمي، قواعد التحديث، ١٣٢، قال القاسمي: \"ويقال له المركب\"، وقال الجزائري في توجيه النظر: \"أن يؤخذ إسناد متن فيجعل لمتن آخر ويجعل ذلك المتن لإسناد آخر، وسماه العلامة ابن الجزري بالقلب المركب\". الجزائري، توجيه النظر، ٢/ ٥٧٩.\n(٣) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٩٩","vol":"1","page":533},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>قيود الحديث المقلوب:</span>\nلعل أبرز ما يميّز الحديث المقلوب عن غيره من أنواع علوم الحديث هو: وقوع الإبدال في إسناده أو متنه، فيُبدِل الراوي فيه شيئًا بآخر.\nوبيان هذا القيد على النحو الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>قيد: الإبدال في إسناد الحديث المقلوب، أو متنه:</span>\nالإبدال، أو التبديل في اللغة:\nيقال: بدَّلت الشيء: غيَّرتهُ، وإن لم تأت له ببدل، وأبدلتُه، إذا أتيت ببدله.\nوحقيقته: أن التبديل تغيير الصورة إلى صورة أخرى، فتبديل الشيء: تغييره وإن لم تأت ببدل، والإبدال: تنحية الشيء، واستئناف بديل آخر عنه. (١)\nوبالنظر في تعريفات المقلوب، نجدها تدور حول هذا المعنى:\nفالأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح للمقلوب تتضمن معنى الإبدال، ففي المثال الأول أُبدِل الراوي بآخر (عن سالم، جعل عن نافع)، وهو نفس المثال الذي ذكره ابن حبان في بيان مراده من وصف الرواة بقلب الأخبار والأسانيد.\nوكذلك الحال في المثال الثاني، حيث ذكر ابن الصلاح أنهم (عمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر)، وهذا يتضمن معنى التبديل والتغيير.\n_________\n(١) ينظر مادة (ب د ل): ابن فارس، المجمل، ١/ ١١٩، الرازي، المختار، ٣٠، الزبيدي، تاج العروس، ٢٨/ ٦٤، ابن منظور، اللسان، ١١/ ٤٨.","vol":"1","page":534},{"text":"وما ذكره الإمام مسلم في بيان معنى قلب المتون، بقوله: \"يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ\"، فإنه يتضمن معنى التبديل والتغيير، بحيث أصبح ما يرويه مخالفًا لما رواه الجماعة.\nوكذلك ما ذكره ابن حبان من بيان مراده بقلب المتن، في أحد الأحاديث التي وصفها بأنها مقلوبة المتن- في كتابه المجروحين- فقال: \"أراد أن يختصر من الحديث شيئا فإذا به قد قلبه وغيّر معناه\" (١)، فذكر أن المراد بقلب المتن هو تغيير لمعناه.\nوأما ما ذكره الخطابي، فأفاد اقتصار المقلوب على مقلوب الإسناد، دون أن يبيّن المقصود بالقلب، ولعل الحديث الذي وصفه بأنه مقلوب في شرحه لسنن أبي داود-يوضح مراده من القلب في الإسناد، وذلك بما وقع فيه الراوي من الوهم، والمخالفة لغيره من الرواة، وأبدال إسنادٍ بآخر (٢).\n_________\n(١) ١/ ١٧٢.\n(٢) مثاله ما جاء في معالم السنن للخطابي: \"قال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبدالله ابن المبارك عن يونس عن الزهري، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين».\nقال الخطابي: لو صح هذا الحديث لكان القول به واجبًا، والمصير إليه لازمًا؛ إلاّ أن أهل المعرفة بالحديث زعموا أنه حديث مقلوب وهم فيه سليمان بن أرقم فرواه عن يحيى بن أبي كثير، عَن أبي سلمة عن عائشة فحمله عنه الزهري وأرسله، عَن أبي سلمة ولم يذكر فيه سليمان بن أرقم ولا يحيى بن أبي كثير.\nوبيان ذلك: ما رواه أبو داود حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا أيوب بن سليمان، عَن أبي بكر ابن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عَن أبي عتيق وموسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سليمان بن أرقم أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عَن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله - ﷺ - مثله.\nقال أبو داود: قال أحمد: وإنما الحديث حديث ابن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن الزبير عن أبيه عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ -، فوهم فيه سليمان بن أرقم.\nقلت: وقالوا إن محمد بن الزبير هو الحنظلي وأبوه مجهول لا يعرف والحديث من طريق الزهري مقلوب، ومن هذا الطريق فيه رجل مجهول فالاحتجاج به ساقط والله أعلم.\" الخطابي، معالم السنن، ٤/ ٥٤ - ٥٥.\nوعقّب النسائي بعد أن أخرج الحديث في سننه بقوله: \"سليمان بن أرقم متروك الحديث والله أعلم، خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير في هذا الحديث\" .. \"\nوالحديث أخرجه: أبو داود في سننه كتاب الأيمان والنذور، باب من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، ٣/ ٢٣٣ ح (٣٢٩٢)، والنسائي في سننه كتاب الأيمان والنذور، باب كفارة النذر، ٧/ ٢٧ ح (٣٨٣٩)، وذكر علته الترمذي في العلل الكبير، ينظر: الترمذي، العلل، ٢٥٠ ح (٤٥١).","vol":"1","page":535},{"text":"وتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح تتضمن كذلك ذكر الإبدال أو معناه، فجاء في تعريف ابن دقيق العيد قوله (فيُروى عن غيره)، وعند الذهبي قوله (يَنُطُّ من إسناد حديث إلى متن آخر بعده)، والزركشي قوله (تغيير إسناد بإسناد)، وعند ابن الملقن (إسناد الحديث إلى غير راويه)، وعند العراقي - وتابعه ابن الوزير- قوله في أحد قسمّي المقلوب (فجعل مكانه راو آخر في طبقته)، وفي القسم الثاني قوله (يؤخذ إسناد متن، فيجعل على متن آخر)، فما سبق يتضمّن معنى الإبدال؛ بينما جاء التصريح به في تعريف ابن حجر، حيث قال: (وحقيقته: إبدال من يعرف بروايةٍ بغيره)، وبمعناه عند تلميذه السخاوي حيث قال - في مقلوب السند-: (تغيير من يُعرَف بروايةٍ ما بغيره)، وقال عن مقلوب المتن (أن يُعطى أحد الشيئين ما اشتهر للآخر).\nويلاحظ اقتصار أغلبهم على ذكر القلب في الإسناد وأقسامه دون القلب في المتن، وقد ذكر السخاوي العلة من ذلك لكون المقلوب السندي هو الأكثر (١)، وقال في موضع آخر: \"ويقع القلب في المتن أيضا، لكنه قليل بالنسبة إلى السند\". (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أقسام الحديث المقلوب: </span>(٣)\nوتتنوع أقسام المقلوب حسب اعتبارات عدة:\n- فينقسم باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام:\n_________\n(١) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٦.\n(٢) السخاوي، الغاية، ٢٠٩، وقال في فتح المغيث: \"وأمثلته في المتن قليلة; ... وما اعتنى بجمعها، بل ولا بالإشارة إليها إلا أفراد منهم من المتأخرين الجلال بن البلقيني في جزء مفرد، ونظمها في أبيات\". ١/ ٣٤٥ - ٣٤٦.\n(٣) ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٤، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٤٥، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٤٢.","vol":"1","page":536},{"text":"١ - مقلوب في الإسناد: وهو إما بإبدال راوٍ في السند، أو بإبدال الإسناد كله،\n٢ - مقلوب في المتن: بتغيير المتن كله أو جملة منه.\n٣ - مقلوب في الإسناد وفي المتن معًا.\n- وينقسم كذلك المقلوب باعتبار الأسباب الحاملة عليه إلى قسمين رئيسيين:\nالقسم الأول: وقوعه عمدًا، والقسم الثاني: وقوعه وهمًا وخطأً.\n\n- ووقوعه عمدًا يتفرّع إلى فرعين: أ- إما لغرض الإغراب.\nب- أو لغرض الامتحان والاختبار.\n\"فلو وقع الإبدال عمدا، لا لمصلحة، بل للإغراب، مثلا، فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطا فهو من المقلوب، أو المعلل\" (١).\n\nولوقوع القلب في الحديث سندا أو متنًا أسباب، هي كما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>أسباب القلب في الحديث سندًا أو متنًا </span>(٢):\nالسبب الأول: وقوع الوهم من الراوي أو الغفلة، وقد أشار الحافظ إلى وقوع ذلك من بعض الرواة، وأن بيان أمثلته في كتب العلل (٣)، ويقع ذلك في السند أو المتن، ومن أمثلة المقلوب في الإسناد على سبيل الوهم:\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١١٨.\n(٢) ينظر: السليماني، الجواهر، ٣١٣ - ٣١٤، ثائر سليمان الأسطل، منهج الإمام ابن حجر في توثيق متون السنة النبوية، ١٤٥ - ١٤٧.\n(٣) ينظر: النزهة، ١١٨.","vol":"1","page":537},{"text":"المثال الذي ذكره ابن الصلاح (١) من حديث جرير بن حازم (٢) عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (٣).\nأوضح علّته الترمذي في العلل فقال:\n\"سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: هو حديث خطأ، أخطأ فيه جرير بن حازم.\n\nذكروا أن الحجاج الصواف (٤) كان عند ثابت البناني (٥)، وجرير بن حازم في المجلس، فحدث الحجاج عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة (٦)، عن أبيه (٧)، عن\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠١ - ١٠٢.\nوذكر ابن حجر في النكت مثالًا آخر، فقال: \"ومن أمثلته في الإسناد ما رواه ابن حبان في صحيحه من طريق مصعب بن المقدام عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر - ﵁ - قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يمس الرجل ذكره بيمينه». ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٧٤، والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه باب الاستطابة، ذكر الزجر عن مس الرجل ذكره بيمينه ٤/ ٢٨٢ ح (١٤٣٣).\n(٢) جرير بن حازم بن زيد بن عبدالله الأزدي، أبو النضر البصري، قال الذهبي: \"ثقة لما اختلط حجبه ولده\"، وقال ابن حجر: ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه\"، مات سنة ١٧٠ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٩١ (٧٦٨)، ابن حجر، التقريب، ١٣٨ (٨٩٥).\n(٣) أخرجه الترمذي في العلل من حديث ثابت عن أنس، ٨٩ ح (١٤٦).\n(٤) حجاج بن أبي عثمان الصواف، أبو الصلت البصري، قال الذهبي: ثقة، وقال ابن حجر: \"ثقة حافظ\". مات سنة ١٤٣ هـ. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح، ٣/ ١٦٦ (٧١٠)، الذهبي، الكاشف، ١/ ٣١٣ (٩٣٨)، ابن حجر، التقريب، ١٥٣ (١١٣١).\n(٥) ثابت بن أسلم البناني، أبو محمد البصري، قال عنه الذهبي: كان رأسا في العلم والعمل، وقال ابن حجر: ثقة عابد، مات سنة: ١٢٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٢٨١ (٦٨١)، ابن حجر، التقريب، ١٣٢ (٨١٠).\n(٦) عبدالله بن أبى قتادة الأنصاري السلمي، أبو إبراهيم، ويقال أبو يحيى، المدني، قال عنه ابن حجر: ثقة، مات سنة ٩٥ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٨٦ (٢٩١٥)، ابن حجر، التقريب، ٣١٨ (٣٥٣٨).\n(٧) أبو قتادة الأنصاري، قيل اسمه الحارث بن ربعي، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان، السِّلميّ، المدني،\nصحابي جليل، شهد أحدًا وما بعدها، يقال له: فارس رسول الله - ﷺ -. مات سنة: ٥٤ هـ. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٨٤٥ (٣١٠٨)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٦/ ٢٤٤ (٦١٧٣)، ابن حجر، الإصابة، ١٢/ ٥٣٤ (١٠٤٩٩).","vol":"1","page":538},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا\nحتى تروني» (١). فوهم فيه جرير بن حازم فظن أن ثابتا حدثه عن أنس بهذا، والصحيح هو عن ثابت، عن أنس: «كان النبي - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة يتكلم مع الرجل حتى نعس بعض القوم» (٢).\n\nومن أمثلة المقلوب في المتن على سبيل الوهم:\nقول ابن حجر (٣): \"ووقع لجرير هذا - أيضا - عن ثابت عن أنس - ﵁ - حديث انقلب عليه متنه وهو ما ذكره الترمذي من طريقه عن ثابت عن أنس - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يُكلَّم بالحاجة إذا نزل عن المنبر» (٤)، عقّب الترمذي بعد إخراجه للحديث بقوله:\n\"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم.\nسمعت محمدًا يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي - ﷺ - فما زال يكلمه حتى نعس بعض القوم، والحديث هو هذا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب: متى يقوم الناس، إذا رأوا الإمام عند الإقامة، ١/ ١٢٩ ح (٦٣٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد، باب متى يقوم الناس للصلاة، ١/ ٤٢٢ ح (٦٠٤)، كلاهما من حديث أبي قتادة.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٠/ ٨٦ ح (١٢٦٤٢)، وابن حبان في صحيحه، باب القنوت، ذكر الإباحة للمرء أن يتحدث قبل العشاء الآخرة بما يجدي عليه نفعه في العقبى، وأن تؤخر الصلاة من أجله، ٥/ ٣٨٠ ح (٢٠٣٥)، كلاهما من حديث أنس بنحوه.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٧٢.\nوذكر مثالًا آخر، فقال: \"- ومن أمثلته في المتن ما رواه الحاكم من طريق محمد بن محمد بن حيّان، عن أبي الوليد عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «ما عاب رسول الله - ﷺ - طعاما قط ...» انقلب على ابن حيّان، وإنما روى أبو الوليد بهذا الإسناد حديث: «ما ضرب النبي - ﷺ - بيده». المرجع السابق، ٢/ ٨٧٧.\nوالحديث أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث تحت النوع التاسع عشر: معرفة الصحيح والسقيم، وعقّب بقوله: \"ولقد جهدت جهدي أن أقف على الواهم فيه من هو فلم أقف عليه، اللهم إلا أن أكبر الظن على ابن حيان البصري على أنه صدوق مقبول\". الحاكم، علوم الحديث، ٥٩.\n(٤) أخرجه الترمذي في سننه من حديث أنس كتاب الجمعة، باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر، ١/ ٦٥٠ ح (٥١٧).","vol":"1","page":539},{"text":"وجرير بن حازم ربما يهم في الشيء، وهو صدوق.\" (١)\n\nالسبب الثاني: ادعاء الراوي ما لم يسمع، والكذب في الرواية بقصد الإغراب، وتنفيقًا لمروياته، (٢) حيث قال ابن دقيق العيد في تعريفه للمقلوب: \"وهو أن يكون الحديث معروفا برواية رجل معين، فيُروى عن غيره، طلبا للإغراب، وتنفيقا لسوق تلك الرواية.\" (٣)\nقال السخاوي: \"وقد قيل في فاعل هذا: يسرق الحديث (٤)، وربما قيل في الحديث نفسه: مسروق.\nوفي إطلاق السرقة على ذلك نظر؛ إلا أن يكون الراوي المُبْدَل به عند بعض المحدثين منفردا به، فيسرقه الفاعل منه، وللخوف من هذه الآفة كره أهل الحديث تتبع الغرائب\" (٥).\nومثال ما وقع في الإسناد من القلب للإغراب:\nقول ابن حجر: \"فممن كان يفعل ذلك عمدا لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد ابن عمرو النصيبي (٦) وهو من المذكورين بالوضع.\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) \"قال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرة، يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء.\" ابن رجب، شرح العلل، ٢/ ٦٢٣.\n(٣) الاقتراح، ٢٥.\n(٤) \"سرقة الحديث أن يكون محدث ينفرد بحديث، فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضا من شيخ ذاك المحدث.\" السخاوي، فتح المغيث، ٢/ ١٢٥.\n(٥) المرجع السابق، ١/ ٣٣٦ - ٣٣٧.\n(٦) حماد بن عمرو النصيبي، كنيته أبو إسماعيل، قال عنه ابن معين: ممن يكذب ويضع الحديث، وقال ابن حبان: يضع الحديث وضعا على الثقات، وقال ابن عدي: \"له أحاديث وعامة حديثه ما لا يتابعه أحد من الثقات عليه\". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٢٥٢، ابن عدي، الضعفاء، ٣/ ١٠ (٤١٥).","vol":"1","page":540},{"text":"من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا لقيتم المشركين في طريق، فلا تبداهم بالسلام ...» الحديث، فإن هذا الحديث قال العقيلي (١): \"لا يعرف من حديث الأعمش وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح (٢) عن أبيه عن أبي هريرة ﵁\" (٣).\nقلت: كذلك أخرجه مسلم (٤) وغيره.\nفجعل حمادُ بن عمرو الأعمشَ موضع سهيل؛ ليغرب به.\" (٥)\n- ومثال ما وقع في المتن من القلب للإغراب:\nقول ابن حجر: \"فَكَمَنْ يعمَدُ إلى نسخة مشهورة بإسناد واحد فيزيد فيها متنًا أو متونًا ليست فيها\". (٦)\n_________\n(١) محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، أبو جعفر العقيلي، الحافظ، ثقة جليل القدر، عالم بالحديث، ومُصنِّف كتاب (الضعفاء الكبير) في الرجال، مات سنة ٣٢٢ هـ. ينظر: الذهبي: السير، ١٥/ ٢٣٦، تاريخ الإسلام، ٧/ ٤٦٧، الصفدي، الوفيات، ٤/ ٢٠٤ (١٨٢٢)\n(٢) سهيل بن أبى صالح السمان، وهو ابن ذكوان، أبو يزيد المدني، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال الذهبي: \"أحد العلماء الثقات، وغيره أقوى منه\"، وقال ابن حجر: \"صدوق تغير حفظه بأخرة\" مات في خلافة المنصور. ينظر: ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٤/ ٢٤٦ (١٠٦٣)، الذهبي، الميزان، ٢/ ٢٤٣ (٣٦٠٤)، ابن حجر، التقريب، ٢٥٩ (٢٦٧٥).\n(٣) العقيلي، الضعفاء، ١/ ٣٠٨ (٣٧٦).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، ٤/ ١٧٠٧ ح (٢١٦٧).\n(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٤ - ٨٦٥.\n(٦) \"كنسخة معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة - ﵁ - وقد زاد فيها، وكنسخة مالك، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زاد فيها جماعة عدة أحاديث ليست منها. منها القوي والسقيم، وقد ذكر جلها الدارقطني في غرائب مالك.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٥ - ٨٦٦.","vol":"1","page":541},{"text":"السبب الثالث: أن يقع ذلك بقصد اختبار ضبط الراوي، وحفظه.\nقال الحافظ ابن حجر: \"كان شعبة يفعله كثيرًا لقصد اختبار حفظ الراوي، فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ وإن خالفه عرف أنه ضابط.\" (١)\n- ومثال ما وقع من القلب للامتحان:\nما فعله أصحاب الحديث مع البخاري، وقد أشار ابن الصلاح إلى هذه القصة باختصار (٢)، وأوردها ابن حجر كاملة في النكت عليه، وذكر أيضًا ممن امتحنه تلاميذه الحافظ الجليل أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي. (٣)\nوقد ذكر ابن حجر - في نكته على ابن الصلاح- أمثلة على وقوع القلب في المتن دون الإسناد، وكذلك على وقوعه فيهما معًا، (٤) منها:\nما وقع فيه قلب في المتن دون الإسناد، ومثاله: ما جاء في الصحيح من حديث هريرة - ﵁ - في السبعة الذين يظلهم الله في عرشه .. فذكر منهم: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله».\nومن أمثلته كذلك - وذكره البلقيني في محاسن الاصطلاح (٥) - ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) المرجع السابق ٢/ ٨٦٦.\n(٢) ينظر: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠١.\n(٣) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٧ - ٨٧٠.\n(٤) ينظر: المرجع السابق، ٢/ ٨٧٨ - ٨٨٢.\nوذكر من أمثلة ما قُلب متنه دون إسناده: - ما رواه أبو داود في السنن -كتاب الصلاة، باب التامين وراء الإمام من حديث أبي عثمان عن بلال - ﵁ - أنه قال: «يا رسول الله لا تسبقني بآمين». ١/ ٢٤٦ ح (٩٣٧) -، فإن الحاكم رواه في مستدركه -كتاب الصلاة، باب التأمين- من هذا الوجه بلفظ: «إن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تسبقني بآمين» -١/ ٣٤٠ ح (٧٩٧) - والمحفوظ الأول.\n(٥) البلقيني، المحاسن، ٢٨٥ - ٢٨٦.","vol":"1","page":542},{"text":"«إن ابن أم مكتوم (١) يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال (٢)؛ فإن بلالًا لا يؤذن حتى يرى الفجر» (٣).\nونقل ابن حجر عن شيخه البلقيني قوله:\n\"هذا مقلوب والصحيح من حديث عائشة ﵂: «أن بلالا - ﵁ - يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، وكان رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت» (٤).\nوما تأوله ابن خزيمة (٥) من أنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - جعل الأذان نوبا بين بلال\nوابن أم مكتوم ﵄ بعيد، وأبعد منه جزم ابن حبان (٦) بأن النبي - ﷺ - فعل ذلك.\" (٧)\n_________\n(١) عمرو بن زائدة ويقال: ابن قيس بن زائدة أو زياد، القرشي العامري المعروف بابن أم مكتوم المؤذن الأعمى، ويقال اسمه عبدالله، صحابي جليل، أسلم قديمًا بمكة، ومن المهاجرين الأولين، وكان النبي - ﷺ - يستخلفه على المدينة في أكثر غزواته، مات في آخر خلافة عمر. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٣٨٠ (١٢٩٩)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ٣/ ٣٦٤ (٣١٣٦)، ابن حجر، الإصابة، ٧/ ٣٣٠ (٥٧٩٠).\n(٢) بلال بن رباح الحبشي، يكنى: أبا عبدالله، وقيل: أبا عبدالكريم، صحابي جليل، مؤذن رسول الله - ﷺ - ومولى أبي بكر الصديق، شهد بدارًا والمشاهد كلها، مات سنة: ١٧ أو ١٨ هـ وقيل ٢٠ هـ بـ الشام. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٨١ (١٦٧)، ابن الأثير، أُسد الغابة، ١/ ٤١٥ (٤٩٣)، ابن حجر، الإصابة، ١/ ٦٠٥ (٧٤٠).\n(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة، باب ذكر خبر روي عن النبي - ﷺ - رأى بعض أهل الجهل أنه يضاد هذا الخبر الذي ذكرنا أن النبي - ﷺ - قال: «إن بلالا يؤذن بليل». ١/ ٢١١ ح (٤٠٦).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عائشة، وابن عمر كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، ١/ ١٢٧ ح (٦٢٢)، ومسلم في صحيحه كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، ٢/ ٧٦٨ ح (١٠٩٢).\n(٥) ينظر: تعقيب ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢١٢ ح (٤٠٨).\n(٦) قال ابن حبان: \"هذان خبران قد يوهمان من لم يحكم صناعة العلم أنهما متضادان وليس كذلك، لأن المصطفى - ﷺ - كان جعل الليل بين بلال، وبين ابن أم مكتوم نوبا، فكان بلال يؤذن بالليل ليالي معلومة لينبه النائم ويرجع القائم، لا لصلاة الفجر، ويؤذن ابن أم مكتوم في تلك الليالي بعد انفجار الصبح لصلاة الغداة، فإذا جاءت نوبة ابن أم مكتوم كان يؤذن بالليل ليالي معلومة كما وصفنا قبل، ويؤذن بلال في تلك الليالي بعد انفجار الصبح لصلاة الغداة، من غير أن يكون بين الخبرين تضاد أو تهاتر\" ابن حبان، الصحيح، ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣ ح (٣٤٧٤).\n(٧) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٧٩","vol":"1","page":543},{"text":"وقد ذكر ابن حجر في النكت مثالًا على وقوع القلب في الإسناد والمتن معًا (١)، فقال:\n\"ومثال ما وقع في القلب في الإسناد والمتن معا. ما رواه الحاكم (٢) من طريق المنذر ابن عبدالله الحزامي (٣)، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون (٤)، عن عبدالله بن دينار (٥)، عن ابن عمر ﵄ قال: إن النبي - ﷺ - كان إذا افتتح الصلاة\nقال: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك ...» (٦)، ولفظ الحديث الصواب: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ...». (٧)\n\nويضاف إلى الأسباب السابقة:\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢/ ٨٨٥.\n(٢) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث، ١١٨.\n(٣) المنذر بن عبدالله بن المنذر بن المغيرة الحزامي المدني، قال الذهبي: \"وثقه ابن حبان\"، وقال ابن حجر: مقبول، مات سنة: ١٨١ هـ. ينظر: ابن حبان، الثقات، ٩/ ١٧٦، الذهبي، تاريخ الإسلام، ٩٨٣ (٣٦٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٤٦ (٦٨٨٨).\n(٤) عبدالعزيز بن عبدالله بن أبى سلمة الماجِشون المدني، أبو عبدالله، قال الذهبي: \"كان إماما معظما\"، وقال ابن حجر: ثقة فقيه. مات سنة ١٦٤ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٦٥٦ (٣٣٩٣)، ابن حجر، التقريب، ٣٥٧ (٤٠٩٢).\n(٥) عبدالله بن دينار القرشي العدوي مولاهم، أبو عبدالرحمن المدني، مولى عبدالله بن عمر بن الخطاب، قال ابن حجر: مجمع على ثقته، مات سنة ١٢٧ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ١/ ٥٤٩ (٢٧٠٨)، ابن حجر، التقريب، ٣٠٢ (٣٣٠٠)، ابن حجر، اللسان، ٧/ ٢٦١ (٣٥٠٤).\n(٦) المرجع السابق.\n(٧) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، ١/ ٥٣٤ ح (٧٧١).","vol":"1","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>سبب يخص وقوع القلب في المتن:</span>\n\" فالظاهر والله أعلم أنه يقع من بعض الرواة الذين انصرفت همتهم إلى حفظ الأسانيد ولم يُولوا المتون تلك العناية التي جرت منهم مع أسانيد الأحاديث، مع ملاحظة ما هو معلوم من طبيعة البشر من وقوع الأخطاء والأوهام\". (١)\nبيّن ذلك ابن حبان في مقدمة كتابه المجروحين- ضمن أجناس من أحاديث الثقات التي لا يجوز الاحتجاج بها- فقال: \"الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون، ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، ...، فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن بفقيه، وحدث من\nحفظه، ربما قلب المتن، وغيَّر المعنى، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلبه إلى شيء ليس منه وهو لا يعلم.\" (٢)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>حكم الحديث المقلوب:</span>\nعدّ الإمام مسلم وقوع القلب في الحديث من أخطاء وأوهام الرواة المردودة، وإن كانوا ثقات، وأخرج ابن خزيمة حديثًا قُلب إسناده، وقال: \"ولا أحل لأحد أن يروي عني بهذا الخبر إلا على هذه الصيغة؛ فإن هذا إسناد مقلوب\" (٣)، وعدّ الخطابي الحديث المقلوب من الضعيف الذي يلي الموضوع، فقال:\n_________\n(١) العثمان، المحرر، ٣٧٥.\n(٢) ابن حبان، المجروحين، ١/ ٩٣.\n(٣) ابن خزيمة، الصحيح، ١/ ٢٢٨ ح (٤٤٥).","vol":"1","page":545},{"text":"\"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول وكتاب أبي داود خلي منها بريء من جملة وجوهها فإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره فإنه لا يألو أن يبين أمره ويذكر علته ويخرج من عهدته\" (١)\nفالقلب في الحديث مما يُعلّ الحديث ويضعفه، ولم يجز المحدثون رواية المقلوب إلا ببيان علته.\nواختلفوا في جواز تعمد القلب بقصد امتحان الرواة:\nفرأى العراقي أن في جوازه نظر، فقال: \"وقد يُفعل اختبارا لحفظ المحدث، وهذا يفعله أهل الحديث كثيرًا، وفي جوازه نظر إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثا، وإنما يقصد اختبار حفظ المحدث بذلك، أو اختباره، هل يقبل التلقين، أم لا؟ \" (٢)\nووازن ابن حجر بين مصالح ذلك ومفاسده، ورجّح أن مصلحته أكثر من مفسدته، بشرط ألا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة. (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>طرق معرفة الحديث المقلوب:</span>\nالأصل في معرفة وقوع القلب في الحديث وكشفه هو جمع طرقه والنظر فيها، ومقابلتها بأحاديث الثقات.\n_________\n(١) الخطابي، المعالم، ١/ ٦.\n(٢) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٢١، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٤٦.\n(٣) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٦، البقاعي، النكت، ١/ ٥٨٣، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٤١، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٣٠٠.","vol":"1","page":546},{"text":"قال ابن حجر \"إنما يظهر أمره - أي: المقلوب- بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار المقلوب أخص من المعلل والشاذ، فكل مقلوب لا يخرج عن كونه معللًا أو شاذًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- القلب في اللغة يأتي على معاني منها: لُبُّ الشيء وخالصه، أو تحويل الشيء وصرفه عن وجهه، والمعنى الثاني هو الذي له علاقة بمعنى المقلوب في اصطلاح المحدثين، فكأن الراوي بقلبه للحديث إسنادًا أو معنى أخرجه عن وجهه الصحيح. (٢)\n- اقتصرت أكثر تعريفات المقلوب على القلب في الإسناد، لأنه الأكثر والأغلب وقوعًا، بينما تقلّ أمثلة المقلوب متنًا.\n- للمقلوب علاقة بأنواع متعددة من علوم الحديث، ويتداخل معها:\nفمن حيث وقوع المخالفة من الراوي: فإذا كان الراوي ثقةً، وخالف بقلب الحديث سندًا أو متنًا، فحديثه شاذ، وإذا كان الراوي ضعيفًا، فحديثه منكر.\nومن حيث سبب الوقوع في القلب: إذا كان وهمًا وخطأً من الراوي، فحديثه معلول، وإن تعمّد القلب، فحديثه موضوع.\n- سمّى ابن الجزري مقلوب المتن: بـ (المنقلب)، وأطلق عليه البلقيني (المعكوس).\n_________\n(١) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٧٤.\n(٢) ينظر: الفحل، اختلاف الأسانيد، ٤٥٩، منال الدعيجي، المقلوب سندًا ومتنًا، ٢٤٨.","vol":"1","page":547},{"text":"وسمّى ابن الجزري مقلوب الإسناد عمدًا بقصد الامتحان (مركب)، بينما اختار ابن حجر تسمية المقلوب عمدًا بـ (المُبدل).\n\n- تتنوع أقسام المقلوب حسب اعتبارات عدة:\n- فينقسم باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام: مقلوب في الإسناد، او في المتن، أو فيهما معًا.\n- وينقسم باعتبار الأسباب الحاملة عليه إلى قسمين رئيسيين: إما عمدًا، أو وهمًا وخطأً.\nويتفرّع المقلوب عمدًا إلى فرعين: إما لغرض الإغراب، أو لغرض الامتحان والاختبار.\n- ومن فوائد معرفة الحديث المقلوب (١)\n١ - أن الحديث يُظن فائدة، وليس كذلك، إذ يُكتشف أنه مقلوب، قال شعبة ﵀: \"أفادني ابن أبي ليلى أحاديث فإذا هي مقلوبة\" (٢).\n٢ - أن القلب يوهم التفريق بين رجلين لوجود اسمين وهما واحد، يُعرف هذا بمعرفة أن الحاصل من الاسمين إنما هو من باب قلب الأسماء.\n٣ - أن الحديث الواحد يُعد أحاديث إذا وقع القلب في اسم الصحابي، فيتبين بمعرفة وقوع القلب فيه أنه حديث واحد، وليس حديثين. (٣)\n_________\n(١) ينظر: بازمول، المقلوب، ١٦٧ - ١٧٤ باختصار.\n(٢) ينظر: العقيلي، الضعفاء، ٤/ ٩٨، ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ٧/ ٣٢٢.\n(٣) قال السخاوي: \"وأما شيخنا فإنه أفرد من علل الدارقطني مع زيادات كثيرة ما كان من نمط المثالين اللذين قبله، وسماه (جلاء القلوب في معرفة المقلوب).\nوقال: إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه; بحيث أدى الإخلال به إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي، فضلا عمن دونه، حيث يقال: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون الواقع أنه حديث واحد اختلف على راويه.\" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٤٤.","vol":"1","page":548},{"text":"٤ - كشف زيف تعدد الطرق لبعض الأحاديث، وعند التحقيق ليس للحديث إلا طريق واحد انقلب على بعض الرواة فظُن طريقان.\n٥ - أن متن الحديث يُظن حديثًا آخر وهو حديث واحد انقلب على راويه.\n٦ - أنه يكتشف به حال الراوي من الضبط.\n٧ - أن الراوي قد يقلب سند الحديث فيُظن أنه صحابي وهو تابعي، يُكشَف ذلك بمعرفة وقوع القلب في السند على الراوي.\nوبهذه الفوائد نختم فصل الحديث المقلوب، وننتقل إلى الفصل الأخير من هذا البحث، والذي جعلته خاصًا بشر أنواع الضعيف وهو: الموضوع.","vol":"1","page":549},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>الفصل الثاني عشر: الموضوع</span>\nالمبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحًا:\nالمطلب الأول: تعريفه لغة:\nالمطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا (حسب الترتيب الزمني):\nالمبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:\nالمبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف.","vol":"1","page":550},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الأول: تعريف الموضوع لغة واصطلاحًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>المطلب الأول: تعريف الموضوع لغة:</span>\nالموضوع اسم مفعول، من وَضَع الشيء، يضَعه - بالفتح - (وَضْعًا) و(مَوْضِعًا) و(مَوْضُوعًا).\nوالوَضْعُ: ضد الرّفْع. ورجل وضيع، وهو ضدّ الشريف. ووُضِع فلَان في تجارته فهو موضوع فيها إِذا خسر فيها، ووضع عنه الدَّين: أسقط عنه.\nووَضَعَت المرأَةُ وَضْعًا وَلَدَت.\nووضَع الشَّيء وَضْعا: اختلقه، والأحاديث الموضوعة: المُخْتَلَقَة. (١)\nيقال: وضَع فلان على فلان عارًا إذا ألصقه به، والوضْع أيضًا: الحطُّ والإسقاط. (٢)\nفيأتي الوضع في اللغة على معانٍ منها:\nالحطُّ والإسقاط، والإلصاق والاختلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>المطلب الثاني: تعريفه اصطلاحًا </span>(حسب الترتيب الزمني):\nذكر البقاعي - في النكت- أن الموضوع من وَضَع الشيء يضَعه وضعًا: حطّه. إشارة إلى أن رتبته أن يكون دائما مُلقى مطرحا لا يستحق الرفع أصلا (٣)، \"فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله - ﷺ - أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره\" (٤).\n_________\n(١) ينظر مادة (وض ع): الأزهري، التهذيب، ٣/ ٤٨، ابن سيده، المحكم، ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥، الرازي، الصحاح، ٣٤١، الفيروزآبادي، القاموس، ٧٧٢، الزبيدي، التاج، ٢٢/ ٣٣٧ - ٣٤٠، ابن منظور، اللسان، ٨/ ٣٩٧.\n(٢) ينظر: ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩.\n(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٦.\n(٤) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩. قال ابن حجر: والأول أليق، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.","vol":"1","page":551},{"text":"\"فالمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وفيه انحطاط في رتبته عن غيره، وفيه معنى التوليد وإيجاد ما لم يكن موجودا، وإذا أُطلِق الموضوع ينصرف إلى المُفتَرى\" (١).\n\"ويشبه أن يكون من باب استعمال الأضداد في المعاني المتناقضة؛ إذ ما ينسب إلى النبي - ﷺ - يسمّى مرفوعًا، تعظيمًا لقدره ومراعاة لجهة نسبته إلى المصطفى - ﷺ -.\nأما المكذوب: فسُمِّيَ موضوعًا إشارةً إلى عدم استحقاقه وأخذه بنظر الاعتبار، بل منْزلته أن يبقى غير معبوءٍ به.\" (٢)\nوقد أكّد الإمام مسلم في مقدمة صحيحه على وجوب التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وسرد عددًا من الأحاديث المحذّرة والمتوعدة للكاذب على رسول الله - ﷺ -، ومن ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» (٣).\n- وأشار الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) - في مقدمة كتابه معالم السنن- إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، فقال: \"فأما السقيم منه فعلى طبقات شرها الموضوع ثم المقلوب أعني ما قلب إسناده ثم المجهول\" (٤).\n_________\n(١) أبو شهبة، الوسيط، ٣١٩.\n(٢) الهميم والفحل، حاشية تحقيقهما لكتاب معرفة علوم الحديث لابن الصلاح، ٢٠٠.\n(٣) وهو جزء من حديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - ١/ ٣٣ ح (١١٠)، ومسلم في مقدمة صحيحه باب في التحذير من الكذب على رسول الله - ﷺ -: ١/ ١٠.\n(٤) ١/ ٦","vol":"1","page":552},{"text":"- وذكر الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) - في المدخل إلى الإكليل- أنواع الجرح والمجروحين على عشرة طبقات، وأشدها الوضع في الحديث، فقال: \"أول أنواع الجرح وضع الحديث على رسول الله - ﷺ -، وقد صحت الرواية عنه - ﷺ - أنه قال: «من كذب على متعمدا فليتبؤ مقعده من النار».\" (١)\nوقال في كتابه المدخل إلى الصحيح: عَلِم - ﷺ - ما يكون بعده من الكذابين الذين يقصدون وضع الأحاديث عليه فأعلمهم - ﷺ - أن موعد الكاذب عليه النار ...، وقد شدد - ﷺ - في ذلك وبين أن الكاذب عليه في النار تعمد الكذب أو لم يتعمد ... (٢).\n- وتابع ابن الأثير (ت ٦٠٦ هـ) الحاكم فيما ذكره من طبقات المجروحين، فقال في مقدمته لجامع الأصول: \"وطبقات المجروحين كثيرة، وقد أوردنا منها في هذا الفرع عشر طبقات، ذكرها الحاكم - رحمه الله تعالى -.\nالطبقة الأولى وهي أعظم أنواع الجرح، وأخبث طبقات المجروحين: الكذب على رسول الله - ﷺ - ... \" (٣).\n- وأفرد الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ) في كتابه الجامع لأخلاق الراوي بابًا في تحريم رواية الأخبار الكاذبة، ووجوب إسقاط الأحاديث الباطلة، وسرد تحته الأحاديث والآثار المحذِّرة من الكذب على رسول الله - ﷺ -، فقال: \"يجب على المحدث أن لا يروي شيئا من\n_________\n(١) ٥١.\n(٢) ينظر: ٩٠ - ٩١ باختصار.\n(٣) ابن الأثير، جامع الأصول، ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":553},{"text":"الأخبار المصنوعة والأحاديث الباطلة الموضوعة فمن فعل ذلك باء بالإثم المبين ودخل في جملة الكذابين كما أخبر الرسول - ﷺ - ... \" (١).\n- أما ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، فقد عرّف الموضوع بقوله: \"الموضوعات المقطوع بأنها محال وكذب، فتارة تكون موضوعة في نفسها وتارة توضع على الرسول - ﷺ - وهى كلام غيره\" (٢).\n- بينما عرّف ابن دحية (ت ٦٣٣ هـ)، الموضوع بقوله:\n\"هو ما وُضع على رسول الله - ﷺ - أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه، يقال: وضَع فلانْ على فلانِ عارًا إذا ألصقه به.\nوالوضْع أيضًا الحطُّ والإسقاط فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله - ﷺ - أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره\" (٣)\nهذا فيما يخص من سبق ابن الصلاح.\n- أما ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ):، فقد عرّف الموضوع فقال: \"معرفة الموضوع وهو: المختلق المصنوع.\" (٤)\nتعريفات من جاء بعد ابن الصلاح:\n_________\n(١) ٢/ ١٦١.\n(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.\n(٣) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩. قال ابن حجر: والأول أليق، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨.","vol":"1","page":554},{"text":"أغلب من جاء بعد ابن الصلاح تابعه على تعريفه، كالنووي (ت ٦٧٦ هـ) (١)، وابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) (٢) وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) في المقنع (٣)، إلا أنه زاد في التذكرة ألقابًا له،\nفقال: \"وقد يلقب بالمردود، المتروك، والباطل، والمُفْسَد.\" (٤) بينما اقتصر ابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٥)، وابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٦)، والطيبي (ت ٧٤٣ هـ) في الخلاصة (٧) على شق (المُختَلق).\n- وزاد العراقي (ت ٨٠٦ هـ) في شرح التبصرة: \"وهو المكذوب\" (٨)، وتابعه ابن الوزير (ت ٨٤٠ هـ) في (التنقيح) (٩)، والسخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في الغاية (١٠)، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في تدريب الراوي (١١).\n- وقال الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في النكت: \"الوضع إثبات الكذب والاختلاق\" (١٢).\n- بينما عرّفه الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) بقوله:\n_________\n(١) ينظر: النووي، التقريب، ٤٦.\n(٢) ينظر: ابن كثير، الاختصار، ٥٥.\n(٣) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٣٢.\n(٤) ابن الملقن، التذكرة، ١٨.\n(٥) ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥\n(٦) ينظر: ابن جماعة، المنهل، ٥٣.\n(٧) ينظر: الطيبي، الخلاصة، ٨٤.\n(٨) ينظر: ١/ ٣٠٦.\n(٩) ينظر: ١٧٣.\n(١٠) ينظر: الغاية، ٢٠٣، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.\n(١١) ينظر: ١/ ٣٢٣.\n(١٢) ٢/ ٢٨٣.","vol":"1","page":555},{"text":"\"ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا\" (١).\nوزاد مرتبة بين الضعيف والموضوع، وهو المطروح، فقال: \"المطروح: ما انحط عن رتبة الضعيف.\" (٢)\nوالفرق بين ثلاثتهم عنده، أن الضعيف رواته ليسوا بالمتروكين، بينما المطروح رواته متروكون، والموضوع رواته كذابون.\nتعريف ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ):\nأما ابن حجر، فقد أيّد ابن الصلاح في تعريفه الموضوع بأنه المختلق المصنوع، فقال في النكت: \"هذا تفسير بحسب الاصطلاح\" (٣)، ووافق الذهبي في شقٍ من تعريفه، فقال في نزهة النظر: \"الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي- هو الموضوع.\" (٤)\nوفسّر المراد بكذب الراوي في الحديث النبوي بقوله: \"بأن يروي عنه - ﷺ - ما لم يقله، متعمدًا لذلك.\" (٥)\n_________\n(١) الذهبي، الموقظة، ٣٦.\nثم قال: \" كـ: \"الأربعين الودعانية\"، وكـ: \"نسخة علي الرضا\" المكذوبة عليه. وهو مراتب، منه:\n- ما اتفقوا على أنه كذب. ويعرف ذلك بإقرار واضعه، وبتجربة الكذب منه، ونحو ذلك. ومنه:\n- ما الأكثرون على أنه موضوع. والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعا. ومنه:\n- ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. ولهم في نقد ذلك طرق متعددة، وإدراك قوي تضيق عنه .... \".\n(٢) المرجع السابق، ٣٤.\n(٣) ٢/ ٨٣٨.\n(٤) ابن حجر، النزهة، ١٠٧ - ١٠٨، ينظر: الدهلوي، أصول الحديث، ٦٣.\n(٥) ابن حجر، المرجع السابق، ١٠٦.","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>المبحث الثاني: تحرير التعريفات مع أمثلتها:</span>\nغالب من سبق ابن الصلاح ذكروا الموضوع في مَعرِض التحذير منه، وتمييز الصحيح من السقيم، وأشار الخطابي إلى أن الموضوع شرّ درجات الضعيف، وتبعه ابن الصلاح في ذلك، وتعقّبه بعض من جاء بعده فقال الزركشي: \"هذه العبارة سبقه إليها الخطابي، وقد استنكرت منه، فإن الموضوع لا يعد في الأحاديث للقطع بكونه غير حديث، وأفعل التفضيل إنما يضاف لبعضه. وهذا الإشكال يرد أيضا على إفراد المصنف له بنوع، فإنه إذا لم يكن حديثا فكيف يعد من أنواع الحديث ... \" (١).\nثم أجاب عن ذلك بقوله: \"ويمكن أن يقال: إنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّثُ به\" (٢)، أو إطلاق الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلا فليس هو في التحقيق حديثا. (٣)\nأو \"لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته؛ لِيُنفَى عن المقبول ونحوه\". (٤)\nومما تُعقِّب به ابن الصلاح ما ذكره في نوع الضعيف من أن شرّ أنواعه ما عُدم فيه جميع صفات الصحيح والحسن، فقال: \"ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم الآخِرُ الأرذل\" (٥)، ثم عاد في نوع الموضوع، وقال: \"اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث\n_________\n(١) الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٣.\n(٢) المرجع السابق. وبنحو ذلك أجاب ابن حجر. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨.\n(٣) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٦ - ٥٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١.\n(٤) السخاوي، المرجع السابق ينظر: زكريا الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٨٥.\n(٥) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٤٢.","vol":"1","page":557},{"text":"الضعيفة\" (١)، وصوّب العراقي ما ذكره آخرًا، فقال: \"وهذا هو الصواب (٢)، كما ذكره ابن الصلاح هنا. وأما قوله في قسم الضعيف: إن ما عدم فيه جميع صفات الحديث الصحيح والحسن، هو القسم الآخِرُ الأرذل؛ فهو محمول على أنه أراد ما لم يكن موضوعا ... \" (٣).\nوأجيب بأنه لا تنافي بين القولين، لأن القسم الأرذل من الضعيف يدخل تحته نوعان: الضعيف مطلقًا، والموضوع. (٤)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>قيود الموضوع عند ابن الصلاح:</span>\nعرّف ابن الصلاح الموضوع بكونه المختلق المصنوع، \"أي: إن واضعه اختلقه وصنعه\" (٥)، وعليه فإن من أبرز قيود الموضوع عند ابن الصلاح،<span data-type=\"title\" id=toc-140> قيد الاختلاق والصُنْع</span>.\n\nقيد: الاختلاق والصُنْع:\nمعنى الاختلاق في اللغة: يقال: خَلَقَ الكلمة، واختلقها، وخَرَقَهَا واخْتَرَقَها: إِذا ابْتَدَعَها كذبًا، واختلقه بمعنى: ابتدعه، وافتراه. (٦)\n_________\n(١) المرجع السابق، ٩٨.\n(٢) ينظر: العراقي، التقييد، ١٣١.\n(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٦.\n(٤) ينظر: البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٧، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٨٥.\n(٥) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٦.\n(٦) ينظر مادة (خ ل ق): الأزهري، التهذيب، ٧/ ١٤، ابن سيده، المحكم، ١/ ٥٣٧، الرازي، المختار، ٩٥، الفيروزآبادي، القاموس، ٨٨٠.","vol":"1","page":558},{"text":"والصُنْع: مصدر من \"صَنَع الشيء صَنْعًا وصُنْعًا، بالفتح والضمِّ، أي عَمِله، فهو مَصْنوع\" (١).\nوالمصنوع من الشِّعر وغيره: المفتعل. (٢)\nوكلا اللفظين (المختلق المصنوع) يتضمنان معنى الابتداع والافتراء والتلفيق.\nقال السخاوي في تعريف الموضوع: \"واصطلاحًا: (الكذب) على رسول الله - ﷺ - (المُختلَق) بفتح اللام، الذي لا ينسب إليه بوجه، (المصنوع) من واضعه، وجيء في\n\nتعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التنفير منه\". (٣)\nوقد أوضح ابن الصلاح أنواعًا من الوضع والاختلاق في الحديث، فقال: \"ثم إن الواضع ربما صنع كلامًا من عند نفسه فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء (٤) أو غيرهم،\n_________\n(١) الزبيدي، تاج العروس، ٢١/ ٣٦٣.\n(٢) المعجم الوسيط، ١/ ٥٢٦.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، رجع سابق، ١/ ٣١٠.\n(٤) مثال ذلك: حديث: «المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء» هذا من كلام الأطباء، إما الحارث بن كلدة، أو غيره ولا أصل له عن النبي - ﷺ -. ينظر: الزركشي، اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة، ١٤٥، السخاوي، المقاصد الحسنة، ٦١١ ح (١٠٣٥)، السيوطي، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ١٧٨ ح (٣٧٢)، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٥، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٢٦،\nوحديث: «حب الدنيا رأس كل خطيئة». ينظر: أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء ٦/ ٣٨٨، الزركشي، المرجع السابق، ١٢٢، العراقي، المرجع السابق، الأبناسي، الشذا الفياح، ١/ ٢٢٩.","vol":"1","page":559},{"text":"فوضعه على رسول الله - ﷺ - \" (١)، وقد سبقه ابن الجوزي بذكر هذين النوعين بقوله: \"فتارة تكون موضوعة في نفسها، وتارة توضع على الرسول - ﷺ - وهى كلام غيره\" (٢).\nوكلا النوعين يتضمّنان معنى الاختلاق والافتراء، إلا أن التقييد بالاختلاق قد يقصر الوضع على ما وقع عمدًا (٣)، دون ما وقع سهوًا من الراوي وخطأً، ولعل ذلك ما دعا ابن الصلاح إلى ذكر نوع ثالث من أنواع الموضوع أطلق عليه (شبه الوضع) (٤)، فقال: \"وربما غلط غالط، فوقع في شبه الوضع من غير تعمد، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» \" (٥)، وقد سبق ذكر هذا المثال في فصل الحديث المدرج، إذ عدّه العراقي وتبعه ابن حجر من أقسام المدرج. (٦)\nوهو من الأمثلة المتداخلة بين نوعي الإدراج والوضع، حيث صدّر العراقي هذا المثال بقوله: \"ومن أقسام الموضوع: ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض الرواة.\" (٧) ثم أردفه بذكر أقوال نقّاد الحديث فيه، والتي تراوحت بين الوصف بالإدراج، والوضع والبطلان، فقال: \"وقول المصنف - يقصد ابن الصلاح- في هذا الحديث أنه شبه الوضع\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠.\n(٢) ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٣٥.\n(٣) \"قوله (المختلق) أخرج ما لم يكن عن عمد، فلا يسمّى موضوعًا على ذلك. والصواب: أن الموضوع: هو المكذوب على رسول الله - ﷺ - سواء تعمد ذلك راويه، أو أخطأ في ذلك، فإن الرجل المغفل قد يشتبه عليه الأمر، ويذكر أحاديث عن رسول الله - ﷺ - ليست من كلامه، إلا أنه شُبِّه عليه، هذا من حيث وصف الحديث بأنه موضوع، أما الراوي فلا يلزم من ذلك أن يُوصف بأنه وضّاع، إلا إذا كان متعمدًا لذلك؛ فوضّاع ولا كرامة\". السليماني، الجواهر، ٣٧٤.\n(٤) وقد سبقت الإشارة إليه في فصل الحديث المدرج.\n(٥) المرجع السابق.\n(٦) ينظر: العراقي، التقييد، ١٣٣، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٥.\n(٧) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٦.","vol":"1","page":560},{"text":"حسن؛ إذ لم يضعه ثابت بن موسى، وإن كان ابن معين قد قال فيه أنه كذاب. نعم بقية الطريق التي سرقها من سرقها موضوعة؛ ولذلك جزم أبو حاتم الرازي بأنه موضوع فيما حكاه ابنه أبو محمد في العلل، (١) والله أعلم.\" (٢)\nفعند ابن الصلاح الموضوع ما تعمّد راويه الكذب على رسول الله - ﷺ -، وشبه الموضوع ما لم يقصد راويه وضعه، وإنما وقع منه ذلك وهمًا وخطأً، ولعل تعريف ابن دحية يشملهما، حيث قال: \"هو ما وُضع على رسول الله - ﷺ - أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه\" (٣)، والإلصاق: يشمل ما وضع عمدًا، أو خطأً.\nوتعريف الوضع بالإلصاق أليق كما ذكر ابن حجر في نكته على ابن الصلاح. (٤)\nونجده أيضًا زاد نوعًا من أنواع الموضوع في النزهة، فقال: \"أو يأخذ - أي الواضع- حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ\" (٥).\n\"فهذا الحديث موضوع [الإسناد] لا المتن.\" (٦)، وسمّاه السخاوي بالوضع السندي. (٧)\nوبالنظر إلى تعريفات من جاء بعد ابن الصلاح، نجد أنها اتفقت على كون الموضوع من المختلق المصنوع، فمعظمها صرّح بلفظ الاختلاق في نص التعريف، بينما لم يصرح\n_________\n(١) ابن أبي حاتم، العلل، ٢/ ٣٦ ح (١٩٦).\n(٢) العراقي، التقييد، ١٣٣.\n(٣) ابن دحية، أداء ما وجب، ١٤٨ - ١٤٩.\n(٤) ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٨، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٠.\n(٥) ابن حجر، النزهة، ١١٠.\n(٦) القاري، شرح النخبة، ٤٤٥.\n(٧) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":561},{"text":"الذهبي بذلك، ولكن جاء الوصف بالاختلاق في معرض كلامه عن طرق معرفة الحديث الموضوع، فقال: \"فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوقد \"سلك أئمة الحديث وأعلام السنة لمعرفة الحديث الموضوع طريقتين:\nإحداهما نظرية، حيث وضعوا القواعد الدالة على وضع الحديث وأقاموا الأمارات الصادقة على ذلك بما لا يدع مجالا للشك.\nثانيهما: عملية، وذلك ببيانهم لأشخاص الوضاعين وتعريف الناس بهم، وبيان الموضوعات التي وضعوها والأكاذيب التي اختلقوها، وصنفوا تآليف كثيرة لبيان الأحاديث الموضوعة وبذلوا في ذلك غاية جهودهم، وهي الكتب المعروفة اليوم بكتب الموضوعات (٢).\" (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>طرق معرفة الموضوع:</span>\nقال ابن الصلاح: \"وإنما يعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة إقراره، وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.\" (٤)\nويمكن تقسيم العلامات التي وضعها علماء الحديث للكشف عن الحديث الموضوع إلى قسمين، قسم يختص بالراوي أي: بالسند، وآخر يتعلق بالمروي، أي: بالمتن.\n_________\n(١) الذهبي، الموقظة، ٣٧.\n(٢) قال السخاوي: \"يوجد الموضوع كثيرًا في الكتب المصنفة في الضعفاء، وكذا في العلل، ... \" السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٢.\nومن الكتب التي أفردت الموضوع بالتصنيف: كتاب الموضوعات لابن الجوزي، واللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، وكتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للعلامة محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠). ينظر: أبو شهبة، الوسيط، ٣٦٠ - ٣٦٣.\n(٣) إدريس عزوزي، ضوابط معرفة الحديث الموضوع عند المحدثين، ٩٨.\n(٤) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٩.","vol":"1","page":562},{"text":"أولًا: ما يتعلق بالسند:\n١ - إقرار واضع الحديث بوضعه. (١)\nومثاله: كحديث نوح بن أبي مريم (٢) في فضائل القرآن (٣).\nوحديث أبي بن كعب في فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف راويه بالوضع. (٤)\n_________\n(١) تعقّب ابن دقيق العيد ما ذكره ابن الصلاح، فقال: \"وقد ذكر فيه إقرار الراوي بالوضع، وهذا كافٍ في ردِّه، لكنه ليس بقاطعٍ في كونه موضوعا، لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه.\"، وقد استدرك الذهبي على شيخه فقال في الموقظة: \"قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد، لوقعنا في الوسوسة والسفسطة! \".\nوأجاب ابن حجر عن استدراك الذهبي فقال في النزهة: \"وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلا، وليس ذلك مراده، وإنما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك\"\nأما العراقي فقد عدّ ما ذكره ابن دقيق العيد بدايةً: استشكالًا، ولم يتعقبه، وكأنه يقرّه، فقال في التقييد:\n\"وقد استشكل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار من ادعى أنه وضعه؛ لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع\".\nوقال ابن حجر في النكت: \"كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لا يستشكل الحكم؛ لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد أنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، إلا أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط\"، ونقل البقاعي عن شيخه ابن حجر مراجعته لشيخه العراقي في ذلك، فقال في النكت: \"قال شيخنا: وقد كان الشيخ عبر في النظم أولا (بالحكم)، فلما قرأنا ذلك عليه غير (الحكم) (بالقطع)، فكأنه غير النظم ولم يغير الشرح.\nقلت: وكان ينبغي أيضا تغيير قوله في النظم (استشكل)، فإنه لم يستشكل بل أوضح موضع الحكم، فلو قال بدلها: (استرذلا) لزال المحذور.\"\nوقال الأنصاري: \"ففي الحقيقة ليس ذلك استشكالا، بل بيان للمراد والواقع؛ إذ لا يشترط في الحكم القطع، بل يكفي غلبة الظن، والله أعلم.\"\nالمراجع: ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥، الذهبي، الموقظة، ٣٧، العراقي، التقييد، ١٣١، ابن حجر، النزهة، ١٠٩، ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٠ - ٨٤١، البقاعي، النكت، ١/ ٥٧٨ - ٥٧٩، ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٦، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣٣ - ٣٣٤، الأنصاري، فتح الباقي، ١/ ٢٩٧، الأثيوبي، شرح الألفية، ١/ ٢٨٨.\n(٢) نوح ابن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، قاضي مرو، مشهور بكنيته، قال عنه الذهبي: فقيه واسع العلم، تركوه، قال ابن حجر: كذبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع، مات سنة: ١٧٣ هـ. ينظر: الذهبي، الكاشف، ٢/ ٣٢٧ (٥٨٩٤)، ابن حجر، التقريب، ٥٦٧ (٧٢٠٥).\n(٣) \"قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا! فقال: إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة.\" أخرجه الحاكم في المدخل إلى الإكليل، ٥٤، وابن الجوزي في الموضوعات، ١/ ٤١.\nومثال آخر ذكره السيوطي في التدريب، فقال: \"وقال البخاري في (التاريخ الأوسط): حدثني يحيى الأشكري، عن علي بن جرير، قال: سمعت عمر بن صبح، يقول: أنا وضعت خطبة النبي - ﷺ -.\" البخاري، التاريخ الأوسط (مطبوع خطأ باسم التاريخ الصغير)، ٢/ ٢١٠، ابن الجوزي، الموضوعات، ٣/ ٢٥٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٣.\n(٤) أخرجه الخطيب في الكفاية، ٤٠١، وابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.","vol":"1","page":563},{"text":"٢ - ما يتنزّل منزلة الإقرار بالوضع، أو بمعنى إقراره (١):\nقال ابن حجر في النكت (٢): \"والأَولى أن يُمثِّل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبدالله الجويباري (٣) في سماع الحسن من أبي هريرة - ﵁ -، فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي - ﷺ - قال: «سمع الحسن من أبي هريرة - ﵁ -» (٤).\n_________\n(١) قال العراقي في التقييد: كأن يحدث بحديث عن شيخ، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا عنده، فهذا لم يعترف بوضعه، ولكن اعترافه بوقت مولده يتنزل منزلة إقراره بالوضع; لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدث به.\" العراقي، التقييد، ١٣٢.\nوتعقبّ ذلك ابن حجر في النكت فقال: \"ثم إن شيخنا - ﵁ - مثل لقول ابن الصلاح: \"أو ما يتنزل منزلة إقراره\" بما إذا حدث محدث عن شيخ، ثم ذكر أن مولده في تأريخ يعلم تأخره، عن وفاة ذلك الشيخ ولم يتعقبه بما تعقبه به الأول والاحتمال يجري فيه كما يجري في الأول سواء، فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التأريخ ويكون في نفس الأمر صادقا\". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٢.\n(٢) ابن حجر، المرجع السابق.\n(٣) أحمد بن عبدالله بن خالد، أبو علي الجويباري، ويقال الجوباري. قال ابن عدي: كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريده، فكان ابن كرام يخرجها في كتبه عنه، وقال ابن حبان: \"دجال من الدجاجلة كذاب يروى عن ابن عيينة ووكيع وأبي ضمرة وغيرهم من ثقات أصحاب الحديث ويضع عليهم ما لم يحدثوا\". ينظر: ابن حبان، المجروحين، ١/ ١٤٢، الذهبي، الميزان، ١/ ١٠٦ (٤٢١)، ابن حجر، اللسان، ١/ ١٩٣ (٦١١).\n(٤) روى البيهقي الحديث نقلًا عن شيخه الحاكم، ينظر: الذهبي، الميزان، ١/ ١٠٨.\nنحو هذا المثال، ما ذكره السخاوي، فقال: \"أن عبد العزيز بن الحارث التميمي جد رزق الله بن عبدالوهاب الحنبلي سئل عن فتح مكة، فقال: عنوة، فطولب بالحجة، فقال: ثنا ابن الصواف، ثنا عبدالله ابن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبدالرزاق عن معمر، عن الزهري عن أنس، «أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة; أكان صلحا أو عنوة؟ فسألوا عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: كان عنوة»، هذا مع أنه اعترف أنه صنعه في الحال، ليندفع به الخصم\".السخاوي، فتح المغيث، ١/ ١٠٨، ينظر: الذهبي، الميزان، ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ (٥٠٩٢).","vol":"1","page":564},{"text":"٣ - قرينة حال الراوي: كمن يروي عمن لم يدركه (١)، بأن يُحدِّث بحديث عن شيخ، ويُسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يُعلَم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يُعرف ذلك الحديث إلا عنده (٢).\n\nثانيًا: ما يتعلق بالمروي، أي: بالمتن:\n- وتتمثل في: قرينة حال المروي (٣): مثل الأحاديث الطويلة التي يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها، ومعانيها، أو تخالف العقل ولا تقبل تأويلا بحال (٤)، \"فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي\" (٥)\nولعل هذا ما دعا الذهبي لتعريف الموضوع بأنه: \"ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا\" (٦)، فهذه إشارة منه إلى ما تمثله القرائن الخاصة بالمروي في الحكم بالوضع.\nونجد ابن حجر كذلك بعد أن عرّف الموضوع بأنه: \"الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي\" أردفه بقوله: \"والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع؛ إذ\n_________\n(١) ينظر: الزركشي، النكت، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، وفي المطبوع (كمن لم يرو) بنفي الرواية، ولعله خطأ مطبعي، فالمعنى لا يستقيم مع المثال.\n(٢) مثال ذلك: \"قال الخطيب هذا مما يستدل به على كذب الراوي كما جاء عن عمر بن موسى قال ثنا شيخكم الصالح وأكثر من ذلك فقيل له من هو قال خالد بن معدان فقيل له: في أي سنة لقيته؟، قال: سنة ثمان ومائة في غزاة أرمينية. فقيل له: اتق الله يا شيخ، ولا تكذب. مات خالد سنة أربع ومائة ولم يغز أرمينية قط\". ينظر: الخطيب البغدادي، الكفاية، ١١٩.\n(٣) قال ابن حجر: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول -أي قرينة حال الراوي- فنادر. ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٣.\n(٤) ينظر: ابن الملقن، المقنع، ١/ ٢٣٥.\n(٥) ابن حجر، المرجع السابق.\n(٦) الذهبي، الموقظة، ٣٦.","vol":"1","page":565},{"text":"قد يصدق الكذوب، لكن، لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك منهم من يكون اطلاعه تامًا، وذهنه ثاقبًا، وفهمه قويًا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة.\" (١)\nومن القرائن في المروي، ركاكة ألفاظه ومعانيه، والمراد بالرِّكّة أي: \"الضعف عن قوة فصاحته - ﷺ - في اللفظ والمعنى معًا، مثل ما يُروى في وفاة النبي - ﷺ -. (٢)\nوكذا في أحدهما، لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرَّح بأنه لفظ الشَّارع، ولم يحصل التصرُّف بالمعنى في نقله؛ لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب.\" (٣)\nقال ابن دقيق العيد: \"وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بذلك باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.\nوحاصلُه يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول - ﷺ - هبة (٤) نفسانية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي - ﷺ -، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سئل بعضهم: كيف تعرف أن الشيخ كذاب؟ فقال: إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها، علمت أنه كذاب\". (٥)\n\nوسُئِل ابن القيم: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن يُنظَر في سنده؟\nفقال: \"هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يَعلمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن\nوالآثار، ومعرفة سيرة رسول الله - ﷺ - وهديه، فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١٠٧ - ١٠٨.\n(٢) أي: بعضًا مما يُروى في ذلك، وأخرج ابن الجوزي شيئًا منها في كتابه الموضوعات، ينظر: ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٢٩٥ - ٣٠١.\n(٣) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣٣١، ينظر: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٤٤، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٥،\n(٤) وفي طبعة دار العلوم أخرى: (هيئة نفسانية)، ينظر: ابن دقيق العيد، الاقتراح، تحقيق: الدوري، ٣١٢.\n(٥) ابن دقيق العيد، الاقتراح، ٢٥.","vol":"1","page":566},{"text":"ويدعو إليه ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة بحيث كأنه مخالط للرسول - ﷺ - كواحد من أصحابه.\" (١)\nثم ذكر - ﵀- أمورًا كلّية يُعرف بها كون الحديث موضوعًا، منها (٢):\n١ - اشتماله على مجازفات لا يقول مثلها رسول الله - ﷺ -.\n٢ - تكذيب الحس له.\n٣ - سماجة الحديث، وكونه مما يُسخر منه.\n٤ - مناقضته لما جاءت به السنة مناقضة بيِّنة.\n٥ - ركاكة ألفاظه، وكونه لا يشبه كلام الأنبياء، فضلا عن كلام رسول الله - ﷺ - الذي هو وحي يُوحى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>أسباب الوضع في الحديث: </span>(٣)\nتعددت الأسباب التي أدّت إلى الوضع في الحديث بحسب غرض أصحابها، ومرادهم من ذلك، ومن تلك الأسباب:\n١ - الجهل بالدين مع الرغبة في الخير واحتساب الأجر:\nفمن أكثر أصناف الوضّاع ضررًا: طائفة تبيح الكذب في الحديث لمصلحة الدين، وربما احتسب بعضهم الأجر في ذلك، وتعلقوا بشبه باطلة (٤)، وهو صنيع كثير من الزهّاد\nوالعُبّاد ممن يتدينون بذلك؛ لترغيب الناس في أفعال الخير بزعمهم، وضررهم عظيم؛\n_________\n(١) ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ٤٣ - ٤٤.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ٤٣ - ٨١، العثمان، المحرر، ٤٥٥.\n(٣) ينظر: السباعي، السنة ومكانتها، ٧٨ - ٨٩، عمر حسن فلاته، الوضع في الحديث، ٢١٨ - ٢٨٤، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٣ - ١٠٤٧.\n(٤) ينظر تفصيل الشبه، والجواب عليها: ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢.","vol":"1","page":567},{"text":"لأنهم يحتسبون بذلك، ويرونه قربة، والناس يثقون بهم، ويركنون إليهم لما نسبوا له من الزهد، والصلاح، فينقلونها عنهم.\nقال ابن الصلاح:\n\"وأعظمهم ضررًا قوم من المنسوبين إلى الزهد، وضعوا الحديث احتسابًا فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم.\" (١)\n\"ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وذكروهم بقوله - ﷺ -: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» قالوا: نحن نكذب له - ﷺ - لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق.\" (٢)\n\n٢ - الزندقة والإلحاد في الدين:\nوالزنادقة: هم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو الذين لا يتدينون بدين. (٣)\nفضربٌ من الزنادقة يضعون الأحاديث، وذلك؛ استخفافًا بالدين، واضلالًا للناس. (٤)\n٣ - نصرة المذاهب والأهواء: (سواء كان مذهبًا سياسيًا أو عقديًا، أو فقهيًا)\n_________\n(١) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٩.\n(٢) السباعي، السنة ومكانتها، ٨٧.\nمن أمثلة ذلك أيضًا: أخرج ابن الجوزي إلى محمد بن عيسى الطباع قوله: \"سمعت ابن مهدى يقول لميسرة بن عبد ربه من أين جئت بهذه الأحاديث: (من قرأ كذا فله كذا) قال: وضعتها أرغب الناس فيها.\" ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٤٠.\n(٣) ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٦.\n(٤) \"كمحمد بن سعيد المصلوب، والحارث الكذاب الذي ادعى النبوة، والمغيرة بن سعيد الكوفي وغيرهم.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥١.\nومثاله: قول الحاكم: \"فمما رواه محمد بن سعيد المصلوب، عن حميد، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا أن يشاء الله». فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعوا إليه من الإلحاد والزندقة ... \" الحاكم، الإكليل، ٥١ - ٥٢.","vol":"1","page":568},{"text":"\"فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة.\" (١)، وضربٌ منهم يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم، فيضعون الأحاديث في ذلك. (٢)\n\"ومنهم من يضع للمذهب الفقهي، كمن وضع في فضل أبي حنيفة وذم الشافعي، ومنه الحكايات الكثيرة المتضمنة للمبالغات في الفضائل، والتي تنسب إلى الأئمة الفقهاء؛ وذلك بغرض تنفيق مذاهبهم عن طريق نسبة تلك الفضائل لهم.\" (٣)\n٤ - تحقيق أغراض ومصالح دنيوية:\nحيث ذكر ابن حجر من أصناف الوضاعين: \"أصحاب الأغراض الدنيوية: كالقصاص، والسؤّال في الطرقات، وأصحاب الأمراء ... \" (٤)، وهؤلاء \"أمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث.\" (٥)\n_________\n(١) السباعي، السنة ومكانتها، ٨٧.\nمن أمثلة هؤلاء:\nعمرو بن عبدالغفار الفقيمي ابن عدي، الضعفاء، ٦/ ٢٥٣ (١٣١١).\nقال ابن حجر: \"ومن خفي ذلك ما حكاه ابن عدي أن محمد بن شجاع الثلجي كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية.\". ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢، ينظر: ابن عدي، المرجع السابق، ٧/ ٥٥٠ (١٧٧٦).\n(٢) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٩.\nمن أمثلة ذلك: \"قيل لمحمد بن عكاشة الكرماني: إن قوما عندنا يرفعون أيديهم في الركوع وبعد رفع الرأس من الركوع فقال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من رفع يده في الركوع فلا صلاة له» \". الحاكم، الإكليل، ٥٧.\n(٣) الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٥.\nمن أمثلة ذلك: \"قيل لمأمون بن أحمد الهروي: ألا ترى إلى الشافعي وإلى من نبغ له بخراسان! ! فقال حدثنا أحمد ابن عبيدالله قال حدثنا عبيدالله بن معدان الأزدي عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ - «يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتى». الحاكم، المرجع السابق، ٥٦\n(٤) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٦.\n(٥) المرجع السابق، ٢/ ٨٥٨.","vol":"1","page":569},{"text":"فمنهم قوم من السؤّال يقفون في الأسواق والمساجد والمحافل فيضعون الأحاديث على رسول الله - ﷺ - بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد. (١)\nوضرب يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وأهوائهم. (٢)\nومنهم من يضع الحديث لمصلحة شخصية أو قصد الانتقام من شخص أو فئة مُعيّنة. (٣)\nوضرب يتكسبون بوضع الحديث، ويرتزقون به في قصصهم، وهم قوم شقّ عليهم الحفظ\nأو رأوا أن الحفظ معروف، فأتوا بما يغرب رغبة في استمالة السامعين، وصرف وجوه الناس إليه. (٤)\n٥ - حب الظهور\nذكر ابن حجر من أصناف الوضّاع: \"من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع ممن رق دينه من المحدثين فيجعل بعضهم للحديث الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب.\" (٥)\n_________\n(١) الحاكم، الإكليل، ٥٧.\n(٢) مثال ذلك: غياث بن إبراهيم، حيث وضع للمهدي في حديث: «لا سبق إلا في نصل، أو خف، أو حافر». فزاد فيه: أو جناح. وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها، وقال أنا حملته على ذلك. والقصة أخرجها الحاكم في المدخل إلى الإكليل، ٥٥.\n(٣) مثال ذلك: ما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: \"ومنهم من كان يضعه في ذم من يريد أن يذمه كما روينه عن سعد بن طريف أنه رأى ابنه يبكى، فقال: مالك، فقال: ضربني المعلم، فقال: أنا والله لأخزينهم، حدثني عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله - ﷺ - قال: «معلمو صبيانكم شراركم» \". ابن الجوزي، الموضوعات، ١/ ٤٢.\n(٤) مثال ذلك: ما ذكره ابن عدي في الضعفاء عن: جعفر بن أحمد بن علي الغافقي المصري المعروف بابن أبي العلاء، وكان قد أدركه، وكتب عنه، لكنه اتهمه بوضع الحديث وذلك أنه كان مغرمًا بأبواب اعتنى بوضع الحديث فيها عن المصريين وغيرهم، وضع في فضل النخلة والتمر، وفي الفراعنة، والسرقة، وأكل الطين، أحاديث بألفاظ ركيكة واضحة في الوضع. ينظر: ابن عدي، الضعفاء، ٢/ ٤٠٠ (٣٤٨)، الجديع، التحرير، ٢/ ١٠٤٧.\n(٥) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٥٢.","vol":"1","page":570},{"text":"٦ - الغفلة والتلقين:\nوهم صنف من المحدثين: \"امتحنوا بأولاد لهم أو ورّاقين (١)، فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم، فحدثوا بها من غير أن يشعروا\". (٢)\n٧ - الخطأ والوهم:\nوقد يقع الوضع في الحديث خطأً أو وهمًا، كمن يغلط فيضيف إلى النبي - ﷺ - كلام بعض الصحابة ﵃ أو غيرهم، من غير تعمّد لذلك. (٣)\nقال ابن حجر: \"وأخفى الأصناف القسم الأخير الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد - والله الموفق -\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>حكم الموضوع، وروايته: </span>(٥)\nقال ابن الصلاح: \"اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة، ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونًا ببيان وضعه.\" (٦)\n_________\n(١) الورّاق: \"مُورق الْكتب الَّذِي يورق وَيكْتب\". المعجم الوسيط، ٢/ ١٠٢٦.\n(٢) من أمثلة ذلك: \"كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي، وكحماد بن سلمة ; ابتلي بربيبه ابن أبي العوجاء، فكان يدس في كتبه، وكمعمر كان له ابن أخ رافضي، فدس في كتبه حديثا، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن ابن عباس، قال: «نظر النبي - ﷺ - إلى علي، فقال: أنت سيد في الدنيا، سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، والويل لمن أبغضك بعدي». فحدث به عبدالرزاق، عن معمر، وهو باطل موضوع، كما قاله ابن معين.\" السيوطي، التدريب، ١/ ٣٣٧، ينظر: العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٩.\n(٣) كما في قصة ثابت بن قيس في حديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، المذكورة في شبه الوضع، وفي أقسام المدرج.\n(٤) ابن حجر، المرجع السابق، ٢/ ٨٥٨.\n(٥) ينظر كذلك: الذهبي، الموقظة، ٦٧، العراقي، شرح التبصرة، ٣٠٧، السيوطي، التدريب، ١/ ٣٢٣.\n(٦) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٩٨ - ٩٩.","vol":"1","page":571},{"text":"ونقل ابن حجر الاتفاق على ذلك، فقال في النزهة (١): \"واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيانه؛ لقوله - ﷺ -: «من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين (٢») (٣) \"، و\"كفى بهذه الجملة وعيدًا شديدًا في حق من روى الحديث فيَظن أنه كذب، فضلا عن أن يتحقق ذلك ولا يُبينه؛ لأنه - ﷺ - جعل المُحدِّث بذلك مشاركًا لكاذبه في وضعه.\" (٤)\nقال السيوطي: \"أطبق على ذلك علماء الحديث فجزموا بأنه لا تَحِلُّ رواية الموضوع في أي معنىً كان؛ إلا مقرونًا ببيان وضعه\" (٥)، أي: \"نقلًا متصلًا ببيان كونه موضوعا.\" (٦)\n- وذكر السخاوي المراد ببيان الوضع بقوله: \"كأن يقول: هذا كذب أو باطل، أو نحوهما من الصريح في ذلك، وفي الاقتصار على التعريف بكونه موضوعا نظر، فرب من لا يعرف موضوعه ... \" (٧)، وذكر حكاية عن بعض العجم أنه أنكر على العراقي قوله في حديث سُئل عنه: إنه كذب، محتجًا بأنه في كتاب من كتب الحديث، ثم جاء به من\n_________\n(١) ابن حجر، النزهة، ١١٢.\n(٢) \"يُرى - مضبوطة بضم الياء - بمعنى يظن. وفي \"الكاذبين\" روايتان:\nإحداهما: بفتح الباء على إرادة التثنية. والأخرى: بكسرها على صيغة الجمع.\" ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٣٩، ينظر: السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١.\n(٣) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، ١/ ٨، والترمذي في سننه كتاب العلم، باب ما جاء فيمن روى حديثا وهو يرى أنه كذب، ٤/ ٣٣٣ ح (٢٦٦٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(٤) ابن حجر، المرجع السابق.\n(٥) السيوطي، تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص، ٧٣ - ٧٤.\n(٦) القاري، شرح النخبة، ٤٥٣.\n(٧) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١١ - ٣١٢.","vol":"1","page":572},{"text":"الموضوعات لابن الجوزي، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع (١)، إلا أن ما ذكره - ﵀- من التباس لفظ الموضوع، والمراد به في الحكم على الحديث عند بعضهم، قد يكون بعيدًا ونادرًا (٢).\n- وذكر ابن حجر من طرق بيان المتقدمين للحديث الموضوع، الاكتفاء بإسناده دون التصريح بكونه موضوعًا، فقال: \"والاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة معروفة لكثير من المحدثين، وعليها يُحمل ما صدر من كثير منهم من إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا، وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان- والله أعلم -\" (٣).\n- وأشار تلميذه السخاوي﵀- إلى الفرق بين المتقدمين في روايتهم للحديث الموضوع بإسناده، ومن جاء بعدهم، فإن كان ذلك سائغًا في عصر الرواية، فهو غير سائغ لمن بعدهم، فقال: \"لا يبرأ من العُهدةِ في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك; لعدم الأمن من المحذور به (٤)، وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضية في سنة مائتين، وهلم جرا، ... \" (٥).\n_________\n(١) ينظر: المرجع السابق، ١/ ٣١٠، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، ١/ ٢٨٧.\n(٢) ينظر: فلاته، الوضع في الحديث، ٣٢٦.\n(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٨٦٣.\n(٤) مثال ذلك: تخطئة ابن الصلاح لما قام به بعض المفسرين من إخراج حديث موضوع في فضائل سور القرآن في تفاسيرهم، فقال: \"وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - في فضل القرآن سورة فسورة. بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لبين عليه، ولقد أخطأ الواحدي المفسر، ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم، والله أعلم.\"\nوإن اعتذر العراقي لمن أخرجه من المفسرين بإسناده إلا أنه لم ينفِ عنه خطأه في ذلك، فقال في شرح التبصرة: \"وكل من أودع حديث أبي - المذكور - تفسيره، كالواحدي، والثعلبي والزمخشري مخطئ في ذلك؛ لكن من أبرز إسناده منهم، كالثعلبي، والواحدي فهو أبسط لعذره، إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، كما تقدم. وأما من لم يبرز سنده، وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أفحش، كالزمخشري\". المراجع: ابن الصلاح، علوم الحديث، ١٠٠، العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣١٢ - ٣١٣، ينظر: السيوطي، التدريب، ١/ ٣٤١.\n(٥) السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٣١٢، الأثيوبي، شرح ألفية السيوطي، ١/ ٢٨٧.","vol":"1","page":573},{"text":"\"وما ذهب إليه رحمه الله تعالى متجه؛ لأن المتقدمين من المحدثين كانوا يعدّون ذكر الإسناد نوعًا من البيان بخلاف المتأخرين؛ لاندثار علم الجرح والتعديل ومعرفة الرجال، ولكون الغاية من الإسناد عندهم هو التبرك وإبقاء الخصوصية لهذه الأمة\" (١)\n- ومن جملة البيان كذلك، ما ذكره الخطيب البغدادي بقوله: \"ومن روى حديثا موضوعًا على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه، ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جُرْح الشاهد في الحاجة إلى كشفه، والإبانة عنه\" (٢).\n- وفي قول العراقي في شرح التبصرة: \"لم يجيزوا لمن علم أنه موضوع أن يذكره برواية، أو احتجاج، أو ترغيب إلا مع بيان أنه موضوع\" (٣)، نوع إشكال لإدراجه لفظ الاحتجاج في معرض ذكره لحكم الموضوع! .\nوقد وجّه ابن حجر قول شيخه بأن عبارة: \" (أو احتجاج) ليس مستثنى منه بقوله: (إلا مع بيان)، وإن كان من الجمل المتعاطفة بأو، فإنه خرج بقرينة؛ لأنه لا يمكن أن يحتج به ويبين أنه موضوع، إذ لا فائدة في ذلك؛ فكأنه قيل: لا يجوز لمن علم أن الحديث موضوع\n_________\n(١) فلاته، الوضع في الحديث، ٣٢٦.\n(٢) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي، ٢/ ٩٩.\n(٣) العراقي، شرح التبصرة، ١/ ٣٠٧.","vol":"1","page":574},{"text":"أن يحتج به مطلقًا، ولا يجوز له أن يرويه، أو يرغب به في شيء، إلا أن يبين أنه موضوع.\" (١)\nوأردف البقاعي ما ذكره شيخه ابن حجر بتوجيهٍ آخر، فقال: \"ويمكن أن يُوجَّه بأن يكون لفظ الموضوع حسنًا، ومعناه صحيحًا، فيحتج به على شيء ويبين أنه موضوع، إعلامًا بإن المراد ليس الاحتجاج بنسبة هذا اللفظ إلى النبي - ﷺ -، بل نسبة المعنى بعد ذكر ما يعضده من الشريعة، والله أعلم.\" (٢)\nولعل ما ذكره البقاعي من توجيه قريب مما ذكره شيخه ابن حجر - في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة- وذلك بعد أن ساق حديثًا فيه قصة عجيبة، ضمن ترجمة لهيب ابن مالك (٣)، نقل فيها قول ابن عبدالبر: \"إسناد هذا الحديث ضعيف، ولو كان فيه حكم لم أذكره، لأن رواته مجهولون، وعمارة بن زيد (٤) متهم بوضع الحديث، ولكنه في معنى حسن من أعلام النبوة، والأصول في مثله لا تدفعه، بل تصححه وتشهد له\" (٥).\nفعقّب ابن حجر بقوله: \"يستفاد من هذا أنه تجوز رواية الحديث الموضوع، إذا كان بهذين الشرطين:\n_________\n(١) البقاعي، النكت، ١/ ٥٤٨.\n(٢) المرجع السابق.\n(٣) قيل: اسمه لُهيب بالتصغير- بن مالك اللهبي، وقيل: لهب، روى خبرًا عجيبًا في الكهانة، وأعلام النبوة. ينظر: ابن عبدالبر، الاستيعاب، ٦٤١ - ٦٤٢ (٢٢٤٠)، ابن حجر، الإصابة، ٩/ ٣٩٩ (٧٥٩٧).\n(٤) عمارة بن زيد، وأبوه هو عبد الرحمن بن زيد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال الأزدي: كان يضع الحديث. ينظر: الذهبي، الميزان، ٣/ ١٧٧ (٦٠٢٥)، ابن حجر، اللسان، ٤/ ٢٧٨ (٧٩٠).\n(٥) ابن عبدالبر، المرجع السابق.","vol":"1","page":575},{"text":"ألا يكون فيه حكم، وأن تشهد له الأصول، وهو خلاف ما نقلوه من الاتفاق على عدم جواز ذلك إلا مقرونًا ببيانه، ويمكن أن يقال: ذكر هذا الشرط من جملة البيان.\" (١)\nفيكون ذكر ابن عبدالبر لهذه القصة ليس تصحيحًا لإسنادها، وإنما لكون معناها مما تعضده وتشهد له الأصول، ونبّه إلى أنها لا تشتمل على حكم، ولو كان فيها ذلك؛ لتجنب ذكرها لضعف إسنادها، ووجود راوٍ متهم بالكذب فيه.\nوأما قول ابن حجر: \"ويمكن أن يقال: ذكر هذا الشرط من جملة البيان\"، فإن العلماء اتفقوا على تحريم رواية الحديث الموضوع إلا مع بيان ذلك، والبيان يكون بأمور منها:\n١ - ذكر الحديث مقرونًا بالحكم عليه بالوضع أو الكذب والبطلان.\n٢ - أن يُذكر الأسناد، وذلك سائغ في كتب الأئمة المتقدمين في عصر الرواية؛ لأنهم أهل دراية بالجرح والتعديل، لكنه غير سائغ لمن بعدهم.\n٣ - أن يُذكر على سبيل التعجّب منه، والتنفير عنه، وبيان حال واضعه.\nوالأولى تجنب رواية الموضوع، ففيما صح عن النبي - ﷺ - غنى وكفاية؛ لأخذ الأحكام والعمل والاعتقاد وفضائل الأعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المبحث الثالث: خلاصة تحرير التعريف</span>.\n- يأتي الوضع في اللغة على معانٍ منها: الحطُّ والإسقاط، والإلصاق والاختلاق.\n_________\n(١) ابن حجر، المرجع السابق.","vol":"1","page":576},{"text":"- المناسبة بين المعنى اللُّغوي والاصطلاحي ظاهرة؛ لأن الموضوع فيه معنى السقوط وانحطاط رتبته عن غيره، وفيه معنى الاختلاق وإيجاد ما لم يكن موجودا.\n- يُجاب عن إشكال: إدراج الموضوع ضمن أنواع الحديث رغم أنه ليس بحديث، بما يلي:\nأ) أنهم أرادوا بالحديث القدر المشترك، وهو ما يُحَدِّثُ به.\nب) أو إطلاقهم الحديث عليه بالنسبة إلى زعم واضعه، وإلى ظاهر الأمر قبل البحث، والنظر، وإلا فليس هو في التحقيق حديثا.\nج) أو لأجل معرفة الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لِيُنفَى عن المقبول ونحوه.\n- أبرز من عرّف الموضوع قبل ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ)، هما: ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن دحية (ت ٦٣٣ هـ).\n- عرّف ابن الصلاح الموضوع بقوله: (هو: المختلق المصنوع)، وأغلب من جاء بعده تابعه في تعريفه، وزاد بعضهم لفظ (المكذوب)، بينما اقتصر آخرون على تعريفه بالمختلق.\n- أطلق ابن الصلاح على ما أخطأ فيه الراوي، ولم يتعمّد فيه الوضع (شبه الوضع)، ومثّل له بمثال عدّه كُلٌ من: العراقي وابن حجر من أقسام المدرج.\n- وهناك ما يُسمّى بالوضع الإسنادي، وهو: أن يأخذ الواضع حديثًا ضعيف الإسناد فيُركِّب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ.\n- ذكر الذهبي أن الحديث الموضوع على مراتب، هي:\n\"- ما اتفقوا على أنه كذب ...، ومنه: ما الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعا.","vol":"1","page":577},{"text":"ومنه: ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. (١)\n\"والحكمة من وراء اختلافهم في تعداد هذه الدرجات، مع أنها جميعًا في الدرك الأسفل من الحديث الهابط، فالجواب: أن هذا يدل على مدى إنصافهم في إعطاء كل ذي حق حقه، ولو كان الكل ساقطًا، فذلك من العدل الذي أُمِر به المسلمون، والعلماء أولى به من غيرهم، ففاوتوا بين الدرجات، وإن كانت في السيئات، والله أعلم بالصواب\". (٢)\n- أعظم أصناف الواضعين ضررًا هم أولئك الذين يتدينون بوضع الحديث، ترغيبًا للناس في فعل الخير كما يزعمون، وأخفى أنواع الوضع ما يقع من غير تعمّد من راوٍ موصوف بالصدق.\n- اتفق العلماء على تحريم رواية الموضوع إلا مع بيان وضعه.\nوبنهاية هذا الفصل، نصل إلى خاتمة البحث، وبيان أهم نتائجه، والحمد لله أولًا وآخرًا.\n_________\n(١) ينظر: الذهبي، الموقظة، ٣٦.\n(٢) عمر سليمان الأشقر، الوضع في الحديث النبوي، ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>الخاتمة</span>\nالخاتمة وأهم النتائج، والتوصيات:\nفي ختام هذا البحث، أحمد الله ﷿ أن منَّ عليّ إتمامه بحوله وقوته، وأسأله سبحانه أن يكون عملي فيه مُسدّداّ، وأن يجبر ما فيه من الخلل والزلل.\nوفيما يلي ذكر أبرز النتائج مبتدئةً ذلك بذكر نتائج عامة، وأتبعتها بالنتائج التفصيلية مرتبةً حسب ترتيب فصول البحث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>النتائج العامة لهذا البحث:</span>\n- إنّ قيود التعريف لكل مصطلح، والمستنبطة من تعريف ابن الصلاح هي قيود أغلبية تندرج تحتها جملة من التعريفات السابقة لابن الصلاح واللاحقة، مع وجود استثناءات يسيرة، قد تندرج تحت التعريف اللُّغوي، أو تتبع مصطلحًا خاصًا لواضعه، وأن ما انتخبه ابن حجر في كتابه (نُخْبة الفِكَر) من تعريفات للمصطلحات - مجال الدراسة- يدور معظمه على القاعدة الأغلبية، مثل: تعريف الشاذ، والمنكر، والمضطرب.\n- أظهر البحث اتفاق أكثر التعريفات على أبرز قيود التعريف لكل مصطلح؛ إما بالنصّ عليها في حدّ التعريف، أو تضمينها في شروطه وأقسامه، أو شواهده من الأمثلة والاستدلالات.","vol":"1","page":579},{"text":"- إنّ اقتصار بعض التعريفات لأحد المصطلحات على شقٍّ أو قسم منه، وتعريفه دون الأقسام الأخرى؛ يسير في العادة على القاعدة الغالبة لأمثلة هذا النوع، ومن ذلك: تعريف المدرج، والمضطرب والمقلوب.\nوقد دعّم البحث عددًا من نتائجه مستفيدًا من بعض الأبحاث والدراسات المعاصرة، والتي: جمعت أمثلة مصطلح بعينه وتناولته بالدراسة التطبيقية، من ذلك: مصطلح الحسن، والشاذ، والمنكر، والمضطرب، وغيرهم ...\n- أجاب البحث عن عدد من الإشكالات والتساؤلات فيما يظهر من تعارض بين مسائل بعض المصطلحات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>النتائج التفصيلية:</span>\nأما ما يخصّ النتائج التفصيلية لكل مصطلح بعينه، فهي على النحو الآتي:\n\nفي الحديث الصحيح:\n- تتفاوت قيود الحديث الصحيح من حيث الاتفاق عليها أو الاختلاف، فمما اتفقوا عليه: عدالة الرواة وضبطهم، واشترط أغلبهم اتصال السند.\n- واختلفوا في معنى الشذوذ؛ إلا أن أغلبهم أشار إلى تأثير المخالفة من الراوي لغيره على صحة الحديث - وإن لم يُسَمِّ ذلك شذوذا، في حين صرّح الزركشي وابن حجر على أن المراد بنفي الشذوذ في حد الحديث الصحيح هي المخالفة.\n- أما نفي العلة، فهم متفقون على نفي كل ما يُعارض صحة الحديث على وجه العموم-وإن لم ينصّ بعضهم على ذلك- وإنما اختلفوا في بعض العلل من حيث كونها قادحة في الصحة أو غير قادحة؛ ولأن قيود الصحيح الأخرى أخرجت الأسباب الظاهرة القادحة في","vol":"1","page":580},{"text":"الصحة، رُجّح بأن المراد بنفي العلة في الحديث الصحيح ينصرف إلى العلل والأسباب الخفية القادحة.\n- أما اشتراط شهرة رواة الصحيح بالطلب، الذي نُسِب اشتراطه للإمام الحاكم؛ فالمراد به هو: عناية الراوي بالحديث وإتقانه له، ويُغني عنه وصف الراوي بتمام الضبط والإتقان، فذلك دليل عنايته بالرواية.\n- نُسِب للحاكم كذلك اشتراط تعدد الرواة في إسناد الحديث الصحيح، وقد تفاوتت مواقف العلماء من فهم مراد الحاكم وتوجيهه إلى مذهبين رئيسيين:\nالأول: منهم من فهم اشتراطه للعدد (أي: تعدد الرواة في كل طبقة من طبقات السند بما لا يقل عن راويين) وأيّده، ومنهم من فهم ذلك واعترض عليه وخطّأه.\nوالثاني: منهم من فهم اشتراطه للشهرة (أي: شهرة الراوي وخروجه عن حد الجهالة برواية راويين عنه على الأقل) ووافقه على ذلك، ومنهم من فهم ذلك وانتقد تعميمه على جميع ما أُخرِج في الصحيحين.\nوهناك من انتصر للحاكم على كلا المذهبين، وأشار إلى احتمالهما جميعًا، وهناك من رجّح المذهب الثاني، وبيّن أنه غير مطّرد في جميع ما اُخرج في الصحيحين.\nبينما يدل صنيع الحاكم في المستدرك على موافقة جمهور أهل السنة من المحدثين، الذين لم يشترطوا تعدد الرواة، بل قبلوا أحاديث الآحاد والأفراد.\nفهذا الشرط، وإن انطبق على بعض الأحاديث الصحيحة؛ لكنه لا يَعُمُّ كل الصحيح، بل من الصحاح آحاد وأفراد، والله أعلم.\n\nفي الحديث الحسن:\n- من أبرز نتائج هذا الفصل: بيان أن شهرة الرواة على درجات:","vol":"1","page":581},{"text":"أعلاها شهرة بالعدالة والإمامة والحفظ، تليها شهرة بطلب الحديث والعناية به، ثم شهرة تقصر في ضبطها عن رواة الصحيح، ثم مطلق الشهرة دون تقييد بوصف معيّن، وتُفيد رفع جهالة العين عن الراوي، وكثرة الرواة عنه، لكنها لا تُفيد تعديله.\n- وصف الراوي بالشهرة بالصدق والأمانة، هي مرتبة رواة الحسن لذاته، والتي تقصر عن رواة الصحيح في الحفظ والإتقان قصورًا لا يُستنكر به حديث الراوي حال انفراده بالإسناد، وهذا القيد يُقابل اشتراط العدالة مع تمام الضبط في شروط الحديث الصحيح، فالشهرة المطلوبة في رواة الحسن لذاته هي درجة متوسطة في الإتقان والضبط، عبّر عنها ابن حجر بخفة الضبط.\n- ويتنوع المراد بستر الرواة حسب القرينة والسياق: حيث نجد وصف المستور يتّسع ليشمل طبقات من مراتب الرواة تبدأ بأدناها وهو مجهول الحال الذي عُرفت عينه وجُهلت عدالته، وهذا في حال إرادة المعنى الاصطلاحي من الستر، أمّا إذا أُريد المعنى اللغوي فيراد به الرجل الفاضل الثقة، والذي لم يظهر منه ما يُعاب، وإذا جُمع مع الستر أوصاف تدل على الصدق والإتقان، فيراد به الدرجة المتوسطة من الرواة في الحفظ والإتقان، والله أعلم.\n- هناك تداخل بين مطلق الشهرة ومطلق الستر، فكلا الراويين معروفا العين مجهولا الحال، إنما يفترقان في عدد الرواة عن كل منهما، حيث تقل الرواة عن المستور، وتكثر عن المشهور.\n- اختلفوا في مرتبة المُعاضِد من المتابِع أو الشاهِد؛ لينجبر به الضعف اليسير، ويصبح الحديث بمجموعهما حسنًا لغيره، ففي حال كون المعاضِد أعلى وأقوى فهناك من جعله جابرًا، فيرتقي به الضعيف للحسن لغيره، وهناك من رأى أنه لا يَجبُر ضعفه، ولا يُصبِح بمجموعهما حسنًا؛ لأن الاعتماد في هذه الحالة على القوي الصحيح دون الضعيف.","vol":"1","page":582},{"text":"- وأما في حال التساوي بين المتابَع والمتابِع في الضعف اليسير، فعند بعضهم يتقوّى الحديث قوة لا تخرجه عن حيّز الضعيف، وعند آخرين فإنه يتقوّى ويصبح بمجموعهما حسنًا لغيره.\n- وفي حال كان المتابِع مُنحَطًا عن درجة المتابَع وأدنى منه، فلا يجبره ولا يُلتفَت إليه، وهناك رأي لابن حجر - وتبعه بعض تلامذته في ذلك- وهو:\nفي حال كثرت طرق المتابِع الضعيف ضعفًا شديدًا، فإن كثرة الطرق تكسبه قوة بحيث يرتقي عن كونه منكرًا أو لا أصل له، وفيما ذهبوا إليه - ﵏- نظر، إذ كثرة الطرق الواهية لا تزيد الحديث إلا وهنًا وضعفًا، ومذهبهم هذا يُخالف ما عليه كبار أئمة النقد المتقدمين. والله أعلم.\n- نصّ الترمذي على اشتراط نفي الشذوذ في تعريفه للحديث الحسن عنده، واختلف من جاء بعده في تفسير مراده بالشذوذ، فهناك من فسّره بالمخالفة، وهناك من فسّره بالتفرّد، وهناك من جمع بينهما -أي: بين المخالفة والتفرّد كمعنى للشذوذ- دون مُرجِّح.\nوصرّح ابن الصلاح في قسميّ الحسن بنفي النكارة تبعًا لنفي الشذوذ؛ لأن المنكر عنده بمعنى الشاذ.\nأما ابن حجر فلم يتطرق لنفي النكارة في الحسن بقسميه بل اكتفى بنفي الشذوذ عن الحسن لذاته تبعًا لاشتراطه ذلك في الصحيح.\nواشترط في الحسن لغيره أن يكون ضعفه منجبرًا، وفي كلا القسمين- سواء في الحسن لذاته أو الحسن لغيره- لم يبلغ الراوي عنده من الضعف ما يستدعي نفي النكارة، لأن المنكر أشدّ ضعفًا عنده من الشاذ، والله أعلم.\n- اشتراط السلامة من العلة في تعريف الحديث الحسن سواء أُريد بها المعنى الاصطلاحي أو المعنى العام، فذلك متوجه إلى القسم الموسوم بالحُسن لذاته، والذي هو من أدنى مراتب الصحيح.","vol":"1","page":583},{"text":"ويُشكل اشتراط ذلك في الحسن لغيره، إذ أنه من الضعيف المُنجبر، والعلة في الاصطلاح إنما تتطرق للأحاديث التي ظاهرها الصحة، ويوجّه مرادهم بنفي العلة في هذا القسم بأن العلة المنفية هي: الضعف الشديد غير المنجبر، وممن صرّح بهذا الشرط في تعريفه للحسن (لذاته ولغيره) ابن الصلاح - على الراجح- وابن جماعة، والطيّبي، السخاوي، أما ابن حجر فقد اشترطه في الحسن لذاته، وتبعه الشُمُنِّي.\n- إن المتأمل لقيود الحديث الحسن يجدها تتقابل مع قيود الصحيح، فاشتراط شهرة الرواة بالصدق والأمانة في الحسن لذاته، واشتراط ستر الرواة في الحسن لغيره، يقابله اشتراط العدالة والضبط في رواة الصحيح، بحيث يكون رواة الصحيح في أعلى درجات العدالة والضبط بينما يقصر رواة الحسن لذاته في درجة الضبط عن التمام، وتنزل مرتبة راوي الحسن لغيره إلى أدنى مراتب التعديل، شريطة ألا ينزل عمن يُجبر حديثه بمجيئه من وجه آخر.\n- وجاء شرط المعاضدة لجبر النقص الحاصل في قيد العدالة والضبط عند رواة الحسن، أو لجبره في بعض أنواع الانقطاع.\n- ونجد ابن الصلاح في كلا القسمين يركّز على تحديد درجة الراوي، ومدى ضبطه وإتقانه، ووضع لذلك حداّ أدنى وأعلى، فلا يكون راوي الحسن مشهورًا معتنٍ بالرواية والضبط، وإن قَصُر فلا يصل إلى حد الاتهام بالكذب والتغفيل وكثرة الخطأ.\n- ولم يتطرّق لشرط الاتصال، ولكنه عاد ونفى الشذوذ والعلة، وفي هذا ملحظ لانتفاء العلل الظاهرة من باب أولى كأنواع الانقطاع؛ لأن الانقطاع جهالة بالراوي الساقط، وبالتالي جهالة بحاله.\nفي الحديث الضعيف:\n- لم يضع - من جاء قبل ابن الصلاح- تعريفًا للحديث الضعيف أو حدًا له، إذ ببيان مراتب المقبول من الحديث يتميّز ضده من المردود.","vol":"1","page":584},{"text":"فبمقدار اتفاقهم على كل شرط من شروط القَبول، يكون اتفاقهم على أن انتفاءه يَسلُب الحديث صفة القَبول، ويُجعله في حيّز الضعف والرّد.\n-التنبيه إلى أن مسببات الضعف في الحديث - وهي: (السقط في السند، والطعن في عدالة الرواة، وفي ضبطهم، وانتفاء العاضد في الضعيف القابل للانجبار، والشذوذ المردود، ثم العلة القادحة) - تتراوح في تأثيرها على ضعف الحديث خفّةً وشدّةً، ويُضاف إلى ذلك تفرّد سبب الضعف أو تعدد الأسباب في الحديث الواحد مما يؤثر بالتالي على قابلية هذا الضعف للانجبار والتقوّي بالمعاضدة أو عدم قابليته.\n\nفي الحديث الشاذ:\n- أبرز التعريفات التي دار عليها مصطلح الشاذ هو تعريف الشافعي والحاكم والخليلي، وغالب ما جاء بعدها إنما كان ترجيحًا لأحدها، أو دمجًا فيما بينها.\n- وحاصل مذاهب المحدثين في الشاذ، أنهم استعملوه بمعنيين:\nالأول: ما رواه الثقة مخالفًا غيره من الثقات.\nالثاني: ما رواه الثقة - أو غيره- منفردًا به، ولم يتابع عليه، ولو لم تقع مخالفة.\nوحقيقة الشاذ: هو ما لا يصح من أحاديث الثقات، أو ما تضمن قرينة على الخطأ سواء كانت هذه القرينة مخالفة صريحة واضحة أو مخالفة ضمنية بتفرّده بما لا يعرفه الآخرون، أو لا يتابعه عليه أحد، والله أعلم.\n\nفي الحديث المنكر:\n- المنكر عند ابن الصلاح بمعنى الشاذ، وقد دارت غالب تعريفات المنكر: حول تفرد الضعيف أو التفرّد غير المحتمل.","vol":"1","page":585},{"text":"- اُشتهِر عن ابن حجر اقتصاره - في معنى المنكر- على المخالفة دون التفرد، وذلك في كتابه النخبة، واعتمده على رأي الأكثرين في تنكيته على كتاب ابن الصلاح، وتجدر الإشارة إلى أن مجموع ما ذكره من أقوال في معنى المنكر- حسب ما وجدته أثناء البحث- خمسة أقوال:\n- مخالفة الصدوق الذي لا يُحتمل تفرّده لتدنّي ضبطه عن الرواة المقبولين في حدّ الصحيح والحسن.\n- تفرد الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار كالمستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه.\n- مخالفة الضعيف ضعفًا قابلا للانجبار لمن هو أولى منه وأضبط.\n- تفرّد الضعيف ضعفًا شديدًا كفاحش الغلط، وكثير الغفلة، وظاهر الفسق.\n- رواية المتروك تُعدّ من الأحاديث المنكرة.\n- واُشتهر عن ابن حجر كذلك تصريحه بالتفريق بين الشاذ والمنكر، وسبقه إلى ذلك شيخه ابن الملقن.\nولعل الداعي إلى القول بالفرق بينهما: أن أكثر تعريفات الشاذ وأمثلته في مخالفة الثقات أو تفردهم، بينما تعريفات المنكر وأمثلته يدور غالبها حول تفرّد الضعيف، ومن باب أولى مخالفته لأنها أشد.\n\nفي الأفراد:\n- أغلب من ذكر نوع الأفراد ضمن أنواع علوم الحديث ضمّنها أقسامًا تدور حول الإطلاق والنسبية، وإن لم يصرّح بعضهم بذلك، ولعل أبرز ما تطرّقوا إليه هو بيان العلاقة بين الأفراد والغريب، حيث يتداخل المصطلحان، وقد تعددت مذاهب أهل الاصطلاح بين اعتبارهما نوعًا واحدًا أو التفريق بينهما:","vol":"1","page":586},{"text":"- فهناك من ذكرهما كنوعين متتاليين وذكر لكل منهما أقسامه التي لا تخلو من التداخل بينها وبين أقسام النوع الآخر كالحاكم.\n- وهناك من فرّق بينهما بذكر تعريف مستقل لكل نوع كالميانشي، وابن الملقن، ويُشبه ما ذهب إليه ابن الملقن ما نُقل عن مذهب ابن منده في التفريق بين الغريب والفرد.\n- وهناك من ذكرهما كنوعين فيهما تداخل كبير بين أقسامهما وأشار إلى موطن الافتراق كابن الصلاح، وكثير ممن تبعه في تلخيص كتابه دون تعقيب.\n- وهناك من اكتفى بذكر أحدهما دون الآخر كالخليلي حين ذكر أنواع الأفراد، وابن دقيق العيد الذي اقتصر على ذكر الغريب بعد نوعيّ الشاذ والمنكر، ولم يُذكر الأفراد وتبعه الذهبي.\n- وهناك من جعلهما نوعًا واحدًا وصرّح بذلك كالمقدسي، وابن حجر، ومن وافقه من تلاميذه كالسخاوي.\nوالخلاصة: أن العلاقة بين الفرد والغريب علاقة عموم وخصوص مطلق، فالفرد نوع عام، يشمل كل ما وقع فيه التفرّد، بغض النظر عن قبول هذا التفرد أو رده، ... أما الغريب؛ فلا يُسمّى به إلا ما كان تفردا مستغربًا، أو استقلالًا بالرواية تثير عند الحفاظ شيئًا من الاستغراب ... فكل غريب يسمّى فردًا، وليس كل فرد يسمى غريبًا، والله أعلم.\n\nفي زيادة الثقة:\nمن القيود التي اتفقت عليها التعريفات في زيادة الثقة:\n١) أن يكون المنفرد بالزيادة ثقة، فغير الثقة لا تُقبل زيادته، وزاد بعضهم اشتراط كونه أحفظ وأتقن ممن لم يروِ الزيادة.\n٢) أن يكون المنفرد بالزيادة من التابعين فمن بعدهم، أما زيادات الصحابة فهي أحاديث مستقلّة، تقبل مُطلقًا ولا تدخل في باب زيادة الثقة.","vol":"1","page":587},{"text":"- أما تقييد عدد رواة الزيادة بواحد أو أكثر، فقد اختلفت التعريفات في التنصيص على ذلك، وكان المختار في تعريف زيادة الثقة: عدم التقييد بكون راوي الزيادة واحدًا؛ ليفيد بأن الزيادة قد يرويها جماعة من الرواة أو يرويها راوٍ واحد.\n\nفي الحديث المعلل:\n- أول تقعيد نظري لتحديد مفهوم علة الحديث: هو ما ذكره الحاكم في كتابه معرفة علوم الحديث، والذي حرره ابن الصلاح- في تعريفه للحديث المعلل- وكان من أبرز قيوده قيدين: الأول: غموض العلة وخفائها، والثاني: قدحها في الصحة.\n- وأُجيب عن الإشكال الوارد من إطلاقهم - أحيانًا- وصف المعلل أو المعلول على الحديث ظاهر العلة بجوابين:\nالأول: أن نسبة الإعلال بالأمور الظاهرة قليل بالنسبة للإعلال بالأمور الخفية، أي: أن التقييد بقيد الخفاء في العلة قيد أغلبي.\nالثاني: أن ما قد يبدو - في بعض الأحيان- تعليلًا بأمور ظاهرة؛ إنما مردّه في الأساس إلى أمور خفية كالتفرّد ونحوه، لا يتنبّه إليه إلا أهل هذا الفن من نقاد الحديث وجهابذته.\n\n- وقد أخبر ابن الصلاح أن العلة تقع في الإسناد، وفي المتن؛ إلا أن وقوعها في الإسناد أغلب وأكثر، وأشار كذلك إلى تفاوتها في القدح.\nفمن العلل ما يقع في الحديث (إسنادًا أو متنًا) ويقدح فيهما أو في أحدهما أو لا يقدح في أيّ منهما.\n- وأشار ابن حجر كذلك إلى أن هذا القدح يتفاوت في تأثيره:\nبين ما ظاهره القدح فإذا جاء ما يجبره - بورود الحديث من طرق أخرى صحيحة- زال عنه القدح، وبين القدح الشديد الذي لا ينجبر، وعبّر عن ذلك بـ (مراتب العلل).","vol":"1","page":588},{"text":"- وعليه: فالاصطلاح الشائع والمشهور بين أهل الحديث تخصيص لفظ العلة لما كان خفيًا وغامضًا قادحًا.\nوأما إطلاقهم اسم العلة على كل قادح، فليس من باب المعنى الاصطلاحي، بل من استعمال العلة بمعناها اللُّغوي العام.\n- فالعلة ذات مدلول واسع عند الأئمة المتقدمين، فكل قادح في صحة الحديث سواء كان ظاهرًا أم خفيًا يُعتبر مما يُعِلُّ الحديث ويضعفه، بينما استقرّ اصطلاح المتأخرين على تضييق مدلول العلة؛ لتكون خاصة بالسبب الخفي الذي يقدح في بعض الروايات التي ظاهرها الصحة، والله أعلم.\n\nفي الحديث المضطرب:\n- وأبرز قيود الحديث المضطرب، هي:\n١ - اختلاف روايات الحديث الواحد، ويتضمن: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج.\n٢ - التساوي بين أوجه الاختلاف، ويتضمن: عدم إمكانية الجمع أو الترجيح.\n- ويُشكل في ظل اشتراط عدم إمكانية الجمع أو الترجيح بين الروايات، وجود عددٍ ليس بالقليل من أمثلة الحديث الموصوف بالاضطراب في كتب نقّاد الحديث مع وجود ترجيح لأحد رواياته أو بعضها؟ !\nوتحتمل الإجابة عن هذا الإشكال عددًا من الأجوبة، وهي كما يلي:\n- أن ذلك مجرد وصف بالاضطراب؛ لوجود الاختلاف بين الروايات، سواء تكافأت الروايات أو تفاوتت.\n- أو أنه وصف بالاضطراب بالنسبة إلى طريق أو راوٍ.\n- أو كونه ترجيح افتراضي لا أثر له بل تظل معه الروايات مضطربة وإنما قال بترجيحه؛ لأنه أحسنها في الظاهر.","vol":"1","page":589},{"text":"- أوقد يخفى وجه الترجيح على بعض أهل العلم فيحكم بالاضطراب، ثم يلوح لآخر فينفي عنه الاضطراب.\nهذا، وتظل النسبة الغالبة من أمثلة الحديث المضطرب لم يتم الترجيح بين رواياتها المختلفة.\n\nفي الحديث المدرج:\nأغلب تعريفات المدرج في الاصطلاح اقتصرت على تعريف مدرج المتن؛ ولعل ذلك يبرز أهمية معرفة الإدراج في تمييزه لكلام النبوة من كلام الرواة، فهذا النوع من علوم الحديث شاهد على حرص المحدثين ونقّاد الحديث على تمحيص الروايات وتمييزها، وتخليص حديث رسول الله - ﷺ - مما ليس منه.\n- تضمنت أغلب تعريفات المدرج على قيدين أساسين هما:\n١ - أن يُدخَل في الخبر ما ليس منه.\n٢ - ألا يُفصَل بين أصل الخبر وما أُدخل فيه بفاصل يميّزه، فيتوهم أنه منه.\n- ويقع الإدراج في السند وفي المتن، ومدرج المتن إما أن يكون المُدرَج من قول الصحابي، أو التابعي، أو من بعده، ويقع في أول المتن، أو وسطه، والأكثر وقوعه في آخره.\n\nفي الحديث المقلوب:\n- اقتصرت أكثر تعريفات المقلوب على القلب في الإسناد، لأنه الأكثر والأغلب وقوعًا، بينما تقلّ أمثلة المقلوب متنًا.\n- للمقلوب علاقة بأنواع متعددة من علوم الحديث، ويتداخل معها:","vol":"1","page":590},{"text":"من حيث وقوع المخالفة: فإذا كان الراوي ثقةً، وخالف بقلب الحديث سندًا أو متنًا، فحديثه شاذ، وإذا كان الراوي ضعيفًا، فحديثه منكر.\nومن حيث سبب الوقوع في القلب: إذا كان وهمًا وخطأً من الراوي، فحديثه معلول، وإن تعمّد القلب، فحديثه موضوع.\n\nفي الحديث الموضوع:\n- أبرز من عرّف الموضوع قبل ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ)، هما: ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)، وابن دحية (ت ٦٣٣ هـ).\n- عرّف ابن الصلاح الموضوع بقوله: (هو: المختلق المصنوع)، وأغلب من جاء بعده تابعه في تعريفه، وزاد بعضهم لفظ (المكذوب)، بينما اقتصر آخرون على تعريفه بالمختلق.\n- أبرز قيود تعريف الموضوع عند ابن الصلاح، هو: قيد: الاختلاق والصُنْعِ، وقد يُفهم منه اقتصار الموضوع على ما تُعمِّد فيه الوضع؛ لذا أطلق ابن الصلاح على ما أخطأ فيه الراوي، ولم يتعمّد فيه الوضع (شِبهَ الوضع)، ومثّل له بمثال عدّه كُلٌ من: العراقي وابن حجر من أقسام المدرج.\n- وهناك ما يُسمّى بالوضع الإسنادي، وهو: أن يأخذ الواضع حديثا ضعيف الإسناد فيُركِّب له إسنادا صحيحا لِيَرُوْجَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>توصيات البحث:</span>\nفهناك توصيات في المنهجية، وهي:","vol":"1","page":591},{"text":"- قراءة مقدمات الكتب للمصنفين لمعرفة منهجهم، وقراءة مقدمة المحقق وما يذكره من منهج المصنف ومميزات الكتاب، يفيد كثيرًا، ويختصر على الباحث الكثير في فهم مراد المصنف وطريقته.\n- في حال الشك بتناسق الدليل مع مدلوله أو تناسق الكلام ووجه الدلالة منه، أو عدم ترابط الكلام، البحث عن نسخ أخرى للتأكد من عدم وجود سقط في الكلام أو تصحيف، وإن توفرت نسخة من المخطوط وكانت قراءته متيسّرة فهذا أجود وأفضل.\n- فيما يخص كتب المصطلح، يُنصح بالاطلاع على أكثر من طبعة وتحقيق للكتاب الواحد، خاصة أمهات الكتب، ففي العادة هناك تحقيقات ذات جودة عالية، تفيد الباحث وتحيله إلى مظان المعلومات، وأيضًا عناية بعض التحقيقات بإضافة الزيادات من نسخ المخطوطات، وما في هذه الإضافات والزيادات من حلّ لبعض الإشكاليات التي تطرأ على النص بسبب التصحيف أو السقط. من ذلك: (كتاب المجروحين لابن حبان، معرفة علوم الحديث، وكذلك المدخل إلى الإكليل للحاكم، والخلاصة للطيبي، وفتح المغيث للسخاوي، وتدريب الراوي للسيوطي، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني، ...).\n- فيما يخص الاستشهاد بالأمثلة على أمر ما، وحين القراءة فيما كُتب من أبحاث واستدراكات الباحثين على بعضهم أو من سبقهم في تحرير مسألة معينة، لا يخفى إمكانية استخدام بعض الأمثلة والاستدلال بها على أكثر من وجه.\nمثال ذلك: ذكر الباحث مثالًا لحديث حسنه الترمذي، ثم ذكر لجزء من متنه ما يعضده من الشواهد الصحيحة، وأدرج هذا الحديث في أمثلة ما هو أعلى من الحسن لغيره، (١) ثم\n_________\n(١) ينظر: الدريس، الحديث الحسن، ٣/ ١٢٧٦، والحديث أخرجه الترمذي في سننه كتاب الجهاد، باب ما جاء في المشورة، ٣/ ٢٦٥ ح (١٧١٤)، قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبدالله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله - ﷺ -: «ما تقولون في هؤلاء الأسارى» فذكر قصة في هذا الحديث طويلة.\nقال الترمذي: \"وفي الباب عن عمر، وأبي أيوب، وأنس، وأبي هريرة، وهذا حديث حسن وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، ويروى عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":592},{"text":"ذكر جزءًا آخر من الحديث نفسه، وأدرجه في قائمة الأحاديث التي وصفها الترمذي بالحسن ولم يتوفر فيها شرط من شروط الحسن التي ذكرها (١).\nفإذا كان هذا هو الحال في مثال واحد، وإمكانية الاستدلال به على أكثر من وجه، فمن باب أولى أن يكون هناك تفهّم لوجوه الاختلاف اليسيرة خاصة في المسائل التي تختلف فيها وجهات النظر حسب توفّر الدليل، وعدم التشنيع على المخالف إذا كان دليله معتبراّ، فالدليل ووجه دلالته قد تُحمل على أكثر من وجه، والبحوث الأكاديمية هي نوع مذاكرة للعلم، واستعراض لأدلته، وتستلزم من الباحث التريّث، وعدم التعصّب لرأي وادعاء أنه الصواب لا غير، والله أعلم.\n- ومن المواضيع التي أوصي ببحثها، والتي لها علاقة بعلوم الحديث، ولم أعثر حسب اطلاعي على دراسة مُفصِّلة لها:\n- دراسة منهج الحاكم في بيان علوم الحديث، وطريقة استنباطه وموائمة استدلاله، مع أحكامه التي يطلقها على الأحاديث.\n- المنكر عند ابن حجر دراسة تطبيقية (بيان معاني المنكر عند ابن حجر، ومن سبقه إليها، والأحاديث التي حكم عليها بالنكارة، والرواة الذين وصفهم بذلك).\n_________\n(١) ينظر: الدريس، المرجع السابق، ٣/ ١٤١٠، والحديث أخرجه الترمذي في سننه كتاب التفسير، باب ومن سورة الأنفال، ٥/ ١٢٢ ح (٣٠٨٤) قال: حدثنا هناد، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة بن عبدالله، عن عبدالله بن مسعود، قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسارى، قال رسول الله - ﷺ -: «ما تقولون في هؤلاء الأسارى»، فذكر في الحديث قصة، فقال رسول الله - ﷺ -: «لا ينفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق، ....»، قال الترمذي: \"هذا حديث حسن، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه\".","vol":"1","page":593},{"text":"وتوصي الباحثة بشكل عام:\n- بالاهتمام بعلوم الحديث، والسعي إلى تبسيطها وتقريبها لطلبة العلم خاصة، وللناس عامة.\n- تلخيص مناقشات وتساؤلات علماء الحديث واستدراكاتهم أثناء تقعيد المصطلحات، وتوجيه النظر إلى ما تحمله تلك المناقشات من إثارة لكوامن الفكر، وإثراء لمهارات التفكير.\n- الاستفادة من نتائج البحوث والدراسات التطبيقية في مصطلح الحديث لمن يقوم بتدريس مادة المصطلح، خاصة في جانب التنويع في عرض الأمثلة على الطلبة، والتدريب عليها.\n\nهذا والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>قائمة المصادر والمراجع</span>\n- الأبناسي، إبراهيم بن موسى بن أيوب، (١٤١٨ هـ=١٩٩٨ م)، الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح، تحقيق: صلاح فتحي هلل، الرياض: مكتبة الرشد.\n- ابن أبي حاتم، عبدالرحمن بن محمد بن إدريس، (١٣٧٢ هـ = ١٩٥٣ م)، الجرح والتعديل، الهند: طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن.\n- (١٣٩٧ هـ)، المراسيل، تحقيق: شكر الله نعمة الله قوجاني، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- (١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م)، آداب الشافعي ومناقبه، ط، ٢ تحقيق: عبدالغني عبدالخالق القاهرة: مكتبة الخانجى.\n- (١٤٢٧ هـ = ٢٠٠٦ م)، العلل، تحقيق: فريق من الباحثين بإشراف: سعد بن عبدالله الحميد، وخالد بن عبدالرحمن الجريسي، الرياض: مطابع الحميضي.\n- ابن أبي العز، عليّ بن علي بن محمد، (١٤١٧ هـ=١٩٩٧ م)، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عبد الله بن المحسن التركي، ط ١٠، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- الأثرم، أحمد بن محمد، (١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م)، ناسخ الحديث ومنسوخه، تحقيق: عبدالله بن حمد المنصور، بلد النشر [بدون]: ن [بدون].\n- الأثري، أبو هريرة الشامي، (١٤٢٨ هـ = ٢٠٠٧ م)، الأقوال الراجحات في الحديث الشاذ وزيادة الثقات، القاهرة: دار الإمام أحمد للنشر والتوزيع.\n- ابن الأثير، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري، (١٣٨٩ هـ = ١٩٦٩ م)، جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط، بلد النشر [بدون]: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان.\n- (١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م)، النهاية في غريب الحديث والأثر، ط [بدون]، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحي، بيروت: المكتبة العلمية.\n- ابن الأثير، علي بن محمد الجزري (١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، ط، ٢ تحقيق: علي محمد معوّض- عادل أحمد عبدالموجود، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الأثيوبي، محمد بن علي بن آدم الولوي، (١٤١٤ هـ=١٩٩٣ م)، شرح أَلفيَّة السُّيوطي في الحديث المسمى (إسعاف ذوي الوَطَر بشرح نظم الدُّرَر في علم الأثر)، المدينة المنورة: مكتبة الغرباء.\n- الأحدب، خلدون، (١٤١٣ هـ=١٩٩٢ م)، علم زوائد الحديث، دمشق: دار القلم.\n- (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م) أسباب اختلاف المحدثين دراسة نقدية مقارنة حول أسباب الاختلاف في فبول الأحاديث وردها، ط ٤، جدة: دار كنوز العلم للنشر والتوزيع.\n- (١٤٢٧ هـ=٢٠٠٦ م)، التصنيف في السنة النبوية وعلومها من بداية المنتصف الثاني للقرن الرابع عشر الهجري وإلى نهاية الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري، بيروت: مؤسسة الريان.","vol":"1","page":610},{"text":"- أحمد، المرتضى الزين، (١٤١٥ هـ=١٩٩٤ م)، مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة، الرياض: مكتبة الرشد.\n- الأدنه وي، أحمد بن محمد، (١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م)، طبقات المفسرين، تحقيق: سليمان ابن صالح الخزي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم.\n- ارتيبان، فالح عبدالله (١٤٣٤ هـ = ٢٠١٢ م)، ضوابط وفوائد في معرفة الحديث، الكويت: مكتبة الإمام الذهبي.\n- الأزهري، محمد أحمد، (٢٠٠١ م)، تهذيب اللغة، تحقيق: محمد عوض مرعب، بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n- الأسطل، ثائر سليمان (١٤٢٩ هـ=٢٠٠٨ م)، منهج الإمام ابن حجر في توثيق متون السنة النبوية دراسة تطبيقية على فتح الباري شرح صحيح البخاري، رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة.\n- الإسفرائيني، أبو عوانة يعقوب بن إسحاق (١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م) مسند أبي عوانة، تحقيق: أيمن بن عارف الدمشقي، بيروت: دار المعرفة.\n- الأشقر، عمر سليمان، (١٤٢٤ هـ=٢٠٠٤ م)، الوضع في الحديث النبوي تعريفه-خطورته- أسبابه- طرق الكشف عنه، الأردن: دار النفائس.\n- الأصبحي، مالك بن أنس بن مالك (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م) الموطأ، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n- الأصبهاني، أحمد بن عبدالله بن مهران، (١٤١٠ هـ = ١٩٩٠ م)، تاريخ أصبهان، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الأعظمي، محمد ضياء (١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م)، معجم مصطلحات الحديث ولطائف الإسناد، الرياض: أضواء السلف.\n- الألباني، محمد ناصر الدين، (١٤٢٤ هـ= ٢٠٠٣ م)، التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، جدة: دار باوزير للنشر والتوزيع.\n- الأنصاري، زين الدين زكريا بن محمد، (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠٢ م)، فتح الباقي بشرح ألفية العراقي، تحقيق: عبداللطيف هميم، وماهر الفحل، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- باحو، أبو سفيان مصطفى، (١٤٢٦ هـ=٢٠٠٥ م)، العلة وأجناسها عند المحدثين، طنطا: دار الضياء.\n- بازمول، أحمد عمر، (١٤١٩ هـ)، الحديث المضطرب دراسة وتطبيقًا على السنن الأربع، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، مكة.\n- (١٤٢٢ هـ-٢٠٠١ م)، المقترب في بيان المضطرب، السعودية: دار الخرّاز.\n- بازمول، محمد عمر، (ديسمبر ٢٠٠٠ م)، الحديث المقلوب تعريفه، فوائده، حكمه، والمصنفات فيه، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية- السعودية، المجلد ١٣، العدد ٢١.\n- البخاري، محمد بن إسماعيل، (ت [بدون])، التاريخ الكبير، ط [بدون]، تحقيق: السيد هاشم الندوي، بيروت: دار الفكر.\n- (١٣٩٧ هـ=١٩٧٧ م)، التاريخ الأوسط (مطبوع خطأ باسم التاريخ الصغير)، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، حلب: دار الوعي.\n- (١٤٢٢ هـ)، صحيح الإمام البخاري المسمّى الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - ﷺ - وسننه وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، بيروت: دار طوق النجاة.\n- البصري، محمد بن علي الطيب، (١٤٠٣ هـ)، المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: خليل الميس، بيروت: دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":611},{"text":"- البزار، أحمد بن عمرو بن عبدالخالق، (١٤٣٠ هـ= ٢٠٠٩ م)، مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، تحقيق: د. محفوظ الرحمن زين الله وعادل بن سعد وصبري عبدالخالق الشافعي، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم.\n- بلعمري، أكرم رابح، (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، الحديث الشاذ عند المحدثين دراسة نظرية وتطبيقية، مصر: دار السلام للنشر.\n- البقاعي، برهان الدين إبراهيم بن عمر، (١٤٢٨ هـ = ٢٠٠٧ م)، النكت الوفية بما في شرح الألفية، تحقيق: ماهر ياسين الفحل، الرياض: مكتبة الرشد ناشرون.\n- بكّار، محمد محمود، (١٤٣٣ هـ=٢٠١٢ م)، بلوغ الآمال من مصطلح الحديث والرجال، مصر: دار السلام للنشر والتوزيع.\n- البلقيني، سراج الدين عمر بن رسلان، (١٤٠٩ هـ=١٩٨٩ م)، محاسن الاصطلاح، تحقيق: عائشة بنت عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، القاهرة: دار المعارف.\n- (١٤٣٤ هـ = ٢٠١٣ م)، محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح، تحقيق: عبدالقادر مصطفى المحمدي، بيروت: دار ابن حزم.\n- بوعيّاد، محمد، (١٤٢٩ هـ=٢٠٠٨ م)، تحسين الحديث النبوي الشريف \"كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لابن القطان الفاسي نموذجًا\"، المغرب: الدار العالمية للكتاب، القاهرة: المكتبة الإسلامية.\n- بيكر، نورالله شوكت، (١٤٢٣ هـ=٢٠٠٢ م)، زيادة الثقات وموقف المحدثين والفقهاء منها دراسة نقدية، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، مكة.\n- البيهقي، أحمد بن الحسين بن علي، (١٤١٢ هـ=١٩٩١ م)، معرفة السنن والآثار، تحقيق: عبدالمعطي أمين قلعجي، القاهرة-المنصورة: دار الوفاء.\n- (١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م)، الأسماء والصفات، تحقيق: عبدالله بن محمد الحاشدي، السعودية: مكتبة السوادي.\n- (١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م)، السنن الكبرى، ط ٣، تحقيق: محمد عبد القادر، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٢٨ هـ = ٢٠٠٧ م)، رسالة الإمام أبي بكر البيهقي إلى الإمام أبي محمد الجويني، تحقيق: فراس بن خليل مشعل، بيروت: دار البشائر الإسلامية.\n- التركي، محمد بن تركي، (١٤٣٠ هـ=٢٠٠٩ م)، الحديث المنكر ودلالته عند الترمذي جمع ودراسة للأحاديث التي حكم عليها الترمذي بالنكارة، الرياض: دار العاصمة.\n- الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة (١٩٩٦ م) سنن الترمذي، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت: دار الغرب الإسلامي.\n- (١٤٠٩ هـ)، علل الترمذي الكبير، رتبه على كتب الجامع: أبو طالب القاضي، تحقيق: صبحي السامرائي، وأبي المعاطي النوري، ومحمود محمد الصعيدي، بيروت: عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية.\n- التهانوي، ظفر أحمد العثماني، (١٤١٧ هـ = ١٩٩٦ م)، قواعد في علوم الحديث، ط ٦ تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر.\n- ابن تيمية، أحمد بن عبدالحليم تقي الدين (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م)، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n- (١٤١٦ هـ = ١٩٩٥ م) مجموع الفتاوى، ط] بدون [، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.\n- الجديع، عبد الله بن يوسف، (١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م)، تحرير علوم الحديث، بيروت: مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع.\n- الجرجاني، علي بن محمد، (١٤٢٤ هـ=٢٠٠٣ م)، التعريفات، ط ٢، تحقيق: محمد عيون السود، بيروت: دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":612},{"text":"- الجزائري، طاهر بن صالح (١٤١٦ هـ = ١٩٩٥ م)، توجيه النظر إلى أصول أهل الأثر تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية.\n- (١٤٣٣ هـ = ٢٠١٢ م)، توجيه النظر إلى أصول أهل الأثر، تحقيق: أبو همام محمد البيضاني، القاهرة: دار الإمام أحمد.\n- الجعبريّ، برهان الدين إبراهيم بن عمر، (١٤٢١ هـ =٢٠٠٠ م)، رسوم التحديث في علوم الحديث، تحقيق: إبراهيم بن شريف الميلي، بيروت: دار ابن حزم.\n- ابن جماعة، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، (١٤٠٦ هـ)، المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، ط ٢، تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان، دمشق: دار الفكر.\n- (١٤٣٣ هـ = ٢٠١٢ م)، المنهل الروي في مختصر علوم الحديث النبوي، تحقيق: جاسم بن محمد الفجي، الكويت: غراس للنشر والتوزيع.\n- ابن الجوزي، عبدالرحمن بن علي بن محمد (١٣٨٦ هـ= ١٩٦٦ م) كتاب الموضوعات، تحقيق: عبدالرحمن محمد عثمان، المدينة المنورة: المكتبة السفلية.\n- حاجي خليفة، مصطفى بن عبدالله كاتب جلبي (١٩٤١ م) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، ط] بدون [بغداد: مكتبة المثنى.\n- الحازمي، محمد بن موسى، (١٤٠٥ هـ = ١٩٨٤ م)، شروط الأئمة الخمسة، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الحاكم، أبو عبدالله محمد بن عبدالله، (ت] بدون [)، المدخل إلى كتاب الإكليل، ط] بدون [، تحقيق: فؤاد عبد المنعم أحمد، الإسكندرية: دار الدعوة.\n- (١٤٢٣ هـ=٢٠٠٣ م)، المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل، تحقيق: أحمد بن فارس السلوم، بيروت: دار ابن حزم.\n- (١٣٩٧ هـ = ١٩٧٧ م)، معرفة علوم الحديث، ط ٢، تحقيق: السيد معظم حسين، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١١ هـ = ١٩٩٠ م)، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٢٤ هـ= ٢٠٠٣ م)، معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه، تحقيق: أحمد فارس السلوم، بيروت: دار ابن حزم.\n- ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد التميمي، (١٣٩٣ هـ = ١٩٧٣ م)، الثقات، بإشراف: محمد عبد المعيد خان، الهند: دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن.\n- (١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م)، المجروحين من المحدثين والضعفاء، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، بيروت: دار المعرفة.\n- (١٤٢٠ هـ=٢٠٠٠ م)، كتاب المجروحين من المحدثين، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، الرياض: دار الصميعي للنشر.\n- ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، (ت] بدون [)، هدي الساري مقدمة فتح الباري، ط] بدون [، إخراج وتصحيح: محب الدين الخطيب، إشراف: قصي محب الدين الخطيب، بيروت: دار المعرفة.\n- (ت] بدون [)، هدي الساري لفتح الباري مقدمة شرح البخاري، موقع مخطوطات الأزهر الشريف، ٣٢٨٩٣٧، مصورة.\n- (ت [بدون])، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ط [بدون]، بيروت: دار المعرفة.\n- (١٣٢٦ هـ)، تهذيب التهذيب، الهند: مطبعة دائرة المعارف النظامية.\n- (١٣٢٩ هـ)، لسان الميزان، الهند: مطبعة دائرة المعارف النظامية.\n- (١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م)، تعريف أهل التقديس الموصوفين بالتدليس (طبقات المدلسين)، تحقيق: عاصم بن عبد الله القريوتي، عمان: مكتبة المنار.","vol":"1","page":613},{"text":"- (١٤٠٤ هـ= ١٩٨٤ م)، النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق: ربيع هادي المدخلي، المدينة المنورة: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية.\n- (١٤٠٥ هـ= ١٩٨٥ م)، تغليق التعليق على صحيح البخاري، تحقيق: سعيد عبدالرحمن موسى القزقي، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- (١٤٠٦ هـ=١٩٨٦ م)، الوقوف على الموقوف على صحيح مسلم، تحقيق: عبدالله الليثي الأنصاري، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.\n- (١٤١١ هـ = ١٩٩١ م)، تقريب التهذيب، ط ٣، تحقيق: محمد عوامة، سوريا: دار القلم.\n- (١٤١٦ هـ=١٩٩٥ م)، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، مصر: مؤسسة قرطبة.\n- (١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م)، الإمتاع بالأربعين المتباينة السماع ويليه أسئلة من خط الشيخ العسقلاني، تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م)، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ط ٣، تحقيق: نور الدين عتر، دمشق: مطبعة الصباح.\n- (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م)، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، تحقيق: عبد الله الرحيلي، الرياض: مطبعة سفير.\n- (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م)، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، القاهرة: دار الآثار.\n- (١٤٢٩ هـ = ٢٠٠٨ م)، نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، ط ٢، تحقيق: عبد الله الرحيلي، الرياض: مطبعة سفير.\n- (١٤٢٩ هـ = ٢٠٠٨ م)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي- عبدالسند حسن اليمامة، القاهرة: مركز هجر للبحوث والدراسات.\n- (١٤٣٤ هـ = ٢٠١٣ م)، النكت على كتاب ابن الصلاح ونكت العراقي، تحقيق: د. ماهر ياسين الفحل، الرياض: دار الميمان للنشر والتوزيع\n-الحرش، سليمان مسلم، والجمل، حسين إسماعيل (١٤٢١ هـ= ٢٠٠ م)، معجم مصطلحات الحديث، ط ٢، الرياض: مكتبة العبيكان.\n- الحسنيّ، محمد مجير الخطيب، (١٤٢٨ هـ=٢٠٠٧ م) معرفة مدار الإسناد وبيان مكانته في علم العلل، الرياض: دار الميمان للنشر.\n- حسون، إندونيسيا خالد، (١٤٢٣ هـ)، منهج الإمام البخاري في الرواية عمن رمي بالبدعة، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، مكة\n- حمام، عبدالجواد (١٤٣٦ هـ = ٢٠١٥ م)، جهالة الرواة وأثرها في قبول الحديث النبوي دراسة تأصيلة تطبيقية، بيروت: دار البشائر الإسلامية.\n- (١٤٢٩ هـ = ٢٠٠٨ م)، التفرّد في رواية الحديث ومنهج المحدثين في قبوله أو رده \"دراسة تأصيلية تطبيقية\"، دمشق- بيروت: دار النوادر.\n- الحمش، عداب محمود (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٣ م)، الإمام الترمذي ومنهاجه في كتابه الجامع دراسة نقدية تطبيقية، الأردن: دار الفتح للنشر.\n- الحميدي، عبدالله بن الزبير، (١٩٩٦ م)، مسند الحميدي، تحقيق: حسين سليم أسد، دمشق: دار السقا للطباعة والنشر والتوزيع.\n- ابن حنبل، أحمد بن محمد، (١٤٢١ هـ = ٢٠٠١ م)، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بإشراف: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- (١٤٢٢ هـ=٢٠٠١ م)، العلل ومعرفة الرجال، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، ط ٢، الرياض: دار الخاني.","vol":"1","page":614},{"text":"- ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق، (١٤٠٠ هـ = ١٩٨٠ م) صحيح ابن خزيمة، ط] بدون [، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- الخطابي، حمد بن محمد، (١٣٥١ هـ = ١٩٣٢ م)، معالم السنن، طبعه وصححه: محمد راغب الطباخ، حلب: المطبعة العلمية.\n- الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت، (ت [بدون])، الكفاية في علم الرواية، تحقيق: أبو عبد الله السورقي، إبراهيم الحمدي المدني المدينة المنورة: المكتبة العلمية.\n- (١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م)، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ط] بدون [، تحقيق: محمود الطحان الرياض: مكتبة المعارف.\n- (١٤١٨ هـ=١٩٩٧ م)، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: محمد بن مطر الزهراني، الرياض: دار الهجرة.\n- (١٤١٨ هـ=١٩٩٧ م)، الفصل للوصل المدرج في النقل، تحقيق: عبدالسميع محمد الأنيس، السعودية: دار ابن الجوزي.\n- (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠٢ م)، تاريخ بغداد، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت: دار الغرب الإسلامي.\n- الخضير، عبدالكريم بن عبدالله بن عبدالرحمن، (١٤٣٥ هـ)، الحديث الضعيف، ط ٦، الرياض: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع.\n- الخلف، عوّاد، (٢٠٠٢ م) روايات المدلسين في صحيح البخاري جمعها- تخريجها- الكلام عليها، بيروت: دار البشائر الإسلامية.\n- ابن خلكان، أحمد بن محمد بن أبي بكر، (١٣٩٨ هـ=١٩٧٨ م)، وفيات الأعيان وأنباء الزمان، ط [بدون]، تحقيق: إحسان عباس بيروت: دار صادر.\n- الخليلي، خليل بن عبدالله بن أحمد، (١٤٠٩ هـ)، الإرشاد في معرفة علماء الحديث، تحقيق: محمد سعيد عمر إدريس، الرياض: مكتبة الرشد.\n- الخيرآبادي، محمد أبو الليث، (١٤٢٩ هـ = ٢٠٠٩ م)، معجم مصطلحات الحديث وعلومه وأشهر المصنفين فيه، الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع.\n- الدارقطني، علي بن عمر بن مهدي، (١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م)، العلل الواردة في الأحاديث النبوية تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي، الرياض: دار طيبة.\n- (١٤٢٤ هـ =٢٠٠٤ م)، سنن الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وآخرون، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- (١٤٣٣ هـ = ٢٠١٢ م)، الإلزامات والتتبع، ط ٤، تحقيق: مقبل بن هادي الوداعي، اليمن صنعاء: دار الآثار للنشر والتوزيع.\n- الدارمي، عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل، (١٤١٢ هـ = ٢٠٠٠ م) مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي)، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، السعودية: دار المغني للنشر والتوزيع.\n- ابن دحية الكلبي، عمر بن حسن الأندلسي، (١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م)، أداء ما وجب من بيان وضع الوضاعين في رجب، تحقيق: محمد زهير الشاويش، تخريج: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- الدريس، خالد بن منصور، (١٤٢٦ هـ = ٢٠٠٥ م) الحديث الحسن لذاته ولغيره دراسة استقرائية نقدية، الرياض: دار أضواء السلف.\n- الدعيجي، منال عبدالرحمن (٢٠١٢ م)، المقلوب سندًا ومتنًا، مجلة مركز البحوث والدراسات الإسلامية، كلية دار العلوم- جامعة الأزهر- مصر، العدد ٣١\n- ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح، (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م)، الاقتراح في بيان الاصطلاح، ط] بدون [، بيروت: دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":615},{"text":"- (١٤٢٧ هـ=٢٠٠٧ م)، الاقتراح في بيان الاصطلاح وما اُضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودة من الصحاح، تحقيق: قحطان عبدالرحمن الدوري، الأردن: دار العلوم.\n- الدهلوي، عبد الحق بن سيف الدين، (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م)، مقدمة في أصول الحديث، ط ٢، تحقيق: سلمان الحسيني الندوي، بيروت: دار البشائر الإسلامية.\n- الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز (١٣٨٢ هـ=١٩٦٣ م)، ميزان الاعتدال في نقد الرجال تحقيق: علي البجاوي، بيروت: دار المعرفة للطباعة والنشر.\n- (١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م)، سير أعلام النبلاء، ط ٣، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرناؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- (١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م)، معجم الشيوخ الكبير للذهبي، تحقيق: محمد الحبيب الهيلة، الطائف: مكتبة الصديق.\n- (١٤١٢ هـ)، الموقظة في علم مصطلح الحديث، ط ٢، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، سوريا: مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب.\n- (١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م)، تذكرة الحفاظ، وضع حواشيه: الشيخ زكريا عميرات، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١٣ هـ=١٩٩٢ م)، الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، تقديم وتعليق: محمد عوامة، تخريج: أحمد الخطيب، جدة: دار القبلة للثقافة الإسلامية - مؤسسة علوم القرآن.\n- (٢٠٠٣ م)، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: بشار عوّاد معروف، بيروت: دار الغرب الإسلامي.\n- الرازي، محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر، (١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م)، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.\n- الرازي، محمد بن عمر بن الحسن، (١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م)، المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق: طه جابر فياض العلواني، ط ٣، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- الرامهرمزي، الحسن بن عبدالرحمن بن خلاد، (١٤٠٤ هـ=١٩٨٤ م)، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، ط ٣، بيروت: دار الفكر.\n- الراوندي، محمد، (١٤١٠ هـ=١٩٩٠ م)، أبو الفتح اليعمري حياته وآثارُه وتحقيق أجوبته، المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.\n- ابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد، (١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م)، شرح علل الترمذي، تحقيق: همام عبد الرحيم سعيد، الأردن- الزرقاء: مكتبة المنار.\n- (١٤٢١ هـ=٢٠٠١ م) شرح علل الترمذي، تحقيق: نور الدين عتر، الرياض: دار العطاء.\n- الرعود، محمّد عبدالرزاق، ١٤٢٤ هـ=٢٠٠٣ م)، المدرج في الحديث النبوي الشريف مفهومه ودراسة على نماذج من صحيح البخاري، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، الكويت، المجلد ١٨، العدد ٥٣.\n- الزبيدي، محمد مرتضى الحسيني، (١٣٨٥ هـ = ١٩٦٠ م)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، الكويت: وزارة الإرشاد والأنباء.\n- الزرقي، عادل عبدالشكور، (١٤٢٥ هـ)، قواعد العلل وقرائن الترجيح، الرياض: دار المُحدِّث للنشر والتوزيع.\n- الزركشي، بدر الدين محمد بن عبدالله، (١٤٠٦ هـ =١٩٨٦ م)، اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة المعروف بـ (التذكرة في الأحاديث المشتهرة)، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م)، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: زين العابدين بلا فريج، الرياض: أضواء السلف.","vol":"1","page":616},{"text":"- الزِرِكْلي، خيرالدين بن محمود بن محمد، (٢٠٠٢ م)، الأعلام، ط ١٥، بيروت: دار العلم للملايين.\n- زهار، عدنان عبد الله، (٢٠١٤ م) التفرد عند المحدثين وأثره في الخلاف الفقهي، الأردن: مؤسسة الوراق.\n- السباعي، مصطفى بن حسني، (١٣٩٦ هـ=١٩٧٦ م)، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ط ٢، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- السبكي، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين، (١٤٢٣ هـ)، طبقات الشافعية الكبرى، ط ٢، تحقيق: محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو، القاهرة: دار هجر.\n- السجستاني، أبو داود سليمان بن الأشعث (ت] بدون [)، سنن أبي داود، ط] بدون [تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت: المكتبة العصرية.\n- (١٤٠٥ هـ)، رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، تحقيق: محمد لطفي الصباغ، ط ٣، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- (١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م)، المراسيل، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- السخاوي، محمد بن عبدالرحمن بن محمد، (ت] بدون [)، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ط] بدون [، بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة.\n- (١٤٠٥ هـ=١٩٨٥ م)، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تحقيق: محمد عثمان الخشت، بيروت: دار الكتاب العربي.\n- (١٤١٨ هـ= ١٩٩٨ م)، التوضيح الأبهر (الأسرّ) لتذكرة ابن الملقن في علم الأثر، تقديم: عبدالرحيم محمد القشقري، تحقيق: عبدالله بن محمد عبدالرحيم البخاري، الرياض، أضواء السلف.\n- (١٤١٩ هـ = ١٩٩٩ م)، الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر، تحقيق: إبراهيم باجس عبد المجيد، بيروت: دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع.\n- (٢٠٠١ م)، الغاية في شرح الهداية في علم الرواية، تحقيق: عبدالمنعم إبراهيم، القاهرة: مكتبة أولاد الشيخ للتراث.\n- (١٤٢٤ هـ=٢٠٠٣ م)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، تحقيق: علي حسين، مصر: مكتبة السنة.\n- (١٤٢٦ هـ)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، تحقيق: عبدالكريم الخضير ومحمد آل فهيد، الرياض: مكتبة دار المناهج.\n- ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع الهاشمي، (ت [بدون])، الطبقات الكبرى، ط [بدون]، بيروت: دار صادر.\n- السليماني، مصطفى بن إسماعيل، (١٤٢٦ هـ = ٢٠٠٦ م) الجواهر السلمانية شرح المنظومة البيقونية، الرياض: دار الكيان للنشر والتوزيع.\n- السلمي، عبد الرحمن بن نويفع (٢٠١٤ م) المنهج النقدي عند المحدثين وعلاقته بالمناهج النقدية التاريخية بيروت مركز نماء للبحوث والأسانيد.\n- السلمي، محمد بن الحسين، (١٤٢٧ هـ) سؤالات السلمي للدار قطني، تحقيق: فريق الباحثين بإشراف سعد بن عبد الله الحميد وخالد بن عبد الرحمن الجريسي، الرياض: الجريسي للنشر.\n- السلمي، عبدالرحمن نويفع فالح، (١٤٢١ هـ)، الحديث المنكر عند نقاد الحديث، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، مكة.\n- السلوم، أحمد بن فارس، (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٣ م)، تتمة في بيان شرط الشيخين البخاري ومسلم في صحيحيهما، بيروت: دار ابن حزم.","vol":"1","page":617},{"text":"- سليم، عمرو عبدالمنعم، (١٤٢٧ هـ=٢٠٠٦ م)، زيادة الثقة في الأسانيد والمتن والموازنة بين منهج المتقدمين والمتأخرين والفقهاء والمحدثين في قبولها وردها، مصر: دار الضياء للنشر والتوزيع.\n- (١٤٣٢ هـ = ٢٠١١ م)، شرح الموقظة في مصطلح الحديث، القاهرة: دارعباد الرحمن.\n- (١٤٣٥ هـ = ٢٠١٤ م)، ما لا يسع المحدث جهله، الكويت: مكتبة أهل الأثر.\n- أبو سمحة، عبد السلام، (١٤٣٣ هـ = ٢٠١٢ م)، الحديث المنكر دراسة نظرية تطبيقية في كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم، سوريا- لبنان- الكويت: دار النوادر.\n- ابن سيد الناس، محمد بن محمد بن محمد، (١٤٠٩ هـ)، النفح الشذي في شرح جامع الترمذي، تحقيق: أحمد معبد عبد الكريم، الرياض: دار العاصمة.\n- (١٤٢٨ هـ = ٢٠٠٧ م)، النفح الشذي شرح جامع الترمذي، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، عبدالعزيز أبو رحلة، صالح اللحام، الرياض: دار الصميعي للنشر والتوزيع.\n- ابن سِيده، علي بن اسماعيل، (١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م)، المحكم والمحيط الأعظم، تحقيق: عبدالحميد هنداوي، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر، (ت] بدون [)، البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر، تحقيق: أنيس بن أحمد الأندونوسي، ط] بدون [، بلد النشر] بدون [: مكتبة الغرباء الأثرية.\n- (ت [بدون])، ألفية السيوطي في علم الحديث، ط [بدون]، بلد النشر [بدون]: المكتبة العلمية.\n- (ت [بدون])، الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة، ط [بدون]، تحقيق: محمد بن لطفي الصباغ، الرياض: عمادة شؤون المكتبات - جامعة الملك سعود.\n- (١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م)، الحاوي للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون ط [بدون] بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٠٤ هـ=١٩٨٤ م)، تحذير الخواص من أكاذيب القُصَّاص، تحقيق: محمد الصباغ، ط ٢، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- (١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م)، طبقات الحفاظ، ط ٢، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١٥ هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: أبو قتيبة محمد الفاريابي الرياض: مكتبة الكوثر.\n- (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م)، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، ط ٢، تحقيق: أبو عبدالرحمن صلاح محمد بن عويضة، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٣١ هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: مازن محمد السرساوي، السعودية: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع.\n- الشافعي، محمد بن إدريس، (١٣٥٨ هـ=١٩٤٠ م)، الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، مصر: مكتبة الحلبي.\n- (١٤٢٢ هـ=٢٠٠١ م)، الأم، تحقيق وتخريج: رفعت فوزي عبدالمطلب، المنصورة: دار الوفاء.\n- شاكر، أحمد محمد (ت] بدون [)، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ط ٢، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١٧ هـ=١٩٩٦ م)، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، تحقيق: علي حسن عبدالحميد الحلبي، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.\n- أبو شهبة، محمد من محمد بن سويلم (١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م) الوسيط في علوم ومصطلح الحديث ط] بدون [جدة: عالم المعرفة للنشر والتوزيع.","vol":"1","page":618},{"text":"- الصاعدي، أميرة علي عبدالله، (١٤١٤ هـ=١٩٩٤ م)، القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين وأثر ذلك في قبول الأحاديث وردّها، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، مكة.\n- الصالح، صبحي، (٢٠٠٩ م)، علوم الحديث ومصطلحه، ط (بدون (، لبنان، دار العلم للملايين.\n- الصفدي، صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبدالله، (١٤٢٠ هـ=٢٠٠٠ م)، الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n- ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن، (١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م)، صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط، ط] بدون [، تحقيق: موفق عبدالله عبدالقادر، بيروت: دار الغرب الإسلامي.\n- (١٤٢٣ هـ=٢٠٠٢ م) علوم الحديث لابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، ط ٣، دمشق: دار الفكر.\n- (١٤٢٣ هـ=٢٠٠٢ م) معرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح، تحقيق: عبداللطيف الهميم، ماهر ياسين الفحل، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الصديق، إبراهيم، (١٤١٥ هـ=١٩٩٥ م)، علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام لأبي الحسن بن القطان الفاسي، (المغرب: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.\n- الصنعاني، محمد بن إسماعيل الأمير، (١٤٣٢ هـ=٢٠١١ م) توضيح الأفكار شرح تنقيح الأنظار، تحقيق: محمد محب الدين أبو زيد، الرياض: مكتبة الرشد.\n- الصياح، علي عبدالله، (١٤٢٥ هـ)، جهود المحدثين في بيان علل الحديث، الرياض، دار المُحدِّث للنشر والتوزيع.\n- الطبري، محمد بن جرير بن يزيد، (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م)، تفسير الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبدالله عبدالمحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبدالسند حسن يمامة، مصر: دار هجر للطباعة والنشر.\n- الطبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب، (ت] بدون [) المعجم الكبير، حمدي بن عبدالمجيد السلفي، ط ٢، القاهرة: مكتبة ابن تيمية.\n- الطحان، محمود بن أحمد، (١٤٢٥ هـ=٢٠٠٤ م)، تيسير مصطلح الحديث، ط ١٠، الرياض، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.\n- الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة، (١٤١٥ هـ=١٩٩٤ م)، شرح مشكل الآثار، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- طوالبة، محمد عبدالرحمن، (١٤٢٥ هـ=٢٠٠٤ م)، مفهوم العلة عند المحدثين، المنارة للبحوث والدراسات مجلة علمية محكّمة، جامعة آل البيت- الأردن، المجلد العاشر، العدد الأول.\n- الطيبي، الحسين بن محمد بن عبدالله (١٣٩١ هـ=١٩٧١ م)، الخلاصة في أصول الحديث، ط (بدون (، تحقيق: صبحي السامرائي، العراق: رئاسة ديوان الأوقاف- إحياء التراث الإسلامي.\n- (١٤٣٠ هـ = ٢٠٠٩ م)، الخلاصة في معرفة الحديث، تحقيق: أبو عاصم الشوامي الأثري القاهرة: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع.\n- عباس، وصي الله بن محمد، (ت [بدون])، علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية، ط (بدون (، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.","vol":"1","page":619},{"text":"- ابن عبدالبر، أبو عمر يوسف بن عبدالله (١٣٨٧ هـ = ١٩٦٧ م)، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ط] بدون [تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبدالكبير البكري، المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية.\n- (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، صححه وخرج أحاديثه: عادل مرشد، الأردن- بيروت: دار الأعلام.\n- عتر، نورالدين محمد، (١٣٩٠ هـ=١٩٧٠ م)، الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، بلد النشر] بدون [: مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر.\n- (١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م)، منهج النقد في علوم الحديث، ط ٣، دمشق: دار الفكر.\n- العثمان، حمد إبراهيم، (١٤٣٣ هـ = ٢٠١١ م)، المحرر في مصطلح الحديث، ط ٢، الكويت: مكتبة أهل الأثر.\n- العجلى، أحمد بن عبد الله صالح، (١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م)، معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم، تحقيق: عبدالعليم عبدالعظيم البستوي السعودية: مكتبة الدار.\n- آل عجين، علي بن إبراهيم، (١٤٣١ هـ = ٢٠١٠ م)، المفيد في تقعيد علوم الحديث الأردن: دار الحامد.\n- ابن عدي، عبدالله بن عدي الجرجاني، (١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م)، الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود- علي محمد معوض، بيروت: الكتب العلمية.\n- العراقي، زين الدين عبد الرحيم بن الحسين (١٣٨٩ هـ = ١٩٦٩ م)، التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المدينة المنورة: محمد عبدالمحسن الكتبي صاحب المكتبة السلفية.\n- (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٢ م)، شرح التبصرة والتذكرة، تحقيق: عبد اللطيف الهميم وماهر ياسين الفحل، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- عزوزي، إدريس، (١٩٨٤ م) ضوابط معرفة الحديث الموضوع عند المحدثين، مجلة دار الحديث الحسنية - المغرب، العدد ٤.\n- ابن عساكر، علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي (١٤١٥ هـ = ١٩٩٩٥ م) تاريخ مدينة دمشق تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي بيروت: دار الفكر.\n- العقيلي، محمد بن عمرو بن موسى (١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م) الضعفاء الكبير تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي بيروت: دار المكتبة العلمية.\n- العلائي، صلاح الدين أبي سعيد خليل بن كيكلدي، (١٤٠٧ هـ = ١٩٨٦ م)، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تحقيق: حمدي عبدالمجيد السلفي، ط ٢، بيروت: عالم الكتب.\n- علي، عادل حسن، (١٤٢٤ هـ = ٢٠٠٣ م)، الإمام الحاكم النيسابوري وكتابه المستدرك مع العناية بكتاب التفسير منه، القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع.\n- ابن العماد، عبدالحي بن أحمد بن محمد، (١٤٠٦ هـ=١٩٨٦ م)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط ومحمود الأرناؤوط، دمشق: دار ابن كثير.\n- عوّامة، محمد (١٤٣٠ هـ = ٢٠٠٩ م)، دراسات الكاشف للإمام الذهبي وحاشيته للإمام سبط ابن العجمي، ط، ٢ جدة: دار المنهاج للنشر.\n- (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، لمحات في بيان مذهب ابن حبان في معرفة الثقات، السعودية: دار المنهاج للنشر.\n- (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، من مصطلح ابن خزيمة في إعلاله الحديث في صحيحه، السعودية: دار المنهاج للنشر.","vol":"1","page":620},{"text":"- (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، من منهج الإمام مسلم في عرض الحديث المعلل في صحيحه، السعودية: دار المنهاج للنشر.\n- (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، حكم العمل بالحديث الضعيف بين النظرية، والتطبيق، والدعوى، السعودية: دار المنهاج للنشر.\n- (١٤٣٨ هـ=٢٠١٧ م)، حذف طرف من الحديث الواحد اختصارًا له أو إعلالًا، السعودية: دار المنهاج للنشر.\n- العوني، حاتم بن عارف، (١٤٢٧ هـ)، شرح موقظة الذهبي، عناية: عدنان بن زايد الفهمي- بدر بن زايد الفهمي، السعودية: دار ابن الجوزي.\n- أبو غدّة، عبدالفتاح، (١٤٠٤ هـ=١٩٨٤ م)، لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، بيروت: مكتبة المطبوعات الإسلامية.\n- الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد، (١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م)، المستصفى في علم الأصول، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الغوري، سيد عبد الماجد، (١٤٢٨ هـ=٢٠٠٧ م)، معجم المصطلحات الحديثيّة، بيروت: دار ابن كثير.\n- (١٤٣٣ هـ = ٢٠١٢ م) موسوعة علوم الحديث وفنونه، ط ٢، دمشق- بيروت: دار ابن كثير.\n- الفاربي، إسماعيل بن حماد الجوهري (١٤٠٧ هـ = ١٩٨٧ م)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبدالغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين.\n- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا الرازي (١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م) معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبدالسلام هارون، بلد النشر [بدون]: دار الفكر.\n- فحل، ماهر ياسين، (١٤٢٠ هـ = ٢٠٠٠ م)، أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء، عمّان: دار عمار للنشر.\n- (١٤٣٠ هـ = ٢٠٠٩ م)، أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء ط [بدون] بيروت: دار الكتب العلمية.\n- الفراهيدي، الخليل بن أحمد، ت [بدون]، كتاب العين، ط [بدون]، تحقيق: مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، بلد النشر [بدون]: دار ومكتبة الهلال.\n- فلاته، عمر حسن، (١٤٠١ هـ=١٩٨١ م)، الوضع في الحديث، دمشق: مكتبة الغزالي.\n- الفهد، ناصر بن حمد، (١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م)، منهج المتقدمين في التدليس، الرياض: دار أضواء السلف.\n- الفيروز آبادي، مجد الدين أبو طاهر محمد، (١٤٢٦ هـ = ٢٠٠٥ م)، القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي، بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع.\n- القاري، علي سلطان محمد الهروي، (ت (بدون، شرح شرح نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر، تحقيق: محمد نزار تميم، وهيثم نزار تميم، (لبنان، دار الأرقم، ط (بدون.\n- القاسمي، محمد جمال الدين، (١٣٨٠ هـ=١٩٦١ م)، قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث، ط ٢، تحقيق: محمد بهجة البيطار، سوريا: دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.\n- ابن قاضي شهبة، أبو بكر بن أحمد، (١٤٠٧ هـ)، طبقات الشافعية، تحقيق: الحافظ عبدالعليم خان، بيروت: عالم الكتب.\n- القريوتي، خالد، (١٤٢٥ هـ = ٢٠٠٤ م)، الإرسال والتدليس مع بيان أوجه الموافقة والمخالفة، الرياض: مكتبة الرشد ناشرون.","vol":"1","page":621},{"text":"- القضاة، شرف محمود، قوفي، حميد يوسف، (٢٠٠٣ م) المدرج وعلاقته بمباحث المصطلح الأخرى، مجلة أبحاث اليرموك - جامعة اليرموك - الأردن، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد التاسع، العدد الثاني أ.\n- (٢٠٠٤ م)، الإدراج أسبابه ووسائل معرفته، مجلة المنارة للبحوث والدراسات مجلة علمية محكّمة، جامعة آل البيت- الأردن، المجلد العاشر، العدد الأول.\n- القطان، علي بن محمد بن عبدالملك، (١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م)، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، تحقيق: الحسين آيت سعيد، الرياض: دار طيبة.\n- محمد رواس قلعه جي، (١٤٢٠ هـ=١٩٩٩ م)، طرق البحث في الدراسات الإسلامية، بيروت: دار النفائس.\n- ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر، (ت [بدون])، إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان، ط [بدون]، تحقيق: علي بن حسن بن عبدالحميد الحلبي، بلد النشر [بدون]: دار ابن الجوزي.\n- (١٣٩٠ هـ=١٩٧٠ م)، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، تحقيق: عبدالفتاح أبو غدة، حلب: مكتبة المطبوعات الإسلامية.\n- كافي، أبو بكر، (١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م)، منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال الجامع الصحيح، بيروت: دار ابن حزم.\n- الكتاني، أبو عبد الله محمد بن جعفر، (١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م)، الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرقة، ط ٥، تحقيق: محمد المنتصر بن محمد الزمزمي الكتاني، بيروت: دار البشائر الإسلامية.\n- الكتبي، محمد بن شاكر، (١٩٧٣ م)، فوات الوفيات، تحقيق: إحسان عباس، بيروت: دار صادر.\n- ابن كثير، إسماعيل بن عمر الدمشقي، (١٤١٨ هـ = ١٩٩٧ م)، البداية والنهاية، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، مصر: دار هجر للطباعة.\n- (١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م)، تفسير القرآن العظيم، ط ٢، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، الرياض: دار طيبة للنشر.\n- (١٤٣٢ هـ = ٢٠١١ م)، اختصار علوم الحديث، ط ٢، تحقيق: فيصل يوسف العلي، الكويت: غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان.\n- كحالة، عمر بن رضا، (١٤١٤ هـ=١٩٩٣ م)، معجم المؤلفين تراجم مصنفي الكتب العربية، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- الكفوي، أيوب بن موسى، (١٤١٩ هـ= ١٩٩٨ م)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- ابن الكيال، محمد بن أحمد، (١٤٢٠ هـ=١٩٩٩ م)، الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، ط ٢، تحقيق: عبدالقيوم عبد رب النبي، مكة المكرمة: المكتبة الأمدادية.\n- لبي، أحمد أشرف عمر، (١٤٣٢ هـ = ٢٠١١ م)، الحديث الشاذ تسهيل وتأصيل، القاهرة: دار المحدثين للبحث العلمي.\n- اللحياني، عبد الله بن سعاف، (١٤٢٣ هـ = ٢٠٠٣ م)، الحديث الشاذ عند المحدثين، حولية كلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بطنطا، جامعة الأزهر، العدد: ١٣.\n- ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد، (ت] بدون [)، سنن ابن ماجة، ط] بدون [، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بلد النشر] بدون [: دار إحياء الكتب العربية.\n- المازري، محمد بن علي بن عمر، (١٩٨٨ م) المُعْلم بفوائد مسلم، تحقيق: محمد الشاذلي النيفر، ط ٢، تونس: الدار التونسية للنشر، الجزائر: المؤسّسة الوطنية للكتاب.","vol":"1","page":622},{"text":"- مجمع اللغة العربية، (١٣٩٢ هـ=١٩٧٢ م) المعجم الوسيط، ط ٢، إخراج: إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبدالقادر ومحمد النجار، تركيا: المكتبة الإسلامية.\n- المحمدي، عبدالقادر مصطفى، (١٤٢٦ هـ = ٢٠٠٥ م)، الشاذ والمنكر وزيادة الثقة موازنة بين المتقدمين والمتأخرين، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- المدخلي، ربيع بن هادي، (١٤٢٨ هـ=٢٠٠٧ م)، تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، جدة: مكتبة الأصالة.\n- ابن المديني، (١٩٨٠ م)، علي بن عبد الله، العلل، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، ط ٢، بيروت: المكتب الإسلامي.\n- المزي، يوسف بن عبدالرحمن بن يوسف، (١٤١٣ هـ= ١٩٩٢ م)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: بشار عواد معروف، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري، (١٤٠٢ هـ= ١٩٨٢ م)، كتاب التمييز، ط ٢، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، الرياض: وزارة المعارف.\n\n- (١٤١٧ هـ = ١٩٩٦ م)، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الرياض: دار عالم الكتب.\n- مصاروة، عفيف سميح، (٢٠١٦ م)، زيادة الثقة عند الإمام البخاري دراسة نظرية تطبيقية من خلال كتابه الجامع الصحيح، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، نابلس.\n- المطيري، مستورة رجا حجيلان، (٢٠١٠ م)، زيادة الثقة وأثر القرائن في قبولها أو ردها عند المحدثين، مجلة الدراسات الاجتماعية، جامعة العلوم والتكنولوجيا- صنعاء، العدد: ٣١.\n- مُغلطاي، أبي عبد الله علاء الدين، (١٤٢٨ هـ = ٢٠٠٧ م) إصلاح كتاب ابن الصلاح، تحقيق: ناصر عبد العزيز فرج، الرياض: دار أضواء السلف.\n- المقدسي، محمد بن طاهر، (١٤٠٥ = ١٩٨٤ م)، شروط الأئمة الستة، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤١٩ هـ=١٩٩٨ م)، أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطني، تحقيق: محمود حسن نصار، والسيد يوسف، بيروت: دار الكتب العلمية.\n- (١٤٢٨ هـ)، أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطني، تحقيق: جابر بن عبدالله السريَّع، الرياض: دار التدمرية.\n- ابن الملقن، سراج الدين عمر بن علي، (١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م)، التذكرة في علوم الحديث، عمان: دار عمار.\n- (١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م)، المقنع في علوم الحديث، تحقيق: عبدالله بن يوسف الجديع، السعودية: دار فواز للنشر.\n- مليباري، حمزة عبدالله، (١٤١٦ هـ=١٩٩٦ م)، الحديث المعلول قواعد وضوابط، مكة المكرمة، المكتبة المكية.\n- (١٤٢٥ هـ)، زيادة الثقة في كتب مصطلح الحديث، بلد النشر (بدون (: ملتقى أهل الحديث.\n- المناوي، محمد المدعو عبدالرؤوف، (١٤٢٠ هـ= ١٩٩٩ م)، اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، تحقيق: المرتضي الزين أحمد، الرياض، مكتبة الرشد.\n- المنشاوي، محمد صديق، ت [بدون]، قاموس مصطلحات الحديث، ط [بدون]، مصر القاهرة: دار الفضيلة.\n- ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي، (١٤١٤ هـ)، لسان العرب، تحقيق: نخبة من علماء اللغة المتخصصين، بيروت: دار صادر.","vol":"1","page":623},{"text":"- الميانشي، أبو حفص عمر بن عبدالمجيد، ت ن [بدون]، إيضاح ما لا يسع المحدث جهله، نُشرت ضمن ثلاث رسائل في علوم الحديث، حققها: علي حسن عبدالحميد، ط [بدون]، (الأردن: الوكالة العربية للتوزيع.\n- الندوة العالمية للشباب الإسلامي، (١٤١٨ هـ)، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف وتخطيط ومراجعة: مانع بن حماد الجهني، ط ٣، الرياض: دار الندوة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع.\n- النسائي، أحمد بن شعيب بن علي، (١٤٢١ هـ = ٢٠٠١ م)، السنن الكبرى، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، إشراف: شعيب الأرناؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة.\n- النووي، محي الدين بن شرف، (١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م)، المجموع شرح المهذب للشيرازي، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، بلد النشر [بدون]: دار إحياء التراث العربي.\n- (١٤٢٧ هـ = ٢٠٠٦ م)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ط ١٢، تحقيق: خليل مأمون شيحا، بيروت: دار المعرفة.\n- (١٤٠٥ هـ=١٩٨٥ م)، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث، تحقيق: محمد عثمان الخشت، بيروت: دار الكتاب العربي.\n- الهليل، عبدالعزيز عبدالله، (رجب ١٤٣١ هـ)، مفهوم الحديث المضطرب عند الإمام الترمذي، مجلة سنن، الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها، الرياض- العدد الثاني.\n- الوادعي، مقبل بن هادي، (١٤٢١ هـ = ٢٠٠٠ م)، أحاديث معلة ظاهرها الصحة، ط ٢، صنعاء: دار الآثار للنشر والتوزيع.\n- (١٤٢٥ هـ=٢٠٠٤ م)، المقترح في أجوبة بعض أسئلة المصطلح، ط ٣، صنعاء: دار الآثار.\n- ابن الوزير، محمد بن إبراهيم (١٤٢٠ هـ = ١٩٩٩ م)، تنقيح الأنظار في معرفة علوم الآثار، تحقيق: محمد حلاق، عامر حسين، بيروت: دار ابن حزم.\n- اليحصبي، عياض بن موسى بن عياض، ت ن [بدون]، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، تحقيق: السيد أحمد صقر، ط ٢، القاهرة: دار التراث، تونس: المكتبة العتيقة.\n- (١٤١٩ هـ = ١٩٩٨ م)، إكمالُ المُعلِم بفوائد مسلم، تحقيق: يحي إسماعيل، مصر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع.","vol":"1","page":624},{"text":"Tradition (Hadith) terms between agreement and separation\n\n(Analytical objective study)\n\nSubmitted by:\n\nRawiah Abdullah Ali Jaber\n\nResearch submitted to obtain a PhD degree in Sharia and Islamic studies department\nQuran and Sunnah specialization\n\nFaculty of Arts &amp; Humanities\nKing Abdul Aziz University\nJeddah- Saudi Arabia\n\n١٤٣٩ - ٢٠١٨","vol":"1","page":625}]}