{"ً":{"ٌ":14221,"ٍ":"التروك النبوية - تأصيلا وتطبيقا","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/FP137349/","files":["137349p1.pdf|مقدمة","137349p2.pdf|تقديم","137349.pdf|0"]},"ّ":"الكتاب: التروك النبوية: تأصيلا وتطبيقا\nالمؤلف: محمد صلاح محمد الإتربي\nأصل الكتاب: أطروحة ماجيستير - كلية دار العلوم بجامعة القاهرة - قسم الشريعة الإسلامية، نوقشت في أواخر عام ٢٠٠٩\nتقديم: د. عبد الحميد أبو زنيد - محمد عبد المقصود - ياسر حسين برهامي - د. أحمد عبد الرحمن النقيب - د. أشرف بن محمود الكناني\nالناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الصفحات: ٥٧٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[التروك النبوية «تأصيلا وتطبيقا» - محمد الإتربي]\n\nيتناول تروك النبيِّ ﷺ، وأهميَّة التشريع بالتَّرك؛ وذلك أنَّ التروك النبويَّة تمثِّل أحد قِسمي السُّنة، فإذا كانت السُّنة النبويَّة هي أفعالَه ﷺ، فإنَّ الفعل ما هو إلَّا فعل إيجابيٌّ أو سلبيٌّ، وهذا الأخير هو التَّرك، كما أنَّ ترك النبيِّ ﷺ له جانب تشريعيٌّ مهمٌّ لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ولا بدَّ للمجتهد من معرفته؛ وذلك لتوقُّف الحُكم في كثير من مسائل النوازل، والبِدع، والمصالح المرسَلة، عليه.\n\nكما أنَّه لا يصحُّ القول بأنَّ ترْك النبيِّ ﷺ يدلُّ على الإباحة مطلقًا، وكذلك لا يصحُّ القول بأنَّه يدلُّ على البدعيَّة مطلقًا، فكِلا التعميمين غير صحيح، وإنَّما التفصيل بين أنواع التُّروك، فمنها ما يدلُّ على الإباحة، ومنها ما يدلُّ على التَّحريم والبدعيَّة، ومنها ما يدلُّ على الكراهة.\n\nوقد قسَّم المؤلِّف كتابه إلى ثلاثة أبواب، تحت كلِّ باب عدَّة فصول:\n\nتناول في الباب الأوَّل: التعريف بترْك النبيِّ ﷺ، وتحته فصلان:\n\nالفصل الأول: عرَّف فيه الترك في اللُّغة، وبيَّن حقيقته عند الأصوليِّين، مع بيان اتِّجاهات الأصوليِّين في تعريف الترك، وهل هو فعل أم لا؟ وما يترتَّب على ذلك الخلاف من آثار أصوليَّة وفقهيَّة.\n\nوفي الفصل الثَّاني: بيَّن فيه المؤلِّف تعريف ترْك النبيِّ ﷺ، عند الأصوليِّين القدامى، وفي الدِّراسات المعاصرة، وبعد تناوله لأهمِّ التعريفات بالتَّحليل والدِّراسة ذكَر التعريف المختار، وهو أنَّ الترك: (عدَم فِعل النبيِّ ﷺ ما كان مقدورًا له كونًا)، ثمَّ بيَّن طرق الوصول إلى معرفة التُّروك النبويَّة، وكذلك أقسام تلك التُّروك مع بيان وجه التَّقسيم، والتَّقسيم المختار.\n\nثم بيَّن في الباب الثَّاني: الترك الوجوديُّ ودَلالته، وتحته ثلاثة فصول:\n\nفي الفصل الأوَّل: تحدَّث عن التَّرك الوجودي، فبيَّن فيه التَّرك المسبَّب، والتَّرك المطلَق، وذكر تعريفيهما وبيان أقسامهما، وأمثلتهما، وتطبيقاتهما الفقهيَّة.\n\nوتكلَّم في الفصل الثَّاني على دَلالة الترك الوجوديِّ، كما أوضح فيه المراد بدَلالة الترك المسبَّب، والترك المطلق، ومراتب الترك.\n\nوذكَر في الفصل الثالث ما يُلحق بالتَّرك الوجوديِّ.\n\nأمَّا الباب الثَّالث فخصَّصه لبيان الترك العَدمي، وتحته فصلان:\n\nكان الفصل الأوَّل لبيان تعريفه، وهو: عدم نقل أنَّ النبيَّ ﷺ فعَل فِعلًا ما ممَّا كان مقدورًا له، ثمَّ بيَّن أقسامه ودَلالته، مبيِّنًا قاعدتي: (الأصل في الأشياء الإباحة)، و(الأصل في العبادات المنع)، ثم تحدَّث عن البِدعة، والمصلحة المرسَلة، وعَلاقتهما بالتَّرك، ثم ذكر تطبيقات على التَّرك العَدمي، مثل إحياء ليلة النِّصف من شعبان، وتشييع الجنازة بالذِّكر، والاحتفال بالمولد النبويِّ، وغيرها من التَّطبيقات التي أوردها.\n\nوأفرد الفصل الثَّاني للكلام عمَّا يلحق بالتَّرك العَدمي؛ وهو ترك الاستفصال من النبيِّ ﷺ، كأن يأتي السائل إلى رسول الله ﷺ فيسأله عن أمر فلا يستفصل منه رسولُ الله ﷺ عن أحوال ذلك الأمر، بل يُصدِر حُكمًا عامًّا - وهذا النَّوع من الترك هو الذي ذكره العلماء تحت قواعد العموم - وذكر لذلك تطبيقات؛ منها: صدقة المرأة من مالها دون إذن زوجها، وغيرها من التَّطبيقات التي أوردها المؤلِّف.\n\nثم ختم الكتاب بنتائج الدِّراسة وتوصياتها، وأورد ملخَّص الدِّراسة، وذيَّله بفهارس علميَّة كاشفة.\n\n[نقلا عن موقع الدرر السنية]","ٓ":"1.0","ٔ":2758,"ٕ":11,"ٖ":1770156089,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["مقدمة","تقديم","1"],"ٚ":[{"title":"مقدمات","level":1,"page":5},{"title":"مقدمة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر","level":2,"page":5},{"title":"إهداء","level":2,"page":8},{"title":"تقديم الأستاذ الدكتور عبد الحميد علي أبو زنيد","level":2,"page":9},{"title":"تقديم فضيلة الشيخ محمد بن عبد المقصود العفيفي","level":2,"page":11},{"title":"تقديم فضيلة الشيخ ياسر برهامي","level":2,"page":14},{"title":"تقديم الدكتور/ أحمد بن عبد الرحمن النقيب","level":2,"page":16},{"title":"تقديم الدكتور/ أشرف بن محمود بن عقلة الكناني","level":2,"page":19},{"title":"أولا: أهمية البحث في تروكه - ﷺ -.","level":3,"page":22},{"title":"ثانيا: وجوب إعادة النظر في طريقة التمثيل في كتب الأصوليين.","level":3,"page":23},{"title":"ثالثا: ضرورة الكتابة الأصولية بلغة سهلة موافقة للعصر.","level":3,"page":27},{"title":"رابعا: اقتران علم الأصول بعلم الحديث.","level":3,"page":28},{"title":"خامسا: لا تكتب إلا ما تفهم.","level":3,"page":31},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":38},{"title":"أسباب اختيار \"التروك النبوية\" موضوعا للدراسة","level":2,"page":40},{"title":"ما تهدف إليه هذه الدراسة","level":2,"page":42},{"title":"المنهج المستخدم في الدراسة","level":2,"page":43},{"title":"عرض موجز للدراسة","level":2,"page":46},{"title":"تمهيد","level":1,"page":51},{"title":"الدراسات السابقة","level":2,"page":55},{"title":"أما على صعيد الدراسات المستقلة للمعاصرين فقد وقفت على ما يلي","level":2,"page":56},{"title":"أما الدراسات التي تناولت الترك بالدراسة الفعلية ولكن ليس على سبيل الاستقلال، بل في أثناء البحث فقد وقفت على","level":2,"page":62},{"title":"الباب الأول التعريف بترك النبي - ﷺ -","level":1,"page":67},{"title":"توطئة","level":2,"page":68},{"title":"الفصل الأول ماهية الترك","level":2,"page":69},{"title":"توطئة","level":3,"page":70},{"title":"المبحث الأول: المراد بالترك في اللغة","level":3,"page":71},{"title":"الترك في اللغة","level":4,"page":71},{"title":"الأول: ترك؛ أي: ودع","level":5,"page":71},{"title":"الثاني: ترك الشيء؛ أي: طرحه وخلاه.","level":5,"page":72},{"title":"الثالث: ترك؛ أي: رفض.","level":5,"page":72},{"title":"* وقد يستعمله أهل اللغة أحيانا في المعاني الآتية","level":4,"page":73},{"title":"الأول: ترك؛ أي: جعل","level":5,"page":73},{"title":"الثاني: يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما.","level":5,"page":74},{"title":"الثالث: الترك؛ أي: الإبقاء","level":5,"page":75},{"title":"الرابع: ترك: قد يتضمن معنى صير.","level":5,"page":75},{"title":"الخامس: ترك: أسقط، والترك الإسقاط.","level":5,"page":75},{"title":"* من النقولات السابقة يتبين ما يلي","level":4,"page":76},{"title":"جمع \"الترك\" على \"تروك\"","level":4,"page":76},{"title":"المعنى المقصود من هذا الجمع","level":4,"page":78},{"title":"المبحث الثاني: المراد بالترك عند الأصوليين","level":3,"page":80},{"title":"المطلب الأول: تعريف الترك عند الأصوليين","level":4,"page":80},{"title":"الاتجاه الأول: الترك: هو عدم فعل المقدور","level":5,"page":80},{"title":"قال عضد الدين الإيجي","level":6,"page":81},{"title":"والترك على هذا الرأي يشتمل على نوعين","level":6,"page":83},{"title":"النوع الأول","level":7,"page":83},{"title":"النوع الثاني","level":7,"page":83},{"title":"الاتجاه الثاني: الترك: هو: كف النفس عن إيقاع الفعل","level":5,"page":83},{"title":"الاتجاه المختار","level":5,"page":86},{"title":"المطلب الثاني: بيان ألفاظ متعلقة بالترك","level":4,"page":87},{"title":"أولا: السكوت","level":5,"page":87},{"title":"* السكوت في اللغة","level":6,"page":87},{"title":"* السكوت في الاصطلاح","level":6,"page":88},{"title":"ثانيا: الكف","level":5,"page":88},{"title":"* الكف في اللغة","level":6,"page":88},{"title":"* الكف عند الأصوليين","level":6,"page":89},{"title":"هل القصد شرط في الكف؟","level":7,"page":89},{"title":"هل الكف هو فعل الضد","level":7,"page":90},{"title":"علاقة الكف بالترك","level":7,"page":91},{"title":"المطلب الثالث: علاقة الترك بالفعل","level":4,"page":92},{"title":"القول الأول والقائلون به","level":5,"page":92},{"title":"فمن الحنفية","level":6,"page":93},{"title":"ومن المالكية","level":6,"page":93},{"title":"ومن الشافعية","level":6,"page":95},{"title":"ومن الحنابلة","level":6,"page":98},{"title":"ومن غيرهم","level":6,"page":98},{"title":"القول الثاني والقائلون به","level":5,"page":99},{"title":"الأدلة على القول الأول","level":5,"page":100},{"title":"الدليل الأول","level":6,"page":100},{"title":"الدليل الثاني","level":6,"page":100},{"title":"الدليل الثالث","level":6,"page":101},{"title":"الدليل الرابع","level":6,"page":101},{"title":"الدليل الخامس","level":6,"page":102},{"title":"الدليل السادس","level":6,"page":102},{"title":"الدليل السابع","level":6,"page":103},{"title":"الدليل الثامن","level":6,"page":103},{"title":"الترجيح","level":5,"page":104},{"title":"فعلية الترك عند الدكتور الزنكي","level":6,"page":105},{"title":"ويلاحظ على ما ذهب إليه الدكتور الزنكي عدة ملاحظات","level":6,"page":106},{"title":"المطلب الرابع: الآثار الأصولية المترتبة على كون الترك فعلا","level":4,"page":108},{"title":"المسألة الأولى: التكليف بالترك","level":5,"page":108},{"title":"الأدلة","level":6,"page":110},{"title":"استدل الجمهور بـ","level":7,"page":110},{"title":"استدل أبو هاشم بـ","level":7,"page":111},{"title":"والجواب","level":6,"page":111},{"title":"* فالصحيح هو ما عليه جمهور العلماء","level":6,"page":112},{"title":"المسألة الثانية: متعلق النهي","level":5,"page":112},{"title":"القول الأول: متعلق النهي هو الكف.","level":6,"page":112},{"title":"القول الثاني: متعلق النهي هو فعل الضد.","level":6,"page":113},{"title":"القول الثالث: الخلاف لفظي، لأنهما متلازمان.","level":6,"page":115},{"title":"الترجيح","level":6,"page":116},{"title":"المسألة الثالثة: اشتراط النية في الثواب على الترك","level":5,"page":117},{"title":"أما الثواب","level":6,"page":118},{"title":"وقد نص على ذلك جماعة من العلماء فمن ذلك","level":6,"page":118},{"title":"المسألة الرابعة: حصول التأسي بالترك","level":5,"page":122},{"title":"أولا: التاسي في اللغة","level":6,"page":122},{"title":"ثانيا: التأسي بالنبي - ﷺ - عند الأصوليين","level":6,"page":124},{"title":"بيان محل الاتفاق","level":7,"page":125},{"title":"تحرير محل النزاع","level":7,"page":129},{"title":"الاتجاه الأول في تعريف التأسي","level":7,"page":132},{"title":"الشرط الأول: المماثلة في الصورة","level":8,"page":133},{"title":"الشرط الثاني: المماثلة في الأغراض الباعثة على الفعل","level":8,"page":133},{"title":"الشرط الثالث: أن يكون الفعل أو الترك الثاني لأجل الأول","level":8,"page":133},{"title":"حكم التأسي على الاتجاه الأول","level":7,"page":134},{"title":"حكم المتابعة في الترك على هذا الاتجاه، ومعناها","level":7,"page":141},{"title":"الاتجاه الثاني في تعريف التأسي","level":7,"page":141},{"title":"ما أجابوا به على أدلة القول الأول","level":7,"page":147},{"title":"الموازنة بين القولين والرأي المختار","level":7,"page":149},{"title":"حكم الاتباع والتأسي في الترك","level":7,"page":154},{"title":"الفصل الثاني ترك النبي - ﷺ -","level":2,"page":157},{"title":"توطئة","level":3,"page":158},{"title":"المبحث الأول: المراد بترك النبي - ﷺ -","level":3,"page":159},{"title":"المطلب الأول: تعريف ترك النبي - ﷺ - عند الأصوليين القدامى","level":4,"page":159},{"title":"المطلب الثاني: تعريف ترك النبي - ﷺ - في الدراسات المعاصرة","level":4,"page":160},{"title":"المطلب الثالث: التعريف المختار في هذه الدراسة ووجهه","level":4,"page":165},{"title":"(١) سكوت النبي - ﷺ -","level":5,"page":165},{"title":"(٢) إقرار النبي - ﷺ -","level":5,"page":165},{"title":"(٣) الترك العدمي","level":5,"page":166},{"title":"(٤) الكف أو الترك الوجودي","level":5,"page":166},{"title":"(٥) ما تركه النبي - ﷺ - مما ورد فيه بيان قولي","level":5,"page":166},{"title":"(٦) ما تركه النبي - ﷺ - في موضع وإن فعل مقابله في موضع آخر","level":5,"page":166},{"title":"(٧) ترك النبي - ﷺ - ما هم به","level":5,"page":167},{"title":"المبحث الثاني: طريق معرفة ترك النبي - ﷺ -","level":3,"page":168},{"title":"المطلب الأول: المراد من طريق معرفة الترك","level":4,"page":168},{"title":"إثبات الطريق الأول لا إشكال فيه","level":5,"page":169},{"title":"إشكالية ثبوت الطريق الثاني","level":5,"page":169},{"title":"المطلب الثاني: بيان مذهب الأصوليين في التلازم بين ترك النقل ونقل الترك","level":4,"page":171},{"title":"الأمر الأول","level":5,"page":171},{"title":"الأمر الثاني","level":5,"page":172},{"title":"الأمر الثالث","level":5,"page":173},{"title":"الأمر الرابع","level":5,"page":174},{"title":"الأمر الخامس","level":5,"page":174},{"title":"الأمر السادس","level":5,"page":174},{"title":"الأمر السابع","level":5,"page":175},{"title":"الأمر الثامن","level":5,"page":175},{"title":"ومن أدلتهم على ذلك","level":6,"page":178},{"title":"من المقدمات السابقة يتبين أن","level":6,"page":179},{"title":"القرائن التي تقوي هذا الأصل","level":6,"page":181},{"title":"١ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء.","level":7,"page":181},{"title":"٢ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل - لو حصل - يجعل الصورة نادرة.","level":7,"page":186},{"title":"٣ - أن يكون ذلك الخبر مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لو حصل، فعدم نقله والحالة كذلك يؤكد عدم وقوعه.","level":7,"page":187},{"title":"المبحث الثالث: أقسام الترك","level":3,"page":190},{"title":"المطلب الأول: أقسام الترك المنقول","level":4,"page":190},{"title":"* قسمة الأصوليين للأفعال","level":5,"page":190},{"title":"* تقسيم الترك الوجودي باطراد قسمة الأصوليين للأفعال","level":5,"page":193},{"title":"المطلب الثاني: أقسام متروك النقل","level":4,"page":194},{"title":"المطلب الثالث: التقسيم المختار ووجهه","level":4,"page":195},{"title":"أما متروك النقل فلا يخلو من أحد أمرين","level":5,"page":196},{"title":"ملاحظة هامة","level":5,"page":197},{"title":"الباب الثاني الترك الوجودي ودلالته","level":1,"page":199},{"title":"توطئة","level":2,"page":200},{"title":"الفصل الأول بيان الترك الوجودي","level":2,"page":201},{"title":"المبحث الأول: بيان الترك المسبب","level":3,"page":202},{"title":"المطلب الأول: تعريف الترك المسبب","level":4,"page":202},{"title":"أولا: السبب في اللغة","level":5,"page":202},{"title":"ثانيا: السبب عند الأصوليين","level":5,"page":204},{"title":"التعريف الأول","level":6,"page":204},{"title":"التعريف الثاني","level":6,"page":206},{"title":"التعريف المختار","level":6,"page":206},{"title":"تعريفات أخرى للسبب","level":6,"page":207},{"title":"ثالثا: تعريف الترك المسبب","level":5,"page":207},{"title":"* طرق معرفة السبب من جهة النقل","level":6,"page":208},{"title":"* الإجماع","level":6,"page":208},{"title":"* النص الصريح","level":6,"page":208},{"title":"* النص الظاهر","level":6,"page":208},{"title":"* الإيماء والتنبيه","level":6,"page":209},{"title":"المطلب الثاني: أقسام الترك المسبب وأمثلتها","level":4,"page":209},{"title":"المسألة الأولى: الترك لأجل حكم خاص بالنبي - ﷺ -","level":5,"page":209},{"title":"المسألة الثانية: الترك لأجل حصول مفسدة","level":5,"page":212},{"title":"أ - أن النبي - ﷺ - ترك أن ينزع مع بني عبد المطلب في السقاية في الحج وذلك خوفا من أن يغلبهم الناس على حقهم في ذلك","level":6,"page":212},{"title":"ب - أن النبي - ﷺ - ترك أن يرد الكعبة إلى قواعد إبراهيم وبين المانع من ذلك وهو مخافة أن تنفر قلوب الناس وهم حدثاء عهد بكفر","level":6,"page":213},{"title":"ج - أن النبي - ﷺ - ترك أن يدعو الله إسماع أصحابه عذاب القبر خشية أن يتركوا الدفن","level":6,"page":214},{"title":"د - أن النبي - ﷺ - ترك قتل المنافق المستحق للقتل خشية مفسدة صرح بها وهي خشية أن يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه","level":6,"page":214},{"title":"هـ - أن النبي - ﷺ - ترك الإخبار العام ببعض المبشرات خوفا من المفسدة","level":6,"page":216},{"title":"و- أن النبي - ﷺ - ترك استخراج ما سحر به كراهية أن يثور على الناس شرا","level":6,"page":217},{"title":"المسألة الثالثة: الترك لأجل الإنكار","level":5,"page":218},{"title":"المسألة الرابعة: الترك لأجل المرض","level":5,"page":226},{"title":"المسألة الخامسة: الترك لأجل النسيان","level":5,"page":227},{"title":"المسألة السادسة: الترك لمجرد الطبع","level":5,"page":229},{"title":"المسألة السابعة: الترك لأجل مراجعة الصحابة له - ﷺ -","level":5,"page":233},{"title":"المسألة الثامنة: الترك لأجل ألا يفرض العمل","level":5,"page":234},{"title":"المسألة التاسعة: الترك لأجل مراعاة حال الآخرين","level":5,"page":236},{"title":"أ - ترك النبي - ﷺ - التزوج من نساء الأنصار","level":6,"page":237},{"title":"ب - ترك النبي - ﷺ - التطويل في الصلاة إذا سمع الصبي يبكي","level":6,"page":237},{"title":"المسألة العاشرة: الترك لأجل بيان التشريع","level":5,"page":238},{"title":"أ - ترك المباح طلبا للأولى والأفضل","level":6,"page":238},{"title":"ب - ترك فعل الأفضل لبيان الجواز","level":6,"page":239},{"title":"ج - ترك العمل بما يعلم لأجل ما سبق من التشريع","level":6,"page":240},{"title":"المسألة الحادية عشرة: الترك لأجل مانع يخبر به","level":5,"page":243},{"title":"المبحث الثاني: بيان الترك المطلق","level":3,"page":245},{"title":"المطلب الأول: تعريف الترك المطلق","level":4,"page":245},{"title":"* طرق استنباط سبب الترك المطلق","level":5,"page":245},{"title":"* فعل النبي - ﷺ - لأمر عقب وقوع شيء يفهم منه أنه كان لأجله.","level":5,"page":246},{"title":"* المناسبة","level":5,"page":246},{"title":"* السبر والتقسيم","level":5,"page":246},{"title":"* الدوران","level":5,"page":246},{"title":"المطلب الثاني: أمثلة الترك المطلق","level":4,"page":246},{"title":"من أمثلة الترك المطلق","level":5,"page":246},{"title":"* ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه","level":6,"page":246},{"title":"* ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة","level":6,"page":247},{"title":"* ترك مبايعة المجذوم","level":6,"page":247},{"title":"* ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد","level":6,"page":247},{"title":"* ترك التنفل قبل صلاة العيد","level":6,"page":248},{"title":"* ترك تخميس السلب","level":6,"page":248},{"title":"* ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب","level":6,"page":249},{"title":"المسألة الأولى: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه","level":5,"page":250},{"title":"الفرع الأول: هل يصلى على الشهيد؟","level":6,"page":251},{"title":"القول الأول: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه","level":7,"page":251},{"title":"* الأدلة","level":8,"page":252},{"title":"القول الثاني: أن شهيد المعركة يصلى عليه","level":7,"page":253},{"title":"* الأدلة","level":8,"page":254},{"title":"* الأحاديث التي فيها الصلاة على الشهداء، ومنها","level":8,"page":254},{"title":"* ما أجيب به عليهم","level":8,"page":257},{"title":"أولا: ضعف هذه الأحاديث","level":9,"page":257},{"title":"ثانيا: تضعيفهم لدلالة حديث جابر - ﵁ - فيه نظر","level":9,"page":258},{"title":"القول الثالث: التخيير بين الصلاة وعدمها","level":7,"page":258},{"title":"* دلالة حديث عقبة بن عامر - ﵁ -","level":8,"page":259},{"title":"* الترجيح","level":8,"page":260},{"title":"الفرع الثاني: هل يغسل الشهيد؟","level":6,"page":261},{"title":"القول الأول: أن الشهيد لا يغسل","level":7,"page":261},{"title":"* الأدلة","level":8,"page":262},{"title":"الأحاديث التي ورد فيها أن النبي - ﷺ - لم يغسل الشهداء ومنها","level":8,"page":262},{"title":"القول الثاني: أن الشهيد يغسل","level":7,"page":263},{"title":"* الترجيح","level":8,"page":264},{"title":"والدليل على المنع من الغسل هو ترك النبي - ﷺ - لذلك","level":8,"page":264},{"title":"المسألة الثانية: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب","level":5,"page":265},{"title":"الأول: عدم الجواز إلا عند الضرورة","level":6,"page":266},{"title":"الثاني: يجوز عند الحاجة بشرط أن يكون مأمونا حسن الرأي في المسلمين","level":6,"page":267},{"title":"المسألة الثالثة: ترك الجهر بـ \"بسم الله الرحمن الرحيم\" في الصلاة","level":5,"page":269},{"title":"القول الأول: لا يسن الجهر بالبسملة","level":6,"page":270},{"title":"* الأدلة","level":7,"page":270},{"title":"القول الثاني: يسن الجهر بها","level":6,"page":272},{"title":"* الأدلة","level":7,"page":273},{"title":"واعترض على هذا القول بأن","level":7,"page":273},{"title":"القول الثالث: لا يقرأ بها سرا ولا جهرا","level":6,"page":274},{"title":"القول الرابع: الجهر أحيانا والإسرار أحيانا","level":6,"page":274},{"title":"المسألة الرابعة: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد","level":5,"page":275},{"title":"المسألة الخامسة: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها","level":5,"page":277},{"title":"الفرع الأول: هل لصلاة العيد سنة راتبة؟","level":6,"page":278},{"title":"الفرع الثاني: هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها؟","level":6,"page":278},{"title":"القول الأول: لا يتنفل قبلها ولا بعدها","level":7,"page":279},{"title":"القول الثاني: يتنفل قبلها وبعدها","level":7,"page":282},{"title":"القول الثالث: يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها","level":7,"page":283},{"title":"القول الرابع: إذا كانت الصلاة في المصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، وإن كانت في المسجد تنفل قبلها","level":7,"page":284},{"title":"الفصل الثاني دلالة الترك الوجودي","level":2,"page":286},{"title":"توطئة","level":3,"page":287},{"title":"التمهيد في تعريف الدلالة","level":3,"page":288},{"title":"المطلب الأول: الدلالة في اللغة","level":4,"page":288},{"title":"المطلب الثاني: الدلالة في الاصطلاح","level":4,"page":289},{"title":"المطلب الثالث: المراد بدلالة الترك","level":4,"page":291},{"title":"المبحث الأول: دلالة الترك","level":3,"page":292},{"title":"المطلب الأول: دلالة الترك المسبب","level":4,"page":294},{"title":"وجه اعتبار سبب الترك مورد هذا التقسيم","level":5,"page":295},{"title":"هذا التقسيم يشمل كل أسباب الترك","level":5,"page":295},{"title":"النوع الأول: الترك الذي لا يوجد سببه في حق الأمة","level":6,"page":296},{"title":"* الترك الذي اختص به النبي - ﷺ -","level":7,"page":296},{"title":"* الترك لسبب لا يمكن وجوده الآن","level":7,"page":301},{"title":"النوع الثاني: الترك الذي يمكن وجود سببه في حق الأمة","level":6,"page":302},{"title":"المطلب الثاني: دلالة الترك المطلق","level":4,"page":303},{"title":"القسم الأول: الترك المجرد","level":5,"page":304},{"title":"القسم الثاني: الترك الذي تناوله بيان قولي","level":5,"page":305},{"title":"القسم الثالث: الترك الذي وقع به بيان مجمل","level":5,"page":306},{"title":"إشكال والرد عليه","level":6,"page":306},{"title":"والجواب عن ذلك","level":6,"page":306},{"title":"المبحث الثاني: مراتب الترك","level":3,"page":308},{"title":"المرتبة الأولى: أن يكلون اللفظ نصا قاطعا في ثبوت الترك، وهذا على نوعين","level":4,"page":308},{"title":"النوع الأول: أن يذكر النبي - ﷺ - عن نفسه أنه ترك.","level":5,"page":308},{"title":"النوع الثاني: أن يقر النبي - ﷺ - سائله على أنه ترك.","level":5,"page":308},{"title":"المرتبة الثانية: أن يكون اللفظ ظاهرا في ثبوت الترك وليس بنص، وهذا ثلاثة أنواع","level":4,"page":309},{"title":"النوع الأول: أن ينقل الصحابي الترك من عادة النبي - ﷺ - في موقف متكرر.","level":5,"page":309},{"title":"النوع الثاني: أن ينقل الصحابي أن النبي - ﷺ - ترك فعلا ما على الدوام.","level":5,"page":309},{"title":"النوع الثالث: أن ينقل الصحابي الترك لفعل متوقع في حادثة مشهورة.","level":5,"page":311},{"title":"المبحث الثالث: تعارض الترك مع غيره","level":3,"page":312},{"title":"المطلب الأول: تعارض الترك مع القول","level":4,"page":312},{"title":"مثال تعارض الترك مع الأمر: الوضوء من أكل ما مسته النار","level":5,"page":314},{"title":"أولا: الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار","level":6,"page":314},{"title":"ثانيا: الأحاديث التي وردت أن النبي أكل مما مسته النار ثم صلى ولم يتوضأ","level":6,"page":315},{"title":"مثال تعارض الترك مع النهي: حكم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة","level":5,"page":322},{"title":"المطلب الثاني: تعارض الترك مع الفعل","level":4,"page":329},{"title":"مثال للتعارض بين الفعل والترك","level":5,"page":331},{"title":"فمما ورد فيه أنه سجد","level":5,"page":331},{"title":"ومما ورد فيه أنه لم يسجد","level":5,"page":332},{"title":"الفصل الثالث ما يلحق بالترك الوجودي","level":2,"page":334},{"title":"المبحث الأول: ترك الإنكار (الإقرار)","level":3,"page":335},{"title":"توطئة","level":4,"page":335},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالإقرار","level":4,"page":336},{"title":"المسألة الأولى: الإقرار في اللغة","level":5,"page":336},{"title":"المسألة الثانية: الإقرار عند الأصوليين","level":5,"page":337},{"title":"المطلب الثاني: حجية الإقرار","level":4,"page":343},{"title":"المطلب الثالث: مراتب الإقرار","level":4,"page":346},{"title":"المرتبة الأولى: أن يفعل الفعل في حضرته - ﷺ - أو في غيبته وينقل إلينا علم النبي - ﷺ - به","level":5,"page":346},{"title":"المرتبة الثانية: أن يفعل الفعل في غيبته ولا يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - وعلمه","level":5,"page":348},{"title":"ومن هذه القرائن","level":6,"page":349},{"title":"ومن أمثلة ذلك","level":6,"page":349},{"title":"المرتبة الثالثة: قول الصحابي: \"كنا نفعل\" دون إضافة لعهده - ﷺ -","level":5,"page":353},{"title":"الأول: أنها حجة","level":6,"page":353},{"title":"الثاني: أنها ليست بحجة","level":6,"page":354},{"title":"المطلب الرابع: دلالة الإقرار","level":4,"page":356},{"title":"هل رفع الحرج عن الأقوال التي أقرها النبي - ﷺ - دليل على صحتها؟","level":5,"page":358},{"title":"ومن الأمثلة على ذلك","level":5,"page":359},{"title":"المبحث الثاني: ترك ما هم به","level":3,"page":360},{"title":"١ - ترك ما هم به لمانع","level":4,"page":363},{"title":"٢ - ما تركه النبي - ﷺ - مما هم به لم يبين مانعا","level":4,"page":364},{"title":"الباب الثالث الترك العدمي","level":1,"page":367},{"title":"الفصل الأول بيان الترك العدمي","level":2,"page":368},{"title":"المبحث الأول: الأصل في المتروك","level":3,"page":369},{"title":"المطلب الأول: الأصل في الأشياء","level":4,"page":369},{"title":"المطلب الثاني: الأصل في العبادات","level":4,"page":383},{"title":"قال الشيرازي","level":5,"page":384},{"title":"قال الغزالي","level":5,"page":384},{"title":"قال الصنعاني","level":5,"page":384},{"title":"قال السهروردي","level":5,"page":385},{"title":"قال المرداوي","level":5,"page":385},{"title":"المبحث الثاني: البدعة والمصلحة المرسلة وعلاقتهما بالترك","level":3,"page":408},{"title":"المطلب الأول: التعريف بالبدعة وعلاقتها بالترك","level":4,"page":408},{"title":"المسألة الأولى: المراد بالبدعة في اللغة","level":5,"page":408},{"title":"المسألة الثانية: المراد بالبدعة في الشرع","level":5,"page":409},{"title":"المسألة الثالثة: حكم البدعة الشرعية وعلاقتها بالترك","level":5,"page":417},{"title":"المطلب الثاني: المصلحة المرسلة وعلاقتها بالترك","level":4,"page":419},{"title":"المسألة الأولى: تعريف المصلحة في اللغة","level":5,"page":419},{"title":"المسألة الثانية: المصلحة في اصطلاح الأصوليين","level":5,"page":420},{"title":"أقسام المصلحة بالنظر إلى اعتبار الشرع لها","level":6,"page":422},{"title":"* القسم الأول","level":7,"page":422},{"title":"* القسم الثاني","level":7,"page":422},{"title":"* القسم الثالث","level":7,"page":422},{"title":"تقسيم الطوفي","level":6,"page":423},{"title":"اعتبار المصالح أو عدمه ليس في الأفعال التعبدية","level":6,"page":423},{"title":"المسألة الثالثة: تعريف المصلحة المرسلة وحجيتها","level":5,"page":424},{"title":"أقوال الأصوليين في حجية المصلحة المرسلة","level":6,"page":424},{"title":"وحاصل هذه الأقوال ثلاثة","level":6,"page":425},{"title":"* القول الأول","level":7,"page":425},{"title":"* القول الثاني","level":7,"page":425},{"title":"* القول الثالث","level":7,"page":426},{"title":"حقيقة الخلاف","level":6,"page":426},{"title":"شروط المصلحة عند من اعتبرها بشروط","level":6,"page":431},{"title":"اشترط الغزالي أن تكون المصلحة قطعية، كلية، ضرورية.","level":6,"page":431},{"title":"أما الشاطبي فقد اشترط أن تكون ملائمة لمقصود الشارع، معقولة في ذاتها، حقيقية لا وهمية، راجعة إلى رفع الحرج.","level":6,"page":432},{"title":"اعتراض والرد عليه","level":6,"page":434},{"title":"حاصل القول","level":6,"page":437},{"title":"هل كل مصلحة يقال فيها مصلحة مرسلة؟","level":6,"page":438},{"title":"المسألة الرابعة: علاقة المصلحة المرسلة بالترك","level":5,"page":439},{"title":"المبحث الثالث: أقسام الترك العدمي ودلالته","level":3,"page":441},{"title":"المطلب الأول: أقسام متروك النقل","level":4,"page":441},{"title":"متروك النقل عند الشاطبي","level":5,"page":441},{"title":"متروك النقل عند ابن القيم","level":5,"page":441},{"title":"متروك النقل عند الدكتور الأشقر","level":5,"page":442},{"title":"وبالنظر في التقسيمات السابقة نلاحظ ما يلي","level":5,"page":443},{"title":"بيان \"المقتضي\" الدي هو مورد التقسيم","level":5,"page":445},{"title":"حاصل القول إذن: أن الترك العدمي ينقسم إلى قسمين","level":5,"page":446},{"title":"الأول: الترك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع","level":6,"page":446},{"title":"الثاني: الترك لعدم وجود المقتضي","level":6,"page":446},{"title":"المطلب الثاني: دلالة أقسام الترك العدمي","level":4,"page":446},{"title":"أولا: ما كان له مقتضي على عهد النبي - ﷺ - ولم يمنع منه مانع","level":5,"page":446},{"title":"الأول: أن يكون في جانب العبادات المحضة","level":6,"page":446},{"title":"الثاني: أن يكون في جانب المعاملات","level":6,"page":447},{"title":"ويؤيد هذا أمور","level":7,"page":447},{"title":"حاصل القول","level":7,"page":448},{"title":"ثانيا: ما لم يكن له مقتضي على عهد النبي - ﷺ - ثم حصل ذلك المقتضي بعد","level":5,"page":449},{"title":"المبحث الرابع: تطبيقات على الترك العدمي","level":3,"page":451},{"title":"المطلب الأول: صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات","level":4,"page":452},{"title":"أولا: ما ورد في ذلك من أحاديث","level":5,"page":453},{"title":"ثانيا: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح","level":5,"page":455},{"title":"المطلب الثاني: إحياء ليلة النصف من شعبان","level":4,"page":457},{"title":"ما ورد في فضل هذه الليلة","level":5,"page":457},{"title":"وعلى فرض صحة ثلك الأحاديث كلها، هل يقتضي ذلك الفضل تخصيص هذه الليلة بقيام دون سائر الليالي؟","level":5,"page":459},{"title":"وأمام هذه النقولات لابد من بيان عدة أمور هامة","level":5,"page":460},{"title":"ولذا فالصحيح هو القول بأن تخصيص تلك الليلة بقيام على هيئة مخصوصة دون سائر الليالي بدعة لا يجوز.","level":5,"page":461},{"title":"المطلب الثالث: الاحتفال بالإسراء والمعراج","level":4,"page":462},{"title":"أولا: تاريخ حادثة الإسراء والمعراج","level":5,"page":462},{"title":"ثانيا: هل ورد فضل لليلة السابع والعشرين من رجب بخصوصها","level":5,"page":463},{"title":"ثالثا: المراد بالاحتفال","level":5,"page":463},{"title":"المطلب الرابع: تشييع الجنازة بالذكر","level":4,"page":464},{"title":"المطلب الخامس: قراءة القرآن على الميت","level":4,"page":469},{"title":"المطلب السادس: الاحتفال بالمولد النبوي","level":4,"page":470},{"title":"أولا: متى ولد النبي - ﷺ -","level":5,"page":470},{"title":"ثانيا: اتفق القائلون بحرمة المولد وبدعيته والقائلون بجوازه على أنه لم يقع في عهد الصحابة - ﵃ - والتابعين","level":5,"page":471},{"title":"ثالثا: السبب في عدم ضبط تاريخ المولد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يتحرون نقل ما لا يتعلق به عمل ولا عبادة","level":5,"page":471},{"title":"رابعا: مع اتفاق الكل على أن المولد لم يقع الاحتفال به في زمن الصحابة ولا التابعين","level":5,"page":471},{"title":"خامسا: أدلة القائلين بالجواز","level":5,"page":473},{"title":"سادسا: ما أجيب به على تلك الأدلة","level":5,"page":475},{"title":"١ - ما يذكره السخاوي يقوى أن يكون دليلا على التحريم لا على الإباحة،","level":6,"page":475},{"title":"٢ - قال الشيخ رشيد رضا في الرد على ما ذكره ابن حجر","level":6,"page":475},{"title":"٣ - ليس في حديث عاشوراء ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد،","level":6,"page":476},{"title":"٤ - حديث (ذلك يوم ولدت فيه) لا دلالة فيه على جواز الاحتفال بالمولد من وجوه","level":6,"page":477},{"title":"٥ - الاستدلال بحديث (أن النبي - ﷺ - عق عن نفسه) باطل من أمور كثيرة","level":6,"page":477},{"title":"سابعا: الاحتفال بالمولد النبوي من جنس القربات","level":5,"page":478},{"title":"المطلب السابع: الصلاة على النبي - ﷺ - عقب الأذان جهرا","level":4,"page":479},{"title":"يقول المقريزي","level":5,"page":480},{"title":"محل البحث","level":5,"page":482},{"title":"المطلب الثامن: تخطيط الصفوف في المساجد","level":4,"page":483},{"title":"وسوف أناقش هذه المسألة في عدة نقاط","level":5,"page":484},{"title":"وقد يقول قائل","level":5,"page":486},{"title":"والجواب عن ذلك من عدة أمور","level":5,"page":486},{"title":"المطلب التاسع: بناء المئذنة للمسجد","level":4,"page":487},{"title":"المطلب العاشر: الوصية الواجبة في الميراث","level":4,"page":489},{"title":"أما السبب لأخذ القانون الوضعي بهذا","level":5,"page":491},{"title":"السند التشريعي للوصية الواجبة","level":5,"page":491},{"title":"ومناقشة ذلك في النقاط التالية","level":5,"page":492},{"title":"الفصل الثاني ما يلحق بالترك العدمي","level":2,"page":497},{"title":"تمهيد","level":3,"page":498},{"title":"المبحث الأول: بيانه ترك الاستفصال","level":3,"page":499},{"title":"المطلب الأول: نسبة القاعدة للشافعي","level":4,"page":500},{"title":"المطلب الثاني: معنى القاعدة","level":4,"page":501},{"title":"المطلب الثالث: أحوال وصور الجواب الذي يقع عن سؤال","level":4,"page":504},{"title":"المطلب الرابع: مذاهب العلماء في اعتبار القاعدة","level":4,"page":507},{"title":"١ - المذهب الأول: القبول","level":5,"page":507},{"title":"٢ - المذهب الثاني: التفصيل بين حالتين","level":5,"page":508},{"title":"٣ - المذهب الثالث: الرد مطلقا.","level":5,"page":508},{"title":"المطلب الخامس: دفع التعارض بين هذه القاعدة وقاعدة قضايا الأحوال","level":4,"page":509},{"title":"المبحث الثاني: تطبيقاق ترك الاستفصال","level":3,"page":512},{"title":"المطلب الأول: صدقة المرأة دون توقف على إذن زوجها","level":4,"page":512},{"title":"المطلب الثاني: أيهما تقدم المستحاضة، العادة أم التمييز؟","level":4,"page":517},{"title":"المطلب الثالث: هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الناسي ومن لم ينزل وعلى المرأة؟","level":4,"page":518},{"title":"المطلب الرابع: هل نية المرأة في الرجوع إلى الزوج الأول تعتبر تحليلا للنكاح الثاني؟","level":4,"page":525},{"title":"المطلب الخامس: جواز الصلاة في مرابض الغنم هل يشترط فيه السلامة من أبوالها وأبعارها؟","level":4,"page":526},{"title":"نتائج الدراسة وتوصياتها","level":1,"page":530},{"title":"- المصالح المرسلة","level":2,"page":531},{"title":"- الإقرار","level":2,"page":531},{"title":"- وسائل العبادات","level":2,"page":531},{"title":"ملخص الدراسة","level":1,"page":533},{"title":"القسم الأول","level":2,"page":534},{"title":"القسم الثاني","level":2,"page":534},{"title":"القسم الثالث","level":2,"page":534},{"title":"كشاف إحالات الكنى","level":1,"page":537},{"title":"كشاف إحالات الألقاب","level":1,"page":540},{"title":"ثبت المصادر والمراجع","level":1,"page":543}],"ٛ":{"مقدمة,1":5,"مقدمة,2":6,"مقدمة,3":7,"تقديم,3":8,"تقديم,5":9,"تقديم,6":10,"تقديم,7":11,"تقديم,8":12,"تقديم,9":13,"تقديم,10":14,"تقديم,11":15,"تقديم,12":16,"تقديم,13":17,"تقديم,14":18,"تقديم,15":19,"تقديم,16":20,"تقديم,17":21,"تقديم,18":22,"تقديم,19":23,"تقديم,20":24,"تقديم,21":25,"تقديم,22":26,"تقديم,23":27,"تقديم,24":28,"تقديم,25":29,"تقديم,26":30,"تقديم,27":31,"تقديم,28":32,"تقديم,29":33,"1,2":35,"1,3":36,"1,4":37,"1,5":38,"1,6":39,"1,7":40,"1,8":41,"1,9":42,"1,10":43,"1,11":44,"1,12":45,"1,13":46,"1,14":47,"1,15":48,"1,16":49,"1,17":50,"1,19":51,"1,20":52,"1,21":53,"1,22":54,"1,23":55,"1,24":56,"1,25":57,"1,26":58,"1,27":59,"1,28":60,"1,29":61,"1,30":62,"1,31":63,"1,32":64,"1,33":65,"1,34":66,"1,35":67,"1,36":68,"1,37":69,"1,38":70,"1,39":71,"1,40":72,"1,41":73,"1,42":74,"1,43":75,"1,44":76,"1,45":77,"1,46":78,"1,47":79,"1,48":80,"1,49":81,"1,50":82,"1,51":83,"1,52":84,"1,53":85,"1,54":86,"1,55":87,"1,56":88,"1,57":89,"1,58":90,"1,59":91,"1,60":92,"1,61":93,"1,62":94,"1,63":95,"1,64":96,"1,65":97,"1,66":98,"1,67":99,"1,68":100,"1,69":101,"1,70":102,"1,71":103,"1,72":104,"1,73":105,"1,74":106,"1,75":107,"1,76":108,"1,77":109,"1,78":110,"1,79":111,"1,80":112,"1,81":113,"1,82":114,"1,83":115,"1,84":116,"1,85":117,"1,86":118,"1,87":119,"1,88":120,"1,89":121,"1,90":122,"1,91":123,"1,92":124,"1,93":125,"1,94":126,"1,95":127,"1,96":128,"1,97":129,"1,98":130,"1,99":131,"1,100":132,"1,101":133,"1,102":134,"1,103":135,"1,104":136,"1,105":137,"1,106":138,"1,107":139,"1,108":140,"1,109":141,"1,110":142,"1,111":143,"1,112":144,"1,113":145,"1,114":146,"1,115":147,"1,116":148,"1,117":149,"1,118":150,"1,119":151,"1,120":152,"1,121":153,"1,122":154,"1,123":155,"1,124":156,"1,125":157,"1,126":158,"1,127":159,"1,128":160,"1,129":161,"1,130":162,"1,131":163,"1,132":164,"1,133":165,"1,134":166,"1,135":167,"1,136":168,"1,137":169,"1,138":170,"1,139":171,"1,140":172,"1,141":173,"1,142":174,"1,143":175,"1,144":176,"1,145":177,"1,146":178,"1,147":179,"1,148":180,"1,149":181,"1,150":182,"1,151":183,"1,152":184,"1,153":185,"1,154":186,"1,155":187,"1,156":188,"1,157":189,"1,158":190,"1,159":191,"1,160":192,"1,161":193,"1,162":194,"1,163":195,"1,164":196,"1,165":197,"1,166":198,"1,167":199,"1,168":200,"1,169":201,"1,171":202,"1,172":203,"1,173":204,"1,174":205,"1,175":206,"1,176":207,"1,177":208,"1,178":209,"1,179":210,"1,180":211,"1,181":212,"1,182":213,"1,183":214,"1,184":215,"1,185":216,"1,186":217,"1,187":218,"1,188":219,"1,189":220,"1,190":221,"1,191":222,"1,192":223,"1,193":224,"1,194":225,"1,195":226,"1,196":227,"1,197":228,"1,198":229,"1,199":230,"1,200":231,"1,201":232,"1,202":233,"1,203":234,"1,204":235,"1,205":236,"1,206":237,"1,207":238,"1,208":239,"1,209":240,"1,210":241,"1,211":242,"1,212":243,"1,213":244,"1,214":245,"1,215":246,"1,216":247,"1,217":248,"1,218":249,"1,219":250,"1,220":251,"1,221":252,"1,222":253,"1,223":254,"1,224":255,"1,225":256,"1,226":257,"1,227":258,"1,228":259,"1,229":260,"1,230":261,"1,231":262,"1,232":263,"1,233":264,"1,234":265,"1,235":266,"1,236":267,"1,237":268,"1,238":269,"1,239":270,"1,240":271,"1,241":272,"1,242":273,"1,243":274,"1,244":275,"1,245":276,"1,246":277,"1,247":278,"1,248":279,"1,249":280,"1,250":281,"1,251":282,"1,252":283,"1,253":284,"1,254":285,"1,255":286,"1,256":287,"1,257":288,"1,258":289,"1,259":290,"1,260":291,"1,261":292,"1,262":293,"1,263":294,"1,264":295,"1,265":296,"1,266":297,"1,267":298,"1,268":299,"1,269":300,"1,270":301,"1,271":302,"1,272":303,"1,273":304,"1,274":305,"1,275":306,"1,276":307,"1,277":308,"1,278":309,"1,279":310,"1,280":311,"1,281":312,"1,282":313,"1,283":314,"1,284":315,"1,285":316,"1,286":317,"1,287":318,"1,288":319,"1,289":320,"1,290":321,"1,291":322,"1,292":323,"1,293":324,"1,294":325,"1,295":326,"1,296":327,"1,297":328,"1,298":329,"1,299":330,"1,300":331,"1,301":332,"1,302":333,"1,303":334,"1,305":335,"1,306":336,"1,307":337,"1,308":338,"1,309":339,"1,310":340,"1,311":341,"1,312":342,"1,313":343,"1,314":344,"1,315":345,"1,316":346,"1,317":347,"1,318":348,"1,319":349,"1,320":350,"1,321":351,"1,322":352,"1,323":353,"1,324":354,"1,325":355,"1,326":356,"1,327":357,"1,328":358,"1,329":359,"1,330":360,"1,331":361,"1,332":362,"1,333":363,"1,334":364,"1,335":365,"1,336":366,"1,337":367,"1,338":368,"1,339":369,"1,340":370,"1,341":371,"1,342":372,"1,343":373,"1,344":374,"1,345":375,"1,346":376,"1,347":377,"1,348":378,"1,349":379,"1,350":380,"1,351":381,"1,352":382,"1,353":383,"1,354":384,"1,355":385,"1,356":386,"1,357":387,"1,358":388,"1,359":389,"1,360":390,"1,361":391,"1,362":392,"1,363":393,"1,364":394,"1,365":395,"1,366":396,"1,367":397,"1,368":398,"1,369":399,"1,370":400,"1,371":401,"1,372":402,"1,373":403,"1,374":404,"1,375":405,"1,376":406,"1,377":407,"1,378":408,"1,379":409,"1,380":410,"1,381":411,"1,382":412,"1,383":413,"1,384":414,"1,385":415,"1,386":416,"1,387":417,"1,388":418,"1,389":419,"1,390":420,"1,391":421,"1,392":422,"1,393":423,"1,394":424,"1,395":425,"1,396":426,"1,397":427,"1,398":428,"1,399":429,"1,400":430,"1,401":431,"1,402":432,"1,403":433,"1,404":434,"1,405":435,"1,406":436,"1,407":437,"1,408":438,"1,409":439,"1,410":440,"1,411":441,"1,412":442,"1,413":443,"1,414":444,"1,415":445,"1,416":446,"1,417":447,"1,418":448,"1,419":449,"1,420":450,"1,421":451,"1,422":452,"1,423":453,"1,424":454,"1,425":455,"1,426":456,"1,427":457,"1,428":458,"1,429":459,"1,430":460,"1,431":461,"1,432":462,"1,433":463,"1,434":464,"1,435":465,"1,436":466,"1,437":467,"1,438":468,"1,439":469,"1,440":470,"1,441":471,"1,442":472,"1,443":473,"1,444":474,"1,445":475,"1,446":476,"1,447":477,"1,448":478,"1,449":479,"1,450":480,"1,451":481,"1,452":482,"1,453":483,"1,454":484,"1,455":485,"1,456":486,"1,457":487,"1,458":488,"1,459":489,"1,460":490,"1,461":491,"1,462":492,"1,463":493,"1,464":494,"1,465":495,"1,466":496,"1,467":497,"1,468":498,"1,469":499,"1,470":500,"1,471":501,"1,472":502,"1,473":503,"1,474":504,"1,475":505,"1,476":506,"1,477":507,"1,478":508,"1,479":509,"1,480":510,"1,481":511,"1,482":512,"1,483":513,"1,484":514,"1,485":515,"1,486":516,"1,487":517,"1,488":518,"1,489":519,"1,490":520,"1,491":521,"1,492":522,"1,493":523,"1,494":524,"1,495":525,"1,496":526,"1,497":527,"1,498":528,"1,499":529,"1,501":530,"1,502":531,"1,503":532,"1,504":533,"1,505":534,"1,506":535,"1,507":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,548":543,"1,549":544,"1,550":545,"1,551":546,"1,552":547,"1,553":548,"1,554":549,"1,555":550,"1,556":551,"1,557":552,"1,558":553,"1,559":554,"1,560":555,"1,561":556,"1,562":557,"1,563":558,"1,564":559,"1,565":560,"1,566":561,"1,567":562,"1,568":563,"1,569":564,"1,570":565,"1,571":566,"1,572":567,"1,573":568,"1,574":569,"1,575":570,"1,576":571,"1,577":572,"1,578":573,"1,579":574},"ٜ":{"مقدمة":[1,3],"تقديم":[3,29],"1":[2,579]},"ٝ":[null,null,null,null,"مقدمة,1","مقدمة,2","مقدمة,3","تقديم,3","تقديم,5","تقديم,6","تقديم,7","تقديم,8","تقديم,9","تقديم,10","تقديم,11","تقديم,12","تقديم,13","تقديم,14","تقديم,15","تقديم,16","تقديم,17","تقديم,18","تقديم,19","تقديم,20","تقديم,21","تقديم,22","تقديم,23","تقديم,24","تقديم,25","تقديم,26","تقديم,27","تقديم,28","تقديم,29",null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579"],"ٞ":{"5":[1,2],"8":[3],"9":[4],"11":[5],"14":[6],"16":[7],"19":[8],"22":[9],"23":[10],"27":[11],"28":[12],"31":[13],"38":[14],"40":[15],"42":[16],"43":[17],"46":[18],"51":[19],"55":[20],"56":[21],"62":[22],"67":[23],"68":[24],"69":[25],"70":[26],"71":[27,28,29],"72":[30,31],"73":[32,33],"74":[34],"75":[35,36,37],"76":[38,39],"78":[40],"80":[41,42,43],"81":[44],"83":[45,46,47,48],"86":[49],"87":[50,51,52],"88":[53,54,55],"89":[56,57],"90":[58],"91":[59],"92":[60,61],"93":[62,63],"95":[64],"98":[65,66],"99":[67],"100":[68,69,70],"101":[71,72],"102":[73,74],"103":[75,76],"104":[77],"105":[78],"106":[79],"108":[80,81],"110":[82,83],"111":[84,85],"112":[86,87,88],"113":[89],"115":[90],"116":[91],"117":[92],"118":[93,94],"122":[95,96],"124":[97],"125":[98],"129":[99],"132":[100],"133":[101,102,103],"134":[104],"141":[105,106],"147":[107],"149":[108],"154":[109],"157":[110],"158":[111],"159":[112,113],"160":[114],"165":[115,116,117],"166":[118,119,120,121],"167":[122],"168":[123,124],"169":[125,126],"171":[127,128],"172":[129],"173":[130],"174":[131,132,133],"175":[134,135],"178":[136],"179":[137],"181":[138,139],"186":[140],"187":[141],"190":[142,143,144],"193":[145],"194":[146],"195":[147],"196":[148],"197":[149],"199":[150],"200":[151],"201":[152],"202":[153,154,155],"204":[156,157],"206":[158,159],"207":[160,161],"208":[162,163,164,165],"209":[166,167,168],"212":[169,170],"213":[171],"214":[172,173],"216":[174],"217":[175],"218":[176],"226":[177],"227":[178],"229":[179],"233":[180],"234":[181],"236":[182],"237":[183,184],"238":[185,186],"239":[187],"240":[188],"243":[189],"245":[190,191,192],"246":[193,194,195,196,197,198,199],"247":[200,201,202],"248":[203,204],"249":[205],"250":[206],"251":[207,208],"252":[209],"253":[210],"254":[211,212],"257":[213,214],"258":[215,216],"259":[217],"260":[218],"261":[219,220],"262":[221,222],"263":[223],"264":[224,225],"265":[226],"266":[227],"267":[228],"269":[229],"270":[230,231],"272":[232],"273":[233,234],"274":[235,236],"275":[237],"277":[238],"278":[239,240],"279":[241],"282":[242],"283":[243],"284":[244],"286":[245],"287":[246],"288":[247,248],"289":[249],"291":[250],"292":[251],"294":[252],"295":[253,254],"296":[255,256],"301":[257],"302":[258],"303":[259],"304":[260],"305":[261],"306":[262,263,264],"308":[265,266,267,268],"309":[269,270,271],"311":[272],"312":[273,274],"314":[275,276],"315":[277],"322":[278],"329":[279],"331":[280,281],"332":[282],"334":[283],"335":[284,285],"336":[286,287],"337":[288],"343":[289],"346":[290,291],"348":[292],"349":[293,294],"353":[295,296],"354":[297],"356":[298],"358":[299],"359":[300],"360":[301],"363":[302],"364":[303],"367":[304],"368":[305],"369":[306,307],"383":[308],"384":[309,310,311],"385":[312,313],"408":[314,315,316],"409":[317],"417":[318],"419":[319,320],"420":[321],"422":[322,323,324,325],"423":[326,327],"424":[328,329],"425":[330,331,332],"426":[333,334],"431":[335,336],"432":[337],"434":[338],"437":[339],"438":[340],"439":[341],"441":[342,343,344,345],"442":[346],"443":[347],"445":[348],"446":[349,350,351,352,353,354],"447":[355,356],"448":[357],"449":[358],"451":[359],"452":[360],"453":[361],"455":[362],"457":[363,364],"459":[365],"460":[366],"461":[367],"462":[368,369],"463":[370,371],"464":[372],"469":[373],"470":[374,375],"471":[376,377,378],"473":[379],"475":[380,381,382],"476":[383],"477":[384,385],"478":[386],"479":[387],"480":[388],"482":[389],"483":[390],"484":[391],"486":[392,393],"487":[394],"489":[395],"491":[396,397],"492":[398],"497":[399],"498":[400],"499":[401],"500":[402],"501":[403],"504":[404],"507":[405,406],"508":[407,408],"509":[409],"512":[410,411],"517":[412],"518":[413],"525":[414],"526":[415],"530":[416],"531":[417,418,419],"533":[420],"534":[421,422,423],"537":[424],"540":[425],"543":[426]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التروك النبوية «تأصيلا وتطبيقا»\n\nتأليف\nمحمد صلاح محمد الإتربي\n\nتقديم\nالأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو زنيد\nفضيلة الشيخ محمد عبد المقصود\nالأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب\nفضيلة الشيخ ياسر حسين برهامي\nالأستاذ الدكتور أشرف بن محمود الكناني\n\nإصدارات\nوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية\nإدارة الشؤون الإسلامية\nدولة قطر","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"دولة قطر - وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية\n\nطبعة خَاصَّة\nبوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"التّروكُ النَّبَويَّةُ «تَأصِيلًا وَتَطْبِيقًا»","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"مقدمة","page":null},{"text":"- أ -\n\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nمقدمة لكتاب التروك النبوية\nالحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإسلام قد خلفوا لنا تراثا علميًا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلًا عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.\nوإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لتحمد الله ﷾ على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.\nوالمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث","vol":"مقدمة","page":1},{"text":"- ب -\n\nالإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.\nومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة، ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز للمحرر الوجيز لابن عطية مقابلًا على نسخ خطية عدة.\nوفي السُّنة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن) و(حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و(شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و(شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و(نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى صحيح ابن خزيمة بتحقيقه الجديد المُتقن.\nوأخيرًا صدر عن الوزارة كتاب: (التقاسيم والأنواع) للإمام ابن حبان وكذا (مطالع الأنوار)، لابن قرقول، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.\nوفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أ. د. عبدالعظيم الديب -رحمه الله تعالى- وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبدالله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة) للخمي، وحاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي، وكتاب الإقناع في مسائل الإجماع، لابن القطان الفاسي، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.\nوفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي). وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو كتاب (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار، صاحب الإمام النووي رحمهما الله.","vol":"مقدمة","page":2},{"text":"- جـ -\n\nولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و(نوازل الإنجاب) وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، ونوازل الأمة.\nواليوم يسرنا أن نقدم لكم كتاب التروك النبوية، لمؤلفه محمد صلاح محمد الإتربي، وهو بحث بذل فيه مؤلفه جهدًا كبيرًا، وأراد من خلاله أن يقدم للقارئ شرحًا موسعًا عن موضوع التروك النبوية.\nوتظهر أهمية مبحث التروك في أنه أحد قسمي السنة، فكما كان النبي - ﷺ - مشرعًا بقوله وبفعله، فقد كان النبي ﷺ مشرعًا بالترك كذلك وقد ورد في السنة ما يشير إلى أنه - ﷺ - كان قاصدًا الترك وأن الصحابة - رضوان الله عليهم- كانوا ينقلون عن النبي - ﷺ - الترك كما كانوا ينقلون عنه الفعل سواء بسواء، وما ذاك إلا لما استقر في أذهانهم أن ذلك تشريع للأمة وبيان للأحكام، وأن الترك يتعلق به أحكام شرعية وثواب وعقاب وتكليف.\nفترك النبي ﷺ له جانب تشريعي مهم لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ولابد للمجتهد من معرفته، وذلك لتوقف الحكم في كثير من مسائل النوازل عليه كما أنه مؤثر في الحكم على العمل بالبدعية أو السنية وكذا في تمييز المصالح المرسلة من غيرها.\nوالترك وثيق العلاقة بباب المقاصد، ولا يكتمل البحث في المقاصد دون البحث في الترك، فمجال البحث التطبيقي في المقاصد لا يكتمل إلا بتناول جانب الترك، كما أن سد الذرائع، وهو من الأدلة التي أخذ بها الجمهور، تندرج أغلب مسائله أيضًا في الترك.\nلكن ما هي صفة هذا الترك، وهل كل ترك منه - ﷺ - يكون حجة، أم أن منه ما هو حجة ومنه ما ليس بحجة، وهل استنبط الفقهاء أحكامًا شرعية من تركه - ﷺ -، وما هي الضوابط التي قام عليها هذا الاستنباط إن وجد؛ هذا ما أراد الباحث بيانه في هذه الدراسة، نسأل الله تعالى أن ينفع بها ويجزيه عليها خير الجزاء.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"مقدمة","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>إهداء </span>إلى\nالعالم الجليل، ذي الفضل البار، والإفضال الشائع، والمحتد الأصيل، والمجد الأثيل، والعزة القَعسَاء، والرتبة الشماء، إمام الفضلاء، وسيد النبلاء، وتاج العلماء، أسد السنة، وزينة الأمة\nالشيخ أبي إسحاق الحويني\nبِيُمنِ أبي إسحاق طالتْ يدُ الهدى ... وقَامتْ قَناةُ الدِّيِنِ واشتدّ كاهله\nهوَ البحرُ مِن أيِّ النواحِي أتَيته ... فَلُجَّتُهُ المعروفُ والعلم ساحِلُهْ\nشيخي الحبيب\nأطال الله في الطاعة عمرك، وشفاك وعافاك من كل سوء ضرك، ورفع مقامك، وأعلى رتبتك، وجمعك بالنبيين والصالحين وأكرمك.\nمحمد صلاح الإتربي\nكفرالشيخ - الأحد ١٣ رجب ١٤٣٣ هـ\nالموافق ٣/ ٦ / ٢٠١٢ م","vol":"تقديم","page":3},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقديم الأستاذ الدكتور عبد الحميد علي أَبو زنيد</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nاطلعت على الأطروحة المقدمة من الباحث: محمد صلاح محمد الإتربي، المقدمة لنيل درجة الماجستير في أصول الفقه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، قسم الشريعة الإسلامية، والتي عنوانها: \"تروك النبي ﷺ دراسة تأصيلية وتطبيقية\".\nقسم الباحث أطروحته إلى ثلاثة أبواب، تحت كل باب عدة فصول، وكان موفقًا في هذا التقسيم؛ إذ به سيطر على تقسيم مادته العلمية، وقدم الباحث لأطروحته بمقدمة استوعب الباحث فيها جميع ما سبق وأن كُتب في موضوعها على مر العصور، وتميزت الأطروحة بالجانب التطبيقي حيث حشد الباحث العديد من المسائل التطبيقية المبنية على الترك سواء أكان وجوديًّا أم عدميًّا.\nفي الباب الأول -التعريف بترك النبي ﷺ- ذكر الباحث صورًا من تروك المكلفين، وهو خارج عن موضوع الأطروحة؛ إذ أن ترك المكلف ليس مصدرًا من مصادر التشريع، وكان الأولى التعرض لما سكت عنه الوحي مما حدث في زمن النبوة، ولم يطلع عليه النبي ﷺ.\nما ورد في الأطروحة من مادة علمية: طلبة العلم في أمس الحاجة إليها، وستجد لها موقعًا على رفوف المكتبة الإسلامية.\nاعتنى الباحث بتخريج الأحاديث والترجمة للأعلام الواردة في ثنايا","vol":"تقديم","page":5},{"text":"الأطروحة.\nأتبع الباحث أطروحته بالعديد من الكشافات والفهارس التي تعين القارئ على الوصول للمادة العلمية بيسر وسهولة.\nأتمنى للباحث التوفيق والسداد في حياته العلمية مستقبلًا.\nوصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد - ﷺ -.\nمقيده\nأ. د. عبد الحميد علي أبو زنيد\nالأستاذ بكلية الشريعة وأصول الدين\nرئيس قسم أصول الفقه سابقًا بكلية الشريعة\nبجامعة القصيم","vol":"تقديم","page":6},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>تقديم فضيلة الشيخ محمد بن عبد المقصود العفيفي</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد ..\nفإن لتروك النبي ﷺ جانبًا تشريعيًّا هامًّا لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ومن ثم فلابد للمجتهد المتأهل أن يسبر أغوارها، ويحكم تأصيلها، ويعرف أبعادها وأحوالها، وذلك لتوقف الحكم في كثير من المسائل عليها.","vol":"تقديم","page":7},{"text":"ومع أهمية هذا الباب، لم نقف على مؤلَّف أصولي واحد للأئمة المتقدمين يتناول هذه المسألة المهمة - مسألة التروك - بالدراسة المستقلة.\nوهذه الأطروحة - التي يشرفني أن أقدم لها - تعد دراسة هامة، جديرة بالاطلاع عليها وفهمها، حيث تعدّ إثراء للمكتبة الإسلامية، وقد انتهى فيها الباحث - حفظه الله - لوضع تصوّر كامل عنها، بعدما بحثها من كافة جوانبها، حتى اكتمل تأصيل هذا الجانب الأصولي المهم.\nوقد تطلب ذلك من الباحث - جزاه الله خيرًا - جهدًا كبيرًا في البحث والتنقيب، والجمع والإعداد، والمناقشة والترجيح، مما استلزم اطلاعًا وافرًا على المصادر الأصلية الأصولية، وكذلك في الدلالة عليها، والنقل من كتب الحديث المعتمدة، مع تخريجها والحكم عليها قبولًا وردًّا، مسترشدًا بأئمة هذا الشأن وفرسانه.\nوقد امتازت هذه الأطروحة بسلاسة الأفكار وتسلسلها، والفحص الدقيق للأقوال ونظائرها، ونسبة كل قول إلى قائله والدليل عليه، مع تدوينٍ دقيقٍ للمصادر والمراجع، مما ينبئ عن سعة اطلاع، وفهم ثاقب للباحث حفظه الله ورعاه.\nوقد كان الباحث - جزاه الله خيرًا - موضوعيًّا في اختياراته، منصفًا في مناقشاته، مع سعة صدر، ورحابة أفق، فجمع في رسالته ما تفرق في غيرها، ولملم شتات الأقوال ورجح بينها، في ترتيب رصين، وتبويب متين.\nفصارت هذه الرسالة درعًا وسندًا لسنة خير المرسلين - ﷺ -، فيفرح بها كل سني متبع، ويغصّ بها حلق كل مبتدع، إذ ردّ الباحث على هؤلاء","vol":"تقديم","page":8},{"text":"المبتدعة، وأبان سوء فهمهم لباب التروك، وما تذرعوا به، ففند شبههم، وأظهر عوار أقوالهم، وذلك بأسلوب علمي، وأدب جم راق.\nوإنني أهيب بكل طالب علم، وكل داعية بدراسة هذه الأطروحة القيمة، التي شرفتُ بالاطلاع عليها، والتقديم لها، فمن رزق فهم هذا الباب، فقد رزق فهم نصف السنة، فإن السنة فعل وترك، والله المستعان.\nوإن الجهاد كما يكون بالطعن والسنان يكون أيضًا بالقلم واللسان، وإن أولى ما يتنافس به المتنافسون، وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون: ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق السعادة دليلًا، وذلك العلم النافع والعمل الصالح اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما، ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رزقهما فقد فاز وغنم، ومن حرمهما فالخير كله حُرم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nأسأل الله ﷿ أن يبارك في هذا العمل، وأن يرزقه القبول في الدنيا والآخرة، وأن ينفع به كاتبه وكل من اطلع عليه، سائلًا الله ﵎ أن يرزقنا الإحسان في القول والعمل، والإخلاص في السر والعلن، وعلى الله قصد السبيل.\n﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.\nوكتبه\nأَبو عبد الرحمن\nمحمد بن عبد المقصود العفيفي","vol":"تقديم","page":9},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>تقديم فضيلة الشيخ ياسر برهامي</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٥، ٧١].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nأما بعد ..\nفإن قضية البدعة وضررها على الأمة عمومًا وعلى الصحوة خصوصًا قضية عظيمة الأهمية، وهي مسألة اختلاف واسع بين الاتجاهات الإسلامية، وتحقيقها يتوقف عليه مدى العلاقة بين هذه الاتجاهات، مما له أكبر الأثر في","vol":"تقديم","page":10},{"text":"الوصول إلى الغايات المنشودة.\nوهذه القضية تأصيلها مبني على ما تركه النبي ﷺ في الأمور المختلفة، وأنواع هذا الترك، ولا شك في شدة حاجة طلاب العلم والدعاة إلى معرفة هذا التأصيل، ومواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف فيه، لنعرف ما يسوغ وما لا يسوغ من اجتهاد في هذا الباب.\nوتأتي هذه الرسالة للأخ الكريم الأستاذ محمد صلاح الإتربي حفظه الله - والتي اطلعت عليها إجمالًا، وعلى كثير من أجزائها تفصيلًا - ضوءًا جديدًا في هذا المجال، فيها توضيح عامة المسائل في هذه القضية، وبيان الراجح فيها، قد التزم مؤلفها المنهج السلفي، مسندًا الأقوال إلى مصادرها، أسأل الله أن ينفع بها كاتبها وقارئها وناشرها في الدنيا والآخرة.\n\nكتبه\nياسر برهامي\nالإثنين ١٤ رجب ١٤٣٣ هـ\nالموافق ٤/ ٦ / ٢٠١٢ م","vol":"تقديم","page":11},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>تقديم الدكتور/ أحمد بن عبد الرحمن النقيب</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوبعد:\nتعدُّ هذه الدراسة التي بين أيدينا من الدراسات البينيّة، هذه الدراسات التي تضربُ في أكثر من فن، وثمرتها تمُكن صاحبها من هذه الفنون التي ضرب فيها، وهذا بخلاف الدراسات الجزئية الضيّقة!!\nأيضًا، مجال الدراسات الأصولية الفقهية مجال ثَرٌّ - وإن تعددت وكثرت فيه الدراسات -، فلا زال الدرس الأصولي الفقهي في حاجة إلى مزيد من الدراسة، ولا يزال كثير من مسائله وقضاياه في حاجة إلى مُناقشة وتحرير!!\nومن هذه القضايا تأتي \"قضية التروك النبوية\"، وهي شائكة، لم يُفرد لها المتقدّمون تصنيفًا، كما لم يُشمّروا عن سواعدهم في إجلائها شأنهم في كثير من قضايا المجال!! بل إن الدارس الأصولي الحديث لم يتوافر على دراسة هذه القضية وأزيد \"الشريفة\"، لتعلُّقها برسول الله - ﷺ -، والذي لا ينطق عن الهوى، والذي تتنوع تروكه ما بين الاعتيادي العرفي والوحي التشريعي، وكان هذا الملمح مُغريًا للدراسة للوقوف على الملامح المعيارية المشكلة كلا النوعين!!","vol":"تقديم","page":12},{"text":"أيضًا، مما يُثير الجدّة في الدراسة: تعلُّقها بالقصد، وهذا التعلق يجعلُ الاجتهاد قائمًا والنظر مُعتبرًا، وهذا ما اجتهد الباحث - جزاه الله خيرًا - في سبره وخوض غماره، في محاولة حثيثة - أراها حسنة - لضبط الألفاظ والمصطلحات المميزة للمجال، أيضًا محاولة ضبط تقسيماته وتفريعاته وتطبيقاته، وهذا كله مُشعرٌ بتمكن الباحث في هذا المجال.\nومما يُشيرُ إلي تمكن الباحث - في مجاله -: ترتيبه المنطقي لمادة كل باب، فهو يقسّمه إلى فصول ثم مباحث؛ وعندما يتناول قضية في مبحث فإنه يُعرّفها لغويًّا ثم أصوليًّا، ثم يسوق أدلة كل فريق - عند تعدد التعريفات - وربما رجّح ما يراه، وذلك مثل ترجيحه جواز بناء المآذن في المساجد وأنها ليست بدعة أو حرامًا، وذلك في معرض تطبيقات الترك العدمي، وهو - غالبًا - عندما يُرجّح يستخدم النظر والقواعد والضوابط، مثل ميله إلى أنه لا كفارة على المرأة التي جامعها زوجها في نهار رمضان وهي صائمة؛ ذلك أن رسول الله - ﷺ - سكت عن حكم المرأة التي جامعها زوجها في رمضان، وجعل الكفارة على الرجل، والمقام مقام بيان مع الحاجة، ولو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال - في مقامنا - لاستفصل النبي ﷺ منها، أو ربما رجّحَ ما يذهبُ إليه الجمهور، ثم يأتي بأقسام مسائل الموضوع بطريقة حسنة.\nومما يُميّز الباحث ودِراسَتَهُ: فهمه الحسن لموضوعه وحسن الربط بين أبعاضه وأجزائه، واعتماده على ما صحّ من الدليل، وما ضَعُفَ ذكره مع بيان ضعفه - لا سيّما إن كان مشهورًا - كخبر مُراجعة الحباب بن المنذر النبيَّ - ﷺ - موضع بدر.","vol":"تقديم","page":13},{"text":"أيضًا، من مميزات الرسالة الوحدة العلمية العضوية بين متن الرسالة وهامشها، هذا كله مع حُسن استخدام المصادر وجودة توثيق المعلومة ونسبة الأقوال إلى أصحابها.\nوبالجملة فإن الدراسة طيّبة مُسدَّدة، وإن كانت هناك ملاحظات يسيرة، فإنها لا تحطُّ من قدر الدراسة ولا تنزل من شأن الباحث الواعد - بارك الله فيه -.\n\nوصفوة القول: لقد اطلعتُ على الدراسة فأفدتُ منها أكثر مما لاحظتُ عليها، وأرى أنها دراسة مفيدة لطالب العلم، وأسألُ الله أن يجعلها في ميزان صاحبها، وأن تكون بداية حسنة لسُلَّم التوفيق والرُّقي.\nوصلى الله وسلم وبارك على النبي الحبيب محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nوكتبه\nد/ أحمد بن عبد الرحمن النقيب\nقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية\nكلية التربية - جامعة المنصورة\nDr-alnakeep@hotmail.com","vol":"تقديم","page":14},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>تقديم الدكتور/ أشرف بن محمود بن عقلة الكناني</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nفإن من نعم الله تعالى العظمى عليَّ أن وفقني لزيارة مصر الحبيبة إلى قلبي عدَّة مرات، وسبب حبي لها أمران؛ الأول: أنها بلد العلماء في القديم والحديث، والآخر: طيبة أهلها وصفاء أُناسها، ومن عظيم منن الله تعالى عليَّ أن هيأ لي أسباب لقيا شيخنا المحدِّث العلامة أبي إسحاق الحويني - حفظه الله","vol":"تقديم","page":15},{"text":"تعالى وشفاه، وفسح في مدته - في زيارتي الثانية لمصر عام ٢٠٠٨ م، التي خصصتها لهذا الهدف، ولو رجحت بدونه لخسرت متعة من أجمل متع الدنيا؛ ألا وهي: متعة لقيا العلماء؛ فإن لقياهم والجلوس معهم جنة الدنيا، كما وصف العلماء، فالحمد لله على ما يسَّر ووفق، وأسأله المزيد من فضله، وعميم إحسانه.\nهذا وقد وثق بي الأخ: \"محمد الإتربي\" مرتين؛ مرة حينما استشارني في بعض جوانب من موضوعه القيِّم هذا: \"تروك النبي ﷺ دراسة تأصيليَّة تطبيقيَّة\"، والمرة الثانية: حينما دفع إليَّ هذه الرسالة لأقدم لها، وهذا من حسن ظنه بإخوانه، فجزاه الله تعالى خير الجزاء، وجعلني خيرًا مما يظنون، وغفر لي ما لا يعلمون.\nوكنت قبل ذلك قد أشرت على أحد الإخوة عندنا في الأردن أن يكتب في أطروحته للدكتوراه في: \"مباحث الترك عند الأصوليين\"، نظرًا لأهميَّة الموضوع، وكثرة تفصيلاته، وفعلًا اخترت له هذا العنوان مع مفرادته، وبدأ في الكتابة فيه إلى أن أنهاه، ولكن أخانا لم ينله التوفيق في كثير مما كتب، أو على الأقل لم يكتب على الوجه الذي كان في ذهني من التأصيل العلمي، والتطبيق العملي، وبقيتُ أشعر بخيبة أمل تجاه الكتابة في هذا الموضوع إلى حين زيارتي هذه لمصر؛ حيث ساقني القدر بين يدي زيارتي لشيخنا الحويني، أن صحبني أخانا عمرو الحويني إلى بيت الشيخ محمد الإتربي - وفقه الله تعالى -، وكم سررت حينما أبلغني أنه اختار موضوعًا لأطروحته في الماجستير في تروك النبي ﷺ، وسألت الله تعالى في نفسي أن يُوفق في كتابته لهذا الموضوع، وكنت","vol":"تقديم","page":16},{"text":"بعدها أتابع عن طريق أخينا عمرو الحويني مراحل كتابته وأطمئن على عمله الذي طال وقته، إلى أن هيأ الله تعالى لي أن أزور مصر للمرة الرابعة، وهيأ الله تعالى سبب زيارتي للشيخ محمد الإتربي عن طريق أخينا عمرو دون سابق ميعاد في يوم الثلاثاء ٢٦/ ١ / ٢٠١٠ م، فأهداني الإتربي نسخة من رسالته، فسررت سرورًا عظيمًا بها، وقلَّبت بعض صفحاتها، وكان يبدو لأول وهلة عظيم الجهد المبذول فيها، وبعدها بيومين هيأ الله تعالى لي زيارة شيخنا العلامة أبي إسحاق الحويني، وكان مما ذكرت لفضيلته أن موضوع رسالة تروك النبي ﷺ، موضوع مهم، وقد وفِّق الباحث فيه، فكان مما قال - أنقل كلام فضيلته بالمعنى -: \"نحن حريصون على نشر مثل هذا الموضوع وتقديمه للناس، ومن النادر أن يكتب أحد مثل هذه الكتابة، وبمثل هذه الطريقة\" فاعتبرت هذا شهادة مبدئية للرسالة قبل أن أقرأها، وهي شهادة يُغبط الباحث عليها، ولا تنفعه شهادتي بشيء بعدها.\nوحينما قرأت الرسالة بعد رجوعي إلى بلدي، ألفيتها رسالة تُشفي الغليل، وتبرئ العليل؛ حيث امتازت بسباكة التأصيل، وحسن التمثيل، وقد استقصى الباحث فيها مسائل الترك عند الأصوليين، ومثَّل لذلك تمثيلًا حسنًا واقعيًّا، مع ما انضم إلى ذلك من ظهور شخصية الباحث ظهورًا واضحًا في كل الرسالة، وإنصاف في التعامل مع المخالف، وتجرد للحق دون تبني رأي مُسبَق وحسن التقسيم والتنويع، كل ذلك في عدم إطالة مملة، أو اختصارة مخلَّة، وقد امتازت الرسالة بميزات كثيرة تدل على سعة اطلاع الباحث وتنوع معرفته للعلوم الشرعيَّة، أعرضها مع التعليق عليها من خلال ما يلي:","vol":"تقديم","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أولًا: أهمية البحث في تروكه - ﷺ </span>-.\nلم ينل هذا الموضوع حظه في دراسات الأصوليين قديمًا وحديثًا، ربما لوضوحه في أذهان العلماء السابقين، وربما لأن كتاباتهم تميزت بمناقشة أصول المسائل ومشاهيرها، وربما كان ذلك من باب: وكم ترك الأول للآخر.\nومهما كان سبب ذلك، إلا أنه بات من الضروري جدًّا أن تبحث جوانب هذا الموضوع بحثًا حثيثًا في دراسات المعاصرين، التي امتازت ببحث الجزئيات بحثًا مفصَّلًا مع الاستقراء والتتبع، وهذه نعمة من نعم الله علينا في هذا العصر.\nوتكمن أهميَّة هذا الموضوع بحسب ما أرى فيما يلي:\n١ - أن الترك أحد أنواع البيان، تتعلق به أحكام شرعيَّة، يترتب عليها ثواب أو عقاب، ولتروك النبي ﷺ دلالات وأحكام تُبنَى عليها فروع كثيرة؛ فكان لابد من تأصيل شامل لكل جزئيات تروكه - ﷺ -.\n٢ - أن الترك أحد أنواع التشريع، فكما كان النبي ﷺ يُشرِّع بالفعل كان يُشرِّع بالترك، وهذا يدل على اختلاف أحوال التشريع وتنوعها.\n٣ - أن للترك أنواعًا شتَّى، وكل نوع له حكم معيَّن، ومنه ما هو حجة يدل على الوجوب، أو على الإباحة، أو على التحريم، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بالتأصيل والتنويع والتقسيم.\n٤ - أن إغفال مسألة الترك أوقعت كثيرًا من الناس في الابتداع، ومخالفة السنة، فقالوا بشرعيَّة أشياء، وحسبوها على حساب السنة، وهي تخالف","vol":"تقديم","page":18},{"text":"السنة من كل وجه، وما أوقعهم في ذلك إلا الغفلة عن التأصيل العلمي لمسألة الترك.\n٥ - أن هناك مسائل معاصرة تتعلق بمسألة الترك، وتأصيل هذه المسألة تأصيلًا واضحًا يُنهى الخلاف في هذه المسائل، ويضع المرء منها على بيِّنة وبصيرة، ويقضي على الجدل الواسع، والخلاف العريض، والنقاش الطويل، مع ما يصحب ذلك أحيانًا من الخروج على آداب الخلاف، كالطعن في النيات، والاتهام بالجمود والتخلف والرجعيَّة؛ والخلاف إذا رَجَعَ إلى أصل يحتكم إليه سَهُل التغلب عليه، وأدى إلى توسيع المدارك، وإلى أن يعذر الناس بعضهم بعضًا فيما يذهبون إليه.\nوقد هيأ الله تعالى فارسًا هُمامًا أُوتي الجلد في البحث والنظر والتتبع والاستقراء، وكشف عن أهميَّة هذا الموضوع بحسن تقسيمه، وسلاسة أسلوبه، وجميل تأصيله، وأحسب أن كل ما ذكرت من أهداف قد حققه الباحث في هذه الرسالة، فبارك الله في جهوده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>ثانيًا: وجوب إعادة النظر في طريقة التمثيل في كتب الأصوليين</span>.\nاعتادت الكتابة الأصولية - وبالأخص المتأخرة منها - عادة غير حميدة؛ وهي: أن كثيرًا ممن يكتب في الأصول جرى في الكتابة والتأليف على عادة المتكلمين؛ حيث الصعوبة في العبارة إلى درجة الإغلاق، وتجريد القواعد الأصولية من الأمثلة العمليَّة، أو ذكر المثال لمجرد التمثيل على القاعدة حتى وإن كان المثال في ذاته صحيحًا، والخلل في كتب بعض الأصوليين من هذه الجهة من وجهين: الأول: وجود قواعد لا فروع لها. والثاني: عكس الأمر","vol":"تقديم","page":19},{"text":"الأول، وهو وجود قواعد لها فروع، لكن يعتور ذلك أمران: أحدهما: أن تكون الفروع غير صحيحة في ذاتها؛ بل أتَوا بها لمجرد توضيح القاعدة، والآخر: أن تكون الفروع صحيحة، لكنهم يقتصرون على فروع معيَّنة تدور عليها كتب الأصوليين، وكأنه لا يوجد غيرهما في الكتاب والسنة وأقوال السلف، إلى غير ذلك من أساليبهم في التأليف.\nوقد درج هذا الأسلوب عند الأصوليين من القديم إلى الحديث، حتى سمعت بعض الباحثين في الأصول يقول: \"إذا لم تكن الكتابة في الأصول ذات عبارات صعبة ومعقدة ومغلقة تحتاج لبسط وشرح، فليست كتابة أصولية ... \" هكذا قال؛ فسبحان الله، وهل أول كاتب لعلم الأصول الإمام الشافعي كانت كتابته كذلك؟! وهل علم الأصول إلا علم خادم للفهم والاستنباط؟ فإذا كانت هذه صفته، فكيف يؤدي غرضه؟ أليس أعظم كتاب وأنفعه للبشرية حتى كان دستورها العظيم، وقرآنا يُتلى آناء الليل وأطراف النهار، ذو أسلوب سهل سلس يفهمه القاصي والداني؟\nولقد عاب عليَّ أمثال هذا المتحدِّث حينما التزمت في رسالتي للدكتوراه، وفي بعض أبحاثي، أن تكون كتابتي في الأصول سلسة مدعَّمة بالأمثلة الواقعيَّة التي تظهر القاعدة وتوضحها - وأرجو أن أكون وفقت في ذلك - فقال لي غير واحد: لقد خرجت عن الأصول إلى الفقه، بل إلى الفقه المقارن، لماذا لا تذكر المثال وتمضي، فالمهم هي القاعدة الأصولية؟ قلت: عجبًا من مثل هذا الكلام! وهل غرض القاعدة الأصولية سوى التمثيل والتطبيق؟ ألم يقل الإمام الشاطبي: \"كل مسألة موسومة في أصول الفقه لا يبنى عليها فروع فقهية،","vol":"تقديم","page":20},{"text":"أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عاريةٌ\" (١)، أليس تنمية ملكة البحث والاستنباط والاجتهاد تكون بضرب الأمثلة بل والتطويل فيها، مع التوضيح والتفصيل والاستدراك والرد على التوجيهات والاستدلالات مرة بالإلزام بقاعدة أخرى، ومرة بتوضيح عدم اطراد القاعدة، ومرة بالاستثناء منها، أو إدخال ما ليس منها فيها، لدليل أو قرينة وما أشبه ذلك.\nولا يخفى أن أثر التأصيل لا يظهر إذا كان بمنأى عن التطبيق، فعلم الأصول أُضيف إلى الفقه: \"أصول الفقه\" ولم يُضف للفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يكن مفيدًا فليس هو من أصول الفقه.\nوقد حمدت للباحث الكريم سلاسة أسلوبه، وحسن تمثيله، وقربه من روح الكتاب والسنة؛ ليدلل على أن علم أصول الفقه ليس علمًا جامدًا كما يقولون، أو علم استوى واحترق كما يزعمون، بل هو علم مرن ممتع سلس لمن فهمه وأدرك غايته، وأحسن استخدامه، بل هذا العلم على حقيقته وصورته البهيَّة التي وضعها أسلافنا، يقدِّم حلولًا منطقيَّة علميَّة لكثير من إشكالات مسائل الخلاف، ولا أظنني أُغرب إذا قلت: إن حل معضلات مسائل الخلاف محصورة في معرفة علمين لا ثالث لهما: علم أصول الفقه، وعلم أصول الحديث، فالأول يضبط الاستدلال، والآخر يضبط الدليل، وإذا استقام الأمران، استقام الفهم، وقَرُبَ من فهم السلف، وبقدر إدراك\n_________\n(١) انظر: الشاطبي: \"الموافقات\" (ج ١ / ص ٣٧، ٣٩).","vol":"تقديم","page":21},{"text":"العلمين، بقدر ما تنحصر مسائل الخلاف، وبقدر ما تتوحد الأمة على منهج سواء لا تقع معه في معضلات الخلافات والتناحرات والصراعات والاتهامات.\nولعل منهج التمثيل هذا، يحقق طريقة الأصوليين والفقهاء في التوظيف العملي لتفسير ألفاظ الشارع، وإيقاف طالب العلم على نماذج من ذلك، مما يُكسبه الدربة والمراس، واتساع الآفاق وطول النفس في المسائل، وطلب الدليل لها بكافة الإمكانات، مع عدم العجلة والإسراع في الجزم بالحكم، الذي يتبعه كيفية التعامل مع الخلاف والمخالف، بشكل أرحب وصدر أوسع.\nلذلك كله أعجبني جدًّا مسلك باحثنا الكريم في التمثيل، وهو التمثيل الموسَّع أو البحث الفقهي الموسع (١) في بعض المسائل، رغم أنه قد تكون هذه الطريقة في التمثيل معيبة على مذهب البعض في بحث المسائل الأصولية، غير أني أراها عين الصواب، وفصل الخطاب من طرق التمثيل الأصولي؛ حيث إن ثمرة علم أصول الفقه لا تظهر إلا بالمثال، والمثال إذا لم يُبحث من جميع جوانبه، قد لا يسلم تمثيلًا صحيحًا على القضية الأصولية المراد لها الاستدلال لمعارضة البعض فيها، يُفسِّر هذا أن الأصوليين اختلفوا في التمثيل لمسائل معينة، وعارض بعضهم بعضًا في ذلك، فإذا ضربنا المثال لتوضيح القاعدة فقط، قد يُناقشنا البعض نقاشًا آخر حتى يُثبت لنا أن عكس المثال هو الذي يصلح للقاعدة؛ فإذا بحثنا المثال بحثًا فقهيًّا موسعًا، وبيَّنَّا كيف استدل به\n_________\n(١) ولا أقول: الدراسة الفقهية المقارنة، كما قال: باحثنا الكريم (ص ٢٢٧) لأن الذي فعله الباحث هو دون الفقه المقارن، لذلك أقول: البحث الفقهي الموسع.","vol":"تقديم","page":22},{"text":"الأصوليون كل لمذهبه، حصلت الثمرة المرجوَّة من التمثيل، وانطلق المرء على بصيرة فيما يعمل به أو يترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>ثالثًا: ضرورة الكتابة الأصولية بلغة سهلة موافقة للعصر</span>.\nمما يُعين على حسن التصنيف وقبول الناس للبحث العلمي: موافقة العصر في كل الجوانب؛ في الأسلوب، واللغة، في الترتيب، والتقسيم، والتنويع، في التمثيل المعاصر، فالانطلاق من روح العصر مع التمسك بثوابت الكتاب والسنة وعمل الأولين من السلف، يحقق الثمرة المرجوَّة التي تفرِّق بين الكتابة القديمة والمعاصرة، ولا تُحمد البتة تلك الكتابات التي يكتب أصحابها فيها وكأنهم يعيشون في القرن السادس الهجري.\nولقد أحسن الباحث حينما قسَّم الرسالة تقسيمًا حسنًا يتوافق مع روح البحث العلمي المعاصر، وزاد الرسالة حسنًا حينما قسم أنواع الترك تقسيمًا مفصَّلًا واضحًا، الأمر الذي أراحه في التأصيل وبناء الحكم، على وجه لا يلتبس على القارئ، وهذا مرده إلى سلاسة الأسلوب التي ذكرناها سابقًا.\nوقد أتاح التقسيم الصحيح الدقيق للترك الإجابة عن كثير مما أورده الشيخ الغماري في رسالته في الترك، هذه الرسالة التي تأثر بها كثير من الناس وبَنَوا عليها على صغر حجمها، وعدم تحرير مسائلها تحريرًا أصوليًّا جيدًا، فتتبعه الباحث تتبعًا علميًّا محررًا في كل ما قال، وفرَّق ذلك على حسب مواضعه من الرسالة، مبينًا وجه الصواب فيه دون اعتساف أو تعصب، أو تبني الآراء المسبقة، وهذه ميزة تحمد لكل باحث سواء أصاب أو أخطأ.\nوقد حلَّى الباحث رسالته بالمسائل المعاصرة، وهي مسائل طال حولها","vol":"تقديم","page":23},{"text":"الجدل في بعض بلدان المسلمين، وهو صنيع يُحمد عليه، وله فائدة من وجهين: الأول: بيان أن التطبيق مرتبط دائمًا بالتأصيل في كل وقت وحين، وليس الأمر على عواهنه ليحلو لمن شاء أن يفعل ما يريد بحجة استحسانه. والثاني: إيجاد الحلول العلميَّة للمسائل المشكلة المعاصرة، وليس يُسكت المسيء غير العلم.\nوإن كنت أود أنه زاد في التمثيل المعاصر بعض المسائل الأخرى التي ثار ويثور حولها الجدل في بعض البلاد أيضًا؛ مثل: الأذان الموحد الذي يُبث على الإذاعة من إحدى المساجد الكبيرة، وتتلقاه المساجد جميعًا عبر ذلك البث، وقد انتشر ذلك في بلادنا بلاد الشام، وكذلك ما يفعله البعض من صلاة ركعتين في جماعة شكرًا لله تعالى عند وجود ما يُفرحهم، وكذلك مسألة قراءة القرآن في مكبرات الصوت في المساجد قُبيل الأذان، وغيرها من المسائل المعاصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>رابعًا: اقتران علم الأصول بعلم الحديث</span>.\nهناك انفصال مزعوم وسمج بين العلمين؛ علم الحديث وعلم أصول الفقه، وقد تطور هذا الانفصال حتى أصبح يُعاب على المشتغلين بعلم الحديث من قبل الفقهاء، وقل العكس أيضًا، وكما قلنا سابقًا: إن العلمين لا غنى لأحدهما عن الآخر؛ فعلم الحديث يضبط الدليل، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، فأنى للأصولي أن يضع القواعد الأصولية التي تستنبط منها الأحكام دون درايةٍ بعلم الحديث، وتسليمٍ لأهل الاختصاص فيه، وقل العكس أيضًا، ولذلك كان الإمام الشافعي يقول للإمام أحمد: \"يا أحمد أنت أعلم بالحديث مني، إذا صح عندك الحديث فأعلمني كي آخذ به\"،","vol":"تقديم","page":24},{"text":"وصورة من الحاضر مشابهة لتلك الصورة أن الإمام عبد العزيز بن باز، كان يُهاتف العلامة المحدِّث الألباني مرات عدَّة ليسأله عن صحة حديث ما ليفتي به أو ليستنبط منه حكمًا شرعيًّا.\nولأجل ذلك قال الخطابي في مقدمة كتابه معالم السنن: \"ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب.\nووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين\" (١).\nفَمدَّعو الانفصال بين العلمين قد ضلوا سواء السبيل، وفصلوا بين متلازمين لا يمكن لأحدهما أن ينفك عن الآخر بحال، ولقد اشتهر بعض العلماء بالبراعة في العلمين معًا، كأمثال أبي المظفر السمعاني، والخطيب البغدادي، بل إن واضع علم الأصول كان يلقَّب بناصر الحديث.\n_________\n(١) الخطابي، \"معالم السنن\" (ج ١ ص ٣). وانظر: الدهلوي، \"الإنصاف\" (ج ١ ص ٦٤).","vol":"تقديم","page":25},{"text":"أقول هذا الكلام لأنه ظهرت فئة من الأصوليين قديمًا وحديثًا، لا دراية لهم البتة بعلم الحديث، فظهر منهم العجب العُجاب فيما يؤصلون ويستنبطون من قواعد، حتى إن أحدهم ليبني قاعدة على حديث موضوع أو ضعيف جدًّا لا يُمكن أن تقوم به حجة، حتى طفحت كثير من كتب الأصوليين بمثل هذه الأحاديث، وأُدرج عدد ليس بالقليل منها تحت القواعد الأصوليَّة، مع وجود أحاديث صحيحة يصح الاستدلال بها على ما يُريدون، ولا أُريد في هذه العجالة أن أتحدث عن مناقضة القواعد العقليَّة للسنة النبوية، مما حدى بهؤلاء أن يردوا السنة لمخالفتها ما أسموه بمسلمات العقول، هذا جزء مما جره الانفصال السمج بين علم الحديث وبين علم الأصول، الأمر الذي ينبغي معه أن تشتد الدعوة إلى إعادة الترابط بين العلمين، وإظهار ذلك بالحجة والبرهان، وما أُوتينا من قوة.\nوقد وجدت في هذه الرسالة إضافة إلى جمال التأليف الأصولي: الدراية بعلم الحديث والإطلاع على علومه من مصادره المختلفة، مما أكسب الرسالة قوة، وسلاسة لا يجد القارئ معها مللًا؛ فوفِّق الباحث للموازنة بين الجانب النظري، وبين الجانب العملي، مستشهدًا بما صحَّ عن النبي ﷺ من السنة المطهَّرة، ومستقرئًا للكتب الستة لمعرفة تروكه - ﷺ -، جامعًا لطرق الحديث الواحد، ليقدم لنا علمًا كثيرًا، وهذا مسلكًا بات غريبًا نوعًا ما على الدراسات الأصولية، رغم أنه الأصل فيها، فلم يتعود الباحثون الرجوع إلى مصادر السنة النبوية المطهرة لاستخراج القواعد الأصولية، والتدليل على صحتها،","vol":"تقديم","page":26},{"text":"وأقول: لو سمَّى الباحث رسالته: \"تروك النبي - ﷺ - دراسة حديثية تأصيلية\"، بدل: \" ... دراسة تأصيلية تطبيقية\" (١)، لما كان ذلك بعيدًا عن مضمونها، فالنَّفسُ الحديثي واضح جدًّا في هذه الرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>خامسًا: لا تكتب إلا ما تفهم</span>.\nكلمة سمعت مضمونها كثيرًا من أشياخنا، وما أدركتها إلا حينما خضت غمار البحث والقراءة لتصيبني الحيرة مع كثير من الكاتبين، ماذا يريدون؟ وما الفكرة التي يدندنون حولها؟ وما الذي يدور في أذهانهم؟ ولئن كانت الدراسات العلميَّة بحاجة إلى هذه الكلمة فليس أحوج من علم الأصول إليها؛ لعسورة التقعيد، وصعوبة التأصيل، وتنكُّب قَصَارِ الهمم عنه، فلا بد من إحياء هذا العلم ببسط العبارة وتبسيطها، والقرب به من روح الكتاب والسنة، والخروج عن طريقة المتكلمين فيه، لئلا يدخل في الأصول ما ليس منه.\nوقد ظهرت هذه الميزة جليَّة في باحثنا الأصيل، واستفدت مما فَهِمَ في مواضع كثيرة، وأهتبل هذه الفرصة لأوجِّه نصيحة إلى طلبة العلم والباحثين سواء في الدراسات الأكاديميَّة، أو في الدراسات غير الأكاديميَّة؛ وهي: أن لا يستعجلوا في البحث، وأن لا يحرصوا على إخراج ما كتبوه للناس على عجل؛ فمن صنَّف فقد استُهدِف، وعرض عقله على الناس، ومن لوازم\n_________\n(١) كان عنوان هذه الدراسة هو \"تروك النبي ﷺ دراسة تأصيلية تطبيقية\"، وغُيّر - عند الطبع - إلى: \"التروك النبوية تأصيلًا وتطبيقًا\" طلبًا للاختصار.","vol":"تقديم","page":27},{"text":"ترك العجلة أن تتوفر دواعي الفهم والوعي لكل جزئية من جزئيات بحث الباحث، فمن فهم ما يقول استطاع أن يُوصِلَ المعلومة التي يريد للقارئ بأقل التكاليف، وبأيسر العبارات.\nوقد أصبحت الرسائل العلمية - وللأسف - اليوم تخرج للناس وليس فيها هذه الميزة؛ فالطالب مقيَّد بوقت معين ليخرج رسالته، وهو بعد لم يتمرَّس في البحث والدراسة ومعرفة عبارات العلماء ودقائق المسائل، ولم تتكون لديه الملكة الفقهيَّة للاستنباط والاستخراج والتخريج، فأنى له كتابة المفيد، فلا أقلَّ من أن يتريث في البحث والكتابة، ولا يكتب إلا ما يفهم، ولا يُخرج ما يكتب إلا بعد الاستشارة والاستخارة، والعرض على أهل العلم وطلبته.\nوأخيرًا أقول: كان لابد من وجود مثل هذه الدراسة العلميَّة المفصَّلة، التي تبين حقيقة الترك وأقوال أهل العلم فيه، مع التحرير والإنصاف والاستقراء والضبط، وتتبع مصادر السنة النبوية، وأقوال الصحابة - رضوان الله عليهم -، ومعرفة متى يُبنَى على الترك حكم ومتى لا يُبنَى عليه حكم، إذ السنة وعمل الأولين من السلف، المرجع المعتمد في تقرير القواعد وتحرير الفوائد العلميَّة التأصيلية، ويتبعهما في المرجعيَّة أقوال الأصوليين والفقهاء وتقعيداتهم، وبحسب القرب وعمل الأولين من السلف، بحسب ما يتقرر صدق القاعدة وأهميتها، وأتمنى على الباحث الكريم إن كان قد مر به أثناء كتابته لهذه الرسالة زيادة تفصيلات في مسألة الترك، أو مزيد أمثلة سنيَّة، أن يستكمله قبل طباعة هذه الرسالة؛ لتكون رسالته موسوعة علميَّة في هذا الموضوع.","vol":"تقديم","page":28},{"text":"جعلنا الله تعالى هداة مهديين، وللحق متبعين، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nوكتب\nد/ أَبو قدامة أشرف بن محمود بن عقلة الكناني\nأستاذ أصول الفقه في قسم الفقه وأصوله\nكلية الشريعة/ جامعة اليرموك/ إربد/ الأردن\nkinane@yu.edu.jo\nashrafalkinane@yahoo.com\nالأربعاء ٤ رجب ١٤٣١ هـ يوافقه ١٦/ ٦ / ٢٠١٠ م","vol":"تقديم","page":29},{"text":"التروك النبوية «تأصيلا وتطبيقا»\n\nتأليف\nمحمد صلاح محمد الإتربي\n\nتقديم\nالأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو زنيد\nفضيلة الشيخ محمد عبد المقصود\nالأستاذ الدكتور أحمد عبد الرحمن النقيب\nفضيلة الشيخ ياسر حسين برهامي\nالأستاذ الدكتور أشرف بن محمود الكناني\n\nإصدارات\nوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية\nإدارة الشؤون الإسلامية\nدولة قطر","vol":"1","page":null},{"text":"دولة قطر - وزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية\n\nطبعة خَاصَّة\nبوزارة الْأَوْقَاف والشؤون الإسلامية - دولة قطر\n\nالطبعة الأولى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"1","page":2},{"text":"التّروكُ النَّبَويَّةُ «تَأصِيلًا وَتَطْبِيقًا»","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":4},{"text":"المقدمة\nإنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد - ﷺ -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.\nوبعد:\nففضل العلوم الشرعية وشرفها لا يخفى على أحد، ومنزلة طالبيها والحاملين لها والعاملين بها لا تدانيها منزلة، ولا شك أنها منازل ودرجات، وكلما كان العلم محققًا للغاية منه - وهو فهم مراد الله ومراد رسوله - ﷺ - كان شرفه أعلى وفضله أتم.","vol":"1","page":5},{"text":"ومن أعظم العلوم التي توصل إلى ذلك \"علم أصول الفقه\"، فهو علم عظيم القدر، جليل النفع، إذ به يتوصل الإنسان إلى الفهم في الدين المحقق للخيرية في الدنيا والآخرة، وذلك كما قال النبي - ﷺ -: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (١).\nفهذا العلم يضع الضوابط والقواعد والأصول التي يطبقها المجتهد على آيات الله ﷿، وأحاديث رسوله - ﷺ - لكي يعرف حكم الله تعالى في المسألة، فتحصيله شرط في المجتهد، ولا غنى لطالب العلوم الشرعية عنه.\nفالأمر كما قال الجويني: \"الوجه لكل متصد للإقلال بأعباء الشريعة أن يجعل الإحاطة بالأصول شوقه الآكد، وينص مسائل الفقه عليها نص من يحاول بإيرادها تهذيب الأصول، ولا ينزف زمام الذهن في وضع الوقائع - مع العلم بأنها لا تنحصر - مع الذهول عن الأصول\".\nوإذا كان الفقه هو التطبيق العملي لتلك القواعد والنظريات، فلابد إذن أن يتوافق العِلمان ويسيرا جنبًا إلى جنب، فعلم الأصول يمثل الجانب النظري وعلم الفقه يمثل الجانب التطبيقي والعملي لذلك التأصيل والتنظير.\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ١٩٧ / ٧١) [كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين] مطبوع مع شرحه: فتح الباري للإمام الحافظ: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، تحقيق: محب الدين الخطيب، مراجعة: قصي محب الدين الخطيب، دار الريان للتراث، الطبعة الثانية (١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م)، ومسلم (٢/ ٧١٩ / ١٠٣٧) [كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة] في صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج، ترقيم وتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر طبعة (١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م) من حديث معاوية - ﵁ -.","vol":"1","page":6},{"text":"وكان مما أضمرته في نفسي أن أقوم حينما أجد الفرصة سانحة بدراسة تجمع بين الجانب النظري: المتمثل في الدراسة الأصولية، والجانب العملي: المتمثل في الدراسة الفقهية.\nوحينما أتيح لي اختيار موضوع لنيل درجة الماجستير (١): اهتبلت الفرصة لتحقيق ما أصبو إليه، فبحثت عن موضوع يحقق لي ما كنت أرجوه من منهج الدراسة، وبعد البحث تبين لي أن موضوع \"التروك النبوية\" من المواضيع التي تستحق الدراسة الفعلية، ذلك أني لم أجد أحدًا تناوله بالدراسة العميقة فيما أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-15> أسباب اختيار \"التروك النبوية\" موضوعًا للدراسة:</span>\nلقد كان من أهم أسباب اختيار \"التروك النبوية\" موضوعًا للدراسة: أهمية التشريع بالترك أصوليًّا وفقهيًّا: وذلك أن التروك النبوية تمثل أحد قسمي السنة، فإذا كانت السنة النبوية هي أفعاله - ﷺ -، فإن الفعل ما هو إلا فعل إيجابي أو سلبي، وهذا الأخير هو الترك، أضف إلى ذلك تعلق هذا الباب بكثير من مسائل أصول الفقه كالمصلحة المرسلة، والبدعة، والتأسي، والأصل في الأشياء، والتكليف، والمقاصد، وغير ذلك من الأبواب التي يتعلق بها أحكام فقهية.\n_________\n(١) قدمت هذه الدراسة لنيل درجة الماجستير من كلية دار العلوم ونوقشت في أواخر عام ٢٠٠٩ م، وقد اقتضى تحويل هذه الدراسة إلى كتاب اختلافًا يسيرًا بين الأصل المحفوظ بالجامعة وبين الكتاب الذي بين يديك الآن، فضلًا عن الزيادات التي أضيفت بعد ذلك.","vol":"1","page":7},{"text":"ومع كل ذلك، فإن تناول هذه المسألة لم يشتهر بين الأصوليين، فهم لم يفصلوا القول فيها على غرار فعلهم في المسائل الأصولية الأخرى، فهم مثلًا لم يعرِّفوا لنا: ماهية الترك، وما يندرج تحته من قواعد وأصول وأحكام وضوابط على نحو مفصل كصنيعهم في المسائل الأصولية الأخرى، ولو استعرضنا أشهر المؤلفات في أصول الفقه، ومقدار تناول تلك المؤلفات لهذه المسألة، لا تضح لنا جليًّا مقدار ذلك التناول، ولتبَّين لنا أن هذه المسألة لم تنل حظها من الدراسة العميقة بعد.\nولا يخفى على المتتبع لكلام أهل العلم، أنهم يَصدُرون - فيما يتعلق بالترك أو غيره من أحكام - عن قواعد واضحة، ومناهج محددة: سواء وضحوا تلك القواعد وذكروها، أو سكتوا عنها كما هو الحال في مسألتنا هذه.\nوهذه القواعد التي سكتوا عنها فلم يذكروها: إذا أردنا أن نَتَبيَّنها فلابد من النظر فيما خلفوه من فروع فقهية كثيرة، ثم النسج على منوالهم ومنهجهم في استنباط تلك القواعد الأصولية حتى تتضح لنا تلك القواعد التي لا سبيل لنا أن نطلع عليها بطريق آخر، فهم لم يدونوها في مؤلفاتهم مفصلة مبينة كما سبق.\nوأمرٌ كهذا يتطلب دراسة شاملة جامعة لشتات الموضوع، إن لم يكن دراسات.\n* * *","vol":"1","page":8},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-16> ما تهدف إليه هذه الدراسة:</span>\nلا شك أن الموضوع بهذه الصورة لا يمكن حصره، فهو طويل ومتشعب، لذا كان لابد من تحديد الأهداف التي يرجى تحقيقها من دراسة هذا الجانب الأصولي المهم، ولذا فقد وضعت نصب عيني هدفا أساسيًا واحدًا وهو:\nالوصول إلى تأصيل مناسب لمسألة الترك، وذلك بوضع تصور أصولي كامل عنها، بعد بحثها من جميع جوانبها، ولم شتات ما تناثر من قضاياها بين بطون الكتب من قواعد أصولية وفقهية، ومسائل ومباحث، وكذلك البحث عن القضايا التي تندرج تحت الترك، وقد بحثت وقررت في غير موضع الترك حتى يكتمل تأصيل هذا الجانب الأصولي المهم.\nفهذه الدراسة إذن تهدف إلى توضيح دلالات ترك النبي ﷺ حتى يستطيع المجتهد أن يَصدُر في حكمه على القضايا والوقائع الحادثة عن تأصيلٍ واضحٍ، وقواعدَ مقررةٍ محددةٍ في جانب التروك مع وضع الشروط والضوابط التي يعرف بها التفريق بين أنواع الترك، والتي تقتضي تبعًا التفريق بين أحكام المتروكات.\nولتحقيق هذا الهدف يتعين تطبيق تلك الأصول على الوقائع الحادثة حتى تظهر أهمية ذلك الأصل، ويخرج هذا الفرع على ذلك الأصل، فيعلم كيفية الاستفادة من تلك الأصول، وكيف يمكن أن تطبق في واقع الناس فلا تكون مجرد ترف عقلي أو ثراء علمي لا حاجة ماسة إليه.\nبيد أن هناك أهدافًا أخرى تابعة لها، منها:","vol":"1","page":9},{"text":"١ - ذكر أمثلة غير تلك الأمثلة التي تعارف الأصوليون عليها، حتى إن الناظر في كتبهم ليكاد يظن أن تلك الأمثلة القليلة هي كل ما يمكن حصره، أو العثور عليه.\n٢ - بيان الارتباط والتداخل الوثيق بين علوم الشريعة، ومدى التناسق والانسجام بين تلك العلوم كالفقه، والأصول، والحديث، بل ومدى احتياج الدارس إلى كل تلك العلوم على حد سواء، وذلك من خلال نموذج عملي كمثال.\n٣ - بيان أحكام الحوادث الجديدة التي تكلم فيها المعاصرون، وهي في حقيقتها مبنية على هذه المسألة.\n* * *\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-17> المنهج المستخدم في الدراسة:</span>\nاقتضت طبيعة الدراسة أن تتعدد مناهج البحث التي استعملت فيها، وذلك بحسب المراد، فقد استعمل المنهج الاستقرائي لجمع النصوص المتعلقة بالدراسة، والمنهج النقلي لتوثيق ما ورد به من نصوص، والمنهج التحليلي الاستنباطي للوصول إلى ما تدل عليه تلك النصوص، وقد تمثلت خطوات تطبيق هذه المناهج كما يلي:\n١ - البحث في دواوين السنة عن كل ما نقل عن النبي ﷺ مما يقتضي تركًا وذلك من أجل الوقوف على جوانب ذلك الترك، فكل ما نقل عن النبي ﷺ أنه تركه، أو أعرض عنه، أو فعل بحضرته، أو بغيبته وأقره، داخل في","vol":"1","page":10},{"text":"مجال الدراسة، فكان لابد من قراءة لكتب السنة، حيث إنها المصدر الأصلي للوصول إلى ذلك، واكتفيت في هذا الصدد: بالكتب الستة - صحيحي البخاري ومسلم والسنن الأربعة - حيث إنها تشتمل على معظم ما صح عن النبي ﷺ.\n٢ - جمع ما توفر من تلك المادة الحديثية، وإعادة تخريجها تخريجا كاملًا من الكتب الستة، وغيرها، وجمع روايات الحديث الواحد، واستبعاد الضعيف منها.\n٣ - كانت النية متجهة إلى البحث في التراث الإسلامي الفقهي حتى يجمع ما نقل عن أئمتنا المتقدمين في ذلك الشأن، وذلك يقتضي البحث في كل مذهب على حدة، وبعدما بدأت في ذلك فعلًا تبين لي أن هذا الأمر مما تفنى دونه الأعمار، وتنقطع الآجال، والسبب في ذلك أن هذه الدراسة لم تقيد بحدود زمنية أو مكانية تحدد مجال البحث - ولا يمكن تقييدها - لأسباب لا تخفى، لذا فقد اكتفيت بتحديد المسائل التي دلت عليها الأحاديث التي تم استخراجها، وما تم إيداعه في هذه الدراسة منها قمت ببحثه بحثًا فقهيًّا مقارنًا بحسب الحاجة إلى ذلك.\n٤ - جمع المادة الأصولية المتعلقة بموضوع الدراسة.\nومع ندرة المادة الأصولية وتشعبها وتعلقها بمباحث أخرى، وكذلك وجودها في غير مظانّها، كان لابد من جرد للمؤلفات الأصولية قدر المستطاع للعثور على ما يخص الدراسة من الجانب الأصولي.\n٥ - بعد توفر تلك المادة كان لابد من إجالة النظر في كل ما جمع، ووضع تصور مناسب يجمع شتات الموضوع، وهذه الخطوة كانت أصعبهن جميعًا،","vol":"1","page":11},{"text":"وأطولهن وقتًا، فقد كنت أضع التصور العام للدراسة، وبعد المضي فيه: يظهر ما يقتضي نقضه، وإعادة تغييره، حتى وصل عدد التصورات التي وضعت؛ ونقضت، ما يقارب العشرين، إلى أن استقر الأمر على هذه الصورة ولله الحمد والمنة.\n٦ - كان منهج تخريج الأحاديث هو أن تخرج تخريجًا مختصرًا وذلك كما يلي:\n- إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما أكتفي بالعزو إليهما، إذ إن ذلك كاف في التعريف بصحة الحديث.\n- إذا كان الحديث خارج الصحيحين، أذكر موضع الحديث في السنن الأربعة، ثم أذكر درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.\n- إذا كان الحديث خارج الكتب الستة، بينت موضعه الذي نقلته منه فقط، ثم درجته من حيث الصحة والضعف.\n- اعتمدت في بيان درجة الحديث على حكم الشيخ الألباني عليه مع عزو ذلك الحكم إلى مصدره، وحيث لا أجد حكمًا للألباني أنقل من وجدت حكمه مع العزو.\n- اعتمدت في العزو للصحيحين والكتب الستة على النسخ المعتمدة عند المشتغلين بالحديث، وقد عزوت للمجلد والصفحة ورقم الحديث - حيث وجد - على الترتيب (١).\n_________\n(١) اقتضت طبيعة الدراسة الأكاديمية العزو للباب والفصل، وقد أبقيت هذا العزو لأنه مفيد لمن لا يملك الطبعة المشار إليها.","vol":"1","page":12},{"text":"٧ - كان منهج توثيق النصوص كما يلي:\n- النصوص التي ذكرت بنصها: أذكر المصدر الأصلي التي ذكرت فيه، ولا أعزو لمصدر ناقل عنه إلا حين يتعذر الوصول للمصدر الأصلي، وفي هذه الحالة أنبه أني نقلت من مصدر غير أصلي وأسميه، وهذا لم يحدث إلا في مواضع قليلة بينتها في موضعها.\n- قمت بذكر بيانات المصدر كاملة عند أول ذكر له في الهامش ثم اكتفيت فيما بعد ذلك بتسميته فقط.\n٨ - اقتصرت في التعريف بالأعلام على الأصوليين والفقهاء غير المشهورين، فلم أُعرِّف بالمشهورين منهم كالأئمة الأربعة، وكذلك لم أعرف بغيرهم كالأعلام الذين ورد ذكرهم داخل نص منقول، أو في متن حديث، وكذلك لم أعرف برواة الأحاديث، ولا الأعلام اللغويين، وكذلك لم أعرف بالمعاصرين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-18> عرض موجز للدراسة:</span>\nبدأت هذه الدراسة أولًا بتعريف الترك في اللغة وبيان حقيقته عند الأصوليين، واقتضي ذلك بيان اتجاهات الأصوليين في تعريف الترك، وهل هو فعل أم لا، وما يترتب على ذلك الخلاف من آثار أصولية وفقهية، ثم بيان تعريف ترك النبي ﷺ عند الأقدمين والمعاصرين والتعريف المختار بعد تناول أهم تلك التعريفات بالتحليل والدراسة، ثم بيان طرق الوصول إلى معرفة","vol":"1","page":13},{"text":"التروك النبوية، وكذلك أقسام تلك التروك مع بيان وجه التقسيم، والتقسيم المختار.\nوقد كان محل ذلك هو الباب الأول.\nوانتهت الدراسة - في هذا الباب - إلى تقسيم الترك إلى ترك وجودي وما يلحق به، وترك عدمي وما يلحق به.\nفكان بيان الترك الوجودي: ببيان تعريفه، وأقسامه، وأمثلته، وتطبيقاته الفقهية، ودلالاته الأصولية، وما يلحق به: في باب مستقل، هو الباب الثاني.\nأما الباب الثالث فكان خاصًا ببيان النوع الثاني وهو الترك العدمي، وذلك على غرار ما فعل في الباب الثاني حيث كان الفصل الأول لبيان تعريفه وبيان أقسامه ودلالته، والفصل الثاني للتطبيقات المتعلقة به، والثالث لما يلحق به وهو ترك الاستفصال.\nثم يأتي بعد ذلك خاتمة ذكرت فيها أهم ما استبان لي من المصاحبة الفعلية للموضوع \"نتائج الدراسة\"، ثم توصيات الدراسة، وكذلك ملخصًا لها.\nثم تأتي فهارس عامة لتسهيل الإفادة من هذه الدراسة متضمنة فهارس للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية والآثار والأعلام المترجم لهم، والمسائل الفقهية التي بحثت، ثم المصادر والمراجع، وأخيرًا: فهرسًا للموضوعات.\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"وبعد ..\nفهذا مَرَكبٌ صعبٌ ركبتُه، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لتَنَكّبتُه، فوالله لو كُلفت نقل جبل أو هدمه، لكان أهون علي مما تعرضت له وقصدته، فلطالما هممت أن أنزع عما أردت، ولكثيرًا ما نظرت فيما كتبت: فقلت لنفسي: أي عجب ملأني! .. وأي سخف هزني! .. فاستشرفت لما لست له بأهل، وتجاسرت على ما يعظم على الفحل، فهممت أن أنكص عما أردت، وأعود من حيث بدأت، واستشرت في ذلك من أثق به، فلولا إرادة من الله لما تم ما أقدمت عليه، لكن الله إذا أراد بعبد أمرًا هيأه له وأعدَّه.\nوأنا أربأ بنفسي أن أكون ممن فقد صوابه أو طار عقله، فظن أن كل ما كتب صواب لا يصح رفضُه، بل أنا على يقين بأن فيه ما يجب إثباته وما يجب محوه، وحاصل أمري أني بذلت من الجهد ما أحتسبُه، فقد تكلفت لأمري هذا ما لا يعلمه إلا الله وحده، فما كان فيه من توفيق فهو فضله وكرمُه، وما كان فيه من زلل فأنا تائب عنه كله، وما أبرئ نفسي عن الجهل والخطأ والنسيان وكل ما يجب ردُّه.\nفيا أيها الناظر فيما سودتُه وزبرتُه، لا يحملنك الهوى على قبول ما فيه أو رده، بل اجعل الحق رائدك في تقييمه، واعذر كاتبه فيما أخطأ فيه، وفيما جهلَه، فإن العجز والتقصير لازم له: بل أصلُه، ويكفيه أن قد رام خيرًا وهذا جهدُه، وقلّ من هيأ أمرًا فهذبه ونقحه حتى أتمَّه، ثم راجعه فلم يجد فيه ما يستوجب نقضَه، فإن الله قد أَبى أن يكون الكمال لأحد سواه وحده.","vol":"1","page":15},{"text":"وبعد ..\nفيا أيها الناظر: لك غُنمُ ما تقرأ وعليّ غرمه، لك طيبه وعليّ وزره، فليكن حظي منك دعوة بظهر الغيب، بأن يتجاوز ربي عن الكثير من الزلل، ويقبل القليل من العمل، وأن يرحم ضعفي، ويجبر كسري، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nولا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى مشايخي الأفاضل وعلى الأخص الشيخ الوالد المفضال أسد السنة وفخر الأمة وزينة العلماء الشيخ أبي إسحق الحويني وحماي الفاضل، الشيخ النبيل ذي القدر الجليل الشيخ عماد صابر المرسي، والشيخ الحبيب محمد سعد الأزهري فلهم من المنة عليّ ما لا تفي الدنيا كلها برد يسير منه، أسأل الله تعالى أن يحفظهم من كل سوء، وأن يطيل في الخير بقاءهم، وأن يجزيهم عني بخير ما جزى به أحد عن أحد، إنه تعالى بكل جميل كفيل، وهو نعم المولى ونعم النصير.\nكذلك أشكر كل من أعانني أو ساعدني من إخواني بكلمة أو توجيه أو نصيحة أو مساعدة أو كتابة أو مراجعة أو حتى دعوة صالحة، والمقام لا يتسع لذكرهم جميعًا: فالله أسأل أن يجزيهم عني خير الجزاء، وأن يجعل عونهم ذلك في ميزان حسناتهم يوم القيامة.\nوالشكر موصول لوالديّ جزاهما الله عني خيرًا، أسأل الله ﷿ أن يجعل هذا العمل برمته في ميزان حسناتهما يوم القيامة، وأن يبارك في عمرهما، وأن","vol":"1","page":16},{"text":"يحسن عملهما، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.\nوأخيرًا:\nهذا ما أردت بيانه، والله أسأل أن يوفقني فيما أنا بصددِه، وأن يكون عملي هذا خالصًا لوجهِه، وأن يجعله ذخرًا ليوم لا ينفع الإنسان شيء سوى عمله، وأن يجازي كاتبه خيرًا ويتجاوز عن خطئِه، وآخر دعوانا أن سبحان الله وبحمدِه، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا.\nوالحمد لله رب العالمين.\nالمؤلف\nأبو عبد الرحمن محمد صلاح محمد الإتربي\nالأربعاء: غرة ذي الحجة ١٤٣٠ هـ ١٨/ ١١ / ٢٠٠٩ م","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>تمهيد</span>\nاقتضت بعثة النبي الكريم - ﷺ -، وكونه رسولًا من عند رب العالمين، أن يكون قدوةً لجميع البشر في كل ما صدر عنه - ﷺ -، فأمر سبحانه المسلمين بالاقتداء والتأسي به والمتابعة له، وحثهم على ذلك، جاعلًا إياه في أعلى منزلة وأسمى مكانة، فمن تأسى به نال الخير كله، والرفعة، والسؤدد في الدنيا والآخرة، ومن لم يكن كذلك كان من أهل الذلة والصغار - كما قال - ﷺ -: \"وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري\" (١) - وحيث إن الأمر كذلك، فإن كل ما صدر عن النبي - ﷺ - أيًّا كان ذلك الصادر عنه - فيه تشريع للأمة من بعده، ودينٌ يُتَقَرب به إلى الله سبحانه.\nوهذا الذي صدر عن النبي - ﷺ - عُرف عند المسلمين بالسنة؛ حيث كانت السنة مصدرًا من مصادر التشريع ومعرفة أحكام رب العالمين، فكان قول النبي - ﷺ - الذي أخبرنا سبحانه أنه وحي من عنده، فكلام الرسول ليس\n_________\n(١) رواه أحمد (٩/ ١٢٣) مسند الإمام أحمد، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، [(٢/ ٥٠) في النسخة الهندية، من حديث ابن عمر - ﵁ -، وصححه الألباني في الإرواء (٥/ ١٠٩ / ١٢٦٩) [إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م)، صحيح الجامع (١/ ٥٤٥ / ٢٨٣١) [صحيح الجامع الصغير وزيادته، تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م)]، وهو من معلقات البخاري (٦/ ١١٥) كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في الرماح.","vol":"1","page":19},{"text":"ككلام بقية البشر بل كلامه معصوم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].\nومعلومٌ أن التكاليف الشرعية ما هي إلا طلب فعلٍ أو تركٍ، وغالب تلك التكاليف ما عُلم إلا من قول النبي - ﷺ -، حيث إنّ القرآن لم يحتوِ على كثيرٍ من الأحكام المفصلة؛ بل تعرض لها إجمالًا، وبينت السنة ذلك الإجمال، وفسرته بقول النبي - ﷺ -، وهذا أمر معلوم، لا يخفى على أحد.\nوكما كان النبي - ﷺ - مشرعًا بقوله فقد كان مشرعًا بفعله، فالنبي - ﷺ - يصلي ويقول للناس: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (١)، ويُعَلِّم الناس مناسك مناسك الحج بفعله، ويرشدهم إلى الاقتداء به، ويقول: \"لتأخذوا مناسككم\" (٢)؛ أي: عَنِّي.\nولذا كان تعريف السنة عند علماء الأصول متضمنًا قول النبي - ﷺ - وفعله - المتضمن للإقرار - المبين للأحكام.\nوإذا كان النبي - ﷺ - مشرعًا بالفعل؛ فهل كان مشرعًا بالترك كذلك؟\nلقد ورد في السنة ما يشير إلى أنه - ﷺ - كان قاصدًا الترك، فعن عائشة - ﵂ - قالت: \"إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل، وهو يحب أن يعمل به\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ١٣١ - ١٣٢/ ٦٣١) كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن: \"الصلاة في الرحال\" في الليلة الباردة أو المطيرة: من حديث مالك بن الحويرث - ﵁ -.\n(٢) رواه مسلم (٢/ ٩٤٣ / ١٢٩٧) كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":20},{"text":"خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم\" (١).\nفتركه - ﷺ - العمل كان لأجل حكمة تشريعية كذلك.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة: منها ما روته أم المؤمنين عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صلى ذات ليلة بالمسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فلما أصبح قال: \"قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم\" (٢)، وكان ذلك في رمضان.\nوقد جاء في الحديث ما يقتضي أن الترك عبادة، من ذلك ما ورد من حديث معاذ بن أنس الجهني - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ١٣ / ١١٢٨) كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، ومسلم (١/ ٤٩٧ / ٧١٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى.\n(٢) رواه البخاري (٣/ ١٤ / ١١٢٩) كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، ومسلم (١/ ٥٢٤ / ٧٦١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.\n(٣) رواه الترمذي وحسنه (٤/ ٥٦١ / ٢٤٨١) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب رقم (٣٩) [الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (الجزء الرابع والخامس، تحقيق: كمال يوسف الحوت) المكتبة الثقافية - بيروت - لبنان]، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢/ ٣٣٧ / ٧١٨) [سلسلة =","vol":"1","page":21},{"text":"وكذلك ما ورد من حديث النعمان بن بشير - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك\" (١).\nوفي الصحيحين من حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال لها: \"ألم تري أنَّ قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم؟ \"، فقلت: \"يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ \"، قال: \"لولا حدثان قومك بالكفر لفعلتُ\"، فقال عبد الله بن عمر - ﵁ -: \"لئن كانت عائشة - ﵂ - سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - ما أُرَى رسول الله - ﷺ - ترك استلام الركنين الذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم\" (٢).\nهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي - ﷺ - كان مُشَرِّعًا بالترك، وأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا ينقلون عن النبي - ﷺ - الترك كما كانوا ينقلون عنه الفعل سواء بسواء، وما ذاك إلا لما استقر في أذهانهم أن ذلك تشريع للأمة وبيان للأحكام، وأن الترك يتعلق به أحكام شرعية وثواب وعقاب وتكليف.\n_________\n= الأحاديث الصحيحة، تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، طبعة جديدة (١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م)].\n(١) رواه البخاري (٤/ ٣٤٠ / ٢٠٥١) كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات، وهذا لفظه، ورواه مسلم (٣/ ١٢١٩ / ١٥٩٩) كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، بلفظ قريب.\n(٢) رواه البخاري (٣/ ٥١٣ / ١٥٨٣) كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، ومسلم (٢/ ٩٦٨ / ١٣٣٣) كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها.","vol":"1","page":22},{"text":"لكن ما هي صفة هذا التشريع، وهل كل ترك منه - ﷺ - يكون حجة، أم أن منه ما هو حجة ومنه ما ليس بحجة، وهل استنبط الفقهاء أحكامًا شرعية من تركه - ﷺ -، وما هي الضوابط التي قام عليها هذا الاستنباط إن وجد؛ هذا ما أحاول بيانه في هذه الدراسة، وأسأل الله العون والسداد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-20> الدراسات السابقة:</span>\nلم أقف على مؤلَّف أصولي واحد للأئمة المتقدمين يتناول مسألة الترك بالدراسة المستقلة، بل لم أهتد إلى عنوان مخطوط يحتمل أن يكون قد تناول التروك النبوية بالدراسة المستقلة، وهذا لا ينفي أن هذه المسألة قد وجد من تناولها في مؤلفاته، ومقدار هذا التناول يختلف من أصولي إلى آخر، لكن لا يخلو مؤلف أصولي من أحد مسائل الترك أو من الإشارة إلى أن الترك فعل فيجري عليه ما يذكر في مبحث الأفعال.\nوهذا لا ينفي أن هناك من فَصّل الكلام في الترك بعض الشيء، ولم يكتف بمجرد الإشارة كابن حزم (ت ٤٦٥ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، ومن بعده السمعاني (ت ٤٨٩ هـ) في (قواطع الأدلة)، والآمدي (ت ٦٣١ هـ) في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام)، والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في (البحر المحيط)، وهذا الأخير يذكر في كتابه أن الأصوليين لم يتعرضوا لبحث الترك ما عدا ما نقله عن السمعاني، رغم أنه ذكر في مقدمة كتابه أنه جمع مادته من أكثر من مائة كتاب.","vol":"1","page":23},{"text":"وأمر كهذا دعا الصنعاني إلى الاعتذار عن صنيع الأصوليين هذا، فقال في معرض تقسيمه للسنة إلى قول وفعل وتقرير: \"وهكذا عد أقسامها أكثر أئمة الأصول، ولم يذكروا الترك، لأن التروك داخلة في الأفعال - لأنها كف والكف فعل - ولا يقال: والتقرير كف أيضًا فلا حاجة إلى ذكره، لأنا نقول: إنما قلنا بدخول التروك في الأفعال توجيهًا لما وقع منهم\" (١).\nوكذلك هناك من فصل الكلام في الترك وطول البحث فيه بعض الشيء كابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في (الفتاوى الكبرى) و(مجموع الفتاوى)، وابن القيم (ت ٨٥٢ هـ) في (إعلام الموقعين)، والشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) في (الموافقات) و(الاعتصام).\nوكذلك هناك ذكرٌ لمسألة الترك عند جماعة من المتأخرين كالمرداوي (ت ٨٨٥ هـ) في (التحبير شرح التحرير)، وابن النجار (ت ٩٧٢ هـ) في (شرح الكوكب المنير)، والشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) في (إرشاد الفحول)، لكنها كلها لا تخرج عن مضمون ما ذكره الزركشي في (البحر المحيط).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-21> أما على صعيد الدراسات المستقلة للمعاصرين فقد وقفت على ما يلي:</span>\n١ - \" حسن التفهم والدرك لمسألة الترك\" للشيخ عبد الله الصديق الغماري، وهي رسالة صغيرة جدًّا (٢) مطبوعة في نهاية رسالة له بعنوان:\n_________\n(١) إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص ٨١)، تأليف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق: القاضي حسن بن أحمد، د. حسن محمد الأهدل، ط. الأولى (١٩٨٦ م)، مؤسسة الرسالة - بيروت.\n(٢) أربعة عشرة صفحة من الحجم الصغير.","vol":"1","page":24},{"text":"\"إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة\"، وذهب في هذه الرسالة إلى أن الترك ليس دليلًا من أدلة الأحكام، وأن الترك لا يدل على حكم أو يدل على الإباحة، وذكر بعضًا من التطبيقات ذهب إلى أنها كلها تقع على الإباحة، وهذه الرسالة - على صغرها - تعد مصدرًا يعتمد عليه كثير من المعاصرين ممن اطلعت على كلام لهم في مجال الدراسة: كالدكتور عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري في رسالته: \"البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع\"، وكذلك وهبي سليمان غاوجي الألباني في كتابه: \"كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها\". وقد تناولت الكلام على المسائل التي ذكرها الشيخ الغماري في موضعها من هذه الدراسة (١).\n٢ - \"رؤية أصولية لتروك النبي - ﷺ - \" للدكتور صالح قادر كريم الزنكي (٢)، وهو بحث نشر بمجلة الحكمة العدد الثاني والعشرون محرم ١٤٢٢ هـ، والتي تصدر من بريطانيا - ليدز، وهو بحث تكلم فيه عن ماهية الترك فقط، وهو في تعريفه للترك يرى أن الأصوليين لم يقدموا تعريفًا له - وسوف تُناقش هذه القضية في موضعها - ولم يتعرض لما سواها من مباحث متعلقة بالترك.\n٣ - \"تنبيه النبيل إلى أن الترك دليل\" تأليف: محمد بن محمود بن\n_________\n(١) تكلمت عن هذه الرسالة رغم صغرها ورغم ما بها من أخطاء علمية لأن هذه الدراسة تكاد تكون المصدر الوحيد عند جميع الذين أشاروا إلى هذه المسألة، وكثير من الباحثين يتبنى وجهة نظر الغماري في المسألة لذلك كان لابد من التنبيه عليها في ثنايا البحث.\n(٢) يقع في ثلاث وثلاثين صفحة من الحجم الصغير.","vol":"1","page":25},{"text":"مصطفى السكندري (١)، وقد خصصه الباحث لمسألة ترك النبي - ﷺ - لعبادة ما، وذهب إلى أن ذلك يدل على بدعيتها، وقد تكلم عن نقل الترك معتمدًا على ما ذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، والبحث لا يجري على أسلوب الدراسات الأكاديمية، فضلًا عن أنه أغفل المسائل الأخرى التي تدخل تحت موضوع الترك.\n٤ - \"الترك أنواعه وأحكامه\" إعداد أبي عبد الله المصلحي (٢) - وهو بحث منشور على شبكة الانترنت - ومادته بالكامل - النقولات والترجيحات والأمثلة والعزو - مستقاة من رسالة الأشقر في أفعال الرسول - ﷺ - الآتي ذكرها قريبًا.\n٥ - \"الترك لا ينتج حكمًا\" للشريف عبد الله فراج العبدلي (٣).\nوكما هو واضح من العنوان فالترك عنده كله بجميع أحواله لا يقتضي إلا جواز المتروك، وهو في ذلك متابع لما ذهب إليه الشيخ الغماري في الرسالة السابقة الذكر، وقد صرح بالنقل منه في أكثر من موضع، وقد احتوت الرسالة على مغالطات علمية شديدة - رغم صغرها - لا يحسن بالباحث أن يقع في مثلها، منها: أنه قال في نقده لابن السمعاني لما ذهب إلى أن الصحابة تابعوا\n_________\n(١) يقع في مائة واثنتي عشرة صفحة من الحجم العادي.\n(٢) يقع في اثنتي عشرة صفحة فقط.\n(٣) إصدار دار المصطفى للطبع والنشر والتوزيع (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م)، ط. الأولى، وتقع هذه الرسالة في ثمانية عشرة ورقة من الحجم الكبير.","vol":"1","page":26},{"text":"النبي - ﷺ - في ترك أكل الضب قال: \"فالمتابعة منهم لقوله لما سئل أحرام هو، وليس اتباعًا لتركه\"!.\nحاصل القول: إن الرسالة في مجملها لا تخرج عن رسالة الشيخ الغماري، فالقول إنها رسالة الشيخ الغماري بصياغة أخرى قول ليس فيه مبالغة، فهي نفس الترتيب والمباحث والأخطاء والترجيحات.\n٦ - \"الترك عند الأصوليين والفقهاء: دراسة مقارنة\" وهي رسالة دكتوراه بالجامعة الأردنية من إعداد الدكتور أيمن عليان أحمد دراكة، وقد نوقشت هذه الرسالة في مايو ٢٠٠٧ - بعد الانتهاء من معظم مادة هذه الرسالة - وهو ذات صلة وثيقة بموضوع الرسالة فلابد لنا من التوقف عندها بعض الشيء:\nقسم الباحث رسالته إلى أربعة فصول:\nالفصل الأول: لبيان ماهية الترك، والفصل الثاني: لبيان الترك في الحكم التكليفي، والفصل الثالث: لبيان الترك الصادر من النبي - ﷺ -، والفصل الرابع: لبيان الترك عند الفقهاء.\nفالذي يخصنا - هنا - هو الفصل الأول والثالث.\nأما الفصل الأول: فقد تعرض فيه الدكتور أيمن لتعريف الترك والألفاظ ذات الصلة، مع تكييف الترك أصوليًّا ..\nوبالرغم من التقارب الكبير بين ما كتبه الدكتور أيمن وما كتبته هنا؛ إلا أن هناك اختلافًا عامًا بين البحثين، سواء في طريقة الطرح - وذلك لأنه يتناول الترك كنظرية أصولية عامة غير خاصة بالنبي - ﷺ - أو ما أثمر عنه البحث من نتائج - فمفهوم الترك في هذه الدراسة أعم من مفهومه عند الدكتور","vol":"1","page":27},{"text":"أيمن - كذلك انفردت هذه الدراسة في هذا الباب عن دراسة الدكتور أيمن بعدة مسائل كتفصيل الكلام في التلازم بين نقل الترك وترك النقل.\nأما الفصل الثالث: الذي تعرض فيه الدكتور أيمن لترك النبي - ﷺ - فيختلف اختلافًا كبيرًا عن هذه الدراسة، فقد انفردت هذه الدراسة بعدة أمور:\n* تقسيم الترك إلى وجودي وعدمي.\n* تفصيل الكلام في أنواع الترك المسبب وكيف يعرف.\n* تناول الترك المطلق بالدراسة التفصيلية والتفرقة بينه وبين الترك المسبب.\n* تناول علاقة الإقرار بالترك بالدراسة التفصيلية.\n* التفريق بين البدعة والمصلحة المرسلة في جانب الترك.\n* الأمثلة التفصيلية لكل أنواع الترك.\n* تناول دلالة الترك الوجودي بالدراسة التفصيلية.\nومع ذلك فالبر موصول لأهله، ولا شك أن الباحث قد أفاد من اطلاعه على دراسة كتلك، وذلك من فضل الله ومنّه وكرمه؛ إذ أن هذه الرسالة لم تطبع بعد، كما أنه كان من العسير الاطلاع عليها إذ أنها نوقشت قبل إتمام هذه الدراسة بالجامعة الأردنية بزمن يسير، الأمر الذي يجعل اطلاع مثلي عليها عسيرًا، ولكن يسر الله لي الاطلاع عليها (١)، والإفادة منها، فلله الحمد والمنة.\n_________\n(١) تمكنت من الاطلاع على هذه الرسالة عن طريق الدكتور أشرف محمود عقلة بني كنانة =","vol":"1","page":28},{"text":"٧ - \"درء الشكوك عن أحكام التروك\" لمؤلفه: ابن حنفية العابدين بن محي الدين (١).\nوهذا البحث رغم صغره وكونه لا يجري على نمط الدراسات الأكاديمية إلا أن الرؤية الأصولية لمؤلفه واضحة تمامًا، ويمتاز عن كل الدراسات التي تكلمت في الترك قبل ذلك بهذا الأمر فضلًا عن أمور أخرى لا يمكن إغفالها كتقسيمه الترك إلى وجودي وعدمي وغير ذلك، وهناك تشابه واضح بين هذا البحث وبين ما انتهيت إليه هذه الدراسة.\n٨ - \"دليل الترك بين المحدثين والأصوليين\" وهي دراسة للدكتور أحمد كافي، نال بها رتبة الدكتوراه من كلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية؛ والمؤرخة بتاريخ ٢٠٠٥ م (٢)، وكما هو واضح من العنوان فالدكتور يتكلم عن موقف المحدثين والأصوليين من قضية الترك سواء كان قرآنيًّا أم نبويًّا فهو أشبه بالمسكوت عنه شرعًا من الناحية الأصولية، وقد تعرض للعديد من\n_________\n= (الأستاذ بقسم الفقه وأصوله - كلية الشريعة جامعة اليرموك) حيث أرسل لي نسخة منها، فجزاه الله عني خيرًا.\n(١) طبعته دار الإمام مالك بالجزائر عام ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م، وهو بحث صغير يقع في ١٠٥ صفحة، وقد اطلعت عليه بعد تسليم هذه الدراسة للمناقشة وهو على صغره مما فرحت به جدًّا إذ أن هناك تشابهًا كبيرًا بين ما كتبته في دراستي وما ذكره هو، خاصة: تقسيمه الترك إلى نوعين، ولله الحمد والمنة.\n(٢) كانت طبعتها الأولى في ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م نشر دار الكتب العلمية، ولم أتمكن من الاطلاع عليها إلا في أوائل عام ٢٠١١ م، وهي تقع في ٢٨٠ صفحة.","vol":"1","page":29},{"text":"المباحث الموجودة في هذه الدراسة، ومن يطالع الدراسة المشار إليها يجد هناك فرقًا واضحًا من حيث طريقة التناول والبحث، كذلك الاستدلال والترتيب على أن الدراسة تعد في الجملة موافقة لما انتهت إليه هذه الدراسة، وهذا من فضل الله ومنه وكرمه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-22> أما الدراسات التي تناولت الترك بالدراسة الفعلية ولكن ليس على سبيل الاستقلال، بل في أثناء البحث فقد وقفت على:</span>\n* \" أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية\" للدكتور محمد بن سليمان الأشقر وهي رسالته لنيل الدكتوراه من الجامعة الأزهرية، وقد تكلم عن الترك في أربعين صفحة، ثم الإقرار في ثلاث وأربعين صفحة، وتعد هذه الدراسة مصدرًا هامًّا عند كثير من المعاصرين ممن أشار إلى موضوع الدراسة.\nونظرًا لأهمية هذه الدراسة فقد تناولت المسائل التي ذكرها بالدراسة التفصيلية عند بحثها في هذه الدراسة.\n* \"طرق الكشف عن مقاصد الشارع\" للدكتور نعمان جُغَيم، وهي رسالته لنيل درجة الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بماليزيا، فقد خصص فصلًا مستقلًا يقع في خمس وعشرين ورقة للكلام عن سكوت الشارع ودلالته على المقاصد، وقد تكلم عن الإقرار وترك الاستفصال كأقسام لسكوت الشارع، وفي دلالة السكوت فرق بين العبادات والمعاملات وتكلم عن ترك النقل هل ينزل منزلة نقل الترك، ويلاحظ أن سكوت الشارع عنده مرادف للترك.","vol":"1","page":30},{"text":"* \"المسكوت عنه شرعًا وعلاقته بالسنة والبدعة\" (١) للدكتور محمد أنور بيومي؛ وهي دراسة جامعية على ما يبدو، وقد ذهب فيها إلى أن المسكوت عنه للعلماء فيه مذهبين: الأول: مذهب الجمهور القائل بالإباحة، والمذهب الثاني: مذهب ابن تيمية، ومن وافقه: كابن القيم والشاطبي القائلين بالحرمة أو الكراهية، وهذا هو عمود الصورة عنده، وعليه بنيت الدراسة كلها، وهو خلل عظيم إذ أن المسكوت عنه على نوعين؛ وقد جعله هو نوعًا واحدًا، أضف إلى ذلك فإن ما ذهب إليه الجمهور هو ما ذهب إليه ابن القيم وابن تيمية والشاطبي في الحقيقة لكنه جعل النوعين كالمذهبين وهذا الخطأ أثَّرَ في الدراسة بكاملها، فضلًا عن الأخطاء الكثيرة التي اشتملت عليها الدراسة كعدم توضيح الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة، كما يلاحظ على الدراسة ضعف الجانب التأصيلي بها؛ مما أدى إلى عدم وضع ضوابط واضحة في التصور الذي يراه هو للبدعة وما يدخل فيها وما لا يدخل، حاصل القول: أن الدراسة بها خلط شديد بين القضايا الأصولية وبها أخطاء كثيرة، والله المستعان.\nويمكنني أن أضيف أيضًا الدراسات المستقلة الخاصة بالبدعة، فقد تطرقت إلى الكلام عن الترك عند الحديث عن البدعة التركية، وهي لا تخرج عما ذكره الشاطبي في هذا الباب، ومن أهم تلك الدراسات:\n_________\n(١) مؤرخة بغرة رمضان ١٤٣٠ هـ - ٢١ أغسطس ٢٠٠٩ م، وطبعتها الأولى في ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م، تقع في ٣٧٢ صفحة، وقد اطلعت عليه أثناء تجهيز هذه الدراسة للطبع في أوائل عام ٢٠١١ م.","vol":"1","page":31},{"text":"- \"الإبداع في مضار الابتداع\"، لمؤلفه: الشيخ علي محفوظ (١) ﵀، فقد تكلم عن تقسيم السنة إلى فعلية وتركية، ولخص ما ذكره الشاطبي في الاعتصام مضيفًا عليه، ومعلقًا، ومستدركًا فيما يقرب من مائة صفحة.\n- \"علم أصول البدع\"، لمؤلفه: علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي الأثري (٢) فقد خصص الفصل الخامس من الباب الثاني لأحكام الترك ويقع في إحدى عشرة صفحة، وقد أشار في تلك الصفحات القليلة إلى رسالة الشيخ الغماري، ذاكرًا أنه بصدد تأليف رسالة في الرد عليها، ونقل عن ابن القيم قوله في نقل الصحابة لترك النبي - ﷺ -، ونقل عن الشاطبي كلامه عن الترك في الاعتصام مختصرًا، ولم يزد على ذلك شيئًا ذا بال.\n- \"حقيقة البدعة وأحكامها\"، تأليف سعيد بن ناصر الغامدي (٣)، وهي رسالته لنيل درجة الماجستير في العقيدة من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقد تكلم عن الترك في المجلد الثاني من دراسته في حوالي ست عشرة صفحة معتمدًا على ما ذكره الشاطبي في الاعتصام عند كلامه عن الترك.\n- \"قواعد معرفة البدع\"، لمؤلفه: الدكتور محمد حسين الجيزاني (٤)\n_________\n(١) إصدار دار الاعتصام، الطبعة الخامسة (١٩٥٦ م).\n(٢) إصدار دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (١٤١٧ هـ).\n(٣) نشر مكتبة الرشد بالرياض، الطبعة الرابعة (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n(٤) إصدار دار ابن الجوزي، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الجيزاني أصدر كتابًا بعنوان سنة الترك وأثرها في استنباط الأحكام (بحث محكم) ويقع في مئة واثنتا عشرة صفحة، إصدار =","vol":"1","page":32},{"text":"فقد تكلم عن السنة التركية في القاعدة الثالثة والرابعة من قواعد الأصل الأول - في خمس وعشرين صفحة - وبحثه منصب على الترك العدمي، ومتى يكون بدعة ومتى لا يكون.\nأما على صعيد الدراسات - المتعلقة بالبدعة - والتي خالفت الشاطبي في تأصيله للبدع: فقد صدر حديثًا كتاب \"مفهوم البدعة وأثره في اضطراب الفتاوى المعاصرة\" للدكتور عبد الإله بن حسين العرفج (١)، فقد تكلم في الفصل الرابع عن حكم الترك وأنواعه، وتكلم في الفصول الخامس والسادس والسابع عن مسائل متعلقة بالترك، وكذلك فقد عقد مبحثًا لتحقيق مذهب الشاطبي في البدعة، وقد ذهب إلى أن الترك لا يدل على التحريم سواء في العبادات أو العادات، ورغم محاولة الدكتور لأن يبحث المسألة كمسألة علمية إلا أنه وقع في مغالطات شديدة من أهمها أنه ذهب إلى جواز الإحداث في الدين بعد النبي - ﷺ - وأن ذلك هو فعل الصحابة، والكتاب برمته موجه لتسويغ البدع خاصة بدعة الاحتفال بالمولد النبوي، ولم يشر الدكتور العرفج إلى الغماري في كتابه رغم أنه موافق له فيما ذهب إليه من آراء.\n_________\n= دار ابن الجوزي [صدر في حدود أبريل ٢٠١٠]، وقد علمت ذلك من خلال إعلان عن الكتاب ولم أتمكن من الاطلاع عليه.\n(١) وقفت عليه بعد مناقشة هذه الرسالة وأثناء تهيئتها للطبع وهو من إصدار دار الفتح للدراسات والنشر، ط. الأولى (١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م)، وقد تعرضت للرد عليه في كتاب منفصل، ولذا أبقيت هذه الدراسة كما هي، ولم أدرج فيها شبهات الدكتور والرد التفصيلي عليها، لأن ذلك مما يطول جدًّا.","vol":"1","page":33},{"text":"ورغم أن المؤلفات الأصولية لم تعتنِ بمسألة الترك كقسم من أقسام السنة إلا أن هناك من أثبتها من المعاصرين فمن ذلك:\n- أحمد بن محمد بن علي بن الوزير المتوفى سنة (١٣٧٢ هـ) في كتابه (المصفى في أصول الفقه) فقد عد الترك أحد أقسام السنة ولم يخرج فيما ذكره عما قرره الشاطبي.\n- عبد الله بن يوسف الجديع في كتابه (تيسير علم أصول الفقه) فقد عد التروك النبوية في مقابلة الأفعال النبوية فعد ثمانية أقسام للترك وهي كلها لا تخرج عن الترك المسبب فقط ولم يتكلم عن باقي الأنواع.\nوبعد هذا العرض السريع لما ألف في تلك المسألة أو ما تناولها من دراسات يتبين أن هذه القضية ما زالت تحتاج إلى إماطة اللثام عنها ببحث مفصل لجميع جوانبها، أسأل الله تعالى أن يوفقني لذلك ..","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الباب الأول\nالتعريف بترك النبي - ﷺ </span>-","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>توطئة</span>\n\" فهم الشيء فرع عن تصوره\"، ولذا ينبغي على المتعرض للكلام في حجية الترك النبوي ودلالته أن يفصل القول في ماهية هذا الترك، والمراد بالماهية أعم من مجرد التعريف، فهو يشمل التعريف بالترك بوصفه مركبًا وليس بلقب، وهو بهذا الوصف لابد من التعريف بمفرديه لغويًّا وأصوليًّا، ويشمل كذلك التعريف بوصفه لقبًا، وهو في هذا الصدد يشمل كل ما يوضح هذه الماهية ويساعد على تصورها في الذهن: من بيان الأقسام والأنواع، ومن بيان علاقته بالأفعال، وسبل معرفته والوقوف عليه، وما يترتب على كل ذلك من مسائل ومباحث، ولبيان ذلك عُقد هذا الباب، والذي يهدف إلى وضع تصور واضح وسليم عن محور هذه الدراسة.\nوفي هذا الإطار تبلور الباب الأول في فصلين رئيسين:\nالأول منهما: للتعريف بالترك وما يتعلق به من أبحاث.\nوالثاني: للتعريف بترك النبي - ﷺ - وما يتعلق به من أبحاث.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الأول\nماهية الترك</span>","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>توطئة</span>\nهذا الفصل معقود للتعريف بترك النبي - ﷺ - بوصفه مركبًا، وهذا يقتضي التعريف بالترك بدون إضافته للنبي - ﷺ - أما النبي - ﷺ - فهو غني عن كل تعريف - وذلك التعريف يكون أولًا: في اللغة، ثانيًا: في الاصطلاح الأصولي، وقد اقتضى الخلاف القائم في تحديد ماهية الترك عند الأصوليين أن أتعرض - بعد تعرضي لذلك الخلاف - لما يترتب عليه من آثار فقهية أو أصولية.\nوفي هذا الإطار تبلور الفصل الأول في مبحثين رئيسيين:\nالأول منهما: للتعريف اللغوي.\nوالثاني: للتعريف الاصطلاحي وما يتعلق به من أبحاث.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الأول: المراد ب<span data-type=\"title\" id=toc-28>الترك في اللغة</span></span>\nالترك في اللغة:\nالترك مصدر فعله تركَ: يَترُكه: تَرْكا وتِركانا.\nومنه: تركة الرجل الميت وهو ما يخلفه بعد الموت: فعلة بمعنى مفعول.\nومنه امرأة تريكة؛ أي متروكة فلا تتزوج.\nوالتَّرِيكَة: رَوْضَةٌ يغْفَلُ عن رَعْيِها.\nوقِيلَ: هو المَرتَعُ الذي كانَ الناسُ رَعَوه إِما في فلاة وإِما في جَبَل.\nقالَ ابن بَرِّيّ: وقد اسْتَعْمَله الفَرَزْدَقُ في ما تركَه السَّيل من الماء فقالَ:\nكان تريكة من ماء مُزْنٍ ... ودارِيَّ الذَّكِيِّ من المُدامِ\nوالتريكة: البَيضَةُ بعْدَ أَنْ يخرج منها الفرخ (١).\n* وقد ذكرت المعاجم للترك أكثر من معنى، كلها تحمل معنى مفارقة الأمر أو الشيء، وهذه المعاني هي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الأول: تَرَكَ؛ أي: وَدَع</span>.\n\"التَّرك: ودْعُكَ شيئًا تتركه تركًا\" (٢).\n_________\n(١) تاج العروس من جواهر القاموس (٢٧/ ٩١) لمحب الدين أبي الفيض السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، (لكل مجلد محقق مختلف) إصدار وزارة الإرشاد في الكويت - مطبعة حكومة الكويت.\n(٢) نقله الأزهري عن الليث في تهذيب اللغة (١٠/ ١٣٣) تحقيق: علي حسن هلالي، =","vol":"1","page":39},{"text":"وقال ابن منظور: \"التَّرْك: وَدْعُك الشيء تركه يتركه تركًا\" (١).\nقال الخليل: \"التَّرك: ودعك الشيء تتركه\" (٢).\n\nالثاني: تَرَكَ الشيء؛ أي: طرحه (٣) وخلاه.\n\" ترك الشيء: خلاه\" (٤)، و\"الترك: التخلية\" (٥)، \"وتركت الشيء تركًا: خليته\" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الثالث: تَرك؛ أي: رَفَضَ</span>.\n\" قال الراغب: ترك الشيء: رفضه قصدًا واختيارًا أو قهرًا واضطرارًا.\n_________\n= مراجعة الأستاذ/ محمد علي النجار - الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n(١) لسان العرب (١/ ٦٠٦) لابن منظور، ط. (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م)، دار الحديث - القاهرة.\n(٢) العين (٥/ ٣٣٦) لأبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، ط. دار ومكتبة الهلال.\n(٣) القاموس الفقهي (ص ٤٩)، سعدي أبو جيب، ط. الثانية (١٤٠٨ هـ)، دار الفكر، دمشق - سورية، وكذلك ذكره الزمخشري في التفسير (١/ ١٩٣)، والبيضاوي (١/ ٣٦).\n(٤) مختار الصحاح (١/ ٥٤)، محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)، دار الحديث - القاهرة.\n(٥) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ: الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي (ت/ ٧٥٦ هـ)، تحقيق: عبد السلام أحمد التنوجي، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ١٩٩٥ م)، مكتب الإعلام والبحوث والنشر بجمعية الدعوة الإسلامية العالمية، بنغازي - ليبيا.\n(٦) لسان العرب (١/ ٦٠٦).","vol":"1","page":40},{"text":"فمن الأول قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤].\nومن الثاني: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] \" (١).\nوكذلك ذكره الفيروزآبادي (٢).\nوقريب منه ما ذكره ابن عرفة قال: \"الترك على ضربين: مفارقة ما يكون للإنسان فيه رغبة وترك الشيء رغبة عنه\" (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> وقد يستعمله أهل اللغة أحيانًا في المعاني الآتية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الأول: تَرَكَ؛ أي: جَعَلَ</span>، والترك: الجَعْل) (٤).\nقال الأزهري: \"وقال الليث الترك: الجعْل في بعض الكلام، تقول: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا\" (٥).\n_________\n(١) تاج العروس (٢٧/ ٩١).\n(٢) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز (٢/ ٢٩٨): مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت/ ٨١٧ هـ)، تحقيق: الأستاذ محمد علي النجار، ط. الثالثة (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م) القاهرة، طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لجنة إحياء التراث.\n(٣) نقله المرتضى الزبيدي في تاج العروس (٧/ ١١٥).\n(٤) القاموس المحيط (٢/ ١٢٣٩) لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (٧٢٩ - ٨١٧ هـ)، إعداد وتقديم: محمد عبد الرحمن المرعَشلي، ط. الثانية (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م)، دار إحياء التراث العربي ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان.\n(٥) تهذيب اللغة (١٠/ ١٣٣).","vol":"1","page":41},{"text":"ونقل ابن منظور عن ابن الأعرابي قوله: \"والترك: الجعل في بعض اللغات، يقال: تركت الحبل شديدًا؛ أي جعلته شديدًا، قال: ولا يعجبني\" (١).\nوكذلك قال الخليل: \"الترك: الجعل في بعض الكلام\" (٢).\nونقل المرتضى الزبيدي عن ابن فارس أنه قال: \"ما أحسب هذا في كلام الخليل\"، وعن ابن سيده قوله: \"ولا يعجبني\" (٣).\nوقال الأصفهاني: \"ويجري مجرى جعلت كذا نحو تركت فلانًا وحيدًا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الثاني: يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما</span>.\nقال الراغب الأصفهاني: \"وقد يقال في كل فعل ينتهي إلى حالة ما: تَركته كذا\" (٥).\nوكذا قال مجد الدين الفيروزآبادي (٦)، والزبيدي (٧).\n_________\n(١) لسان العرب (١/ ٦٠٧) ونقله أيضًا ابن سيده عن ابن الأعرابي [دون قوله: (ولا يعجبني)، المحكم (٦/ ٧٦٦) [علي بن إسماعيل بن سيده (ت/ ٤٥٨ هـ)، تحقيق: مراد كامل، ط. الأولى (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٣ م) معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية] ونقلها الزبيدي عن ابن سيده (٧/ ١١٥).\n(٢) العين (٥/ ٣٣٦).\n(٣) تاج العروس (٢٧/ ٩٣)، ولم أجده في المحكم.\n(٤) مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني (ص ١٦٦)، تحقيق: صنوان عدنان داوودي، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م)، دار القلم، دمشق، الدار الشامية - بيروت.\n(٥) المصدر السابق.\n(٦) بصائر ذوي التمييز (٢/ ٢٩٨).\n(٧) تاج العروس (٢٧/ ٩٣).","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>الثالث: الترك؛ أي: الإبقاء </span>(١).\nقال الأزهري: \"وقال غيره - أي الليث - التَرْك: الإبقاء في قوله الله ﷿: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨]؛ أي: أبقينا عليه ذكرًا حسنًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الرابع: تَرَك: قد يتضمن معنى صَيَّر</span>.\nقال الزبيدي: \"قال شيخنا: وقد يعلق الترك باثنين فيكون مضمنًا معنى صَيَّر فيجري على نمط أفعال القلوب كـ ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٧]، قاله الزمخشري والبيضاوي\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>الخامس: ترك: أسقط، والترك الإسقاط</span>.\nيقال: ترك ركعة من الصلاة أي: أسقطها فلم يأتِ بها، فهو مسقط لما قد ثبت شرعًا. وهذا يأتي في المعاني أيضًا، فترك حقه: أي أسقطه (٤).\n_________\n(١) لسان العرب (١/ ٦٠٦).\n(٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١٣٤).\n(٣) تاج العروس (٢٧/ ٩١)، وقول الزمخشري في الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاوبل الأقاويل في وجوه التأويل (١/ ٧٣)، تصنيف: أبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، شرحه وضبطه: يوسف الحمادي، الناشر: مكتبة مصر. وقول البيضاوي في (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) المعروف بـ (تفسير البيضاوي) (١/ ٣٦)، تصنيف: ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، تقديم: محمود عبد القادر الأرناؤوط، دار صادر - بيروت، ط. الأولى (٢٠٠١ م).\n(٤) المصباح المنير (ص ٤٩): أحمد بن محمد على الفيومي المقري، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - =","vol":"1","page":43},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-38> من النقولات السابقة يتبين ما يلي:</span>\nأولًا: أن الترك عند أهل اللغة يحمل معنيين:\nالأول: عدم الفعل غفلة عنه، وهو ما يطلق عليه: الترك العدمي المحض، ومن هذا المعنى أطلق على الروضة التي يغفل عن رعيها تريكة، وعلى البيضة بعد أن يخرج منها الفرخ تريكة، وهذا المعنى موجود أيضًا في استعمال الترك بمعنى الإسقاط.\nالثاني: عدم الفعل إعراضًا عنه، وهو ما يطلق عليه الكف أو الإعراض، وهذا المعنى ظاهر في المعاجم: فودع، ورفض، وطرح، وخلى تحمل معنى الإعراض عن الفعل.\nثانيًا: كلا المعنيين السابقين يقتضيان أن الفعل المتروك مقدور على فعله، فلا يقال عن إنسان أنه ترك أمرًا ما إذا كان لا يقدر عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>جمع \"الترك\" على \"تروك</span>\":\n\" تَرْك\" على وزن \"فَعْل\" فهو ثلاثي صحيح ساكن العين مفتوح الفاء غير معتل العين بالواو، فيجمع جمع تكسير على \"فعول\" (١).\nوعلى ذلك فـ \"تروك\" جمع مطرد على القاعدة.\nومع ذلك لم أعثر في المعاجم التي اطلعت عليها (٢) على من نص على أن\n_________\n= ٢٠٠٠ م)، دار الحديث - القاهرة.\n(١) النحو الوافي (٤/ ٦٥٠) عباس حسن، الطبعة الثالثة عشرة، دار المعارف.\n(٢) تاج العروس من جواهر القاموس (٧/ ١١٤)، لسان العرب (١/ ٦٠٦)، تهذيب اللغة =","vol":"1","page":44},{"text":"الترك يجمع على تروك، مع كثرة استعماله من قبل الأصوليين والفقهاء (١)، ومعلوم أن الترك مصدر، فهل يشكل على هذا الجمع أنه لم يرد به سماع؟\nفي ظني أن ذلك لا يشكل، فإنه قد يدل على جواز هذا الجمع عند أهل اللغة أمور، منها:\nالأول: أن المصدر الذي اتفق النحاة على عدم جواز جمعه إلا ما ورد مسموعًا هو المصدر الذي يراد به بيان ما سوى العدد والنوع واتفقوا على\n_________\n= (١٠/ ١٣٣)، العين (٥/ ٣٣٦)، مختار الصحاح (١/ ٥٤)، القاموس المحيط (٢/ ١٢٣٩)، معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٤٥): أحمد بن فارس ابن زكريا، تحقيق: عبد السلام هارون، ط. الثانية، دار الجيل، بيروت - لبنان، المصباح المنير (٤٩)، المحكم والمحيط الأعظم (٦/ ٤٧٦)، المعجم الوجيز (ص ٧٤) [ط. (١٤١١ هـ - ١٩٩١ م)]، المعجم الوسيط (ص ٨٤) [ط. الرابعة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م): مجمع اللغة العربية بالقاهرة].\n(١) انظر على سبيل المثال: الموافقات في أصول الشريعة (٣/ ٢٠): للحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت/ ٧٩٠ هـ)، تحقيق: خالد عبد الفتاح شبل، ط. (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، تفسير البحر المحيط (٤/ ٤٠١): لأبي حيان الأندلسي محمد بن يوسف (٦٥٤ - ٧٤٥ هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (ص ٣٨١): لأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، تحقيق: هلموت ريتر، ط. الثالثة، دار إحياء التراث - بيروت، البرهان في أصول الفقه (١/ ٢١٦ / ف ٢٢٢): لأبي المعالي الجويني، تحقيق: عبد العظيم محمود الديب، ط. الرابعة (١٤١٨ هـ) دار الوفاء، المنصورة - مصر، المعتمد في أصول الفقه (١/ ١١٤): لأبي الحسين البصري المعتزلي، تحقيق: محمد حميد الله بالتعاون مع محمد بكر، حسن حنفي، نشر: المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق (١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م).","vol":"1","page":45},{"text":"جوازه إذا أريد به العدد (١) واختلفوا في المراد به النوع وقد أجازه مجمع اللغة العربية القاهري (٢).\nالثاني: ما ذكره النحاة من جواز جمع المصدر إذا كان بمعنى اسم المفعول.\nالثالث: أن الذي يطلب له سماع هو الذي لا يجري على القاعدة، \"فالمفرد إذا كان مستوفيًا للشروط التي يجب تحققها فيه ليصلح أن يجمع على وزنها فمتى تحققت تلك الشروط ساغ جمعه عليها من غير استشارة المراجع اللغوية\" (٣).\nوقد سبق ذِكرُ أن هذا الجمع مستوف لشروط القاعدة، وكذلك فالتَّرْك مصدر يراد به النوع، أو اسم المفعول؛ فهو بمعنى المتروك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المعنى المقصود من هذا الجمع:</span>\nيستعمل الجمع للدلالة على أن الترك لا يقع على حالة أو صفة واحدة، بل تتنوع وتختلف، فإذا قيل: إن المصدر مراد به النوع فالمعنى: أنواع كثيرة من الترك، وإذا قيل: إن المصدر بمعنى اسم المفعول فالمعنى أحوال مختلفة لما تركه النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) بحث بعنوان \"بعض مظاهر تغير الصيغ الصرفية في العربية المعاصرة\": بحوث في العربية المعاصرة، د. وفاء كامل، كلية الآداب - جامعة القاهرة، نشر: عالم الكتب (ص ١٤٧ - ١٤٨).\n(٢) نص قرار المجمع: \"قرر المؤتمر أنه يجوز جمع المصدر عندما تختلف أنواعه\" - \"الجلسة الرابعة للمؤتمر ٢٩ من يناير سنة ١٩٤٤ م\"، انظر: \"مجلة مجمع فؤاد الأول للغة العربية\" (٦/ ٧٥) المطابع الأميرية بالقاهرة ١٩٥١ م.\n(٣) النحو الوافي (٤/ ٦٣٣).","vol":"1","page":46},{"text":"وبناء على ما سبق:\nفإنه متى كان المقصود بيان تنوع الوجوه التي يقع عليها ترك النبي - ﷺ - فإن استخدام الجمع أفضل، ومتى كان المراد بيان حقيقة النوع أو دلالته فالتعبير بالمفرد أفضل.\nومن أجل ذلك استخدمت صيغة الجمع في عنوان البحث لتدل على تنوع أحوال الترك وصيغة المفرد في عناوين الأبواب والفصول حيث المراد بيان ذات النوع، وتنوع الاستعمال في ثنايا البحث بحسب المعنى المراد.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثاني: المراد بالترك عند الأصوليين </span>(١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>المطلب الأول: تعريف الترك عند الأصوليين:</span>\nلم يتفق الأصوليون على تعريفٍ واحدٍ للترك بل اختلف معناه باختلاف استعمالهم له، ويمكن القول بأن لهم في تحديد المراد من الترك اتجاهين مشهورين (٢)، وفيما يلي بيان هذين الاتجاهين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>الاتجاه الأول: الترك: هو عدم فعل المقدور:</span>\nسواء كان كفًّا أو استمرارًا للعدم الأصلي، فكلاهما يطلق عليه ترك، فلا يشترط في الترك هنا القصد، ولا يشترط التعرض للضد، بل هو مجرد عدم الفعل على أي وجه كان ما دام الفعل مقدورًا.\nونظرًا لما اشتهر من أن الأصوليين يشترطون القصد في الترك فقد آثرت أن أذكر من أقوال العلماء ما يدل على أن الترك يشمل الكف وغيره، فمن ذلك:\n_________\n(١) ذكر الدكتور صالح الزنكي أن الترك لا تكاد تجد له تعريفًا عند الأصوليين ولذا فقد عرفه بأنه: الكف عن فعل أو قول أو تقرير أو إنكار على سبيل الاختيار [رؤية أصولية لتروك النبي - ﷺ - (ص ٣٩١) للدكتور صالح قادر كريم الزنكي، بحث نشر بمجلة الحكمة العدد الثاني والعشرين محرم ١٤٢٢ هـ، بريطانيا - ليدز].\n(٢) التعبير بأن لعلماء الأصول اتجاهين أولى من القول بأن هناك خلافًا بين الأصوليين في تعريف الترك، وذلك لأن الملاحظ أن المعنى يختلف بحسب المراد تقريره كما سيأتي في مسألة لا تكليف إلا بفعل.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>قال عضد الدين الإيجي </span>(١):\n\" الترك هو عدم فعل المقدور، سواء كان هناك قصد من التارك أو لا كما في حالة الغفلة والنوم، وسواء تعرض لضده أو لم يتعرض، وأما عدم ما لا قدرة عليه فلا يسمى تركًا ولذلك لا يقال: ترك فلان خلق الأجسام\" (٢).\nووافقه من المعاصرين: المفتي محمد عميم الإحسان المجددي البركتي (٣).\nقال ابن الوزير (٤):\n_________\n(١) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار عضد الدين الإيجي الشيرازي شارح مختصر ابن الحاجب الشرح المشهور، تولى القضاء، كان إمامًا في المعقولات عارفًا بالأصلين والمعاني والبيان والنحو مشاركًا في الفقه، له في علم الكلام كتاب (المواقف)، وفي المعاني والبيان (الفوائد الغياثية)، مولده بإيج بعد سنة ثمان وسبعمائة، وتوفي مسجونًا بقلعة بقرب إيج سنة ست وخمسين وسبعمائة كذا قيل، وقيل: إنه توفي سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.\n[طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ٢٧)، طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (١٥/ ٤٦)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة (٢/ ٧٥)].\n(٢) المواقف (٢/ ١٦٢)، دار الجيل - بيروت، ط. الأولى، سنة ١٩٩٧ م، ت. عبد الرحمن عميرة.\n(٣) قواعد الفقه (١/ ٢٢٧) لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، ط. الأولى (١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م)، دار الصدف ببلشرز، كراتشي.\n(٤) هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى المعروف بابن الوزير، ولد في رجب سنة ٧٧٥ هـ بهجرة الظَّهرَاوَين من شظب، وهو جبل باليمن، بلغ شأنًا كبيرًا في العلم، حتى قال عنه الشوكاني: \"والذي يغلب على الظن أن شيوخه لو جمعوا في ذات واحدة، لم يبلغ علمهم إلى مقدار علمه. . . ولو قلت إن اليمن لم تنجب مثله لم أبعد عن الصواب\"، وله أكثر من ثلاثين مؤلفًا، من أشهرها: \"العواصم والقواصم\" في تسع مجلدات، واختصره في =","vol":"1","page":49},{"text":"\"حتى في التروك التي هي عدم الأفعال على الصحيح، فإنا نعقل قبح الترك لقضاء الدين، وترك رد الوديعة، وترك الصلاة، ونعقل حسن ترك المظالم، وترك العدوان على المساكين، قبل أن نعقل أن الترك كف النفس عن الفعل أو عدم محض\" (١).\nفعدم الفعل يشمل ما إذا كان هناك قصد من التارك أو لم يكن، وهو يشير إلى الخلاف في ذلك بقوله على الصحيح.\nقال القاضي الأحمد (٢) في كتابه: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون - عند تعليقه على شرح تعريف البيضاوي للعبادة شرعًا أنها التوجه نحو الفعل لوجه الله تعالى وامتثالًا لحكمه -:\n_________\n= \"الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم\"، توفي يوم ٢٤ محرم سنة ٨٤٠ هـ بمرض الطاعون الذي انتشر في اليمن.\n[البدر الطالع (٢/ ٨١ / ٣٩٠)، الضوء اللامع (٦/ ٢٧٢ / ٩٠٦)، وقد أفرد القاضي إسماعيل بن علي الأكوع ترجمة ابن الوزير في مؤلف سماه \"الإمام محمد بن إبراهيم الوزير وكتابه العواصم من القواصم\"، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م)، دار ابن حزم، بيروت - لبنان].\n(١) إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق (ص ٢٩٦) لابن الوزير اليماني، ط. الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٢) هو: عبد النبي الأحمد نكري ابن قاضي عبد الرسول من بني عثمان كما يذكر عن نفسه في مقدمة كتابه، وقد بحثت عن ترجمة له فلم أجد وربما كان ذلك بسبب أن كتابه فارسي، وكتابه من الكتب المهمة في اصطلاحات الفنون، وهو المشهور بدستور العلماء، وقد ذكر أنه أنهى مؤلفه هذا في ١٤ محرم سنة ١١٧٣ هـ فهو إذن كان موجودًا في القرن الثاني عشر الهجري، ومع ذلك لم أجد له ترجمة في الأعلام أو أحد ذيوله، ولا عند كحالة، والكتاب من إصدار دار الكتب العلمية فلا غرابة ألا يوجد له مقدمة للتحقيق، ولعل ترجمته تكون في أحد المراجع الفارسية.","vol":"1","page":50},{"text":"\"فإن قيل: هذا في التروك مشكل، قلنا: الإشكال إنما هو إذا كان الترك بمعنى العدم، لأنه ليس بفعل، فلا صحة للنية بالمعنى المذكور، لكن الترك هاهنا لكونه مكلفًا به أي مأمورًا به في النهي بمعنى الكف وهو الفعل\" (١).\nفهو هنا يصرح بأن الترك قد يكون بمعنى العدم وقد يكون بمعنى الكف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>والترك على هذا الرأي يشتمل على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>النوع الأول: </span>هو الترك الوجودي وهو الترك الذي كان فيه قصد من التارك وهو ما يطلق عليه الكف.\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>النوع الثاني: </span>الترك العدمي وهو الترك الذي لا يكون فيه قصد من التارك بل تركه غفلة عنه.\nوعلى ذلك يكون الترك أعم من الكف، فالكف إذن أحد أقسام الترك في هذا الاستعمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الاتجاه الثاني: الترك: هو: كف النفس عن إيقاع الفعل:</span>\nجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية أن \"التّرك في اصطلاح أكثر الأصوليّين والفقهاء: كفّ النّفس عن الإيقاع\" (٢).\n_________\n(١) جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (٣/ ٢٩٦): القاضي: عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد، وهو كتاب فارسي، عرّبه: حسن هاني فحص، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)، دار الكتب العلمية.\n(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية (١١/ ١٩٨)، ط. الثانية (١٤٠٨ هـ)، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، ويرى الباحث أن هذا الإطلاق فيه نظر: فمحرر هذه المادة من الموسوعة =","vol":"1","page":51},{"text":"وعرفه ابن فورك (١) بأنه: \"الحكم الحاصل لمن يصح منه حصول ضده بدلًا منه\" (٢) فقوله حصول ضده بدلًا منه معناه: لمن يقدر على فعل الضد، وهذا التعريف بمجرده موافق لما ذكره أصحاب الاتجاه الأول لولا ما ذكره بعد ذلك من أنه من قبيل ما يكتسبه العباد.\nوعرفه الأنصاري (٣) بقوله: \"الترك في اصطلاح الأصوليين: عبارة عن موجود كائن مضاد لما يضاده\" (٤)، فقوله: \"موجود كائن\" يعني أنه\n_________\n= لم ينسب ذلك لأحد، إلا أنه يصح القول بأن المراد بالترك هنا الكف، أو الترك المخاطب به العبد والمكلف به، وسيأتي زيادة إيضاح لهذا الأمر.\n(١) هو: الأستاذ محمد بن الحسن بن فورك \"بضم الفاء وفتح الراء\" الأصبهاني المتكلم صاحب التصانيف في الأصول والعلم، وكان ذا زهد وعبادة وتوسع في الأدب والكلام والوعظ والنحو أقام بالعراق مدة يدرس ثم توجه إلى الري ثم ورد نيسابور فبُنِيَ له بها مدرسة وبلغت مصنفاته قريبًا من عائة تصنيف ثم دعي إلى مدينة غزنة من الهند وجرت له بها مناظرات عظيمة فلما رجع إلى نيسابور سُمَّ في الطريق فمات فنقل إلى نيسابور فدفن بها، وقيل غير ذلك، ولد سنة ٣٣٠ هـ، وتوفي سنة ٤٠٦ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٣٠)، الوافي بالوفيات (٢/ ٢٥٤)، شذرات الذهب (٥/ ٤٢)].\n(٢) الحدود لابن فورك (ص ٨٥) [(الحدود والمواضعات)، تأليف: أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الإصبهاني، قرأه وقدَّم له وعلق عليه: محمد السليماني، ط. الأولى (١٩٩٩ م)، دار الغرب الإسلامي - بيروت].\n(٣) هو: سليمان بن ناصر بن عمران النيسابوري الشافعي المتكلم تلميذ إمام الحرمين، كان فقيهًا صوفيًا إمامًا في علم الكلام والتفسير، توفي سنة ٥١٢ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٣)، شذرات الذهب (٦/ ٥٦)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٨٣ / ٢٥١)].\n(٤) [الغنية في الكلام لأبي القاسم الأنصاري، مخطوط: لوحة ٧٩ ب]، نقلًا من تحقيق =","vol":"1","page":52},{"text":"وجودي، وقوله: \"مضاد لما يضاده\" أي: يشترط فيه: التعرض للضد وهو معنى الكف.\nقال ابن تيمية: \"وقد تنازع الناس في الترك، هل هو أمر وجودى أو عدمي؟ والأكثرون على أنه وجودي، وقالت طائفة كأبي هاشم الجبائي: إنه عدمي وإن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه ويسمون المذمية؛ لأنهم رتبوا الذم على العدم المحض.\nوالأكثرون يقولون: الترك أمر وجودي فلا يثاب من ترك المحظور إلا على تركِ يقوم بنفسه، وتارك المأمور إنما يعاقب على تركٍ يقوم بنفسه وهو أن يأمره الرسول - ﷺ - بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي، ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل ضده كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادهّ غيره فيعاقب على ذلك\" (١).\nوالمراد بالترك هنا ليس مجرد الترك، بل المراد به الترك الذي يقع التكليف به، ويؤيد ذلك عدة أمور:\n- قوله في تعليل وجه القول بأنه وجودي: \"فلا يثاب من ترك المحظور إلا على ترك يقوم بنفسه، وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه\".\n_________\n= الحدود لابن فورك (ص ٨٥)، ولم أتمكن من الاطلاع عليه.\n(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢١٥)، لشيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت/ ٧٢٨ هـ)، اعتنى بها: مروان كجك، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م)، دار الكلمة الطيبة.","vol":"1","page":53},{"text":"- أن أبا هاشم الجبائي إنما تكلم فى الترك الذي وقع التكليف به: فقوله \"وإن المأمور يعاقب على مجرد عدم الفعل لا على ترك يقوم بنفسه\" ظاهر في أنه يريد الترك الذي وقع التكليف به (١).\nوعلى ذلك يكون الترك والكف مترادفين، وكلاهما بمعنى عدم فعل المقدور قصدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>الاتجاه المختار:</span>\nالذي يظهر من العرض السابق أن استعمال كلمة الترك عند الأصوليين تتنوع بحسب المعنى المراد، فقد يستعمل الترك بمعنى الكف، وذلك إذا كان المراد الترك الذي يرد في الخطاب الشرعي: أي الترك الذي يكلف به الإنسان، ولذا يُلاحَظ أن أصحاب الاتجاه الثاني ينصب كلامهم على هذا المعنى في المقام الأول، وقد يستعمل الترك بحسب معناه اللغوي الأصلي فيشمل جميع صور الترك واحتمالاته، ويلاحظ أيضًا أن ذلك لم يكن في معرض الكلام عن\n_________\n(١) بذلك يتضح أن من فسر هذه العبارة على أن الترك لا يكون عدميًا، وأن القائل بأن الترك عدمي موافق لمذهب الجبائي، ثم يرى أن تفصيل الترك إلى نوعين ما هو إلا محاولة للجمع بين القولين قد أخطأ في فهمه لهذه العبارة من شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ مذهب الجبائي ليس في الترك العدمي، والذي يراه الباحث أن سبب الخلط الذي وقع في بيان ماهية الترك: هو عدم التفرقة بين نوعي الترك الوجودي والعدمي، فهم عند التأصيل يتكلمون على الترك الوجودي، ثم عند التطبيق وذكر الفروع يتناولون الترك العدمي، كما فعل الشيخ الغماري على سبيل المثال، وهذا هو السبب فيما ذهب إليه الدكتور الزنكي من ماهية الترك، وسوف يأتي الكلام على ما ذهب إليه مفصلًا في الكلام على فعلية الترك.","vol":"1","page":54},{"text":"التكليف، وهو ما ظهر واضحًا عند أصحاب الاتجاه الأول.\nلذا فإن الاتجاه الذي سوف تسير عليه هذه الدراسة هو الاتجاه الأول، والذي يكون الاتجاه الثاني أحد صوره، فالترك يشمل الكف وهو الترك المقصود، والترك المحض وهو الترك غير المقصود، وهو الذي يتفق مع موضوع الرسالة والغرض منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المطلب الثاني: بيان ألفاظ متعلقة بالترك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>أولًا: السكوت:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-52> السكوت في اللغة:</span>\nالسكوت هو: ترك الكلام مع القدرة عليه.\nقال الزبيدي: \"قال شيخنا عن بعض المحققين: إن السُّكوتَ هو تَرْك الكلام مع القدرة عليه، قالوا: وبالقيد الأَخير يُفارق الصَّمْتَ، فإن القدرَة على التَّكَلّم لا تعْتبر فيه، قاله ابن كمال باشا، وأَصلُه للرَّاغب الأَصبهاني، فإنه قال في مفرداته: الصمت أبلغ من السَّكُوت، لأَنّه قد يُستعمل فيما لا قوَّة له على النطق، ولذا قيل لما لا نطق له: الصّامتُ والمُصْمَت؛ والسُّكُوتُ يقال لما له نطق فيترك استعماله\" (١).\nوهو مصدر فعله \"سَكَت\"، \"يَسكُت\"، \"سُكوتًا\"، فهو \"ساكت\"، والسَّكت: الرجل كثير السكوت، ويقال أيضًا: رجل سكيت، ورجل ساكوت:\n_________\n(١) تاج العروس (٤/ ٥٥٨ - ٥٦٣).","vol":"1","page":55},{"text":"إذا كان قليل الكلام من غير عي فإذا تكلم أحسن (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-53> السكوت في الاصطلاح:</span>\nاستعمل السكوت عند الأصوليين بنفس المعنى اللغوي، ولم يخصوه بمعنى آخر، قال الجرجاني (٢) في التعريفات: \"السكوت هو ترك التكلم مع القدرة عليه\" (٣).\nفالسكوت إذن أحد صور الكف، لأنه في حقيقة الأمر امتناع عن القول، فيكون داخلًا في معنى الترك اللغوي، وكذلك في المعنى المراد في هذه الدراسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>ثانيًا: الكَفّ:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-55> الكف في اللغة:</span>\nالكف هو: الدفع والمنع والرد، يقال: كَفَفتُه عنه كفًا أي: دفعته ومنعته وصرفته عنه، ومنه سميت اليد كفًّا؛ لأنها تكف عن صاحبها، أو يكف بها ما آذاه.\n_________\n(١) مختار الصحاح (ص ١٧٥)، المصباح المنير (ص ١٦٩)، القاموس المحيط (١/ ٢٤٩)، لسان العرب (٤/ ٦٢٢)، الصحاح للجوهري (١/ ٢٥٣).\n(٢) هو: علي بن محمد بن علي الجرجاني المعروف بالسيد الشريف، ولد في بلدة تاكو - قرب استرباد - سنة ٧٤٠ هـ، ودرس بشيراز، وتسميته بالجرجاني نسبة إلى بعض أجداده، وهو فيلسوف من كبار العلماء بالعربية، توفي سنة ٨١٦ هـ، وله نحو خمسين مصنفًا.\n[الضوء اللامع (٥/ ٣٢٨ / ١٠٨٧)، الأعلام للزركلي (٥/ ٧)].\n(٣) التعريفات (ص ١٥٩): علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت/ ٨١٦ هـ)، حققه وقدم له إبراهيم الأبياري، دار الريان للتراث.","vol":"1","page":56},{"text":"وأصل الكف: الانقباض والتجمع، ومنه سميت الكف كفًّا؛ لأنها تقبض على الأشياء، وتجتمع (١)، والكف: الامتناع عن موالاة الفعل وإيجاده حالًا بعد حال (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-56> الكف عند الأصوليين:</span>\nمعنى الكف عند الأصوليين لا يخرج عن معناه اللغوي ففي الموسوعة الفقفية: \"وأمّا في الاصطلاح: فعرّفه الأصوليون بأنه الانتهاء عن المنهيّ عنه.\nقال في التّقرير والتّحبير: إن الفعل المكلّف به في النّهي هو كفه النّفس عن المنهيّ، أي انتهاؤُه عن المنهيّ عنه، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] نهي يقتضي انتهاء المكلّف عن المنهىّ عنه، أي الزّنا إذا طلبته نفسه.\nفلا يحصل الكف عن المنهيّ عنه إلا بعد إقبال النّفس عليه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>هل القصد شرط في الكف</span>؟\nما دام الكف بمعنى الامتناع - والامتناع يقتضي أن يكون المكلف قاصدًا للترك وليس ذاهلًا عنه - فإن الكف لابد فيه من قصد الترّك، وهذا ما\n_________\n(١) لسان العرب (٧/ ٦٩٤)، المصباح المنير (ص ٣١٨)، الصحاح (٤/ ١٤٢٣)، القاموس المحيط (٢/ ١١٣١)، تاج العروس (٣٤/ ٣١٦).\n(٢) الفروق اللغوية (ص ١١٢)، لأبي هلال العسكري، تحقيق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع.\n(٣) الموسوعة الفقهية الكويتية: (٣٥/ ٣٥)، التقرير والتحبير في الأصول لابن أمير الحاج (٢/ ١١٨)، ط. (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م)، دار الفكر - بيروت.","vol":"1","page":57},{"text":"يقتضيه المعنى اللغوي: إذ الدفع والرد والمنع كلها أفعال متعدية فلابد أن تقتضي مفعولًا، فالكف لا يتصور وقوعه بدون قصد من الكافّ، ولذا وقع الخلاف بين الجمهور وأبي هاشم في المقتضَى بالتكليف إذ الفرق بين الترك العدمي والكف هو وجود القصد، ولابد هنا من بيان أمرين:\nالأول: أن قصد الفعل غير قصد الامتثال: الذي هو شرط في حصول الثواب، كما سيأتي، ولذا فقد يقع الكف ولا يثاب أو يثاب وهذا باعتبار القصد أي قصد المكلف بكفه الامتثال لما طلبه الشرع.\nالثاني: أن قصد الكف هو معنى اشتراط التعرض للضد في الكف، فلا يكون الإنسان كافًا عن فعل إلا إذا رد أو دفع فعلًا ضده، فلا يقال فلان كف عن الزنا إلا إذا رد أو دفع دواعي الزنا وهو نفس قولنا قصد ترك الزنا، وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>هل الكف هو فعل الضد:</span>\nقال العطار (١) في حاشيته: \"المكلف به في النهي: الكف، أي: الانتهاء عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل الضد للمنهي عنه، وقيل هو فعل الضد\" (٢).\n_________\n(١) هو: حسن بن محمد بن محمود العطار الشافعي المصري ولد سنة ١١٩٠ هـ له عدة مؤلفات منها: حاشية على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع، توفي سنة ١٢٥٠ هـ.\n[أصول الفقه تاريخه ورجاله (ص ٥٣٣)].\n(٢) حاشية العطار على شرح جلال الدين المحلي لجمع الجوامع (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) وأيضًا: =","vol":"1","page":58},{"text":"فقوله: وذلك فعل، أي: الكف، فالكف يحصل بفعل ضد المنهي عنه أو هو فعل ضد المنهي عنه فالعلاقة بين الكف وفعل الضد أحد أمرين:\nالأول: أن الكف هو عين فعل الضد.\nالثاني: أن الكف يستلزم فعل الضد، فلا يحصل الكف إلا إذا فعل الضد، وهذا لا إشكال فيه، ولعل هذا هو الأقرب، وذلك لأن الفعل قد يكون له ضد واحد، وقد يكون له أكثر من ضد، وقد يكون الكف ضدًا لأكثر من فعل، فالسكوت مثلًا ضد الكلام، ومع ذلك فالكف عن الغيبة بالسكوت هو عين الكف عن النميمة بالسكوت أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>علاقة الكف بالترك:</span>\nمما سبق يمكن القول بأن علاقة الكف بالترك على ثلاث أحوال:\nأولًا: أن يكونا متقابلين:\nفيختص الكف بما توفر فيه القصد، والترك بما لم يكن كذلك.\nثانيًا: أن يكونا مترادفين: فيكون كلًّا من الكف والترك بمعنى قصد عدم الفعل.\nثالثًا: أن يكون الترك أعم من الكف: فيكون الترك هو عدم فعل المقدور ويشمل ما لو قصد فيكون كفًّا،\n_________\n= الكليات (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩): لأبي البقاء الحسيني الكفومي، ط. (١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م)، الرسالة - بيروت، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري.","vol":"1","page":59},{"text":"وما لم يقصد فيكون عدمًا، وهذا هو الأقرب للاستعمال اللغوي، وهو ما ستعتمد عليه هذه الدراسة بإذن الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>المطلب الثالث: علاقة الترك بالفعل:</span>\nاختلف الأصوليون في الترك هل هو فعل أم لا، وترتب على خلافهم هذا آثار أصولية وفقهية، وهذا الخلاف ليس في الترك بمعنى العدم إذ الترك بمعنى العدم المحض ليس بفعل؛ لأنه عدم (١) وهذا واضح لا إشكال فيه.\nأما الترك بمعنى الكف فهل هو فعل أم لا؟\nاختلف أهل العلم في ذلك على قولين مشهورين في الأصول (٢):\nأحدهما: أنه فعل، والثاني: أنه ليس بفعل، وفيما يلي بيان القائلين بكل قول وأدلتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>القول الأول والقائلون به:</span>\nذهب الجمهور إلى كونه فعلًا وقد نص على ذلك طائفة من كل المذاهب:\n_________\n(١) الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان (١/ ٤١) لزين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم (ت/ ٩٧٠ هـ)، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، طء الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٢) نقل الإسنوي الخلاف في ذلك على قولين دون أن يرجح في التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص ٢٩٤) تحقيق: د. محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م).","vol":"1","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>فمن الحنفية:</span>\nعلاء الدين والبخاري (١) في \"كشف الأسرار\" (٢)، وابن نجيم الحنفي (٣) فى كتابه: \"الأشباه والنظائر\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>ومن المالكية:</span>\nالشاطبي (٥) في (الموافقات) (٦)، وابن بطال (٧): فيما نقله عنه ابن\n_________\n(١) هو: عبد العزيز بن أحمد بن محمد البخاري علاء الدين الأصولي الحنفي المتوفى سنة (٧٣٠ هـ - ١٣٣٠ م)، واشتهر بكتابه \"كشف الأسرار\" الدي شرح فيه أصول البزدوي.\n[الفوائد البهية في تراجم الحنفية (٩٥)].\n(٢) كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي (٣/ ١٣٧) للإمام علاء الدين عبد العزيز أحمد البخاري (ت/ ٧٣٠ هـ)، ضبط وتعليق وتخريج: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة (١٩٩٧ هـ).\n(٣) هو: زين الدين بن إبراهيم بن محمد بن بكر الحنفي، الشهير \"بابن نجيم\" وهو اسم بعض أجداده، ولد بالقاهرة سنة ٩٢٦ هـ، وأخذ عن علمائها، وتوفي سنة ٩٧٠ هـ، من مؤلفاته: (البحر الرائق شرح كنز الدقائق) و(شرح المنار في الأصول).\n[شذرات الذهب (١٠/ ٥٢٣)، والأعلام للزركلي (٣/ ٦٤)].\n(٤) الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ٢٥).\n(٥) هو: أبو إسحاق أبو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي المالكي الشهير بالشاطبي، أصولي حافظ من أهل غرناطة، ترجمه سنة ٧٩٠ هـ، من كتبه: \"الموافقات\" و\"الاعتصام\" و\"المجالس\" شرح به كتاب البيوع من صحيح البخاري.\n[هدية العارفين (١/ ١٨)، معجم الأصوليين (١/ ٦٥)].\n(٦) الموافقات في أصول الشريعة (١/ ٦٨).\n(٧) هو: أبو الحسن علي بن خلف بن بطال، البكري، القرطبي، المالكي، المحدث، الفقيه، من كتبه: \"شرح صحيح البخاري\"، توفي سنة ٤٤٩ هـ، قال ابن بشكوال: كان =","vol":"1","page":61},{"text":"حجر (١) (٢)، وابن الحاجب (٣) فيما نقله عنه ابن اللحام (٤) (٥) والشنقيطي (٦) في\n_________\n= من أهل العلم والمعرفة عنى بالحديث عناية تامة، قال الذهبي: كان من كبار المالكية.\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٦٦)، شذرات الذهب (٥/ ٢١٤)، العبر (٢/ ٢٩٤)].\n(١) هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد الكناني العسقلاني الشافعي، المعروف بابن حجر، أمير المؤمنين في الحديث في زمنه ولد سنة ٧٧١ هـ، وتوفي سنة ٨٥٢ هـ، له مصنفات منها: \" تهذيب التهذيب في الرجال\" و\"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة\".\n[شذرات الذهب (٩/ ٣٩٥)، الضوء اللامع (٢/ ٣٦ / ١٠٤)].\n(٢) فتح الباري (١٠/ ٤٦٢) الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ هـ)، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، تصحيح: محب الدين الخطيب، ط. الثانية (١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م)، دار الريان للتراث. ورواه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٤٣ / ١٩٤٥)، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، ط. (١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م)، دار الفكر، بيروت - لبنان.\n(٣) هو: أبو عمرو عثمان بن أبي بكر بن يونس الكردي الدويني المالكي المقرئ الأصولي، واشتهر \"بابن الحاجب\"، ولد بإسنا إحدى مدن صعيد مصر في أواخر سنة سبعين وخمسمائة، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة، قال الذهبي: \"كان من أذكياء العالم رأسًا في العربية وعلم النظر\"، توفي في السادس والعشرين من شوال سنة ست وأربعين وستمائة.\n[سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٨٩)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٤٨ / ٤١٣)، والبداية والنهاية (١٧/ ٣٠٠)].\n(٤) هو: علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عباس بن شيبان البعلي - أصله من بعلبك - ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام، ولد سنة ٧٥٢ هـ وكان أبوه لحامًا ومات وهو رضيع، وقدم القاهرة ودرس في المنصورية وكان شيخ الحنابلة مع ابن مفلح، توفي يوم عيد الأضحى سنة ٨٠٣ هـ وقد جاوز الخمسين من عمره.\n[الضوء اللامع (٥/ ٣٢٠)، شذرات الذهب (٩/ ٥٢)].\n(٥) القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية (ص ٦٢) لأبي الحسن علاء الدين بن اللحام علي بن عباس البعلي (ت/ ٨٠٣ هـ)، تحقيق وتصحيح: محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية (١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م).\n(٦) هو: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد =","vol":"1","page":62},{"text":"(أضواء البيان) (١)، وذكر في شرحه على نظم مراقي السعود (٢) أن ذلك هو المذهب، وابن رشد في (بداية المجتهد) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>ومن الشافعية:</span>\nالزركشي (٤) في (المنثور في القواعد) (٥)، وابن حجر في (فتح الباري) (٦)\n_________\n= المختار بن كرير بن الموفي بن الأمين جاكن، ويرجع نسبه إلى إحدى القبائل القحطانية التي كانت تقيم في جنوب الجزيرة العربية، ولد عام ١٣٢٥ هـ في (شنقيط) من أعمال دولة موريتانيا وبلاده تنقسم إلى عرب، وغير عرب، وهو من القسم العربي، توفي الشيخ ضحوة يوم الخميس السابع من شهر ذي الحجة من عام ١٣٩٣ هـ ودفن في مكة المكرمة.\n[مشاهير علماء نجد (ص ٥١٧، ٥٤٠)، الأعلام لخير الدين الزركلي (٦/ ٤٥)].\n(١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٦/ ٣١٧) محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، ط. مكتبة ابن تيمية - القاهرة (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n(٢) نثر الورود على مراقي السعود (١/ ٧٩): محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\n(٣) بداية المجتهد (١/ ٥٢٨): ابن رشد، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبد الموجود، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م)، دار الكتب العلمية.\n(٤) هو: أبو عبد الله محمد بن بهادر الزركشي بدر الدين الشافعي، محدث فقيه أصولي، من كتبه \"شرح جمع الجوامع\" و\"البحر المحيط\": ذكر في مقدمته أنه لخص فيه أكثر من مئة كتاب، و\"تخريج أحاديث الرافعي الكبير\"، توفي سنة ٧٩٤ هـ.\n[شذرات الذهب (٨/ ٥٧٢)، الدرر الكامنة (٣/ ٣٩٧)].\n(٥) المنثور في القواعد (١/ ٢٨٤) لأبي عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، تحقيق: تيسير فائق أحمد محمود، ط. الثانية (١٤٠٥ هـ)، الناشر: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الكويت.\n(٦) فتح الباري (١/ ٢١)، ونقله عن الكرماني.","vol":"1","page":63},{"text":"وابن حجر الهيتمي (١) في (شرح المنهاج) (٢)، والجلال شمس الدين المحلي (٣) في (شرحه على جمع الجوامع) (٤)، والرازي (٥) في (المعالم) (٦)،\n_________\n(١) هو: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري، ولد في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر سنة ٩٠٩ هـ، تلقى العلم بالأزهر وتوفي بمكة سنة ٩٧٣ هـ.\n[الأعلام للزركلي (١/ ٢٣٤)، النور السافر (ص ٣٩٠)، شذرات الذهب (١٠/ ٥٤١)].\n(٢) تحفة المحتاج في شرح المنهاج (٢/ ٣٤٠) تأليف: شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، مطبوع بهامش حواشي تحفة المحتاج للشرواني، وأحمد العبادي، مطبعة مصطفى محمد - مصر.\n(٣) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلي الشافعي أصولي مفسر ولد بالقاهرة سنة ٧٩١ هـ وتوفي بها سنة ٨٦٤ هـ صنف كتابًا في التفسير ولم يتمه وأتمه السيوطي فسمي \"تفسير الجلالين\".\n[شذرات الذهب (٩/ ٤٤٦)، الضوء اللامع (٧/ ٣٩)].\n(٤) حاشية العطار على شرح جمع الجوامع (١/ ١١٧) والشارح هو جلال الدين المحلي على جمع الجوامع لابن السبكي.\n(٥) هو: محمد بن عمر بن الحسين الرازي القرضي أبو عبد الله فخر الدين، علم من أعلام الشافعية، وبخاصة في علم أصول الفقه، ولد سنة ٥٤٤ هـ، وتوفي سنة ٦٠٦ هـ، من آثاره الكثيرة \"المحصول\" و\"المعالم في أصول الفقه\" و\"التفسير الكبير\".\n[وفيات الأعيان (٤/ ٢٤٨ / ٦٠٠)، سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٤)، الوافي بالوفيات (٤/ ١٧٥ / ١٧٨٩)].\n(٦) شرح المعالم (٢/ ٢٩) لابن التلمساني، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ والشيخ علي محمد معوض، ط. الأولى (١٩٩٩ م)، عالم الكتب.","vol":"1","page":64},{"text":"والآمدي (١) فيما نقله عنه ابن اللحام (٢)، وتاج الدين السبكي (٣) (٤).\n_________\n(١) هو: أبو الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم التغلبي الآمدي، ولد بآمد وهي بلدة بديار بكر عام ٥٥١ هـ، وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ثم صار شافعيًّا، قال العز بن عبد السلام: \"ما علمت قواعد البحث إلا عن السيف الآمدي\". واختلف الناس في الآمدي ما بين طاعن فيه باتهامه بمذهب الأوائل والتعطيل والفلسفة والانحلال، ومادح في جودة علمه وحفظه وفقهه، توفي في صفر سنة ٦٣١ هـ عن ثمانين سنة.\n[ميزان الاعتدال للذهبي (٣/ ٣٥٨)، والبداية والنهاية (١٧/ ٢١٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٣٩٣ / ٤٣٢)].\n(٢) القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية (ص ٦٢).\n(٣) هو: تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ينتهي نسبه إلى قبيلة الخزرج من الأنصار، ولد سنة ٧٣٨ هـ بالقاهرة وانتقل إلى دمشق مع والده فسكنها وتوفي بها، نسبته إلى سبك (من أعمال المنوفية بمصر) وكان طلق اللسان قوي الحجة انتهى إليه قضاء القضاة، ومن تصانيفه \"طبقات الشافعية الكبرى\"، توفي سنة ٧٧١ هـ.\n[الوافي بالوفيات (١٩/ ٢١٠ / ٧٤٢٠)، شذرات الذهب، (٨/ ٣٧٨)، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٥)].\n(٤) في الإبهاج في شرح المنهاج (٥/ ١٥٩٣) علي بن عبد الكافي السبكي ت/ ٧٥٦ هـ، وولده تاج الدين عبد الوهاب ت/ ٧٧١ هـ، تحقيق: أحمد جمال الزمزمي، نور الدين عبد الجبار صغيري، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م). وهو شرح على منهاج الأصول للبيضاوي.\nونقله عنه الشنقيطي في أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (٦/ ٣١٧).","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>ومن الحنابلة:</span>\nابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (١)، وابن اللحام (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>ومن غيرهم:</span>\nابن حزم الظاهري (٣) في (الملل والنحل) (٤)، والصنعاني (٥) في كتابه (إجابة السائل شرح بغية الآمل) (٦)، والمناوي (٧)\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢١٥).\n(٢) القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية (ص ٦٢).\n(٣) هو: أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، عالم الأندلس في عصره، ولد بقرطبة سنة ٣٨٤ هـ أصله من الفرس، وكان لسانه شديدًا حتى شُبّه بسيف الحجاج، طرده الملوك حتى توفي بعيدًا عن بلده، وكان كثير التأليف، ومزقت بعض كتبه بسبب معاداة كثير من الفقهاء له، توفي سنة ٤٥٦ هـ، من مصنفاته: \" المحلى بالآثار\" في الفقه، و\"الإحكام في أصول الأحكام\" في أصول الفقه.\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٤٠)، شذرات الذهب (٥/ ٢٣٩)، العبر (٢/ ٣٠٦)].\n(٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل (١/ ٥٤) لأبي محمد علي بن حزم الظاهري، تحقيق: د/ محمد إبراهيم نصر، ود/ عبد الرحمن عميرة، ط. الأولى (١٤٥٢ هـ - ١٩٨٢ م)، مكتبات عكاظ.\n(٥) هو: محمد بن إسماعيل بن صلاح بن محمد ويطلق عليه الأمير الصنعاني، ولد سنة ١٥٩٩ هـ بمدينة كحلان ثم انتقل إلى مدينة صنعاء مع والده وأهله فتعلم بها ثم ولع بدراسة علم الحديث، وكان معروفًا بالزهد والورع، وتولى القضاء في صنعاء سنة ١١٦٩ هـ، وفاق الأقران، وتظهّر بالاجتهاد وعمل بالأدلة ونفر من التقليد، وله كتب كثيرة منها: \"إجابة السائل شرح بغية الآمل\" في أصول الفقه، \"سبل السلام شرح بلوغ المرام\".\n[البدر الطالع (٢/ ١٣٣)].\n(٦) إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص ٨١).\n(٧) هو: محمد عبد الرءوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري، ولد سنة ٩٥٢ هـ، وتوفي سنة ١٠٣١ هـ[الأعلام للزركلي (٦/ ٢٠٤)].","vol":"1","page":66},{"text":"في (فيض القدير) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>القول الثاني والقائلون به:</span>\nنقل ابن تيمية عن أبي هاشم الجبائي أنه يرى أن الكف عدمي (٢)؛ أي ليس بفعل واختاره ابن عرفة (٣) في تفسيره (٤) قال: \"البحث على أنه - أي الترك - غير فعل\" (٥) وهو مقابل الصحيح عند المالكية، ويفهم من عبارة للقفال (٦)\n_________\n(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير للسيوطي (٤/ ٣٢٣) للعلامة المحدث محمد المدعو بعبد الرءوف المناوي، ط. الثانية (١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م)، دار المعرفة، بيروت - لبنان.\n(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/ ٢١٥).\n(٣) هو: أبو عبد الله محمد بن عرفة المالكي مذهبًا الورغمي نسبًا التونسي مولدًا ومنشأً، ولد سنة ٧١٦ هـ، وتوفي سنة ٨٠٣ هـ[ترجم له صاحب كتاب شرح حدود ابن عرفة (١/ ٦١)].\n(٤) تفسير ابن عرفة المالكي (٢/ ٥٧٥) لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي، تحقيق: الدكتور حسن المناعي، ط. الأولى (١٩٨٦ م)، مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس.\n(٥) يؤول كلام ابن عرفه إلى الترك العدمي لكونه صرح بأن الكف فعل، وسيأتي.\n(٦) هو: عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الشافعي: أبو بكر القفال الصغير، شيخ طريقة خراسان، سمي القفال لأنه كان يعمل الأقفال: قال السمعاني: \"أبو بكر القفال: وحيد زمانه فقهًا وحفظًا وورعًا وزهدًا، وله في المذهب من الآثار ما ليس لغيره من أهل عصره\"، توفي بمرو في جمادى الآخرة سنة ٤١٧ هـ، وعمره تسعون سنة، ومن مؤلفاته: (شرح التلخيص)، (شرح الفروع).\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٦٠)، العبر (٢/ ٢٣٢)، شذرات الذهب (٥/ ٨٧)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ١٨٢ / ١٤٤)].","vol":"1","page":67},{"text":"من الشافعية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>الأدلة على القول الأول:</span>\nالأدلة على أن الترك الكفي: فعل كثيرة، منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>الدليل الأول:</span>\nقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].\nقال السبكي: \"فإن الأخذ التناول، والمهجور المتروك فصار المعنى تناولوه متروكًا؛ أي: فعلوا تركه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>الدليل الثاني:</span>\nقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣].\nقال الشنقيطي: \"فترك الربانيين والأحبار نهيهم عق قول الإثم وأكل السحت سماه الله جل وعلا صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾،\n_________\n(١) في الإبهاج (٤/ ١١٦٨): أن الرافعي نقل عن القفال أنه قال: لو قال إن فعلتِ ما ليس لله فيه رضى فأنتِ طالق، فتركت صومًا أو صلاة لا تطلق؛ لأنه ترك وليس بفعل، فلو سرقت أو زنت طلقت، وهذا محتمل وليس صريحًا؛ وذلك لأن الألفاظ في الأيمان قد تقدم الحقيقة العرفية فيها على الحقيقة اللغوية.\n(٢) نقله الشنقيطي في أضواء البيان (٦/ ٣١٧).","vol":"1","page":68},{"text":"والصنع أخص من مطلق الفعل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>الدليل الثالث:</span>\nقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].\nووجه الدلالة هنا ما قاله الشنقيطي: \"سمى جل وعلا في هذه الآية الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإنشاء الذم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>الدليل الرابع:</span>\nقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nووجه الدلالة فيها: أن الله تعالى إنما أمر بالترك وذلك في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ أى: اتركوا، ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي: فإن لم تفعلوا الترك، وقد قال ابن عرفة: \"فيها حجة لمن يقول: إن الترك فعل\" (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق (٦/ ٣١٧).\n(٢) المصدر السابق ٦١/ ٣١٨ \".\n(٣) وقد أجاب ابن عرفة عن هذا بأنه كف لا ترك، كما في تفسيره (٩/ ١٤٨)، وغير خافٍ أن الكف داخل في معنى الترك في هذه الدراسة.","vol":"1","page":69},{"text":"هذا ما وقفت عليه من أدلة منصوص عليها من كتاب الله، ويشهد لتلك الأدلة أدلة أخرى من السنة منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>الدليل الخامس:</span>\nما رواه الشيخان (١)، واللفظ للبخاري من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"على كل مسلم صدقة\"، فقالوا: يا نبي الله، فمن لم يجد؟ قال: \"يعمل بيده فينفع نفسه وليتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: \"يعين ذا الحاجة الملهوف\"، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: \"فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر فإنها له صدقة\".\nووجه الدلالة فيه: أن رسول الله - ﷺ - جعل ترك الشر صدقة، والصدقة لابد أن تكون فعلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>الدليل السادس:</span>\nما رواه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله\"، قالوا: ثم من؟ قال: \"مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره\" (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٣٦١ / ١٤٤٥) كتاب الجنائز، باب على كل مسلم صدقة، ومسلم (٢/ ٦٩٩ / ١٠٠٨) كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٨ / ٢٧٨٦) كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد =","vol":"1","page":70},{"text":"ووجه الدلالة فيه: أن رسول الله - ﷺ - جعل الذي يدع الناس من شره من أفضل الناس وهو لا يكون أفضل الناس بأمر عدمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الدليل السابع:</span>\nما ورد من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من ترك اللباس تواضعًا لله وهو يقدر عليه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها\" (١).\nووجه الدلالة هنا: أن ترك الفعل مع القدرة عليه هو الكف الاصطلاحي، وقد بين النبي - ﷺ - أن من كان هذا حاله - ترك اللباس وهو يقدر عليه - كان له من الأجر ما ذكر في الحديث، والأجر والثواب لابد من أن يكون لشيء، لا لعدم محض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>الدليل الثامن:</span>\nقول الصحابة في بناء المسجد بالمدينة:\n_________\n= بنفسه وماله في سبيل الله (١١/ ٣٣٨ / ٦٤٩٤) كتاب الرقاق، باب العزْلة راحة من خلاط السوء، ومسلم (٣/ ١٥٠٣ / ١٨٨٨) كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والرباط، بلفظ \"يعبد ربه\" بدلًا من \"يتقي ربه\".\n(١) رواه الترمذي (٤/ ٥٦١ / ٢٤٨١) كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب رقم (٣٩)، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢/ ٣٣٧ / ٧١٨). ومعنى قوله: \"حلل الإيمان\" يعني: ما يعطى أهل الإيمان من حلل الجنة. اهـ.","vol":"1","page":71},{"text":"لئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل (١)\nقال الشنقيطي: \"فسمى قعودهم عن العمل وتركهم له عملًا مضللًا\" (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-77> الترجيح:</span>\nمن خلال ما سبق يتضح لنا أن القائلين بأن الترك ليس بفعل لا يخلو كلامهم من أحد أمرين:\n١ - أن يقصد بالترك أمر غير الكف وهو عدم الفعل لعدم الحاجة إليه:\nمثل قول ابن عرفة: \"إذا كان طيب الطعام بين يدي رجلين أحدهما جائع والآخر شابع ولم يأكلا منه شيئًا، يقال في الجائع: إنه كف عن الأكل، وفي الشبعان: إنه ترك الأكل\".\nوعلى هذا التفصيل منه يكون الترك فعلًا؛ إذ إن القول بأنه فعل منصب على كونه امتناع وكف.\nوما ذكره من الفرق بينهما يورد عليه بانه يصح أن يقال عن كليهما إنهما تركا الأكل.\n٢ - أن يقصد أن ترك الكف والامتناع ليس بفعل: وهذا لم أجد أحدًا نسب إليه هذأ القول تصريحًا سوى أبي هاشم الجبائي من المعتزلة، والرواية المشهورة عن المالكية.\n_________\n(١) ذكره ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٦) دون أن يعزوه، ولم أجده فيما اطلعت عليه من مصادر تخريج الأحاديث والحكم عليها، وهو مشهور في كتب السير.\n(٢) أضواء البيان (٦/ ٣١٨).","vol":"1","page":72},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>فعلية الترك عند الدكتور الزنكي:</span>\nالدكتوو الزنكي يرى أنه ليس كل ترك فعلًا، لكن الترك عنده هنا هو الكف فقد تساءل في أول البحث: \"متى يكون الترك (الكف) فعلًا ومتى لا يعتبر فيكلون عدمًا أصليًا؟ \".\nولمحاولة الإجابة عن هذا السؤال ذكر أن المنهي عنه قسمان:\nالأول: المنهي عنه عمل ذهني ظلي لا يوجد له فود في الواقع والخارج.\nالثاني: المنهي عنه عمل ممكن الوجود في الخارج.\nفالأول: قسمه إلى صورتين:\nالأولى: أن التلبس بالضد ليس مأمورًا به، أو ليس له ضدٌّ أصلًا، ورأى أن الترك في هذه الحالة لا يكون فعلًا بل هو عدم محض.\nوالصورة الثانية: أن يكون التلبس بضده مأمور به، وذهب إلى أن ترك المنهي عنه في هذه الحالة يعد فعلًا، لكنها لم تأت من طريق الترك نفسه.\nأما الثاني: فقد قسمه إلى صورتين:\nالأولى: أن يكون ضد المنهي أمور به شرعًا، فالترك هنا لا يكون فعلًا إلا بعد مباشرة المأمور.\nوالثانية: أن يكون ليس له ضد معين، أو لا يكون ضده المعين مأمور به شرعًا، فإذا لم يكن له ضد معين: فالترك هنا فعل إذا كان هناك داع لفعل الضد المعين وإلا فلا.\nأما ألا يكون ضده المعين مأمور به شرعًا فقد ذكر أن هذه صورة غير","vol":"1","page":73},{"text":"موجودة بل هي مجرد تصور عقلي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>ويلاحظ على ما ذهب إليه الدكتور الزنكي عدة ملاحظات:</span>\nالأولى: أن الترك عنده بمعنى الكف فقط، ولا سبيل إلى إلغاء الترك العدمي فجعل الترك العدمي من أقسام الكف، وهذا قول لا يستقيم إذ هما ضدان فالكف لابد فيه من القصد والترك العدمي لا يوجد فيه قصد، وإدخال الترك العدمي في الكف أداه إلى عدم القول بفعلية الترك الذي هو الكف.\nالثانية: ما ذهب إليه من أن الترك ليس فعلًا بإطلاق لا يُنازَع فيه، لكن الإشكال أن الترك عنده هو الكف فقط، ومن ثَمّ فمؤدى كلامه أن الكف ليس فعلًا بإطلاق وهذا ما أخالفه فيه.\nثالثًا: بالنظر إلى التقسيمات التي ذكرها يُلاحظ أن الصور التي رأى فيها أن الكف ليس بفعل كانت لأجل أن الترك فيها ترك عدمي محض، وباستثناء الصور التي كان الترك فيها عدمي محض والتي يتوفر فيها شرط القصد فإن الكف في تلك الصور: فعل.\nوبناء على ذلك: فمآل ما ذكره الدكتور الزنكي إلى القول بفعلية الكف إذا لم يكن تركًا عدميًّا هو ما تعتمده هذه الدراسة من أن الكف فعل، أما الترك العدمي ليس بفعل، والذي يحل ذلك الإشكال الذي وقع فيه الدكتور الزنكي هو تقسيم الترك إلى صورتين:\nالأولى: الكف وهي فعل.\n_________\n(١) رؤية أصولية (٣٩٥ - ٣٩٧).","vol":"1","page":74},{"text":"الثانية: الترك العدمي وهي ليست بفعل.\nوعليه: فالذي يظهر للباحث هنا أن القول الراجح هو ما عليه جمهور العلماء أن الترك الوجودي فعل.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الرابع: الآثار الأصولية المترتبة على كون الترك فعلًا:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الأولى: التكليف بالترك:</span>\nذهب جمهور أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعلًا (وإن اختلفوا في صفة ذلك الفعل في النهي كما سيأتي بيانه)، خلافًا لأبي هاشم الجبائي (١) من المعتزلة، حيث ذهب إلى جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي (٢).\nقال الغزالي (٣) في المستصفى:\n_________\n(١) هو: أبو هاشم عبد السلام بن الأستاذ أبي علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي المعتزلي، ولد سنة ٢٤٧ هـ، وله كتاب \"الجامع الكبير\" وكتاب \"العرض\"، توفي يوم الأربعاء في شعبان سنة ٣٢١ هـ ببغداد.\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٧)، وفيات الأعيان (٣/ ١٨٣ / ٣٨٣)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٢٦٣ / ٧٠٠٤)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٥٢)].\n(٢) بهذا التقرير يتضح أن هناك مذهبين في التكليف بالفعل، والجمهور الذين يقولون بأنه لا تكليف إلا بفعل اختلفوا في صفة هذا الفعل في النهي، وقد ذهب الدكتور علي عبد الرحمن بسام - في مقدمة تحقيقه لشرح الأبياري لبرهان الجويني وهي رسالته لدرجة الدكتوراه - ذهب إلى أن هناك أربعة مذاهب في الترك هل هو فعل أم لا، وعد هذه المذاهب كما يلي:\nالأول: مذهب الجمهور أن كل مكلف به فعل، فالمكلف به في النهي وهو الترك فعل - الثاني: مذهب كثير من المعتزلة أن الترك ليس بفعل.\nالثالث: قول الأشعري والقدرية أن مقتضَى النهي فعل ضد المنهي عنه.\nالرابع: يشترك في الإتيان بالمكلف به في النهي مع الانتهاء عن المنهي عنه قصد الترك.\nوالذي يظهر للباحث أن الدكتور أدخل مسألة الترك هل هو فعل أم لا في مسألة التكليف هل لابد أن يكون بفعل أم لا، والصحيح في ذلك ما قُرِّرَ في أول الكلام.\n(٣) هو: محمد بن محمد بن محمد زين الدين أبو حامد الطوسي الغزالي، ولد بطوس سنة =","vol":"1","page":76},{"text":"\"وقال بعض المعتزلة: قد يقتضي الكف فيكون فعلًا، وقد يقتضي ألا يفعل، ولا يقصد التلبس بضده \" (١).\nوالذي قال بذلك من المعتزلة هو أبو هاشم الجبائي نقله عنه الآمدي (٢) والمرداوي (٣) (٤) وابن تيمية (٥) وغيرهم.\n_________\n= ٤٥٠ هـ، تفقه ببلده أولًا ثم تحول إلى نيسابور فلازم إمام الحرمين، قال عنه الذهبي: \"الشيخ الإمام العلامة البحر حجة الإسلام أعجوبة الزمان، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط\"، من تصانيفه: \"إحياء علوم الدين\"، \"تهافت الفلاسفة\"، \"إلجام العوام عن علم الكلام\"، توفي سنة ٥٠٥ هـ.\n[طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (١/ ٢٩٣)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٢٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٩١).\n(١) المستصفى (١/ ٣٠٠): أبو حامد الغزالي، تحقيق: حمزة بن زهير حافظ (بدون بيانات عن دار النشر).\n(٢) الإحكام فى أصول الأحكام (١/ ١٩٦).\n(٣) هو: علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي - نسبة إلى مردا وهي إحدى قرى فلسطين - السعدي ثم الصالحي الحنبلي، شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه، ولد سنة ٨١٧ هـ ببلده مردا، باشر نيابة الحكم دهرًا طويلًا فحسنت سيرته، وفتح عليه في التصنيف فله تصانيف كثيرة منها: \"الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف\"، و\"تحرير المنقول في تهذيب علم الأصول\" وشرحه في \"التحبير شرح التحرير\" وغيره من المصنفات، توفي سنة ٨٨٥ هـ.\n[شذرات الذهب (٩/ ٥١٠)، الضوء اللامع (٥/ ٢٢٥ / ١٧٦)].\n(٤) التحبير شرح التحرير (٣/ ١١٦٦): علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، تحقيق: عوض بن محمد القرني، ط. الأولى (٩٤٢٩ هـ - ٢٠٠٠ م)، مكتبة الرشد - الرياض.\n(٥) المسودة (١/ ٢١٨): آل تيمية، تحقيق: د. أحمد بن إبراهيم بن عباس الذروي، =","vol":"1","page":77},{"text":"ونقل الآمدي عن أبي هاشم قوله: \"إن التكليف قد يكون بأن لا يفعل العبد، مع قطع النظر عن التلبس بضد الفعل، وذلك ليس بفعل\" (١).\nوهذا القول من أبي هاشم له مأخذ عقائدي، هو سبب خلافه - فيما يظهر لي -، وذلك أن المعتزلة يقولون بأن الأحكام التكليفية ثابتة بالعقل وأن الشرع إنما يرد موافقًا لها، ومثل هذا يظهر في النهي، فإن النهي إذا كان متعلقه العدم الأصلي وهو ثابت قبل ورود التكليف، كان ذلك دليلًا على أن الأحكام التكليفية ثابتة قبل الشرع وذلك لثبوت متعلقها قبله، إذ لا يمكن ثبوت الأحكام بعد متعلقاتها، وحيث وجد متعلق الحكم قبل الشرع: ثبت الحكم أيضًا قبل الشرع؛ وليس هناك ما يثبته قبل الشرع سوى العقل، وهذا هو ما تقتضيه أصول المعتزلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الأدلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>استدل الجمهور ب</span>ـ:\n(١) أن \"المنتهي بالنهي يثاب، ولا يثاب إلا على شيء، وأن لا يفعل عدم وليس بشيء، ولا تتعلق به قدرة، إذ القدرة تتعلق بشيء، فلا يصح الإعدام بالقدرة (٢)، وإذا لم يصدر منه شيء، فكيف يثاب على لا شيء \" (٣).\n_________\n= ط. الأولى (٢٠٠١ م)، دار الفضيلة - الرياض.\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٩٧).\n(٢) أي: لا يصح أن يتعلق العدم بالقدرة.\n(٣) قاله الغزالي في المستصفى (١/ ٣٠٠).","vol":"1","page":78},{"text":"(٢) \"أن التكليف إنما يتعلق بما هو مقدور، ونفي الفعل عدم، وهو حاصل قبل توجه النهي، وطلب تحصيل الحاصل محال\" (١).\n(٣) أنه لو أراد استمرار العدم رجع ذلك إلى ما نقول به، إذ \"استمرار ذلك العدم، وهو استمرار واقف على اختيار المكلف، وليس هو العدم الذي كان قبل توجه النهي، بل عدم مخصوص يصح أن يتوقف على الاختيار، ويتعلق به إثر قدرته، فإن المكلف قادر يتمكن من أن لا يفعل، فيستمر العدم، أو يفعل، فلا يستمر، فصح أن العدم من هذه الجهة إثر قدرته، إذ الاستمرار الموقوف على اختياره ليس هو العدم الذي كان قبل توجه النهي، بل هو عدم مخصوص متوقف على اختياره، فليس هو عدما محضًا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>استدل أبو هاشم ب</span>ـ:\nأن العدم أمر مقدور ولذا يمدح الإنسان على ترك الزنا وشرب الخمر وهما عدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>والجواب:</span>\n(١) أن من لم يصدر منه الزنا أو شرب الخمر لا يثاب، إلا إذا قصد كف الشهوة عنه مع التمكن من الفعل، فهو مثاب على أمر هو في الحقيقة فعل (٣).\n_________\n(١) إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص ٢٩٠).\n(٢) المصدر السابق (ص ٢٩٠).\n(٣) روضة الناظر لموفق الدين ابن قدامة (١/ ١٨٥)، تحقيق: د. سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ)، مكتبة العبيكان - الرياض.","vol":"1","page":79},{"text":"(٢) أن هذا يقتضي أن يكون الإنسان في كل لحظة مثاب على ما لا يحصى من التروك، التي قد لا يعلم بها، وهذا لم يقل به أحد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-86> فالصحيح هو ما عليه جمهور العلماء </span>من عدم جواز أن يرد التكليف في النهي بالعدم الأصلي فلا تكليف إلا بفعل، لكن ما هي ماهية هذا الفعل المكلف به في جانب النهي؟ هذا ما أحاول بيانه في المسألة التالية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة الثانية: متعلق النهي:</span>\nذهب جمهور الأصوليين من أهل السنة إلى أنه لا تكليف إلا بفعل، لكن هل هذا الفعل المخاطب به في النهي هو كف النفس عن الفعل أم فعل ضد المنهي عنه؟ اختلفوا في ذلك على قولين مشهورين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>القول الأول: متعلق النهي هو الكف</span>.\nذهب إلى أن متعلق التكليف في النهي هو كف النفس: الحنابلة ووافقهم بعض الفقهاء فيما نقله عنهم المرداوي (١)، ولابن أمير الحاج (٢) عبارة تفيد أن الترك هو كف النفس عن الفعل (٣).\n_________\n(١) التحبير شرح التحرير (٣/ ١١٦٣).\n(٢) هو: شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن، المعروف بابن أمير الحاج، الحلبي الحنفي، ولد سنة ٨٢٥ هـ، وكان عالم الحنفية بحلب وصدرهم، لازم ابن الهمام في الفقه والأصول، توفي سنة ٨٧٩ هـ.\n[شذرات الذهب (٩/ ٤٩٠)، الضوء اللامع (٩/ ٢١٠)].\n(٣) التقرير والتحبير (٢/ ١٩٤).","vol":"1","page":80},{"text":"ونسبه الصنعاني إلى الجمهور (١).\nوذهب تاج الدين السبكي إلى أن متعلق النهي هو الانتهاء، وهو شيء غير فعل الضد، ونسب إلى الجمهور أنهم قالوا أن متعلق النهي فعل الضد، وبين أن هذا غير جيد من جهة اللفظ، وأن الخلل في ذلك من جهة من عبر عنهم، وأنهم أرادوا ما قاله لكن العبارة لم تحرر (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>القول الثاني: متعلق النهي هو فعل الضد</span>.\nذهب إلى أن متعلق التكليف في النهي هو فعل الضد جمهور المتكلمين واختيار الرازي (٣) والبيضاوي (٤)، قال الغزالي:\n\"اختلفوا في المقتضى بالتكليف، والذي عليه أكثر المتكلمين: أن المقتضَى به الإقدام أو الكف، وكل واحد كسب العبد، فالأمر بالصوم أمر بالكف، والكف فعل يثاب عليه.\nوالمقتضَى بالنهي عن الزنا والشرب التلبس بضد من أضداده، وهو الترك، فيكون مثابًا على الترك الذي هو فعله \" (٥).\n_________\n(١) شرح بغية الآمل (ص ٢٩٠).\n(٢) الإبهاج (٤/ ١١٧٦ - ١١٧٧).\n(٣) المحصول (٢/ ٣٠٢).\n(٤) كلام البيضاوي في المنهاج وهو مطبوع مع شرحه الإبهاج (٤/ ١١٦٣).\n(٥) المستصفى (١/ ٣٠٠)، ويلاحظ أن الغزالي يفرق بين الترك المقصود لنفسه، وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده، وهذا القول يعده الأصوليون قولًا ثالثًا في بيان ما هو المقتضَى بالتكليف، فهم يذكرون في المقتضَى بالتكليف أربعة أقوال: الأول: الكف، الثاني: فعل =","vol":"1","page":81},{"text":"وهذا مقتضَى تعريف ابن فورك والأنصاري اللذين سبق ذكرهما.\nوقد نقل ابن فورك عن الإمام الأشعري (١) أنه كان يقول: \"إن معنى الترك هو فعل أحد الضدين، وإن فعل الشيء هو ترك ضده، كفعل الإيمان هو ترك الكفر\" (٢).\nواعترض على ذلك بما يلي:\n(١) النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرًا، ولكان النهي من الأمر، وقسيم الشيء لا يكون قسمًا منه.\n(٢) لا شك أن كل متلبس بفعل هو تارك لضده، وكل من الفعلين الفعل والترك يصح أن يؤمر به وأن ينهى عنه، ومثاله: السفر والإقامة\n_________\n= ضد المنهي عنه، الثالث: انتفاء الفعل، الرابع: التفصيل السابق ذكره، تشنيف المسامع (١/ ٢٩٢) ولكن لم يُعَدّ هنا قولًا منفردًا، لأن الكلام هنا ليس على ما هو المقتضَى بالتكليف، بل على: ما هو المقتضَى بالنهي: الذي هو أحد أقسام التكليف.\n(١) هو: علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري الشافعي مولده سنة ستين ومائتين وقيل سنة سبعين أخذ علم الكلام أولًا عن أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة ثم فارقه ورجع عن الاعتزال، بصري سكن بغداد إلى أن توفي، وقد جمع الحافظ ابن عساكر له ترجمة في كتاب سماه (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري)، توفي في سنة أربع وعشرين وثلاثمائة وقيل سنة عشرين وقيل سنة ثلاثين وذكر ابن حزم أن لأبي الحسن خمسة وخمسين تصنيفًا، منها (التبيين عن أصول الدين)، (الاجتهاد).\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٤٠)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤ / ٤٢٩)، شذرات الذهب (٤/ ١٢٩)، طبقات الشافعية (١/ ١١٣)].\n(٢) انظر الحدود لابن فورك (ص ٨٥ الهامش).","vol":"1","page":82},{"text":"ضدان، والتارك للسفر متلبس بالإقامة، وليس الترك للسفر نفس معنى الإقامة، بل معنى آخر في لغة العرب والمعقول:\nفهناك فرق بين قولنا: \"لا تسافر\" وبين قولنا: \" أقم\":\nفأقم أمر بالإقامة من حيث هي فقد لا يستحضر معها السفر، ولا تسافر نهي عن السفر فمن أقام قاصدًا ترك السفر يقال فيه: انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له السفر بالكلية لا يقال له: انتهى عن السفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>القول الثالث: الخلاف لفظي، لأنهما متلازمان</span>.\nذهب إلى أن الخلاف لفظي: الكوراني (١) فقال: \"هذا عين المذهب المختار إذ كف النفس من جزئيات فعل الضد \" (٢).\nولابن تيمية عبارة يمكن حملها على هذا المعنى، فقد قال: \"وتارك المأمور إنما يعاقب على ترك يقوم بنفسه وهو أن يأمره الرسول - ﷺ - بالفعل فيمتنع، فهذا الامتناع أمر وجودي، ولذلك فهو يشتغل عما أمر به بفعل\n_________\n(١) هو: شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن عثمان بن أحمد بن رشيد بن إبراهيم التبريزي الكوراني القاهري ثم الرومي الشافعي عالم بلاد الروم، ولد سنة ٨١٣ هـ، بقرية كوران، وتميز في الأصلين والمنطق والفقه وغيرها، وكان قاضي قضاة عساكر الروم، توفي سنة ٨٩٣ هـ.\n[البدر الطالع (١/ ٣٠ / ٢٤)، الضوء اللامع (١/ ٢٤١)].\n(٢) في الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع (١/ ٣٨٣): شهاب الدين أحمد بن إسماعيل الكوراني، تحقيق: د. سعيد بن غالب كامل المجيدي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط. الأولى (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م)، ونقله عنه المرداوي في \"التحبير شرح التحرير\" (٣/ ١١٦٥).","vol":"1","page":83},{"text":"ضده كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادة غيره فيعاقب على ذلك\" (١).\nوالعبارة المحررة عند تاج الدين السبكي: \"أن المطلوب بالنهي الانتهاء ويلزم من الانتهاء فعل ضد المنهي عنه\" وهذه العبارة تقتضي أن الخلاف لفظي، وقد سبق ذِكر أنه قد صرح بأن الخطأ في العبارة من جهة اللفظ وأن مرادهم ما ذكره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الترجيح:</span>\nالذي يظهر - والله أعلم - أن القولين متلازمان، لكن لا يصح إطلاق العبارة بالمعنى الثاني، بل الأولى أن يقال: متعلق النهي هو الانتهاء، والانتهاء هو الكف، ويلزم منه فعل الضد في خطاب الشرع، وإن كان غير لازم في خطاب الآدميين، هذا ما بدا لي وقد بحثت عن أحد قال بهذا المعنى حتى وجدت نصًّا من أحد الأصوليين الكبار وهو محمد أمين الشنقيطي يدل على ما ذهبت إليه فقد قال: \"الذي كلفنا به الشارع هو الكف بمعنى الترك والانتهاء، أي انصراف النفس عن المنهي عنه، وذلك فعل يحصل بفعل ضد المنهي عنه، فالمقصود بالذات هو الانتهاء، أما فعل الضد فقد يقصد بالالتزام أو لا يقصد أصلًا إذا كان المتكلم غافلًا عنه، وذلك لا يتأتى في كلام الله تعالى\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٢١٥).\n(٢) الإبهاج (٤/ ١١٧٩).\n(٣) نثر الورود (١/ ٧٩).","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الثالثة: اشتراط النية في الثواب على الترك:</span>\nإذا كان المكلف لا يخاطب إلا بفعل، وهذا الفعل في النهي هو الكف، فهل يحصل الثواب بمجرد الكف أم لابد من النية، وهل اشتراط النية هو في حصول الثواب أم في تحقق صورة الترك؟\nالذي عليه الفقهاء أنه لا تشترط نية في تحقق صورة الترك، فمن لم يزن يصح أن يقال: إنه تارك للزنا، دون نظر فيما دعاه لذلك الترك.\nولذلك علل كثير من الفقهاء عدم اشتراط النية في إزالة النجاسة كونها من باب التروك (١).\n_________\n(١) منهم على سبيل المثال: ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٥٨)، شمس الدين محمد بن مفلح في كتاب الفروع (١/ ٣٥١)، تصنيف: العلامة الفقيه شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي (ت/ ٧٦٣ هـ)، تحقيق: د. عبد الله عبد المحسن التركي، الناشر: دار المؤيد ومؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، برهان الدين إبراهيم بن مفلح في المبدع شرح المقنع (١/ ٩٥)، تصنيف: أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي (ت/ ٨٨٤ هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م)، البهوتي في شرح منتهى الإرادات - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (١/ ٢٠)، تأليف: الشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي (ت/ ١٠٥١ هـ)، تحقيق: د/ عبد الله عبد المحسن التركي، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)، الناشر: مؤسسة الرسالة، الزركشي الحنبلي في شرح مختصر الخرقي (١/ ٢٢٨)، الشيرازي في المهذب (١/ ٣٤ - ٣٥) [المهذب في فقه الإمام الشافعي: تأليف إبراهيم بن علي الشيرازي صححه وضبطه ووضع حواشيه الشيخ زكريا عميرات، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م) دار الكتب العلمية]، النووي في المجموع =","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>أما الثواب:</span>\nفلا يؤجر ولا يثاب إلا إذا قصد الامتثال بالترك، فنية التقرب إلى الله تعالى إذًا شرط في تحقيق الأجر والثواب لا في مجرد حصول الصورة وإن كان يصدق عليه أنه تارك للزنا.\nوذلك لأن الذي عليه العلماء أنه لا ثواب إلا بنية؛ إذ إن المقصود من النية هو تمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات من بعضها البعض (١)، وقد نقل ابن تيمية الإجماع على اشتراط النية في الأعمال التي هي مقاصد، واختلفوا في الوسائل - والجمهور على اشتراطها في الوسائل - (٢) والمراد باشتراط النية ترتب الأحكام على العمل، ومن ذلك الثواب المتعلق به وعلى ذلك فيشترط في الترك لكي يثاب عليه أن يكون بنية التقرب إلى الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>وقد نص على ذلك جماعة من العلماء فمن ذلك:</span>\nقول السيوطي (٣): \"وأما التروك كترك الزنا وغيره فلم يحتج إلى نية\n_________\n= (١/ ٣٥٤)، الخطيب الشربيني في مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (١/ ٨٦)، تصنيف: الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني على متن منهاج الطالبين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت/ ٦٧٦ هـ)، اعتنى به: محمد خليل عتاني، الناشر: دار المعرفة، بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م)، واشتراط النية لإزالة النجاسة قول لبعض المتأخرين من الشافعية والحنابلة، قال ابن تيمية: وهو قول شاذ (١٨/ ٢٥٨).\n(١) الأشباه والنظائر (١/ ٤٠).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٥٨)، فتح الباري (١/ ٢٠).\n(٣) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي الشافعي، علم مشهور متفنن كثير التصنيف، ولد سنة ٨٤٩ هـ، وتوفي سنة ٩١١ هـ، له تصانيف منها \"الأشباه والنظائر\" =","vol":"1","page":86},{"text":"لحصول المقصود منها وهو اجتناب النهي بكونه لم يوجد وإن [لم] (١) يكن نية، نعم يحتاج إليها في حصول الثواب المترتب على الترك\" (٢).\nقال ابن حجر: \"والتحقيق أن الترك المجرد لا ثواب فيه، إنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلًا ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفًا من الله تعالى\" (٣).\nوقال أيضًا: \"الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك المجرد\" (٤).\nونقل عن الزين بن المنيِّر (٥) في قوله - ﷺ -: \"وليمسك عن الشر فإنه له صدقة\" قوله: \"إنما يحصل ذلك المسك عن الشر إذا نوى بالإمساك القربة\n_________\n= و\"الإتقان في علوم القرآن\" و\"همع الهوامع شرح جمع الجوامع في النحو\".\n[شذرات الذهب (١٠/ ٧٤)، الضوء اللامع (٤/ ٥٦ / ٢٠٣)].\n(١) ليست في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها.\n(٢) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية (١/ ٤١) لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت/ ٩١١ هـ)، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، ط. (١٤٢٢ هـ - هـ ٢٠٠١ م)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٣) فتح الباري (١/ ٢١).\n(٤) المرجع السابق (١/ ٢١)، وذلك بعد ما أدخل الكف في العمل.\n(٥) هو: أبو العباس أحمد بن منصور الجذامي، الإسكندري، المالكي، المعروف بابن المنير، المفسر، الأصولي الفقيه، توفي سنة ٦٨٣ هـ، من كتبه \"البحر الكبير في نخب التفسير\" و\"مختصر التهذيب\".\n[شذرات الذهب (٧/ ٦٦٦)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٢٦)].","vol":"1","page":87},{"text":"بخلاف محض الترك\" (١)، وأقره على ذلك.\nوقال النووي (٢): \" والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر ذلك كما أن للمتصرف بالمال أجرًا\" (٣).\nونقل ابن حجر عن الكرماني (٤) أنه نازع في إطلاق الشيخ محيي الدين عن الترك أنه لا يحتاج إلى نية بأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع فلابد فيها من قصد الترك وأقره على ذلك (٥).\n_________\n(١) المرجع السابق (٣/ ٣٦٢).\n(٢) هو يحيى بن شرف بن مري الحزامي النووي الشافعي الملقب بمحيي الدين، ويكنى بأبي زكريا، جمع إلى العلم الزهد في الدنيا والقوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولد سنة ٦٣١ هـ، وتوفي سنة ٦٧٦ هـ، وله كتب منها \"شرح مسلم\" و\"شرح المهذب\" و\"روضة الطالبين\".\n[سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٢١)، شذرات الذهب (٧/ ٦١٨)، البداية والنهاية (١٧/ ٥٣٩)].\n(٣) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٧/ ٩٦): يحيى بن شرف النووي ت/ ٦٧٦ هـ، تحقيق: خليل مأمون شيحا، ط. الثالثة (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م)، دار المعرفة، بيروت - لبنان.\n(٤) هو: محمد بن يوسف بن علي بن سعيد شمس الدين الكرماني، عالم بالحديث، أصله من كرمان، قال ابن حجر: تصدى لنشر العلم ببغداد ثلاثين سنة، ولد سنة ٧١٧ هـ، وتوفي سنة ٧٨٦ هـ، من كتبه \"الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري\" و\"شرح مختصر ابن الحاجب\" وسماه لا السبعة السيارة\" لأنه جمع فيه سبعة شروح.\n[الدرر الكامنة (٦/ ٦٦)، شذرات الذهب (٨/ ٥٠٥)].\n(٥) فتح الباري (١/ ١٤).","vol":"1","page":88},{"text":"وذكر الرملي (١) أن \"التروك وإن كانت لا تفتقر إلى نية في عهدة الخروج من التكليف بها، لكن لا يثاب عليها إلا بها\" (٢).\nوقال أحمد الحنفي الحموي (٣) في شرحه على الأشباه والنظائر لابن نجيم: \"لا يثاب المكلف على التروك إلا إذا ترك قصدًا، فلا يثاب على ترك الزنا إلا إذا كف نفسه عنه قصدًا\" (٤).\nوقال الزركشي: \"لا يحصل الثواب على الكف إلا مع النية والقصد\" (٥).\n_________\n(١) هو: محمد بن أحمد بن حمزة الرملي المنوفي المصري الأنصاري الشافعي شمس الدين، ولد بالقاهرة سنة ٩١٩ هـ، وولي افتاء الشافعية، من تصانيفه: \"نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي\"، \"غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان\"، توفي سنة ١٠٠٤ هـ.\n[الأعلام للزركلي (٦/ ٧)، معجم المؤلفين (٣/ ٦١)].\n(٢) غاية البيان في شرح زبد ابن رسلان (١/ ٧): محمد بن أحمد الرملي الأنصاري، دار المعرفة - بيروت.\n(٣) هو: أحمد بن محمد مكي: أبو العباس شهاب الدين الحسيني الحموي، حموي الأصل، حنفي، تولى إفتاء الحنفية، توفي سنة ١٠٩٨ هـ[الأعلام للزركلي (١/ ٢٣٩)].\n(٤) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر (١/ ٩٤): شهاب الدين أحمد الحموي الحنفي ط. الأولى (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٥) البحر المحيط (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة الرابعة: حصول التأسي بالترك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>أولًا: التاسي في اللغة </span>(١):\n\" التأسي في الأمور: القدوة، وتَأَسى به: اتَّبَع فعله واقتدى به\" (٢)، \"وائتس به: أي اقتد به وكن مثله\" (٣)، \"والتأسي في الأمور من الأسوة وكذلك المؤاساة\" (٤)، \"والأسوة: القدوة\" (٥)، \"وهي بالضم وبالكسر:\n_________\n(١) والتأسى من مادة أسا وهي في اللغة على معان عدة منها:\n* الحزن يقال: هو أَسْوان: أي حزين\" [تاج العروس (٣٧/ ٧٨)] يقال: \"أَسَيتُ الرجل وواسيته مواساة، وأسى الرجل يأسى أس شديدًا فهو أسيان إذا حزن\" [جمهرة اللغة (١/ ٢٣٨)].\n* الإصلاح \"أسا بينهم: أي أصلح\" [تاج العروس (٣٧/ ٧٤)].\n* المداوة: يقال: \"أسوت الرجل يأسوه أسوًا إذا داويته، فأنا آسٍ، والرجل أسي ومأسو\" [جمهرة اللغة (١/ ٢٣٧)].\n* العوض: من آس يئوس أوسًا، وهو العوض، يقال: أسته أي عوضته، واستآسني فأسته. والأوس: العوض، وقد أسته أوسه أوسًا: أعضته أعوضه عوضًا [تهذيب اللغة (١٣/ ١٣٧)].\n* المشاركة: قال الفيروز آبادي: \"ففي قولهم: ما يواسي فلان فلانة ثلاثة أقوال: أولها قول المفضل بن محمد: ما يشارك فلان فلانة، قال: والمواساة المشاركة \" [تهذيب اللغة (١٣/ ١٣٨)].\n(٢) تاج العروس (٣٧/ ٧٨).\n(٣) تهذيب اللغة (١٣/ ١٣٩).\n(٤) تهذيب اللغة (١٣/ ١٤٠).\n(٥) لسان العرب (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":90},{"text":"وهي: الحال التي يكون فيها الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسنًا وإن قبيحًا وإن سارًا وإن ضارًا\" (١).\n\nوالأسوة من الأسى بمعنى الحزن.\nوتَأَسى: تَعَزَّى.\n\" يقال: أساه بمصيبته تأسيه أي: عزاه تعزية فتعزى، وذلك أن يقول له: ما لك تحزن وفلان أسوتك أي: أصابه ما أصابك فصبر، فتأس به\" (٢).\n\nوأتسى به: جعله أسوة.\n\" يقال: لا تأتس بمن ليس لك بأسوة: أي لا تقتد بمن ليس لك بقدوة\" (٣).\n\"وفلان يتأسى بفلان: أي يرضى لنفسه ما رضيه ويقتدي به وكان في مثل حاله.\nوالقوم أسوة في هذا الأمر: أي حالهم فيه واحدة.\nوتأسى به: اتبع فعله واقتدى به.\nوفلان إسوتك: أي أصابه ما أصابك فصبر فتأس به\" (٤)، \"وأسوته به: جعلته له أسوة\" (٥)، \"والمصدر: الأسو\" (٦).\n_________\n(١) تاج العروس (٣٧/ ٧٥).\n(٢) تاج العروس (٣٧/ ٧٦).\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) لسان العرب (١/ ١٥٥).\n(٥) القاموس المحيط (٢/ ١٦٥٤).\n(٦) لسان العرب (١/ ١٥٤).","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثانيًا: التأسي بالنبي - ﷺ - عند الأصوليين </span>(١):\nحكم التأسي بالنبي - ﷺ - في الترك فرع على حكم التأسي به - ﷺ - في الفعل - الذي هو الاتباع -، يقول الشوكاني (٢): \"تركه - ﷺ - للشيء كفعله له في\n_________\n(١) طالت هذه المسألة جدًّا، ورغم ذلك لم أشأ الاختصار والسبب في ذلك أن هذا الأصل تنبني عليه أحكام الدلالة كلها، وهي مقصود أصلي من مقاصد الدراسة.\nوانظر مبحث التأسي في المواضع الآتية:\nالإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٣١)، المعتمد (١/ ٣٧٢)، قواطع الأدلة (١/ ٣٠٦)، التبصرة لأبي إسحاق الشيرازي (ص ١٣٨)، الفصول في الأصول ٣١/ ٢٢٥) أحمد بن علي الرازي الجصاص، تحقيق: د. عجيل بن جاسم النمشي، ط. الثانية نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت، شرح المعالم لابن التلمساني (٢/ ٢٠)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦) [(أصول الفقه)، تأليف: شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، تحقيق: د. فهد بن محمد السرحان، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، مكتبة العبيكان - الرياض]، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٦)، التحبير شرح التحرير (٣/ ١٤٨٤ - ١٤٨٥)، أصول ابن برهان (١/ ٣٦٧ - ٣٧١)، المحصول للرازي (٣/ ٢٢٩)، (٣/ ٢٤٧ - ٢٥٢)، البحر المحيط (٤/ ١٨٦)، إرشاد الفحول (١/ ١٩٨)، (١/ ٢٢٥)، أصول السرخسي (٢/ ٨٨)، تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ١٨٩) ليحيى بن موسى الرهوني، تحقيق: يوسف الأخضر القسيم، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م)، دار البحوث للدراسات الإسلامية، الإبهاج (٥/ ١٧٧٥)، المستصفى (٣/ ٤٥٩)، كشف الأسرار (٣/ ٣٨١).\n(٢) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني الصنعاني اليماني الفقيه المجتهد المحدث الأصولي، ولد سنة ١١٧٣ هـ في هجرة شوكان، ونشأ بصنعاء، وله العديد من السماعات، وله الكثير من المصنفات في علوم شتى منها (فتح القدير في التفسير)، (ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار)، (وإرشاد الفحول) في أصول الفقه، توفي سنة ١٢٥٠ هـ.\n[البدر الطالع (٢/ ٢١٤ / ٤٨٢)].","vol":"1","page":92},{"text":"التأسي به فيه\" (١).\nولذا فلابد أولًا من بيان مذهب الأصوليين في التأسي بالنبي - ﷺ - في الفعل.\nوللأصوليين في تعريف التأسي اتجاهان مختلفان، ويختلف حكم التأسي عند كل اتجاه عن الآخر بسبب الاختلاف في التعريف، ومع ذلك فعامة الأصوليين على أن التأسي بالنبي - ﷺ - في الترك مثل التأسي به في الفعل (٢)، سواء بسواء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>بيان محل الاتفاق:</span>\nلا خلاف بين الأمة في الاستدلال بأفعال الرسول - ﷺ - على الأحكام، وإنما الخلاف في وجه هذه الدلالة، وقد نص على ذلك غير واحد، فمن\n_________\n(١) إرشاد الفحول (١/ ٢٢٥): الإمام محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: سامي بن العربي الأثري، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)، دار الفضيلة - الرياض.\n(٢) ذكر الدكتور الأشقر أنه لم يخالف في ذلك سوى القاضي عبد الجبار من المعتزلة فقال بالفرق بين الفعل والترك في التأسي، وقد أورد أجزاء من نص كلامه، وحاصل ما ذكره الأشقر أن القاضي عبد الجبار يرى أن التأسي في الترك دون التأسي في الفعل، ونقل من كلامه ما يدل على ذلك، ووجهه بأن الترك الذي لا أسوة فيه عند القاضي عبد الجبار هو الترك العدمي، وبالرجوع إلى نص كلام القاضي عبد الجبار في المغني (١٧/ ٢٦٨ - ٢٧٥) تبين أن الترك عند القاضي عبد الجبار يشمل النوعين المنقول والعدمي، وأنه يقول بأن الترك المنقول يمكن التأسي به فيه، أما الترك الذي ليس حاله كذلك فليس فيه تأسي، وحيث أن الكلام هنا على الترك المنقول، فلنا أن نقول أن حاصل كلامه يؤول إلى موافقة الجمهور فيما ذهبوا إليه.","vol":"1","page":93},{"text":"ذلك قول ابن العربي المالكي (١): \"لا خلاف بين الأمة أن أفعال الرسول - ﷺ - ملجأ في المسألة، ومفزع في الشريعة، وبيان للمشكلة، فقد كانت الصحابة - ﵁ - تبحث عن أفعاله كما تبحث عن أقواله، وتستقرئ جميع حركاته وسكناته، وأكله، وشربه، وقيامه، وجلوسه، ونظره، ولبسه، ونومه، ويقظته، حتى ما كان يشذ عنهم شيء من سكونه ولا حركاته، ولو لم يكن ملاذًا، ولا وجد فيه المستعيذ معاذًا لما كان لتتبعه معنى، وهذا فصل لا يحتاج إلى الإطناب فيه، وإنما الذي اختلفوا فيه كونها محمولة على الوجوب أو الندب\" (٢)، قال ابن برهان (٣): \"وعمدتنا أن الأمة أجمعت على جواز\n_________\n(١) هو: محمد بن عبد الله بن محمد، أبو بكر، المعروف بابن العربي حافظ متبحر، وفقيه من أئمة المالكية، بلغ رتبة الاجتهاد، ورحل إلى المشرق، وأخذ عن الطرطوشي، وأبي حامد الغزالي، ثم عاد إلى مراكش، وأخذ عنه القاضي عياض وغيره، ولد ٤٦٨ هـ، وتوفي سنة ٥٤٣ هـ من تصانيفه: \"المحصول في علم الأصول\"، \"أحكام القرآن\"، \"عارضة الأحوذي شرح الترمذي\".\n[سير أعلام النبلاء (١٥/ ٢٩)، الديباج المذهب (ص ٣٧٦)].\n(٢) المحصول في أصول الفقه لأبي بكر بن العربي (ص ١٠٩) اعتنى به: حسين البدري، دار البيارق، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).\n(٣) هو: العلامة الفقيه أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بن الحمامي البغدادي الشافعي، كان أحد الأذكياء بارعًا في المذهب وأصوله من أصحاب ابن عقيل، كان حنبليًّا ثم تحول شافعيًّا، تفقه بالشاشي والغزالي، قال ابن النجار كان خارق الذكاء لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه. مات كهلًا سنة ثماني عشرة وخمس مئة.\n[البداية والنهاية (١٦/ ٢٦٦)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٩٨)].","vol":"1","page":94},{"text":"الاقتداء والتأسي بما فعل رسول الله - ﷺ - ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنهم أنكروا على واحد فعلًا اقتدى فيه برسول الله - ﷺ - \" (١) وقد نقل الإجماع وبين اتجاهي الأصوليين في طلب معرفتها على الأحكام أبو الحسين البصري (٢) المعتزلي فقال:\n\"لا خلاف بين الأمة في الاستدلال بأفعال النبي - ﷺ - على الأحكام\" واختلفوا فقال قوم هي أدلة بمجردها، وقال قوم هي أدلة إذا عرف الوجه الذي وقعت عليه، واختلف الأولون، فقال بعضهم: هي أدلة بمجردها على الوجوب، وقال آخرون بل على الندب، وقال آخرون بل على الإباحة، وأما من قال إنها أدلة باعتبار الوجه: فإنه إن علم الطريقة التي اتبعها النبي - ﷺ - في ذلك الفعل، عقلية كانت أو سمعية، فهو يرجع إليها في الاستدلال، وإن لم يعرف الطريقة فضربان:\nأحدهما: أن يكون فعله بيانًا لمجمل، فذلك المجمل هو دال على الوجوب، أو الندب، أو الإباحة.\n_________\n(١) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٧٠) لأبي الفتح: أحمد بن علي بن برهان البغدادي، تحقيق: د. عبد الحميد علي أبو زنيد، ط. ١٩٨٣، مكتبة المعارف - الرياض.\n(٢) هو: أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري شيخ المعتزلة، كان من أذكياء زمانه، وكان يقرئ الاعتزال ببغداد، توفي في ربيع الآخر سنة ٤٣٦ هـ له: \"المعتمد في أصول الفقه\"، \"تصفح الأدلة\".\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٢)، شذرات الذهب (٥/ ١٧٢)].","vol":"1","page":95},{"text":"والآخر: ألا يكون بيانًا لمجمل، فلا يدل على شيء حتى يعرف الوجه الذي أوقعه عليه، فإن أوقعه على الوجوب دل على وجوب مثله علينا، وإن أوقعه على الندب دل على أن مثله ندب منا، وإن أوقعه مستبيحًا له كان منا مباحًا\" (١).\nوهذا النوع الثاني عند أبي الحسين البصري قال عنه ابن عقيل الحنبلي (٢):\n\"وإن كان الفعل ابتداءً، فعلى روايتين:\nإحداهما: أنه دال على الوجوب في حقه وحق أمته، إلى أن تقوم دلالة على تخصيصه به، وبهذه الرواية قال أصحاب مالك.\nالثانية: أنه يقتضي الندب في حقه وحق أمته .. إلا أن تقوم دلالة على الوجوب على أمته، ومشاركتهم له في ذلك.\nوبهذه الرواية قال أصحاب أبي حنيفة.\nوذهبت المعتزلة والأشعرية إلى أن ذلك على الوقف، ولا يحمل على الوجوب أو الندب إلّا بدليل\" (٣).\n_________\n(١) المعتمد (١/ ٣٧٧).\n(٢) هو: أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل الظفري البغدادي الحنبلي، ولد ببغداد سنة ٤٣١ هـ، واشتغل بالعلم من صغره، وكان شديد الذكاء والحرص على وقته، رمي بالاعتزال وروي رجوعه عن ذلك، صنف كتاب الفنون في أكثر من أربعمائة مجلد، توفي سنة ٥١٣ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٩١)، شذرات الذهب (٦/ ٥٨)، طبقات الحنابلة (٣/ ٤٨٢)].\n(٣) الواضح في أصول الفقه (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) تصنيف: أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن =","vol":"1","page":96},{"text":"ونقل أن أصحاب الشافعي اختلفوا على ثلاثة أقوال هي التي ذكرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>تحرير محل النزاع:</span>\nاختلطت مسألة التأسي عند الأصوليين بحكم الفعل المجرد، وحتى لا يطول ذكر الأقوال في ذلك، أخص البحث ببيان حكم التأسي فقط، أما فعل النبي - ﷺ - المجرد فقد اختلف فيه فقال قوم بالوجوب وقوم بالاستحباب وقوم بالإباحة، وقد طول الكلام كثير من الأصوليين على أدلة كل قول وما يلزم عليه، فلا حاجة إلى التطويل بذكره، ويكفي ذكر أن المعتمد في ذلك عند كثير من الأصوليين، بل وعليه كافة الفقهاء أنها على الاستحباب.\n\nأما التأسي: فقد اختلف في حكمه على قولين:\n\nالقول الأول: التأسي بالنبي - ﷺ - في أفعاله واجب.\nوقال به: القاضي عبد الجبار المعتزلي، وأبو الحسين البصري المعتزلي، والرازي ونقله عن جماهير الفقهاء (١)، ونقله ابن برهان (٢) عن أبي علي بن\n_________\n= عقيل البغدادي الحنبلي (ت/ ٥١٣ هـ)، تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط. الأولى (١٩٩٩ م) مؤسسة الرسالة.\n(١) المحصول (٣/ ٢٤٧).\n(٢) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٦٩).\nوابن خيران هو: أبو علي الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الشافعي شيخ الشافعية ببغداد بعد ابن سريج، عرض عليه القضاء فلم يتقلده، توفي سنة ٣٢٠ هـ لثلاث عشر بقيت من ذي الحجة.\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٣)، شذرات الذهب (٤/ ١٠٣)، طبقات الشافعية الكبرى =","vol":"1","page":97},{"text":"خيران، واختاره الآمدي (١) ونقله عن الاصطخري (٢) وابن أبي هريرة (٣) وهو اختيار الغزالي (٤)، ونقله أبو شامة (٥) عن القاضي أبي بكر الباقلاني (٦)\n_________\n= للسبكي (٣/ ٢٧١ / ١٧٦)].\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٤٨).\n(٢) هو: أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الاصطخري الشافعي، شيخ الإسلام، فقيه العراق ورفيق ابن شريح، كان ورعًا زاهدًا متقللًا من الدنيا، له تصانيف مفيدة منها \"كتاب أدب القضاء\"، وقد استقضاه المقتدر على سجستان توفي سنة ٣٢٨ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٦٣٤)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢٣٠ / ١٦٥)، شذرات الذهب (٤/ ١٤٦)].\n(٣) هو أبو علي الحسن بن الحسين البغدادي الشافعي، أحد أعلام الشافعية والقضاة المشهورين، تفقه بابن شريح ثم بأبي بكر المروزي، صنَّف شرحًا لـ \"مختصر الزنى\"، أخذ عنه أبو علي الطبري، والدارقطني، توفي سنة ٣٤٥ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٢/ ٩١)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢٥٦ / ١٦٩)، شذرات الذهب].\n(٤) المستصفى (٣/ ٤٥٩).\n(٥) هو: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي الشافعي، غلب عليه لقب \"أبو شامة\"، أحد الأئمة القراء الحفاظ، ولد سنة ٥٩٩ هـ، وتوفي سنة ٦٦٥ هـ، من مصنفاته: \"إبراز المعاني من حرز الأماني\".\n[سير أعلام النبلاء (١٧/ ٧٦)، شذرات الذهب (٧/ ٥٥٣)، العبر (٣/ ٣١٣)].\n(٦) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم البصري ثم البغدادي ابن الباقلاني، أوحد المتكلمين، ومقدم الأصوليين، قال الذهبي: \"كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري وقد يخالفه في مضائق\"، توفي في ذي القعدة سنة ٤٠٣ هـ. =","vol":"1","page":98},{"text":"وهم على قسمين:\nالأول: قالوا: لابد من معرفة وجه وقوعها في حق النبي - ﷺ -، وحيث لم نعلم الوجه، فلا سبيل إلى حصول التأسي.\nالثاني: قالوا: إن لم نعلم وجه وقوعها في حق النبي - ﷺ - فهي مستحبة في حقه.\n\nالقول الثاني: التأسي بالنبي - ﷺ - في أفعاله مستحب.\nوقال به: أبو إسحاق الشيرازي (١)، وابن برهان (٢)، وأبو بكر السرخسي (٣) (٤)، والجصاص (٥)، وأبو شامة (٦)، وابن حزم الأندلسي.\n_________\n= [سير أعلام النبلاء (١٣/ ١١٤)، الديباج المذهب (ص ٣٦٣)، شذرات الذهب (٥/ ٢٠)].\n(١) التبصرة في أصول الفقه (ص ١٣٦) لأبي إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي بن يوسف، تحقيق: محمد حسن محمد إسماعيل، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، دار الكتب العلمية - بيروت.\n(٢) الوصول إلى الأصول (١/ ٣٧١).\n(٣) هو: محمد بن أحمد بن أبي سهل أبو بكر السرخسي شمس الأئمة الحنفي، أحد فحول الأئمة الكبار، كان متكلمًا فقيهًا أصوليًا مناظرًا، أملى المبسوط في نحو خمسة عشر مجلدًا من حفظه وهو محبوس في الجب بأوزجند، مات في حدود سنة التسعين الأربعمائة.\n[الجواهر المضية (٣/ ٧٨ / ١٢١٩)، تاج التراجم (٢/ ٢٣٤ / ٢٠١)، الفوائد البهية (ص ١٥٨)].\n(٤) أصول السرخسي (٢/ ٨٧)، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية، ط. الثانية (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).\n(٥) الفصول في الأصول (٣/ ٢٢٥).\n(٦) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول (ص ٤٠٤) شهاب الدين محمد بن =","vol":"1","page":99},{"text":"وقد أطال أبو شامة في الاستدلال على ما ذهب إليه في كتابه (المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ -).\nويلاحظ أن تعريف التأسي عند القائلين بالوجوب غير تعريفه عند القائلين بالاستحباب، ولذا كان بيان تعريف التأسي عند كل قول مع الكلام عن حكمه.\nوفيما يلي بيان تعريف التأسي وحكمه وما استدل به على ذلك عند كل فريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>الاتجاه الأول في تعريف التأسي:</span>\nعرف فخر الدين الرازي التأسي بأنه:\n\"مطابقة فعل المتأسى به على الوجه الذي وقع فعله عليه\" (١).\nوقد صرح الآمدي (٢) أن التأسي يكون بالفعل والترك:\nفالتأسي في الفعل هو: أن يفعل أحد الشخصين مثل فعل الآخر على وجهه لأجل فعله.\nوالتأسي في الترك هو: ترك أحد الشخصين مثل ما ترك الآخر من الأفعال على وجهه وصفته من أجل أنه ترك.\n_________\n= عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي، المعروف بأبي شامة، تحقيق: أحمد الكويتي، مؤسسة قرطبة، ط. الثانية (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م).\n(١) المحصول للرازي (٣/ ٢٥٣).\n(٢) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":100},{"text":"وعلى ذلك فإنه يشترط لحصول التأسي ثلاثة شروط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>الشرط الأول: المماثلة في الصورة:</span>\nإذ لا تأسي مع اختلاف صورة الفعل كالقيام والقعود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشرط الثاني: المماثلة في الأغراض الباعثة على الفعل:</span>\nأي غرض الفعل ونيته، فلا تأسي إذا كان أحدهما واجبًا والآخر ليس بواجب وإن اتحدت صورة العمل في الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>الشرط الثالث: أن يكون الفعل أو الترك الثاني لأجل الأول:</span>\nفلو فعل الأول فعلًا على سبيل الوجوب وفعل الثاني نفس الفعل على سبيل الوجوب أيضًا لكن دون أن يقصد به متابعة الفاعل الأول فليس ذلك بتأسٍّ.\nأما المماثلة في الزمان والمكان ففيهما تفصيل: فإذا كانا غرضين في الفعل اعتبرناهما في التأسي، وإذا لم يكونا غرضين لم نعتبرهما.\nأما استفادة المتأسي حكم الفعل من جهة من يتأسى به فلا يشترط لتحقق صورة التأسي (١).\nوبذلك يكون التأسي في الفعل والترك بمعنى الاتباع، إذ إن اتباع النبي - ﷺ - يكون بالقول والفعل والترك، والتأسي يكون بالفعل والترك، فالاتباع أعم من التأسي، والاتباع في الفعل هو التأسي بعينه.\n_________\n(١) أي: لا يشترط أن يكون حكم الفعل مستفادًا ممن يُتَأسى به، فقد يتابع الثاني الأول في الفعل فيوقعه واجبًا لأن الأول أوقعه واجبًا لكن هذا الوجوب ليس مستفادًا من فعل الأول بل مستفاد من أمر آخر كأن يكون أمرًا.","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>حكم التأسي على الاتجاه الأول:</span>\nوالتأسي بالنبي - ﷺ - على هذه الطريقة واجب، والتأسي هو الاتباع في الفعل بعينه، والأدلة على ذلك كثيرة منها:\n\nأولًا: من كتاب الله تعالى:\n(١) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قال الفخر الرازي: \"دلت الآية على أن متابعة الرسول - ﷺ - من لوازم محبة الله تعالى، ثم إن محبة الله تعالى لازمة بالإجماع، ولازم الواجب واجب\" (١).\n(٢) قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].\nفهذا أمر صريح بالاتباع في قوله: \"واتبعوه\"، والأمر يقتضي الوجوب كما هو معلوم.\n(٣) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ووجه الدلالة فيه: أن الله بين أنه تعالى زوجه بها ليكون حكم أمته مساويًا لحكمه في ذلك، وهذا يدل على أن الاقتداء به واجب (٢).\n(٤) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]، ووجه الدلالة في الآية: أن ترك\n_________\n(١) المعالم في أصول الفقه بشرحه لابن التلمساني (٢/ ٢٠).\n(٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":102},{"text":"متابعة الرسول - ﷺ - مشاقة له، قال الفخر الرازي: \"وإنما قلنا إن ترك متابعته - ﷺ - مشاقة له، لأن المشاقة عبارة عن كون أحدهما في شق، وكون الآخر في شق آخر، فإذا فعل الرسول - ﷺ - فعلًا وتركه غيره، كان ذلك الغير في شق آخر من الرسول، فكان مشاقًا له\" (١).\nثانيًا: الأحاديث التي وردت بالأمر باتباع سنته - ﷺ -، فإن السنة هي الطريقة، وهي تشمل القول والفعل فمن ذلك:\n(١) ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي\" (٢).\n(٢) ما ورد من حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قال: وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة، وَجِلَت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله: كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق (٢/ ٢٣).\n(٢) رواه الحاكم في المستدرك (١/ ١٦١ / ٣١٩) كتاب العلم [المستدرك على الصحيحين، للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الحرمين، الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م)]، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٥٦٦ / ٢٩٣٧).\n(٣) رواه أبو داود (٤/ ٢٠٠ / ٤٦٠٧) كتاب السنة، باب في لزوم السنة [سنن أبي داود، =","vol":"1","page":103},{"text":"قال الفخر الرازي: \" السنة عبارة عن الطريقة، وهي تتناول الفعل والقول والترك، وقوله - ﷺ -: \"عليكم\" للوجوب، وهذا يدل على وجوب متابعته في أفعاله وأقواله وتروكه ... وقوله - ﷺ -: \"عضوا عليها بالنواجذ، وذلك تأكيد عظيم للأمر به\" (١).\n(٣) ما ورد من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - صلى فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: \"لم خلعتم نعالكم؟ \"، فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت فخلعنا، قال: \"إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثًا، فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعله فلينظر فيها فإن رأى بها خبثًا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما\" (٢).\nووجه الدلالة فيه: أن الصحابة - ﵃ - خلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع نعله، ففهموا وجوب المتابعة له في فعله، ولم ينكر النبي - ﷺ - عليهم هذا الفهم بل أقرهم على ذلك ثم بين لهم علة انفراده عنهم بذلك.\n(٤) ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله،\n_________\n= للإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، دار الحديث (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م)]، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٥٢٦ / ٢٧٣٥).\n(١) المعالم (٢/ ٢٥) مع شرحه: شرح المعالم لابن التلمساني.\n(٢) رواه أحمد (١٧/ ٢٤٢) [(٣/ ٢٠) هندية]، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":104},{"text":"قال: \"وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني \" (١).\nووجه الدلالة فيه أن النبي - ﷺ - أقرهم على ما فهموه من مشاركتهم له في الحكم، واعتذر بعذر يختص به.\n(٥) ما ورد عن عمر بن أبي سلمة - ﵁ - أنه سأل رسول الله - ﷺ -: أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: \"سل هذه - لأم سلمة - \" فأخبرته أن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك، فقال يا رسول الله: \"قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر\"، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له\" (٢).\nقال الآمدي: \"ولو لم يكن متبعًا في أفعاله، لما كان لذلك معنى\" (٣).\n(٦) ما ورد من حديث جابر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله: \"أنا في أرض باردة، فكيف الغسل من الجنابة\"؟ فقال - ﷺ -: \"أما أنا فأحثو على رأسي ثلًاثا\" (٤).\nووجه الدلالة فيه: أن النبي - ﷺ - أجابه عن سؤاله ببيان فعله، فلولا أن ذلك يقتضي أن على السائل أن يفعل مثل ذلك لما كان ذلك جوابًا لسؤاله.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ٢٤٢ / ١٩٦٥) كتاب الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال، ومسلم (٢/ ٧٧٤ / ١١٠٣) كتاب الصيام، باب النهي عن الوصال في الصوم.\n(٢) رواه مسلم (٢/ ٧٧٩ / ١١٠٨) كتاب الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٣٧).\n(٤) رواه مسلم (١/ ٢٥٩ / ٣٢٨) كتاب الحيض، باب استحباب إفاضة الماء على الرأس وغيره ثلاثًا.","vol":"1","page":105},{"text":"(٧) ما ورد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا\" (١)، وعن أبي موسى - ﵁ - أنه قال: \"اختلف في ذلك - أي في الذي جامع أهله ولم ينزل هل عليه غسل - رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة، فأذنت لي فقلت لها: \" يا أماه - أو يا أم المؤمنين - إني أريد أن أسألك عن شيء، وإني أستحييك فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك، قلت: فما يوجب الغسل؛ قالت على الخبير سقطت، قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل\" (٢).\nوعن عائشة - ﷺ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل\" (٣).\n_________\n(١) رواه الترمذي (١/ ١٨٠ / ١٠٨) أبواب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، وابن ماجه (١/ ١٩٩ / ٦٠٨) كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٢١ / ٨٠).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٢٧١ - ٢٧٢/ ٣٤٩) كتاب الحيض، باب نسخ \"الماء من الماء\" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين.\n(٣) رواه مسلم (١/ ٢٧٢ / ٣٥٠) كتاب الحيض، باب نسح \"الماء من الماء\" ووجوب الغسل بالتقاء الختانين.","vol":"1","page":106},{"text":"(٨) ما ورد عن عمر - ﵁ - أنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: \"إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنني رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك\" (١).\n(٩) ما ورد عن أم الفضل بنت الحارث - ﵂ - أن ناسًا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي - ﷺ -، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن، وهو واقف على بعيره فشربه (٢).\nقال ابن حجر: \" وفيه تأسي الناس بأفعال النبي - ﷺ - \" (٣).\n\nمعنى وجوب التأسي على هذا القول:\nليس معنى وجوب المتابعة في الفعل هو وجوب الفعل، بل معناه أن حكم الفعل في حقنا كحكمه في حق النبي - ﷺ - وقد فصّل الرازي هذا المعنى ووضحه فقال: \"التأسي به واجب، ومعناه: إذا علمنا أن الرسول - ﷺ - فعل فعلًا على الوجوب فقد تعبدنا بأن نفعله على وجه الوجوب، وإذا علمنا أنه تنفل به: كنا متعبدين بالتنفل به، وإذا علمنا أنه فعله على وجه الإباحة: كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا وجاز لنا أن نفعله\" (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٥٤٠ / ١٥٩٧) كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود، ومسلم (٢/ ٩٢٥ / ١٢٧٠) كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف.\n(٢) رواه البخاري (٤/ ٢٧٨ / ١٩٨٨) كتاب الصوم، باب صوم يوم عرفة.\n(٣) فتح الباري (٤/ ٢٨٠).\n(٤) المحصول للرازي (٣/ ٢٤٧).","vol":"1","page":107},{"text":"وعليه: وإذا لم نعلم حكم هذا الفعل في حق النبي - ﷺ - كان هذا الفعل في حقنا مباحًا إذا لم يكن على وجه القربة، مندوبًا إذا كان على وجه القربة.\n\nووجه ذلك:\nأن كل فعل لم يعلم حكمه في حق النبي - ﷺ - لا يخلو من أن يكون أحد أمرين:\n\nأن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر:\nفإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى؛ فهو دليل في حقه - ﷺ - على القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه، وكذلك في حق أمته، إذ إن القربة غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما إنما هو ترجيح الفعل على الترك، والفعل دليل قاطع عليه.\nوأما ما اختص به الواجب من الذم على الترك وما اختص به المندوب من عدم اللوم على الترك؛ فمشكوك فيه، وليس أحدهما أولى من الآخر.\n\nوما لم يظهر فيه قصد القربة:\nفهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير وكذلك عن أمته، لأن كل فعل لا يكون منهيًّا عنه لا يخرج عن الواجب والمندوب والمباح (١)، والقدر المشترك بين\n_________\n(١) النبي - ﷺ - لا يفعل المحرم ولا المكروه ولو لبيان الجواز، بل فعله - ﷺ - ينفي الكراهة \"وذلك حيث لا معارض له\" [الكوكب المنير (٢/ ١٩٢)].","vol":"1","page":108},{"text":"الكل إنما هو رفع الحرج عن الفعل دون الترك، والفعل دليل قاطع عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>حكم المتابعة في الترك على هذا الاتجاه، ومعناها:</span>\nإذا كان التأسي بالنبي - ﷺ - معناه: \"أن تفعل مثل فعل النبي - ﷺ - على الوجه الذي فعل لأجل فعله\"، فإن التأسي به - ﷺ - في الترك على صفة الخصوص هو: \"أن تترك مثل ما ترك - ﷺ - على الوجه الذي ترك لأجل أنه ترك\".\nويكون التأسي بالنبي - ﷺ - في الترك واجبًا أيضًا، وفيما سبق ذكره من قول الرازي تصريح بدخول الترك في المتابعة الواجبة، وقد صرح بوجوب التأسي في الترك ابن السمعاني (٢)، قال: \"إذا ترك النبي - ﷺ - شيئًا وجب علينا متابعته فيه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>الاتجاه الثاني في تعريف التأسي:</span>\nعرف أبو شامة التأسي بأنه:\n\"عبارة عن فعل يوافق فعل الغير مفعول لأجل فعله، متصف بصفاته\n_________\n(١) باختصار وتصرف من الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٣٣).\n(٢) هو: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي السمعاني المروزي الحنفي ثم الشافعي، إمام في فنون عديدة منها: الفقه وأصوله والحديث والتفسير، ولد سنة ٤٢٦ هـ وتوفي سنة ٤٨٩ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٧٧)، وفيات الأعيان (٣/ ٢١١)، شذرات الذهب (٥/ ٣٩٤)].\n(٣) قواطع الأدلة (١/ ٣١١) لأبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني (ت/ ٤٨٩ هـ)، تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي، ط. الأولى (١٩٩٧ م)، دار الكتب العلمية.","vol":"1","page":109},{"text":"الظاهرة، دون الموافقة له في النية\" (١).\nفهو يرى أن التأسي لا يشترط فيه الموافقة في نية الفعل وقصده، أي أن الموافقة في الصورة الظاهرة كافية لتحقق التأسي، وقد علل ذلك بأن التأسي في اللغة لا يقتضي هذا الشرط الذي ذكره الآمدي وغيره، بل أهل اللغة يفسرون الإتساء بالاقتداء والاتباع، هكذا مطلقًا، بل قال: \"ولم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الاتساء والاتباع ما ذكروا، ولا يشترط ما اشترطوا\"، ثم نقل عن أهل اللغة تفسير الأسوة والاتباع بالقدوة.\nوعلى هذا القول فإن الاتباع خاص بالأفعال فقط، والطاعة خاصة بالأقوال.\nونقل عن أبي الطيب الطبري ما يدل على أن التأسي لا يشترط فيه موافقة الغرض من الفعل أو نيته، وأبو الطيب الطبري أحد القائلين بالوجوب وهم الذين اشترطوا في التأسي الموافقة في الغرض والنية.\nويرى أبو شامة: أن اشتراط معرفة حكم الفعل في حق النبي - ﷺ - حتى يحصل التأسي قول بالوقف ويلزم منه إبطال استدلال من استدل على شرعية الاقتداء بالنبي - ﷺ - في أفعاله التي لم يظهر فيها وجه القربة سواء في ذلك من قال بالوجوب أو الندب.\n\nوأفعال النبي - ﷺ - على هذا الاتجاه على ثلاثة أقسام:\n_________\n(١) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ١٠٤).","vol":"1","page":110},{"text":"الأول: ما أمر باتباعه فيه: فاتباعه واجب، والوجوب هنا حاصل من قوله لا من فعله.\nالثاني: ما نهى عن اتباعه فيه: فاتباعه غير مشروع وهل يحرم أم يكره؟ على الخلاف.\nالثالث: ما لم يأمر ولم ينه: فاتباعه مندوب.\nوعلى هذا فالاتباع في الفعل لا يكون إلا مندوبًا، لأن هذا هو معنى دلالة الفعل على الاستحباب في حقنا، وهي لا تدل على الوجوب، وقد ذكر أبو شامة أنه لم يجد فقيهًا واحدًا استدل على وجوب أمر واحد، بفعل مجرد للنبي - ﷺ - دون أن يقترن به ما يدل على الوجوب، فالأصل أن الاتباع في الفعل على الاستحباب إلا أن يرد الدليل بخلاف ذلك (١).\n\nالأدلة على عدم اعتبار الموافقة في حكم الفعل، وأن الاتباع لا يكون واجبًا:\n(١) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧].\nقال أبو شامة: \"أي جعلنا فعله ذلك دليلًا على إباحته لكم ونفي الحرج عنكم.\n_________\n(١) هذا وإن كان صحيحًا أنه لم يستدل فقيه واحد بفعل النبي - ﷺ - على الوجوب (وهذا من أقوى الأدلة على أن فعل النبي - ﷺ - المجرد يدل على الاستحباب) إلا أن هذا خارج عن محل النزاع، ولا يرد على القائلين بوجوب التأسي إذ أنهم لم يخالفوا في ذلك.","vol":"1","page":111},{"text":"(٢) ما ورد عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى\" (١)؛ والطاعة والعصيان إنما هما بالنسبة إلى القول دون الفعل، فدل على أن الوجوب مستفادٌ من القول دون الفعل.\nويؤيده ما ورد عن المطلب بن حنطب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه\" (٢). وهذا ظاهرٌ في القول دون الفعل.\n(٣) ما ورد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣/ ٢٦٣ / ٧٢٨٠) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: \"بعثت بجوامع الكلم\".\n(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٧٦) كتاب النكاح، باب الدليل على أنه - ﷺ - لا يقتدى به فيما خص به، ويقتدى به فيما سواه [السنن الكبرى للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، مكتبة ابن تيمية (مصورة من النسخة الهندية) فهرسة الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي]، والشافعي في المسند (٢/ ٤١٣ / ٦٧٥) [شفاء العي بتخريج وتحقيق مسند الشافعي، بترتيب العلامة السندي، تأليف: أبي عمير مجدي بن محمد بن عرفات المصري الأثري، تقديم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، نشر مكتبة ابن تيمية القاهرة، توزيع مكتبة العلم بجدة، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م)]، وقال الألباني في الصحيحة: إسناده مرسل حسن (٤/ ٤١٧).\n(٣) رواه البخاري (١٣/ ٢٦٤ / ٧٢٨٨) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي - ﷺ -: \"بعثت بجوامع الكلم\"، ومسلم (٢/ ٩٧٥ / ١٣٣٧) كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر.","vol":"1","page":112},{"text":"قال ابن حزم: \"فهذا خبرٌ منقول نقل التواتر عن أبي هريرة - ﵁ -، فلم يوجب رسول الله - ﷺ - على أحدٍ إلا ما استطاع مما أُمر به، واجتناب ما نُهي عنه فقط. ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال: أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم، حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط. فوضح يقينًا أن الأفعال كلها منه ﵇ لا تلزم أحدًا، وإنما حَضَّنا الله تعالى في أفعاله على الاتِّساء به بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وما كان لنا فهو إباحة لأن لفظ الإيجاب إنما هو علينا لا لنا. تقول: عليك أن تصوم رمضان وتصلي الخمس، ولك أن تصوم عاشوراء أو تتصدق، ولا يجوز عكسه\" (١).\nقال أبو شامة:\n\"ما ذكره هو ظاهر اللفظ فلا يُعدَل عنه إلا بدليل، كيف وإن فعله لم يكن يظهر في الغالب إلا للقليل من أصحابه، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر \"فذروني ما تركتكم\" (٢) \".\n(٤) ما ورد من حديث الأعرابي الذي حلف أن لا يزيد شيئًا على ما أخبره النبي - ﷺ - أنه واجب عليه، فقال - ﷺ -: \"أفلح إن صدق\" (٣).\n_________\n(١) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ٩٧).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) رواه البخاري (١/ ١٣٠ - ١٣١/ ٤٦) كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، ومسلم (١/ ٤٠ - ٤١/ ١١) كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام.","vol":"1","page":113},{"text":"قال أبو شامة:\n\"موضع الدليل أنه لما حلف أن لا يزيد عليهن شيئًا، لم ينكر عليه رسول الله - ﷺ - وشهد له بالفلاح\" (١).\n(٥) ما ورد عن عائشة - ﵂ - قالت: \"إنْ كان رسول الله - ﷺ - ليدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيُفرض عليهم\" (٢).\nففي هذا دليل على أمرين:\nأحدهما: أن الفرض عليهم لم يكن بنفس فعله، بل بفرضٍ من الله تعالى إذا اقتدَوا به فيه، فبطل قول الوجوب.\nوالثاني: أن الناس كانوا يفعلونه اتباعًا لرسول الله - ﷺ - واقتداءً به، مع أنهم لم يفهموا الصفة التي أوقعه رسول الله - ﷺ - عليها، لأنه خرج منها هذا الكلام مخرج العموم والإطلاق المشعر بكثرة الوقائع؛ أي كان يدعُ أعمالًا كثيرةً من أعمال البر (٣).\n(٦) ما ورد عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: \"صلى رسول الله - ﷺ - قال إبراهيم: فلا أدري أزاد أم نقص - فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: \"وما ذاك؟ \"، قالوا: صليت\n_________\n(١) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ٩٨).\n(٢) رواه البخاري (٣/ ١٣ - ١٤/ ١١٢٨) كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - قيام الليل والنوافل من غير إيجاب، ومسلم (١/ ٤٩٧ / ٧١٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى.\n(٣) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ١٠١).","vol":"1","page":114},{"text":"كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة فسجد بهم سجدتين ثم سلم، فلما انفتَلَ أقبل علينا بوجهه فقال: \"لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ... \" (١).\nأي ما كنت أقتصر على بيان ذلك بفعلي، بل كنت أنبئكم به قولًا، فهذا يدل على أن الوجوب إنما يُستفاد من قوله دون فعله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>ما أجابوا به على أدلة القول الأول:</span>\n(١) الرد على الاستدلال بالكتاب:\n* قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]:\nقال أبو شامة:\n\"المراد من اتباع النبي - ﷺ - أن يُجعل إمامًا وقدوةً يُحذا حَذوه ويُسَارُ بسيرته، كقولك: اتَّبعَ المأموم الإمام في الصلاة. إنما هو فَعَلَ فِعْلَهُ ...\nفينبغي أن يُحمل قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ على الندب لا على الوجوب، لأنَّا لو حملناه على الندب لم يلزمنا الوجوب الذي خصَّصْنَاهُ بأشياء كثيرةٍ ندبيةٍ لا تجب علينا وقد فعلها، ولو حملناه على الندب لم يلزمنا مثل ذلك (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٦٠٠ / ٤٠١) كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ومسلم (١/ ٤٠٠ / ٥٧٢) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له.\n(٢) ويجاب عن ذلك بأننا لو حملناه على الندب لزمنا أن نبين الأمر القولي في كل فعل قيل بوجوبه، فليس حمله على الندب بأولى من حمله على الوجوب من هذه الجهة.","vol":"1","page":115},{"text":"فالأمر بهذه الجملة أمر ندبٍ وإن كان مشتملًا على واجباتٍ كثيرة، وعلى هذا يُحمل أيضًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأرشد إلى هذا المعنى وقَوّاه قول النبي - ﷺ -[فيما يحكيه عن رب العزة]: \"ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه\" (١)، فقد جعل النوافل مِرْقاةً إلى محبته، وكأنها تفسير الاتباع في قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ \" (٢).\n\nالرد على الاستدلال بالسنة:\n(٢) قال السرخسي: \"لو كان مطلق فعله موجبًا للاتباع لكان ذلك عامًا في جميع أفعاله، ولا وجه للقول بذلك، لأن ذلك يوجب على كل أحد ألا يفارقه آناء الليل وأطراف النهار ليقف على جميع أفعاله فيقتدي به؛ لأنه لا يخلو عن الواجب إلا بذلك، ومعلوم أن هذا مما لا يتحقق ولا يقول به أحد \" (٣).\n(٣) ذكر أبو شامة ردًّا طويلًا ملخصه أن النبي - ﷺ - قال: \"لتأخذوا مناسككم\" (٤) وذلك يوم النحر في الحج، واقتدى به الصحابة في أفعاله دون أن يعلموا أن تلك الأفعال أكانت واجبة أم مستحبة، فقوله: \"خذوا\" أي\n_________\n(١) رواه البخاري (١١/ ٣٤٨ / ٦٥٠٢) كتاب الرقاق، باب التواضع.\n(٢) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ١٢٥ - ١٣٠).\n(٣) أصول السرخسي (٢/ ٨٨).\n(٤) رواه مسلم (٢/ ٩٤٣ / ١٢٩٧) كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا.","vol":"1","page":116},{"text":"أوقعوا النسك على ما يوافق في الصورة ما أُوقعه عليه من نية التقرب المطلقة، ولم يضر جهل الصحابة بالتفرقة بين المندوب والواجب حال ملابسة الفعل (١).\nهذا حاصل ما ذكره، وهذا الرد لا يتوجه إلا إلى القائلين بأن عدم معرفة وجه وقوع الفعل مانع من حصول التأسي دون القائلين بأن ذلك غير مانع وهم الأغلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الموازنة بين القولين والرأي المختار:</span>\nالذي يظهر لي في هذه الدراسة ما يلي:\n\nأولًا: أفعال النبي - ﷺ - على قسمين:\nالقسم الأول: ما ورد في حقه بيان قولي، وهذا يعلم حكمه من القول.\nالقسم الثاني: ما لم يكن فيه بيان قولي: وهذا النوع هو ما يسميه الأصوليون الفعل المجرد وهو دليل على الندب مطلقا، وذلك لأن صنيع الفقهاء جميعًا الاستدلال على الاستحباب بفعل النبي - ﷺ - حيث لم يرد أمر أو نهي.\nوبناء على ذلك فالمختار من أقوال الأصوليين أن أفعال النبي - ﷺ - من حيث هي بذاتها لا تدل إلا على الاستحباب (٢).\nثانيًا: لا يشترط في التأسي التوقف لمعرفة حكم الفعل في حق النبي - ﷺ -، بل مجرد فعل النبي - ﷺ - للشيء دليل بمجرده، وبذلك لا يرد اعتراض\n_________\n(١) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ - (ص ١٠٩ - ١١٣).\n(٢) وقد قدمت أن هذه قضية متفق عليها بين طرفي النزاع، وإنما أعدت ذكرها هنا لأني أرى أن الخلط بين هذه القضية وبين حكم الاتباع هو محور ارتكاز القول الثاني.","vol":"1","page":117},{"text":"أبي شامة على أصحاب القول الأول.\nثالثًا: إذا كان الاتباع هو التأسي، فإنه يصح أن يقال: إن اتباع النبي - ﷺ - في الفعل المجرد مستحب وليس بواجب، ولكن هذا القول لا يستلزم القول بأن اتباع النبي - ﷺ - في أفعاله مطلقًا مستحب وليس بواجب.\nوبيان ذلك أن أفعال النبي - ﷺ - بالنسبة إليه ليست كلها واقعة على جهة الندب، بل منها ما وقع في حقه واجبًا، ومنها ما وقع في حقه خاصًا به.\nواتباع النبي - ﷺ - لا يصح حمله على اتباعه في الفعل المجرد فقط، بل اتباعه يشمل الأفعال كلها، وهذا على القول بأن الاتباع لا يكون إلا في الأفعال فقط.\nرابعًا: بناء على ما سبق فإن الاتباع في الفعل المجرد مستحب، ولكن ما حكم الاتباع في الفعل الواجب عليه - ﷺ -؟ أهو واجب أم مستحب.\nعلى الطريقة الأولى لا إشكال في وجوبه (١)، ولا يمانع فيه أصحاب الاتجاه الثاني، لكن ما هو وجه الاتباع فيه: إن قال بالوجوب فقد خالف ما قرره (٢)، وإن قال بالندب فقد خالف مقتضَى الإجماع (٣)، فليس له إلا أن\n_________\n(١) ذهب القاضي عبد الجبار المعتزلي في المغني في أبواب التوحيد والعدل (١٧/ ٢٧٥) إلى أن التأسي بالنبي - ﷺ - فيما يفعله لغرض خاص، أو ممتثلًا لا يصح، وهذا غير صحيح، وسبب القول بذلك الخلط بين سبب الوجوب وبين وجوب الاتباع فيما فعله النبي - ﷺ - امتثالًا، فإن وجوب الفعل في حقنا بالأمر لا ينفي اتباع النبي - ﷺ - بحصول الفعل على الصورة التي وقع بها الامتثال من النبي - ﷺ -.\n(٢) من أن اتباع النبي - ﷺ - مستحب وليس بواجب.\n(٣) من أن ما فعله النبي - ﷺ - على صفة الوجوب لا يكون في حقنا على الندب، (وقصدي =","vol":"1","page":118},{"text":"يقول وجوب الفعل لم يثبت في حقنا بفعله، بل ثبت الوجوب بدليل قولي، فإن قال ذلك: قيل له: أنتم ذكرتم أن الاتباع هو الموافقة في الصورة الظاهرة دون الحكم، فالذي فعل ذلك الفعل لكون النبي - ﷺ - قد فعله؛ لما أوقعه على وجه الوجوب كان متابعًا للنبي - ﷺ - أم لا؟ فإن قال لا خالف ما ذهب إليه (١)، وإن قال نعم خالف ما ذهب إليه (٢).\nولا مخرج من هذا إلا بالقول بوجوب الاتباع على طريقة أصحاب الاتجاه الأولى من اشتراط الموافقة في حكم الفعل.\nخامسًا: لا يلزم من القول بوجوب الاتباع القول بأن الأفعال النبوية ليست أدلة بمجردها، وأنه لابد من اشتراط معرفة الوجه، لما أورده أبو شامة من إلزامات، يُوافق عليها، بل يكفي في ذلك أن تحمل على الندب حيث لا دليل يتناول الفعل من الخارج.\nسادسًا: القول بوجوب الاتباع هو المناسب لما ورد من آيات فيها الأمر بالاتباع، فحمل كل تلك الآيات على الندب - كما يذهب إليه أبو شامة - مجازفة عظيمة، وبالرجوع إلى أقوال المفسرين لم أجد من فسر مثلًا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] بأنها على الاستحباب، لكنهم يذكرون معنى غير الذي يذكره أهل الأصول، وهو اتباع شريعة النبي - ﷺ -\n_________\n= بالإجماع هنا الاتفاق بين طرفي الخلاف في هذا المعنى).\n(١) من أن المتابعة يكفي فيها الصورة الظاهرة فقط.\n(٢) من كون اتباع النبي - ﷺ - لا يكون واجبًا.","vol":"1","page":119},{"text":"وقبولها وعدم ردها، وعدم الرغبة عنها، وهذا معنى صحيح في اللغة، فإن الاتباع في اللغة يشمل معنى السير على نفس الطريق.\nسابعًا: الاتباع في اللغة: هو الموافقة في الأفعال، والطاعة هي امتثال الأمر، ولكن هذا لا يمنع أن يكون الاتباع في الشرع مرادًا به الأقوال والأفعال (١).\nبناء على ذلك فالذي أميل إليه أن الاتباع يطلق ويراد به أحد معنيين:\n\nالأول: الاتباع العام:\nوهو قبول ما جاء به النبي - ﷺ - من أفعال والانقياد لشريعته، ولما دلت\n_________\n(١) الاتباع في اللغة: تَبِعَ الشيءَ تَبَعًا وتبَاعًا في الأفعال، وتَبِعتُ الشيءَ تُبوعًا: سرت في إثره، واتَّبَعَه وأتْبَعَه وتَتَبَّعه قفاه وتطلبه مُتَّبعًا له، وكذلك تَتَبَّعه وتَتَبَّعْته تَتَبُّعًا. قال سيبويه: تَتبَّعه اتِّباعًا لأن تَتبَّعْت في معنى اتَّبَعْت، وتَبعْت القوم تبعًا وتَبَاعةً بالفتح إذا مشيت خلفهم أو مروا بك فمضيت معهم.\nوقال الفراء: أتْبَعَ أحسن من اتَّبَعَ لأن الاتِّباع أن يسير الرجل وأنت تسير وراءه، فإذا قلت: أَتْبَعْتُه فكأنك قفوته، وقال الليث: تَبِعْت فلانًا واتَّبَعْته وأَتْبَعْتُه سواء.\nواتَّبَعَ القرآن: ائتم به وعمل بما فيه.\nانظر: العين (٢/ ٧٨، ٧٩)، المحكم والمحيط الأعظم (٢/ ٥٦)، المعجم الوسيط (١/ ٨١)، تاج العروس (٢٠/ ٣٧٢)، تهذيب اللغة (٢/ ١٦٧)، جمهرة اللغة (١/ ٢٥٤)، لسان العرب (١/ ٥٨٩)، المصباح المنير (ص ٤٨)، القاموس المحيط (٢/ ٩٤٩)، مختار الصحاح (ص ٥٢). الطاعة: هي امتثال ما أمر به الآمر. انظر: العين (٢/ ٢٠٩)، تاج العروس (٢١/ ٤٦١)، تهذيب اللغة (٣/ ٦٦)، المعجم الوسيط (٢/ ٥٧٠)، المصباح المنير (ص ٢٢٧)، القاموس المحيط (ص ٩٩٨)، لسان العرب (٥/ ٦٦١)، الحدود لابن فورك (ص ١١٧)، التعريفات للجرجاني (ص ١٨٢).","vol":"1","page":120},{"text":"عليه أفعاله من أحكام، وهذا لا ينازع أحد من المسلمين في وجوبه، والأمر به في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصى. وهذا يكون في الأقوال والأفعال.\n\nالثاني: اتباع النبي - ﷺ - في أفعاله على وجه الخصوص:\nوأفعال النبي - ﷺ - في هذا الصدد على قسمين:\n\nالقسم الأول:\nالفعل المجرد وهو الفعل الذي لم يتعلق به أمر أو نهي ولم يكن في موضع البيان.\nوالاتباع في هذا الفعل مستحب، وليس بواجب، ولا يتوقف الاتباع فيه على معرفة حكمه في حق النبي - ﷺ - بل الأصل أنه مستحب إلى أن يدل الدليل على خلاف ذلك.\nأما التفصيل بين ما ظهر فيه وجه القربة وما لم يظهر فالأقرب - والله أعلم - أن مجرد الفعل دال على ترجح الفعل على الترك ولا معنى لذلك سوى الندب غير أنه درجات ومراتب، فأعلاها ما ظهر فيه وجه القربة، وأدناها ما لم يظهر.\n\nالقسم الثاني:\nالفعل غير المجرد، وهو ما اقترن به بيان قولي.\nوالاتباع في هذا الفعل يكون بثبوت حكم الفعل في حقنا على الوجه الذي ثبت به في حق النبي - ﷺ -، إلا أن يدل الدليل على غير ذلك.\nثامنًا: بذلك يصح أن يقال اتباع النبي - ﷺ - واجب - في أي نوع كان - ومعنى الوجوب ثبوت حكم الفعل في حقنا على الوجه الذي ثبت به في حق","vol":"1","page":121},{"text":"النبي - ﷺ - حيث علمناه، وحيث لم نعلم فالأصل أن الفعل دال على الاستحباب إلى أن يدل الدليل على خلاف ذلك.\n\nوبهذا تجتمع الأدلة ..\nفما ذكره الأولون من أدلة على وجوب الاتباع نقول بها ولا نردها، ولا يلزمنا القول بالوقف بل ما ذكره الآخرون من امتناع الوقف في حكم الفعل وحمله على الندب لا غير نقول به ولا نرده، ولا يلزمنا حمل الاتباع على الاستحباب بذلك، ولعل هذا أوجه ما تحمل عليه الأدلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>حكم الاتباع والتأسي في الترك:</span>\nبناء على ما سبق فإن الاتباع في الترك واجب، كوجوبه في الفعل، ومعنى الوجوب في حقنا:\nأن يكون حكم المتروك في حقنا هو حكم المتروك في حق النبي - ﷺ -، ما لم يقم دليل على خلاف ذلك.\nوهذا يقتضي أن:\nما تركه النبي - ﷺ - لكونه حرامًا، فهو حرامٌ في حقنا.\nوما تركه النبي - ﷺ - لكونه مكروهًا، فهو مكروه في حقنا.\nوما تركه النبي - ﷺ - لسبب، تعلق الحكم في حقنا بذلك السبب، فإذا زال السبب عاد حكم المتروك إلى أصله.\nوما تركه - ﷺ - مما لم يقم في حقه مقتضٍ للفعل، كان حكم هذا المتروك في حقنا باقيًا على أصله. وما تركه النبي - ﷺ - إعراضًا عنه، ولم نعلم حكمه في حقه.","vol":"1","page":122},{"text":"فقياس القول على الأفعال في التروك أن يقال:\nما أعرض النبي - ﷺ - عنه، ولا نعلم وجهه، لا يخلو من أن يكون على وجه القربة، أو لا يكون:\nفإن كان على وجه القربة كان هذا الفعل مكروهًا، لأن الكراهة تقابل الاستحباب، وما تركه ليس على وجه القربة فهو مباح في حقنا.\nولكن القول بذلك لا يستقيم؛ وذلك لأن الأصل المتوقف عليه قبل الفعل بخلاف الأصل المتوقف عليه قبل الترك.\nوبيان ذلك:\nأن الفعل الذي يفعل على سبيل القربة إنما يطلب له الدليل على جواز فعله، فحيث لم يكن دليل فالجواز ممتنع، فالأصل أن هذا الفعل ممنوع منه، ففعل النبي - ﷺ - له ناقل عن الأصل، أما في الترك: فإن ترك النبي - ﷺ - له غير ناقل عن الأصل بل مقوٍّ له ومعضد له، فكيف يحمل تركه - ﷺ - على الكراهة، والمتروك ممنوع منه قبل نقل إعراض النبي - ﷺ - عنه؟\nلذا فقياس القول في الأفعال هنا أن يقال:\nما تركه النبي - ﷺ - كان فعله لا يقع إلا قربة: فالترك دليل على التحريم، وإذا كان غير قربة فأقل الأحوال حمله على الكراهة.\nولو قال قائل بحمله على التحريم لم يُبعِد، بل كان لقوله حظ من النظر، فإن أقل أحوال المتابعة في الترك تنخرم بمجرد الفعل، بخلاف الفعل، وهذا قاضٍ بحمل الإعراض على الوجوب دون الاستحباب.","vol":"1","page":123},{"text":"ولا يستقيم القول بأن أكل خالد بن الوليد - ﵁ - من الضب كان حرامًا لولا بيان النبي - ﷺ - بقوله للحكم إلا بذلك، وهو ما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع (١).\nوما يظهر لي في هذه المسألة أن النبي - ﷺ - لو فعل لما كان واجبًا، بل كان مستحبًّا، فكذلك لو ترك لا يكون حرامًا، بل مكروهًا، وهذا مورده فيما لا يقصد به التقرب، أما ما قصد به التقرب فلا يحمل إلّا على الحرمة لما سبق من أن ذلك هو الأصل واعتضد بترك النبي - ﷺ -، فالدلالة على التحريم ليست لذات الترك، وإنما لأمر اقترن به خارج عنه، ولكنه لازم له.\n* * *\n_________\n(١) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٤٣) لعلي محفوظ، دار الاعتصام، الطبعة الخامسة.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>الفصل الثاني\nترك النبي - ﷺ </span>-","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>توطئة</span>\nتناولت في الفصل السابق التعريف بالترك باعتباره مركبًا،\nوأتناول في هذا الفصل التعريف به باعتباره لقبًا، والأبحاث\nالتي تتعلق بذلك، فحاولت أن أبين ذلك التعريف أولًا، وقد\nاقتضى ذلك أن أتعرض لتعريفه عند السابقين بشيء من الدراسة،\nثم حاولت بعد ذلك أن أبين سبل الوصول إلى معرفته حتى\nأتمكن من دراسته ثم أخيرًا بيان الأقسام التي ينقسم إليها تمهيدًا\nلدراسة كل قسم على حدة في الباب الثاني والثالث.\nوفي هذا الإطار تبلور هذا الفصل في ثلاثة مباحث:\nالأول منهما: للتعريف بترك النبي - ﷺ -.\nوالثاني: لبيان سبل الوصول إليه.\nوالثالث: لبيان أقسامه.","vol":"1","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الأول: المراد بترك النبي - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الأول: تعريف ترك النبي - ﷺ - عند الأصوليين القدامى:</span>\nلم يتعرض الأصوليون القدامى لذكر تعريف محدد لترك النبي - ﷺ - بل اكتفى من تعرض له بذكرٍ أن يبين أن تركه - ﷺ - داخل في باب الأفعال، فالسمعاني في (قواطع الأدلة) اكتفى بقوله: \"إذا ترك النبي - ﷺ - شيئًا من الأشياء وجب علينا متابعته فيه، ألا ترى أنه - ﷺ - لما قدم إليه الضب فأمسك عنه أصحابه وتركوه إلى أن قال لهم: \"إني أعافه\" وأذن لهم في تناوله (١) \" (٢)، وكذلك فعل الزركشي في (البحر المحيط) حيث ذكر أن الأصوليين لم يتعرضوا لتركه، واكتفى بنقل كلام السمعاني المشار إليه سابقًا.\nأما الشاطبي فقد تعرض لتقسيم الترك والسكوت إلى قسمين وعرف كل قسم بمفرده، فقد قال: \"سكوت الشارع عن الحكم في مسألة أو تركه لأمر ما على ضربين:\nأحدهما: أن يسكت عنه أو يتركه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب تقرر لأجله ولا وقع سبب تقريره كالنوازل الحادثة بعد وفاة النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٤٤٤ - ٤٤٥/ ٥٣٩١) كتاب الأطعمة، باب ما كان النبي - ﷺ - لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ما هو.\n(٢) قواطع الأدلة في الأصول (١/ ٣١١).","vol":"1","page":127},{"text":"الضرب الثاني: أن يسكت الشارع عن الحكم الخاص أو يترك أمرًا من الأمور وموجبه المقتضي له قائم وسببه في زمان الوحي وفيما بعده موجود ثابت ... \" (١).\nوهو وإن نسب الترك والسكوت إلى الشارع فمراده النبي - ﷺ - على ما يفهم من تناوله هذا المبحث بالدراسة في غير موضع.\nولا يخفى أن ترك النقل داخل تحت القسم الأول من قسميه، والترك عنده بالمعنى الأعم، وهو وإن لم يصرح بذلك لكن القسم الأول لا يكون لذكر الترك فيه معنى إلا على هذا الوجه.\nوقد وافق جماعةٌ الشاطبيّ فيما ذهب إليه كابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم، مما سَيُبَيَّن في موضعه إن شاء الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الثاني: تعريف ترك النبي - ﷺ - في الدراسات المعاصرة:</span>\nأما في الدراسات المعاصرة فقد تعرض لترك النبي - ﷺ - بالدراسة: الدكتور الأشقر: في كتابه (أفعال الرسول - ﷺ -)، والشيخ الغماري في رسالته (حسن التفهم والدرك لمسألة الترك)، والدكتور صالح الزنكي في بحثه (رؤية أصولية لتروك النبي - ﷺ -) (٢) ولابد بيان مفهوم ترك النبي - ﷺ - عند كل، وبيان ما\n_________\n(١) الاعتصام (ص ٢٦٦): أبي إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي، تحقيق: سيد إبراهيم، ط. (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، دار الحديث - القاهرة.\n(٢) لم يذكر الدكتور تعريفًا خاصًا بالنبي - ﷺ - بل اكتفى بتعريفه الأصولي، وقد أشرت إليه في موضعه.","vol":"1","page":128},{"text":"يتجه على هذا المفهوم (١).\nتكلم الدكتور الأشقر في رسالته (أفعال الرسول - ﷺ -) عن الترك باعتباره أحد أقسام الفعل، ومع أنه قد بين أن الترك من النبي - ﷺ - على نوعين: \"العدمي\" و\"الوجودي\"، إلا أنه لم يتناول النوع الأول لأنه غير داخل في دراسته، وذلك لأنه ليس بفعل، فهو خارج عن نطاق بحثه.\nأما الترك الوجودي: وهو الكف الذي له تعلق بأفعال الرسول - ﷺ - فقد عرفه بـ: \"أن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أو القول، فيترك النبي الفعل والقول، ويمتنع عنهما\" (٢).\nثم بين أن هذا القسم يشمل ترك الفعل، وترك القول الذي هو السكوت، والسكوت يشمل ترك الإنكار الذي تناوله الأصوليون بالدراسة تحت باب الإقرار وإن كان قد أفرده بفصل مستقل متابعة للأصوليين في صنيعهم.\nأما الشيخ الغماري فقد عرف الترك بقوله: \"أن يترك النبي - ﷺ - شيئًا، [لم يفعله] (٣)، أو يتركه السلف الصالح من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك يقتضي تحريمه أو كراهته\" (٤).\n_________\n(١) علمت أن للدكتور محمد العروسي عبد القادر كتابًا عن أفعال الرسول - ﷺ -، تكلم فيه عن الترك، ولم أصل إلى نسخة منه بعد طول بحث، ولم أجد على شبكة الإنترنت سوى فهرسًا للكتاب، ولذا فلم أتمكن من الاطلاع على تعريفه لترك النبي - ﷺ -.\n(٢) أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام: محمد سليمان الأشقر: ورسالة الدكتوراه من الجامعة الأزهرية، مؤسسة الرسالة، ط. السادسة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م) (٢/ ٤٧).\n(٣) هكذا في تعريفه، ولعل الأصوب أن يقول: \"فلا يفعله\".\n(٤) حسن التفهم والدرك لمسألة الترك: أبو الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري، مطبوعة =","vol":"1","page":129},{"text":"ولا بد من إيراد عدة ملاحظات هنا:\n(١) أن الدكتور الأشقر لم يفرق في ترك النبي - ﷺ - بين ما نقل إلينا أن النبي - ﷺ - ترك، وبين ما لم ينقل إلينا أنه فعل، فمتروك النقل داخل تحت الترك بهذا التعريف.\nوقد تكلم عن ترك النقل وعده أحد قسمي طريق معرفة ترك النبي - ﷺ - للفعل.\nأما الشيخ الغماري فلا يدخل في مفهوم الترك إلا متروك النقل فقط؛ وذلك لأن الترك المنقول سيتبع ما دل عليه قول أو فعل أحد السلف، أو أنه ترك في مقام البيان وقد صرح بأن هذه المسألة لا تدخل في نطاق بحثه.\n(٢) أن السكوت داخل تحت ماهية الترك اصطلاحًا عند الأشقر، بينما لا يدخل في مفهوم الترك عند الشيخ الغماري.\n(٣) أن الدكتور الأشقر استعمل الترك بالمعنى الأعم الذي يشمل الكف وغيره، وهو الإطلاق الأول فيما ذكر في هذه الدراسة، وعدم تناوله الترك العدمي للدراسة إنما لعدم دخوله في نطاق الفعل، أما الشيخ الغماري فلم يعرض لشيء من ذلك فلم يبين ما هو المراد من الترك، هل هو بمعنى الكف أم العدم أم العدم والكف معًا.\n_________\n= ضمن مجموعة رسائل له أولها: إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة، وهي الرسالة الأخيرة من (ص ٨٩) حتى (ص ١٠٤).","vol":"1","page":130},{"text":"(٤) أن الدكتور الأشقر لم يشترط عدم وجود دليل البتة في المسألة بل متى تحققت صورة الترك في حادثة معينة كان ذلك تركًا منه - ﷺ -، ولذا يصح عنده وقوع التعارض بين الترك والفعل وبين الترك والقول، أما الشيخ الغماري فقد اشترط عدم وجود حديث أو أثر بالنهي عن الشيء المتروك، ويلزم من هذا الاشتراط أن ترك النبي - ﷺ - لا يمكن حصول التعارض بينه وبين الفعل أو القول، بل كل موقف ما حصلت فيه صورة الترك كانت له دلالة ما: عارضها دلالة فعل أو قول منه - ﷺ - فهي غير داخلة تحت مفهوم الترك عنده، وهذا أيضًا لا يمكن تصحيحه بحال، فلو أنه ذكر ذلك في باب الدلالة لكان هذا مقبولًا بغض النظر عن مدى صحة ما ذهب إليه.\n(٥) أن الدكتور الأشقر عندما تكلم عن ترك النبي - ﷺ - لم يدخل معه غيره، وهذا ما تقتضيه هذه النسبة لغة بل واصطلاحًا، أما الشيخ الغماري فقد أضافه إلى النبي - ﷺ - أو السلف الصالح، فماذا يفعل الشيخ الغماري فيما تركه النبي - ﷺ - وفعله الصحابة من بعده، هل يدخله في ترك النبي - ﷺ - أم لن يدخله؛ بمقتضى القيد الذي ذكره من اشتراط ترك السلف لا يدخل ذلك في ترك النبي - ﷺ -، وهذا مخالف لمقتضَى هذه النسبة، وأضف إلى ذلك أنه لم يحدد حدًّا زمانيًّا أو مكانيًّا للسلف الصالح، ولم يبين من المقصود بهذا الوصف، وهو إطلاق قد يشمل علماء السنة على مدار ثلاثة قرون ولا يخفى أن مثل هذا لا يكون قيدًا أبدًا.\nثم إن هذا القيد يقتضي حجية أفعال السلف الصالح وأنها تدل على الأحكام شرعًا، وهذا لا يقول به الشيخ الغماري، ولا غيره.","vol":"1","page":131},{"text":"(٦) أن الإقرار داخل تحت مسمى الترك الاصطلاحي عند الدكتور الأشقر وقد صرح بذلك، أما الشيخ الغماري فلم يبين هل يدخل أم لا، لكن صنيعه في رسالته يدل على أنه غير مراد.\n(٧) الدكتور الأشقر لم يتعرض لدلالة الترك في التعريف، فهو يبين ماهية الترك بغض النظر عن دلالته، أما الشيخ الغماري فقد اشترط ألا يأتي حديث أو أثر بالنهي عن المتروك، وهذا يقتضي أنه لو أتى بالإباحة أو الاستحباب فهو داخل تحت الترك عنده، وهذا تصرف غير مرضي، فالصحيح أن يبين ماهية الشيء أولًا ثم بعد ذلك يتعرض لحكمه، لأن الدلالة هي المطلوب الأعظم من ذكر التعريف، فلا تقحم فيه، فضلًا عن أنها مبنية عليه.\nبناء على هذه الملاحظات فإن تعريف الشيخ الغماري لترك النبي - ﷺ - تعريف غير واضح المعالم، ولا يمكن الاعتماد عليه في هذه الدراسة، أما تعريف الأشقر للكف فالذي يظهر أنه تعريف مستجمع للشروط التي تطلب في التعريف ولا يتجه عليه اعتراضات وجيهة، ومع ذلك فإن هذا التعريف بمفرده لا يمكن اعتماده في هذه الدراسة إلا إذا قيل بأن الترك هو الكف فقط، وقد سبق أن بينا أن الاتجاه المرضي هو الترك بالاعتبار الأعم الموافق للمعنى اللغوي، ولذا يتوجب علينا إدخال الترك العدمي في تروك النبي - ﷺ -، ولابد من بيان موقف هذه الدراسة من الأنواع الأخرى التي تتعلق بترك النبي - ﷺ -، وبيان ذلك بحول الله وقوته فيما يلي.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثالث: التعريف المختار في هذه الدراسة ووجهه:</span>\nالمراد بترك النبي - ﷺ - في هذه الدراسة:\nعدم فعل النبي - ﷺ - ما كان مقدورًا له كونًا.\nوعلى هذا التعريف يدخل في تركه - ﷺ - ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>(١) سكوت النبي - ﷺ </span>-:\nسكوت النبي - ﷺ - ترك منه للقول، وقد أفرد له الأصوليون مبحثًا خاصًا، وهو أحكام سكوته - ﷺ -؛ إذ ذلك يشمل ما سكت النبي - ﷺ - عن بيانه لانتظار الوحي، ويشمل كذلك سكوته عن الإنكار الذي بحثه الأصوليون تحت مبحث الإقرار، ومعلوم أن القول نوع من الأفعال خاص باللسان، لكنه لا يدخل عند الأصوليين تحت باب الأفعال، بل استعمل في مقابله، وذلك بسبب أن القول هو الأصل في التشريع، وأنه أقوى دلالة من الفعل، فالفعل عندهم قسيم القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>(٢) إقرار النبي - ﷺ </span>-:\nبحث الأصوليون مبحث الإقرار تحت أفعال النبي - ﷺ -، فهو ترك الإفكار من النبي - ﷺ - وهذا الترك قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وعليه فإن تخصيص الإقرار بأنه ترك الاعتراض بالقول أمر غير وجيه، فالوجه الجامع بين ترك القول وترك الفعل هو الكف، ولذا فإن مبحث الإقرار داخل في مبحث الترك لأنه في الحقيقة نوع من الكف.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>(٣) الترك العدمي:</span>\nالترك العدمي - كما سيأتي تعريفه - هو الترك الذي ثبت من حيث إنه لم ينقل أن النبي - ﷺ - فعل مقابله (١)، وهو داخل في ماهية الترك بالتعريف السابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>(٤) الكف أو الترك الوجودي:</span>\nوهذا لا إشكال في ثبوته ودخوله كما سبق بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>(٥) ما تركه النبي - ﷺ - مما ورد فيه بيان قولي:</span>\nقد يأمر النبي - ﷺ - أو ينهى عن فعل من الأفعال ثم يأتي نقل بأنه - ﷺ - قد فعل ما نهى عنه، أو ترك ما أمر به، وهذه الصورة يبحثها الأصوليون في باب التعارض بين القول والفعل والترجيح بينهما (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>(٦) ما تركه النبي - ﷺ - في موضع وإن فعل مقابله في موضع آخر:</span>\nقد يترك النبي - ﷺ - أحيانًا ويفعل أحيانًا أخرى، فحصول الفعل تارة لا ينفي حصول الترك (المنقول) تارة أخرى ما دام مستوفيًا للشروط، وهذا يبحث في مبحث التعارض (٣).\n_________\n(١) أثبته الدكتور الأشقر كأحد أنواع المتروك نقله أو أحد أقسام ترك النقل عن النبي - ﷺ -، والشيخ الغماري وإن لم يتعرض له في معرض التأصيل فإن الأمثلة الفقهية التي ذكرها كلها من هذا النوع من أنواع الترك، فتأصيله كان لنوع وأمثلته كانت لنوع آخر!.\n(٢) وكذلك فعل الأشقر في الجمع بين الفعل والترك، بخلاف الشيخ الغماري فإن ما تركه النبي - ﷺ - لا يدخل في الترك عنده إذا ورد الأمر به أو النهي عنه، إذ إنه يشترط لإثبات الترك ألا يتعرض له بالذكر النبي - ﷺ - أو السلف الصالح.\n(٣) لم يبحثه الشيخ الغماري إذ حصول الفعل عنده مانع من دخول تركه لذلك الفعل في حين آخر تحت صورة الترك.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>(٧) ترك النبي - ﷺ - ما همَّ به:</span>\nبحثه الأصوليون في باب الأفعال، وهو كف، فلذلك يدخل في الترك المر اد بحثه.\n\nالمحترزات:\nيخرج بذلك التعريف الترك لعدم الاستطاعة الكونية.\nفالمراد بالاستطاعة هي الاستطاعة الكونية، وذلك مثل تركه لركوب الدراجة والسيارة والطائرة؛ إذ ذلك لم يكن موجودًا على عهده - ﷺ - ولا يعرفه أهل ذلك الزمان، أما الاستطاعة الشرعية فهي لا تنتفي عن النبي - ﷺ - بحال لكونه مشرعًا بفعله كما سيأتي بيانه في مبحث الإقرار.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>المبحث الثاني: طريق معرفة ترك النبي - ﷺ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الأول: المراد من طريق معرفة الترك:</span>\nالمراد من طريق معرفة الترك: بيان سبل الوصول إلى معرفة ما تركه النبي - ﷺ -، فإذا كان فعل النبي - ﷺ - يعرف بنقل الصحابة له، فإن أحد طرق معرفة الترك أن ينقل الصحابة تركه - ﷺ -.\nولكن لما كان ما تركه النبي - ﷺ - غير محصور بحد ولا عدد، فإن هناك طريقًا آخر لمعرفة ذلك المتروك وهو عدم نقل أنه - ﷺ - فعل.\nوبذلك يكون سبيل معرفة ترك النبي - ﷺ - أحد أمرين:\nالأول: أن ينقل الصحابي أن النبي - ﷺ - ترك.\nالثاني: أن لا ينقل الصحابي أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا ما.\nوقد ذكر ابن القيم هذين الطريقين تحت فصل بعنوان \"نقل الصحابة ما تركه النبي - ﷺ - \" (١)، فذكر نوعين:\nأحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله.\nالثاني: عدم نقلهم ما لو فعله لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فحيث لم ينقله واحد منهم علم أن ذلك لم يكن.\n_________\n(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٢٦٤): ابن القيم الجوزية (ت/ ٧٥١ هـ)، تحقيق: مشهور بن حسن آل سليمان، ط. الأولى (١٤٢٧ هـ)، دار ابن الجوزي - السعودية.","vol":"1","page":136},{"text":"والتعبير بطريق معرفة الترك أولى من قولنا عن الأمرين معًا نقل الترك، بل نقل الترك خاص بالأمر الأول منهما، أما الثاني فهو ليس نقلًا للترك بل هو ترك لنقل الفعل.\nوالذي ذكره ابن القيم في النوع الثاني هو حالة مخصوصة في النقل، وإنما خص ابن القيم هذه الحالة المخصوصة في النوع الثاني، لأنه كان في معرض الكلام عن الترك الكفي أو الامتناعي، والكلام هنا عن ترك النقل إجمالًا، ولذا لابد من بيان وجه ثبوت كل طريق على حدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>إثبات الطريق الأول لا إشكال فيه:</span>\nلا شك أن النوع الأول لا يحتاج إلى إثبات فهو واضح، وهو أمر لا يخص الترك وحده بل كل أقوال النبي - ﷺ - وأفعاله وتقريراته وأحواله وصفاته لابد لها من النقل حتى تعرف، وذلك لأن الأصل في الأفعال العدم، فإثبات الفعل ناقل عن الأصل فيحتاج إلى نقل.\nوالترك الذي هو من أقسام الفعل - الترك الوجودي - لابد له من نقل ليخرج عن الأصل - وهو العدم - وهذا واضح لا إشكال فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>إشكالية ثبوت الطريق الثاني:</span>\nأما الإشكال فهو في النوع الثاني، وذلك أن لا يلزم من عدم نقل أمر ما كون هذا الأمر لم يحصل، فلا تلازم إذن بين كون الشيء لم ينقل وبين كونه قد حصل، فإن ما حصل عند من لم يطلع على نقله لا يصح فيه أن يقال إنه لم يحصل، فكيف يستدل إذن على أن النبي - ﷺ - ترك فعلًا ما بأنه لم ينقل لنا أنه","vol":"1","page":137},{"text":"فعل، فلربما حصل ولم يبلغنا ولم ينقل إلينا، وهو ما عبر عنه الأصوليون بأن عدم النقل لا يستلزم نقل العدم.\nوهذا الإشكال أشار إليه ابن القيم رادًا عليه فقال:\n\"فإن قيل: فأين لكم أنه لم يفعله وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًّا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح وقال: من أين لكم أنه لم ينقل ... \" (١).\nوعندما تعرض الدكتور الأشقر للكلام على هذا النوع في رسالته (٢) ذكر أن هذه القاعدة الأصولية مسألة مهمة، ولذا فقد ناقش هذه القاعدة الأصولية من خلال تتبع خلاف العلماء في فرع فقهي، وهو أصناف الخارج من الأرض، وذلك لأنه رأى أن كل من أثبت هذه القاعدة مثلوا بهذا المثال، وقد ذكر أن إثبات هذه القاعدة على إطلاقها يقتضي أن كل ما لم ينقل فعل النبي - ﷺ - له فقد تركه، وحينئذ يكون بمنزلة النص على حكمه، وذلك يقتضي منع إجراء العموم على وجهه .. ويقتضي منع القياس في ذلك. وهذا الذي ذكره لا يلزم من إثبات القاعدة الأصولية، ولم يُرِد ابن القيم هذا الإطلاق الذي ذكره الدكتور الأشقر، فابن القيم لم يُرد كل أنواع ترك النقل، وإنما خص نوعًا واحدًا وهو ما كان مع وجود مقتضٍ للفعل ولم يكن هناك مانع ..\n_________\n(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/ ٢٦٤).\n(٢) أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية (٢/ ٦٢ - ٦٩).","vol":"1","page":138},{"text":"والذي يظهر لي أن هذه المسألة ما دامت مسألة أصولية فلا مناص من تحري أقوال الأصوليين في تلك المسألة المهمة، ولا يقتصر في إثباتها من عدمه على تتبع الخلاف في فرع فقهي، على أنه إذا أردنا إثبات القاعدة أو نفيها من خلال تتبع الخلاف الفقهي فإنه لا يصح الاعتماد على فرع فقهي واحد.\nعلى أن الدكتور الأشقر عندما قام بتقسيم ترك النقل قام بتقسيم ترك النقل مع وجود المقتضِي وانتفاء المانع، وهو بذلك أيضًا لا يذكر كل أقسام ترك النقل بل يتكلم عن نوع خاص منه.\nوالبحث هنا بصدد إثبات القاعدة الأصولية المذكورة من عدمها فقط، والقسم الذي يثبته هذا الطريق هو الترك العدمي أي الترك الذي لم ينقل أن النبي - ﷺ - فعله، أما الأقسام التي ذكرها الدكتور الأشقر لترك النقل: فالذي يظهر للباحث أنها ليست أقسامًا لذات النقل، إنما هي قرائن تقوي دلالة القاعدة، وسوف تُناقش قضية القرائن المقوية لما تثبته القاعدة، وذلك بعد بحث ثبوت هذه القاعدة أولًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>المطلب الثاني: بيان مذهب الأصوليين في التلازم بين ترك النقل ونقل الترك:</span>\nلابد أولًا من تقرير عدة مقدمات وأمور في غاية الأهمية لفهم قضية التلازم بين ترك النقل ونقل الترك وهي ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>الأمر الأول: </span>الأصل في الأفعال العدم (١)، فكل فعلٍ الأصلُ فيه أنه\n_________\n(١) وذلك لأن أفعال العباد مخلوقة، أي لم تكن موجودة ثم وجدت، وهذا يقتضي أن عدم","vol":"1","page":139},{"text":"لم يفعل حتى ينقل، وهذا ليس باعتبار الواقع إنما هو باعتبار السامع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>الأمر الثاني: </span>الناقل عن الأصل يلزمه الدليل سواء كان ذلك الأصل إثباتًا أم نفيًا، إذ قد تقرر أن كل من أثبت حكمًا لابد له من دليل، سواء كان الحكم إثباتًا أو نفيًا، وقد كثر الخلاف بين الأصوليين في الدليل هل يلزم النافي أم المثبت (١) والمرضي من أقوالهم في ذلك: أن الدليل يلزم كل من ادعى\n_________\n= أفعال العباد يسبق وجودها، وهذا هو معنى قولنا: الأصل في الأفعال العدم.\n(١) هذه مسألة مشهورة عند الأصوليين، وهي: هل النافي للحكم يلزمه الدليل أم لا؟ وقد اختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة أشهرها ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الدليل لا يلزم النافي وإنما يلزم المثبت فقط. وهو قول الأكثرين، واستدلوا على ذلك بأنه لا دليل على المتمسك بالعدم؛ لأن العدم ليس بشيء، والدليل يحتاج إليه لشيء هو مدلول عليه فحيث لم يكن العدم شيئا لم يحتج المتمسك به إلى دليل يدل عليه.\nالقول الثاني: أن النافي يلزمه الدليل كالمثبت. اختاره السمعاني في القواطع ونسبه لأهل الظاهر، واستدل بأن النفي لكون الشيء حلالًا وحرامًا حكم من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لا تثبت إلا بأدلتها، وأن الله تعالى طلب الدليل على النفي في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، واستدلوا أيضًا بأن النافي فيما نفاه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يدعي العلم بنفي ما نفاه، أو لا يدعي العلم بانتفائه بل يخبر عن جهله وشكه، فإن كان يدعي العلم بصحة ما نفاه فلابد له من دليل، وإن كان لا يدعي العلم فالدليل عنه ساقط.\nالقول الثالث: أنه لا يلزمه في العقليات دون الشرعيات.\nوالراجح في ذلك أن المسألة فيها تفصيل:\nفيقال: \"إن كان النافي ينفي العلم عن نفسه فيقول لا أعلم الحكم في هذه المسألة، فهذا لا دليل عليه؛ لأن عدم العلم لا يطلب له دليل، وإن كان ينفي حكمًا ويثبت لنفسه علمًا بذلك النفي فالدليل لازم\" [الوصول إلى الأصول (٢/ ٢٥٨) لابن برهان]. =","vol":"1","page":140},{"text":"العلم بشيء سواء كان نفيًا أو إثباتًا، أما من نفى علمه بالدليل فاستصحب البراءة الأصلية حتى يرد الدليل فهذا هو النافي الذي لا يلزمه الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>الأمر الثالث: </span>أن اتباع الأصل حتى يرد الناقل عنه هو معنى الاستصحاب الذي اعتبره الأصوليون دليلًا شرعيّا، وهو وإن وقع الخلاف في أنواعه ودلالته إلا أن هذا القدر منه متفق عليه (١).\n_________\n= وهذا التفصيل الذي ذكره ابن برهان نقله العراقي عن الصفي الهندي [الغيث الهامع (٣/ ٨٠٧)] وذكره الرازي في المحصول.\nويلزم منه أن الباقي على البراءة الأصلية لا يلزمه دليل، وإذا اعتبرنا معنى الاستصحاب - وهو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان - هنا فإنه يصح أن نقول أن الناقل عن الأصل يلزمه الدليل سواء كان الأصل إثباتًا أم نفيًا، ويؤيد هذا ما قاله الصنعاني في \"إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد\" (ص ١٤٧): \"لا شك أن لنا أصلًا متفقًا عليه وهو أنه لا يثبت حكم من الأحكام إلا بدليل يثمر علمًا أو أمارة تثمر ظنًّا وهذا أمر متفق عليه بين العلماء قاطبة\".\nوانظر في بيان تلك المسألة:\nقواطع الأدلة (٢/ ٤٠ - ٤٤)، المحصول (٦/ ١٢١ - ١٢٢)، المستصفى (٢/ ٤٢١)، البحر المحيط (٦/ ٣٢ - ٣٤)، تشنيف المسامع (٣/ ٤٢٨).\n(١) الاستصحاب معناه: أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل، وهو معنى قولهم: \"الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل فمن ادعاه فعليه البيان\" [البحر المحيط (٦/ ١٧)]، وهو صور عديدة وقع فيها الخلاف ومن أهم صوره ما عبر عنه الزركشي بأنه استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية، كبراءة الذمة من التكاليف حتى يدل دليل شرعي على تغييره كنفي صلاة سادسة، ونقل عن أبي الطيب الطبري أنه حجة بالإجماع [البحر المحيط (٦/ ٢٠)] وقال - الزركشي - في تشنيف المسامع (٣/ ٤١٨): \"فالعقل يدل على وجوب انتفاء ذلك لا لتصريح الشارع لكن لأنه لا مثبت للوجوب فيبقى على النفي الأصلي لعدم ورود السمع، وأصحابنا مطبقون على كونه =","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الأمر الرابع: </span>أن الشريعة محفوظة باقية تكفل الله بحفظها وعدم ضياع شيء منها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكل ما اقتضى حكمًا تكليفيًا فهو محفوظ باق بدلالة هذه الآية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>الأمر الخامس: </span>المعتبر في الاستدلال الشرعي غلبة الظن بالأمر أو عدمه، لا اعتبار الواقع في نفس الأمر، فالدليل الذي لم يبلغ المجتهد - الذي لم يقصر في البحث والطلب - لا يلزمه، فهو في حقه كالعدم - وإن كان واقعًا في نفس الأمر - إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فتكليفه بذلك فيه تكليف بما لا يطاق، وهو غير واقع في هذه الملة بحمد الله.\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>الأمر السادس: </span>من المعلوم قطعًا أن النبي - ﷺ - ما غير حكم البراءة الأصلية في كل الأفعال، فنحن بعد ورود الشرع على أحد أحوال ثلاثة:\n_________\n= حجة، وفيه خلاف لغيرهم\".\nقال الشيرازي في اللمع (ص ٢٤٦): \"وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه، فإن وجد دليلًا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقًا أو مفهومًا، أو نصًّا أو ظاهرًا؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي، فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده\". وهذا المعنى الذي ذكره الشيرازي لا يخالف فيه أحد وإن اشتهر عن الحنفية رده إلا أن ذلك يقع كثيرًا في كتبهم فواقعهم العملي يرد عليهم.\nولعل هذا المعنى هو ما دفع أبا الطيب الطبري لنقل الإجماع فيه إذ لا تتصور المخالفة في هذا المعنى وإن وقعت في التسمية، وانظر أيضًا: المسودة (٢/ ٨٨٦)، تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول (٤/ ٢٢٤)، التنقيحات في أصول الفقه (ص ٣١٦): السهروردي [تحقيق: عياض بن نامي السلمي، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، مكتبة الرشد].","vol":"1","page":142},{"text":"الأول: أن نعلم ثبوت الحكم فنقطع بتغيير حكم البراءة الأصلية.\nالثاني: أن نعلم أن الحكم جاء موافقًا لمقتضَى البراءة الأصلية.\nالثالث: أن نشك أن البراءة الأصلية قد حصل لها ما يزيلها فيلزمنا البقاء عليها حتى يثبت ما يغيرها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>الأمر السابع: </span>أن البحث ليس في كل ترك، إنما هو في ترك اقتضى تشريعًا، وفي ترك فعل لو حصل لا يقع إلا تشريعًا.\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الأمر الثامن: </span>ذهب البيضاوي (٢) في (منهاج الأصول) (٣) وجماعة من شراحه: كالأصفهاني (٤) في (شرح المنهاج) والإسنوي (٥)، في شرحه (نهاية\n_________\n(١) لباب المحصول في علم الأصول (٢/ ٤٢٦): الحسين ابن رشيق المالكي، تحقيق: محمد غزالي عمر جابي، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي - الإمارات.\nويلاحظ أن الحالة الثانية لم يذكرها ابن رشيق وإنما ذكر حالة أخرى هي: أن نظن الثبوت فيما لا يعتبر فيه العلم فله حكم المعلوم في تغيير حكم البراءة، والحالة التي ذكرتها هي مقتضَى التقسيم.\n(٢) هو: عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي الشافعي، فقيه، أصولي، متكلم، مفسر، من أجل متأخري الشافعية، توفي سنة ٦٩١ هـ، وقيل: ٦٨٥ هـ، وله كتب منها: \"أنوار التنزيل في التفسير\"، و\"منهاج الأصول إلى علم الأصول\".\n[شذرات الذهب (٧/ ٦٨٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٥٨)، البداية والنهاية (١٧/ ٦٠٦)].\n(٣) الإبهاج في شرح المنهاج (٦/ ٢٦٥٦).\n(٤) شرح المنهاج في علم الأصول (٢/ ٧٦٦): محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني ت/ ٧٤٩ هـ، تحقيق: عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، مكتبة الرشد - الرياض، ط. الأولى (١٤١٠ هـ).\n(٥) نهاية السول شرح منهاج الأصول (٤/ ٣٩٥): جمال الدين عبد الرحيم بن حسن الإسنوي =","vol":"1","page":143},{"text":"السول)، والقرافي (١) في (نفائس الأصول في شرح المحصول) (٢)، وابن رشيق (٣) في اختصاره للمستصفى (٤)، والآمدي (٥) وذكره الرازي (٦) طريقًا\n_________\n= ت/ ٧٧٢ هـ وعليه حاشية: \"سلم الوصول\" شرح نهاية السول، للشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية سابقًا، دار عالم الكتب.\n(١) هو: شهاب الدين أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي المالكي الأصولي، أصله من قرية من كورة بوش من صعيد مصر الأسفل تعرف بـ \"بَهْفَشيم\" ولم يسكن القرافة وإنما سئل عنه مرة فقيل هو بالقرافة فقال بعضهم اكتبوه القرافي فلزمه ذلك اللقب، ومن مصنفاته \"أنوار البروق في أنواء الفروق\" أو \"الفروق\" و\"التنقيح\" وشرحه، و\"شرح المحصول\"، توفي بمصر وصلى عليه ودفن بالقرافة سنة ٦٨٢ هـ، كان شيخ المالكية في وقته، وعليه مدار الفتوى في الفقه في الديار المصرية.\n[الوافي بالوفيات (٦/ ١٤٦)، الديباج الذهب (١/ ١٠٥)].\n(٢) نفائس الأصول في شرح المحصول (٩/ ٤٠٩٩).\n(٣) هو: أبو علي الحسين بن أبي الفضائل عتيق بن الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق بن عبد الله الربعي المالكي المصري ولد بمصر بمدينة الإسكندرية سنة ٥٤٩ هـ، وتوفي سنة ٦٣٢ هـ، وكان ديِّنًا ورعًا، وروى عنه الحافظ المنذري، وهو من بيت فضلاء.\n[الوافي بالوفيات (١٢/ ٢٦١)، الديباج المذهب (ص ١٧٤)].\n(٤) لباب المحصول في علم الأصول (٢/ ٤٦٢).\n(٥) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ١٤٦).\n(٦) المحصول في علم أصول الفقه (٦/ ١٦٨ - ١٧٧)، ولعل الذي منع الرازي من اعتباره دليلًا اشتراطه في الدليل أن يفيد العلم، فقد قال في المحصول (١/ ٨٨): \"الدليل هو: الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم.\nوالأمارة هي: التي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيها إلى الظن\".\nوهذا الذي ذكره الرازي خلاف ما عليه جماهير الأصوليين، فإنهم يعرفون الدليل بأنه ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. =","vol":"1","page":144},{"text":"عول عليه بعض الفقهاء - ولم يصرح بموافقته - وكذلك الزركشي (١) - نقله عن البيضاوي ولم يرده - إلى أن الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم من الأدلة المقبولة شرعًا.\nوليس المراد بعدم الحكم أن تكون واقعة خالية من حكم شرعي في المسألة، بل المراد أن تكون الواقعة خالية من حكم خاص فيكون حكمها باق على مقتضَى البراءة الأصلية - وهي أن الأصل في الأعيان المنتفع بها الإباحة (٢)، والأصل في العبادات المنع (٣) - حتى يرد ما يغيرها.\n_________\n= قال الزركشي في البحر المحيط (١/ ٣٥): \"خص المتكلمون اسم الدليل بالمقطوع في السمعي والعقلي وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة وحكاه في التلخيص عند معظم المحققين، وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضًا وليس كذلك بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، وصرح به جماعة من أصحابنا كالشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ وحكاه عن أصحابنا، وسليم الرازي وأبي الوليد الباجي من المالكية، والقاضي أبي يعلى وابن عقيل والزاغوني من الحنابلة، وحكاه في التلخيص عن جمهور الفقهاء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أهل اللغة، وحكى القول الأول عن بعض المتكلمين\".\nويرجح هذا التأويل أنه قال في المحصول (٣/ ٢٣): \"الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يورث إلا الظن الضعيف\"، وقد صرح بأن هذا الظن يوجب العمل الأصفهاني في شرح المحصول (٢/ ٧٦٦).\n(١) البحر المحيط (٦/ ٩).\n(٢) الأصل في الأشياء الإباحة نقل الإجماع على ذلك الزركشي في البحر المحيط (١/ ١٥٢) وسيأتي في المبحث الأول من الفصل الأول في الباب الثالث: تفصيل قول الأصوليين في ذلك.\n(٣) وهو معنى قول الأصوليين: \"لا يثبت الحكم إلا بدليل\"، وسيأتي مزيد تفصيل لذلك في =","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>ومن أدلتهم على ذلك:</span>\nأولًا: أنه لو ثبت حكمٌ شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف المحال.\nثانيًا: أن الله لو أمرنا بشيء، ولم يضع عليه دليلًا، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز.\nثالثًا: أن سائر الأصول كانت معدومة، فوجب بقاؤها على العدم، تمسكًا بالاستصحاب.\nرابعًا: الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان، وإنما يجوز العدول عن ذلك الأصل إذا وجد دليل يوجب الرجوع عنه، وذلك الدليل لا يكون إلا نصًا أو إجماعًا أو قياسًا، والحكم الذي ينتج من هذا الدليل ليس من باب تغيير الحكم بل هو من باب إبقاء ما كان على ما كان.\nوسبب من ذهب إلى رد الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم: أنه يلزم منه خلو الحادثة عن حكم شرعي وهذا باطل مردود (١).\nفإذا قيل: إن المراد ليس ارتفاع الحكم بالكلية بمعنى خلو الواقعة عن\n_________\n= مبحث: الأصل في المتروك.\n(١) أي ويبقى حكم العقل إذ الإباحة عندهم حكم عقلي لأنه موجود قبل ورود الشرع، وقد سبق - في الهوامش - بيان أن هذه الإباحة حكم شرعي دل الشرع عليه فلا يلزم إذن هذا المحظور على هذا التوجيه، إذ ما من حادثة تجد، ولا واقعة تقع، ولا نازلة تكون، إلا ولله فيها حكم شرعي: سواء بالنص أو الاستنباط وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة.","vol":"1","page":146},{"text":"حكم شرعي، وإنما المراد عدم ثبوت حكم على وجه الخصوص فتبقى الواقعة على حكم البراءة الأصلية: ارتفع الخلاف وكان هذا المعنى محل اتفاق، هذا ما ظهر لي وقد بحثت كثيرًا عمن صرح بهذا من الأصوليين إلى أن وجدت تصريحًا به للشيخ محمد بخيت المطيعي في حاشيته على نهاية السول للإسنوي (١).\n\nمن المقدمات (٢) السابقة يتبين أن:\nمذهب الأصوليين هو أن عدم الدليل على الحكم الخاص يلزم منه عدم الحكم الخاص، ويوجب البقاء على البراءة الأصلية واستصحابها حتى يرد من الأدلة ما يقتضي تغيُّرها.\nوحيث كان البحث هنا في الترك الذي له دلالة شرعية:\nفإنه يسع التقرير أنه:\nإذا ترك نقل أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا ما له دلالة شرعية فإن الذي يلزمنا من ذلك هو البقاء على الأصل وهو أن النبي - ﷺ - لم يفعل هذا الفعل حتى يرد ما يثبت أنه فعله، فهو إذن دليل (٣) على أن النبي - ﷺ - ترك هذا\n_________\n(١) نهاية السول (٤/ ٣٩٦).\n(٢) أطلت في الاستدلال على هذه المقدمات وذلك لأن كثيرًا ممن يتكلم في البدع اليوم يستدل بأن عدم النقل لا يستلزم نقل العدم وصار هذا الكلام كالدليل الذي لا يحل نقضه وهذا الكلام وإن كان له وجه من الصحة في غير الشرعيات فليس مكانه هنا على ما فصلت.\n(٣) لا يشترط في الدليل أن يورث القطع بل يكفي فيه غلبة الظن، وهو مذهب جمهور الأصوليين كما سبق بيانه.","vol":"1","page":147},{"text":"الفعل فلم يفعله (١).\n_________\n(١) ولا يزال هنا محل بحث متعلق بهذه المسألة، وهو: هل يكفي النقل العام أم لابد من النقل الخاص؟ وصورة هذه المسألة: أنه إذا قيل إن عدم النقل دليل على نقل العدم، فإن ذلك يقتضي أن ما لم ينقل أن النبي - ﷺ - فعله دليل على أنه لم يفعل، فهذا الذي لم ينقل أن النبي - ﷺ - فعله هل يشترط أن يكون ذلك النقل خاصًا بذلك الفعل، أم يكفي نقل صحابي لفعل نقلًا على سبيل العموم، وتندرج صورة ذلك الفعل على سبيل الخصوص تحته وتكون أحد أفراد ذلك العموم؟\nلم أر من تعرض لبحث تلك المسألة بعينها، وإن كان الكلام فيها مبنيًا على مسألة ذكرها الأصوليون وهي: \"أن ما يشترط أن يرد الدليل الخاص به إذا لم يرد هل يُصار إلى البراءة الأصلية أم إلى اللفظ العام\"، وهي مشهورة عند الأصوليين بتقديم دلالة العام على البراءة الأصلية، فاللفظ العام وإن كانت دلالته على العام ظنية إلا أنها كافية في النقل عن البراءة الأصلية، وهذا مذهب جمهور الأصوليين، ولذا فالذي يظهر لي هنا أن النقل العام كاف في اندراج الصورة محل النزاع تحته، ويكون ذلك النقل العام مخرجًا لها عن البقاء على البراءة الأصلية، وعليه فلا يشترط الدليل الخاص لتلك الصورة ما دامت مندرجة تحت ذلك الأصل العام، والمثال الذي يصح بناؤه على تلك الصورة هو اختلاف الفقهاء في وضع اليد على الصدر عقب الركوع أهو السنة أم الإرسال هو السنة؟\nذهب القائلون بأن الإرسال هو السنة بأن عدم نقل الصحابة لموضع اليدين بعد الركوع - نقلًا خاصًّا - يوجب الرجوع إلى البراءة الأصلية، لأن هذا الفعل لا يقع إلا عبادة فتحتاج إلى الدليل المثبت، وحيث لا دليل هنا فيجب الرجوع إلى الأصل وهو الإرسال، والذي يظهر للباحث هنا: أنه وإن لم يَرد دليل خاص بوضع اليد على الصدر بعد الركوع إلا أن هذا الفعل قد ثبت من خلال اللفظ العام، وعليه فيقال هنا: إن وضع اليد على الصدر لم يرد به دليل خاص فأيهما أولى: البقاء على البراءة الأصلية أم البقاء على دلالة اللفظ العام المغير للبراءة الأصلية؟ مقتضي ما ذهب إليه الأصوليون هو البقاء على دلالة اللفظ العام المغير للبراءة الأصلية، فوضع اليد على الصدر بعد الركوع كافٍ في إثباته الدليل على أن النبي - ﷺ - كان =","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>القرائن التي تقوي هذا الأصل:</span>\nإذا كان عدم النقل دليلًا على عدم الحصول في الشرعيات، فإن هناك من القرائن ما يقوي ذلك الأمر ويعضده.\nفمن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>١ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء</span>.\nوهذا يدل على أنه لم يغادر من تفاصيلها الرئيسة شيئًا (١) وذلك لأن\n_________\n= يضع يده على صدره أثناء القيام، فإن القيام لفظ عام يشمل قبل الركوع وبعده، فلا وجه لقصر هذا العموم على بعض إفراده.\nوقد ذكرت هذا المثال لكي لا يظن أن المسألة المشار إليها في أول هذا الهامش مجرد تمارين ذهنية عقلية مجردة، بل هي مسألة أصولية يتفرع عليها خلافات فقهية.\nويلاحظ هنا أنّ النقل العام كافٍ في إخراج الصورة عن البراءة الأصلية فيما إذا عدمت القرائن المقوية لذلك الأصل، أما إذا وجدت القرائن التي تقوي هذا الأصل فإن النقل العام هنا لا يكفي، بل لابد من وجود الدليل الخاص.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" ما يؤيد هذا الذي ذكرته، فقد قال (مجموع الفتاوى ٧/ ٥٧١): فإن عدم الدليل القطعي والظني على الشيء دليل على انتفائه إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فيكون هذا لازمًا لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم.\n(١) أفعال الرسول (٢/ ٦٨) لكنه جعله في أنواع ترك النقل وذلك لأنه قسم ترك النقل إلى أقسام أربعة وهو يرى أن ترك النقل ليس دليلًا على نقل الترك في كل الحالات - كما أشرنا من قبل - والأولى أن يجعل ذلك والقسم الذي بعده - عند الأشقر - من القرائن المقوية لدلالة ترك النقل على نقل الترك في الشرعيات لا قسمًا له.","vol":"1","page":149},{"text":"الصحابي أمين فيما ينقل، فلو كان هناك تفصيل له أثر في الحكم مما يتعلق به شرع لنقله الصحابي.\nومن أمثلة ذلك عدم نقل الجلد في قصة رجم الغامدية.\nوذلك فيما ورد من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه - ﵁ - قال: جاء ماعز بن مالك - ﵁ - إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله طهرني، فقال: \"ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه\" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه\" قال: فرجع غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبي - ﷺ - مثل ذلك حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله: \"فيم أطهرك؟ \"، فقال: من الزنى، فسأل رسول الله - ﷺ -: \"أبه جنون؟ \" فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: \"أشرب خمرًا؟ \" فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"أزنيت؟ \"، فقال: نعم، فأمر به فرجم، فكان الناس فرقتين، قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز أنه جاء إلى النبي - ﷺ - فوضع يده في يده ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله - ﷺ - وهم جلوس، فسلم ثم جلس، فقال: \"استغفروا لماعز بن مالك\" قال: فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم\" قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد، فقالت: يا رسول الله طهرني فقال: \"ويحك ارجعي فاستغفري","vol":"1","page":150},{"text":"الله وتوبي إليه\" فقالت: \"أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك؟ \" قال: \"وما ذاك؟ \" قالت: إنها حبلى من الزنى، فقال: \"آنت\" قالت: نعم، فقال لها: \"حتى تضعي ما في بطنك\"، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي - ﷺ - فقال: قد وضعت الغامدية فقال - ﷺ -: \"إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه\" فقام رجل من الأنصار فقال: \"إليَّ رضاعه يا نبي الله\"، قال: \"فرجمها\" (١).\nفليس في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - جمع بين الجلد والرجم وقد ثبت أمر النبي - ﷺ - فيما ورد من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ - الله: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" (٢).\nولذا فقد اختلف الفقهاء في الجمع بين الحديثين.\nفذهب علي بن أبي طالب - ﵁ - إلى الجمع بين الرجم والجلد للحديث السابق، وهو قول الحسن البصري (٣) وإسحق بن راهويه (٤) ورواية عن أحمد\n_________\n(١) مسلم (٣/ ١٤٢١ - ١٣٢٢/ ١٦٩٥) كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا.\n(٢) رواه مسلم (٣/ ١٣١٦ / ١٦٩٥) كتاب الحدود، باب حد الزنا.\n(٣) هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، توفي سنة ١١٠ هـ، وأخباره مشهورة لا تحتاج إلى ذكر.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٥٦)، وفيات الأعيان (٢/ ٦٩ / ١٥٦)].\n(٤) هو: أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم التميمي ثم الحنظلي المروزي شيخ المشرق، نزيل نيسابور، ولد سنة ١٦١ هـ، وارتحل إلى العراق في سنة ١٨٤ هـ وعمره =","vol":"1","page":151},{"text":"وداود (١) وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي وابن المنذر (٢).\nوذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم (٣).\nقالوا: لم يرو الجلد في قصة ماعز، ولو حصل لنقل، ولم يرو كذلك في قصة الجهنية ولا اليهوديين اللذين رجمهما رسول الله - ﷺ -.\nفجعلوا حديث ماعز - ﵁ - ناسخًا لحديث عبادة - ﵁ -، ويقوي ذلك النسخ أنه كان عقب قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، فحديث عبادة - ﵁ - متقدم على حديث ماعز - ﵁ -.\n_________\n= ٢٣ سنة، ولقى كبار العلماء وكتب عن خلق من التابعين، قال الحاكم: إسحاق بن راهويه إمام عصره في الحفظ والفتوى. اهـ. توفي في نيسابور سنة (٢٣٨ هـ).\n[سير أعلام (٩/ ٥٤٧)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٢)].\n(١) هو: داود بن علي بن خلف، أبو سليمان البغدادي، المعروف بالأصبهاني، رئيس أهل الظاهر، ولد سنة ٢٠٠ هـ، عُرِف بالعلم والحفظ والزهد، توفي سنة ٢٧٠ هـ، له مصنفات منها\" الإيضاح\"، \"كتاب الأصول\".\n[سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٩١)، وفيات الأعيان (٢/ ٢٥٥ / ٢٢٣)، شذرات الذهب (٣/ ٢٩٧)].\n(٢) هو: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة، وشيخ الحرم، وصاحب التصانيف مثل: (الإشراف في اختلاف العلماء)، و(الإجماع)، (المبسوط)، وغير ذلك، ويعد من فقهاء الشافعية، توفي سنة (٣١٨ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٣٩)، شذرات الذهب (٥/ ٨٩)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٠٧ / ٥٨٠)].\n(٣) المغني (١٢/ ٣١٣)، المحلى (١١/ ٢٣٣)، الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٢٥٢) لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق: د. أبو حماد صغير أحمد الأنصاري، نشر مكتبة مكة الثقافية - الإمارات العربية المتحدة، ط. الأولى (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).","vol":"1","page":152},{"text":"واعترض على ذلك:\nبأنه ليس في قصة ماعز - ﵁ - ومن ذكر معه - على تقدير تأخرها - تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك روايته لوضوحه ولكونه الأصل.\nوأجيب عن ذلك: بأن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم رسول الله - ﷺ - لو وقع مع كثرة من يحضر عذابهم من طوائف المؤمنين يبعد أنه لا يرويه أحد ممن حضر، فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها واختلاف ألفاظها دليل على عدم وقوع الجلد.\nقال ابن حجر: \"فدل ترك ذكره على عدم وقوعه، وعدم وقوعه على عدم وجوبه\" (١).\nويرى الصنعاني أن كون النبي - ﷺ - لم يجلد أمر ظاهر دعاه إلى التوقف بعد أن كان يقول بالجمع بين الجلد والرجم (٢).\nويرى الدكتور الأشقر أن القائلين باحتمال عدم ذكره لوضوحه تسليم منهم بصحة هذه القاعدة وأن الخلاف في الأثر الفقهي فقط (٣).\nوالذي يظهر للباحث أن القول الراجح هو قول الجمهور، إذ يبعد جدًّا فعله مع عدم نقله وهو الموافق للأصل المذكور في أن عدم النقل دليل على نقل\n_________\n(١) فتح الباري (١٢/ ١٢٢).\n(٢) سبل السلام (٤/ ٩٦).\n(٣) أفعال الرسول (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":153},{"text":"الترك في الشرعيات والله تعالى أعلم (١).\nهذا وقد حكي قول ثالث بالجمع إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا وعدمه إذا كان شابًّا، وقد قال النووي: \"هذا مذهب باطل لا أصل له ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>٢ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل - لو حصل - يجعل الصورة نادرة</span>.\nفسكوته يكون حجة على عدم حصول ذلك التفصيل.\nوقد مثل له الدكتور الأشقر بما روي أن رسول الله - ﷺ - أقاد مسلمًا بكافر وقال: \"أنا أحق من وفَّى ذمته\" (٣)، فالقول بأنه لعل قاتلًا قتل كافرًا ثم أسلم أسلم القاتل أمر نادر، وتتشوف الطباع لنقله فسكوت الراوي عنه يدل على أنه لم يكن (٤).\n_________\n(١) وهذه المسألة تصلح مثالًا على تعارض القول والترك إذا كان القول أمرًا، وقد اكتفيت بذكره هنا مع الإشارة إليه عن إعادة ذكره في مبحث التعارض.\n(٢) شرح صحيح مسلم (١١/ ١٩٠).\n(٣) قال ابن عبد البر: وهذا حديث منقطع لا يثبته أحد من أهل العلم لضعفه \"الاستذكار\" (٢٥/ ١٧١) [الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، تصنيف: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ)، تحقيق: د. عبد المعطي أمين القلعجي، نشر دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق - بيروت، دار الوعي، حلب - القاهرة، ط. الأولى (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م)].\n(٤) أفعال الرسول (٢/ ٦٩).","vol":"1","page":154},{"text":"ومن أمثلة هذا النوع: ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: هلكت يا رسول الله، قال: \"وما أهلكك؟ \"، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: \"هل تجد ما تعتق رقبة؟ \"، قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \"، قال: لا، قال: \" فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟ \"، قال: لا، قال: ثم جلس فأتي النبي - ﷺ - بعرق فيه تمر فقال: \"تصدق بهذا\"، قال: أفقر منا؟ فما بين لابتَيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه، ثم قال: \"اذهب فأطعمه أهلك\" (١).\nفالراوي لم يذكر أن النبي - ﷺ - أمر المرأة بالكفارة بل أمر الرجل فقط، وهذا دليل على أن النبي - ﷺ - لم يأمرها إذ لو أمرها لنقله؛ لأن مثل ذلك يحتاج إليه في معرفة الحكم، والراوي إنما يروي لبيان الحكم، ومما يجدر الإشارة إليه هنا أننا وإن قلنا بأن النبي - ﷺ - لم يأمر المرأة بالكفارة إلا أن الخلاف في كون المرأة تجب عليها كفارة ما زال قائمًا؛ إذ يحتمل أن النبي - ﷺ - لم يأمرها اكتفاءً بما عرف من أن النساء شقائق الرجال في الأحكام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>٣ - أن يكون ذلك الخبر مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله لو حصل، فعدم نقله والحالة كذلك يؤكد عدم وقوعه</span>.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٩٣ / ١٩٣٦) كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر، ومسلم (٢/ ٧٨١ - ٧٨٢/ ١١١١) كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم. واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":155},{"text":"ونظيره ما يذكره الأصوليون من أن ما ينقل على سبيل التواتر لا يكفي فيه نقل الآحاد.\nفمن ذلك أنه لم ينقل أن النبي - ﷺ - صلى صلاة الغائب على غير النجاشي، أو أنه كرر العمرة قبل خروجه إلى عرفات.\nومن ذلك أيضًا أنه لم ينقل أن النبي - ﷺ - ذهب في حجة الوداع إلى موضع تحنثه في غار حراء ولا ذهابه إلى غار ثور.\nفكل ذلك مما يستفيض العلم به لو حصل، ويستحيل أن يصدر من النبي - ﷺ - فلا ينقله واحد - والأحكام الشرعية متعلقة بمثل ذلك - لو حصل - ومع ذلك ينقل ما هو أقل من ذلك بكثير في الشأن، فكل ذلك يقوي القول بعدم حصول مثل ذلك (١).\nومن ذلك: أيضًا أن النبي - ﷺ - ترك مال الكعبة ولم بقسمه، فاستدل به شيبة بن عثمان - ﵁ - على عمر بن الخطاب - ﵁ - لما أرد أن يقسمه، وبيان ذلك فيما ورد عن شقيق عن شيبة يعني ابن عثمان قال: قعد عمر بن الخطاب - ﵁ - في مقعدك الذي أنت فيه فقال: \"لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة\"، قال: قلت: \"ما أنت بفاعل\"، قال: \"بلى لأفعلن\"، قال: قلت: \"ما\n_________\n(١) هذه الأمثلة - عدا مثال صلاة الغائب - جعلها الدكتور الأشقر من النوع الأول، والأولى أن يكون ذلك من هذا القسم إذ إنه أقوى في الدلالة من النوع الأول ولذا فقد حصل الخلاف في مثاله ولم يحصل الخلاف في الأمثلة المذكورة هنا على ما أعلم، وهذه الأمثلة وغيرها قد طول الكلام عليها وفصلها واستدل بها ابن تيمية في \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص ٣٦٠) وما بعدها.","vol":"1","page":156},{"text":"أنت بفاعل\"، قال: \"لم\"؟ قلت: لأن رسول الله - ﷺ - قد رأى مكانه، وأبو بكر - ﵁ -، وهما أحوج منك إلى المال فلم يخرجاه، فقام فخرج (١).\nقال ابن حجر: \"قال ابن بطال: أراد عمر قسمة المال الذي في الكعبة في مصالح المسلمين فلما ذكره شيبة أن النبي - ﷺ - وأبا بكر بعده لم يتعرضا له لم يسعه خلافهما، ورأى أن الاقتداء بهما واجب، قلت - القائل هو ابن حجر -: وتمامه أن تقرير النبي - ﷺ - مُنزَّل منزلة حكمه باستمرار ما ترك تغييره، فيجب الاقتداء به في ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾، وأما أبو بكر فدل عدم تعرضه على أنه لم يظهر له من قوله - ﷺ - ولا من فعله ما يعارض التقرير المذكور، ولو ظهر له لفعله، لا سيما مع احتياجه للمال لقلته في مدته فيكون عمر - ﵁ - مع وجود كثرة المال في أيامه أولى بعدم التعرض\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٢٢ / ٢٠٣١) كتاب المناسك (الحج)، باب في مال الكعبة، وابن ماجه (٢/ ١٠٤٠ / ٣١١٦) كتاب المناسك، باب مال الكعبة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥٦٨ / ٢٠٣١)، وهو بمعناه عند البخاري (٣/ ٥٣٣ / ١٥٩٤) كتاب الحج، باب كسوة الكعبة، (١٣/ ٢٦٣ / ٧٢٧٥) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -.\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٢٦٦).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المبحث الثالث: أقسام الترك</span>\nتبين مما سبق أن الترك يعرف بطريقين، فالترك الثابت من الطريق الأول يصح أن يقال فيه أنه الترك المنقول، والنوع الثاني يصح أن يقال فيه أنه متروك النقل، وكل طريق منهما ينقسم الترك بحسبه إلى عدة أقسام، ولذا فإنه لأجل أن تتبين الأقسام التي ينقسم إليها الترك لابد أولًا من بيان أقسام كل طريق، ووجه هذه القسمة؛ من أجل الوصول إلى تقسيم صحيح للترك، وهذا يقتضي بيان تقسيم الأصوليين للأفعال؛ لأن الترك الوجودي فعل - كما سبق بيانه - فلابد من النظر في تقسيم الأصوليين للأفعال أولًا ثم النظر بعد ذلك في مدى صلاحية هذا التقسيم لاعتباره في الترك وهل يحتاج إلى نوع من التعديل أم لا، ثم بيان تقسيم الترك الكفي باعتبار تلك القسمة، ثم بيان الأنواع التي ينقسم إليها متروك النقل، وبجمع هذه الأقسام يمكننا الوصول إلى تقسيم مناسب للترك، وبيان ذلك في المطالب التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب الأول: أقسام الترك المنقول:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-144> قسمة الأصوليين للأفعال:</span>\nقسَّم الزركشي أفعال النبي - ﷺ - إلى تسعة أقسام هي:\n١ - ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية كتصرف الأعضاء وحركات الجسد، وهذا على الإباحة.","vol":"1","page":158},{"text":"٢ - ما لا يتعلق بالعبادات ووضح فيه أمر الجبلة، قال: والمشهور في كتب الأصول أنه يدل على الإباحة.\n٣ - ما احتمل أن يخرج عن الجبلية إلى التشريع بمواظبته على وجه خاص كالأكل والشرب واللبس والنوم وهو دون ما ظهر فيه قصد القربة وفوق ما ظهر فيه الجبلية، وفيه خلاف بين الإباحة والاستحباب.\n٤ - ما علم اختصاصه به وهو واضح.\n٥ - ما يفعله لانتظار الوحي.\n٦ - ما يفعله مع غيره عقوبة.\n٧ - ما يفعله مع غيره إعطاء.\n٨ - الفعل المجرد عما سبق وقد ورد بيانًا.\n٩ - الفعل المجرد عما سبق ولم نعلم صفته في حق النبي - ﷺ -، وهو قسمان:\nأ - أن يظهر فيه قصد القربة.\nب - أن لا يظهر فيه قصد القربة.\nأما الأول: فاختلف فيه بين الوجوب والاستحباب.\nوالثاني: اختلف فيه على خمسة أقوال (١).\nوهذه القسمة قد تختلف من أصولي إلى أصولي آخر (٢)، فأبو شامة ذكر\n_________\n(١) البحر المحيط (٤/ ١٧٦ - ١٨٤).\n(٢) انظر تقسيم الأصوليين للأفعال في المواضع الآتية: الواضح لابن عقيل (٤/ ١٢٦، ٢/ ١٩)، والمحصول (٣/ ٢٢٩)، وأصول الجصاص (٣/ ٢١٥)، ولباب المحصول (٢/ ٦٣١)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٧٨)، والمسودة =","vol":"1","page":159},{"text":"في كتابه (المحقق من علم الأصول) أقسام أفعال النبي - ﷺ -، وقسمها إلى سبعة أنواع والذي يهمنا من تقسيم أبي شامة هو تفصيله لمورد التقسيم حيث قال:\n\"وبيان الحق أن نقول: فعله - ﷺ - لا يخلو إما أن يكون امتثالًا لما ساوته أمته فيه أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون من الأفعال الجبلية أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون من خواصه أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن يكون بيانًا أو لا، فإن لم يكن فلا يخلو إما أن تعلم صفته أو لا، فإن لم تعلم فلا يخلو إما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا، فهذه سبعة أقسام\" (١).\nوهذه الأقسام السبعة هي:\nما ساوته فيه أمته، والفعل الجبلي، والفعل المختص به، والفعل بيانًا لحكم مجمل، والفعل المبتدأ المطلق، وهذا ثلاثة أنواع:\nالأول: أن يكون معلوم الصفة.\nالثاني: أن يكون غير معلوم الصفة وظهر فيه قصد القربة.\nالثالث: أن يكون غير معلوم الصفة ولم يظهر فيه قصد القربة.\nوهذه الأقسام السبعة هي في الأصل خمسة أقسام كما هو واضح.\nوالتقسيمات الأخرى للأصوليين لا تخرج عن التقسيم المذكور بل كلها تدور في فلكه، ولذا فلا حاجة للتطويل بذكرها.\n_________\n= (١/ ١٩٦، ١/ ٢٥٥)، وكشف الأسرار (٣/ ٣٧٤)، وإرشاد الفحول (١/ ١٩٨).\n(١) المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول (ص ٤٥).","vol":"1","page":160},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-145> تقسيم الترك الوجودي باطراد قسمة الأصوليين للأفعال:</span>\nقام الأشقر بتقسيم الترك الوجودي إلى أربع أقسام:\nالأول: الترك لداعي الجبلة البشرية.\nالثاني: الترك الذي قام دليل اختصاصه به.\nالثالث: الترك بيانًا أو امتثالًا.\nالرابع: الترك المجرد، وهو نوعان:\nأ - ما علم حكمه في حق النبي - ﷺ - بقول أو استنباط.\nب - ما لم يعلم حكمه.\nثم ذكر بعد ذلك أن ما سبق يقال له: ترك مطلق، وهناك نوع هو ترك لسبب.\nوعلى ذلك فالترك الوجودي عنده نوعان:\n١ - ترك مطلق.\n٢ - ترك بسبب.\nوالمطلق على أربعة أنواع، أو أن الترك المطلق يراد به الترك المجرد، ويكون الترك بسبب قسمًا خامسًا.\nوقد ذكر أن التقسيم بهذا موازٍ للتقسيم الذي اعتبره الأصوليون في الأفعال.\nثم ذكر أن السكوت هو الكف عن القول، وقسم السكوت إلى نوعين:\nأ - سكوت لعدم وجود حكم شرعي في المسألة.\nب - سكوت لمانع.\nوعلى ذلك فالترك عنده خاص بالفعل، والسكوت خاص بالقول.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثاني: أقسام متروك النقل:</span>\nسبق أن بينا أن عدم نقل الفعل يدل على عدم فعل النبي - ﷺ - له شرعًا، وهو متروك النقل.\nوهذا النوع قد تكلم عنه الشاطبي فقد ذكر أن \"سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:\nأحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله ...\nالضرب الثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان ... \" (١).\nوهذا هو النوع الثابت بالطريق الثاني من طريقي نقل الترك عند ابن القيم، ومثل له \"بترك التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة\" (٢).\nوما ذكره ابن القيم قد قسمه الدكتور الأشقر (٣) إلى أربعة أقسام هي:\n١ - أن يدل على المتروك نقله نصٌّ يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة أو يدل على حكمه بالإجماع أو القياس.\n٢ - أن يكون المتروك نقله باقيًا على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة.\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ٢٧٥).\n(٢) إعلام الموقعين (٤/ ٢٦٤).\n(٣) أفعال الرسول (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":162},{"text":"٣ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء.\n٤ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل يجعل الصورة نادرة.\nوهذا الذي ذكره الدكتور الأشقر ليس تقسيمًا للنوع الذي ذكره ابن القيم حيث إن ابن القيم إنما قصد نوعًا خاصًا من أنواع ترك النقل وهو ما وجد مقتضاه وانتفى مانعه، أما تقسيم الأشقر فهو لما ترك نقله إجمالًا، وقد سبق الكلام على ذلك، ولم يتعرض الأشقر للكلام على ما ذكره الشاطبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>المطلب الثالث: التقسيم المختار ووجهه:</span>\nعند ضم النظير إلى النظير من الأقسام المذكورة سابقًا، يمكن أن ينقسم الترك إلى قسمين فقط وذلك باعتبار نقل الترك.\nوبيان ذلك أن يقال:\nإذا ترك النبي - ﷺ - فعلًا فلا يخلو هذا الترك من أن يكون أحد أمرين: الأول منهما: أن ينقل ذلك الترك وهو الترك المنقول، والثاني منهما: ألا ينقل هذا الترك وهو متروك النقل.\nأما الترك المنقول فلا يخلو من أحد أمرين:\nالأول: أن يبين سبب الترك في الحديث، وهذا هو الترك المسبب.\nالثاني: أن لا يبين سبب الترك في الحديث، وهذا هو الترك المطلق.\nأما الترك المسبب فينقسم باستقراء الأسباب الواردة في الأحاديث إلى أحد عشر قسمًا وهي:","vol":"1","page":163},{"text":"الترك لأجل حكم خاص بالنبي - ﷺ -، أو لأجل حصول مفسدة من الفعل، أو لأجل الإنكار على الفاعل، أو لأجل مرضه - ﷺ -، أو لأجل نسيانه - ﷺ -، أو لأجل الطبع، أو لأجل مراجعة الصحابة له - ﷺ -، أو لأجل ألا يفرض العمل، أو لأجل مراعاة حال الآخرين، أو لأجل بيان التشريع، أو لأجل مانع يخبر به - ﷺ -.\nأما الترك الخاص به فحيث إنه لا يعلم إلا بتصريح النبي - ﷺ - فهو داخل ضمن الترك المسبب لانطباق سبب التقسيم عليه.\nأما الترك الذي لا يظهر فيه وجه القربة فلا يدخل تحت مورد التقسيم؛ إذ إن التقسيم إنما هو باعتبار قيام مقتضٍ للفعل مع ترك النبي - ﷺ -.\nفإذا قام المقتضي للفعل كان ذلك مانعًا من حمل الفعل على أنه غير قربة، وبذلك يكون هذا التقسيم مستوعبًا لجميع احتمالات أحوال الترك الوجودي مع اعتباره لتقسيم الأصوليين للأفعال ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>أما متروك النقل فلا يخلو من أحد أمرين:</span>\nالأول: أن يكون غير مقدور للنبي - ﷺ -، فهذا خارج عن بحثنا.\nالثاني: أن يكون مقدورًا للنبي - ﷺ -.\nوهذا الثاني ينقسم إلى قسمين:\nالأول: أن يكون لا داعية له تقتضي نقله زمان النبي - ﷺ -.\nالثاني: أن يكون له داعية تقتضي نقله زمان النبي - ﷺ -، وهو ما وجد مقتضي الفعل وانتفى مانعه.","vol":"1","page":164},{"text":"والثاني لا يخلو أن يكون أحد أمرين:\nالأول: أن يكون في جانب العبادات.\nالثاني: أن يكون في جانب العادات والمعاملات.\nوهذه القسمة تستوعب جميع أحوال عدم فعل النبي - ﷺ - لأي فعل كان.\nهذا ويلاحظ أن هناك صورتين من صور الترك الوجودي تناولها الأصوليون بالذكر، الأولى: هي الإقرار، والثانية: ترك ما هم به، وهاتان الصورتان لا تدخلان تحت الترك المسبب أو المطلق، وذلك لأن من الإقرار ما يكون تركًا مسبّبًا، ومنه ما يكون تركًا مطلقًا، وكذلك ما هم به - ﷺ - ولم يفعله، ولذا فقد أفردا في فصل مستقل ألحق بالترك الوجودي.\nأما ترك الاستفصال فمتعلق بالترك العدمي، وقد بحثه الأصوليون في باب العموم ولذا ألحق بالترك العدمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>ملاحظة هامة:</span>\nيجب أن يلاحظ أن الاعتبارات التي ينقسم بها التروك متنوعة، وقد تتنوع التقسيمات بحسب مورد القسمة، فمن ذلك أن يقسم الترك باعتبار دلالته الأصولية، وهو بذلك ثلاثة أنواع، إذ قد يدل على الإباحة أو التحريم أو البدعية.\nوكذلك يمكن أن ينقسم الترك باعتبار حكم المتروك في الأصل إلى خمسة أقسام، هي الأحكام التكليفية الخمسة فيكون إما ترك واجبٍ أو مستحبٍ أو مكروهٍ أو مباحٍ أو حرامٍ.","vol":"1","page":165},{"text":"وكذلك يمكن أن يُقسم الترك باعتبارات أخرى إلى أقسام أخرى، وهذه الأقسام كلها لا تصلح لأن تكون معتمدة للدراسة؛ لأنها لا تصلح لبناء الأحكام عليها إذ حصولها لا يكون إلا بعد معرفة دلالة الترك، والتقسيم إنما يطلب أصلًا لمعرفة الدلالة، فلا يصح أن تكون إذن هي موردًا للتقسيم.\nوبيان ذلك في هذين البابين التاليين: كل قسم بأمثلته وتطبيقاته ودلالته الأصولية وما يلحق به في باب منفصل.\nويمكن تلخيص أقسام الترك في الشكل التالي:\n...................................................... [أقسام الترك] ...................................................\n............... [وجودي] ........................................................ [عدمي] ..............................\n[مسبب] .. [مطلق] ........ [ما يلحق به] ............... [كان له مقتضٍ] ...... [لم يكن له مقتضٍ] ..... [ما يلحق \"ترك الاستفصال\"]\n.................... [الإقرار] .... [ترك ما هم به]","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>الباب الثاني\nالترك الوجودي ودلالته</span>","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>توطئة</span>\nسبق في الباب الأول تقسيم الترك إلى نوعين وجودي وعدمي، وسوف يُتناول القسم الأول بالدراسة في هذا الباب، وإذا كان الترك الوجودي خاصًّا بما نقل عن النبي - ﷺ -، فإن طلب دلالة هذا القسم ستكون من خلال تتبع الفروع الفقهية المبنية على الأحاديث الواردة فيه، ولذا فبيان هذا النوع يحتاج إلى تعريفه، وذكر أمثلته، وتناولها بالدراسة الفقهية الأمر الذي يجعل ضم التطبيقات في هذا الموضع أمرًا لازمًا، وبعد بيان الترك بهذه الطريقة يكون الطريق ممهدًا لتفصيل القول في دلالته.\nأما المسائل التي بحثها الأصوليون ولها تعلق بالترك فقد أفردت بالدراسة بعد ذلك.\nوفي هذا الإطار تبلور هذا الباب إلى ثلاثة فصول:\nالاول: لبيان الترك الوجودي.\nوالثاني: لبيان دلالة الترك الوجودي.\nوالثالث: لبيان ما يلحق بالترك الوجودي.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>الفصل الأول\nبيان الترك الوجودي</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: بيان الترك المسبب.\nالمبحث الثاني: بيان الترك المطلق.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>المبحث الأول: بيان الترك المسبب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المطلب الأول: تعريف الترك المسبب:</span>\nالتعريف بالمركب يقتضي التعريف بجزءيه أولًا، فالتعريف بالترك المسبب يقتضي التعريف بالترك وبالسبب، وإذا كان التعريف بالترك قد سبق بيانه، فلابد هنا من التعريف بالسبب حتى يكتمل تعريف جزئي المركب ثم التعريف بوصفه بعد ذلك لقبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>أولًا: السبب في اللغة </span>(١):\nالسبب في اللغة: هو كل ما يتوصل به إلى غيره، وجمعه: أسباب.\nوفي لسان العرب: \"وكل شيء يتوصل به إلى الشيء فهو سبب\".\nوالسبب: الحبل: كالسِّبْ (وهو الحبل في لغة هذيل).\nومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥].\nقال أبو عبيدة: \"السبب: كل حبل حدرته من فوق\".\n_________\n(١) الصحاح للجوهري (١/ ١٤٤) [تاج اللغة وصحاح العربية، لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، نشر دار العلم للملايين - بيروت، ط. الأولى، القاهرة (١٣٧٦ هـ- ١٩٥٦ م)، ط. الثانية، بيروت (١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م)]، ولسان العرب (٤/ ٤٦١)، والمصباح المنير (ص ١٥٩)، والتحبير (٣/ ١٠٦٠)، القاموس المحيط (١/ ١٧٦)، مختار الصحاح (ص ١٦٢)، تاج العروس (٣/ ٣٨)، تهذيب اللغة (١٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":171},{"text":"وقيل: السبب: هو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى الشيء.\nوقيل: لا يسمى السبب سببًا حتى يكون طرفه معلقًا بالسقف.\nوقال ابن فورك: \"السبب في اللغة: هو ما يتوصل به إلى أمر مطلوب\" (١).\nوذكر السرخسي أن السبب في اللغة: الطريق إلى الشيء، قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، وذكر معانٍ ثم قال: فالكل يرجع إلى معنى واحد وهو طريق الوصول إلى الشيء (٢).\n_________\n(١) الحدود (١٥٩).\n(٢) أصول السرخسي (٢/ ٣٥١) وقد نقل جماعة من أهل الأصول أن السبب في اللغة عبارة عما يحصل الحكم عنده لا به كابن قدامة في الروضة، والزركشي في (البحر المحيط) (١/ ٣٠٦). وقد بحثت فيما وقع تحت يدي من معاجم على مَن نص مِن أهل اللغة على أن ذلك تعريف للسبب فلم أجد، وأول من وجدته ذكر تلك العبارة بنصها من الأصوليين الغزالي [المستصفى (١/ ٣١٤)] ومع ذلك فلم يذكر أن ذلك هو التعريف اللغوي، ولكنه قال بعد ذلك أن ذلك هو وضع اللسان، فإنه قد قال: \"واعلم أن السبب مشترك في اصطلاح الفقهاء وأصل اشتقاقه من الطريق ومن الحبل الذي ينزح به الماء من البئر، وحدّه: ما يحصل الحكم عنده لا به، فإن الوصول بالسير لا بالطريق، ولكن لابد من الطريق، ونزح الماء بالاستقاء لا بالحبل، ولكن لابد من الحبل، فاستعار الفقهاء لفظ السبب من هذا الموضع وأطلقوه على أربعة أوجه ... \".\nهذا التعليل الذي علل به الغزالي هذا الحد ذكره أيضًا السرخسي [أصول السرخسي (٢/ ٣٥١)، تعليلًا لتعريفه للسبب عند الفقهاء، وكذلك فعل السمعاني [قواطع الأدلة (٢/ ٢٧٢)]، فإنه قال: \"وإذا كان السبب في اللغة اسمًا فنقول حده: ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما ... \"، ثم ذكر نفس تعليل الغزالي وأطال النفس في الاستدلال على أن السبب =","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>ثانيًا: السبب عند الأصوليين:</span>\nللأصوليين في تعريف السبب تعريفان مشهوران:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>التعريف الأول:</span>\nالسبب: وصف ظاهر منضبط دل السمع على كونه معرفًا لحكم شرعي،\nذكره ابن مفلح (١) (٢).\n_________\n= قد يوجد ولا يوجد المسبب، ولذلك فإن النفس تميل إلى أن التعريف اللغوي هو ما ذكرناه عن أهل اللغة وأن الذي ذكره الغزالي والسرخسي والسمعاني إنما كان لأجل الخلاف مع المعتزلة في ماهية السبب وهل هو مؤثر بذاته، والأصوليون ينقلون في كتبهم عن المعتزلة القول بأن الأسباب مؤثرة بذاتها [البحر المحيط (١/ ٣٠٨)]، وهذا موافق لما أصلوه من مسألة التحسين والتقبيح العقليين - إذ كون السبب مؤثرًا بذاته يقتضي أن مسببه لازم له قبل ورود الشرع، وأن العقل يطلع على ذلك - فأداهم الفرار من ذلك القول إلى القول بأن الأسباب معرفات - كما هو مذهب جمهور الأشاعرة - وظهر أثر ذلك في ذكرهم لحد السبب. وقد فرق ابن فورك في الحدود بين ما خرج على سبب وعند سبب [الحدود (١٥٩ - ١٦٠)]. وقد نص غير واحد من الأصوليين على المعنى الذي ذكره أهل اللغة كالآمدي [الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٧٠)، والمرداوي [التحبير شرح التحرير (٣/ ١٠٦٠)] ولعل هذا هو الأقرب للصواب.\n(١) أصول الفقه لابن مفلح (١/ ٢٥١).\n(٢) هو: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح، برهان الدين أبو إسحاق. من أهل قرية (رامين) من أعمال نابلس. دمشقي المنشأ والوفاة. فقيه وأصولي حنبلي، كان حافظًا مجتهدًا، ولي قضاء دمشق غير مرة، من تصانيفه: (المبدع) وهو شرح المقنع في فروع الحنابلة، في أربعة أجزاء، (والمقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد)، توفي سنة ٨٨٤ هـ.\n[الضوء اللامع (١/ ١٥٢)، وشذرات الذهب (٩/ ٥٠٧)، ومعجم المؤلفين (١/ ٦٦)].","vol":"1","page":173},{"text":"والآمدي (١) والزركشي (٢) ونص على أنه لأكثر الأصوليين.\nومعنى دل السمع على كونه معرفًا: أن الشرع ورد ببيان أن مثل هذا الأمر متى حصل كان ذلك دليلًا على وجوب أو استحباب حصول الأمر الثاني، فزوال الشمس عن كبد السماء معرف للعبد بأن وجوب صلاة الظهر قد حان.\nوذلك فرارًا من القول بتأثير الأسباب، وهي قضية مشهورة تنازع فيها الأصوليون بلا طائل فقهي، وحاصلها أنهم في ذلك على طرفين ووسط:\nالأول: يرى أن الأسباب مؤثرة بذواتها؛ أي لا أودع فيها من خاصيات تقتضي ذلك التأثير، وهو لجمهور المعتزلة.\nالثاني: الأسباب معرفة فقط بجعل الشرع، وليس لها ما يقتضي أن تؤثر في المسبب، فليس السبب موجبًا للحكم بل معرفًا فقط وعليه جمهور الأشاعرة فيما نقل عنهم الزركشي (٣).\nالوسط: السبب موجب للحكم لكن لا لذاته ولا لصفة ذاتية بل بجعل الشرع إياه موجبًا، وهو قول الغزالي (٤) من الأشاعرة، ونسبه الزركشي (٥) للحنفية.\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٧٠).\n(٢) البحر المحيط (١/ ٣٠٦).\n(٣) البحر المحيط (١/ ٣٠٨).\n(٤) المستصفى (١/ ٣١٦).\n(٥) البحر المحيط (١/ ٣٠٧).","vol":"1","page":174},{"text":"والقول الثالث هو القول الراجح وعليه جمهور أهل السنة، وعليه يكون تعريف السبب على هذا القول: \"وصف ظاهر منضبط دل السمع على كونه موجبًا لحكم شرعي\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>التعريف الثاني:</span>\nالسبب: \"ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته\"، وهذا تعريف القرافي (١) وذكره المرداوي (٢) وعزاه لأكثر الأصوليين.\nوقوله: يلزم من وجوده الوجود احتراز من الشرط لأنه لا يلزم من وجوده الوجود.\nوقوله: يلزم من عدمه العدم احتراز من المانع لأنه لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.\nوقوله: لذاته احتراز عما لو قارن السبب فقدان شرط أو وجود مانع فإن تخلف الحكم ليس لعدم السبب بل لأمر خارج عنه وهو انتفاء الشرط أو وجود المانع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>التعريف المختار:</span>\nالتعريف الثاني أولى من التعريف الأول؛ إذ التعريف الأول لم يتعرض لوجه اقتضاء السبب للحكم، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال:\n_________\n(١) نفائس الأصول (١/ ٢٢٨).\n(٢) التحبير (٣/ ١٠٦٠).","vol":"1","page":175},{"text":"السبب: وصف ظاهر منضبط دل الشرع على أنه يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>تعريفات أخرى للسبب:</span>\nعرفه السرخسي بأنه: \"ما يكون طريقًا للوصول إلى الحكم المطلوب من غير أن يكون الوصول به\" (١)، وفي أصول الشاشي: \"السبب ما يكون طريقًا إلى الشيء بواسطة\" (٢).\nوحده السمعاني بأنه \"ما يوصل إلى المسبب مع جواز المفارقة بينهما\"، ونقل تعريفًا آخر لم يسم قائله بأنه \"مقدمة يعقبها مقصود لا يوجد إلا بتقدمها فلا أثر لها فيه (٣).\nوعرفه ابن فورك بأنه: \"ما خرج الحكم لأجله سواء كان شرطًا أو دليلًا أو علة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>ثالثًا: تعريف الترك المسبب:</span>\nباعتبار ما سبق يكون الترك المسبب هو: \"ما ورد عن النبي - ﷺ - أنه كف عنه لسبب\".\n_________\n(١) أصول السرخسي (٢/ ٣٠١).\n(٢) أصول الشاشي (٢٧٦) لنظام الدين الشاسي الحنفي، علق عليه: مولانا بركة الله محمد اللكنوي، خرج أحاديثه وقدم له: أبو الحسين عبد المجيد المرادزهي الخاشي، طبعة دار ابن كثير الأولى (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).\n(٣) قواطع الأدلة (٢/ ٢٧٢).\n(٤) الحدود لابن فورك (ص ١٥٩).","vol":"1","page":176},{"text":"ولابد من نقل ما يدل على أن النبي - ﷺ - ترك لأجل هذا السبب، ولكن لا يشترط تصريح الراوي بأن سبب ترك النبي - ﷺ - هو كذا أو كذا، بل يعرف سبب الترك بالطرق التي ذكرها الأصوليون لمعرفة العلة من جهة السمع.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-162> طرق معرفة السبب من جهة النقل:</span>\nذكر الأصوليون طرقًا كثيرة لمعرفة العلة، وهذه الطرق يمكن استحضارها هنا لمعرفة أسباب الترك، وهي إما من جهة السمع - أي النقل - أو من جهة الاستنباط، والذي يعنينا هنا طرق معرفتها من جهة السمع، وذلك لأن الفارق بين الترك المسبب والترك المطلق هو نقل السبب من عدمه، ولذا فإن طرق معرفة العلة من جهة السمع تفيد في معرفة الترك المسبب، وطرق معرفتها من جهة الاستنباط تفيد في معرفة الترك المطلق، وفيما يلي بيان طرق معرفتها على سبيل الإجمال:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-163> الإجماع: </span>أي الإجماع على كون وصف ما سببًا.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-164> النص الصريح: </span>كـ \"التصريح بلفظ الحكم\"، أو \"لعلة كذا\"، أو \"سبب كذا\"، أو \"من أجل\"، أو \"لأجل\"، أو \"كي\"، أو \"إذن\"، أو \"ذكر المفعول له\".\n*<span data-type=\"title\" id=toc-165> النص الظاهر: </span>كـ \"لام\" التعليل الظاهرة أو المقدرة، أو \"أن\" المفتوحة المخففة، أو \"إن\" الشرطية [المكسورة ساكنة النون]، \"إنّ\" المشددة، أو \"باء\" السببية، أو \"فاء\" السببية، أو \"لعل\"، أو \"إذ\"، أو \"حتى\".","vol":"1","page":177},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-166> الإيماء والتنبيه: </span>كـ \"ذكر الحكم عقب الوصف\"، أو \"التفرقة بين حكمين لوصف\"، أو \"القياس على وصف\"، أو \"ربط الحكم باسم مشتق منه\"، أو \"منع الوصف ما يفوت المطلوب من الحكم\" (١).\nوالأمثلة على هذه الأنواع تظهر خلال ذكر الأمثلة على أنواع الترك المسبب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المطلب الثاني: أقسام الترك المسبب وأمثلتها:</span>\nالأحاديث التي نقل فيها ترك النبي - ﷺ - وسبب تركه كثيرة، ومن خلال الأحاديث التي وقفت عليها يمكن تقسيم تلك الأسباب إلى أحد عشر نوعًا، ويمكن أن تنقسم إلى أكثر من ذلك؛ إذ كل نوع يدخل تحته أمثلة كثيرة، ويمكن كذلك إدخال بعض تلك الأنواع في بعض، وليست المسألة أكثر من مجرد اصطلاح.\nوفيما يلي ذكر لتلك الأسباب وما يندرج تحتها من أمثلة، وبيان ما تضمنته تلك الأحاديث من أحكام فقهية ذكرها الفقهاء مما يتعلق بتركه - ﷺ -، وذلك بتخصيص مسألة لكل قسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المسألة الأولى: الترك لأجل حكم خاص بالنبي - ﷺ </span>-:\nومثاله: ما ورد من حديث أنس - ﵁ - قال: مر النبي - ﷺ - بتمرة مسقوطة فقال: \"لولا أن تكون صدقة لأكلتها\" (٢).\n_________\n(١) انظر تفصيل ذلك في البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٨٤ - ٢٠٦).\n(٢) رواه البخاري (٤/ ٣٤٤ / ٢٠٥٥) كتاب البيوع، باب ما يتنزه من الشبهات (٥/ ١٠٣ / =","vol":"1","page":178},{"text":"وورد عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها\" (١).\nفتَرْك النبي - ﷺ - لأكل هذه التمرة كان سببه حكمًا خاصًا به - ﷺ -، وهو من علامات النبوة أنه - ﷺ - يقبل الهدية ولا تحل له الصدقة.\nقال ابن قدامة: \"فأما النبي - ﷺ - فالظاهر أن الصدقة جميعها كانت محرمة عليه فرضها ونفلها، لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته وعلاماتها، فلم يكن ليخل بذلك\" (٢).\nوقد ثبتت خصوصية النبي - ﷺ - بتحريم الصدقة من قوله - ﷺ - فقد قال: \"إنا لا تحل لنا الصدقة\".\nوذلك فيما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"كخ كخ، إرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة\"، وفي رواية: \"إنا لا تحل لنا الصدقة\" (٣).\n_________\n= ٢٤٣١) كتاب اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق.\n(١) رواه البخاري (٥/ ١٠٣ / ٢٤٣٢) كتاب اللقطة، باب إذا وجد تمرة في الطريق، ومسلم (٢/ ٧٥١ / ١٠٧٠) كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله.\n(٢) المغني (٤/ ١١٥).\n(٣) رواه مسلم (٢/ ٧٥١ / ١٠٦٩) كتاب الزكاة، باب تحريم الزكاة على آل رسول الله - ﷺ - وعلى آله.","vol":"1","page":179},{"text":"قال النووي: قوله - ﷺ -: \"أما علمت أنا لا نأكل الصدقة\" هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالمًا به، وتقديره \"عجب كيف خفي عليك هذا مع ظهور تحريم الزكاة على النبي - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب\" (١) (٢).\nوأيضًا: ما ورد من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر ولكن أخي وصاحبي\" (٣).\nفالنبي - ﷺ - ترك اتخاذ الخلة وهذا حكم خاص به، وذلك لكونه خليل الرحمن، وقد ورد هذا مصرحًا به في حديث ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله\" (٤)، ويشترط أن يدل الدليل على الخصوصية،\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (٧/ ١٧٤).\n(٢) اختلف العلماء فيمن هم آل النبي - ﷺ - الذين تحرم عليهم الصدقة على أقوال:\nالقول الأول: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وقال به الشافعي وبعض المالكية.\nالقول الثاني: هم بنو هاشم خاصة، وقال به أبو حنيفة ومالك.\nالقول الثالث: قريش كلها، وقال به بعض العلماء فيما نقله النووي ولم يعزه.\nالقول الرابع: بنو قصي، وقال به أصبغ.\n[شرح صحيح مسلم (٧/ ١٧٥)].\n(٣) رواه البخاري (٧/ ٢١ / ٣٦٥٦) كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا\".\n(٤) رواه مسلم (٤/ ١٨٥٥ / ٢٣٨٣) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -.","vol":"1","page":180},{"text":"فلا يثبت ذلك بمجرد الاحتمال، وهذا قياس قول الأصوليين في الأفعال النبوية أن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل (١).\nفلابد من وجود دليل يدل على الخصوصية، وقد رد ابن قدامة على من قال بأن عدم صلاة النبي - ﷺ - على من عليه دين كان خاصًا به؛ لأن صلاته سكن بقوله: \"ما ثبت في حق النبي - ﷺ - ثبت في حق غيره ما لم يقم على اختصاصه دليل\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>المسألة الثانية: الترك لأجل حصول مفسدة:</span>\nوذلك بأن يصرح في الحديث بتلك المفسدة التي من أجلها حصل الترك.\n* ومن أمثلة ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>أ - أن النبي - ﷺ - ترك أن ينزع مع بني عبد المطلب في السقاية في الحج وذلك خوفًا من أن يغلبهم الناس على حقهم في ذلك:</span>\nففي حديث جابر - ﵁ - الطويل في صفة حج النبي - ﷺ -، قال جابر: ثم ركب رسول الله - ﷺ - فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: \"انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم\" (٣).\n_________\n(١) المحقق من علم الأصول لأبي شامة (ص ٤٣).\n(٢) المغني (٣/ ٥٠٦).\n(٣) رواه مسلم (٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢/ ١٢١٨) كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ - والشاهد في صفحة (٨٩٢).","vol":"1","page":181},{"text":"قال النووي: \"معناه: لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>ب - أن النبي - ﷺ - ترك أن يرد الكعبة إلى قواعد إبراهيم وبيَّن المانع من ذلك وهو مخافة أن تنفر قلوب الناس وهم حدثاء عهد بكفر:</span>\nفقد ورد من حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم\"، فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: \"لولا حِدثان قومك بالكفر\" (٢).\nولابن ماجه من حديث عائشة - ﵁ - أنها قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الحجر، فقال: \"هو من البيت\"، قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه، فقال: \"عجزت بهم النفقة\"، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم، قال: \"ذلك فعل قومك ليدخلوه من شاءوا ويمنعوه من شاءوا، ولولا أن قومك حديثو عهد بكفر مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره فأدخل فيه ما انتقص منه وجعلت بابه بالأرض\" (٣).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (٨/ ٤٢١).\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٤٦٩ / ٣٣٦٨) كتاب أحاديث الأنبياء، باب رقم (١٠)، ومسلم (٢/ ٩٦٨ / ١٣٣٣) كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها.\n(٣) رواه ابن ماجه (٢/ ٩٨٥ / ٢٩٥٥) كتاب المناسك، باب الطواف بالحجر، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٢٧)، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض.","vol":"1","page":182},{"text":"قال ابن تيمية: \"فترك النبي - ﷺ - هذا الأمر الذي كلان عنده أفضل الأمرين للمعارض الراجح وهو حدثان عهد قريش بالإسلام لما في ذلك من التنفير لهم فكانت المفسدة راجحة على المصلحة\" (١).\nوقد بوَّب البخاري على هذا الحديث \"باب من ترك بعضر الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>ج - أن النبي - ﷺ - ترك أن يدعو الله إسماع أصحابه عذاب القبر خشية أن يتركوا الدفن:</span>\nفقد ورد من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر\" (٢).\nأي: \"لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>د - أن النبي - ﷺ - ترك قتل المنافق المستحق للقتل خشية مفسدة صرح بها وهي خشية أن يتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه:</span>\nفقد ورد من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - أنه قال: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار،\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ٣٥١): تقي الدين ابن تيمية (٦٦١ - ٧٢٨ هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٢٠٠ / ٢٨٦٨) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، والنسائي (٤/ ١٠٢) كتاب الجنائز، باب عذاب القبر (عنوان غير مصدر بباب).\n(٣) حاشية السندي على سنن النسائي [مطبوع مع سنن النسائي] (٤/ ١٠٢).","vol":"1","page":183},{"text":"وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما بال دعوى الجاهلية\"، قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: \"دعوها فإنها منتنة\"، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها!، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقام عمر - ﵁ - فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - ﷺ -: \"دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\" (١).\nقال ابن تيمية: \"وإنما ترك النبي - ﷺ - قتله لما خيف من قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا\" (٢).\nوقد ورد من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسمًا أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله، اعدل، فقال: \"ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل\"، فقال عمر - ﵁ -: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: \"دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق\n_________\n(١) رواه البخاري (٨/ ٥١٦ - ٥١٧/ ٤٩٠٥) كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، ومسلم (١٩٩٨/ ٤ - ١٩٩٩/ ٢٥٨٤) كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا.\n(٢) الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص ١٤٨): ابن تيمية، تحقيق: أبي عمرو الأثري، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، دار ابن رجب، المنصورة - مصر.","vol":"1","page":184},{"text":"السهم من الرمية\" (١).\nقال ابن حجر: \"وإنما ترك النبي - ﷺ - قتل المذكور؛ لأنه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه، فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الإسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الإسلام\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>هـ - أن النبي - ﷺ - ترك الإخبار العام ببعض المبشرات خوفًا من المفسدة:</span>\nففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - ومعاذ بن جبل - ﵁ - رديفه على الرحل قال: \"يا معاذ\"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: \"يا معاذ\"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: \"يا معاذ\"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: \"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار\"، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر الناس به فيستبشروا، قال: \"إذًا يتكلوا\"، فأخبر معاذ عند موته تأثمًا (٣).\nقال ابن الصلاح (٤): \"منعه من التبشير العام خوفًا من أن يسمع ذلك\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ٧١٤ / ٣٦١٠) كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، واللفظ له، وبسياق آخر عند مسلم (٢/ ٧٤١ - ٧٤٢/ ١٠٦٤) كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم.\n(٢) فتح الباري (١٢/ ٢٩١).\n(٣) رواه البخاري (١/ ٢٧٢ / ١٢٨) كتاب العلم، باب من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألا يفهموا، ومسلم (١/ ٦١ / ٣٢) كتاب الإيمان، باب رقم (١٠).\n(٤) هو: تقي الدين أبو عمرو عثمان ابن المغني صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى =","vol":"1","page":185},{"text":"من لا خبرة له ولا علم فيغتر ويتكل، وأخبر به - ﷺ - على وجه الخصوص من أَمِنَ عليه الاغترار والاتكال من أهل المعرفة، فإنه أخبر به معاذًا، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به من الخاصة من رآه أهلًا لذلك\" (١).\nومن قبيل هذا أيضًا: ما ورد من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: كنت مع رسول الله - ﷺ - إذ طلع أبو بكر وعمر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين، يا علي لا تخبرهما\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>و- أن النبي - ﷺ - ترك استخراج ما سُحِر به كراهية أن يثور على الناس شرًا:</span>\nففي الصحيحين من حديث عائشة - ﵂ - قالت: سحر رسولَ الله - ﷺ - رجلٌ من بني زُريق يقال: لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله - ﷺ - يخيل\n_________\n= الكردي الشهرزوري الشافعي صاحب كتاب (علوم الحديث)، ولد سنة (٥٧٧ هـ)، وكان إمامًا متبحرًا في الأصول والفروع، توفي سنة (٦٤٣ هـ).\n[تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٣ / ٤١١)].\n(١) شرح صحيح مسلم (١/ ١٨٦).\n(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٧٠ / ٣٦٦٥) كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر، وابن ماجه (١/ ٣٦ / ٩٥) المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، ورواه الترمذي (٥/ ٥٧٠ / ٣٦٦٤) كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر من حديث أنس - ﵁ -، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والحديث عند ابن ماجه أيضًا من حديث أبي جحفة - ﵁ - (١/ ٣٨ / ١٠٠) المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، والحديث صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٤٦٧ / ٨٢٤).","vol":"1","page":186},{"text":"إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندي، لكنه دعا ودعا ثم قال: \"يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل، فقال: مطبوب، قال: من طبه، قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء، قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، قال: فأين هو، قال: في بئر ذَروان\"، فأتاها رسول الله - ﷺ - في ناس من أصحابه فجاء فقال: \"يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء وكان رؤوس نخلها رؤوس الشياطين\"، قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟، قال - ﷺ -: \"قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًا\"، فأمر بها فدفنت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>المسألة الثالثة: الترك لأجل الإنكار:</span>\nهو أن يكون ترك النبي - ﷺ - مرادًا به أن ينكر على القائل أو على الفاعل قوله أو فعله.\n\n* ومن أمثلة ذلك:\nأ - ما ورد من حديث جابر بن سمرة - ﵁ - قال: أتى النبي - ﷺ - برجل قتل نفسه بمشاقص (٢) فلم يصل عليه (٣)، وفي رواية: \"أما أنا فلا أصلي\n_________\n(١) رواه البخاري (١٠/ ٢٣٢ / ٥٧٦٣) كتاب الطب، باب السحر (١٠/ ٢٤٦ / ٥٧٦٦) كتاب الطب، باب السحر، ومسلم (٤/ ١٧١٩ - ١٧٢٥/ ٢١٨٩) كتاب السلام، باب السحر.\n(٢) المشاقص: سهام عراض واحدها مشقص، قاله النووي [شرح صحيح مسلم (٧/ ٥١)].\n(٣) رواه مسلم (٢/ ٦٧٢ / ٩٧٨) كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على القاتل نفسه.","vol":"1","page":187},{"text":"عليه\" (١)، وفي رواية: \"وكان ذلك منه أدبًا\" (٢).\nقال النووي: \"وفي هذا الحديث دليل لمن يقول لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء يصلى عليه.\nوأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي - ﷺ - لم يصل عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلت عليه الصحابة\" (٣).\nوقد اختلف العلماء في الصلاة على قاتل نفسه على أقوال:\nالقول الأول: يصلى عليه، وهو مذهب الشافعي (٤) وعطاء (٥) والنخعي (٦).\n_________\n(١) رواه النسائي (٤/ ٦٦) كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه (عنوان غير مصدر بباب)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٤٧ / ١٩٦٢).\n(٢) رواه ابن ماجه (١/ ٤٨٨ / ١٥٢٦) كتاب الجنائز، باب الصلاة على أهل القبلة، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٢٤).\n(٣) شرح صحيح مسلم (٧/ ٥١).\n(٤) المصدر السابق (٧/ ٥١).\n(٥) هو: شيخ الإسلام أبو محمد عطاء بن أبي رباح - أسلم - بن صفوان المكي، القرشي، ولد في أثناء خلافة عثمان، ونشأ بمكة، من أجل فقهاء التابعين وزهادهم، وكان يُصاح في الحج: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، توفي سنة (١١٤ هـ)، وله ثمان وثمانون سنة.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٥٢)، تذكرة الحفاظ (١/ ٩٨ / ٩٠)، شذرات الذهب (٢/ ٦٩)].\n(٦) هو: أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو النخعي اليماني ثم الكوفي، الحافظ فقيه العراق من خيار التابعين ولد سنة ٤٦ هـ، روى عن كبار التابعين مثل =","vol":"1","page":188},{"text":"القول الثاني: يصلي عليه سائر الناس دون الإمام، نص عليه أحمد (١).\nالقول الثالث: لا يصلى عليه، وهو قول عمر بن عبد العزيز (٢) والأوزاعي (٣) (٤).\nلحديث زيد بن خالد الجهني - ﵁ - قال: مات رجل بخيبر، فقال رسول الله - ﷺ -: \"صلوا على صاحبكم، إنه غل في سبيل الله\"، ففتشنا متاعه، فوجدنا فيه خرزًا من خرز يهود ما يساوي درهمين (٥).\n_________\n= مسروق وعلقمة بن قيس وعبيدة السلماني، توفي سنة ٩٦ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٢٦)، شذرات الذهب (١/ ٣٨٧)].\n(١) المغني (٣/ ٥٠٤).\n(٢) هو: أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية، القرشي الأموي المدني ثم المصري، الخليفة الراشد كان يسمى: \"أشج بني أمية\"، وأخباره مشهورة معروفة، ولد سنة (٦٣ هـ)، وتوفي سنة (١٠١ هـ)، وتولى الخلافة وهو ابن ست وثلاثين سنة تقريبًا.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٧٦)، شذرات الذهب (٢/ ٥)].\n(٣) هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأوزاعي، نسبه إلى قرية \"الأوزاع\" بدمشق، وانتقل إلى بيروت ومات بها، وهو شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، كان إمامًا في الفقه والورع والزهد والحفظ، ولد سنة ٨٨ هـ، وتوفي سنة ١٥٧ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ٨٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨ / ١٧٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٥٦)].\n(٤) المغني (٣/ ٥٠٥).\n(٥) رواه النسائي (٤/ ٦٤) كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل (عنوان غير مصدر بباب)، وأبو داود (٣/ ٦٨ / ٢٧١٠) كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول، وابن ماجه (٢/ ٩٥٠ / ٢٨٤٨) كتاب الجهاد، باب الغلول، وصححه ابن عبد البر في الاستذكار (١٤/ ١٩٥)، وصحح إسناده الألباني في أحكام الجنائز (ص ١٠٣، ١١٠)، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م)، =","vol":"1","page":189},{"text":"قال ابن قدامة: \"وإنما اختص الامتناع بالإمام؛ لأن النبي - ﷺ - لما امتنع من الصلاة على الغالّ قال: \"صلوا على صاحبكم\" (١).\nقال ابن عبد البر (٢): \"وأما ترك رسول الله - ﷺ - الصلاة عليه وأمر غيره بالصلاة عليه؛ لأنه كان لا يصلي على من ظهرت منه كبيرة، ليرتدع الناس عن المعاصي وارتكاب الكبائر\" (٣).\nولأجل هذا الحديث ذهب مالك وغيره إلى أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتولي في حد، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفساق زجرًا لهم (٤).\nب - ما ورد من حديث عمار بن ياسر - ﵁ - قال: قدمت على أهلي ليلًا وقد تشققت يداي فخلقوني بزعفران، فغدوت على النبي - ﷺ -، فسلمت عليه، فلم يرد علي ولم يرحب بي، وقال: \"اذهب فاغسل هذا عنك\"، فذهبت فغسلته، ثم جئت وقد بقي علي منه رَدع، فسلمت فلم يرد علي ولم\n_________\n= مكتبة المعارف - الرياض.\n(١) المصدر السابق.\n(٢) هو: أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي، القرطبي المالكي، حافظ المغرب، ولد سنة ٣٦٨ هـ، توفي سنة ٤٦٣ هـ، له العديد من التصانيف الفائقة منها \"التمهيد\" و\"الاستذكار\" في شرح الموطأ، و\"الاستيعاب في تراجم الأصحاب\".\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٢٤)، الديباج المذهب (ص ٤٤٠/ ٦٢٦)، وفيات الأعيان (٧/ ٦٦ / ٨٣٧)].\n(٣) الاستذكار (١٤/ ١٩٥).\n(٤) شرح صحيح مسلم (٧/ ٥١).","vol":"1","page":190},{"text":"يرحب بي وقال: \"اذهب فاغسل هذا عنك\"، فذهبت فغسلته، ثم جئت\nفسلمت عليه، فرد علي ورحب بي وقال: \"إن الملائكة لا تحضر جنازة\nالكافر بخير ولا المتضمخ بزعفران ولا الجنب\" (١).\nفالنبي - ﷺ - ترك رد السلام عليه ولم يرحب به إنكارًا لفعله، وقد فهم ذلك منه عمار - ﵁ -، ففي رواية: قلت - أي ابن جريج - وهم حرم؟ قال: لا، القوم مقيمون.\nقال العظيم آبادي (٢): \"والمعنى أن ابن جريج فهم أن إعراضه - ﷺ - عن عمار لأجل استعمال الخلوق، لعل عمارًا ومن كان معه كان محرمًا، فلذا زجره النبي - ﷺ - فأجابه عمر بن عطاء بأن الزجر عن استعمال الخلوق ليس لأجل الإحرام بل القوم كانوا مقيمين\" (٣).\nج - ما ورد من حديث النعمان بن بشير - ﵄ - أن أباه أتى إلى رسول الله\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤/ ٧٧ / ٤١٧٦) كتاب الترجل، باب في الخلوق للرجال، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٣٩ / ٤١٧٦)، والردع: لطخ من بقية لون الزعفران [عون المعبود (٧/ ٢٦٠)].\n(٢) هو: محمد بن علي بن مقصود علي الصديقي، العظيم آبادي، أبو الطيب، شمس الحق، عالم بالحديث من أهل \"عظيم آباد\" في الهند، من كتبه \"عون المعبود في شرح سنن أبي داوود\" و\"غاية المقصود\" وهو شرح مطول لسنن أبي داوود، ولم يكمله، ولد سنة ١٢٧٣ هـ، وتوفي سنة ١٣٢٩ هـ.\n[الأعلام للزركلي (٦/ ٣٠١)].\n(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود (٧/ ٢٦١) لأبي الطيب العظيم آبادي، تحقيق: عصام الصبابطي، ط. (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، دار الحديث - القاهرة.","vol":"1","page":191},{"text":"- ﷺ - فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا، فقال: \"أكل ولدك نحلت مثله\"، قال: لا، قال: \"فأرجعه\" (١).\nوقد جاء مطولًا أن النعمان بن بشير - ﵄ - قال: أنحلني أبي نُحلًا فقالت له أمي عَمرة بنت رواحة - ﵂ -: ائت رسول الله - ﷺ - فأشهده، فذكر ذلك له فقال له: إني أنحلت ابني النعمان نحلًا، وإن عمرة سألتني أن أشهدك على ذلك، قال: فقال: \"ألك ولد سواه\"، قال: قلت: نعم، قال: \"فكلهم أعطيت مثل ما أعطيت النعمان؟ \"، قال: لا، قال: \" هذا جَور\" أو \"هذا تلجئة فأشهد على هذا غيري\" (٢).\nد - ما رواه البخاري معلقًا (٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب، وإني أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي - ﷺ -: \"يا أبا هريرة جف\n_________\n(١) رواه البخاري (٥/ ٢٥٠ / ٢٥٨٦) كتاب الهبة، باب الهبة للولد، ومسلم (٣/ ١٢٤١ - ١٢٤٢/ ١٦٢٣) كتاب الهبات، باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة.\n(٢) رواه أبو داود (٣/ ٢٩٠ / ٣٥٤٢) كتاب البيوع، باب في الرجل يفضل بعض ولده في النُحل، والترمذي (٣/ ٦٤٩ / ١٣٦٧) كتاب الأحكام، باب ما جاء في النُحل والتسوية بين الولد، والنسائي (٦/ ٢٥٨) كتاب النُّحل، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النُّحل، وابن ماجه (٢/ ٧٩٥ / ٢٣٧٥) كتاب الهبات، باب الرجل ينحل ولده.\n(٣) رواه البخاري (٩/ ٢٠ / ٥٠٧٦) معلقًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - بهذا اللفظ في كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، ورواه النسائي (٦/ ٥٩) موصولًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - في كتاب النكاح، باب النهي عن التبتل.","vol":"1","page":192},{"text":"القلم بما أنت لاق، فاختصِ على ذلك أو ذر\".\nقال ابن حجر: \"معناه افعل ما ذكرت أو اتركه واتبع ما أمرتك به ... فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد ... وليس فيه تعرض لحكم الخصاء\" (١).\nهـ - ما ورد من حديث عمران بن حصين - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - جيشًا واستعمل عليهم علي بن أبي طالب - ﵁ - فمضى في السرية فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: إذا لقينا رسول الله - ﷺ - أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من الغزو بدءوا برسول الله - ﷺ - فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية سلموا على النبي - ﷺ - فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله، ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، ثم قام الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل رسول الله - ﷺ - والغضب يعرف في وجهه فقال: \"ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، ما تريدون من علي، إن عليًا مني، وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي\" (٢).\nو- ما ورد من حديث جُندَب بن عبد الله البَجَلي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بعث بعثًا من المسلمين إلى قوم من المشركين وأنهم التقوا، فكان رجل من\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٢٢).\n(٢) رواه الترمذي (٥/ ٥٩٠ / ٣٧١٢) كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب - ﵁ -، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٢٦١ / ٢٢٢٣).","vol":"1","page":193},{"text":"المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله، وإن رجلًا من المسلمين قصد غفلته - وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد - فلما رفع عليه السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي - ﷺ - فسأله حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع فدعاه فسأله فقال: \"لم قتلته؟ \"، قال: يا رسول الله: أوجع في المسلمين وقتل فلانًا وفلانًا - وسمى له نفرًا - وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال: لا إله إلا الله، قال رسول الله - ﷺ -: \"أقتلته؟ \"، قال: نعم، قال: \"فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ \"، قال: يا رسول الله، استغفر لي، قال: \"وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ \"، فجعل لا يزيده على أن يقول: \"وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ \" (١).\nي - ما ورد من حديث زيد بن أسلم - ﵁ - عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب - ﵁ - يسير معه ليلًا، فسأله عمر بن الخطاب - ﵁ - عن شيء فلم يجبه رسول الله - ﷺ -، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: ثكلتك أمك يا عمر، نَزَّرت رسول الله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك.\nقال عمر - ﵁ -: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، قال: فقلت: لقد خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وجئت رسول الله - ﷺ - فسلمت عليه، فقال:\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٩٧ / ٩٧) كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله.","vol":"1","page":194},{"text":"\"لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ثم قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ \" (١).\nوهذا القول من عمر - ﵁ - يدل على أن عمر فهم من عدم إجابة النبي - ﷺ - على سؤاله إنكاره له، فغم لذلك حتى سرى عنه، لما علم أن ذلك كان بسبب أنه - ﷺ - كان يوحى إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>المسألة الرابعة: الترك لأجل المرض:</span>\nوهو أن يترك النبي - ﷺ - فعلًا لما أصابه من المرض وهذا إنما يعلم من التصريح به في الحديث.\nومثاله: ما ورد من حديث الأسود - ﵁ - قال: سمعت جندبًا يقول: \"اشتكى النبي - ﵁ - فلم يقم ليلة أو ليلتين\" (٢).\nوقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله: \"باب: ترك القيام للمريض\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٧/ ٥١٨ / ٤١٧٧) كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، قال ابن حجر: نزرت: أي ألححت [فتح الباري (٧/ ٥١٨)].\n(٢) رواه البخاري (٣/ ١١ / ١١٢٤) كتاب التهجد، باب ترك القيام للمريض، وتمام الحديث عند البخاري في كتاب التفيسر، الباب (٩٣) سورة \"والضحي\"، باب: قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٨/ ٥٨٠ / ٤٩٥٠) وتمامه: \"فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثًا، فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]، ومسلم (٣/ ٤٢٢ / ١٧٩٧) كتاب الجهاد والسير، باب ما لقى النبي - ﷺ - من أذى المشركين والمنافقين.\n(٣) فتح الباري (٣/ ١١).","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المسألة الخامسة: الترك لأجل النسيان </span>(١):\n_________\n(١) اُختلف في جواز النسيان والسهو على النبي - ﷺ - في أحكام الشرع على قولين:\nالقول الأول: يجوز، وهو قول الجمهور، وصححه النووي، ورجحه ابن حجر.\nومن أدلتهم على ذلك:\n١ - ما رواه البخاري (١/ ٦٠٠ / ٤٠١)، ومسلم (١/ ٤٠٠ / ٥٧٢) من حديث ابن مسعود - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني ... \".\n٢ - أن السهو لا يناقض النبوة؛ لأنه وإن سها فلا يقر عليه فلا تحصل منه مفسدة.\n٣ - أن فيه فائدة بيان أحكام للناس وتقرير بعض الأحكام.\nالقول الثاني: لا يجوز السهو على النبي - ﷺ -، وفرّق بعضهم بين الأقوال والأفعال، وقد نقل القاضي عياض الإجماع على عدم جواز السهو في الأقوال، لكن تعقبه ابن حجر في الفتح بإثبات الخلاف، وذكر القاضي الخلاف في الأفعال.\nواستدل من قال بعدم جواز النسيان على النبي - ﷺ - بأمور:\n١ - قوله في حديث ذي اليدين: \"لم أنس\" [البخاري (١/ ٦٧٤ / ٤٨٢)، ومسلم (١/ ٤٠٣ / ٥٧٣)]، فهذا نص منه على نفي النسيان؛ أي أنه في حقيقة الأمر لم ينس ولكنه تعمد ذلك لبيان التشريع.\nوتعقب هذا الاستدلال بأمرين:\nالأول: قول ذي اليدين: \"بل نسيت\"، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أكما يقول ذو اليدين؟ \"، فقوله - ﷺ - راجع إلى السلام؛ أي سلمت قاصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا.\nالثاني: أن حديث ابن مسعود - ﵁ - ينفي ذلك، قال ابن حجر في الفتح: (فأثبت العلة قبل الحكم، وقيد الحكم بقوله: \"إنما أنا بشر\"، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا فقال: \"كما تنسون\").\n٢ - حديث: \"إني لا أنسى ولكن أُنَسَّى\"، وأجيب عن ذلك بأن هذا من بلاغات مالك التي لم توصل بعد البحث الطويل عن طريق لوصلها كما يقول ابن حجر في الفتح، ولو صح ذلك لكان في نسيان آي القرآن، ولا يلزم من نفي النسيان في الآية نفي النسيان في كل شيء. =","vol":"1","page":196},{"text":"ومثل هذا إنما يصرح به في الحديث ويبين؛ لأن النبي - ﷺ - وإن نسي فإنه لا يقر عليه.\nومثاله:\nأ - ما ورد من حديث المسور بن يزيد الأسدي المالكي - ﵁ - قال: شهدت رسول الله - ﷺ - يقرأ في الصلاة فترك شيئًا لم يقرأه فقال له رجل: يا رسول الله، أين كذا وكذا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"هلا أذكرتنيها\" (١)، قال الرجل: كنت أراها نسخت.\nب - ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشي، فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان\n_________\n= ويجب أن يلاحظ هنا أمران في غاية الأهمية:\n١ - أن النبي - ﷺ - وإن سها لا يقر على السهو، وعلى هذا كافة العلماء، ونقل النووي وابن حجر الإجماع على ذلك.\n٢ - أن الجمهور على جواز السهو على النبي - ﷺ - فيما لا يتعلق بالبلاغ، وقيل: لا يجوز، ونقل ابن تيمية الجد الإجماع على جواز السهو فيما لا يتعلق بالتكاليف، وانظر: فتح الباري (٣/ ١٢٢ - ١٢١)، وشرح صحيح مسلم للنووي (٥/ ٦٤)، وعون المعبود للعظيم آبادي (٢/ ٣٧٧)، والمسودة (١/ ١٤٠)، وشرح الكوكب المنير (٢/ ١٧٠ - ١٧٧)، وأصول الفقه لابن مفلح (١/ ٣٢٣ - ٣٢٥)، والبحر المحيط (٤/ ١٧٢ - ١٧٥).\n(١) رواه أبو داود (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧/ ٩٠٧) كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام في الصلاة، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٥٤ / ٩٠٧).","vol":"1","page":197},{"text":"من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين، قال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؛ قال: \"لم أنس ولم تقصر\"، فقال: \"أكما يقول ذو اليدين؟ \"، فقالوا: نعم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم سلم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>المسألة السادسة: الترك لمجرد الطبع:</span>\nومثاله: ما ورد من حديث ابن عباس - ﵄ - أن خالد بن الوليد - ﵁ - أخبره أنه دخل مع رسول الله - ﷺ - على ميمونة - ﵂ - وهي خالته، وخالة ابن عباس - ﵁ - فوجد عندها ضبًا محنوذًا (٢) قَدِمَت به أختها حُفَيدة بنت الحارث - ﵄ - من نجد، فقدمت الضب لرسول الله - ﷺ -، وكان قلما يُقدِّم يده لطعام حتى يحدث به ويسمى له، فأهوى رسول الله - ﷺ - يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله - ﷺ - ما قدمتن له، قلن: هو الضب، فرفع رسول الله - ﷺ - يده عن الضب، فقال خالد بن الوليد - ﵁ -: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: \"لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه\"، قال خالد: فاجتززته فأكلته ورسول الله - ﷺ - ينظر إلي (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٦٧٤ / ٤٨٢) كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ومسلم (١/ ٤٠٣ / ٥٧٣) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له.\n(٢) محنوذ: أي مشويّ، وقيل: المشويّ على الرضف، وهي الحجارة المحماة.\n(٣) رواه البخاري (٩/ ٤٤٤ - ٤٤٥/ ٥٣٩١) كتاب الأطعمة، باب السويق، ومسلم =","vol":"1","page":198},{"text":"وقد استدل العلماء بهذا الحديث على إباحة أكل الضب؛ لأن النبي - ﷺ - قد صرح بالمانع من أكله.\nقال ابن قدامة: \"وأما الضب فإنه مباح في قول أكثر أهل العلم، منهم عمر بن الخطاب وابن عباس وأبو سعيد وأصحاب رسول الله - ﷺ - ... وبهذا قال مالك والليث والشافعي وابن المنذر\" (١).\nقال ابن عباس: \"ترك رسول الله الضب تقذرًا وأُكل على مائدته، ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله - ﷺ - \" (٢).\nوقد ورد عن أبي الزبير - ﵁ - أنه قال: سألت جابرًا - ﵁ - عن الضب، فقال: لا تطعموه، وقَذِرَه، وقال: قال عمر - ﵁ -: \"إن النبي - ﷺ - لم يحرمه، إن الله ﷿ ينفع به غير واحد، فإنما طعام عامة الرعاء منه، ولو كان عندي طعمته\" (٣).\nوقد نقل النووي الإجماع على أن الضب مباح فقال: \"وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه، إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا: هو حرام وما\n_________\n= (٣/ ١٥٤٣ / ١٩٤٥) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب، ومعنى محنوذ: أي: مشوي، وقيل: المشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة.\n(١) المغني (١٣/ ٣٤٠).\n(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٤٠ / ٢٥٧٥) كتاب الهبة، باب قبول الهدية، ومسلم (٣/ ١٥٤٤ - ١٥٤٥/ ١٩٤٧) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب.\n(٣) صحيح مسلم (٣/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦/ ١٩٥٠) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب.","vol":"1","page":199},{"text":"أظنه يصح عن أحد، فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله\" (١).\nوالذي دعى النووي إلى نقل الإجماع هو صراحة الحديث على الحل، ولكن الإجماع هذا مردود بخلاف أبي حنيفة وأصحابه، ولو قال: أجمع العلماء على أن دلالة هذا الحديث حل الضب لكان قولًا صحيحًا، فإن الذين ذهبوا إلى كراهته أو حرمته لم يعارضوا كون ذلك الحديث دالًا على الإباحة لما ذكره النبي من السبب، بل للأحاديث التي وردت تفيد عدم جواز أكله.\nفمن ذلك:\n- ما ورد من حديث عبد الرحمن بن شبل - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن أكل لحم الضب (٢).\n- ما ورد من حديث ثابت بن وديعة - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في جيش فأصبنا ضبابًا، قال فشويت منها ضبًا، فأتيت رسول الله - ﷺ - فوضعته بين يديه، فأخذ عودًا فعد به أصابعه، ثم قال: \"إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، وإني لا أدري أي الدواب هي\"، قال: فلم يأكل ولم ينه (٣).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١٣/ ٩٨).\n(٢) رواه أبو داود (٣/ ٣٥٣ / ٣٧٩٦) كتاب الأطعمة، باب في أكل الضب، قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٨٣): وإسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ١١٥٧ / ٦٨٥٦).\n(٣) رواه أبو داود (٣/ ٣٥٣ / ٣٧٩٥) كتاب الأطعمة، باب في أكل الضب، وصححه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٤٠٢ / ٢٠٠٤).","vol":"1","page":200},{"text":"- ما رواه أبو سعيد - ﵁ - أن أعرابيًّا أتى النبي - ﷺ - فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي، قال: فلم يجبه ثلاثًا، ثم ناداه رسول الله - ﷺ - في الثالثة فقال: \"يا أعرابي: إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، ولا أدري لعل هذه منها فلم آكلها، ولم أنه عنها\" (١).\nقال بعض الحنفية: اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم (٢).\nوالرد عليهم: أن معرفة المتقدم ممكنة وليست متعذرة، وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: \"ولا أدري لعل هذه منها\".\nوهذا يقتضي أنه لم يوحَ له في ذلك بشيء، ثم أوحي له أنه ليس منهم، والدليل على ذلك ما ورد من حديث ابن مسعود - ﵁ - أن رجلًا قال: \"يا رسول الله القردة والخنازير هي مما مسخ الله؟ \"، فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله لم يهلك أو يعذب قومًا فيجعل لهم نسلًا\" (٣).\nقال ابن حجر: \"والأحاديث وإن دلت على الحل فالجمع بينها وبين الحديث المذكور: حمل النهي فيه على أول الحال، ثم تجويز أن يكون مما مسخ،\n_________\n(١) رواه مسلم (٣/ ١٥٤٦ / ١٩٥١) كتاب الصيد والذبائح، باب إباحة الضب.\n(٢) فتح الباري (٩/ ٥٨٤).\n(٣) رواه مسلم (٤/ ٢٠٥١ - ٢٠٥٢/ ٢٦٦٣) كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر.","vol":"1","page":201},{"text":"وحينئذ أمر بإكفاء القدور، ثم توقف فيه فلم يأمر به ولم ينه عنه، وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه\" (١).\nويتضح من أقوال العلماء - المبيحين والمانعين على السواء - أن حديث خالد دل على أمرين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - أقر خالدًا على أكله.\nالثاني: أن ترك النبي - ﷺ - هنا مختص بما ذكره رسول الله - ﷺ - من العلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>المسألة السابعة: الترك لأجل مراجعة الصحابة له - ﷺ </span>-:\nومثاله: ما ورد من حديث أنس - ﵁ - قال: أراد النبي - ﷺ - أن يقطع من البحرين، فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، قال: \"سترون بعدي أثره فاصبروا حتى تلقوني\" (٢).\nومن أمثلته أيضًا: مراجعة الحباب بن المنذر للنبي - ﷺ - في موضع بدر، لكنه ضعيف (٣).\n_________\n(١) فتح الباري (٩/ ٥٨٣).\n(٢) رواه البخاري (٥/ ٥٩ / ٢٣٧٧) كتاب الشرب والمساقاة، باب كتابة القطائع.\n(٣) رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٢٤ / ٥٨٧٢) كتاب معرفة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب مناقب الحباب بن المنذر بن الجموح، عن الحباب بن المنذر الأنصاري - ﵁ - قال: أشرت على رسول الله - ﷺ - يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني، خرجت مع رسول الله - ﷺ - في غزاة بدر فعسكر خلف الماء، فقلت يا رسول الله أبِوَحْي فعلت أو برأي؟ قال: \"برأي يا حباب\"، =","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>المسألة الثامنة: الترك لأجل ألا يفرض العمل:</span>\nوهو أن يترك النبي - ﷺ - عملًا من الطاعات يحبه خشية أن تؤدي مواظبته عليه إلى أن يفرض على الأمة وفي هذا مشقة عليها.\n\nفمن ذلك: تركه سبحة الضحى وهي صلاة الضحى، فقد ورد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: إن كان رسول الله - ﷺ - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، وما سبح رسول الله - ﷺ - سبحة الضحى قط وإني لأسبحها (١).\nوذلك مع ما ورد من الترغيب في فضلها، فقد ورد عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: \"أوصاني خليلي - ﷺ - بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد\" (٢).\n_________\n= قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك فإن لجأت لجأت إليه فقبل ذلك مني.\nقال الذهبي في التلخيص [مطبوع على هامش المستدرك]: حديث منكر، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (٧/ ٤٥١ / ٣٤٤٨): ضعيف على شهرته في كتب المغازي. اهـ. وإنما ذكرته هنا رغم ضعفه لشهرة الاستدلال به.\n(١) رواه البخاري (٣/ ١٣ - ١٤/ ١١٢٨) كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب (٣/ ٦٧ / ١١٧٧) كتاب التهجد، باب من لم يصل الضحى ورآه واسعًا، ومسلم (١/ ٤٩٧ / ٧١٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى.\n(٢) رواه البخاري (٤/ ٢٦٦ / ١٩٨١) كتاب الصوم، باب صيام البيض، ومسلم (١/ ٤٩٩ / ٧٢١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى.","vol":"1","page":203},{"text":"قال النووي: \"قال العلماء في الجمع بين هذه الأحاديث: إن النبي - ﷺ - كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن يفرض على الأمة فيعجزوا عنها، كما ثبت في هذا الحديث، وكان يفعلها في بعض الأوقات كما صرحت به عائشة، وكما ذكرته أم هانئ وأوصى بها أبا الدرداء وأبا هريرة\" (١).\n\nومن ذلك أيضًا: ترك صلاة القيام جماعة في رمضان، فقد ورد من حديث عائشة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - خرج ذات ليلة في جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمعوا أكثر منهم، فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج رسول الله - ﷺ -، فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: \"أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها\" (٢)، وفي رواية: \"وكان ذلك في رمضان\" (٣).\nوقد جاء الخوف من المشقة على الأمة أيضًا مصرحًا به فيما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا الإيمان بي وتصديق برسلي أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو\n_________\n(١) المجموع (٣/ ٥٣٠).\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٤٦٩ / ٩٢٤) كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: \"أما بعد\".\n(٣) رواه مسلم (١/ ٥٢٤ / ٧٦١) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.","vol":"1","page":204},{"text":"أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل\" (١).\n\n* ومن ذلك: أن يخبر النبي - ﷺ - أنه أراد أن يأمر ثم ترك خشية المشقة:\nومثاله:\nما ورد عن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله - ﷺ - لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فلا ندري أشيء شغله في أهله أو غير ذلك، فقال حين خرج: \"إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة\"، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى (٢).\nوورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>المسألة التاسعة: الترك لأجل مراعاة حال الآخرين:</span>\nوذلك لأجل ألا يشق عليهم، ومن ذلك:\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ١١٤ / ٣٦) كتاب الإيمان، باب الجهاد من الإيمان، ومسلم (٣/ ١٤٩٥ - ١٤٩٦/ ١٨٧٦) كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله.\n(٢) رواه مسلم (١/ ٤٤٢ / ٦٣٩) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب وقت العشاء وتأخيرها.\n(٣) رواه أبو داود (١/ ١٢ / ٤٦) كتاب الطهارة، باب السواك، وهذا لفظه، وبلفظ قريب رواه النسائي (١/ ٢٦٦) كتاب الصلاة، باب ما يستحب من تأخير العشاء، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٢ / ٤٦).","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>أ - ترك النبي - ﷺ - التزوج من نساء الأنصار:</span>\nفقد ورد من حديث أنس - ﵁ - قال: قالوا: يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: \"إن فيهم لغيرة شديدة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>ب - ترك النبي - ﷺ - التطويل في الصلاة إذا سمع الصبي يبكي:</span>\nفقد ورد من حديث أبي قتادة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه\" (٢)، وفي رواية: من حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه على بكائه \" (٣).\nوأيضًا ما ورد من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: أتى رسول الله - ﷺ - على حمزة - ﵁ - يوم أُحد فوقف عليه فرآه قد مُثل به فقال: \"لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشر يوم القيامة من بطونها\" (٤).\n_________\n(١) رواه النسائي (٦/ ٦٩) كتاب النكاح، باب المرأة الغيراء، وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٤١٧ / ٣٢٣٣).\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٢٣٦ / ٧٥٧) كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي.\n(٣) رواه البخاري (٢/ ٢٣٦ / ٧٠٩) كتاب الأذان، باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي، ومسلم (١/ ٣٤٣ / ٤٧٠) كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام.\n(٤) رواه الترمذي (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦/ ١٠١٦) كتاب الجنائز، باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة، وأبو داود (٣/ ١٩٢ / ٣١٣٦) كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢٨٤ / ٣١٣٦)، والعافية: هي كل طالب رزق من إنسان أو =","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>المسألة العاشرة: الترك لأجل بيان التشريع:</span>\nوهو أن يترك النبي - ﷺ - أمرًا مشروعًا ليُبيِّن مشروعية أمر غيره، أو يُبيِّن جوازه، أو يُبيِّن كونه أفضل أو لبيان حكم جديد.\nوفيما يلي ما يندرج تحته من أقسام وبيان أمثلة ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>أ - ترك المباح طلبًا للأولى والأفضل:</span>\nوذلك بأن يكون كلا الفعلين المتر وك والمفعول جائزًا، ويعدل النبي - ﷺ - عن أقلهما اختيارًا للفضيلة، ولا شك أن مثل هذا المعنى لا يعرف إلا بالتوقيف، وهو ظاهر فيما أخبرنا النبي - ﷺ - أن حاله كذلك.\nفمن ذلك ما ورد من حديث أبي رافع - ﵁ - أن النبي - ﷺ - طاف على نسائه في ليلة وكان يغتسل عند كل واحدة منهن، فقيل له: يا رسول الله، ألا تجعله غسلًا واحدًا، فقال: \"هو أزكى وأطيب وأطهر\" (١).\nفالنبي - ﷺ - ترك فعلًا مباحًا، ووجه كون هذا المتروك مباحًا أمران:\nالأول: أن الصحابة علموا ذلك سابقًا، فلما فعل النبي - ﷺ - ذلك سألوه عن الحكمة في ذلك.\n_________\n= بهيمة أو طائر. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (ص ٦٢٨) [تحقيق بإشراف: علي حسن عبد الحميد، دار ابن الجوزي، ط. الثانية (١٤٢٣ هـ)].\n(١) رواه أبو داود (١/ ٥٥ / ٢١٩) كتاب الطهارة، باب الوضوء لمن أراد أن يعود، وابن ماجه (١/ ١٩٤ / ٥٩٠) كتاب الطهارة وسننها، باب فيمن يغتسل عند كل واحدة غسلًا، واللفظ لابن ماجه، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٦٧ / ٢١٩).","vol":"1","page":207},{"text":"الثاني: أن أبا رافع لم يكن يعلم حكم ذلك فعلم كون ذلك مباحًا من هذا الحديث؛ إذ لم ينكر عليه النبي - ﷺ - استفساره ذلك بل أخبره بالحكمة فيما فعل.\nوبذا تكون دلالة هذا الحديث على أمرين:\n١ - جواز الجماع أكثر من مرة بغسل واحد.\n٢ - أن الاغتسال بعد كل جماع أفضل.\nوقد ينعكس هذا النوع وهو الحالة التي تليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>ب - ترك فعل الأفضل لبيان الجواز:</span>\nفقد ورد عن سليمان بن بريدة - ﵁ - عن أبيه أن النبي - ﷺ - صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه، فقال له عمر - ﵁ -: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، فقال: \"عمدًا صنعته يا عمر\" (١).\nونقل ابن حجر عن الطحاوي قوله: \"يحتمل أن ذلك كان واجبًا عليه ثم نسخ يوم الفتح، ويحتمل أنه كان يفعله استحبابًا، ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز\".\nثم قال: \"وهذا أقرب\" (٢).\nفالنبي - ﷺ - فعل المباح لكي لا يتوهم أحد بسبب مواظبته على الوضوء لكل صلاة أن ذلك واجب، ولا شك أن ما واظب عليه النبي - ﷺ - أفضل وأولى مما فعله مرة.\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٣٢ / ٢٧٧) كتاب الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد.\n(٢) فتح الباري (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>ج - ترك العمل بما يعلم لأجل ما سبق من التشريع:</span>\nفقد ورد من حديث سهل بن سعد - ﵁ - أن عويمرًا أتى عاصم بن عدي - ﵁ - وكان سيد بني عَجلان فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأتى عاصم النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله - ﷺ - المسائل، فسأله عويمر فقال: إن رسول الله - ﷺ - كره المسائل وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أنزل الله القرآن فيك وفي صاحبتك\"، فأمرهما رسول الله - ﷺ - بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها ثم قال: يا رسول الله، إن حبستها فقد ظلمتها فطلقها، فكانت سنة لمن كان بعدهما في المتلاعنين، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خَدَلج الساقين فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أُحَيمِر كأنه وَحَرَة فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها\"، فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله - ﷺ - من تصديق عويمر فكان بعد ينسب إلى أمه (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٨/ ٣٠٣ / ٤٧٤٥) كتاب التفسير، باب (والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، قوله: أسحم شديد السواد (مقدمة فتح الباري، ص ١٣٧)، وأدعج أي: شديد سواد العين =","vol":"1","page":209},{"text":"وقد ورد من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيِّنة لرجمت فلانة، فقد ظهر منها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها\" (١).\nففي هذا الحديث النبي - ﷺ - أخبر خبرًا صادقًا - ولا شك - من تصديق عويمر أو تكذيبه فجاء النعت على تصديق عويمر، ومع ذلك لم يرجمها رسول الله - ﷺ -، وترك العمل بما يعلم لأجل أن الشرع لم يبح له أن يعمل بعلمه في ذلك، بل سماه بغير بيِّنة، وفي هذا دليل على أن القاضي لا يجوز له إقامة الحدود بناء على علمه، الذي هو أوثق عنده من البينات والشهود، بل كان بلا بيِّنة.\nولذا \"فلا خلاف بين فقهاء المذاهب في أن القاضي لا يجوز له القضاء بعلمه في الحدود الخالصة لله تعالى كالزنى وشرب الخمر؛ لأن الحدود يحتاط في درئها، وليس من الاحتياط الاكتفاء بعلم القاضي، ولأن الحدود لا تثبت\n_________\n= (مقدمة فتح الباري، ص ١٢٢)، وخدلج أي: ممتلئ الساقين (مقدمة فتح الباري، ص ١١٦)، وأحيمر بالتصغير: قال ثعلب: المراد بالأحمر الأبيض لأن الحمرة إنما تبدو في البياض، وقوله: وحرة: بفتح الواو والراء: دويبة تترامى على اللحم والطعام فتفسده وهي من نوع الوزغ [فتح الباري (٩/ ٣٦٣)].\n(١) رواه ابن ماجه (٢/ ٨٥٥ / ٢٥٥٩) كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة، من حديث ابن عباس - ﵄ - بهذا اللفظ، ورواه البخاري (١٢/ ١٨٧ / ٦٨٥٥) كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة، ومسلم (٢/ ١١٣٤ / ١٤٩٧) كتاب اللعان أن ابن عباس - ﵄ - ذكر المتلاعنين فقال عبد الله بن شداد: أهي التي قال رسول الله - ﷺ -: \"لو كنت راجمًا امرأة من غير بينة\"؟ قال: لا تلك امرأة أعلنت، وهذا لفظ البخاري.","vol":"1","page":210},{"text":"إلا بالإقرار أو البينة المنطوق بها، وأنه وإن وجد في علم القاضي معنى البينة فقد فاتت صورتها وهو النطق، وفوات الصورة يورث الشبهة، والحدود تدرأ بالشبهات\" (١).\nوالحديث دليل على عدم الجواز؛ إذ ترك النبي - ﷺ - رجمها مع قيام ما يقتضي ذلك، وهو علمه بكونها زانية؛ لأجل مانع وهو عدم الجواز، واستفيد عدم الجواز من تسمية ذلك الفعل أنه بغير بيِّنة فأهدر بيِّنة علمه.\nوأيضًا: ما ورد عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - فسمعناه يقول: \"أعوذ بالله منك\"، ثم قال: \"ألعنك بلعنة الله ثلاثًا\"، وبسط يده كأنه يتناول شيئًا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: \"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات، ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة، فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه، والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة\" (٢).\nوبمثل هذا وردت الرواية عن جابر بن عبد الله - ﵁ - (٣).\n_________\n(١) الموسوعة الفقهية (١/ ٢٤٣).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٣٨٥ / ٥٤٢) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، والتعوذ منه، وجواز الحمل القليل في الصلاة.\n(٣) رواه البخاري (٣/ ١٠٤ / ١٢١٧) كتاب العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة، ومسلم (١/ ٣٨٣ / ٥٤٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في =","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>المسألة الحادية عشرة: الترك لأجل مانع يخبر به:</span>\nومثاله: ما ورد من حديث عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم\" (١).\nوأيضًا: ما ورد عن جُدامة بنت وهب الأسدية - ﵂ - أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لقد هممت أن أنهى عن الغِيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم\" (٢)، وفي رواية: ثم سألوه عن العزل فقال رسول الله - ﷺ -: \"ذلك الوأد الخفي\" (٣).\nوالغِيَلة أو الغَيَل أو الغِيَال: هو مجامعة الرجل المرأة وهي مرضع، وقيل: هو أن ترضع المرأة وهي حامل (٤).\n_________\n= الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة.\n(١) رواه الترمذي (٤/ ٦٧ / ١٤٨٩) كتاب الأحكام والفوائد، باب ما جاء \"من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره\"، والنسائي (٧/ ١٨٥) كتاب الصيد والذبائح، باب صفة الكلاب التي أمر بقتلها، وأبو داود (٣/ ١٠٧ / ٢٨٤٥) كتاب الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، وابن ماجه (٢/ ١٠٦٩ / ٣٢٠٥) كتاب الصيد، باب قتل الكلاب إلا كلب صيد أو زرع، وصححه الألباني في سنن أبي داود (٢/ ١٩٩ / ٢٨٤٥) وغيره من السنن.\n(٢) رواه مسلم (٢/ ١٠٦٦ / ١٤٤٢) كتاب النكاح، باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل.\n(٣) رواه مسلم (٢/ ١٠٦٧ / ١٤٤٢) كتاب النكاح، باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل.\n(٤) شرح مسلم للنووي (١٠/ ٢٥٨).","vol":"1","page":212},{"text":"قال ابن السكيت: \"وذلك لما يحصل على الرضيع من العذر بالحبل حال إرضاعه فكان ذلك سبب همه - ﷺ - بالنهي، ولكنه لما رأى أن الغِيَلة لا تضر فارس والروم ترك النهي عنهما\" (١).\nقال الصنعاني: \"وقيل: هي أن ترضع المرأة وهي حامل، والأطباء يقولون: إن ذلك داء، والعرب تكرهه وتتقيه، ولكن النبي - ﷺ - رد ذلك عليهم، وبيَّن عدم الضرر الذي زعمه العرب والأطباء بأن فارسًا والروم تفعل ذلك ولا ضرر يحدث مع الأولاد\" (٢).\n* * *\n_________\n(١) نقله الشوكاني عنه في نيل الأوطار (٤/ ٣٠٦).\n(٢) سبل السلام (٣/ ٣٣٠).","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>المبحث الثاني: بيان الترك المطلق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>المطلب الأول: تعريف الترك المطلق:</span>\nالإطلاق في اللغة: ضد التقييد، \"والمطلق اسم مفعول من الإطلاق ومن معانيه: الإرسال والتخلية وعدم التقييد\" (١).\nوعند الأصوليين: هو: \"ما دل على الماهية من غير أن يكون له دلالة على شيء من قيودها\" (٢).\nفالترك المطلق هو ما تركه النبي - ﷺ - فنقل الصحابي ذلك، دون نقل ما يصلح أن يكون سببًا من جهة السمع.\nوليس معنى ذلك أن ذلك الفعل لا سبيل إلى معرفة سببه؛ إذ إن معنى الكف أن يكون هناك ما يعتقد كونه داعيًا للفعل فيترك النبي - ﷺ -، بل قد يعرف السبب من جهة الاستنباط، وفيما يلي أمثلة لأحاديث ذكر الصحابة فيها امتناع النبي - ﷺ - عن فعل معين، وبيان ما استنبطه الفقهاء من أحكام فقهية مأخوذة من تلك الأحاديث.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-192> طرق استنباط سبب الترك المطلق:</span>\nيعرف سبب الترك المطلق من خلال طرق استنباط العلة، وفيما يلي بيان تلك الطرق على سبيل الإجمال:\n_________\n(١) الموسوعة الفقهية الكويتية (٣٨/ ١٢٢).\n(٢) البحر المحيط (٣/ ٤١٣)، وعزاه للرازي وهو في المحصول (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":214},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-193> فعل النبي - ﷺ - لأمر عقب وقوع شيء يفهم منه أنه كان لأجله</span>.\nقال الزركشي: \"وهذا مما أهمله أكثر الأصوليين، وقد ذكره القاضي في التقريب\" (١)، وقياسه في الترك أن يترك النبي - ﷺ - ما يتوقع فعله عقب أمر فيعلم أنه إنما كان لأجله.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-194> المناسبة: </span>وهي \"وصف ظاهر منضبط، يحصل عقلًا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودًا للعقلاء من حصول مصلحة دينية أو دنيوية، أو دفع مفسدة\" (٢).\n*<span data-type=\"title\" id=toc-195> السبر والتقسيم: </span>للصفات لمعرفة ما يصلح منها للعلية.\n*<span data-type=\"title\" id=toc-196> الدوران: </span>وهو وجود الحكم عند وجود وصف وارتفاعه عند ارتفاعه في صورة واحدة (٣).\nوفيما يلي ذكر لبعض أمثلة الترك المطلق، والتطبيقات الفقهية المتعلقة بتلك الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المطلب الثاني: أمثلة الترك المطلق:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>من أمثلة الترك المطلق </span>ما يلي:\n*<span data-type=\"title\" id=toc-199> ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه:</span>\nعن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - ﵁ - عن جابر بن عبد الله - ﵁ -:\n_________\n(١) البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٠٥).\n(٢) هذا تعريف ابن الحاجب نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٤/ ٢٠٧).\n(٣) انظر تفصيل ذلك في البحر المحيط للزركشي (٤/ ٢٠٥ - ٢٥٩).","vol":"1","page":215},{"text":"أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: \"أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ \"، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: \"أنا شهيد على هؤلاء\"، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-200> ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في الصلاة:</span>\nعن أنس - ﵁ - قال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" (٢) أي في الفاتحة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-201> ترك مبايعة المجذوم:</span>\nعن عمرو بن الشريد - ﵁ - عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي - ﷺ -: \"إنا قد بايعناك فارجع\" (٣) (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-202> ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد:</span>\nعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - الصلاة\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٢٥٢ / ١٣٤٧) كتاب الجنائز، باب من يقدم في اللحد.\n(٢) رواه مسلم (١/ ٢٩٩ / ٣٩٩) كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة.\n(٣) رواه مسلم (٤/ ١٧٥٢ / ٢٢٣١) كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه.\n(٤) هذا المثال يحتمل أن يكون من قبيل الترك المسبب، فيكون ذكر السبب هنا عن طريق الإيماء والتنبيه، لكن الذي أميل إليه أنه من الترك المطلق إذ كون هذا الحديث من قبيل فعل النبي - ﷺ - لشيء عقب شيء فيفهم أنه كان لأجله؛ أقرب من توصيفه بأنه ربط للحكم باسم مشتق منه.","vol":"1","page":216},{"text":"يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (١).\nوعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-203> ترك التنفل قبل صلاة العيد:</span>\nعن ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خرصها وتلقي سخابها (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-204> ترك تخميس السلب:</span>\nعن عوف بن مالك وخالد بن الوليد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب (٤).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٦٠٣ / ٨٨٥) كتاب صلاة العيدين.\n(٢) رواه مسلم (٢/ ٦٠٤ / ٨٨٧) كتاب صلاة العيدين.\n(٣) رواه البخاري (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦/ ٩٦٤) كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، ومسلم (٢/ ٦٠٦ / ٨٨٤) كتاب صلاة العيدين، باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى، واللفظ له.\n(٤) رواه أبو داود (٣/ ٧٢ / ٢٧٢١) كتاب الجهاد، باب في السلب ما يخمس، واللفظ له، ورواه مسلم مطولًا بمعناه (٣/ ١٣٧٣ / ١٧٥٣) كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل.","vol":"1","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-205> ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب </span>(١):\nعن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - قبل بدر فلما كان بحَرة الوبَرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \"، قال: لا، قال رسول الله - ﷺ -: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\"، قال: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة، قال: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"فانطلق\" (٢).\n_________\n(١) ترددت كثيرًا في هذا المثال هل هو من الترك المسبب أم من الترك المطلق؟ والسبب في ذلك: أن قول النبي - ﷺ -: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\" هل هو بيان لسبب الترك أم إخبار عن حصول الترك؟ لكل من الأمرين حظ من النظر، والذي أميل إليه أنه من الترك المطلق، وأن النبي - ﷺ - لم يخبر بسبب الترك في هذا الحديث، وإنما أخبر عن نفسه أنه لا يفعل، ومما يؤيد ذلك اختلاف الفقهاء في علة إرجاعه، وقد يقال: إن النبي - ﷺ - بين سبب الترك بوصف الرجل بالمشرك، وهي نكرة في سياق النفي تفيد العموم، وهذا صحيح لكن يبقى: هل هذا البيان من جهة النص أم من جهة الاستنباط؟ الذي يظهر أنه من جهة الاستنباط إذ يحتمل أن النبي - ﷺ - ذلك الوصف ترغيبًا له في الإسلام، وهو ما ذكره بعض الفقهاء، وعليه فالأولى في نظري أن يكون من الترك المطلق، ونظيره من إخبار النبي - ﷺ - عن تركه قوله - ﷺ -: \"إني لا آكل متكئًا\".\n(٢) رواه مسلم (٣/ ١٤٤٩ / ١٨١٧) كتاب الجهاد والسير، باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر.","vol":"1","page":218},{"text":"ولبيان ما فهمه الفقهاء من ترك النبي - ﷺ - في الأحاديث السابقة، لابد من دراستها دراسة فقهية مقارنة، وذلك للاطلاع على دلالة هذا الترك من خلال التطبيق الفقهي، ولذا سوف أخص بعض الأمثلة السابقة بالدراسة الفقهية، والمسائل التي ستُتناول بالدراسة الفقهية هي ما يلي:\nأولًا: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه.\nثانيًا: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب.\nثالثًا: ترك الجهر بـ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" في الصلاة.\nرابعًا: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد.\nخامسًا: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>المسألة الأولى: ترك تغسيل الشهيد والصلاة عليه:</span>\nورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - ﵁ - عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: \"أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ \"، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: \"أنا شهيد على هؤلاء\"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (١).\nفي هذا الحديث بيان أن النبي - ﷺ - لم يصل على شهداء أُحد ولم يغسلهم،\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٢٥٢ / ١٣٤٧) كتاب الجنائز، باب من يقدم في اللحد.","vol":"1","page":219},{"text":"ولأن الأصل في المسلم أنه يغسل ويصلى عليه، فقد اختلف العلماء في ذلك وخلافهم في فرعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>الفرع الأول: هل يصلى على الشهيد</span>؟\nالفرع الثاني: هل يغسل الشهيد؟\n\nالفرع الأول: هل يصلى على الشهيد (١)؟\nاختلف في الصلاة على الشهيد على ثلاثة أقوال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>القول الأول: أن شهيد المعركة لا يصلى عليه:</span>\nوهو قول مالك (٢) والليث (٣) والشافعي (٤) وداود وإسحاق ورواية\n_________\n(١) المراد بالشهيد شهيد المعركة وهو من مات فيها ولم ينقل من مكانه، أما الذي نقل إلى مكان آخر ولم يمت في المعركة فقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه يصلى عليه [التمهيد (١٠/ ١٥٣)].\n(٢) التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ١٥٣)، وتهذيب المدونة (١/ ٣٤١) [(التهذيب في اختصار المدونة)، تأليف: أبي سعيد البراذعي، دراسة وتحقيق: محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، راجعه: أ. د. أحمد على الأزرق، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، الطبعة الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)].\n(٣) هو: أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، عالم الديار المصرية من أتباع التابعين، كان إمامًا فقيهًا محدثًا أصوليًّا فصيحًا، من أقران الإمام مالك ﵀، ولد سنة (٩٤ هـ)، وتوفي سنة (١٧٥ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٣٨)، وفيات الأعيان (٤/ ١٢٧ / ٥٤٩)، شذرات الذهب (٢/ ٣٣٩)].\n(٤) المجموع (٥/ ٢٢١ - ٢٢٥).","vol":"1","page":220},{"text":"أحمد وقال ابن قدامة: هو الصحيح في المذهب، وهو قول القاضي من الحنابلة وأصحابهم، واختيار ابن قدامة (١)، والصنعاني (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-209> الأدلة:</span>\n١ - ما ورد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك - ﵁ - عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثم يقول: \"أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ \"، فإذا أشير له إلى أحدهما قدَّمه في اللحد وقال: \"أنا شهيد على هؤلاء\"، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم (٣).\n٢ - ما ورد عن أنس - ﵁ - أن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم (٤).\n_________\n(١) المغني (٣/ ٤٦٧)، شرح الخرقي (٢/ ٣٤١) [(شرح الزركشي على مختصر الخرقي)، تأليف: شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق وتخريج: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين، أشرف على طبعه: محمد بن حمد المنيع، دار الأفهام للنشر والتوزيع، ط. الثالثة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)،، الإقناع للحجاوي (١/ ٣٤٢) [(الإقناع لطالب الانتفاع) لشرف الدين موسى بن الحمد - بن موسى بن سالم أبي النجا الحجاوي المقدسي، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، ط. الثالثة (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م) طبعة خاصة بدارة الملك عبد العزيز].\n(٢) سبل السلام (٢/ ٢٥٠).\n(٣) رواه البخاري (٣/ ٢٥٢ / ١٣٤٧) كتاب الجنائز، باب من يقدم في اللحد.\n(٤) رواه أبو داود (٣/ ١٩١ - ١٩٢/ ٣١٣٥) كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، وحسنه =","vol":"1","page":221},{"text":"٣ - ما ورد أن النبي - ﷺ - دفن جليبيب - ﵁ - ولم يصلِّ عليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>القول الثاني: أن شهيد المعركة يصلى عليه:</span>\nوهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب (٢) وفقهاء البصرة والكوفة والشام وسفيان الثوري (٣) (٤)، وهو قول أبي حنيفة (٥) وهو رواية عن أحمد\n_________\n= الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢٨٤ / ٣١٣٥).\n(١) رواه مسلم (٤/ ١٩١٨ - ١٩١٩/ ٢٤٧٢) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جليبيب - ﵁ -.\n(٢) هو: أبو محمد سعيد بن المسيِّب بن حَزْن بن أبي وهب القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، وأحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين، جمع بين الحديث والفقه والزهد، وامتحن زمن بني أمية فصبر، توفي سنة (٩٤ هـ) وقيل غير ذلك، وله ٨١ سنة.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٢١٥)، شذرات الذهب (١/ ٣٧٠)، تذكرة الحفاظ (١/ ٥٤ / ٣٨)].\n(٣) التمهيد لابن عبد البر (١٠/ ١٥٣ - ١٥٤).\n(٤) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوري الكوفي، نسبة إلى \"ثور بن عبد مناة\" من مضر، وهو شيخ الاسلام وإمام الحفاظ، وسيد العلماء العاملين في زمانه، صنَّف كتاب .. \"الجامع\"، طُلِب للقضاء من قبل المنصور فأبى وهرب حتى مات، ولد سنة ٩٧ هـ، ومات سنة ١٦١ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ١٧٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٧٤)].\n(٥) المبسوط (٢/ ٧٦) لأبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، قدم له: د. كمال عبد العظيم العناني، نشر دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م).","vol":"1","page":222},{"text":"اختارها الخلال (١) وأبو الخطاب الكلوذاني (٢)، والمزني (٣) من الشافعية (٤).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-211> الأدلة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-212> الأحاديث التي فيها الصلاة على الشهداء، ومنها:</span>\n١ - ما ورد عن شداد بن الهاد: أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - ﷺ - بعض أصحابه، فلما كانت غزوة، غنم النبي - ﷺ - سبيًا فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا:\n_________\n(١) هو: أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون بن يزيد البغدادي الخلال، شيخ الحنابلة وعالمهم، العلامة الحافظ الفقيه، ولد سنة ٢٣٤ هـ، تتلمذ لأبي بكر المرُّوذي، قال الذهبي: لم يكن قبله للإمام مذهب مستقل حتى تتبع هو نصوص أحمد ودونها وبرهنها بعد الثلاثمائة.\nتوفي سنة ٣١١ هـ، له كتاب \"الجامع في الفقه\"، و\"العلل\"، و\"السنة\"، و\"الطبقات\".\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٣١١)، تذكرة الحفاظ (٣/ ٧٧٨ / ٧٨٥)، طبقات الحنابلة (٣/ ٢٣ / ٥٨٢)].\n(٢) المغني (٣/ ٤٦٧)، شرح الخرقي للزركشي (٢/ ٣٤١).\n(٣) هو: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم المزني - نسبة إلى \"مزنية بنت كلب\" وهي قبيلة مشهورة - المصري تلميذ الشافعي، فقيه الملة وعلم الزهاد، ناصر المذهب، ولد سنة ١٧٥ هـ، وتوفي سنة ٢٦٤ هـ، من مصنفاته (المختصر في الفقه)، وهو عمدة في المذهب الشافعي، قال الشافعي عن المزني: \"لو ناظره الشيطان لغلبه\" اهـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٣٥)، شذرات الذهب (٣/ ٢٧٨)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٢/ ٩٣ / ٢٠)].\n(٤) المجموع (٥/ ٢٢١ / ٢٢٥).","vol":"1","page":223},{"text":"قسم قسمه لك النبي - ﷺ -، فأخذه فجاء به إلى النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟، قال: \"قسمته لك\"، قال: \"ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا - وأشار إلى حلقه - بسهم، فأموت، فأدخل الجنة\" فقال: \"إن تصدق الله يصدقك\"، فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتى به النبي - ﷺ - يُحْمَل، قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي - ﷺ -: \"أهو هو؟ \"، قالوا: نعم، قال: \"صدق الله فصدقه\" ثم كفنه النبي - ﷺ - في [جبة النبي - ﷺ -] (١) ثم قدمه فصلى عليه فكان فيما ظهر من صلاته: \"اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك\" (٢).\n٢ - ما ورد من حديث عبد الله بن الزبير - ﵁ - أن النبي - ﷺ - أمر بحمزة - ﵁ - فسجي ببردة ثم صلى عليه، فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم (٣).\n٣ - ما ورد من حديث أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - مرَّ بحمزة - ﵁ - وقد مُثِّل به، ولم يصلِّ على أحد من الشهداء غيره (٤).\n_________\n(١) هكذا في سنن النسائي، ولم يروه من أصحاب السنن غيره.\n(٢) رواه النسائي (٤/ ٦٠) كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهداء، والذين ضعفوه قالوا: شداد تابعي، فالحديث مرسل [نيل الأوطار (٢/ ٧٠٩)، والنووي في المجموع (٥/ ٢٢٦)].\nوالراجج أنه صحابي والحديث صحيح، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٨١).\n(٣) فيها نظر لأن فيها أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أُحد، وحديث جابر - ﵁ - في صحيح البخاري وكذلك حديث أنس - ﵁ - عند أبي داود أن النبي - ﷺ - لم يصل على قتلى أُحد غير حمزة - ﵁ -.\n(٤) رواه أبو داود (٣/ ١٩٢ / ٣١٣٧) كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، والترمذي =","vol":"1","page":224},{"text":"٤ - ما ورد من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على شهداء أُحد - بعد ثمان سنين - صلاته على الميت (١).\n٥ - ما ورد من حديث ابن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على حمزة - ﵁ - سبعين صلاة (٢).\n٦ - ما ورد من حديث أبي مالك الغفاري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أُحد عشرًا عشرًا حتى صلى على حمزة سبعين صلاة (٣).\nقالوا: هذه الأحاديث تقدم في الدلالة على حديث جابر الذي عند البخاري؛ لأن جابرًا مات أبوه وخاله وشُغِلَ بهما فلم يشعر هل صلى\n_________\n= (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦/ ١٠١٦) كتاب الجنائز، باب ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة، وحسنه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٧٩).\n(١) رواه البخاري (٧/ ٤٠٤ / ٤٠٤٢) كتاب المغازي، باب غزوة أحد، ومسلم (٤/ ١٧٩٥ / ٢٢٩٦) كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته.\n(٢) روى البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٣) كتاب الجنائز، باب من زعم أن النبي - ﷺ - صلى على شهداء أحد، من حديث إبن عباس - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - على حمزة فكبر عليه سبع تكبيرات ولم يؤت بقتيل إلا صلى عليه معه حتى صلى عليه اثنتين وسبعين صلاة، قال البيهقي: وهذا ضعيف، وروى أحمد في المسند [(٧/ ٤١٨ - ٤١٩/ ٤٤١٤) الأرنؤوط (١/ ٤٦٣) الهندية] من حديث ابن مسعود - ﵁ -: حديثًا طويلًا وفيه: أن النبي - ﷺ - صلى على حمزة سبعين صلاة، وهذا الحديث إسناده ضعيف، والحديث بطوله له له شواهد أُخر عدا هذا المقطع وهو صلاته على حمزة - ﵁ -.\n(٣) رواه البيهقي في الكبرى (٤/ ١٢) كتاب الجنائز، باب من زعم أن النبي - ﷺ - صلى على شهداء أحد، وقال البيهقي: مرسل، ووافقه النووي [المجموع (٥/ ٢٢٦)].","vol":"1","page":225},{"text":"النبي - ﷺ - على الشهداء أم لا (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-213> ما أجيب به عليهم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>أولًا: ضعف هذه الأحاديث:</span>\nفحديث ابن عباس - ﵁ - ضعفه ابن القيم بثلاث علل (٢)، والشوكاني (٣)، وحديث أبي مالك الغفاري - ﵁ - ضعفه الشافعي (٤) بل قال: \"جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي - ﷺ - لم يصلِّ على قتلى أُحد، وما روي أنه - ﷺ - صلى عليهم وكبَّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث - حديث أبي مالك وابن عباس - أن يستحي على نفسه\".\nأما حديث أنس - ﵁ - فقد أعله البخاري والترمذي والدارقطني (٥)، وإن قلنا بصحته فهو دليل على أن الصلاة كانت على حمزة - ﵁ - فقط، وليس على كل شهداء أُحد.\n_________\n(١) المبسوط (٢/ ٧٦).\n(٢) جامع فقه ابن القيم (٢/ ٤٤٥) (موسوعة الأعمال الكاملة للإمام ابن القيم)، جمع وتوثيق وتخريج: يسري السيد محمد، دار الوفاء، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n(٣) نيل الأوطار (٢/ ٧١٠).\n(٤) الأم (٢/ ٥٩٢) لمحمد بن إدريس الشافعي، تحقيق وتخريج: د. رفعت فوزي عبد المطلب، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة، ج. م ع، ونقله ابن حجر في فتح الباري (٣/ ٢٤٩).\n(٥) نيل الأوطار (٢/ ٧٠٩).","vol":"1","page":226},{"text":"قال النووي: \"وأما الأحاديث التي احتج بها القائلون في الصلاة فاتفق أهل الحديث على ضعفها كلها إلا حديث عقبة بن عامر - ﵁ - \" (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ثانيًا: تضعيفهم لدلالة حديث جابر - ﵁ - فيه نظر:</span>\nإذ كون أبيه وخاله من الشهداء يجعله أعلم الناس بهذه الواقعة؛ لأن النبي - ﷺ - لو صلَّى على جميع الشهداء لصلى على أبي جابر وخاله (٢).\nفإن قيل: إن رواية جابر - ﵁ - نفي وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها من رواية الإثبات.\nفيقال: إن رواية النفي تُرد إذا لم يحط بها علم الشاهد، ولم تكن محصورة، أما ما أحاط به علم الشاهد وكان محصورًا فيقبل بالاتفاق (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>القول الثالث: التخيير بين الصلاة وعدمها:</span>\nوهو رواية عن أحمد (٤)، وقول إمام الحرمين (٥).\n_________\n(١) المجموع (٥/ ٢٢٦).\n(٢) جامع فقه ابن القيم (٢/ ٤٤٥).\n(٣) المجموع (٥/ ٢٢٦).\n(٤) ذكرها الزركشي الحنبلي في شرح الخرقي (٢/ ٣٤١) عن المرُّوذِّي وهو أقرب تلامذة الإمام أحمد له، وقد وجه ابن قدامة [المغني (٣/ ٤٦٧)] هذه الرواية بأنها تدل على استحباب القولين في رواية الصلاة وعدم الصلاة ولكن ذكر الزركشي أنها رواية ثالثة، وكذلك ابن القيم في جامع فقهه (٢/ ٤٤٥).\n(٥) هو: إمام الحرمين، شيخ الشافعية أبو المعالي عبد الملك بن الإمام محمد عبد الله بن يوسف بن حَيُّويه الجويني النيسابوري، الملقب بـ ضياء الدين، ولد سنة ٤١٩ هـ، وتوفي =","vol":"1","page":227},{"text":"والبغوي (١) وابن حزم (٢)، وابن القيم (٣).\nوذلك جمعًا بين حديث جابر - ﵁ - وحديث شداد بن الهاد - ﵁ -.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-217> دلالة حديث عقبة بن عامر - ﵁ </span>-:\nحديث عقبة بن عامر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أُحد بعد ثمان سنين وقع الاختلاف في الاستدلال به على جواز الصلاة على الشهيد:\n- فقال من استدل به أن النبي - ﷺ - صلى صلاة كالتي يصلي على الميت كما ورد في نص الحديث، وقالوا: هذا يجوّز الصلاة على الشهيد وإن طالت المدة لكنها لا تسقط.\n- والبعض قال بأنه ناسخ لحديث جابر - ﵁ -.\n- وأما من لم يستدل به فذهب إلى خصوصية قتلى أُحد بذلك، أو أن الصلاة هنا ليست صلاة الجنازة وإنما هي الدعاء، وأنه - ﷺ - دعا مثل الدعاء الذي يدعوه للميت، وهو قول النووي (٤)، وأجابوا عن قول الحنفية بأنه\n_________\n= سنة ٤٧٨ هـ، وله العديد من المصنفات منها \"البرهان\"، \"التلخيص\" كلاهما في أصول الفقه، وكتاب \"الغياثي\".\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٦)، وفيات الأعيان (٣/ ١٦٧ / ٣٧٨)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٦٥ / ٤٧٥)].\n(١) المجموع (٥/ ٢٢١).\n(٢) المحلى لابن حزم (٥/ ١١٥) تحقيق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مكتبة دار التراث، بدون طبعة، بدون سنة نشر.\n(٣) جامع فقه ابن القيم (٢/ ٤٤٥).\n(٤) المجموع (٥/ ٢٢٦).","vol":"1","page":228},{"text":"يلزم من قولهم التناقض إذ إنهم لا يجوزون صلاة الجنازة على القبر إن طالت المدة (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-218> الترجيح:</span>\nالذي يظهر لي أن الأصل هو عدم الصلاة على الشهيد، لكن لو صُلي عليه لفضله أو مكانته أو غير ذلك من الأسباب التي تقتضي تخصيصه جاز ذلك.\nوذلك لما ورد في حديث جابر - ﵁ - من ترك الصلاة على شهداء أُحد، وما ورد من أنه - ﷺ - صلى على الأعرابي كما في حديث شداد بن الهاد - ﵁ -.\nإذ إن دعوى الخصوصية تحتاج لدليل، وكذلك \"الصلاة\" تحمل على المعنى الشرعي المعروف منها إلا أن يرد الدليل بخلاف ذلك (٢).\nوالجمع أولى من الترجيح، والجمع بين حديث جابر - ﵁ - وحديث عقبة بن عامر - ﵁ - يقضي بأن حديث جابر - ﵁ - يدل على أن الأصل في الشهيد عدم الصلاة عليه؛ لأن الأصل الصلاة على كل ميت، فترك النبي - ﷺ - للصلاة على الشهيد يقضي بألا يصلى عليه، وهو ما قال به القائلون بالتحريم، لولا حديث عقبة - ﵁ - الذي يدل على جواز الصلاة عليه، فكأنه كالقرينة التي صرفت حديث جابر - ﵁ - عن المنع، ولم يقل أحد ممن قال بالجواز\n_________\n(١) الأم (٢/ ٥٩٣).\n(٢) نيل الأوطار (٢/ ٧١٢).","vol":"1","page":229},{"text":"أو التخيير إن حديث جابر - ﵁ - لا دلالة فيه على المنع، وبهذا تجتمع الأدلة كلها، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>الفرع الثاني: هل يغسل الشهيد</span>؟\nاختلف العلماء في تغسيل شهيد المعركة على قولين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>القول الأول: أن الشهيد لا يغسل:</span>\nوهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وعطاء والنخعي وسليمان بن موسى (١) ويحيى الأنصاري (٢) والحاكم وابن المنذر وجماعة فقهاء الأمصار وأهل الحديث وابن علية (٣) (٤).\n_________\n(١) هو: أبو الربيع سليمان بن موسى الدمشقي الأشدق الأموي، مفتي دمشق، كان أعلم أهل الشام بعد مكحول، توفي سنة (١١٩ هـ) وقيل غير ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٢١٨)، شذرات الذهب (٢/ ٨٧)].\n(٢) هو: يحيى بن سعيد أبو زكريا الأنصاري الحمصي.\nقال الذهبي في السير عنه: المحدث الصدوق.\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٣٠٤)، تهذيب الكمال (٣٢/ ٦٢)].\n(٣) هو: أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم يقْسَم الأسدي، مولاهم البصري، الكوفي الأصل، المشهور بابن عُلَيَّة وهي أمه.\nولد سنة (١١٠ هـ)، وكان إمامًا حافظًا ثبتًا، توفي سنة (١٩٣ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٨/ ٦٣)، تاريخ بغداد (٧/ ١٩٦)، طبقات الحنابلة (١/ ٢٥٩)].\n(٤) المبسوط (٢/ ٧٦)، والمغني (٣/ ٤٦٧)، والمجموع (٥/ ٢٢١ - ٢٢٥)، والمحلى لابن حزم (٥/ ١١٥)، والتمهيد (١٠/ ١٥٢)، والإقناع للحجاوي (١/ ٣٤٠)، والزركشي الحنبلي في =","vol":"1","page":230},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-221> الأدلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>الأحاديث التي ورد فيها أن النبي - ﷺ - لم يغسل الشهداء ومنها:</span>\n١ - حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في شهداء أُحد: \"ادفنوهم في دمائهم\" ولم يغسلهم (١)، وفي رواية أن النبي - ﷺ - قال: \" أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يجرح إلا جاء وجرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك\" (٢).\n٢ - حديث جليبيب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - دفنه ولم يغسله (٣).\n٣ - حديث أنس - ﵁ - أن شهداء أُحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم (٤).\n٤ - حديث حمزة - ﵁ -: \" ... إن صاحبكم تغسله الملائكة\" (٥).\n_________\n= شرح الخرقي (٢/ ٣٣٩)، وسبل السلام (٢/ ٢٤٩)، وتهذيب المدونة (١/ ٣٤١)، وشرح النووي لمسلم (٧/ ٥١).\n(١) رواه البخاري (٣/ ٢٥١ / ١٣٤٦) كتاب الجنائز، باب من لم ير غسل الشهداء.\n(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١١)، وقال الألباني في أحكام الجنائز (ص ٧٢): إسناده صحيح على شرط مسلم.\n(٣) رواه مسلم (٤/ ١٩١٨ - ١٩١٩/ ٢٤٧٢) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل جليبيب.\n(٤) رواه أبو داود (٣/ ١٩١ - ١٩٢/ ٣١٣٥) كتاب الجنائز، باب في الشهيد يغسل، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢٨٤ / ٣١٣٥).\n(٥) رواه البيهقي في السنن (٤/ ١٥) كتاب الجنائز، باب الجنب يستشهد في المعركة، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٧٤).","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>القول الثاني: أن الشهيد يغسل:</span>\nوهو قول الحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن سريج (١) من الشافعية الشافعية وعبيد الله بن الحسن العنبري (٢) (٣).\n* قالوا: ترك النبي - ﷺ - تغسيل الشهداء يوم أُحد لأنهم كانوا كثرة وشُغِل النبي - ﷺ - عن ذلك.\nوأجيب عن ذلك: أنه لو كان المانع من الغسل كثرتهم لغسل كل شهيد أهله، أو لعُدِل عن الغسل إلى التيمم، ولترك دفنهم؛ إذ مشقة حفر القبور أكثر من مشقة تغسيلهم، ويؤيد ذلك أنه لم يرد أن النبي - ﷺ - غسل شهداء بدر أو الخندق ولم تكن هذه ضرورة حينئذٍ.\n_________\n(١) هو: أحمد بن عمر بن سريج. بغدادي، كان يلقب بالباز الأشهب، فقيه الشافعية في عصره، ولد سنة بضع وأربعين ومئتين، له نحو ٤٠٠ مصنف، ولي القضاء بشيراز، ثم اعتزل، وعرض عليه قضاء القضاة فامتنع، وكان له ردود على محمد بن داود الظاهري ومناظرات معه، وفضله بعضهم على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني، من تصانيفه (الانتصار)، و(الأقسام والخصال) في فروع الفقه الشافعي، و(الودائع لنصوص الشرائع)، توفي سنة ٣٠٣ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٤٥)، طبقات الشافعية (٣/ ٢١)، والبداية والنهاية (١٤/ ٨٠٨)].\n(٢) هو: عبيد الله بن الحسن بن الحصين بن مالك بن العنبر بن عمرو بن قيم العنبري، قاضي البصرة وخطيبها، ولد سنة (١٠٠ هـ)، وتوفي سنة (١٦٨ هـ)، ولي قضاء البصرة بعد سَوَّار، وروى له مسلم.\n[الوافي بالوفيات (١٩/ ٢٤٤)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٣٤٤)، تاريخ بغداد (١٢/ ٧)].\n(٣) المراجع السابقة في عزو القول الأول.","vol":"1","page":232},{"text":"* قالوا: ترك تغسيل شهداء أُحد خصوص، فلا يقاس عليه، وهو قول بعض المتأخرين كما قال ابن عبد البر (١).\nوأجيب عن ذلك: أن هذا يلزم منه خصوصية المحرم الذي وقصته ناقته، وقد أشار إلى شذوذ هذا القول ابن عبد البر (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-224> الترجيح:</span>\nالراجح أن الشهيد لا يغسل، وهو قول كافة العلماء (٣)، بل ذكر ابن قدامة أن هذا إجماع لم يخالف فيه إلا الحسن وسعيد (٤)، وكذلك الرافعي قال: \"الغسل إن أدى إلى إزالة الدم حرام بلا خلاف، وإن لم يؤدِ إلى إزالة الدم فحرام في المذهب\" (٥) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>والدليل على المنع من الغسل هو ترك النبي - ﷺ - لذلك:</span>\nقال ابن قدامة: \"والاقتداء بالنبي - ﷺ - وأصحابه في ترك غسلهم أولى\" (٦) اهـ.\n_________\n(١) التمهيد (١٠/ ١٥٣).\n(٢) التمهيد (١٠/ ١٥٣)، وابن حجر في الفتح (٣/ ٢٥١).\n(٣) المجموع (٥/ ٢٢١)، المغني (٣/ ٤٦٧)، سبل السلام (٢/ ٢٤٩)، المبسوط (٢/ ٧٦)، التمهيد (١٠/ ١٥٣)، شرح الخرقي (٢/ ٣٣٩)، الإقناع (١/ ٣٤٠).\n(٤) المغني (٣/ ٤٦٧).\n(٥) نقله النووي في المجموع (٥/ ٢٢١).\n(٦) المغني (٣/ ٤٦٧).","vol":"1","page":233},{"text":"قال ابن عبد البر: \"والقول بترك غسلهم أولى، لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ - في قتلى أُحد، وغيرهم\" (١)، وقال أيضًا: \"وليس لهذه المسألة مدخل في في القياس والنظر، وإنما هي مسألة اتباع للأثر الذي نقلته الكافة في قتلى أُحد أنهم لم يغسلوا\" (٢).\nقال ابن القيم: \"وقد ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب إلى أنهم يغسلون ويصلى عليهم، وهذا ترده السنة المعروفة في ترك غسلهم\" (٣).\nوبغض النظر عن القول الراجح فمن خلال النظر في أقوال العلماء سالفة الذكر يظهر اتفاق الكل على أن عدم تغسيل الشهداء دليل على المنع لولا ما ورد مما يعارضه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>المسألة الثانية: ترك الاستعانة بالمشرك في الحرب </span>(٤):\nورد عن عائشة - ﵁ - زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: خرج رسول الله - ﷺ - قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له: \" تؤمن بالله ورسوله؟ \"، قال: لا،\n_________\n(١) التمهيد (١٠/ ١٥٣).\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) جامع فقه ابن القيم (٢/ ٤٤٥).\n(٤) تفصيل هذه المسألة تجده في المواضع التالية:\nالمغني (١٣/ ٩٨)، الأم (٥/ ٣٨١)، تهذيب المدونة (٢/ ٧١)، زاد المعاد (٣/ ٢٦٨)، نيل الأوطار (٥/ ٢٨)، سبل السلام (٤/ ٢٠٢).","vol":"1","page":234},{"text":"قال رسول الله - ﷺ -: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\"، قال: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي - ﷺ - كما قال أول مرة، قال: \"فارجع فلن أستعين بمشرك\"، قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: \"تؤمن بالله ورسوله؟ \" قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: \"فانطلق\" (١).\nهذا الحديث استدل به من ذهب إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين في القتال، وللفقهاء في ذلك مذهبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>الأول: عدم الجواز إلا عند الضرورة:</span>\nوهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢)، واختاره ابن حزم (٣)، وهو مذهب مذهب المالكية (٤) إلا إذا كانوا خدامًا.\n\nواستدلوا على ذلك بـ:\n١ - الحديث المذكور: حيث قال - ﷺ -: \"ارجع فلن أستعين بمشرك\" (٥)\n_________\n(١) رواه مسلم (٣/ ١٤٤٩ / ١٨١٧) كتاب الجهاد والسير، باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر.\n(٢) حكاه المرداوي في الإنصاف (١٠/ ١٢١)، واختاره ابن قدامة في المغني (١٣/ ٩٨).\n(٣) المحلى (٧/ ٢٣٥).\n(٤) تهذيب المدونة (٢/ ٧١).\n(٥) رواه مسلم (٣/ ١٤٤٩ / ١٨١٧) كتاب الجهاد والسير، باب كراهة الاستعانة في الغزو بالكافر.","vol":"1","page":235},{"text":"٢ - ما ورد عن عبد الرحمن بن خبيب - ﵁ - أنه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم، فقلنا: إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: \"فاسلمتما؟ \"، قلنا: لا، قال: \"فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين\"، قال: فاسلمنا وشهدنا معه (١).\n٣ - أنه غير مأمون على المسلمين فأشبه المخذِّل والمرجف.\n\nالقول<span data-type=\"title\" id=toc-228> الثاني: يجوز عند الحاجة بشرط أن يكون مأمونًا حسن الرأي في المسلمين:</span>\nوهو مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، وهو مذهب الحنفية بشرط أن يكونوا تحت قهرنا وحكمنا وألا يكون لهم شوكة (٤)، واختاره ابن القيم (٥).\nواستدلوا على جوازه عند الحاجة بأن النبي - ﷺ - استعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك (٦)، وبأن النبي - ﷺ - استعان بيهود بني\n_________\n(١) رواه أحمد [(٢٥/ ٤٢ / ١٥٧٦٣) الأرنؤوط (٣/ ٤٥٤) الهندية]، وحسنه الألباني في الصحيحة (٣/ ٩٢ / ١١٠١).\n(٢) الأم (٥/ ٣٨١).\n(٣) المغني (١٣/ ٩٨).\n(٤) المبسوط (١٠/ ٢٧)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٢٤٢) [رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لمحمد أمين الشهير بابن عابدين، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، نشر دار عالم الكتب، طبعة خاصة (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م)].\n(٥) زاد المعاد (٣/ ٢٦٨).\n(٦) الموسوعة الفقهية (٧/ ١٤٤).","vol":"1","page":236},{"text":"قينقاع لما كان فيهم قلة (١).\nوعلى ذلك فالخلاف في جواز الاستعانة بالكفار هل يكون عند الضرورة\nأم عند الحاجة بشرط أن لا يكون لهم شوكة ومنعة، ولا يكونوا ذوي ضرر\nعلى المسلمين، وأن يكونوا تحت قهر وحكم المسلمين.\nوالأمر في ذلك قريب فإن الأنظار تختلف في مقدار الحاجة من الضرورة.\nويتضح من خلال عرض ذلك الخلاف أن الفقهاء لم يختلفوا في دلالة حديث إرجاع المشرك على المنع من الاستعانة بالمشركين، وإنما عارضه القائلون بالجواز بحديث استعانة النبي - ﷺ - بصفوان بن أمية.\nقال الكرابيسي (٢): \"والأصل فيه ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال في\n_________\n(١) ما روي أن النبي - ﷺ - استعان بيهود بني قينقاع لما كان فيهم - أي المسلمين - قلة: بحثت عنه في كثير من مصادر الحديث، ولم أجده إلا عند البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٧) كتاب السير، باب ماجاء في الاستعانة بالمشركين، وقد قال البيهقي: \"وأما غزوه بيهود بني قينقاع فإني لم أجده إلا من حديث الحسن بن عمارة - وهو ضعيف - عن الحكم عن ابن عباس - ﵁ - قال: استعان رسول الله - ﷺ - بيهود بني قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم .. ثم ساق بسنده عن أبي حميد الساعدي - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال: \"من هؤلاء؟ \"، قالوا: بنو قينقاع وهو رهط عبد الله بن سلام، قال: وأسلموا؟، قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين - قال البيهقي: \"وهذا الإسناد أصح\". والحاصل من كلام البيهقي أن ما ذكره هو كل ما ورد في هذا الشأن وأن استعانته بهم لم تثبت والأولى في الثبوت من جهة السند أنه - ﷺ - لم يستعن بهم.\n(٢) هو: أسعد بن محمد بن الحسين أبو المظفر، جمال الإسلام الكرابيسي النيسابوري، فقيه حنفي، أديب، ولد سنة ٤٩٠ هـ تقريبًا، وسُمي الكرابيسي نسبة إلى بيع الكرابيس وهي الثياب، وتوفى سنة ٥٧٠ هـ، وله كتاب \"الفروق\"، وكتاب \"الموجز\" في الفقه. =","vol":"1","page":237},{"text":"الخبر المعروف: \"إنما لا نستعين بالكفار\" لما رأى كتيبة حسناء، وروي أنه استعان بيهود بني قينقاع لما كان فيهم قلة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>المسألة الثالثة: ترك الجهر بـ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" في الصلاة:</span>\nورد من حديث أنس - ﵁ - قال: \"صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" (٢).\nقال الترمذي: \"والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ -، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - ﵃ - وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق\" (٣).\nوقد اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: لا يسن الجهر بالبسملة.\nالقول الثاني: يسن الجهر بالبسملة.\nالقول الثالث: لا يقرأ البسملة لا سرًا ولا جهرًا.\nالقول الرابع: يقرأها ولكن يسر بها أحيانًا ويجهر أحيانًا.\n_________\n= [الجواهر المضية في تراجم الحنفية (١/ ٣٨٦ / ٣١٤)، معجم المؤلفين (١/ ٣٥١)، الأعلام للزركلي (١/ ٣٥١)].\n(١) الفروق (١/ ٣٢٠ - ٣٢١).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٢٩٩ / ٣٩٩) كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة.\n(٣) سنن الترمذي (٢/ ١٤) بتصرف يسير.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>القول الأول: لا يسن الجهر بالبسملة:</span>\nوهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن الزبير وعمار - ﵁ - وبه يقول الحكم، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك (١) وأصحاب الرأي وأحمد (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-231> الأدلة:</span>\n١ - ما ورد عن أنس - ﵁ - أنه قال: \"كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين\" (٣).\n*وقد اُعترض عليه بأنه مضطرب كما قال ابن عبد البر في الاستذكار (٤)، لزيادة في مسلم: \"لا يذكرون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في أول قراءة ولا في\n_________\n(١) هو: شيخ الإسلام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي مولاهم التركي ثم المروزي، الحافظ، الغازي، عالم زمانه وأمير الأتقياء في وقته، ولد سنة (١١٨ هـ)، وطلب العلم وهو ابن عشرين سنة، وله رحلات في طلب العلم إلى الحرمين والشام ومصر والعراق وغيرها.\nتوفي سنة (١٨١ هـ)، قال الإمام أحمد: لم يكن أحد في زمن ابن المبارك أطلب للعلم منه.\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ٦٠٢)، شذرات الذهب (٢/ ٣٦١)].\n(٢) المغني (٢/ ١٤٩)، والإقناع (١/ ١٧٨)، والكافي (١/ ١٥٦)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٥٥٠)، وسنن الترمذي (٢/ ١٢)، والمجموع (٣/ ٢٩٨)، والمحلى لابن حزم (٣/ ٢٥٣)، والمبسوط (١/ ٩٣).\n(٣) رواه البخاري (٢/ ٢٦٥ / ٧٤٣) كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ومسلم (١/ ٢٩٩ / ٣٩٩) كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، بلفظ قريب.\n(٤) الاستذكار (٤/ ١٦٥).","vol":"1","page":239},{"text":"آخرها\"، وهذا مردود برواية ابن خزيمة: \"كانوا يسرون\" (١)، وكذلك هذه الرواية عند أحمد: \"لا يجهرون\" (٢).\n* واعترض عليه أيضًا بأن المقصود بـ \"الحمد لله رب العالمين\" أنه اسم لسورة الفاتحة وليس المقصود آية \"الحمد لله رب العالمين\"، وهذا مردود أيضًا برواية ابن خزيمة: \"يسرون\" فإنها ظاهرة في أن هذا المعنى غير مراد.\n٢ - حديث ابن عبد الله بن مغفل - ﵁ - قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، فقال لي: \"أي بني محدث، إياك والحدث\"، قال: \"ولم أر أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام\": يعني منه، قال: \"وقد صليت مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: \"الحمد لله رب العالمين\" (٣).\n٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي ... \" الحديث، قالوا: فلم يذكر فيه البسملة (٤).\n_________\n(١) انظر فتح الباري (٢/ ٢٦٦)، وسبل السلام (١/ ٤٤٣).\n(٢) رواه أحمد في المسند [(٢٠/ ٢١٩ / ١٢٨٤٥) الأرنؤوط (٣/ ١٧٩) الهندية]، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين (٢٠/ ٢١٩).\n(٣) رواه الترمذي (٢/ ١٢ / ٢٤٤) أبواب الصلاة، باب ما جاء في ترك الجهر ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وابن ماجه (١/ ٢٦٧ / ٨١٥)، وحسنه الترمذي، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (ص ٤٢).\n(٤) رواه مسلم (١/ ٢٩٦ / ٣٩٥) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.","vol":"1","page":240},{"text":"٤ - حديث عائشة - ﵁ - قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>القول الثاني: يسن الجهر بها:</span>\nوهو قول أبي هريرة وابن عمر وابن عباس - ﵁ -، ومروي عن عطاء وطاووس (٢) ومجاهد (٣) وسعيد بن جبير (٤)، وهو مذهب الشافعي، وهناك بعض الصحابة اختلفت عنهم الرواية بالقول بالإسرار والجهر مثل أبي بكر وعمر - ﵄ - (٥).\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٣٥٧ / ٤٩٨) كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، وما يفتتح به، وما يختم به.\n(٢) هو: أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الفارسي ثم اليمني الجَنَدي الفقيه القدوة عالم اليمن، ولد في خلافة عثمان - ﵁ - أو قبل ذلك، وهو من أعلام التابعين، توفي سنة (١٠٦ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٥٢٣)، وفيات الأعيان (٢/ ٥٠٩ / ٣٠٦)، شذرات الذهب (٢/ ٤٠)].\n(٣) هو: أبو الحجاج المكي مجاهد بن جبر، المخزومي، القرشي ولاءً، التابعي، الإمام، شيخ القراء والمفسرين، من تلامذة ابن عباس - ﵁ -، أخذ التفسير والفقه عنه، وأخذ عن الصحابة - ﵃ -، وحدَّث عنه كثير من التابعين، توفي سنة ١٠٣ هـ، روي عنه أنه قال: \"عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة\".\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٧٧)، شذرات الذهب (٢/ ١٩)].\n(٤) هو: أبو محمد - ويقال: أبو عبد الله - سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي، مولاهم الكوفي الإمام الحافظ المقرئ المفسر الشهيد أخذ العلم عن ابن عباس - ﵁ - وابن عمرو - ﵄ -، ولد سنة ٤٥ هـ، ومات مقتولًا على يد الحجاج في سنة ٩٥ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٨٧)، وفيات الأعيان (٢/ ٣٧١ / ٢٦١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٦ / ٧٣)].\n(٥) المغني (٢/ ١٤٩)، وسنن الترمذي (٢/ ١٤)، والمجموع (٣/ ٢٩٨)، والمبسوط (١/ ٩٣).","vol":"1","page":241},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-233> الأدلة:</span>\n١ - ما ورد عن أنس - ﵁ - أنه صلى وجهر بـ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، وقال: \"أقتدي بصلاة رسول الله - ﷺ - \" (١).\n٢ - ما ورد عن نعيم المُجَمِّر أنه قال: صليت وراء أبي هريرة - ﵁ - فقرأ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\"، ثم قرأ بأم القرآن ... ثم يقول إذا سلم: \"والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول الله - ﷺ - \" (٢).\n٣ - ما ورد عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: كان النبي - ﷺ - يفتتح صلاته بـ \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>واعترض على هذا القول بأن: </span>حديث أبي هريرة - ﵁ - لا يدل على الجهر؛ إذ الإسماع لا يشترط منه الجهر فكان النبي - ﷺ - يسمعهم الآية في الظهر والعصر كما في حديث أبي قتادة (٤)، وبأن أخبار الجهر المرفوعة إلى\n_________\n(١) رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٦ / ٨٥٧)، وقال الألباني في أصل صفة الصلاة (١/ ٢٨٧): رواته ثقات لكن ابن السري متكلم فيه، وهذا من أوهامه.\n(٢) رواه النسائي (٢/ ١٣٤) كتاب الافتتاح، باب قراءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (عنوان غير مصدر بباب)، وضعفه الألباني (تمام المنة، ع ١٦٨).\n(٣) رواه الترمذي (٢/ ١٤ / ٢٤٥) وقال: إسناده ليس بذاك، وضعف الألباني إسناده في ضعيف سنن الترمذي (ص ٤٣).\n(٤) وهو ما رواه عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: \"كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة، ويسمعنا الآية أحيانًا\" رواه البخاري (٢/ ٢٨٧ / ٧٦٢) كتاب الأذان، باب القراءة في العصر، ومسلم (١/ ٣٣٣ / ٤٥١) كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر.","vol":"1","page":242},{"text":"النبي - ﷺ - ضعيفة كما قال الدارقطني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>القول الثالث: لا يقرأ بها سرًا ولا جهرًا:</span>\nوهو قول مالك (٢).\nالأدلة: استدل مالك بالأحاديث التي فيها عدم ذكر البسملة، والبدء بـ \" الحمد لله رب العالمين\".\nواعترض عليه: بأن الأحاديث التي فيها البدء بـ \"الحمد لله رب العالمين\" لا تدل على عدم قراءة البسملة مطلقًا وإنما تدل على الإسرار بها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>القول الرابع: الجهر أحيانًا والإسرار أحيانًا:</span>\nوهو ما رجحه ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥)، والصنعاني (٦)، والشوكاني (٧).\nقال ابن القيم: \"ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى\n_________\n(١) انظر المغني (٢/ ١٤٩).\n(٢) تهذيب المدونة (١/ ٢٣٣)، والمبسوط (١/ ٩٣).\n(٣) المبسوط (١/ ٩٥)، والمحلى (٣/ ٢٥٣).\n(٤) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٧٤).\n(٥) زاد المعاد (١/ ١٩٩).\n(٦) سبل السلام (١/ ٤٤٣).\n(٧) نيل الأوطار (١/ ٧٦١).","vol":"1","page":243},{"text":"جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح\" (١).\nوهذا القول هو الراجح، لأنه يجمع بين الأدلة المتعارضة.\nوالمقصود من هذا البحث بيان أن دلالة ترك النبي - ﷺ - للبسملة على استحباب الإسرار محل اتفاق (٢)، وإنما الخلاف بسبب تعارض الأدلة في الظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>المسألة الرابعة: ترك الأذان والإقامة لصلاة العيد:</span>\nروى الشيخان (٣) عن عطاء أن ابن عباس - ﵄ - أرسل إلى ابن الزبير - ﵄ - في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخطبة بعد الصلاة، وفي رواية (٤) عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيدين قبل الخطبة.\nعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - الصلاة\n_________\n(١) زاد المعاد (١/ ٢٠٠).\n(٢) الخلاف في هذه المسألة بين القول بالجهر أو الإسرار بالبسملة دائر بين الاستحباب وعدمه، والجميع متفق على أن ترك الجهر بالبسملة أو الإتيان به لا يبطل الصلاة، وقد ذكر هذا الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى [مجموع الفتاوى (٢٢/ ٢٦٧)].\n(٣) رواه البخاري (٢/ ٥٢٣ / ٩٥٩) كتاب العيدين، باب المشي والركوب إلى العيد بغير أذان ولا إقامة، ومسلم (٢/ ٦٠٤ / ٨٨٨) كتاب صلاة العيدين.\n(٤) رواه مسلم (٢/ ٦٠٥ / ٨٨٨) كتاب صلاة العيدين.","vol":"1","page":244},{"text":"يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة (١).\nوعن جابر بن سمرة - ﵁ - قال: صليت مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة (٢).\nولهذا فقد أجمع العلماء على أن صلاة العيد لا أذان لها ولا إقامة \"أي لا يجوز\"، وفعل ذلك بدعة.\nقال ابن قدامة: \"لا نعلم في هذا خلافًا ممن يعتد بخلافه .. وقيل: أول من أذن في العيد ابن زياد وفي هذا دليل على انعقاد الإجماع قبله على أنه لا يسن لها أذان ولا إقامة، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي\" (٣).\nقال ابن قدامة - بعد ذكره لأحاديث ترك النبي - ﷺ -: \"وسنة رسول الله - ﷺ - أحق أن تتبع\" (٤).\nقال الصنعاني: \"وهو دليل على عدم شرعيتهما في صلاة العيد فإنهما بدعة\" (٥).\nقال النووي: \"هذا دليل على أنه لا أذان ولا إقامة للعيد وهو إجماع\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٦٠٣ / ٨٨٥) كتاب صلاة العيدين.\n(٢) رواه مسلم (٢/ ٦٠٤ / ٨٨٧) كتاب صلاة العيدين.\n(٣) المغني (٣/ ٢٦٧)، وهذا تصريح منه بأن الترك هنا من سنة النبي - ﷺ -.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) سبل السلام (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":245},{"text":"العلماء اليوم وهو المعروف من فعل النبي - ﷺ - والخلفاء الراشدين\" (١).\nويلاحظ هنا أن العلماء اتفقوا على المنع من الأذان والإقامة لصلاة العيد، ولا دليل لهم سوى ترك النبي - ﷺ - لهما، واتفقت كلمتهم لعدم ورود ما يعارض ذلك.\nومثل صلاة العيد صلاة الاستسقاء فقد ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يسن لها أذان ولا إقامة، قال ابن قدامة: \"ولا نعلم فيه خلافًا\" (٢)، وقال ابن حجر: \"قال ابن بطال: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>المسألة الخامسة: ترك التنفل قبل صلاة العيد وبعدها:</span>\nعن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي خُرْصها (٤) وتلقي سِخَابها (٥) (٦).\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (٦/ ٤١٤).\n(٢) المغني (٣/ ٣٣٧)، وفي المجموع (٥/ ٧٥)، والمحلى (٥/ ٩٣) أنها بلا أذان ولا إقامة ولم ينقلا في ذلك خلافًا.\n(٣) فتح الباري (٢/ ٥٦٩).\n(٤) الخُرص هو بالضم والكسر: وهو القُرط بحبة واحدة، وقيل هي الحلقة من الذهب والفضة [لسان العرب (٣/ ٦٣)].\n(٥) السِّخَاب هو: كل قلادة كانت ذات جوهر أو لم تكن [لسان العرب (٤/ ٥٢٢)].\n(٦) رواه البخاري (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦/ ٩٦٤) كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، ومسلم ومسلم (٢/ ٦٠٦ / ٨٨٤) كتاب صلاة العيدين، باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في =","vol":"1","page":246},{"text":"هذا الحديث يتناول فرعين ذكرهما الفقهاء:\nالأول: هل لصلاة العيد سنة راتبة.\nوالثاني: هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>الفرع الأول: هل لصلاة العيد سنة راتبة</span>؟\nنقل النووي الإجماع على أنه ليس لصلاة العيد سنة راتبة، فقد قال: \"لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها\" (١).\nودليل هذا الإجماع الحديث المذكور وفيه \"لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما\".\nقال الصنعاني: \"في قوله: \"لم يصلِّ قبلهما ولا بعدهما \"دليل على عدم شرعية النافلة قبلها وبعدها لأنه إذا لم يفعل ذلك، ولا أمر به - ﷺ - فليس بمشروع في حقه، فلا يكون مشروعًا في حقنا\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>الفرع الثاني: هل يجوز التنفل قبل صلاة العيد أو بعدها</span>؟\nاختلف أهل العلم في ذلك على أربعة أقوال:\nالقول الأول: يكره التنفل قبلها أو بعدها.\n_________\n= المصلى، وهذا لفظ مسلم.\n(١) المجموع (٥/ ١٨) وهو نص قول الزهري [رواه عبد الرزاق (٥٦١٥)]، وانظر أيضًا: فتح الباري (٢/ ٥٥٢).\n(٢) سبل السلام (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":247},{"text":"القول الثاني: لا يكره التنفل قبلها أو بعدها.\nالقول الثالث: لا يتنفل قبلها، أما بعدها فيتنفل.\nالقول الرابع: إن كان في المسجد تنفل قبلها، وإن كان في المصلى فلا يتنفل.\nوفيما يلي بيان الأقوال بأدلتها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>القول الأول: لا يتنفل قبلها ولا بعدها:</span>\nوهو قول علي بن أبي طالب وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وابن عمر وجابر وكعب بن عجرة (١) والزهري (٢)\n_________\n(١) روى الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٨) [المعجم الكبير للطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الناشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط. الثانية] عن ابن مسعود - ﵁ - قال: \"ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد\".\nو\"عن عبد الملك بن كعب بن عجرة قال: خرجت مع كعب بن عجرة يوم العيد إلى المصلى فجلس قبل أن يأتي الإمام ولم يصلِّ حتى انصرف الإمام والناس ذاهبون كأنهم عنق نحو المسجد، فقلت: ألا ترى؟ فقال: هذه بدعة، وترك للسنة\"، وفي رواية: \"إن كثيرًا مما يرى جفاء وقلة علم، إن هاتين الركعتين سبحة هذا اليوم حتى تكون الصلاة تدعوك\" رواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٤٨).\n(٢) هو: أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي المدني، نزيل الشام، التابعي، أخذ عن بعض الصحابة - ﵃ - وعن الفقهاء السبعة، ولد سنة (٥٨ هـ)، وتوفي سنة (١٢٥ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ١٣٣)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٠٨)، وفيات الأعيان (٤/ ١٧٧ / ٥٦٣)].","vol":"1","page":248},{"text":"ومطر الوراق (١) وشريح (٢) والشعبي (٣) والضحاك (٤) والقاسم (٥) ومعمر (٦)\n_________\n(١) هو: أبو رجاء مطر بن طهمان الوراق الخرساني، نزيل البصرة، كان من العلماء العاملين، وكان يكتب المصاحف ويتقن ذلك، روى عن أنس بن مالك - ﵁ - وحدَّث عنه شعبة وحماد بن سلمة وآخرون، توفي سنة (١٢٩ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٣٣)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٥١)].\n(٢) هو: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي قاضي الكوفة المعروف بـ \"شريح القاضي\"، من كبار التابعين، توفي سنة (٨٧ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ١٣٠)، وفيات الأعيان (٢/ ٤٦٠ / ٢٩٠)، تذكرة الحفاظ (١/ ٥٩ / ٤٤)].\n(٣) هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي الشعبي - نسبة إلى بطن شعب - تابعي مشهور، وكان حافظًا ذكيًّا فقيهًا مع ما عُرِفَ عنه من كثرة دعابته، توفي سنة (١٠٤ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٩ / ٧٦)، شذرات الذهب (٢/ ٢٤)].\n(٤) هو: أبو محمد - وقيل أبو القاسم - الضحاك بن مزاحم، الهلالي من أتباع التابعين، صاحب التفسير أخذ التفسير عن سعيد بن جبير، توفي سنة ١٠٢ هـ، وقيل غير ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٤٨١)، شذرات الذهب (٢/ ١٨)].\n(٥) هو: أبو عبيد الله القاسم بن سلَّام بن عبد الله الهروي البغدادي، كان متفننًا في علوم الشريعة، لغوي محدِّث، ولد سنة (١٥٧ هـ)، وتوفي سنة (٢٢٣ هـ)، وله التصانيف المونقة مثل (الأموال)، وكتاب (الغريب)، وكتاب (الناسخ والمنسوخ)، وكتاب (المواعظ)، وغيرها.\n[سير أعلام النبلاء (٩/ ١٨٣)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧ / ٤٢٣)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٩٢)].\n(٦) هو: معمر بن راشد، شيخ الإسلام أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، الإمام الحافظ، ولد سنة ٩٥ هـ أو ٩٦ هـ، حدَّث عن قتادة والزهري وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم، توفي سنة ١٥٢ هـ وقيل بعد ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ٨)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٩٠ / ١٨٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٤٤)].","vol":"1","page":249},{"text":"وابن جريج (١) ومسروق (٢) وأحمد بن حنبل (٣)، وقال به الشافعي في الإمام دون المأموم (٤).\n\n* الأدلة:\n١ - ما ورد عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - خرج يوم أضحى أو فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما (٥).\n٢ - ما ورد عن ابن عمر - ﵄ - أنه خرج في يوم عيد، فلم يصل قبلهما لا بعدهما، وذكر أن النبي - ﷺ - فعله (٦).\n_________\n(١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام العلامة الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، وأبو الوليد القرشي الأموي المكي، صاحب التصانيف، قال الذهبي: أوّل من دوّن العلم بمكة، حدَّث عن عطاء بن أبي رباح، ونافع مولى ابن عمر وغيرهما، وحدَّث عنه السفيانان، والحمادان وغيرهم، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٤٩ هـ وقيل غير ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٨٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٦٦ / ١٦٤)].\n(٢) هو: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية بن عبد الله، أبو عائشة الوادعي الهمداني الكوفي، يقال أنه سُرِقَ وهو صغير ثم وُجِدَ فسمي مسروقًا، كان من كبار التابعين، روى عن جمع من الصحابة وروى عنه جمع من التابعين، وكان عابدًا فقيهًا، توفي سنة (٦٣ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ١٠٢)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٩ / ٢٦)، شذرات الذهب (١/ ٢٨٥)].\n(٣) المغني (٣/ ٢٨٠)، والإقناع للحجاوي (١/ ٣١٠)، وبداية المجتهد لابن رشد (١/ ٣٢٢)، وفتح الباري (٢/ ٥٥٢).\n(٤) الأم (٢/ ٤٩٩)، والمجموع (٥/ ١٨).\n(٥) رواه البخاري (٢/ ٥٢٦ / ٩٦٤) كتاب العيدين، باب الخطبة بعد العيد، ومسلم (٢/ ٦٠٦ / ٨٨٤) كتاب صلاة العيدين، باب ترك الصلاة قبل العيد وبعدها في المصلى.\n(٦) رواه الترمذي (٢/ ٤١٨ / ٥٣٨)، وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح سنن الترمذي =","vol":"1","page":250},{"text":"٣ - ما ورد عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه قال: \"كان النبي - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف ويقوم مقابل الناس والناس على صفوفهم فيعظهم ويأمرهم\" (١).\nقال الصنعاني: \"فيه الدلالة على تركه - ﷺ - لذلك\" (٢).\nأما الشافعي فقد استدل على تخصيصه بالإمام دون المأموم بأن الإمام مشغول بصلاة العيد، فهو يأتي وقت صلاة العيد فيبدأ بالصلاة.\nواعترض على قول الشافعي بأن الذين رووا الحديث من الصحابة مثل ابن عباس وابن عمر - ﵁ - لم يصلوا، ونقل ابن قدامة عن الأثرم أنه قال: قلت لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنما ترك النبي - ﷺ - التطوع؛ لأنه كان إمامًا، قال أحمد: فالذين رووا هذا عن النبي - ﷺ - لم يتطوعوا، ثم قال: \"ابن عمر وابن عباس: هما راوياه وأخذا به\" (٣)، وبأن الكراهة لو كانت للإمام كي لا يشتغل عن الصلاة لاختصت بما قبل الصلاة؛ إذ لم يبق بعدها ما يشتغل به (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>القول الثاني: يتنفل قبلها وبعدها:</span>\n_________\n= (١/ ٣٠٠).\n(١) رواه البخاري (٢/ ٥٢٠ / ٩٥٦) كتاب العيدين، باب الخروج إلى المصلى بغير منبر، مسلم (٢/ ٦٠٥ / ٨٨٩) كتاب صلاة العيدين، وهذا لفظ البخاري.\n(٢) سبل السلام (٢/ ١٧٠).\n(٣) المغني (٣/ ٢٨٢).\n(٤) المغني (٣/ ٢٨٢).","vol":"1","page":251},{"text":"وهو قول أنس بن مالك وأبي هريرة ورافع بن خديج - ﵃ - وسهل بن سعد وأبي بردة والحسن البصري وأخوه سعد بن أبي الحسن وجابر وعروة بن الزبير، وهو قول الشافعي في المأموم دون الإمام (١)، ورجحه ابن حزم (٢).\n\nودليلهم: أنه وقت لم ينه عن الصلاة فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>القول الثالث: يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها:</span>\nوهو قول علقمة (٣) والأسود (٤) ومجاهد وابن أبي ليلى (٥) والنخعي\n_________\n(١) بداية المجتهد (١/ ٣٢٢)، والمغني (٣/ ٢٨٠)، والأم (٢/ ٤٩٩)، والمحلى لابن حزم (٥/ ٩٠).\n(٢) المحلى (٥/ ٩٠).\n(٣) هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة النخعي الكوفي، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، الإمام الحافظ المجوِّد المجتهد الكبير، تابعي مخضرم من أجل تلاميذ ابن مسعود - ﵁ -، توفي سنة (٦١ هـ)، وقيل غير ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٩٤)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٠)، شذرات الذهب (١/ ٢٨١)].\n(٤) هو: أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس، النخعي الكوفي، ابن أخي علقمة بن قيس، وخال إبراهيم النخعي، حدَّث عن معاذ بن جبل - ﵁ -، وبلال وابن مسعود وغيرهم من الصحابة - ﵁ -، وكان يُضرب به المثل في العبادة واستسقى به معاوية، توفي سنة (٧٥ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٩٢)، شذرات الذهب (١/ ٣١٣)].\n(٥) هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مفتي الكوفة وقاضيها، أبو عبد الرحمن، ولد سنة نيف وسبعين، كان نظير الإمام أبي حنيفة في الفقه، سمع الشعبي وطبقته، مات وهو على القضاء، توفي سنة (١٤٨ هـ).\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٤٧٦)، تهذيب الكمال (٢٥/ ٦٢٢)، شذرات الذهب (٢/ ٢٢٢)].","vol":"1","page":252},{"text":"والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة (١)، قال النووي: \"وحكاه البخاري عن ابن عباس\" (٢).\n\nواستدلوا بـ: ما ورد عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين (٣).\nوأُجيب بأن محل البحث الصلاة في المصلى بعد العيد، ولذلك قال الصنعاني: \"ويجمع بينهما [أي بين حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد] بأن المراد لا صلاة في الجبّانة\" (٤).\nواستدل الحنفية بما ورد عن علي - ﵁ - مرفوعًا: \"من صلى بعد العيد أربع ركعات كتب الله له بكل نبت نبتًا، وبكل ورقة حسنة\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>القول الرابع: إذا كانت الصلاة في المصلى لم يتنفل قبلها ولا بعدها، وإن كانت في المسجد تنفل قبلها:</span>\n_________\n(١) بداية المجتهد (١/ ٣٢٢)، والمبسوط (١/ ٣١١)، والمجموع (٥/ ١٨).\n(٢) ولكن الذي في البخاري (٢/ ٥٥٢) أن ابن عباس - ﵄ - كره الصلاة قبل العيد ولم يتعرض لذكر الصلاة بعدها، بل ما ورد في المتفق عليه من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - لم يصلِّ قبل العيد ولا بعدها يرد ذلك، وكذلك روى عبد الرزاق (٥٦٢٤) أن ابن عباس كره الصلاة قبلها وبعدها.\n(٣) رواه ابن ماجه (١/ ٤١٠ / ١٢٩٣) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، وحسنه الألباني في الإرواء (٣/ ١٠٠) تحت حديث رقم (٦٣١).\n(٤) سبل السلام (٢/ ١٧١).\n(٥) هذا الحديث لم أجده في أي مصدر حديثي، ولا يذكره من الفقهاء أحد سوى الحنفية.","vol":"1","page":253},{"text":"وهو مشهور مذهب مالك (١).\nلما ورد من حديث أبي قتادة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين\" (٢).\n\n* الترجيح:\nالذي يظهر لي أن المسألة فيها تفصيل:\nفإذا كانت الصلاة في المصلى فلا يجوز أن يتنفل، لأن الوقت وقت كراهة أو تحريم، وليس للمصلى حكم المسجد من صلاة ركعتين تحية المسجد عند دخوله، فهي صلاة ليس لها سبب، حتى تجوز في وقت الكراهة، مع ترك النبي - ﷺ - لها في المصلى، ولا معارض.\nوإذا كانت الصلاة في المسجد، جازت الصلاة في وقت الكراهة باعتبارها تحية المسجد، فهي حينئذ صلاة لها سبب، فتجوز لأجل ذلك.\nوبذا يكون القول الرابع هو القول الراجح إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(١) بداية المجتهد (١/ ٣٢٢).\n(٢) رواه البخاري (١/ ٦٤٠ / ٤٤٤) كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، ومسلم (١/ ٤٩٥ / ٧١٤) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>الفصل الثاني\nدلالة الترك الوجودي</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالتمهيد في تعريف الدلالة.\nالمبحث الأول: دلالة الترك.\nالمبحث الثاني: مراتب الترك.\nالمبحث الثالث: تعارض الترك مع غيره.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>توطئة</span>\nسبق في الفصل الأول بيان لقسمي الترك الوجودي بالأمثلة، وفي هذا الفصل تفصيل القول عن دلالة كل نوع، وقد اقتضى هذا أن يتقدم تمهيد للكلام عن الدلالة وما هو المراد بها في هذا البحث، ثم بعد ذلك الكلام عن دلالة كل نوع من أنواع الترك الوجودي على حدة، فكان المبحث الأول للكلام عن دلالة الترك في مطلبين مطلب لكل نوع، ثم المبحث الثاني لبيان مراتب الترك الوجودي، ثم المبحث الثالث لبحث تعارض الترك مع غيره، وذلك من خلال مطلبين أحدهما لتعارض الترك مع القول والآخر لتعارض الترك مع الفعل.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>التمهيد في تعريف الدلالة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>المطلب الأول: الدلالة في اللغة:</span>\nدلالة مصدر من دَل، يَدُل (١)، وهي تضبط بفتح الدال وكسرها والفتح أفصح وكلاهما بمعنى واحد فيما نقله المرتضى الزبيدي (٢) عن الصاغاني، وكذلك صرح بذلك الجوهري (٣)، ونقله في (تهذيب اللغة) عن الفراء (٤)، وذكره ابن منظور في (لسان العرب) (٥).\nأما ابن دريد في (جمهرة اللغة) (٦)، فقد خص الفتح بحرفة الدلال والكسر بالدليل البين، ونقله عنه أيضًا المرتضى الزبيدي (٧).\nوالدلالة مصدر من دَلَّ، يَدُل: إذ هدى، ودَلَّ، يَدِلُ: إذا من بعطائه.\nفالدلالة المرادة هنا مصدر دَل: يدُل بضم الدال والاسم دليل، وهذا المصدر يحمل معنى الإرشاد والتسديد والتوجيه.\n_________\n(١) البحر المحيط (١/ ٣٦).\n(٢) تاج العروس (٢٨/ ٤٩٦).\n(٣) الصحاح (٤/ ١٦٩٨).\n(٤) تهذيب اللغة (١٤/ ٦٦).\n(٥) لسان العرب (٣/ ٤٠١).\n(٦) جمهرة اللغة (١/ ١١٤).\n(٧) تاج العروس (٢٨/ ٤٩٦).","vol":"1","page":257},{"text":"قال الزبيدي: \"دَلَّه عليه يَدُله دلالة فاندل على الطريق: سدده إليه ...، والمراد بالتسديد: إراءة الطريق\" (١)، ونقل عن التهذيب: \"دللت بهذا الطريق دَلالة: عرفته\".\nوفي (القاموس المحيط): \"دله عليه دلالة: سدده إليه\" (٢).\nوفي (لسان العرب): \"الدليل والدليلي: الذي يدلك والجمع أدلة وأدلاء والاسم: الدَّلالة والدِّلالة بالكسر والفتح\" (٣).\nوقال الجوهري: \"دله على الطريق: يدله دَلالة ودِلالة ودَلُولة\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>المطلب الثاني: الدلالة في الاصطلاح:</span>\nالدلالة في الاصطلاح تحمل المعنى اللغوي.\nقال الفيومي (٥): \"الدلالة بفتح اللام وكسرها: ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه\" (٦).\nقال الجرجاني: \"الدلالة: هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به\n_________\n(١) تاج العروس (٢٨/ ٤٩٦).\n(٢) القاموس المحيط (٢/ ١٣٢٢).\n(٣) لسان العرب (٣/ ٤٠١).\n(٤) الصحاح (٤/ ١٦٩٨).\n(٥) هو: أحمد بن محمد الفيومي ثم الحموي، نشأ بالفيوم، واشتغل ومهر وتميز وجمع في العربية عند أبي حيان ثم رحل إلى حماة فقطنها، عاش إلى نحو سنة ٧٧٠ هـ.\n[الدرر الكامنة (١/ ٣١٤ / ٧٨٧)، الأعلام للزركلي (١/ ٢٢٤)].\n(٦) المصباح المنير (ص ١٢١).","vol":"1","page":258},{"text":"العلم بشيء آخر والشيء الأول هو الدال والثاني هو المدلول ... \" (١).\nثم قال: \"وكيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص وإشارة النص ودلالة النص واقتضاء النص .. ووجه ضبطه أن الحكم المستفاد من النظم إما أن يكون ثابتًا بنفس النظم أو لا.\nوالأول: إن كان النظم مسوقًا له فهو العبارة وإلا فالإشارة.\nوالثاني: إن كان الحكم مفهومًا من اللفظ لغة فهو الدلالة، أو شرعًا فهو الاقتضاء ..\nفدلالة النص: عبارة عما ثبت بمعنى النص لغة لا اجتهادًا\" (٢).\nوالأصوليون يطلقون القول بدلالة الشيء من الأحكام المستفادة منه، فيقولون: دلالة الأمر أي: ما يدل عليه الأمر من أحكام، ودلالة النهي، أي: ما يستفاد منه من أحكام وهكذا.\nقال ابن حجر: \"الدلالة: المراد بها في عرف الشرع الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نص خاص داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم\" (٣).\nوذهب الزركشي إلى أن الدلالة هي: \"كون اللفظ بحيث إذا أطلق فهم منه المعنى من كان عالمًا بوضعه له\" (٤).\n_________\n(١) التعريفات (ص ١٣٨).\n(٢) المرجع السابق (ص ١٣٨).\n(٣) فتح الباري (١٣/ ٣٤٢).\n(٤) البحر المحيط (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":259},{"text":"وهل الدلالة هي الفهم الذي يحصل للسامع أم الذي يطلقه المتكلم؟\nرجح الزركشي أن الدلالة هي الفهم الذي يحصل للسامع، أما ما يقوله المتكلم مما يفهم فهو دلالة بالقوة، فهناك إذن دلالة بالقوة، ودلالة بالفعل:\nفالدلالة بالقوة: قصد المتكلم إفهام السامع.\nوالدلالة بالفعل: إفادة اللفظ عند السامع المعنى الذي قصده المتكلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>المطلب الثالث: المراد بدلالة الترك:</span>\nالمراد من: دلالة الترك: الأحكام الشرعية المستفادة من الترك لذاته.\nوقيل: لذاته؛ احترازًا ما لو تناول المسألة دليل آخر، فإن النظر في دلالة الترك إنما يكون بفرض عدم الدليل الآخر.\nوعلى هذا جرى الأصوليون في قواعدهم، فهم عندما يقولون مثلًا: الأمر يفيد الوجوب إنما يقصدون لذاته، فكون أمر لا يفيد الوجوب لا لذاته، وإنما لاجتماع دليل آخر في المسألة، والجمع بين الدليلين يقتضي صرف الأمر عن معنى الوجوب.\nفالمراد بذاته: بفرض خلو المسألة عن أمر آخر.\nفقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، لا لأمر خاص بالسبب، بل لوجود أمر آخر كعدم استيفاء الشروط أو لوجود مانع.\nوعلى ذلك:\nفالمراد الدلالة الأصولية المستفادة من الترك بفرض خلو المسألة عن أدلة أخرى.","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>المبحث الأول: دلالة الترك</span>\nلما كانت معرفة الدلالة هي المقصود الأعظم من تقسيم الترك، فإن من المناسب هنا عن الكلام عن دلالة الترك أن ينفرد كل قسم من قسمي الترك الوجودي بالبحث، وسوف يكون ذلك في مطلبين:\nالمطلب الأول: دلالة الترك المسبب.\nالمطلب الثاني: دلالة الترك المطلق.\nولابد هنا من الإشارة إلى عدة أمور:\nأولًا: لابد من معرفة ما هو حكم ذلك المتروك قبل أن يتركه النبي - ﷺ -؟ وذلك لأن طلب دلالة ترك النبي - ﷺ - معناه: ما الذي طرأ على ذلك المتروك من أحكام جديدة بترك النبي - ﷺ - له، أي ما هو الأصل في المتروك.\nوالمتروك هذا أحد أمرين: أن يكون عبادة أو لا، فما هو الأصل في العبادات؟، وما هو الأصل في غير العبادات من أفعال المكلفين؟\nالمراد بالعبادات هنا: هي ما لا يقع إلا قربة ولا يصح إيقاعه على غير وجه القربة وهي ما يسميه العلماء بالتعبدات المحضة وليس المراد - بطبيعة الحال - العبادات بالتعريف الأعم إذ كل ما سوى العبادات المحضة قد يصير عبادة بالنية.\nالمشهور بين الدارسين أن الأصل في الأشياء هو الإباحة، وأن ذلك هو قول الجمهور، وهو ما اعتمدت عليه في هذه الدراسة، ومرادهم بالأشياء ما سوى العبادات المحضة، أما العبادات المحضة فالأصل فيها المنع والحظر فلا","vol":"1","page":261},{"text":"يثبت منها إلا ما ورد الدليل به، وعلى ذلك عامة أهل العلم، وفي بيان ذلك يقول ابن تيمية: \"تصرفات العباد في الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ﷾\" (١).\nفالمتروك قبل أن ينقل إلينا كف النبي - ﷺ - عنه على الإباحة في غير العبادات، ممنوع منه في جانب العبادات.\nوسيأتي الاستدلال على هذه القضية مفصلًا في أول الباب الثالث.\nثانيًا: بنى الدكتور الأشقر أحكام الترك على بحث الأصوليين في مسألة التأسي، وعدم التفرقة بين الفعل والترك في ذلك (٢)، وبناء الدلالة على مسألة التأسي هو ما تعتمده هذه الدراسة.\nثالثًا: ذهب الشيخ الغماري إلى أن الترك لا يدل إلا على الجواز (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٧).\n(٢) وبناء على ذلك ذهب إلى أن الترك إذا علم حكمه في حق النبي - ﷺ - فحكمنا فيه كحكمه إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك، كأن يكون لمجرد الطبع أو للخصوصية، أما إذا لم يعلم حكمه فإذا ظهر أنه تركه تعبدًا فهو مكروه وإلا فهو مباح.\n(٣) قرر الشيخ الغماري أن الترك لا يدل على التحريم، وقال: \"لم يأت في حديث أو أثر أن النبي - ﷺ - ترك شيئًا لأنه حرام\"، وقال أيضًا: \"الترك وحده إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع، وأن =","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-252>المطلب الأول: دلالة الترك المسبب:</span>\nالترك المسبب أحد أقسام الترك الوجودي الذي يجب علينا التأسي\n_________\n= يكون ذلك الفعل محظورًا فهذا لا يستفاد من الترك وحده، وإنما يستفاد من دليل يدل عليه\"، وتحت عنوان نصه: \"ماذا يقتضى الترك؟ \" قال: \"بينّا فيما سبق أن الترك لا يقتضي تحريمًا، وإنما يقتضي جواز المتروك\".\nولكنه بعد ذلك ذكر أن العلماء قسموا ترك النبي - ﷺ - لشيء ما إلى نوعين: \"نوع لم يوجد ما يقتضيه في عهده، ثم حدث له مقتضٍ بعده، فهذا جائز على الأصل ... وقسم تركه النبي - ﷺ - مع وجود المقتضي لفعله في عهده، وهذا النوع تقتضي منع المتروك\"، وذكر أن ابن تيمية مثَّل للنوع الثاني بالأذان لصلاة العيدين، وأنه يقتضي عند ابن تيمية المنع، وقد وافقه الشاطبي وابن حجر الهيتمي وغيرهما، ثم قال: \"وقد اشتبهت عليه هذه المسألة بمسألة السكوت في مقام البيان، صحيح أن الأذان في العيدين بدعة غير مشروعة، لا لأن النبي - ﷺ - تركه، ولكن لأنه بيَّن في الحديث ما يعمل في العيدين، ولم يذكر الأذان، فدل سكوته على أنه غير مشروع، والقاعدة أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر\".\nإذن: فالشيخ الغماري يفرق بين السكوت عن البيان وبين الترك، ويرى أن السكوت عن البيان يفيد التحريم، بينما لا يفيد الترك ذلك.\nكذلك: لا يفرق بين الترك المنقول، والترك غير المنقول (الترك العدمي) في الدلالة أو التسمية، فالترك الذي لم يكن له مقتضٍ ثم وُجد له بعد، والذي كان له مقتضٍ: كلاهما لا يدلان إلا على الإباحة والجواز.\nكما أنه يرى أن السكوت في مقام البيان - الذي يدل على الحصر - ليس تركًا.\nوبناء على ذلك يصح القول: إن ترك الفعل لا يدل - عند الشيخ الغماري - إلا على الجواز مهما كانت مقتضيات الترك؛ لأنه لم يأت في حديث أو أثر التصريح بأن النبي - ﷺ - ترك شيئًا لأنه حرام، إلا حالة واحدة وهي ترك القول - وهو السكوت - فهو دال على التحريم إذا كان في موضع البيان، لأن السكوت في مقام البيان يدل على الحصر.","vol":"1","page":263},{"text":"بالنبي - ﷺ - فيه، وصورة هذا النوع من الترك لا تتم إلا باعتبار سبب حصولها، وذلك لأن الحكم يتعلق بالسبب وجودًا وعدمًا - إذ إنه من المقرر عند الفقهاء جميعًا أن الحكم يدور مع العلة حيث دارت - وبناء على ذلك يمكن تقسيم الترك المسبب إلى نوعين:\nالنوع الأول: ترك لا يوجد سببه في حق الأمة، فليس فيه تأسٍّ.\nالنوع الثاني: ترك يوجد سببه في حق الأمة، فيدخل في التأسي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>وجه اعتبار سبب الترك مورد هذا التقسيم:</span>\nإن اعتبار السبب مورد التقسيم ما هو إلا نتيجة المقدمات التالية:\n* الأصل في الترك المسبب أنه يجب التأسي فيه بشروطه.\n* الموافقة في صورة الترك وحكمه من شروط التأسي.\n* الترك المتوقف على سبب لا يمكن حصول التأسي فيه إلا إذا كان الترك المُتأَسى به لنفس سببه.\n- وقد سبق بيان الأدلة على كل قضية من القضايا الثلاثة:\nوبناءً على ذلك:\nفإن حصول التأسي في الترك المسبب متوقف على مدى إمكانية وجود ذلك السبب، فالتفرقة بين ما يحصل به تأسٍّ وما لا يحصل متوقف على سبب الترك في حقيقة الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>هذا التقسيم يشمل كل أسباب الترك:</span>\nالتقسيم السابق يشمل الأسباب التي سبق ذكرها في أنواع الترك المسبب،","vol":"1","page":264},{"text":"فالترك الذي لا يحصل سببه في حق الأمة يشمل: ما تركه النبي - ﷺ - لكونه من خصائصه، وما تركه النبي - ﷺ - خشية أن يفرض العمل، وما تركه النبي - ﷺ - لبيان التشريع، وما تركه النبي - ﷺ - لمراجعة الصحابة له، وما تركه النبي - ﷺ - لمجرد الطبع.\nأما الترك الذي يحصل سببه في حق أمته - ﷺ - فيشمل الترك للإنكار، وترك المستحب لبيان الجواز، وترك الواجب دفعًا للمفسدة، والترك بسبب النسيان أو المرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>النوع الأول: الترك الذي لا يوجد سببه في حق الأمة:</span>\nأما النوع الأول فلا يمكن حصول التأسي فيه؛ لأن الموافقة في صورة الفعل تقتضي أن يكون الترك لنفس السبب الذي اقتضى الترك في حق النبي - ﷺ -، فإذا زال هذا السبب في حق الأمة فلا سبيل إذن إلى حصول التأسي فيه.\nوهذا الترك الذي زال سببه إما أن يكون من خصائص النبي - ﷺ -، أو ليس من خصائصه لكن يمتنع تحقق السبب بعد وفاته - ﷺ -.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-256> الترك الذي اختص به النبي - ﷺ </span>-:\nفأما الترك الذي هو من خصائص النبي - ﷺ - فلا سبيل إلى حصول التأسي فيه بوجه من الوجوه، إذ إن الخصوصية تنفي التأسي، والعكس بالعكس، فهما لا يتواردان على محل واحد.\nوالقول بأن الترك الذي هو من خصائص النبي - ﷺ - لا يحصل فيه تأسٍّ","vol":"1","page":265},{"text":"هو قياس قول الأصوليين في الأفعال النبوية من أن خصائصه - ﷺ - لا يشرع فيها متابعة.\nوعدم جواز متابعة النبي - ﷺ - فيما اختص به: هو قول جمهور الأصوليين، بل ونقل بعضهم أنه إجماع كالآمدي وغيره (١).\nوقد نقل قول بالتوقف في حكم المتابعة في ذلك عن إمام الحرمين (٢)، والتعليل الذي علل به القول بالتوقف قاضٍ بموافقة مذهب الجمهور من عدم مشروعية ذلك، فقد قال: \"ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصحابة كانوا يقتدون به - ﷺ - في هذا النوع، ولم يتحقق عندنا ما يقتضي ذلك، فهذا محل التوقف\"، وقد نقله عنه الشوكاني (٣).\nأما أبو شامة في كتابه (المحقق من علم الأصول) فقد ذكر أن الأفعال النبوية يشرع فيها التأسي فيما هو واجب في حق النبي - ﷺ -، ويكون حكمه على سبيل الاستحباب، ولا يشرع فيما هو مباح في حقه - ﷺ - (٤).\nوهذا الذي ذهب إليه أبو شامة لا إشكال فيه على ما ذهب إليه من معنى التأسي، وإنما يصح وقوع هذا الإشكال على التأسي بالمعنى الآخر، وهذا ما دعا الشوكاني إلى رد ما ذهب إليه أبو شامة، وذهب إلى أن ما صرح\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٣٢).\n(٢) البرهان (١/ ٤٩٥ / ٤٠٣).\n(٣) إرشاد الفحول (١/ ١٩٩).\n(٤) المحقق من علم الأصول (ص ٧٤).","vol":"1","page":266},{"text":"فيه بكونه من خصائصه - ﷺ - لا سبيل إلى الاقتداء به فيه، إلا بدليل مثبت في حقنا.\nوتوجيه ما ذكره أبو شامة هو أن يقال: إن ما اختص به النبي - ﷺ - قد لا يكون في صورة الفعل، بل في حكمه، فإذا كانت الخصوصية في الحكم؛ فإن صورة الفعل قد تكون مشروعة في حق الأمة، ولكن لا من حيث كونه خاصًا به، بل لدليل منفصل عن محل الخصوصية، فالفعل ما زال خاصًا بالنبي - ﷺ - من هذا الوجه، وإن توافقت صورة الفعلين.\nفتقرير ما سبق هو: أن الفعل له جهتان قد تكون الخصوصية من أحدهما أو كليهما، فحيث ثبتت الخصوصية انتفت المتابعة، فما كانت خصوصيته من جهة واحدة، ولا تكون إلا الحكم، كان جائزًا أن توافق الأمة رسول الله - ﷺ - في صورة الفعل، لكن ليس حكمه في حقه هو حكمه في حقها؛ إذ إن الحكم هو محل الخصوصية، أما ما كانت الخصوصية فيه من الجهتين معًا، فلا سبيل لموافقة الأمة لرسول الله - ﷺ - ولو في مجرد الصورة فقط.\nومثال ذلك في الأفعال النبوية التي اختص النبي - ﷺ - فيها بحكم فقط: وجوب قيام الليل في حق النبي - ﷺ - دون الأمة، فإن قيام الليل مستحب لآحاد هذه الأمة، وهو في حق النبي - ﷺ - واجب، فجهة الخصوصية هي الحكم فقط، دون صورة الفعل.\nأما مثال الأفعال النبوية التي اختص النبي - ﷺ - فيها بالحكم والصورة معًا، فكجواز زيادته - ﷺ - على أربعة نسوة في النكاح، فإن صورة الفعل لا تحصل","vol":"1","page":267},{"text":"لآحاد الأمة بلا خلاف؛ وذلك لأن الخصوصية في صورة الفعل وحكمه.\nوهذا تأصيل صحيح إذا قلنا بأن التأسي لا يشترط فيه الموافقة في الحكم، وهو ما يقول به أبو شامة والجصاص (١) والسرخسي (٢)، ولا يرد عليه ما ينقضه على هذا المعنى، وهو غير صحيح على القول باشتراط الموافقة في الحكم، وهو ما يقول به الرازي (٣) والآمدي (٤) وتبعهم في ذلك الشوكاني (٥)،، إذ يوردون عليه: أن الأمة وإن وافقت رسول الله - ﷺ - في صورة الفعل فليس ذلك كاف لإطلاق التأسي على تلك الصورة.\nوهذا اعتراض صحيح على المعنى الأول، لكن لا يلزم منه أن ذلك التفصيل غير صحيح.\nفقياس هذا في التروك أن يقال:\nما اختص النبي - ﷺ - بتركه إما أن تكون الخصوصية في صورة الترك وحكمه أو صورته فقط.\nفأما الخصوصية في صورة الترك وحكمه: فلا سبيل إلى حصول الموافقة فيها بين النبي - ﷺ - وأمته، لما ذُكر سابقًا، ولم أعثر له على مثال.\n_________\n(١) الفصول في الأصول (٣/ ٢٢٥).\n(٢) أصول السرخسي (٢/ ٨٨).\n(٣) المحصول (٣/ ٢٤٧).\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٢٣١).\n(٥) إرشاد الفحول (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":268},{"text":"وأما الخصوصية في حكم الترك دون صورته: فمثاله وجوب الترفع عن قبول صدقات الناس، فإن هذا الترك مندوب إليه في الجملة في حق آحاد هذه الأمة، واختص النبي - ﷺ - بوجوب ذلك عليه (١).\nوعليه فإن قياس قول الأصوليين فيما أختص به النبي - ﷺ - في التروك أنه لا يدخله تأسٍّ.\nومما يدخل تحت ما تركه النبي - ﷺ - تركًا خاصًا به: الترك الذي لمجرد الطبع، فإن الأصل في الترك أنه يقتضي حكمًا في حقنا، إلا إذا بين النبي - ﷺ - خلاف ذلك، وهذا متحقق في الترك لمجرد الطبع، فلا يحمل ترك على أنه لمجرد الطبع إلا بنص صريح، أو إجماع، وقد دل حديث الضب على أن الترك الذي هذا شأنه ليس فيه تأسٍّ، ولا تشرع فيه متابعة.\nوقد ذكر الأصوليون أن الفعل لمجرد الطبع ليس فيه متابعة (٢)، فقياس\n_________\n(١) اتفق أهل العلم على حرمة صدقة الفريضة على النبي - ﷺ - لمنصبه الشريف واختلفوا في صدقة التطوع والراجح هو تحريم الكل وهو قول المالكية والأظهر عند الشافعية والصحيح عند الحنابلة، ودليله ما رواه البخاري (٥/ ٢٤٠ / ٢٥٧٦)، ومسلم (٢/ ٧٥٦، ١٠٧٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي كان إذا أُتي بطعام سأل عنه: أهدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: \"كلوا\" ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم.\nانظر المغني: (٤/ ١١٥)، سبل السلام (٢/ ٣٧٦) فتح الباري (٥/ ٤١٥)، شرح النووي لصحيح مسلم (٤/ ١٧٤)، التمهيد لابن عبد البر (١١/ ١٨٥).\n(٢) هذا هو المشهور في كتب الأصول، وقد ذكر الزركشي في البحر المحيط (٤/ ١٧٧) أن المشهور في كتب الأصول أن هذا النوع يدل على الإباحة، وقد صرح أبو شامة بنسبة عدم المتابعة فى هذا النوع إلى الأصوليين ثم قال إنه لا يظن أن مثل ذلك مجمع عليه ثم حكى عن =","vol":"1","page":269},{"text":"قولهم أن الترك الذي لمجرد الطبع لا تشرع فيه متابعة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-257> الترك لسبب لا يمكن وجوده الآن:</span>\nوأما الترك الذي لا سبيل إلى حصول سببه في حق آحاد الأمة فمثل ما تركه النبي - ﷺ - لأجل بيان الجواز، أو تركه لأجل مراجعة الصحابة له، أو لخشية أن يفرض العمل على الأمة، فهذا كله لا سبيل إلى حصول سببه الآن، فلا يمكن فيه تأسٍّ.\nفترك النبي - ﷺ - للمواظبة على صلاة الضحى لا تشرع فيه متابعة؛ لأن السبب الذي لأجله ترك النبي - ﷺ - المواظبة على صلاة الضحى زال بموت النبي - ﷺ -، ولا سبيل إلى وجوده البتة، وهذا هو ما فهمته عائشة - ﵂ - فقالت: \"وإني لأسبحها\" (١).\nومثاله أيضًا: ترك النبي - ﷺ - المواظبة على قيام رمضان في المسجد جماعة، لا يصح أن يقال فيه: إن ذلك هو الأفضل في حق أمته؛ وذلك لأن السبب الذي ترك النبي - ﷺ - لأجله المواظبة قد زال، فلا يكون تارك القيام في رمضان جماعة متأسيًا بالنبي - ﷺ -، بل العكس هو الصحيح: أعني: المصلي للتراويح في جماعة هو المتأسي.\n_________\n= قوم أنهم قالوا بخلاف ذلك ورده انظر: المحقق من علم الأصول (ص ٤٧).\n(١) رواه البخاري (٣/ ١٣ - ١٤/ ١١٢٨) كتاب التهجد، باب تحريض النبي - ﷺ - على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب (٣/ ٦٧ / ١١٧٧) كتاب التهجد، باب من لم يصل الضحى ورآه واسعًا، ومسلم (١/ ٤٩٧ / ٧١٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى.","vol":"1","page":270},{"text":"وعدم التأسي هنا راجع إلى عدم إمكان تحقق صورة الترك في الواقع، وليس لكون هذا الترك لا يدخله تأسٍّ في الأصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>النوع الثاني: الترك الذي يمكن وجود سببه في حق الأمة:</span>\nالترك الذي يمكن وجود سببه في حق الأمة، يجب التأسي فيه، على ما ذكر من معنى وجوب التأسي، ويكون التأسي فيه باعتبار السبب شرطًا في صورة الترك، فمتى زال السبب: رجع المتروك إلى حكمه قبل حصول السبب الطارئ.\nومثال ذلك: ترك النبي - ﷺ - للتطويل في الصلاة خوف المشقة على المأمومين، فإن التأسي في ذلك الترك يكون بأن يترك الإمام التطويل إذا خاف المشقة على المأمومين، أما إذا علم أن ذلك لا يشق عليهم بأن كانوا قلة فاستشارهم، أو طلبوا منه ذلك، فكمال التأسي في هذه الحالة يكون بالتطويل لانتفاء سبب الترك حينئذ.\nومثاله أيضًا: ترك النبي - ﷺ - الصلاة على قاتل نفسه، ومن عليه دين، إنكارًا منه - ﷺ - لذلك الفعل، وأمر الصحابة بالصلاة عليه، فإن المشروع في حقنا الصلاة عليه، إلا لمن وُجد فيه نفس المعنى الذي لأجله ترك النبي - ﷺ - الصلاة عليه، ومثل هذا المعنى يوجد في الأئمة الذين يظن بهم الصلاح والتقى، فيرغب الناس في أن يصلوا على ميتهم التماسًا لبركة دعائه، فيظن أنه لو امتنع عمن عليه دين أن يسارع أهله بقضاء دينه، فلو لم يوجد هذا المعنى، لم يكن للترك فائدة.\nوحاصل القول: التأسي في الترك المسبب لابد فيه من اعتبار السبب","vol":"1","page":271},{"text":"لكي تتم صورة المتابعة إلا فيما اختص به النبي - ﷺ - من أسباب للتروك فلا يشرع لنا فيها تأسٍّ به - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>المطلب الثاني: دلالة الترك المطلق:</span>\nقبل الشروع في بيان دلالة الترك المطلق لابد من بيان أن المسائل الحديثة والنوازل الجديدة التي تنبني على الترك لا تنبني على هذا النوع مطلقًا؛ وذلك لأن مسائل هذا النوع محصورة بما نقل عنه - ﷺ - في الحديث، ولا طريق لمعرفته سوى النقل، أما النوازل الجديدة - التي يطلب معرفة حكمها - فلا تخلو من أن تكون أحد أمرين:\nالأمر الأول: أن تدخل تحت أحد فروع هذا النوع بطريق القياس فيثبت لها حكم الأصل وتكون هي في مقام الفرع.\nالأمر الثاني: ألا تدخل بالقياس تحت أحد فروع هذا النوع ومن ثَمّ فمحل دراستها في الترك العدمي.\nوقد سبق في مبحث التأسي بيان أن القول المختار هو وجوب التأسي بالنبي - ﷺ - في الترك، وفيما يلي بيان معنى ذلك الوجوب.\nفيقال: الفعل الذي كف عنه النبي - ﷺ - دون بيان سببه، لا يكون إلا أحد أمرين:\nالأمر الأول: أن يكون هذا الفعل لا يصح وقوعه إلا على وجه القربة من كل وجه.\nالأمر الثاني: أن يكون هذا الفعل مما يصح وقوعه على غير هيئة التعبد والقربة.","vol":"1","page":272},{"text":"أما الأول فإن امتناع النبي - ﷺ - عن فعله، دليل على أن هذا الفعل غير جائز، فهو محرم، وفعله على هذا الوجه يكون بدعة مذمومة.\nأما الثاني فإن امتناع النبي - ﷺ - عنه يحمل على أقل أحوال التأسي والمتابعة، فيحمل على الكراهة، لأن هذا هو القدر المتيقن، وما فوقه زائد عليه، فلا يصار إليه إلا لدليل يقتضي تلك الزيادة، وهذا هو سبب حمل النوع الأول على أنه للتحريم، إذ إن المتيقن فيه أيضًا الكراهة التي هي أقل أحوال المتابعة، ولكن صرنا إلى التحريم لدليل منفصل من الخارج، ولكنه لازم، وهذا الدليل هو ما ثبت عند الفقهاء والأصوليين جميعًا من أن العبادة لا تثبت إلا بدليل، فلو كان هذا الفعل الذي لا يقع إلا على وجه العبادة لا يصح الإقدام عليه سواء كف عنه النبي - ﷺ - أو لم يتعرض له، حتى ينقل لنا أن النبي - ﷺ - فعل ذلك الفعل، فإن المنع يقوى ويزداد بكف النبي - ﷺ - عنه، إذ هو في هذه الحالة مقوٍّ للأصل ومعضدٍ له.\nفيصح إذن إجمال القول فيما يلي:\nما تركه النبي - ﷺ - دون بيان سبب للترك، ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>القسم الأول: الترك المجرد: </span>أي الذي لم يتناوله أمر أو نهي ولم يكن في موضع البيان، وهذا على قسمين:\nالأول: أن يكون المتروك عبادة محضة - أي لا يقع الفعل إلا على وجه التعبد - فالترك هنا دليل على المنع.\nفمن ذلك ترك النبي - ﷺ - لصلاة الفرض على الراحلة، دليل على عدم جواز ذلك الفعل، وهذا ما ذهب إليه الفقهاء في هذا الفرع، بل نقل النووي","vol":"1","page":273},{"text":"الإجماع على ذلك (١).\nالثاني: أن يكون المتروك يصح وقوعه على غير معنى التعبد، فالترك هنا دليل على الكراهة.\nفمن هذا النوع ترك النبي - ﷺ - للأكل متكئًا دليل على الكراهة - عند من لم ير اختصاص النبي - ﷺ - بذلك - وكذلك ترك النوم قبل صلاة العشاء، وكذلك السمر بعدها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>القسم الثاني: الترك الذي تناوله بيان قولي </span>كالأمر به أو النهي عنه، وهذا يستفاد حكمه من القول لا مجرد الترك.\nالفرق بين هذا النوع وبين الترك المسبب من وجوه:\nالأول: أن البيان القولي قد يكون في موقف وصورة الترك في موقف بخلاف الترك المسبب فإن السبب من الترك مذكور مع صورة الترك.\nالثاني: أن بيان سبب الترك قد يكون من الصحابي بخلاف هذا القسم من الترك المطلق الذي يجب أن يكون البيان القولي من النبي - ﷺ -.\nوهذا القسم له أمثلة كثيرة إذ يصح القول بأن كل ما نقل نهي النبي - ﷺ - عنه ونقل عدم فعله - ﷺ - له فهو داخل في هذا القسم.\nوهذا القسم وإن كان واضح الدلالة لكن لابد من إثباته حتى لا تختلط دلالته بدلالة الأقسام الأخرى.\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (٥/ ٢١٧).\n(٢) رواه ابن ماجه (١/ ٢٣٠ / ٧٠٢) كتاب الصلاة، باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-262>القسم الثالث: الترك الذي وقع به بيان مجمل</span>، فقياس قول الأصوليين في الأفعال أن هذا الترك لا يجوز الزيادة عليه أو النقصان منه، ومن هذا النوع: ترك تغسيل الشهيد، وترك الأذان والإقامة في صلاة العيدين والاستسقاء، فالزيادة على ما ورد البيان به لا تجوز.\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>إشكال والرد عليه:</span>\nورد عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\" (١).\nهل يستدل بهذا الحديث على أن ترك النبي - ﷺ - المجرد لا يدل على شيء من الأحكام؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>والجواب عن ذلك:</span>\nأن المراد بقوله: \"ذروني ما تركتكم\" النهي عن الاستفصال في السؤال، والاكتفاء بما ورد من قوله - ﷺ -، وليس المراد أن النبي - ﷺ - إذا تركهم فلا دلالة لهذا الترك، لما ورد من الأدلة الأخرى، وهذا المعنى فَصَّلَه ابن حجر ووضحه عند شرحه لهذا الحديث فقد قال: \"المراد بهذا الأمر ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو تحريمه، وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة، قال ابن فرج معنى قوله: \"ذروني ما تركتكم\": لا تكثروا\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣/ ٢٦٤ / ٧٢٨٨) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن النبي - ﷺ -، ومسلم (٢/ ٩٧٥ / ١٣٣٧) كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر.","vol":"1","page":275},{"text":"من الاستفصال عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه ما ظهر، ولو كانت صالحة لغيره، كما أن قوله: حجوا، وإن كان صالحًا للتكرار فينبغي أن يكتفى بما يصدق عليه اللفظ، وهو مرة واحدة فإن الأصل عدم الزيادة، ولا تكثروا التنقيب عن ذلك، لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل، إذ أمروا أن يذبحوا البقرة، فلو ذبحوا أي بقرة كانت لامتثلوا، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - قال ابن حجر -: وبهذا تظهر مناسبة قوله: فإنما هلك من كان قبلكم إلى آخره بقوله: ذروني ما تركتكم\" (١).\nويمكن تلخيص دلالة الترك الوجودي في الشكل التالي:\n.............................................................. [دلالة الترك الوجوي] ........................................................\n............................ [المسبب] ....................................................... [[المطلق]] ....................................\n[ترك لا يوجد سببه في حق الأمة] ... [ترك قد يوجد سببه في حق الأمة] .. [[ترك مجرد]] .... [[ترك تناوله بيان قولي]] ... [[وقع به بيان مجمل]]\n[ليس فيه تأسي] ... [يجب فيه التأسي باعتبار سببه] ...... [[عبادة محضة]] .. [[ليس ببعادة]] .. [[حكمة من القول]] ... [[لا يزاد على الترك ولا ينقص المنع كراهة]]\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٢٧٥).","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>المبحث الثاني: مراتب الترك</span>\nلا شك أن التروك ليست كلها على منزلة واحدة من القوة أو الضعف، وحيث إن الأصل في ثبوت الترك الوجودي النقل، فإن ألفاظ النقل تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا من جهة ظهور دلالتها على الترك من عدمه، وثمة أمر آخر وهو أن نقل الترك بخلاف نقل الفعل، لابد فيه من تقصٍ شديد، لأن الفعل - ولو مرة - يخرم صورته، بخلاف الفعل، فإن حدوثه مرة كافٍ في نقله، ولذا فسوف يُقَسم الترك في هذا المبحث باعتبار قوة دلالة اللفظ على المعنى، وهو بذلك ينقسم إلى مرتبتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>المرتبة الأولى: أن يكلون اللفظ نصًّا قاطعًا في ثبوت الترك، وهذا على نوعين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>النوع الأول: أن يذكر النبي - ﷺ - عن نفسه أنه ترك</span>.\nومثاله: ما ورد عن أبي جحيفة - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إني لا آكل متكئًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>النوع الثاني: أن يقر النبي - ﷺ - سائله على أنه ترك</span>.\nمثاله: ما ورد عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: عطس رجلان عند النبي - ﷺ - فشمَّت أحدهما ولم يشمِّت الآخر، فقيل له، فقال: \"هذا حمد الله،\n_________\n(١) رواه البخاري (٩/ ٤٥١ / ٥٣٩٨) كتاب الأطعمة، باب الأكل متكئًا.","vol":"1","page":277},{"text":"وهذا لم يحمد الله\" (١).\n\nالمرتبة الثانية: أن يكون اللفظ ظاهرًا في ثبوت الترك وليس بنص (٢)، وهذا ثلاثة أنواع:\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>النوع الأول: أن ينقل الصحابي الترك من عادة النبي - ﷺ - في موقف متكرر</span>.\nفمن ذلك: ما ورد من حديث حفصة - ﵁ - أنها قالت: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين\" (٣).\nوأيضًا ما ورد من حديث حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رويبة - ﵁ - بشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة فقال عمارة - ﵁ -: قبح الله هاتين اليدين، قال: \"لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر ما يزيد على هذه، يعني السبابة التي تلي الإبهام\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>النوع الثاني: أن ينقل الصحابي أن النبي - ﷺ - ترك فعلًا ما على الدوام</span>.\n_________\n(١) البخاري (١٠/ ٦١٥ / ٦٢٢١) كتاب الأدب، باب الحمد للعاطس، ومسلم (٤/ ٢٢٩٢ / ٢٩٩١) كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس، وكراهة التثاؤب.\n(٢) المراد بالنص هنا: هو ما لا يحتمل إلا معنًا واحدًا [العدة (١/ ١٣٨)]، والظاهر هو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أرجح [العدة (١/ ١٤٠)]. وهو اصطلاح جرى عليه الأصوليون.\n(٣) رواه البخاري (٢/ ١٢٠ / ٦١٨) كتاب الأذان، باب الأذان بعد الفجر، ومسلم (١/ ٥٠٠ / ٧٢٣) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب ركعتي سنة الفجر، وهذا لفظ مسلم.\n(٤) رواه مسلم (٢/ ٥٩٥ / ٨٧٤) كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة.","vol":"1","page":278},{"text":"فمن ذلك ما ورد من حديث عائشة - ﵁ - أنها قالت: \"ما نام رسول الله - ﷺ - قبل العشاء ولا سمر بعدها\" (١).\nوأيضًا: ما ورد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة - ﵂ -: كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان؟ فقالت: \"ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلَاثًا\" (٢).\nفعائشة - ﵁ - زوجه والقيام يتكرر من النبي - ﷺ - ما يقرب من كل يوم ولو زاد لاطلعت عليه.\nوأيضًا: ما ورد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة ولا صلى ليلة إلى الصبح ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان\" (٣).\nوأيضًا: ما ورد من حديث عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١/ ٢٣٠ / ٧٠٢) كتاب الصلاة، باب النهي عن النوم قبل صلاة العشاء وعن الحديث بعدها، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (١/ ٢١٧).\n(٢) رواه البخاري (٣/ ٤٠ / ١١٤٧) كتاب التهجد، باب قيام النبي - ﷺ - بالليل في رمضان وغيره، ومسلم (١/ ٥٠٩ / ٧٣٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي - ﷺ - في الليل.\n(٣) رواه مسلم (١/ ٥١٢ - ٥١٤/ ٧٤٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، والشاهد في (ص ٥١٤).","vol":"1","page":279},{"text":"يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٢].\nقال عروة: قالت عائشة - ﵁ -: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله - ﷺ -: \"قد بايعتك كلامًا\"، ولا والله ما مسَّت يدُه يدَ امرأةٍ قط في المبايعة، ما يُبايعهن إلا بقوله: \"قد بايعتك على ذلك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>النوع الثالث: أن ينقل الصحابي الترك لفعل متوقع في حادثة مشهورة</span>.\nفمن ذلك: ما ورد من حديث ابن عمر - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ - لنا لما رجع من الأحزاب: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\"، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي - ﷺ - فلم يعنف واحدًا منهم (٢).\n* * *\n_________\n(١) رواه البخاري (٨/ ٥٠٤ - ٥٠٥/ ٤٨٩١) كتاب التفسير، سورة الممتحنة، باب ﴿إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾، ومسلم (٣/ ١٤٨٩ / ١٨٦٦) كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء.\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٥٠٦ / ٩٤٦) كتاب الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً، ومسلم (٣/ ١٣٩١ / ١٧٧٠) كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين. واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>المبحث الثالث: تعارض الترك مع غيره</span>\nالترك من الأفعال - كما سبق بيانه - ولذلك فإن بحث تعارض الترك مع غيره يقتضي البحث في تعارض القول مع الفعل وفي تعارض الأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>المطلب الأول: تعارض الترك مع القول:</span>\nتعارض القول مع الفعل قسمه الأصوليون إلى صور كثيرة عدَّها بعضهم كالشوكاني ثمانٍ وأربعين صورة، وأوصلها الزركشي إلى ستين صورة، وبلغ بها المرداوي ستًّا وسبعين صورة، وأغلب هذه الصور صور نظرية مفترضة لا وجود لأغلبها في التطبيق العملي كما يذكر الزركشي والعلائي والمرداوي والشوكاني (١).\nلكن حاصل ما ذهبوا إليه في القول المراد به العموم إذا عارض الفعل ثلاثة أقوال، أحدهما تقديم القول، والثاني تقديم الفعل، والثالث طلب\n_________\n(١) انظر الكلام على مسألة تعارض القول والفعل من النبي - ﷺ - في المواضع التالية:\nأصول الجصاص (٣/ ١٧٠)، أحكام ابن حزم (٤/ ٥٨٦)، أصول ابن مفلح (١/ ٣٥٨)، (١/ ٣٥٥)، التبصرة للشيرازي (ص ١٤٢)، اللمع للشيرازي (ص ١٤٦)، التمهيد لأبي الخطاب (٢/ ٣٣٠، ٣٣٣)، الأسمندي (ص ٣١٩)، التحبير (٣/ ١٤٩٩)، المستصفى (٣/ ٤٧٦)، المحصول للرازي (٣/ ٢٥٦)، الإبهاج للسبكي (٥/ ١٧٨٣)، البحر المحيط (٤/ ١٩٦)، قواطع الأدلة (١/ ٣١١)، تشنيف المسامع (٢/ ٩١١ - ٩١٤)، الغيث الهامع (٢/ ٤٦٤)، لباب المحصول (٢/ ٦٣٨)، تحفة المسؤول للرهوني (٢/ ٢٠٤)، المسودة (١/ ١٩٩)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":281},{"text":"مرجح من الخارج.\nأما الذين قالوا بتقديم القول فذلك لأنه بيان بنفسه دون الفعل ودلالة القول أقوى من دلالة الفعل فيقدم.\nوالذين قدموا الفعل قالوا: هو أقوى في الدلالة والبيان على المراد.\nأما الذين قالوا بطلب المرجح من الخارج فقالوا لأنهما في الدلالة سواء.\nوذكر العلائي والزركشي أن الذي يجري على قواعد الأصوليين في هذا الشأن أن يحمل القول على وجه، ويحمل الفعل على وجه آخر، أو يصرف الفعلُ القولَ عن ظاهره إلى أحد معانيه.\nوحيث أن الترك فعل، فإن تعارض القول مع الترك يكون بأن يترك النبي - ﷺ - موجب ما دل عليه القول، وهو إما أمر أو نهي:\nفحصول التعارض في الأمر يكون بأن يأمر بفعل ثم يترك فعله، وحصول التعارض في النهي يكون بأن ينهى عن فعلٍ ثم يفعله، فيكون تاركًا للامتثال لما دل عليه النهي.\nوهاتان الصورتان يصح فيهما أن يحمل الأمر على عدم الوجوب، فيكون الفعل قرينة تصرفه عن ظاهره، ويحمل النهي على الكراهة دون التحريم، وهذا الوجه في الجمع فيه إعمال للدليلين معًا في المحل الواحد وهو أولى من حمل كل دليل على محل غير الذي يتعلق به الآخر.\nثم إنه صنيع الفقهاء فيما لا يحصى في المواضع، وقد نص الأصوليون في باب الأمر والنهي على صرف الأمر عن الوجوب والنهي عن التحريم، بدلالة","vol":"1","page":282},{"text":"القرائن فالأمر ظاهر في الوجوب، وليس نصًّا، والنهي ظاهر في التحريم، وليس نصًّا، فيجوز أن يحمل على غير ذلك المعنى إذا وجد الدليل الصارف.\nإذن:\nفالقول إذا عارضه ترك لموجبه كان ذلك دليلًا صارفًا عن ظاهره إلى أحد معانيه، وفيما يلي مثالين:\nالأول: لتعارض الأمر مع الترك.\nوالثاني: لتعارض النهي مع الترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>مثال تعارض الترك مع الأمر: الوضوء من أكل ما مسته النار:</span>\nورد عن النبي - ﷺ - أنه أمر بالوضوء مما ممشا النار، وورد عنه أنه أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، ثم صلى، واختلف العلماء في الجمع بين تلك الأحاديث وفيما يلي بيان تلك الأحاديث وأوجه الجمع بينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>أولًا: الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار:</span>\n١ - ما ورد من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الوضوء مما مست النار\" (١).\n٢ - ما ورد عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه وجد أبا هريرة - ﵁ - يتوضأ على المسجد فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها لأني سمعت\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٧٢ / ٣٥١) كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار.","vol":"1","page":283},{"text":"رسول الله - ﷺ - يقول: \"توضئوا مما مست النار\" (١).\n٣ - ما ورد عن عروة بن الزبير - ﵁ - قال سمعت عائشة - ﵂ - تقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"توضئوا مما مست النار\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>ثانيًا: الأحاديث التي وردت أن النبي أكل مما مسته النار ثم صلى ولم يتوضأ:</span>\n١ - ما ورد عن عبد الله بن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ (٣).\n٢ - ما ورد عن عمرو بن أمية - ﵁ - أنه رأى رسول الله - ﷺ - يحتز من كتف شاة فدعى إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ (٤).\n٣ - ما ورد عن ميمونة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ (٥).\n٤ - ما ورد عن بُشَيْر بن يسار مولى بني حارثة أن سُويد بن النعمان\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣/ ٣٥٢) كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار.\n(٢) رواه مسلم (١/ ٢٧٣ / ٣٥٣) كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار.\n(٣) رواه البخاري (١/ ٣٧١ / ٢٠٧) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ومسلم (١/ ٢٧٣ / ٣٥٤) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار.\n(٤) رواه البخاري (١/ ٣٧٢ / ٢٠٨) كتاب الوضوء، باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ومسلم (١/ ٢٧٤ / ٣٥٥) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار.\n(٥) رواه البخاري (١/ ٣٧٣ / ٢١٠) كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ، ومسلم (١/ ٢٧٤ / ٣٥٦) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار.","vol":"1","page":284},{"text":"- ﵁ - أخبره أنه خرج مع رسول الله - ﷺ - عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء - وهي أدنى خيبر - فصلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فُثرِّيَ، فأكل رسول الله - ﷺ - وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ (١).\n٥ - ما ورد عن جابر - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقِناع من رطب فأكل منه، ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف، فأتته بعُلالة من عُلالة الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ (٢).\n٦ - ما ورد عن أبي رافع - ﵁ - قال: أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله - ﷺ - بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٣٧٣ / ٢٠٩) كتاب الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ، وقد ذهب الخطابي إلى أن هذا الحديث ناسخ لحديث الأمر بالوضوء استدلالًا، بأنه كان في غزوة خيبر في سنة سبع والأمر بالوضوء متقدم، ولكن تعقبه ابن حجر بأن الذي روى حديث الأمر بالوضوء أبو هريرة - ﵁ - وقد حضر بعد غزوة خيبر [فتح الباري (١/ ٣٧٤)].\n(٢) ورواه الترمذي (١/ ١١٦ - ١١٧/ ٨٠) أبواب الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الحديث (١/ ١١٧)، وكذلك صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ٦١)، وله رواية أخرى عند أبي داود (١/ ٤٨ / ١٩١) كتاب الطهارة، باب في الوضوء مما مست النار: عن جابر - ﵁ - قال: \"قربت للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا فأكل ثم دعا بوضوء فتوضأ به ثم صلى الظهر ثم دعا بفضل طعام ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ\"، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣٤٦ / ١٨٦).\n(٣) رواه مسلم (١/ ٢٧٤ / ٣٥٧) كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار.","vol":"1","page":285},{"text":"ولذلك وقع الخلاف بين أهل العلم في توجيه هذه الأحاديث، فالبعض رأى النسخ، والبعض رأى الجمع بينها.\nوالذين رأوا النسخ وهم الأكثر اختلفوا أيهما نسخ الآخر؟\nهل الأمر بالوضوء هو الناسخ لترك الوضوء، أم ترك الوضوء هو الناسخ للأمر بالوضوء؟ وأهل العلم في ذلك كله على ثلاثة مذاهب:\nالأول:\nمن قال بأن ترك الوضوء مما مست النار هو الناسخ للأمر بالوضوء، وهو قول جمهور أهل العلم وأكثر، وهو محكى عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي طلحة وأبي الدرداء وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي أمامة - ﵃ - أجمعين، وبه قال جمهور التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه (١).\nواستدلو بـ:\n- الأحاديث الواردة في أن النبي - ﷺ - أكل مما مسته النار ولم يتوضأ، لا سيما أن من رواة هذه الأحاديث ابن عباس - ﵂ - ومعلوم أن سماعه من النبي - ﷺ - كان متأخرًا، كما ذكر ذلك ابن عبد البر (٢).\n_________\n(١) قال الترمذي في السنن (١/ ١١٩): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار وهذا آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - وكأن هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار. اهـ.\n(٢) التمهيد (٢/ ١٢٣).","vol":"1","page":286},{"text":"- ما ورد عن جابر بن عبد الله - ﵂ - قال: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار\" (١).\n- ما ورد عن أبي سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله - ﵂ - أنه سأله عن الوضوء مما مسست النار فقال: لا، قد كنا زمان النبي - ﷺ - لا نجد مثل ذلك من الطعام إلا قليلًا، فإذا نحن وجدناه لم يكن لنا مناديل إلا أكفنا وسواعدنا وأقدامنا، ثم نصلي ولا نتوضأ (٢).\n- حمل حديث الأمر بالوضوء على أن المقصود به المضمضة وغسل اليدين تقديمًا للحقيقة اللغوية وأن الوضوء هنا مشتق من الوضاءة وهي النظافة (٣).\nواستدل ابن قدامة بأن النبي - ﷺ - لما سئل عن الوضوء من لحم الغنم قال: \"لا تتوضأ\" (٤).\nوهو ما ورد عن جابر بن سمرة - ﵁ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ\"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: \" نعم، فتوضأ من لحوم الإبل\"، قال:\n_________\n(١) رواه النسائي (١/ ١٠٨) كتاب الطهارة، باب ترك الوضوء مما مست النار، وأبو داود (١/ ٤٨ / ١٩٢) كتاب الطهارة، باب في ترك الوضوء مما مست النار، وصحح الألباني إسناده في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣٤٨ / ١٨٧).\n(٢) رواه البخاري (٩/ ٤٩٢ / ٥٤٥٧) كتاب الأطعمة، باب المنديل.\n(٣) قال النووي: أما حمل الوضوء على اللغوي فضعيف لأن الحمل على الوضوء الشرعي مقدم على اللغوي كما هو معروف في كتب الأصول [المجموع (٢/ ٦٩)].\nوكذلك رده ابن عبد البر واتهم قائله بقلة العلم [التمهيد (٢/ ١١٥)].\n(٤) المغنى (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":287},{"text":"أصلي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: \"لا\" (١).\nالثاني:\nأنه يجب الوضوء مما مست النار حكاه ابن المنذر عن جماعة من الصحابة: منهم ابن عمر وأبو طلحة وأبو موسى وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعائشة - ﵃ - وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن والزهري وأبي قلابة (٢) وأبي مجلز (٣) (٤).\nواستدلوا بـ:\nالأحاديث الواردة في الأمر بالوضوء مما مست النار، وقالوا بأنها ناسخة لأحاديث إباحة ترك الوضوء، وقالوا: إن الإباحة سابقة.\nوردوا على الاستدلال بحديث جابر - ﵁ -: \"كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار\" بأن المراد بالأمر هنا الشأن\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٧٥ / ٣٦٠) كتاب الحيض، باب الوضوء من لحم الإبل.\n(٢) هو: شيخ الإسلام عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر بن ناتل بن مالك، أبو قلابة الجَرْمي البصري، من سادات التابعين، وطُلِب للقضاء فهرب ونزل الشام، وكان كثير الإرسال في حديثه، توفي سنة ١٠٤ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٨٩)، شذرات الذهب (٢/ ٢٣)].\n(٣) هو: لاحق بن حُميد بن سعيد السدوسي، أبو مجلز البصري، وهو أحد علماء البصرة، ولقي بعض الصحابة كأبي موسى، وابن عباس - ﵂ -، توفي سنة ١٠٦ هـ، وقيل غير ذلك.\n[تهذيب الكمال (٣١/ ١٧٦)، شذرات الذهب (٢/ ٤١)].\n(٤) راجع في ذلك التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١١٥)، والمجموع للنووي (٢/ ٦٦).","vol":"1","page":288},{"text":"والقصة، لا مقابل النهي، وأن هذا اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي - ﷺ - شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ، فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة (١).\n\nولكن أجاب أصحاب القول الأول بأمور منها:\nما قاله النووي: \"وأما دعواهم نسخ أحاديث ترك الوضوء فهي دعوى بلا دليل فلا تقبل\" (٢) اهـ.\nوبأن تأويلهم حديث جابر - ﵁ - خلاف الظاهر وهو تأويل بغير دليل فلا يقبل، وهذه الرواية المذكورة لا تخالف كونه آخر الأمرين، فلعل هذه القضية هي آخر الأمرين، واستمر العمل بعدها على ترك الوضوء، ويجوز أيضًا أن يكون ترك الوضوء قبلها، فإنه ليس فيها أن الوضوء كان لسبب الأكل (٣).\nالثالث:\nاستحباب الوضوء وهو قول من جمع بين الأحاديث والذي ذهب لذلك هو الإمام الخطابي (٤) (٥).\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٣٧٢).\n(٢) المجموع (٢/ ٦٨).\n(٣) المجموع (٢/ ٦٨).\n(٤) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري (١/ ٣٧٢).\n(٥) هو: أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي الخطابي اللغوي المحدث =","vol":"1","page":289},{"text":"القول المختار من ذلك:\nإعمال ما قرره الأصوليون من أن الجمع مقدم على الترجيح يقضي بأن أولى هذه الأقوال بالترجيح هو الاستحباب، وهو ما ذهب إليه الخطابي.\nولكن:\nلم أجد أحدًا - في حدود بحثي - غير الإمام الخطابي - سواء من الصحابة أو غيرهم - قال بهذا القول، والصحابة - ﵁ - لا سيما الخلفاء الراشدون - وهم أعلم الخلق بأحوال النبي - ﷺ - هم الذين رُوي عنهم ترك الوضوء، فعن سليم بن عامر قال: رأيت أبا بكر وعمر وعثمان - ﵃ - أكلوا مما مست النار ولم يتوضؤوا، ورأيت عمار بن ياسر يشرب من لبن نعجة فمضمض، ثم قام إلى الصلاة، وسمعت عمار بن ياسر - ﵁ - يقول: جف القلم بما هو كائن (١).\nوهم كذلك الذين رووا أن آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار كما مر في حديث جابر - ﵁ -.\nوعلى ذلك فالقول الراجح هو قول من قال بأن أحاديث الترك ناسخة\n_________\n= الفقيه، ولد سنة بضع عشرة وثلاثمائة، توفي سنة ٣٨٨ هـ، وله العديد من المصنفات مثل \"شرح الأسماء الحسنى\"، \"الغنية عن الكلام وأهله\"، \"معالم السنن في شرح أبي داود\"، \"غريب الحديث\"، \"العزلة\".\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣)، شذرات الذهب (٤/ ٤٧١)، تذكرة الحفاظ (٣/ ١٠١٨ / ٩٥٠)].\n(١) رواه الطبراني في مسند الشاميين (٣/ ٢٨١ / ٢٢٦٢)، وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٣٧٢): إسناده حسن.","vol":"1","page":290},{"text":"لأحاديث الأمر (١)، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر (٢) والنووي (٣) وابن قدامة (٤) وغيرهم (٥)، ولو قال بقول الخطابي أحد من الصحابة لكان هو أولى الأقوال بالاختيار، فهو أقرب الأقوال للقواعد، لكن لم يقل به أحد، فصار الترجيح بين قولين: بين تقديم الأمر بالوضوء، وبين حمله على النسخ بترك النبي - ﷺ - له، وأكثر أهل العلم على نسخ ذلك الأمر، والأدلة كلها ترجع إلى ترك النبي - ﷺ - لفعل موجب ذلك الأمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>مثال تعارض الترك مع النهي: حكم استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة:</span>\nالقول إذا كان نهيًا فإن صورة تعارضه مع الترك تكون بأن ينهى عن الشيء ثم يفعله، فهو بذلك ترك موجب ما دل عليه قوله - ﷺ -.\n_________\n(١) ساق البيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٥٧): بسنده إلى عثمان بن سعيد الدارمي أنه قال: \"فهذه الأحاديث قد اختلف فيها واختلف في الأول والآخر منها فلم نقف على الناسخ والمنسوخ منها ببيان بين نحكم به دون ما سواه فنظرنا إلى ما اجتمع عليه الخلفاء الراشدون والأعلام من أصحاب رسول الله فأخذوا بإجماعهم في الرخصة فيه بالحديث الذي يروى فيه الرخصة عن النبي - ﷺ -\".\n(٢) التمهيد (٢/ ١١٥).\n(٣) المجموع (٢/ ٦٧)، وشرح صحيح مسلم (٤/ ٢٦٥).\n(٤) المغني (١/ ٢٥٥).\n(٥) انظر [فتح الباري (١/ ٣٧١)، شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢٦٥)، التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١١٥)، المجموع للنووي (٢/ ٦٥)، تحفة الأحوذي (١/ ٢٥٦)، نيل الأوطار (١/ ٣٢٢)، المغني (١/ ٢٥٤)].","vol":"1","page":291},{"text":"هذا وجه تعارض النهي مع الترك ولا يكون إلا من هذا الباب.\nومن الأمثلة التي تتضح فيها تلك الصورة: نهيه - ﷺ - عن استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة ثم فعله - ﷺ - لذلك.\nوفي المسألة التالية بيان الحديثين المتعارضين، والمسالك التي سلكها العلماء للجمع بينهما.\nورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها\" (١).\nففي هذا الحديث نهي بالقول عن استقبال القبلة أو استدبارها.\nوروى الشيخان من حديث ابن عمر - ﵁ - أنه قال: \"رقيت على بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله - ﷺ - قاعدًا لحاجته مستقبلَ الشام مستدبرَ القبلة\" (٢).\nففي هذا الحديث ترك النبي - ﷺ - الفعل بموجب ما قاله، فمن العلماء من ذهب إلى أن الحديثين متعارضان من كل وجه، فطلب الترجيح.\nومنهم من رأى أن الجمع ممكن.\nأما الذين ذهبوا إلى الترجيح فلهم في الترجيح مسلكان:\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٢٤ / ٢٦٥) كتاب الطهارة، باب الاستطابة.\n(٢) رواه البخاري (١/ ٢٩٧ / ١٤٥) كتاب الوضوء، باب من تبرز على لبنتين، ومسلم (١/ ٢٢٥ / ٢٦٦) كتاب الطهارة، باب الاستطابة.","vol":"1","page":292},{"text":"الأول:\nأن القول مقدم على الفعل، إذ يحتمل أن يكون ذلك الفعل لضرورة، أو خاصًّا بهذه الحالة فقط، أو خاصًّا به، وهذه كلها احتمالات فلا تعارض القول الثابت عليه، فيحرم استقبال القبلة أو استدبارها للنهي أما الفعل فلا عموم له عندهم.\nوممن ذهب إلى ذلك:\nمن الشافعية: أبو ثور (١)، ومن المالكية: ابن العربي المالكي، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد، وقال به من الصحابة: أبو أيوب - ﵁ -، وهو مذهب: مجاهد والنخعي والثوري (٢).\nالثاني:\nأن الفعل مقدم على القول؛ لأنه ناسخ له؛ لأنه بعده، ويرجحه أن الدليلين إذا تعارضا سقطا ورجعنا إلى الأصل، وهو الإباحة وهو ما يدل عليه الفعل.\n_________\n(١) هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي البغدادي الفقيه، مفتي العراق، وهو إمام حافظ حجة مجتهد، صحب الإمام الشافعي قديمًا ثم أصبح له مذهب مستقل، قال فيه الإمام أحمد: \"أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة\"، ولد في حدود سنة (١٧٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٤٠ هـ). وله كتب في (الطهارة) و(الصلاة) وغيرها.\n[سير أعلام النبلاء (١٠/ ٧٦)، وفيات الأعيان (١/ ٢٦ / ٢)، تاريخ بغداد (٦/ ٥٧٦)].\n(٢) التمهيد من مجموعة شروح الموطأ (٦/ ٤٨٠) [موسوعة شروح الموطأ، تحقيق: عبد الله عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز هجر للبحوث، ط. الأولى (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م)]، شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٤٥)، المغني (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":293},{"text":"وعليه فيجوز استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة.\nوهذا قول عائشة وعروة - ﵄ - وربيعة (١) وداود الظاهري.\nويؤيده ما ورد من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - أنه قال: \" نهى النبي - ﷺ - أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها\" (٢).\n\nأما الذين صاروا إلى الجمع بين الدليلين:\nفلهم في ذلك ثلاثة مسالك:\nالأول:\nأن القول لا يعارض الفعل، فالقول خاص بنا، والفعل خاص به - ﷺ -. فيحمل الفعل على الخصوصية، وهذا ما ذهب إليه الشوكاني، وقد حكاه ابن حجر في الفتح دون نسبةٍ لأحد، وردَّه (٣).\n_________\n(١) هو: أبو عثمان - ويقال أبو عبد الرحمن - ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، القرشي، التيمي مولاهم، التابعي، المشهور بربيعة الرأي، مفتي المدينة وعالم الوقت، روى عن أنس بن مالك - ﵁ - وسعيد بن المسيب - ﵁ - وغيرهما، وحدَّث عنه الإمام مالك وتفقه عليه، توفي سنة ١٣٦ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١٩)، وفيات الأعيان (٢/ ٢٨٨ / ٢٣٢)].\n(٢) رواه الترمذي (١/ ١٥ / ٩) أبواب الطهارة، باب ما جاء في الرخصة من ذلك، وأبو داود (١/ ٣ - ٤/ ١٣) كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك (أي في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة)، وابن ماجه (١/ ١١٧ / ٣٢٥) كتاب الطهارة وسننها، باب الرخصة في ذلك في الكنيف، وإباحته دون الصحاري، وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٣٦ / ١٠): إسناده حسن.\n(٣) نيل الأوطار (١/ ١٣٢)، فتح الباري (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":294},{"text":"وعليه فيكون حكم استقبال القبلة أو استدبارها أثناء قضاء الحاجة هو التحريم.\nوحديث جابر - ﵁ - لا يشكل على هذا القول إذ يخصص الفعل بالنبي - ﷺ -.\nوممن سبق الشوكاني إلى القول بالخصوصية: الكرخي حكاه عنه الرازي في (المحصول) (١).\nالثاني:\nأن القول هنا نهي، فهو دليل على التحريم، لكن صُرِف هذا التحريم إلى الكراهة لفعل النبي - ﷺ - وهذه إحدى الروايتين عن أبي حنيفة (٢) وأحمد، ومروي عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي ثور (٣).\nوحديث جابر - السابق ذكره - لا يشكل على هذا القول أيضًا، فقد يحمل على جواز ذلك مع الكراهة.\nالثالث:\nأن يحمل القول على حالة الصحراء والفعل على حالة البنيان، فيكون متعلق القول غير متعلق الفعل.\n_________\n(١) المحصول (٣/ ٢٦١).\n(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (٥/ ١٢٦) لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م).\n(٣) التمهيد (٦/ ٤٨٠) (من مجموعة شروح الموطأ)، شرح صحيح مسلم للنووي (٣/ ١٤٥)، المغني (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":295},{"text":"ومما يؤيد ذلك القول أن الصحابي الذي رأى النبي - ﷺ - يقضي حاجته فهم ذلك الفهم، وذلك فيما رواه مروان الأصغر قال: \"رأيت ابن عمر - ﵄ - أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس\" (١).\nوإلى هذا القول ذهب مالك (٢) والشافعي (٣) وهو قول الجمهور، وقال ابن حجر: \"وهذا أعدل الأقوال لإعمال جميع الأدلة\" (٤).\nوبناء على هذا العرض السابق فإن استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة مختلف فيه على أربعة أقوال:\n١ - الحرمة مطلقًا.\n٢ - الكراهة مطلقًا.\n٣ - الحرمة في الصحراء دون البنيان.\n٤ - الإباحة مطلقًا.\n\nالرأي المختار:\nمن خلال العرض السابق يمكن أن يجمل القول فيما يلي:\n_________\n(١) رواه أبو داود (١/ ٣ / ١١) كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وحسنه الألباني في الإرواء (١/ ١٠٠).\n(٢) التمهيد لابن عبد البر (٥/ ٣٥٠) (نسخة دار الفاروق).\n(٣) شرح صحيح مسلم (٣/ ١٤٥).\n(٤) فتح الباري (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":296},{"text":"١ - أبعد الأقوال عن الاختيار هو القول بالإباحة مطلقًا، أو المنع مطلقًا، وذلك لأنه فيه ترجيح بين الأدلة، ومعلوم أن الجمع أولى من الترجيح، ولا يصار إليه إلا عند التعارض وعدم إمكان الجمع، والجمع ممكن كما سيأتي.\n٢ - مما يرد القول بالخصوصية أن الأصل في أفعال النبي - ﷺ - التشريع، وهنا نقلان من صحابيين في موضعين مختلفين ينقلان فعل النبي - ﷺ -، فكيف يحمل هذان النقلان على الخصوصية، ولو قيل: إن رؤية ابن عمر - ﵄ - للنبي - ﷺ - كانت اتفاقًا لم يقصدها النبي - ﷺ - حتى تحمل على التشريع، أليس سكوته عن رؤياه له وعلمه بأنه سيفعل مثلما فعل؛ إقرارًا منه - ﷺ - له على أن ذلك الفعل ليس فيه خصوصية؟!\n٣ - يبقى إذن أحد أمرين:\nإما القول بالكراهة أو بالتفصيل بين الصحاري والبنيان.\nولكل من القولين حظ من النظر.\nوالذي أظنه أقرب للقواعد هو القول بالكراهة دون التفصيل، وذلك لأمور:\nأولًا: النهي ظاهرٌ في التحريم، ولكنه يحمل على الكراهة بالقرينة فليس حمله على الكراهة عدم إعمال له.\nففي القول بهذا الرأي إعمال للدليلين معًا من كل وجه، أما في القول بالتفصيل بين الصحاري والبنيان ففيه إعمال لكل دليل في محل غير الدليل الآخر.\nثانيًا: أن حديث جابر - ﵁ - يعكر على القول بالتفصيل، وذلك لأنه","vol":"1","page":297},{"text":"لم يرد فيه أن ذلك كان في بنيان أم لا، بل نقل النهي عامًّا والفعل عامًّا.\nولو لم يصح حديث جابر - ﵁ - لكان القول بالتفصيل متساويًا مع القول بالكراهة.\nثالثًا: في القول بالكراهة إعمال لحديث جابر - ﵁ - وحديث ابن عمر - ﵄ -، فلا إشكال في حمل حديث ابن عمر - ﵄ - على القول بالكراهة، ولا يشكل عليه أن النبي - ﷺ - لا يفعل المكروه لأن الكراهة تزول مع الحاجة، والحاجة في البنيان يغلب على الظن تحققها.\nوعلى ذلك فالمختار في هذه الدراسة هو القول بالكراهة دون تفصيل بين الصحاري والبنيان.\nولقائل أن يقول: إن الواقع العملي لا يحصل فيه كبير فرق بين التفصيل أو الكراهة وهذا متحقق فعلًا ولكن الغرض من الدراسة بحث المستند الأصولي للأقوال فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>المطلب الثاني: تعارض الترك مع الفعل:</span>\nصورة تعارض الفعل مع الترك هي أن يُنقل أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا ما في أحد المواقف، ثم يحصل ذلك الموقف مرة أخرى، فينتظر الصحابة - ﵃ - الفعل السابق فلا يفعله النبي - ﷺ - ويتركه، أو العكس، وهذا يقع تحت باب تعارض الأفعال؛ وذلك لأن الترك فعل، فينبغي أن تبحث المسألة تحت هذا الباب، وفيما يلي حكم تعارض الأفعال عند الأصوليين (١):\n_________\n(١) مسألة تعارض أفعال النبي - ﷺ - تجدها في المواضع الآتية: =","vol":"1","page":298},{"text":"الأفعال - عند الأصوليين - لا تتعارض، إلا إذا دل الدليل على وجوب التكرار، أو اعتبار العموم، فالأصل في الأفعال أنها لا عموم لها (١)، إذ ليس للأفعال صيغة، وكذلك لا تدل بمجردها على التكرار، فلا ينتظم الفعل الأول جميع الأوقات المستقبلة إلا إذا دل الدليل على ذلك، وعدم التعارض هنا معناه: حمل كل فعل على حالة غير التي يحمل عليها الفعل الآخر.\nأما إذا تعذر الجمع بين الفعلين بوجه من الوجوه، وذلك بأن يقع التعارض من كل وجه: ففي ذلك ثلاثة مذاهب:\nالأول: التخيير بين الفعلين.\nالثاني: جعل المتأخر ناسخًا للمتقدم.\nالثالث: طلب الترجيح من الخارج.\nهذا حاصل ما قرره الأصوليون في هذا الباب، وهو شامل لتعارض الفعل مع الترك، غير أنه ينبغي هنا الإشارة إلى أن بعضًا من الأصوليين ذكر\n_________\n= التحبير (٣/ ١٤٩٥)، المستصفى (٣/ ٤٧٥)، المحصول للرازي (٣/ ٢٦١)، الإبهاج للسبكي (٥/ ١٧٨٢)، البحر المحيط (٤/ ١٩٢)، المعالم وشرحها لابن التلمساني (٢/ ٢٩)، تشنيف المسامع (٢/ ٩١١ - ٩١٤)، الغيث الهامع (٢/ ٤٦٦)، لباب المحصول (٢/ ٦٣٧)، تحفة المسؤول للرهوني (٢/ ٢٠٢)، المسودة (١/ ٢٠٠)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٨).\n(١) انظر كلام الأصوليين عن عموم الأفعال في المواضع الآتية:\nالبحر المحيط (٣/ ١٦٦)، الإحكام للآمدي (٢/ ٣١١)، المستصفى (٣/ ٢٧٥ - ٢٧٩)، تشنيف المسامع (٢/ ٦٩٥)، لباب المحصول (٢/ ٥٦٦)، تحفة المسؤول للرهوني (٣/ ١٣٢)، إرشاد الفحول (١/ ٥٥٤)، أصول ابن مفلح (٢/ ٨٣٨، ٢/ ٨٤٢)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٢٠٢).","vol":"1","page":299},{"text":"أن محل الخلاف في التعارض مبني على القول بأن الفعل يدل على الوجوب، أما على القول بأنه يدل على الاستحباب فلا وجه لوقوع التعارض حينئذ، وإذا كان الترك لن يدل على الوجوب، فلن يقع إذن التعارض بينه وبين الفعل من كل وجه، فيصح هنا القول بعدم إمكان وقوع التعارض بين الفعل والترك، إذ يحمل الفعل على حالة والترك على حالة أخرى، أما إذا دل الدليل على وجوب الفعل أو وجوب التكرار: فالذي أراه هنا أنه يكون كالقول: أي يكون الترك صارفًا للفعل عن الوجوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>مثال للتعارض بين الفعل والترك:</span>\nورد أن النبي - ﷺ - قرأ بالنجم فسجد فيها، وورد أنه لم يسجد، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>فمما ورد فيه أنه سجد:</span>\n- ما ورد عن ابن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته (١).\n- ما ورد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قرأ \"والنجم\" فسجد فيها وسجد من كان معه (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٦٤٧ / ١٠٧٥) كتاب سجود القرآن، باب من سجد لسجود القارئ، ومسلم (١/ ٤٠٥ / ٥٧٥) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة.\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤/ ١٠٧٠) كتاب سجود القرآن، باب سجدة النجم، ومسلم (١/ ٤٠٥ / ٥٧٦) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة.","vol":"1","page":300},{"text":"- ما ورد عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - سجد \"بالنجم\" وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>ومما ورد فيه أنه لم يسجد:</span>\n- ما ورد عن عطاء بن يسار أنه سأل زيد بن ثابت - ﵁ - فزعم أنه قرأ على النبي - ﷺ - \"والنجم\" فلم يسجد فيها (٢).\nقال النووي: \"احتج به مالك (٣) رحمه الله تعالى ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل وأن سجدة \"النجم\" و\"إذا السماء انشقت\" و\"اقرأ باسم ربك\" منسوخات بهذا الحديث .....\nثم قال: وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور بعده في مسلم قال: سجدنا مع رسول الله - ﷺ - في \"إذا السماء انشقت\" و\"اقرأ باسم ربك\"، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة - ﵁ - كان سنة سبع من الهجرة، فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة.\nثم قال: وأما حديث زيد - ﵁ - فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة ليس بواجب ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة - ﵁ - \" (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٦٤٤ / ١٠٧١) كتاب سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين.\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٤٥ / ١٠٧٣) كتاب سجود القرآن، باب من قرأ السجدة ولم يسجد، ومسلم (١/ ٤٠٦ / ٥٧٧) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة.\n(٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر (٦/ ٦٩).\n(٤) شرح صحيح مسلم (٥/ ٧٩).","vol":"1","page":301},{"text":"قال ابن حجر: \"ترك السجود فيها في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون السبب في الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت كراهة، أو لكون القارئ كان لم يسجد ...، أو ترك حينئذ لبيان الجواز وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود، ولو بعد ذلك\" (١).\nقال الخطيب البغدادي (٢): \"ليس في هذين الحديثين تضاد، ولا أحدهما ناسخ للآخر، وفيهما دليل على أن سجود التلاوة ليس بحتم؛ لأن النبي - ﷺ - سجد في النجم تارة، وترك السجود فيها تارة أخرى، والمستحب أن لا يترك، وهذا اختلاف من جهة المباح\" (٣).\n* * *\n_________\n(١) فتح الباري (٢/ ٦٤٥ / ٦٤٦).\n(٢) هو: أحمد بن علي بن ثابت، أبو بكر الشهير بالخطيب البغدادي، ولد سنة ٣٩٢ هـ، أحد مشاهير الحفاظ والمؤرخين، كان حنبلي المذهب ثم أصبح شافعيًا، سُمي الخطيب لأنه كان يخطب بدرب ريحان، تفقه على أبي الطيب الطبري وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد الإسفرايني، من تصانيفه: \"تاريخ بغداد\"، و\"الكفاية في علم الرواية\"، و\"الفوائد المنتخبة\"، توفي في بغداد سنة ٤٦٣ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٥٩٠)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٤/ ٢٩)، البداية والنهاية (١٦/ ٢٧)، شذرات الذهب (٥/ ٢٦٢)].\n(٣) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٣٩) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف عزازي، دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، جمادى الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>الفصل الثالث\nما يلحق بالترك الوجودي</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: ترك الإنكار (الإقرار).\nالمبحث الثاني: ترك ما هم به.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث الأول: ترك الإنكار (الإقرار)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>توطئة</span>\nيذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول وفعل وإقرار أو تقرير، وقد تناولوا الإقرار بالدراسة التفصيلية، وسيتضح من خلال المباحث التالية أن الإقرار ما هو إلا نوع من أنواع الترك الوجودي إذ إنه لا يثبت إلا بالنقل - شأن أنواع الترك الوجودي كلها - كما أن الأصوليين اتفقوا على أنه كف - كما سيأتي - وهو من أنواع الترك كما سبق.\nلأجل ذلك سأتناول في الصفحات التالية وجه دخول الإقرار في ماهية الترك وما هي دلالته الأصولية، على أنني لن أتناول جميع مسائله وجزئياته بالدراسة - إذ ذلك يحتاج إلى دراسة كاملة خاصة به وذلك لكثرتها وتشعبها - بل سأكتفي بما يكون وثيق الصلة بمبحث الترك (١).\n_________\n(١) كنت قد عزمت على بحث جميع مسائل الإقرار لأني لم أجد من تناولها بالدراسة والجمع سوى الأشقر في رسالته: \"أفعال الرسول - ﷺ -\"، ولم أقف فيها على مؤلف مستقل يجمع شتات هذه المسائل ويخصها بدراسة مستقلة، وعندما بدأت في ذلك وجدت أن الأمر لا يكفي لاستيعابه فصل في دراسة كهذه، فعَدَلت عما كنت قد عزمت عليه، وآثرت أن أتناول من مسائل الإقرار ما هو وثيق الصلة فقط بموضوع الدراسة، وذلك خشية الإطالة: هذا أمر وثمة أمر آخر هو أني وقفت بعد ذلك على دراسة للباحث: خالد بن محمد بن عبد الله السبيعي بعنوان إقرارات النبي - ﷺ - دراسة أصولية تطبيقية على الفقه الإسلامي، وهي دراسة قدمت لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى عام ١٤٢١ هـ، وهي دراسة لم تطبع بعد، =","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-286>المطلب الأول: التعريف بالإقرار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>المسألة الأولى: الإقرار في اللغة </span>(١):\nالإقرار مصدر \"أَقَر\"، والتقرير مصدر \"قرر\".\nوهما من مادة \"قرر\" وهي تأتي في اللغة على معنيين:\nالأول: ترك الشيء على ما هو عليه.\nفمنه: أقررت العامل على عمله، والطير في وكره.\nومنه قول عائشة - ﵂ -: \"فرض الله ﷿ الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر\" (٢).\n_________\n= وهناك اختلاف كبير بين ما كتبته هنا وبين تلك الدراسة سواء في طريقة الطرح أو الغرض منها، وعلى أية حال فالأمر كما قال ابن هشام:\nوهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا\nوانظر مواضع الإقرار في كتب الأصول في المواضع الآتية: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٤/ ٥٩٠)، الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (١/ ٤١)، البحر المحيط (٤/ ٢٠١)، التحبير شرح التحرير (٣/ ١٤٩١)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤)، الفصول في الأصول (٣/ ٢٣٥)، قواطع الأدلة (٢/ ٦٤)، المسودة (١/ ٢٠٠)، المستصفى (٣/ ٤٧٢)، تحفة المسؤل في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ١٩٩)، تشنيف المسامع (٢/ ٩٠٠)، الغيث الهامع (٢/ ٤٥٦)، اللمع (١٤٧)، المحصول لابن العربي (١١٢)، إرشاد الفحول (١/ ٢٢١)، مجموع رسائل العلائي (٢/ ١٥٣)، الموافقات (٤/ ٤٥)، العدة (١/ ١٢٧).\n(١) انظر: لسان العرب (٧/ ٣٠٦)، القاموس المحيط (١/ ٦٤٢)، مختار الصحاح (ص ٢٨٨)، المصباح المنير (ص ٢٩٥)، التعريفات (ص ٥٠).\n(٢) رواه البخاري (١/ ٥٥٣ / ٣٥٠) كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، =","vol":"1","page":306},{"text":"الثاني: الإذعان والاعتراف.\nيقال أقر بالحق: أي اعترف به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>المسألة الثانية: الإقرار عند الأصوليين:</span>\nالإقرار أحد أقسام السنة - كما سبق - ومن ثم كثرت تعاريف الإقرار وتنوعت واختلفت عن بعضها، وسوف أورد بعضًا من تلك التعريفات، ثم أبين بعضًا مما تدل عليه تلك التعريفات، وما هو التعريف المختار المرضي من تلك التعريفات:\nعرف ابن حزم الإقرار بأنه: \"الشيء يراه النبي - ﷺ - أو يبلغه أو يسمعه فلا ينكره ولا يأمر به\" (١).\nوعرفه الجصاص بأنه \"تركه - أي النبي - ﷺ - النكير على فاعل يراه يفعل فعلًا على وجهٍ، فيكون ترك النكير عليه بمنزلة القول منه\" (٢).\nوعرفه السمعاني بأنه \"سكوت النبي - ﷺ - عن الشيء يفعل بحضرته\" (٣).\nوعرفه يحيى بن موسى الرهوني بأنه \"أن يعلم النبي - ﷺ - بفعلٍ صدر عن المكلف، ولم ينكره عليه، مع القدرة على الإنكار\" (٤).\n_________\n= ومسلم (١/ ٤٧٨ / ٦٨٥) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها. واللفظ للبخاري.\n(١) الإحكام لابن حزم (٤/ ٥٩٠).\n(٢) الفصول في الأصول (٣/ ٢٣٥).\n(٣) قواطع الأدلة (٢/ ٦٤).\n(٤) تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":307},{"text":"وعرفه الشيرازي بأنه \"أن يسمع رسول الله - ﷺ - شيئًا فلا ينكره، أو يرى فعلًا فلا ينكره، مع عدم الموانع\" (١).\nوعرفه الزركشي بأنه \"أن يسكت النبي - ﷺ - عن إنكار قول أو فعل قيل أو فعل بين يديه أو في عصره وعلم به\" (٢)، وفي تشنيف المسامع عرفه بأنه \"كف عن الإنكار\" (٣)، وكذلك عرفه أبو زرعة العراقي (٤) وجمال الدين الإسنوي (٥).\nوعرفه ابن النجار الفتوحي (٦) بـ \"أن يسكت النبي - ﷺ - عن إنكار فعلٍ\n_________\n(١) اللمع (ص ١٤٧).\n(٢) البحر المحيط (٤/ ٢٠١).\n(٣) تشنيف المسامع (٢/ ٨٩٩).\n(٤) الغيث الهامع (٢/ ٤٥٥).\n(٥) نهاية السول شرح منهاج الأصول (٢/ ٦٤٢).\n(٦) هو: محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم البهوتي، المصري، الفتوحي، المعروف بابن النجار، أخذ العلم عن كبار علماء عصره كعبد الرحمن السخاوي، قال الشعراني: صحبته أربعين سنة، فما رأيت عليه شيئا يشينه، تولى وظيفة قاضي قضاة الحنابلة بمصر، توفي سنة (٩٧٢ هـ).\nمن تصانيفه: \"حواشي على كتاب منتهى الإرادات\" في الفقه، و\"شرح الكوكب المنير\" في علم الأصول، و\"حاشية على شرح عصام الدين السمرقندي\" في البلاغة، و\"التحفة\" في السيرة النبوية.\n[معجم المؤلفين (٣/ ٧٣)، والأعلام (٦/ ٦)، وخلاصة الأثر (٣/ ٣٩٠)، السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (٣٤٧/ ٥٣٨)].","vol":"1","page":308},{"text":"أو قولٍ، فُعل أو قيل بحضرته أو في زمنه من غير كافر، وكان النبي - ﷺ - عالمًا به\" (١).\nوعرفه الطوفي بأنه \"تقرير من يسمعه يقول شيئًا أو يراه يفعله على قوله أو فعله بأن لا ينكره\" (٢).\nوعرفه المرداوي بأنه \"سكوت النبي - ﷺ - عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالمًا به\" (٣).\nوعرفه أبو شامة بأنه \"أن يرى النبي - ﷺ - فعلًا صادرًا من مسلم مكلف، أو يسمع منه قولًا أو يبلغه ذلك ولم ينكره عليه مع فهمه له\" (٤).\n\nبالنظر في التعريفات السابقة يتبين ما يلي:\nأولًا: بالنظر إلى ماهية الترك يلاحَظ أن التعريفات السابقة بين أحد أمرين: إما تعريف الإقرار بأنه السكوت عن الإنكار أو تعريف الإقرار بأنه الكف عن الإنكار، فالأول: يخص الإقرار بترك الإنكار بالقول، والثاني: يشمل ترك الإنكار بالقول أو بالفعل.\nوإذا كان ترك القول داخل في ماهية الترك - في هذه الدراسة - فلا إشكال على أي من الأمرين من القول بأن الإقرار نوع من أنواع الترك.\n_________\n(١) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤).\n(٢) شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٢).\n(٣) التحبير (٣/ ١٤٩١).\n(٤) المحقق من علم الأصول (ص ١٧١).","vol":"1","page":309},{"text":"ثانيًا: بالنظر إلى ماهية متروك الاعتراض عليه فالتعريفات بين أحد أمرين:\nالأول: النص على أنه إما قول أو فعل.\nالثاني: الإطلاق وعدم النص على الأقوال أو الأفعال.\nفليس هناك إذن من يخص الإقرار بترك الإنكار على القول دون الفعل أو الفعل دون القول.\n\nفمثال الإقرار على قول:\nما ورد عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد؛ إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله - ﷺ -، فلما كان من الغد أتى رسول الله - ﷺ - فسأله فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكت على غيظ، فقال: \"اللهم افتح\"، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] (١).\nقال أبو إسحاق الشيرازي: \"فلما لم ينكر عليه دل ذلك على أنه إذا قَتل قُتل، وإذا قذف جلد\" (٢).\nوأيضًا: ما ورد عن زيد بن أرقم - ﵁ - قال: كنت جالسًا عند النبي - ﷺ -\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ١١٣٣ / ١٤٩٥) كتاب اللعان.\n(٢) اللمع (ص ١٤٧).","vol":"1","page":310},{"text":"فجاء رجل من اليمن فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليًّا يختصمون إليه في ولد، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد فقال لاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا فغليا، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا فغليا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم، فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت أضراسه أو نواجذه (١).\n\nومثال الإقرار على فعل:\nما ورد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة - ﵁ -: أكنت تجالس رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم كثيرًا، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم (٢).\nوأيضًا: ما ورد عن أم سليم - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعًا (٣) فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه\n_________\n(١) رواه أبو داود (٢/ ٢٨٩ / ٢٢٦٩) كتاب الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، والنسائي (٦/ ١٨٢) كتاب الطلاق، باب القرعة في الولد إذا تنازعوا فيه، وابن ماجه (٢/ ٧٨٦ / ٢٣٤٨) كتاب الأحكام، باب القضاء بالقرعة، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٢٩ / ٢٢٦٩).\n(٢) رواه مسلم (١/ ٤٦٣ / ٦٧٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل الجلوس في مصلاه بعد الصبح، وفضل المساجد.\n(٣) النطع: بساط من جلد [القاموس المحيط (٢/ ١٠٢٦)].","vol":"1","page":311},{"text":"فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي - ﷺ -: \"يا أم سليم ما هذا؟ \"، قالت: عَرَقك أَدُوفُ (١) به طيبي (٢).\n\nثالثًا: بالنظر إلى زمان المتروك الاعتراض عليه يلاحَظ أن التعريفات كلها تنحصر في ثلاثة اتجاهات:\nالأول: يخص ذلك بما كان في حضرة النبي - ﷺ - فقط.\nالثاني: يخص ذلك بما كان في حضرة النبي - ﷺ - أو غيبته مع أن يبلغنا أنه علمه.\nالثالث: يعمم ذلك في كل ما كان في زمنه - ﷺ - وأمكن أن يعلمه.\nوهذا يدل على أن الإقرار ليس على رتبة واحدة في الدلالة، وتفصيل ذلك في مراتب الإقرار.\n\nرابعًا: التعريف المختار:\nالتعريف يقصد به بيان الماهية، ولذا فأقرب تلك التعريفات هو أن الإقرار هو: \"الكف عن الإنكار\"، وهذا الكف بعمومه هنا في التعريف يشمل الكف عن الإنكار على القول، أو الفعل، ويشمل ما في حضرته - ﷺ -، وما في غيبته - ﷺ - وعلم به، وما يلحق بذلك مما يحصل في زمنه - ﷺ - وينزل منزلة ما نقل أنه قد علم به.\n_________\n(١) أدوف: أخلط [لسان العرب (٣/ ٤٤٩) مادة (د وف)].\n(٢) رواه مسلم (٤/ ١٨١٦ / ٢٣٣٢) كتاب الفضائل، باب طيب عرق النبي - ﷺ - والتبرك به.","vol":"1","page":312},{"text":"وبذلك فإن الإقرار ليس على مرتبة واحدة، بل هو على مراتب: أعلاها أن يكون الفعل في حضرة النبي - ﷺ - ويليها: أن يكون الفعل في غيبته وينقل لنا أن رسول الله - ﷺ - علم به، ويليها: أن يكون الفعل في غيبته - ﷺ - لكن لا ينقل إلينا أنه علمه، ولكل مرتبة من تلك المراتب حكمها، وسوف يتبين هذا من خلال ما سيأتي من مطالب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>المطلب الثاني: حجية الإقرار:</span>\nالإقرار - من حيث الجملة - حجة شرعية، فهو يدل على إذن النبي - ﷺ - في الفعل للشخص الذي أقره عليه، وعلى هذا اتفاق الأصوليين، وقد نقل هذا الاتفاق أكثر من واحد، فمن ذلك قول الجويني: \"اتفق الأصوليون على أن رسول الله - ﷺ - إذا قرر إنسانًا على فعل فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور\" (١)، وكذلك أيضًا قال ابن حجر: \"اتفقوا على أن تقريره - ﷺ - لما يفعل بحضرته أو يقال ويطلع عليه بغير إنكار دال على الجواز\" (٢)، وكذلك ما قاله القاضي عياض (٣): \"من جوز الصغائر، ومن نفاها عن نبينا - ﷺ - مجمعون أنه لا يقر\n_________\n(١) التلخيص في أصول الفقه (٢/ ٢٤٦ / ٩١٥) لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. عبد الله جولم النيبالي، شبير أحمد العمري، ط. الثانية (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م)، دار البشائر الإسلامية.\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٣٣٥).\n(٣) هو: شيخ الإسلام العلامة الحافظ القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرو اليحصبي الأندلسي ثم السَّبتي المالكي، ولد سنة (٤٧٦ هـ) وكان إمام الحديث في وقته وأعرف الناس بعلومه وبالنحو واللغة العربية وكلام العرب وأنسابهم، توفي سنة (٥٤٤ هـ). =","vol":"1","page":313},{"text":"على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى شيئًا فسكت عنه دل على جوازه\" (١)، ونقل الشوكاني عن القشيري (٢) الإجماع على أن التقرير لا خلاف في حجيته (٣).\nومحل هذا الاتفاق في حق الشخص الذي أقره النبي - ﷺ -، ولكن: هل يتعدى ذلك الحكم إلى غير الشخص المقرَّ؟ أم تنحصر دلالة إقراره - ﷺ - على الجواز في حق مرتكب الفعل فقط؟\nجمهور الأصوليين على أن الحكم يتعدى إلى سائر المكلفين (٤)، خلافًا لما ذهب إليه ابن الباقلاني (٥) من قصر الحكم على الشخص المقرَّ فقط.\n_________\n= من مصنفاته (الشفا بتعريف حقوق المصطفى)، (الإكمال في شرح صحيح مسلم)، وكتاب (مشارق الأنوار) في غريب الحديث، وغيرها.\n[سير أعلام النبلاء (١٥/ ٣٧)، وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٣ / ٥١١)، شذرات الذهب [٦/ ٢٢٦].\n(١) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٤٦) لأبي الفضل القاضي عياض اليحصبي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.\n(٢) هو: أبو نصر عبد الرحيم ابن الإمام شيخ الصوفية أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري الشافعي، النحوي المتكلم، المفسر، وهو من تلاميذ أبي المعالي الجويني، توفي سنة ٥١٤ هـ، من مصنفاته \"كتاب الموضح\" في الفقه.\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨٠)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٧) ذكره تحت ترجمة والده (أبو القاسم القشيري)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٧/ ١٥٩ / ٨٧٠)].\n(٣) إرشاد الفحول (١/ ٢٢١).\n(٤) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٤٩٣)، البحر المحيط (٤/ ٢٠١)، تشنيف المسامع (٢/ ٩٠٢)، شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٤)، إرشاد الفحول (١/ ٢٢١).\n(٥) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٤/ ٢٠١).","vol":"1","page":314},{"text":"واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بأدلة كثيرة منها: أن الأمة في أحكام الشرع سواء، فالأصل أن ما أباحه النبي - ﷺ - لرجل مباح لكل الأمة، وما حرمه على أحد فهو محرم على عموم الأمة، إلا أن يأتي الدليل على خلاف ذلك، فيكون مخصصًا لذلك الأصل، بل نقل العلائي (١) إجماع الأصوليين على أن الحظر إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل (٢)، وهذا دليل على أن الأمة كلها في الأحكام سواء، ويستدل الأصوليون على ذلك بما يروونه عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"حكمي على واحد حكمي على الجماعة\" (٣) لكن هذا الحديث لا يصح، ويغني عنه قول النبي - ﷺ -: \"إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" (٤).\n_________\n(١) هو: صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي الشافعي، ولد بدمشق سنة ٦٩٤ هـ، بلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، وأخذ علم الحديث عن المزي وغيره، قال السبكي: كان حافظًا ثبتًا تقةً عارفًا بأسماء الرجال والعلل والمتون فقيهًا متكلمًا أديبًا شاعرًا متفننًا أشعريًّا، توفي بالقدس في المحرم سنة ٧٦١ هـ.\n[شذرات الذهب (٨/ ٣٢٨)، البدر الطالع (١/ ١٦٧ / ١٦٥)، الدرر الكامنة (٢/ ٩٠)].\n(٢) تفصيل الإجمال للعلائي (٢/ ١٥٣) مطبوع مع مجموع رسائل العلائي: صلاح الدين خليل بن كيكلدى بن عبد الله العلائي، تحقيق: وائل محمد بكر زهران، نشر دار الفاروق الحديثة للطباعة - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٩ م للمجلد الأول، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م للمجلد الثاني).\n(٣) قال العجلوني في كشف الخفاء (١/ ٣٦٤ / ١١٦١): ليس له أصل بهذا اللفظ [كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس للشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، مكتبة القدسي، ط. (١٣٥١ هـ)].\n(٤) رواه الترمذي (٤/ ١٢٩ / ١٥٩٧) كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، والنسائي =","vol":"1","page":315},{"text":"ويدل على ما ذهب إليه الجمهور أن هذا هو الموافق لفهم الصحابة رضوان الله عليهم، فقد ورد أن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: \"رد رسول الله - ﷺ - على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>المطلب الثالث: مراتب الإقرار:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>المرتبة الأولى: أن يفعل الفعل في حضرته - ﷺ - أو في غيبته وينقل إلينا علم النبي - ﷺ - به:</span>\nما فعل في حضرته - ﷺ - اتفق الأصوليون على أنه صورة الإقرار، والأصل فيه، والسبب في ذلك أن النبي - ﷺ - لا يقر أحدًا على منكر، فمجرد علم النبي - ﷺ - به وسكوته كافٍ في الحجية، وذلك لأن النبي - ﷺ - اختص بكونه لا يسقط عنه الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر بحال من الأحوال، فلا يوجد عجز في حقه - ﷺ - لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وإلى عدم اشتراط القدرة على الإنكار في حقه - ﷺ - ذهب الزركشي (٢) والمرداوي (٣)\n_________\n= (٧/ ١٤٩) كتاب البيعة، باب بيعة النساء (عنوان غير مصدر بباب)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٦٣ / ٥٢٩).\n(١) رواه البخاري (٩/ ١٩ / ٥٠٧٤) كتاب النكاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، مسلم (٢/ ١٠٢٠ / ١٤٠٢) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه.\n(٢) البحر المحيط (٤/ ٢٠٣).\n(٣) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٤٩٢).","vol":"1","page":316},{"text":"وابن النجار (١)، وذهب جماعة منهم إلى اشتراط القدرة، وفسرت من قبل القائلين به بتفسيرين:\nالأول: أن يكون عاجزًا عن الإنكار، والثاني: أن يكون مشتغلًا بأمر آخر يمنعه من الإقرار.\nأما التفسير الأول فترده الآية، ومذهب الفقهاء السابق ذكره، أما التفسير الثاني: فلا يصح أيضًا فإن النبي - ﷺ - إذا زال هذا المانع - كأن يكون في صلاة ونحوها - كان واجبًا أن يبين ما الحكم في ذلك الفعل، إذ إنه - ﷺ - لا يجوز في حقه أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة.\nأما ما فعل في غيبته - ﷺ - ونقل إلينا أنه علم به، فلا يظهر فارق بينه وبين ما كان في حضرته - ﷺ -، فحيث نقل لنا أن النبي - ﷺ - علم زال الفارق بين الصورتين: إذ الإقرار في الحقيقة كف عن الإنكار، ولا يحصل ذلك الكف إن لم يحصل العلم (٢)، وقد نص على اشتراط علم النبي - ﷺ - مكثير من الأصوليين كابن حزم (٣)، والشيرازي (٤)، والسمعاني (٥)، والشاطبي (٦)، وغيرهم.\n_________\n(١) شرح الكوكب المنير (٢/ ١٩٦).\n(٢) البحر المحيط (٤/ ٢٠٣)، شرح مختصر الروضة (٢/ ٦٣).\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٥٩٠).\n(٤) اللمع (ص ١٤٨).\n(٥) قواطع الأدلة (٢/ ٦٤).\n(٦) الموافقات (٤/ ٤٥).","vol":"1","page":317},{"text":"* فمما وردت به السنة من ذلك:\nما ورد من حديث أم عطية - ﵁ - قالت: \"غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فاصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى\" (١).\nوكذلك حديث ربيع بنت معوذ بن عفراء - ﵁ - قالت: \"كنا نغزو مع رسول الله - ﷺ - نسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة\" (٢).\nوأيضًا: ما ورد عن عائشة بنت طلحة - ﷺ - أن عائشة أم المؤمنين - ﵁ - حدثتها قالت: \"كنا نخرج مع النبي - ﷺ - إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي - ﷺ - فلا ينهانا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>المرتبة الثانية: أن يفعل الفعل في غيبته ولا يبلغنا أن رسول الله - ﷺ - وعلمه:</span>\nإذا لم ينقل إلينا أن النبي - ﷺ - علم بذلك الفعل الذي فعل في عهده - ﷺ - فهل تقوم القرائن مقام النقل، أم لابد من النقل؟\n_________\n(١) رواه مسلم (٣/ ١٤٤٧ / ١٨١٢) كتاب الجهاد والسير، باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم.\n(٢) رواه البخاري (١٠/ ١٤٢ / ٥٦٧٩) كتاب الطب، باب هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل.\n(٣) رواه أبو داود (٢/ ١٧٢ / ١٨٣٠) كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ٥١٤ / ١٨٣٠).","vol":"1","page":318},{"text":"الذي يظهر من صنيع الأصوليين اعتبار القرائن فيما كان هذا حاله (١): فإذا دلت القرائن على أن مثل ذلك لا يخفى على النبي - ﷺ - كان حجة، وإلا فليس بحجة، قال الأصفهاني: \"ليس في هذه الدرجة - أي كنا نفعل في عهده - ما يدل على إضافة الحكم للرسول - ﷺ -، ولكن الظاهر بحسب القرينة قصد المخبر بذلك أن يُعلِم بتقرير الرسول - ﷺ - بعد العلم بفعلهم وعدم إنكاره\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>ومن هذه القرائن:</span>\nأن يسوقه الصحابي في موضع الحجة، أو يتكرر فيبعد أن لا يعلم النبي - ﷺ - به، أو يكون مما لا يخفى مثله على النبي - ﷺ - كأن يكون فعلًا لأحد زوجاته - ﷺ -، أو يكون فعله مستفاضًا في زمنه - ﷺ -، أو غير ذلك مما يصلح أن يكون قرينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>ومن أمثلة ذلك:</span>\n- ما ورد عن أبي المثنى - ﵁ - قال: سألت ابن عمر - ﵄ - عن الأذان فقال: \"كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مثنى مثنى، والإقامة مرة مرة، إلا أنك إذا قلت: قد قامت الصلاة قالها مرتين، فإذا سمعنا قد قامت الصلاة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة\" (٣).\n_________\n(١) قواطع الأدلة (٢/ ٦٤).\n(٢) شرح المنهاج للأصفهاني (٢/ ٥٦٤).\n(٣) رواه النسائي (٢/ ٢٠ - ٢١) كتاب الأذان، باب كيف الإقامة (عنوان غير مصدر بباب)، وأبو داود (١/ ١٣٨ / ٥١٠) كتاب الصلاة، باب في الإقامة، وحسنه الألباني في صحيح سنن =","vol":"1","page":319},{"text":"فليس في الحديث أن ذلك كان في حضور النبي - ﷺ - ولكن مثل هذا يتكرر حدوثه خمس مرات في اليوم والليلة فيستحيل ألا يبلغ النبي - ﷺ -، ويشهد لذلك أن ابن عمر - ﵄ - ساقه في موضع الحجة.\nوأيضًا: ما ورد من حديث جابر - ﵁ - أنه قال: \"كان معاذ يصلي العشاء مع رسول الله - ﷺ - ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة\" (١).\nقال أبو إسحاق الشيرازي: \"إنا نعلم من طريق العادة أن مثل هذا لا يجوز أن يخفى على رسول الله - ﷺ - من طريقين:\nأحدهما: أن الصلاة تتكرر ويتظاهر بها، فلا يخفى ذلك على رسول الله - ﷺ - مع طول المدة وصغر المدينة.\nالثاني: أنه إقدام على إحداث شرع، فلا يقدم عليه معاذ - ﵁ - من غير إذن رسول الله - ﷺ - فإنهم كانوا يستأذنونه في مثل هذه الحوادث\" (٢).\n- ما ورد عن أم سلمة - ﵄ - قالت: \"كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - ﷺ - أربعين يومًا، فكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف\" (٣).\n_________\n= أبي داود (١/ ١٥٤ / ٥١٠).\n(١) رواه البخاري (٢/ ٢٣٨ / ٧١١) كتاب الأذان، باب إذا صلى ثم أم قومًا، ومسلم (١/ ٣٤٠ / ٤٦٥) كتاب الصلاة، باب القراءة في العشاء، واللفظ لمسلم.\n(٢) شرح اللمع (١/ ٥٦١ / فقرة ٦٤٣).\n(٣) رواه الترمذي (١/ ٢٥٦ / ١٣٩) أبواب الطهارة، باب ما جاء في كم تجلس النفساء، وقال الألباني في صحيح الترمذي (١/ ٩٦ / ١٣٩): حسن صحيح.","vol":"1","page":320},{"text":"- ما ورد عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"كان الصداق إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق\" (١).\n- ما ورد من حديث ابن عمر - ﵁ - قال: \"كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام\" (٢).\n- ما ورد عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله - ﷺ -، وكنت فتًى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك\" (٣).\n- ما ورد عن ابن عمر - ﵄ - أنه قال: \"كنا ننام على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد ونحن شباب\" (٤).\n_________\n(١) رواه النسائي (٦/ ١١٧) كتاب النكاح، باب القسط في الصدقة (عنوان غير مصدر بباب)، وقال الألباني في صحيح سنن النسائي (٢/ ٤٥١): صحيح الإسناد.\n(٢) رواه الترمذي (٤/ ٢٦٥ / ١٨٨٠) كتاب الأشربة، باب ما جاء في النهي عن الشرب قائمًا، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢/ ٣٣١).\n(٣) رواه أبو داود (١/ ١٠٢ / ٣٨٢) كتاب الطهارة، باب في طهور الأرض إذا يبست، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١/ ١١٢ / ٣٨٢).\n(٤) رواه الترمذي (٢/ ١٣٨ / ٣٢١) أبواب الصلاة، باب ما جاء في النوم في المسجد، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١/ ١٩١ / ٣٢١)، ومبيت ابن عمر في المسجد رواه البخاري (١٢/ ٤٣٧ / ٧٠٣٠) كتاب التعبير، باب الأخذ على اليمين في النوم، ومسلم (٤/ ١٩٢٧ / ٢٤٧٩) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمر - ﵄ -، أما ذكر إقبال الكلاب وإدبارها فعند أبي داود (١/ ١٠٢ / ٣٨٢) كتاب الطهارة، باب في طهور الأرض إذا يبست.","vol":"1","page":321},{"text":"- ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: \"ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب\" (١).\n- ما ورد من حديث عائشة - ﵂ - أنها قالت: \"إن كان ليكون عليّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان\" (٢).\n- ما ورد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: \"ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من الدم قالت بريقها فقصعته بظفرها\" (٣).\n- ما ورد عن أسماء بنت أبي بكر - ﵁ - قالت: \"نحرنا على عهد النبي - ﷺ - فرسًا فأكلناه\" (٤).\n- ما ورد عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه قال: \"كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله - ﷺ - جميعًا (٥) \" (٦).\n- ما ورد عن معاذة أن امرأة سألت عائشة - ﵂ - قالت: \"تختضب الحائض؟\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٢٤٩ / ١١٣) كتاب العلم، باب كتابة العلم.\n(٢) رواه البخاري (٤/ ٢٢٢ / ١٩٥٠) كتاب الصوم، باب متى يقضي قضاء رمضان، ومسلم (٢/ ٨٠٢ - ٨٠٣/ ١١٤٦) كتاب الصيام، باب قضاء رمضان في شعبان.\n(٣) رواه البخاري (١/ ٤٩١ / ٣١٢) كتاب الحيض، باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه؟\n(٤) رواه البخاري (٩/ ٥٥٦ / ٥٥١٠) كتاب الذبائح والصيد، باب النحر والذبح، ومسلم (٣/ ١٥٤١ / ١٩٤٢) كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل. واللفظ للبخاري.\n(٥) أي: يتوضأ الرجل والمرأة من إناء واحد.\n(٦) رواه البخاري (١/ ٣٥٧ / ١٩٣) كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته.","vol":"1","page":322},{"text":"فقالت: قد كنا عند النبي - ﷺ - ونحن نختضب فلم يكن ينهانا عنه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>المرتبة الثالثة: قول الصحابي: \"كنا نفعل\" دون إضافة لعهده - ﷺ </span>-:\nوهذه دون المرتبة التي قبلها، إذ الفرق بينهما التصريح بالإضافة إلى النبي - ﷺ -، فليس في هذه الرتبة تصريح بالإضافة إلى النبي - ﷺ -، وهذه الرتبة اختلف فيها الأصوليون على قولين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>الأول: أنها حجة:</span>\nوهو قول جماعة من الأصوليين منهم: القاضي أبو يعلى (٢) (٣)، وأبو الخطاب الكلوذاني (٤)، والآمدي (٥)، والسمعاني (٦)، والرازي (٧)،\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١/ ٢١٥ / ٦٥٦) كتاب الطهارة وسننها، باب تختضب الحائض، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (١/ ٢٠٣).\n(٢) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء القاضي، شيخ الحنابلة في وقته، وعالم عصره في الأصول والفروع وأنواع الفنون، من أهل بغداد، ولد سنة ٣٨٠ هـ.\nمن تصانيفه: (أحكام القرآن)، و(الأحكام السلطانية)، و(المجرد)، و(الجامع الصغير) في الفقه، و(العدة)، و(الكفاية) في الأصول، توفي سنة ٤٥٨ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٨٨)، طبقات الحنابلة (٣/ ٣٦١)، وشذرات الذهب (٥/ ٢٥٢)].\n(٣) العدة (٣/ ٩٩٨).\n(٤) التمهيد (٣/ ١٨٤).\n(٥) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١١٩).\n(٦) قواطع الأدلة (١/ ٣٨٩).\n(٧) المحصول (٤/ ٤٤٩).","vol":"1","page":323},{"text":"وابن قدامة (١)، والنووي (٢)، ونقل النووي عن جمهور المحدثين أن ذلك يأخذ حكم المرفوع إلى النبي - ﷺ - (٣).\nواستدلوا على ذلك بأن الصحابي يسوقه في معرض الحجة، وهو لا يحكي إلا الشرع، فلا يكون هناك فارق بين ما أضافه لزمن النبي - ﷺ - وما لم يضفه، إذ القرينة في كليهما هي سوق الصحابي له في معرض الحجة.\nوذهب جماعة من القائلين بأن ذلك حجة إلى أنه من قبيل حكاية الإجماع (٤)، ويشكل على هذا أن الصحابي لا يقصد به حكاية الإجماع، لكن إذا إذا قيل بعصمة عصر الصحابة من شيوع قول باطل، وهو ما ذهب إليه جماعة من الأصوليين ونصره ابن القيم (٥) وهو القول الصحيح، فيصح القول بأنه إجماع إذا لم يعارضه ما يدل على اختيار صحابي لغير ذلك القول، فهو إجماع ظني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>الثاني: أنها ليست بحجة:</span>\nوهو قول جماعة منهم: الغزالي (٦)، والطوفي (٧)، والشوكاني (٨).\n_________\n(١) روضة الناظر (١/ ٢٩٣).\n(٢) المجموع (١/ ٩٩).\n(٣) المجموع (١/ ٩٩).\n(٤) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١١٩).\n(٥) إعلام الموقعين (٤/ ٤١٢).\n(٦) المستصفى (٢/ ١٢٨).\n(٧) شرح مختصر الروضة (٢/ ١٩٧ - ١٩٩).\n(٨) إرشاد الفحول (١/ ٣٠٢).","vol":"1","page":324},{"text":"واستدلوا على ذلك بعدم وجود ما يدل على الحجية في هذه الصورة، فليس ثَمَّ إجماع، ولا يعلم اطلاع النبي - ﷺ - إذ يحتمل أن يكون فعل بعضهم بعده - ﷺ -.\n\nوالراجح الذي يميل إليه الباحث أنه حجة ظنية يعمل به حتى يرد ما يخالفه.\nوذلك لأمرين:\n* أن الله ﷿ حفظ هذا الدين من شيوع قول باطل دون أن يظهر مخالفه، وهذا الأمر وإن كان في كل عصر إلا أنه في عصر الصحابة أظهر، وهذا هو معنى عصمة الأئمة من الاجتماع على ضلالة، فشيوع فعل بين الصحابة - ﵃ -، ونقل الصحابي له دون منكر يدل على أن هذا القول حق، وإن لم يكن مسوق في الأصل لبيان الإجماع.\n* أنه ليس كل احتمال يكون مسقطًا للاستدلال، وسوق الصحابي للحديث في معرض الحجة يدل على أن هذا الاحتمال [أي: احتمال أن يكون فعل الصحابة بعد النبي - ﷺ -] احتمال نادر، وعلى فرض صحته فلا إشكال أيضًا، إذ هو بذلك يحكي فعلًا أطبق الصحابة على العمل به، فرجع إلى المعنى المذكور أولًا أن ذلك في حكم الإجماع، غير أنه إجماع ظني يعمل به إلى حين ورود ما يخالفه.","vol":"1","page":325},{"text":"ومن أمثلة هذا النوع:\nما ورد من حديث أم عطية - ﵂ - قالت: \"كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا\" (١).\nفرغم اختلاف الفقهاء في حكم الصفرة والكدرة، إلا أنهم جميعًا متفقون على حجية هذا القول (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>المطلب الرابع: دلالة الإقرار:</span>\nإقرار النبي - ﷺ - دليل على عدم الحظر، إذ لو كان محظورًا لأنكره - ﷺ -، وقد نقل الجويني الاتفاق على هذا القدر، ونص عبارته: \"اتفق الأصوليون على\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٥٠٧ / ٣٢٦) كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض.\n(٢) نقل ابن قدامة في المغني عن أحمد ويحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وعبدالرحمن بن مهدي، والشافعي، وإسحاق: أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كان قبل الغسل أو بعده، وذهب أبو يوسف وأبو ثور إلى أن الصفرة والكدرة بعد الغسل تكون طهرًا سواء كان في أيام الحيض أو بعده، [المغني ١/ ٤١٣ - ٤١٤] وقد ذكر النووي في المجموع هذين القولين ثم نقل أقوالًا أخرى من التفرقة بين الصفرة والكدرة، وذكر أن سبب الخلاف في ذلك تعارض حديث أم عطية - ﵂ - مع حديثٍ رُوي عن عائشة - ﵂ - وهو أنها قالت: \"كنا نعد الصفرة والكدرة حيضًا\"، لكن قال النووي عن هذا الحديث: لا أعلم من رواه بهذا اللفظ، لكن يقرب منه في الدلالة حديث عائشة - ﵂ -: \"لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء\" [المجموع ٢/ ٤١٥ - ٤٢٢]، [وانظر الخلاف أيضًا في المبسوط ٣/ ١٦٧]. وبغض النظر عن القول الراجح فلم يقل أحد من الفقهاء - فيما بحثت - بأن حديث أم عطية - ﵁ - لا دلالة فيه، بل صنيعهم يدل على أنهم يرون فيه دلالة غير أنهم اختلفوا في تأويله جمعًا بينه وبين ما ظاهره التعارض معه.","vol":"1","page":326},{"text":"أن رسول الله - ﷺ - إذا قرر إنسانًا على فعل، فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور، ولو كان محظورًا لأنكره، ثم لا يمكن بعد ذلك قطع القول بكونه مباحًا أو واجبًا أو مندوبًا، بل تجتمع فيه هذه الاحتمالات، ولا يتبين من التقرير المطلق إلا نفي الحظر\" (١)، وقد نص الشاطبي (٢) على أن دلالة الإقرار هي مجرد رفع الحرج، ونص جماعة منهم على أن دلالة الإقرار هي الإباحة: كابن حزم (٣) والغزالي (٤) والزركشي (٥) والمرداوي (٦)، وغيرهم.\nوفسر الجصاص نفي الحرج بأنه يدل على جواز المُقَرّ عليه على الوجه الذي وقع عليه الإقرار؛ فإن كان المقر عليه فعلًا وقع على صفة الوجوب دل الإقرار على كونه واجبًا، وإن وقع الفعل على وجه الندب فأُقِر على هذه الصفة كان دليلًا على أنه مندوب (٧).\nوإنه إذا لوحظ أن الفعل الذي وقع الإقرار عليه قد يوقعه صاحبه على غير صفة الإباحة، ثم لوحظ أن ترك الإنكار لا يدل إلا على مجرد الإذن في الفعل، كان ما ذهب إليه الجصاص هو أولى الأقوال بالاختيار، على أن الذي\n_________\n(١) التلخيص (٢/ ٢٤٦ / فقرة ٩١٥).\n(٢) الموافقات (٤/ ٤٥).\n(٣) الإحكام في أصول الأحكام (٤/ ٥٩٠).\n(٤) المستصفى (٣/ ٤٧٢).\n(٥) البحر المحيط (٤/ ٢٠١).\n(٦) التحبير شرح التحرير (٣/ ١٤٩١).\n(٧) أصول الجصاص (٣/ ٢٣٥).","vol":"1","page":327},{"text":"يظهر لي أنه لا خلاف بين الأصوليين في ما ذكره الجصاص، وأن ما ذكره العلماء من دلالة الإقرار على الإباحة لا يخالف القول بدلالته على نفي الحرج إذ كثيًرا ما يستعمل العلماء الإباحة بهذا المعنى (١)، وأيضًا لو حُمل قولهم على إباحة الفعل على الصورة التي وقع بها - وهو أمر لابد منه - كان لا خلاف بينه وبين القول برفع الحرج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>هل رفع الحرج عن الأقوال التي أقرها النبي - ﷺ - دليل على صحتها</span>؟\nقسم الأصوليون الأقوال التي أقرها النبي - ﷺ - إلى قسمين:\nالأول: أن تكون تلك الأقوال في أمور الدنيا، أو إخبارًا عن أمر يقع، فلا دليل في ترك النبي - ﷺ - لإنكار هذا القول على صحته (٢).\nوالدليل على ذلك قول النبي - ﷺ -: \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقض له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار\" (٣).\nالثاني: أن تكون تلك الأقوال في بيان أحكام شرعية، فإقرار النبي - ﷺ -\n_________\n(١) البحر المحيط (١/ ٢٧٥).\n(٢) وإلى هذا ذهب الآمدي في الإحكام (٢/ ٥٢)، خلافًا لما ذهب إليه الزركشي ونقله عن جماعة من كون ذلك دال على صدقه [البحر المحيط (٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦)].\n(٣) رواه البخاري (١٢/ ٣٥٥ / ٦٩٦٧) كتاب الحيل، باب رقم (١٠) بغير ترجمة، ومسلم (٣/ ١٣٣٧ / ١٧١٣) كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة.","vol":"1","page":328},{"text":"لهذه الأقوال دليل على صحتها، وهو قول الشيرازي (١) وأبي الحسين البصري (٢) وابن النجار الفتوحي (٣) وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>ومن الأمثلة على ذلك:</span>\nما ورد من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: إنا ليلة الجمعة في المسجد؛ إذ جاء رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه وإن سكت: سكَت على غيظ، والله لأسألن عنه رسول الله - ﷺ -، فلما كان من الغد أتى رسول الله - ﷺ - فسأله فقال: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فتكلم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت: سكت على غيظ، فقال: \"اللهم افتح\"، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] (٤).\nقال أبو إسحاق الشيرازي: \"فلما لم ينكر عليه دل ذلك على أنه إذا قَتل قُتل، وإذا قذف جلد\" (٥).\n* * *\n_________\n(١) اللمع (ص ١٤٩).\n(٢) المعتمد (١/ ٣٨٧).\n(٣) شرح الكوكب المنير (٢/ ٣٥٢).\n(٤) رواه مسلم (٢/ ١١٣٣ / ١٤٩٥) كتاب اللعان.\n(٥) اللمع (ص ١٤٧).","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-301>المبحث الثاني: ترك ما همَّ به</span>\nذكر الزركشي ما همَّ به النبي - ﷺ - قسمًا من أقسام الأفعال (١) وذكر الصنعاني أن الزركشي قد تُعقّب في عده ما همَّ به في أقسام السنة بأن الهمَّ أمرٌ خفي لابد أن يقترن بقول أو فعل فيعود إليهما (٢).\nوأما الشوكاني فبعد أن نقل ما ذكره الزركشي في البحر المحيط قال: \"والحق: أنه ليس من أقسام السنة، لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تمييز له، وليس ذلك مما آتانا الرسول - ﷺ - ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه، وقد يكون إخباره ﵌ بما همَّ به للزجر، كما صح عنه أنه قال: \"لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم\" (٣).\nوقد ذكر الزركشي أن مثال ما همَّ به النبي - ﷺ - هو أنه - ﷺ - استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه، قال الشافعي: \"فيستحب الإتيان بما همَّ به الرسول - ﷺ -\".\nأما الشوكاني فلم يذكر هذا المثال، بل ذكر أن النبي - ﷺ - همَّ بمصالحة\n_________\n(١) البحر المحيط (٤/ ٢١١).\n(٢) إجابة السائل شرح بغية الآمل (ص ٨٣).\n(٣) إرشاد الفحول (١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤)، وقد مثّل الشوكاني بمثال آخر غير الذي مَثَّل به الزركشي ثم نقل التأصيل الذي استفاده الزركشي من مثاله إلى المثال الآخر.","vol":"1","page":330},{"text":"الأحزاب على ثلث ثمار المدينة ثم قال: فقال الشافعي ومن تابعه: إنه يستحب الإتيان بما همَّ به النبي - ﷺ -.\nفرفْض الشوكاني لاعتبار أن ما همَّ به النبي - ﷺ - من أقسام السنة ما هو إلا نتيجة فهمٍ خاطئ لما ذكره الزركشي، والذي يظهر في ذلك أن ما نقله الزركشي عن الشافعي إنما هو خاص بالمثال الذي ذكره، ووصفه الأصولي أن ما همَّ النبي - ﷺ - بفعله ثم منعه منه مانع، وزال هذا المانع في حقنا فيستحب لنا فعل ذلك الفعل، وهذا ينطبق على المثال الذي ذكره الشافعي، ولأجل ذلك ذهب إلى أن للخطيب في الاستسقاء مع تحويل الرداء تنكيسه بجعل أعلاه أسفله بالحديث السابق.\nأما المثال الذي مَثَّل به الشوكاني: فلم أجد أحدًا ذكره، والذي ورد من ذلك أنه - ﷺ - أراد أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، ولم يصح (١)، وعلى\n_________\n(١) هذا الحديث ذكره ابن إسحاق في السيرة قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم، عن محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري قال: \"لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله - ﷺ - إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول الله - ﷺ - أن يفعل ذلك بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة - ﵄ - فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمرًا تحبه فنصنعه أم شيئًا أنزل الله لابد لنا من العمل، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: \"بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما\"، فقال له سعد بن معاذ - ﵁ -: يا رسول الله، قد كنا نحن =","vol":"1","page":331},{"text":"فرض صحته فلا يقول قائل أنه يستحب مصالحة العدو به، بل الحق في ذلك أن يقال: أن النبي - ﷺ - همَّ بأمر ولم يفعله لمانع ورد التصريح به، فيدل ذلك على أن ما همَّ به النبي جائز - إذ لا يهمُّ النبي - ﷺ - بمحرم -، ثم منع مانع من فعله لما همَّ به فيعتبر مثل هذا المانع في حقنا.\nوسيأتي الكلام على حديث تحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة.\nولذا فإن ما يظهر للباحث هنا هو:\nأن ما همَّ به النبي - ﷺ - وإن كان أمرًا يخفى ولا سبيل إلى معرفته إلا بالقول - فلا شك أن له دلالة إذا نقل، وهو بذلك من أقسام الترك الكفي؛ لأنه ترك ما هم به، علمناه من إخباره - ﷺ -، وهذا النوع من الترك ينقسم إلى قسمين:\nالأول: ما تركه النبي - ﷺ - مما همَّ به، وبين سبب ذلك فهذا يدخل في أنواع الترك المسبب.\nالثاني: ما تركه النبي - ﷺ - مما همَّ به ولم يبين لنا سبب ذلك.\n_________\n= وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه؛ نعطيهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا، قال رسول الله - ﷺ -: \"فأنت وذاك\"، فتناول سعد - ﵁ - الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا، فأقام رسول الله - ﷺ - والمسلمون وعدوهم يحاصروهم\" [البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير (٩/ ٢٢٢ - ٢٢٤)]، وكل من ذكر الحديث إنما هو من هذا الطريق وهو مرسل، ولم أعثر على أحد صححه، فهو - والحال كما ذكرت - ضعيف.","vol":"1","page":332},{"text":"والسبب في رفض الشوكاني عده من أقسام السنة أنه ظن أن ذلك يقتضي مشروعية التأسي به في فعل ما همَّ به وتركه، وليس ذلك بصحيح، بل التأسي فيه يكون بالنظر إلى التقسيم السابق: فإن كان ترك فعل ما همَّ به لمانع كان من قبيل الترك المسبب، وقد سبق بيان دلالة ذلك.\nوإن كان تركًا مطلقًا فالمشروع هو المتابعة في الترك لا الفعل.\nوفيما يلي بيان أمثلة على كلا النوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>١ - ترك ما همَّ به لمانع:</span>\nوهو بذلك يدخل تحت الترك لأجل مانع يخبر به، وقد سبق عده من أقسام الترك المسبب، ومما يندرج تحته ما ذكر هناك من حديث جدامة بنت وهب الأسدية - ﵂ - أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ذلك شيئًا\" (١).\nومن هذا النوع أيضًا ما ذكره الزركشي، وأصله ما ورد من حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - قال: \"استسقى رسول الله - ﷺ - وعليه خميصة سوداء فأراد رسول الله - ﷺ - أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه\" (٢).\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ١٠٦٦ / ١٤٤٢) كتاب النكاح، باب جواز الغيلة، وهي وطء المرضع.\n(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٥١) كتاب صلاة الاستسقاء، باب كيفية تحويل الرداء، وقال الحاكم في المستدرك (١/ ٤٦٧ / ١٢٢٢): \"صحيح على شرط مسلم\".","vol":"1","page":333},{"text":"قال ابن عبد البر: \"ففي هذا الحديث دليل على أن الخميصة لو لم تثقل عليه - ﷺ - لنكسها وجعل أعلاها أسفلها\" (١).\nقال الزُّرقاني (٢): \"الجمهور على استحباب التحويل بلا تنكيس، واستحبه الشافعي في الجديد ... ولم يأخذ بذلك الجمهور لانفراد راويها بها في حديث ابن زيد\" (٣).\nقال ابن حجر: \"ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>٢ - ما تركه النبي - ﷺ - مما همَّ به لم يبين مانعًا:</span>\nوهو بذلك يدخل تحت الترك المطلق.\nومن أمثلة هذا النوع ما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة\n_________\n(١) التمهيد (١٧/ ١٧٥).\n(٢) هو: محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزُّرقاني المصري الأزهري المالكي، أبو عبد الله، خاتمة المحدثين بالديار المصرية.\nولد سنة (١٠٥٥ هـ) بالقاهرة، ونسبته إلى زرقان (من قرى منوف بمصر)، وتوفي بالقاهرة سنة (١١٢٢ هـ)، من كتبه (تلخيص المقاصد الحسنة) في الحديث، و(شرح البيقونية) في المصطلح، و(شرح المواهب اللدنية)، و(شرح موطأ الإمام مالك)، و(وصول الأماني) في الحديث.\n[سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر (٤/ ٣٢)، الأعلام للزركلي (٦/ ١٨٤)].\n(٣) شرح الزُّرقاني على موطأ مالك (١/ ٤٣٤)، تأليف محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزُّرقاني، الطبعة الهندية القديمة، طبعة خيرية. ولا يوجد سنة الطبع ولا رقمها.\n(٤) فتح الباري (٢/ ٤٩٨).","vol":"1","page":334},{"text":"فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لهذا العشاء\" (١).\nفليس في هذا الحديث ذكر للسبب المانع لرسول الله - ﷺ - من تحريق بيوتهم بالنار، سوى ما ورد في رواية واحدة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار\" (٢).\nولكن هذه الرواية عن أبي هريرة - ﵁ - لم ترد إلا من طريق أبي معشر\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ١٤٨ / ٦٤٤) كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة.\n(٢) هذه الزيادة رواها أحمد في المسند [(١٤/ ٣٩٨) الأرنؤوط (٢/ ٣٦٧) الهندية] من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة.\nوقال الشيخ شعيب الأرناؤوط (محقق المسند): أخرجه الطيالسي (٢٣٣٠) وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٥)، والطبراني في (الدعاء) (١٣١٨)، والقضاعي في (مسند الشهاب) (٣١٥)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢) من طرق كلها عن أبي معشر، - وسيأتي الكلام على أبي معشر - ولذا فمدار هذه الزيادة عليه، وقد ضعف هذه الزيادة الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح، وقال الأرناؤوط: إسناده ضعيف لضعف أبي معشر ولكنه قال، والحديث صحيح وهذا باعتبار أصل الحديث الذي في الصحيح، لكن ليس في أصل الحديث ما يشير إلى تلك الزيادة، فهي إذن لم تثبت من طريق صحيح، وفيها إثبات حكم ليس في الأصل، وعليه فالذي يميل إليه الباحث القول بضعف هذه الزيادة وعدم صحتها، ولو صحت هذه الزيادة لكان ترك ما همَّ به النبي - ﷺ - كله من أقسام الترك المسبب ولما أفرد بمبحث خاص به.","vol":"1","page":335},{"text":"عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، وأبو معشر ضعيف (١) فالزيادة لم تصح، ولو صحت لكان هذا الحديث من أنواع الترك المسبب، ولم أجد لهذه الرواية غير هذا الإسناد.\nورغم اختلاف العلماء في دلالة هذا الحديث على وجوب صلاة الجماعة من عدمه، فإنه لم يقل أحد قط بجواز أن تحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، بل نقل ابن حجر عن الباجي انعقاد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك (٢).\n* * *\n_________\n(١) هو: نجيح بن عبد الرحمن السندي، أبو معشر المدني (ت/ ١٧٠ هـ) قال عنه أحمد: \"حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به\"، وقال أبو حاتم: \"هو صالح، لين الحديث\"، وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال أبو داود والنسائي: \"ضعيف\"، وقال ابن معين: \"ليس بالقوي\".\n[سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٣٠ - ٣٣٣)].\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٥٤): \"أبو معشر: ضعيف\".\n(٢) فتح الباري (٢/ ١٤٩).","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الباب الثالث\nالترك العدمي</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: بيان الترك العدمي.\nالفص الثاني: ما يلحق بالترك العدمي.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>الفصل الأول\nبيان الترك العدمي</span>\nويشتمل على أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: الأصل في المتروك.\nالمبحث الثاني: البدعة والمصلحة المرسلة وعلاقتهما بالترك.\nالمبحث الثالث: أقسام الترك العدمي ودلالته.\nالمبحث الرابع: تطبيقات على الترك العدمي.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>المبحث الأول: الأصل في المتروك</span>\nسبق في الباب الثاني أن الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادات المنع، وهو ما تأخر تفصيله إلى هذا الموضع؛ وذلك لأن دلالة الترك العدمي متوقفة عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>المطلب الأول: الأصل في الأشياء:</span>\nاشتهر بين الدارسين أن الأصل في الأشياء الإباحة (١)، وأن هذا هو مذهب الجمهور، ومع شهرة هذه المسألة، إلا أنها لم تعنون هكذا عند أهل\n_________\n(١) انظر: تيسير علم أصول الفقه لعبد الله بن يوسف الجديع (ص ٤٩) نشر: الجديع للبحوث والاستشارات (ليدز - بريطانيا) الطبعة الثالثة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م) توزيع مؤسسة الريان، الواضح في أصول الفقه للمبتدئين (ص ٤٣)، تأليف: محمد سليمان الأشقر - طبعة غير تجارية مصورة من الطبعة الرابعة، علم أصول الفقه (ص ١٣٤)، تأليف: عبد الوهاب خلاف، دار الحديث (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م)، الوجيز في أصول الفقه (ص ١١٧، ١٣٥)، تأليف: الدكتور وهبة الزحيلي، دار الفكر بدمشق، إعادة الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م)، (ط. ١: ١٩٩٤ م)، المصفى في أصول الفقه (ص ٤١٢)، تأليف: أحمد بن محمد بن علي الوزير، دار الفكر المعاصر (بيروت)، دار الفكر (دمشق)، ط. (إعادة ٢٠٠٢ م)، الوجيز في أصول الفقه (ص ٤٧)، تأليف: الدكتور عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ط. السادسة (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م)، أصول الفقه الميسر (٣/ ٤٢٧) للدكتور شعبان محمد إسماعيل، دار الكتاب الجامعي - القاهرة، ط. الأولى (١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م)، وغيرهم كثير.","vol":"1","page":339},{"text":"الأصول المتقدمين، بل غالب الأصوليين يترجمون لها بالأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع، ومنهم من يقول: حكم أفعال المكلفين قبل ورود الشرع، والخلاف في ذلك لفظي يؤول إلى أمرٍ واحد؛ إذ المراد من حكم الأعيان حكم تناولها، الذي هو فعل المكلف، وهو ما يطلب حكمه في الحقيقة (١).\nوهذه المسألة - عند النظر فيها بادي الرأي - نجد أن الأصوليين لم يتفقوا فيها على قول واحد، ويمكن القول بأن هذه المسألة كان للأصوليين فيها اتجاهان متباينان أولًا، ثم ظهر اتجاه ثالث:\nالاتجاه الأول: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم يمكننا معرفته بالعقل.\nالاتجاه الثاني: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم لا يمكننا معرفته.\nالاتجاه الثالث: أن أفعال المكلفين قبل ورود الشرع لله تعالى فيها حكم عرفناه من الشرع لا من العقل.\nفالأفعال لابد لله تعالى فيها من حكم:\nفأما المعتزلة فقالوا: هذا الحكم - سواء كان هذا الحكم هو الحظر أو الإباحة - عرفناه بطريق العقل.\nثم ألزموا من قال بأن لها حكمًا بأن يقول: إن طريق معرفته العقل،\n_________\n(١) وهذه المسألة عندهم لا تتناول الأفعال التي تقع على وجه التعبد، وهذه الأخيرة تناولها الأصوليون في باب الاستصحاب، وسوف أتعرض لذلك بالتفصيل بعد هذه المسألة.","vol":"1","page":340},{"text":"لأن الشرع لم يرد بعد، فصار جمهور أهل السنة إلى الوقف، لأنهم إن قالوا بحكم قيل لهم: كيف عرفتموه ولا شرع؟، فلا مناص من إثباته بالعقل، وهو محور رئيس للخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، فليس لهم إلا أن يقولوا بأحد أمرين:\n\nالأمر الأول: أن تلك الأفعال لا حكم لها، وهذا القول ذهب إليه جماعة.\n\nالأمر الثاني: أن تلك الأفعال لا نعرف حكمها، لأن ذلك قبل الشرع، والأحكام لا يستدل عليها بالعقل، وهو الوقف، وإليه ذهب الأكثرون.\nومع ذلك: فالكل إذا تكلم في الفقه: كان واقعه العملي أنه يثبت حكمًا يعرفه - بغض النظر عن الحكيم أهو التحريم أم الإباحة - إذ إنه يجعل الدليل الذي يطلبه ناقلًا عنه، فمن لاحظ ذلك المعنى ممن جاء بعد - من أهل السنة - قال: لها حكم عرفناه لا من طريق العقل، بل من طريق الشرع، وهذا هو الاتجاه الثالث الذي سبقت الإشارة إليه.\n\nفحاصل الأقوال إذن ثلالة:\nالقول الأول: أنها على الحظر.\nوالقول الثاني: أنها على الإباحة.\nوهذان القولان يشملهما أن يكون الحكم عُلم بدلالة العقل أو بدلالة الشرع.\nفمن قال بأحدهما من المعتزلة: فمورد الحكم العقل.","vol":"1","page":341},{"text":"ومن قال بأحدهما من أهل السنة: فمورد الحكم الشرع (١).\n\nوالقول الثالث: هو الوقف، وقد نسب الغزالي القول به إلى بعض المعتزلة (٢)، وقال به أهل السنة (٣).\nوهم في تفسير الوقف على أقوال (٤):\n_________\n(١) قال الزركشي: \"واعلم أن من قال من أصحابنا بالحظر أو الإباحة ليس على أصولهم - أي المعتزلة - بل لمدرك شرعي\". البحر المحيط (١/ ١٥٩).\n(٢) لكنه بين أن ذلك لا يجري على أصولهم، ولم يسم منهم قائلًا. المستصفى (١/ ٢٠٧).\n(٣) قال السبكي في الإبهاج (٢/ ٣٨٠): \"ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا حكم فيها؛ لأن الحكم عندهم عبارة عن الخطاب، فحيث لا خطاب لا حكم\"، ونسبه البيضاوي في المنهاج إلى الرازي (الإبهاج شرح المنهاج ٢/ ٣٧٩)، لكن عدم الحكم عنده معناه عدم ترتب المؤاخذة على الفعل، فقد قال: \"الحق تفسير التوقف بعدم الحكم، وبه صرح القاضي في مختصر التقريب فقال: \"صار أهل الحق إلى أنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، وعبروا عن نفي الأحكام بالوقف، ولم يريدوا بذلك: الوقف الذي يكون حكمًا في بعض مسائل الشرع، وإنما عنوا به انتفاء الأحكام\" (الإبهاج ٢/ ٣٨٤)، ثم قال بعد ذلك: (٢/ ٣٩٠): \"اعلم أنه لا خلاف في الحقيقة بين الواقفية والقائلين بالإباحة كما قال إمام الحرمين، قال: \"فإنهم لم يعنوا بالإباحة ورود خبر عنها، وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك، والأمر على ما ذكروه\"، ولكن هذا الإطلاق الذي في كلام السبكي - من أن عامة أهل السنة على أنه لا حكم لها - لا يسلم له - إلا أن يقال لا حكم لها عقلًا -، ومن تفسير الوقف بعدم الحكم، فقد قال الرازي: \"وهذا الوقف يفسر تارة بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا، بل قطعًا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أم لا، وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر\".\n(٤) قال الغزالي في المستصفى (١/ ٢٥٩): \"أما مذهب الوقف فإن أرادوا به: أن الحكم =","vol":"1","page":342},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= موقوف على ورود السمع، ولا حكم في الحال فصحيح، إذ معنى الحكم الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع.\nوإن أريد به أنَّا نتوقف فلا ندري أنها محظورة أو مباحة فهو خطأ، لأنا ندري أنه لا حظر، إذ معنى الحظر قول الله تعالى لا تفعلوه، ولا إباحة إذ معنى الإباحة قوله: إن شئتم فافعلوه، وإن شئتم فاتركوه، ولم يرد شيء من ذلك\".\nقال الشيرازي في التبصرة (ص ٣١٨): \"الوقف هو الحق: ومعناه: أنه لا عقاب على أحد فيها بفعله، ولا ثواب في شيء بفعله، ولا وجوب في شيء من الأشياء حتى يرد الشرع به في الوقف الذي قلناه\".\nقال ابن قدامة في روضة الناظر (١/ ١٣٥) - في شرح الوقف -: \"معنى الحكم الخطاب، ولا خطاب قبل ورود السمع، والعقل لا يبيح شيئًا ولا يحرمه\".\nقال السمعاني في القواطع (٢/ ٥٢): \"ليس معنى الوقف هو أن يحكم به؛ لأن الوقف حكم مثل الحظر والإباحة، والدليل الذي يمنع من القول بالحظر والإباحة يمنع من القول بالوقف، وإنما يعني الوقف أنه لا يحكم للشيء بحظر ولا إباحة، لكن يتوقف في الحكم بشيء إلى أن يرد به الشرع. . . . . إلى أن قال: المباح ما أباحه الشرع، والمحظور ما حظره الشرع، فإذا لم يرد الشرع بواحد منهما لم يبق إلا التوقيف إلى أن يرد سمع فيحكم به\" ثم قال: \"وقد دللنا بنص من القرآن أن الحجة لا تقوم على الآدمي بالعقل مجردة بحال. . . \" ثم أطال الاستدلال على ذلك.\nمن النقولات السابقة - مع ما ذكره الرازي من تفسير الوقف في الهامش السابق - يتضح لنا اختلاف القائلين بالوقف في تفسيره، ولابد من الإشارة هنا إلى أن الذي دفع كثيرًا من أهل السنة إلى القول بالوقف - مع اختلافهم في تفسيره - ما بنى عليه المعتزلة مذهبهم في ذلك وهو استقلال العقل بمعرفة الحكم، وممن صرح ببناء هذه المسألة على التحسين والتقبيح العقلي: ابن برهان في الوصول إلى الأصول (١/ ٧٣) فقد قال: \"فإذا ثبت لنا بالدليل السابق المتقدم أن الأحكام لا تتلقى من جهة العقل حظرًا وإباحة، وتحسينًا وتقبيحًا، وإنما تتلقى من جهة السمع قلنا في هذه المسألة: لا حاكم قبل السمع، فلا حكم قبل السمع لأن الحكم يستدعي =","vol":"1","page":343},{"text":"الأول: المراد بالوقف: عدم العلم.\nالثاني: المراد بالوقف: عدم الحكم.\nالثالث: المراد بالوقف: عدم المؤاخدة: أي الإباحة.\n\nفأما من قال بأنها على الحظر:\nفأغلب المعتزلة على القول به، أما من أهل السنة: فابن حامد (١)، وبعض\n_________\n= حاكمًا\"، ولذا فمنهم من يرى أن هذه المسألة فائدتها معرفة الأصل الذي يرد الدليل بتغييره - كما سنذكر - ومنهم من يرى أن هذه المسألة لا فائدة منها بعد ورود الشرع، بل بالغ ابن العربي المالكي في المحصول (ص ١٣٤) في الإنكار على الخوض في هذه المسألة، مبالغة غير مرضية، فمما قاله: \"لا حكم للعقل فيها بشيء حتى نوعها الشرع قسمين حظر وإباحة، بلى إن المقصرين في العلم يقولون: فما حكمها بعد ورود الشرع أحكمها الحظر أم حكمها الإباحة؟ فهذا السؤال لا يصدر إلا من غبي وحكمها في الشرع بحسب وروده المحظور محظور بدليله، والمباح مباح بدليله، ويستحيل خلو المسألة عن دليل، لأن ذلك إبطال للشرع وتعطيل\"، ولذا فقد قال ابن قدامة في [روضة الناظر (١/ ١٣٧)]: \"وقد دل السمع على الإباحة على العموم بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وبقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقول النبي - ﷺ -: \"وما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه\" اهـ.\n(١) هو: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، أبو عبد الله الوراق، البغدادي. إمام الحنابلة في زمانهم ومدرسهم ومفتيهم، وهو شيخ القاضي أبي يعلى الفراء، كان ينسخ بيده ويقتات من أجرته، فسمي ابن حامد الوراق، توفي سنة ٤٠٣ هـ راجعا من مكة بقرب واقصة، من تصانيفه: \"الجامع\" في فقه ابن حنبل نحو أربعمائة جزء، و\"شرح أصول الدين\"، و\"أصول الفقه\". =","vol":"1","page":344},{"text":"الشافعية والأبهري (١) من المالكية (٢).\nوأما من قال بأنها على الإباحة: فبعض المعتزلة فيما نقله الغزالي عنهم، ومن أهل السنة: \"أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب (٣) والحنفية (٤) والظاهرية وابن سريج وأبو حامد\n_________\n= [سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٢٣)، طبقات الحنابلة (٣/ ٣٠٩)، والنجوم الزاهرة (٤/ ٢٣٢)].\n(١) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح، أبو بكر، الأبهري، المالكي. فقيه أصولي، محدث، مقرئ. ولد في حدود سنة ٢٩٠ هـ، قال ابن فرحون: كان ثقة أمينًا مشهورًا وانتهت إليه الرياسة في مذهب مالك. سكن بغداد. وتفقه على القاضي أبي عمر، من تصانيفه: \"شرح مختصر ابن الحكم\"، و\"الرد على المزني\" في ثلاثين مسألة، و\"كتاب في أصول الفقه\" و\"شرح كتاب عبد الحكم الكبير\"، توفي سنة ٣٧٥ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٦)، الديباج المذهب (ص ٣٥١)، تاريخ بغداد (٣/ ٤٩٢)، البداية والنهاية (١١/ ٣٠٤)].\n(٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٧).\n(٣) هو: محفوظ بن أحمد بن حسن بن حسن العراقي الكلوذاني ثم البغدادي؛ أبو الخطاب. إمام الحنابلة في وقته. ولد سنة ٤٣٢ هـ بضاحية (كلوذا) ببغداد. من تلامذة القاضي أبي يعلى الفراء، قال الذهبي: \"كان من محاسن العلماء خيّرًا من أذكياء الرجال\". من كتبه (التمهيد) في أصول الفقه، و(الانتصار في المسائل الكبار)، و(الهداية) في الفقه، توفي سنة ٥١٠ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣٥)، شذرات الذهب (٦/ ٤٥)، طبقات الحنابلة (٤٠٩)].\n(٤) نسب السيوطي [الأشباه والنظائر (١/ ١٣١)، القول بأن الأصل في الأشياء الحرمة للحنفية، وهذا مخالف لما ينقله الأصوليون عنهم، والذي في \"الفصول في الأصول\" للجصاص هو القول بالإباحة (٣/ ٢٤٨ - ٢٥٤).","vol":"1","page":345},{"text":"المروزي (١) وغيرهم\" (٢).\n\nوأما من قال بأنها على الوقف فكثيرون:\nفنسب إلى: أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر الصيرفي (٣)، وأبي علي الطبري (٤) وأكثر أصحاب الشافعية وسائر المتكلمين (٥).\n_________\n(١) هو: أحمد بن بشر عامر العامري، شيخ الشافعية، مفتي البصرة، تفقه بأبي إسحاق المروزي. قال أبو حفص عمر بن علي المطوعي: كتابه الموسوم بـ (الجامع) أمد له من كل لسان ناطق لإحاطته بالأصول والفروع وإتيانه على النصوص والوجوه، فهو لأصحابنا عمدة من العمد، ومرجع في المشكلات والعقد، توفي سنة ٣٦٢ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٠٧)، طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٢ - ١٣)].\n(٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٥).\n(٣) هو: محمد بن عبد الله، أبو بكر الصيرفي، من أهل بغداد، فقيه شافعي، محدث، أصولي، متكلم، قال النووي: من أئمة أصحابنا المتقدمين، كان فهمًا عالمًا ذكيًا، تفقه على ابن سريج، من تصانيفه: \"دلائل الأعلام على أصول الأحكام\" شرح فيه رسالة الشافعي، وصنف في الإجماع، والحيل، وأدب القضاء، والشروط والمواثيق، توفي في الخميس لثمان بقين من شهر ربيع الآخر من سنة ١٣٣ هـ.\n[تاريخ بغداد (٣/ ٤٧٢)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ١٨٦)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٤٤٢)].\n(٤) هو: الحسن القاسم الطبري أبو علي، فقيه وأصولي شافعي. كان إماما عالمًا بارعًا في عدة فنون، سكن بغداد ودرس فيها وتوفي بها كهلًا، من تصانيفه: \"الإفصاح\" في فروع الفقه الشافعي، و\"المحرر\" وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرد، توفي سنة ٣٥٠ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٢٥) طبقات الشافعية لابن السبكي (٣/ ٢٨٠)، والنجوم الزاهرة (٣/ ٣٢٨)].\n(٥) قواطع الأدلة (٢/ ٤٨).","vol":"1","page":346},{"text":"وممن وقفت على نصه:\nابن حزم (١) الظاهري، والقاضي أبو يعلى من الحنابلة (٢)، وأبو إسحاق الشيرازي (٣)، والمظفر السمعاني (٤)، وأبو الخطاب الكلوذاني (٥)، والرازي (٦)، والسهروردي (٧) (٨)، وابن رشيق المالكي (٩)، وابن مفلح (١٠)، والجارابردي (١١)\n_________\n(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ٨٣ - ٩٧).\n(٢) العدة (٤/ ١٢٣٨).\n(٣) اللمع (ص ٢٤٥)، التبصرة (ص ٣١٥).\n(٤) قواطع الأدلة (٢/ ٤٨).\n(٥) التمهيد (٤/ ٢٦٩).\n(٦) المحصول (١/ ١٥٨ - ١٦٣).\n(٧) التنقيحات (ص ١٧٣).\n(٨) هو: الفيلسوف المقتول شهاب الدين يحيى بن حبش بن أميرك الشافعي، كان رأسًا في معرفة علوم الأوائل بارعًا في علم الكلام مناظرًا محجاجًا مزدريًا للعلماء مستهزئًا رقيق الدين، ظهر للعلماء منه زندقة وانحلال فعملوا محضرًا بكفره إلى صلاح الدين فبعث إلى ولده بأن يقتله بلا مراجعة فخيره السلطان فاختار أن يموت جوعًا فمنع من الطعام حتى تلف سنة ٥٨٧ هـ، وعاش ستًّا وثلاثين سنة وله تصانيف منها \"التنقيحات\" في أصول الفقه و\"التلويحات\" و\"الهياكل\"، وغير ذلك.\n[شذرات الذهب (٦/ ٤٧٦)، العبر (٣/ ٩٥)، وفيات الأعيان (٦/ ٢٦٨ / ٨١٣)].\n(٩) لباب المحصول (١/ ٢٠٨).\n(١٠) أصول الفقه لابن مفلح (١/ ١٧٢).\n(١١) السراج الوهاج (١/ ١٩٦ - ١٩٩)، تأليف: فخر الدين أحمد بن حسن بن يوسف الجاربردي (٦٦٤ هـ - ٧٤٦ هـ)، تحقيق: د. أكرم بن محمد بن حسين أوزيقان، دار المعراج =","vol":"1","page":347},{"text":"والإسنوي (١)، وابن النجار الفتوحي (٢)، وآل تيمية (٣)، وابن برهان (٤) والسيوطي (٥)، والخطيب البغدادي (٦).\n\nالاستدلال على هده المذاهب الثلاثة:\nالاستدلال على المذاهب الثلاثة يتم على طريقتين:\n\nالطريقة الأولى: الاستدلال عليها باعتبار أن الدلالة عرفت بطريق العقل.\n\nالطريقة الثانية: الاستدلال عليها باعتبار أن العقل لا مدخل له في تلك المسألة، وإنما البحث فيما يدل عليه السمع من تلك الأقوال.\n\nأما الطريقة الأولى: فلا حاجة إلى التطويل فيها، فموردها - التحسين والتقبيح العقلي - مما قُتل بحثًا وبيانًا، ومعلوم مذهب أهل السنة فيه.\n\nوأما الطريقة الثانية: فتؤول الأقوال الثلاثة إلى قولين: الحظر والإباحة (٧).\n_________\n= الدولية للنشر، الرياض - السعودية، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م).\n(١) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص ١٠٩).\n(٢) شرح الكوكب المنير (١/ ٣٢٢).\n(٣) المسودة (٢/ ٨٦٨ - ٨٧٧).\n(٤) الوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ٧٣).\n(٥) الأشباه والنظائر (١/ ١٣١).\n(٦) الفقيه والمتفقه (١/ ٥٢٩).\n(٧) بل إن حاصل هذه الأقوال كلها أنها تؤول إلى القول بالإباحة، وذلك لأن القول بالوقف مبني على التوقف عن الحكم العقلي، وانتظار ما ورد الشرع بحكمه، ولا يكون الشرع دليلًا على التوقف، هذا أمر، والأمر الثاني: أنهم صرحوا بأن كثيرًا ممن قال بالوقف إنما كان يقصد عدم المؤاخذة الذي يؤول في النهاية إلى القول بالإباحة. =","vol":"1","page":348},{"text":"وفيما يلي بيان الأدلة على كل قول:\nالاستدلال على الحظر:\nلم أجد تصريحًا - من القائلين بالحظر - بأن السمع قد دل عليه، لا نقلًا عنهم، ولا استدلالًا لهم، لكن الدليل الذي يذكر في هذا المحل هو: أن الأشياء كلها ملك لله تعالى، وله الخلق والأمر، وملك الغير لا يجوز تناوله من غير إذنه، فوجب أن تكون هذه الأشياء كلها على الحظر، وينبغي أن تبقى الأشياء على ملك مالكها، ولا يتعرض لشيء منها إلا بإذنه وأمره؛ لأن الملك علة الحرمة على غير المالك، بدليل سائر الأملاك، فإذا وجدت علة الحرمة ولم توجد علة الإباحة، كان الشيء على الحرمة (١).\n\nالاستدلال على الإباحة:\nاستدل على هذا القول بآيات وأحاديث كثيرة منها:\n\nأولًا: من الكتاب:\n* قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].\n* قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].\n_________\n= أما القول بالحظر: فالذين قالوا به من أهل السنة أرادوا: أنه يمتنع أن يتصرف الإنسان بلا دليل، خاصة إذا كان فيما لا يملك، لا سيما أنهم في التطبيق العملي لا يخالفون في طلب الدليل المخرج عن الإباحة، لذا فالقول بالحظر مآله: القول بالإباحة، وعلى أية حال فالجمهور يرون القول بالإباحة، وهو القول الذي يكاد يحظى بإجماع المعاصرين اليوم.\n(١) قواطع الأدلة (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":349},{"text":"* قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢].\n* قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥].\n* قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨].\n* قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\n* قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥].\n* قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣١، ٣٢].\n* قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥].\nووجه الدلالة من تلك الآيات: أن الله ﷿ أخبر فيها عن إباحة ما خلق لنا مما نجده في الأرض فدل ذلك على أن ذلك هو الأصل حتى يأتي التحريم من الشرع لشيء بعينه.\n\nثانيًا: من السنة:\n* ما ورد عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"إن أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته\" (١).\nقال الزركشي: \"وهذا ظاهر في أن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣/ ٢٧٨ / ٧٢٨٩) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، ومسلم (٤/ ١٨٣١ / ٢٣٥٨) كتاب الفضائل، باب توقيره - ﷺ -، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه.","vol":"1","page":350},{"text":"التحريم عارض\" (١).\n* ما ورد عن سلمان الفارسي - ﵁ - أنه قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء فقال - ﷺ -: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه\" (٢).\nووجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي - ﷺ -: رده إلى الأصل الذي يقيس به الحلال والحرام، فما سكت عنه فلا يدخل تحت دائرة الحرام.\n\nفائدة المسألة:\nالذي يذكره الأصوليون في فائدة هذه المسألة: أن من حرم شيئًا في الفقه أو أباحه فعلى ماذا يطلب الدليل، وإذا عدم الدليل فما هو الأصل الذي يبقى عليه حتى يجد الدليل؟ (٣)\nفأثر الخلاف يظهر في المسكوت عنه (٤).\n\nالقول المختار:\nالذي يظهر لي أن القول الصحيح هو أن الأصل في الأشياء الإباحة وأن\n_________\n(١) البحر المحيط (٦/ ١٤).\n(٢) رواه الترمذي (٤/ ١٩٢ / ١٧٢٦) كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، وابن ماجه (٢/ ١١١٧ / ٣٣٦٧) كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٠٩ / ٣١٩٥).\n(٣) أصول ابن مفلح (١/ ١٧٩).\n(٤) الأشباه والنظائر للسيوطي (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":351},{"text":"هذا مذهب جمهور الأصوليين، ومقتضى صنيع عامة الفقهاء (١).\n_________\n(١) ذكر الزركشي في البحر المحيط (٦/ ١٢) أن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع وقال: \"هذا عندنا في الأدلة فيما بعد ورود الشرع: أعني أن الدليل السمعي دل على أن الأصل ذلك فيهما إلا ما دل دليل خاص على خلافهما، أما قبله فقد سبقت المسألة في أول الكتاب: لا حكم للأشياء قبل الشرع، ولم يحكوا هنا قولًا بالوقف كما هناك؛ لأن الشرع ناقل، وقد خلط بعضهم الصورتين وأجرى الخلاف هنا أيضًا، وكأنه استصحب ما قبل السمع إلى ما بعده، ورأى أن ما لم يشكل أمره، ولا دليل فيه خاص يشبه الحادثة قبل الشرع، وسبق هناك ما فيه\".\nفهذا النص من الزركشي يشمل عدة أمور:\nالأول: أن الأمر بعد الشرع على الإباحة.\nالثاني: أن هذه المسألة غير مسألة قبل الشرع.\nالثالث: أن هناك قوم خلطوا بين المسألتين.\nفأما الأمر الأول فلا إشكال فيه، وأما الثاني فهذا فيه نظر، إذ كثير من الأصوليين يصرح بأن فائدة المسألة \"الأعيان المنتفع بها قبل الشرع\" هي معرفة من الذي يلزمه الدليل المبيح أم المحرم، نعم، قد يفرق بينهما الزركشي، لكن أن ينقل ذلك عن جماهير الأصوليين فلا.\nأما الثالثة: فالذين خلطوا بين المسألتين هم أغلب الأصوليين، بل إن الزركشي نفسه في أول كتابه عندما تناول هذه المسألة ونقل عن بعض الشافعية القول بالإباحة قال: \"واعلم أن من قال من أصحابنا بالحظر أو الإباحة ليس موافقًا للمعتزلة على أصولهم بل لمدرك شرعي\" (١/ ١٥٩).\nأما الذين صرحوا بأن فائدة مسألة الأعيان المنتفع بها قبل الشرع هي معرفة الأصل الذي يطلب الدليل للنقل عنه فكثيرون، وممن نقل الزركشي عنهم ذلك: الأستاذ: أبو منصور، والقاضي أبو الطيب الطبري والسمعاني، والماوردي، والروياني، وغيرهم.\nوذهب الزركشي بعدما نقل عنهم ما يدل على ذلك إلى أن التحقيق أن كل ذلك لا علاقة له بالمسألة؛ لأن ما ذكروه حوادث بعد الشرع والمسألة في حوادث قبل الشرع. =","vol":"1","page":352},{"text":"ولكن هل القول بذلك معناه أن الأصل في العبادات أيضًا الإباحة عند جمهور الأصوليين؟، هذا ما سأحاول بيانه في المطلب التالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>المطلب الثاني: الأصل في العبادات </span>(١):\nسبق بيان أن القائلين بالوقف أدَّاهم إلى القول به: الفرار من إثبات أن للعقل مدخلًا في إثبات الأحكام، وهذا يقتضي أن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا من الشرع، وهو ما اتفق عليه أهل السنة قاطبةً، خلافًا للمعتزلة، فإذا كان هذا هو حالهم فيما علم من الشرع عدم الحرج فيه، فالمعقول أن يكونوا فيما يفعل على وجه التعبد أشد توقفًا وطلبًا للدليل، والنقولات التي ذكرت سابقًا تؤيد ذلك (٢) وتعضده، وهذا المعنى ذكره الأصوليون في باب الاستصحاب.\nلذا فإن القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة يقتضي جواز إثبات العبادة دون دليل إلا إذا دل الدليل على المنع منه، مجازفة عظيمة، وخطأ بالغ، وزلة فادحة، إذ العبادات من باب التكليف، ولا تكليف إلا بدليل، وقد نص على هذا غير واحد، فمن ذلك قول ابن القيم: \"فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى\n_________\n= والذي يظهر لي أن الخطأ هو عند الزركشي وأن جماهير الأصوليين يبنون مسألة طلب الدليل على هذه المسألة، وأنهم عند التأصيل يذكرون الوقف هربًا من موافقة المعتزلة، وعند التطبيق يذكرون الإباحة ومن لاحظ هذا الفرق حاول أن يؤصل له ولا يظهر فارق صحيح بين المسألتين.\n(١) المراد بالعبادات: ما لا يقع إلا على وجه القربة، وقد سبق التنبيه على ذلك.\n(٢) انظر قول السبكي، والغزالي، والشيرازي، والسمعاني في الهامش (ص ٢٤٤).","vol":"1","page":353},{"text":"يقوم دليل على الأمر\" (١)، وكذلك قول ابن تيمية: \"باب العبادات والديانات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله، فليس لأحد أن يجعل شيئًا عبادة وقربة إلا بدليل\" (٢)، وفيما يلي من أقوال الأصوليين ما فيه تصريح بأن الأصل براءة الذمة من أي تكليف حتى يرد الدليل به:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>قال الشيرازي:</span>\n\" فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل، وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنه إلا بدليل شرعي ينقله عنه\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>قال الغزالي:</span>\n\" وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>قال الصنعاني:</span>\n\" لا شك أن لنا أصلًا متفقًا عليه، وهو أنه لا يثبت حكم من الأحكام إلا بدليل يثمر علمًا أو أمارة تثمر ظنًّا، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء قاطبة، بل بين كافة العقلاء من أهل الإيمان ومن أهل سائر الملل والأديان\" (٥).\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٣/ ١٠٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣١/ ٣٥).\n(٣) اللمع (ص ٢٤٦).\n(٤) المستصفى (٢/ ٤٠٦).\n(٥) إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد (ص ١٤٧).","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>قال السُّهروردي:</span>\n\" دل العقل على براءة الذمة، ونفي الحرج، وما استروح إليه زاعموا الحظر قبل ورود الشرع بين إبطاله: فصوم شوال، وانتفاء وجوب سادسة من الصلوات باق على البراءة الأصلية\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>قال المرداوي:</span>\n\" استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف بالعقل انتفاؤه، وأن العدم الأصلي باق على حاله، كالأصل عدم وجوب صلاة سادسة، وصوم شهر غير رمضان، فلما لم يرد السمع بذلك حكم العقل بانتفائه لعدم المثبت له\" (٢).\nوهذه النقولات تبين أنه ليس للمكلف أن ينتقل عن الأصل إلا بدليل، وتبين أيضًا أن الدليل إنما يأتي بإثبات العبادة، وعليه فالأصل عدمها حتى يأتي ما يثبتها، وهذا مما هو معلوم بالاضطرار من قواعد الشرع وكلام أهل العلم، ولولا أنه قد حصل في زماننا هذا من يدعي خلاف ذلك لما احتجنا إلى إقامة الدليل على مثل هذا الأمر.\n\nالأدلة على أن الأصل في العبادات المنع:\nمن الكتاب:\n* قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].\n_________\n(١) التنقيحات (ص ٣١٦).\n(٢) التحبير شرح التحرير (٨/ ٣٧٥٤).","vol":"1","page":355},{"text":"أي: يعني \"ما لم يأمر به\" (١)، قال النسفي (٢): \"شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله: أي لم يأمر به\" (٣).\n\nومن السنة:\n(١) حديث العرباض بن سارية - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: \"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبدًا حبشيًا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٤).\n_________\n(١) بحر العلوم لنصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي والمهوَر بتفسير السمرقندي (٣/ ٢٢٩)، تحقيق: د. محمود مطرجي، دار الفكر - بيروت.\n(٢) هو: عبد الله بن أحمد بن محمود، أبو البركات حافظ الدين النسفي من أهل (إيزج) من كور (أصبهان) ووفاته فيها، فقيه حنفي كان إمامًا كاملًا مدققًا رأسًا في الفقه والأصول، بارعًا في الحديث ومعانيه، من المجتهدين في المذهب.\nمن تصانيفه (كنز الدقائق) متن مشهور في الفقه، و(الوافي) في الفروع، و(الكافي) في شرح الوافي، و(المنار) في أصول الفقه، توفي سنة ٧٠١ هـ، وقيل: سنة ٧١٠ هـ.\n[الفوائد البهية (ص ١٠١)، والجواهر المضية (٢/ ٢٩٤ / ٦٩٢)، والأعلام (٤/ ٦٧)].\n(٣) تفسير النسفي لأبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، تحقيق: الشيخ مروان محمد السقار، دار النفائس - بيروت، ط. (٢٠٠٥) (٤/ ١٤٩).\n(٤) رواه أبو داود (٤/ ٢٠٠ / ٤٦٠٧) كتاب السنة، باب في لزوم السنة، والترمذي (٥/ ٤٣ =","vol":"1","page":356},{"text":"قال الرازي: \"قوله - ﷺ -: \"وإياكم ومحدثات الأمور\": لا يريد به كل ما حدث بعد ما لم يكن، فإن جميع الأفعال هكذا، بل المراد منه: ما يأتي به الإنسان مع أنه ﵇ لم يأت بمثله، وذلك متناول للفعل والترك، فكل ما فعله الرسول - ﷺ - كان تركه بدعة، وكل ما تركه الرسول كان فعله بدعة.\nفلما حكم على البدعة أنها ضلالة، علمنا أن متابعة الرسول - ﷺ - في كل الأمور واجبة إلا ما خصه الدليل\" (١).\n(٢) ما ورد عن عائشة - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (٢)، وفي رواية: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد\" (٣).\nقال النووي: \"قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به، وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه - ﷺ - فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات ...\n_________\n= - ٤٤/ ٢٦٧٦) كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وابن ماجه (١/ ١٦ - ١٥/ ٤٢) المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وصححه الألباني في الصحيحة (٦/ ٥٢٦ / ٢٧٣٥).\n(١) شرح المعالم (٢/ ٢٥).\n(٢) رواه مسلم (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤/ ١٧١٨) كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور.\n(٣) رواه البخاري (٥/ ٣٥٥ / ٢٦٩٧) كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم (٣/ ١٣٤٣ / ١٧١٨) كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور.","vol":"1","page":357},{"text":"وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به\" (١).\nقال ابن حجر: \"وهذا الحديث معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده، فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه\" (٢).\n(٣) ما ورد عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود - ﵁ - قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري - ﵁ - فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا فقال له أبو موسى - ﵁ -: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك - أو انتظار أمرك - قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم!، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال:\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١٢/ ٢٤٢).\n(٢) فتح الباري (٥/ ٣٥٧).","vol":"1","page":358},{"text":"ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الله: حصا نعد به التكبير، والتهليل، والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم - ﷺ - متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده: إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد - ﷺ -، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير؟ قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله - ﷺ - حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله؛ ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم.\nفقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١).\n\nما استدل به المجيزون:\nقبل بيان ما استدل به المجيزون تفصيلًا والرد عليه، لابد من بيان عدة أمور:\nأولًا: أن هذه الأدلة جمعتها من كتب المعاصرين، ولم أقف على أدلة لأحد من المتقدمين يقول بجواز إحداث عبادة دون أن يرد بحقها الدليل.\n_________\n(١) رواه الدارمي (١/ ٧٩ / ٢٠٤) بهذا السياق في المقدمة، باب في كراهية أخذ الرأي [سنن الدارمي للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي، نشر دار الريان للتراث، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م)]، وقال حسين سليم أسد في تعليقه على هذا الحديث (١/ ٢٨٧) [دار المغني للنشر والتوزيع]: إسناده جيد.","vol":"1","page":359},{"text":"ثانيًا: أن الرد على تلك الأدلة فيه إجمال وتفصيل:\nأما الإجمال: فتلك الأدلة لا تخلو من أحد أمرين، إما أن تكون في غير محل النزاع، أو تكون غير صحيحة في الاستدلال.\nويتضح ذلك الإجمال عند مناقشة تلك الأدلة على وجه التفصيل.\nثالثًا: بالرجوع إلى شروح تلك الأحاديث لم أجد من نص على دلالة تلك الأحاديث على محل النزاع، وهو أن الأصل في العبادات الإباحة.\nرابعًا: كان من حق تلك المسألة أن يُقْتَصر فيها على بيان ما هو محل إجماع عند المتقدمين، ولا يُعَرَّج على ذلك الخلاف ما دام هذا القول مناقضًا للإجماع ولكن الذي دعى للعدول عن ذلك الأصل شهرة التمسك بهذه الأدلة في مقابلة من يذكر الإجماع القديم، وكثرة من استدل بها خصوصًا من يتابع الشيخ الغماري فيما ذهب إليه في الاستدلال على أن الأصل في الأشياء الإباحة بجواز إحداث عبادة.\n\nالدليل الأول:\n* ما ورد عن رفاعة بن رافع الزرقي - ﵁ - قال: كنا يومًا نصلي وراء النبي - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة قال: \"سمع الله لمن حمده\"، قال رجل وراءه: \"ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه\"، فلما انصرف قال: \"من المتكلم؟ \" قال: أنا، قال: \"رأيت بضعةً وثلاثين ملكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أول\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٣٣٢ / ٧٩٩) كتاب الأذان، باب رقم (١٢٦) بدون ترجمة.","vol":"1","page":360},{"text":"* ما ورد من حديث ابن عمر - ﵄ - قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله - ﷺ -، إذ قال رجل من القوم: \"الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرةً وأصيلًا\"، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من القائل كلمة كذا وكذا؟ \"، قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله، قال - ﷺ -: \"عجبت لها فتحت لها أبواب السماء\".\nقال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك (١).\nقالوا: الصحابي أحدث دعاءً جديدًا في الصلاة دون استئذان النبي - ﷺ -، ثم إن النبي - ﷺ - أقرّه على ذلك ولم يعنَّفه ولم ينهه، والدعاء هو العبادة كما ورد في الحديث، فهذا دليل على جواز إحداث عبادة جديدة.\n\nوالرد على ذلك:\nأنَّه لا يمانع من أن الصحابي دعا بدعاء لم يثبت له فضل قبل إقرار النبي - ﷺ - له، لكن ما حكم أن يدعو الرجل في الصلاة بدعاء يختاره ويراه؟\nالجواب: أن حكم ذلك الإباحة بنص حديث النبي - ﷺ -؛ وذلك لأنه قال: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما التسبيح والتكبير والتهليل\" (٢) وهذا دليل على جواز أن يقول الصحابي في الصلاة\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٤٢٠ / ٦٠١) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة.\n(٢) رواه مسلم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢/ ٥٣٧) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته.","vol":"1","page":361},{"text":"ما شاء من الدعاء (١).\n_________\n(١) اختلف الفقهاء هل يجوز للإنسان أن يدعو بما شاء في صلاته أم يتقيد بالمنصوص؟ على قولين: الأول: عدم الجواز؛ وهو قول أبي حنيفة وأحمد، والقول الثاني: الجواز؛ وهو قول الشافعي ومالك.\nقال البدر العيني في عمدة القاري (٦/ ١٦٩): ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيما يدعو به الإنسان في صلاته، فعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز الدعاء إلا بالأدعية المأثورة أو الموافقة للقرآن العظيم لقوله - ﷺ -: \"إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن\" رواه مسلم، وذكره ابن أبي شيبة عن أبي هريرة - ﵁ - وطاووس ومحمد بن سيرين، وقال الشافعي ومالك يجوز أن يدعو فيها بكل ما يجوز الدعاء به في خارج الصلاة من أمور الدنيا والدين مما يشبه كلام الناس ولا تبطل صلاته بشيء من ذلك عندهما. اهـ.\nوقال أيضًا في حديث التعوذ بعد التشهد: وفيه استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة لألفاظ القرآن، وقال الكرماني: قالت الشافعية يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثمًا، قال ابن عمر: لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي. اهـ.\nوهذا الحديث دليل لأصحاب القول الثاني القائلين بالجواز وهو اختيار جماعة من العلماء كابن عبد البر، وابن حجر.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٦/ ١٠٤): وفي حديث هذا الباب - يعني حديث رفاعة - لمالك أيضًا دليل على أن الذكر كله والتحميد والتمجيد ليس بكلامٍ تفسد به الصلاة، وأنه كله محمود في الصلاة المكتوبة والنافلة مستحب مرغوب فيه وفي حديث معاوية بن الحكم - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التكبير والتسبيح والتهليل وتلاوة القرآن\" فأطلق أنواع الذكر في الصلاة، فدل على أن الحكم في الذكر غير الحكم في الكلام وبالله التوفيق. اهـ.\nقال ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٣٥) في شرح حديث (حمدًا كثيرًا. . . . .): واستُدِل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور. اهـ. =","vol":"1","page":362},{"text":"فما فعله ذلك الرجل كان مأذونًا له فيه، فلما دعا بدعاءٍ أقره النبي - ﷺ - وبيّن فضله كان إقرار النبي - ﷺ - وذكره لفضل الدعاء دليل على استحباب هذا الدعاء وتخصيصه بذلك الموطن.\nوينبغي أن يتنبه هنا إلى ما هو موطن التعبد.\nالتعبد هنا يكون بعدة أمور:\nالأول: الدعاء نفسه.\nالثاني: تخصيص الدعاء بموضع بعينه.\n_________\n= قلت: الحافظ إنما نقل جواز إحداث ذكرٍ غيرِ مأثور في الصلاة، وهذا الكلام منه لا يعني أنه يُجوِّز القول بتخصيص دعاءٍ لم يرد وادعاء أن له فضل ثابت، بل يعني جواز الدعاء في الصلاة بما شاء من الدعاء دون أن يتقيد بالمنصوص.\nأما أدلة القول الأول: فعمدتهم حديث: \"لا يصلح فيها شيء من كلام الناس\"، قالوا: الدعاء بغير المأثور من كلام الناس، وممن بالغ في الإنكار على هذا القول الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٢٣٨) فقد قال: (والمراد بقوله: \"لا يصلح فيها شيء من كلام الناس\" أي من تكليمهم ومخاطبتهم، هذا هو المعنى العربي الذي لا يشك فيه عارف، وليس المراد ما زعمه المانعون للدعاء في الصلاة من أن المراد لا يصلح فيها شيء مما هو من كلام الناس الذي ليس من كلام الله ﷿، فإن هذا خلاف ما هو المراد وخلاف ما دلت عليه أسباب هذه الأحاديث الواردة في منع الكلام، وخلاف ما ثبت في الصلاة من ألفاظ التشهد ونحوها وخلاف ما تواتر تواترًا لا يشك فيه من لديه أدنى علم بالسنة من الأحاديث المصرحة بمشروعية الدعاء في الصلاة بألفاظ ثابتة عن النبي - ﷺ - وبألفاظ دالة على مشروعية مطلق الدعاء كقوله - ﷺ -: \"وليتخير من الدعاء أعجبه إليه\"، وبالجملة فالمنع من الدعاء في الصلاة لا يصدر إلا ممن لا يعرف السنة النبوية، ولا يدري بما اشتملت عليه كتبها المعمول بها والمرجوع إليها في جميع الأقطار الإسلامية وفي كل عصر وعند أهل كل مذهب) اهـ.","vol":"1","page":363},{"text":"أما الأول: فلا إشكال فيه كما سبق، أما الثاني: فهو موطن النزاع أو بعبارة أدق: الذي ينبغي أن يكون، وظاهر من الحديث أن الصحابي لم يخصصه بذلك الموضع، أي لم يتعبد بهذا الذكر في هذا الموضع ولا غيره من الصحابة حتى ثبت فضله بقول النبي - ﷺ - (١).\nفلا يقول أحدٌ إن الصحابي خصص ذلك الموضع بهذا الدعاء وتعبد بذلك قبل إقرار النبي - ﷺ - له، ثم إن في الحديث ما يشعر أن المستقر عند الصحابة ابتداء أنهم غير مأذون لهم في إحداث ما لم يرد به نص وذلك أنه فهم من سؤال النبي - ﷺ - الاستنكار ابتداءً حتى بين النبي - ﷺ - أن ذلك الفهم غير مراد (٢).\n_________\n(١) بل قد ورد في رواية النسائي (٢/ ١٤٥) [كتاب الافتتاح، باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام] عن رفاعة بن رافع - ﵁ - قال: صليت خلف النبي - ﷺ - فعطست فقلت الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فلما صلى رسول الله - ﷺ - انصرف، فقال: \"من المتكلم في الصلاة؟ \" فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: \"من المتكلم في الصلاة؟ \"، فقال رفاعة بن رافع بن عفراء - ﵁ -: أنا يا رسول الله، قال: \"كيف قلت؟ \"، قال: قلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه مباركًا عليه كما يحب ربنا ويرضى، فقال النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لقد ابتدرها بضعةٌ وثلاثون ملكًا أيهم يصعد بها\".\nففي هذه الرواية أن الصحابي عطس فقال ذلك، وجمع ابن حجر بين تلك الأحاديث بأنه لعله اتفق عطاسه مع رفع النبي - ﷺ - من الركوع فقال ذلك، جمعًا بين الأحاديث [فتح الباري (٢/ ٣٣٤)].\n(٢) قد ورد ما يدل على ذلك: ففي رواية مسلم: أن النبي - ﷺ - لما قال: \"أيكم المتكلم؟ \" فأرمّ القوم، فقال - ﷺ -: \"أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا\" [رواه مسلم (١/ ٤١٩ - ٤٢٠/ ٦٠٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة] وانظر فتح الباري (٢/ ٣٣٤).","vol":"1","page":364},{"text":"الدليل الثاني:\n* ما ورد عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال لبلال عند صلاة الفجر: \"يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة\"، قال: \"ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي\" (١).\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٤١ / ١١٤٩)، ومسلم (٤/ ١٩١٠ / ٢٤٥٨) قال أبو عبد الله: \"دف نعليك\" يعني: تحريك، قال ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٢): \"قال ابن التين: إنما اعتقد بلال ذلك لأنه علم من النبي - ﷺ - أن الصلاة أفضل الأعمال، وأن عمل السر أفضل من عمل الجهر، وبهذا التقرير يندفع إيراد من أورد عليه غير ما ذكر من الأعمال الصالحة، والذي يظهر أن المراد بالأعمال التي سأله عن أرجاها الأعمال المتطوع بها، وإلا فالمفروضة أفضل قطعًا، «ويستفاد منه جواز الاجتهاد في توقيت العبادة»، لأن بلالا توصل إلى ما ذكرنا بالاستنباط فصوبه النبي - ﷺ - \" اهـ.\nقلت: لم يستدل أحد من أهل العلم - ممن اطلعت على كلامهم - بهذا الحديث على جواز إحداث عبادة جديدة إلا ما كان من كلام ابن حجر، وهذا الكلام منه ليس فيه ما يدل على جواز إحداث عبادة، وإنما فيه جواز الاجتهاد في توقيت عبادة، وهذا قد يجوز عند عدم اعتقاد أفضلية بهذا التوقيت، بل الذي يظهر من كلام شراح الحديث أن بلالًا فعل عبادة هي من أفضل التطوع وهي الصلاة وفعلها في السر.\nوقد قال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث (١٦٥): \"ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل تكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضَّله الشرع، وخصَّه بنوع العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع فضلًا فيه جميع أعمال البر، =","vol":"1","page":365},{"text":"قالوا: أحدث عبادة لم يكن مأذونًا له فيها على القول بأن الأصل في العبادات المنع.\nوالرد: أن الصلاة في كل وقت مندوب إليها، ولم يرد في الحديث أن بلالًا اعتقد أفضلية ذلك أو خصص تلك الصلاة بهذا الموضع تعبدًا بذلك التخصيص، بل هذا لم يثبت حتى ذكر النبي - ﷺ - فضل العمل الذي عمله بلال، ومعلوم أن من أقوى طرق ثبوت الاستحباب لعمل أن يرد الدليل بذكر فضل له.\n\nفعلى مقتضى الدليلين السابقين يكون:\nالعبادة المأذون فيها في كل وقت لا مانع من فعلها في الوقت المأذون فعلها فيه دون تخصيص لوقت معين بفضل، حتى يرد بذلك التخصيص دليل شرعي، فمن دعا بدعاء حسن لا مانع منه ما دام لم يخصص هذا الدعاء بوقت يعتقد أنه في ذلك الوقت أفضل من غيره، أو أن له فضلًا أو أجرًا لم يرد به الدليل.\n\nالدليل الثالث:\n* ما ورد من حديث عمرو بن دينار - ﵁ - قال: قلت لجابر بن زيد - ﵁ -: إنهم يزعمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ -\n_________\n= كعشرة ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. والحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله - ﷺ -\" اهـ.","vol":"1","page":366},{"text":"ولكن أبى ذلك البحر - يعني ابن عباس - ﵄ - وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد كان أهل الجاهلية يتركون أشياء تقذرًا، فأنزل الله تعالى كتابه، وبيَّن حلاله، وحرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (١) [الأنعام: ١٤٥].\nوورد عن سلمان الفارسي - ﵁ - أنه قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن السمن والجبن والفراء فقال - ﷺ -: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا الله عنه\" (٢).\n* وفي رواية أبي الدرداء - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن نسيًا، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] \" (٣).\n_________\n(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٣٠) كتاب الضحايا، باب ما جاء في أكل لحوم الحمر الأهلية بهذا اللفظ، ورواه أبو داود مختصرًا (٣/ ٣٥٤ / ٣٨٠٠) كتاب الأطعمة، باب ما لم يذكر تحريمه، وقال الألباني في صحيح أبي داود (٢/ ٤٤٨ / ٣٨٠٠): صحيح الإسناد.\n(٢) رواه الترمذي (٤/ ١٩٢ / ١٧٢٦) كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء، وابن ماجه (٢/ ١١١٧ / ٣٣٦٧) كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (١/ ٦٠٩ / ٣١٩٥).\n(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٢) كتاب الضحايا، باب ما لم يذكر تحريمه، =","vol":"1","page":367},{"text":"* وورد عن أبي ثعلبة الخشني - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الله - ﷿ - فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تتكلفوها، رحمة من ربكم فاقبلوها\" (١).\n* وعن ابن عباس - ﵁ - قال: خطب رسول الله - ﷺ - فقال: \"إن الله - ﷿ - أعطى كل ذي حق حقه، ألا إن الله - ﷿ - فرض فرائض، وسن سننًا، وحد حدودًا، وأحل حلالًا، وحرم حرامًا، وشرع الدين، فجعله سهلًا سمحًا واسعًا، ولم يجعله ضيقًا، ألا إنه لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له، ومن نكث ذمتي لم ينل شفاعتي، ولم يرد علي الحوض، ألا إن الله - ﷿ - لم يرخص في القتل إلا ثلاث: مرتد بعد إيمان أو زان بعد إحصان أو قاتل نفس فيقتل بقتله ألاهل بلغت؟ \" (٢).\n_________\n= ولا كان في معنى ما ذكر تحريمه مما يؤكل أو يشرب، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥/ ٣٢٥ / ٢٢٥٦).\n(١) رواه الدارقطني (٥/ ٥٣٨) كتاب الصيد والذبائح والأطعمة وغير ذلك، باب إباحة الصيد بالكلاب والجوارح [سنن الدارقطني للإمام علي بن عمر الدارقطني، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة]، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٢) بمعناه، وحسنه النووي في رياض الصالحين (ص ٤٩٢)، حديث رقم (١٨٣٢) [دار الريان للتراث]، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (ص ٢٣٠) برقم (١٥٩٧).\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢١٣)، وقال الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (١/ ٩ / ٣٣): ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":368},{"text":"قالوا: هذه الأحاديث تدل على أن المسكوت عنه باق على الأصل الذي هو الإباحة (١).\n\nوالرد عليهم:\nأن هذه الأدلة كلها مما يستدل به على أن الأشياء الأصل فيها الإباحة، ولا مدخل له في التعبدات بوجه من الوجوه، والكل يقول بذلك، فالأصل فيما عقل معناه في المعاملات والمطعومات والمشروبات إباحته حتى يرد الدليل بالمنع منه.\nلكن أين دلالة تلك الأحاديث على أن الأصل في العبادات الإباحة؟!\nفالأحاديث كلها في بيان ما يحل وما يحرم من المطعومات، ومعلوم أن ذلك ليس محله العبادات (٢).\n\nالدليل الرابع:\n* ما ورد عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا على سرية وكان\n_________\n(١) استدل بهذه الأدلة الدكتور عيسى الحميدي في كتابه (البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع).\n(٢) قال في عون المعبود (٦/ ٥٩٨): \"وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى\"، وقال أيضًا: \"والحديث يدل على أن الأشياء أصلها على الإباحة\" اهـ.\nوقال أيضًا (٦/ ٥٩٧): \"وقد اختلف الناس في الأشياء أصلها على الإباحة أو على الحظر وهي مسألة كبيرة من مسائل أصول الفقه فذهب بعضهم إلى أنها على الإباحة وذهب آخرون إلى أنها على الحظر وذهبت طائفة إلى أن إطلاق القول بواحد منهما فاسد ولابد من أن يكون بعضها محظورًا وبعضها مباحًا والدليل ينبئ عن حكمه في مواضعه\" اهـ.","vol":"1","page":369},{"text":"يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ \"قل هو الله أحد\"، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: \"سلوه لأي شيء يصنع ذلك\"، فسألوه فقال: \"لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأ بها\"، فقال النبي - ﷺ -: \"أخبروه أن الله يحبه\" (١).\nقالوا: فعل فعلًا لا يقع إلا عبادة وأقره النبي - ﷺ - على ذلك.\nوالجواب: ما هو الذي أقره النبي - ﷺ - عليه وما هو الذي أحدثه ذلك الرجل.\nفالذي فعله ذلك الرجل أنه واظب على فعل لم يتبين وجه مواظبته عليه، فلما أخبر النبي - ﷺ - لم يقرر حكمًا بل سأله لماذا يفعل ذلك؟\nفلما ذكر له سببًا مشروعًا أجاب باعتبار السبب.\nوإذا استُحضر هنا - ولابد من ذلك - قول الأصوليين السؤال معاد في الجواب، فيكون معنى إقرار النبي - ﷺ -: إقراره على الفعل بهذا السبب، فهذا مشروع لأن الشرع اعتبره، ولا يطلق هذا الفعل بدون تقيد بالسبب؛ لأن النبي - ﷺ - لم يقره إلا بعد معرفة سببه، ثم إنه لم يقل أحد من أهل العلم باستحباب قراءة الصمد في كل ركعة استدلالًا بهذا الحديث، بل غايته جواز ذلك الفعل، وهذا الجواز مستفاد من إقرار النبي - ﷺ - المشروط بما\n_________\n(١) رواه البخاري (١٣/ ٣٦٠ / ٧٣٧٥) كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي - ﷺ - أمته إلى توحيد الله، ومسلم (١/ ٥٥٢ / ٨١٣) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.","vol":"1","page":370},{"text":"أجاب به ذلك الرجل (١).\n\nالدليل الخامس:\n* ما ورد عن جرير بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: كنا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة، عراة، مجتابي النمار - أو العباء - متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله - ﷺ - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا، فأذن وأقام فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨]، \"تصدق رجل من ديناره، من\n_________\n(١) قال ابن رجب في فتح الباري (٧/ ٧٣): \"وقد دل حديث أنس وعائشة - ﵄ - على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض، فإن النبي - ﷺ - لم ينهه عن ذلك، ويدل على أنه ليس هو الأفضل؛ لأن أصحابه استنكروا فعله وإنما استنكروه؛ لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي - ﷺ - وأصحابه في صلاتهم، ولهذا قال له النبي - ﷺ -: \"ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ \". فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسنًا، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة.\nوأكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة، وروي فعله عن عمر وابن عمر - ﵄ - وعمر بن عبد العزيز وعلقمة، وهو قول قتادة والنخعي ومالك، وعن أحمد في كراهته روايتان. وكرهه أصحاب أبي حنيفة\" اهـ.\n[والحديث رواه البخاري ومسلم ولم يستدل به أحد من شُرَّاح البخاري أو مسلم على جواز إحداث عبادة جديدة].","vol":"1","page":371},{"text":"درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة\"، قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها - بل قد عجزت - قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\" (١).\nقالوا:\nهذا الحديث أصل في جواز إحداث عبادة دون الحاجة لدليل، بل غلا البعض فقال: البدعة الحسنة أصل من أصول التشريع مستندًا إلى هذا الحديث.\n\nوالرد:\nلبيان معنى هذا الحديث لابد من بيان معنى البدعة فأذكره هنا على سبيل الإجمال وله تفصيل في المبحث الذي بعد هذا.\nتطلق البدعة في لسان حملة الشرع أحيانًا بمعنى البدعة الشرعية وأحيانًا بمعنى البدعة اللغوية.\n\nفالبدعة اللغوية: ما ليس على مثال سابق.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥/ ١٠١٧) كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة.","vol":"1","page":372},{"text":"فمن استعمل ذلك المعنى في التعبديات وغيرها: جوَّز حصول البدعة في الدين.\nومن خص البدعة بكونها في التعبديات فقط: منع من حصولها على الإطلاق.\nوعلى ذلك فـ \"من سن في الإسلام سنة حسنة\" معناه: \"من أتى بما ليس على مثال سابق\".\nفإن كان ذلك في غير محل التعبد فذلك معنى صحيح لا إشكال فيه، وهو أصل في إثبات العمل بالمصالح المرسلة.\nأما أن يكون ذلك في موطن التعبدات فهذا غير موافق لسبب الحديث أولًا، ولا يجري على قواعد الشرع ثانيًا، إذ يلزم منه أنه لا بدعة في الدين مطلقًا، فأين ذلك من قول النبي - ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\" (١).\nعلى أن العلماء الذين شرحوا هذا الحديث قالوا: \"من سن في الإسلام\" أي: من أحيا سنة قد أميتت، ولم يقل أحد قط بجواز إحداث عبادة باعتبار هذا الحديث (٢).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٤/ ٢٠٠ / ٤٦٠٧) كتاب السنة، باب في لزوم السنة، والترمذي (٥/ ٤٣ - ٤٤/ ٢٦٧٦) كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، وابن ماجه (١/ ١٥ - ١٦/ ٤٢) المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وصححه الألباني في الصحيحة (٦/ ٥٢٦ / ٢٧٣٥).\n(٢) قال الشاطبي في الاعتصام (١/ ١٣٠):\n[من سن سنة حسنة] الحديث فليس المراد به الاختراع البتة، وإلا لزم من ذلك التعارض بين =","vol":"1","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الأدلة القطعية - إن زعم مورد السؤال أن ما ذكره من الدليل مقطوع به، فإن زعم أنه مظنون فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوع به، فيلزم التعارض بين القطعي والظني والاتفاق من المحققين ولكن فيه بحثًا - أو نظرًا - من وجهين:\nأحدهما: أنه يقال: إنه من قبيل المتعارضين إذ تقدم أولًا أن أدلة الذم تكرر عمومها في أحاديث كثيرة من غير تخصيص، وإذا تعارضت أدلة العموم والتخصيص لم يقبل بعد ذلك التخصيص.\nوالثاني: على التنزل لفقد التعارض، فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين:\nأحدهما: أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله - ﵄ - قال:\n(وذكر الحديث، ثم قال): فتأملوا أين قال رسول الله - ﷺ -: من سن سنة حسنة؟ تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه حتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر بذلك رسول الله - ﷺ - حتى قال: [من سن في الإسلام سنة حسنة] الحديث فدل على أن السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة وأن الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر: [من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي - الحديث إلى قوله - ومن ابتدع بدعة ضلالة] فجعل مقابل تلك السنة الابتداع، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة وكذلك قوله - ﷺ -: [ومن أحيا سنتي فقد أحبني].\nووجه ذلك في الحديث الأول ظاهر؛ لأنه - ﷺ - لما مضى على الصدقة أولًا ثم جاء ذلك الأنصاري بما جاء به فانثال بعده العطاء إلى الكفاية، فكأنها كانت سنة أيقظها رضي الله تعالى عنه بفعله، «فليس معناه اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة» ... فإذًا قوله: [من سن سنة] معناه من عمل بسنة لا من اخترع سنة.\n«والوجه الثاني من وجهي الجواب»: أن قوله: [من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة] لا يمكن حمله على الاختراع من أصل لأن كونها حسنة أو سيئة لا يعرف إلا من جهة الشرع، لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب جماعة أهل السنة، =","vol":"1","page":374},{"text":"فرع: حكم وسائل العبادات:\nكل ما يعين ويساعد على أداء العبادة فهو وسيلة إليها، فالوسيلة في اللغة: \"كل ما يتوصل به إلى مطلوب\" (١)، لكن ليس المراد هنا كل فعل يعين على أداء العبادة، وإن كان عبادة في نفسه، بل المراد تلك الأفعال التي لا يقصد بها التعبد (٢)، ولا تقع قوبة في الأصل، لكن تلك الأفعال مما يساعد على أداء العبادة ويعين عليها، فما هو الأصل في هذه الأفعال، هل ما زالت\n_________\n= وإنما يقول به المبتدعة أعني التحسين والتقبيح بالعقل، فلزم أن تكون السنة في الحديث إما حسنة في الشرع وإما قبيحة بالشرع، فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة، وتبقى السنة السيئة منزلة على المعاصي التي ثبت بالشرع كونها معاصي، كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم حيث قال - ﵇ -: [لأنه أول من سن القتل] وعلى البدع لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع كما تقدم.\n(١) انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٥)، المصباح المنير (ص ٣٩٥)، القاموس المحيط (٢/ ١٤٠٩).\n(٢) الأفعال التي يراد بها التعبد على نوعين:\nالنوع الأول: ما صورته كافية في حصول معنى القربة وهو الذي لا يقع إلا قربة وهذا لا يقع إلا عبادة.\nالنوع الثاني: ما لا يكون قربة إلا بالنية فهو يقع لغرض معقول المعنى ويكون عبادة بالنية.\nقال ابن حجر: \"النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها. أما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة وأنها لا تتردد بين العبادة والعادة\" (فتح الباري ١/ ٢١).\nأما الأفعال التي تقع وسيلة فيشترط أن تكون في الأصل فعلًا مباحًا ثم يختلف حكمه بعد ذلك باختلاف ما هي وسيلة إليه، فتكون واجبة إذا كانت وسيلة للواجب محرمة، إذا كانت وسيلة للمحرم، لكن إذا كان الفعل في الأصل محرمًا فلن يصح أن يكون وسيلة إلى غيره.","vol":"1","page":375},{"text":"تندرج تحت الأشياء التي الأصل فيها الإباحة (١)، أم أنها صارت جزءًا من العبادة فيكون الأصل المنع حتى يرد الدليل بجواز اعتبار تلك الوسائل؟ (٢)\nالذي يظهر لي في ذلك أن هذه الأفعال ما زالت تندرج تحت الأشياء التي لا يراد بها التعبد فيكون الأصل فيها الإباحة، وذلك بشرط أن يكون الفعل لا يقع قربة، فإذا حصل التعبد بتلك الوسيلة فلابد حينئذ من ورود الدليل بجوازها.\nومثال ذلك اتخاذ مكبرات الصوت في الأذان: فإن استعمال مكبرات الصوت أمر مباح باعتبار الأصل، فإذا استعملت في الأذان كان ذلك جائزًا ومباحًا، إلا أن يقول قائل: أنا أتقرب إلى الله تعالى باستعمال المكبرات لذاتها لا لكونها وسيلة، فحينئذ يكون فعله هذا مفتقرًا إلى الدليل بخصوصه.\n_________\n(١) أي أن: الأفعال التي تقع وسيلة يشترط أن تكون في الأصل فعلًا مباحًا ثم قد يختلف حكمها بعد ذلك باختلاف ما هي وسيلة إليه، فتكون واجبة إذا كانت وسيلة للواجب، محرمة إذا كانت وسيلة للمحرم، لكن إذا كان الفعل في الأصل محرمًا فلن يصح أن يكون وسيلة إلى غيره، وما دام هذا الفعل لا يراد به التعبد فهو مباح بما ذكر من أن الأصل في الأشياء الإباحة، لكن إذا كان وسيلة للعبادة هل ما زال على الإباحة أم انتقل إلى المنع لكونه صار وسيلة للعبادة.\n(٢) انظر هذا الموضوع بتفصيل أوسع: قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية (دراسة أصولية في ضوء المقاصد الشرعية)، تأليف: د/ مصطفى بن كرامة الله مخدوم، طبع دار إشبيليا للنشر والتوزيع، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، وعلى الأخص المطلب الخاص بعلاقة البدع بالوسائل (٤٣١ - ٤٣٩).","vol":"1","page":376},{"text":"ويلاحظ هنا أنه لابد من التفريق بين قصد التقرب بالفعل بذاته، وبين التقرب بالفعل بكونه وسيلة للعبادة، فالأمر الأول يلحق بالعبادات التي الأصل فيها المنع حتى يرد الدليل بالمشروعية، والأمر الثاني يلحق بالأشياء التي الأصل فيها الإباحة حتى يرد الدليل بالمنع.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>المبحث الثاني: البدعة والمصلحة المرسلة وعلاقتهما بالترك</span>\nتبين في المبحث السابق أن الترك العدمي منه ما يدل على المنع ومنه ما يدل على الإباحة، فهل فعل المكلف لما هو ممنوع منه في جانب العبادات يكون ذلك بدعة أم لا؟ وهل المأذون فيه هو ما عبر عنه أهل الأصول بأنه مصلحة مرسلة؟ وإن كان الأمر كذلك فما هي العلاقة بينهما؟\nهذا ما أحاول بيانه في هذا المبحث عبر مطلبين هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>المطلب الأول: التعريف بالبدعة وعلاقتها بالترك</span>.\nالمطلب الثاني: التعريف بالمصالح المرسلة وعلاقتها بالترك.\n\nالمطلب الأول: التعريف بالبدعة وعلاقتها بالترك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>المسألة الأولى: المراد بالبدعة في اللغة:</span>\nأصل البدعة من مادة بَدَعَ.\nفـ \"الباء والدال والعين أصلان أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال.\nفالأول قولهم أبدعت الشيء قولًا أو فعلًا إذا ابتدأته لا عن سابقة مثال، والله بديع السماوات والأرض.\nوالعرب تقول: ابتدع فلان الركن إذا استنبطه\" (١).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٠٩).","vol":"1","page":378},{"text":"قال ابن سيده: \"بَدَعَ الشيء يَبدَعُه بَدعًا وابتدعه: أنشأه وبدأه\" (١).\nقال الأزهري: \"أخبرني المنذري عن الحران عن ابن السكيت: البدعة كل محدثة\" (٢).\nقال الخليل: \"البَدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلقٌ ولا ذكرٌ ولا معرفةٌ\" (٣)، فـ \"فلان بِدع في هذا الأمر أي أوّل لم يسبقه أحد\" (٤)، و\"البدعة: ما عُمل على غير مثال سابق\" (٥)، وهي اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه وأحدثه (٦).\nفالبدعة في اللغة إذن: ما ليس على مثال سابق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-317>المسألة الثانية: المراد بالبدعة في الشرع:</span>\nهناك اتجاهان مشهوران في تحديد البدعة الشرعية:\n\nالاتجاه الأول: يمثله الشاطبي ومن وافقه.\n_________\n(١) المحكم (٢/ ٣٣).\n(٢) تهذيب اللغة (٢/ ٢٤٠).\n(٣) العين (٢/ ٥٤).\n(٤) لسان العرب (١/ ٣٥٢).\n(٥) المطلع على أبواب المقنع (ص ٣٣٤) لمحمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي (ت ٧٠٩)، ط. الثالثة (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م) المكتب الإسلامي - بيروت.\n(٦) المغرب في ترتيب المعرب (١/ ٦٢) لأبي الفتح ناصر الدين المطرزي (ت ٦١٠ هـ) تحقيق: محمود فاخوري وعبد الحميد مختار، ط. الأولى (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م) مكتبة أسامة بن زيد، حلب - سورية.","vol":"1","page":379},{"text":"الاتجاه الثاني: يمثله العز بن عبد السلام (١) ومن وافقه.\nولابد من بيان معنى البدعة عند كل اتجاه، ثم بيان نوع هذا الخلاف هل هو لفظي أم حقيقي، ثم بيان الاتجاه المُختار.\n\nالاتجاه الأول في تعريف البدعة:\nبوب الشاطبي - في كتابه الاعتصام (٢) - لتعريف البدعة بابًا كاملًا، وقد عرف فيه البدعة بتعريفين:\nالأول: عبارة عن طريقةٍ في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.\nالثاني: البدعة طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية.\nفالشاطبي يشترط في البدعة أن يقصد بها التقرب إلى الله سبحانه - سواء بالتعريف الأول أو الثاني - وهي بذلك لا تكون إلا مذمومة.\nوهذا الذي ذهب إليه الشاطبي ذهب إليه جماعة من أهل العلم قبله وبعده، فمن ذلك:\n_________\n(١) هو: شيخ الإسلام عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن حسن السلمي الدمشقي الشافعي، ولد سنة سبع وسبعين وخمسمائة، برع في العربية والأصول وبلغ رتبة الإجتهاد، قال الذهبي: انتهى إليه معرفة المذهب مع الذكاء المفرط والعبادة والنسك والقول بالحق المر، توفي سنة ٦٦٠ هـ. اهـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٧/ ٣٢)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٢/ ١٣٧ / ٤١٢)].\n(٢) الاعتصام (ص ٢٧).","vol":"1","page":380},{"text":"ما نقله الشاطبي عن الإمام مالك بن أنس أنه قال: \"من أحدث في هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله - ﷺ - خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا\".\nقال ابن تيمية: \"البدعة ما لم يشرعه الله من الدين\" (١).\nقال ابن حجر الهيتمي: \"البدعة الشرعية ضلالة كما قال - ﷺ -، ومن قسَّمها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسَّم البدعة اللغوية\" (٢).\nقال العيني: \" (محدثاتها) جمع محدثة، والمراد به ما أُحدث وليس له أصل في الشرع، وسُمي في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة\" (٣).\nقال أبو شامة: \"البدعة: التي يظنها الناس أنها قربة وهي بخلاف ذلك\" (٤).\nقال ابن رجب (٥): \"فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة\n_________\n(١) الاستقامة (١/ ٤٢)، مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٧)، (٣١/ ٣٦).\n(٢) الفتاوى الحديثية (ص ٢٠٠).\n(٣) عمدة القاري (٢٥/ ٤٢).\n(٤) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢٥) لشهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبي شامة - الشافعي، ط. الثانية، مطبعة النهضة الحديثة - مكة (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م).\n(٥) هو: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي الدمشقي الفقيه الزاهد البارع =","vol":"1","page":381},{"text":"إلى الدين، فعمله باطل مردود عليه\" (١).\nويستدل هذا الاتجاه على أن البدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة بأدلة كثيرة: أبرزها العموم المؤكد في قول النبي - ﷺ -: \"كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (٢) فـ \"كل\" من أقوى صيغ العموم.\nقال ابن رجب: \"فقوله - ﷺ -: \"كل بدعة ضلالة\" من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين\" (٣).\nومن الأدلة أيضًا:\nقول النبي - ﷺ -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد\" (٤).\nوقول النبي - ﷺ -: \"إن لكل عمل شِرَّة ثم فَترَة، فمن كانت فترَتُه إلى بدعة فقد ضل، ومن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى\" (٥).\n_________\n= الأصولي المحدث، له العديد من المصنفات مثل ذيل (طبقات الحنابلة) و(القواعد الفقهية) و(جامع العلوم والحكم) و(لطائف المعارف)، ولد سنة ٧٣٦ هـ، توفي سنة ٧٩٥ هـ.\nقال ابن حجر عنه: \"صار أعرف أهل زمانه بالعلل وتتبع الطرق\".\n[إنباء الغمر (١/ ٤٦٠)، شذرات الذهب (٨/ ٥٧٨)].\n(١) جامع العلوم والحكم (ص ٨٤).\n(٢) رواه أبو داود (٤/ ٢٠٠ / ٤٦٠٧) كتاب السنة، باب لزوم السنة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٦/ ٥٢٦ / ٢٧٣٥).\n(٣) جامع العلوم والحكم (ص ٣٥٨).\n(٤) رواه البخاري (٥/ ٣٥٥ / ٢٦٩٧) كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، ومسلم (٣/ ١٣٤٣ / ١٧١٨) كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.\n(٥) رواه أحمد في المسند [(٣٨/ ٤٥٧ - ٤٥٨/ ٢٣٤٧٤) الأرنؤوط (٥/ ٤٠٩) الهندية]، =","vol":"1","page":382},{"text":"وقول معاذ بن جبل - ﵁ -: \"إن من ورائكم فتنًا. . . فإياكم ومما ابتدع فإن ما ابتُدع ضلالة\" (١).\n\nالاتجاه الثاني في تعريف البدعة:\nالبدعة على الاتجاه الثاني هي: كل ما لم يكن على عهد النبي - ﷺ -.\nقال النووي: \"البدعة - بكسر الباء - في الشرع: هي إحداث ما لم يكن في عهد رسول الله - ﷺ - \" (٢).\nقال ابن الجوزي (٣): \"البدعة عبارة عن فعل لم يكن فابتدع\" (٤).\n_________\n= وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح.\n(١) رواه أبو داود (٤/ ٢٠١ / ٤٦١١) كتاب السنة، باب لزوم السنة، وقال الألباني: صحيح الإسناد موقوف [صحيح أبو داود (٣/ ١٢٠)].\n(٢) تهذيب الأسماء واللغات (٣/ ٢٢) للإمام محي الدين بن شرف النووي، نشر وتصحيح مجموعة من العلماء بإدارة الطباعة المنيرية.\n(٣) هو: الحافظ المفسر جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله، ينتهي نسبه إلى أبي بكر الصديق - ﵁ -، القرشي التميمي البكري البغدادي الحنبلي الواعظ فخر العراق، ولد سنة ٥٠٩ هـ، كان رأسًا في التذكير بلا منازعة، توفي سنة ٥٩٧ هـ، وله العديد من المصنفات منها: \"زاد المسير في علم التفسير\"، \"صيد الخاطر\"، \"العلل المتناهية\"، \"تلبيس إبليس\".\n[سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٨٣)، وفيات الأعيان (٣/ ١٤٠)، شذرات الذهب (٦/ ٥٣٧)].\n(٤) تلبيس إبليس (١/ ١٣٦) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، دراسة وتحقيق: د. أحمد بن عثمان المزيد، إشراف: الشيخ/ عبد الرحمن بن ناصر البراك، الناشر: دار الوطن للنشر، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).","vol":"1","page":383},{"text":"وأشهر من نُقل عنه تفصيل القول في ذلك هو العز بن عبد السلام، فقد قال:\n\"البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله - ﷺ -، وهي منقسمة إلى بدعة واجبة وبدعة محرمة وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة.\nوالطريق إلى ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرمة، وإن دخلت في قواعد المكروه فهي مكروهة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة، وإن دخلت في قواعد المباح فهي مباحة\" (١).\n\nوممن وافقه على ذلك:\nالزركشي (٢) والقرافي (٣) ومحمد بن جُزَيّ المالكي (٤) (٥)\n_________\n(١) قواعد الأحكام (٢/ ٣٣٧) لعز الدين بن عبد السلام، تحقيق د. نزيه حماد، د. عثمان ضميرية، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)، دار القلم - دمشق.\n(٢) المنثور في القواعد (١/ ٢١٨).\n(٣) الفروق (٤/ ٣٤٥).\n(٤) هو: أبو القاسم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن جُزَيّ الكلبي الغرناطي المالكي، كان مشاركًا في علوم كثيرة من عربية وفقه وأصول وأدب وحديث، وتقدم خطيبًا في بلده وهو حديث السن، ولد سنة (٦٩٣ هـ)، وتوفي شهيدًا في واقعة طريف سنة (٧٤١ هـ). ألَّف الكثير في فنون شتى منها: (القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية)، (وسيلة المسلم في تهذيب صحيح مسلم)، (تقريب الوصول إلى علم الأصول) وغيرها.\n[الدرر الكامنة (٣/ ٣٥٦ / ٦٤٢)، الديباج المذهب (ص ٣٨٨/ ٥٢٢)].\n(٥) القوانين الفقهية (ص ١٦)، تأليف: أبي القاسم محمد بن أحمد بن جُزَيّ، تحقيق: =","vol":"1","page":384},{"text":"والسيوطي (١) وغيرهم.\n\nالموازنة بين القولين:\nبإجالة النظر في النقول المتقدمة يصح القول بأن المقصود بالبدعة عند الاتجاه الأول غير المقصود بها عند الاتجاه الثاني:\nفالبدعة عند الشاطبي - ومن وافقه - ليست كل محدث، بل هي خاصة بالشرعية فقط، وهي عند الاتجاه الثاني: كل محدث سواء كان شرعيًّا أم لا.\nفالاتجاه الأول أراد بالبدعة المعنى الشرعي فقط، ولذلك فالبدعة عنده لا تكون إلا ضلالة.\nوالاتجاه الثاني أراد المعنى اللغوي - وهو كل ما أحدث - وهو أعم من المعنى الشرعي.\nقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: \"البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، أما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام. . . إلخ فهي البدعة اللغوية، وهي أعم من الشرعية لأن الشرعية قسم منها\" (٢).\n_________\n= عبد الله المنشاوي، دار الحديث (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).\n(١) الحاوي للفتاوى (١/ ١٩٢، ٣٤٨) [الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، دار الكتب العلمية (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م)].\n(٢) ذكره وهبي سليمان غاوجي الألباني في كتابه: كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها (ص ١٦) دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع - بيروت، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م)، وعزاه إلى أحسن الكلام في البدعة والسنة.","vol":"1","page":385},{"text":"وبذلك يكون محل البحث: هل البدعة الشرعية مذمومة عند أصحاب الاتجاه الثاني أم لا؟، فإذا كانت مذمومة يكون بذلك الخلاف لفظيًّا فقط، وإن كانت غير مذمومة يكون الخلاف معنويًّا.\nوالذي يظهر لي أن الخلاف هنا لفظي، وممن ذهب إلى ذلك ونصره الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز، فقد قال - بعد أن ذكر الاصطلاحين السابقين -: \"إذا عرفت هذا تبين لك أن اختلاف الفريقين في ذم البدعة إطلاقًا وتفصيلًا ليس اختلافًا حقيقيًّا في موضوع واحد، وإنما هو اختلاف اسمي تابع لاختلاف موضوع الحكم، فالمعنى الذي يحكم عليه الفريق الأول بالذم مطلقًا لا يفصل فيه الفريق الثاني، إذ لم يقل أحد منهم بتحسين شيء لم يرد بحسنه دليل أو شاهد شرعي، كما أن المعنى الذي يفصل فيه هذا الفريق لا يطلق الأولون القول بذمه، إذ لم يقل أحد منهم بأن كل ما لم يفعل بخصوصه في زمن النبي - ﷺ - يكون مذمومًا، وإن شهدت له الأدلة وأجمع عليه الصحابة\" (١)، وإلى مثل هذا ذهب الشيخ علي محفوظ (٢).\nوبذلك يتبين أن ما ذهب إليه بعض المعاصرين من جواز أن تقع بدعة شرعية في الدين وتكون ممدوحة مما لم يقل به أحد من العلماء المتقدمين قط، وهذا كافٍ في رد قوله وعدم اعتباره.\n_________\n(١) الميزان بين السنة والبدعة (ص ٤٦) للشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز، تحقيق: أحمد مصطفى فضيلة، ط. الثانية (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م)، نشر دار القلم - القاهرة.\n(٢) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٣٩).","vol":"1","page":386},{"text":"مما سبق يتبين أن البدعة استُعلمت بمعنيين:\nالأول: المعنى اللغوي.\nالثاني: المعنى الاصطلاحي.\nفالبدعة بالمعنى اللغوي تنقسم إلى الأقسام المعروفة السابقة الذكر، والبدعة بالمعنى الشرعي لا تكون إلا مذمومة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>المسألة الثالثة: حكم البدعة الشرعية وعلاقتها بالترك:</span>\nالبدعة الشرعية لا تكون إلا مذمومة - بخلاف البدعة اللغوية - وقد ذهب الشيخ عبد الله دراز إلى أن ذلك محل اتفاق، فقال: \"لا يسع مسلمًا فضلًا عن إمام من أئمة المسلمين أن يفصل فيها بين مستحسن وغير مستحسن، إذ لا خفاء أن كل اختراع في الدين لما لا دليل عليه من جهة الشرع إنما هو اغتصاب لمنصب الشارع واستدراك عليه، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بواح، وإلا فأقل ما يقال فيه: أنه باطل مردود على صاحبه\" (١).\n_________\n(١) الميزان بين السنة والبدعة (ص ٤٤). وهذا الذي ذكره الشيخ عبد الله دراز ذكره غير واحد كالشيخ علي محفوظ وغيره - وقد مرَّ قبل قليل قول الشيخ نجيب المطيعي - وإنما صدرت قول الشيخ عبد الله دراز وذلك لأن كثيرًا من الأكاديميين - ممن يشغب على القائلين بهذا القول ويتهمهم بقلة العلم وكثرة التعصب والجهل - يرفعون كثيرًا من شأن الشيخ ويحتجون به ويعظمون كلامه وآراؤه، وقُلْ مثل ذلك في الشيخ محمد الغزالي ﵀ وغفر له، وسيأتي الاستشهاد بكلامه بعد قليل، ومن عجيب شأن هؤلاء أنهم عندما تكون نصوص هؤلاء الرجال على غير ما يريدون ويروجون له تظهر القواعد التي طالما حاربوها من أن الحق لا يعرف بالرجال واللبيب يغنيه قليل الفعال عن كثير الكلام!!","vol":"1","page":387},{"text":"والضابط في معرفة البدعة الشرعية من غيرها هو قصد التقرب، وذلك بأن يكون الفعل لا يصح وقوعه إلا على سبيل التقرب، أو كان فيه مصلحة فُعل من أجلها لكن قُصد بإيقاعه التقرب، وهذا مستفاد بل من لوازم الأصل الذي قُرر سابقًا من أن الأصل في العبادات المنع حتى يرد الدليل بخلاف ذلك.\nوبذلك فليس كل محدث بعد النبي - ﷺ - بدعة، بل لابد من أن يكون في جانب العبادات بأن يكون مقصود فاعله التقرب به إلى الله تعالى، أو يكون الفعل في ذاته لا يقع إلا مقصودًا به التقرب إلى الله تعالى، فإذا لم يكن كذلك فليس ببدعة.\nوأيضًا فليس كل مخالفة للشرع تكون بدعة، بل المخالفة منها ما هو معصية وبدعة، ومنها ما هو معصية فقط دون أن تكون بدعة، وذلك إذا لم يقصد بها التقرب، ولم تفعل على أنها دين وطاعة لله - ﷿ -.\nوبهذا التقرير السابق يظهر أن البدعة لا تختص بالترك العدمي فقط، بل تتعلق بالترك الوجودي أيضًا:\nفالترك المجرد في جانب العبادات يدل على التحريم، وإيقاع هذا الفعل الممنوع منه بدعة.\nوالترك العدمي إذا كان في جانب العبادات فإنه يدل على التحريم - كما سيأتي بيانه - ويكون إيقاع هذا الفعل الممنوع منه بدعة أيضًا.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-319>المطلب الثاني: المصلحة المرسلة وعلاقتها بالترك:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>المسألة الأولى: تعريف المصلحة في اللغة:</span>\nالمصلحة: مَفْعَلة من الصلاح بمعنى حسن الحال.\nوصيغة \"مفعلة\" هذه تستعمل لمكانٍ ما، كثُر فيه الشيء المشتقة منه، فالمصلحة إذًا - عند علماء التصريف والنحو - شيء فيه صلاح قوي (١).\nوالمصلحة: الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه، وأصلح الدابة: أحسن إليها فصلحت (٢).\n\"والمصلحة بمعناها الأعم كما يتصورها الإنسان: كل ما له نفع له، سواء أكان بالجلب والتحصيل كتحصيل الفوائد واللذائذ، أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام، فكل ما فيه نفع جدير بأن يسمى مصلحة\" (٣).\nويرى الدكتور مصطفى زيد أن الكلمة عند اللغويين واضحة لا تحتاج إلى تفسير (٤)، فهي ضد المفسدة (٥)، ويرى الدكتور محمد شلبي أنها ما يترتب\n_________\n(١) المصلحة في التشريع الإسلامي، د/ مصطفى زيد، تعليق وعناية: د/ محمد يسري إبراهيم، دار اليسر، الطبعة الثالثة (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م) (ص ٣٠).\n(٢) لسان العرب (٥/ ٣٧٤).\n(٣) بحث في المصلحة المرسلة في أول المجلد الثالث من تحقيق كتاب تشنيف المسامع بجمع الجوامع، تحقيق: د/ عبد الله ربيع، د/ سيد عبد العزيز (٣/ ٩).\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) تعليل الأحكام (ص ٢٧٨)، د/ محمد مصطفى شلبي، مطبعة الأزهر ١٩٤٧ م.","vol":"1","page":389},{"text":"على الفعل ويبعث على الصلاح، ومنه سُمي ما يتعاطاه الإنسان من الأعمال الباعثة على نفعه: مصلحة تسمية للسبب باسم المسبب مجازًا مرسلًا (١).\nوفي لسان العرب: \"الصلاح: ضد الفساد. . وربما كنوا بالصالح عن الشيء الذي هو إلى الكثرة كقول يعقوب:. . مَطَرةٌ صالحة. .، والإصلاح نقيض الفساد\" (٢).\nحاصل القول أن المصلحة في اللغة: \"المنفعة: سواء كانت دنيوية أم أخروية بجلب نفع أو بدفع ضرر\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>المسألة الثانية: المصلحة في اصطلاح الأصوليين:</span>\nالمصلحة عند الأصوليين هي كل ما يؤدي إلى حفظ مقصود الشرع، سواء كان في العادات أو في العبادات، يقول الغزالي: \"نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم.\nفكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوِّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة\" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) لسان العرب (٥/ ٣٧٤).\n(٣) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، د/ عياض بن نامي السلمي، دار التدمرية، ط. الأولى (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م) (ص ٢٠٤).\n(٤) المستصفى من علم الأصول (٢/ ٤٨١).","vol":"1","page":390},{"text":"ونقل الزركشي عن الخوارزمي (١) أن المراد بالمصلحة: \"المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق\" (٢).\nويرى الدكتور محمد شلبي أن المصلحة في اصطلاح الفقهاء والأصوليين تطلق بإطلاقين:\nالأول: مجازي وهو السبب الموصل إلى النفع.\nالثاني: حقيقي وهو نفس المسبب الذي يترتب على الفعل من خير ومنفعة (٣).\nوعرفها الشاطبي بأنها: \"ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بدركه على حال، فإذا لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى بل شهد برده، كان مردودًا باتفاق المسلمين\" (٤).\n_________\n(١) هو: محمود بن محمد بن العباس بن رسلان الخوارزمي الشافعي، تفقه على البغوي، وكان جامعًا بين الفقه والتصوف، له كتاب الكافي في الفقه، وتارخ خوارزم، توفي سنة ٥٦٨ هـ.\n[طبقات ابن السبكي (٤/ ٣٠٥)، طبقات الإسنوي (٢/ ٣٥٢)، طبقات ابن قاضي شهبة (٢/ ١٩)].\n(٢) البحر المحيط (٦/ ٧٦).\n(٣) تعليل الأحكام (ص ٢٧٩)، ويرى الدكتور مصلح بن عبد الحي النجار أنه بذلك انحرف عن المعنى الشرعي، الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين وتطبيقاتها المعاصرة (ص ٢٧)، مكتبة الرشد، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n(٤) الاعتصام (ص ٣٦٢).","vol":"1","page":391},{"text":"حاصل القول في تعريف المصلحة عند الأصوليين أنها ليست مطلقة بجلب أي منفعة بل هي مقيدة عندهم بقيدين:\nالأول: أن تكون تلك المنفعة محققة لحفظ أحد المقاصد الخمسة وهي حفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال.\nالثاني: أن تكون تلك المصلحة لم يشهد الشرع بردها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>أقسام المصلحة بالنظر إلى اعتبار الشرع لها:</span>\nتنقسم المصلحة من جهة اعتبار الشرع لها وعدمه إلى ثلاثة أقسام (١):\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-323> القسم الأول:</span>\nمصلحة شهد لها الشرع بالاعتبار فهذه هي المصلحة المعتبرة، مثل المشقة في السفر.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-324> القسم الثاني:</span>\nمصلحة شهد لها الشرع بالبطلان وذلك بأن تكون على خلاف النص أو الإجماع، أو يرد النص والإجماع بإلغائها، فهذه مصلحة ملغاة، مثل التسوية بين الأولاد والبنات في الميراث.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-325> القسم الثالث:</span>\nمصلحة سكت عنها الشرع فلم يشهد لها بالاعتبار ولم يشهد لها بالإلغاء، وهذه هي المصلحة المرسلة. وهي ما يسميه العلماء بالمناسب المرسل، وهي محل حديثنا.\n_________\n(١) المستصفى للغزالي (٢/ ٤٧٨)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٢٠٤ - ٢١١).","vol":"1","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>تقسيم الطوفي:</span>\nأما الطوفي فقد نحى منحىً آخر، ذلك أنه بعد أن ذكر تقسيم الأصوليين السابق ذهب إلى أن كل ذلك تطويل لا حاجة إليه، إذ إن الشريعة ما أتت إلا لتحصيل المصالح ودفع المفاسد، وعلى ذلك فما كان مصلحة من كل وجه فلابد من تحصيله وإن خالف النص والإجماع، وإن كان مفسدة من كل وجه فلابد من إلغائه، وما كان مصلحة من وجه مفسده من وجه اعتبر في ذلك الغالب وأطال في تقرير ذلك الذي ذهب إليه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>اعتبار المصالح أو عدمه ليس في الأفعال التعبدية:</span>\nمجال اعتبار المصلحة أصلًا تشريعيًا في المذاهب هو المعاملات والسياسة الشرعية والعادات، أما العبادات فلا مدخل للمصلحة المرسلة فيها، إذ إن العبادات لا تبنى على المصلحة، وإنما مبنى العبادات على التلقي من الشرع، وهو معنى أن الأصل في العبادات المنع، يقول الدكتور مصطفى زيد: \"إن\n_________\n(١) الطوفي مع أنه يقرر في أكثر من موضع أنه لا يقدم المصلحة على النص والإجماع إنما يخصصهما، إلا أن تأصيله لا يدل على ذلك، كما أنه لم يلتزم بذلك عند التطبيق العملي، وممن ناقش الطوفي فيما ذهب إليه الدكتور مصطفى زيد في رسالته (المصلحة في التشريع الإسلامي) وهي رسالة ماجستير نوقشت في دار العلوم، وضعها خصيصًا لأجل الكلام عن الطوفي ورأيه في المصالح، ومن قبله الدكتور محمد مصطفى شلبي في رسالته (تعليل الأحكام)، فقد تكلم عن الطوفي ومذهبه تفصيلًا، ولذا فقد رأيت أن لا أطول البحث هنا بذكر كلامه مفصلًا والرد عليه، إذ لن يأتي بجديد، وليس البحث هنا للمصلحة بمقصود في ذاته، إنما مجرد مدخل للكلام عن المصالح المرسلة.","vol":"1","page":393},{"text":"مجال هذا كله، إنما هو العادات والمعاملات مما يقصد به سياسة المكلفين، أما العبادات فهي حق الشارع، لا يتلقى إلا منه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>المسألة الثالثة: تعريف المصلحة المرسلة وحجيتها:</span>\nبهذا التقرير السابق يظهر أن المصلحة المرسلة هي كل مصلحة لم يشهد لها الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويطلق عليها عند الأصوليين \"المناسب المرسل\" و\"الاستدلال\" و\"الاستدلال المرسل\" و\"الاستصلاح\".\nولا شك أن المصالح المرسلة ليست خالية من أي دليل - كما يوهم المعنى الحقيقي للإرسال - إذ إن الشرع قد شهد للمصالح بالاعتبار في الجملة، وإنما لم يشهد الشرع لها بالاعتبار على وجه الخصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>أقوال الأصوليين في حجية المصلحة المرسلة:</span>\nالمصلحة المرسلة بهذا التعريف مما اختلف فيه الأصوليون اختلافًا طويلًا (٢)\n_________\n(١) المصلحة في التشريع الإسلامي (ص ١٥٧).\n(٢) انظر في بيان ذلك:\nالإبهاج (٦/ ٢٦٣٣)، المحصول للرازي (٦/ ١٦٢)، التنقيحات (٣٢٤)، الوصول إلى الأصول لابن برهان (٢/ ٢٨٦)، البحر المحيط (٦/ ٧٦)، المستصفى (٢/ ٤٧٨)، تحفة المسئول (٤/ ٢٤١)، لباب المحصول (٢/ ٤٥٣)، المسودة (٢/ ٨٣٠)، الكوكب المنير (٤/ ٤٣٢)، أصول ابن مفلح (٤/ ١٤٦٧)، التحبير شرح التحرير (٨/ ٣٨٣٤)، روضة الناظر (١/ ٥٠٦)، شرح مختصر الروضة (٣/ ٢٠٤)، إرشاد الفحول (٢/ ٩٨٩ - ٩٩٥)، إحكام الأحكام للآمدي (٤/ ١٩٥).\nوالخلاف في حجية المصالح المرسلة والمراد به وتحقيق مناط الخلاف: خلاف طويل، وتتبع =","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-330>وحاصل هذه الأقوال ثلاثة:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-331> القول الأول: </span>الجواز مطلقًا.\nأي جواز اعتبار المصالح المرسلة في الأحكام.\nوهذا القول منقول عن مالك على اختلاف بين العلماء في تفصيل مذهبه وقوله (١). ومذهب الطوفي في تقديم المصلحة على النص والإجماع موافق لهذا المذهب في هذا القدر (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-332> القول الثاني: </span>المنع مطلقًا.\nأي المنع من الاستدلال بالمصالح المرسلة على الأحكام.\nوهذا القول نسبه الزركشي لأكثر الأصوليين، وحكاه عن طوائف المتكلمين، ونُسب للشافعي (٣) وهو قول الباقلاني (٤)، وهو اختيار الآمدي (٥)،\n_________\n= ذلك الخلاف يطول، والقدر الذي يهمنا من ذلك هو توضيح ما سأذكره من تعريف المصلحة المرسلة وحجيتها، ولذلك سأكتفي في صلب الرسالة بعرض المذاهب، وبيان حقائق هامة لفهم ذلك الخلاف، وأقيم الدليل فقط على ما ذهبت إليه في فهمي لذلك الخلاف، ولابد من الإشارة هنا إلى أهمية قيام دراسة بتتبع الأدلة على كل قول، بل وتحقيق كل قول، ومدى صحة نسبته إلى قائله، وذلك لأن كلام الأصوليين في هذا الموضع به كثير من الإشكاليات، مما يحتاج إلى دراسة خاصة.\n(١) انظر المراجع السابقة.\n(٢) فليس هذا هو مذهب الطوفي وإنما يتوافق مع ما ذهب إليه.\n(٣) البحر المحيط (٦/ ٧٦).\n(٤) أصول ابن برهان (٢/ ٢٨٧).\n(٥) إحكام الأحكام (٤/ ١٩٥).","vol":"1","page":395},{"text":"وابن الحاجب (١)، وابن قدامة (٢)، ونسبه الشوكاني للجمهور (٣).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-333> القول الثالث: </span>التفصيل.\nفاختار ابن برهان - ونسبه للشافعي أيضًا - أنه إذا كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها وإلا فلا (٤).\nوذهب الغزالي إلى جواز اعتبار المصالح المرسلة، بشرط أن تكون تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية (٥).\nوكذلك الشاطبي اشترط أن تكون معقولة في ذاتها، ملائمة لمقصود الشارع، حقيقية لا وهمية، حاصل أمرها راجع إلى رفع الحرج عن المكلفين (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>حقيقة الخلاف:</span>\nمع أن كثيرًا من الأصوليين نقل الخلاف هكذا في كتب الأصول إلا أن كثيرًا من الأئمة صرح بأن اعتبار المصالح المرسلة لا يخص مالكًا وحده، بل\n_________\n(١) تحفة المسؤل (٤/ ٢٤١).\n(٢) روضة الناظر (١/ ٥٠٩).\n(٣) إرشاد الفحول (٢/ ٩٩٠).\n(٤) أصول ابن برهان (٢/ ٢٩٠).\n(٥) المستصفى (٢/ ٤٨٩).\n(٦) الاعتصام (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":396},{"text":"هو معتبر عند جميع الأئمة، فمن ذلك قول ابن دقيق العيد (١): \"الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما\" (٢)، وكذلك القرافي أيضًا: فقد قال: \"يحكى أن المصلحة المرسلة من خصائص مذهب مالك، وليس كذلك، بل المذاهب كلها مشتركة فيها، فإنهم يعلقون ويفرقون في صور النقوض وغيرها، ولا يطالبون أنفسهم بأصل يشهد لهذا الفارق بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرد المناسبة، وهذا هو عين المصلحة المرسلة\" (٣).\nثم يقول عن الجويني أنه ضمَّن كتابه الغياثي أمورًا من المصالح المرسلة التي لم نجد لها أصلًا يشهد بخصوصها بل بجنسها، وهذا هو المصلحة المرسلة، فمن ذلك: أنه قال - أي الجويني -: \"إذا ضاق بيت المال يجوز أن يجعل على الزرع والثمار مال دار مستقر، يجبى على الدوام، يستعين به الإمام على حماية الإسلام من غير أن يتوسع فيه\". قال القرافي: \"وهذا ليس له أصل في الشرع، بل النصوص دالة على نفيه، كقوله - ﵇ -: \"لا يحل مال\n_________\n(١) هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح تقي الدين، الفقيه، الأصولي، المحدث، له تصانيف عديدة نافعة منها: \"الإمام شرح الإلمام\"، و\"شرح عمدة الأحكام\"، توفي سنة ٧٠٢ هـ.\n[طبقات الشافعية للسبكي (٩/ ٢٠٧)، شذرات الذهب (٨/ ١١)، الدرر الكامنة (٤/ ٩١ / ٢٥٦)].\n(٢) نقله الزركشي في البحر المحيط (٦/ ٧٧).\n(٣) نفائس الأصول (٩/ ٤٢٧٩).","vol":"1","page":397},{"text":"امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه\" (١)، وقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولاضرار\" (٢)، وغير ذلك، وقال: \"ليس في المال حق سوى الزكاة\" (٣)، وقد ترك هذه الأصول كلها لأجل هذه المناسبة التي لم يتقدم في الإسلام اعتبارها\" (٤).\nوكذلك الزركشي ينقل أيضًا عن البغدادي (٥) قوله: \"لا تظهر مخالفة مالك للشافعي في المصالح\" (٦)، ونقل الدكتور مصطفى زيد في رسالته عن ابن تيمية وابن القيم من النقولات ما يدل على أن المصلحة عند الحنابلة أصل تشريعيّ، لكن بشروط تقارب ما يشترطه المالكيون من ضرورة ملاءمتها لمقصد الشارع، وأن تكون جارية على المناسبات المعقولة التي تتلقاها العقول بالقبول،\n_________\n(١) رواه أحمد [(٣٤/ ٢٩٩ / ٢٠٦٩٥) الأرنؤوط (٥/ ٧٢) الهندية]، وصححه الألباني في الإرواء (٥/ ٢٧٩ / ١٤٥٩).\n(٢) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٨٤ / ٢٣٤٠) كتاب الأحكام، باب من بنى في حقه ما يضر جاره، وصححه الألباني في الإرواء (٣/ ٤٠٨ / ٨٩٦).\n(٣) هذا الحديث رواه ابن ماجه (١/ ٥٧٠ / ١٧٨٩) كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، ورواه الترمذي (٣/ ٤٨ / ٦٥٩) كتاب الزكاة، باب ما جاء في أن في المال حقًا سوى الزكاة، بلفظ: \"إن في المال لحقًّا سوى الزكاة\"، وذهب الألباني إلى أن كلا اللفظين ضعيف، وقد ضعف الترمذي اللفظ الثاني.\n[السلسلة الضعيفة (٩/ ٣٧٠ / ٤٣٨٣)].\n(٤) نفائس الأصول (٩/ ٤٢٧٩) وما بعدها.\n(٥) هو: إسماعيل بن علي بن الحسين البغدادي الحنبلي، اشتهر بغلام ابن المنى، فقيه أصولي نظار متكلم، من كتبه: جنة الناظر وجنة المناظر، توفي سنة ٦١٠ هـ[ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٦٦)، شذرات الذهب (٥/ ٤١)].\n(٦) البحر المحيط (٦/ ٧٧).","vol":"1","page":398},{"text":"وأن يكون في الأخذ بها رفع حرج كان ممكنًا أن يقع فيه الناس لولاها (١).\nفإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن الذي هو محل اتفاق بين المذاهب ليس هو محل الخلاف بينهم وإلا كان في ذلك نسبة كثير من العلماء إلى الغفلة!\nفإذا كانت المصلحة المرسلة ليست في العبادات، وإنما في أبواب المعاملات، ومعلوم أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة، وهذا محل اتفاق بين الجميع، فلا يكون هذا المعنى موردًا للخلاف بحال.\nوإذا كان المانعون يرون أن في القول بالمصلحة المرسلة إثبات دليل مستقل صالح لبناء الأحكام عليه، وجعله حجة شرعية، وفي ذلك إثبات لأحكام لا دليل عليها، إذ ليس في الكتاب والسنة ما يجوِّز بناء الأحكام الشرعية بمجرد المصلحة، بل ذلك هو اتباع الهوى المذموم في الكتاب والسنة، فإن هذا أيضًا لا يصح أن يكون مورد الخلاف، إذ الكل متفق على هذا المعنى، كما ذكرنا من قبل من اتفاق الجميع على أنه لا يثبت حكم إلا بدليل.\nوإذا كان الأمر هكذا فما هو وجه المنع منها عند المانعين؟ وهم الأكثر! وما هو وجه اشتراط تلك الشروط التي قيد بها الغزالي والشاطبي دلالة المصلحة المرسلة على الجواز؟\nلابد - إذن - أن يكون في القول بالمصلحة المرسلة ما هو زائد عن مجرد ما يدل عليه الأصل، ولابد - أيضًا - أن يكون هذا المعنى هو الذي لأجله قوبلت بالقبول أو الرد، أو وضعت الشروط - من قِبل واضعيها - لضبطه،\n_________\n(١) المصلحة في التشريع الإسلامي (ص ٧٠).","vol":"1","page":399},{"text":"وسواء صرح الأصوليون بهذا المعنى أو لم يصرحوا: فلابد من توضيحه، إذ إنه بهذا الوصف هو مورد الخلاف.\nوإذا كان الأصوليون لم يصرحوا بهذا المعنى فلا مناص إذن من تتبع الأمثلة التي يذكرونها حتى يتضح ذلك المعنى، وبالنظر في الأمثلة التي ذكرها الجويني والغزالي والشاطبي وابن القيم يظهر لي أنهم اشترطوا تلك الشروط في المصلحة - والتي الأصل فيها الإباحة - لكي يجوز اعتبارها إذا كان ذلك الاعتبار سيؤدي إلى التعدي على أصل ثابت أو حق مقرر، وهذا يكون في الغالب في الإلزام العام (١).\nفالذين لاحظوا معنى المصلحة هنا قضوا بأن ذلك جائز، والذين لاحظوا ما سيؤدي إليه اعتبار تلك المصلحة على هذا النحو ذهبوا إلى المنع، وكلا\n_________\n(١) وقد ذكر ابن القيم في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (ص ٢٧ - ٣٢) عددًا من أفعال الصحابة لا وجه لها إلا هذا القول، وهي ترجح هذا المعنى الذي ذهبت إليه، فمن ذلك: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - حرّق حانوت الخمار بما فيه، وحرّق قرية يباع فيها الخمر، وحلق رأس نصر بن حجاج، ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به، وضرب صبيغ بن عسل التميمي على رأسه لما سأل عما لا يعنيه، وألزم الصحابة - ﵃ - أن يُقِلُّوا الحديث عن رسول الله - ﷺ - لما اشتغلوا به عن القرآن، ونقل عن ابن تيمية أنه يرى أن من ذلك إلزام المطلق ثلاثًا بكلمة واحدة بالطلاق ثلاثًا، ومنه منع عمر - ﵁ - بيع أمهات الأولاد رغم أنهن كن يبعن على عهد رسول الله - ﷺ -، فهذه الأمثلة كلها لا يستقيم تأصيل لما فعله عمر - ﵁ - إلا بالقول بأن المصلحة المرسلة لا تكون إلا في الإلزام العام، وهو لا يكون إلا في السياسة الشرعية [انظر الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم، تحقيق: حازم القاضي، نشر مكتبة نزار مصطفى الباز، ط. الثانية (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م)].","vol":"1","page":400},{"text":"القولين طرفا نقيض، والوسط بينهما اعتبار كلا الأمرين من خلال وضع ضوابط لكي لا يحيف أحد المعنيين على الآخر؛ وذلك من خلال تلك الشروط التي اشترطوها.\nوبذا يكون هذا القول - من جواز اعتبارها بشروط - هو القول الراجح والرأي المختار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>شروط المصلحة عند من اعتبرها بشروط:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>اشترط الغزالي أن تكون المصلحة قطعية، كلية، ضرورية </span>(١).\nفمعنى كونها قطعية: أن تثبت بطريق قطعي لا شبهة فيه، ومعنى كونها كلية: أن يكون النفع عائدًا إلى عامة المسلمين أو لأكثر أفرادها، وليست خاصة ببعضهم، ومعنى كونها ضرورية: أن تكون عائدة إلى حفظ ضرورة من الضرورات الخمس - سواء كانت ضرورية أو حاجية - وهذه الضرورات الخمس هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وزاد الطوفي: العرض.\nومثَّل الغزالي لما يحقق هذه الشروط الثلاثة: بما إذا تترس الكفار - حال التحام أهل الحرب - بأسارى المسلمين، فإن ذلك يمنع توجيه الرمي والضرب إليهم، فيتمكن الكفار من مهاجمة الحصون، ولو امتنعنا عن القتل لأدى ذلك إلى الاستيلاء على ديارنا، فيقتلون المسلمين ثم يقتلون من معهم من أسارى المسلمين، ولو رماهم المسلمون لأدى ذلك إلى قتل المسلمين الأسارى ودمهم\n_________\n(١) المستصفى (٢/ ٤٨٩).","vol":"1","page":401},{"text":"معصوم، فيجوز والحالة كذلك رميهم وإن أدى ذلك إلى قتل المسلمين الأسارى عندهم.\nوبالنظر إلى هذه الشروط الثلاثة السابقة التي ذكرها الغزالي نجد أنه بذلك يحصر نطاق المصلحة المرسلة في إطار ضيق، بل لا أبالغ إذا قلت إنها بما ذكره من شروط خرجت عن كونها مرسلة، وهي أقرب - من خلال ما ذكره من مثال - إلى تدافع المفاسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>أما الشاطبي فقد اشترط أن تكون ملائمةً لمقصود الشارع، معقولةً في ذاتها، حقيقيةً لا وهمية، راجعة إلى رفع الحرج </span>(١).\nفمعنى كونها ملائمة لمقصود الشارع: أن لا تنافي أصلًا من أصوله ولا دليلًا من دلائله، ومعنى كونها معقولة في ذاتها: أن تكون جارية على الأوصاف المناسبة التي لو عرضت على أهل العقول السليمة لتلقوها بالقبول، ومعنى كونها حقيقية: أن يتحقق عند المجتهد أن بناء الحكم عليها يجلب النفع ويدفع الضرر، ومعنى كونها راجعة إلى رفع الحرج: أن تكون المصلحة مؤدية إلى التخفيف والتيسير على الناس.\nوبناء على ما سبق فإن المصلحة المرسلة هي المصلحة التي بقيت على أصل الإباحة ولكن كان في إلزام الناس بها إلزامًا عامًا تعديًا على أصل ثابت أو حق معتبر وهذا النوع للعلماء فيه مذاهب:\n_________\n(١) الاعتصام (٢/ ٣٧٧).","vol":"1","page":402},{"text":"الأول: القبول مطلقًا، وهذا ضعيف.\nوالثاني: الرد مطلقًا، وهو مذهب الكثيرين.\nوالثالث: القبول بشروط، وقد سبق تفصيل تلك الشروط.\nوالذي يختاره الباحث أنه إذا وُجِدت مصلحة بهذه الشروط التي ذكرها الشاطبي، جاز إلزام الناس بها، وإن كان في إلزام الناس تعد على أصل ثابت، لكن لا تقوم المصلحة إلا بالتعدي على ذلك الأصل.\nومثال ذلك: تضمين الصناع (١): فإن فيه تعدٍّ على أصل ثابت، وهو أن الصانع لا يضمن إلا بالتفريط، فإذا كان غير مفرط فإنه لا يضمن، فالقول بتضمينه على كل وجه تعدٍّ على ذلك الأصل، لكن لما كان تضمين الصناع مستوفٍ لتلك الشروط جاز القول به رغم تعديه على ذلك الأصل.\nوأيضًا: جمع الناس على قراءة واحدة ومنع القراءة من المصاحف الأخرى، والأمر بإحراقها (٢): فيه تعد على أصلٍ ثابت، وهو أن الإنسان حر في ملكه\n_________\n(١) ساق البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٢) بسنده عن الشافعي قال: \"قد ذهب إلى تضمين القصار شريح فضمَّن قصارًا قد احترق بيته فقال: تضمنني وقد احترق بيتي؟ فقال شريح: أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك؟!\nقال الشافعي: \"وقد روي من وجه لا يُثبت أهل الحديث مثله أن عليًّا ضمَّن الغسال والصباغ وقال: لا يصلح الناس إلا ذلك، قال: ويروى عن عمر تضمين الصناع من وجه أضعف من هذا، ولم نعلم واحدًا منهما يثبت\"، وشريح ولي القضاء في زمن عمر - ﵁ -، ومع ذلك فقد اختلف الفقهاء في تضمين الصناع فذهب بعضهم إلى أنه يضمن، وذهب آخرون إلى أنه لا يضمن عملًا بالأصل.\n(٢) رواه البخاري (٨/ ٦٢٧ / ٤٩٨٧) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن.","vol":"1","page":403},{"text":"وفي تصرفه، فما دام مصحفه الذي معه موافقًا للحق فلا يحق لأحد أن يأمره بحرقه، لما في ذلك الحرق من إتلافٍ لماله، لكن لمّا كان جمع الناس على مصحف واحدٍ محقِّقًا لتلك الشروط جاز أن يلزم الناس به وإن اقتضى التعدي على ذلك الأصل الثابت وهو أن الإنسان لا يتصرف في ملكه إلا برضاه.\nوأيضًا: عمر بن الخطاب - ﵁ - عندما دوَّن الدواوين، وألزم الجند بتسجيل أسمائهم في تلك الدواوين (١): فيه تعد على أصل ثابت، وهو أن الإنسان لا يجب عليه من الأعمال إلا ما أوجبه الله تعالى عليه، ففي القول بتلك المصلحة تعدٍّ على ذلك الأصل، ولكن لما كانت المصلحة مستوفية للشروط السابقة جاز العمل بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>اعتراض والرد عليه:</span>\nإذا قال قائل: ما وجه اشتراط هذه الشروط، والصحابة رضوان الله عليهم لم يشترطوها، بل كانوا يعملون بالمصالح في بناء الأحكام عليها\n_________\n(١) قال الشافعي: \"لا ديوان حتى كان الديوان حين كثر المال في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ -\" الأم (٧/ ٢٨٥).\nقال الرافعي: \"لم يكن في زمن رسول الله - ﷺ - ديوان ولا في زمن أبي بكر - ﵁ -، وإنما وضعه عمر - ﵁ - حين كثر الناس\" [نقله عنه ابن حجر في تلخيص الحبير (٤/ ٥٩)]، وقال ابن عبد البر: \"أجمع أهل العلم على أن عمر - ﵁ - أول من جعل الديوان\" [الاستذكار (٢٥/ ٢٢٢)]، وروى البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٠٨) كتاب الديات، باب من في الديوان ومن ليس فيه من العاقلة سواء، عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: \"أول من دون الدواوين وعرَّف العرفاء عمر بن الخطاب - ﵁ - \".","vol":"1","page":404},{"text":"بالشواهد العامة من غير استناد إلى دليل خاص في الواقعة المعروضة عليهم، بل كانوا يقنعون بمجرد اشتمالها على مصلحة راجحة، ولا يبحثون عن أمر آخر، فهذا كالإجماع منهم على قبولها.\nقيل له: نحن لا نمانع من ذلك، وهذا دليل على اعتبار المصلحة فيما ليس بعبادة، ونحن لا نخالف في ذلك، وإنما نشترط تلك الشروط فيما إذا كان اعتبار هذه المصالح سيؤدي إلى التعدي على حق محترم، أو إلزام الناس بما لا يلزمهم، وهذه الشروط مستفادة من فعل الصحابة أيضًا، بل من فعل عمر بن الخطاب - ﵁ - على وجه الخصوص، وقد أقره كثير من الصحابة على فعله إن لم يكن كلهم.\nفإن كان الفعل المشتمل على مصلحة ليس فيه ذلك التعدي، جاز اعتبارها دون اشتراط تلك الشروط، إذ إن الفعل المرجو منه أن يحقق المصلحة باق على الأصل وهو الإباحة.\nومثال ذلك جمع القرآن من الصحف والعُسُب واللِّخاف المتفرقة (١) وغيرها مما كُتبت فيه، ووضعه في مصحف واحد، وهو ما فعله أبو بكر وعمر - ﵄ -، فقد كان مصلحته كافية في الدعاء إلى فعله كما قال أبو بكر - ﵁ -: \"هو والله خير\" (٢).\n_________\n(١) العُسُب: جمع عسيب وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، واللِّخاف: جمع لَخْفة وهي الحجارة الرقاق [فتح الباري (٨/ ٦٣٠ - ٦٣١)].\n(٢) رواه البخاري (٨/ ١٩٤ - ١٩٥/ ٤٦٧٩) كتاب التفسير، سورة براءة، باب ﴿لَقَدْ =","vol":"1","page":405},{"text":"أما ما فعله عثمان - ﵁ - من جمع الناس على مصحف واحد، ومنع ما سواه، والأمر بإحراق ما عداه من المصاحف: فلم يقدم عليه عثمان - ﵁ - إلا بعدما حصل الخلاف في الأمصار: وقال حذيفة - ﵁ - له: \"يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى\" (١)، فكان فعل عثمان - ﵁ - هنا راجع إلى رفع حرج، وهو معقول في ذاته، إذ جمعهم على حرف واحد مانع من اختلافهم، ملائمة لمقصود الشارع، إذ إن التنوع في إنزال القرآن على سبعة أحرف إنما كانت رخصة ليتيسر على الناس قراءة كتاب الله تعالى، فلما أدت تلك الرخصة إلى التنازع والاختلاف، كان العدول عنها هو الملائم لمقصود الشرع إذ أصبحت الرخصة منافية لما تقصد به.\nوكذلك عمر بن الخطاب - ﵁ - لما منع الصحابة أن يحدثوا عن النبي - ﷺ - كثيرًا، وأمرهم بالإقلال من ذلك خشية أن ينصرف الناس عن كتاب الله: أفلا يكون أقل ما يقال في ذلك: كيف لعمر - ﵁ - أن يمنع الناس أن يحدثوا عن رسول الله - ﷺ -، وهم بذلك يكتمون العلم، وعمر - ﵁ - يقول لهم: وأنا شريككم؟\nولا تأويل لفعل عمر - ﵁ - سوى أن يقال: إنه مصلحة مرسلة رآها\n_________\n= جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ من الرأفة.\n(١) رواه البخاري (٨/ ٦٢٧ / ٤٩٨٧) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن.","vol":"1","page":406},{"text":"عمر - ﵁ -، ووافقته الصحابة رضوان الله عليهم على ذلك (١).\nوأوضح منه وأعظم نفي عمر بن الخطاب - ﵁ - لنصر بن حجَّاج من المدينة، وتحليقه رأسه لأن النساء يفتتنون به، أفترى أي ذنب جناه نصر بن حجاج كي ينفى من المدينة؟!، ولا يسع أحدًا أن يُخطئ عمر - ﵁ - فإن ذلك - لو ثبت - (٢) كان بمحضر الصحابة، وهم أعظم وأكرم من أن يوافقوه على باطل، وتأويل فعل عمر - ﵁ - هو أنه لما كانت مصلحة نفيه مستوفية للشروط التي ذُكرت جاز له ذلك، وإن كان في ذلك تعدٍ على حق ذلك الرجل، لكن لا يصلح الناس إلا بذلك.\nولو تتبعتُ ما فعله عمر بن الخطاب - ﵁ - وحده، وقضى به من أمور لا محمل لها إلا على المصلحة المرسلة بتلك الشروط التي ذُكرت لطال المقام، وفيما ذُكر كفاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>حاصل القول </span>هنا أن البقاء على الأصل لا خلاف فيه، والأصل في الأشياء المحقِّقة للمصالح الإباحة، لكن لابد من تلك الشروط لأجل حصول الإلزام العام بها، متى كان الإلزام العام قاضيًا بالتعدي على أصول ثابتة بالشرع، وهذا هو معنى كونها معتبرة. ولابد هنا من الإشارة إلى أن من العلماء من رد ذلك بل إن ذلك مما ينقل عن جمهور العلماء كما سبق.\n_________\n(١) انظر: منهج عمر بن الخطاب في التشريع (ص ٩١ - ٩٨) للدكتور محمد بلتاجي، دار السلام، ط. الثانية (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n(٢) انظر: الطرق الحكمية (ص: ٢٨)، منهج عمر بن الخطاب في التشريع (٣٢٣ - ٣٢٦).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>هل كل مصلحة يقال فيها مصلحة مرسلة</span>؟\nهل كل مصلحة جاز الأخذ بها تكون من المصلحة المرسلة، أم تختص المصلحة المرسلة بمعناها الاصطلاحي بما ذُكر من أن يكون اعتبارها فيه تعدٍّ على أصلٍ أو حقٍّ ثابت فيشترط فيها ما ذكرناه من شروط لكي يجوز الأخذ بها؟\nفي ذلك مسلكان:\nالأول: أن تختص المصلحة المرسلة بما يوجب تلك الشروط، فلا يدخل فيها: الفعل الباقي على الأصل - الذي هو الإباحة - سواء كان من وسائل العبادات أم لا.\nالثاني: أن تكون كل مصلحة باقية على الإباحة مصلحة مرسلة، وبذلك تكون وسائل العبادات من المصالح المرسلة، وتكون تلك الشروط التي ذكرت خاصة بما إذا كان في اعتبار تلك المصلحة تعدٍّ على أصل أو حق ثابت.\nفالطريق الأول يجعل المعنى الاصطلاحي أضيق من المعنى اللغوي وأخص منه، وهذا المعنى أقرب إلى ما استعمله الأصوليون عند الكلام على المصالح المرسلة.\nوالطريق الثاني يستعمل المعنى اللغوي في موضوعه، وإن كان تقييدها بالمرسلة لا فائدة منه إلا من جهة النص على موقعها في الشرع وهو خارج عن ماهية تعريفها.\nوالذي أميل إليه هو الطريق الأول، وذلك لأن العلماء لم يقضوا في كل مصلحة بأنها مصلحة مرسلة، ولا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعاني.","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-341>المسألة الرابعة: علاقة المصلحة المرسلة بالترك:</span>\nمن خلال ما ذكر سابقًا يتبين أن من أنواع الترك العدمي ما يكون مصلحة مرسلة، ذلك أن الترك العدمي يكون في باب العبادات، وكذلك في باب العادات والمعاملات والسياسة الشرعية، فما تركه النبي - ﷺ - في غير باب العبادات فإن المقتضي حينئذ هو المصلحة، وتلك المصلحة قد تكون قائمة في عهده - ﷺ - أو جدَّت بعد وفاته - ﷺ -.\nفالمصالح التي كانت في عهده - ﷺ - لها حديث آخر، أما المصالح التي جدَّت بعده - ﷺ - فلا تخلو من أن تكون أحد أمرين: ذلك أنها إما أن تكون مستوفية للشروط التي ذكرناها في المصالح المرسلة، أو غير مستوفية لها:\nفإذا استوفت تلك الشروط جاز اعتبارها، وقد سبق بيان أن كل ما ذكره العلماء أمثلة صحيحة على المصالح المرسلة، إنما هي من قبيل الإلزام العام وذلك لما في الإلزام بها من تعدٍّ على أصل ثابت أو حق مقرر، فلا يجوز هذا الإلزام إلا بعد استيفاء تلك الشروط.\nأما إذا لم تستوف هذه المصالح تلك الشروط: فلا يصح الإلزام بها، وإنما يجوز لآحاد الناس الأخذ بها، إذا لم يتعد على أصل ثابت أو حق مقرر لغيره، وذلك لأن هذه الأفعال التي يرجى تحصيل المصلحة من خلالها باقية على الأصل، والأصل فيها الإباحة طالما ليست من قبيل العبادات.\nولابد هنا من الإشارة إلى أن المصلحة المرسلة ليست كلها من باب الترك العدمي، فهناك من المصالح المرسلة مما لم يكن مقدورًا للنبي - ﷺ - فلا تكون","vol":"1","page":409},{"text":"من قبيل الترك العدمي على الاصطلاح الذي اخترته في هذه الدراسة، وإن كان النبي - ﷺ - لم يفعلها.\nومن أمثلة تلك المصالح ما ذكره المعاصرون من اعتبار الإلزام بإشارات المرور وبطاقات الجنسية مصالح مرسلة (١).\n_________\n(١) أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله (ص ٢٠٦).","vol":"1","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-342>المبحث الثالث: أقسام الترك العدمي ودلالته</span>\nسبق في الباب الأول بيان أن الترك العدمي هو عدم نقل أن النبي - ﷺ - فعل فعلًا ما مما كان مقدورًا له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>المطلب الأول: أقسام متروك النقل:</span>\nيحسن - قبل وضع أقسام الترك العدمي - النظر في التقسيمات التي ذكرها أهل العلم قديمًا وحديثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>متروك النقل عند الشاطبي:</span>\nذكر الشاطبي أن \"سكوت الشارع عن الحكم على ضربين:\nأحدهما: أن يسكت عنه؛ لأنه لا داعية له تقتضيه ولا موجب يقدر لأجله كالنوازل الحادثة بعد رسول الله - ﷺ - كجمع المصحف وتدوين العلم.\nفهذا القسم جارية فروعه على أصوله المقررة شرعًا بلا إشكال ..\nالضرب الثاني: أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائد على ما كان في ذلك الزمان ..\nفهذا الضرب السكوت فيه كالنص على إن قَصْد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>متروك النقل عند ابن القيم:</span>\nتناول ابن القيم متروك النقل في معرض حديثه عن الطرق التي يتوصل\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ٢٧٥).","vol":"1","page":411},{"text":"بها إلى معرفة ما تركه النبي - ﷺ -، فقد ذكر أن النوع الثاني من أنواع نقل الترك: عدم نقل ما لو فعله لتوفرت الهمم والدواعي على نقله فحيث لم ينقل علم أنه لم يكن.\nومثل له \"بترك التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>متروك النقل عند الدكتور الأشقر:</span>\nلم يكن تقسيم ابن القيم مرضيًا عند الدكتور الأشقر (٢)، أشار إلى ذلك عند بحثه لنقل الترك ثم ذهب إلى أن الأصوب أن ينقسم ما ذكره ابن القيم إلى أربعة أقسام هي:\n١ - أن يدل على المتروك نقله نصٌّ يأمر بالفعل من الكتاب أو السنة أو يدل على حكمه بالإجماع أو القياس.\n٢ - أن يكون المتروك نقله باقيًا على حكم الأصل، والأصل عدم المشروعية في العبادة.\n٣ - أن يروي الصحابي تفاصيل حادثة وقعت مما يتعلق به شرع ويذكر ذلك على سبيل الاستقصاء.\n٤ - أن ينقل الراوي الواقعة ويسكت عن تفصيل يجعل الصورة نادرة.\nولم يتعرض الدكتور الأشقر للكلام على ما ذكره الشاطبي.\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٤/ ٢٦٤).\n(٢) أفعال الرسول (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>وبالنظر في التقسيمات السابقة نلاحظ ما يلي:</span>\nأولًا: الذي ذكره الدكتور الأشقر ليس تقسيمًا للنوع الذي ذكره ابن القيم حيث إن ابن القيم إنما قصد نوعًا خاصًا من أنواع ترك النقل، وهو ما وجد مقتضاه وانتفى مانعه، أما تقسيم الدكتور الأشقر فهو لما ترك نقله إجمالًا.\nثانيًا: الأقسام الأخرى التي ذكرها الدكتور الأشقر سبق ذكرها في مبحث القرائن التي تقوي أن عدم النقل دليل على نقل العدم في الشرعيات.\nثالثًا: ما هو الضابط الذي نستطيع أن نفرق به بين ما يدل على حكمه بطريق القياس، والذي لا يدل على حكمه بذلك؟ لم يبين الدكتور الأشقر ذلك، ولم يتطرق إليه الشاطبي على وجه التفصيل ولم يتناوله ابن القيم.\nوعلى ذلك فباعتبار ما ذكره الشاطبي وابن القيم والدكتور الأشقر يمكن تقسيم ترك النقل إلى نوعين رئيسين، وبيان ذلك هو أن يقال: إن ما تُرك نقل أن النبي - ﷺ - فعله لا يخلو من أحد أمرين: الأول: أن يكون مقدورًا للنبي - ﷺ - ولم يفعله.\nالثاني: أن يكون غير مقدور للنبي - ﷺ -.\nفالنوع الثاني هو الذي يدل على حكمه بطريق القياس، إذ إن الأدلة الشرعية لا يمكن أن تتناوله بالنص، وذلك لأنه لم يكن موجودًا (١)، إنما\n_________\n(١) ومثال ذلك التصوير الفوتوغرافي فإنه وإن لم يكن موجودًا على عهد النبي - ﷺ - إلا إنه لم يكن مقدورًا، فلا يدخل في الترك، ويدل على حكمه بطريق القياس، فيقاس على ما كان موجودًا على عهده - ﷺ - وتناولته الأدلة الشرعية، فيقاس على الرسم عند المانعين منه، ويقاس =","vol":"1","page":413},{"text":"تتناوله الأدلة عن طريق إلحاقه بما كان موجودًا وتناولته الأدلة (١).\nوهذا النوع ليس من أنواع التروك النبوية، وذلك لأنه يشترط في جميعها قدرة النبي - ﷺ - على الفعل، وهو غير حاصل هنا.\nأما النوع الأول: وهو ما كان مقدورًا للنبي - ﷺ - فينقسم إلى القسمين اللذين ذكرهما الشاطبي وهما:\n• الأول: ما كان له مقتضٍ على عهد النبي - ﷺ - ولم يمنع منه مانع، ومع ذلك لم يفعله النبي - ﷺ -.\n• الثاني: ما لم يكن له مقتضٍ على عهد النبي - ﷺ - ثم حدث المقتضي بعد.\nأما القسم الأول فهو ما عبر عنه ابن القيم بأنه ما توافرت الدواعي على نقله لو حصل، غير أنه لم يبين ما هي تلك الدواعي، وإن كانت تفهم من خلال الأمثلة التي ذكرها، وكذلك الشاطبي لم يفصل القول في بيان مراده بالمقتضي.\n_________\n= على المرآة عند المجيزين له، وليس هذا موضع ترجيح بين القولين، وإنما الغرض ذكر مثال على هذا النوع.\n(١) القياس لا يكون في مقابلة النص، لكن هناك أبحاث يذكرها العلماء متعلقة بهذه القضية، مثل تخصيص النص بالقياس، وهل يقدم القياس على الحديث الضعيف وغير ذلك، ولذا فإن هذا الموضع من الدراسة - علاقة الترك بالقياس - ما زال بحاجة إلى دراسة موسعة لا تفي بمثله هذه الدراسة، على أنه ليست علاقة الترك بالقياس مما لم تفصله الدراسة، بل هناك الكثير من القضايا التي ما زالت تحتاج إلى دراسة مستقلة مثل علاقة الترك بالإجماع، وهل التواطؤ على الترك من قبيل الإجماع السكوتي، ومثل التخصيص بالترك، ومثل تخصيص الترك بالقياس، وبغيره، وغير ذلك، فعلاقة الترك بقواعد الاستنباط تحتمل أن تخصص لها دراسة مستقلة.","vol":"1","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-348>بيان \"المقتضي\" الدي هو مورد التقسيم:</span>\nالمراد بالمقتضي: الداعي إلى الفعل والباعث عليه كما يفهم من عبارة الشاطبي وابن القيم، وهذا الفعل لا يخلو أن يكون عبادة محضة أو لا، فما هو الذي يدعو النبي - ﷺ - لأن يفعل فعلًا ما، سواء كان ذلك الفعل عبادة أو عادة؟\nالذي يذكره الأصوليون في ذلك أن الباعث على فعل العبادات هو التقرب، والباعث على فعل العادات والمعاملات هو المصلحة.\nوذلك لأنهم يشترطون في العبادات أن تكون على وجه القربة بخلاف المعاملات التي تبنى أحكامها على المقاصد، يقول الشاطبي: \"مقصود العبادات الخضوع لله - ﷿ - والتوجه إليه والتذلل بين يديه. . . وأن يكون ساعيًا في مرضاته وما يقرب إليه على حسب طاقته\" (١)، ويقول في موضع آخر: \"الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني\" (٢)، ومن الأدلة على ذلك قول النبي - ﷺ -: \"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُين لكم\" (٣)، هذا في جانب العبادات، أما المعاملات فالكل يرى أن الشرع أثبت منها ما يحقق مصالح العباد، بل نقل الطوفي الإجماع على أن الشرع يراعي المصالح والمفاسد في الجملة (٤).\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ١٥٧).\n(٢) الموافقات (٢/ ٢٠٦).\n(٣) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٥٥ - ١٥٦/ ١٦٤٧)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٤١٦): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات.\n(٤) شرح مختصر الروضة (٣/ ٢١٤).","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>حاصل القول إذن: أن الترك العدمي ينقسم إلى قسمين:</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-350> الأول: الترك مع وجود المقتضي وانتفاء المانع:</span>\nوهو ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون في جانب العبادات، والآخر: أن يكون في جانب المعاملات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-351> الثاني: الترك لعدم وجود المقتضي:</span>\nوهذا لا يكون إلا نوعًا واحدًا إذ لا يتصور وقوعه في جانب العبادات، وسيأتي تقرير ذلك في مطلب الدلالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>المطلب الثاني: دلالة أقسام الترك العدمي:</span>\nتبين من خلال المبحث الأول أن الأصل في العبادات المنع حتى يرد ما يثبتها، والأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد ما يمنعها، وأن الأصل في وسائل العبادات أن تكون على الإباحة، ويختلف حكمها بحسب ما هي وسيلة إليه، ومن خلال تطبيق هذه الأصول على أقسام الترك العدمي يظهر دلالة كل قسم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>أولًا: ما كان له مقتضي على عهد النبي - ﷺ - ولم يمنع منه مانع:</span>\nينقسم هذا - كما سبق - إلى نوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>الأول: أن يكون في جانب العبادات المحضة:</span>\nوهذا لا إشكال في دلالته على المنع وذلك لما يلي:\n١ - لو كانت تلك الفعلة المحدثة عبادة تقرب إلى الله - ﷿ - لكان ذلك مقتضي كافٍ لأنْ يفعلها رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":416},{"text":"٢ - أن العبادة لابد في إثباتها من الدليل؛ لأنها لا تكون إلا بتوقيف.\n٣ - عدم النقل هنا دليل على أن ذلك الفعل لم يفعله رسول الله - ﷺ -، وعدم فعل رسول الله - ﷺ - له كاف في المنع منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>الثاني: أن يكون في جانب المعاملات:</span>\nالبحث هنا في المعاملات التي لها تعلق بالشرع، والتي ينبني أمرها على المصلحة، ولذا كان الأصل في الأشياء الإباحة، وأحكام الشريعة إنما جاءت على وفق مصالح العباد، فما هو القول في المعاملات التي تحقق مصلحة، وكانت تلك المصلحة متحققة في زمن النبي - ﷺ - بأن كانت داعية لتحصيل ذلك الفعل، ولم يقم مانع يمنع رسول الله - ﷺ - أن يقوم بذلك الفعل: هل تلك المعاملات مباحة عملًا بالبقاء على الأصل، أم هي محرمة، ويُمنع منها؟ ويكون عدم فعل تلك المعاملة - مع قيام دواعيها - دليلًا على أن تلك المصلحة ليست بمصلحة على وجه الحقيقة، وإنما هي مصلحة متوهمة؟\nلكلٍّ من القولين حظ من النظر، والذي يميل إليه الباحث هنا أن الترك في هذا الموضع دليل على أن تلك المصلحة مصلحة متوهمة، إذ لو كانت مصلحة على وجه الحقيقة لأتى النبي - ﷺ - بما تقتضيه تلك المصلحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>ويؤيد هذا أمور:</span>\n١ - أن الكل متفق (١) على أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد\n_________\n(١) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية (ص ٢٤٦، ٢٧٣، ٢٧٥)، للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، ط. الثانية (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م)، تعليل الأحكام (ص ٩٦)، (ص ١١٠).","vol":"1","page":417},{"text":"في الدنيا والآخرة، والجمهور على أن الأحكام معللة بعلل يمكن معرفتها وفهمها، وهذا يقتضي أن تلك المصلحة لو كانت معتبرة لأتى الشرع بها.\n٢ - الأصوليون يقسمون المصالح إلى ثلاثة أنواع:\n• مصالح أتى الشرع باعتبارها.\n• ومصالح أتى الشرع بإلغائها.\n• ومصالح لم يتناولها الشرع.\nفأما المصالح التي أتى الشرع باعتبارها فلا إشكال فيها، إذ إنها ثبتت بالنص، فليست محل البحث.\nبقي أن تكون تلك المصلحة أحد نوعين:\n• إما مصلحة شهد الشرع بإلغائها، وذلك بأن يكون الترك هنا دليلًا على عدم الاعتبار.\n• أو مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها أو إلغائها، وكونها كذلك لا سبيل إليه، إذ المصالح المرسلة هي تلك المصالح التي جَدَّت بعد وفاة النبي - ﷺ - ولم تكن آنذاك مصلحة، وليس في القول بها إثبات عبادة على ما بُيِّنَ من شروط، فعدم فعل النبي - ﷺ - للفعل المترتب على تلك المصلحة دليل على عدم اعتبارها مصلحة وأنها مصلحة متوهمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>حاصل القول </span>إذن في هذا القسم بنوعيه - العبادات والمعاملات - أن وجود المقتضي له على عهد النبي - ﷺ -، وعدم وجود المانع، وعدم فعل النبي - ﷺ - له: دليل على المنع في النوعين.","vol":"1","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>ثانيًا: ما لم يكن له مقتضي على عهد النبي - ﷺ - ثم حصل ذلك المقتضي بعد:</span>\nوهذا أيضًا ينقسم إلى جانبي العبادات والمعاملات.\nأما العبادات فلا سبيل إلى القول بأن المقتضي لها - وهو التقرب - يمكن حصوله بعد وفاة النبي - ﷺ - إذ لا تكون إلا بنص وتوقيف.\nوعلى ذلك فالمقتضي الذي يحدث بعد وفاة النبي - ﷺ - مما لم يكن موجودًا على عهده هو ما يتعلق بالمصلحة وهو المعاملات الشرعية.\nوهذا النوع لا إشكال في دلالته على الإباحة وأن الحكم متعلق بها بالمصلحة التي يرجى تحقيقها بعد استكمال شروطها بأن تكون مصلحة حقيقية - غير متوهمة -، عامة وليست خاصة، وهي بذلك على الإباحة بشرط أن لا يقصد بها التقرب.\n\nحاصل القول إذن أن هذا النوع لا يكون في العبادات، وإنما يكون في وسائلها، أو في أبواب المعاملات والعادات والسياسة الشرعية.\nفإذا كان في وسائل العبادات فهو على الإباحة، وإن كان في أبواب المعاملات واستوفى شروط المصلحة المرسلة جاز العمل بها، وإن لم يستوف الشروط جاز اعتبار تلك المصلحة دون أن يكون في اعتبارها تعد على أصل ثابت أو حق مشروع.\nويمكن تلخيص الأحكام السابقة في الشكل التالي:","vol":"1","page":419},{"text":"........................................................ [متروك النقل] .............................................................\n.......... [غير مقدور] ............................................................................... [[مقدور]] ............................\n.... [خارج عن نطاق البحث] .................................. [[له مقتضٍ على عهده ولم يفعله]] ..... [[ليس له مقتضٍ على عهده ثم جدَّ بعد]]\n...................................... [[يدل على المنع (سواء في العبادات أو المعاملات)]] ... [[باق على الإباحة (ولا يكون إلا في المعاملات)]]","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>المبحث الرابع: تطبيقات على الترك العدمي</span>\nالتطبيقات على الترك العدمي كثيرة جدًّا، فالبدع والمصالح المرسلة كلها تحت هذا الباب، فكل ما أحدث بعد النبي ﷺ كما سبق فمحل بحثه هنا، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى، فمن ذلك: بناء المحاريب في المساجد، واتخاذ المسبحة أو السبحة في الذكر، والاحتفال بالمولد النبوي، وسائر أنواع الاحتفالات كالاحتفال بليلة النصف من شعبان، وبالإسراء والمعراج، وبرأس السنة الهجرية وغير ذلك، وكذلك تزيين المساجد وزخرفتها، وتخطيط المساجد بخطوط لضبط الصفوف، وأيضًا من ذلك اتخاذ المآذن، والأذان داخل المسجد، والأذان الأول في الجمعة، ومن ذلك أيضًا: الاعتكاف في المسجد يوم عرفة لغير الحاج، ويوم عاشوراء، ومن ذلك أيضًا تلقين الميت، والتغليظ في اليمين بالحلف مع وضع اليد على المصحف، وكذلك تخصيص ليلة النصف من شعبان بإحيائها بالقيام، والتلفظ بالنية في الصلاة، وتلقين الميت، وتشييع الجنازة بالذكر، وتسييد النبي ﷺ في الأذان، والصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان من المؤذن جهرًا، والوصية الواجبة في الميراث، وغير ذلك.\nولا شك أن تفصيل القول في كل هذه المسائل مما لا تفي به هذه الدراسة، ولذا فقد اقتصرت على تفصيل القول في بعضها مما اشتهر الكلام فيه، مع اختيار بعض المسائل التي تتبع البدعة، وبعض المسائل التي تكون","vol":"1","page":421},{"text":"مصلحة مرسلة، وبعض المسائل التي تكون من وسائل العبادات، مع التنبيه إلى أنه بحث في هذا المبحث مسألة صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات مع أنها ليست من قبيل الترك العدمي كما سيظهر فيما بعد، وذلك لأن طرفي النزاع في هذه المسألة يعدونها من قبيل الترك العدمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>المطلب الأول: صلاة التراويح أكثر من ثماني ركعات:</span>\nعن عائشة ﵂ أنها سُئلت كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله ﷺ: أتنام قبل أن توتر؟ فقال: \"يا عائشة إن عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي\" (١).\nوقد ذهب الشيخ الألباني ووافقه بعض المعاصرين إلى حرمة الزيادة على إحدى عشرة ركعة عملًا بهذا الحديث، وذهب الشيخ الغماري إلى جواز الزيادة بناء على أن الأصل الإباحة ولم يرد نهي عن الزيادة.\nوقبل مناقشة تلك الأقوال أورد أولًا: ما صح عن النبي ﷺ في هذا الشأن، وثانيًا: أقوال الفقهاء في ذلك.\n_________\n(١) رواه البخاري (٣/ ٤٠ / ١١٤٧) كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ بالليل في رمضان وغيره، ومسلم (١/ ٥٠٩ / ٧٣٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ بالليل.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>أولًا: ما ورد في ذلك من أحاديث:</span>\nورد عن عبد الله بن عمر أنه قال: سأل رجل النبي ﷺ وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل، قال: \"مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوتَرت له ما صلى\"، وإنه كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم وترًا فإن النبي ﷺ أمر به (١).\nوورد عن الزهري أنه قال: حدثني عروة أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته تعني بالليل فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة (٢).\nوعن أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ قال: سألت عائشة ﵁ عن صلاة رسول الله ﷺ، فقالت: \"كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح\" (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٦٦٩ / ٤٧٢) كتاب الصلاة، باب الحَلَق والجلوس في المسجد، ومسلم (١/ ٥١٦ / ٧٤٩) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل مثنى مثنى، واللفظ للبخاري.\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٥٥٥ / ٩٩٤) كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر، ومسلم (١/ ٥٠٨ / ٧٣٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل.\n(٣) رواه مسلم (١/ ٥٠٩ / ٧٣٨) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد =","vol":"1","page":423},{"text":"وعن عبد الله بن شقيق ﵁ قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ عن تطوعه، فقالت: \"كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ويصلي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين\" (١).\nوعن السائب بن يزيد ﵁ أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أُبي بن كعب وتميمًا الداري ﵃ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر (٢).\nوعن السائب بن يزيد ﵁ قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان ﵁ من شدة القيام (٣).\n_________\n= ركعات النبي ﷺ في الليل.\n(١) رواه مسلم (١/ ٥٠٤ / ٧٣٠) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز النافلة قائمًا وقاعدًا.\n(٢) رواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٩٦) كتاب الصلوات، باب ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان، وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ١٩٢) تحت حديث رقم (٤٤٦).\n(٣) رواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٩٦) كتاب الصلوات، باب ما روي في عدد ركعات القيام =","vol":"1","page":424},{"text":"وعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب ﵁ في رمضان بثلاث وعشرين ركعة (١).\nقال البيهقي في السنن: ويمكن الجمع بن الروايتين فإنهم كانوا يقومون بإحدى عشرة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث والله أعلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>ثانيًا: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح </span>(٣):\nقال النووي: مذاهب العلماء في عدد ركعات التراويح:\n١ - عشرون ركعة بعشر تسليمات غير الوتر، وذلك خمس ترويحات، والترويحة أربع ركعات بتسليمتين، هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وداود وغيرهم، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء.\n٢ - وحُكِي أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر.\n٣ - وقال مالك: التراويح تسع ترويحات، وهي ستة وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج بأن أهل المدينة يفعلونها هكذا.\n_________\n= في شهر رمضان، قال النووي في المجموع (٣/ ٥٢٧): رواه البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن السائب بن يزيد الصحابي ﵁. اهـ.\n(١) رواه البيهقي في السنن (٢/ ٤٩٦) كتاب الصلوات، باب ما روي في عدد ركعات القيام في شهر رمضان، وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ١٩٢ / ٤٤٦).\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢/ ٤٩٦).\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٢/ ٦٠١)، المجموع (٣/ ٥٢٧)، تهذيب المدونة (١/ ٣٧٣)، الموسوعة الفقهية (٢٧/ ١٤١).","vol":"1","page":425},{"text":"٤ - وعن نافع قال: أدركت الناس وهم يقومون رمضان بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث. انتهى بتصرف (١).\nوهذا الاختلاف ليس باختلاف التضاد، بل هو اختلاف تنوع، وقد قال ابن تيمية: \"والتراويح إن صلاها كمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد: عشرين ركعة، أو كمذهب مالك ستًّا وثلاثين، أو ثلاث عشرة أو إحدى عشرة فقد أحسن، كما نص عليه الإمام أحمد لعدم التوقيف، فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره\" (٢).\n\n• من خلال ما سبق يرى الباحث ما يلي:\nأولًا: هذه المسألة ليست من مسائل الترك العدمي، وإنما هي من مسائل الترك الوجودي، وذلك لأن الصحابة نقلوا ذلك الترك منه.\nثانيًا: هذا الترك لا يحمل على التحريم لأنه لم يقل بذلك أحد من الفقهاء المتقدمين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، ومعلوم أنه لا يجوز إحداث قول في مسألة لم يقل به أحد من الصحابة، وذلك في مسائل التكليف، ومذهب عامة الأصوليين على ذلك (٣).\n_________\n(١) المجموع للنووي (٣/ ٥٢٧).\n(٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٤٢).\n(٣) إحداث قول لم يقل به أحد من الصحابة في مسائل التكليف ممتنع؛ لأن فيه نسبة عصر الصحابة إلى الاجتماع على الخطأ، وهو ممتنع في كل عصر بالإجماع [نقله الزركشي في البحر المحيط (٤/ ٤٤٤)]، وممتنع عن عصر الصحابة من باب أولى، ولذا فإن الذين خالفوا في =","vol":"1","page":426},{"text":"وبناء على ذلك كله فالصحيح هو ما عليه عامة الفقهاء من جواز الزيادة عن إحدى عشر ركعة في القيام في رمضان وغيره ولا يقال: إن ذلك بدعة، مع التنبه إلى أن الأفضل هو موافقة حال النبي ﷺ من عدم الزيادة، وبحثنا إنما هو في الجواز أو عدمه، ومع ذلك فالتأصيل الذي بنى عليه الشيخ الغماري ما ذهب إليه تأصيل غير صحيح، وذلك لأن هذه المسألة ليست داخلة تحت \"ما سكت عن النبي ﷺ فهو عفو\"؛ لأن ذلك الحديث ليس في التعبدات المحضة، إنما في أمور المعاش مما لا يقصد بها التعبد وقد سبق بيان ذلك.\nوقد قال ابن تيمية: \"لم يوقت النبي ﷺ في قيام رمضان عددًا معينًا\". . . ثم ذكر هدي النبي ﷺ ومذاهب السلف ومذاهب العلماء في ذلك، ثم قال: \"وهذا كله سائغ، فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن، والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين\"، ثم قال: \"ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد موقَّتٌ عن النبي ﷺ لا يزاد فيه ولا ينقص منه فقد أخطأ\" اهـ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>المطلب الثاني: إحياء ليلة النصف من شعبان:</span>\nأي بالقيام، وذلك ل<span data-type=\"title\" id=toc-364>ما ورد في فضل هذه الليلة </span>عن سائر الليالي.\nما ورد في فضل هذه الليلة:\nورد في فضل هذه الليلة عدة أحاديث فمن ذلك:\n_________\n= إمكان انعقاد الإجماع لم يخالفوا في إمكانه في عصر الصحابة.\n(١) الفتاوى الكبرى (٢/ ١١٤).","vol":"1","page":427},{"text":"١ - ما ورد من حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا من مستغفر لي فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر\" (١).\nوهذا الحديث قال عنه ابن رجب: إسناده ضعيف (٢).\n٢ - ما ورد من حديث عائشة ﵂ قالت: فقدت النبي ﷺ ليلة فخرجت فإذا هو بالبقيع، فقال: \"أكنتِ تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ \" فقلت: يا رسول الله ﷺ: إني ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: \"إن الله ﵎ ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب\" (٣).\nونقل الترمذي عقبه عن الإمام البخاري تضعيفه لهذا الحديث (٤).\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (١/ ٤٤٤ / ١٣٨٨) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان.\n(٢) لطائف المعارف (ص ٣٢١) [(لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف)، تأليف: الإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عامر بن علي ياسين، دار ابن خزيمة، السعودية الرياض، ط. الأولى (١٤٢٨ هـ ٢٠٠٧ م)]، بل قال الألباني في الضعيفة (٥/ ١٥٤ / ٢١٣٢): هذا إسناد مجمع على ضعفه.\n(٣) رواه الترمذي (٣/ ١١٦ / ٧٣٩) كتاب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، وابن ماجه (١/ ٤٤٤ / ١٣٨٩) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان.\n(٤) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٢٥٣/ ١٧٦١) وفي السلسلة الصحيحة (٣/ ١٣٨) تحت حديث رقم (١١٤٤).","vol":"1","page":428},{"text":"٣ - ما ورد من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁ مرفوعًا: \"إذا كان ليلة النصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه، فلا يسأل أحد شيئًا إلا أعطيه إلا زانية بفرجها أو مشركًا\" (١).\n٤ - ما ورد من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن الله ليطلع ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن\" (٢).\nهذا ما نُقل في فضل هذه الليلة وهي كلها أحاديث ضعيفة إلا الحديث الأخير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>وعلى فرض صحة ثلك الأحاديث كلها، هل يقتضي ذلك الفضل تخصيص هذه الليلة بقيام دون سائر الليالي</span>؟\nلم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنهم فعلوا ذلك، وإنما نُقل عن بعض التابعين.\nقال ابن رجب: \"وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها، ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في\n_________\n(١) الجامع لشعب الإيمان (٥/ ٣٦٢ / ٣٥٥٥) لأبي بكر بن محمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: د. علي العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد (ناشرون)، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ ٢٠٠٣ م)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٩٤/ ٦٥٣).\n(٢) رواه ابن ماجه (١/ ٤٤٥ / ١٣٩٠) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ١٣٥ / ١١٤٤).","vol":"1","page":429},{"text":"ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك:\nأ- فمنهم من قَبِله منهم ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم.\nب- وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز منهم عطاء وابن أبي مليكة ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كله بدعة\" اهـ (١).\nأما النبي - ﷺ - وأصحابه فلم يثبت عنهم إحياء تلك الليلة.\nوقال أيضًا: \"قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها شيء عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>وأمام هذه النقولات لابد من بيان عدة أمور هامة:</span>\n١ - أنه قد ثبت بالدليل فضل تلك الليلة فيما صح عن النبي - ﷺ -.\n٢ - أن النبي - ﷺ - وأصحابه رغم ذلك الفضل لم يخصوا تلك الليلة بقيام.\n٣ - أن ابتداء ذلك كان في عصر التابعين.\n٤ - أنه لما اشتهر عن طائفة قيام تلك الليلة انقسم الناس إلى فريقين:\nالأول: يرى أن ذلك جائز بل مندوب إليه.\nالثاني: يرى أن ذلك بدعة لا يجوز.\n_________\n(١) لطائف المعارف (ص ٣٢٧).\n(٢) لطائف المعارف (ص ٣٢٨).","vol":"1","page":430},{"text":"ولابد هنا من ملاحظة عدة أمور:\n١ - هذا الفعل لا يقع إلا على وجه العبادة، فهو قربة من كل وجه.\n٢ - هذا الفعل العبادي كان مقتضاه موجودًا على عهد النبي - ﷺ - وصحابته - ﵃ -، ومع ذلك لم يُنقل عنهم في ذلك أنهم فعلوه.\n٣ - أن تخصيص تلك الليلة دون سائر الليالي بعبادة يحتاج إلى دليل خاص، وما ورد في فضلها لا يكفي أن يكون دليلًا، بل لو صح كونه دليلًا لما كان صالحًا للاحتجاج به، لكون الصحابة كلهم قد تركوه ولم يعملوا به. بل هو دليل على أنهم لم يفهموا منه جواز تخصيص تلك الليلة بعبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>ولذا فالصحيح هو القول بأن تخصيص تلك الليلة بقيام على هيئة مخصوصة دون سائر الليالي بدعة لا يجوز</span>.\n- والمنع من تخصيص هذه الليلة دون غيرها بالقيام له نظير في الشرع، وذلك فيما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم\" (١).\nولابد من بيان أمر هام وهو أن القول بالمنع من تخصيص هذه الليلة بالقيام لا يمنع من جواز صلاة القيام فيها، فهي -من حيث القيام- ليلة كسائر الليالي، فمن صلى فيها القيام لأجل موافقة عادته أو لأنه وجد من نفسه نشاطًا، فلا بأس بذلك، ولا يدخل ذلك في تخصيص هذه الليلة دون غيرها من الليالي بالقيام.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٨٠١ / ١١٤٤) كتاب الصيام، باب كراهة صيام يوم الجمعة منفردًا.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>المطلب الثالث: الاحتفال بالإسراء والمعراج:</span>\nذهب الشيخ الغماري إلى جواز الاحتفال بالإسراء والمعراج، وهو بذلك يشير إلى ما اعتاد عليه الناس من الاحتفال بالإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب واتخاذ ذلك اليوم وليلته عيدًا.\nومناقشة هذه القضية ستكون من حيث مدى صحة ذلك التاريخ أولًا، ثم هل ورد في فضل ذلك التاريخ -إن ثبت- نص معين، ثم أقوال أهل العلم في ذلك، ثم بعد ذلك ما هي مظاهر ذلك الاحتفال عند مؤيديه، وهل اتخاذ يوم بعينه للاحتفال عيدًا مما يحتاج إلى نص وتوقيف أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>أولًا: تاريخ حادثة الإسراء والمعراج:</span>\nاختلف العلماء في تحديد تاريخ حادثة الإسراء والمعراج اختلافا كبيرًا رغم شهرة تلك الحادثة في الكتاب والسنة.\nفذهب أكثر العلماء إلى أنها كانت قبل الهجرة، واختلفوا في مقدار ذلك على أقوال كثيرة منها: أنها كانت قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، وقيل: سنة وستة أشهر، وقيل: ستة أشهر فقط، وقيل: سنة وشهرين، وقيل: سنة وخمسة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر فقط، وذهب مقاتل من التابعين والنووي إلى أنها كانت قبل الهجرة بسنة، ورجح النووي أنها كانت ليلة السابع والعشرين من ربيع الأول، وقال مقاتل: ويقال: كان في رجب أو في رمضان (١).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (٧/ ٢٤٢)، البداية والنهاية (٤/ ٢٦٩)، لطائف المعارف (ص ٢٩٠)، شرح مسلم للنووي (١/ ٣٨٤)، تفسير البغوي (٥/ ٥٨).","vol":"1","page":432},{"text":"ويلاحظ على كل تلك الأقوال أنها لم تستند إلى توقيف أو نص يدل على أي منها، وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العلم.\nقال أبو شامة: \"ذكر بعض القصاص أن الإسراء كان في رجب، وذلك عند أهل التعديل والجرح عين الكذب! \" (١).\nقال ابن تيمية: \"لم يقم دليل معلوم على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول منقطعة مختلفة ليس فيها ما يقطع به\" (٢).\nحاصل القول: لم يصح حديث في تحديد وقت الإسراء والمعراج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>ثانيًا: هل ورد فضل لليلة السابع والعشرين من رجب بخصوصها:</span>\nقال ابن حجر: \"لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ. رويناه عنه بإسناد صحيح وكذلك رويناه عن غيره\" (٣).\nوقد ساق ابن حجر ما ورد من الأحاديث التي تدل على فضل معين ليوم أو ليلة في رجب وحكم عليها كلها بالضعف أو الوضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>ثالثًا: المراد بالاحتفال:</span>\nالمراد بالاحتفال تخصيص ذلك اليوم وتلك الليلة ببعض العبادات كصيام النهار وقيام الليل، واعتقاد أن لتلك الليلة فضيلة عن سائر الليالي، وغير\n_________\n(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٧١).\n(٢) نقله عنه تلميذه ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٥٧).\n(٣) تبيين العجب (ص ١١).","vol":"1","page":433},{"text":"خافٍ أن تلك الأفعال عبادات محضة، فتخصيص ليلة بنوع من العبادات يحتاج إلى دليل.\nأيضًا فتخصيص يوم بالاحتفال واتخاذه عيدًا مما يحتاج إلى دليل يثبت أن هذا اليوم يشرع للمسلمين اتخاذه عيدًا.\n\nفإن قال قائل: ليس اتخاذ العيد من العبادات المحضة، قلنا: على التسليم بذلك فإن الدليل قد ورد بالمنع من ذلك في الحديث المشهور الذي فيه أن النبي - ﷺ - قدم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فمنعهم من ذلك (١).\nفهذا دليل على أن النبي - ﷺ - منع من ذلك، رغم أنها لم تكن للعبادة، إذ اتخاذ يوم بعينه عيدًا من شعائر الإسلام الظاهرة التي تحتاج إلى توقيف بدليل هذا الحديث.\n\nوعليه فالذي يجري على القواعد هو القول بعدم جواز الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، ولا يجوز تخصيص تلك الليلة بعبادة يعتقد لها فضل دون غيرها من العبادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>المطلب الرابع: تشييع الجنازة بالذكر:</span>\nذهب الشيخ الغماري إلى جواز ذلك، وقد ذكر الشيخ علي محفوظ (٢) أدلة القائلين بجواز ذلك وهي:\n_________\n(١) الحديث رواه أبو داود (١/ ٢٩٤ / ١١٣٤) كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤/ ٢٩٧ / ١٠٣٩).\n(٢) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٢٢٢).","vol":"1","page":434},{"text":"• أنه صار شعارًا للموتى، وفي تركه ازراء بالميت وتعريض العِرضَ للكلام فيه.\n• أن في الاشتغال بالذكر ونحوه ترك التكلم واللغط بأمور الدنيا.\n• أن فيه مخالفة اليهود والنصارى في جنائزهم حيث اعتادوا السكوت فيها.\nأما هو -الشيخ علي محفوظ- فقد ذهب إلى أن ذلك بدعة.\nقال: \"ومن البدع السيئة: الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه، للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله، وعليها عمل السلف رضوان الله عليهم\".\n\nواستدل على ذلك بدليلين:\nالأول: قول النبي - ﷺ -: \"إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند الجنازة\".\nلكن هذا الحديث ضعيف، فقد رواه الطبراني (١) وفيه راوٍ لم يسم (٢).\nالثاني: ما ورد من قول بُكَيْر بن عتيق، قال: كنت في جنازة فيها سعيد بن\n_________\n(١) في المعجم الكبير (٥/ ٢١٣ / ٥١٣١) عن رجل عن زيد بن أرقم.\n(٢) قاله الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٢٩)، وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٥٨٤ / ٩٥٩) وقال: قال أحمد بن حنبل: ليس بصحيح، وضعفه الألباني في الضعيف الجامع حديث رقم (١٧٠٣).","vol":"1","page":435},{"text":"جبير، فقال رجل: استغفروا له غفر الله لكم، قال سعيد بن جبير: لا غفر الله لك (١).\nقال الشيخ علي محفوظ: \"فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ، فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم\" (٢).\nوقال أيضًا: \"وجملة القول: أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار، وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن اتباعهم سنة، ومخالفتهم بدعة\" (٣).\n\nأقوال المذاهب في هذه المسألة:\nقال النووي: \"الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما؛ لأنه أسكن للخاطر، وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو المطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه\" (٤).\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٤٤٨ / ١١٢٩٥).\n(٢) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٢٢٣).\n(٣) الإبداع في مضار الابتداع (ص ٢٢٥).\n(٤) الأذكار للنووي (ص ١٨٥) [(الأذكار من كلام سيد الأبرار)، تأليف: الإمام الحافظ محي الدين أبي زكريا يحعص بن شرف النووي الدمشقي الشافعي، إعداد: مركز الدراسات والبحوث بمكتبة نزار الباز، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة- الرياض، ط. الأولى (١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م)].","vol":"1","page":436},{"text":"قال الرملي: \"ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي: أن الصحابة - ﵃ - كرهوا رفع الأصوات عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادي مع الجنازة: استغفروا الله له، فقد سمع ابن عمر - ﵄ - رجلًا يقول ذلك، فقال: لا غفر الله لك\" (١).\nوفي الفتاوى الهندية ما ملخصه: \"وعلى متبعي الجنازة الصمت، ويكره لهم رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن، فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه\" (٢).\nوقال ابن الحاج (٣): \"وليحذر من البدعة الأخرى التي يفعلها أكثرهم، وهي أنهم يأتون بجماعة يسمونهم بالفقراء الذاكرين، يذكرون أمام الجنازة\n_________\n(١) نقله الشيخ علي محفوظ في الإبداع، وهو في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٣/ ٢٣) لشمس الدين محمد بن أبي العباس بن حمزة ابن شهاب الدين الرملي، الناشر: دار الفكر للطباعة، بيروت - لبنان، ط. (١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م).\n(٢) الفتاوى الهندية (١/ ١٧٨) [المعروفة بـ (الفتاوى العالمكرية) في مذهب الإمام أبي حنيفة، تأليف: العلامة الهُمام مولانا الشيخ نظام، وجماعة من علماء الهند الأعلام، ضبطه وصححه: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م)].\n(٣) هو: أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري القبيلي الفاسي المغربي ثم المصري المالكي الشهير بابن الحاج، وكان مشهورًا بالزهد والورع والصلاح، توفي سنة (٧٣٧ هـ)، وله من المصنفات: (المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع)، و(شموس الأنوار وكنوز الأسرار)، وغيرها.\n[الدرر الكامنة (٤/ ٢٣٧)، والديباج المذهب (٤١٣/ ٥٧١)].","vol":"1","page":437},{"text":"جماعة على صوت واحد، ويتصنعون في ذكرهم. . إلى أن قال: على أنهم لو أتوا بالذكر على وجهه لمنع فعله للحدث في الدين\" (١).\nقال ابن قدامة: \"ويكره رفع الصوت عند الجنازة لنهي النبي - ﷺ - أن تتبع الجنازة بصوت\" (٢).\n\nولابد هنا من بيان عدة أمور:\nالأول: أن تشييع الجنازة بالذكر المراد منه: الذكر الجماعي بالصوت المرتفع أثناء الجنازة، وليس المراد منه أن مشيع الجنازة يذكر الله في نفسه فهذا هو المشروع وهو مما لا خلاف فيه.\nالثاني: أن الصفة التي كان عليها السلف هي الصمت والسكوت أثناء تشييع الجنازة.\n* والدليل على ذلك أمور:\nأولها: أنه لم يرد عن النبي - ﷺ - أنه فعل ذلك.\nثانيها: إنكار الصحابة - ﵃ - وتابعيهم على فاعل ذلك.\nثالثها: الحديث الوارد لكنه لا يصح.\n_________\n(١) المدخل (٣/ ٢٢٢) لأبي عبد الله محمد بن محمد العبدري القاسمي المالكي الشهير بابن الحاج، قرأه وضبط نصه: الشيخ حسن أحمد عبد العال، الناشر: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، الطبعة الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م).\n(٢) المغني (٣/ ٤٠٠).","vol":"1","page":438},{"text":"الثالث: أن تلك الصورة من باب العبادات وليست من باب المعاملات، فهي تحتاج إلى دليل مثبت للجواز وهو غير موجود.\nوبذلك فبتطبيق ما ذُكر من دلالة الترك العدمي على المنع في باب التعبدات يكون القول الصحيح هو ما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ ومن وافقه من حرمة ذلك، ووجوب المنع منه، وأن فعله بدعة، والقول بذلك موافق لما هو منقول عن المذاهب الأربعة، وهو ما يختاره الباحث ويرجحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>المطلب الخامس: قراءة القرآن على الميت:</span>\nسواء كان في الدار أو أثناء الدفن أو قبله أو بعده، وقد ذهب الشيخ علي محفوظ (١) إلى بدعية ذلك كله خلافًا لما ذهب إليه الشيخ الغماري.\n\nوصورة المسألة محل النزاع: هل يستحب قراءة القرآن في أي من تلك المواضع؟\nلم أطلع في حدود بحثي على من تناول تلك المسألة من الفقهاء القدامى، لكن في ضوء القواعد التي ذُكرت يمكن أن يُفصل القول فيها، إذ إن هذه المسألة من مسائل الترك العدمي؛ لأنه لم ينقل عن النبي - ﷺ - أنه فعل ذلك، وهذا باتفاق بين المبيحين والمانعين، فإذا كانت قراءة القرآن من الأمور التي لا تقع إلا على وجه التعبد، فإنها وإن كانت جائزة في كل حال إلا أن تخصيص موضع بالاستحباب مما يحتاج إلى دليل مثبت، كما أن الذي يفعل هذا الفعل:\n_________\n(١) الإبداع (ص ٢١٤).","vol":"1","page":439},{"text":"لا يفعله إلا على وجه التعبد، بل لا يتصور وقوعه إلا كذلك (١).\n\nوعلى ذلك فالصحيح في هذه المسألة هو بدعية ذلك الفعل وفاقًا لما ذهب إليه الشيخ علي محفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>المطلب السادس: الاحتفال بالمولد النبوي:</span>\nكثر الكلام بين المعاصرين على حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وهل ترك النبي - ﷺ - وصحابته الاحتفال به يدل على إباحته أم تحريمه، ويتلخص الكلام فيه في النقاط التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>أولًا: متى وُلد النبي - ﷺ </span>-:\nاختلف المؤرخون في الشهر الذي ولد فيه النبي - ﷺ -، فالجمهور على أنه قد ولد في ربيع الأول، وهؤلاء اختلفوا في تحديد يوم مولده، فذهب ابن عبد البر إلى أنه ولد في اليوم الثاني (٢)، وذهب ابن حزم وأكثر أصحاب الحديث إلى أنه ولد في اليوم الثامن، وذهب ابن إسحاق إلى أنه ولد في اليوم الثامن عشر، وقيل: في العاشر، وقيل: في السابع عشر، وقيل: في الثامن عشر، وقيل غير ذلك (٣).\n_________\n(١) انظر: فتح الباري (١/ ٢١).\n(٢) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (ص ٢٨)، تأليف: أبي عمرو بن عبد البر، صححه وخرج أحاديثه: عادل مرشد، دار الأعلام، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).\n(٣) البداية والنهاية (٣/ ٣٧٤).","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-376>ثانيًا: اتفق القائلون بحرمة المولد وبدعيته والقائلون بجوازه على أنه لم يقع في عهد الصحابة - ﵃ - والتابعين</span>.\nيقول أبو شامة - وهو من الذاهبين لإباحته -:\n\"من أحسن ما ابتُدع في زماننا من هذا القبيل ما كان يفعل بمدينة إربل - جبرها الله تعالى - كل عام في اليوم الموافق ليوم مولد النبي - ﷺ - من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور، فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان إلى الفقراء مشعر بمحبة النبي - ﷺ - وتعظيمه وجلالته في قلب فاعله، وشكر الله تعالى على ما من به من إيجاد رسوله الذي أرسله رحمة للعالمين - ﷺ - وعلى جميع المرسلين، وكان أول من فعل ذلك بالموصل الشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين، وبه اقتدى في ذلك صاحب أربل وغيره رحمهم الله تعالى\" (١).\nوقال ابن حجر - فيما نقله عنه السيوطي - وهو ممن يقول بإباحته: \"أصل المولد النبوي بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة\" (٢)، وقد أقره السيوطي على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>ثالثًا: السبب في عدم ضبط تاريخ المولد أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يتحرون نقل ما لا يتعلق به عمل ولا عبادة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>رابعًا: مع اتفاق الكل على أن المولد لم يقع الاحتفال به في زمن الصحابة ولا التابعين</span>، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى إباحته، فمنهم: أبو شامة (٣)\n_________\n(١) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١).\n(٢) الحاوي للفتاوى (١/ ١٩٦).\n(٣) الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص ٢١).","vol":"1","page":441},{"text":"والسخاوي (١) (٢) والسيوطي وابن حجر (٣).\nوذهب بعضهم إلى أنه بدعة منهم:\nابن تيمية (٤) والفاكهاني (٥) (٦) والشاطبي (٧) وابن الحاج المالكي (٨)\n_________\n(١) هو: شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي الأصل، القاهري المولد، الشافعي المذهب، نزيل الحرمين الشريفين، ولد في ربيع الأول سنة (٨٣١ هـ) وهو من أخص تلاميذ ابن حجر العسقلاني، توفي سنة (٩٠٢ هـ)، ومن مصنفاته (التبر المسبوك في ذيل السلوك)، (الضوء اللامع في تراجم أهل القرن التاسع)، وترجم لنفسه فيه، (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وغيرها.\n[شذرات الذهب (١٠/ ٢٣)، الضوء اللامع (٨/ ٢)، النور السافر (ص ٤٠)].\n(٢) (التبر المسبوك في ذيل السلوك) (ص ١٤) نقلًا من كتاب (القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل) لإسماعيل الأنصاري، مطبوع ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد (ص ٦٣١).\n(٣) الحاوي للفتاوى (١/ ١٨٩)، وللسيوطي رسالة في المولد بعنوان: \"حسن المقصد في عمل المولد\"، مطبوعة ضمن كتاب (الحاوي).\n(٤) الفتاوى الكبرى (٤/ ٤١٤).\n(٥) هو: عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري المالكي، تاج الدين الفاكهاني، عالم بالنحو، زار دمشق سنة (٧٣١ هـ) واجتمع بابن كثير، ولد سنة (٦٥٤ هـ)، وتوفي سنة (٧٣٤ هـ)، وله مصنفات منها (الإشارة) في النحو، (المنهج المبين) في شرح الأربعين النووية وغيرهما.\n[الدرر الكامنة (٣/ ١٧٨)، الديباج المذهب (٢٨٦/ ٣٧٠)، شذرات الذهب (٨/ ١٦٩)].\n(٦) المورد في عمل المولد مطبوع مع مجموعة كتب بعنوان: رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي (ص ٨) لمجموعة من العلماء، دار العاصمة - طبعة حديثة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٦ م).\n(٧) الاعتصام (٢٣٢، ٣١٨).\n(٨) المدخل (٢/ ٥).","vol":"1","page":442},{"text":"والملا علي القاري (١) (٢) ومحمد رشيد رضا (٣)، والشيخ الغزالي (٤)، ومحمد بن بن عبد السلام الشقيري الحوامدي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>خامسًا: أدلة القائلين بالجواز:</span>\n١ - قال السخاوي: \"وإذا كان أهل الصليب قد اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر\" (٦).\n٢ - أن الاحتفال بالمولد النبوي اشتمل على محاسن وضدها، فمن تحرى المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، قال ابن حجر في ذلك: \"وقد\n_________\n(١) هو: علي بن (سلطان) محمد، نور الدين الملا الهروي القاري، فقيه حنفي، ولد في هراة وسكن مكة وتوفي بها سنة (١٠١٤ هـ) وكان يكتب المصاحف، وصنَّف كتبًا كثيرة منها (تفسير القرآن)، (الأثمار الجنية في أسماء الحنيفة)، (شرح مشكاة المصابيح)، وغيرها.\n[التعليقات السنية (ص ٨)، وهو هامش الفوائد البهية، الأعلام (٥/ ١٢)، البدر الطالع (١/ ٣٠٥ / ٣٠٨)].\n(٢) المورد الروي في المولد النبوي نقلًا من كتاب رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي (ص ٦٣١).\n(٣) مجلة المنار (١٧/ ١١١)، مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الإجتماع والعمران، والعمران، منشئها: السيد محمد رشيد رضا، الناشر: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، المنصورة - مصر، ط. الثانية (١٣٢٧ هـ).\n(٤) ليس من الإسلام (ص ٢٠٧) لمؤلفه: الشيخ محمد الغزالي، نشر دار الشروق، ط. السادسة.\n(٥) السنن والمبتدعات (ص ١٢٢).\n(٦) التبر المسبوك (ص ١٤)، نقلًا من كتاب (القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل) لإسماعيل الأنصاري، مطبوع ضمن رسائل في حكم الاحتفال بالمولد (ص ٦٣١).","vol":"1","page":443},{"text":"ظهر لي تخريجها على أصل ثابت، وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي - ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى، فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما من به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه: فهذا ما يتعلق بأصل عمله\" (١).\n٣ - ذهب السيوطي إلى تخريجها - أي بدعة المولد - على أصل آخر:\n\"وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي - ﷺ - عق عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي - ﷺ - إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريع لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات\" اهـ (٢).\n_________\n(١) الحاوي للفتاوى (١/ ١٩٦).\n(٢) الحاوي للفتاوى (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":444},{"text":"٤ - أن النبي - ﷺ - قد صح عنه أنه كان يصوم يوم الاثنين والخميس وعلل ذلك بقوله: \"ذاك يومٌ ولدت فيه، ويومٌ بُعثت - أو أُنزل عليَّ - فيه\" (١).\nفهذا دليل على أن النبي - ﷺ - احتفل بيوم مولده فيجوز لنا الاحتفال إذن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>سادسًا: ما أجيب به على تلك الأدلة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>١ - ما يذكره السخاوي يقوى أن يكون دليلًا على التحريم لا على الإباحة</span>، وذلك لأن كلامه هذا نص في المشابهة وهي من الأمور المنهي عنها، ولذلك فقد تعقبه الملا علي القاري فقال: \"مما يرد عليه أنا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب\" (٢).\nفنحن إذا كنا مأمورين بمخالفة أهل الكتاب في شعائرهم التي هي مشروعة لهم فكيف بما ابتدعوه وأحدثوه، لا شك أنه أولى وأجدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>٢ - قال الشيخ رشيد رضا في الرد على ما ذكره ابن حجر:</span>\n\" وأما قول الحافظ: إن من عمل فيه المحاسن وتجنب ضدها كان عمله بدعة حسنه، ومن لا فلا، ففيه نظر ويعني بالمحاسن قراءة القرآن وشيء من سيرة النبي - ﷺ - في بدء أمره من ولادته وتربيته وبعثته والصدقات، وهي مشروعة لا تعد من البدع، وإنما البدعة فيها جعل هذا الاجتماع المخصوص بالهيئة المخصوصة والوقت المخصوص، وجعله من قبيل شعائر الإسلام التي لا تثبت إلا بنص الشارع، بحيث يظن العوام والجاهلون بالسنن أنه من أعمال القرب\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٨١٩ / ١١٦٢) كتاب الصيام، باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر.\n(٢) المورد الروي في المولد النبوي (ص ٢٩)، نقلًا من كتاب (رسائل في حكم الاحتفال بالمولد) (ص ٦٣١).","vol":"1","page":445},{"text":"المطلوبة شرعًا، وهو بهذه القيود بدعة سيئة، وجناية على دين الله تعالى، وزيادة فيه تُعَدُّ من شرع ما لم يأذن به الله، ومن الافتراء على الله والقول في دينه بغير علم\" (١).\nوقال أيضًا:\n\"وإنما يصح قول الحافظ ابن حجر في كون حفلة المولد بدعة حسنة بشرط خلوها من المساوئ والمعاصي المعتادة فيها، إذا كان القائمون بها لا يعدونها من القرب الثابتة في الشرع، بحيث يكفر تاركها أو يأثم أو يُعَدُّ مرتكبًا للكراهة الشرعية، فإن البدعة التي تعتريها الأحكام الخمسة ويقال: إن منها حسنة وسيئة هي البدع في العادات، وأما البدع في الدين فلا تكون إلا سيئة كما صرح به المحققون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣ - ليس في حديث عاشوراء ما يدل على جواز الاحتفال بالمولد</span>، بل هو دليل على أن تعظيم اليوم والاحتفال به لا يكون إلا قربة، وهو بذلك يحتاج إلى دليل مخصص بعينه، ولو فرضنا جواز الاستدلال به على جواز الاحتفال بالمولد لوجب الاقتصار فيه على ما ورد، وهو مجرد الصيام، والحديث حجة على من يقول به من وجه آخر، وهو أن النبي - ﷺ - مع أمره الصحابة بتعظيم ذلك اليوم وصيامه لم يأمرهم بتعظيم يوم مولده ولا صيامه، وهذا الحديث دليل على أن ذلك التعظيم عبادة يحتاج إلى دليل مثبت.\n_________\n(١) مجلة المنار (٢٩/ ٦٦٥).\n(٢) مجلة المنار (٢٩/ ٦٦٦).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>٤ - حديث (ذلك يوم ولدت فيه) لا دلالة فيه على جواز الاحتفال بالمولد من وجوه:</span>\nأ - أن النبي - ﷺ - صام ذلك اليوم فالواجب الاقتصار على مجرد الصوم.\nب - أن ذلك اليوم الذي خصه النبي - ﷺ - بالصوم هو يوم الاثنين الذي يتكرر كل أسبوع وليس يومًا واحدًا في السنة، فالزيادة إذن على ما شرعه النبي - ﷺ - من الاحتفال بمولده مع تغيير تاريخه وموعده كيف يكون مباحًا؟\nج - هذا الحديث دليل على أن النبي - ﷺ - لاحظ هذا المعنى ومع ذلك لم يشرع فيه ذلك الاحتفال، فهو إذن دليل على المنع لا على الإباحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>٥ - الاستدلال بحديث (أن النبي - ﷺ - عقَّ عن نفسه) باطل من أمور كثيرة:</span>\n- لم يذكر السيوطي الأثر الذي يدل على أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع يوم ولادته، ولم أجد أحدًا ذكره، والسيوطي أورده بصيغة التمريض التي تدل على الضعف.\n- كون العقيقة لا تعاد ثانية أصل يحتاج أيضًا إلى دليل، لا أن يستدل به، ولو صح فهذا فيما إذا فعله أهل الإسلام، أما ما فعله أهل الجاهلية فما هو وجه اعتباره؟!\n- هذا الفهم الذي فهمه السيوطي من جعل العقيقة احتفالًا بمولده، من قال به من الصحابة؟ أو من الفقهاء أو أهل العلم بالسنن؟ ولا يخفى ما فيه من البعد والتكلف.","vol":"1","page":447},{"text":"- هل إذا ثبت أن النبي - ﷺ - ذبح شاةً شكرًا لله تعالى على نعمة إيجاده وإمداده، يلزم من ذلك اتخاذ يوم ولادته - ﷺ - عيدًا للناس؟ ولِم لَم يدع إلى ذلك رسول الله - ﷺ - ويبين للناس ماذا يجب عليهم فيه من أقوال وأعمال؟ كما بين ذلك في عيدي الفطر والأضحى؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>سابعًا: الاحتفال بالمولد النبوي من جنس القربات </span>لا من جنس العادات، إذ إن المراد من المولد هو تعظيم النبي - ﷺ - وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله - ﷿ - فلا يعظم إلا بالوجه الذي شرع.\nوقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية (١) على أن الأعياد شريعة من الشرائع يجب فيها الاتباع، وللنبي - ﷺ - خطب وعهود ووقائع مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وله خطب متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ مثل تلك الأيام عيدًا.\nثامنًا: ما دام الاحتفال بالمولد النبوي لا يقع إلا قربة وعبادة، ولم يفعله النبي - ﷺ - ولا أصحابه ولا التابعون، فالحق إلحاقه بالترك العدمي الذي يدل على البدعية فيكون الاحتفال بالمولد النبوي بدعة محدثة، وفي ذلك يقول الشيخ محمد الغزالي (٢): \"والتقرب إلى الله بإقامة هذه الموالد عبادة لا أصل لها. . . ومن ثَمَّ فنحن نميل إلى تعميم الحكم على هذه الموالد جميعًا ووصفها بأنها مبتدعات تُرفض ولا يُعتذر لها. . . إن إلغاء الموالد ضرورةٌ دينيةٌ ودنيويةٌ. . .\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (ص ٢٥٢).\n(٢) ليس من الإسلام (ص ٢٠٨ - ٢١١).","vol":"1","page":448},{"text":"وهكذا انتظم الاحتفال بليلة المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، ورأس السنة الهجرية\" (١).\nوهذا ما يؤيده الباحث ويختاره (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>المطلب السابع: الصلاة على النبي - ﷺ - عقب الأذان جهرًا:</span>\nورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة\" (٣).\nذهب الفقهاء إلى استحباب الصلاة على النبي - ﷺ - عقب الأذان عملًا\n_________\n(١) لا تخفى فتوى كثير من المشايخ بحرمة الاحتفال بالمولد النبوي كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني. والغرض من ذكر كلام الغزالي هو كونه معتبرًا عند أصحاب الاتجاه القائلين بجواز الاحتفال بالمولد.\nويلاحظ أن ما هو معلوم من الأمور المشروعة في ليلة القدر من القيام والدعاء ليست داخلة في الاحتفالات البدعية التي يتكلم عنها الغزالي.\n(٢) ويلاحظ هنا أنه يجب التفريق بين الاحتفال بالمولد النبوي، وبين ما يقع في ذلك الاحتفال، فقد يقوم المحتفل ببعض أنواع من الطاعات فيثاب عليها، وببعض أنواع من المعاصي فيأثم عليها، وهذا بخلاف محض قصد الاحتفال.\n(٣) رواه مسلم (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩/ ٣٨٤) كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":449},{"text":"بهذا الحديث، سواء من المؤذن أو غيره، لعموم الحديث وذلك على الكيفية التي كانت على عهد النبي - ﷺ - من أن يكون ذلك من كل شخص بمفرده سرًّا في نفسه.\nومع أمر النبي - ﷺ - بذلك إلا أنه لم يأمر المؤذن أن يصلي عليه في أذانه جهرًا عقب الأذان، ولم يقم أحد بفعل ذلك.\nوينقل المقريزي (١) في خططه أن أول من أحدث الصلاة على النبي - ﷺ - جهرًا عقب الأذان كان محتسب القاهرة صلاح الدين عبد الله بن عبد الله البرلسي، وكان ذلك في ليلة الجمعة فقط، وكان ذلك بعد سنة ستين وسبعمائة، وأنقل هنا كلام المقريزي لأهميته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>يقول المقريزي:</span>\n\" فاستمر إلى أن كان في شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. . .، فسمع بعض الفقراء الخلاطين سلام المؤذنين على رسول الله - ﷺ - في ليلة جمعة، وقد استحسن ذلك طائفة من إخوانه، فقال لهم: أتحبون أن يكون هذا السلام في\n_________\n(١) هو: أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد الشيخ تقي الدين المقريزي، وأصله من بعلبك ثم تحول أبوه إلى القاهرة، ولد تقي الدين سنة ست وستين وسبعمائة، وحفظ كتابًا لأبي حنيفة تبعًا لجده لأمه شمس الدين بن الصايغ، ثم تحول بعد ذلك شافعيًّا وأحب أتباع الحديث، توفي في يوم الخميس التاسع عشر من شهر رمضان سنة خمس وأربعين وثمانمائة.\n[إنبا الغمر بأبناء العمر (٤/ ١٨٧)، شذارت الذهب (٩/ ٣٧٠)، الضوء اللامع (٢/ ٢١ / ٦٦)].","vol":"1","page":450},{"text":"كل أذان؟ قالوا: نعم، فبات تلك الليلة وأصبح متواجدًا يزعم أنه رأى رسول الله - ﷺ - في منامه، وأنه أمره أن يذهب إلى المحتسب ويبلغه عنه أن يأمر المؤذنين بالسلام على رسول الله - ﷺ - في كل أذان، فمضى إلى محتسب القاهرة وهو يومئذ نجم الدين محمد الطنبدي، وكان شيخًا جهولًا سيء السيرة في الحسبة والقضاء، متهافتًا على الدرهم ولو قاده إلى البلاء. . .، وقال له: رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تتقدم لسائر المؤذنين بأن يزيدوا في كل أذان قولهم: الصلاة والسلام عليك يا رسول الله - ﷺ - كما يفعل في كل ليالي الجمع.\nفأعجَب الجاهل هذا القول، وجهل أن رسول الله - ﷺ - لا يأمر بعد وفاته إلَّا بما يوافق ما شرعه الله على لسانه في حياته، وقد نهى الله ﷾ في كتابه العزيز عن الزيادة في شرعه، حيث يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقال رسول الله - ﷺ -: \"إياكم ومحدثات الأمور\"، فأمر بذلك في شعبان من السنة المذكورة وتمت هذه البدعة واستمرت إلى يومنا هذا في جميع ديار مصر وبلاد الشام، وصارت العامة وأهل الجهالة ترى أن ذلك من جملة الأذان الذي لا يحل تركه، وأدى ذلك إلى أن زاد بعض أهل الإلحاد في الأذان ببعض القرى السلام بعد الأذان على شخص من المعتقدين الذين ماتوا، فلا حول ولا قوة إلا بالله وإنا لله وإنا إليه راجعون\" (١) اهـ. باختصار.\n_________\n(١) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بـ \"الخطط المقريزية\" (٣/ ٢٠٩)، تأليف: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، تحقيق: د. محمد زينهم، مديحة الشرقاوي، مكتبة =","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-389>محل البحث:</span>\nإذا كانت الصلاة على النبي - ﷺ - ثابتة بالخبر، فإن محل البحث هو: هل يجوز للمؤذن الجهر بها وإلحاقها بالأذان أم لا يجوز؟ ولا يخفى أن ذلك الفعل على هذا النحو مقصود به التعبد، إذ الغرض من فعله التقرب إلى الله سبحانه كما لا يخفى أن ذلك الفعل لم يوجد على عهد النبي - ﷺ - ولا أصحابه، بل لم يبدأ إلا في القرن الثامن الهجري على ما ينقله المقريزي.\nولذا فإن ذلك الفعل لا يكون مصلحة مرسلة، بل هو بدعة؛ وذلك لأنه من الترك العدمي في باب العبادات وقد ذهب إلى بدعية ذلك الشيخ علي محفوظ في كتابه الإبداع (١) ونقل عن ابن حجر فتوى مشايخهم بأن ذلك بدعة، وبذلك أفتى الشيخ محمد عبده عندما كان مفتيًا للديار المصرية (٢).\n_________\n= مدبولي، ط. الأولى (١٩٩٧ م). وهذا النقل ذكره الشيخ علي محفوظ باختلاف يسير وهو هنا مثبت من الخطط لا من الإبداع.\n(١) الإبداع (ص ١٧٢).\n(٢) قال الشيخ علي محفوظ: \"قال العلامة ابن حجر في (الفتاوى الكبرى): \"وقد استفتى مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه - ﷺ - بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا بأن الأصل سنة والكيفية بدعة\"، وقال الإمام الشعراني نقلًا عن شيخه: \"لم يكن التسليم الذي يفعله المؤذنون في أيامه - ﷺ - ولا الخلفاء الراشدين، بل كان في أيام الروافض بمصر\" اهـ.\n(وقد سئل) الأستاذ الإمام شيخنا المرحوم الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في (٢٤) مايو سنة (١٩٠٤) نمرة (٧٦٥) عن مسائل:\n(منها): ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي - ﷺ - ﵌ عقب الأذان في =","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>المطلب الثامن: تخطيط الصفوف في المساجد:</span>\nانتشر في كثير من المساجد وضع خطوط في المسجد يسوى عليها الصف باتجاه القبلة.\nوقد ذهب الشيخ الألباني وجماعة من أهل العلم من المعاصرين إلى بدعية تلك الصفوف للأمور التالية:\n* أن النبي - ﷺ - كان يسوي الصفوف، وكان يخرج بالناس في الأعياد إلى المصلى، ولم يأذن بإحداث خط يصف الناس عليه.\n* أن بسببه جعلت المحاذاة بأطراف الأصابع، والصحيح أن تسوية الصفوف بالمناكب والكعوب.\n* أن هذا الأمر دعت الحاجة إليه في زمن النبي - ﷺ - ولم يفعله، ولم يفعله أيضًا أحد من أصحابه - ﵃ -.\n* أن هذا الأمر المحدث يمكن تلافيه بأن يجعل لكل صف سجادة له على حدة.\n_________\n= الأوقات الخمسة إلَّا المغرب؟ (فأجاب) بقوله: أما الأذان فقد جاء في [الخانية] أنه ليس لغير المكتوبات، وأنه خمس عشرة كلمة، وآخره عندنا لا إله إلا الله، وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة، ابتدعت للتلحين لا لشيء آخر، ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين، ولا عبرة بقول من قال: إن شيئًا من ذلك بدعة حسنة؛ لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة، ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كذاب. اهـ.\nوحاصل هذا أن الأذان من شعائر الإسلام المنقولة بالتواتر من عهد الرسول - ﷺ -، وكلماته معدودة في كتب السنة وكتب الفقه مجمع عليها بين أئمة المسلمين من أهل السنة والجماعة، وأما زيادة الصلوات والتسليمات في آخره فهي من بدع المؤذنين المتأخرين\" الإبداع (ص ١٧٤).","vol":"1","page":453},{"text":"وذهب غيرهم إلى جواز ذلك وعدم بدعيته لكونه لا يتقرب به بذاته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>وسوف أناقش هذه المسألة في عدة نقاط:</span>\nأولًا: ثبت أن النبي - ﷺ - كان يسوي الصفوف، وكان يقول: \"لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم\" (١)، ولذا فقد اتفقت كلمة العلماء على أن استواء الصف أمر مستحب (٢)، ولا نزاع في أن تلك الخطوط لم تكن على عهد النبي - ﷺ - ولا أصحابه، وإنما أحدثت في القرون التالية، وهي إنما توضع لأجل ضبط الصفوف وهذا مما لا نزاع فيه أيضًا.\nإذن: فمحل البحث هنا أمور:\nأولها: هل جدَّت حاجة إلى تلك الصفوف تزيد عن الحاجة إليها في عهد النبي - ﷺ - وأصحابه؟\nثانيهما: هل إحداث تلك الخطوط يراد به التقرب لذاته أم أنه وسيلة - مباحة في الأصل - لإتمام أمر مستحب؟\nثالثهما: ما هو الفارق بين تخطيط السجاد بخطوط لضبط الصف، وبين وضع سجادة لكل صف، إذ كلاهما وسيلة - مباحة - لتحقيق الطاعة وكلاهما لا يقصد به التقرب بذاته؟\nأما الأمر الأول: فالذي أراه أن حاجة الناس إلى تلك الخطوط زائدة\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٢٤٢ / ٧١٧) كتاب الأذان، باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، ومسلم (١/ ٣٢٤ / ٤٣٦) كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها.\n(٢) انظر: فتح الباري (٢/ ٢٤٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٣٧٥)، المجموع (٣/ ١٢٢)، الموسوعة الفقهية الكويتية (٢٧/ ٣٥).","vol":"1","page":454},{"text":"عن ذي قبل، وذلك لكبر حجم المساجد وانتشار الجهل بالقبلة بين الناس، ويتضح ذلك إذا حذفت تلك الخطوط إذ نادرًا ما يستقيم الصف.\nأما الأمر الثاني: فالذي يظهر أن تلك الخطوط لا تفعل تقربًا بذاتها، إذ لا يقول أحد بأنه يفعل ذلك لأنه مستحب أو أنه طاعة أو قربة، وإنما لأجل أن ذلك معِينٌ على ضبط الصف، وهو بذلك لا يمكن الحكم عليه بالبدعية، إذ أهم ضوابط البدعة هو قصد التقرب بذات الفعل، ولو قال قائل: إنما نضع تلك الخطوط لأنها قربة ومستحبة يتعلق بفعلها أجر، لكان ذلك بدعة بلا شك.\nثم إن هذا الفعل ليس من جنس القربات، ولا يصح التقرب به إلا بالنية، وذلك بخلاف الأفعال التي لا تقع إلا على وجه القربة كالأذان والصلاة وغير ذلك.\nأما الأمر الثالث: فالذي يظهر أنه لا فارق بينهما فكلاهما وسيلة - مباحة في الأصل - يقصد بها تحصيل أمر من أمور الطاعات، وهذه الوسيلة لا تقع بذاتها على وجه القربة والعبادة فلابد من النية لكي يقصد بها التقرب.\nولذا فالذي يميل إليه الباحث أن ذلك الفعل من الوسائل المعينة على إتمام أمر مستحب، والأصل فيه الجواز، وليس بدعة لفقدان شرط التقرب، وليس مصلحة ملغاة وذلك لما يظهر من حاجة الناس إليها في هذا الزمان عن ذي قبل (١).\n_________\n(١) وممن أفتى بجواز ذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-392>وقد يقول قائل: </span>نحن نمانع في أن تلك المصلحة لم تكن محتاجًا إليها على عهده - ﷺ -، بل كانت الحاجة إليها موجودة، فهي إذن مصلحة ملغاة، ويؤيد ذلك أن النبي - ﷺ - كان يسوي الصفوف بعود معه ومع ذلك لم يستعمل تلك الخطوط.\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>والجواب عن ذلك من عدة أمور:</span>\nالأول: أنه يلزمه أن يقول بالتحريم لا بالبدعية؛ لأنها وإن كانت مصلحة ملغاة، فما الذي جعلها بدعة، وهي لا تفعل على سبيل التقرب؟\nالثاني: أن ما ورد أن النبي - ﷺ - كان يسوي الصف بعود معه فهو ضعيف (١) وعلى فرض صحته، فهل كان النبي - ﷺ - يتعبد بإمساك العود، أم كان إمساكه له لأجل مصلحة؟\nالجواب: أن ذلك كان لأجل مصلحة، ولا يمكن أن يقال: إن ذلك كان لأجل التعبد، إذ لو كان الأمر كذلك لكان ذلك الفعل مستحبًا - أعني:\n_________\n(١) روى أبو داود (١/ ١٧٦ / ٦٦٩) كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، عن محمد بن السائب قال: صليت إلى جنب أنس بن مالك - ﵁ - يومًا، فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟، فقلت: لا والله، قال: كان رسول الله - ﷺ - يضع يده عليه فيقول: \"استووا وعدلوا صفوفكم\". والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (ص ٢١٠) برقم (٨٣٦)، وفي رواية أخرى عند أبي داود (١/ ١٧٦ - ١٧٧/ ٦٧٠) عن أنس - ﵁ - أنه قال: إن رسول الله - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة أخذ بيمينه ثم التفت فقال: \"اعتدلوا، سووا صفوفكم\"، ثم أخذ بيساره فقال: \"اعتدلوا، سووا صفوفكم\"، والحديث ضعفه الألباني في المشكاة (١/ ٣٤٢ / ١٠٩٨) [مشكاة المصابيح، تأليف: محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، ط. الأولى (١٣٨١ هـ - ١٩٦١ م)، ط. الثانية (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م)].","vol":"1","page":456},{"text":"إمساك الأعواد في تسوية الصف - ولم يقل بذلك أحد من الفقهاء، وتسوية الصف بالخطوط في نفس معنى إمساك العيدان في التسوية باليد فتأخذ حكمها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>المطلب التاسع: بناء المئذنة للمسجد:</span>\nالمئذنة أو المنارة موضع الأذان للصلاة، والمراد المآذن المعروفة اليوم، فالمعروف أن هذه المآذن لم تكن موجودة على عهد النبي - ﷺ -، وأن أول من اتخذ المآذن الوليد بن عبد الملك، ولم تكن معروفة من قبل.\n\nأين كان يقف المؤذن قبل اتخاذ المنارة؟\nأخرج ابن سعد عن أم زيد بن ثابت - ﵄ - قالت: \"كان بيتي أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن فوقه من أول ما أذن إلى أن بنى رسول الله - ﷺ - مسجده، فكان يؤذن بعدُ على ظهر المسجد وقد رفع له شيء فوق ظهره\" (١).\nوهذا الحديث رواه أبو داود دون قوله: \"قد رفع له شيء فوق ظهره\" (٢).\nقال الشيخ الألباني: \"من المقطوع به أن الأذان كان حينذاك في مكان مرتفع على المسجد يرقى إليه .. ومن المحتمل أن الرقي المذكور إنما هو إلى ظهر\n_________\n(١) الطبقات الكبير لمحمد بن سعد بن منيع الزهري (١٠/ ٣٩١) ترجمة رقم (٥٣٨٨)، تحقيق: د/ علي محمد علي، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م)، وضعف الألباني إسناده في الأجوبة النافعة (ص ٣٣) [الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة، تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط. الأولى من الطبعة الجديدة (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م)].\n(٢) رواه أبو داود (١/ ١٤٠ / ٥١٩) كتاب الصلاة، باب الأذان فوق المنارة، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٧ / ٥٣٢).","vol":"1","page":457},{"text":"المسجد فقط، ومن المحتمل أنه إلى شيء كان فوق ظهره\" (١).\nأما الآن بعد انتشار مكبرات الصوت لم تعد هناك حاجة ماسة إلى المآذن حيث لم يعد المؤذن يصعد فوقها واستغنى عنها الناس.\nولأجل ذلك ذهب بعض المعاصرين إلى أن بناء المآذن بدعة لأمور:\n- أنها لم تكن موجودة على عهد النبي - ﷺ -.\n- أنها لم يعد لها فائدة الآن لوجود مكبرات الصوت.\n- أنها صارت بابًا للسَّرَف والمخيلة وذلك لما ينفق فيها من أموال.\nويلاحظ أن بناء المآذن وسيلة للعبادة - وهي وسيلة مباحة في الأصل - إذ هي وسيلة لإبلاع الأذان، ولا يقصد بها التعبد، وهي من الأفعال التي لا يقصد بها التقرب بذاتها، بل لابد لها من النية، ووجود مكبرات الصوت الآن لا يجعل المآذن بلا قيمة، ذلك أنه قد ينقطع التيار فلا يصل الأذان عبر مكبرات الصوت، بل مع ارتفاع المباني في هذه الأيام صارت مكبرات الصوت لابد لها من أن توضع على مكان مرتفع، كما أن المسافر قد يهتدي إلى موضع المسجد عن طريق المآذن.\nوإذا كانت وسائل العبادات مباحة في الأصل، ولا يحكم ببدعيتها إلا إذا قصد بها التقرب فإن الأقرب هنا الحكم بجواز بناء المآذن، وذلك لأن بناءها لا يقصد به التقرب بذاته.\n_________\n(١) الأجوبة النافعة (ص ٣٣).","vol":"1","page":458},{"text":"وقد يقول قائل: إن اتخاذ المآذن مظنة السرف والمخيلة فيمنع منها.\nوالجواب: أن القول بالجواز لا يستلزم إباحة السرف والمخيلة، وإلا فبناء المسجد لا يجوز فيه السرف والمخيلة، فهل يقال بالمنع لكونه مظنة السرف والمخيلة الآن؟\nوقد يقول قائل: نحن لا نمانع فيما ذكرت من تجدد المصالح، لكن تلك المصلحة تحصل بالأبنية العالية التي حول المسجد، فلا حاجة للمآذن حينئذ، فاتخاذها والحال كذلك بدعة.\nوالجواب: أن استعمال الأبنية العالية التي بجوار المسجد سواء في وضع مكبرات الصوت، أو استعمالها هي في الأذان عند انقطاع تيار الكهرباء: هذا الاستعمال لما كان جائزًا، ما الفارق بينه وبين اتخاذ مكان مرتفع خاص بالمسجد؟ فلا يوجد فارق بين اتخاذ المكان العالي فوق سطح منزل أو فوق سطح بيت، كلاهما في الحكم سواء، فالقول بجواز الأمر الأول يوجب القول بجواز الثاني، ولا فرق.\nولذا فالذي يختاره الباحث هو جواز اتخاذ المآذن وأنها ليست بدعة أو محرمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>المطلب العاشر: الوصية الواجبة في الميراث:</span>\nالوصية الواجبة أمر استحدثه القانون المصري الوضعي عام ١٩٤٦ م، وقبل الكلام عن الوصية الواجبة نبين أولًا ما هي في نظر واضعيها:\nيستحق الوصية الواجبة قانونًا: فرع الولد (ما يولد مطلقًا الذكور","vol":"1","page":459},{"text":"والإناث) الذي يموت في حياة أبيه أو أمه، لكنها ليست لكل فروع الولد المتوفى في حياة أبيه وإنما لطائفتين من فروع الأولاد: الأولى: أولاد البطون: وهم الطبقة الأولى من أولاد البنات، والطائفة الثانية: أولاد الظهور: وهم أولاد الأبناء وإن نزلوا على أن يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره.\nفهولاء إذا لم يكن المتوفى أوصى لهم: أنشأ القانون لهم حقًّا في التركة - وألزم الوارثين به - في حدود الثلث بشرطين: الأول: ألا يكون وارثًا، والثاني: ألا يكون قد أخذ بغير عوض مقدار ما يجب له (١).\n_________\n(١) في المواد ٧٦ - ٧٩ من قانون الوصية رقم ٧١ الصادر في ٢٤ رجب ١٣٦٥ هـ/ ٢٤ يونيه ١٩٤٦ م والمعمول به أمام المحاكم المصرية بيان للوصية الواجبة، وهذه المواد هي كما يلي:\nمادة ٧٦: إذا لم يوص الميت لفرع ولده الذي مات في حياته، أو مات معه ولو حكمًا، بمثل ما كان يستحقه هذا الولد ميراثا في تركته لو كان حيًا عند موته: وجبت للفرع في التركة وصية بقدر هذا النصيب في حدود الثلث، بشرط أن يكون غير وارث، وألا يكون الميت قد أعطاه بغير عوض من طريق تصرف آخر قدر ما يجب له، وإن كان ما أعطاه أقل منه: وجبت له وصية بمقدار ما يكمله، وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور وإن نزلوا، على أن يحجب كل أصل فرعه دون فرع غيره، وأن يقسم نصيب كل أصل على فرعه وإن نزل قسمة الميراث، كما لو كان أصله أو أصوله الذين يدلي بهم إلى الميت ماتوا بعده، وكان موتهم مرتبًا كترتيب الطبقات.\nمادة ٧٧: إذا أوصى الميت لمن وجبت له الوصية بأكثر من نصيبه: كانت الزيادة وصية اختيارية، وإن أوصى له بأقل من نصيبه وجب له ما يكمله.\nوإن أوصى لبعض من وجبت لهم الوصية دون البعض الآخر: وجبت لمن لم يوصى له قدر نصيبه، ويؤخذ نصيب من لم يوص له، ويوفى نصيب من أوصى له بأقل مما وجب من باقي الثلث، فإن ضاق عن ذلك فمنه ومما هو مشغول بالوصية الاختيارية. =","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>أما السبب لأخذ القانون الوضعي بهذا: </span>فقد جاء في المذكرة الإيضاحية أنها وضعت لتلافي حالة كثر منها الشكوى، وهي حالة الحفدة الذين يموت آباؤهم في حياة أبيهم أو أمهم، أو يموتون معًا ولو حكمًا: كالغرقى والحرقى، وإن هؤلاء قلما يرثون بعد موت جدهم أو جدتهم لوجود من يحجبهم من الميراث، مع أن آباءهم قد يكونون ممن شاركوا بالقسط الأكبر في بناء الثروة التي تركها الميت، وقد يكونون في عياله يمونهم، وأحب شيء إلى نفسه أن يوصي لهم بشيء من ماله، ولكن المنية عاجلته فلم يفعل شيئًا أو حالت بينه وبين ذلك مؤثرات وقتية.\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>السند التشريعي للوصية الواجبة:</span>\nحرص واضعي القانون على بيان السند الشرعي لما جاء في الوصية الواجبة، وحاصل ما ذكرته المذكرة الإيضاحية أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠] دليل على وجوب الوصية لمن لا يرث، وذهب ابن حزم إلى وجوبها إذا تركها، فاستنادًا على ذلك قسمت الوصية على الذين\n_________\n= مادة ٧٨: الوصية الواجبة مقدمة على غيرها من الوصايا.\nفإذا لم يوص الميت لمن وجبت لهم الوصية، وأوصى لغيرهم: استحق كل من وجبت له الوصية قدر نصيبه من باقي ثلث التركة إن وفّى، وإلا فمنه ومما أوصى به لغيرهم.\nمادة ٧٩: في جميع الأحوال المبينة في المادتين السابقتين يقسم ما يبقى من الوصية الاختيارية بين مستحقيها بالمحاصة، مع مراعاة أحكام الوصية الاختيارية.","vol":"1","page":461},{"text":"حددهم القانون قسمة الميراث سواء أوصى الميت أو لم يوص، وعلل البعض ذلك التقدير بالضرورة، وبنى ذلك آخرون على القاعدة الفقهية التي تقول: إن لولي الأمر أن يأمر بالمباح بما يراه من المصلحة العامة، ومتى أمر به وجبت طاعته، وأمره ينشئ حكمًا شرعيًّا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>ومناقشة ذلك في النقاط التالية:</span>\nأولًا: ذهب جمهور العلماء إلى أن الوصية لا تجب إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة أو عليه واجب يوصي بالخروج منه (٢).\nقال ابن عبد البر: \"أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه حقوق بغير بينة وأمانة بغير إشهاد إلا طائفة شذت فأوجبتها\" (٣).\nثانيًا: الدليل على ما ذهب إليه الجمهور هو أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة: ١٨٠]، منسوخ بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا\n_________\n(١) انظر: الميراث والوصية الواجبة في الشريعة الإسلامية (ص ٢٩٤ - ٢٩٥)، تأليف الأستاذ الدكتور: جودة عبد الغني بسيوني رئيس قسم الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر - فرع طنطا، ط. الثانية (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م)، المواريث في الشريعة الإسلامية (ص ١٨ - ٢١)، تأليف الشيخ: حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية وعضو جماعة كبار العلماء، إصدار: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - لجنة التعريف بالإسلام.\n(٢) المغني (٨/ ٣٩٠).\n(٣) المغني (٨/ ٣٩١).","vol":"1","page":462},{"text":"مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، وبآية الميراث، وبقول النبي - ﷺ -: \"لا وصية لوارث\" (١)، وذلك عند من يرى جواز نسخ القرآن بالسنة، ويؤيد ذلك: أن أكثر أصحاب النبي - ﷺ - لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير، ولو كانت واجبة لما أخلوا بذلك (٢).\nثالثًا: الذين خالفوا الجمهور قالوا: تجب الوصية للأقربين الذين لا يرثون، وهم طائفة من التابعين كمسروق وطاووس وإياس وقتادة وابن جرير وهو قول داود الظاهري.\nواحتجوا بالآية: قالوا: نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت في من لا يرث من الأقربين (٣).\nرابعًا: معنى وجوب الوصية أنه يجب على المرء أن يوصي فإذا مات ولم يفعل فهو آثم.\nلكن هل معنى هذا الوجوب أنه يجب أن تخرج من ماله بعد وفاته إذا تركها؟\n_________\n(١) هذا القدر من الحديث رواه أبو داود (٣/ ١١٣ / ٢٨٧٠) [كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث،، والترمذي (٤/ ٣٧٦ / ٢١٢٠) [كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث]، والنسائي (٦/ ٢٤٧) [كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث]، وابن ماجه (٢/ ٩٠٥ / ٢٧١٣) [كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، عن عدة من الصحابة منهم: أبو أمامة الباهلي وعمرو بن خارجة، وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك، وصححه الألباني في إرواء الغليل (٦/ ٨٧ - ٩٨/ ١٦٥٥).\n(٢) المغني (٨/ ٣٩١).\n(٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":463},{"text":"لم أعلم أحدًا من الفقهاء قال ذلك (١)، وليس هذا مدلول القول ولا لازمه، ومن ثَمَّ: فجعل إخراجها من ماله وإن لم يوص من لازم القول بأن مذهب طائفة من فقهاء التابعين بوجوبها إذا تركه: أمر فيه سوء فهم على أحسن الأحوال، وإلا فهو تدليس قبيح.\nخامسًا: لم يقل أحد من أهل العلم قط إن ولي الأمر إذا أمر بمباح لأجل المصلحة العامة فإن أمره ينشئ حكمًا شرعيًّا، فإن العجب لا ينقضي من قائل هذا القول، وإنما قال أهل العلم: أنه يجوز لولي الأمر أن يقيد المباح أو يأمر به على ما يراه من المصلحة العامة، وباب ذلك هو المصلحة المرسلة، فتقييد المباح أو الأمر به له شروط عند القائلين بجواز ذلك، وهي الشروط التي ذكرناها لاعتبار المصالح المرسلة، مع التنبه إلى أن أكثر أهل العلم على المنع من ذلك، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل.\nأما أن يكون ذلك مؤديًا إلى إنشاء حكم شرعي فحاشا لله أن يقوله أحد يدرك معنى ما يقول، فإن منشئ الأحكام الشرعية هو الله وحده، بلغناها على لسان رسله لم يخالف في ذلك أحد من العلماء قاطبة.\nإذن فليس لهذا القانون أي سند شرعي أو شبهة استناد، فأي مذهب\n_________\n(١) أقصى ما وجدته مما يشبه ذلك هو ما ذكره ابن القيم من أنه على القول بوجوب الوصية للأقربين: لو أوصى للأجانب دونهم فهل لهم أن يبطلوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية كما أن للورثة أن يبطلوا وصية الوارث أم يبطلوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه [جامع الفقه (٥/ ٨)] ولا يخفى أن هذا الكلام فيما إذا أوصى، وما نحن فيه فيما إذا لم يوصِ.","vol":"1","page":464},{"text":"فقهي أجاز أن يؤخذ من مال الرجل إذا مات بمقدار الثلث فيوزع على غير الوارثين ممن لم يذكرهم الرجل ولم يوص إليهم: بغير رضا ورثته؟\nسادسًا: حاصل ما ذكروه في سبب هذا القانون أنه يراعي مصلحة المسلمين، ومع التسليم بذلك فإن هذه الصلحة ليست مما جدَّ بعد وفاة النبي - ﷺ - بل كانت موجودة قبل عهد النبي - ﷺ -، فضلًا عن عهده - ﷺ -، وأصحابه، وقد أجمع الفقهاء على أن هؤلاء الأولاد محجوبون بأعمامهم من الورثة (١)، فالتكييف الأصولي إذن أن تلك المصلحة: مصلحة مهدرة لكونها كانت قائمة على عهد النبي - ﷺ - ومع ذلك لم يعتبرها النبي - ﷺ -، مع ما فيها من مخالفة الإجماع، وقد سبق في مبحث الدلالة أن المصالح التي كانت قائمة على عهد النبي - ﷺ - فلم يعتبرها فإنه لا يجوز اعتبارها سواء أكان ذلك في العبادات أم المعاملات.\nوعلى فرض أنها مما جدَّ فإن لتحقيق تلك المصلحة طريقًا لا يتعدى على ما حرمه الشرع، وهو ما ذكره أهل العلم قديمًا، بل وانعقد الإجماع عليه من أنه يستحب للرجل أن يوصي لأقاربه غير الوارثين إذا كانوا فقراء، وثمة طريق آخر وهو ما ذكره العلماء من جواز أن يأخذ غير الوارث إذا كان بإذن الورثة ورضاهم (٢).\n_________\n(١) المغني (٩/ ٢٢ - ٢٣).\n(٢) المبسوط (٢٧/ ١٧٩)، تهذيب المدونة (٤/ ٢٧٣).","vol":"1","page":465},{"text":"وثمة طريق ثالث: وهو أن يوقف ذلك على إذن الورثة إذ لو أن الورثة أجازوا مثل هذا التصرف ورضوا به فلا مانع شرعي من قبول ذلك وكونه جائزًا، ولا يضير القانون أن يوقف ذلك على إذن الورثة، وذلك لأن الوارث إن أخرجه عن رضا وطيب نفس، كان ذلك جائزًا، بل هو مأجور عليه إن قصد به صلة رحمه، أو إعانة أقربائه أو غير ذلك مما هو معتبر شرعًا.\nوبناء على ما سبق فإن الإلزام بالوصية الواجبة غير جائز شرعًا، ولم يقل به أحد من الفقهاء، بل هو خلاف الإجماع، ولا يستند إلى تأصيل أصولي صحيح، فلا يجوز العمل بها إلا بموافقة جميع الوارثين من غير إكراه ولا شبهته، واعتبار القانون لها وعمله بها لا يخرجها عن كونها محرمة.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>الفصل الثاني\nما يلحق بالترك العدمي</span>\n\"ترك الاستفصال\"\nويشتمل على مبحثين:\nالمبحث الأول: بيان ترك الاستفصال.\nالمبحث الثاني: تطبيقات ترك الاستفصال.","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-400>تمهيد</span>\n\" ترك الاستفصال من النبي - ﷺ - \" إحدى القواعد التي يذكرها الأصوليون في باب العموم، وهذه القاعدة من مسائل الترك، وذلك لأن محل الاستدلال في هذه القاعدة هو أن النبي - ﷺ - ترك الاستفصال، فهو استدلال بالترك، وهو ترك عدمي، وذلك لأن الواقعة وإن نقلت فإن ترك النبي - ﷺ - الاستفصال لم ينقل، بل نقلت الواقعة فاستدل المستدل بأن ما نقل من جوابه ليس فيه أنه استفصل، ولو فعل ذلك لنقل، فهو استدلال مرده إلى الاستدلال بترك النقل، وهو ترك جزئي لأن الاستدلال بتركه - ﷺ - هنا ليس على العموم، بل بترك أمر مخصوص هو الاستفصال، ولذا أفردته في هذا الفصل بعنوان ما يلحق بالترك العدمي، وتناولته بالدراسة في مبحثين: الأول منهما لبيان الجانب الأصولي، والمبحث الثاني لبيان الجانب التطبيقي.","vol":"1","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>المبحث الأول: بيانه ترك الاستفصال </span>(١)\nهو أن يأتي السائل إلى رسول الله - ﷺ -، فيسأله عن أمر فلا يستفصل منه رسول الله - ﷺ - عن أحوال ذلك الأمر، بل يصدر حكمًا عامًا.\nوهذا النوع من الترك ذكره العلماء تحت قواعد العموم وأصله عبارة الشافعي.\nقال الشافعي: \"ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال\n_________\n(١) لم أقف على من أفرد هذه القاعدة بالدراسة المستقلة - على شهرتها في كتب الأصول - سوى ما كتبه الدكتور أشرف الكناني في رسالته للدكتوراه: نظرية الاحتمال عند الأصوليين، وقد أفردها بعد ذلك في دراسة مستقلة، وقد أفاد الباحث من اطلاعه على تلك الدراسة، وقد ذكر فيها أنه لم يجد دراسة متخصصة في تلك المسألة سوى دراستين: الأولى منهما: هي دراسة الدكتور الأشقر التي مرت بنا من قبل في هذا البحث، والثانية منهما: هي دراسة بعنوان: قضايا الأعيان دراسة أصولية تطبيقية، إعداد: مصطفى عايد محمود إسعيفان، وهي رسالة ماجستير في قسم الفقه وأصوله، بإشراف الدكتور: محمود جابر، الجامعة الأردنية، نوقشت عام ٢٠٠٣ م، ودراسة هذه المسألة هنا تعتبر مختصرة عما كتبه الدكتور الكناني - حفظه الله - وذلك لأن المقصود الأصلي هنا بيان وجه ارتباط هذه القاعدة بمبحث الترك، هذا وقد عثرت مؤخرا على بحث محكم - في ترك الاستفصال - نشرته مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية، وذلك في المجلد السابع عشر، العدد الثاني والثلاثون الصادر في ذي الحجة ١٤٢٥ هـ للدكتور عبد الرحمن بن محمد بن عايض القرني: أستاذ أصول الفقه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى، وهو بعنوان: قاعدة ترك الاستفصال: دراسة أصولية تطبيقية.","vol":"1","page":469},{"text":"يتنزل منزلة العموم في المقال\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>المطلب الأول: نسبة القاعدة للشافعي:</span>\nنُسبت هذه القاعدة للشافعي في كثير من كتب الأصول والفروع، وقد بحثتُ عنها في الرسالة والأم فلم أجد تصريحًا بلفظها غير أني وجدت معناها في الأم (١) عند بيان حكم المشرك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة.\nوقد صرَّح الشافعية وغيرهم بنسبة هذه القاعدة للشافعي: فمن الشافعية: الرازي (٢)، والجويني (٣)، والزركشي (٤)، وزكريا بن محمد الأنصاري (٥) (٦)،\n_________\n(١) الأم (٥/ ٦٤٩)، ثم بعد ذلك وقفت على قول ابن السبكي: \"وهذا إن لم أجده مسطورًا في كتبه، فقد نقله عنه لسان مذهبه، بل لسان الشريعة على الحقيقة أبو المعالي - ﵀ - \" الأشباه والنظائر (٢/ ١٣٧)، لتاج الدين بن عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد عوض، دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٤١١ هـ - ١٩٩١ م)].\n(٢) المحصول (٢/ ٣٨٦).\n(٣) البرهان (١/ ٣٤٥ / ٢٤٨).\n(٤) البحر المحيط (٣/ ١٤٨).\n(٥) أسنى المطالب شرح روض الطالب (٣/ ١٦٨)، ط. دار الكتاب الإسلامي.\n(٦) هو: زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي، ولد سنة ٨٢٦ هـ بسنيكة من الشرقية ونشأ بها، كان له الباع الطويل في كل فن خصوصًا التصوف، تولى منصب قضاء القضاة سنة ٨٨٦ هـ مدة ولاية قايتباي، توفي يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة سنة ٩٢٥ هـ.\n[شذرات الذهب (١٠/ ١٨٦)، الضوء اللامع (٣/ ٢٣٤)].","vol":"1","page":470},{"text":"وشهاب الدين القليوبي (١) (٢).\nومن غير الشافعية: المرداوي (٣)، وابن النجار الفتوحي (٤)، والقرافي (٥)، وابن تيمية الجد (٦) (٧) وغيرهم.\nولبيان دلالة هذا النوع لابد من بيان معناها ودليلها ومذاهب العلماء فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>المطلب الثاني: معنى القاعدة:</span>\n\" الاستفصال\": طلب التفصيل.\n_________\n(١) هو: أحمد بن أحمد بن سلامة، أبو العباس، شهاب الدين القليوبي، فقيه متأدب، من أهل قليوب (في مصر)، له كتاب سماه (تحفة الراغب) جمع فيه تراجم جماعة من أهل البيت، ورسالة في فضائل مكة، وغير ذلك، توفي سنة (١٠٦٩ هـ).\n[الأعلام (١/ ٩٢)].\n(٢) في حاشيته على شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبين (٣/ ٢٥٨) [ط. الثالثة (١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر].\n(٣) التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٣٨٧).\n(٤) الكوكب المنير (٣/ ١٧٠).\n(٥) الفروق للقرافي (٢/ ١٥٣).\n(٦) المسودة (١/ ٢٦٣).\n(٧) هو: مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن علي الحراني، ابن تيمية، المحدث المفسر الأصولي النحوي شيخ الحنابلة، ولد سنة ٥٩٠ هـ تقريبًا، من مصنفاته \"المحرر\" في الفقه، \"منتقى الأخبار في أحاديث الأحكام\" الذي شرحه الشوكاني في \"نيل الأوطار\"، توفي بحرَّان سنة ٦٥٢ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (١٦/ ٥٠٩)، شذرات الذهب (٧/ ٤٤٣)، ذيل طبقات الحنابلة (٤/ ١)].","vol":"1","page":471},{"text":"وفي الموسوعة الفقهية: \"يستفاد من سياق عبارات الأصوليين والفقهاء أن الاستفصال: طلب التفصيل، ولم ترد هذه الجملة في المعاجم اللغوية التي بين أيدينا وهي مع ذلك صحيحة، وقد وردت في كلام الشافعي وكفى به حجة في لغة العرب\" (١).\nوفي معجم لغة الفقهاء: الاستفصال: طلب البيان (٢).\nو\"العموم\" في اللغة: الشمول، والعام: الشامل، أي شمول أمر لمتعدد سواء كان الأمر بلفظ أم غيره (٣).\nوعرف في الاصطلاح بتعريفات كثيرة، أفضلها ما ذهب إليه الرازي، وأبو الحسين المعتزلي، وأبو الخطاب، واختاره أكثر الحنابلة من أنه: \"لفظ يستغرق جميع ما يصلح له بوضع واحد\" (٤).\n_________\n(١) الموسوعة الفقهية الكويتية (٤/ ٥٩ - ٦٠).\n(٢) معجم لغة الفقهاء (ص ٤٤)، وضعه أ. د. محمد رواس قلعه جي، د. حامد صادق قنيبي، نشر: دار النفائس، ط. الثانية (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n(٣) القاموس المحيط (٢/ ١٥٠٢)، ومختار الصحاح (٢٥١)، والمصباح المنير (٢٥٦)، ولسان العرب (٦/ ٤٥١).\n(٤) تنوعت عبارات الأصوليين في تعريف العموم على أكثر من سبعة أقوال، أسلمها من الاعتراضات ما ذكرته، وانظر في بيان ذلك: البحر المحيط للزركشي (٣/ ٥)، وتشنيف المسامع له أيضًا (٢/ ٦٤١)، والروضة لابن قدامة (٢/ ١٣٧)، والتحبير شرح التحرير للمرداوي (٥/ ٥٣١٧)، وشرح الكوكب المنير لابن النجار (٣/ ١٠٣)، والمحصول للرازي (٢/ ٣٠٩)، والسراج الوهاج (١/ ٤٩٧)، وشرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ٤٤٨)، والواضح لابن عقيل (٢/ ١٧)، والوصول إلى الأصول لابن برهان (١/ ٢٠٢)، التمهيد =","vol":"1","page":472},{"text":"\"وقائع الأحوال\" المراد بذلك الوقائع التي تنقل للنبي - ﷺ - للسؤال عنها، وهي ما يسأل عنه النبي - ﷺ - باعتبار وقوعه فعلًا.\n\"الاحتمال\" المراد بالاحتمال الذي أطلقه الشافعي الاحتمال المساوي أو القريب، أما الاحتمالات النادرة والبعيدة فغير مرادة هنا، وكذلك الاحتمالات العقلية فإنه ما من أمر إلا ويدخله الاحتمال، وقد نقل الزركشي عن تقي الدين وجَدّه اشتراط ذلك وصوبه (١).\n\"ينزل منزلة العموم من المقال\" أي أن حكم النبي - ﷺ - يكون عامًا في كل أحوال الواقعة المسئول عنها، والمراد بالمقال: أن اللفظ يعم أحوال السؤال، ولكن هل يدخل فيه الإقرار، أي: هل ينزل الإقرار منزلة اللفظ حتى يعم أيضًا؟\nذكر ابن دقيق العيد فيما نقله عنه الزركشي أن الأقرب قيام الإقرار مقام اللفظ، وقد ذكر الزركشي أن الأصوليين لم يتعرضوا لمثل ذلك.\n_________\n= لأبي الخطاب (٢/ ٥)، المعتمد لأبي الحسين البصري (١/ ٢٠٣)، وغير ذلك.\nومحترزات التعريف:\n\"اللفظ\" جنس من التعريف يشمل كل ما يتلفظ به، وهو يخرج العموم المعنوي والعموم المستفاد من الألفاظ المركبة.\n\"المستغرق\" أي المتناول لما وضع له من الأفراد دفعة واحدة وهو يخرج اللفظ المطلق.\n\"بوضع واحد\" أي يدل على معناه بوضع واحد وهو يخرج اللفظ المشترك، واللفظ المستعمل في الحقيقة والمجاز.\n(١) البحر المحيط (٣/ ١٥٢).","vol":"1","page":473},{"text":"ومثل الزركشي له بمثال وهو حديث: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (١).\nقال: \"فإن السائل قال للنبي - ﷺ -: \"إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا. . .\"، فاستدل به على أن إعداد الماء الكافي للطهارة بعد دخول الوقت مع القدرة عليه غير لازم؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، وهو كالعام في حالات حملهم بالنسبة إلى القدرة عليه والعجز عنه، لضيق مراكبهم وغير ذلك بالنسبة إلى ما قبله وما بعده أيضا، وقد أقره النبي - ﷺ - ولم ينكر عليه فيكون ذلك دالًا على جوازه في هذه الأحوال\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>المطلب الثالث: أحوال وصور الجواب الذي يقع عن سؤال:</span>\nلا شك أن المراد هنا بالجواب الذي لم يثبت العموم من لفظه، إذ لو كان اللفظ عامًا بوضعه لما احتجنا إلى ذلك التفصيل، إذ المرجع حينئذ للقاعدة الأصولية المشهورة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣)، أما في غير ذلك فقد نقل الزركشي (٤) عن الأبياري (٥) تقسيم صور الجواب الذي يقع\n_________\n(١) رواه الترمذي (١/ ١٠٠ - ١٠١/ ٦٩) كتاب الصلاة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، والنسائي (١/ ٥٠) كتاب الطهارة، باب ماء البحر، وأبو داود (١/ ٢١ / ٨٣) كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، وابن ماجه (١/ ١٣٦ / ٣٨٦) كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بماء البحر، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ٤٢ / ٩).\n(٢) البحر المحيط (٣/ ١٥١ - ١٥٢).\n(٣) البرهان (١/ ٣٧٤ / فقرة ٢٧٤).\n(٤) البحر المحيط (٣/ ١٥٠).\n(٥) هو: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن علي بن عطية المالكي، الملقب بشمس الدين، الأبياري =","vol":"1","page":474},{"text":"عن سؤال إلى الأقسام التالية:\n١ - أن يثبت أن النبي - ﷺ - اطلع على خصوص الواقعة فحكم فيها بحكم، فهذا لا يعم.\n٢ - أن لا يثبت بأي طريق استفهام من النبي - ﷺ - عن كيفية القضية، وهي تنقسم إلى أقسام، ويطلق النبي - ﷺ - الجواب، فهذا يعم. والسبب في كونه يعم أنه \"لو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال حتى يثبت تارة ولا يثبت أخرى لما صح لمن التبس عليه الحال أن يطلق الحكم، لاحتمال أن تكون تلك الحالة واقعة على وجه لا يستقر معها الحكم، فلابد من التعميم على هذا التقدير بالإضافة إلى جميع الأحوال\" (١).\n٣ - أن يُسأل - ﷺ - عن واقعة باعتبار دخولها الوجود لا باعتبار وقوعها فيكون السؤال مبهمًا ولا يفصل - ﷺ - في الجواب، فهذا يعم.\n٤ - أن تكون الواقعة المسئول عنها حاصلة في الوجود، ويطلق السؤال عنها فيجيب - ﷺ - بدون تفصيل.\nتعارض هنا أمران:\n_________\n= نسبة إلى أبيار - بفتح الهمزة - من بلاد مصر، ولد بها سنة ٥٥٧ هـ، وتوفي سنة ٦١٦ هـ، كان بارعًا في علوم الفقه وأصوله، له تصانيف حسنة منها: \"التحقيق والبيان في شرح البرهان\" شرح فيه برهان الجويني.\n[الديباج المذهب (ص ٣٠٦، ترجمة ٤٠٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٥٤)].\n(١) البحر المحيط (٣/ ١٥٠).","vol":"1","page":475},{"text":"١ - القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال كلها، أي أنها لم تقع في الوجود إلا خاصة.\n٢ - الإطلاق في السؤال يقتضي استواء الأحوال في غرض المجيب.\nنظر إلى الثاني: الشافعي.\nونظر إلى الأول: أبو حنيفة.\nونظر الشافعي أرجح من جهة التأصيل والتطبيق.\nأما التأصيل فلأن ذلك أقرب إلى مقصود الإرشاد، وإزالة الإشكال، وحصول تمام البيان، إذ النبي - ﷺ - مشرّع بقوله ولا يصح تقدير أنه علم ما لم يثبت أنه علمه فضلًا عن بناء الحكم عليه.\nأما من جهة التطبيق فإن جمع روايات حديث غيلان - ﵁ - يثبت عكس ما ذكره أبو حنيفة، إذ إنه قد ثبت عند الترمذي بلفظ: \"فأمره النبي - ﷺ - أن يتخير أربعًا منهن\" (١)، وأقوى منه - لكنه لم يصح - ما ورد من حديث نوفل بن معاوية - ﵁ - قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة فقال النبي - ﷺ -: \"فارق واحدة منهن\"، قال: فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها (٢).\n_________\n(١) رواه الترمذي (٣/ ٤٣٥ / ١١٢٨) كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم، وعنده عشر نسوة، وصححه الألباني في الإرواء (٦/ ٢٩١ / ١٨٨٣).\n(٢) رواه البيهقي (٧/ ١٨٤) كتاب النكاح، باب من يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، وضعفه الألباني لأجل جهالة شيخ الشافعي فإنه لم يسمه. انظر: الإرواء (٦/ ٢٩٥ / ١٨٨٤).","vol":"1","page":476},{"text":"وقد أشار الزركشي (١) إلى الترجيح بهذه الرواية ولكنها ضعيفة.\nوبذلك يظهر أن ترك الاستفصال في جميع الصور يعم ما عدا صورة واحدة، وهي التي ثبت أن النبي - ﷺ - اطلع على خصوص الواقعة فحكم فيها بحكم.\nوالذي يميل إليه الباحث في ذلك أن ثبوت اطلاع النبي - ﷺ - على خصوص الواقعة له حالتان:\nالأولى: أن يكون في نفس الموقف، وهذا ينفي قاعدة ترك الاستفصال من الأساس.\nالثانية: أن يكون في غير الموقف، وهذا لا أجد له مثالًا صحيحًا، على أنه فيه نظر من جهة التأصيل لو ثبت له مثال صحيح، وذلك لأن اطلاع النبي - ﷺ - على الواقعة قبل ذلك ثم إذا سئل لم يستفصل فيه دلالة على إرادة العموم، إذ لو أراد أن ينزل الجواب على الصورة التي يعلمها لفعل، وهذا يبعد من آحاد الناس، فكيف من رسول الله - ﷺ -؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>المطلب الرابع: مذاهب العلماء في اعتبار القاعدة:</span>\nللعلماء في اعتبار القاعدة ثلاثة مذاهب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>١ - المذهب الأول: القبول</span>.\nوهو اختيار الحنابلة وأكثر الشافعية والمالكية (٢).\n_________\n(١) البحر المحيط (٣/ ١٤٩).\n(٢) انظر: التحبير شرح التحرير (٥/ ٢٣٨٧)، والمسودة (١/ ٢٦٤)، وشرح الكوكب المنير =","vol":"1","page":477},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>٢ - المذهب الثاني: التفصيل بين حالتين:</span>\nإذا علم النبي - ﷺ - تفاصيل الواقعة فإنها ترد.\nوإذا لم يعلم النبي - ﷺ - تفاصيل الواقعة فإنها تقبل.\nذهب إليه الجويني (١)، وابن القشيري (٢)، والغزالي، ويحتمل أن يضم إليهم الرازي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>٣ - المذهب الثالث: الرد مطلقًا</span>.\nوهو مذهب الحنفية ومن وافقهم كإلكيا الهراسي (٤) فيما نقله عنه الزركشي (٥).\n_________\n= (٣/ ١٧٠)، والفروق (٢/ ١٥٣) (أو أنوار البروق في أنوار الفروق) تأليف: الإمام أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القراني، ضبطه وصححه: خليل المنصور، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م)، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، والمحصول لابن العربي (ص ٨٧)، وقواطع الأدلة (١/ ٢٢٥)، والبحر المحيط (٣/ ١٤٨).\n(١) البرهان فقرة (٢٤٩).\n(٢) نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (٣/ ١٤٩).\n(٣) قال الرازي في المحصول (٢/ ٣٨٧): \". . . وهذا فيه نظر لاحتمال أنه - ﷺ - عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل\"، فيحتمل أن يكون موافقًا للجويني أو لمذهب أبي حنيفة، أما الغزالي فقد وافق الجويني ولم يبوب للمسألة بنصها، المستصفى (٣/ ٢٦٣).\n(٤) هو: أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري الهَرَّاسي، شيخ الشافعية ومدرس النِّظامية ببغداد، تفقه بإمام الحرمين، وكان أحد الفصحاء، ولد سنة ٤٥٠ هـ، وتوفي سنة ٥٠٤ هـ، من كتبه \"لوامع الدلائل في زوايا المسائل\" و\"أحكام القرآن\".\n[سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣٧)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٦ / ٤٣٠)، طبقات الشافعية لابن السبكي (٧/ ٢٣١ / ٩٣٢)].\n(٥) البحر المحيط (٣/ ١٤٨).","vol":"1","page":478},{"text":"شروط القاعدة عند من اعتبرها:\n١ - أن تكون في جواب السؤال. ذكره الزركشي (١).\n٢ - أن تكون الاحتمالات متقاربة أو متساوية، أما الاحتمالات المرجوحة والضعيفة فلا تدخل فيه.\nنقل هذا الشرط الزركشي وأقره (٢)، ونقل عن الشافعي من الأم ما يشهد لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>المطلب الخامس: دفع التعارض بين هذه القاعدة وقاعدة قضايا الأحوال:</span>\nنقل عن الشافعي أنه قال: \"قضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال\".\nوهذا القول يعارض ظاهر القاعدة التي نحن بصددها.\nوللعلماء في هذا التعارض مسلكان:\nالمسلك الأول: أنهما متعارضان.\nفمنهم من يبقى على الوقف، ومنهم من يقول: للشافعي في هذا قولان.\nالمسلك الثاني: عدم التعارض.\nولهم في الجمع بين القاعدتين مسلكان (٣):\n_________\n(١) البحر المحيط (٣/ ١٥١).\n(٢) البحر المحيط (٣/ ١٥٢).\n(٣) ذكر الزركشي أن أوجه الجمع ثلاثة، المذكوران هنا، وزاد وجهًا ثالثًا نقله عن القرافي =","vol":"1","page":479},{"text":"الأول: أن القاعدة الأولى: الاستدلال فيها بقول الشارع وعمومه في الخطاب الوارد على السؤال عن الواقعة المختلفة الأحوال.\nأما القاعدة الثانية فهي في الفعل المحتمل وقوعه على وجوه مختلفة، فهي في كون الواقعة نفسها لم يُفصل، وهي تحتمل وجوهًا يختلف الحكم باختلافها فلا عموم له.\nوهذا الوجه نقله الزركشي عن الأصفهاني وأقره وذكر أنه الأصوب في الجمع بين القاعدتين (١).\nالثاني: أن قاعدة ترك الاستفصال إذا كانت الاحتمالات في محل المدلول، والقاعدة الأخرى إذا كانت الاحتمالات في محل الدليل، أي أن الاحتمال إذا كان في دليل الحكم فإنه يسقط الاستدلال، أما إن كان في محل الحكم فلا يسقط الاستدلال.\n_________\n= وهو: أن الاحتمال المانع من الاستدلال: الاحتمال المساوي أو القريب، والاحتمال الذي لا يمنع: الاحتمال المرجوح، وبالرجوع إلى كلام القرافي في الفروق تبين لي أن هذا النقل غير صحيح، ولم يذكره القرافي وجهًا من وجوه الجمع بين القاعدتين، بل ذكره في بيان أي أنواع الاحتمالات المرادة في القاعدة، وما ذكره القرافي صحيح، وإنما الخطأ في فهم الزركشي أن ذلك من وجوه الجمع.\nوعلى ذلك فليس للقرافي في الجمع بين القاعدتين سوى قول واحد، وليس قولان كما ذكر الزركشي، راجع: البحر المحيط (٣/ ١٥٣)، والفروق للقرافي (٢/ ١٥٤)، ونفائس الأصول (٤/ ١٩٧٠). ويلاحظ أن المرداوي وابن النجار قد تابعا الزركشي على فهمه لكلام القرافي.\n(١) البحر المحيط (٣/ ١٥٣).","vol":"1","page":480},{"text":"ذكره القرافي (١)، ونقله عنه وأقره البعلي (٢)، والإسنوي (٣)، وابن الشاط (٤) (٥)، ونقله عنه الزركشي (٦) لكنه رده.\nوالذي يراه الباحث في ذلك: أن القاعدة الأولى: في ترك استفصال الشارع، وأن الثانية: في أن الواقعة نفسها لم تنقل بالتفصيل.\nوهذا الوجه هو ما ذكره الأصفهاني فقد قال: \"ولكن لا مناقضة بين الكلامين؛ لأن الأول هو ترك استفصال الشارع، والثاني: كون الواقعة في نفسها لم تنقل بالتفصيل\" (٧).\nولذا فالقول الأول هو الأولى بالقبول (٨).\n_________\n(١) الفروق (٢/ ١٥٤).\n(٢) القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من أحكام (ص ٢٣٤).\n(٣) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (ص ٣٣٨).\n(٤) هو: سراج الدين أبو القاسم قاسم بن عبد الله بن محمد الأنصاري السبتي، ابن الشاط، فرضي فقيه مالكي، ولد سنة (٦٤٣ هـ)، وتوفي سنة (٧٢٣ هـ)، من مصنفاته (إدرار الشروق على أنواء البروق)، (غنية الرائض في علم الفرائض)، وغيرها.\n[الديباج المذهب (ص ٣٢٤/ ٤٣٢)، شجرة النور الزكية (١/ ٢١٧)، هدية العارفين (١/ ٨٢٩)].\n(٥) إدرار الشروق على أنواع الفروق (٢/ ١٥٩) لقاسم بن عبد الله بن الشاط، مطبوع بحاشية الفروق، دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٩٩٨ م).\n(٦) البحر المحيط (٣/ ١٥٣).\n(٧) الكاشف عن المحصول (٤/ ٣٧١).\n(٨) انظر نظرية الاحتمال عند الأصوليين، د/ أشرف محمود عقلة بني كنانة (٣٧٩ - ٣٩٣) فقد فصل الكلام في دفع التعارض بين القاعدتين.","vol":"1","page":481},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>المبحث الثاني: تطبيقاق ترك الاستفصال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>المطلب الأول: صدقة المرأة دون توقف على إذن زوجها:</span>\nورد من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: شهدت الفطر مع النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - يصلونها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، خرج النبي - ﷺ - كأني أنظر إليه حين يُجلسُ بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساءَ، معه بلال - ﵁ - فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، ثم قال حين فرغ منها: \"آنتن على ذلك؟ \"، قالت امرأة واحدة منهن - لم يجبه غيرها -: نعم، قال: \"فتصدقن\"، فبسط بلال ثوبه ثم قال: \"هلم لَكُنَّ فداءٌ أبي وأمي، فيلقين الفَتخ والخواتيم في ثوب بلال\" (١).\nقال ابن حجر: \"واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصة: ترك الاستفصال عن ذلك كله، قال القرطبي: ولا يقال في هذا إن أزواجهن كانوا حضورًا؛ لأن ذلك لم ينقل، ولو نقل فليس فيه تسليم أزواجهن لهن\" (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ٥٤١ / ٩٧٩) كتاب العيدين، باب موعظة الإمام النساء يوم العيد، والفتخ: الخواتيم العظام كانت في الجاهلية.\n(٢) فتح الباري (٢/ ٥٤٣).","vol":"1","page":482},{"text":"في رواية: ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: \"تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم\"، فقامت امرأة من سبطة النساء سعفاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: \"لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير\"، قال: فجعل يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن (١).\nقال النووي: \"وفيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها ولا يتوقف ذلك على ثلث مالها، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. . . ودليلنا من الحديث: أن النبي - ﷺ - لم يسألهن استأذن أزواجهن في ذلك أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أم لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل\" (٢).\nوهذه المسألة للفقهاء فيها ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: لها التصرف في مالها كله بالتبرع.\nوهو قول أبي حنيفة والشافعي وابن المنذر ورواية عن أحمد (٣).\n\nواستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وهو ظاهر في فك الحَجر عنهم وإطلاقهم في التصرف، وهذا يشمل الذكور والإناث، وأن من وجب دفع ماله إليه لرشده جاز له التصرف فيه من غير إذن.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢/ ٦٠٣ - ٦٠٤/ ٨٨٥) كتاب صلاة العيدين.\n(٢) شرح صحيح مسلم للنووي (٦/ ٤١٣).\n(٣) المغني (٦/ ٦٠٢)، المجموع (١٣/ ٣٤)، نيل الأوطار (٤/ ٣٨)، الموسوعة الفقهية (١٧/ ٩٨).","vol":"1","page":483},{"text":"٢ - قول النبي - ﷺ -: \"يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن\" وأنهن تصدقن فقبل صدقتهن ولم يسأل ولم يستفصل (١).\n٣ - حديث زينب امرأة عبد الله - ﵄ - قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي - ﷺ - فقال: \"تصدقن ولو من حليكن\" - وكانت زينب - ﵂ - تنفق على عبد الله - ﵁ - وأيتام في حجرها - فقلت لعبد الله: سل رسول الله - ﷺ - أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله - ﷺ -، فانطلقتُ إلى النبي - ﷺ -، فوجدتُ امرأة من الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، فمر علينا بلال - ﵁ - فقلنا: سل النبي - ﷺ - أيجزي عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري، وقلنا لا تخبر بنا، فدخل فسأله فقال: \"من هما؟ \" قال: زينب، قال: \"أي الزيانب؟ \" قال امرأة عبد الله، قال: \"نعم لها أجران، أجر القرابة وأجر الصدقة\" (٢).\nووجه الدلالة فيه: أن النبي - ﷺ - لم يذكر لهن شرط إذن الزوج.\nالقول الثاني: لا يجوز لها أن تتصدق بأكثر من الثلث.\nوهو قول طاووس ومالك ورواية عن أحمد (٣).\n_________\n(١) المغني (٦/ ٦٠٣).\n(٢) رواه البخاري (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥/ ١٤٦٦) كتاب الزكاة، باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، ومسلم (٢/ ٦٩٤ - ٦٩٥/ ١٠٠٠) كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد.\n(٣) المغنى (٦/ ٦٠٢)، المجموع (١٣/ ٣٤)، نيل الأوطار (٤/ ٣٨)، الموسوعة الفقهية (١٧/ ٩٨).","vol":"1","page":484},{"text":"واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - ما ورد أن خيرة امرأة كعب بن مالك - ﵂ - أتت رسول الله - ﷺ - بحلي لها، فقالت: إني تصدقت بهذا، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت كعبًا؟ \"، قالت: نعم، فبعث رسول الله - ﷺ - إلى كعب بن مالك زوجها، فقال: \"هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟ \"، فقال: نعم، فقبله رسول الله - ﷺ - منها (١).\n٢ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - ﵁ - قال: لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة خطيبًا، قال في خطبته: \"لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها\" (٢).\n٣ - أن حق الزوج متعلق بمالها، والدليل على ذلك ما ثبت عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك\" (٣).\n\nوأجيب:\n١ - ضعف حديث زوجة كعب بن مالك - ﵁ -، فقد قال الطحاوى:\n_________\n(١) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٩٨ / ٢٣٨٩) كتاب الهبات، باب عطية المرأة بغير إذن زوجها، وضعفه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٤٧٣) تحت حديث رقم (٨٢٥).\n(٢) رواه النسائي (٦/ ٢٧٨) كتاب العُمرى، باب عطية المرأة بغير إذن زوجها، وأبو داود (٣/ ٢٩٢ - ٢٩١/ ٣٥٤٧) كتاب البيوع، باب في عطية المرأة بغير إذن زوجها، وحسنه الألباني في الصحيحة (٢/ ٤٧٢ / ٨٢٥).\n(٣) رواه البخاري (٩/ ٣٥ / ٥٠٩٠) كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، ومسلم (٢/ ١٠٨٦ / ١٤٦٦) كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين.","vol":"1","page":485},{"text":"حديث شاذ لا يثبت، وقال ابن عبد البر: إسناده ضعيف لا تقوم به حجة (١).\n٢ - حديث عبد الله بن عمرو - ﵁ - محمول على أنه لا يجوز عطيتها من مال زوجها إلا بإذنه.\nالقول الثالث: لا يجوز لها التبرع بشيء من مالها لا أكثر من الثلث ولا أقل، وهو قول الليث (٢).\nومأخذ هذا القول واضح وهو العمل بعموم حديث النبي - ﷺ -: \"لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها\" خصوصًا أنه كان في فتح مكة وأيضًا فإن المرأة قد تنفق من مالها على وجه يعود على الزوج بالضرر أو بالعار أو بالنقيصة فلذلك تمنع إلا بإذنه وهي لا تخسر شيئًا إذا استأذنت زوجها.\nوالذي يراه الباحث في ذلك: أن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عالم في عطية المرأة سواء كان من مالها أو من مال زوجها، فأما مال زوجها فلا إشكال في دخوله في الحديث، وتبقى الصورة محل النزاع فيما إذا كان من مالها لمعارضته بحديث: \"يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن\"، فمن خصص به عموم حديث عمرو بن العاص قال: يجوز للمرأة أن تتصدق دون إذن زوجها، ومن قال لا يخصص فمنع من تصدق المرأة بدون إذن زوجها، ومأخذ المنع من التخصيص أن حديث بلال ليس صريحًا في الدلالة، بل هو استدلال بفعل صحابي لم يعلم وجهه، فلعل النساء اللاتي تصدقن كن\n_________\n(١) السلسة الصحيحة (٢/ ٤٧٣).\n(٢) ذكره الشوكانى في نيل الأوطار (٤/ ٣٨).","vol":"1","page":486},{"text":"قد استأذنّ، لكن يشكل عليه: أن ذلك لو كان معتبرًا لبينه النبي - ﷺ - ولما أخر بيانه.\n\nوعلى كلٍّ: فالغرض إثبات دور القاعدة في الاستدلال، والذي يميل إليه الباحث هو القول بالتخصيص أي: عدم توقف صدقة المرأة على إذن الزوج هو القول الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>المطلب الثاني: أيهما تقدم المستحاضة، العادة أم التمييز</span>؟\nثبت من حديث عائشة - ﵂ - أن فاطمة بنت أبي حبيش - ﵂ - سألت النبي - ﷺ -، قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة، فقال: \"لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي\" (١).\nاستدل بهذا الحديث من يرى تقديم العادة على التمييز في المسألة المشهورة: هل إذا كانت المرأة المستحاضة لها عادة وتمييز أيهما يقدم؟\n\nوللفقهاء في تلك المسألة ثلاثة مسالك:\nالأول: تقديم التمييز على العادة.\nقال النووي (٢): \"وهو قول ابن سريج وابن إسحاق، وقال الماوردي:\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٥٠٧ / ٣٢٥) كتاب الحيض، باب إذا حاضت في شهر ثلاث حيض، وأصل حديث فاطمة بنت حبيش في الصحيحين [البخاري (١/ ٣٩٦ / ٢٢٨) كتاب الوضوء، باب غسل الدم، ومسلم (١/ ٢٦٢ / ٣٣٣) كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها].\n(٢) المجموع (٢/ ٤٥٦).","vol":"1","page":487},{"text":"هو مذهب الشافعي\".\nالثاني: تقديم العادة على التمييز.\nقال ابن قدامة: \"ظاهر كلام أحمد وقول أكثر الأصحاب\" (١).\nوقال النووي: \"وهو قول ابن خيران والاصطخري ومذهب أبي حنيفة وأحمد\" (٢).\nوقد استدل أصحاب هذا القول بأن النبي - ﷺ - لم يستفصلها عن كونها مميزة أو لا، فدل ذلك على أن هذا الحكم عام فيها\" (٣).\nالثالث: إن أمكن الجمع بين العادة والتمييز حيضناها الجميع عملًا بالدليلين، وإن لم يمكن سقطا وكانت مبتدأة، قال النووي: \"وهو ضعيف\".\nوالذي يختاره الباحث من ذلك هو القول الثاني عملًا بالقاعدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>المطلب الثالث: هل تجب كفارة الجماع في نهار رمضان على الناسي ومن لم ينزل وعلى المرأة</span>؟\nما ورد من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: بينما نحن جلوس عند النبي - ﷺ - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله - ﷺ - هلكت، قال: \"ما لك؟ \"، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هل تجد رقبة تعتقها؟ \"، قال: لا، قال: \"فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ \"، قال: لا،\n_________\n(١) المغني (١/ ٤٠٠).\n(٢) المجموع (٢/ ٤٥٦).\n(٣) الجوهر النقي (١/ ٣٢٣) [مطبوع بحاشية السنن الكبرى للبيهقي]، والمجموع (٢/ ٤٥٦).","vol":"1","page":488},{"text":"قال: \"فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ \"، قال: لا، فمكث النبي - ﷺ - فبينا نحن على ذلك أُتي النبي - ﷺ - بعَرَق فيها تمر - والعرق: المكتل -، قال: \"أين السائل؟ \"، فقال: أنا، قال: \"خذ هذا فتصدق به\"، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله - ﷺ -؟ فوالله ما بين لابتيها - يريد الحرّتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت أنيابه ثم قال: \"أطعمه أهلك\" (١).\n\nفي هذا الحديث ثلاثة مسائل:\nالأولى: هل تجب الكفارة على من لم ينزل؟\nالثانية: هل تجب الكفارة على الناسي؟\nالثالثة: هل تجب الكفارة على المرأة التي جومعت؟\n\n* أما الأولى:\nفقد ذهب عامة أهل العلم إلى أن الكفارة تجب على من جامع سواء أنزل أو لم ينزل (٢).\nوعلل ابن قدامة مذهب عامة أهل العلم بأن النبي - ﷺ - ترك الاستفصال من الأعرابي عن الإنزال فيعم الحالتين (٣).\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٩٣ / ١٩٣٦) كتاب الصوم، باب إذا جامع في نهار رمضان، ولم يكن له شيء فتُصدق عليه فليكفر، ومسلم (٢/ ٧٨١ - ٧٨٢/ ١١١١) كتاب الصيام، باب تغليظ الجماع في نهار رمضان على الصائم.\n(٢) المغني (٤/ ٣٧٢)، شرح مختصر الخرقي للزركشي (٢/ ٥٩١).\n(٣) الكافي (١/ ٤٤٠).","vol":"1","page":489},{"text":"* أما الثانية:\nفقد اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان ناسيًا على ثلاثة أقوال:\n\nالقول الأول: أن الناسي كالعامد يجب عليه القضاء والكفارة.\nوقال به: عطاء (١)، وابن الماجشون (٢)، ونص عليه أحمد وهو ظاهر مذهب الحنابلة (٣)، واختيار ابن قدامة (٤)، ونسبه ابن حجر للمالكية (٥).\n\nوالدليل على ذلك: أن ترك استفصال النبي - ﷺ - من الأعرابي عن جِمَاعه هل كان عن عمد أو نسيان دليل على وجوب الكفارة على العامد والناسي، إذ لو افترق الحال لسأل واستفصل، فترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.\nأما قول الرجل: \"هلكت\" فيدل على أنه يعلم أن النسيان هنا لا يؤثر (٦).\n_________\n(١) قد اختلف في النقل عن عطاء فذكر ابن قدامه في المغنى أن هذا قوله وذكر النووي في المجموع أن قول عطاء القضاء دون الكفارة [المغنى (٤/ ٣٧٤)، المجموع (٦/ ٣٥٢)].\n(٢) هو: العلامة الفقيه مفتي المدينة أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجشون التيمي مولاهم المدني المالكي، تلميذ الإمام مالك، قال ابن عبد البر عنه: دارت عليه الفتيا في زمانه، توفي سنة ٢١٣ هـ وقيل ٢١٤ هـ.\n[سير أعلام النبلاء (٩/ ٩٧)، وفيات الأعيان (٣/ ١٦٦ / ٣٧٧)، الديباج الذهب (٢٥١/ ٣٢٥)].\n(٣) شرح مختصر الخرقي للزركشي (٢/ ٥٩٢).\n(٤) المغنى (٤/ ٣٧٤).\n(٥) فتح الباري (٤/ ١٩٥)، المجموع (٦/ ٣٥٢)، شرح صحيح مسلم للنووي (٧/ ٢٢٥).\n(٦) شرح مختصر الخرقي (٢/ ٥٩٢).","vol":"1","page":490},{"text":"القول الثاني: أن الناسي عليه القضاء دون الكفارة.\nوقال به: الأوزاعى والليث وربيعة ومالك، ورواية عن أحمد (١).\n\nودليلهم على ذلك: قول الأعرابي في رواية: \"احترقت\"، وفي رواية أخرى: \"ما أراني إلا هلكت\" دليل على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.\nوأنه يبعد جدًّا أن يجامع في نهار رمضان ناسيًا.\nوأن الكفارة لمحو الإثم وهو مرفوع عن الناسي.\n\nوأجاب أصحاب القول الأول: بأنه يجوز أن يخبر عن هلكته فيما يعتقده من الجماع مع النسيان من إفساد الصوم (٢).\n\nالقول الثالث: لا قضاء عليه ولا كفارة.\nوهو قول الحسن ومجاهد والثوري وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق وأبي ثور وداود وابن المنذر، ورواية عن أحمد رواها عنه أحمد بن القاسم ومال إليها أبو الخطاب من الحنابلة (٣).\n_________\n(١) المغنى (٤/ ٣٧٤)، المجموع (٦/ ٣٥٢)، وتهذيب المدونة (١/ ٣٦٠)، فتح الباري (٤/ ١٩٥)، شرح صحيح مسلم للنووي (٧/ ٢٢٥)، الزركشي شرح مختصر الخرقي (٢/ ٥٩٢).\n(٢) المغني (٤/ ١٧٩).\n(٣) المغنى (٤/ ٣٧٤)، المجموع (٦/ ٣٥٢)، المبسوط (٣/ ١٥٥)، الزركشى شرح مختصر الخرقى (٢/ ٥٩٢)، فتح الباري (٤/ ١٩٥) شرح صحيح مسلم (٧/ ٢٢٥).","vol":"1","page":491},{"text":"واستدلوا على ذلك بما يلي:\n١ - حديث أبى هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: \"من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه\" (١) والجماع في معنى الأكل والشرب.\n٢ - عموم حديث: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (٢).\n٣ - قول الأعرابي في الحديث: \"هلكت\" وفي رواية: \"احترقت، يدل على أنه كان عامدًا؛ لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك.\nوالذي يراه الباحث هنا أن الترجيح متردد بين الأول والثالث، والأولى بالقبول هو القول الثالث إذ أن التنصيص على الأكل والشرب هنا قد خرج مخرج الغالب إذ لو فعل ما يفسد الصوم غير أكل والشرب - المنصوص عليهما - والجماع - المختلف فيه، ناسيًا لما فسد صومه فيكون المراد: من فَعل ما يبطل الصوم ناسيًا كونه صائمًا.\nويؤيد ذلك:\nالحديث السابق: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان\"، وقول الأعرابي: \"هلكت\" فيه إشارة إلى نفي احتمال النسيان.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٨٣ - ١٨٤/ ١٩٣٣) كتاب الصوم، باب الصائم إذأ أكل أو شرب ناسيًا، ومسلم (٢/ ٨٠٩ / ١١٥٥) كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، واللفظ لمسلم.\n(٢) رواه ابن ماجه (١/ ٦٥٩ / ٢٠٤٥)، وصححه الألباني في الإرواء (١/ ١٢٣ - ١٢٤/ ٨٢).","vol":"1","page":492},{"text":"* أما الثالثة: وهي هل يجب على المرأة كفارة إذا جومعت في نهار رمضان (١).\nفيها ثلاثة أقوال لأهل العلم:\nالقول الأول: عليها كفارة.\nوهو قول أبي حنيفة ومالك وأبي ثور وابن المنذر وقول للشافعي ورواية عن أحمد واختيار أبي بكر (٢) من الحنابلة (٣).\n\nودليلهم على ذلك:\nأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فكان عليها الكفارة كالرجل لحديث الأعرابي.\n\nالقول الثاني: ليس عليها كفارة.\nوهو قول الحسن والأوزاعي وأصح قولي الشافعي ورواية عن أحمد (٤).\n\nودليلهم على ذلك:\n_________\n(١) وذلك إذا كانت مختارة أما إذا أكرهت فلا شيء عليها، وعند مالك: على الزوج كفارتان.\n(٢) هو: أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد البغدادي الفقيه، المعروف بـ (غلام الخلال)، شيخ الحنابلة، ولد سنة (٢٨٥ هـ)، وكان كبير الشأن من بحور العلم، توفي سنة (٣٦٣ هـ) وله مصنفات منها (المقنع)، و(الشافي)، و(زاد المسافر)، وغير ذلك.\n[سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٧٩)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٩)، شذرات الذهب (٤/ ٣٣٥)].\n(٣) المغنى (٤/ ٣٧٥)، المجموع (٦/ ٣٦٦)، أحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٢٨٨)، فتح الباري (٤/ ٢٠١)، تهذيب المدونة (١/ ٣٧٠)، المبسوط (٣/ ٧٨).\n(٤) المغني (٤/ ٣٧٥)، المجموع (٦/ ٣٦٦)، فتح الباري (٤/ ٢٠١).","vol":"1","page":493},{"text":"أولًا: أن النبي - ﷺ - سكت عن حكم المرأة في حديث الأعرابي، مع علمه بوقوع الجماع منها، فدل ذلك على أنه ليس عليها كفارة، فالمقام مقام بيان مع الحاجة، ومعلوم أن النبي - ﷺ - لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.\nواعترض علي ذلك بأنه يحتمل أن المرأة لم تكن صائمة، أو أن المرأة لم تعترف، واعتراف الزوج لا يوجب عليها الحكم، أو أن بيان الحكم للرجل بيان للمرأة، أو أنه عرف حال المرأة من حال زوجها.\nثانيًا: رواية: \"هلكت وأهلكت\" دليل على أنه أكرهها فلذلك لم يجب عليها شيء.\nوأجيب عن ذلك بأن هذه الزيادة لم تثبت، ولو ثبتت فلا دلالة فيها، إذ قد يكون المعنى: هلكت بأن أوقعت بنفسي كفارة لا أستطيعها، وأهلكت نفسي بالإثم: أو أن المعنى أهلكت من طاوعتني بأن حملتها إثمًا.\n\nالقول الثالث: أن عليها كفارة داخلة في كفارة زوجها.\nوهو أحد أقوال الشافعي (١).\nوالذي يميل إليه الباحث أنه ليس عليها كفارة، وهو القول الثاني؛ وذلك لأن النبي - ﷺ - لم يأمرها بشيء، والمقام مقام بيان، ولو كان الحكم يختلف باختلاف الأحوال لاستفصل النبي - ﷺ - منها، والواقعة ذكرها الراوي على سبيل الاستشهاد، فيبعد أن يقع السؤال من النبي - ﷺ - ولا ينقله الراوى، فهذا القول أقرب الأقوال لما ذُكر من قواعد.\n_________\n(١) المجموع (٦/ ٣٦٦).","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>المطلب الرابع: هل نية المرأة في الرجوع إلى الزوج الأول تعتبر تحليلًا للنكاح الثاني</span>؟\nورد من حديث عائشة - ﵂ - قالت: جاءت امرأة رفاعة القُرَظي - ﵄ - النبيَّ - ﷺ - فقالت: كنت عند رفاعة فطلقني فأبَتّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير - ﵁ - إنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا حتى تذوقي عُسَيلته ويذوق عُسَيلَتك\" (١).\nوفي رواية للبخاري أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا فتزوجت فطلقت، فسئل النبي - ﷺ -: أتحل للأول؟ قال: \"لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول\" (٢).\nاستدل بهذا الحديث من قال من الفقهاء بأن نية المرأة في الرجوع إلى الزوج الأول لا تعتبر تحليلًا للنكاح الثاني وهو قول مالك (٣)، وأحمد، واختيار ابن تيمية.\nقال شيخ الإسلام: \"لا فرق بين نية المرأة قبل العقد أو بعد العقد؛ لأن الحديث يعم الصورتين\" (٤).\n_________\n(١) البخاري (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦/ ٢٦٣٩) كتاب الشهادات، باب شهادة المختبئ، ومسلم (٢/ ١٠٥٥ - ١٠٥٦/ ١٤٣٣) كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها.\n(٢) البخاري (٩/ ٢٧٤ / ٥٢٦١) كتاب الطلاق، باب من جوز الطلاق الثلاث.\n(٣) الفواكه الدواني (٢/ ٤٦).\n(٤) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٠٢).","vol":"1","page":495},{"text":"ووجه الدلالة: أن الحديث فيه إقرار للمرأة على أنها تريد أن ترجع إلى رفاعة، ومع ذلك لم تؤثر هذه النية بالمنع من الرجوع للزوج الأول ما دام الزوج الثاني قد جامعها، إذ لو كانت تلك النية مؤثرة لقال لها النبي - ﷺ -: إن نية رجوعك إلى رفاعة مانعة من ذلك، فلما لم يعترض النبي - ﷺ - على تلك النية كان ذلك دليلًا على أن تلك النية غير مؤثرة، ثم إن ذلك يشمل ما لو كانت نية المرأة قبل العقد أو بعده لأن النبي - ﷺ - علم نية رجوعها ثم لم يستفصل، فدل ذلك على أنه لو كان له أثر في الحكم لاستفصل منها أكانت تلك النية قبل العقد أم بعده، فلما لم يستفصل دل ذلك على أنه لا يختلف الحكم بذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>المطلب الخامس: جواز الصلاة في مرابض الغنم هل يشترط فيه السلامة من أبوالها وأبعارها</span>؟\nثبت من حديث جابر بن سمرة - ﵁ - أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ\"، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: \"نعم، فتوضأ من لحوم الإبل\"، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\"، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: \"لا\" (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٢٧٥ / ٣٦٠) كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل.","vol":"1","page":496},{"text":"دل هذا الحديث على إباحة الصلاة في مرابض الغنم، دون تفصيل بين أن تكون سليمة من أبعارها وأبوالها أم لا، وذلك لأن النبي - ﷺ - لم يستفصل عن ذلك، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم (١).\nقال ابن المنذر: \"أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه اشترط أن تكون سليمة من أبعارها وأبوالها\" (٢).\nبل نقل النووي الاتفاق على إباحة الصلاة في مرابض الغنم (٣).\nوفيه دليل أيضًا لما ذهب إليه عطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأحمد، ومن الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني (٤) من طهارة بول وروث مأكول اللحم، إذ إن النبي - ﷺ - ترك الاستفصال من السائل أهناك حائل يحول بينك وبين أبعارها أم لا، والموضع موضع بيان ولم يفصل النبي - ﷺ -، بل أطلق الإذن (٥).\nفسؤال الرجل عام ويشمل ما إذا كانت سليمة من أبوالها أو لم تكن فلما لم يستفصل دل ذلك على أنه لا يختلف الحكم بين الحالتين.\n_________\n(١) المغني (٢/ ٤٩٢).\n(٢) المغني (٢/ ٤٩٢).\n(٣) شرح صحيح مسلم (٢/ ٢٧٢).\n(٤) فتح الباري (١/ ٤٠٤).\n(٥) الفتاوى الكبرى (١/ ٣٩٤).","vol":"1","page":497},{"text":"وقد اختلف الفقهاء في ذلك، فقال بالنجاسة الشافعية في المشهور عنهم وكذلك أبو حنيفة وأبو يوسف.\nواستدلوا على ذلك بأدلة منها:\n- قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾، قالوا: والعرب تستخبث هذا.\n- إطلاق الأحاديث التي فيها نجاسة البول فيحمل على أي بول كان.\n- قياسًا على غير مأكول اللحم وهو نجس بالاتفاق، لم يخالف في ذلك إلا ابن حزم (١).\nأما القائلون بالطهارة فاستدلوا بـ:\n- أن الأصل الطهارة حتى يثبت الدليل الناقل عن هذا الأصل، ولم يرد ما ينقل عنه، بل قد ورد ما يؤيده وهو ما رواه البخاري في صحيحه (٢) من حديث أنس - ﵁ - قال: \"قدم أناس من عكل - أو عرينة - فاجتَوَوُا المدينة، فأمرهم النبي - ﷺ - بلقاح، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها. . .\"، فقالوا: لو كانت نجسة لما جاز شربها.\nواعترض عليهم: بأن ذلك كان لأجل التداوي.\nوأجيب عليه: بأنه لو كان ذلك لأمرهم بغسل أفواههم.\n_________\n(١) المجموع (٢/ ٥٦٨).\n(٢) (١/ ٢٣٣ / ٤٠٠) كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها.","vol":"1","page":498},{"text":"- ترك النبي - ﷺ - الاستفصال من السائل عن الصلاة في مرابض الغنم هل هناك ما يحول بين أبعارها أم لا.\n- ترك أهل العلم أبعار الغنم تباع في أسواقهم واستعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديمًا وحديثًا من غير نكير.\nواعترض عليه بأن المختلف فيه اختلافًا سائغًا لا إنكار فيه (١).\nوعلى أية حال فالمسألة طويلة النزاع والغرض هنا إثبات الاستدلال بالقاعدة على القول بالطهارة.\n_________\n(١) فتح الباري (١/ ٤٠٤).","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-416>نتائج الدراسة وتوصياتها</span>\nلقد توصلت الدراسة إلى العديد من النتائج كان من أهمها وأبرزها ما يلي:\n* أن ترك النبي - ﷺ - له جانب تشريعي هام لا يمكن إغفاله أو التغاضي عنه، ولابد للمجتهد من معرفته، وذلك لتوقف الحكم في كثير من مسائل النوازل والبدع والمصالح المرسلة عليه.\n* لا يصح القول بأن ترك النبي - ﷺ - يدل على الإباحة مطلقًا، وكذلك لا يصح القول بأنه يدل على البدعية مطلقًا، فكلا التعميمين غير صحيح، وما توصلت إليه الدراسة التفصيل بين أنواع التروك، فمنها ما يدل على الإباحة، ومنها ما يدل على التحريم والبدعية، ومنها ما يدل على الكراهة، على ما ذكر من دلالة كل نوع.\n* الترك وثيق العلاقة بباب المقاصد، ولا يكتمل البحث في المقاصد دون البحث في الترك، فمجال البحث التطبيقي في المقاصد لا يكتمل إلا بتناول جانب الترك، وحبذا لو قام باحث بدراسة مستقلة يتناول فيها العلاقة بين جانب الترك وبين جانب المقاصد حتى تتضح ملامح تلك العلاقة، وتكيف أصوليًّا وفقهيًّا.\n* ظهر من خلال الدراسة أن هناك كثيرًا من المسائل الأصولية مازالت تحتاج إلى البحث المستقلى، بل إن كثيرًا منها تحتاج إلى أن تبحث من منظور فقهي تطبيقي، وذلك لأن جوانب الأصل لن تتضح بجلاء حتى تتضح المسائل والفروع المتعلقة بها.","vol":"1","page":501},{"text":"ومن تلك المسائل:\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-417> المصالح المرسلة:</span>\nفبالرغم من الدراسات التي قدمت في باب المصلحة، إلا أن المصالح المرسلة ما زالت تحتاج إلى من يخصها بالدراسة المستقلة، ولابد من اعتبار الجانب التطبيقي الفقهي، فتبحث من منظور فقهي وأصولي معًا دون الاكتفاء بأحدهما عن الآخر.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-418> الإقرار:</span>\nفبالرغم من شيوع هذه المسألة في كتب الأصول، إلا أن لها من المتعلقات والجزئيات والمسائل الفرعية المتناثرة في الأبواب الفقهية ما يقتضي أن يقوم باحث بجمع شتات تلك المسائل وبحثها في مكان واحد.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-419> وسائل العبادات:</span>\nوهي من المسائل المستحدثة التي لا يكاد يوجد للمتقدمين فيها نصوص مباشرة، والبحث فيها من الأهمية بمكان، إذ إن هذه المسألة لا غنى لمن يبحث في باب المقاصد أو البدع أو الاستحسان عن التطرق إلى هذه المسألة.","vol":"1","page":502},{"text":"بهذا القدر أكون قد وصلت إلى ختام هذه الدراسة، وأسأل الله ﷿ أن يعصمني من الزلل، وأن يرزقني التوفيق في القول والعمل، وأن يجعل هذه الدراسة في ميزان حسناتي يوم القيامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"1","page":503},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>ملخص الدراسة</span>\nفي نهاية هذه الدراسة ألخصها في النقاط التالية:\n- ترك النبي - ﷺ -: هو عدم فعله لما كان مقدورًا له كونًا، وهو ينقسم إلى نوعين:\nالأول: ترك وجودي وهو الكف، وجمهور الأصوليين على أنه فعل.\nالثاني: ترك عدمي، وهو ليس بفعل.\n- النبي - ﷺ - يُتَأسى به في الترك - كما يُتَأسى به في الفعل - والتأسي به في الترك واجب، ومعنى ذلك الوجوب أن حكم الترك في حقنا كحكمه في حق النبي - ﷺ - إلا أن يقوم دليل على خصوصيته بذلك الترك.\n- السبيل إلى معرفة ترك النبي - ﷺ - أحد أمرين:\nالأول: أن يعلم بطريق النقل، وهذا يثبت به الترك الوجودي.\nالثاني: عدم نقل ما لو فعله لنقل، وهذا يثبت به الترك العدمي.\n- الترك الوجودي هو الترك المنقول، وينقسم إلى نوعين:\nالأول: الترك المسبب: وهو ما نقل سببه، وتعرف دلالته من خلال اعتبار سببه. والأسباب التي ورد النقل بها هي: الترك لأجل الخصوصية، ولأجل المفسدة، ولأجل الإنكار، ولأجل المرض، ولأجل النسيان، ولمجرد الطبع، ولأجل مراجعة الصحابة، ولأجل ألا يفرض العمل، ولأجل مراعاة حال الآخرين، ولأجل بيان التشريع، ولأجل مانع يخبر به.","vol":"1","page":504},{"text":"الثاني: الترك المطلق: وهو ما لم ينقل سببه، وينقسم باعتبار دلالته إلى ثلاثة أقسام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-421>القسم الأول:</span>\nالترك الذي وقع به بيان مجمل: وهذا لا يجوز الزيادة عليه أو النقصان منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>القسم الثاني:</span>\nالترك الذي تناوله بيان قولي: وهذا يستفاد حكمه من القول لا من مجرد الترك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>القسم الثالث:</span>\nالترك المجرد: وهو ما سوى القسمين السابقين، وهذا النوع يدل على التحريم في جانب العبادات، والكراهة في غيرها من العادات والمعاملات.\n- إذا أمر النبي - ﷺ - بفعل وتركه فإن الترك هنا صارف للوجوب المستفاد من الأمر، وإذا تعارض فعله مع تركه حمل الفعل عل حالة والترك على حالة أخرى.\n- الإقرار أحد أنواع الترك الوجودي، وهو يدل على صحة المقر عليه، وهو الكف عن الإنكار، ويكون على القول وعلى الفعل.\n- يدخل في أنواع الإقرار: ما اطلع النبي - ﷺ - عليه بأن كان في حضرته أو في غيبته وعلم به، أو لم ينقل إلينا أنه علم به، لكن كان على نحو يبعد ألا يعلم به، ويلحق به: قول الصحابي: كنا نفعل وكانوا يفعلون فقول الصحابي ذلك في معرض الاستدلال حجة.","vol":"1","page":505},{"text":"- ترك ما همَّ به النبي - ﷺ - مما يلحق بالترك الوجودي وهو على نوعين: ترك لما همَّ به له سبب وهذا يلحق بالترك المسبب، وترك ما همَّ به دون بيان سببه وهذا يلحق بالترك المطلق.\n\n- ما ترك نقل أن النبي - ﷺ - فعله ينقسم إلى نوعين:\nالأول: ما لم يكن مقدورًا له - ﷺ -، وهذا النوع يعرف حكمه بطريق القياس.\nالثاني: ما كان مقدورًا له - ﷺ - وهذا هو الترك العدمي، وهو النوع الثاني من أنواع ترك النبي - ﷺ -، وهو ينقسم إلى قسمين:\n\nالقسم الأول:\nما كان له مقتضى على عهد النبي - ﷺ - ولم يمنع منه مانع، وهذا القسم إما أن يكون في جانب العبادات فيدل على بدعية الفعل، وإما في جانب العادات والمعاملات فيدل على أن المصالح التي تنبني عليها تلك الأفعال مصالح موهومة.\n\nالقسم الثاني:\nما لم يكن له مقتضى على عهد النبي - ﷺ - ثم حدث ذلك المقتضى بعد، وهذا لا يكون في جانب العبادات بل يكون في جانب المعاملات والعادات والسياسة الشرعية، والأصل فيه الإباحة والجواز، وقد يكون مصلحة مرسلة وذلك إذا استوفى شروطها.\n- الأصل في الأشياء والعبادات: أصل عظيم تنبني كثير من دلالة الترك عليه وهو في الأشياء الإباحة وفي العبادات المنع.","vol":"1","page":506},{"text":"- البدعة في اصطلاح العلماء تطلق بإطلاقين:\nالأول: كل محدث في الدين، وبهذا المعنى لا تكون إلا ضلالة.\nالثاني: كل محدث بعد النبي - ﷺ -، وهي بهذا المعنى تنقسم إلى الأقسام الخمسة للأحكام الشرعية.\nوالكل متفق على أن البدعة الشرعية لا تكون إلا ضلالة، فالخلاف بين الطريقين لفظي.\n- المصلحة المرسلة هي تلك المصلحة الباقية على الأصل، لكن القول باعتبارها يؤدي إلى التعدي على أصل ثابت أو حق معتبر، ولذا فيشترط لاعتبارها أن تكون معقولة المعنى، ملائمة لمقصود الشارع وأن تكون حقيقية راجعة إلى رفع الحرج عن المكلفين.\n- مما يلحق بالترك العدمي ترك النبي - ﷺ - للاستفصال في حكاية الحال، وهذا حكمه أنه ينزل منزلة العموم من المقال.","vol":"1","page":507},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>كشاف إحالات الكنى</span>\n(ابن)\nابن أمير الحاج = محمد بن محمد بن الحسن الحلبي\nابن برهان = أحمد بن علي بن برهان\nابن بطال = علي بن خلف بن بطال\nابن تيمية الجد = عبد السلام بن عبد الله بن الخضر\nابن الجوزي = عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي\nابن الحاج = محمد بن محمد بن محمد العبدري\nابن الحاجب = عثمان بن أبي بكر بن يونس\nابن حجر العسقلاني = أحمد بن علي بن محمد بن محمد\nابن حجر الهيتمي = أحمد بن محمد بن علي بن حجر\nابن حزم = علي بن أحمد بن سعيد\nابن خيران = الحسين بن صالح\nابن دقيق العيد = محمد بن علي بن وهب الله أبي الطاعة\nابن راهويه = إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم\nابن رجب = عبد الرحمن بن أحمد بن رجب\nابن رشيق = الحسين بن أبي الفضائل\nابن سريج = أحمد بن عمر بن سريج\nابن السمعاني = منصور بن محمد بن عبد الجبار\nابن الشاط = قاسم بن عبد الله بن محمد","vol":"1","page":539},{"text":"ابن الصلاح = عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان\nابن عبد البر = يوسف بن عبد الله بن محمد\nابن العربي = محمد بن عبد الله بن محمد\nابن عرفة = محمد بن عرفة\nابن عقيل = علي بن عقيل بن محمد\nابن فورك = محمد بن الحسن بن فورك\nابن اللحام = علي بن محمد بن علي بن عباس\nابن الماجشون = عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله\nابن مفلح = إبراهيم بن محمد بن عبد الله\nابن المنذر = محمد بن إبراهيم بن المنذر\nابن النجار الفتوحي = محمد بن أحمد بن عبد العزيز\nابن نجيم = زين الدين بن إبراهيم بن محمد\nابن الوزير = محمد بن إبراهيم بن علي\n(أبو)\nأبو بكر الباقلاني = محمد بن الطيب بن محمد\nأبو بكر السرخسي = محمد بن أحمد بن أبي سهل\nأبو بكر الصيرفي = محمد بن عبد الله الصيرفي\nأبو ثور = إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان\nأبو حامد المروزي = أحمد بن بشر عامر العامري\nأبو الحسين البصري = محمد بن علي بن الطيب\nأبو الخطاب الكلوذاني = محفوظ بن أحمد بن حسن\nأبو شامة = عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم","vol":"1","page":540},{"text":"أبو علي الطبري = الحسن القاسم الطبري\nأبو قلابة = عبد الله بن زيد بن عمرو\nأبو مجلز = لاحق بن حميد بن سعيد\nأبو معشر المدني = نجيح بن عبد الرحمن السندي\nأبو هاشم الجبائي = عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>كشاف إحالات الألقاب</span>\nالأبياري = علي بن إسماعيل بن علي\nالإسنوي = عبد الرحيم بن الحسن بن علي\nالاصطخري = الحسن بن أحمد بن يزيد\nالأشعري = علي بن إسماعيل بن إسحاق\nإلكيا الهراسي = علي بن محمد بن علي الطبري\nالآمدي = علي بن أبي علي محمد بن سالم\nالأنصاري = سليمان بن ناصر بن عمران\nالأوزاعي = عبد الرحمن بن عمرو\nالإيجي = عضد الدين الإيجي = عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار\nالبيضاوي = عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي\nالخطابي = حمد بن محمد بن إبراهيم بن خطاب\nالخطيب البغدادي = أحمد بن علي بن ثابت\nالخلال = أحمد بن محمد بن هارون\nالحسن البصري = الحسن بن أبي الحسن يسار\nالرازي = فخر الدين الرازي = محمد بن عمر بن الحسين\nربيعة الرأي = ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ\nالرملي = محمد بن أحمد بن حمزة\nالزرقاني = محمد بن عبد الباقي بن يوسف\nالزركشي = محمد بن بهادر\nالزهري = محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب","vol":"1","page":542},{"text":"الزين بن المنير = أحمد بن منصور الجذامي\nالسبكي = تاج الدين السبكي = عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي\nالسخاوي = محمد بن عبد الرحمن بن محمد\nالسهروردي = يحيى بن حبش بن أميرك\nالشاطبي = إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي\nالشعبي = عامر بن شراحيل الهمداني\nالشوكاني = محمد بن علي بن محمد\nالصنعاني = محمد بن إسماعيل بن صلاح\nالعز بن عبد السلام = عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم\nالعلائي = صلاح الدين خليل بن كيكلدي\nعميرة = أحمد البرلسي\nالغزالي = محمد بن محمد بن محمد زين الدين الطوسي\nغلام الخلال = عبد العزيز بن جعفر بن أحمد\nالفاكهاني = عمر بن علي بن سالم بن صدقة\nالقاضي الأحمد = عبد النبي الأحمد النكري\nالقاضي عياض = عياض بن موسى بن عياض\nالقرافي = أحمد بن إدريس الصنهاجي\nالقشيري = عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن\nقليوبي = أحمد بن أحمد بن سلامة\nالقفال = عبد الله بن أحمد بن عبد الله\nالكرابيسي = أسعد بن محمد بن الحسين\nالكرماني = محمد بن يوسف بن علي بن سعيد\nالكوراني = أحمد بن إسماعيل بن عثمان","vol":"1","page":543},{"text":"المحلي = الجلال المحلي = محمد بن أحمد بن إبراهيم\nالمرداوي = علي بن سليمان بن أحمد\nالمزني = إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل\nالمقريزي = أحمد بن علي بن عبد القادر\nالنخعي = إبراهيم بن يزيد بن قيس\nالنووي = يحيى بن شرف","vol":"1","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>ثبت المصادر والمراجع</span>\n- الإبداع في مضار الابتداع. تأليف علي محفوظ، دار الاعتصام، ط. الخامسة.\n- إجابة السائل شرح بغية الآمل. تصنيف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق: القاضي حسين بن أحمد السياغي، د/ حسن محمد مقبول الأهدل، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط. الأولى (١٩٨٦ م).\n- الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط. الأولى من الطبعة الجديدة (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- أحكام الجنائز وبدعها. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م).\n- الإحكام في أصول الأحكام. تصنيف: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق: د/ محمود حامد عثمان، دار الحديث - القاهرة، ط. الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م).\n- الأحكام في أصول الأحكام. تصنيف: علي بن محمد الآمدي، تعليق: الشيخ عبد الرازق عفيفي، دار الصميعي للنشر والتوزيع، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- إحياء علوم الدين. تصنيف: أبي حامد الغزالي، دار الشعب.\n- الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين وتطبيقاتها المعاصرة. تصنيف: د/ مصلح عبد الحي النجار، مكتبة الرشد، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- الأذكار من كلام سيد الأبرار. تصنيف: الإمام الحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي الشافعي، إعداد: مركز الدراسات والبحوث","vol":"1","page":548},{"text":"بمكتبة نزار الباز، مكتبة نزار مصطفى الباز - مكة المكرمة - الرياض، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. تصنيف: الإمام محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: أبو حفص سامي بن العربي الأثري، دار الفضيلة - الرياض، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد. تصنيف: محمد بن إسماعيل الصنعاني، تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، الدار السلفية - الكويت، ط. الأولى (١٤٠٥ هـ).\n- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط. الثانية (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م).\n- الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار. تصنيف: أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي (٣٦٨ هـ - ٤٦٣ هـ)، تحقيق: د/ عبد المعطي أمين القلعجي، دار قتيبة للطباعة والنشر - دمشق - بيروت، دار الوعي - حلب - القاهرة، ط. الأولى (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م).\n- الاستقامة. تصنيف: أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود - المدينة المنورة، ط. الأولى (١٤٠٣ هـ).\n- الاستيعاب في معرفة الأصحاب. تصنيف: الحافظ أبي عمر بن عبد البر القرطبي النمري (ت / ٤٦٣ هـ)، صححه وخرج أحاديثه: عادل مرشد، دار الأعلام، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).\n- أسنى المطالب. في شرح روض الطالب. تأليف: شيخ الإسلام زكريا","vol":"1","page":549},{"text":"الأنصاري، تحقيق: د/ محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- الأشباه والنظائر. تأليف: تاج الدين بن عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد عوض، دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٤١١ هـ - ١٩٩١ م).\n- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان. تصنيف: العلامة الشيخ زين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم، وضع حواشيه وخرج أحاديثه: الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م).\n- الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية. تصنيف: الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م).\n- الإشراف على مذاهب العلماء. تصنيف: أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر، تحقيق: د/ أبي حماد صغير أحمد الأنصاري، مكتبة مكة الثقافية - الإمارات العربية المتحدة، ط. الأولى (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).\n- أصل صفة صلاة النبي - ﷺ - من التكبير إلى التسليم كأنك تراها. تأليف: العلامة المحدث ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م).\n- أصول السرخسي. تصنيف: الإمام الفقيه أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي (ت/ ٤٩٠ هـ)، حقق أصوله: أبو الوفا الأفغاني، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).","vol":"1","page":550},{"text":"- أصول الشاشي. تصنيف: نظام الدين الشاشي الحنفي، علق عليه: مولانا بركة الله بن محمد اللكنوي، خرج أحاديث وقدم له: أبو الحسين عبد المجيد المرادزهي الخاشي، دار ابن كثير، ط. الأولى (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).\n- أصول الفقه. تصنيف: شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، تحقيق: د/ فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).\n- أصول الفقه الميسر. تأليف: الدكتور شعبان محمد إسماعيل، دار الكتاب الجامعي - القاهرة، ط. الأولى (١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م).\n- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. تصنيف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط. (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n- الأعلام. تصنيف: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين - بيروت - لبنان، ط. الخامسة عشرة (مايو ٢٠٠٢).\n- إعلام الموقعين عن رب العالمين. تصنيف: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، أبو عمر أحمد عبد الله أحمد، دار ابن الجوزي -، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ).\n- أفعال الرسول - ﷺ - ودلالتها على الأحكام الشرعية. تأليف: محمد سليمان الأشقر، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان، ط. السادسة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- الإقناع لطالب الانتفاع. تصنيف: شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن سالم أبي النجا الحجاوي المقدسي، تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، طبعة خاصة بدارة الملك عبد العزيز، ط. الثالثة (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).","vol":"1","page":551},{"text":"- الأم. تصنيف: الإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق وتخريج: د/ رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - ج. م. ع، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م).\n- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. تأليف: علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرداوي (ت/ ٨٨٥ هـ)، دار هجر (مطبوع مع المقنع)، ط. الأولى (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م).\n- أنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بـ (تفسير البيضاوي). تصنيف: ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي، تقديم: محمود عبد القادر الأرناؤوط، دار صادر - بيروت، ط. الأولى (٢٠٠١ م).\n- أنباء الغمر بأبناء العمر. تصنيف: الحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق: د/ حسن حبشي، وزارة الأوقاف - جمهورية مصر العربية - المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - لجنة إحياء التراث، ط. (١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م).\n- إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد. تصنيف: محمد بن نصر المرتضدي اليماني - المعروف بابن الوزير اليماني -، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٩٨٧ م).\n- الباعث على أنكار البدع والحوادث. تصنيف: الإمام شهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم - المعروف بأبي شامة - الشافعي، مطبعة النهضة الحديثة - مكة، ط. الثانية (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م).\n- بحر العلوم. تأليف: نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، تحقيق: د/ محمود مطرجي، دار الفكر - بيروت.\n- البحر المحيط في أصول الفقه. تصنيف: بدر الدين محمد بهادر بن عبد الله","vol":"1","page":552},{"text":"الزركشي الشافعي، تحرير: عبد القادر عبد الله خلف العافي، عمر سليمان الأشقر، عبد الستار عبد الكريم أبو غدة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، ط. الثانية (١٩٩٢ م).\n- بحوث في العربية المعاصرة. تأليف: د/ وفاء كامل، عالم الكتب.\n- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. تصنيف: علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م).\n- بداية المجتهد ونهاية المقتصد. تصنيف: القاضي أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الأندلسي (ت/ ٥٩٥)، تحقيق: الشيخ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م).\n- البداية والنهاية. تصنيف: الحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)، تحقيق: عبد الله عبد المحسن التركي، دار هجر.\n- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. تصنيف: محمد بن علي الشوكاني، دار المعرف - بيروت.\n- البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير. تصنيف: سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ \"ابن الملقن\"، تحقيق: مصطفى أبو الغيط عبد الحي، أبي محمد عبد الله بن سليمان، أبي عمار ياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع، ط. الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م).\n- البرهان في أصول الفقه. تصنيف: إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (٤١٩ هـ - ٤٧٨ هـ)، حققه وقدمه ووضع فهارسه: د/ عبد العظيم","vol":"1","page":553},{"text":"الديب - كلية الشريعة - جامعة قطر، طبع على نفقة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني - أمير دولة قطر -، ط. الأولى (١٣٩٩ هـ).\n- بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز. تصنيف: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تحقيق: الأستاذ محمد علي النجار، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة، لجنة إحياء التراث، ط. الثالثة (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م).\n- بُغْيَةُ الرَّائد في تحقيق مَجْمَع الروائد ومَنْبَع الفَوائد \"المجمع\". تصنيف: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت/ ٨٠٧)، محقق المجمع (أو صاحب كتاب بغية الرائد)، عبد الله محمد الدَّرويش، دار الفكر - بيروت - لبنان، (١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م).\n- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة. تصنيف: جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية - لبنان - صيدا.\n- تاج التراجم. تصنيف: أبي الفداء زين الدين قاسم بن قطلوبغا السودوني، حققه وقدم له: محمد خير رمضان يوسف، دار القلم - دمشق، ط. الأولى (١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م).\n- تاج العروس من جواهر القاموس. تصنيف: محب الدين أبي الفيضي السيد محمد مرتضى الحسيني الواسطي الزبيدي الحنفي، بتحقيق مجموعة من العلماء، وزارة الإرشاد في الكويت، مطبعة حكومة الكويت.\n- تاج اللغة وصحاح العربية. تصنيف: إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين - بيروت، ط. الأولى - القاهرة (١٣٧٦ هـ - ١٩٥٦ م)، ط. الثانية - بيروت (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م).\n- تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تصنيف: الحافظ شمس الدين","vol":"1","page":554},{"text":"محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب - العربي - بيروت، ط. الثانية (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م).\n- تأريخ مدينة السلام وأخبار محدثيها وذكر قطانها العلماء من غير أهلها ووارديها [المعروف باسم (تاريخ بغداد)]. تصنيف: الإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: د/ بشار عواد معروف، دار الغرب الإسلامي، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م).\n- تبيين العجب بما ورد في فضل رجب. تصنيف: أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: أبي أسماء إبراهيم بن إسماعيل آل عصر.\n- التحبير شرح التحرير في أصول الفقه. تصنيف: علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي الحنبلي، تحقيق: عوض بن محمد القرني، مكتبة الرشد - الرياض - السعودية، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي. تصنيف: الإمام الحافظ أبي العلى محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفوري، ضبطه وراجع أصوله وصححه: عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر.\n- تحفة المحتاج شرح المنهاج. تأليف: شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، مطبوع بهامش حواشي تحفة المحتاج للشرواني، وأحمد العبادي، المكتبة التجارية الكبرى لصاحبها مصطفى محمد - مصر.\n- تحفة المسئول في شرح مختصر منتهى السول. تصنيف: أبي زكريا يحيى بن موسى الرهوني، دراسة وتحقيق: د/ الهادي بن الحسين شبيلي، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م).\n- تذكرة الحفاظ. تصنيف: الإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد الذهبي،","vol":"1","page":555},{"text":"صحح عن النسخة القديمة المحفوظة في مكتبة الحرم المكي تحت إعانة وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان (١٣٧٥ هـ - ١٩٥٥ م).\n- تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي. تصنيف الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي، دراسة وتحقيق: د/ عبد الله ربيع، د/ عسير عبد العزيز، مؤسسة قرطبة، ط. الثالثة (١٩٩٩ م).\n- التعريفات. تصنيف: علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت/ ٨١٦ هـ)، تحقيق: إبراهيم الإبياري، دار الريان للتراث.\n- تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد. بقلم: محمد مصطفى شلبي، مطبعة الأزهر (١٩٤٧ هـ).\n- تفسير ابن عرفة المالكي. تأليف: أبي عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغني، تحقيق: د/ حسين المناعي، مركز البحوث بالكلية الزيتونية - تونس، ط. الأولى (١٩٨٦ م).\n- تفسير البحر المحيط. تصنيف: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الكتب العلمية - لبنان - بيروت، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، علي محمد معوض، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م).\n- تفسير النسفي. تصنيف: أبي البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، تحقيق: الشيخ مروان محمد السقار، دار النفائس - بيروت، طبعة (٢٠٠٥ م).\n- التقرير والتحبير في علم الأصول. تصنيف: ابن أمير الحاج، دار الفكر - بيروت، ط. (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م).\n- تلبيس أبليس. تصنيف: الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي،","vol":"1","page":556},{"text":"دراسة وتحقيق: د/ أحمد بن عثمان المزيد، إشراف: الشيخ/ عبد الرحمن بن ناصر البراك، دار الوطن للنشر، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).\n- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير. تصنيف: أبي الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، اعتنى به وعلق عليه: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطبي، مؤسسة قرطبة، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م).\n- التمهيد في أصول الفقه. تصنيف: محفوظ بن أحمد بن الحسن أبي الخطاب الكلوذاني الحنبلي (٥١٠ هـ)، تحقيق: د/ محمد بن علي بن إبراهيم، جامعة أم القرى، ط. الأولى (١٤٠٦ هـ - ١٩٨٥ م).\n- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول. تصنيف: الإمام جمال الدين أبي محمد عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي، تحقيق: د/ محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية (١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م).\n- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (مرتبًا على الأبواب الفقهية للموطأ). تصنيف: أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق: أسامة بن إبراهيم، دار الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط. الثالثة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- تهذيب الأسماء واللغات. تصنيف: أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه ومقابلة أصوله (شركة العلماء)، بمساعدة: إدارة الطباعة المنيرية.\n- التهذيب في اختصار المدونة. تصنيف: أبي سعيد البراذعي، دراسة وتحقيق: محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ، راجعه أ. د/ أحمد علي الأزرق، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).","vol":"1","page":557},{"text":"- تهذيب الكمال في أسماء الرجال. تصنيف: الحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (٦٥٤ هـ - ٧٤٢ هـ)، تحقيق: د/ بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م).\n- تهذيب اللغة. تصنيف: أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: علي حسن هلالي، مراجعة الأستاذ: محمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة.\n- تيسير علم أصول الفقه. تأليف: عبد الله بن يوسف الجُدَيْع، مؤسسة الريَّان، ط. الثالثة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م).\n- الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي. تصنيف: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، المكتبة الثقافية - بيروت - لبنان.\n- جامع الفقه موسوعة الأعمال الكاملة للإمام ابن القيم. جمع وتوثيق وتخريج: يسري السيد محمد، دار الوفاء، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- الجامع لشعب الإيمان. تصنيف: أبي بكر بن محمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: د/ علي العلي عبد الحميد حامد، مكتبة الرشد (ناشرون) ط. الأولى: (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- الجوهر النقي. تصنيف: علاء الدين بن علي بن عثمان المارديني، الشهير بـ \"ابن التركماني\"، مطبوع في ذيل (السنن الكبرى للبيهقي)، مكتبة ابن تيمية.\n- حاشية العطار على شرح جمع الجوامع. تصنيف: الشيخ حسن العطار على شرح الجلال المحلى على جمع الجوامع للإمام ابن السبكي، دار الكتب - بيروت - لبنان.\n- الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو","vol":"1","page":558},{"text":"والإعراب وسائر الفنون. تصنيف: جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م).\n- الحدود في الأصول (الحدود والمواضعات). تصنيف: أبي بكر محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني، قرأه وقدَّم له وعلق عليه: محمد السليماني، دار الغرب الإسلامي - بيروت، ط. الأولى (١٩٩٩ م).\n- حسن التفهم والدرك لمسألة الترك. تأليف: أبي الفضل عبد الله محمد الصديق الغماري، مطبوعة ضمن مجموعة رسائل له أولها: إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة، وهي الرسالة الأخيرة.\n- حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة. تصنيف: الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، ط. الأولى (١٩٦٧ م - ١٣٨٧ هـ).\n- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة. تصنيف: الحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية - حيدر آباد - الهند، ط. الثانية (١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م).\n- الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب. تصنيف: إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي، دراسة وتحقيق: مأمون بن محي الدين الجنَّان، دار الكتب العلمية - بيروت، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م).\n- رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار (حاشية ابن عابدين) لمحمد أمين الشهير بابن عابدين. تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، دار عالم الكتب، طبعة خاصة (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م).","vol":"1","page":559},{"text":"- رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي. تصنيف: مجموعة من العلماء، دار العاصمة، طبعة حديثة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٦ م).\n- رؤية أصولية لتروك النبي - ﷺ -. تأليف: الدكتور صالح قادر كريم الزنكي، بحث نشر بمجلة الحكمة العدد الثاني والعشرين محرم ١٤٢٢ هـ، بريطانيا - ليدز.\n- روضة الناظر وجنة المناظر في علم الأصول. تصنيف: شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة، قرأه وعلق عليه: د/ سعد بن ناصر بن عبد العزيز الشثري، دار الحبيب - الرياض، مكتبة العبيكان - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٢ هـ).\n- رياض الصالحين. تصنيف: الإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي الدمشقي (٦٣١ هـ - ٦٧٦ هـ)، دار الريان للتراث.\n- سبل السلام الموصلة إلى بلوغ المرام. تصنيف: محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، اعتنى به: نشأت كمال، دار البصيرة - الإسكندرية - مصر.\n- السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة. تصنيف: محمد بن عبد الله بن حميد النجدي الحنبلي مفتي الحنابلة بمكة المكرمة، مكتبة الإمام أحمد.\n- السراج الوهاج في شرح المنهاج. تأليف: فخر الدين أحمد بن حسن بن يوسف الجاربردي، تحقيق: د/ أكرم بن محمد بن حسين أوزيقان، دار المعراج الدولية للنشر - الرياض - السعودية، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م).\n- سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر. تصنيف: أبي الفضل محمد خليل بن علي المُرادي، دار الكتاب الإسلامي بالقاهرة.\n- سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها. تصنيف: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط. (١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م).","vol":"1","page":560},{"text":"- سنن الدارقطني. تصنيف: الإمام علي بن عمر الدارقطني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، طبعة وقفية غير ربحية توزع مجانًا على نفقة الأمير متعب بن عبد العزيز آل سعود.\n- سنن الدارمي. تصنيف: الحافظ عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، تحقيق: فواز أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي، دار الريان للتراث، ط. الأولى (١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م).\n- السنن الكبرى. تصنيف: أبي بكر أحمد بن الحسين بن على البيهقي، مكتبة ابن تيمية، (طبعة مصورة من طبعة الهند) بدون تاريخ وبدون رقم للطبعة.\n- السنن والمبتدعات. المتعلقة بالأذكار والصلوات، تصنيف: محمد عبد السلام الشقيري، مكتبة ابن تيمية.\n- سير أعلام النبلاء. تصنيف: الإمام شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمروي، دار الفكر - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. تصنيف: شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى.\n- شجرة النور الزكية في طبقات المالكية. تصنيف: محمد بن محمد مخلوف، دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان.\n- شذرات الذهب في أخبار من ذهب. تصنيف: ابن العماد الإمام شهاب الدين أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد العكري الحنبلي الدمشقي، حققه:","vol":"1","page":561},{"text":"عبد القادر الأرناؤوط، ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير - دمشق - بيروت، ط. الأولى (١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م).\n- شرح حدود ابن عرفة الموسوم بـ (الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة الوافية). تأليف: أبي عبد الله محمد الأنصاري الرصاع، تحقيق: محمد أبو الأجفان، والطاهر المعموري، دار الغرب الإسلامي - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٩٩٣ م).\n- شرح الزركشي على مختصر الخرقي. تصنيف: شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق وتخريج: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين، أشرف على طبعه: محمد بن حمد المنيع، دار الأفهام للنشر والتوزيع، ط. الثالثة (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- شرح الكوكب المنير المسمى بمختصر التحرير. تصنيف: الشيخ محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، تحقيق: د/ نزيه حماد، ود/ محمد الزحيلي، مكتبة العبيكان، ط. (١٩٩٧ م).\n- شرح اللمع. تصنيف: أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، تحقيق: عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، ط. الأولى (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n- شرح مختصر الروضة. تصنيف: نجم الدين أبي الربيع سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم أبي سعيد الطوفي، تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الرابعة (٢٠٠٣ م).\n- شرح مختصر خليل. تصنيف: محمد بن عبد الله المالكي الخرشي، دار الفكر للطباعة - بيروت.","vol":"1","page":562},{"text":"- شرح المعالم في أصول الفقه. تصنيف: ابن التلمساني، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ علي محمد معوض، عالم الكتب، ط. الأولى (١٩٩٠ م).\n- شرح منتهى الإرادات - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى -. تصنيف: الشيخ منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، تحقيق: د/ عبد الله عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- شرح المنهاج للبيضاوي في علم الأصول. تصنيف: شمس الدين محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، قدم له وعلق عليه: د/ عبد الكريم بن علي بن محمد النملة، مكتبة الرشد - الرياض، ط. الأولى (١٤١٠ هـ).\n- شفاء العي بتخريج وتحقيق مسند الشافعي، بترتيب العلامة السندي. تأليف: أبي عمير مجدي بن محمد بن عرفات المصري الأثري، تقديم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، مكتبة ابن تيمية القاهرة، توزيع مكتبة العلم بجدة، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م).\n- الشفا بتعريف حقوق المصطفى. تصنيف: العلامة القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي، مذيل بالحاشية اللطيفة المسماة \"مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء\"، تأليف: العلامة أحمد بن محمد بن محمد الشُّمْنِّي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.\n- الصارم المسلول على شاتم الرسول. تصنيف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية، تحقيق: أبي عمرو الأثري، دار ابن رجب، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- صحيح سنن أبي داود. تصنيف: الإمام الحافظ سلمان بن الأشعث السجستاني، تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط. الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م).","vol":"1","page":563},{"text":"- صحيح سنن ابن ماجه. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- صحيح سنن الترمذي. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- صحيح سنن النسائي. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزدع، ط. الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م).\n- صحيح مسلم. تصنيف: الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (٢٠٦ - ٢٦١ هـ)، وقف على طبعه وتحقيق نصوصه وتصحيحه وترقيمه وعدَّ كتبه وأبوابه وأحاديثه، وعلق عليه ملخص شرح الإمام النووي مع زيادات من أئمة اللغة: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر - لبنان - بيروت، ط. (١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م).\n- ضعيف الترغيب والترهيب. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض.\n- ضعيف الجامع الصغير وزيادته. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت، ط. الثالثة (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م).\n- ضعيف سنن ابن ماجه. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- ضعيف سنن الترمذي. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- ضعيف سنن النسائي. تأليف: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزدع، ط. الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م).","vol":"1","page":564},{"text":"- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع. تصنيف: المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الجيل - بيروت، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م).\n- طبقات الحنابلة. تصنيف: القاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى الفراء، تحقيق: د/ عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، طبع جامعة أم القرى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م).\n- طبقات الشافعية. تصنيف: أبي بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة، تحقيق: د/ الحافظ عبد العليم خان، عالم الكتب - بيروت، ط. الأولى (١٤٠٧ هـ).\n- طبقات الشافعية الكبرى. تصنيف: تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: د/ محمود محمد الطناجي، د/ عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. الثانية.\n- الطبقات الكبير. تصنيف: محمد بن سعد بن منيع الزهري، تحقيق: د/ علي محمد عمر، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م).\n- العبر في خبر من غبر. تصنيف: الحافظ شمس الدين الذهبي، تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.\n- العدة في أصول الفقه. تصنيف: القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين الفراء البغدادي الحنبلي، تحقيق: د/ أحمد بن علي سير المباركي، ط. الثالثة (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م).\n- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية. تأليف: الإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي التميمي القرشي، قدم له وضبطه الشيخ: خليل الميس (مدير أزهر لبنان)، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٠٣ هـ - ١٩٩٨ م).","vol":"1","page":565},{"text":"- علم أصول الفقه. تأليف: عبد الوهاب خلاف، دار الحديث، (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ. تصنيف: الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحبلي، تحقيق: عبد السلام أحمد التنوجي، مكتب الإعلام والبحوث والنشر بجمعية الدعوة الإسلامية العالمية - بني غازي - ليبيا، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ١٩٩٥ م).\n- عمدة القاري شرح صحيح البخاري. تصنيف: الإمام العلامة بدر الدين أبي محمد محمود بن أحمد العيني، ضبطه وصححه: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م).\n- عون المعبود شرح سنن أبي داود. تصنيف: العلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، مع تعليقات: الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية، خرج أحاديثه: عصام الصبابطي، دار الحديث - القاهرة، ط. (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م).\n- غاية البيان شرح زبد ابن رسلان. تصنيف: محمد أحمد الرملي الأنصاري، دار المعرفة - بيروت.\n- غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي. تصنيف: شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي الحنفي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م).\n- الغيث الهامع شرح جمع الجوامع. تصنيف: ولي الدين أبي زرعة أحمد العراقي (ت/ ٨٢٦ هـ)، تحقيق: مكتب قرطبة للبحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، الفاروق الحديث للطباعة والنشر، ط. الأولى (٢٠٠٠ م).\n- الفتاوى الحديثية. شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي المكي، دار الفكر.","vol":"1","page":566},{"text":"- الفتاوى الكبرى. تصنيف: شيخ الإسلام العلامة تقي الدين ابن تيمية، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.\n- الفتاوى الهندية المعروفة بـ (الفتاوى العالمكيرَّية) في مذهب الإمام أبي حنيفة. تصنيف: العلامة الهمام مولانا الشيخ نظام، وجماعة من علماء الهند الأعلام، ضبطه وصححه: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري. تصنيف: الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وتصحيح تجاربه: محب الدين الخطيب، راجعه: قصي محب الدين الخطيب، دار الريان للتراث، ط. الثانية (١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م).\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري. تصنيف: الحافظ زين الدين أبي الفرج ابن رجب الحنبلي (٧٣٣ - ٧٩٥ هـ)، تحقيق: ثمانية من المحققين، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م).\n- الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق. تصنيف: الإمام أبي العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، ضبطه وصححه: خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م).\n- الفروق اللغوية. تأليف: أبي هلال العسكري. تحقيق: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل. تصنيف: أبي محمد علي بن أحمد المعروف","vol":"1","page":567},{"text":"بابن حزم الظاهري، تحقيق: د/ محمد إبراهيم نصر، د/ عبد الرحمن عميرة، شركة مكتبات عكاظ - الرياض، ط. الأولى (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م).\n- الفقيه والمتفقه. تصنيف: أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف عزازي، دار ابن الجوزي، ط. الأولى (جمادى الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- الفوائد البهية في تراجم الحنفية. تصنيف: العلامة أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي، مع (التعليقات السنية على الفوائد البهية) لنفس المؤلف، تحقيق: السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعاني، دار المعرفة - بيروت - لبنان، دار الكتاب الإسلامي.\n- فَوَاتِحُ الرَّحَمُوتِ بِشَرْحِ مُسْلَّمِ الثُّبُوتِ. تصنيف: العلامة عبد العلي محمد بن نظام الدين محمد الهالوي الأنصاري اللكنوي، ضبطه وصححه: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م).\n- الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني. تصنيف: العلامة الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم بن مهنا النفراوي الأزهري المالكي، وهو شرح (الرسالة) للإمام أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، ضبطه وصححه وخرج أحاديثه: الشيخ عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م).\n- فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير للسيوطي. تصنيف: المحدث محمد المدعو بعبد الرؤوف المناوي، دار المعرفة - بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٣٩١ هـ - ١٩٧٢ م).","vol":"1","page":568},{"text":"- القاموس الففهي لغة واصطلاحًا. تأليف: سعدي أبو جيب، دار الفكر، ط. (١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م).\n- القاموس المحيط. تصنيف: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي، إعداد وتقديم: محمد عبد الرحمن المرعَشلي، دار إحياء التراث العربي - مؤسسة التاريخ العربي - بيروت - لبنان، ط. الثانية (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- قواطع الأدلة في الأصول. تصنيف: الإمام أبي المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، تحقيق محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٩٩٧ م).\n- قواعد الأحكام في إصلاح الأنام واسمه (القواعد الكبرى). تصنيف: شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، تحقيق: د/ نزيه حماد، د/ عثمان خيرية، دار القلم - دمشق، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٥ م).\n- قواعد الفقه. تأليف: محمد عميم الإحسان المجددي البركتي، الصدف بلشرز - كراتشي، ط. الأولى (١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م).\n- القواعد الكبرى الموسوم بـ (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام). تصنيف: شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، تحقيق: د/ نزيه كمال حمَّاد، د/ عثمان جمعة صميريّة، دار القلم - دمشق، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية. تصنيف: أبي الحسن علاء الدين بن اللحام علي بن عباس البعلي الحنبلي، تحقيق وتصحيح محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، (١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م).\n- القوانين الفقهية. تأليف: أبي القاسم محمد بن أحمد ابن جُزَيّ المالكي، تحقيق: عبد الله المنشاوي، دار الحديث - القاهرة، ط. (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).","vol":"1","page":569},{"text":"- الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل. تصنيف: شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي، حققه وخرج أحاديثه: أبو إدريس محمد بن عبد الفتاح، دار العقيدة - الإسكندرية - مصر، ط. الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م).\n- كتاب المبسوط. تأليف: أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، قدم له: د/ كمال عبد العظيم العناني، دار الكتب العلمية، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م).\n- كتاب التلخيص في أصول الفقه. تصنيف: الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، تحقيق: د/ عبد الله جولم النّيبالي، وشبير أحمد العمري، دار البشائر الإسلامية، ط. الثانية (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).\n- كتاب العين. تصنيف: أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: د/ مهدي المخزومي، د/ إبر اهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.\n- كتاب الفروع. تصنيف: العلامة الفقيه شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، تحقيق: د/ عبد الله عبد المحسن التركي، دار المؤيد ومؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي. تصنيف: أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي، تحقيق وتعليق وتكميل: محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد - جدة - السعودية.\n- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. تصنيف: جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، ضبطه: يوسف الحمادي، مكتبة مصر.","vol":"1","page":570},{"text":"- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي. تصنيف: الإمام علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري، ضبط وتعليق وتخريج: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، ط. الثالثة (١٩٩٧ م).\n- كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث بين الناس. تصنيف: الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، مكتبة القدسي، ط. (١٣٥١ هـ).\n- كلمة علمية هادية في البدعة وأحكامها. تأليف: وهبي سليمان غاوجي الألباني، دار الإمام مسلم للنشر والتوزيع - بيروت، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م).\n- الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة. تأليف: الشيخ نجم الدين محمد بن محمد الغزّي (ت/ ١٠٦١ هـ)، وضع حواشيه: خليل المنصور، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م).\n- لباب المحصول في علم الأصول. تصنيف: العلامة الحسين بن رشيق المالكي (ت/ ٦٣٢ هـ)، تحقيق: محمد غزالي عمر جابر، دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، ط. الأولى.\n- لسان العرب. تصنيف: ابن منظور، دار الحديث - القاهرة (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف. تصنيف: الإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي الدمشقي، تحقيق: عامر بن علي ياسين، دار ابن خزيمة - السعودية - الرياض، ط. الأولى (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م).\n- ليس من الإسلام. تأليف: محمد الغزالي، دار الشروق، ط. السادسة.","vol":"1","page":571},{"text":"- اللمع في أصول الفقه. تصنيف: أبي إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي، اعتنى به: أيمن صالح شعبان، المكتبة التوفيقية.\n- المبدع شرح المقنع. تصنيف: أبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي، تحقيق: محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م).\n- مجلة مجمع فؤاد الأول للغة العربية. المطابع الأميرية بالقاهرة (١٩٥١ هـ).\n- مجلة المنار. مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران، منشؤها: السيد محمد رشيد رضا، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع - المنصورة - مصر، ط. الثانية (١٣٢٧ هـ).\n- مجمع الضمانات في مذهب الأمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. تصنيف: أبي محمد بن غانم بن محمد البغدادي، تحقيق: د/ محمد أحمد سراج، د/ علي جمعة محمد، دار السلام - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).\n- مجموع رسائل العلائي. تصنيف: الإمام الحافظ الأصولي صلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله أبي سعيد العلائي، تحقيق: وائل محمد بكر زهران، دار الفاروق الحديثة للطباعة - القاهرة - مصر، ط. الأولى (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م) المجلد الأول، ط. الأولى (١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م) المجلد الثاني.\n- مجموع الفتاوى. تصنيف: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (ت/ ٧٢٨ هـ)، اعتنى بها: مروان كجك، دار الكلمة الطيبة، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م).\n- المحصول في أصول الفقه. تصنيف: الإمام الحافظ الفقيه القاضي أبي بكر بن العربي المَعَافري المالكي، أخرجه واعتنى به: حسين علي اليدري، علق","vol":"1","page":572},{"text":"على مواضع منه: سعيد عبد اللطيف فودة، دار البيارق، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).\n- المحصول في علم أصول الفقه. تصنيف: الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي، دراسة وتحقيق: د/ طه جابر فياض العلواني، مؤسسة الرسالة، ط. الثالثة (١٩٩٧ م).\n- المحقق من علم الأصول فيما يتعلق بأفعال الرسول - ﷺ -. تصنيف: شهاب الدين أبي محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الشافعي المعروف بأبي شامة، تحقيق: أحمد الكويتي، مؤسسة قرطبة، ط. الثانية (١٤١٠ هـ).\n- المحكم والمحيط الأعظم. تصنيف: أبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي المعروف بابن سيده، تحقيق: د/ عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- المحلى. تصنيف: ابن حزم، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مكتبة دار التراث (بدون طبعة، وبدون سنة نشر).\n- مختار الصحاح. تصنيف: الإمام محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، دار الحديث - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- المدخل لابن الحاج. تصنيف: أبي عبد الله محمد بن محمد العبدري القاسمي المالكي الشهير بابن الحاج، قرأه وضبط نصه: الشيخ حسن أحمد عبد العال، المكتبة العصرية - صيدا - بيروت، ط. الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م).\n- مذكرة في أصول الفقه. تصنيف: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، دار الأصالة.","vol":"1","page":573},{"text":"- المستدرك على الصحيحين. تصنيف: محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، دار الحرمين، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- المستصفى من علم الأصول. تصنيف: الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي، دراسة وتحقيق: د/ حمزة زهير حافظ.\n- مسند الإمام أحمد بن حنبل. حققه: شعيب الأرناؤوط، وعادل مرشد، مؤسسة الرسالة، ط. الثانية (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٠ م).\n- مسند الشاميين. تصنيف: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط. الأولى (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م).\n- المسودة في أصول الفقه لآل تيمية؛ أبي البركات عبد السلام بن تيمية، وولده أبي المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام، وحفيده أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، تحقيق: د/ أحمد بن إبراهيم بن عباس الذروي، دار الفضيلة - الرياض، ط. الأولى (٢٠٠١ م).\n- مشاهير علماء نجد وغيرهم. تصنيف: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، نشر بإشراف دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، ط. الثانية (١٣٩٤ هـ).\n- المصباح المنير. تصنيف: العلامة أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقري، دار الحديث - القاهرة، ط. الأولى (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- المصلحة في التشريع الإسلامي. تأليف: د/ مصطفى زيد، تعليق وعناية: د/ محمد يسري إبراهيم، دار اليسر، ط. الثالثة (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م).","vol":"1","page":574},{"text":"- المصفى في أصول الفقه. تصنيف: أحمد بن محمد بن علي الوزير، دار الفكر المعاصر - بيروت -، دار الفكر - دمشق، ط. إعادة (٢٠٠٢ م).\n- المُطْلِعُ على أبواب المُقْنِع. تصنيف: الإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، المكتب الإسلامي - بيروت، ط. الثالثة (١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- المعتمد في أصول الفقه. تصنيف: أبي الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي، تحقيق: محمد حميد الله بتعاون محمد بكر، حسن حنفي، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية بدمشق (١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م).\n- معجم البدع. يحتوي على ما وقع للمصنف مما قيل فيه إنه بدعة، تأليف: رائد بن صبري بن أبي علفة، دار العاصمة للنشر والتوزيع، ط. الأولى (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م).\n- المعجم الكبير. تصنيف: الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق وتخريج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، ط. الثانية.\n- معجم لغة الفقهاء. وضعه أ. د. محمد رواس قلعه جي، د. حامد صادق قنيبي، دار النفائس، ط. الثانية (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n- معجم المؤلفين. تراجيم مؤلفي الكتب العربية، تصنيف: عمر رضا كحالة، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م).\n- معجم مقاييس اللغة. تصنيف: أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت/ ٣٩٥)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط. دار الفكر.\n- المعجم الوجيز. تصنيف: مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية، ط. (١٤١١ هـ - ١٩٩١ م).","vol":"1","page":575},{"text":"- المعجم الوسيط. تصنيف: مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية، مكتبة الشروق الدولية، ط. الرابعة (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م).\n- المُغْرِبْ في ترتيب المعرِبْ. تصنيف: الإمام اللغوي أبي الفتح ناصِر الدين المطرّزي (٥٣٨ - ٦١٠ هـ)، تحقيق: محمود فاضوري، عبد الحميد مختار، مكتبة أسامة بن زيد - حلب - سورية، ط. الأولى (١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م).\n- المغني. تصنيف: موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة (٥٤١ - ٦٢٠ هـ)، تحقيق: د/ عبد الله عبد المحسن التركي، د/ عبد الفتاح محمد الحلو، دار عالم الكتب، ط. الخامسة (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م).\n- المغني في أبواب التوحيد والعدل. إملاء: القاضي أبي الحسن عبد الجبار الأسد آبادي، تحقيق: الأستاذ/ محمد علي النجار، مراجعة: د/ إبراهيم مدكور، د/ عبد الحليم النجار، إشراف: د/ طه حسين.\n- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. تصنيف: الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب الشربيني على متن منهاج الطالبين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، اعتني به: محمد خليل عناني، دار المعرفة - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م).\n- مفردات ألفاظ القرآن. تصنيف: الراغب الأصفهاني، تحقيق: صنوان عدنان داوودي، دار القلم - دمشق - الدار الشامية - بيروت، ط. الأولى (١٤١٢ هـ - ١٩٩٢).\n- مقاصد الشريعة الإسلامية. تأليف: الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق: محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، ط. الثانية (١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م).","vol":"1","page":576},{"text":"- المقنع. تصنيف: موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (ت / ٦٢٠ هـ)، دار هجر، ط. الأولى (١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م).\n- منار السبيل في شرح الدليل. تصنيف: الشيخ إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان، تحقيق: أبي عائش عبد المنعم إبراهيم، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م).\n- المنثور في القواعد. تصنيف: بدر الدين محمد بن بَهادر الزركشي الشافعي (٧٤٥ - ٧٩٤ هـ)، تحقيق: د/ تيسير فائق أحمد محمود، مراجعة: د/ عبد الستار أبو عدة، طباعة شركة دار الكويت للصحافة، ط. الثانية (١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م).\n- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج. تصنيف: الإمام محي الدين النووي (ت/ ٦٧٦ هـ)، تحقيق: الشيخ خليل مأمون شيحا، دار المعرفة - بيروت - لبنان، ط. الثالثة (١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م).\n- منهج عمر بن الخطاب في التشريع. تأليف: د/ محمد بلتاجي، دار السلام، ط. الثانية (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م).\n- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بـ (الخطط المقريزية). تصنيف: تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، تحقيق: د/ محمد زينهم، ومديحة الشرقاوي، مكتبة مدبولي، ط. الأولى (١٩٩٧ م).\n- الموافقات في أصول الشريعة. تصنيف: الإمام الحافظ أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشهير بالشاطبي، تحقيق: خالد عبد الفتاح شبل، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان، ط. (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م).\n- المواقف في علم الكلام. تصنيف: عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الجيل - بيروت، ط. الأولى (١٩٩٧ م).","vol":"1","page":577},{"text":"- الموسوعة الفقهية الكويتية. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الكويت، ط. الثانية (١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م).\n- ميزان الاعتدال في نقد الرجال. تصنيف: الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، تحقيق: الشيخ علي محمد عوض، والشيخ عادل أحمد عبد الموجود، ود/ عبد الفتاح أو سِنة، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م).\n- الميزان في أصول الفقه. تصنيف: الشيخ الإمام علاء الدين محمد بن عبد الحميد السمرقندي، تحقيق: الدكتور يحيى مراد، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م).\n- نثر الورود على مراقي السعود. شرح: محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي، تحقيق وإكمال: د/ محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، نشر: محمد محمود محمد الخضر القاضي، توزيع: دار المنارة - جدة، ط. الأولى (١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م).\n- النحو الوافي. تأليف: عباس حسن، دار المعارف، ط. الثالثة عشرة.\n- النور السافر عن أخبار القرن العاشر. تصنيف: عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العَيْدَرُوس الحسيني الحضرمي اليمني الهندي، تحقيق: د/ أحمد حالو - محمود الأرناؤوط - أكرم البُوشي، دار صادر - بيروت - لبنان، ط. الأولى (٢٠٠١ م).\n- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. تصنيف: شمس الدين محمد بن أبي العباس بن حمزة بن شهاب الدين الرملي، دار الفكر للطباعة - بيروت - لبنان، ط. (١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م).\n- هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون. تصنيف: إسماعيل باشا البغدادي، دار الفكر - بيروت - لبنان، (١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م).","vol":"1","page":578},{"text":"- الواضح في أصول الفقه. تصنيف: أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي، تحقيق: د/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (١٩٩٩ م).\n- الواضح في أصول الفقه للمبتدئين. تأليف: محمد سليمان الأشقر - طبعة غير تجارية مصورة من الطبعة الرابعة.\n- الوافي بالوفيات. تصنيف: صلاح الدين خليل بن أيبك الصَّفَدي، تحقيق واعتناء: أحمد الأرناؤوط - تركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان، ط. الأولى (١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م).\n- الوجيز في أصول الفقه. تأليف الدكتور: وهبة الزحيلي، دار الفكر بدمشق، إعادة الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م)، ط. الأولى (١٩٩٤ م).\n- الوجيز في أصول الفقه. تأليف الدكتور: عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، ط. السادسة (١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م).\n- الوصول إلى الأصول. تصنيف: شرف الإسلام أبي الفتح أحمد بن علي بن برهان البغدادي، تحقيق: د/ عبد الحميد علي أبو زنيد، مكتبة المعارف - الرياض، ط. (١٩٨٣ م).\n- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان. تأليف: أبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان (٦٠٨ - ٦٨١ هـ)، تحقيق: د/ إحسان عباس، دار صادر - بيروت.","vol":"1","page":579}]}