{"ً":{"ٌ":14241,"ٍ":"الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة","َ":5,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة\nالمؤلف: أبو ذر عبد القادر بن مصطفى بن عبد الرزاق المحمدي\nعدد الأجزاء: ١\n[البحث غير مطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2396,"ٕ":10,"ٖ":1770155902,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"المبحث الأول: مفهوم الصحبة، ودور الصحابة في كتابة السنة النبوية وحفظها.","level":1,"page":3},{"title":"المطلب الأول: من هو الصحابي.","level":2,"page":3},{"title":"أولا: الصحابي لغة","level":3,"page":3},{"title":"ثانيا: الصحابي في اصطلاح المحدثين","level":3,"page":3},{"title":"المطلب الثاني: طرق ثبوت الصحبة","level":2,"page":4},{"title":"أولا: التواتر","level":3,"page":4},{"title":"ثانيا: الشهرة أو الاستفاضة","level":3,"page":4},{"title":"ثالثا: أن يروى عن آحاد الصحابة أنه صحابي","level":3,"page":4},{"title":"رابعا: أن يخبر أحد التابعين بأنه صحابي","level":3,"page":4},{"title":"خامسا: أن يخبر هو عن نفسه بأنه صحابي","level":3,"page":4},{"title":"المطلب الثالث: فضلهم ومنزلتهم في الكتاب والسنة","level":2,"page":5},{"title":"المطلب الرابع: مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السنة في تفضيل الصحابة.","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: جهود الصحابة في تدوين السنة","level":1,"page":8},{"title":"١ - حفظ الروايات، وأعني به حفظ الصدر وحفظ الكتاب","level":2,"page":8},{"title":"٢ - تدوينهم الحديث في صحف","level":2,"page":10},{"title":"٣ - دقتهم وتحريهم وأمانتهم","level":2,"page":11},{"title":"٤ - احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الثالث: ضوابط نقد الرواية عند الصحابة الكرام","level":1,"page":13},{"title":"الضابط الأول: عرض الرواية على النبي - ﷺ - حال حياته","level":2,"page":14},{"title":"الضابط الثاني: عرض الرواية على القرآن الكريم.","level":3,"page":16},{"title":"الضابط الثالث: عرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته - ﷺ -).","level":3,"page":18},{"title":"الضابط الرابع: عرض الرواية على كبار الصحابة.","level":3,"page":21},{"title":"الضابط الخامس: عرض الرواية على أزواج النبي - ﷺ -.","level":3,"page":25},{"title":"الضابط السادس: التحري من صاحب القصة التي جاء في الرواية.","level":3,"page":28}],"ٛ":{"1,2":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33},"ٜ":{"1":[2,36]},"ٝ":["1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,28","1,29","1,30","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36",null],"ٞ":{"1":[1],"3":[2,3,4,5],"4":[6,7,8,9,10,11],"5":[12],"7":[13],"8":[14,15],"10":[16],"11":[17,18],"13":[19],"14":[20],"16":[21],"18":[22],"21":[23],"25":[24],"28":[25]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة - ﵃ -\nالأستاذ الدكتور عبد القادر مصطفى المحمدي\nأستاذ الحديث في كلية أصول الدين\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:\nفمثلما أنّ الملائكة أمناء الله في السماء، فالصحابة الكرام هم أمناء الله تعالى في الأرض، إذ وقعت على كاهلهم مهمة جسيمة، وأمانة خطيرة، هي نقل دين الله تعالى وتبليغه للناس، فكانوا وزراء النبي - ﷺ - في تبليغ رسالته، فطوّفوا الأرض شرقًا وغربًا فما استكانوا وما وهنوا في حفظ الدين وتبليغه.\nوهذا التكليف خصيصة من الله تعالى إذ اختار لنبيه - ﷺ - أصحابًا هم خير جيلٍ ظهر في التاريخ، آووا ونصروا وبذلوا وضحوا، ولم يدخروا نفيسًا في سبيل الله تعالى.\nوكان من أهم المهام التي قام بها الصحابة الكرام هي حفظ أحاديث النبي - ﷺ - ونقلها للناس، ولمّا كان هذا الحديث المنقول دينًا يتعبد به كان الصحابة لا يقبلون كل حديث يروى عن النبي - ﷺ - هكذا، بل تعاملوا مع الرويات وفق ضوابط ثابتة، يلحظ المتتبع أنها مشتركة بينهم في الغالب الأعم، حاولنا في بحثنا هذا الموسوم (الدراية في بيان ضوابط نقد الرواية عند الصحابة - ﵃ -)، حاولنا من خلاله استقراء الضوابط الرئيسة التي اعتمدها الصحابة الكرام في قبول الرواية أو ردها في حياة النبي - ﷺ - وبعد وفاته.\nوالمشكلة الأساس التي يعالحها بحثنا: هي لما كان كثير من الجهلة والمنتحلين يثيرون اشكالات حول نقل الروايات عن النبي - ﷺ - وطريقة وصولها إلينا، زاعمين أنْ لم تكن للصحابة ضوابط للتثبت في نقل الأحاديث، وأنّ بعض الصحابة توسعوا في رواية الأخبار وتناقلها دون استيثاق من صحة صدورها من النبي - ﷺ -، فأردرنا في هذه الدراسة المقتضبة تسليط الضوء على منهج الصحابة الكرام في التثبت في قبول الرويات، واستقراء الضوابط التي اعتمدوها في نقدهم للرواية.\nوأما عن أهم الدراسات التي سبقتني في هذا الموضوع، فقد وجدت أنّ غالب الدراسات التي تحدثت عن موضوع النقد عند المحدثين تعرضت لمنهج التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في مسالك النقد الحديثي، ونادرًا من تطرق إلى ضوابط الصحابة الكرام في النقد، ربما لصعوبة توجيه النصوص وفق قواعد عامة أو","vol":"1","page":2},{"text":"لسبب آخر، فالذي اردناه ههنا وضع بصمة معينة في هذا الطريق، وفتح باب لباحث متخصص متوسع يستفيض بالبحث والجمع، ولا أخالها مهمة صعبة إن شاء الله تعالى.\nوقد وجدت بعض الأساتذة والباحثين قد تطرقوا إلى الأسس العامة للنقد عند اهل الحديث، ومن انفعها كتاب (مقاييس نقد متون السنة) للدكتور مسفر الدميني، وكتاب (توثيق السنة في القرن الثاني الهجري اسسه واتجاهاته)، للدكتور رفعت فوزي، وكتاب: (منهج النقد في علوم الحديث) للدكتور نور الدين عتر، و(حوار حول منهج المحدثين في نقد الروايات سندًا ومتنًا)،للشيخ عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، وكتاب (منهج النقد عند المحدثين)،للدكتور محمد علي قاسم العمري، و(أسباب تفوق الصحابة في - ﵃ - في ضبط الحديث) للأستاذين د. سلطان العكايلة ود. محمد عيد الصاحب، وهي كتب قيمة ونافعة، لكنها لا تتحدث في مناهج المحدثين ومسالكهم في النقد، ولا تتطرق إلى مناهج الصحابة وضوابطهم، إلا نزرًا قليلًا، وأعمق من تحدث عن ذلك الدكتور الدميني، فجزاهم الله كل الخير على ما قدموا.\nوهكذا حاولنا في هذا البحث أن نأصل لمسالة في غاية الأهمية، تيبن من خلالها الدور الكبير للصحابة الكرام في التنقيب والتفتيش عن الرواية ومسالك نقدهم لها.\nوجاء البحث في ثلاثة مباحث رئيسة:\nففي المبحث الأول: بينا مفهوم الصحبة، وتعرضنا لدورهم في كتابة السنة وحفظها. وجاء في أربعة مطالب: في المطلب الأول: عرفنا بالصحابي، وبينا أقوال أهل العلم فيه. وفي المطلب الثاني: بينّا طرق ثبوت الصحبة. وخصصنا المطلب الثالث: لذكر الأدلة على فضلهم ومنزلتهم من الكتاب والسنة. أما المطلب الرابع فتحدثنا فيه عن مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة. وجاء المبحث الثاني في بيان جهود الصحابة في تدوين السنة، وتطرقنا لبعض الصور المتميزة لهذه الجهود.\nأما المبحث الثالث فخصصناه في ضوابط النقد عند الصحابة الكرام، وجاءت في خمسة ضوابط:\nففي الضابط الأول: تحدثنا عن عرضهم الرواية على النبي - ﷺ - حال حياته. وفي الضابط الثاني: تعرضنا لعرضهم الرواية على القرآن الكريم. أما الضابط الثالث: فخصصناه لعرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته - ﷺ -).وفي الضابط الرابع: ذكرنا عرضهم الرواية على كبار الصحابة. أما الضابط الخامس: فكان في عرضهم الرواية على أزواج النبي - ﷺ -.وجاء الضابط السادس: في تحريهم من صاحب القصة، ثم ختمنا بأهم النتائج.","vol":"1","page":3},{"text":"واخيرًا نقول: هذا جهد المقل وبضاعة مزجاة، فإن كانت صوابًا فما هي إلا بتوفيق الله وحده وإن كانت الاخرى فمن ضعفي وتقصيري، والحمد لله رب العالمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>المبحث الأول: مفهوم الصحبة، ودور الصحابة في كتابة السنة النبوية وحفظها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المطلب الأول: من هو الصّحابيّ</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أولًا: الصّحابيّ لغة: </span>قال ابن سيدة:\" الصُحبة - المعاشرة صحِبَه صُحبة وصَحابة وصِحابة وَصَاحبه والصاحب - المعاشِر\" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ثانيًا: الصّحابيّ في اصطلاح المحدثين:</span>\nقال الحافظ العراقي:\" فالعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال الصحابي من لقي النبي - ﷺ - مسلما ثم مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتد ومات كافرًا\" (٢).\nوقال ابن حجر:\"وهو من لقي النبيَّ - ﷺ - مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة في الأصح. والمراد باللقاء: ما هو أعم: من المجالسة، والمماشاة، ووصول أحدهما إلى الآخر، وإن لم يكالمه، ويدخل فيه رؤية أحدهما الآخر، سواء كان ذلك بنفسه أم بغيره. والتعبير باللقي أولى من قول بعضهم: الصحابي من رأى النبي - ﷺ -؛ لأنه يخرج ابن أم مكتوم، ونحوه من العميان، وهم صحابة بلا تردد\" (٣).\nوقال السّيوطيّ:\" ولا يشترط البلوغ على الصّحيح، وإلا لخرج من أجمع على عدّه في الصّحابة\" (٤).\nفالصحابي هو من لقي النبي - ﷺ - حال حياته ومات على الاسلام.\nوقولنا: (من لقي النّبيّ - ﷺ -): يشمل كل من لقيه في حياته، وأمّا من رآه بعد موته قبل دفنه - ﷺ - فلا يكون صحابيّا كأبي ذؤيب الهذليّ الشّاعر فإنه رآه قبل دفنه (٥).\nوقولنا: (مسلمًا): خرج به من لقيه كافرًا وأسلم بعد وفاته، كرسول قيصر فلا صحبة له.\nوقولنا: (ومات على إسلامه): خرج به من كفر بعد إسلامه ومات كافرًا (٦).\n_________\n(١) ابن سيدة، المخصص ٣/ ٤٢٩.\n(٢) المصدر نفسه ٢/ ١٢٠.\n(٣) ابن حجر، نزهة النظر ص١٤٠ - ١٤١.\n(٤) السيوطي، تدريب الرّاوي ٢/ ٢١١.\n(٥) ينظر: ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/ ١٦٤٨.\n(٦) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر ٢/ ١٤٠.","vol":"1","page":4},{"text":"أما من ارتدّ بعده ثم أسلم ومات مسلمًا، فقال العراقيّ: \"فيهم نظر، لأن الشّافعيّ وأبا حنيفة نصّا على أن الردّة محبطة للصّحبة السابقة، كقرّة بن ميسرة والأشعث بن قيس\" (١).\nوجزم الحافظ ابن حجر ببقاء اسم الصّحبة له كمن رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد اللَّه بن أبي سرح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المطلب الثاني: طرق ثبوت الصحبة </span>(٣):\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أولًا: التّواتر</span>، وهو رواية جمع عن جمع يستحيل عادة تواطؤهم على الكذب، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وبقيّة العشرة المبشّرين بالجنّة﵃.\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيًا: الشّهرة أو الاستفاضة</span>، كما في أمر ضمام بن ثعلبة، وعكاشة بن محصن، وياسر والد عمار ﵃.\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: أن يروى عن آحاد الصّحابة أنّه صحابي</span>، كما في \"حممة بن أبي أحممة الدّوسي\" الّذي مات بأصبهان مبطونًا فشهد له أبو موسى الأشعريّ أنه سمع النَّبيَّ - ﷺ - حكم له بالشهادة، هكذا ذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>رابعًا: أنْ يخبر أحد التّابعين بأنّه صحابي </span>بناءً على قبول التّزكية من واحد عدل وهو الرّاجح.\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>خامسًا: أن يخبر هو عن نفسه بأنّه صحابيٌّ </span>بعد ثبوت عدالته ومعاصرته، فإنّه بعد ذلك لا يقبل ادّعاؤه بأنّه رأى النبيَّ - ﷺ - أو سمعه، لقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: \" أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنّه على رأس مائة سنة منه لا يبقى أحد ممّن على ظهر الأرض أحد \" (٥).\n_________\n(١) العراقي، شرح الألفية ٢/ ١٢٠.\n(٢) ابن حجر، نزهة النظر ص١٤١،وينظر: العراقي، شرح الألفية ٢/ ١٢٠.\n(٣) ينظر: ابن حجر، نزهة النظر ص١٤٠،والسخاوي، فتح المغيث ٤/ ٩٠ - ٩١، والسيوطي، تدريب الراوي ٢/ ١٠٨ وأبو شهبة، الوسيط، ص٧٦٧.\n(٤) أبو نعيم، تاريخ اصبهان ١/ ٩٩.\n(٥) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١١٦)، ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٥ (٢٥٣٧) وغيرهما.","vol":"1","page":5},{"text":"يريد بهذا انخرام ذلك القرن، وقد قال النبي - ﷺ - ذلك في سنة وفاته، ومن هذا المأخذ لم يقبل الأئمّة قول من ادّعى الصّحبة بعد الغاية المذكورة. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ضابطا يستفاد منه معرفة جمع كثير من الصّحابة يكتفى فيهم بوصف يتضمّن أنهم صحابة، وهو مأخوذ من ثلاثة آثار (١):\nأحدها: أنهم كانوا لا يؤمّرون في المغازي إلا الصّحابة، فمن تتبّع الأخبار الواردة من الرّدة والفتوح وجد من ذلك الكثير.\nثانيها: أن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا أتى به النبي - ﷺ - فدعا له، وهذا أيضا يوجد منه الكثير.\nثالثها: أنه لم يبق بالمدينة ولا بمكّة ولا الطّائف ولا من بينها من الأعراف إلا من أسلم وشهد حجّة الوداع، فمن كان في ذلك الوقت موجودًا اندرج فيهم، لحصول رؤيتهم للنبيّ - ﷺ - وإن لم يرهم هو.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المطلب الثالث: فضلهم ومنزلتهم في الكتاب والسنة:</span>\nنصَّ القرآن الكريم على فضلهم وتزكيتهم في آيات كثيرة منها:\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا، ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢). وغيرها من الآيات.\nوفي نصوص السّنّة النبويّة المشرّفة أمثلة كثيرة منها:\nعن أبي سعيد عن النّبي - ﷺ - قال: \" لا تسبّوا أصحابي، فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه\" (٣).\nوعن عبد اللَّه بن مغفّل المزنيّ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: \"اللَّه اللَّه في أصحابي، اللَّه اللَّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه\" (٤).\n_________\n(١) ابن حجر، الإصابة ١/ ١٦١.\n(٢) سورة التوبة/ ١٠٠.\n(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٦٧٣) ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٧ - ١٩٦٨ (٢٥٤١).\n(٤) أخرجه أحمد، المسند ٤/ ٨٧، التّرمذي، الجامع ٥/ ٦٥٣،وغيرهما.","vol":"1","page":6},{"text":"وعن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:\" خير أمّتي القرن الّذي بعثت فيهم، ثمّ الَّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم\" (١).قال ابن عبّاس:\" أصحاب محمد - ﷺ - اصطفاهم اللَّه لنبيه ﵇\" (٢).\nفالصحابة كلهم عدول، وهم أمناء الله في أرضه، أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي بردة، عن أبيه، قال: صلينا المغرب مع رسول الله - ﷺ -، ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء قال فجلسنا، فخرج علينا، فقال: \"ما زلتم هاهنا؟ \" قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال:\" أحسنتم أو أصبتم \" قال فرفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (٣).\nقال الإمام النّوويّ: \"الصّحابة كلهم عدول، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به\" (٤).\nوقال أبو زرعة الرّازيّ:\" إذا رأيت الرّجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - فاعلم أنه زنديق، وذلك أنّ الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزّنادقة يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسّنّة فالجرح بهم أولى\" (٥).\nقال ابن الصّلاح: \"ثم إنّ الأمة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع؛ إحسانا للظّنّ بهم ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن اللَّه ﷾ أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة\" (٦).\nقال الخطيب البغداديّ في الكفاية مبوبًا على عدالتهم:\"ما جاء في تعديل اللَّه ورسوله للصّحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم كل حديث اتّصل إسناده بين من رواه وبين النّبيّ - ﷺ - لم يلزم\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٤/ ١٩٦٤ (٢٥٣٥)، وغيره.\n(٢) البغوي، شرح السنة ١٤/ ٦٨.\n(٣) المصدر نفسه ٤/ ١٩٦١ (٢٥٣١).\n(٤) النووي، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث ص٩٢.\n(٥) ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٨/ ٣٢.\n(٦) ابن الصلاح، مقدمة علوم الحديث ص٢٩٥.","vol":"1","page":7},{"text":"العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النّظر في أحوالهم سوى الصّحابي الّذي رفعه إلى رسول اللَّه - ﷺ -، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللَّه لهم، وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن\" (١).\nوالأخبار في هذا المعنى تتّسع، وكلها مطابقة لما ورد في نصّ القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصّحابة والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم مع تعديل اللَّه تعالى لهم، المطّلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الرابع: مراتب الصحابة، وعقيدة أهل السّنّة في تفضيل الصّحابة</span>.\nقد أجمع أهل السّنّة والجماعة على أنّ أفضل الصّحابة بعد النّبيِّ - ﷺ - على الإطلاق: أبو بكر ثم عمر ﵄.\nقال القرطبي:\"ولم يختلف أحد في ذلك من أئمّة السّلف ولا الخلف، فقال: ولا مبالاة بأقوال أهل التّشيّع ولا أهل البدع، فإنهم بين مكفر تضرب رقبته، وبين مبتدع مفسق لا تقبل كلمته\" (٢).\nوقال البيهقيّ:\" روينا عن أبي ثور عن الشّافعيّ، قال: ما اختلف أحد من الصّحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصّحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في عليّ وعثمان\" (٣).\nوقال العلّامة ابن الهمّام:\" فضل الصّحابة الأربعة على حسب ترتيبهم في الخلافة، إذ حقيقة الفضل ما هو فضل عند اللَّه تعالى، وذلك لا يطلع عليه إلاّ رسول اللَّه - ﷺ - وقد ورد عنه ثناؤه عليهم كلهم، ولا يتحقّق إدراك حقيقة تفضيله ﵇ لبعضهم على بعض إن لم يكن سمعيّا يصل إلينا قطعيّا في دلالته إلا الشاهدين لذلك الزمان، لظهور قرائن الأحوال لهم، وقد ثبت ذلك لنا صريحًا ودلالة كما في صحيح البخاريّ من حديث عمرو بن العاص حين سأله ﵇: من أحبّ النّاس إليك من الرّجال؟ فقال: \"أبوها\". يعني عائشة ﵂- وتقديمه في الصّلاة على ما قدّمنا مع أن الاتّفاق على أن السّنّة أن يقدم على القوم أفضلهم علما، وقراءة، وخلقًا، وورعًا، فثبت أنّه كان أفضل الصّحابة، وصحّ من حديث ابن عمر في صحيح البخاريّ قال:\"كنا في زمن النّبيِّ - ﷺ - لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي - ﷺ - لا نفاضل بينهم\" (٤).وصحّ فيه من حديث محمّد بن الحنفيّة: قلت لأبي: \"أيّ النّاس خير\n_________\n(١) الخطيب، الكفاية ص٤٧.\n(٢) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٨/ ١٤٨.\n(٣) البيهقي، الاعتقاد ص٣٦٩.\n(٤) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٩٤).","vol":"1","page":8},{"text":"بعد رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلاّ واحد من المسلمين\" (١).فهذا عليّ نفسه مصرّح بأن أبا بكر أفضل النّاس، وأفاد بعد ما ذكرنا تفضيل أبي بكر وحده على الكلّ، وفي بعض ترتيب الثّلاثة، ولما أجمعوا على تقديم عليّ بعدهم دلَّ على إنّه كان أفضل من بحضرته وكان منهم الزّبير وطلحة فثبت أنّه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة.\nهذا واعتقاد أهل السّنّة تزكية جميع الصّحابة والثناء عليهم، كما أثنى اللَّه ﷾ عليهم إذ قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ً﴾ (٢).\" (٣).\nفمنهج أهل الحق من المسلمين احترام الصحابة، وتوقيرهم، والترضي عنهم أجمعين، ونترك ما شجر بينهم، فهم خير البشر بعد النبيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الثاني: جهود الصحابة في تدوين السنة:</span>\nلم يدخر الصحابة الكرام جهدًا في تحمل أمانة الدين وتبليغه، فطوفوا المشارق والمغارب لنشره وتبليغه للناس، باذلين الغالي والنفيس في ذلك، ومن يقرأ التاريخ بإنصاف لا يملك إلا أن يقف لهم بكل احترام وتبجيل، ولا يتنكر لهم إلا جاحد أو حاقد.\nولهم الفضل بعد فضل الله ثم فضل رسوله - ﷺ - في إخراجنا من براثن الشرك والوثنية وإدخالنا في هذا الدين العظيم.\nومثلما كان لهم الفضل في الفتوحات الاسلامية، كان لهم الفضل في حفظ السنة النبوية ونشرها بين الناس، ويمكن إيجاز دورهم الكبير في حمل السنة وتبليغها بما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - حفظ الروايات، وأعني به حفظ الصدر وحفظ الكتاب</span>، إذ تميز كثير من الصحابة بحفظ أحاديث النبي - ﷺ - في صدورهم، حتى تفرّغ لها بعضهم -كأصحاب الصفة- فكان جلّ حياته تتبع الروايات وحفظها، وكان من أحفظهم الصحابي الجليل أبو هريرة - ﵁ -، أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال:\": \" ما من أصحاب النبي - ﷺ - أحد أكثر حديثًا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٦٨).\n(٢) سورة آل عمران/ ١١٠.\n(٣) ابن الهمام، المسايرة ١٦٦ - ١٦٨.\n(٤) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١١٣)، ومسلم، المسند الصحيح ٤/ ٢٢٩٨ (٣٠٠٤)، وغيرهما.","vol":"1","page":9},{"text":"وكان بعض الصحابة يتنابون على حضور مجالس النبيِّ - ﷺ - فأخرج الشيخان من حديث عمر - ﷺ - أنه قال:\"كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله - ﷺ - ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك ..... \"الحديث (١).وهذا يدل على حرصهم على حفظ حديث النبي - ﷺ -.\nوأما عن كتابة الحديث وحفظه في الصدور والسطور، فقد كتب بعض الصحابة في حياة النبي - ﷺ - كما في صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد كان لبعض كبار الصحابة صحف دونوا فيها بعض الأحاديث، وما هذا إلاّ من حرصهم عليه، وهو جهد كبير في حماية الحديث من الضياع أو النسيان، إذ كتب أسيد بن حضير الأنصاري - ﵁ - بعض الأحاديث النبوية، وقضاء أبي بكر وعمر وعثمان، وأرسله إلى مروان بن الحكم (٢).\nوكتب جابر بن سمرة - ﵁ - بعض أحاديث رسول الله - ﷺ - وبعث بها إلى عامر بن سعد بن أبي وقاص بناءً على طلبه ذلك منه (٣).\nوكتب زيد بن أرقم - ﷺ - بعض الأحاديث النبوية وأرسل بها إلى أنس بن مالك - ﵁ - (٤).\nوكتب زيد بن ثابت في أمر الجَدِّ إلى عمر بن الخطاب - ﵁ - وذلك بناء على طلب عمر نفسه (٥).\nوجمع سمرة بن جندب ما عنده من حديث رسول الله - ﷺ - وبعث به إلى ابنه سليمان، وقد أثنى الإمام محمد بن سيرين على هذه الرسالة فقال: \"في رسالة سمرة إلى ابنه علمٌ كثير\" (٦).\nومن ذلك أيضًا حثهم على كتابة الحديث وتقييده، فروى عن عمر بن الخطاب وعن عبد الله بن عباس - ﵁ -، أنهما كانا يقولان: \"قيدوا العلم بالكتاب\" (٧).\nوجاء عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: \"من يشتري مني علمًا بدرهم\" (٨).\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٨٩)،ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ١١١١ (١٤٧٩)، وغيرهما.\n(٢) ينظر: أحمد، المسند ٤/ ٢٢٦.\n(٣) أخرجه أحمد، المسند ٥/ ٨٩، ومسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٤٥٣ (١٨٢٢).\n(٤) ينظر: أحمد، المسند ٤/ ٣٧٠ - ٣٧٤، وابن حجر، تهذيب التهذيب ٣/ ٣٩٤.\n(٥) الدارقطني، السنن ٤/ ٩٣ - ٩٤.\n(٦) ابن حجر، تهذيب التهذيب ٤/ ٢٣٦ - ٢٣٧، وينظر: أبو داود، السنن (٤٥٦).\n(٧) ابن نقطة، تقييد العلم ص: ٩٢،وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله١/ ٧٢.\n(٨) أبو خيثمة، العلم ١/ ٣٨.","vol":"1","page":10},{"text":"قال أبو خيثمة:\"يقول: يشتري صحيفةً بدرهمٍ يكتب فيها العلم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - تدوينهم الحديث في صحف:</span>\nأخرج البخاري بسنده عن ثمامة أنّ أنسًا - ﵁ - حدّثه أنّ أبا بكر - ﵁ - كتب له -في زكاة الحيوان-التي أمر الله رسوله - ﷺ -:\" ومن بلغت صدقته بنت مخاض وليست عنده وعنده بنت لبون فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء \" (٢).\nوأخرج مسلم في صحيحه أنّ عليًا - ﵁ - سُئل: أخصكم رسول الله - ﷺ - بشيء؟ فقال:\" ما خصنا رسول الله - ﷺ - بشيء لم يعم به الناس كافة، إلاّ ما كان في قراب سيفي هذا، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: \" لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثا\" (٣).\nومن هذه الصحف أيضًا:\n* صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، المعروفة بالصحيفة الصادقة.\nعن مجاهد قال: \"أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة من تحت مفرشه، فمنعي، قلت: ما كنت تمنعني شيئًا، قال: هذه الصادقة، هذه ما سمعت من رسول الله - ﷺ - ليس بيني وبينه أحد\" (٤).\nهذه الصحف الثلاث كلها كتبت في حياته - ﷺ -، وهناك غيرها كثير مما كتب في حياته - ﷺ -.\n* صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، ذكرها الإمام البخاري في كتاب الجهاد من \"صحيحه، فأخرج بسنده من طريق سالم أبي النضر، أنّ عبد الله بن أبي أوفى، كتب فقرأته: إنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا لقيتموهم فاصبروا\" (٥)\n_________\n(١) المصدر نفسه.\n(٢) البخاري، الجامع الصحيح (١٣٨٠).\n(٣) مسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٥٦٧ (١٩٧٨).\n(٤) ابن نقطة، تقييد العلم ص ٨٤، وابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله ١/ ٧٣، وهي صحيفة مشهورة، وينظر: الإمام أحمد، المسند ٢/ ١٥٨ - ٢٢٦.\n(٥) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٢٦٧٨)،وينظر: ابن حجر: فتح الباري ٦/ ٤٥.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>٣ - دقتهم وتحريهم وأمانتهم: </span>أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -، قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله - ﷺ - قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة» قال فقلت: ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال: إني قد رأيتك جئت آنفا، قال: \" ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء \" (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>٤ - احتياط الصحابة والتابعين في رواية الحديث:</span>\nومن هذا ما رواه عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه قال: فما سمعته بشيءٍ قط قال: (قال رسول الله - ﷺ -) فلما كان ذات عشية قال: \" قال رسول الله - ﷺ -، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محللة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبًا من ذلك أو شبيهًا بذلك\" (٢).\nوبدأ التحذير من الكذب على النبي - ﷺ - في وقت مبكر، فاوّل من حذر منه هو النبي - ﷺ - نفسه فأخرج البخاري من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - \" إنّ كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار \" (٣).\nوكذا كان الصحابة يحتاطون جدًا في رواية الحديث خشية من التحريف أو التبديل، فكان بعضهم لشدة حذره يمتنع عن الرواية، وكان بعضهم يقول عقب الحديث (أو نحوه، أو بعناه ..).\nولهذا كان الصحابة بعد وفاة النبي - ﷺ - يحتاطون جدًا من قبول الأحاديث، أورد الحافظ الذهبي عند ترجمة أبي بكر الصديق - ﵁ -:\"وكان أوّل من احتاط في قبول الأخبار، فروى ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن الجدة جاءة إلى أبي بكر تلتمس أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، ما علمت أنّ رسول لله - ﷺ - ذكر لك شيئا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: حضرت رسول الله - ﷺ - يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر - ﵁ - \" (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح١/ ٢٠٩ (٢٣٤).\n(٢) أخرجه ابن ماجه، السنن (٢٣).\n(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٢٩).\n(٤) الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/ ٢، والدهلوي، حجة الله البالغة ١/ ١٤١.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال في ترجمة عمر - ﵁ -:\"وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره، فقال: لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا سلم أحدكم ثلاث، فلم يجب، فليرجع\"، قال: لتأتيني على ذلك ببينة أو لأفعلن بك، فجاء أبو موسى منتقعا لونه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره، أحبَّ عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد، وفي ذلك حض على تكثير طرق الحديث لكي يرتقي عن درجة الظن إلى درجة العلم، إذ الواحد يجوز عليه النسيان والوهم، ولا يكاد يجوز ذلك على ثقتين لم يخالفهما أحد، وقد كان عمر من وجله أن يخطئ الصاحب على رسول الله - ﷺ - يأمرهم أن يقلوا الرواية عن نبيهم، ولئلا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن\" (١).\nوهذا الاحتياط لا يعني انهم كتموا شيئًا من السنة كما يروج له أهل البدع ويطبل به اذنابهم عبر وسائل الأعلام، فالصحابة أعرف الناس بأثم من كتم شيئًا من الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ً﴾ (٢).\nولا سيما أنّ النبيَّ - ﷺ - يقول:\" من كتم علمًا يعلمه جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار\" (٣).\nوأخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن الأعرج قال: قال أبو هريرة: إنكم تقولون أكثر أبو هريرة عن النبي - ﷺ - والله الموعد أنكم تقولون ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله - ﷺ - بهذه الأحاديث وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث وأنّ أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق وان أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها وإنّي كنت امرأ معتكفًا وكنت أكثر مجالسة رسول الله - ﷺ - أحضر إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وأنّ النبي - ﷺ - حدثنا يوما فقال:\" من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فإنه ليس ينسى شيئا سمعه مني أبدًا\". فبسطت ثوبي أو قال: نمرتي ثم قبضته إليَّ\n_________\n(١) الذهبي، تذكرة الحفاظ ١/ ٦ - ٧.\n(٢) سورة البقرة/١٥٩.\n(٣) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٤٩٩.","vol":"1","page":13},{"text":"فوالله ما نسيت شيئا سمعته منه وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدًا ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية (١) \". (٢).\nوأخرج مسلم من حديث أبي أيوب - ﵁ -، أنه قال حين حضرته الوفاة: كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: \"لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغفر لهم\" (٣).\nوالسبب الرئيس في تأخير تبليغ الحديث هو إما اكتفاءً بغيره من الصحابة ممن روى الحديث أو ربما اجتهادًا من الصحابي أنّ الحديث قد يتخذه بعض الناس ذريعة في تقصيرهم في العبادة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل - ﵁ - حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة، أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ -. وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -،لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: \"من شهد أنْ لا إله إلاّ الله مخلصًا من قلبه أو يقينًا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة\". وقال مرة:\"دخل الجنة ولم تمسه النار \" (٤).فالاحتياط والتثبت لا يتعارض مع التبليغ، والصحابة الكرام - ﵃ - بلّغوا ما سمعوا وأدوا ما يجب عليهم تأديته، ولم يكتموا شيئًا من الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثالث: ضوابط نقد الرواية عند الصحابة الكرام:</span>\nمن خلال التتبع للأحاديث النبوية نجد أن الصحابة الكرام كانت لهم سبل متعددة يتبعونها من أجل ضبط قبول الرواية أو ردها، وهو ينم عن حرصهم على سنة نبيهم، وحمايتها من الدخلة والمنتحلين، ولاسيما أن الله تعالى تكفل بحفظ الكتاب الكريم، وصار على عاتقهم حماية السنة النبوية، فكانوا أحق بحمل هذه الأمانة وأهلها، فهم خير جيلٍ عرفه التاريخ.\nومن هذه الضوابط:\n_________\n(١) سورة البقرة/١٥٩.\n(٢) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٢٧٤.\n(٣) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٤/ ٢٠١٥ (٢٧٤٨).\n(٤) اخرجه احمد، المسند ٥/ ٢٣٥.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الضابط الأول: عرض الرواية على النبي - ﷺ - حال حياته:</span>\nوهذا من أعظم أسباب حماية السنَّة، فهم وإنْ كانوا خير ناس، ولم يفشي بينهم الكذب، إلاّ أنهم تحرجوا من كثرة التحديث، والقبول من كل أحد، فكان بعضهم يأتي النبي - ﷺ - يسأله عن أمر ينسب إليه - ﷺ -،ومن ذلك:\nما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، قال: كنا قعودًا حول رسول الله - ﷺ -، معنا أبو بكر، وعمر في نفر، فقام رسول الله - ﷺ - من بين أظهرنا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا، وفزعنا، فقمنا، فكنت أوّل من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله - ﷺ - حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له بابًا؟ فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة - والربيع الجدول - فاحتفزت، فدخلت على رسول الله - ﷺ -، فقال: \"أبو هريرة\" فقلت: نعم يا رسول الله، قال: \"ما شأنك؟ \" قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: \"يا أبا هريرة\" وأعطاني نعليه، قال: \"اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه، فبشره بالجنة\". فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله - ﷺ -، بعثني بهما من لقيت يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه، بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لاستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على أثري، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما لك يا أبا هريرة؟ \" قلت: لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي، قال: ارجع، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا عمر، ما حملك على ما فعلت؟ \" قال: يا رسول الله، بأبي أنت، وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أنْ لا إله إلاّ الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: \"نعم \".قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله - ﷺ -: \"فخلهم\" (١).\nفعمر بن الخطاب - ﵁ - لم يقبل الرواية عن النبي - ﷺ - من أبي هريرة - ﵁ - أولًا، حتى عرضه على النبي - ﷺ - ليتأكد من صحة الخبر، وهذا لا يعني تهمة لأبي هريرة، فربما لو جاء بهذا الخبر من جاء من الصحابة لتثبت عمر - ﵁ - من النبي - ﷺ -، اللهم إلاّ ابا بكر الصديق، لعظم مكانته عندهم، وقد مرت أمثلة تؤيد ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ١/ ٥٩ (٣١)،وغيره.","vol":"1","page":15},{"text":"فكان عمر - الملهم- قد اجتهد في احتمال استغلال بعض ضعاف القلوب لهذا الحديث في التسويف في الاعمال، والتقصير في الطاعات (الاتكال)،كما عبر عنه عمر - ﵁ -، فأقره النبيُّ - ﷺ - على اجتهاده.\nوقد فعل مثل فعل عمر - ﵁ - بعض الصحابة، ومن ذلك انّ معاذ بن جبل - ﵁ - حين حضرته الوفاة قال: اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ - \". وقال مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله - ﷺ - لم يمنعني ان أحدثكموه إلاّ أنْ تتكلوا سمعته يقول: \"من شهد ان لا إله الا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة\" وقال مرة:\"دخل الجنة ولم تمسه النار \" (١).\nقال النووي:\" وأما دفع عمر - ﵁ - له-يريد أبا هريرة- فلم يقصد به سقوطه وإيذاءه بل قصد رده عما هو عليه وضرب بيده في صدره ليكون أبلغ في زجره \" (٢).\nوهنا نكتة عظيمة وهي سماع النبيِّ - ﷺ - لرأي أصحابه والنزول عنده! وهذا في منتهى الرحمة والتواضع النبوي، وهو تربية لأمته من بعده.\nقال القاضي عياض:\" وليس فعل عمر ومراجعة النبيِّ - ﷺ - في ذلك اعتراضًا عليه ورد الأوامر، إذ ليس فيما وجّه به أبا هريرة (٣) غير تطييب قلوب أمته وبشراهم، فرأى عمر أنّ كتم هذا عنهم أصلح لهم، وأذكى لأعمالهم، وأوفر لأجورهم ألاّ يتكلوا، وأنه أعود بالخير عليهم من مُعَجَّلة هذه البشرى، فلما عرض ذلك على النبيِّ - ﷺ - صوّبه له، وقد يكون رأي عمر للعموم وأمر النبيِّ - ﷺ - للخصوص، وخشى عمر إنْ حصل فى الخصوص أنْ يفشو ويتسع. وفى هذا الحديث من الفقه والذى قبله: إدخال المشورة على الإمام من أهل العلم والدين ومن وزرائه وخاصته .. \" (٤).\nوتأمل بعد قول النبي - ﷺ - لمعاذ، وكان رديفه على الرحل:\"يا معاذ بن جبل. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك- ثلاثا- قال: \"ما من أحد يشهد أنْ لا إله\n_________\n(١) اخرجه أحمد، المسند ٥/ ٢٣٥.\n(٢) النووي، شرح مسلم ١/ ٢٢٨.\n(٣) في المطبوع (معاذ)،والصواب ما أثبتناه، وهو في إحدى نسخ الكتاب كما نبه المحقق في الهامش.\n(٤) القاضي عياض، إكمال المعلم شرح صحيح مسلم١/ ٢٦٤.","vol":"1","page":16},{"text":"إلاَّ الله وأنَّ محمدًا رسول الله، صدقًا من قلبه، إلاَّ حرمه الله على النار\". قال يا رسول الله: أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: \"إذا يتكلوا \" وأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا\" (١).\nقال الحافظ:\"فكأن قوله - ﷺ - لمعاذ أخاف أنْ يتكلوا كان بعد قصة أبي هريرة فكان النهي للمصلحة لا للتحريم فلذلك أخبر به معاذ لعموم الآية بالتبليغ والله أعلم\" (٢).\nوهنا يتضح أنّ خشية التكاسل والاتكال إنما كانت متوقعة من ضعاف الإيمان أو المؤلفة قلوبهم، والدليل أنّ النبيَّ - ﷺ - خصّ بها بعض أصحابه كأبي هريرة، ومعاذ.\nقال المهلب:\" فيه أنه يجب أن يُخَصَّ بالعلم قوم لما فيهم من الضبط وصحة الفهم، ولا يبذل المعنى اللطيف لمن لا يستأهله من الطلبة ومن يخاف عليه الترخص والاتكال لقصير فهمه، كما فعل - ﷺ - \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>الضابط الثاني: عرض الرواية على القرآن الكريم</span>.\nوهذا الضابط في الأصل استعمله الصحابة بعد وفاة النبي - ﷺ -،إذ لو كان النبي - ﷺ - حيًّا لردوا اختلافهم إليه.\nومن أمثلة هذا الضابط، وأمثلته كثيرة: ما أخرجه أحمد في مسنده عن قتادة عن أبى حسان الأعرج انّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث أنّ نبي الله - ﷺ - كان يقول: \"إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار\". قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله - ﷺ - كان يقول:\"كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة\". ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٤) إلى آخر الآية\" (٥).\nوقد وقع اختلاف واضح بين أهل العلم في هذا الحديث بين مقّرٍ ونافٍ له، والحديث لم ينفرد به أبو هريرة، بل رواه ابن عمر - ﵁ - (٦) وغيره، وليس الموضع موضع دراسته، وأنقل هنا كلام الإمام القرطبي في توجيه\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٨) و(١٢٩)،من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٢) ابن حجر، فتح الباري ١/ ٢٢٨.\n(٣) ابن بطال، شرح صحيح البخاري ١/ ٢٠٧.\n(٤) سورة الحديد /٢٢.\n(٥) أخرجه أحمد، المسند ٦/ ٢٤٦.\n(٦) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٤٣٨) وغيره.","vol":"1","page":17},{"text":"الحديث، إذ قال:\"ولا يظن بمن قال هذا القول: أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها، وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به، ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإنَّ هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه، ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد، وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود\" (١).\nومنه ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسًا في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله - ﷺ -، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كفًا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك تحدث بمثل هذا، قال عمر:\"لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله ﷿: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (٢) \" (٣).\nفعمر - ﵁ - عرض خبر فاطمة بنت قيس على القرآن الكريم، فرآه يخالفه، فالقرآن نصّ على السكنى للمطلقة، وفاطمة روت حادثة لها مع النبي - ﷺ - معارضة لهذا، فعمر - ﵁ - ردّ حديثها معللًا ذلك بانها واحدة لعلها نسيت أو اخطأت في نقلها أو فهمها للحديث، وللعلماء في الحديث أقوال فلتنظر في محلها.\nومنه ما أخرجه الطبراني من حديث طارق بن شهاب قال: سألت عبد الله عن امرأة أرادت أن تجعل من حجها عمرة فقال:\" ألم تسمع الله يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ (٤) ما أرى هؤلاء إلا أشهر الحج \" (٥).\nوالحقيقة أنّ هذا المنهج (عرض الرواية على القرآن الكريم) قد علّمه النبي - ﷺ - لأصحابه، فمنه ما أخرجه تمام الرازي في فوائده بسنده عن أم مبشر، قالت: كنت في بيت حفصة فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا\n_________\n(١) القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص شرح مسلم ١٨/ ١٠٤.\n(٢) سورة الطلاق/١.\n(٣) أخرجه مسلم، المسند الجامع ٢/ ١١١٨ (١٤٨٠).\n(٤) سورة البقرة/١٩٧.\n(٥) الطبراني، المعجم الكبير٩/ ٣٤٢ (٩٧٠٣).","vol":"1","page":18},{"text":"يدخل النار إنْ شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية\". قالت: فقالت حفصة: ألست تسمع الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١)، فقال:\" أولست تسمعين الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ (٢) \" (٣).\nوكذا الموقف التاريخي العظيم لأبي بكر الصديق في أوّل امتحان حقيقي للصحابة في وفاة النبي - ﷺ -،إذ أخرج البخاري من حديث أمِّ المؤمنين عائشة: أنّ رسول الله - ﷺ - مات وأبو بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله - ﷺ -.قالت وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله - ﷺ - فقبله، قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: ألا من كان يعبد محمدا - ﷺ - فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥). . فنشج الناس يبكون ..... \" (٦).\nفالقرآن الكريم البوصلة الصحيحة التي لا يضل من تمسك بها، ولا يزيغ عنها إلا هالك.\nوهكذا يجد الباحث أنّ الصحابة الكرام جعلو من القرآن الكريم ضابطًا لهم في قبول الرواية أو ردها، ولا سيما بعد وفاة النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>الضابط الثالث: عرض الرواية على المحفوظ من السنة النبوية (بعد وفاته - ﷺ </span>-).\nومن الضوابط التي اعتمدها الصحابة الكرام في نقد الراويات عرضها على الثابت المحفوظ من الأحاديث، وقد نفعهم في هذا قربهم من النبي - ﷺ - ومجالستهم.\nومن ذلك: ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان - ﵁ - بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس ﵃ وإني لجالس بينهما أو قال\n_________\n(١) سورة مريم /٧١.\n(٢) سورة مريم /٧١.\n(٣) تمام الرازي، الفوائد (١٢٧٥).\n(٤) سورة الزمر/٣٠.\n(٥) سورة آل عمران/١٤٤.\n(٦) البخاري، الجامع الصحيح (٣٤٦٧).","vol":"1","page":19},{"text":"جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر ﵄ لعمرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ فإنّ رسول الله - ﷺ - قال:\" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه \". فقال ابن عباس ﵄ قد كان عمر - ﵁ - يقول بعض ذلك ثم حدث قال صدرت مع عمر - ﵁ - من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال أذهب فانظر من هؤلاء الركب؟ قال فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال: ادعه لي فرجعت إلى صهيب، فقلت: أرتحل فالحق أمير المؤمنين فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول وا أخاه وا صاحباه. فقال عمر - ﵁ -: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله - ﷺ -:\" إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه \". قال ابن عباس ﵄ فلما مات عمر - ﵁ - ذكرت ذلك لعائشة ﵂ فقالت: رحم الله عمر والله ما حدّث رسول الله - ﷺ - إنّ الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله - ﷺ - قال:\"إنّ الله ليزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه\".وقالت حسبكم القرآن ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) قال ابن عباس ﵄ عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى\" (٢).\nقال الحافظ:\" وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة، وفيه إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرته من معارضة القرآن\" (٣).\nقال القرطبي:\" قال علماؤنا: وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه، وأنه معارض للآية. ولا وجه لإنكارها، فإن الرواة لهذا المعنى كثير، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة، وهم جازمون بالرواية، فلا وجه لتخطئتهم. ولا معارضة بين الآية والحديث، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته، كما كانت الجاهلية تفعل\" (٤).\nوقد وقع خلاف في الحديث بشكل كبير، بعضهم ذهب إلى مذهب السيدة عائشة ﵂، وبعض ذهب المذهب الآخر، وبعضهم وفّق بينهما كما فعل الإمام البخاري إذ بوب في صحيحه (باب قول النبي - ﷺ - \"يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه \". إذا كان النوح من سنته) (٥).\n_________\n(١) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /١٦٤والإسراء/ ١٥،وفاطر/١٨والزمر/٧.\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٢٦) و(١٢٢٨) و(١٢٣٠)، ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ٦٤١ (٩٢٧و٩٢٨و٩٢٩) وغيرهما.\n(٣) ابن حجر، فتح الباري ٣/ ١٥٤.\n(٤) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٣١.\n(٥) البخاري، الجامع الصحيح١/ ٤٣٠ باب ٣٢، وينظر: ابن حجر، فتح الباري ٣/ ١٥٤.","vol":"1","page":20},{"text":"فأم المؤمنين عارضت حديث عمر وغيره من الصحابة بما تحفظه من سنّة المصطفى - ﷺ -، وبفهمها لكتاب الله تعالى.\nومنه ما أخرجه الطحاوي من طريق عروة بن الزبير، قال: بلغ عائشة ﵂: أنّ أبا هريرة يقول: إنّ رسول الله - ﷺ - قال:\" لأنْ أمتع بسوط في سبيل الله، أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا، وإن رسول الله - ﷺ - قال: ولد الزنا شر الثلاثة، وإن الميت يعذب ببكاء الحي\". فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إجابة\" (١).\nقال الطحاوي:\" قول رسول الله - ﷺ - الذي ذكره عنه أبو هريرة: \" ولد الزنى شر الثلاثة \" إنما كان لإنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله - ﷺ - ما كان منه مما صار به كافرًا شرًا من أمه، ومن الزاني بها الذي كان حملها به منه\" (٢).\nفأم المؤمنين عائشة ﵂ ردّت حديث أبي هريرة - ﵁ - بما تحفظه من حديث النبي - ﷺ -، وقد يكون كذلك من معارضته – بفهمها واجتهادها – للقرآن لكريم، ويؤيده ما جاء في أحد طرق الحديث أن عائشة ﵂ كانت إذا قيل لها: هو شر الثلاثة (يعني ولد الزنا)، عابت ذلك وقالت: \"ما عليه من وزر أبويه، قال الله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) \" (٤).\nومنه أيضًا ما أخرجه أبو داود من حديث عدي بن ثابت الأنصاري: حدثنى رجل أنّه كان مع عمّار بن ياسر بالمدائن فأقيمت الصلاة فتقدم عمّار وقام على دكان يصلى والناس أسفل منه، فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول:\" إذا أم الرجل القوم فلا يقم فى مكان أرفع من مقامهم \". أو نحو ذلك، قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي\" (٥).فحذيفة - ﵁ - إنما انتقد فعل عمار بما يحفظه من سنة النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) أخرجه الطحاوي، مشكل الآثار (٩١٠)،والحاكم، المستدرك على الصحيحين ٢/ ٢١٥،والبيهقي، معرفة السنن والآثار ١٤/ ٣٤٣.\n(٢) الطحاوي، شرح المشكل ٢/ ٢٦٩.\n(٣) هذه جزء من آية وردت في سورة: الانعام /١٦٤والإسراء/ ١٥،وفاطر/١٨والزمر/٧.\n(٤) أخرجه عبد الرزاق، المصنف (١٣٨٦٠) و(١٣٨٦١)،والحاكم، المستدرك ٤/ ١٠٠، والبيهقي، السنن ١٠/ ٥٨.\n(٥) أبو داود، السنن (٥٩٨) وروي عن أبي مسعود - ﵁ - أيضًا كما في السنن (٥٩٧)،وهو مما يعضد هذا الحديث.","vol":"1","page":21},{"text":"وقد يعارض هذا الحديث بحديث إمامة النبي - ﷺ - على المنبر، وقد وجهه العلماء بتوجيهات عدة، منها أن حديث المنبر منسوخ، يقول الإمام القرطبي:\" قلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه أن فيه عملا زائدًا في الصلاة، وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام\" (١).\nومنه أيضًا ما أخرجه أحمد من حديث ابن المسيب قال: خرج عثمان - ﵁ - حاجًا حتى إذا كان ببعض الطريق قيل لعلي رضوان الله عليهما أنّه قد نهى عن التمتع بالعمرة إلى الحج. فقال علي - ﵁ - لأصحابه: إذا ارتحل فارتحلوا فأهل علي وأصحابه بعمرة فلم يكلمه عثمان - ﵁ - في ذلك، فقال له علي - ﵁ - ألم أخبر إنّك نهيت عن التمتع بالعمرة؟ قال: فقال: بلى. قال: فلم تسمع من رسول الله - ﷺ - تمتع؟ قال: بلى \" (٢).\nقال السندي:\" والحاصل أنّ عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما كانا يريان أن التمتع في وقته - ﷺ - كان بسبب من الأسباب وتركه أفضل وعلي كان يراه أنه السنة أو أفضل، والله تعالى أعلم\" (٣).\nوعلي أية حال فالذي يعنينا معارضة علي لنهي عثمان ﵄ عن التمتع بالعمرة إلى الحج بما يحفظ من سنة النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الضابط الرابع: عرض الرواية على كبار الصحابة</span>.\nمن البدهي أن حفظ الصحابة الكرام متفاوت وأن فقههم متفاوت، نصّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (٤).\nفلو كان الصحابة كلهم على قدر متساوٍ من الفقه والحفظ والاستنباط لما أمرهم رب العزة بردّ الأمر إلى النبي - ﷺ - في حضوره حال حياته، وإلى فقهاء الصحابة وأهل العلم منهم في غياب النبي - ﷺ - أو بعد وفاته.\nأخرج أحمد وغيره من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن\n_________\n(١) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن١١/ ٥٨،وينظر: ابن رجب، فتح الباري٢/ ٤٥٥،والشيقينطي، أضواء البيان٣/ ٣٧٣.\n(٢) أخرجه أحمد، المسند ١/ ٥٤،والنسائي، السنن ٥/ ١٥٣،وغيرهما.\n(٣) السندي، شرح سنن النسائي ٥/ ١٥٢.\n(٤) سورة النساء/٨٣.","vol":"1","page":22},{"text":"ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ألا وإن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\" (١).\nوهذا التكامل بين الصحابةالكرام هو من بلغ بهم ما بلغ، لذا كان بعض الصحابة يتحرى من الصحابي الأخر صحة حديث طرق سمعه لم يكن سمعه من قبل، إما لكونه لم يحضر ذلك المجلس كلّه أو بعضه، أو لتأخر اسلامه عن زمن تحديث النبي - ﷺ -. فهذا ضابط معتبر عند الصحابة الكرام في قبول الأحاديث.\nومن ذلك: ما أخرجه عبد الررزاق في مصنفه من حديث قبيصة بن جابر الأسدي، قال: كنت محرمًا فرأيت ظبيًا فرميته، فأصبت خُشَشَاءَهُ -يعني أصل قرنه- فركب ردعه، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فأتيت عمر بن الخطاب أسأله فوجدت لما جئته رجلا أبيض رقيق الوجه، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف قال: فسألت عمر فالتفت إلى عبد الرحمن، فقال: \"ترى شاة تكفيه؟ \" قال: نعم فأمرني أن أذبح شاة \"، فقمنا من عنده، فقال صاحب لي: إنّ أمير المؤمنين لم يحسن أنْ يفتيك حتى سأل الرجل فسمع عمر كلامه، فعلاه عمر بالدرة ضربا، ثم أقبل علي عمر ليضربني، فقلت: يا أمير المؤمنين لم أقل شيئا إنما هو قاله قال: فتركني، ثم قال: \"أردت أن تقتل الحرام وتتعدى الفتيا\" قال: \" إن في الإنسان عشرة أخلاق، تسعة حسنة، وواحدة سيئة، فيفسدها ذلك السيئ، وقال: إياك، وعثرة الشباب\" (٢).\nومن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث مالك بن أوس بن الحدثان قال: جئت بدنانير لي فأردت ان أصرفها فلقينى طلحة بن عبيد الله فاصطرفها وأخذها، فقال: حتى يجئ سلم خازني -قال أبو عامر من الغابة- وقال فيها كلها: هاء وهاء. قال فسألت عمر بن الخطاب - ﵁ - عن ذلك، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\" الذهب بالورق ربا إلاّ هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلاّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلاّ هاء وهاء والتمر بالتمر ربًا إلاّ هاء وهاء\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٣/ ١٨٤،و٣/ ٢٨١،وابن ماجه (١٥٤) والترمذي (٣٧٩١) و، وغيرهم، وفي إسناده كلام طويل، بعضهم صححه كالترمذي وابن حبان وغيرهما، وبعضهم ضعفه بالإرسال.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق، المصنف ٤/ ٤٠٧،والطبراني، المعجم الكبير ١/ ١٢٧ (٢٥٩)،والحاكم، المستدرك ٣/ ٣٠٥،وغيرهم\n(٣) أخرجه أحمد-واللفظ له- المسند ١/ ٤٥،والبخاري، الجامع الصحيح (٢٠٢٧)،ومسلم، المسند الصحيح ٣/ ١٢٠٩\n(١٥٨٦)، وغيرهم.","vol":"1","page":23},{"text":"فتأمل في قوله (فسألت عمر)،فالرجل إراد الاطمئنان لهذا الحكم (الحديث)،أنه صدر من النبي - ﷺ -، فسأل بعض الأصحاب عنه.\nويتضح هذا الضابط بشكل أجلى في قول أم المؤمنين لسائل يسألها عن مسألة، فتحيله إلى من هو أعرف بها، لتعلق المسألة بأمر ما، إذ أخرج الإمام أحمد بسند صحيح من حديث القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، فقالت: سلْ عليًا فهو أعلم بهذا منّي، هو كان يسافر مع رسول الله - ﷺ - فسألت عليًا - ﵁ -،فقال: قال رسول الله - ﷺ -:\"للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن \" (١).\nفلما كان السؤال يتعلق بمسألة تقع في الغالب في السفر، فالسيدة عائشة - ﵁ - أرجعت السائل إلى صحابي آخر أعرف منها بهذه المسألة؛ لأنه كان يسافر مع النبي - ﷺ -.\nومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، قال: جاء أبو موسى إلى عمر بن الخطاب فقال: السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس، فلم يأذن له، فقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم هذا الأشعري، ثم انصرف، فقال: ردوا علي ردوا علي، فجاء فقال: يا أبا موسى ما ردك؟ كنا في شغل، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع\" قال: لتأتيني على هذا ببينة، وإلا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء بالعشي وجدوه، قال: يا أبا موسى، ما تقول؟ أقد وجدت؟ قال: نعم، أبي بن كعب، قال: عدل، قال: يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذلك، يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله - ﷺ -، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئا، فأحببت أن أتثبت\" (٢).\nوفي قول عمر - ﵁ -: (أتثبت) تصريح واضح باعتبار هذا الضابط المهم عندهم.\nومنه ما أخرجه أحمد من حديث الوليد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، حدّث عن النبيِّ - ﷺ -، أنّه قال: \"من صلّى على جنازة فله قيراط، ومن صلّى عليها وتبعها فله قيراطان\". فقال له عبد الله بن عمر: انظر ما تحدّث به يا أبا هريرة، فإنك تكثر الحديث عن رسول الله - ﷺ -، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة، فصدقت\n_________\n(١) أخرجه أحمد، المسند ١/ ١٤٩.\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٨٩١)،ومسلم –واللفظ له- المسند الجامع ٣/ ١٦٩٤ (٢١٥٣)،وغيرهما.","vol":"1","page":24},{"text":"أبا هريرة، فقال أبو هريرة:\"والله يا أبا عبد الرحمن، ما كان يشغلني عن رسول الله - ﷺ - الصفق في الأسواق، ما كان يهمني من رسول الله - ﷺ - إلا كلمة يعلمنيها، أو لقمة يلقمنيها\" (١).\nفمن يتأمل صنيع أبي هريرة - ﵁ - يجد بوضوح اعتمادهم –أحيانًا-في صحة الراوية وتصحيحيها على اقرار الصحابة الكبار.\nومنه أيضًا ما أخرجه ابن سعد وغيره من حديث سالم أبي النضر، قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين، فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين، فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. قال فقال له عمر:\"اختر مني إحدى ثلاث: إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين، وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين، وإما أن تصدق بها على المسلمين فنوسع بها في مسجدهم\" فقال: \"لا، ولا واحدة منها\"، فقال عمر: \"اجعل بيني وبينك من شئت\"، فقال: \"أبي بن كعب\"، فانطلقا إلى أبي، فقصا عليه القصة فقال أبي: \" إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي - ﷺ - \"، فقالا: \"حدثنا\"، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \" إنّ الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتًا أذكر فيه». فخط له هذه الخطة، خطة بيت المقدس فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل. فسأله داود أن يبيعه إياه، فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذ منه فأوحى الله إليه أنْ يا داود: أمرتك أنْ تبني لي بيتًا أُذكر فيه، فأردت أنْ تدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، وإنّ عقوبتك أنْ لا تبنيه. قال: يا رب فمن ولدي؟ قال: من ولدك\". قال: فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب وقال: \"جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه\". لتخرجن مما قلت. فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله - ﷺ - فيهم أبو ذر فقال: \"إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله - ﷺ - يذكر حديث\nبيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره\". فقال أبو ذر: \"أنا سمعته من رسول الله - ﷺ - \".وقال آخر: \"أنا سمعته\". وقال آخر: \"أنا سمعته\". يعني من رسول الله - ﷺ - قال: فأرسل عمر أبيًا، قال: وأقبل أُبي على عمر فقال: \" يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله - ﷺ -! \"، فقال عمر: \" يا أبا المنذر، لا والله ما أتهمتك عليه، ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله - ﷺ - ظاهرًا\". قال: وقال عمر للعباس: \" إذهب فلا\n_________\n(١) أخرجه أحمد، المسند ٢/ ٣٨٧.","vol":"1","page":25},{"text":"أعرض لك في دارك\". فقال العباس: \"أما إذ فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في مسجدهم، فأما وأنت تخاصمني فلا\". قال: فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم وبناها من بيت مال المسلمين\" (١).\nومنه ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان أبو هريرة يحدثنا، عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: \"إنّ في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو في صلاة يسأل الله خيرا إلا أعطاه إياه\". يقللها أبو هريرة بيده، فلما توفي أبو هريرة، قلت: لو جئت أبا سعيد فسألته؟، فأتيته فسألته، ثم خرجت من عنده فدخلت على عبد الله بن سلام، فسألته، فقال: خلق الله آدم يوم الجمعة، وقبضه يوم الجمعة، وفيه تقوم الساعة، وهي آخر ساعة، فقلت: إنّ رسول الله - ﷺ -، قال:\"في صلاة\"، وليست ساعة صلاة. فقال: أوما تعلم أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"منتظر الصلاة في صلاة \"؟، قلت: بلى، قال: فهي والله هي\" (٢).\nوهكذا نجد أن الصحابة الكرام جعلوا لأنفسهم ضابطًا مهمًا في التثبت من صحة الرواية، وهو عرضها على كبار الصحابة وإقرارهم لهذا الحديث، وهكذا يطمأن لسلامة الرواية من احتمالية الخطأ الذي قد يقع فيه الراوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الضابط الخامس: عرض الرواية على أزواج النبي - ﷺ </span>-.\nمرّ معنا سلفًا سؤال بعض الصحابة الكرام لأم المؤمنين عائشة - ﵁ - ومعاودة الاستفسار في كثير من الروايات، وهذه الاسئلة في مسائل قد تكون مما يختص به أهل بيت النبي - ﷺ - من نسائه، وقد لا تكون من كذلك.\nأما في هذا الضابط فإننا نسلط الضوء على مسألة عرض الصحابة الكرام رواية ما أو حادثة ما على أزواج النبي - ﷺ - لكون الأمر مما يختص بالنبي - ﷺ - في حياته الزوجية أو الأسرية، أو أنّ هذه الحادثة مما يختص بها النبي - ﷺ - ولا يطلع عليها أحد إلا أزواجه.\nوهذا لا يعني أنّ النبي - ﷺ - لم يبلغ هذا الحكم أو هذه المسألة للناس، فالنبي - ﷺ - بلغ كل الدين، وعرف الناس دقائق حياتهم، لكن قد يقع في مسألة ما حديثان متعارضان ظاهرًا أو من قبيل الناسخ والمنسوخ، فيسمع صحابي حديثًا دون حديث، فيختلف مع صحابي آخر حدث بخلاف ما يعرفه، فيلجأ الصحابة إلى بعضهم البعض إذا كان مما يشتهر، وربما سألت زوجة من زوجاته - ﷺ - أحد أصحابه - ﷺ - عن مسألة وقعت ولم تشهدها، أو ترسل زوجة منهن سائلًا يسألها إلى غيرها من الصحابة، كما سبق من إرسال أم المؤمنين عائشة ﵂ سائلها إلى علي بن أبي طالب، معللة ذلك كون السؤال يتعلق بسفر النبي - ﷺ - وعليّ - ﵁ - أعرف منها؛ لأنّه أكثر ملازمة للنبي - ﷺ - في سفره.\nإذن فالصحابة الكرام ضبطوا الخلاف في الروايات الخاصة بالنبي - ﷺ - في حياته الزوجية بالاحتكام إلى ازواجه فهنّ أعرف به، ولاسيما أفقه النساء وسيدتهن، الطاهرة المطهرة أم عبد الله عائشة، فلولاها -بعد الله تعالى- لضاع علينا كثير من أمور النبي - ﷺ - فجزاها الله عنا خير الجزاء، ولعن مبغضها ومؤذيها، ومؤذي رسول الله - ﷺ - فيها، فهي أعلم نسائه، وأحبهن إليه - ﷺ -.\nوالحقيقة أن المتتبع للتاريخ بشكل متجرد، يجدها من رؤوس فقهاء الصحابة، وعليها مدار واسع في الفقه، قال مسروق: \"رأيت مشيخة أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - الأكابر يسألونها عن الفرائض\" (٣).\nوقال عطاء بن أبي رباح: \"كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأيا في العامة\" (٤).\nقال محمود بن لبيد:\"كان أزواج النبيِّ - ﷺ - يحفظن من حديث النبيِّ - ﷺ - كثيرًا ولا مثلًا لعائشة وأمِّ سلمة، وكانت عائشة تفتي في عهد عمر وعثمان إلى أنْ ماتت، يرحمها الله، وكان الأكابر من أصحاب رسول الله - ﷺ - عمر وعثمان بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السنن» \" (٥).\nوقال أبو موسى الأشعري - ﵁ -:\" ما أشكل علينا أمر فسألنا عنه عائشة إلاّ وجدنا عندها فيه علمًا\" (٦).\nوقال الزهري: \"لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل\" (٧).\nوبالطبع فلا يقتصر هذا الضابط على السيدة عائشة، فقد روي عن غيرها من أمهات المؤمنين، وكذا لا يقتصر أمر سؤالهنّ على قضايا أسرية (فقه الأسرة)،كما نلحظه في طيات هذا البحث.\n_________\n(١) ابن سعد، الطبقات ٤/ ١٥.\n(٢) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير١٣/ ١٤٦ (٣٦٢).\n(٣) أخرجه ابن ابي شيبة، المصنف ١١/ ٢٣٤.\n(٤).\n(٥) ابن سعد، الطبقات٢/ ٣٧٥.\n(٦) أورده ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة ٨/ ٢٣٣.\n(٧) أورده الحاكم، المستدرك ٤/ ١١،وابن عبد البر، الاستيعاب ٤/ ١٨٨٣.","vol":"1","page":26},{"text":"ومن هذه الأمثلة:\nما أخرجه الإمام مسلم بسنده عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر (أبيه)،قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقص، يقول في قصصه:\"من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم\".فذكرت ذلك لعبد الرحمن ابن الحارث - لأبيه - فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت:\"كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم\". قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة،- وأبو بكر -حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبيِّ - ﷺ -، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم\" (١).\nفأبو هريرة - ﵁ - رجع عن رأيه لما تبيّن له فعل النبيِّ - ﷺ - من أزاواجه وهم أعرف الناس به (٢).\nومنه ما أخرجه الطبراني بسنده من حديث عبيد بن رفاعة، أنّ زيد بن ثابت كان يقص فقال في قصصه: إذا خالط الرجل المرأة، فلم يمن فليس عليه غسل فليغسل فرجه وليتوضأ، فقام رجل من المجلس، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال عمر - ﵁ -: ائتني به لأكون عليه شهيدًا، فلما جاءه قال له: يا عدو نفسه أنت تضل الناس بغير علم! قال: يا أمير المؤمنين أما والله ما ابتدعته، ولكني سمعت ذلك من أعمامي، قال: أي أعمامك؟ قال: أبي بن كعب، ورفاعة بن رافع، وأبو أيوب، فقال رفاعة وكان حاضرا: لا تنهره يا أمير المؤمنين، فقد كنا والله نصنع هذا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال: هل علمتم أن رسول الله - ﷺ - اطلع على شيء من ذلك؟ فقال: لا، فقال علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لا يصلح، فقال: من أسأل بعدكم يا أهل بدر الأخيار؟ فقال علي - ﵁ -: أرسل إلى أمهات المؤمنين، فأرسل إلى حفصة ﵂، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة ﵂ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل\". ثم أفاضوا في ذكر العزل، فقالوا: لا بأس، فسار رجل صاحبه، فقال: ما هذه المناجاة؟ أحدهما يزعم أنها الموؤودة الصغرى، فقال علي بن أبي طالب - ﵁ -: \" إنها لا تكون موءودة حتى تمر بسبع\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ٢/ ٧٧٩ (١١٠٩).\n(٢) للمزيد ينظر: النووي، شرح مسلم ٧/ ٢٢٠.","vol":"1","page":28},{"text":"تارات، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (١). فتفرقوا على قول علي بن أبي طالب أنه لا بأس به\" (٢).\nوتأمل ههنا في قول علي - ﵁ - (أرسل إلى أمهات المؤمنين)، فهو يدرك أنّ مثل هذه المسائل لابد من الرجوع فيها إلى أزواج النبي - ﷺ -،لأنهنّ أعرف بهذه الأمور.\nومنه ما أخرجه الشيخان- من حديث نافع يقول: حدّث ابن عمر أنّ أبا هريرة - ﵃ -،يقول:\"من تبع جنازة فله قيراط\".فقال:\" أكثر أبو هريرة علينا\".فصدّقت -يعني عائشة- أبا هريرة وقالت:\"سمعت رسول الله - ﷺ - يقوله\". فقال ابن عمر ﵄ لقد فرطنا في قراريط كثيرة\" (٣).\nومنه ما أخرجه البيهقي قتادة عن عكرمة قال: اختلف فيها- يعني الحائض- ابن عباس وزيد بن ثابت فقال زيد: \"ليكن آخر عهدها بالبيت يعنى الطواف بالبيت\". فقال ابن عباس:\"إذا أفاضت يوم النحر ثم حاضت فلتنفر إن شاءت\". فقالت الأنصار:\"إنا لا نتابعك إذا خالفت زيد بن ثابت\". فقال ابن عباس:\"سلوا صاحبتكم أم سليم\". فسألوها فأنبأت أنّ صفية بنت حيى بن أخطب حاضت بعد ما طافت بالبيت يوم النحر فقالت لها عائشة:\" الخيبة لك حبستنا \". فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ - \"فأمرها أن تنفر وأخبرت أم سليم أنها لقيت ذاك وأمرها أن تنفر\" (٤).\nففي هذا الحديث اشارة واضحة إلى ردّ الخلاف الى أمهات المؤمنين، ولاسيما في مسألة تتعلق بفقه النساء.\nومن ذلك ما أخرجه أحمد بسنده عن يزيد بن أبى زياد، قال: سألت عبد الله بن الحارث عن الركعتين بعد العصر، فقال: كنا عند معاوية فحدث ابن الزبير عن عائشة: \"أنّ النبي - ﷺ - كان يصليهما\". فأرسل معاوية إلى عائشة-رصي الله عنها-وأنا فيهم فسألناها فقالت: لم أسمعه من النبي - ﷺ -، ولكن حدثتني أم سلمة. فسألتها، فحدثت أم سلمة:\" أنّ النبي - ﷺ - صلى الظهر، ثم أتى بشيء فجعل يقسمه حتى حضرت صلاة العصر، فقام فصلى العصر، ثم صلى بعدها ركعتين، فلما صلاها قال: هاتان الركعتان كنت أصليهما\n_________\n(١) سورة المؤمنون١٢ - ١٤.\n(٢) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير (٤٥٣٦).\n(٣) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٢٦٠)،ومسلم، المسند الصحيح ٢/ ٦٥٢ (٩٤٥)، وغيرهما.\n(٤) أخرجه البيهقي، السنن الكبرى (١٠٠٤٦).","vol":"1","page":29},{"text":"بعد الظهر\". فقالت: أم سلمة ولقد حدثتها أنّ رسول الله - ﷺ - نهى عنهما. قال: فأتيت معاوية فأخبرته بذلك، فقال ابن الزبير:\" أليس قد صلاهما؟ لا أزال أصليهما\". فقال له معاوية:\"إنك لمخالف لا تزال تحب الخلاف ما بقيت\" (١).\nولا أريد الولوج في الاختلاف بين أهل العلم في حكم الصلاة بعد العصر؛ لأنّ الشاهد هنا واضح، وهو الرجوع إلى بيت النبوة (أزواجه) للتثبت من صحة الرواية.\nومنه ما أخرجه ابن حبان بسنده أنّ عبد الله بن عمر لما مات رافع بن خديج قال لهم: لا تبكوا فإن بكاء الحي عذاب للميت. قالت عمرة: فسألت عائشة فقالت: يرحمه الله إنما قال رسول الله - ﷺ - ليهودية وأهلها يبكون عليها: \"إنهم ليبكون وإنها لتعذب في قبرها\" (٢).\nوتأمل بعد في صنيع الخليفة الملهم عمر بن الخطاب - ﵁ - في التحري من ازواج النبي - ﷺ - في مسألة تتعلق بفقه النساء، فاخرج ابن أبي شيبة بسنده عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: \" ماتت زينب بنت جحش، وكبر عليها عمر أربعًا، ثم سأل أزواج النبي - ﷺ - من يدخلها قبرها، فقلن: من كان يدخل عليها في حياتها \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الضابط السادس: التحري من صاحب القصة التي جاء في الرواية</span>.\nمن الضوابط المهمة التي اعتمدها الصحابة الكرام في التوثق من الرواية سؤال صاحب القصة نفسه، فكانوا يسألونه عن تلك الواقعة وتفصيلاتها، ليحصل لهم السماع المباشر من صاحب القصة بعد سماعها من غيره، وهو بطبيعته توثق من صدق ذلك الخبر.\nومن ذلك: ما أخرجه الدارقطني من حديث عامر الشعبي، أنه قال: دخلنا على فاطمة بنت قيس فقلنا لها: حدثينا في قضاء النبي - ﷺ - فيك. قالت: دخلت على النبي - ﷺ - ومعي أخو زوجي، فقلت: إنّ زوجي طلقني وإنّ هذا يزعم أن ليس لي سكنى ولا نفقة، قال: \"بلى لك سكنى ونفقة\". قال: إنّ زوجها طلقها ثلاثًا، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة\". قالت: فلما قدمت الكوفة طلبني الأسود بن يزيد يسألني عن ذلك، وإنّ أصحاب ابن مسعود يقولون: لها السكنى والنفقة\" (٤).\nفعامر الشعبي من جلِّ المحدثين سأل فاطمة بنت قيس ﵂ عن حادثة مشهورة عنها وهي قصة طلاقها، ومسألة السكنى والنفقة، وماوقع بين الصحابة من الخلاف فيها، فجاء عامر الشعبي ليستوثق من صاحبة القصة، لذا فإنه اعتمد هذا المذهب، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل:\" قلت لابي فإن بعض من قال في حديث فاطمة بنت قيس ليس يقول به أحد ممن يقدم فقال: سبحان الله! قد قال به فقيه الكوفة الشعبي وفقيه البصرة الحسن يذهبان اليه\" (٥).\nومنه ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود، قال: قلت: يا أم المؤمنين، أو يا أمتاه ألا تحدثيني كيف كان - يعني: أمر الإفك-؟، قالت: تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا أخوض المطر بمكة، وما عندي ما يرغب فيه الرجال وأنا بنت ست سنين، فلما بلغني أنه تزوجني ألقى الله علي الحياء .... \"الحديث (٦).\nومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث عن عبيد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - ﷺ -؟ قالت: بلى:\" ثقل النبيُّ - ﷺ - فقال:\" أصلى الناس؟ قلنا: لا. هم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي ماءً في المخضب قلت ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء .... \"الحديث\" (٧).\nومنه: ما أخرجه الطيالسي من حديث زر، قال: غدوت على صفوان بن عسال فقلت: إنه حك في نفسي من المسح على الخفين شيء فهل سمعت من رسول الله - ﷺ - في ذلك شيئا؟ قال: كنا مع النبي - ﷺ - سفرًا - أو مسافرين - \"فأمرنا أن نمسح عليهما ثلاثة أيام ولياليهن من غائط وبول ونوم إلا من جنابة\" (٨).\nومنه ما أخرجه البخاري من حديث محمد بن المنتشر، قال: سألت عائشة، فذكرت لها قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرما أنضخ طيبا، فقالت عائشة: \"أنا طيبت رسول الله - ﷺ -، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا \" (٩).\n_________\n(١) أخرجه أحمد، المسند ٦/ ٣١١.\n(٢) أخرجه ابن حبان، الصحيح (٣١٣٧).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة، المصنف (١١٤٢١).\n(٤) أخرجه الدارقطني، السنن ٥/ ٤٢.\n(٥) عبد الله بن أحمد بن حنبل، مسائل الإمام أحمد، ص٣٥٩.\n(٦) أخرجه الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/ ١١٨ (١٥٣).\n(٧) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٦٥٥)، ومسلم، المسند الصحيح ١/ ٣١١ (٤١٨)،وغيرهما.\n(٨) أخرجه الطيالسي، المسند (١٢٦٢)،وغيره.\n(٩) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٢٧٠)،وغيره.","vol":"1","page":30},{"text":"فأمّ المؤمنين هي أعرف بالنبي - ﷺ - وطيبه، وهي من طيبته ثم أحرم، فهي صاحبة الحادثة، أضف إلى كونها زوجة النبيِّ، وهي أعرف بحال زوجها في مثل هذه الأحوال.\nومنه ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبيد بن عمير، قال: بلغ عائشة، أنّ عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبًا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد. ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات\" (١).\nومنه ما أخرجه الشيخان من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقص، يقول في قصصه: \"من أدركه الفجر جنبا فلا يصم\"، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث - لأبيه - فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: \" كان النبي - ﷺ - يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم\". قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر-راوي الحديث- حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي - ﷺ -، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك، قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم\" (٢).\nوفي هذه الأمثلة بيان واضح لمنهج الصحابة الكرام في التثبت من صحة الرواية من صاحب القصة، وفي ذهابهم إلى أمهات المؤمنين غاية في الفهم، فهم أعرف الناس بمثل هذه الأحكام، وهذا الضابط قد يشترك بوجه من الوجوه بالضابط السابق.\nومنه: ما أخرجه الشيخان من حديث حذيفة - ﵁ - قال: كنّا جلوسًا عند عمر - ﵁ -، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه - أو عليها - لجريء قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي. قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إنّ بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال:\n_________\n(١) أخرجه مسلم، المسند الصحيح ١/ ٢٦٠ (٣٣١)،وغيره.\n(٢) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (١٨٢٥)،ومسلم، المسند الصحيح –واللفظ له-٢/ ٧٧٩ (١١٠٩) وغيرهما.","vol":"1","page":32},{"text":"أيكسر أم يفتح؟ قال يكسر. قال: إذا لا يغلق أبدا قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال نعم كما أن دون الغد الليلة إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر\" (١).\nويتضح ههنا حرص عمر بن الخطاب - ﵁ - على سماع الحديث الذي لم يسمعه من النبي - ﷺ - مباشرة أو ربما لم يحفظه بتمامه أو ربما أراد اسماعه لغيره، ولكن الظاهر يقضي أنه يريد التثبت من سماعه. ثم جاء سؤال بعض الصحابه الحاضرين من حذيفة - ﵁ - لمعرفة من هذا الباب؟ والله أعلم.\n\nالخاتمة\nفي ختام هذا البحث يمكننا اجمال أهم النتائج فيما يأتي:\n١ - اهتمام النبي - ﷺ - وأصحابه ومنذ وقت مبكر، بالتحري في الأخبار، وهو في أصله منهج قرآني.\n٢ - تميز المجتمع الإسلامي بميزة الثقافة المجتمعية في التلقي والنقل، فهو لا يقوم على اساس تقديس الأشخاص، واضفاء العصمة عليهم، اللهم إلا النبي - ﷺ - كونه يبلغ عن ربه ﷻ، وهو معصوم عن الغلط والسهو فيما يبلغ، أما سائر افراد المجتمع الإسلامي، فكل يؤخذ منه ويرد عليه.\n٣ - للصحابة الكرام دور كبير في حفظ السنة ونقلها وتبليغها، ولا ينكر فضلها إلا جاهل أو حاقد.\n٤ - تمثل دور الصحابة الكرام في حفظ السنة والتثبت من الروايات في ضوابط متعددة، سلكها الصحابة بينهم دون اتفاق-طبعًا- كان لهذه الضوابط الدور الكبير في حماية الأحاديث النبوية.\n٥ - في طيات البحث رد على المنتحلين والمغرضين الذين يلقون الشبه أنّ الروايات لم تغربل، وإنما نقلت هكذا دون تفتيش أو تدقيق.\n٦ - يظهر بوضوح دور السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ بشكل كبير في حفظ الأحاديث بشكل خاص، ومعرفة الصحابة الكرام بأهمية هذا الدور الكبير واقرارهم لها بالفضل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري، الجامع الصحيح (٥٠٢)،ومسلم، المسند الصحيح –واللفظ له-١/ ١٢٨ (١٤٤)، وغيرهما.","vol":"1","page":33},{"text":"٧ - نوصي بضرورة تعميق هكذا دراسات، والتوسع في دراسة هذه الضوابط، ليتحقق النفع بشكل أكبر.\n\nأهم المصادر\n- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي لجلال الدين السيوطي (ت٩١١هـ) تحقيق: أحمد عمر هاشم، نشر دار الكتاب العربي-بيروت.\n- تذكرة الحفاظ، أبو عبد الله شمس الدين الذهبي (ت٧٨٤هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- التعريفات لأبي الحسن علي بن محمد الجرجاني المعروف بالسيد الشريف (ت٨١٦هـ)\nدار الشؤون الثقافية العامة، بغداد.\n- التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي (ت: ٨٠٦هـ)،تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ط١، ١٣٨٩هـ/١٩٦٩م.\n- تهذيب التهذيب، ابن حجر العسقلاني (ت٨٥٢هـ)،دار الفكر بيروت، ط١،١٩٨٤هـ.\n- تهذيب الكمال في أسماء الرجال للحافظ جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي (ت٧٤٢هـ) تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط١، ١٩٩٨م.","vol":"1","page":34},{"text":"- توثيق السنة في القرن الثاني الهجري أسسه واتجاهاته، د. رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي، مصر، ط١،١٩٨١م.\n- جامع الترمذي، الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (٢٧٩هـ) تحقيق: أحمد محمد شاكر، وآخرون، دار الكتب العلمية.\n- جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: ٤٦٣هـ)،تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية.\n- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، أبو بكر أحمد الخطيب البغدادي، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض.\n- السنة وحجيتها ومكانتها في الإسلام، د. محمد لقمان السلطي، دار البشائر، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٨٩م.\n- سنن ابن ماجة للحافظ أبي عبد الله محمد بن يزيد (ابن ماجة القزويني) (٢٧٥هـ) تحقيق: د. بشار عواد معروف، دار الجيل، بيروت الطبعة الأولى ١٩٨٨م.\n- سنن أبي داود للحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٧٥هـ)،دار الحديث، القاهرة،١٩٨٨م.\n- سنن الدارقطني (ت٣٨٥هـ)، للإمام علي بن عمر أبي الحسن الدارقطني، تحقيق: السيد عبد الله هاشم المدني، دار المعرفة، بيروت،١٩٦٩ م.\n- سنن الدارمي، لأبي محمد عبد الله ابن عبد الرحمن الدارمي (٢٥٥هـ) تحقيق: فواز أحمد، وخالد العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط١،١٤٠٧ هـ.\n- السنن الكبرى للنسائي، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٩١م.\n- سنن النسائي للحافظ أحمد بن شعيب النسائي (٣٠٣هـ) بشرح السيوطي وحاشية السندي، دار الحديث، القاهرة،١٩٨٧م.\n- سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي (ت٧٤٨هـ)،مؤسسة الرسالة-بيروت ١٤٠١هـ.","vol":"1","page":35},{"text":"- شرح السنة للبغوي (ت٥١٦هـ) تحقيق: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط، المكتب الإسلامي-بيروت-الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ.\n- شرح مشكل الآثار، أبو جعفر الطحاوي (المتوفى: ٣٢١هـ)،تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤١٥هـ.\n- صحيح البخاري، الجامع الصحيح المختصر، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط٣، ١٤٠٧.\n- صحيح مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت٢٦١ هـ)،تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٥٥م.\n- علوم الحديث، المعروف بـ:\"مقدمة ابن الصلاح\"،أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري بن الصلاح ت (٦٤٣هـ) تحقيق: نور الدين عتر، دار الفكر، الطبعة الثالثة١٤٠٤هـ ١٩٨٤م.\n- عمدة القاري شرح صحيح البخاري –بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد العيني (ت٨٥٥هـ)،إدارة الطباعة المنيرية، بيروت.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) حقق أصله: عبد العزيز بن باز، ورقمه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٩٨٩م.\n- فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، أبو عبد الله محمد السخاوي (ت٩٠٢هـ) تحقيق: علي حسن علي عبد الحميد، نشر: دار الإمام الطبري، ط٢، ١٤١٢هـ.\n- الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ت٤٦٣هـ) تحقيق: أحمد عمر هاشم، دار الكتاب العربي-بيروت، ط٢، ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.\n- مسند أحمد، أبو عبد الله بن محمد بن حنبل (ت٢٤١هـ)،المطبعة الميمنية، القاهرة، ١٩٨٦م.\n- المعجم الكبير، الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حققه وخرج أحاديثه: حمدي عبد المجيد السلفي، مطبعة الزهراء، الموصل، الطبعة الثانية، ١٩٨٤م.\n- معرفة السنن والآثار، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨هـ)،تحقيق: عبد المعطي قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية/ باكستاندار الوفاء، القاهرة)،ط١، ١٤١٢هـ.","vol":"1","page":36},{"text":"- معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري (ت٤٠٥هـ) نشر الأستاذ معظم حسين، حيدر آباد، الطبعة الثانية، ١٩٧٧م.\n- منهج النقد في علوم الحديث للدكتور نور الدين العتر، دار الفكر، دمشق ١٤٠٨هـ-١٩٨٨م.","vol":"1","page":null}]}