{"ً":{"ٌ":143,"ٍ":"مقارنة المرويات","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/WAQ131335/","files":["01_131334.pdf","02_131335.pdf","00_131334.pdf"]},"ّ":"الكتاب: مقارنة المرويات - سلسلة نقد المرويات (٣)\nالمؤلف: إبراهيم بن عبد الله اللاحم\nالناشر: مؤسسة الريان، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1135,"ٕ":10,"ٖ":1780758448,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":5},{"title":"تمهيد","level":1,"page":8},{"title":"المقصود بمقارنة المرويات","level":2,"page":8},{"title":"استخدام مقارنة المرويات لوضع الراوي في درجته اللائقة به","level":2,"page":8},{"title":"الأحكام التي يطلقها النقاد على الرواة أو في مسائل السماع هي أحكام مجملة","level":2,"page":9},{"title":"الغرض من مقارنة المرويات","level":2,"page":10},{"title":"الغرض الصحيح من جمع الطرق والشواهد للحديث هو النظر في تأثيرها صحة وضعفا، لا لتقويته","level":2,"page":10},{"title":"استحباب أئمة النقد الإكثار من كتابة الحديث دون انتقاء وانتخاب","level":2,"page":11},{"title":"متى يحسن الانتخاب؟","level":2,"page":13},{"title":"البديل عن الكتابة والحفظ في زمننا هذا هو التفتيش عن الطرق","level":2,"page":13},{"title":"تفسير قول النقاد بأن نقد المرويات إلهام وكهانة","level":2,"page":14},{"title":"الأمور المطلوبة من الناقد في العصور المتأخرة","level":2,"page":14},{"title":"الباب الأول: مقدمات في مقارنة المرويات","level":1,"page":17},{"title":"الفصل الأول مصادر طرق الأحاديث واختلافها كثرة وقلة","level":2,"page":18},{"title":"المبحث الأول مصادر طرق الأحاديث","level":3,"page":19},{"title":"ميزة الكتب التي ألفها العلماء على وجه الإفراد","level":4,"page":19},{"title":"المصادر الفرعية وهي التي ألفت بعد عصر الرواية","level":4,"page":22},{"title":"فوائد المصادر الفرعية","level":4,"page":22},{"title":"الطريقة المثلى للوصول إلى طرق الحديث","level":4,"page":22},{"title":"فوائد الجرد المباشر","level":4,"page":23},{"title":"الوسائل التي توصل إلى طرق الحديث تبقى مجرد وسائل","level":4,"page":24},{"title":"استحضار الباحث لأحاديثه التي يبحث فيها","level":4,"page":25},{"title":"التخصص في بعض مصادر السنة","level":4,"page":26},{"title":"كيفية التخريج والعزو إلى الكتب التي لا تصح نسبتها إلى مؤلفيها أو يكون مؤلفها أو أحد الرواة عنه متكلما فيه","level":4,"page":28},{"title":"أكثر المؤلفات في النقد ومقارنة المرويات مفقودة","level":4,"page":29},{"title":"الحث على جمع الطرق ليس حثا على التطويل في التخريج","level":4,"page":29},{"title":"الفرق بين ما ينظر فيه الباحث وما يثبته","level":4,"page":30},{"title":"متى يتوسع في التخريج؟","level":4,"page":30},{"title":"التوسع في التخريج في هذا الزمن متعين أكثر مما مضى","level":4,"page":30},{"title":"منكرو التوسع لا يحسنون جمع الطرق في الغالب","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الثاني: كثرة طرق الأحاديث وقلتها","level":3,"page":32},{"title":"أمثلة على اختلاف الأحاديث وأنها ليست على نمط واحد في كثرة الطرق وقلتها","level":4,"page":32},{"title":"جمع الطرق أهم القضايا التي يظهر فيها الاختلاف بين الباحثين","level":4,"page":36},{"title":"ترك بعض الطرق لا يلزم منه تقصير الباحث بل هذا الأمر خاضع لمنهجه","level":4,"page":38},{"title":"الفصل الثاني: مصطلحات في مقارنة المرويات","level":2,"page":39},{"title":"المدار","level":3,"page":40},{"title":"المدار النسبي","level":4,"page":40},{"title":"الوجه","level":3,"page":42},{"title":"متى يستخدم حرف «من» وحرف «على» بعد مصطلح الوجه؟","level":4,"page":42},{"title":"المتابعة","level":3,"page":42},{"title":"تقسيم المتأخرين للمتابعات","level":4,"page":42},{"title":"تحديد المتابع والمتابع وتمام المتابعة وقصورها مسألة نسبية","level":4,"page":43},{"title":"الشاهد","level":3,"page":44},{"title":"تسمية الشاهد متابعة والعكس","level":4,"page":44},{"title":"المراد بكلمة «الاستشهاد» عند بعض الأئمة والتنبيه على عدم تنزيل كلام الأولين على ما استقر الاصطلاح عليه عند المتأخرين","level":4,"page":45},{"title":"الفصل الثالث: الرسم التوضيحي لأسانيد الحديث","level":2,"page":47},{"title":"المقصود بالرسم التوضيحي والهدف منه","level":3,"page":48},{"title":"استخدام الأئمة للرسم التوضيحي","level":3,"page":48},{"title":"طرق الباحثين في الرسم التوضيحي","level":3,"page":48},{"title":"الانتباه لوجود اسم المؤلف أو الراوي عنه في أول الإسناد في بعض الكتب","level":3,"page":50},{"title":"الزيادات في بعض الكتب وكيفية التعامل معها","level":3,"page":51},{"title":"بعض الرواة يأتي بكنيته ويأتي باسمه والقاعدة تفسير الراوي تفسيرا كاملا","level":3,"page":52},{"title":"اشتراك الرواة في الأسماء أو الطبقة أو التلاميذ أو الشيوخ","level":3,"page":54},{"title":"طريقة التحويل (ح) وتفنن بعض الأئمة فيها","level":3,"page":56},{"title":"الإشكالات في التحويل","level":3,"page":58},{"title":"وقوع التحويل ممن فوق المؤلف","level":3,"page":59},{"title":"إمعان النظر عند نقل أسانيد التحويل فهي مظنة الوقوع بالخطأ","level":3,"page":60},{"title":"عطف الأسانيد دون استخدام أداة التحويل (ح)","level":3,"page":61},{"title":"الإشكالات في عطف الأسانيد بعضها على بعض بالواو","level":3,"page":63},{"title":"الانتباه للجمل المعترضة داخل الأسانيد","level":3,"page":69},{"title":"التفريق بين الأسانيد المسندة والأسانيد المعلقة","level":3,"page":71},{"title":"مبدأ تعليق الأسانيد","level":3,"page":72},{"title":"الغرض من تعليق الأسانيد","level":3,"page":72},{"title":"الاحتفاء بالطرق المعلقة","level":3,"page":74},{"title":"حذف بعض الرواة من وسط الإسناد بعد المدار لدلالة السياق","level":3,"page":77},{"title":"الفصل بين الأسانيد","level":3,"page":84},{"title":"عند جمع الطرق العبرة بمدار الحديث","level":3,"page":85},{"title":"ضرورة التدقيق في صفة الإسناد والمتن بعد المدار، ولزوم خبرة الباحث بصيغ الرواية والتحديث ومصطلحاتها لإتقان هذا الأمر","level":3,"page":86},{"title":"التحريف والسقط داء قديم شكى منه الأولون وذكر أمثلة له في المصادر الأصلية","level":3,"page":91},{"title":"وقوع التحريف والخطأ في المصادر المؤلفة على المصادر الأصلية أو الناقلة عنها","level":3,"page":96},{"title":"الاسترواح لعمل الغير يوقع في الخطأ","level":3,"page":98},{"title":"الانتباه لتصرفات المحققين لكتب المرويات فلا يقلدون فيما يتصرفون فيه من الزيادة أو النقص أو التغيير وذكر أمثلة على أخطائهم","level":3,"page":100},{"title":"ضرورة قراءة حواشي الكتب وتنبيهات المحققين فقد يكون ما لم يثبته هو الصواب","level":3,"page":108},{"title":"قضية التغيير في النسخة خطأ قد شكى منه الأولون","level":3,"page":109},{"title":"الانتباه للرواة التي يتشابه رسمهم في الخط كشعبة وسعيد أو سفيان وشيبان","level":3,"page":111},{"title":"الرسم التوضيحي اقتراح للتسهيل على الباحث ومساعدته في إتقان عمله","level":3,"page":111},{"title":"الرسم التوضيحي بمثابة المرجع بالنسبة للباحث في الحديث الذي قام بجمع طرقه","level":3,"page":112},{"title":"إذا نقل الباحث الخطأ لبحثه ولم ينبه عليه فالعهدة عليه","level":3,"page":113},{"title":"ثلث جهد الباحث يذهب في مراجعة الأسانيد","level":3,"page":113},{"title":"الباحث المتخصص في السنة هو موقع بالإنابة عن أئمة النقد","level":3,"page":114},{"title":"الفصل الرابع: النقد في عصر الرواية","level":2,"page":115},{"title":"مدخل","level":3,"page":116},{"title":"عدم سلامة أي أحد من الخطأ","level":4,"page":116},{"title":"أغراض النقاد في النص على أخطاء الرواة الثقات","level":4,"page":118},{"title":"المبحث الأول: التثبت من الرواة","level":3,"page":121},{"title":"الغرض من التثبت من الرواة","level":4,"page":121},{"title":"نفي الراوي لروايته السابقة أو تغييرها","level":4,"page":123},{"title":"سؤال الراوي شيخه بعد فترة لمزيد من التثبت أو للاستفهام إذا رأى اختلافا","level":4,"page":129},{"title":"تراجع الراوي عن روايته الأولى، أو توقفه، قد يعقبه تراجع عنه أيضا","level":4,"page":131},{"title":"نهي الأئمة عن التحديث عن الأحياء","level":4,"page":131},{"title":"نهي الأئمة الراوي عن المبادرة إلى نفي ما ينسب إليه","level":4,"page":133},{"title":"من حدث ونسي","level":4,"page":134},{"title":"من أنواع التثبت من الرواية، وهو بديل عن سؤال الشيخ إما لموته أو بعده: ذكر رواية أخرى للحديث عن شيخه، وفيها مخالفة لروايته","level":4,"page":135},{"title":"مناقشة الرواة بعضهم لبعض في روايتهم عن شيخهم","level":4,"page":144},{"title":"ترك رواية الشيخ لمخالفة أقرانه له","level":4,"page":146},{"title":"صعوبة تعامل الراوي إذا عرف مخالفا له وذلك من ثلاث جهات","level":4,"page":147},{"title":"الأولى: أن الراوي قد يتراجع عن روايته إلى رواية مخالفه","level":5,"page":147},{"title":"الثانية: أن الراوي إذا أخطأ في حديث ثم تبين له الصواب، عليه أن يعلن ذلك ويصححه","level":5,"page":150},{"title":"الثالثة: الراوي إذا ظهر غلطه، وأصر على روايته ولم يرجع عنها أثر ذلك في درجته في الرواية","level":5,"page":151},{"title":"متى يوصف الراوي بأنه يقبل التلقين","level":4,"page":151},{"title":"المبحث الثاني: مراجعة كتب الرواة","level":3,"page":156},{"title":"أول ما يلفت الانتباه في قضية الاستفادة من كتب الرواة في نقد المرويات نفسها هو وجود الحديث في كتاب الراوي، أو عدم وجوده","level":4,"page":156},{"title":"إعلال النقاد للحديث بعدم وجوده في كتاب الراوي","level":4,"page":158},{"title":"قضية عدم وجود الحديث مطلقا في كتاب الراوي وصلتها بمسألتي التفرد والاختلاف","level":4,"page":164},{"title":"النظر في كتب الرواة لها أثر بالغ في معرفة الصواب من روايتين جاءتا عن راو واحد","level":4,"page":165},{"title":"العقبات التي تواجه النقاد حين النظر في كتب الرواة","level":4,"page":178},{"title":"الأصول والنسخ","level":4,"page":178},{"title":"أصول وكتب الرواة ليست على درجة واحدة من الإتقان والصحة","level":4,"page":179},{"title":"التحريف في أصول الرواة وتضعيفهم بسبب ذلك","level":4,"page":181},{"title":"المبحث الثالث: تمييز أحاديث الرواة","level":3,"page":185},{"title":"من جوانب اهتمام النقاد بتمييز أحاديث الرواة ما يلي","level":4,"page":185},{"title":"الأول أنهم ينصون على من روى عن الراوي","level":5,"page":185},{"title":"الثاني: النص على عدد الأحاديث التي عند الراوي إما مطلقا أو عن شيخ معين","level":5,"page":186},{"title":"الثالث: معرفة شهرة الراوي بحديث معين","level":5,"page":187},{"title":"الرابع: صفة ونوعية الأحاديث التي يرويها الراوي، بمعرفة متونها، أو أسانيدها","level":5,"page":187},{"title":"المبحث الرابع: مجالس التحديث","level":3,"page":203},{"title":"تفريق النقاد بين مجلس التحديث ومجلس المذاكرة","level":4,"page":204},{"title":"التحديث من الحفظ والتحديث من الكتاب","level":4,"page":208},{"title":"الاهتمام بجوانب أخرى تقع في مجالس التحديث مثل حدوث قصة توجب ذهول الراوي، أو معرفة من كان يكتب مع الراوي، ونحو ذلك","level":4,"page":210},{"title":"المبحث الخامس: الباحث والنقد في عصر الرواية","level":3,"page":216},{"title":"من الوسائل الخاصة بالنقاد في نقد المرويات ترجيح صواب الرواية، لأن حال الراوي تمنع من أن يخطئ هذا الخطأ الفادح","level":4,"page":216},{"title":"الغرض من شرح الوسائل الخاصة بالنقاد يمكن إجماله بأمور","level":4,"page":217},{"title":"الأمر الأول: معرفة هذه الوسائل بمثابة التوطئة والتمهيد للدخول في الأبواب اللاحقة","level":5,"page":217},{"title":"الأمر الثاني: أن هذه الوسائل خاصة بالنقاد في عصر الرواية","level":5,"page":217},{"title":"خطورة محاولة التشبه بالأئمة النقاد","level":6,"page":217},{"title":"فائدة في بعض مصنفات الأئمة التي أملوها من حفظهم","level":6,"page":218},{"title":"جرأة بعض الباحثين على الحكم بالغرابة","level":6,"page":219},{"title":"الأمر الثالث: هذه الوسائل خاصة بالنقاد من حيث تطبيقها استقلالا وأما من تأخر فيشاركهم تطبيقها من جهة قبولها والاحتفاء بها، والتسليم لهم فيما ورد عنهم","level":5,"page":219},{"title":"مناقشة وإعادة النظر-وربما رفض- ما ورد عن النقاد مخالف للمنهج العلمي","level":4,"page":220},{"title":"قضية إدخال الحديث على الشيخ مشهورة جدا في باب الرواية وهي تؤثر على الراوي في درجته إذا كثر الإدخال عليه","level":4,"page":222},{"title":"قضية إدخال حديث أو أكثر على راو قد يلجأ الناقد إليها لتبرئة ذلك الراوي من عهدة النكارة فيما يرويه","level":4,"page":223},{"title":"التجويز العقلي يؤدي إلى إلغاء جميع العلل","level":4,"page":229},{"title":"اعتراض: وجدنا النقاد في عدة نصوص توقفوا في قبول التعليل ببعض الأمور المذكورة مثل إنكار الراوي ما حدث به عنه، ونظر الناقد في كتاب الراوي","level":4,"page":231},{"title":"الجواب عن هذا الاعتراض","level":5,"page":234},{"title":"التهويل في خطورة تغليط الثقات مطية ركبها عامة المتأخرين إلا ما شاء الله","level":4,"page":236},{"title":"الباب الثاني: التفرد وأحكامه","level":1,"page":237},{"title":"مدخل","level":2,"page":238},{"title":"التفرد المطلق أو الغرابة المطلقة","level":3,"page":238},{"title":"ضخامة قضية التفرد وأنها ابتدأت في وقت مبكر جدا في عصر الصحابة","level":3,"page":238},{"title":"أهم قضية في النقد: التفرد، ومن اهتمام النقاد بها: كثرة المصطلحات التي عبروا بها عن التفرد، وكثرة المؤلفات في الأسانيد التي وقع فيها تفرد، ونصهم على التفرد في الحديث المعين، ونصهم على تفرد الراوي مطلقا أو عن شيخ معين له","level":3,"page":239},{"title":"متعلقات قضية التفرد بالنسبة لنقد المرويات","level":3,"page":240},{"title":"الفصل الأول: موقف أئمة النقد من التفرد","level":2,"page":241},{"title":"موقف أئمة النقد من تفرد الراوي يسير في اتجاهين بارزين","level":3,"page":242},{"title":"تحذير الأئمة من الغرائب","level":4,"page":242},{"title":"من تعاريف الشاذ أنه مطلق التفرد","level":4,"page":246},{"title":"تضعيف النقاد لما تفرد به الثقات","level":4,"page":246},{"title":"المراد بالشذوذ في تعريف الحديث الصحيح والحسن: التفرد وخطأ الراوي","level":3,"page":247},{"title":"أمثلة لاستنكار ما يتفرد به الثقة ومن في حكمه","level":3,"page":248},{"title":"تفرد الراوي بشيء يستنكر عليه أعظم عند النقاد من روايته لشيء يخالفه غيره فيه، ويتبين غلطه","level":4,"page":258},{"title":"إذا كان الراوي يخالف في بعض ما يرويه الثقات أو يختلف عليه، فأمره أخف من كونه يروي شيئا منكرا لا يرويه غيره","level":4,"page":264},{"title":"من اهتمام الأئمة بالغرائب تخصيص كتاب أو جزء يجمع فيه الناقد ما يمر به من هذا النوع","level":3,"page":265},{"title":"عدم تعارض الاتجاهين المذكورين عن الأئمة النقاد، والجمع بين النهي عن تتبع الغرائب وكتابتها","level":3,"page":266},{"title":"كتابة النقاد لأحاديث غرائب عمن يجوزون الكتابة عنه لا يعني صحة تلك الأحاديث","level":3,"page":266},{"title":"قد يكتب الإمام حديثا غريبا ويظهر فرحه واستحسانه له وهو مع ذلك يستنكره","level":3,"page":267},{"title":"امتناع النقاد من رواية المناكير","level":3,"page":270},{"title":"لا يلزم من إدخال الناقد الحديث في مصنف له رضاه عنه","level":3,"page":271},{"title":"الفصل الثاني: ضوابط النظر في التفرد","level":2,"page":274},{"title":"أول من خص التفرد بالحديث عنه وبيانه هو الإمام مسلم في مقدمة صحيحه","level":3,"page":275},{"title":"رواية بعض الرواة عن أصحابهم ما فاتهم من شيخهم","level":3,"page":277},{"title":"يستنكر النقاد تفرد راو عن شيخ له أصحاب كثيرون ومن عباراتهم في هذا: أين أصحاب فلان عن هذا الحديث؟","level":3,"page":278},{"title":"سقوط الراوي إذا أكثر من التفرد، وقد يسقط الراوي في شيخ مع تقويته بصفة عامة","level":3,"page":279},{"title":"نص للإمام الذهبي ذكر فيه بعض الضوابط لتفرد الثقة","level":3,"page":281},{"title":"سبر الذهبي عمل الأئمة في استنكار ما يرويه الثقة فوجدهم يراعون أمرين","level":3,"page":282},{"title":"الأول: قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط","level":4,"page":282},{"title":"تفرد الصدوق","level":5,"page":282},{"title":"الأمر الثاني: طبقة الراوي، فالتفرد يحتمل في رواية التابعي عن الصحابي ويستبعد وقع التفرد في الطبقات المتأخرة","level":4,"page":284},{"title":"ظهور حديث عن الرسول - ﷺ - في زمن متأخر وإن كان في عصر الرواية من أعظم الدلائل على نكارته","level":3,"page":286},{"title":"في كتب الفقه المتأخرة أمثلة كثيرة لأحاديث يستدل بها الفقهاء لمذاهب أئمتهم المتقدمين لم يستدل بها الأولون، لكونها لم تظهر في زمنهم، أو ظهرت ولكن ظهر لها أسانيد جديدة، تلتقط من كتب متأخرة عن عصر الرواية","level":3,"page":289},{"title":"التفرد كثر جدا في مؤلفات من تأخر بعد عصور النقد أي في نهاية القرن الثالث","level":3,"page":289},{"title":"ضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب","level":3,"page":289},{"title":"النقاد إذا تواردوا على استنكار حديث، فالتسليم لهم واجب، سواء أدركنا سبب استنكارهم، أو خفي علينا ذلك، وكذا لو استنكر الواحد منهم ولم يخالف","level":3,"page":293},{"title":"فائدة: معرفة ضوابط التفرد تفيد الباحث من جهة كونه يعرف الحكم بدليله","level":3,"page":293},{"title":"الفصل الثالث: موقف المتأخرين من التفرد","level":2,"page":294},{"title":"مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في مسألة التفرد ذات شقين","level":3,"page":295},{"title":"ابن حزم، وابن القطان، وابن الصلاح، لم يرتضوا منهج النقاد في رد ما يتفرد به الثقة","level":3,"page":298},{"title":"مسلك التأويل لكلام أئمة النقد وتفسير النكارة الواردة في كلام النقاد على أحاديث الثقات على ما هي عليه في أصل اللغة، فالتفرد وصف كاشف لحال الإسناد لا حكم عليه","level":3,"page":298},{"title":"مسلك عدم ارتضاء منهج النقاد أسلم بلا شك من مسلك التأويل، فهو نظر في كلام المتقدمين، وتقرير له على حقيقته، ثم مخالفته باجتهاد أخطأ أو أصاب، وأما مسلك التأويل فهو تقييد لكلام النقاد، وقصر له على بعض أفراده","level":3,"page":299},{"title":"ضعف مسلك التأويل وذلك لأن نصوص النقاد وأقوالهم تأباه وبيان ذلك","level":3,"page":300},{"title":"الحكم على الراوي فرع على النظر في حديثه عند النقاد، وأما المتأخرون فالحكم على الحديث فرع على درجة الراوي المتقررة","level":3,"page":307},{"title":"قضية تأثير الخطأ والمنكر على الراوي نفسه قضية دقيقة جدا، ينظر فيها لنوع الخطأ والنكارة، فللنقاد كلمات تشير إلى تفاوت النكارة وأنها على درجات","level":3,"page":309},{"title":"النقاد قد تتفق كلمتهم على استنكار حديث ثم يختلفون فيمن يتحمل تبعته","level":3,"page":314},{"title":"لا علاقة بين كون الراوي ثقة وبين نكارة حديثه، ولا بين النكارة، وتبين مصدر الغلط","level":3,"page":318},{"title":"المفترض أن يكون عمل المتأخر منصبا على تأييد أقوال النقاد وتكميله","level":3,"page":319},{"title":"من تناقضات المتأخرين موقفهم من أقوال النقاد إذ يعتمدون عليهم في درجات الرواة، ويقلدونهم في ذلك، ثم يدعونهم فيما يستنكرونه على هؤلاء الرواة","level":3,"page":322},{"title":"من تناقضات المتأخرين أنهم يدفعون استنكار النقاد لبعض ما يرويه الثقات وفي المقابل عضوا بالنواجذ على ما تقرر عند النقاد أن من أحاديث الضعفاء ما يترجح حفظهم له، معتمدين في ذلك كلام النقاد في كون ضعفهم غير شديد","level":3,"page":323},{"title":"من تناقضات المتأخرين تسلميهم باشتراط رواية أكثر من راو عن الشخص لترتفع جهالته مع كون الراوي عنه ثقة، ولا يلتفتون لتفرد الراوي بالحديث وكونه مظنة أن يخطئ فيه","level":3,"page":323},{"title":"مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في تفرد الضعيف أقوى وأشد","level":3,"page":324},{"title":"تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه الموضوعات وبيان أن الصواب في الغالب معه","level":3,"page":325},{"title":"الفصل الرابع: التفرد وكلام أئمة النقد","level":2,"page":328},{"title":"معنى النظر في التفرد وعظم أمره","level":3,"page":329},{"title":"كلام أئمة النقد على التفرد له مصادر خاصة ومصادر عامة","level":3,"page":330},{"title":"المصادر الخاصة يقصد بها كل ما ألفه النقاد بغرض النص على التفرد وليس لهذا النوع من المؤلفات حد معين","level":3,"page":330},{"title":"المصادر العامة يقصد بها ما يوجد فيها كلام للنقاد في التفرد وإن لم تكن مخصصة لذلك، على تفاوت بينها في القلة والكثرة","level":3,"page":332},{"title":"في كلام النقاد على التفرد مقامان","level":3,"page":333},{"title":"إذا نقل التاقد حكما لناقد قبله وسكت عليه، فالظاهر أنه يقول به ويعتمده، خاصة إذا كان جوابا لسؤال","level":3,"page":334},{"title":"فهم رأي الناقد من تصرفه في الحديث","level":3,"page":335},{"title":"الغرض من الوقوف على كلام النقاد في التفرد الواقع في الإسناد هو الاعتماد على كلامهم","level":3,"page":336},{"title":"إذا توارد جمع من النقاد على الحكم بالتفرد وجب الأخذ به، ويلتحق به ما إذا وقع من اثنين أو ثلاثة من النقاد بلا مخالف، بل لو جاء عن واحد بلا مخالف، فالأسلم عدم منازعته، خاصة إذا كانت القرائن تؤيد حكمه","level":3,"page":337},{"title":"إذا وجد الباحث اختلافا بين النقاد، وكان جمهور النقاد على قول، فبإمكان الباحث أن يعتمد قول الجمهور، ويتكئ عليه سواء في القبول أو الرد","level":3,"page":338},{"title":"الاستفادة من كلمات النقاد وإن لم تكن نصا في الحديث المعين","level":3,"page":341},{"title":"اختلاف النقاد في تحميل عهدة النكارة في حديث معين غير مؤثر في كونهم يرون نكارة الحديث","level":3,"page":349},{"title":"مما يلزم الباحث الاعتناء في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد","level":3,"page":350},{"title":"الباحث أمامه عمل كبير يقوم به لإتمام عمل النقاد في قضية التفرد منها","level":3,"page":353},{"title":"١ - جمع كلام النقاد من المصادر المتفرقة","level":4,"page":353},{"title":"٢ - تصنيف أقوال النقاد","level":4,"page":353},{"title":"٣ - الاجتهاد في بيان سبب النكارة","level":4,"page":354},{"title":"٤ - المقارنة بين أقوال النقاد في استنكارهم للحديث وعلى من تبعته","level":4,"page":354},{"title":"٥ - شرح أسباب اختلاف النقاد","level":4,"page":354},{"title":"إذا اختلف النقاد فهل للباحث أن يرجح بين أقوالهم؟","level":3,"page":354},{"title":"إذا وجد إسناد وقع فيه تفرد ولم يوجد للأئمة كلام فيه، فماذا يصنع الباحث؟","level":3,"page":355},{"title":"الباب الثالث: اختلاف الرواة","level":1,"page":359},{"title":"مدخل","level":2,"page":360},{"title":"معنى الاختلاف","level":3,"page":360},{"title":"الفصل الأول: أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه ومنهج المتأخرين","level":2,"page":362},{"title":"المبحث الأول: أنواع الاختلاف","level":3,"page":363},{"title":"القسم الأول: الاختلاف في إسناد الحديث: ويندرج تحت هذا القسم أنواع","level":4,"page":363},{"title":"النوع الأول: وصل الحديث وإرساله","level":5,"page":363},{"title":"النوع الثاني: رفع الحديث ووقفه","level":5,"page":365},{"title":"النوع الثالث: ذكر راو في الإسناد وحذفه","level":5,"page":366},{"title":"النوع الرابع: إبدال بعض رواة الإسناد بغيرهم","level":5,"page":367},{"title":"تعدد الشيوخ في الزمن المتأخر كثير، بخلاف الزمن المتقدم","level":6,"page":369},{"title":"النوع الخامس: الاختلاف في تسمية راو، إما المختلف عليه، أو واحد من الرواة فوقه","level":5,"page":370},{"title":"النوع السادس: الاختلاف في صيغ الأداء","level":5,"page":371},{"title":"الأنواع السابقة يتركب منها أنواع أخرى، كالإرسال مع الإبدال، أو الوقف مع الإبدال، في صور من الاختلافات لا تنتهي","level":5,"page":371},{"title":"الاختلاف الجزئي","level":6,"page":373},{"title":"القسم الثاني: الاختلافات في المتن","level":4,"page":373},{"title":"من أهم أسباب الاختلاف في المتن: الرواية بالمعنى","level":5,"page":373},{"title":"اهتمام النقاد ببيان ألفاظ الرواة","level":5,"page":374},{"title":"مسألة الإحالة على حديث لفظ حديث سابق ومعارضة شعبة بن الحجاج لها","level":5,"page":374},{"title":"صعوبة تحديد أنواع للاختلاف في المتون","level":5,"page":374},{"title":"النوع الأول: القول والفعل","level":6,"page":375},{"title":"النوع الثاني: قلب المتن","level":6,"page":376},{"title":"النوع الثالث: تغيير معنى الحديث","level":6,"page":378},{"title":"التغيير في جزء من الحديث","level":7,"page":379},{"title":"قضية التغيير في المعنى وعلاقتها بعمل من يقوم بمجرد العزو والتخريج","level":7,"page":382},{"title":"النوع الرابع: الزيادة في المتن والنقص منه","level":6,"page":382},{"title":"قضية الزيادات في المتون بالغة الدقة بالنسبة لعد الزيادة التي يقف عليها الباحث اختلافا يجب النظر فيه، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه","level":7,"page":385},{"title":"تقطيع الحديث والاكتفاء بجزء منه، وصلته بتخريج الحديث وعزوه","level":7,"page":385},{"title":"الاختلاف في المتن قد يصاحبه اختلاف في الإسناد","level":7,"page":386},{"title":"التنبيه على التصحيفات","level":5,"page":388},{"title":"خمس وقت الباحث يذهب في تصويب الأخطاء وإكمال السقط وهذا له ثمرات متعددة منها","level":5,"page":389},{"title":"١ - اختصار أوجه الاختلاف على المدار، إذ سيتبين أن بعضها ليس اختلافا عليه","level":6,"page":389},{"title":"٢ - التدرب على مواجهة مشكلات البحث","level":6,"page":389},{"title":"٣ - الخبرة في المصادر","level":6,"page":389},{"title":"الأخطاء في النسخ المخطوطة لا يعدها الباحث اختلافا، وذلك في نسخ ما بعد الرواية، أما كتب الرواة أنفسهم إذا تحقق أنه كتب النص هكذا فهذا من الاختلاف","level":5,"page":390},{"title":"مثال على الخطأ في عصر الرواية","level":5,"page":391},{"title":"مثال على الخطأ بعد عصر الرواية","level":5,"page":394},{"title":"لا ينبغي للباحث أن يجعل ما يواجهه مما صورته اختلاف وحقيقته ليست كذلك ملاذا يتهرب به من معالجة الاختلافات الحقيقية","level":5,"page":395},{"title":"رواية مصدر نازل من طريق صاحب مصدر عال لا يلزم أن يكون يرويه عنه من هذا المصدر بعينه","level":5,"page":398},{"title":"اختصار الإسناد أو المتن في المصنفات","level":5,"page":399},{"title":"المبحث الثاني: منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين","level":3,"page":402},{"title":"منهج النقاد في الاختلاف أسه وبذرته الأولى كانت على يد الصحابة، وربط منهج النقاد بمنهج الصحابة من الأهمية بمكان","level":4,"page":403},{"title":"قام النقاد بأربع خطوات بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث، والخطوات معتمدة على مقارنة المرويات","level":4,"page":403},{"title":"الخطوة الأولى: دراسة مرويات كل راو -ما أمكنهم ذلك-، ومقارنتها بمرويات غيره","level":5,"page":403},{"title":"الخطوة الثانية: إجراء مقارنة بين الرواة، كقولهم: فلان أحفظ من فلان","level":5,"page":404},{"title":"الخطوة الثالثة: النظر في هذا الراوي مرة أخرى في روايته عن كل شيخ من شيوخه","level":5,"page":404},{"title":"الخطوة الرابعة: إجراء مقارنة بين بعض الرواة الأقران لمعرفة منازلهم في شيخ لهم معين","level":5,"page":404},{"title":"الخطوة الخامسة: إذا روي لهم الحديث المعين أو سئلوا عنه ورأوا أن بين رواته اختلافا في إسناد الحديث أو متنه احتاج الحديث عندهم حينئذ إلى دراسة ونظر","level":5,"page":405},{"title":"أسباب تحرير منهج المتقدمين عند جمع من الأئمة المتأخرين","level":4,"page":408},{"title":"الأول: عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد في قضايا معينة متفرعة من الموضوع العام","level":5,"page":408},{"title":"السبب الثاني: وجود مناهج مختلفة تناولت نقد مرويات السنة، فيها مخالفة من بعيد أو قريب لمنهج أئمة النقد، وهذه المناهج يجمعها شيء واحد وهو النظر إلى الأسانيد مفردة","level":5,"page":410},{"title":"منهج الفقهاء والأصوليين","level":4,"page":410},{"title":"ممن سار على منهج الفقهاء وقد ألف في الحديث وانتسب إليه ثلاثة من الأئمة وهم ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم","level":4,"page":414},{"title":"سبب انتشار منهج الفقهاء والأصوليين","level":4,"page":421},{"title":"استعمال منهج النقاد ومنهج الفقهاء والأصوليين لدى بعض الأئمة كالحاكم، وابن حجر","level":4,"page":423},{"title":"نقولات في شرح منهج النقاد من قبل بعض العلماء المتأخرين","level":4,"page":424},{"title":"لماذا خص بعض العلماء التأكيد على منهج النقاد في قضية زيادات الثقات","level":4,"page":428},{"title":"تبيين الجانب التطبيقي لدى الأئمة النقاد، وممن قام به ابن مفوز الأندلسي، وابن عبد الهادي","level":4,"page":429},{"title":"إنكار وجود مذهبين متميزين في الدراسات الحديثية يمكن عزوه لثلاثة أسباب","level":4,"page":433},{"title":"الأول: صعوبة التحول عما نشأ عليه الشخص","level":5,"page":433},{"title":"السبب الثاني: خلل في التربية العلمية، فالاستعداد النفسي لتغيير الرأي متى ظهر الحق خلافه مفقود أو شبه مفقود","level":6,"page":433},{"title":"السبب الثالث: الطريقة التي سلكها بعض من تصدى للتنبيه على الخلل الموجود فقد سلك بعضهم مسلكا اتسم بالعنف والحدة، والغمز واللمز","level":6,"page":434},{"title":"اختلاف منهج المتأخرين عن منهج أئمة النقد ليس خاصا بقضية وقوع اختلاف بين الرواة","level":4,"page":435},{"title":"الفصل الثاني: قرائن الترجيح والموازنة","level":2,"page":436},{"title":"مدخل","level":3,"page":437},{"title":"القرينة لا تعد قرينة حتى ينص الناقد على استخدامها لا أن تكون مستنبطة من كلامه","level":4,"page":437},{"title":"المبحث الأول: القرائن في الرواة المختلف عليهم","level":3,"page":438},{"title":"الراوي المختلف عليه ينظر له من جهتين: الأولى -وهي المقصودة هنا-: المحفوظ عن هذا الراوي، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به","level":4,"page":438},{"title":"من الأمور الدالة على أن الاختلاف من الراوي المختلف عليه","level":4,"page":440},{"title":"يقوم مقام ورود النص عن الراوي","level":4,"page":442},{"title":"- أن يختلف راويان فأكثر، ثم يأتي عن غيرهم الجمع بين الروايتين","level":4,"page":444},{"title":"- أن يكون الجامع بين الروايتين أحد المختلفين، فيشارك الجماعة في وجه، وينفرد عنهم بوجه آخر","level":4,"page":447},{"title":"- حال الراوي المختلف عليه، وهؤلاء على ضربين","level":4,"page":448},{"title":"أحدهما: من يكون هذا شأنه في جميع أحواله، وهذا الضرب على ثلاثة أصناف","level":5,"page":448},{"title":"الصنف الأول: الثقات الأثبات واسعو الرواية","level":6,"page":448},{"title":"الصنف الثاني: جماعة من الرواة يقع منهم الاختلاف في الرواية الواحدة عمدا من باب التخوف والاحتياط","level":6,"page":452},{"title":"الصنف الثالث: من كان يضطرب في حديثه ويتردد وهؤلاء منهم ثقات، والتردد يقع منهم في بعض حديثهم، وأكثر هذا الصنف من درجة الصدوق فمن دونه","level":6,"page":452},{"title":"قوة العلاقة بين علم الجرح والتعديل وعلم اختلاف الرواة","level":7,"page":455},{"title":"الضرب الثاني: من يختص هذا الأمر-قوة تحميله عهدة الاختلاف- ببعض حاله، مثل أن يكون ثقة ثبتا في أحد شيوخه طويل الملازمة له، واسع الرواية عنه، أو أنه يحدث من حفظه بما يخالف كتابه، أو أنه يخطئ في أسماء الرجال،","level":5,"page":458},{"title":"أو يكون عرف عنه التصرف في متن الحديث إما بالاختصار أو بالرواية بالمعنى، وممن عرف بهذا حماد بن سلمة، وهشيم، ووكيع، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة","level":4,"page":467},{"title":"إذا وقف الباحث على حديث يوافق حالة للراوي نص عليها الأئمة فله أن يجري حال الراوي على حديثه، وإن لم يكن هناك نص صريح في الحديث نفسه","level":4,"page":468},{"title":"هل يحمل الراوي تبعة الاختلاف دون أن ينص الناقد على اختلاف حال الراوي اختلافا يصلح أن يلحق به هذا الحديث؟","level":4,"page":471},{"title":"المبحث الثاني: القرائن في الرواة المختلفين","level":3,"page":474},{"title":"الناظر في الاختلاف له نظر في أصحاب المختلف عليه، والنظر يقوده إلى أحد ثلاثة احتمالات","level":4,"page":474},{"title":"قرينة الكثرة هي أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فالعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد كما قال الشافعي","level":4,"page":478},{"title":"الأولى: الكثرة","level":5,"page":478},{"title":"يتسامح النقاد في سرد الرواة، فإذا كثروا ربما ذكروا فيهم الضعيف ومن دونه، اعتمادا على رواية الثقات منهم","level":6,"page":487},{"title":"القرينة الثانية: الحفظ والتثبت","level":5,"page":487},{"title":"من المواضيع المتعلقة بهذه القرينة: موضوع مراتب الجرح والتعديل، وموضوع مقارنة الراوي بغيره","level":6,"page":487},{"title":"القرينة الثالثة: القوة في الشيخ","level":5,"page":492},{"title":"أسباب تفاوت أصحاب الرواة في مراتبهم","level":6,"page":493},{"title":"درجة الرواة في شيوخهم من القضايا بالغة الأهمية بالنسبة للمتصدي لدراسة المرويات ولنقدها، وهي جزء مهم من جرح الرواة وتعديلهم","level":7,"page":497},{"title":"وجود دراسات معاصرة لأصحاب بعض الرواة المعروفين بكثرة الأصحاب","level":7,"page":499},{"title":"يتأكد على المتصدي للنقد أن يكثر من مطالعة أقوال النقاد في مراتب أصحاب الرواة، ومطالعة سلاسل الأسانيد التي رويت بواسطتها أحاديث كثيرة","level":6,"page":500},{"title":"ثلثا السنة المطهرة نقلها سبعة عشر صحابيا وذلك بحسب الأسانيد الموجودة في مسند بقي بن مخلد القرطبي","level":6,"page":500},{"title":"مصطلح: من يجمع حديثه","level":6,"page":501},{"title":"اعتناء الأئمة بجمع الأحاديث التي رويت بالسلاسل ويطلقون عليها: ترجمة","level":6,"page":502},{"title":"كتاب تحفة الأشراف وأهميته وامتيازه بكثرة التفاريع في الطبقات المتأخرة، وعدم خلوه من إشارات إلى الاختلافات بين الرواة","level":6,"page":502},{"title":"ذكر بعض الباحثين قرينة تقديم رواية أهل بيت الراوي المختلف عليه، وأهل البلد على الغرباء ضمن قرائن الموازنة بين أصحاب الراوي، ولا إشكال في هذا، لكنها بالتأمل تؤول إلى قرينة: درجات أصحاب الرواة","level":6,"page":503},{"title":"كلام النقاد في تصنيف أصحاب الراوي قد لا يتيسر في كل الرواة الذين يقع الاختلاف بينهم، وقد يتيسر في بعضهم دون بعض، وعلى هذا فقد يحتاج الباحث إلى استخدام ضوابط عامة تقوم مقام التصنيف الدقيق","level":6,"page":505},{"title":"اختلاف النقاد في تصنيف أصحاب الراوي","level":6,"page":509},{"title":"هناك نوع من تصنيف أصحاب الراوي يكون سببه الراوي نفسه، فالراوي له أحوال مختلفة قوة وضعفا، كأن يكون اختلط في آخر عمره، فهذا غير مقصود هنا","level":6,"page":510},{"title":"القرينة الرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي","level":5,"page":515},{"title":"هذه الجوانب لا يمكن حصرها في جميع الرواة، فكل راو له أحواله، والحكم عليه له ملابسات خاصة، وبعضهم يذكرها قرائن متعددة، وفي رأيي أنها عبارة عن قرينة واحدة، وتحتها صور وتفاصيل","level":6,"page":515},{"title":"لا بد من التنقيب في تراجم الرواة لتسخير ما يمكن تسخيره في الموازنة بين الرواة","level":6,"page":516},{"title":"نماذج لاستخدام النقاد صورا من هذه القرينة في الموازنة بين الرواة","level":6,"page":516},{"title":"من الجوانب","level":6,"page":518},{"title":"- أن يعرف الراوي بالخطأ في أسماء الرواة، كما عرف به شعبة، ونماذج له","level":7,"page":518},{"title":"- أن يعرف الراوي بالخطأ في صيغ التحديث","level":7,"page":522},{"title":"- أن يعرف الراوي بالتصرف في متن الحديث، بالاختصار، أو الرواية بالمعنى","level":7,"page":523},{"title":"التصرف في الإسناد كالتصرف في المتن","level":6,"page":524},{"title":"قد يقع التصرف في الإسناد أو المتن ليستقيم، أو لضعف راويه، أو للستر على الواهم فيه","level":6,"page":524},{"title":"من التصرف في الإسناد: التقصير به","level":6,"page":525},{"title":"من جوانب الترجيح بين الرواة","level":6,"page":526},{"title":"- أن يعرف عن الراوي الخطأ في جهة من الإسناد أو المتن، كوصل المراسيل، ورفع الموقوفات","level":7,"page":526},{"title":"القرائن الأربع ترجع إلى أمرين: العدد، والقوة","level":5,"page":527},{"title":"المبحث الثالث: القرائن في أوجه الاختلاف","level":3,"page":532},{"title":"استخدم النقاد قرائن كثيرة في صفة الرواية ترجع إلى ثلاث قرائن","level":4,"page":532},{"title":"القرينة الأولى: السهولة والوعورة","level":5,"page":532},{"title":"هذه القرينة الكبرى ترجع إلى أن الأصل فيما يروى عن رسول الله - ﷺ -: أنه مسبوق بالعدم، وعليه فكل من ذكر أمرا يوعر به طريق الثبوت فقوله مقدم","level":6,"page":533},{"title":"قرينة السهولة والوعورة يندرج تحتها عدد من القرائن الفرعية وهي","level":6,"page":533},{"title":"أولا: سلوك الجادة، وبيان معناه","level":7,"page":533},{"title":"تتفاوت درجة الركون إلى هذه القرينة بحسب شهرة الجادة المسلوكة ووعورة الطريق الأخرى","level":8,"page":534},{"title":"بعض العلماء يعد مجرد رفع الحديث سلوكا للجادة","level":8,"page":535},{"title":"أكثر الإمام أحمد من بيان إحالة أهل البصرة الأحاديث خطأ إلى سلسلة «ثابت، عن أنس» وأهل المدينة إلى سلسلة «محمد بن المنكدر، عن جابر»","level":8,"page":540},{"title":"مجرد عدول الراوي عن الإسناد القوي، أو الإسناد العالي، إلى ضدهما، دليل على حفظه، خاصة إذا كان الأضعف أو الأنزل فيه وعورة","level":8,"page":545},{"title":"من أهم قوانين الرواية حرص الرواة على الأتم صورة ومعنى","level":8,"page":547},{"title":"ثانيا: زيادة راو أو أكثر في الإسناد","level":7,"page":549},{"title":"يستمر ترجيح الزيادة ما لم يكن ذكر الزيادة أسهل في الحفظ وأسبق إلى الذهن، فيكون من زاد سلك الجادة، فيقدم عليه من ترك الزيادة","level":8,"page":552},{"title":"ثالثا: الفصل والإدراج في الرواية، وبيان المقصود به","level":7,"page":558},{"title":"تطبيقات هذه القرينة واسعة، وعليها بنى الخطيب البغدادي كتابه (الفصل)","level":8,"page":559},{"title":"يزداد الأمر غموضا في موضوع الإدراج إذا تصرف الراوي الذي وقع منه الإدراج، أو من دونه في الرواية، فاكتفى بسوق الرواية التي وقع فيها الإدراج","level":6,"page":562},{"title":"مما يدخل في باب الفصل والإدراج ما يطلق عليه: الحمل","level":6,"page":564},{"title":"قاعدة: الروايات المفردة مقدمة على الروايات المقرونة عند وقوع اختلاف بينهما في المتن أو الإسناد","level":6,"page":564},{"title":"تطبيقات لحمل الروايات على بعضها","level":6,"page":565},{"title":"لا يشترط الوقوف على رواية مفردة مخالفة لترجيح وقوع الحمل، إذا قامت قرينة أخرى","level":6,"page":568},{"title":"عرف جماعة من الرواة بحمل روايات شيوخهم على بعضها، وتكلم فيهم بسببه","level":6,"page":570},{"title":"لكثرة وقوع الحمل من الرواة شدد المحدثون في الاكتفاء بذكر اسم أحد المقرونين في الإسناد، وحذف الآخر، خاصة إذا كان المسقط ضعيفا","level":6,"page":570},{"title":"وقوع إفراد بعض الرواة الرواية مع أنها في الأصل محمولة على غيرها، ونماذج له","level":6,"page":571},{"title":"أهمية التدقيق في الروايات المقرونة من جهة، لاحتمال وقوع الحمل فيها، وفي الروايات المفردة إذا ارتاب فيها الباحث من جهة ثانية، لاحتمال أن تكون مفردة من رواية مقرونة وقع فيها حمل، ونماذج للخلل في الالتفات لهذه القضية","level":6,"page":574},{"title":"التشابه بين الحمل في الروايات وعطف الأسانيد","level":6,"page":578},{"title":"الإحالة، وهي أن يسوق الراوي حديثا بإسناده، ثم يسوق إسنادا آخر يقف به عند الصحابي، أو عند المدار، ولا يسوق ما بعده، ويقول: مثله أو نحوه، ووقوع الحمل في هذا","level":6,"page":583},{"title":"القرينة الثانية: ذكر تفاصيل في المتن والإسناد تدل على الضبط","level":5,"page":588},{"title":"لهذه التفاصيل صور متعددة، مثل قصة في متن الحديث، أو في إسناده، أو كلمة لأحد رواة الإسناد، أو ورود اسم راو عرضا، إلى غير ذلك","level":6,"page":588},{"title":"مبدأ الاستعانة بذكر بعض التفاصيل للدلالة على الحفظ أمر مقرر استخدمه الصحابة","level":6,"page":588},{"title":"نماذج من أقوال النقاد في تقرير هذه القرينة، واستخدامهم لها","level":6,"page":588},{"title":"المخالفة بسبب اشتباه ما يرويه الراوي بجهة ما من حديث آخر عنده، وأمثلة لذلك","level":6,"page":595},{"title":"قد يكون الرابط بين الحديثين المشتبهين خفيا يحتاج إلى خبرة واستحضار للطرق","level":6,"page":600},{"title":"دخول حديث في حديث","level":6,"page":602},{"title":"في بعض الاختلافات توجد تفاصيل في رواية الجميع، فيستدل بذلك على حفظ الروايتين إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن فلا بد من مرجح خارجي","level":6,"page":606},{"title":"القرينة الثالثة: الثبات والاضطراب عند رواة الاختلاف، وبيان المقصود بكونه قرينة","level":5,"page":608},{"title":"تعدد صور هذه القرينة، وأمثلة لها","level":6,"page":608},{"title":"مخالفة الراوي في إسنادين","level":4,"page":616},{"title":"في قضية الاستفادة من تردد أحد المختلفين على الراوي وترجيح رواية من ثبت ولم يضطرب، لا بد من تطبيق قواعد الاختلاف عليه","level":4,"page":618},{"title":"تعدد المدار، وأمثلة تطبيقية","level":4,"page":619},{"title":"التنبيه على قضيتين","level":4,"page":624},{"title":"غرض النقاد من النص على الانقطاع في الوجه المرجوح","level":4,"page":631},{"title":"آراء النقاد ليست أدلة، بل هي بحاجة إلى الدليل، والاستدلال بها حينئذ فيه دور","level":4,"page":635},{"title":"ترجيح حفظ عدد من الأوجه بقرينة تخريجهما جميعا في الصحيحين أو أحدهما، مزلق خطير، فإنهما قد يخرجان الشيء لبيان علته، وترجيح غيره عليه","level":4,"page":636},{"title":"المبحث الرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه","level":3,"page":637},{"title":"الاستعانة بما فوق المدار في الترجيح له صورتان","level":4,"page":637},{"title":"الاستعانة برواية من هو في طبقة المختلف عليه ومن فوقه في هذه الصورة كثير جدا عند النقاد، وذكر نماذج من ذلك","level":4,"page":638},{"title":"المتابعات للمدار ومن فوقه قد يوجد فيها شيء من القرائن الماضية في مبحث القرائن في أوجه الاختلاف نفسها","level":4,"page":645},{"title":"المتابعات للمدار ومن فوقه في غاية الأهمية بالنسبة للترجيح في اختلاف على مدار ينظر فيه الباحث، فإنها قد تتظافر فيقطع بخطأ الوجه الآخر","level":4,"page":647},{"title":"إذا لم توجد متابعات لأحد الوجهين، استعيض عن ذلك بالطبقة، بالنظر إلى علوها ونزولها، وبيان وجه ذلك","level":4,"page":651},{"title":"ذكر بعض العلماء أن زيادة صحابي على صحابي آخر مقبولة بالاتفاق، وليست داخلة في مبحث زيادات الثقات، وأرجح أن من أسباب ذلك أن الرواية بعد عصر الصحابة والتابعين كانت مقصودة لذاتها","level":4,"page":654},{"title":"لا بد من فحص متابعات المدار ومن فوقه، التي يراد منها عضد أحد الوجهين، والتحقق من صلاحيتها للاعتضاد من جميع الجهات","level":4,"page":656},{"title":"المتابعات للمدار ومن فوقه لا تقلب الترجيح في الاختلاف على المدار","level":4,"page":658},{"title":"الفصل الثالث: مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف","level":2,"page":662},{"title":"المبحث الأول: الترجيح بالقدر المشترك","level":3,"page":663},{"title":"تعريف القدر المشترك","level":4,"page":663},{"title":"صور القدر المشترك، وأمثلة لتطبيقات النقاد فيه","level":4,"page":663},{"title":"من دقيق الترجيح بالقدر المشترك بين رواة عن شيخ لهم أن يختلفوا عليه في جهتين من الحديث، إسنادا أو متنا، فيرجح بالقدر المشترك في الجهتين","level":4,"page":670},{"title":"الترجيح والموازنة بين الأوجه التي جمعها القدر المشترك","level":4,"page":672},{"title":"يستعان بالقدر المشترك أيضا في حال وجوده بين بعض الروايات عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه","level":4,"page":674},{"title":"المبحث الثاني: الطرق إلى رواة الأوجه، وحاجتها إلى التصفية","level":3,"page":678},{"title":"الاختلاف على مدار نازل","level":4,"page":679},{"title":"دقة وعسر الاختلافات النازلة","level":4,"page":679},{"title":"أمثلة على تصفية رواة الأوجه","level":4,"page":680},{"title":"تعليق الأسانيد عن الرواة المختلفين","level":4,"page":692},{"title":"هل تعتمد الروايات المعلقة في الموازنة والترجيح؟","level":4,"page":693},{"title":"قرائن الاسترواح للمعلق أو إهماله","level":4,"page":697},{"title":"أمثلة لأسانيد معلقة يترجح قبولها واعتمادها بقرائن","level":4,"page":698},{"title":"أمثلة لأسانيد معلقة يترجح بالقرائن التوقف في قبولها وصحتها عمن علقت عنه","level":4,"page":706},{"title":"المبحث الثالث: تعاضد القرائن","level":3,"page":716},{"title":"ليس من شرط الترجيح أن يتوافر عليه عدد من القرائن، فقد يتم الترجيح بقرينة واحدة، وكلما كثرت القرائن ازداد الترجيح قوة","level":4,"page":716},{"title":"نماذج من عمل النقاد، وأمثلة أخرى لتوافر القرائن","level":4,"page":716},{"title":"إذا توفرت عدد من القرائن عند الموازنة في الاختلاف كان ذلك أسهل على الناظر، ومثل هذه الاختلافات هي المجال الأوسع للتدرب على الموازنة","level":4,"page":727},{"title":"ينصح الباحث إذا أكثر ممارسة هذا النوع أن يكون متوازنا في عباراته وجمله","level":4,"page":728},{"title":"في هذا النوع من الاختلافات جانب يظهر به الفرق جليا بين منهج أئمة الحديث ومنهج الفقهاء والأصوليين، وذكر بعض الأمثلة التي توضح ذلك","level":4,"page":728},{"title":"المبحث الرابع: تعارض القرائن","level":3,"page":734},{"title":"يتفاوت الناس في العلم -في أي فن- إذا وصلوا إلى دقيقه ومشكله","level":4,"page":734},{"title":"الأمور التي يستعين بها الباحث عند تعارض القرائن","level":4,"page":735},{"title":"الترجيح مع ذكر القرينة المعارضة","level":4,"page":735},{"title":"قد يتردد الناقد الواحد حين ينظر في القرائن فلا يجزم بشيء، أو يختلف رأيه في مكانين","level":4,"page":738},{"title":"أمثلة على اختلاف النقاد بسبب تعارض القرائن","level":4,"page":743},{"title":"من دقائق قضايا تعارض القرائن","level":4,"page":764},{"title":"التوقف في الترجيح","level":4,"page":765},{"title":"الفصل الرابع: الاختلاف عن المدار والحكم النهائي","level":2,"page":767},{"title":"المبحث الأول: المدار الأساس والطرق فوقه","level":3,"page":768},{"title":"تحديد غرض الباحث من النظر في الاختلاف أمر بالغ الأهمية","level":4,"page":768},{"title":"سبب تكرار الكلام على الاختلاف في الحديث الواحد في كتب النقد","level":4,"page":770},{"title":"من الملاحظ في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا بتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فما فوقه","level":4,"page":771},{"title":"كيف يحدد المدار؟","level":4,"page":771},{"title":"تحديد مدار واحد هو الأساس","level":4,"page":775},{"title":"عند دراسة الحديث المختلف فيه، هل يكتفى بالأوجه التي ذكرها الناقد؟","level":4,"page":781},{"title":"جعل رواية عن المدار وجها من وجوه الاختلافات ليس بالمتيسر دائما، فقد يواجه الباحث روايات يتردد فيها هل هي من هذا الحديث، أو حديث آخر","level":4,"page":788},{"title":"هل ينظر الباحث في الإسناد بعد المدار؟","level":4,"page":790},{"title":"من يبحث في أحاديث موضوع معين، ويدرس الأحاديث من جهة صحتها وضعفها، ثم من جهة الاستنباط منها، فهذا لا مناص له عن التعرض للإسناد بعد المدار","level":4,"page":791},{"title":"كون البحث ليس مختصا بالأحاديث المعللة لا يعفي الباحث من النظر في الاختلاف","level":4,"page":792},{"title":"ما الذي يلزم الناظر في اختلاف معين بالنظر في اختلاف أعلى؟","level":4,"page":793},{"title":"ما يترتب على الالتزام بالنظر في الشواهد والمتابعات","level":4,"page":794},{"title":"رفع المدار، مفهومه وضوابطه وتوضيحه بالأمثلة","level":4,"page":795},{"title":"المبحث الثاني: الوجه الراجح والوجه المرجوح","level":3,"page":803},{"title":"كيفية التعامل مع الوجه المرجوح","level":4,"page":803},{"title":"نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار","level":4,"page":803},{"title":"معنى كون الوجه مرجوحا عن المدار أنه لم يصح عنه، فلم يحدث به هكذا","level":4,"page":807},{"title":"يوجد في كتب التخريج وغيرها الكلام على إسناد الوجه المرجوح بعد المدار لبيان ضعفه، لكن هذا لا يدخل في النظر في الاختلاف، بل هو من باب التنزل في نقد الدليل، وقد يفعله النقاد من باب الفائدة","level":4,"page":808},{"title":"ينبغي للباحث أن يتأنى في نقد الوجه المرجوح بالمدار ومن فوقه، فلا يعرج عليه مع ظهور الضعف للوجه عن المدار","level":4,"page":809},{"title":"مثال على آثار منهج تمزيق الطرق، والنظر إلى كل إسناد بمفرده","level":4,"page":810},{"title":"الوجه المرجوح ليس على درجة واحدة","level":4,"page":811},{"title":"الوجه المرجوح لا يعضد غيره، ولا يعتضد بغيره","level":4,"page":813},{"title":"خطأ كثير من المتأخرين في البحث للحديث المعلول عن متابعات وشواهد","level":4,"page":814},{"title":"قصر الضعف الذي لا يصلح للاعتضاد على رواية المتروك، هو أحد مداخل الضعف الواسعة التي أدت إلى كثرة تصحيح وتحسين الأحاديث الضعيفة","level":4,"page":818},{"title":"الارتباط بين اختلاف الرواة، وبين الجرح والتعديل قضية هامة جدا","level":4,"page":819},{"title":"ربما أطلق أئمة النقد الصحة على الوجه المرجوح مع كونه مرجوحا قد قصر به راويه، ومرادهم أن النقص سدده الوجه الراجح، فلم يعد له وجود، فعاد الوجهان وجها واحدا","level":4,"page":819},{"title":"عضد الوجه الراجح بالمرجوح يفعله من لا يلتفت لعلل الأحاديث من الموغلين في الظاهرية","level":4,"page":820},{"title":"ضعف تصحيحات الحاكم في كتابه المستدرك، وبيان أن أحد جوانب الضعف عنده التزامه تصحيح زيادات الثقات، وإن خالفوا غيرهم، وربما تجاوز ذلك، فجعل ما هو علة للإسناد عاضدا له","level":4,"page":822},{"title":"ضرر من ينظر في الاختلاف ثم يعود لطريقة المتأخرين في مرحلة من مراحل النظر","level":4,"page":824},{"title":"نصف الناقد هو من يخلط بين منهجين","level":4,"page":825},{"title":"النظر في الوجه الراجح لمن رجح بالقدر المشترك","level":4,"page":825},{"title":"قد يكون في الوجه الراجح قبل المدار ضعف في جهة ما من جهات التضعيف، فيأخذ الباحث هذا بعين اعتباره في حكمه النهائي على الوجه الراجح إلى المدار","level":4,"page":827},{"title":"النظر في المدار الذي عليه الاختلاف، ودرجته في نفسه، وفي شيخه، وما إلى ذلك","level":4,"page":828},{"title":"النظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار ومن فوقه إلى الصحابي","level":4,"page":831},{"title":"لا يغفل الأئمة الاختلافات فوق المدار، لكن لا يلزم أن يكون نظرهم في جميعها في سياق واحد","level":4,"page":832},{"title":"أحوال الاختلافات العليا وأمثلتها","level":4,"page":832},{"title":"- النظر في طرق أخرى لم ترد عند الباحث في النظر في الاختلاف على مداره","level":4,"page":835},{"title":"صعوبة التصدي لتصحيح الحديث وتضعيفه، والحاجة إلى نفس طويل في بعض الأحاديث، وذكر أمثلة لذلك","level":4,"page":846},{"title":"أحوال نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى","level":4,"page":849},{"title":"- قد يكون المرجوح في الاختلاف الأساس هو الراجح في الاختلاف الأعلى","level":5,"page":850},{"title":"أهمية التأكد من تطابق نوع الاختلاف على المدار الأساس مع الاختلاف في الطبقة العليا، إذا أراد الباحث أن يرجح به، ومثال الخلل في ذلك","level":6,"page":850},{"title":"- قد تكون نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى حفظ وجهين، وكانت في الاختلاف الأساس: رجحان وجه واحد","level":5,"page":852},{"title":"أمثلة على وجود وجهين راجحين عن مدار أعلى","level":6,"page":852},{"title":"النظر في الوجه الراجح، والكلام على إسناده، وأمثلة من تطبيقات النقاد في ذلك","level":4,"page":856},{"title":"على الباحث أن يفحص إسناد الوجه الراجح جيدا قبل إصدار حكمه عليه","level":4,"page":863},{"title":"تفاوت مراتب الصحيح","level":4,"page":866},{"title":"شرط عدم العلة قد ينزل الحديث عن درجة الصحيح، بسبب وجود علة في الإسناد، وإن ترجح أنها منتفية","level":4,"page":867},{"title":"المبحث الثالث: الأوجه المحفوظة عن المدار","level":3,"page":869},{"title":"كيفية التعامل مع الوجهين المحفوظين عن المدار","level":4,"page":869},{"title":"النظر في المدار للوصول إلى نتيجة في المحفوظ بعده","level":4,"page":870},{"title":"- نص بعض تلامذة المختلف عليه على أن شيخه أرسل الحديث ثم وصله، أو كان يرفعه ثم ترك رفعه","level":5,"page":872},{"title":"- نص الراوي على أن سماعه من شيخه هو على صفة معينة، ولكنه تعمد تركها إلى صفة أخرى","level":5,"page":873},{"title":"- عند عدم النص الذي يفيد رجوع الوجهين إلى وجه واحد، قد يمكن ذلك بمعرفة حال الراوي حين تحديثه بالوجهين، وذكر بعض الأمثلة على ذلك","level":5,"page":875},{"title":"يمكن ترجيح أحد الوجهين المحفوظين عن المدار بالنظر في صفة روايتيه","level":4,"page":879},{"title":"قد يوجد في روايتي المدار أو إحداهما ما يدل على حفظ الوجهين بعد المدار","level":4,"page":880},{"title":"- رواية الراوي الحديث بإسناد، يذكر بعده أنه لقي راويا آخر فحدثه بالإسناد الآخر","level":5,"page":880},{"title":"- كونه ثقة ثبتا لم يوصف بالاضطراب، ويكون مع هذا واسع الرواية","level":5,"page":883},{"title":"عكس هؤلاء: من وصف بالاضطراب، والمتروك، والضعيف، وآخرون يدل حالهم على عدم حفظهم الوجهين","level":4,"page":884},{"title":"مزلة قدم أن يصحح الباحث وجهين بعد المدار بناء على أنه رجح حفظهما عنه","level":4,"page":886},{"title":"جانب آخر يساعد في معرفة الراجح من روايتي المدار: التأمل فيمن شارك المدار، توضيحه، وذكر الأمثلة عليه","level":4,"page":887},{"title":"بعد النظر في المدار، وصفة روايتيه، والطرق فوقه، يصل إلى الحكم النهائي على الإسناد","level":4,"page":902},{"title":"تطبيق قواعد الاستعانة بطرق أخرى للترجيح على ما يريد أن يستعين به من طرق خارج المدار للوجهين المحفوظين عنه أو أحدهما في ترجيح حفظ الوجهين بعده أو حفظ أحدهما","level":4,"page":903},{"title":"إذا تحرر في نهاية الأمر وجهان أو أكثر، وكان أحد الوجهين متضمنا للآخر، فالحكم حينئذ للوجه التام، توضيح ذلك، وصوره، وأمثلته","level":4,"page":904},{"title":"ضرورة الاعتناء بإسناد الوجه الراجح","level":4,"page":907},{"title":"الخلل في طريقة المتأخرين في النظر في الاختلافات من جهة تأثير تصحيح الإسنادين على الاختلاف نفسه، وحكمهم بصحة الوجهين بحجة عدم التأثير على صحة الحديث سواء حفظ الوجهان أو أحدهما، وعبارة: غايته انتقال من ثقة إلى ثقة","level":4,"page":908},{"title":"تردد الباحث بين ترجيح أحد الأوجه عن المدار، وعدم وجود وجه راجح","level":4,"page":912},{"title":"المبحث الرابع: عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار","level":3,"page":914},{"title":"إذا وصل الحال بالناظر في الاختلاف إلى تكافؤ القرائن، فلا بد أن يتوقف في الحكم","level":4,"page":915},{"title":"إذا توقف الناظر في الاختلاف عن الترجيح صار الحديث مضطربا وأعل الوجهان جميعا بهذا","level":4,"page":915},{"title":"أمران مهمان في قضية الاضطراب","level":4,"page":917},{"title":"حكم الناقد بالاضطراب لا يزيله أن يشير إلى احتمال رجحان وجه واحد","level":4,"page":921},{"title":"التمثيل لمصطلح من المصطلحات لا يصح الاعتراض عليه إذا كان الاعتراض منصرفا إلى اجتهاد المعترض","level":4,"page":923},{"title":"إشكالية التمثيل للمضطرب في كتب المصطلح","level":4,"page":924},{"title":"الفصل الخامس: النظر في الاختلاف وكلام النقاد","level":2,"page":926},{"title":"المبحث الأول: جهد الباحث وعلاقته بكلام النقاد","level":3,"page":927},{"title":"يمكن للمتأخر مشاركة النقاد باستخدام القرائن بالقدر الذي يستطيعه، ويرى أنه ممكن","level":4,"page":928},{"title":"درجات الباحث مع القرائن","level":4,"page":928},{"title":"١ - أدنى الدرجات: الخروج بمعرفتها عن دائرة التقليد المحض إلى معرفة الحق بدليله","level":5,"page":928},{"title":"٢ - تعضيد الترجيح، وذكر أسباب الترجيح","level":5,"page":929},{"title":"٣ - تفسير أسباب الترجيح","level":5,"page":929},{"title":"٤ - النظر في مرجحات كل قول","level":5,"page":930},{"title":"٥ - استخدام مرجحات الأئمة في حديث لم يتكلموا عليه","level":5,"page":930},{"title":"٦ - إذا اتفقت كلمة الأئمة على ترجيح وجه من الوجوه لم تصح مخالفتهم، وكذا إذا توارد على هذا الترجيح عدد منهم، بل وإذا حكم واحد منهم كذلك ولم يخالف","level":5,"page":931},{"title":"ثلاثة نصوص ترشد إلى ما بذله الأئمة النقاد من جهد ووقت ومال","level":4,"page":941},{"title":"المبحث الثاني: فوائد جمع كلام النقاد","level":3,"page":944},{"title":"١ - كلام الناقد قد يكون متضمنا لذكر الاختلاف، وذكر أمثلته","level":4,"page":944},{"title":"٢ - بعض الأحاديث لا يظهر للناظر فيها لأول وهلة وجود اختلاف على أحد رواته، فيقف على كلام ناقد ينص أو يشير فيه إلى هذا الاختلاف","level":4,"page":949},{"title":"سعة حفظ الإمام النسائي وقدرته على استحضار الارتباط بين الأسانيد","level":5,"page":950},{"title":"٣ - كلام النقاد على الاختلافات هو في نفسه مورد معين للطرق نفسها","level":4,"page":950},{"title":"٤ - الناظر في الاختلاف قد يبعد النجعة في معالجة الاختلاف، وكان يغنيه عن ذلك أن يقف على قول ناقد متقدم يحسم الأمر","level":4,"page":951},{"title":"٥ - قد يكون الناقد الذي وقفنا على كلامه هو أحد المختلفين، تراجع عن روايته، فيحسم الاختلاف","level":4,"page":954},{"title":"٦ - أن الباحث قد يعتمد على أقوال النقاد في الترجيح، في حال إجماعهم على رأي فيه، فإجماعهم حجة","level":4,"page":956},{"title":"ما المقصود بإجماع أهل الحديث؟","level":5,"page":956},{"title":"يلتحق بإجماع المحدثين ما يوجد في كلام النقاد من حكاية نقد لم ينسب لأحد، ويفهم منه أنه قول مشهور في النقد، قال به جماعة","level":5,"page":957},{"title":"يقرب من الإجماع دلالة أن يكون الجمهور على قول، ويخالفهم ناقد واحد، فإن الأقرب إلى الصواب في الغالب مع الجمهور","level":5,"page":958},{"title":"٧ - الاجتهاد في جمع كلام النقاد يقرب الباحث من الإنصاف، ويبعده عن التعجل في رد كلام النقاد، والاستهانة به","level":4,"page":959},{"title":"إذا لم يختلف النقاد في الترجيح فهل يكتفى بذكر بعضهم؟","level":5,"page":962},{"title":"٨ - أن أئمة النقد يذكرون في كلامهم ما استندوا إليه في الترجيح، فيستفيد الباحث تحرير قرائن الترجيح في حديثه الذي ينظر فيه","level":4,"page":965},{"title":"٩ - أن الباحث حين نظره في الطرق، ورواة الأوجه، وصفة رواية كل منهم، يظهر لديه رأي في الاختلاف، لكنه محتاج إلى رأي ناقد يتكئ عليه","level":4,"page":966},{"title":"١٠ - أن الباحث يتعود على تحليل النصوص، والتمعن فيها، وفحصها، ويتربى على تقبل الرأي المخالف","level":4,"page":966},{"title":"تنبيهات في مسألة كلام النقاد في الاختلاف","level":5,"page":967},{"title":"الأمر الأول: كلام النقاد قد يكون صريحا في الاختلاف الذي ينظر فيه الباحث","level":6,"page":967},{"title":"الثاني: يصح للباحث أن يذكر إجماعا للنقاد، أو للجمهور، أو لاثنين منهم، وإن لم يكن بين من نسب إليهم اتفاق في جميع التفاصيل، إذا كان بينهم قدر مشترك","level":6,"page":969},{"title":"الاستفادة من القدر المشترك في كلام النقاد","level":7,"page":974},{"title":"الثالث: التأني في نقل نص الناقد في الاختلاف، والحذر من نسبة قول لغير قائله","level":6,"page":975},{"title":"إتقان الإسناد إلى صاحب النص","level":7,"page":980},{"title":"الرابع: مصادر كلام النقاد","level":6,"page":982},{"title":"إشكالات تواجه الباحثين أثناء جمعهم لكلام النقاد","level":7,"page":984},{"title":"- فوات كلام بعض النقاد","level":8,"page":984},{"title":"- الاضطراب في النص، وذكر نماذج له","level":8,"page":985},{"title":"الخامس: طبقات الأئمة في علم العلل","level":6,"page":991},{"title":"لم أقف على تصنيف لأئمة النقد بين التشدد، والاعتدال، والتساهل في علم العلل","level":7,"page":994},{"title":"المبحث الثالث: كلام النقاد ومصطلحاتهم","level":3,"page":995},{"title":"أولا: عبارات النقاد وألفاظهم وطرقهم في الترجيح","level":4,"page":995},{"title":"يدخل في التصريح: ما ينقله التلميذ عن شيخه، أو من فوقه، بعبارته هو","level":5,"page":996},{"title":"ثانيا: إشارات النقاد، وهي تقوم مقام التصريح، ولها صور منها","level":4,"page":996},{"title":"١ - أن يسأل الناقد فيذكر قرينة أو أكثر للترجيح","level":5,"page":996},{"title":"٢ - أن يسأل الناقد عن اختلاف فينقل عن غيره رأيا، ولا يتعقبه","level":5,"page":997},{"title":"إشكال: هل نقل تلامذة النقاد عن النقاد هو رأي لهم أيضا؟","level":6,"page":998},{"title":"يغتفر للباحث أن يدرج الناقد الذي لم يصرح برأيه مع من صرحوا إذا كثروا","level":6,"page":999},{"title":"ثالثا: تصرفات النقاد في مصنفاتهم","level":4,"page":999},{"title":"إذا أورد الناقد وجهين فإنه لا يؤخذ من مجرد ذلك رأي له، ما لم تظهر منه إشارة لاختياره، أو يعرف رأيه من تصرفه، ونماذج لذلك من كلام ابن رجب والسخاوي","level":5,"page":1000},{"title":"صحيح البخاري ومسلم من أهم كتب نقد المرويات","level":5,"page":1002},{"title":"من دقائق النقد لما تركه البخاري ومسلم، أن يخرج أحدهما حديثا بإسناده، ثم يدع من متنه جملة طويلة أو قصيرة، لعلة فيها، حسب اجتهاده","level":5,"page":1002},{"title":"غرض الشيخين مما يوردانه من علل على أصل حديث عندهما، أن تلك العلة غير مؤثرة، فكأن مرادهما الإشارة إلى اطلاعهما على الاختلاف وأنه غير مؤثر أصلا، أو هو مؤثر على معنى نزول الحديث عن المرتبة العليا من الصحة","level":5,"page":1003},{"title":"ليس في ذكر وجود أحاديث معللة في الصحيحين تجن عليهما، بل هو دفاع عنهما","level":5,"page":1004},{"title":"يمكن معرفة أن صاحبي الصحيح يعلان ما أورداه في كتابيهما بأحد أمرين","level":5,"page":1006},{"title":"صلة نقد الشيخين لبعض ما يخرجانه بالرواة الذين يخرجان لهم","level":5,"page":1012},{"title":"ضرورة اعتناء الباحث بمصطلحات النقاد في الترجيح والاختيار، وإشاراتهم، وتصرفاتهم، ونماذج من الخطأ في ذلك","level":5,"page":1012},{"title":"النقاد قد يستخدمون مصطلح «المضطرب» في الإسناد والمتن على معنى وجود خلل في أحدهما، وإن لم يكن مرجعه إلى الاختلاف","level":5,"page":1023},{"title":"التدقيق في سياق المصطلح الذي ذكره الناقد","level":5,"page":1023},{"title":"على الباحث ألا يعترض على مصطلحات النقاد لورودها على غير ما اشتهر في كتب المصطلح المتأخرة","level":5,"page":1027},{"title":"المبحث الرابع: عبارات الترجيح والتصحيح","level":3,"page":1031},{"title":"أهمية التمعن في عبارات النقاد وعدم الاستدلال بها على ما لا تدل عليه","level":4,"page":1033},{"title":"مما يعين على فهم عبارة الناقد: السياق، كلام الناقد في موضع آخر، كلام النقاد، ونماذج لذلك","level":4,"page":1033},{"title":"إذا لم يتمعن الباحث في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، فربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، ونماذج لذلك","level":4,"page":1041},{"title":"قضايا أخرى للاستفادة من كلام النقاد على الوجه الأمثل","level":4,"page":1057},{"title":"الباحث كما هو ملزم بالتدقيق في عبارات النقاد، فهو ملزم أيضا باعتنائه بالألفاظ التي يستخدمها","level":4,"page":1057},{"title":"أشد خطورة من العبارات الموهمة أن يخطئ الباحث في التعبير عن مراده","level":4,"page":1058},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1061}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,19":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,51":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,121":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,245":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,251":241,"1,253":242,"1,254":243,"1,255":244,"1,256":245,"1,257":246,"1,258":247,"1,259":248,"1,260":249,"1,261":250,"1,262":251,"1,263":252,"1,264":253,"1,265":254,"1,266":255,"1,267":256,"1,268":257,"1,269":258,"1,270":259,"1,271":260,"1,272":261,"1,273":262,"1,274":263,"1,275":264,"1,276":265,"1,277":266,"1,278":267,"1,279":268,"1,280":269,"1,281":270,"1,282":271,"1,283":272,"1,284":273,"1,285":274,"1,287":275,"1,288":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,294":282,"1,295":283,"1,296":284,"1,297":285,"1,298":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,307":294,"1,309":295,"1,310":296,"1,311":297,"1,312":298,"1,313":299,"1,314":300,"1,315":301,"1,316":302,"1,317":303,"1,318":304,"1,319":305,"1,320":306,"1,321":307,"1,322":308,"1,323":309,"1,324":310,"1,325":311,"1,326":312,"1,327":313,"1,328":314,"1,329":315,"1,330":316,"1,331":317,"1,332":318,"1,333":319,"1,334":320,"1,335":321,"1,336":322,"1,337":323,"1,338":324,"1,339":325,"1,340":326,"1,341":327,"1,343":328,"1,345":329,"1,346":330,"1,347":331,"1,348":332,"1,349":333,"1,350":334,"1,351":335,"1,352":336,"1,353":337,"1,354":338,"1,355":339,"1,356":340,"1,357":341,"1,358":342,"1,359":343,"1,360":344,"1,361":345,"1,362":346,"1,363":347,"1,364":348,"1,365":349,"1,366":350,"1,367":351,"1,368":352,"1,369":353,"1,370":354,"1,371":355,"1,372":356,"1,373":357,"1,374":358,"1,375":359,"1,377":360,"1,378":361,"1,379":362,"1,381":363,"1,382":364,"1,383":365,"1,384":366,"1,385":367,"1,386":368,"1,387":369,"1,388":370,"1,389":371,"1,390":372,"1,391":373,"1,392":374,"1,393":375,"1,394":376,"1,395":377,"1,396":378,"1,397":379,"1,398":380,"1,399":381,"1,400":382,"1,401":383,"1,402":384,"1,403":385,"1,404":386,"1,405":387,"1,406":388,"1,407":389,"1,408":390,"1,409":391,"1,410":392,"1,411":393,"1,412":394,"1,413":395,"1,414":396,"1,415":397,"1,416":398,"1,417":399,"1,418":400,"1,419":401,"1,420":402,"1,421":403,"1,422":404,"1,423":405,"1,424":406,"1,425":407,"1,426":408,"1,427":409,"1,428":410,"1,429":411,"1,430":412,"1,431":413,"1,432":414,"1,433":415,"1,434":416,"1,435":417,"1,436":418,"1,437":419,"1,438":420,"1,439":421,"1,440":422,"1,441":423,"1,442":424,"1,443":425,"1,444":426,"1,445":427,"1,446":428,"1,447":429,"1,448":430,"1,449":431,"1,450":432,"1,451":433,"1,452":434,"1,453":435,"1,455":436,"1,457":437,"1,458":438,"1,459":439,"1,460":440,"1,461":441,"1,462":442,"1,463":443,"1,464":444,"1,465":445,"1,466":446,"1,467":447,"1,468":448,"1,469":449,"1,470":450,"1,471":451,"1,472":452,"1,473":453,"1,474":454,"1,475":455,"1,476":456,"1,477":457,"1,478":458,"1,479":459,"1,480":460,"1,481":461,"1,482":462,"1,483":463,"1,484":464,"1,485":465,"1,486":466,"1,487":467,"1,488":468,"1,489":469,"1,490":470,"1,491":471,"1,492":472,"1,493":473,"1,494":474,"1,495":475,"1,496":476,"1,497":477,"1,498":478,"1,499":479,"1,500":480,"1,501":481,"1,502":482,"1,503":483,"1,504":484,"1,505":485,"1,506":486,"1,507":487,"1,508":488,"1,509":489,"1,510":490,"1,511":491,"1,512":492,"1,513":493,"1,514":494,"1,515":495,"1,516":496,"1,517":497,"1,518":498,"1,519":499,"1,520":500,"1,521":501,"1,522":502,"1,523":503,"1,524":504,"1,525":505,"1,526":506,"1,527":507,"1,528":508,"1,529":509,"1,530":510,"1,531":511,"1,532":512,"1,533":513,"1,534":514,"1,535":515,"1,536":516,"1,537":517,"1,538":518,"1,539":519,"1,540":520,"1,541":521,"1,542":522,"1,543":523,"1,544":524,"1,545":525,"1,546":526,"1,547":527,"2,1":528,"2,2":529,"2,3":530,"2,4":531,"2,5":532,"2,6":533,"2,7":534,"2,8":535,"2,9":536,"2,10":537,"2,11":538,"2,12":539,"2,13":540,"2,14":541,"2,15":542,"2,16":543,"2,17":544,"2,18":545,"2,19":546,"2,20":547,"2,21":548,"2,22":549,"2,23":550,"2,24":551,"2,25":552,"2,26":553,"2,27":554,"2,28":555,"2,29":556,"2,30":557,"2,31":558,"2,32":559,"2,33":560,"2,34":561,"2,35":562,"2,36":563,"2,37":564,"2,38":565,"2,39":566,"2,40":567,"2,41":568,"2,42":569,"2,43":570,"2,44":571,"2,45":572,"2,46":573,"2,47":574,"2,48":575,"2,49":576,"2,50":577,"2,51":578,"2,52":579,"2,53":580,"2,54":581,"2,55":582,"2,56":583,"2,57":584,"2,58":585,"2,59":586,"2,60":587,"2,61":588,"2,62":589,"2,63":590,"2,64":591,"2,65":592,"2,66":593,"2,67":594,"2,68":595,"2,69":596,"2,70":597,"2,71":598,"2,72":599,"2,73":600,"2,74":601,"2,75":602,"2,76":603,"2,77":604,"2,78":605,"2,79":606,"2,80":607,"2,81":608,"2,82":609,"2,83":610,"2,84":611,"2,85":612,"2,86":613,"2,87":614,"2,88":615,"2,89":616,"2,90":617,"2,91":618,"2,92":619,"2,93":620,"2,94":621,"2,95":622,"2,96":623,"2,97":624,"2,98":625,"2,99":626,"2,100":627,"2,101":628,"2,102":629,"2,103":630,"2,104":631,"2,105":632,"2,106":633,"2,107":634,"2,108":635,"2,109":636,"2,110":637,"2,111":638,"2,112":639,"2,113":640,"2,114":641,"2,115":642,"2,116":643,"2,117":644,"2,118":645,"2,119":646,"2,120":647,"2,121":648,"2,122":649,"2,123":650,"2,124":651,"2,125":652,"2,126":653,"2,127":654,"2,128":655,"2,129":656,"2,130":657,"2,131":658,"2,132":659,"2,133":660,"2,134":661,"2,135":662,"2,137":663,"2,138":664,"2,139":665,"2,140":666,"2,141":667,"2,142":668,"2,143":669,"2,144":670,"2,145":671,"2,146":672,"2,147":673,"2,148":674,"2,149":675,"2,150":676,"2,151":677,"2,152":678,"2,153":679,"2,154":680,"2,155":681,"2,156":682,"2,157":683,"2,158":684,"2,159":685,"2,160":686,"2,161":687,"2,162":688,"2,163":689,"2,164":690,"2,165":691,"2,166":692,"2,167":693,"2,168":694,"2,169":695,"2,170":696,"2,171":697,"2,172":698,"2,173":699,"2,174":700,"2,175":701,"2,176":702,"2,177":703,"2,178":704,"2,179":705,"2,180":706,"2,181":707,"2,182":708,"2,183":709,"2,184":710,"2,185":711,"2,186":712,"2,187":713,"2,188":714,"2,189":715,"2,190":716,"2,191":717,"2,192":718,"2,193":719,"2,194":720,"2,195":721,"2,196":722,"2,197":723,"2,198":724,"2,199":725,"2,200":726,"2,201":727,"2,202":728,"2,203":729,"2,204":730,"2,205":731,"2,206":732,"2,207":733,"2,208":734,"2,209":735,"2,210":736,"2,211":737,"2,212":738,"2,213":739,"2,214":740,"2,215":741,"2,216":742,"2,217":743,"2,218":744,"2,219":745,"2,220":746,"2,221":747,"2,222":748,"2,223":749,"2,224":750,"2,225":751,"2,226":752,"2,227":753,"2,228":754,"2,229":755,"2,230":756,"2,231":757,"2,232":758,"2,233":759,"2,234":760,"2,235":761,"2,236":762,"2,237":763,"2,238":764,"2,239":765,"2,240":766,"2,241":767,"2,243":768,"2,244":769,"2,245":770,"2,246":771,"2,247":772,"2,248":773,"2,249":774,"2,250":775,"2,251":776,"2,252":777,"2,253":778,"2,254":779,"2,255":780,"2,256":781,"2,257":782,"2,258":783,"2,259":784,"2,260":785,"2,261":786,"2,262":787,"2,263":788,"2,264":789,"2,265":790,"2,266":791,"2,267":792,"2,268":793,"2,269":794,"2,270":795,"2,271":796,"2,272":797,"2,273":798,"2,274":799,"2,275":800,"2,276":801,"2,277":802,"2,278":803,"2,279":804,"2,280":805,"2,281":806,"2,282":807,"2,283":808,"2,284":809,"2,285":810,"2,286":811,"2,287":812,"2,288":813,"2,289":814,"2,290":815,"2,291":816,"2,292":817,"2,293":818,"2,294":819,"2,295":820,"2,296":821,"2,297":822,"2,298":823,"2,299":824,"2,300":825,"2,301":826,"2,302":827,"2,303":828,"2,304":829,"2,305":830,"2,306":831,"2,307":832,"2,308":833,"2,309":834,"2,310":835,"2,311":836,"2,312":837,"2,313":838,"2,314":839,"2,315":840,"2,316":841,"2,317":842,"2,318":843,"2,319":844,"2,320":845,"2,321":846,"2,322":847,"2,323":848,"2,324":849,"2,325":850,"2,326":851,"2,327":852,"2,328":853,"2,329":854,"2,330":855,"2,331":856,"2,332":857,"2,333":858,"2,334":859,"2,335":860,"2,336":861,"2,337":862,"2,338":863,"2,339":864,"2,340":865,"2,341":866,"2,342":867,"2,343":868,"2,344":869,"2,345":870,"2,346":871,"2,347":872,"2,348":873,"2,349":874,"2,350":875,"2,351":876,"2,352":877,"2,353":878,"2,354":879,"2,355":880,"2,356":881,"2,357":882,"2,358":883,"2,359":884,"2,360":885,"2,361":886,"2,362":887,"2,363":888,"2,364":889,"2,365":890,"2,366":891,"2,367":892,"2,368":893,"2,369":894,"2,370":895,"2,371":896,"2,372":897,"2,373":898,"2,374":899,"2,375":900,"2,376":901,"2,377":902,"2,378":903,"2,379":904,"2,380":905,"2,381":906,"2,382":907,"2,383":908,"2,384":909,"2,385":910,"2,386":911,"2,387":912,"2,388":913,"2,389":914,"2,390":915,"2,391":916,"2,392":917,"2,393":918,"2,394":919,"2,395":920,"2,396":921,"2,397":922,"2,398":923,"2,399":924,"2,400":925,"2,401":926,"2,403":927,"2,404":928,"2,405":929,"2,406":930,"2,407":931,"2,408":932,"2,409":933,"2,410":934,"2,411":935,"2,412":936,"2,413":937,"2,414":938,"2,415":939,"2,416":940,"2,417":941,"2,418":942,"2,419":943,"2,420":944,"2,421":945,"2,422":946,"2,423":947,"2,424":948,"2,425":949,"2,426":950,"2,427":951,"2,428":952,"2,429":953,"2,430":954,"2,431":955,"2,432":956,"2,433":957,"2,434":958,"2,435":959,"2,436":960,"2,437":961,"2,438":962,"2,439":963,"2,440":964,"2,441":965,"2,442":966,"2,443":967,"2,444":968,"2,445":969,"2,446":970,"2,447":971,"2,448":972,"2,449":973,"2,450":974,"2,451":975,"2,452":976,"2,453":977,"2,454":978,"2,455":979,"2,456":980,"2,457":981,"2,458":982,"2,459":983,"2,460":984,"2,461":985,"2,462":986,"2,463":987,"2,464":988,"2,465":989,"2,466":990,"2,467":991,"2,468":992,"2,469":993,"2,470":994,"2,471":995,"2,472":996,"2,473":997,"2,474":998,"2,475":999,"2,476":1000,"2,477":1001,"2,478":1002,"2,479":1003,"2,480":1004,"2,481":1005,"2,482":1006,"2,483":1007,"2,484":1008,"2,485":1009,"2,486":1010,"2,487":1011,"2,488":1012,"2,489":1013,"2,490":1014,"2,491":1015,"2,492":1016,"2,493":1017,"2,494":1018,"2,495":1019,"2,496":1020,"2,497":1021,"2,498":1022,"2,499":1023,"2,500":1024,"2,501":1025,"2,502":1026,"2,503":1027,"2,504":1028,"2,505":1029,"2,506":1030,"2,507":1031,"2,508":1032,"2,509":1033,"2,510":1034,"2,511":1035,"2,512":1036,"2,513":1037,"2,514":1038,"2,515":1039,"2,516":1040,"2,517":1041,"2,518":1042,"2,519":1043,"2,520":1044,"2,521":1045,"2,522":1046,"2,523":1047,"2,524":1048,"2,525":1049,"2,526":1050,"2,527":1051,"2,528":1052,"2,529":1053,"2,530":1054,"2,531":1055,"2,532":1056,"2,533":1057,"2,534":1058,"2,535":1059,"2,536":1060,"2,537":1061,"2,538":1062,"2,539":1063,"2,540":1064,"2,541":1065,"2,542":1066,"2,543":1067,"2,544":1068,"2,545":1069,"2,546":1070,"2,547":1071,"2,548":1072,"2,549":1073,"2,550":1074,"2,551":1075,"2,552":1076,"2,553":1077,"2,554":1078,"2,555":1079,"2,556":1080,"2,557":1081,"2,558":1082,"2,559":1083,"2,560":1084,"2,561":1085,"2,562":1086,"2,563":1087,"2,564":1088,"2,565":1089,"2,566":1090,"2,567":1091},"ٜ":{"1":[1,547],"2":[1,567]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,51","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,245","1,247","1,248","1,249","1,251","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,307","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,343","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,377","1,378","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,455","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567"],"ٞ":{"5":[1],"8":[2,3,4],"9":[5],"10":[6,7],"11":[8],"13":[9,10],"14":[11,12],"17":[13],"18":[14],"19":[15,16],"22":[17,18,19],"23":[20],"24":[21],"25":[22],"26":[23],"28":[24],"29":[25,26],"30":[27,28,29],"31":[30],"32":[31,32],"36":[33],"38":[34],"39":[35],"40":[36,37],"42":[38,39,40,41],"43":[42],"44":[43,44],"45":[45],"47":[46],"48":[47,48,49],"50":[50],"51":[51],"52":[52],"54":[53],"56":[54],"58":[55],"59":[56],"60":[57],"61":[58],"63":[59],"69":[60],"71":[61],"72":[62,63],"74":[64],"77":[65],"84":[66],"85":[67],"86":[68],"91":[69],"96":[70],"98":[71],"100":[72],"108":[73],"109":[74],"111":[75,76],"112":[77],"113":[78,79],"114":[80],"115":[81],"116":[82,83],"118":[84],"121":[85,86],"123":[87],"129":[88],"131":[89,90],"133":[91],"134":[92],"135":[93],"144":[94],"146":[95],"147":[96,97],"150":[98],"151":[99,100],"156":[101,102],"158":[103],"164":[104],"165":[105],"178":[106,107],"179":[108],"181":[109],"185":[110,111,112],"186":[113],"187":[114,115],"203":[116],"204":[117],"208":[118],"210":[119],"216":[120,121],"217":[122,123,124,125],"218":[126],"219":[127,128],"220":[129],"222":[130],"223":[131],"229":[132],"231":[133],"234":[134],"236":[135],"237":[136],"238":[137,138,139],"239":[140],"240":[141],"241":[142],"242":[143,144],"246":[145,146],"247":[147],"248":[148],"258":[149],"264":[150],"265":[151],"266":[152,153],"267":[154],"270":[155],"271":[156],"274":[157],"275":[158],"277":[159],"278":[160],"279":[161],"281":[162],"282":[163,164,165],"284":[166],"286":[167],"289":[168,169,170],"293":[171,172],"294":[173],"295":[174],"298":[175,176],"299":[177],"300":[178],"307":[179],"309":[180],"314":[181],"318":[182],"319":[183],"322":[184],"323":[185,186],"324":[187],"325":[188],"328":[189],"329":[190],"330":[191,192],"332":[193],"333":[194],"334":[195],"335":[196],"336":[197],"337":[198],"338":[199],"341":[200],"349":[201],"350":[202],"353":[203,204,205],"354":[206,207,208,209],"355":[210],"359":[211],"360":[212,213],"362":[214],"363":[215,216,217],"365":[218],"366":[219],"367":[220],"369":[221],"370":[222],"371":[223,224],"373":[225,226,227],"374":[228,229,230],"375":[231],"376":[232],"378":[233],"379":[234],"382":[235,236],"385":[237,238],"386":[239],"388":[240],"389":[241,242,243,244],"390":[245],"391":[246],"394":[247],"395":[248],"398":[249],"399":[250],"402":[251],"403":[252,253,254],"404":[255,256,257],"405":[258],"408":[259,260],"410":[261,262],"414":[263],"421":[264],"423":[265],"424":[266],"428":[267],"429":[268],"433":[269,270,271],"434":[272],"435":[273],"436":[274],"437":[275,276],"438":[277,278],"440":[279],"442":[280],"444":[281],"447":[282],"448":[283,284,285],"452":[286,287],"455":[288],"458":[289],"467":[290],"468":[291],"471":[292],"474":[293,294],"478":[295,296],"487":[297,298,299],"492":[300],"493":[301],"497":[302],"499":[303],"500":[304,305],"501":[306],"502":[307,308],"503":[309],"505":[310],"509":[311],"510":[312],"515":[313,314],"516":[315,316],"518":[317,318],"522":[319],"523":[320],"524":[321,322],"525":[323],"526":[324,325],"527":[326],"532":[327,328,329],"533":[330,331,332],"534":[333],"535":[334],"540":[335],"545":[336],"547":[337],"549":[338],"552":[339],"558":[340],"559":[341],"562":[342],"564":[343,344],"565":[345],"568":[346],"570":[347,348],"571":[349],"574":[350],"578":[351],"583":[352],"588":[353,354,355,356],"595":[357],"600":[358],"602":[359],"606":[360],"608":[361,362],"616":[363],"618":[364],"619":[365],"624":[366],"631":[367],"635":[368],"636":[369],"637":[370,371],"638":[372],"645":[373],"647":[374],"651":[375],"654":[376],"656":[377],"658":[378],"662":[379],"663":[380,381,382],"670":[383],"672":[384],"674":[385],"678":[386],"679":[387,388],"680":[389],"692":[390],"693":[391],"697":[392],"698":[393],"706":[394],"716":[395,396,397],"727":[398],"728":[399,400],"734":[401,402],"735":[403,404],"738":[405],"743":[406],"764":[407],"765":[408],"767":[409],"768":[410,411],"770":[412],"771":[413,414],"775":[415],"781":[416],"788":[417],"790":[418],"791":[419],"792":[420],"793":[421],"794":[422],"795":[423],"803":[424,425,426],"807":[427],"808":[428],"809":[429],"810":[430],"811":[431],"813":[432],"814":[433],"818":[434],"819":[435,436],"820":[437],"822":[438],"824":[439],"825":[440,441],"827":[442],"828":[443],"831":[444],"832":[445,446],"835":[447],"846":[448],"849":[449],"850":[450,451],"852":[452,453],"856":[454],"863":[455],"866":[456],"867":[457],"869":[458,459],"870":[460],"872":[461],"873":[462],"875":[463],"879":[464],"880":[465,466],"883":[467],"884":[468],"886":[469],"887":[470],"902":[471],"903":[472],"904":[473],"907":[474],"908":[475],"912":[476],"914":[477],"915":[478,479],"917":[480],"921":[481],"923":[482],"924":[483],"926":[484],"927":[485],"928":[486,487,488],"929":[489,490],"930":[491,492],"931":[493],"941":[494],"944":[495,496],"949":[497],"950":[498,499],"951":[500],"954":[501],"956":[502,503],"957":[504],"958":[505],"959":[506],"962":[507],"965":[508],"966":[509,510],"967":[511,512],"969":[513],"974":[514],"975":[515],"980":[516],"982":[517],"984":[518,519],"985":[520],"991":[521],"994":[522],"995":[523,524],"996":[525,526,527],"997":[528],"998":[529],"999":[530,531],"1000":[532],"1002":[533,534],"1003":[535],"1004":[536],"1006":[537],"1012":[538,539],"1023":[540,541],"1027":[542],"1031":[543],"1033":[544,545],"1041":[546],"1057":[547,548],"1058":[549],"1061":[550]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"سلسلة نقد المرويات (٣)\n\nمقارنة المرويات\n\nبقلم\nإبراهيم بن عبد الله اللاحم\n\nالجزء الأول\n\nمؤسسة الريان ناشرون","vol":"1","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"1","page":2},{"text":"مقارنة المرويات","vol":"1","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:\nفهذا هو القسم الثالث من سلسلة نقد المرويات: (مقارنة المرويات)، يصدر الآن في جزأين، يتضمنان ثلاثة أبواب، الباب الأول للمسائل المتعلقة بأهمية جمع الطرق، ومصادرها، وكيف يرتبها الباحث، والتعريف ببعض ما يمر بالباحث من مصطلحات، وإلمامة سريعة بوسائل النقد في عصر الرواية، وهذه كلها مقدمات لا بد أن يدركها الباحث، ويحسن التعامل معها.\nثم بعد ذلك في الباب الثاني القضايا المتعلقة بتفرد الراوي بالحديث، وفي الباب الثالث -وهو أطولها- قضايا الاختلاف، وعلل الأحاديث.\nسرت في هذا القسم على الطريقة السابقة في القسمين الأولين: التعرض لأكبر قدر ممكن من قضايا النقد، والإكثار من ضرب الأمثلة في القضية المعينة، وذكر ما يقع من مخالفات للمنهج الصحيح في النقد في مناسبات ذلك، والحرص على ربط مسائل هذا العلم بعضها ببعض.\nوقد سألني بعض الإخوان ممن قرأ الكتابين الأولين «الجرح والتعديل»، و«الاتصال والانقطاع»، عن منهج تخريج الأحاديث في هذه السلسلة، فبعض الأحاديث يطول تخريجها، وبعضها يقصر، ثم قد يوجد الحديث في مصادر عالية وقد ذكر في التخريج ما هو دونها ولم تذكر، فأحببت أن أوضح ذلك للقارئ.\nفمنهج التخريج -باختصار- يرتكز على الاكتفاء بتخريج الحديث في","vol":"1","page":5},{"text":"قضيته المقصودة عند ذكره، ولا يزاد عليها، فإذا كان المقصود طرق الحديث عن أحد رواته -مثلا-، كان التخريج لهذه الطرق فقط دون ما عداها.\nيضاف إلى ذلك أن هذه الطرق إن كانت في شيء من الكتب الستة و«مسند أحمد»، فيكتفى بها، ولا يزاد عليها، مع الالتزام باستيعاب التخريج منها، وإن كان هناك طرق يحتاج إليها غير موجودة في هذه المصادر السبعة، يكون الخروج إلى غيرها من المصادر، وأذكر منها حينئذ ما يفي بالحاجة.\nوعلى هذا فرب حديث في تخريجه مصادر نازلة، كالطبراني، والبيهقي، ونحوهما، مع أن الحديث موجود في مصادر عالية، مثل «مصنف عبدالرزاق»، و«مصنف ابن أبي شيبة»، و«مسند الحميدي»، وغيرها، والسبب هو ما ذكرته، أن ما في هذه المصادر من طرق موجود في الكتب الستة و«مسند أحمد»، فيكتفى بها، وما في المصادر النازلة غير موجود في هذه المصادر السبعة، فتضاف حينئذ.\nوبهذين الضابطين في منهج التخريج أمكن تفادي إطالة الحواشي، فبها يتضخم الكتاب، وربما ضاع الغرض من التخريج، فعلى القارئ أن ينتبه لهذا حين يريد الاستفادة من التخريج.\nوأود هنا أن أقدم شكري الجزيل للأخوين الفاضلين محمد بن صالح الدباسي، ومحمد بن عبدالله السريِّع، فقد تفضلا بقراءة هذا القسم، وتصحيحه بعد طباعته، ولفتا نظري إلى أشياء مهمة.\nكما أشكر الباحثة الفاضلة الدكتورة سارة بنت عزيز الشهري، فقد كانت","vol":"1","page":6},{"text":"لها يد خفية في إعداد هذا القسم، وقصة ذلك أنها أحسنت الظن بي، فطلبت أن أكون مشرفا على رسالتها للدكتوراه، وموضوعها: «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» جزء من أول الكتاب، فكان في ذلك فائدة كبيرة بالنسبة لي، فقد طورت بحرصها وجدها طريقة الإشراف على الرسائل لدي في جوانب كثيرة.\nوأيضا -وهو المقصود هنا- استفدت من أسئلتها ومباحثاتها معي في إعداد هذا القسم، فكنت أتلمس فيما تسأل عنه وتناقش فيه حاجة الباحث الناظر في طرق الأحاديث والمقارنة بينها، فأضفت قضايا لم تكن موجودة، وأعدت ترتيب بعض القضايا وموضعها في الكتاب.\nثم إنني تلقيت من كثير من الإخوان بعض الملاحظات على الكتابين الأولين، فلهم مني شكري وتقديري، وآمل أن أتلقى منهم ومن غيرهم ما أسدد به هذا الكتاب أيضا، فالمرء قليل بنفسه، كثير بإخوانه.\nأسأل الله تعالى للجميع التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.\nكتبه\nإبراهيم بن عبدالله اللاحم","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>تمهيد</span>\nيقصد بمقارنة المرويات: عرض المرويات بعضها على بعض، والتأمل فيها، وتمييز ما يتفق منها وما يختلف، بغرض الوصول إلى رأي راجح في المتن المروي عنه - ﷺ -، هل يصح ويثبت عنه، أو لا؟ .\nوتتضمن هذه المقارنة وهذا العرض: النظر في طرق الحديث الواحد، وشواهده، وما في الباب من أحاديث أخرى معارضة له، وما يروى عن أحد رواته مما يعارضه ويخالفه، والنظر كذلك في معارضة القرآن له أو موافقته، وأشياء أخرى غير هذه.\nوما ينقل عن غيره - ﷺ - من الصحابة والتابعين، وكذلك الحوادث التاريخية، يطبق عليه هذا المنهج في الجملة، مع اختلاف الأصول التي يحاكم إليها النص موضع الدراسة.\nوالمتأمل في عمل أئمة النقد يرى بوضوح أن نقد المرويات بجميع أبوابه وقضاياه قائم على العرض والمقارنة، فما تقدم في الجرح والتعديل، وفي اتصال الإسناد وانقطاعه، أمكن الوصول إليه بهذه الطريقة، أي أن وضع الراوي في درجته اللائقة به، ومعرفة سماعه ممن فوقه، استخدم النقاد في الوصول إليه مقارنة مروياته فيما بينها، ومقارنة مروياته بمرويات غيره، لكن الذي ظهر لنا هو نتائج تلك المقارنة، وإدراك ذلك له أثره في نقد المرويات بالنسبة للمتأخر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه القضية في أماكن من القسمين السابقين، وتأتي","vol":"1","page":8},{"text":"الإشارة إليها أيضا، فهي قضية في غاية الأهمية، يحسن التأكيد عليها في كل مناسبة.\nوالباحث هناك لا يقوم بمقارنة المرويات للوصول إلى درجة الراوي، ولا إلى سماعه ممن يروي عنه، إلا في النادر جدا، لكونه قد كفي هذا الأمر، ووصلته أحكام جاهزة مبنية على تلك المقارنة.\nأما الآن فالوضع مختلف، فالباحث ليس بصدد معرفة درجة الراوي بصفة عامة، ولا معرفة سماعه ممن فوقه، وإنما غرضه الآن أدق من ذلك، وهو الوصول إلى نتيجة راجحة في حديث الراوي الذي بين يديه بخصوصه، إذ النتيجة هذه لا تتوقف على معرفة رتبة الراوي، وسماعه ممن فوقه، وإنما تتوقف كذلك على النظر في حديثه هذا هل أصاب فيه أو أخطأ؟ وإذا كان قد أصاب فيه فما درجة هذا الحديث؟ وإذا كان قد أخطأ فيه فما درجة هذا الخطأ؟ .\nوعقدة المسألة ترجع إلى أمر في غاية الأهمية، إذا لم يتصوره الباحث ولم يدركه فليدع النقد، وليعلم أنه وقع في هوة تتخطفه الطير، أو تهوي به الريح في مكان سحيق، وهذا الأمر هو أن الأحكام التي أطلقها النقاد على الرواة وعلى سماع بعضهم من بعض، هي أحكام مجملة، لا مانع من وجود ما يخالفها في تفاصيل أحاديث الرواة حديثا حديثا، فالنقاد يوثقون الرواة مع تجويز الخطأ عليهم، بل والنص عليه، فليس هناك أحد معصوم من الخطأ، ويضعفون الرواة، مع تجويز أن يكونوا قد حفظوا بعض حديثهم، وليس هناك من سبيل إلى معرفة الحديث الذي بين يدي الباحث هل هو مما أصاب فيه أو مما أخطأ فيه، إلا بالنظر فيه، والقيام بالمقارنة المشار إليها.","vol":"1","page":9},{"text":"والأمر كذلك بالنسبة للاتصال والانقطاع، فلا يكفي معرفة سماع الراوي ممن فوقه، بل لا بد أن يترجح سماعه ذلك الحديث بعينه منه.\nواتضح مما تقدم أن الغرض من المقارنة، والبحث عن طرق وروايات أخرى للحديث، ليس تقوية الحديث فقط، كما هو مترسخ في أذهان كثير من الباحثين، فيرددون في مقدمات بحوثهم العبارة التالية أو نحوها: فإن كان الإسناد صحيحا اكتفيت به، وإن كان حسنا أو ضعيفا بحثت له عن متابعات وشواهد لتقويته، فهذه عبارة تومئ إلى خلل في منهج البحث، إذ لا يصح أصلا أن يكون غرض الباحث هو التفتيش عما يرفع الضعف، ويجبره، فإن هذه تعد نتيجة قصدها الباحث، كان لها أثرها في حرص كثير من الباحثين على رفع درجة الحديث بالمتابعات والشواهد، فوق أنها تومئ إلى فهم ناقص للغرض الذي من أجله نحتاج إلى جمع الطرق والشواهد، وأحاديث الباب، يضاف إلى ذلك إغفالها أمورا أخرى لا بد من عرض الحديث عليها.\nفالباحث إذن وهو يجمع طرق الحديث وشواهده، وما يلزم النظر فيه، لا يصح أن يكون غرضه محددا، فغرضه الصحيح هو انتظار النتيجة المناسبة في النهاية، وليس البحث عنها، ولو كان هناك نتيجة يصح البحث عنها مسبقا لكانت بضد ما في أذهان هؤلاء الباحثين، ألا وهي البحث عما يضعف الحديث، لأسباب ليس هذا موضع شرحها، ويهمنا منها هنا كلام أئمة النقد، كما في قول عبدالرحمن بن مهدي: «لأن أعرف علة حديث هو عندي، أحب إلي من أن","vol":"1","page":10},{"text":"أكتب حديثا ليس عندي» (^١).\nوفي لفظ له: «لأن أعرف علة حديث هو عندي، أحب إلي من أكتب عشرين حديثا ليس عندي» (^٢).\nولهذا السبب استحب أئمة النقد الإكثار من كتابة الحديث، وكتابة الجميع دون انتقاء وانتخاب، مسند الحديث، ومرسله، مرفوعه وموقوفه، ومقطوعه، وأحاديث الضعفاء، ليعرض بعضه على بعض، فيتبين الصواب من الخطأ.\nقال ابن المبارك: «ما جاء من منتقٍ -يعني منتقي الحديث- خير قط» (^٣).\nوقال أيضا: «ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت» (^٤).\nوقال أيضا: «إذا أردت أن يصح لك الحديث فاضرب بعضه ببعض» (^٥).\nوروى الميموني، قال: «تعجب إلي أبو عبدالله -يعني أحمد بن حنبل- ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا وأكبر، قلت: بينه لي، كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلا وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يرفعه ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم\n_________\n(^١) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١: ١٠.\n(^٢) «معرفة علوم الحديث» ص ١١٢، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٥، وانظر أيضا: ٢: ١٩١.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٨٧.\n(^٤) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٥٦.\n(^٥) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٦.","vol":"1","page":11},{"text":"أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي - ﷺ -، معناه: لو كتب الإسنادين جميعا عرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوة ذا» (^١).\nومراده أن الحديث الواحد يختلف على أحد رواته، فيروى عنه مرة متصلا، ومرة منقطعا، وقد يكون المنقطع أقوى إسنادا إليه، فإذا لم يكتب الإسناد المنقطع وكتب المتصل فقط لم تتبين هذه العلة.\nوذكر أحمد بعض قرنائه في الطلب، ومتى عرفهم، فذكر إسحاق بن راهويه، فقال: «عند عبدالرزاق، وكان ربما انتخب الكتب، ثم أعود أنا فأكتب ما تركه» (^٢).\nوقال يحيى بن معين: «اكتب الحديث خمسين مرة، فإن له آفات كثيرة» (^٣).\nوقال أيضا: «لو لم نكتب الشيء من ثلاثين وجها ما عقلناه» (^٤).\nوقال أيضا: «من لم يكتب حديث معاوية بن سلام مسنده ومنقطعه فليس هو صاحب حديث» (^٥).\nوقال ابن المديني: «الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين لك خطؤه» (^٦).\nوهكذا يقال في فهم الحديث والاستنباط منه، هو بحاجة إلى جمع طرقه\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ٣٩٥، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٩١.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٥٦.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي»، ٢: ٢١٢.\n(^٤) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٨، و«المجروحين» ١: ٣٣، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢١٢.\n(^٥) «الجرح والتعديل» ٨: ٣٨٣.\n(^٦) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢١٢.","vol":"1","page":12},{"text":"ورواياته، كما قال أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا» (^١).\nوالأصل عندهم هو الكتابة عن الراوي جميع ما عنده، ويسمونه الكتابة على الاستيعاب، أو على الوجه، أو على الولاء، وهو بضد الانتخاب والانتقاء، وإنما يحسن الانتخاب والانتقاء في مواضع، وقد لخص الخطيب البغدادي ذلك بقوله: «إذا كان المحدث مكثرا، وفي الرواية متعسرا، فينبغي للطالب أن ينتقي حديثه، وينتخبه، فيكتب عنه ما لا يجده عند غيره، ويتجنب المعاد من رواياته، وهذا حكم الواردين من الغرباء، الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء.\nوأما من لم يتميز للطالب معاد حديثه من غيره، وما يشارك في روايته مما يتفرد به، فالأولى أن يكتب حديثه على الاستيعاب، دون الانتقاء والانتخاب» (^٢).\nواليوم قد ذهب عصر الكتابة والحفظ، ولم يبق إلا البديل عنه، وهو التفتيش عن الطرق والروايات، وأحاديث الباب الموافقة والمخالفة، والنظر فيها، ثم عرض الحديث على أصول أخرى غير الحديث، وهذه القضايا لها وسائل لتحقيقها، ولها أيضا قواعد يسير عليها الباحث.\nوأبواب هذا الكتاب بفصولها الغرض منها شرح كيفية جمع الطرق، وأحاديث الباب، وكيفية عرض المرويات ومقارنتها، وما يحكم ذلك من قواعد\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢١٢.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٥٥.","vol":"1","page":13},{"text":"وضوابط، حرصت فيها على الإكثار من الأمثلة التطبيقية لكل قضية أتناولها، تكون مفتاحا لطالب العلم، ينطلق منها إلى التطبيق على أمثلة أخرى قد تمر به في بحوثه، فإن مجرد التنظير وشرح القواعد والضوابط غير كاف أبدا، فلا بد -بعد معرفتها- من طول الممارسة، والصبر، والأناة، لتتكون لدى الباحث ملكة يستطيع بها معرفة اختلاف الأسانيد واتفاقها، ثم كيفية عرض هذه الأسانيد وهذه الطرق للقارئ، مع فهم كلام النقاد حولها، وحسن الاستدلال به في موضعه، فإن نقد المرويات ذوق يرزقه الشخص إذا أخذ بأسبابه، وهو الذي كان النقاد يعبرون عنه بأنه إلهام أو كهانة (^١)، ويقصدون به أنه مجموعة من المعارف يتم توظيفها في لحظة معينة، للحكم على حديث، وغير المشارك لهم في هذه المعارف لا يتقبل ذهنه ما يصدر عنهم من أحكام، أو ما يسيرون عليه من قواعد.\nفالمطلوب إذن من الناقد للسنة في العصور المتأخرة هو النظر في الطرق، وكثرة الممارسة، وإدمان القراءة في كتب النقاد، ليستطيع مشاركة النقاد في هذا العلم، بالقدر الذي تؤدي إليه الأسباب الممكنة، وهو -كما تقدم- إدراك الاتفاق والاختلاف في الأسانيد، وتشعبها، وعرض الروايات بعضها على بعض، وحسن عرض ذلك وتلخيصه عند الحاجة، مع فهم كلام النقاد، وعدم النفرة منه، ووضعه في مكانه المناسب له، وترتيبه، وشرحه، والاستدلال له، وقد يحتاج الباحث إلى تطبيق قواعدهم وما يسيرون عليه في مواقف لم يجد لهم فيها\n_________\n(^١) انظر: «الجرح والتعديل» ١: ٣٤٩، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠، و«معرفة علوم الحديث» ص ١١٣، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٥.","vol":"1","page":14},{"text":"كلاما، مع الحذر الشديد، ومزيد اليقظة والانتباه.\nقال الخطيب البغدادي: «أشبه الأشياء بعلم الحديث: معرفة الصرف، ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدرهم بلون، ولا مَسٍّ، ولا طراوة، ولا دنس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر، ولا إلى ضيق أو سعة، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج والزائف، والخالص والمغشوش، وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له، والاعتناء به» (^١).\nوقال ابن رجب: «لا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه، كأحمد، وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه، وفقهت نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة - صلح له أن يتكلم فيه» (^٢).\nوقال السخاوي: «الله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا، تفرغوا وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم، وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك -إن شاء الله- معرفة السنن\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٥.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٤.","vol":"1","page":15},{"text":"النبوية، ولا قوة إلا بالله» (^١).\nوالغرض من هذه النقول هنا التأكيد على طول الممارسة، وكثرة المطالعة في كتب النقاد الأوائل، ليستطيع فهم كلامهم، وعدم إنكاره، والسير على طريقتهم.\nوسيأتي في مناسبات عديدة مزيد تأكيد على هذه القضية، وبيان القدر الذي يشارك الباحث فيه أئمة النقد.\n* * *\n_________\n(^١) «فتح المغيث» ١: ٢٧٤.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الباب الأول\nمقدمات في مقارنة المرويات</span>\nوفيه أربعة فصول:\nالفصل الأول: مصادر طرق الأحاديث واختلافها كثرة وقلة.\nالفصل الثاني: مصطلحات في مقارنة المرويات.\nالفصل الثالث: الرسم التوضيحي لأسانيد الحديث.\nالفصل الرابع: النقد في عصر الرواية.","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-14>الفصل الأول\nمصادر طرق الأحاديث واختلافها كثرة وقلة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مصادر طرق الأحاديث.\nالمبحث الثاني: كثرة طرق الأحاديث وقلتها.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>المبحث الأول\nمصادر طرق الأحاديث</span>\nأول ما يذكر في مصادر طرق الأحاديث كتب الرواية الجامعة، وهي التي تعرف بأمّات كتب السنة، مثل الصحاح، والجوامع، والمصنفات، والسنن، والمسانيد، والمستخرجات، وما ألف على شاكلة هذه الكتب تحت مسميات أخر، مثل كتاب الطحاوي «شرح مشكل الآثار»، وكتاب الطبري «تهذيب الآثار»، وغيرها، فهذه كتب ألفت بقصد جمع السنة النبوية، وفق منهج كل مؤلف، وغرضه من تأليف كتابه، فهي إذن المصدر الأساس لطرق الأحاديث.\nويلتحق بهذه الكتب ما ألفه أئمة الحديث على طريقة الإفراد، أي إفراد موضوع معين بالتأليف، ومن أمثلة هذا النوع من المؤلفات: «الصلاة» لأبي نعيم، و«الزهد» لوكيع، ولهناد بن السري، ولأحمد، و«فضائل الصحابة» لأحمد، و«الأدب المفرد»، و«جزء القراءة خلف الإمام» للبخاري، و«الشمائل المحمدية» للترمذي، و«خصائص علي» للنسائي، و«تعظيم قدر الصلاة» للمروزي، و«الأموال» لأبي عبيد، ولابن زنجويه، و«الطهور» لأبي عبيد، و«الدعاء» للطبراني، وكتب ورسائل ابن أبي الدنيا، وغير ذلك كثير جدا.\nويتميز هذا النوع من المؤلفات بكثرة الأحاديث ووفرة طرقها، خاصة منها ما كان موضوع الكتاب فيه ضيقا، إذ المجال رحب للمؤلف ليسوق من الطرق ما يريد، لا سيما إذا تخفف من شرطه، فكتاب (الأدب) في «صحيح البخاري»،","vol":"1","page":21},{"text":"لا يقارن عدد الأحاديث وطرقها فيه بما في كتابه الآخر «الأدب المفرد»، لأن الأول في ضمن كتاب شامل للأدب وغيره، مع نزول شرطه في «الأدب المفرد»، وهكذا كتابه الآخر «جزء القراءة خلف الإمام» فيه من الأحاديث وطرقها ما يفوق بكثير ما في كتابه «الصحيح» مما يتعلق بهذه المسألة.\nوهكذا يقال فيما ألف في هذا العصر -عصر الرواية- من الأجزاء الحديثية التي تجمع أحاديث صحابي واحد، أو راو واحد من رواة الحديث، أو ما ينفرد به راو، أو جمع طرق حديث معين، ونحو ذلك.\nومن مصادر الطرق أيضا ما ألف في عصر الرواية مما له صلة بعلوم أخرى، كالتفسير، والفقه، والعقائد، والتاريخ، والأدب، وغير ذلك.\nففي التفسير يذكر «تفسير الطبري»، و«تفسير ابن أبي حاتم»، و«تفسير سعيد بن منصور».\nوفي الفقه مثل كتاب «الحجة على أهل المدينة» لمحمد بن الحسن، و«الأم» للشافعي، و«الأوسط» لابن المنذر، و«شرح معاني الآثار» للطحاوي، وغيرها.\nوفي العقائد مثل «الشريعة» للآجري، و«السنة» لعبدالله بن أحمد، و«التوحيد» لابن خزيمة، و«الإيمان» لابن منده، و«الأسماء والصفات» للبيهقي، وغيرها.\nوفي التاريخ مثل «سيرة ابن إسحاق»، و«طبقات ابن سعد»، و«تاريخ الطبري».","vol":"1","page":22},{"text":"ومن مصادر الطرق أيضا ما ألف بغرض نقد الراوي أو المروي، ويشمل ذلك شريحة واسعة جدا من الكتب، ابتداء من الكتب الأولى التي كان فيها نقد الراوي والمروي مختلطا، مثل «سؤالات أبي داود لأحمد»، و«مسائل أبي داود عن أحمد»، و«العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية عبدالله، ورواية المروذي، و«تاريخ الدوري عن ابن معين»، و«سؤالات ابن الجنيد لابن معين».\nثم الكتب المخصصة لنقد المرويات، وهي التي عرفت بكتب العلل، مثل «علل ابن المديني»، و«علل الترمذي الكبير»، و«علل ابن أبي حاتم»، و«علل الدارقطني».\nوالكتب المخصصة للرواة أنفسهم، مثل «التاريخ الكبير»، و«التاريخ الأوسط» وهما للبخاري، و«الضعفاء» للعقيلي، و«الكامل» لابن عدي، و«المجروحين» لابن حبان.\nويدخل في هذه الكتب تواريخ البلدان، مثل «تاريخ واسط» لبحشل، و«تاريخ جرجان» للسهمي، و«تاريخ أصبهان» لأبي نعيم، و«تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي.\nويدخل فيها أيضا معاجم الشيوخ، مثل «معجم شيوخ الإسماعيلي»، و«المعجم الأوسط»، و«المعجم الصغير» للطبراني، وغيرها.\nوخلاصة ما تقدم أن كل كتاب مما ألف في عصر الرواية فهو مصدر أصيل، يحتاجه الباحث، لا غنى له عنه.","vol":"1","page":23},{"text":"ثم نأتي إلى<span data-type='title' id=toc-17> المصادر الفرعية، وهي التي ألفت بعد عصر الرواية</span>، أي بعد أن تحولت الرواية إلى رواية مصنفات من تقدم، وهي مصادر واسعة جدا، مثل كتب ابن الجوزي، وابن عساكر، وعبدالغني المقدسي، وابن تيمية، والذهبي، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، والعراقي، وابن الملقن، وابن حجر، سواء ما كان منها يروي فيه مؤلفه أحاديثه بالأسانيد، أو مما حذفت أسانيده.\nفهذا النوع من المصادر هو أيضا مورد معين لطرق الأحاديث، يحتاجه الباحث، لا يستغني عنه، فقد حفظت هذه المصادر كثيرا من الأسانيد التي فقدت مصادرها الأصلية، فكتاب «المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية» لابن حجر حفظ أسانيد كثيرة لمسانيد مفقودة الآن، مثل «مسند مسدد»، و«مسند العدني».\nثم هناك جانب آخر مهم جدا يبرز أهمية هذه المصادر البديلة، وهي أنها تارة تكون نسخا أخرى لمصادر أصلية وصلت إلينا، فيوجد فيها أسانيد ليست في المصادر الأصلية، كما يستفاد منها حين يكون هناك إشكال في أسانيد الأحاديث أو متونها، فكم من إسناد في مصدر أصلي تم تصويبه من «تحفة الأشراف» للمزي، أو من «إتحاف المهرة» لابن حجر.\nوفي الكلام على مصادر الأحاديث وطرقها أنبه على عدد من الأمور:\nالأول: يتساءل كثير من الباحثين عن الطريقة المثلى للوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها، والتأكد من أن الباحث لم يفته شيء منها.","vol":"1","page":24},{"text":"والإجابة عن هذا التساؤل قد تبدو ظاهرة في الوقت الحاضر، فالحاسب الآلي قد تكفل بذلك كله، خاصة بعد التوسع في إدراج المصادر المفهرسة، وشمولها للمخطوطات أيضا، فقد قضى الحاسب الآلي ببرامجه المتنوعة على الطرق القديمة، مثل «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي»، و«مفتاح كنوز السنة»، و«تحفة الأشراف»، وغيرها من كتب الفهرسة.\nوهذه الإجابة لا إشكال فيها، فلا أحد ينكر الثمرة التي جناها الباحثون من الحاسب الآلي وبرامجه، فاختصرت الوقت والجهد، ولا زالت الجهود مستمرة لإخراج برامج أكثر دقة وأوسع نطاقا.\nوفي رأيي أن الباحث مع وجود هذه الخدمة لا يستغني عن الجرد المباشر للمصادر، فالبحث عن الطرق يختلف اختلافا جذريا عن مجرد تخريج متن حديث، فطرق الأحاديث ربما ذكرت في بعض المصادر دون ذكر متنها، أو مع ذكر طرف من المتن قد لا يكون هو الذي مع الباحث، وربما اعتاض المؤلف أو السائل عن سرد المتن بذكر موضوع الحديث، وقد يأتي الطريق في أثناء طرق حديث آخر، يشير إليه المؤلف لغرض استوجب ذلك.\nوكل هذا موجب -فيما أرى- لقيام الباحث بالجرد المباشر للمصادر، خاصة ما كان منها ليس المقصود منه الرواية كالسؤالات، وكتب العلل، وكتب النقد بصفة عامة.\nثم ههنا أمر آخر، وهو أن برامج الحاسب الآلي قد تكون خالية من حواشي","vol":"1","page":25},{"text":"الكتب، وفي هذه الحواشي فوائد يحتاجها الباحث، ومنها ما يتعلق بجمع الطرق، فيكون المحقق قد قام بتخريج الحديث، وذكر شيئا من مصادر طرقه، وقد ينبه المحقق على أشياء في نسخ الكتاب المخطوطة هي من غرض الباحث.\nومما يجدر ذكره هنا في وسائل جمع طرق الحديث تلك الجهود العظيمة التي قام بها عدد من الباحثين في رسائلهم العلمية، للماجستير، أو للدكتوراه، خاصة ما كان منها يستلزم التوسع في جمع الطرق، وهي التي يكون موضوعها أحاديث معللة، فهي -بلا جدال- وسيلة هامة بالنسبة للباحث، تساعده في سرعة إنجاز عمله، وفي توسعه في جمع الطرق.\nومما ينبه عليه الباحث المتخصص في السنة النبوية أن يدرك تمام الإدراك أن أي وسيلة يستخدمها تساعده في الوصول إلى طرق الأحاديث في مصادرها لا ينبغي أن تتجاوز كونها وسيلة توصله إلى مقصوده، فإذا أوصلته انتهى المطلوب منها، وبقي عليه جهده في تأمل ما في المصدر، فلا يقلد تلك الوسيلة في شيء مما يتعلق بالنظر في الحديث، لا في إسناده، ولا في متنه، فالباحث هو المسؤول الأول عن كل شيء يثبته في بحثه، ومن دله على موضع طريق لحديثه وقفت مهمته عند هذا الحد.\nوالوسائل قد تخطئ في عزو طريق، أو في صفته، أو في صلته بالحديث، وغير ذلك، فلا حجة للباحث إذا قلدها، وعليه أن يستحضر أن توافر وسائل الدلالة على مواضع الطرق وإن كان قد اختصر الوقت والجهد، لكنه أضاف","vol":"1","page":26},{"text":"أعباء كثيرة على الباحثين، فالوصول إلى المعلومة جزء أولي من مهمة الباحث، والجهد الأكبر هو في التعامل مع هذه المعلومة، وسهولة الوصول إلى طرق الأحاديث وسع جدا من دائرة نظر الباحث، وزاد من أعبائه، فالتعامل مع طرق الأحاديث -قبل النظر فيها من جهة قواعد الحكم على الحديث- هو بحد ذاته فن يحتاج إلى دربة ومران، وسيأتي لذلك فصل خاص به، وهو الفصل الثالث من هذا الباب.\nثم على الباحث أن يستحضر أيضا سعة مصادر طرق الأحاديث وتنوعها، فمن المحتمل جدا أن يفوت الباحث شيء من أسانيد حديثه، رغم وجود ذلك فيما وصل إلينا من كتب ومؤلفات، فعليه أولا أن يلتمس العذر لغيره ممن فاته شيء من ذلك، ثم هو يكون سريع الاستحضار لأحاديثه التي يبحث فيها، فإذا وقف على طريق -ولو بعد حين- ألحقه بمكانه، واستفاد منه، فهكذا كان نقاد المرويات، يسير نقدها في عروقهم، وهي شغلهم الشاغل، كما قال علي بن المديني: «ربما أدركت علة حديث بعد أربعين سنة» (^١).\nالأمر الثاني: تبين من عرض مصادر طرق الأحاديث سعة دائرة هذه المصادر، وتنوعها، بما لا يمكن الإحاطة به، فإذا ضممنا إلى ذلك حال هذه المصادر، من جهة روايتها عن مؤلفيها، وأن الكتاب الواحد مثل «صحيح البخاري»، و«سنن أبي داود»، و«سنن النسائي الكبرى»، يكون له عدة روايات عن مؤلفه.\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٧.","vol":"1","page":27},{"text":"ثم هذه الروايات مَرَّ عليها عصور متعاقبة، فصار لكل منها في بعض الأحيان فروع من الروايات، ولكل فرع نسخ متعددة.\nوضممنا إلى ذلك كله حفظ هذه المصادر إلى زماننا هذا، أو فقدانها، ثم تنوع الموجود منها ما بين مخطوط ومطبوع، وتعدد طبعات الكتاب الواحد أحيانا، ومنها الطبعة الجيدة المحققة، والطبعة الرديئة.\nإذا عرفنا ذلك كله -وغيره مما يتعلق بهذه المصادر- أدركنا بسهولة أن أحوال هذه المصادر من الجهات المتقدم ذكرها قد شكل علما مستقلا برأسه، يتفاوت فيه الباحثون جدا، فنحن بأمَسِّ الحاجة إلى من يولي عنايته هذا الأمر، ويخصص فيه قراءاته وبحوثه، ويكون فيه مرجعا للباحثين.\nوأكثر من ذلك أن بعض مصادر السنة يمكن أن تحتمل من يتخصص فيها، فلو أخذنا -مثلا- «صحيح البخاري»، أو «موطأ مالك»، أو «سنن أبي داود» لرأينا ما يتعلق به من الجهات المتقدمة ما يحتمل أن يتوجه له بعض الباحثين، ويتخصص فيه.\nولا شك أن هناك جهودا قد بذلت لحصر مطبوعات المصادر والمؤلفات في السنة النبوية، وصدرت كتب في ذلك، كما أن هناك بعض الفضلاء من الباحثين له اهتمام بالمصادر، وما يتعلق بها من أحوال، غير أن الحاجة -فيما أرى- فوق ذلك بكثير، وفي الأقسام العلمية في الجامعات -وهذا مما يؤسف له- عزوف عن التوجه إلى هذا النوع من البحوث.","vol":"1","page":28},{"text":"الأمر الثالث: من مصادر المرويات -وهذا قليل- ما لا يصح عمن نسب إليه، وقد تصح نسبته إليه لكنه في نفسه متهم بالكذب، مثل «المسند» المنسوب للإمام زيد بن علي، فراويه عن زيد هو عمرو بن خالد الكوفي الواسطي، وهو متروك يضع الحديث، أطبق أئمة النقد على تكذيبه، ومما قيل فيه قول وكيع: «كان في جوارنا يضع الحديث، فلما فطن له تحول إلى واسط» (^١)، وقال أحمد: «كذاب، يروي عن زيد بن علي، عن آبائه أحاديث موضوعة، يكذب» (^٢).\nو«مغازي الواقدي»، فالواقدي نفسه -واسمه محمد بن عمر- أخباري مشهور، وهو متروك الحديث عند أئمة النقد، وصرح بعضهم بأنه يضع الحديث.\nو«مسند الربيع بن حبيب»، والربيع هذا نكرة لا يعرف.\nو«المجالسة» للدينوري، وهو كتاب كبير جدا، ومؤلفه أحمد بن مروان الدينوري المالكي، وثقه مسلمة بن قاسم، وأما الدارقطني فقال فيه: «هو عندي ممن كان يضع الحديث» (^٣).\nو«تنوير المقباس من تفسير ابن عباس»، هو من رواية صالح بن محمد الترمذي، عن محمد بن مروان السدي، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والثلاثة الأولون كلهم متروكون، رموا بوضع\n_________\n(^١) «الكامل» ٥: ١٧٧٤.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٣: ٢٦٩.\n(^٣) «لسان الميزان» ١: ٣١٠.","vol":"1","page":29},{"text":"الحديث، وقد جمع هذا التفسير في وقت متأخر، جمعه الفيروزآبادي من كتب التفسير التي تورد تفسير ابن عباس بهذا الإسناد.\nوقد سئل أحمد عن تفسير الكلبي فقال: «من أوله إلى آخره كذب، فقيل له: يحل النظر فيه؟ قال: لا» (^١).\nوهذه الكتب السابقة كلها مطبوعة، ويتساءل كثير من الباحثين عن التخريج منها والعزو إليها، وهذه صفتها، والجواب أن هذه المصادر تعامل معاملة الأسانيد التي فيها رواة متهمون، ثم يبين حالها، كما يخرج الباحث حديثا من «سنن ابن ماجه»، أو من «المعجم الأوسط» للطبراني، أو من «الكامل» لابن عدي، وفيه من نسب إلى الكذب والوضع، ثم يبين حاله، فكذلك هنا، يبين حال المؤلف أو من في الطريق إليه من رواة إسناده، فلا فرق بين تخريج حديث من «سنن ابن ماجه» في إسناده عمرو بن خالد المذكور -وقد أخرج له ابن ماجه-، ثم بيان حال عمرو، وبين تخريج حديث من «مسند زيد بن علي»، ثم بيان حال عمرو.\nوالذي يخشى منه أن يدع الباحث المؤلف ومن قبله، ويبدأ بنقد الإسناد بعده، اعتمادا على أنه وجد الإسناد في كتاب.\nوالأمر ذاته يجري في المؤلفين ومن يروي عنهم، وإن لم يصل الكلام فيهم إلى حد الترك، والرمي بالكذب، كأن يكون المؤلف أو من يروي عنه فيه ضعف، فيحتاج الباحث إلى نقد الإسناد به.\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٦٣.","vol":"1","page":30},{"text":"الأمر الرابع: ذكرت في تمهيد هذا الباب أن البحث عن طرق الأحاديث في مصادر السنة هو البديل عن كتابة الأسانيد في عصر الرواية، وحفظها، وأنبه هنا إلى أنه ليس المقصود بهذا أنه بمنزلته، فمن قام بجمع الطرق فهو مثل أئمة النقد في الرواية، كلا -والله- فلا يقاربه ولا يدانيه، لأسباب عديدة، منها أن وجود الحفاظ النقاد في زمن الرواية قد منحهم وسائل خاصة بهم، لا يمكن للمتأخرين مجاراتهم فيها كما سيأتي في الفصل الرابع من هذا الباب.\nومنها أن كثيرا مما ألف في السنة النبوية لم يصل إلينا، سواء ما ألف في جمع السنة، أو في نقدها، خاصة ما يتعلق بالنقد، ومقارنة المرويات، فإن أكثره مفقود (^١)، وما أكثر ما يذكر النقاد وجوها وأسانيد معلقة، ولا يقف عليها الباحث بعد جهد وتعب، وسيأتي نماذج لذلك في ثنايا هذا الكتاب.\nوإنما كان البحث في المصادر الموجودة هو البديل لأنه هو الممكن، والباحث بعد تتبعه للطرق، وتفتيشه عنها، وجمعها، يعتمد -بعد اعتماده على الله تعالى- على من تهيأت لهم الأسباب، وهم أئمة النقد وحفاظه، متمما لعملهم، مستحضرا للقدر الذي هو فيه، وللوسائل الممكنة له، وسيمر بنا التأكيد على هذا في مناسباته.\nومن جانب آخر لا ينبغي أن يفهم من الحث على جمع الطرق، والتنقيب الشديد عنها في مصادرها أنه حث على التطويل في التخريج، ودراسة الأسانيد،\n_________\n(^١) انظر: «الأحاديث التي أعلها البخاري في التاريخ الكبير» لعادل الزرقي، ص ٤٢ - ٤٧.","vol":"1","page":31},{"text":"هكذا بإطلاق، فليس هذا هو المقصود، إذ الكلام السابق هو فيما ينظر فيه الباحث، أما القدر الذي يثبته في بحثه فالحديث عنه له مجال آخر، ففي النية إفراده بباب خاص، أتعرض فيه لكيفية عرض التخريج والدراسة.\nوهذه قضية طالما تكرر بحثها بين المنتسبين لتخصص السنة، وبين غيرهم، بل يجري بحثها بين المتخصصين أنفسهم، إذ يتوقف بعض الباحثين في قضية التوسع في جمع الطرق، وفي التخريج، وربما ألحقه بعضهم بما يعرف بـ (الترف العلمي).\nوأوضح هنا أن التوسع الذي يرغب فيه حيث يكون الحديث بحاجة لذلك، والمقام يناسب التخريج الموسع، سواء بالنسبة لخاصية موضوع البحث، أو بالنسبة للباحث، وحاجته إلى التدرب، وسأوضح هذا بجلاء في الباب الذي وعدت به، وهو باب عرض التخريج والدارسة.\nوههنا أمر لا بد من الإشارة إليه، وهو أن قضية التوسع في التخريج، وجمع الطرق من الكتب المشهورة، وغير المشهورة، هو الآن متعين أكثر منه فيما مضى، لسبب في غاية الأهمية، وهو أن جماعة ممن يعتمد على ظواهر الأسانيد، أولعوا في العصور المتأخرة بالبحث عن الطرق، والتفتيش عنها في الكتب والأجزاء، حتى إذا ظفروا بإسناد -في أي مصدر كان-، اعتمدوا عليه، وصححوه، أو عضدوا به غيره، واغتر كثير من الناس بهؤلاء، وظنوا ما فعلوه فتحا في الإسلام، يناقشك الشاب بكل ثقة وجرأة، بأن الشيخ الفلاني توسع في الطرق وجمعها مما لم يصل إليه أحمد، وابن معين، فأحكامه أقرب إلى الصواب، فكان من الواجب على أهل","vol":"1","page":32},{"text":"التخصص العودة إلى النقطة التي بدأ منها النقاد الأوائل، وبيان حقيقة هذه الطرق التي يقف عليها فلان وفلان، فلو لم يكن في جمع الطرق من قبل الباحث المتخصص الذي ينظر إليها وفق منهج النقاد الأوائل، إلا هذه الفائدة، لكانت كافية، فكيف وفي جمع الطرق فوائد أخرى جليلة، تظهر لمن مارس هذا العلم، ويأتي شيء منها في ثنايا هذا الكتاب.\nوفي الجملة فإن من ينكر التوسع في جمع الطرق بإطلاق، هم في الغالب لا يحسنون جمعها، ولا الاستفادة منها والنظر فيها، ومن جهل شيئا أنكره، وعسى أن يكون في هذا الكتاب وأمثاله ما يجلي الحقيقة، ويرشد إلى الصواب، والله الموفق.\n* * *","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>المبحث الثاني\nكثرة طرق الأحاديث وقلتها</span>\nالأحاديث ليست على نمط واحد في كثرة الطرق وقلتها، سواء عن صحابي الحديث، أو عن كل راو بعينه، وهذه بعض الأمثلة التي توضح ذلك وتشرحه.\nالمثال الأول:\nقال الترمذي: حدثنا عبدالأعلى بن واصل، حدثنا الحسين بن عطية، قال: حدثنا أبو عاتكة، عن أنس بن مالك قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: نعم» (^١).\nانفرد بإخراجه الترمذي، ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي (^٢).\nالمثال الثاني:\nحديث أبي هريرة: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».\nرواه أحمد، عن محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة (^٣)، قام باحث بدراسة هذا الإسناد، وحكم عليه\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٧٢٦).\n(^٢) «التحقيق في أحاديث التعليق» ٢: ٩٠، وينظر: «تنقيح التحقيق» ٢: ٣١٦، و«زوائد السنن الأربع على الصحيحين في كتاب الصيام» لعمر المقبل ٢: ٥٧٥.\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٢٣٢.","vol":"1","page":34},{"text":"بحكمه الأولي، ثم قام بجمع طرق الحديث.\nالطرق الأخرى للحديث كثيرة، لكن كلها ترجع إلى محمد بن فضيل، لم يجد الباحث طرقا أخرى تصله بعمارة بن القعقاع، ولا بأبي زرعة، ولا بأبي هريرة.\nفقد وجد الباحث طرقا تصله بطبقة واحدة وهي الطبقة الأولى التي فيها أحمد، فقد رواه معه عن محمد بن فضيل رواة كثيرون، منهم زهير بن حرب، وقتيبة بن سعيد، وأحمد بن إشكاب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، وأبو كريب محمد بن العلاء، ويوسف بن عيسى، وعلي بن المنذر، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم (^١).\nفهذه الطرق كلها تعود إلى محمد بن فضيل.\nالمثال الثالث:\nروى أحمد، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري، حديث: «رأيت النبي - ﷺ - يدعو بعرفة هكذا، ورفع يديه حيال ثندوته، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦٤٠٦)، (٦٦٨٢)، (٧٥٦٣)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٦٩٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٤٦٧)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٦٦٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٨٠٦)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ٢٨٨، ١٣: ٤٤٩، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٠٩٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٨٣١)، (٨٤١)، و«الدعاء» للطبراني حديث (١٦٩٢)، و«حلية الأولياء» ١٠: ٤٠٠، و«الأسماء والصفات» ص ٤٩٩، و«شعب الإيمان» حديث (٥٩١)، و«تحفة الأشراف» ١٠: ٤٤٣.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١٤، ٩٦.","vol":"1","page":35},{"text":"خرجه أحد الباحثين، فوجد أن ابن أبي شيبة قد رواه عن حسن بن موسى، كما رواه أحمد، وأن عددا من الرواة قد رووه عن حماد بن سلمة مع حسن بن موسى، منهم: روح بن عبادة، ويونس بن محمد، وعفان، وأبو داود الطيالسي، وعلي بن الجعد (^١)، ولم يقف على طريق آخر إلى بشر بن حرب غير طريق حماد بن سلمة، ولا إلى أبي سعيد غير هذا الطريق.\nالمثال الرابع:\nروى أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبدالرحمن السدي، عن يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن أنس بن مالك: «أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرا، قال: أهرقها، قال أفلا نجعلها خلا؟ قال: لا» (^٢).\nروى الحديث مع أحمد عن وكيع: ابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، ورواه مع وكيع، عن سفيان الثوري: عبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وقبيصة، والفريابي، وأبو داود الحفري، وغيرهم، ورواه عن إسماعيل السدي، مع سفيان الثوري: إسرائيل بن يونس، وقيس بن الربيع، ورواه عن يحيى بن عباد، مع السدي: ليث بن أبي سليم (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ١٣، ٨٥، ٩٦، و«مسند الطيالسي» حديث (٢١٧٤)، و«الجعديات» حديث (٣٣٦٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ٢٨٧، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٧٧.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١١٩، ١٨٠.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٩٨٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٦٧٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٢٩٣ - ١٢٩٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٦٠، و«مصنف بن أبي شيبة» ٨: ٢٠٢، و«الأموال» لأبي عبيد حديث (٢٨٢)، و«سنن الدارمي» حديث (٢١١٥)، و«المنتقى» حديث (٨٥٤)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٤٠٤٥)، و«مسند أبي عوانة» ٥: ٢٧٤ - ٢٧٥، و«سنن الدارقطني» ٤: ٢٦٥، ٢٦٦، و«سنن البيهقي» ٦: ٣٧.","vol":"1","page":36},{"text":"فهذا الحديث وجد له الباحث طرقا أخرى إلى جل رواة الإسناد، فوجد الباحث لهذا الحديث طرقا إلى وكيع في الطبقة الأولى، وإلى سفيان الثوري في الثانية، وإلى السدي في الثالثة، وإلى يحيى بن عباد في الرابعة، وبقي أنس بن مالك لم يقف الباحث على طريق آخر إليه غير طريق يحيى بن عباد.\nالمثال الخامس:\nروى أحمد عن بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: «كان النبي - ﷺ - قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد …» الحديث (^١).\nورواه مع أحمد، عن بهز بن أسد: عبدالله بن هاشم، ورواه مع بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار: عمر بن يونس الحنفي، وأبو الوليد الطيالسي، والنضر بن محمد، وأبو حذيفة موسى بن مسعود، ورواه مع عكرمة، عن إسحاق بن عبدالله: همام بن يحيى، ورواه مع إسحاق، عن أنس: ثابت البناني، ويحيى بن سعيد الأنصاري (^٢).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ١٩١.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢١٩ - ٢٢١)، (٦٠٢٥)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٨٤ - ٢٨٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٤٨)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣ - ٥٥)، و«مسند أحمد» ٣: ١١١، ١١٤، ١٦٧، ٢٢٦، و«مسند أبي عوانة» ١: ٢١٤ - ٢١٥، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٤٠١)، و«سنن البيهقي» ٢: ٤١٢ - ٤١٣، ١٠: ١٠٣.","vol":"1","page":37},{"text":"هذه أحاديث مختلفة بالنسبة لوقوف الباحث على طرق أخرى إلى رواة إسناده الأصل، وهناك احتمالات أخرى للأحاديث، فقد يقف الباحث على طرق أخرى تصله بالطبقة الأولى والثانية، ثم لا يجد في الثالثة شيئا، ثم يعود فيقف على طرق تصله بالطبقة الرابعة، وهكذا.\nوالمهم هنا معرفة أن عدد الطرق في كل طبقة يختلف من حديث لآخر، ولا يمكن أن ينضبط هذا الأمر، وكل باحث مسؤول عن نتيجة بحثه بالنسبة لعدد الطرق التي يذكرها في دراسته للحديث، ويختلف هذا من باحث لآخر، فلو قال الباحث مثلا: لم أقف على هذا الحديث إلا بهذا الإسناد - لا يلزم أن يكون ذلك هو واقع الحال، فقد يقف باحث آخر على إسناد آخر، أو ربما أسانيد أخر، فجمع الطرق من أهم القضايا التي يظهر فيها الاختلاف بين الباحثين قوة وضعفا، ومعنى هذا أن الباحث لا ينبغي له التسليم بما يقوله الآخرون، فكم ترك الأول للآخر.\nذكر أحد الباحثين ما أخرجه أحمد، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، وعبدالله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة …» الحديث (^١)، وقال في تخريجه بعد\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٤١٢.","vol":"1","page":38},{"text":"أن ذكر أن رجاله ثقات، وأن فيه انقطاعا بين عون، وابن مسعود: «لم أقف عليه في غير هذا الموضع» (^١).\nوللحديث طريق آخر إلى عون بن عبدالله، فقد رواه المسعودي، عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود، وقيل عن المسعودي بإسقاط أبي فاختة (^٢)، وجاء من طريق القاسم بن عبدالرحمن، عن ابن مسعود (^٣).\nوذكر باحث آخر ما رواه الترمذي عن يحيى بن أكثم، عن عبدالعزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم -يعني تجير على المسلمين-» (^٤)، واكتفى بتخريجه من «العلل الكبير» للترمذي أيضا (^٥).\nوالحديث رواه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن عبدالعزيز بن أبي حازم بلفظ: «يجير على المسلمين أدناهم» (^٦)، وكذا رواه سليمان بن بلال، عن كثير بن زيد، لكن قال: «يجير على أمتي أدناهم» (^٧)، ورواه أبو صالح، عن أبي هريرة\n_________\n(^١) وانظر أيضا حاشية «مسند أحمد» ٧: ٣٢ حديث (٣٩١٦) تحقيق الأرنؤوط.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ٣٢٩، و«المعجم الكبير» حديث (٨٩١٨)، و«المستدرك» ٢: ٣٧٧.\n(^٣) «الدعاء» لمحمد بن فضيل حديث (٥١).\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (١٥٧٩).\n(^٥) «العلل الكبير» ٢: ٦٧٦.\n(^٦) «الكامل» ٦: ٢٠٨٨، و«المستدرك» ٢: ١٤١، و«سنن البيهقي» ٩: ٩٤.\n(^٧) «مسند أحمد» ٣: ٣٦٥.","vol":"1","page":39},{"text":"بلفظ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» (^١)، فيظهر أن يحيى بن أكثم رواه بالمعنى، والحديث واحد.\nويشار هنا إلى أنه ليس كل من ترك طرقا للحديث لم يذكرها فهو مقصر، أو محل لأن يستدرك عليه، فذكر طرق الحديث يخضع لمنهج الباحث الذي التزم به واختاره ليناسب موضوع بحثه، وكذلك حاجة الحديث الذي يبحث فيه، وهكذا يقال في عدد الطرق التي يوردها، يخضع كذلك لمنهجه الذي اختطه لنفسه، ولحاجة الحديث الذي بين يديه.\nوسيأتي الحديث عن هذه القضايا وما يتعلق بها في باب خاص، وهو المتعلق بكتابه التخريج والدراسة، يسر الله تعالى الوصول إليه.\n* * *\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٣٧١)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٦٥.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>الفصل الثاني\nمصطلحات في مقارنة المرويات</span>","vol":"1","page":41},{"text":"هناك مصطلحات كثيرة تستخدم في مقارنة المرويات، يأتي بعضها في مباحثه الخاصة، ولكن هناك مصطلحات يكثر دورانها ولا تختص بقضية معينة، ومن هذه المصطلحات:<span data-type='title' id=toc-36> المدار</span>، والوجه، والمتابعة، والشاهد.\nفأما المدار فهو راو تدور عليه أسانيد أحاديث معينة، أو أسانيد حديث واحد، ومعنى دورانها عليه أنها كلها تجتمع عنده، وترجع إليه.\nفلو نظرنا في حديث أبي هريرة الماضي في الفصل السابق، وهو حديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان …» لوجدنا أن له طرقا كثيرة، كلها ترجع إلى أحد رواة الإسناد، وهو محمد بن فضيل، ومن محمد إلى أبي هريرة إسناده واحد، فنقول عن محمد بن فضيل: عليه مدار طرق حديث أبي هريرة.\nوحديث أنس: «أن أبا طلحة سأل النبي - ﷺ - عن أيتام ورثوا خمرا …»، له طرق في طبقاته الأولى، حتى وصل الحديث إلى يحيى بن عباد راويه عن أنس، فلم يشاركه أحد في الرواية عن أنس، فيحيى بن عباد إذن يقال عنه إنه مدار حديث أنس هذا.\nوحديث أنس: «كان النبي - ﷺ - قاعدا في المسجد، إذ جاء أعرابي فبال في المسجد …»، له أيضا طرق في جميع طبقاته، فمداره إذن هو صحابيه أنس بن مالك.\nفإن لم يكن للحديث سوى إسناد واحد فليس له حينئذ مدار.\nوما تقدم هو المدار المطلق، ومعناه أن الحديث كل طرقه ترجع إلى صاحب المدار، ولا يخرج عن هذا الإطلاق شيء، وفي المقابل هناك مدارات نسبية، ليس","vol":"1","page":43},{"text":"لها ضابط معين، فالمدار بالنسبة لشيء معين، كأن يكون أحد رواة الإسناد، فلو افترضنا مثلا أن هناك حديثا عن ابن عمر، ورواه عن ابن عمر جماعة، كسالم ابنه، ونافع، وعبدالله بن دينار، وسالم يرويه عنه الزهري فقط، ومن الزهري تفرعت الأسانيد، فنقول حينئذ عن إسناد سالم: مداره على الزهري، وهكذا في إسناد نافع لو تفرد بالحديث عنه مالك، فهذا كله مدار نسبي، وإلا فأصل الحديث مداره المطلق صحابيه، وهو ابن عمر.\nومثل هذا يقال في المصادر، فلو كان للحديث راو واحد تعود إليه الأسانيد في مصادر مخصوصة، كـ «الصحيحين»، أو الكتب الستة، فيقال: هذا الحديث أخرجه الشيخان، ومداره عندهما على فلان، أو أخرجه الستة، ومداره عندهم على فلان، وقد يكون له طرق أخرى خارج هذه الكتب.\nوكذلك قد يكون لبعض الحديث مدار، فيروي الحديث جماعة، وينفرد واحد منهم بلفظة فيه، يرويها عنه جماعة، فيقال: زيادة كذا مدارها على فلان، وإن كان قد توبع في بقية الحديث.\nوكذلك قد يشتهر الحديث عن راو، فيعبر عنه بأنه مداره، مع وجود متابعات له تحتاج إلى نظر، كما في قول الحاكم عن حديث صفوان بن عسال في طلب العلم: «ومدار هذا الحديث على حديث عاصم بن بهدلة، عن زر …، وله عن زر بن حبيش شهود ثقات غير عاصم بن بهدلة، فمنهم المنهال بن عمرو …» (^١).\n_________\n(^١) «المستدرك» ١: ١٠٠.","vol":"1","page":44},{"text":"وفي كثير من الأحيان يجتمع في الحديث الواحد مدار مطلق ومدار نسبي، أو مدارات نسبية، وتصور ذلك بعدما تقدم أمر سهل.\nوأما<span data-type='title' id=toc-38> الوجه </span>فهو عبارة عن الطريق، فيقال: أخرجه فلان من هذا الوجه، أي من هذا الطريق، وهذا الحديث قد روي عن النبي - ﷺ -، أو عن أبي هريرة، أو عن الزهري -مثلا- من وجوه كثيرة، أي من طرق كثيرة، وروي عنه من غير وجه، أي من أكثر من طريق (^١)، والوجه بهذا المعنى يكون مسبوقا بحرف (من).\nويستخدم الوجه مسبوقا بحرف (على)، فيقصد به حينئذ صفة للإسناد أو المتن بعد المدار، فيقولون: روي هذا الحديث عن فلان على وجهين، أو ثلاثة، أو أربعة، أو اختلف فيه على أوجه كثيرة، فالمقصود به صفة جاء عليها الإسناد أو المتن بعد المدار.\nوربما استخدم بعض الأئمة من متأخري عصر الرواية أحيانا في الاختلاف في الإسناد خاصة الوجه مسبوقا بحرف (من)، فيقولون: اختلف على فلان من وجوه، والخطب سهل، والأحسن هو ما ذكرته أولا، والله أعلم.\nوأما<span data-type='title' id=toc-40> المتابعة </span>فهي إسناد آخر للحديث عن أحد رواته، فإذا وقف الباحث على إسناد آخر للحديث عن أحد رواته، فمعنى ذلك أن الراوي الذي عنده في إسناده الأول قد توبع، ويقولون في التعبير عن ذلك: تابعه فلان، وفلان.\nوزاد المتأخرون في التسميات، فقسموا المتابعات إلى متابعات تامة،\n_________\n(^١) انظر مثلا: «سنن الترمذي» ١: ٣٤، ٥: ٧٥٨، ٧٦٠، ٧٦١، ٧٦٢.","vol":"1","page":45},{"text":"ومتابعات قاصرة، فالتامة هي رواية أخرى عن شيخ الراوي نفسه، والقاصرة رواية أخرى عن شيخ الشيخ، أو من فوقه إلى الصحابي، وكلما ارتفع الإسناد درجة زاد قصور المتابعة، فيقال: متابعة قاصرة بدرجة، أو بدرجتين … الخ.\nمثال ذلك حديث أنس في الفصل السابق، وهو ما رواه أحمد، عن بهز بن أسد، عن عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، في قصة الأعرابي، لو افترضنا أن الباحث اعتمد إسناد أحمد للحديث، فهذا عنده هو الإسناد الأصل.\nوالحديث يرويه أيضا عبدالله بن هاشم، عن بهز بن أسد، فرواية عبدالله هذه متابعة لأحمد، وهي متابعة تامة، لأنه رواه عن شيخه مباشرة وهو بهز.\nورواه أيضا عن عكرمة بن عمار: عمر بن يونس الحنفي، وثلاثة آخرون، فهذه متابعة لأحمد، لكنها قاصرة، يروونه عن شيخ شيخ أحمد، وهو عكرمة، وهي قاصرة بدرجة.\nورواه عن إسحاق بن أبي طلحة أيضا: همام بن يحيى، فهي متابعة لأحمد، لكنها قاصرة بدرجتين.\nورواه عن أنس أيضا: يحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، فهي متابعة لأحمد، لكنها قاصرة بثلاث درجات.\nويلاحظ في المتابعات أنها مسألة نسبية في شيئين:\nالأول: في تحديد المتابع والمتابع، فمرجع ذلك إلى الباعث الأول على دراسة","vol":"1","page":46},{"text":"الحديث كله، فما تقدم من كون أحمد هو المتابَع، وعبدالله بن هاشم هو المتابِع، إنما كان ذلك، لأن الإسناد الأصل الذي وقف عليه الباحث أولا هو إسناد أحمد، وقد يكون اختاره لكونه الأعلى، أو الأتم لفظا، ولكن لا بأس بقلب التسمية، فيكون أحمد هو المتابع، وعبدالله بن هاشم هو المتابع، وذلك عند باحث آخر، اختار أن يكون إسناده الأصل هو إسناد عبدالله بن هاشم، لغرض من الأغراض، وبغير تصور هذا الأمر لا يمكن ضبط المتابعات.\nالثاني: في التمام والقصور، فما تقدم ذكره في متابعات أحمد القاصرة هي بالنسبة له، أما لو أخذنا كل طبقة لوحدها فالمتابعات تامة، فمثلا رواية عمر بن يونس الحنفي ومن معه للحديث عن عكرمة بن عمار هي بالنسبة لبهز بن أسد متابعة تامة، وما فوقها مباشرة قاصرة بدرجة واحدة، وهذا يقع كثيرا عند الباحث، إذ قد تكون حاجته في دراسة رواية في وسط الإسناد، فيبحث لها عن متابعات، فيبتدئ التمام والقصور من هذه الطبقة.\nوأما<span data-type='title' id=toc-43> الشاهد </span>فيراد به في الغالب رواية صحابي آخر للحديث نفسه، فهو يرجع إلى معنى المتابعة، إذ الصحابي قد تابع الصحابي الآخر، لكن جرى الاصطلاح على اعتبار رواية الصحابي حديثا مستقلا، فإذا قالوا: صح في هذا الأمر حديثان، فمعناه صح من رواية صحابيين، وإن كان المتن واحدا.\nوربما سمى بعض العلماء الشاهد متابعا، كما يسمي بعضهم المتابع شاهدا، فإنه يشهد للمتابع أيضا، والخطب في ذلك سهل، كما قال ابن حجر (^١)،\n_________\n(^١) «نزهة النظر» ص ١٠٢.","vol":"1","page":47},{"text":"ويعرف المراد من سياق الكلام.\nنعم، قد استقر الاصطلاح في وقتنا الحاضر على أن المتابع ما كان من طرق عن الصحابي نفسه، والشاهد ما كان عن صحابي آخر، لكن هذا لا ينبغي أن ينزل عليه كلام الأولين إذا أرادوا خلاف ذلك، وهذه قضية لا تختص بهذا الموضع، وأوردتها هنا لمناسبتها، فقد كان بعض الأئمة يستخدمون كلمة (الاستشهاد) في الكلام على رواة الكتب الستة، ويقصدون بها معنى خاصا، وهو التخريج للراوي تعليقا، كما نراه في كلام المزي، والذهبي (^١)، وغيرهما.\nقال المزي في ترجمة أسامة بن زيد الليثي: «استشهد به البخاري في «الصحيح»، وروى له في «الأدب»، وروى له الباقون» (^٢)، فعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «وفي قول المزي: روى له مسلم - نظر، لما ذكره الحافظ أبو الحسن بن القطان في كتاب «الوهم والإيهام» من أن مسلما -رحمه الله تعالى- لم يحتج به، إنما روى له استشهادا كالبخاري».\nكذا قال الباحث، خلط بين اصطلاحين، وكلمة ابن القطان ليس فيها: «كالبخاري» (^٣)، ومراد ابن القطان أن مسلما لم يعتمد عليه، وإنما أخرج له في الشواهد، وهذا غير مراد المزي بالاستشهاد، فمراده تعليق البخاري له، وأما غير\n_________\n(^١) انظر مثلا: «تقييد المهمل» ٢: ٥٩١، و«تهذيب الكمال» ٢: ٢١١، ٢٢٤، ٢٦٠، و«سير أعلام النبلاء» ٤: ٥٣١، ٦: ٣٤٣، ٧: ١٣٤.\n(^٢) «تهذيب الكمال» ٢: ٣٥٠.\n(^٣) «بيان الوهم والإيهام» ٤: ٨٤.","vol":"1","page":48},{"text":"البخاري -ومنهم مسلم- فروى له موصولا، سواء كان في الشواهد أو في الأصول.\nوقضية المصطلحات ومراعاة الباحث لمراد من أطلقها من الأهمية بمكان بالنسبة لدراسة الأسانيد، وسأعرج عليها في مناسباتها في هذا الكتاب.\n * * *","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>الفصل الثالث\nالرسم التوضيحي لأسانيد الحديث</span>","vol":"1","page":51},{"text":"المقصود بالرسم التوضيحي للأسانيد: وضع شجرة لأسانيد الحديث، بحيث يكون الإسناد الذي مع الباحث أصل الشجرة، ثم تتفرع منه الأسانيد الأخرى التي يقف عليها الباحث، مثل شجرة الأنساب، فإن أسانيد الحديث يشبهونها بالأنساب، ويكون نهاية الإسناد كالصحابي نقطة تفرعها.\nوالهدف من الرسم التوضيحي التسهيل على الباحث في تنظيم المتابعات حين صياغة التخريج، ومعرفة الاتفاق والاختلاف في الحديث الواحد إسنادا ومتنا.\nواستخدام الرسم التوضيحي معروف عند الأئمة، قال ابن رشيد في كلامه عن محب الدين الطبري: «ومن سماعه على عم أبويه: سنن أبي داود، رواية اللؤلؤي، ورأيت له صورة شجرة مغصنة، كتب فيها أسانيده في سنن أبي داود» (^١).\nويختلف الباحثون في بعض الأمور المتعلقة بالشكل النهائي للرسم، فمن الباحثين من يحرص على جمع طرق الحديث كلها في صفحة واحدة مهما كان حجمها، ليتمكن من إلقاء نظرة واحدة عليها متى أراد، ومنهم من يوزعها على صفحات متعددة، فيضع كل تابعي ورد الحديث من طريقه في صفحة مستقلة، وبعضهم يكتب أولا مسودة لهذه الطرق ثم يقسمها على صفحات بحسب ما تتسع له الصفحة، بغض النظر عن اعتبار معين.\nومن جهة ثانية فبعض الباحثين يكتب الصحابي في يمين الصفحة أو في يسارها، ثم تتفرع منه الأسانيد أفقيا، والبعض الآخر يكتبه في أعلى الصفحة، ثم\n_________\n(^١) «ملء العيبة» ٥: ٢٣٧.","vol":"1","page":53},{"text":"تتفرع منه الأسانيد رأسيا، والخطب في كل ذلك سهل.\nوأهم نقطة يقع فيها اختلاف بين الباحثين هي عند وقوع اختلاف بين رواة الإسناد في رفع الحديث ووقفه، أو في وصله وإرساله، أو في زيادة راو وحذفه، فإن بعض الباحثين يجمعها جميعا في رسم واحد، ثم يوضح في نهاية كل إسناد ما وقع فيه من مخالفة مع الإسناد الأصل، فبعد أن يكتب معلومات التخريج كالجزء والصفحة، ورقم الحديث، وهل الحديث بلفظه أو بمعناه أو بنحوه، يكتب المخالفة الواقعة في الإسناد، فيقول: موقوف، أو مرسل، أو ليس فيه ابن عباس، أو بإسقاط فلان، ونحو ذلك، أو يكتب كلمة موقوف، أو مرسل، في أسفل الصفحة، ويأخذ خطا من كل رواية بهذه الصفة إلى تلك الكلمة، فيميز بهذا الرواية الموقوفة أو المرسلة.\nوبعض الباحثين يفصل بينهما، فيجعل الموصول لوحده في صفحة، والمرسل لوحده، أو المرفوع لوحده، والموقوف لوحده، مع أن الجميع يلتقون عند راو واحد، ويرى أن هذا أكثر وضوحا حين الرجوع إلى الرسم.\nويزيد بعض الباحثين الرسم التوضيحي إتقانا بأمور أخرى، مثل وضع دائرة بالأحمر على اسم الراوي إذا كان هذا الراوي مصنفا، مثل ما إذا أخرج البخاري حديثا من طريق مالك في «الموطأ»، أو عبدالرزاق في «المصنف»، فإنه يضع الدائرة على اسم مالك، أو عبدالرزاق، وتحته معلومات التخريج من كتابه، لكي ينتبه له حين صياغة التخريج.","vol":"1","page":54},{"text":"ثم إن الباحث سيمر به أثناء جمعه للطرق كلام للأئمة على أسانيد الحديث أو بعضها، أو على متنه، فيسجل ذلك كله مع الرسم التوضيحي، إما عند كتابته لمعلومات التخريج، فإذا وصل إلى أبي داود مثلا، وكتب الجزء والصفحة، ورقم الحديث، نقل كلام أبي داود، وإما على جانب الورقة.\nوهناك بعض التنبيهات للباحث حين يريد إلحاق الأسانيد التي وقف عليها بإسناده الأصل في الرسم التوضيحي:\nأولا: في بعض كتب السنة يذكر في الإسناد رواية تلميذ المؤلف، الراوي للكتاب عنه، فيقول التلميذ: حدثنا فلان، ويعني به صاحب الكتاب، وقد بقي هذا بعد طباعة الكتب، مثل ما هو موجود في «مصنف ابن أبي شيبة»، يقول الراوي عنه: حدثنا أبو بكر، يعني به ابن أبي شيبة، وكذلك «صحيح ابن خزيمة»، وغيرهما.\nوقد يوجد تلميذ الراوي للكتاب عن المؤلف، كما في قول القطيعي في أسانيد «مسند أحمد»: حدثنا عبدالله، حدثنا أبي.\nوعلى الباحث أن يتنبه لهذا، فإسناد المؤلف يبدأ بعده، فإذا جاء في «مصنف ابن أبي شيبة»: حدثنا أبو بكر، حدثنا وكيع، فأبو بكر هذا هو ابن أبي شيبة، والإسناد عنده يبدأ من وكيع.\nوربما وقع بعض الباحثين في الخطأ، فيقول مثلا: رواه ابن خزيمة، عن شيخه أبي بكر، عن أبي الطاهر بن السرح، وأبو الطاهر هذا شيخ ابن خزيمة، وأبو بكر هو ابن خزيمة نفسه.","vol":"1","page":55},{"text":"والباحث حين يريد إلحاق مثل هذه الأسانيد برسمه التوضيحي يحذف من قبل المؤلف، فإذا وصل إلى وكيع وضع تحته «مصنف ابن أبي شيبة» وإذا وصل إلى أبي الطاهر وضع تحته «صحيح ابن خزيمة».\nثانيا: في بعض كتب السنة يعمد تلميذ المؤلف الراوي للكتاب عنه إلى رواية أحاديث بأسانيد خاصة به، لا يمر فيها على شيخه صاحب الكتاب، مثل عبدالله بن أحمد في «مسند أحمد»، ومثل الحسين بن الحسن المروزي في «الزهد» لابن المبارك، ويوجد هذا أيضا بقلة في «صحيح مسلم»، و«سنن ابن ماجه»، وغيرهما.\nوربما جاء في بعض الكتب أسانيد خاصة بتلميذ التلميذ، كما يفعله القطيعي في «فضائل الصحابة» لأحمد، فهو يرويه عن عبدالله، عن أبيه، وله فيه أسانيد خاصة به، وكذلك يفعل ابن صاعد في «الزهد» لابن المبارك، وهو يرويه عن الحسين المروزي، عن ابن المبارك، وله فيه أسانيد خاصة به.\nوهذا الصنيع عرف بالزيادات، فيقولون: زيادات عبدالله على «مسند أبيه»، وزيادات القطيعي على «فضائل الصحابة» لأحمد، وهكذا، وقد يعبر عنه بالزوائد أيضا.\nوالباحث إذا أراد نقل إسناد من هذه الكتب وأمثالها عليه أن يدقق فيه، خشية أن يكون لتلميذ المؤلف، أو لتلميذ التلميذ أيضا، وإذا استعجل الباحث ربما وقع في خطأ نسبة تخريج إسناد إلى غير مخرجه.\nروى حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار».","vol":"1","page":56},{"text":"خرجه أحد الباحثين فقال: «أخرجه أحمد، وابنه (٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩)».\nوقال باحث آخر في تخريجه: «أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائده على المسند ٣/ ٢٧٩، من طريق عبيدالله بن عمر القواريري، بهذا الإسناد (يعني عن حرمي بن عمارة …)، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٧٨ من طريق أبي عبدالله السلمي، قال: حدثني حرمي بن عمارة، بهذا الإسناد».\nوهو في «مسند أحمد» في المكانين من زوائد عبدالله، فلم يخرجه أحمد من هذا الطريق، رواه عبدالله في المكان الأول عن أبي عبدالله السلمي، عن حرمي، وفي المكان الثاني عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن حرمي، وأبو عبدالله السلمي هذا من تلاميذ أحمد، وليس من شيوخه، ولم يذكر في الرواة عنه سوى عبدالله بن أحمد (^١)، وكان أحمد في -في بعض الروايات عنه- ينكر على حرمي بن عمارة روايته لهذا الحديث عن شعبة (^٢).\nثالثا: بعض الرواة، تارة يأتي بكنيته، وتارة باسمه، مثل أبي الوداك جبر بن نوف الأكثر أن يأتي بكنيته، وربما جاء باسمه، ومثل أبي وائل شقيق بن سلمة، الأكثر أن يأتي بكنيته، وربما جاء باسمه، ومثل أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، تارة يأتي باسمه، والأكثر أن يأتي بكنيته.\nوكذلك اللقب مع الاسم، كالأعمش، فإنه أكثر ما يأتي بلقبه، وقد يأتي\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ١٤: ٤٠٤.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ١: ٢٧٠.","vol":"1","page":57},{"text":"مسمى، فإن بعض الرواة كشعبة لا يلقبونه، بل يقولون: حدثنا سليمان.\nوكذلك النسبة مع الاسم، كالفريابي محمد بن يوسف، تارة يأتي بنسبته، وتارة باسمه.\nويلتحق بهذا نسبة الراوي إلى أبيه تارة، وإلى جده القريب أو البعيد تارة أخرى، كعبدالله بن زياد بن سليمان بن سمعان، ويقال له أيضا: عبدالله بن سمعان، ومحمد بن يحيى بن خالد الذهلي شيخ البخاري، يسميه البخاري: محمد بن خالد، وأحمد بن عبدالله بن يونس، يقال له كثيرا: أحمد بن يونس، ومحمد بن عبدالله بن نمير، يقال له: محمد بن نمير.\nوربما يأتي الراوي في الأسانيد على أكثر من ذلك، كالزهري، فإنه يأتي هكذا كثيرا، ويأتي أيضا بصيغة: ابن شهاب، ويأتي بصفة نادرة باسمه محمد بن مسلم، وأكثر ما يقع هذا التنوع إذا كان مشهورا باسمه وكنيته، أو باسمه ولقبه، أو باسمه ونسبته، أو بهما جميعا، فيستخدم الرواة عنه هذا وهذا.\nوقد يقع ما تقدم على سبيل التعمية، وتوعير معرفة الراوي، وهو داخل فيما يعرف بتدليس الشيوخ (^١).\nوالقاعدة هنا أن على الباحث وهو بصدد كتابة الرسم التوضيحي أن يفسر كل راو يمر به تفسيرا كاملا، فيكشف اسمه، واسم جده، وكنيته، ولقبه، وجميع ما يتعلق به، فإذا مر في مصدر آخر بكنيته -مثلا- وقد وقف عليه قبل\n_________\n(^١) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١٨٨، ٤٨١.","vol":"1","page":58},{"text":"ذلك باسمه يعرف أنه هو، ولا يعده إسنادا آخر للحديث، وقد رأيت كثيرا من الطلاب يقع في هذا، كما يقع فيه بعض الباحثين في ابتداء أمرهم، وقل باحث إلا وقد وقع في مثل هذا.\nويشبه ما تقدم ما إذا كان الراوي واحدا، ولكن اختلف في اسمه، أو في نسبته، فهو راو واحد وإن تعددت أسماؤه، فالتفريع عليه في الرسم التوضيحي يكون مرة واحدة.\nوبضد ما تقدم أن يشترك الرواة في الاسم، أو الاسم واسم الأب، وقد يشتركون في الجد أيضا، وقد يتفق مع هذا الاشتراك في الطبقة، والتلاميذ والشيوخ، أو التقارب في ذلك، مثل السفيانين، والحمادين، وعطاء بن يسار، وعطاء بن السائب، فإذا اشترك مثل هؤلاء في رواية حديث قد يظنه الباحث واحدا، وذلك في حال كون الراوي لم ينسب بما يميزه.\nوقد يقع الاشتراك في الاسم والنسبة بسبب الاختصار، مثل أن يأتي عند أحمد: حدثنا ابن نمير، ويأتي كذلك عند مسلم، فالذي عند أحمد هو الأب عبدالله بن نمير، والذي عند مسلم هو ولده محمد بن عبدالله، ومثل ابن أبي زائدة، هم ثلاثة، يقال لكل منهم: ابن أبي زائدة، زكريا بن أبي زائدة، وولداه يحيى وعمر، وهذا كثير في الرواة، فيتنبه له.\nوالباحث كما طولب بتمييز رواة إسناده الأصل، مطالب أيضا بتمييز الرواة الذي يقف على أسانيدهم في مرحلة جمع الطرق، فالباب واحد، وقد تقدم","vol":"1","page":59},{"text":"في «الجرح والتعديل» فصل خاص بتمييز الرواة، وذكرت هناك بعض الأمثلة على وقوع الأخطاء في تمييز الرواة قديما وحديثا (^١).\nوأذكر هنا مثالا واحدا وقع فيه الخطأ في تمييز الراوي في الإسناد الأصل، وفي الطرق الأخرى، فروى أحد الأئمة من طريق أبي قرة، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصلها أربعا».\nقال أحد المشايخ في تخريجه: «… وسفيان هو ابن عيينة، وأخرجه عبدالرزاق (٥٥٢٩)، والحميدي (٩٧٦)، والدارمي ١/ ٣٧٠، ومسلم (٨٨١)، والترمذي (٥٢٣)، والطحاوي ١/ ٣٣٦، والبيهقي ٣/ ٢٤٠، والبغوي (٨٧٩) من طرق عن سفيان (يعني ابن عيينة) بهذا الإسناد».\nكذا قال الشيخ، وسفيان الذي في الإسناد الذي يخرجه هو الثوري، وليس ابن عيينة، وسفيان عند الدارمي، والبيهقي، هو الثوري كذلك.\nوروى هذا الحديث أيضا إمام آخر، عن عبدالله بن إدريس، عن سهيل، فقال بعض الباحثين في تخريجه: «وأخرجه الطيالسي (٢٤٠٦)، وابن حبان (٢٤٧٨)، من طريق أبي عوانة، وعبدالرزاق (٥٥٢٩)، والدارمي (١٥٧٥)، ومسلم (٨٨١)، وابن خزيمة (١٨٧٤)، والبيهقي ٣/ ٢٤٠، من طريق سفيان الثوري، والحميدي (٩٧٦)، والترمذي (٥٢٣)، والنسائي في «الكبرى»\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٤٥٨ - ٥٣٦.","vol":"1","page":60},{"text":"(٤٩٦)، وابن خزيمة (١٨٧٣) و(١٨٧٤)، والطحاوي ١/ ٣٣٦، وابن حبان (٢٤٨٠)، والبغوي (٨٧٩)، من طريق سفيان بن عيينة …»، ثم ذكر بقية الرواة عن سهيل.\nكذا خرجه الباحث، ورواية عبدالرزاق هي عن ابن عيينة، وليست عن الثوري، وهو مصرح به في إسناد عبدالرزاق، ورواية النسائي، وابن حبان، هي عن الثوري، وليست عن ابن عيينة.\nرابعا: يستخدم كثير من الأئمة في مصنفاتهم حين تكثر الأسانيد للحديث الواحد طريقة التحويل، وذلك من أجل الاختصار، وممن يكثر من هذا الإمام مسلم، وابن خزيمة، والدارقطني، وغيرهم، ويفعله أيضا البخاري، وأبو داود، وغيرهما، وخلاصة هذه الطريقة أن طرق الحديث الواحد في كثير من الأحيان تجتمع في راو واحد، يكون مدارها، إما نسبيا، أو مطلقا، ثم يتحد السند بعده، فبدلا من تكرار ذكره مع كل طريق يسوق المصنف الطرق أولا إلى هذا الراوي، ويستخدم بعد كل طريق علامة التحويل (ح)، فإذا فرغ من سوق الطرق إلى هذا الراوي قال: كلهم، أو جميعا عن فلان، وربما جمعوها على صحابي الحديث إن كان هو المدار.\nمثال ذلك -وهو مثال مختصر- قول مسلم: حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة - كلاهما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يبغض","vol":"1","page":61},{"text":"الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (^١).\nفقوله: (كلاهما) يعني جريرا، وأبا أسامة، فهما جميعا يرويانه عن الأعمش، وكان الأصل أن يقول مسلم: حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال …، ثم يسوق المتن، ثم يسوق الإسناد الآخر كاملا ومتنه، لكن هذا فيه إطالة، فعدل مسلم إلى طريقة التحويل.\nوليس لطريقة التحويل هذه ضابط معين، فهم يتفننون في تطبيقها (^٢)، فمثلا ربما كرر مسلم ذكر الأعمش في الإسنادين، عوضا عن قوله: (كلاهما)، كما في هذا المثال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، ح، وحدثنا منجاب بن الحارث التميمي -واللفظ له- أخبرنا ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث … (^٣).\nومعنى هذا أن الإسناد الأول -وهو إسناد أبي معاوية، ووكيع- هو عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث … الخ.\nوربما ذكره مرة وتركه أخرى، كما في الحديث رقم (٦٦١)، والحديث رقم (٧١٢)، وربما لم يذكر (كلاهما) أو ما يقوم مقامها، ولا يكرر المدار أيضا، كما في الإسناد الثاني من الحديث رقم (٤٣٢)، والإسناد الثالث من الحديث رقم (٤٣٦)، وكما في الحديث رقم (٢٩٩٨) عند أبي داود.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٧٧).\n(^٢) انظر: «المحدث الفاصل» ص ٦١٠.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٠٥).","vol":"1","page":62},{"text":"وكما أسلفت فليس لهذه الطريقة ضابط معين، وقد يدعونها في موضع يصلح لتطبيقها، وذلك بحسب النشاط والفتور، كما أنهم ربما احتاجوا إلى تحويل داخل تحويل، فتتداخل الطرق، كما فعل مسلم في الحديث رقم (٣١٩).\nولا شك أن التحويل فيه اختصار للأسانيد، لكنه غير خال من إشكالات، إذ ربما سقط على المؤلف اسم راو، كما في قول البخاري: «حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، ح، وقال الليث: حدثني عبدالرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، أن سعيد بن المسيب أخبره، أن أبا هريرة قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الوصال …» الحديث» (^١).\nقال أبو مسعود الدمشقي: «هكذا في كتاب البخاري، أردف حديث الليث، عن عبدالرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، على حديث شعيب، ولم يقل في حديث شعيب عمن، وإنما يرويه شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وكذلك رواه البخاري، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، في كتاب الصيام (^٢)، ولم يقل: عن سعيد بن المسيب».\nقال الجياني بعد أن نقل عن أبي مسعود ما تقدم: «وهذا تنبيه حسن جدا، ويمكن أن يكون البخاري اكتفى بما ذكره في كتاب الصيام، لكن هذا النظم فيه إلباس» (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٧٢٤٢).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (١٩٦٥).\n(^٣) «تقييد المهمل» ٢: ٧٥٥، وانظر: «هدي الساري» ص ٣٨٢.","vol":"1","page":63},{"text":"وكذلك في قول مسلم: «حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، ح، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، ح، وحدثنا أبو كريب، وإسحاق الحنظلي، عن محمد بن بشر، عن مسعر، ح، وحدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعر - كلهم عن سعد بن إبراهيم، عن عبدالله بن شداد …» (^١).\nقال أبو مسعود الدمشقي: «هكذا رواه مسلم: حدثنا أبو بكر، حدثنا وكيع، وأسقط منه سفيان، فتوهم الناس أنه: وكيع، عن مسعر، وإنما رواه أبو بكر في «المسند»، وفي (المغازي)، وفي غير موضع (يعني من «مصنفه») عن وكيع، عن سفيان، عن سعد» (^٢).\nوقد يقع التحويل ممن فوق المؤلف، كما في الحديث الذي رواه مسلم، قال: «حدثنا زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، أخبرني وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس، ح، وحدثني الزهري، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن ابن عباس، ح، وحدثني محمد بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس …» (^٣).\nفالقائل: وحدثني الزهري …، وحدثني محمد بن علي …، هو هشام بن عروة (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٤١١).\n(^٢) «تقييد المهمل» ٣: ٩١٣، و«تحفة الأشراف» ٧: ٤١٠. والحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ٨٦.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٣٥٤).\n(^٤) «تحفة الأشراف» ٥: ١٨٣.","vol":"1","page":64},{"text":"وربما وقع في مثل هذا إشكال أيضا، مثال ذلك ما رواه مسلم، قال: «حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون، قال: حدثنا معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، ح، وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر …» (^١).\nفالقائل: وحدثني هو معاوية بن صالح، كما هو الراجح، وقد قيل إنه ربيعة بن يزيد (^٢).\nوالمقصود هنا أن الباحث حين يريد نقل هذه الطرق إلى الرسم التوضيحي يجب عليه أن يتمعن فيها جيدا، وفي توزيعها عند المؤلف، ويقع الطلاب والباحثون المبتدئون كثيرا في الخطأ في التعامل مع الطرق حين استخدام المصنفين لهذه الطريقة، لا سيما مع تشعب الأسانيد وكثرة التحويل، فقد ساق ابن خزيمة طرق حديث عائشة في (فرك المني) فيما يقرب من صفحة ونصف (^٣)، بل ربما وقع في الخطأ -والحالة هذه- صاحب الخبرة في التعامل مع الأسانيد، فقد رأيت أئمة وباحثين كبارا وقعوا في مثل هذا.\nومن الأمثلة على التداخل في الأسانيد ومظنة الوقوع في الخطأ: الإسناد الثاني من الحديث رقم (٧٤٩) عند مسلم.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٣٤).\n(^٢) «تقييد المهمل» ٣: ٧٨٥ - ٧٨٩، وقد وقع بسبب هذا التحويل خلط في الأسانيد، وفي الكلام عليها، انظر: حاشية أحمد شاكر على «سنن الترمذي» حديث (٥٥).\n(^٣) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٨٨).","vol":"1","page":65},{"text":"خامسا: ويشبه ما تقدم في الفقر السابقة وهو أدق منه: عطف الأسانيد بعضها على بعض، وهو نوع من التحويل، لكن دون استخدام أداة التحويل (ح)، فيكتفى بواو العطف، ويقوم بالعطف مصنف الكتاب، أو أحد الرواة فوقه.\nومن أمثلة ذلك قول أحمد: «حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، وعبدالرزاق، قال: أخبرنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس، قال: «كان رسول الله - ﷺ - جالسا في نفر من أصحابه …» الحديث» (^١).\nفقوله: وعبدالرزاق، معطوف على قوله: حدثنا محمد بن جعفر، فأحمد يروي الحديث عن محمد بن جعفر، وعبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري.\nوقال أحمد أيضا: «حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، وابن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة، عن أنس قال: «سأل أصحاب النبي - ﷺ -، فقالوا: إن أهل الكتاب يسلمون علينا، فكيف نرد عليهم؟ قال: فقولوا: وعليكم»، وحجاج مثله، قال شعبة: لم أسأل قتادة عن هذا الحديث، هل سمعته من أنس؟» (^٢).\nفهذا الحديث يرويه أحمد عن ثلاثة من شيوخه، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، وهم: يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر المعروف بغندر، وحجاج بن محمد المصيصي، والنقل الأخير عن شعبة هو من رواية حجاج فقط.\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٢١٨.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١١٥.","vol":"1","page":66},{"text":"ورواه أحمد مرة أخرى عن الثلاثة جميعا فساقه سياقة أخرى بالعطف أيضا، قال: «حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، والحجاج قال: حدثني شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، وحدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثنا قتادة، عن أنس -والمعنى واحد-: «أن أصحاب النبي - ﷺ - …»، وقال حجاج: قال شعبة: لم أسأل قتادة عن هذا الحديث، هل سمعه من أنس؟» (^١).\nوقال أحمد أيضا: «حدثنا سفيان، قال: سمعت إبراهيم بن ميسرة، وحدثنا محمد بن المنكدر، سمعتهما يقولان: سمعنا أنسا يقول: «صليت مع النبي - ﷺ - بالمدينة أربعا، وبذي الحليفة ركعتين»،» (^٢).\nفسفيان بن عيينة يرويه عن إبراهيم بن ميسرة، ومحمد بن المنكدر، عن أنس.\nوروى أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - أخرها حتى ذهب من الليل ما شاء الله …» (^٣).\nفسفيان يرويه عن عمرو بن دينار، عن عطاء، ويرويه أيضا عن ابن جريج، عن عطاء.\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٢٧٣.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١١٠.\n(^٣) «مسند أحمد» ١: ٢٢١، وانظر: «صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٤٢)، و«المعجم الكبير» حديث (١١٣٩١).","vol":"1","page":67},{"text":"وقال ابن جرير: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن عكرمة، ومنصور، عن أبي الضحى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، قالا: «محمد هو المنذر، وهو الهاد»،» (^١).\nفقوله: ومنصور …، معطوف على قوله: عن السدي …، فسفيان الثوري يرويه عن السدي، عن عكرمة، ويرويه عن منصور، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح.\nوعطف الأسانيد بعضها على بعض بالواو لا يخلو من إشكالات أيضا، فقد لا يكون في السياق الذي أمام الباحث إسناد معطوف عليه أصلا، كما في قول البخاري: «حدثنا محمد بن عبدالرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، قال: وأخبرني ابن جريج، أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس …»، فذكر الحديث في صلاة العيد وخطبتها (^٢).\nقال ابن حجر في كلامه على هذا الحديث: «وقول ابن وهب: وأخبرني ابن جريج، معطوف على شيء محذوف» (^٣).\nورأيت في «صحيح مسلم» مواضع يقع فيها العطف على إسناد لم يذكره مسلم، قد نقله كما هو معطوفا، أو تكون الواو مقحمة، ينظر مثلا: حديث (٣٧٩)، وحديث (٥١٥) -الإسناد الثاني منه-، وحينئذ فالعطف لا اعتبار له.\n_________\n(^١) «تفسير ابن جرير» ١٣: ١٠٦.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٤٨٩٥).\n(^٣) «فتح الباري» ٨: ٦٤٠.","vol":"1","page":68},{"text":"ولا شك أن بيان سبب العطف أولى، كما في رواية الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: وأخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث …» الحديث، قال سفيان: «كان الزهري حدثنا قبله حديث أنس، ثم أتبعه هذا، فقال: وأخبرني عطاء بن يزيد» (^١).\nومن الإشكالات أيضا صفة الإسناد الأول بعد الملتقى، وكذلك تحديد المعطوف عليه، وسقوط أداة العطف، أو زوغان البصر عنها، أو استبدالها بعن.\nفرواية سفيان السابقة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، يحتمل فيها أن تكون رواية عمرو، عن عطاء، هي أيضا عن ابن عباس، ويحتمل أن تكون عن عمرو، عن عطاء مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وهذا هو الراجح (^٢).\nومن ذلك ما رواه سفيان بن عيينة أيضا، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن عباد بن تميم، عن عمه: «أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٤٧٧)، و«تاريخ ابن أبي خيثمة» حديث (٩٦٥).\n(^٢) ينظر: «صحيح البخاري» حديث (٧٢٣٩)، و«مسند الحميدي» حديث (٤٩٢)، و«تحفة الأشراف» ٥: ٨٧، ٩٦، وانظر مثالا آخر لسفيان بن عيينة في: «مسند الحميدي» حديث (٧٨٨ - ٧٨٩).","vol":"1","page":69},{"text":"صوتا، أو يجد ريحا»، وفي بعض رواياته: عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم … (^١).\nوكذا رواه محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، إلا أنه رواه بلفظ: «لا وضوء إلا فيما وجدت الريح، أو سمعت الصوت»، دون قصة (^٢).\nفرواية سعيد بن المسيب يحتمل أن تكون مرسلة، ويحتمل أن تكون من روايته عن عبدالله بن زيد، عن النبي - ﷺ -، كرواية عباد بن تميم (^٣).\nوروى مسلم قال: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس …» (^٤).\nقال أبو علي الجياني: «ظاهر هذا الإسناد أن شعبة يرويه عن قتادة، وحميد، عن أنس، وباطنه أن أبا خالد الأحمر يرويه عن حميد، عن أنس، وعن شعبة، عن قتادة، عن أنس» (^٥)، ثم روى بإسناده إلى أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حميد، وشعبة، عن قتادة، عن أنس … (^٦).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٣٧)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٧٦)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥١٣).\n(^٢) «مسند أحمد» ٤: ٣٩، و«صحيح البخاري» بعد حديث (٢٠٥٦).\n(^٣) انظر: «صحيح البخاري» حديث (١٧٧)، (٢٠٥٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٠، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٣٤)، و«تحفة الأشراف» ٤: ٣٣٦، و«فتح الباري» لابن حجر ١: ٢٣٧.\n(^٤) «صحيح مسلم» حديث (١٨٧٧).\n(^٥) «تقييد المهمل» ٣: ٨٨٥.\n(^٦) وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» ٥: ٢٨٩، كما ساقه مسلم، لكن وقع في إحدى النسخ: «عن\n\nقتادة، عن حميد، عن أنس» فأثبتها المحقق، وخطأ الصواب الذي في النسخة الأخرى: «عن قتادة، وحميد …»، وقد رواه عبدالله بن أحمد في زياداته على «المسند» ٣: ٢٧٨، عن أبي بكر بن أبي شيبة كما ساقه أبو علي الجياني، فيحتمل أن تكون هذه رواية ابن أبي شيبة في «مسنده»، وما عند مسلم من «المصنف».","vol":"1","page":70},{"text":"قال النووي تعقيبا على إسناد ابن أبي شيبة هذا: «فيه أيضا إيهام، فإن ظاهره أن حميدا يرويه عن قتادة، وليس المراد كذلك، بل المراد أن حميدا يرويه عن أنس كما سبق» (^١).\nوقال مسلم أيضا: «حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، قال: ويحيى بن يمان حدثنا، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «إن كنا آل محمد - ﷺ - لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلا التمر والماء»،» (^٢).\nفالقائل: ويحيى بن يمان حدثنا، هو عمرو الناقد، نبه عليه الجياني، وذكر أنه وقع في بعض نسخ «صحيح مسلم»: حدثنا عمرو الناقد، قال: حدثنا عبدة، قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن هشام، قال الجياني: «وهذا وهم، ليس يروي عبدة، عن يحيى بن يمان» (^٣).\nوقال الزيلعي في تخريجه لحديث: «ثم روى -يعني البيهقي- من حديث\n_________\n(^١) «شرح صحيح مسلم» ١٣: ٢٤.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٩٧٢).\n(^٣) «تقييد المهمل» ٣: ٩٣٥.","vol":"1","page":71},{"text":"عبدالله بن الأجلح: حدثنا أبي، عن يزيد الفقير، عن أبيه قال: سمعت الفضل بن فضالة، يحدث أبي، عن أبي حرب بن الأسود الديلي، عن أبيه -دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه-» (^١).\nكذا ساقه الزيلعي مطولا، والصواب أنهما إسنادان، فعبدالله بن الأجلح يرويه عن أبيه، عن يزيد الفقير، عن أبيه، ويرويه عبدالله بن الأجلح أيضا عن الفضل بن فضالة، عن أبي حرب بن الأسود، عن أبيه (^٢)، فلعل الواو سقطت من نسخة الزيلعي، أو ند بصره عنها.\nوروى الإسماعيلي من طريق عمار بن رجاء، عن أبي داود، عن شعبة، وحماد، عن عاصم، وشعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال عمر: «أيكم يحفظ ما قال النبي - ﷺ - في الفتنة …» الحديث (^٣).\nمَرَّ أحد الباحثين بهذا الإسناد، ففسر حمادا بأنه حماد بن أبي سليمان، وأن في الإسناد حينئذ تحريفا، وتقديما وتأخيرا، والصواب: عن أبي داود، عن شعبة، عن حماد، وعاصم، والأعمش، واستدل على ذلك برواية الترمذي (٢٢٥٨)، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن الأعمش، وحماد، وعاصم بن بهدلة، عن أبي وائل.\nكذا قال، والإسناد عند الإسماعيلي مستقيم، وحماد في الإسناد هو حماد\n_________\n(^١) «تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف» ٣: ٢١.\n(^٢) «دلائل النبوة» ٦: ٤١٤.\n(^٣) «معجم الإسماعيلي» حديث (٣٩٥).","vol":"1","page":72},{"text":"بن سلمة، وليس حماد بن أبي سليمان، فأبو داود فيه يرويه عن شعبة، وحماد بن سلمة، عن عاصم، وعن شعبة وحده عن الأعمش، وأما ما في الترمذي فيرويه أبو داود عن شعبة وحده عن شيوخه الثلاثة، ومن بينهم حماد بن أبي سليمان (^١).\nوروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، وعن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا في هدي التطوع، مختصرا (^٢).\nمَرّ بعض الباحثين بهذا الإسناد، واستظهروا أن الصواب فيه: عن عطاء، عن عبدالكريم، بدون واو، وبنوا عليه أن سقطا قد وقع فيما أخرجه ابن قانع من طريق عبيدالله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عبدالكريم، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة (^٣)، فرجحوا سقوط عطاء من الإسناد.\nوالذي يظهر أنهما إسنادان، فابن أبي ليلى يرويه عن عطاء بن أبي رباح، مرسلا، ويرويه عن عبدالكريم بن أبي المخارق، عن معاذ بن سعوة، عن سنان بن سلمة مرسلا (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: «مسند الطيالسي» حديث (٤٠٨)، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٠٧.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (٩٨) من الجزء الساقط من «المصنف».\n(^٣) «معجم الصحابة» ١: ٣١٩، وهو أيضا في «معجم الصحابة» لأبي القاسم البغوي حديث (١٢٠٥).\n(^٤) انظر: «علل ابن أبي حاتم» (المناسك) تحقيق تركي الغميز المسألة (٦٣).\nوينظر أمثلة أخرى في العطف وإشكالاته: «تقييد المهمل» ٢: ٦٨٧، ٧٠٩، ٧١٤، و«إكمال تهذيب الكمال» ١٠: ٣٨٨.","vol":"1","page":73},{"text":"والخلاصة مما تقدم أن على الباحث أن يدقق جيدا في الأسانيد التي يقع فيها عطف، ليتأكد من الإسناد وصفته، ويدقق كذلك في الأسانيد التي يرتاب فيها أن يكون فيها عطف سقطت أداته.\nسادسا: يقع الاختلاف كثيرا بين الرواة إما في إسناد حديث أو في متنه، فإذا أراد المصنف أن يبين ويفصل رواية هذا من رواية هذا فعل ذلك وهو يسوق الإسناد، فيضع في وسط الإسناد ما يعرف بالجملة المعترضة، وربما أخر بيان ذلك في ختام الرواية، وهذا كثير جدا، فليزم الباحث التدقيق في سياق المؤلف للإسناد، والتأني في قراءته، والحرص على أن لا يفوته شيء ذكره المؤلف لاحقا.\nومن أمثلة ذلك قول أحمد: «حدثنا أبو معاوية، ووكيع -المعنى-، قالا: حدثنا الأعمش، عن مجاهد، قال وكيع: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس، قال: مر النبي - ﷺ - بقبرين …» (^١).\nفقوله: «حدثنا أبو معاوية، ووكيع -المعنى-»، هذا قول أحمد، ومراده أن الروايتين بمعنى واحد، رواية أبي معاوية ورواية وكيع، وهي كلمة تتردد كثيرا في المصادر، عند أحمد، وأبي داود، وغيرهما، وربما غلط فيها بعض الباحثين، فظنها نسبة للراوي.\nوقوله: «قال وكيع: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس، عن ابن عباس»، هذه الجملة لو أخذناها على ظاهرها لكان وكيع يروي عن مجاهد، وهو لم يدرك\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٢٢٥.","vol":"1","page":74},{"text":"مجاهدا، فغرض أحمد أن يبين صيغة رواية الأعمش، عن مجاهد، في رواية وكيع، وفي رواية أبي معاوية، ففي رواية وكيع يقول الأعمش: سمعت مجاهدا، وفي رواية أبي معاوية ليس فيه التصريح بالتحديث، فأراد أحمد بهذا بيان أن الأعمش صرح بالتحديث في رواية وكيع، وإنما فعل هذا أحمد لغرض مهم، ذلك أن الأعمش مدلس، خاصة عن مجاهد (^١)، وتصريحه بالتحديث ينفي ذلك.\nوقال أحمد أيضا: «حدثنا يزيد، أخبرنا سفيان الثوري، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه -قال حماد في حديثه: عن أبي سعيد الخدري، لم يجز سفيان أباه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام»،» (^٢).\nوالمقصود من هذا البيان أن رواية الثوري لم يذكر فيها أبا سعيد، فجعله عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسلا، وأما رواية حماد بن سلمة ففيها ذكر أبي سعيد.\nوروى أحمد، عن يحيى بن سعيد، حدثنا حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ -، وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر،\n_________\n(^١) ينظر ما تقدم في «الاتصال والانقطاع» ص ٣٣٩، ٤٢٤.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ٨٣، وهكذا ساقه زهير بن حرب في روايته له عن يزيد بن هارون، أخرجه عنه أبو يعلى حديث (١٣٥٠)، ورواه محمد بن يحيى الذهلي عن يزيد بطريقة العطف، هكذا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوري، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، وحماد بن سلمة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد …، أخرجه ابن ماجه حديث (٧٤٥)، والبيهقي ٢: ٤٣٤، وبين البيهقي بعده أن رواية سفيان مرسلة.","vol":"1","page":75},{"text":"فتلاحى رجلان، فرفعت، فقال: خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فرفعت، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة»، ثم قال أحمد: حدثنا عبيدة، وقال: «التمسوها في التاسعة التي تبقى» (^١).\nفعبيدة بن حميد يروي الحديث عن حميد، عن أنس، عن عبادة، واختصر أحمد الإسناد، فغرضه بيان اختلاف روايته عن رواية يحيى القطان في هذا القدر من الحديث.\nوقال ابن ماجه: «حدثنا جميل بن الحسن، حدثنا عبدالأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، ح، وحدثنا عبدالرحمن بن عمر، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا سعيد، وهشام بن أبي عبدالله، عن قتادة -وهذا حديث عبدالرحمن- عن يونس بن جبير، عن حطان بن عبدالله، عن أبي موسى الأشعري: «أن رسول الله - ﷺ - خطبنا …» الحديث».\nفالحديث يرويه قتادة، عن يونس بن جبير، وقول ابن ماجه: «وهذا حديث عبدالرحمن» أراد به أن اللفظ الذي سيسوقه للحديث إسنادا ومتنا بعد قتادة هو رواية عبدالرحمن بن عمر، عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد، وهشام، عن قتادة.\nسابعا: سيجد الباحث وهو يجمع طرق حديثه أن هناك نوعين من الأسانيد، الأول: الأسانيد المسندة، وهي التي يسوقها مؤلف المصدر بإسناده، ابتداء من شيخه، وهذه الأسانيد لا خفاء في ضرورة احتفاء الباحث بها وتقييده لها.\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ٣١٩.","vol":"1","page":76},{"text":"والثاني: الأسانيد المعلقة، وهي التي يحذف المؤلف بعض إسناده، وذلك من أول الإسناد، فيسقط شيخه، أو شيخه وشيخ شيخه، وقد يسقط أكثر من ذلك.\nوالتعليق بدأ مبكرا، منذ عصر الرواية الأول، فالصحابي إذا قال: قال رسول الله - ﷺ -، وهو لم يسمعه، يكون قد علق الإسناد، وكذلك التابعي، وإذا قال تابع التابعي: قال ابن عمر: قال رسول الله - ﷺ -، فهو أيضا تعليق، غير أن هذا كان عندهم داخلا في مسمى الإرسال، إذ كان الإرسال يشمل كل سقط في الإسناد.\nومصطلح التعليق استخدم فيما بعد، أطلق على صنيع المصنفين، كالبخاري مثلا، فالأسانيد التي يحذف منها البخاري شيخه، أو يحذف معه شيخ شيخه -أو يزيد على ذلك- سموه تعليقا، وشمل ذلك ما حذف منه المصنف جميع الإسناد، كأن يقول: قال رسول الله - ﷺ -، أو قالت عائشة، أو قال ابن عباس.\nوالتعليق موجود في كثير من مصادر السنة، مثل «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي»، وغيرها، على تفاوت بينها في القلة والكثرة، فمثلا يكثر ذلك في «صحيح البخاري»، و«سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي»، على حين أنه قليل جدا يعد على الأصابع في «صحيح مسلم».\nوهم يفعلون ذلك في الغالب للاختصار، فإذا ساق طريقا مسندا أو أكثر، قد يتبعه بروايات معلقة، يقصد بها شد ذلك الإسناد وتقويته، أو بيان تصريح بالتحديث، أو زيادة في اللفظ، أو مخالفة لبعض رواة الإسناد الذي ساقه، ولو ساق جميع ذلك مسندا لطال كتابه، وقد يعلق ابتداء، فلا يسوق طريقا مسندا","vol":"1","page":77},{"text":"للحديث، كما يفعله البخاري في أحاديث يذكرها ليستدل بها، ليست على شرطه، أو ربما ليضعفها.\nوقد كثر هذا النوع من الأسانيد جدا في المصادر التي غرضها الأساس نقد المرويات، وليس روايتها وجمعها، مثل كتب السؤالات، وكتب العلل، مثل: «علل ابن المديني»، «وعلل ابن أبي حاتم»، و«علل الدارقطني»، و«مسند البزار»، وغيرها، وفي كثير منها يكون ما يعلقه المؤلف أكثر بكثير مما يسنده، والقارئ في «علل ابن أبي حاتم» -مثلا- يلحظ ذلك بسهولة.\nوهؤلاء أيضا دفعهم للتعليق قصد الاختصار، ولو ساق المؤلف جميع أسانيده مسندة لطال الكتاب جدا، فـ «علل الدارقطني» طبع في خمسة عشر مجلدا، ولو أسند الدارقطني جميع ما فيه لربما زاد على المئة مجلد، وهكذا يقال في «مسند البزار»، هو في عدة مجلدات، مع كونه يعلق أسانيد كثيرة جدا.\nثم هذه الكتب ليس مقصودها الأول جمع المرويات، وإنما غرضها الأساس نقدها، وهذا يكفي فيه في الغالب ذكر الطريق من قبل السائل، أو من قبل المجيب، أو المؤلف.\nوإذا كان الأمر كذلك في هذه الكتب مع تقدم عصرها فلا شك أن التعليق سيكثر جدا في الكتب التي ألفت بعد عصر الرواية، مثل كتب التخريج، وكتب الشروح، وغيرها.\nوالطرق المعلقة لها قواعدها الخاصة بها فيما يتعلق بالاستفادة منها في النظر","vol":"1","page":78},{"text":"في حال الحديث، وفيما يثبته الباحث منها في التخريج، وكيفية صياغته، وسيأتي هذا كله في أماكنه من هذا الكتاب.\nوالذي يهمنا هنا ما يتعلق بمرحلة جمع الطرق، فالمطلوب من الباحث أن يحتفي بالطرق المعلقة كاحتفائه بالطرق المسندة، ويقيدها أثناء جمعه للطرق، بالغة ما بلغت، والحاجة إليها قد تكون في بعض الأحاديث أشد من أسانيد للحديث وجدها الباحث مسندة.\nوالباحث إذا وصل إلى مكان الحديث في المصدر ووجده قد ساق إسناده ولم يعلقه لا يكتفي بتقييد إسناده، وعليه أن يقرأ ما قبله وما بعده، خشية أن يكون المؤلف أضاف شيئا من الطرق لم يسندها، وإذا كان الباحث مستعجلا ربما فاته شيء منها.\nومن جهة ثانية، فتعليق الطرق يختلف عند المؤلفين والنقاد بصفة عامة عن ذكرها مسندة، إذ يحرصون على اختصارها ما أمكن، ولهذا فالمطلوب من الباحث حين يريد جمعها أن يتمعن فيها جيدا قبل إثباتها في رسمه التوضيحي، ولا يثبتها فيه حتى يتضح له مسار هذه الطرق.\nفالمؤلف أو الناقد وهو يذكر الرواة عن المدار ربما زاد في بعض الرواة عن المدار بذكر من دونه أيضا، وذلك في سياق واحد، بغرض بيان حال الإسناد قبله، أو لكونه قد روي عنه رواية أخرى، فيريد الناقد بيان من روى هذه عنه، ومن روى هذه.","vol":"1","page":79},{"text":"وممن يفعل هذا كثيرا الدارقطني في «علله»، لكونه يسوق طرقا كثيرة، واختلافات عالية ونازلة، وسوقه للأسانيد في الغالب لا غموض فيه، كما في قوله وقد سئل عن حديث زيد بن يثيع، عن علي ﵁، عن النبي - ﷺ -: «إن تستخلفوا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا …» الحديث، قال: «هو حديث يرويه زيد بن يثيع، واختلف عنه، فرواه أبو إسحاق، واختلف عن أبي إسحاق أيضا، فقال يونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل -من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه-، وفضيل بن مرزوق، وجميل الخياط: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي …، وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، لم يذكر عليا …» (^١).\nفذكر في هذا النص روايتين عن إسرائيل، الأولى من رواية عبدالحميد بن أبي جعفر الفراء عنه، وهي الموصولة بذكر علي، والثانية المرسلة، ولم يذكر الدارقطني من رواها عن إسرائيل، ولعل ذلك لكونها هي المشهورة عن إسرائيل.\nوربما كان في السياق شيء من الغموض، فيحتاج الباحث إلى حسن التعامل مع النص حينئذ، وذلك بالاستعانة بطبقات الرواة، ومصادر التخريج.\nمثال ذلك أن الليث بن سعد روى عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: «قالوا لرسول الله - ﷺ -: أصحاب الحمر؟ قال: لم ينزل علي في الحمر شيء، إلا هذه الآية الفاذة …» الحديث.\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٣: ٢١٤.","vol":"1","page":80},{"text":"سئل عنه أبو زرعة فقال: «هذا وهم، وهم فيه الليث، إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، وابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nفظاهر النص أن الثلاثة -وهم: مالك، وحفص، وابن أبي فديك- يروونه عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، وليس هذا هو المقصود، فالمقصود أن مالكا، وحفص بن ميسرة، وكذا هشام بن سعد، فيما يرويه عنه ابن أبي فديك، الثلاثة يروونه عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد (^٢).\nومراد أبي زرعة أن الليث خالفه ابن أبي فديك في الرواية عن هشام بن سعد، عن زيد، وكذلك مالك، وحفص بن ميسرة، حين روياه عن زيد بن أسلم، فخولف الليث في طبقتين.\nوقد مر عدد من الباحثين بعبارة أبي زرعة فاستشكلوها، وحملها بعضهم أولا على ظاهرها، ووجد في المصادر أن مالكا، وحفص بن ميسرة، إنما يرويان الحديث عن زيد مباشرة، فنصب اختلافا على مالك، وحفص بن ميسرة، على وجهين، أحدهما ما في المصادر، وهو كونهما يرويانه عن زيد مباشرة، والثاني ما ذكره أبو زرعة، وهو أنهما يرويانه عن هشام بن سعد، عن زيد، ثم عاد الباحث وأبدى احتمالا آخر، وهو أن يكون في النسخ تحريف وسقط، وقال:\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٨.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٣٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٨٧)، و«سنن أبي داود» حديث (١٦٥٩)، و«موطأ مالك» ٢: ٤٤٤.","vol":"1","page":81},{"text":"«والصواب -والله أعلم- في العبارة: إنما الصحيح كما رواه مالك، وحفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، وما رواه ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم».\nوما ذكر الباحث أنه الصواب هو مراد أبي زرعة بلا شك، غير أن العبارة مستقيمة، لا سقط فيها ولا تحريف، وهي طريقة للنقاد، لا بد للباحث أن يدركها لئلا يستشكل كلامهم، وليتقن مسار الأسانيد حين يستخدمونها، وأيضا يتعود عليها ليستخدمها هو، حيث يحتاج لتلخيص الطرق، وعرضها للقارئ، كما سيأتي معنا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب.\nومما ينبغي التنبه له كذلك فيما يورده النقاد من طرق معلقة - أنهم يحذفون من وسط الإسناد بعد المدار بعض رواته، لكون السياق دالا عليهم، يفعلون هذا كثيرا، من باب الاختصار، وتلخيص الكلام.\nومن صور ذلك أن يقول الناقد -مثلا-: روى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ورواه أبان بن يزيد، عن أبي سلمة مرسلا، ورواه الأوزاعي، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nفرواية أبان بن يزيد، والأوزاعي، ليست عن أبي سلمة مباشرة، والمقصود أن أبان بن يزيد رواه عن يحيى بن أبي كثير فجعله عن أبي سلمة مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى بن أبي كثير، فجعله عن أبي سلمة، عن عائشة، وأسقط ذكر يحيى في عرض روايتيهما للعلم به، فإن أبان بن يزيد، والأوزاعي، من","vol":"1","page":82},{"text":"أصحاب يحيى بن أبي كثير، وقد تقدم ذكره في الإسناد الأول، فالمدار عليه.\nوأكتفي هنا بمثال واحد، قال الدوري: «حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «نهى عن عسيب الفحل»، قال يحيى: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وهذا خطأ، إنما هو حديث ابن أبي ليلى» (^١).\nفقول ابن معين: وحدث به ابن أبي شيبة، عن ابن جريج، عن عطاء، مراده: حدث به عن وكيع، عن ابن جريج، عن عطاء، فابن أبي شيبة لم يدرك ابن جريج.\nوربما أسقط الناقد أكثر من راو، فيقول مثلا: ورواه الأوزاعي، عن عائشة، أي عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة.\nوربما وقع بسبب الاختصار شيء من الغموض، إما بسبب الاختصار الشديد، أو لمخالفته شيئا مما وقف عليه الباحث خارج كلام الناقد، فيحتاج حينئذ إلى التأمل في السياق، والنظر في المصادر الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، وغير ذلك، مثله مثل قضايا هذا الفن الأخرى، قد تكون ظاهرة لا تحتاج إلى عناء، وقد تحتاج إلى نظر الباحث واجتهاده، والغالب في اختصار النقاد للأسانيد وضوح غرضهم ومقصدهم، فهذا يكون الأمر فيه بدهيا بالنسبة للباحث المتخصص، وما يندر منه يعالجه الباحث وفق ما يحف به من قرائن.\nفمن ذلك قول أبي داود: «سمعت أحمد ذكر له حديث جرير، عن منصور،\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٤٩٣.","vol":"1","page":83},{"text":"عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ -: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة …»، قال: هذا: سفيان وغيره، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يعني يرويه سفيان وغيره، عن منصور، عن ربعي، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - … -» (^١).\nفاحتاج أبو داود إلى بيان مراد أحمد في صفة رواية سفيان الثوري ومن معه، حيث اختصرها أحمد جدا.\nوقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد سئل عن حديث عقبة بن عامر: «أن أخته نذرت أن تحج حافية …»، قال: روح يقول: يحيى بن أيوب، وابن بكر، وعبدالرزاق يقولان: سعيد بن أبي أيوب -يعني: يقولون عن ابن جريج، عنهما-» (^٢).\nأوضح أبو داود أن روح بن عبادة، ومحمد بن بكر، وعبدالرزاق، يروون هذا الحديث عن ابن جريج، فسمى روح شيخ ابن جريج: يحيى بن أيوب، وسماه الآخران: سعيد بن أبي أيوب (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٣٩١، وحديث حذيفة أخرجه أبو داود حديث (٢٣٢٦)، والنسائي حديث (٢١٢٥)، وحديث الرجل أخرجه النسائي حديث (٢١٢٦)، والدارقطني ٢: ١٦١، وقد قيل فيه عن منصور، عن ربعي مرسلا، وهذه رواية الحجاج بن أرطاة، أخرجه النسائي حديث (٢١٢٧).\n(^٢) «مسائل أبي داود» ص ٤٤٤.\n(^٣) وقد وافق محمد بن بكر، وعبدالرزاق: هشام بن يوسف، وحجاج بن محمد، كما وافق روح بن عبادة: أبو عاصم الضحاك بن مخلد، انظر هذه الروايات في: «صحيح البخاري» حديث (١٨٦٦)، و«صحيح مسلم» حديث (١٦٤٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٢٩٩)، و«سنن النسائي» حديث (٢٣٣٨)، و«مسند أحمد» ٤: ١٥٢.","vol":"1","page":84},{"text":"وسأل الترمذي البخاري عما رواه أزهر بن سعد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي: «أن فاطمة شكت إلى النبي - ﷺ - مَجل يديها …» الحديث، فقال البخاري: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون، عن عبيدة، عن النبي - ﷺ -، مرسل» (^١).\nفقد يفهم من كلام البخاري أن الإرسال في موضعين، بين ابن عون، وعبيدة، بإسقاط ابن سيرين، وبين عبيدة، ورسول الله - ﷺ -، بدون ذكر علي، غير أن هناك دلائل تشير إلى أن مقصوده بالإرسال عدم ذكر علي فقط، وأنه اختصر الإسناد، فاقتصر على ذكر محل الاختلاف، وهو ذكر علي أو حذفه.\nفالنقاد الآخرون غير البخاري -وقد اتفقوا مع البخاري على تعليل الموصول بالمرسل- كلهم ذكر محمد بن سيرين، وإنما اختلفوا في صفة الإرسال بعد ذلك، هل هي بعدم ذكر عبيدة، أو بعدم ذكر علي؟ ومن ذلك قول البزار بعد أن أخرج الحديث بإسناده عن أزهر، وأشار إلى حديث آخر وصله أزهر أيضا: «وأخرجه إلي بشر بن آدم -ابن بنت أزهر- من أصل كتاب أزهر، فإذا فيه: عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة مرسلا، وكذلك حديث: «جاءت فاطمة\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ٢: ٩٠٩.","vol":"1","page":85},{"text":"﵂ …» مرسلا أيضا» (^١).\nوعلى هذا فعبارة البخاري تكتب هكذا: «يقولون: هو في كتاب أزهر، عن ابن عون: عن عبيدة، عن النبي - ﷺ -، مرسل»، بوضع نقطتين بعد ابن عون، فما بعدهما هو مراد البخاري، وهو محل الاختلاف بين الموصول والمرسل.\nوسئل الدارقطني عن حديث أبي سعيد الخدري، عن أبي بكر الصديق، أنه قال: «ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ …» الحديث، فقال: «يرويه الجريري، عن أبي نضرة، واختلف عنه، فرواه عقبة بن خالد، ويعقوب الحضرمي، عن شعبة، عن الجريري، عن أبي سعيد …، وغيرهما يرويه عن شعبة مرسلا، وكذلك رواه ابن علية، وابن المبارك، وعدة، عن سعيد (يعني الجريري) مرسلا، وهو الصحيح» (^٢).\nوصفة المرسل في كلام الدارقطني الأقرب أن يكون قصد به إسقاط أبي سعيد، في مقابل الموصول بذكره، لكن وجدت رواية شعبة على صفتين في الإرسال، إحداهما بإسقاط أبي سعيد، وهذه رواية عبدالرحمن بن مهدي (^٣)، والثانية بإسقاط أبي سعيد، وأبي نضرة، وجعله عن الجريري مرسلا، وهذه رواية\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (٥٥١).\n(^٢) «علل الدارقطني» ١: ٢٣٤. والموصول له طرق أخرى عن شعبة، ينظر: «سنن الترمذي» حديث (٣٦٦٧)، و«فضائل الصحابة» لخيثمة بن سليمان حديث (١٢٩)، و«تاريخ ابن عساكر» ٣٠: ٣٧.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٣٦٦٧).","vol":"1","page":86},{"text":"عفان بن مسلم (^١)، فاحتملهما كلام الدارقطني، وإن كان الأقرب هو الأول.\nوالوقوف على روايتي ابن علية، وابن المبارك، يساعد كثيرا في إيضاح كلام الدارقطني.\nوقد رأيت اضطرابا من بعض الباحثين في التعامل مع ما يعلقه النقاد، وفهم مسار الأسانيد، فمنهم من يبالغ في البيان، ويملأ حواشي الكتاب بالتنبيه على مراد الناقد حين ينقل نصه، فيقول في الحاشية: مراده كذا، مراده كذا، مع وضوح المراد، وسهولة فهمه من السياق، فهذا الصنيع غير مناسب.\nومن الباحثين من غابت عنه القضية من أساسها، أو حين يعالج نصا معينا، فقد ذكر أحد الباحثين قول ناقد: «روى سعيد: «من باع عبدا وله مال …»، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عمر، ورواه هشام، وهمام، عن عكرمة -وهو ابن خالد- عن الزهري».\nفعلق عليه الباحث بكلام قال في نهايته: «أما الإسناد الثاني فعلته التعليق، والانقطاع أيضا، لأنه لم يثبت أن هشاما، وهماما، من تلاميذ عكرمة بن خالد، بل شيخهما في هذا الحديث هو قتادة، وقد سقط من الإسناد هنا، بدليل ما ذكره المزي …».\nكذا قال الباحث، والناقد لم يرد أن هشاما، وهماما، رويا الحديث عن عكرمة بن خالد بلا واسطة، فمراده أنهما روياه عن قتادة، فجعلاه عنه، عن عكرمة بن خالد، عن الزهري، فلا انقطاع في الإسناد.\n_________\n(^١) «طبقات ابن سعد» ٣: ١٨٢.","vol":"1","page":87},{"text":"ونقل الترمذي عن البخاري قوله في حديث: «الصلاة مثنى، مثنى …»، وقد اختلف فيه شعبة، والليث بن سعد، على عبد ربه بن سعيد في الإسناد: «روى شعبة هذا الحديث عن عبد ربه بن سعيد، فأخطأ في مواضع، فقال: عن أنس بن أبي أنس، وهو عمران بن أبي أنس، وقال: عن عبدالله بن الحارث، وإنما هو: عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، وقال شعبة: عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ -، وإنما هو: ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس، عن النبي - ﷺ - …» (^١).\nفتصدى أحمد شاكر لتخريج رواية شعبة، وذكر أن شعبة يرويه عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، ثم قال: «ومن هنا تعرف خطأ البخاري -فيما نقله عنه الترمذي هنا … - من أن شعبة لم يذكر في الإسناد عبدالله بن نافع بن العمياء».\nكذا قال، والبخاري لم يخطئ، غاية ما فعل أنه اختصر الإسناد بالنص على موضع الخطأ، وأما الصواب فطواه البخاري، فشعبة مشترك فيه مع الليث بن سعد، فكلاهما قد ذكر عبدالله بن نافع بن العمياء، لكن شعبة أخطأ فقال: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، والصواب ما رواه الليث وقال فيه: عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، ونقل الترمذي كلام البخاري في «السنن»، و«العلل الكبير»، ولم يعترضه بشيء، وقد أخرج\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و«العلل الكبير» ١: ٢٥٨.","vol":"1","page":88},{"text":"رواية شعبة، وفيها ذكر عبدالله بن نافع بن العمياء.\nومما ينبغي التنبه له في قضية الأسانيد المعلقة ما يوجد من أسانيد تبدو لأول وهلة أنها معلقة غير موصولة، بسبب الفصل بينها وبين الإسناد الموصول أولا بالمتن، فيساق الإسناد أولا بدونها، فيظنه من لم يتمعن فيه أنه معلق.\nوقد وقع هذا كثيرا في «صحيح البخاري» فيظنه بعض الشراح أو غيرهم من تعليقات البخاري، ويضطر ابن حجر في شرحه للكتاب إلى التنبيه على أنه موصول (^١)، وربما ذكره على الاحتمال الراجح (^٢).\nومن أمثلة ذلك في غيره ما رواه أحمد قال: «حدثنا عتاب، قال: حدثنا عبدالله، قال: أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: «أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير»، قال: رفعه الحكم، قال شعبة: وأنا أكره أن أحدث برفعه، قال: وحدثني غيلان، والحجاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، لم يرفعه».\nذكر أحد الباحثين رواية غيلان بن جامع، والحجاج بن أرطاة، وعزاها إلى «مسند أحمد» ونبه إلى أنها معلقة، والصواب أنها موصولة بالإسناد المذكور قبل، فأحمد يرويه عن عتاب، عن عبدالله بن المبارك، عن شعبة، عن غيلان، والحجاج.\n_________\n(^١) «فتح الباري» ١: ١٩٦، ٣٧٤، ٥٢٢، ٢: ١٩، ٥١، ١٦٦، ٤٨٥، ٥١٥، ٣: ٥، ٥: ٢٣٩، ٢٦١، ٦: ١١٣، ٤٤٢، ٦١٤.\n(^٢) «فتح الباري» ٦: ٢٤٥.","vol":"1","page":89},{"text":"ثامنا: في جمع طرق الحديث تمهيدا للنظر فيها ومعالجتها العبرة بمدار الحديث، فأي طرق لهذا المتن تمر بذلك المدار فهي بغية الباحث، ولا تأثير في هذه المرحلة لما وقع بعد المدار، وعلى أي صفة هو.\nوعلى هذا لو افترضنا أن الحديث الذي مع الباحث يرويه في إسناد الباحث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، ثم وجد الباحث رواية سفيان بن عيينة لهذا الحديث بعينه عن عمرو بن دينار، عن جابر، ووجد رواية شعبة لهذا الحديث أيضا عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة، فالروايتان اللتان وقف عليهما الباحث من حديث جابر، ومن حديث أبي هريرة، هما من طرق حديثه، فالعبرة بالمدار وهو عمرو بن دينار، وهكذا لو جاء عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد مرسلا، فهو أيضا من طرق حديثه.\nواعتبار المدار قطب الرحى في جمع الطرق إحدى الخطوات الأولى الهامة في الطريق الصحيح لنقد المرويات، ومتى أغفل الباحث ذلك في مرحلة جمع الطرق، باعتبار هذه شواهد للحديث -كما هو متقرر في أذهان كثير من الباحثين- فقد وضع الباحث قدمه في خطوة هامة أيضا في الطريق الخطأ لنقد المرويات، وسيأتي لهذا زيادة بيان في عدة مواضع من هذا الكتاب في مناسبات هذه القضية.\nوما يقال في المدار المطلق للحديث يقال أيضا في المدارات النسبية له، فلو افترضنا أن سفيان، وشعبة، روياه كرواية حماد بن زيد، وجاء عن شعبة أيضا بصفة أخرى، كجعل الحديث عن جابر، أو أبي هريرة، فهذا كله من بغية الباحث","vol":"1","page":90},{"text":"وطلبته، لا يصح له أن يهمله، وهكذا، في صور وتشعبات لا تنتهي، أسها الأول هذه المرحلة -مرحلة جمع الطرق وتنسيقها-.\nوإذا أدركنا أن المدار-مطلقا كان أو نسبيا- هو محل نظر الباحث أثناء جمعه للطرق، فمن المهم هنا التأكيد على ضرورة اعتنائه بصفة الإسناد والمتن بعد المدار، فيدقق جيدا في الإسناد الذي وقف عليه، ويتمعن فيه من جهة صفة الرواية الموجودة فيه، هل هي موقوفة، أو مرفوعة؟ وهل هي موصولة، أو مرسلة؟ وهل فيها زيادة راو، أو حذف راو؟ ونحو ذلك.\nفهذا التدقيق في صفة الروايات له أثره البالغ في المراحل اللاحقة، فأي زلة فيه قد تنهي عمله برمته، ومع كثرة الأسانيد، وسعة المصادر، وتنوعها، قد يغفل الباحث لحظة فيقع في الخطأ، خاصة إذا كان في ابتداء أمره، في مرحلة الماجستير، أو الدكتوراه -مثلا-.\nومما يلزم لإتقان ذلك أن يكون لدى الباحث خبرة بصيغ الرواية والتحديث، ومصطلحاتها، يفرق بين الرواية عن الشخص، والرواية لقصة الشخص، وبين أن يكون الاسم موجودا في الإسناد، أو موجودا في المتن، يعرف الفرق بين صيغ الرفع الصريحة، وغير الصريحة، وصيغ الوقف.\nوالمتأمل في عمل الباحثين يرى خللا في هذا الجانب، فتسرد الروايات والطرق دون تمييز، وأكثر ما يكون ذلك -كما أسلفت- في بداية الطريق.\nمَرّ بي في تحقيق كتاب ابن الجوزي: «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث","vol":"1","page":91},{"text":"أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار: «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت، فأمرت أم سلمة أن تسأل رسول الله - ﷺ - …» الحديث، وقد ساقه ابن الجوزي من طريق معلى بن أسد، عن وهيب بن خالد، عن أيوب (^١).\nفقمت بتخريجه من طريق موسى بن إسماعيل، وعفان بن مسلم، عن وهيب، وفي روايتهما: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة بالقصة (^٢)، هكذا فيها: سليمان بن يسار، عن أم سلمة، صورته أنه يرويه عنها، ولم أبين ذلك في التخريج.\nوخرجته أيضا من طريق إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وعبدالوارث بن سعيد، عن أيوب السخيتاني، وفي رواية سفيان بن عيينة خاصة: عن أيوب، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة أنها قالت: «كانت فاطمة بنت أبي حبيش تستحاض …» (^٣)، ولم أبين ذلك.\nثم خرجته من طريق نافع، عن سليمان بن يسار، وقد اختلف فيه على نافع، وعلى من دونه، وموضع الشاهد هنا أنني ذكرت من طرقه طريق أنس بن عياض، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سليمان بن يسار، عن رجل، عن أم سلمة، هكذا ذكرته، والصواب أنه عن رجل من الأنصار: «أن امرأة كانت\n_________\n(^١) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (٣٣٦).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٢٧٨)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٢.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٣٠٢).","vol":"1","page":92},{"text":"تهراق الدماء …» (^١).\nوقرأت لأحد الباحثين تخريجا لهذا الحديث، صنع فيه مثل ما صنعت سواء بسواء.\nوالخطأ الذي وقعنا فيه في صميم مشكلة البحث، فمشكلته تدور حول الصواب في رواية سليمان له عن أم سلمة، هل هو يرويه عنها مباشرة، أو بواسطة رجل، أو يرسله فيروي القصة بنفسه؟ .\nوذكر ابن حجر طرق حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين …» الحديث، فقال محققه مستدركا عليه: «ويزاد: أحمد ٢/ ٤٧٩: ثنا محمد بن جعفر، وروح بن عبادة، كلاهما عن شعبة، وعن يحيى بن آدم، عن يزيد بن عبدالعزيز، كلاهما عن الأعمش، عنه، به» (^٢).\nكذا قال الباحث، ورواية يزيد بن عبدالعزيز هي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.\nوتعرض أحد الباحثين لتخريج رواية الدراوردي، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».\nثم قال الباحث: «وأخرجه البيهقي في «السنن» ١٠/ ١٩٢، وفي «الشعب» (٧٩٧٧)، من طريق يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان به».\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٧٦).\n(^٢) «إتحاف المهرة» ١٤: ٥٠٤.","vol":"1","page":93},{"text":"ورواية يحيى بن أيوب هذه من مرسل ابن عجلان، ليس فيها ذكر القعقاع بن حكيم، ومن بعده، والبيهقي ساقها علة لحديث الدراوردي (^١).\nوذكر أحد الباحثين رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن من الشعر حكمة».\nقال الباحث في تخريجه: «وأخرجه الطيالسي (٥٥٦)، والشافعي ٢/ ١٨٨ - ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٢٣٧ - عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود مرسلا».\nكذا قال الباحث، ورواية أبي داود الطيالسي موصولة، ليست مرسلة.\nوتعرض باحث آخر لرواية يونس بن يزيد، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين»، فقال الباحث: «ورواه عنبسة بن خالد -فيما أخرجه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٣/ ٤، ومن طريقه البيهقي في «السنن» ١٠/ ٦٩ - عن يونس، عن ابن شهاب، حدث أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا، قال البيهقي: هذا يدل على أنه لم يسمعه من أبي سلمة، وإنما سمعه من سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة».\nكذا نقل الباحث عن المصدرين، والذي في «المعرفة والتاريخ» هكذا: عن\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ١٠: ١٩٢، و«شعب الإيمان» حديث (٧٦٠٨ - ٧٦٠٩).","vol":"1","page":94},{"text":"ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن …، ثم هو فيه من كلام عائشة، ففيه: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين».\nوقام أحد الباحثين بتخريج حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، أو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ -، قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، فارتكب في تخريج الوجه الثاني\n-وهو عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ - عدة أخطاء في العزو، وفي صفة الروايات.\nمنها أنه خرج رواية جعفر بن سليمان، عن ثابت البناني، عن أبي بردة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ -، من «سنن النسائي الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٧٧)، والذي في «السنن»: عن أبي بردة، عن رجل من أصحابه، عن النبي - ﷺ -.\nوعزا إلى النسائي في «السنن الكبرى» (٦/ ١١٦ ح ١٠٢٨١) طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن النبي - ﷺ -، والذي فيه بهذا الرقم من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، وهو وجه لم يذكره الباحث، وأما رواية شعبة بدون ذكر ابن عمر فهي عند النسائي برقم (١٠٢٨٠).\nوخرج أيضا من «مسند البزار» (٨/ ١٢٠ ح ٣١٢٣)، طريق أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، وهذا الموضع عند البزار ليس من هذا الطريق، وإنما هو من طريق المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن","vol":"1","page":95},{"text":"أبي بردة، وأما طريق أبي إسحاق فهو في (٧/ ٣٧٢ ح ٢٩٧٠).\nووقوع الباحثين في مثل هذا -وهو كثير جدا- يقودنا إلى التنبيه على مثل ما تقدم في الفصل الذي قبل هذا، وهو استفادة الباحث من جهود السابقين في جمع الطرق غير أنه لا يعتمد عليهم في استقصائها، فقد يفوتهم شيء يقف عليه هو، فكذلك هنا، يستفيد من جهود من سبقه في العزو والتخريج، لكن لا يركن إلى عزوهم وتخريجهم، ووصفهم للروايات، وتصنيفها، وعليه أن يراجع المصادر، وينقل منها مباشرة.\nويوصى الباحث كذلك إذا رجع إلى المصدر -أيا كانت السبيل التي وصل بها إليه- أن يتأنى كثيرا، ويدقق في الإسناد الذي فيه، ويقرأه مرات عديدة، ويتأكد من رواته، ومن صفة الرواية فيه، قبل أن يلحقه برسمه التوضيحي.\nوبهذا المنهج تقل الأخطاء عند الباحث، فليس المطلوب منه أن لا يخطئ أبدا، فهذا من تكليف ما لا يطاق، وإنما المطلوب أن لا تكثر منه الأخطاء، وتتراكم عليه مع أخطاء غيره.\nتاسعا: يكثر في المصادر التحريف والسقط، في الأسانيد والمتون، ويهمنا هنا ما يتعلق بالأسانيد، فتتحرف الأسماء، وصيغ التحديث، وربما سقط بعض الإسناد فتداخل مع غيره، وقد يجتمع هذا كله.\nوهذا داء قديم، شكى منه الأولون، ومن طالع كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» رأى قدرا كبيرا مما وقع لبعض النسخ والروايات لـ «صحيحي البخاري ومسلم»، مع شدة الاعتناء بهما.","vol":"1","page":96},{"text":"ثم استفحل هذا الداء في الوقت الراهن بصفة مفزعة، لانتشار الطباعة، وطباعة الكتب دون تحقيق، أو بتحقيق غير جيد -وما أكثر ذلك-.\nومن أمثلة هذا الإسناد الماضي في الفقرة سادسا، فقد وقع في «مسند أحمد» هكذا: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، ومجاهد …، وفيه خطأ، فأبو معاوية، ووكيع، لا يرويانه عن الأعمش، ومجاهد، وإنما يرويانه عن الأعمش، عن مجاهد.\nومر بعض الباحثين وهو يحقق كتابا مشهورا من كتب السنة بحديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كلمتان خفيفتان على اللسان …» الحديث، فقال الباحث في تخريجه بعد أن خرجه من مصادر عديدة من طريق محمد بن فضيل: «وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» ١٠/ ٤٠٠ من طريق العباس بن يزيد بن فضيل، عن عمارة، به».\nكذا صنع الباحث، والسقط ظاهر في هذا الإسناد، وليس في الرواة من اسمه العباس بن يزيد بن فضيل، وهذا الحديث يتفرد به محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، لا يعرف إلا من طريقه، كما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الأول، ولعل الصواب: العباس بن يزيد، عن ابن فضيل، والعباس بن يزيد هو البحراني، يروي عن محمد بن فضيل.\nوروى مسلم بإسناده عن إسماعيل بن علية، عن حميد الطويل، عن أبي","vol":"1","page":97},{"text":"رافع، عن أبي هريرة: «أنه لقي النبي - ﷺ - في طريق من طرق المدينة وهو جنب …» الحديث (^١).\nكذا وقع في النسخة، وفيها سقط، فحميد يرويه عن بكر بن عبدالله المزني، عن أبي رافع، قال ابن حجر: «سقط بكر بن عبدالله من السند في أكثر النسخ من «صحيح مسلم»، وثبت في بعضها من رواية بعض المغاربة، وكذا هي عندي بخط أبي الحسن المرادي الراوي عن الفراوي» (^٢).\nوروى عبدالرزاق، عن ابن جريج، وعمرو بن دينار، أن حسن بن محمد أخبره: «أن فاطمة بنت النبي - ﷺ - دفنت بالليل …» الحديث (^٣).\nكذا وقع في النسخة، وصوابه: … عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار …، فعبدالرزاق لم يدرك عمرو بن دينار، وإنما يروي الحديث عنه بواسطة ابن جريج، ورواه مرة أخرى عن ابن عيينة، عن عمرو (^٤).\nومن ذلك ما وقع في بعض طبعات «تفسير الطبري» … عن عمرو بن الحارث، عن أبي الشيخ، عن عبدالرحمن بن جبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - أنه قال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: «الرؤيا الصالحة\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣٧١).\n(^٢) «النكت الظراف» ١٠: ٣٨٥، وانظر: «تقييد المهمل» ٣: ٧٩٧.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٥٥٤).\n(^٤) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٥٥٥).","vol":"1","page":98},{"text":"يبشر بها العبد …» (^١).\nفقوله: عن أبي الشيخ، صوابه: عن أبي السمح، واسمه دراج (^٢)، وقد خرج أحد المشايخ الفضلاء في تحقيقه لكتاب من كتب السنة هذا الحديث، فنقل هذا الإسناد من «تفسير الطبري» كما هو، وجعل أبا الشيخ متابعا لأبي السمح، وهو هو وقع فيه تحريف.\nومن ذلك ما وقع في «تفسير الطبري» أيضا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو فضيل، قال: حدثنا أبي، عن عمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة، عن عمرو بن حمزة البجلي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء …» (^٣).\nوالصواب في هذا الإسناد هكذا: حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن فضيل، قال: حدثنا أبي، وعمارة بن القعقاع الضبي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة (^٤).\nوقد قيل في هذا الإسناد عن «عمر» مكان «أبي هريرة»، خرجه جماعة منهم\n_________\n(^١) «تفسير الطبري» ١١: ١٣٥.\n(^٢) «مسند أحمد» ٢: ٢١٩، و«تفسير الطبري» ١١: ١٣٧، و«شعب الإيمان» حديث (٤٤٣٢).\n(^٣) «تفسير الطبري» ١١: ١٣٢.\n(^٤) «سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٢٣٦)، و«شعب الإيمان» حديث (٨٥٨٤)، لكن وقع فيه: «عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع» وهو خطأ، وفي تخريج محققه ما يدل على أنه اعتمد هذا الخطأ، وانظر: «الإخوان» لابن أبي الدنيا حديث (٥)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦١١٠)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٥٧٣).","vol":"1","page":99},{"text":"أبو نعيم في «الحلية»، ووقع فيه أيضا تحريف، لكنه أخف مما وقع في تفسير الطبري، فوقع فيه هكذا: … عن قيس بن الربيع، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن عمر (^١).\nوذكره الشيخ أيضا في تحقيقه للكتاب المشار إليه، شاهدا لحديث أبي هريرة، ثم قال: «وهذا إسناد جيد».\nوصواب الإسناد: … عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر (^٢)، وأبو زرعة هذا لم يدرك عمر بن الخطاب (^٣).\nوسئل الدارقطني عن حديث حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب»، فقال: «يرويه خبيب بن عبدالرحمن، واختلف عنه، فرواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب مرفوعا، واختلف عن شعبة، فرفعه الحميدي، عن شعبة، ووقفه غيره، والصحيح عن شعبة الموقوف، والصحيح عن عبيدالله المرفوع» (^٤).\nكذا في النسخة: الحميدي، عن شعبة، والحميدي لم يدرك شعبة، ففي العبارة تصحيف أو سقط، ولا بد (^٥).\n_________\n(^١) «حلية الأولياء» ١: ٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٧)، و«شعب الإيمان» حديث (٨٥٨٥ - ٨٥٨٦)، و«تفسير الواحدي» ٢: ٥٥٢، و«تفسير الطبري» ١١: ١٣٢، و«تفسير ابن أبي حاتم» حديث (١٠٤٥٣).\n(^٣) «شعب الإيمان» بعد حديث (٨٥٨٤)، و«تهذيب التهذيب» ١٢: ٩٩.\n(^٤) «علل الدارقطني» ١٠: ٢٧٧.\n(^٥) وهو في الطبعة الجديدة بتحقيق الشيخ محمد الدباسي (٥/ ١٩٢) على الصواب: «فرفعه الجُدِّي\n\nعن شعبة»، وذكر المحقق أنها في إحدى النسختين هكذا.","vol":"1","page":100},{"text":"وكما يقع الخطأ والتحريف في المصادر الأصلية، يقع أيضا في المصادر المؤلفة عليها، أو الناقلة عنها، مثال ذلك ما وقع في «إتحاف المهرة» لابن حجر، في سياقه لأسانيد حديث يحيى بن عباد أبي هبيرة، عن أنس الماضي ذكره في المبحث الثاني من الفصل الأول، فقد وقع فيه: «رواه أحمد، عن وكيع، عن سفيان، وعن أسود، عن إسرائيل، عن ليث، وعن حسين، عن إسرائيل، كلهم عن السدي، عنه (يعني عن يحيى بن عباد)، به، قط (يعني الدارقطني) فيه (يعني في الأشربة): عن الحسين بن إسماعيل، عن يعقوب الدورقي، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عنه به» (^١).\nكذا وقع في النسخة، ومثله بالنسبة لرواية أحمد ما في «أطراف المسند» (^٢)، وفي المصدرين خطأ، فرواية الليث التي عند أحمد إنما هي عن يحيى بن عباد مباشرة، لا عن السدي عنه (^٣)، ورواية معتمر بن سليمان التي عند الدارقطني هي عن الليث، عن يحيى بن عباد، وليست عن المعتمر، عن أبيه، عن يحيى (^٤).\nوذكر ابن حجر في ترجمة (الزهري، عن أنس) حديث: «أن النبي - ﷺ - كوى أسعد بن زرارة من الشوكة»، ثم قال في تخريجه: «الطحاوي في الكراهة، عن\n_________\n(^١) «إتحاف المهرة» ٢: ٣٧٩.\n(^٢) «أطراف المسند» ١: ٥٤٦.\n(^٣) انظر: «مسند أحمد» ٣: ٢٦٠.\n(^٤) انظر: «سنن الدارقطني» ٤: ٢٦٥، ٢٦٦، و«سنن الترمذي» حديث (١٢٩٣).","vol":"1","page":101},{"text":"فهد، عن الحماني، وعن ابن أبي داود، حدثنا محمد بن المنهال، كلاهما عن يزيد بن زريع، عنه به» (^١).\nفسياق الإسناد هكذا معناه أن يزيد بن زريع يرويه عن الزهري، وليس هذا هو المراد، فيزيد يرويه عن معمر، عن الزهري، وسقط اسم معمر من النسخة، وهو على الصواب عند الطحاوي (^٢).\nوفي حديث واحد وقع خطأ في المصدر الأصلي، أمكن تصحيحه من مصدر فرعي، والعكس كذلك، فقد روى ابن خزيمة، قال: «حدثنا الصنعاني، حدثنا بشر، حدثنا حميد، قال: إما سمعت أنسا، وإما عن ثابت، عن أنس، ح، وحدثنا محمد بن يحيى بن فياض، حدثنا عبدالصمد، حدثنا حميد، عن ثابت، عن أنس: «أن رسول الله - ﷺ - رأى شيخا كبيرا يهادى بين ابنيه …» الحديث» (^٣).\nفقوله في الإسناد الثاني: «حدثنا عبدالصمد» تحريف، والصواب: «حدثنا عبدالأعلى»، وتصويبه من «إتحاف المهرة»، قال ابن حجر في ذكر طرق حديث أنس هذا من ابن خزيمة: «خز، في الحج: حدثنا محمد بن يحيى ابن فياض، حدثنا عبدالأعلى، عنه (يعني عن حميد) به، وعن الصنعاني، عن بشر بن المفضل، عن عبدالأعلى، حدثنا حميد، قال: إما سمعت أنسا، وإما عن ثابت، عن أنس، به» (^٤).\n_________\n(^١) «إتحاف المهرة» ٢: ٣١٠.\n(^٢) «شرح معاني الآثار» ٤: ٣٢١.\n(^٣) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٠٤٤).\n(^٤) «إتحاف المهرة» ١: ٥١٧.","vol":"1","page":102},{"text":"وقوله في «الإتحاف» في الإسناد الثاني: «عن بشر بن المفضل، عن عبدالأعلى، حدثنا حميد» صوابه: «عن بشر بن المفضل، حدثنا حميد»، ليس فيه عبدالأعلى، فبشر يرويه مباشرة عن حميد، وهو على الصواب في «صحيح ابن خزيمة».\nوبعض الباحثين يدقق ويراجع حين يعرف أن المصدر كثير الأخطاء والتحريف في طباعته، ويستروح لعمل غيره إذا كان الكتاب قليل الأخطاء، ولا شك أن هذا الباحث ستقل عنده الأخطاء، فلا يقارن بمن يجمع الأسانيد من أي مصدر كان دون تمحيصها والنظر في صوابها، غير أن من يستروح لعمل غيره قد يقع في الخطأ أيضا.\nتعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على معمر بن راشد في روايته عن الزهري، حديث نومه - ﷺ - عن صلاة الفجر، فذكر الباحث الاختلاف على معمر في هذا الحديث وصلا وإرسالا، وذكر أشهر من رواه مرسلا، ومن رواه موصولا، فعبدالرزاق يرويه عن معمر، عن الزهري، عن سعيد مرسلا، وأبان العطار يرويه عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة موصولا، فهاتان روايتان مشهورتان عن معمر (^١).\nثم ذكر الباحث أنه وقف على متابع لأبان، وهو عبدالله بن المبارك، وعزا\n_________\n(^١) رواية عبدالرزاق هي في «المصنف» حديث (٢٢٣٧)، ورواية أبان العطار أخرجها أبو داود حديث (٤٣٦)، وذكر الدارقطني في «العلل» ٧: ٢٨٧، أن سعيد بن أبي عروبة، ويزيد بن زريع، روياه كذلك عن معمر مرسلا.","vol":"1","page":103},{"text":"روايته لـ «سنن النسائي» (^١)، وبنى على هذه الرواية حفظ الوجهين عن معمر، نظرا لقوة ابن المبارك في معمر، في مقابل رواية عبدالرزاق، وهو أيضا قوي في معمر، ورد بهذه المتابعة على من رجح حفظ الإرسال عن معمر، وأطال في ذلك وردده.\nولو صحت هذه الرواية لكان كلام الباحث متجها، غير أنها لا تصح، فالصواب أن رواية ابن المبارك أيضا مرسلة، وما وقع من الوصل خطأ في النسخة أمكن تصحيحه من «تحفة الأشراف» (^٢).\nوروى أبو يعلى قال: «حدثنا عبيدالله، حدثنا خالد، ويحيى، قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم …» الحديث» (^٣).\nكذا وقع في النسخة، والصواب: قالا: حدثنا سعيد، وهو ابن أبي عروبة، وليس شعبة، هكذا هو في المصادر من طريق خالد بن الحارث، ويحيى\nالقطان، وغيرهما، وهو عند البيهقي من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي،\nعن خالد، ويحيى، جميعا (^٤)، وقد رواه أبان العطار، وهمام، عن قتادة\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٦١٩).\n(^٢) «تحفة الأشراف» ١٠: ٧٣، ١٣: ٢١٥.\n(^٣) «مسند أبي يعلى» تحقيق سليم أسد (٣١٩١)، وتحقيق إرشاد الأثري حديث (٣١٨٠).\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (٧٥٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٩١٣)، و«سنن النسائي» حديث (١١٩٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٤٤)، و«مسند أحمد» ٣: ١٠٩، ١١٥، ١١٦، ١٤٠، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٢٤٠، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١١٩٦)، و«سنن الدارمي» حديث (١٣٠٢)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٧٥ - ٤٧٦)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٩١٨)، (٢٩٦٥)، (٣١٦٠)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٢٨٤)، و«سنن البيهقي» ٢: ٢٨٢.","vol":"1","page":104},{"text":"أيضا (^١)، وأما شعبة فكان ينكر أن يكون قتادة سمع هذا من أنس (^٢).\nوبمناسبة الحديث عن تحقيق الكتب فمن المهم جدا بالنسبة للباحث أن يتنبه لتصرفات المحققين لكتب المرويات التي يقومون بتحقيقها، فلا يقلدهم فيما يتصرفون فيه بالزيادة والنقص، أو التغيير، فإن كثيرا منهم يفعل ذلك دون دراسة وتمحيص، فإذا وجد في المصادر شيئا يخالف نسخه المخطوطة للكتاب الذي يحققه تصرف في الإسناد وفق ما في هذه المصادر، غير مفرق بين ما هو من خطأ النساخ ويحسن تغييره أو الإشارة إليه، وبين ما هو هكذا في أصل الرواية عند المؤلف، وهذا موضع دقيق جدا، أحد أعمدة قواعد التحقيق للكتب، وربما غير المحقق بناء على اجتهاده ونظره في الطرق، وإن لم ترشده المصادر إليه.\nومثله ما إذا اختلفت نسخ الكتاب، واختار المحقق ما جاء في بعضها، وجعل ما في غيرها خطأ، أو مرجوحا، فالباحث غير ملزم برأي المحقق، بل ليس له أن يتابعه إلا بعد نظر وفحص.\nأخرج عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن سليمان\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٢٥٨، و«مسند الطيالسي» حديث (٢١٣١).\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٢٢. وانظر مثالا آخر في «صحيح ابن حبان» حديث (٢٢٦٤) طبعة الحوت، وحديث (٢٢٦٧) طبعة الأرنؤوط، و«إتحاف المهرة» ٢: ١٧٥.","vol":"1","page":105},{"text":"بن بريدة، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة، حتى كان يوم الفتح، فصلى الظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد» (^١).\nوزاد محقق الكتاب بين معكوفتين (عن أبيه) بعد سليمان بن بريدة، وعلل ذلك بأنه وجده في المصادر هكذا من حديث بريدة، وفي بعضها عزوه لعبدالرزاق، وأطال في ذلك.\nوما صنعه المحقق خطأ فاحش لا يقلد فيه، ويخرج الإسناد من «المصنف» كما هو مرسلا، فهذا الحديث اختلف فيه على الثوري، فرواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وعبدالرزاق -كما هو في هذه الرواية- مرسلا، ورواه وكيع، ومعتمر بن سليمان، ومعاوية بن هشام، عن الثوري موصولا بذكر بريدة بن الحصيب، والمشهور في الوصل رواية وكيع، ورجح النقاد رواية الإرسال، لجلالة عبدالرحمن، وأبي نعيم، وتقدمهما في الثوري (^٢).\nوقد رواه سفيان أيضا عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، ولم يختلف عن سفيان في ذلك، اتفق عليه أصحابه، ومنهم عبدالرزاق (^٣).\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥٧).\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٦١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥١٠)، و«تفسير الطبري» ٦: ١١٤، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٨.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٧)، و«سنن أبي داود» حديث (١٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٦١)، و«سنن النسائي» حديث (١٣٣)، و«مسند أحمد» ٥: ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٨، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥٨)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٤١، و«سنن البيهقي» ١: ١٦٢، ١٧٢.","vol":"1","page":106},{"text":"وأخرج أبو يعلى عن محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن روح، عن عبدالله بن سمعان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «سألت رسول الله - ﷺ - عن الرجل يطأ بنعليه في الأذى …» الحديث (^١).\nحذف محقق الكتاب جملة (عن أبيه)، وقال في الحاشية: «في الأصلين: عن القعقاع بن حكيم، عن أبيه، عن عائشة، وما علمنا للقعقاع رواية عن أبيه، وليس في الرواة عن عائشة من اسمه حكيم، وكأن الناسخ نسخ القعقاع، ونظر إلى سعيد المقبري، فظن أنه يروي عن أبيه، عن أبي هريرة هذا الحديث، فأثبته خطأ، والله أعلم».\nفالباحث حين يخرج هذا الإسناد من «مسند أبي يعلى» يذكره بإثبات هذه الجملة، ورأي المحقق لا يصح أن يتابعه فيه، فهي موجودة في الإسناد في مصادر أخرى، فأخرجه ابن عدي، عن أبي يعلى به (^٢)، وأخرجه العقيلي، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن المنهال به (^٣)، والإسناد كله من مجازفات عبدالله بن زياد بن سمعان، فهو متروك الحديث، متهم بالكذب، فلا يستقيم ما ذكره المحقق من مبررات حذف الجملة.\nوروى الدارقطني من طريق محمد بن عبدالملك بن زنجويه، حدثنا عبدالله\n_________\n(^١) «مسند أبي يعلى» حديث (٤٨٦٩).\n(^٢) «الكامل» ٤: ١٤٤٥.\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ٢: ٢٥٦.","vol":"1","page":107},{"text":"بن الزبير، حدثنا سفيان، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود، قال: «ناولت النبي - ﷺ - حجرين وروثة …» الحديث (^١).\nهكذا في النسخة، إلا أنه سقط منها لفظة (حدثنا) بين عبدالملك، وعبدالله بن الزبير، غير أن محقق الكتاب زاد عليها حين أضافها، فجاء عنده الإسناد هكذا: … محمد بن عبدالملك بن زنجويه [حدثنا محمد بن] عبدالله بن الزبير، حدثنا سفيان …\nولم يصب المحقق في هذه الزيادة، إذ صار الراوي في الإسناد كما أثبته المحقق محمد بن عبدالله بن الزبير أبا أحمد الزبيري، وسفيان على هذا هو الثوري، يروي عن إسرائيل بن يونس، وهو أصغر منه، والصواب أنه عبدالله بن الزبير الحميدي، صاحب «المسند» المعروف، وسفيان هو ابن عيينة، وقد ذكر الدارقطني روايته على هذه الصفة قبل ذلك، فذكر أن الحميدي رواه عن ابن عيينة، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، وساقه بإسناده بعد ذلك، وأما أبو أحمد الزبيري فذكر الدارقطني أنه يرويه عن إسرائيل مباشرة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه (^٢)، وهكذا أدى اجتهاد المحقق إلى اختلاط الأسانيد، فلا يقلده الباحث في ذلك.\nوروى ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن شعبة، عن قتادة، وحميد،\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٥: ٣٤.\n(^٢) «علل الدارقطني» ٥: ٢٥، ٢٦.","vol":"1","page":108},{"text":"عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها …» الحديث.\nهكذا في إحدى نسخ الكتاب، وفي الإسناد عطف، فأبو خالد يرويه عن شعبة، عن قتادة، عن أنس، ويرويه، عن حميد، عن أنس، لكن المحقق أثبت الإسناد من نسخة أخرى هكذا: عن شعبة، عن قتادة، عن حميد، عن أنس، فجعله من رواية قتادة، عن حميد، وذكر في الحاشية أنه جاء في نسخة بالواو، أي عن أبي خالد، عن شعبة، عن قتادة، وحميد، عن أنس، وأن ما فيها خطأ.\nكذا صنع محقق الكتاب، وما خطأه هو الصواب، كما تقدمت الإشارة إليه في الخامس من هذه التنبيهات.\nوروى ابن خزيمة من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن عقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «صلاة الرجل في الجميع تفضل على صلاته وحده بخمس وعشرين» (^١).\nهكذا في نسخته الخطية، لكن محققه غير الإسناد فجعله هكذا: عن شعبة، عن قتادة، وعقبة بن وساج، عن أبي الأحوص، والصواب ما في النسخة الخطية، هكذا هو في «إتحاف المهرة»، عن ابن خزيمة (^٢)، وهو أيضا كذلك في المصادر الأخرى (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٤٧٠).\n(^٢) «إتحاف المهرة» ١٠: ٤١٦.\n(^٣) «مسند أحمد» ١: ٤٣٧، و«التاريخ الكبير» ٦: ٤٣٢، و«مسند البزار» حديث (٤٥٥)، و«مسند الشاشي» حديث (٧٠٤)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢٢، و«المعجم الكبير» حديث (١٠١٠٠)، غير أنه سقط من «مسند أحمد» ذكر قتادة، وقد نبه عليه محققوه، حديث رقم (٤١٥٨) طبعة مؤسسة الرسالة.\nوانظر مثالا آخر في «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٣)، و«إتحاف المهرة» ٢: ٦٤٤.","vol":"1","page":109},{"text":"وروى الخطيب من طريق عبدالرحمن بن مهدي، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، قال: «كان النبي - ﷺ - يكره أن توطأ عقباه، ولكن عن يمين وشمال».\nفعلق عليه المحقق بقوله: «الظاهر أنه سقط باقي الإسناد: عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو» (^١).\nكذا قال، وكأنه قال ذلك لما رآه عند الحاكم من طريق شيبان، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن شعيب بن محمد، عن عبدالله بن عمرو، ومن طريق أمية بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو (^٢).\nوما استظهره المحقق ليس بظاهر، فهذه رواية، وما عند الحاكم روايتان أخريان، فبينهما اختلاف أيضا.\nوأخرج ابن خزيمة من طريق روح، عن المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة بن الحصيب، قال: «دخل قوم على\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ١: ٣٩٧.\n(^٢) «المستدرك» ٤: ٢٧٩ - ٢٨٠.","vol":"1","page":110},{"text":"رسول الله - ﷺ -، فجعلوا يسألونه، ويقولون: أعطنا …» الحديث (^١).\nهكذا في جميع نسخ الكتاب الخطية، غير أن محقق الكتاب حذف اسم بريدة بن الحصيب، بحجة أنه خطأ، وأثبت مكانه عمران بن حصين، لكونه وجده في بعض مصادر التخريج عن عمران.\nوتصرف المحقق غير مناسب أبدا، وذكر بريدة في الإسناد صواب، فهكذا يرويه المسعودي، عن أبي صخرة جامع بن شداد، في بعض الطرق عن المسعودي، على اختلاف عليه في ذكر الواسطة بين جامع بن شداد، وعبدالله بن بريدة.\nوأما جعله عن عمران بن حصين فهي رواية الثوري، والأعمش، وكذا المسعودي في بعض الطرق إليه، وكان المسعودي يضطرب فيه، لكونه اختلط، وسيأتي بيان ذلك في الفصل الثاني من الباب الثالث.\nوروى ابن حبان، عن أبي يعلى، عن عبيدالله بن عمر القواريري، عن يحيى القطان، عن عبيدالله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن عمر بن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام: «أن عمار بن ياسر صلى ركعتين فخففهما، فقال له عبدالرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، أراك قد خففتهما …» الحديث.\nهكذا أخرجه، وعلق عليه بقوله: «هذا إسناد يوهم من لم يحكم صناعة العلم أنه منفصل غير متصل، وليس كذلك، لأن عمر بن أبي بكر سمع هذا الخبر عن جده عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن عمار بن ياسر، على ما ذكره\n_________\n(^١) «التوحيد» حديث (٥٩٣).","vol":"1","page":111},{"text":"عبيدالله بن عمر، لأن عمر بن أبي بكر لم يسمعه من عمار، على ظاهره» (^١).\nيريد ابن حبان أن ظاهر الإسناد هو رواية عمر بن عبدالرحمن بن أبي بكر للقصة بنفسه، لقوله هو: «أن عمار بن ياسر …»، وهو لم يدرك عمارا، فهو منقطع، ولكن حقيقة الإسناد أن عمر سمعه من جده صاحب القصة مع عمار، فهو متصل.\nهكذا يقول ابن حبان، يعلق على هذا الإسناد كما رواه هو، سواء أصاب في هذا الإسناد، والتعليق عليه، أو أخطأ، وقد اضطر ابن حبان إلى هذا التعليق لكونه سقط عليه من الإسناد جملة (عن أبيه)، بعد عمر، فعمر يرويه عن أبيه أبي بكر بن عبدالرحمن، هكذا هو في «مسند أبي يعلى»، بهذا الإسناد (^٢)، وهكذا رواه جماعة عن يحيى القطان (^٣).\nوقد اجتهد محقق «صحيح ابن حبان»، فأضاف جملة (عن أبيه) في الإسناد، ونبه عليه، غير أن الباحث حين التخريج لا يقلده في هذا، بل ينقل الإسناد من ابن حبان كما رواه هو، وليس كما في المصادر الأخرى، فهو خطأ رواية إذن، وليس خطأ نساخ، وبإضافة هذه الجملة لا يستقيم تعليق ابن حبان.\nوجاء في إحدى طبعات «مصنف ابن أبي شيبة» هذا الإسناد: حدثنا\n_________\n(^١) «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٨٩).\n(^٢) «مسند أبي يعلى» حديث (١٦١٥).\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١١)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١٩، و«مسند البزار» حديث (١٤٢٠).","vol":"1","page":112},{"text":"ابن نمير، عن مجالد، عن عامر، عن [الحارث] بن عبدالله، عن علي، عن\nالنبي - ﷺ -: «أنه لعن عشرة …» الحديث (^١).\nوذكر محقق النسخة أن كلمة (الحارث) سقطت من جميع نسخ «المصنف» المخطوطة، وأنه زادها من بعض مصادر التخريج.\nولم يصب المحقق في هذه الزيادة، فالصواب: عن جابر بن عبدالله، عن علي، هكذا رواية ابن نمير، عن مجالد، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في موضع آخر هكذا (^٢)، وهي رواية مشهورة وقع فيها وهم (^٣)، فقد رواه الجماعة عن مجالد، عن عامر، عن الحارث بن عبدالله، عن علي، وكذلك رواه جماعة عن عامر الشعبي، وهي الروايات التي وجدها المحقق في بعض مصادر تخريج الحديث، ورواه أشعث بن عبدالرحمن، عن مجالد، عن عامر، عن جابر بن عبدالله، وعن الحارث، عن علي، عن النبي - ﷺ -، فيحتمل أن يكون ابن نمير خلط بين الإسنادين، أو مجالد فعل ذلك حين حدث به ابن نمير، ويحتمل أن يكون ذلك وقع من ابن أبي شيبة (^٤).\nوبسبب تصرفات المحققين للكتب واجتهاداتهم فالباحث يوصى بقراءة حواشي الكتب، وما ينبه عليه المحقق، فقد يكون ما لم يثبته هو الصواب.\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٧٢٥٦).\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (٣٧١٨٩).\n(^٣) «علل الدارقطني» ٣: ١٥٥، و«تحفة الأشراف» ٧: ٣٥٠.\n(^٤) ينظر رسالة «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» لسارة الشهري، حديث (١٥).","vol":"1","page":113},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-74>قضية التغيير في النسخة خطأ قد شكى منه الأولون</span>، فروى أبو الأحوص سلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق -والد سفيان الثوري-، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده رافع بن خديج، قال: «قلت للنبي - ﷺ -: إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى …» الحديث (^١).\nورواه الثوري، وشعبة، وزائدة، وغيرهم، عن سعيد بن مسروق، عن عباية، عن جده رافع، ليس فيه: «عن أبيه» (^٢).\nورواية أبي الأحوص رواها البخاري عن مسدد، عنه، وقد جاءت هكذا في معظم روايات ونسخ «صحيح البخاري»، قال أبو علي الجياني: «وسقط قوله: عن أبيه، في نسخة ابن السكن وحده، إنما عنده: عن عباية بن رفاعة، عن جده، وأظنه من إصلاح ابن السكن، والأولى في رواية أبي الأحوص أن يكون فيه: عن أبيه، عن جده، لأنه تنص الرواية كما حفظت عن راويها، على ما فيها».\nثم ذكر أبو علي الجياني أن عبدالغني بن سعيد الحافظ ظن أن الإسقاط من\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٥٥٤٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٨٢١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٤٩١ - ١٤٩٢)، (١٦٠٠)، و«سنن النسائي» حديث (٤٤١٦).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٤٨٨)، (٣٠٧٥)، (٥٤٩٨)، (٥٥٠٣)، (٥٥٠٦)، (٥٥٠٩)، (٥٥٤٣ - ٥٥٤٤)، و«صحيح مسلم» حديث (١٩٦٨)، و«سنن الترمذي» حديث (١٤٩١ - ١٤٩٢)، (١٦٠٠)، و«سنن النسائي» حديث (٤٣٠٨)، (٤٤١٥)، (٤٤٢١ - ٤٤٢٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣١٣٧)، (٣١٧٨)، (٣١٨٣)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٦٣، ٤: ١٤٠، ١٤٢.","vol":"1","page":114},{"text":"البخاري، بسبب أن عبدالغني وقف على رواية ابن السكن، قال أبو علي: «وإنما تكلم عبدالغني على ما وقع في رواية ابن السكن، فإنه روى عنه بإسقاط أبيه، وظن عبدالغني أنه من عمل البخاري، وليس كذلك، لأن الأكثر من الرواة (يعني عن البخاري) يقولون: عنه، عن أبيه، عن جده» (^١).\nوروى مسلم، عن الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، حديث البداءة بالعشاء إذا وضع وقد أقيمت الصلاة، وفي بعض نسخ «صحيح مسلم»: حدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان بن موسى، عن أيوب (^٢).\nوسفيان بن موسى هذا بصري يروي عن أيوب السختياني، لكنه غير مشهور، والمشهور بالرواية عن أيوب السختياني هو سفيان بن عيينة، كما أن ابن عيينة يروي أيضا عن أيوب آخر، وهو أيوب بن موسى، ولذا حصل في تفسير هذا الإسناد اضطراب، الشاهد منه ما ذكره أبو علي الجياني، قال: «ورأيت في بعض النسخ من كتاب مسلم قد غُيِّر هذا الإسناد، ورُدَّ: سفيان، عن أيوب بن موسى، وهذا خطأ» (^٣).\nوخلاصة ما تقدم أن على الباحث التدقيق في الإسناد حين يريد إلحاقه بأسانيد حديثه، والحذر من التحريف والسقط الذي يقع كثيرا في المصادر،\n_________\n(^١) «تقييد المهمل» ٢: ٧٢٢ - ٧٢٤.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٥٥٩)، و«تقييد المهمل» ٣: ٨١٣.\n(^٣) «تقييد المهمل» ٣: ٨١٥.","vol":"1","page":115},{"text":"خاصة إذا كان الإسناد عرضة لذلك، كأن يكون بعض رواته يشتبه مع غيره في صورة الخط، كشعبة وسعيد، أو سفيان وشيبان، أو هشام وهمام، فهذه الأسماء ونحوها يكثر الخلط بينها في النسخ والطباعة، ويمكن للناظر في حواشي كتب الأطراف، مثل «أطراف مسند أحمد»، و«إتحاف المهرة» لابن حجر، أن يدرك هذا بسهولة.\nعاشرا: رب قائل يقول: ما تقدم في هذا الفصل كله حول الرسم التوضيحي، هو مرحلة مبكرة تسبق عرض التخريج، والنظر في الطرق، وما أدى إليه من الجهة الأهم، وهو حال الحديث صحة وضعفا، ولهذا فإني سأسير في هذه المرحلة على طريقة (قَمِّش، ثم فتش)، أي أنني سأكتب الرسم التوضيحي من مصادر التخريج، ومما أستفيده من جهود الباحثين، كما هو على صورته، وحسب ما أفهمه من مسارات الأسانيد في الحال، ولا أنشغل في هذه المرحلة بالنظر في وقوع التصحيف والتحريف، أو في تداخل الأسانيد، وأكون قد أجلت هذا إلى مرحلة كتابة الأسانيد وعرضها، والنظر فيها.\nوأكثر من هذا، أن يقول باحث: ليس من طريقتي أن أكتب رسما توضيحيا للأسانيد، فأنا أبدأ مباشرة بكتابة التخريج بعد وقوفي على الأسانيد في مصادرها.\nوما يصنعه هذان الباحثان لا إشكال فيه من الناحية العلمية، فالرسم التوضيحي اقترح للتسهيل على الباحث، ومساعدته في إتقان عمله حين يقوم بعرض التخريج، والنظر في الأسانيد، فهو وسيلة إذن، ومطالبة الباحث بإتقانه، والتأكد من صواب الأسانيد، ومساراتها، قصد به أيضا التسهيل عليه حين كتابة","vol":"1","page":116},{"text":"التخريج، فيتفرغ للصياغة، ومعالجة الطرق، ويكون همه واحدا.\nثم إن الرسم التوضيحي يكون بمثابة المرجع بالنسبة للباحث في الحديث الذي قام بجمع طرقه، فما يدعه من طرق لا يحتاج إليها في صياغة التخريج، يجدها في رسمه التوضيحي حين يحتاج إلى النظر فيه مرة أخرى لغرض آخر.\nومن لم يستخدم الرسم التوضيحي، أو استخدمه بصورته الأولية، فهذه التنبيهات بالنسبة له تكون في مرحلة صياغة التخريج، والنظر في الطرق ودراستها، فلا مفر له عنها، إذ هي في جملتها تتعلق بقضايا علمية، يحتاجها الباحث وهو في طريقه إلى مرحلة لاحقة، وليست جوانب تنظيمية بحتة، بحيث يعفى منها الباحث، فتداخل الأسانيد على الباحث، أو إثباته إسناد حديث وقع فيه تصحيف من النساخ أو الطباعة، واعتماده عليه، هو نقطة ضعف في بحثه، سواء كان يستخدم الرسم التوضيحي، أو لا يستخدمه، وسواء كان يعتني به أو لا، أو يؤجل ذلك، فالمهم بالنسبة للفن وأهله ما يقدمه الباحث لقارئه، ومدى إتقان الباحث له.\nوكثير من قضايا التنبيهات السابقة ستتكرر معنا في المباحث اللاحقة في هذا الكتاب، فهي مسائل علمية، لا بد من صياغة عقل الباحث وطريقة تفكيره في البحث ما هو؟ وما آلياته؟ ليحسن التعامل معها.\nوالذي يحذر منه الباحث ما تقرر في أذهان بعض الباحثين، وهو أنني مطالب بإتقان عملي وما أقوم به، أما ما يقع فيه الآخرون فخارج مسؤوليتي، فإذا نقلت إسنادا محرفا، أو نصا وقع فيه سقط، فالعهدة فيه على المصدر الذي نقلت منه،","vol":"1","page":117},{"text":"وعلى صاحبه، فهل يصح أن أطالب بتتبع أخطاء الآخرين، وأقوم بتصحيحها؟ .\nوهذا كلام مرفوض من أساسه، فالبحث العلمي لا يتجزأ، وما يقع في المصادر من أخطاء عهدتها على المصدر وصاحبه قبل أن تنقل ما فيه إلى بحثك، أما بعد نقله فعهدة ذلك عليك بلا شك، وحسب الباحث أن ينوء بما يقع فيه هو من سهو وخطأ، فإذا ضم إليه نقله لأخطاء الآخرين، تراكمت الأخطاء في بحثه، وفقد القارئ ثقته بالباحث.\nوأنا مدرك تمام الإدراك لصعوبة المهمة، ومدى ما يلاقيه الباحث المتيقظ من جهد وعناء، في سبيل مراجعة الأسانيد، والنصوص، بحيث يمكن القول بأن ثلث جهد الباحث أو يزيد يستنفد وراءها، يضاف إلى ذلك ما يتطلبه الأمر أحيانا من مراجعة عدة طبعات للكتاب الواحد، ومراجعة شروحه، والناقلين عنه، بل مراجعة مخطوطات الكتب المطبوعة.\nوقيام الباحث الجاد بمثل هذه الأعمال فوق أنه سبيل مهم لإتقان البحث، وكسب ثقة القارئ، فهو أيضا مجال رحب للتدرب على اكتشاف الخطأ ومعالجته.\nوقضايا البحث العلمي ليست هبات توزع، أو حقوقا شخصية يتنازل عنها، فقد شاء الله تعالى للمتخصصين في السنة النبوية أن يكون هذا من صميم تخصصهم، وسيرى القارئ هذا بوضوح في مباحث لاحقة، ومن لم يوطن نفسه على تحمل هذا وتبعاته، فإن فنون العلم واسعة جدا، يختار منها ما يشاء، بل إن مسالك الحياة واسعة أيضا، يختار منها ما يشاء.","vol":"1","page":118},{"text":"والباحث المتخصص في السنة النبوية هو موقع بالإنابة عن أئمة النقد، وهم كانوا موقعين عن الله في تمييز صحيح السنة من ضعيفها، فالمهمة عظيمة إذن، والطريق إليها كان شاقا جدا في عصرهم، وهو لا يزال على مشقته أو زادت، وقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا، وهو المتعلق بجمع الطرق، أن الباحث في مرحلة جمع الطرق والبحث عنها في المصادر، ينوب عن أئمة النقد الذين كانت هذه الطرق محفوظة في رؤوسهم، فكذلك ما يتعلق بالنظر الأولي فيها من جهة التصحيف والتحريف والتداخل، فهذا كان أيضا جزءا من مهمتهم، والله الموفق والهادي.\n * * *","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>الفصل الرابع\nالنقد في عصر الرواية</span>\n\nوفيه: مدخل، وخمسة مباحث:\nالمبحث الأول: التثبت من الرواة.\nالمبحث الثاني: مراجعة كتب الرواة.\nالمبحث الثالث: تمييز أحاديث الرواة.\nالمبحث الرابع: مجالس التحديث.\nالمبحث الخامس: الباحث والنقد في عصر الرواية.","vol":"1","page":121},{"text":"<span data-type='title' id=toc-82>مدخل:</span>\nمن أعظم الأسس التي قامت عليها الرواية أنه لا يسلم من الخطأ والسهو أحد، فكل معرض لذلك، ولا عيب فيه، ولهم في تأكيد هذا الأساس كلمات مشهورة، منها قول سفيان الثوري: «ليس يكاد يفلت من الغلط أحد، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ فهو حافظ وإن غلط، وإن كان الغالب عليه الغلط ترك» (^١).\nوقال مالك: «ومن ذا الذي لا يخطئ؟» (^٢).\nوقال ابن المبارك: «ومن يسلم من الوهم؟» (^٣).\nوقال النسائي في كلامه على حديث أخطأ فيه عبدالله بن المبارك بعد أن أثنى عليه: «ولكن لا بد من الغلط، قال عبدالرحمن بن مهدي: الذي يبرئ نفسه من الخطأ مجنون، ومن لا يغلط؟» (^٤).\nوقال أحمد: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟» (^٥).\nوقال أحمد أيضا وقد ذكر له مهنا أن محمد بن جعفر المعروف بغندر يغلط: «أليس هو من الناس؟» (^٦).\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٤٤.\n(^٢) «الآداب الشرعية» ٢: ١٥٥.\n(^٣) «شرح علل الترمذي» ١: ٤٣٦.\n(^٤) «سنن النسائي الكبرى» في كلامه على الحديث رقم (٢٥٣٨) طبعة مؤسسة الرسالة.\n(^٥) «تهذيب الكمال» ٣١: ٣٣٨، وانظر أيضا: «تاريخ بغداد» ١٢: ٢٧٤.\n(^٦) «الآداب الشرعية» ٢: ١٥٤.","vol":"1","page":123},{"text":"وقال ابن معين: «لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما العجب ممن يحدث فيصيب» (^١).\nوقال أيضا: «من لا يخطئ في الحديث فهو كذاب» (^٢).\nوقال مسلم: «ليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا -وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا وإتقانا لما يحفظ وينقل- إلا والغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (^٣).\nوقال الترمذي: «وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع، مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم» (^٤).\nوذكر ابن عدي أن عفان بن مسلم أخطأ في أحاديث مراسيل وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، ثم قال: «هذا مما لا ينقصه، لأن الثقة -وإن كان ثقة- فلا بد أنه يهم في الشيء بعد الشيء» (^٥).\nوذكر أبو حفص البرمكي للدارقطني أن عمرو بن يحيى المازني أخطأ في ذكره الحمار موضع البعير، حين توجه النبي - ﷺ - لخيبر، وأن أحمد لم يضعفه بذلك، فقال الدارقطني: «مثل هذا في الصحابة، روى رافع بن عمرو المزني، قال:\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٧.\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٨.\n(^٣) «التمييز» ص ١٢٤.\n(^٤) «سنن الترمذي» ٥: ٧٤٧.\n(^٥) «الكامل» ٥: ٢٠٢١.","vol":"1","page":124},{"text":"«رأيت النبي - ﷺ - يخطب على بغلة بمنى»، وروى الناس كلهم خطبة النبي - ﷺ - على ناقة، أو جمل، أفيضعف الصحابي بذلك؟» (^١).\nوفي هذا السياق كثر من النقاد الإشارة إلى أخطاء الحفاظ الثقات، بعد بيان منزلتهم في الحفظ والإتقان، مثل الزهري، والثوري، ومالك، وحماد بن زيد، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم.\nومن أغراضهم في النص على أن الرواة بشر، لا يمكن أن يسلم أحد منهم من الغلط، وكذلك النص على أغلاط كبار الثقات الحفاظ - شحذ همم الرواة لتجنب الوقوع في الخطأ والوهم، وأخذ الحيطة والحذر، ابتداء من السماع وإتقانه، والحرص على الكتابة، ثم العرض، وانتهاء بالأداء وإتقانه أيضا، وأهمية التحديث من كتاب، ومراجعته قبل التحديث، والحذر من الاعتماد على الحفظ وحده، وما يتخلل ذلك من محافظة الراوي على مسموعه، سواء كان مكتوبا ومحفوظا، من حين سماعه إلى حين أدائه، والاستعانة على ذلك بالمذاكرة، وكثرة المراجعة.\nومن الأغراض كذلك تهيئة نفوس الرواة، وضرورة استعدادهم لتقبل وقوعهم في الخطأ والوهم، وعدم الأنفة من ذلك.\nوغرض ثالث مهم جدا -هو بيت القصيد هنا- وهو اليقظة التامة، والانتباه الشديد لما يقع من الرواة من أخطاء، وعدم السكوت عليها كائنا من كان المخطئ.\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ١: ٤٣٦.","vol":"1","page":125},{"text":"والمتتبع لمسيرة الرواية في عصرها يلحظ بسهولة تحقق هذه الأغراض الثلاثة، ويهمنا منها هنا الحديث عن الغرض الثالث، وهو النقد، فالنقد سار جنبا إلى جنب مع الرواية، فنقاد الحديث وصيارفته هم أيضا من أساطين الرواية وحفاظ الحديث، والرواة -خاصة المكثرين منهم- هم نقاد أيضا، لديهم ملكة النقد، ولديهم الاستعداد له، وإن لم يكثروا منه، أو لم يشتهروا بذلك، وتدون أقوالهم، وتنقل إلينا، كما تقدم مثله في نقد الرواة أنفسهم (^١).\nومن غير المستغرب أن يحدث أحد الرواة بحديث، أمام جمع غفير من الآخذين عنه، فيخطئ في حديث، فيضج المجلس كله يناديه أنك أخطأت، فهذا الحديث ليس عن فلان، إنما هو عن فلان، أو هذا الحديث ليس من حديثك أصلا، فيتراجع الراوي عن التحديث به ويتوقف فيه (^٢).\nومن المهم بالنسبة للباحث أن يجتهد بقدر الإمكان ليقترب من ذلك العصر، ويتأمل ما يدور في مجالس التحديث، ومجالس المذاكرة والنقد، وسيتحقق له أغراض كثيرة بإذن الله تعالى، تتعلق بشخصيته النقدية، وسلوكه للمنهج الصحيح في النقد.\nوقد رأيت أن أخصص هذا الفصل لنعيش في محيط ذلك المجتمع العلمي\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٣٨٥.\n(^٢) ينظر: «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٩ - ٢٣٠، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٨٨، و«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٦ - ٣٣٧، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٣ - ٤٥.","vol":"1","page":126},{"text":"الرفيع، ونقترب من النظر إلى تلك المجالس الحافلة بالنشاط للوصول إلى الحقيقة، والبحث عنها، ونقترب كذلك من التمعن في شخصية الناقد، وكيف تأهل للنقد، والوسائل التي كانت متوافرة لهم في ذلك الوقت للوقوف على الخطأ، أو التحقق من وقوعه.\nوأختم الفصل بالحديث عن الأغراض التي آمل أن تتحقق للباحث بعد قراءته لمباحثه.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>المبحث الأول\nالتثبت من الرواة</span>\nجرى في عصر الرواية الاستثبات من الرواة عن روايتهم، فيبلغ الراوي حديث عن راو آخر، فإذا لقيه سأله عنه، إما طلبا للعلو، أو للتأكد من صحة الرواية، والتأكد من سلامتها كما بلغته.\nوالإجابة تارة تكون بالإيجاب، وتصويب ما روي عنه، وتارة تكون بالنفي المطلق، وتارة تكون بتغيير في الرواية، إما مع النص على ما في الرواية الأولى من خطأ، أو السكوت عن ذلك، وربما صاحب تصحيح الخطأ النص على أن الوهم كان منه هو، أو تحميل الخطأ من روى عنه، أو التردد في ذلك.\nفأما البقاء على الرواية الأولى فهو الغالب، وأمثلته كثيرة جدا، فمن ذلك أن عبدالله بن وهب روى عن أسامة بن زيد، عن إبراهيم بن عبدالله بن حنين، عن أبيه، عن علي مرفوعا حديث نهيه - ﷺ - له عن لبس المعصفر، ثم قال أسامة: «فدخلت على عبدالله بن حنين -وهو يومئذ شيخ كبير، وعليه ملحفة كثيرة العصفر- فسألته عن هذا الحديث، فقال عبدالله: سمعت عليا يقول …» (^١).\nوروى سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان بن عبدالله الجمحي، قال: سمعت جدي عبدالله بن صفوان يقول: سمعت حفصة تقول: سمعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ٣: ١٨١، وانظر: «صحيح مسلم» حديث (٤٨٠)، و«مسند أحمد» ١: ١٣٢.","vol":"1","page":128},{"text":"يقول: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه …» الحديث (^١)، قال سفيان: «وكان عمير بن قيس يحدثه عن أمية، وكنت لا أجترئ أن أسأله عنه، كان يجالس خالد بن محمد، وعبدالله بن شيبة، وكانوا من أكبر قريش يومئذ، وكانوا يجلسون في سوق الليل، وهم يومئذ على باب المسجد، واستعانني أمية أنظر له خالد بن محمد، فما أدري وجدته أم لا؟ فلما استعانني اجترأت عليه فسألته، فحدثني به» (^٢).\nوروى سفيان أيضا عن سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبدالله بن معبد بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «كشف رسول الله - ﷺ - الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر …» الحديث (^٣)، قال سفيان: «أخبرنيه زياد بن سعد قبل أن أسمعه، فقلت له: أقرئ سليمان منك السلام؟ فقال: نعم، فلما قدمت المدينة أقريته منه السلام، وسألته عنه» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٨٨٣)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٨٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤٠٦٣)، و«مسند أحمد» ٦: ٢٨٦.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (٢٨٦).\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٤٧٩)، و«مسند أحمد» ١: ٢١٩.\n(^٤) «مسند الحميدي» حديث (٤٨٩)، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠١. وانظر أمثلة أخرى في: «صحيح مسلم» حديث (٢٧٤)، (٥٨٠)، و«سنن أبي داود» حديث (١٥٠)، و«مسند الحميدي» حديث (٢٥٩)، (٥٤٩ - ٥٥٠)، (٦٤٨)، (٨٣٧)، (١٢٧٢)، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٩٣ فقرة (١٨٠)، و«المحدث الفاصل» ص ٢١٤، ٢٣٤، و«الجامع لأخلاق الراوي» ١: ١٢٠ - ١٢٢.","vol":"1","page":129},{"text":"وأما نفي الرواية، أو تغييرها فكثير جدا كذلك، ومنه ما رواه عبدالرزاق قال: «أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول - ﷺ -: «لا عمرى ولا رقبى، فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهي له حياته وموته»، قال: والرقبى أن يقول: هذا للآخر مني ومنك موتا، والعمرى أن يجعله حياته، بأن يعمر حياته.\nقلت لحبيب: فإن عطاء أخبرني عنك في الرقبى، قال: لم أسمع من ابن عمر في الرقبى شيئا، ولم أسمع منه إلا هذا الحديث في العمرى، ولم أخبر عطاء في العمرى شيئا …» (^١).\nوروى عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عمرو بن دينار حديث عبدالملك بن مروان في الوصية، ثم قال حماد: «فسألت عنه عمرو بن دينار، فقلب معناه غير ما قال قتادة، فقلت له: إن قتادة حدثنا عنك بكذا وكذا، قال: إني أوهمت يوم حدثت به قتادة» (^٢).\nوروى أحمد، عن محمد بن جعفر غندر، قال: «حدثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس، أنه قال فيمن غشي قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر: «عليه بدنة»، قال: فحدثت به أيوب، فقال لعمرو بن دينار: عمن هو؟ فقال عمرو: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس، فقال له\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٦٩٢٠).\n(^٢) «الجعديات» رقم (١٠٣٢)، و«المحدث الفاصل» ص ٣٨٩.","vol":"1","page":130},{"text":"أيوب: عن ابن عباس؟ قال عمرو: سمعت طاوسا -وترك ابن عباس-» (^١).\nوروى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبيه، عن عمار بن ياسر، قصة تيممهم مع النبي - ﷺ - إلى المناكب والآباط، ومنهم من يقول عن الزهري، عن عبيدالله، عن ابن عباس، عن عمار، ومنهم من لم يذكر بينهما أحدا (^٢).\nوروى الزهري أيضا عن عبيدالله، عن عمر بن الخطاب «أنه أمر بالوضوء من مس الإبط».\nقال الحميدي بعد أن روى حديث التيمم عن سفيان بن عيينة، عن الزهري: «حضرت سفيان (يعني ابن عيينة) وسأله يحيى بن سعيد القطان، فحدثه، وقال فيه: حدثنا الزهري، ثم قال: حضرت إسماعيل بن أمية أتى الزهري، فقال: يا أبا بكر، إن الناس ينكرون عليك حديثين تحدث بهما، فقال: ما هما؟ قال: «تيممنا مع النبي - ﷺ - إلى المناكب»، فقال الزهري: أخبرني عبيدالله بن عبدالله، عن أبيه، عن عمار، قال: وحديث عمر: «أنه أمر بالوضوء من مس الإبط»، فرأيت الزهري كأنه أنكره، وقد كان عمرو بن دينار حدثناه عن الزهري قبل ذلك، فذكرته لعمرو، فقال: بلى، قد حدثنا به» (^٣).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٨١.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣١٨ - ٣٢٠)، و«سنن النسائي» حديث (٣١٣ - ٣١٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٦٥ - ٥٦٦)، (٥٧١)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٦٣، ٣٢٠، ٣٢١، و«مسند الحميدي» حديث (١٤٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٢، و«سنن البيهقي» ١: ٢٠٨.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (١٤٣)، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٢٩، و«المحدث الفاصل» ص ٥٦٣، و«سنن البيهقي» ١: ٢٠٨.","vol":"1","page":131},{"text":"ولهذين الحديثين قصة أخرى مع سفيان بن عيينة، ذلك أن حديث التيمم رواه بعض أصحاب سفيان عنه، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، وهكذا رواه ابن ماجه، عن محمد بن أبي عمر العدني، عن سفيان.\nقال الحميدي بعد أن حكى قصة سؤال الزهري عن الحديثين: «ثم سمعت بعد ذلك بعض أصحابنا يقول: إنه دخل على سفيان في شفاعة، فسأله عن حديث التيمم، فحدثه به عن عمرو، فقلت للذي حدثني: ما أراه ذهب إلا إلى مس الإبط، وأخبرته بعض هذه القصة، أو بنحو منها، ثم لم يزل في نفسي حتى سألت سفيان عنه، فقال: هو عن الزهري، ليس عن عمرو (يعني أنه يروي حديث التيمم عن الزهري دون واسطة)، ولكن الذي حدثنا عمرو حديث الإبط، وأخبرته عن الرجل الذي حكى عنه، فقال سفيان: إما لم يحفظ علي، وإما أكون أنا وهمت» (^١).\nوسئل الزهري عما حُدِّث به عنه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين، فأهدي لنا طعام، فأفطرنا …» الحديث، فنفى أن يكون سمعه من عروة، وذكر أنه سمعه من رجل يحدث به على باب أحد خلفاء بني أمية، وقصة ذلك مشهورة جدا (^٢).\nوبلغ سفيان بن عيينة أن الزهري يروي حديثا لأبي هريرة بلفظ: «بئس\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٢٩.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٥٠ - ٢٥١، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٢٦٠، و«معرفة الرجال» ٢: ١٨٢ - ١٨٣، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٤٠ - ٧٤١.","vol":"1","page":132},{"text":"الطعام طعام الأغنياء»، فأفزعه ذلك، قال سفيان: «قلت للزهري: يا أبا بكر كيف هذا الحديث: «شر الطعام طعام الأغنياء»، فضحك فقال: ليس هو «شر الطعام طعام الأغنياء»، قال سفيان: وكان أبي غنيا فأفزعني هذا الحديث حين سمعت به، فسألت عنه الزهري، فقال: حدثني عبدالرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليه الأغنياء ويترك المساكين …»،» (^١).\nوروى علي بن المديني، عن يحيى القطان قال: «كان معي أطراف عوف: عن الحسن، عن النبي - ﷺ -، وخلاس، ومحمد، عن أبي هريرة: «أن موسى ﵇ كان رجلا حييا، فقال بنو إسرائيل: هو آدر»، قال: فسألت عوفا، فترك محمدا، وقال: خلاس، مرسل» (^٢).\nوقال ابن المديني أيضا: «قال يحيى بن سعيد القطان: روى شعبة، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، عن النبي - ﷺ -، في العطاس، ثم لقيت ابن أبي ليلى، فحدثنا عن أخيه عيسى، عن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٤٣٢)، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٣٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٢٣٦. وقد رواه روح بن عبادة، عن عوف بذكر خلاس، ومحمد بن سيرين، ورواه مرة أخرى بالاقتصار على محمد بن سيرين، وثالثة بالاقتصار على خلاس، وكذلك رواه النضر بن شميل، عن عوف بالاقتصار على خلاس، وهو خلاس بن عمرو، ولم يسمع من أبي هريرة، ينظر: «صحيح البخاري» حديث (٣٤٠٤)، (٤٧٩٩)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٢٢١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٤٢٤ - ١١٤٢٥)، و«مسند أحمد» ٢: ٥١٤، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١١٨)، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٤٣٢، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٦٧).","vol":"1","page":133},{"text":"عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nوروى أحمد، عن يحيى القطان أنه قال بعد أن حدثه به ابن أبي ليلى، عن علي: «فقلت له: عن أبي أيوب؟ قال: علي» (^٢).\nوروى سفيان بن عيينة، عن كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، عن بعض أهله، عن جده: «أنه رأى النبي - ﷺ - مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة»، ثم قال سفيان: «كان ابن جريج أخبرنا عنه، قال: أخبرنا كثير، عن أبيه، قال: فسألته، فقال: ليس من أبي سمعته، ولكن بعض أهلي عن جدي» (^٣).\nوروى علي بن المديني، عن عبدالرحمن بن مهدي قال: «كان السمان\n-يعني أزهر- يحدثني عن سفيان، عن عيسى بن عيسى الحناط، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبدالله، في القطع، فسألت سفيان عنه، فقال: عيسى بن أبي عزة،\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» ٥: ٧٤٥.\n(^٢) «مسند أحمد» ١: ١٢٢. وحديث أبي أيوب رواه أيضا عن ابن أبي ليلى غير شعبة، ينظر في طرقه: «سنن الترمذي» حديث (٢٧٤١)، و«عمل اليوم والليلة» للنسائي حديث (٢١٣)، و«مسند أحمد» ٥: ٤١٩، ٤٢٢، و«مسند الشاشي» حديث (١١٠٦)، و«شعب الإيمان» حديث (٨٨٩٥).\n\nوحديث علي رواه أيضا عن ابن أبي ليلى جماعة غير القطان، ينظر: «سنن الترمذي» حديث (٢٧٤١)، و«عمل اليوم والليلة» حديث (٢١٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٧١٥)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٠، ١٢٢، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٠٦).\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٠١٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٩٩، و«مسائل أبي داود» ص ٣٨٤، و«مسند الحميدي» حديث (٥٧٨).","vol":"1","page":134},{"text":"عن الشعبي، عن عبدالله».\nقال ابن أبي حاتم بعد أن ساق هذا: «يعني أن الصحيح هو: عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي، عن عبدالله، مرسل، وأن الذي رواه أزهر السمان غلط» (^١).\nوروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبدالله بن عمرو قال: «أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح …» (^٢).\nقال الحميدي: «فقيل لسفيان: هذا مما حفظت من الزهري؟ فقال: نعم، كأنه يسمعه، إلا أنه طويل فحفظت هذا منه، فقال له بليل: فإن عبدالرحمن بن مهدي يحدث عنك أنك قلت: لم أحفظه، فقال: صدق، لم أحفظه كله، وأما هذا فقد أتقنته» (^٣).\nوقال عبدالله بن أحمد: «قلت له (يعني لأبيه): سمعت منه (يعني عمرو بن عاصم) عن حرب بن سريج، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي، عن النبي - ﷺ - في الشفاعة؟ قال: ما سمعت هذا منه، لا ببغداد، ولا بالبصرة، وما سمعت هذا قط، قلت: إن رجلا يزعم أنك قلت له: إنما حفظته عنه ولم أكتبه، فقال: ما سمعته منه، فكيف أحدث به؟ لعل هذا الرجل سمعه من غيري، ما سمعته فأحفظه وأكتبه عنه وأحدث به، لعل هذا الرجل سمعه من غيري،\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٢٥٩.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٣٠٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٩١٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤١٠٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٥١)، و«مسند أحمد» ٢: ١٦٠.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٥٨٠).","vol":"1","page":135},{"text":"وما سمعت أنا هذا الحديث من أحد، ولا من عمرو بن عاصم» (^١).\nوربما كان السائل للراوي والمستفهم منه هو السامع للرواية الأولى، كأن يسأل عنه شيخه بعد فترة لمزيد التثبت، أو يرى اختلافا بين الروايتين، فيستوقفه ذلك، ويستفهم من شيخه.\nروى أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة حديث: «لا عدوى ولا طيرة …»، وحديث: «لا يورد ممرض على مصح»، ثم قال: «كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله - ﷺ -، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: «لا عدوى»، وأقام على أن «لا يورد ممرض على مصح»، فقال الحارث بن أبي ذباب -وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر، قد سكتَّ عنه، كنت تقول: قال رسول الله - ﷺ -: «لا عدوى»، فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك، وقال: «لا يورد ممرض على مصح»، فماراه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة، فرطن بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أبو هريرة: قلت: أبيت».\nقال أبو سلمة: «ولعمري، لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا عدوى»، فلا أدري أنسي أبو هريرة، أو نسخ أحد القولين الآخر» (^٢).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٧.\nوانظر أمثلة أخرى في: «صحيح مسلم» حديث (٧١٠)، و«مسند الحميدي» حديث (١٧)، (٣٤٢)، (٥٠٧)، (٧٨١)، (٨٤٣)، و«مسائل حرب» ص ٤٥٤، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٢٦، ٧٣٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٢٢١)، وانظر: «صحيح البخاري» حديث (٥٧٧٠ - ٥٧٧١)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٩١١)، و«العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٠٠.","vol":"1","page":136},{"text":"وروى عروة بن الزبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد …» الحديث، قال عروة في رواية عنه: «فحدثت به عائشة زوج النبي - ﷺ -، ثم إن عبدالله بن عمرو حج بعد، فقالت: يا ابن أختي انطلق إلى عبدالله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه، فجئته فسألته، فحدثني به كنحو ما حدثني، فأتيت عائشة فأخبرتها، فعجبت فقالت: والله لقد حفظ عبدالله بن عمرو» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد قال: شهدت إبراهيم بن سعد، وذكر عن الزهري: «﴿الْمَاعُونَ﴾: المال، بلسان قريش»، قيل له: إنك حدثتنا عن الزهري، عن سعيد، قال: لا، وأنكره، إنما هو عن الزهري، قال أحمد: رواه عنه غير واحد عن سعيد، قال أحمد: ربما حدث بالشيء من حفظه» (^٢).\nوروى عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - تزوج وهو محرم»، ثم قال عمرو بن علي: «قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا هذا من الرقعة ليس فيه\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٠٠)، (٧٣٠٧)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٦٧٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٦٥٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٩٠٧ - ٥٩٠٨)، و«مسند أحمد» ٢: ١٦٢، ١٩٠، ٢٠٣، و«مسند الحميدي» حديث (٥٨١).\n(^٢) «مسائل أبي داود» ص ٤٠٥، وانظر: «مسائل صالح» ص ٢٠٧، و«المنتخب من العلل للخلال» ص ١٩٧.","vol":"1","page":137},{"text":"عائشة، فقال: دع عائشة حتى أنظر فيه» (^١).\nو<span data-type='title' id=toc-89>تراجع الراوي عن روايته الأولى، أو توقفه، قد يعقبه تراجع عنه أيضا</span>، روى ابن محرز قال: «سمعت يحيى بن معين يقول لأبي خيثمة وغيره: تحفظون هذا: عن نصير بن أبي الأشعث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: «تداووا من العذرة بالقسط والورس»؟، فقيل ليحيى بن معين: من حدث بهذا؟ فقال: أبو نعيم.\nثم إن بعض أصحابنا أفاده رجل بعد نحو من سنتين، فذهب المفاد به إلى يحيى بن معين مع أحاديث، فأنكره يحيى، وقال: ما أعرف هذا؟ فرجع الرجل إلى صاحبه وقد غلظ عليه الأمر، فادعى المفيد شهادتي، وذكر حضوري وغيري ذلك المجلس، ثم قال ليحيى بن معين: يا أبا زكريا سمعتك تذكره عن أبي نعيم، فقال: شبه لك، ما سمعت بهذا إلا منك.\nثم قال لنا يوم الثلاثاء بعد المغرب لست بقين من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومئتين: ذاك الحديث حدثنا أبو نعيم، فقلت له: يا أبا زكريا كان من قصته كيت وكيت، فسمعته من أبي نعيم؟ فقال: نعم، سمعناه من أبي نعيم» (^٢).\nولهذا السبب جاء عن بعض الأئمة نهيهم عن التحديث عن الأحياء، خشية أن يسأل الراوي، ويكون قد نسي، فينفي الرواية، أو ينفي صفتها، فينسب إليه هو الوهم، أو يكون عرضة للتكذيب.\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٤٠٩)، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٢.\n(^٢) «معرفة الرجال» ٢: ٦٤.","vol":"1","page":138},{"text":"قال الرمادي: «حدثنا عبدالرزاق، قال حدثنا سفيان الثوري، عن جابر، قال: «سألت عامرا، والحكم، عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، قال: فقال عامر: ليس بشيء، وقال الحكم: يمين يكفرها.\nقال عبدالرزاق: فقلت للثوري: إن معمرا أخبرنا عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: «إذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو كافر، أو حمار، أو أخزاه الله -وأشباه هذا-، فهي يمين يكفرها»، فأخذ بتلابيبي، فقام إلى معمر، فسأله عنه، فحدثه به.\nقال عبدالرزاق: فلما مضى إلى معمر قلت: لا أدري لعل معمرا قد نسي هذا الحديث، فأكون افتضحت على يدي الثوري، قال: فجاء حتى وقف عليه، فقال: يا أبا عروة أخبرك ابن طاوس، عن أبيه قال: «إذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني …» فذكر الحديث؟ قال: فقال له معمر: نعم، وحدثه به.\nفشكوت إلى معمر ما دخلني، فقال لي معمر: إن قدرت أن لا تحدث عن رجل حي فافعل» (^١).\nوقال ابن عبدالحكم: «ذاكرت الشافعي يوما بحديث وأنا غلام، فقال: من حدثك به؟ قلت: أنت، فقال: ما حدثتك به من شيء فهو كما حدثتك، وإياك والرواية عن الأحياء» (^٢).\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٤٠، وأثر طاوس أخرجه عبدالرزاق حديث (١٥٩٧٥).\n(^٢) «الكفاية» ص ١٤٠.","vol":"1","page":139},{"text":"ومن جانب آخر كانوا يوصون من سئل عن شيء نسب إليه أن لا يبادر إلى نفيه، إن لم يتذكره في الحال، خشية أن يكون عنده فينفيه، ثم يقف عليه بعد ذلك في كتبه، أو يتذكره، فيصعب عليه أن يقر به بعد أن نفاه.\nقال أبو موسى محمد بن المثنى العنزي: «قال لي عبدالله بن داود: لا تقل لشيء تسأله: إني لم أسمعه، فإني ابتليت به، سألني رجل مرة قال: سمعت من فلان؟ قلت: لا، وذكر أحاديث فقال: سمعت هذه منه؟ قلت: لا، فبينا أنا أقلب كتبي ذات يوم إذ ذكرت ما قال لي، فجعلت أتمنى أن لا أراه عندي، فإذا الشيخ عندي، ووجدت تلك الأحاديث عندي، فقلت: يا أبا عبدالرحمن تحدث عنه؟ فقال: لو حدثت عنه ما كان علي شيء فيما بيني وبين الله تعالى، لأن كتبنا أحفظ منا، وما أحب أن أحدث عنه بشيء» (^١).\nوقال عبدالرزاق: «قال لي وكيع: أنت رجل عندك حديث، وحفظك ليس بذاك، فإذا سئلت عن حديث فلا تقل: ليس هو عندي، ولكن قل: لا أحفظه» (^٢).\nوذكر أبو زرعة ما يعرض للراوي من النسيان، خاصة في التحديث من الحفظ، معتذرا بذلك عن أخطاء وقع فيها أبو بكر بن أبي شيبة، وصححها له: «يكون مثل هذا كثير، هذا علي بن المديني ذاكر بباب لعبدالرحمن بن مهدي في التسليم واحدة -وعبدالرحمن كان له في هذا باب- فقال علي: هذا كله كذب،\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ٢٣١.\n(^٢) «الكفاية» ص ٢٣٢.","vol":"1","page":140},{"text":"فلما كان بعد أيام روى الباب عن عبدالرحمن» (^١).\nوبعض الرواة إذا سئل عن مثل هذا فلم يتذكره صار يرويه عمن كان حدثه أولا، عن نفسه هو، فيقول: حدثني فلان أنني حدثته بكذا، أو يقول: عن فلان قال: حدثتني أنت عن فلان، ولكل من الدارقطني، والخطيب البغدادي، والسيوطي كتاب في هذا الباب، جمع فيه أخبار<span data-type='title' id=toc-92> من حدث ونسي </span>(^٢).\nويحسن هنا الإشارة إلى صلة سؤال الراوي عما نقل عنه بالجرح والتعديل، وذلك من جهة أن الاستثبات من الشيخ إن كان الجواب بالإيجاب، كان هذا في صالح الشيخ نفسه، فهو دليل على تثبته وعدم اضطرابه، وفي صالح الناقل عنه، وأنه حافظ لما ينقله، وإن كان بالنفي أو بالتغيير أثر هذا -إذا كثر- على أحدهما، بحسب القرائن، فقد يكون الشيخ نفسه يضطرب، أو يهم إذا حدث من حفظه، وقد يكون الناقل عنه غير حافظ، أو غير صادق.\nوهذا مما يضاف على ما ذكرت في أول «الجرح والتعديل» في وسائل الحكم على الراوي.\nوفي النصوص السابقة ما يوضح هذا، ومنه أيضا قول الزهري عن نفسه: «ما استعدت حديثا قط، ولا شككت في حديث، إلا حديثا واحدا، فسألت\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٤٠.\n(^٢) وانظر: «المحدث الفاصل» ص ٥١٤، و«الكفاية» ص ١٣٨ - ١٣٩، ٣٧٩ - ٣٨٤، و«تنقيح التحقيق» ٣: ١٤٤.","vol":"1","page":141},{"text":"صاحبي فإذا هو كما حفظت» (^١).\nوقول شعبة في استدلاله على حفظ سفيان الثوري: «ما حدثني سفيان عن إنسان بحديث، فسألته عنه، إلا كان كما حدثني به» (^٢).\nوفي رواية عنه: «ما حدثني أحد عن شيخ إلا وإذا سألته -يعني ذلك الشيخ- يأتي بخلاف ما حدث عنه، ما خلا سفيان الثوري، فإنه لم يحدثني عن شيخ إلا وإذا سألته وجدته على ما قال سفيان» (^٣).\nوهناك نوع آخر من التثبت من الرواية، وهو في الغالب يكون بديلا عن سؤال الشيخ نفسه والتثبت منه، وذلك بسبب موت الشيخ، أو بعده، فيعتاض عن هذا بذكر رواية أخرى للحديث عن شيخه، وفيها مخالفة لروايته.\nوهذا النوع كثير جدا في عصر الرواية، يحدث الراوي بالحديث، فيبلغه بعض من حضره أن فلانا يخالفه في روايته، أو أن أصحاب الشيخ خالفوه في روايته، إما في متن الحديث، أو في إسناده، ثم يتصرف من بلغته المخالفة بحسب وثوقه بحفظه هو وكيفية سماعه، وبحسب قوة المخالف له، وما يحتف بذلك من قرائن.\nوكثير من الرواة يحدث من حفظه، فإذا بلغه قول المخالف رجع إلى كتابه ليستوثق، أو يفعل هذا المخالف، إذا ثبت الآخر على قوله، وقد يتبين أن لقول\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٨٦.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٥٦، ١٥٧، و«الجرح والتعديل» ١: ٦٧، و«تاريخ بغداد» ٩: ١٦٩.\n(^٣) «الجرح والتعديل» ١: ٦٧.","vol":"1","page":142},{"text":"كل منهما وجها.\nوقد حفلت مجالس التحديث والمذاكرة بهذا النوع من المراجعات، فأضفى ذلك على جهدهم رونقا وبهاء.\nوفوق ذلك -وهو أمر بالغ الأهمية- تسليم الرواة بذلك واستسلامهم له، فاستعدوا للمخالفة، وصارت هاجسهم في كل حين، وصدر عنهم كلمات كثيرة تنبئ عن هذه الحال، مثل قول شعبة: «إذا خالفني سفيان في الحديث فالحديث حديثه» (^١).\nوقال حماد بن زيد: «ما أبالي من خالفني إذا وافقني شعبة، لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة، يعاود صاحبه مرارا، ونحن كنا إذا سمعناه مرة اجتزينا به» (^٢).\nوقال أحمد: «كان حماد بن زيد لا يعبأ إذا خالفه الثقفي، ووهيب، وكان يهاب -أو يتهيب- إسماعيل بن علية إذا خالفه» (^٣).\nوقال يحيى بن سعيد القطان: «ما بالبصرة، ولا بالكوفة، ولا بالحجاز، أثبت من معاذ بن معاذ، وما أبالي إذا تابعني من خالفني» (^٤).\nوقال أيضا: «طلبت الحديث مع رجلين من العرب: خالد بن الحارث بن\n_________\n(^١) «مسائل حرب» ص ٤٦٦، «الجرح والتعديل» ١: ٦٣، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٣.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ١٦٨، و«الكامل» ١: ٩١، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٢.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٦٤، و«تاريخ بغداد» ٦: ٢٣٢.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ٨: ٢٤٩، و«تاريخ بغداد» ١٣: ١٣٣.","vol":"1","page":143},{"text":"سليم الهجيمي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وأنا مولى لقريش، لتيم، فوالله ما سبقاني إلى محدث قط وكتبا شيئا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعني معاذ، وخالد بن الحارث، من خالفني من الناس» (^١).\nوجاء عن يحيى القطان مثل هذا في عفان بن مسلم الصفار، وأنه كان يتهيب مخالفته، قال أحمد: «كان يحيى بن سعيد يقول: إذا خولفت أحب أن يوافقني عفان» (^٢)، وقال يحيى بن سعيد أيضا: «ما أحد يخالفني في الحديث أشد علي من عفان» (^٣).\nوقال يحيى بن معين: «كان يحيى بن سعيد إذا تابعه عفان على شيء ثبت عليه وإن كان خطأ، وإذا خالفه عفان في حديث عن حماد رجع عنه يحيى، لا يحدث به أصلا» (^٤).\nومن الأمثلة على هذه المراجعات ما روى عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قصة مبيته عند خالته ميمونة، وصلاته - ﷺ - بالليل، وفي آخره: «ثم قمت إلى شقه الأيسر، فأخذ بيدي من وراء ظهره، يعدلني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن» (^٥).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ١٣: ١٣٢.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٣٤٤، ٣٦٣، ٣: ٤٣٥، و«الكامل» ٥: ٢٠٢١.\n(^٣) «تاريخ بغداد» ١٢: ٢٧٥.\n(^٤) «تاريخ بغداد» ١٢: ٢٧٥.\n(^٥) «صحيح مسلم» حديث (٧٦٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٦١٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩١٦)، و«مسند أحمد» ١: ٢٤٩، ٣٤٧، ٣٦٧.","vol":"1","page":144},{"text":"قال ابن جريج بعد أن رواه عن عطاء بمعناه: «فقال له عمرو بن دينار\n-وكان في المجلس-: هيه! ! زد يا أبا محمد، فقال عطاء: ما هيه؟ هكذا سمعت، فقال عمرو: أخبرني كريب، عن ابن عباس أنه قال: ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ» (^١).\nوروى شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: «أيما رجل باع نخلا قد أبرت فثمرتها للأول، وأيما رجل باع مملوكا وله مال فماله لربه الأول، إلا أن يشترط المبتاع»، ثم قال شعبة: «فحدثته بحديث أيوب، عن نافع، أنه حدثه بـ (النخل) عن النبي - ﷺ -، و(المملوك) عن عمر، فقال عبد ربه: لا أعلمها جميعا إلا عن النبي - ﷺ -، ثم قال مرة أخرى: عن النبي - ﷺ - ولم يشك-» (^٢).\nوكان شعبة يروي عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن علي بن أبي طالب في سهمان الخيل، قال وكيع: «كان شعبة رفعه إلى علي -يعني حديث سهمان الخيل- فقيل له: إن سفيان يوقفه على هانئ بن هانئ، فقال: سفيان أحفظ مني» (^٣).\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٤٧٢)، و«مسند أبي عوانة» ٢: ٣١٨، ورواية كريب، عن ابن عباس مشهورة جدا، انظر: «تحفة الأشراف» ٥: ٢٠٢، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٩، و«إتحاف المهرة» ٧: ٦٧٩، ٦٨٠.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٩٨٦).\n(^٣) «سؤالات أبي داود» ص ٣٠٨، وانظر: «الجرح والتعديل» ١: ٦٥، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٣.","vol":"1","page":145},{"text":"وقال يحيى بن معين: «قال حجاج الأعور: قيل لشعبة: إن مستلم بن سعيد خالفك في حرف «إذا وضعت لمَتَلك»، وكان شعبة يقول: «لمثلك» -حديث أبي الدرداء: «ثم جاء ملكان أسودان أزرقان» - قال شعبة: ما كنت أظن أن ذاك يحفظ حديثين»، ثم قال يحيى: «القول قول مستلم، وصَحَّف شعبة» (^١).\nوروى عبدالرحمن بن مهدي قال: «لما حدث سفيان، عن حماد (يعني ابن أبي سليمان)، عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان قال: «إذا حككت جسدك فلا تمسحه ببزاق، فإنه ليس بطهور»، قلت له: هذا حماد يروي عن ربعي بن حراش، عن سلمان، قال: من يقول ذا؟ قلت: حماد بن سلمة، قال: امضه، قلت: حدثنا شعبة، قال: امضه، قلت: حدثنا هشام الدستوائي، قال: هشام؟ قلت: نعم، ثم أطرق هنيهة، ثم قال: امضه، سمعت حمادا يحدث عن عمرو بن عطية، عن سلمان.\nفمكثت زمانا أحمل الخطأ على سفيان، حتى نظرت في كتاب غندر، عن شعبة فإذا هو: عن حماد، عن ربعي بن حراش، عن سلمان، قال شعبة: وقد قال حماد مرة: عن عمرو بن عطية التيمي، عن سلمان، فعلمت أن سفيان إذا حفظ الشيء لم يبال من خالفه» (^٢).\nوقال محمد بن عبدالله بن نمير: «حدثنا عبدالرحمن، ويحيى، عن سفيان،\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٥٩، وانظر: «معرفة الرجال» ١: ١٤٤.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٦٤، و«المجروحين» ١: ٥٠، و«المحدث الفاصل» ص ٣٩٤، و«تاريخ بغداد» ٩: ١٦٨.","vol":"1","page":146},{"text":"عن منصور، عن مجاهد، وابن الأصبهاني، عن عكرمة: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾: «نفخ فيه الروح»، قلت ليحيى بن سعيد: وكيع يقول: عن ليث، فقال: سبحان الله! أنا أقول لسفيان: لا تحدثني عن جابر، وأنت تقول: عن ليث»، ثم قال محمد: «ذكرت لوكيع، قال وكيع: منصور كان أحب إلينا» (^١).\nومراد يحيى القطان أنه يأبى على سفيان أن يحدثه عن جابر الجعفي، فكيف يقبل منه أن يحدثه عن ليث بن أبي سليم؟ ويستدل يحيى بهذا على أنه قد حفظ الإسناد، وأنه عن منصور، عن مجاهد.\nومراد وكيع أن ليثا ضعيف بالنسبة لمنصور، فكون سفيان يحدثهم بالحديث عن منصور، عن مجاهد، أحب إليهم، ويستدل بهذا على أنه قد حفظ الإسناد، وأنه عن ليث، عن مجاهد.\nوقال أحمد: «قال عبدالرحمن بن مهدي في حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك: «أن عمر بعث جيشا فوعظهم …»، قال عبدالرحمن: «أسرف عليهم»، يقول: كأنه تهددهم في موعظته، فقلت لعبدالرحمن: إن أبا كامل قال: «أشرف»، فقال لي عبدالرحمن: سل بهزا، فسألته، فقال بهز: «أشرف عليهم»، فأخبرت به عبدالرحمن -يعني كأنه قنع بقول بهز- …» (^٢).\nوذكر أحمد مرة أخرى قصة ذهابه إلى بهز لسؤاله، فقال بعد أن ساق القصة\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧١٧، وانظر: «تفسير ابن جرير» ١٨: ١٠.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٨، و«مسائل صالح» ص ٢٥٥.","vol":"1","page":147},{"text":"مطولة، وفيها الحديث بتمامه: «فأتيت بهزا لأسأله، فلم يخرج إلي، فقلت له: إنما أريد أن أسألك عن كلمة من حديث، فقال: ما هي؟ فقلت: في حديث إبراهيم بن سعد: «أشرف عليهم» أو «أسرف عليهم»؟ فقال لي من خلف الباب: «أشرف عليهم»،» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد -وذكر حديث ابن عباس في صلاة الكسوف- أن عبدالرحمن قال كذا وكذا ركعة فيه، وكان وكيع يخالفه، فعرض عليه -يعني على وكيع- بعد ذلك فرجع عنه، صار إلى ما قال عبدالرحمن» (^٢).\nوذكر أحمد هذه القصة مرة أخرى، وأنه ذكر لوكيع مخالفة إسماعيل بن علية، ويحيى القطان، في العدد، وأن وكيعا رجع إلى قولهما، قال أحمد: «كان وكيع يقول في حديث الكسوف، حديث سفيان، عن حبيب، عن طاوس: «أن النبي - ﷺ - صلى في الكسوف ست ركعات في أربع سجدات»، قلت له: إن إسماعيل بن علية، ويحيى بن سعيد، قالا: «ثمان ركعات في أربع سجدات»، فلما كان بعد ذلك رجع إلى ثمان» (^٣).\n_________\n(^١) «المنتخب من العلل للخلال» ص ١٩٨، وفيه قول أحمد في تفسير «أشرف عليهم»، قال: «أشرف عليهم من مكان مرتفع»، والحديث أخرجه أبو داود حديث (٢٩٦٠)، مختصرا ليس فيه موضع الشاهد.\n(^٢) «سؤالات أبي داود» ص ١٦٠.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٤٣. والحديث من رواية طاوس، عن ابن عباس، انظر: «صحيح مسلم» حديث (٩٠٩)، و«سنن أبي داود» حديث (١١٨٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٥٦٠)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٦٦ - ١٤٦٧)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٥، ٣٤٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٤٦٧.","vol":"1","page":148},{"text":"وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» (^١).\nقال الحميدي بعد أن أن رواه عن سفيان: «فقيل لسفيان: فإن نافع بن عمر الجمحي لا يسنده، قال: لكني أحفظه وأسنده كما قلت لك، إن المكيين إنما أخذوا كتابا جاء به حميد الأعرج من الشام، قد كتب عن الزهري، فوقع إلى ابن جرجة، وكان المكيون يعرضون ذلك الكتاب على ابن شهاب، فأما نحن فإنما كنا نسمع من فيه» (^٢).\nوروى جماعة عن عاصم بن كليب، عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: «يا علي سل الله الهدى والسداد …» الحديث، وفيه أشياء تتعلق باللباس، ومنهم من اقتصر على بعضه (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٩٤)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٦٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٩)، و«سنن الترمذي» حديث (٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢١)، و«مسند أحمد» ٥: ٤٢١.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (٣٧٨)، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٣٤، و«تاريخ ابن أبي خيثمة» حديث (٩٦٦)، و«الإرشاد» حديث (٨٢).\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٧٨ بعد حديث ٢٠٩٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٢٢٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٧٨٦)، و«سنن النسائي» حديث (٥٢٢٦ - ٥٢٢٧)، (٥٣٠١ - ٥٣٠٢)، (٥٣٩١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٦٤٨)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٤، ١٣٤.","vol":"1","page":149},{"text":"قال الحميدي: «كان سفيان (يعني ابن عيينة) يحدث به عن عاصم بن كليب، عن أبي بكر بن أبي موسى، فقيل له: إنما يحدثونه عن أبي بردة بن أبي موسى، فقال: أما الذي حفظت أنا فعن أبي بكر، فإن خالفوني فيه فاجعلوه عن ابن أبي موسى، فكان سفيان بعد ذلك ربما قال: عن ابن أبي موسى، وربما نسي فحدث به على ما سمع: عن أبي بكر» (^١).\nوروى أبو خيثمة زهير بن حرب، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة في امرأة محرمة مشطت امرأة حلالا، قال: «لا بأس به، إنما تقتل قمل غيرها»، قيل لسفيان: إن محمد بن مسلم قد خالفك فقال: عكرمة، عن ابن عباس، فقال سفيان: «سمعته منه ثمانين مرة» (^٢).\nوقال عبدالله بن أحمد: «قرأت على أبي: غندر، عن سعيد، عن أبي معشر،\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٥٢)، و«تاريخ ابن أبي خيثمة» حديث (٩٩٧)، وانظر: «صحيح مسلم» حديث (٢٠٧٨ بعد حديث ٢٠٩٥)، و«سنن النسائي» حديث (٥٢٢٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٥٣٦)، و«علل الدارقطني» ٤: ١٦٩، و«الكفاية» ص ٢٢٤، و«تحفة الأشراف» ٧: ٤٥٩.\n(^٢) «معرفة الرجال» ٢: ١٧٦، وانظر أمثلة أخرى لسفيان بن عيينة في: «صحيح البخاري» حديث (٥٣٨٣)، و«مسند الحميدي» حديث (٨)، (٨٣)، (٢٢٦ - ٢٢٧)، (٢٥٠)، (٢٨١)، (٢٩٣)، (٣٠٦)، (٣١٢)، (٣١٥)، (٣٣٨)، (٣٤١)، (٣٨٠)، (٥٨٧)، (٦١٩)، (٦٢١)، (٩٣٤)، (١٠٧٦)، و«مسائل حرب» ص ٤٧٤، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٢٠ - ٧٤٥.","vol":"1","page":150},{"text":"عن النخعي: «أنه كان يكره ذلك، ويقول: إذا علم أنه لا يجد ماء فلا يمسها\n-يعني امرأته-».\nسمعت أبي يقول: حدثنا هذا الحديث يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، فقال أبو أحمد البصري الذي يقال له: الأبوابي: إن يزيد بن زريع حدثنا به لم يقل: عن ابن مسعود، فترك يزيد ابن مسعود.\nقال أبي: وقد حدثنا غير واحد -منهم يحيى بن سعيد، وعبدالأعلى، وغندر- لم يذكر واحد منهم ابن مسعود، وقال الخفاف: قال سعيد: ولا أعلمه إلا وقد رفعه إلى ابن مسعود» (^١).\nوقال عبدالله بن أحمد: «سألت يحيى (يعني ابن معين) عن محمد بن مصعب القرقساني، فقال لي: ليس بشيء، وقال: كان لي رفيقا، وكان صاحب غزو كثير، فحدثنا يوما عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين: «أنه كره بيع السلاح في الفتنة»، قال يحيى: قلت أنا لمحمد بن مصعب: هذا يروونه عن أبي رجاء قوله، فقال: هكذا سمعته، ثم قال يحيى: لم يكن من أصحاب الحديث» (^٢).\nوفي أحيان كثيرة يكون المبلغ للراوي هو المخالف له، أو من المخالفين له، وربما جرى حوار ومناقشة بينهما.\nحدث أبو هريرة عن النبي - ﷺ - بحديث (القضاء بين العباد) الطويل، وفي\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٤١٦.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٥٩٦.","vol":"1","page":151},{"text":"آخره قصة آخر أهل الجنة دخولا، وقول الله ﷿ له: «هذا لك ومثله معه»، وكان أبو سعيد الخدري جالسا مع أبي هريرة يستمع إليه، ولا يغير عليه شيئا، حتى انتهى أبو هريرة إلى هذه الجملة، فقال أبو سعيد: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «هذا لك وعشرة أمثاله»، قال أبو هريرة: حفظت: «مثله معه» (^١).\nوروى عمرو بن دينار، وابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أكل أحدكم فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها» (^٢).\nقال سفيان بن عيينة بعد أن رواه عن عمرو: «فقال له عمرو بن قيس: يا أبا محمد إنما حدثناه عطاء، عن جابر، فقال عمرو: والله لقد سمعته من عطاء يحدثه عن ابن عباس قبل أن يقدم علينا جابر مكة …» (^٣).\nوقال أحمد: «زعموا أن زهيرا، وزائدة، واختلفا في حرف في حديث ابن مسعود: «لينهكن قوم أصابعهم أو لتنهكنها النار»، فجعل الآخر يحلف أنه ما قال «أو»،» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٨٠٦)، (٦٥٧٣ - ٦٥٧٤)، (٧٤٣٧ - ٧٤٣٨)، و«صحيح مسلم» حديث (١٨٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٧٥، ٢٩٣، ٤٥٠، ٥٣٤.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٤٥٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٠٣١)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٨٤٧)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٧٧٥ - ٦٧٧٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٢٦٩)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢١، ٢٩٣، ٣٤٦، ٣٧٠.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٤٩٠).\n(^٤) «سؤالات أبي داود» ص ٣١٧، وانظر: «المعجم الكبير» حديث (٩٢١١ - ٩٢١٣).","vol":"1","page":152},{"text":"وروى جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة»، وقد روي هذا أيضا عن همام بن يحيى، عن قتادة (^١).\nورواه شعبة، وهشام الدستوائي، وغيرهما، عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن البصري، عن النبي - ﷺ - مرسلا (^٢).\nقال أحمد: «قال عفان: جاء أبو جزي -واسمه نصر بن طريف- إلى جرير بن حازم يشفع لإنسان يحدثه، فقال جرير: حدثنا قتادة، عن أنس قال: «كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة»، قال: فقال أبو جزي: كذب -والله- ما حدثناه قتادة إلا عن سعيد بن أبي الحسن»، قال أحمد: «وهو قول أبي جزي\n-يعني أصاب-، وأخطأ جرير» (^٣).\nوربما وقعت المخالفة لشيخ الراوي، فيدع الراوي رواية شيخه إلى رواية من يخالفه، فقد روى جماعة عن الحكم بن عتيبة، عن ميمون بن مهران، عن\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٥٨٣)، و«سنن الترمذي» حديث (١٦٩١)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣٨٩).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٢٥٨٤)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣٩٠)، و«الضعفاء الكبير» ١: ١٩٩.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٣٩، ٥٤٣، و«كنى الدولابي» ١: ١٤٠، و«الضعفاء الكبير» ١: ١٩٩. وقد صوب المرسل أيضا جمع من النقاد، حتى قال الدارمي عن المرسل: «وزعم الناس أنه هو المحفوظ»، انظر: «سنن أبي داود» حديث (٢٥٨٥)، و«سنن الدارمي» حديث (٢٥٠١)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١٣، و«علل الدارقطني» ١٣: ١٥٠، و«سنن البيهقي» ٤: ١٤٣، و«تحفة الأشراف» ١: ٣٠١.","vol":"1","page":153},{"text":"ابن عباس، قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع …» الحديث (^١).\nورواه بعض أصحاب شعبة عنه موقوفا، ثم يقول شعبة: «رفعه الحكم، وأنا أكره أن أحدث برفعه، حدثني غيلان، والحجاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، لم يرفعه» (^٢).\nومما يجدر التنبيه عليه هنا أن معرفة الراوي بمخالفة غيره له ليس بالأمر اليسير عليه، فالراوي حين يبلغه ذلك يكون قد وضع في موقف دقيق عليه أن يتجاوزه بإتقان، وإلا زَلَّت به قدمه.\nوبيان ذلك من ثلاث جهات،<span data-type='title' id=toc-97> الأولى: أن الراوي قد يتراجع عن روايته إلى رواية مخالفه</span>، مع أن الصواب كان معه، فيضطر مرة أخرى إلى الرجوع إلى روايته الأولى.\nومن أمثلة ذلك أن سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، وشريك، وغيرهم، رووا عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي حديث صفة الوضوء (^٣).\nورواه شعبة فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وقد خطأه النقاد في ذلك (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٩٣٤)، و«مسند أبي عوانة» ٥: ١٨، ١٩.\n(^٢) «مسند أحمد» ١: ٢٨٩، و«مسند أبي عوانة» ٥: ١٩.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١١٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و«سنن النسائي» حديث (٩١)، و«مسند أحمد» ١: ١١٥، ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٨٩، و«علل الدارقطني» ٤: ٤٦.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (١١٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩)، و«سنن النسائي» حديث (٩٣)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٢، ١٣٩، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، و«التاريخ الكبير» ٣: ١٦٣، و«مسند البزار» حديث (٧٩٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٦٣، و«علل الدارقطني» ٤: ٤٩، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩، و«تهذيب التهذيب» ٣: ١٠٨.","vol":"1","page":154},{"text":"وكان أبو عوانة الوضاح بن عبدالله يرويه أولا كرواية الجماعة، ثم تابع شعبة على قوله، ثم قيل له: إن شعبة يخطئ فيه، فرجع إلى الصواب، قال أبو داود: «قال أبو عوانة يوما: حدثنا مالك بن عرفطة، عن عبد خير، فقال له عمرو الأغضف: رحمك الله يا أبا عوانة، هذا خالد بن علقمة، ولكن شعبة يخطئ فيه، فقال أبو عوانة: هو في كتابي: خالد بن علقمة، ولكن قال لي شعبة: هو مالك بن عرفطة».\nثم قال أبو داود: «حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا أبو عوانة، عن مالك بن عرفطة، وسماعه قديم، حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، وسماعه متأخر، كان بعد ذلك (يعني أبا عوانة) رجع إلى الصواب» (^١).\nونحو هذا لابن المديني، وأبي حاتم (^٢).\nوروى نوح بن حبيب قال: «حضرنا عبدالرحمن بن مهدي فحدثنا عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى، في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، فقال رجل: يا أبا سعيد حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان،\n_________\n(^١) «تحفة الأشراف» ٧: ٤١٧، وانظر: «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٩، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٩.\n\nورواية أبي عوانة كرواية الجماعة أخرجها أبو داود حديث (١١١)، والنسائي حديث (٩٢)، وأحمد ١: ١٥٤، وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند ١: ١٤١، وكرواية شعبة أخرجها الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٧٨.","vol":"1","page":155},{"text":"عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت عبدالرحمن، وقال له آخر: يا أبا سعيد حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، قال: فسكت، وقال: حافظان! !، ثم قال: دعوه.\nثم أتوا به يحيى بن سعيد، فأخبروه أن عبدالرحمن بن مهدي حدث بهذا الحديث عن الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، فأخبر أنك تخالفه، ويخالفه وكيع، فأمسك عنه، وقال: حافظان، فدخل يحيى بن سعيد ففتش كتبه فخرج وقال: هو كما قال عبدالرحمن: عن سفيان، عن منصور، فأخبر وكيع بقصة عبدالرحمن والحديث، وقوله: حافظان، فقال وكيع: عافى الله أبا سعيد، لا ينبغي أن يقبل الكذب علينا، ثم نظر وكيع فقال: هو كما قال عبدالرحمن، اجعلوه عن منصور» (^١).\nوقال أبو زرعة: «كنا عند أبي بكر بن أبي شيبة، ومعنا كيلجة، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس، أنه قال: «يتبع الميت ثلاث …»، فقال كيلجة: هو عن عبيدالله بن أبي بكر، فقال: عن عبيدالله بن أبي بكر، فقلت: يا أبا بكر تركت الصواب وتلقنت الخطأ، إنما روى هو عن عبدالله بن أبي بكر، وسفيان لم يلق عبيدالله بن أبي بكر، فقال: لقنني هذا، فقلت: كلما لقنك هذا تريد أن تقبله؟» (^٢).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٢٥٥، وقد أخرجه الطبري في «تفسيره» ١٣: ١٠٦، عن أبي كريب، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي الضحى قال: «محمد هو المنذر وهو الهاد».\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٨، والحديث أخرجه البخاري حديث (٦٥١٤)، ومسلم حديث (٢٩٦٠)، والترمذي حديث (٢٣٧٩)، من طرق عن سفيان، عن عبدالله بن أبي بكر، عن أنس مرفوعا.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-98>الثانية: أن الراوي إذا أخطأ في حديث، ثم تبين له الصواب، عليه أن يعلن ذلك ويصححه</span>، وقد يشق هذا إذا كان في مجلس تحديث وتفرق الطلبة.\nقال الخطيب البغدادي: «وليس يكفيه في الرجوع أن يمسك عن رواية ذلك الحديث في المستقبل حسب، بل يجب عليه أن يظهر للناس أنه كان قد أخطأ فيه، ورجع عنه» (^١).\nوقال إسحاق بن منصور: «صرت أنا ورجل خراساني، وآخر بصري، إلى وهب بن جرير، فحدثنا بحديث وهم فيه، فإذا أنا في المنزل، إذ أتاني فقال لي\n-وأصلح ذلك الحديث-: اكفني الخراساني، وأنا أكفيك البصري» (^٢).\nوقال موسى بن هارون الحمال: «سمعت أبي يقول: كان يزيد بن هارون يقول في مجلسه الأعظم غير مرة: حديث كذا وكذا أخطأت فيه» (^٣).\nوكتب عبدالرحمن بن عمر الأصبهاني المعروف برستة، من بلده أصبهان، إلى أبي زرعة الرازي في الري كتابا قال فيه: «وإني رويت عندكم عن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم»، فوقع ذلك من نفسي، فلم أكن أنساه حتى قدمت ونظرت في الأصل، فإذا هو عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -، فإن\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٤٥.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٠.\n(^٣) «الكفاية» ص ١٤٦.","vol":"1","page":157},{"text":"خف عليك فأعلم أبا حاتم -عافاه الله- ومن سألك من أصحابنا، فإنك في ذلك مأجور -إن شاء الله- والعار خير من النار» (^١).\n<span data-type='title' id=toc-99>الثالثة: الراوي إذا ظهر غلطه، وأصر على روايته ولم يرجع عنها، أثر ذلك في درجته في الرواية</span>، وربما وصل الأمر إلى تركه، كما توارد على تقرير هذا عدد من النقاد (^٢)، فهذا جانب مهم على الراوي أن يراعيه حين ينبه على شيء ما في روايته.\nويتجاذب هذا جانب آخر مؤثر أيضا في درجة الراوي، وهو أن عليه التريث وعدم العجلة في الرجوع عن روايته إلى ما يقال له، وإن فعل ذلك وتكرر منه وصف بأنه يقبل التلقين، كما تقدم قول يحيى بن سعيد القطان: «إذا كان الشيخ يثبت على شيء واحد -خطأ كان أو صوابا- فلا بأس به، وإذا كان الشيخ كل شيء يقال له يقول، فليس بشيء».\nوقوله: «إذا كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء، وإذا ثبت على شيء واحد\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٦، والحديث رواه أيضا أحمد ٣: ٥٩، عن عبدالرحمن بن مهدي فجعله عن أبي سعيد كذلك، وهذا هو المشهور عن سفيان الثوري، ثم عن الأعمش، ولكن قد روي عن الثوري، وعن الأعمش، من حديث أبي هريرة، وكأن المحفوظ حديث أبي سعيد، انظر: «صحيح البخاري» حديث (٥٣٨)، (٣٢٥٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٧٩)، و«مسند أحمد» ٣: ٥٢، ٥٣، ٥٩، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٨٦، و«سنن البيهقي» ١: ٤٣٧، و«فتح الباري» ٢: ١٩.\n(^٢) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٧٩، ٢٧١، ويضاف من مراجع المسألة: «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٨ - ٤٥.","vol":"1","page":158},{"text":"فذاك ليس به بأس» (^١).\nوهذا هو الذي يفسر لنا تراجع الراوي أحيانا عن روايته إذا نبه عليها، وثباته على روايته أحيانا أخرى، وربما التزم -مع ثباته- الإشارة إلى الرواية المخالفة، وقد يصاحب ذلك تقويته لها، وترجيحه إياها على روايته.\nروى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس مرفوعا حديث (كفارة من أتى امرأته وهي حائض)، ثم بلغ شعبة أن بعض أصحاب الحكم يرويه موقوفا، فرواه شعبة مرة وقال: «أما حفظي فهو مرفوع، وأما فلان وفلان، فقالا: غير مرفوع»، فقال له بعض جلسائه: «حدثنا بحفظك، ودع ما قال فلان وفلان»، فقال شعبة: «والله ما أحب أني عمرت في الدنيا عمر نوح، وأني حدثت بهذا وسكت عن هذا» (^٢).\nوروى سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عبدالله بن عمرو بن العاص: «أن النبي - ﷺ - دخل على جويرية بنت الحارث يوم جمعة، فقالت: إني صائمة …» الحديث، قال سعيد في بعض الطرق عنه: «ووافقني عليه\n_________\n(^١) تقدم هذا في الكلام على تلقين الراوي في «الجرح والتعديل» ص ٥٤.\n(^٢) «سنن الدارمي» حديث (١١١٢)، وانظر: «سنن أبي داود» حديث (٢٦٤)، (٢١٦٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٨)، (٣٦٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٤٠)، و«مسند أحمد»\n١: ٢٢٩، ٢٨٦، و«سنن الدارمي» حديث (١١١١)، و«المنتقى» حديث (١٠٨ - ١١٠)، و«سنن البيهقي» ١: ٣١٤ - ٣١٥، و«الكفاية» ص ٢٢٤.","vol":"1","page":159},{"text":"مطر، عن سعيد بن المسيب» (^١).\nومراده أن مطرا الوراق رواه عن قتادة فجعله عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، كما رواه هو، يشير بذلك إلى مخالفة جماعة من أصحاب قتادة لهما في الإسناد، قال يحيى القطان: «كان ابن أبي عروبة إذا سئل عن حديث جويرية قال: يخالفوني فيه …، كأنه يتقيه» (^٢).\nوقد رواه شعبة، وهمام، وغيرها، عن قتادة، عن أبي أيوب العتكي، عن جويرية: «أن النبي - ﷺ - دخل عليها …»، ومنهم من يقول: عن أبي أيوب: «أن رسول الله - ﷺ - دخل على جويرية …» (^٣).\nوروى شعبة، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة …».\nهكذا هو موقوف في أكثر الطرق إلى شعبة، ومنهم من رواه عنه مرفوعا،\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٥٣)، و«مسند أحمد» ٢: ١٨٩، و«مصنف ابن أبي شيبة»\n٣: ٤٣، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٧٨، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢١٦١ - ٢١٦٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٦١١).\nوقد رواه كذلك معمر، عن قتادة، لكنه أرسله فلم يذكر عبدالله بن عمرو، أخرجه عبدالرزاق حديث (٧٨٠٤).\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٣٠، وانظر أيضا: ٣: ٩١.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (١٩٨٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٤٢٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٥٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٤، ٤٣٠، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٧٨.","vol":"1","page":160},{"text":"والراجح وقفه من طريقه، وكان يقول بعد أن يرويه موقوفا: «وقال لي هشام\n-وكان أحفظ عن قتادة، وأكثر مجالسة له مني-: هو عن النبي - ﷺ -» (^١).\nوروى شعبة، عن عبدالله دينار، عن ابن عمر مرفوعا في ليلة القدر: «من كان متحريها فليتحرها في ليلة سبع وعشرين»، ثم قال: «وذكر لي رجل ثقة عن سفيان أنه كان يقول: إنما قال: «من كان متحريها فليتحرها في السبع البواقي»، فلا أدري قال ذا، أو ذا؟ -شعبة شك-» (^٢).\nوروى جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة، عنه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نصلي بعد الجمعة أربعا»، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان: «قال سفيان: وقال غيري: قال النبي - ﷺ -: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، وهذا أحسن، وأما الذي حفظت أنا فالأول» (^٣).\nوممن رواه عن سهيل باللفظ الثاني: سفيان الثوري، وعبدالله بن إدريس، وخالد بن عبدالله الواسطي، وجرير بن عبدالحميد، وأبو عوانة، وإسماعيل بن\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٧ - ٩٦١٠)، و«الجعديات» حديث (٩٨١)، ورواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٩٦١١)، وأحمد ٣: ٢٣.\n(^٢) «مسند أحمد» ٢: ١٥٧، و«مسائل صالح» ص ٢٠٩، وذكر أحمد أن الثقة هو يحيى بن سعيد القطان، والحديث قد رواه جماعة عن عبدالله بن دينار كما رواه سفيان فهو المحفوظ، وانظر: «مسند أحمد» ٢: ٢٧، ٦٢، ٧٤، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٨٤، ٩١، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٦٨١)، و«سنن البيهقي» ٤: ٣١١.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٩٧٦)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٣).","vol":"1","page":161},{"text":"زكريا، وغيرهم (^١)، وقد جاء عن ابن عيينة أيضا كروايتهم (^٢)، ووافق ابن عيينة على اللفظ الأول زهير بن معاوية، وعبدالعزيز الدراوردي، وكذا روي عن أبي عوانة (^٣).\nوقضية ثبات الراوي أو تراجعه عن روايته بعد أن تبلغه رواية المخالف مسألة دقيقة، تستحق من يوليها عنايته، ويجمع أمثلتها، ويجتهد في استنباط الأسباب التي تدفع بالراوي إلى الثبات، أو الرجوع، وفي «مسند الحميدي» أمثلة كثيرة مما عرض لسفيان بن عيينة، أو لمن فوقه، ونقل الفسوي عن الحميدي أشياء ليست في «المسند» (^٤)، فيمكن أيضا تخصيص هذا الإمام بهذه الدراسة (^٥).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٨٨١)، و«سنن أبي داود» حديث (١١٣١)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٢٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٩٦)، (١٧٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٣٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٤٩، ٤٩٩، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٥٢٨)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٤٧٧)، و(٢٤٧٩)، (٢٤٨١)، (٢٤٨٦)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» ١: ٣١١ - ٣١٨.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٥٢٣)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٥٢٩)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٣٣٦.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١١٣١)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٨٧٣)، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» ١: ٣١٣.\nوانظر أمثلة أخرى بهذا المعنى في: «مسند الحميدي» حديث (٢٤٣)، (٢٧٠)، و«مسائل أبي داود» ص ٤٤٤، و«الكفاية» ص ٢٢٤ - ٢٢٦.\n(^٤) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧١٨ - ٧٤٥.\n(^٥) وانظر شيئا من الضوابط في هذه المسألة في: «مسائل أبي داود» ص ٤٢٩ - ٤٣٠، ٤٣١، و«الجرح والتعديل» ١: ٣٥٣ - ٣٥٤، ٣٥٦ - ٣٥٧، و«سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٢٨٩ - ٢٩١، ٢٩١، ٢٩٢ - ٢٩٥، و«الجامع لأخلاق الرواي» ٢: ٣٨ - ٤٥، و«الكفاية» ص ١٤٣ - ١٤٧، ص ٢٤٧ - ٢٤٨، و«تاريخ بغداد» ٢: ٧، ٨: ٤٠٣، ١٢: ٢١٠، و«هدي الساري» ص ٤٠٢.","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type='title' id=toc-101>المبحث الثاني\nمراجعة كتب الرواة</span>\nالناقد في عصر الرواية في مقدوره للتأكد من صواب رواية أن يراجع كتاب الراوي، وينظر فيه، وقد كان لنقد المرويات بهذه الوسيلة -بصفة عامة- حضوره المميز، إذ قام النقاد بجهد كبير جدا في هذا الجانب، يقف منه المتأمل حائرا مبهوتا، وهو جانب لم يول العناية التي يستحقها من قبل الباحثين إلى الآن، وهو جدير بالعناية والتتبع والرصد، فله أثره البالغ في نقد المرويات، وفي الكلام على الرواة أنفسهم.\nوقد تقدم شيء من الحديث عنه في «الجرح والتعديل» في الوسائل التي استخدمها النقاد للحكم على الرواة (^١)، وفي اختلاف حال الراوي بين تحديثه من حفظه وتحديثه من كتابه (^٢)، وأيضا في «الاتصال والانقطاع» في قضية صيغ الأداء، ومراجعتها (^٣).\nوأول ما يلفت الانتباه في قضية الاستفادة من مراجعة كتب الرواة في نقد\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٦٩ - ٧٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١٢٠ - ١٣٧.\n(^٣) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٠.","vol":"1","page":163},{"text":"المرويات نفسها هو وجود الحديث في كتاب الراوي، أو عدم وجوده، فالراوي نفسه إذا حدث بحديث ولم يجده في كتابه استراب فيه، وتوقف عن روايته.\n\nروى ابن المبارك، عن شريك، عن عطية الثقفي، عن القاسم بن عبدالرحمن: «أن عمر أتي بسارق قد سرق …» الحديث، ثم قال ابن المبارك: «نظرت في كتاب شريك في حديث عطية هذا فأنكره شريك، وأنكرته» (^١).\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: «ذاكرني أبو عوانة بحديث، فقلت: ليس هذا من حديثك، فقال: لا تقل يا أبا سعيد، هو عندي مكتوب، قلت: فهاته، قال: يا سلامة هات الدرج، ففتش فلم يجد شيئا، فقال: من أين أتيت يا أبا سعيد؟ فقلت: هذا ذوكرت به وأنت شاب فعلق بقلبك، فظننت أنك قد سمعته» (^٢).\nوقال أحمد: «حدثنا عبدالرزاق، قال: كنت حدثت به، ثم لم أجده عندي، فارتبت به، قول -يعني طاوس-: «الفريضة ثلث العلم»،» (^٣).\nوروى البخاري عن محمد بن بشار، عن سهل بن حماد، عن شعبة، عن قطن، عن أبي يزيد المدني، بلغه عن النبي - ﷺ -: «من لم يرحم صغيرنا فليس منا»، ثم قال البخاري: «وعن أبي داود (يعني الطيالسي) عن شعبة، عن سعيد بن قطن، سمع أبا زيد الأنصاري بهذا، فنظر أبو داود في كتابه فلم يجده، والأول\n_________\n(^١) «الضعفاء الكبير» ٢: ١٩٥.\n(^٢) «المجروحين» ١: ٥٤.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٧٤.","vol":"1","page":164},{"text":"-مع إرساله- أثبت» (^١).\nوكذا يفعل النقاد، إذا لم يجدوا الحديث في كتاب الراوي استرابوا فيه، وربما حملوه هو عهدة الخطأ، حيث حدث به من حفظه فأخطأ فيه، وربما جعلوا ذلك من الراوي عنه، وقد تكون المراجعة لكتاب أحد تلامذة الراوي المعروفين بضبط حديث ذلك الشيخ، فإذا لم يجدوا الحديث فيه عن شيخه أعلوه بذلك.\nقال أحمد في حديث وكيع، عن شعبة، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - ﷺ - في (الشفعة): «ليس هو في كتاب غندر (يعني عن شعبة)،» (^٢).\nوروى جماعة عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن أبي حاجب سوادة بن عاصم، عن الحكم بن عمرو الغفاري: «أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة» (^٣).\nقال أحمد في نقده: «يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر …» (^٤).\n_________\n(^١) «التاريخ الصغير» ٢: ٦٨، و«التاريخ الكبير» ٧: ١٩٠.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٣.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٨٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٤)، و«سنن النسائي» حديث (٣٤٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٢١٣ - ٢١٤، ٥: ٦٦، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢٤.\n(^٤) «تنقيح التحقيق» ١: ٢١٥، ومراد أحمد اضطرابهم في متن الحديث، انظر: «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزي حديث (٢٣) بتحقيقي.","vol":"1","page":165},{"text":"وقال عبدالله بن أحمد: «حدثني مجاهد بن موسى، قال: حدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر قال: «أتت النبي - ﷺ - بواكي: فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا …»، فحدثت بهذا الحديث أبي، فقال أبي: أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر، فنسخناه، فلم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء -كأنه أنكره من حديث محمد بن عبيد-، قال أبي: وحدثناه يعلى أخو محمد قال: حدثنا مسعر، عن يزيد الفقير مرسلا …» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «الأئمة من قريش»، قال: ليس هذا في كتب إبراهيم، لا ينبغي أن يكون له أصل» (^٢).\nوقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد ذكر حديث الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي - ﷺ - كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا»، فقال: هذا -أراه- ريح، وسمعت أحمد ذكر هذا الحديث فقال: ليس\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٤٦، والحديث رواه أيضا أبو داود حديث (١١٦٩)، عن محمد بن أحمد المعروف بابن أبي خلف، عن محمد بن عبيد به، فكأن العهدة في وصله على محمد بن عبيد نفسه، فالحديث ليس في كتابه، حدث به من حفظه، وهو مع ثقته قد قال قال فيه أحمد: «كان يخطئ ولا يرجع عن خطئه»، انظر: «تهذيب التهذيب» ٩: ٣٢٩\n(^٢) «مسائل أبي داود» ص ٣٨٦، و«المنتخب من علل الخلال» ص ١٥٩، والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي حديث (٢٢٤٧)، والبزار كما في «كشف الأستار» حديث (١٥٧٨)، وأبو يعلى حديث (٣٦٤٤)، والبيهقي ٨: ١٤٤.","vol":"1","page":166},{"text":"هذا -يعني هذا الحديث- في كتاب الدراوردي، كان يحدثه حفظا، فقال أحمد: كتابه أصح من حفظه» (^١).\nوروى الأثرم عن أحمد نحو هذا، قال: «قال أبو عبدالله: الدراوردي إذا حدث من حفظه فليس بشيء -أو نحو هذا-، فقيل له: في تصنيفه؟ فقال: ليس الشأن في تصنيفه، إن كان في أصل كتابه وإلا فلا شيء، كان يحدث بأحاديث ليس لها أصل في كتابه، قال: يقولون: إن حديث هشام بن عروة … ليس له أصل في كتابه» (^٢).\nوروى الدراوردي أيضا عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «أبشر عمار، تقتلك الفئة الباغية» (^٣).\nقال ابن معين: «لم يوجد في كتاب الدراوردي، وأخبرني من سمع كتاب العلاء -يعني من الدراوردي- إنما كانت صحيفة ليس هذا فيها، وكانت قصة واحدة: قال رسول الله - ﷺ -، والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح» (^٤).\nوروى عبدالرزاق، عن معمر، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا: «الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة» (^٥).\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤١٨.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٥٨، والحديث أخرجه أبو داود حديث (٣٧٣٥).\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٠٠).\n(^٤) «من كلام يحيى بن معين» ص ١١٤.\n(^٥) «مسند البزار» حديث (٧٨٨٦)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٠١٤)، و«سنن البيهقي» ٦: ٣٢٩.","vol":"1","page":167},{"text":"قال ابن رجب: «أنكره أحمد، ومحمد بن يحيى، قالا: لم يكن في أصل عبدالرزاق» (^١).\nوقال عبدالله بن علي بن المديني: «سألت أبي عن أبي حفص الفلاس (يعني عمرو بن علي) فقال: قد كان يطلب، قلت: روى عن عبدالأعلى، عن هشام، عن الحسن: «الشفعة لا تورث»، فقال: ليس هذا في كتاب عبدالأعلى، عن هشام، عن الحسن» (^٢).\nوروى جماعة عن إبراهيم بن سليمان أبي إسماعيل المؤدب، عن هرير بن عبدالرحمن بن رافع بن خديج، عن جده رافع، عن النبي - ﷺ - أنه قال لبلال: «نور بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم» (^٣).\nورواه أبو نعيم الفضل بن دكين، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن هرير بن عبدالرحمن، عن جده رافع، وقد قيل عن أبي نعيم في تسمية شيخه غير هذا أيضا (^٤).\nذكر أبو حاتم رواية أبي نعيم هذه وتسميته لشيخه إبراهيم بن إسماعيل بن\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٥٧، وانظر: «علل الدارقطني» ٩: ٢٥٣.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ١٢: ٢٠٩.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ٣: ٣٠١، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٩، و«المعجم الكبير» حديث (٤٤١٤)، و«الأسماء والكنى» ١: ٩٧، وفي الأخير تحريف.\n(^٤) «مسند أبي بكر أبي شيبة» حديث (٨٣)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٤١٥)، و«نصب الراية» ١: ٢٣٨.","vol":"1","page":168},{"text":"مجمع، وهو من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، ثم قال أبو حاتم: «سمعنا من أبي نعيم كتاب إبراهيم بن إسماعيل، الكتاب كله، فلم يكن لهذا الحديث فيه ذكر، وقد حدثنا غير واحد عن أبي إسماعيل المؤدب».\nقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: الخطأ من أبي نعيم، أو من أبي بكر بن أبي شيبة؟» قال: «أرى قد تابع أبا بكر رجل آخر، إما محمد بن يحيى أو غيره، فعلى هذا يدل أن الخطأ من أبي نعيم -يعني أن أبا نعيم أراد أبا إسماعيل المؤدب، وغلط في نسبته، ونسب إبراهيم بن سليمان إلى إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع-» (^١).\nوروى سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسان بن بلال، عن عمار قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يخلل لحيته» (^٢)، يعني في الوضوء.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة …، قال أبي: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة، قلت: هو صحيح، قال: لو كان صحيحا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة …» (^٣).\nوروى عبدالله بن عمران، عن يحيى بن الضريس، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية …» الحديث (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٤٣، وانظر أيضا: ١: ١٣٩.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤٢٩).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٠.\n(^٤) «روضة العقلاء» ص ٢١٧، و«طبقات المحدثين بأصبهان» ٢: ١٦٠، و«حلية الأولياء» ٧: ١٢٨.","vol":"1","page":169},{"text":"قال أبو حاتم في نقده: «نظروا في كتب يحيى فلم يصيبوه عن الثوري» (^١).\nوروى ابن عدي عن الحسين بن أبي معشر أبي عروبة الحراني، عن مخلد بن مالك، عن العطاف بن خالد، عن نافع، عن ابن عمر: «أن النبي - ﷺ - أقاد من خدش»، ثم قال ابن عدي: «سمعت ابن أبي معشر يقول: كتبنا عن مخلد بن مالك كتاب عطاف قديما، ولم يكن فيه هذا الحديث، كأن ابن أبي معشر أومى إلى أن لُقِّن مخلد هذا الحديث» (^٢).\nوروى يحيى بن حسان، وعبدالغفار بن داود، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة قالت: «كان النبي - ﷺ - يقبلني وهو صائم» (^٣).\nقال الطحاوي: «ليس هذا الحديث في أصل الليث، عن يحيى بن سعيد، وإنما حدث به عنه يحيى بن حسان، وعبدالغفار بن داود» (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣١٦، وانظر أمثلة أخرى لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (٤٨٧)، (١٨٣٥)، (٢٥٧٩).\n(^٢) «الكامل» ٥: ٢٠١٥.\n(^٣) «السنن المأثورة» حديث (٣٠٦)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٩٢، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٥٤١)، و«معرفة السنن والآثار» حديث (٨٧٢٧).\n(^٤) «معرفة السنن والآثار» للبيهقي حديث (٨٧٢٧)، وقد رواه يحيى بن عبدالله بن بكير، عن الليث فلم يذكر عمرة، جعله عن يحيى بن سعيد، عن عائشة مرسلا، ورجح هذا أبو حاتم، وأبو زرعة، انظر: «علل ابن أبي حاتم» (٧١٠)، (٧٦٢).","vol":"1","page":170},{"text":"وروى جماعة عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود مرفوعا في (الوضوء بالنبيذ) (^١).\nقال الدارقطني في نقده لهذا الحديث: «لا يثبت هذا الحديث، لأنه ليس في كتب حماد بن سلمة المصنفات …» (^٢).\nوقضية عدم وجود الحديث مطلقا في كتاب الراوي لها صلة قوية بالتفرد، والتفرد نوع من الاختلاف، فهو مخالفة بالترك، فالمتفرد خالف أصحاب الراوي الذي تفرد عنه، فانفرد برواية الحديث.\nولها صلة بالاختلاف من جهة ثانية، وهي أن أحد المختلفين إذا لم توجد روايته في كتابه ضعفت بذلك، وقدمت عليها الرواية المخالفة، كما تقدم آنفا في قصة أبي داود الطيالسي، وروايته عن شعبة حديثا خولف فيه، وكذلك رواية محمد بن عبيد، عن مسعر، ومخالفة أخيه يعلى له، وقصة أبي نعيم ومخالفته لجماعة في تسمية شيخه.\nوالاستفادة العظمى من النظر في كتب الرواة تبرز حين يوجد اختلاف على راو من الرواة في رواية حديث عنه على صفتين أو أكثر، فيستعان بكتب الرواة لترجيح إحدى الصفتين، إما كتاب الشيخ المختلف عليه، أو كتاب أحد تلامذته، وقد يكون هذا التلميذ أحد المختلفين على الشيخ، وربما كان النظر في\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٤٥٥، و«شرح معاني الآثار» ١: ٩٥، و«سنن الدارقطني» ١: ٧٧.\n(^٢) «علل الدارقطني» ٦: ٣٤٦، ونحوه في «السنن» ١: ٧٧. وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٤١٠)، (١٢٦٤)، (١٨٣٥)، (٢٢٠٨)، (٢٨٠٢).","vol":"1","page":171},{"text":"الكتاب هو كاشف الاختلاف، وقد تكون المخالفة بين راو وكتاب شيخه، أو كتاب أحد تلامذته، وربما وقعت المخالفة بين الراوي وكتابه هو.\nوكل هذه الصور شحنت بها كتب النقد، فكان لهذه الوسيلة أثرها البالغ جدا في معرفة الصواب من روايتين جاءتا عن راو واحد، أو أكثر من روايتين.\nقال ابن المديني: «قلت لعبدالرحمن -يعني ابن مهدي-: إن الزهري روى عن النبي - ﷺ - في الضحك في الصلاة، قال عبدالرحمن: حدثني رجل أنه رأى هذا الحديث عند ابن أخي ابن شهاب في كتب الزهري: عن سليمان بن أرقم، عن الحسن …» (^١).\nوجاءت الحكاية من وجه آخر عن ابن المديني، وفيها أن الذي رآه في كتاب ابن أخي الزهري هو عبدالرحمن بن مهدي نفسه (^٢).\nوقد رواه يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري كذلك، وجاء عن الزهري من وجهين آخرين ذكر سليمان بن أرقم، والحسن، وبسليمان أعله النقاد، فإنه متروك الحديث، فالزهري ربما أسقطه، وربما أسقط الحسن أيضا (^٣).\nوروى شريك بن عبدالله، عن عاصم بن عبيدالله، عن عبدالله بن عامر،\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٢٦٠.\n(^٢) «الكامل» ٣: ١٠٢٩، و«سنن الدارقطني» ١: ١٦٦، ١٧١، و«سنن البيهقي» ١: ١٤٧.\n(^٣) «الرسالة» ص ٤٦٩، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٦٧، و«الكامل» ٣: ١٠٢٦، و«سنن الدارقطني» ١: ١٦٦.","vol":"1","page":172},{"text":"عن زيد بن ثابت: «البراءة من كل عيب براءة»، وقيل عن شريك بهذا الإسناد: عن زيد بن ثابت، وابن عمر (^١).\nقال ابن المبارك في نقده لهذا الحديث: «جاء به شريك على غير ما كان في كتابه، ولم نجد لهذا الحديث أصلا» (^٢).\nوسئل عنه يحيى بن معين فقال: «ليس يثبت، تفرد به شريك، وكان في كتابه: عن أشعث بن سوار» (^٣).\nوروى جماعة منهم عقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، وغيرهم، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال: «رأيت النبي - ﷺ - واقفا على الحزْوَرَة، فقال: والله إنك لخير أرض الله …» الحديث (^٤).\nقال أحمد: «سمعت كتاب صالح بن كيسان -يعني حديث إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان- من سعد -يعني سعد بن إبراهيم أخا يعقوب بن إبراهيم- وكان حدثنا عن ابن عدي بن الخيار، فحدثنا به يعقوب، فدعا\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٦: ٣٠٠ حديث (١١٤٠)، و«سنن البيهقي» ٥: ٣٢٨.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٢: ١٩٥، و«سنن البيهقي» ١: ٣٢٨، و«تهذيب التهذيب» ٤: ٣٣٧.\n(^٣) «سنن البيهقي» ٥: ٣٢٨.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (٣٩٢٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣١٠٨)، و«مسند أحمد» ٤: ٣٠٥، و«أخبار مكة» حديث (٢٥١٤)، و«الآحاد والمثاني» حديث (٦٢٢)، و«تهذيب الكمال» ١٥: ٢٩٠، و«إتحاف المهرة» ٨: ٢٥٥.","vol":"1","page":173},{"text":"بالأصل، فإذا فيه: ابن عدي بن الحمراء» (^١).\nوجاء من وجه آخر عن أحمد أن يعقوب بن إبراهيم يخطئ فيه أيضا، فكان في نسخته: عبدالله بن عدي بن الخيار، فلما راجع أصله وجده على الصواب: عبدالله بن عدي بن الحمراء.\nويقال إن أصل الخطأ من والدهما إبراهيم بن سعد (^٢)، فلعله كان حين يحدث به حفظا يخطئ فيه، وهو في الأصول على الصواب.\nوروى أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا (قصة ذي اليدين) (^٣).\nقال المروذي: «قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: إنما هو في كتاب عبيدالله مرسل، وما ينبغي إلا كما قال يحيى، وأنكره» (^٤).\nوقال الأثرم: «قلت لأبي عبدالله: حديث السهو حديث ابن عمر يرويه غير أبي أسامة؟ فقال: أبو أسامة وحده، وكأنه ضعفه، قال أبو عبدالله: زعموا أن يحيى بن سعيد قال: إنما هو عن عبيدالله، عن نافع، مرسل» (^٥).\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤٤٢.\n(^٢) «تصحيفات المحدثين» ١: ٨٥ - ٨٧.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٠١٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢١٣).\n(^٤) «علل المروذي» ص ١٤٨.\n(^٥) «تنقيح التحقيق» ١: ٤٣٨.","vol":"1","page":174},{"text":"وروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن إبراهيم النخعي، عن عبيدة السلماني، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم …» الحديث (^١).\nقال عمرو بن علي الفلاس بعد أن رواه عن أزهر كما تقدم: «فحدثت به يحيى بن سعيد، فقال: ليس في حديث ابن عون: عن عبدالله، فقلت له: بلى فيه، قال: لا، فقلت: إن أزهر حدثنا عن ابن عون، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبدالله، قال: رأيت أزهر جاء بكتابه ليس فيه: عن عبدالله»، قال عمرو بن علي: «فاختلفت إلى أزهر قريبا من شهرين للنظر فيه، فنظر في كتابه، ثم خرج فقال: لم أجده إلا عن عبيدة، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nوروى أحمد بن سنان الواسطي قال: «سألت عبدالرحمن بن مهدي وهو يحدثنا بأحاديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، فمن حسنها قلت له: من أبو الأسود هذا يا أبا سعيد؟ قال: هذا محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، ربيب عروة، أخو هشام بن عروة من الرضاعة، وهو الذي يقول هشام في حديث عبدالله بن عمرو، عن النبي - ﷺ -: «إن الله ﷿ لا ينتزع العلم انتزاعا ينتزعه من\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٥٣٣)، و«مسند أحمد» ١: ٤١٧، و«مسند البزار» حديث (١٧٨٢)، و«السنة» لابن أبي عاصم حديث (١٤٦٧)، و«مسند الشاشي» حديث (٧٩٣)، و«تاريخ بغداد» ١٢: ٥٢.\n(^٢) «معرفة علوم الحديث» ص ٤١، و«الجامع لأخلاق المراوي» ٢: ٤٠، وفيه: «قريبا من شهر»، وانظر: «الضعفاء الكبير» ١: ١٣٣.","vol":"1","page":175},{"text":"الناس …»، فقال هشام: وحدثني أخي محمد بن عبدالرحمن بن نوفل، عن أبي قال: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا»، فقلت: قد كتبته يا أبا سعيد، وليس هو هكذا، فقال: بلى، أخرج إلي أبو أسامة كتابه وهو هكذا.\nقال أحمد بن سنان: وكنت كتبته عن أبي أسامة بالكوفة قبل أن أنحدر إلى البصرة، فلما قدمت واسطا لم يكن لي همة إلا أن أنظر في كتابي، فنظرت فإذا الحديث قد أملى علينا عن هشام، عن أبيه تاما، فلما أتمه قال هشام: أخبرني من سمع أبي يقول: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا …» حتى ذكر الحديث بتمامه» (^١).\nعلق الشيخ عبدالرحمن المعلمي على هذه الحكاية بقوله: «كأن أبا أسامة حدثهم من حفظه (يعني فلم يستحضر اسم محمد بن عبدالرحمن بن نوفل فأبهمه)، وابن مهدي أخذ من كتابه».\nوقال عبدالله بن أحمد: «قرأت على أبي: عبدالرحمن، عن مالك، عن نافع: «أن ابن عمر رأى رجلا صلى ركعتي الفجر، ثم اضطجع، فقيل له في ذلك، فقال: أردت أن أفصل، فقال: وأي فصل أفضل من التسليم؟»، سمعت أبي يقول: قرأت على عبدالرحمن، وعارضني به من كتابه: مالك، أنه بلغه عن ابن عمر، قال عبدالرحمن: وقرئ على مالك» (^٢).\n_________\n(^١)» الجرح والتعديل» ١: ٢٥٤.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ١٩١.","vol":"1","page":176},{"text":"وروى أحمد، عن سفيان بن عيينة قال: «كان بعض الشيوخ يتقي حديث عاصم بن عبيدالله» (^١)، ورواه أحمد أيضا دون كلمة «بعض» (^٢)، قال أبو داود: «سمعت أحمد يقول: قال ابن عيينة: كان بعض المشايخ يتقون حديث عاصم بن عبيدالله، وكان أحمد ذكره فلم يذكر «بعض»، ثم قال: نظرت في الكتاب فيه «بعض»،» (^٣).\nوروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي قال: «شكت إليَّ فاطمة مجل يديها من الطحن، فقلت: لو أتيت أباك …» الحديث (^٤).\nقال علي بن المديني بعد أن رواه هكذا عن أزهر: «رأيته في أصله مرسلا عن محمد، وكلمت أزهر في ذلك، وشككته فأبى، وقال: عن عبيدة» (^٥).\nوكذا نقده بما في كتاب أزهر: البخاري، والبزار، وذكر البزار أن بشر بن آدم، ابن بنت أزهر، أخرج إليه كتاب أزهر الأصل فرآه فيه مرسلا، مع حديث آخر لأزهر، عن ابن عون، وصله أزهر أيضا من حفظه بما يخالف ما في كتابه (^٦).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢١٤.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢١٠، و«الجرح والتعديل» ٦: ٣٤٧.\n(^٣) «سؤالات أبي داود» ص ٢٠٦.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (٣٤٠٨ - ٣٤٠٩)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩١٧٢)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٣، و«أمالي المحاملي» حديث (١٤٣).\n(^٥) «الضعفاء الكبير» ١: ١٣٢.\n(^٦) «العلل الكبير» ٢: ٩٠٩، و«مسند البزار» حديث (٥٤٨ - ٥٤٩).","vol":"1","page":177},{"text":"وروى إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن أنس بن عياض، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أن جيشا غنموا في زمان رسول - ﷺ - طعاما وعسلا، فلم يؤخذ منهم الخمس» (^١).\nقال الدوري: «سمعت يحيى يقول في حديث أبي ضمرة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «أن جيشا غنموا طعاما …»: قرأه عليَّ أبو ضمرة\n-ومن أصل كتابه-: عن نافع، مرسل» (^٢).\nوروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وطاوس، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - احتجم وهو محرم» (^٣).\nقال الحميدي: «قال سفيان: حدثنا بهذا الحديث عمرو مرتين، مرة قال فيه: سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس يقول …، ومرة سمعته يقول: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس …، ولا أدري أسمعه عمرو منهما، أو كانت إحدى المرتين وهم؟» (^٤).\nوروى هذا يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، وزاد فيه قول سفيان:\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٧٠١).\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٤٣.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (١٨٣٥)، (٥٦٩٥)، و«صحيح مسلم» حديث (١٢٠٢)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٣٥)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٣٩)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٤٧)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢١.\n(^٤) «مسند الحميدي» حديث (٥٠٠).","vol":"1","page":178},{"text":"«وقد ذكر لي أنه سمعه منهما»، ثم قال الحميدي: «ورأيت في كتاب ابن أخي عمرو بن دينار، وهذا الحديث عنهما» (^١).\nوروى يحيى بن سليمان الرازي البزاز والد أبي حصين البزاز، عن حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأغر، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - قال: «الإيمان كلمات: سبحان الله، والحمد لله …».\nقال أبو حاتم بعد أن بين أن هذا خطأ، والصواب: «ألا إنما هو كلمات …»: «قال لنا أبو حصين: رأيت في كتاب أبي هذا الحديث: فقال رسول الله - ﷺ -: «ألا»، وقد تأكل ما بعده، فجاء الرازيون فلقنوه: «الإيمان كلمات»، وإنما موضعه موضع دارس قد تأكل» (^٢).\nوروى بعض أصحاب محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عنه، عن أخيه عيسى، والحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب مرفوعا، حديث (رفع اليدين في تكبيرة الإحرام) (^٣)، ومنهم من لم يذكر الحكم بن عتيبة (^٤).\nورواه بعض أصحاب محمد بن عبدالرحمن، عنه، عن يزيد بن أبي زياد، عن\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٤٥.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٥٥.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٧٥٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٢٣٦، و«مسند أبي يعلى» حديث (١٦٨٩)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢٢٤، لكن وقع في «سنن أبي داود»: عن عيسى، عن الحكم.\n(^٤) «شرح معاني الآثار» ١: ٢٢٤.","vol":"1","page":179},{"text":"عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء (^١).\nقال عبدالله بن أحمد: «حدثني أبي، عن محمد بن عبدالله بن نمير، قال: نظرت في كتاب ابن أبي ليلى، فإذا هو يرويه عن يزيد بن أبي زياد، قال أبي: وحدثنا وكيع، سمعه من ابن أبي ليلى، عن الحكم، وعيسى، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وكان أبي يذكر حديث الحكم، وعيسى، يقول: إنما هو حديث يزيد بن أبي زياد، كما رآه ابن نمير في كتاب ابن أبي ليلى، قال أبي: ابن أبي ليلى كان سيئ الحفظ، ولم يكن يزيد بن أبي زياد بالحافظ» (^٢).\nوروى رويم بن يزيد، عن الليث بن سعد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل …» الحديث (^٣).\nوهو مشهور من حديث رويم بن يزيد، لكن رواه أيضا محمد بن أسلم الطوسي، عن قبيصة بن عقبة، عن الليث كذلك (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الدارقطني» ١: ٢٩٣.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٦٩.\n(^٣) «العلل الكبير» ٢: ٨٧٤، و«كشف الأستار» حديث (١١٩٦)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٦١٨)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٥٥٥)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١١٣)، و«المستدرك» ١: ٤٥٥، و«سنن البيهقي» ٥: ٢٥٦، و«تاريخ بغداد» ٨: ٤٢٩.\n(^٤) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٥٥٥)، و«المستدرك» ١: ٤٥٥، و«حلية الأولياء» ٩: ٢٥٠، و«التمهيد» ٢٤: ١٥٩.","vol":"1","page":180},{"text":"ورواه قتيبة بن سعيد، وعبدالله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مرسلا (^١).\nقال أحمد بن سلمة عن الموصول: «ذاكرت به مسلم بن الحجاج، فقال: أخرج إلي عبدالملك بن شعيب بن الليث كتاب جده، فرأيت في كتاب الليث على ما رواه قتيبة» (^٢).\nوروى الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة الدمشقي، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده: «أن النبي - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن كتابا …» الحديث (^٣).\nورواه محمد بن بكار، وأخوه جامع بن بكار، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم -وهو متروك الحديث- عن الزهري (^٤).\nوقد توارد جمع من الرواة على أنهم رأوه في أصل يحيى بن حمزة: عن سليمان بن أرقم، ومن هؤلاء: محمد بن الوليد أبو هبيرة الدمشقي، ودحيم، وابن منده (^٥).\n_________\n(^١) «شرح مشكل الآثار» حديث (١١٤)، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥٤.\n(^٣) «مراسيل أبي داود» حديث (٢٥٩)، و«سنن النسائي» حديث (٤٨٦٨).\n(^٤) «مراسيل أبي داود» حديث (٢٥٨)، و«سنن النسائي» حديث (٤٨٦٩).\n(^٥) «مراسيل أبي داود» حديث (٢٥٨)، و«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٥، و«ميزان الاعتدال» ٢: ٢٠١.","vol":"1","page":181},{"text":"وروى هشام بن إسماعيل، وهشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن شابور، عن عبدالله بن العلاء بن زَبْر، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي - ﷺ - صلى صلاة، فقرأ فيها، فلبس عليه …» الحديث (^١).\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث وذكر له رواية هشام بن إسماعيل، فقال: «هذا وهم، دخل لهشام بن إسماعيل حديث في حديث، نظرت في بعض أصناف محمد بن شعيب، فوجدت هذا الحديث رواه محمد بن شعيب، عن محمد بن يزيد البصري، عن هشام بن عروة، عن أبيه: «أن النبي - ﷺ - صلى فترك آية …» هكذا مرسل، ورأيت بجنبه حديث عبدالله بن العلاء، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -: «أنه سئل عن صلاة الليل فقال: مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح …»، فعلمت أنه سقط على هشام بن إسماعيل متن حديث عبدالله بن العلاء، وبقي إسناده، وسقط إسناد حديث محمد بن يزيد البصري، فصار متن حديث محمد بن يزيد البصري بإسناد حديث عبدالله بن العلاء بن زبر، وهذا حديث مشهور، يرويه الناس عن هشام بن عروة.\nفلما قدمت السفرة الثانية رأيت هشام بن عمار يحدث به عن محمد بن شعيب، فظننت أن بعض البغداديين أدخلوه عليه، فقلت له: يا أبا الوليد هذا ليس من حديثك، فقال: أنت كتبت حديثي كله؟ فقلت: أما حديث محمد بن\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٩٠٧)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٢٤٢)، و«المعجم الكبير» حديث (١٣٢١٦)، و«سنن البيهقي» ٣: ٢١٢، و«تحفة الأشراف» ٥: ٣٥٧.","vol":"1","page":182},{"text":"شعيب فإني قدمت عليك سنة بضعة عشر، فسألتني أن أخرج لك مسند محمد بن شعيب، فأخرجت إلي حديث محمد بن شعيب، فكتبت لك مسنده، فقال: نعم، هي عندي بخطك، قد أعلمت الناس أن هذا بخط أبي حاتم، فسكت» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «حضرت أحمد بن سنان، وقد حدثنا عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى: «أن رسول الله - ﷺ - عطس، فقيل له: يرحمك الله، فقال النبي - ﷺ -: يهديكم الله ويصلح بالكم»، فقال أبي لأحمد بن سنان: إنما هو عن أبي حمزة، عن أبي بردة، فأبى أن يقبل.\nثم صار أبي إلى محمد بن عبادة فسأله أن يخرج له حديث يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، فأخرج كتابه فإذا هو: حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فكتبنا عن ابن عبادة هذا الحديث، ثم أخبر أبي ابني أحمد بن سنان بأنه وجد في كتاب ابن عبادة: عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، كما قال أبي، فتحيرا، وقالا: ننظر في الأصل.\nفلما كان الغد حملوا إلى أبي أصل أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة -معجما على الحاء والزاي كما قال أبي- وقالا: وقع الغلط في التحويل، فحدثنا أحمد بن سنان من الرأس عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبي موسى، كما قال أبي، واعتذروا من ذلك» (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٧٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٣.","vol":"1","page":183},{"text":"وروى جماعة عن عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن معاذ بن جبل، قال: «احتجم النبي - ﷺ - وهو صائم» (^١).\nورواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عيسى بن يونس موقوفا من فعل معاذ.\nسئل أبو زرعة عن الرواية الأولى، وذكر له بعض من رواه عن عيسى بن يونس، فقال: «هذا خطأ، في كتاب عيسى بن يونس: عن الأحوص بن حكيم، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير: «أن النبي - ﷺ - احتجم …»، مرسل» (^٢).\nوروى صالح بن محمد الحافظ المعروف بجزرة، عن هشام بن عمار، عن محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري (يعني عن سعيد بن المسيب) حديث مقتل عثمان، قال صالح: «فجهدت به (يعني هشام بن عمار) الجهد أن يقول: حدثنا ابن أبي ذئب، فأبى أن يقول: إلا: عن ابن أبي ذئب، فقال لي محمود ابن ابنة محمد بن عيسى: هو في كتاب جدي: عن إسماعيل بن يحيى بن عبيدالله، عن ابن أبي ذئب»، قال صالح: «وإسماعيل بن يحيى هذا يضع الحديث» (^٣).\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (٢٦٥٨)، و«المعجم الكبير» ٢٠: ٩٣ حديث (١٨٠).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٨.\n(^٣) «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٤٥، وانظر: «التاريخ الكبير» ١: ٢٠٣، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٢٥، و«الكامل» ٦: ٢٢٥٠. وقد تقدمت هذه القصة في «الاتصال والانقطاع» ص ٢٣٠، حيث ذكرتها هناك مثالا على رمي راو بالتدليس، ثم يتبين أن الإسقاط ليس منه.","vol":"1","page":184},{"text":"وذكر الدارقطني حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في أمر بلال بالأذان شفعا، والإقامة وترا، وذكر من رواه هكذا عن سعيد، ثم عقبه برواية من رواه عن سعيد، عن قتادة مرسلا، ثم قال: «هو في مصنفات سعيد مرسلا» (^١).\nفاتضح مما تقدم من أمثلة أهمية النظر في كتب الرواة لكشف الخطأ، وللترجيح بين الروايات عند وقوع الاختلاف، واعتماد النقاد على اختلاف طبقاتهم على هذه الوسيلة.\nومما يحسن التنبيه عليه أن هذا الأمر بالنسبة لهم ليس بالأمر السهل، فهناك عقبات تواجه الناقد وهو يتحقق من الصواب بالنظر في الكتاب، منها أن الرواة لهم أصول عتيقة سمعوا بواسطتها من شيوخهم، أو قيدوها وقت السماع، ولهم فروع لتلك الأصول، تعرف بالنسخ، لكونها نسخت من الأصول، وذلك للتحديث منها في وقت الكبر، ومجيء الرواة للسماع منهم، فيحتفظون بالأصل\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٢: ٢٤٦.\nوانظر أمثلة أخرى في: «العلل ومعرفة الرجال» (٧٠٩ - ٧١٤)، و«مسائل أبي داود» (٢٠٠٤)، و«مسائل صالح» (١٢٤١)، (٣٩٦١)، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٣٨، و«جزء رفع اليدين في الصلاة» ص ٧٩، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٣٧٤)، و«الضعفاء الكبير» ٢: ٨٧، و«علل ابن أبي حاتم» (٢١١)، (٣٩٧)، (٥٣٨)، (١٠٢٢)، (١٥٤٧)، (١٦٠٦)، (١٧٤٣)، (١٧٩٩)، (٢٠٧٩)، (٢١٦٥)، (٢٢٠٢)، (٢٤١٦)، (٢٨٠٢)، و«المنتخب من علل الخلال» ص ٢٠٧، و«الإرشاد» ٢: ٤٩٥، و«شرح علل الترمذي»، ٢: ٧٥٦، و«النكت الظراف» ١: ٣٢.","vol":"1","page":185},{"text":"خوفا عليه، وللكثير من الرواة مصنفات، خاصة من تدور الرواية عليهم، مثل ابن جريج، وسعيد بن أبي عروبة، ومعمر، وحماد بن سلمة، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق، وغيرهم، جمعوها من أصولهم، أو من فروعها، فالناقد عليه أن يتتبع الحديث في مراحله هذه، وهل له وجود فيها؟ وما يحصل له من تغيير، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أمثلة لذلك (^١)، وتقدم أيضا في أول هذا المبحث من كلام أحمد في عبدالعزيز الدراوردي، وفي كلامه عن حديث عبدالله بن عدي بن الحمراء، وتقدم كذلك آنفا في قصة أبي حاتم مع أحمد بن سنان.\nوكذلك فإن أصول الرواة وكتبهم ليست على درجة واحدة من الإتقان والصحة، ابتداء من السماع، إذ قد يكتب الراوي بعد السماع بفترة تطول أو تقصر، ثم قد يعارض ويصحح بعد الكتابة، أو يغفل ذلك، وقد تختلط الأحاديث في الكتاب على الراوي، أو يندرس شيء منه، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في «الجرح والتعديل» (^٢)، وهو ما يفسر وجود أخطاء في الكتب نفسها، وقد قام النقاد بجهد عظيم في سبيل فحص كتب الرواة وأصولهم، ومعرفة ما كتبه الراوي وسمعه من شيخه، وما كتبه ولم يقض له سماعه منه، أو لم يقض له سماع شيء منه، ومعرفة من كان يملي على تلامذته، ومن يمتنع من\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٧٤ - ٧٧، ويضاف من مراجع المسألة: «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٤٤، ٣: ١٩٩، و«مسائل حرب» ص ٤٦٥، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٦٩، و«تاريخ بغداد» ١٣: ٣١٣، و«تهذيب الكمال» ٤: ٥٤٨.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١٢٠ - ١٢٥.","vol":"1","page":186},{"text":"الإملاء، ومعرفة ما تمت معارضته بعد الكتابة، وبيان من كان يكتب عند السماع، ومن كان يكتب من حفظه، أو من إملاء غيره، ومن كان من المشايخ يأذن بالكتابة حال تحديثه، ومن كان يأبى ذلك (^١).\nومن أمثلة ما وقع فيه خطأ في الكتاب، قول أحمد: «حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي سعيد الرقاشي، عن ابن عباس: «لا تأكل من الجبن إلا ما صنع المسلمون وأهل الكتاب»، وكان في كتابنا: عن سليمان التيمي، فقال وكيع: عاصم الأحول، وهو الصواب، وكنا نسخناه من كتاب ابن أبي شيبة» (^٢).\nومراد أحمد أنهم نسخوه من كتاب أبي بكر بن أبي شيبة لقراءته فيما بعد\n_________\n(^١) ينظر أيضا في هذه القضايا وما في معناها: «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٧٥، ٢٣٤، ٤٦٠، ٢: ٣٣٢، ٣٥٥، ٤١٨، ٣: ٣٨٣، و«سؤالات أبي داود» ص ٢٦٣، و«علل المروذي» ص ٤٤، و«مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢١٩، و«مسائل حرب» ص ٤٧٢، ٤٩٢، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٦٨، ٣٠٨، و«معرفة الرجال» ٢: ٢٣٧، وسؤالات ابن الجنيد» ص ٢٤٢، و«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٣٣، ٤٧١، ٢: ٧١٥، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٨٤، ٢٣٨، ٤٣٤ - ٤٣٦، ٨٢٩ - ٨٣٠، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٢٦٢، و«الجرح والتعديل»\n١: ٣٥٣، ٦: ٦٧، و«الكامل» ٦: ٢٢٦٤، ٧: ٢٤٩٦، و«المحدث الفاصل» ص ٣٨٥، و«تصحيفات المحدثين» ١: ٣٥، ٤٦، و«سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٢٩٢ - ٢٩٥، و«الجامع لأخلاق الراوي» ١: ٢٣٥، ٢٧٢ - ٢٨٠، ٢: ٢٧، ٨٨، و«تاريخ بغداد» ٢: ٢٧٠، ١٠: ٣١٢، ١١: ٤٤٨، ١٢: ٢٧٣، ٢٧٤، و«الكفاية» ص ١٤٨، ٢٧٢، ٢٣٧ - ٢٥٩، و«سير أعلام النبلاء» ١٢: ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٥.","vol":"1","page":187},{"text":"على وكيع، غير أن وكيعا حدثهم بخلاف ما في كتاب ابن أبي شيبة، وصوب أحمد ما حدثهم به وكيع، وأن في كتاب ابن أبي شيبة خطأ.\nوقال أحمد أيضا: «كان في كتاب محمد بن عبيد في حديث إسماعيل بن أبي خالد عشرة أحاديث خطأ» (^١).\nوأيضا -وهذا أمر بالغ الأهمية- يقوم الناقد بمهمة جليلة أثناء نظره في الكتاب للتأكد من صواب رواية، فقد يكون أصل الراوي قد حصل فيه تحريف فيما بعد، فقد وقع هذا لبعض الرواة في أصولهم، فضعفهم النقاد بذلك (^٢).\nومن أمثلته في أحاديث بعينها أن الوليد بن مسلم روى عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة: «أن النبي - ﷺ - مسح أعلى الخف وأسفله».\nورواه ابن المبارك، عن ثور بن يزيد، قال: حدثت عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة مرسلا، ليس فيه المغيرة بن شعبة، هكذا رواه عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، وبرواية ابن المبارك هذه أعل النقاد رواية الوليد بن مسلم، وأنه ارتكب فيها تدليس التسوية، وأخطأ في ذكر المغيرة بن شعبة (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل حرب» ص ٤٥٩. وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (١٨٦١)، (٢٤٦٣)، (٢٦٧٤)، و«سؤالات السهمي للدارقطني» ص ٧٤ - ٧٧، و«علل الدارقطني» ٣: ٩٨، و«معرفة السنن» للبيهقي ١: ١٤٤.\n(^٢) تقدم شيء من هذا في «الجرح والتعديل» ص ٦٩ - ٧٣.\n(^٣) انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٢٧٥.","vol":"1","page":188},{"text":"وقد أشكل على هذا أن نعيم بن حماد رواه عن ابن المبارك كرواية الوليد بن مسلم، ثم تبين بعد فحص هذه الرواية أن أصل نعيم بن حماد قد وقع فيه تغيير، قال أحمد بعد أن ذكر رواية عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك: «وقد كان نعيم بن حماد حدثني به عن ابن المبارك كما حدثني الوليد بن مسلم به عن ثور، فقلت له: إنما يقول هذا الوليد، فأما ابن المبارك فيقول (يعني في روايته عن ثور): حدثت عن رجاء، ولا يذكر المغيرة، فقال لي نعيم: هذا حديثي الذي أسأل عنه، فأخرج إلي كتابه القديم بخط عتيق، فإذا فيه ملحق بين السطرين بخط ليس بالقديم: عن المغيرة، فأوقفته عليه، وأخبرته أن هذه زيادة في الإسناد لا أصل لها، فجعل يقول للناس بعد وأنا أسمع: اضربوا على هذا الحديث» (^١).\nوروى أبو كريب محمد بن العلاء، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى مرفوعا: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (^٢).\nوقد اشتهر عند النقاد أن هذا الحديث من أفراد أبي كريب، عن أبي أسامة، وكذلك تفرد به أبو أسامة، عن بريد، لكن جاءت متابعات لأبي كريب لا تصح، ومنها متابعة محمد بن يزيد أبي هشام الرفاعي، قال البرذعي بعد أن نقل عن أبي زرعة أنه سمعه من أبي كريب: «فقلت له: (يعني لأبي زرعة) حدثنا به أبو السائب\n_________\n(^١) «التلخيص الحبير» ١: ١٦٨.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٢).","vol":"1","page":189},{"text":"سلم بن جنادة السوائي، عن أبي أسامة، فقال: أبو السائب روى هذا؟ فقلت: نعم، هو حدثنا به، فقال: هذا حديث أبي كريب.\nوقال لي أبو زرعة: كان أبو هشام الرفاعي يرويه أيضا، فسألت أبا هشام أن يخرج إلي كتابه، ففعل، فرأيته في كتابه بين سطرين، بخط غير الخط الذي في الكتاب.\nثم قال لي: ما ظننت أن أبا السائب يروي مثل هذا -أو نحو ما قال أبو زرعة-، وأعاد علي غير مرة: هذا حديث أبي كريب» (^١).\nوقد يختلف قول من نظر في كتاب الراوي، فيحتاج الناقد إلى الموازنة بين الناقلين، قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن سلام، عن جده، عن عبدالرحمن بن غنم، عن معاذ، عن النبي - ﷺ -: «أيما امرأة …» الحديث طويل، فقيل لأبي: إن سفيان بن وكيع أخرج هذا من أصل أبيه العتيق.\nفقال: ليس هذا بشيء، حدثنا علي الطنافسي، قال: حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى، عن معاذ بن جبل، مرسل، فمن أين كتبه علي عنه؟ أليس من كتابه؟» (^٢).\nومهما يكن من عوائق في استفادة النقاد من كتب الرواة، إلا أن الكتاب في\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٨١.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥٤.","vol":"1","page":190},{"text":"الجملة أقوى من الحفظ، كما تقدم النقل عنهم (^١).\nومن ذلك أيضا قول أبي نعيم -وذكر عنده حماد بن زيد، وابن علية، وأن حمادا حفظ عن أيوب، وابن علية كتب- فقال: «ضمنت لك أن كل من لا يرجع إلى كتاب لا يؤمن عليه الزلل» (^٢).\nوقال أحمد: «ما كان أحد أقل سقطا من ابن المبارك، كان رجلا يحدث من كتاب، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له سقط كبير شيء، وكان وكيع يحدث من حفظه، ولم يكن ينظر في كتاب، وكان يكون له سقط، كم يكون حفظ الرجل؟» (^٣).\nوسئل يحيى بن معين: أيهما أحب إليك، ثبت حفظ، أو ثبت كتاب؟ قال: «ثبت كتاب» (^٤).\nوهذا كله يبرز بشكل جلي اهتمام النقاد بالنظر في كتب الرواة، خاصة حين يرتابون في رواية.\n * * *\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٢٥ - ١٢٧.\n(^٢) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٦٧.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١١.\n(^٤) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٩، وانظر: «الكفاية» ص ٢٣٠.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>المبحث الثالث\nتمييز أحاديث الرواة</span>\nأئمة النقد لقوة وسعة حفظهم، وكثرة ممارستهم لأحاديث الرواة، ومذاكرة بعضهم بعضا، يعرفون أن فلانا قد روى عن هذا الراوي شيئا، أو لم يرو عنه، وإذا كان قد روى عنه فكم روى عنه من الأحاديث؟ كما يدركون صفة ونوع الأحاديث الأليق بالراوي.\nفإذا جاء الاسم مبهما في الإسناد يشترك فيه اثنان أو أكثر فبإمكان الناقد أن يرجح هل هو من حديث فلان، أو من حديث فلان؟ وإذا وقع تحريف في اسم راو، فانتقل الاسم إلى غيره، ميزوا هذا وعرفوه.\nوإذا أخطأ بعض الرواة فنقل حديث راو إلى آخر أدرك الناقد هذا، لمعرفته بصفة ونوع الأحاديث التي يرويها كل منهما.\nوإذا تفرد راو عن آخر، عن شيخ له بحديث، قالوا في نقدهم للمتفرد: شيخك لم يرو عن شيخه سوى ثلاثة أحاديث -مثلا-، فما جئت به خطأ منك.\nوربما حدث الراوي بحديث فقالوا له: ليس هذا من حديثك، هذا من حديث فلان.\nوالقارئ في كتب النقد يرى بوضوح اهتمام النقاد بعدد من الجوانب تخدم هذا الغرض النبيل، منها أنهم ينصون على من روى عن الراوي، فيقولون: فلان","vol":"1","page":192},{"text":"روى عنه فلان، وفلان، أو فلان لم يرو عنه سوى فلان، وفلان، كما ينصون على شيوخ الراوي إثباتا، ونفيا، فيقولون: فلان روى عن فلان وفلان، أو فلان لم يرو عن فلان، وربما عقدوا فصولا للمقارنة بين روايين مشهورين، بذكر من روى عنه أحدهما، ولم يرو عنه الآخر (^١).\nومن الجوانب كذلك النص على عدد الأحاديث التي عند الراوي، إما بإطلاق، أو عن شيخ معين، وقد يكون هذا منقولا عن الراوي نفسه، وهذا أيضا كثير جدا.\nومن ذلك قول أحمد: «سمع شعبة من يزيد بن البراء بن عازب حديثا واحدا» (^٢).\nوقال عبدالله بن أحمد لأبيه: «طلحة الأعلم؟ قال: روى عنه الثوري، قلت: كيف حديثه؟ قال: وكم حديثه؟ حديث واحد» (^٣).\nوقال أحمد أيضا: «عبدالله بن السائب الذي روى عنه هارون بن عنترة، هو الذي روى عنه الأعمش، وسمع منه الثوري ثلاثة أحاديث» (^٤).\nوقال أيضا: «ابن علية سمع من أبي التياح حديثا واحدا» (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤٧١ - ٤٧٧.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٩٩، و«مسائل صالح» ص ٢٥٨.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٥٢٩.\n(^٤) «مسائل أبي داود» ص ٤٢٦.\n(^٥) «مسائل أبي داود» ص ٤٢٦، وانظر النصين التاليين لهذا النص في هذا المصدر.","vol":"1","page":193},{"text":"وقال أيضا بعد أن روى عن عبدالله بن نمير، عن الحارث بن حصيرة حديثا\n-ولم يسق متنه-: «لم يسمع منه ابن نمير إلا حديثا واحدا -يعني هذا الحديث-» (^١).\nوقال أحمد بعد أن ساق حديثين من حديث شعبة، عن عباس الجريري: «لا أعلم شعبة حدث عن عباس الجريري إلا هذين الحديثين» (^٢).\nوقال ابن معين: «كان أبو أسامة يروي عن عبيدالله بن عمر خمسمئة حديث إلا عشرين، كتبتها كلها عنه، وكان ابن نمير يروي عنه أربعمئة حديث أو أكثر، كتبتها كلها عنه، وروى عنه عبدة نحوا من مئتين، كتبتها عنه» (^٣).\nوهناك جانب آخر بالغ الأهمية في هذا المقام، وهو معرفة شهرة الراوي بحديث معين، فيقول النقاد إنه يعرف بحديث كذا، ينبه النقاد بذلك على خطأ من نقله إلى غيره، عن قصد أو غير قصد، والحديث كذلك يشتهر عن راو بعينه فإذا جاء عن غيره توقفوا فيه، وقد شحنت كتب النقد بهذا، خاصة كتاب العقيلي «الضعفاء»، وكتاب ابن عدي «الكامل»، وكتاب الخليلي «الإرشاد».\nومن الجوانب كذلك صفة ونوعية الأحاديث التي يرويها الراوي، بمعرفة\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٩.\n(^٢) «مسائل صالح» ص ٢٢٧، وفيه فصل عن عدد ما روى شعبة عن بعض شيوخه، مما هو في كتاب غندر، عن شعبة، انظر: ص ٤٢٣ - ٤٢٤، ٢٢٧ - ٢٢٩، وانظر أيضا: «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٧٦، فقرة (١٩١٩)، و«مسائل أبي داود» ص ٤١١، ٤٢٨.\n(^٣) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦٥٤.","vol":"1","page":194},{"text":"متونها، أو أسانيدها، فإذا نقلت إلى غيره ميزوا ذلك، وقالوا: تشبه أحاديث فلان، ولا تشبه أحاديث فلان، قال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: إسماعيل بن سالم سمع من أبي صالح ذكوان، ومن أبي صالح باذام، قيل: هذا يشتبه؟ قال: إن حديث هذا لا يخفى من حديث هذا» (^١).\nفهذه المعارف -وغيرها مما يلتحق بها- سخرها النقاد لكشف أخطاء الرواة، فكان هذا غرضا مهما جدا من هذا السبر، وهذا الجهد العظيم الذي قام به هؤلاء، فهو يندرج تحت وصية شعبة في قوله: «ما سمعت من علي بن بذيمة إلا حديثين، فمن حدثكم بثلاثة فكذبوه» (^٢).\nوسأذكر الآن عددا من النصوص، تتضمن تطبيقات النقاد في تسخيرهم هذه المعارف لنقد الأحاديث نفسها.\nفمن النصوص فيما تقدم ما رواه عبدالله بن أحمد، قال: «حدثني أبو معمر، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: كنت عند سفيان، فحدثه زائدة، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، قال: «هم الشهداء»، فقال له سفيان: إنك لثقة، وإنك لتحدثنا عن ثقة، وما يقبل قلبي أن هذا من حديث سلمة.\nفدعا بكتاب، فكتب: من سفيان بن سعيد، إلى شعبة، وجاء كتاب شعبة:\n_________\n(^١) «سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٢١٨.\n(^٢) «الكامل» ١: ٩١، والنص في «المعرفة والتاريخ» ٣: ١٨٢، بجزئه الأول.","vol":"1","page":195},{"text":"من شعبة، إلى سفيان: إني لم أحدث بهذا عن سلمة، ولكن حدثني عمارة بن أبي حفصة، عن حجر الهجري، عن سعيد بن جبير» (^١).\nوقال أحمد: «لم يكن جرير الرازي بالذكي في الحديث، …، كان اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول، حتى قدم عليه بهز بن أسد، فقال له: هذا حديث عاصم، وهذا حديث أشعث، فعرفها، فحدث بها الناس» (^٢).\nوقد جاء هذا عن جرير نفسه، قال جرير: «اضطرب علي حديث أشعث، وعاصم، فقلت لبهز بن أسد البصري، فخلصها لي، وكانت في دفتر واحد» (^٣).\nوقال يحيى بن معين: «حدث أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «نهى النبي - ﷺ - عن القزع»، وقد حدث به شبابة، وأخرجه في كتابه، فلما حدث به أبو داود، قيل له: يا أبا داود، إنما هذا حديث شبابة، فقال أبو داود: دعوه، دعوه»، ثم قال يحيى: «وحديث شبابة ليس يحدث به غيره» (^٤).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد قيل له: شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - صلى على أم سعد»؟ فقال: إنما هو قتادة، عن سعيد، قيل لأحمد: حدث به سويد، عن يزيد بن زريع (يعني عن شعبة)، قال: يزيد\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٤٥٤، وانظر: «التاريخ الكبير» ٣: ٧٣، و«تفسير ابن جرير» ٢٤: ٢٠.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥٤٣.\n(^٣) «معرفة الرجال» ١: ١١٤.\n(^٤) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٩، وانظر: «الإرشاد» ٢: ٤٩١، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٤ - ٤٥.","vol":"1","page":196},{"text":"لا يحدث بمثل هذا» (^١).\nوقال أبو داود أيضا: «قلت لأحمد: حديث سليمان بن حيان، عن ابن عجلان، ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر: «ألحد للنبي - ﷺ -، ولأبي بكر، وعمر»؟ فقال: ليس هذا من حديث يحيى، وابن عجلان» (^٢).\nوسئل أبو حاتم عن حديث رواه عبدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «من أتى عرافا …» الحديث (^٣)، فذكر أن الصواب ما رواه عبدالعزيز الدراوردي، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن صفية بنت أبي عبيد، قالت: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول …\nثم قال أبو حاتم: «وكان أحمد بن حنبل يقول: تشبه أحاديث الدراوردي، عن عبيدالله، أحاديث عبدالله بن عمر، وقد بان مصداق ما قال أحمد في هذا الحديث، لأن الدراوردي روى عن أبي بكر بن نافع كما وصفنا، ثم أردف: عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر مثله، وليس يشبه حديث عبيدالله، إذ كان غلطا،\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٣٨٤، ومراد أحمد أن الصواب فيه: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلا.\n(^٢) «مسائل أبي داود» ص ٤١١، والحديث -دون ذكر أبي بكر وعمر- معروف من رواية العمري عبدالله بن عمر، عن نافع، رواه عنه وكيع بن الجراح، انظر: «مسند أحمد» ٢: ٢٤، ٦: ١٣٦، و«طبقات ابن سعد» ٢: ٢٩٥، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١١٢٩).\n\nوانظر أمثلة أخرى لأحمد، وابنه عبدالله: «العلل ومعرفة الرجال» (١٧٢٤ - ١٧٢٥)، (٢٧٣٨)، (٣٠٨٠ - ٣٠٨١).\n(^٣) حديث ابن عمر علقه أيضا ابن حبان في «المجروحين» ٢: ٧.","vol":"1","page":197},{"text":"والناس يروون عن عبدالله العمري كما وصفنا» (^١).\nوتأيد ما قاله أبو حاتم بأن يحيى القطان، وعبدالله بن رجاء، روياه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن بعض أزواج النبي - ﷺ - (^٢)، وهو أيضا علة لحديث أبي بكر بن نافع في جعله الحديث لعمر بن الخطاب، فالصواب ما رواه عبيدالله بن عمر (^٣).\nوقال أحمد أيضا في أحاديث معقل بن عبيدالله الجزري، عن أبي الزبير: «يشبه حديثه حديث ابن لهيعة» -يعني حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير-.\nقال ابن رجب بعد أن ذكر هذا عن أحمد: «ومن أراد حقيقة الوقوف على ذلك فلينظر إلى أحاديثه عن أبي الزبير، فإنه يجدها عند ابن لهيعة، عن أبي الزبير، كما يرويها معقل سواء»، ثم ذكر أمثلة لهذا (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٦٩، وروايتا الدراوردي أخرجهما البخاري في «التاريخ الصغير» ٢: ٥٩، والطبراني في «الأوسط» حديث (٩١٧٢)، والضياء في «المختارة» حديث (١٣٨)، على الصفة التي ذكر أبو حاتم معطوفتين، وقد تقدم كلام أحمد في قلب الدراوردي أحاديث عبدالله بن عمر، وجعلها عن أخيه عبيدالله بن عمر في «الجرح والتعديل» ص ١٠٣.\nوقد وقع لعبدالرزاق في روايته عن عبدالله بن عمر، وأخيه عبيدالله بن عمر، مثل ما وقع للدراوردي، ووقع له أيضا أنه روى عن الثوري، عن عبيدالله بن عمر أحاديث هي من رواية أخيه عبدالله بن عمر، انظر: «الكامل» ٥: ١٩٤٨، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٧٠، ٨٠٩.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٢٣٠)، و«مسند أحمد» ٤: ٦٨، و«التاريخ الصغير» ٢: ٥٩.\n(^٣) انظر: «التاريخ الصغير» ٢: ٥٩، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٨١١.\n(^٤) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٣، ٨٦٦.","vol":"1","page":198},{"text":"ومما ذكر حديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا في قصة الرجل الذي توضأ وترك لمعة لم يصبها الماء (^١).\nوهذا الحديث ذكره أبو الفضل بن عمار المعروف بالشهيد فيما انتقده على مسلم، وقال: «وهذا الحديث إنما يعرف من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، وابن لهيعة لا يحتج به، وهو خطأ عندي، لأن الأعمش رواه عن أبي سفيان، عن جابر، فجعله من قول عمر» (^٢).\nوحديث معقل، عن أبي الزبير، عن جابر، عن عمر مرفوعا، أعله كثير من النقاد بما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن عمر موقوفا (^٣)، وهذا يؤيد قول من قال إن حديث معقل يرجع إلى حديث ابن لهيعة.\nوقال الآجري: «سمعت أبا داود يحدث عن وهب بن جرير، عن أبيه، سمع يحيى بن أيوب، عن أبي وهب الجيشاني، قال أبو داود: جرير بن حازم روى هذا عن ابن لهيعة، طلبتها بمصر فما وجدت منها حديثا واحدا عند يحيى بن أيوب، وما فقدت منها حديثا واحدا من حديث ابن لهيعة، أراها صحيفة اشتبهت على وهب بن جرير» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٤٣).\n(^٢) «علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ٥٥، وحديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، أخرجه ابن ماجه حديث (٦٦٦)، وأحمد ١: ٢١، ٢٣، وأما حديث الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، فأخرجه ابن أبي شيبة ١: ٤٢.\n(^٣) «مسند البزار» حديث (٢٣٢)، و«سنن البيهقي» ١: ٨٤، و«النكت الظراف» ٨: ١٦.\n(^٤) «سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٢٨. وانظر أمثلة أخرى عن النقاد في تعليلهم الأحاديث\n\nبأنها تشبه أحاديث فلان، ولا تشبه أحاديث فلان، أو لا تشبه البلد الفلاني، ونحو ذلك: «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦١ - ٨٧٢، فقد ذكر أمثلة، وانظر: «مسائل أبي داود» (١٨٦١)، و«علل ابن أبي حاتم» (١٥٣١)، (١٨٦٨)، (١٨٧٩)، (٢٠١١).","vol":"1","page":199},{"text":"وقال عثمان بن سعيد البرذعي: «شهدت أبا زرعة، وذكر له صالح جزرة رجلا سماه له -أنسيت اسمه-، فقال له صالح: روى عن شعبة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: «أبردوها بماء زمزم»، فوقع على أبي زرعة الضحك العظيم مما قال، وذاك أن هذا ليس من حديث شعبة، إنما رواه همام …» (^١).\nوقال البرذعي أيضا: «ذكرت لأبي زرعة، عن مسدد، عن محمد بن حمران، عن سلم بن عبدالرحمن، عن سوادة بن الربيع: «الخيل معقود في نواصيها …»، فقال لي: راوي هذا كان ينبغي لك أن تكبر عليه، ليس هذا من حديث مسدد، كتبت عن مسدد أكثر من سبعة آلاف، وأكثر من ثمانية آلاف، وأكثر من تسعة آلاف، ما سمعته قط ذكر محمد بن حمران.\nقلت له: روى هذا الحديث يحيى بن عبدك، عن مسدد، فقال: يحيى صدوق، وليس هذا من حديث مسدد، فكتبت إلى يحيى، فكتب إلي: لا جزى الله الوراق عني خيرا، أدخل لي أحاديث المعلى بن أسد، في أحاديث مسدد، ولم أميزها منذ عشرين سنة، حتى ورد كتابك، وأنا أرجع عنه، فقرأت كتابه على\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٧، وحديث همام أخرجه البخاري حديث (٣٢٦١)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٧٦١٤)، و«أحمد» ١: ٢٩١.","vol":"1","page":200},{"text":"أبي زرعة، فقال: هذا كتاب أهل الصدق» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبا زرعة يقول: سمعت من بعض المشايخ أحاديث، فسألني رجل من أصحاب الحديث، فأعطيته كتابي، فرد علي الكتاب بعد ستة أشهر، فأنظر في الكتاب فإذا أنه قد غَيَّر في سبعة مواضع، فأخذت الكتاب وصرت إلى عنده، فقلت: ألا تتقي الله، تفعل مثل هذا! !، فأوقفته على موضع موضع، وأخبرته، وقلت له: أما هذا الذي غيرت فإنه هذا الذي جعلت عن ابن أبي فديك فإنه عن أبي ضمرة مشهور، وليس هذا من حديث ابن أبي فديك، وأما هذا فإنه كذا وكذا فإنه لا يجيء عن فلان، وإنما هذا كذا، فلم أزل أخبره حتى أوقفته على كله، ثم قلت له: فإني حفظت جميع ما فيه في الوقت الذي انتخبت على الشيخ، ولو لم أحفظه لكان لا يخفى علي مثل هذا …» (^٢).\nوقال أبو زرعة أيضا: «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة مرة عن وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، قال: «رأيت سالما توضأ مرة»، فقلت: إنما هو وكيع، عن سفيان، فقال: لا، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن عاصم بن عبيدالله، فقلت: ليس هذا من حديث مسعر، حدثنا أبو نعيم، ومحمد بن كثير، عن سفيان، عن عاصم، ولم يسمع مسعر من عاصم بن عبيدالله شيئا، قال: بلى، مسعر، عن\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٩، والحديث أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤: ١٨٤، والبزار كما في «كشف الأستار» حديث (١٦٨٨)، عن أبي كامل الجحدري، عن محمد بن حمران به.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٢، وبعدها قصة أخرى مختصرة بنحو هذه القصة.","vol":"1","page":201},{"text":"عاصم، عن الشعبي، فقلت: هذا عاصم -وذكر عاصما آخر- إنما قلت لك: عاصم بن عبيدالله لم يسمع مسعر منه شيئا، فسكت، فلما كان بالعشي قال: قد أصبته، هو كما قلت أنت، حدثنا وكيع، والفضل بن دكين، عن سفيان» (^١).\nوروى قيس بن الربيع، عن أبي هاشم الرماني، عن زاذان، عن سلمان، قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، فذكرت ذلك للنبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: «بركة الطعام: الوضوء قبله، والوضوء بعده» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر، لو كان هذا الحديث صحيحا كان حديثا، وأبو هاشم الرماني ليس هو، ويشبه هذا الحديث أحاديث أبي خالد الواسطي عمرو بن خالد، عنده من هذا النحو أحاديث موضوعة عن أبي هاشم، وعن حبيب بن أبي ثابت.\nروى عمرو بن خالد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، عن النبي - ﷺ - أحاديث موضوعة، خمسة، ستة، ومن لم يفهم ورأى تلك الأحاديث التي يروي عنه ابن جريج، وحسين المعلم، يظن أن أبا خالد هذا هو الدالاني، والدالاني ثقة، وهذا ذاهب الحديث، ومن يفهم لم يخف عليه هذا» (^٣).\nوقد توارد النقاد على استنكار هذا الحديث وتضعيفه، منهم أحمد،\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٨، وانظر أيضا: ١: ٣٣٦.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٧٦١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٨٤٦)، و«مسند أحمد» ٥: ٤٤١.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٠.","vol":"1","page":202},{"text":"وابن المديني، وغيرهما، ونص ابن المديني على أن هذا الحديث مما أدخله ابن قيس بن الربيع على أبيه (^١).\nوروى جماعة عن محمد بن فضيل، عن أبي حيان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: «كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، فأقبل أعرابي …» الحديث (^٢).\nوأبو حيان هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، وهو ثقة.\nذكر أبو حاتم هذا الحديث، ثم قال: «حدثنا علي الطنافسي، وعبدالمؤمن بن علي، عن ابن فضيل هكذا، وأنا أنكر هذا، لأن أبا حيان لم يسمع من عطاء، ولم يرو عنه، وليس هذا الحديث من حديث عطاء».\nقال ابن أبي حاتم: «قلت: من تراه؟ قال: بحديث أبي جناب أشبه» (^٣).\nوأبو جناب هو يحيى بن أبي حية، وهو ضعيف.\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعنا من محمد بن عزيز الأيلي الجزء السادس من\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٧٦١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٨٤٦)، و«الكامل» ٦: ٢٠٦٨، ٢٠٦٩، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٧٦، و«تهذيب السنن» ٥: ٢٩٧، وحاشية «علل ابن أبي حاتم» ص ١٠٦٩، تحقيق سعد الحميد وآخرين.\n(^٢) «سنن الدارمي» حديث (١٦)، و«أخبار مكة» حديث (٢٣٢٨)، و«كشف الأستار» حديث (٢٤١١)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٦٦٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٥٠٥)، و«المعجم الكبير» حديث (١٣٥٨٢)، و«الغرائب والأفراد» (أطرافه حديث ٣١٢٨)، و«دلائل النبوة» ٦: ١٤.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٩٢.","vol":"1","page":203},{"text":"مشايخ عقيل، فنظر أبي في كتابي، فأخذ القلم فعلم على أربعة وعشرين حديثا، خمسة عشر حديثا منها متصلة بعضها ببعض، وتسعة أحاديث في آخر الجزء متصلة، فسمعته يقول: ليست هذه الأحاديث من حديث عقيل عن هذه المشيخة، إنما ذلك من حديث محمد بن إسحاق عن هؤلاء المشيخة.\nونظر إلى أحاديث عن عقيل، عن الزهري، وعقيل، عن يحيى بن أبي كثير، وعقيل، عن عمرو بن شعيب، ومكحول، وعقيل، عن أسامة بن زيد الليثي، فقال: هذه الأحاديث كلها من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، عن نافع، والأوزاعي، عن أسامة بن زيد، والأوزاعي، عن مكحول، وأن عقيلا لم يسمع من هؤلاء المشيخة هذه الأحاديث» (^١).\nوروى الخليلي من طريق ابن أبي حاتم، قال: «سمعت أبي يقول: دخلت قزوين سنة ثلاث عشرة ومئتين، مع خالي محمد بن يزيد، وداود العقيلي قاضيها، فدخلنا عليه، فدفع إلينا مَشْرسا فيه مسند أبي بكر، فأول حديث رأيته فيه: حدثنا شعبة، عن أبي التياح، عن المغيرة بن سبيع، عن أبي بكر الصديق، قال: قال النبي - ﷺ -: «يخرج الدجال من أرض يقال لها: خراسان …»، فقلت: ليس هذا من حديث شعبة، عن أبي التياح، وإنما هو من حديث سعيد بن أبي عروبة، وعبدالله بن شوذب، عن أبي التياح.\nفقلت لخالي: لا أكتب عنه إلا أن يرجع عن هذا، فقال خالي: أستحي أن\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٢.","vol":"1","page":204},{"text":"أقول، فخرجت ولم أسمع منه شيئا» (^١).\nوروى أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث عن سراقة بن مالك، قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: «خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم، فقال: «روى ابن وهب، عن أسامة بن زيد، قال: سمعت سعيد بن المسيب -ولم أسمع منه غيره- يقول: «لا ربا إلا فيما يكال ويوزن، مما يؤكل ويشرب»، فقد أفسد هذا الحديث حديث أيوب، وقد كنت أسمع منذ حين يذكر عن يحيى بن معين أنه سئل عن أيوب بن سويد، فقال: «ليس بشيء»، وسعيد بن المسيب، عن سراقة، لا يجيء، وهذا حديث موضوع، بابة حديث الواقدي» (^٣).\n_________\n(^١) «الإرشاد» ٢: ٦٩٦، وقد ذكر الحكاية مختصرة ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٣: ٤٠٧، ونقل عن والده قوله في داود: «متروك الحديث، كان يكذب».\nوالحديث أخرجه الترمذي حديث (٢٢٣٧)، وابن ماجه حديث (٤٠٧٢)، وأحمد ١: ٤، ٧، من طريق سعيد بن أبي عروبة به، وأخرجه البزار حديث (٤٦ - ٤٧)، وأبو يعلى حديث (٣٤ - ٣٦)، من طريق عبدالله بن شوذب به.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٥١٢٠)، وقال بعده: «أيوب بن سويد ضعيف».\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٠٩، وانظر: ٢: ٢٣١. وقول سعيد بن المسيب في الربا أخرجه يعقوب الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٣: ١٨١، عن أحمد بن عمرو أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب به، وقال ابن وهب بعده: «لم يسمع أسامة إلا هذا الحديث وحده من سعيد بن المسيب».","vol":"1","page":205},{"text":"وقد أكثر أبو حاتم من تطبيقات التعليل بكون الإسناد لا يعرف هكذا بتمامه، فهو إسناد مركب، وربما جرى التعبير عن ذلك بنفي السماع، فمن ذلك أيضا قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حمزة، عن المطعم بن المقدام، عن الحسن بن أبي الحسن، أن معاوية قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».\nقال أبي: هذا عندي وهم، رواه أبو إسحاق الفزاري، عن المطعم بن المقدام، عن جَسْر بن الحسن، عن يعلى بن شداد، عن سهل بن الحنظلية، عن النبي - ﷺ -، وهذا أشبه.\nقلت لأبي: فلم لم تحكم للحديث المرسل؟ فقال: المطعم، عن الحسن، ليس له معنى، لم يسمع منه، والحسن البصري، عن سهل بن الحنظلية، لا يجيء، وأبو إسحاق الفزاري أحفظ وأتقن من يحيى بن حمزة» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٩، ورواية يحيى بن حمزة أخرجها ابن قانع في «معجم الصحابة» ١: ٢٦٨، والطبراني في «المعجم الكبير» حديث (٥٦٢٣)، و«مسند الشاميين» حديث (٩١٤)، وفي بعض الطرق إليه لم يذكر معاوية.\n\nوانظر أمثلة أخرى لأبي حاتم، وأبي زرعة في: «علل ابن أبي حاتم» (٥٦)، (١٢٢)، (٢٥٣)، (٣٧٩)، (٥٠٣)، (٥٩٦)، (٧١١)، (٧٩٥)، (٨٠٥)، (٨٣٩)، (٨٦٨)، (١٠٧٨)، (١٠٩٢)، (١١١٧)، (١٢٨٤)، (١٦١٠)، (١٦٨٦)، (١٧١٤)، (١٧٤٢)، (١٨٣٨)، (١٨٦٨)، (١٩٦٨)، (٢١١٧)، (٢٣٤٥)، (٢٣٥٠).","vol":"1","page":206},{"text":"وروى إبراهيم بن بشار، عن سفيان بن عيينة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبي موسى مرفوعا: «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته» (^١).\nقال العقيلي: «ليس له أصل، ولم يتابعه عليه أحد عن ابن عيينة، وعند ابن عيينة، عن بريد أربعة أحاديث …، ليس عنده غيرها -أي غير الأربعة-» (^٢).\nوروى العقيلي أيضا من طريق إبراهيم بن صرمة، عن يحيى بن سعيد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد خمسا وعشرين درجة».\nقال العقيلي: «ليس هذا الحديث بمحفوظ من حديث يحيى بن سعيد، وإنما يعرف من حديث يزيد بن الهاد، عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد، وهذا الشيخ يحدث عن يحيى بأحاديث ليست بمحفوظة من حديث يحيى، فيها شيء يحفظ من حديث ابن الهاد، وفيها مناكير، وليس ممن يضبط الحديث» (^٣).\nونقل ابن عدي عن يحيى بن محمد بن صاعد قوله: «انقلبت على إبراهيم بن صرمة نسخة ابن الهاد، فجعلها عن يحيى بن سعيد في الأحاديث كلها» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٧٠٥).\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ١: ٤٧، وانظر: «التاريخ الكبير» ٢: ١٤٠، و«سنن الترمذي» حديث (١٧٠٥).\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ١: ٥٥.\n(^٤) «الكامل» ١: ٢٥٢، وحديث يزيد بن الهاد أخرجه البخاري حديث (٦٤٦)، وأحمد ٣: ٥٥، من طريق حيوة بن شريح، وأحمد ٣: ٥٥، من طريق عبدالعزيز بن أبي حازم - كلاهما عن يزيد بن الهاد به.","vol":"1","page":207},{"text":"وذكر أبو علي الحافظ تحديث عبدان الأهوازي لهم، عن القطعي، عن محمد بن بكر البرساني، عن ابن عون، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في رفع اليدين في الصلاة إذا ركع ورفع.\nقال الحاكم: «فقلت لأبي علي: ما علة هذا؟ قال: لا أدري، قلت: لعله: ابن جريج، بدل ابن عون، قال: ليس ذا عند البرساني، عن ابن جريج، ثم قال: وعبدان ثبت، وحدثنا به من أصل كتابه» (^١).\nوروى الخليلي عن أحمد بن عبدالرحمن الشيرازي الحافظ قوله: «سألت عبدالله بن عدي الجرجاني الحافظ، عن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن منده الأصبهاني، فقال: كنا بالبصرة عند زكريا بن يحيى الساجي، فقرأ عليهم إبراهيم حديثين، عن أحمد بن عبدالرحمن -ابن أخي ابن وهب-، عن عمه، عن مالك، عن الزهري، فأصغيت إليه فقلت: هذان الحديثان من حديث ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، لا عن مالك.\nفأخذ الساجي كتابه فتأمل، وقال لي: هذا كما قلت، وقال لإبراهيم: ممن أخذت هذا؟ فأحال على بعض أهل البصرة، فقال الساجي: علي بصاحب الشرطة حتى أسود وجه هذا، فكلموه، وتشفعوا، حتى عفا عنه، ثم مَزَّق الكتاب».\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٧١.","vol":"1","page":208},{"text":"علق الخليلي على هذه الحكاية بكلام يوافق ما نحن فيه، يتحدث فيه عن صفة من يمكنه معرفة هذا الصنيع، واكتشافه، يناسب أن أختم به هذا المبحث، قال الخليلي: «إنما أراد إبراهيم في هذا الافتعال أن يغرب على غيره، ويحتاج في هذا الأمر إلى الديانة، والإتقان، والحفظ، ومعرفة الرجال، ومعرفة الترتيب، ويكتب ما له وما عليه، ثم يتأمل في الرجال، فيميز بين الصحيح والسقيم، ثم يعرف التواريخ، وعمر العلماء، حتى يعرف من أدرك ممن لم يدرك، ويعرف التدليس للشيوخ» (^١).\n * * *\n_________\n(^١) «الإرشاد» ١: ٤٠٨. وانظر أمثلة أخرى لتعليل النقاد للحديث بأنه ليس من حديث فلان، أو أن فلانا لم يرو عن فلان، أو بذكر عدد ما عند الراوي عن شيخه من الأحاديث، ونحو ذلك في: «مسائل أبي داود» (١٨٦١)، (١٩٤٦)، (٢٠٠٣)، و«العلل ومعرفة الرجال» (٢٢٢٥ - ٢٢٢٧)، و«علل ابن أبي حاتم»، (٣٠٦)، (١١٤٠)، (١٢٣٣)، (١٣٢٥)، (١٥١١)، (١٦١٠)، (١٨٦٨)، (١٩٠٢ - ١٩٠٣)، (١٩٢٠)، (٢٢٢٦)، (٢٥٦٩)، (٢٧٨٨)، و«الجرح والتعديل»: ٣٥٦، و«الضعفاء الكبير» ١: ١١٠، و«التتبع» ص ٤٦٤ - ٤٦٥.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>المبحث الرابع\nمجالس التحديث</span>\nلمعرفة ما يدور في مجالس التحديث أثره البالغ على الرواة، ومعرفة صوابهم من خطئهم، وهذا لا ينحصر في أمر معين، فمنه ما يتعلق بطريقة الشيخ في التحديث، مثل كونه يحدث من كتاب، أو من حفظه، وكونه قصد الرواية والتحديث، أو أتى بالحديث على سبيل المذاكرة، وكونه يملي على تلاميذه، أو يأبى ذلك، وكونه يقبل بمعارضة ما كتب عنه، أو يمتنع منه، وأيضا كونه يقبل بأن يكتب عنه في المجلس، أو يرفضه، ومنه ما يتعلق بالآخذين عنه، مثل الكتابة في المجلس، أو بعده، ومثل العودة للشيخ لمعارضة ما كتب، وكذلك معرفة من كان يطلب الحديث مع الراوي.\nوكذلك ما يقع من حوادث في مجالس التحديث، مما يكون له تأثير على سماع بعض الآخذين عن الشيخ، وذهوله.\nوالمتأمل في عمل النقاد يرى بوضوح تسخيرهم لهذه المعارف وما في معناها لنقد الأسانيد، وبيان ما فيها من خلل، وبيان أسباب غلط الرواة.\nوأول ما يلفت الانتباه في هذه القضية تفريق النقاد بين مجلس التحديث، ومجلس المذاكرة، وكثرة ما نقل عنهم من ضرورة التمييز بينهما، إذ مجلس التحديث قصد به التحديث والرواية، فالشيخ مستعد لذلك، باذل لجهده في أداء ما كان قد تحمله، مدرك لتبعات مجلسه هذا.","vol":"1","page":210},{"text":"وأما مجلس المذاكرة فأغراضه تختلف تماما عن غرض الرواية، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك (^١)، فيقع التسامح فيه، حتى صار هذا عرفا عندهم، يعيبون به من تشدد في المذاكرة.\nوربما أوردوا فيها روايات وأحاديث فإذا طلب منهم بعض من حضر كتابتها أبوا عليه، إما لأن شيخه في هذا الحديث ليس عنده بمنزلة من يستجيز الرواية عنه، وإنما ذكره في المجلس على سبيل المذاكرة (^٢)، أو أن الحديث خطأ، أو لأنه لم يستعد للرواية، وربما ذهب وأحضر كتابه حين يوافق على ما طلب منه ليروي من الكتاب، تفاديا للوقوع في الخطأ.\nروى أبو موسى محمد بن المثنى العنزي، قال: «سألت عبدالرحمن -يعني ابن مهدي- عن حديث، وعنده قوم، فساقه، فذهبت أكتبه، فقال: أي شيء تصنع؟ فقلت: أكتبه، فقال: دعه، فإن في نفسي منه شيئا، فقلت: قد جئت به، فقال: لو كنت وحدك لحدثتك به، فكيف أصنع بهؤلاء؟».\nقال الخطيب بعد أن روى هذا: «كان أبو موسى من الملازمين لعبدالرحمن، فقوله: لو كنت وحدك لحدثتك به، أراد أنه متى بان له أن الحديث على غير ما حدثه به أمكنه استدراكه لإصلاح غلطه، ولا يمكنه ذلك مع الغرباء الذين\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٦٣.\n(^٢) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٢٦٢، وانظر أيضا: «العلل ومعرفة الرجال»\n٣: ٤٥٦ فقرة (٥٩٣١)، و«تهذيب الكمال» ٢٨: ٥٥٣.","vol":"1","page":211},{"text":"حضروا عنده، والله أعلم، وكان عبدالرحمن بن مهدي يُحَرِّج على أصحابه أن يكتبوا عنه في المذاكرة شيئا» (^١).\nثم روى الخطيب بإسناده عن عبدالرحمن قوله: «حرام عليكم أن تأخذوا عني في المذاكرة حديثا، لأني إذا ذاكرت تساهلت في الحديث».\nوروى الخطيب أيضا من طريق أحمد بن محمد التستري، عن أبي زرعة الرازي، عن إبراهيم بن موسى، عن عبدالرحمن بن الحكم المروزي، عن نوفل بن المطهر قال: قال لنا عبدالله بن المبارك: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا»، قال أبو زرعة: وقال لي إبراهيم: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا»، قال أحمد: وقال لي أبو زرعة: «لا تحملوا عني في المذاكرة شيئا» (^٢).\nوقال الجوزجاني: «الحديث حديثان: حديث يراد به الله، يقيم به المرء دينه …، وحديث يراد به المذاكرة، فإذا ذكرته عند أهل العلم لم يقبلوه منك حجة …» (^٣).\nوقال الحاكم: «كان أبو علي النيسابوري لا يسامح في المذاكرة، بل يواجه بالرد في الملأ، فوقع بينه وبين عبدان لذلك» (^٤).\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٦.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٧.\n(^٣) «أحوال الرجال» ص ٣٥٨.\n(^٤) «سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٧٠.","vol":"1","page":212},{"text":"وقال الذهبي: «إذا قال: حدثنا فلان مذاكرة، دلَّ على وَهْن مّا، إذ المذاكرة يتسمح فيها» (^١).\nوبسبب التسامح في المذاكرة قال الخطيب: «واستحب لمن حفظ عن بعض شيوخه في المذاكرة شيئا، وأراد روايته، أن يقول: حدثناه في المذاكرة، فقد كان غير واحد من متقدمي العلماء يفعلون ذلك» (^٢).\nوالأمر كما ذكر الخطيب، ينبهون على صفة الرواية، وأيضا يتكئون عليها في نقد ما يرونه خطأ.\nقال علي بن المديني: «ذاكرني بعض أصحابي بحديث عن ابن أبي ذئب، عن عبدالله بن رافع، وهذا خطأ، وإنما هو عبدالله بن أبي نافع: «أنه صلى خلف أبي هريرة، فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ فسجد فيها» (^٣).\nوروى أبو كريب محمد بن العلاء، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري، عن\n_________\n(^١) «الموقظة» ص ٦٤، وانظر نصوصا أخرى في التسمح في المذاكرة في: «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٦، و«المجروحين» ٣: ٤٠، و«سير أعلام النبلاء» ١٤: ٥٦٤، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٤٧.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٧.\n(^٣) «سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني» ص ١٦٣، وقوله: «وإنما هو عبدالله بن أبي نافع»، كذا في النسخة، وقد ذكر البخاري في «التاريخ الكبير» ٥: ٨٨، «عبدالله بن أبي رافع، سمع أبا هريرة ﵁ قوله، قاله ابن أبي الفديك، عن ابن أبي ذئب»، وذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٥: ٥٣، كذلك، وذكر أنه روى عن أبي هريرة، وروى عنه ابن أبي ذئب، ولم يزد على هذا.","vol":"1","page":213},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «المؤمن يأكل في معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (^١).\nوقد استنكر هذا الحديث بهذا الإسناد جماعة، منهم أحمد، والبخاري، وأبو زرعة، قال البخاري: «كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة» (^٢).\nوروى الترمذي، عن الحسن بن علي الخلال، عن يحيى بن آدم، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: «أعطاني رسول الله - ﷺ - يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي»، ثم قال الترمذي: «حدثني الحسن بن علي بهذا أو شبهه في المذاكرة» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن: «في المرأة يكون بعجزها الجرح …»، قال أبي: رواه مسكين، عن شعبة، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، بنحوه، قال أبي: حدثنا النفيلي، عن مسكين، قال أبي: وكان يذاكرني» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٢).\n(^٢) «سنن الترمذي» ٥: ٧٦٠، و«مسائل أبي داود» ص ٣٧٦، و«سؤالات البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٨١، و«شرح علل الترمذي: ٢: ٦٤٥ - ٦٤٧.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٦٦٦)، وهذا الحديث أخرجه أيضا مسلم حديث (٢٣١٣)، وأحمد ٣: ٤٠١، ٦: ٤٦٥، وانظر فيه ما تقدم في «الاتصال والانقطاع» ص ٣٤ - ٣٥.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨.","vol":"1","page":214},{"text":"وقال البرذعي: «قلت لأبي زرعة: إن جعفر بن أحمد الزنجاني حدثنا عن يحيى بن معين، عن رفدة بن قضاعة، بحديث الأوزاعي في الرفع، فقال: إن هذا يحتاج إلى أن يحبس في السجن، قلت: إنه يقول: حدثنا يحيى، عن رفدة، فقال: لم يسمع يحيى من رفدة شيئا، ولم يسمع من هشام بن عمار شيئا، فكتبت إلى جعفر بذلك، فقال لي: إنما رأيت يحيى يذاكر به ويقول: رواه رفدة، ولا أدري ممن سمعه؟» (^١).\nوكذلك مما اهتم به النقاد كثيرا في مجالس التحديث كون الراوي يحدث حفظا، أو يحدث من كتابه، وذلك لما بين الحالين من الفرق المؤثر في احتمال صواب أو خطأ الراوي، كما قال الخطيب: «وينبغي للطالب إذا دَوَّن عن المحدث ما رواه له من حفظه أن يبين ذلك حال تأديته، لتبرأ عهدته من وهم إن كان حصل فيه، فإن الوهم يسرع كثيرا إلى الرواية عن الحفظ» (^٢).\nوقد تقدم في المباحث السابقة أمثلة لنص الرواة على صفة الرواية، ويأتي\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي رزعة» ٢: ٥٧٨، و«تاريخ دمشق» ١٨: ١٥٥، وقد وقع في الأول: «… إن أحمد بن جعفر الزنجاني حدثنا عن يحيى بن معين …»، ووقع فيه أيضا: «فكتبت إلى ابن جعفر بذلك»، والصواب ما في تاريخ دمشق، وجعفر مترجم في «الجرح والتعديل» ٢: ٤٧٤.\nوحديث رفدة، عن الأوزاعي أخرجه ابن ماجه حديث (٨٦١) عن هشام بن عمار، عن رفدة، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه، عن جده عمير بن حبيب، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة»، وانظر: «المجروحين» ١: ٣٠٤، و«الكامل» ٢: ١٠٣٦، و«تهذيب التهذيب» ٣: ٢٨٤.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤١.","vol":"1","page":215},{"text":"كذلك في مواضع أخرى.\nومن ذلك أيضا قول أحمد: «حديث أبي إسحاق، عن سليم بن عبد، عن حذيفة في صلاة الخوف، كان وكيع حدثنا به في الكتب عن شريك، وقال بعد ذلك مرة أخرى: سفيان، عن أبي إسحاق، فلا أدري -يعني سمعه منهما جميعا، أو من أحدهما-» (^١).\nوروى أحمد، عن وكيع، عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الماء لا ينجسه شيء»، ثم قال أحمد: «حدثنا به وكيع في «المصنف» عن عكرمة مرسلا، ثم جعله بعد عن ابن عباس» (^٢).\nوروى أحمد أيضا عن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو المعافري، عن عمرو بن أبي نعيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار …» الحديث، ونص أحمد على أنه سمعه من عبدالله بن يزيد من كتابه (^٣).\nوروى جماعة عن قبيصة بن عقبة، عن فطر بن خليفة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^٤).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٤٢.\n(^٢) «مسند أحمد» ١: ٣٠٨، ونحوه لإسحاق بن راهويه، انظر: «الأسماء المبهمة» للخطيب حديث (١٤٨).\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٣٢١.\n(^٤) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣١٩٤)، و«كشف الأستار» حديث (٩٩٨)، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٦٦.","vol":"1","page":216},{"text":"ورواه محمود بن غيلان، ومحمد بن يوسف الفريابي، عن قبيصة بن عقبة، عن فطر، عن عطاء مرسلا ليس فيه ابن عباس، ونص محمود بن غيلان على أنه سمعه من قبيصة من كتابه (^١).\nوأما الجوانب الأخرى مما يقع في مجالس التحديث، مثل حدوث قصة توجب ذهول الراوي، أو معرفة من كان يكتب مع الراوي، ونحو ذلك، فمن أمثلته ما روى علي بن المديني، عن عبدالرحمن بن مهدي، قال: «سألت سفيان عن حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال: «لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما»، فأنكر أن يكون عن أبي وائل، وقال: إنما سمعه من عبدالملك بن عمير، أنا ذهبت به إليه» (^٢).\nوروى سفيان الثوري، عن الركين بن الربيع، عن أبي النعمان، عن المغيرة بن شعبة، أنه قال في العنين: «يؤجل سنة» (^٣).\nورواه شعبة، عن الركين بن الربيع، عن أبي طلق، عن المغيرة بن شعبة (^٤).\nسئل سفيان عن مخالفة شعبة له في شيخ الركين، فضحك وقال: «كنت أنا وشعبة عند الركين، فمر ابن لأبي النعمان يقال له: أبو طلق، فقال الركين:\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣١٩٥)، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٦٦.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٦٧، ٨٢.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٧٢٤)، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٢٦.\n(^٤) «الجعديات» حديث (٦٧٧)، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٢٦.","vol":"1","page":217},{"text":"سمعت أبا أبي طلق، فذهب على شعبة (أبا أبي طلق) فقال: أبو طلق» (^١).\nوروى جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» (^٢).\nقال حماد بن زيد في نقده لرواية جرير: «كنا عند ثابت، وعنده حجاج بن أبي عثمان، فقال حجاج: حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، فذكر الحديث، فظن جرير أنه حدث به ثابت، عن أنس، فرواه» (^٣).\nوروى مندل بن علي، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أتى أحدكم أهله فلا يتجردان تجرد العيرين».\nوبلغت هذه الرواية شريك بن عبدالله فأنكرها على مندل، وذكر أنه كان هو ومندل بن علي عند الأعمش، وعنده عاصم الأحول، فحدث عاصم، عن\n_________\n(^١) «الكامل» ١: ٩٨، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٢٦.\n(^٢) «مسند الطيالسي» حديث (٢١٤٠)، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١٢٥٧)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤٢٠٥)، و«المعجم الأوسط» حديث (٩٣٨٧).\n(^٣) «مسائل أبي داود» ص ٣٨٥، و«مراسيل أبي داود» حديث (٦٤)، و«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٨٣، و«سنن الترمذي» حديث (٥١٧)، و«العلل الكبير» ١: ٢٧٧، و«الكامل» ٢: ٥٥١، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٢، والحديث مشهور جدا عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، في «الصحيحين» وغيرهما، وذكر ابن عدي أن خطأ جرير في روايته له عن ثابت، عن أنس، وأن ثابتا يرويه عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، كذا ذكر ابن عدي، وحكاية حماد بن زيد التي اعتمد عليها النقاد -ومنهم ابن عدي- تدل على أنه لا مدخل لثابت في رواية هذا الحديث أصلا، والله أعلم.","vol":"1","page":218},{"text":"أبي قلابة، عن النبي - ﷺ - مرسلا، وفي رواية عن شريك أنه قال: أنا أخبرت الأعمش بهذا عن عاصم، عن أبي قلابة (^١).\nوقد روى الحديث أيضا أبو معاوية، وسفيان بن عيينة، وغيرهما، عن عاصم، عن أبي قلابة مرسلا (^٢).\nوقال عبيدالله بن عائشة العيشي: «قال شعبة لأبي عوانة: كتابك صالح، وحفظك لا يسوى شيئا، مع من طلبت الحديث؟ قال: مع منذر الصيرفي، قال: منذر صنع بك هذا» (^٣).\nوروى قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ -، في الجمع بين الصلاتين تقديما.\nورواية قتيبة استنكرها جماعة من النقاد، منهم البخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، والترمذي، وابن يونس، والحاكم، وغيرهم، قال البخاري: «قلت لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت عن الليث بن سعد، حديث يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل؟ فقال: كتبته مع خالد المدائني، -قال البخاري-: وكان خالد\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (١٧٠١)، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٢٦٦، و«المعجم الكبير» حديث (١٠٤٤٣)، و«الكامل» ٥: ٢٤٤٨، و«تاريخ بغداد» ١٣: ٢٤٨.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٤٠٢، و«علل الدارقطني» ٥: ١٠٩.\n(^٣) «تاريخ بغداد» ١٣: ٤٦٤، و«المحدث الفاصل» ص ٤٠٠، واستظهر ابن حجر أن منذرا الصيرفي هو منذر بن زياد الطائي، وهو متروك الحديث، رموه بالكذب والوضع، انظر: «لسان الميزان» ٦: ٨٩.","vol":"1","page":219},{"text":"المدائني يدخل الأحاديث على الشيوخ» (^١).\nوذكر أبو حاتم أن الصواب ما رواه أبو صالح كاتب الليث بن سعد، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل بهذا الحديث، وقد رواه أيضا غير أبي صالح، عن الليث، ورواه كذلك، حماد بن خالد، عن هشام بن سعد بألفاظ مختلفة (^٢).\nوإذ رجع الحديث إلى طريق أبي الزبير، فهشام بن سعد قد خالف الجماعة من أصحاب أبي الزبير، وفيهم الثوري، ومالك، وزهير بن معاوية، إذ رووه عن أبي الزبير، فذكروا الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولم يذكروا التقديم (^٣).\nوروى فضيل بن حسين أبو كامل الجحدري، عن محمد بن جعفر غندر،\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٢٢٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٥٥٤)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٩١، و«علل الدارقطني» ٦: ٤٢، و«معرفة علوم الحديث» ص ١١٩ - ١٢١، و«سنن البيهقي» ٣: ١٦٣، و«تاريخ بغداد» ١٢: ٤٦٥ - ٤٦٧، و«تهذيب الكمال» ٢٣: ٥٣٥، و«سير أعلام النبلاء» ١٢: ٤٢٧ - ٤٢٨.\nوخالد المدائني هو أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني، متروك الحديث، صحب الليث بن سعد، وكان يقلب حديثه ويزيد فيه، انظر ترجمته في «لسان الميزان» ٢: ٣٨٣.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٢٠٨)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٣٣، و«المعجم الكبير» ٢٠: ٥٨ حديث (١٠٣)، و«سنن الدارقطني» ١: ٣٩٢، و«سنن البيهقي» ٣: ١٦٢.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٧٠٦)، وبعد الحديث (٢٢٨١)، و«سنن النسائي» حديث (٥٨٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٧٠)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٢٨، ٢٣٠، ٢٣٦، ٢٣٧، و«المعجم الكبير» ٢٠: ٥٨ - ٥٩ حديث (١٠٤)، (١٠٦ - ١٠٧).","vol":"1","page":220},{"text":"عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «الأذنان من الرأس»، قال ابن عدي بعد أن أخرجه: «من حديث غندر ليس بالمحفوظ»، ثم روى بإسناده عن أبي كامل قوله: «لم أكتب عن غندر إلا هذا الحديث الواحد، أفادنيه عنه عبدالله بن سلمة الأفطس» (^١).\nوعبدالله هذا متروك الحديث، ولذا قال ابن حجر: «والأفطس ضعيف جدا، فلعله أدخله على أبي كامل» (^٢).\nوالمعروف عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى مرسلا أن رسول الله - ﷺ - قال: «الأذنان من الرأس» (^٣).\nوروى ثابت بن موسى العابد، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» (^٤).\nقال محمد بن عبدالله بن نمير وقد ذكر له الحديث: «باطل، شُبِّه على ثابت، وذلك أن شريكا كان مزاحا، وكان ثابت رجلا صالحا، فيشبه أن يكون ثابت دخل على شريك وكان شريك يقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، فالتفت فرأى ثابتا، فقال يمازحه: «من كثرت صلاته\n_________\n(^١) «الكامل» ٣: ٩٩٢، ٤: ١٥١٣.\n(^٢) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ١: ٤١٢.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٧، و«تفسير ابن جرير» ٦: ١١٨، و«سنن الدارقطني» ١: ٩٩.\n(^٤) «سنن ابن ماجه» حديث (١٣٣٣).","vol":"1","page":221},{"text":"بالليل، حسن وجهه بالنهار»، فظن ثابت -لغفلته- أن هذا الكلام الذي قال شريك هو متن الإسناد الذي قرأه، فحمله على ذلك، وإنما ذلك قول شريك، والإسناد الذي قرأه متنه معروف» (^١).\nونقل سعيد بن عمرو البرذعي عن محمد بن يحيى الذهلي تعظيمه لأبي زرعة الرازي، وثناءه عليه، إلى أن قال سعيد: «ثم جعل يعظم على جلسائه خطر ما حكى له من علة حديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - قال: «ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك»، وكنت حكيت له عن أبي زرعة أن محمد بن إسحاق اصطحب مع معاوية بن يحيى الصدفي من العراق إلى الري، فسمع منه هذا الحديث في طريقه، وقال (يعني محمد بن يحيى): لم أستفد منذ دهر علما أوقع عندي ولا آثر من هذه الكلمة، ولو فهمتم عظيم خطرها لاستحليتموه كما استحليته …» (^٢).\n_________\n(^١) «الكامل» ٢: ٥٢٦، و«تهذيب الكمال» ٤: ٣٧٩، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ١: ٧٤، و«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٠٣، و«المجروحين» ١: ٢٠٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٠، وقد ذكر نحو كلام أبي زرعة الدارقطني في «العلل» ١٤: ٩٢، قال: «ويقال إن محمد بن إسحاق أخذه من معاوية يحيى الصدفي …»، والحديث أخرجه أحمد ٦: ٢٧٢، من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: وذكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة، عن عائشة، وأخرجه البزار (كشف الأستارحديث ٥٠١)، وأبويعلى حديث (٤٧٣٨)، وابن عدي ٦: ٢٣٩٥، والدارقطني في «العلل» ١٤: ٩٢، من طرق عن معاوية بن يحيى، عن الزهري، وانظر: «صحيح ابن خزيمة» (١٣٧)، و«سنن البيهقي» ١: ٣٨، و«المنار المنيف» ١٩ - ٢٢.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>المبحث الخامس\nالباحث والنقد في عصر الرواية</span>\nفي المباحث الأربعة السابقة عرضت صورة لحال نقد المرويات في عصر الرواية، مقتصرا على ما لدى الناقد في ذلك الوقت من وسائل خاصة بعصر الرواية، إما لأنها ذهبت مع الرواة أنفسهم، مثل مناقشة الراوي، وسؤاله، والنظر في كتب الرواة، وما يدور في مجالس التحديث، وإما لأن تطبيق الوسيلة يحتاج إلى حفظ واسع للأسانيد، وخبرة بأحوال الرواة، ومقدرة نقدية عالية، وذلك يتعلق بتمييز أحاديث الرواة.\nوأود التنبيه هنا إلى أن ما ذكرته ليس على سبيل الحصر، وإنما اقتصرت على أشهرها وأكثرها استخداما، وهناك أشياء يرجح بها النقاد وهي من الوسائل الخاصة بهم، مثل ترجيح صواب الرواية، لأن حال الراوي تمنع أن يخطئ هذا الخطأ الفادح، لو قيل بخطأ الرواية، كما في قول أبي حاتم مصوبا رواية للثوري ذهب بعض النقاد -كأبي زرعة وغيره- إلى خطأ الثوري فيها: «محال أن يغلط بين هذا الإسناد إلى إسناد آخر، وإنما أكثر ما يغلط الناس إذا كان حديثا واحدا من اسم شيخ إلى شيخ آخر، فأما مثل هؤلاء فلا أرى يخفى على الثوري» (^١).\nوالمتتبع للنقد في عصر الرواية لن يعدم وقوفه على أشياء أخر يرجح بها الناقد، وليس بمقدورنا استخدامها بإطلاق.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٦٠.","vol":"1","page":223},{"text":"وغرضي من شرح هذه الوسائل وإبرازها يمكن إجماله في عدة أمور:\n<span data-type='title' id=toc-123>الأمر الأول: معرفة هذه الوسائل بمثابة التوطئة والتمهيد للدخول في الأبواب اللاحقة</span>، وما فيها من قضايا تتعلق بممارسة الباحث للنقد، والقواعد التي يسير عليها في ذلك، ولهذا السبب سأحيل على فصلنا هذا في عدد من المناسبات ليس بالقليل.\nالأمر الثاني: ظهر من عرض هذه الوسائل أنها خاصة بالنقد في عصر الرواية، بوجود الرواة، وكتبهم، ومجالسهم، ووجود النقاد بينهم، وعلى هذا فمن غير الممكن بالنسبة للباحث المتأخر أن يمارس النقد بواسطتها، وهذا ظاهر جدا في مناقشة الرواة، والنظر في كتبهم، وحضور مجالس التحديث، فمن غير الممكن بالنسبة للباحث أن يقول مثلا: سألت فلانا، أو لقيت فلانا، أو كنت في مجلس فلان، أو نظرت في كتاب فلان، وكذلك الحال بالنسبة لتمييز أحاديث الرواة، فليس بالإمكان أن يقول الباحث إن فلانا لم يرو عن فلان، أو أن عدد أحاديث فلان عن فلان كذا، أو أن أحاديث فلان عن فلان تشبه أحاديثه عن فلان.\nوأخطر ما يكون محاولة التشبه بالنقاد من بعض الباحثين، فبعض الباحثين إذا رأى -مثلا- رواية عن عبدالرزاق خارج «المصنف» من رواية أحمد في «المسند»، أو من رواية محمود بن غيلان عند الترمذي في «السنن»، تخالف ما في «المصنف»، رجح ما في «المصنف»، باعتباره كتابا لعبدالرزاق، ومثله ابن أبي شيبة في «المصنف»، مع ما يوجد من روايات عنه خارج «المصنف»، مثل «صحيح مسلم»، و«سنن ابن ماجه»، وغيرهما.","vol":"1","page":224},{"text":"وهذا مزلق خطير، فمصنف الراوي الذي كتبه وألفه لعامة الناس سبقه كتابات للراوي أصح من هذا «المصنف»، فقبله أصوله العتيقة، ونسخه التي يحدث منها، وقد تقدم أنها أصح بسبب ما يقع للراوي أثناء تحويل الحديث منها إلى مؤلف له من وهم أو سبق نظر ونحو ذلك، بالإضافة إلى أن وضع الحديث في مؤلف قصد به إفادة عامة الناس، مصنف على الموضوعات، قد يتطلب من المؤلف أن يتصرف في الإسناد أو المتن، فيختصرهما، أو يروي الحديث بالمعنى، ونحو ذلك.\nوالرواة -في الغالب- سمعوا من الراوي إما من أصوله العتيقة، أو من فرع عنها، التي هي النسخة، وعليه فسماع أحمد -مثلا- من عبدالرزاق، أقرب إلى الصواب من رواية عبدالرزاق التي في «المصنف»، وهكذا يقال في رواية عبدالرزاق في «المصنف» مع رواية محمود بن غيلان عند الترمذي.\nثم ههنا أمر آخر، وهو أن بعض مصنفات الأئمة أملاها من حفظه، فمرجعها إلى الحفظ إذن، وليس إلى كتاب، مثل «مسند الطيالسي»، هو مجالس مما أملاه أبو داود الطيالسي في زيارته لأصبهان، وقد أملى تلك المجالس من حفظه، وكذلك «مسند البزار»، أملاه البزار بمصر من حفظه، ومثله «علل الدارقطني»، كان يسأل عن الحديث فيجيب من حفظه.\nوليس معنى ذلك ترجيح ما هو خارج «المصنف» على ما يوجد في «المصنف» دائما، ذلك أن رواية الترمذي هي أيضا قد وضعها الترمذي في مصنف له، الذي هو «السنن»، فقد يكون الخلل أتى من جهة المصنف الجديد،","vol":"1","page":225},{"text":"حيث أراد التحويل من أصوله، أو من نسخه، إلى مصنفه هو.\nوالخلاصة أن قضية استفادة الباحث من النظر في كتب الرواة استقلالا أراه مزلة قدم، مع أن هذا الموطن -فيما أرى- يحتاج إلى مزيد بحث وتحرير.\nويشبه ما تقدم أن بعض الباحثين حين نظره في إسناد وقع فيه تفرد، أو وقع فيه اختلاف على راو من الرواة، يرجح أحد الوجهين بكون الوجه الآخر إسناده غريب، فاحتمال خطأ راويه أقرب، ويعتمد الباحث في ذلك على مطالعته في «تحفة الأشراف»، فيقول -مثلا-: وهذا الإسناد غريب، لم يخرج بواسطته في الكتب الستة شيئا، ورأيت بعض الباحثين يكثر من هذا.\nوفي رأيي أن في هذا الصنيع شيئا من الجرأة، فالحكم بأن هذا الإسناد غريب، أو أنه مركب، أو أن رواية فلان عن فلان لا تجيء، إنما هو خاص بالنقاد، وإلا فما يدرينا أن رواية المطعم بن المقدام، عن الحسن البصري، ليس لها معنى، وأن رواية الحسن، عن سهل بن الحنظلية، لا تجيء؟ أرجح أنه لو وقف بعض المتأخرين على مثل هذا لذهب يقيم الدليل على ثبوت السماع.\nويتأكد هذا إذا عرفنا أن غرابة الإسناد ووعورته ربما تكون دليلا على ترجيح رواية من أتى بهذا الإسناد، كما سيأتي في الفصل الثاني من الباب الثالث، فبين الموطنين تشابه شديد.\nالأمر الثالث: إذا قيل إن هذه الوسائل خاصة بأئمة النقد فالمقصود أنهم يختصون بتطبيقها استقلالا، وأما من تأخر عنهم فليس بمقدوره هذا، غير أنه","vol":"1","page":226},{"text":"يشاركهم تطبيقها من جهة قبولها والاحتفاء بها، والتسليم لهم فيما ورد عنهم من هذا القبيل، واعتماده في جملة ما يعتمده الباحث من وسائل أخرى للنظر في الحديث، فإذا قال الناقد: هو في كتاب فلان على صفة كذا، أو قال: سألت عنه فلانا فقال كذا، اعتمد الباحث هذا، وضمه إلى ما لديه من دلائل أخرى في الحديث.\nوكذلك البناء على أقوالهم ونصوصهم في هذا الشأن، مما يمكن البناء عليه، فإذا نص الراوي على أنه لم يسمع من فلان إلا حديثا واحدا، أو حديثين -مثلا-، أو جاء ذلك عن غير الراوي ممن هو في عصر الرواية، فبإمكان الباحث الاستفادة من هذا حين يقف على حديث يزيد على ما نص عليه، فيعله بذلك، أو يرجح غيره عليه، إن كان قد خولف فيه راويه، ويشبه هذا ما تقدم في التدليس، في الحكم بانقطاع ما هذا شأنه (^١).\nومثله ما إذا أطلق الناقد كلمة في عموم أحاديث راو عن آخر، وأنها تشبه أحاديثه عن فلان، فبإمكان الباحث أن يطبق هذا على أعيان الأحاديث، ويدرج نص هذا الناقد في جملة ما ينظر فيه من دلائل.\nوأما ما يسلكه بعض الأئمة المتأخرين، وكذلك يكثر منه بعض الباحثين، من إعادة النظر فيما ورد عن النقاد في عصر الرواية، ومناقشته، ورفضه أحيانا، وربما التشديد في العبارة على أئمة النقد، فكل هذا خلاف المنهج العلمي الصحيح، فهو إهمال لجهود عظيمة قام بها أولئك النقاد، مع ما فيه من قصور\n_________\n(^١) انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٢٣٥.","vol":"1","page":227},{"text":"في تصور المنهج الذي تنقد بواسطته المرويات.\nوأمثلة ما ذكرته كثيرة جدا، لا يمكن حصرها، فمن ذلك حديث قتيبة بن سعيد الماضي في المبحث الرابع، وقول البخاري لقتيبة بن سعيد: مع من كتبت حديث الليث، عن يزيد بن أبي حبيب؟ فأجاب قتيبة بأنه كتبه مع خالد المدائني، فذكر البخاري أنه يدخل الأحاديث على الشيوخ.\nتكلم على هذا الحديث جماعة من الأئمة المتأخرين، والمشايخ المعاصرين، فرفضوا هذا النقد، وصححوا الحديث، وغاية ما أجابوا به أن قتيبة ثقة مأمون.\nوالبخاري يعلم علم اليقين أن قتيبة ثقة مأمون، لكنه يعلم أيضا أن هذا الحديث الذي رواه بذلك الإسناد، باللفظ المذكور، منكر جدا لا يصح، وقد قامت قرائن أخرى -ذكرتها هناك- على هذا، فاستنكار البخاري للحديث ليس مبنيا على سؤاله وجواب قتيبة، وإنما هو يبحث عن سبب وقوع قتيبة في رواية هذا المنكر، فوجده في جواب قتيبة.\nوقصة البخاري مع قتيبة بن سعيد وردت بعدة ألفاظ، أسوق الآن أحد ألفاظها، ومنه يتضح مستند البخاري في إنكاره الحديث، وسؤاله لقتيبة بن سعيد، وفيها أيضا إقرار قتيبة للبخاري، ورجوعه إلى رأيه، قال محمد بن يوسف الفربري: «سأل أبو عبدالله (يعني البخاري) أبا رجاء -يعني قتيبة- إخراج أحاديث ابن عيينة، فقال: منذ كتبتها ما عرضتها على أحد، فإن احتسبت ونظرت فيها، وعلمت على الخطأ منها - فعلت، وإلا لم أحدث بها، لأني لا آمن","vol":"1","page":228},{"text":"أن يكون فيها بعض الخطأ، وذلك أن الزحام كان كثيرا، وكان الناس يعارضون كتبهم، فيصحح بعضهم من بعض، وتركت كتابي كما هو، فسر البخاري بذلك، وقال: وفقت.\nثم أخذ يختلف إليه كل يوم صلاة الغداة، فينظر فيه إلى وقت خروجه إلى المجلس، ويعلم على الخطأ منه، فسمعت البخاري ردَّ على أبي رجاء يوما حديثا، فقال: يا أبا عبدالله، هذا مما كتب عني أهل بغداد، وعليه علامة يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، فلا أقدر أغيره، فقال له أبو عبدالله: إنما كتب أولئك عنك لأنك كنت مجتازا، وأنا قد كتبت هذا عن عِدَّة على ما أقول لك، كتبته عن يحيى بن بكير، وابن أبي مريم، وكاتب الليث، عن الليث، فرجع أبو رجاء، وفهم قوله، وخضع له» (^١).\nوقضية إدخال الحديث على الشيخ قضية مشهورة جدا في باب الرواية، غير مستغربة، وهي تؤثر على الراوي في درجته إذا كثر إدخال الأحاديث عليه، ولم يتنبه، أو نبه على ذلك ولكنه أصر ولم يرجع عنها، كما تقدم شرح ذلك (^٢).\nومما يلاحظ في هذا المقام أن الرواة أنفسهم، مع ثقتهم وحفظهم، يقرون بوقوع ذلك منهم، فهذا عبدالله بن مسلمة القعنبي، أحد الحفاظ الثقات، ومن أشهر وأقوى من روى عن مالك «الموطأ»، وقع له مثل هذا، لكنه تداركه، وقصة\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» ١٢: ٤٢٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ٥٣ - ٦١، ٦٩ - ٧٦.","vol":"1","page":229},{"text":"ذلك ذكرها أبو زرعة، قال البرذعي وقد ذكر عددا من الأحاديث يرويها جعفر بن عبدالواحد الهاشمي، فبين أبو زرعة أنها موضوعة لا أصل لها: «ثم قال أبو زرعة: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد كنت أرى جعفرا هذا، وأشتهي أن أكلمه، لما كان عليه من السكينة والوقار، ونسبه في العنقاء، رجل تصلح له الخلافة، من ولد العباس، يرجع إلى حفظ وفقه، قد خرج إلى مثل هذا! ! نسأل الله الستر والعافية.\nثم قال لي: ما أخوفني أن تكون دعوة الشيخ الصالح أدركته، قلت: أي شيخ؟ قال: القعنبي، بلغني أنه دعا عليه، فقال: اللهم افضحه، لا أحسب ما بلي به إلا بدعوة الشيخ، قلت: كيف دعا عليه؟ قال: بلغني أنه أدخل عليه حديثا -أحسبه عن ثابت، جعله عن أنس- فلما فارقه رجع الشيخ إلى أصله فلم يجده، فاتهمه، فدعا عليه» (^١).\nو<span data-type='title' id=toc-131>قضية إدخال حديث أو أكثر على راو قد يلجأ الناقد إليها لتبرئة ذلك الراوي من عهدة النكارة فيما يرويه</span>، فهي إذن -في بعض صورها- دفاع عن الرواة، وقد تقدم مثله في رمي بعض الرواة بالتدليس (^٢)، ومن لم يدرك هذا قلب المراد، فأبى إلا أن يتحمل ذلك الراوي العهدة، وصار عمله جناية على الراوي من حيث أراد الدفاع عنه.\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٧٠ - ٥٧٥، و«تاريخ بغداد» ٧: ١٧٣ - ١٧٤، والحديث المشار إليه أورده ابن أبي حاتم في «العلل» ٢: ١٩٣، المسألة (٢٠٧٤)، ونقل عن أبيه القصة.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٢١٢ - ٢١٤.","vol":"1","page":230},{"text":"ومن أمثلة ذلك -وفيه أيضا النقد بكتاب الراوي- قول ابن عدي: «حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي، ثنا محمد بن سهل بن عسكر أبو بكر البخاري، حدثنا عبدالرزاق بن همام، قال: سألت مالك بن أنس عن المواقيت، فقال: «وقت النبي - ﷺ - لأهل العراق ذات عرق»، قال: قلت: عمن يا أبا عبدالله؟ قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بذلك.\nسمعت ابن صاعد يقول: قرأ علينا ابن عسكر كتاب «المناسك» عن عبدالرزاق فليس فيه هذا الحديث، فذكره ابن صاعد مرسلا عن إسحاق بن راهويه، عن عبدالرزاق، وهذا الحديث يعرف بابن راهويه، عن عبدالرزاق …\nوحكى ابن صاعد أن هذا الحديث ليس عند ابن عسكر، عن عبدالرزاق، وكان الصوفي لا بأس به، ولكن قال لي عبدان الأهوازي: إن البغداديين يلقنون المشايخ، ويرفعون أحاديث موقوفة، ويصلون أحاديث مراسيل، ويلقنون الشيوخ …، فلا آمن أن يكون هذا الحديث الذي حدثناه الصوفي، عن ابن عسكر، من تلك الأحاديث، لأن ابن صاعد قد نفى أن يكون هذا الحديث عند ابن عسكر» (^١).\nوذكر أحد المشايخ حديث سفيان بن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة،\n_________\n(^١) «الكامل» ٥: ١٩٥٠، وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (١١٦٠)، (١٤١٠)، (١٦٢٧)، (١٧٧٥)، (١٨٢٢)، (٢٠٧٤)، (٢٣٤٦)، (٢٣٥٢)، (٢٥٦٤)، و«الجرح والتعديل» ٣: ٣٥٥، ٥: ٨٧، و«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ١: ٤١٧، و«المجروحين» ٢: ٤٠، و«تاريخ بغداد» ١٤: ٣٥، و«تاريخ دمشق» ٥٦: ٣٣٥، و«ميزان الاعتدال» ١: ١٥٢، ٤: ٢٨٢، ٣: ٦٥٦.","vol":"1","page":231},{"text":"في تخليل اللحية، الماضي في المبحث الثاني، وتعليل أبي حاتم له بأنه ليس في مصنفات ابن أبي عروبة، فرد الشيخ هذا بأنها علة غير قادحة، وصحح الإسناد، مع أن أبا حاتم قد ذكر علتين أخريين، إحداهما تفرد سفيان بالحديث عن سعيد، وسفيان ليس من أصحاب سعيد المعروفين، والثانية أنه لم يصرح بالتحديث عن سعيد، وهو معروف بالتدليس، فنقد أبي حاتم إذن من عالي النقد وجليله.\nوذكر الشيخ أيضا حديث جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» الماضي في المبحث الرابع، وقد أطبق النقاد على تعليله، وأنه لا يصح بهذا الإسناد، ويذكرون في نقده قول حماد بن زيد إنهم كانوا في مجلس ثابت، فحدث حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، بهذا الحديث، فظن جرير أنه سمعه من ثابت، عن أنس، فحدث به هكذا، ثم قال الشيخ في رد كلام النقاد: «حفظه إياه عن ثابت، عن أنس، لا ينفيه أن يرويه حجاج الصواف، من حديث أبي قتادة».\nكذا قال الشيخ، وقصة حماد بن زيد ليست هي الدليل الوحيد على خطأ جرير، ولو كانت هي الدليل الوحيد لكان كافيا، فقد انضم إليها تفرد جرير به عن ثابت، وجرير متكلم في حفظه، وفي روايته عن ثابت خاصة، والحديث معروف من حديث أبي قتادة، فهو من حديث أنس منكر جدا، ولهذا ضرب أبو الوليد الطيالسي على هذا الحديث (^١).\n_________\n(^١) «سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٤٣٨.","vol":"1","page":232},{"text":"ومر أحد المشايخ بالحديث الماضي في المبحث الثاني، وهو ما رواه مجاهد بن موسى، عن محمد بن عبيد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، عن جابر، قال: «أتت النبي - ﷺ - بواكي …» الحديث، وقول أحمد في نقده: «أعطانا محمد بن عبيد كتابه عن مسعر، فنسخناه، فلم يكن هذا الحديث فيه، ليس هذا بشيء …»، فقال الشيخ: «إسناده صحيح بظاهره، وتعليل الإمام أنه ليس في كتاب محمد بن عبيد، عن مسعر، لا يوجب -فيما يظهر لنا- تضعيف الرواية، فإن الثقة قد يروي الحديث عن حفظه، وهو ضابط له، ولم يدخله في كتابه لسبب من الأسباب، منها تأخر سماعه عن باقي مسموعات الشيخ».\nكذا قال الشيخ، وهو كلام لا معنى له أبدا، وأحمد لم يكتف بهذا، بل ذكر أنه سمعه من يعلى بن عبيد أخي محمد، عن مسعر، عن يزيد الفقير، مرسلا، فهذا دليل آخر غير كون الحديث ليس في كتاب محمد بن عبيد.\nوذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد في الأحاديث التي انتقدها وهي في «صحيح مسلم» ما رواه يحيى بن حسان، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، قال: «لا يجوع أهل بيت عندهم التمر» (^١)، وبهذا الإسناد حديث: «نعم الإدام الخل» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٤٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٨٣١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٨٢٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٣٢٧).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٦٢١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٨٤٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٣١٦).","vol":"1","page":233},{"text":"ثم روى بإسناده عن أحمد بن صالح المصري الحافظ قوله بعد أن رواهما عن يحيى بن حسان: «نظرت في كتب سليمان بن بلال، فلم أجد لهذين الحديثين أصلا، وحدثني ابن أبي أويس، قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن هشام، عن رجل من الأنصار: «أن رسول الله - ﷺ - سأل قوما: ما إدامكم؟ قالوا: الخل، قال: نعم الإدام الخل» (^١).\nعقب أحد الباحثين على كلام أحمد بن صالح ونظره في كتاب سليمان بن بلال بقوله: «فكان ماذا؟ فسليمان بن بلال ثقة، كبير القدر، كثير الحديث، فأن يكون عنده من الحديث ما هو من محفوظه دون أن يكون مكتوبا، فهذا لا يمكن رده في علم الرواية».\nكذا قال الباحث، يُدَرِّس -بلا خجل- أئمة النقد أصول النقد، وأحمد بن صالح ثار الشك عنده في الحديثين بتفرد سليمان بن بلال بهما من بين أصحاب هشام على كثرتهم، ثم بعدم وجودهما في كتب سليمان بن بلال، وهذا أحد أصول النقد، والباحث لم يكن عنده به علم، ثم أكد أحمد بن صالح شكه برواية ابن أبي الزناد، عن هشام، فترجح وجود الخطأ (^٢).\nوذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد أيضا أن مسلما روى عن القواريري، عن أبي بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري،\n_________\n(^١) «علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١٠٩.\n(^٢) وانظر ما يأتي في الفصل الأول من الباب الثاني، فقد استنكرهما أيضا جمع من النقاد.","vol":"1","page":234},{"text":"عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «قال الله ﷿: أبتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أسار علته، ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، ثم ليأتنف العمل» (^١).\nقال أبو الفضل في نقده: «هذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبدالله بن سعيد المقبري، عن أبيه، وعبدالله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدا أضعف من عبدالله بن سعيد.\nورواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو حديث يشبه أحاديث عبدالله بن سعيد» (^٢).\nذكر أحد المشايخ المعاصرين كلام أبي الفضل بن عمار ونقله من «شرح علل الترمذي» لابن رجب (^٣)، ثم اعترضه بقوله: «معاذ بن معاذ هو العنبري، وأبو بكر -واسمه عبدالكبير بن عبدالمجيد- كلاهما ثقة محتج به في «الصحيحين»، فلا أرى استنكار هذا برواية ذاك بدون حجة ظاهرة، سوى دعوى أن حديثه\n_________\n(^١) كذا ذكره أبو الفضل بن عمار عن «صحيح مسلم»، لكن الحديث غير موجود في النسخ المشهورة من «صحيح مسلم»، ولم يذكره أصحاب الأطراف، انظر: «النكت الظراف» ١٠: ٣٠١، فيحتمل أن يكون في بعض الروايات عن مسلم، ويكون مسلم قد حذفه لما تبين له علته، والحديث أخرجه الحاكم ١: ٣٤٩، والبيهقي ٣: ٣٧٥، من طريق علي بن المديني، عن أبي بكر الحنفي به.\n(^٢) «علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١١٧.\n(^٣) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٨.","vol":"1","page":235},{"text":"يشبه أحاديث عبدالله بن سعيد الواهي، فإن هذه المشابهة إن كانت كافية لإقناع من كان من النقاد الحذاق فليس ذلك بالذي يكفي لإقناع الآخرين الذين قنعوا بصدق الراوي وحفظه وضبطه، ثم لم يشعروا بذلك الشبه، أو شعروا به ولكن لم يروا من الصواب في شيء جعله علة قادحة يستنكر الحديث من أجلها، ويسلم للقادح بها، مع مخالفته لقاعدة أخرى هي أهم وأقوى من القاعدة التي بنى ابن رجب عليها رد هذا الحديث، وهي أن زيادة الثقة مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وما المانع أن يكون الحديث قد رواه عن أبي سعيد المقبري كل من ولديه: سعيد الثقة، وعبدالله الضعيف، وأن عاصما أخذ الحديث عنهما كليهما، فكان تارة يرويه عن سعيد فحفظه عنه أبو بكر الحنفي، وتارة عن عبدالله فحفظه معاذ بن معاذ؟ لا يوجد قطعا ما يمنع من القول بهذا، بل هو أمر لا بد منه …» الخ.\nكذا قال الشيخ، وهو كلام غير محكم أبدا، وبمثله هزلت الدراسات الحديثية المعاصرة جدا إلا ما شاء ربك، وطرد مثل هذا الكلام معناه بسذاجة متناهية إلغاء جميع العلل التي أعل بها المحدثون أحاديث الثقات، فإن التجويز العقلي لا حدود له، وقول الشيخ إن كلام أبي الفضل بن عمار لا يكفي لإقناع الآخرين غير النقاد الحذاق - لا أدري من المراد بالآخرين، وإذا أقنع النقاد الحذاق فما الحاجة إلى إقناع غيرهم؟ .\nثم إن قوله إن أبا الفضل بنى استنكاره على أن الحديث يشبه أحاديث عبدالله بن سعيد الواهي - فيه قصور، فأبو الفضل ارتكز أولا على رواية معاذ","vol":"1","page":236},{"text":"بن معاذ، وهو الحافظ الثقة الثبت جدا، فلا يقاربه ولا يدانيه أبو بكر الحنفي، ثم عضد أبو الفضل رواية معاذ بن معاذ بأن متن الحديث يشبه أحاديث عبدالله.\nوتأيدت رواية معاذ بن معاذ بأن الحديث معروف عن عبدالله بن سعيد من غير طريق عاصم بن محمد، فقد رواه عنه أيضا محمد بن فضيل، وعبدالرحمن بن أبي الجون (^١).\nوأيضا فقول الشيخ: «وما المانع أن يكون الحديث قد رواه عن أبي سعيد المقبري كل من ولديه: سعيد الثقة، وعبدالله الضعيف …» - لم يحرر جيدا، فإن عبدالله بن سعيد ليس هو ولد أبي سعيد المقبري، وإنما هو ولد ابنه سعيد، فرواية أبي بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه أبي سعيد، عن أبي هريرة، ورواية معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبدالله بن سعيد، عن أبيه سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، فعلى ما ذكره الشيخ من الاحتمال يكون عاصم بن محمد قد سمع الحديث من سعيد بن أبي سعيد الثقة الجليل، عن أبيه أبي سعيد، عن أبي هريرة، فحدث به كذلك لأبي بكر الحنفي، وسمعه من ابنه عبدالله بن سعيد الضعيف جدا، عن أبيه، عن أبي هريرة، فحدث به كذلك لمعاذ بن معاذ، دون أن يبين له أنه عنده أيضا عن والده سعيد، عن والده أبي سعيد، عن أبي هريرة، فجمع لمعاذ بن معاذ بين النزول في الطبقة، وبين الضعف الشديد للشيخ، فهل يعقل مثل هذا الكلام؟ .\n_________\n(^١) «المرض والكفارات» حديث (٧٨)، (٢١٥)، و«الموضوعات» ٣: ١٩٩.","vol":"1","page":237},{"text":"والحديث له علة أخرى، فقد رواه أبو صخر حميد بن زياد، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة موقوفا عليه (^١).\nورب قائل يقول: وجدنا في عدة نصوص توقف النقاد في قبول التعليل بهذه الأمور المذكورة، مثل إنكار الراوي ما حدث به عنه، ونظر الناقد في كتاب الراوي، وكون فلان لم يرو عن فلان، ونحو ذلك.\nفمن النصوص في هذا أن يحيى بن سعيد القطان ذكر له حديث أبي عوانة، عن منصور، عن إبراهيم النخعي، في المرأة الموسرة تريد أن تحج فيمنعها زوجها، قال: «تحج مع ذي محرم من أهلها، ولا تطيعه»، قيل ليحيى: إن هذا لم يوجد في كتابه، فقال يحيى: «إن أبا عوانة كان مأمونا» (^٢).\nوروى ابن جريج عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل …» الحديث (^٣).\nوروى إسماعيل بن علية، عن ابن جريج قوله: «فلقيت الزهري، فسألته عن هذا الحديث، فلم يعرفه …» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ٣: ٣٧٥.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ١٣: ٤٦١.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٠٨٣)، و«سنن الترمذي» حديث (١١٠٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٣٩٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٧٩)، و«مسند أحمد» ٦: ٤٧.\n(^٤) «مسند أحمد» ٦: ٤٧.","vol":"1","page":238},{"text":"وقد رد رواية ابن علية هذه جماعة من النقاد، فقال أحمد وقد سئل عنها: «كتب ابن جريج مدونة، فيها أحاديثه، من حدث عنهم: ثم لقيت عطاء، ثم لقيت فلانا، فلو كان محفوظا عنه لكان هذا في كتبه ومراجعاته» (^١).\nوقال ابن معين: «ليس يقول هذا إلا ابن علية، وابن علية عرض كتب ابن جريج على عبدالمجيد بن عبدالعزيز بن أبي رواد، فأصلحها له» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: سألت يحيى بن معين، وقلت له: حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أبردوا بالظهر»، وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي، فحدثنا به، وحدثنا أيضا عن إسحاق، عن شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، بمثله، قال يحيى: ليس له أصل، إنما نظرت في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا.\nقلت لأبي: فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، الذي أنكره يحيى؟ قال: هو عندي صحيح، وحدثنا\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٨. وعن أحمد رواية أخرى أنه اعتمد على إنكار الزهري له في تضعيف هذا الحديث، قال حرب في «مسائله» ص ٤٦٣: «قيل لأحمد: سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇: «أيما امرأة نكحت بغير ولي فنكاحها باطل»، قال: هذا لا يصح، لأن الزهري سئل عنه فأنكره، وعائشة زوجت حفصة بنت عبدالرحمن -بنت أخيها-، والحديث عنها، فهذا لا يصح».\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٨٦، و«سنن الترمذي» حديث (١١٠٢)، و«سنن البيهقي» ٧: ١٠٦.","vol":"1","page":239},{"text":"أحمد بن حنبل ﵀ بالحديثين جميعا عن إسحاق الأزرق.\nقلت لأبي: فما بال يحيى نظر في كتاب إسحاق فلم يجده؟ قال: كيف! نظر في كتابه كله!، إنما نظر في بعض، وربما كان في موضع آخر» (^١).\nوروى أبو داود الحفري، عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مسلم البطين، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن عبدالله، قال: قال رسول الله - ﷺ -، ثم تغير وجهه، ثم قال: نحوا من ذا، أو قريبا من ذا (^٢).\nوقيل عن سفيان الثوري، عن إبراهيم بن أبي حفصة، عن مسلم البطين به (^٣).\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة عن هذا الحديث، فأجاب أبو زرعة بأن الصحيح الوجه الثاني، وأنه قد رواه جماعة عن الثوري، ثم قال ابن أبي حاتم: «ثم ذاكرت به أبي، فقال: الصحيح عندي: عن إبراهيم بن مهاجر، ولا أعلم روى الثوري عن إبراهيم بن أبي حفصة إلا حديثا واحدا، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٦، وحديث المغيرة أخرجه ابن ماجه حديث (٦٨٠)، وأحمد ٤: ٢٥٠، وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٨: ٢٤٣، و«التاريخ الصغير» ١: ٢٣٤.\nوانظر مثالا آخر لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (٢٢٠٨).\n(^٢) «مسند أحمد» ١: ٣٨٧، و«المعجم الكبير» حديث (٨٦١٨)، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٧.\n(^٣) «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٧، و«تاريخ دمشق» ٣٣: ١٦٣، من طريق قبيصة بن عقبة، عن الثوري.","vol":"1","page":240},{"text":"قال: «الخال يعطى من الزكاة».\nوقال أبو زرعة: ولا أعلم روى إبراهيم بن مهاجر، عن مسلم البطين شيئا.\nفذكرت ذلك لأبي، فقال: هذا مما روى عنه، ولا أعلم إبراهيم بن أبي حفصة روى عن مسلم البطين …» (^١).\nوالجواب عن هذه النصوص وأمثالها سهل جدا، ذلك أن الاعتراض على دليل معين، لا يعني رفض الأصل الذي يندرج تحته هذا الدليل، وإلا لم يبق أصل يستدل به، فالسنة النبوية -مثلا- الأصل الثاني في التشريع بعد كتاب الله تعالى، ولو استدل مستدل بحديث، ثم اعترض عليه بأن الحديث لا يثبت، أو ليس فيه دلالة، لم يكن في هذا الاعتراض من قائله ذهاب إلى عدم الاستدلال بهذا الأصل كله، وهذا ظاهر جدا.\nوالاعتراض على أفراد الأدلة متضمن عند التأمل للإقرار بالأصل الذي تنتمي إليه، فالنصوص المذكورة تحمل في طياتها تأكيدا للأصول التي استخدمها النقاد في نقدهم للأحاديث، التي مضى الحديث عنها في المباحث الأربعة السابقة، فاعتراض أحمد على حكاية ابن علية، عن ابن جريج، متضمن لقبول أحمد بأن الراوي إذا أنكر ما نسب إليه ونفاه فذلك موجب للتوقف في روايته، لكن أحمد\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٥، وقد نقل الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٨، عن الحفاظ من أهل العلم بالحديث أن الصواب رواية قبيصة، وأن رواية أبي داود الحفري وهم، وهذا يوافق اختيار أبي زرعة.","vol":"1","page":241},{"text":"اعترض على ثبوت ذلك عن ابن جريج، فأعل الحكاية بتفرد ابن علية بها، وبأنها غير موجودة في كتب ابن جريج، ومثله يقال في كلام ابن معين.\nونلحظ في جواب أحمد أمرا آخر، وهو استناده في تضعيف الحكاية إلى كونها غير موجودة في كتب ابن جريج، وهذا أحد الأصول التي سبق الحديث عنها.\nوكذلك الحال في قول أبي حاتم في رده على إنكار ابن معين لحديث إسحاق الأزرق، ففي جواب أبي حاتم اعتماده أصل أن الحديث يتوقف فيه إذا لم يكن في كتاب الراوي، وإنما اعترض باحتمال أن يكون ابن معين نظر في بعض الكتاب، ولم يتمعنه جيدا، فكأن أبا حاتم يقول: لو تأكدت أن الحديث ليس في كتاب إسحاق لكان هناك كلام آخر.\nومن نافلة القول التنبيه إلى أن الوسيلة التي يستخدمها الناقد في نقده ليست بمعزل عن الوسائل الأخرى، فمناقشة الناقد للراوي، أو نظره في كتابه، أو معرفة الناقد بأحاديث الراوي، أو معرفته بشيء ما حدث في مجلس التحديث، هي وسائل مضمومة عند الناقد إلى وسائل أخر، سيأتي الحديث عنها في الأبواب اللاحقة، فربما تتعاضد الوسائل، وتقود إلى أمر واحد، فتتضح الصورة للناقد، وربما تتعارض الوسائل، فيحتاج إلى مزيد نظر وتأمل، بل ربما يتعارض تطبيق الوسيلة الواحدة، فيزداد الأمر غموضا، كما تقدم آنفا في حوار أبي حاتم، وأبي زرعة، ويأتي أيضا مزيد شرح وتوضيح لتعارض الوسائل في الأبواب اللاحقة.","vol":"1","page":242},{"text":"والنقد مهما بلغت قوته هو عرضة للنقد أيضا، فعلمهم ومنهجهم الذي ساروا عليه يلزمهم بهذا، وقد التزموه، فرأينا سموا في الغاية، ونبلا في الهدف، وصدورا رحبة لتقبل النقد في الرواية، وتقبله أيضا حين يوجه للنقد نفسه.\nوقد تقدم مثل هذا في «الجرح والتعديل» (^١)، وهو يجري في كافة مسائل النقد، ولا غضاضة فيه، بل هو مفخرة لهم، ولمن سار على طريقتهم.\nوأما الذي يحذر منه فهو رفض أصول النقاد التي اعتمدوها في النقد، ومقابلتها بمجرد كلام خطابي، مثل التهويل في خطورة تغليط الثقات، فهذه المطية قد ركبها عامة المتأخرين إلا من شاء الله، ومن تأمل هذا الخطاب لا ينقضي عجبه منه، فالثقة -كما تقدم- يقر على نفسه بالغلط، ويتراجع، ويخاف من مخالفة الآخرين له، وهؤلاء يأبون عليه ذلك، ثم إن كونه ثقة إنما أخذناه من كلام النقاد، وهم أيضا الذين نأخذ منهم أنه أخطأ في ذلك الحديث، والوسائل التي قادتهم إلى كونه ثقة، هي نفسها الوسائل التي قادتهم إلى تخطئته في الحديث المعين، والله أعلم.\n * * *\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٢٠٥ - ٢١٢.","vol":"1","page":243},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>الباب الثاني\nالتفرد وأحكامه</span>\n\nوفيه: مدخل، وأربعة فصول:\n\nالفصل الأول: موقف أئمة النقد من التفرد.\nالفصل الثاني: ضوابط النظر في التفرد.\nالفصل الثالث: موقف المتأخرين من التفرد.\nالفصل الرابع: التفرد وكلام أئمة النقد.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>مدخل:</span>\nمر بنا في الفصل الأول من الباب الأول أن الأحاديث تختلف في عدد طرقها، فربما وقف الباحث على طريق آخر يصله بأول راو عنده في إسناده الأصل، أو أكثر من طريق، وكذلك في الراوي الثاني، والثالث، إلى صحابي الحديث، وقد يتخلف ذلك كله أو بعضه، فقد لا يقف على طريق آخر مطلقا، وقد يقف على طريق يصله بالراوي الأول فقط، أو بأحد الرواة فوقه، على ما تم شرحه هناك.\nوأي راو من رواة الإسناد الأصل لا يوقف على من يتابعه في الرواية عن شيخه يقال عنه إنه تفرد برواية هذا الحديث عنه، فإن لم يوقف على متابع لشيخه، أو من فوقه حتى الصحابي، فهذا هو الذي يعرف عند أهل الحديث ب<span data-type='title' id=toc-138>التفرد المطلق، أو الغرابة المطلقة</span>، بمعنى أن الحديث ليس له عن رسول الله - ﷺ - سوى هذا الطريق، وإن وقف على متابع لشيخه، أو من فوقه حتى الصحابي، فهذا هو التفرد النسبي، أو الغرابة النسبية، ومعناه أن الراوي قد تفرد بالرواية عن شيخه، لكن الحديث له طريق آخر يلتقي بشيخ الشيخ، أو بمن فوقه، ومحل شرح هذا وتوضيحه في كتب مصطلح الحديث (^١).\nوقضية التفرد قضية ضخمة جدا في باب نقد المرويات، ابتدأ الاهتمام بها\n_________\n(^١) انظر: «سنن الترمذي» ٥: ٧٥٨ - ٧٦٣، و«مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩٢، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢٥ - ٦٥٢، و«فتح المغيث» ١: ٢٥٣ - ٢٥٧.","vol":"1","page":247},{"text":"وتطبيقها -كغيرها من قواعد النقد الكبار- في وقت مبكر جدا في عصر الصحابة رضوان الله عليهم، بعيد وفاته - ﷺ - (^١).\nوبعد تطور النقد وظهوره كفن مستقل يمكن القول إنها -مع ما يتصل بها من مسائل- أهم قضية في باب النقد، فهي أسه الأكبر، يستطيع الناظر أن يرى هذا بسهولة، وهو يقرأ في كتب النقد، سواء منها ما كان أصلا مخصصا لنقد الراوي، مثل كتب الرجال، أو لنقد المروي، مثل كتب العلل، أو ما كان شاملا لذلك كله مثل كتب السؤالات، بل ما كان مخصصا لجمع المرويات، مثل كتب الجوامع، وكتب السنن، وغيرها.\nوسيجد اهتمام النقاد الأولين بها متمثلا في جوانب متعددة، منها كثرة المصطلحات التي عبروا بها عن التفرد، مثل (الغرابة)، (التفرد)، (النكارة)، (الطرافة)، (الحسن)، (الفائدة)، (ضيق المخرج).\nوكثرة المؤلفات في الأسانيد التي وقع فيها تفرد، وضخامة بعضها، سواء بإطلاق، أو عن راو معين، أو تفرد جهة معينة بالحديث.\nونصهم على التفرد في الحديث المعين بعد تخريجه، مثل ما يفعله الترمذي في «سننه»، والبخاري في «تاريخه الكبير»، والطبراني في معجميه «الأوسط» و«الصغير»، وابن عدي في «كامله»، وأبو نعيم الأصبهاني في «الحلية»، و«ذكر أخبار أصبهان»، وأبو الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين بأصبهان»، وغيرهم كثير.\n_________\n(^١) ينظر: «استدراكات الصحابة بعضهم على بعض في الرواية» لنوال الغنام ٢: ٦٨١ - ٧٠٤.","vol":"1","page":248},{"text":"ونصهم عن تفرد الراوي، إما بإطلاق، أو عن شيخ معين له، وعدهم أحيانا لعدد ما يرويه متفردا به، سواء كان ذلك في سياق مدح الراوي، أو في سياق جرحه -وهو الأكثر- (^١).\nثم قضية التفرد لها متعلقات متعددة بالنسبة لنقد المرويات، فمن جهة لها أثرها الكبير في الوصول إلى درجة الراوي نفسه، وقد تقدم شرح هذا في «الجرح والتعديل» (^٢).\nولها تعلق بمسألة المخالفة، إذ قد يتفرد الراوي برواية عن شيخه، ويشاركه غيره في الرواية عن الشيخ، ولكن يخالفه في صفتها، وهذه سيأتي الحديث عنها مفصلا في الباب الثالث (الاختلاف).\nولها تعلق بقضية الاعتضاد -والشد بالطرق- أي متى يمكن للباحث أن يعضد الإسناد الذي وقع فيه تفرد إذا وقف له على متابع؟ ومتى يمكن له أن يعضد به إسنادا آخر؟ وكذلك المعارضة، إذ ربما يجتمع مع التفرد في الإسناد، أن يعارض أصلا آخر، وسيأتي الحديث عن هذا الموضوع بشقيه في الباب الرابع (الاعتضاد والمعارضة).\nوللتفرد أثره الكبير على الإسناد نفسه موضع الدراسة والحكم، وهذا هو الذي سأتحدث عنه هنا في هذا الباب، وذلك في أربعة فصول.\n_________\n(^١) تحدثت عن جوانب اهتمام النقاد بالتفرد بشيء من التفصيل في «شرح نزهة النظر»، ص ١٤٣ - ١٥١.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ٨٦ - ٩٠.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>الفصل الأول\nموقف أئمة النقد من التفرد</span>","vol":"1","page":251},{"text":"من يطالع كتب أئمة النقد، سواء منها ما خصص لنقد المرويات، ككتب العلل، أو ما خصص للرواة أنفسهم، مثل كتب التواريخ، والضعفاء، أو كان مشتركا، مثل السؤالات، وكذلك كتب الرواية نفسها، يرى بوضوح أن موقف أئمة النقد من تفرد الراوي بالحديث يسير في اتجاهين بارزين.\nفأما الاتجاه الأول: فهو توقفهم في تفرد الراوي، ورد الحديث وتضعيفه بهذا التفرد.\nويمكن أن يلحظ هذا في كثرة ما ورد عنهم من كلمات في التحذير من الغرائب، وما يتفرد به الرواة، فلهم في ذلك كلمات مشهورة متداولة، منها قول علي بن الحسين: «ليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف، وتواطأت عليه الألسن» (^١).\nوقال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف فخذه، وإلا فدعه» (^٢).\nوقال مالك: «شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس» (^٣).\nوقال أبو يوسف: «من طلب غرائب الحديث كذب» (^٤).\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢١.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ١٩.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٠٠.\n(^٤) «الكامل» ١: ٥٣، و«المحدث الفاصل» ص ٥٦٢، و«الكفاية» ص ١٤٢.","vol":"1","page":253},{"text":"وقال ابن المبارك: «العلم هو الذي يجيئك من ههنا، ومن ههنا -يعني المشهور-» (^١).\nوقال عبدالرحمن بن مهدي: «لا يكون الرجل إماما من يسمع من كل أحد، ولا يكون إماما في الحديث من يحدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما في الحديث من يتبع شواذ الحديث، والحفظ هو الإتقان» (^٢).\nوقال خالد بن الحارث: «جاءني يحيى الأصفر، فقال: أخرج إلي كتاب الأشعث لعلي أجد فيه شيئا غريبا، فقلت: لو كان فيه شيء غريب لمحوته» (^٣).\nوقال أحمد ينعى على بعض طلبة الحديث: «تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقل الفقه فيهم» (^٤).\nوقال أيضا: «لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء» (^٥).\nوقال أحمد أيضا: «إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدث، أو حديث ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة، وسفيان، فإذا\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢١.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ٢: ٣٥.\n(^٣) «المحدث الفاصل» ص ٥٦٤.\n(^٤) «الكفاية» ص ١٤٢.\n(^٥) «الكامل» ١: ٥٣.","vol":"1","page":254},{"text":"سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح» (^١).\nومراده أن اهتمام طلبة الحديث والرواية في وقته انصب على تتبع ما فيه غرابة، والبحث عنه، لعدم شهرته، فالمحدث إذا سمعه طلب منه فيما بعد، حين يتصدى للرواية، لقلة من يرويه، أما المشهور فهو عند كل أحد، فلا يأبهون به، وهذا معنى قوله: «فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء، فاعلم أنه صحيح».\nوقال أبو داود في وصف أحاديث كتابه «السنن»: «والأحاديث التي وضعتها في كتاب «السنن» أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئا من الحديث، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك، ويحيى بن سعيد، والثقات من أهل العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبا شاذا، فأما الحديث المشهور المتصل فليس يقدر أن يرده عليك أحد» (^٢).\nوقال الخطيب البغدادي شارحا حال بعض طلبة الحديث في زمانه أيضا: «أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من روايات المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنبا،\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٤٢.\n(^٢) «رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه» ص ٢٩.","vol":"1","page":255},{"text":"والثابت مصدوفا عنه مطرحا، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدثين والأعلام من أسلافنا الماضيين» (^١).\nونقل ابن رجب، عن البرديجي قوله في سياق ما إذا انفرد شعبة، أو سعيد بن أبي عروبة، أو هشام الدستوائي، بحديث عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: «المنكر هو الذي يحدث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين، عن الصحابة، ولا يعرف ذلك الحديث -وهو متن الحديث- إلا من طريق الذي رواه، فيكون منكرا»، ثم قال البرديجي: «فأما أحاديث قتادة التي يرويها الشيوخ، مثل حماد بن سلمة، وهمام، وأبان، والأوزاعي - ننظر في الحديث، فإن كان الحديث يحفظ من غير طريقهم، عن النبي - ﷺ -، أو عن أنس بن مالك، من وجه آخر، لم يدفع، وإن كان لا يعرف عن أحد عن النبي - ﷺ -، ولا من طريق عن أنس إلا من رواية هذا الذي ذكرت لك، كان منكرا».\nوقال أيضا: «إذا روى الثقة من طريق صحيح عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - حديثا لا يصاب إلا عند الرجل الواحد - لم يضره أن لا يرويه غيره، إذا كان متن الحديث معروفا، ولا يكون منكرا، ولا معلولا» (^٢).\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٤١. وانظر كلمات أخر للأئمة في التحذير من الغرائب: «المحدث الفاصل» ص ٥٦١ - ٥٦٥، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٠٠ - ١٠١، ١٥٩ - ١٦٠، و«الكفاية» ص ١٤١ - ١٤٢، و«أدب الإملاء والاستملاء» ص ٥٧ - ٥٩.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٥٣ - ٦٥٤، وانظر: «التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٠٢.","vol":"1","page":256},{"text":"وتكلم الحاكم على الحديث الشاذ فقال: «هو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راو، أو أرسله واحد فوصله واهم، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة» (^١).\nوذكر الخليلي تعريف الشافعي وجماعة من أهل الحجاز للشاذ بأنه ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدا، أو ناقصا، ثم قال: «والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ: ما ليس له إلا إسناد، يشذ بذلك شيخ، ثقة كان أو غير ثقة، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه، ولا يحتج به» (^٢).\nفهذه النصوص يستفاد منها أن النقاد يضعفون الحديث ويستنكرونه بتفرد الراوي إذا كان ضعيفا، ولا إشكال في ذلك، ولكنهم أيضا قد يضعفون ويستنكرون ما يتفرد به الثقات ومن في حكمهم أو يتوقفون فيه، وربما احتاج الناقد منهم لإذهاب ما في نفسه من تفرد الراوي أن يحلفه على السماع، مع أنه ثقة متثبت، قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: «سمعت أبي وذكر حديث عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته»، قال شعبة: استحلفت عبدالله بن دينار: هل سمعتها (كذا) من ابن عمر؟ فحلف لي، قال أبي: كان شعبة بصيرا بالحديث جدا، فهما فيه، كان إنما حلفه لأنه كان ينكر هذا\n_________\n(^١) «معرفة علوم الحديث» ص ١١٩.\n(^٢) «الإرشاد» ١: ١٧٦.","vol":"1","page":257},{"text":"الحديث، حكم من الأحكام عن رسول الله - ﷺ - لم يشاركه أحد، لم يرو عن ابن عمر أحد سواه علمنا» (^١).\nوكان شعبة لذلك يعد هذا الحديث مع ثلاثة أحاديث أخر رأس ماله (^٢).\nوهذا المعنى المتقدم -وهو أن الثقة ومن في حكمه قد يستنكر عليه بعض ما يتفرد به- هو المراد بقولهم في تعريف الحديث الصحيح، والحسن: «ألا يكون شاذا»، فالشذوذ هنا هو التفرد وخطأ الراوي.\nومن فسر الشذوذ بأنه تفرد الراوي مع المخالفة، كما اشتهر ذلك في كتب المصطلح المتأخرة، وقع في إشكال، إذ التفرد بهذا المعنى داخل في المعلل، وهو أيضا مذكور في التعريف، ولا يصح الاقتصار على ذكر المعلل، لأن هذا يخرج الرد بالتفرد مع عدم المخالفة، كما هو منهج النقاد، وإن كانوا يستخدمون في الأغلب مصطلح النكارة في كلامهم على الأحاديث بأعيانها بدل الشذوذ.\nهذا ما يتعلق بكلامهم النظري، فإذا جئنا إلى تطبيق منهجهم هذا على أفراد الأحاديث، وجدنا كما هائلا من الأحاديث التي نصوا على نكارتها وضعفها مما يتفرد به الضعفاء والمتروكون، إما حديث واحد يوردونه وينصون عليه، أو جملة أحاديث، كنسخة يرويها عن شيخ له، ونحو ذلك، ولا أجدني بحاجة إلى ضرب الأمثلة على هذا.\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ١٧٠، وانظر: ١: ١٦٣، ١٦٤، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠٣.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ١: ٢٥، وانظر: «الكامل» ١: ٨٣، ٨٩، ٢: ٧٣٨.","vol":"1","page":258},{"text":"وأما استنكارهم لأحاديث يتفرد بها الثقة ومن في حكمه فهو أيضا ليس بالقليل، بل هو كثير جدا، خاصة فيمن ينزل عن رتبة الثقة قليلا، وإن لم يكن في حجم وضخامة النوع الأول، وهو أمر بدهي، إذ لو كان بحجمه لما كان هؤلاء الرواة ثقات، فكثرة المناكير في حديث الراوي مسقط له.\nومن الأمثلة على استنكارهم ما يتفرد به الثقة ومن في حكمه ما رواه عبدالله بن أحمد قال: «قال أبي: قال أبو خيثمة: أنكر يحيى بن سعيد، ومعاذ، حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - احتجم محرما صائما»، قال أبي: أنكراه على الأنصاري محمد بن عبدالله» (^١).\nونقل نحو هذا عن أحمد أيضا مهنا بن يحيى، قال: «سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم محرم»، فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد [على] الأنصاري» (^٢).\nونقل الأثرم عن أحمد سبب خطأ الأنصاري، قال: «سمعت أبا عبدالله ذكر الحديث الذي رواه الأنصاري، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون، عن ابن عباس …، فضعفه، وقال: كانت ذهبت للأنصاري كتب، فكان بعد يحدث من كتب غلامه أبي حكيم -أراه-، قال: فكأن هذا من تلك» (^٣).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٨.\n(^٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٥: ٢٥٢، وما بين المعكوفين زيادة لا بد منها.\n(^٣) «تاريخ بغداد» ٥: ٤١٠.","vol":"1","page":259},{"text":"واستنكره أيضا علي بن المديني، قال يعقوب بن سفيان: «سئل علي بن المديني عن حديث الأنصاري …، قال: ليس من ذاك شيء، إنما أراد حديث حبيب، عن ميمون، عن يزيد بن الأصم: «تزوج النبي - ﷺ - ميمونة محرما»،» (^١).\nوكذا استنكره النسائي، فقال بعد أن أخرجه: «هذا حديث منكر، لا أعلم أحدا رواه عن حبيب غير الأنصاري، ولعله أراد: «أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة» …» (^٢).\nوروى حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» (^٣).\nاستنكره جماعة من النقاد، قال الأثرم: «قلت له -يعني لأبي عبدالله أحمد بن حنبل- الحديث الذي يرويه حفص …، فقال: ما أدري ما ذاك -كالمنكر له- ما سمعت هذا إلا من ابن أبي شيبة، عن حفص، قال لي أبو عبدالله: ما سمعته\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ٣: ٧، و«تاريخ بغداد» ٥: ٤١٠، وقوله: «تزوج النبي - ﷺ - ميمونة محرما» كذا ورد في جواب ابن المديني، والمشهور بهذا الإسناد أنه - ﷺ - تزوجها وهو حلال، وقد قيل فيه عن يزيد، عن ميمونة نفسها، انظر: «صحيح مسلم» حديث (١٤١٠)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٤٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٣٢)، (٤٥٠٥)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٣١.\n(^٢) «السنن الكبرى»، حديث (٣٢٣١)، والحديث أخرجه أيضا الترمذي حديث (٧٧٦)، وأحمد ١: ٣١٥، غير أنه عند الترمذي: «احتجم وهو صائم»، وعند أحمد: «احتجم وهو محرم».\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (١٨٨٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٣٠١)، و«مسند أحمد» ٢: ١٠٨، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٢٠٥، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٧٣، و«صحيح ابن حبان» حديث (٥٣٢٢)، (٥٣٢٥)، و«تاريخ بغداد» ٨: ١٩٥.","vol":"1","page":260},{"text":"من غير ابن أبي شيبة؟ قلت له: ما أعلم أني سمعته من غيره، وما أدري رواه غيره أم لا، ثم سمعته أنا بعد من غير واحد عن حفص، قال أبو عبدالله: أما أنا فلم أسمعه إلا منه، ثم قال: إنما هو حديث يزيد بن عطارد» (^١).\nوقال ابن معين: «لم يحدث به أحد إلا حفص، وما أراه إلا وهم فيه، وأراه سمع حديث عمران بن حدير، فغلط بهذا» (^٢).\nوقال ابن المديني: «نعس حفص نَعْسَة -يعني حين روى حديث عبيدالله بن عمر- وإنما هو حديث أبي البزري»، قال أبو داود بعد أن روى هذا: «كان حفص بأخرة دخله نسيان، وكان يحفظ» (^٣).\nونقل الترمذي عن البخاري قوله فيه: «هذا حديث فيه نظر»، ثم قال الترمذي: «لا يعرف عن عبيدالله إلا من وجه رواية حفص، وإنما يعرف من حديث عمران بن حدير، عن أبي البزري، عن ابن عمر، وأبو البزري اسمه يزيد بن عطارد» (^٤).\nوقال أبو زرعة حين سئل عنه معللا له: «رواه حفص وحده» (^٥).\nوقال أبو حاتم: «إنما هو حفص، عن محمد بن عبيدالله العرزمي، وهذا\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ٨: ١٩٥.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ٨: ١٩٥.\n(^٣) «سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٣٣٧.\n(^٤) «العلل الكبير» ٢: ٧٩٢.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٠، و«تاريخ بغداد» ٨: ١٩٥.","vol":"1","page":261},{"text":"حديث لا أصل له بهذا الإسناد» (^١).\nفتلخص من كلام النقاد أن حفصا غلط حين روى هذا المتن عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وإنما يروى هذا المتن من طريق عمران بن حدير، عن يزيد بن عطارد أبي البزري السدوسي، عن ابن عمر (^٢)، وأشار أبو حاتم إلى أنه عند حفص بإسناد آخر، فهو عنده عن محمد بن عبيدالله العرزمي، وهو يروي عن نافع، لكنه متروك الحديث، فلعل حفصا لما حدث به من حفظه أبدله بعبيدالله بن عمر.\nوروى شبابة بن سَوَّار، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر: «أن النبي - ﷺ - نهى عن الدباء والمزفت» (^٣).\nواستنكره على شبابة جماعة من النقاد، وأن شعبة إنما روى بهذا الإسناد حديث: «الحج عرفة» (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٩.\n(^٢) أخرجه أحمد ٢: ١٢، ٢٤، ٢٩، والطيالسي حديث (١٩٠٤)، وابن أبي شيبة ٨: ٢٠٥، والدارمي حديث (٢١٣١)، وابن الجارود حديث (٨٦٧)، وابن حبان حديث (٥٢٤٣).\n(^٣) «سنن الترمذي» ٥: ٧٦١، و«سنن النسائي» حديث (٥٦٤٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٤٠٤)، و«تاريخ بغداد» ٩: ٢٩٦.\n(^٤) أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٤١٨٠)، وأحمد ٤: ٣٠٩، ٣١٠، والطيالسي حديث (٣٠٩)، (١٣١٠)، والدارمي حديث (١٨٨٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٥: ٢٤٣، والطحاوي ٢: ٢٠٩، وفي «شرح مشكل الآثار» حديث (٣٣٦٩)، والدارقطني ٢: ٢٤٠، والحاكم ٢: ٢٧٨، والبيهقي ٥: ١٧٣، من طرق كثيرة عن شعبة.\nوأخرجه أبو داود حديث (١٩٤٩)، والترمذي حديث (٨٨٩ - ٨٩٠)، (٢٩٧٥)، والنسائي حديث (٣٠١٦)، (٣٠٤٤)، وفي «الكبرى» حديث (٤٠١٢)، (٤٠٥٠)، وابن ماجه عقب حديث (٣٠١٥)، وأحمد ٤: ٣٠٩، ٣٣٥، من طريق سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء.","vol":"1","page":262},{"text":"قال الأثرم: «قلت لأبي عبدالله: روى -أي شبابة- عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء، فقال: هذا إنما روي عن شعبة بهذا الإسناد حديث الحج» (^١).\nوقال أيضا: «قلت لأبي عبدالله: حديث شبابة الذي يرويه عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر، قال: ما أدري، أخبرك، ما سمعته من أحد -يعني أن النبي - ﷺ - نهى عن الدباء والمزفت-» (^٢).\nوقال البخاري: «روى شبابة، عن شعبة، عن بكير، عن ابن يعمر: نهى النبي - ﷺ -، في الجَرّ، ولم يصح» (^٣).\nوقال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، لم يروه غير شبابة، ولا يعرف له أصل» (^٤).\nوقال ابن عدي بعد أن ذكره مع حديثين آخرين أنكرا على شبابة أيضا، وكلاهما من روايته عن شعبة: «والذي أنكر عليه الخطأ، لعله حدث به حفظا» (^٥).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ٩: ٢٩٧.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ٩: ٢٩٦.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ٢: ١١١.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٧.\n(^٥) «الكامل» ٤: ١٣٦٥.","vol":"1","page":263},{"text":"هذا مع أن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، وقد روى عنه مع الجماعة حديث الحج، ولهذا دافع عنه ابن المديني بأن من سمع من رجل ألفا، وألفين، لا ينكر منه أن يجيء بحديث غريب (^١).\nوروى سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -: «نعم الإدام الخل»، و«بيت لا تمر فيه جياع أهله».\nسئل عنهما أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر بهذا الإسناد» (^٢).\nوقال ابن رجب: «ذكرنا أن كثيرا من الحفاظ استنكروه (يعني الحديث الأول) على سليمان بن بلال، منهم أحمد، وأبو حاتم، وأحمد بن صالح، وغيرهم، وكذلك قال جماعة منهم في حديث: «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، بهذا الإسناد» (^٣).\nوقال المروذي: «وذكرت له (يعني لأحمد) حديث الحسين الجعفي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر: «أسلم سالمها الله»، فأنكره إنكارا شديدا، وقال: هذا عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، انظر الوهم من قبل من هو؟» (^٤).\nوقال الميموني: «سمعته (يعني أحمد) وذكر عبدالوارث، فقال: كان أسن\n_________\n(^١) «الكامل» ٤: ١٣٦٥، و«تاريخ بغداد» ٩: ٢٩٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٩٣.\n(^٣) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٥١، والحديث الأول له علة تقدم ذكرها في المبحث الخامس من الفصل الرابع، من الباب الأول، حيث ذكرت هناك كلام أحمد بن صالح على الحديثين.\n(^٤) «علل المروذي» ص ١٤٨.","vol":"1","page":264},{"text":"من إسماعيل بن علية بسنتين، وقد سمع من غير واحد لم يسمع منه إسماعيل، ثم ذكر ضبط عبدالوارث، وأنه كان صاحب نحو، ثم قال: وقد غلط في غير شيء، ثم قال: روى عن أيوب أحاديث لم يروها أحد من أصحابه -وهو عنده مع هذا ثبت ضابط-» (^١).\nوقال أبو زرعة الدمشقي: «سألت أحمد بن حنبل عن حديث أنس بن مالك: «دخل رسول الله - ﷺ - مكة، وعبدالله بن رواحة آخذ بغرزه …»، قال: لو قلت إنه باطل، ورده ردا شديدا»، ثم رواه أبو زرعة، عن أحمد بن شبويه، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (^٢).\nوقال الآجري: «سألت أبا داود عن حديث ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: «كان رسول الله - ﷺ - يقف قبل القراءة هنية، فيسأل الله من فضله» - قال: منكر جدا، من رواه؟ قلت: حدثونا بهذا من حديث الوليد بن مسلم، قال: كل منكر يجيء عن الوليد بن مسلم إذا حدث عن الغرباء، يخطئ، قال: وحدث عن حماد بن سلمة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «نزع رسول الله - ﷺ - بهذه الآية ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾» قال: هذا باطل، ما جاء به إلا الوليد بن مسلم …» (^٣).\nوروى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن عاصم بن أبي النجود، عن\n_________\n(^١) «علل المروذي» ص ٢٢٢.\n(^٢) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٥.\n(^٣) «سؤالات الآجري» ٢: ١٨٧، وفيه حديثان آخران مما استنكره أبو داود على الوليد بن مسلم.","vol":"1","page":265},{"text":"أبي وائل، عن حذيفة قال: قال عمر: «أيكم يحفظ ما قال رسول الله - ﷺ - في الفتنة …» الحديث.\nاستنكره أبو زرعة، وأبو حاتم، على أبي داود الطيالسي، فلا يعرف من حديث شعبة، وإنما يعرف من حديث حماد بن سلمة، عن عاصم، وممن رواه عنه أبو داود الطيالسي (^١).\nوقال أبو زرعة: «كنت سمعت رجاء الحافظ حين قدم علينا فحدثنا عن علي بن المديني، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «نهى النبي - ﷺ - أن يطرق الرجل أهله ليلا»، فأنكرته، ولم أكن دخلت البصرة بعد، فلما التقيت مع علي سألته، فقال: من حدث بهذا عني مجنون، ما حدثت بهذا قط، وما سمعت هذا من معاذ بن هشام قط» (^٢).\nوروى طلق بن غنام، عن شريك، وقيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (^٣).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢٢٥٨)، و«مسند الطيالسي» حديث (٤٠٨)، و«مسند البزار» حديث (٢٨٩٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٠٧، و«معجم الإسماعيلي» حديث (٣٩٥)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٨٣٥).\n(^٢) «أسئلة البرذعي» ص ٣٨٨.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٣٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٢٦٤)، و«سنن الدارمي» حديث (٢٦٠٠)، و«التاريخ الكبير» ٤: ٣٦٠، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٨٣١ - ١٨٣٢)، و«المعجم الأوسط» حديث (٣٥٩٥)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٣٥، و«المستدرك» ٢: ٤٦، و«سنن البيهقي» ١٠: ٢٧١، و«فوائد تمام» حديث (٧٠٧)، و«ذكر أخبار أصبهان» ١: ٢٦٩.","vol":"1","page":266},{"text":"قال ابن أبي حاتم: «سمعت أبي يقول: طلق بن غنام هو ابن عم حفص بن غياث، وهو كاتب حفص بن غياث، روى حديثا منكرا، عن شريك، وقيس …، قال أبي: ولم يرو هذا الحديث غيره» (^١).\nوروى محمد بن حرب الأبرش، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس من البر الصيام في السفر» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر» (^٣)، وقال مرة: «لم يروه غير محمد بن حرب» (^٤).\nوأخرج النسائي عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﵌، أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج»، ثم قال النسائي: «هذا حديث معضل، لا أعلم رواه غير مكي، وهو لا بأس به،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٧٥.\n(^٢) «سنن ابن ماجه» حديث (١٦٦٥)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٦٣، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٥٤٨)، و«المعجم الكبير» حديث (١٣٣٨٧)، (١٣٤٠٣)، و«المعجم الأوسط» حديث (٦٢٩٣)، (٧٩٦١).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٧.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٢.","vol":"1","page":267},{"text":"لا أدري من أين أتي؟» (^١).\nفي أشياء كثيرة جدا من هذا القبيل، سيأتي شيء منها في الفصول اللاحقة من هذا الباب.\nوقد يعترض على ما تقدم، بأن توقفهم في تفرد الراوي إذا كان ثقة أو في حكمه يحتمل أن يكون ذلك مع المخالفة، فيخالف الراوي غيره ممن هو أوثق منه، أو يخالف جماعة، فيصل مرسلا، أو يرفع موقوفا، ونحو ذلك.\nوالجواب: أن استنكار حديث الراوي ورده بسبب المخالفة كثير جدا أيضا، لكن ليس هو المقصود هنا، فهذا له شأن آخر، سيأتي تفصيل الكلام فيه في الباب الثالث.\nوأما المقصود هنا فهو تفرد الراوي في الرواية عن شيخه دون مخالفته لغيره، فلم يصل مرسلا، أو يرفع موقوفا، أو يبدل راو بآخر، بل تفرد بالإسناد أصلا، والأمثلة التي سقتها كلها بهذه المثابة، حسب ما يظهر من كلام النقاد.\nوههنا أمر آخر، وهو أن هذا الاعتراض مبني على أن الراوي إذا خالف فرفع حديثا وقفه غيره، أو وصل مرسلا، أو أبدل راويا بآخر، ونحو ذلك، أعظم مما إذا تفرد بإسناد شذ فيه، وحكم عليه بالخطأ، لأن الأول ظهر غلطه، والآخر أمره محتمل.\n_________\n(^١) «تذكرة الحفاظ» ١: ٣٦١، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٧٦، وقد وقع آخر النص في المصدر الثاني محرفا، وعزياه جميعا إلى «عمل اليوم والليلة» للنسائي، ولم أجده فيه.","vol":"1","page":268},{"text":"والواقع أن الأمر عند أئمة النقد في الجملة بخلاف ذلك، فتفرد الراوي بشيء يستنكر عليه أعظم عندهم من روايته لشيء يخالفه غيره فيه، ويتبين غلطه، وذلك لأن من أخطأ على شيخه فرفع موقوفا، أو وصل مرسلا، قد تابعه في أصل الحديث غيره، إما واحد أو أكثر، وهذه تسمى متابعة، ومخالفته له بعد ذلك في بعض الحديث إسنادا أو متنا شأن آخر، فقد وجدت المتابعة في أصل الحديث، وأما من تفرد بجملة الإسناد عن الشيخ، وقد غلط في ذلك، فلم يتابع مطلقا.\nثم إن القول بأنه لم يخالف غير دقيق، فهو قد خالف غيره ممن ترك رواية هذا الذي تفرد به، فهي إذن مخالفة بالترك، وهي عندهم أشد من المخالفة بالفعل، إذا تبين غلطها.\nومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود قال: «سمعت أحمد يقول: عند أبي داود، عن هشام -يعني الدستوائي- حديث منكر، عن قتادة، عن أنس قال: «كان أصحاب النبي - ﷺ - يحتجمون: سبع عشرة، وتسع عشرة، وإحدى وعشرين»، قلت له: حدثنا به مسلم، عن هشام -أعني عن قتادة- مرسلا، فأعجبه، وقال: كان عند فلان -سماه أبو عبدالله- عن علي بن المبارك، عن قتادة مرسلا» (^١).\nفأحمد استنكر الحديث على أبي داود الطيالسي في روايته له عن هشام الدستوائي، فإنه لم يكن سمعه من أحد عن هشام، فلما أبلغه أبو داود أنه سمعه من مسلم بن إبراهيم، عن هشام مرسلا فرح به وأعجبه، إذ قد توبع أبو داود\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٣٩٧.","vol":"1","page":269},{"text":"الطيالسي، غاية ما فيه أنه غلط فوصله بذكر أنس، ثم ذكر أحمد ما يؤيد رواية مسلم، عن هشام، وهو أن علي بن المبارك قد رواه عن قتادة أيضا مرسلا.\nوقال أبو داود أيضا: «سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث علي بن عاصم، عن ابن سوقة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ -: «من عزى مصابا فله مثل أجره»، فقيل لأحمد: رواه غير علي بن عاصم؟ قال: لا نعلمه رواه غيره، قلت: ولا يوقف، قال: لا يرويه غيره، قيل له: محمد بن الفضل بن عطية، فلم يعبأ به» (^١).\nونحو هذا جاء عن يعقوب بن شيبة، قال عن الحديث: «حديث كوفي منكر، يرون أنه لا أصل له مسندا ولا موقوفا …، ولا نعلم أحدا أسنده ولا وقفه غير علي بن عاصم، وقد رواه أبو بكر النهشلي -وهو صدوق ضعيف الحديث- رواه عن محمد بن سوقة فلم يجاوز به محمدا إلى أحد فوقه، وقال: يرفع الحديث، وهذا الحديث من أعظم ما أنكره الناس على علي بن عاصم، وتكلموا فيه، مع ما أنكر عليه سواه» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن يحيى بن كثير …، عن عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، عن\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤١٠، وانظر مثالا آخر لأحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٠٣، و«مسائل أبي داود» ص ٤١٦، و«مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢١٦، ويحتمل أن يكون الكلام في هذ المثال ليحيى القطان.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ١١: ٤٥٣.","vol":"1","page":270},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «توضئوا من لحوم الإبل، ولا توضئوا من لحوم الغنم».\nسمعت أبي يقول: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده، فوجدت له أصلا، حدثنا ابن المصفى، عن بقية، قال: حدثني فلان -سماه-، عن عطاء بن السائب، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nقال: وحدثني عبيدالله بن سعد الزهري، قال: حدثنا عمي يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثني عطاء بن السائب الثقفي، أنه سمع محارب بن دثار يذكر عن ابن عمر نحو هذا، ولم يرفعه.\nقال أبي: حديث ابن إسحاق أشبه، موقوفا» (^١).\nوالشاهد هنا أن أبا حاتم أخرج الحديث عن حد التفرد والنكارة المطلقة بهذه المتابعات، ومنها -وهو الراجح عنده- ما يعل الحديث، وأنه موقوف على ابن عمر.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن ابن أبي خداش، سمع ابن عباس، عن النبي - ﷺ - في المماليك: «ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون …» الحديث.\nقال أبي: لم أجد هذا الحديث عند الحميدي في «مسنده»، ولا عند علي بن\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨، وبقية بن الوليد قد اختلف عليه في تسمية شيخه، انظر الحديث بطرقه في: «سنن ابن ماجه» حديث (٤٩٧)، و«الأوسط» لابن المنذر ١: ١٣٩، و«تاريخ جرجان» ص ٤٧٧.","vol":"1","page":271},{"text":"المديني، فإن كان محفوظا فهو غريب، قلت: على ما يصنع؟ قال: لعله أن يكون عندهما موقوفا» (^١).\nويلحظ في السؤال والجواب أن أبا حاتم متوقف في رواية ابن أبي عمر، مستنكر لها، وكان يبحث عن متابع له يرفع الغرابة عن روايته، ويقصر النكارة على رفع الحديث فقط.\nويظهر أنه حال إجابته عن هذا السؤال هنا لم يقف عليه موقوفا، وقد سئل عنه مرة أخرى فذكر أنه وقف عليه، لكنه لم يسم راوي الموقوف عن ابن عيينة، وفي الجواب الثاني يوضح أبو حاتم سبب استنكار المرفوع.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن أبي عمر العدني …، قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند الحميدي، ولا عند علي بن المديني، ولم نجده عند أحد من أصحاب ابن عيينة، ولم أزل أفتش عن هذا الحديث، وهمني جدا، حتى رأيت في موضع: عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس موقوفا، فقلت: إن رفعه ليس له معنى، والصحيح موقوف.\nوقد كان روى ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي خداش، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «نعم المقبرة هذه -يعني مقبرة مكة- …»، فلم يعرف بذلك الإسناد إلا هذا وحده، حتى كتبت عن ابن أبي عمر ذاك الحديث» (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٠٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٧٠. والحديث الموقوف على ابن عباس رواه الشافعي، وعلي بن\n\nالمديني، عن ابن عيينة، انظر: «مسند الشافعي» حديث (٢١٦)، و«تاريخ ابن أبي خيثمة» (١٠٢١)، و«سنن البيهقي» ٨: ٨.","vol":"1","page":272},{"text":"وفي أجوبة كثيرة لأبي حاتم يظهر منها أن الغرابة عنده تزول بالمتابع وإن كان مخالفا كاشفا لعلة في الإسناد (^١)، وجاء هذا عن غيره أيضا، والظاهر أن المراد زوال الغرابة المطلقة (^٢).\nوروى نافع بن يزيد الكلاعي، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة …» الحديث بطوله (^٣).\nقال الطحاوي بعد أن رواه من طرق عن نافع بن يزيد: «فسألت أنا إبراهيم بن أبي داود عن هذا الحديث، وقلت له: هل رواه عن عقيل غير نافع بن يزيد؟ قال: نعم، حدثنا نعيم بن حماد، قال: حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيه أنس بن مالك».\nونلحظ في السؤال حرص الطحاوي على رفع تفرد نافع بن يزيد، وقد\n_________\n(^١) ينظر: «علل ابن أبي حاتم»: المسائل: (٨٤)، (٩٠٤)، (١٢٣٣ - ١٢٣٤)، (١٢٨٧)، (١٨٥٠ - ١٨٥١)، (١٩٤٦)، (٢٢٠٥).\n(^٢) ينظر: «الكامل» ٤: ١٣٤٣، و«تاريخ بغداد» ١٣: ٣٢٠ - ٣٢١.\n(^٣) «مسند البزار» حديث (٢٣٥٧)، و«تفسير ابن جرير» ٢٣: ١٦٧، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤٥٩٣ - ٤٥٩٦)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٦١٧)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٨٩٨)، و«المستدرك» ٢: ١٨١، و«حلية الأولياء» ٣: ٣٧٤.","vol":"1","page":273},{"text":"وثقه أحمد بن صالح المصري وغيره، لكن قال أبو حاتم: «لا بأس به»، وقال النسائي: «ليس به بأس»، وقد تفرد بهذا الحديث عن عقيل، والحديث خبر عمن تقدم، وفي سياقه غرابة، فيحتاج نافع بن يزيد إلى متابع، ولهذا قال ابن كثير بعد أن أورده موصولا: «وهذا غريب رفعه جدا، والأشبه أن يكون موقوفا» (^١).\nوهو كما قال ابن كثير، غريب جدا، وكأنه لم يقف عليه مرسلا، فأبدى احتمال أن تكون علته الوقف.\nوفي الجواب ما يدل على أن المتابع المخالف يحتاج إليه لرفع التفرد، وإن كان فيه مخالفة، ولهذا قال إبراهيم في الجواب: «نعم»، ويونس بن يزيد قد تابع نافع بن يزيد، وهو فوقه في الرتبة، خاصة في عقيل، والقول قوله في إرسال الحديث، فصار هذا المرسل أقوى من الإسناد المتصل الذي تفرد به نافع بن يزيد، فهو علة له، وجابر له، علة له من جهة أن الراجح إرساله، وجابر له من جهة رفع التفرد عن أصل الحديث.\nوقد سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عن حديث رواه بقية بن الوليد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: «أنه لم ير بالقزِّ والحرير للنساء بأسا»، فقال أبو زرعة: «هذا حديث منكر»، فسأله ابن أبي حاتم إن كان يعرف له علة، فأجاب بالنفي.\nفمثل هذا الحديث لا يظن باحث أن عدم وجود العلة له خفف من ضفعه،\n_________\n(^١) «البداية والنهاية» ١: ٥١١.","vol":"1","page":274},{"text":"بل زاده ضعفا، فصار منكرا عن جميع من يحتمل أن يكون صدر منه، ولو كان له علة، لكان من قول ابن عمر مثلا، أو من قول نافع، أو من مراسيله، أو من مراسيل عبيدالله بن عمر، أما الآن فهو منكر بإطلاق، شديد الضعف.\nوهكذا يقال في الحكم على الرواة، ف<span data-type='title' id=toc-150>إذا كان الراوي يخالف في بعض ما يرويه الثقات، أو يختلف عليه، فأمره أخف من كونه يروي شيئا منكرا لا يرويه غيره</span>.\nقال ابن أبي حاتم: «سئل أبو زرعة عن عاصم بن عبيدالله، فقال: قال لي محمد بن عبدالله بن نمير: عاصم بن عبيدالله أحب إليك أم ابن عقيل؟ فقلت: ابن عقيل يختلف عليه في الأسانيد، وعاصم منكر الحديث في الأصل، وهو مضطرب الحديث» (^١).\nوأما الاتجاه الثاني الذي يسير فيه كلام النقاد، وتصرفاتهم، فهو أنه قد اشتهر عنهم الاهتمام بالغرائب، وكتابتها، قال عبدالله بن أحمد: «سألت أبي عن محمد بن الحسن الواسطي الذي يقال له: المزني، قال: ليس به بأس …، وقد حدثتكم عنه، كتبت عنه عن إسماعيل -يعني ابن أبي خالد- أحاديث غرائب، كتبت عنه أول سنة انحدرت إلى البصرة، ولم ألقه في السنة الثانية، كان قد مات قديما» (^٢).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ٦: ٣٤٨، وانظر أيضا في تخفيف النكارة إذا وقف على علة للحديث: «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ص ٥٦٨ - ٥٦٩، ٥٧٤ - ٥٧٥، و«الكامل» ١: ١٧٥، ٣٤٧، ٣٦٥، ٣: ١١٧٨، ٥: ٢٠٢١.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٩٩.","vol":"1","page":275},{"text":"وقال عبدالله أيضا: «قدمت من الكوفة سنة ثلاثين ومائتين، فعرضت عليه أحاديث أبي بكر بن أبي شيبة، عن شريك، فقال: عند أبي بكر بن أبي شيبة أحاديث حسان غرائب، عن شريك، لو كان ههنا سمعناها منه» (^١).\nوقال حميد بن زنجويه لعلي بن المديني: «إنك تطلب الغرائب، فأت عبدالله بن صالح، واكتب كتاب معاوية بن صالح، تستفد مئتي حديث» (^٢).\nوسأل ابن أبي حاتم أبا زرعة الرازي، عن معاوية بن عبدالله الزبيري، فقال: «لا بأس به، كتبنا عنه بالبصرة، أخرج إلينا جزءا عن عائشة (يعني عائشة بنت الزبير بن هشام بن عروة)، فانتخبت منه أحاديث غرائب، وتركت المشاهير» (^٣).\nولشدة اهتمام النقاد بهذا النوع من الأحاديث، فقد اشتهر عندهم تخصيص كتاب أو جزء، يجمع فيه الناقد ما يمر به من هذا النوع (^٤).\nوفوق ذلك أن النقاد قد صححوا من الأحاديث الغريبة غرابة مطلقة أو نسبية شيئا كثيرا، وفي «الصحيحين» من ذلك قدر كبير، وقد جمع الضياء\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٥٠.\n(^٢) «الكامل» ٦: ٢٤٠٠.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨، وانظر مثالا آخر لأبي زرعة مع أحمد في: «الجرح والتعديل» ١: ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٤) ينظر في مظاهر احتفاء الأئمة بالغرائب وكتابتها، مقدمة التحقيق لـ «نسخة يحيى بن معين» لعصام السناني ص ١٨٩ - ٢٣٦.","vol":"1","page":276},{"text":"المقدسي ما فيهما من الغرائب المطلقة فبلغ بها مئتي حديث (^١)، فضلا عن الغرائب النسبية.\nوهذان الاتجاهان في موقف النقاد من التفرد لا يتعارضان، فالنهي عن كتابة الغرائب إنما ذلك ما يأتي عن الضعفاء، ومن دونهم، قال أبو زرعة، وقد سأله البرذعي، عن هيصم بن شداخ -وقد اتهمه أبو زرعة- هل يخرج حديث وأمثاله في «الفوائد»، وذكر له بعض ما يرويه عن الأعمش، فقال أبو زرعة: «يخرج مثل ابن إسحاق، مثل الحكم بن عبدالملك، أما حديث باطل مثل هذا: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله …» (^٢).\nوالأمر كما قال الخطيب: «والغرائب التي كره العلماء الاشتغال بها، وقطع الأوقات في طلبها، إنما هي ما حكم أهل المعرفة ببطوله، لكون رواته ممن يضع الحديث، أو يدعي السماع، فأما ما استغرب لتفرد راويه به، وهو من أهل الصدق والأمانة، فذلك يلزم كتبه، ويجب سماعه وحفظه» (^٣).\nو<span data-type='title' id=toc-153>كتابة النقاد لأحاديث غرائب عمن يجوزون الكتابة عنه لا يعني صحة تلك الأحاديث</span>، فالناقد حين الكتابة يغلب عليه كونه راويا، لا يلزم أن يكون ما كتبه كله صوابا عنده، فقد يكون يراه صوابا، وقد يكون يراه خطأ، أو يتبين له\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ١: ٣٦٨.\n(^٢) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٠٢.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٦٠.","vol":"1","page":277},{"text":"ذلك فيما بعد، وقد يكون من طريقة بعضهم الكتابة عن الكل، ثم التمييز حين النقد والرواية، كما تقدم شرحه في «الجرح والتعديل» (^١).\nفمن المهم جدا معرفته أن الناقد قد يكتب حديثا غريبا، وقد يظهر مع ذلك فرحه به واستحسانه له، لكونه ليس عنده قبل أن يقف عليه، وهو مع ذلك يستنكره ويراه خطأ، وما يفعله بعض الباحثين من التعويل على ذلك في تقوية الحديث ليس بجيد.\nروى جماعة كثيرون عن أبي نوح عبدالرحمن بن غزوان المعروف بقراد، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، قصة خروج النبي - ﷺ - مع عمه أبي طالب إلى الشام، وفيه طول، وألفاظ منكرة (^٢).\nقال عباس الدوري بعد أن رواه عن قراد: «ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد أبي نوح، وسمع هذا الحديث أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، -قال-: وإنما سمعاه من قراد لأنه من الغرائب والأفراد التي تفرد بروايتها عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه» (^٣).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٢٤٥ - ٢٤٧.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣٦٢٠)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١١: ٤٧٩ حديث (١١٧٨٢)، و«المستدرك» ٢: ٦١٥، و«دلائل النبوة» لأبي نعيم حديث (١٠)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم حديث (١٢٥٩).\n(^٣) «فوائد حديثية» لابن القيم ص ٣٢ - ٣٣، ونحوه في «البداية والنهاية» لابن كثير ٣: ٤٤٠، ومقولة الدوري أخرجها البيهقي في «دلائل النبوة» ٢: ٢٦، والخطيب في «تاريخ بغداد»\n\n١٠: ٢٥٣، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣: ٥، دون قوله: «وإنما سمعاه …».","vol":"1","page":278},{"text":"والتقى أحمد بن حنبل، أحمد بن صالح المصري، فجرت بينهما قصة شهدها أبو بكر بن زنجويه، قال: «… فقام إليه، ورَحَّب به، وقرَّبه، وقال له (القائل أحمد بن حنبل): بلغني أنك جمعت حديث الزهري، فتعال حتى نذكر ما روى الزهري، عن أصحاب رسول الله - ﷺ -، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر، حتى فرغا، فما رأيت أحسن من مذاكرتهما، ثم قال أحمد بن حنبل: تعال حتى نذكر ما روى الزهري عن أولاد الصحابة، فجعلا يتذاكران، ولا يغرب أحدهما على الآخر.\nإلى أن قال أحمد بن حنبل لأحمد بن صالح: عند الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف: قال النبي - ﷺ -: «ما يسرني أن لي حمر النعم، وأن لي حلف المطيبين»، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد بن حنبل يبتسم، ويقول: رواه عن الزهري رجل مقبول -أو صالح-: عبدالرحمن بن إسحاق، فقال: من رواه عن عبدالرحمن؟ فقال: حدثنا رجلان ثقتان: إسماعيل بن علية، وبشر بن المفضل، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: سألتك بالله إلا أمليته علي، فقال أحمد: من الكتاب، فقام ودخل وأخرج الكتاب وأملى عليه، فقال أحمد بن صالح لأحمد بن حنبل: لو لم أستفد بالعراق إلا هذا الحديث كان كثيرا، ثم ودعه وخرج» (^١).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ٤: ١٩٦، و«سير أعلام النبلاء» ١٢: ١٦٩.","vol":"1","page":279},{"text":"فهذا الحديث كتبه أحمد بن حنبل، ويذاكر به، ويرويه، مع أنه يراه منكرا، إذ استنكره على عبدالرحمن بن إسحاق، قال المروذي: «قلت لأبي عبدالله: فعبدالرحمن بن إسحاق كيف هو؟ قال: أما ما كتبنا من حديثه، فقد حدث عن الزهري بأحاديث -كأنه تفرد بها-، ثم ذكر حديث محمد بن جبير في الحلف، حلف المطيبين، فأنكره أبو عبدالله، وقال: ما رواه غيره» (^١).\nوروى محمد بن عثمان بن صفوان المكي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال النبي - ﷺ -: «ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته» (^٢).\nقال أبو داود: «قلت لأحمد: هشام بن عروة …، قال: هذا كتبته عن شيخ كان بمكة، يقال له: محمد بن عثمان بن صفوان، قلت لأحمد: كيف حديثه؟ قال: هو حديث منكر» (^٣).\nفهذا الحديث كتبه أحمد، وكان أيضا يفسر معناه، وأن المراد به الرجل يأخذ الصدقة -وهي الزكاة- وهو موسر أو غني، إنما هي للفقراء (^٤)، وأحمد يراه حديثا منكرا.\nوروى عبدالله بن عمران الرازي، عن يحيى بن الضريس، عن عكرمة بن\n_________\n(^١) «علل المروذي» ص ٦٤، والحديث أخرجه أحمد ١: ١٩٠.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (٢٣٧)، و«كشف الأستار» حديث (٨٨١).\n(^٣) «مسائل أبي داود» ص ٣٩٨.\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٠٤.","vol":"1","page":280},{"text":"عمار، عن الهرماس قال: «سمعت النبي - ﷺ - يلبي بهما جميعا: لبيك بحجة وعمرة» (^١).\nقال أبو حاتم: «ذكرته لأحمد بن حنبل، فأنكره»، ثم قال أبو حاتم: «أرى دخل لعبدالله بن عمران حديث في حديث» (^٢).\nفهذا الحديث أنكره أحمد، وهو قد كتبه عن عبدالله بن عمران (^٣).\nوكذلك الحال بالنسبة لرواية الأفراد والغرائب، قد يحدث الناقد بشيء منها إذا كان عن الثقات ومن في حكمهم، وأما المناكير عن الضعفاء ومن دونهم فالغالب أن الناقد لا يحدث بشيء منها، ولهذا نجد في النصوص عنهم امتناعهم عن التحديث بذلك، وأمرهم بأن يضرب على الحديث.\nومن ذلك قول البرذعي: «كان في كتابنا عن أبي زرعة، عن عبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة، عن ابن أبي فديك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: «إذا قرب إلى أحدكم الحلواء فليأكل منها ولا يردها»، وعنه، عن ابن أبي فديك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان أحب اللحم إلى رسول الله - ﷺ - الذراع»، فسألت أبا زرعة عنهما،\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٤٨٥، و«الآحاد والمثاني» حديث (١٢٥٤)، و«المعجم الكبير» ٢٢: ٢٠٣ حديث (٥٣٤)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٣٢٧)، و«إتحاف المهرة» ١٣: ٦١٩.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٢.\n(^٣) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ص ٣٤٨.","vol":"1","page":281},{"text":"فأمرني أن أضرب عليهما، ولم يقرأهما» (^١).\nوعبدالرحمن بن عبدالملك هذا قال فيه أبو زرعة: «لم يكن بين تحديث عبدالرحمن بن عبدالملك بن شيبة وبين موته كثير شيء، اختلفت إلى بيته عشرين ليلة أنظر في كتبه» (^٢).\nوقال أبو حاتم فيه: «يختلف إلى عبدالعزيز الأويسي وهو شاب يكتب عنه، فرآه أبو زرعة هناك، فذاكر أبا زرعة بأحاديث غرائب لم تكن عنده، فسأله أن يحدثه، فصار إليه، ونظر في كتبه» (^٣).\nومما يتنبه له هنا أن إدخال الناقد الحديث في مصنف له ينطبق عليه قاعدة روايته للحديث، فلا يلزم من إدخاله له رضاه عنه، ولا قبوله، ومن نظر في الجزء المطبوع من «منتخب علل الخلال»، وما فيه من الأحاديث التي ضعفها أحمد، وهي في «مسنده»، أدرك ذلك بسهولة، وقد قال ابن القيم في بحث له حول هذه المسألة: «والإمام أحمد لم يشترط في «مسنده» الصحيح، ولا التزمه، وفي «مسنده» عدة أحاديث سئل هو عنها، فضعفها بعينها، وأنكرها»، ثم ذكر أمثلة، وقال بعدها: «وهذا باب واسع جدا، لو تتبعناه لجاء كتابا كبيرا» (^٤).\n_________\n(^١) «أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٤٠٠.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ٥: ٢٥٩.\n(^٣) «الجرح والتعديل» ٥: ٢٥٩.\n(^٤) «الفروسية» ص ١٨٨ - ٢٠١.","vol":"1","page":282},{"text":"وربما كان غرض المؤلف من كتابه -أو أحد أغراضه- جمع هذه الأفراد والغرائب، وإن كان يستنكرها، كما يفعل البزار في «مسنده».\nومن أمثلة ذلك عنده قوله في زائدة بن أبي الرقاد: «منكر الحديث»، وضعفه مرة، وقال مرة: «ليس به بأس، حدث عنه جماعة من أهل البصرة، وإنما كتبنا من حديثه ما لم نجده عند غيره»، وقال أيضا: «لا نكتب من حديثه إلا ما ليس عند غيره»، وقال أيضا: «إنما ينكر من حديثه ما يتفرد به» (^١).\nوالخلاصة أن الناقد بعد أن يبلغه حديث تفرد به راو ثقة يحكم عليه بما يؤدي إليه اجتهاده، فقد يراه صحيحا غريبا، وقد يراه منكرا، ولا علاقة بين كتابة الأفراد والغرائب، وروايتها، وبين الحكم عليها.\nوالحكم في التفرد كغيره من مسائل هذا الفن، يخضع لنظر الناقد وما لديه من قرائن وأدلة، وربما وصل فيه إلى ما وصل إليه غيره، لاجتماع قرائن وتعاضدها، وقد يخالف غيره، وسيأتي معنا أمثلة لهذا في الفصل الرابع.\nومن هذا الباب قول يعقوب بن شيبة في قيس بن أبي حازم: «…، وهو متقن الرواية، وقد تكلم أصحابنا فيه، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصح الإسناد، ومنهم من حمل عليه، وقال: له أحاديث مناكير، والذين أطروه حملوا هذه الأحاديث على أنها عندهم غير مناكير، وقالوا:\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (٩٢)، و«كشف الأستار» حديث (٣٤٧)، (٦١٦)، (١٨٩٥)، (٣٠٦٣). ومراد البزار بالكتابة هنا في «المسند».","vol":"1","page":283},{"text":"هي غرائب …» (^١).\nوربما وقع التردد من الناقد الواحد، فقد روى حرمي بن عمارة، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعا: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (^٢)، تفرد به حرمي، عن شعبة، وسئل عنه أحمد مرة فأنكره على حرمي بن عمارة (^٣)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «أرجو أن يكون محفوظا» (^٤).\nوفي رأيي أن موضوع التفرد من أدق قضايا نقد المرويات، فهو مزلة قدم بالنسبة للباحث، يجب عليه فيه أن يكون متوازنا، فإن إهماله ضعف، والإسراف فيه ضعف أيضا، ولا شك أن الباحث بحاجة إلى ما ينير الطريق له حين نظره في التفرد، وسأحاول ذلك في الفصل التالي (ضوابط النظر في التفرد).\n * * *\n_________\n(^١) «تهذيب الكمال» ٢٤: ١٤.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ٢٧٨، ٢٧٩، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٩٠٩)، و«الكامل» ٣: ١٢٩٨، و«الإرشاد» حديث (١٣٧).\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ١: ٢٧٠.\n(^٤) «مسائل أبي داود» ص ٣٤٠.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-157>الفصل الثاني\nضوابط النظر في التفرد</span>","vol":"1","page":285},{"text":"يوجد في كلام النقاد على قضية التفرد إشارات إلى بعض ضوابطه، سواء في الحديث عن القضية بعينها، أو على أحاديث وقع فيها تفرد، فيشير الناقد حين حكمه على الحديث إلى ما يصلح أن يكون ضابطا، يمكن تطبيقه على غيره من الأحاديث.\nومن أول من خص التفرد بالحديث عنه وبيانه مسلم بن الحجاج في مقدمة «صحيحه»، فإنه قال: «حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته.\nفأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم» (^١).\nوما ذكره مسلم من قبول ما يتفرد به من أمعن في موافقة الثقات عن شيخه، مبني على أن الراوي قد لا يستوعب ما عند شيخه، وإذا استوعبه فقد\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» ١: ٧.","vol":"1","page":287},{"text":"لا يحدث به كله، كما في قول أحمد: «عند سعد بن إبراهيم شيء لم يسمعه يعقوب، كتاب عاصم بن محمد العمري» (^١).\nويعقوب هذا أخو سعد بن إبراهيم، وقد أكثرا جميعا عن والدهما إبراهيم بن سعد.\nوسئل أحمد، عن نوح بن يزيد، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، في حديث إبراهيم بن سعد، فقال: «نوح بن يزيد أحب إلي من يعقوب، روى نوح عن إبراهيم شيئا ليس عند يعقوب» (^٢).\nوقال أحمد أيضا: «حدث عبدالرزاق، عن معمر، أحاديث لم يسمعها ابن المبارك، وحدث ابن المبارك أيضا بشيء لم يسمعه عبدالرزاق» (^٣).\nوسأل عبدالله بن أحمد أباه عن حديث للأعمش، فأجابه، ثم قال أحمد: «وقال يحيى بن معين: لم أسمعه من أبي معاوية، وإنما حدثناه أبو معاوية ببغداد، وكان يحيى ربما فاته الشيء» (^٤).\nومن نظر في كلام النقاد على أصحاب الرواة المكثرين، كسعيد بن المسيب، ونافع، وقتادة، والأعمش، وشعبة، وغيرهم، أدرك بسهولة تفاوتهم\n_________\n(^١) «سؤالات أبي داود» ص ٣٧١.\n(^٢) «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢٤٢.\n(^٣) «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ١٩٤.\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٠٢، وانظر مثالا آخر في ٢: ١٠٠ (١٦٩٥).","vol":"1","page":288},{"text":"في مقدار ما يروونه عنهم.\nومن ذلك قول ابن المديني: «لا أعلم في التابعين أحدا أوسع علما من سعيد بن المسيب، روى عنه الزهري، وقتادة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن حرملة بن عمرو الأسلمي، وغيرهم، فإذا كل واحد منهم لا يكاد يروي ما يرويه الآخر، ولا يشبهه، فعلمت أن ذلك لسعة علمه، وكثرة روايته» (^١).\nوقال أيضا في أصحاب الأعمش: «أثبت الناس في الأعمش وأعلمهم به سفيان الثوري، وأروى الناس عنه أبو معاوية، عند أبي معاوية عن الأعمش نحو من ألف وسبعمائة، وكتاب حفص بن غياث صحيح، وعنده عن الأعمش قريب من ألف حديث، وجرير الرازي …، وهو أقل عددا من أبي معاوية، وعند جرير عن الأعمش ما ليس عند أبي معاوية، أربعمئة ونيف وخمسين، ووكيع بن الجراح حسن السماع من الأعمش، عنده نحو من سبعمئة …» (^٢).\nويظهر ذلك أيضا في رواية بعض الأصحاب عن بعض ما فاتهم عن الشيخ، فالليث بن سعد أحد أصحاب الزهري، وهو يروي كثيرا عن عقيل بن خالد، عن الزهري، وعن يونس بن يزيد، عن الزهري، ويونس أيضا أحد أصحاب الزهري المكثرين عنه، وربما روى عن عقيل بن خالد، عن الزهري، وكذلك سفيان بن عيينة، أحد المكثرين عن الزهري، ويروي أيضا عن معمر، عن الزهري.\n_________\n(^١) «تاريخ المقدمي» ص ٢٠٠، وانظر: «سؤالات ابن أبي شيبة» ص ٨٣.\n(^٢) «تاريخ المقدمي» ص ٢٠٤.","vol":"1","page":289},{"text":"وإنما يستنكر بداهة أن يروي الراوي عن شيخ له أصحاب كثيرون ثقات، فينفرد عنهم بشيء، كما قال شعبة لما قيل له: متى يترك حديث الرجل؟ قال: «إذا حَدَّث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون …» (^١).\nوفي هذا السياق يفهم ما يأتي عن النقاد من كلمات في تعليل استنكارهم لبعض الأحاديث، كأن يقول الناقد: أين أصحاب فلان عن هذا الحديث؟ أو لو كان عنده لرواه أصحابه، ونحو ذلك.\nقال صالح بن محمد البغدادي المعروف بجزرة في عبدالرحمن بن أبي الزناد: «قد روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك بسبب روايته كتاب «السبعة» عن أبيه، وقال: أين كنا نحن من هذا؟ !» (^٢).\nوقال الدوري: «سمعت يحيى، وسألته عن حديث حكيم بن جبير، حديث ابن مسعود: «لا تحل الصدقة لمن كان عنده خمسون درهما» يرويه أحد غير حكيم؟ فقال يحيى بن معين: يرويه يحيى بن آدم، عن سفيان، عن زبيد، ولا نعلم أحدا يرويه إلا يحيى بن آدم، وهذا وهم، لو كان هكذا لحدث به الناس جميعا عن سفيان، ولكنه حديث منكر، هذا الكلام قاله يحيى، أو نحوه» (^٣).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ١٦٣، و«المحدث الفاصل» ص ٤١٠، و«الكفاية» ص ١٤٥.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ١٠: ٢٣٠. وكتاب «السبعة» هو في رأي الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وما اختلفوا فيه، وقد نسبه ابن النديم في «الفهرست» ص ٣١٥ إلى عبدالرحمن بن أبي الزناد نفسه.\n(^٣) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٢٣٤.","vol":"1","page":290},{"text":"ثم ينظر في هذا المتفرد، إن أكثر من ذلك سقط هو في نفسه، كما هو حال كثير من الضعفاء والمتروكين، إنما ضعفوا بسبب كثرة المناكير في حديثهم عن أناس مشهورين.\nروى الجوزجاني عن أحمد قوله في فرقد السبخي: «فرقد روى عن مُرَّة منكرات»، ثم عقبه الجوزجاني بقوله: «وصدق أحمد، كوفي، كيف صار عنده عن مُرَّة أحاديث عن أبي بكر الصديق مرفوعة، لم يشركه في شيء منها أحد من أهل الكوفة؟» (^١).\nوقوله: «كوفي» يعني به مُرَّة الطيب، فإنه كوفي، فكيف تفرد بهذا الأحاديث عنه فرقد السبخي، وهو بصري، ولم يروها عن مُرَّة أحد من أهل الكوفة؟ .\nوإن لم تكثر هذه المنكرات في عموم روايات الراوي بقيت هي منكرات، مع تقوية الراوي إما بصفة عامة، أو تقويته في غير شيخه الذي يروي عنه مناكير، وقد تقدم لهذا أمثلة فيما مضى، وتأتي أمثلة أخرى لاحقا.\nومن ذلك أيضا أن جماعة رووا عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعا: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله …» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) «أحوال الرجال» ص ١٧٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٦٧٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٨٢ - ٥٨٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٣٥)، (٢٧٧٢)، و«سنن النسائي» حديث (٧٧٩)، (٧٨٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٨٠)، و«مسند أحمد» ٤: ١١٨، ١٢١، ٥: ٢٧٢.","vol":"1","page":291},{"text":"اشتهر هذا الحديث عن إسماعيل بن رجاء، وعرف به، ورواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، عن أوس بن ضمعج (^١)، فاستنكره النقاد على الحسن بن يزيد، قال أبو حاتم لما سئل عن هذه المتابعة: «إنما رواه الحسن بن يزيد الأصم، عن السدي، وهو شيخ، أين كان الثوري، وشعبة، عن هذا الحديث؟ وأخاف ألا يكون محفوظا» (^٢).\nوكذا استنكره ابن عدي عليه مع أحاديث أخر عن السدي (^٣).\nوروى برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي - ﷺ - يصلي، والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت …» الحديث (^٤).\nسئل عنه أبو حاتم فقال: «لم يرو هذا الحديث أحد عن النبي - ﷺ - غير برد، وهو حديث منكر ليس يحتمل الزهري مثل هذا الحديث، وكان برد يرى القدر» (^٥).\nوبرد هذا وثقه الجمهور، ومنهم من لينه، لكنه ليس من أصحاب الزهري، ولذا قال الجوزجاني بعد كلامه عن أصحاب الزهري المعروفين: «قوم رووا عن\n_________\n(^١) وكان الحسن يسميه: أوس بن ضبعج، وخطأه أحمد في ذلك، انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٨٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٢.\n(^٣) «الكامل» ٢: ٧٣٨.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٩٢٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٠١)، و«سنن النسائي» حديث (١٢٠٥)، و«مسند أحمد» ٦: ٣١، ١٨٣، ٢٣٤.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦٥.","vol":"1","page":292},{"text":"الزهري قليلا، أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (^١).\nوتعرض الذهبي أيضا لبعض الضوابط في تفرد الثقة، وسأنقل كلامه بطوله، ثم أعقب عليه، قال: «مثل يحيى القطان يقال فيه: إمام، وحجة، وثبت، وجهبذ، وثقة ثقة، ثم ثقة حافظ، …، ثم ثقة متقن، ثم ثقة عارف، وحافظ صدوق، ونحو ذلك.\nفهؤلاء الحفاظ الثقات: إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح، وإن كان من الأتباع قيل: صحيح غريب، وإن كان من أصحاب الأتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإمام عنده مئتا ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين، ثلاثة، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به؟ ما علمته، وقد يوجد.\nثم ننتقل إلى اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يطلق عليه أنه ثقة، وهم جمهور رجال (الصحيحين)، فتابعيهم إذا انفرد بالمتن خرج حديثه ذلك في الصحاح.\nوقد يتوقف كثير من النقاد في إطلاق الغرابة مع الصحة في حديث أتباع الثقات، وقد يوجد بعض ذلك في الصحاح دون بعض.\nوقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثل هشيم، وحفص بن غياث: منكرا، فإن كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارة على ما\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٤.","vol":"1","page":293},{"text":"انفرد به، مثل عثمان بن أبي شيبة، وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر …» (^١).\nفقسم الذهبي في كلامه السابق الثقات قسمين، الثقات الحفاظ، وهم الذين عرفوا بالحفظ والإتقان، وندرة الخطأ، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، وتفرد تابعي التابعين عن التابعين.\nوالقسم الثاني الثقات، وهم جماعة يوصف الواحد منهم بأنه ثقة، لكنه ليس من الحفاظ المتقنين، وهم مع ذلك متوسطو المعرفة، أي المعرفة بنقد الحديث، فلا يؤمن أن يخطئ الواحد منهم، ولا يتنبه لذلك، فهؤلاء يقبل تفرد التابعين منهم عن الصحابة، ويتوقف فيما عدا ذلك.\nفيلحظ أن الذهبي سبر عمل الأئمة في استنكار ما يتفرد به الثقة فوجدهم يراعون أمرين،<span data-type='title' id=toc-164> الأول: قوة الراوي واشتهاره بالحفظ والضبط</span>، فلا شك أن هذا يجبر ما يقع منه من تفرد، ومن هذا الباب قول مسلم: «للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي - ﷺ -، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد» (^٢).\nوكلام الذهبي يفهم منه أن<span data-type='title' id=toc-165> تفرد الصدوق </span>ونحوه لا إشكال في عده منكرا، وقد صرح الذهبي بذلك في مكان آخر، فقال: «إن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرا» (^٣).\n_________\n(^١) «الموقظة» ص ٧٧.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٦٤٧)، وانظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٧٢.\n(^٣) «ميزان الاعتدال» ٣: ١٤٠.","vol":"1","page":294},{"text":"وقال أيضا متعقبا ابن القطان في تقويته حديثا لثابت بن عجلان وأنه لايضره تفرده وقد وثق: «أما من عرف بالثقة فنعم، وأما من وثق ومثل الإمام أحمد يتوقف فيه، ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث، فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا» (^١).\nومما يتنبه له هنا ما قد يكون في الراوي من تفصيل في بعض حالاته، أو في بعض شيوخه (^٢)، فيكون التعامل معه في كل حال بما يناسبه، فلو كان في الأصل ثقة ثبتا، وهو في بعض شيوخه صدوق أو دون ذلك، فلا بد من مراعاة هذا، وهو أمر ظاهر، وإنما نبهت عليه لكثرة إغفاله من الباحثين.\nومن أمثلة ذلك ما رواه عبدالرزاق، عن الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، عن عائشة، قالت: «أهدي للنبي - ﷺ - وشيقة لحم وهو محرم، فلم يأكله» (^٣).\nقال ابن رجب: «ذكر لأحمد حديث عبدالرزاق …، فجعل أحمد ينكره إنكارا شديدا، وقال: هذا سماع مكة» (^٤).\nومراده أن سماع عبدالرزاق من سفيان الثوري بمكة فيه شيء، وإنما ضبط\n_________\n(^١) «ميزان الاعتدال» ١: ٣٦٥.\n(^٢) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١٠٠ - ١٥٧.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٨٣٢٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٢٢٥.\n(^٤) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٧١.","vol":"1","page":295},{"text":"عنه باليمن حين قدم عليهم سفيان، وقد تقدم ذكر هذا (^١).\nوروى وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن أبي عبدالرحمن السلمي، عن أم حبيبة: «أن النبي - ﷺ - كان يصلي على الخمرة» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث ليس له أصل، لم يروه غير وهب» (^٣).\nووهب بن جرير -مع ثقته- قد تكلم في روايته عن شعبة، تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن الرصاصي، شيخ يروي عن شعبة (^٤).\nوالثاني: طبقة الراوي، فلا شك أن التفرد يحتمل في رواية التابعي عن الصحابي، وكذلك -مع الحفظ والضبط- يحتمل في رواية تابع التابعي عن التابعي، وأما بعد ذلك، أي في عصر انتشار الرواية، وحرص الرواة على التقصي والتتبع، والرحلة إلى البلدان الأخرى بغرض الرواية، وانتشار الكتابة، فإن وقوع التفرد -وهو تفرد صحيح- فيه بعد، فالغالب أن يكون خطأ من المتفرد، ولذا يستنكره الأئمة من الثقة الضابط أيضا.\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٠٧.\n(^٢) «مسند أبي يعلى» حديث (٧١٣١)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٣١٢)، و«المعجم الكبير» ٢٣ حديث (٤٨٢)، و«الجامع لأخلاق الراوي» ١: ٢٠٤.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢٣.\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٣١٣.","vol":"1","page":296},{"text":"وهذا الإمام مالك -وهو من هو في الحفظ والإتقان، ومن طبقة تابعي التابعين- ارتاب في سؤال أهل العراق له عن حديثه عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «السفر قطعة من العذاب»، فسأل عن ذلك، فقيل له: لم يروه عن سمي أحد غيرك، فقال: «لو عرفت ما حدثت به»، وكان مالك لهذا السبب ربما أرسله (^١).\nوقد روي أنه قال ذلك في حديثه عن الزهري، عن أنس، في دخول النبي - ﷺ - مكة وعلى رأسه المغفر، وقد تفرد به عن الزهري، فكان يسأل عنه، وسمعه منه من هو أسن منه، كابن جريج وغيره (^٢).\nوقال محمد بن عبدالله بن نمير: «كان وكيع إذا كان في كتابه حديث ينكره أمسك عنه، لم يحدث به، فإذا جاء إليه بنو أبي شيبة والحفاظ ذاكرهم بشيء منه، فإن ذكروه وقالوا: حُدِّثنا به عن فلان - ذكره، وإن شكوا فيه أمسك عنه» (^٣).\nويذكر بهذه المناسبة -أي استبعاد وقوع التفرد في الطبقات المتأخرة، وهو صحيح- قصة أبي حاتم وهو عند أبي الوليد الطيالسي، قال أبو حاتم: «قلت على باب أبي الوليد الطيالسي: من أغرب علي حديثا غريبا مسندا صحيحا لم أسمع به فله علي درهم يتصدق به، وقد حضر على باب أبي الوليد خلق من الخلق،\n_________\n(^١) «فتح الباري» ٤: ٦٢٣. ومعنى يسأل عنه أي يطلب منه أن يحدث به.\n(^٢) «التعديل والتجريح» ١: ٣٠٠.\n(^٣) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٤٥.","vol":"1","page":297},{"text":"أبو زرعة فمن دونه، وإنما كان مرادي أن يلقى علي ما لم أسمع به، فيقولون: هو عند فلان، فأذهب فأسمع، وكان مرادي أن استخرج منهم ما ليس عندي، فما تهيأ لأحد منهم أن يغرب علي حديثا» (^١).\nوقضية ظهور حديث عن رسول الله - ﷺ - في زمن متأخر وإن كان في عصر الرواية من أعظم الدلائل على نكارته، فقد كانت العناية بسنته وجمعها قد بلغ الغاية التي ليس فوقها غاية، فمن المستحيل أن يفوت شيء على عموم الرواة في طبقات متعددة، ثم يظهر فجأة في زمن متأخر، خاصة إذا كان في أصل من أصول الشرع، والحاجة إليه ماسة في الاستدلال والتشريع.\nومما يؤكد هذا أن الحديث إذا كان قد تم تداوله في الزمن الأول بإسناد معين، ثم ظهر في زمن متأخر إسناد جديد، فهو دليل قاطع على نكارة المتن بالإسناد الجديد.\nوقد تقدم في المبحث الثالث من الفصل الرابع من الباب الأول الإشارة إلى هذا، وأن النقاد الأوائل قد قاموا بعبء كبير في هذا السبيل.\nومن أمثلة ذلك أن الأعمش يروي عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي أنه قال: إنه لعهد النبي - ﷺ -: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق» (^٢).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٥.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٧٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٧٣٦)، و«سنن النسائي» حديث (٥٠٣٣)، (٥٠٣٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٤)، و«مسند أحمد» ١: ٨٤، ٩٥، ١٢٨.","vol":"1","page":298},{"text":"ورواه يحيى بن عبدك القزويني، عن حسان بن حسان البصري، عن شعبة، عن عدي بن ثابت (^١).\nقال أبو حاتم: «الحديث معروف بالأعمش، ومن حديث شعبة غلط، ولو كان هذا عند شعبة كان أول ما يسأل عن هذا الحديث» (^٢).\nومراد أبي حاتم أن شعبة بصري، والحديث في فضائل علي، فلو كان عنده لكان أولى أن يشتهر عنه من شهرته عن الأعمش، فهو كوفي.\nوذكر ابن حجر في «إتحاف المهرة» في ترجمة (عبدالله بن شداد - عن عائشة)، قال: «حديث ظاهره الصحة، له علة، ذكرته للمعرفة: قال الآجري: قيل لأبي داود: سفيان -هو الثوري- عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالله بن شداد، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -: «لا نكاح إلا بولي»، فقال: هذا باطل، ما كان حديث قط بهذا الإسناد، ولا يكون، فقيل له: حدث بهذا عبدالرزاق، قال: ولو حدث بهذا عبدالرزاق أهل صنعاء لعلمنا أنه باطل، ولو كان هذا عند سفيان لما احتاجوا إلى هذه المراسيل» (^٣).\nيريد أبو داود أن من يشترط الولي في النكاح احتج بأحاديث فيها علل من جهة إرسالها، وهذا إسناد مستقيم، لو كان صحيحا لما احتاجوا لتلك المراسيل.\n_________\n(^١) «معجم شيوخ الصيداوي» ص ٢٣٧، و«الحلية» ٤: ١٨٥، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٤٦٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٠٠، وانظر مثالا أخر لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (١٢٢٥).\n(^٣) «إتحاف المهرة» ١٧: ٢١.","vol":"1","page":299},{"text":"وروى الخليلي عن أبي عبدالله الحاكم، عن أبي أحمد الحاكم قوله: «قال لي أبو عروبة بحران: يا أبا أحمد، بلغني أن ببغداد شيخا يروي عن محمد بن يحيى القطعي، عن عاصم بن هلال البارقي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ - قال: «لا طلاق ولا عتق فيما لا يملك»؟ فقلت: نعم، حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد الحافظ، حدثنا محمد بن يحيى به.\nفقال لي: يا أبا أحمد، لم يعمل شيئا، لو كان هذا الحديث عند أيوب، عن نافع، لما احتج به الناس منذ مئتي سنة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده».\nثم روى الخليلي حديث أيوب، عن أبي حفص عمر بن إبراهيم المقرئ، عن يحيى بن صاعد به، وفيه: «قال ابن صاعد: هذا حديث لا أعرف له علة» (^١).\nوكلمة أبي عروبة الحراني هذه في حديث ابن عمر في غاية الأهمية، فهذا المتن إنما يعرفه الأولون من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (^٢)، ولو كان عند أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، لاحتفوا به، فإنه من أصح الأسانيد، ولم يحتاجوا لإسناد عمرو بن شعيب، مع ما فيه من كلام (^٣).\nوفي كتب الفقه المتأخرة أمثلة كثيرة لهذا النوع، أحاديث يستدل بها الفقهاء\n_________\n(^١) «الإرشاد» ١: ٤٥٩.\n(^٢) أخرجه أبو داود حديث (٢١٩٠)، والترمذي حديث (١١٨١)، وابن ماجه حديث (٢٠٤٧)، وأحمد ٢: ١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧.\n(^٣) وانظر في سبب وقوع ابن صاعد في الخطأ: «الكامل» ٥: ١٨٧٣.","vol":"1","page":300},{"text":"لمذاهب أئمتهم المتقدمين، لم يستدل بها الأولون، لكونها لم تظهر في زمنهم، أو ظهرت ولكن بأسانيد جديدة، تلتقط من كتب متأخرة في عصر الرواية.\nوالجميع يدرك أن التفرد كثر جدا في مؤلفات من تأخر بعد عصور النقد، أعني في نهاية القرن الثالث، وما بعده، مثل «مسند البزار»، و«المعجم الكبير» للطبراني، و«سنن الدارقطني»، و«مستدرك الحاكم»، و«سنن البيهقي»، فضلا عن الكتب المخصصة للأفراد والغرائب، مثل «المعجم الأوسط»، و«المعجم الصغير» للطبراني، و«الأفراد» للدارقطني، و«غرائب مالك» له، وكتب التراجم، مثل كتب أبي نعيم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الرجال، مثل «الضعفاء الكبير» للعقيلي، و«المجروحين» لابن حبان، و«الكامل» لابن عدي، وغير ذلك كثير جدا، ف<span data-type='title' id=toc-170>ضابط تأخر الزمن وأثره في الرد بالتفرد، والحكم على الحديث بالنكارة، ينبغي أن يستخدمه الباحث كثيرا فيما لم يقف عليه إلا في هذه الكتب</span>.\nنقل ابن حجر في ترجمة الطبراني عن أبي بكر بن أبي علي قوله: «كان الطبراني واسع العلم، كثير التصانيف …، وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالأفراد، مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء، من الصحابة وغيرهم …» (^١).\nوقال ابن رجب بعد أن نقل كلمة الخطيب التي ينعى فيها على بعض طلبة الحديث في زمانه، لاشتغالهم بالغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف،\n_________\n(^١) «لسان الميزان» ٣: ٧٥.","vol":"1","page":301},{"text":"قال: «وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيرا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل «مسند البزار»، و«معاجم الطبراني»، و«أفراد الدارقطني»، وهي مجمع الغرائب والمناكير» (^١).\nوسيأتي في الباب الثالث، في المبحث الثالث من الفصل الثاني منه، التأكيد على قانون عظيم من قوانين الرواة، يتم تسخيره للنقد، وهو أن الرواة في عصر الرواية يبحثون عن الأتم صورة ومعنى، فيستفاد من هذا أنه إذا اشتهر عندهم حديث بإسناد، ثم ظهر بعدهم بإسناد أتم منه، فلا يصح قبول ما ظهر متأخرا، فهو خطأ ولا بد.\nثم إن ما ذكره مسلم، وما حرره الذهبي من عمل الأئمة، هي ضوابط عامة، تزداد قوة بأشياء أخرى غير حال الراوي، مثل طول الحديث وغرابة لفظه، أو كونه أصلا في بابه، أو أحد رواته من أهل بلد يرويه عن راو آخر من\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢٤. وانظر في الكلام على الكتب المتأخرة، وكثرة الغريب والمنكر فيها: «الموضوعات» ١: ٩٩، و«مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٧: ١٢٦، و«الحطة في ذكر الصحاح الستة» ص ١٢٠ - ١٢٣، ومقدمة التحقيق لـ «نسخة ابن معين» لعصام السناني، ص ١٩٤ - ٢١٢، وشرحي لكتاب ابن حجر «نزهة النظر» في موضوع (الغريب)، وانظر مثالا على حديث تفرد به أحد أصحاب هذه الكتب، وأمكن نقده من وجوه، منها أنه لا يوجد في دواوين السنة الأولى: «سنن الدارقطني» ١: ١٨٢، و«تهذيب سنن أبي داود» لابن القيم ٣: ٢٥١، و«تنقيح التحقيق» لابن عبدالهادي ٢: ٣٢٦ - ٣٢٧.","vol":"1","page":302},{"text":"غير بلده، ولا يعرف ذلك في بلد الشيخ (^١).\nوكذلك هذه الضوابط لا يفهم منها أنهم لا يستنكرون الحديث بالتفرد إلا مع وجودها، فهناك أمور دقيقة قد تصاحب التفرد توجب التوقف فيه واستنكار الحديث، وإن لم تتوافر ضوابط الرد المذكورة، ولذا قال ابن رجب: «أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا انفرد به واحد، وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه، واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه» (^٢).\nوما ذكره ابن رجب يمكن التمثيل له بحديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر في الدباء والمزفت، الماضي ذكره في الفصل الأول، فإن شبابة أحد المكثرين عن شعبة، ولذا دافع عنه ابن المديني من هذه الجهة، غير أن الأئمة تواردوا على استنكار حديثه هذا، وذلك لما انضم إلى التفرد من كون عبدالرحمن بن يعمر ليس له إلا حديث واحد، يرويه أيضا شعبة، وكذا سفيان الثوري، عن بكير بن عطاء، عنه، وهو حديث «الحج عرفة»، فيبعد جدا أن يكون بهذا الإسناد حديث آخر عند شعبة، ويفوت سائر أصحابه على كثرتهم، ويحفظه واحد منهم، مع أن فيهم من هو مقدم على شبابة، إما في الكثرة\n_________\n(^١) انظر من أمثلة ذلك: «علل ابن أبي حاتم» (٩٦٠)، (١١٤٠)، (١٣٢٥)، (١٣٩٢)، (١٩٤٨)، (٢٨٨٦).\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٥٨٢.","vol":"1","page":303},{"text":"أو الحفظ أو كليهما، مثل محمد بن جعفر، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، ومعاذ بن معاذ، وخالد بن الحارث، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم (^١).\nومن ذلك أيضا ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن النبي - ﷺ - سئل: متى كنت نبيا؟ …» الحديث (^٢)، استنكره أحمد وقال: هو من خطأ الأوزاعي (^٣).\nوالأوزاعي من كبار أصحاب يحيى بن أبي كثير، ومن المقدمين فيه، نص عليه أحمد وغيره (^٤)، ولم يمنع هذا أحمد من استنكار حديثه الذي تفرد به عنه، فالأوزاعي قد حفظ عنه غير خطأ في حديث يحيى، فإن كتابه عن يحيى قد احترق، أو ضاع، فكان يحدث عنه من حفظه (^٥)، يضاف إلى ذلك ما في المتن من نكارة.\nولا ينبغي أن يفهم من تحرير ضوابط قبول التفرد أو رده على أن ما استنكره\n_________\n(^١) انظر في أصحاب شعبة: «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٠٢ - ٧٠٥.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣٦٠٩)، و«المستدرك» ٢: ٦٠٩، و«ذكر أخبار أصبهان» ٢: ٢٢٦، و«دلائل النبوة» ٢: ١٣٠.\n(^٣) «علل المروذي» ص ١٥٠.\n(^٤) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٦١٨، ٦٥٣، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ٣٨، و«الجرح والتعديل» ٩: ٦٠، ٦١.\n(^٥) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٤٣٩ - ٤٤٠.","vol":"1","page":304},{"text":"النقاد ينظر فيه الباحث وفق هذه الضوابط، ثم قد يوافقهم أو يخالفهم، فهذا غير مراد، فالنقاد إذا تواردوا على استنكار حديث، فالتسليم لهم واجب، سواء أدركنا سبب استنكارهم، أو خفي علينا ذلك، ومثله إذا استنكر الواحد منهم حديثا، ولم يخالفه غيره، ينبغي التسليم له كذلك، وسيأتي مزيد شرح لأهمية كلام النقاد في التفرد في الفصل الرابع.\nفمعرفة هذه الضوابط -والحالة هذه- تفيد الباحث من جهة كونه يعرف الحكم بدليله، وهذا ما يفرقه عن العامي، وكذلك قد يحتاج هو إلى تطبيق هذه الضوابط في حالات أخرى، مثل أن يكون النقاد قد اختلفوا في الحكم على تفرد بالقبول، أو الرد، فيضطر الباحث إلى الموازنة بينهم، وكذلك في حال وقوف الباحث على تفرد لم يجد للأئمة فيه حكما، فيجتهد هو في تطبيقها.\n * * *","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>الفصل الثالث\nموقف المتأخرين من التفرد</span>","vol":"1","page":307},{"text":"تعد مسألة التفرد وتأثيرها على حكم الناظر في الإسناد إحدى المسائل البارزة التي خالف فيها المتأخرون ما عليه أئمة النقد، فما زال الاهتمام بالتفرد يخف شيئا فشيئا بعد الثلاثمائة، حتى استحكم جدا في الوقت الحاضر.\nوقد كان هناك جهود من بعض الأئمة المتأخرين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وسد الهوة الواسعة بين المنهجين، كما تقدم في الفصل الذي قبل هذا في كلام الذهبي، وابن رجب، غير أن تأثير هذه الجهود كان محدودا، والتيار كان جارفا.\nومخالفة المتأخرين لأئمة النقد في هذه المسألة ذات شقين، الأول: البحوث والتقريرات النظرية، والثاني: التطبيق العملي.\nفأما الأول فمنه قول ابن حزم: «إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي - ﷺ - فقد وجب الأخذ به، ولزمت طاعته والقطع به، سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه، أو رواه كذاب من الناس، وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق …» (^١).\nوقال أيضا: «إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره، فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض، ومن خالفنا في ذلك فإنه يتناقض أقبح تناقض، ولا فرق بين أن يروي الراوي العدل حديثا فلا يرويه أحد غيره، أو يرويه غيره مرسلا، أو يرويه ضعفاء، وبين أن يروي الراوي العدل لفظة زائدة لم يروها غيره من رواة الحديث …، وهذه الزيادة،\n_________\n(^١) «الإحكام في أصول الأحكام» ١: ١٥٧.","vol":"1","page":309},{"text":"وهذا الإسناد، هما خبر واحد عدل حافظ، ففرض قبولهما، ولا نبالي روى مثل ذلك غيرهما، أو لم يروه سواهما …» (^١).\nويذكر أبو محمد عبدالحق الإشبيلي في كتاب «الأحكام الوسطى» عن النقاد، تعليل بعض الأحاديث بأن راويها قد انفرد بها، أو لم يتابع، فيتعقبه ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام»، ومن ذلك قوله ملخصا هذا الأمر: «وهناك اعتلالات أخر يعتل بها أيضا أبو محمد على طريقة المحدثين …، فمن ذلك انفراد الثقة بالحديث، أو بزيادة فيه، وعمله فيه هو الرد -ثم ذكر أمثلة على ذلك، ثم قال-: والذي له من هذا النوع هو كثير جدا مما لم نذكر، مما هو عندنا صحيح لم يضره هذا الاعتلال …، وإنما أقصد في هذا الباب إلى ذكر مثل مما ضعف به أحاديث ينبغي أن يقال فيها: إنها صحيحة، لضعف الاعتلال عليها، كهذا الاعتلال الذي هو الانفراد، فإنه غير ضار، إذا كان الراوي ثقة، وأصعب ما فيه الانفراد بزيادة لم يذكرها رواة الخبر الثقات، وأخفها أن يجيء بحديث لا نجده عند غيره» (^٢).\nوذكر ابن الصلاح في حديثه عن مصطلح (المنكر) ما نصه: «بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ: أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة،\n_________\n(^١) «الإحكام في أصول الأحكام» ١: ٢٦٤ - ٢٦٦.\n(^٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٥٦ - ٤٦١، وانظر أيضا: ٣: ٢٨٢، ٣٩٦.","vol":"1","page":310},{"text":"أو الشذوذ، موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ …» (^١).\nوكان ابن الصلاح قد ذكر في حديثه عن مصطلح (الشاذ) تعريف الحاكم والخليلي للشاذ، الماضي ذكرهما في الفصل الأول من هذا الباب، لكنه لم يرتض كلامهما، وقال: «بل الأمر على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط - كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، إنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المتفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه، وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه -ثم ضرب أمثلة لذلك، ثم قال-: وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح.\nثم هو بعد دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده، استحسنا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا عن ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر …» (^٢).\nوكلام ابن الصلاح في تعريف الحديث (الصحيح)، و(الحسن) يدور حول ما ذكره هنا، من أن حديث الراوي الثقة يصحح، فإن خف ضبطه فهو الحديث\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٤٤.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٣٧ - ٢٤٣.","vol":"1","page":311},{"text":"الحسن، وإن كان ضعيفا فهو الذي يضعف حديثه (^١).\nومن المعلوم أن المصنفات في (مصطلح الحديث) بعد ابن الصلاح دارت في الغالب حول كتابه، إما بالشرح، أو الاختصار، أو النظم، فوافق ابن الصلاح على ما ذكره جمع غفير ممن ألف في مصطلح الحديث منذ عصره إلى وقتنا الحاضر (^٢).\nويلحظ أن الثلاثة -ابن حزم، وابن القطان، وابن الصلاح- لم يخف عليهم أن أئمة النقد ربما ردوا ما ينفرد به الثقة استنكارا له، فأشار الثلاثة في معرض كلامهم إلى ذلك، لكنهم لم يرتضوه.\nولا شك أن مخالفة أئمة النقد في قضية من صميم قضايا النقد، يترتب عليها قبول أو رد ما لا يحصى من الأحاديث - أمر ليس بالهين، لا سيما بالنسبة لمن تصدى لجمع مصطلحاتهم وشرحها، ولهذا سلك أئمة آخرون مسلكا آخر في موقفهم من كلام أئمة النقد، وهو مسلك التأويل، فلجأ هؤلاء إلى تفسير النكارة الواردة في كلام النقاد على أحاديث الثقات بما لا يعارض تصحيحها وقبولها، فالنكارة معناها حينئذ على ما هي عليه في أصل اللغة: التفرد، فهي إذن وصف\n_________\n(^١) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٥١، ١٧٦.\n(^٢) انظر مثلا: «الإرشاد» للنووي ص ٩٤ - ٩٦، و«الخلاصة» للطيبي ص ٦٨، و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير، ص ٥٦، و«التقييد والإيضاح» للعراقي ص ١٠٥ - ١٠٧، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر ٢: ٦٥٢، ٦٧٤، و«تدريب الراوي» للسيوطي ١: ٢٣٥، و«توجيه النظر» للجزائري ص ٥١٥ - ٥١٨، و«منهج النقد» لنور الدين عتر ص ٤٣٢، و«أصول الحديث» لمحمد عجاج الخطيب ص ٣٤٧.","vol":"1","page":312},{"text":"كاشف لحال الإسناد، لا حكم عليه، فوصف الإسناد أو الحديث بأنه منكر إذا كان راويه ثقة معناه أن راويه تفرد به، وهو مع ذلك صحيح.\nقال النووي تعليقا على كلام مسلم الذي شرح به معنى المنكر: «هذا الذي ذكر -﵀- هو معنى المنكر عند المحدثين - يعني به المنكر المردود، فإنهم قد يطلقون المنكر على انفراد الثقة بحديث، وهذا ليس بمنكر مردود، إذا كان الثقة ضابطا متقنا» (^١).\nوقال ابن كثير: «فإن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قبل شرعا، ولا يقال له: منكر، وإن قيل له ذلك لغة» (^٢).\nواعتمد ابن حجر هذا في أماكن كثيرة، وخاصة في كلامه على الرواة (^٣).\nوأما بعد ابن حجر فصار هذا كالأمر المسلم به، لا يناقش فيه (^٤).\nوقد يبدو لأول وهلة أن المسلك الثاني هو الأسلم، لأن فيه تأويلا لكلام النقاد، لا ردا له، وعند التأمل فإن المسلك الأول أسلم بلا شك، فهو نظر في كلام المتقدمين، وتقرير له على حقيقته، ثم مخالفته باجتهاد أخطأ أو أصاب، وأما\n_________\n(^١) «شرح صحيح مسلم» ١: ٥٧.\n(^٢) «اختصار علوم الحديث» ص ٥٦.\n(^٣) «تهذيب التهذيب» ٨: ٣٨٩، و«هدي الساري»، ص ٤٣٧، ٤٥٥.\n(^٤) انظر مثلا: «الحاوي للفتاوى» للسيوطي ٢: ٢٨٣، و«قواعد في علوم الحديث» للتهانوي ص ٢٥٨ - ٢٦٠، ٤٣٣، و«الرفع والتكميل» للكنوي، ص ١٩٩ - ٢١٢، و«منهج النقد» لنور الدين عتر ص ٤٣٢.","vol":"1","page":313},{"text":"المسلك الثاني فهو تقييد لكلام النقاد، وقصر له على بعض أفراده، مع أن نصوصهم وأقوالهم تأباه، وذلك لأمور:\nالأول: جعل النكارة في كلام النقاد على معنيين، اصطلاحي بمعنى التضعيف والرد، ولغوي بمعنى التفرد - بعيد جدا، فكلامهم كله محمول على الاصطلاح، والتفريق يحتاج إلى دليل قوي، كيف والدليل يدل على نقيضه؟ فإن كلامهم على تفرد الثقة واستنكاره يصحبه في الغالب ما يشير إلى المراد، وهو رده وتضعيفه، كما في الأمثلة السابقة في الفصلين الأول والثاني، إذ قد يسميه وهما، أو خطأ، أو يقول: لا أصل له، ونحو ذلك.\nوالمتأمل في إطلاقهم لفظ (النكارة)، وما تصرف منه مثل: حديث منكر، وأحاديث مناكير، واستنكر عليه، وأنكرت من حديثه، وكان فلان ينكر عليه حديث كذا، وذكرت له الحديث الفلاني فأنكره، ونحو ذلك، يدرك أن المقصود به التضعيف والرد.\nثم إن تمييز نوع النكارة في نصوص النقاد إذا قيل به، كيف يمكن ضبطه؟ إن رجع الأمر إلى درجة الراوي لم يكن للتفرد حينئذ كبير معنى، ونصوصهم تدل على أن الأمر في هذا النوع من النقد يدور عليه.\nثم إن ربطه بدرجة الراوي يجعل الأمر مضطربا، فإن الراوي متى كان فيه توثيق معتبر، فهو في حيز القبول، أمكن أن يذهب ذاهب إلى تفسير النكارة في حديث استنكر عليه بأن المقصود بها التفرد، لا التضعيف، وجوابهم عن هذا سيكون ضعفه ظاهرا.","vol":"1","page":314},{"text":"الثاني: النقد بالتفرد لم يقتصر على لفظ (النكارة)، فقد استعملوا فيه مصطلحات أخرى كثيرة، كالتعبير عنه بأنه خطأ، أو لا أصل له، أو باطل، أو لم يتابع عليه، أو روى أحاديث لم يتابع عليها، ونحو ذلك، فهذه ألفاظ لا يمكن صرفها إلى معنى لغوي، فيحصل التناقض في معنى واحد، لمجرد أن النقاد عبروا عنه بألفاظ مختلفة، من باب التنويع والتفنن.\nالثالث: أطلق النقاد كثيرا على حديث الثقة إذا تفرد وخالف غيره من الثقات بأنه منكر، كما تقدمت الإشارة إليه قريبا، فما المانع أن يذهب من يرى قبول زيادة الثقة مطلقا إلى تفسير النكارة ههنا أيضا على المعنى اللغوي، فإنه موجود فيها، فيسقط بهذا التضعيف بالمخالفة، وما كان جوابا عنه، فهو أيضا جواب عن حمل الاستنكار في التفرد دون مخالفة على المعنى اللغوي.\nوأما الشق الثاني في مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في النظر إلى التفرد، فهو الجانب التطبيقي، أي في حال الحكم على إسناد وقع فيه تفرد، فما زال المتأخرون يبتعدون شيئا فشيئا عن منهج النقاد في هذه المسألة حتى أشرفوا في ذلك على الغاية في الوقت الحاضر، فلا أثر لرد تفرد الثقة ومن في حكمه، بل إن أكثرهم لا يبحث في ذلك أصلا، ولا يعرج عليه، مع وجود نقد الحديث الذي بين يديه من النقاد الأوائل أو من بعضهم بالتفرد، ومن يكلف نفسه بالنظر في أقوال النقاد فإنما يفعل ذلك لرده ومناقشته، كأن يقول بعد نقل كلام الناقد: كذا قال، وفلان ثقة فلا يضر تفرده، أو يقول: قال فلان: لم يتابع عليه، نعم لم يتابع عليه فكان ماذا؟ ونحو هذه العبارات.","vol":"1","page":315},{"text":"وسأعرض الآن نماذج تطبيقية توضح الفرق بين منهج المتأخرين ومنهج أئمة النقد.\nفمن ذلك حديث حفص بن غياث، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - ونحن نمشي …»، الماضي في الفصل الأول، فقد استنكره على حفص بن غياث جمع من النقاد، وذكروا أنه أخطأ فيه، فهذا الحديث أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، كما تقدم، وكذا توارد عدد من المشايخ المعاصرين على وصف الإسناد بأنه صحيح.\nوحديث محمد بن حرب الأبرش، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: «ليس من البر الصيام في السفر»، الماضي في الفصل الأول، استنكره أبو حاتم على محمد بن حرب، وقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، كما تقدم، وقال عنه البوصيري: «إسناد صحيح، رجاله ثقات» (^١)، وكذا صححه جمع من المشايخ المعاصرين.\nوحديث برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «كان النبي - ﷺ - يصلي والباب مغلق عليه، فجئت فاستفتحت …»، وهو الحديث الماضي في الفصل الثاني، وقد استنكره الجوزجاني، وأبو حاتم، على برد بن سنان، كما تقدم، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (^٢)، وصححه بعض المشايخ المعاصرين.\n_________\n(^١) «مصباح الزجاجة» ٢: ٨.\n(^٢) «صحيح ابن حبان» حديث (٢٣٥٥).","vol":"1","page":316},{"text":"وهذه الأحاديث الثلاثة لم يذكر من صححها من المشايخ كلام أئمة النقد، ولا عرج عليه.\nوروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق» (^١).\nقال أبو زرعة الدمشقي: «قلت لأحمد: فإن ضمرة يحدث عن الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: «من ملك ذا رحم محرم …»، فأنكره، ورده ردا شديدا، [وقال: لو قال رجل: هذا كذب، لم يكن مخطئا] وقال أحمد بن حنبل: بلغني أن ضمرة كان شيخا صالحا» (^٢).\nوقال ابن القيم: «قال الإمام أحمد عن ضمرة: إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما هذا الحديث» (^٣).\nوقال الترمذي بعد أن ذكره: «لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث».\nوقال النسائي: «لا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير ضمرة، وهو حديث منكر».\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» معلقا بعد حديث (١٣٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٨٩٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٥٢٥)، و«سنن البيهقي» ١٠: ٢٨٩.\n(^٢) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩، و«تهذيب التهذيب» ٤: ٤٦١، وما بين المعكوفين منه.\n(^٣) «تهذيب سنن أبي داود» ٥: ٤٠٩.","vol":"1","page":317},{"text":"وعده الساجي في الأحاديث التي رواها ضمرة، وهي مناكير (^١).\nوقال ابن المنذر: «قد تكلم الناس في الحديثين اللذين روينا في هذا الباب، حديث ابن عمر لم يروه عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن، عن سمرة، وقد تكلم فيه، وليس منهما ثابت» (^٢).\nوقال البيهقي: «وهم فيه راويه …، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء)، فقد رواه أبو عمير، عن ضمرة، عن الثوري، مع الحديث الأول».\nفقد توارد هؤلاء الأئمة على استنكار الحديث وتضعيفه، لتفرد ضمرة بن ربيعة به عن سفيان الثوري، وضمرة وإن كان ثقة إلا أنه ليس من أصحاب الثوري المعروفين بكثرة الرواية عنه، ولهذا لا يذكره الأئمة عند كلامهم على أصحاب سفيان، وقد غلطوه في غير ما حديث يرويه عن سفيان الثوري (^٣)، وأيضا فقد استنكر له أحاديث أخر عن غير سفيان (^٤).\nوقد أشار البيهقي إلى سبب وهم ضمرة في حديثنا هذا، وهو أنه دخل له حديث في حديث، لأنه كان يرويهما جميعا، ثم إن الحديث لا يعرف عن عبدالله بن دينار، وله أصحاب كثيرون، ولا عن ابن عمر، وهو المعروف أيضا بكثرة\n_________\n(^١) «إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.\n(^٢) «الإشراف على مذاهب العلماء» ٢: ٢٨٠.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨، ٤٦٠، و«علل الدارقطني» ١٥: ١٣.\n(^٤) انظر: «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩ - ٤٦٠، و«إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.","vol":"1","page":318},{"text":"أصحابه، إلا من هذا الطريق، فهذا يدل على وهم ضمرة بن ربيعة كما ذهب إليه هؤلاء النقاد، فأصبح من اليسير فهم كلمة أحمد، وقوله إن من وصف هذا الحديث بأنه كذب لم يكن مخطئا، ومراده أن الوهم فيه من الظهور بحيث يتساوى في التضعيف والرد مع حديث الكذاب.\nهذا كلام أئمة النقد، وموقفهم من حديث ضمرة، ولننظر الآن في كلام بعض المتأخرين على هذا الحديث، والمهم فيه طريقتهم في رد كلام النقاد، والتهوين من شأنه، بما يظهر فيه بعدهم عن إدراك قواعد التفرد والتضعيف به التي كان النقاد يعملونها.\nقال ابن حزم: «فهذا خبر صحيح، كل رواته ثقات، تقوم به الحجة، وقد تعلل فيه … بأن ضمرة انفرد به، وأخطأ فيه، فقلنا: فكان ماذا إذا انفرد به؟ … فأما دعوى أنه أخطأ فيه فباطل، لأنه دعوى بلا برهان» (^١).\nوقال عبدالحق الإشبيلي: «عللوا هذا الحديث بأن ضمرة تفرد به، ولم يتابع عليه، وقال بعض المتأخرين: ليس انفراد ضمرة علة فيه، لأن ضمرة ثقة، والحديث صحيح إذا أسنده ثقة، ولا يضره انفراده به …» (^٢).\nونقل ابن القطان هذا عن عبدالحق، ثم قال: «وهذا هو الصواب» (^٣).\n_________\n(^١) «المحلى» ١٠: ٢٢٣.\n(^٢) «الأحكام الوسطى» ٤: ١٥.\n(^٣) «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٣٧.","vol":"1","page":319},{"text":"وقال ابن التركماني متعقبا البيهقي في كلامه السابق آنفا: «ليس انفراد ضمرة به دليلا على أنه غير محفوظ، ولا يوجب ذلك علة فيه، لأنه من الثقات المأمونين …، والحديث إذا انفرد به مثل هذا كان صحيحا، ولا يضره تفرده، فلا أدري من أين وهم في هذا الحديث راويه كما زعم البيهقي؟ …» (^١).\nوذكر هذا الحديث أحد المشايخ الفضلاء في كتاب له، ثم ذكر تعليل بعض النقاد له بتفرد ضمرة، وما أشار إليه البيهقي في بيانه لسبب وهم ضمرة، وأنه يروي بهذا الإسناد حديث (النهي عن بيع الولاء)، وهو المحفوظ بهذا الإسناد، ثم قال الشيخ: «هذا يدل على أن ضمرة قد حفظ الحديثين جميعا، وهو ثقة، فلا غرابة أن يروي متنين -بل وأكثر- بإسناد واحد، فالصواب أن الحديث بهذا الإسناد صحيح، وقد صححه جماعة …».\nوقال أحد الباحثين متعقبا النقاد أيضا: «أما قول النسائي: إنه حديث منكر، وقول البيهقي: وهو غير محفوظ، وقول الترمذي: …، لم يتابع ضمرة على هذا الحديث، وهو حديث خطأ عند أهل الحديث - ليس بسليم، لأن ضمرة ثقة، وفوق الثقة، فلا يضره التفرد بشيء لم يروه غيره، وما ذنبه إذا لم يحفظ غيره ما حفظه؟ فهل يعاقب برد ما تفرد به؟».\nوقال باحث ثالث: «هذا الإسناد صحيح، رجاله ثقات، لكن تكلم بعض أهل العلم في حديث ابن عمر هذا، لانفراد ضمرة بن ربيعة أحد رواته به، ولم\n_________\n(^١) «الجوهر النقي» ١٠: ٢٩٠.","vol":"1","page":320},{"text":"يلتفت إلى ذلك آخرون، وصححوه».\nومع أن بعد المتأخرين عن منهج المتقدمين في النقد له أسباب كثيرة، تأتي الإشارة إلى شيء منها في بداية الفصل الثاني من الباب الثالث، إلا أنه يحسن هنا التنبيه على عقدة القضية في مسألة التفرد، وهو أمر سبقت الإشارة إليه، ووعدت بأن أعيد ذكره في مناسبات أخرى لأهميته، وخلاصته أن الناقد في عصر النقد يحكم على الراوي بعد النظر في حديثه، إذ قد تقدم في «الجرح والتعديل» (^١) في شرح وسائل الحكم على الراوي أن هذه الوسيلة أهم الوسائل، وأكثرها استعمالا، فالحكم على الراوي فرع على النظر في حديثه، وأما المتأخر فالحكم على الحديث فرع على درجة الراوي المتقررة سابقا، فالصورة مقلوبة إذن.\nفالناقد نظر في أحاديث الراوي مقارنا لها بما لديه من مخزون عظيم من أحاديث الرواة الآخرين، فما وافق فيه غيره كان لصالح الراوي، دالا على ثقته وضبطه، وما خالف فيه غيره، أو تفرد به، ينظر فيه الناقد، فما عده خطأ، أو منكرا، حكم عليه بذلك، ثم تكون الموازنة بين ما أصاب فيه، وما أخطأ فيه، فإن كان الغالب عليه الصواب، وأخطأ أو تفرد بأشياء منكرة قليلة، فهذا يوثقه الناقد، مع بقاء حكمه على ما أخطأ فيه أو استنكره عليه، لم يغيره كونه عنده ثقة، ولا يمكن أن يغيره، وإلا أدى هذا إلى الدور في الاستدلال، وإن كان الغالب عليه الخطأ والتفرد بما يستنكر ضعفه الناقد، مع بقاء حكمه عليه فيما وافق فيه\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٧٧ - ٩٩.","vol":"1","page":321},{"text":"غيره، فيصلح للاعتبار والاعتضاد، إن لم تكن أخطاؤه فاحشة جدا، يصل بها إلى حد الترك.\nولهذا السبب يأتي عن الناقد حكمه على بعض حديث الراوي بالنكارة، أو الخطأ، قبل استكمال النظر في حال الراوي، ورب حديث استنكره النقاد، ثم اختلفوا بعد ذلك في عهدة النكارة من يتحملها؟\nوقد روى عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر مرفوعا: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا».\nوأنكر شعبة على عبدالملك بن عطاء هذا الحديث، وتابع شعبة على استنكاره جمع غفير من النقاد، منهم يحيى القطان، والشافعي، وأحمد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم (^١).\nونقل عن شعبة كلام حول رواية عبدالملك عن عطاء هذا الحديث، وأن عبدالملك لو روى حديثا آخر مثل هذا لترك شعبة حديثه، وفي بعض الروايات: لو روى حديثين آخرين.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٥١٨)، و«سنن الترمذي» حديث (١٣٦٩)، و«سنن النسائي الكبرى» (التحفة ٢: ٢٩٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٤٩٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٠٣، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥٤٥، ٢: ٢٨١، و«مسائل أبي داود» ص ٤١٥، و«العلل الكبير» ١: ٥٧٢، و«الضعفاء الكبير» ٣: ٣١، و«الكامل» ٥: ١٩٤١، و«سنن البيهقي» ٦: ١٠٦، و«تهذيب السنن» ٥: ١٦٦.","vol":"1","page":322},{"text":"قال ابن القيم بعد أن نقل شيئا من هذا عن شعبة، وذكر توثيق عبدالملك، محررا قول من ذهب إلى تقوية الحديث: «لم يتكلم فيه أحد قط إلا شعبة، وتكلم فيه من أجل هذا الحديث، وهو كلام باطل، فإنه إذا لم يضعفه إلا من أجل هذا الحديث كان ذلك دورا باطلا، فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك، فلا يجوز أن يستفاد ضعفه من ضعف الحديث الذي لم يعلم ضعفه إلا من جهة عبدالملك، ولم يعلم ضعف عبدالملك إلا بالحديث، وهذا محال من الكلام» (^١).\nوهذا التقرير من ابن القيم لا يحسن أن يعول عليه، ولا اعتراض على شعبة فيما ذهب إليه، فهو متمش مع منهج النقاد كلهم، وهو المنهج الذي لا يصح غيره، وقول ابن القيم في إثبات الدور في كلام شعبة: «فإنه لا يثبت ضعف الحديث حتى يثبت ضعف عبدالملك …»، قول منتقد، فالحديث يثبت ضعفه عند النقاد بقرائن والراوي لا يزال ثقة، وإنما يضعف الراوي بتكرر وقوع هذا منه، وهو ما ألمح إليه شعبة، فإذا لم يتكرر منه بما يوجب ضعفه بقي هو على ثقته، وبقي حديثه المنكر على نكارته، وقد يعظم الخطأ الواحد في عين ناقد فيجرح به الراوي.\nوقضية تأثير الخطأ والمنكر على الراوي نفسه قضية دقيقة جدا، ينظر فيها لنوع الخطأ والنكارة، ولهذا نجد في كلام النقاد أحيانا كلمات تشير إلى تفاوت النكارة، وأنها على درجات، بحسب الشيخ الذي تفرد الراوي عنه، والمتن الذي\n_________\n(^١) «تهذيب السنن» ٥: ١٦٧.","vol":"1","page":323},{"text":"يروى بذلك الإسناد، وطبقة الراوي، وغير ذلك (^١)، وينظر فيها كذلك للقدر الذي يرويه الراوي من الأحاديث، ومقدار ما أخطأ فيه، وهذا يخضع لما يقف عليه الناقد من النوعين، وللاشتباه والتردد في تحميل عهدة الخطأ أحيانا.\nوقد تقدم أيضا هذا في «الجرح والتعديل» (^٢)، لكن أعدت التنبيه عليه هنا لأهميته، وضرورة أن تكون الصورة واضحة للباحث، من جهة العلاقة بين الراوي وحديثه، وأن الدور في الاستدلال إنما يثبت على الحقيقة بالتلازم بين درجة الراوي، وحديثه، كما يفعله المتأخرون، لأننا إذا كنا نعرف -على طريقتهم- درجة الحديث من درجة راويه لا غير، ودرجة راويه إنما عرفت أصلا من النظر في حديثه، فهذا هو الدور الحقيقي.\nوأما طريقة النقاد فلا دور فيها، فالحديث له درجة عند الناقد، دون اعتبار لدرجة راويه، ودرجة الراوي ينظر فيها إلى عموم حديثه، ما أصاب وما أخطأ فيه، ونوع الخطأ الذي وقع فيه.\nروى جماعة عن الحسن بن سوار، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن عبدالله بن حنظلة الراهب قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يطوف بالبيت على ناقة، لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك» (^٣).\n_________\n(^١) ينظر مثلا: «العلل ومعرفة الرجال» (٤٩٦٦)، و«علل ابن أبي حاتم» (١٦٤٧)، و«الضعفاء الكبير» ٢: ١٨٨، و«الكامل» ١: ٤١٩، و«تاريخ بغداد» ١١: ٤٥٣.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ٢٠٠ - ٢٠٤.\n(^٣) «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٧١)، و«الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨، و«معجم\n\nالصحابة» لابن قانع ترجمة (٥٣٤)، و«تلخيص المتشابه» ترجمة (١٩٤).","vol":"1","page":324},{"text":"قال أبو إسماعيل الترمذي: «سألت أحمد عن هذا الحديث، فقال: هذا الشيخ ثقة ثقة، والحديث غريب، ثم أطرق ساعة، وقال: أكتبتموه من كتاب؟ قلنا: نعم» (^١).\nوقال أبو إسماعيل أيضا: «ألقيت على أبي عبدالله أحمد بن حنبل، فقال: أما الشيخ فثقة، وأما الحديث فمنكر» (^٢).\nوقال العقيلي: «لا يتابع الحسن بن سوار على هذا، وقد حدث أحمد بن منيع وغيره عن الحسن بن سوار هذا، عن الليث بن سعد وغيره أحاديث مستقيمة، وأما هذا الحديث فمنكر» (^٣).\nوسئل أحمد، عن حديث ابن المبارك، عن مالك بن أنس، عن ابن المنكدر، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -: «من جلس إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة»، وقيل له: رواه رجل بحلب، وحسنوا الثناء عليه، فقال: «هذا باطل» (^٤).\nفالحديث باطل عند أحمد، ولم يلتفت إلى الثناء على من رواه، ولم يسأل عنه من هو؟ .\nوروى الهذيل بن الحكم، عن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن عكرمة، عن\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ٧: ٣١٨.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨.\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨، وانظر أيضا: «العلل الكبير» ١: ٣٨٤.\n(^٤) «علل المروذي» ص ١٤٣.","vol":"1","page":325},{"text":"ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: «موت الغريب شهادة» (^١).\nوالهذيل بن الحكم هذا قال فيه البخاري، وابن حبان: «منكر الحديث»، زاد ابن حبان: «جدا» (^٢)، وقال العقيلي: «لا يقيم حديثه» (^٣)، وأما ابن معين فإنه قواه، قال ابن الجنيد: «سألت يحيى بن معين عن الهذيل بن الحكم، فقال: قد رأيته بالبصرة، وكتبت عنه، ولم يكن به بأس، قلت: ما روى عن عبدالعزيز بن أبي رواد …، قال يحيى: هذا حديثه الذي كان يسأل عنه، ليس هذا الحديث بشيء، هذا حديث منكر» (^٤).\nفهذا الحديث منكر عند الجميع، من ضعف الهذيل، ومن قواه، والذي قواه هو ابن معين، ولم يمنعه من استنكار الحديث كون المتفرد به ليس به بأس عنده (^٥).\nوروى عمرو بن أبي عمرو المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» (^٦).\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (١٦١٣).\n(^٢) «التاريخ الصغير» ٢: ١٥٢، و«المجروحين» ٣: ٩٥، إلا أن ابن حبان تردد في عهدة النكارة في أحاديثه هل هي منه أو من شيخه عبدالعزيز بن أبي رواد؟ .\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ٤: ٣٦٥.\n(^٤) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٣٢٧.\n(^٥) وانظر مثالا آخر لابن معين في «تاريخ الدوري» ٢: ٥٢٢.\n(^٦) «سنن أبي داود» حديث (٤٤٦٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٤٥٦)، و«سنن ابن ماجه»\n\nحديث (٢٥٦١)، و«مسند أحمد» ١: ٣٠٠، و«مسند عبد بن حميد» حديث (٥٧٥)، و«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٨٧٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٧٤٣)، و«المنتقى» حديث (٨٢٠)، و«المستدرك» ٤: ٣٥٥، و«سنن البيهقي» ٨: ٢٣١.","vol":"1","page":326},{"text":"وهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فنقل ابن رجب، عن أحمد قوله: «كل أحاديثه عن عكرمة مضطربة»، ثم قال ابن رجب: «لكنه نسب الاضطراب إلى عكرمة، لا إلى عمرو» (^١).\nوقال ابن معين: «ثقة، ينكر عليه حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «اقتلوا الفاعل والمفعول به»،» (^٢).\nوقال البخاري: «صدوق، لكن روى عن عكرمة مناكير، ولم يذكر في شيء من ذلك أنه سمع عكرمة» (^٣).\nوتعلق الترمذي براويه عن عمرو بن أبي عمرو، وقد أخرجه هو من طريق عبدالعزيز الدراوردي، عن عمرو، وذكر الترمذي أن محمد بن إسحاق رواه عن عمرو، فقال فيه: «ملعون من عمل عمل قوم لوط»، ولم يذكر القتل (^٤).\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٨.\n(^٢) «الكامل» ٥: ١٧٦٨.\n(^٣) «العلل الكبير» ٢: ٦٢٢.\n(^٤) «سنن الترمذي» ٤: ٨٥.\nوحديث ابن إسحاق أخرجه أحمد ١: ٢١٧، ٣١٧، وقد رواه الدراوردي أيضا، وغيره، وانظر: «مسند أحمد» ١: ٣١٧، و«مساوئ الأخلاق» حديث (٤٣٧)، و«المعجم الكبير» حديث (١١٥٤٦)، و«المستدرك» ٤: ٣٥٦، و«سنن البيهقي» ٨: ٢٣.","vol":"1","page":327},{"text":"ونقل ابن حجر أن النسائي استنكر هذا الحديث (^١)، ولم يذكر السبب.\nفاتفق هؤلاء النقاد على ضعف الحديث ونكارته، ثم عزا أحمد ذلك إلى عكرمة، وابن معين إلى عمرو، وأراد البخاري تبرئتهما فأشار إلى أن عمرو بن أبي عمرو لم يسمع من عكرمة، فالعهدة على الواسطة الذي لم يذكر، وأما الترمذي فتعلق بمن دون عكرمة.\nومثله ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ …»، قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه»، ثم قال الترمذي: «وهو حديث غريب من حديث الوليد بن مسلم، رواه رجل واحد من أصحاب الوليد» (^٢).\nفظاهر كلام الترمذي أنه يجعل العهدة على راويه عن الوليد بن مسلم، وهو عند الترمذي أبو بدر شجاع بن الوليد، وقد تقدم في الفصل الثاني عن أحمد أن الخطأ من الأوزاعي.\nفيلاحظ هنا أن النقاد اتفقت كلمتهم على استنكار الحديث، ويبقى بعد ذلك أمر غير مؤثر عندهم، وهو البحث في عهدة الخطأ والنكارة.\nوقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أن الناقد إذا بلغه أحاديث منكرة عن الراوي، وكان يحسن الظن به ويقويه، فزع إلى رميه بالتدليس دفاعا عنه (^٣)،\n_________\n(^١) «التلخيص الحبير» ٤: ٦١.\n(^٢) «العلل الكبير» ٢: ٩٢٥.\n(^٣) «الاتصال والانقطاع» ص ٢١٢.","vol":"1","page":328},{"text":"وتقدم هنا في الفصل الرابع من الباب الأول في المبحث الخامس منه أن الناقد قد يرجح بأن هذه الأحاديث أدخلت عليه وهو لا يعلم، ولا يلجأ الناقد إلى تقوية هذه الأحاديث بمجرد كون راويها كذلك عنده، إذ هي منكرة.\nومن أمثلة ذلك أيضا في التدليس أن ابن معين كان يذهب إلى تقوية محمد بن كثير القرشي الكوفي، وأنه لا بأس به، والجمهور على أنه ضعيف منكر الحديث، وسئل عنه ابن معين مرة فقواه، فذكر له السائل حديثين مما استنكره النقاد عليه، فأشار ابن معين إلى احتمال أن يكون دلسهما، ثم قال: «وإن كان الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيما» (^١).\nفاستقامة حديث هذا الراوي عند ابن معين، وكونه يرى أنه لا بأس به، لم يقدم ولم يؤخر في نظر ابن معين لهذين الحديثين، فهما منكران، وبهما نسب الراوي إلى الكذب، إن كان رواهما، فهما اللذان حكما على الراوي، وليس العكس.\nوبضد هذا ما حصل لابن المديني مع عبدالسلام بن حرب، فإنه وقف له أولا على منكرات، ثم وقف على باقي حديثه فرآه مستقيما، فغير رأيه فيه، والمنكرات باقية كما هي، ولهذا قصة ذكرها ابن المديني، قال: «كنت أستنكر بعض حديثه حتى نظرت في حديث من يكثر عنه، فإذا حديثه مقارب، عن مغيرة والناس، وذلك أنه كان عسرا، فكانوا يجمعون غرائبه في مكان، فكنت أنظر إليها\n_________\n(^١) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٢٢١.","vol":"1","page":329},{"text":"مجموعة فأستنكرها» (^١).\nوروى الربيع بن يحيى الأشناني، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، بالمدينة، للرخص من غير خوف ولا سفر» (^٢).\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «باطل عندي، هذا خطأ، لم أدخله في التصنيف، أراد: أبا الزبير، عن جابر، أو: أبا الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، والخطأ من الربيع» (^٣).\nوأبو حاتم استنكر هذا الحديث على الربيع، لكنه احتمله منه، وقال فيه حين سئل عنه: «ثقة، ثبت» (^٤).\nوأما الدارقطني فرأى مثل هذا الخطأ مؤثرا، لفداحته، فقال فيه حين سئل عنه: «ليس بالقوي، يروي عن الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر (الجمع بين الصلاتين)، وهذا يسقط مئة ألف حديث» (^٥).\nوقال أبو زرعة في عمر بن عبدالله بن أبي خثعم: «واهي الحديث، حدث\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» ٨: ٣٣٦.\n(^٢) «شرح معاني الآثار» ١: ١٦١، و«ذكر أخبار أصبهان» ٢: ١٨، و«التمهيد» ١٢: ٢١٧.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٦.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ٣: ٤٧١.\n(^٥) «سؤالات الحاكم للدارقطني» ص ٢٠٦، وانظر: «سؤالات البرقاني للدارقطني» ص ٣٠.","vol":"1","page":330},{"text":"عن يحيى بن أبي كثير ثلاثة أحاديث، لو كانت في خمسمئة حديث لأفسدتها» (^١).\nوروى مسكين بن أبي فاطمة، عن حوشب بن عقيل، عن الحسن، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الغسل يوم الجمعة ليستل الخطايا من أصول الشعر استلالا» (^٢).\nقال أبو حاتم في نقده لهذه الرواية: «هذا منكر، الحسن، عن أبي أمامة، لا يجيء، وَوَهَن أمر مسكين عندي بهذا الحديث» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة، عن النبي - ﷺ -: «من صلى الصلوات الخمس، فأتم ركوعها، وسجودها، كان له عند الله عهد أن لا يعذبه».\nقال أبي: سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن …، حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن عبادة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: …، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (^٤).\n_________\n(^١) «سؤالات البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٥٤٣.\n(^٢) «المعجم الكبير» حديث (٧٩٩٦).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٨، وانظر أيضا: ١: ٢١٠، و«الجرح والتعديل» ٨: ٣٢٩.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٩، ورواية زيد بن أسلم، عن عطاء، أخرجها أبو داود حديث (٤٢٥)، وأحمد ٥: ٣١٧، والطبراني في «الأوسط» حديث (٤٦٥٥)، (٩٣١١)، وأبو نعيم في\n\n«الحلية» ٥: ١٣٠، والبيهقي ٢: ٢١٥، من طرق عن أبي غسان محمد بن مطرف به، لكن فيه زيادة أبي عبدالله الصنابحي، أو عبدالله الصنابحي، بين عطاء بن يسار، وعبادة.\nوأما رواية زيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، فلم أقف عليها عند غير أبي حاتم، لكن الحديث مشهور عن محمد بن يحيى، له عنه طرق كثيرة، وفي بعضها زيادة راو بين ابن محيريز، وعبادة، انظر: «إتحاف المهرة» ٦: ٤٣٥، و«مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط الأحاديث (٢٢٦٩٣)، (٢٢٧٢٠)، (٢٢٧٥٢).","vol":"1","page":331},{"text":"فالحديث إذن منكر عند أبي حاتم، بغض النظر عن درجة راويه، قبل أن يطلع أبو حاتم على علته، وبعد أن اطلع عليها (^١).\nوالخلاصة أنه<span data-type='title' id=toc-182> لا علاقة بين كون الراوي ثقة، وبين نكارة حديثه، ولا بين النكارة وتبين مصدر الغلط</span>، بل قد يكون وضوح سبب الغلط مخففا للنكارة، كما تقدم شرحه.\nومما يؤكد ما تقدم -وهو أن درجة الحديث لا تؤخذ من حال راويه فقط- أن رواية الراوي قد تكون صحيحة في نفسها، وإن كان راويها ليس في درجة من يحكم لروايته بذلك، كما قال أبو حاتم في أحمد بن إبراهيم الخراساني: «شيخ مجهول، والحديث الذي رواه صحيح» (^٢).\n_________\n(^١) وانظر أمثلة أخرى في «العلل ومعرفة الرجال» (٢٤٢١)، و«المنتخب من علل الخلال» ص ٣٠٠، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٢٥٨)، (٢٦٨١)، و«الجرح والتعديل» ٣: ٤١٨ ترجمة (١٩١١)، ٥: ٤١٠، ترجمة (١٩٠٥)، ٦: ٦٦، ترجمة (٣٤٩)، و«الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٨، و«تهذيب الكمال» ١٩: ٥٠٥، ٢٧: ٥٧٤، و«إكمال تهذيب الكمال» ٤: ١٠٣\n(^٢) «الجرح والتعديل» ٢: ٣٩.","vol":"1","page":332},{"text":"وقال ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن المنذر القزاز: «سألت أبي عنه، فقال: لا أعرفه، وعرضت عليه حديثه، فقال: حديث صحيح» (^١).\nوكان من المفترض أن يكون عمل المتأخر ينصب على تأييد أقوال النقاد، وتكميله، كأن يستنكر الناقد حديثا، دون أن يذكر السبب، فيجتهد المتأخر في توجيهه، وبيان سبب النكارة، أو يختلف النقاد في سبب النكارة، وتحميل الخطأ، فيجتهد في الموازنة بين أقوالهم، واستبعاد ما يظهر كونه مرجوحا.\nفالاختلاف في عهدة النكارة في حديث (اللواط) الآنف الذكر يمكن للباحث أن يستبعد من الاحتمالات ما ذهب إليه الترمذي، فإن الحديث قد رواه جماعة عن عمرو بن أبي عمرو غير الدراوردي.\nوكذلك حديث أبي هريرة: «متى كنت نبيا؟ …»، لم يتفرد به شجاع بن الوليد، فقد رواه جماعة غيره عن الوليد بن مسلم.\nوروى المعافى بن عمران، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات عرق، ولأهل اليمن يلملم» (^٢).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ٢: ٧٨. وينظر أمثلة أخرى للانفصال بين حديث الراوي، ودرجة الراوي: «العلل ومعرفة الرجال» (٥٢٥١)، و«مسائل أبي داود» (١٩١٤)، و«مسائل ابن هانئ» (٢٢٩٢)، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٣١٢، و«علل ابن أبي حاتم» (٩٦٤)، و«الجرح والتعديل» ٢: ٨٨.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٧٣٩)، و«سنن النسائي» حديث (٢٦٥٢)، (٢٦٥٥)، و«سنن\n\nالدارقطني» ٢: ٢٣٦، و«الكامل» ١: ٤٠٨، و«سنن البيهقي» ٥: ٢٨، وهو عند أبي داود مختصر بميقات أهل العراق فقط.","vol":"1","page":333},{"text":"فهذا الحديث استنكره جماعة من النقاد، فجعل أحمد عهدة النكارة على أفلح بن حميد، قال أبو داود: «قلت لأحمد: أفلح بن حميد؟ قال: هذا شيخ قد احتملوه، وجعل كأنه يستضعفه، قال: يكثر من الرأي، قلت: رأي القاسم؟ قال: نعم، قال: روى حديثا منكرا، حديث المواقيت، قلت: وصح ذلك عندك، رواه غير المعافى؟ قال: المعافى ثقة» (^١).\nوقد استنكر عليه أحمد غير هذا الحديث أيضا، قال أبو داود: «كان أحمد تكلم فيه، وسمعت أحمد يقول: لم يحدث عنه يحيى، وروى أفلح حديثين منكرين: «أن النبي - ﷺ - أشعر»، و«حدَّد لأهل العراق ذات عرق» (^٢).\nوروى ابن صاعد حديث المواقيت من طريقه، ثم قال: «كان أحمد بن حنبل ينكر هذا الحديث مع غيره على أفلح بن حميد، فقيل له: يروي عنه غير المعافى؟ فقال: المعافى بن عمران ثقة» (^٣).\nوفي السؤال الموجه لأحمد عن ثبوت الحديث عنه ما يشير إلى احتمال أن تكون النكارة من الراوي عنه: المعافى بن عمران، وقد أشار إلى ذلك ابن عدي،\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤١٢.\n(^٢) «إكمال تهذيب الكمال» ٢: ٢٦١.\n(^٣) «الكامل» ١: ٤٠٨.","vol":"1","page":334},{"text":"فقال بعد أن ساق الحديث، وكلام ابن صاعد: «وأفلح بن حميد أشهر من ذاك، وقد حدث عنه ثقات الناس، مثل ابن أبي زائدة، ووكيع، وابن وهب، وآخرهم القعنبي، وهو عندي صالح، وأحاديثه أرجو أن تكون مستقيمة كلها، وهذا الحديث ينفرد به معافى عنه، وأنكر أحمد على أفلح في هذا الحديث قوله: «ولأهل العراق ذات عراق»، ولم ينكر الباقي من إسناده ومتنه شيئا» (^١).\nوأما مسلم فتعلق بالراوي عن المعافى بن عمران عنده، فقال: «ليس بمستفيض عن المعافى، إنما روى هشام بن بهرام، وهو شيخ من الشيوخ، ولا يقر الحديث بمثله إذا تفرد» (^٢).\nفالباحث لا ينبغي له أن يتعرض للبحث في أصل نكارة هذه اللفظة، فهي منكرة عند الجميع، لكن له أن يرجح فيمن يتحمل عهدتها، فيستبعد أولا رأي مسلم، إذ قد رواه عن المعافى أيضا محمد بن علي أبو هاشم الموصلي، وغيره.\nويمكن أيضا أن يستبعد المعافى بن عمران بكون أفلح بن حميد قد استنكر عليه عن القاسم غير هذا الحديث، كما يومئ إليه كلام أحمد.\nفأمام المتأخر عمل كثير يقوم به، غير أنه حمل نفسه فوق طاقتها -والله لا يكلف نفسا إلا وسعها- فانتصب للنقد مستقلا، وسلك منهجا مغايرا، بإدراك لذلك من بعضهم، ودون إدراك من البعض الآخر.\n_________\n(^١) «الكامل» ١: ٤٠٨.\n(^٢) «التمييز» ص ٢١٤.","vol":"1","page":335},{"text":"ومما يتعجب منه في عمل المتأخرين تناقضهم في موقفهم من أقوال النقاد، إذ يعتمدون عليهم في درجات الرواة، ويقلدونهم في ذلك، ثم يدعونهم فيما يستنكرونه على هؤلاء الرواة، والقارئ يلحظ ذلك في النص الواحد حين ينقلونه عن المتقدمين، فحديث (اللواط) الآنف الذكر، وكذلك حديث عمرو بن أبي عمرو الآخر في (الواقع على بهيمة) -وبعض الرواة يرويهما عنه حديثا واحدا- سلك فيهما المتأخرون ضروبا من مخالفة أئمة النقد في المنهج، في الاتصال والانقطاع، وفي قضيتنا هذه قضية التفرد، وفي الشد والاعتضاد بالطرق الأخرى، وغير ذلك (^١).\nوقد أشار السخاوي إلى هذا التناقض، فقال بعد أن ذكر منزلة أئمة النقد في الحكم على الأحاديث: «وهو أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث -كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبدالبر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم، ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني …» (^٢).\nورأيت بعض الباحثين المعاصرين جمع جرامزه فوثب وثبة ظن أنه بلغ فيها عنان السماء، وقدماه لم ترتفعا عن الأرض، إذ ذهب إلى نكارة حديث (اللواط)،\n_________\n(^١) انظر: «الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم» ص ١٧٣ - ١٧٧.\n(^٢) «فتح المغيث» ١: ٢٧٤.","vol":"1","page":336},{"text":"وأطال في النقول عن أئمة النقد، لكنه في نفس الكتاب الذي يحققه ذهب يقوي مارواه عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومنها حديث (البهيمة)، وهو أشد نكارة من حديث (اللواط)، ثم كلام أحمد، والبخاري، يدل على أن أحاديث هذه النسخة كلها مناكير ضعيفة.\nومما يظهر تناقض كثير من المتأخرين في هذه المسألة أنهم يدفعون استنكار النقاد لبعض ما يرويه الثقات ومن في حكمهم، وفي المقابل عضوا بالنواجذ على ما تقرر عند النقاد أن من أحاديث الضعفاء ما يترجح حفظهم له، معتمدين في ذلك كلام النقاد في كون ضعفهم غير شديد، فهم في درجة الاعتبار، على أن تطبيق المتأخرين لشروط اعتماد ترجيح حفظ الضعيف لما يرويه فيه خلل كبير جدا، كما سيأتي في موضعه.\nومن التناقض أيضا في قضية التفرد تسليم المتأخرين باشتراط رواية أكثر من راو عن الشخص لترتفع جهالته، فيكثرون من القول بأن هذا الشخص لم يرو عنه سوى راو واحد، وليس فيه توثيق معتبر، فهو مجهول، مع كون الراوي عنه ثقة، ولا يلتفتون لتفرد الراوي بالحديث، وكونه مظنة أن يخطئ فيه.\nوالخلاصة أن قضية (التفرد) وتشعباتها وقع من المتأخرين في تطبيقها تناقض ظاهر، ومع ذلك فلا بد من التسليم بأن المتكلمين على الأحاديث من المتأخرين لا يشعرون بالتناقض، في هذه المسألة وغيرها، فهم مخطئون معذورون.\nوقد كنت -مثل كثيرين غيري- أظن أن مخالفة المتأخرين لمنهج أئمة النقد","vol":"1","page":337},{"text":"في التفرد خاص بما يرويه الثقة ومن في حكمه، فالمتأخر ليس عنده تضعيف بالتفرد لما يرويه هؤلاء، وأما ما يتفرد به الضعيف فهم يوافقون أئمة النقد على تضعيفه ورده بالتفرد.\nثم ظهر لي أن<span data-type='title' id=toc-187> مخالفة المتأخرين لأئمة النقد في تفرد الضعيف أقوى وأشد</span>، فالمناكير عن الضعفاء أكثر بكثير منها عن الثقات ومن في حكمهم، والمتأخرون -كما تقدم- ربطوا درجات الأحاديث بمراتب الرواة فقط، غير ملتفتين لقرائن الإسناد الأخرى ومنها التفرد، فأحاديث الضعفاء عندهم ضعيفة فقط، لأن رواتها ضعفاء، وعلى هذا فهي قابلة للاعتضاد على طريقتهم.\nوأما أئمة النقد فليس النظر عندهم فقط لدرجة الراوي، فالحديث يحكمون ببطلانه، وبكونه موضوعا، وليس في إسناده من رمي بالكذب والوضع، وهذا كثير جدا عندهم في أحاديث الضعفاء، بل قد يوجد عندهم في أحاديث الثقات أيضا، كما تقدم في هذه الفصول.\nومن أمثلته في الضعفاء ما رواه معاوية بن يحيى الصدفي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -وقال مرة: عن أبي سعيد الخدري-، عن النبي - ﷺ - قال: «أيام التشريق كلها ذبح».\nسئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث كذب بهذا الإسناد»، وأبى مرة أن يقرأه على الناس، وقال: «هذا حديث موضوع عندي» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٦، ٢: ٣٨، وانظر: «الكامل» ٦: ٢٣٩٦، و«سنن البيهقي» ٩: ٢٩٦.","vol":"1","page":338},{"text":"وراويه عن الزهري معاوية بن يحيى الصدفي لم يتهم بالكذب، فهو ضعيف، خاصة في الزهري، وقد تفرد بهذا عنه، ولم يشاركه أحد من أصحاب الزهري، على كثرتهم، فاستحق حديثه هذا أن يوصف بالوضع.\nوقد رأيت أحد المشايخ المعاصرين نقل كلام ناقد في حكمه على حديث بالبطلان، ثم عقبه الشيخ بأن هذا الحكم مبالغة من الناقد، كذا قال، نظر إلى صورة الإسناد فقط، وهذه إحدى مشكلات النقد عند المتأخرين، وهي متفرعة من أصل خطأ عندهم: قياس الأحاديث برواتها، وليس قياس الرواة بأحاديثهم، ويتفرع منها قضايا أخرى ابتعد فيها المتأخرون جدا عن منهج النقد عند أئمته.\nولإدراك هذا جيدا ينظر تعقبات المتأخرين لابن الجوزي في كتابه «الموضوعات»، فقد أوسعوه نقدا، في أعيان الأحاديث، وفي كلامهم عليه في كتب المصطلح، وكنا نظن زمنا أن الصواب دائما أو غالبا مع من تعقبه، وعند التحقق تبين عكس ذلك، وأن الصواب في الغالب مع هذا الإمام، وفي حواشي المعلمي على «الفوائد المجموعة» للشوكاني كلام كثير حول نقد طريقتهم، وكذا صنع في المقدمة.\nثم ههنا أمر آخر، وهو أن طريقة المتأخرين جنت على الرواة أيضا، فالمتأخر حين ينظر في الإسناد جُلُّ نظره منصب على رواته، فأيهم وجده أشد ضعفا ممن سواه نقد الإسناد به، وإن كان الحديث لم يصح عنه إلى الآن، لأمر أغفله المتأخر، وأهم ذلك ما يتعلق بالتفرد، فحين ألغى المتأخر النقد به فالحديث عنده ثابت إلى هذا الراوي، فهو حلقة الضعف في الإسناد.","vol":"1","page":339},{"text":"ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك …» الماضي في الفصل الأول من هذا الباب، فأبو حاتم حكم عليه بالنكارة بسبب تفرد طلق بن غنام به عن شريك، وقيس بن الربيع، وكل من رأيته تكلم على هذا الحديث من المتأخرين انصب نظره على شريك، وقيس بن الربيع، فهما دون طلق بن غنام، إذ هو ثقة، ثم رجع فعضد أحدهما بالآخر، وصحح الحديث أو حسنه، والإسناد لم يصح إليهما أصلا، فهو منكر عنهما.\nوروى الترمذي عن أحمد بن محمد بن نيزك، عن أسود بن عامر، عن صالح بن عمر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من أيام أحب إلى الله العمل فيهن من عشر ذي الحجة …» الحديث.\nثم قال الترمذي: «سألت محمدا (يعني البخاري) وعبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا الحديث، فلم يعرفاه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة» (^١).\nذكر هذا أحد الباحثين عن الترمذي، وعلق على الإسناد بقوله: «في سند الحديث محمد بن عمرو بن علقمة، وفيه ضعف»، ثم ذكر شواهد للحديث قال في آخرها عن حديث أبي هريرة: «أقل أحواله أن يكون حسنا».\nوبغض النظر عن تقصير الباحث في دراسة الرواة قبل محمد بن عمرو،\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٣٤٦.","vol":"1","page":340},{"text":"فابن نيزك هذا ليس فيه توثيق، سوى أن ابن حبان ذكره في «الثقات» (^١)، وقال فيه ابن عقدة: «في أمره نظر» (^٢)، بغض النظر عن هذا، فقد وقع الباحث في الإشكال الذي ذكرته، وهو تحميل الراوي عهدة الحديث، وهو لم يصح عنه، فمحمد بن عمرو بريء من هذا الحديث، وكلام الإمامين -البخاري، والدارمي- صريح في أنه منكر عنه.\nوذكر هذا الحديث أيضا أحد المشايخ المعاصرين من مصدر آخر، لكن جاء عنده أحمد بن محمد بن نيزك منسوبا لجده، ثم قال: «وهذا سند حسن، لولا أني لم أعرف ابن نيزك هذا».\nومعنى هذا أنه لو عرف ابن نيزك بالثقة لما تردد في تحسين الإسناد، وقد منعه من تصحيحه حال محمد بن عمرو، فقد تكلم فيه من قبل حفظه، ولم يلتفت الشيخ للتفرد الحاصل قبله في ثلاث طبقات، فلا يصح عنه أصلا.\n * * *\n_________\n(^١) «الثقات» ٨: ٤٧.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ٥: ١٠٨.","vol":"1","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>الفصل الرابع\nالتفرد وكلام أئمة النقد</span>","vol":"1","page":343},{"text":"معنى التفرد -كما تقدم- أن الراوي لم يشاركه أحد في رواية هذا الحديث، سواء عن شيخه، أو عمن فوقه أيضا.\nوالنظر في التفرد معناه دراسة التفرد حين وقوعه، وهل الراوي مصيب في روايته للحديث، رغم أنه لم يشاركه أحد، أو مخطئ في روايته، وما يتصل بذلك من إعمال لضوابط النظر في التفرد، وتطبيقها.\nوهذان الأمران -الحكم بوقوع التفرد، والحكم بصواب الرواية أو خطئها- عظيمان جدا في باب النقد، سواء من جهة الحديث المروي ودرجته، أو من جهة الراوي وأثر ذلك في الحكم عليه، نظرا لكثرة الأحاديث التي وقع فيها تفرد، وكثرة الرواة الذين وقع منهم تفرد، كثرة بالغة لا حدود لها.\nوالحكم بهما يحتاج إلى اطلاع واسع على طرق الأحاديث، وملكة قوية في النقد، ومعرفة بأصحاب الرواة، وطبقاتهم، ومعرفة ما عند كل راو من الأحاديث، وتتبع دقيق لمتون السنة النبوية، ومسار الاحتجاج بها، وزمن ذلك.\nوكل هذه المتطلبات -وغيرها- إنما يفي بها كغيرها من قضايا النقد على الحقيقة أئمة النقد في عصر الرواية، ولهذا فمن الضروري جدا الاعتناء بكلامهم، وتتبعه، وجمعه، والإستناد إليه، حين يتصدى الباحث للنظر في إسناد حديث وقع فيه تفرد.\nوفي البحث عن كلامهم، والاعتماد عليه، قضايا متعددة، سأتناولها في هذا الفصل من عدة جوانب.","vol":"1","page":345},{"text":"أولا:<span data-type='title' id=toc-191> كلام أئمة النقد على التفرد له مصادر خاصة، ومصادر عامة</span>، فأما المصادر الخاصة فيقصد بها كل ما ألفه النقاد بغرض النص على التفرد، سواء حمل عنوانه هذا المعنى، أو حمل معنى آخر، وسواء كان المراد بالتفرد بإطلاق، أو كان خاصا بتفرد راو بعينه، أو عن راو بعينه، أو غير ذلك.\nفهذا النوع من المؤلفات قصد به جمع الأحاديث التي وقع فيها تفرد، فكلها إذن من كلام النقاد ونصهم على التفرد.\nوليس لهذا النوع من المؤلفات حد معين، فهي من الكثرة بحيث يمكن القول بأنها لا حصر لها، مع كثرة العناوين التي تدل عليها، فالأحاديث الغرائب، والأفراد، والحسان، والفوائد، والمنتقاة، كلها عناوين دالة على مقصود المؤلفين بهذا النوع من المؤلفات، ناهيك عن كتب ألفت تحت مسميات أخر، وقصد بها التفرد.\nثم هذه المؤلفات منها ما هو كبير في مجلدات، ومنها ما هو متوسط، ومنها ما هو صغير الحجم على طريقة الأجزاء، وقد تقدم في أول هذا الباب أن الرواة تعارفوا على وضع كتب لهم باسم «الفوائد»، يضع فيه الراوي ما يراه غريبا من حديث شيوخه.\nثم لما اتسعت الرواية، وكثرت، اضطر الرواة حين يريدون السماع من شيخ معين أن ينتقوا من حديثه ما ليس عند غيره، فيفرد لوحده، ويسمعونه منه، وقد يفعلونه لكونه عسرا في الرواية، كما تقدم في الفصل الثالث، في قصة ابن المديني مع عبدالسلام بن حرب.","vol":"1","page":346},{"text":"ومن النقاد من قصد التأليف في جمع الغرائب والأفراد.\nفلهذه الأسباب مجتمعة -وغيرها- كثرت المؤلفات في التفرد كثرة بالغة، كما أسلفت.\nومن الكتب الكبيرة في هذا الموضوع معجما الطبراني: «الأوسط»، و«الصغير».\nقال الطبراني في أول «معجمه الصغير»: «هذا أول كتاب فوائد مشايخي الذين كتبت عنهم بالأمصار، خرجت عن كل واحد منهم حديثا واحدا …» (^١).\nوأما «الأوسط» فقال فيه الذهبي: «يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب «الأفراد» للدارقطني» (^٢).\nوكتاب «الغرائب والأفراد» للدارقطني، قال عنه ابن كثير: «لم يسبق إلى نظيره» (^٣)، وقد وضع له ابن طاهر أطرافا، وهو المطبوع الآن، وطبع من الأصل جزء صغير.\nومن الكتب أيضا: «الفوائد» ليحيى بن معين، رواية أبي بكر المروزي عنه، وهو مطبوع، ورواية الصوفي عنه، و«الفوائد» لتمام الرازي، وهو مطبوع، و«فوائد أبي بكر الشافعي» المعروف بالغيلانيات، وهو مطبوع، و«جزء الألف\n_________\n(^١) «المعجم الصغير» ص ٢١.\n(^٢) «تذكرة الحفاظ» ٣: ٩١٢.\n(^٣) «اختصار علوم الحديث» ص ٦١.","vol":"1","page":347},{"text":"دينار» لأبي بكر القطيعي، وهو مطبوع، «وغرائب شعبة» لابن المظفر، وهو مطبوع.\nو«غرائب مالك» للدارقطني، وللخطيب.\nوغيرها كثير جدا، ما بين مطبوع، ومخطوط، ومفقود (^١).\nوأما المصادر العامة فيقصد بها ما يوجد فيها كلام للنقاد في التفرد، وإن لم تكن مخصصة لذلك، على تفاوت بينها في الكثرة والقلة.\nوهذا النوع من المصادر يشمل كتب الرواية، مثل «سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي»، و«سنن النسائي»، و«سنن الدارقطني»، و«سنن البيهقي»، و«مسند البزار»، و«الإيمان» لابن منده، وغيرها، فينص المؤلفون على التفرد، ومنهم من يكثر من ذلك، كما يفعل الترمذي، والبزار، وابن منده.\nويشمل أيضا كتب النقد العامة بأنواعها، «التواريخ»، و«السؤالات»، و«كتب العلل»، فهي مليئة بأقوال النقاد ونصوصهم في التفرد، وما يتصل به من قضايا، وهي المورد الأول لنصوص النقاد الأوائل، مثل شعبة، والقطان، وأحمد، وابن معين، وابن المديني، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، وقد طبع منها شيء كثير.\nويشمل أيضا كتب الرجال، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و«ضعفاء\n_________\n(^١) ينظر في هذه المؤلفات: مقدمة تحقيق كتاب «الغيلانيات» ١: ٢٧ - ٦٧، ومقدمة تحقيق كتاب «الفوائد» ليحيى بن معين، رواية الصوفي ص ٢٠٨ - ٢١٠، ٢١٦ - ٢٣٦.","vol":"1","page":348},{"text":"العقيلي»، و«الكامل» لابن عدي، و«المجروحين» لابن حبان، فإنهم يذكرون في ترجمة الراوي شيئا مما انتقد عليه، وكثير منه في التفرد، ينصون على ذلك.\nوفي كتب تواريخ البلدان كلام كثير أيضا يتعلق بالتفرد، والنص عليه، مثل «ذكر أخبار أصبهان» لأبي نعيم، و«تاريخ بغداد» للخطيب.\nبل يوجد في كتب المناقب، مثل «الحلية» لأبي نعيم، النص على التفرد والغرابة.\nثم بعد ذلك كتب المتأخرين غير المسندة، مثل كتب المزي، وابن كثير، والزيلعي، والعراقي، وابن حجر، فهي مورد عظيم أيضا لنصوص النقاد في التفرد، ويوجد فيها نقول من كتب للأولين قد فقدت، فهي إذن قائمة مقام الأصل.\nوندرك مما تقدم أن أمام الباحث بحر لا ساحل له من المصنفات، عليه أن يجول فيها، ويبحث عن كلمة لناقد، أو إشارة منه إلى وقوع تفرد، وبقدر الجهد المبذول في هذا وأمثاله يتفاوت الباحثون، وتبرز الفروق الفردية بينهم.\nثانيا:<span data-type='title' id=toc-194> في كلام النقاد على التفرد مقامان</span>، المقام الأول: الحكم بوقوع التفرد، وهذا عباراته ظاهرة، كأن يقول الناقد: تفرد به فلان، أو لم يروه إلا فلان، أو لا يعرف إلا من حديث فلان، أو لا أعرفه إلا من حديث فلان، أو لم يروه عن فلان سوى فلان، أو غريب من حديث فلان، ونحو هذه العبارات.\nوكذلك إذا أودعه في كتاب قصد به جمع الغرائب والأفراد.","vol":"1","page":349},{"text":"والمقام الثاني: الحكم في هذا التفرد، هل هو صواب أو خطأ؟ وهذا قد تكون عبارة الناقد صريحة في الحكم به، كأن يقول: هو صحيح، أو هو خطأ، أو أخطأ فيه فلان، أو باطل، أو لا يصح، أو لا يعرف، أو لا أعرفه، أو يقول تلميذه: سألته عنه فلم يعرفه، ونحو ذلك.\nوقد تكون بالإشارة والإيماء، كأن يقول: تفرد به فلان -وهو ثقة- فهذا إشارة إلى تقويته، ما لم يدل السياق على خلاف ذلك، أو يقول: لم يتابع عليه فلان، فهذا إشارة إلى تضعيفه ورده.\nومن الإشارة أيضا أن يكون كلامه خرج موضع جواب لسؤال، كأن يسأل عن الحديث، فيقول: لم يروه إلا فلان، أو تفرد به فلان، ونحو ذلك، فهذا الظاهر منه نقده لهذا التفرد، وعدم قبوله.\nسأل الترمذي شيخه البخاري عن الحديث الماضي في الفصل الأول، وهو حديث عائشة مرفوعا: «ما خالطت الصدقة مالا إلا أهلكته»، فقال: «هكذا حدثونا عن محمد بن عثمان بن خلف مرفوعا، وهذا حديثه، ولا أعلم أحدا رفع هذا الحديث غيره» (^١).\nفالذي يفهم من سياق السؤال والجواب أنه استنكار للحديث ورد له، وإن لم يصرح البخاري بذلك.\nوكذلك إذا نقل الناقد حكما لناقد قبله وسكت عليه، فالظاهر أنه يقول به\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٣٢٧.","vol":"1","page":350},{"text":"ويعتمده، خاصة إذا كان جوابا لسؤال، كأن يسأل الناقد عن حديث فيذكر عن ناقد قبله أنه استنكره على أحد رواته لتفرده به.\nومن الإشارة أيضا أن يفهم من السياق أن الناقد قصد بذكر التفرد الثناء على الراوي، وبيان جلالته وسعة حفظه، أو عكس ذلك، كأن يكون في معرض تليينه والقدح فيه.\nفأما القدح فهو كثير جدا في الرواة، فجلُّ ما يذكر في كتب الرجال قصد به القدح في الراوي بهذا التفرد.\nوأما القبول والثناء على الراوي فمثل ثنائهم على الزهري، بذكر ما يتفرد به، كما تقدم في قول مسلم: «للزهري نحو من تسعين حرفا يرويه عن النبي - ﷺ -، لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد» (^١).\nوقد يفهم رأي الناقد من تصرفه، فإذا وضع الناقد حديثا في كتاب يجمع فيه الأحاديث الصحيحة فهو حكم منه بصحته، كما في صنيع البخاري ومسلم، وإذا أخرجه في كتاب قصد به ذكر أخطاء الرواة وما انتقد عليهم، فالظاهر أنه يستنكره على هذا الراوي الذي ذكره في ترجمته، مثل صنيع العقيلي في «الضعفاء»، وابن عدي في «الكامل»، وابن حبان في «المجروحين».\nمثاله حديث الصدقة الماضي آنفا، فقد ذكره ابن عدي في ترجمة (محمد بن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٦٤)، وانظر نماذج من أحاديث تفرد بها الزهري: «علل ابن أبي حاتم» المسائل: (٨٦٠)، (١٢٥٨)، (١٧٢٢)، (٢٦١١).","vol":"1","page":351},{"text":"عثمان الجمحي) ولم يزد على أن قال: «ومحمد بن عثمان بن صفوان يعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيره» (^١).\nوفي الجملة فإن مجرد إشارة الناقد إلى التفرد يصلح أن يكون متكأ لأن نأخذ منه أن الناقد يشير إلى ضعف في الإسناد بسبب هذا التفرد، ما لم يظهر بالقرائن خلاف ذلك.\nثالثا:<span data-type='title' id=toc-197> الغرض من الوقوف على كلام النقاد في التفرد الواقع في الإسناد هو الاعتماد على كلامهم</span>، والاحتجاج به، فالنقاد إذا اجتمعوا على تصحيح تفرد، أو على تضعيفه، وجب على الباحث أن يتابعهم، ولا يحق له حينئذ النظر في هذا التفرد، فقد كفي، وهذا العلم كغيره من العلوم، إجماع أهل الاجتهاد فيه حجة، كما سبق بيانه في مناسبة سابقة، في «الاتصال والانقطاع»، وذكرت هناك كلام أبي حاتم في تقرير هذه المسألة (^٢).\nوالأحاديث الصحيحة التي وقع الإجماع على قبول التفرد فيها وتصحيحها كثيرة، مثل حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إنما الأعمال بالنيات …» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) «الكامل» ٦: ٢٢١٤.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٦٦ - ٦٧.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (١)، (٥٤)، (٢٥٢٩)، (٣٨٩٨)، (٥٠٧٠)، (٦٦٨٩)، (٦٩٥٣)، و«صحيح مسلم» حديث (١٩٠٧)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٢٠١)، و«سنن الترمذي»\n\nحديث (١٦٤٧)، و«سنن النسائي» حديث (٧٥)، (٣٤٣٧)، (٣٨٠٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤٢٢٧)، و«مسند أحمد» ١: ٢٥، ٤٣.","vol":"1","page":352},{"text":"فهذا حديث وقع فيه تفرد بلفظه هذا في طبقاته الأربع، وقد صححه النقاد، واحتفوا به، فهو موافق للأصول، وفي مطلق النية أحاديث أخرى (^١).\nوحديث عمر هذا أول حديث في «صحيح البخاري»، ويشبهه آخر حديث فيه، وهو حديث محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة مرفوعا: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن …» الحديث، فقد وقع فيه التفرد أيضا في أربع طبقات كما تقدم في الفصل الأول من الباب الأول.\nوأما التضعيف بالتفرد فقد تقدم في الفصول الثلاثة السابقة أمثلة على توارد النقاد على الرد والاستنكار، وفي بعضها نقل إجماعهم على ذلك.\nوفي الاعتماد على إجماعهم لا يشترط أن ينقل الحكم بذلك عن جميع النقاد، فهذا غير ممكن، ولو اشترط لم يثبت إجماع في هذا العلم وغيره، ويكفي أن يتوارد عدد منهم على حكم بالتفرد، ولا مخالف لهم، فيجب الأخذ به.\nويلتحق بذلك ما إذا جاء حكم على تفرد وقع في حديث من الاثنين والثلاثة من النقاد، ولا مخالف لهم، بل لو جاء عن الواحد منهم ولا مخالف له، فالأسلم للباحث ألا ينازعه هذا الحكم، خاصة إذا كانت القرائن تؤيده، كأن\n_________\n(^١) انظر: «فتح الباري» ١: ١١.","vol":"1","page":353},{"text":"يكون ظهور الحديث جاء متأخرا، ثم استنكره مثل ابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، وأبي نعيم، والبيهقي، والخطيب، فينبغي الوقوف معه، فإن البحث عن أقوال للنقاد الآخرين، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، في حديث على هذه الشاكلة ليس في مكانه.\nوإذا وجد الباحث اختلافا بين النقاد، وكان جمهور النقاد على قول، فبإمكان الباحث أن يعتمد قول الجمهور، ويتكئ عليه، سواء بالقبول أو الرد.\nفأما في الرد فقد تقدمت له بعض الأمثلة، منها حديث شبابة، عن شعبة، عن بكير بن عطاء، عن عبدالرحمن بن يعمر، في (الدباء والمزفت)، وقد مضى في الفصل الأول، فقد استنكره جمهور النقاد على شبابة، وأما ابن المديني فدافع عنه، ومضى معه أيضا حديث سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «نعم الإدام الخل»، وحديث «بيت لا تمر فيه جياع أهله»، استنكرهما جماعة من النقاد على سليمان بن بلال، وهما في «صحيح مسلم».\nوكذلك حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، عن بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه أبي موسى مرفوعا: «المؤمن يأكل في معي واحد …» الحديث، استنكره جماعة من النقاد، وهو في «صحيح مسلم»، لكنه عنده في الشواهد (^١).\nوأما في القبول فمن أمثلته حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، عن محمد بن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٢)، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٤٥.","vol":"1","page":354},{"text":"المنكدر، عن جابر في (صلاة الاستخارة) (^١)، استنكره أحمد على عبدالرحمن بن أبي الموال، قال أبو طالب: «سألت أحمد بن حنبل عن عبدالرحمن بن أبي الموال، قال: عبدالرحمن لابأس به …، يروي حديثا لابن المنكدر …، ليس يرويه أحد غيره، هو منكر، قلت: هو منكر؟ قال: نعم، ليس يرويه غيره، لا بأس به، وأهل المدينة إذا كان حديث غلط يقولون: ابن المنكدر، عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت، عن أنس، يحيلون عليهما» (^٢).\nوأما البخاري فأخرجه في «صحيحه»، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: «حديث جابر حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدالرحمن بن أبي الموال، وهو شيخ مديني ثقة، روى عنه سفيان حديثا، وقد روى عن عبدالرحمن غير واحد من الأئمة».\nوقال ابن عدي في نهاية ترجمته وقد ذكر فيها استنكار أحمد لحديثه هذا: «هو مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روى حديث الاستخارة غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -، كما رواه ابن أبي الموال» (^٣).\nوحديث زكريا بن أبي زائدة، عن خالد بن سلمة، عن عبدالله البهي، عن\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١١٦٢)، (٦٣٨٢)، (٧٣٩٠)، و«سنن أبي داود» حديث (١٣٥٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٨٠)، و«سنن النسائي» حديث (٣٢٥٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٣٨٣)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٤٤.\n(^٢) «الكامل» ٤: ١٦١٦، وانظر: «مسائل حرب» ص ٤٧٣.\n(^٣) «الكامل» ٤: ١٦١٧.","vol":"1","page":355},{"text":"عروة، عن عائشة: «كان النبي - ﷺ - يذكر الله على كل أحيانه» (^١).\nسأل ابن أبي حاتم أبا زرعة عنه، فقال: «ليس بذاك، هو حديث لا يروى إلا من ذا الوجه» (^٢).\nوقد أخرجه مسلم في «صحيحه»، وعلقه البخاري في «صحيحه» جازما به (^٣)، وسأله عنه الترمذي فقال: «هو حديث صحيح» (^٤).\nوقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر قول أبي زرعة السابق: «فذكرت قول أبي زرعة لأبي -﵀- فقال: الذي أرى أن يذكر الله على كل حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث» (^٥).\nويتأكد ترجيح قول الجمهور إذا لاحت قرينة في قول مخالفهم، كما في تخريج الحديث في «الصحيحين» في الشواهد والمتابعات، أو يمرض الناقد رأيه، كأن يقول: أخشى أن يكون -أو أخاف أن يكون- غلطا، أو يقول: أرجو أن يكون محفوظا، أو لعله حفظه، ونحو ذلك.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣٧٣)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٣٨٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٢)، و«مسند أحمد» ٦: ٧٠، ١٥٣، ٢٧٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥١.\n(^٣) «صحيح البخاري» ١: ٤٠٧ كتاب (الحيض) (باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت).\n(^٤) «العلل الكبير» ٢: ٩٠٤.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥١.","vol":"1","page":356},{"text":"رابعا: في البحث عن كلام النقاد على حديث ينظر فيه الباحث، لا يكتفى بجمع كلامهم على التفرد الواقع فيه على ما فيه نص على الحديث المعين هذا، فهناك كلمات للنقاد لا بد من الاستفادة منها وإن لم تكن نصا في الحديث المعين، مثل أن ينص ناقد على نكارة الحديث، ثم يأتي نص عن ناقد آخر في الراوي أنه روى حديثا منكرا، أو أنه يروي المناكير، وقد ينص على أنه يرويها عن شيخ يسميه، يكون هو الموجود في إسناد الحديث.\nومثله لو جاء نص عن ناقد أن فلانا روى حديثا منكرا -ولم يعينه-، ثم وقف الباحث على حديث لهذا الراوي تفرد به، سواء بنص ناقد آخر أو بدونه، فالظاهر أنه يعني هذا الحديث، ويتأكد هذا إذا كان الناقد نص على النكارة وسمى شيخه، ثم وجد الحديث عن هذا الشيخ.\nويدخل في هذا أيضا ما يأتي عن النقاد من كلمات على أسانيد معينة أنها لا يثبت بها حديث، أو أن هذا الباب لا يصح فيه شيء، أو لا يثبت فيه شيء، أو كل ما في الباب ضعيف، مع وجود التفرد في شيء منها، فيستدل بذلك على أن الناقد لم يقبل هذا التفرد.\nوكل ما تقدم بالغ الأهمية بالنسبة للباحث وهو يجمع كلام النقاد، إذ عليه أن يدقق في العبارات، وأن لا يدع منها شيئا، سواء منها ما يتعلق بحديثه، أو بأحد رواته، أو بالسلسلة كلها، أو بالباب كله.\nوسأضرب لذلك بعض الأمثلة، فروى عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت،","vol":"1","page":357},{"text":"عن أنس، قال: «أخذ النبي - ﷺ - على النساء حين بايعهن أن لا ينحن، فقلن: يا رسول الله، إن نساء أسعدننا في الجاهلية، أفنسعدهن في الإسلام؟ فقال النبي - ﷺ -: لا إسعاد في الإسلام، ولا شغار، ولا عقر في الإسلام، ولا جلب في الإسلام، ولا جنب، ومن انتهب فليس منا» (^١).\nوروى عبدالرزاق أيضا عن معمر، عن ثابت، وأبان، وغير واحد، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: «لا شغار في الإسلام» (^٢)، وربما جاء هذا عن عبدالرزاق، عن معمر، عن ثابت وحده، عن أنس (^٣).\nوقد توارد عدد من الأئمة المتأخرين، والباحثين المعاصرين، على تصحيح هذا الحديث، ومنهم من يزيد على ذلك بأنه على شرط الشيخين.\nوأما النقاد المتقدمون فقد استنكروه، فنص أحمد على ذلك في هذا الحديث بعينه، فإنه سئل عن رواية معمر، عن ثابت، وأبان وغير واحد …، فقال: «هذا عمل أبان -يعني حديث أبان- وإنما معمر -يعني لعله دلسه-» (^٤).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ١٩٧، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٦٩٠)، وقد أخرج جملا منه أبو داود حديث (٣٢٢٢)، والترمذي حديث (١٦٠١)، والنسائي حديث (١٨٥١)، وعبد بن حميد حديث (١٢٥٣)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» حديث (١٨٩٥)، وابن حبان حديث (٣١٤٦)، والبيهقي ٤: ٦٢.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١٦٥، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٤٣٤)، و«المعجم الأوسط» حديث (٣٠٣٢).\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (١٨٨٥)، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١٢٥٦).\n(^٤) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٥.","vol":"1","page":358},{"text":"ومراد أحمد أن الحديث يرويه معمر، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك الحديث، وأما روايته له عن ثابت فهي منكرة، ولعله دلسه عنه، وغرض أحمد تبرئة معمر من هذا المنكر (^١).\nوقال المروذي: «سألته عن حديث معمر، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - نهى عن الشغار»، فقال: هذا حديث منكر من حديث ثابت» (^٢).\nوالشاهد هنا أن الباحث حين نظره في أقوال النقاد لا يكتفي باستنكار أحمد له، فقد جاء استنكاره عن ابن المديني أيضا، وإن لم ينص على هذا الحديث، فقد تكلم في رواية معمر، عن ثابت بإطلاق، فقال: «في أحاديث معمر، عن ثابت، أحاديث غرائب ومنكرة»، وذكر ابن المديني أنها تشبه أحاديث أبان بن أبي عياش (^٣)، وهذا يوافق قول أحمد.\nوكذا ابن معين، فقد جاء عنه قوله: «حديث معمر، عن ثابت، وعن جماعة مضطرب كثير الأوهام» (^٤)، وقال أيضا: «حديث معمر، عن ثابت، ضعيف» (^٥).\nوقال العقيلي في كلامه على أصحاب ثابت المعروفين: «أنكرهم رواية عن\n_________\n(^١) ينظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٣٧٠.\n(^٢) «علل المروذي» ص ١٥٠.\n(^٣) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.\n(^٤) «إكمال تهذيب الكمال» ١١: ٣٠، ٣٠١، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.\n(^٥) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٠٤.","vol":"1","page":359},{"text":"ثابت: معمر» (^١).\nوروى عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده، ولا يقطعه» (^٢).\nوقد ذكر هذا الحديث عبدالحق الإشبيلي، ثم قال: «رواه عبدالرحمن بن إبراهيم القاص، وقد أنكره عليه أبو حاتم، ووثق، وضعف» (^٣).\nفتعقبه ابن القطان بقوله: «كذا قال، وهو يروي عن العلاء، وروى عنه جماعة، ولا يتعين أن يكون الذي أنكره أبو حاتم عليه هو هذا الحديث بعينه، ولعله حديث آخر، قال أبو محمد بن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: ليس بالقوي، روى حديثا منكرا عن العلاء، وقال أيضا: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي: عبدالرحمن بن إبراهيم كان قاصا، من أهل المدينة، كان عنده كراسة فيها للعلاء بن عبدالرحمن، وليس به بأس» (^٤).\nوالذي يظهر أن صنيع عبدالحق هو الصواب، فأبو حاتم استنكر له حديثا يرويه عن العلاء بن عبدالرحمن، وهذا الحديث تفرد به عن العلاء، فالظاهر أنه يعنيه.\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩١.\n(^٢) «سنن الدارقطني» ٢: ١٩، و«سنن البيهقي» ٤: ٥٩.\n(^٣) «الأحكام الوسطى» ٢: ٢٣٨.\n(^٤) «بيان الوهم والإبهام» ٥: ٣٧٥، ٢: ٢٠٧، و«الجرح والتعديل» ٥: ٢١١، و«مسائل صالح» ص ٣٠٧، وفيه -مع تقديم وتأخير- زيادة: «حدثنا عنه عفان».","vol":"1","page":360},{"text":"وقد قال أحمد فيما روى عنه ابنه صالح: «من أفطر من رمضان أو غيره، من مرض أو سفر، إن صام متتابعا فهو الذي لا اختلاف فيه، وإن صام متفرقا فهي رخصة، قال الله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، وقد قيل: أحص العدة، وصم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته»، قال صالح: «وأنكر أبي على من يقول: لا يجزئه إلا متتابع» (^١).\nفكلام أحمد -وقد عرف نسخة عبدالرحمن القاص، عن العلاء- يؤيد أن الحديث الذي استنكره أبو حاتم هو حديث الصوم هذا.\nثم لما كتبت هذا وجدت ابن حجر قد ذكر كلام عبدالحق، وتعقب ابن القطان له، ثم قال ابن حجر: «قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبدالرحمن» (^٢)، فحسم الأمر.\nومما يتصل بهذا الحديث أن أقوال النقاد الذين ضعفوا الراوي نفسه يضمها الباحث إلى أقوال من تكلم في حديثه المعين، ويجعلها ردا منهم لحديثه هذا بالتفرد، واستنكارا له، خاصة من تكلم فيه مع ذكر حديثه هذا.\nفهذا الراوي قال فيه أبو داود: «هو عندي منكر الحديث» (^٣).\nوقال فيه النسائي: «ليس بالقوي» (^٤).\n_________\n(^١) «مسائل صالح» ص ٢٦٣.\n(^٢) «التلخيص الحبير» ٢: ٢١٨.\n(^٣) «سؤالات الآجري لأبي داود» ١: ٣٨٧.\n(^٤) «الضعفاء والمتروكين» ص ٦٧.","vol":"1","page":361},{"text":"واختلف فيه قول ابن معين، فقال مرة: «ليس بشيء»، وقال مرة: «ثقة» (^١).\nوذكره العقيلي في «الضعفاء»، وساق من مفاريده حديثين استنكرهما عليه (^٢).\nوقال ابن حبان: «منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، وليس بمشهور في العدالة فيقبل منه ما انفرد به …» (^٣).\nوكذا ضعفه الدارقطني بعد أن أخرج حديثه، ونقله عنه البيهقي مقرا له، ونقل تضعيفه عن نقاد آخرين.\nوعلى هذا فيصح للباحث أن يذكر أن هؤلاء النقاد جميعا قد استنكروا حديث الصوم هذا على عبدالرحمن، وضعفوه بتفرده به.\nولا يصح أن يقال: لم لا يذكر الباحث في مقابل هذا أن من ذهب إلى تقوية عبدالرحمن يقبل تفرده بهذا الحديث، فهو صحيح أو حسن عنده؟ لأن تقوية الراوي لا يلزم منها تقوية حديثه المعين، وقد سبق شرح هذا في الفصل الأول، وسبق أيضا في الفصل الثاني بيان أن عدم إدراك هذا أو استحضاره حال الكلام على الحديث هو الذي أدى بالمتأخرين إلى مخالفة أئمة النقد، والاعتماد على حال الراوي فقط، كما فعل ابن القطان في كلامه على هذا الحديث، فقد انتهى إلى أنه حديث حسن، لأن عبدالرحمن مختلف فيه.\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٣٤٣.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٢: ٣٢٠.\n(^٣) «المجروحين» ٢: ٦٠.","vol":"1","page":362},{"text":"والخلاصة في هذا الحديث أن جمعا من النقاد استنكروه على عبدالرحمن، ولا معارض لهم من النقاد ألبتة.\nوروى أحمد بن عيسى بن عبدالجبار التنيسي، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبدالله، عن عائشة قالت: «دخل رسول الله - ﷺ - الكعبة ما خلف بصرُه موضع سجوده حتى خرج منها» (^١).\nسئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا حديث منكر» (^٢).\nفأبو حاتم نص على نكارة الحديث، فلا يصح أن يقال: استنكار أبي حاتم يقابله تصحيح ابن خزيمة له، ذلك أن النقاد قد تواردوا على استنكار رواية أهل الشام عن زهير بن محمد، وهذا الحديث منها، ثم منهم من جعل سبب النكارة من زهير نفسه، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من ذكر أن أهل الشام غلطوا عليه، بل منهم من ذهب إلى أنه ليس زهير بن محمد المعروف، وإنما هو آخر قلب أهل الشام اسمه (^٣).\nوعمرو بن أبي سلمة تكلم فيه، وقال أحمد في خصوص روايته عن زهير: «روى عن زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صدقة بن عبدالله، فغلط فقلبها عن زهير» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٠١٢)، و«المستدرك» ١: ٤٧٩، و«سنن البيهقي» ٥: ١٥٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٨.\n(^٣) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١١٣.\n(^٤) «الضعفاء الكبير» ٣: ٢٧٢، و«الجرح والتعديل» ٦: ٢٣٥، و«تهذيب التهذيب» ٨: ٤٤.","vol":"1","page":363},{"text":"والراوي عن عمرو وهو أحمد بن عيسى قال فيه ابن عدي: «ذكر عنه غير حديث لا يحدث به غيره عن عمرو بن أبي سلمة، وغيره»، ثم ذكر حديثا له عن عمرو، ثم قال: «وهذا حديث باطل بهذا الإسناد، مع أحاديث أخر يرويها عن عمرو بن أبي سلمة بواطيل».\nوكذا تكلم فيه ابن يونس، وابن حبان، والدارقطني، وكذبه مسلمة بن قاسم، وابن طاهر (^١).\nفالخلاصة أن هذا الحديث منكر عند سائر النقاد، من نص منهم عليه، ومن أجمل القول في رواية أهل الشام عن زهير، ومن تكلم في عمرو بن أبي سلمة، أو في أحمد بن عيسى، ولا يؤثر اختلافهم في سبب نكارة هذه الأحاديث التي تروى بهذه النسخة، فكلها بهذه المثابة.\nوروى إدريس بن يحيى الخولاني، عن عبدالله بن عَيَّاش القتباني، عن عبدالله بن سليمان المصري المعروف بالطويل، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا حديث منكر» (^٣).\n_________\n(^١) «الكامل» ١: ١٩٤، و«المجروحين» ١: ١٤٦، و«لسان الميزان» ١: ٢٤٠، و«تهذيب التهذيب» ١: ٦٥.\n(^٢) «مسند الروياني» حديث (١٤٣٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٤٦٧)، و«المعجم الأوسط» (٦٤٣٤)، و«معرفة علوم الحديث» ص ١٩٥، و«الحلية» ٨: ٣٢٠.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٢.","vol":"1","page":364},{"text":"وقال البزار في عبدالله بن سليمان: «حدث بأحاديث لم يتابع عليها» (^١).\nوقال الطبراني بعد أن أخرجه: «لم يرو هذا الحديث عن نافع إلا عبدالله بن سليمان، ولا عن عبدالله بن سليمان إلا عبدالله بن عياش، تفرد به إدريس بن يحيى، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد».\nوبنحو هذا قال أبو نعيم، ثم نسبه للطبراني.\nفكلام النقاد هذا كله حكم على الحديث بالنكارة، من صرح بذلك، ومن تكلم في أحد رواته، ومن نص على الغرابة والتفرد.\nخامسا: في تصنيف الباحث للنقاد، والتدقيق في موقفهم من التفرد في حديث بين يديه، يراعي غرضه من النظر في هذا الحديث، فإن كان غرضه الحديث نفسه لم يبال فيما يجده من اختلافات بين النقاد حين يستنكرون الحديث، مثل أن يجعل بعضهم عهدة النكارة على راو، ويجعلها آخر على راو قبله، ويجعلها ثالث على راو بعده، أو يلمح بعضهم إلى احتمال عدم السماع، فعهدة النكارة على من أسقط من الإسناد.\nوكذلك في التماس النقاد لسبب وقوع الراوي في الخطأ، وفي المسار الصحيح لهذا الحديث، ففي مثل هذا يقع اختلاف بين النقاد في تعيينه.\nفهذه الاختلافات غير مؤثرة إطلاقا في كون هؤلاء النقاد يرون نكارة هذا الحديث، وتضعيفه ورده بالتفرد، كما تقدم.\n_________\n(^١) «تهذيب التهذيب» ٥: ٢٤٥.","vol":"1","page":365},{"text":"أما إذا كان غرض الباحث شيئا خاصا غير حال الحديث نفسه، مثل البحث في راو معين من رواة الإسناد، وكلام النقاد حوله، وما استنكر عليه، أو البحث في أسباب وقوع الرواة في الخطأ، فهنا يقف الباحث عند كلام النقاد، ويجعل اختلافهم مؤثرا في القضية التي يتناولها.\nوقد تكرر فيما مضى -وسيأتي لاحقا- التنبيه على أن النقاد لهم غرض في الحديث نفسه، ودرجته، وهل يثبت أو لا؟ ولهم أغراض أخرى في الإسناد، مثل سماع الرواة بعضهم من بعض، وحال رواة الإسناد بإطلاق، أو في شيخ معين، فإن هذا كله إنما يعرف من خلال أحاديث الرواة، وتحديد ما أخطأ وما أصاب فيه الراوي.\nسادسا: مما يلزم الباحث الاعتناء به في جمعه لأقوال النقاد في التفرد، ونظره فيها، أن يدقق جيدا في صفة التفرد الذي أراده الناقد، فقد تقدم في أول هذا الباب أن التفرد منه ما هو مطلق، ومنه ما هو نسبي، إما عن راو معين، أو بصفة معينة في الإسناد أو المتن، فالناقد قد يقول: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وقد يقول: هذا حديث منكر، ولا يزيد على ذلك، ولكن يتبين بعد الدراسة، والنظر في الطرق الأخرى، وكلام النقاد الآخرين، أن غرضه نكارة الحديث بهذا الإسناد فقط، وللحديث طريق آخر لا نكارة فيه.\nفإذا روى الحديث سفيان بن عيينة -مثلا- عن شيخ له، واشتهر الحديث عن سفيان، ثم جاء إسناد فيه غرابة وتفرد عن سفيان الثوري، عن هذا الشيخ بعينه، واستنكر الناقد طريق سفيان الثوري، عرفنا أنه أراد نكارته من هذا","vol":"1","page":366},{"text":"الطريق فقط، سواء صرح بذلك أو سكت.\nوقد يقول الناقد: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وبعد التفتيش يتبين أنه لا إسناد لهذا المتن إلا هذا الإسناد، فغرض الناقد نكارته مطلقا، وقوله: بهذا الإسناد، زيادة تأكيد.\nوقد ينفي الناقد النكارة والتفرد عن راو، ومراده إلى هذا الراوي، وأما بعده فهو منكر.\nمثال ذلك أن معمر بن سليمان الرقي، روى عن عبدالله بن بشر، عن أبان، وحميد، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - سئل عن الرجل يقبل امرأته وهو صائم، قال: هي ريحانة يشمها إذا شاء» (^١).\nسئل أبو زرعة عن هذا الحديث، فقال: «أما من حديث حميد منكر، وأما أبان فقد روي عنه» (^٢).\nومراد أبي زرعة أن الرواية عن حميد الطويل لا تصح عنه، فالحديث منكر عنه لم يروه أصلا، وأما أبان بن أبي عياش فليست بمنكرة عنه، فقد روي عنه الحديث من غير هذا الطريق، فجاء عنه من طريق مروان بن معاوية، وعبدالوارث بن سعيد (^٣).\n_________\n(^١) «الكامل» ٤: ١٥٥٩.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦١.\n(^٣) «ذكر أخبار أصبهان» ١: ١٢٥، و«المطالب العالية» حديث (١٠٩٠).","vol":"1","page":367},{"text":"والحديث وإن لم يكن منكرا عن أبان، لكنه منكر عن أنس، فأبان متروك الحديث، ولما سئل أبو حاتم عن رواية المسيب بن واضح، عن معتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، قال: «هذا حديث باطل، وليس هو من حديث حميد، إنما هو حديث أبان» (^١).\nفبين أولا بطلان الحديث كله، ثم بين أنه لا يصح عن حميد، وإنما الذي يرويه هو أبان بن أبي عياش.\nوالمقصود هنا أن تحديد مراد الناقد بالتفرد والتضعيف به، أو نفي ذلك، في غاية الأهمية بالنسبة للباحث، فيتأكد من مراد الناقد بالتأمل في سياق الكلام، وبالنظر في الطرق الأخرى، وأقوال النقاد الآخرين.\nسابعا: مع أهمية كلام النقاد في التفرد، ورد هذا التفرد أو قبوله، فالباحث أمامه عمل كبير يقوم به، ليتمم عمل النقاد، لا ليقضي عليه، فكثير من الباحثين يظن أن الباحث انتهت مهمته إذا قيل له: ابحث عن كلام النقاد في الحديث وأثبته، وليس الأمر كذلك قطعا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى جهد الباحث، وخبرته، وإظهار مقدرته النقدية.\nوقد أخرت الكلام في هذه القضية بغرض التأكيد عليها وإبرازها، وتسهيل إدراكها على الباحث، إذ قد تقدم في هذا الباب مسائل كثيرة في التفرد يدرك الباحث من خلال عرضها أن نقد المرويات لا يزال بحاجة إلى جهده المبارك،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٦.","vol":"1","page":368},{"text":"شريطة أن يكون راسخ الإيمان بالمهمة المنوطة به، محتفلا بها، مدركا لعظمها، مستشعرا لحاجته إلى الكثير من التدرب والممارسة ليقوم بها، قد تقرر لديه طبيعة هذه المهمة وحدودها، وأنها النيابة عن أئمة النقد، وتتميم الجهد العظيم الذي قاموا به، والابتعاد عن المناهج المخطئة في التعامل مع تفرد الراوي، التي أدت إلى تصحيح وتحسين مئات الأحاديث المنكرة الباطلة، ونسبتها إلى رسول الله - ﷺ - زورا وبهتانا.\nومن المناسب هنا أن أذكر الباحث بشيء من المهام المنوطة به فيما يتعلق بالتفرد.\nفمن هذه المهام:\n- جمع كلام النقاد من المصادر المتفرقة، وهي -كما تقدم إيضاح ذلك- من الكثرة والتنوع بمكان، ويشمل الجمع ما كان من كلامهم صريحا، وما كان إيماء وإشارة، وما استدل عليه بالتصرف، وما كان في الحديث المعين، أو في عموم أحاديث الراوي، أو في درجته هو، والتمعن في كلام الناقد، وتحديد مراده بالتفرد، هل هو مطلق أو نسبي؟ .\n- تصنيف أقوال النقاد، من كان منهم يذهب إلى التضعيف والرد بهذا التفرد، ومن كان منهم يقبله، ومن توقف في ذلك أو تردد، أو جاء عنه قولان متعارضان، وما يتبع ذلك من تقرير وجود إجماع على الرد، أو القبول، أو وجود اختلاف، وتحديد درجة هذا الاختلاف، هل هو قوي أو ضعيف؟ .","vol":"1","page":369},{"text":"- يجتهد الباحث في بيان سبب النكارة حين يذهب إليها الناقد، ويكون كلامه خاليا من ذلك، فينظر في الضوابط السابقة للتفرد، ويجتهد في تطبيقها على حديثه الذي ينظر فيه، فيقول مثلا: وإنما استنكروه على فلان لأنه ليس بالقوي في فلان، وقد تفرد به عنه، مع كثرة أصحابه، وفيهم حفاظ ثقات ملازمون له، ومع كون هذا المتن في أمر مهم، ونحو ذلك.\n- في حال اختلاف النقاد في عهدة النكارة ومن يتحملها يسعى الباحث من خلال نظره في القرائن والطرق الأخرى أن يكون له رأي في هذا الاختلاف، فيقول مثلا: استنكره الترمذي على فلان، وبالنظر في الطرق فقد توبع من جماعة، فالظاهر رجحان قول أحمد أن النكارة من فلان.\nأو يقول: فلان أشد ضعفا من فلان، فالظاهر أن النكارة منه، كما قاله ابن معين، وليس من فلان، كما ذهب إليه الدارقطني.\n- في حال اختلاف النقاد في قبول أو رد الحديث بالتفرد، يجتهد الباحث في شرح أسباب القبول، وشرح أسباب الرد، مستعينا بضوابط التفرد، وما يجده من كلام للنقاد في هذا الحديث بعينه.\n- إذا وجد الباحث اختلافا في القبول والرد، وكان معه من الدلائل والقرائن، وطول الممارسة، ما يستطيع به أن يرجح بين أقوالهم، فعل ذلك، وأبدى رأيه بعبارة مناسبة، تليق بعظم الموقف، وعظم من يشاركهم النقد.\nوقد يتوقف عن الترجيح إن رأى أن نهاية إقدامه عند هذه النقطة، فلا","vol":"1","page":370},{"text":"متقدم له ولا متأخر.\nوقد يصرح بأنه اختار القبول أو الرد لأنه قول الجمهور.\n- إذا مر بالباحث إسناد وقع فيه تفرد، ولم يجد لأئمة النقد فيه كلاما، فبإمكانه أن يجتهد في تطبيق ضوابط القبول والرد بالتفرد على هذا الإسناد.\nولو لم يكن عنده سوى هذه المهمة لكانت كافية، لما نراه من كثرة الغرائب والأفراد في الكتب المتأخرة، وليس للنقاد في كل حديث بعينه كلام، وقد اعتمدها المتأخرون كثيرا في تصحيح الأحاديث المروية بها، فحرموا أنفسهم مشاركة أئمة النقد هذا العلم الشريف، وجنوا على سنة نبيهم، فأكثروا من تصحيح ما لا يصح.\nونظرا لكون هذه القضية لم يتقدم لها مثال فيما مضى، فسأضرب لها مثالا، فقد روى الطبراني عن يحيى بن عثمان بن صالح، عن أحمد بن زيد القزاز، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبدالله بن شوذب، عن أبي التياح، عن أنس مرفوعا: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك».\nفهذا الحديث وضعه الضياء المقدسي في «الأحاديث المختارة» (^١)، بناء على ظاهر إسناده، لكنه حديث منكر جدا لا يصح، فالمشهور في هذا حديث أيوب بن سويد -وهو ضعيف- عن عبدالله بن شوذب، وقد ذكر الطبراني بعد\n_________\n(^١) «الأحاديث المختارة» حديث (٢٧٨٣).","vol":"1","page":371},{"text":"تخريجه أنه تفرد به أيوب (^١).\nوأما طريق ضمرة فيحتمل أن يكون خطأ ممن دونه.\nوأحمد بن زيد القزاز، لم يذكر في تلاميذ ضمرة بن ربيعة، ولا في شيوخ يحيى بن عثمان، وله ذكر في تراجم بعض شيوخه، والآخذين عنه، ولم أقف له على ترجمة (^٢)، ويحيى بن عثمان بن صالح متكلم فيه أيضا.\nولو صح الإسناد إلى ضمرة فالحديث منكر، فضمرة مع ثقته قد استنكر له النقاد أحاديث، تقدم منها في الفصل الثالث حديثه عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعا: «من ملك ذا رحم محرم فقد عتق».\nومما استنكر عليه أيضا حديث آخر، يرويه عن عبدالله بن شوذب، عن ثابت، عن أنس، استنكره عليه أحمد (^٣).\nوقد قال الساجي: «صدوق يهم، عنده مناكير» (^٤).\nوفي أحاديث الباب كلها يقول الشافعي: «هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث» (^٥).\n_________\n(^١) «الكامل» ١: ٣٦٢، و«المعجم الصغير» حديث (٤٧٥)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٣٥، و«المستدرك» ٢: ٥.\n(^٢) «ذيل تاريخ بغداد» ١٧: ٢٢٢، و«تاريخ دمشق» ٥٣: ٣٣٥، و«تهذيب الكمال» ٢: ٢٠٨، ٣٠: ١٥٨، و«تاريخ الإسلام» ٢٦: ٤٢٠.\n(^٣) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٩.\n(^٤) «إكمال تهذيب الكمال» ٧: ٣٧.\n(^٥) «السنن الكبرى» ١٠: ٢٧١.","vol":"1","page":372},{"text":"ويقول أحمد: «حديث باطل، لا أعرفه من وجه صحيح» (^١).\nفهذه الأقوال كلها داخلة في استنكار هذا الطريق وتضعيفه ورده بالتفرد.\nوروى جماعة عن محمد بن عمر بن يزيد الزهري، عن أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (^٢).\nفتعرض أحد المشايخ المعاصرين لتخريج الحديث، فعزاه إلى أبي نعيم في «الطب»، و«أخبار أصبهان»، وذكر أنه فيها من طرق عن أبي داود الطيالسي، وانتهى إلى أن الإسناد حسن لذاته، والحديث ليس له إلا طريق واحد عن أبي داود الطيالسي، وهو طريق محمد بن عمر الزهري، لكن وقع تحريف عند أبي نعيم، فظنها الشيخ طرقا مختلفة.\nومحمد بن عمر هذا أخو الحافظ عبدالرحمن بن عمر الزهري المعروف برسته، وليس في ترجمته ذكر لحاله (^٣)، فهو مجهول، وقد تفرد به عن أبي داود الطيالسي، ولهذا لا يوجد هذا الحديث إلا في هذه المصادر النازلة، لكن منهج الشيخ أنه لا يلتفت لتأخر المصادر، ولا لظهور الحديث بعد عصر النقاد،\n_________\n(^١) «التلخيص الحبير» ٣: ١١٣.\n(^٢) «طبقات المحدثين بأصبهان» ٤: ١٧٦، و«معجم ابن المقرئ» حديث (٦٧٥)، و«الطب النبوي» لأبي نعيم حديث (١٥١)، و«ذكر أخبار أصبهان» ١: ١٩٥، ٣٥٣، ٢: ٦٩.\n(^٣) «فتح الباب في الكنى والألقاب» لابن منده ص ٥١٢، و«ذكر أخبار أصبهان» ٢: ١٨٧، و«تاريخ الإسلام» ٢٠: ١٧٥.","vol":"1","page":373},{"text":"ولو صح هذا عن أبي داود الطيالسي لاشتهر جدا، ولخرجه الأئمة في كتبهم.\nوأكثر من ذلك أن الشيخ عتب على بعض الأئمة المتأخرين، وأنهم ظلموا هذا الحديث، فلم يذكروه إلا بإسناد عند الطبراني فيه راو متروك (^١)، والحقيقة أن الشيخ بتحسينه طريق أبي داود هو الذي ظلم هذا الحديث.\nقيل لأحمد: أتعرف عن النبي - ﷺ - أنه قال: «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل»؟، فقال: «لا أعرفه، إنما هذا عن منصور، عن مجاهد، عن عمر» (^٢).\n * * *\n_________\n(^١) «المعجم الأوسط» حديث (٢٨).\n(^٢) «منتخب علل الخلال» ص ٨٤.","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>الباب الثالث\nاختلاف الرواة</span>\nوفيه: مدخل، وفصول:\nالفصل الأول: أنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه، ومنهج المتأخرين.\nالفصل الثاني: قرائن الترجيح والموازنة.\nالفصل الثالث: مسائل متفرقة في النظر في الاختلاف.\nالفصل الرابع: جهد الباحث وكلام النقاد.\nالفصل الخامس: الاختلاف عن المدار والحكم النهائي.","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>مدخل:</span>\nيتفاوت الرواة تفاوتا كبيرا في أشياء عديدة، منها الصدق، والحفظ والإتقان، وملازمة الشيخ، والجمع بين الحفظ في الصدر والكتاب، والتحديث منهما، والالتزام باللفظ، وإتقان اللغة العربية، وغير ذلك مما تقدم شرحه في القسم الأول «الجرح والتعديل»، وعلى هذا الأساس وضع النقاد مراتب للرواة.\nثم إن زمن تحديث الراوي بالحديث قد يمتد لفترة طويلة، فيحدث به مرات عديدة تصل في بعض الأحاديث إلى المئات، وتختلف مناسباتها، وأماكنها، فيرويه تاما، ويرويه أيضا مختصرا، أو ينشط فيسنده، ويفتر فيرسله، أو يرويه عن عدد من الشيوخ، فيكتفي أحيانا ببعضهم، وقد يكون ذلك كله على سبيل السهو والخطأ.\nوترتب على هذا وغيره وجود اختلاف بين الرواة في رواية النصوص، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، فقل حديث إلا وقد وقع فيه شيء من الاختلاف في إسناده أو متنه.\nو<span data-type='title' id=toc-213>معنى الاختلاف:</span> أن يروي اثنان -أو أكثر- حديثا عن شيخ لهم -فهو المدار إذن- فيختلفون في صفة روايتهم لهذا الحديث عنه، إسنادا، أو متنا، وقد يكون الاختلاف في الشيخ نفسه، كاسمه ونسبه، ونحو ذلك.\nفإذا جمع الباحث طرق الحديث، عليه أن يتمعن في أماكن التقاء الطرق، فإذا التقت عند راو نظر فيه، وفي صفة الرواية بعده، هل هي متفقة، أو مختلفة؟","vol":"1","page":377},{"text":"وإذا كانت مختلفة فما صفة هذا الاختلاف؟ وهذا قد طلب منه أثناء جمعه للطرق، وكتابتها في رسم توضيحي، كما تقدم شرحه في الفصل الثالث من الباب الأول.\nوالآن يدخل الباحث في النظر في هذا الاختلاف، ما سببه، وما نتيجة النظر فيه؟\nوفي باب (اختلافات الرواة في إسناد الحديث أو متنه) قضايا كثيرة جدا، إذ هو أحد أركان علم نقد المرويات، بل هو أعظم أركانه، وهو ما يعرف اصطلاحا بعلم العلل، وسأعرض لهذه القضايا في عدة فصول.\n * * *","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>الفصل الأول\nأنواع الاختلاف، ومنهج النقاد فيه ومنهج المتأخرين</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: أنواع الاختلاف.\nالمبحث الثاني: منهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين.","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>المبحث الأول\nأنواع الاختلاف</span>\nتنقسم الاختلافات الواقعة بين الرواة قسمين رئيسين، وتحت كل قسم أنواع متعددة.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>القسم الأول: الاختلاف في إسناد الحديث:\nويندرج تحت هذا القسم أنواع:</span>\n<span data-type='title' id=toc-217>النوع الأول: وصل الحديث وإرساله:</span>\nمثاله: ما رواه معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ قال: «أقام رسول الله - ﷺ - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة» (^١).\nورواه علي بن المبارك وغيره، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان مرسلا، ليس فيه جابر بن عبدالله (^٢).\nوروى الفضل بن موسى السيناني، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبدالله بن السائب، قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب، فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٢٣٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٥.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٢٠٨، و«سنن البيهقي» ٣: ١٥٢.","vol":"1","page":381},{"text":"فليذهب» (^١).\nورواه عبدالرزاق، وهشام بن يوسف، وسفيان الثوري، عن ابن جريج، عن عطاء مرسلا، ليس فيه عبدالله بن السائب (^٢).\nوروى حماد بن سلمة، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه- عن أيوب السختياني، عن عبدالله بن زيد أبي قلابة، عن عبدالله بن يزيد، عن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقسم فيعدل، ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» (^٣).\nورواه معمر، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وعبدالوهاب الثقفي -في بعض الروايات عنه-، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن النبي - ﷺ -، ليس فيه عبدالله بن يزيد، ولا عائشة (^٤).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١١٥٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٩٠).\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٥٦٧٠)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨٠، و«سنن البيهقي» ٣: ٣٠١.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢١٣٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١١٤٠)، و«سنن النسائي» حديث (٣٩٥٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٩٧١)، و«مسند أحمد» ٦: ١٤٤، و«تفسير الطبري» ٥: ٣١٥.\n(^٤) «سنن الترمذي» بعد حديث (١١٤٠)، و«سنن النسائي» بعد حديث (٣٩٥٣)، و«تفسير عبدالرزاق» ٢: ١٢٠، و«طبقات ابن سعد» ٢: ٢٣١، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣٨٦، و«تفسير الطبري» ٥: ٣١٥.","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>النوع الثاني: رفع الحديث ووقفه:</span>\nإما وقفه على صحابيه، أو على راو ممن دونه.\nمثاله: ما رواه أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس مرفوعا: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها» (^١).\nورواه وكيع بن الجراح، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس موقوفا عليه من قوله (^٢).\nوروى مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة مرفوعا: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية …» الحديث (^٣).\nورواه سليمان التيمي، وأبو بشر جعفر بن إياس، عن طلق بن حبيب من قوله موقوفا عليه (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١١٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٠١).\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٠٢).\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٧٥٧)، و«سنن النسائي» حديث (٥٠٥٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٩٣)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣٧.\n(^٤) «سنن النسائي» حديث (٥٠٥٦ - ٥٠٥٧)، و«سنن الدارقطني» ١: ٩٥.","vol":"1","page":383},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>النوع الثالث: ذكر راو في الإسناد وحذفه:</span>\nوهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في الفصل الثالث من «الاتصال والانقطاع» المتعلق بالتدليس (^١).\nومن أمثلته أيضا: ما رواه هشيم، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن فضالة بن عبدالله الليثي، قال: «أتيت رسول الله - ﷺ - فأسلمت، وعلمني الصلوات الخمس في مواقيتها …» الحديث (^٢).\nورواه زهير بن إسحاق السلولي، وعلي بن عاصم، وخالد الواسطي -في بعض الطرق إليه-، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن عبدالله بن فضالة، عن أبيه (^٣)، وقيل في الإسناد غير ذلك (^٤).\nوروى بعض أصحاب ابن المبارك، عنه، عن سفيان الثوري، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها» (^٥).\nورواه جماعة منهم عبدالرحمن بن مهدي، وهناد بن السري، وحسن بن\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ١٧٠ - ٣٧٥.\n(^٢) «مسند أحمد» ٤: ٣٤٤، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٤١).\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٤٢٨)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٩٩٦)، و«سنن البيهقي» ١: ٤٦٦.\n(^٤) «التاريخ الكبير» ٥: ١٧٠، و«الجرح والتعديل» ٥: ١٣٥، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٤٢).\n(^٥) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٤٨٠.","vol":"1","page":384},{"text":"الربيع، وعتاب بن زياد، وعلي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، ليس فيه سفيان الثوري (^١).\nورواه جماعة منهم الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، وصدقة بن خالد -وروي أيضا عن ابن المبارك-، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد الغنوي، ليس فيه أبو إدريس الخولاني (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-220>النوع الرابع: إبدال بعض رواة الإسناد بغيرهم:</span>\nوقد يكون المبدل واحدا، هو شيخ المختلف عليه، أو شيخ شيخه، أو صحابي الحديث، وقد يبدل أكثر من راو، بل قد يبدل الإسناد كله بعد الشيخ المختلف عليه.\nومن أمثلته: ما رواه جماعة منهم عفان، وروح بن عبادة، وعبدالرحمن بن مهدي، وحجاج بن منهال، وهدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، أشعث بن عبدالرحمن، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير مرفوعا: «إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض …» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥٠)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥١)، و«سنن النسائي» حديث (٧٥٩)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥، و«المعجم الكبير» ١٦: ١٩٣ حديث (٤٣٣ - ٤٣٤).\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٨٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٨٠٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٧٤، و«صحيح ابن حبان» حديث (٧٨٢).","vol":"1","page":385},{"text":"ورواه عباد بن منصور، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي صالح الحارثي، عن النعمان بن بشير (^١)، وكذا رواه النضر بن معبد، عن أبي قلابة (^٢).\nوقيل عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبدالرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس (^٣).\nوروى جماعة منهم زهير بن معاوية، وعبدالوهاب الثقفي، وعبدالله بن نمير، وجرير بن حازم، ويزيد بن هارون، وسفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن عبدالرحمن الأنصاري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة: «كان النبي - ﷺ - يصلي ركعتي الفجر فيخففهما …» الحديث (^٤).\nورواه مروان بن معاوية الفزاري، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمرة، جعل محمد بن يحيى مكان محمد بن عبدالرحمن (^٥).\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٨٠٢)، و«المعجم الأوسط» حديث (١٣٨٢).\n(^٢) «الكامل» ٧: ٢٤٩٠.\n(^٣) «المعجم الكبير» حديث (٧١٤٦).\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (١١٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٧٢٤)، و«سنن أبي داود» حديث (١٢٥٥)، و«سنن النسائي» حديث (٩٤٥)، و«مسند أحمد» ٦: ١٦٤، ١٦٥، ١٨٦، ٢٣٥، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٩٩١)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١١١٣)، و«مستخرج أبي عوانة» ٢: ٢٧٥.\n(^٥) «تحفة الأشراف» ١٢: ٤١٥، ورواية مروان في «مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٠٣)، لكن وقع فيه: «عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه، عن عائشة»، والظاهر أنه تصحيف.","vol":"1","page":386},{"text":"ورواه هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، جعل أبا بكر بن محمد مكان محمد بن عبدالرحمن (^١).\nوروى جماعة منهم عاصم بن علي، وأبو داود الطيالسي، وحجاج بن محمد، ويزيد بن هارون، وأسد بن موسى، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي - ﷺ - قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه» (^٢).\nورواه جماعة منهم حميد بن الأسود، وعثمان بن عمر، وأبو بكر بن عياش، وشعيب بن إسحاق، وإسماعيل بن عمر، وروح بن عبادة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (^٣).\nومسألة إبدال بعض رواة الإسناد فوق المدار بغيرهم يلاحظ الباحث فيها زمن الرواية، فقد غدت في عصر الرواية المتأخر -أي في نهاية القرن الثاني وما بعده- من تعدد الشيوخ للراوي الواحد، بسبب اتساع الرواية، وتحولها إلى هدف ومقصد للرواة، وعلى هذا فما يوجد مما ظاهره اختلاف على راو في تسمية شيخه ومن فوقه لا ينبغي للباحث أن يعامله على أنه اختلاف يجب أن ينظر فيه،\n_________\n(^١) «تحفة الأشراف» ١٢: ٤١٥.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١، ٦: ٣٨٥، و«مسند الطيالسي» حديث (١٣٤٠)، و«المعجم الكبير» ٢٢: ١٨٧، حديث (٧٨٧)، و«شعب الإيمان» (٩٠٨٧).\n(^٣) «صحيح البخاري» بعد حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٨٨، ٣٣٦، ٤: ٣١، و«المستدرك» ١: ١٠، ٤: ١٦٥.","vol":"1","page":387},{"text":"ما لم يتبين عكس ذلك، كأن ينص ناقد على خطأ وجه فيه تغيير لاسم الشيخ، أو تكثر الطرق عند الباحث على صفة، وينفرد طريق بتسمية الشيخ، فيرتاب الباحث في ذلك، ويعده اختلافا، يطبق عليه قواعد الاختلاف.\nوقد توقف كثير من الباحثين عند هذه القضية، فالباحث يقال له إن إبدال الإسناد بغيره كليا أو جزئيا فوق المدار موجب للتوقف والنظر، وعد ذلك اختلافا على الراوي، ثم يمر بالباحث كثير من الأحاديث يكون فيها لبعض الرواة عدد من الشيوخ في الحديث الواحد، ولا يعد النقاد ذلك اختلافا، بل يمرون عليه دون التفات لهذا التنوع، فأوجب هذا تساؤلا لدى الباحثين.\nوالمخرج منه هو ما ذكرته، في الزمن المتأخر من عصر الرواية لا إشكال في تعدد الشيوخ للراوي الواحد، فمحمد بن بشار -مثلا- يروي الحديث الواحد عن محمد بن جعفر، عن شعبة، ويرويه عن وكيع، عن شعبة، ويرويه عن يحيى القطان، عن شعبة، وربما رواه عن وكيع، عن سفيان الثوري، وعن القطان، عن الثوري، وهكذا، وكلما ارتفع الإسناد ضعف احتمال تعدد الشيوخ، وإذا نزل عن هذه الطبقة زاد احتمال تعددهم.\n<span data-type='title' id=toc-222>النوع الخامس: الاختلاف في تسمية راو، إما المختلف عليه، أو واحد من الرواة فوقه:</span>\nفيسميه بعضهم باسم، ويسميه بعضهم باسم آخر، أو يقلب اسمه، أو يكنيه بعضهم بكنية، وبعضهم بكنية أخرى، أو يقول بعضهم: ابن فلان، ويقول بعضهم: ابن أبي فلان، وربما سماه بعضهم، وأبهمه البعض الآخر، فيقول: عن رجل، أو عن عم فلان، أو ابن أخي فلان، ونحو ذلك.","vol":"1","page":388},{"text":"مثاله ما رواه أبو عوانة، وزائدة بن قدامة، وشريك، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي في صفة وضوئه - ﷺ - (^١).\nورواه شعبة، فسمى خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-223>النوع السادس: الاختلاف في صيغ الأداء:</span>\nفيرويه بعضهم بالتصريح بالتحديث، وبعضهم بالصيغ المحتملة، كعن، وقال، وذكر، أو يرويه بعضهم بصيغة صريحة في الانقطاع، كأخبرت عن فلان، أو بلغني عنه، ويرويه بعضهم بصيغة محتملة، أو بصيغة صريحة في الاتصال، ونحو ذلك.\nوهذا النوع تقدمت له أمثلة كثيرة في «الاتصال والانقطاع» (^٣).\nهذه أهم أنواع الاختلافات في الإسناد، ويتركب منها أنواع أخرى، كالإرسال مع الإبدال، أو الوقف مع الإبدال، أو مع زيادة راو وحذفه، في صور من الاختلافات لا تنتهي.\nفالنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الإرسال مع الإبدال.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١١١ - ١١٢)، و«سنن النسائي» حديث (٩١ - ٩٢)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، ١٥٤.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١١٣)، و«سنن النسائي» حديث (٩٣ - ٩٤)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٢، ١٣٩.\n(^٣) انظر مثلا: «الاتصال والانقطاع» ص ٢٦٧ - ٣٠٧.","vol":"1","page":389},{"text":"مثاله: ما رواه حماد بن يحيى الأبح، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك مرفوعا: «مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أو آخره» (^١).\nورواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن البصري مرسلا عن النبي - ﷺ - (^٢).\nوالنوع الثاني -رفع الحديث ووقفه- يلتقي أيضا مع النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، فقد يكون الوقف مع الإبدال.\nمثاله: ما رواه عبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لو تركنا هذا الباب للنساء»، قال نافع: «فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات».\nورواه إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن نافع، قال: قال عمر بن الخطاب … فذكره بمعناه (^٣).\nوالنوع الأول -وصل الحديث وإرساله- يلتقي كثيرا مع النوع السادس\n-صيغ الأداء- كما يظهر ذلك جليا من أمثلة الأخير.\nوكذلك النوع الرابع -إبدال راو بآخر-، يجتمع مع النوع الخامس\n-الاختلاف في تسمية الراوي-، فمنهم من لا يسميه أصلا، كما في حديث عائشة الماضي في النوع الرابع، فمن الرواة عن يحيى بن سعيد من رواه عنه، عمن\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٦٩)، و«مسند أحمد» ٣: ١٣٠، ١٤٣.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ١٤٣.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٤٦٢ - ٤٦٣)، (٥٧١).","vol":"1","page":390},{"text":"حدثه، عن عمرة، عن عائشة (^١).\nوفي هذا المثال أيضا اختلاف في زيادة راو وحذفه، فمن الرواة عن يحيى من لم يذكر واسطة بينه وبين عمرة (^٢)، ومنهم من لم يذكر عمرة أيضا (^٣).\nومن جهة ثانية بعض الأحاديث يشتد فيها الاختلاف، ويتنوع، فيروى الحديث موصولا، ومرسلا، وموقوفا، وبإبدال بعض رواته، إلى غير ذلك، كما أن الاختلاف في بعض الأحاديث يقع على أكثر من راو، إما في طبقة واحدة، أو في طبقات متعددة، فتعددت المدارات.\nوهناك ما يمكن تسميته ب<span data-type='title' id=toc-225>الاختلاف الجزئي</span>، أي أن الاختلاف في الوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو ذكر راو وحذفه، أو غير ذلك، وقع في جزء من الحديث، فبعض الحديث يتفق على وصله -مثلا- وبعضه يقع فيه اختلاف.\nوسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة لهذا كله.\n<span data-type='title' id=toc-226>القسم الثاني: الاختلافات في المتن:</span>\nالاختلاف بين الرواة له أسباب كثيرة، من أهمها فيما يتعلق بمتن الحديث: الرواية بالمعنى، إذ الأكثر على تجويزه، وهو الواقع في رواية السنة، فقل حديث\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٧٩٢).\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٧٩٣)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٢٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢٩٧، و«فوائد تمام» حديث (٣٧٧).\n(^٣) «موطأ مالك» ١: ١٢٧.","vol":"1","page":391},{"text":"-وإن كان لفظه قصيرا- إلا وقد روي في بعض رواياته بالمعنى، ويدخل في الرواية بالمعنى: اختصار الحديث والاكتفاء بمضمونه وما يفيده، وكذلك الاجتزاء ببعضه، وترك بعضه، خاصة إذا كان يتكون من عدة جمل، أو فيه عدد من القضايا، أو فيه قصة حذفها بعض الرواة، ونحو ذلك.\nولهذا السبب اهتم الأئمة النقاد ببيان ألفاظ الرواة، وموضع الاختلاف بينهم، كما نراه في «صحيح مسلم»، وغيره، وإن كانوا قد اضطروا إلى عدم سوق لفظ كل راو، فاعتاضوا عن ذلك بالإحالة على لفظ يذكرونه، ثم يقولون بعده في الأسانيد الأخرى: بنحوه، أو بمثله، أو بمعناه، فعلوا ذلك للاختصار، توفيرا للورق، حيث حاجتهم إليه ماسة، وتخفيفا على طلبة الحديث، حين سفرهم وتنقلهم، كما تقدم مثله في اختصار ألفاظ الأداء (^١).\nوقد كان بعض الأئمة -مثل شعبة بن الحجاج- يرى أن الإحالة على لفظ سابق غير كاف، ويقول: إن ذلك ليس بحديث (^٢)، ولا شك أن قوله هذا غاية في الدقة والإحكام، لكن التزامه صعب جدا، فكان العمل بخلافه.\nولما كانت أغراض الناظرين في الحديث غير متفقة، فالفقيه، والأصولي، والمفسر، واللغوي، والنحوي، وغيرهم، كل واحد منهم له غرض غير الذي للآخر، ورب حرف ذي أهمية كبرى عند أحدهم، لا يأبه له الآخر - لما كان\n_________\n(^١) انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ١٩.\n(^٢) انظر: ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ٤٠٤.","vol":"1","page":392},{"text":"ذلك كذلك، أصبح من العسير جدا تحديد أنواع للاختلاف في المتون يقال للباحث إن عليه أن يهتم بها، فكل ناظر في الحديث يريد أن يستدل بلفظ منه عليه أن يسبر ألفاظ الرواة في الموضع الذي يريد أن يستدل به (^١).\nمثال ذلك حديث أبي هريرة مرفوعا: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار …» الحديث (^٢).\nفالواو في قوله: «يتعاقبون» شغلت النحاة وشراح الحديث، فالقاعدة هنا حذف واو الجماعة، والفاعل «ملائكة»، وعند جمع طرق الحديث، والنظر في أسانيده ومداراته، ينصب نظر المخرج على هذه الجملة «يتعاقبون»، وكيف رواها رواة الحديث، وهل اتفقوا أو اختلفوا؟\nومع هذا فهناك أنواع من اختلافات المتون ظاهرة لكل أحد، يحسن ذكرها ليقاس عليها غيرها.\n<span data-type='title' id=toc-231>النوع الأول: القول والفعل:</span>\nومن أمثلته: ما رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ - قال: «مضمضوا من\n_________\n(^١) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق العيد ٢: ١٩٨، و«نظم الفرائد» ص ٢٥٨، و«توجيه النظر» ص ٣١٢.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٨٦٨)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٠٩٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٢٢١)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣٠٦)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٢٣، ٢٢٥.","vol":"1","page":393},{"text":"اللبن فإن له دسما»، وكذا جاء في بعض الطرق عن عقيل بن خالد، عن الزهري (^١).\nورواه جماعة، منهم يحيى بن سعيد القطان، وأبو عاصم، ومحمد بن مصعب، وأيوب بن خالد، وهقل بن زياد، عن الأوزاعي بلفظ: «أن النبي - ﷺ - شرب لبنا ثم تمضمض، وقال: إن له دسما» (^٢).\nوكذا رواه عن الزهري جماعة منهم يونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، وصالح بن كيسان، ومعمر، وعقيل بن خالد -في بعض الطرق إليه- (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-232>النوع الثاني: قلب المتن:</span>\nومن أمثلته: ما رواه أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله بن مسعود، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، وقلت أنا: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار» (^٤)، وكذا جاء في\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٤٩٨)، و«النكت الظراف» ٥: ٥٨.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٦٠٩)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٥٨)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٣، ٢٢٧، ٣٢٩، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٤١٨)، و«مسند أبي عوانة» ١: ٢٧١.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٢١١)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٥٨)، و«سنن أبي داود» حديث (١٩٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٩)، و«سنن النسائي» حديث (١٨٧)، و«مسند أحمد» ١: ٣٣٧، ٣٧٣، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٧).\n(^٤) «مسند أحمد» ١: ٣٨٢، ٤٢٥، و«مسند أبي عوانة» ١: ١٧ و«مسند أبي يعلى» حديث (٥١٩٨)، و«التوحيد» لابن خزيمة ٢: ٨٤٨، حديث (٥٦٢)، (٥٦٤)، و«الإيمان» لابن منده\nحديث (٧٢).","vol":"1","page":394},{"text":"بعض الطرق إلى سيار أبي الحكم، ومغيرة بن مقسم، عن أبي وائل (^١).\nورواه جماعة منهم شعبة، وابن نمير، ووكيع، وحفص بن غياث، وأبو حمزة السكري، عن الأعمش، بلفظ: قال رسول الله - ﷺ -: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقلت أنا: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» (^٢)، وكذا رواه عاصم بن أبي النجود، وسيار أبو الحكم، والمغيرة بن مقسم -في بعض الطرق إليهما- عن أبي وائل (^٣).\nوروى القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» (^٤).\nوروى عبدالعزيز الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة هذا الحديث، فجعل الذي يؤذن بليل هو ابن أم مكتوم (^٥)، وكذا جاء من رواية\n_________\n(^١) «الإيمان» لابن منده حديث (٧٣).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (١٢٨٣)، (٤٤٩٧)، (٦٦٨٣)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٢)، و«مسند أحمد» ١: ٣٨٢، ٤٢٥، ٤٤٣، ٤٦٢، ٤٦٤.\n(^٣) «مسند أحمد» ١: ٣٧٤، ٤٠٢، ٤٠٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٠٩٠)، و«التوحيد» لابن خزيمة حديث (٥٦٣)، (٥٦٥)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٥١٩).\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (٦٢٣)، (١٩١٩)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٨٠)، (١٠٩٢)، و«سنن النسائي» حديث (٦٣٨).\n(^٥) «مسند أبي يعلى» حديث (٤٣٨٥)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٠٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٤٧٣)، و«سنن البيهقي» ١: ٣٨٢.","vol":"1","page":395},{"text":"أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة (^١).\nوقد يقع القلب في جزء من متن الحديث، وأمثلته كثيرة.\n<span data-type='title' id=toc-233>النوع الثالث: تغيير معنى الحديث:</span>\nوهذا سببه أن الراوي يريد أن يختصر الحديث، أو لم يكن يحفظه جيدا، فيرويه بمعناه، وربما افترق المعنيان، بحيث يقوم احتمال آخر أن يكونا حديثين.\nومن أمثلته: ما تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول في الاختلاف بين رواية سفيان بن عيينة، ورواية محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، في الوضوء من الصوت والريح.\nوروى ابن جريج، وسفيان بن عيينة، وأسامة بن زيد، وعلي بن زيد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «قربت للنبي - ﷺ - خبزا ولحما فأكل، ثم دعا بوضوء فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، هذا لفظ ابن جريج (^٢)، وكذا رواه عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر (^٣).\nورواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: «كان آخر\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ١٨٥، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٠٧ - ٤٠٨)، و«سنن البيهقي» ١: ٤٢٩.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٩١)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٠)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٠٤، ٣٠٧، و«سنن البيهقي» ١: ١٥٦.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٨٠)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٧٥، ٣٨٧.","vol":"1","page":396},{"text":"الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما غيرت النار» (^١).\nوروى همام بن يحيى، ويحيى بن المتوكل، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس قال: «كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» (^٢).\nورواه روح بن عبادة، وأبو عاصم، وعبدالله بن الحارث، وحجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: «أنه - ﷺ - اتخذ خاتما من ورق، ثم طرحه»، هكذا بهذا اللفظ، وبزيادة زياد بن سعد في الإسناد (^٣)، وكذا رواه جماعة عن الزهري، منهم يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، وإبراهيم بن سعد (^٤).\nوروى جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - ينزل من المنبر، فيعرض له الرجل في الحاجة، فيقوم معه حتى يقضي حاجته، ثم يقوم فيصلي» (^٥).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٩٢)، و«سنن النسائي» حديث (١٨٥).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٩)، و«سنن الترمذي» حديث (١٧٤٦)، و«سنن النسائي» حديث (٥٢٢٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٣)، و«سنن البيهقي» ١: ٩٥.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٩٣)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٠٦، و«مسند أبي عوانة» ٥: ٤٩٠.\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (٥٨٦٨)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٠٩٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٢٢١)، و«سنن النسائي» حديث (٥٣٠٦)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٢٣، ٢٢٥.\n(^٥) «سنن أبي دواد» حديث (١١٢٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٥١٧)، و«سنن النسائي» حديث (١٤١٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٧)، و«مسند أحمد» ٣: ١١٩، ١٢٧، ٢١٣، و«العلل الكبير» ١: ٢٧٦.","vol":"1","page":397},{"text":"ورواه حماد بن سلمة، ومعمر، وغيرهما، عن ثابت، عن أنس، قال: «أقيمت صلاة العشاء، فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي - ﷺ - يناجيه، حتى نام القوم -أو بعض القوم- ثم صلوا» (^١).\nوهكذا رواه عبدالعزيز بن صهيب، وحميد، عن أنس بمعناه (^٢).\nوروى مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: «أن النبي - ﷺ - نام عن ركعتي الفجر، فقضاهما بعدما طلعت الشمس» (^٣).\nورواه يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، في قصة نومهم عن صلاة الفجر، وصلاته - ﷺ - ركعتي الفجر، والفريضة، بعدما طلعت الشمس (^٤).\nوربما كان التغيير في جزء من الحديث، ومثاله ما رواه الترمذي عن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣٧٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٠١)، و«سنن الترمذي» حديث (٥١٨)، و«مسند أحمد» ٣: ١٦٠، ١٦١، ٢٣٨، ٢٦٨.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٤٢ - ٦٤٣)، (٦٢٩٢)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٧٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٤٢)، (٥٤٤)، و«مسند أحمد» ٣: ١٠١، ١١٤، ١٣٠، ١٨٢، ١٩٩، ٢٠٥، ٢٣٢.\n(^٣) «سنن ابن ماجه» في (الصلاة) (باب ما جاء فيمن فاتته الركعتان قبل صلاة الفجر متى يقضيهما؟) حديث (١١٥٥)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦١٨٥)، و«شرح مشكل الآثار» (باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - فيمن يفوته أن يصلي ركعتي الفجر حتى يصلي الفجر أيصليهما عقيبا لها أم بعد ذلك؟) حديث (٤١٤٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٦٥٢).\n(^٤) «صحيح مسلم» حديث (٦٨٠)، و«سنن النسائي» حديث (٦٢٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٢٨.","vol":"1","page":398},{"text":"يحيى بن خلف، عن بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن عبدالله بن شقيق، قال: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله - ﷺ -، قالت: «كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر اثنتين» (^١).\nورواه هشيم، وإسماعيل بن علية، وخالد بن عبدالله الواسطي، ويزيد بن زريع، عن خالد الحذاء مطولا، وفيه: «كان يصلي قبل الظهر أربعا …» (^٢).\nوقد أكثرت من الأمثلة لتغيير المعنى لأهميته القصوى، وخفائه أيضا (^٣)،\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٤٣٦)، و«الشمائل» حديث (٢٧٠).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٧٣٠)، و«سنن أبي داود» حديث (١٢٥١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٠، ٢١٧.\n(^٣) وينظر أمثلة أخرى في:\n١ - «صحيح البخاري» حديث (٤٤٣٩، ٥٠١٦، ٥٧٣٥، ٥٧٥١) مع حديث (٥٠١٧، ٥٧٤٨، ٦٣١٩).\n٢ - «سنن أبي داود» حديث (٣٧٢٢)، مع «صحيح البخاري» حديث (٥٦٢٥ - ٥٦٢٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٣٢٠).\n٣ - «سنن أبي داود» حديث (٧٤٨).\n٤ - «سنن الترمذي» حديث (١٥٣٢)، و«العلل الكبير» ٢: ٦٥٦.\n٥ - «سنن الترمذي» حديث (٢٣٩).\n٦ - «العلل ومعرفة الرجال» (١٦٠١ - ١٦٠٣).\n٧ - «مسائل إسحاق بن هانئ» (٢٣٣١)، و«فتح الباري» لابن رجب ١: ٤٧٦.\n٨ - «العلل الكبير» ١: ٥٥٦.\n٩ - «المعرفة والتاريخ» ٣: ١١٠.\n١٠ - «علل ابن أبي حاتم» (١٠٧)، (٢٦٥)، (٣٩٣)، (٣٩٩)، (٤٥٣)، (٦٦٨)، (١١١٦).\n١١ - «علل الدارقطني» ٨: ١٢.\n١٢ - «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٣٧ - ٣٩.\n١٣ - «هدي الساري» ص ٣٥٥.","vol":"1","page":399},{"text":"فالمطلوب إذن بالنسبة للباحث أن يدقق جيدا في متون الأحاديث، ويلاحظ ما فيها من تغيير، خاصة حين تلتقي في مدار واحد، سواء كان عاليا، أو نازلا.\nوقضية التغيير في المعنى لا تختص بالنظر في الطرق ودراستها، فلها تعلق بعمل من يقوم بمجرد العزو والتخريج، إذ يشتبه على المخرج لفظان بينهما ارتباط ما من جهة المتن فيتردد في جعلهما حديثا واحدا، أو جعلهما حديثين، ولهذا نرى اختلاف العلماء والمخرجين للأحاديث، فيجعل بعضهم الحديث متفقا عليه، ويجعله بعضهم من أفراد البخاري في لفظ، ومن أفراد مسلم في اللفظ الآخر، وكذلك المصادر الأخرى، وأمثلة هذا كثيرة جدا، يدركها من عانى مهمة التخريج والعزو، والمخرج قد يجتهد في ذلك بالنظر إلى المتن فقط، غير أنه لا بد أيضا من النظر في الأسانيد، وهذا هو وجه دخوله في موضوع الاختلاف بين الرواة، فيعده الباحث اختلافا ينظر فيه، ويطبق عليه قواعد الاختلاف الآتية في الفصول اللاحقة.\n<span data-type='title' id=toc-236>النوع الرابع: الزيادة في المتن والنقص منه:</span>\nومن أمثلته: ما رواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن","vol":"1","page":400},{"text":"عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي - ﷺ - يمسح على الخفين وعلى العمامة»، وكذا رواه معمر -في بعض الروايات عنه- عن يحيى، غير أنه لم يذكر جعفرا في الإسناد، وقد جاء هذا -أي إسقاط جعفر- عن الأوزاعي أيضا.\nورواه أبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، وشيبان بن عبدالرحمن، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، ومعمر -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر، عن أبيه به، دون ذكر المسح على العمامة، إلا أن معمرا لم يذكر جعفر بن عمرو (^١).\nوكذا روي من طريق آخر، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر، عن أبيه، دون ذكر المسح على العمامة (^٢).\nوروى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديث صفة اغتساله - ﷺ - من الجنابة، وفيه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه …» الحديث، وفي آخره: «ثم أفاض على سائر جسده، ثم\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٢٠٤)، (٢٠٥)، و«سنن النسائي» حديث (١١٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٦٢)، و«مسند أحمد» ٥: ١٣٩، ١٧٩، ٥: ٢٨٨، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧٤٦)، و«الأوسط» لابن المنذر حديث (٤٩١)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٨، و«المحلى» ٢: ٨١، ٨٦، و«فتح الباري» ١: ٣٠٨.\n(^٢) «مسند أحمد» ٤: ١٣٩، ٥: ٢٨٨، و«التاريخ الكبير» ٢: ١٩٤، لكن وقع سقط في «مسند أحمد» في الموضع الثاني.","vol":"1","page":401},{"text":"غسل رجليه» (^١).\nورواه وكيع، عن هشام بن عروة، غير أنه لم يذكر غسل الرجلين، وقال في أوله: «فبدأ بغسل كفيه ثلاثا» (^٢).\nورواه جماعة كثيرون منهم مالك، وعبدالله بن المبارك، ومعمر، وزائدة، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن نمير، وعلي بن مسهر، وجرير بن حازم، وجعفر بن عون، عن هشام، ولم يذكروا غسل الرجلين، ولم يذكروا عددا في غسل اليدين (^٣).\nورواه عطاء بن السائب، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عائشة، واختلف على عطاء أيضا، في تثليث غسل اليدين، حيث ذكره عنه جمع، ولم يذكره آخرون، وفي غسل الرجلين أيضا، فذكره عنه حماد بن سلمة، ولم يذكره جماعة آخرون، منهم شعبة، وزائدة، وغيرهما (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣١٦).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٣١٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٥٢.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٢٤٨)، (٢٦٢)، (٢٧٢)، و«صحيح مسلم» حديث (٣١٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٤٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٤)، و«سنن النسائي» حديث (٢٤٧)، (٢٤٨ - ٢٤٩)، و«مسند أحمد» ٦: ٥٢، ١٠١، و«الأم» ١: ٤٠، ٤١، و«مسند الحميدي» حديث (١٦٣)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٣٢٩)، و«سنن البيهقي» ١: ١٧٥.\n(^٤) «سنن النسائي» حديث (٢٤٣ - ٢٤٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٩٦، ١١٥، ١٤٣، ١٦١، ١٧٣، و«مسند الطيالسي» حديث (١٥٧٧)، و«صحيح ابن حبان» حديث (١١٩١)، و«سنن البيهقي» ١: ١٧٤.","vol":"1","page":402},{"text":"وقضية الزيادات في متون الأحاديث قضية بالغة الدقة بالنسبة لعد الزيادة التي يقف عليها الباحث اختلافا يجب النظر فيه، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه، ذلك أن بعض الزيادات إنما جاءت من تصرف الرواة عمدا، وهو ما يعرف بتقطيع الحديث، والاكتفاء بجزء منه، خاصة عند المصنفين على الموضوعات، مثل كتب الصحاح، والجوامع، والمصنفات والسنن، فيذكر الراوي أو المؤلف من الحديث ما يتعلق بموضع الاستشهاد فقط، وهذا كثير جدا، وقد يكون الحديث مكونا من عدة جمل، يصلح كل منها أن يكون حديثا مستقلا، فيقطعه راو، ويجمعه راو آخر.\nوهذا الأمر له صلة قوية بتخريج الحديث وعزوه، فقد يكون مع الباحث لفظ، ثم يجد هذا اللفظ في حديث مطول، ويجد أيضا هذا الحديث المطول أو بعض أجزائه في مواضع أخرى دون اللفظ الذي يقوم بتخريجه، فهل يستوفي ذلك كله في التخريج؟ يكثر ورود هذا السؤال لدى الباحثين، وسأعرض له بشيء من التفصيل في بابه الخاص به وهو (عرض التخريج والدراسة)، يسر الله تعالى الوصول إليه.\nهذه أبرز الاختلافات في متون الأحاديث، ولا بد من العودة إلى التأكيد على أنه لا يمكن حصرها وضبطها، فقد يقع تغيير في كلمة، أو تقديم جملة على أخرى، أو اختلاف في الأعداد والمقادير، ونحو ذلك، فتكثر أنواعه جدا، وكل باحث له غرض في متن الحديث الذي يقوم بتخريجه، سيتنبه لموضع الاختلاف فيه إن وجد، وقد لا يتنبه لغيره لكونه ليس من غرضه.","vol":"1","page":403},{"text":"ويشار هنا أيضا إلى أن<span data-type='title' id=toc-239> الاختلاف في المتن قد يصاحبه اختلاف في الإسناد</span>، كما تقدم آنفا في حديث أنس في (الخاتم).\nومن أمثلته أيضا ما رواه جماعة -منهم الثوري، وشعبة- عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: «كان النبي - ﷺ - مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئا قط أحسن منه» (^١).\nورواه أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق، عن جابر بن سمرة قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - ليلة أضحيان، فجعلت أنظر إلى رسول الله - ﷺ -، وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فهو عندي أحسن من القمر» (^٢).\nوروى سفيان الثوري، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي - ﷺ - بذهيبة في تربتها، فقسمها بين زيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، وبين الأقرع بن حابس الحنظلي …» الحديث في قصة التأليف (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٥٤٩)، (٣٥٥١)، (٥٨٤٨)، (٥٠٩١)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٣٣٧)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٠٧٢)، (٤١٨٣)، (٤١٨٤)، و«سنن الترمذي» حديث (١٧٢٤)، (٢٨١١)، (٣٦٣٥) و«سنن النسائي» حديث (٥٠٧٥)، (٥٠٧٧)، (٥٢٤٧ - ٥٢٤٨)، (٥٣٢٩)، وسنن ابن ماجه» حديث (٣٥٩٩)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٨١، ٢٩٠، مطولا ومختصرا.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٨١١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٦٤٠).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٣٣٤٤)، (٤٦٦٧)، (٧٤٣٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٧٣١)، و«سنن النسائي» حديث (٤١١٢)، و«مسند أحمد» ٣: ٦٨، ٧٢، ٧٣.","vol":"1","page":404},{"text":"ورواه عمر بن سعيد الثوري -أخو سفيان- عن أبيه، عن عباية بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج، قال: «أعطى رسول الله - ﷺ - أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم مئة من الإبل …» الحديث في قصة التأليف أيضا، وفيه أن ذلك في غزوة حنين (^١).\nوتابع سفيان الثوري على روايته جماعة (^٢)، وكذا رواه عمارة بن القعقاع، عن عبدالرحمن بن أبي نعم (^٣).\nوقد تقدم في النوع الثالث من أنواع الاختلافات في المتن وهو الاختلاف في لفظ الحديث بما يتغير به معناه، أن هذه القضية من دقائق ما يمر بالباحث وهو ينظر في طرق الحديث وألفاظه، بغرض المقارنة بينها ودراستها، أو بغرض العزو المجرد، وينبه هنا إلى أن المقام يزداد غموضا إذا كان مع التغيير في المتن تغيير في الإسناد، بإبدال بعض رواته، ولهذا أكثرت آنفا من سوق الأمثلة له (^٤)، وهو أساسا يعتمد على الوقوف على كلام للنقاد حول الحديث، ويعتمد كذلك على حِسِّ الباحث ونباهته.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٠٦٠)، و«مسند الحميدي» حديث (٤١٢).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٠٦٤)، و«سنن النسائي» حديث (٢٥٧٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٣١، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٣٤٨)، و«مستخرج أبي نعيم» حديث (١٣٧٣).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٤٣٥١)، و«صحيح مسلم» حديث (١٠٦٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٤.\n(^٤) وينظر أيضا من أمثلته: «مسائل أبي داود» (١٨٥٩)، و«علل ابن أبي حاتم» (٤٩١)، (٧٣٠)، (٢٨٣٢).","vol":"1","page":405},{"text":"وهذه المسألة بتفرعاتها بحاجة إلى من يتصدى لها، ويجمع أمثلتها، مما نص عليه النقاد، ومما يقاس عليه، والتأكيد على أنها أساسا جزء من (الاختلافات) بين الرواة، أو ما يعرف بـ (علم العلل)، تطبق عليه قواعده الآتية في الفصول اللاحقة.\nوفي ختام هذا الفصل المتعلق بأنواع اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن الباحث وهو يدقق في أسانيد الحديث وألفاظه في مصادرها سيواجه اختلافات في الأسانيد والمتون، من تغيير في اسم راو، إلى إسقاطه تماما، إلى تغيير في لفظ الحديث، ونحو ذلك، وعند تدقيقه ينكشف له أن هذا الاختلاف سببه ما يقع في المخطوطات والمطبوعات من تحريف وسقط، فمثل هذا ينحيه الباحث عن أن يكون اختلافا بين الرواة، ثم الباحث بعد ذلك بحسب منهجه، فقد يكون من منهجه التنبيه على ذلك في كل ما يصادفه، وقد يكون من منهجه إغفال ذلك تماما، والاكتفاء بإثبات الصواب، خشية إثقال البحث وحواشيه بكثرة التنبيهات، وقد يكون من منهجه أن يفعل ذلك مع كتب هي مظنة الضبط والإتقان، ولكن يقع فيها على سبيل الندرة ما يحسن التنبيه عليه، ويغفل ما عدا ذلك.\nوقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول أمثلة للتحريف والسقط في المصادر، ونبهت هناك إلى أن قضية التحريف والسقط في المصادر قد ألقت بظلالها على بحوث السنة النبوية، فالجميع يدرك صعوبة قيام الباحث بتحقيق مخطوط لكتاب واحد، فكيف بالنظر في الصواب والخطأ في كل مصدر يخرج منه، مخطوطا كان أو مطبوعا، فالباحث مسؤول عما يثبته في بحثه من أسانيد","vol":"1","page":406},{"text":"ومتون، لا يجوز لأحد أن يعفيه من مسؤلية ذلك أبدا، ومن فعل هذا فأول من يجني عليه الباحث نفسه.\nومن مارس جمع طرق الأحاديث وألفاظها والنظر فيها، والتزم ما ذكرته آنفا سيرى بوضوح ما يعانيه الباحث من مشقة تصويب الأخطاء، وإكمال السقط، بحيث يمكن القول إن ما يعادل خمس وقت الباحث يذهب بهذا الاتجاه، والذي أقوله الآن هو أن هذا الجهد محفوظ للباحث، بل سيجني ثمرته أضعافا مضاعفة، فهو أولا -وهذا سبب الحديث عن القضية هنا- سيختصر أوجه الاختلاف على المدار، إذ سيتبين أن بعضها ليس اختلافا عليه، وإنما هو سقط وتحريف في مصدر أو أكثر، بل ربما انتهى الاختلاف تماما، فهو معقود أصلا بسبب ما صورته اختلاف في مصدر، ثم تبين أنه تحريف وقع فيه.\nفإذا لم يبذل الباحث جهده في التحقق مما وقع في بعض المصادر طال عليه النظر في الاختلاف لاحقا، وفوق ذلك أنه سيضطر إلى عده اختلافا ينظر فيه، وربما أدى به إلى تخطئة بعض الرواة، مع براءتهم من الوقوع في الخطأ.\nوالأمر الآخر أن الباحث وهو يعالج ما يقف عليه مما يشتبه فيه أن يكون خطأ في النسخة - يتدرب على مواجهة مشكلات البحث، وتقليب النظر فيها، والبحث عن الاحتمالات الممكنة، والخلوص برأي فيها.\nيضاف إلى هذا كله ما يكتسبه الباحث من خبرة في المصادر، وما هو منها محل الثقة من ناسخه، أو محققه، وما ليس كذلك، ويعرف أهمية الوقوف على","vol":"1","page":407},{"text":"نسخ متعددة للمصدر الواحد، مخطوطة أو مطبوعة، ويتدرب كذلك على تصويب الأخطاء بالاستعانة بالمصادر المنقول عنها، والمصادر الناقلة، ويعرف أهمية كتب الأطراف بالنسبة لمصادرها الأصلية.\nوفي هذه القضية أنبه على ثلاثة أمور:\nالأول: حين يقال بأن الأخطاء في النسخ المخطوطة لا يعدها الباحث اختلافا يقصد بذلك النسخ بعد عصر الرواية، أي نسخ الكتب المصنفة، مثل الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، والمعاجم، والأجزاء، وغيرها، وهي التي كتبت بأيدي نساخ بعد عصر الرواية، وفي أزمان متأخرة، أما كتب الرواة أنفسهم، سواء كانت أصولا، أو فروعا، أو مصنفاتهم نفسها، إذا تحقق أن المصنف كتب النص هكذا، فهذه الأخطاء جزء من الاختلافات في الرواية، لا بد من معالجته وعده اختلافا، فكتب الرواة بأنواعها في عصر الرواية هي جزء من الرواية، فإنما هو الحفظ أو الكتاب، وقد يقع الاختلاف بين حفظ الراوي وكتابه، كما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، ويأتي أيضا له أمثلة في الأبواب اللاحقة من هذا الباب فهو اختلاف إذن.\nفما يقع في «صحيح البخاري» -مثلا- من مخالفة لغيره من المصادر متى تحقق أن البخاري رواه هكذا فيعتمد كما رواه، وهذا وأمثاله هو الذي تعامل معه أئمة النقد في معالجتهم للاختلافات، وما يقع من ذلك في بعض النسخ والروايات لـ «الصحيح» بعد البخاري من أخطاء النساخ فهذا هو الذي لا يدخل","vol":"1","page":408},{"text":"في الاختلاف، وهكذا يقال في «صحيح مسلم»، و«السنن الأربعة»، و«مسند أحمد»، و«مصنف عبدالرزاق» وغيرها من مصادر السنة، ويمكن الوقوف على أمثلة للنوعين في كتاب أبي علي الجياني «تقييد المهمل وتمييز المشكل» وهو خاص بدراسة «الصحيحين» (^١).\nوسأضرب هنا بعض الأمثلة للنوعين، فأما الخطأ في عصر الرواية فمثاله ما أخرجه مسلم بن الحجاج في كتاب «التمييز» عن الحسن بن علي الحلوني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: حدثني أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبدالرحمن بن المسيب، أن النبي - ﷺ - قال لبلال: «قم فأذِّن: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن».\nثم قال مسلم: «قال الحلواني: قلنا لأبي يوسف يعقوب: من عبدالرحمن بن المسيب؟ قال: كان لسعيد بن المسيب أخ يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، وكان رجل من بني كنانة يقال له: عبدالرحمن بن المسيب، فأظن هذا هو الكناني».\nقال مسلم: «وليس الذي قال يعقوب في هذا بشيء، وذلك أن هذا إسناد سقطت منه واو واحدة، ففحش خطؤه، وإنما قال الزهري: أخبرني عبدالرحمن، وابن المسيب، يريد سعيد بن المسيب، وعبدالرحمن بن عبدالله بن كعب …، كذلك يحدثه ابن أخي الزهري، وحدث به موسى بن عقبة، ويونس، عن الزهري كذلك، ولعل هذا ممن دون صالح» (^٢).\n_________\n(^١) ينظر ٢: ٥٦٥ وما بعدها، و٣: ٧٦٣ وما بعدها.\n(^٢) «تقييد المهمل» ٢: ٦٨٧.","vol":"1","page":409},{"text":"فالخطأ في إسناد إبراهيم بن سعد هو خطأ في عصر الرواية، يدخل في الاختلاف على الزهري، وإن كان قد تبين وجه الخطأ في الإسناد، وهو سقوط الواو.\nوروى ابن وهب، عن ابن جريج، عن عبدالله بن كثير بن المطلب، عن محمد بن قيس، عن عائشة الحديث الطويل في زيارته - ﷺ - لأهل البقيع (^١).\nوكذا رواه حجاج بن محمد، عن ابن جريج، إلا أنه قال: أخبرني عبدالله\n-رجل من قريش-، ولم يسمه، هكذا رواه أحمد بن حنبل، عن حجاج (^٢)، ورواه يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج: أخبرني عبدالله بن أبي مليكة (^٣)، وخطؤوا يوسف بن سعيد في ذلك (^٤).\nورواه روح بن عبادة، عن ابن جريج، عمن سمع محمد بن قيس، عن محمد بن قيس (^٥).\nورواه عبدالرزاق، عن ابن جريج، كرواية ابن وهب، سمى شيخ ابن جريج: عبدالله بن كثير، هكذا رواه عن عبدالرزاق محمد بن عبدالله العصار (^٦)، ويظهر\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٤)، و«سنن النسائي» حديث (٣٩٧٣).\n(^٢) «مسند أحمد» ٦: ٢٢١، وانظر: «صحيح مسلم» حديث (٩٧٤).\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٢٠٣٦)، و(٣٩٧٤).\n(^٤) «تقييد المهمل» ٣: ٨٢٩.\n(^٥) «تقييد المهمل» ٣: ٨٣١، و«تحفة الأشراف» ١٢: ٣٠٠.\n(^٦) «صحيح ابن حبان» حديث (٧١١٠)، لكن جاء إسناد ابن حبان هذا في «إتحاف المهرة»\n١٧: ٥٢٨ هكذا: عبدالله رجل من قريش.","vol":"1","page":410},{"text":"أن ابن معين يرويه كذلك عن عبدالرزاق، وفيه الواسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس بن مخرمة (^١).\nورواه عبدالرزاق في «المصنف» عن ابن جريج قال: أخبرني محمد بن قيس بن مخرمة (^٢)، هكذا بلا واسطة بين ابن جريج، ومحمد بن قيس.\nورواية عبدالرزاق التي في «المصنف» ليست خطأ من النساخ، بل هي رواية مستقلة، أخطأ فيها عبدالرزاق حين أثبته في «المصنف»، أو أخطأ عليه راوي «المصنف» إسحاق الدبري، وقد أخرجه الطبراني من طريق الدبري كما هو في «المصنف» (^٣)، وقال أبو علي الجياني: «هكذا روي لنا هذا الإسناد من طريق الدبري مقطوعا، لم يذكر فيه عبدالله بن كثير» (^٤).\nومحمد بن عبدالله العصار الذي رواه عن عبدالرزاق على الصواب متقدم السماع من عبدالرزاق، وكان مع أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في الرحلة إلى عبدالرزاق (^٥).\nوبناء على ما تقدم فقول بعض المشايخ عن رواية عبدالرزاق في «المصنف»: «وقد سقط من سنده (يعني المصنف) عبدالله بن كثير، فيستدرك من رواية\n_________\n(^١) «تقييد المهمل» ٣: ٨٣٢.\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٧١٢).\n(^٣) «الدعاء» حديث (١٢٤٦).\n(^٤) «تقييد المهمل» ٣: ٨٣١.\n(^٥) «تاريخ جرجان» ص ٤٢٤.","vol":"1","page":411},{"text":"محمد بن عبدالله العصار»، هذا القول فيه قصور، ولا ينبغي أن يستدرك، فهذه رواية، وهذه رواية.\nوأما الخطأ بعد عصر الرواية فمثاله ما رواه مسلم أيضا في مقدمة «صحيحه» عن عبدالله بن معاذ العنبري، عن أبيه، وعن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن بن مهدي، كلاهما عن شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» (^١).\nهكذا جاء الإسناد في معظم النسخ والروايات لـ «صحيح مسلم»، قال الجياني: «وفي نسخة أبي العباس الرازي وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة، مسندا، ولا يثبت هذا، وقد أسنده مسلم بعد ذلك من طريق علي بن حفص المدائني، عن شعبة» (^٢).\nوما وقع في نسخة أبي العباس الرازي هو الموجود في طبعات «صحيح مسلم»، وهو خطأ ممن بعد مسلم، فرواية معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، بالإرسال، ليس فيها أبو هريرة، وكذا رواه حفص بن عمر، وآدم بن أبي إياس، وسليمان بن حرب، ومحمد بن جعفر غندر، عن شعبة، وما وقع من زيادة (أبي هريرة) في رواية معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، لا يصح أن يدرج على أنه اختلاف عليهما، فقد تبين أن الخطأ ممن بعد مسلم، وهو خطأ في إحدى النسخ.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» ١: ١٠.\n(^٢) «تقييد المهمل» ٣: ٧٦٥.","vol":"1","page":412},{"text":"وأخرج أبو عوانة من طريق وهب بن جرير، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: «أن النبي - ﷺ - لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن …» الحديث (^١).\nهكذا هو في النسخة، وقد ذكره ابن حجر عن «مستخرج أبي عوانة» بذكر أنس فيه، فهو موصول (^٢)، وهكذا جاء من طرق عن وهب بن جرير (^٣)، فالظاهر أن ما وقع في «مستخرج أبي عوانة» خطأ في النسخة، وليس رواية.\nالثاني: تنبيه الباحث إلى أن بعض ما يواجهه مما صورته اختلاف، وحقيقته ليست كذلك، إذ هو تحريف أو سقط في النسخ المخطوطة أو المطبوعة، لا ينبغي أن يتخذه الباحث ملاذا يتهرب به من معالجة الاختلافات الحقيقية، وعلى الباحث أن يبذل ما في وسعه للوصول إلى رأي راجح، ذلك أن بعض الباحثين يكثر أثناء التخريج من قوله -مثلا- وقد سقط من المصدر الفلاني اسم فلان، أو وقع في المصدر الفلاني اسم فلان كذا، وهو تحريف، أو أبدل اسم فلان في المصدر الفلاني باسم فلان، وهو خطأ من النساخ، أو خطأ مطبعي، وهكذا، وحقيقة الأمر أنه ليس كذلك، فهذه هي رواية هذا المصدر، فهو اختلاف في الرواية، وليس خطأ من النساخ، ويلزم على ذلك عده اختلافا، وتطبيق قواعد الاختلاف عليه.\n_________\n(^١) «مستخرج أبي عوانة» حديث (٣٢٢٩).\n(^٢) «إتحاف المهرة» ٢: ٢٨٠.\n(^٣) «مسند أحمد» ٣: ٢١٤، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١٢١٩)، و«المنتقى» حديث (٤٨٤).","vol":"1","page":413},{"text":"وقد نبهت فيما مضى في الفصل الثالث من الباب الأول إلى ضرورة انتباه الباحث لتصرفات المحققين للكتب، والناشرين لها، فإن كثيرا منهم لا يبالي بتغيير ما يجده في الكتاب الذي يحققه إذا كان ما فيه يخالف ما في مصادر أخرى، فيزيد وينقص، ويعدل، ظنا منه أن ما وقع عنده من خطأ النساخ، وليس هو كذلك، إنما هو اختلاف رواية، وهنا ينبه الباحث أن لا يقع فيما يقع فيه هؤلاء، فيتخلص من بعض الاختلافات على أنها أخطاء نساخ.\nتعرض أحد الباحثين للنظر في الاختلاف الواقع على قتادة، في الحديث الذي يرويه قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي مرفوعا: «يغسل من بول الجارية، ويصب على بول الغلام»، وقد اختلف فيه على قتادة كثيرا، ومما ذكره الباحث رواية سعيد بن أبي عروبة، وهو يرويه عند الباحث عن قتادة موقوفا على علي، قال الباحث في تخريجها: «ورواية سعيد أخرجها عبدالرزاق كتاب الصلاة / باب بول الصبي (١/ ٣٨١) ومسدد في المسند كما في الإتحاف (٧٢٠ - المسندة) وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الطهارات / باب في بول الصبي … (١/ ١١٤) وأبو داود (٣٧٧) والبيهقي (٢/ ٥٨٢)، وسقط من سند عبدالرزاق وابن أبي شيبة (أبو الأسود).».\nكذا صنع الباحث، ذكر أن عدم ذكر أبي الأسود سقط في سند عبدالرزاق، وابن أبي شيبة، وفرغ منه هكذا، وعبدالرزاق، وابن أبي شيبة، يرويانه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، وهذان الطريقان غير الطريق الذي جاء فيه ذكر أبي الأسود، فهو إذن اختلاف على سعيد بن أبي عروبة، أغفله الباحث، وعده","vol":"1","page":414},{"text":"سقطا في «المصنفين».\nوتعرض باحث آخر لتخريج ودراسة ما رواه جماعة عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر مرفوعا: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه …» الحديث، وقد قيل عن ثوير بالوقف على ابن عمر.\nوممن يرويه عن ثوير بالوقف: سفيان الثوري، لكنه يذكر فيه مجاهدا بعد ثوير، وربما لم يسم ثويرا، فخرج الباحث في الوجه الموقوف رواية سفيان الثوري، عن رجل، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقال في تخريجها: «وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٧ ح ٤٢١) ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٥/ ٢٣٣ ح ٤٣٩٧)، عن سفيان، عن رجل، عن مجاهد به (يعني عن ابن عمر) بنحوه».\nوعلق الباحث في حاشية بحثه على تخريجه من «الزهد» لابن المبارك بقوله: «في الزهد موقوف على مجاهد، وهو خطأ، والتصحيح من السنة للبغوي، فقد روى من طريقه».\nكذا قال الباحث، وهو يريد أنه خطأ في النسخة، وما قاله فغير لازم، فإن ما في «الزهد» رواية نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، وما في «السنة» للبغوي رواية إبراهيم بن عبدالله الخلاف، عن ابن المبارك، فهي رواية أخرى إذن.\nوالسبب الرئيس لوقوع الباحثين والمحققين في مثل هذا هو مرور مصدر نازل على صاحب مصدر عال، فـ «الصحيحان»، و«السنن الأربع»، و«مسند أحمد» وغيرها، يروي مؤلفوها كثيرا من طريق عبدالرزاق، وعبدالرزاق له كتابه","vol":"1","page":415},{"text":"«المصنف»، فيقوم الباحث أو المحقق بالاستعانة بالمصدر الأصل للنظر فيما جاء عن مصنفه في المصادر اللاحقة، أو العكس.\nوهكذا يقال في مثل أبي بكر بن أبي شيبة، ومسدد، ومحمد بن أبي عمر العدني وغيرهم، فإن لهم مؤلفات، والمؤلفون في السنة بعدهم يروون كثيرا من طريقهم، ونجد هذا جليا في المصادر النازلة، مثل «مستدرك الحاكم» و«سنن البيهقي» و«السنة» للبغوي، وغيرها، مع المصادر المتقدمة عليهم زمنا.\nوالذي ينبه له الباحث هنا أن<span data-type='title' id=toc-249> رواية مصدر نازل من طريق صاحب مصدر عال لا يلزم أن يكون يرويه عنه من هذا المصدر بعينه</span>، فإذا روى مسلم -مثلا- أو ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة حديثا، ثم وجدناه في «المصنف» لابن أبي شيبة، فلا يلزم من هذا أن مسلما يرويه من «المصنف»، فقد يكون يرويه من «المسند»، وهو كتاب آخر لابن أبي شيبة، وقد يكون يرويه من أصول ونسخ ابن أبي شيبة، قبل أن ينقلها إلى مؤلفاته، وقد يكون سمع منه من حفظه، فهما روايتان مختلفتان، لا يصح تصويب إحداهما بالأخرى.\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» (^١) أن كثيرا من الرواة لهم أصول بها سمعوا من شيوخهم، ولهم نسخ يحدثون بها نسخوها من تلك الأصول، ولهم أيضا مصنفات جمعوها من تلك النسخ، وتقدم هناك أنه قد يحصل خطأ من\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٧٣ - ٧٧، وانظر أيضا ما تقدم هنا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من الباب الأول.","vol":"1","page":416},{"text":"الراوي أثناء نقله من مرحلة إلى أخرى، وقد يتعمد هو التغيير، بأن يختصر الإسناد أو المتن، وقد يقطع المتن الواحد، وذلك لحاجته إلى الاختصار حين التصنيف، أو حين يكتب أطرافا يحدث بها، وقد قال الخلال في أبي بكر بن أبي شيبة في سياق كلامه على اختصار الحديث: «وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى» (^١).\nوالخلاصة -من كل ما تقدم- أن الباحث كما هو مطالب بأن لا يثقل نظره في الحديث باختلاف صوري، حقيقته من أخطاء النساخ والطابعين، هو مطالب أيضا بأن لا يغفل اختلافا، ويفرغ منه على أنه من أخطائهم، وليس هو كذلك.\nوفيما أرى أن هذه القضية بحاجة إلى من يتصدى لها بخصوصها، فيوسعها بحثا، ويكثر من ضرب الأمثلة لها، ويحاول استنباط قواعد تعين الباحثين، فقد اكتفيت هنا بالإشارة إليها، لا يحتمل المقام أكثر من ذلك، وهي تتعلق بعملين جليلين بينهما صلة قوية، عمل الناظر في الأسانيد واختلافها، وعمل محقق لكتاب من كتب التراث، بل هي عند التدقيق يحتاجها كل باحث وإن لم يكن ينظر في الأسانيد، كما يحتاجها كل محقق لكتاب، وإن لم تكن فيه أسانيد.\nالثالث: إذا بذل الباحث جهده في معالجة مخالفة في مصدر، ففي الغالب سيظهر له ترجيح في المسألة، فإما أن يعده خطأ في النسخة، ويعتمد ذلك، ولا يلحقه بالاختلاف بين الرواة، وإما أن يعده اختلافا من جهة الرواية، ويطبق\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن رجب ٢: ١٠٥.","vol":"1","page":417},{"text":"عليه قواعد الاختلاف.\nوفي بعض الحالات يواجه الباحث تكافؤا في الأدلة والقرائن، أو ما يقرب منه، فعليه حينئذ أن يشير إلى هذا، فيذكر احتمال وجود خطأ في النسخة، ويعالج ما وجد أيضا باحتمال أن يكون اختلافا من جهة الرواية.\nومن أمثلة ذلك حديث عائشة الماضي آنفا، في زيارته - ﷺ - لأهل البقيع، فقد ذكر ابن معين أن عبدالرزاق صحف في شيء من متنه، فكان يروي قوله - ﷺ -: «ما لك يا عائشة، حشيا رابية؟» (^١)، هكذا: «ما لك يا عائشة؟ -حسبني رأيته-» (^٢).\nوالموجود في «المصنف» المطبوع على الصواب، كما رواه بقية أصحاب ابن جريج، فيحتمل أن يكون عبدالرزاق نبه إلى الصواب، فرجع إليه في «المصنف»، فرواية ابن معين عنه متقدمة، وكان يروي عنه من كتابه قبل النقل إلى «المصنف» (^٣).\nويحتمل أن يكون بعض النساخ أو المحقق عدله إلى الصواب، أو يكون المحقق قرأها بمساعدة ما في المصادر على الصواب دون أن يشعر.\nومن ذلك أن أحد الباحثين وهو يخرج حديث ابن عمر في (صلاة الضحى)\n_________\n(^١) أي: مالك قد وقع عليك الحشا -وهو الربو-، وكانت عائشة مسرعة فعلى نَفَسُها، انظر: «غريب الحديث» لابن الجوزي ١: ٢١٧، و«شرح صحيح مسلم» للنووي ٧: ٤٣.\n(^٢) «تقييد المهمل» ٣: ٨٣٢.\n(^٣) انظر ما تقدم في «الجرح والتعديل» ص ١٢٧.","vol":"1","page":418},{"text":"قال: «وأخرجه أبو يعلى في «المسند»، كما في «المطالب العالية» لابن حجر ٤/ ٥٧٣ (٦٥٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٣/ ٦٩ (٤٩٠٦)، من طريق أبي رافع إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر، عن عبدالله بن عمر به».\nوعلق عليه الباحث بقوله: «سقط من إسناد أبي يعلى عند ابن حجر في «المطالب» إسماعيل بن عبيدالله، وفيه بدل عبدالله بن عمر: عبدالله بن عمرو بن العاص، فلا أدري إن كان هو من باب الاختلاف في الإسناد، أو السقط والتحريف» (^١).\n * * *\n_________\n(^١) «منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى» لعادل المطرفي حديث (٢٣).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-251>المبحث الثاني\nمنهج النقاد في الاختلاف ومنهج المتأخرين</span>\nتكلم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا خلق لا يحصون في كل عصر ومصر، وهؤلاء يختلفون في قوة تمكنهم من هذا العلم، والأخذ بأسبابه، كما يختلفون في قواعدهم التي ينطلقون منها للحكم على الأسانيد تصحيحا وتضعيفا.\nوالذي يهمنا هنا من قواعدهم ما يتعلق بموقفهم حين يقع اختلاف بين الرواة في حديث ما، فالمتتبع لمسيرة نقد المرويات، يرى مناهج مختلفة في النظر إلى هذه القضية.\nوالذي يهم أيضا معرفته من هذه المناهج هو ما كان عليه أئمة النقد الأولين، وهم أئمة نقد المرويات، وأئمة الجرح والتعديل في عصر الرواية، مثل شعبة، ويحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن المديني، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والنسائي، وغيرهم، كما يشمل ذلك طائفة تأخرت بعد هؤلاء وسارت على منهجهم، مثل أبي الفضل بن عمار الشهيد، والدارقطني، والبيهقي، وابن المواق، ونحوهم.\nفهؤلاء يسيرون على منهج واحد، محكم بقواعد وأصول، تعارفوا عليها، وتناقلوها قولا وعملا طبقة بعد طبقة.\nوهذا المنهج ينسب لهؤلاء الأئمة لأنهم طبقوه بتوسع وشمول، وأبرزوا","vol":"1","page":420},{"text":"قواعده وأظهروها، وإلا فإن أس هذا المنهج وبذرته الأولى كانت على يد صحابة رسول الله - ﷺ -، ثم لم يزل يتوسع ويتعمق شيئا فشيئا -بحسب الحاجة إليه- حتى وصل إلى ذروته في عصر النقد المشار إليه.\nوربط منهجهم هذا بعمل صحابة رسول الله - ﷺ - من الأهمية بمكان، وقد قامت إحدى الباحثات الفاضلات بهذه المهمة (^١).\nيقوم هذا المنهج على أساس مهم، حَكَّم فيه هؤلاء الأئمة قواعد الشرع، وأعملوا فيه النظر والعقل، وهذا الأساس هو أنه لا عصمة لأحد عن الكذب والتزوير، فلا بد من فحص الرواة، ثم بعد تمييز الصادقين منهم، فلا عصمة لأحد منهم كائنا من كان عن السهو والخطأ والوهم.\nوقبل شرح طريقة عملهم لا بد من التذكير هنا بأنهم قاموا قبل ذلك بأربع خطوات هامة جدا، هي بمثابة الإعداد والتمهيد للخطوة الخامسة التي هي المقصودة بالحديث هنا، والخطوات الخمس معتمدة على مقارنة المرويات، أو ما يعرف بعرض الروايات بعضها على بعض، وذكري لعملهم هذا على شكل خطوات قصدت به تقريبه للأفهام، وذلك بترتيبه تنزلا من الدائرة الأوسع إلى التي تليها، وأما وجودها في عمل الأئمة وفي كلامهم فعلى ترتيب آخر.\nف<span data-type='title' id=toc-254>الخطوة الأولى: دراسة مرويات كل راو -ما أمكنهم ذلك- ومقارنتها بمرويات غيره</span>، لمعرفة صدقه من كذبه، ومعرفة درجة ضبطه، ثم الحكم على\n_________\n(^١) ينظر: «استدراكات الصحابة بعضهم على بعض في الرواية» لنوال الغنام ٢: ٧٠٧ - ٧٤٦.","vol":"1","page":421},{"text":"الراوي في نفسه، وإعطائه الدرجة اللائقة به، كقولهم: ثقة ثبت، أو ثقة، أو صدوق، أو ضعيف، أو متروك، أو كذاب، وهو ما يعرف بالأحكام المطلقة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المطلق.\nو<span data-type='title' id=toc-255>الخطوة الثانية: إجراء مقارنة بين الرواة، كقولهم: فلان أحفظ من فلان</span>، أو دون فلان، أو مثله، أو أحب إلي منه، ونحو ذلك، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية على الرواة، أو التوثيق والتضعيف النسبي، يفعلون ذلك لمناسبة ما، إما لكونهم إخوة، أو لتقاربهما في السن والأخذ عن الشيخ، أو لتشابههما في الاسم، ونحو ذلك.\nو<span data-type='title' id=toc-256>الخطوة الثالثة: النظر في هذا الراوي مرة أخرى في روايته عن كل شيخ من شيوخه</span>، لمعرفة درجته في كل واحد منهم خاصة، ذلك أن الراوي يأخذ حكما عاما، ثم قد يأخذ حكما خاصا عن شيخ معين من شيوخه، أو أكثر، فقد يكون ثقة إلا في شيخ معين له هو فيه ضعيف، أو في شيوخ معينين، والعكس كذلك، فقد يكون ضعيفا بوجه عام، قويا في شيخ من شيوخه أو أكثر، وهو ما يعرف بالأحكام المقيدة على الرواة، أو التوثيق والتضعيف المقيد.\nو<span data-type='title' id=toc-257>الخطوة الرابعة: إجراء مقارنة بين بعض الرواة الأقران، لمعرفة منازلهم في شيخ لهم معين </span>اشتركوا في الرواية عنه، وهو ما يعرف بالأحكام النسبية المقيدة، أو التوثيق والتضعيف النسبي المقيد، وغالب هذه المقارنات تكون بين تلاميذ راوٍ مشهور، له أصحاب كثيرون، وأحاديث كثيرة، سواء كان من الصحابة،","vol":"1","page":422},{"text":"كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وأنس، أو ممن بعدهم كنافع مولى ابن عمر، وقتادة، وشعبة، والأعمش، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، ونحوهم، وهو ما يعرف بعلم طبقات الرواة في الرتبة والدرجة، لا في الزمن، وهو باب مهم جدا، لأن هؤلاء وأمثالهم تدور غالب الأحاديث عليهم.\nفهذه الخطوات الأربع قام الأئمة بها عن طريق مقارنة المرويات، وعرض الروايات بعضها على بعض، وقد تقدم شرحها وما يتعلق بها من مسائل في الكتاب الأول «الجرح والتعديل»، وإنما ذكرتها هنا ملخصة لارتباطها الوثيق جدا بموضوع عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، فالخطوات الأربع هذه بمثابة المواد الأولية لعمل جليل عظيم قاموا به، وإدراك الباحث لهذا الارتباط هو مفتاح فهمه لأسس وقواعد نقد المرويات بنظرة شاملة ومستوعبة.\nوالخطوة الخامسة -وهي موضوع الحديث هنا كما أسلفت-: أنهم إذا روي لهم الحديث المعين أو سئلوا عنه ورأوا أن بين رواته اختلافا في إسناد الحديث أو متنه احتاج الحديث عندهم حينئذ إلى دراسة ونظر، فلا يصححون الأوجه كلها، أو يحكمون لبعضها بأنه الصواب، وعلى بعضها بأنه خطأ، إلا بعد الدراسة والنظر، فليس عندهم حكم عام مطرد على جميع الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، كأن يقال: الحكم لمن زاد، أو الحكم لمن نقص، أو الحكم للأكثر … الخ، وإنما كل حديث وجد فيه ذلك له عندهم نظر خاص به، يخضع الحكم النهائي فيه لمجموعة من القرائن والمرجحات يراعيها الإمام حين يصدر حكمه.","vol":"1","page":423},{"text":"وهذه المرجحات وتلك القرائن سيأتي الحديث عنها لاحقا، لكني هنا أعيد ما سبق آنفا من أن معظمها كان قد تمت دراسته وإنضاجه في خطوات سابقة عندهم، وهي الخطوات الأربع التي قبل هذه الخطوة، فهذه المرجحات والقرائن بعضها في الرواة الذي جرى بينهم الاختلاف، من حيث درجاتهم في أنفسهم، ومن حيث المقارنة بينهم، ومن حيث صلتهم بشيخهم الذي اختلفوا عليه، وبعضها في الشيخ نفسه الذي جرى عليه الاختلاف، وبعضها في المروي إسنادا أو متنا.\nهذه صور تقريبية لطريقة النقاد في التعامل مع الاختلافات بين الرواة، ذكرتها هكذا ليسهل فهمها، لكنها في واقع الأمر ليست على هذا الترتيب المعين عندهم، فأساسها كلها: مقارنة المرويات، ثم كانت النتائج كلها ثمرة هذه المقارنة، سواء في درجات الرواة، والمقارنة بينهم، ومراتبهم في شيوخهم، أو في الأحاديث نفسها، وما أثمر ذلك كله من قواعد للوصول إلى درجة الحديث، وصحته من ضعفه، مثل قواعد التفرد، واختلاف الرواة، والاعتضاد، يذكرونها في بيانهم وتعليلهم لأحكامهم، فاستفاد منها من جاء بعدهم، وأراد أن يحكم على الحديث.\nولم يأت هذا من الناقد في يوم وليلة، فهو ثمرة جهد جهيد، وزمن طويل، من التحصيل والتتبع، والمقارنة، فالناقد يمضي سنوات عديدة في الرواية والرحلة، حتى تكتمل عنده أدوات النقد، فيعملها، ويصدر أحكامه، مع بقاء هذه الأحكام عرضة للمراجعة، بحسب ما يستجد عنده من دلائل، وما يقف عليه من طرق، فقد يتراجع، وقد يتردد.","vol":"1","page":424},{"text":"واستمر هذا طيلة عصر النقد، في طبقات متعددة من النقاد، يستفيد المتأخر من المتقدم، لكن لا يقلده، بل يعارضه أحيانا، حتى انتهى عصر الرواية، ودونت الكتب، وأصبحت الرواية لهذه الكتب فقط، فصار من يريد النظر في صحة الحديث وضعفه يعتمد على كلامهم، سواء في الرواة، أو في سماع بعضهم من بعض، أو في الأحاديث نفسها.\nومنهج أئمة النقد الذي ذكرته آنفا في الموازنة والنظر أشهر من أن يعرف به، فكل كلامهم على الأسانيد، وعلى الرواة أنفسهم مبني على المقارنة والموازنة، متمثلا بالخطوات الخمس التي أشرت إليها، فإذا قال الإمام عن حديث ما: الصواب فيه الوصل، أو الإرسال، أو الرفع، أو الوقف، أو قال عن راو إنه ثقة، أو ضعيف، أو متروك، أو ضعيف في فلان، أو ثقة لكن أحاديثه عن فلان مناكير، أو فلان أحفظ من فلان، أو أقوى منه في فلان، أو هما سواء، كل ذلك بناه على المقارنة والنظر، والباب كله واحد لا يختلف.\nوقد حرصت جدا هنا على توضيح هذه الصورة وبيان شدة الارتباط بين الأعمال التي قام بها المحدثون النقاد، وهي تؤخذ في الدراسة مفرقة، بحيث يبدو الارتباط بينها ضعيفا، إن لم يكن مفقودا في أذهان كثير من الباحثين، وسأعود إلى هذه النقطة في مناسبات أخرى للحاجة إليها.\nومع وضوح طريقة عمل الأئمة عند اختلاف الأسانيد، وظهورها في كل عمل قاموا به، في مؤلفاتهم وفي إجاباتهم على أسئلة تلاميذهم، مع هذا كله فقد","vol":"1","page":425},{"text":"اضطر الأئمة المتأخرون الذين سبروا عمل الأئمة في عصر النقد إلى توضيح وبيان طريقة أئمة النقد، فتوارد على هذا جمع من الأئمة المتأخرين.\nوقبل أن أنقل شيئا من أقوالهم في تحرير منهج النقاد المتقدمين في اختلاف الرواة أود أن أشير إلى أن السبب الذي ألجأهم إلى تحرير ذلك المنهج، وشرحه وإيضاحه، وهذا يتلخص في شيئين:\n<span data-type='title' id=toc-260>الأول: عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد في قضايا معينة متفرعة من الموضوع العام</span>، وهو (اختلاف الأسانيد)، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و(تعارض الرفع والوقف)، و(زيادة الثقة)، وذلك في بعض كتب المصطلح، وفي كتب أخرى، أو ذكر مذاهب في المسألة ليس من بينها المذهب المهم وهو ما عليه أئمة النقد.\nفمن ذلك ما ذكره الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه قال: «فقال أكثر أصحاب الحديث: إن الحكم في هذا للمرسل، وقال بعضهم: إن كان عدد الذين أرسلوه أكثر من الذين وصلوه فالحكم لهم، وقال بعضهم: إن كان من أرسله أحفظ من الذي وصله فالحكم للمرسل …، ومنهم من قال: الحكم للمسند إذا كان ثابت العدالة ضابطا للرواية فيجب قبول خبره، ويلزم العمل به، وإن خالفه غيره، وسواء كان المخالف له واحدا أو جماعة، وهذا القول هو الصحيح عندنا …» (^١).\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ٤١١.","vol":"1","page":426},{"text":"وقد عقب ابن رجب على ما ذكره الخطيب من الأقوال في هذه المسألة بقوله: «كلها لا تعرف عن أحد من متقدمي الحفاظ، إنما هي مأخوذة من كتب المتكلمين» (^١).\nومن ذلك أن الخطيب أيضا قال في (زيادة الثقة): «قال الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي، أولا يتعلق بها حكم، وبين زيادة توجب نقصانا من أحكام ثبتت بخبر ليس فيه تلك الزيادة …» إلى آخر كلامه (^٢).\nوما نسبه إلى أهل الحديث بعيد جدا عن قولهم، كما سبقت الإشارة إليه، وكما سيأتي تحريره من كلام الأئمة المتأخرين، ثم إن نسبة الخطيب هذا إلى الجمهور يتعارض مع ما تقدم عنه آنفا في مسألة (تعارض الوصل والإرسال)، فإنه ذكر عن أكثر أهل الحديث أن الحكم للمرسل، مع أن الواصل معه زيادة، وقد ذكروا في كتب المصطلح أجوبة عن هذا التعارض لا تخلو من تكلف (^٣).\nويشبه صنيع الخطيب في نسبته الحكم للمرسل إلى أكثر أهل الحديث صنيع ابن الجوزي في (تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال) فإنه كرر القول إن مذهب المحدثين الوقوف مع من وقف أو أرسل احتياطا (^٤).\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٨.\n(^٢) «الكفاية» ص ٤٢٤.\n(^٣) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٨٦، ١٩٠، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٩٥.\n(^٤) «التحقيق في أحاديث التعليق» الأحاديث ١٦٣، ١٦٦، ١٩٠، و«صيد الخاطر» ص ٢٢٤.","vol":"1","page":427},{"text":"ومن ذلك قول النووي: «زيادات الثقة مقبولة مطلقا عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول …» (^١).\nوقال أيضا لما ذكر تعارض الوصل والإرسال وتعارض الرفع والوقف: «فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء وأصحاب الأصول، وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله أو رفعه، سواء كان المخالف له مثله أو أكثر أو أحفظ، لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة …» (^٢).\nوقال النووي أيضا في كلامه على انتقاد الدارقطني لـ «الصحيحين»: «ذلك الطعن مبني على قواعد لبعض المحدثين ضعيفة جدا، مخالفة لما عليه الجمهور من أهل الفقه والأصول وغيرهم، ولقواعد الأدلة، فلا تغتر بذلك» (^٣).\nكذا قال النووي، نسب القواعد التي مشى عليها الدارقطني في انتقاده إلى بعض المحدثين، ثم ضعفها جدا، وليست المناقشة في الأمر الثاني، فهذا اختياره، وإنما في الأمر الأول، إذ تلك القواعد متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، وقد يقع بينهم اختلاف في تطبيقها بحسب اجتهاد الواحد منهم، لا سيما عند تعارضها، ولا إشكال في ذلك كما سيأتي التنبيه عليه، ولذا فقد نقد ابن حجر كلمة النووي هذه، لكنه أجمل ذلك (^٤).\n_________\n(^١) «شرح صحيح مسلم» ١: ٣٢.\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» ١: ٢٣.\n(^٣) «ما تمس إليه حاجة القاري لصحيح البخاري» ص ٦٧.\n(^٤) «هدي الساري» ص ٣٤٦.","vol":"1","page":428},{"text":"الثاني: وجود مناهج مختلفة تناولت نقد مرويات السنة النبوية، فيها مخالفة من بعيد أو قريب لمنهج أئمة النقد، وهذه المناهج يجمعها شيء واحد هو المحك في هذا الموضوع، وهو النظر إلى الأسانيد مفردة، وعدم الالتفات إلى تأثير بعض الأسانيد على بعضها الآخر، لا سيما حين يقع اختلاف.\nولا شك أنه من العسير جدا في هذه الدراسة المختصرة الإلمام بهذه المناهج، ودراسة جذورها، وبيان أثرها على الدراسات الحديثية، ونقد المرويات بصفة عامة، وأهم من ذلك أثرها في الغرض المهم من نقد المرويات، وهو التطبيق العملي، إذ لها أثر خطير جدا في الدراسات الفقهية، والعقدية، والنحوية، وغيرها، ففي النحو مثلا ذهب جماعة من النحويين ومنهم ابن مالك يستشهدون لقواعد نحوية -وقد تكون موضع اختلاف بين النحاة- بروايات مجردة في «صحيح البخاري» (^١)، وقد اعترض عليهم في بعضها الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»، مستخدما منهج أئمة النقد في مقارنة الروايات (^٢)، فهذا في النحو فما الظن بأثر ذلك في العلوم الشرعية؟، ولذا سأكتفي هنا بذكر ما يفي بالغرض دون إطالة.\nومن أهم ما يذكر هنا ما يعرف بمنهج (الفقهاء والأصوليين)، فهو مشهور\n_________\n(^١) انظر: «شرح التسهيل» لابن مالك ١: ٣٩١، ٢: ١١٦، ٣: ٥٢، ١٠١، ٣٣٤، ٣٤١، ٣٧٤، و«شرح الكافية» لابن مالك ٣: ١٥٨٦، و«تكملة شرح التسهيل» لابنه ٤: ٩١.\n(^٢) انظر: «فتح الباري» شرح الأحاديث (٣٥)، (٥٥٥)، (٤١١٢)، (٣٦٧٧)، (٥٧٤٦)، (٦٥٧٩)، (٦٧٢١).","vol":"1","page":429},{"text":"عن جمهورهم، وذلك في مسائل مهمة متفرعة عما نحن فيه، مثل (تعارض الوصل والإرسال)، و(تعارض الرفع والوقف)، و(زيادات الثقات)، و(اشتراط انتفاء العلة في تصحيح الحديث)، ونحو ذلك، فإن للفقهاء والأصوليين منهجا معروفا في هذا، وهو أن الإسناد إذا اجتمعت فيه شروط الصحة الظاهرة وهي: عدالة الرواة، وضبطهم، واتصال الإسناد، فهو إسناد صحيح، وإن خولف بعض رواته، بأن رواه غيره من الثقات مرسلا مثلا، أو موقوفا، أو بحذف راو من الإسناد، أو بدون الزيادة.\nوقد تقدم آنفا نسبة هذا إليهم عن الخطيب البغدادي، والنووي.\nوممن نسبه إليهم أيضا: الحاكم أبو عبدالله، فقد قال في معرض حديثه عن أقسام الصحيح المختلف فيه: «القسم الثالث: خبر يرويه ثقة من الثقات عن إمام من أئمة المسلمين فيسنده، ثم يرويه جماعة من الثقات فيرسلونه»، وذكر مثالا له ثم قال: «وهذا قسم مما يكثر، ويستدل بهذا المثال على جملة من الأخبار المروية هكذا، هذه الأخبار صحيحة على مذهب الفقهاء، فإن القول عندهم قول من زاد في متن الإسناد إذا كان ثقة، فأما أئمة الحديث، فإن القول فيها عندهم قول الجمهور الذين أرسلوه، لما يخشى من الوهم على هذا الواحد …» (^١).\nوابن الصلاح، فقال بعد أن ذكر اختيار الخطيب في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) الآنف الذكر: «وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله» (^٢).\n_________\n(^١) «المدخل في أصول الحديث» ص ٦٥.\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٣.","vol":"1","page":430},{"text":"وابن دقيق العيد، فقد قال في كلامه على الحديث الصحيح: «مداره\n-بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين- على صفة عدالة الراوي، العدالة المشترطة في قبول الشهادة على ما قرر في الفقه، ومن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك: أن يكون مسندا، وزاد أصحاب الحديث: ألا يكون شاذا ولا معللا، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء» (^١).\nوقال ابن دقيق العيد أيضا في إيضاح شرطه في الأحاديث التي أودعها كتابه «الإلمام بأحاديث الأحكام»، مفرقا بين منهج أئمة الحديث، ومنهج أهل الفقه والأصول: «شرطي فيه ألا أورد إلا حديث من وثقه إمام من مزكي رواة الأخبار، وكان (يعني الحديث) صحيحا على طريقة أهل الحديث الحفاظ، أو أئمة الفقه النظار، فإن لكل منهم مغزى قصده وسلكه، وطريقا أعرض عنه وتركه، وفي كل خير» (^٢).\nوقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي: «للمحدثين أغراض في طريقهم احتاطوا فيها، وبالغوا في الاحتياط، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه قد روي موقوفا أو مرسلا» (^٣).\nولو كان المطاف انتهى بهذا المذهب عند الفقهاء والأصوليين لهان الخطب،\n_________\n(^١) «الاقتراح في بيان الاصطلاح» ١: ٣.\n(^٢) «الإلمام بأحاديث الأحكام» ص ٣.\n(^٣) «النكت على مقدمة ابن الصلاح» للزركشي ص ٤٧.","vol":"1","page":431},{"text":"لكنه تجاوز ذلك إلى بعض أهل الحديث المؤلفين فيه، ومن أشهر من ينسب إليه ممن ألف بالأسانيد ثلاثة أئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.\nأما ابن خزيمة، وابن حبان، فقد نصا على شرطهما فيما يخرجانه في «صحيحيهما» بعبارة متقاربة، فقال ابن خزيمة: «مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي - ﷺ -، بنقل العدل عن العدل، موصولا إليه - ﷺ -، من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى» (^١).\nوقال ابن حبان: «نملي الأخبار بألفاظ الخطاب، بأشهرها إسنادا، وأوثقها عمادا، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها» (^٢).\nوقد علق ابن حجر على شرط ابن خزيمة وابن حبان بقوله: «حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها، لكونها دائرة بين الصحيح والحسن، ما لم يظهر في بعضها علة قادحة، وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة: أنها جمعت الشروط المذكورة في حد الصحيح، فلا، والله أعلم» (^٣).\nوما ذكره ابن حجر ظاهر جدا، لا سيما عند ابن حبان.\nوأما الحاكم فقد أوضح شرطه في مقدمته أيضا، فإنه قال: «أجمع كتابا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل، ومسلم بن الحجاج بمثلها،\n_________\n(^١) «صحيح ابن خزيمة» ١: ٣.\n(^٢) «صحيح ابن حبان» ١: ١٠٤.\n(^٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ١: ٢٩١.","vol":"1","page":432},{"text":"إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك …، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة» (^١).\nوكرر هذا في ثنايا الكتاب، مثل قوله حين أخرج حديثا اختلف في رفعه ووقفه: «فنحن على ما شرطنا في إخراج الزيادة من الثقة في الوصل والسند» (^٢)، وقوله حين ذكر حديثا اختلف في وصله وإرساله: «وهذا من الجنس الذي نقول: إن الثقة إذا وصله لم يضره إرسال غيره» (^٣).\nومثل هذا يقال فيما يصححه ابن السكن في «صحيحه»، والضياء المقدسي في «المختارة»، وغيرهما.\nفهؤلاء الأئمة كلهم ممن خصص كتابا للأحاديث الصحيحة سار فيه على طريقة الفقهاء والأصوليين، على تفاوت بين هؤلاء في درجة تطبيقها.\nوأما من سار عليه من المنتسبين للحديث غير هؤلاء فجمع لا يمكن حصره، فقد انتشر هذا المذهب انتشارا واسعا، في كتب التخريج وغيرها، بل تجاوز بعضهم إلى تخطئة منهج أئمة الحديث، وعيبه بعد نسبته إليهم.\n_________\n(^١) «المستدرك» ١: ٢.\n(^٢) «المستدرك» ١: ٤٢.\n(^٣) «المستدرك» ١: ٤٩، وانظر أيضا ١: ٤٨، ٧٧، ٨٦، ١٠٩، ١١٢، وغيرها.","vol":"1","page":433},{"text":"فممن سار عليه وطبقه ونافح عنه كثيرا ابن حزم، عند بحثه لهذا الموضوع، وفي تطبيقاته له (^١)، ومن أشد ما قاله في هذا: «وأما دعوى ابن معين أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادعوا فيه أنه خطأ، من غير أن يذكروا فيه تدليسا - فكلامهم مطرح مردود، لأنه دعوى بلا برهان» (^٢).\nوقال أيضا بعد أن ذكر حديثا اختلف فيه على المدار بزيادة راو وإسقاطه، وجزم ابن حزم بأنه سمعه مرة هكذا، ومرة هكذا: «وإلا فأي شيء في هذا مما يقدح في الرواية؟ وددنا أن تبينوا لنا ذلك، ولا سبيل إلا بدعوى فاسدة لهج بها قوم من أصحاب الحديث، وهم فيها مخطئون عين الخطأ، ومن قلدهم أسوأ حالا منهم» (^٣).\nومنهم ابن الجوزي في بعض كتبه، فمن ذلك قوله في جواب من أعل حديثا بالوقف: «الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة …، ومن عادة المحدثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه - وقفوا مع الواقف احتياطا، وليس هذا مذهب الفقهاء» (^٤).\nوقال مرة في كلامه على حديث: «قد ذكرنا أن مذهب المحدثين إيثار قول\n_________\n(^١) انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» ١: ١٦٦، ٢٦٤ - ٢٧١، ٣٠٦، ٣٢٧، و«المحلى» ١: ٢٣٨، ٢: ١٠٧، ٦: ٢١٦، ٢٣٤.\n(^٢) «المحلى» ٦: ٩.\n(^٣) «المحلى» ١: ٢٣٨.\n(^٤) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (١٦٣).","vol":"1","page":434},{"text":"من وقف الحديث احتياطا، وليس هذا بشيء» (^١).\nوقال في موضع آخر في موازنته بين مذهب الفريقين: «إن البخاري ومسلما تركا أحاديث أقوام ثقات، لأنهم خولفوا في الحديث، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا، ولو كان ثم فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة …، وكل هذا سوء فهم، ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا، وقالوا: الزيادة من الثقة مقبولة، ولا يقبل القدح حتى يبين سببه، وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه، فالحمد لله الذي أنعم علينا بالحالتين» (^٢).\nكذا قال ابن الجوزي، وكلامه شبيه بكلام ابن حزم الآنف الذكر، وهو كلام في غاية البعد عن التحقيق العلمي والإنصاف، وابن الجوزي مع حدته في العبارة هنا فهو -سامحه الله- كثير التناقض في هذا الباب، يلجأ كثيرا إلى علل أهل الحديث حين يحتاج إليها (^٣).\nومنهم كذلك ابن القطان الفاسي، فإنه تبنى مذهب ابن حزم بحذافيره، وردد كثيرا من عباراته بمعناها، فمن ذلك قوله: «لا عيب على الحديث أن يروى تارة مسندا، وتارة مرسلا» (^٤)، وقوله: «إذا كان رافعه ثقة، وواقفه ثقة، فهذا\n_________\n(^١) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (١٩٠)، وانظر أيضا: الأحاديث (١٤١ - ١٤٣)، (١٦١ - ١٦٢)، (١٦٤ - ١٦٦)، (٢٢٣).\n(^٢) «صيد الخاطر» ص ٢٢٤.\n(^٣) «التحقيق في أحاديث التعليق» الأحاديث (١٥)، (٣٩)، (٥٩)، (٦١)، (٦٣).\n(^٤) «بيان الوهم والإيهام» حديث (١٠٣٤).","vol":"1","page":435},{"text":"لا يضره، ولا هو علة فيه …، فالقضاء للواقف على الرافع يكون خطأ» (^١).\nوقال مرة معقبا على كلام الترمذي في تعليل حديث بالوقف، مشيرا إلى تضعيفه مذهب المحدثين: «وهذا عند الترمذي عِلَّة، أن يروى مرفوعا وموقوفا، وليس ذلك بصحيح من قوله وقول من ذهب مذهبه» (^٢).\nوقال مرة: «وهو نظر غير صحيح، أن تعل رواية ثقة حافظ وصل حديثا رواه غيره مقطوعا، أو أسنده ورواه مرسلا - لأجل مخالفة غيره له …، وهذا هو الحق في هذا الأصل، وكما اختاره أكثر الأصوليين، فكذلك أيضا اختاره من المحدثين طائفة، وإن كان أكثرهم على الرأي الأول» (^٣).\nومنهم الإمام النووي جرى على مذهب الفقهاء والأصوليين في كتبه، مثل «المجموع»، و«رياض الصالحين»، و«الأذكار»، و«شرح صحيح مسلم»، و«الأربعون»، واعتمد على هذا المذهب في أجوبته عن الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وغيره على مسلم، فسلك ضروبا من التجويز العقلي لتفادي تخطئة الرواة.\n_________\n(^١) «بيان الوهم والإيهام» حديث (١١٠٨).\n(^٢) «بيان الوهم والإيهام» حديث (١١٩٤).\n(^٣) «بيان الوهم والإيهام» حديث (٢٦٠٤)، وانظر أيضا الأحاديث: (١٠٢٢)، (١٠٢٤)، (١٠٨٣)، (١١١٤)، (١٤٤٨)، (٢٤٦٢)، (٢٤٦٥)، (٢٤٦٨)، (٢٤٧٨)، (٢٤٩٣)، (٢٤٩٧)، (٢٥١٧)، (٢٥٢٦)، (٢٥٥٢)، (٢٥٥٦)، (٢٥٦٥ - ٢٥٦٦)، (٢٥٦٨ - ٢٥٦٩)، (٢٥٨٥ - ٢٦٤١).","vol":"1","page":436},{"text":"ومن أغرب ما وقع له صنيعه في حديث ابن عمر: «بني الإسلام على خمس …» (^١)، فقد جاء عن ابن عمر في «صحيح مسلم» إنكاره تقديم الحج على صوم رمضان في عدها، وأنه سمعها من رسول الله - ﷺ - هكذا بتقديم الصوم، ثم جاءت عنه روايات بتقديم الحج، فقال النووي مجيبا عن هذا: «الأظهر -والله أعلم- أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبي - ﷺ - مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين في وقتين، فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد علي ما لا علم لك به …، وليس في هذا نفي لسماعه على الوجه الآخر، ويحتمل أن ابن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا، ثم لما رد عليه الرجل نسي الوجه الذي رده فأنكره، فهذان الاحتمالان هما المختاران في هذا» (^٢).\nفلكي يبعد نسيان أحد الرواة، أو روايته للحديث بالمعنى، اضطره ذلك إلى ما هو أعظم منه، إذ نسب النسيان إلى صحابي الحديث وهو ابن عمر، وقد ناقشه في ذلك العلائي، ثم ابن حجر (^٣).\nوزيادة على ذلك، ففي هذا الحديث بعينه وردت رواية عند أبي عوانة في\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٨)، (٤٥١٣)، و«صحيح مسلم» حديث (١٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٦٠٩)، و«سنن النسائي» حديث (٥٠١٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٦، ١٢٠، ١٤٣.\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» ١: ١٧٩.\n(^٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٩٩، و«فتح الباري» ١: ٥٠.","vol":"1","page":437},{"text":"«مستخرجه» في قصة رد الرجل على ابن عمر بتقديم الصوم، وفيه قول ابن عمر للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن، عكس ما ورد في «صحيح مسلم»، ورد ذلك ابن الصلاح بأن ما في «الصحيح» مقدم، فقال النووي دافعا قول ابن الصلاح: «هذا (يعني ما في «مستخرج أبي عوانة») محتمل أيضا صحته، ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين» (^١).\nكذا قال النووي، وقد أوغل جدا في تطلب تصويب جميع الرواة الثقات.\nوذكر عمر للنبي - ﷺ - أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وفي بعض الروايات: يوما (^٢)، فقال النووي جامعا بين الروايتين: «هما واقعتان، كان على عمر نذران، ليلة بمفردها، ويوما بمفرده، فسأل عن هذا مرة، وعن الآخر أخرى» (^٣)، عقب عليه العلائي بقوله: «ففي هذا الحمل من أجل تحسين الظن بالرواة - تطرق الخلل إلى عمر ﵁ …» (^٤).\nومع التزام النووي بهذا المنهج إلا أنه ربما تركه إلى منهج نقاد الحديث،\n_________\n(^١) «شرح صحيح مسلم» ١: ١٧٩.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٠٣٢)، (٢٠٤٢ - ٢٠٤٣)، و(٣١٤٤)، (٤٣٢٠)، (٦٦٩٧)، و«صحيح مسلم» حديث (١٦٥٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٣٢٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٥٣٩)، و«سنن النسائي» حديث (٣٨٢٩ - ٣٩٣١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣٤٩ - ٣٣٥٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢١٢٩)، و«مسند أحمد» ١: ٣٧، ٢: ١٠، ٢٠، ٣٥، ٨١، ١٥٣.\n(^٣) «شرح صحيح مسلم» ١١: ١٢٤.\n(^٤) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٩٨.","vol":"1","page":438},{"text":"ففي حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به …» الحديث (^١)، تكلم النووي على زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، فضعفها، مستعينا بأقوال النقاد (^٢).\nوكما أسلفت فقد انتشر هذا المذهب في الكلام على الأحاديث انتشارا واسعا، لسهولة تطبيقه، واشتغال أئمة الحديث المتأخرين بكتب ضخمة في تخريج أحاديثها، فنراه في تخريجات العراقي، والهيثمي، والبوصيري، وابن حجر، والسيوطي.\nوقد رأيت لابن حجر كلاما في بعض تعليقاته أراد به أن يقرب مذهب الفقهاء من مذهب أئمة النقد، وأن الخلاف بينهما لفظي في النهاية، قال: «زاد أهل الحديث قيدي عدم الشذوذ والعلة، لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة، غايته أن بعض العلل التي ذكروها لا يعتبرها الفقهاء، فهم إنما يخالفونهم في تسمية بعض العلل علة، لا في أن العلة توجد ولا تقدح، فأهل الحديث يشترطون في الحديث الذي اجتمعت فيه الأوصاف مزيد تفتيش، حتى يغلب على الظن أنه سالم من الشذوذ والعلة، والفقهاء لا يشترطون في الحديث ذلك، بل متى اجتمعت الأوصاف الثلاثة سموه صحيحا، ثم متى ظهر\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٤٠٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٩٧٢ - ٩٧٣)، و«سنن النسائي» حديث (٨٢٩)، و(١٠٦٣)، (١١٧١ - ١١٧٢)، و(١٢٧٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٠١)، و«مسند أحمد» ٤: ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٠١، ٤٠٥، ٤٠٩، ٤١٠.\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» ٤: ١٢٣، و«المجموع» ٣: ٢٩٨.","vol":"1","page":439},{"text":"شاذا ردوه، فلا خلاف بينهما في المآل، وإنما الخلاف في تسميته في الحال بعد وجود الأوصاف الثلاثة، والفريقان مجمعون على أن العلة القادحة متى وجدت ضرت …» (^١).\nهكذا يقرر ابن حجر، وليت الأمر على ما قال، وأن الخلاف لفظي، يزول في النهاية إذا اطلع على علة، لكنه في الواقع لا يزول، لأن الاختلاف بين المنهجين هو في القواعد التي يحكم على العلة إذا وجدت بأنها قادحة أو غير قادحة، وبين المنهجين فرق كبير جدا في هذه القواعد، نتج عنه فرق كبير أيضا في الحكم على أفراد الأحاديث حين تطبيق المنهجين.\nفأما القواعد نفسها فقد تقدم عن جمع من الأئمة ومنهم ابن حجر تحرير منهجي الفريقين، وأما أفراد الأحاديث فأكثر من أن تحصى، وسيأتي في ثنايا هذا الكتاب الإشارة إلى أثر المنهجين في الحكم على الأحاديث.\nوقول ابن حجر: «لأن أحدا لا يقول: إن الحديث يعمل به وإن وجدت فيه علة قادحة …» لا يفيد شيئا في التقريب بين المنهجين، لأن الشأن في وجود الاختلاف في القواعد التي يتحاكم إليها الفريقان في النظر إلى العلل، وإنما يكون الاختلاف لفظيا لو كانت القواعد واحدة، والاختلاف في وجوب النظر فيها قبل إصدار الحكم، أو في جوازه حتى تظهر علة.\nومن العسير جدا رصد هذا المنهج، والحديث عن آثاره في مثل هذا المجال\n_________\n(^١) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ١: ٨١.","vol":"1","page":440},{"text":"المختصر، لما تقدم، ولسبب آخر مهم جدا وهو استخدام بعض الأئمة للمنهجين جميعا، إما في كتب مختلفة، أو ربما في كتاب واحد، وبعضهم ربما نَظَّر شيئا وطبق غيره، فالحاكم -مثلا- له كلام في غاية القوة والصرامة في كتابه «علوم الحديث»، لكنه في «المستدرك» على النقيض من ذلك، تسامح جدا، ولم يعبأ بمخالفة الثقة ونحوه لغيره، وضده الخطيب البغدادي، مال في كتابه «الكفاية» -كما تقدم آنفا- إلى منهج الأصوليين والفقهاء، لكنه في كتبه التطبيقية مثل «تمييز المزيد في متصل الأسانيد»، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» سلك منهج كبار أئمة النقد.\nومثل هذا يقال في ابن حجر، فإنه قرر أشياء كثيرة في كتابه «النكت على كتاب ابن الصلاح» على طريقة أئمة النقد، وكذا في بعض كتبه التطبيقية، مثل كتابه الذي لخص به كتاب الخطيب الآنف الذكر في الإدراج، وكتابه في الحديث المعلل: «الزهر المطلول في الخبر المعلول»، كما يشير إلى ذلك عزوه للكتابين، وفي كثير من تقريراته في كتبه الكبيرة كـ «فتح الباري»، و«التلخيص الحبير»، لكنه أيضا في كثير من تخاريجه وأحكامه على الأحاديث ينهج منهج النظر إلى الإسناد المفرد.\nوهذا التذبذب بين المنهجين مرده إلى الطريقة التي دونت بها بعض قواعد المحدثين، وذلك بالتأثر بما كتبه الأصوليون والمتكلمون، إذ كان التأليف في أصول الفقه هو السابق، فالقارئ في بعض كتب المصطلح يرى أشياء متناقضة، فهو في (تعارض الوصل والإرسال)، و(تعارض الرفع والوقف)، و(زيادات الثقات)، يرى خليطا من الأقوال، وقد يُرجَّح له قول من يحكم للزائد في هذه الموضوعات، ثم في قضايا أخرى لا يمكن تقريرها وشرحها إلا على منهج واحد","vol":"1","page":441},{"text":"وهو منهج كبار أئمة النقد، مثل (الشاذ)، و(المعلل)، و(المدرج)، و(المقلوب)، و(المزيد في متصل الأسانيد)، وغيرها، إذ هذه الأبواب قائمة على أحاديث الثقات، وإلا فقدت روحها ومضمونها، لأن أحاديث الضعفاء ضعفت بداية بسببهم.\nوالخلاصة أنه لأجل هذين الأمرين -عدم الدقة في تحرير منهج أئمة النقد، وانتشار مذهب الفقهاء والأصوليين- توارد جمع من الأئمة المتأخرين على شرح وإيضاح منهج وطريقة الأئمة المتقدمين أئمة النقد، والتأكيد على شرح موقفهم من الاختلاف، خاصة ما يتعلق بزيادات الثقات، فقال ابن دقيق العيد: «من حكى عن أهل الحديث -أو أكثرهم- أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند، أو واقف ورافع، أو ناقص وزائد، أن الحكم للزائد، فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا، وبمراجعة أحكامهم الجزئية يعرف صواب ما نقول» (^١).\nوقال ابن تيمية حين ذكر معارضة حديث للقرآن: «مع أن حذاق أهل الحديث يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلانا غلط فيه، لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمى: معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيدا، ولكن عرف من طريق آخر أن راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل، أو دخل عليه حديث في حديث، وهذا فن شريف، وكان يحيى بن سعيد الأنصاري (كذا في النسخة، وصوابه: القطان)، ثم صاحبه علي بن المديني، ثم البخاري، من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم،\n_________\n(^١) «شرح الإلمام» ١: ٢٧، وانظر: «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر ٢: ٦٠٤.","vol":"1","page":442},{"text":"وكذلك النسائي، والدارقطني وغيرهم، وفيه مصنفات معروفة» (^١).\nوقال في كلام له عن شرط البخاري ومسلم: «… وقد يترك من حديث الثقة ما علم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يحتج به أصحاب الصحيح، وليس الأمر كذلك، فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن: كيحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب «الصحيح»، والدارقطني، وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها» (^٢).\nوقال أيضا: «وكما أنهم (يعني أهل الحديث) يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ - فإنهم أيضا يضعفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تبين لهم أنه غلط فيها، بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا: علم علل الحديث، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه …، والناس في هذا الباب طرفان، طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يميز بين الصحيح والضعيف …، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثا بإسناد ظاهره الصحة - يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلا له في مسائل العلم، مع أن\n_________\n(^١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٨: ١٩.\n(^٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٨: ٤٢.","vol":"1","page":443},{"text":"أهل الحديث يعرفون أن مثل هذا غلط» (^١).\nوقال ابن عبدالهادي في مناقشته لابن الجوزي وابن القطان في قولهما بتقديم من وصل الحديث أو رفعه دائما: «وهذه الطريقة التي سلكها المؤلف (يعني ابن الجوزي) ومن تبعه في أن الأخذ بالمرفوع والمتصل في كل موضع - طريقة ضعيفة، لم يسلكها أحد من المحققين وأئمة العلل في الحديث» (^٢).\nوقال العلائي في كلامه على مسألة (تعارض الوصل والإرسال): «كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن -كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وأمثالهم- يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح، بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث» (^٣).\nوقال أيضا في كلامه على عموم اختلاف الرواة في الإسناد: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم - فههنا مجال النظر، واختلاف أئمة الحديث والفقهاء، فالذي يسلكه كثير من المحدثين -بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء\n_________\n(^١) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١٣: ٣٥٢.\n(^٢) «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق» ١: ١١٩، وانظر أيضا: ١: ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر ٢: ٦٠٤.","vol":"1","page":444},{"text":"من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن، الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده» (^١).\nوقال ابن حجر معقبا على الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في مسألة (تعارض الوصل والإرسال) عن الخطيب البغدادي، وقوله إن الصحيح في الفقه والأصول هو ترجيح الوصل دائما: «ثم إن ابن الصلاح خلط هنا طريقة المحدثين بطريقة الأصوليين، على أن لحذاق المحدثين في هذه المسألة نظرا آخر لم يحكه، وهو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، وذلك أنهم لا يحكمون فيها بحكم مطرد، وإنما يدورون في ذلك مع القرائن» (^٢).\nوقال أيضا تعليقا على كلمة ابن طاهر: «لا خلاف نجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة»، قال: «أي لا نجد أحدا من أهل الفن إلا وقد قبل زيادة الثقات، ولو في مكان من الأماكن، فهم مجمعون بهذا الاعتبار بالفعل، ولكنهم مختلفون في التفاصيل، فتجد هذا يقبل في مكان لا يقبل فيه آخر، ويقبل في آخر غيره، ومن تأمل تصرفهم حق التأمل علم أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي، ولكنهم دائرون في أفرادها مع القرائن، فتارة يرجحون الوصل،\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» لابن حجر ٢: ٧١٢.\n(^٢) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» للبقاعي ١: ٤٢٦.","vol":"1","page":445},{"text":"وتارة الإرسال، وتارة رواية من زاد، وتارة رواية من نقص، ونحو ذلك، وهذا هو المعتمد، وهو فعل جهابذة النقاد وأعلامهم» (^١).\nونلحظ في كلام هؤلاء الأئمة حرصهم على التأكيد على منهج أئمة النقد في زيادات الثقات، وذلك لتعويل بعض الأئمة المتأخرين على كلمات وردت عن النقاد ذكروا فيها أن زيادة الثقة مقبولة، وربما عبر بعضهم بزيادة الحافظ، مثل ما ورد عن البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبزار، والدارقطني (^٢)، ويلهج بهذا أيضا كثير من المشايخ والباحثين المعاصرين، في سعيهم لنفي الخلاف بين منهج أئمة النقد ومنهج المتأخرين.\nوهذه الكلمات لا دلالة فيها على المراد، أما من الناحية العملية فالأمر ظاهر، فعمل هؤلاء الأئمة وغيرهم في تعليل أحاديث الثقات وزياداتهم في الإسناد والمتن أشهر من أن يمثل له، وسيأتي في ثنايا الكتاب أمثلة كثيرة لهذا، وفي هذا يقول ابن رجب مجيبا عما نقل عن البخاري من ترجيحه وصل حديث، وتعليله بأن ذلك زيادة ثقة: «وهذه الحكاية إن صحت فإنما مراده الزيادة في هذا الحديث، وإلا فمن تأمل كتاب تاريخ البخاري تبين له قطعا أنه لم يكن يرى أن زيادة كل ثقة في الإسناد مقبولة، وهكذا الدارقطني يذكر في بعض المواضع أن الزيادة من الثقة مقبولة، ثم يرد في أكثر المواضع زيادات كثيرة من الثقات،\n_________\n(^١) «النكت الوفية بما في شرح الألفية» ١: ٤٨٦.\n(^٢) «مسند البزار» حديث (٢)، (٢٣ م)، (٢٠٨٧)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٦٥، ٢: ٣٠٢، ٣١٨، و«سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٣٧٠، و«علل الدارقطني» ٣: ٩٨، و«الكفاية» ص ٤١٣.","vol":"1","page":446},{"text":"ويرجح الإرسال على الإسناد» (^١).\nوأما من الناحية النظرية فكذلك، جاءت عنهم كلمات أيضا تدل على أن الأمر ليس على إطلاقه، وأن المقصود بقبول زيادات الثقات أنها ليست كلها مردودة، فيقبل منها ما يقوم الدليل على ترجيح حفظه، ويرد منها ما ليس كذلك.\nقال الشافعي: «إنما يُغَلَّط الرجل بخلاف من هو أحفظ منه، أو يأتي بشيء في الحديث يشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ، وهم عدد، وهو منفرد» (^٢).\nوذكر الدارقطني حديثا وقع فيه اختلاف على أحد رواته، ثم قال: «وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة» (^٣).\nوقال أيضا في كلامه على حديث آخر خالف فيه الثوري اثنين من الثقات: «لولا أن الثوري خالف لكان القول قول من زاد فيه لأن زيادة الثقة مقبولة» (^٤).\nوإلى جانب هذه التنبيهات القيمة من هؤلاء الأعلام في شرح وتوضيح منهج أئمة النقد حين اختلاف الرواة - فقد كان لبعضهم جهد مشكور في جانب آخر، هو الأهم، أعني الجانب التطبيقي، فقد تتبع بعض الأئمة أحكام أئمة\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٨.\n(^٢) «اختلاف الحديث» ص ٣٠.\n(^٣) «العلل» ٢: ١٨٢.\n(^٤) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٨.","vol":"1","page":447},{"text":"آخرين ساروا على منهج الفقهاء والأصوليين، ونقدوا تلك الأحكام على ضوء منهج أئمة النقد.\nفمن هؤلاء الحافظ أبو بكر محمد بن حيدرة الشاطبي الأندلسي، المعروف بابن مفوز، المتوفى سنة ٥٠٥ وقد جاوز الأربعين بثلاث سنين، قال فيه الذهبي: «كان حافظا للحديث وعلله، عالما بالرجال، متقنا …» (^١).\nولابن مفوز رد على ابن حزم، وصفه ابن عبدالهادي بأنه رد حسن، وقال: «كتبته، وهو يدل على تبحره وإمامته» (^٢).\nوهو كما قال ابن عبدالهادي، فقد نقل عنه ابن القيم مناقشته لابن حزم في تصحيحه لحديث خطأ أئمة الحديث فيه أبا إسحاق السبيعي، فرد عليهم ابن حزم، وزاد على ذلك فصحح روايتين متعارضتين عن أبي إسحاق، وحملهما على تعدد الواقعة، فرد عليه ابن مفوز ردا محكما، أشار فيه إلى منهج أئمة الحديث، ومنهج الفقهاء الذين لا يعتبرون الأسانيد ولا ينظرون الطرق (^٣).\nومن هؤلاء أيضا ابن عبدالهادي في كتابه: «تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق»، تتبع فيه ابن الجوزي في كتابه «التحقيق في أحاديث التعليق»، في الأحاديث التي نصر فيها منهج الفقهاء والأصوليين (^٤).\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» ١٩: ٤٢١.\n(^٢) «طبقات علماء الحديث» ٤: ٢٧.\n(^٣) «تهذيب سنن أبي داود» ١: ١٥٤.\n(^٤) انظر مثلا: «التنقيح» ١: ٣١١، ٣٦٦، ٣٨٥، ٣٨٧، ٣٨٨.","vol":"1","page":448},{"text":"ونرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن رجب على أحاديث حسنها النووي في «الأربعين»، وناقشه ابن رجب بتعليلها على طريقة المتقدمين، ونقل كلامهم (^١).\nكما نرى نماذج لذلك أيضا في كلام ابن حجر على أحاديث يصححها بعض الأئمة، وهي معلولة عند أئمة النقد، فكثيرا ما يقول: «مشى فلان (كابن حبان مثلا) على ظاهر الإسناد، فصحح الحديث» (^٢).\nواليوم -والعالم الإسلامي يشهد نهضة وإقبالا شديدا على دراسة السنة النبوية- يجد الباحث نفسه في ذات الموقف الذي اضطر بسببه جمع من الأئمة المتأخرين إلى تحرير منهج كبار أئمة النقد، إذ النهضة المعاصرة فتحت عينيها على حفظ وتطبيق ما في كتب المصطلح، وحمل الراية في بداية النهضة من أوغل جدا في سلوك منهج الفقهاء والأصوليين، والرد كثيرا على أئمة النقد، وإن حصل منهم إجماع أو ما يشبه الإجماع في الحديث المعين، أعني الشيخ أحمد شاكر.\nثم كثر المنتسبون إلى هذا العلم، المشتغلون بالأحاديث تصحيحا وتضعيفا كثرة بالغة، بسبب افتتاح أقسام الدراسات العليا في الجامعات الإسلامية، ومطالبة هذه الأقسام -حتى غير المتخصصة- الباحثين والباحثات بالحكم على الأحاديث، مع تأكيدهم عليهم أن يكون الحكم على الأسانيد مفردة، دون التعرض للعلل، لأن هذا من شؤون أئمة النقد كما يقولون.\n_________\n(^١) انظر مثلا: «جامع العلوم والحكم» الحديث الثاني عشر، والحديث التاسع والثلاثين.\n(^٢) انظر مثلا: «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٢٦، ٧٨٢.","vol":"1","page":449},{"text":"ولا بد من الإشارة إلى فرق جوهري بين ما كان عليه الأئمة المتأخرون السائرون على منهج الفقهاء الأصوليين، وبين الباحثين في العصر الحاضر، وهو أن أكثر أولئك ساروا على منهج مع علمهم بوجود منهج آخر وهو منهج أئمة النقد، كما تقدم في كلام ابن حزم، وابن الجوزي، وابن القطان، وأما الباحثون المعاصرون فأكثرهم لا يدرك ذلك، ويأنف أن يقال له: إنك تسير على غير ما سار عليه أئمة النقد، مع أن الأمر ظاهر، إذ هو يكثر من تصحيح أحاديث قد ضعفوها، فمن أين أتى هذا؟ .\nوقد حاورني شخص حين سمع بوجود منهجين وقال في كلامه: أريد من نص على هذا، بشرط تجنب ذكر اثنين، فذكر أستاذا فاضلا معاصرا، له جهود مشكورة موفقة في التنبيه على بعض الخلل في الدراسات الحديثية عند المتأخرين، وذكر الحافظ ابن رجب.\nفقلت له: أما الأستاذ المعاصر فلك الحق في استثنائه، لأن خلافك معه ومع أمثاله، وأما ابن رجب فهو الفحل لا يقذع أنفه، فلو افترضنا أنه تفرد بالتنبيه على مثل ذلك ما ضره، فإن الحق معه، وسبيل التأكد من صحة ما يقوله ليس بالعسير لمن وفقه الله تعالى، فهذه كتبهم، وهذا صنيع المتأخرين.\nومع ذلك فسأتنزل معك وأدع ابن رجب (^١)، ثم ذكرت له جماعة من الأئمة الذين نصوا على وجود المذهبين ممن تقدم نقل كلامهم آنفا، فما كان منه\n_________\n(^١) ينظر بحثه لهذه المسألة في «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٠ - ٦٤٣.","vol":"1","page":450},{"text":"إلا أن قال: أين نحن عن هذا؟ ولم إنكار وجود مذهبين متميزين في الدراسات الحديثية؟ فأجبته: لا أجد مبررا لهذا إلا أن أعزوه لثلاثة أسباب:<span data-type='title' id=toc-270> الأول: صعوبة التحول عما نشأ عليه الشخص</span>، وتلقاه في فترة التعليم، واشتغل عليه فترة طويلة، ولهذا نرى بعض الباحثين قد سلم بوجود المنهجين، واقتنع بضرورة الالتزام بمنهج الأئمة النقاد، وربما شرحه وأوضحه، ولكنه عند التطبيق يدعه ويتكلم على الأحاديث بما نشأ عليه.\nوقد قرأت كتابا لأحد الباحثين قدم له بمقدمة جيدة عن قرائن الترجيح عند الأئمة، وضرب لها الأمثلة، ثم في داخل الكتاب سرعان ما يدعها ويسلك مسلك الفقهاء والأصوليين، ومن سار على طريقتهم، بل ينقل أقوالهم وتقريراتهم على الأحاديث.\nوتكلم باحث آخر في كتاب له نشره عن زيادة ثقة في متن الحديث، وضعفها، وكتب في ذلك صفحات مطولة، نقل فيها عن الأئمة المتأخرين تقريرهم لمنهج المتقدمين في قبول الزيادات أوردها.\nثم هو في أحاديث أخرى كأنه لم يقرأ حرفا مما سطره هنا، فحسن إسناد حديث فيه صدوق، قد خالف جماعة من الحفاظ، منهم سفيان الثوري، وشعبة، فزاد في الإسناد رجلا، ورواية الحفاظ بإسقاطه، فالإسناد منقطع، وأحاديث أخرى كثيرة ترك فيها ما أطال في تقريره والأخذ به في ذلك الموضع.\nالثاني: خلل في التربية العلمية، فالاستعداد النفسي لتغيير الرأي متى ظهر","vol":"1","page":451},{"text":"الحق في خلافه مفقود أو شبه مفقود، وكثير من الباحثين يظن أن من ينبه على وجود خلل في منهج ما إنما يقصد أصحابه بالتنقص والعيب.\nالثالث: الطريقة التي سلكها بعض من تصدى للتنبيه على الخلل الموجود في مسيرة الدراسات النقدية للسنة، فقد سلك بعضهم -وهذا مما يؤسف له- مسلكا اتسم بالعنف والحدة، والغمز واللمز، بل والتعيير أحيانا، حتى مع بعض الأئمة، وعدم التماس الأعذار، ولا شك أن لهذا ردة فعل غير محمودة، فرأينا ردودا ومناقشات بعيدة عن الأدب العلمي، ورأينا التنابز بالألقاب، وأنا أبرأ إلى الله تعالى من الفريقين، وأحاول بقدر الاستطاعة أن أنتظم في سلك فئة قليلة في عددها كثيرة -بحول الله- بعدتها، تنبه ولا تعنف، تعذر ولا تعير، ترجح ما تراه الصواب، ترى العلم حقا مشتركا للجميع، لا يملكه أحد، هدفها خير الأمة وصلاحها، نسأل الله تعالى أن يسدد الخطا، وأن يوفق للصواب.\nوسأعود إلى التأكيد على الفرق بين المنهجين في مناسبات لاحقة في بقية فصول هذا الباب (الاختلاف) يظهر فيها التطبيق العملي لهذا الفرق، مع غرض آخر قصدته وهو تنبيه الباحث حين يسير على نهج أئمة النقد على أن يكون شديد الحذر والانتباه، فقد تزل قدمه في إحدى مراحل النظر في الاختلاف، فيعود مرة أخرى إلى منهج المتأخرين، من حيث يعلم أو من حيث لا يعلم، فيقضي على جهده كله، وهذا أمر بالغ الأهمية، فالمشوار طويل، والطريق وعرة.\nوفي ختام هذا المبحث أود أن أشير إلى قضيتين مهمتين، الأولى: ليس من","vol":"1","page":452},{"text":"غرضي هنا أن أستدل لسلامة منهج أئمة النقد، وضعف منهج من خالفهم، فقد ذكرت في مناسبة سابقة أن مهمة من يبحث في قواعد النقد هي تحرير منهج أئمته، فإذا عرفنا منهجهم أو قاعدتهم في قضية ما انتهت مهمة الباحث هنا، وصار الاستدلال لهذا المنهج أو لتلك القاعدة من نافلة القول.\nالثانية:<span data-type='title' id=toc-273> اختلاف منهج المتأخرين عن منهج أئمة النقد ليس خاصا بقضية وقوع اختلاف بين الرواة</span>، فقد تقدم مثله تماما في مسألة (التفرد)، في الباب الذي قبل هذا، ويأتي مثله أيضا في مسألة (الاعتضاد)، ومسألة (المعارضة).\nوكل هذا يتعلق بمقارنة المرويات، وأما ما يتعلق بـ (الجرح والتعديل)، وقضايا (الاتصال والانقطاع)، فقد تقدم في الكتابين الأولين التنبيه في مناسبات عديدة إلى الخلل الواقع فيها في الدراسات النقدية المتأخرة.\nوالباب كله واحد، ينتظم عددا من المسائل، قد يشتهر بعضها ويخفى بعضها الآخر، غير أن المحصلة النهائية واحدة: ضعف متناه في نقد المرويات، ومجازفات لا حدود لها في التصحيح.\n * * *","vol":"1","page":453},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>الفصل الثاني\nقرائن الترجيح والموازنة</span>\nوفيه مدخل، وأربعة مباحث:\nالمبحث الأول: القرائن في الرواة المختلف عليهم.\nالمبحث الثاني: القرائن في الرواة المختلفين.\nالمبحث الثالث: القرائن في صفة الرواية.\nالمبحث الرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-275>مدخل:</span>\nاستخدم الأئمة في عصر النقد للموازنة والنظر حين يقع اختلاف بين الرواة في إسناد الحديث أو متنه قرائن كثيرة جدا يصعب حصرها، ولا سيما من باحث واحد، فالسبيل إلى ذلك أن تتضافر الجهود، وأن يحرص كل باحث اشتغل بالنظر في أحكام النقاد وتطبيقاتهم على تقييد ما يمر به من هذه القرائن والحصيلة النهائية الإلمام بهذه القرائن، أو بأكثرها.\nوفي هذا الفصل كتبت ما وقفت عليه من هذه القرائن، ملتزما في ذلك شرطا مهما أكرره دائما، وهو أن<span data-type='title' id=toc-276> القرينة لا تعد قرينة حتى ينص الناقد على استخدامها، لا أن تكون مستنبطة من كلامه</span>، فمتى وقفنا على نص لناقد يصرح فيه باستخدامها، وأنها السبب فيما حكم به - صح لنا أن نعدها قرينة، وصح لنا أيضا أن نتلمَّسها في أحكامهم التي لم ينصوا فيها على علة الحكم، وأن نستخدمها نحن أيضا في دراستنا للاختلاف، وكل ذلك بحذر شديد ورويَّة.\nوقد بدا لي أن هذه القرائن تنقسم في الجملة أربعة أقسام: الأول: في الرواة المختلف عليهم، والثاني: في الرواة المختلفين، والثالث: في صفة الرواية في الاختلاف، والرابع: المتابعات للمدار ومن فوقه، وعلى هذا الأساس سيكون هذا الفصل في أربعة مباحث.","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-277>المبحث الأول\nالقرائن في الرواة المختلف عليهم</span>\nالراوي المختلف عليه في حديث معين يمثل حلقة وصل بين الرواة المختلفين عليه، ومن فوقه في الإسناد، والباحث حين دراسته لحديث وقع فيه اختلاف له نظر في حلقة الوصل هذه من جهتين، الأولى: المحفوظ عن هذا الراوي ما هو؟ هل هو وجه واحد من وجوه الاختلاف، أو أكثر من وجه؟ وبعبارة أخرى: ما الذي حَدَّث به هذا الراوي أصحابه المختلفين عليه؟ وجه واحد، أو أكثر من وجه؟، والثانية: حال إسناد الوجه الراجح والدرجة اللائقة به، ابتداء من الراوي المختلف عليه صعودا إلى من فوقه في الإسناد، إلى أن يصل الإسناد إلى صاحب النص.\nومثال ذلك: أن يختلف أصحاب أيوب السختياني عليه في حديث ما، فيرويه بعضهم عنه، عن نافع، عن ابن عمر، ويرويه بعضهم عنه، عن أنس بن مالك، فيكون البحث عن الذي حَدَّث به أيوب ما هو؟ هل هو عن نافع، عن ابن عمر، أو عن أنس بن مالك؟ أو حدث بالإسنادين جميعا؟ فهذه جهة، والجهة الثانية بعد الفراغ من معرفة المحفوظ عن أيوب. يكون النظر في أيوب ومن فوقه في الإسناد المحفوظ عنه، لإعطاء الإسناد الدرجة اللائقة به إن كان المحفوظ عنه واحدا، أو إعطائهما الدرجة اللائقة بهما إن كان الوجهان محفوظين عنه.\nوالنظر في الجهة الثانية ليس هذا موضع الحديث عنه، فسيأتي له فصل","vol":"1","page":458},{"text":"خاص به -بعونه تعالى- وهو الفصل الخامس، والحديث الآن عن النظر في الجهة الأولى، في المحفوظ عن الراوي المختلف عليه.\nوشرح ذلك أن نعرف أن بعض الاختلافات على الرواة سببها الرواة المختلف عليهم أنفسهم، فالواحد منهم يروي الحديث مرة على وجه، ومرة على وجه آخر، وربما رواه على وجه ثالث، أو أكثر.\nوالراوي يروي الحديث على أوجه في الرواية لأسباب عديدة، منها أنه لم يضبط هذا الحديث، أو لكونه يحدث حفظا ثم راجع كتابه فوجده على صفة أخرى، أو يكون قد حدث بالحديث في مكان على صفة، ثم حدث به في مكان آخر على صفة أخرى، ومثل هذا يقال في الزمان، قد يكون حدث به أولا على صفة، ثم في الآخر على صفة أخرى.\nأو يكون الراوي يرى في الحديث إشكالا في جهة ما، فيقفه أو يرسله أحيانا متعمدا، أو يرى شيخه ضعيفا فيتخوف ألا يكون حفظه، فيتعمد التقصير به.\nومن الأسباب كذلك أن يكون الراوي قد سمعه من شيخه هكذا على التردد، فهو أيضا يرويه تارة على صفة، وتارة على صفة أخرى، وقد ينبه على ذلك.\nومنها أن يكون سمع الحديث عن شيخه بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة، أو العكس، فهو يحدث به على الوجهين، أو يكون سمعه عن الراوي بواسطة، فهو يذكرها تارة، ويحذفها أخرى.\nومنها كذلك أن يكون سمع الحديث من عدد من الشيوخ، فهو يرويه تارة","vol":"1","page":459},{"text":"عن هذا، وتارة عن هذا، إلى غير ذلك من الأسباب.\nومن المهم جدا للوصول إلى رأي صواب أو أقرب من غيره إلى الصواب الاعتناء بالنظر في الراوي المختلف عليه، وكيفية روايته، وذلك حين البحث في المحفوظ عن ذلك الراوي، وما الذي حَدَّث به؟ ففي كثير من الأحيان يغني النظر فيه عن النظر في أصحابه المختلفين عليه، والموازنة بين رواياتهم المختلفة في الحديث موضع البحث، وإذا لم يغن النظر في الراوي المختلف عليه عن النظر في أصحابه، ورواياتهم، فقد يكون النظر فيه عاملا مساعدا في الموازنة بين رواياتهم.\nوقد رأيت من الباحثين -بصفة عامة- إغفال هذا الجانب، والقصد مباشرة إلى الموازنة بين الرواة عن المختلف عليه، والجزم بأن فلانا أصاب، لكونه الأحفظ، أو لغير ذلك، لكن الباحث لم يدقق في شيخهم الذي اختلفوا عليه، ولا في روايته لهذا الحديث موضع البحث.\nوأول ما ينبغي التدقيق فيه روايته للحديث موضع البحث، فقد يقف الباحث على نص عن الراوي المختلف عليه، وأنه قد حَدَّث بالوجهين جميعا، إن كان الاختلاف على وجهين -مثلا- فالتردد منه، وقد تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول، وهو الفصل المتعلق بالنقد في عصر الرواية، أن هناك نصوصا كثيرة جدا عن الرواة في مناقشتهم، والمحاورات بينهم، فهذا باب مهم جدا على الباحث أن يعتني به، فقد يوفر عليه الكثير من العناء، وسأذكر الآن نماذج أخرى لهذا.\nفمن أمثلة ذلك أن يحيى بن سعيد القطان حدث بحديث عبيدالله بن عمر،","vol":"1","page":460},{"text":"عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان يجمع بين العشاء والمغرب إذا جدَّ بالسير، بعدما يغيب الشفق، ويزعم أن النبي - ﷺ - كان يجمع بينهما»، ثم قال يحيى: «حدثت بهذا الحديث ست عشرة سنة بمكة، فكنت أقول: قبل أن يغيب الشفق، ثم نظرت في كتابي فإذا: بعدما يغيب الشفق» (^١).\nوروى الترمذي عن يحيى بن موسى، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه شجرة مباركة»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عبدالرزاق، عن معمر، وكان عبدالرزاق يضطرب في رواية هذا الحديث، فربما ذكر فيه: عن عمر، عن النبي - ﷺ -، وربما رواه على الشك، فقال: أحسبه عن عمر: عن النبي - ﷺ -، وربما قال: عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - مرسلا، حدثنا أبو داود سليمان بن معبد، حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - نحوه، ولم يذكر فيه: عن عمر» (^٢).\nوقال أبو حاتم عن هذا الحديث: «حدث مرة عن زيد بن أسلم، عن أبيه، أن النبي - ﷺ -، هكذا رواه دهرا، ثم قال بَعْدُ: عن زيد بن أسلم، عن أبيه\n-أحسبه- عن عمر، عن النبي - ﷺ -، ثم لم يمت حتى جعله عن زيد بن أسلم، عن\n_________\n(^١) «المحدث الفاصل» ص ٣٨٨، و«الكفاية» ص ٢٢٠.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٨٥١)، وانظر: «الشمائل» حديث (١٥٠)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٩٥٦٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٣١٩)، و«مسند البزار» حديث (٢٧٥)، و«مستدرك الحاكم» ٤: ١٢٢.","vol":"1","page":461},{"text":"أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ - بلا شك-» (^١).\nوقد رواه محمد بن سهل بن عسكر، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي - ﷺ -، ثم قال محمد بن سهل: «فقال له فتى من أهل مرو يقال له: أحمد بن سعيد: هذا الحديث كنت لا ترفعه، قال: ذلك على ما حدثنا، وهذا على ما نحدث» (^٢).\nوروى أحمد عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى، عن معمر، عن الزهري: «أن نبي الله خرج ليلة في رمضان، فصلى أناس بصلاته …» الحديث، ثم قال أحمد: «حدثنا عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، ثم رجع عنه -يعني عبدالرزاق- فقال: اضربوا عليه، فجعلناه عن الزهري مرسلا» (^٣).\nويلي ذلك أن يأتي نص عن أحد أصحاب الراوي المختلف عليه يفيد أن شيخه قد رواه على الوجهين، أو يأتي النص عمن دونه في الإسناد، وهذا كثير جدا.\nومن أمثلة ذلك ما رواه أحمد، عن أبي كامل مظفر بن مدرك، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة: «أن رجلا مَرَّ على قوم فسلَّم عليهم …» الحديث، ثم رواه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن الزهري مرسلا ليس فيه أبو الطفيل (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٥، وانظر: «مسائل أبي داود» ص ٣٩٢، و«مسند البزار» حديث (٢٧٥).\n(^٢) «الكفاية» ص ٤١٧.\n(^٣) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ١٩٩.\n(^٤) «مسند أحمد» ٥: ٤٥٥.","vol":"1","page":462},{"text":"قال عبدالله بن أحمد بعد أن رواهما عن أبيه: «بلغني أن إبراهيم بن سعد حدث بهذا الحديث من حفظه، فقال: عن أبي الطفيل، وحدث به ابنه يعقوب، عن أبيه، فلم يذكر أبا الطفيل، فأحسبه وهم، والصواب رواية يعقوب، والله أعلم» (^١).\nوروى جماعة كثيرون من أصحاب ابن عيينة عنه، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ورواه بعض أصحابه عنه بلفظ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا …» (^٢).\nوقد ذكر أحمد أنه سمعه من سفيان هكذا، وهكذا، فأفاد نص أحمد أن الاختلاف من سفيان نفسه، قال أحمد بعد أن رواه بلفظ الصيام: «سمعته أربع مرات من سفيان، وقال مَرَّة: «من صام رمضان»، وقال مرة: «من قام»،» (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ٤٥٦، وانظر: «علل الدارقطني» ٧: ٤١.\n(^٢) انظر: «مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط ١٢: ٢٢٥ حديث (٧٢٨٠).\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٢٤١، كذا جاء هذا النص في «المسند» وقد جاء في «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٦٩ بلفظ: «سمعت من سفيان أربع مرار حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «من صام رمضان»، قال سفيان مرة: «من قام رمضان»،».\nوهذا النص أظهر، ومراد أحمد أن سفيان مع تردده أكثر ما يذكره بلفظ الصيام، يدل عليه أن أكثر روايات أصحابه عنه بلفظ الصيام.\nوانظر أمثلة أخرى يحكي الراوي فيها الاختلاف والتردد عن شيخه في: «صحيح البخاري» حديث (٥٧٦٢)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٩٧)، و«مسند الحميدي» حديث (١٧)، (٢٤٩)، (٥٠٠)، (٦٢٠)، (٦٣٨)، (٦٧٠)، (٦٨٠)، (١٢٦١ - ١٢٦٢)، و«مسائل صالح»\n\nص ٢٥٥ (٨٧٧)، و«علل ابن أبي حاتم» (٨٦١)، (٨٨٠)، (١١١٣)، (١٢١٨)، (١٦٥٠)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤١٢)، و«علل الدارقطني» ١٣: ٤٠٥ - ٤٠٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٢٠٦، ٢٠٧، و«سنن البيهقي» ١: ٣٢٥، و«تاريخ بغداد» ٩: ٣٥.","vol":"1","page":463},{"text":"والخلاصة أن النصوص عن الرواة المختلف عليهم، أو عن أصحابهم، مهمة جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف الذي يقع عليهم، فقد يجد في النص ما يفيد أن الاختلاف إنما هو من الشيخ نفسه، وليس من أصحابه.\nوهذا أحد الأسباب التي من أجلها يوصى الباحث بضرورة وقوفه هو على مصادر التخريج، والتمعن فيما يكون في أثناء الرواية أو بعدها من عبارات للرواة، قد تساعد الباحث في نظره في الاختلاف.\nويدل على ما تقدم أن مجرد رواية بعض الرواة عن الشيخ للوجهين هو بحد ذاته دليل على صحة الوجهين عنه، فإذا اختلف أصحاب الراوي عليه، فروى بعضهم الحديث على وجه، وبعضهم على وجه آخر -مثلا-، ثم وجدنا بعض أصحابه يروي عنه الوجهين جميعا سواء مقرونين أو مفرقين، أفاد هذا صحتهما عنه، هكذا يفعل الأئمة النقاد، فكأن من روى عنه الوجهين ينقل نصه أنه قد رواهما.\nفمن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود قال: «قلت لأحمد: حديث أبي السائب مولى هشام بن زهرة؟ قال: قد جمعهما بعضهم، فأرجو أن يكون كلا الحديثين صحيح -يعني حديث مالك، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «أيما صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة","vol":"1","page":464},{"text":"الكتاب فهي خداج»، ومن قال: عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة …»، ثم قال أبو داود: «رواه أبو أويس، وسليمان بن بلال -من رواية شيخ من أهل البصرة عنه-، وابن ثوبان، عن ابن عجلان، كلهم قالوا: عن العلاء، عن أبيه، وأبي السائب مولى هشام بن زهرة، عن أبي هريرة» (^١).\nوكذا قال أبو زرعة، مثل ما قال أحمد، مصححا للوجهين عن العلاء، محتجا بمثل ما احتج به أحمد (^٢).\nوقال عبدالله بن أحمد: «حدثني أبي، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن طارق، قال: «سألت الشعبي عن امرأة خرجت عاصية لزوجها، قال: لو مكثت عشرين سنة لم تكن لها نفقة»، حدثني أبي، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن موسى الجهني، عن الشعبي نحوه.\nقال أبي: قيل ليحيى: إن الناس يروونه عن موسى الجهني، فقال: لو كان عن موسى كان أحب إلي، أنا كيف أقع على طارق؟، وكان موسى أعجب إلى يحيى من طارق، طارق في حديثه بعض الضعف.\nقلت لأبي: فإن أبا خيثمة حدثناه، سمعه من الأشجعي، عن سفيان، عن\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤٢٩.\n(^٢) «سنن الترمذي» ٣: ٢٠٢، و«العلل الكبير» ١: ٢٣٥، وانظر: «صحيح مسلم» حديث (٣٩٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٨٢١)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٩٥٣)، و«سنن النسائي» حديث (٩٠٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٨٣٨)، و«مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط حديث (٧٢٩١)، (٧٤٠٦)، و«علل الدارقطني» ٩: ١٧ - ٢٤.","vol":"1","page":465},{"text":"طارق، وموسى الجهني، عن الشعبي، قال: أصاب يحيى، وأصاب وكيع» (^١).\nوروى جماعة، عن عبدالوارث بن سعيد، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، حديث رقية النبي - ﷺ - (^٢)، ورواه جماعة آخرون، عن عبدالوارث بن سعيد، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قصة رقية جبريل للنبي - ﷺ - (^٣).\nقال الترمذي: «سألت أبا رزعة عن هذين الحديثين أيهما أصح، حديث أنس، أو حديث أبي سعيد؟ فقال: كلاهما صحيح، وقد رواهما عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، الحديثين جميعا، وسألت محمدا فقال مثله» (^٤).\nوروى جماعة عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: «من أتى الجمعة فليغتسل» (^٥)، ورواه الليث بن سعد، عن الزهري، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه (^٦).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٧٤.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٧٤٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٨٩٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٧٣)، و«مسند أحمد» ٣: ١٥١، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٩١٧).\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢١٨٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٧٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٧٦٦٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٥٢٣)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٨، ٥٦.\n(^٤) «العلل الكبير» ١: ٤٠٠، وانظر: «سنن الترمذي» حديث (٩٧٢ - ٩٧٣).\n(^٥) «صحيح البخاري» حديث (٨٩٤)، (٩١٩)، و«صحيح مسلم» حديث (٨٤٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩٢)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٠٥)، و«مسند أحمد» ٢: ٩، ٣٥.\n(^٦) «صحيح مسلم» حديث (٨٤٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩٣)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٠٦)، و«مسند أحمد» ٢: ١٢٠.","vol":"1","page":466},{"text":"قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث أي الروايتين أصح؟ فقال: كلاهما صحيح، روى ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، وعبدالله بن عبدالله بن عمر، عن ابن عمر …» (^١).\nومن دقائق هذه المسألة<span data-type='title' id=toc-282> أن يكون الجامع بين الروايتين أحد المختلفين، فيشارك الجماعة في وجه، وينفرد عنهم بوجه آخر</span>، وصورته أن يروي جماعة عن شيخ لهم حديثا على صفة، ثم يرويه بعض هؤلاء الجماعة على صفة أخرى، فلا شك أن هذه الحالة في الدلالة على حفظ الوجهين دون التي قبلها، وربما استدل بها بعض الأئمة، قال ابن رجب وقد ذكر بعض الأمثلة عليها: «وهذا مما يستدل به الأئمة كثيرا على صحة رواية من انفرد بالإسناد، إذا روى الحديث بالإسناد الذي روى به الجماعة» (^٢).\nوما سبق كله في دلائل حفظ وجهين أو أكثر عن المختلف عليه في النظر في\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٢٧٠، وانظر: «سنن الترمذي» ٢: ٣٦٥.\nورواية ابن جريج أخرجها مسلم حديث (٨٤٤)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (١٦٧٣ - ١٦٧٤)، وأحمد ٢: ١٤٩.\nوانظر أمثلة أخرى لهذه المسألة في: «سنن الترمذي» حديث (١١٠٥)، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» رقم (٤٧٤)، و«العلل الكبير» ١: ٢٦٢، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٥)، (٣٦٧)، (٤٦٩)، (٥٥٢)، (٧٠٣)، (١٤٥٢)، و«علل الدارقطني» ٦: ٤٣، ٩: ١٨٧، ١٨٩، ١٠: ١٦، ١٤: ١٠١.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٣٨ - ٨٤٠، وانظر أيضا: «علل ابن أبي حاتم» (١٠٢٧).","vol":"1","page":467},{"text":"صفة الرواية عنه، وهناك دلائل تظهر من النظر في حال المختلف عليه بصفة عامة، ذلك أن من الرواة مَنْ يؤدي النظر في حاله إلى انبعاث احتمال كبير أن يكون الاختلاف منه، وليس من الرواة عنه.\nوهؤلاء على ضربين،<span data-type='title' id=toc-284> أحدهما: من يكون هذا شأنه في جميع أحواله، وهذا الضرب على ثلاثة أصناف</span>،<span data-type='title' id=toc-285> الصنف الأول: الثقات الأثبات واسعو الرواية</span>، فسعة الرواية مع الثقة والتثبت دليل قوي على احتمال أن يكون الاختلاف منه، وأنه حقيقة يروي وجهين أو أكثر.\nقال ابن رجب بعد أن ذكر تفرد الحافظ الثقة بإسناد عن شيخه مخالفا لجماعة أصحابه: «ويقوي قبول قوله إن كان المروي عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة، كالزهري، والثوري، وشعبة، والأعمش» (^١).\nوقال أيضا: «اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهما فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيئ الحفظ ينسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوي حفظه، كالزهري، وشعبة، ونحوهما» (^٢).\nومن نصوص النقاد في تقرير هذه القاعدة في حق بعض الرواة ما ذكره ابن حجر في ترجمة (عكرمة مولى ابن عباس) في معرض الدفاع عنه: «روى ابن هبيرة قال: قدم علينا عكرمة مصر، فجعل يحدثنا بالحديث عن الرجل من\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٣٨٣.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ١: ٤٢٤.","vol":"1","page":468},{"text":"الصحابة، ثم يحدثنا بذلك الحديث عن غيره، فأتينا إسماعيل بن عبيد الأنصاري -وكان قد سمع من ابن عباس- فذكرنا ذلك له، فقال: أنا أخبره لكم، فأتاه فسأله عن أشياء كان سمعها من ابن عباس، فأخبره بها على مثل ما سمع، قال: ثم أتيناه فسألناه، فقال: الرجل صدوق، ولكنه سمع من العلم فأكثر، فكلما سنح له طريق سلكه.\nوقال أبو الأسود: كان عكرمة قليل العقل، وكان قد سمع الحديث من رجلين، فكان إذا سئل حدث به عن رجل، ثم يسأل عنه بعد حين فيحدث به عن الآخر، فيقولون: ما أكذبه، وهو صادق» (^١).\nوقال أحمد وقد سأله أبو داود عن اختلاف أحاديث الزهري: «منها ما روى عن رجلين، ومنها ما جاء عن أصحابه -يعني الوهم-» (^٢).\nومراد أحمد أن بعض ما اختلف فيه على الزهري هو بسبب سعة روايته، وأنه حقيقة يروي هذه الأحاديث التي اختلف عليه فيها من أكثر من وجه، وبعض ما اختلف عليه فيه يكون بعض أصحابه وهم عليه فيه، وهذا الأخير لا إشكال فيه، والشاهد هنا هو الجزء الأول وهو أن بعض ما اختلف عليه فيه بسبب سعة روايته.\nونحو هذا قول الباجي وهو يتحدث عن صحة ما رواه أصحاب الطبقة\n_________\n(^١) «هدي الساري» ص ٤٢٧.\n(^٢) «سؤالات أبي داود» ص ٢١٩.","vol":"1","page":469},{"text":"الأولى عن الزهري: «ما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا وجب النظر في اختلافهم ليؤخذ بقول أكثرهم وأحفظهم، ما لم يبن أن الخلاف فيه من الزهري» (^١).\nولا يقال: ليس هذا خاصا بهؤلاء، فما من ثقة اختلف عليه إلا وبعض الاختلاف ليس سببه وهم الرواة عنه، إذ يجاب عن هذا بأن وجه الاستشهاد بكلام أحمد وغيره هو هذا التقسيم، فاقتضت حال الزهري وأمثاله أن يكون بعض الاختلاف عليه بسبب سعة روايته، وبعضه الآخر بسب الوهم عليه، وأما سائر الثقات ممن لا تكون حاله حال الزهري فقد يوجد عنه أن يروي الحديث على وجهين، لكن ليس من الكثرة بحيث يكون قسيما للاحتمال الآخر.\nيدل على ذلك كلامهم في الثقة الثبت إذا لم يكن مكثرا، فمن ذلك قول عبدالرحمن بن مهدي: «لا ترى حافظا يختلف على أبي حصين» (^٢).\nوقال أيضا: «أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هم»، فذكر الأربعة وهم: سلمة بن كهيل، وعثمان بن عاصم أبو حصين الأسدي، وعمرو بن مرة، ومنصور بن المعتمر (^٣)، وكل هؤلاء ليسوا من المكثرين من الرواية، بالنسبة لمن وصف بسعة الرواية (^٤).\n_________\n(^١) «التعديل والتجريح» ١: ٢٩٨، ويظهر لي أنه أخذه من كلام البرديجي، ولم ينسبه إليه.\n(^٢) «تهذيب الكمال» ١٩: ٤٠٣.\n(^٣) «الجرح والتعديل» ٤: ١٧٠، ٦: ١٦٠، ٢٥٧، ٨: ١٧٧.\n(^٤) انظر: «ثقات العجلي» ٢: ١٢٩، ٢٩٩، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٧٤، و«تهذيب الكمال» ١١: ٣١٥، ٢٢: ٢٣٤.","vol":"1","page":470},{"text":"ومن أمثلة ذلك من صنيع النقاد ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - فيمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، فطلعت الشمس فليصل إليها أخرى، فقلت له: ما حال هذا الحديث؟ .\nقال أبي: قد روى هذا الحديث معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عزرة بن تميم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ورواه همام بن يحيى، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - مثله.\nقال أبي: أحسب الثلاثة كلها صحاحا، وقتادة كان واسع الحديث، وأحفظهم سعيد بن أبي عروبة قبل أن يختلط، ثم هشام، ثم همام» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث اختلف على أبي إسحاق الهمداني، روى زهير، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله بن مسعود، وروى الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدالله، أنه قال: «من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض …» وذكر الحديث، فسمعت أبي يقول: كلاهما صحيحان، كان أبو إسحاق واسع الحديث» (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٥، ورواية سعيد بن أبي عروبة أخرجها أحمد ٢: ٢٣٦، ورواية هشام الدستوائي أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٤٦٣)، ورواية همام أخرجها أحمد ٢: ٣٠٦، ٣٤٧، ٥٢١.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٠، وقد جاء عن الثوري، وإسرائيل، كرواية زهير، وكذا جاء عن زهير مثل روايتهما، وهذا يؤيد ما ذكره أبو حاتم، انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١١: ٢٣٣، و«سنن الدارمي» حديث (٢٨٦١)، و«المعجم الكبير» حديث (٨٧٤٣)، و«المستدرك» ٤: ٣٣٣، و«سنن البيهقي» ٦: ٢٠٩، و«الفصل للوصل المدرج في النقل» ٢: ٨٨٣ - ٨٨٦.","vol":"1","page":471},{"text":"والصنف الثاني: جماعة من الرواة يقع منهم الاختلاف في الرواية الواحدة عمدا، فقد اشتهر عن بعض الرواة تخوفهم، فكانوا يروون الحديث مثلا مرة مرفوعا، ويقفونه مرة أخرى عمدا، على سبيل الورع والتوقي، ومن هؤلاء: محمد بن سيرين، وعبدالله بن عون، ومسعر بن كدام، وغيرهم.\nوقد عول الدارقطني كثيرا على تحميل هؤلاء وأمثالهم عهدة الاختلاف، لهذا السبب، ومن ذلك قوله في حديث ذكر الاختلاف فيه على ابن سيرين: «وقد تقدم قولنا في أن ابن سيرين من توقيه وتورعه، تارة يصرح بالرفع، وتارة يومئ، وتارة يتوقف، على حسب نشاطه في الحال» (^١).\nوممن يقع منهم التعمد في الرواية الواحدة: المدلسون، فإذا جاءت رواية لمدلس عن شيخ له حديثا، ثم جاءت رواية أخرى بزيادة راو بينه وبين شيخه، أو قال في بعض الروايات: نبئت عنه، ونحو ذلك، فحال المدلس أوجبت أن يحمل هو عهدة الاختلاف، والرواية الناقصة رواها في حال قيامه بالتدليس، ولهذا أمثلة كثيرة جدا، تقدم شيء منها في التدليس (^٢).\nوالصنف الثالث: من كان يضطرب في حديثه ويتردد، وهؤلاء منهم ثقات، والتردد يقع منهم في بعض حديثهم، ومن هؤلاء الإمام الحافظ الثقة\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٠: ٢٥، وانظر: ٨: ١١٦، ١٠: ١٤، ٢٧، ٢٩، ٣٠، ١١: ٢٩٤.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٦٣ - ٣٠١، ٣٤٨ - ٣٦٢.","vol":"1","page":472},{"text":"سفيان بن عيينة، كان -فيما يظهر- يعتمد على حفظه كثيرا، سماعا وأداء (^١)، فيقع منه التردد في الإسناد والمتن (^٢)، ورأيت النقاد يحيلون سبب الاختلاف الوارد عنه في بعض حديثه إليه، وإن لم يرد نص عنه (^٣).\nومن الثقات أيضا: داود بن أبي هند، وثقة الأئمة، وقد سئل عنه أحمد فقال: «ثقة، ثقة» (^٤)، وسئل عنه مرة أخرى فقال: «ومثل داود يسأله عنه؟» (^٥).\nوقد سئل عنه أحمد مرة أخرى، وعن إسماعيل بن أبي خالد، أيهما أعجب إليه، فقال: «إسماعيل أحفظ عندي منه، قَلَّ ما اختلف عن إسماعيل، وداود يختلف عنه» (^٦).\n_________\n(^١) انظر: «مسند الحميدي» حديث (٢٦)، (٨٩)، (٩٦)، (٢٠٣)، (٢٣٣)، (٢٤٣)، (٢٦٨)، (٢٧٠)، (٣٨٧)، (٤٢٣)، (٤٥٩)، (٥٥١)، (٥٨٠)، (٨٧٩)، (٨٩٨)، (٩٠٢)، (٩١٦)، (٩٥٣)، (١١٥٠)، (١٢٧٩).\n(^٢) انظر: «مسند الحميدي» حديث (٥٢)، (٦٠ - ٦١)، (٨٧)، (٩٠)، (١٣٣)، (١٧٧)، (١٩٥/ ٢)، (٢٨٢)، (٢٨٤)، (٣١١)، (٣١٥)، (٣٤٨١)، (٣٥٤)، (٣٩٥)، (٤١٣)، (٤٥٩)، (٤٦١)، (٤٩١)، (٤٩٥)، (٨٠٥)، (٥١٨)، (٥٣٦)، (٥٧٧)، (٦٣٤)، (٧٠٤)، (٧٨٣)، (٨٦٣)، (٩٠٤)، (٩٣١)، (٩٧٢)، (٩٨٩)، (١١٤٠)، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ١١٤، و«الكفاية» ص ٤١٧.\n(^٣) انظر: «مسند أحمد» ٣: ٤٢١، و«مسائل أبي داود» ص ٤٣٦، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٥٣٧)، و«مسند البزار» حديث (٣٥٧٤).\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٨١، ٢: ٣٧٥.\n(^٥) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤١٦.\n(^٦) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٢٨.","vol":"1","page":473},{"text":"وقال فيه أيضا مرة: «كان كثير الاضطراب والخلاف» (^١).\nونحو هذا الكلام في وصف داود بالاضطراب قاله أحمد أيضا في عبدالملك بن عمير الكوفي، المعروف بالقبطي، أحد الثقات (^٢).\nوكذلك قاله جمع من النقاد في الأعمش، في سياق مقارنته بمنصور بن المعتمر (^٣).\nوأكثر هذا الصنف من درجة الصدوق فمن دونه، وقد تقدم في الفصل الأول من «الجرح والتعديل» أن من وسائل الحكم على الراوي النظر في ثباته أو اضطرابه فيما يرويه (^٤)، فالراوي قد يكون سبب نزوله عن درجة الثقة اضطرابه فيما يرويه، فالحكم عليه هو إذن فرع عن الحكم على رواياته التي اختلف عليه فيها، وأن هذا اضطراب منه، هكذا الحال بالنسبة للناقد، ونحن نستفيد من معرفة حاله التي توصل إليها الناقد لتطبيق ذلك على أحاديثه.\nفحال الصدوق ومن دونه -إذا كان سبب نزوله عن درجة الثقة هو\n_________\n(^١) «تهذيب التهذيب» ٣: ٢٠٥، وانظر مثالا لما اختلف فيه على داود، والعهدة عليه: «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزي، بتحقيقي حديث (١٢٥).\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٤٩، ٣: ٥٤، و«مسائل صالح» ص ٣٣٦، و«الجرح والتعديل» ٥: ٣٦٠، وانظر: «علل الدارقطني» ٢: ١٥٢، ٨: ١٩.\n(^٣) تهذيب الكمال» ١٢: ٧٦ - ٩١، ٢٨: ٥٤٦ - ٥٥٥، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢١٤٥)، و«علل الدارقطني» ٢: ١٠١ - ١٠٣، ٨: ١٧٢، ١١: ٣٤٣.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ص ٩١ - ٩٥.","vol":"1","page":474},{"text":"الاضطراب والتردد- من أهم ما يوضح<span data-type='title' id=toc-288> قوة العلاقة بين علم (الجرح والتعديل)، وعلم (اختلاف الرواة)</span>، وهو ما يعرف بعلم (العلل)، وأن الأول فرع عن الثاني، وقد سبق الحديث عن هذه القضية في مواضع، ووعدت بالتنبيه عليها في مناسباتها.\nومن أمثلة تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف، اعتمادا على مجمل حاله من صنيع النقاد، ما رواه ابن الجنيد قال: «قلت ليحيى: حديث سفيان، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن عبدالله بن مغفل، عن النبي - ﷺ -: «الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق»، هكذا حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، وحدثنا أبو موسى الهروي يقول: عن عمران بن حصين، فقال لي يحيى: إسحاق أثبت، قلت: فإن حماد بن سلمة يقول: عن علي بن زيد، عن الحسن، عن النبي - ﷺ -، فأيما الصحيح؟ قال: ما أدري، قلت: أما سبق إلى قلبك أن الحديث حديث حماد؟ قال: ما أدري، إن علي بن زيد لم يكن بالحافظ …» (^١).\nوروى جرير بن عبدالحميد، وأبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا: «ليس على مسلم جزية، ولا يصلح قبلتان بأرض واحدة» (^٢).\n_________\n(^١) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٣٢٥، وانظر طرق هذا الحديث في «مسند أحمد» ٤: ٤٤٤، و«مسند الحميدي» حديث (٨٣٢)، و«مسند البزار» حديث (٣٥٧٤)، و«المعجم الكبير» ١٨: ١٥٥ حديث (٣٣٩)، و«المعجم الأوسط» حديث (٨١٥٠).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٠٣٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٣٣ - ٦٣٤)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٣، و«سنن الدارقطني» ٤: ١٥٦.","vol":"1","page":475},{"text":"ورواه الثوري، وزهير بن معاوية، عن قابوس، عن أبيه مرسلا (^١).\nسئل أبو حاتم عن هاتين الروايتين، فقال: «هذا من قابوس، لم يكن قابوس بالقوي، فيحتمل أن يكون مرة قال هكذا، ومرة قال هكذا» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه المبارك بن فضالة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبدالله: «أن رسول الله - ﷺ - ضحى بكبشين أملحين موجوئين …» الحديث.\nوروى هذا الحديث حماد بن سلمة، عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن عبدالرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبدالله، عن النبي - ﷺ -.\nوروى هذا الحديث الثوري فقال: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أو عائشة، عن النبي - ﷺ -.\nورواه عبيدالله بن عمرو، وسعيد بن سلمة، فقالا: عن عبدالله بن محمد بن عقيل، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، عن النبي - ﷺ -.\nقلت لأبي زرعة: فما الصحيح؟ قال: ما أدري، ما عندي في ذا شيء.\nقلت لأبي: ما الصحيح؟ قال أبي: ابن عقيل لا يضبط حديثه، قلت: فأيهما أشبه عندك؟ قال: الله أعلم.\n_________\n(^١) «الأموال» لأبي عبيد حديث (١٢١)، و«سنن الدارقطني» ٤: ١٥٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١٤.","vol":"1","page":476},{"text":"وقال أبو زرعة: هذا من ابن عقيل، الذين رووا عن ابن عقيل كلهم ثقات» (^١).\nوقال أبو حاتم حين سئل عنه مرة أخرى: «هذا من تخليط ابن عقيل» (^٢).\nوكذا قال الدارقطني: «والاضطراب فيه من جهة ابن عقيل» (^٣).\nوسئل الدارقطني عن حديث أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غَسَّل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»، فقال: «يرويه القعقاع بن أبي حكيم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، ورواه سهيل بن أبي صالح، واختلف عنه …»، وساق الاختلاف على سهيل ثم قال: «ويشبه أن يكون سهيل كان يضطرب فيه» (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٩.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٤٤.\n(^٣) «علل الدارقطني» ٧: ٢٠. وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن ابن ماجه» حديث (٣١٢٢)، و«مسند أحمد» ٦: ٨، ١٣٦، ٢٢٠، ٢٢٥، ٣٩١، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٨١٣٠)، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١١٤٦)، و«شرح معاني الآثار» ٤: ١٧٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (١٧٩٢)، و«المعجم الكبير» حديث (٩٢٠ - ٩٢٣)، و«علل الدارقطني» ٧: ١٩، و«المستدرك» ٢: ٣٩١، و«سنن البيهقي» ٩: ٢٦٧ - ٢٦٨، ٢٧٣، ٢٨٧.\n(^٤) «علل الدارقطني» ١٠: ١٦١. وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن أبي داود» حديث (٣١٦٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٩٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٦٣)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٧٢، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦١١١)، و«التاريخ الكبير» ١: ٣٩٦، و«صحيح ابن حبان» حديث (١١٦١)، و«المعجم الأوسط» حديث (٩٨٩)، و«سنن البيهقي» ١: ٣٠٠ - ٣٠١.","vol":"1","page":477},{"text":"وسئل عن حديث مجاهد عن عائشة، عن النبي - ﷺ -: «نهى عن النبيذ في الدباء، والحنتم، والمزفت …» الحديث، فقال: «يرويه يزيد بن أبي زياد، واختلف عنه …، ويشبه أن يكون الاختلاف من يزيد، لسوء حفظه» (^١).\nوالضرب الثاني: من يختص هذا الأمر -قوة تحميله عهدة الاختلاف- ببعض حاله، مثل أن يكون ثقة ثبتا في أحد شيوخه، طويل الملازمة له، واسع الرواية عنه، فإذا جاء عنه اختلاف ترجح جدا أن يكون منه، فلا يستبعد أن يروي عنه أكثر من وجه للحديث الواحد، ومثاله أبو معاوية مع الأعمش، أو حماد بن سلمة مع ثابت البناني.\nفإذا روى بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد له حديثا، ورواه بعض أصحاب أبي معاوية عنه، عن الأعمش بإسناد آخر له، أمكن جدا أن يكون الإسنادان محفوظين عن أبي معاوية، لكثرة روايته عن الأعمش، وملازمته له، وقوته فيه.\nوعكس ذلك أن يكون مضعفا في بعض شيوخه، موصوفا بالاضطراب عنه، أو مضعفا في روايته عن أهل بلد، موصوفا بالاضطراب عنهم، فيقوى الاحتمال إذا جاء عنه اختلاف أن يكون هو سببه.\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٤: ٣٤٠، وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (١١)، (٤٧)، (٢٧٨)، (٣٦٨)، (١٥٥٨)، (١٩٤١)، (٢٠٥٢)، (٢٢٥٠)، و«علل الدارقطني» ١: ١٧٤، ٢١٣، ٢: ٩، ٢٢، ٤٩، ١٢٧ و١٥٨، ١٨٤، ٤: ١٦٣، ٦: ٣٩، ٤٥، ١٠: ١٧٨، ١٢: ٤٤٨، ١٣: ١١٧، ١٤: ٣٥٤، ١٥: ١٤٢، ٣٦٦.","vol":"1","page":478},{"text":"ويلتحق بذلك ما إذا كان موصوفا بالخطأ في بعض حالاته، مثل أن يكون يخطئ إذا حدث من حفظه أو في حال تغيره، أو في تحديثه في بلد معين، فإذا أمكن معرفة أنه حدث بعض الأوجه في تلك الحالة يترجح حينئذ تحميله عهدة الاختلاف، وأنه حدث بعض الأوجه في حال استقامته، وبعضها في حال كونه موصوفا بالخطأ والاضطراب، فالاختلاف منه إذن، وغير خاف أن حكم الأئمة على راو بالقوة أو الضعف في جهة ما، كالبلد أو الشيخ، ونحو ذلك، إنما بنوه على أدلة، وقد يكون من هذه الأدلة ثباته أو تردده فيما يرويه مما يتعلق بتلك الجهة.\nمثال ذلك أن جعفر بن برقان مضعف في شيخه الزهري، فسأل البرقاني الدارقطني عن سبب ذلك مع أنه قد لقيه، فقال: «ربما حدث الثقة عن ابن برقان، عن الزهري، ويحدثه الآخر عن ابن برقان، عن رجل، عن الزهري، أو يقول: بلغني عن الزهري» (^١).\nومن الأمثلة على تحميل الراوي عهدة الاختلاف بسبب اختلاف روايته في بلد عنها في بلد آخر، أن جماعة رووا عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي - ﷺ - قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «الجار لا يأمن جاره بوائقه …» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) «سؤالات البرقاني للدارقطني» ص ٢١.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١، ٦: ٢٨٥، و«مسند الطيالسي» حديث (١٣٤٠)، و«المعجم الكبير» ٢٢: ١٨٧ حديث (٤٨٧)، و«شعب الإيمان» حديث (٩٥٣٤).","vol":"1","page":479},{"text":"ورواه جماعة آخرون عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة (^١).\nوقد سبر النقاد أحاديث ابن أبي ذئب، فوجدوه حَدَّث ببغداد أحاديث بخلاف ما حَدَّث بها بالمدينة، فحمّلوه فيها عهدة الاختلاف، منها هذا الحديث.\nقال مهنا: «فسألت أحمد عن حديث ابن أبي ذئب هو خطأ، أو هو عنهما؟ قال: لا أدري، ولكن من روى عنه بالمدينة يقول: عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ومن سمع ببغداد قال: عن أبي شريح» (^٢)، وكذا نقل أبو معين الرازي، عن أحمد (^٣).\nوروى عبدالرزاق وغيره عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قصة كيّه - ﷺ - لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات (^٤)، ورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (^٥).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦٠١٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٨٨، ٣٣٦، و«المستدرك» ١: ١٠، ٤: ١٦٥.\n(^٢) «المنتخب من علل الخلال» ص ٢٤٧.\n(^٣) «فتح الباري» ١٠: ٤٤٣، و«تغليق التعليق» ٥: ٩١، وقد توسع ابن حجر في تأييد كلام أحمد، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٣٨، و«علل الدارقطني» ٨: ١٦٠.\nوانظر حديثا آخر لابن أبي ذئب أيضا، وكلام مسلم عليه في «التمييز» ص ١٩١، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٨٠.\n(^٤) «مصنف عبدالرزاق» حديث (١٩٥١٥)، و«طبقات ابن سعد» ٣: ٦١١، وقد قيل عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، لكن هذا لا يصح عن عبدالرزاق، انظر: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٤: ٢٢٧٠.\n(^٥) «سنن الترمذي» حديث (٢٠٥٠)، و«مسند أبي يعلى» (٣٥٨٢)، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٣٢١، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٠٨٠)، و«المستدرك» ٣: ١٨٧، ٤: ٤١٧، و«سنن البيهقي» ٩: ٣٤٢.","vol":"1","page":480},{"text":"ويزيد بن زريع بصري، وكان معمر حَدَّث بأحاديث في البصرة أخطأ في بعضها، وهذا منها.\nقال أحمد لما سئل عنه: «باطل هذا، إنما هو حديث الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف» (^١).\nوقال أبو حاتم عن حديث أنس: «هذا خطأ، أخطأ فيه معمر، إنما هو الزهري، عن أبي أمامة بن سهل: «أن النبي - ﷺ - كوى أسعد …»، مرسل» (^٢).\nومثله حديث: «أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة …» الحديث، رواه معمر، عن الزهري مرسلا، ورواه أيضا -من رواية جماعة كثيرين عنه- عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وقد تواردت كلمات النقاد كأحمد، والبخاري، ومسلم، والبزار، وغيرهم، على أن معمرا رواه متصلا خارج اليمن (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل إسحاق ابن هانئ» ٢: ٢٣٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٦١، وانظر: «مسند البزار» حديث (٦٣٠٦)، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٠١، و«التمهيد» ٢٤: ٦٠، و«تاريخ دمشق» ٥٩: ٣٩٢، و«النكت الظراف» ١: ٣٩٤، و«إتحاف المهرة» ٢: ٣١٠.\n(^٣) «مراسيل أبي داود» حديث (٢٣٤)، و«سنن الترمذي» حديث (١١٢٨)، و«العلل الكبير» ١: ٤٤٥، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٩٥٣)، و«مسند أحمد» ٢: ١٣، ١٤، ٤٤، ٨٣، و«مسائل صالح» ص ٣٣٠، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٢٦٢١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣١٧، ١٤: ٢١٦، و«التاريخ الصغير» ١: ٢٩٨، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٢٥٢، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٤٣٧)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٠، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤١٥٦ - ٤١٥٧)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٢٦٩، و«المستدرك» ٢: ١٩٢، و«سنن البيهقي» ٧: ١٨١، ١٨٢، و«الاستذكار» (٢٧٥٤)، و«التلخيص الحبير» ٣: ١٩٢، و«الإصابة» ٨: ٦٥.","vol":"1","page":481},{"text":"وجاء عن عبدالرزاق أن معمرا لما رجع إلى اليمن أخبرهم بخطئه في هذين الحديثين حين حدثهم بهما في البصرة (^١).\nوروى أبو داود عن الحسن بن محمد، وسلمة بن شبيب، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن أمية بن صفوان بن أمية، عن أبيه: «أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدراعا يوم حنين …» الحديث، ثم قال أبو داود: «وهذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا» (^٢).\nوقد قال أحمد: «يزيد بن هارون من سمع منه بواسط هو أصح ممن سمع منه بغداد، لأنه كان بواسط يلقن فيرجع إلى ما في الكتب» (^٣).\nومن الأمثلة على تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف والسبب أنه يحدث\n_________\n(^١) «تاريخ دمشق» ٥٩: ٣٩٢.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٦٢)، والحديث له طرق أخرى عن يزيد بإسناده ومتنه، باختلاف يسير، فالظاهر أنه كله سماع بغداد، انظر: «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٧٧٩)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٠١، ٦: ٤٦٥، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤٤٥٥)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٣٩، و«المستدرك» ٢: ٤٧، و«سنن البيهقي» ٦: ٨٩.\n(^٣) «مسائل صالح» ص ٣٣١، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٧٠.\nوانظر أمثلة أخرى في: «مسند أحمد» ٣: ٤٦ حديث (١٥٨٣٥) طبعة مؤسسة الرسالة، و«علل ابن أبي حاتم» (٣٥٨)، (٦٠٣).","vol":"1","page":482},{"text":"من حفظه بما يخالف حديثه من كتابه، ما رواه ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر -﵄- كان يمشي أمام الجنازة»، قال: «وكان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان -﵃-» (^١).\nورواه محمد بن بكر البرساني، وأبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر -﵄- كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها» (^٢).\nسئل أحمد عن حديث أنس هذا من رواية محمد بن بكر البرساني، فقال: «هذا -يعني الوهم- من يونس، لعله حدثه حفظا» (^٣).\nومن ذلك -وسببه ما عرف عن الراوي أنه يخطئ في أسماء الرواة- قول أبي داود: «قلت لأحمد: الوليد الذي روى عنه شعبة، عن سلمة -أعني ابن كهيل-؟ قال: اختلفوا على شعبة، قال بعضهم: الوليد، وقال بعضهم: بكار، وقال بعضهم: ولاّد، شاب من أهل الكوفة، قال أحمد: كان -أرى- شعبة يضطرب فيه، يعني في اسم الوليد هذا» (^٤).\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» ١: ٤٧٩.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٠١٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٨٣)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٤٨١ - ٤٨٢.\n(^٣) «مسائل أبي داود» ص ٤٠٨.\n(^٤)» مسائل أبي داود» ص ٤٤٣.\nوخطأ شعبة في الأسماء عللوه بأنه كان يتشاغل بحفظ المتون، انظر: «تاريخ الدوري عن\n\nابن معين» ٢: ٢١٥، و«معرفة الرجال» ١: ١١٧، و«سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ١٨٠، و«ثقات العجلي» ١: ٤٥٧، و«علل الدارقطني» ١١: ٣١٤، و«تهذيب التهذيب» ٤: ٣٤٥، وانظر نماذج من أخطائه ما يأتي في الفصل التالي.","vol":"1","page":483},{"text":"ومن ذلك -وسببه اختلاط الراوي أو تغيره- ما رواه سفيان بن عيينة، قال: حدثنا يزيد بن أبي زياد بمكة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إذا افتتح الصلاة رفع يديه»، ثم قال سفيان: «وقدم الكوفة فسمعته يحدث به، فزاد فيه: «ثم لا يعود»، فظننت أنهم لقنوه، وكان بمكة يومئذ أحفظ منه يوم رأيته بالكوفة، وقالوا لي: إنه قد تغير حفظه -أو ساء حفظه-» (^١).\nوروى أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن للشيطان لَمَّة، وللملك لَمَّة …» الحديث.\nورواه حماد بن سلمة، وعمرو بن قيس، وجرير بن عبدالحميد، عن عطاء بن السائب، عن مرة، عن عبدالله موقوفا.\nورواه إسماعيل بن علية، عن عطاء، عن أبي الأحوص، أو عن مرة، عن عبدالله موقوفا (^٢).\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٧٢٤)، وانظر: «سنن أبي داود» حديث (٧٥٠ - ٧٥١)، و«مسند الشافعي» حديث (٢١٥)، و«جزء رفع اليدين» للبخاري حديث (٣٤)، و«سنن الدارقطني» ١: ٢٩٣.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٩٨٨)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٠٥١)، و«مسند البزار» حديث (٢٠٢٧)، و«تفسير الطبري» ٣: ٨٨، ٨٩.","vol":"1","page":484},{"text":"فهذا الاختلاف في الرفع والوقف، وفي شيخ عطاء، هو من عطاء بن السائب، فكان قد اختلط، وغالب هؤلاء سمع منه بعد الاختلاط، ومنهم -وهو حماد بن سلمة- من سمع منه مرتين، فالظاهر أن عطاء كان يضطرب فيه بعد اختلاطه، وقد سئل أبو حاتم عن رواية أبي الأحوص المرفوعة، ورواية حماد بن سلمة الموقوفة فقال: «هذا من عطاء بن السائب، كان يرفع الحديث مرة، ويوقفه أخرى، والناس يحدثون من وجوه عن عبدالله موقوفا …» (^١).\nوروى جماعة من كبار أصحاب عبدالرزاق، منهم أحمد، وإسحاق، وغيرهما، رووا عنه عن معمر، عن الزهري. عن سالم، عن ابن عمر قال: «رأى النبي - ﷺ - على عمر ثوبا أبيض …» الحديث (^٢).\nورواه حفص بن عمر المهرقاني، وأبو مسعود الرازي، وزهير بن محمد المروزي، عن عبدالرزاق، عن سفيان الثوري، عن عاصم بن عبيدالله، عن سالم، عن ابن عمر.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٢، وانظر مثالا آخر لعطاء بن السائب في «علل الدارقطني» ٨: ٢٨٨.\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٣٨٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠١٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٥٥٨)، و«مسند أحمد» ٢: ٨٩، و«مسند عبد بن حميد» حديث (٧٢٣)، و«كشف الأستار» حديث (٢٥٠٤)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٥٤٥)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٨٩٧)، و«المعجم الكبير» حديث (١٣١٢٧).","vol":"1","page":485},{"text":"قال الطبراني بعد أن أخرجه من طريق هؤلاء الثلاثة عن عبدالرزاق، محملا عبدالرزاق عهدة الاختلاف: «وهم فيه عبدالرزاق، وحدث به بعد أن عمي، والصحيح: عن معمر، عن الزهري، ولم يحدث به عن عبدالرزاق هكذا إلا هؤلاء الثلاثة» (^١).\nوروى يزيد بن محمد -جد العقيلي- عن محمد بن الفضل السدوسي المعروف بعارم، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن النبي - ﷺ - قال: «ليس لي من الأمر شيء، فاتقوا النار ولو بشق تمرة».\nورواه محمد بن إسماعيل الترمذي، وعلي بن عبدالعزيز البغوي، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس بن مالك.\nومحمد بن إسماعيل، وعلي بن عبدالعزيز، سمعا من محمد بن الفضل بعد اختلاطه، وأما يزيد بن محمد فسمع منه قبل الاختلاط، وكان محمد بن الفضل يرويه على الصواب قبل اختلاطه (^٢).\n_________\n(^١) «الدعاء» حديث (٤٠٠)، وانظر مثالا لعطاء بن السائب في «علل الدارقطني» ٨: ٢٨٨.\n\nوانظر حديثين آخرين لعبدالرزاق من هذا الجنس في «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٢٣)، (٦٠٣٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٣١٧٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٤٣٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٥٧)، و«مسند أحمد» ١: ٣٤، و«العلل ومعرفة الرجال» ٣: ١٥ - ١٦ فقرة (٣٩٤٤ - ٣٩٤٥)، و«مسند عبد بن حميد» حديث (١٥)، و«مسند البزار» حديث (٣٠١)، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٤٦٠، و«سنن الدارقطني» ١: ٢٢٦، و«الكامل» ٧: ٢٦٣٢، و«المستدرك» ١: ٥٣٥، ٢: ٣٩٢، و«دلائل النبوة» ٧: ٥٤، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٥٣.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٤: ١٢٢.","vol":"1","page":486},{"text":"وعرف عن جماعة من الرواة التصرف في متن الحديث، إما بالاختصار، أو بروايته بمعناه، وذلك لكونهم يحدثون من حفظهم، أو لحاجتهم إلى هذا الصنيع عند التصنيف على الأبواب، وربما وقع خلل في الاختصار والتحديث بالمعنى، فالأفهام تختلف، وإحكام اللغة يتفاوت فيه الرواة، فإذا اختلف على راو في متن الحديث -وقد نص النقاد على أنه يقع منه ما تقدم- أمكن أن يحمل عهدة الاختلاف، وأن يكون هذا بسببه.\nقال الآجري: «سمعت أبا داود يقول: كان سليمان بن حرب يحدث بحديث، ثم يحدث به كأنه ليس ذاك الحديث» (^١).\nرواه الخطيب البغدادي بإسناده، ثم قال: «كان سليمان بن حرب يروي الحديث على المعنى، فتتغير ألفاظه» (^٢).\nوممن نسب إليه التصرف في المتن أيضا: حماد بن سلمة، وهشيم، ووكيع بن الجراح، وعبدالرزاق، وأبو بكر بن أبي شيبة (^٣).\nوكذلك عرف جماعة من الرواة بتعمد التصرف في المتن أو الإسناد إذا رأوا فيهما مشكلا، كما سيأتي التنبيه على هذا في المبحث التالي، فإذا جاء الاختلاف\n_________\n(^١) «سؤالات الآجري» ٢: ٤٤.\n(^٢) «تاريخ بغداد» ٩: ٣٤.\n(^٣) «مسائل حرب» ص ٤٦٩، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٦٩، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦٠، و«التمهيد» ٨: ١٣٢، و«الكفاية» ص ١٦٧، ١٨٩ - ١٩٢، و«فتح الباري» لابن رجب ١: ٤٧٦ - ٤٧٧، و«تهذيب التهذيب» ١١: ١٣٠.","vol":"1","page":487},{"text":"عن مثل هؤلاء أمكن أن يقال أيضا إن العهدة عليهم.\nوأختم هذا المبحث بالتأكيد على ما بدأته به، من ضرورة النظر في الراوي الذي عليه الاختلاف، والتأمل فيما يأتي عنه وعن أصحابه لمعرفة الصحيح عنه من هذا الاختلاف، وهل حَدَّث بالأوجه المروية عنه، أو ببعضها؟\nوسأضرب أمثلة للخلل الذي يقع في دراسة الاختلاف، إذا أغفل الناظر ما تقدم.\nروى سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن امرأة من نساء النبي - ﷺ - استحمَّت من جنابة، فجاء النبي - ﷺ - يتوضأ من فضلها، فقالت: إني اغتسلت منه، فقال: إن الماء لا ينجسه شيء».\nهكذا قال سماك في رواية جماعة من أصحابه، منهم سفيان الثوري في المشهور عنه، وأبو الأحوص، ويزيد بن عطاء، وأسباط بن محمد، وشعبة بن الحجاج -من رواية محمد بن بكر عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية يحيى بن إسحاق عنه-، وإسرائيل بن يونس -من رواية عبدالرزاق عنه-.\nورواه جماعة آخرون عن سماك، عن عكرمة مرسلا، ليس فيه ابن عباس، منهم شعبة -من رواية أكثر أصحابه عنه-، وحماد بن سلمة -من رواية أبي داود الطيالسي، وحجاج بن منهال، عنه-.\nورواه شريك بن عبدالله، وإسرائيل بن يونس -من رواية فردوس عنه-، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن ميمونة.","vol":"1","page":488},{"text":"وقد روي عن سماك على غير هذه الأوجه الثلاثة أيضا، لكن هذه الثلاثة هي الأشهر عنه (^١).\nذكر ابن عبدالبر بعض الاختلاف على سماك، ثم قال مرحجا الموصول بذكر ابن عباس: «قد وصله جماعة عن سماك، منهم الثوري، وحسبك بالثوري حفظا وإتقانا …، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه قول الثوري ومن تابعه على إسناده» (^٢).\nولا إشكال فيما قاله ابن عبدالبر لو كان النظر مقتصرا على الرواة عن سماك، فلا شك أن أحفظهم الثوري، وقد تابعه جماعة على وصله، لكن النظر أيضا في\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٦٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٥)، و«سنن النسائي» حديث (٣٢٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٠ - ٣٧٢)، و«مسند أحمد» ١: ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨، ٦: ٣٣٠، و«مسند الطيالسي» حديث (١٦٢٥)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٣٩٦ - ٣٩٧) و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٣٣، ١٤٣، ١٤: ١٦٠، و«سنن الدارمي» حديث (٧٤٠)، و«كشف الأستار» حديث (٢٥٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٤١١)، و«المنتقى» حديث (٤٨ - ٤٩)، و«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) الأحاديث (٢٦ - ٣١) والأخبار (١٠٣٢ - ١٠٣٩)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٩١)، (١٠٩)، و«الجعديات» حديث (٢٣٥٣)، و«الأوسط في السنن» حديث (١٨٧)، (٢١٢)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٢٦، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٢٤١ - ١٢٤٢)، (١٢٦١)، و«المعجم الكبير» ٨: ٢٧٤ حديث (١١٧١٥ - ١١٧١٦)، ٢٣: ٤٢٥ حديث (١٠٣٠)، ٢٤: ١٨ حديث (٣٩)، و«سنن الدارقطني» ١: ٥٣، و«المستدرك» ١: ١٥٩، و«سنن البيهقي» ١: ١٨٨، و«التمهيد» ١: ٣٣٢ - ٣٣٣، ١٤: ١٦٥، و«الأسماء المبهمة» حديث (١٤٨).\n(^٢) «التمهيد» ١: ٣٣٣.","vol":"1","page":489},{"text":"سماك نفسه، وفي روايته عن عكرمة، وقد نص الأئمة على أن سماك بن حرب يضطرب في روايته عن عكرمة، بل نقل شعبة، وشريك أن الرواة كانوا يلقنون سماكا فيما يرويه عن عكرمة، يلقنونه: عن ابن عباس، فيقول: عن ابن عباس (^١).\nولهذا قال أحمد في نقده للحديث، معتبرا حال سماك بن حرب: «أتقيه لحال سماك، ليس أحد يرويه غيره، -وقال-: هذا فيه اختلاف شديد، بعضهم يرفعه، وبعضهم لا يرفعه» (^٢).\nولا إشكال في ضرورة متابعة الباحث لأئمة النقد إذا نصوا على سبب الاختلاف، وأنه من الراوي المختلف عليه في الحديث المعين، وكذلك إذا نصوا على حال الراوي العامة أو الخاصة، ثم وقف الباحث على حديث يوافق هذه الحالة، فله أن يجري حال الراوي على حديثه هذا، وإن لم يكن هناك نص صريح.\nمثال ذلك ما ذكره ابن معين قال: «الحديث الذي يرويه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: «كان يصلي قبل المغرب ركعتين»، حدثنا به عبدالرزاق، عن معمر، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس» (^٣).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٩٥، و«مسائل أبي داود» ص ٤٤٠، و«معرفة الثقات» ١: ٤٣٦، و«المعرفة والتاريخ» ٣: ٢٠٩، و«الكامل» ٣: ١٢٩٩، و«تهذيب الكمال» ١٢: ١١٩، ١٢٠، و«سير أعلام النبلاء» ٥: ٢٤٧، ٢٤٨.\n(^٢) «تنقيح التحقيق» ١: ٣٦. وانظر مثالا آخر في «فتح الباري» ٤: ٢٧٤ مع «مسند أحمد» ٩: ٣٢٨ حديث (٤٧٠٥) تحقيق الأرنؤوط.\n(^٣) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٣٦٣.","vol":"1","page":490},{"text":"فهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى عبدالرزاق، بالنظر إلى حاله، وأنه تغير حفظه في الآخر، وصار يتلقن، وفي كلام ابن معين إشارة لهذا.\nوالإشكال فيما إذا ترجح للباحث بناء على قرائن اعتمد عليها أن الاختلاف من الراوي، وأنه حدث بهذا مرة، وهذا مرة، هل له أن يذهب إلى ذلك دون أن ينص النقاد على اختلاف حال الراوي اختلافا يصلح أن يلحق به هذا الحديث؟\nالظاهر أنه له ذلك، متى أفرغ جهده في البحث في هذا الحديث، وأطال النظر فيه، وقد وقفت على ما يؤيد هذا من صنيع النقاد، فيلتمسون سببا للاختلاف، وينسبونه إلى الراوي، وأنه اختلفت روايته لهذا الحديث، ولا نقف على كلام لهم يصلح أن يكون قاعدة في هذا الراوي يندرج تحتها حديثه المعين هذا.\nومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب هشيم رووا عنه، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ - قال: «الحياء من الإيمان …» الحديث، ورواه آخرون عن هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين، وقد قيل عنه بجمعهما (^١).\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٤١٨٤)، و«الأدب المفرد» حديث (١٣٢٠)، و«العلل الكبير» ٢: ٨٠٢، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٣٢٠٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٥٧٠٤)، و«المعجم الصغير» حديث (١٠٩١)، و«المستدرك» ١: ٥٢، و«حلية الأولياء» ٣: ٥٩ - ٦٠، و«تاريخ بغداد» ٤: ٣٣٨، ٦: ١٩٢.","vol":"1","page":491},{"text":"روى أبو داود عن أحمد قوله: «هذا جاء من هشيم -يعني اضطرب فيه- فحدث به مرة عن الحسن، عن أبي بكرة، ومرة عن الحسن، عن عمران …» (^١).\nوروى الخلال هذا عن أبي داود، ثم قال: «وأخبرني المروذي عنه (يعني عن أحمد) قال: أما أهل واسط فيقولون: عن عمران بن حصين، وأما غيرهم فيقول: عن أبي بكرة، فقلت: أيهما الصحيح؟ قال: لا أدري» (^٢).\nوقال أبو نعيم: «هكذا حَدَّث به هشيم ببغداد عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، وبواسط عن عمران بن حصين» (^٣).\nوليس في ترجمة هشيم ذكر للفرق بين روايته بواسط، وروايته ببغداد.\nوروى الدارقطني عن جماعة من شيوخه، عن أبي الأشعث أحمد بن المقدام، عن عمرو بن صالح الزهري قاضي رامهرمز، عن عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن مجاهد، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي حديث (التسبيح)، ثم قال: «وحدث بهذا الحديث أبو الأشعث مرة ببغداد عن محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن عبدالملك بن أبي سليمان، ثم رجع عنه، فحدث به عن عمرو بن صالح، عن عبدالملك»، ثم أسنده إليه (^٤).\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤٣٧.\n(^٢) «منتخب علل الخلال» ص ٢٤٦.\n(^٣) «حلية الأولياء» ٣: ٦٠.\n(^٤) «علل الدارقطني» ٣: ٢٨٣ - ٢٨٥.","vol":"1","page":492},{"text":"فالذي يظهر أن الباحث متى ظهر له بعد تمعنه في الروايات عن المختلف عليه أن الاختلاف منه، وأن مرده إلى اختلاف حال الراوي في هذا الحديث المعين -كاختلاف الزمان، أو المكان- فله أن يرجح ذلك، والله أعلم.\n * * *","vol":"1","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-293>المبحث الثاني\nالقرائن في الرواة المختلفين</span>\nالرواة المختلفون ركيزة أساس في النظر في الصواب عن المختلف عليه، فإذا اختلف أصحاب قتادة، أو الزهري، أو الأعمش، أو شعبة، أو الثوري عليه على وجهين أو أكثر، فالناظر في هذا الاختلاف له نظر في أصحاب المختلف عليه، الرواة لهذه الأوجه.\nوالنظر فيهم قد يقود إلى أنه لا يصح شيء من هذه الأوجه عن المختلف عليه.\nفمن ذلك قول ابن الجنيد: «قلت ليحيى بن معين: مبارك، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قال: «الذبيح إسحاق»، ح، وحماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف، عن النبي - ﷺ - قال: «الذبيح إسحاق»، قلت ليحيى: أيهما أصح عندك؟ قال: لا تبالي أيهما كان، كأنه ضعفهما جميعا، قلت ليحيى: مبارك مثل علي بن زيد؟ قال: ما أقربه» (^١).\nوروى عبدالحميد بن جعفر، عن حسين بن عطاء بن يسار، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي - ﷺ -: «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين …» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) «سؤالات ابن الجنيد لابن معين» ص ٤٥٦.\n(^٢) «التاريخ الكبير» ٢: ٣٩٢، و«الآحاد والمثاني» حديث (٩٨٧)، و«مسند البزار» حديث (٣٨٩٠)، و«المجروحين» ١: ٢٤٣.","vol":"1","page":494},{"text":"ورواه موسى بن يعقوب الزمعي، عن الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (^١).\nسئل عنهما أبو حاتم، فقال: «جميعا مضطربين، ليس لهما في الرواية معنى» (^٢).\nوسئل الدارقطني عن حديث عطاء الخراساني، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -: «أنه نهى أن يتطوع الرجل في مكانه الذي صلى فيه»، فذكر الاختلاف فيه على عطاء، ثم قال: «وجميع من يرويه عن عطاء ضعيف، لا يمكن الحكم بقوله» (^٣).\nوسئل أيضا عن حديث سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حَلَّ بها البلاء …» الحديث، فقال: «يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختلف عنه، فرواه عبدالرحمن بن سعد بن سعيد، عن عمه يحيى بن سعيد، عن عائشة، وخالفه فرج بن فضالة، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن علي، عن علي، وكلاهما غير محفوظ» (^٤).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٢: ٣٩٢، و«الضعفاء الكبير» ٢: ٢٠٩، و«سنن البيهقي الصغرى» حديث (٨٥٦).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٤.\n(^٣) «العلل» ٧: ١١٧، وانظر في طرقه أيضا: «سنن أبي داود» حديث (٦١٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٢٨)، و«الأفراد» للدارقطني (أطرافه حديث ٤٣٧٥).\n(^٤) «العلل» ١٤: ٣٢٩، وانظر في طرقه: «سنن الترمذي» حديث (٢٢١٠)، و«ذم الملاهي» ص ٢٧، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٦٩).","vol":"1","page":495},{"text":"وسئل الدارقطني أيضا عن حديث مصعب بن سعد، عن سعد، عن النبي - ﷺ - قال: «من قتل دون ماله فهو شهيد»، فقال: «يرويه أبو إسحاق، واختلف عنه، فرواه يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قاله إسماعيل بن عياش، عن يونس، وخالفه يزيد بن عطاء، رواه عن أبي إسحاق، عن عروة بن الجعد، عن سعد، وكلاهما غير ثابت» (^١).\nويونس بن أبي إسحاق ليس بذاك في حديث أبيه، والراوي عنه إسماعيل بن عياش ضعيف الحديث عن غير الشاميين، ويزيد بن عطاء راوي الوجه الثاني ضعفه الجمهور.\nوقد يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى صحة المروي عنه كله، وذلك بالنظر لحال هؤلاء الرواة، فكلهم ثقات، وهذا كثير، تقدمت له أمثلة في المبحث الأول، وذلك في بيان تحميل المختلف عليه عهدة الاختلاف بالنظر إلى حاله هو، إذ لا يتم ذلك إلا إذا كانت الأوجه الواردة عنه أسانيدها إليه قوية، وحاله أوجبت تحميله عهدة الاختلاف.\nوقد تكون الأوجه الواردة عنه من القوة بحيث تصحح عنه، وإن لم تكن حاله توجب تحميله عهدة الاختلاف، وهذا كثير أيضا.\nومن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن مسلم، عن أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة، عن سماك، عن عياض الأشعري، عن\n_________\n(^١) «العلل» ٤: ٣٢٥.","vol":"1","page":496},{"text":"أبي موسى الأشعري، قال: «لما نزلت هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، أومأ النبي - ﷺ - قال أبو موسى: بشيء كان معه- قال: هم قوم هذا».\nقال أبي: حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن سماك، عن عياض، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، ليس فيه: عن أبي موسى، وقد روى عن شعبة جماعة مرسلا، قال: «لما نزلت …»، وكذا حدثنا أبو الوليد مرسلا.\nقلت: فترى غلط فيه محمد بن مسلم؟ قال: لا، إن بندارا كان يحدث به أيضا عن أبي الوليد أيضا كذا، ويشبه أن يكون أبو الوليد كان يغلط فيه، فلما قيل له: إنه غلط، ترك أبا موسى من الإسناد …» (^١).\nوأبو الوليد الطيالسي ثقة ثبت حافظ، ولكن لا مناص من تحميله عهدة الاختلاف بالنظر لقوة الطرق إليه.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٧. وقد رواه عن أبي الوليد موصولا كذلك محمد بن المثنى، وأبو قلابة الرقاشي، انظر: «تفسير ابن جرير» ٦: ٢٨٤، و«تاريخ دمشق» ٣٢: ٣٤، ٤٧: ٢٥٣، وكذا روي من طريق عبدالصمد بن عبدالوارث، عن شعبة، انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» حديث (٦٥٣٥)، و«تاريخ دمشق» ٢: ٣٤، ٤٧: ٢٥٣.\nوأما الرواية المشهورة عن شعبة بالإرسال فقد رواها جمع كثير من أصحابه، منهم عفان بن مسلم، ومحمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر، وغيرهم، انظر: «الطبقات الكبرى» ٤: ١٠٧، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ١٢٣ حديث (١٢٣١١١)، و«تفسير ابن جرير» ٦: ٢٨٤، و«المعجم الكبير» ١٧: ٣٧١ حديث (١٠١٦)، و«المستدرك» ٢: ٣١٣، و«تاريخ بغداد» ٢: ٣٩، و«تاريخ دمشق» ٤٧: ٢٥٢.","vol":"1","page":497},{"text":"فهذان احتمالان، والاحتمال الثالث أن يقوده النظر في الرواة عن المختلف عليه إلى ترجيح بعض الأوجه على الأوجه الأخرى، قاده إلى ذلك استخدامه لقرائن الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي قرائن كثيرة، ترجع في جملتها إلى حصول غلبة الظن بأن راوي الوجه الراجح قد حفظ ما حدث به عن شيخه المختلف عليه، وسأذكر ما وقفت عليه منها، على سبيل الإجمال، بضم النظير إلى النظير، وهي هذه:\n<span data-type='title' id=toc-296>الأولى: الكثرة:</span>\nاستخدم النقاد هذه القرينة على نطاق واسع جدا، ويمكن القول بأنها أكثر القرائن تداولا، بالتصريح أو التلميح، والترجيح بها أمر بدهي، فـ «العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد»، كما قال الشافعي (^١).\nوقال ابن المبارك: «الحفاظ عن ابن شهاب ثلاثة: مالك، ومعمر، وابن عيينة، فإذا اجتمع اثنان على قول أخذنا به، وتركنا قول الآخر» (^٢).\nوقال ابن معين: «أصحاب سفيان الثوري ستة: يحيى بن سعيد، ووكيع بن الجراح، وابن المبارك، والأشجعي، وعبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، ليس أحد من هؤلاء يحدث عن سفيان فيخالفه بعض هؤلاء الستة، فيكون القول قوله -\n_________\n(^١) «اختلاف الحديث» ص ١٢٧، و«شرح علل الترمذي» ١: ٤٢٥، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٨٨، وانظر: «اختلاف الحديث» ص ٢٩٤، و«الأم» ٨: ٥٦٣.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٠٧٢)، و«العلل الكبير» ١: ٤٠٥، وفي النسخة سقط.","vol":"1","page":498},{"text":"حتى يجيء إنسان فيفصل بينهما، فإذا اتفق من هؤلاء اثنان على شيء كان القول قولهما» (^١).\nوقال البرديجي في كلامه عن أصحاب قتادة: «أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - كلها صحاح، وكذلك سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح، وإذا اختلفوا في حديث واحد فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة …» (^٢).\nوقال مسلم في كلامه عن اختلاف أصحاب الراوي عليه، وانفراد واحد منهم عن الجماعة: «أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري، أو غيره من الأئمة، بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعين على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه على معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو بقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد المنفرد، وإن كان حافظا، على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد، وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمة أهل العلم» (^٣).\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢١٣.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩٧، وانظر أيضا: «التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٠١، ففيه كلام البرديجي بمعناه، ولم ينسبه إليه.\n(^٣) «التمييز» ص ١٧٢.","vol":"1","page":499},{"text":"وقال الخطيب: «ويرجح بكثرة الرواة لأحد الخبرين، لأن الغلط عنهم والسهو أبعد، وهو إلى الأقل أقرب» (^١).\nولا شك أنه إذا كان الأقل شخصا واحدا فالوهم إلى روايته أقرب، إذ التفرد بحد ذاته -ولو لم يخالف- مظنة الخطأ، كما تقدم شرح ذلك في الباب الثاني، فإذا خولف المنفرد كان أدل على وهمه وغلطه في الموضع الذي غلط فيه، وإن كان استفاد من رواية مخالفه في أصل الرواية، كما تقدم شرحه هناك.\nوتقدم هناك أيضا أن الراوي المنفرد هو نفسه يتخوف من تفرده، ويخشى أن يكون غلط فيه، وكذلك هنا، إذا خولف المتفرد فيما تفرد به خشي أن يكون أخطأ.\nروى عبدالله بن محمد النفيلي، عن أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبدالله بن سرجس، أن رسول الله - ﷺ - قال: «في الحجم شفاء» (^٢).\nقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر هذه الرواية لأبيه: «قال أبي: حلف لي النفيلي أنه سمعه، ولم يحدثني به، قال: أجبن عنه. قال أبي: هذا خطأ، يمكن أن يكون دخل له حديث في حديث، إنما رواه أبو معاوية، عن الشيباني، عن يُسَيْر بن عمرو، أن النبي - ﷺ - قال: «في الحجم شفاء»، وليس لذاك أصل، وذكر لي أن يحيى بن معين كتب إليه أن لا يحدث به» (^٣).\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ١٣٦.\n(^٢) «حلية الأولياء» ٣: ١٢١، و«الأحاديث المختارة» حديث (٣٨٠ - ٣٨١).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣١١. وحديث يسير بن عمرو أخرجه ابن أبي شيبة ٧: ٤٤١ حديث (٣٧٣٠) عن أبي معاوية.","vol":"1","page":500},{"text":"وروى النفيلي أيضا عن مسكين بن بكير، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيدالله، عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا رقية إلا من عين أو حمة» (^١).\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث، فقال: «رواه بعض أصحاب الأوزاعي، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، عن ميمونة، عن النبي - ﷺ -، ولم يسم أحدا، فكان النفيلي يمتنع من تحديث حديث مسكين هذا، ويقول: لم أتابع عليه، والذي يرويه الدمشقيون، عن الأوزاعي، عمن سمع يزيد بن الأصم، أشبه، لأن الأوزاعي لو كان سمع من إسماعيل بن عبيدالله لم يكن عنه» (^٢).\nويعبر النقاد عن الترجيح بالكثرة بعبارات مختلفة فيقولون: هذا الوجه هو المحفوظ، اتفق عليه اثنان، أو ثلاثة، أو يقولون: المحفوظ رواية الجماعة، أو ما رواه الجماعة هو المحفوظ، أو أولى أن يكون محفوظا، أو يقولون: الناس يروونه عن فلان هكذا، أو أصحاب فلان يروونه هكذا، أو خالف فلان الناس، ونحو هذه العبارات التي تفيد بنصها أو بإشارتها إلى أن سبب الترجيح هو كثرة رواة الوجه الراجح بالنسبة للمرجوح.\nومن أمثلة ذلك حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا …» الحديث (^٣).\n_________\n(^١) «المعجم الأوسط» حديث (١٠٥٠)، (٣٣٤٣).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣١١.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (١٥١)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٢.","vol":"1","page":501},{"text":"ورواه جماعة عن الأعمش -منهم زائدة بن قدامة، وأبو إسحاق الفزاري، وعبثر بن القاسم- عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا …» الحديث (^١).\nقال ابن معين في تضعيف رواية محمد بن فضيل: «رواه الناس كلهم عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (^٢).\nوقال أبو حاتم عن حديث محمد بن فضيل: «هذا خطأ، وهم فيه ابن فضيل، يرويه أصحاب الأعمش، عن الأعمش، عن مجاهد قوله» (^٣).\nوقال الدارقطني: «هذا لا يصح مسندا، وهم في إسناده ابن فضيل، وغيره يرويه عن الأعمش، عن مجاهد مرسلا» (^٤).\nوروى سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد: «أن النبي - ﷺ - أردفه من عرفة …» الحديث (^٥).\nورواه سفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وعبدالله بن المبارك، وحماد بن زيد، ومحمد بن إسحاق، ومعمر، وغيرهم، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب،\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٥١)، و«سنن الدارقطني» ١: ٢٦٢، و«سنن البيهقي» ١: ٣٧٦.\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٤: ٦٦، وانظر: ٢: ٥٣٤.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠١.\n(^٤) «سنن الدارقطني» ١: ٢٦٢.\n(^٥) «مسند أحمد» ٥: ٢٠٠، و«أخبار مكة» للأزرقي، ٢: ١٩٧، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٨٤٧)، و«مسند أسامة» للبغوي حديث (٣٨ - ٣٩)، (٤٥).","vol":"1","page":502},{"text":"عن أسامة بن زيد، ليس فيه ابن عباس (^١).\nقال ابن معين في كلامه على رواية ابن عيينة: «أخطأ فيه ابن عيينة، إنما هو عن كريب سمعه من أسامة نفسه، كذا حدث به سفيان الثوري، وزهير، والناس كلهم» (^٢).\nوروى إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن مروان بن الحكم، عن عبدالله بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن من الشعر حكمة» (^٣).\nورواه يونس بن يزيد، وشعيب بن أبي حمزة، ومعمر، وغيرهم، عن الزهري، بهذا الإسناد، غير أنهم سموا شيخ مروان بن الحكم: عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث (^٤).\nوعقب ابن معين على رواية إبراهيم بن سعد بعد أن ساقها بقوله: «إلا أن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٢٨٠)، و«سنن أبي داود» حديث (١٩٢١)، و«سنن النسائي» حديث (٣٠٢٤ - ٣٠٢٥)، (٣٠٣١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠١٩)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٠٠، ٢١٠، و«مسند أسامة» حديث (٤٠ - ٤١)، و«مستخرج أبي عوانة» حديث (٣٤٨٦)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٥٠)، و«سنن البيهقي» ٥: ١٢٠.\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢١٨.\n(^٣) «مسند أحمد» ٥: ١٢٥ و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٩، و«الآحاد والمثاني» حديث (١٨٥٨)، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٧.\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (٦١٤٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٠١٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٥٥)، و«مسند أحمد» ٥: ١٢٥، ١٢٦.","vol":"1","page":503},{"text":"يونس، ومعمرا، والناس أجمعين قالوا: عن الزهري …، عن عبدالرحمن بن الأسود، وهو الصواب، ولكن إبراهيم بن سعد قال كذا: عبدالله بن الأسود» (^١).\nوقال عبدالله بن أحمد معقبا على رواية إبراهيم بن سعد أيضا: «هكذا يقول إبراهيم بن سعد في حديثه: عبدالله بن الأسود، وإنما هو عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، كذا يقول غير إبراهيم بن سعد» (^٢).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -: «أنه صلى في نعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الناس نعالهم …» الحديث.\nقال أبو حاتم: «رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة: أن النبي - ﷺ - …، مرسلا، [و] أيوب أحفظ، وقد وهن أيوب رواية هذا الحديث، حديث حماد بن سلمة.\nورواه إبراهيم بن طهمان، عن حجاج الأحول، عن أبي نعامة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -.\nوالمتصل أشبه، لأنه اتفق اثنان: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -» (^٣).\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٩.\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ١٢٥.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢١، وانظر طرق هذا الحديث في: «سنن أبي داود» حديث (٦٥٠)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٠، ٩٢، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥١٦)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٧٨٦)، و«علل الدارقطني» ١١: ٣٢٨، و«سنن البيهقي» ٢: ٤٠٣.","vol":"1","page":504},{"text":"فذكر أبو حاتم أولا أن رواية أيوب ضعفت رواية حماد بن سلمة، فحماد يصله، وأيوب يرسله، فرواية أيوب إذن علة لرواية حماد، ثم عدل أبو حاتم عن هذا حين وجد راويا آخر غير حماد يصله، وهو حجاج بن حجاج الأحول، فحكم لهما، ورجح الموصول.\nوروى إسماعيل بن علية، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين: «أن النبي - ﷺ - لما حلق رأسه بمنى قال هكذا بشقه الأيمن، فأعطاه أبا طلحة …» الحديث.\nهكذا رواه إسماعيل مرسلا، وسئل عنه أبو حاتم فقال: «الناس يروون هذا الحديث عن هشام، عن محمد، عن أنس، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه ابن عيينة، وأسامة بن زيد الليثي، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر: «أنه طاف بالبيت بعد الصبح، ثم سار حتى أتى ذي طوى، ثم انتظر حتى طلعت الشمس …»، فقال أبي: أخطآ في هذا الحديث، روى كل أصحاب الزهري، عن الزهري هذا الحديث، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، وهو الصحيح» (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٣، ورواية الجماعة عن هشام بالوصل أخرجها مسلم حديث (١٣٠٥)، وأبو داود حديث (١٩٨١ - ١٩٨٢)، والترمذي حديث (٩١٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٤١٠٢)، (٤١١٦)، وأحمد ٣: ١١١، ٢٠٨، ٢١٤، ٢٥٦، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٨٢٧).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٢، وانظر طرق هذا الحديث في «موطأ مالك» ٢: ٣٦٨، و«مصنف عبدالرزاق، حديث (٩٠٠٨)، و«العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٩٠، و«أخبار مكة» حديث (٥٢٠)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٨٧.","vol":"1","page":505},{"text":"وروى أبو عامر العقدي، عن زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - صلى بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا».\nسئل أبو زرعة عن هذه الرواية، فقال: «رواه شعبة، وحماد بن زيد، ومحمد بن مسلم، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو الصحيح، والوهم ينبغي أن يكون من زكريا» (^١).\nوروى خالد الحذاء -في الراجح عنه- عن أبي نعامة، عن أنس: «كان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، لا يقرؤون -يعني لا يجهرون-» (^٢).\nقال الدارقطني: «وروى هذا الحديث الجريري، وعثمان بن غياث، وراشد الحماني، عن أبي نعامة -واسمه قيس بن عباية- عن ابن عبدالله بن مغفل، عن\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨٣، وانظر في الروايات التي ذكرها أبو زرعة: «صحيح البخاري» حديث (٥٤٣)، (٥٦٢)، و(١١٧٤)، و«صحيح مسلم» حديث (٧٠٥)، و«سنن أبي داود» حديث (١٢١٤)، و«سنن النسائي» حديث (٥٨٨)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢١، ٢٧٣، ٢٨٥، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٧٣٥)، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٨٠٧)، وممن رواه عن عمرو كذلك: ابن جريج، ومعمر، انظر: «سنن النسائي» حديث (٦٠٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٦٦، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٤٤٣٦).\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ٢١٦، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٠٢)، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٤٦.","vol":"1","page":506},{"text":"أبيه، وهو أشبه بالصواب، لأنهم ثلاثة، وقد خالفوا خالدا في الإسناد» (^١).\nوهذه القرينة -كما أسلفت- كثر جدا من النقاد الترجيح بها، فالظن الغالب أن ما يرويه العدد الكثير هو المحفوظ، ولهذا فإن النقاد يتسامحون في سرد الرواة، فإذا كثروا ربما ذكروا فيهم الضعيف ومن دونه، اعتمادا على رواية الثقات منهم، وربما صرح الناقد بذلك، فيقول مثلا: حدث به عن فلان جماعة من الثقات الحفاظ، وغيرهم (^٢).\nورأيت بعض الباحثين يلتزم بيان أحوال الرواة الضعفاء ومن دونهم، مع ظهور الترجيح برواية غيرهم، ولعل ذلك منهم على سبيل زيادة البيان في تحديد من عليه الاعتماد في الترجيح.\nالثانية: الحفظ والتثبت:\nاستخدم الأئمة في الموازنة بين الرواة حين اختلافهم هذه القرينة بكثرة أيضا، فيقول الناقد مثلا: القول قول فلان لأنه أحفظ، أو المحفوظ رواية فلان فهو أحفظهم، أو فلان أحفظ من فلان، أو لا يقارن فلان بفلان، ونحو ذلك.\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» موضوعان لهما تعلق كبير بهذه القرينة، أحدهما موضوع (مراتب الجرح والتعديل) (^٣)، فالرواة على مراتب متفاوتة في\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٢: ٢٤٧، وحديث عبدالله بن مغفل أخرجه الترمذي حديث (٢٤٤)، والنسائي حديث (٩٠٧)، وابن ماجه حديث (٨١٥)، و«مسند أحمد» ٤: ٨٥، ٥: ٥٤، ٥٥.\n(^٢) ينظر مثلا: «علل الدارقطني» ٣: ١١٥.\n(^٣) «الجرح والتعديل»، ص ٢٩٠ - ٣٠٣.","vol":"1","page":507},{"text":"القوة والتثبت، وأهم ما يستفاد من معرفة هذه المراتب هو معرفة الصواب من رواياتهم حين يختلفون على شيخ لهم.\nوالثاني موضوع (مقارنة الراوي بغيره) (^١)، فقد قام النقاد بالمقارنة بين الرواة، كقولهم: إن فلانا أحفظ من فلان، وإنما تظهر أهمية الوقوف على هذه النصوص، وحسن الاستفادة منها، حين يقع اختلاف بين بعض هؤلاء الرواة الذين قارن الأئمة بينهم في الجملة.\nقال الخطيب البغدادي: «والسبيل إلى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط» (^٢).\nوقال أيضا: «… وقد يرجح أيضا بضبط راويه وحفظه وقلة غلطه، لأن الظن يقوى بذلك» (^٣).\nومن أمثلة صنيع النقاد في هذه القرينة ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة مرفوعا في قطع يد السارق بربع دينار، ثم قال سفيان: «وحدثناه أربعة عن عمرة، عن عائشة لم يرفعوه: عبدالله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى بن سعيد، وعبد ربه بن سعيد،\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٥٨ - ١٨٦.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٥.\n(^٣) «الكفاية» ص ٤٣٥.","vol":"1","page":508},{"text":"والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما دل على الرفع: «ما نسيت ولا طال علي: القطع في ربع دينار فصاعدا»،» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد وذكرت له ما زاد هشيم في حديث عبيد بن عمير، عن عمر في (المفقود) على يحيى بن سعيد، فقال: يحيى أحفظ من هشيم» (^٢).\nونقل إسحاق بن هانئ أن أحمد ذكر حديث حذيفة أنه تزوج مجوسية، ثم قال: «هذا رواه الداناج، وأبو وائل يقول: إنما تزوج بيهودية -كأنه (يعني أحمد) يبطل أن تكون مجوسية-، والداناج ثقة، وأبو وائل أوثق منه» (^٣).\nوروى ابن جريج، عن خصيف الجزري، عن مقسم، عن ابن عباس، قصة عمر بن الخطاب، مع سعد بن أبي وقاص، وعبدالله بن عمر، في المسح على الخفين (^٤).\nوخالفه عتاب بن بشير، فرواها عن خصيف، عن سعيد بن جبير بالقصة (^٥).\nورواه عثمان بن ساج، عن خصيف، عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٦).\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٢٨٠).\n(^٢) «سؤالات أبي داود» ص ٣٤٥.\n(^٣) «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ١٦٨.\n(^٤) «مسند أحمد» ١: ٣٦٦، و«تحفة الأشراف» ٤: ٢٤٦.\n(^٥) «المعجم الكبير» حديث (١٢٢٣٧).\n(^٦) «المعجم الكبير» حديث (١١١٤٠).","vol":"1","page":509},{"text":"سئل أبو زرعة عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن جريج، وعتاب بن بشير، فقال: «ابن جريج عندي أحفظ من عتاب بن بشير» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبدالوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «لا تكتنوا بأبي عيسى، فإن عيسى لا أب له»، قلت: وروى هذا الحديث هشام الدستوائي، عن أيوب، قال: قال عمر …، مرسلا.\nفقالا: «هشام أحفظ، ومرسل أصح» (^٢).\nوروى حصين بن عبدالرحمن، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة: «أن رجلا صلى خلف الصف وحده، فأمره النبي - ﷺ - أن يعيد» (^٣).\nورواه عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، عن النبي - ﷺ - (^٤).\nقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ» (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥١، ورواه معمر، عن أيوب، عن نافع، عن عمر بمعناه، أخرجه عبدالرزاق حديث (١٩٨٥٧)، وهذا يؤيد رواية هشام.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٢٣٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٠٤)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٦٨٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٣١)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٠.","vol":"1","page":510},{"text":"عن عاصم، عن زر، عن أبي موسى، قال: «عرش إبليس على البحر وحوله الحيات …» وذكر الحديث، ورواه أبو عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن أبي موسى.\nقال أبي: أبو عوانة أحفظ من حماد» (^١).\nوروى أبو أحمد الزبيري، عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن يزيد، عن عمر قوله في قصة فاطمة بنت قيس: «لا نترك كتاب الله وسنة نبينا - ﷺ - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت …» الحديث (^٢).\nقال الدارقطني: «رواه يحيى بن آدم -وهو أحفظ من أبي أحمد الزبيري وأثبت منه- عن عمار بن رزيق، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عمر، لم يقل فيه: وسنة نبينا، وهو الصواب» (^٣).\nوروى عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله -أو الصدقة- في إبله …» الحديث (^٤).\nورواه ابن لهيعة، عن بكير، عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٥٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٤٨٠).\n(^٣) «علل الدارقطني» ٢: ١٤١، و«سنن الدارقطني» ٤: ٢٦، وانظر: «مسائل أبي داود» ص ٢٥٢، ٤٠٨.\n(^٤) «صحيح مسلم» حديث (٩٨٧).","vol":"1","page":511},{"text":"سئل الدارقطني عن هذا الاختلاف، فقال: «عمرو بن الحارث أثبت …» (^١).\nوالأمثلة على هذه القرينة كثيرة جدا، فقد استخدمها النقاد -كما تقدم- في الموازنة بتوسع، وهو أمر بدهي، فإن القرائن كلها تعود إلى معرفة الحافظ المتثبت في هذه الرواية بعينها، فأول ما يتبادر من ذلك درجات المختلفين في أنفسهم، ومعرفة طبقاتهم.\nالثالثة: القوة في الشيخ:\nإذا اختلف الرواة في حديث على شيخ لهم فمن أهم قرائن الموازنة بين رواياتهم وأكثرها شيوعا في كلام النقاد على الأحاديث التي فيها اختلاف: درجات هؤلاء المختلفين في شيخهم، ورتبهم في روايتهم عنه بصفة عامة.\nوالرواة -كما يتفاوتون في حفظهم وتثبتهم بإجمال، وتمت الاستفادة من هذه الناحية في القرينة التي قبل هذه- يتفاوتون كذلك بالنسبة لكل شيخ شيخ، ولا تلازم بين درجة الراوي بصفة مجملة، وبين درجته ورتبته في كل شيخ له، فرب راو هو في مجمل درجته ثقة، وهو في شيخ له في أعلى درجات الثقة والتثبت، وهو أيضا في شيخ له دون الثقة، بل قد يكون ضعيفا، وقد يكون الراوي ضعيفا في جملته، وهو في بعض شيوخه فوق ذلك، وفي بعضهم أشد ضعفا، وقد تقدم الكلام في هذه القضية في «الجرح والتعديل» (^٢).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٠: ١٥٦.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١٠٠ - ١١٢، ١٧٤ - ١٧٥.","vol":"1","page":512},{"text":"وتعليل تفاوت أصحاب الرواة في مراتبهم ظاهر، فبالإضافة إلى استعدادهم الفطري، وما منحه الله لكل منهم من قوة حافظة، أو ضعفها، وما هم عليه من التزام بأصول الرواية أو عدمه، هناك أحوال تحيط بسماعهم وأخذهم من شيوخهم، لها أثر كبير في تصنيفهم ورتبهم في الشيخ، فالراوي قد يلازم شيخه فترة طويلة، لكونه من أهل بلده، وأدرك من حياته مدة منحته طول الملازمة، وقد يزيد على ذلك، بأن يلازم شيخه في حضره وسفره.\nوعكس ذلك أن تقل مدة مصاحبته لشيخه، كأن يدرك من حياته جزءا يسيرا، أو لا يكون من أهل بلده، فيلقاه عرضا، وربما صاحب ذلك انشغال الشيخ، أو مرضه، أو كونه عسرا في الرواية، ونحو ذلك.\nوبعض الرواة لم يلق من روى عنه إلا في حال كبره، أعني التلميذ، والحافظة في حال الكبر دونها في حال الصغر.\nوفي هذا المعنى كلام الجوزجاني في أصحاب الزهري، موضحا درجاتهم فيه، وأسباب ذلك، قال ابن رجب: «وسئل الجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: مالك من أثبت الناس فيه، وكذلك أبو أويس، وكان سماعهما من الزهري قريبا من السواء إذ كانا يختلفان إليه جميعا، ومعمر، إلا أنه يهم في أحاديث، ويختلف الثقات من أصحاب الزهري، فإذا صحت الرواية عن الزبيدي فهو من أثبت الناس فيه، وكذلك شعيب، وعقيل، ويونس بعدهم، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، والليث بن سعد، فأما الأوزاعي فربما يهم عن الزهري، وسفيان بن","vol":"1","page":513},{"text":"عيينة كان غلاما صغيرا حين قدم عليهم الزهري، وإنما أقام يعني الزهري تلك الأيام مع بعض ملوك بني أمية بمكة أياما يسيرة، وفي حديثه يعني ابن عيينة عن الزهري اضطراب شديد. وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن كثير، متقاربون في الزهري -يعني في الضعف-، فأما ابن أبي ذئب فقد كان له معه صحبة إلا أنه يحكى عنه أنه لم يسمع من الزهري، ولكن عرض عليه، والزبيدي وشعيب لزماه لزوما طويلا، إذ كانا معه في الشام في قديم الدهر، وعقيل قد سأله عن مسائل كثيرة، تدل على خبر به، وكذا أبو أويس لزمه سنة وسنتين، فما وجدت من حديث يحكى عن الزهري ليس له أصل عند هؤلاء فتأن في أمره. وابن إسحاق روى عن الزهري إلا أنه يمضغ حديث الزهري بمنطقه حتى يعرف من رسخ في علمه أنه خلاف رواية أصحابه عنه، وإبراهيم بن سعد صحيح الرواية من الزهري.\nوذكر قوما رووا عن الزهري قليلا أشياء يقع في قلب المتوسع في حديث الزهري أنها غير محفوظة، منهم برد بن سنان، وروح بن جناح، وغيرهما» (^١).\nونحو هذا لأبي بكر الحازمي في معرض كلامه على شرط البخاري ومسلم في انتقاء الرواة، موضحا الارتباط بين حال الراوي في نفسه، وحاله في شيخه، مشيرا إلى أسباب تفاوت مراتب أصحاب الرواة (^٢).\nوسأذكر الآن نماذج من تطبيقات النقاد لهذه القرينة، واستخدامهم لها، ثم\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٤.\n(^٢) «شروط الأئمة الخمسة» ص ٥٦ - ٦١.","vol":"1","page":514},{"text":"أعقب هذه الأمثلة ببعض التنبيهات.\nفمن ذلك أن حماد بن زيد روى عن علي بن زيد، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله - ﷺ - قال له: يا ضحاك، ما طعامك؟ …» الحديث (^١).\nسئل ابن معين عن هذه الرواية، وعن رواية حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان: «أن النبي - ﷺ - قال للضحاك …» -هكذا مرسلا-، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد، من حماد بن زيد» (^٢).\nوروى أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن أبي سعيد -من أزد شنوءة- عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث …» (^٣).\nورواه سعيد بن أبي عروبة، ومعمر، عن قتادة، عن الحسن بن أبي الحسن البصري، عن أبي هريرة (^٤).\nسأل ابن أبي حاتم أباه وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فقالا جميعا: «سعيد أحفظهم» (^٥).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٤٥٢، و«المعجم الكبير» حديث (٨١٣٨).\n(^٢) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٤٧٩.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٤٣٢).\n(^٤) «مسند أحمد» ٢: ٢٧١، ٤٨٩.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٩، ٢٣٦.","vol":"1","page":515},{"text":"وروى شعبة عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: «تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» (^١).\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر (^٢)، سئل أبو حاتم عنهما، فقال: «سعيد بن أبي عروبة لحديث قتادة أحفظ» (^٣).\nوروى عبدالحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله بعثا، ثم استقرأهم …» الحديث (^٤).\nورواه عمر بن طلحة بن عمرو بن علقمة -ابن أخي محمد بن عمرو بن علقمة- عن المقبري، عن أبي هريرة، فأسقط عطاء مولى أبي أحمد.\nورواه الليث بن سعد، عن المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلا، لم يذكر أبا هريرة (^٥).\nقال الدارقطني وقد سئل عن هذا الحديث فذكر الاختلاف فيه، ثم قال: «وقول الليث أشبه بالصواب»، ثم أسند إلى ابن معين قوله: «أثبت الناس في\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣١١٤)، و«صحيح مسلم» حديث (٢١٣٣)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٨.\n(^٢) «طبقات ابن سعد» ١: ١٠٧.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٣.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٧٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٧٤٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢١٧)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٥٠٩)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢١٢٦)، (٢٥٧٨).\n(^٥) «سنن الترمذي» حديث (٢٨٧٦).","vol":"1","page":516},{"text":"سعيد: الليث بن سعد» (^١).\nوهذه القرينة من أهم قرائن الموازنة بين الرواة عند الاختلاف، استخدمها النقاد بكثرة بالغة، غير أن هناك أمورا يحسن التنبيه عليها، وهي:\nالأول: درجة الرواة في شيوخهم من القضايا بالغة الأهمية بالنسبة للمتصدي لدراسة المرويات ونقدها، وهي جزء مهم من جرح الرواة وتعديلهم، فكما يعطى الراوي درجة في مجمل حاله، يعطى أيضا درجة في كل شيخ له على وجه الدقة، ما أمكن ذلك، والغرض الأساس من ذلك هو تسخير هذه الأحكام على الرواة في شيوخهم للحكم على مروياتهم عنهم، وهذا ما استخدمه النقاد بكثرة بالغة جدا.\nوفي المتصدين للتصحيح والتضعيف ونقد المرويات من أغفل هذا الجانب، فالتركيز لديه على مرتبة الراوي المجملة، حيث يأخذها من المختصرات، ثم يصدر أحكامه على الأسانيد، وقد تقدم بيان خطر ذلك، وأثره على ضعف النقد، والجرأة الكبيرة التي وقعت في تصحيح عدد كبير من الأسانيد التي لا تصح (^٢).\nوتقدم كذلك هنا في الباب الثاني المتعلق بالتفرد، في الفصل الثاني منه، وهو الفصل الخاص بضوابط النظر في التفرد، فمنزلة الراوي في شيخه في غاية الأهمية بالنسبة للنظر في تفرده.\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٠: ٣٦٤، وانظر: ٦: ١٤٠، ٨: ١٥٢، ١٠: ٣٧٨.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٤٤٩ - ٤٤٦.","vol":"1","page":517},{"text":"وتبين آنفا الأهمية القصوى لمعرفة مراتب أصحاب الرواة في شيوخهم، فهي تبرز حين يختلفون على شيخهم في حديث معين، فالناقد يلجأ كثيرا إلى هذه المراتب لمعرفة الراجح عن هذا الشيخ.\nوإذا أدركنا أن مراتب الرواة في شيوخهم جزء أساس من جرح الرواة وتعديلهم، فينبغي أن نستحضر هنا ما تقدم التنبيه عليه مرارا، ووعدت بالتركيز به في كل مناسبة له صلة بها، وهو أن جرح الرواة وتعديلهم هو فرع عن النظر في أحاديثهم، وعليه فالناقد الذي حكم على هذا الراوي بأنه في المرتبة المعينة في شيخه، إنما فعل ذلك بوسائل من أهمها النظر في أحاديثه عن شيخه، مقارنا لها بأحاديث رواة آخرين عن ذلك الشيخ، فتوصل بهذا إلى درجة الراوي في شيخه، فالأحكام على الأحاديث متقدمة على الأحكام على الرواة.\nهكذا تبدو الصورة بالنسبة لنقد المرويات في ذلك العصر، وبها ندرك حجم الجهد الذي بذله أولئك النقاد، وأما من جاء بعدهم فإن معرفة درجات الرواة في شيوخهم يبدو سهلا بالنسبة له، ويبقى عليه حسن تطبيق هذه الدرجات حين نظره في الأسانيد، لا سيما حين يختلف الرواة على شيخهم، وهذه السهولة أتت من كون كلام أئمة النقد قد نقل إلينا الكثير منه، فزخرت كتب السؤالات، والتواريخ، والعلل بكلام النقاد، كأحمد، وابن المديني، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، تارة عن طريق السؤال المباشر عن أصحاب الراوي ومراتبهم، أو عن بعضهم، وتارة عن طريق كلام الناقد في حديث معين وقع فيه اختلاف، فيذكر الراجح وسبب والترجيح، مبينا هنا","vol":"1","page":518},{"text":"مراتب من وقع الاختلاف بينهم، بل إن بعض أئمة النقد خصص مؤلفا لهذا الغرض، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من مؤلفاتهم (^١).\nوأشير هنا إلى<span data-type='title' id=toc-303> وجود دراسات معاصرة لأصحاب بعض الرواة المعروفين بكثرة الأصحاب </span>(^٢)، ونأمل أن تتواصل الجهود في هذا السبيل.\nوقد يقول قائل: ذكرت الآن أن بعض كلام النقاد يوجد بإثر نقدهم للأحاديث، وبيان الراجح عند الاختلاف، فهذا يدل على أن أحكامهم على الرواة ووضع مراتب لهم في شيوخهم سابق على نقدهم للأحاديث، فهذا يعارض ما ذكرته قبل.\nوالجواب أن الناقد حين يسأل عن حديث، ليس معناه أن رأيه في هذا الحديث وليد الساعة، فهو يذكر ما ترجح لديه حين نظره في أحاديث الرواة، إذن هو يحكي شيئا سابقا، وذكره للقرينة هو ذكر لنتيجة أخرى أيضا.\nومن جهة ثانية، فإن هذه النتيجة بالنسبة لمراتب الرواة قد يكون توصل\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٧٤ - ١٧٥.\n(^٢) هناك عدد من الرسائل الجامعية، منها: «طبقات الرواة عن الزهري ممن له رواية في الكتب الستة»، لفاروق البحريني، في الجامعة الإسلامية بالمدينة، و«طبقات الرواة عن هشام بن عروة في الكتب الستة» لعبدالله الشهري، في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، و«طبقات الرواة عن ثابت البناني» لسميحة بشاوري، في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، كما نشر الباحث محمد التركي كتابين بعنوان: «معرفة أصحاب شعبة»، و«معرفة أصحاب الأعمش»، أجاد فيهما وأفاد، ومنه استفدت التنويه بهذه الرسائل.","vol":"1","page":519},{"text":"إليها الناقد بالنظر في قدر كاف من الأحاديث للاستقراء، فإذا جاءت أحاديث لم ينظر فيها بخصوصها طبق عليها تلك النتيجة، وهذا لا يعارض القول بأن دراسة الأحاديث والنظر فيها سابق للأحكام على الرواة.\nوههنا أمر آخر، وهو ما سبق ذكره من كون الناقد ربما اعتمد في الجرح والتعديل على آراء نقاد سابقين له، من شيوخه أو من قبلهم أيضا، خاصة في الأمر المشتهر، أو في قضايا لا تتوافر للناقد وسائل الحسم فيها، كما تقدم شرحه (^١)، فيعود الأمر إذن إلى أن الحكم في مراتب الرواة عند الناقد الأول بناه على النظر في أحاديثهم، وهذا هو المقصود.\nوالغرض من كل ما تقدم التأكيد على أن المتصدي لنقد المرويات ينبغي عليه أن يكثر من مطالعة أقوال النقاد في مراتب أصحاب الرواة، مستحضرا عند نقده لحديث معين ما جمعه وطالعه من أقوال النقاد.\nومما يعين الباحث بالإضافة إلى كثرة مطالعته لأقوال النقاد في أصحاب الرواة: إكثاره من مطالعة سلاسل الأسانيد التي رويت بواسطتها أحاديث كثيرة، وهي أسانيد محدودة، بحكم أن الإكثار من الرواية تحملا وأداء يحتاج إلى ظروف معينة، مثل طول الملازمة، وقوة الحفظ، والتعمير، والتصدي للرواية، والصبر على الطلبة، وغير ذلك.\nولإدراك أن هذه الأسانيد محدودة يكفي معرفة أن ثلثي السنة المطهرة نقلها\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٢١٧ - ٢١٨.","vol":"1","page":520},{"text":"سبعة عشر صحابيا، وذلك بحسب الأسانيد الموجودة في «مسند بقي بن مخلد القرطبي»، وهو أحد المسانيد الكبيرة، بحيث يقارن بمسند أحمد (^١).\nوكل واحد من هؤلاء الصحابة لا بد أن يكون له أصحاب كثيرون نقلوا عنه ما يرويه، ولا بد أيضا أن يكون المكثرون منهم عددهم محدود، فإن الظروف اللازمة للإكثار ينحصر توافرها في العادة في عدد قليل، فعائشة -مثلا- أكثر عنها جماعة، منهم عمرة بنت عبدالرحمن، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبدالرحمن.\nوكل واحد من هؤلاء له أصحاب بعضهم مكثرون عنه أيضا، وهكذا.\nوقد اعتنى الأئمة ورواة الحديث بالمكثرين، وشاع مصطلح (ممن يجمع حديثه)، في التعريف بالراوي، يعني أنه ممن يتصدى إمام لجمع حديثه، والاعتناء به (^٢).\nومع اتساع الفتوح، وانتشار رقعة الإسلام، صار هناك نوع من الإكثار يختص بالأمصار الإسلامية، كما قال ابن المديني.\nوالمقصود هنا أن الإكثار من الرواية وسعتها، وكثرة الأصحاب، مظنة وقوع الاختلاف بينهم في بعض ما يروونه عن شيخهم، وينتج عن هذا أن أكثر\n_________\n(^١) مقدمة أكرم العمري لرسالة: «عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث في مسند بقي» لابن حزم ص ٢٣.\n(^٢) ينظر «علل ابن المديني» ص ٣٦ - ٤٠، و«المحدث الفاصل» ص ٦١٤ - ٦١٨، و«معرفة علوم الحديث» ص ٢٤٠ - ٢٤٩، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٣ - ٢٩٤، ٢٩٧ - ٢٩٨.","vol":"1","page":521},{"text":"الأحاديث التي وقع الاختلاف فيها هي من رواية هؤلاء، فمطالعة هذه السلاسل إذن ترسخها في ذهن الباحث، وتعينه على فهم كلام النقاد في الموازنة بين الأصحاب.\nوقد اعتنى الأئمة أيضا بجمع الأحاديث التي رويت بهذه السلاسل، ويطلقون عليها: (ترجمة)، فيقولون: ترجمة مالك، عن نافع، عن ابن عمر، وترجمة عبيدالله بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وقد سرد الخطيب نماذج لهذه التراجم (^١).\nوبعض مسانيد الأئمة ترتب أحاديث كل صحابي على أساس هذه التراجم، مثل «مسند الطيالسي»، و«مسند البزار»، و«المعجم الكبير».\nومما يعين في هذا الجانب أيضا كتب الأطراف، خاصة كتاب المزي: «تحفة الأشراف»، فهو يمتاز بكثرة التفريع في الطبقات المتأخرة، فنقف على المكثرين في تلك الطبقات، فلو أخذنا أحاديث عبدالله بن عمر ﵁، لوجدنا المزي قسمها على أصحاب ابن عمر، فنعرف المكثرين منهم، ثم نأخذ واحدا منهم وهو نافع مولاه فنجد المزي قسمها أيضا على أصحاب نافع، فنعرف المكثرين من أصحابه، ثم نأخذ واحدا منهم وهو عبيدالله بن عمر فنجد المزي قسمها أيضا على أصحابه، فنعرف المكثرين منهم، وهكذا.\nوفوق ما تقدم أن المزي -وهذا من فوائد كتابه الجمة- لم يخل الكتاب من\n_________\n(^١) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٩.","vol":"1","page":522},{"text":"إشارات إلى الاختلافات بين الرواة، فيقول عن الحديث مثلا: رواه فلان فجعله كذا وكذا، وقد تقدم هذا، أو سيأتي، وربما أحضر اختلافا من خارج الكتب التي اشتمل عليها كتابه، وهي الكتب الستة.\nوكثير من الباحثين يعرف «تحفة الأشراف» على أنه كتاب فهرسة، ودلالة على مواضع الحديث في الكتب الستة، والحقيقة أنه كتاب صنعة حديثية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، خاصة إذا ضممنا إليه تعليقات الأئمة الذين طالعوه، ولخصها ابن حجر في كتابه: «النكت الظراف»، وقد طبع مع «التحفة»، ولهذا السبب فإني أرى أن الكتاب بحاجة إلى من يخصه بدراسة مستقلة، تبرز أهميته، وتظهر أثره في توسيع مدراك المتخصص في السنة النبوية، وعلى الخصوص في جانب اختلاف الرواة، الذي هو أساس علم (العلل).\nالثاني: يذكر بعض الباحثين قرائن في الموازنة بين أصحاب الراوي إذا اختلفوا عليه، مثل تقديم رواية أهل بيت الراوي المختلف عليه على غيرهم، وتقديم رواية أهل البلد على رواية الغرباء، ونحو ذلك، لوجود نصوص عن النقاد تعتمد هذه القرائن.\nفمن ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه الثوري، عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كتب عمر إلى أمراء الأجناد ألا يأخذوا الجزية إلا ممن جرت عليه المواسي»، قال أبي: ومنهم من يقول: عن نافع، عن أسلم، عن عمر.","vol":"1","page":523},{"text":"قلت لأبي: فأيهما الصحيح، قال: الثوري حافظ، وأهل المدينة أعلم بحديث نافع من أهل الكوفة» (^١).\nوروى عبدالله بن المبارك المروزي، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس الخولاني، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، عن النبي - ﷺ -: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها» (^٢).\nورواه جماعة من الشاميين وغيرهم، منهم عيسى بن يونس، وصدقة بن خالد، والوليد بن مسلم، وبشر بن بكر، عن ابن جابر، بإسقاط أبي إدريس (^٣).\nقال أبو حاتم حين سئل عن هذا الحديث: «الصحيح ما يقوله أهل دمشق، ليس بينهما أبو إدريس، وقد وهم ابن المبارك في زيادته أبا إدريس، لأن بسر بن عبيدالله روى عن واثلة، ولقيه، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئا، وأهل الشام أضبط لحديثهم من الغرباء» (^٤).\nوهذا العمل من هؤلاء الباحثين بإفراد هذه القرائن بالذكر ليس عليه\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١١، وانظر: «شرح معاني الآثار» ٤: ٢١٧.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥٠)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٢٢٩)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٥١)، و«سنن النسائي» حديث (٧٥٩)، و«مسند أحمد» ٤: ١٣٥، و«علل الدارقطني» ٧: ٤٣، و«المستدرك» ٣: ٢٢١.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٦٨، وانظر أيضا في هذا الحديث: ١: ٨٠، ٣٤٩، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٤٦٢)، (٤٩٤)، (٨١٩)، (١٧٢٥)، و«الاستذكار» ١٠: ١٣٢.","vol":"1","page":524},{"text":"إشكال كبير، غير أن المتأمل في هذه القرائن يجدها تؤول إلى قرينة: درجات أصحاب الرواة، فمردها إليها، وعلتها واحدة، فالسبب في تقديم رواية أهل بيت الراوي، أو أهل بلده، يعود إلى قضية طول الملازمة، والخصوصية، وهذه إحدى الركائز الأساس في تصنيف أصحاب الراوي بصفة عامة -كما تقدم-.\nوقد كان الأئمة النقاد يهتمون كثيرا عند تصنيف أصحاب الراوي بقضية اختلاف البلد، فينصون على الغرباء منهم، وربما خصوا هؤلاء بتصنيف، وهؤلاء بتصنيف، كما فعل ابن المديني، ومسلم، في تصنيف أصحاب شعبة، فالثقات من أصحابه البصريين لهم تصنيف، والثقات الغرباء من أصحابه لهم تصنيف (^١).\nولا شك أن كون الراوي من أهل بلد شيخه أدعى إلى طول الملازمة، وتكرار السماع، والمراجعة، كما في قول ابن معين: «كان إذا قدم -يعني أيوب- من الحج قال لهم: خذوا عني قبل أن يتفلت مني -حديث نافع، والمشايخ المدنيين- وأما حديث أهل مصره: هشام، وابن عون، فكان لا يبالي» (^٢).\nالثالث: كلام النقاد في تصنيف أصحاب الراوي قد لا يتيسر في كل الرواة الذين يقع الاختلاف بينهم، وقد يتيسر في بعضهم دون بعض، إما لأن النقاد لم يصنفوهم أصلا، أو لأن تصنيفهم لم يصل إلينا، فإذا قلنا إن تصنيف أصحاب\n_________\n(^١) انظر كتاب: «معرفة أصحاب شعبة» لمحمد التركي، وقد أشار في ثنايا الكتاب إلى أن مسلما تابع لابن المديني في هذا التصنيف، ينظر مثلا ص ١٢٠، ١٧٧.\n(^٢) «معرفة الرجال» ٢: ٢٣٧، وهكذا النص فيه «هشام، وابن عون»، وهما من أقران أيوب.","vol":"1","page":525},{"text":"الرواة، ووضع مراتب لهم، قد كفانا مؤونته الأئمة النقاد، فسهلوا علينا المهمة، لا بد أن نضيف إليه: بصفة عامة، وعليه يحتاج الباحث في الرواة الذين لا يجد لهم تصنيفا إلى استخدام ضوابط عامة تقوم مقام التصنيف الدقيق، وبواسطتها يستطيع الموازنة في الحديث الذي أمامه.\nوهذه الضوابط قد تكون عامة للرواة كلهم، كما في تقديم أهل بيت الراوي على غيرهم، وتقديم أهل البلد على الغرباء، وقد تكون في الرواة موضع الموازنة، وذلك باللجوء إلى بعض صور التوثيق والتضعيف المقيدين، الماضي شرحها في «الجرح والتعديل» (^١)، المتعلقة بالراوي مع شيوخه مثل تقوية الراوي أو تضعيفه في شيخ معين، وكذلك تقوية الراوي فيما رواه عن شيوخه الكبار الذين أدركهم في وقت قوة حافظته، وتضعيفه في شيوخه الصغار، فإذا وجدنا ذلك فيه وقد خالف غيره في رواية عنه أمكننا ترجيح روايته أو عدم ترجيحها بذلك، وإن لم نقف على تصنيف له في أصحاب الراوي، فإن هذا بمعنى التصنيف، ولهذا يذكره ابن رجب وغيره في معرض ذكرهم لكلام النقاد في مراتب أصحاب الرواة.\nمثال ذلك أن أبا معاوية الضرير لين الحديث في غير الأعمش كما تقدم (^٢)، وقد روى عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - في حديث ما يلبسه المحرم، قال: «ولا يلبس ثوبا مسه الزعفران، إلا أن يكون غسيلا» (^٣).\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٠٠ - ١١٢.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١٠٥.\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٤١، و«المناسك» ص ٤٢٩، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٣٧.","vol":"1","page":526},{"text":"ورواه جماعة كثيرون من أصحاب عبيدالله بن عمر، منهم يحيى بن سعيد القطان، وزكريا بن أبي زائدة، وسفيان بن عيينة، وبشر بن المفضل، وحفص بن غياث، وعبدالله بن نمير، وعبدة بن سليمان، فلم يذكروا قوله: «إلا أن يكون غسيلا» (^١).\nقال أحمد في نقد هذه الزيادة: «أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره» (^٢).\nوكذلك المغيرة بن مسلم القسملي في أبي الزبير، قال ابن معين: «ما أنكر حديثه عن أبي الزبير» (^٣).\nوقد روى عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «الصبي إذا استهل ورث وصلي عليه» (^٤).\nوخالفه ابن جريج، فرواه عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا (^٥).\nقال النسائي: «هذا (يعني الموقوف) أولى بالصواب، وعند المغيرة، عن\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٢٦٦٩)، و«مسند الحميدي» حديث (٦٢٧)، و«مسند ابن عمر» حديث (٤٧)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٥٩٧ - ٢٥٩٨)، (٢٦٨٤)، و«فتح الباري» ٤: ٥٣.\n(^٢) «فتح الباري» ٣: ٤٠٤، وانظر مثالا آخر لأبي معاوية في «مسائل أبي داود» ص ٤٠٤، وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٨١٢.\n(^٣) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٢٣٣.\n(^٤) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٥٨)، و«المستدرك» ٤: ٣٤٨.\n(^٥) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٥٩).","vol":"1","page":527},{"text":"أبي الزبير غير حديث منكر، وابن جريج أثبت من المغيرة» (^١).\nوقال أحمد في منصور بن المعتمر: «منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، إلى أبي إسحاق، والحكم، وحبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كهيل، روى حديث أم سلمة في الوتر، خالف فيه …» (^٢).\nوحديث أم سلمة في الوتر يرويه منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن أم سلمة، وقيل عنه، عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، عن أم سلمة، وخالفه شعبة، وسفيان بن حسين، فروياه عن الحكم، عن مقسم، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة، إلا أن سفيان بن حسين لم يرفعه، وفي بعض الطرق إلى شعبة: عن الثقة، عن الثقة، عن عائشة، وميمونة (^٣).\nوالخلاصة أن الباحث مطالب بالاستفادة من كل شاردة وواردة من كلام النقاد للخروج برأي في مراتب الرواة الذين اختلفوا على شيخهم في الحديث موضع البحث، سواء بالنص من الناقد أو بالإشارة، وهو مجال واسع لظهور تفاوت قدرات الباحثين، وتحصيلهم العلمي، وبمثله نستطيع أن نبرز نقد المرويات على حقيقته، ذا روح تنبض بالحيوية والنشاط.\n_________\n(^١) «تحفة الأشراف» ٢: ٣٣٠، ٣٤٨.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٠١.\n(^٣) «سنن النسائي الصغرى» حديث (١٧١٣ - ١٧١٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٣١ - ٤٣٣)، (١٤٠٣ - ١٤٠٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٩٢)، و«مسند أحمد» ٦: ١٩٣، ٢٩٠، ٣١٠، ٣٢١، ٣٣٥، و«التاريخ الصغير» ١: ٢٩٣، و«تاريخ بغداد» ٥: ١٣٧.","vol":"1","page":528},{"text":"الرابع: في كلام النقاد على مراتب أصحاب الرواة يقع بينهم اختلاف في تصنيفهم، وفي منزلة الراوي في شيخه، وليس هذا بالقليل، وأكثره في أصحاب المرتبة الواحدة، لتقارب حالهم في شيخهم، فإذا عرفنا -مثلا- أن المرتبة الأولى من أصحاب نافع مولى ابن عمر فيها مالك، وعبيدالله بن عمر العمري، وأيوب السختياني، يقع الاختلاف بين النقاد في أي الثلاثة هو المقدم في نافع (^١).\nوربما تناظر النقاد فيمن يقدم من أصحاب الراوي في قصص هي الغاية في النقد والتتبع والسبر، كما في مناظرة أحمد لابن المديني، فكان أحمد يذهب إلى أن مالكا هو المقدم في الزهري، بينما ذهب ابن المديني إلى تقديم سفيان بن عيينة، وتناظرا في ذلك (^٢).\nويقع الاختلاف أيضا بين مراتب متفاوتة، فقد جعل ابن المديني أصحاب نافع مولى ابن عمر تسع طبقات، وكذا فعل النسائي، لكنهما اختلفا في تصنيف الرواة في بعض الطبقات، فالليث بن سعد -مثلا- عند ابن المديني في الطبقة السادسة، وهو عند النسائي في الرابعة، وجويرية بن أسماء عند ابن المديني في الطبقة الثامنة، وهو عند النسائي في الرابعة أيضا (^٣).\nوربما وجد الاختلاف عن الناقد الواحد، ففي رواية يقدم راويا، وفي رواية ثانية يقدم غيره عليه.\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٧.\n(^٢) «المعرفة والتاريخ» ٢: ١٦٣، و«تاريخ بغداد» ٩: ١٧٠، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧١.\n(^٣) «ضعفاء النسائي» ص ١٣١، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦١٥ - ٦٢٠.","vol":"1","page":529},{"text":"ولا يخفى أن تصنيف أصحاب الراوي، وبيان منزلة كل منهم في شيخه، جزء من جرح الرواة وتعديلهم، غير أنه من قضايا الجرح والتعديل الدقيقة، بل هو أدقها، إذ يلاحظ فيه درجة الراوي في نفسه، ثم درجته في شيخه، ثم مقارنته بغيره في ذلك الشيخ.\nوالنظر في أحكام النقاد على الرواة جرحا وتعديلا له ضوابط، تقدم الحديث عنها بشكل مفصل في «الجرح والتعديل»، وهذه الضوابط تدور حول أربعة أمور: ثبوت النص، وسلامته، وقائله، ودلالته، وشرحت هناك ما يتعلق بموضوعنا هنا: تصنيف الرواة في شيخهم، وضوابطه (^١).\nالخامس: هناك نوع من تصنيف أصحاب الراوي يكون سببه الراوي نفسه، فالراوي له أحوال مختلفة قوة وضعفا، فمن روى عنه في حال قوته فله مرتبة، ومن روى عنه في حال ضعفه له مرتبة أخرى، وذلك مثل أن يكون اختلط في آخر عمره، أو ساء حفظه، أو كان يوثق في كتابه، ويضعف في حفظه، أو يوثق في رواية أهل بلد عنه لكونه ضبط حين حدثهم، ويضعف في رواية أهل بلد آخر عنه لكونه لم يضبط، أو يكون مدلسا ومن أصحابه من لا يأخذ عنه إلا ما صرح فيه بالتحديث، فيتم تصنيف الرواة عنه بحسب أحواله.\nفهذا التصنيف لا ينبغي أن يختلط على الدارس للحديث الذي وقع فيه الاختلاف بالتصنيف للرواة على أساس مراتبهم في أنفسهم في شيخهم، وهو\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٤٣٨ - ٤٥١.","vol":"1","page":530},{"text":"المقصود هنا في هذه القرينة، وأما ما كان بسبب الراوي نفسه فقد تقدم في المبحث الأول، في القرائن الخاصة بالراوي المختلف عليه، وإنما نبهت على هذا هنا لدقة الفرق بين التصنيفين، وورودهما في كلام النقاد أحيانا دون تمييز.\nفالناقد إذا وازن بين أصحاب راو في روايتهم لحديث اختلفوا فيه على شيخهم، والتصنيف الذي اتكأ عليه راجع إلى درجاتهم هم في شيخهم، فالاختلاف سببه في نظر هذا الناقد من التلاميذ أنفسهم، أما إذا كان التصنيف راجعا إلى حال الشيخ، فالناقد يحمله هو عهدة الاختلاف، والاضطراب منه.\nوقد تقدم في المبحث الأول أمثلة لأحاديث كان الاختلاف فيها بسبب الشيخ، وتقدم في مبحثنا هذا أمثلة للنوع الآخر، غير أني أذكر هنا مثالا واحدا يتضح به الأمر، وهو حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي، فأبو إسحاق للنقاد تصنيف لأصحابه المشهورين سببه أبو إسحاق نفسه، وتغير حفظه لما شاخ وكبر، حتى أن بعضهم وصفه بالاختلاط، وفي هذا المثال يتضح الفرق بين هذا النوع من التصنيف، وبين النوع الذي سببه التلاميذ.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه شريك، وزهير، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: «أنه كان يلبي: لبيك اللهم لبيك»، قال أبي: رواه سفيان، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، ولم يرفعوه.\nقلت لأبي: أيهما أصح؟ قال أبي: سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن،","vol":"1","page":531},{"text":"غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق» (^١).\nفأبو حاتم حين رجح رواية سفيان، وإسرائيل، ومن معهما، وذكر إتقانهما، عاد فنص على أن زهيرا متقن أيضا، لكن الخلل هنا جاء من المدار، وهو أبو إسحاق، فقد تأخر سماع زهير منه، وأبو إسحاق بآخره تغير حفظه.\nوزهير هو ابن معاوية، وهو ثقة ثبت يقارن بسفيان الثوري في الحفظ والإتقان، وقد روى عن أبي إسحاق أحاديث يخالف فيها غيره، فجعل النقاد العهدة في ذلك على أبي إسحاق، وتأخر سماع زهير منه، ولو كانت العهدة على زهير لصار هناك شيء من التعارض بينه وبين ما وصف به من الحفظ والإتقان.\nفمثل أبي إسحاق هناك تصنيفان لأصحابه، تصنيف لهم من حيث القوة، فقد روى عنه أيضا متوسطو الحفظ، وضعفاء، ومتروكون، فلا يصح أن يحمل هو عهدة ما خالفوا فيه، وتصنيف لهم من حيث قدم السماع وتأخره، فالعهدة عليه، فإذا كان من النوع الأخير فالترجيح حينئذ ليس سببه ترجيح بعض أصحاب الراوي على بعض من جهة حفظهم لحديثه وضبطهم له، وإنما من جهة المختلف عليه نفسه، وتفاوتهم في حال الرواية عنه، والعهدة عليه في الاختلاف.\nوقد يقال: الحصيلة واحدة، فقد عرفنا الراجح من الاختلاف، وهذا هو المقصود، غير أن هذه نظرة فيها شيء من القصور، فمعرفة الراجح لا يكفي من\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٣، والمرفوع أخرجه أحمد ١: ٢٦٧، ٣٠٢.\nوانظر مثالين آخرين في «علل ابن أبي حاتم» (٢٧٩)، (٨٥٨).","vol":"1","page":532},{"text":"دراسة الحديث، فهناك أغراض أخرى، من أهمها ما تقدمت الإشارة إليه، وهو أن درجة الراوي نتيجة للنظر في حديثه، فإذا حملناه خطأ غيره أثر هذا في الدرجة التي يستحقها، وإذا برأناه من عهدة خطأ وقع منه أثر هذا في درجته أيضا.\nمثال ذلك عباد بن العوام الواسطي، وثقة النقاد، ورفع أحمد من شأنه فقال: «كان يشبه أصحاب الحديث» (^١)، وقد قال فيه أحمد أيضا: «مضطرب الحديث عن سعيد بن أبي عروبة» (^٢).\nفتقييد الاضطراب في حديثه بسعيد له دلالته، فسعيد قد اختلط، فكأن أحمد يشير إلى تأخر سماعه منه.\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» (^٣) أن الإسماعيلي -فيما حكاه ابن حجر- نقل كلمة أحمد فأطلقها، أي لم يخصصها بسعيد، فصار الإشكال من جهتين، من جهة الإطلاق، والاضطراب في كلام أحمد مقيد بشيخ معين، ومن جهة كون الشيخ المعين هو سعيد بن أبي عروبة، وقد اختلط، فيحتمل أن تكون العهدة عليه، وقد قال أحمد فيه مرة أخرى، وذكر له عدة أحاديث عن سعيد بن أبي عروبة: «عند عباد، عن سعيد، غير حديث خطأ، فلا أدري سمعه منه بأخرة أم لا» (^٤).\nومر بي قول أحمد فيما رواه الثوري، عن حصين، عن إبراهيم النخعي،\n_________\n(^١) «المعرفة والتاريخ» ١: ٤٢٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم ٦: ٨٣.\n(^٣) «الجرح والتعديل» ص ٣٥٩.\n(^٤) «مسائل أبي داود» ص ٤٠٠، ويحتمل أن يكون صواب العبارة: «فلا أدري سمع منه بأخرة أم لا».","vol":"1","page":533},{"text":"عن عبدالله بن مسعود «كان يرفع يديه في أول شيء ثم لا يعود»، وقد سئل عنه أحمد فقال: «حدثنا هشيم، قال: حدثنا حصين، لم يجز به إبراهيم، وهشيم أعلم بحديث حصين» (^١).\nفوضعت هذا النص في أمثلة استخدام النقاد لقرينة القوة في الشيخ، وعلى هذا فهشيم أقوى من سفيان الثوري في حصين بن عبدالرحمن خاصة، ويستثنى هذا مما توارد عليه الأئمة أن الثوري لا يخالفه أحد إلا كان القول قوله، كما تقدم هذا (^٢).\nثم تبين لي أن هذا بسبب حصين، وأنه اختلط، فسماع الثوري منه متأخر، وعليه فالثوري لم يخطئ عليه، والوجهان محفوظان عنه، قال حرب بن إسماعيل: «سمعت أبا عبدالله يقول: ليس أحد أصح سماعا من حصين بن عبدالرحمن من هشيم، وقال: هو أصح من سفيان، وكأنه قال: إن حصينا تغير بآخره» (^٣).\nوغرضي من التأكيد على هذه المسألة هو تنبيه المتخصص إلى ضرورة النظرة الشمولية لقواعد هذه العلم، لئلا يقع في التناقض، وتتعارض قواعد العلم في ذهنه، خاصة عند التطبيق، وأيضا فإن ما يفرق العالم المتخصص في فن من الفنون عن غيره فهم الأحكام والقواعد لهذا الفن، وهو ما يعرف بمعرفة الحق بدليله أو تعليله.\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٧٠.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١٥٩ - ١٦٠.\n(^٣) «مسائل حرب» ص ٤٧٥، وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٩٣، و«تهذيب التهذيب» ٢: ٣٨٢.","vol":"1","page":534},{"text":"وأمر آخر لا يقل أهمية عما مضى، وهو اختيار العبارة المناسبة لنتيجة النظر في الاختلاف موضع الدراسة، وعدم التناقض في العبارات، وهذا سيأتي شرحه في المبحث الرابع من الفصل الخامس.\nالرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي:\nاهتم النقاد بجوانب القوة والضعف في الراوي، فتلمسوا كل صغيرة وكبيرة يمكن أن تدل على ذلك، فإذا تحصل الناقد بعد سبره لحديث الراوي على عدد من الأحاديث تدل على أن الراوي قوي في جهة ما، أو ضعيف في جهة ما، أصدر حكمه عليه في تلك الجهة، تارة بقوله فيه ابتداء، وتارة حين يسأل عنه، إما لوحده أو مقارنا له بغيره، وتارة في كلامه على حديث من أحاديثه، وناسب السياق ذكر هذا الحكم.\nوهذه الجوانب لا يمكن حصرها في جميع الرواة، فكل راو له أحواله، والحكم عليه له ملابسات تخصه، وقد رأيت بعض الباحثين يعدد هذه الجوانب، ويذكرها على أنها قرائن للموازنة بين الرواة، وفي رأيي أنها عبارة عن قرينة واحدة، وتحتها صور وتفاصيل، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» (^١) الحديث عن بعض هذه الجوانب إما في الراوي مفردا أو مقارنا بغيره، مثل ضعف الراوي في روايته من حفظه، وقوته في كتابه، وضعف روايته عن أهل بلد معين، وقوته عن بقية البلدان، أو العكس، وضعف الراوي إذا جمع بين عدد من شيوخه، وقوته في أول\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٠٨ - ١٥٧، ١٧٥ - ١٧٧.","vol":"1","page":535},{"text":"عمره إلى أن تغير واختلط فضعف في الرواية، أو عكس ذلك لظرف من الظروف.\nوالباحث مطالب بالتنقيب والبحث في تراجم الرواة، للوقوف على ما يمكن أن يسخره في الموازنة بين الرواة حين يختلفون، وهو مجال واسع لظهور الفروق بين الباحثين، وتفاوت قدراتهم وصبرهم وتتبعهم، فإن كلام النقاد في هذه الجوانب قد لا يتوافر في كتب التراجم المعروفة، فمظنته في كتب السؤالات، وكتب العلل، والتواريخ، وكثير منها يفتقر للفهرسة العلمية الدقيقة، وقد ذكر ابن رجب وهو يتكلم على ما هو الأهم في معرفة علم (العلل)، واختلاف الرواة، والموازنة بينهم، أن ذلك مبني على معرفة مراتب الثقات، وتفاوتهم، وأيضا على ما يوجد في بعضهم من كلام في بعض الجوانب، وقال عن الأخير: «معرفة قوم من الثقات لا يوجد ذكر كثير منهم أو أكثرهم في كتب الجرح، قد ضعف حديثهم، إما في بعض الأماكن، أو في بعض الأزمان، أو عن بعض الشيوخ دون بعض» (^١).\nوسأذكر الآن نماذج من صنيع النقاد في استخدام صور من هذه القرينة في النقد والموازنة بين الرواة.\nفمن أمثلة ذلك أن أحمد يذكر أن وكيع بن الجراح، وعبدالرحمن بن مهدي، اختلفا في أحاديث عن سفيان الثوري، أحصاها أحمد فوجدها تزيد على ستين موضعا، وأن الصواب فيها في الغالب مع عبدالرحمن بن مهدي، وبعضها رجع\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٤.","vol":"1","page":536},{"text":"فيها وكيع إلى قول عبدالرحمن، بعد مراجعته لكتابه، وقد علَّل ذلك أحمد -أي كثرة صواب عبدالرحمن بن مهدي- بقوله: «إذا اختلف وكيع، وعبدالرحمن بن مهدي، فعبدالرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدا بالكتاب» (^١).\nوروى الأعمش، وسفيان الثوري، والمسعودي -من رواية خالد بن الحارث، والنضر بن شميل عنه-، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن حصين قال: «جاء نفر من بني تميم إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا بني تميم أبشروا …» الحديث (^٢).\nورواه روح بن عبادة، ويزيد بن هارون، وعبدالله بن يزيد المقرئ، عن المسعودي، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة الأسلمي، هكذا في رواية روح، وفي رواية يزيد: عن جامع بن شداد، عن ابن بريدة، عن أبيه، وفي رواية المقرئ: عن جامع بن شداد، عن رجل، عن بريدة (^٣).\nسئل أحمد عن هذا الاختلاف، وذكر له رواية الأعمش، وسفيان، ورواية\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ١٥٣، ١٥٨، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٤٢٧، ٣: ٢٤٦، و«سؤالات أبي داود» ص ١٦٠، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٧٠ - ١٧١، و«الجرح والتعديل» ٥: ٢٨٩، و«تاريخ بغداد» ١٠: ٢٤٢ - ٢٤٤، والجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١١.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٣١٩٠ - ٣١٩١)، (٤٣٦٥)، (٤٣٨٦)، (٧٤١٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٩٥١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٢٤٠)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣، ٤٣٦، و«تفسير الطبري» ١٢: ٤.\n(^٣) «التوحيد» حديث (٥٩٣) وحاشيته، و«العظمة» حديث (٢٠٨)، (٢١١)، و«المستدرك» ٢: ٣٤١.","vol":"1","page":537},{"text":"المسعودي فيما رواه عنه يزيد بن هارون، فقال: «الصواب ما رواه الأعمش، وسفيان، وسماع يزيد من المسعودي بآخره» (^١).\nوهناك جوانب أخرى في الرواة تفيد في الموازنة والترجيح غير مشهورة لدى كثير من الباحثين، فمن هذه الجوانب أن يعرف الراوي بكونه يخطئ في أسماء الرواة، وممن عرف عنه ذلك شعبة بن الحجاج، كما تقدم في المبحث الأول من هذا الفصل، وعرف عن غيره أيضا مثل هشيم فقد نص أحمد على أن هشيما يتابع شعبة كثيرا (^٢).\nومن أمثلة خطأ شعبة ما نقله إسحاق بن هانئ، قال: «وسئل (يعني أحمد) عن حديث حدث به أبو عوانة، عن خالد بن علقمة، فقال: كان شعبة حدث به عن خالد بن عرفطة، فلما أخبر أبو عوانة تابع شعبة، فقال: خالد بن عرفطة، وقال: لعل شعبة أحفظ له مني، فلما قيل له: إن شعبة أخطأ فيه، رجع إلى قوله الأول، فقال: خالد بن علقمة.\nوسمعت أبا عبدالله يقول: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال، وذكر حديث عبد ربه، عن عمران بن أبي أنس، حديث: «الصلاة مثنى مثنى، تشهد في كل ركعتين، وتخشع، وتضرع، وتمسكن»، فقال هو: أنس بن أبي أنس، وإنما هو الصحيح: عمران بن أبي أنس.\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٠٢، و«منتخب علل الخلال» ص ٢٦٤، وانظر: «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» ص ٢٨٢ - ٢٩٨.\n(^٢) «منتخب علال الخلال» ص ٢٧٨ - ١٧٩، وانظر: «العلل الكبير» ١: ١٣٥.","vol":"1","page":538},{"text":"وقيل له: إن ابن لهيعة وافق الليث بن سعد (يعني في تسميته عمران) فقال كلمة، ولم يلتفت إلى قول ابن لهيعة.\nوسمعته -وذكر خطأ شعبة في الأسماء- فقال: جعل سلم بن عبدالرحمن: عبدالله بن يزيد، قيل له: حديث الشكال؟ قال: نعم» (^١).\nونحو هذا رواه أيضا ابنه عبدالله، إلا أنه لم يذكر حديث عمران بن أبي أنس، وفي روايته أيضا أن شعبة يسمي خالد بن علقمة: مالك بن عرفطة، وليس خالد بن عرفطة، كما ورد في رواية إسحاق، وهذا هو المعروف عن شعبة، فالظاهر أن ما في رواية إسحاق خطأ في النسخة، فإنها كثيرة التحريف.\nوزاد عبدالله في روايته: «وأخطأ شعبة في اسم أبي الثورين، فقال: أبو السوار، وإنما هو أبو الثورين، قلت لأبي: من هذا أبو الثورين؟ فقال: رجل من أهل مكة مشهور، اسمه محمد بن عبدالرحمن، من قريش، قلت لأبي: إن عبدالرحمن بن مهدي زعم أن شعبة لم يخطئ في كنيته، فقال: هو السوار (كذا)، قال أبي: عبدالرحمن لا يدري -أو كلمة نحوها-» (^٢).\nوروى الفضل بن زياد أيضا عن أحمد تخطئته لشعبة في حديث أنس بن أبي أنس، وفي حديث الشكال، وفيه قول أحمد: «إنما وهم شعبة في الأسماء» (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢٤٥.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، وانظر أيضا: ٢: ١٨١ - ١٨٢، و«مسند أحمد» ٢: ٤٥٧.\n(^٣) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٢٠٢.","vol":"1","page":539},{"text":"وحديث خالد بن علقمة الذي أشار إليه أحمد تقدم ذكره في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو حديث يرويه خالد، عن عبد خير الهمداني، عن علي، في صفة الوضوء، وقد رواه جماعة كثيرون عنه فسموه كذلك: خالد بن علقمة، منهم زائدة بن قدامة، وسفيان الثوري، وشريك، وقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في تسميته (^١).\nوأما حديث عمران بن أبي أنس، فيرويه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس -هكذا يسميه شعبة- عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ - (^٢).\nورواه الليث بن سعد، وابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس (^٣).\nوقد توارد النقاد على تخطئة شعبة في هذا الإسناد في مواضع منه، أحدها\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١١١ - ١١٣)، و«سنن الترمذي» بعد حديث (٤٩)، و«سنن النسائي» حديث (٩١ - ٩٤)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٣، ١٢٥، ١٣٥، ١٣٩، ١٥٤، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٥١٥، و«التاريخ الكبير» ٣: ١٦٣، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٦، ٢: ٢٩، و«سنن الدارقطني» ١: ٦٣، و«تهذيب التهذيب» ٣: ١٠٨.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٢٩٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١٦)، (١٤٤١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٣٢٥)، و«مسند أحمد» ٤: ١٦٧.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦١٥)، (١٤٤٠)، و«مسند أحمد» ١: ٢١١، ٤: ١٦٧، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٠٩٦).","vol":"1","page":540},{"text":"ما ذكره أحمد، منهم البخاري، وأبو حاتم، والترمذي (^١).\nوأما حديث الشكال فيرويه شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يكره الشكال من الخيل» (^٢).\nوتابع شعبة سفيان الثوري، لكنه خالف شعبة في اسم شيخه، فسماه سلم بن عبدالرحمن النخعي (^٣)، وهو الذي صوبه أحمد.\nوأما حديث أبي الثورين فيرويه سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عنه، عن ابن عمر: «أنه نهاه عن صيام يوم عرفة».\nورواه حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عبدالرحمن القرشي -وهو اسم أبي الثورين-.\nورواه شعبة، عن عمرو بن دينار، عن أبي السَّوَّار، وخطأه في ذلك أحمد، وكذا خطأه ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم، وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: «إن لم يكن لقب فقد أخطأ شعبة، إلا أن يكون كان يكنى بكنيتين» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٥)، و«مسند أحمد» ٤: ١٦٧، و«التاريخ الكبير» ٣: ٢٨٣، و«العلل الكبير» ١: ٢٥٨، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٩، ١٣٢، و«الجرح والتعديل» ٢: ٢٨٩.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٨٧٥)، و«سنن النسائي» حديث (٣٥٦٨)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٥٧، ٤٦١.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٨٧٥) و«سنن أبي داود» حديث (٢٥٤٧)، و«سنن الترمذي» حديث (١٦٩٨)، و«سنن النسائي» حديث (٣٥٦٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٧٩٠)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٥٠، ٤٣٦، ٤٧٦.\n(^٤) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٨٢٣)، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٢٨، و«التاريخ\n\nالكبير» ١: ١٥٠، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٢١١، وكأن في النسخة سقطا، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢٥، و«الجرح والتعديل» ٧: ٣٢٣، و«كنى الدولابي» ١: ١٣٣، و«تصحيفات المحدثين» ١: ٤٤، و«المؤتلف والمختلف» للدارقطني ١: ٣٣٤، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢: ٣٣٩.","vol":"1","page":541},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه شعبة، عن منصور، عن الفيض [عن] ابن أبي حثمة، عن أبي ذر: «أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني، وأذهب عني الأذى»، فقال أبو زرعة: وهم شعبة في هذا الحديث، ورواه الثوري فقال: عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي، عن أبي ذر، وهذا الصحيح، وكان أكثر وهم شعبة في أسماء الرجال …» (^١).\nومن الجوانب أيضا أن يعرف عن الراوي خطؤه في صيغ التحديث، فيبدل العنعنة بالتصريح، ونحو ذلك، فإذا كان الاختلاف من هذا النوع قدمت رواية غيره على روايته، وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» ذكر بعض هؤلاء (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧، وانظر طرق الحديث في «مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ٤٥٤، و«عمل اليوم والليلة» لابن السني حديث (٢٢)، و«الدعاء» للطبراني حديث (٣٧٢)، و«علل الدارقطني» ٦: ٢٣٥، و«تحفة الأشراف» ٩: ١٩٤، و«جامع المسانيد» ٩: ٤٨٨.\nوانظر نماذج أخرى لشعبة في «مسند أحمد» ٤: ٣٩٧ حديث (١٩٥٥٠)، طبعة مؤسسة الرسالة، و«مسند الطيالسي» حديث (٥١٣)، و«مسائل أبي داود» ص ٤٤٠، و«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ١٥٧، ١٦٠، ١٧١ - ١٧٢، ١٨٠، ٢٨٧ - ٢٨٨، ٣: ٣٣٦، و«علل المروذي» ص ٥٤، و«مسائل إسحاق بن هانئ» ١: ٤٤، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٥٦، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٤٢)، (١١٩٢)، (٢٢٩٦)، (٢٨٣١)، (٢٨٣٨)، و«علل الدارقطني» ١١: ٣١٤، و«سنن البيهقي» ٨: ٩٢، و«منتخب علل الخلال» ص ٢٧٨، ٣١٠.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ١١٩، ٢٩٩، وانظر أيضا «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٦٧، (٣٩٨)\n\nو«علل ابن أبي حاتم» (٣٤٣)، (٤٠٤)، (٤٠٦)، (١٣٢٤).","vol":"1","page":542},{"text":"ومن الجوانب كذلك أن جماعة من الرواة اشتهر عنهم التصرف في متن الحديث، إما بالاختصار، أو بروايته على المعنى، وقد تقدم في نهاية المبحث الذي قبل مبحثنا هذا ذكر بعضهم وأسباب فعلهم هذا، فإذا خالف من عرف عنه هذا غيره في متن الحديث فالقول قول مخالفه، وتكون قرينة على خطئه.\nوقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول أمثلة كثيرة على الرواية بالمعنى، ومن الأمثلة أيضا أن سليمان بن حرب روى عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان أحدكم في صلاته فلا يبزقن عن يمينه، ولا عن يساره، ولا بين يديه، ولكن تحت قدمه اليسرى …».\nقال ابن أبي حاتم: «أخطأ سليمان بن حرب فيما روى من متن هذا الحديث، بأن لا يبزق عن يساره، فقد حدثنا أبي، عن أبي الوليد، وآدم العسقلاني، عن شعبة، عن القاسم بن مهران، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبزق بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن يساره تحت قدمه» هكذا متن حديث أبي الوليد، وآدم، عن شعبة …»، ثم ذكر رواية هشيم للحديث عن القاسم بن مهران كذلك (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩١، وقد رواه أيضا جماعة آخرون عن شعبة كرواية أبي الوليد، وآدم، ورواه أيضا إسماعيل بن علية، وعبدالوارث بن سعيد، عن القاسم بن مهران، انظر: «صحيح مسلم» حديث (٥٥٠)، و«سنن النسائي» حديث (٣٠٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٢٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٥٠، ٤١٥، و«مستخرج أبي عوانة» ١: ٤٠٣، و«سنن البيهقي» ٢: ٢٩١.","vol":"1","page":543},{"text":"ويلتحق به ما عرف عن جماعة من الرواة أهل نظر وفقه، أنهم إذا رأوا في الحديث شيئا مشكلا لمعارضته دليلا أقوى منه حذفوه من روايتهم، لاعتقادهم أن هذا الجزء لا يثبت، وربما فعلوه لأسباب أخرى، كوجود علة في بعض الحديث، أو يكون الجزء المسقط ليس من غرضه، كأن يكون موقوفا، وعرف ذلك عن مالك بن أنس، والبخاري، وغيرهما.\nويوجد هذا الصنيع في الأسانيد، يتصرف الراوي في الإسناد إذا رأى فيه ما يوجب ذلك.\nوالتصرف في الإسناد والمتن موجود بكثرة، إما ليستقيم الإسناد أو المتن بحسب رأي فاعله، أو لاستضعافه أحد رواته، أو دفاعا عن الراوي الذي يرونه قد أخطأ، وهو ما يعرف بـ (الستر على الواهم) (^١).\nفمتى خولف من عرف عنه ذلك فالراجح قول مخالفه، وكذلك إذا عرفنا\n_________\n(^١) ينظر: «صحيح البخاري» حديث (١)، (٤١)، (٤٤٧)، (١١٧٠)، (١٣٩٦)، (١٨٣٨)، (١٦١٦ - ١٦١٧)، (٣٣٦٣ - ٣٣٦٥)، (٥٨٠٥)، (٥٩٨٣)، (٧١٦٥)،\nو«صحيح مسلم» حديث (٣٣٣)، (١١٦٢)، و«مسند أحمد» ١: ٣١٥ حديث (٢٨٨٨)، ٦: ١٠٦، ١٧٩ حديث (٢٥٤٦٠ - ٢٥٦٢) ترقيم طبعة مؤسسة الرسالة، و«مسند الحميدي» حديث (١٧)، (٥٤٥)، (٦٨٠) و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٧٩، و«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٧٦٧ - ٧٦٨، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ١٣٧ - ١٣٨، و«المراسيل» ص ١١٥، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٥١)، و«علل الدارقطني» ٢: ٩، ٦: ٦٣، ١٣: ٤٤٥، و«الفصل للوصل» ١: ٤٥٨ - ٤٦٣، و«منتخب علل الخلال» ص ٢٣٤، و«تقييد المهمل» ١: ٢١٦، ٨١٣، ٢: ٥٩١، ٦٠٥، ٦٧٠، ٧٥٢، ٨١٨، ٨٢٣، ٨٨٠، و«هدي الساري» ص ٣٨١.","vol":"1","page":544},{"text":"هذا في حديث بعينه.\nوهذه مسألة دقيقة جدا، أعني تصرف الراوي في الإسناد أو المتن عمدا، بالزيادة، أو النقصان، أو التعديل، بحاجة إلى من يخصها ببحث مستقل، لطرافتها، وعمقها، يوضح في هذا البحث أنواع تصرفاتهم، والأغراض التي دفعتهم لارتكاب هذا الصنيع، ومن يكثر منه، وغير ذلك.\nوكذلك ما يعرف عن الراوي من تقصيره بالإسناد، وهو في الأصل تام، كوقف المرفوع، وإرسال الموصول، فيراعى هذا الجانب عند النظر في روايته ورواية مخالفه، وقد تقدم في المبحث الذي قبل هذا ذكر جماعة منهم وأسباب صنيعهم.\nوقال المروذي: «سألته (يعني أحمد) عن هشام بن حسان، فقال: أيوب، وابن عون، أحب إليّ، وحَسَّن أمر هشام، وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه» (^١).\nوقال يعقوب بن شيبة: «حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة، وكل ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد، ويوقف المرفوع، كثير الشك بتوقيه، وكان جليلا، ولم يكن له كتاب يرجع إليه فكان أحيانا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانا يهاب الحديث ولا يرفعه» (^٢).\n_________\n(^١) «علل المروذي» ص ٧١.\n(^٢) «إكمال تهذيب الكمال» ٤: ١٣٩.","vol":"1","page":545},{"text":"وذكر ابن رجب حديثا اختلف في رفعه ووقفه على أبي هريرة، ثم قال: «وليس وقف هذا الحديث مما يضر، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا ولا يرفعها، والناس كلهم يخالفونه ويرفعونها» (^١).\nومن دقائق جوانب الترجيح بين الرواة أن يعرف عن الراوي أنه يخطئ في جهة ما في الإسناد أو المتن، فإذا خالف غيره وأتى بضد ما كان يعرف به من الخطأ ترجحت روايته حينئذ، كأن يعرف بوصل المراسيل، أو برفع الموقوفات، فإذا أرسل هو أو وقف ترجحت روايته.\nروى بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: «قال علي بن أبي طالب ﵁ لعمر بن الخطاب ﵁: أنهيت عن المتعة؟ قال: لا، ولكني أردت كثرة زيارة البيت …» الحديث (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه بشر بن بكر …، قال أبي: رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عبدالله بن عبيد، قال: قال علي …، قال أبي: لم يذكر عبيد بن عمير، قال أبي: تدل رواية الوليد على أن الصحيح كما رواه، بلا عبيد بن عمير، لأن الوليد رفاع.\nقلت: فإذا لم يوصله الوليد فهو مرسل أشبه، بلا عبيد بن عمير؟ قال: نعم» (^٣).\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٠٠.\n(^٢) «سنن البيهقي» ٥: ٢١.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٨. وقد وصف الوليد بن مسلم بأنه كان رفاعا أيضا أحمد، انظر: «تهذيب الكمال» ٣١: ٩٦، و«تهذيب التهذيب» ١١: ١٥٥.","vol":"1","page":546},{"text":"هذا ما ظهر لي من قرائن في الموازنة والترجيح بين الرواة المختلفين، وهي أربع قرائن، ذكرتها على سبيل الإجمال، ليسهل تصورها وفهمها، مع أن بعضها يمكن تفصيله -كما أسلفت- فتكثر هذه القرائن، والخطب سهل.\nوالقرائن الأربع واحدة منها ترجع إلى العدد، أي عدد من روى هذا الوجه، وعدد من روى الوجه الآخر، وثلاث منها ترجع إلى القوة، وهي: الحفظ، والمرتبة في الشيخ المختلف عليه، وما في الراوي من جوانب القوة والضعف.\n * * *","vol":"1","page":547},{"text":"سلسلة نقد المرويات (٣)\n\nمقارنة المرويات\n\nبقلم\nإبراهيم بن عبد الله اللاحم\n\nالجزء الثاني\n\nمؤسسة الريان ناشرون","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم","vol":"2","page":2},{"text":"مقارنة المرويات","vol":"2","page":3},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>المبحث الثالث\nالقرائن في أوجه الاختلاف</span>\nيقوم الناظر في الحديث الذي وقع فيه اختلاف بإنعام النظر في صفة رواية كل وجه من وجوه الاختلاف فوق المدار، فربما يقف على قرائن تساعده في الموازنة والنظر، يضمها إلى ما وجده من قرائن في المدار نفسه، وفي الرواة المختلفين.\nوالمتأمل في صنيع النقاد يراهم استخدموا قرائن كثيرة في صفة الرواية، سأجتهد في عرضها بأمثلتها التوضيحية، على الطريقة السابقة في المبحثين اللذين قبل هذا، وهي ضم النظير إلى النظير، وإجمال ما يمكن إجماله في قرينة واحدة، تحتها قرائن فرعية تعود إليها، ما أمكن ذلك، والقرائن في صفة الأوجه إجمالا ترجع إلى ثلاث قرائن، وهي:\n<span data-type='title' id=toc-329>القرينة الأولى: السهولة والوعورة:</span>\nإذا اختلف الرواة على شيخهم، ورأى الناظر أن أحد الوجهين أسهل في الحفظ من الوجه الآخر، فإن رواية من روى الوجه السهل تعد مرجوحة، ورواية من روى الوجه الذي فيه وعورة راجحة، فوعورة الإسناد تدل على ضبط الراوي وحفظه، واعتنائه بروايته، وأما السهولة فعكس ذلك.\nوهذه قرينة ضخمة جدا في باب الموازنة بين الروايات حين وقوع الاختلاف، يكثر استخدامها عند النقاد، وتتفرع فروعا كثيرة، كلها ترجع إلى هذا الأصل","vol":"2","page":5},{"text":"الكبير، وسأذكر ما وقفت عليه من هذه الفروع، مع شرحها بأمثلتها.\nوقبل ذلك أنبه إلى أن هذه القرينة الكبرى ترجع إلى أصل عظيم من أصول نقد المرويات، وهو أن ما يروى عن رسول الله - ﷺ - الأصل فيه أنه مسبوق بالعدم، فهو لم يحدث، فنحتاج إلى ما يرفع هذا الأصل، وهو الإسناد الذي نعتمد عليه، فكل من وضع في روايته عقبة في طريق هذا الثبوت، فالأصل معه، فوعورة الطريق إذن مرجح لرواية من سلكه.\nولن أتحدث هنا عن هذا الأصل الكبير من أصول النقد، وأترك الآن تمعنه وصلة هذه القرينة به للقارئ، فإنه -مع غيره من أصول النقد العامة- محتاج إلى دراسة خاصة، يضم إليها الحديث عن الأصول العامة المخطئة التي يأخذ بها بعض المتصدين للنقد، وأثرت سلبا على الدراسات النقدية.\nوالأصول العامة غير القواعد المباشرة للنقد، المتعلقة بجرح الرواة وتعديلهم وسماع بعضهم من بعض، ومقارنة رواياتهم، فالقواعد تندرج تحت الأصول لكنها ليست هي.\nو<span data-type='title' id=toc-331>قرينة السهولة والوعورة يندرج تحتها عدد من القرائن الفرعية، وهي:</span>\nأولا: سلوك الجادة وتركها:\nالجادة هي الطريقة المسلوكة، ويقصد بها: الإسناد المعروف، الذي روي به أحاديث كثيرة، مثل نافع، عن ابن عمر، وعروة، عن عائشة، وأبي صالح، عن أبي هريرة، وثابت، عن أنس، ومحمد بن المنكدر، عن جابر، ونحو ذلك من","vol":"2","page":6},{"text":"النسخ المشهورة.\nفالراوي إذا روى الحديث -مثلا- عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ورواه راو آخر عن مالك، عن نافع، عن أبي هريرة، أو غيره ممن لم يشتهر نافع بالرواية عنه، أو اشتهر لكن دون شهرة الأول يقول أئمة النقد إن الأول سلك الجادة، وأخذ طريقا معروفا تسبق إليه الأذهان، فروايته حينئذ مرجوحة، والثاني سلك طريقا غير معروفة كالأولى ويعسر حفظها وتذكرها، فروايته راجحة.\nوكذلك لو رواه الثاني عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، مرفوعا، أو موقوفا، يقال عنه إنه ترك الجادة، لأن ابن عمر أكثر روايته عن النبي - ﷺ -، فهو الذي يسبق إلى الذهن، وهكذا لو أرسله فرواه عن مالك، عن نافع، عن النبي - ﷺ -، أو عن نافع، عن تابعي آخر، عن النبي - ﷺ -، إلى غير ذلك من الصور التي لا تنتهي.\nوتتفاوت درجة الركون إلى هذه القرينة بحسب شهرة الجادة المسلوكة، وبحسب وعورة الطريق الأخرى، فالطريق الأخرى -مثلا- قد تكون شديدة الوعورة، فيها طول، وفيها رواة غير مشهورين، أو غير مشهورين برواية بعضهم عن بعض، وتكون أيضا مشهورة، ولكن دون شهرة الجادة المعروفة، وأبعد منها عن الذهن، فلو روى راو عن قتادة، عن أنس، سميت هذه جادة، فإذا روى الحديث نفسه راو آخر عن قتادة، عن الحسن البصري مرسلا، يقال عن روايته هذه إنه ترك الجادة، وروايته راجحة، وإن كان هذا الطريق معروفا، قد روي به أحاديث، لكن الأول أسهل منه، وأسبق إلى الذهن، وفيه صحابي، والصحابة","vol":"2","page":7},{"text":"هم الأشهر بالرواية عنه - ﷺ -، ولهذا يعد بعض العلماء مجرد رفع الحديث سلوكا للجادة، ووقفه تركا لها، فالقاعدة العامة تقديم من وقف على من رفع هي من هذا الباب (^١)، وهكذا يقال في الوصل والإرسال.\nوقد أكثر النقاد جدا من استخدام هذه القرينة، بالتصريح أو الإشارة، ويعدها بعض الباحثين أكثر القرائن تداولا واستخداما.\nوعبارات النقاد في استخدامها متعددة، فيقولون عن الراوي بالإضافة إلى تعبيرهم بأنه سلك الجادة: أخذ طريق المجرة، أو لزم الطريق، أو سلك المحجة، أو هذا أهون عليه، أو أسهل عليه، ونحو هذه العبارات، وفي الأغلب الأعم أنهم يرجحون بها دون النص عليها.\nهذه ملامح عامة لهذه القرينة، يزيدها إيضاحا عرض أقوال النقاد في تقريرها، وتطبيقاتهم لها.\nفمن ذلك أن يحيى بن سعيد القطان، وأبا أسامة حماد بن أسامة، وعلي بن مسهر، ومحمد بن بشر، وخالد بن الحارث، رووا عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله بن عمر، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، إلا أن خالد بن الحارث قال: عن بعض أزواج النبي - ﷺ - (^٢).\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦١٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٨٧٢) و«مسند أحمد» ٦: ٣٠٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٢٠٩، و«المعجم الكبير» ٢٣: حديث (٩٢٦)، و«تحفة الأشراف» ١٣: ٢٠.","vol":"2","page":8},{"text":"قال أبو بكر بن خلاد، عن يحيى بن سعيد القطان: «كنت إذا أخطأت قال لي سفيان الثوري: أخطأت يا يحيى، فحدث يوما عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، فقلت: أخطأت يا أبا عبدالله، هذا أهون عليك، قال: فكيف هو يا يحيى؟ قلت: حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن زيد بن عبدالله، عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن أم سلمة، أن رسول الله - ﷺ - …، فقال لي: صدقت يا يحيى» (^١).\nوقد سلك بهذا الحديث الجادة أيضا حماد بن سلمة، فرواه عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وخطأه في ذلك أبو زرعة، وأبو حاتم (^٢).\nوروى يحيى بن سعيد القطان، ومحمد بن بشر، وعبدة بن سليمان، وإبراهيم بن طهمان، وعبيدة بن حميد، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبي الجراح مولى أم حبيبة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس» (^٣).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ١٤: ١٣٦.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٥٥٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٢٧، ٤٢٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ٢٢٨، و«المعجم الكبير» ٢٣: حديث (٤٧٦)، و«علل الدارقطني» ١٥: ٢٨٢.\nورواية عبيدة بن حميد في «مسند أحمد» ٦: ٤٢٦، ليس فيها سالم، وقد أوردها ابن حجر في «أطراف المسند» ٩: ٣٧٦، و«إتحاف المهرة» ١٦: ٩٥٨، بذكر سالم.","vol":"2","page":9},{"text":"قال أبو بكر بن خلاد: «سمعت يحيى بن سعيد قال: حدث سفيان، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس»، قال: فقلت له: تعست (أي: عثرت) يا أبا عبدالله، قال لي: كيف هو؟ قلت: حدثني عبيدالله، قال: حدثني نافع، عن سالم، عن أبي الجراح، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ -، قال: صدقت» (^١).\nوروى سفيان بن عيينة، عن صفوان بن سليم، عن امرأة يقال لها: أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة الفهرية، عن أبيها، عن النبي - ﷺ - قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة -وأشار سفيان بأصبعيه-» (^٢).\nقال الحميدي: «قيل لسفيان: فإن عبدالرحمن بن مهدي يقول: إن سفيان أصوب في هذا الحديث من مالك، قال سفيان: وما يدريه؟ أدرك صفوان؟ فقالوا: لا، ولكنه قال: إن مالكا قاله عن صفوان، عن عطاء بن يسار، وقاله سفيان، عن أنيسة، عن أم سعيد بنت مرة، عن أبيها، فمن أين جاء بهذا الإسناد؟ فقال سفيان: ما أحسن ما قال، لو قال لنا صفوان: عن عطاء بن يسار، كان أهون علينا من أن يجيء بهذا الإسناد الشديد» (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ٤٢٦.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (٨٣٨)، و«الأدب المفرد» حديث (١٣٣)، و«المعجم الكبير» ٢٠: حديث (٧٥٨).\n(^٣) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠٦، و«سنن البيهقي» ٦: ٢٨٣.\nوقد ذكر رواية مالك هكذا أيضا ابن أبي حاتم في «علل الحديث» ٢: ١٧٧، والذي في «الموطأ» ٢: ٩٤٨، رواية مالك، عن صفوان بن سليم، أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث، فالظاهر أن مالكا يرويه على وجهين.","vol":"2","page":10},{"text":"وروى سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث، أنه سمع أبا بكر وهو واقف على قزح، وهو يقول: «أيها الناس أصبحوا …» الحديث (^١).\nورواه المنكدر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر.\nقال أحمد: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فمن أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح …»؟»، ثم قال أحمد: «وإنما هو عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع» (^٢).\nوقال الحميدي: «قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد المنكدر قلت: لأنظرن حفظه، فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك …، قال: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح»؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه» (^٣).\n_________\n(^١) «حديث سفيان بن عيينة برواية المروزي» حديث (١)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٣٠، و«سنن البيهقي» ٥: ١٢٥. وفي «حديث سفيان»: عبدالرحمن بن يربوع، بدل سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٩٢، ومراد أحمد أن الصواب في اسم شيخ محمد بن المنكدر: عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع، وليس سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، وانظر: «طبقات ابن سعد» ٥: ٥.\n(^٣) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٠١، وانظر: «الجرح والتعديل» ١: ٤٠، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٢٥٤، و«إكمال تهذيب الكمال» ١١: ٣٧٧.","vol":"2","page":11},{"text":"وروى سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري، قال: «صلى عمر بن الخطاب الصبح بمكة …» الحديث.\nورواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، عن حميد بن عبدالرحمن، عن عبدالرحمن بن عبدٍ القاري.\nفروى ابن أبي حاتم، عن يونس بن عبدالأعلى، عن الشافعي قوله في نقده لرواية ابن عيينة: «اتبع سفيان بن عيينة في قوله: عن الزهري، عن عروة، عن عبدالرحمن: المجرة -يريد: لزم الطريق-».\nقال ابن أبي حاتم معلقا على كلام الشافعي: «وذلك أن مالكا، ويونس بن يزيد، وغيرهما، رووا عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، …، عن عمر، فأراد الشافعي أن ابن عيينة وهم، وأن الصحيح ما رواه مالك» (^١).\nوقال أبو داود: «سمعت أحمد سئل عن حديث الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: «أن النبي - ﷺ - رأى رجلا ثائر الشعر، فقال: أما وجد هذا ما يسكن به شعره، ورأى رجلا وسخ الثياب …»، فقال: ما أنكره من حديث، ليس إنسان يرويه -يعني عن ابن المنكدر- غير حسان، قال أحمد: كان ابن المنكدر رجلا صالحا، وكان يعرف بجابر، مثل ثابت، عن أنس،\n_________\n(^١) «آداب الشافعي ومناقبه» ص ٢٧٧، و«سنن البيهقي» ٢: ٤٦٣، و«معرفة السنن والآثار» ٥: ١٥٦.\nوقد تقدم تخريج هذا الحديث في المبحث الذي قبل هذا.","vol":"2","page":12},{"text":"وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدث بالشيء مرسلا، فجعلوه عن جابر» (^١).\nومراد أحمد أن ثابتا معروف بالرواية عن أنس، ولكنه يروي أيضا عن يزيد الرقاشي، ويزيد هذا متروك الحديث، فيغلطون على ثابت، يجعلون روايته عن يزيد مما يرويه عن أنس، لشهرته بالرواية عن أنس، وكذلك محمد بن المنكدر معروف بالرواية عن جابر، ولكنه أيضا يحدث بأحاديث يرسلها، ليست عن جابر، فيغلط عليه الرواة، ويجعلونها عن جابر.\nوذكر أحمد لأحاديث ثابت، عن يزيد الرقاشي، التي يحيلها الرواة خطأ إلى رواية عن ثابت، عن أنس، إنما هو على سبيل التمثيل، فالرواة يحيلون خطأ أيضا ما يرويه ثابت، عن الحسن البصري، وما يرويه مرسلا، وغير ذلك، إلى روايته عن أنس، وهكذا يقال فيما ذكره أحمد في شأن محمد بن المنكدر.\nوقد أكثر أحمد من بيان إحالة أهل البصرة الأحاديث خطأ إلى سلسلة (ثابت، عن أنس) لشهرته بالرواية عنه، وشهرة هذه السلسلة بالبصرة، وإحالة أهل المدينة إلى سلسلة (محمد بن المنكدر، عن جابر) لشهرته بالرواية عنه، وشهرة هذه السلسلة بالمدينة (^٢).\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» ص ٤٠٦، وحديث حسان بن عطية، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أخرجه أبو داود حديث (٤٠٦٢)، والنسائي حديث (٥٢٥١)، وأحمد ٣: ٣٥٧.\n(^٢) «مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ١٩٧، و«الكامل» ٤: ١٦١٦، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩٢ - ٦٩٤، و«إكمال تهذيب الكمال» ٤: ١٠٣.\n\nوانظر نماذج من أحاديث محمد بن المنكدر، عن جابر التي عدها العلماء خطأ من الرواة عنه في: «سنن الترمذي» حديث (٩٢٦)، و«التاريخ الكبير» ١: ١٠٢، ١٣٣، وعلل ابن أبي حاتم (٥٩٢)، (٦١٤)، (٦٢٩)، (٨٧٨)، (١١٤٦ - ١١٤٧)، (١٢٢٠)، (١٢٢٢)، (١٣١٢)، (١٣٩٩)، (١٨٦٣)، (٢١٤٧)، (٢٣٣٩)، (٢٦٩٩)، و«الكامل» ٤: ١٦١٦.\nونماذج من أحاديث ثابت، عن أنس في: «العلل الكبير» ١: ٤٠١، و«علل ابن أبي حاتم» (٧٩٣)، (٩٢٣)، (١٢٠٩)، (١٠١٢)، (١٢١٢)، (١٣٢٣)، (١٤٠٠)، (١٨٠٦)، (١٩١٢)، (٢٠٠٣ - ٢٠٠٤)، (٢٠٠٨)، (٢٠٥١)، (٢٠٦٩)، (٢١٨٥)، (٢٢٣٧)، (٢٦٨٦)، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٩٢.","vol":"2","page":13},{"text":"وروى سهل بن حماد أبو عتاب، عن عبدالله بن المثنى، عن ثمامة بن عبدالله، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه …» الحديث (^١).\nورواه حماد بن سلمة، عن ثمامة، عن أبي هريرة (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: «قال أبو زرعة: وهذا (يعني حديث أبي هريرة) الصحيح، وقال أبي: هذا أشبه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ولزم أبو عتاب الطريق، فقال: عن عبدالله، عن ثمامة، عن أنس …» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه زهير بن عباد، عن حفص بن ميسرة، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١) «سنن الدارمي» حديث (٢٠٤٥)، و«مسند البزار» حديث (٧٣٢٣).\n(^٢) «مسند أحمد» ٢: ٢٦٣، ٣٥٥، ٣٨٨، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١٢٥)، و«سنن الدارمي» حديث (٢٠٤٥).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧.","vol":"2","page":14},{"text":"النبي - ﷺ -: «إن الذي يرفع رأسه ويخفضه قبل الإمام، كأنما ناصيته بيد شيطان».\nقال أبي: هذا خطأ، كنا نظن أنه غريب، ثم تبين لنا علته، قلت: وما علته؟ قال: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، وإياك، عن ابن عيينة، عن ابن عجلان، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن مليح بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا، قال ابن عيينة: فقدم علينا محمد بن عمرو، فأتيته فسألته، فحدثني عن مليح بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا.\nوقال أبو زرعة: هذا خطأ، إنما هو عن ابن عجلان، عن محمد بن عمرو، عن مليح، عن أبي هريرة موقوفا.\nقال أبي: فلو كان عند ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، لم يحدث عن محمد بن عمرو، عن مليح، عن أبي هريرة» (^١).\nوروى صدقة بن عبدالله السمين، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «لا طلاق قبل نكاح» (^٢).\nسئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، والصحيح ما رواه الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثني من سمع طاوس، فلو كان سمع من جابر لم يحدث عن رجل، عن طاوس، مرسلا» (^٣).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٣، وانظر: «المعجم الأوسط» حديث (٧٦٩٢)، و«أطراف الغرائب والأفراد» ٢: ٣٣٢، و«علل الدارقطني» ٨: ١٦.\n(^٢) «المعجم الأوسط» حديث (٤٥٩)، و«المستدرك» ٢: ٤٢٠، و«سنن البيهقي» ٧: ٣١٩.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٨، وانظر: (١٢٢٠)، (١٣١٢).","vol":"2","page":15},{"text":"وروى محمد بن سليمان ابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة سوى الفريضة بنى الله له بيتا في الجنة» (^١).\nسئل عنه أبو حاتم فقال بعد أن بين أنه خطأ: «كنت معجبا بهذا الحديث، وكنت أرى أنه غريب، حتى رأيت: سهيلا، عن أبي إسحاق، عن المسيب، عن عمرو بن أوس، عن أم حبيبة، فعلمت أن ذاك لزم الطريق» (^٢).\nوكذا قال ابن عدي: «هذا من ابن الأصبهاني، حيث قال: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان هذا الطريق أسهل عليه، إنما روى هذا سهيل عن أبي إسحاق، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة» (^٣).\nوروى حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن زيد: «أن النبي - ﷺ - طلق حفصة بنت عمر تطليقة …» الحديث (^٤).\nورواه الحارث بن عبيد أبو قدامة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس.\nسئل عنهما أبو حاتم فقال: «الصحيح حديث حماد، وأبو قدامة لزم\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (١٨١٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٤٢).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٧، وانظر أيضا ١: ١٤٤، وحديث أم حبيبة من هذا الطريق أخرجه النسائي، حديث (١٨٠١)، وابن خزيمة حديث (١١٨٩)، والحاكم ١: ٣١٢، وقد قيل عن سهيل على وجه آخر، يأتي في كلام ابن عدي التالي.\n(^٣) «الكامل» ٦: ٢٢٣٤.\n(^٤) «طبقات ابن سعد» ٨: ٨٤، و«المعجم الكبير» ١٨: ٣٦٥، و«المستدرك» ٤: ١٥.","vol":"2","page":16},{"text":"الطريق» (^١).\nوروى محمد بن سليمان ابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعا: «مدمن الخمر كعابد وثن» (^٢).\nوخالفه سليمان بن بلال، فراه عن سهيل، عن محمد بن عبدالله، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - (^٣).\nقال ابن عدي بعد أن روى حديث ابن الأصبهاني: «هذا الخطأ من ابن الأصبهاني، حيث قال: عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، كان هذا الطريق أسهل عليه، وقد روي عن سهيل بإسناد آخر مرسلا» (^٤).\nوأما الأمثلة التي سلك فيها الراوي الجادة، ورجح النقاد قول من تركها، دون النص على هذه القرينة فهي كثيرة جدا، لا تكاد تحصى، فهي موجودة في كافة النسخ المشهورة، مثل قتادة، عن أنس، وأبي الزبير، عن جابر، وأبي صالح، عن أبي هريرة، وسالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، وعروة بن الزبير، عن عائشة،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٢٧.\n(^٢) «سنن ابن ماجه» حديث (٣٣٧٥)، و«التاريخ الكبير» ١: ١٢٩.\n(^٣)» التاريخ الكبير» ١: ١٢٩، و«علل الدارقطني» ١٠: ١١٥.\n(^٤) «الكامل» ٦: ٢٢٣٤، وانظر أمثلة أخرى في «العلل ومعرفة الرجال» (١٠٥٨)، و«علل ابن أبي حاتم» (٥٨٢)، (٩٤٥)، (١٠٦٥)، (١٨٢٣)، (٢٠٦٨)، (٢١٦٢)، (٢٢٣٧)، (٢٢٩٦)، (٢٥٨٠)، و«معرفة علوم الحديث» ص ١١٨، و«سنن البيهقي» ٢: ٤٧٤، و«فتح الباري» لابن رجب ٥: ٣٦٥، و«فتح الباري» لابن حجر ٣: ٣٤٤، ٩: ٤٧٦، ١٠: ٤٤٦، ٥٤٦.","vol":"2","page":17},{"text":"وعلقمة بن قيس، عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nثم من نزل عن هؤلاء، مثل شعبة، عن قتادة، عن أنس، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والزهري، عن عروة، عن عائشة.\nوالترجيح بترك الجادة يتأكد إذا كان من تركها أتى بإسناد فيه ضعف، أو فيه نزول، فإن الرواة يرغبون عن هذا، فلو كان عند الراوي بالسلامة منهما لكان هو الذي يرغب فيه، ويحدث به الراوي، وقد تقدم ذلك في الأمثلة السابقة، حيث نص عليه أبو حاتم (^١).\nفترجيح الوقف على الرفع، والإرسال على الوصل، ينتظم كون الرفع والوصل أسهل على الراوي، إذ الحديث عادة يكون فيه صحابي، ويرفع إلى رسول الله - ﷺ -، فمن ترك ذلك فهو الذي حفظ، وينتظم أيضا كون الوصل والرفع أرغب عند الرواة، لحرصهم على الرواية لحديثه - ﷺ - سالما من شيء في إسناده، فمن ترك الرفع أو الوصل فقد حفظ.\nويؤكد هذا أن<span data-type='title' id=toc-336> مجرد عدول الراوي عن الإسناد القوي، أو الإسناد العالي، إلى ضدهما، دليل على حفظه، خاصة إذا كان الأضعف، أو الأنزل، فيه وعورة</span>، ولو لم يكن الآخر قد سلك جادة، وهو قد تركها، والترجيح بهذا حقه أن يكون قرينة مستقلة، فرغبة الراوي -خاصة إذا كان ذا معرفة وفهم- بالأقوى والأعلى،\n_________\n(^١) وانظر أيضا: «علل ابن أبي حاتم» (٦٤٢)، (١٢٤٧)، و«فتح الباري» ٩: ٣٨٤.","vol":"2","page":18},{"text":"فلا يعدل عنهما إلا وقد حفظ، والجامع بينه وبين سلوك الجادة، هو أن ترك الراوي لما يُرغب فيه مظنة لكونه هو الذي حفظ.\nومن أمثلة ذلك ما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الأول منه، وهو الاختلاف بين يحيى القطان، ووكيع، في الرواية عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، أو عن الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، وقول وكيع -وهو الذي يجعله عن الثوري، عن ليث-: «منصور كان أحب إلينا».\nوروى ضمرة بن ربيعة، عن سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: «أنه طاف على نسائه في غسل واحد».\nسئل عنه أبو زرعة، فقال: «هذا خطأ، أخطأ ضمرة، إنما هو: الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس»، ثم قال أبو زرعة: «لو كان عند الثوري عن حميد، عن أنس، كان لا يحدث به عن معمر، عن قتادة، عن أنس» (^١).\nومراد أبي زرعة أن إسناد الثوري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، فيه نزول، فإن معمرا من أقران الثوري، فلو كان عنده عن حميد، عن أنس لم يحدث به بذلك الإسناد، ويدع هذا.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨، ورواية الثوري، عن معمر، عن قتادة، رواها عنه جمع من أصحابه، منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وغيرهما، انظر: «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٠٣٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٨٨)، و«مسند أحمد» ٣: ١٨٥، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣١٢٩)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٢٩، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٤٥٤.","vol":"2","page":19},{"text":"وروى إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: «أبردوا بالظهر» (^١).\nورواه أبو عوانة، عن طارق بن عبدالرحمن، عن قيس، قال: سمعت عمر بن الخطاب، قوله، ورواه وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس: كان يقال … (^٢).\nقال ابن أبي حاتم: «قال أبي: أخاف أن يكون هذا الحديث (يعني الموقوف على عمر) يدفع ذاك الحديث (يعني حديث المغيرة المرفوع)، قلت: فأيهما أشبه؟ قال: كأنه هذا، يعني حديث عمر، قال أبي في موضع آخر: لو كان عند قيس، عن المغيرة، عن النبي - ﷺ -، لم يحتج أن يفتقر إلى أن يحدث عن عمر موقوف» (^٣).\nوالرواية لها قوانين، كما أن النقد له قوانين، وقوانين الرواية توظف أحيانا في النقد، كما هو واقع هنا، و<span data-type='title' id=toc-337>من أهم قوانين الرواية حرص الرواة على الأتم صورة ومعنى</span>، وفي قصة لسفيان بن عيينة مع أصحابه ما يوضح هذا.\nروى سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن حنظلة بن قيس الزرقي، أنه سمع رافع بن خديج يقول: «كنا أكثر الأنصار حقلا …» الحديث في قصة المخابرة، قال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان بن عيينة: «فقيل لسفيان: فإن مالكا يرويه عن ربيعة، عن حنظلة، وما كان يرجوه إذا كان عند يحيى،\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٦٨٠)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٥٠.\n(^٢) «التاريخ الكبير» ٢: ١٣٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٦، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٣٠٩)، (٥٧٣)، (١٢٤٧)، (١٨٥٨)، (٢٤٥٠)، و«التمهيد» ١١: ١١١.","vol":"2","page":20},{"text":"ويحيى أحفظهما؟ فقال سفيان: لكنا حفظناه من يحيى» (^١).\nوالمعنى -والله أعلم- أنهم يسألون سفيان: لم يرويه مالك عن ربيعة، وهو عند يحيى بن سعيد، ويحيى أحفظهما؟ غرضهم من ذلك مراجعة سفيان خشية أن يكون غلط في روايته له عن يحيى بن سعيد، فأكد لهم حفظه له عن يحيى بن سعيد.\nوفي ختام الحديث عن هذه القرينة أنبه إلى أنها إنما تستخدم في الاختلاف، حيث مدار مختلف عليه على وجهين أو أكثر، وأنبه على هذا وإن كان الكلام هنا كله في الاختلاف، والاختلاف لا بد له من مدار، لأني رأيت بعض الباحثين اختلط عليه الأمر، فيذكرها في موضع خطأ الراوي ونقله الحديث من إسناد إلى إسناد آخر جديد يخطئ فيه.\nفمن ذلك توارد عدد من الباحثين على ذكر هذه القرينة في الحديث الماضي في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول، وهو ما رواه جرير بن حازم،\nعن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»، فإن\n_________\n(^١) والحديث مشهور عن الاثنين يحيى بن سعيد، وربيعة بن أبي عبدالرحمن، انظر: «صحيح البخاري» حديث (٢٣٣٢)، (٢٣٤٦)، (٢٧٢٢)، و«صحيح مسلم» حديث (١٥٤٧)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٣٩٢ - ٣٣٩٣)، و«سنن النسائي» حديث (٣٩٠٧ - ٣٩١١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٤٥٨)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٦٣، ٤: ١٤٠، ١٤٢، و«مسند الحميدي» حديث (٤٠٦)، ووقع في قصة سفيان سقط استظهرت تتمته من السياق، استئناسا برأي محقق النسخة.","vol":"2","page":21},{"text":"جريرا غلط فيه، فثابت لم يروه أصلا، وإنما رواه حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، وقد حدث به حجاج في مجلس ثابت، فظن جرير أنه مما سمعه من ثابت، ومع خطأ جرير فليس هناك جادة سلكها وتركها غيره، وإنما يكون ذلك لو كان الصواب فيه مثلا أنه عن ثابت، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، فرواه جرير، عن ثابت، عن أنس.\n<span data-type='title' id=toc-338>ثانيا: زيادة راو أو أكثر في الإسناد</span>، وحذفه:\nإذا زاد بعض الرواة راويا أو أكثر في الإسناد، وأسقطه بعضهم، فرواية من زاده راجحة، ورواية من أسقطه مرجوحة، ومردّ ذلك إلى السهولة والوعورة، فحذفه من الإسناد أسهل للحفظ، فمن ذكر الزيادة فقد حفظ، إذ سلوكه للطريق الوعرة يدل على حفظه.\nفوجه ترجيح قبول الزيادة هو أن حذفها أسهل للحفظ، وذكرها يحتاج إلى مزيد حفظ وتيقظ. فمن ذكرها فروايته أرجح.\nقال ابن القطان في تقرير ترجيح الزيادة في الإسناد: «المحدث إذا روى حديثا عن رجل قد عرف بالرواية عنه والسماع منه، ولم يقل: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت، وإنما جاء به بلفظة (عن)، فإنه يحمل حديثه على أنه متصل، إلا أن يكون ممن عرف بالتدليس، فيكون له شأن آخر.\nوإذا جاء عنه في رواية أخرى إدخال واسطة بينه وبين من كان قد روى الحديث عنه معنعنا، غلب على الظن أن الأول منقطع، من حيث يبعد أن يكون","vol":"2","page":22},{"text":"قد سمعه منه، ثم حدث به عن رجل عنه، وأقل ما في هذا سقوط الثقة باتصاله، وقيام الريب في ذلك.\nويكون هذا أبين في اثنين لم يعلم سماع أحدهما من الآخر، وإن كان الزمان قد جمعهما.\nوعلى هذا المحدثون، وعليه وضعوا كتبهم، كمسلم في كتاب «التمييز»، والدارقطني في «علله»، والترمذي، وما يقع منه للبخاري، والنسائي، والبزار، وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، تجدهم دائبين يقضون بانقطاع المعنعن إذا روى بزيادة واحد بينهما، بخلاف ما لو قال في الأول: حدثنا، أو أخبرنا، أو سمعت …» (^١).\nوقد يحكمون بقبول الزيادة وترجيحها، والحكم بالانقطاع، مع وجود التصريح بالتحديث، إذا قويت القرينة على ذلك.\nومن الأمثلة على استخدام النقاد لهذه القرينة، أن حجاجا الصواف روى عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى»، وفي بعض الروايات عن حجاج الصواف تصريح عكرمة بالتحديث عن الحجاج بن عمرو (^٢).\nورواه معاوية بن سلام، ومعمر، وسعيد بن يوسف الرحبي، عن يحيى بن\n_________\n(^١) «بيان الوهم والإيهام» ٢: ٤١٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٨٦٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٦٠ - ٢٨٦١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٥٠.","vol":"2","page":23},{"text":"أبي كثير، عن عكرمة، عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة، عن الحجاج بن عمرو، وفي بعض رواياته أن عبدالله بن رافع سأل الحجاج بن عمرو عمن حبس وهو محرم، فروى له الحديث (^١).\nقال البخاري: «رواية معمر، ومعاوية بن سلام أصح» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه النعمان بن المنذر، عن مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ - قال: «من حافظ على ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بني له بيت في الجنة».\nفقال أبي: لهذا الحديث علة، روى ابن لهيعة، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن مولى لعنبسة بن أبي سفيان، عن عنبسة، عن أم حبيبة، عن النبي - ﷺ -.\nقال أبي: هذا دليل أن مكحولا لم يلق عنبسة، وقد أفسده رواية ابن لهيعة.\nقلت لأبي: لم حكمت برواية ابن لهيعة، وقد عرفت ابن لهيعة وكثرة أوهامه؟ قال أبي: في رواية ابن لهيعة زيادة رجل، ولو كان نقصان رجل كان أسهل على ابن لهيعة حفظه» (^٣).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٨٦٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٨)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٦١٧)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٢٤٩، و«المعجم الكبير» حديث (٣٢١٤).\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ٣٩٥، و«سنن الترمذي» حديث (٩٤٠).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧١، وكتب في حاشية إحدى نسخ الكتاب: «هذا فقه في التعليل»، وقد وقع مثل هذا الاختلاف بهذا الإسناد في حديث: «من صلى أربعا قبل الظهر حرمه الله على النار»، ينظر: «تحفة الأشراف» ١١: ٣١٣، و«إتحاف المهرة» ١٦: ٩٥١.","vol":"2","page":24},{"text":"وروى الأعمش، ومنصور بن المعتمر -في المشهور عنهما- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود حديث: «سألت النبي - ﷺ -: أي الذنب أعظم …».\nورواه واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، ليس فيه عمرو بن شرحبيل (^١).\nقال الترمذي بعد أن ساق رواية الأعمش، ومنصور، من طريق سفيان الثوري عنهما، ورواية واصل الأحدب: «حديث سفيان عن منصور، والأعمش، أصح من حديث واصل، لأنه زاد في إسناده رجلا» (^٢).\nو<span data-type='title' id=toc-339>يستمر ترجيح الزيادة ما لم يكن ذكر الزيادة أسهل في الحفظ وأسبق إلى الذهن، فيكون من زاد سلك الجادة، فيقدم عليه من ترك الزيادة</span>، وهذا مقام دقيق جدا في طريقة تطبيق القرينتين.\nوأكثر ما يظهر هذا في حذف الصحابي من الأسانيد المشهورة، أو وقف\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٤٤٧٧)، (٤٧٦١)، (٦٠٠١)، (٦٨١١)، (٦٨٦١)، (٧٥٢٠)، (٧٥٣٢)، و«صحيح مسلم» حديث (٨٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٣١٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٣١٨١ - ٣١٨٣)، و«سنن النسائي الصغرى» حديث (٤٠٢٤ - ٤٠٢٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٣٦٨ - ١١٣٦٩)، و«مسند أحمد» ١: ٣٨٠، ٤٣١، ٤٣٤، ٢٦٢، ٤٦٤.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (١٣٤٢)، (١٣٩٥)، (٢٦٥٥).","vol":"2","page":25},{"text":"الحديث، فإذا روى الحديث راو عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه آخر عن الأعمش، عن أبي صالح مرسلا، فقول من أرسله أولى أن يكون راجحا، فإن ذكر أبي هريرة أسهل في الحفظ، وأسبق إلى الذهن، لكثرة ما روى أبو صالح، عن أبي هريرة، وهكذا يقال في الرفع والوقف، وقد تقدم هذا في قرينة سلوك الجادة.\nوكذلك لو زاد أحد الرواة عن شيخه اسم راو دون الصحابي هو جادة له، وحذفه آخر، فالراجح أن من حذفه قد حفظ، كما لو روى بعض أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، ورواه بعضهم عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه عن عائشة، فالقول قول من حذف عمرة.\nومثاله حديث أبي مرثد الماضي في المبحث الثاني، فقد راوه ابن المبارك، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيدالله، عن أبي إدريس، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، ورواه جماعة عن ابن جابر فأسقطوا واثلة.\nقال أبو حاتم: «بسر سمع من واثلة، وكثيرا ما يحدث بسر عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، فظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا الحديث من واثلة نفسه …» (^١).\nويظهر كذلك في مجيء اسم شخص في متن الحديث في رواية، ومجيئه في الإسناد في رواية أخرى، فالذي ذكره في الإسناد سلك الجادة، إذ المتبادر إلى\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٠، وانظر: ١: ٣٤٩، ٣٦٨.","vol":"2","page":26},{"text":"الذهن حين ورود اسم شخص أن يكون راويا، فمن ذكره في المتن قد ترك الجادة، وروايته حينئذ هي الراجحة.\nوأكثر ما يرد ذلك في الصحابي، فيجعله بعض الرواة من مسنده، ويجعله بعضهم في القصة، أي في متن الحديث، وقد تقدم في «الاتصال والانقطاع» أمثلة لهذا (^١).\nومن دقيق أمثلة هذا النوع ما رواه جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي وائل، عن عبدالله، أن النبي - ﷺ - قال: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (^٢).\nفالناظر في الإسناد لأول وهلة لا يتردد في أن صحابيه هو عبدالله بن مسعود، لشهرة أبي وائل بالرواية عنه، لكنه ليس هو، ولذا احتاج النسائي إلى أن يقول بعد إخراجه: «ولا أحسب هذا عن عبدالله بن مسعود».\nوهو كما قال، فإن عبدالله هو ابن حذافة السهمي، وليس هو في إسناد الحديث على الراجح، وإنما يروي أبو وائل قصته مرسلة، قال البخاري وقد سئل عن رواية جرير بن عبدالحميد الموصولة: «إنما هو: مغيرة، عن أبي وائل مرسلا، أن النبي - ﷺ - …، وإنما هو: قال عبدالله بن حذافة للنبي - ﷺ -» (^٣).\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ٣١ - ٤٧.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٣٤٨٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤١٠٤).\n(^٣) «العلل الكبير» ١: ٤٥٧، وهذا المرسل أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٤: ١٨٩ من طريق أبي عوانة، عن مغيرة، وأخرجه أيضا الحاكم في «المستدرك» ٣: ٦٣١، من طريق سيار أبي الحكم، عن أبي وائل، وأخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»، وهو في القسم المفقود، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥: ١٥.","vol":"2","page":27},{"text":"ويأتي أيضا فيمن دون الصحابي، ومثاله ما رواه أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن ابن مُعَيْن (أو معيز)، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -: «أنه قال لرسول مسيلمة: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك» (^١).\nورواه سفيان الثوري، والمسعودي، وسلام أبو المنذر، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به (^٢).\nقال أبو حاتم بعد أن سئل عن رواية أبي بكر بن عياش، والثوري: «الثوري أحفظ من أبي بكر، وأرى أن عاصما حكى عن أبي وائل: أن رجلا يقال له أبو مُعَيْن مر بمسجد بني حنيف …، فجعل أبو بكر: عن ابن مُعَيْن، والثوري أفهم» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سفيان بن حسين، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، وعن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم، عن شريح بن أرطاة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، في المباشرة للصائم.\nفقالا: هذا خطأ، رواه شعبة، عن الحكم، فحدثنا أبي، عن آدم، وعبدالله بن رجاء، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، قال: كان علقمة، وشريح بن أرطاة، عند عائشة، فقالت عائشة: «كان رسول الله - ﷺ - يقبل، ويباشر، وهو صائم» (^٤).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٤٠٤، و«سنن الدارمي» حديث (٢٥٠٦)، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٢١١.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٧٦)، و«مسند أحمد» ١: ٣٩٠، ٣٩٦، ٤٠٦ و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٠٩٧).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٣.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٢، ورواية شعبة المرسلة رواها عنه أيضا عبدالرحمن بن مهدي، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، ورواه الحسن بن محمد، عن ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، وشريح بن أرطاة، عن عائشة، هكذا موصول، والقول فيه أيضا ما قاله أبو حاتم، وأبو زرعة، انظر هذه الطرق في «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٨٧)، (٣٠٨٨)، (٣٠٩١ - ٣٠٩٢)، و«مسند أحمد» ٦: ١٢٦، و«مسند الطيالسي» حديث (١٥٠٢)، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٢٩.","vol":"2","page":28},{"text":"وفي كثير من الأحيان تجتمع القرينتان، ولهذا صور، من أشهرها أن يروي الحديث راو عن شيخ على الجادة المشهورة، ثم يرويه آخر عن الشيخ نفسه بزيادة راو في الإسناد، فتترجح رواية الثاني بالقرينتين، قرينة ترك الجادة، وقرينة زيادة الراوي.\nومن أمثلة ذلك حديث أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت النبي - ﷺ -: أي الذنب أعظم؟ …»، الآنف الذكر، فالجادة المعروفة أن يروي أبو وائل، عن ابن مسعود مباشرة، ليس بينهما أحد، وقد روي بها أحاديث كثيرة، وأبو وائل معروف بالرواية عن ابن مسعود، من كبار أصحابه، فلما جاءت زيادة عمرو بن شرحبيل، كان من زادها ترك الجادة، فدل على حفظه، وزاد في الإسناد رجلا فدل على حفظه أيضا.\nومن ذلك أن هشاما الدستوائي، وعلي بن المبارك، رويا عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقبلني وهو صائم» (^١).\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٣٠٦٢ - ٣٠٦٥)، و«مسند أحمد» ٦: ١٩٣، ٢٤١، ٢٥٢، و«مسند إسحاق» حديث (٨٤٣)، و«العلل الكبير» ١: ٣٤٥، و«شرح معاني الآثار» ٢: ٩١، و«التمهيد» ٢٢: ١٣٩، ورواية هشام عند النسائي في حديث (٣٠٦٢)، ليس فيه عروة بن الزبير.","vol":"2","page":29},{"text":"ورواه شيبان بن عبدالرحمن، ومعاوية بن سلام، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة (^١).\nورواه عقيل بن خالد، ومعمر، وابن أبي ذئب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، وفي رواية عقيل تصريح أبي سلمة بالتحديث عن عائشة (^٢).\nقال البخاري: «كأن حديث شيبان عندي أحسن».\nوقال أبو حاتم وقد سئل عن حديث الزهري: «روى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن زينب ابنة أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - ﷺ - كان يقبلها وهو صائم»، وروى معاوية بن سلام، وشيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمر بن عبدالعزيز، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، [و] حديث يحيى بن أبي كثير أشبه من حديث عقيل، كان الزهري أضبط من أن يخفى عليه مثل هذا، ولكن أخاف أن يكون لم يضبط عقيل عنه» (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١١٠٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٦٦ - ٣٠٦٧)، و«مسند أحمد» ٦: ٢٨٠، ورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، لكن اختلف فيه على الأوزاعي اختلافا كثيرا، ينظر حاشية «مسند أحمد» تحقيق الأرنؤوط ٤٢: ٣٩٢.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٥٧ - ٣٠٥٩)، و«مسند أحمد» ٦: ٢٢٣، ٢٣٢.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥١.","vol":"2","page":30},{"text":"وكذا قال الدارقطني لما ذكر الاختلاف على يحيى بن أبي كثير: «القول قول شيبان ومن تبعه ممن ذكر فيه عمر بن عبدالعزيز» (^١).\nوروى أيوب السختياني، وخالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، عن النبي - ﷺ -، قال: «من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة …» (^٢).\nورواه عاصم الأحول -في المشهور عنه- وأبو غفار الطائي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان (^٣).\nقال البخاري عن الرواية الثانية التي فيها الزيادة: «هذا أصح، وأحاديث أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، ليس فيها أبو الأشعث، إلا هذا الحديث الواحد» (^٤).\nثالثا: الفصل والإدراج في الرواية:\nإذا روى أصحاب الراوي عنه حديثا، وساقه بعضهم مساقا واحدا في\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٥: ١٤٣.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٥٦٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٦٧ - ٩٦٨)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨٢، ٢٨٣.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٥٦٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٩٦٧ - ٩٦٨) و«مسند أحمد» ٥: ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٨١، ٢٨٤، و«مسند الطيالسي» حديث (٩٨٨)، و«الأدب المفرد» حديث (٥٢١).\n(^٤) «العلل الكبير» ١: ٣٩٨، و«سنن الترمذي» حديث (٩٦٧).","vol":"2","page":31},{"text":"إسناده ومتنه، وبعضهم فصَّل في روايته، فرواية من فصل مقدمة على رواية من ساقه مساقا واحدا، وهو أحرى أن يكون حفظ وأتقن، فكونها رواية واحدة أسهل عليه، فعدوله عن الأسهل إلى الأصعب دليل على حفظه وإتقانه لهذا الحديث.\nولهذا صور متعددة، منها أن يروي الرواة حديثا فيجعله بعضهم كله عن صحابي الحديث، عن النبي - ﷺ -، ويخالفهم آخرون، فيجعلون بعضه من كلام النبي - ﷺ -، وبعضه موقوفا على الصحابي، أو من دونه، أو يجعلون بعضه من رواية تابعيه عن صحابي آخر، أو عن التابعي مرسلا ليس فيه الصحابي، إلى غير ذلك.\nوتطبيقات هذه القرينة واسعة جدا، وعليها بنى الخطيب البغدادي كتابه: «الفصل للوصل المدرج في النقل»، والسبب في ذلك ظاهر، وهو كثرة تداخل الروايات، ومن يصدر عنه النص، فالصحابي أو التابعي يسوق الحديث مستدلا به على قول قاله، أو يعقب على النص النبوي بكلام من عنده، وممن يفعل هذا من الصحابة أبو هريرة، وعائشة، وكذلك يفعل من بعدهم، واشتهر بذلك جماعة مثل الزهري، ومحمد بن إسحاق، وإبراهيم بن طهمان، وعبدالله بن وهب، وغيرهم.\nوأيضا عرف بعض الرواة بسعة الرواية، فيسوق الحديث الطويل بعضه بإسناد، وبعضه بإسناد آخر، أو أكثر من ذلك، وربما أرسل بعض الحديث، وممن عرف بذلك الزهري، ومحمد بن إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي، وقتادة، وغيرهم.","vol":"2","page":32},{"text":"قال مالك: «قال ربيعة للزهري: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي - ﷺ -» (^١).\nوقال أحمد في يونس بن يزيد: «كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد …، كان يكتب -أرى- أول الكتاب، فينقطع الكلام، فيكون أوله عن سعيد، وبعضه عن الزهري، فيشتبه عليه، ويونس يروي أحاديث من رأي الزهري يجعلها عن سعيد» (^٢).\nوقال أبو حاتم: «كان الزهري يحدث بالحديث، ثم يقول على إثره كلاما، فكان أقوام لا يضبطون، فجعلوا كلامه في الحديث، وأما الحفاظ وأصحاب الكتب فكانوا يميزون كلام الزهري من الحديث» (^٣).\nومن أشهر ما يمثل به لهذه القرينة حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة».\nهكذا يرويه ابن عيينة، لم يختلف عليه في ذلك، وكان يدافع عن روايته.\nورواه عقيل، وزياد بن سعد، وابن جريج، وموسى بن عقبة، وغيرهم،\n_________\n(^١) «القراءة خلف الإمام» للبخاري ص ٤٩.\n(^٢) «تهذيب الكمال» ٣٢: ٥٥٥، وانظر: «علل المروذي» ص ٥٦، و«مسائل إسحاق بن هانئ» ٢: ٢٣١.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٠. وانظر في غير الزهري: «مسند أحمد» ٣: ١٧٣، و«علل ابن أبي حاتم» (١٧٠)، (٨٥٩)، (٩٦٧)، (٩٨١)، و«الفصل للوصل» ٢: ٦٢٠.","vol":"2","page":33},{"text":"عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر، كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يمشون أمامها».\nقال أحمد: «هذا الحديث أن رسول الله - ﷺ - …، إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم فعل ابن عمر، وحديث ابن عيينة كأنه وهم»، ونحوه للنسائي.\nوإنما قال ذلك أحمد، والنسائي، لأن جماعة من كبار أصحاب الزهري، منهم مالك، ويونس بن يزيد، ومعمر، صرحوا بفصل الموصول -وهو فعل ابن عمر- عن المرسل، وهو ما حكاه الزهري، عن فعل النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، فذكروا المرسل أولا، ثم قول الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة.\nوتوارد أئمة النقد على ترجيح المرسل، كابن المبارك، وأحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، وأن ابن عيينة وهم في وصل الحديث كله، ولعله وقع في ذلك بسبب أن الزهري ربما عطف المرسل على الموصول، فجاءت صورته كله كأنه موصول، وقد وقع هذا لبعض الرواة المتأخرين في غير طريق ابن عيينة.\nقال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل في ذلك أصح» (^١).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣١٧٩)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٠٧ - ١٠٠٩)، و«سنن النسائي» حديث (١٩٤٣ - ١٩٤٤)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٠٧١ - ٢٠٧٢)،\n\nو«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٨٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٨، ٣٧، ١٢٢، ١٤٠، و«موطأ مالك» ١: ٢٢٥، و«مسند الطيالسي» حديث (١٩٢٦)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٢٥٩)، و«العلل الكبير» ١: ٤٠٤، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٤٢١)، (٥٥٣٢)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٤٧٩، و«المعجم الكبير» حديث (١٣١٣٣ - ١٣١٣٦)، و«الفصل للوصل» ١: ٣٥٨، و«التمهيد» ١٢: ٩٣.","vol":"2","page":34},{"text":"وفي كتاب الخطيب المشار إليه آنفا أمثلة كثيرة.\nو<span data-type='title' id=toc-342>يزداد الأمر غموضا في موضوع الإدراج إذا تصرف الراوي الذي وقع منه الإدراج، أو من دونه في الرواية، فاكتفى بسوق الرواية التي وقع فيها الإدراج</span>، وساقها على صفتها وهي مدرجة، فيصعب التمييز حينئذ، ويشتد الحمل عليه، فيقولون عنه إنه وهم وهما فاحشا، أو وهما غليظا.\nومن أمثلة ذلك حديث نافع، عن ابن عمر فيما يجتنبه المحرم، وفيه: «ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين»، هكذا رواه جماعة من أصحاب نافع، منهم الليث بن سعد، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وجويرية بن أسماء، وغيرهم.\nوروى هذا الجزء المتعلق بالمرأة عن نافع جماعة آخرون فوقفوه على ابن عمر، منهم مالك، وعبيدالله بن عمر، وأيوب السختياني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وفي رواية عبيدالله بن عمر سوقه في المرفوع، وفصله عنه بالتصريح بأنه قول ابن عمر.","vol":"2","page":35},{"text":"ورواه جماعة آخرون عن نافع فلم يذكروا هذه الزيادة لا مرفوعة ولا موقوفة، منهم عمر بن نافع، وعبدالله بن عون، وغيرهما.\nورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، فرفع هذا الجزء، واقتصر عليه، فلم يذكر ما قبله، وكذا جاء في بعض الطرق إلى محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، وجويرية بن أسماء (^١).\nورجح النقاد في هذا الحديث وقف الجزء منه، وأنه من كلام ابن عمر، قال ابن حجر: «عبيدالله بن عمر في نافع أحفظ من جميع من خالفه، وقد فصل المرفوع من الموقوف، وأما الذي اقتصر على الموقوف فرفعه فقد شذ بذلك، وهو ضعيف، وأما الذي ابتدأ في المرفوع بالموقوف فإنه من التصرف في الرواية بالمعنى، وكأنه رأى أشياء متعاطفة فقدم وأخر لجواز ذلك عنده، ومع الذي فصل زيادة علم، فهو أولى» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٥٤٢)، (١٨٣٨)، (٥٨٠٣)، (٥٨٠٥)، (٥٧٩٤)، و«صحيح مسلم» حديث (١١٧٧)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٢٤ - ١٨٢٧)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٣٣)، و«سنن النسائي» حديث (٢٦٧٢ - ٢٦٧٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٩٦١)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٢، ٤١، ٥٤، ٦٣، ٦٥، ١١٩، و«مسند الحميدي» حديث (٦٢٧)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ص ٣٠٦ (كتاب الأيمان والحج)، و«سنن البيهقي» ٥: ٤٦، ٤٩.\n(^٢) «فتح الباري» ٤: ٣٥. وانظر أمثلة أخرى وقع فيها إفراد الرواية المدرجة فشدد النقاد على من وقع منه ذلك في: «سنن ابن ماجه» حديث (٥١٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٩)، و«علل ابن أبي حاتم» (١٥٢)، و«الفصل للوصل» ١: ٢٩٥ - ٣٠٩، ٤٥٨ - ٤٧٠، ٢: ٦٠١ - ٦١١.","vol":"2","page":36},{"text":"ومن هذا الباب -الفصل والإدراج- ما يطلق عليه: (الحمل)، وهو حمل رواية على رواية أخرى، وصورته أن يروي شخص رواية يقرن فيها بين اثنين أو أكثر من شيوخه، أو من فوقهم، سواء بعطف بعضهم على بعض، أو بطريقة تحويل الإسناد، ويسوقها مساقا واحدا في المتن والإسناد، ثم يوقف على رواياتهم مفردة من طريق آخر، وفي رواية بعضهم مخالفة في المتن أو الإسناد للرواية الأولى المقرونة، فيستشف من هذا أن راوي الرواية المقرونة قد ساق الرواية على صفة رواية الآخرين، وجعلها للجميع، والمقدم عند حدوث هذا: الرواية المفردة، فراوي الرواية المقرونة تجوز وسلك الأسهل عليه، ويقول النقاد في وصف صنيعه هذا: حمل رواية فلان على رواية فلان.\nوقرن الرواية برواية أخرى كثير جدا عند الرواة، خاصة عند المؤلفين لكتب السنة، كما نراه واضحا في «صحيح مسلم»، «وصحيح ابن خزيمة»، من أجل الاختصار، وتلخيص الروايات، وربما وقع تجوز من الراوي في إدراج رواية بأخرى، وعدم التمييز بينهما، فالقاعدة أن الروايات المفردة مقدمة على الروايات المقرونة عند وقوع اختلاف بينها في المتن أو الإسناد.\nوقد خصص الخطيب في كتابه الآنف الذكر الباب الأخير منه لهذا النوع، وذكر فيه أمثلة كثيرة، واستفتحها بالحديث المتقدم في قرينة زيادة راو وحذفه، وهو حديث أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود: «سألت رسول الله - ﷺ -: أي الذنب أعظم …» الحديث، فقد تقدم هناك أن الأعمش، ومنصور بن المعتمر، يرويانه عن أبي وائل، عن عمرو، عن ابن مسعود، وأن","vol":"2","page":37},{"text":"واصلا الأحدب لا يذكر عمرو بن شرحبيل، وقد رواه عبدالرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، عن سفيان الثوري، عن الثلاثة بذكر عمرو بن شرحبيل، ورواه يحيى بن سعيد القطان، عن الثوري، عن الثلاثة، فميز رواية واصل، بإسقاط عمرو، وهذا هو الصحيح عن واصل، فقد رواه شعبة، ومهدي بن ميمون، عن واصل كذلك، قال أبو بكر النيسابوري: «يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لعبدالرحمن بن مهدي، ولابن كثير، فجعل إسنادهم واحدا، ولم يذكر بينهم خلافا، وحمل حديث واصل على حديث الأعمش، ومنصور …».\nويحتمل أن يكون الإدراج ممن بعد الثوري (^١).\nومن الأمثلة أيضا الحديث الماضي آنفا وهو حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة».\nفهذا الحديث رواه همام بن يحيى، عن زياد بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وبكر بن وائل الكوفي، وسفيان، بنحو هذا المتن (^٢).\nقال الترمذي في نقد رواية همام: «إنما هو سفيان بن عيينة، روى عنه همام».\nيريد الترمذي أن سفيان المذكور في رواية همام ولم ينسب هو سفيان بن عيينة، وإذا كان كذلك فالأقرب أن يكون هذا لفظه، وباقي الروايات محمولة\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٥: ٢٢٢، و«الفصل للوصل» ٢: ٧٦٧ - ٧٨٤، و«فتح الباري» ١٢: ١١٥.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٠٠٨)، و«سنن النسائي» حديث (١٩٤٤).","vol":"2","page":38},{"text":"عليه، يدل على ذلك أنه أمكن الوقوف على رواية واحد منهم -وهو زياد بن سعد- مفردة بلفظ آخر، وهو: عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر: «أنه كان يمشي بين يدي الجنازة، وقد كان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، يمشون أمامها» (^١).\nوعليه فلا تصح رواية زياد بن سعد، ومنصور بن المعتمر، وبكر بن وائل، من رواية همام عنهم، أن تكون عاضدة لرواية سفيان بن عيينة، لكونها محمولة على رواية سفيان فيما يظهر.\nوروى الترمذي عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومي، وغير واحد، عن سفيان بن عيينة، وعن علي بن حجر، عن هشيم، كلاهما -ابن عيينة، وهشيم- عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (^٢).\nورواه النسائي، عن علي بن حجر به بلفظ: «لا يتوارث أهل ملتين» (^٣).\nوكذلك رواه أحمد، ومسعود بن جويرية، عن هشيم بهذا اللفظ، غير أن مسعود بن جويرية أخطأ في إسناده (^٤).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٢: ٣٧، و«المعجم الكبير» حديث (١٣١٣٣).\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢١٠٧).\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٨٢)\n(^٤) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٦٥، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٣٨١).","vol":"2","page":39},{"text":"فتحرر إذن أن الصواب عن هشيم من رواية علي بن حجر هو بهذا اللفظ، وأما رواية الترمذي فقال المزي في نقدها: «كذا رواه الترمذي، عن علي بن حجر، عن هشيم، بلفظ سفيان بن عيينة، حمل حديث أحدهما على حديث الآخر، والمحفوظ عن علي بن حجر لفظ النسائي عنه» (^١).\nومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الأول منه، وهو حديث أبي هريرة: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا»، فهذا هو اللفظ المشهور فيه عن سهيل بن أبي صالح، رواه الجماعة عنه، سفيان الثوري، وعبدالله بن إدريس، وأبو عوانة، وغيرهم.\nورواه سفيان بن عيينة، وزهير بن معاوية، وعبدالعزيز الدراوردي، عن سهيل، بلفظ الأمر، كما تقدم شرحه هناك.\nوقد أخرجه الخطيب من طريق أحمد بن نجدة، عن سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، والدراوردي، وأبي عوانة، عن سهيل، بلفظ الأمر كذلك.\nورواية أبي عوانة هذه لا شك أنها محمولة على رواية سفيان، والدراوردي، فالروايات المفردة عن أبي عوانة موافقة لرواية الجماعة عن سهيل (^٢).\n_________\n(^١) «تحفة الأشراف» ١: ٥٦.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى لحمل رواية على رواية في «صحيح البخاري» حديث (١٥٩٢)، و«مسند الطيالسي» حديث (٨٧٢)، و«علل ابن أبي حاتم» (١١٩٤)، و«الكامل» ٣: ١١٩٣، ١٢٣٤، ١٢٧٩، و«التتبع» ص ٤٦٤ - ٤٦٥، و«علل الدارقطني» ٢: ١٨٠ - ١٨١، و«الإرشاد» ٢: ٤٩٩ - ٥٠٠، ٣: ٨٧١، و«سنن البيهقي» ٢: ١٤٢ - ١٤٣، و«فتح الباري» ٣: ٤٥٥.","vol":"2","page":40},{"text":"ولترجيح وقوع الحمل في الرواية لا يشترط الوقوف على رواية مفردة للراوي تخالف روايته المقرونة، إذا قامت قرينة أخرى، كشهرة هذه الرواية عن راو واحد، فإذا جاءت عن غيره في رواية مقرونة أمكن ترجيح وقوع الحمل حينئذ.\nمثال ذلك الحديث الماضي في المبحث المشار إليه آنفا، وهو حديث أنس: «كانت قبيعة سيف رسول الله - ﷺ - من فضة»، وهو من رواية جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس، مشهور عن جرير، خطأه النقاده فيه، وقد خالفه شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، فروياه عن قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا.\nوقد رواه أبو داود الطيالسي، عن عمرو بن عاصم، عن جرير، وهمام، عن قتادة عن أنس.\nفرواية همام هذه لا تصلح أن تكون عاضدة لرواية جرير، لكونها وردت مقرونة معها، فلا بعد أن تكون محمولة عليها، يقال هذا وإن لم يوقف على رواية عن همام مفردة توافق رواية الجماعة، وذلك لشهرة الحديث الموصول عن جرير بن حازم، وأنه كان يخطئ فيه.\nوروى أبو داود الطيالسي، عن أبي الأشهب جعفر بن حيان، وجرير بن حازم، وحماد بن نجيح، وسلم بن زرير، وصخر بن جويرية، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين، وابن عباس، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «نظرت في الجنة فإذا أكثر أهلها الفقراء …» الحديث.\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذه الرواية فخطأها، وعلل ذلك بأن بعض","vol":"2","page":41},{"text":"أصحاب أبي رجاء رووه عنه، عن عمران وبعضهم رووه عنه، عن ابن عباس، قال أبو حاتم: «ولا أعلم واحدا منهم يجمع عن أبي رجاء بين ابن عباس، وعمران بن حصين، عن النبي - ﷺ -».\nثم ذكر ابن أبي حاتم أن أبا الأشهب، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية يروونه عن أبي رجاء، عن ابن عباس (^١)، وأن سلم بن زرير يرويه عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين (^٢)، وزاد ابن أبي حاتم رواة له على كل وجه.\nقال ابن أبي حاتم: «وأما جرير بن حازم فلا أدري كيف يروي، فإنه لم يقع عندنا» (^٣).\nوكذا قال الخطيب: «كذا روى أبو داود الطيالسي هذا الحديث، وخلط في جمعه بين رواية هؤلاء الخمسة»، إلى أن قال: «وأما جرير بن حازم فلا نعلم كيف كان يرويه، لأنه لم يقع إلينا حديثه إلا من رواية أبي داود هذه، مجموعا مع رواية غيره، والحديث عند أبي رجاء، عن ابن عباس، وعن عمران جميعا، إلا أنا لا نعلم أحدا اجتمعت له الروايتان عن أبي رجاء غير أيوب السختياني، فرواه أيضا عن\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٣٧)، و«سنن النسائي الكبرى» (٩٢٦٣ - ٩٢٦٤)، و«مسند أحمد» ١: ٢٣٤.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٣٢٤١)، (٦٤٤٩)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٢٩.\nوأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤: ٢٨٢، من طريق سلم بن زرير، عن أبي رجاء، عن ابن عباس، وعمران بن حصين، ثم أشار البخاري إلى علتها.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٩٨.","vol":"2","page":42},{"text":"أبي رجاء عن عمران بن حصين» (^١).\nوالشاهد هنا أن عدم الوقوف على رواية لجرير تخالف ما رواه عنه أبو داود، لا يمنع من تخطئه أبي داود فيها، وأنه حملها على رواية غيره، كما حمل رواية غيره على روايته، فجمع بين الصحابين، وقرينة ذلك أنه ظهر غلط أبي داود في الأربعة الآخرين.\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» الكلام في جماعة من الرواة عرفوا بحمل روايات شيوخهم بعضها على بعض، وبينها اختلاف، والنقاد يعدون ذلك خللا في حفظهم تكلموا فيهم بسببه (^٢)، وليس هذا الصنيع مقتصرا على هؤلاء، فهو كثير الوقوع من الرواة.\nو<span data-type='title' id=toc-348>لكثرة وقوع الحمل من الرواة شدد المحدثون في الاكتفاء بذكر اسم أحد المقرونين في الإسناد، وحذف الآخر، خاصة إذا كان المسقط ضعيفا</span>، وذلك لاحتمال أن يكون الراوي عنهما قد دمج روايتيهما، وبينهما اختلاف، وعقد الخطيب في «الكفاية» بابا لذلك، وروى بإسناده عن حرب بن إسماعيل، عن\n_________\n(^١) «الفصل للوصل» ٢: ٨١٤، وقول الخطيب إن أيوب اجتمعت له الروايتان فيه شيء، فالرواية عنه بجعله عن عمران ابن حصين معللة، انظر: «صحيح مسلم» حديث (٢٧٣٧)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٦٠٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٢٦٠ - ٩٢٦١)، و«مسند أحمد» ١: ٣٥٩، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٩٨، ٢: ١٠٥، و«الجعديات» حديث (٣٠٧٩ - ٣٨٤) و«المعجم الكبير» حديث (١٢٧٦٩).\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ١١٨ - ١٢٠.","vol":"2","page":43},{"text":"أحمد، أنه قيل له: فإذا كان الحديث عن ثابت، وأبان، عن أنس، يجوز أن أسمي ثابتا، وأترك أبانا، قال: «لا، لعل في حديث أبان شيئا ليس في حديث ثابت،\n-وقال-: إن كان هكذا فأحب أن يسميهما» (^١).\nقال الخطيب بعد أن ضرب مثالا لهذا: «ولا يستحب للطالب أن يسقط المجروح، ويجعل الحديث عن الثقة وحده، خوفا من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة، وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر، أو حمله عليه» (^٢).\nوقال ابن رجب بعد أن ذكر عن أحمد أن هذا لا يجوز فعله: «وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمول عليه» (^٣).\nومع هذا التشديد فقد وقع من الرواة إفراد إحدى الروايتين، وتكون هذه الرواية المفردة في الأصل محمولة على غيرها، ومثاله أن سفيان بن عيينة يروي عن ابن أبي نجيح، وليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي حديث (القيام للجنازة)، هكذا يرويه سفيان بن عيينة، يحمل رواية ابن أبي نجيح، على رواية ليث بن أبي سليم، ورواية ابن أبي نجيح في الأصل ليس فيها أبو معمر، فهي عن مجاهد، عن علي.\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ٣٧٨، والنص في «مسائل حرب» ص ٤٦٩، وفيه تحريف.\n(^٢) «الكفاية» ص ٣٧٨.\n(^٣) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٤.","vol":"2","page":44},{"text":"قال الحميدي بعد أن ساق رواية ليث مفردة، وفيها أبو معمر: «وكان سفيان ربما حدثنا به عن ابن أبي نجيح، وليث، عن أبي معمر، فإذا وقفناه عليه لم يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر» (^١).\nقال ابن رجب: «وقد رواه ابن المديني وغيره عن ابن عيينة بهذين الإسنادين» -يعني الموصول والمنقطع-.\nثم قال ابن رجب: «وقد رواه ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح وحده، وذكر في إسناده [أبا معمر]، وهو وهم» (^٢).\nوممن أفرد رواية ابن أبي نجيح، وذكر فيها أبا معمر: محمد بن منصور، رواه عنه النسائي (^٣)، فإما أن يكون الإفراد منه، أو من النسائي، حذف ليث بن أبي سليم لضعفه.\nوالحديث مشهور عن ليث بن أبي سليم، بذكر أبي معمر، رواه أيضا جماعة عن ليث، منهم الثوري، وزائدة بن قدامة، وغيرهما (^٤).\nوروى سفيان الثوري وغيره، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٥٠ - ٥١).\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٦، ووقع في النسخة: «… وذكر في إسناده مجاهدا، وهو وهم» وهذا خطأ، فالكلام في ذكر أبي معمر وحذفه، ورواية ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣: ٣٥٨.\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (١٩٢٢).\n(^٤) «مسند أحمد» ١: ١٤١، ٤: ٤١٣، و«مسند الطيالسي» حديث (١٥٧)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٣١١)، و«مصنف أبي شيبة» ٣: ٣٥٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٦٦).","vol":"2","page":45},{"text":"بن بجدان، عن أبي ذر مرفوعا: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين …» الحديث (^١).\nورواه جماعة منهم الثوري أيضا عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر، وقال بعضهم: رجل من بني قشير (^٢).\nورواه عبدالحميد بن محمد، وأحمد بن بكار، وأبو جعفر النفيلي، وعمرو بن هشام -فيما حدث به عنه أبو عروبة الحراني-، وإبراهيم بن يوسف، وغيرهما، رووه عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، وأيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (^٣).\nهكذا صنع مخلد بن يزيد، قال الدارقطني: «أحسبه حمل حديث أيوب على حديث خالد، لأن أيوب يرويه، عن أبي قلابة، عن رجل لم يسمه عن أبي ذر» (^٤)، وكذا قال الخطيب (^٥).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٣٢)، و«سنن الترمذي» حديث (١٢٤)، و«مسند أحمد» ٥: ١٥٥، ١٨٠، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٣١٢).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٣٣)، و«مسند أحمد» ٥: ١٤٦، ١٥٥، و«مسند الطيالسي» حديث (٤٨٦)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٩١٢)، و«علل الدارقطني» ٢: ٢٥٢.\n(^٣) «صحيح ابن حبان» حديث (١٣١٠)، و«سنن الدارقطني» ١: ١٨٦، و«علل الدارقطني» ٦: ٢٥٣، و«سنن البيهقي» ١: ٢١٢، و«الفصل للوصل» ٢: ٨٦٣.\n(^٤) «علل الدارقطني» ٦: ٢٥٣.\n(^٥) «الفصل للوصل» ٢: ٨٦٤.","vol":"2","page":46},{"text":"وإلى هنا والأمر لا إشكال فيه، لكن رواه النسائي، عن عمرو بن هشام، عن مخلد بن يزيد، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر (^١)، هكذا أفرد رواية الثوري، عن أيوب، وسمى فيها شيخ أبي قلابة، فإما أن يكون هذا من النسائي وإما أن يكون من عمرو بن هشام أفرده حين حدث به النسائي، فقد رواه جماعة -كما تقدم آنفا- عن عمرو بن هشام وجمع فيه بين أيوب، وخالد الحذاء.\nوالخلاصة أن الباحث حين نظره في الروايات عليه أن يدقق في الروايات المقرونة، إذ يحتمل أن يكون وقع فيها حمل لرواية على أخرى في المتن أو الإسناد، وإنما يعرف ذلك إذا وجد بعضها مفردا، ورأى أن الرواية المفردة فيها مخالفة للرواية نفسها وهي مقرونة، والأصل ترجيح الرواية المفردة على الرواية المقرونة، وهذا هو بيت القصيد هنا.\nوعليه أيضا -من جهة ثانية- أن يدقق في الروايات المفردة متى ما ارتاب فيها، فيحتمل أيضا أن تكون أفردت من رواية مقرونة وقع فيها الحمل.\nوأنا أدرك أن هذه القضايا من دقائق نقد الأسانيد، ولكن لا أرى مناصا عن التعرض لها وشرحها فهي تعرض -ولا بد- لمن يمارس النقد، وقد رأيت خللا في الالتفات لهذه القضية من قبل بعض الباحثين.\nفمن ذلك حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه في المشي أمام\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٣٢١).","vol":"2","page":47},{"text":"الجنازة، الماضي قريبا، ذهب أحد المشايخ الفضلاء يصحح رواية ابن عيينة، ويعضدها بروايات أخرى، ومنها رواية همام بن يحيى، عن منصور بن المعتمر، وزياد بن سعد، وبكر بن وائل، قرنها همام بروايته عن سفيان بن عيينة، ولم يعرج المصحح إلى قضية حمل الروايات بعضها على بعض، وشيوعه عند الرواة، خاصة في المتون، وقد أوضحت دليل الحمل هنا فيما في سبق، وانتهى الشيخ إلى تصحيح الموصول والمرسل عن الزهري، وأنه هو الذي يفعل هذا وهذا، يعني بحسب النشاط، ونقل هذه النتيجة عن الشيخ باحث آخر، واصفا لها بأنها كلام جيد.\nوهذا النتيجة فوق أنها مخالفة لقواعد النقد فهي أيضا مخالفة لإجماع أئمة الحديث على ترجيح المرسل وتوهيم ابن عيينة، كما تقدم نقله عنهم.\nوكذلك حديث علي في (القيام للجنازة) الماضي آنفا، توارد على تصحيحه جمع كثير من الباحثين، من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبدالله بن سخبرة، عن علي، الذي رواه ابن أبي شيبة ومحمد بن منصور، عن سفيان، وجعلوه عاضدا لرواية ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، ولم يلتفتوا لكلام الحميدي، ورواية ابن المديني، بل لم يعرجوا عليهما أصلا.\nوفوق ذلك أن أحد الباحثين وهو يعلق على كلام الحميدي ذكر رواية محمد بن منصور عند النسائي، ثم قال: «وهذا يرد ما زعم الحميدي من أن سفيان كان لا يدخل في حديث ابن أبي نجيح: أبا معمر»، كذا قال الباحث.\nوروى عبدالرزاق من رواية الجماعة -وفيهم أحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي-","vol":"2","page":48},{"text":"عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة …» الحديث (^١).\nورواه مالك، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن أمية، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، مرسلا ليس فيه أبو سعيد (^٢).\nوكذلك رواه سفيان الثوري، عن زيد، من رواية يحيى بن سعيد القطان، ووكيع بن الجراح، ومحمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، ورواه عبدالرزاق عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، ورواه عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن زيد، قال: حدثني الثبت عن النبي - ﷺ - (^٣).\nوقد توارد أئمة النقد على تخطئة الوجه الموصول الذي يرويه معمر (^٤).\nوتعرض أحد المشايخ لطرق هذا الحديث، فذهب إلى تصحيح الموصول\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٧١٥١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦)، و«مسند أحمد» ٣: ٥٦، والمستدرك» ١: ١٠٧، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٢، و«التمهيد» ٥: ٩٦.\n(^٢) «موطأ مالك» ١: ٢٦٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٣: ٢١٠، و«تفسير ابن جرير» ١٠: ١١٤، و«تهذيب الآثار» (الجزء المفقود) ص ٤١٤.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧١٥٢)، و«الأموال» لأبي عبيد حديث (١٧٢٩)، (١٩٨٤)، و«الأموال» لابن زنجويه حديث (٢٠٥٧)، و«علل الدارقطني» ١١: ٢٧١.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (١٦٣٦)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢١، و«علل الدارقطني» ١١: ٢٧٠.","vol":"2","page":49},{"text":"من رواية معمر، ومما احتج به لذلك أنه قد رواه أبو الأزهر السليطي، عن عبدالرزاق، عن معمر، والثوري، عن زيد بن أسلم، وقد رواه كذلك عن عبدالرزاق، محمد بن سهل بن عسكر في بعض الطرق إليه (^١)، فجعل الشيخ سفيان الثوري متابعا لمعمر على وصل الحديث بذكر أبي سعيد.\nولا يخفى ما في هذا التقرير، فإن رواية عبدالرزاق عن الثوري هذه جاء فيها سفيان مقرونا مع معمر، ومعمر هو الذي يذكر أبا سعيد، وأما الثوري فيقول: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، هكذا يرويه عبدالرزاق في الرواية المفردة، مع أنه قد خالف الجماعة عن سفيان في زيادة: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وفيهم حفاظ ثقات مقدمون في سفيان الثوري.\nوروى شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى، ومعمر، وسلام بن مسكين، وهشام الدستوائي -في رواية يزيد بن زريع، ومسلم بن إبراهيم، ووهب بن جرير- عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: «أن النبي - ﷺ - كفن في ريطتين وبرد أحمر» (^٢).\nورواه عمران القطان، وهشام الدستوائي -في رواية محمد بن كثير،\n_________\n(^١) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٣٧٤) و«سنن الدارقطني» ٢: ١٢١، و«علل الدارقطني» ١١: ٢٧١، و«سنن البيهقي» ٧: ١٥.\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٦١٦٥)، و«طبقات بن سعد» ٢: ٢٨٤، و«كشف الأستار» حديث (٨١٢).","vol":"2","page":50},{"text":"وأبي داود الطيالسي- عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة (^١).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، فبدأ أولا بالنظر في الاختلاف على هشام الدستوائي، ورجح الإرسال عنه، لكونه من رواية الأكثر والأحفظ، ولا إشكال في ذلك، لكنه ذكر أن رواية الوصل عن هشام قوية، لاجتماع محمد بن كثير، وأبي داود الطيالسي عليها، كذا حرره الباحث، وأبعد النجعة جدا، فالوصل عنه ضعيف، فرواية أبي داود الطيالسي تفرد بها أحمد بن عبدالله المنجوفي وهو صدوق، عن أبي داود، وفوق ذلك -وهو موضع الشاهد هنا- أنها جاءت مقرونة مع رواية عمران القطان، فلا بعد -إن صحت الرواية عن أبي داود- أن يكون قد حملها على رواية عمران القطان، ويحتمل أن يكون ذلك من المنجوفي الراوي عنه.\nولتقريب مسألة حمل بعض الروايات على رواية أخرى أذكر بمسألة شبيهة بها تقدمت في الفصل الثاني من الباب الأول، وهي مسألة عطف إسناد أو أكثر على إسناد آخر، فللعطف مشكلات تقدم الحديث عنها هناك، يهمنا منها هنا أن العطف يقع فيه تجوز وتسامح في صفته، فيعطف إسناد موصول -مثلا- على إسناد مرسل، فالناظر لأول وهلة يظن أن الإسنادين جميعا موصولان، وهكذا في الرفع والوقف.\n_________\n(^١) «كشف الأستار» حديث (٨١٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٦٣٠)، و«علل الدارقطني» ٧: ٣٠٦.","vol":"2","page":51},{"text":"وقد تقدم لهذا أمثلة هناك، وأذكر الآن مثالا آخر، فقد روى إبراهيم بن الحجاج، وأبو سلمة التبوذكي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - ﷺ - رأى حبلا ممدودا بين ساريتين …» (^١).\nقال الخطيب بعد أن أخرجه من طريق أبي سلمة: «ربما ظن من لم يمعن النظر أن حمادا روى هذا الحديث عن ثابت البناني، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وحميد الطويل، كليهما، عن أنس بن مالك، وليس الأمر كذلك، إنما رواه حماد، عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن النبي - ﷺ - مرسلا، ورواه حماد أيضا عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -».\nثم أخرجه من طريق أحمد، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، بالتفصيل الذي ذكره (^٢)، وقد رواه أحمد أيضا عن عفان، عن حماد بن سلمة كذلك (^٣).\nوفي مثل هذا يقع أيضا سوق الروايتين مساقا واحدا، وربما جرى إفراد الرواية المرسلة وسوقها موصولة، ظنا ممن فعل ذلك أنها موصولة في الأصل، فمن ذلك أن جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة، منهم أحمد، وسعيد بن منصور، وغيرهما، رووا عنه، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، وابن جريج، عن عطاء، عن\n_________\n(^١) «مسند أبي يعلى» حديث (٣٨٣١)، و«الفصل للوصل» ٢: ٨٥٨، و«الأسماء المبهمة» ص ٤١٠.\n(^٢) «الفصل للوصل» ٢: ٨٥٨، و«الأسماء المبهمة» ص ٤١٠، و«مسند أحمد» ٣: ١٨٤.\n(^٣) «مسند أحمد» ٣: ٢٥٦.","vol":"2","page":52},{"text":"ابن عباس قال: «أعتم النبي - ﷺ - بالعشاء …» الحديث (^١).\nفهذا الحديث ظاهره أن رواية عطاء من كلا الطريقين -عمرو بن دينار، وابن جريج- فيها ابن عباس، لكن هذا الظاهر غير مراد، فرواية عمرو بن دينار، عن عطاء مرسلة، بين ذلك جماعة من أصحاب سفيان، فميزوا الموصول من المرسل، منهم علي بن المديني، والحميدي، وغيرهما، ونص الحميدي على أن سفيان يرويه بالصورة الموهمة لوصل رواية عمرو بن دينار بالعنعنة -يعني يتسامح في ذلك- فإذا قال: حدثنا، وسمعت، ميَّز المرسل من الموصول (^٢).\nومشى على ظاهر الرواية جماعة من أصحاب ابن عيينة، أو من بعدهم، فساقوا الروايتين وفيهما جميعا ذكر ابن عباس، فيقولون: عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، وعن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، وربما قدم بعضهم رواية ابن جريج، وعطف عليها رواية عمرو.\nورواه آخرون فأفردوا رواية عمرو بن دينار، وذكروا فيها ابن عباس، وهؤلاء وهمهم أشد كما قال الإسماعيلي (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٢٢١، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٤٢)، و«المعجم الكبير» حديث (١١٣٩١).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٧٢٣٩)، و«مسند الحميدي» حديث (٤٩٢)، و«تحفة الأشراف» ٥: ٨٧، ٩٦.\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٥٣١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٥١٣)، و«سنن الدارمي» حديث (١٢١٨)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٣٤٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٥٣٤)،\n\nو«فتح الباري» ١٣: ٢٢٩، والنسائي يرويه في الكتابين عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، وفيهما ذكر ابن عباس في رواية عمرو، كرواية ابن جريج، لكن ذكر المزي في «التحفة» ٥: ٨٧، ٩٦، وابن حجر في «فتح الباري» ١٣: ٢٢٩، أن رواية النسائي عن محمد بن منصور على التفصيل، كرواية ابن المديني، والحميدي، ومن معهما.","vol":"2","page":53},{"text":"وروى الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، قال: «غزوت مع رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك فحملت فيها على بكر -وكان أوثق عملي في نفسي- فاستأجرت أجيرا، فقاتل رجلا …» الحديث.\nثم رواه الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء: «أن أجيرا ليعلى …» مرسلا.\nقال الحميدي: «وكان سفيان ربما ضمهما فأدرج فيه الإسناد، وإذا فصلهما جعل حديث ابن جريج مسندا، وجعل حديث عمرو مرسلا» (^١).\nوأخرجه النسائي عن عبدالجبار بن العلاء، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، ثم ذكر النسائي أن عبدالجبار بن العلاء حدثهم مرة أخرى عن سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن صفوان، عن يعلى، وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى.\nهكذا رواه عبدالجبار، جعل رواية سفيان، عن عمرو بن دينار مسندة،\n_________\n(^١) «مسند الحميدي» حديث (٧٨٨ - ٧٨٩).","vol":"2","page":54},{"text":"وساقها كذلك مع رواية ابن جريج، ثم أفردها مرة أخرى مسندة كذلك، وهي في الأصل مرسلة معطوفة، فيتوهم أنها مسنده كرواية بن جريج، وصفة العطف الموهم أن يقول سفيان: حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، وابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى، فيوهم هذا السياق أن رواية عمرو هي عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى، وليست كذلك.\nوقد قال يعقوب بن شيبة: «كان سفيان بن عيينة، ربما يحدث بالحديث عن اثنين، فيسند الكلام عن أحدهما، فإذا حدث به عن الآخر على الانفراد أوقفه أو أرسله» (^١).\nولعل سفيان بن عيينة أخذ هذه الطريقة من شيخه الزهري، فإنه يفعل ذلك أيضا، فيقع الاشتباه (^٢).\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٨٦٦.\n(^٢) انظر مثلا: «صحيح البخاري: حديث (١٣٧)، (١٧٧)، (٢٠٥٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٧٦)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥١٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٣٩، ٤٠، و«مسند الحميدي» حديث (٤١٣).\nوانظر أمثلة أخرى لأحاديث وقع فيها بسبب العطف وصل رواية هي في الأصل مرسلة، أو رفع رواية هي في الأصل موقوفة، وربما جرى إفرادها بعد الوصل أو الرفع، فيشد غموضها في «كشف الأستار» حديث (٦٢٨)، و«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ٢: ٢٩٨ - ٢٩٩، و«علل ابن أبي حاتم» (٥٧٤)، (٧٣٠)، (٨٧٤)، (٩٢٣)، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٤١٢، و«علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١٠٧، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٩٦، و«تحفة الأشراف» ٢: ١٨٦، ١٨٧.\nوبتتبع هذه الأمثلة وغيرها في مصادرها يظهر بعد كثير من الباحثين عن إدراك مثل هذه القضايا حين تعرضهم لدراسة الإسناد والحكم على الحديث، ولولا خشية الإطالة لذكرت شيئا من هذا.","vol":"2","page":55},{"text":"ومثل ما يقال في عطف الأسانيد، يقال كذلك في سوق الأسانيد باستخدام طريقة التحويل، وكذلك تعليق الأسانيد وسردها مجتمعة، كما تقدم شرحه أيضا في الفصل الثالث من الباب الأول، فالأسانيد تساق مجتمعة، وقد يكون بينها اختلاف في الإسناد أو المتن، لم ينبه عليه من فعل ذلك، لأنه ليس من غرضه في هذا الموضع.\nويلتحق بهذا أيضا ما يعرف بالإحالة، وهي أن يسوق الراوي حديثا بإسناده، ثم يسوق إسنادا آخر يقف به عند صحابي الحديث، أو عند راو هو مدار الحديث، ولا يسوق ما بعده، ويقول: مثله أو نحوه (^١).\nكل هذه الأساليب موجودة بكثرة في كتب السنة، كما في «الصحيحين» وغيرهما، ألجأهم إليها الاختصار، والبعد عن التطويل.\nوالذي أختم به هذه القرينة هو التأكيد على معناها ومضمونها، وهو أن الرواية إذا جاءت مفصلة عن راو معين، ثم جاءت عنه رواية أخرى مجملة، بخلاف الرواية المفصلة، فالأصل ترجيح الرواية المفصلة وتقديمها على الأخرى، مع التأكيد أيضا على أن بعض الروايات المفصلة والمفردة مأخوذة خطأ من روايات مجملة.\n_________\n(^١) ينظر مثالا على ذلك: «صحيح البخاري» حديث (١٩٤٠)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤١١)، (٤٢٩٦ - ٤٢٩٧)، وفي هذا المثال يحتمل أن يكون الطحاوي تجوز فحمل رواية أحد شيخيه على رواية الآخر، ويحتمل أن يكون تجوز حين أحال إسناد حديث ومتنه على حديث قبله.","vol":"2","page":56},{"text":"والبحث عن صفة كل رواية على وجه الدقة من القضايا الدقيقة في التعامل مع الأسانيد حين اختلافها، وبها وبأمثالها يمكن للباحث أن يشبع نهمه في البحث عن الصواب والوصول إليه أو الاقتراب منه -بتوفيق الله تعالى-، وبتطبيقها يتميز الباحث المتخصص من غيره، بل بها يتميز الباحثون المتخصصون فيما بينهم صبرا وأناة وفهما لقواعد هذا العلم، وما يقوله أئمة النقد.\nوفوق ذلك بها وبأمثالها ندرك ما بذله أئمة النقد من جهود جبارة لا يقدر قدرها في نقد الأسانيد وفحص المرويات، وفيما نحن فيه يمكن للقارئ أن ينظر في حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته …» الحديث، وما جرى فيه للرواة من إدراج، وحمل، وإفراد مخطئ، وما بذله النقاد في تمييز ذلك من جهود (^١).\nوجانب آخر يتعلق بإدراك الباحث لصنيع النقاد والمؤلفين، واضطرارهم أحيانا إلى سوق عدد من الروايات مجتمعة لغرض ما، وربما كان بينها اختلاف في جهة أخرى في الإسناد أو المتن لم ينبه عليه الناقد أو المؤلف، فإن الباحث إذا أدرك هذا لم يحتج إلى تعقبهم، ولم ينسبهم إلى الخطأ، فهم يفعلون هذا وهم مدركون له، ولكن لا مفر من فعلهم هذا، وإلا لطالت الكتب جدا، وحال هذا دون العناية بها، ووصولها إلى من بعدهم، ومن يريد أن يحتج برواية منها في غير ما أوردها الناقد لأجله لزمه أن يبحث عنها مفردة.\n_________\n(^١) انظر: «الفصل للوصل» حديث (٢٦)، (٤٥).","vol":"2","page":57},{"text":"أخرج البخاري من طريق جرير بن عبدالحميد، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر الحديث الطويل في قصته مع النبي - ﷺ - حين خرج معه عشاء، وفيه عدة جمل، ثم أردفه بقوله: «قال النضر: أخبرنا شعبة، وحدثنا حبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وعبدالعزيز بن رفيع، حدثنا زيد بن وهب بهذا» (^١).\nفتعقبه الإسماعيلي متعجبا من هذا الإطلاق، فإن حديث شعبة ببعض الحديث وليس بجميعه.\nقال ابن حجر مجيبا عن البخاري: «تبع الإسماعيلي على اعتراضه المذكور جماعة، منهم مغلطاي ومن بعده، والجواب عن البخاري واضح على طريقة أهل الحديث، لأن مراده أصل الحديث، فإن الحديث المذكور في الأصل قد اشتمل على ثلاثة أشياء، فيجوز إطلاق الحديث على كل واحد من الثلاثة إذا أريد (^٢) بقول البخاري: بهذا، أي بأصل الحديث لا خصوص اللفظ المساق …» (^٣)، ثم بين ابن حجر أن غرض البخاري بيان اتفاق هؤلاء الرواة عن زيد بن وهب على أن الحديث عنه، عن أبي ذر، وليس عن أبي الدرداء كما جاء في بعض الروايات.\nوذكر عبدالحق الإشبيلي من حديث مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان، عن جابر: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام»، ثم\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦٤٤٣).\n(^٢) كذا في النسخة، ولعل الصواب: فالمراد.\n(^٣) «فتح الباري» ١١: ٢٦٣.","vol":"2","page":58},{"text":"قال: «رواه يحيى بن سلام، عن مالك، بهذا الإسناد، عن النبي - ﷺ -، وتفرد برفعه، ولم يتابع عليه، ورواه أصحاب الموطأ موقوفا على جابر، وهو الصحيح».\nفتعقبه ابن القطان بكلام خشن، أدرج فيه تعقبه لعدد من الأئمة، بما يدل على أنه لم يتمعن طريقتهم، فأغلظ القول عليهم، وأنقل نصه للعبرة، وليتجنب الباحث الوقوع في مثل ما وقع فيه، فمن أهم صفات الباحث في أي فن إدراكه لطريقة أئمة هذا الفن، وما اصطلحوا عليه، لئلا يقع في التنبيه على ما هو بدهي لا يحتاج إلى تنبيه، أو التعقب والاستدراك في غير محله.\nقال ابن القطان متعقبا عبدالحق: «الخطأ فيه بين، إلا أنه لما لم يعزه، جوّزنا أن يكون قد وجده كما قال، ويغلب على الظن أنه إنما اتبع فيما قال أبا عمر بن عبدالبر، فإنه الذي ذكر حديث مالك هذا، ثم أتبعه أن قال: رواه يحيى بن سلام، صاحب التفسير، عن مالك، عن أبي نعيم، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، وصوابه موقوف كما في الموطأ.\nهكذا قال أبو عمر، وهو خطأ، وكذلك أيضا فعل فيه الدارقطني، وهو غلط، فإن الذي روى يحيى بن سلام مرفوعا، ليس هكذا، وإنما هو: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلم يصل إلا وراء الإمام».\nوفرق عظيم بين اللفظين، فإن حديث مالك يقضي إيجاب قراءة الفاتحة في كل ركعة، فأما حديث يحيى بن سلام عنه، فيمكن أن يتقاصر عن هذا المعنى بأن يقال: إنما فيه إيجابها في الصلاة ويتفصَّى عن عهدته بالمرة الواحدة.","vol":"2","page":59},{"text":"وسنورد رواية يحيى بن سلام بنصها في باب ما أغفل نسبته من الأحاديث إلى المواضع التي نقلها منها.\nوههنا أيضا أمر آخر لغير ابن عبدالبر، والدارقطني، يجب التنبيه عليه، وهو أن أبا عبدالله بن البيع الحاكم، ذكر في كتاب المدخل إلى كتاب الإكليل طبقة من المجروحين: رابعة وهم قوم رفعوا أحاديث إنما هي موقوفة.\nثم قال في الباب: ويحيى بن سلام المصري، روى عن مالك، عن وهب ابن كيسان، عن جابر أن النبي - ﷺ - قال: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة».\nوهو في الموطأ لمالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر قوله، انتهى كلامه.\nوهو أيضا خطأ، فإنه ليس في الموطأ هكذا، ولا رواه يحيى بن سلام هكذا.\nوذلك أن هذا اللفظ لم يعرض فيه لأم القرآن بتعيين، لا في كل الصلاة ولا في ركعة منها.\nوهؤلاء إنما يؤتون من قلة الفقه، فهم يسوون بين الألفاظ المتغايرة الدلالات وينبغي أن تسقط الثقة بمن هذه حاله» (^١).\nوكل هؤلاء الأئمة لم يفتهم الفرق بين هذه الألفاظ، لكن غرضهم الرئيس هو قضية خطأ يحيى بن سلام في رفع هذا الحديث، وأما ما عداه من تفاصيل فإنما يؤخذ من الروايات المسندة لكل راو، وهذا بيت القصيد هنا.\n_________\n(^١) «بيان الوهم والإيهام» ٢: ٢٤١ - ٢٤٣، وانظر أيضا: ٢: ٣٠٢ - ٣٠٥.","vol":"2","page":60},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>القرينة الثانية: ذكر تفاصيل في المتن والإسناد تدل على الضبط:</span>\nذكر تفاصيل في متن الحديث أو إسناده في رواية أحد الرواة المختلفين على شيخ لهم وإغفالها في رواية الآخر، يجعله النقاد دليلا على ترجيح رواية من ذكر التفاصيل، فحفظ الراوي لها يدل على اعتنائه بروايته وإتقانه وحفظه فهي زيادة عبء عليه، وترك الآخر لها يفيد عكس ذلك، فروايته مرجوحة إذن.\nو<span data-type='title' id=toc-354>لهذه التفاصيل صور متعددة، مثل قصة في متن الحديث، أو في إسناده، أو كلمة لأحد رواة الإسناد، أو ورود اسم راو عرضا، إلى غير ذلك</span>.\nومبدأ الاستعانة بذكر بعض التفاصيل للدلالة على الحفظ والتثبت أمر مقرر معروف، استخدمه الصحابة بكثرة، فيقول الصحابي مثلا: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يخطب، أو على المنبر، أو وهو يفعل كذا، أو كنت إلى جنبه فقال كذا، فورود مثل هذه العبارات قصد بها في الأصل الإيحاء للسامع بقوة الاستحضار وعدم النسيان، وقد يزيد الراوي على ذلك بقوله: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، ونحو هذه العبارة.\nومن أقوال النقاد في تقرير هذه القرينة قول أحمد: «إذا كان في الحديث قصة، دل على أن راويه حفظه» (^١).\nومن أمثلة استخدام النقاد لهذه القرينة أن علي ابن المديني قال في كلامه على قيس بن أبي حازم ومن روى عنهم: «روى عن عمار، واختلفوا عن ابن أبي خالد\n_________\n(^١) «هدي الساري» ص ٣٦٣.","vol":"2","page":61},{"text":"فيه، فقال بعضهم: عن ابن أبي خالد، عن يحيى بن عابس، قال عمار: ادفنوني في ثيابي، وقال بعضهم: إسماعيل، عن قيس، عن عمار: ادفنوني في ثيابي» (^١).\nقال يحيى بن معين في كلامه على هذا الاختلاف: «حديث شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: قال عمار: ادفنوني في ثيابي، وإنما هو: إسماعيل، قال: سمعت يحيى بن عابس يحدث في مجلس قيس» (^٢).\nوروى سفيان الثوري عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: «لما خرج رسول الله - ﷺ - في بعض مغازيه نظر إلى امرأة مقتولة …» الحديث (^٣).\nسئل أبو حاتم وأبو زرعة عن هذا فقالا: «هذا خطأ، يقال: إنه من وهم الثوري، إنما هو: المرقع بن صيفي، عن جده رباح بن الربيع -أخي حنظلة-، عن النبي - ﷺ -، كذا يرويه مغيرة بن عبدالرحمن، وزياد بن سعد، وعبدالرحمن بن أبي الزناد»، قال أبو حاتم: «والصحيح هذا» (^٤).\nوقد خطأ رواية الثوري أيضا جماعة آخرون من النقاد، منهم ابن أبي شيبة،\n_________\n(^١) «علل ابن المديني» ص ٥٩.\n(^٢) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٣٣.\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٢٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٤٢)، و«مسند أحمد» ٤: ١٧٨.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٥، ورواية مغيرة بن عبدالرحمن أخرجها ابن ماجه حديث (٢٨٤٢)، وأحمد ٣: ٤٨٨، ٤: ٣٤٦، ورواية عبدالرحمن بن أبي الزناد أخرجها أحمد ٣: ٤٨٨، ٤: ١٧٨، وقد رواه ابن جريج، عن أبي الزناد كذلك أخرجه أحمد ٣: ٤٨٨، ٤: ٣٤٦، وفيه قال ابن جريج: أخبرت عن أبي الزناد.","vol":"2","page":62},{"text":"والبخاري، والترمذي، ولفظ الترمذي: «حديث سفيان هذا خطأ، إنما هو: عن المرقع، عن رباح بن الربيع -أخي حنظلة الكاتب-، هكذا رواه غير واحد عن ابن أبي الزناد» (^١).\nوسبب توهيم الثوري ظاهر، فهو بالإضافة إلى مخالفته للجماعة عن أبي الزناد، في رواية الجماعة ما يدل على ضبطهم وهو قولهم: عن رباح (أو رياح) بن الربيع -أخي حنظلة الكاتب-، فانتقل حفظ الثوري إلى حنظلة نفسه، وفي كلام أبي حاتم، وأبي زرعة، والترمذي، إشارة إلى هذا.\nوسئل أبو حاتم، وأبو زرعة عما رواه عبدالوارث بن سعيد، عن أيوب السختياني، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي - ﷺ - كفن في ثلاثة أثواب»، فقالا: «هذا خطأ، رواه شعبة، عن عبدالرحمن بن القاسم: «أن النبي - ﷺ - كفن …»، قال شعبة: فقلت لعبدالرحمن بن القاسم: من حدثك؟ قال: أبو جعفر محمد بن علي، وهو الصحيح» (^٢).\nوروى سفيان بن عيينة، ومحمد بن سوقة -من رواية أسباط بن محمد- عن محمد بن المنكدر، عن النبي - ﷺ - مرسلا، قصة المرأة التي سألت عن حج الصبي (^٣).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٣: ٣١٤، و«التاريخ الصغير» ١: ١١٦، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٤٢)، و«العلل الكبير» ٢: ٦٧٢.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٥٣، ورواية شعبة أخرجها ابن سعد في «الطبقات» ٢: ٢٨٣، ٣: ٢٠٥.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٥٠٤)، و«تاريخ ابن أبي خيثمة» حديث (٩٨٧)، و«معجم ابن الأعرابي» حديث (١٣٢١)، و«التمهيد» ١: ١٠٠.","vol":"2","page":63},{"text":"ورواه قزعة بن سويد، وعمارة المعولي، وإسماعيل بن مسلم، ويوسف بن محمد بن المنكدر، وكذا محمد بن سوقة -من رواية أبي معاوية الضرير، والقاسم بن غصن- عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبي - ﷺ - (^١).\nوقد رجح النقاد المرسل، ومما اعتمدوا عليه في ذلك نص ابن عيينة على أنه سمعه من محمد بن المنكدر مرسلا، فقيل لسفيان: إن محمدا سمعه من إبراهيم بن عقبة، فذهب سفيان إلى إبراهيم بن عقبة، فسمعه منه، وذكر له إبراهيم بن عقبة أنه حدث به ابن المنكدر.\nوقد نص أبو حاتم في ترجيحه على هذا المرجح، فقال لما سئل عن رواية قزعة بن سويد، عن محمد بن المنكدر الموصولة: «قال ابن عيينة: قال إبراهيم بن عقبة: أنا حدثت ابن المنكدر، عن كريب، عن ابن عباس هذا الحديث» (^٢).\nولفظ ابن عيينة بتمامه بعد أن رواه عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: «وكان ابن المنكدر حدثناه أولا مرسلا، فقيل لي: إنما سمعه من إبراهيم -يعني ابن عقبة- فأتيت إبراهيم، فسألته عنه فحدثني به وقال: حدثت به ابن المنكدر فحج بأهله كلهم» (^٣).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٩٢)، (٩٢٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٩١٠)، و«معجم ابن الأعرابي» حديث (١٩٢٣)، و«العيال» حديث (٦٤٤)، و«المعجم الأوسط» حديث (٧٥٩)، (١٢٥٧)، و«أخبار أصبهان» ٢: ١٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٣.\n(^٣) «مسند الحميدي» حديث (٥٠٤).","vol":"2","page":64},{"text":"والخلاصة أن قول سفيان هذا يدل على ضبطه للحديث وإتقانه، وأن الحديث لا يرويه ابن المنكدر عن جابر، فمصدره عنده إبراهيم بن عقبة، فكان ابن المنكدر يرسله، ولا يذكر إسناده، ولعل ذلك لكونه أكبر من إبراهيم بن عقبة سنا.\nوروى جرير بن عبدالحميد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه -أو عن ابن أبي سعيد الخدري- عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - في التثاؤب، وفي بعض المصادر: عن سهيل، عن أبيه، وعن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه -بواو العطف- (^١).\nورواه محمد بن خوط، وعبدالله بن عمر العمري، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (^٢).\nوقد رواه جماعة كثيرون عن سهيل فقالوا: عن ابن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد، منهم سفيان الثوري، وبشر بن المفضل، والدراوردي، ومعمر، وسليمان بن بلال، وزهير بن معاوية، وغيرهم، ومنهم من سماه: عبدالرحمن (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٩٩٥)، و«مسند أبي يعلى» حديث (١١٦٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٣٦٠).\n(^٢) «التاريخ الكبير» ١: ٧٥، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٦٧٩)، و«الكامل» ٤: ١٤٦١.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٩٩٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٠٢٦ - ٥٠٢٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٧، ٩٣، ٩٦، و«الأدب المفرد» حديث» (٩٥٢)، (٩٥٤)، و«سنن الدارمي» حديث (١٣٨٩)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٩١٩).","vol":"2","page":65},{"text":"ورواية جرير أخرجها مسلم لكنه أشار إلى علتها، فأخرج قبلها رواية بشر بن المفضل، والدراوردي، والثوري، وفي رواية بشر قوله: حدثنا سهيل بن أبي صالح، قال: سمعت ابنا لأبي سعيد الخدري يحدِّث أبي، عن أبيه …\nففي رواية بشر هذه مزيد ضبط، وبيان لسبب وهم جرير بن عبدالحميد أو تردده.\nوأما من رواه عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فهو أشد وهما، حيث قلب الإسناد كله.\nومثل هذا سواء بسواء ما رواه أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، ومسلم البطين، وسلمة بن كهيل، عن عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، عن ابن عباس: «أن امرأة زعمت أن أختها ماتت وعليها صوم …» الحديث (^١).\nورواه عبدالرحمن بن مغراء، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وعن سلمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعن الحكم بن عتيبة، عن عطاء، عن ابن عباس (^٢).\nورواه الثوري، وشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وزائدة بن قدامة،\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٩٥٣)، و«صحيح مسلم» حديث (١١٤٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٧١٦ - ٧١٧)، و«سنن النسائي الكبرى (٢٩١٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٥٨)، وليس في رواية الترمذي الحكم بن عتيبة.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٩١٥).","vol":"2","page":66},{"text":"وأبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^١).\nقال الدارقطني متعقبا الشيخين في تخريجهما رواية أبي خالد الأحمر، موصولة عند مسلم، ومعلقة بصيغة التمريض عند البخاري: «وبين زائدة في روايته من أين دخل الوهم على أبي خالد، فقال في آخر الحديث: فقال سلمة بن كهيل، والحكم -وكانا عند مسلم حين حدث بهذا الحديث-: ونحن سمعناه من مجاهد، عن ابن عباس» (^٢).\nوأجاب ابن حجر عن تخريج الشيخين لها بقوله: «لا يلحق الشيخين في ذكرهما لطريق أبي خالد لوم، لأن البخاري علقه بصيغة تشير إلى وهمه فيه، وأما مسلم فأخرجه مقتصرا على إسناده دون سياق متنه» (^٣).\nوالأمر كما قال ابن حجر، فإنهما أخرجاها لبيان علتها، وقد ساقا جميعا قبيلها رواية زائدة بن قدامة (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٩٥٣)، و«صحيح مسلم» حديث (١١٤٨)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٣١٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٩٢١ - ٢٩١٣)، و«مسند أحمد» ١: ٢٤٤، ٢٢٧، ٢٥٨، ٣٣٨، ٣٦٢.\n(^٢) «التتبع» ص ٥٠٣.\n(^٣) «هدي الساري» ص ٣٥٩.\n(^٤) ولا يشكل على هذا ما نقله الترمذي حديث (٧١٧)، عن البخاري: قال: «جَوَّد أبو خالد الأحمر هذا الحديث عن الأعمش، وقد روى غير أبي خالد، عن الأعمش، مثل رواية أبي خالد»، ذلك أن البخاري يتحدث هنا عن متن الحديث، ففيه اختلاف على الأعمش، ذكره البخاري في «صحيحه» حديث (١٩٥٣)، وذكر من وافق أبا خالد على روايته.","vol":"2","page":67},{"text":"وفي رواية موسى بن أعين نحو رواية زائدة، إلا أنه لم يذكر مجاهدا، ولفظها: «قال سليمان (يعني الأعمش): وحدثنيه سلمة بن كهيل، والحكم، بمثل ذلك عن ابن عباس» (^١).\nومن دقائق هذه القرينة أن يخالف راو في إسناد الحديث أو متنه، ثم يوجد عنده أو عند شيخه أو من فوقه هذا الإسناد أو المتن في حديث آخر، فيترجح أنه لم يضبط، وأن تلك المخالفة انتقلت إليه من ذلك الحديث، خاصة إذا كان بين الحديثين شبه في جهة ما.\nومن أمثلة ذلك أن مسلما روى من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه …» الحديث، وفي آخره: «ثم غسل رجليه».\nثم رواه من طريق جرير بن عبدالحميد، وعلي بن مسهر، وعبدالله بن نمير، ووكيع، عن هشام بن عروة، ونص مسلم على أنه ليس في حديثهم ذكر غسل الرجلين.\nثم أخرج مسلم من طريق عيسى بن يونس، ووكيع، وأبي معاوية، عن\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٩١٦)، وانظر أمثلة أخرى للترجيح بهذه القرينة في: «علل ابن أبي حاتم (٢٦)،» (١٠٣٤)، (١٠٤٢)، (١٦٦٨) و«علل الدارقطني» ٢: ١٠٥، ٢٣٥، ٦: ١٠٥، ٣: ٢٤٥، و«القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ١٤٢، و«الفصل للوصل» ١: ٢٩٧، و«تحفة الأشراف» ١: ٧٨ - ٧٩، ٥: ٣٢٠، و«هدي الساري» ص ٣٦٣، و«فتح الباري» ١٠: ٣٢٢.","vol":"2","page":68},{"text":"الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة حديث غسل الجنابة، وفي روايتهم جميعا ذكر غسل الرجلين.\nوكذا صنع مسلم في رواية وكيع، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، حديث الغسل هذا، فإن وكيعا زاد فيه غسل اليدين ثلاثا، وليس في رواية الباقين ذكر العدد، وإنما ذلك عند الجميع -وفيهم وكيع- في حديث ميمونة (^١).\nووافق مسلما على تعليل هاتين الزيادتين في حديث عائشة أبو الفضل بن عمار الشهيد، فقال عنهما: «وليست زيادتهما عندنا بالمحفوظة» (^٢).\nوروى سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تنافسوا …» الحديث.\nقال حمزة بن محمد الكناني بعد أن روى هذا: «ولا نعلم أحدا قال في هذا\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣١٦ - ٣١٧).\n(^٢) «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» ص ٦٩ - ٧٢.\nوالحديثان لهما طرق كثيرة أخرى إلى هشام بن عروة، والأعمش، وكلها تؤيد ما ذهب إليه الإمامان، انظر: «صحيح البخاري» حديث (٢٤٨ - ٢٤٩)، (٢٥٧)، (٢٥٩ - ٢٦٠)، (٢٦٥ - ٢٦٦)، (٢٧٢)، (٢٧٤)، (٢٧٦)، (٢٨١)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٤٢)، (٢٤٥)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٣ - ١٠٤)، و«سنن النسائي» حديث (٢٤٧ - ٢٤٨)، (٢٥٣)، (٤١٦ - ٤١٨)، (٤٢١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٧٤)، و«مسند أحمد» ٦: ٥٢، ١٠١، ٣٢٩، ٣٣٥، ٣٣٦.","vol":"2","page":69},{"text":"الحديث عن مالك: «ولا تنافسوا» غير سعيد بن أبي مريم، وقد روى هذه اللفظة «ولا تنافسوا» عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس بن مالك، والله أعلم».\nقال الخطيب: «والأمر على ما قال حمزة، كل أصحاب مالك رووه عنه، ولم يختلفوا عليه فيه»، ثم ساق طرقا إلى مالك، ثم قال: «وهكذا روى الحديث عن ابن شهاب: شعيب بن أبي حمزة، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن الوليد الزبيدي، ولم يذكر أحد منهم اللفظة التي زادها سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن ابن شهاب، وهي: «ولا تنافسوا»، وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك، عن ابن شهاب، وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة»، ثم ساق طرقه إلى مالك (^١)، ونحوه لابن عبدالبر (^٢).\nوروى شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي وغيرهم، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة مرفوعا: «إذا أفلس الرجل فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به من الغرماء» (^٣).\nوروى موسى بن السائب، وغيره، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ - قال: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيِّع من باعه» (^٤).\n_________\n(^١) «الفصل للوصل» ٢: ٦٩٧ - ٧٠٠.\n(^٢) «فتح الباري» ١٠: ٤٨٤.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٥٥٩).\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٣١)، و«سنن النسائي» حديث (٩٥٤٦)، و«مسند أحمد» ٥: ١٣، و«المعجم الكبير» حديث (٦٨٦١).","vol":"2","page":70},{"text":"وفسر العلماء حديث سمرة هذا بأنه الرجل إذا سرق له مال، أو غصب منه، ثم وجده عند رجل قد اشتراه من سارقه أو غاصبه، أو ممن اشتراه منه فهو أحق به، ويرجع المأخوذ منه على من باعه بالثمن (^١).\nوقد روى عمر بن إبراهيم، عن قتادة، الحديث الأول، حديث المفلس بإسناد الحديث الثاني (^٢)، فقال محمد بن يحيى الذهلي في نقده: «هما حديثان عندي من حديث قتادة، فلعل عمر سمع من قتادة فاختلط عليه، فأما هذا الحديث -يعني حديث المفلس- فإنما رواه قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، حدثنا به وهب بن جرير، عن شعبة، عن قتادة، وحدثنا به أبو النعمان، عن جرير بن حازم، عن قتادة، والحديث الآخر فهو ما روى موسى بن السائب، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -، هذا في السرقة وذاك في التفليس» (^٣).\nوروى هشام الدستوائي، وشيبان بن عبدالرحمن، والأوزعي، وروح بن عبادة، ومعمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان مرفوعا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «معالم السنن» ٣: ٨٠٢.\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ١٠، و«العلل الكبير» ١: ٥٠٤.\n(^٣) «تحفة الأشراف» ٤: ٧١.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٢٣٦٧)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣١٣٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦٨٠)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢.","vol":"2","page":71},{"text":"ورواه عبدالرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبدالله بن قارظ، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي - ﷺ - (^١).\nوذهب جماعة من النقاد، منهم ابن معين، والبخاري، وإسحاق بن منصور، وأبو حاتم، إلى تضعيف رواية معمر هذه، ونص بعضهم على أن الصواب بهذا الإسناد حديث رافع بن خديج في النهي عن كسب الحجام، وقد رواه جماعة أيضا عن يحيى بن أبي كثير، وفيهم معمر (^٢)، فكأنه اشتبه على معمر المتنان (^٣).\nوروى الترمذي، عن أحمد بن عبدة الضبي، عن يحيى بن سليم الطائفي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن خيثمة، عن رجل، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»، ثم قال الترمذي: «هذا حديث غريب، ولا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم، عن سفيان، سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فلم يعده محفوظا، وقال: إنما أراد عندي: حديث سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: «لا سمر إلا لمصل أو مسافر»، قال محمد: وإنما يروى عن منصور، عن أبي إسحاق،\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٧٧٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٦٥، وقد روي عن معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، مثل رواية معمر، أخرجها ابن خزيمة حديث (١٩٦٥)، والحاكم ١: ٤٢٨، والمشهور في هذا رواية معمر.\n(^٢) «صحيح مسلم»، حديث (١٥٦٨) و«سنن أبي داود» حديث (٣٤٢١)، و«سنن الترمذي» حديث (١٢٧٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٦٤، ٤٦٥، ٤: ١٤١.\n(^٣) «العلل الكبير» ١: ٣٦٥ - ٣٦٢، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٩، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٦٧، و«فتح الباري» ٤: ١٧٧.","vol":"2","page":72},{"text":"عن عبدالرحمن بن يزيد -أو غيره- قال: «من تمام التحية الأخذ باليد»،» (^١).\nوقد يكون الرابط بين الحديثين خفيا جدا، يحتاج فيه إلى خبرة الناقد واستحضاره للطرق، وما قد يوجد فيها من تشابه وإن كان خفيا ينتقل بسببه الراوي من حديث لآخر.\nروى ابن عيينة، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عن خباب قال: «شكونا إلى رسول الله - ﷺ - حَرَّ الرمضاء، فلم يشكنا» (^٢).\nوراوه وكيع بن الجراح، وحفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن خباب، إلا أن رواية حفص فيها: عن حارثة بن مضرب، أو من هو مثله من أصحابه (^٣).\nوكذلك رواه يونس بن أبي إسحاق، وشريك -في بعض الطرق إليه- عن أبي إسحاق (^٤).\nوالحديث معروف عن أبي إسحاق، رواه عنه جماعة من كبار أصحابه، منهم سفيان الثوري، وشعبة، وزهير بن معاوية، وأبو الأحوص وغيرهم، لكن شيخ أبي إسحاق في روايتهم هو سعيد بن وهب، وليس حارثة بن مضرب،\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢٧٣٠).\n(^٢) «صحيح ابن حبان» حديث (١٤٨٠)، و«المعجم الكبير» حديث (٣٦٨٦)، و«أطراف الغرائب والأفراد» حديث (٢٠٦٥).\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (٦٧٥)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٨٥.\n(^٤) «شرح معاني الآثار» ١: ١٨٥، و«المعجم الكبير» حديث (٣٦٧٧ - ٣٦٧٦).","vol":"2","page":73},{"text":"وهو الصواب (^١).\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن رواية سفيان بن عيينة، فقال أبو حاتم: «هذا خطأ، أخطأ فيه ابن عيينة، ليس لهذا أصل، لا ندري كيف أخطأ، وماذا أراد».\nوقال أبو زرعة: «إنما أراد ابن عيينة حديث الأعمش، عن عمارة، عن أبي معمر، عن خباب، أنه قيل له: كيف كنتم تعرفون قراءة النبي - ﷺ -؟ قال: باضطراب لحيته»، قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة: عنده الحديثان جميعا؟ قال: أحدهما والآخر خطأ» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٦١٩)، «مسند أحمد» ٥: ١٠٨، ١١٠، و«مسند البزار» حديث (٢١٣٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٨٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٥، ١٣٥، و«مسند الشاشي» حديث (١٠٢٠)، و«المعجم الكبير» حديث (٣٧٠٢ - ٣٧٠٣)، و«سنن البيهقي» ٢: ١٠٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٧٤. وحديث خباب في قراءة النبي - ﷺ - من رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، أخرجه الحميدي حديث (١٥٦)، وابن خزيمة حديث (٥٠٥)، والطبراني في «المعجم الكبير» حديث (٣٦٨٦)، و(٣٦٨٨)، وله طرق كثيرة عن الأعمش. انظر: «صحيح البخاري» حديث (٧٤٦)، (٧٦٠ - ٧٦١)، (٧٧٧)، و«سنن أبي داود» حديث (٨٠١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٣٠) و«سنن ابن ماجه» حديث (٨٢٦)، و«مسند أحمد» ٥: ١٠٩، ١١٠، ١١٢، ٣٩٥.\nوانظر أمثلة أخرى لكلام النقاد في دخول حديث في حديث على الراوي في: «سنن أبي داود» حديث (١٩)، و«سنن النسائي» حديث (١٧٣٤ - ١٧٤٣)، و«علل ابن المديني» ص ٩٩ - ١٠٠، و«العلل ومعرفة الرجال» (١٣٢٧)، (٥٣١٩)، و«العلل الكبير» ١: ١٨٣، و«علل ابن أبي حاتم» (٩)، (١٩٨)، (٢٢٦)، (٢٠٧)، (٢٣٦)، (٢٣٧)، (٤٢٤)، (٢٨٧)، (٣٦٨)، (٦٧٥)، (٩٧٩)، (١١٢٠)، (١٢٦٦)، (١٥٥٢)، (١٨٩٧)، (١٩٣٥)، (١٩٨٢)، (٢١٦٥)، (٢٢٨٤)، (٢٢٩٢)، (٢٣١٩)، (٢٤٢٦)، (٢٤٢٦)، و«الجرح والتعديل» ١: ٣٣٧ - ٣٣٨، و«الضعفاء الكبير» ١: ٢٢٩، و«الكامل» ٣: ١١٨٩، ٥: ١٨٧٣، و«التتبع» ص ١٧٠، ٣١٩، و«علل الدارقطني» ٩: ٢٤٠، ٢٤٤، ١٥١، و«سؤالات السهمي للدارقطني» ص ٧٤، و«معرفة علوم الحديث» ص ٥٩، و«موضح أوهام الجمع والتفريق» ١: ٢٩٥، و«العلل المتناهية» ١: ٣٣٤.","vol":"2","page":74},{"text":"والمثالان الأخيران لهما نظائر كثيرة عند الرواة، ويقول الأئمة في نقدهم: «إنما أراد حديث كذا»، يشيرون بذلك إلى انتقاله من حديث إلى حديث آخر قريب منه متنا أو إسنادا، أو «إنما يروى بهذا الإسناد حديث كذا»، ونحو ذلك.\nكما في قول معمر لما رجع إلى اليمن فعرف أنه أخطأ حين حدث بالبصرة عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة …» الحديث، والصواب أنه عن الزهري مرسلا (^١)، فقال معمر في توجيه غلطه: «ذهبت إلى حديث الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أن غيلان بن سلمة طلق نساءه، وقسم ماله بين ولده» (^٢).\nويقولون كذلك: «دخل لفلان حديث في حديث»، فهذه العبارة معناها\n_________\n(^١) تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.\n(^٢) «تاريخ دمشق» ٥٩: ٣٩٢، وكان معمر يسوق الحديثين جميعا متصلين، وبهذه الطريقة أعله البخاري، ومسلم، وغيرهما، انظر: «سنن ابن ماجه» حديث (١٩٥٣)، و«مسند أحمد» ٢: ١٤، و«العلل الكبير» ١: ٤٤٥، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٢٥٣، و«الإصابة» ٨: ٦٦.","vol":"2","page":75},{"text":"تداخل حديثين على الراوي ونقل إسناد من حديث لآخر، أو الدمج بين الإسنادين.\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» الحديث عن الخلل الذي يمكن أن يقع حين التحديث من الكتاب، كأن ينتقل الراوي من سطر إلى سطر، أو تسقط عليه ورقة، أو يقلب ورقتين جميعا دون أن يشعر، فتتداخل عليه الأحاديث (^١).\nوعبارة: «دخل لفلان حديث في حديث» يستخدمها الناقد ولو لم يقف على الحديث الآخر، كما تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في الباب الثاني (التفرد)، حيث يستنكر النقاد أحاديث يتفرد بها بعض الرواة، ويلتمس النقاد أسبابا للخطأ، فلا يوقف للحديث على علة ظاهرة، مع جزم الناقد بأن الحديث خطأ.\nومما تقدم هناك ما ذكره ابن أبي حاتم قال: «سألت أبي عن حديث رواه عبدالله بن عمران، عن يحيى بن الضريس، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس، قال: «سمعت النبي - ﷺ - يلبي بهما جميعا: لبيك بحجة وعمرة»، قال أبي: فذكرته لأحمد بن حنبل فأنكره، قال أبي: أرى دخل لعبدالله بن عمران حديث في حديث، وسرقه الشاذكوني، لأنه حدث به بعد عن يحيى بن الضريس» (^٢).\nفأبو حاتم لم يذكر الحديث الذي تداخل على عبدالله بن عمران مع حديث الهرماس هذا، ولا أمكن الوقوف عليه، وإنما قال ما قال التماسا لسبب خطأ\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٢١.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٢.","vol":"2","page":76},{"text":"عبدالله بن عمران في هذا الحديث المنكر (^١).\nوالمقصود أن هذا النوع من النقد إذا كان يستخدم وإن لم يكن بين الحديثين وجه شبه، بل ولو لم يوقف على الحديث الآخر أصلا، فإن استخدامه كقرينة للترجيح عند الاختلاف إذا أمكن الوقوف على الحديث الآخر وكان بينهما وجه شبه - من باب أولى، وهو الذي يمكننا أن نشارك أئمة النقد فيه.\nفمن ذلك ما تقدم في الفصل الثالث من الباب الأول، وهو حديث سفيان الثوري، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، في صلاة النبي - ﷺ - عدة صلوات بوضوء واحد، فقد رواه جماعة -منهم عبدالرحمن مهدي، وأبو نعيم، وعبدالرزاق- عن الثوري هكذا مرسلا، ورواه جماعة -منهم وكيع، ومعتمر بن سليمان، ومعاوية بن هشام- عن الثوري موصولا بذكر بريدة بن الحصيب، والد سليمان، وتقدم هناك أن النقاد رجحوا رواية الإرسال.\nويمكن تفسير سبب غلط وكيع ومن معه بأن الثوري يرويه أيضا عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه موصولا، لم يختلف على الثوري في ذلك، وممن رواه عن الثوري: وكيع، ومعاوية بن هشام، في جملة أصحاب الثوري، فالظاهر أن جملة (عن أبيه) انتقلت لوكيع ومن معه من هذا الإسناد،\n_________\n(^١) انظر: «علل ابن أبي حاتم» (المناسك) تحقيق تركي الغميز ٢: ٧٤٣ - ٧٤٧، مسألة (٨٦)، وانظر أمثلة أخرى لهذا النوع في «علل ابن أبي حاتم» (٦٣)، (٨٦)، (٢٤٥)، (٣١٩)، (٥٠٣)، (٧١١)، (٩١٨)، (٢٤٤٩)، (٢٣٥٦)، (٢٤٦٢)، و«الضعفاء الكبير» ١: ٢٨، و«شعب الإيمان» حديث (٥١٣١)، و«التمهيد» ٣: ٢٥٥.","vol":"2","page":77},{"text":"وظنوا أنه يرويه أيضا عن محارب بن دثار موصولا.\nوروى ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبدالله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن أبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة مرفوعا: «من أفتي بفتيا غير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه» (^١).\nهكذا جاء عند ابن ماجه، وهذا المتن يرويه عبدالله بن يزيد المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو المعافري، عن عمرو بن أبي نعيمة، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، وفيه ألفاظ أخرى، هكذا رواه جماعة عن عبدالله بن يزيد المقرئ ومنهم ابن أبي شيبة في «مصنفه»، واقتصر بعضهم على جزء منه، وربما أسقط عبدالله بن يزيد: عمرو بن أبي نعيمة من الإسناد.\nوهكذا رواه ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، وذكر فيه عمرا، وكذا رواه رشدين بن سعد، ويحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، إلا أن رشدين ليس في روايته ذكر أبي هريرة (^٢).\nوأما الإسناد الذي ساقه ابن ماجه فهو لمتن آخر، ولفظه: «سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم».\n_________\n(^١) سنن ابن ماجه» حديث (٥٣).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٦٥٧)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣١، ٣٦٥، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٥٧٤، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٣٣٤)، و«سنن الدارمي» حديث (١٥٩)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤١٠ - ٤١١)، (٤٢٩٦ - ٤٢٩٩)، و«المستدرك» ١: ١٢٦، و«سنن البيهقي» ١٠: ١١٢، ١١٦.","vol":"2","page":78},{"text":"هكذا رواه جماعة أيضا عن عبدالله بن يزيد، وكذا رواه ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، وكذا رواه شراحيل بن يزيد، عن مسلم بن يسار (^١)، فالذي يظهر أنه دخل لابن ماجه حديث في حديث، والله أعلم.\nهذه بعض صور تطبيقات هذه القرينة، دون حصر لها، فهو غير ممكن، فكل ما في المتن والإسناد مما يدل على ضبط أحد الوجهين يدخل تحت هذه القرينة.\nو<span data-type='title' id=toc-360>في بعض الاختلافات توجد تفاصيل في رواية الجميع، فيستدل بذلك على حفظ الروايتين إن أمكن ذلك، وإن لم يمكن فلا بد من مرجح خارجي</span>.\nفمن ذلك أن الأعمش وغيره رووا عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعا: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج …» الحديث، وفي بعض الطرق إليه قصة، قال علقمة: «كنت مع عبدالله فلقيه عثمان بمنى، فقال: يا أبا عبدالرحمن، إن لي إليك حاجة، فخليا، فقال عثمان: هل لك يا أبا عبدالرحمن في أن نزوجك بكرا تذكرك ما كنت؟ فلما رأى عبدالله أن ليس له حاجة إلى هذا أشار إلي، فقال: يا علقمة، فانتهيت إليه وهو يقول: أما لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي - ﷺ -: «يا معشر الشباب …» الحديث (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» (المقدمة) حديث (٦ - ٧)، و«مسند أحمد» ٢: ٢١، و«مسند إسحاق بن راهويه» (٣٣٢)، و«التاريخ الكبير» ٧: ٢٧٥ و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٣٨٤)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٧٦٦)، و«المستدرك» ١: ١٠٣.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (١٩٠١٥)، (٥٠٦٥)، و«صحيح مسلم» حديث (١٤٠٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٠٤٦)، و«سنن النسائي» حديث (٢٢٣٩ - ٢٢٤٠)، (٣٢٠٧ - ٣٢٠٨)، (٣٠١١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٤٥)، و«مسند أحمد» ١: ٣٧٨، ٤٤٧، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤٠٢٦).","vol":"2","page":79},{"text":"ورواه يونس بن عبيد، عن أبي معشر زياد بن كليب، عن إبراهيم به، وذكر القصة بمعناها، لكن جعل المرفوع من رواية عثمان بن عفان عن النبي - ﷺ - (^١).\nفالترجيح بالقصة حينئذ غير ممكن، لوجودها في رواية الجميع، فلا بد من مرجحات أخرى، إذ لا مناص من الترجيح.\nوفي رواية الأعمش نفسها اختلاف في بعض تفاصيل القصة، منها ما في رواية زيد بن أبي أنيسة أن القصة وقعت بالمدينة، وفي رواية شعبة أن ذلك بعرفة، خلافا لرواية الأكثر، فهذه الاختلافات أيضا لا يمكن الترجيح بينها بالقصة، ولا مناص فيها من الترجيح أيضا.\nوروى مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال لي عبدالله بن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله - ﷺ - في شأن الجمعة؟ قال: قلت: نعم، سمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة» (^٢).\nوقد رواه جماعة عن أبي بردة بن أبي موسى من قوله، وفي رواية واصل بن حيان قال: «كنت عند ابن عمر، فسئل عن الساعة التي في الجمعة، فقلت: هي\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٢٢٤٢)، (٣٢٠٦)، و«مسند أحمد» ١: ٥٨.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٨٥٣)، و«سنن أبي داود» حديث (١٠٥٠).","vol":"2","page":80},{"text":"الساعة التي اختار الله لها -أو فيها الصلاة- قال: فمسح رأسي، وبارك علي، وأعجبه ما قلت» (^١).\nالقرينة الثالثة: الثبات والاضطراب عند رواة الاختلاف:\nإذا اختلف الرواة على شيخهم فينبغي تأمل رواية كل وجه عنه، والتأكد من ثبات من روى الوجه أو اضطرابه في روايته هذه، فإذا كانت النتيجة ثبات راوي أحد الأوجه، واضطراب راوي الوجه الآخر، فإن رواية من ظهر من روايته أنه ثابت لم يضطرب مقدمة على رواية من اضطرب، فتكون هي الراجحة والأخرى مرجوحة.\nولهذه القرينة صور متعددة، منها أن يتردد في نفس الرواية فيقول: كذا، أو كذا.\nومنها أن يختلف عليه، فيروي عنه بعض أصحابه على صفة، وبعضهم على صفة أخرى، قد تكون صفة أخرى عن شيخه في هذا الاختلاف، وقد تكون على صفة خارج الاختلاف الأول عن شيخ آخر.\nومنها أن يخالف الراوي في أول الإسناد -مثلا-، ثم يخالف مرة أخرى في مكان آخر في الإسناد، أو يخالف مرة أخرى في المتن، مما يدل على أنه لم يتقن هذا الحديث، فتعددت مخالفاته واضطرب فيه.\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ١٤٣، وانظر: «علل الدارقطني» ٧: ٢١٢، و«فتح الباري» لابن رجب ٥: ٥١٥.","vol":"2","page":81},{"text":"ومن أمثلة ذلك الحديث الماضي في المبحث الذي قبل هذا، وهو مبحث (القرائن في الرواة المختلفين)، في (القرينة الرابعة: جوانب القوة والضعف في الراوي)، وهو ما يرويه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ -: «الصلاة مثنى مثنى …» الحديث.\nورواه الليث بن سعد وغيره عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، عن الفضل بن عباس.\nوقد ذكرت هناك تخطئة النقاد لشعبة في مواضع من إسناد الحديث.\nوروى أصحاب سفيان الثوري، ومنهم يحيى القطان، ووكيع بن الجراح وعبدالرزاق، وأبو حذيفة، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وغيرهم، رووا عن سفيان الثوري، عن حكيم بن جبير، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «ما رأيت أحدا كان أشد تعجيلا للظهر من رسول الله - ﷺ -، ولا من أبي بكر، ولا من عمر» (^١).\nورواه إسحاق بن يوسف الأزرق مرة أخرى عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة (^٢).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٥٥)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣٥، ٢١٦ و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٥٤)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٨٥، و«الكامل» ٢: ٦٣٥، ٦٣٦، و«سنن البيهقي» ١: ٤٣٦.\n(^٢) «سنن البيهقي» ١: ٤٣٧.","vol":"2","page":82},{"text":"قال عبدالله بن أحمد: «سألت أبي عن حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن منصور …، فقال: الحديث حديث حكيم بن جبير، ليس هذا من حديث منصور، وحدثناه الأزرق، عن سفيان، عن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن عائشة، أخطأ لنا فيه، وقال مرة الأزرق: عن سفيان، عن حكيم بن جبير، عن الأسود، عن عائشة، وأنكر أبي أن يكون هذا من حديث منصور» (^١).\nفاستدل أحمد على خطأ إسحاق الأزرق في الوجه الذي انفرد به عن أصحاب سفيان، وهو جعله عن منصور مكان حكيم بن جبير - بأن إسحاق قد رواه عن سفيان على وجهين آخرين، فصارت الأوجه التي رواها عن سفيان ثلاثة، وهذا اضطراب شديد.\nوروى محمد بن السائب المكي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي ذر، قال: قال النبي - ﷺ -: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة» (^٢).\nورواه جماعة عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة (^٣).\nورواه آخرون عن أبي بلج، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن عمرو (^٤).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٣٠٣.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٨٤٢)، و«مسند أحمد» ٥: ١٥٠،\nو(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٩٨٤١)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٩٨، ٣٣٥، ٣٥٣، ٣٦٣، ٤٠٣، و«الدعاء» للطبراني حديث (١٦٣٤).\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (٣٤٦٠)، و«الترغيب» لابن شاهين حديث (٣٤٩).","vol":"2","page":83},{"text":"قال البخاري: «والأول أصح»، يعني كونه عن أبي ذر، وأشار البخاري إلى الاختلاف على أبي بلج (^١).\nوروى سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر: «سمعت النبي - ﷺ - قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، ومدّ بها صوته» (^٢).\nورواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي عنبس، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر، قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - فلما قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، وأخفى بها صوته …» الحديث، وفي بعض الطرق إلى شعبة: أو سمعه حجر من وائل، وفي بعضها قول حجر: سمعت علقمة بن وائل يحدث عن وائل، وقد سمعت من وائل، وفي بعض طرقه إلى شعبة لم يذكر علقمة بن وائل (^٣).\nقال البخاري: «حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، في هذا الباب\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ١٠٠.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٩٣٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٤٨)، و«مسند أحمد» ٤: ٣١٦، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٤٢٥، ١٠: ٥٢٥، ١٤: ٢٤٤، و«سنن الدارمي» حديث (١٢٤٧)، و«المعجم الكبير» حديث (١١١)، و«سنن الدارقطني» ١: ٣٣٣، ٣٣٤، و«سنن البيهقي» ٢: ٥٧، و«معرفة السنن والآثار» حديث (٣١٦٠)، و«إتحاف المهرة» ١٣: ٦٦٢.\n(^٣) «مسند أحمد» ٤: ٣١٦، و«مسند الطيالسي» حديث (١١١٧)، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٠٥)، و«المعجم الكبير» ٢٢ حديث (٢)، (٣)، (١٠٩)، (١١٢)، و«سنن الدارقطني» ١: ٣٣٤، و«المستدرك» ٢: ٢٣٢.","vol":"2","page":84},{"text":"أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضع، قال: عن سلمة بن كهيل، عن حجرأبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس، وكنيته أبو السكن، وزاد فيه: عن علقمة بن وائل، وإنما هو: حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، ليس فيه علقمة، وقال: «وخفض بها صوته»، والصحيح أنه جهر بها» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، وأبان، فقالا: عن قتادة، عن الحسن، عن عقبة بن عامر، ورواه همام، وهشام الدستوائي، وحماد بن سلمة، وسعيد بن بشير، فقالوا: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي - ﷺ -: «إذا زوج الوليان فهو للأول».\nفقالا: عن سمرة، عن النبي - ﷺ - أصح، لأن ابن أبي عروبة حدث به قديما فقال: عن سمرة، وبأخرة شك فيه» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه يحيى بن حسان، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٢١٧، و«سنن الترمذي» حديث (٢٤٨)، و«التاريخ الكبير» ٣: ٧٣.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٤، وانظر هذه الطرق وغيرها في: «سنن أبي داود» حديث (٢٠٨٨)، و«سنن الترمذي» حديث (١١١٠)، و«سنن النسائي» حديث (٤٦٩٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٢٧٨ - ٦٢٧٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢١٩٠ - ٢١٩١)، (٢٣٤٤)، و«مسند أحمد» ٤: ١٤٩، ٥: ٨، ١١، ١٢، ١٨، ٢٢، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ١٣٩، و«سنن الدارمي» حديث (٢١٩٣ - ٢١٩٤)، و«المعجم الكبير» حديث (٦٨٤٠ - ٦٨٤٣)، و«المستدرك» ٢: ١٧٥، و«سنن البيهقي» ٧: ١٤٠ - ١٤١، و«إتحاف المهرة» ٦: ٣٥.","vol":"2","page":85},{"text":"النبي - ﷺ - قال: «يكتب للحجاج كذا …».\nقال أبي: هذا خطأ، حدثناه حجاج الأنماطي، وأبو سلمة، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال أبي: أخطأ يحيى بن حسان في موضعين، وهذا الصحيح» (^١).\nوروى جماعة من أصحاب حماد بن سلمة، عنه، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من ملك ذا محرم مُحَرّم فهو حر»، وفي بعض طرقه: عن سمرة بن جندب -فيما يحسب حماد- (^٢).\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عمر بن الخطاب قوله (^٣).\nورواه سعيد بن أبي عروبة أيضا، وهشام الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن قوله (^٤).\nقال أبو داود في نقد رواية حماد بن سلمة: «لم يحدث ذلك الحديث إلا حماد بن سلمة، وقد شك فيه»، ثم ساق طريقي سعيد بن أبي عروبة وقال: «سعيد أحفظ من حماد».\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٩٤٩)، و«سنن الترمذي» حديث (١٣٦٥)، و«سنن النسائي الكبرى» (٤٨٩٨ - ٤٩٠٢) و«مسند أحمد» ٥: ١٥، ١٨، ٢٠.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٣٩٥٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٩٠٣)، (٤٩٠٦).\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٣٩٥١ - ٣٩٥٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٩٠٤ - ٤٩٠٥).","vol":"2","page":86},{"text":"وقال البيهقي في نقده: «والحديث إذ انفرد به حماد بن سلمة، ثم شك فيه، ثم يخالفه فيه من هو أحفظ منه - وجب التوقف فيه» (^١).\nوروى سفيان الثوري، وشعبة، وأبو عوانة، وجرير بن عبدالحميد، وسفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه-، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية …» الحديث (^٢).\nورواه سفيان بن عيينة -في بعض الروايات عنه-، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير (^٣).\nهكذا رواه سفيان زاد فيه والد حبيب بن سالم، قال الترمذي في نقد هذه الرواية، بعد أن ذكر رواية الجماعة عن إبراهيم: «وأما سفيان بن عيينة فيختلف عليه في الرواية، يروى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا نعرف لحبيب بن سالم رواية عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، وروى عن النعمان بن بشير أحاديث،\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ١٠: ٢٨٩.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٨٧٨)، و«سنن أبي داود» حديث (١١٢٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٥٣٣)، و«سنن النسائي» حديث (١٤٦٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٨١)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٧٣، ٢٧٦، ٢٧٧، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٤٦٣).\n(^٣) «مسند أحمد» ٤: ٢٧١، و«مسند الحميدي» حديث (٩٢٠)","vol":"2","page":87},{"text":"وقد روي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو رواية هؤلاء» (^١).\nوقال مرة -ويحتمل أنه ينقله عن البخاري-: «وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فيضطرب في روايته …» (^٢).\nوروى سفيان الثوري -في المحفوظ عنه- عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (^٣).\nورواه عبدالعزيز الدراوردي، وحماد بن سلمة، ومحمد بن إسحاق، وعبدالواحد بن زياد، وسفيان بن عيينة، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - (^٤).\nقال الترمذي بعد أن أخرج رواية الدراوردي: «تابعه حماد سلمة، [و] كان الدراوردي أحيانا يذكر فيه: عن أبي سعيد، وربما لم يذكر فيه، والصحيح رواية\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٥٣٣).\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ٢٨٦.\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (٧٤٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٨٣، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٥٨٢)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٣٧٩، والظاهر أنه قد أرسله آخرون غير الثوري، ففي «سنن الدارمي» حديث (١٣٩٧)، بعد أن ساق رواية الدراوردي الآتية: «قيل لأبي محمد: تجزئ الصلاة في المقبرة؟ قال: إذا لم تكن على القبر فنعم، فإن الحديث أكثرهم أرسلوه»، وقال الدارقطني في «العلل» ١١: ٣٢١: «رواه جماعة عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلا»، وهو ما يؤخذ من كلام الترمذي الآتي.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٤٩٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٣١٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٨٣، ٩٦، و«مسند الشافعي» حديث (١٩٨)، و«العلل الكبير» ١: ٢٣٨.","vol":"2","page":88},{"text":"الثوري وغيره عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسل».\nوحماد بن سلمة قد تردد أيضا، ففي رواية عنه قال فيه: عن أبي سعيد\n-فيما يحسب-.\nوكذلك سفيان بن عيينة، فهو من رواية الشافعي عنه، وقد قال الشافعي بعد أن رواه مرسلا: «وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين، أحدهما منقطعا، والآخر عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ -».\nومحمد بن إسحاق قد جاء عنه أيضا شيء من هذا، قال الترمذي: «ورواه محمد بن إسحاق، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه -قال: وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - ولم يذكر فيه: عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -».\nويحتمل أن تكون هذه الجملة: «وكان عامة روايته عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -»، من كلام عمرو بن يحيى، يبين فيها أن والده كثير الرواية عن أبي سعيد، لا بخصوص هذا الحديث بعينه، فوقع التردد من هؤلاء، واجتماعهم على روايته موصولا ومرسلا يبعد أن يكون وقع اتفاقا، فهذا سببه إذن، ويظهر بهذا قوة من رجح المرسل، وهم الترمذي، والدارمي -كما سبق-، والدارقطني، قال: «والمرسل المحفوظ» (^١).\nومن دقائق هذه المسألة -وهي ثبات الراوي أو اضطرابه- أن يخالف راو في إسناد، ثم تقع منه مخالفة في إسناد آخر، فيترجح أنه اضطرب ولم يحفظ،\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١١: ٣٢١.","vol":"2","page":89},{"text":"وأن قول مخالفه هو الصواب.\nمثال ذلك أن جماعة من أصحاب محمد بن عجلان -منهم يحيى القطان، والثوري، وحماد بن مسعدة، ووهيب بن خالد في بعض الرويات عنه، وأبو خالد الأحمر في بعض الروايات عنه- رووا عن ابن عجلان، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: «أمر النبي - ﷺ - بوضع اليدين، ونصب القدمين» (^١).\nورواه وهيب وأبو خالد الأحمر -في بعض الروايات عنهما- عن محمد بن عجلان، عن محمد إبراهيم التيمي، عن عامر بن سعد، عن أبيه، هكذا روياه موصولا بذكر سعد بن أبي وقاص (^٢).\nوقد رجح الأئمة الإرسال، وأبو خالد الأحمر متكلم فيه من جهة حفظه، وقد اختلف عليه، وخالف الجماعة، وأما وهيب فهو ثقة ثبت، لكن مخالفته للجماعة، والاختلاف عليه، يرجحان وهمه في الإسناد الموصول.\nومما يرجح وهم وهيب أيضا أنه قد رواه عن محمد بن عجلان، عن بكير بن عبدالله، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد (^٣)، وخالفه سفيان الثوري، فرواه\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢٧٨)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٢١٦، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٧، و«علل الدارقطني» ٤: ٣٤٦.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٧٧)، و«علل الدارقطني» ٤: ٣٤٥، و«المستدرك» ١: ٢٧١، و«سنن البيهقي» ٢: ١٠٧.\n(^٣) «علل الدارقطني» ٤: ٣٤٥.","vol":"2","page":90},{"text":"عن ابن عجلان، عن بكير، عن عامر بن سعد مرسلا (^١).\nومن المهم جدا أن ندرك -في قضية الاستفادة من تردد أحد المختلفين على الراوي واضطرابه وترجيح رواية من ثبت ولم يضطرب- أن ذلك الاضطراب إن كان بسبب الاختلاف على أحد الرواة المحكوم عليه بالاضطراب، فلا بد أولا من تطبيق قواعد الاختلاف عليه، فلا يصح أن نحكم على راو بأنه اضطرب وتردد بمجرد أن نقف على اختلاف عليه، فنطبق على الراوي نفسه ما تقدم في المبحث الأول (القرائن في الرواة المختلف عليهم)، وننظر هل هذا الراوي يحتمل أن يقع منه اضطراب أو لا؟، ونطبق كذلك على الرواة المختلفين عنه ما تقدم في المبحث الثاني (القرائن في الرواة المختلفين) وننظر هل يمكن الترجيح بينهم؟، وكذلك ما نحن بصدده في هذا المبحث وهي (القرائن في أوجه الاختلاف).\nويتأكد هذا إذا كان الاختلاف على أحد الراويين قد وافق فيه مخالفه، فقد عرفنا فيما مضى في (المبحث الثاني) أن بعض الرواة قد يسقط ما يراه خطأ، أويقوم بتصويبه، لأسباب عديدة.\nويلتحق بذلك تصرفات النساخ، ومحققي الكتب في الوقت الراهن، فإنهم يتصرفون في النص إسنادا أو متنا وفق ما يجدونه في مصادر أخرى، فيلتبس الأمر، خاصة إذا كان الاختلاف في جزء يسير من النص، إسنادا أو متنا، كما تقدم شرحه في الفصل الثالث من الباب الاول.\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٩٤٤)، و«علل الدارقطني» ٤: ٣٤٦.","vol":"2","page":91},{"text":"وكذلك تقدم في مبحثنا هذا في (القرينة الثانية) ما يتعلق بحمل بعض الروايات على بعضها الآخر، وقد يقع مع ذلك إفرادها على صفتها وهي محمولة.\nوالتعامل مع الاختلافات بابه واحد، غاية ما هنالك أن الحديث الواحد قد يقع فيه أكثر من اختلاف، فيكون فيه عدة مدارات، فمدار أدنى، ومدار أعلى، وقد يوجد مدار أوسط، وهكذا، وقد تقدمت الإشارة إلى تعدد المدار في الفصل الثاني من الباب الاول، وكذلك في الفصل الأول من هذا الباب -الباب الثالث-.\nوقضية تعدد المدار إحدى القضايا التي تلقي على الناظر في الاختلاف مزيدا من العبء، سواء في عرض الطرق وتلخيصها للقارئ وعرض دراسة الاختلاف والنظر فيه، أو في الوصول إلى نتيجة في الاختلاف موضع الدراسة، والنتيجة النهائية للحديث كله، وسيأتي الحديث عن ذلك -بعون الله تعالى وقوته- في فصول قادمة.\nوأراني هنا ملزما بذكر بعض الأمثلة التي توضح الغرض المشار إليه.\nفمن ذلك الحديث الماضي قريبا، وهو حديث أبي سعيد الخدري: «الأرض كلها مسجد …» الحديث، فقد رجح النقاد رواية سفيان الثوري المرسلة، فهو أحفظ من جميع من وصله، مع ترددهم في الوصل والإرسال، وقد جاء موصولا من طريق الثوري (^١)، فلا يصح أن يقال: والثوري أيضا قد اختلفت روايته، فيترجح الموصول كما فعله بعض الباحثين، لأن الموصول عن الثوري لا يثبت\n_________\n(^١) علل الدارقطني» ١١: ٣٢١.","vol":"2","page":92},{"text":"عنه، ولهذا قال البيهقي بعد ذكر إرساله من طريق الثوري: «وقد روي موصولا وليس بشيء» (^١).\nومن ذلك أيضا الحديث المتقدم آنفا، وهو حديث وائل بن حجر، وقد اختلف فيه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج في مواضع منه، في متنه وإسناده، وحكم النقاد فيها كلها لسفيان الثوري، وعدوا اجتماعها دليلا على عدم ضبط شعبة لهذا الحديث.\nومن المواضع التي جرى فيها الاختلاف بينهما فيه أن سفيان الثوري لم يذكر في الإسناد علقمة بن وائل، فجعله عن حجر بن عنبس، عن وائل، وأما شعبة فذكر فيه علقمة، لكن جاء عن شعبة من طرق بموافقة سفيان، وإسقاط علقمة، وجاء عنه أيضا قوله: أو سمعه حجر من وائل، على اختلاف بين المصادر في هذه الجملة، فمثل هذا الاختلاف عن شعبة يمكن تأييد رواية سفيان به، وأن شعبة كان يتردد في هذا الموضع من الإسناد ويضطرب.\nوقد رجح بعض الباحثين ممن تكلم على هذا الحديث اعتمادا على صنيع شعبة هذا أن حجر بن عنبس سمعه من علقمة بن وائل، عن وائل، وسمعه من وائل نفسه، فحفظ سفيان أحد الوجهين، وحفظهما شعبة جميعا، فكان يذكر هذا وهذا، وما رجحه هؤلاء الباحثون بعيد جدا.\nوعكس هذا أنهما اختلفا في لفظ الحديث، فرواه سفيان بلفظ: «فقال:\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ٢: ٤٣٥.","vol":"2","page":93},{"text":"آمين -ومدَّ بها صوته-»، وفي بعض طرقه: «ورفع بها صوته»، ورواه شعبة بلفظ: «… وأخفى بها صوته».\nوقد رواه البيهقي من طريق إبراهيم بن مرزوق البصري، عن أبي الوليد هشام بن عبدالملك الطيالسي، عن شعبة، وفيه: «قال: آمين -ورفع بها صوته-».\nوالرواية هذه عن شعبة بموافقة سفيان، جعلها بعض من تكلم على الحديث مؤيدة لرواية سفيان، وأن شعبة رجع إلى قول سفيان، وهذا بعيد جدا، فالطرق متضافرة عن شعبة، أنه يرويه بلفظ: «وأخفى بها صوته»، ورواية البيهقي هذه لا تصح عن شعبة، فقد أخرجه الطبراني، عن معاذ بن المثنى، عن أبي الوليد الطيالسي، باللفظ المشهور عن شعبة، وكذلك أخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن أبي الوليد، إلا أنه قرن أبا الوليد بسليمان بن حرب، والنتيجة أن الاختلاف على شعبة هذا لا يصح أن يعده الباحث اضطرابا من شعبة، فيجعل ذلك من مرجحات قول سفيان، لأن أحد الوجهين عن شعبة لا يصح عنه.\nوكذلك رواية أبي الوليد التي فيها موافقة شعبة لسفيان، حين النظر بينها وبين رواية الجماعة عن شعبة، لا يصح تعليلها بأن أبا الوليد قد اختلف عليه فلم يضبط، لأن أبا الوليد من الثقة والتثبت فوق أن ينسب إليه الاضطراب، وقد أمكن أن يحمل الخطأ غيره، وذاك أن إبراهيم بن مرزوق البصري الذي أخرج البيهقي الرواية من طريقه قد ذكر أنه كان يخطئ، وخاصة بعد ما عمي، ومعاذ بن المثنى، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، أثبت منه بكثير.","vol":"2","page":94},{"text":"وثالث المواضع التي وقع الاختلاف فيها بين سفيان، وشعبة، أن سفيان يقول فيه: عن حجر بن عنبس، وشعبة يقول: عن حجر أبي العنبس، وقد جاء عن سفيان الثوري بموافقة شعبة، وأنه يقول فيه: عن حجر أبي العنبس، جاء هذا من رواية محمد بن كثير، والمحاربي، عن سفيان، وكذا جاء عن وكيع في بعض الطرق إليه، فجعل هذا بعض الأئمة المتأخرين دليلا على ضبط شعبة لروايته، فإن سفيان قد اختلف عليه، فوافق شعبة في بعض الروايات عنه، وبنوا عليه أن حجرا يكنى أبا العنبس، ويكنى أيضا أبا السكن، فله كنيتان.\nوما ذكروه بعيد، فإن هذه الروايات عن سفيان التي وافق فيها شعبة لا تصح عنه، ولا يحتمل فيها أن يقال: إن سفيان كان يقول مرة بهذا ومرة بهذا، ولولا ضيق المقام لشرحت المقصود.\nومن الأمثلة كذلك حديث الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أُبي بن كعب، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن من الشعر حكمة».\nهكذا يرويه الجماعة من أصحاب الزهري، منهم شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، ومعمر، وزياد بن سعد، وعبيدالله بن أبي زياد، وإسماعيل بن أمية، وغيرهم.\nورواه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، فكان يقول فيه: عبدالله بن الأسود، مكان عبدالرحمن بن الأسود، هكذا رواه جماعة عن إبراهيم بن سعد، وهو مشهور عنه يخطئ فيه، وقد جاء عنه بموافقة رواية الجماعة، وجاء عنه بالإبهام","vol":"2","page":95},{"text":"هكذا: عن ابن الأسود بن عبد يغوث.\nفهذا الاختلاف عن إبراهيم لا ينبغي أن يعد اضطرابا منه، فقوله واحد وإن كان يخطئ فيه، فالتصرف في اسم الراوي بإعادته إلى الصواب أو بإبهامه هو ممن بعد إبراهيم.\nوجاء عن إبراهيم في أحد الطرق إليه بإسقاط أبي بن كعب، فهذا أيضا ليس منه، فالطرق متضافرة إليه بذكر أبي، والخطأ ممن دونه.\nوجاء عن يونس بن يزيد في بعض الطرق إليه في «مسند أحمد» كقول إبراهيم بن سعد، فهذا أيضا لا ينبغي أن يعد اختلافا على يونس، تعضد به رواية إبراهيم، فإن سياق الإسناد ما قبله وما بعده يدل على أنه من تحريف النساخ، وهو على الصواب في «أطراف المسند»، و«إتحاف المهرة».\nوخالف معمر الجماعة في موضع آخر، فرواه عنه عبدالرزاق، وابن المبارك، بجعل عروة بن الزبير مكان أبي بكر بن عبدالرحمن.\nورواه رباح بن زيد، وهشام بن يوسف، عن معمر، كقول الجماعة.\nفهذا اختلاف حقيقي على معمر، تضعف به روايته، فالطرق إليه قوية، وقد قال رباح بن زيد: «إن معمرا أخرج كتابه فإذا فيه: عن أبي بكر بن عبدالرحمن»، فالظاهر أنه يغلط فيه إذا حدث من حفظه (^١).\n_________\n(^١) انظر هذا الحديث والكلام عليه في: «صحيح البخاري» حديث (٦١٤٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٥٦، ٥: ١٢٥ - ١٢٦، و«مسند الطيالسي» حديث (٥٥٨)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٤٩٩) و«مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٥٠٣، و«سنن الدارمي» حديث (٢٧٠٧)، و«الأدب المفرد» حديث (٨٦١)، (٨٦٧)، و«الآحاد والمثاني (١٨٥٤ - ١٨٥٨)، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٧، و«مسند الشاشي» حديث (١٥١٢)، و«سنن البيهقي» ١٠: ٢٣٧، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٣٠، و«تفسير الوسيط» ٣: ٣٦٦، و«تحفة الأشراف» ١: ٣١، و«أطراف المسند» ١: ٢١٧، و«إتحاف المهرة» ١: ٢٣٩.","vol":"2","page":96},{"text":"وفي ختام هذا المبحث -القرائن في أوجه الاختلاف- أود التنبيه إلى قضيتين هامتين تتعلقان باستخدام صفة في رواية وجه من أوجه الاختلاف لترجيحه، أو لترجيح غيره عليه.\nأما القضية الأولى فإن الباحث قد يجد في صفة بعض الأوجه مرجحات أخرى لم يتقدم الحديث عنها، تعمدت ترك الحديث عنها هنا لأن بحثها سيأتي موسعا في الباب الرابع (المعارضة والاعتضاد)، في الفصل الخاص بالمعارضة، وهي أمور لا تختص بالاختلاف، فهناك الحديث عن فحص متن الحديث بعرضه على عدة أصول، منها القرآن الكريم، والأحاديث المعارضة، والبلاغة النبوية، وما قد يرد عن الراوي من فتوى بخلاف ما روى، وغير ذلك، سواء كان الحديث فيه اختلاف، أو لم يكن، وسواء في ذلك الوجه الراجح أو الوجه المرجوح إن كان الحديث فيه اختلاف.\nفهذا العرض قد ينتج عنه ما يفيد في ترجيح أحد الأوجه عن المدار، فيضم إلى غيره، ولا يصح أن يغفله الباحث، كأن يختلف على راو في تسمية شيخه أو من فوق شيخه على وجهين، ويأتي عن أحد المسمين في هذا الاختلاف رأي","vol":"2","page":97},{"text":"يخالف ما في متن الحديث، فيمكن أن يستدل بذلك على حفظ الوجه الآخر عن المدار، فهو من قرائن الترجيح إذن.\nوأما القضية الثانية فهي عكس القضية الأولى: التنبيه على خطورة استخدام صفات لا صلة لها بالترجيح، فقد رأيت بعض الباحثين يستخدم في الترجيح أمورا لا مدخل لها فيه، وأكثر ذلك شيوعا عند الباحثين صفتان:\nالصفة الأولى: تمام أحد الإسنادين، ففي الاتصال والانقطاع إذا اختلف على راو من الرواة على وجهين، رجح الباحث أحدهما لكونه متصلا عن صحابيه -مثلا- أو عن تابعيه، والآخر منقطعا، فالراوي الموجود فيه دون الصحابي لم يسمع منه، أو دون التابعي لم يسمع منه.\nوهذا مزلق خطير، فلا مدخل لهذا في الترجيح، والبحث عن الراجح إنما هو عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، ما الذي حدث به؟ وقد يكون الراجح عنه هو التام، وقد يكون هو الناقص، أو يترجح عنه حفظ الوجهين.\nومن أمثلة ذلك أن وكيع بن الجراح روى عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن أبي أنس مالك بن عامر، عن عثمان: «أنه توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا، وعنده رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ - …» الحديث (^١).\nورواه جماعة كثيرون، منهم الأشجعي، وعبدالله بن الوليد العدني، والحسين بن حفص، ومحمد يوسف الفريابي، وأبو حذيفة موسى بن مسعود،\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٣٠)، و«مسند أحمد» ١: ٥٧.","vol":"2","page":98},{"text":"عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان (^١).\nسئل أبو حاتم، وأبو زرعة، عن هذا الاختلاف، وذكر لهما رواية وكيع، ورواية الفريابي، فرجحا رواية وكيع، وأن الفريابي وهم في جعله الحديث عن بسر بن سعيد، ثم قال أبو حاتم: «وأبو أنس جد مالك بن أنس، وأبوأنس عن عثمان متصل، وبسر بن سعيد، عن عثمان، مرسل» (^٢).\nفرأيت توارد بعض الباحثين على ذكر الاتصال بين أبي أنس، وعثمان بن عفان، وكونه سمع منه، وليس كذلك بسر بن سعيد، من مرجحات رواية من جعل الحديث عن أبي أنس، عن عثمان، وهو وكيع، ويذكرون كلمة أبي حاتم في هذا، بل ذكر بعضهم أن الدارقطني -وهو أحد النقاد الذين خالفوا أبا حاتم، وأبا زرعة، فرجحوا رواية الجماعة على رواية وكيع- إنما رجح رواية الجماعة لكونه يعتقد أن رواية بسر بن سعيد، عن عثمان متصلة، وهي في الواقع منقطعة، كذا قال الباحث، زاد الطين بلة في الاتكاء على قضية اتصال الإسناد وأثره في الترجيح.\nوليس هذا الصنيع بجيد، فلا مدخل لهذا في الترجيح، وأبو حاتم، وأبو زرعة، إنما رجحا رواية وكيع لأنها ذكرت لهما في مقابل رواية الفريابي، فقدما وكيعا عليه، وأما غيرهما من الأئمة ممن تكلم على هذا الاختلاف\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٦٧، و«سنن الدارقطني» ١: ٨٥، و«علل الدارقطني» ٣: ١٧، و«التتبع» ص ٤١٢، و«سنن البيهقي» ١: ٧٩.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٥٥.","vol":"2","page":99},{"text":"-مثل أحمد والدارقطني- فقد نظروا في هذا الاختلاف بين رواية وكيع ورواية الجماعة، فلم يترددوا في ترجيح رواية الجماعة، وأن وكيعا يخطئ فيه ولم يلتفتوا للاتصال من عدمه (^١).\nوفي أمثلة أخر رجح أبو حاتم في الاختلاف الطريق المنقطع، أو الأظهر انقطاعا، ولم يلتفت لاتصال الثاني، أو لقرب اتصاله، وقد ذكر هذا هو بعد أن فرغ من الترجيح، قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه محمد بن أيوب، عن حفص المهرقاني، عن محمد بن سعيد بن سابق، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - قال: «الغازي والحاج والمعتمر وفد الله، سألوا الله فأعطاهم، ودعوا الله فأجابهم».\nفقال أبي: هذا حديث خطأ، إنما هو: أبو بكر بن حفص، عن عمر مرسلا، وقد أدرك أبو بكر بن حفص: ابن عمر، ولم يدرك عمر» (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «سألت أبي عن حديث رواه أحمد بن يونس، عن مندل، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: قال عمر بن الخطاب: «كان رسول الله - ﷺ - يكره الكراث …» الحديث.\nقال أبي: هذا خطأ، وإنما هو: حصين، عن هلال بن يساف، عن عمر بن الخطاب -مرسلا- عن النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٢٨٢، و«التتبع» ص ٤١٢، و«سنن الدارقطني» ١: ٨٥، و«علل الدارقطني» ٣: ١٧، و«شرح صحيح مسلم» للنووي ٣: ١٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٦.","vol":"2","page":100},{"text":"قلت لأبي: عمرو بن ميمون لقي عمر، قال: نعم، وهلال بن يساف\nلم يلق عمر» (^١).\nوتعرض أحد الباحثين لحديث قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي - ﷺ - قال لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، وقد اختلف فيه على قتادة، وعلى من دونه، ومن الاختلاف فيه ما رواه يوسف بن عطية الصفار، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nفذكر الباحث ضعف هذا الوجه، وذلك لسببين، الثاني منهما ضعف يوسف الصفار، وأنه متروك، وهذا لا إشكال فيه، وبه سقط هذا الوجه قبل أن يصل إلى قتادة، بل قبل أن يصل إلى سعيد بن أبي عروبة.\nوالسبب الأول الذي ذكره الباحث استفتحه بما نقله عن البرديجي أن سلسلة (قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) لا تصح، كلها معلولة، وهذا حق، ولكن هذا عائد للسبب الثاني، وهو أنها لا تصح عن قتادة أصلا، فهي معلولة.\nوذكر الباحث في السبب الأول أيضا بعد نقل كلام البرديجي ما جاء عن أحمد، وعبدالرحمن بن مهدي، من تضعيف رواية قتادة، عن سعيد بن المسيب، وأنه يدخل بينه وبين سعيد رجالا لا يعرفون.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠١، وانظر أمثلة أخرى له (١٦٣)، (٢١٧٩)، (٢٧٥٤).","vol":"2","page":101},{"text":"وصنيع الباحث هنا هو موضع الإشكال، فنقد الوجه بهذه الطريقة تحميل لقتادة عهدة خطأ ممن دونه، فهو لم يصح عنه أصلا، ودراسة الباحث للاختلاف في هذا الحديث ينبغي أن تنصب على النظر في الأوجه عن قتادة، وما الذي يصح منها عنه، وما الذي لا يصح؟ وأما ما بعد قتادة، فإنما ينظر فيه الباحث بعد الترجيح، ويكتفي بالنظر في الوجه الراجح فقط، وسيأتي شرح هذا في الفصل الرابع بحول الله وقوته.\nوقد وقفت على كلمة للدارقطني توهم الاعتداد بقضية الاتصال والانقطاع في الترجيح، فإنه قال في حديث التشهد بعد أن ذكر أوجه الاختلاف فيه على أبي إسحاق السبيعي: «وكل الأقاويل صحاح عن أبي إسحاق، إلا ما قال زيد بن أبي أنيسة من ذكر علقمة، فإن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة شيئا» (^١).\nوليست العبارة على ظاهرها، فالمقصود تخطئة هذا الوجه لمجيئه مصرحا فيه أبو إسحاق بالسماع من علقمة، وهو لم يسمع منه، كما تقدم في الاتصال والانقطاع (^٢)، يدل على ذلك أن الدارقطني ساق من طرقه عن أبي إسحاق، رواية يوسف بن أبي إسحاق، وسعاد بن سليمان، عن أبي إسحاق، عن الأسود، وأبي الأحوص، وعمرو بن ميمون، وأصحاب عبدالله، عن عبدالله، وبعدها رواية زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق: سألت أبا الأحوص، وربيع بن خثيم،\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٥: ٣٠٩.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٦٠، ١١٢.","vol":"2","page":102},{"text":"ومسروقا، وعبيدة، والأسود، وقص الحديث عن الأسود، عن عبدالله.\nويحتمل في كلمة الدارقطني أن يكون الاستثناء منقطعا، فبعد أن صحح الأوجه عن أبي إسحاق، عاد فاستأنف كلاما يبين فيه حال الأسانيد بعد أبي إسحاق، وأنها كلها متصلة عمن رواها عنهم، سوى روايته عن علقمة فإنه لم يسمع منه، والنقاد يتكلمون كثيرا عن حال الأسانيد بعد الفراغ من الموازنة والترجيح، أي من المدار فصاعدا كما تقدم آنفا في كلام أبي حاتم، وسيأتي شرح ذلك بالأمثلة في المبحث الثاني من الفصل الرابع.\nورواية أبي إسحاق، عن علقمة مشهورة عنه، من رواية كبار أصحابه عنه (^١)، فلا يستقيم حينئذ أن يكون الانقطاع دليلا على خطأ من جعل الحديث عن أبي إسحاق، عن علقمة، والاعتماد في التخطئة كان على أمر آخر، وإنما يستقيم دليلا لو كان أبو إسحاق لم يرو عن علقمة أصلا، فهذا مدخل للترجيح مشهور، تقدم شرحه والحديث عنه بأمثلته في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثالث منه، فالإسناد حينئذ مركب لا يستقيم، وربما عبر الناقد عن هذا بنفي بالسماع، أو بنفي الاتصال، وليس غرضه جعله مرجوحا بقرينة عدم السماع، وإنما مراده أنه لم يرو عنه أصلا.\nومن أمثلة ذلك أيضا ما روى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عمرو\n_________\n(^١) انظر: «علل الدارقطني» ٥: ٧، ١٨، ١٥١، ١٦٠، و«تحفة الأشراف» ٧: ١١٤ - ١١٥، و«إتحاف المهرة» ١٠: ٣٥٦، ٣٦٧.","vol":"2","page":103},{"text":"بن مرة، عن عبدالله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبدالله بن عمرو قال: «كان رسول - ﷺ - يقول: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع …» الحديث (^١).\nورواه حميد بن عطاء، عن عبدالله بن الحارث، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - (^٢).\nوقيل لأبي زرعة: أيهما صح؟ فقال: «حديث زهير أصح وأشبه، وحميد ضعيف الحديث، واهي الحديث، وعبدالله بن الحارث، عن ابن مسعود مرسل» (^٣).\nوقد قال أبو حاتم في حميد: «ضعيف الحديث، منكر الحديث، قد لزم عبدالله بن الحارث، عن ابن مسعود، ولا يعرف لعبدالله بن الحارث، عن ابن مسعود شيء» (^٤).\nومما يؤكد ما تقدم أن الاختلاف لو كان في إسناد واحد بذكر راو وحذفه، وكان الإسناد بذكر الراوي متصلا، أو أخف انقطاعا، لم يكن هذا كافيا لترجيح ذكر الراوي، ولا بد من الاعتماد على قرائن أخرى، وقد تقدم شرح شيء من هذا في هذا المبحث في قرينة (السهولة والوعورة) (^٥).\nفإن قيل: نرى النقاد يكثرون من النص على الانقطاع في الوجه المرجوح فما\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٤٨٢).\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ١٨٧،حديث (٩١٧٦)، والمستدرك» ١: ٥٣٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٠٠\n(^٤) «الجرح والتعديل» ٣: ٢٢٦.\n(^٥) وانظر أيضا: «علل ابن أبي حاتم» (١٥٦)، (١٨٣٧)، و«علل الدارقطني» ٦: ٢٠٣.","vol":"2","page":104},{"text":"غرضهم من ذلك إذن؟ والجواب: لهم من ذلك أغراض متعددة، منها أن يكون الغرض نفي الرواية أصلا، والتعبير بنفي السماع قصد به هذا، كما تقدم آنفا.\nومنها زيادة نقد للوجه المرجوح، فكأنه يقول: على فرض صحته عن المدار ففلان لم يسمع من فلان، كما يفعلون ذلك مع رواة الإسناد أنفسهم بعد المدار، ببيان درجتهم، وقد يفعلون هذا لمجرد البيان فهو إنشاء كلام.\nومنها أن يكون الوجه الراجح بعد ترجيحه عن المدار بقرائن الترجيح من أدلة الانقطاع في الوجه المرجوح، وهذا يكثر منه النقاد، خاصة إذا كان الوجه المرجوح فيه تصريح بالتحديث يراه الناقد خطأ، وقد تقدم شرح هذا في (الاتصال والانقطاع) في الكلام على قرائن وجود السماع أو عدمه، فإدخال راو بين راويين من أقوى القرائن على وجود انقطاع بينهما، وقد يقوى بحيث يرد تصريحا بالتحديث ورد في بعض الأسانيد (^١).\nويوضح هذا أن النقاد يتكلمون في قضية الاتصال والانقطاع في الوجه الراجح، كما تقدم في كلام أبي حاتم، وهكذا يفعله غيره من النقاد، فلم يؤثر كونه منقطعا أن يكون راجحا، والمتصل هو المرجوح.\nومثله في حال ترجيح حفظ وجهين، قد ينقدون أحدهما بالانقطاع، ولم يمنع هذا من كونه محفوظا عن المدار.\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ٨٠ - ٨١، ١١٥ - ١٣٠، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٦٩)، (٢١٤)، (٣٠٤)، (٥٥٣)، (١٧٣٢)، (٢٠٤٩)، (٢١٠٤)، (٢١٢٧)، (٢١٤٣)، (٢٤٢٧)، (٢٦٠٥)، (٢٦٢٥)، (٢٧٣٨)، (٢٧٨٦).","vol":"2","page":105},{"text":"روى البخاري من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال: «كنت أمشي مع النبي - ﷺ - في حَرَّة المدينة عشاء …» الحديث، قال الأعمش بعده: «قلت لزيد: إنه بلغني أنه أبو الدرداء، فقال: أشهد لحدثنيه أبو ذر بالربذة»، ثم قال الأعمش: «وحدثني أبو صالح، عن أبي الدرداء نحوه» (^١).\nوأخرجه البخاري أيضا من طريق جرير، عن عبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، وعلق بعده من طريق شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، والأعمش، وعبدالعزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ثم قال: «حديث أبي صالح، عن أبي الدرداء مرسل لا يصح، إنما أردنا للمعرفة، والصحيح حديث أبي ذر»، ثم سئل عن حديث عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء، فقال: «مرسل أيضا لا يصح، والصحيح حديث أبي ذر، اضربوا على حديث أبي الدرداء» (^٢).\nفحديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي الدرداء، محفوظ عن الأعمش، رواه عنه جماعة (^٣)، والذي منع البخاري من تصحيحه كونه منقطعا بين أبي صالح، وأبي الدرداء، وهذا لا علاقة له بحفظه عن الأعمش.\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦٢٦٨).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٤٤٣)، وذكر ابن حجر في «فتح الباري» ١١: ٢٦٧، أن هذا الكلام جاء في بعض نسخ «الصحيح» عقب رواية حفص بن غياث.\n(^٣) انظر أيضا: «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٩٦٥)، و«مسند أحمد» ٦: ٤٤٧، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٠).","vol":"2","page":106},{"text":"ومثل ما يقال في الاتصال والانقطاع يقال في الرواة، فإذا اختلف مثلا على راو في تسمية شيخه أو من فوقه، وكان أحد الوجهين رواته بعد الراوي المختلف عليه ثقات، والوجه الآخر ليس كذلك، أو ثقات ولكنه دون الأول، لم يكن هذا مرجحا، ولا مدخل له في الترجيح، وما يقع من بعض الباحثين من الترجيح بدرجة الرواة بعد المدار خطأ بين.\nفمن ذلك أن جماعة من أصحاب الأعمش -منهم وكيع، وأبو بكر بن عياش- رووا عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ - قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ»، وجاء في بعض الطرق إلى وكيع التصريح بعروة بن الزبير (^١).\nورواه عبدالرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: أخبرنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة (^٢).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من مرجحات الوجه الأول: جهالة شيوخ الأعمش وجهالة عروة المزني، في الوجه الثاني.\nكذا صنع الباحث، ولا مدخل لما ذكره في الترجيح، فالنظر في الراجح عن الأعمش، وما الذي حَدَّث به؟ وقد يكون الوجه الثاني هو الذي حَدَّث به،\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٧٩) و«سنن الترمذي» حديث (٨٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٠٢)، و«سنن أحمد» ٦: ٢١٠، و«مسند أبي يعلى» حديث (٤٤٠٧)، (٤٨٢١)، و«سنن الدارقطني» ١: ١٣٧ - ١٣٨.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٨٠).","vol":"2","page":107},{"text":"أي هو الراجح، فيتم نقده -بعد ترجيحه عن الأعمش- بما ذكره الباحث.\nالصفة الثانية: ترجيح أحد النقاد لبعض الأوجه، وهذا كثير عند الباحثين، وخاصة تخريج الشيخين البخاري ومسلم أو أحدهما للوجه، فيقوم الباحث بذكر قرائن الترجيح، ويذكر منها أن هذا الوجه هو الراجح لكون الشيخين أخرجاه، أو لكون البخاري أو مسلم أخرجه، ويفعلون هذا مع غيرهما، فيذكر الباحث في مبرراته لترجيح الوجه أن أحمد، أو ابن معين، أو أبا حاتم، أو أبا زرعة، رجحه، وربما نزل بعضهم إلى أبي نعيم الأصبهاني، والبيهقي، وابن عبدالبر.\nوغير خاف أن آراء المجتهدين ليست أدلة، فهي بحاجة إلى الدليل، والاستدلال بها حينئذ فيه دور، لا ينقطع إلا بوجود إجماع من أهل الفن على رأي، فالحجة إذن في إجماعهم، وما عدا ذلك فهو من باب الركون والتقليد لقول مجتهد.\nيدل على ذلك أنه في حال اختلاف ناقدين فإن الباحث يستبعد رأييهما من القرائن، ويبحث عن قرائن لقول كل منهما، فلو كان رأي الناقد في نفسه دليلا لاستمر هذا، ولوجب إحضاره في كل اختلاف، فالدليل في حال هو دليل في حال أخرى، وإنما يقدم الأخذ بأحد الدليلين لأمور خارجة عن كون الدليل في نفسه دليلا.\nمثال ذلك أنه لو استدل مجتهد في مسألة شرعية بدليل من السنة النبوية لعد عمله هذا موافقا لأصول الاستدلال، بغض النظر عن قوة الدليل وصلاحيته للاستدلال في هذه المسألة بعينها، ولو استدل ببعض كلام العرب -مثلا- لم ينظر في دليله أصلا، لخروجه عن أصول الاستدلال، وقد يكون موافقا للقول الراجح.","vol":"2","page":108},{"text":"يضاف إلى ذلك أن كثيرا من الباحثين يعتمد تخريج الشيخين -مثلا- دون تمحيص، فتجده يذهب إلى حفظ عدد من الأوجه بقرينة تخريجها جميعا عندهما أو عند أحدهما، وهذا مزلق خطير، فإنهما كغيرهما يخرجان الشيء لبيان علته، وترجيح غيره عليه، فلا يصح أن ينسب إليهما تخريجه للاتكاء عليه دون نظر في كيفية تخريجه، بل ربما أخرجا بعض الأوجه عرضا دون قصد له.\nوكل هذه القضايا سيأتي الحديث عنها في الفصل الخامس، وهو الفصل الخاص بكلام النقاد، وضوابط الاستفادة منه، وإحكام ذلك، ويأتي هناك أيضا الحديث عن ضرورة التمعن في كلام الناقد، وفهم مراده بالترجيح، قبل اعتماد الاستفادة منه، فإن هذا أيضا من المزالق الخطيرة في التعامل مع كلام النقاد.\nوسأذكر الآن مثالا واحدا من صنيع أحد الباحثين، جمع فيه بين الاعتماد على قرينة كون أحد الوجهين متصلا، وبين الاعتماد على قرينة تخريج أحد الشيخين، وكلاهما لا يصح الاعتماد عليه في الترجيح.\nذكر أحد الباحثين الفضلاء ما أخرجه البخاري من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن همام بن الحارث، عن حذيفة قال: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا …» الحديث، ثم أخرج الأثر من مصادر أخرى من طريق الأعمش، ومن طريق عبدالله بن عون، عن إبراهيم، ورواية ابن عون ليس فيها همام بن الحارث، ثم قال في الموازنة بينهما: «وهو الصواب (يعني رواية الأعمش) لموافقته لرواية البخاري، ولأن إبراهيم النخعي لم يلق حذيفة …».","vol":"2","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>المبحث الرابع\nالمتابعات للمدار ومن فوقه</span>\nيستعين الناظر في الاختلاف على أحد الرواة برواية أقران الراوي المختلف عليه، أو برواية أقران شيخه ومن فوقه، إلى صحابي الحديث، فربما وجد في رواياتهم ما يؤيد ترجيح أحد وجوه الاختلاف على الراوي الذي ينظر في الاختلاف عليه، وربما وجد ما يؤيد حفظ وجهين أو أكثر من الاختلاف على ذلك الراوي.\nوهذا له صورتان:\nالصورة الأولى: أن يختلف على راو في إسناد واحد، فيختلف عليه في صفة هذا الإسناد، كالوصل والإرسال، أو الرفع والوقف، أو بزيادة راو فيه وحذفه، أو بزيادة أو تغيير في متنه، ونحو ذلك، كأن يروي بعض أصحاب شعبة بن الحجاج -مثلا- عن شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود حديثا مرفوعا، ويرويه بعض أصحاب شعبة عنه بهذا الإسناد موقوفا، فالناظر في هذا الاختلاف يبحث عن رواة آخرين شاركوا شعبة في رواية هذا الحديث عن الأعمش لينظر على أي صفة رووه، على الرفع أو الوقف؟ ويبحث كذلك عن رواة آخرين شاركوا الأعمش، في الرواية عن إبراهيم، وهكذا في إبراهيم، عن علقمة، وفي علقمة، عن ابن مسعود، وفي ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -.","vol":"2","page":110},{"text":"والاستعانة برواية من هو في طبقة المختلف عليه ومن فوقه في هذه الصورة كثير جدا عند النقاد.\nفمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الثالث، وهو ما رواه سفيان الثوري، عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، وأن جماعة من النقاد تواردوا على تخطئة الثوري في هذا، والصواب: عن المرقع بن صيفي، عن جده رباح -أو رياح- أخي حنظلة الكاتب.\nوالشاهد هنا أن البخاري في كلامه على هذا الحديث ذكر أولا مخالفة الثوري لبعض من رواه عن أبي الزناد نفسه، ثم ارتفع إلى طبقة أبي الزناد، فذكر من رواه عن المرقع بخلاف ما رواه الثوري.\nقال البخاري: «رباح بن الربيع -أخو حنظلة- التميمي الأسيدي، قال إسماعيل، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن المرقع بن صيفي، أن جده رباح بن الربيع -أخا حنظلة الكاتب- أخبره، أنه خرج مع النبي - ﷺ - في غزوة، فقال: «الحق خالدا فلا يقتلن ذرية، ولا عسيفا».\nوقال عبدالعزيز: أخبرني ابن أبي الزناد، مثله.\nوقال المقدمي: حدثنا فضيل بن سليمان، سمع موسى بن عقبة، سمع المرقع، شهد على جده رباح الحنظلي، مثله.\nوقال أبو الوليد: حدثنا عمر بن مرقع بن صيفي بن رباح -أخو حنظلة بن الربيع-، سمع أباه، عن جده رباح، مثله.","vol":"2","page":111},{"text":"وقال الثوري: عن أبي الزناد، عن مرقع، عن حنظلة الكاتب، وهذا وهم» (^١).\nوروى جماعة منهم حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة، حديث استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ومنهم من لم يسم خالد بن أبي الصلت، ومنهم من حذفه، ومنهم من زاد عمرة بين عراك، وعائشة، ومنهم من زاد عروة بن الزبير (^٢).\nوالشاهد هنا أن بعض الرواة عن حماد بن سلمة روى الحديث بصيغة التحديث بين عراك بن مالك، وعائشة، وكان أحمد وغيره يذهبون إلى أنه لم يسمع من عائشة ولم يلقها، فسئل أحمد عن هذا الحديث، فأنكر ما فيه من التصريح بالتحديث، واحتج بأن الجماعة من أصحاب حماد بن سلمة لم يقولوا في رواية عراك: سمعت، وأيد أحمد ذلك برواية المتابعين لحماد، فلم يقولوا: سمعت.\nقال الأثرم: «سمعت أبا عبدالله وذكر حديث خالد بن أبي الصلت، عن\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٣: ٣١٤، ونحوه في «التاريخ الصغير» ١: ١١٦، وقد رواه عن المرقع أيضا راو ثالث لم يذكره البخاري، وهو يوسف بن عدي، انظر في هذه الطرق: «سنن أبي داود» حديث (٢٦٦٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٢٥)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٦٢٢)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٤٥.\n(^٢) «سنن ابن ماجه» حديث (٣٢٤)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣٧، ١٨٣، ١٨٤، ٢١٩، ٢٢٧، ٢٣٩، و«مسند الطيالسي» حديث (١٦٤٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٥١، و«التاريخ الكبير» ٣: ١٥٦، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٣٣٤، و«الأوسط» لابن المنذر ١: ٣٢٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٥٩، ٦٠، و«سنن البيهقي» ١: ٩٢.","vol":"2","page":112},{"text":"عراك بن مالك، عن عائشة ﵂ …، فقال: مرسل، فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂، فأنكره، وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروي عن عروة، هذا خطأ، قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت» (^١).\nوروى حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن حمران، عن عثمان (حديث الوضوء) (^٢).\nورواه جماعة عن الحجاج بن أرطاة -منهم حماد بن زيد، وعباد بن العوام، وأبو معاوية، وغيرهم- عن الحجاج، عن عطاء، عن عثمان، مرسلا ليس فيه حمران (^٣).\nوكذلك رواه ابن جريج، ويزيد بن أبي حبيب، والليث بن سعد، وغيرهم، عن عطاء، عن عثمان، وفي رواية ابن جريج، عن عطاء، أنه بلغه عن عثمان (^٤).\n_________\n(^١) «المراسيل» ص ١٦٢، وانظر: «تهذيب التهذيب» ٣: ٢٩٨، ٧: ١٧٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، و«علل الدارقطني» ٣: ٢٨.\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (٤٣٥)، و«مسند أحمد» ١: ٦٦، ٧٢، ومصنف ابن أبي شيبة» ١: ٩، ١٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣.\n(^٤) «مسند أحمد» ٢: ٣٤٨، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٢٤)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، و«علل الدارقطني» ٣: ٢٨.","vol":"2","page":113},{"text":"وسئل أبو زرعة عن رواية حفص الموصولة بذكر حمران، فذكر رواية الجماعة عن الحجاج، ثم رواية الجماعة عن عطاء، ورجح المرسل (^١).\nالصورة الثانية: وقوع الاختلاف على الراوي بأسانيد مختلفة، فيروي عنه بعض أصحابه الحديث بإسناد، ويرويه بعضهم بإسناد آخر، وهكذا، وقد يكون التغيير في راو واحد فقط.\nفإذا وقع الاختلاف على راو من الرواة على هذه الصورة فيستعان بالمتابعات التي قد توجد لأحد الوجهين لترجيحه، أو لكونه محفوظا مع حفظ الوجه الآخر، وقد توجد هذه المتابعات للوجهين جميعا، فيستدل بذلك على تأكيد حفظهما عن المدار.\nوقد أكثر النقاد من استخدام هذا الجانب في النظر في الاختلاف.\nفمن ذلك أن محمد بن عمرو بن علقمة روى عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (^٢).\nورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، وانظر أمثلة أخرى في «علل ابن أبي حاتم» (٢٢١ - ٢٢٢)، (٥٤٩)، و«علل الدارقطني» ١: ٢٣٢، ٢٣٤ - ٢٣٥، ٣: ٢٦٨ - ٢٦٩، و«سنن البيهقي» ٢: ٣٩٨.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٤٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٥٨، ٢٨٧، ٤٢٩، و«شرح معاني الآثار» ١: ٤٤، و«سنن البيهقي» ١: ٣٧.","vol":"2","page":114},{"text":"بن عبدالرحمن، عن زيد بن خالد الحهني (^١).\nفذكر الترمذي أن البخاري رجح أن الحديث عن زيد بن خالد، وليس عن أبي هريرة، وخالفه الترمذي فصحح الحديثين جميعا، واحتج بأن الحديث معروف عن أبي هريرة من غير وجه، قال الترمذي: «وحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وزيد بن خالد، كلاهما عندي صحيح، لأنه قد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - هذا الحديث، وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه، وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة، عن زيد بن خالد أصح» (^٢).\nوروى جماعة من أصحاب الأعمش، منهم شعبة، وحفص بن غياث، وجرير بن عبدالحميد، وشيبان بن عبدالرحمن، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «لا حسد إلا في اثنتين …» الحديث (^٣).\nورواه يزيد بن عبدالعزيز بن سياه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري (^٤).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٤٧)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٠٤١)، و«مسند أحمد» ٤: ١١٤، ١١٦، ٥: ١٩٣.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٢)، وانظر «العلل الكبير» ١: ١٠٦.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٥٠٢٦)، (٧٢٣٢)، (٧٥٢٨)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٨٤١)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٧٩، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤٦٢)، والكامل» ٧: ٢٧٢٧.\n(^٤) «مسند أحمد» ٢: ٤٧٩.","vol":"2","page":115},{"text":"ذكر لأبي حاتم رواية حفص بن غياث، ورواية يزيد بن عبدالعزيز، أيهما أصح؟ فقال: «حفص أحفظ، والحديث مروي عن أبي هريرة من طريق آخر، ولا أعلم لأبي سعيد، عن النبي - ﷺ - في هذا شيئا» (^١).\nوروى سعيد بن خثيم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه: «أنه كان إذا نظر إلى رجل يريد السفر، يقول: أودعك كما كان رسول الله - ﷺ - يودع، ثم يقول: أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» (^٢).\nورواه الوليد بن مسلم وغيره عن حنظلة، عن القاسم، عن ابن عمر (^٣).\nذكر أبو حاتم، وأبو زرعة، أن هذين الإسنادين جميعا خطأ، وأن الصواب وجه ثالث وهو: عن حنظلة، عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن يحيى بن إسماعيل بن جرير، عن قزعة، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.\nواستدلا بما روياه عن أبي نعيم الفضل دكين، عن عبدالعزيز بن عمر كذلك، فترجح هذا الوجه عن حنظلة بكونه قد توبع عليه (^٤).\nوقد رواه جماعة كثيرون عن عبدالعزيز بن عمر كما رواه أبو نعيم، إلا أن\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٦٢.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣٤٤٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٨٠٦)، (١٠٣٥٧)، و«مسند أحمد» ٢: ٦٢.\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٨٠٥)، (١٠٣٥٦)، و«المستدرك» ١: ٤٤٢، و«سنن البيهقي» ٥: ٢٥١.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨.","vol":"2","page":116},{"text":"بعضهم سمى شيخ عبدالعزيز بن عمر: إسماعيل بن جرير، وبعضهم سماه إسماعيل بن محمد بن سعد، ومنهم من أسقطه، والأكثرون سموه كقول أبي نعيم (^١).\nوروى جماعة -منهم عبدالله بن المبارك، وأنس بن عياض، وحاتم بن إسماعيل- عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف، ومشى أربعة …» الحديث (^٢).\nورواه زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر.\nسئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف وذكر له رواية ابن المبارك، وزهير فقال: «جميعا صحيحين، وقد روي عنهما جميعا» (^٣).\nومراد أبي حاتم -فيما يظهر- أن الحديث معروف عن نافع، ومعروف عن سالم، فهذا يدل على أن موسى بن عقبة قد رواه عنهما جميعا، وأن من رواه عنه عن نافع لم يخطئ عليه، ومن رواه عنه عن سالم لم يخطئ عليه كذلك.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٦٠٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٣٤٥ - ١٠٣٤٩)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٥، ٣٨، ١٣٦، و«علل الدارقطني» ١٣: ٢٠٥، و«تهذيب الكمال» ٣: ٥٦.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (١٦١٦)، و«صحيح مسلم» حديث (١٢٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٩٣)، و«سنن النسائي» حديث (٢٩٤١)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٧١٦)، و«سنن البيهقي» ٥: ٨٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨١.","vol":"2","page":117},{"text":"وقد رواه عن نافع جماعة، منهم عبيدالله العمري، وفليح بن سليمان، وكثير بن فرقد، وعبدالله العمري، وأيوب السختياني (^١).\nورواه عن سالم بن عبدالله: الزهري (^٢).\nوفي ختام هذا المبحث أود التنبيه على أمور:\nالأمر الأول: المتابعات للمدار من فوقه قد يوجد فيها شيء من القرائن الماضية في المبحث الثالث، وهي القرائن في أوجه الاختلاف نفسها، فقد يوجد فيها من يفصل بين روايتين، فيستدل بذلك على أنه قد حفظ، أو يوجد فيها تفاصيل في المتن أو في الإسناد تدل على الحفظ، كوجود قصة مثلا.\nومن أمثلة ذلك ما رواه عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس: «أن رسول الله - ﷺ - صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٦١٧)، (١٦٤٤)، و«صحيح مسلم» حديث (١٢٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٩١)، و«سنن النسائي» حديث (٢٩٤٠)، (٢٩٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٩٥٠)، و«مسند أحمد» ٢: ١٣، ١٤، ٣٠، ٤٠، ٥٩، ٧١، ٧٥، ٩٨، ١٠٠، ١١٤، ١٢٥.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (١٦٠٣)، (١٦٩١)، و«صحيح مسلم» حديث (١٢٢٧)، (١٢٦١)، و«سنن أبي داود» حديث (١٨٠٥)، و«سنن النسائي» حديث (٢٧٣١)، (٢٩٤٢)، و«مسند أحمد» ٢: ١٣٩.\nوانظر أمثلة أخرى في: «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (١٣١٠)، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٦٨)، (٦٩٠)، (١٢٠٣)، (١٦٦٧)، (٢٦١٣)، (٢٦٦٩)، و«علل الدارقطني» ٣: ٢٥٣ - ٣٥٤، ٢٦٢ - ٢٦٤، ١٤: ٢٠٥ - ٢٠٦.","vol":"2","page":118},{"text":"أقبل عليهم بوجهه فقال: أتقرأون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ؟ …» الحديث (^١).\nورواه معمر، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبدالوارث بن سعيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن النبي - ﷺ - مرسلا (^٢).\nورواه خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - (^٣).\nونص جماعة من النقاد على خطأ الوجه الأول وهو جعله عن أنس، عن النبي - ﷺ -، واستدل البخاري بما رواه من طريق إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء قال: «قلت لأبي قلابة: من حدثك هذا؟ قال: محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية، كان خرج مع بني مروان حيث خرجوا من المدينة» (^٤).\nفهذا النص يدل بوضوح على صحة رواية الجماعة عن أيوب، وأن أبا قلابة\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ٢٠٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٨٠٥)، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٤٤)، (١٨٥٢).\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٧٦٥)، و«التاريخ الكبير» ١: ٢٠٧، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٣٧، و«سنن البيهقي» ٢: ١٦٦، و«القراءة خلف الإمام» للبيهقي حديث (١٤٨ - ١٥١)، و«معرفة السنن» ٢: ٥٣.\n(^٣) «مسند أحمد» ٤: ٢٣٦، ٥: ٦٠، ٨١، ٤١٠، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٧٦٦)، و«القراءة خلف الإمام» للبخاري حديث (٦٧).\n(^٤) «التاريخ الكبير» ١: ٢٠٧، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧٥، و«سنن البيهقي» ٢: ١٦٦.","vol":"2","page":119},{"text":"يرويه له مرسلا، وعلى خطأ من ذكر أنسا، فإنه لو كان عند أبي قلابة عن أنس لبادر بذكره حين سئل عنه.\nالأمر الثاني: المتابعات للمدار ومن فوقه في غاية الأهمية بالنسبة للترجيح في الاختلاف على مدار ينظر فيه الباحث، فالمتابعات للمدار ومن فوقه قد تتظافر فيقطع بخطأ الوجه الآخر، وقد تعدم تماما فيفقد الترجيح شيئا من قوته من هذه الجهة، وبين تظافر المتابعات وانعدامها درجات أخرى بحسب عدد الطبقات التي توجد فيها المتابعات.\nوهذا الكلام يسري في جميع أنواع الاختلاف، وسأكتفي بمثالين في كل منهما زيادة في متن الحديث ضعفها النقاد بالنظر في المدار والرواة عنه، وفي إحداهما زيادة ترجيح بالمتابعات للمدار ومن فوقه.\nفالأول الحديث الماضي في المبحث الثالث من هذا الفصل، وهو حديث أبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في صفة غسله - ﷺ - من الجنابة، فقد زاد فيه أبو معاوية على جميع أصحاب هشام في آخره: «ثم غسل رجليه»، ولا توجد متابعات لهشام عن أبيه، ولا لعروة عن عائشة، يتأكد بها ترجيح عدم حفظ هذه الزيادة.\nومثلها في هذا الحديث زيادة وكيع لفظ: «ثلاثا» في غسل اليدين.\nوالثاني حديث أبي هريرة في (ولوغ الكلب في الإناء)، فقد رواه علي بن مسهر، عن الأعمش، عن أبي صالح، وأبي رزين، عن أبي هريرة، وزاد فيه علي: «فليرقه».","vol":"2","page":120},{"text":"وقد رواه إسماعيل بن زكريا، وأبو معاوية، وشعبة، وحفص بن غياث، وغيرهم، عن الأعمش، فلم يذكروا هذه الزيادة، إلا أن منهم من جمع بين أبي صالح، وأبي رزين، كما فعل علي بن مسهر، ومنهم من اقتصر على أحدهما.\nوكذا جاء عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ليس فيه الزيادة.\nوكذا رواه جماعة كثيرون من أصحاب أبي هريرة، ليس فيه الزيادة فرواه الأعرج، ومحمد بن سيرين، وهمام بن منبه، وثابت بن عياض، وأبو سلمة بن عبدالرحمن، وعبدالرحمن بن أبي عمرة، وعبيد بن حنين.\nوقد رواه كذلك عبدالله بن مغفل عن النبي - ﷺ -، وليس في حديثه ذكر الإراقة.\nفبهذه المتابعات للأعمش، ولأبي صالح، وأبي رزين، ولأبي هريرة، ازداد ترجيح عدم حفظ هذه الزيادة قوة، ولهذا توارد النقاد -منهم مسلم، والنسائي، وغيرهما- على تضعيفها، مع أنه قد جاء من طريق محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح، الأمر بالإراقة موقوفا على أبي هريرة، فلو صح هذا كان دالا أيضا على خطأ علي بن مسهر (^١).\n_________\n(^١) انظر في طرق هذا الحديث والكلام عليه: «صحيح البخاري» حديث (١٧٢)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٣٥)، (٢٧٩)، (٢٨٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٧١ - ٧٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٩١)، و«سنن النسائي» حديث (٦٣ - ٦٦)، (٣٣٤ - ٣٣٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٦٣)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٤٥، ٢٥٣، ٢٦٥، ٢٧١، ٣٦٠، ٣٩٨، ٤٢٤، ٤٢٧، ٤٨٠، ٤٨٩، ٤: ٨٦، ٥: ٥٦، و«مسند أبي عوانة» ١: ٢٠٩، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢١، و«المعجم الصغير» حديث (٢٥٦)، (٩٤٢)، و«سنن الدارقطني» ١: ٦٣ - ٦٦، و«سنن البيهقي» ١: ٢٤١، و«فتح الباري» ١: ٢٧٥، و«التلخيص الحبير» ١: ٣٥.","vol":"2","page":121},{"text":"والمتأمل في عمل بعض الناظرين في الأسانيد يرى خللا في مراعاة وجود المخالفة في عدد من الطبقات، فيحكم بصحة وجه دون تمعن فيما يلزم على التصحيح.\nفمن ذلك أن بعض الباحثين حين جاء إلى زيادة علي بن مسهر الآنفة الذكر، وذكر تفرد علي بن مسهر بها، قال: «وهي زيادة ثقة مقبولة، ووجودها في المتن تحصيل حاصل».\nكذا قال، وكون وجودها في المتن تحصيل حاصل غير مسلم، وليس هذا موضع الشاهد، فالشاهد هنا قوله عنها إنها زيادة ثقة مقبولة، إذ يلزم عليه أن نقول إن أبا هريرة: ذكرها لأبي صالح، وأبي رزين، ولم يذكرها للجماعة من أصحابه، ثم أبو صالح ذكرها للأعمش، ولم يذكرها لابنه سهيل، ثم الأعمش، ذكرها لعلي بن مسهر فقط، ولم يذكرها لبقية أصحابه الذين رووا عنه هذا الحديث، ومنهم من هو مقدم في الأعمش، كأبي معاوية، وشعبة، وعلي بن مسهر ربما أخطأ لكونه يحدث من حفظه، وكان بصره قد ذهب في آخر عمره، وذكر أيضا أنه دفن كتبه (^١)، فالقول بأن هذه زيادة محفوظة بعيد جدا.\nوروى الجماعة من أصحاب شعبة -منهم محمد بن جعفر، ووكيع، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- عن شعبة، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج\n_________\n(^١) «تهذيب الكمال» ٢١: ١٣٧ - ١٣٨.","vol":"2","page":122},{"text":"-ثلاثا- غير تمام» (^١).\nوهكذا رواه بقية أصحاب العلاء، منهم سفيان بن عيينة، والدراوردي، وروح بن القاسم، وإسماعيل بن علية، وجماعة كثيرون (^٢).\nورواه وهب بن جرير، عن شعبة، بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» (^٣)، وقيل: إن محمد بن كثير رواه عن شعبة كذلك (^٤).\nقال ابن حجر: «ومن الأحاديث التي رواها بعض الرواة بالمعنى الذي وقع له، وحصل من ذلك الغلط لبعض الفقهاء بسببه، ما رواه العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة …»، فذكر الحديث كما رواه الجماعة عن شعبة، وعن العلاء، ثم قال: «وانفرد وهب بن جرير، عن شعبة بلفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، حتى زعم بعضهم أن هذه الرواية مفسرة للخداج الذي في الحديث، وأنه عدم الإجزاء.\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٢: ٤٥٧، ٤٧٨، و«القراءة خلف الإمام» للبخاري ١: ١٦٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٤٥٤)، و«القراءة خلف الإمام» للبيهقي حديث (٦٠ - ٦١).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٣٩٥)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٩٥٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٠١٣)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٤١، و«القراءة خلف الإمام» ١: ١٢، ٥٠، ٥٢، و«سنن سعيد بن منصور» حديث (١٦٨)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢١٦، و«صحيح ابن حبان» حديث (٧٧٦)، (١٧٨٨)، و«القراءة خلف الإمام» للبيهقي حديث (٦٩ - ٧٠)، (٧٣ - ٧٤).\n(^٣) «الأوسط» لابن المنذر حديث (١٢٥٠)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٤٩٠)، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٧٨٩).\n(^٤) «صحيح ابن حبان» حديث (١٧٨٩) معلقا.","vol":"2","page":123},{"text":"وهذا لا يتأتى له إلا لو كان مخرج الحديث مختلفا، فأما والسند واحد متحد، فلا ريب في أنه حديث واحد اختلف لفظه، فتكون رواية وهب بن جرير شاذة بالنسبة إلى ألفاظ بقية الرواة، لاتفاقهم دونه على اللفظ الأول، لأنه يبعد كل البعد أن يكون أبو هريرة ﵁ سمعه باللفظين، ثم نقل عنه ذلك فلم يذكره العلاء لأحد من رواته على كثرتهم إلا لشعبة، ثم لم يذكره شعبة لأحد من رواته على كثرتهم إلا لوهب بن جرير» (^١).\nوفي حال عدم وجود متابعات لأحد الوجهين، يستعيض الناظر في الاختلاف عن ذلك بالطبقة، فإذا كان مدار الاختلاف عالي الطبقة كالتابعين، أمكن أن يقال بحفظ الوجهين، كالوصل والإرسال، والرفع والوقف، وأن الراوي قد ينشط وقد يفتر، إذا كانت القرائن تساعد على ذلك، ومثله في زيادات الألفاظ، يترجح قبولها إذا كانت الزيادة على مدار عالي الطبقة.\nأما إذا وقع ذلك والمدار نازل الطبقة، في الثالثة وما دونها، فيضعف حفظ الوجهين، أو حفظ الزيادات في المتون، وكلما نزلت طبقة المدار زاد استبعاد ذلك.\nووجه ما تقدم أن الرواية في الزمن المتأخر عن عصر الصحابة، وعصر التابعين، صارت مقصودة لذاتها، لها قواعدها وأحكامها، والشيخ يقصد من أجل الرواية، وربما سمع بعض أصحابه منه الحديث الواحد عدة مرات،\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٨٠٦، وقد وقع مثل هذا التغيير في حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، انظر: «تنقيح التحقيق» ١: ٣٧٠، ورسالة «صفة صلاة النبي - ﷺ - للألباني عرض ومناقشة» لسامي الخليل ص ١٢٣ - ١٢٥.","vol":"2","page":124},{"text":"فإذا خالف بعضهم وأتى بشيء ليس عند أصحابه ترجح أنه غير محفوظ، قال ابن معين في علي بن الحسن بن شقيق: «كان عالما بابن المبارك، قد سمع الكتب مرارا، حدث يوما عن ابن المبارك، عن عوف، عن زيد بن شراجة، فقيل له: شراحة، فقال: لا، ابن شراجة، سمعته من ابن المبارك أكثر من ثلاثين مرة»، ثم قال ابن معين: «وهو الصواب: ابن شراجة» (^١).\nومثال ذلك زيادة أبي معاوية، وزيادة وكيع، في حديث عائشة في غسل الجنابة المتقدم آنفا، يبعد جدا أن يفوت هذا الجلة من أصحاب هشام، وينفرد هذان بحفظ ذلك.\nومثال ذلك أيضا أن إبراهيم بن طهمان روى عن حسين المعلم، عن عبدالله بن بريدة، عن عمران بن حصين، قال: «كان بي الناصور، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة، فقال: صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (^٢).\nورواه يحيى القطان، وعبدالوارث بن سعيد، وروح بن عبادة، وعيسى بن يونس، وسفيان بن حبيب، ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وعبدالوهاب الخفاف، وإسحاق الأزرق، ويزيد بن هارون، وأبو خالد الأحمر، وأبو أسامة حماد بن أسامة، وغيرهم، عن حسين المعلم بلفظ: «سألت رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدا، فقال: إن صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ١١: ٣٧١.\n(^٢) «صحيح البخاري»، حديث (١١١٧)، و«سنن أبي داود» حديث (٩٥١)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٧١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٢٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٣٢٦.","vol":"2","page":125},{"text":"أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد»، ومنهم من ذكر قصة الناصور (^١).\nفالذي يظهر أن إبراهيم بن طهمان قد رواه بالمعنى، لانفراده بهذا اللفظ وعدم روايته للفظ الآخر، إذ يبعد جدا أن يكون اللفظان عند حسين المعلم، فيروي لإبراهيم بن طهمان أحدهما، ويروي الآخر لسائر أصحابه، على اختلاف بلدانهم ولقيهم له، ووجودهم في زمن تقنين الرواية، والحرص على تتبع الألفاظ.\nوقد أشار إلى ذلك الترمذي، فقال بعد أن أخرج رواية إبراهيم بن طهمان، وعيسى بن يونس: «ولا نعلم أحدا روى عن حسين المعلم نحو رواية إبراهيم بن طهمان، وقد روى أبو أسامة وغير واحد عن حسين المعلم نحو رواية عيسى بن يونس».\nوكذا أشار إلى هذا ابن الجارود، فإنه أخرجه من طريق إسحاق الأزرق، عن حسين المعلم، ثم قال: «وهكذا حدثنا به محمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن حسين المعلم»، ثم ساق رواية إبراهيم بن طهمان.\nوذكر الطحاوي عن قوم لم يسمهم أن الحديث مضطرب، لاختلاف لفظيه، ثم دفع الاضطراب بأنهما حديثان مختلفان، لكن الطحاوي لم يذكر في\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١١١٥ - ١١١٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٩٥١)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٧١)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٥٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٣١)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٣٣، ٤٣٥، ٤٤٢، ٤٤٣، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٥٢، و«تاريخ بغداد» ١١: ٣٧١.","vol":"2","page":126},{"text":"مقابل رواية إبراهيم بن طهمان سوى رواية عيسى بن يونس (^١).\nوعكسه ما وقع في حديث (ولوغ الكلب) المتقدم آنفا فقد رواه الجماعة من أصحاب أبي هريرة فلم يذكروا فيه التتريب، وجاء ذكره من رواية محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وكذا روي عن أبي رافع الصائغ، عن أبي هريرة، لكنه لا يصح.\nفذكر التتريب في حديث أبي هريرة يقرب جدا حفظه، وإن كان قد تفرد به شخص واحد، والجماعة لم يذكروه، لوقوع ذلك في طبقة عليا.\nوأرجح أن هذا أحد الأسباب الرئيسة لما ذكره بعض العلماء من أن زيادة صحابي على صحابي آخر مقبولة بالاتفاق، وليست داخلة في مبحث زيادات الثقات (^٢).\nوكثير من الباحثين لا يراعي طبقة المدار في نظره في الاختلاف، فيذهب يدفع بعض العلل عن الإسناد، كالإرسال والوقف، بإمكانية حفظ الوجهين، دون مراعاة لطبقة المدار، فإذا اختلف على مدار نازل وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو بزيارة راو، تجد الباحث يكرر مثل هذه العبارات: الراوي قد ينشط فيصل الحديث، وقد يفتر فيرسله، وهكذا في الرفع والوقف، والزيادة والنقص، ولو تأمل الباحث هذا لأدرك أنه بعيد جدا، إذ يلزم عليه أن يكون كل راو حدث\n_________\n(^١) «شرح مشكل الآثار» حديث (١٦٩٤).\n(^٢) «نظم الفرائد» ص ٣٨٨، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٦٣٥، ٦٤٠، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٩١.","vol":"2","page":127},{"text":"بالوجهين من دونه في الإسناد، وهكذا حتى وصل إلى المدار فحدث بالوجهين أيضا، دون أن يذكر واحد منهم أنه عنده على الوجهين.\nروى جماعة من أصحاب الثوري -ومنهم يحيى القطان، ووكيع، وخالد بن الحارث- عن الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته» (^١).\nورواه جماعة آخرون -منهم عبدالرحمن بن مهدي، وأبو نعيم، وعبدالرزاق، وأبو إسحاق الفزاري- عن الثوري، عن حبيب، عن أبي وائل: «أن عليا قال لأبي الهياج …» الحديث (^٢).\nتعرض أحد المشايخ لهذين الوجهين، وما قيل في الحديث إنه مضطرب، واختار في الجواب عنه مسلك الجمع، وهو تصحيح الوجهين، قال: «وتوجيهه أن أبا وائل سمع الحديث مرة من علي، ومرة من أبي الهياج، فكان يحدث بهذا تارة، وبهذا تارة أخرى، وتبعه حبيب، وتبعه سفيان».\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٩٦٩)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٢١٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢٠٣٠)، و«مسند أحمد ١: ٩٦، ١٢٨، و«علل الدارقطني» ٤: ١٧٣ - ١٨٢، و«مستخرج أبي نعيم» حديث (٢١٧١ - ٢١٢٧)، و«سنن البيهقي» ٤: ٣.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٠٤٩)، و«مسند أحمد» ١: ٤١٨، و«علل الدارقطني» ٤: ١٧٣ - ١٨٢، و«المستدرك» ١: ٣٦٩.","vol":"2","page":128},{"text":"كذا قال، وما قرره من أبعد ما يكون، ولو وقع هذا لذكره أحدهم مرة، وفي إثباته سماع أبي وائل من علي بهذا الحديث نظر كبير، فهو دليل عدم سماعه منه (^١).\nالأمر الثالث: حين يقف الباحث على متابعات للمدار ومن فوقه يريد أن يعضد بها أحد الوجهين، أو كليهما، عليه أن يقوم بفحص هذه المتابعات، والتحقق من صلاحيتها للاعتضاد، من جميع الجهات التي يلزم النظر فيها، فينظر في رواة الإسناد، وفي سماع بعضهم من بعض، وينظر كذلك إن كان هناك اختلاف على أحد رواة المتابعات الجديدة، فيلزمه حينئذ النظر فيه، كما ينظر في الاختلاف الأساس معه سواء بسواء.\nوأدق من ذلك أن يكون ما يظنه الباحث عاضدا لأحد الأوجه هو المفسر لسبب غلط الراوي لذلك الوجه، كما تقدمت أمثلة ذلك قريبا في المبحث الثالث، ومنها الاختلاف على سفيان الثوري في حديث بريدة بن الحصيب، في صلاة النبي - ﷺ - يوم الفتح عدة صلوات بوضوء واحد، فقد رواه جماعة عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة مرسلا، ورواه جماعة آخرون عن سفيان موصولا بذكر بريدة.\nوقد رواه سفيان أيضا -ولم يختلف عليه في ذلك- عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه موصولا.\n_________\n(^١) «المراسيل» ص ٨٨.","vol":"2","page":129},{"text":"فهذا الإسناد الموصول لا يصح أن يعضد به رواية من رواه بالإسناد الأول موصولا، لأنه هو سبب غلط من وصله، نقل الوصل من هذا الإسناد إلى ذاك.\nوكل هذا أمر بدهي، وإنما ينبه عليه الباحث هنا خشية أن يفتر، ويستعجل الحكم باعتضاد وجه دون تمحيص، بسبب انشغاله باختلافه الواقع على مداره الأساس، فيعود هذا على عمل الباحث بالنقض.\nولن أطيل هنا بضرب الأمثلة، وقد مر لهذا نظير يمكن القياس عليه، وهو ما مضى في المبحث الثالث من هذا الفصل، في الترجيح باضطراب راوي أحد الوجهين، فقد طلب من الباحث هناك التحقق من وجود الاضطراب، وصحة ذلك عن الراوي، فهذا مثله.\nويأتي أيضا بحث قضية فحص الطرق قبل الاعتماد عليها في أماكن لاحقة، فيأتي ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثالث، في الكلام على تصفية رواة الأوجه، وفي المبحث الثاني من الفصل الرابع، في الكلام على موقف الباحث مما يجده من طرق فوق مداره، فهي أيضا بحاجة إلى فحص وتصفية إذا كان ما فيها يخالف ما ترجح في الاختلاف على مدار الباحث، وجماع ذلك كله يأتي في فصل خاص بالاعتضاد وشروطه، في الباب الرابع، بإذن الله تعالى، فالشد بالطرق والروايات بابه واحد، وإنما ينبه الباحث على شيء من قواعده في مناسبات ذلك، فإنه موضوع خطير في علم نقد المرويات، لا يضر طرقه في عدة أماكن، بل هذا ضروري فيما أرى، ليتعرف الباحث على مواطن حاجته لتطبيق قواعد الاعتضاد.","vol":"2","page":130},{"text":"الأمر الرابع: الاستعانة بطبقة المدار المختلف عليه ومن فوقه لترجيح وجه أو أكثر من وجوه الاختلاف على المدار أمر في غاية الدقة، وهو مزلة قدم إذا لم يحكمه الباحث، وبيان ذلك أن الاستعانة بالطبقات العليا والاستفادة منها للترجيح في اختلاف على راو إنما يصح إذا كان الترجيح في الاختلاف على هذا الراوي قد فرغ منه الناقد، أو كاد يفرغ منه، وذلك بالنظر في المدار نفسه، وفي الرواة المختلفين عليه، وفي صفة رواياتهم، فيزيد هذا الترجيح قوة بالاستعانة بالطبقات العليا.\nوعلى هذا فالروايات في الطبقات العليا لا تقلب الترجيح، فلو اختلف على سفيان الثوري -مثلا- أصحابه، فرواه بعضهم على وجه، ورواه بعضهم على وجه آخر، ثم ترجح للباحث أحد الوجهين وفرغ منه، وانتقل إلى النظر في الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش، فوجد أن الطرق الأخرى عن الأعمش توافق الوجه المرجوح عن الثوري، لا يعود الباحث وينقض ترجيحه في الخلاف على الثوري.\nوكذلك لو وجد الباحث خلافا على الأعمش، ثم عالجه، ووصل إلى ترجيح وجه كان هو المرجوح عن الثوري، لا يعود إلى الاختلاف على الثوري ويقلب نتيجة النظر بجعل ما هو مرجوح عن الثوري راجحا عنه.\nومثل ذلك لو تقرر عند الباحث بصورة ظاهرة حفظ الوجهين عن الثوري، ثم انتقل إلى الروايات الأخرى عن شيخه الأعمش، فوجد أن المحفوظ عنه وجه واحد، لا يعود إلى الاختلاف على الثوري، ويلغي النتيجة الأولى، بل هي باقية.","vol":"2","page":131},{"text":"والروايات الأخرى عن الأعمش أفادت حينئذ أي قولي الثوري هو الذي أصاب فيه، وأيهما الذي أخطأ فيه؟ فأفادتنا ما هو الراجح من المدار فما فوق، وأما قبل المدار فلم تتغير النتيجة.\nوالخلاصة أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة نظر في اختلاف في طبقة، وبين ما هو حاصل في الطبقات التي فوقه، وشرح ذلك لن أطيل به هنا، فهذا له فصل خاص به هو الفصل الرابع، وهو بعنوان (الاختلاف عن المدار والحكم النهائي)، والمباحث في الفصل الذي نحن فيه الآن خاصة المبحثين الثاني، والثالث - هي في معرفة ما هو المحفوظ عن المدار الذي ينظر الباحث في الاختلاف عليه، غير أني استعجلت التنبيه على هذه القضية لأن لها مناسبة هنا، ولكثرة وقوع الخلط عند الباحثين حين يستعينون بالنظر في روايات الطبقات العليا.\nوأكتفي هنا بعرض مثال يتضح به المقصود، وهو حديث اختلف فيه على الزهري وعلى من دونه، وأشهر الأوجه فيه وجهان، فرواه إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، وقال مرة: عن الزبيدي، كلاهما عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل …» الحديث (^١).\nورواه مالك، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، ومعمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن مرسلا، ليس فيه أبو هريرة.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٢)،و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٣٥٩).","vol":"2","page":132},{"text":"وقد توارد النقاد -محمد بن يحيى الذهلي، وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والعقيلي، والدارقطني- على ترجيح المرسل، وأن الموصول بذكر أبي هريرة غير محفوظ (^١).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، فتكلف جدا في تقوية الوجه الأول، لكنه رجح الوجه الثاني لأنه من رواية الحفاظ الكبار من أصحاب الزهري، ثم عاد فنقض هذا، وقال: «لكن يلاحظ أنه وجد متابع للزهري عليه (يعني الوجه الأول) بسند صحيح، وذلك فيما أخرجه الشيخان في «صحيحيهما» (^٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبدالعزيز، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا …، وعليه يمكن القول بالجمع بين الوجهين، ويكونان مسموعين عن الزهري …».\nكذا قال الباحث، وصنيعه هذا من أبعد ما يكون عن قواعد النقد، فالوجه الموصول ضعيف عن الزهري، لو صح الطريق إلى موسى بن عقبة، والزبيدي، فكيف والراوي عنهما إسماعيل بن عياش؟ ثم زاد الباحث الطين بلة، فاتكأ على رواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة لترجيح حفظ الموصول عن الزهري، ولا يصح هذا أبدا، فلا تنفع رواية عمر بن عبدالعزيز لانتشال ما هو ضعيف جدا عند الزهري، بل قد تزيده ضعفا، لأن الحديث إذا عرف واشتهر من رواية شخص،\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٥٢٠ - ٣٥٢٢)، و«المنتقى» حديث (٦٣٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٨٣، ٣٨٨، و«الضعفاء الكبير» ١: ٨٩، و«سنن الدارقطني» ٣: ٢٩، ١٠٩.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٤٢٠)، و«صحيح مسلم» (١٥٥٩).","vol":"2","page":133},{"text":"ثم نقله من لا يعتمد عليه إلى راو آخر مشهور دل على ضعف روايته، كما تقدم شرحه في المبحث الذي قبل هذا.\nوكان ينبغي للباحث حين فرغ من النظر في الوجهين عن الزهري، ورجح المرسل، أن يتوقف عند هذا بالنسبة لرواية الزهري، ثم ينشئ نظرا آخر في الاختلاف على المدار الأعلى وهو أبو بكر بن عبدالرحمن، والنظر يكون بين رواية الزهري المرسلة، ورواية عمر بن عبدالعزيز الموصولة، كما سيأتي شرح ذلك في الفصل المشار إليه آنفا.\nوهذا كله لو كان الحديثان متفقين في المعنى، وليس كذلك، فإن في رواية الزهري زيادة تفصيل ليس في رواية عمر بن عبدالعزيز.\n * * *","vol":"2","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>الفصل الثالث\nمسائل متفرقة في النظر في الاختلاف</span>\n\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: الترجيح بالقدر المشترك.\nالمبحث الثاني: الطرق إلى رواة الأوجه.\nالمبحث الثالث: تعاضد القرائن.\nالمبحث الرابع: تعارض القرائن.","vol":"2","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-380>المبحث الأول\nالترجيح بالقدر المشترك</span>\nالقدر المشترك هو الصفة التي يجتمع عليها وجهان أو أكثر في مقابل وجه واحد من أوجه الاختلاف، بين الأوجه المجتمعة في هذه الصفة اختلاف في جهة أخرى، أو في أكثر من جهة.\nوصور القدر المشترك كثيرة جدا، فمن ذلك أن يأتي عن الراوي وجه بوصل الحديث بذكر صحابيه، ووجه آخر بإرسال الحديث بإسقاط الصحابي، ووجه ثالث بالإرسال كذلك لكن مع إبدال التابعي بتابعي آخر، فالوجهان الأخيران بينهما اختلاف في تسمية التابعي، لكنهما يتفقان في إرسال الحديث في مقابل الوجه الأول الموصول.\nومن صوره أيضا أن يأتي وجه عن المدار بوقف الحديث، ووجه آخر برفعه موصولا، ووجه ثالث برفعه مرسلا ليس فيه الصحابي، فبين الوجهين الأخيرين قد مشترك وهو الرفع في مقابل الوجه الموقوف.\nومن أمثلة ذلك ما رواه رباح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي هريرة، قصة محاورة عمر لأبي بكر في قتال المرتدين (^١).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٥٥٦)، و«مسند أحمد» ١: ٤٧.","vol":"2","page":137},{"text":"ورواه عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة مرسلا ليس فيه أبو هريرة (^١).\nورواه عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس (^٢).\nفبين الوجهين الأولين قدر مشترك وهو أن الحديث ليس مخرجه أنس بن مالك وإنما هو عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، إما موصولا بذكر أبي هريرة، أو مرسلا بإسقاطه، في مقابل الوجه الثالث وهو جعله عن أنس بن مالك.\nوروى حماد بن يحيى الأبح، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اقرؤوا القرآن، لا تأكلوا به، ولا تستأثروا به، ولا تحفوا عنه، ولا تغلوا فيه» (^٣).\nوهذا الحديث جزء من حديث تضمن عدة جمل، وقد رواه كاملا أو بالاقتصار على بعضه جماعة من أصحاب يحيى بن أبي كثير، منهم هشام الدستوائي، وأبان بن يزيد، وعلي بن المبارك، ومعمر، وهمام بن يحيى، وغيرهم، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام، عن أبي راشد الحبراني، عن عبدالرحمن بن شبل مرفوعا، لكنهم اختلفوا على يحيى، بل بعضهم عليه اختلاف، فمنهم من يسقط زيدا، ومنهم من يسقط أبا سلام، ومنهم من\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ١: ٣٥، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٠٢).\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٣٠٩٤)، (٣٩٦٩).\n(^٣) «مسند البزار» حديث (١٠٤٤).","vol":"2","page":138},{"text":"يسقطهما جميعا، ومنهم من يسقط أبا راشد الحبراني، ومنهم من يسقط أبا سلام، وأبا راشد (^١).\nفهذه أوجه مختلفة عن يحيى بن أبي كثير، لكن يجمعها قدر مشترك وهو هذا الإسناد كيفما تصرف، في مقابل الوجه الأول: يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه.\nومن تطبيقات النقاد في استخدام القدر المشترك في الترجيح أن همام بن يحيى روى عن قتادة، عن شريك بن خليفة، قال: سألت عبدالله بن عمرو: آكل وأنا جنب؟ قال: «توضأ وضوءك للصلاة ثم كل».\nورواه هشام الدستوائي، عن قتادة مثله، غير أنه سمى صحابيه: عبدالله بن عمر.\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبدالله بن عمرو.\nقال عفان بن مسلم: «قلت ليحيى (يعني ابن سعيد القطان): أخطأ هشام، وسعيد، وأصاب همام، قال: كيف يا مجنون؟ قلت: وافق سعيد هماما على عبدالله بن عمرو، ووافق هشام هماما على شريك» (^٢).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٤٢٨، ٤٤٤، و«الأدب المفرد» حديث (٩٩٢)، و«تهذيب الآثار» ٣: ٥٠ حديث (٩٩)، و«المعجم الأوسط» حديث (٢٥٧٤).\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٦٥، وانظر: «مسائل حرب» ص ٤٥٧ - ٤٥٨، و«التاريخ الكبير» ٤: ٢٣٨، و«الأوسط» لابن المنذر ٢: ٩٢.","vol":"2","page":139},{"text":"ومن ذلك أيضا الحديث الماضي في الفصل الأول من الباب الثالث، وهو ما رواه شيبان بن عبدالرحمن، وعلي بن المبارك، وأبان بن يزيد، وحرب بن شداد، وبكر بن مضر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: «أنه رأى النبي - ﷺ - يمسح على الخفين».\nورواه الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد، وزاد فيه ذكر المسح على العمامة.\nولما أخرج البخاري طريق الأوزاعي هذا علق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن عمرو بن أمية بالزيادة المذكورة فجعله متابعا للأوزاعي بذكرها مع أن رواية معمر هذه تخالف رواية الجماعة ومنهم الأوزاعي بإسقاط جعفر بن عمرو بن أمية من الإسناد.\nوروى محمد بن مسلم الطائفي، وعيسى بن ميمون بن داية المكي، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوساق صدقة» (^١).\nقال البخاري في نقد هذه الرواية بعد أن رواه مختصرا عن يَسَرة بن صفوان\n_________\n(^١) رواية محمد بن مسلم في «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٩٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٩٤، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٣٠٤ - ٢٣٠٥)، و«سنن الدارقطني» ٢: ٩٤، و«سنن البيهقي» ٤: ١٢٨، وفي رواية الدارقطني قرن أبا سعيد الخدري بجابر بن عبدالله، وهو أيضا رواية عند ابن خزيمة، ورواية عيسى بن داية في «مسند الطيالسي» حديث (١٨٠٨).","vol":"2","page":140},{"text":"الدمشقي، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن جابر، وأبي سعيد: «وقال لنا آدم: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن عمرو بن دينار، عن جابر قوله، وقال لي يحيى بن موسى: حدثنا عبدالرزاق، عن ابن جريج، أخبرني عمرو، قال: سمعت عن جابر بن عبدالله، وعن غير واحد مثله، وهذا أصح، مرسل» (^١).\nفجمع البخاري بين روايتين متفقتين على وقف الحديث على جابر، فهذا قدر مشترك بينهما، ومختلفتين في وصل الحديث، أو إرساله بين عمرو بن دينار وجابر، وما اتفقا فيه كان دليلا على ضعف رواية محمد بن مسلم الطائفي في جعله عن جابر مرفوعا.\nوروى عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة، عن محمد بن عجلان، عن أبي سلمة، عن سعد بن أبي وقاص: «أنه سمع بعض بني أخيه يلبي: لبيك ذا المعارج، فقال سعد: أجل إنه لذو المعارج، وما كنا نقول هذا مع رسول الله - ﷺ -».\nسئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: «هكذا رواه عمرو بن خالد، وإنما هو كما رواه الثوري، وجرير، ويحيى بن سعيد القطان، وحاتم، وأبو خالد الأحمر، والدراوردي، عن ابن عجلان، عن عبدالله بن أبي سلمة -زاد الدراوردي: عن عامر بن سعد- عن سعد» (^٢).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ٢٢٣، ورواية عبدالرزاق، عن ابن جريج هي في «المصنف» حديث (٧٢٥٠)، ومن طريق عبدالرزاق أخرجه ابن خزيمة حديث (٢٣٠٦).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٦. وانظر: «مسند أحمد» ١: ٧٢، و«مسند البزار» حديث (١٢٤٤)، وشرح معاني الآثار» ٢: ١٢٥، و«سنن البيهقي» ٥: ٤٥.","vol":"2","page":141},{"text":"فعبدالعزيز الدراوردي في هذا الحديث له وجه مستقل، حيث زاد في الإسناد عامر بن سعد، فالإسناد حينئذ متصل لو صحت هذه الزيادة، لكنها لا تصح، ومع هذا جمعه أبو زرعة مع الأكثرين لاشتراكه معهم في تسمية شيخ ابن عجلان: عبدالله بن أبي سلمة.\nوروى عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن جندب بن سفيان قال: كان النبي - ﷺ - يقول: «إن أفضل الصلاة بعد المفروضة: الصلاة في جوف الليل، وإن أفضل الصيام بعد شهر رمضان: شهر الله الذي تدعونه المحرم» (^١).\nقال أبو حاتم: «أخطأ فيه عبيدالله، الصواب ما رواه زائدة وغيره عن عبدالملك بن عمير، عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، منهم من يقول: عن أبي هريرة، ومنهم من يرسله يقول: حميد عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nفجمع أبو حاتم بين الوجهين الموصول والمرسل لاشتراكهما في جعل الحديث عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبدالرحمن، في مقابل كونه عن جندب بن سفيان.\nوروى صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ٤: ٢٩١، و«إتحاف المهرة» ٤: ٩٠.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٤، ٢٦٠. وانظر: «صحيح مسلم» حديث (١١٦٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٩٠٦ - ٢٩٠٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٤٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٠٣، ٣٢٩، ٣٤٢، ٣٣٥، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٣٩٢).","vol":"2","page":142},{"text":"وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إنما سمي البيت: العتيق لأنه أعتق من الجبابرة».\nسئل عنه أبو حاتم فقال: «هذا خطأ، رواه معمر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير موقوفا، ورواه الليث، عن عبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي - ﷺ -»، ثم قال أبو حاتم: «حديث معمر عندي أشبه، لأنه لا يحتمل أن يكون عن النبي - ﷺ - مرفوعا» (^١).\nفاستدل أبو حاتم برواية معمر، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، في جعلهما الحديث عن عبدالله بن الزبير، على خطأ صالح بن أبي الأخضر، مع كونهما قد اختلفا في رفع الحديث ووقفه.\nوروى جماعة كثيرون من أصحاب الزهري وفيهم حفاظ ثقات من كبار أصحابه عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، قصة مجيء الجدة إلى أبي بكر في شأن الميراث.\nورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد، عن الزهري،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٤. وقد جاء عن معمر بإسقاط محمد بن عروة من الإسناد، وجاء الحديث أيضا عن الزهري على وجه رابع، وهو إرسال الحديث عن النبي - ﷺ -، انظر في طرق هذا الحديث في: «سنن الترمذي» حديث (٣١٧٠)، و«التاريخ الكبير» ١: ٢٠١، و«مسند البزار» حديث (٢٢١٥)، و«تفسير ابن جرير» ١٧: ١١٠، ١١١، و«علل ابن أبي حاتم» (المناسك)، تحقيق تركي الغميز مسألة (٢٤).","vol":"2","page":143},{"text":"عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة، ورواه ابن عيينة في إحدى روايتيه عن الزهري، عن رجل، عن قبيصة.\nقال الدارقطني عن رواية سفيان: «فقوى هذا قول مالك، وأبي أويس، ويشبه أن يكون الصواب ما قال مالك، وأبو أويس، وأن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وإنما أخذه عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عنه» (^١).\nفجمع الدارقطني بين من سمى الواسطة ومن لم يسمه، وجعله دليلا على أن الزهري لم يسمعه من قبيصة، وليس مراده تخطئة من رواه بإسقاط الواسطة فهم جماعة كثيرون يبعد خطؤهم، والاختلاف من الزهري نفسه (^٢).\nومن دقيق استخدام الترجيح بالقدر المشترك بين رواة عن شيخ لهم أن يختلفوا عليه في جهتين من الحديث، إسنادا أو متنا، فيتم الترجيح بالقدر المشترك في الجهتين، إذ المخطئ في جهة قد أصاب في الجهة الأخرى، وهذا أيضا كثير في الأحاديث وفي استخدام النقاد.\nومن ذلك أن همام بن يحيى، وحجاجا الأحول، رويا عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١: ٢٤٩. وقد تقدم تخريج هذا الحديث في «الاتصال والانقطاع»\nص ٢٨٥.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في الترجيح بالقدر المشترك: «سنن أبي داود» حديث (٣٩٤)، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٦٠)، (٥٨١)، (٦٤٢)، (٦٦٩)، (٧٨٨)، (٨٥١)، (٨٦٩)، (١٣٥٦)، (١٤٣٠)، (٢٢٣٩)، و«الضعفاء الكبير» ١: ٧٢.","vol":"2","page":144},{"text":"فليتصدق بدينار» (^١).\nورواه سعيد بن بشير، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب مرفوعا بلفظ: «من فاتته الجمعة من غير عذر فليتصدق بدرهم، أو نصف درهم، أو مد حنطة، أو نصف مد»، إلا أن سعيدا في أحد الطرق إليه لم يذكر سمرة (^٢).\nورواه أيوب بن مسكين، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة مرسلا، بنحو لفظ سعيد بن بشير (^٣).\nورواه خالد بن قيس الحداني، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، بنحو رواية همام بن يحيى، وحجاج الأحول (^٤).\nفاستخدم أبو داود في سننه القدر المشترك بين رواية أصحاب قتادة هؤلاء، فجعل رواية خالد بن قيس مؤيدة لرواية همام، وحجاج، من جهة اللفظ، وإن كان خالفهما في الإسناد بذكر الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة، وفي مقابلهما رواية سعيد بن بشير، وأيوب بن مسكين، وبينهما اختلاف في ذكر سمرة، فذكره سعيد، ولم يذكره أيوب.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٠٥٣)، و«سنن النسائي» حديث (١٣٧١)، و«مسند أحمد» ٥: ٨، ١٤، و«التاريخ الكبير» ٤: ١٧٦.\n(^٢) «مسائل أبي داود» ص ٣٩٥، و«المستدرك» ١: ٢٨٠، و«سنن البيهقي» ٣: ٢٤٨.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٠٥٤).\n(^٤) «سنن النسائي» حديث (١٣٧١ م) و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٦٦٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١١٢٨).","vol":"2","page":145},{"text":"وجعل رواية سعيد بن بشير عاضدة لرواية همام بن يحيى، وحجاج الأحول، بذكر سمرة في الإسناد، مع اختلافهما في المتن، في مقابل رواية أيوب بن مسكين بإسقاط سمرة، ورواية الأربعة هؤلاء متعاضدة على خطأ خالد بن قيس في ذكره الحسن البصري مكان قدامة بن وبرة، مع أن أيوب من بينهم لم يذكر سمرة.\nوفي حال استخدام الناظر في الاختلاف للقدر المشترك في الترجيح، يلزمه بعد الفراغ منه أن يعود إلى الأوجه على المدار التي جمعها القدر المشترك، فيوازن بينها، إذ هي في الحقيقة لم تتفق في كل شيء، وإنما اتفقت في هذا القدر المشترك.\nففي أول مثال تقدم معنا هنا، هناك وجهان جمعهما قدر مشترك، وهو جعل الحديث عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة موصولا بذكر أبي هريرة أو مرسلا، في مقابل الوجه الثالث: الزهري، عن أنس بن مالك، فالوجهان الأولان بعد استخدامهما في جعل الوجه الثالث مرجوحا، يلزم النظر بينهما لمعرفة المحفوظ عن معمر منهما.\nومثله المثال الثاني، اجتمع عدد من الأوجه عن يحيى بن أبي كثير، بينها قدر مشترك أمكن استخدامه للحكم بتضعيف من جعل الحديث عنه، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبيه، وبعد ذلك لا بد من النظر في الأوجه الأولى لمعرفة المحفوظ منها عن يحيى، وهكذا.\nوالنظر في الأوجه التي وجد بينها قدر مشترك بعد الاستعانة بها كثير في عمل النقاد، ومنه ما تقدم آنفا من صنيع البخاري في حديث جابر مرفوعا:","vol":"2","page":146},{"text":"«لا صدقة فيما دون خمسة أوسق …»، فإن البخاري بعد أن استفاد من القدر المشترك بين وجهين موقوفين أحدهما فيه إرسال، إلى الترجيح بين هذين الوجهين، فرجح المرسل، فترجح في النهاية واحد وهو الموقوف على جابر، وهو أيضا مرسل بين عمرو دينار، وجابر.\nوكذلك فعل أبو حاتم في حديث أبي هريرة مرفوعا: «إنما سمي البيت: العتيق، لأنه أعتق من الجبابرة»، استخدم القدر المشترك بين وجهين، في مقابل وجه ثالث، ثم عاد إلى ترجيح أحد الوجهين اللذين جمعهما القدر المشترك، وهو الوجه الموقوف.\nومن ذلك أيضا أن سعد بن الصلت روى عن حجاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ -: «أنه سمع رجلا ينشد ناقة في المسجد، فقال: لا وجدتها».\nورواه حفص بن غياث، وعباد بن العوام، عن الحجاج، عن أبي سعيد الأعسم، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، إلا أن عبادا لم يذكر سعد بن أبي وقاص.\nذكر أبو حاتم خطأ رواية سعد بن الصلت، والصواب ما رواه حفص، وعباد، ثم عاد أبو حاتم إلى الموازنة بين روايتيهما، فقال: «والصحيح عندنا -والله أعلم-: عن حجاج، عن أبي سعيد الأعسم، عن مصعب، عن سعيد، عن النبي - ﷺ -» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٦، وفيه بعد ذلك: «كذا وجدت في كتابي: عن سعيد»، والمقصود أنه\n\nذكره كما في كتابه، والصواب: عن سعد، وانظر أمثلة أخرى للعودة إلى النظر بين أوجه مختلفة جمعها قدر مشترك في: «العلل الكبير» ١: ٥٣٠، و«علل ابن أبي حاتم» (٣٠٠)، (٥٨٠ - ٥٨١).","vol":"2","page":147},{"text":"والقدر المشترك يستعان به أيضا في حال وجوده بين بعض الروايات عن المدار الذي وقع عليه الاختلاف، وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه.\nمثال ذلك أن خلاد بن يحيى روى عن الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث، عن عمر بن الخطاب مرفوعا: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا» (^١).\nورواه غير خلاد، عن سفيان الثوري موقوفا، وكذا رواه أبو معاوية، ويحيى القطان، وغيرهما، عن إسماعيل بن أبي خالد (^٢).\nوقد رواه عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد، عن عمر موقوفا كذلك (^٣).\nفرواية عبدالملك بن عمير هذه تشترك مع رواية إسماعيل بن أبي خالد في وقف الحديث، وتكون دليلا على خطأ خلاد بن يحيى، وإن كان فيها مخالفة لرواية إسماعيل من جهة زيادة سعيد بن زيد في الإسناد (^٤).\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (٢٤٧)، و«تهذيب الآثار» (مسند عمر) حديث (١٦) ٢: ٦١٦، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٥.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٥٣٣ حديث (٦١٤٠)، و«مسند البزار» حديث (٢٤٧)، و«تهذيب الآثار» (مسند عمر) حديث (٩٠٨) ٢: ٦١٧، و«علل الدارقطني» ٢: ١٨٩.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ٦: ١٨.\n(^٤) وانظر مثالا آخر في «علل ابن أبي حاتم» (٦٨٢).","vol":"2","page":148},{"text":"وقد يوجد القدر المشترك بين بعض الأوجه عن المدار، ويعضدها كذلك وجوده بينها وبين رواية في طبقة المدار ومن فوقه.\nومثاله أن محمد بن جعفر المعروف بغندر، وأبا الوليد الطيالسي، وأبا داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم، رووا عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي - ﷺ - قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه، فإن لم يجد تمرا فليفطر على الماء، فإن الماء طهور»، إلا أن أبا داود الطيالسي في إحدى الروايتين عنه ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان بن عامر، وكذا علق البيهقي بصيغة التمريض عن روح بن عبادة أنه رواه كذلك عن شعبة (^١).\nورواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك (^٢).\nورجح النقاد رواية الجماعة من أصحاب شعبة (^٣) فإنهم -على اختلافهم في ذكر الرباب وحذفها- قد اتفقوا على خلاف رواية سعيد بن عامر هذه، فالخطأ منه (^٤).\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٧١٠)، و«مسند أحمد» ٤: ١٨، و«مسند الطيالسي» حديث (١٢٧٨)، و«المعجم الكبير» حديث (٦١٩٧)، و«الكامل» ٥: ١٨٧٦، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٣٩.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٦٩٤)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣١٧)، و«المستدرك»\n١: ٤٣١.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٦٩٤)، و«العلل الكبير» ١: ٣٣٥، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٣٩.\n(^٤) وهذه طريقة البخاري، والترمذي والبيهقي، يرون أن الوهم من سعيد بن عامر، ويظهر من\n\nصنيع النسائي أنه يرى الوهم من الراوي عن سعيد، وهو محمد بن عمر المقدمي، انظر: «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣١٦ - ٣٣١٧). والظاهر أن ما ذهب إليه الأولون هو الأصوب.","vol":"2","page":149},{"text":"ومما يستعان به في تأييد هذا الترجيح أن رواة كثيرين، منهم الثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وأبو معاوية، وعبدالواحد بن زياد، وحماد بن سلمة، قد تابعوا شعبة على الوجه الأول، فرووه عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، إلا أنهم زادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وأرسله حماد بن سلمة، فجعله عن الرباب بقصة سلمان بن عامر (^١)، وكذلك رواه ابن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، وفي رواية عنه لم يذكر الرباب، وكذلك روي عن خالد الحذاء، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان، ليس فيه الرباب (^٢).\nأمكن هذا هنا مع أن رواية الجماعة عن عاصم الأحول فيها زيادة الرباب بنت صليع في الإسناد، خلافا للمشهور عن شعبة، وكذلك رواية ابن عون وهشام بن حسان فيها زيادة ذكر الرباب، وفيها أيضا اختلاف قوي على هشام\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٣٥٥)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٥٨ - ٦٥٩)، (٦٩٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣١٤ - ٣٣١٦)، (٣٣١٩ - ٣٣٢٠)، (٦٧٠٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦٩٩)، و«مسند أحمد» ٤: ١٧ - ١٨، و«سنن الدارمي» حديث (١٦٥٣) و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٧.\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٣١٤)، (٣٣١٦)، (٣٣٢١ - ٣٣٢٦)، و«مسند أحمد»\n٤: ١٨.","vol":"2","page":150},{"text":"بن حسان في رفع الحديث ووقفه.\nفدلت هذه الروايات في الطبقات العليا على أن الحديث في الجملة معروف عن عاصم الأحول، ومعروف كذلك عن حفصة بنت سيرين، وأما جعله عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس فلا متابع له عن عبدالعزيز ولا عن أنس، على أي صفة كان، وقد أشار إلى هذا الترمذي في نقده فقال بعد أن أخرجه: «وهو حديث غير محفوظ، ولا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس».\n * * *","vol":"2","page":151},{"text":"المبحث الثاني\nالطرق إلى رواة الأوجه\nالناظر في الحديث إذا فرغ من دراسة إسناده الأصل، ثم قام بجمع الطرق، ونظر فيها، فوجد فيها مخالفة لإسناده الأصل، أو وجد بينها اختلافا على المدار، وجب عليه أن يقوم بدراسة هذه الطرق الجديدة إلى المدار، كما قام بدارسة الإسناد الأصل سواء بسواء، فينظر في درجة كل راو من حيث الإجمال، ودرجته في شيخه الذي فوقه إن أمكن، وما في كل راو من جوانب القوة والضعف، ويتأكد من عدم وقوع تحريف في الإسناد، وينظر كذلك في اتصال الإسناد وانقطاعه، وما يتضمن ذلك من التدليس والإرسال الخفي والجلي، ويعد كل واحد من هذه الأسانيد كأنه إسناده الأصل.\nوبيان ذلك أن وصف الإسناد الأول الذي بين يدي الباحث بالإسناد الأصل ليس وصفا للإسناد نفسه من حيث هو إسناد، وإنما ذلك بالنسبة لهذا الباحث المعين فقد يكون فرض عليه لكونه يحقق كتابا، أو يقوم بدراسة أحاديث كتاب معين، ونحو ذلك، أو يكون هو اختاره لكونه الأعلى أو الأقرب إلى اللفظ الذي يخرجه، فالإسناد الأصل مع باحث هو مع باحث آخر إسناد فرع.\nثم يقوم الناظر في الحديث بعمل آخر وهو النظر في الطرق التي جمعها ووجد بينها اختلافا على المدار، هل وقع على واحد من رواتها اختلاف؟ فإن وجد اختلافا على واحد من رواتها أصبح عنده الآن اختلاف نازل له مدار، ويسمى","vol":"2","page":152},{"text":"المدار النازل، يجب عليه النظر فيه والوصول إلى رأي راجح فيه، وما يترجح لديه من هذا الاختلاف يعتمده في نظره في الاختلاف العالي الذي هو أساس عنده، ويستخدم في نظره في الاختلافات النازلة القرائن التي تقدمت في الفصل الذي قبل هذا، المتعلقة بالراوي المختلف عليه، وبالرواة المختلفين، وكذلك المتعلقة بصفة الرواية، فيفعل في هذه الاختلافات كما يفعل في الاختلاف العالي الذي هو الأساس عنده.\nوالاختلاف النازل تارة يكون بصفة الاختلاف الأساس، فأحد رواة الاختلاف العالي أو من دونه جاءت عنه رواية أخرى على وجه آخر أو أكثر من أوجه الاختلاف الموجودة، وتارة يكون الاختلاف النازل مغايرا للاختلاف الأساس، فيأتي عن أحد رواة الاختلاف الأساس أو من دونه وجه آخر أو أكثر ليس من الأوجه الموجودة في الاختلاف العالي.\nوتعد الاختلافات النازلة من أدق وأعسر ما يكون بالنسبة للباحثين، ويلاقي المشرفون على الرسائل العلمية شيئا من المشقة في تدريب الطلاب على طريقة صياغتها في التخريج، وكيفية التعامل معها.\nوقد كان النقاد الأولون كابن أبي حاتم، والدارقطني، يذكرونها ويعالجونها على السجية، وأكثر الطرق يذكرونها معلقة مع وجودها عندهم مسندة اختصارا، لكونهم يخاطبون من هو في حكمهم، أما اليوم فالباحث ملزم بتخريجها والنظر فيها، وعرض ذلك بطريقة واحدة، أسهم في ذلك قيام الدراسات النظامية في الجامعات، واتباع مناهج البحث العلمي في العزو والترقيم والترتيب، وسيأتي","vol":"2","page":153},{"text":"شرح ذلك -إن شاء الله تعالى- حين الوصول إلى الفصل الخاص بعرض التخريج والدراسة، وزاد الأمر وعورة كثرة هذه الاختلافات وتشعبها أحيانا.\nوالخلاصة أن الناظر في الحديث ملزم بتصفية رواة كل وجه من وجوه الاختلاف، وذلك بالنظر في الطرق إليهم، وفي الاختلافات الواقعة عليهم أو على من دونهم التي يطلق عليها اصطلاحا: الاختلافات النازلة.\nوقد تقدم في المبحث الثالث من الفصل الذي قبل هذا في القرينة الثالثة (الثبات والاضطراب عند رواة الاختلاف) أمثلة على طريقة التصفية لرواة الأوجه، في قضية ترجيح رواية راو على آخر بأنه ثبت ولم يضطرب، والآخر اضطرب في روايته، فروى الحديث على أوجه مختلفة، وتقدم أنه لا بد من التأكد من صحة أكثر من وجه واحد عنه، ليحكم بالاضطراب، فقد لا يصح عنه إلا وجه واحد، فلا يحكم عليه بالاضطراب، وهذه هي التصفية.\nوسأسوق الآن زيادة أمثلة من عمل النقاد، وأمثلة أخرى، توضح ما سبق.\nفمن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة من أصحاب عبيدالله بن عمر، ومنهم يحيى القطان، وسفيان بن عيينة، وعبدالله بن نمير، وحفص بن غياث، وغيرهم، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا حديث ما يلبسه المحرم من الثياب، وفي آخره: «ولا تلبسوا شيئا مسه الورس والزعفران».\nورواه أبو معاوية الضرير، عن عبيدالله بن عمر، وزاد على الجملة السابقة في آخرها: «إلا أن يكون غسيلا».","vol":"2","page":154},{"text":"وتوقف يحيى بن معين في ثبوت هذه اللفظة عن أبي معاوية لكونه وقف عليها من رواية يحيى الحماني، وهو ضعيف، حتى أخبر يحيى بأن الحماني قد توبع، فروى الطحاوي عن أحمد بن أبي عمران قال: «ورأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحماني أن يحدث بهذا الحديث، فقال له عبدالرحمن (يعني ابن صالح الأزدي): هذا عندي، ثم وثب من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية كما ذكره يحيى الحماني، فكتبه عنه يحيى بن معين» (^١).\nولعل ابن معين سمع هذا الحديث من أبي معاوية بدون الزيادة، إذ قد رواه كذلك بدونها محمد بن إسماعيل الواسطي (^٢)، فيحتمل أن يكون أبو معاوية يذكرها أحيانا ويدعها أحيانا أخرى.\nوأشار ابن حجر إلى احتمال تبرئة أبي معاوية من هذه الزيادة، فقال في نقد هذين الطريقين إلى أبي معاوية: «والحماني ضعيف، وعبدالرحمن الذي تابعه فيه مقال» (^٣).\nلكن قد رواها عن أبي معاوية أيضا أحمد كما تقدم في تخريجها، فالعهدة في الخطأ إذن على أبي معاوية كما نص عليه النقاد، قال أحمد: «أبو معاوية مضطرب الحديث في عبيدالله، ولم يجئ بهذه الزيادة غيره» (^٤).\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» ٢: ١٣٧.\n(^٢) «المناسك» المنسوب لإبراهيم الحربي ص ٤٢٩.\n(^٣) «فتح الباري» ٣: ٤٠٤.\n(^٤) «فتح الباري» ٣: ٤٠٤.","vol":"2","page":155},{"text":"وقال أبو زرعة: «أخطأ أبو معاوية في هذه اللفظة» (^١).\nوالشاهد من هذا المثال هو صنيع ابن معين، فهو لم يذهب إلى الموازنة بين أبي معاوية وبين بقية أصحاب عبيدالله بن عمر في بادئ الأمر، لأن الطريق إلى أبي معاوية عنده لم يثبت، وكذلك صنيع ابن حجر بعده، فاستمر في نقد الطريقين اللذين وقف عليهما إلى أبي معاوية.\nوروى الحكم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه مرفوعا: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته …» الحديث (^٢).\nورواه هشام بن عمار، عن عبدالحميد بن أبي العشرين، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (^٣).\nسئل عنها أبو حاتم، بعد أن ذكر تفرد الحكم بالوجه الأول، ومعارضة رواية بن أبي العشرين لروايته: «جميعا منكران، ليس لواحد منهما معنى، حديث ابن أبي العشرين لم يروه أحد سواه، وكان الوليد صنف كتاب «الصلاة» وليس فيه هذا الحديث» (^٤).\nفالوجه الأول ضعفه أبو حاتم قبل أن يصل إلى راويه عن الأوزاعي، وهو\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧١.\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ٣١٠.\n(^٣) «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٨٨)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٦٥٥).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧٠.","vol":"2","page":156},{"text":"الوليد بن مسلم، فضعفه بكونه ليس في كتاب «الصلاة» للوليد بن مسلم، فالحكم بن موسى أخطأ عليه إذن، وقد ضعفه بتفرد الحكم أيضا علي بن المديني (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم، عن أبي العالية، عن أبي برزة، عن النبي - ﷺ - في كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك …».\nورواه يونس بن محمد، عن مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن رافع بن خديج، عن النبي - ﷺ -.\nقلت: ورواه منصور، عن فضيل بن عمرو، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن النبي - ﷺ -، مرسل.\nقال أبي: حديث منصور أشبه، لأن حديث أبي هاشم رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم، وحجاج ليس بالقوي، وحديث الربيع بن أنس دونه مصعب بن حيان، عن مقاتل بن حيان، عن الربيع …» (^٢).\nوروى معمر بن سليمان الرقي، عن عبدالله بن بشر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «أفطر الحاجم والمحجوم» (^٣).\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» ٨: ٢٢٧، وقد نص على تفرد الحكم به أيضا الطبراني في (الأوسط) حديث (٨١٧٩)، والدارقطني في «العلل» ٦: ١٤١، وفي «الغرائب والأفراد» (أطرافه حديث ٤٩٢٦)، وقد رواه أحمد ٥: ٣١٠، عن أبي جعفر السويدي، عن الوليد بن مسلم، فالله أعلم.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٨.\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣١٧٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦٧٨).","vol":"2","page":157},{"text":"قال الدارقطني بعد أن ذكر هذه الرواية: «وروي عن أبي عوانة، وشعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ولا يصح عنهما، ورواه إبراهيم بن طهمان، عن الأعمش، فوقفه على أبي هريرة، ولم يرفعه، وهو أشبههما بالصواب» (^١).\nفالموازنة إذن بين رواية عبدالله بن بشر، وبين رواية إبراهيم بن طهمان، وأما رواية أبي عوانة، وشعبة، فاستبعدها الدارقطني من الوجه المرفوع، لأنها لا تصح عنهما أصلا.\nوروى جرير بن حازم، وزيد بن حبان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن جارية بكرا أتت النبي - ﷺ -، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - ﷺ -» (^٢).\nوكذا رواه أيوب بن سويد الرملي، عن سفيان الثوري، عن أيوب السختياني (^٣).\nورواه حماد بن زيد، وابن جريج، ومعمر، وإسماعيل علية، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا ليس فيه ابن عباس (^٤).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٠: ١٧١، ورواية إبراهيم بن طهمان أخرجها النسائي في «السنن الكبرى» حديث (٣١٧٧).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٢٠٩٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٣٨٧)، (٥٣٨٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٧٥)، و«مسند أحمد» ١: ٢٧٣.\n(^٣) «سنن الدارقطني» ٣: ٢٣٥.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٢٠٩٦)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٣٠٥ - ١٠٣٠٦)، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٣٦٥.","vol":"2","page":158},{"text":"وكذا رواه وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن أيوب (^١).\nفسفيان الثوري له رواية على الوجهين، لكن راوي الوجه الأول الموصول عنه أيوب بن سويد الرملي، وهو ضعيف، وراوي الوجه الثاني المرسل عنه وكيع بن الجراح، وهو ثقة حافظ من كبار أصحاب سفيان.\nوحينئذ فتكون الموازنة بين رواية جرير بن حازم، وزيد بن حبان، من جهة، وبين رواية حماد بن زيد، وابن جريج، ومعمر، وإسماعيل بن علية، والثوري، من جهة أخرى، ويسقط اسم الثوري من رواة الوجه الأول.\nولهذا الحديث بعينه طريق آخر إلى عكرمة، وهو طريق يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، هكذا رواه عبدالملك بن عبدالرحمن الذماري، عن سفيان الثوري، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير (^٢).\nوقد رواه إسماعيل بن علية، وسفيان الثوري -في رواية محمد بن كثير عنه- عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة مرسلا (^٣).\nفسفيان الثوري عنه وجهان، لكن راوي الوجه الأول الموصول عنه عبدالملك الذماري، وهو صدوق، وراوي الوجه الثاني محمد بن كثير، وهو ثقة،\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» ٤: ٣٦٥.\n(^٢) «المعجم الكبير» حديث (١٢٠٠١)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٢٣٤، و«سنن البيهقي» ٧: ١١٧.\n(^٣) «سنن سعيد بن منصور» حديث (٥٧٧)، و«سنن الدارقطني» ٣: ٢٣٤.","vol":"2","page":159},{"text":"وقد رواه غيره كذلك عن الثوري، قال الدارقطني بعد أن أخرجه: «هذا وهم من الذماري، وتفرد بهذا الإسناد، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر بن عكرمة مرسل، وهم فيه الذماري عن الثوري، وليس بقوي».\nوقال البيهقي: «هو في جامع الثوري عن الثوري كما ذكره أبو الحسن الدارقطني -﵀- مرسلا، وكذلك رواه عامة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام».\nوحينئذ فليس عن هشام الدستوائي سوى وجه واحد وهو المرسل، وهو الذي يرويه عنه إسماعيل بن علية، والثوري، وأما الموصول فلم يثبت عن الراوي عنه وهو الثوري، فصفى على هشام وجه واحد إذن، فيوازن بين رواية هشام، وبين رواية غيره ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير، فقد رواه عن يحيى غير هشام، وفي بعضها مخالفة لما رواه (^١).\nومن ذلك أيضا حديث قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي مرفوعا: «يغسل من بول الجارية …» الحديث، رواه أصحاب قتادة عنه فاختلفوا عليه، فرفعه هشام الدستوائي على اختلاف عليه في الوقف والرفع، وفي ذكر علي، ووقفه سعيد بن أبي عروبة على علي، على اختلاف عليه في ذكر أبي الأسود وإسقاطه، لكن لم يختلف عليه في وقف الحديث (^٢).\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٣٨٨)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٠٣٠١)، (١٠٣٠٥ - ١٠٣٠٦).\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٧٧ - ٣٧٨)، و«سنن الترمذي» (٦١٠) و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٢٥)، و«مسند أحمد» ١: ٧٦، ٩٧، ١٣٧، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٤٨٨)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٢٠، و«مسند البزار» حديث (٧١٧)، و«علل الدارقطني» ٤: ١٨٤، و«سنن البيهقي» ٢: ٤١٥.","vol":"2","page":160},{"text":"وذكر الدارقطني أن هماما رواه موقوفا كذلك (^١).\nوأضاف عدد من الباحثين إليهما ثالثا، وهو شعبة بن الحجاج، واعتمدوا في ذلك على ما في «العلل الكبير» للترمذي، وأنه سأل البخاري عن هذا الحديث فقال: «شعبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي حافظ، ورواه يحيى القطان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، فلم يرفعه» (^٢).\nوهذا النص وقع فيه تصحيف فشعبة لا يروي هذا الحديث، وصواب النص: «سعيد لا يرفعه …»، وقد نقله البيهقي في «سننه» عن الترمذي، وهو فيه على الصواب، قال البيهقي: «وفيما بلغني عن أبي عيسى أنه قال: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: سعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يرفعه، وهو حافظ» (^٣).\nوكذا قال الترمذي في «سننه»: «رفع هشام الدستوائي هذا الحديث عن قتادة، وأوقفه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ولم يرفعه» (^٤).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٤: ١٨٥.\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ١٤٢.\n(^٣) «سنن البيهقي» ٢: ٤١٥.\n(^٤) «سنن الترمذي» ٢: ٥١٠.","vol":"2","page":161},{"text":"وحينئذ فيحذف شعبة من رواة الوجه الموقوف، وتبقى المقارنة بين هشام الدستوائي من جهة، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام من جهة أخرى.\nوغير خاف أن تصفية رواة الأوجه إنما تتم حيث يجزم بضعف الطريق إلى راو من رواتها أو أكثر، وأما حين يقع التردد فيبقى الراوي ولا يلغى، ويشرح الباحث هذا التردد في مكانه من الدراسة.\nومن صور ذلك أن يجزم بخطأ وجه ما ويقع التردد هل الخطأ من راوي الوجه نفسه أو من الطريق إليه؟، والأمثلة على ذلك مما وقع للنقاد كثيرة جدا ومنها ما تقدم آنفا، وهو ما رواه جرير بن حازم، وزيد بن حبان، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن جارية بكرا أتت النبي - ﷺ - …».\nورواه حماد بن زيد وجماعة من كبار أصحاب أيوب، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا.\nفرواية جرير، وزيد بن حبان، مرجوحة بلا شك، غير أن رواية جرير وقع فيها اختلاف بين النقاد، فذهب أبو حاتم، والنخشبي، إلى أن الخطأ من الراوي عن جرير، وهو حسين بن محمد، قال أبوحاتم: «لم يروه عن جرير غيره» (^١).\nوذكر النخشبي أن جماعة -لم يسمهم- رووا هذا الحديث عن جرير مرسلا (^٢).\nوذهب الطحاوي، والبيهقي، إلى أن الخطأ من جرير بن حازم، ودافع الخطيب\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤١٧\n(^٢) «فوائد الحنائي» حديث (٢٢١).","vol":"2","page":162},{"text":"البغدادي عن حسين بن محمد بأنه قد توبع، وساقه من طريق محمد بن سليمان المنقري، عن سليمان بن حرب، عن جرير بالوصل (^١).\nولم ينته الأمر، فطريق سليمان بن حرب هذا بحاجة إلى تصفية، قام بها أحد الباحثين، فقد بحث عن محمد بن سليمان المنقري فلم يجد له ترجمة، مع تفرده بهذه الرواية عن سليمان بن حرب (^٢)، فبقي قول أبي حاتم، والنخشبي، على قوته.\nوالخلاصة أن الباحث قبل أن يوازن بين روايات رواة الأوجه عنده لا بد من قيامه بتصفية هذه الروايات، يصمد منها ما يصمد ويلغى منها ما يلغى، ولا يتسامح في هذا الجانب، إذ قد يترتب على إهمال ذلك ترجيح غير الراجح، أو ادعاء حفظ وجهين أو أكثر عن المدار، وعند التحقيق لا يكون هذا صحيحا.\nمثال ذلك حديث ابن عباس الآنف الذكر، فقد مرَّ بعض الباحثين برواية حسين بن محمد المروذي، عن جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس الموصولة، فقال بعد تخريجها: «وقد أعل هذا الحديث بالإرسال، وبتفرد جرير بن حازم، عن أيوب، وبتفرد حسين بن محمد المروذي، عن جرير.\nقلنا: أما تفرد جرير بن حازم، فقد تابعه في روايته عن أيوب، زيد بن حبان، وسفيان الثوري، وأما تفرد حسين بن محمد، عن جرير، ففي «نصب الراية»\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» ٤: ٣٦٥، و«سنن البيهقي» ٧: ١١٧، و«تاريخ بغداد» ٨: ٨٩.\n(^٢) «الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها» لتركي الغميز ص ٢٢٤، ثم وقفت له على ترجمة في «تاريخ دمشق» ٥٣: ١١٩، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.","vol":"2","page":163},{"text":"٣/ ١٩٠، عن «التنقيح»: قال الخطيب البغدادي: «قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم، أيضا كما رواه حسين، فبرئت عهدته، وزالت تبعته، -ثم رواه بإسناده-».\nوأما الإرسال، فقد أخرجه أبو داود، (٢٠٩٧)، ومن طريقه البيهقي ٧/ ١١٧، عن محمد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة النبي - ﷺ - بهذا الحديث، ولم يذكر ابن عباس، ورجح إرساله أبو داود، وأبو حاتم، والدارقطني، والبيهقي، قال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ١١٧: جرير بن حازم ثقة جليل، وقد زاد الرفع، فلا يضر إرسال من أرسله، كيف وقد تابعه الثوري، وزيد بن حبان، فروياه عن أيوب كذلك مرفوعا …».\nكذا صنع الباحث، أرسل الكلام على عواهنه ولم يمحص، فرواية الثوري عن أيوب الموصولة لو صحت عن الثوري كانت حجة قوية على ترجيح الموصول، لكنها لا تصح عنه، فالراوي عنه ضعيف، وقد خالفه أحد الحفاظ الكبار في الثوري وهو وكيع بن الجراح، فرواه عن الثوري مرسلا كما تقدم شرح ذلك، فرواية الثوري هذه إذن تنقل إلى رواة الوجه المرسل، فهي حجة لكلام النقاد على ترجيح الإرسال، وليست دليلا ضدهم.\nثم إن الباحث قصر أيضا في ذكر من رواه مرسلا، فاقتصر على حماد بن زيد، وقد رواه أيضا مرسلا معمر، وابن جريج، وابن علية، فهؤلاء خمسة من كبار أصحاب أيوب، لا يقارن بهم أبدا جرير بن حازم، يكفي واحد منهم لترجيح روايته على رواية جرير، وأما زيد بن حبان الذي تابعه فهو ضعيف في نفسه.","vol":"2","page":164},{"text":"وكذلك رفع تفرد حسين بن محمد بمتابعة سليمان بن حرب له عن جرير، لم يمحصه الباحث، ولم ينظر في الراوي عن سليمان بن حرب، وهو غير معروف كما تقدم آنفا.\nفالخلاصة أن الباحث ارتكب صنوفا من الأخطاء في معالجته لهذا الاختلاف على أيوب، وقصر جدا في تصفية رواة الأوجه، فكانت هذه النتيجة التي دافع عنها، وخالف فيها كبار النقاد.\nنعم قد يتسامح بعض النقاد والباحثين في سرد رواة وجه ما، وتكون الطرق إلى بعضهم فيها نظر، وذلك حين يكثر رواة هذا الوجه، ويتيقن من ثبوته عن أكثرهم، أو عن بعضهم، بما يمكن معه تقرير ثبوت هذا الوجه عن المختلف عليه.\nوقد تقدم مثل هذا في رواة الأوجه أنفسهم في المبحث الثاني من الفصل الثاني، في الترجيح بين رواة الأوجه بالكثرة، فقد تقدم هناك أن رواة الوجه إذا كثروا يتسامح الناقد في سردهم، فقد يكون من بينهم من هو ضعيف أو دون الضعيف، ولا يبين حاله.\nونبهت هناك إلى أن الأولى صنيع بعض الباحثين، حيث يلتزمون نقد رواة الأوجه موضع النقد، خاصة حين يكون الراوي غير صالح للاعتضاد، كأن يكون متروك الحديث أو دون ذلك.\nومثل هذا يقال هنا، فالأحسن التنبيه على ضعف الطريق إلى راوي الوجه إذا كان ضعفه شديدا، كأن يكون من رواية متروك الحديث، أو تكون نكارته","vol":"2","page":165},{"text":"شديدة، يتفرد به راو متكلم فيه عن إمام مشهور، أو له علة قوية فيحسن التنبيه حينئذ، لا سيما مع ظهور حاجة لذلك، مثل كون راوي الوجه حافظا ثقة له أثر في قوة ترجيح حفظ هذا الوجه عن المختلف عليه، وإن كان الترجيح حصل بدونه.\nإذا تقرر ما تقدم فإن إحدى مشكلات النظر في الأحاديث التي فيها اختلاف على أحد رواتها ما يقع من أئمة النقد من تعليق لأسانيد عن الرواة المختلفين، بقصد الاختصار حين الاستدلال بها في مناسبة ما، أو حين حكاية الاختلاف على الراوي، فيقول الإمام: قال سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أو روى شعبة، عن الحكم بن عتيبة، أو يقول حاكيا الاختلاف على راو: روى هذا الحديث قتادة، واختلف عنه، فقال سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي كذا، وقال شعبة، وهمام كذا، وقد يزيد الناقد بذكر من رواه عن هؤلاء، فيقول مثلا: قال ذلك عن سعيد: يزيد بن زريع، ويحيى القطان … الخ.\nوقد يكون التعليق عن المختلف عليه نفسه، فيعلق عنه بعض الأوجه فلا يذكر راويه أصلا فيقول الناقد بعد ذكر الوجه المرفوع مثلا: هو موقوف عن فلان -يعني المدار-، أو الصحيح عنه الوقف، ونحو ذلك، وقد يذكر الناقد راوي الوجه ويبهمه فيقول: وغير فلان يرويه موقوفا، أو خالفه أصحاب فلان فلم يرفعوه، أو وقفه جماعة عن فلان، ونحو هذه العبارات.\nوكثير من هذه الأسانيد المعلقة لا يقف عليها الباحث موصولة عند هذا الناقد أو عند غيره، وليس هذا بالقليل بل هو كثير جدا، يدرك ذلك بكل سهولة من احتاج إلى النظر في أحاديث وقع فيها اختلاف، أو قرأ لمن نظر في ذلك.","vol":"2","page":166},{"text":"فابن حجر -مثلا- في «تغليق التعليق» أو في «فتح الباري» يقول في بعض الأسانيد التي يعلقها البخاري: لم أقف عليه موصولا، أو لم أقف على من وصله، وربما أغفل تخريجه.\nوهكذا توجد مثل هذه العبارات عند الباحثين الذين اشتغلوا بـ «علل ابن أبي حاتم»، و«علل الدارقطني» أو اشتغلوا بالأحاديث التي حكى الأئمة فيها اختلافا، كالبخاري في «تاريخه»، وأبي داود، والترمذي في «سننهما»، والبزار في «مسنده»، والعقيلي في «ضعفائه»، وغيرهم.\nوكذلك في الإبهام، يقول الناظر: لم أقف على هذا الغير الذي رواه موقوفا، أو مرسلا، أو يقول في رواية الأصحاب غير المسمين: لم أقف على رواية أحد منهم، أو وقفت على رواية فلان، ولم أقف على رواية غيره.\nواعتماد هذه الروايات في الموازنة والترجيح يعارضه ما تقرر من أنه لا يصح أن ينسب إلى أحد شيء إلا بعد ثبوته عنه، ولا يعرف ذلك إلا بالوقوف على الإسناد الذي روي به. ويتأكد هذا إذا عرفنا أنه يوجد في معلقات النقاد ما يوقف عليه موصولا، ويتبين بعد فحص الإسناد أنه لا يصح إلى من علق عنه، أو يوجد عن الراوي بخلاف ما علقه عنه الناقد، فيعلقه الناقد عن راو على وجه، ويوجد عنه موصولا على وجه آخر، وهذا كثير أيضا، سيأتي شيء منه قريبا.\nومن ذلك قول ابن الجنيد: «ذكر يحيى بن معين -وأنا أسمع- حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «إذا مضى النصف من شعبان فلا تصوموا»، فقال: رواه زهير بن محمد، وعبدالرحمن بن إبراهيم، والزنجي.","vol":"2","page":167},{"text":"قلت ليحيى: والدراوردي، قال: الدراوردي، ومحمد بن جعفر، لا يرفعانه، قلت: حدثنا غير واحد عن الدراوردي يرفعه …» (^١).\nوروى موسى بن مسعود، ومؤمل بن إسماعيل، وعبدالرحمن بن مهدي\n-في رواية الجماعة عنه- عن الثوري، عن الأعمش، ومنصور، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعا: «الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك» (^٢).\nقال البزار بعد أن رواه عن محمد بن المثنى، عن عبدالرحمن بن مهدي هكذا: «وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله موقوفا، وأسنده الثوري، عن منصور، والأعمش».\nكذا قال البزار، يشير إلى تفرد سفيان بالرفع، والروايات الموجودة عن الأعمش كلها موافقة لرواية سفيان الثوري بالرفع، هكذا رواه وكيع، وعبدالله بن نمير، وشيبان بن عبدالرحمن، وغيرهم (^٣)، ولم يوقف على رواية عن الأعمش بالوقف، سوى ما رواه أحمد، عن عبدالرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري موقوفا (^٤)، وقد رواها الجماعة وهم محمد بن المثنى، وزهير بن حرب،\n_________\n(^١) «سؤالات ابن الجنيد» ص ١٦٠.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٦٤٨٨) و«مسند البزار» حديث (١٦٦٣)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٢٨٠)، و«سنن البيهقي» ٣: ٣٦٨.\n(^٣) «مسند أحمد» ١: ٣٨٧، ٤٤٢، و«مسند الشاشي» حديث (٥١٤)، و«فوائد تمام» حديث (١٧٢٧)، و«تاريخ بغداد» ١١: ٣٨٧، و«سير أعلام النبلاء» ٤: ١٦٦،\n(^٤) «مسند أحمد» ١: ٤٤٢.","vol":"2","page":168},{"text":"ومحمد بن يحيى الذهلي، عن عبدالرحمن بن مهدي مرفوعا (^١).\nفهذه مبررات توجب التوقف في الاعتماد على المعلقات التي لا يوقف علهيا موصولة.\nوفي مقابل ذلك: إغفال هذه الأسانيد يفضي إلى تعطيل جزء كبير من روايات السنة النبوية، خاصة في مجال النقد، وقد تقدم في تمهيد هذا الكتاب شكوى أحمد وغيره من كون الرواة في عصر الرواية يكتبون الأسانيد التامة ويدعون الناقصة، وقد تكون الناقصة هي الأقوى إسنادا عن المدار، فتعل التامة، فقد ذهب إذن جزء من الأسانيد الكاشفة للعلل في ذلك الزمان.\nثم ازداد الأمر في عصر التأليف، فالذين ألفوا في جمع السنة وصنفوها على الأبواب، أو على المسانيد، أو غير ذلك، كان اهتمامهم منصبا على الأسانيد التامة موصولة مرفوعة، أما ما يُعِلُّ هذه الأسانيد بالوقف أو الإرسال أو الإبدال أو غير ذلك، فكان اهتمامهم به في هذه المؤلفات دون النوع الأول، وكثير مما يذكرونه من النوع الثاني يذكرونه معلقا، كما يفعل البخاري، وأبو داود، والترمذي.\nوالمؤلفات التي عنيت بالأسانيد، الني تكشف العلل وخصصت لهذا الغرض هي كتب النقد، مثل كتب علل الأحاديث، غير أن أكثر الأسانيد في هذه الكتب جاءت معلقة، مع أن هذا اللون من التصنيف لم يصلنا أكثره.\n_________\n(^١) وانظر مثالا آخر للبزار في «مسنده» حديث (١٨٠٩)، ومثالا للدارقطني تعقبه فيه ابن رجب في: «علل الدارقطني» ٥: ١٨٩، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٨٧١.","vol":"2","page":169},{"text":"فإغفال الأسانيد المعلقة في مجال النقد مع العوز الموجود أصلا فيما نحتاجه من أسانيد تكشف العلل، له تأثيره الكبير على الدراسات النقدية.\nهذه مبررات اعتماد الأسانيد المعلقة عند الموازنة والنظر.\nوقد سبرت موقف الباحثين من هذه الأسانيد المعلقة فرأيت بعضهم\n-وهم الأكثر- يعتمدها ويدرجها في الموازنة، على حين يكتفي بعضهم بالأسانيد الموصولة عنده، ولم أر من تعرض لأسباب الاعتماد أو الترك، وبالنظر في مبررات اعتماد هذه الأسانيد ومبررات إغفالها التي ذكرتها آنفا يظهر أن مبررات اعتمادها أقوى، ولكن مع هذا ففي رأيي أن المسألة تحتاج إلى بحوث موسعة، تتم فيها دراسة جملة من هذا النوع من الأسانيد، دراسة مقارنة، يصل فيها الباحث إلى نتيجة يرى أنها صوابا، والأحسن أن يقتصر الباحث على إمام واحد ليمكنه الإلمام بالموضوع، ويسلم من تشعبه، وتقوم الدراسة على أساس اختيار قدر كاف من الأسانيد المعلقة عند ذلك الإمام والبحث عنها موصولة، فمتى وجد الباحث أن ما يقف عليه موصولا أسانيدها ثابتة إلى من علقها عنه، أو أكثرها كذلك، عرفنا أن الإمام لا يعلق عن شخص إلا ما ثبت عنه، وإن كان غير ذلك بأن تكثر الأسانيد الضعيفة للمعلقات، فمعناه أن هذا الإمام يعلق ومراده ورود الرواية، بغض النظر عن ثبوتها، خاصة إن كانت الأسانيد الموصولة يوجد شيء منها عند هذا الإمام.\nومع الحاجة إلى مثل هذه الدراسات فإن هذا لا يمنع من القول بأنه يمكن للباحث أن يتعامل مع كل حالة بعينها، وأعني بذلك أن ينظر في المعلق الذي بين","vol":"2","page":170},{"text":"يديه وما يحف به من قرائن القبول والرد، فمتى جزم الناقد بتعليق رواية وعضدت القرائن قبول هذا المعلق، صح اعتماده في الموازنة والترجيح، وإلا فلا.\nهذا كله إذا كان هذا المعلق له أثره في الموازنة، أما إن كان الأمر مفروغا منه بهذا المعلق وبدونه فالأمر هين، فقد تقدم آنفا أنه يتسامح في سرد طرق تبين ضعفها إذا قضي الأمر بمعزل عنها، فما كان فيه احتمال القوة والضعف من باب أولى.\nومثال ذلك الحديث السابق في أول هذا المبحث، وهو ما رواه جرير بن حازم، وزيد بن حبان، وكذا الثوري من رواية أيوب بن سويد عنه، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة المرأة التي زوجها أبوها وهي كارهة.\nورواه معمر، وابن جريج، وحماد بن زيد، وإسماعيل بن علية، وكذا الثوري من رواية وكيع عنه، عن أيوب، عن عكرمة مرسلا.\nورواية معمر، وابن جريج، والثوري، جاءت موصولة عنهم بأسانيد صحيحة، وأما رواية حماد بن زيد فعلقها أبو داود، وأبو حاتم، ورواية ابن علية علقها أبو حاتم، والطحاوي.\nوكما هو ظاهر فالترجيح للمرسل حاصل بالروايات التي وجدت موصولة، وعدم الوقوف على رواية حماد بن زيد، وابن علية، لا أثر له مطلقا في الترجيح، فسرد الجميع -الموصول والمعلق- لا بأس به حينئذ.\nوالقرائن في الاسترواح للمعلق من عدمه كثيرة، منها ما يتعلق بالإمام الذي علق الإسناد، فلا شك أن ما يعلقه أئمة النقد في عصر النقد عصر الرواية","vol":"2","page":171},{"text":"كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وأحمد، وابن معين، والبخاري، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، أقوى مما يعلقه من تأخر عنهم.\nوكذلك كيفية سوق الإمام لهذا المعلق، وهل اعتمد عليه في الترجيح أو لا؟ .\nوأيضا توارد النقاد على تعليق رواية واعتمادها، أو انفراد واحد منهم.\nومنها ما هو في المعلق نفسه، وفي جملة الحديث الذي جاء فيه الاختلاف.\nوسأذكر الآن بعض ال<span data-type='title' id=toc-393>أمثلة لأسانيد معلقة يترجح قبولها واعتمادها بقرائن</span>، وأخرى يترجح ردها وإغفالها.\nفمن الأول ما تقدم في المبحث الثالث من الفصل الثاني (القرائن في أوجه الاختلاف) في القرينة الأولى (السهولة والوعورة)، وهو ما رواه جرير بن عبدالحميد، عن مغيرة بن مقسم، عن أبي وائل، عن عبدالله، أن النبي - ﷺ - قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».\nوقد جزم البخاري بأن الصواب عن مغيرة، عن أبي وائل مرسلا، وعبدالله هذا هو ابن حذافة السهمي.\nولم يذكر البخاري من رواه عن مغيرة مرسلا، ولكن لا مناص من قبول هذا وترجيحه على رواية جرير، فإن البخاري ذكره جازما به، ووافقه النسائي على أن عبدالله هذا ليس ابن مسعود، وقد رواه سيار أبو الحكم العنزي، عن أبي وائل فأرسله.","vol":"2","page":172},{"text":"وروى إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد الأنصاري، عن عبدالله بن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل» (^١).\nقال البخاري في نقده لهذا الحديث بهذا الإسناد: «وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصح» (^٢).\nفهذا المعلق عند البخاري لم يوقف له الآن على إسناد (^٣)، ولكن كل الدلائل تشير إلى صحة هذا المعلق، فقد روى أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة قصة حوار أبي هريرة مع كعب الأحبار حول ساعة الإجابة يوم الجمعة، ومراجعة التوراة (^٤)، فلا بعد أن يكون كعب قد حدثه بهذا الحديث.\nوقد رواه الأعمش، عن أبي صالح السمان، عن كعب الأحبار وفيه: «بدأ خلق السموات والأرض يوم الأحد …» الحديث مختصرا ذكر فيه الأيام إلى\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٨٩)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٢٧.\n(^٢) «التاريخ الكبير» ١: ٤١٣.\n(^٣) انظر: «الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري في تاريخه الكبير» لعادل الزرقي ص ٣٢٦، ٣٢٧.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (١٠٤٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٤٩١).","vol":"2","page":173},{"text":"الجمعة، ولم يذكر السبت (^١)، وأبو صالح من خاصة أصحاب أبي هريرة، فإما أن يكون أخذه عن أبي هريرة، عن كعب وأرسله، وإما أن يكون سمعه مع أبي هريرة من كعب.\nوالحديث يرويه إبراهيم بن أبي يحيى، عن أيوب بن خالد الأنصاري، ومرة عن صفوان بن سليم، عن أيوب بن خالد (^٢)، ولذا قال ابن المديني في نقده للحديث: «ما أرى إسماعيل بن أمية أخذه إلا من إبراهيم بن أبي يحيى» (^٣)، وإبراهيم هذا متروك الحديث، بل رماه بعضهم بالوضع.\nومتن الحديث فيه نكارة رده بسببها كثير من النقاد، فهو مخالف لما في القرآن من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام لا في سبعة (^٤)، ورواية الأعمش، عن أبي صالح، عن كعب، لا إشكال فيها من هذه الجهة، وليس فيها هذه التفاصيل، فهذا يؤيد ما ذكره ابن المديني، وأن التخليط فيه إسنادا ومتنا من إبراهيم بن أبي يحيى.\nفتلخص من الدلائل السابقة صحة ما علقه البخاري عن بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب قوله، وأيضا فالرواية الأقوى عن كعب ليس فيها ما يشكل.\n_________\n(^١) «نسخة وكيع عن الأعمش» حديث (٣٩)، و«تفسير ابن جرير» ٣: ١١٢.\n(^٢) «معرفة علوم الحديث» ص ٣٣، و«الأسماء والصفات» ص ٤٨٧.\n(^٣) «الأسماء والصفات» ص ٤٨٧.\n(^٤) «فتاوى ابن تيمية» ١٧: ٣٧٨، ١٨: ١٨، و«الجواب الصحيح» ١: ٣٧٨، و«المنار المنيف» ص ٨٤، و«تفسير ابن كثير» ٤: ٩٤.","vol":"2","page":174},{"text":"وروى سعد بن سعيد الأنصاري -أخو يحيى بن سعيد الأنصاري القاضي- في المشهور عنه، عن عمرة بنت عبدالرحمن، عن عائشة، أن النبي - ﷺ - قال: «كسر عظم الميت ككسره حيا» (^١).\nوللحديث طرق أخرى إلى عمرة، لكن طريق سعد بن سعيد هو أشهرها، والحديث يعرف به، والطرق الأخرى الأقرب أنها تعود إليه (^٢).\nوسعد بن سعيد هذا تكلم فيه النقاد من قبل حفظه، وقد خالفه محمد بن عبدالرحمن بن سعد الأنصاري، وهو قريب لعمرة، فعمرة عمته أو عمة أبيه، فرواه عن عمرة موقوفا على عائشة، ومحمد ثقة معروف له اختصاص بعمرة، وقد ضبط هذا الحديث عنها، ففيه قصة، وأشار محمد إلى أن هناك من يرفعه عن عمرة، مما يدل على ضبطه للحديث، فروى شعبة، عن محمد بن عبدالرحمن قال: «قالت لي عمرة: أعطني قطعة من أرضك أدفن فيها، فإني سمعت عائشة تقول:\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٢٠٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦١٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٥٨، ١٦٨، ٢٠٠، ٢٦٤، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٢٥٦)، (١٧٧٣٢ - ١٧٧٣٣)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٢٧٥)، و«التمهيد» ١٣: ١٤٣، و«علل الدارقطني» ١٤: ٤١٠، لكن وقع في النسخة خطأ، ففيها بعد سرد من رواه عن سعد بن سعيد: «عن عمرة، عن عائشة موقوفا»، والصواب: «مرفوعا»، فمن ذكرهم الدارقطني روايتهم في المصادر مرفوعة، وسياق كلام الدارقطني قبل هذه الجملة وبعدها يدل على وقوع الخطأ.\n(^٢) «مسند أحمد» ٦: ١٠٥، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٢٥٧ - ٦٢٥٨)، و«المنتقى» حديث (٥٥١)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٢٧٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٧٢، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣١٦٧)، و«الكامل» ٣: ١١٨٩.","vol":"2","page":175},{"text":"كسر عظم الميت مثل كسر عظم الحي»، قال محمد: «ومن أهل المدينة من يحدثه عن عائشة، عن النبي - ﷺ -»، وفي بعض المصادر: «وكان مولى بالمدينة يحدثه عن عمرة، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nورواه مالك أنه بلغه عن عائشة …، فذكره موقوفا (^٢).\nوقد علقه الدارقطني، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة موقوفا (^٣)، ولم يمكن الوقوف على إسناد لهذا المعلق، وعلقه البخاري كذلك عن عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، عن عائشة موقوفا (^٤)، ولم يمكن الوقوف على إسناد لهذا المعلق، بل جاء عن القاسم مرفوعا لكن الإسناد إليه ضعيف (^٥).\nوحينئذ فما علقه الدارقطني من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة،\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ١٠٠، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١١٧١)، و«علل الدارقطني» ١٤: ٤١٠، و«التمهيد» ١٣: ١٤٣.\n(^٢) «موطأ مالك» ١: ٢٣٨، وقد ذكر ابن عبدالبر في «التمهيد» ١٣: ١٤٣، أنه جاء عن مالك، عن محمد بن عبدالرحمن بن حارثة الأنصاري المعروف بأبي الرجال، عن عمرة موقوفا على عائشة، ولو صح هذا لكان متابعا قويا لرواية محمد بن عبدالرحمن بن سعد الأنصاري شيخ شعبة، فأبو الرجال ولد عمرة، وهو ثقة جليل، لكن قال ابن عبدالبر بعد أن ذكره: «وأكثر الرواة للموطأ يقولون فيه: عن مالك، أنه بلغه، أن عائشة كانت تقول …».\n(^٣) «علل الدارقطني» ١٤: ٤٠٩.\n(^٤) «التاريخ الكبير» ١: ١٤٩.\n(^٥) «الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير» لعادل الزرقي ص ١٨٢.","vol":"2","page":176},{"text":"وما علقه البخاري عن عروة، والقاسم عن عائشة، يترجح قبوله، فالدلائل كلها تشير إلى صحة هذا، فالصواب وقفه على عائشة كما ذهب إليه النقاد.\nوروى أبان بن تغلب، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود قال: «كان من تلبية النبي - ﷺ -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك» (^١).\nوعلق ابن أبي حاتم، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد قال: «كانت تلبية عبدالله بن مسعود …» لم يرفعه (^٢).\nولم يتيسر الوقوف على هذه الرواية موصولة (^٣)، ولكن يترجح قبولها، فإن ابن أبي حاتم علقها جازما، بها ثم نقل عن أبيه قوله: «حديث شعبة أصح».\nوكذا رجح الموقوف أحمد، ولم يذكر من رواه موقوفا، وجعل العهدة في رفعه على حماد بن زيد راويه عن أبان، فقد سئل أحمد عن المرفوع فقال: «هذا أراه من حماد -يعني رفعه إلى النبي - ﷺ -، لأن الحديث موقوف على عبدالله» (^٤).\nوأيضا فقد تابع أبا إسحاق على الوجه الموقوف عمارة بن عمير، فرواه عن عبدالرحمن بن يزيد قال: «كان عبدالله يعلمنا هذه التلبية: لبيك اللهم\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٢٧٥٠)، و«مسند أحمد» ١: ٤١٠.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» (المناسك) تحقيق تركي الغميز (الحاشية) ٢: ٧٦٥.\n(^٤) «مسائل أبي داود» ص ٤٣٧.","vol":"2","page":177},{"text":"لبيك …» الحديث (^١).\nثم قد روى المرفوع كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود، فاقتصر على أوله، ولفظه: «قال عبدالله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام: لبيك اللهم لبيك» (^٢).\nوروى جماعة كثيرون -منهم مالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، ويحيى القطان، والثوري، وغيرهم- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهني: «أن رجلا مات على عهد رسول الله - ﷺ -، فلم يصل عليه …» الحديث، وفي بعض الطرق إليهم: عن ابن أبي عمرة (^٣).\nوعلقه أبو حاتم، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» (الجزء المفقود) حديث (١٣٨).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (١٢٨٣)، و«سنن النسائي» حديث (٣٠٤٦)، و«مسند أحمد» ١: ٣٧٤، ٤١٩.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٧١٠)، و«سنن النسائي» حديث (١٩٥٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٤٨)، و«مسند أحمد» ٤: ١١٤، ٥: ١٩٢، و«موطأ مالك» رواية يحيى بن يحيى ٢: ٤٥٨، ورواية أبي مصعب الزهري حديث (٩٢٤)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٩٥٠١ - ٩٥٠٢) و«مسند الحميدي» حديث (٨١٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٢: ٤٩١ حديث (١٥٣٧٤ - ١٥٣٧٥)، و«المنتقى» حديث (١٠٨١)، و«المعجم الكبير» حديث (٥١٧٨ - ٥١٧٩)، و«المستدرك» ٢: ١٢٧، و«حلية الأولياء» ٨: ٢٦٢، و«التمهيد» ٢٣: ٢٨٥.","vol":"2","page":178},{"text":"بن حبان، عن زيد بن خالد، ليس بينهما أحد (^١).\nوعلقه ابن عبدالبر عن حماد بن زيد، كرواية الجماعة بذكر أبي عمرة (^٢).\nولا إشكال في قبول ما علقه ابن عبدالبر، فهو الموافق لرواية الجماعة، ثم قد رواه محمد بن نصر المروزي، عن محمد بن عبيد بن حساب، عن حماد بن زيد كذلك (^٣).\nوما علقه أبو حاتم يظهر قبوله كذلك، فقد رواه البزار، عن محمد بن عبدالملك القرشي، عن حماد بن زيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن رجل، عن زيد بن خالد (^٤)، فيظهر أن حمادا كان مترددا في أبي عمرة، فربما ذكره، وربما أبهمه، وقد يسقطه.\nوروى جماعة كثيرون عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن أبا هند حجم النبي - ﷺ - في اليافوخ، فقال النبي - ﷺ -: يا بني بياضة: أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه، وقال: وإن كان في شيء مما تداوون به خير فالحجامة»، ومنهم من اقتصر على بعضه (^٥).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦٢.\n(^٢) «التمهيد» ٢٣: ٢٨٦.\n(^٣) «تعظيم قدر الصلاة» حديث (٦٩٣).\n(^٤) «مسند البزار» حديث (٣٧٦٥).\n(^٥) «سنن أبي داود» حديث (٢١٠٢)، (٣٨٥٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٤٧٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٤٢، ٤٢٣، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٩١١)، و«صحيح ان حبان» حديث (٦٠٧٨).","vol":"2","page":179},{"text":"قال الدارقطني بعد أن ذكر رواية حماد هذه: «وغيره يرويه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة مرسلا، والمرسل أشبه»، ثم قيل له: من يقدم في حديث محمد بن عمرو؟ قال: «إسماعيل بن جعفر» (^١).\nولم يتيسر الوقوف على هذه الرواية المرسلة، غير أن ترجيح صحتها وقبولها ظاهر، فالحديث تفرد به حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو موصولا، وحماد يخطئ في روايته عن شيوخه الذي لم يلازمهم، وقد ذكر ابن عدي الحديث الموصول في ترجمة حماد (^٢)، فمجيء مثل هذه الرواية المرسلة أمر قريب جدا.\nفالأمثلة السابقة هي لروايات معلقة يظهر بالقرائن المحتفة بها وبالحديث كله أنها صحيحة إلى من علقت عنه، يمكن الاعتماد عليها في الموازنة والنظر حين وقوع الاختلاف.\nوفي الجانب الآخر هذه بعض الأمثلة على روايات معلقة يظهر بالقرائن التوقف في قبولها وصحتها إلى من علقت عنه.\nفمن ذلك أن محمد بن جعفر بن أبي كثير روى عن موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعا: «ليس منا من ضرب الخدود …» الحديث، وخالفه إسرائيل بن يونس، فرواه عن أبي إسحاق، عن مسروق مرسلا (^٣).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٩: ٢٨٩.\n(^٢) «الكامل» ٢: ٦٧٩، ٦٨٠.\n(^٣) «معجم ابن الأعرابي» حديث (٢٢٢٥)، و«اعتلال القلوب» حديث (٣٦٠)، و«المعجم الكبير» حديث (١٠٢٩٧)، و«أمالي ابن بشران» حديث (٥٥، ٥٢٩).","vol":"2","page":180},{"text":"قال الدارقطني عن رواية موسى بن عقبة: «وهو غريب، تفرد به محمد بن جعفر بن أبي كثير عنه»، فذكر للدارقطني أن ابن لهيعة رواه عن موسى بن عقبة كذلك، فقال الدارقطني: «لا أحفظه» (^١).\nفالدارقطني توقف في هذا المعلق لما لم يكن عنده إسناد له، ولم يعده مزيلا للغرابة عن رواية محمد بن جعفر، فهي متقررة عنده، ورفعها يحتاج إلى ثبوت الطريق إلى من علق عنه.\nوالشاهد صنيع الدارقطني، وأما بعده فقد وجد هذا المعلق موصولا من طريق حسان بن غالب المصري (^٢)، وهو متروك الحديث (^٣)، فبقيت الغرابة بحالها.\nوروى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار مرسلا، قصة الرجل الذي سأل رسول الله - ﷺ - عن وقت صلاة الصبح (^٤).\nقال ابن عبدالبر: «وبلغني أن سفيان بن عيينة حدث بهذا الحديث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ -، وما أدري كيف صحة هذا عن سفيان؟ وأما الحديث عن زيد بن أسلم فالصحيح فيه أنه من\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٥: ٢٤٨.\n(^٢) «أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافا في كتاب العلل» لخالد باسمح ٢: ٦٣٧، وعزاه إلى «أمالي الجرجاني» ١٧٧ أ.\n(^٣) «المجروحين» ١: ٢٧١، و«لسان الميزان» ٢: ١٨٨.\n(^٤) «موطأ مالك» ١: ٤.","vol":"2","page":181},{"text":"مرسل عطاء، والله أعلم» (^١).\nوقال الباجي في كلامه على حديث مالك: «هذا الحديث مرسل، ولا نعلم أحدا من أصحاب مالك أسنده، ولا نعلم أحدا أسنده من طريق عطاء، وقد ذكر القنازعي ﵀ أن سفيان أسنده عن زيد، عن عطاء، عن النبي - ﷺ - وأراه وهم» (^٢).\nفتوقف ابن عبد البر، والباجي، في قبول ما نسب إلى سفيان بن عيينة دون إسناد، حيث يلزم من قبوله نسبة سفيان إلى مخالفة مالك ومن أرسله عن عطاء.\nومن ذلك أيضا الحديث الماضي آنفا، وهو حديث سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة مرفوعا: «كسر عظم الميت ككسره حيا»، فقد تقدم أن جماعة كثيرين يروونه عن سعد بن سعيد مرفوعا، وذكر البخاري أن الدراوردي، وسليمان بن بلال، روياه عن سعد بن سعيد فوقفاه على عائشة (^٣).\nولم يمكن الوقوف على إسناد هاتين الروايتين اللتين علقهما البخاري (^٤)، لكن أمكن الوقوف على رواية ثلاثة من أصحاب الدراوردي، وهم القعنبي، وهشام بن عمار، وإبراهيم بن حمزة، عن الدراوردي، عن سعد بن سعيد برفع الحديث وليس بوقفه (^٥)، وكذا علقه الدارقطني عن الدراوردي (^٦).\n_________\n(^١) «التمهيد» ٤: ٣٣٣.\n(^٢) «المنتقى» ١: ٦، ولعله سقط منه: «عن أنس».\n(^٣) «التاريخ الكبير» ١: ١٤٩.\n(^٤) «الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير» ص ١٨١ - ١٨٢.\n(^٥) «سنن أبي داود» حديث (٣٢٠٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦١٦)، و«الكامل» ٣: ١١٨٩.\n(^٦) «علل الدارقطني» ١٤: ٤١٠.","vol":"2","page":182},{"text":"وعلى هذا فما علقه البخاري عن الدراوردي، وسليمان بن بلال، يتوقف فيه حتى يوقف على إسناده، ولا يحسن الجزم بناء عليه بأن سعد بن سعيد قد اضطرب في روايته للحديث عن عمرة، رفعا ووقفا.\nوروى حفص بن غياث، وعبدالله بن نمير، وجرير بن عبدالحميد، وعيسى بن يونس، ويعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار مرفوعا قصة التيمم، إلا أن حفص بن غياث لم يذكر سعيد بن عبدالرحمن في الإسناد، فجعله عن سلمة، عن عبدالرحمن بن أبزى.\nوذكر أبو داود أن وكيعا يرويه كذلك ليس فيه سعيد، ولم يذكر أبو داود إسناده إلى وكيع (^١).\nفهذا المعلق عن وكيع يتوقف فيه حتى يوقف على إسناده، ولايبنى عليه الحكم باضطراب وكيع فيه، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، فذكر فيه سعيدا، كقول الجماعة عن الأعمش (^٢).\nوروى سعيد بن أبي عروبة، وهمام، وعمران القطان، عن قتادة، عن أنس مرفوعا: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم …» (^٣).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٢٣)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٦٩)، و«مسند أبي عوانة» ١: ٣٠٥، ٣٠٦، و«شرح معاني الآثار» ١: ١١٢، و«سنن الدارقطني» ١: ١٨٣.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٥٩.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٧٥٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٩١٣)، و«سنن النسائي»\n\nحديث (١١٩٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٤٤)، و«مسند أحمد» ٣: ١٠٩، ١١٢، ١١٤، ١١٦، و«مسند الطيالسي» حديث (٢١٣١)، و«ذكر أخبار أصبهان» ١: ٣٣٦.","vol":"2","page":183},{"text":"قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس … فذكر الحديث، ورواه أبان العطار، عن قتادة أنه بلغه أن نبي الله - ﷺ - كان يقول … مرسلا، قال أبو زرعة (كذا في النسخة): ابن أبي عروبة أحفظ، وقتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - أصح، كذا رواه عمران القطان أيضا» (^١).\nوهذا المعلق عن أبان لم يتيسر الوقوف على إسناده إلى أبان، ولا بد من الوقوف عليه للنظر في صحته عن أبان، فقد رواه أحمد، عن عفان بن مسلم، عن أبان موصولا، كقول الجماعة عن قتادة (^٢).\nوالثابت عنه أنه يرويه عن قتادة مرسلا هو معمر، هكذا رواه عنه عبدالرزاق (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه حصين، عن سعد بن عبيدة، عن البراء، قال: «إذا اضطجع الرجل فتوسد يمينه، قال: اللهم إني أسلمت نفسي إليك …».\nقال أبي: لم يرفعه حصين، ورواه منصور، وفطر، فرفعاه، قلت: فأيهما أصح؟ قال: منصور أحفظ الثلاثة، وأثبتهم، وأتقنهم» (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١١١.\n(^٢) «مسند أحمد» ٣: ٢٥٨.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٣٢٥٩).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٦٨.","vol":"2","page":184},{"text":"ورواية حصين بن عبدالرحمن الموقوفة هذه لم يتيسر الوقوف عليها، وقد رواه جماعة عن حصين مرفوعا (^١)، فيتوقف في قبول الرواية الموقوفة عن حصين، ولعل الخطأ فيها من الإسناد إليه.\nوروى جماعة عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا حسد إلا في اثنتين …» (^٢).\nقال أبو عوانة: «لم يخرجه مسلم، وأخرجه غيره، وذاك أن غندرا رواه عن شعبة، عن سليمان، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة، عن النبي - ﷺ -» (^٣).\nوما علقه أبو عوانة يحتاج إلى النظر في إسناده، فقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر غندر، فجعله عن أبي هريرة، كرواية الجماعة، وكذا رواه جماعة عن الأعمش أيضا، كما تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٧١٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٦٢٠ - ١٠٦٢١)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٩٦.\nورواية منصور أخرجها البخاري حديث (٢٤٧)، (٦٣١١)، ومسلم حديث (٢٧١٠)، وأبو داود حديث (٥٠٤٦)، (٥٠٤٨)، والترمذي (٣٥٧٤)، والنسائي في «سننه الكبرى» حديث (١٠٦١٨)، وأحمد ٤: ٢٩٣، ورواية فطر بن خليفة أخرجها أبو داود حديث (٥٠٤٧)، والنسائي في «سننه الكبرى» حديث (١٠٦١٩)، وأحمد ٤: ٢٩٠.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٠٢٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٠٧٣)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٧٩، و«إتحاف المهرة» ١٤: ٥٠٤.\n(^٣) «مسند أبي عوانة» حديث (٣٨٦٢) طبعة دار المعرفة.","vol":"2","page":185},{"text":"وروى الوليد بن مسلم، والوليد بن مزيد، وعبدالله بن كثير الدمشقي، عن الأوزاعي، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: «إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا»، غير أن رواية الوليد بن مزيد، وعبدالله بن كثير ليس فيها قول عائشة: «إذا جاوز الختان …»، وفيها أنها سئلت عن الذي يجامع ولا ينزل فقالت: «فعلته …» الحديث (^١).\nوذكر الدارقطني أن بشر بن بكر، وأبا المغيرة، وعمرو بن أبي سلمة، ومحمد بن كثير، ومحمد بن مصعب وغيرهم، رووه عن الأوزاعي موقوفا (^٢).\nولم يمكن الوقوف على هذه الروايات المعلقة عند الدارقطني، غير أنه أمكن الوقوف على رواية ثقتين عن بشر بن بكر بالرفع، كرواية الوليد بن مزيد، وعبدالله بن كثير (^٣)، وعليه فما ذكره الدارقطني يتوقف فيه حتى يوقف على أسانيده.\nوروى جماعة كثيرون، منهم موسى بن إسماعيل، وحسن بن موسى، وعفان بن مسلم، وأبو داود الطيالسي، ومحمد بن الفضل عارم، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي قال: سمعت رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٩٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٠٨)، و«مسند أحمد» ٦: ١٦١، و«صحيح ابن حبان» حديث (١١٧٥)، و«سنن الدارقطني» ١: ١١١.\n(^٢) «سنن الدارقطني» ١: ١١٢.\n(^٣) «المنتقى» حديث (٩٣)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٥٥.","vol":"2","page":186},{"text":"يقول: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار» (^١).\nوذكر الدارقطني أن الأسود بن عامر رواه عن حماد بن سلمة فوقفه (^٢)، كذا ذكر الدارقطني، ولم يسنده إلى الأسود بن عامر، وقد رواه ابن أبي شيبة، عن الأسود بن عامر مرفوعا، كقول الجماعة (^٣).\nوروى يزيد بن هارون، وعمرو بن خليفة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - ﷺ - سمع قراءة أبي موسى …» الحديث (^٤).\nوسرد الدارقطني جماعة آخرين يروونه عن محمد بن عمرو بن علقمة هكذا موصولا، فذكر خالدا الواسطي، ومعاذ بن معاذ، وعباد بن العوام، وعمر بن علي المقدمي، وعبدة بن سليمان (^٥)، ولا إشكال في ذلك.\nوذكر الدارقطني أيضا أن حماد بن سلمة خالفهم، فرواه عن محمد بن\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٤٩)، و«مسند أحمد» ١: ٩٤، ١٠١، ١٣٣، و«مسند الطيالسي» حديث (١٧٠)، و«سنن الدارمي» حديث (٧٥٧)، و«تهذيب الآثار» (مسند علي) حديث (٤١)، و«سنن البيهقي» ١: ١٧٥.\n(^٢) «علل الدارقطني» ٣: ٢٠٨.\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (٥٩٩).\n(^٤) «سنن ابن ماجه» حديث (١٣٤١)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٥٠، و«مسند البزار» (٧٩٥٣ - ٧٩٥٤).\n(^٥) «علل الدارقطني» ٩: ٢٨٧.","vol":"2","page":187},{"text":"عمرو، عن أبي سلمة مرسلا، ولم يسق الدارقطني إسناده إلى حماد، وقد رواه أحمد، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة موصولا بذكر أبي هريرة، كقول الجماعة عن محمد بن عمرو (^١).\nفالرواية المرسلة التي علقها الدارقطني عن حماد بن سلمة يتوقف فيها، ولا يحكم من أجلها على حماد بن سلمة بالاضطراب في هذا الحديث.\nوروى يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبدالله بن مسعود مرفوعا: «ما من حاكم بين الناس إلا حشر يوم القيامة وملك آخذ بقفاه …» الحديث (^٢).\nورواه عبدالرحيم بن سليمان، وهشيم، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وغيرهم، عن مجالد، فوقفوه على ابن مسعود (^٣).\nوذكر الدارقطني أن علي بن صالح تابع يحيى القطان على رفعه، ولم يذكر الدارقطني إسناده إلى علي، ولا بد من الوقوف عليه لقبول هذا المعلق، فقد قال البزار بعد أن ساق رواية القطان: «هذا الحديث لا نعلم أسنده عن مجالد إلا يحيى بن سعيد، وسمعت عمرو بن علي يذكر هذا الحديث عن يحيى بن سعيد، ومحمد بن فضيل، عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ -،\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٢: ٣٥٤.\n(^٢) «سنن ابن ماجه» حديث (٢٣١١)، و«مسند أحمد» ١: ٤٣٠، وفي «مسند أحمد»: «عن عبدالله\n-قال مرة أو مرتين- عن النبي - ﷺ -».\n(^٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٧: ٢٢٩، ١٢: ٢١٦، و«علل الدارقطني» ٥: ٢٤٩.","vol":"2","page":188},{"text":"وأظن أن عمرو بن علي حمل حديث ابن فضيل على حديث يحيى في الرفع، لأني لم أسمع أحدا رفعه عن ابن فضيل إلا عمرو بن علي، فجمع فيه يحيى، وابن فضيل» (^١).\nفما علقه الدارقطني عن علي بن صالح لا يصح النقض به على البزار في قوله إنه لا يعلم أحدا رفعه سوى القطان، حتى يثبت هذا عن علي بن صالح.\nوذكر ابن حجر أن يزيد بن هارون حين روى عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، حديث أبي بن كعب مرفوعا: «إن من الشعر حكمة»، حذف من الإسناد شيخ شيخ الزهري، مروان بن الحكم، قال ابن حجر: «والصواب إثباته» (^٢).\nوقد أمكن الوقوف على ثلاثة طرق إلى يزيد بن هارون، وفيها كلها مروان بن الحكم (^٣)، فيتوقف في ثبوت ما نسبه ابن حجر إلى رواية يزيد بن هارون.\nوأعود الآن -بعد عرض الأمثلة من النوعين- إلى التذكير بما قدمت به لها، من أن إغفال هذه المعلقات عسير جدا بل لا يمكن تطبيقه، وكذلك اعتمادها هكذا بإطلاق، فالناظر في الاختلاف ملزم إذن بدراسة ما يمر به منها، والخلوص إلى نتيجة تعتمد على القرائن، وما يحف بالمعلق منها قبولا أو ردا.\n * * *\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (١٩٣٩).\n(^٢) «فتح الباري» ١٠: ٥٤٠.\n(^٣) «مسند أحمد» ٥: ١٢٥، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٩٧، و«مسند الشاشي» حديث (١٥١٢).","vol":"2","page":189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-395>المبحث الثالث\nتعاضد القرائن</span>\nإذا وصل الباحث إلى رأي معين في الاختلاف الذي ينظر فيه، سواء كان بترجيح حفظ وجه واحد، أو بترجيح حفظ وجهين أو أكثر، أو بترجيح عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف، فكل ذلك لا بد أن يكون مبنيا على القرائن التي سبق شرحها في الفصل السابق، أو غيرها مما يظهر للباحث أنه قرينه مؤثرة.\nوليس من شرط الترجيح أن يتوافر عليه عدد من القرائن، فقد يتم الترجيح بقرينة واحدة، مثل قرينة كون أحد الراويين المختلفين أحفظ من الآخر، أو أقوى في الشيخ المختلف عليه، أو في رواية أحدهما ما يدل على حفظ الوجه الذي رواه، أو في روايتهما جميعا كذلك، أو يكون أحدهما قد توبع في طبقة أعلى، أو يكون الرواة المختلفون كلهم ثقات حفاظ، ولكن أحد الوجهين رواه الأكثر، أو يكون الراوي المختلف عليه واسع الرواية، ونحو ذلك.\nوغير خاف أن توافر عدد من القرائن للترجيح أقوى من الاعتماد على قرينة واحدة، وكلما كثرت القرائن ازداد الترجيح قوة، ولهذا نرى النقاد يذكر قرائن تدل على ما اختاروه متى وجدت في الاختلاف الذي ينظرون فيه.\nوسأذكر الآن<span data-type='title' id=toc-397> نماذج من عمل النقاد وأمثلة أخرى لتوافر القرائن</span>.\nمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب،","vol":"2","page":190},{"text":"وهو ما روي عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، قال: سمعت عائشة …، فذكر الحديث، في استقبال القبلة عند قضاء الحاجة.\nسئل أحمد عن هذا الحديث فقال: «هو مرسل»، وأنكر أن يكون عراك بن مالك سمع من عائشة، والتصريح بالتحديث الموجود في هذه الرواية خطأ.\nواعتمد أحمد -كما تقدم- على عدد من القرائن ذكرها، فعراك بن مالك إنما يروي عن عروة، عن عائشة، ومعنى هذا أنه لم يلقها، وأيضا غير واحد من أصحاب حماد بن سلمة رووه عن حماد فلم يذكروا التصريح بالتحديث، فليس في روايتهم قول عراك: سمعت عائشة، ثم إنه قد رواه غير واحد أيضا عن خالد الحذاء -شيخ حماد- وليس في روايتهم: سمعت عائشة.\nومن ذلك أيضا الحديث الماضي في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس في القراءة خلف الإمام.\nفقد اعتمد البخاري -كما تقدم- على عدد من القرائن، منها الكثرة، فإن عددا كبيرا من أصحاب أيوب السختياني أرسلوه عنه فلم يذكروا أنسا (^١)،\n_________\n(^١) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٧٦٥)، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٣٧، و«السنن الكبرى» للبيهقي ٢: ١٦٦، و«جزء القراءة خلف الإمام» للبيهقي حديث (١٤٩ - ١٥١)، و«معرفة السنن» ٢: ٥٣.","vol":"2","page":191},{"text":"واكتفى البخاري بذكر اثنين منهم، وهما إسماعيل بن علية، وحماد بن زيد، وكل واحد منهما أحفظ من عبيدالله بن عمرو، خاصة في أيوب فهما المقدمان فيه، ثم انتقل البخاري إلى طبقة أيوب، فذكر أن خالدا الحذاء رواه عن أبي قلابة، فسأله خالد: من حدثك هذا؟ قال: محمد بن أبي عائشة مولى لبني أمية، كان خرج مع بني مروان، حيث خرجوا من المدينة، فأفادت هذه الرواية متابعة هذه الطبقة لمن لم يذكر فيه أنسا، وهم الجماعة من أصحاب أيوب، وفيها أيضا قرينة (السهولة والوعورة) في الإسناد، فعبيدالله بن عمرو سلك الجادة السهلة، ذلك أن أبا قلابة معروف بالرواية عن أنس بن مالك، وجعله عنه أسهل في الحفظ، فمن تركه وعدل إلى غيره فهو الذي حفظ.\nوقد وافق البخاري على تخطئة عبيدالله بن عمرو جمع من النقاد (^١).\nوكذلك الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، مرفوعا: «من ملك ذا رحم مُحرم فهو حر»، ذكر أبو داود، ثم البيهقي عددا من القرائن في تخطئة رواية حماد هذه تقدم ذكرها هناك.\nوروى الترمذي حديث جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام، فاشتهيناه فأكلنا\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٧٥، و«علل الدارقطني» ١٢: ٢٣٧، و«سنن البيهقي» ٢: ١٦٦، و«تاريخ بغداد» ١٣: ١٧٥.","vol":"2","page":192},{"text":"منه …» الحديث.\nثم قال الترمذي: «وروى صالح بن أبي الأخضر، ومحمد بن أبي حفصة، هذا الحديث عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مثل هذا.\nورواه مالك بن أنس، ومعمر، وعبيدالله بن عمر، وزياد بن سعد، وغير واحد من الحفاظ، عن الزهري، عن عائشة مرسلا، ولم يذكروا فيه (عن عروة)، وهذا أصح، لأنه روي عن ابن جريج قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة، عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبدالملك من ناس، عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث، حدثنا بذلك علي بن عيسى البغدادي، حدثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج …، فذكر الحديث» (^١).\nوسؤال ابن جريج جاء مثله عن سفيان بن عيينة، فروى الحميدي، عن سفيان بن عيينة بعد أن روى المرسل قوله: «فقيل للزهري: هو عن عروة؟ قال: لا، وكان ذلك عند قيامه من المجلس، وأقيمت الصلاة، وكنت سمعت صالح بن أبي الأخضر حدثنا عن الزهري عن عروة، فلما قال الزهري: ليس هو عن عروة، فظننت أن صالحا أتي من قبل العرض» (^٢).\nوفي كلام الترمذي عدد من القرائن للترجيح، منها الكثرة، والحفظ، والتقدم\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٧٣٥).\n(^٢) «المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٤١، وانظر: «سنن البيهقي» ٤: ٢٨٠، ومعنى كلام سفيان أن صالح بن أبي الأخضر يخطئ على الزهري لكونه لم يسمع منه سماعا، وإنما عرض عليه.","vol":"2","page":193},{"text":"في الزهري، والنص عن الزهري أنه لم يسمعه من عروة، وفي قوله: «من الحفاظ» إشارة إلى ضعف الثلاثة الذين وصلوه في الزهري، وفي حكاية ابن جريج إشارة إلى ترك الجادة، وأن الثلاثة الذين وصلوه سلكوا الجادة، فالزهري كثير الرواية عن عروة، عن عائشة.\nوقد توارد النقاد على تخطئة من وصله بذكر عروة (^١).\nوروى عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس، اتقوا الظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة» (^٢).\nسئل أبو حاتم عن رواية عطاء هذه فقال: «رواه جرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محارب، عن أبي الصديق الناجي قال: قال رسول الله - ﷺ - … مرسلا، هذا بين عوار حديث عطاء، وهذا أشبه، لو كان عن ابن عمر كان أسهل عليه حفظا من أبي الصديق، وكان عطاء بن السائب ساء حفظه» (^٣).\nذكر أبو حاتم في ترجيحه عددا من القرائن، فالموصول من رواية عطاء بن السائب، وقد اختلط وساء حفظه في الآخر كما تقدم في «الجرح والتعديل» (^٤)، ومخالفه أبو إسحاق الشيباني، وهو ثقة ثبت، وكونه عن محارب بن دثار، عن\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢٧، ٢٦٤، و«علل الدارقطني» ١٥: ٤٠ - ٤٣، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٧٩ - ٢٨١.\n(^٢) «مسند أحمد» ٢: ٩٢، ١٠٥، ١٣٦.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٣١٥.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ص ١٤٤، ١٥٠ - ١٥٢.","vol":"2","page":194},{"text":"ابن عمر أسهل على أبي إسحاق في الحفظ، من كونه عن أبي الصديق الناجي، فمحارب بن دثار معروف بالرواية عن ابن عمر، فتركه للأسهل يدل على أنه قد حفظ، وأن مخالفه قد غلط، وهذه قرينة سلوك الجادة وتركها.\nوروى جعفر بن سليمان الضبعي، عن ثابت البناني قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أم سلمة، قصة وفاة زوجها أبي سلمة وزواج النبي - ﷺ - بها.\nورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: حدثني ابن أم سلمة، عن أم سلمة، وقيل عن سليمان أيضا عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة مرسلا (^١).\nورواه حماد بن سلمة، عن ثابت قال: حدثني ابن عمر بن أبي سلمة بمنى، عن أبيه، عن أم سلمة (^٢).\nسئل أبو حاتم، وأبو زرعة، عن رواية جعفر بن سليمان، فقالا جميعا: «رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه [عن أم سلمة] عن النبي - ﷺ -، وهذا أصح الحديثين، زاد فيه رجلا …»، ثم قال أبو حاتم: «أضبط الناس لحديث ثابت، وعلي بن زيد: حماد بن سلمة، بين خطأ الناس» (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ٣١٤، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٩٠٨).\n(^٢) «مسند أحمد» ٦: ٢٩٥، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٩٠٧)، و«شرح معاني الآثار» ٣: ٢٩، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٩٤٩)، و«المعجم الكبير» ٢٣ حديث (٥٠٦ - ٥٠٧)، و«المستدرك» ٢: ١٧٨، و«سنن البيهقي» ٧: ١٣١.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٥، رقم (١٢١١)، وما بين المعكوفتين لا بد منه، فهكذا رواية حماد بن سلمة في المصادر كلها، وهكذا أيضا ذكره أبو حاتم قبل حين سئل عن رواية الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس ١: ٤٠٤ رقم (١٢٠٩).","vol":"2","page":195},{"text":"وسئل أبو حاتم مرة أخرى عن رواية سليمان بن المغيرة، عن ابن أم سلمة، عن أم سلمة، وذكر له بعض الحديث، فقال: «هذا الحديث مرسل، لم يسمع ثابت من عمر بن أبي سلمة، إنما يروي عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه» (^١).\nفالترجيح تم إذن بقرينتين، أن رواية حماد بن سلمة فيها وعورة، حيث زاد ابن عمر بن أبي سلمة، وكان أسهل عليه أن يكون الإسناد عن ثابت، عن عمر بن أبي سلمة، خاصة أن ابن عمر لم يُسَمَّ، فكونه حفظ هذه الزيادة يدل على رجحان روايته على رواية من أسقطها، وهذا معنى قولهما: «زاد فيه رجلا».\nثم حماد بن سلمة أثبت أصحاب ثابت البناني، فمن خالفه فالقول قوله.\nوفي رواية حماد قرينة ثالثة أيضا وهي ضبطه لمكان تحديث ابن عمر بن أبي سلمة لثابت البناني، وأن ذلك بمنى.\nوفي هذا الحديث بعينه وجه آخر من الاختلاف على ثابت أبعد فيه راويه جدا، فقد روى الحكم بن عطية، عن ثابت، عن أنس بن مالك بعض هذا الحديث (^٢).\nوالقرائن على تخطئة هذا الوجه أكثر وأقوى، فالحكم بن عطية هذا شيخ ليس بقوي، وقد سلك الجادة المشهورة جدا: ثابت، عن أنس، وخالف الجماعة\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٢٢.\n(^٢) «مسند الطيالسي» حديث (٢١٣٤)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٣٨٥)، و«المعجم الكبير» ٢٣ حديث (٤٩٨).","vol":"2","page":196},{"text":"من أصحاب ثابت، فإنهم -على اختلافهم- لم يجعلوه عن أنس، كما تقدم آنفا.\nولهذا فكلام الناقد في تخطئة هذا الوجه أقوى وأشد عبارة من تخطئة وجه إسقاط ابن عمر بن أبي سلمة، فمسقطه مع ذلك لا يزال في الوجه الصواب، مقارنة بوجه ثابت، عن أنس.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه الحكم بن عطية …، فقال أبي: سألت أبا الوليد الطيالسي عن هذا الحديث فقال: ما تصنعون بهذا؟ ! هذا خطأ.\nقلنا: وما الصحيح يا أبا الوليد؟ قال: ما حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة، عن النبي - ﷺ -.\nقال أبي: فقلت له: قد حدث به أبو داود الطيالسي عن الحكم! !، فلم يبال به، ولم يحدثنا به» (^١).\nوقد توارد النقاد على إنكار هذا الحديث بهذا الإسناد على الحكم بن عطية (^٢)، وعلل أحمد خطأه بأنه كان لا يكتب (^٣)، وذكر أحمد أيضا أنه إنما أراد حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن ابن عمر بن أبي سلمة الطويل -يعني فأخطأ فيه- (^٤).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠٤.\n(^٢) «مسند البزار» حديث (٦٨٩٧)، و«الجرح والتعديل» ٣: ١٢٥، و«ضعفاء العقيلي» ١: ٢٥٨، و«الكامل» ٢: ٦٢٣.\n(^٣) «إكمال تهذيب الكمال» ٤: ١٠٣.\n(^٤) «الضعفاء الكبير» ١: ٢٥٨.","vol":"2","page":197},{"text":"وروى أيمن بن نابل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله قال: «كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا التشهدكما يعلمنا السورة من القرآن: بسم الله، وبالله، التحيات لله …» الحديث (^١).\nورواه الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، وطاووس، عن ابن عباس، وليس في حديثه جملة: «بسم الله وبالله»، وتابع الليث بن سعد حميد بن عبدالرحمن الرؤاسي، إلا أنه لم يذكر سعيد بن جبير، وأيضا روايته مختصرة جدا (^٢).\nوقد توارد النقاد كالبخاري، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، على تخطئة أيمن بن نابل، وأن الصواب ما رواه الليث، وحميد بن عبدالرحمن الرؤاسي (^٣).\nوترجيح ذلك ظاهر بعدة قرائن، فأيمن متوسط الحال، وقد خالف ثقتين، أحدهما ثقة حافظ، من أوثق أصحاب أبي الزبير، وهو الليث بن سعد.\nثم إن أيمن بن نابل سلك الجادة في قوله: عن أبي الزبير، عن جابر، فإن\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (١١٧٤)، (١٢٨٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٠٢).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٤٠٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٠٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٩٧٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٩٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٠٠)، و«سنن النسائي» حديث (١١٧٣)، (١٢٧٧)، و«مسند أحمد» ١: ٢٩١، ٣١٥.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٢٩٠)، و«العلل الكبير» ١: ٢٢٧، و«سنن النسائي» حديث (١٢٨٠)، و«الكامل» ١: ٤٢٣، و«علل الدارقطني» ١٣: ٣٤٢، و«سنن البيهقي» ٢: ١٤٢، و«تهذيب الكمال» ٣: ٤٥٠.","vol":"2","page":198},{"text":"أبا الزبير مكثر جدا عن جابر، والمخالفان له تركا هذه الجادة، وجمع أحدهما بين سعيد بن جبير، وطاوس، مما يدل على حفظهما.\nزيادة على ذلك، فأيمن بن نابل خالف في جهة أخرى، فزاد في متن الحديث: «بسم الله، وبالله».\nوروى يعلى بن عبيد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن مقسم، عن ابن عباس قال: «ساق النبي - ﷺ - مئة بدنة فيها جمل لأبي جهل» (^١).\nورواه وكيع بن الجراح، وأبو نعيم، وأبو عاصم، وعبدالله بن داود، وقبيصة بن عقبة، وغيرهم، عن الثوري، عن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس (^٢).\nويعلى بن عبيد وإن كان ثقة إلا أنه مضعف في سفيان الثوري خاصة، والمخالفون له جماعة فيهم حفاظ ثقات، من أكابر أصحاب الثوري.\nوأيضا فقد رواه زهير بن محمد، وهشيم، عن ابن أبي ليلى (^٣)، مما يؤكد رجحان رواية الجماعة عن الثوري.\nوقد سئل أبو زرعة عن رواية يعلى بن عبيد فقال: «هذا خطأ، إنما هو الثوري،\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ٥: ٢٣٠.\n(^٢) «سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٧٦)، (٣١٠٠)، و«مسند أحمد» ١: ٢٣٤، ٢٦٩، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٤٠٥)، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٠٥٧)، و«حلية الأولياء» ٧: ٩٧، و«سنن البيهقي» ٥: ٢٣٠.\n(^٣) «مسند أحمد» ١: ٣١٤، و«أمالي المحاملي» حديث (٢٥)، و«سنن البيهقي» ٥: ٢٣٠.","vol":"2","page":199},{"text":"عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والخطأ من يعلى» (^١).\nوروى الحجاج بن أرطاة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو، قال: «صلى النبي - ﷺ - صلاة الفجر في مسجد الخيف، فبصر برجلين متنحيين …» الحديث (^٢).\nسئل أبو زرعة عنه فقال: «هذا وهم عندي»، قال ابن أبي حاتم: «لم يبين ما الصحيح؟ والذي عندي أن الصحيح الذي رواه شعبة، وسفيان، وهشام بن حسان، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة، وشريك، وهشيم، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -» (^٣).\nفحجاج بن أرطاة مع ما فيه من ضعف قد خالف الجماعة من أصحاب يعلى بن عطاء، وفيهم حفاظ كبار، مثل شعبة، وسفيان، وأبي عوانة، وهشيم.\nوأيضا فقد سلك الحجاج الجادة، كما قال ابن عدي: «هكذا قال حجاج، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو، وأخطأ في الإسناد، وكان هذا الإسناد أسهل عليه، لأن يعلى بن عطاء يروي عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٥.\n(^٢) «المعجم الكبير» حديث (١٤٣٧٢)، و«الكامل» ٢: ٦٤٥، و«سنن الدارقطني» ١: ٤١٤، و«سنن البيهقي» ٢: ٣٠١.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٨٥. وانظر هذه الطرق التي ذكرها ابن أبي حاتم وغيرها في «سنن أبي داود» حديث (٥٧٥ - ٥٧٦)، (٦١٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٢١٩)، و«سنن النسائي» حديث (٨٥٧)، و«مسند أحمد» ٤: ١٦٠ - ١٦١، و«المعجم الكبير» ٢٢ حديث (٦١٢)، (٦١٤)، (٦١٦ - ٦١٧)، (٦١٩)، و«سنن الدارقطني» ١: ٤١٤.","vol":"2","page":200},{"text":"أحاديث، وإنما روى هذا الحديث الثقات عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه» (^١).\nوروى طلق بن غنام، عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود قصة فاطمة بنت قيس وطلاقها، وقول عمر: «لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة …».\nوخالفه جماعة من الحفاظ من أصحاب حفص بن غياث: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمد بن عبدالله بن نمير، فلم يذكروا جملة: «وسنة نبينا».\nقال الدارقطني في نقد رواية طلق بن غنام: «وهم على حفص في ذلك، لأن محمد بن عبدالله بن نمير، وأبا كريب -وهما أحفظ منه وأثبت- روياه عن حفص، عن الأعمش، ولم يذكرا ذلك».\nفذكر الدارقطني في ترجيحه قرينتين، الكثرة، والحفظ والتثبت.\nوالاختلاف متى توافر فيه عند الموازنة والنظر عدد من القرائن في ترجيح حفظ وجه واحد أو أكثر، كان ذلك أسهل على الناظر، فمثل هذه الاختلافات هي المجال الأوسع بالنسبة للباحث للتدرب على النظر والموازنة حين يختلف الرواة على شيخ لهم، خاصة إذا كانت هذه القرائن مما نستطيع مشاركة النقاد في استخدامه، فيحسن بالباحث أن يكون ابتداء عمله وتطبيقه في هذا المجال على هذا النوع من الاختلاف، فيتدرب على إطلاق عبارات الترجيح، وتصويب\n_________\n(^١) «الكامل» ٢: ٦٤٦.","vol":"2","page":201},{"text":"ما هو صواب، وتخطئة ما هو خطأ، فاحتمال خطأ الباحث هنا ضعيف، لا سيما وأنه سيتكئ على قول ناقد أو أكثر.\nوينصح الباحث هنا -إذا أكثر من التطبيق والممارسة لهذا النوع- أن لا يغيب عنه قدر نفسه، وأن يكون متوازنا في عباراته وجمله التي يعبر بها عن اختياره، فالعلم لم ينته هنا، ولو انتهى هنا لصرنا كلنا أئمة من نقاد الحديث وصيارفته.\nوفي هذا النوع من الاختلافات جانب آخر يتعلق بالباحث المتأخر أيضا، فهو مجال لإنعام النظر والتأمل، يظهر به الفرق جليا بين منهج أئمة الحديث ونقاده ومنهج الفقهاء والأصوليين الذي عرف فيما بعد بمنهج المتأخرين، لأن كثيرا من المشتغلين بالحديث من المتأخرين تأثروا به، إما كليا أو جزئيا، وطبقوه في تعاملهم مع الاختلاف.\nوقد مضى الحديث مفصلا عن هذه القضية من حيث هي في الفصل الأول من هذا الباب، وأشير هنا إلى بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين المنهجين.\nفمن ذلك الحديث الماضي في أول مبحثنا هذا، وهو حديث عبيدالله بن عمرو الرقي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس في القراءة خلف الإمام.\nتقدم هناك أن عددا كبيرا من النقاد تواردوا على تخطئة عبيدالله بن عمرو في ذكر أنس، فأيوب إنما يرويه عن أبي قلابة مرسلا، وسأل خالد الحذاء أبا قلابة عمن سمع منه هذا الحديث، فقال: محمد بن أبي عائشة، مولى لبني أمية … الخ.\nوأما ابن حبان فأخرج الموصول بذكر أنس في مكانين، ثم قال في الموضع","vol":"2","page":202},{"text":"الثاني منهما: «سمع هذا الخبر أبو قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، وسمعه من أنس بن مالك، فالطريقان محفوظان» (^١).\nوكذا صحح الإسناد الموصول بذكر أنس غير واحد من الباحثين.\nومن ذلك أيضا حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا: «إن للصلاة أولا وأخرا …» الحديث، وقد مضى ذكره في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوخالف محمد بن فضيل أصحاب الأعمش، فرووه عنه، عن مجاهد قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وأخرا …».\nواجتمع في ترجيح كونه عن مجاهد مرسلا ما شئت من قرائن، الكثرة، والحفظ، والتقدم في الأعمش، وسلوك محمد بن فضيل جادة سهلة: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\nولم يتردد النقاد في تخطئة محمد بن فضيل، كما تقدمت النقول عن ابن معين، وأبي حاتم، والدارقطني.\nومما لم يتقدم قول محمد بن عبدالله بن نمير: «حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في المواقيت خطأ، ليس له أصل» (^٢).\nوقال البخاري: «حديث الأعمش، عن مجاهد، في المواقيت، أصح من\n_________\n(^١) «صحيح ابن حبان» حديث (١٨٤٤)، (١٨٥٢).\n(^٢) «التمهيد» ٨: ٨٦.","vol":"2","page":203},{"text":"حديث محمد بن فضيل، عن الأعمش، وحديث محمد بن فضيل خطأ، أخطأ فيه محمد بن فضيل» (^١).\nوقال ابن عبدالبر: «هذا الحديث عند جميع أهل الحديث حديث منكر، لم يروه أحد عن الأعمش بهذا الإسناد إلا محمد بن فضيل، وقد أنكروه عليه» (^٢).\nهذا كلام أئمة النقد، وأما غيرهم فمما قالوه في حديث محمد بن فضيل قول ابن حزم مصححا لحديث أبي هريرة: «وما يضر إسناد من أسند إيقاف من وقف» (^٣).\nوقال ابن القطان: «وعندي أنه لا بعد في أن يكون عند الأعمش في هذا عن مجاهد وغيره مثل الحديث المرفوع، وإنما الشأن في رافعه وهو محمد بن فضيل، وهو صدوق من أهل العلم، وقد وثقه ابن معين» (^٤).\nوقال ابن الجوزي: «ابن فضيل ثقة، فيجوز أن يكون الأعمش سمعه من مجاهد مرسلا، وسمعه من أبي صالح مسندا» (^٥).\nوقال أحمد شاكر متعقبا أئمة النقد: «هذا التعليل منهم خطأ، لأن محمد بن فضيل ثقة حافظ …، والذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٥١).\n(^٢) «التمهيد» ٨: ٨٦.\n(^٣) «المحلى» ٣: ٢٢١.\n(^٤) «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٣٩.\n(^٥) «التحقيق في أحاديث التعليق» حديث (٣٥٨).","vol":"2","page":204},{"text":"المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلا لها أصلا» (^١).\nومما مضى أيضا حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أنه رأى النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، يمشون أمام الجنازة»، مضى في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وذكرت هناك أن الجماعة من أصحاب الزهري جعلوه عن الزهري مرسلا، ليس فيه سالم، ولا والده عبدالله بن عمر، وأن أئمة النقد تواردوا على ترجيح ذلك حتى قال الترمذي: «وأهل الحديث كلهم يرون أن الحديث المرسل أصح».\nوحديث سفيان بن عيينة الموصول أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وعقد ابن حبان بابا للدفاع عن رواية سفيان، فقال: «ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر أخطأ فيه سفيان بن عيينة»، ثم ساق إسناده إلى شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله: «أن عبدالله بن عمر كان يمشي بين يدي الجنازة، قال: وإن رسول الله - ﷺ - كان يمشي بين يديها، وأبا بكر وعمر وعثمان، قال الزهري: وكذلك السنة» (^٢).\nوهذا الدليل الذي استدل به ابن حبان، هو على الحقيقة كاشف لسبب وهم ابن عيينة، فإن قوله: «وإن رسول الله - ﷺ - كان يمشي …» الحديث من قول الزهري، كما تقدم شرحه هناك.\n_________\n(^١) حاشية أحمد شاكر على «سنن الترمذي» ١: ٢٨٥.\n(^٢) «صحيح ابن حبان» حديث (٣٠٤٥ - ٣٠٤٨).","vol":"2","page":205},{"text":"وكذا صحح رواية سفيان جمع من الأئمة المتأخرين والباحثين، ونص بعضهم على أنها على شرط الشيخين، ومما قاله أحد المشايخ: «توهيم ابن عيينة في إسناد هذا الحديث مما لا وجه له عندي البتة، وهو من أعجب ما رأيت من التوهيم بدون حجة، بل خلافا للحجة …».\nثم ساق عددا من المتابعات لابن عيينة، وهي إما دالة على وهم ابن عيينة، وإما أنها لا تصح، وقد تقدم نقد بعضها في مكان آخر من المبحث المشار إليه، حيث ذكرت الحديث فيه في مناسبتين.\nومما تقدم في المبحث المشار إليه أيضا ما رواه محمد بن سليمان المعروف بابن الأصبهاني، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «مدمن خمر كعابد وثن».\nوخالفه سليمان بن بلال، فرواه عن سهيل، عن محمد بن عبدالله، عن أبيه مرفوعا، ومحمد بن سليمان ضعيف، وسليمان بن بلال ثقة، وقد سلك محمد الجادة السهلة: سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، مما يدل على خطئه، وقد فعل هذا في غير ما حديث (^١).\nوقد رواه عاصم بن أبي النجود، عن أبي صالح، عن عبدالله بن عمرو موقوفا (^٢).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ٩٩، ٧: ٣٧، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٤٤.\n(^٢) «السنة» للخلال حديث (١٢٧٨)، (١٣١٧).","vol":"2","page":206},{"text":"فاجتمع في هذا الحديث عدد من القرائن لترجيح قول سليمان بن بلال، ولهذا أنكره النقاد على ابن الأصبهاني، وتقدم النقل عن ابن عدي في هذا، وممن أنكره كذلك: البخاري (^١).\nوقال ابن حجر عن إسناد حديث أبي هريرة الذي خطأه الأئمة: «وإسناده جيد» (^٢).\n * * *\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ١٢٩.\n(^٢) «تخريج أحاديث الكشاف» حديث (٤٧٧).","vol":"2","page":207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-401>المبحث الرابع\nتعارض القرائن</span>\nذكرت في المبحث السابق أن تعاضد القرائن على ترجيح حفظ وجه واحد من الاختلاف، أو على ترجيح حفظ وجهين أو أكثر، أو ترجيح عدم حفظ شيء من الأوجه، يساعد الناظر كثيرا في الخلوص برأي في الاختلاف الذي ينظر فيه، وأشرت هناك إلى أن الاختلافات لو كانت كلها بهذه المثابة لكان الجميع أئمة نقد، وأعني بذلك من يسير على منهج النقاد وطريقتهم في النظر في الاختلاف.\nوفي كلامي هذا تهيئة للاستعداد لما سيذكر في هذا المبحث، فقضية تعارض القرائن حين النظر في الاختلاف هي المحك بالنسبة للباحث، إذ عليه أن يدرك أن العلم -في أي فن- يتفاوت الناس فيه إذا وصلوا إلى دقيقه ومشكله، فيجمعهم مضمار واحد أولا قد يتفاوتون فيه أيضا، غير أن التفاوت الأبرز إذا وصلوا إلى مضمار آخر تتعارض فيه البينات، وربما تكافأت الأدلة.\nوالمتأمل فيما تقدم يراه موجودا في جميع جوانب حياة الإنسان، هكذا هو الحال لا خيار لنا فيه، فالقاضي -مثلا- يسهل عليه الحكم إذا تعاضدت البينات والقرائن، ويصعب عليه الحكم إذا تعارضت، وهكذا المستشار وصاحب القرار.\nوالناظر في مسألة من مسائل العلم إنما هو قاض في الحقيقة، قد يكون أمامه خصمان أو عدة خصوم، فيضطر للنظر في بيناتهم ودلائلهم.","vol":"2","page":208},{"text":"وحين يواجه الباحث هذا الصنف من الأحاديث يستعين -بعد استعانته بالله ﷾- بعدة أمور، يستعين بالجلد والمثابرة في البحث والتنقيب، وبالصبر والأناة وعدم الاستعجال، وقد يحتاج إلى المشورة والسؤال، وهذا كله بعد أن يكون قد استعد لذلك، وأكثر من التدرب والنظر في تصرفات النقاد وأحكامهم.\nوغير خاف أن قضية التعارض في حد ذاتها أمر نسبي، فالتعارض ليس على درجة واحدة، فمنه ما لا يستطيع الناظر التخلص منه، ومنه ما يزول بعد النظر والتمحيص، والناظر يوجس خيفة من طريقته في إزالته والوصول إلى رأي راجح.\nولكي تتضح أهمية القضية، وأبعادها، وحضورها اللافت في أحاديث الاختلاف، سأكثر من الأمثلة التطبيقية وذكر القرائن المتعارضة، وأحكام النقاد حينئذ، مع الحرص على أن تكون هذه الأمثلة شاملة لأكبر قدر ممكن من القرائن التي تقدم ذكرها في الفصل الذي قبل هذا.\nوسيتضح من هذه الأمثلة السبب المباشر لاختلاف النقاد، بل لاختلاف كلام الناقد الواحد، أو تردده في الترجيح، وأن مردَّ ذلك إلى تعارض القرائن، وربما جرت محاورات بين بعض النقاد، وكل يذكر ما يؤيد ما ذهب إليه، مطبقين مبدأ التنافس المرغوب فيه للوصول إلى الحقيقة، بعيدا عن الهوى والتعصب.\nوأول ما أبدأ به من هذه الأمثلة ما يرجح فيه الناقد مع ذكره للقرينة المعارضة لترجيحه.\nفمن ذلك أن الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، وغيرهما، رووا عن","vol":"2","page":209},{"text":"الأوزاعي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة كلهم ضامن على الله -﷿-: رجل خرج غازيا في سبيل الله …» الحديث (^١).\nسئل أبو حاتم عن هذا الحديث، وذكر له رواية الهقل بن زياد، وعمرو بن هاشم، فقال: «رواه الوليد وغيره عن الأوزاعي، عن سليمان، عن أبي أمامة موقوفا»، ثم قال أبو حاتم: «هقل أحفظ، والحديث موقوفا أشبه» (^٢).\nوروى خالد بن الحارث، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: «أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله - ﷺ - وبنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب …» الحديث (^٣).\nورواه معتمر بن سليمان، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب بالقصة مرسلة (^٤).\nقال النسائي بعد أن أخرج الطريقين: «خالد بن الحارث أثبت عندنا من المعتمر، وحديث المعتمر أولى بالصواب» (^٥).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٤٩٤)، و«عمل اليوم والليلة» حديث (١٦١)، و«الجهاد» حديث (٥١)، و«مسند الروياني» حديث (١٢٦٥)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٧٩١).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٩.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٥٦٣)، و«سنن النسائي» حديث (٢٤٧٨).\n(^٤) «سنن النسائي» حديث (٢٤٧٩).\n(^٥) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٢٧١) طبعة مؤسسة الرسالة، و«تحفة الأشراف» ٦: ٣٠٩، وفي «السنن الصغرى» حديث (٢٤٧٨) جاءت العبارة ناقصة، ففيه: «خالد أثبت من المعتمر». وانظر مثالا آخر للنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٢٥٣٨) طبعة مؤسسة الرسالة، و«تحفة الأشراف» ٩: ٤٤٠.","vol":"2","page":210},{"text":"وكأن النسائي رجح المرسل لقوة القرينة المرجحة له، وهي ترك الجادة فإن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، سلسلة مشهورة جدا، فمن تركها وأرسل الحديث فقد حفظ.\nوروى عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -: «من صام ثلاثة أيام فقد صام الشهر»، ومنهم من يدخل بين أبي عثمان وبين أبي ذر رجلا (^١).\nورواه ثابت البناني، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة (^٢).\nقال أبو حاتم: «حديث أبي ذر أشبه، لأنه يروى هذا الكلام عن أبي ذر بإسناد آخر، وثابت أحفظ من عاصم» (^٣).\nفثابت البناني أحفظ من عاصم، فهذه قرينة، ورجح أبو حاتم قول عاصم بقرينة أخرى، وهي أن الحديث معروف عن أبي ذر من غير هذا الطريق.\nووافقه الدارقطني فقال: «وحديث أبي ذر أشبه بالصواب» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٧٦٢)، و«سنن النسائي» حديث (٢٤٠٨ - ٢٤٠٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٠٨)، و«مسند أحمد» ٥: ١٤٥.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٢٤٠٧)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٦٣، ٣٨٤، ٥١٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٧.\n(^٤) «علل الدارقطني» ٦: ٢٨٥.","vol":"2","page":211},{"text":"ثم بعد ذلك أمثلة فيها يتردد الناقد الواحد حين نظره في القرائن، فلا يجزم بشيء، أو يختلف رأيه في مكانين.\nفمن ذلك حديث ابن مسعود في (الاستنجاء بالحجرين)، اختلف فيه اختلافا واسعا على أبي إسحاق السبيعي (^١)، قال الترمذي بعد أن ذكر بعض أوجه الاختلاف: «فسألت محمدا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح، ووضع حديث زهير في كتاب «الجامع»،» (^٢).\nفالبخاري أولا لم يقض فيه بشيء، لاتساع الخلاف فيه عن أبي إسحاق، ثم ظهر له رجحان رواية زهير بن معاوية ومن تبعه، فأخرجها في «صحيحه»، هذا معنى كلام الترمذي.\nوروى حماد بن زيد، عن سنان بن ربيعة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - في صفة الوضوء (^٣).\nورواه حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة، عن أنس بن مالك.\n_________\n(^١) ينظر في هذا الحديث: «التحقيق في أحاديث التعليق» لابن الجوزي حديث (١٢٤) بتحقيقي، ورسالة: «أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافا في كتابه العلل» لخالد باسمح حديث (٥٨).\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ٩٩ - ١٠١، و«السنن» ١: ٢٦، والحديث في «صحيح البخاري» حديث (١٥٦).\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٣٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤٤٤)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٦٨.","vol":"2","page":212},{"text":"قال أبو حاتم: «حماد بن زيد أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة، وسنان بن ربيعة أبو ربيعة مضطرب الحديث» (^١).\nفذكر أبو حاتم أولا قرينة حفظ حماد بن زيد وتثبته، مقارنة بحماد بن سلمة، ومعنى هذا أن الخطأ من حماد بن سلمة، والمحفوظ عن سنان بن ربيعة كون الحديث عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، ثم عاد أبو حاتم وذكر قرينة أخرى يبرئ فيها حماد بن سلمة من الخطأ، فيحتمل أن روايته عن سنان محفوظة أيضا، وذلك بالنظر لحال سنان، فهو مضطرب الحديث، فلا يبعد أن يكون حدث به حماد بن زيد على صفة، وحدث به حماد بن سلمة على صفة أخرى.\nوروى أشعث بن شعبة، وخلاد بن يحيى، عن حنش بن الحارث، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، قالت: «رأيت الطيب في مفرق رسول الله - ﷺ - وهو محرم» (^٢).\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذه الرواية، فقال: «حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حنش، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، ولم يقل: عن أبيه»، قال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: أبو نعيم أثبت، ولا أبعد أن يكون قال لهم مرة: عن أبيه، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -» (^٣).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨، و«فوائد الفاكهي» حديث (٩٤)، و«الأسماء والكنى» للدولابي حديث (٧٢١).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨.","vol":"2","page":213},{"text":"فذهب أبو حاتم أولا إلى الترجيح، فرجح بحفظ أبي نعيم وتثبته، ثم عاد فأبدى احتمالا قويا أن يكون التردد من الشيخ نفسه، وأنه ذكر الأسود بن يزيد مرة، وأسقطه أخرى (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه أبو الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي - ﷺ -: «بين العبد والكفر ترك الصلاة»، فقال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه بعض الثقات من أصحاب حماد فقال: حدثنا عمرو بن دينار -أو حدثت عنه- عن جابر موقوفا.\nقلت لأبي زرعة: الوهم ممن هو؟ قال: ما أدري؟ يحتمل أن يكون حدث حماد مرة كذا ومرة كذا، قلت: فبلغك أنه توبع أبو الربيع في هذا الحديث؟ فقال: ما بلغني أن أحدا تابعه …» (^٢).\nفتردد أبو زرعة في الاختلاف على حماد بن زيد، إذ يحتمل أن يكون ذلك منه، فقد رواه أبو الربيع عنه مرفوعا بغير شك، ورواه جماعة عنه موقوفا بالشك، وقيل عنه مرفوعا أيضا بالشك، وفي الشك تارة يقول: حدثني عمرو -أو بعض أصحابي عنه-، وتارة يقول: عن عمرو -أو بلغني عنه-، وتارة يقول: سمعت عمرا -أو حدثت عنه-، وتارة يقول: سمعت من عمرو -أو حدثني أخي سعيد عنه- (^٣)، فهذا يدل على أنه هو الذي يضطرب فيه.\n_________\n(^١) وانظر أمثلة أخرى لأبي حاتم في «علل ابن أبي حاتم» (١٠٣٣)، (١٦٨٥)، (٢٢٥٠).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٠، ٢: ١٤٧.\n(^٣) «علل الدارقطني» ١٣: ٣٦٥.","vol":"2","page":214},{"text":"ويحتمل أن يكون الوجه المرفوع بغير شك عهدته أبو الربيع الزهراني، فقد انفرد بهذا الوجه ولم يتابع عليه.\nوروى إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، عن جده عمر بن الخطاب، حديث فضل متابعة المؤذن (^١).\nقال الدارقطني حين سئل عنه: «ورواه إسماعيل بن عياش، عن عمارة بن غزية، عن خبيب بن عبدالرحمن مرسلا عن النبي - ﷺ -، ووقفه يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن خبيب.\nوحديث إسماعيل بن جعفر المتصل قد أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح، وإسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب، وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما، وزيادة الثقة مقبولة، والله أعلم» (^٢).\nهكذا قال الدارقطني في هذا المكان، رجح الموصول المرفوع، موافقا لمسلم، وفي كتابه الآخر ذكر هذا الحديث متعقبا مسلما في إخراجه، وذكر أن الدراوردي وغيره يروونه عن عمارة بن غزية مرسلا (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٣٨٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٢٧).\n(^٢) «علل الدارقطني» ٢: ١٨٢، وجاء في حاشية إحدى نسخه: «هذا الحديث إنما أخرجه مسلم دون البخاري، قد بين ذلك في كتاب الاستدراك له».\nوكتاب «الاستدراك» للدارقطني، وهو المعروف بـ «الإلزامات والتتبع».\n(^٣) «التتبع» ص ٣٨٧.","vol":"2","page":215},{"text":"وروى الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن عمرو بن سليم، عن عاصم بن عمرو، عن علي، حديث دعائه - ﷺ - للمدينة (^١).\nورواه ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه (^٢).\nسئل الدارقطني عن هذا الحديث، فذكر هذين الوجهين، وذكر أيضا أن عبدالحميد بن جعفر رواه عن المقبري، عن عمرو بن سليم، عن أبي عمر، عن علي، وأن ابن جريج رواه عن أبي بكر بن أبي سبرة، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، ثم قال: «والأشبه بالصواب لا أحكم فيه بشيء» (^٣).\nوسئل عنه مرة أخرى فلم يذكر وجه أبي هريرة، فالظاهر أنه لا يدخل في الموازنة أصلا، لأن أبا بكر بن أبي سبرة هذا معروف بوضع الحديث، وقد سلك الجادة، والمعروف عن ابن أبي ذئب هو ما تقدم.\nوذكر الدارقطني في جوابه هنا أن عبدالحميد بن جعفر رواه كرواية الليث، فسمى شيخ عمرو بن سليم: عاصم بن عمرو.\nثم قال الدارقطني: «ويشبه أن يكون القول قول الليث ومن تابعه، لأن الليث من أثبت الناس في سعيد المقبري، والله أعلم» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٩١٤)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٤٢٧٠)، و«مسند أحمد» ١: ١١٥.\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ٣٠٩.\n(^٣) «علل الدارقطني» ٢: ٧٩.\n(^٤) «علل الدارقطني» ٣: ١٣٩.","vol":"2","page":216},{"text":"وقد نص أحمد وابن معين، على أن الليث بن سعد أصح الناس حديثا عن المقبري، وقدمه أحمد على ابن أبي ذئب (^١).\nوابن أبي ذئب ثبت فيه، كما قال ابن المديني: «الليث، وابن أبي ذئب ثبتان في حديث سعيد المقبري» (^٢).\nوسئل يحيى بن معين عنهما مرة أيهما أثبت في سعيد فقال: «كلاهما» (^٣).\nولعل هذا هو سبب تردد الدارقطني في الترجيح (^٤).\nوأما أمثلة ما وقع فيه الاختلاف بين النقاد بسبب تعارض القرائن، وربما نص الناقد على مبررات ما ذهب إليه، أو عرف ذلك بالنظر في الاختلاف، وتطبيق قرائن النظر والموازنة، فكثيرة جدا لا تدخل تحت الحصر، وسيأتي شيء منها في الفصل الخامس (النظر في الاختلاف وكلام النقاد)، وأذكر الآن أمثلة لذلك مختصرة.\nروى سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٣٣٤، ٣٥٠، و«علل الدارقطني» ١٠: ٣٦٤، و«تاريخ بغداد» ١٣: ١٢.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٠.\n(^٣) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٥٠١.\n(^٤) وانظر مثالا آخر للدارقطني في الاختلاف على سعيد المقبري أيضا: «علل الدارقطني» ١٠: ٣٦١ - ٣٦٢، و«التتبع» ص ١٨١.","vol":"2","page":217},{"text":"قال: ليس بخاتم، ولكن خلط» (^١) (يعني أن شرابهم ممزوج بالمسك، لا أن المسك يجعل في آخر شرابهم).\nوخالفه جماعة كثيرون، فرووه عن أشعث بهذا الإسناد موقوفا على علقمة (^٢).\nسئل عن ذلك إمامان جليلان، وأجابا بجوابين مختلفين، فروى عمرو بن علي الفلاس، قال: «سمعت سفيان بن زياد يقول ليحيى بن سعيد في حديث أشعث بن أبي الشعثاء، عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبدالله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾: يا أبا سعيد خالفه أربعة، قال: من؟ قال: زائدة، وأبو الأحوص، وإسرائيل، وشريك، قال يحيى: لو كانوا أربعة آلاف مثل هؤلاء لكان سفيان أثبت منهم».\nقال عمرو: «وسمعت سفيان بن زياد يسأل عبدالرحمن بن مهدي عن هذا، فقال عبدالرحمن: هؤلاء أربعة قد اجتمعوا، وسفيان أثبت منهم، والإنصاف لا بأس به» (^٣).\nفبقي يحيى بن سعيد القطان مع حفظ سفيان الثوري وقلة غلطه، وهي مسألة إجماع، وجنح عبدالرحمن بن مهدي إلى ترجيح ما رواه الجماعة، وقد رواه غير هؤلاء الأربعة أيضا.\n_________\n(^١) «تفسير ابن جرير» ٣٠: ١٠٦، و«المستدرك» ٢: ٥١٧.\n(^٢) «تفسير ابن جرير» ٣٠: ١٠٦، من طريق أيوب، والجراح بن مليح، عن أشعث، إلا أن أيوب لم يُسَمِّ زيد بن معاوية.\n(^٣) «المجروحين» ١: ٥١.","vol":"2","page":218},{"text":"وروى شعبة، عن عبدالله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - ﷺ - كان يكره الشكال من الخيل».\nورواه سفيان الثوري، عن سلم بن عبدالرحمن النخعي، عن أبي زرعة به.\nوقد تقدم هذا الحديث في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك أن أحمد يخطئ شعبة في تسميته الشيخ: عبدالله بن يزيد النخعي، وأن الصواب ما رواه الثوري، وكذا خطأه يحيى بن معين، قال: «يخطئ فيه شعبة، يقول: عن عبدالله بن يزيد» (^١).\nوخالفهما جماعة من النقاد، فذهبوا إلى تصويب الروايتين، وأن شعبة لم يخطئ، فهو راو آخر، منهم مسلم، فتقدم هناك أنه أخرجه من الوجهين.\nوكذلك البخاري، والترمذي، قال الترمذي بعد أن ساق رواية شعبة: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى سفيان، عن سلم بن عبدالرحمن، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، وكان أحمد بن حنبل يرى أن حديث شعبة وهم، ويقول: إنما أراد شعبة حديث سلم بن عبدالرحمن، قال محمد: وأرى حديث شعبة صحيحا».\nثم قال الترمذي: «حديت سلم بن عبدالرحمن هو صحيح عندهم ليس فيه كلام، وقد يحتمل أن يكونا روياه جميعا عن أبي زرعة» (^٢).\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٢٣.\n(^٢) «العلل الكبير» ٢: ٧١٩.","vol":"2","page":219},{"text":"وحجة أحمد، وابن معين، ظاهرة، فإن شعبة عرف عنه الخطأ في أسامي الرواة، وفيهم من هو من شيوخه، كما تقدم في المبحث المشار إليه، ومخالفه سفيان الثوري أحفظ منه.\nوأيضا قد تفرد شعبة بالرواية عن هذا الرجل بهذا الاسم، وتفرد هو بالرواية عن أبي زرعة، وأما سلم بن عبدالرحمن فقد روى عن جماعة، وروى عنه أيضا غير سفيان الثوري (^١).\nثم إن شعبة روى عن عبدالله بن يزيد النخعي في هذا الحديث زيادة «تسمو باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (^٢)، وهذه الزيادة رواها شريك بن عبدالله النخعي أتم منها عن سلم بن عبدالرحمن (^٣)، فهذا مخالف آخر لشعبة في التسمية، موافق لسفيان الثوري.\nوالثوري، وشريك، كوفيان، وأما شعبة فهو بصري، والراوي الذي وقع الاختلاف في تسميته كوفي.\nوأما حجة البخاري ومن معه فالظاهر أنهم اعتمدوا على أن سفيان وشعبة ثقتان حافظان، ولا يبعد أن يروي الحديث عن أبي زرعة اثنان، يلقى أحدهما الثوري وغيره، ويلقى أحدهما شعبة، وهما جميعا غير مشهورين، رواياتهما قليلة جدا.\n_________\n(^١) «تهذيب الكمال» ١١: ٢٢٧، ١٦: ٣٠٨.\n(^٢) «مسند أحمد» ٢: ٤٥٧.\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٣١٢، ٤٥٤.","vol":"2","page":220},{"text":"وروى ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سالم: «أن عبدالله بن عمر ﵄ كان يمشي أمام الجنازة»، قال: «وكان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك، وأبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ﵃ …».\nورواه محمد بن بكر البرساني، وأبو زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس، عن الزهري، عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - ﷺ - وأبا بكر …» الحديث.\nوقد تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك قول أحمد في نقد حديث أنس، وذكر له رواية محمد بن بكر البرساني: «هذا -يعني الوهم- من يونس، لعله حدثه حفظا».\nففي كلام أحمد أن هذا الوجه محفوظ أيضا عن يونس، وإن كان يهم فيه، وقرينة ذلك أن يونس بن يزيد يخطئ إذا حدث من حفظه، وكتابه صحيح، فلما حدث بالحديث على وجهين ترجح أن ما أصاب فيه كان من كتابه، وما أخطأ فيه كان من حفظه.\nوأما البخاري فقد سئل أيضا عن رواية محمد بن بكر البرساني فقال: «هذا حديث خطأ، أخطأ فيه محمد بن بكر، وإنما يروى هذا الحديث عن يونس، عن الزهري: «أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة»، قال الزهري: «وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة»، هذا أصح» (^١).\nورأي البخاري هذا معناه أن المحفوظ عن يونس وجه واحد، وهو كونه\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٠١٠)، وانظر: «العلل الكبير» ١: ٤٠٦.","vol":"2","page":221},{"text":"عن الزهري مرسلا، وأما كونه عن الزهري عن أنس فخطأ عليه ممن رواه عنه، وهو محمد بن بكر البرساني، وقرينة ذلك ظاهرة، فإن محمد بن بكر هذا صدوق، وقد خالف من هو فوقه بدرجات، خاصة في يونس، وهو عبدالله بن وهب.\nويتأيد قول أحمد بأن محمد بن بكر قد توبع، تابعه أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري، وهو لا بأس به.\nوروى وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: «كان النبي - ﷺ - ينام حتى ينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ» (^١).\nورواه أبو حمزة السكري، ومنصور بن أبي الأسود، وعبدالله بن عبدالقدوس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله بن مسعود (^٢).\nقال الترمذي بعد أن ساق روايتي وكيع وأبي حمزة السكري: «سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت: أي الروايات أصح؟ فقال: يحتمل عنهما جميعا، ولا أعلم أحدا من أصحاب الأعمش قال: عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، إلا وكيعا.\nوسألت عبدالله بن عبدالرحمن (هو الدارمي) فقال: حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله أصح» (^٣).\nفقد تعارض هنا قرينتان: الكثرة، والحفظ، فإن وكيعا أحفظ من كل واحد\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٤٧٤)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣٦.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٣٣، و«العلل الكبير» ١: ١٤٩، و«مسند البزار» حديث (١٥٢٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٥٣٧٠)، و«علل الدارقطني» ٥: ١٦٧.\n(^٣) «العلل الكبير» ١: ١٤٩.","vol":"2","page":222},{"text":"من الثلاثة المخالفين له، فرأى البخاري أن الأقرب حفظ الوجهين عن الأعمش، وأما الدارمي فرجح بالكثرة.\nووافقه الدارقطني، فساق الاختلاف على الأعمش، وعلى من فوقه، ثم قال: «وأشبهها بالصواب حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله» (^١).\nوروى قتادة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - في صوم الدهر، قال: «لا صام ولا أفطر» (^٢).\nورواه الجريري، عن يزيد بن عبدالله بن الشخير، عن أخيه مطرف، عن عمران بن حصين (^٣).\nسئل البخاري عن هذا الاختلاف، فقال: «يحتمل عنهما جميعا» (^٤).\nوسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة عن هذا الاختلاف، فأما أبو حاتم فقال: «قتادة أحفظ»، وأما أبو زرعة فقال: «ما أقف من هذا الحديث على شيء، يحتمل أن يكونا جميعا صحيحين، ومطرف، عن أبيه، ما أدري كيف هو؟ والجريري بآخره ساء حفظه، وليس هو بذاك الحافظ» (^٥).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٥: ١٦٧.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٢٣٧٩ - ٢٣٨٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٠٥)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٤، ٢٥، ٢٦.\n(^٣) «مسند النسائي» حديث (٢٣٧٨)، و«مسند أحمد» ٤: ٤٢٦، ٤٣١، ٤٣٣.\n(^٤) «العلل الكبير» ١: ٣٥٨.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٣.","vol":"2","page":223},{"text":"فهذه ثلاثة آراء في هذا الاختلاف، ترجيح حفظ الوجهين، وهذا للبخاري، وترجيح رواية قتادة وذكر قرينة الترجيح، وهذا لأبي حاتم، والتوقف فيه، مع ذكر احتمال صحة الوجهين، واحتمال ضعفهما جميعا، وبيان سبب ذلك، وهذا لأبي زرعة.\nوروى إبراهيم بن موسى الرازي، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - قال يوم بدر: هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب» (^١).\nورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبدالوهاب الثقفي مرسلا لم يذكر ابن عباس (^٢).\nفأخرج البخاري الإسناد الموصول في «صحيحه».\nوأما أبو زرعة فسئل عنه فساق المرسل عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثم قال: «هذا الصحيح، ولا أدري من أين جاء إبراهيم بن موسى بابن عباس؟» (^٣).\nوإبراهيم بن موسى ثقة حافظ، بل قدمه أبو زرعة على أبي بكر بن أبي شيبة،\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٩٩٥)، (٤٠٤١)، و«المعجم الكبير» حديث (١١٩٥٢)، و«دلائل النبوة» ٣: ٥٤، إلا أنه في الموطن الثاني عند البخاري ذكر أحدا بدل بدر، ولابن حجر كلام في إيضاح الوهم الواقع في هذا الإبدال، وفي وجود الحديث كله في الموضع الثاني، فليس موجودا في الروايات المتقنة لـ «صحيح البخاري»، انظر: «فتح الباري» ٧: ٣٤٩.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٨٥١٤).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٧.","vol":"2","page":224},{"text":"فإنه قال فيه: «إبراهيم بن موسى أتقن من أبي بكر بن شيبة، وأصح حديثا منه، لا يحدث إلا من كتابه، لا أعلم أني كتبت عنه خمسين حديثا من حفظه» (^١).\nوكان قد كتب عن كل واحد منهما مئة ألف حديث (^٢)، إلا أنه أخذ على أبي بكر بن أبي شيبة أحاديث يخطئ فيها، لكونه يحدثهم من حفظه، فيصححها له أبو زرعة (^٣).\nومع هذا قدم رواية أبي بكر بن أبي شيبة المرسلة على رواية إبراهيم بن موسى، فيحتمل أن يكون حكم لابن أبي شيبة لكونه ترك الجادة، فعكرمة كثير الرواية عن ابن عباس، أو لكون الحديث عنده من طريق آخر عن خالد الحذاء أو عكرمة، مرسلا.\nوروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة».\nورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن زيد بن خالد الجهني.\nوقد تقدم هذا الحديث في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك أن البخاري ذهب إلى أن الصواب جعله عن زيد بن خالد، وحجته\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ٢: ١٣٧.\n(^٢) «تهذيب الكمال» ٢: ٢٢٠.\n(^٣) «الجرح والتعديل» ١: ٣٣٧ - ٣٣٩.","vol":"2","page":225},{"text":"ظاهرة، فمحمد بن عمرو بن علقمة في حفظه كلام، وقد سلك الجادة في جعله عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.\nوتقدم أيضا أن الترمذي خالفه فصححه من الوجهين، وذكرت حجته هناك.\nوهناك قول ثالث وهو للنسائي، قال: «محمد بن عمرو أصلح من ابن إسحاق في الحديث»، ومعنى هذا أنه يرجحه عن أبي هريرة، لا عن زيد بن خالد.\nويتأيد قول النسائي بأن الحديث رواه عن محمد بن عمرو جماعة من كبار أصحابه منهم يحيى القطان، وزائدة، وعبدة بن سليمان، وغيرهم، فلم يختلفوا عليه في الإسناد، مما يدل على أنه ضبطه.\nوروى شعبة، عن منصور، عن الفيض بن أبي حثمة، عن أبي ذر: «أنه كان إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي عافاني، وأذهب عني الأذى».\nورواه سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي علي عبيد بن علي، عن أبي ذر.\nوقد تقدم هذا الحديث في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وتقدم هناك ترجيح أبي زرعة لقول الثوري، ونصه على قرينة ذلك، وهي أن أكثر وهم شعبة كان في أسماء الرجال.\nوأما أبو حاتم فإنه قال: «كذا قال سفيان، وكذا قال شعبة، والله أعلم أيهما الصحيح، والثوري أحفظ، وشعبة ربما أخطأ في أسماء الرجال، ولا ندري هذا منه أم لا؟» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧.","vol":"2","page":226},{"text":"فتوقف أبو حاتم في الترجيح مع نصه على قرينتين لترجيح قول سفيان، وهما كونه أحفظ من شعبة في الجملة، وما عرف عن شعبة من الخطأ في أسماء الرواة.\nوروى عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، عن النبي - ﷺ - في الصلاة خلف الصف (^١).\nورواه حصين بن عبدالرحمن، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة (^٢).\nفرجح أبو حاتم رواية عمرو بن مرة، قال لما سئل عنهما: «عمرو بن مرة أحفظ» (^٣).\nووافقه البزار فيما يفهم من كلامه، فإنه ضعف الطريقين، أما الأول فضعفه بعمرو بن راشد، فكأنه يثبته عن هلال بن يساف، وأما الثاني فضعفه بحصين بن عبدالرحمن، وذكر أنه ليس بالحافظ، فلا يحتج بحديثه في حكم (^٤).\nوخالفهما الترمذي، فرجح رواية حصين، قال: «اختلف أهل الحديث في هذا، قال بعضهم: حديث عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد … أصح.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٦٨٢)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٣١)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٣٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٠٠٤)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٢٨.\n(^٣) «علل ابن حاتم» ١: ١٠٠.\n(^٤) «نصب الراية» ٢: ٣٨.","vol":"2","page":227},{"text":"وقال بعضهم: حديث حصين، عن هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة بن معبد … أصح، وهذا عندي أصح من حديث عمرو بن مرة، لأنه قد روي من غير حديث هلال بن يساف، عن زياد بن أبي الجعد، عن وابصة» (^١).\nفاحتج الترمذي بأن الحديث جاء عن زياد بن أبي الجعد من غير رواية هلال بن يساف (^٢)، وهذا يؤيد قول حصين بن عبدالرحمن.\nوروى قتادة، عن الحسن، عن سمرة: «أن النبي - ﷺ - نهى عن التبتل» (^٣).\nورواه الأشعث بن عبدالملك، عن الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة (^٤).\nذهب البخاري، وأبوحاتم، إلى أنهما جميعا محفوظان، أما الأول فلحفظ قتادة، وأما الثاني فقد جاء من طرق عن سعد بن هشام في سؤاله عائشة عن التبتل، وصورته موقوف (^٥)، وأيضا فرواية الحسن، عن سمرة، نسخة مشهورة، فمن تركها فقد حفظ.\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢٣٠)، و«العلل الكبير» ١: ٢١٢.\n(^٢) «مسند أحمد» ٤: ٢٢٨، و«سنن الدارمي» حديث (١٢٨٦).\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨٢)، و«سنن النسائي» حديث (٣٢١٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٤٩)، و«مسند أحمد» ٥: ١٧.\n(^٤) «سنن النسائي» حديث (٣٢١٣)، و«مسند أحمد» ٦: ١٢٥.\n(^٥) «سنن النسائي» حديث (٣٢١٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٩١، ٩٧، ١١٢.","vol":"2","page":228},{"text":"قال الترمذي: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: حديث الحسن عن سمرة، محفوظ، وحديث الحسن، عن سعد بن هشام، عن عائشة، هو حسن، وقد روي عن سعد بن هشام، عن عائشة موقوفا» (^١).\nوقال أبو حاتم: «قتادة أحفظ من أشعث، وأحسب الحديثين صحيحين، لأن لسعد بن هشام قصة في سؤاله عائشة عن ترك النكاح -يعني التبتل-» (^٢).\nوأما النسائي فقال بعد أن أخرج الحديثين: «قتادة أثبت وأحفظ من أشعث بن عبدالملك، وحديث أشعث أشبه بالصواب» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه حبان بن هلال، وحرمي، وإبراهيم بن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن ثمامة بن أنس، عن أنس، أن النبي - ﷺ - قال: «استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر من البول».\nقال أبي: حدثنا أبو سلمة، عن حماد، عن ثمامة، عن النبي - ﷺ - مرسلا، وهذا أشبه عندي.\nوقال أبو زرعة: المحفوظ: عن حماد، عن ثمامة، عن أنس، وقصَّر أبو سلمة» (^٤).\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٤٢٣، وقال الترمذي في «السنن» في كلامه على الحديث (١٠٨٢): «ويقال: كلا الحديثين صحيح».\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٤٠١.\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٣٢١٣ - ٣٢١٤).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦.","vol":"2","page":229},{"text":"فأبو حاتم رجح بالحفظ، فإن أبا سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي أحفظ من كل واحد من الثلاثة المخالفين له، وإن كانوا جميعا ثقات، ثم هو ترك الجادة فأرسل الحديث، وأبو زرعة رجح بالكثرة.\nوروى سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - قال: «قال لي جبريل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها …» الحديث (^١).\nورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري، وعمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ -.\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن زِرّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب، عن النبي - ﷺ - في المُعَوِّذتين.\nقال أبو زرعة: ورواه عنبسة بن سعيد قاضي الري، وعمرو بن أبي قيس، عن الزبير بن عدي، عن أبي رزين، عن حذيفة، عن النبي - ﷺ -.\nقال أبو زرعة: حديث عنبسة، وعمرو، أشبه عندي، إذ اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير، وأخاف أن يكون اشتبه على الثوري: عاصم عن زِرّ، ولعله من الزبير.\nقال أبي: حديث الثوري أصح، عن أُبي، وهو أحفظهم، وأعلى من هؤلاء\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ١٢٩.","vol":"2","page":230},{"text":"بدرجات، والحديث بأُبي أشبه، إذ كان قد رواه عاصم، عن زر، عن أُبي، عن النبي - ﷺ -، وليس لحذيفة عن النبي - ﷺ - في المعوذتين معنى» (^١).\nفرجح أبو زرعة أولا أن الحديث عن حذيفة، وذلك لاتفاق عنبسة بن سعيد، وعمرو بن أبي قيس، على ذلك، وهما من أهل الري، كشيخهما الزبير بن عدي، وخشي أبو زرعة أن يكون الثوري انتقل ذهنه إلى حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، فإنه عند الثوري أيضا، وهو مشهور عن عاصم (^٢).\nثم نظر أبو زرعة إلى قوة حفظ سفيان الثوري، فذكر أنه يحتمل أن يكون الاختلاف من الزبير بن عدي، فيصح عنه الوجهان، ويكون الاضطراب منه.\nوأما أبو حاتم فلم يتردد في أن الصواب مع الثوري، لقوة حفظه، وكونه أرفع من عنبسة، وعمرو، بدرجات، وأيد ذلك بأن الحديث معروف عن زر، عن أبي من طريق آخر، وهو طريق عاصم، ولا يعرف عن حذيفة من طريق آخر.\nوالحديث له طريق ثالث إلى زر، عن أبي بن كعب، وهو طريق عبدة بن أبي لبابة (^٣).\nوروى سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد بن مسروق الثوري -أخي\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٤.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث ٤٩٧٦ - ٤٩٧٧)، و«مسند أحمد» ٥: ١٢٩ - ١٣٠.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٤٩٧٦ - ٤٩٧٧)، و«مسند أحمد» ٥: ١٣٠.","vol":"2","page":231},{"text":"سفيان الثوري-، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن رافع بن خديج قصة إعطاء النبي - ﷺ - المؤلفة قلوبهم يوم حنين.\nورواه سفيان الثوري، وأبو الأحوص، والجراح بن مليح والد وكيع، وقيس بن الربيع، وشريك القاضي، عن سعيد بن مسروق، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، قال: «بعث علي وهو باليمن إلى النبي - ﷺ - بذهيبة في تربتها …» الحديث، وفيه قصة التأليف أيضا، وقصة الخوارج.\nوقد تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب.\nفذهب أبو زرعة الرازي إلى خطأ الوجه الأول، وأن الصواب ما رواه سفيان الثوري، وذكر أن الخطأ من أخيه عمر بن سعيد (^١).\nوما ذهب إليه أبو زرعة هو أيضا ظاهر صنيع البخاري، فإنه أخرج الحديث الثاني وأعرض عن الأول.\nوخالفهما مسلم، فأخرج الحديثين جميعا.\nوما ذهب إليه أبو زرعة حجته ظاهرة، فإن الحديثين في أمر واحد وهو إعطاء المؤلفة قلوبهم، وعمر بن سعيد قد تفرد بالوجه الأول، وخالف الجماعة، خاصة وفيهم أخوه سفيان، وهو أحفظ منه.\nوأيضا فقد رواه عمارة بن القعقاع بن شبرمة، عن عبدالرحمن بن أبي نعم به.\nوما ذهب إليه مسلم حجته ظاهرة أيضا، فإن القصتين مختلفان تماما،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٦.","vol":"2","page":232},{"text":"فحديث رافع في قسمة غنائم حنين، وحديث أبي سعيد في قصة الذهيبة التي بعثها علي من اليمن، وفيه أمر زائد وهو قصة الخوارج.\nوأيضا فإسناد حديث رافع فيه وعورة، فحفظ عمر بن سعيد له يدل على ضبطه.\nوروى يونس بن يزيد، ومعمر -في رواية بعض أصحابه عنه-، ومحمد بن إسحاق، وصالح بن أبي الأخضر، والأوزاعي -في رواية غريبة عنه-، رووا عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: «أن رسول الله - ﷺ - حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عَرَّس …» الحديث، ومنهم من اختصره (^١).\nورواه مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومعمر، في المحفوظ عنهم، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا، ليس فيه أبو هريرة (^٢).\nفذهب أبو زرعة إلى أن الصحيح هو الموصول (^٣)، وكذا أخرج الموصول\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٦٨٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٣٥ - ٤٣٦)، و«سنن الترمذي» حديث (٣١٦٣)، و«سنن النسائي» حديث (٦١٧ - ٦١٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٩٧)، و«تحفة الأشراف» ١٠: ٦٤.\n(^٢) «موطأ مالك» كتاب (وقوت الصلاة) حديث (٢٥)، و«الأم» ١: ١٣٠، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٢٣٧)، و«سنن النسائي» حديث (٦١٩) مع «تحفة الأشراف» ١٠: ٧٣، و«علل الدارقطني» ٧: ٢٧٩.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٠٩.","vol":"2","page":233},{"text":"مسلم في «صحيحه» من طريق يونس، وقال البيهقي: «ومن وصله ثقة» (^١).\nوساق الترمذي رواية صالح بن أبي الأخضر الموصولة، ثم قال: «هذا حديث غير محفوظ، رواه غير واحد من الحفاظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن النبي - ﷺ - …، ولم يذكروا فيه: عن أبي هريرة، وصالح بن أبي الأخضر يضعف في الحديث …» (^٢).\nوكذا قال الدارقطني بعد أن ساق الاختلاف: «والمحفوظ هو المرسل» (^٣).\nوحجة من صحح الموصول ظاهرة، فإن يونس بن يزيد من كبار أصحاب الزهري، خاصة إذا حدث من كتابه، وقد تابعه غيره، لكن الاعتماد عليه.\nوذكر البيهقي من مؤيدات الوصل أنه جاء عن أبي هريرة من وجه آخر نحوه مختصرا (^٤)، فقد رواه أبو حازم، عن أبي هريرة، وساقه مسلم بعد حديث سعيد بن المسيب (^٥).\nوأما من رجح المرسل فلأن من أرسله جماعة فيهم المقدم في أصحاب الزهري: مالك بن أنس، وقد تابعه سفيان بن عيينة، ومعمر، وهما أيضا من كبار أصحاب الزهري.\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ١: ٢١٨.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣١٦٣).\n(^٣) «علل الدارقطني» ٧: ٢٧٩.\n(^٤) «سنن البيهقي» ١: ٢١٨.\n(^٥) «صحيح مسلم» حديث (٦٨٠)، و«سنن النسائي» حديث (٦٢٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٢٨.","vol":"2","page":234},{"text":"وروى الأوزاعي، وأبان بن يزيد العطار -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو أن الناس يعلمون ما في صلاة العتمة وصلاة الصبح لأتوهما ولو حبوا» (^١).\nورواه شيبان بن عبدالرحمن، وأبان بن يزيد -في بعض الروايات عنه-، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس-وهو يحنَّس بن أبي موسى مولى مصعب بن الزبير-، عن عائشة (^٢).\nقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر رواية الأوزاعي: «قال أبي: رواه أبان وشيبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يُحنَّس، والصحيح عندي -والله أعلم-: محمد بن إبراهيم، عن عيسى، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -.\nوقال أبو زرعة: أشبه عندي: عن يحنَّس، وأخاف أن عيسى إنما صحف فيه، وأراد: يحنَّس.\nقلت لأبي زرعة: إن مسلم بن إبراهيم روى عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى، قال: أخاف أن يكون غلط مسلم، حدثنا أبو سلمة، عن أبان، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن يحنَّس، وهذا أصح\n_________\n(^١) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٨٧)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٧٩٦).\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٨٦)، و«مسند أحمد» ٦: ٨٠، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٣٢٢.","vol":"2","page":235},{"text":"من حديث مسلم» (^١).\nوروى الجماعة من أصحاب أبي إسحاق السبيعي، منهم شعبة، وسفيان الثوري، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، حديث الجمع بين الصلاتين بإقامة واحدة في المزدلفة (^٢).\nورواه إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر (^٣).\nورجح جماعة من النقاد منهم يحيى القطان، والترمذي، والدارقطني\n-مرة- رواية الجماعة، وحجتهم ظاهرة، قال الدارقطني في تقريرها: «هذا عندي وهم من إسماعيل، وقد خالفه جماعة، شعبة، والثوري، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن مالك، عن ابن عمر، وإسماعيل -وإن كان ثقة- فهؤلاء أقوم منه لحديث أبي إسحاق، والله أعلم» (^٤).\nوأخرج مسلم رواية إسماعيل بن أبي خالد، لكنه أخرجها بعد أن ساقه عن سعيد بن جبير من طريق الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، عن سعيد،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦٩.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٩٢٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٨٧)، و«مسند أحمد» ٢: ١٨، ٧٨، ١٥٢، و«سنن البيهقي» ١: ٤٠١.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٢٨٨)، و«سنن أبي داود» حديث (١٩٣١)، و«سنن الترمذي» حديث (٨٨٨)، و«سنن النسائي» حديث (٦٥٨)، و«مسند أحمد» ٢: ٣.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (١٢٨٨)، و«الإلزامات والتتبع» ص ٤٥١.","vol":"2","page":236},{"text":"وساقه من طريقين آخرين إلى ابن عمر دون ذكر الإقامة.\nورجح الدارقطني مرة أن رواية إسماعيل محفوظة أيضا، فلأبي إسحاق فيه شيخان، قال الدارقطني في تقرير ذلك والاحتجاج له: «وكان شيوخنا يقولون: إن إسماعيل بن أبي خالد وهم في قوله: عن سعيد بن جبير، وأن الحديث حديث عبدالله بن مالك، والذي عندي -والله أعلم- أن الحديثين صحيحان، لأن حديث سعيد بن جبير مرفوعا رواه عنه الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وعمرو بن دينار، وسالم الأفطس، رووه عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵁، فيشبه أن يكون أبو إسحاق قد تحفظه عنهما، فحدث به مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵁، فحفظه عنه إسماعيل بن أبي خالد، وحدث به مرة عن عبدالله بن مالك، فحفظه عنه الثوري ومن تابعه» (^١).\nواستدل المزي، ثم ابن حجر، على حفظ رواية إسماعيل بن أبي خالد بأن شريك بن عبدالله النخعي رواه عن أبي إسحاق فجمع بين شيخيه: عبدالله بن مالك، وسعيد بن جبير (^٢).\nوأبو إسحاق السبيعي لم يسمع من سعيد بن جبير فيما قاله البخاري، فإنه قال: «لا أعرف لأبي إسحاق سماعا من سعيد بن جبير» (^٣)، وحديثه هذا عن\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٣: ١٩٨.\n(^٢) «تحفة الأشراف» ٤: ٤٢٣، ٤٧٥، ومعه: «النكت الظراف»، ورواية شريك أخرجها أبو داود حديث (١٩٣٠).\n(^٣) «العلل الكبير» ٢: ٩٦٥.","vol":"2","page":237},{"text":"سعيد بن جبير جاء معنعنا، بل في رواية مسلم يرويه أبو إسحاق هكذا: قال سعيد بن جبير، ولعله لهذا السبب اشتهر عن أبي إسحاق روايته للحديث عن عبدالله بن مالك، ولم تشتهر روايته له عن سعيد بن جبير، فإنه يرسله عنه.\nو<span data-type='title' id=toc-407>من دقائق قضايا تعارض القرائن </span>أن يتجاذب الحال قرينة واحدة لها شقان، أو يتجاذبها قرينتان مختلفتان.\nفمن تجاذب شقي القرينة الواحدة ما تقدم في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، في قرينة (السهولة والوعورة) فإن من زاد راويا أو أكثر في الإسناد فهو الذي حفظ، لأنه قد سلك الأوعر، ومن ترك الزيادة فهو أسهل عليه، ولكن قد يعارض هذا في بعض الحالات أن يكون من زاد راويا أو أكثر قد سلك الجادة، فهو أسهل عليه، ومن حذف الزيادة ترك الجادة، فقوله هو الراجح، وقد تقدم شرح هذا بأمثلته هناك، فاعتماد أحد شقي القرينة يحتاج إلى مزيد تأمل وإنعام نظر.\nوأما تجاذب قرينتين مختلفتين، فمن صوره أن الراوي إذا اتفق مع الجماعة عن شيخهم على إسناد، ثم انفرد عنهم بإسناد آخر، فبعض النقاد يستدل بهذا على حفظ الراوي للإسناد الذي انفرد به عن الجماعة، وقد تقدم أيضا شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني.\nولكن قد يعارض هذا أن يعمل في المقام نفسه قرينة (الثبات والاضطراب) الماضي شرحها في المبحث الثالث من الفصل الثاني، فينظر لإتيان الراوي بإسنادين عن شيخه على أنه اضطراب منه وتردد، فيحكم عليه بالغلط فيما انفرد به.","vol":"2","page":238},{"text":"ومن صوره أيضا أن يترجح أحد الوجهين بكون راويه ترك الجادة، ومن سلكها فقوله مرجوح، لأن ترك الجادة أشد وعورة على الراوي، مما يدل على حفظه للإسناد، واستحضاره له، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني.\nوقد يعارض هذا أن يكون من ترك الجادة أتى بإسناد غريب مركب، فإن الأئمة كثيرا ما ينقدون شدة الغرابة في الإسناد، وأنه مركب لا يستقيم على صورته الظاهرة، كما تقدم شرحه في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثالث منه، فيترجح حينئذ قول من سلك الجادة.\nوإعمال إحدى القرينتين في مثل هذا يحتاج كذلك إلى تأن، وإلى نظر في مرجحات أخرى.\nواختم هذا المبحث بالتنبيه على ضرورة تأني الباحث حين يواجه تعارض القرائن في الاختلاف، خاصة إذا انضم إلى ذلك وقوفه على أقوال مختلفة للنقاد، ومن البدهي أن يقال للباحث إن الوصول إلى رأي راجح في كل اختلاف ليس ضربة لازب، فالذي تقتضيه أصول البحث العلمي أن الباحث قد يتوقف عن الترجيح، فلا يظهر له رأي راجح، وقد يكون هذا التوقف مستمرا، أو مؤقتا بحيث يظهر له فيما بعد إمكانية الترجيح، وقد تقدم قريبا في هذا المبحث أمثلة لذلك مما وقع للنقاد.\nومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه حرب بن إسماعيل، قال: «قلت (يعني لأحمد): فحديث ابن عباس حيث قال: وهن يمشين بنا هميسا، يختلفون في إسناده، بعضهم","vol":"2","page":239},{"text":"يقول: عوف، عن زياد بن حصين، عن أبيه، وبعضهم يقول، زياد بن حصين، عن أبي العالية؟ قال: الناس يختلفون في إسناده، قلت: فأيهما أصح؟ قال: يختلفون في إسناده، ما أدري» (^١).\nوذكر الترمذي حديث عبدالله بن مسعود في (الاستنجاء بحجرين) الماضي في أول هذا المبحث، وما فيه من الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي، ثم قال بعد ذكر رأي البخاري فيه: «وسألت عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي) عن هذا فلم يقض فيه بشيء» (^٢).\nوذكر الترمذي أيضا حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «لا شيء في الهام …» الحديث، ثم قال: «سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى علي بن المبارك، وحرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس التميمي، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، وروى شيبان هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير، عن حية بن عابس، عن أبيه، عن أبي هريرة، قلت له: كيف علي بن المبارك؟ قال: صاحب كتاب، وشيبان صاحب كتاب، ولم أر محمدا يقضي في هذا الحديث بشيء، كأن حديث علي بن المبارك أشبه، لما وافقه حرب بن شداد» (^٣).\n_________\n(^١) «مسائل حرب» ص ٤٦٩.\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ٩٩، و«سنن الترمذي» ١: ٢٦.\n(^٣) «العلل الكبير» ٢: ٦٩١. وانظر في طرق هذا الحديث وبقية كلام النقاد عليه: «مسند أحمد» ٥: ٧٠، و«التاريخ الكبير» ٣: ١٠٧، و«علل ابن أبي حاتم» (٢٢٣٩) و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢: ٨٨٣.","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-409>الفصل الرابع\nالاختلاف عن المدار والحكم النهائي</span>\n\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: المدار الأساس والطرق فوقه.\nالمبحث الثاني: الوجه الراجح والوجه المرجوح.\nالمبحث الثالث: الأوجه المحفوظة عن المدار.\nالمبحث الرابع: عدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار.","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-410>المبحث الأول\nالمدار الأساس والطرق فوقه</span>\nإذا تصدى الباحث للنظر في اختلاف على راو في إسناده فمن المهم جدا أن يكون قد حدد مقصوده ومراده من هذا النظر، وإذا حدده فلا يتجاوزه، ولا يقصر دونه.\nوتحديد غرض الباحث من النظر أمر بالغ الأهمية، سواء بالنسبة للباحث والجهد والوقت الذي يبذله، أو بالنسبة للبحث نفسه من حيث الاختصار والإطالة.\nولشرح هذا أجدني مضطرا إلى التذكير بما مر في الفصل الثاني من الباب الأول، وهو الفصل المتعلق بالمصطلحات التي تمر بالباحث في مقارنته للمرويات، وذلك في مصطلح (المدار)، فقد تقدم هناك أن الحديث له مدار أساس، وهو الراوي الذي ترجع إليه كافة طرق الحديث، وقد يكون هو الصحابي، وذلك إذا روى الحديث عن الصحابي اثنان أو أكثر، مثل أن يروي الحديث جابر بن عبدالله، ويرويه عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والمنذر بن مالك أبو نضرة العبدي.\nوقد يكون التابعي هو المدار، في حال تفرد التابعي عن الصحابي، واشتهاره عن التابعي، مثل أن يروي الحديث عائشة، وعنها عمرة بنت عبدالرحمن، ويرويه عن عمرة: يحيى بن سعيد الأنصاري، وعروة بن الزبير، والزهري.\nوهكذا، قد يكون المدار نازلا، فيكون تابع التابعي، أو من دونه، فحديث","vol":"2","page":243},{"text":"الأعمال بالنيات، حديث عمر المشهور، مداره على يحيى بن سعيد الأنصاري، وله عنه طرق تبلغ العشرات، وهو يرويه عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر.\nثم بعد ذلك قد يكون لبعض الطرق إلى المدار الأساس مدار خاص به، نازل عن المدار الأساس، فلو افترضنا حديثا يرويه عن جابر ثلاثة، أحدهم أبو الزبير المكي، ويرويه عن أبي الزبير المكي، مالك بن أنس، وله عن مالك طرق كثيرة، فيقال إن طريق أبي الزبير مداره على مالك بن أنس.\nوفي الطريقين الآخرين عن جابر قد يكون لهما أو لأحدهما مدار خاص به، وقد يوجد في الطرق الثلاثة أو في بعضها مدارات أخرى نازلة.\nوبالنسبة للاختلاف قد يوجد اختلاف في الحديث على مداره الأعلى الذي هو الصحابي مثلا، أو التابعي، فبعض الطرق ترفعه إلى رسول الله - ﷺ -، وبعضها تقفه، ثم قد يوجد هذا الاختلاف على أحد المدارات النازلة، فيختلف الرواة عنه في رفع الحديث، ووقفه، وقد يكون الاختلاف عن المدار النازل من نوع آخر، فبعض الرواة يصل الحديث بذكر صحابيه، وبعضهم يرسله، أو غير ذلك.\nوقد يكون الاختلاف ليس على المدار الأعلى، بل على الرواة عنه، أو على بعضهم، فإذا كان صحابي الحديث ابن عباس-مثلا-، ويرويه عنه عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، يكون طريق عكرمة قد جرى فيه عليه اختلاف، فبعض الرواة عنه يصله بذكر ابن عباس، وبعضهم يرسله، وكذلك طريق سعيد","vol":"2","page":244},{"text":"بن جبير، ومجاهد، قد يكون فيهما اختلاف أيضا، وقد توجد اختلافات نازلة في شيء من الطرق إليهم.\nوفي بعض الأحاديث تكثر الاختلافات، وتتعدد مداراتها، وربما كان بينها شيء من التداخل، بما يعسر فهمه والإلمام به، ويشتد ذلك إذا كان من الاختلافات ما هو بإبدال الصحابي بآخر، فتتداخل الأحاديث.\nفإذا استحضرنا هذا أمكننا أن ندرك بسهولة<span data-type='title' id=toc-412> سبب تكرار الكلام على الاختلاف في الحديث الواحد في كتب النقد</span>، سواء منها الكتب المخصصة للنقد، ككتب العلل، وكتب الرجال، أو كتب الرواية، وأن مَرَدَّ ذلك إلى كون الناقد قد يتكلم في مكان على اختلاف على مدار معين، ثم في المكان الآخر على اختلاف على مدار أعلى، أو مدار أدنى، فمن العسير في كثير من الأحاديث جمع النظر في اختلافات الحديث كلها في مكان واحد.\nوأوسع من يتكلم على اختلافات متعددة في الحديث الواحد هو الدارقطني في «العلل»، لكونه ينطلق من راو عال، وهو التابعي أو الراوي عنه، ثم يتكلم عن الاختلافات النازلة، ومع هذا يضطر إلى تجزئة الاختلافات إذا روى الحديث تابعيان أو أكثر، وجرى عليهم اختلاف، وقد يفعل هذا دون التابعي أيضا.\nوليس معنى هذا أنه لا يوجد أحد من النقاد أطال في اختلافات في حديث معين، فاستوعبها وقصد استيعابها، لكن المقصود أن الاقتصار على جزء من الاختلاف هو الغالب.","vol":"2","page":245},{"text":"ويشبه هذا التأليف على الموضوعات، فالمؤلف يضع كتاب الطهارة -مثلا- في ضمن كتاب يشتمل على موضوعات متعددة، فيختصر في الأحاديث وفي الطرق، فإذا خصص هو أو غيره كتابا خاصا بالطهارة بسطه، فإذا خصص مسألة من مسائل الطهارة -كجلود الميتة، أو السواك، أو المسح على الخفين- بكتاب، زاد في بسطه واستوعب الطرق، وهكذا يقال في نقد الأحاديث.\nوهذه منهجية علمية من أعلى ما يكون وأدقه، أعني مراعاة المؤلف للسياق الذي ترد فيه المسألة، أيا كان نوعها.\nوالملاحظ أيضا في كلام النقاد على الاختلاف أنهم في الغالب يكتفون ببيان رأيهم في الاختلاف نفسه، ولا يتكلمون على حال الإسناد من مدار الاختلاف فمن فوقه، فيقل عندهم أن يبين الناقد درجة الإسناد، وبيان ما فيه من علة إن وجدت، نعم قد يوجد هذا عندهم، لكنه قليل بالنسبة لما أغفلوا النص عليه.\nويبرز هنا سؤال مهم بالنسبة للباحث، وهو: كيف يحدد الناظر في الاختلاف مداره الذي يكون هو الأساس عنده، فما فوقه من اختلاف يكون اختلافا عاليا، وما دونه يكون اختلافا نازلا، وما خرج عنه فهو خارج هذا الاختلاف؟ .\nولا شك أن هذا السؤال هام جدا بالنسبة للناظر في الاختلاف، الخطوة الأولى في الجواب عنه هي في وروده في ذهن الناظر، ذلك أن بعض الباحثين ليس في ذهنه هذا السؤال أصلا، فأول خطواته في دراسة الاختلاف وضعها في الطريق المخطئة، فتتراكم عليه الأخطاء لاحقا.","vol":"2","page":246},{"text":"وجواب السؤال: أما بالنسبة للناقد في عصر النقد، فهناك عدة عوامل تدخل في تحديد المدار، فقد يتحدد المدار بسؤال سائل عن مدار معين، هو موضع إشكال عند السائل، يريد أن يعرف رأي الناقد فيه، وهذا نراه في كتب العلل، والسؤالات، مثل «علل أحمد»، رواية عبدالله، ورواية المروذي، وغيرهما، و«سؤالات أبي داود لأحمد»، و«مسائل أحمد» لأبي داود، و«تاريخ الدوري عن ابن معين»، و«علل ابن أبي حاتم»، و«علل الدارقطني»، وغيرها.\nوقد يكون الناقد يترجم في كتاب له لراو من الرواة، وقع عليه اختلاف في حديث معين، فيسوق الناقد هذا الاختلاف، أو يكون الراوي المترجم له قد خالف غيره في روايته لحديث عن شيخ له، فيسوق المؤلف هذا الاختلاف، وهذا نراه في تواريخ البخاري، وكتاب العقيلي، وابن عدي.\nويقع هذا لمؤلفي كتب الرواية، يسوق المؤلف حديثا بإسناد، ويكون قد وقع على بعض رواته اختلاف، فيتعرض له المؤلف، كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم، ممن ألف على الموضوعات، أو على المسانيد، خاصة ما ألف على طريقة التعليل، مثل «مسند يعقوب بن شيبة»، و«مسند البزار».\nومن عوامل تحديد المدار عند النقاد كذلك أن يكون غرض الناقد من كتابه جمع الاختلافات الواردة على راو معين، في عموم حديثه، فيكون هو مداره، وغرضه منصب عليه، ومعرفة الراجح عنه، كما يفعل محمد بن يحيى الذهلي في كتابه «علل حديث الزهري»، وقد قال فيه الدارقطني: «من أحب أن ينظر ويعرف","vol":"2","page":247},{"text":"قصور علمه عن علم السلف، فلينظر في «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى» (^١)، ثم بعده النسائي، ثم ابن حبان، وكلاهما في حديث الزهري (^٢)، وكما يفعل ابن المديني في «علل حديث ابن عيينة» (^٣)، وابن حبان في «علل حديث مالك» (^٤).\nأما بالنسبة للباحث فالأمر كذلك، هناك غرض له من التعرض لاختلاف على راو معين، فقد يكون قصد إلى راو معين، فأراد دراسة الاختلافات الواردة على أحاديثه، وقد يخصص ذلك بكتاب معين، مثل ما ألف من رسائل في حديث الزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وسفيان الثوري، الموجود منها في «علل الدارقطني».\nوقد لا يقصر الباحث الدراسة على أحاديث الراوي التي اختلف عليه فيها، فيكون غرضه استقصاء حديث الراوي، فيذكر أيضا ما خالف فيه غيره، وما لم يقع فيه اختلاف أصلا، لكنه مضطر في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف إلى تحديد المدار، إما الراوي موضع البحث، أو شيخه، وهكذا.\nوكأن يعمد إلى إمام فيجمع الأحاديث التي ذكر فيها اختلافا في كتاب له،\n_________\n(^١) «سؤالات السلمي للدارقطني» ص ٤٠٣، و«سير أعلام النبلاء» ١٢: ٢٨٤.\n(^٢) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٢، و«معجم البلدان» ١: ٤١٧، و«فهرست ابن خير» ص ١٤٥.\n(^٣) «معرفة علوم الحديث» ص ٧١، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٣.\n(^٤) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٣٠٣، و«معجم البلدان» ١: ٤١٧.","vol":"2","page":248},{"text":"إما بإطلاق غير مقيد بنوع من الاختلاف، كما هو في رسائل بعض الباحثين والباحثات الذين تصدوا لما ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، والترمذي في «السنن»، والبزار في «المسند»، والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو نعيم في «الحلية»، وغيرها.\nأو بتقييد ذلك بنوع من الاختلاف، مثل ما خصص من رسائل لما ذكر فيه أبو داود اختلافا في وصله وإرساله، أو رفعه ووقفه، أو في زيادة راو وحذفه، وغير ذلك.\nومثل هذا اشتغال بعض الباحثين في تحقيق كتب النقاد، مثل تحقيق كتاب «علل ابن أبي حاتم»، و«الكامل» لابن عدي، وغيرهما.\nوقد يكون موضوع البحث ليس في أحاديث معللة، ولكن يمر بالباحث أحاديث من هذا النوع، وللباحث منهج في المصدر الذي يثبت منه نص الحديث بإسناده، فيجد المؤلف قد ساق اختلافا على راو، أو أشار إليه، أو وجد الباحث هذا الاختلاف في الطرق التي جمعها.\nوالباحث في جميع ما تقدم قد تحدد له المدار، إما لكونه موضوع بحثه، أو لأن الناقد قد قصر الاختلاف على هذا المدار، فيبقى الباحث معه، ويكون هو مداره، لا يتجاوزه إلا في حالات معينة، وفق ضوابط محددة.\nوإذا كان الناقد قد ذكر مدارات متعددة للاختلاف، ولم يمكن إدراج الاختلافات تحت اختلاف واحد، فالباحث كذلك يتابعه، فيقسم الاختلاف","vol":"2","page":249},{"text":"بحسب هذه المدارات.\nواتضح مما تقدم أن تعيين مدار واحد في الحديث المعين يكون هو الأساس لكل من ينظر في الاختلاف الواقع فيه أمر غير ممكن، فتحديد المدار الأساس إذن أمر نسبي، فباحث يكون مداره في طبقة، وآخر يكون في طبقة نازلة عنه، وثالث في طبقة أعلى منهما، ورابع يكون عنده مدارات متعددة، وكل ذلك بحسب الباعث على دراسة هذا الحديث، وقد يحدد ذلك صفة ورود الحديث في كتب الرواية، وكتب النقد.\nوالمهم هنا التأكيد على ضرورة تحديد المدار الذي ينصب عليه جهد الباحث، ويكون هو عقدة بحثه في الحديث المعين، ومتى لم يلتزم بذلك فقد انفرط عقد بحثه منذ الوهلة الأولى، وكذلك إذا لم يحسن تفريق المدارات عند الحاجة، فتتداخل عليه وعلى قارئه الاختلافات.\nوسأضرب بعض الأمثلة لذلك.\nساق أحد الأئمة بإسناده عن عبدالرزاق، قال: حدثنا النعمان بن\nأبي شيبة الجندي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن تستخلفوا عليا -وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يحملكم على المحجة البيضاء».\nثم قال الإمام: «ورواه إبراهيم بن هراسة، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي ﵁».","vol":"2","page":250},{"text":"وظاهر أن غرض الإمام هو بيان الاختلاف على الثوري، فهو المدار الأساس إذن، وقد قام أحد الباحثين بدراسة هذا النص بعد أن نقله في كتابه، فأبعد النجعة جدا، وترك مدار الإمام، وبدأ باختلاف على مدار ليس في إسناد الإمام أصلا، وأطال في كلامه على الحديث، وتداخلت عليه المدارات، ولا يقف قارئه على معالجة المدار الأساس الذي قصده الإمام إلا بمشقة بالغة، فقال ما نصه:\n«هذا الحديث مداره على شريك القاضي، وأبي إسحاق السبيعي، واختلف على شريك القاضي على أوجه:\nالوجه الأول: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.\nالوجه الثاني: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، عن زاذان، عن حذيفة مرفوعا.\nالوجه الثالث: ما روي عن شريك، عن أبي اليقظان، وأبي إسحاق، عن أبي وائل، عن حذيفة مرفوعا.\nالوجه الرابع: ما روي عن شريك، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة مرفوعا.\nالوجه الخامس: ما روي عن شريك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا، ومرة عن أبي اليقظان، عن حذيفة.\nواختلف على أبي إسحاق السبيعي على أوجه:","vol":"2","page":251},{"text":"الوجه الأول: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة مرفوعا.\nالوجه الثاني: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن علي بن أبي طالب مرفوعا.\nالوجه الثالث: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع مرسلا.\nالوجه الرابع: ما روي عن أبي إسحاق، عن زيد بن يثيع، عن سلمان الفارسي مرفوعا.\nوسأبدأ بالاختلاف على شريك …».\nوساق هذا الإمام حديثا من طريق أبي إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي، ومحمد بن يزيد الأسفاطي، عن إبراهيم بن يحيى بن هانئ، عن أبيه، عن موسى بن عقبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد قال: قال لي النبي - ﷺ -: «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته».\nثم قال الإمام: «سقط من رواية الترمذي موسى بن عقبة».\nفالمدار الذي عقد الإمام الاختلاف عليه هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، فأبو إسماعيل الترمذي يسقط موسى بن عقبة من الإسناد، ومحمد بن يزيد يذكره، بل في تعبير الإمام بقوله: «سقط من رواية …» ما يشير إلى أنه ليس اختلافا في الرواية، وإنما هو سقط في الإسناد، ويدل على ذلك أنه جاء عن أبي إسماعيل الترمذي بذكر موسى بن عقبة.","vol":"2","page":252},{"text":"وليس هذا هو المهم، فلو اعتبرناه اختلافا فالمدار -كما تقدم- هو إبراهيم بن يحيى بن هانئ، والاختلاف في ذكر موسى بن عقبة، وحذفه، غير أن الباحث وهو يقوم بدراسة هذا النص عقد اختلافا جديدا لم يقصده الإمام، وفي الاختلاف الجديد ابتدأ بغير ما عند المؤلف، قال: «هذا الحديث مداره على قيس بن أبي حازم، واختلف عليه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: قيس بن أبي حازم، عن النبي - ﷺ - مرسلا.\nالوجه الثاني: قيس بن أبي حازم، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا.\nالوجه الثالث: قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر مرفوعا …».\nوسئل إمام آخر عن حديث رواه أحمد بن عبدة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا نزل عليه القرآن تعجل بقراءته ليحفظه …» الحديث.\nفقال: «منهم من لا يقول في هذا الحديث: ابن عباس، ويرسله، والمرسل أصح، حدثنا ابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، مرسل، إلا ما يرويه موسى بن أبي عائشة، فإنه يقول: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -».\nفالإمام تكلم على الاختلاف على سفيان بن عيينة وصلا وإرسالا، في روايته للحديث عن عمرو بن دينار، ورجح المرسل، ثم استدرك بأن الحديث يرويه موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير موصولا، فهناك اختلاف أدنى","vol":"2","page":253},{"text":"على سفيان في طريق عمرو بن دينار، رجح فيه الإمام الإرسال، وهناك اختلاف أعلى على سعيد بن جبير، بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، ويظهر من استدارك الإمام أنه يرى الوصل محفوظا عن سعيد بن جبير.\nوالباحث له أن يعقد الاختلاف على سفيان بن عيينة، ثم بعد الفراغ من دراسة الاختلاف عليه، وترجيح الإرسال، يرتقي إلى الاختلاف الأعلى بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، وله أن يعقد الاختلاف على سعيد بن جبير، بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، والاختلاف على سفيان بن عيينة في طريق عمرو بن دينار يعالجه على أنه اختلاف نازل عن المدار الأساس، ثم يرتقي إلى الاختلاف على المدار الأساس، وهو سعيد بن جبير، والمؤدى في الطريقتين واحد.\nفجاء أحد الباحثين لمعالجة هذا النص، وهو يحقق الكتاب، فسلك طريقة أخرى أبعدته عن سياق كلام الإمام، ومقصوده، قال الباحث: «روى هذا الحديث سفيان بن عيينة من طريقين، واختلف عنه في كلا الطريقين، الطريق الأول: روايته عن عمرو بن دينار، وقد اختلف عنه في هذا الطريق على وجهين».\nثم ذكر الوجهين عن سفيان بن عيينة، بوصل الحديث وإرساله، ثم قال: «الطريق الثاني: روايته -يعني ابن عيينة- عن موسى بن أبي عائشة، وقد اختلف عنه على وجهين».\nثم ذكر الوجهين عن سفيان بوصل الحديث وإرساله.","vol":"2","page":254},{"text":"والباحث أخطأ حين ذكر اختلافا على سفيان بن عيينة في طريق موسى بن أبي عائشة، فقد رأى الباحث في «تفسير الطبري» عن محمد بن بشار، عن عبدالرحمن، عن سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير مرسلا (^١)، فظن سفيان هذا ابن عيينة، وإنما هو الثوري، وقد خلط بينهما غير مرة في تخريجه لهذا الحديث.\nفسفيان بن عيينة إذن ليس عليه اختلاف في روايته عن موسى بن أبي عائشة، لكن ليس هذا هو المهم هنا، فالمهم أنه لو كان سفيان هذا هو ابن عيينة وكان عليه اختلاف في طريق موسى بن أبي عائشة لم يكن للباحث أن يعقد عليه اختلافا في هذا الطريق، لأن الإمام لم يذكره، وإنما أشار إلى الاختلاف بين عمرو بن دينار، وموسى بن أبي عائشة، وهذا لم يعرج عليه الباحث أصلا، فبقي في الاختلاف على سفيان من الطريقين في دراسة الاختلاف، ولم يحكمه أيضا، فإنه بعد أن توصل إلى أن الراجح عن سفيان في طريق عمرو هو الإرسال، والراجح في طريق موسى الوصل، عاد فنقض هذه النتيجة، فحمل سفيان عهدة التردد في الطريقين، قال:\n«وأخيرا يقال: لعل سفيان بن عيينة مرة ينشط فيرويه بالوصل، ومرة يعجز فيرسله …».\nوقد قدمت آنفا أن سفيان بن عيينة لا اختلاف عليه أصلا في طريق موسى\n_________\n(^١) «تفسير الطبري» ٢٩: ١٨٧.","vol":"2","page":255},{"text":"بن أبي عائشة، وأن هذا من خطأ الباحث، ومع هذا فلم يحكمه، واشتغل به عن مقصود الإمام.\nوأول ما يبتدئ به الناظر في الاختلاف، بعد تحديد المدار وإتقان ذلك، أنه إذا كان الذي حدد له المدار أحد النقاد، على ما سبق شرحه آنفا، فهل الباحث يكتفي بالأوجه التي ذكرها الناقد فقط، ولا يزيد عليه، أو التزم أن ينظر في الأوجه كلها عن ذلك المدار؟\nوهي قضية ليست سهلة، فالناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة، إما لاعتبار معين، كأن تكون الأشهر عن الراوي، أو لأن هذين الوجهين أو الثلاثة هي موضع السؤال الموجه للناقد، أو بملاحظة أمر دقيق في الاختلاف، أو لأنه قصد الموازنة بين روايين مختلفين على شيخ لهم، للاستدلال على حفظ هذا، أو ذاك، ونحو هذا، وإما لأن الناقد ذكر ما وقف عليه من الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى، وربما كان ما لم يذكره الناقد أشهر مما ذكره.\nفعلى الباحث أن يضبط منهجه، وأن يدرك حجم ما التزم به، ويختار المنهج الأنسب لبحثه.\nفإذا كان منهج الباحث الذي اختاره -لكونه الأنسب لبحثه- أن يقف مع ما ذكره الناقد فذاك، فيوازن بين الأوجه التي ذكرها الناقد، وينص على ذلك في النتيجة، فيقول مثلا: والأرجح من هذين الوجهين اللذين ذكرهما أبو حاتم\n-مثلا- هو كذا أو كذا، أو كلاهما محفوظ، ونحو ذلك.","vol":"2","page":256},{"text":"أما إذا اختار الباحث أن يحرر الاختلاف كله عن ذلك الراوي فهو ملزم أولا بتقصي ذلك، واستيفاء البحث عن الأوجه، ثم بالنظر فيها كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره.\nوللباحث أن يقدم النظر في الأوجه التي ذكرها الناقد، ثم بعد تلخيص النتيجة يعود فيقول مثلا: ولكن للحديث أوجه أخرى عن فلان، ولم يذكرها الناقد، ثم يخرجها، وينظر فيها، ويقارن بينها وبين ما ذكره الناقد.\nوالذي يسير عليه أكثر الباحثين إذا التزموا استيفاء الاختلاف هو دمج التخريج، ثم النظر في الأوجه كلها، ما ذكره الناقد وما لم يذكره.\nمثال ذلك أن أبا داود ساق من طرق عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شك أحدكم في صلاته، فليلق الشك، وليبن على اليقين …» الحديث.\nثم ساقه من طرق أخرى عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلا (^١).\nقام أحد الباحثين بتخريج هذين الوجهين، ثم قال: «وللحديث وجه آخر لم يذكره أبو داود، وهو الوجه الثالث: الموصول بذكر ابن عباس»، ثم خرج هذا الوجه، ووازن بين الأوجه الثلاثة جميعا (^٢).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٠٢٤)، (١٠٢٦ - ١٠٢٧).\n(^٢) «الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، تخريج ودراسة» لتركي الغميز حديث (١٢).","vol":"2","page":257},{"text":"وساق أبو داود أيضا من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن الشريد بن سويد: «أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة …» الحديث.\nثم قال أبو داود: «خالد بن عبدالله أرسله، لم يذكر الشريد» (^١).\nفقام الباحث أيضا بتخريج هذين الوجهين عن محمد بن عمرو، ثم قال: «وللحديث وجهان آخران لم يذكرهما أبو داود»، فذكر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن محمد بن عمرو، عن عمرو بن أوس، عن رجل من الأنصار، ثم خرجهما، ووازن بين الأوجه الأربعة كلها (^٢).\nوساق البزار بإسناده عن قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، قال: قال لي علي: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - ﷺ -: أن لا أمر بقبر إلا سويته، وبمسح التماثيل».\nثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه غير قيس، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، عن علي ﵁، ولا نعلم أحدا قال: عن أبي وائل، عن ابن أبي الهياج، عن أبيه، إلا قيس» (^٣).\nفهذان وجهان من الاختلاف على حبيب بن أبي ثابت في هذا الحديث\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٢٨٣).\n(^٢) «الأحاديث التي أشار أبو داود إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، تخريج ودراسة» حديث (٤٥).\n(^٣) «مسند البزار» حديث (٩١١).","vol":"2","page":258},{"text":"ذكرهما البزار، خرجتهما إحدى الباحثات، ثم ذكرت أن للحديث أوجها أخرى لم يذكرها البزار، وهي: حبيب، عن أبي وائل، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن أبي وائل، بقصة علي مع أبي الهياج، وحبيب، عن أبي الهياج، عن علي، وحبيب، عن علي.\nفهذه أربعة أوجه لم يذكرها البزار، فصارت الأوجه عند الباحثة ستة أوجه، خرجتها، ووازنت بينها جميعا.\nوالوجهان الأولان من الأربعة التي لم يذكرها البزار هما أشهر الأوجه الستة وأقواها، والأول منهما في «صحيح مسلم» (^١).\nوساق البزار أيضا من طريق الليث بن سعد، عن الزهري، عن عروة، أن عبدالله بن الزبير حدثه: «أن رجلا خاصم الزبير بن العوام في شراج الحرة …» الحديث.\nثم قال البزار: «وهذا الحديث قد رواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن عروة، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه، قال: «خاصمت رجلا من الأنصار في شراج الحرة …» ثم ذكره نحوه، ولا نعلم يروى هذا الكلام إلا عن الزبير، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nفهذان وجهان من الاختلاف على الزهري ذكرهما البزار، خرجتهما\n_________\n(^١) «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» لسارة الشهري، حديث (٧٣).\n(^٢) «مسند البزار» حديث (٩٦٩).","vol":"2","page":259},{"text":"الباحثة، وزادت عليهما ذكر وجهين آخرين، أحدهما: الزهري، عن عروة، عن أبيه الزبير، والثاني: الزهري، عن عروة بن الزبير مرسلا.\nوالأول من الوجهين اللذين ذكرهما البزار في «الصحيحين»، لكن الوجهين اللذين تركهما قويان أيضا، وهما في «صحيح البخاري»، وخلصت الباحثة إلى أنهما أقوى الأوجه عن الزهري (^١).\nوكذلك لو كان الباحث يتصدى هو للنظر في الاختلاف على راو، غير منطلق من كلام أحد النقاد، فيحدد منهجه هل يستوفي الأوجه كلها، أو يكتفي بأشهرها وأقواها؟ فبعض الأوجه يمكن الاستغناء عنها، كأن تكون شاذة جدا، من رواية المتروكين.\nوالخلاصة أن الباحث إن أراد الوصول إلى نتيجة نهائية في الاختلاف عن المدار فلا بد من استيفاء الأوجه عنه وإن كثرت، وأي تقصير في ذلك يعود بالخلل على دراسة الاختلاف كله.\nوفي الوقت الراهن فإن سبيل الوصول إلى الحديث وأوجه الاختلاف على راويه قد تيسرت كثيرا، ولكن يبقى فهم الباحث وتأمله في حصر الأوجه واستقصائها بعد الوقوف عليها، وقد رأيت نقصا ظاهرا لدى كثير من الباحثين في هذا الجانب، ترى الواحد منهم يقف على طرق، يذكرها في المتابعات والشواهد، وهي في الحقيقة أوجه اختلاف على مداره.\n_________\n(^١) «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» حديث (٧٦).","vol":"2","page":260},{"text":"وسأضرب لذلك مثالين، فقد سئل أحد النقاد عما رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أسيد بن حضير، قال: «بينما أنا في مشربة أقرأ سورة البقرة، إذ سمعت وجبة …» الحديث، ورواه سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أسيد بن حضير، ولم يذكر أنسا، فقال الناقد: «سليمان أحفظ من حماد لحديث ثابت».\nتصدى أحد الباحثين لتخريج هذا النص، وذكر أنه لم يقف على الحديث من الطريقين لا من طريق حماد، ولا من طريق سليمان، ولا إشكال في ذلك، لكنه ذكر أن للحديث طرقا أخرى عن أسيد بن حضير، وذكر منها طريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، ويرويه عن عبدالرحمن اثنان: قتادة، وثابت البناني، وعن ثابت يرويه حماد بن سلمة، وعن حماد جماعة من أصحابه الكبار.\nفطريق عبدالرحمن بن أبي ليلى، من رواية ثابت عنه، هو جزء من الاختلاف على ثابت الذي ورد بعضه في السؤال وجوابه، وأصله اختلاف على حماد بن سلمة، فعن حماد وجهان، الوجه المذكور في السؤال، والوجه الذي يرويه عن ثابت، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد، والأخير هذا أهم وجه في الاختلاف، ولم يتعرض له الباحث، مع أن في جواب الناقد إشكالا عالجه الباحث، وهو تقديم سليمان بن المغيرة على حماد بن سلمة، في ثابت، والمشهور عند النقاد\n-ومنهم الناقد صاحب الجواب- تقديم حماد على جميع أصحاب ثابت، فعدم ورود الوجه المشهور عن حماد لا في السؤال ولا في الجواب يجعل النص أكثر إشكالا، ويلزم عليه مزيد اعتناء بهذا الوجه، وإحضاره في دراسة الاختلاف.","vol":"2","page":261},{"text":"وذكر باحث آخر في رسالة له ما رواه محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زينب ابنة أبي سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة، فقال: استرقوا لها، فإن بها النظرة».\nثم ذكر الباحث في تخريجه للحديث أنه اختلف فيه على الزهري على وجهين، هذا أحدهما، والثاني: عن الزهري، عن عروة مرسلا: «أن جارية …»، ووازن الباحث بين الوجهين، ورجح الوجه الموصول.\nوبعد هذا الحديث مباشرة ذكر حديثا آخر، قال: «روى الإمام معمر في «جامعه»، عن الزهري، قال: «رأى النبي - ﷺ - جارية بها نظرة، فقال: استرقوا».\nوذكر في تخريجه أن يونس بن يزيد رواه عن الزهري كرواية معمر، وأن عبدالرحمن بن إسحاق رواه عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ثم رجح الباحث وجه الزهري مرسلا.\nثم بعد هذا بحديث، ذكر ما رواه الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: «أن رسول الله - ﷺ -، رأى في بيت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -، جارية بوجهها سفعة …» الحديث.\nوذكر في تخريجه أن ابن لهيعة رواه عن عقيل، عن الزهري، عن عروة مرسلا، فوازن بين الروايتين، وكأنه مال إلى ترجيح رواية الليث الموصولة، فإنه أحفظ من ابن لهيعة.\nهكذا صنع الباحث في هذا الحديث، جعله ثلاثة أحاديث، وكل واحد من","vol":"2","page":262},{"text":"الثلاثة وصل فيه إلى نتيجة مستقلة، مع أن طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث أم سلمة، هو نفس طريق مرسل عروة الذي ذكره مع حديث عائشة، وكذلك رواية عبدالرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد، قد ذكرها الدارقطني في نقده لحديث أم سلمة، فأمام الباحث دلائل كون الحديث بأوجهه الأربعة، وهي جعله عن أم سلمة أو عائشة، أو من مرسل عروة، أو من مرسل الزهري - حديثا واحدا، ينظر فيه بين الأوجه مجتمعة، لكن الباحث لم يستفد من هذا، فوقع في التناقض.\nولا بد من الإشارة هنا إلى أن جعل رواية عن المدار وجها من وجوه الاختلافات ليس بالمتيسر دائما، فقد يواجه الباحث روايات يتردد فيها هل هي من هذا الحديث، أو هي حديث آخر؟ كما يقع مثل هذا سواء بسواء في أصل الاختلاف هل هو موجود أو لا؟ وهي قضية سبق الحديث عنها في الفصل الأول من هذا الباب.\nفإذا فرغ الباحث من النظر في الاختلاف على المدار، فقد يكون غرضه انتهى هنا، فغرضه الوصول إلى نتيجة في الاختلاف نفسه، كما يفعل الأئمة النقاد، ويكتفون غالبا بالنظر في الاختلاف، يصدر الناقد حكمه عليه، ويسكت عن الإسناد من المدار فمن فوقه، لا يبين حاله.\nوقد يكون غرض الباحث أن ينظر في الإسناد بعد فراغه من الترجيح في الاختلاف عن المدار، فالباحث حينئذ بصدد مرحلة جديدة، ينتقل فيها من نظره في الاختلاف على المدار، إلى نظره في الإسناد ابتداء من المدار، فمن فوقه، ينظر في","vol":"2","page":263},{"text":"الإسناد نفسه، وينظر في طرق الحديث الأخرى، كما فعل سواء بسواء في دراسته قبل المدار، فكأن الباحث بقصده الحكم على الإسناد كله عاد إلى نقطة البداية.\nوقد ذكرت قبل قليل في الحديث عن المدار الذي يعتمده الباحث في التخريج والدراسة، ويعقد عليه الاختلاف، أنه يواجه اختلافات نازلة عن المدار، إما على الرواة عن المدار، أو على من دونهم، وهذه الاختلافات وتناوله لها بالنظر والدراسة لن أتحدث عنها هنا، فمن المفترض أن يكون وهو يعالج الاختلاف الأساس عنده قد عالج هذه الاختلافات النازلة، وفرغ منها، إذ معالجتها والفراغ منها مرحلة مهمة في الوصول إلى نتيجة صحيحة في الاختلاف الأساس عنده، وقد مضى شرح هذا كله في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، في الكلام على القرائن في صفة الرواية، ومنها قرينة (الثبات والاضطراب) عند رواة الأوجه، فقد يستفيد الباحث من الاختلافات النازلة في الترجيح بكون أحد المختلفين على مداره الأساس قد جاء عنه اختلاف، فاضطرب، في مقابل ثبات الآخر.\nوكذلك تقدم الحديث عن الاختلافات النازلة في المبحث الثاني من الفصل الثالث من هذا الباب، في الكلام على تصفية رواة الأوجه عن المدار، فقد يعزل الباحث بعض الرواة لوجه ما، وذلك حين ينظر في اختلاف عليه نازل عن الاختلاف الأساس، فيبين أن روايته لذلك الوجه لا تصح، وأنها غلط عليه من بعض الرواة.\nوشرحت في المكانين ضرورة الاعتناء بالاختلافات النازلة، وبينت أثرها","vol":"2","page":264},{"text":"على النظر في وتأثيرها على نظرة الاختلاف على المدار الأساس، والخلل الذي يقع من إغفال النظر في الاختلافات النازلة، وأشرت هناك إلى العنت الشديد الذي يلاقيه الباحثون، وكذلك المشرفون على رسائلهم في تناول الاختلافات النازلة، وصياغة النظر فيها مع النظر في الاختلاف الأساس.\nوأشير هنا إلى أن قواعد التعامل مع الاختلافات النازلة بعد وصول الباحث إلى نتيجة فيها، والارتقاء بهذه النتيجة إلى الاختلاف الأساس هي نفسها القواعد التي سأتحدث عنها بالنسبة للاختلاف على المدار الأساس عند الباحث، والاختلافات فوقه، فباب الاختلافات واحد، وكون الاختلاف نازلا، أو أساسا، أو عاليا، هو أمر نسبي، أي بالنسبة له وغرضه من البحث، وقد يكون ما هو نازل عند باحث أساسا عند باحث آخر، وما هو أساس عند باحث آخر نازلا عند آخر، وقد رأيت أن الأنسب في المكانين السابقين ترك الحديث عن كيفية تعامله مع الاختلاف النازل بعد وصوله إلى نتيجة فيه، لأنني سأتناول ذلك بالتفصيل هنا في هذا الفصل بالنسبة للاختلاف الأساس، وما فوقه، فلا يتشتت الموضوع، وما ينطبق على الاختلاف الأساس وما فوقه، ينطبق على الاختلاف النازل إن وجد عند الباحث.\nوقد يكون هناك تساؤل حول ضرورة النظر في المدار وما فوقه من طرق حين يقصد الباحث الحكم على الإسناد كله، وما قدمته آنفا من أن طريقة النقاد في الغالب هي التركيز على اختلاف على مدار معين، هو مجال نظرهم، وأنهم لا يحكمون في الأغلب على الإسناد بعد ذلك، ولا يعرجون على اختلافات عالية","vol":"2","page":265},{"text":"فوق المدار الأساس، فلم نطالبه بما تركه الأولون؟ خاصة وأنكم تقولون بضرورة تجزئة مسائل العلم، فليس من المناسب أن يتعرض الباحث لكل شيء في كل مكان.\nوهذا التساؤل هام جدا، والجواب عنه بمثابة الاعتذار عما أطالب به الباحث هنا.\nوخلاصة الجواب أن الاختلاف إن كان ورد عنده في حديث ساقه في معرض الاستدلال به، كما يفعل الباحثون في كتبهم ورسائلهم المتعلقة بالحديث الموضوعي، فيجمع أحاديث موضوع معين، ويدرس هذه الأحاديث من جهة صحتها وضعفها، ثم من جهة الاستنباط منها - فهذا لا مناص له عن التعرض للإسناد بعد المدار، والنظر في الطرق العالية، وذلك لأن غرضه الوصول إلى الحكم النهائي على الحديث كله، ولا يمكنه ذلك إلا بالتعرض لما فوق المدار، وهذا عرف جرى عليه الباحثون في عصرنا، ألزمتهم به الأقسام العلمية في الجامعات، وأما النقاد الأولون فلا ينصون على أحكامهم على كل حديث بعينه، سواء كان في الإسناد اختلاف، أو لم يكن، استغناء بسوق الإسناد نفسه، أو اعتمادا على ما شرطه المؤلف على نفسه، في مقدمة كتابه، ونحو ذلك، وكذلك الاختلافات، قد يتعرض الإمام لاختلاف على مدار في باب من أبواب كتابه، ثم يتعرض لأعلى منه في مكان آخر.\nأما اليوم فالعرف قد اختلف، فالباحثون ألزموا أنفسهم بالنص على حكم كل حديث، سواء كان فيه اختلاف أو لم يكن، فهم مطالبون إذن بالنظر في","vol":"2","page":266},{"text":"الاختلافات كلها إذا وجدت، ما كان أساسا، وما كان فوقه، لأن غرض الباحث إصدار حكم نهائي.\nوقد تقدم في آخر فصول «الاتصال والانقطاع» أنه لا يصح للباحث أن يكتفي في الحكم على الحديث، بالحكم على الإسناد الذي أمامه، وأنه مطالب بالنظر في القضايا الأخرى، فإن وجد اختلافا عالجه ونظر فيه، فيقول الباحث: هذا إسناد رجاله ثقات، وهو متصل، لكن وقع فيه اختلاف على فلان في وصل الحديث وإرساله على وجهين، ثم يتكلم على الاختلاف، فكذلك هنا، يقال له: إذا فرغت من اختلاف قُدِّر أن يكون هو الاختلاف الأساس عندك، وأردت أن تحكم على الإسناد بعد النظر في الاختلاف، يلزمك أن تنظر في الإسناد من المدار فمن فوقه، وكذلك في الطرق الأخرى.\nوقد أشرت هناك إلى أن موضوع البحث، وكونه ليس مختصا بالأحاديث المعللة، لا يعفي الباحث من النظر في الاختلاف، فإن الأمر دين، فهو سيصدر حكما على الحديث، والحكم عليه له خطوات لا يمكن الاستغناء عن بعضها بحجة نوع البحث وموضوعه.\nنعم طبيعة موضوع البحث تفرض منهجا معينا في كيفية عرض التخريج، وكيفية عرض الدراسة، وما يمكن الاستغناء عنه من أوجه الاختلاف، ونحو ذلك، يفارق هذا المنهج ما يطالب به من كان موضوعه خاصا بالنظر في أحاديث وقع فيها اختلاف، وذلك من حيث الاختصار والتطويل، وما يثبته كل منهما من معلومات، أما جوهر المسألة فلا يمكن التنازل عنه، والباحث الذي يفعل","vol":"2","page":267},{"text":"ذلك يجني على نفسه قبل أن يجني على بحثه وعلى قارئه.\nوالتساؤل السابق يبرز بصورة أكثر وضوحا في البحوث التي يخصصها أصحابها لدراسة الاختلافات، فغرض الباحث إذن النظر في اختلاف معين على راو بعينه، فما الذي يجعله يلتزم النظر في اختلاف أعلى، وقد عرفنا أن النقاد لم يلتزموا بذلك كله.\nوالجواب أن الباحثين في مقدروهم أن يسعهم ما وسع الأولين، فينصب جهد الباحث على دراسة اختلاف على مدار محدد، سيقوم -ولا بد- من أجل الوصول إلى نتيجة دقيقة فيه بدراسة الاختلافات النازلة عنه، أما ما فوقه فلا علاقة له به إلا من حيث تأثير المتابعات للمدار ومن فوقه على نتيجة النظر في الاختلاف عن المدار، كما سبق شرحه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، أما ما عدا ذلك فيدعه ويسكت عنه، فيكفيه أن يقول فيما إذا كان الاختلاف -مثلا- على أبي عوانة: والراجح هو الوجه الأول، أو الوجه الثاني، أو الوجهان محفوظان عن أبي عوانة، وتكون نتيجة بحثه معلومة يقدمها لباحث آخر يحتاج إليها.\nغير أن الباحثين ألزموا أنفسهم، أو ألزمهم غيرهم كالأقسام العلمية في الجامعات، بما أثقل كاهلهم، وأدى إلى تضخيم حجم بحوثهم أحيانا، ألا وهو إعطاء القارئ نتيجة نهائية لدرجة الحديث كله، فهذا الالتزام يظنه البعض سهلا، فيكتبه في مقدمة بحثه، ويلزم نفسه بهذا الشرط، فإذا جاء إلى التطبيق العملي ضاق به ذرعا، إذ قد يكون ما أضافه زيادة على النظر في مداره الأساس","vol":"2","page":268},{"text":"يفوق من حيث الحاجة إلى الوقت والجهد والحيز ما يحتاج إليه النظر في مداره الأساس.\nومما يزيد ما تقدم وضوحا أن الباحث يلزم نفسه أو يلزمه غيره بأمر آخر، خارج الاختلاف أصلا، هو ضروري للوصول إلى درجة نهائية للحديث، وهو النظر في المتابعات والشواهد، فيكتب الباحث هذا الشرط، غير مدرك لعواقبه، ولهذا قل من يفي به، إذ معناه أن الباحث إذا فرغ تماما من الاختلافات الواردة في إسناده ذهب يحضر متابعات الإسناد، وقد يكون في بعض هذه المتابعات اختلافات أيضا، وربما كانت فوق ما عنده من حيث الوعورة والدقة، فهو بين خيارين، إما أن يذهب فيتتبعها، ويشرحها، ويعمل نظره فيها، فيطيل جدا في الحديث، ويخرج عن مقصوده، وإما أن يمر عليها سريعا غير محكم لها، وهذه أعظم.\nمثال ذلك أن يكون عند الباحث إسناد مرجعه إلى أبي صالح، عن أبي هريرة، وقد اختلف على أبي صالح، أو على من دونه في وصل الحديث، وإرساله، ثم يحضر الباحث متابعات لهذا الإسناد عن أبي هريرة، كأن يروى عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فيجد الباحث اختلافا على محمد بن عمرو، على وجهين كذلك، أو أكثر، وهكذا في سلسلة لا تنقطع أحيانا.\nوقل مثل ذلك -أو زد عليه- في الشواهد.\nوالخلاصة أن الباحث حين يقصد الحكم على الحديث كله فإنه ملزم بتتبع الطرق فوق مداره، وإن وجد فيها اختلافا لزمه النظر فيه.","vol":"2","page":269},{"text":"وأول ما يضبطه الباحث هنا ويتقنه ما اصطلح الباحثون على تسميته بـ (رفع المدار)، ومعناه أنني إذا كنت بصدد النظر في اختلاف على راو معين، حدده لي إمام أنظر في كلامه، ثم وجدت أن الاختلاف ليس عليه فقط، وإنما هو على شيخه، أو على شيخ شيخه، وهكذا من فوقه، فمما يسهل علي معالجة الاختلافات هذه كلها أن أعمل النظر في فائدة إمكانية ترك الاختلاف على مدار الناقد، وعقد الاختلاف على راو أعلى منه، فيكون الاختلاف على مدار الناقد اختلافا نازلا بالنسبة لي، أعالجه في أثناء معالجة الاختلاف على المدار الأعلى.\nورفع المدار يستفاد منه حين يمكن تطبيقه الاختصار، والبعد عن التشتيت ما أمكن، إذ لو لم يرفع الباحث المدار للزمه بعد أن يفرغ من النظر في الاختلاف على المدار الأول، ويصل إلى نتيجة، أن يستدرك فيقول: ولكن قد وقع اختلاف على فلان، أو فلان (أحد الرواة فوق المدار)، ثم يبدأ بعرض اختلاف جديد، وأوجه جديدة.\nوقيدت رفع المدار في كلامي السابق بشيئين، أن يكون هناك فائدة من رفع المدار، وأعني بذلك أن يقف الباحث على أوجه أخرى عن المدار الأعلى ولكنها لا تمر بالمدار الأدنى، فهي من طريق رواة آخرين.\nمثال ذلك ما إذا كانت الأوجه التي وقف عليها الباحث عن المدار الأعلى هي نفسها التي كانت على المدار الأدنى، فله أيضا أن يرفع المدار، ولكن لا فائدة منه، فالأحسن بقاؤه مع مدار الناقد، ويجعل الاختلاف عن المدار الأعلى بمثابة متابعات للأوجه عن المدار الأدنى.","vol":"2","page":270},{"text":"ويزول الاختيار بالنسبة للباحث إذا كان الناقد هو الذي رفع المدار، فذكر أولا اختلافا على راو معين، كالرفع والوقف، ثم ذكر هذا الاختلاف بعينه أو زاد عليه على راو أعلى منه، فهو ملزم حينئذ بمتابعة الناقد، واعتماد المدار الأعلى، ولا يقول في حال كون الناقد لم يزد شيئا على ما ذكره من الاختلاف على المدار الأدنى: لا فائدة من رفع المدار، فعدم وجود الفائدة لا يلتفت إليه في مقابل متابعة الناقد في تصويره للاختلاف.\nوأما القيد الثاني -وهو أن يمكن رفع المدار- فالمقصود به الاحتراز عن حالات لا يمكن معها رفع المدار، فالباحث الذي اختار موضوع بحثه الأحاديث التي اختلف فيها على راو معين، كالزهري، أو قتادة، أو الأعمش، أو سعيد بن أبي عروبة، المدار عنده في الأحاديث كلها على هذا الراوي، لا يستطيع أن يرفع مداره فوقه، وإن وجد اختلافا على شيخه أو من فوقه.\nوكذلك إذا كان الباحث لم يتقيد براو معين كغالب البحوث، ولكن رفع المدار يؤدي إلى إلغاء بعض الأوجه عن المدار الأدنى، لكونها لا تمر على المدار الأعلى، فبينهما اشتراك في بعض الأوجه، ففي هذه الحالة يبقى الباحث في هذه المرحلة على مداره لا يتجاوزه.\nفإذا قام برفع مدار الاختلاف وهو لا يمكنه ذلك اضطرب في عرضه للاختلاف وفي دراسته.\nفمن ذلك أن إماما سئل عن حديث رواه مروان الفزاري، عن سَعَّاد الكوفي، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: «اختلفنا","vol":"2","page":271},{"text":"في الشجرة التي اجتثت من الأرض، قال بعضنا: هي الكمأ، فخرج علينا رسول الله - ﷺ -» الحديث …، فقال الإمام: «إنما هو: جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -».\nفمدار الاختلاف في السؤال والجواب جعفر بن إياس، يروى الحديث عنه على وجهين، أحدهما الذي في السؤال، والآخر الذي في الجواب، فجاء أحد الباحثين وهو يحقق هذا النص ويخرجه، فترك مدار الإمام، وارتقى إلى شهر بن حوشب، وعقد عليه الاختلاف، فأدى عمله هذا إلى إخراج الوجه الأول، إذ هو لا يمر بشهر بن حوشب.\nوليته حين رفع المدار إلى شهر بن حوشب أتقن عرض الأوجه عنه، بذكر صفة كل وجه جاء عن شهر، ومن رواه عنه، ولكنه عوضا عن ذلك أخطأ أيضا في استخدام مصطلح (الوجه) الذي هو في باب الاختلاف يقصد به صفة في الرواية جاءت عن المدار، فاستخدمه بمعنى الطريق، فذكر الطرق عن شهر بن حوشب، وسماها أوجها، ثم في كل طريق ذكر الاختلافات على راوي ذلك الطريق، عن شهر بن حوشب، والاختلافات على من دونه أيضا، وبعض أجه الاختلافات هذه لا تمر بشهر أصلا، وهذا اضطراب ليس وراءه اضطراب، وصار مراد الإمام نقطة في بحر في خضم هذه الاختلافات، وطريقة عرضها، وقد استغرق عنده بضع عشرة صفحة، في حين أنه كان يمكنه أن يتناول الاختلاف الذي قصده الإمام بالتخريج والدراسة في صفحتين أو أقل من ذلك.\nوالملاحظ أن الباحث لم يبخل على الحديث بجهد ولا وقت، غير أنه أخطأ","vol":"2","page":272},{"text":"في الخطوتين الأوليين، وهما تحديد المدار، وإمكانية رفعه من عدمها، وهما أهم خطوتين في تناول أي اختلاف، إذا لم يتقنهما الباحث تراكمت الأخطاء في عمله، وشق على نفسه، وعلى قارئه.\nوالخلاصة أن رفع المدار إنما يكون حيث لا يؤدي رفعه إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأساس، ولهذا فإنه في حال كون الناقد صاحب النص هو الذي ذكر مدارين، أدنى وأعلى، واعتماد المدار الأعلى يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن المدار الأدنى، فالباحث ملزم بأن يقسم الاختلاف على المدارين، فيذكر الأوجه عن المدار الأدنى، ويخرجها كلها، ثم ينتقل إلى الأعلى كذلك، والقاعدة مطردة في ذلك، فمهما ذكر الناقد من المدارات، واعتماد بعضها يؤدي إلى ترك بعض الأوجه عن غيره، فلا بد من توزيع التخريج على المدارات كلها.\nمثال ذلك قول الترمذي: «حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، قال: «سئل رسول الله - ﷺ - عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: لا توضؤوا منها …» الحديث.\nوروى الحجاج بن أرطاة، عن عبدالله بن عبدالله الرازي هذا الحديث، فقال: عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير، وحديث الأعمش، عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء، أصح.\nوقال حماد بن سلمة، عن حجاج، عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن أسيد بن حضير، فخالف حماد بن سلمة أصحاب الحجاج، وأخطأ فيه.","vol":"2","page":273},{"text":"وروى عبيدة الضبي هذا الحديث عن عبدالله بن عبدالله، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن ذي الغرة، عن النبي - ﷺ -، وذو الغرة لا يدرى من هو؟ وحديث الأعمش أصح» (^١).\nفذكر الترمذي اختلافا على عبدالله بن عبدالله الرازي في تسمية صحابي الحديث، بين الأعمش، وحجاج بن أرطاة، وعبيدة الضبي، وذكر أيضا اختلافا على الحجاج بن أرطاة في تسمية شيخه، فقيل عنه عن عبدالله بن عبدالله، وقيل عنه عن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى.\nفإذا جعلنا المدار عبدالله بن عبدالله لم ينتظم هذا أحد الوجهين عن الحجاج، فأحد الوجهين فيه تسمية شيخه عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، ولو جعلنا المدار الحجاج بن أرطاة لم ينتظم هذا الاختلاف الأكبر على عبدالله بن عبدالله في تسمية الصحابي، والمخرج من هذا كله أن نجعل للاختلاف مدارين، فنقول: هذا الحديث يرويه الحجاج بن أرطاة، وعبدالله بن عبدالله، وقد اختلف على كل منها، أما الحجاج فاختلف عنه على وجهين، ثم يذكران ويخرجان، ثم عبدالله بن عبدالله كذلك، ويكون أحد الأوجه على عبدالله قد تقدم في الاختلاف على الحجاج فيذكر ولا يعاد تخريجه (^٢).\nوتمر بالباحث حالات يكون الاختيار له فيها في رفع المدار، أو اعتماد مدارين، حسب منهجه الذي التزمه في بحثه في مثل هذه الحالات، منها أن يذكر\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ١٥١.\n(^٢) وانظر مثالا آخر في «الضعفاء الكبير» ١: ١١٠.","vol":"2","page":274},{"text":"الناقد اختلافا على مدار، ثم يذكر اختلافا آخر مغايرا له على مدار أعلى منه، ولكن يمكن إدراج أحد الاختلافين في الآخر، ويعقد الاختلاف على المدار الأعلى، كما يمكن فصلهما.\nمثال ذلك قول البزار: «حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد: «أنه صلى، فنهض في الركعتين، فسبح الناس به، فمضى في صلاته ولم يجلس، ثم قال حين انصرف: أتروني كنت أجلس؟ إنما صنعت كما رأيت رسول الله - ﷺ - صنع»، وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن قيس، عن سعد موقوفا، ورواه المغيرة بن شبيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة» (^١).\nفقد ذكر البزار أولا الاختلاف على إسماعيل بن أبي خالد في رفع الحديث ووقفه، ثم ذكر الاختلاف على قيس بن أبي حازم في جعله عن سعد بن أبي وقاص، أو المغيرة بن شعبة.\nفالباحث يمكنه في هذا النص أن يرفع المدار إلى قيس، ويجعل الاختلاف عليه على ثلاثة أوجه، قيس، عن سعد مرفوعا، وقيس، عن سعد موقوفا، وقيس، عن المغيرة بن شعبة مرفوعا.\nويمكنه أيضا -في حال رفعه للمدار- أن يجعل الاختلاف على وجهين: قيس، عن سعد بن أبي وقاص، وقيس، عن المغيرة بن شعبة، وفي الوجه الأول\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (١٢١٧).","vol":"2","page":275},{"text":"منهما يتعرض للاختلاف الواقع فيه على إسماعيل بن أبي خالد رفعا ووقفا، ويعالجه، وذلك في حال احتياجه إلى ذلك للترجيح، أو يؤخر النظر فيه بعد الفراغ من دراسة الاختلاف الأعلى، وذلك في حال كون الحديث عن سعد هو الراجح.\nوللباحث أن يعتمد مدارين، فيعقد أولا اختلافا على إسماعيل بن أبي خالد، في رفع الحديث ووقفه، ثم يعقد اختلافا على قيس في إبدال الصحابي، ويوزع التخريج عليهما، ويعالجهما واحدا بعد الآخر.\nوغير خاف أن الأمور التي تحدثت عنها هنا في هذا الباب -مثل تحديد المدار، واستيفاء الأوجه عنه، ورفع المدار والقضايا المتعلقة به- لا تؤخذ بالدراسة النظرية فقط، فعمدتها التطبيق العملي، والممارسة الطويلة، ويواجه الباحث من القضايا في حديث غير ما واجهه في الحديث الذي قبله.\nوأيضا فدراستها النظرية مستوفاة لا يتسع لها المقام هنا، فهناك أمور أخرى كثيرة، تتعلق بتنظيم وترتيب وتخريج الاختلاف، وكذلك دراسته، أسأل الله تعالى أن ييسر لي كتابة دراسة مستقلة لاحقة، أشرح فيها تنوع النص الذي أمام الباحث، والخيارات التي يمكن للباحث أن يسلكها في تخريج كل نوع، ودراسته، موضحا طرق الباحثين في التخريج والدراسة، وما هو الأنسب منها لكل نوع؟ وكذلك قضايا المدار، ودرجاته، وكيفية التعامل مع كل درجة في التخريج والدراسة، والسبل المتوافرة لاختصار التخريج، ودمج بعض الأوجه ببعضها الآخر، وغير ذلك.","vol":"2","page":276},{"text":"وقد ألجأتني الضرورة للحديث في هذا المبحث عن قضايا المدار، للحاجة إليها في شرح قضية المبحث الأساس، وهي أن الباحث إذا كان قصده وفي منهجه أن يصدر حكما على الحديث كله، ولا يكتفي بنتيجة النظر في الاختلاف الذي استقر على مدار فيه، فإنه يلزمه أن ينظر في الإسناد، ابتداء من المدار نفسه، فمن فوقه، من جهة درجات الرواة، وسماع بعضهم من بعض، ومن جهة النظر في الطرق الأخرى الموازية للمدار، ومن فوقه، إلى صحابي الحديث، هل فيها مخالفة للنتيجة التي انتهى إليها النظر في الاختلاف عن المدار أو لا؟ وإن كان هناك مخالفة أنشأ الباحث نظرا في اختلاف جديد، وهكذا أبدا حتى يصل إلى الصحابي، ولا يستثنى من ذلك شيء، اللهم إلا في حال كون الاختلاف الذي فرغ منه كان مداره الصحابي نفسه، كأن يختلف عليه في الرفع والوقف، أو يكون الاختلاف في متن الحديث، ففي هذه الحالة لم يبق إسناد ينظر فيه، ولا طرق أخرى للحديث.\nوتحت الجملة السابقة تفاصيل، وقضايا فرعية مهمة، وقد رأيت أن أقسم الحديث عنها بحسب النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف على مداره الأساس، وهي في -الجملة- لا تخلو من ثلاثة أحوال، سأتناول كل حال منها في مبحث خاص.\n * * *","vol":"2","page":277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-424>المبحث الثاني\nالوجه الراجح والوجه المرجوح</span>\nيمكن القول إن هذا هو الغالب في الاختلافات، يترجح وجه واحد، ويسقط ما عداه من الأوجه، وملاحظة هذا في كتب النقد أمر سهل، فالأقل فيها يذهب الناقد إلى صحة وجهين أو أكثر عن المدار، أو يضعفها جميعا عن المدار.\nفإذا وقع هذا للباحث، وترجح عنده أحد الأوجه فعليه أن يحسن التعامل مع الوجه المرجوح، ومع الوجه الراجح.\nأما الوجه المرجوح فالحديث عنه يتضمن عددا من الأمور، تعين على حسن التعامل مع هذا الوجه، وهي:\n١ - إذا اعتمد الباحث كون هذا الوجه مرجوحا ضم هذه النتيجة إلى النقد الذي حرره في إسناد هذا الوجه إلى المدار، من حيث عدالة رواته وضبطهم وسماع بعضهم من بعض، وهي الشروط الثلاثة من شروط صحة الحديث، فإذا كان هناك خلل في هذه الشروط أو في بعضها ضم إليه كون الوجه لم يصح عن المدار أصلا، فقد خولف راويه، وترجح قول مخالفه، فلم يتحقق شرط عدم العلة، وصار معلولا، وازداد بذلك ضعفا، اللهم إلا إذا كان الأصل منكرا، ثم رفعت العلة شيئا من نكارته، فمن هذه الجهة اكتسب قوة مع بقاء ضعفه، على ما تقدم شرحه في الفصل الأول من الباب الثاني.\nوأمثلة<span data-type='title' id=toc-426> نقد الوجه المرجوح بالرواة قبل المدار</span>، وبالمخالفة، كثيرة جدا، تقدم","vol":"2","page":278},{"text":"شيء منها في الفصول السابقة، فقد يكون الترجيح مبنيا على حال رواة الوجه الراجح ورواة الوجه المرجوح.\nومن ذلك ما تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي يرويه محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعا: «إن للصلاة أولا وآخرا …» الحديث، فمحمد بن فضيل ثقة معروف، ولكن في روايته عن الأعمش كلام يسير، وبعد النظر في الطرق الأخرى تبين أنه قد غلط على الأعمش، وأن الأعمش لا يرويه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وإنما يرويه عن مجاهد مرسلا، قال: «كان يقال: إن للصلاة أولا وآخرا …» الحديث، هكذا رواه الجماعة من أصحاب الأعمش.\nفنقول عن إسناد حديث أبي هريرة: فيه محمد بن فضيل، وفي روايته عن الأعمش كلام يسير لبعض النقاد، وقد خالفه الجماعة من أصحاب الأعمش، فحديثه معلول.\nومثاله أيضا ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه بقية، عن سعيد بن أبي سعيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «أن النبي - ﷺ - كان يحتجم وهو صائم».\nفقالا: هو سعيد بن عبدالجبار، عن أبي جزي، عن هشام، والحديث حديث هشام، عن أبيه: «أنه كان يحتجم وهو صائم»، وأبو جزي ضعيف الحديث» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٥٢، وحديث هشام، عن أبيه من فعله أخرجه ابن أبي شيبة ٣: ٥٣، عن عبيدالله بن موسى، وأبي أسامة، عن هشام بن عروة.","vol":"2","page":279},{"text":"فنلاحظ أن أبا حاتم، وأبا زرعة، نقدا إسناد حديث عائشة بتدليس بقية بن الوليد، فقد ارتكب هنا تدليس التسوية، فأسقط شيخ شيخه أبا جزي نصر بن طريف، ودلس أيضا تدليس الشيوخ، فسعيد بن أبي سعيد هو سعيد بن عبدالجبار، وهو مشهور بالضعف، وذكرا أن نصر بن طريف ضعيف الحديث، ومرادهما الضعف المطلق، وإلا فهو دون ذلك، فقد رمي بوضع الحديث، وقد قال فيه أبو حاتم مرة: «متروك الحديث» (^١).\nفهذا النقد في الإسناد نفسه إلى هشام بن عروة، ونقداه أيضا بأن الصواب عن هشام، عن أبيه من فعله، ليس فيه عائشة، ولا النبي - ﷺ -، فهذا نقد بالمخالفة (^٢).\nوإن لم يكن هناك خلل في الشروط الثلاثة الأولى، فالرواة إلى المدار عدول ضابطون، والإسناد متصل، ثم تبين بعد جمع الطرق أن أحد رواة الإسناد قد خولف في الرواية عن شيخه، وبعد النظر في الاختلاف ترجح ما رواه الغير، وصار ما رواه مرجوحا، فيكون حينئذ قد اختل شرط عدم العلة، وضعف الإسناد من هذه الجهة، وصار معلولا، فيقول الباحث في نقده: إسناد الحديث إلى فلان رواته ثقات، وهو متصل، ولكن خولف فلان، ثم يذكر المخالفة، وأن الإسناد معلول.\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ٨: ٤٦٨.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في «العلل الكبير» ١: ١٤٨، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٤٠، ٢٧٩، ٣٠٨، و«علل ابن أبي حاتم» (٧)، (٩٨)، (٧٠٧)، (٩٠٦)، (١٣٠٩).","vol":"2","page":280},{"text":"ومثاله الحديث الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه: «أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، كانوا يمشون أمام الجنازة».\nفسفيان بن عيينة من كبار أصحاب الزهري، والرواة عن سفيان ثقات، ولكن بعد جمع الطرق تبين أن سفيان خولف في هذا الحديث، خالفه الجماعة، فرووه عن الزهري مرسلا، فصار حديث ابن عمر معلولا، وعلته أن الصواب فيه الإرسال.\nوهكذا لو كان الوجه الراجح والوجه المرجوح تامين، كأن يكون الاختلاف في تسمية الصحابي، فالوجه الراجح يكون علة مؤثرة للوجه المرجوح، ويصير الوجه المرجوح معلولا، فلا يصح الحديث إلا عن أحد الصحابيين.\nأما إذا كان الوجه الراجح هو التام، والوجه المرجوح هو الناقص، كأن يترجح الرفع على الوقف، أو الوصل على الإرسال، فيبقى الوجه التام على تمامه، ولا يؤثر فيه وجود الناقص، ويقال في مثل هذا الإسناد: له علة، لكنها غير مؤثرة.\nومثاله الحديث الماضي أيضا في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب، وهو ما رواه الجماعة، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس: «أن النبي - ﷺ - شرب لبنا، ثم تمضمض، وقال: إن له دسما»، فقد رواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدالله بن أبي بكر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا، ليس فيه ابن عباس، وبلفظ الأمر بدون قصة (^١).\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٥٧.","vol":"2","page":281},{"text":"فرواية عبدالله بن أبي بكر هذه لم تؤثر شيئا في رواية الجماعة، ويكون عبدالله أو من دونه قد قصر بهذا الحديث بعدم ذكر ابن عباس.\nوكل ما تقدم يتم تطبيقه سواء بسواء لو كان الراجح وجها واحدا في مقابل عدد من الأوجه كلها مرجوحة، فإنه يقضي عليها على النسق السابق، في صور لا تنتهي أبدا، لولا خشية الإطالة لضربت لبعضها أمثلة.\n٢ -<span data-type='title' id=toc-427> معنى كون الوجه مرجوحا عن المدار أنه لم يصح عنه، فلم يحدث به هكذا</span>، ومقتضى هذا أن الباحث في نقد الوجه المرجوح يكتفي بنقده إلى المدار، ولا ينقده بالمدار -لو كان محل نقد- ولا بمن فوق المدار، إذ كيف ينقده بهم، أو بسماع بعضهم من بعض، والإسناد لم يصح إليهم؟ .\nهذا أصل المسألة بلا تردد، غير أن الكلام في حال الإسناد بعد المدار للوجه المرجوح قد احتاج إليه الباحث أثناء نظره في الاختلاف قبل المدار، وهذه مسألة دقيقة جدا، فقد يكون الناظر في الاختلاف قد استفاد من حال الإسناد بعد المدار أثناء دراسته للاختلاف، واستخدمه في الترجيح، فيكون فيه ما يدل على غلط راوي هذا الوجه، وقد تقدم شرح هذا مفصلا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوأما ما عدا ذلك فلا كلام للناظر في الاختلاف فيه، لأنه -كما تقدم- لم يصح عن المدار، فكأنه لا وجود له، غير أن الباحث قد يحتاج أن ينبه على تقارب وجهين في حال الإسناد بعد المدار، الراجح والمرجوح، كما إذا اختلف على راو على وجهين، إرسال الحديث، ووصله، ويكون الموصول منقطعا أيضا.","vol":"2","page":282},{"text":"مثال ذلك ما روي من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال، قال: «كان عندي تمر للنبي - ﷺ -، فأصبت به أجود منه صاعا بصاعين …» الحديث (^١).\nوروي هذا الحديث عن مسروق: «أن بلالا …» بالقصة.\nوالراجح هو المرسل (^٢)، غير أن الموصول منقطع أيضا في موضعين، فأبو إسحاق لم يسمع من مسروق، كما قال البرديجي، ومسروق لم يسمع من بلال، كما هو ظاهر من ترجمته، فالباحث ينبه على هذا.\nويوجد في كتب التخريج، وكتب الفقه، الكلام في إسناد الوجه المرجوح بعد المدار لبيان ضعفه، غير أن هذا لا يدخل في النظر في الاختلاف، وإنما هو من باب التنزل في نقد الدليل، فكأنه يقول: على فرض صحة هذا الوجه المرجوح عن المدار ففيه أن فلانا لم يسمع من فلان، ونحو ذلك، كما يفعلون هذا في متن الحديث الضعيف، كأن يقول بعضهم: وعلى فرض صحة الحديث فهو محمول على كذا وكذا.\nوالذي ينبغي التأكيد عليه في قضية حال الإسناد المرجوح بعد المدار هو أن يكون الباحث شديد التيقظ، فيميز ما في الإسناد من أمور يمكن الاستفادة منها في الترجيح فهذه يسخرها للنظر في الاختلاف، وما لا يدخل في النظر في الاختلاف، فيدعه.\n_________\n(^١) «سنن الدارمي» حديث (٢٥٧٩).\n(^٢) «العلل الكبير» ٢: ٤٩٣.","vol":"2","page":283},{"text":"وغلط الباحثين في هذه القضية من المسائل الدقيقة في نقد الأسانيد، فالباحث يخطئ إذا جعل ما في الإسناد من نقص بعد المدار دليلا على رجحان الوجه المقابل، وليس في هذا النقص دليل على غلط راوي هذا الوجه، أو فسر بهذا كلام إمام من أئمة النقد، كأن يقول بعد نقله عن الإمام ترجيحه للوجه المقابل: وإنما فعل هذا لكون هذا الوجه منقطعا، أو فيه فلان وهو ضعيف، ونحو ذلك، مما لا يدخل في قرائن الترجيح، وهو أيضا يرتكب جناية على المدار المختلف عليه، أو على من فوقه، فينسب إليه تدليسا، أو إرسالا، أو رواية عن الضعفاء، وهو لم يفعل ذلك، إذ هذا الوجه لم يصح إليه أصلا، كما يرتكب جناية في حق الناقد حين فسر كلامه بما لا يحتمله ولا يريده الناقد، وقد تقدم زيادة تفصيل لهذا في نهاية المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوبكل حال فنقد الوجه المرجوح بالمدار ومن فوقه ينبغي للباحث أن يتأنى فيه، فلا يعرج عليه مع ظهور الضعف للوجه عن المدار، وتضمن النقد لأمر فيه غمز لأحد رواة الإسناد، كرميه بالتدليس، أو الاختلاط، وتحميله بذلك عهدة ضعف الإسناد.\nوفي نقد الوجه المرجوح بهذه الطريقة تظهر إحدى العواقب الوخيمة لترك منهج النقاد في المقارنة والموازنة حين الاختلاف، فمن لا يسير على منهجهم يتعلق براو والإسناد لم يصح إليه أصلا، من جهة كونه معلولا بالمخالفة، فيجمع بين الضعف في النقد، وبين تحميل الرواة أخطاء غيرهم.\nمثال ذلك أن أحد النقاد ذكر الاختلاف على قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن","vol":"2","page":284},{"text":"سمرة بن جندب مرفوعا في من ترك الجمعة متعمدا، أو عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، مرسلا، ليس فيه سمرة بن جندب، ثم قال في نقده: «فيه علتان، تدليس قتادة، والانقطاع بين الحسن، وسمرة، فإنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة».\nكذا صنع الباحث، أغفل غرض الناقد الذي يعلق على كلامه، وذهب يضعف الإسناد بالمدار ومن فوقه، ولم يقم بإتمام عمل الناقد، والنظر في صحة هذا الوجه الذي ذكره عن المدار، ولو نظر فيه لتبين له أنه ليس بحاجة إلى نقده بتدليس قتادة، ولا بسماع الحسن من سمرة، فإن هذا الوجه لا يصح عن قتادة أصلا، كما سبق بيان ذلك من كلام النقاد، حيث تقدم هذا الحديث في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.\nوالباحث نظر على عجل في الإسناد قبل قتادة، فوجد أنه من رواية نوح بن قيس الحداني، عن أخيه خالد بن قيس، عن قتادة، ونوح وأخوه صدوقان، فحالهما عند الباحث لا يقتضي تضعيف الإسناد بهما، فاتجه إلى نقده بقتادة ومن فوقه، وهذا -كما أشرت إليه- من آثار منهج تمزيق الطرق، والنظر إلى كل إسناد بمفرده.\nوليست هذه القضية خاصة بنقد الوجه المرجوح، بل تشمل نقد كل إسناد، وإن لم يكن فيه اختلاف، فالإسناد إذا سقط في حلقة من حلقاته لا يصح أن ننقده بمن فوقها، بأمر خفي، ككون أحد رواته ثقة، لكن تكلم فيه يسيرا من قبل حفظه، أو قد رمي بشيء من التدليس، أو لم يسمع ممن فوقه، إذ الإسناد لم يصح إليه أصلا، وهي قضية فاتني أن أنبه عليها في «الجرح والتعديل» عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، وكذلك في","vol":"2","page":285},{"text":"«الاتصال والانقطاع» في آخر مبحث منه، عند الكلام على الوصف الذي يطلقه الناظر في الإسناد بعد فراغه من دراسة الرواة، واتصال الإسناد وانقطاعه.\nومما يؤسف له أن هذا الصنيع حاضر بقوة في عمل الباحثين، ونقدهم للأسانيد، ترى الواحد منهم يعمد إلى أئمة الرواية وأساطينها، فينقد الإسناد بهم، إما بتدليسهم، أو اختلاطهم، أو إرسالهم عمن فوقهم، ونحو ذلك، والإسناد لم يصح إليهم أصلا.\n٣ - إذا رجعنا إلى المبحثين الثالث والرابع، من الفصل الثالث من هذا الباب، المتعلقين بتعاضد القرائن على نتيجة النظر التي يصل إليها الناظر في الاختلاف، وتعارض القرائن في ذلك - أدركنا بسهولة أن<span data-type='title' id=toc-431> الوجه المرجوح ليس على درجة واحدة</span>، فكلما تعاضدت القرائن على أن هذا الوجه مرجوح كان ضعفه أشد، والعكس كذلك، إذا كانت القرائن ضعيفة، أو متعارضة، خف ضعف الوجه المرجوح، ويترتب على هذا أن الأوجه المرجوحة في حال وجود عدة أوجه مرجوحة ليست على درجة واحدة في الضعف.\nوغير خاف أن قرائن الترجيح كثيرة جدا على ما سبق شرحه في الفصل الثاني من هذا الباب، فبعضها متعلق بالراوي المختلف عليه، وبعضها بالمختلفين، وبعضها بصفة الأوجه، إلى غير ذلك، فضعف الوجه المرجوح يتعلق بها جميعا، فينفصل الباحث عن النظر إلى الإسناد المفرد للوجه المرجوح، ويكون الاعتبار للنظر المجمل في الاختلاف، وبناء على ذلك يتم إطلاق الوصف المناسب على الوجه المرجوح، فلا يستغرب الباحث إذا وقف على كلام لناقد","vol":"2","page":286},{"text":"يصف فيه رواية ثقة، أو صدوق، بأنها باطلة، أو لا أصل لها، أو يقول الناقد: هذا الحديث بهذا الإسناد شبيه بالموضوع، أو يحذر من التحديث به، إلى غير ذلك.\nوقد أشرت في مناسبات سابقة -وربما يأتي هذا في مناسبات لاحقة- إلى أنه من الضروري جدا الفصل بين الراوي ودرجته، وبين حديثه المعين، فإن الحكم على هذا الحديث بهذا الإسناد الذي فيه الراوي لا يخضع فقط لدرجة الراوي المطلقة، وإنما يخضع بصفة أساس لدرجته في هذا الحديث بعينه، فقد يكون ثقة أو صدوقا في مجمل حاله، لكنه في هذا الحديث لجزم الناقد بناء على القرائن التي أمامه بأنه غلط ولا بد هو في درجة الضعيف، أو المتروك.\nمثال ذلك أن عبيس بن مرحوم، روى عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: «أمني جبريل عند البيت مرتين …» الحديث.\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الحديث بهذا الإسناد، فقال أبو زرعة: «وهم عبيس في هذا الحديث» وقال أبو حاتم: «أخشى أن يكون وهم فيه عبيس»، واتفقا جميعا على أن الصحيح ما رواه عدة من الحفاظ عن حاتم، عن عبدالرحمن بن الحارث بن أبي ربيعة، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - (^١).\n_________\n(^١) وقد رواه جماعة آخرون عن عبدالرحمن بن الحارث، وانظر: «سنن أبي داود» حديث (٣٩٣)، و«سنن الترمذي» حديث (١٤٩)، و«مسند أحمد» ١: ٣٣٣، ٣٥٤.","vol":"2","page":287},{"text":"قال ابن أبي حاتم: «وسمعت أبي يقول مرة أخرى: أخشى أن يكون هذا الحديث بهذا الإسناد موضوعا» (^١).\nوعبيس هذا من شيوخ أبي حاتم، وقال فيه: «كان ثقة وفي حديثه شيء» (^٢).\nوفي مقابل هذا إذا كان الترجيح ليس قويا، والقرائن بعد جمع الباحث لها قريبة من التكافؤ مثلا، فبقي احتمال أن يكون المرجوح عن المدار محفوظا عنه، فالوجه المرجوح حينئذ يكتسب قوة من هذه الجهة، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الكلام على الوجه الراجح.\n٣ - والوجه المرجوح -سواء كان واحدا أو أكثر- بعد تحرير درجته وأنه ضعيف لاختلال شرط عدم العلة، إما لوحده، أو مع اختلال غيره من الشروط، يتم إلغاؤه، ولا يلتفت إليه لاحقا، فلا يعضد غيره، ولا يعتضد بغيره، إذ تبين أنه لا وجود له أصلا، وهذا هو مقتضى الترجيح.\nفلو جئنا إلى حديث أبي هريرة المتقدم، وهو من رواية محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكان الباحث قد قام بدراسة الرواة، واتصال الإسناد، ثم بعد ذلك درس الاختلاف على الأعمش، وترجح لديه أن هذا الإسناد غلط، فلا يعود مرة أخرى، ويقول: ولكن حديث أبي هريرة هذا يشهد له كذا وكذا، أو له طريق آخر إلى أبي هريرة، فيرتقي به الحديث، أو يقول عند دراسته لحديث سابق أو لاحق: ويشهد لهذا الحديث حديث أبي هريرة.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢٨.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ٧: ٣٤.","vol":"2","page":288},{"text":"فكل هذا لا يصح أبدا، والباحث إذا فعل هذا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فقد قضى على جهده السابق في جمع الطرق، والنظر في الاختلاف، ووقع في التناقض، ففي حديث أبي هريرة هذا كأنه يقول: محمد بن فضيل قد غلط على الأعمش، فهذه نتيجة النظر في الاختلاف، تم عاد فقال: ولكن محمد بن فضيل لم يغلط، وهذا مقتضى اعتماد إسناده ليعتضد بغيره، أو ليعضد غيره.\nورب قائل يقول: نرى هذا كثيرا في كلام المتأخرين على الأحاديث، فالإسناد المعلول يعتمدونه، ويبحثون له عن متابعات وشواهد، ويعضدونه بها، وأيضا يعضدون به غيره، فما توجيه ذلك؟\nوتوجيهه أن كثيرا من المتأخرين لا يلتفتون إلى علل الأحاديث، فلم ينظروا في الاختلاف أصلا، والإسناد إذا كان ظاهره الاستقامة صححوه، أو حسنوه، بغض النظر عن الطرق الأخرى المعلة له، وقد مضى شرح مذهبهم ومقارنتهم بمنهج أئمة النقد في الفصل الأول من هذا الباب.\nوليس الكلام هنا معهم، وإنما هو مع من يتصدى للنظر في الاختلاف، ويصل إلى راجح عنده ومرجوح، ثم بعد ذلك يعود على عمله بالنقض، ويعتمد المرجوح في الاعتضاد.\nفمن ذلك أن ابن حجر تكلم على الحديث المتقدم آنفا، وهو حديث الزبيدي، عن الزهري، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: «أن النبي - ﷺ - رأى في بيتها جارية …» الحديث، وعالج الاختلاف الواقع فيه على الزهري، ودافع عن إخراج الشيخين للحديث موصولا، ثم قال: «وقد جاء حديث عروة","vol":"2","page":289},{"text":"هذا من غير رواية الزهري، أخرجه البزار من رواية أبي معاوية، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عروة، عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة، وقال الدارقطني: رواه مالك، وابن عيينة -وسمى جماعة- كلهم عن يحيى بن سعيد، فلم يجاوزوا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه، ولا يصح، وإنما قال ذلك (يعني الدارقطني) بالنسبة لهذه الطريق، لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا، والله أعلم» (^١).\nوظاهر ما نقله ابن حجر عن الدارقطني موافقته للدارقطني على أن ذكر أم سلمة في رواية أبي معاوية خطأ من أبي معاوية، وأنه لا يصح، لانفراد أبي معاوية بذكرها، ومخالفته للحفاظ الكبار من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم مالك بن أنس، خاصة أن أبا معاوية ليس بالقوي في غير حديث الأعمش، وينبني عليه أن ذكر أم سلمة كأنه لم يكن، إذ لا وجود له أصلا.\nوعلى هذا فقول ابن حجر في نهاية كلامه: «وإذ انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا»، نقض للنتيجة السابقة، فقد عاد إلى اعتماد رواية أبي معاوية المرجوحة، وعضد بها رواية الزبيدي، عن الزهري.\nوتابع ابن حجر أحد الباحثين، فنقل كلامه في اعتضاد رواية الزبيدي برواية أبي معاوية موافقا له، لكن الباحث عاد في الحديث التالي عنده فذكر حديث سليمان بن يسار، عن عروة، والاختلاف فيه على يحيى بن سعيد الأنصاري،\n_________\n(^١) «فتح الباري» ١٠: ٢٠٣، و«التتبع» ص ٣٦٢.","vol":"2","page":290},{"text":"وذكر أن عبدالله بن نمير قد تابع أبا معاوية فيه بذكر أم سلمة، لكنه انتهى إلى ترجيح المرسل، وأطال في ذلك، قال: «وبالنظر في اختلاف الرواة يتبين -والله تعالى أعلى وأعلم- قوة ما رواه مالك وغيره عن يحيى بن سعيد، وهي رواية الإرسال، وذلك لما يأتي: رواية الجم لها، ولا شك أن من رواه مرسلا أكثر عددا ممن رواه موصولا …».\nوتعرض أحد الباحثين للحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو ما رواه محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة …» الحديث، فنقد الباحث من صحح الإسناد، إذ هو منقطع من عمرو بن دينار، وجابر بن عبدالله، ودليل ذلك رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت من غير واحد، عن جابر بن عبدالله أنه قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة …» الحديث موقوفا عليه، ونقل عن ابن خزيمة قوله: «هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي، وابن جريج أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم».\nثم قال الباحث: «قلنا: لكن يشهد لرواية محمد بن مسلم الطائفي رواية أبي الزبير، عن جابر …».\nكذا صنع الباحث، تناقض من حيث لا يدري، فإن رواية ابن جريج التي اعتمد عليها في الحكم بالانقطاع، ونقل عن ابن خزيمة ترجيحها على رواية محمد بن مسلم موقوفة على جابر، فهي علة لرواية محمد بن مسلم من هذه الجهة، وقد رواه كذلك أبو جعفر الرازي، عن عمرو بن دينار، عن جابر موقوفا، ولم يذكر","vol":"2","page":291},{"text":"الباحث روايته، وعلى هذا فرواية محمد بن مسلم يصرف النظر عنها تماما، فلا يستشهد بها، ولا يشهد لها غيرها.\nثم إن الباحث وقع في أمر تقدم التنبيه عليه في المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو أن أي رواية فوق المدار يعضد بها أحد الأوجه لا بد من دراستها وكأنها الرواية الأساس مع الباحث، فرواية أبي الزبير، عن جابر، قد اختلف فيها على أبي الزبير رفعا ووقفا، وقد أشار الباحث إلى ذلك في تخريجها، لكنه لم يتعرض للاختلاف بالدراسة، ولم يصل إلى نتيجة فيه، ولا بد من ذلك، فهو اختلاف قوي، وقد رجح جماعة من النقاد -ومنهم البخاري- وقفه أيضا على جابر من هذا الطريق، وسيأتي قريبا في الكلام على الوجه الراجح شرح ذلك.\nوتعرض أحد الباحثين للاختلاف الواقع على الزهري في حديث أبي هريرة: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح»، وقد اختلف فيه على الزهري في إسناده، وفي وقفه ورفعه، كما سيأتي شرح ذلك في المبحث الثالث.\nوانتهى الباحث إلى ترجيح وجهين موقوفين على أبي هريرة، وتضعيف المرفوع، وأحد الموقوفين رجاله ثقات، ثم قال: «وقد جاء مرفوعا من غير طريق الزهري»، ثم ذكر أن أبا داود، والحاكم، أخرجاه من طريق ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا، وأن الحاكم صححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (^١)، ثم قال الباحث: «وعليه يمكن القول بأن الحديث الذي معنا صحيح لغيره».\n_________\n(^١) «المستدرك» ٤: ٥١١، وأما أبو داود فلم يخرجه.","vol":"2","page":292},{"text":"وبغض النظر عن تسامح الباحث في نقد إسناد حديث ابن عمر، إذ هو لا يصح، فقوله عن الحديث الذي معه إنه صحيح لغيره هو موضع الإشكال هنا، إن كان يعني بالحديث الوجه المرفوع، فهذا الوجه قد انتهى بترجيح الوجهين الموقوفين عليه، فلا يصح أن يعضد بغيره بعد ذلك، وإن كان يعني بالحديث الموقوف ففيه إشكال أيضا من جهة أخرى.\nورب قائل يقول: الذي نعرفه أن ما لا يقبل الاعتضاد هو الإسناد إذا كان ضعفه شديدا، وهو أن يكون أحد رواته متروك الحديث، أو دون ذلك، فعلى كلامك هنا يستوي ما هذه صفته، وما رواه ثقة خالفه غيره، وترجح قول المخالف، فما توجيه هذا؟\nوتوجيهه أن يقال إن قصر الضعف الذي لا يصلح للاعتضاد على رواية المتروك هو أساس المشكلة، وهو أحد مداخل الضعف الواسعة التي أدت إلى كثرة تصحيح وتحسين الأحاديث الضعيفة، فالراوي إذا تفرد بحديث ولو لم يخالف، واستنكر النقاد حديثه هذا لم يعد صالحا للاعتضاد، بالنسبة لنا، لأنه منكر، ولو ذهبنا نعضده فمقتضاه أننا رفعنا عنه النكارة، والحال أنها باقية، يستوي في ذلك الراوي الثقة، ومن دونه، فإذا خالف غيره وترجح رواية الغير فكذلك لا يصح لنا أن نعود فنعضده، لأن الحال أن روايته مرجوحة، وأنها خطأ، فإذا عدنا وقويناها نقضنا الحكم الأول، وحكمنا بصوابه مرة أخرى.\nوههنا أمر آخر، وهو أن الراوي المتروك قد يكون دليل الحكم عليه بأنه متروك الحديث هو كثرة مخالفته للثقات، وقد تقدم في «الجرح والتعديل» أن من","vol":"2","page":293},{"text":"أهم وسائل الحكم على الراوي مقارنة رواياته بروايات غيره، والنظر في مخالفته وموافقته لهم، فالراوي المتروك يفرق بينه وبين الثقة الذي حكم بغلطه في حديث ما أن الثقة وقع منه هذا على سبيل الندرة، ولو وقفوا على عدد من الأحاديث خالف فيها غيره لنزلت درجته، ولا تزال تنزل بحسب ما يوقف على أحاديث له يغلط فيها، ومثله الصدوق، فالذي جعله صدوقا هو أنه وقف على أحاديث يغلط فيها أكثر عددا من تلك التي وقف عليها عند الراوي الذي وثقوه، ودون التي وقف عليها عند الراوي الذي ضعفوه، أو حكموا عليه بالترك، فأعيان الأحاديث إذا ترجح غلط الراوي فيها هم فيها متساوون، واختلف الحكم على الراوي نفسه من جهة القلة والكثرة، أو نوع الغلط.\nوقضية الارتباط بين اختلاف الرواة في الأحاديث، وبين الجرح والتعديل، قضية هامة جدا، نبهت عليها في مناسبات سابقة، وسأعود إليها لاحقا حين تأتي مناسبتها، فبينهما ارتباط وثيق، إن لم يحكمه الباحث وقع في التناقض.\nومما يؤكد ويوضح ما تقدم -وهو قضاء الوجه الراجح على الوجه المرجوح فلا يصلح للاعتضاد- أن الوجه المرجوح إذا كان هو الناقص، وكان الوجه المرجوح جزءا من الوجه الراجح، كأن يكون مرسلا، أو فيه سقوط راو أو أكثر، والراجح هو التام، فإن أئمة النقد ربما أطلقوا الصحة على الوجه المرجوح، مع كونه مرجوحا قد قصر به راويه، ومرادهم أن النقص سدده الوجه الراجح، فلم يعد له وجود، فعاد الوجهان وجها واحدا.","vol":"2","page":294},{"text":"وقد تكرر هذا من أبي حاتم الرازي (^١).\nثم إن الوجه المرجوح إذا عرفنا أنه لا يصح أن يعضد إسنادا آخر، أو يعضده إسناد آخر، فمن باب أولى أن لا يعضد الوجه الراجح، أو يعضده الوجه الراجح، إذ هو علته، فكيف يتعاضدان؟ وإنما يفعل هذا من لا يلتفت لعلل الأحاديث، واختلاف الرواة، من الموغلين في الظاهرية، فنراهم حين يعل الناقد مرفوعا بموقوف، أو موصولا بمرسل، أو يحكمون على راو بأنه أخطأ في إبدال راو بآخر - يجيبون عن ذلك بأن هذه طرق للحديث يقوي بعضها بعضا، كما يفعله ابن حزم في تقريراته.\nفمن ذلك قوله: «وقد علل قوم أحاديث بأن رواها ناقلها عن رجل مرة، وعن رجل مرة أخرى، وهذا قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته، ودليل على جهل من جرح الحديث بذلك …، وكل ما تعللوا به من مثل هذ وشبهه في حديث دعاوى بلا برهان، فهي ساقطة» (^٢).\nويكثر من تقرير هذا ابن القطان في كتابه «بيان الوهم والإبهام».\nفمن ذلك قوله في كلامه على اختلاف الطرق رفعا ووقفا، أو إرسالا ووصلا، إذا وقع ذلك من الثقات: «ما ذاك إلا قوة للخبر، ودليل على شهرته،\n_________\n(^١) انظر: «علل ابن أبي حاتم» (٣٠٨)، (٣١٢)، (٥٧٥)، (٦٧٤)، (٦٨٧)، (٦٨٨)، (٩٨٠)، (١٦٧٤)، (٢١٣٨)، (٢٢٦٧)، (٢٣٠٢)، (٢٣١٥)، (٢٥٤٧).\n(^٢) الإحكام في أصول الأحكام» ١: ١٣٨، وانظر أيضا ١: ٢٦٥.","vol":"2","page":295},{"text":"وتحدث الناس به، فجعل ذلك من علل الأخبار شيء لا معنى له» (^١).\nوقال أيضا: «لا يكاد يوجد حديث لم يختلف في إسناده، وانتشار الطرق أدل على صحته منها على ضعفه، إذا كان في بعض طرقه طريق سالم من الضعف» (^٢).\nوقال أحمد شاكر في كلامه على حديث أعله أئمة النقد بالإرسال: «الذي أختاره أن الرواية المرسلة أو الموقوفة تؤيد الرواية المتصلة المرفوعة، ولا تكون تعليلا لها» (^٣).\nوابن القطان -مع بعد قوله عن المنهج الصحيح كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب- قد اشترط أن يوجد طريق سالم من الضعف، وكثير من المتأخرين لا يلتفت لهذا، يشد الطريق المعلول بالطريق الآخر الذي هو علة لهذا الطريق، وإن كان كل منهما ضعيفا في نفسه.\nوأين هؤلاء من كلمة أحمد التي تقدمت في التمهيد، فقد نعى فيها على بعض طلبة الحديث، أنهم يكتبون الإسناد التام، ويدعون الإسناد الناقص، لحديث واحد، وقد يكون الإسناد الناقص هو الأقوى، فيضعف التام، ويكون علة له.\nوأعيد كلمة أحمد هنا لأهميتها، قال الخطيب وهو يعدد أسباب كتابة أهل الحديث للمراسيل وروايتهم لها: «… ومنهم من يكتبها على معنى المعرفة لعلل\n_________\n(^١) «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٣٨.\n(^٢) «بيان الوهم والإيهام» ٥: ٤٦٠.\n(^٣) حاشية أحمد شاكر على «سنن الترمذي» ١: ٢٨٥.","vol":"2","page":296},{"text":"المسندات بها، لأن في الرواة من يسند حديثا يرسله غيره، ويكون الذي أرسله أحفظ وأضبط، فيجعل الحكم له.\nوقد قال أحمد بن حنبل بمثل هذا فيما حدثت عن عبدالعزيز بن جعفر، قال: حدثنا أبو بكر الخلال، قال: أخبرني الميموني، قال: تعجب إلي أبو عبدالله ممن يكتب الإسناد، ويدع المنقطع، ثم قال: وربما كان المنقطع أقوى إسنادا\n-أو أكبر- قلت: بينه لي، كيف؟ قال: يكتب الإسناد متصلا، وهو ضعيف، ويكون المنقطع أقوى إسنادا منه، وهو يرفعه، ثم يسنده، وقد كتبه هو على أنه متصل، وهو يزعم أنه لا يكتب إلا ما جاء عن النبي - ﷺ - معناه: لو كتب الإسنادين جميعا عرف المتصل من المنقطع، يعني ضعف ذا، وقوة ذا» (^١).\nومن يفعل ما ذكره أحمد يشبه من لا يلتفت إلى اختلاف الرواة، وعلل الأحاديث، فكيف لو وقف أحمد وغيره من النقاد على صنيع من تجاوز هذا، ووصل به الحال إلى أن يعضد الإسناد بما هو علة له؟\nومن المشهور المقرر ضعف تصحيحات الحاكم في كتابه «المستدرك»، وأحد جوانب الضعف عنده التزامه تصحيح زيادات الثقات في الأسانيد، وصلا، ورفعا، ونحو ذلك، وإن خالفوا غيرهم، كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب، وربما تجاوز ذلك، فجعل ما هو علة للإسناد عاضدا له.\n_________\n(^١) «الكفاية» ص ٣٩٥، وانظر: «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ١٩١.","vol":"2","page":297},{"text":"روى سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: «أن رسول الله - ﷺ - كتب كتاب الصدقة، فقرنه بسيفه …» الحديث (^١).\nورواه يونس بن يزيد، عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله - ﷺ - الذي كتبه في الصدقة، وهي عند آل عمر بن الخطاب، أقرأنيها سالم بن عبدالله بن عمر، فوعيتها على وجهها … (^٢).\nورواه سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ -، قال (يعني الزهري): أقرأني سالم كتابا كتبه رسول الله - ﷺ - في الصدقات …، وفي بعض الروايات: عن سالم -أحسبه- عن أبيه (^٣)، كذا في رواية سليمان.\nوبرواية يونس أعل أبو داود، ثم الترمذي، وغيرهما رواية سفيان بن حسين الموصولة.\nوقال الحاكم بعد أن صحح رواية سفيان بن حسين: «ويصححه حديث عبدالله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال، فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٥٧٣ - ١٥٧٤)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٢١)، و«مسند أحمد» ٢: ١٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٥٧٠).\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (١٧٩٨)، (١٨٠٥)، و«الأموال» لأبي عبيد حديث (٩٣٧)، و«الكامل» ٣: ١١٣٦، و«سنن البيهقي» ٤: ٨٨.\n(^٤) «المستدرك» ١: ٣٩٢.","vol":"2","page":298},{"text":"وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، كما تقدمت الإشارة إليه (^١)، ومثله سليمان بن كثير، ولذا تعقب الحاكم ابن حجر، فقال عن طريق يونس: «بل هو علته» (^٢).\nوالخوف -كل الخوف- أن يسري هذا الصنيع إلى ناظر في الحديث يسير على طريقة أئمة النقد في النظر في الاختلاف، فيؤخذ على حين غرة، إذ قد يطول الفصل، أو يبحث على عجل، فيذكر الراجح متابعا للمرجوح، ويعضده به، أو العكس، وأكثر ما يحدث هذا إذا كان الاختلاف على الراوي في تسمية شيخه أو من فوقه، فيتراءاهما إسنادين، وأحدهما علة للآخر، فالراجح أحدهما.\nوقد نبهت أكثر من مرة -وسأنبه لاحقا- إلى أن من ينظر في الاختلاف، ويوازن، ويرجح، ثم يعود في مرحلة من مراحل النظر في الحديث إلى طريقة المتأخرين، أشد ضررا ممن اعتمد طريقتهم وطبقها من الأساس، فهذا قد عرف منهجه، وأنه صحح أو حسن إسناد حديث بالنظر في رواته، ولم يلتفت إلى من خالفهم، أما الأول فصورته عند القارئ أنه قد نظر في العلل، ووازن، ورجح، لكن القارئ -وربما الباحث نفسه- لا يدرك أنه خرج إلى منهج آخر في بعض مراحل النظر.\nوهناك كلمة مشهورة في بعض العلوم التي يحتاج إليها، قال ابن تيمية: «قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١٠٣.\n(^٢) «تغليق التعليق» ٣: ١٧.","vol":"2","page":299},{"text":"متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان» (^١).\nولا بأس أن يضم إليهم غيرهم، ف<span data-type='title' id=toc-440>نصف الناقد هو من يخلط بين منهجين</span>، فنجده يطيل البحث في حديث ما، ويقارن ويوازن، وفجأة يدع المنهج الذي هو عليه إلى منهج آخر، ويظهر هذا جليا في قضيتنا هذه: الموقف من الوجه المرجوح، وفي قضايا أخرى بعضها تقدم، وبعضها سيأتي.\nوقضية الاعتضاد والشد بالطرق الأخرى لها فصل مستقل سيأتي بعون الله تعالى وتوفيقه في باب مستقل غير أني أعرج على بعض ضوابطها في مناسباتها.\nوأما الوجه الراجح فالحديث عنه أيضا في عدد من الأمور:\n١ - إذا كان الباحث في ترجيحه للوجه قد استخدم القدر المشترك في الترجيح، فيتم تذكيره الآن بالعودة إلى الوجه الراجح مرة أخرى، فينظر في اختلاف رواته فيما بينهم، ويصل إلى الراجح من روايتهم، وقد مضى في المبحث الأول من الفصل الثالث، من هذا الباب شرح طريقة النقاد في الترجيح بالقدر المشترك، وعودة الناقد مرة أخرى إلى الترجيح بين رواته، مضى ذلك بأمثلته.\nويلتحق بهذا ما إذا اختلف راويان على شيخهما في جهة ما في الإسناد أو المتن، وترجح قول أحدهما، وكان أصحاب راوي الوجه الراجح قد اختلفوا عليه في جهة ثانية، لم يدخلها الباحث في نظره الأول، فهذا اختلاف نازل، أجله\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» ٥: ١٨٨.","vol":"2","page":300},{"text":"الباحث، فلا بد له من العودة إلى الوجه الراجح، والنظر في اختلاف أصحاب راويه.\nمثال ذلك أن الأعمش روى عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن علي، الحديث في ثواب عيادة المريض، واختلف فيه عن الأعمش رفعا ووقفا (^١).\nورواه شعبة، ومنصور بن المعتمر، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالله بن نافع، عن علي، وقفه منصور، وشعبة في بعض الطرق إليه، ورفعه شعبة في بعض الطرق إليه (^٢).\nورواه الأجلح الكندي، عن الحكم، عن علي، ليس بينهما أحد، ووقفه على علي (^٣).\nفالناظر في الاختلاف على الحكم إذا كان قد جعل الأوجه على إسناد الحديث، وتسمية شيخ الحكم، وهي ثلاثة، ووصل في النظر بينها إلى ترجيح ما رواه شعبة، ومنصور، وأنه عن الحكم، عن عبدالله بن نافع، عليه أن يعود إلى هذا الوجه، وينظر في الاختلاف الواقع فيه بين رواته رفعا ووقفا، ويصل إلى نتيجة فيه.\nوكذلك لو كان الباحث انتهى إلى رجحان رواية الأعمش، عليه أن يعود إلى الاختلاف الواقع عليه رفعا ووقفا، ويصل إلى نتيجة فيه.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٣٠٩٩)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٧٤٩٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٤٢)، و«مسند أحمد» ١: ٨١، و«علل الدارقطني» ٣: ٢٦٨.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٣٠٩٨)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٠، ١٢١، و«المستدرك» ١: ٣٥٠، و«سنن البيهقي» ٣: ٣٨١.\n(^٣) «الزهد» لابن المبارك حديث (٧٣١).","vol":"2","page":301},{"text":"٢ - قد يكون في الوجه الراجح قبل المدار ضعف في جهة ما من جهات التضعيف، كأن يكون راويه عن المدار أو من دونه متكلما فيه، أو معروفا بالتدليس، أو يكون قد اختلف عليه فثار احتمال أن يكون قد اضطرب، ويكون الحكم برجحانه مبنيا على أنه -مع ما فيه من كلام- أحسن حالا من إسناد الوجه المرجوح إلى المدار.\nوهذا كله ليس بجديد على الباحث، إذ هو قد توصل إليه، واستفاد منه حين نظره في الاختلاف على المدار، إذ النظر في الرواة المختلفين من أهم ما يقوم به الباحث للوصول إلى نتيجة في الاختلاف عن المدار، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوكذلك الطرق إلى رواة الأوجه عن المدار، لا بد أن يكون الباحث قد فرغ منها، كما تقدم شرحه أيضا في المبحث الثاني من الفصل الثالث من هذا الباب.\nوالمقصود هنا أن يأخذ الباحث هذا بعين اعتباره في حكمه النهائي على الوجه الراجح إلى المدار.\nومثال ذلك هنا أن أبا بكر بن عياش روى عن الأعمش، عن عطاء، عن ابن عمر مرفوعا: «إذا تبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر …» الحديث (^١).\nورواه يحيى بن العلاء الرازي، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر.\nسئل أبو زرعة عن هذا الاختلاف، فرجح الوجه الأول، وقال: «وهذا\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٢: ٢٨، و«أطراف الغرائب» حديث (٣١٣٠).","vol":"2","page":302},{"text":"أشبه» (^١).\nولا شك في رجحان الوجه الأول، فيحيى بن العلاء هذا متروك الحديث، متهم بالوضع، وراوي الوجه الراجح أبو بكر بن عياش فوقه بكثير، غير أنه متكلم فيه من قبل حفظه، وقد تفرد به عن الأعمش، فالوجه الراجح محل نقد من هذه الجهة.\nوعليه فالكلام في الإسناد قبل المدار في الوجه الراجح لا يغفله الناظر في الاختلاف، ويحمله معه ليضمه إلى ما يجده في الإسناد من المدار ومن فوقه.\n٣ - ينظر الباحث بعد ذلك في المدار الذي عليه الاختلاف، درجته في نفسه، وفي شيخه، وسماعه منه، وما إلى ذلك، فالاختلافات كما تكون على الرواة الثقات، تكون أيضا على من دونهم، وينظر فيها النقاد، ويرجحون في الاختلاف، والمقصود بالترجيح أي عن المدار، فإذا عرف الراجح، وأردنا أن نصدر حكما نهائيا عليه فالمدار الآن واحد من رواته، لا بد من النظر فيه.\nوهو قد نظر في المدار قبل ذلك حين نظره في الاختلاف، فهو حلقة مهمة في الوصول إلى الراجح عنه هو، وقد تقدم شرح القضايا المتعلقة بالمدار نفسه، وأثرها على الترجيح عنه في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوالمفترض فيه أن يكون قد فرغ من النظر في المدار وأثره على الراجح عنه في المرحلة السابقة، مع ما نظر فيه من المؤثرات الأخرى، كالرواة عن المدار، وصفة\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٣٦.","vol":"2","page":303},{"text":"روايتهم، وأدى به النظر إلى راجح ومرجوح عن المدار، فالمطلوب منه إذن في هذه المرحلة -مرحلة الحكم على الوجه الراجح- أن يستصحب ما وجده في المدار من كلام في عموم روايته، أو بخصوص شيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد، أو في سماعه منه، من أجل الحكم النهائي على الوجه الراجح.\nوالنقاد قد يميل الواحد منهم إلى الترجيح عن المدار والمدار نفسه محل نظر، فقد يكون الاضطراب منه، ولهذا ربما ذكر الناقد الاحتمالين جميعا، كما تقدم شرحه بأمثلته في المبحث الرابع من الفصل الثالث، من هذا الباب، والباحث يعرض له مثل هذا، قد يرجح في اختلاف والمدار محل نظر، وعليه حينئذ في كلامه على الوجه الراجح أن لا يغفل ما في المدار من كلام.\nمثال ذلك ما رواه أبو بكر بن عياش، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي …» الحديث، فيه عدة جمل (^١).\nورواه ذواد بن علبة، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن ليث، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس الخولاني، عن ثوبان (^٢).\nوجاء عن ليث بن أبي سليم على أوجه أخرى بإسقاط بعض رواته وذكر بعضهم (^٣).\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ٢٧٩، و«غريب الحديث» للحربي ٣: ١٠٥٢، و«شعب الإيمان» حديث (٥١١٥).\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٣٥٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٦: ٥٤٩، ٥٨٧.\n(^٣) «كشف الأستار» حديث (١٣٥٣)، و«مسند ابن أبي يعلى» حديث (٦٧١٥)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٥٦٥٥ - ٥٦٥٦)، و«المستدرك» ٤: ١٠٣، و«شعب الإيمان» حديث (٥١١٥).","vol":"2","page":304},{"text":"سئل أبو زرعة عن الوجه الأول، فذكر الوجه الثاني، وقال: «وهذا الصحيح، قد وصلوه، زادوا فيه رجلا» (^١).\nفإذا ترجح لدى الناظر هذا الوجه، وأراد أن يبين حال الإسناد، فالمدار الذي هو ليث بن أبي سليم محل نقد، فهو ضعيف الحديث.\nوروى أبو معاوية الضرير، عن عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي، عن النعمان بن سعد، عن علي، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن في الجنة لسوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور …» الحديث (^٢).\nورواه عبدالواحد بن زياد، ومحمد بن فضيل، ونصر بن إسماعيل، عن عبدالرحمن بن إسحاق، فوقفوه على علي (^٣).\nفإذا رجح الناظر في الاختلاف الوجه الموقوف عاد في النظر في إسناده إلى مدار الحديث عبدالرحمن بن إسحاق، فهو ضعيف (^٤).\nوبناء على ما تقدم فنظر الباحث في هذه المرحلة حيث يكون المدار محل نظر، أما إذا كان المدار هو الصحابي، كأن يكون الاختلاف عليه في رفع الحديث ووقفه، أو في متن الحديث، أو زيادة صحابي بعده، فقد انتهى عنده النظر،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٠٤.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٥٥٠)، و«مسند أحمد» ١: ١٥٦.\n(^٣) «مسند البزار» حديث (٧٠٣)، و«تاريخ دمشق» ٦١: ٢٠٦، و«سير أعلام النبلاء» ١١: ٣٩٧.\n(^٤) وانظر أمثلة أخرى في «العلل الكبير» ١: ٤٣٤، و«علل ابن أبي حاتم» (٢١٨٩)، و«علل الدارقطني» ١١: ٣٠٩.","vol":"2","page":305},{"text":"والوجه الراجح قد تحددت درجته لدى الباحث من خلال نظره في الطرق المختلفة إلى الصحابي.\n٤ - بعد النظر في المدار ينتقل الباحث إلى النظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار، وكذلك من فوقه، إلى صحابي الحديث، مقارنا لها بإسناد الوجه الراجح عنده، خشية أن يكون فيها مخالفة للوجه الراجح عن مداره، فإن وجد فيها مخالفة للراجح عن المدار أنشأ نظرا جديدا في هذا الاختلاف، يستخدم فيه جميع ما استخدمه من قرائن النظر والموازنة في الاختلاف الذي وقع على مداره، وفرغ منه، وهي خطوة في غاية الأهمية للوصول إلى حكم نهائي على الحديث كله.\nوالاختلافات التي يجدها الباحث فوق مداره الأصل لا ضابط لها ولا حصر، سواء من جهة تنوعها، أو من جهة نتيجة النظر فيها مع الراجح في الاختلاف الأساس عند الباحث.\nفأما التنوع فقد يكون الاختلاف على مدار الباحث في رفع ووقف، والاختلاف الذي فوقه في وصل وإرسال، أو في زيادة راو في الإسناد، أو في إبدال الإسناد كله، أو في زيادة ألفاظ، أو تغيير في متن الحديث، إلى آخر أنواع الاختلافات.\nونتيجة النظر قد تكون متوافقة مع النظر في الاختلاف على المدار الأساس، فالراجح فيه هو الراجح في الاختلاف الجديد، وقد تكون النتيجة بضد ذلك، فالراجح في الاختلاف على المدار الأساس عاد مرجوحا في الاختلاف الجديد، وقد يترجح حفظ الوجهين في الاختلاف الجديد، أو يترجح وجه من وجوه","vol":"2","page":306},{"text":"الاختلاف لم يكن في الاختلاف الأول، وربما ترجح حفظ أكثر من وجه كلها لم تكن في الاختلاف الأول، وربما لم يصح شيء منها ألبتة.\nثم الاختلاف فوق طبقة المدار قد يقع في طبقة واحدة، وقد يوجد أيضا في طبقة فوقها أو أكثر.\nوالأئمة النقاد لا يغفلون شيئا من هذا، لكن لا يلزم -كما تقدم شرح ذلك في المبحث الأول- أن يكون نظرهم في جميع هذه الاختلافات في سياق واحد في مكان واحد، فهم يتكلمون في كل مكان بحسبه، فقد يحكم الناقد في اختلاف على مدار، وفوقه اختلافات سكت عنها هنا، وتكلم عليها -هو أو غيره- في مناسبة أخرى.\nوأول ما يبدأ به الباحث من الاختلافات العليا ما استفاد منه حين نظره في الاختلاف على مداره، فقد يكون أكد ترجيحه للوجه الراجح بمتابعة للمدار أو من فوقه عليه، ويكون في هذه المتابعة نفسها مخالفة للوجه الراجح من جهة أخرى، فالاستعانة بهذه المتابعة تم وفق ما يعرف بالترجيح بالقدر المشترك، وقد مضى شرح ذلك في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.\nومن أمثلة ذلك حديث عمر بن الخطاب: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، خير له من أن يمتلئ شعرا»، وقد تقدم هناك بيان الاختلاف فيه على إسماعيل بن أبي خالد، حيث قيل عنه، عن عمرو بن حريث، عن عمر مرفوعا، وقيل عنه، عن عمرو بن حريث، عن عمر موقوفا، والراجح عن إسماعيل وقف الحديث، وتأيد الوجه الراجح برواية عبدالملك بن عمير، عن عمرو بن حريث، عن سعيد","vol":"2","page":307},{"text":"بن زيد، عن عمر موقوفا.\nفهذه المتابعة للمدار -وهو إسماعيل بن أبي خالد- على الوجه الراجح عنه وهو الوقف، فيها مخالفة لإسماعيل بزيادة سعيد بن زيد في الإسناد، فلا بد من النظر بين هاتين الروايتين -ذكر سعيد وإسقاطه- لمعرفة المحفوظ منهما، والذي يظهر أنهما جميعا محفوظتان عنه، وأنه تارة يرسله عن عمر، وتارة يذكر الواسطة بينهما.\nوكذلك الحديث الماضي هناك أيضا، وهو ما رواه سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: «من وجد تمرا فليفطر عليه …» الحديث.\nوقد خالف سعيد بن عامر الجماعة من أصحاب شعبة، حيث رووه عنه، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، وبعضهم\n-وهو مرجوح عن شعبة- ذكر الرباب بنت صليع بين حفصة، وسلمان.\nوقول سعيد بن عامر مرجوح، فالصواب رواية الجماعة عن شعبة، وقد أمكن تأييد الوجه الراجح عن شعبة بمتابعات كثيرة لشعبة، وفي رواتها حفاظ ثقات، منهم الثوري، وابن عيينة، وحماد بن زيد، رووه عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.\nورواه كذلك عن حفصة بنت سيرين: عبدالله بن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، إلا أن هشام بن حسان اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، وفي رفع الحديث ووقفه، وخالد الحذاء لم يذكر الرباب.","vol":"2","page":308},{"text":"فاستفدنا من كل هذا أن الحديث معروف عن سلمان بن عامر، وأما من حديث أنس فلا يعرف إلا من رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، فدل على خطأ سعيد، وقد تقدم شرح هذا كله هناك.\nوالشاهد هنا أن حديث سلمان بن عامر لم ينته النظر فيه، فرواية شعبة الراجحة عنه، وهي روايته للحديث عن عاصم الأحول، عن حفصة، عن سلمان بن عامر، لا بد من النظر بينها وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، بذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان.\nقال الترمذي في النظر في الاختلاف على شعبة، مرجحا رواية الجماعة عنه على رواية سعيد بن عامر، ثم في النظر في الاختلاف الذي فوقه على عاصم الأحول، بذكر الرباب وحذفها، مرجحا رواية الجماعة بذكرها على رواية شعبة بحذفها، قال بعد أن أخرج رواية سعيد بن عامر: «حديث أنس لا نعلم رواه عن شعبة مثل هذا غير سعيد بن عامر، وهو حديث غير محفوظ، لا نعلم له أصلا من حديث عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس، وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي - ﷺ -، وهو أصح من حديث سعيد بن عامر.\nوهكذا رووا عن شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان، ولم يذكر فيه شعبة: عن الرباب، والصحيح ما رواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر.","vol":"2","page":309},{"text":"وابن عون يقول: عن أم الرائح بنت صليع، عن سلمان بن عامر، والرباب هي أم الرائح» (^١).\nثم بعد ذلك هناك نظر آخر في الحديث، في طبقة أعلى، فعاصم الأحول الذي ترجح عنه ذكر الرباب، قد شاركه في هذا الحديث جماعة، يروونه عن حفصة بنت سيرين، وفي رواياتهم ذكر الرباب وحذفها، فلا بد من معرفة الراجح عن حفصة أيضا.\nوأهم من ذلك أن هشام بن حسان قد جاء عنه وقف الحديث، وفي بعض الروايات عنه بعد أن يرويه موقوفا: «وحدثني عاصم الأحول أن حفصة ترفعه إلى النبي - ﷺ -» (^٢)، فلا بد من النظر أيضا في الاختلاف على حفصة في رفعه ووقفه.\nويلي ذلك أن ينظر الباحث في طرق أخرى لم ترد عنده في النظر في الاختلاف على مداره، فلم يستخدم فيها الترجيح بالقدر المشترك، وهذا هو الغالب، وأمثلته كثيرة جدا.\nفمن ذلك أن جرير بن حازم روى عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٦٩٤)، لكن وقع في النسخة: «وقد روى أصحاب شعبة هذا الحديث عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر …»، وجملة (عن الرباب) لا يستقيم بذكرها المعنى، فإن شعبة لا يذكر فيه (عن الرباب) كما نص عليه الترمذي بعد ذلك، وقد نص عليه أيضا مختصرا في كلامه على الحديث (٦٥٨)، وانظر: «تحفة الأشراف» ١: ٢٧٦.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٣٣٢٦).","vol":"2","page":310},{"text":"قالت: «أصبحت أنا وحفصة صائمتين متطوعتين، فأهدي لنا طعام فأفطرنا، فقال رسول الله - ﷺ -: صوما مكانه يوما آخر» (^١).\nواستنكر النقاد -كأحمد، وعلي بن المديني، ومسلم، والنسائي- رواية جرير بن حازم هذه، فالصواب ما رواه حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن الزهري مرسلا (^٢).\nفإذا ارتقى الباحث إلى الطرق عن الزهري وجد فيها من يوافق يحيى بن سعيد على الإرسال، مثل مالك، ومعمر، ويونس بن يزيد، وعبيدالله بن عمر العمري، وغيرهم، وفيها من يرويه عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، مثل جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين، وصالح بن أبي الأخضر، وعبدالله بن عمر العمري، وغيرهم، بل يروى أيضا عن يحيى بن سعيد (^٣).\nفهذا اختلاف جديد على الزهري الموجود في الإسناد الراجح في الاختلاف الأول، لا بد من النظر فيه.\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٣٢٩٩)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٠٩، و«صحيح ابن حبان» حديث (٥٣١٧).\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٨٢) (طبعة مؤسسة الرسالة)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٠٩، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٨١، و«شرح علل الترمذي» ٢: ٧٨٦.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٧٣٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٩١ - ٣٢٩٨)، و«موطأ مالك» ١: ٣٠٦، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧٧٩٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٨٣)، و«شرح معاني الآثار» ٢: ١٠٨، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٢٧، ٢٦٥، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٨٠، و«التمهيد» ١٢: ٦٨.","vol":"2","page":311},{"text":"وقد رجح النقاد أيضا مرسل الزهري، وخطؤوا من جعله عنه، عن عروة، عن عائشة، منهم أحمد، وابن المديني، وابن معين، ومحمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، وغيرهم (^١).\nوروى هشام بن عروة حديث (الرضاع)، واختلف فيه عليه وعلى من دونه على أوجه كثيرة، من أشهرها ما رواه الجماعة، ومنهم الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وعبدالله بن نمير، وعبدة بن سليمان، وحماد بن سلمة، وغيرهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحرم المصة ولا المصتان» (^٢).\nومن هذه الأوجه أيضا ما رواه محمد بن دينار البصري، عن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن أبيه الزبير (^٣).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٥٠، ٢٥١، و«تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٢٦٠، و«معرفة الرجال» ٢: ١٨٢، و«سنن الترمذي» حديث (٧٣٥)، و«العلل الكبير» ١: ٣٥١، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٨٠ - ٣٢٨١) طبعة مؤسسة الرسالة، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٤٠، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٧، ٢٦٥، و«سنن البيهقي» ٤: ٢٨٠.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٣٣٠٩)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٤٥٦)، (٥٤٥٨)، (٥٤٦٠ - ٥٤٦١)، (٥٤٦٥ - ٥٤٦٧)، و«مسند أحمد» ٤: ٤، ٥، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (١٣٩٢٥)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤: ٢٨٥، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤٢٢٥)، (٤٢٢٧)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٤٥٥٧ - ٤٥٦٠)، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٦٣، و«سنن البيهقي» ٧: ٤٥٤.\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٤٥٧)، و«العلل الكبير» ١: ٤٥٣، و«مسند أبي يعلى» حديث (٦٨٨)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤٢٢٦).","vol":"2","page":312},{"text":"ورواه أيوب السختياني -في المشهور عنه- عن ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي - ﷺ - (^١).\nسأل الترمذي شيخه البخاري عن رواية محمد بن دينار، عن هشام بن عروة، وعن رواية ابن أبي مليكة، فقال: «الصحيح: عن ابن الزبير، عن عائشة، وحديث محمد بن دينار أخطأ فيه، وزاد فيه: عن الزبير، إنما هو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nفرجح البخاري في الاختلاف على هشام بن عروة رواية الجماعة، وهو جعله عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الله بن الزبير، غير أن هذا الوجه عاد مرجوحا في الاختلاف الأعلى، وهو الاختلاف على عبدالله بن الزبير، فالراجح عنه رواية ابن أبي مليكة بزيادة ذكر عائشة.\nوكذلك صنع الترمذي، فقد قال بعد أن أخرج حديث ابن أبي مليكة: «وروى غير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي - ﷺ - …، وروى محمد بن دينار، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبدالله بن الزبير، عن النبي ﵊، وزاد فيه محمد بن دينار: عن الزبير، عن النبي - ﷺ -، وهو غير محفوظ، والصحيح عند أهل الحديث حديث\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٤٥٠)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٠٦٣)، و«سنن الترمذي» حديث (١١٥٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٩٤١)، و«سنن النسائي» حديث (٣٣١٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٤٥٠)، و«مسند أحمد» ٦: ٣١، ٩٥، ٢١٦.\n(^٢) «العلل الكبير» ١: ٤٥٣، وانظر: «سنن الترمذي» حديث (١١٥٠)، وفي النسخة سقط.","vol":"2","page":313},{"text":"ابن أبي مليكة، عن عبدالله بن الزبير، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nوروى جماعة من أصحاب هشام بن عروة، منهم يحيى بن سعيد القطان، وعبدة بن سليمان، وأبو أسامة حماد بن أسامة، ووكيع، وغيرهم، عن هشام، عن أبيه، أن زيد بن ثابت، أو أبا أيوب -هكذا بالشك- قال لمروان: «ألم أرك قصرت سجدتي المغرب؟ رأيت النبي - ﷺ - يقرأ فيها بالأعراف»، ومنهم من لم يذكر قصة مروان (^٢).\nورواه محاضر بن المورع، عن هشام، عن أبيه، عن زيد بن ثابت وحده بالمرفوع دون قصة مروان، وكذلك روي عن الليث بن سعد، عن هشام (^٣).\nورواه محمد بن عبدالرحمن الطفاوي، عن هشام، عن أبيه، عن أبي أيوب، وزيد بن ثابت -جميعا- (^٤).\nورواه أبو ضمرة، وابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، قال: قال لي زيد بن ثابت: «ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل …» الحديث (^٥).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١١٥٠).\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ١٨٥، ٤١٨، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٣٦٩، و«صحيح ابن خزيمة» حديث، (٥١٨)، (٥٤٠)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢٠١.\n(^٣) «صحيح ابن خزيمة» حديث (٥١٧)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٨٢٥)، و«المستدرك» ١: ٢٣٧.\n(^٤) «العلل الكبير» ١: ٢٣١.\n(^٥) «مسند أحمد» ٥: ١٨٧، و«التتبع» ص ٤٦٧.","vol":"2","page":314},{"text":"ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة (^١).\nوتابع هشام بن عروة على هذا الحديث اثنان، فرواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت، كرواية أبي ضمرة، وابن أبي الزناد، عن هشام (^٢).\nورواه أبو الأسود يتيم عروة، عن عروة، كرواية محاضر، والليث بن سعد، عن هشام، جعله عن عروة، عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان بن الحكم (^٣).\nسأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، وذكر له رواية الطفاوي بالجمع بينهما، فقال: «الصحيح: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، هشام بن عروة يشك في هذا الحديث»، ثم قال الترمذي: «وصحح هذا الحديث عن زيد بن ثابت، رواه ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت» (^٤).\nوكذا صنع الدارقطني، ضعف رواية الطفاوي، عن هشام بن عروة، بالجمع\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٩٩١).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٧٦٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٨١٢)، و«سنن النسائي» حديث (٩٩٠)، و«مسند أحمد» ٥: ١٨٨، ١٨٩.\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٩٨٨)، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٥٤١)، و«شرح معاني الآثار» ١: ٢١١، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٨٣٦)، و«المعجم الكبير» حديث (٤٨١٣)، (٢٨٢٧).\n(^٤) «العلل الكبير» ١: ٢٣١.","vol":"2","page":315},{"text":"بين زيد بن ثابت، وأبي أيوب، وأن المحفوظ رواية الجماعة عن هشام بالشك، ثم ذكر أن المحفوظ في النهاية أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد (^١).\nفالصحيح عن هشام بن عروة إذن أنه يرويه عن أبيه بالشك، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت، وبدون ذكر مروان بن الحكم في الإسناد وكل من رواه عنه على غير هذه الصفة يخطئ عليه، لكن الصحيح عن عروة غير هذا، فالصحيح عنه أنه يرويه عن مروان بن الحكم، عن زيد بن ثابت، بدون شك، وبذكر مروان في الإسناد.\nوروى أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، وعاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - ﷺ -، في المسح على الخفين (^٢).\nفأما روايته عن الأعمش فخالفه فيها الجماعة من أصحاب الأعمش\n-ومنهم الثوري، وشعبة، ويحيى القطان، وأبو معاوية، وغيرهم-، فرووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، وفيه قصة بوله - ﷺ - قائما (^٣).\nوأما روايته عن عاصم فوافقه عليها شعبة، وحماد بن سلمة، وتابع عاصما\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ٦: ١٢٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٢٢٤)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٧٣)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٣)، و«سنن الترمذي» حديث (١٣)، و«سنن النسائي» حديث (١٨)، (٢٦ - ٢٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٥)، (٥٤٤)، و«مسند أحمد» ٥: ٣٨٢، ٤٠٢، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧٥١).","vol":"2","page":316},{"text":"عليها حماد بن أبي سليمان، وفي هاتين الروايتين قصة البول فقط (^١).\nورواه منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، كرواية الجماعة عن الأعمش، إلا أنه اكتفى بقصة البول (^٢).\nفهنا اختلاف على الأعمش، ثم اختلاف على أبي وائل، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن الاختلاف على الأعمش، فاتفقا جميعا على أن أبا بكر بن عياش أخطأ في حديث الأعمش، وأن الصواب جعله عنه، عن أبي وائل، عن حذيفة.\nثم سألهما في الاختلاف الأعلى، وذكر لهما رواية الأعمش، وعاصم، فرجح أبو حاتم رواية الأعمش، ورجح أبو زرعة رواية عاصم (^٣).\nوعكس ذلك من هذين الإمامين في حديث آخر عن الأعمش أيضا، اختلفا في الترجيح في الاختلاف الأدنى، ثم اتفقا في الاختلاف الذي أعلى منه.\nفقد روى الجماعة من أصحاب الأعمش -ومنهم أبو معاوية، وعبدالله بن نمير، وعيسى بن يونس، وأبو إسحاق الفزاري، وغيرهم- عن الأعمش، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال: «أن رسول الله - ﷺ - مسح على الخفين والخمار» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٤٦.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٢٥ - ٢٢٦)، (٢٤٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٧٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٠٦)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٨٣، ٤٠٢.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣.\n(^٤) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٥)، و«سنن النسائي» حديث (١٠٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٥٦١)، و«مسند أحمد» ٦: ١٢، ١٤، و«مسند أبي عوانة» ١: ٢٦٠، و«سنن البيهقي» ١: ٢٧١.","vol":"2","page":317},{"text":"ورواه زائدة بن قدامة، وحفص بن غياث، وعمار بن رزيق، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب، عن بلال -هكذا بذكر البراء مكان كعب بن عجرة- (^١).\nورواه سفيان الثوري، وشريك، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا بلا واسطة- (^٢).\nورواه شعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وأبان بن تغلب، ومنصور بن المعتمر، وغيرهم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال -هكذا أيضا بلا واسطة- (^٣).\nورواه ليث بن أبي سليم، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، عن بلال، كالرواية الأولى عن الأعمش، وزاد ليث في متنه ذكر\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (١٠٥)، و«مسند أحمد» ٦: ١٥، و«مسند البزار» حديث (١٣٥٩ - ١٣٦٠).\n(^٢) «مسند أحمد» ٦: ١٣، ١٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦، وسقط من نسخة «المسند» في الموضع الأول ذكر الأعمش، فجاء من رواية سفيان، عن الحكم، والظاهر أن هذا خطأ قديم، فقد ذكره هكذا أيضا ابن حجر في «أطراف المسند» ١: ٦٤١، وانظر: «المسند» طبعة مؤسسة الرسالة ٣٩: ٣٢٨ حديث (٢٣٨٩٨).\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (١٠٦)، و«مسند أحمد» ٦: ١٣، ١٤، ١٥، و«مسند الحميدي» حديث (١٥٠)، و«المعجم الكبير» حديث (١٠٩٠).","vol":"2","page":318},{"text":"أبي بكر، وعمر (^١).\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، قال ابن أبي حاتم: «قلت لهما: فأي هذا الصحيح؟ قال أبي: الصحيح من حديث الأعمش: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-.\nقلت لأبي: فمن غير حديث الأعمش؟ قال: الصحيح ما يقول شعبة، وأبان بن تغلب، وزيد بن أبي أنيسة أيضا: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-.\nقال أبي: الثوري، وشعبة، أحفظهم …\nوقال أبو زرعة: الصحيح حديث الأعمش، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن كعب، عن بلال.\nقلت لأبي زرعة: أليس شعبة، وأبان، وزيد بن أبي أنيسة، يقولون: عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-؟ قال أبو زرعة: الأعمش حافظ، وأبو معاوية، وعيسى بن يونس، وابن نمير، وهؤلاء، قد حفظوا عنه، ومن غير حديث الأعمش الصحيح: عن ابن أبي ليلى، عن بلال -بلا كعب-، ورواه منصور، وشعبة، وزيد بن أبي أنيسة، وغير واحد، إنما قلت: من حديث الأعمش» (^٢).\nفاتفق الإمامان على أن الراجح عن الحكم روايته للحديث عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن بلال، بدون كعب بن عجرة، ويرى أبو حاتم أن هذا هو الراجح\n_________\n(^١) «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٨٤، و«المعجم الكبير» حديث (١٠٦٢).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦.","vol":"2","page":319},{"text":"أيضا في الاختلاف الأدنى على الأعمش، وأما أبو زرعة فيرى أن المحفوظ عن الأعمش زيادة كعب في الإسناد.\nوروى همام بن يحيى، عن محمد بن جحادة، عن أبي مسعر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود البدري، قال: «لا صلاة قبل خروج الإمام يوم العيد» (^١).\nورواه عبدالوارث بن سعيد، عن محمد بن جحادة، عن أبي معشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي مسعود.\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن هذا الاختلاف، فاتفقا على أن رواية عبدالوارث أشبه، وذكر أبو حاتم أنه لا يعرف أبا مسعر، وأما أبو معشر فهو زياد بن كليب صاحب إبراهيم النخعي (^٢).\nثم انتقل الإمامان إلى اختلاف أعلى، فقد رواه شعبة، عن أبي المعلى العطار، عن سعيد بن جبير، فجعله عن ابن عباس، مكان أبي مسعود البدري (^٣)، فتردد أبو حاتم، وجزم أبو زرعة بأنهما حديثان، قال ابن أبي حاتم: «قال أبي: فلا أدري حفظ أبو المعلى، أو الخبران صحيحان، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث آخر، هذا عن ابن عباس، وذاك عن أبي مسعود» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» ٦: ٢٥٦ عن يزيد بن هارون، عن همام بن يحيى، لكن فيه: «عن أبي معشر».\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١١٩، ١٩٨.\n(^٣) أخرجه البخاري قبل حديث (٩٨٩) معلقا عن أبي المعلى العطار.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٨، وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (٣٧٥)، (١٠٢٧)، (١١٣٥)، (٢٦٨٨)، و«علل الدارقطني» ٦: ٣١٩، ١٠: ١٦٨، ١٢: ٢٤٧.","vol":"2","page":320},{"text":"والنظر في الاختلاف الأعلى فوق مدار الباحث ليس بالأمر اليسير في كثير من الأحيان، فالمتابعون للمدار أو من فوقه إذا وقع منهم أو من أحدهم مخالفة للراجح عن المدار، عاد الباحث بسببه إلى نقطة البداية، فأصبح أمامه اختلاف جديد قد يكون أقوى وأشد وعورة من الاختلاف على مداره الأساس، إذ عليه دراسة المتابعين للمدار أو من فوقه، ودراسة الطرق إليهم، وقد يقع عليهم أو على بعضهم اختلاف نازل، من جنس الاختلاف على المدار الأساس، أو مغاير له، فيلزم الباحث حينئذ تحرير هذا الاختلاف النازل، والوصول فيه إلى نتيجة، فإذا فرغ الباحث من ذلك كله عاد إلى النظر بين روايات هؤلاء المتابعين، وبين ما ترجح عن المدار الاساس عنده.\nومثل هذه القضية أنبه عليها ليدرك الباحث مدى صعوبة التصدي لتصحيح الحديث وتضعيفه، والحاجة إلى نفس طويل في بعض الأحاديث، والباحث إذا كان نفسه قصيرا وعالج قضيته الأساس، ظن أنه في حِلّ من تناول ما أمامه من قضايا لا مناص له من معالجتها، فيطلق الكلام على عواهنه، ويصل إلى نتائج حاسمة لم يحكم النظر فيها، وسيأتي لهذه القضية نظائر في مباحث لاحقة.\nومن الأمثلة على ذلك حديث سلمان بن عامر المتقدم آنفا، فإذا كان مدار الباحث الأساس هو شعبة، فسينتقل بعد تحرير الراجح عن مداره إلى المتابعين لشعبة، وقد خالفوا شعبة في الإسناد، فزادوا فيه الرباب بنت صليع، وعليه فسينظر الباحث في هذا الاختلاف، فإذا فرغ منه انتقل إلى المتابعين لشيخهم عاصم الأحول، وهم: ابن عون، وهشام بن حسان، وخالد الحذاء، وسيجد أن","vol":"2","page":321},{"text":"منهم من اختلف عليه في ذكر الرباب وحذفها، ومنهم من اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فالباحث قبل أن ينظر بين روايتهم ورواية عاصم الأحول ملزم بتحرير الاختلاف عليهم، من جهة ذكر الرباب، ومن جهة الرفع والوقف، فإذا حرر ذلك عاد إلى الموازنة بين ما تحرر عن كل منهم، وبين ما صفى له عن عاصم الأحول، وهو الموجود في إسناده الأساس.\nومن أمثلة ذلك أيضا حديث جابر مرفوعا: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة …»، الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو هناك مثال لاستخدام البخاري للترجيح بالقدر المشترك، في نظره في الاختلاف على عمرو بن دينار في رفع الحديث ووقفه.\nولما فرغ البخاري من النظر في رواية عمرو بن دينار ورجح وقف الحديث مع الانقطاع في إسناده، انتقل إلى الرويات عن جابر، فذكر رواية حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد وقع فيها اختلاف على حماد بن سلمة، فاحتاج إلى معالجته، ورجح فيها أيضا وقف الحديث على جابر، وسيأتي قريبا في المبحث الثالث سبب ترجيح البخاري لرواية الوقف.\nوروى المسعودي -وهو صدوق اختلط- عن محمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله …» الحديث.\nفرواه الجماعة من أصحاب المسعودي -ومنهم ابن المبارك، ويزيد بن هارون،","vol":"2","page":322},{"text":"وأبو داود الطيالسي، وعبدالله بن يزيد المقرئ، وغيرهم- عن المسعودي مرفوعا (^١).\nورواه وكيع، ويونس بن بكير، عن المسعودي موقوفا على أبي هريرة (^٢).\nوقد تابع المسعودي ثلاثة رووه عن محمد بن عبدالرحمن: مسعر بن كدام، وسفيان بن عيينة، وعمر بن علي المقدمي، إلا أن مسعرا اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه، فرفعه عنه سفيان بن عيينة، ووقفه عنه وكيع، ومحمد بن بشر العبدي، وجعفر بن عون.\nوابن عيينة اختلف عليه أيضا، فمرة يرويه عن محمد بن عبدالرحمن مباشرة، وهذه رواية يعقوب بن حميد، ومرة يروي عنه بواسطة مسعر، وهذه رواية الحميدي (^٣).\nفالباحث إذا فرغ من مداره الأساس -وهو المسعودي- وخلص إلى أن الراجح عنه رفع الحديث -مثلا- ينتقل إلى رواية المتابعين له، وسيجد أن مسعرا قد خالفه في بعض الروايات عنه وهي المشهورة عن مسعر فوقف الحديث، فارتفع\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٦٣٣)، (٢٣١١)، و«سنن النسائي» حديث (٣١٠٨)، و«مسند أحمد» ٢: ٥٠٥، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٥٦٥)، و«المستدرك» ٤: ٢٦٠، و«شرح السنة» حديث (٢٦٢٠)، (٤١٦٨).\n(^٢) «الزهد» لوكيع حديث (٢٣)، و«الزهد» لهناد بن السري حديث (٤٦٠).\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٣١٠٧)، و«الزهد» لوكيع حديث (٢٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٦٥٥٧)، و«الترغيب في فضائل الأعمال» لابن شاهين حديث (٢٢٤)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٤٦٠٧).","vol":"2","page":323},{"text":"المدار الآن إلى شيخ المسعودي، وهو محمد بن عبدالرحمن، فينشئ الباحث الآن نظرا جديدا، فيقوم بدراسة هؤلاء الثلاثة الجدد، مسعر، وسفيان بن عيينة، وعمر بن علي، يحرر درجتهم في أنفسهم، ويدرس الطرق إليهم، ومن كان عليه اختلاف منهم -وهما مسعر، وسفيان بن عيينة- يقوم بدراسة هذا الاختلاف، ويصل فيه إلى نتيجة، ثم يخلص إلى نتيجة نهائية في الاختلاف على محمد بن عبدالرحمن.\nوعمر بن علي المقدمي شديد التدليس، مشهور به، وأما سفيان بن عيينة فالراجح عنه أنه يرويه عن محمد بن عبدالرحمن بواسطة مسعر، وذلك لجلالة راويه عنه وهو الحميدي، فهو من أخص أصحاب ابن عيينة، وأما راوي الوجه الآخر، وهو يعقوب بن حميد، فضعيف.\nوإذ رجع الأمر إلى رواية مسعر فالأكثرون وقفوه عنه، وهم وكيع، ومحمد بن بشر، وجعفر بن عون، في مقابل رواية سفيان بن عيينة المرفوعة، فالراجح عن مسعر وقف الحديث.\nوحينئذ فتكون المقارنة بين المسعودي الذي ترجح عنه الرفع، ومسعر الذي ترجح عنه الوقف، ولا شك في تقديم مسعر، وذلك لجلالته وإتقانه، فكان يسمى لشدة إتقانه بالمصحف.\nوالأمثلة السابقة توضح أن نتيجة النظر في الاختلاف الأعلى قد تكون متوافقة مع الترجيح في الاختلاف الأساس، فالراجح هنا هو الراجح هناك، فيكون الترجيح في الاختلاف الأساس قد ازداد قوة بما ترجح عن الراوي","vol":"2","page":324},{"text":"الأعلى الذي وقع عليه اختلاف، وقد تقدم في مبحث مستقل وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، أن الباحث يستعين بالمتابعات لمداره ومن فوقه لتأكيد ترجيحه في الاختلاف الذي ينظر فيه.\nفإذا نظر في المتابعات لمداره أو من فوقه ووجد فيها اختلافا، ونظر فيه، وانتهى إلى ترجيح متوافق مع ترجيحه في الاختلاف على مداره، صارت هذه متابعات للوجه الراجح، وكأن الخلاف فيها لم يوجد.\nو<span data-type='title' id=toc-450>قد يكون المرجوح في الاختلاف الأساس هو الراجح في الاختلاف الأعلى</span>، أو يترجح وجه جديد لم يكن أصلا في الاختلاف الأساس.\nوالعبرة في كل هذا بالراجح في الاختلاف الأعلى فهو الذي يستمر الباحث في النظر فيه، ويدرس باقي إسناده، كما سيأتي في الفقرة الخامسة، وأما الوجه المرجوح فيتعامل معه على ما مضى في الحديث عن الوجه المرجوح في الاختلاف الأساس.\nويوصى الباحث هنا بالتأكد من تطابق نوع الاختلاف على مداره الأساس، مع الاختلاف في الطبقة العليا، إذا أراد أن يرجح به، فإنه إذا لم يكن متطابقا في النوع، فلا يستعان به في الترجيح بإطلاق، وهذا أمر قد يفوت على الباحث، خاصة في حال وجود نوعين من الاختلافات على المدار الأساس، والترجيح في الطبقة العليا موافق لأحد النوعين، لكن ليس هو الذي ينظر فيه الباحث، وهذا من المواضع الدقيقة في معالجة الاختلافات.","vol":"2","page":325},{"text":"مثال ذلك أن محمد بن عوف الحمصي روى عن الهيثم بن جميل، عن عثمان بن واقد، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر الصديق، عن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخل الجنة سيئ الملكة …» الحديث.\nورواه سعدان بن يزيد البزاز، عن الهيثم بن جميل، عن عثمان بن مقسم، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب مرسلا (^١).\nذكر لأحد النقاد رواية محمد بن عوف، فقال: «أخطأ من قال في هذا الحديث: عثمان بن واقد، إنما هو عثمان بن مقسم البُريّ …».\nفالمدار في هذا الاختلاف على الهيثم بن جميل، في تسمية شيخه، هل هو عثمان بن واقد، أو هو عثمان بن مقسم؟ .\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وكلام الناقد عليه، ووجد له طرقا أخرى إلى فرقد السبخي، فرواه عنه جماعة -منهم همام بن يحيى- عن مرة الطيب، عن أبي بكر (^٢)، ورواه معمر عنه، عن مرة الطيب مرسلا (^٣).\nورجح الباحث في الاختلاف على الهيثم بن جميل ما رجحه الناقد، وهو أن شيخه عثمان بن مقسم، ولما كانت الرواية التي وقف عليها الباحث مرسلة، قال في إحدى قرائن الترجيح: «روى الحديث عن فرقد: عثمان بن مقسم، وهو وإن\n_________\n(^١) رواية سعدان أخرجها الخرائطي في «مكارم الأخلاق» حديث (٤٢٣).\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٩٤١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٦٩١)، و«مسند أحمد» ١: ٤،٧، ١٢، و«الكامل» ٦: ٢٠٥٣.\n(^٣) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٩٩٣).","vol":"2","page":326},{"text":"كان ضعيفا إلا أنه قد تابعه معمر، عن فرقد، عن مرة، عن النبي - ﷺ - مرسلا، ومعمر مقدم على من رواه عن فرقد موصولا، فإنهم وإن كانوا أربعة فإن معمرا يفوقهم في المرتبة».\nكذا صنع الباحث، لم يحكم النظر في الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا، ففرقد السبخي ضعيف جدا، والاضطراب منه، والذين رووه عنه موصولا لم يخطئوا عليه، ولو افترضنا أن الراجح عن فرقد هو المرسل لم يصح الترجيح به في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه.\nفصنيعه فيه خلط شديد بين النظر في الاختلاف على الهيثم بن جميل في تسمية شيخه، وبين الاختلاف على فرقد وصلا وإرسالا.\nوفي بعض الأحاديث تكون نتيجة النظر في الاختلاف الأساس رجحان وجه واحد عن المدار، فإذا انتقل الباحث إلى الاختلاف الأعلى ترجح عنده حفظ وجهين، وكثيرا ما يكون أحد الوجهين لم يمر أصلا على المدار الأساس، فهو وجه جديد.\nفإذا وقع هذا له لم يعد ينظر في راجح ومرجوح بالنسبة لهذين الوجهين، فكلاهما محفوظ، وليس عنده وجه راجح، وعليه فطريقة النظر في هذين الوجهين لا تدخل معنا في هذا المبحث، إذ هي حالة ليس فيها وجه واحد راجح، وسيأتي كيفية النظر في حال وجود وجهين راجحين أو أكثر في المبحث التالي.\nومن أمثلة وجود وجهين راجحين عن مدار أعلى ما رواه المعتمر بن","vol":"2","page":327},{"text":"سليمان، عن أبيه سليمان بن طرخان، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب قال: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة»، وقال قيس بن عباد: «وفيهم أنزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة -أو أبوعبيدة- بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة» (^١).\nورواه يزيد بن هارون، وهشيم بن بشير، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة، عن سليمان التيمي به، فذكروا قول قيس بن عباد في نزول الآية، دون قول علي (^٢).\nورواه عبدالوهاب بن عطاء، ومروان بن معاوية، وعبثر بن القاسم، وغيرهم، عن سليمان التيمي، فذكروا قول علي، دون قول قيس بن عباد.\nوهذه الأوجه ليس بينها اختلاف حقيقي، فمنهم من جمع بين النصين، ومنهم من اقتصر على أحدهما.\nوقد رواه يوسف بن يعقوب الضبعي، وعون بن كهمس، وأبو جعفر الرازي، عن سليمان التيمي، وجعلوا قصة نزول الآية من قول علي، قال: «فينا نزلت هذه الآية …» (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٥)، (٤٧٤٤)، و«دلائل النبوة» ٣: ٧٣.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» حديث (١٨٥٥)، و«شرح مشكل الآثار» ٤: ٣٦٤، و«علل الدارقطني» ٤: ١٠١، و«دلائل النبوة» ٣: ٧٣، و«فتح الباري» ٨: ٤٤.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٧)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٦٥٠)، (١١٣٤٢)،\nو«شرح مشكل الآثار» ٤: ٣٦٠، و«الإيمان» حديث (٢٦٣)، و«المستدرك» ٢: ٣٦٨.","vol":"2","page":328},{"text":"والراجح قول من جعلها من قول قيس بن عباد مرسلة، فإن المعتمر بن سليمان، ويزيد بن هارون، وهشيم، وعيسى بن يونس، وحماد بن مسعدة، كل واحد منهم فوق الثلاثة الذي وصلوا الحديث، فجعلوه من قول علي، يضاف إلى ذلك أن المعتمر بن سليمان ضبطه عن والده، ففصل قول علي من قول قيس بن عباد.\nفهذا هو النظر في الاختلاف على المدار الأساس، وهو سليمان التيمي.\nوقد تابع سليمان التيمي في رواية قصة الآية أبو هاشم الرماني الواسطي، فرواه عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، لكن اختلف عليه أيضا في قائل هذه الجملة في نزول الآية، فقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، وقيل عنه، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد مرسلا، وقيل عنه، عن أبي مجلز مرسلا (^١).\nوالراجح في الاختلاف على أبي هاشم هو جعله عن أبي ذر، فهذا هو الذي رواه عنه الجماعة، ومنهم سفيان الثوري، وشعبة، وهشيم بن بشير، وغيرهم، وفي روايتهم ما يدل على حفظ ذكر أبي ذر، ففيها قول قيس بن عباد: «سمعت\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٩٦٦)، (٣٩٦٨ - ٣٩٦٩)، (٤٧٤٣)، و«صحيح مسلم» حديث (٣٠٣٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٠٢٣)، (٨٦٤٨ - ٨٦٤٩)، (١١٣٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٣٥)، و«مسند الطيالسي» حديث (٤٨٣)، و«تفسير الطبري» ١٧: ١٣٢، و«المستدرك» ٢: ٣٦٨ و«هدي الساري» ص ٣٧٢.","vol":"2","page":329},{"text":"أبا ذر ﵁ يقسم: نزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الستة …».\nوهذه النتيجة في تحرير الاختلاف على سليمان التيمي، ثم على أبي مجلز، طريقة البخاري، والبزار، فيما يظهر من عرضهما للاختلاف حين أخرجا الحديث، وكذلك نص عليها الدارقطني في «العلل».\nوذهب الدارقطني في «التتبع» إلى القول باضطراب الحديث، بعد أن ساق بعض أوجه الاختلاف فيه، وقوله الذي وافق فيه البخاري، والبزار أولى، فالقول بحفظ وجهين عن قيس بن عباد ممكن جدا بلا تكلف، فسليمان التيمي، وأبي هاشم الرماني، ترجح عن كل واحد منهما بقوة وجه واحد، والذي يظهر أن الوجهين محفوظان عن أبي مجلز، بالنظر إلى ثقة رواييهما، وجلالتهما، وبالنظر كذلك إلى صفة روايتهما، ففي رواية أبي هاشم، عن أبي مجلز قول قيس بن عباد: سمعت أبا ذر يقسم أن هذه الآية نزلت فيهم، فهذا يدل على أن ذكر أبي ذر محفوظ، وأما رواية سليمان فإن قيس بن عباد يذكر لأبي مجلز قول علي: «أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة»، ثم ذكر قيس قصة نزول الآية مرسلة، لأنه لم يسمع ذلك من علي، وإنما سمعها من أبي ذر (^١).\nوالشاهد هنا أن الذي ترجح في الاختلاف الأساس -وهو الاختلاف على سليمان التيمي- وجه واحد وهو الإرسال، ثم ترجح في الاختلاف الأعلى -وهو\n_________\n(^١) انظر: «علل الدارقطني» ٤: ١٠٠ - ١٠١، و«التتبع» ص ٤٧٤، و«هدي الساري» ص ٣٧٢، ورسالة «الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» حديث (٢٥).","vol":"2","page":330},{"text":"على أبي مجلز- وجهان، الإرسال، وجعله عن أبي ذر، وإذا ترجح عند الباحث في النهاية حفظ وجهين أو أكثر فهذا له نظر خاص، سيأتي -كما أسلفت- في المبحث التالي.\nوأعود الآن مرة أخرى إلى التأكيد على الباحث إذا فرغ من النظر في اختلافه الأساس وترجح لديه وجه واحد أن يقوم بالنظر في الطرق الأخرى إلى شيخ المدار، ومن فوقه، قبل أن يصدر حكمه على إسناد الوجه الراجح، وذلك خشية أن يكون المدار أو من فوقه قد خولف، فيلزمه حينئذ النظر في الاختلاف الجديد، فإذا لم يفعل ذلك خرج إلى المنهج الآخر الذي لا ينظر في الاختلاف، واعتماده على الأسانيد مفردة، وصار نظره في الاختلاف الأول كأنه لا وجود له، بل صنيعه هذا أشد خطورة من صنيع من لا ينظر أساسا في الاختلافات، لأن القارئ له إذا رآه قد عالج الاختلاف، ووصل فيه إلى نتيجة، ثم حكم على الإسناد للوجه الراجح، اطمأن إليه، وإلى حكمه، استرواحا منه إلى أنه وقد نظر في الاختلاف قد استوعبه، والحال أنه لم يفعل ذلك.\n٥ - بعد إكمال الباحث النظر في آخر اختلاف وجده على أحد رواة الإسناد، وترجح لديه وجه من وجوه الاختلاف، وكان قد بقي بعد هذا المدار من رواة إسناد الوجه الراجح أحد دون الصحابي، ينصب نظره حينئذ على من فوق المدار من جهة درجة كل راو، وسماع بعضهم من بعض، ثم يصدر حكمه النهائي على إسناد الوجه الراجح.","vol":"2","page":331},{"text":"وقد كان النقاد يفعلون هذا أحيانا، يحكمون في الاختلاف، ويرجحون، ثم يتكلمون على إسناد الوجه الراجح بعد مداره، من جهة رواته واتصاله.\nفمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو ما رواه همام بن يحيى، وحجاج الأحول، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب، مرفوعا: «من ترك الجمعة من غير عذر، فليتصدق بدينار …» الحديث.\nورواه أيوب أبو العلاء، وسعيد بن بشير -في بعض الطرق إليه-، عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - …\nورواه خالد بن قيس الحداني، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب.\nوالراجح عند كافة النقاد الوجه الأول، وهو جعله عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، عن سمرة، منهم أحمد، والبخاري، وأبو داود، وأبو حاتم، وغيرهم، وذلك حين تعرضوا للموازنة بين الأوجه الثلاثة كلها، أو بين الوجه الأول، وأحد الوجهين الآخرين (^١).\nثم عاد النقاد إلى نقد الوجه الراجح، فأشار أبو حاتم إلى ضعف فيه، ولم\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٠٥٣ - ١٠٥٤)، و«مسائل أبي داود» ص ٣٩٤، و«العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٥٦، و«التاريخ الكبير» ٤: ١٧٦، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦، ٢٠٠، و«سنن البيهقي» ٣: ٢٤٨.","vol":"2","page":332},{"text":"يبينه، فقال عنه: «له إسناد صالح …، هو حديث صالح الإسناد» (^١).\nوأما أحمد فضعفه بقدامة بن وبرة، قال عبدالله: «سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة، عن النبي - ﷺ - …؟ فقال: قدامة بن وبرة يرويه، لا يعرف» (^٢).\nوضعفه البخاري بعدم سماع قدامة، من سمرة، فقال: «ولا يصح حديث قدامة في الجمعة» (^٣)، وقال مرة: «قدامة بن وبرة …، ولم يصح سماعه من سمرة» (^٤).\nوكذلك الحديث الماضي في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو الحديث الذي رواه شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ - قال: «الصلاة مثنى، مثنى، وتشهد في كل ركعتين …» الحديث.\nورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس.\nوقد توارد النقاد على تخطئه شعبة في سياقه للإسناد، وتصويب رواية الليث بن سعد، كما تقدم بيانه هناك، ثم عاد بعضهم إلى الوجه الراجح فحكموا عليه، فذكر البخاري الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٥٦.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ٤: ١٧٧.\n(^٤) «الضعفاء الكبير» ٣: ٤٨٤، و«الكامل» ٦: ٢٠٧٤.","vol":"2","page":333},{"text":"عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض» (^١).\nوقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي: هذا الإسناد عندك صحيح؟ قال: حسن، قلت لأبي: من ربيعة بن الحارث؟ قال: هو ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب، قلت: سمع من الفضل؟ قال: أدركه، قلت: يحتج بحديث ربيعة بن الحارث؟ قال: حسن، فكررت عليه مرارا فلم يزدني على قوله: حسن، ثم قال: الحجة سفيان، وشعبة …» (^٢).\nوروى جماعة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر …» (^٣).\nورواه عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن مشيخه لهم من أهل الصلاح، ممن حدثوه عن النبي - ﷺ - (^٤).\nوالصواب رواية عبدالرحمن، وقد ذكر البخاري رواية عبدالرحمن، وذكر معها أحد طرق الوجه الأول، وهو طريق محمد بن عبدالرحمن بن عمرو بن عثمان بن عفان، المعروف بالدبياج، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٣: ٢٨٤.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٢.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ١: ١٣٩، و«التاريخ الصغير» ٢: ٨١، و«الكامل» ٦: ٢٢٢٣، ٢٣٥٥، و«علل الدارقطني» ١٠: ٣٠٧، و«سنن البيهقي» ٧: ٢١٨، و«تاريخ بغداد» ٢: ٣٠٧.\n(^٤) «جامع ابن وهب» حديث (٦٣٤)، و«التاريخ الكبير» ١: ١٣٩، و«التاريخ الصغير» ٢: ٨٢، و«الكامل» ٦: ٢٢٢٤.","vol":"2","page":334},{"text":"ثم قال عن الوجه الثاني: «وهذا أصح، مرسل» (^١)، وقال مرة: «وهذا بانقطاعه أصح» (^٢).\nفالوجه الراجح عن أبي الزناد بعد أن رجحه البخاري عاد فضعفه بالإرسال، فإن شيوخ أبي الزناد من التابعين، فقد جاء في بعض طرقه: حدثني رجال أهل رضا وقناعة من أبناء الصحابة.\nوترجم البخاري لمحمد بن عبدالله بن علاثة، وقال في ترجمته: «في حفظه نظر …، قال الأويسي: حدثنا ابن علاثة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».\nوقال عبدالقاهر: عن هشام، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وهذا أصح، وهو مرسل.\nوقال بكر بن بكار: حدثنا محمد بن ثابت البناني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبدالله، عن النبي - ﷺ -، ولا يصح فيه جابر، ولا ابن سيرين …» (^٣).\nفذكر البخاري أولا الاختلاف على هشام بن حسان، فمحمد بن عبدالله بن علاثة يرويه عنه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (^٤).\nوعبدالقاهر بن شعيب يرويه عنه، عن عمر بن محمد بن المنكدر، عن أبيه،\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ١٣٩.\n(^٢) «التاريخ الصغير» ٢: ٨٢.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ١: ١٣٢.\n(^٤) وقد أخرج رواية ابن علاثة أيضا العقيلي ٤: ٩٢، وابن عدي ٦: ٢٢٢٨.","vol":"2","page":335},{"text":"عن أبي هريرة، ورجح البخاري الوجه الذي يرويه عبدالقاهر، وأنه لا يصح فيه ابن سيرين.\nوقد رواه مع عبدالقاهر: محمد بن بكر البرساني (^١).\nثم ذكر البخاري اختلافا أعلى من هذا، وهو على محمد بن المنكدر، فولده عمر يرويه عنه، عن أبي هريرة، ومحمد بن ثابت البناني يرويه عنه، عن جابر (^٢).\nورجح البخاري رواية عمر بن محمد، وأنه لا يصح فيه جابر.\nفالراجح النهائي في الاختلافين -النازل والعالي- هو: محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة.\nوقام البخاري ببيان حال هذا الوجه الراجح، فذكر أنه مرسل.\nوكذا قال العقيلي، وقد ذكر الاختلاف على هشام بن حسان فقط: «وهذا أولى، مرسل، فيه نظر» (^٣).\nومرادهما بالإرسال أن محمد بن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، وقد توارد\n_________\n(^١) «الضعفاء الكبير» ٤: ٩٢.\n(^٢) رواية محمد بن ثابت أخرجها أيضا أحمد ٣: ٣٢٥، ٣٣٤، والعقيلي ٤: ٤٠، وابن عدي ٦: ٢١٤٦، وقوام السنة في «الترغيب» حديث (١٠٤٧)، ولم ينسب محمد بن ثابت عند أحمد، وأما ابن عدي فجاء في إسناده: محمد بن ثابت العبدي، فوضع الحديث في ترجمته، والبناني، والعبدي، كلاهما بصري، من طبقة واحدة، والبناني أشد ضعفا من العبدي، والله أعلم.\n(^٣) «الضعفاء الكبير» ٤: ٩٢.","vol":"2","page":336},{"text":"النقاد على أنه لم يسمع منه (^١).\nوروى أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن ابن أبي السائب -أو عن أبي السائب- عن عائشة أنها قالت للسائب: «ثلاث خصال فيك لتدعهن أو لأناجزنك: إياك والسجع في الدعاء …» الحديث (^٢).\nورواه حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة.\nورواه إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ووهيب، عن داود، عن الشعبي، أن عائشة قالت لابن أبي السائب قاص\nأهل المدينة (^٣).\nسأل ابن أبي حاتم أباه عن رواية أبي معاوية، ورواية وهيب أيهما أصح، فقال: «حديث وهيب أشبه، ووهيب أتقن وأوثق من أبي معاوية» (^٤).\nوسأله مرة أخرى عن رواية حماد بن سلمة، ورواية أبي معاوية، فقال: «إنما هو: الشعبي، عن عائشة مرسلا» (^٥).\nفالراجح من الأوجه الثلاثة عن الشعبي، عن عائشة، ليس بينهما واسطة، وقد\n_________\n(^١) «المراسيل» ص ١٨٩، و«إكمال تهذيب الكمال» ١٠: ٣٦٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥، ٢٤٨، و«صحيح ابن حبان» حديث (٩٧٨).\n(^٣) «مسند أحمد» ٦: ٢١٧، و«تاريخ المدينة» ١: ١٣، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١٠: ١٩٩، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (١٦٣٤).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥.\n(^٥) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٨.","vol":"2","page":337},{"text":"بين أبو حاتم في جوابه الثاني أنه مرسل، وذلك لأن الشعبي لم يسمع من عائشة (^١).\nوالباحث قبل نظره في الاختلافات قد منع من إصدار الحكم على الإسناد المفرد الذي أمامه قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، ويعالج الاختلافات إن وجدت، كما تقدم شرح هذا في «الاتصال والانقطاع» (^٢)، أما الآن فهو ملزم بذلك، لأنه فرغ من النظر في الطرق الأخرى، ووازن بين الطرق إن كان بينها اختلاف، وترقى في الاختلافات درجة درجة، إن كانت الاختلافات في الحديث الذي يبحث فيه لها مدارات متعددة، وقد بقي عليه من رواة الإسناد من يحتاج إلى بيان حاله، وسماعه ممن فوقه، وقد يكون هذا الباقي جزءا من إسناده الأصل الذي ابتدأ النظر فيه مبدئيا قبل أن ينظر في الطرق الأخرى، فهو الراجح عنده، وقد يكون غيره، فالإسناد الأصل مرجوح.\nوالذي ينبه عليه الباحث هنا أن يفحص الإسناد للوجه الراجح جيدا قبل أن يصدر حكمه عليه، ويتأنى في ذلك، وينظر في كل ما هو مجال للنظر في هذا الإسناد، ليكون حكمه صوابا، أو قريبا من الصواب، ومن غير اللائق أن يتعب الباحث في جمع الطرق، وتلخيص الأوجه، والموازنة بينها، ثم يفتر في الخطوة النهائية للحكم على الإسناد.\nوقد أشرت في مناسبة سابقة إلى أن الخلل في نقد الأسانيد لا يأتي فقط من\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٢٨٦، و«المراسيل» ص ١٥٩، وانظر مثالين آخرين في «علل ابن أبي حاتم» (١٦٤٣)، و«الضعفاء الكبير» ١: ٢٨.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٤٦٦، ٤٩٩.","vol":"2","page":338},{"text":"إغفال النظر في الاختلافات، وعلل الأحاديث، بل يأتي أيضا من نقد الإسناد المفرد، والاستعجال في ذلك.\nومن أمثلة الخلل في الحكم على إسناد الوجه الراجح أنه قد وقع اختلاف على الزهري في روايته لقصة زواج النبي - ﷺ - بأم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك على أربعة أوجه: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة، والزهري، عن عروة، عن عائشة، والزهري، عن عروة مرسلا، والزهري مرسلا (^١).\nوذكر أحد النقاد وجهين من الاختلاف على الزهري وهما: عن عروة، عن أم حبيبة، وعن عروة مرسلا، ورجح الوجه المرسل.\nثم زاد عليه أحد الإخوة الفضلاء وجها ثالثا، وهو: عن عروة، عن عائشة، عن أم حبيبة، ولم يذكر الوجه الرابع، وهو: عن الزهري مرسلا، ولعل ذلك لكون الرواية فيه جاءت مختصرة جدا ببعض الحديث، ثم نظر الباحث في الأوجه الثلاثة التي ذكرها، ورجح كونه عن عروة، عن أم حبيبة.\nولست الآن بصدد مناقشة هذا الترجيح، فهو اجتهاد للباحث، وإنما الغرض هنا أن الباحث قال في حكمه على إسناد الوجه الراجح، وهو: الزهري، عن عروة، عن أم حبيبة: «الحديث من وجهه الراجح صحيح الإسناد …»، ثم شرح ذلك من جهة الرواة.\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٠٨٦)، (٢١٠٧ - ٢١٠٨)، و«سنن النسائي» حديث (٣٣٥٠)، و«مسند أحمد» ٦: ٤٢٧، و«طبقات ابن سعد» ٨: ٩٩، و«المعجم الكبير» ٢٣، حديث (٤٠٣)، و«المستدرك» ٤: ٢٠، و«سنن البيهقي» ٧: ٢٣٤، و«تاريخ دمشق» ٦٩: ١٣٨ - ١٤٢.","vol":"2","page":339},{"text":"وهذا التصحيح لم يتمعن فيه الباحث، فعروة بن الزبير لم يسمع من أم حبيبة كما يظهر من ترجمتيهما، وليس له في الكتب عنها سوى هذا الحديث، وقد جاءت صيغة روايته في الوجه الموصول هكذا: عن أم حبيبة: «أنها كانت تحت عبيدالله بن جحش، وكان أتى النجاشي، فمات، وأن رسول الله - ﷺ - تزوج أم حبيبة، وأنها بأرض الحبشة …» الحديث، فهذا السياق يدل على أن قوله في الإسناد: عن أم حبيبة، لا يقصد به الرواية عنها، وإنما يقصد به حكاية قصتها، وهذا يفعله بعض الرواة تجوزا، كما تقدم شرحه في «الاتصال والانقطاع» (^١).\nفإذا اجتمعت صيغة الرواية، وكون عروة لم يسمع منها، ومجيء الحديث من طرق أخرى عن الزهري مرسلا، صار الوجهان -المرسل، والموصول في الظاهر- بمعنى واحد، ووقع الباحث بسبب عدم تدقيقه في الإسناد في إشكالين، مخالفة الإمام الذي رجح المرسل، مع أن الموصول بمعناه، فهو راجع إلى الإرسال، وتصحيح إسناد غير متصل.\n٦ - إذا فرغ الباحث من النظر في إسناد الوجه الراجح، من جهة رواته، وسماع بعضهم من بعض، عليه أن يعود مرة أخرى إلى نتيجة النظر التي وصل إليها، في الاختلاف، ورجحان هذا الوجه عنده.\nوأعني بذلك أن الترجيح في الاختلاف ليس على درجة واحدة، فهو يخضع للقرائن التي تم الترجيح بها كثرة وقلة، ووجود ما يعارضها، وما يتبع ذلك من من جزم الباحث بالترجيح، أو تردده، كما تقدم شرحه في المبحث\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ٣١ - ٤٥.","vol":"2","page":340},{"text":"الثالث والرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، وتقدم التنبيه عليه أيضا قريبا في موقف الباحث من الوجه المرجوح.\nوبناء على ذلك لو كان الباحث وصل إلى رجحان وجه، ونظر في إسناده فوجد أن رواته ثقات، وهو متصل، فالحكم على هذا الإسناد بالصحة، والجزم بذلك يتوقف أيضا على درجة الترجيح، فلو كان الوجه المرجوح مرسلا مثلا، أو موقوفا، وقرائنه أيضا قوية، أو كان هناك أوجه أخرى قوية يحتمل معها أن الاضطراب من المدار، أثر هذا كله في صحة الإسناد، ونزل عن الدرجة العليا من الصحيح، كما قال ابن حجر بعد أن ذكر شروط الحديث الخمسة: «وتتفاوت رتبه -أي الصحيح- بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة، فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها بعضها فوق بعض، بحسب الأمور المقوية» (^١).\nساق البخاري حديث ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، ومخالعته لامرأته، وفي أسانيده اختلاف على عكرمة وعلى من دونه، في وصل الحديث وإرساله (^٢)، فقال ابن حجر وهو يسرد الفوائد الحديثية من صنيع البخاري: «ومنها أن أحاديث الصحيح متفاوتة المرتبة إلى صحيح وأصح» (^٣).\nوأخرج الترمذي حديث ابن مسعود في الاستنجاء بحجرين، من طريق\n_________\n(^١) «نزهة النظر» ص ٨٤.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٢٧٣، ٥٢٧٧).\n(^٣) «فتح الباري» ٩: ٤٠١.","vol":"2","page":341},{"text":"إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه، وذكر أوجها أخرى عن أبي إسحاق، ثم قال: «وهذا حديث فيه اضطراب …، وأصح شيء في هذا عندي حديث إسرائيل، وقيس، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبدالله، لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه على ذلك قيس بن الربيع» (^١).\nوكذا صنع الدارقطني، فقد ساق الاختلاف فيه على أبي إسحاق، ثم قال: «عشرة أقاويل عن أبي إسحاق، أحسنها إسنادا الأول الذي أخرجه البخاري، وفي النفس منه شيء لكثرة الاختلاف فيه عن أبي إسحاق» (^٢).\nوالذي أخرجه البخاري هو رواية زهير بن معاوية وجماعة عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب أن البخاري كان متوقفا في الاختلاف على أبي إسحاق، ثم رجح هذا الوجه.\nوأما نزول الحديث عن درجة الصحيح فإن الشائع عند الباحثين أن شرط ضبط الراوي هو الذي ينظر فيه لنزول الحديث عن درجة الصحيح إلى درجة\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (١٧).\n(^٢) «التتبع» ص ٣٣٠ - ٣٣٤، وانظر طرق هذا الحديث في «صحيح البخاري» حديث (١٥٦) و«سنن الترمذي» حديث (١٧) و«سنن النسائي» حديث (٤٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣١٣)، و«مسند أحمد» ١: ٣٨٨، ٤١٨، ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٥٠، ٤٦٥، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٢٢، و«المعجم الكبير» حديث (٩٩٥٤، ٩٩٥٦)، و«سنن الدارقطني» ١: ٥٥، و«التتبع» ص ٣٣٠.","vol":"2","page":342},{"text":"الحسن، بحكم أن كتب المصطلح تفرق بين الصحيح، والحسن بهذا الشرط، فإذا خف ضبط الراوي نزل الإسناد عن درجة الصحيح.\nوقد نبهت في الكلام على قضايا الاتصال أن نزول الإسناد عن درجة الصحيح لا يتعلق -فيما أرى- بدرجة الراوي فقط، فقد يكون الرواة في الدرجة العليا من الثقة والضبط، وفي الإسناد كلام من جهة سماع بعض رواته من بعض، أو فيه احتمال وجود تدليس، فهذا يؤثر أيضا في درجة الإسناد، وإن رجح الناظر فيه اتصاله (^١).\nومثل هذا -سواء بسواء- يقال هنا في شرط عدم العلة، قد ينزل الحديث عن درجة الصحيح، بسبب وجود علة في الإسناد، وإن ترجح للناظر أنها منتفية.\nوتأثير الاحتمالات الأخرى مع وجود الترجيح يخضع لاجتهاد الناظر فيه، وما توافر له من قرائن النظر في هذا الاختلاف، فقد يكون التأثير ضعيفا، فغاية ما فيه أن ينزل الوجه الراجح من الدرجة العليا من الصحة، وقد يكون قويا، فينزل إلى ما دون الصحيح، والله أعلم.\nوهذا الكلام تقدم مثله في شرح موقف الباحث من الوجه المرجوح بصورة مقلوبة، أي أثر قوة الترجيح وضعفه على الوجه المرجوح، ويأتي كذلك نحوه في نهاية المبحث الرابع، في الحديث عن حكم الناقد على الحديث بالاضطراب، مع ميله إلى ترجيح وجه، والله أعلم.\n_________\n(^١) انظر: «الاتصال والانقطاع» ص ٤٠٧.","vol":"2","page":343},{"text":"<span data-type='title' id=toc-458>المبحث الثالث\nالأوجه المحفوظة عن المدار</span>\nفي كثير من الأحاديث ينتهي الباحث إلى حفظ وجهين أو أكثر من أوجه الاختلاف على مداره الأساس، وقد يوجد مع هذا وجه مرجوح أو أكثر، وقد لا يوجد شيء من ذلك.\nوهكذا في حال ما إذا كان قد وصل إلى وجه واحد راجح عن المدار الأساس، ولكنه بعد أن نظر في الطرق فوقه وجد فيها اختلافا على شيخ المدار أو من فوقه، وبعد أن نظر فيه توصل إلى أن المحفوظ وجهان أو أكثر، إما مع وجود وجه راجح، أو بدونه، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك عند شرح هذه القضية بأمثلتها في المبحث الثاني، وأن الأمر انتقل إلى الحال الثانية، وأخذ أحكامها.\nفبالنسبة للوجه المرجوح لا يختلف التعامل معه عن كونه موجودا مع وجه واحد راجح، وقد مضى الكلام على أحكام الوجه المرجوح في المبحث الثاني فلا أعيده هنا.\nوأما الوجهان المحفوظان عن المدار فتعامله معهما شبيه بتعامله مع الوجه الراجح، في حال وجود راجح ومرجوح، على ما تقدم شرحه في المبحث الثاني، وذلك من جهة نظره في هذين الوجهين جميعا، ابتداء من المدار نفسه، وصعودا إلى نهاية إسناديهما، للوصول إلى نتيجة فيهما، هل يبقيان محفوظين بعد المدار، أو","vol":"2","page":344},{"text":"يسقطان جميعا، أو يبقى واحد منهما؟ .\nوأول ما يبتدئ به الباحث النظر في المدار نفسه، فقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، أن النظر في المدار مهم جدا للوصول إلى نتيجة في المحفوظ عن المدار، فهذا يتعلق بالجزء الأدنى من حلقة الإسناد الوسطى التي هي المدار، والنظر فيه مهم جدا كذلك للوصول إلى نتيجة في المحفوظ بعده، وهذا يتعلق بالجزء الأعلى من هذه الحلقة وهي موضوعنا هنا.\nوطريقة النظر فيه أن يقوم الناظر في الاختلاف بتجزئة المدار جزئين، فيفرضه راويين، ويفرض فوقه مدارا وهميا، قد اختلف عليه هذان الراويان، ثم يتأمل حال هذين الراويين، وما ورد في روايتهما، فقد يجد ما يعينه على ترجيح أن أحدهما هو الذي حفظ، والآخر قد غلط على المدار الوهمي، أو ترجيح حفظهما جميعا، أو غلطهما جميعا.\nومن أبرز ما يعتني به الناظر هنا البحث عن نص عن المدار يفيد أنه قد رجع عن أحد الوجهين، فهذا وقع في أحاديث كثيرة، يختلف الرواة على شيخ لهم، ويوقف على رواية له ينص فيها على رجوعه عن أحد الوجهين، وثباته على الآخر، وقد تقدم شيء منها في الفصل الرابع من الباب الأول في حوار النقاد مع الرواة، وتراجعهم أحيانا عما حدثوا به قديما.\nومن ذلك أيضا أن جماعة من أصحاب شعبة -منهم يحيى القطان، ومحمد بن جعفر غندر، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- رووا عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عبدالحميد بن عبدالرحمن، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -","vol":"2","page":345},{"text":"في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار، أو بنصف دينار» (^١).\nورواه جماعة آخرون -منهم عبدالرحمن بن مهدي، وبهز بن أسد، وأبو الوليد الطيالسي، وسليمان بن حرب، وغيرهم- عن شعبة، موقوفا على ابن عباس (^٢).\nوروى عبدالرحمن بن مهدي أن شعبة حين حدث به موقوفا قال له رجل: «إنك كنت ترفعه»، قال: «كنت مجنونا فصححت» (^٣).\nوروى عبدالصمد بن عبدالوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، قال: حدثني ابن عمر، عن النبي - ﷺ -: «أنه كان يقول إذا دخل مضجعه: الحمد لله الذي كفاني وآواني …» الحديث (^٤).\nورواه أبو معمر المنقري، عن عبدالوارث، عن حسين المعلم، عن ابن بريدة، قال: حدثني ابن عمران … الحديث\nقال ابن أبي حاتم بعد أن ذكر الوجهين: «قلت لأبي: أيهما أصح؟ قال:\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٢٦٤)، (٢١٦٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢٨٨)، (٣٦٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٤٠)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٩، ٢٨٦، و«سنن الدارمي» حديث (١١١٢)، و«سنن البيهقي» ١: ٣١٤.\n(^٢) «مسند أحمد» ١: ٢٢٩، ٢٨٦، و«سنن الدارمي» حديث (١١١١)، و«الكفاية» ص ٢٢٤، و«سنن البيهقي» ١: ٣١٤ - ٣١٥.\n(^٣) «المنتقى» حديث (١١٠)، و«سنن البيهقي» ١: ٣١٥.\n(^٤) «سنن أبي داود» حديث (٥٠٥٨)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٧٦٩٤)، (١٠٦٣٤)، و«مسند أحمد» ٢: ١١٧، وانظر: «الكفاية» ص ٢٢٥.","vol":"2","page":346},{"text":"حديث أبي معمر أشبه، قلت لأبي: ابن عمران من هو؟ قال: لا أدري، قلت: فابن بريدة أدرك ابن عمر؟ قال: أدركه، ولم يَبِنْ سماعه منه» (^١).\nوقد أمكن الوقوف على رواية عن أبي معمر المنقري بين فيها أن عبدالوارث رجع عن روايته الأولى، قال ابن حجر: «وقد أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق»، من رواية أبي معمر المنقري، عن عبدالوارث بهذا السند، فقال: عن ابن عمران، وقال بعده: فقال له أبو علي المعري (كذا): كنت حدثت به مرة فقلت: عن ابن عمر، قال: لا، ذاك خطأ، إنما هو ابن عمران» (^٢).\nوقد يكون النص من بعض تلامذة المختلف عليه، فيذكر أن شيخه يرسل الحديث ثم وصله، أو كان يرفعه ثم ترك رفعه.\nومثاله أن جماعة من الرواة -منهم أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وغيرهم- رووا عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الماء لا ينجسه شيء»، ومنهم من ذكر في الحديث قصة، ومنهم من اكتفى بالقصة، ورواية إسحاق بن راهويه مرسلة، ليس فيها ابن عباس، ثم قال إسحاق: «وزاد وكيع فيه بعد:\n_________\n(^١) علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٤.\n(^٢) «النكت الظراف» ٥: ٤٤٣، وهو في «مكارم الأخلاق» للخرائطي (٩٦٤)، يرويه الخرائطي عن أبي يوسف القلوسي، عن أبي معمر المنقري، عن عبدالوارث، وفيه: «قال أبو بكر الخرائطي: فقال له أبو علي العنزي: كنت حدثت به مرة، فقلت ابن عمر، فقال: ذاك خطأ وأنكر ذلك، وقال: اجعله ابن عمران»، ومثله في «المنتقى من مكارم الأخلاق» للسلفي (٥٣٦).","vol":"2","page":347},{"text":"عن ابن عباس».\nوكذا قال أحمد: «حدثنا به وكيع في «المصنف» عن سفيان، عن سماك، عن عكرمة، ثم جعله بعد عن ابن عباس» (^١).\nومثل ذلك ما إذا<span data-type='title' id=toc-462> نص الراوي على أن سماعه من شيخه هو على صفة معينة، ولكنه تعمد تركها إلى صفة أخرى</span>، لأمر عارض، وقد تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، أن جماعة من الرواة يتصرفون في إسناد الحديث أو متنه على خلاف ما سمعوه من شيوخهم، لسبب من الأسباب، كإشكال يرونه في الإسناد أو المتن، وربما نصوا على ذلك في الحديث المعين، فمتى جاء عن الراوي اختلاف، ونص هو على أنه تعمد التغيير لأمر لا يرجع إلى الشك في الرواية، فالمعتمد هو ما رواه عن شيخه، وليس ما غيره.\nمثال ذلك ما رواه سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيدالله العمري، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تابع ما بين الحج والعمرة، فإن متابعة بينهما يزيدان في الأجل، وينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير الخبث» (^٢).\nورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وغيرهم، عن سفيان،\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٣٧١)، و«مسند أحمد» ١: ٣٥، ٣٠٨، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٠٩)، و«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٢٦)، و«التمهيد» ١: ٣٣٣، و«الأسماء المبهمة» حديث (١٤٨)، وانظر مثالا آخر في «علل ابن أبي حاتم» (٢٢٧٨).\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (١٧).","vol":"2","page":348},{"text":"وليس فيه: «يزيدان في الأجل»، وليس في رواية أحمد: «عن أبيه» (^١).\nقال الحميدي بعد أن ذكر عن سفيان اضطراب عاصم بن عبيدالله في إسناد الحديث: «قال سفيان: وربما سكتنا عن هذه الكلمة: «يزيدان في الأجل»، فلا نحدث بها، مخافة أن يحتج بها هؤلاء -يعني القدرية- وليس لهم فيها حجة» (^٢).\nوروى سفيان بن عيينة أيضا، عن عبيدالله بن أبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد، أن رسول الله - ﷺ - قال: «الربا في النسيئة» (^٣).\nقال الحميدي بعد أن رواه عن سفيان بن عيينة مرفوعا: «كان سفيان ربما لم يرفعه، فقيل له في ذلك، فقال: أتقيه أحيانا، لكراهية الصرف، فأما مرفوع فهو مرفوع» (^٤).\nوقد يكون التغيير من الشيخ، وتلميذه هو المختلف عليه.\nمثاله أن جماعة من أصحاب سفيان بن عيينة -منهم أحمد، والشافعي، وإسحاق بن راهويه- رووا عنه، عن ابن أبي نجيح، عن إسماعيل بن عبدالرحمن\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٢٨٨٧)، و«مسند أحمد» ١: ٢٥، و«مسند أبي يعلى» حديث (١٩٨)، و«تفسير الطبري» ٢: ٣١٠.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (١٧).\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (١٥٦٩)، و«سنن النسائي» حديث (٤٥٩٤)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٠٤.\n(^٤) «مسند الحميدي» حديث (٥٤٥)، وانظر مثالين آخرين في «مسند أحمد» ٤: ٣٩٧ حديث (١٩٥٤٦)، و«علل الدارقطني» ٧: ٢٢٢، ١٣: ٤٤٥ - ٤٤٦.","vol":"2","page":349},{"text":"الأسدي، قال: «صحبت ابن عمر إلى الحمى، فلما غربت الشمس هبت أن أقول له: الصلاة، فسار حتى ذهب بياض الأفق، وفحمة العشاء، ثم نزل فصلى المغرب ثلاث ركعات …» الحديث (^١).\nورواه الحميدي، عن سفيان بن عيينة، وفيه: «فلما غاب الشفق نزل فصلى المغرب …»، وقال الحميدي بعده: «قال سفيان: وكان ابن أبي نجيح كثيرا إذا حدث بهذا الحديث لا يقول فيه: «فلما غاب الشفق»، يقول: «فلما ذهب بياض الأفق، وفحمة العشاء، نزل فصلي»، فقلت له، فقال: إنما قال إسماعيل: «غاب الشفق»، ولكني أكرهه، فإذا أقول هكذا، لأن مجاهدا حدثنا أن الشفق النهار، قال سفيان: فأنا أحدث به هكذا مرة، وهكذا مرة» (^٢).\nوإذا لم يوقف على نص يفيد الباحث في رجوع الوجهين إلى وجه واحد فقد يمكنه ذلك بمعرفة حال الراوي حين تحديثه بالوجهين، إما نصا في الحديث الذي ينظر فيه الباحث، كأن يقول أحد تلامذته إنه حدث بهذا الوجه من حفظه، أو حال تغيره، وإما بالاستنباط، كأن يعرف أن أحد الراويين عنه أخذ عنه في حال تحديثه من حفظه، أو في حال تغيره، أو في بلد عرف أن أخطاءه كثرت فيه، أو لم يصرح بهذا الوجه بالتحديث، وقد عرف عنه التدليس، أو الإرسال،\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٥٩١)،، و«مسند أحمد» ٢: ١٢، و«الأم» ١: ٧٧، و«شرح معاني الآثار» ١: ١٦١، و«سنن البيهقي» ٣: ١٦١، ورواية الطحاوي -وهي من طريق الحماني، عن ابن عيينة- فيها: «فسار حتى ذهبت فحمة العشاء، ورأينا بياض الأفق»، والحماني ضعيف.\n(^٢) «مسند الحميدي» حديث (٦٨٠).","vol":"2","page":350},{"text":"أو وقف الحديث وقد عرف عنه التوقي في الرفع، والوجه الآخر بضد ذلك كله.\nوقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، أن حال الراوي يستعان بها في ترجيح كون الوجهين محفوظين عنه، فيعود الباحث الآن إلى حال الراوي مرة ثانية لتحديد ما هو المحفوظ في النهاية من هاتين الروايتين.\nوالأمثلة على ذلك كثيرة جدا، تقدم شيء منها في المبحث المشار إليه.\nومن ذلك أيضا أن إسرائيل بن يونس، ووالده يونس، وزهير بن معاوية -في رواية عنه- رووا عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، عن النبي - ﷺ -: «أنه كان يتعوذ من خمس: من الجبن، والبخل …» الحديث (^١).\nورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود (^٢).\nورواه زهير بن معاوية -في رواية عنه- عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن أصحاب النبي - ﷺ - (^٣).\nورواه الثوري، وشعبة، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٥٣٤)، و«سنن النسائي» حديث (٥٤٥٨)، و(٥٤٩٥ - ٥٤٩٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٨٤٤)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢، ٥٤، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٦٦، ١٨٦.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٥٤٦١).\n(^٣) «سنن النسائي» حديث (٥٤٩٧).","vol":"2","page":351},{"text":"ميمون مرسلا (^١).\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه زكريا بن أبي زائدة، وزهير، فقال أحدهما: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله، عن النبي - ﷺ -، وقال الآخر: عن عمرو بن ميمون، عن عمر، عن النبي - ﷺ -.\nفقالا: لا هذا، ولا هذا، روى هذا الحديث الثوري، فقال: عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: «كان النبي - ﷺ - يتعوذ …» مرسلا، والثوري أحفظهم.\nوقال أبي: أبو إسحاق كبر، وساء حفظه بأخرة، فسماع الثوري منه قديم.\nوقال أبو زرعة: تأخر سماع زهير، وزكريا، من أبي إسحاق» (^٢).\nونحو ذلك للدارمي، قال الترمذي: «قال عبدالله بن عبدالرحمن: أبو إسحاق الهمداني مضطرب في هذا الحديث، يقول: عمرو بن ميمون، عن عمر، ويقول عن غيره، ويضطرب فيه» (^٣).\nوروى سعدان بن يحيى، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «يوشك أقصى مسالح المسلمين أن يكون سلاح» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٥٤٩٨)، و«مسند البزار» حديث (١٨٥٨)، و«تهذيب الآثار» (مسند عمر) حديث (٨٥١ - ٨٥٢)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٥١٨٣)، و«علل الدارقطني» ٢: ١٨٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٦٦، ١٨٦.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٣٥٦٧).\n(^٤) «حديث هشام بن عمار» ص ١٦١، و«المعجم الأوسط» حديث (٦٧٤٣)، و«المعجم الصغير» حديث (٦٤٤).","vol":"2","page":352},{"text":"ورواه ابن وهب، والقاسم بن مبرور، عن يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة موقوفا، زاد القاسم في روايته عن يونس: قال الزهري: حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة، موقوفا (^١).\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه سعدان، عن يونس …، قال أبي: ورواه الزهري، عن سالم، سمع أبا هريرة، موقوفا، قال أبي: الموقوف أشبه.\nقلت: وما تنكر أن يكون سمع منهما؟ قال: أنكر، فإنه لا يحتمل أن يكون هذا من حديث قبيصة، وسعدان أرى أنه سمع من يونس بمكة، أو المدينة، ويونس لم تكن معه كتبه، قال وكيع: رأيت يونس بن يزيد بمكة، فجهدت أن يقيم لي إسناد حديث فلم يقمه، فنرى أن سعدان سمع منه بمكة، لأن حديثه، وحديث أبي ضمرة، وسليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى، متقارب» (^٢).\nوالأمر كما قال أبو حاتم في غلط يونس حين روى الحديث لسعدان، لكن دلت رواية القاسم بن مبرور أن أصل رواية قبيصة كانت عند يونس، عن الزهري، إلا أنه حين رواه لسعدان زاد في الإسناد، ونقص.\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «حدثنا أبو زرعة، عن محمد بن بكار، عن أبي معشر، عن عبدالله بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١١: ١٤٥، و«المستدرك» ٤: ٥٥١.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣١٧.","vol":"2","page":353},{"text":"دخل الخلاء يقول: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث».\nفسمعت أبا زرعة يقول: هكذا أملاه علينا من حفظه، وقيل لي: في كتابه: عن أبي معشر، عن حفص بن عمر بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، وهو الصحيح.\nوحدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا أبو معشر، عن حفص بن عمر بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي - ﷺ -» (^١).\nويمكن أيضا ترجيح أحد الوجهين اللذين ثبتا عن المدار بالنظر في صفة روايتيه، كأن يكون سلك الجادة في أحدهما، أو حمل رواية على أخرى، وقد يكون هذا مضموما إلى حال الراوي.\nفمن ذلك الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما روى معمر، عن الزهري، عن أنس في قصة كيه - ﷺ - لأسعد بن زرارة من مرض كان به، فمات، هكذا حدث به معمر بالبصرة، وقد حدث به باليمن، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، مرسلا.\nوالمعتمد من روايتيه ما رواه باليمن -كما تقدم شرح هذا-، وتأيد ذلك بأن معمرا في روايته بالبصرة سلك جادة سهلة، وهي الزهري، عن أنس.\nفهذا الأمثلة السابقة هي لصور أمكن فيها ترجيح وجه واحد بعد المدار،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٤، وقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٧: ٢٥٩١، من طريق هشيم، عن أبي معشر، لكنه لم يسم ابن أبي طلحة.","vol":"2","page":354},{"text":"بالنظر في حال المدار، وما جاء في روايتيه أو إحداهما.\nومثل هذا يقال في الدلالة على حفظ الوجهين بعد المدار، قد يوجد في روايتيه أو إحداهما ما يدل على حفظه للوجهين، وأمثلته كثيرة جدا، امتلأت بها كتب السنة، كأن يروي الراوي عن شيخ له إسنادا، ثم يقول بعده: فلقيت فلانا -الذي هو شيخ شيخه أو من فوقه- فحدثني به، فهذا النص يدل على أنه يرويه بنزول، ويرويه بعلو، وقد يذكر أنه لقي راويا آخر ليس في الإسناد، فيحدثه بالحديث بإسناد آخر، ونحو ذلك، وقد تقدم شرحه بأمثلته في المبحث الأول من الفصل الرابع من الباب الأول.\nومن أمثلة الركون إلى هذا في معالجة الاختلاف، أن أصحاب أبي إسحاق السبيعي اختلفوا عليه في حديث أُبي بن كعب في صلاة الجماعة، فقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن عبدالله بن أبي بصير، عن أُبي بن كعب، وقيل عنه: عن العيزار بن حريث، عن أبي بصير، عن أُبي بن كعب (^١).\nفذهب جمع من النقاد إلى ترجيح حفظها كلها، ومما اعتمدوا عليه في ذلك بالنسبة للأوجه الثلاثة الأول ما رواه شعبة، عن أبي إسحاق، ومفاده أنه سمعه من أبي بصير، عن أبي بن كعب، ومن ابن أبي بصير، عن أبيه، عن أبي، ومن\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٥٥٤)، و«سنن النسائي» حديث (٨٤٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٧٩٠)، و«مسند أحمد» ١: ١٤٠ - ١٤١، الأحاديث (٢١٢٦٥ - ٢١٢٧٤) وتخريجها في طبعة الأرنؤوط.","vol":"2","page":355},{"text":"ابن أبي بصير، عن أبي، وذلك أن أبا بصير، وابنه، سمعا الحديث جميعا من أبي بن كعب (^١).\nوروى الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي المطوس -أو ابن المطوس- عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا: «من أفطر يوما من رمضان من غير عذر لم يقض عنه صوم الدهر» (^٢).\nورواه شعبة -في رواية الجماعة عنه- عن حبيب، فأدخل عمارة بن عمير، بين حبيب، وأبي المطوس (^٣).\nسئل أبو حاتم عن الاختلاف بين الثوري وشعبة، فقال: «جميعا صحيحان، أحدهما قصَّر، والآخر جَوَّد» (^٤).\nهكذا أجاب أبو حاتم، جعل إسقاط عمارة بن عمير تقصيرا، وقال ابنه\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٢، ١٠٢، و«المستدرك» ١: ٢٤٩، و«سنن البيهقي» ٣: ٦٨، و«إتحاف المهرة» ١: ٢١٧.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٧٢٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٧٨ - ٣٢٨٣) و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦٧٢)، و«علل الدارقطني» ٨: ٢٦٨، ٢٧٠، ٢٧٢ - ٢٧٣، وقد قيل عن الثوري بإسقاط والد أبي المطوس أيضا، انظر: «مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٢٧٣ - ٢٧٤)، لكن المحفوظ عن الثوري ذكره.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٢٣٩٦)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٨٢ - ٣٢٨٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٨٦، ٤٥٢، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٢٧٥)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٥٢٢).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣١.","vol":"2","page":356},{"text":"عبدالرحمن بعد أن ذكر هذا الاختلاف مرة أخرى: «وجدت حديثا بين علة هذه الأحاديث، حدثنا أحمد بن سنان، قال: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عمارة بن عمير، عن أبي المطوس، قال حبيب: فلقيت أبا المطوس فحدثني عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، فقد بان أن جميع الحديثين صحيحان، قد سمع حبيب من عمارة، ومن أبي المطوس» (^١).\nوقد لا يوجد النص في الحديث المعين، ولكن يوجد في عموم حديث الراوي عن شيخه، مثاله أن قتيبة بن سعيد روى عن الليث بن سعد، قال: حدثني سعيد بن أبي هلال: «أن نفرا أتوا عائشة فقالوا: إنا نريد سفرا، فمن يؤمنا؟ …» الحديث.\nورواه أبو الوليد الطيالسي، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، هكذا بزيادة خالد بن يزيد، بين الليث، وسعيد بن أبي هلال.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٣، ورواية عبدالرحمن هذه أخرجها أحمد ٢: ٤٧٠، وقد رواه كذلك يحيى القطان، عن سفيان، أخرجه أبو داود حديث (٢٣٩٧)، وأحمد ٢: ٤٧٠، ورواه كذلك عن حبيب، عبدالغفار بن القاسم، أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٨: ٤٦٢، لكن في روايته: عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني عمارة بن عمير الليثي، قال: حدثني ابن المطوس، قال حبيب: فلقيته في دار عمرو بن حريث، فسألته عن هذا الحديث، فقال: حدثني أبو هريرة، عن النبي - ﷺ -»، هكذا أسقط والد ابن المطوس، وعبدالغفار هذا متروك الحديث.\nونحو هذا جاء عن شعبة أيضا، لكن فيه رؤية حبيب لأبي المطوس فقط، ليس فيه الرواية عنه، انظر: «مسند الطيالسي» حديث (٢٦٦٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٢٨٣)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (١٥٢١)، ولعل هذا سبب عدم إسقاط شعبة في المحفوظ عنه لعمارة.","vol":"2","page":357},{"text":"قال أبو حاتم عن هذا الاختلاف: «سمعت أبا صالح كاتب الليث، قال: قال الليث بن سعد: كان قرأ سعيد علي هذه الأحاديث، فشككت في بعضها، فأعدتها عن خالد بن يزيد (يعني عن سعيد)» (^١).\nومما يدل على حفظه للوجهين أن يكون ثقة ثبتا لم يوصف بالاضطراب، ويبعد أن يقع منه هذا، ويكون مع هذا واسع الرواية، لا يستغرب منه تعدد الشيوخ والأسانيد للحديث الواحد، مثل الزهري، وقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم، فإن النقاد كثيرا ما يستدلون بهذا على قرب احتمال أن يكون المدار حفظ الوجهين، وقد تقدم لهذا أمثلة في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، حيث ذكرته هناك من الأدلة على أن الاختلاف هو من المدار، وليس من الرواة عنه، فلسنا بحاجة إلى الترجيح والموازنة بينهم، فيستخدم هذا الدليل هنا حين النظر في الوجهين من المدار فمن فوقه، لبيان قرب حفظ المدار للوجهين.\nومن أمثلة ذلك أيضا أن الزهري يروي حديث النهي عن لبستين، وعن بيعتين، وقد اختلف عليه فيه على أوجه، أشهرها ثلاثة: الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي سعيد الخدري، والزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد، والزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن أبي سعيد، إلا أن رواية عبيدالله بن عبدالله اقتصر فيها على اللبستين، وقد صححه النقاد من هذه الأوجه الثلاثة، وما ذاك إلا لشأن الزهري، وجلالته، وأنه يرويه عن الثلاثة\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٩.","vol":"2","page":358},{"text":"هؤلاء، وحدث به عن كل واحد منهم (^١).\nوهؤلاء الثقات الحفاظ وأمثالهم هم الذين يحمل ما ورد عنهم من اختلاف في رفع الحديث ووقفه، أو في وصله وإرساله، إذا صحت الطرق إليهم، على أن ذلك منهم بحسب النشاط والكسل.\nوعكس هؤلاء من وصفوا بالاضطراب في حديثهم، إما في عموم حالهم، أو في شيوخ معينين، أو عن أهل بلد معين، ونحو ذلك، ويدخل فيهم المتروكون، والضعفاء، ومن يوصف بأنه صدوق، والثقة إذا كان في أدنى مراتب الثقة، وكذلك من يوصف باختلاف حاله بين حفظه وكتابه ونحو ذلك، ولم يتميز ما حدث به من كتابه، وكذلك المدلسون إذا جاء عن الواحد منهم ذكر شيخه وحذفه، فكل هؤلاء حالهم تدل على أن الاختلاف منهم، وليس من الرواة عنهم، كما سبق ذلك بأمثلته في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، ويستدل بذلك هنا على عدم حفظه للوجهين عن شيخيه إن كان الاختلاف في إبدال إسناد بآخر، وكذلك اضطرابه وتردده فيما يرويه بإسناد واحد، ويختلف عليه فيه في هذا الإسناد، وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو زيادة في الإسناد،\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٦٧)، (١٩٩١)، (٢١٤٤)، (٢١٤٧)، (٥٨٢٠)، (٥٨٢٢)، (٦٢٨٤)، و«صحيح مسلم» حديث (١٥١٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٣٧٧ - ٣٣٧٩)، و«سنن النسائي» حديث (٤٥٢٢ - ٤٥٢٤)، (٤٥٢٦ - ٤٥٢٨)، (٥٣٥٥ - ٥٣٥٦)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢١٧٠)، و(٣٥٥٩)، و«مسند أحمد» ٣: ٦، ١٣، ٤٦، ٩٥، و«علل الدارقطني» ١١: ٢٩٨، و«فتح الباري» ١: ٤٧٧.","vol":"2","page":359},{"text":"أو اختلافا في المتن (^١).\nوقد تقدم في «الجرح والتعديل» أن من أهم وسائل الأئمة في الحكم على الراوي النظر في ثباته أو اضطرابه فيما يرويه (^٢)، فهؤلاء قد يكون نزول رتبتهم\n-على تفاوتهم- عن الثقة الثبت بسبب الاضطراب الحاصل في رواياتهم.\nويلتحق بهؤلاء في الحكم الثقة الثبت إذا تبين أن الاختلاف منه، ولم يمكن حمله على تعدد الشيوخ، أو النشاط والفتور، وذلك كأن يأتي عنه أنه لم يتمكن من الحديث جيدا، فيقول مثلا: أراه عن فلان، أو أراه مرفوعا، أو لا أدري هو كذا أو كذا، أو يتردد في لفظ الحديث ولم يمكن الجمع بين روايتيه، ونحو ذلك.\nوالنقاد يلجؤون أحيانا إلى تحميل المدار عهدة الاختلاف مع كون الراوي بهذه الدرجة، غير أنه ليس بالكثير، ومنه قول أحمد: «اختلف شعبة، وسعيد، وهشام، في حديث أنس: «كان أصحاب النبي - ﷺ - تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون» في اللفظ، وكلهم ثقات» (^٣).\nومن ذلك أيضا رواية الزهري لقصة سهوه - ﷺ - في صلاته، وهو الحديث\n_________\n(^١) وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (١١ - ١٢)، (٢٦٣)، (٩٤٣)، (١٠٨٨)، (١٢٣٣ - ١٢٣٤)، (١٦١٣)، (١٤٤١)، و«علل الدارقطني» ٢: ٩، ٢٢، ٢٧.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ص ٩١ - ٩٥.\n(^٣) «مسائل أبي داود» ص ٤٣٨. ورواية هؤلاء الثلاثة هي عن قتادة، عن أنس، انظر: «صحيح مسلم» حديث (٣٧٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٢٠٠)، و«سنن الترمذي» حديث (٧٨)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٧٧، و«كشف الأستار» حديث (٢٨٢)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣١٩٩).","vol":"2","page":360},{"text":"المعروف بقصة ذي اليدين، قال ابن عبدالبر: «قد اضطرب على الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته …، لا أعلم أحدا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عَوَّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم له إسناد ولا متنا، وإن كان إماما عظيما في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد» (^١).\nويشار هنا إلى ضرورة تأني الباحث في تصحيحه وجهين رجح حفظهما عن المدار، فيصححهما بعده أيضا، فإن هذا مزلة قدم، قد يزل فيه من ينظر في الاختلاف، ويجتهد في تطبيق قواعده، فيسلك منهج المتأخرين في تصويب كل ما يرويه ثقة، ويتكلف لذلك كما يفعلون.\nروى الحميدي، وإبراهيم بن بشار، وعبدالرحمن بن يونس، ومحمد بن الصباح، ومحمد بن ميمون الخياط، وأحمد بن عبدة، ومحمد بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أمه أم كلثوم، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح»، وفي رواية الحميدي وإبراهيم بن بشار، قول سفيان: أخبروني عن الزهري، زاد الحميدي بعد سياق الحديث: ولم أسمعه من الزهري، وفي رواية عبدالرحمن بن يونس: ولم يسمعه سفيان من الزهري.\n_________\n(^١) «التمهيد» ١: ٣٦٤ - ٣٦٦. وانظر: «سنن النسائي الصغرى» حديث (١٢٢٩ - ١٢٣٢) و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٥٦٤ - ٥٦٨)، (١١٥٢ - ١١٥٥)، و«التمييز» ص ١٨٣، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٠٤٠ - ١٠٥١).","vol":"2","page":361},{"text":"تعرض أحد الباحثين لهذين الوجهين عن سفيان بن عيينة، وذكر أنهما محفوظان عن ابن عيينة، لثقة رواتهما.\nولا إشكال في ذلك، وهو كاف في ترجيح حفظهما عن ابن عيينة، لكن الباحث قال بعد ذلك: «ولا يعكر على ما ذكرت قول سفيان في رواية الحميدي: ولم أسمعه من الزهري، إذ يمكن حمل ذلك على تعدد السماع، وأنه سمع الحديث في أول الأمر عن الزهري بواسطة، ثم سمعه منه مباشرة …».\nكذا قال الباحث، انتقل من الحديث عن المحفوظ عن ابن عيينة، إلى المحفوظ بعده، وليس هذا موضع الشاهد هنا، فإن الاستعانة بصفة الأوجه بعد المدار في النظر في الاختلاف عليه أمر متقرر، وإنما الشاهد هنا أن الباحث لم يتمعن جيدا فيما قال عن سماع ابن عيينة لهذا الحديث من الزهري، فأبعد النجعة جدا، فسفيان حين قال للحميدي ومن معه إنه لم يسمعه من الزهري كان ذلك بعد وفاة الزهري بدهر طويل، فلا يمكن أن يكون سمعه منه مباشرة مرة أخرى، فالمحفوظ من روايتيه إذن ذكر واسطة بينه وبين الزهري، والأخرى مدلسة، ارتكب فيها سفيان التدليس بلا شك.\nوإذا فرغ الباحث من النظر في المدار وما ورد عنه، وصفه روايتيه، انتقل إلى جانب آخر يساعد في معرفة الراجح من روايتي المدار، فينتقل إلى الطرق الأخرى خارج المدار، فينظر إن كان هناك من شارك المدار في الرواية عن شيخه لهذا الحديث، فإن وجد أحدا شارك المدار تأمل في روايته هل رواه على الوجهين؟ أو على أحد الوجهين؟ أو أتى بوجه جديد؟ وهكذا في الطبقة التي تليها، حتى","vol":"2","page":362},{"text":"نهاية الإسناد، وذلك في حال كون الوجهين إسنادهما بعد المدار واحدا، والاختلاف فيه وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو بزيادة راو، أو بالاختلاف في متن الحديث، فإن كان الوجهان بإسنادين مختلفين نظر الباحث في متابعات المدار ومن فوقه لكل إسناد منهما، ونظر إن كان بين هذه المتابعات ورواية المدار اختلاف.\nوكما تقدم في المبحث الذي قبل هذا حين يكون مع الباحث وجه واحد راجح، فقد طولب الباحث في حكمه على الوجه الراجح أن ينظر في الطرق الأخرى خارج المدار، وقيل هناك إن الطرق الأخرى قد تبقي الراجح راجحا، وقد تحوله إلى مرجوح، وقد يكون الراجح خارج الاختلاف على المدار الأساس، إلى غير ذلك من الصور.\nوالأمر كذلك هنا، نتيجة النظر هذه قد تقود إلى تأكيد ما وصل إليه الباحث حين نظر في المدار نفسه، وفي صفة روايتيه، كأن يترجح من النظر فيه أحد الوجهين اللذين حفظا عنه، فيزداد هذا الترجيح قوة برواية من شارك المدار، أو من فوقه، وكأن يترجح من النظر في المدار حفظ الوجهين، فيتأكد هذا بالطرق العليا، وقد تتغير نتيجة النظر في المدار، كأن يتبين من النظر فيه حفظ أحد الوجهين، ومن النظر في الطرق الأخرى أنه قد غلط فيه والصواب الوجه الآخر، أو يتبين من النظر في المدار حفظه للوجهين، ثم يتبين غلطه في أحدهما، وقد يكون الراجح خارج روايتيه تماما.\nوفوق ذلك أن الباحث ربما وجد طرقا أخرى إلى شيخ المدار يترجح بها خلاف ما ترجح عن المدار، ثم يجد طرقا أخرى فوق شيخ المدار تخالف هذا","vol":"2","page":363},{"text":"الترجيح، فقد يترجح الوجه الذي كان مرجوحا، وقد يترجح حفظ الوجهين جميعا.\nوفي أحيان كثيرة لا يجد الباحث طرقا أخرى خارج المدار يستعين بها في النظر والموازنة، فتبقى النتيجة على حالها.\nويتركب مما تقدم صور كثيرة لا حصر لها، في حاصل نتيجة النظر في المدار، وفي الطرق خارج المدار، وسأذكر الآن أمثلة لما تقدم، غير أني سأقتصر على بعض هذه الصور خشية الإطالة.\nفمن ذلك حديث سعد بن إبراهيم الماضي في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه سعد، عن الزهري، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، ورواه مرة أخرى عن الزهري مرسلا، وكلتا الروايتين ثابتة عنه، والرواية بذكر أبي الطفيل حدث بها من حفظه فهي غلط إذن، والراجح الإرسال.\nوقد تأيد هذا بأن أصحاب الزهري الآخرين رووه عنه بالإرسال، فقد ذكر الدارقطني أن معمرا وغيره رووه عن الزهري مرسلا (^١).\nوكذلك الحديث الماضي في المبحث المشار إليه، وهو حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا …» الحديث، فقد تقدم هناك أن سفيان يتردد فيه، فيرويه هكذا في أكثر أحيانه، وربما رواه بلفظ: «من قام رمضان …».\nولم يترجح بالنظر لحال سفيان شيء منهما، اللهم إلا أن يقال إن سفيان مع تردده يميل إلى أنه حفظه عن الزهري باللفظ الأول، ولهذا فهو يذكره في الغالب.\n_________\n(^١) «العلل» ٧: ٤١.","vol":"2","page":364},{"text":"وبالنظر في الطرق الأخرى إلى الزهري نجد أن المحفوظ هو اللفظ الثاني: «من قام رمضان …»، هكذا رواه مالك، ومعمر، وعقيل بن خالد، وشعيب بن أبي حمزة، وابن أبي ذئب، ويونس بن يزيد، وغيرهم، عن الزهري، وفي بعض رواياتهم ما يدل يؤكد أنه المحفوظ ففيها: «كان رسول الله - ﷺ - يرغب في قيام رمضان، من غير أن يأمرهم بعزيمة …» (^١).\nوقد رواه مع الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن ثلاثة: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن عمرو بن علقمة.\nفأما يحيى بن سعيد فمدار روايته على محمد بن فضيل، وقد رواه بلفظ: «من صام رمضان …» (^٢).\nوأما يحيى بن أبي كثير فرواه عنه أبان بن يزيد، وشيبان بن عبدالرحمن، وهمام، ومعاوية بن سلام، بلفظ القيام، واختلف على هشام الدستوائي، والأوزاعي، فجاء عنهم على الوجهين (^٣).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٧)، (٢٠٠٨)، و«صحيح مسلم» حديث (٧٥٩)، و«سنن أبي داود» حديث (١٣٧١)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٠٢)، (٢١٩٣ - ٢١٩٧)، (٢٢٠٠)، (٥٠٤١)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٤١٧)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٤١، ٢٨١، ٢٨٩، ٥٢٩، و«صحيح ابن حبان» حديث (٢٥٤٦).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٣٨)، و«سنن النسائي» حديث (٢٢٠٤)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٦٤١)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٢، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٤٣٢).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (١٩٠١)، و«صحيح مسلم» حديث (٧٦٠)، و«سنن النسائي» حديث (٢٢٠٥ - ٢٢٠٦)، (٥٠٤٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٤١٤ - ٣٤١٥)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٠٨، ٤٢٠، ٤٧٣، و«سنن الدارمي» حديث (١٧٧٦).","vol":"2","page":365},{"text":"وأما محمد بن عمرو بن علقمة فجمع بين اللفظين في أكثر الروايات عنه: «من صام رمضان، وقامه …»، وجاء عنه بلفظ الصيام وحده (^١).\nوقد وقع في بعض الأسانيد إلى هؤلاء أخطاء في الإسناد والمتن، تركتها هنا اختصارا (^٢).\nفتلخص مما تقدم أن أبا سلمة بن عبدالرحمن يروي عن أبي هريرة حديثين، أحدهما بلفظ: «من قام رمضان …»، وهذا يرويه عنه الزهري، ويحيى بن أبي كثير.\nوالثاني بلفظ: «من صام رمضان …»، وهذا يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، وكذا يرويه -فيما يظهر- يحيى بن أبي كثير، فإن ممن رواه عنه بهذا اللفظ هشام الدستوائي، وهو المقدم في أصحاب يحيى بن أبي كثير، وقد جاء عن هشام من رواية جماعة من أصحابه.\nوأما جمع محمد بن عمرو بن علقمة بين اللفظين فيحتمل أن الحديثين كانا عنده عن أبي سلمة، فجمع بينهما، وهو متكلم فيه من قبل حفظه (^٣).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٦٨٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٣٢٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٨٥، ٥٠٣، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٦٨٢)، و«شرح السنة» حديث (١٧٠٧).\n(^٢) انظر: «سنن أبي داود» حديث (١٣٧١)، و«سنن النسائي» حديث (٢١٩٠ - ٢١٩٢)، و(٢٢٠٧ - ٢٢٠٩)، و«التاريخ الكبير» ٨: ٨٨، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٢٠١)، و«علل الدارقطني» ٩: ٢٢٥ - ٢٣١.\n(^٣) وانظر في رواية محمد بن عمرو: «تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٢٣٨ - ٢٣٩.","vol":"2","page":366},{"text":"وقد شارك أبا سلمة بن عبدالرحمن بن عوف في رواية حديث القيام أخوه حميد بن عبدالرحمن (^١)، وأما حديث الصيام فلم يصح إلا عن أبي سلمة وحده.\nوأخرج الترمذي، عن الدارمي، عن زكريا بن عدي، عن عبيدالله بن عمرو الرقي، عن عبدالملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، وعمرو بن ميمون، قالا: «كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المكتب الغلمان، ويقول: إن رسول الله - ﷺ - كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الخبث …» الحديث.\nثم قال الترمذي: «قال عبدالله بن عبدالرحمن (يعني الدارمي): أبو إسحاق الهمداني مضطرب في هذا الحديث، يقول: عن عمرو بن ميمون، عن عمر، ويقول عن غيره، ويضطرب فيه» (^٢).\nومراد الدارمي، والترمذي، أن أبا إسحاق يضطرب في روايته لهذا الحديث عن عمرو بن ميمون، فالمصير إلى رواية غيره ممن لم يضطرب، وهو عبدالملك بن عمير، وروايته خارج الأوجه التي جاءت عن أبي إسحاق، وقد تقدمت الأوجه التي يروي أبو إسحاق الحديث عليها قريبا في هذا المبحث، وتقدم هناك أن الرازيين -أبا حاتم وأبا زرعة- يحملانه الاضطراب كذلك، لكنهما رجحا ما رواه قديما، وهو ما رواه عنه الثوري.\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٣٧)، و(٢٠٠٩)، ومسلم حديث (٧٥٩)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٠١ - ١٦٠٢)، (٢١٩٨ - ٢٠٠)، (٥٠٤٠ - ٥٠٤١)، و«مسند أحمد» ٢: ٤٨٦.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٣٥٦٧).","vol":"2","page":367},{"text":"ومن ذلك أيضا أن جماعة من الرواة -منهم أحمد، وسعيد بن عبدالرحمن المخزومي، ومحمد بن الصباح، وغيرهم- رووا عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، قال: «قلت: يا رسول الله، أرأيت دواء نتداوى به، ورقى نسترقي بها …» الحديث (^١).\nورواه آخرون -منهم محمد بن أبي عمر العدني، وحسين بن محمد، ويحيى بن أبي بكير، وغيرهم- عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه (^٢).\nورواه جماعة من أصحاب الزهري -منهم الزبيدي، ويونس، وصالح بن كيسان، وغيرهم- عن الزهري، كالرواية الثانية عن ابن عيينة، قالوا: عن أبي خزامة، عن أبيه (^٣).\nوبرواية الجماعة هذه خطأ النقاد الوجه الأول عن سفيان، فكان سفيان يخطئ فيه، وبدون رواية الجماعة عن الزهري الترجيح غير ممكن، فقد رواه أحمد، عن سفيان بن عيينة، على الوجه الأول الذي انفرد به، ثم رواه أحمد بواسطة حسين بن محمد، ويحيى بن أبي بكير، عن سفيان، على الوجه الذي وافق فيه\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢١٤٨)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٤٣٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٢١، و«كنى الدولابي» ١: ٢٦، و«مكارم الأخلاق» حديث (٥٣٥).\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٠٦٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٢١.\n(^٣) «مسند أحمد» ٣: ٤٢١، و«مشيخة ابن طهمان» ص ٨٦، و«جامع ابن وهب» حديث (٦٩٩)، و«المعرفة والتاريخ» ١: ٤١٢، و«المستدرك» ٤: ١٩٩، و«أسد الغابة» ١: ٣٩٥.","vol":"2","page":368},{"text":"أصحاب الزهري، وقال أحمد: «وهو الصواب، كذا قال الزبيدي» (^١)، وقال مرة: «والحديث إنما يروى عن أبي خزامة، عن أبيه، رواه يونس، والزبيدي -يعني محمد بن الوليد-، وهو أصحهما» (^٢).\nوقال الترمذي بعد أن أخرج رواية سفيان على الوجه الأول: «وقد روى غير واحد هذا عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، هكذا قال غير واحد عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه» (^٣).\nوكذا خطأ سفيان في قوله: عن ابن أبي خزامة غير واحد من النقاد (^٤).\nوروى آدم بن أبي إياس، والخصيب بن ناصح، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (^٥).\nورواه موسى بن إسماعيل التبوذكي، عن حماد بن سلمة به موقوفا.\nقال البخاري بعد أن ذكر الاختلاف على عمرو بن دينار، ورجح وقفه على جابر من طريقه: «وقال لنا آدم: حدثنا حماد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، ولم يصح، لأن موسى حدثنا عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: «ليس فيما دون خمس أوساق صدقة»، وقال لنا إسماعيل: حدثني ابن أبي الزناد،\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٤٢١.\n(^٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ١٦٧.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٢١٤٨)، وانظر كلامه على الحديث (٢٠٦٥).\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٣٣٨، و«علل الدارقطني» ٢: ٢٥١.\n(^٥) رواية الخصيب أخرجها الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢: ٣٥.","vol":"2","page":369},{"text":"عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قوله» (^١).\nفضعف البخاري رواية حماد بن سلمة المرفوعة باضطراب حماد، وأنه قد رواه مرة موقوفا، والراويان عنه عند البخاري للرفع والوقف، وهما آدم بن أبي إياس، وموسى بن إسماعيل، ثقتان جليلان، ثم فزع البخاري إلى طبقة المدار، فرواه من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير موقوفا، فترجح إذن من روايتي حماد بن سلمة الوقف.\nوللحديث طرق أخرى إلى أبي الزبير مرفوعة وموقوفة، ويتحصل في النهاية أن الراجح وقف الحديث على جابر، كما ذهب إليه البخاري (^٢).\nوروى عبيدالله بن معاذ، ومحمد بن عبدالأعلى، وسويد بن سعيد، وغيرهم، عن المعتمر بن سليمان التيمي، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، وسعيد بن زيد، قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (^٣).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ١: ٢٢٤.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٩٨٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٩٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٦، و«مسند الطيالسي» حديث (١٨٠٨)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٧٢٥٠)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٣٧٠، و«التاريخ الكبير» ١: ٢٢٤، و«الأموال» لأبي عبيد حديث (١٤٢٧)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٤، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٢٩٨ - ٢٢٩٩)، (٢٣٠٤ - ٢٣٠٦)، و«التمهيد» ١٣: ١١٧.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٤١)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٧٨٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٩٧٢)، و«مسند الشهاب» حديث (٧٨٣)، و«تاريخ بغداد» ١٢: ٣٢٩.","vol":"2","page":370},{"text":"ورواه سعيد بن منصور، عن المعتمر، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة بن زيد وحده (^١).\nوهكذا رواه الجماعة من أصحاب سليمان التيمي، منهم شعبة، وسفيان بن عيينة، وهشيم، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، وإسماعيل بن علية، وغيرهم (^٢).\nوقد أخرج مسلم روايتي المعتمر بذكر سعيد بن زيد وحذفه، لكن سياقه يشعر بتخطئته في الزيادة، فإنه افتتح الحديث برواية المعتمر التي ليس فيها ذكر سعيد بن زيد، ثم أعقبها برواية المعتمر التي فيها ذكره، ثم ساق الطرق الأخرى إلى سليمان اليتمي بحذف الزيادة، ليبين أن المعتمر أخطأ حين ذكر الزيادة.\nوقد خطأ المعتمر بذكر الزيادة غير واحد من النقاد (^٣).\nوروى أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «رخص رسول الله - ﷺ - في قتل الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٤٠).\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٥٠٩٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٧٤٠ - ٢٧٤١)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٧٨٠)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩١٥٣)، (٩٢٧٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٩٩٨)، و«مسند أحمد» ٥: ٢٠٠، ٢١٠.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (٢٧٨٠)، و«مسند البزار» حديث (١٢٥٥).\n(^٤) «الضعفاء الكبير» ١: ١٠٩، و«مسند البزار» (٨٦٢٥).","vol":"2","page":371},{"text":"قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي، وأبا زرعة، عن حديث رواه أيوب بن عتبة …، فقالا: هذا خطأ، إنما هو يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، قلت لهما: الخطأ ممن هو؟ قالا: من أيوب، حدث به مرة على الصحة عن ضمضم، ومرة على الخطأ» (^١).\nورواية أيوب على الخطأ سلك فيها الجادة فأخطأ، وقد تأكد خطؤه برواية الحفاظ من أصحاب يحيى بن أبي كثير للحديث عن يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، ومنهم علي بن المبارك، ومعمر، وهشام الدستوائي (^٢).\nقال البزار: «هذا الحديث أخشى أن يكون أخطأ فيه أيوب بن عتبة في إسناده، إذ رواه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وإنما يرويه الحفاظ عن يحيى، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة» (^٣).\nوقال ابن أبي حاتم أيضا: «وسألت أبي عن حديث رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: «كان النبي - ﷺ - يباشر أم سلمة …» الحديث.\nقال أبي: حدثنا صفوان، قال: حدثني الوليد مرة فوصله، ومرة حدثنا به\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦١.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٩٢١)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٩٠)، و«سنن النسائي» حديث (١٢٠١ - ١٢٠٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٢٤٥)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٣، ٢٤٨، ٢٥٥، ٢٨٤، ٤٧٣، ٤٧٥، ٤٩٠.\n(^٣) «مسند البزار» ١٥: ٢١٤.","vol":"2","page":372},{"text":"فأرسله، قال أبي: الناس يروونه عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - مرسلا» (^١).\nوروى حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم»، وقد قيل عن حاتم أيضا، عن أبي سعيد، مكان أبي هريرة (^٢).\nهكذا تردد فيه حاتم بن إسماعيل، وقد تبين من الطرق الأخرى أن الراجح خارج روايتيه، فقد سئل أبو حاتم، وأبو زرعة، عن روايتي حاتم فقالا: «الصحيح عندنا -والله أعلم-: عن أبي سلمة، أن النبي - ﷺ - … مرسل».\nقال أبو حاتم: «ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، أن النبي - ﷺ - …، وهذا الصحيح، ومما يقوي قولنا أن معاوية بن صالح، وثور بن يزيد، وفرج بن فضالة، حدثوا عن المصاهر بن حبيب، عن أبي سلمة، عن النبي - ﷺ -، هذا الكلام».\nوقال أبو زرعة: «وروى أصحاب ابن عجلان هذا الحديث عن أبي سلمة مرسلا»، قيل له: من؟ قال: «الليث، أو غيره» (^٣).\nوروى الجماعة من أصحاب محمد بن أبي ليلى عنه، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي، قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (٢٦٠٨ - ٢٦٠٩).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٤، وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٣٤٤، و«علل الدارقطني» ٩: ٣٢٦.","vol":"2","page":373},{"text":"قال: (آمين)» (^١).\nوقيل عن ابن أبي ليلى، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي (^٢)، وقيل عن ابن أبي ليلى، عن عبدالكريم بن أبي المخارق، عن عبدالله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي.\nقال الدارقطني: «الاضطراب في هذا من ابن أبي ليلى، لأنه كان سيئ الحفظ، والمشهور عنه حديث حجية بن عدي» (^٣).\nونحوه لأبي حاتم وقد ذكر له ابنه الوجهين الأولين، وذكر أبو حاتم أن الصواب خارج هذه الأوجه كلها، وهو: سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، عن وائل بن حجر (^٤).\nوحديث سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، أو أبي العنبس، يرويه عن سلمة حافظان جليلان، وهما سفيان الثوري، وشعبة، وقد اختلفا في غير موضع في الإسناد والمتن، فلا بد من النظر في هذا الاختلاف، وتحرير المحفوظ منه، وقد تقدم هذا في المبحث من الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوروى عبدالأعلى بن عبدالأعلى، وحماد بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يتقارب الزمان،\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (٨٥٤)، و«علل الدارقطني» ٣: ١٨٥.\n(^٢) «المعجم الأوسط» حديث (٥٥٥٩).\n(^٣) «علل الدارقطني» ٣: ١٨٦.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٣.","vol":"2","page":374},{"text":"وينقص العمل …» الحديث (^١).\nوعبدالأعلى بن عبدالأعلى، وحماد بن زيد، بصريان، ورواية معمر بالبصرة فيها ضعف، كما تقدم غير مرة، وقد رواه معمر باليمن فلم يذكر أبا هريرة، هكذا رواه عنه عبدالرزاق (^٢).\nقال الدارقطني في تعليل رواية معمر الموصولة: «يقال إن معمرا حدث بالبصرة من حفظه بأحاديث وهم في بعضها» (^٣).\nفإذا انتقلنا إلى طبقة الزهري فما رواه الجماعة شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، وغيرهم - يخالف روايتي معمر، فقد رووه عن الزهري، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، فهي علة للموصول عن سعيد بذكر أبي هريرة، وقد أشار البخاري إلى هذه العلة بعد أن أخرج طريق سعيد الموصول، وكذا أعله البزار، والدارقطني بها (^٤).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٧٠٦١)، و«صحيح مسلم» حديث (١٥٧، الموضع الثاني، بعد حديث ٢٦٧٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤٠٥٢)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٣، و«التتبع» ص ١٦١.\n(^٢) «مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٠٧٥١).\n(^٣) «التتبع» ص ١٦١.\n(^٤) «صحيح البخاري» حديث (٦٠٣٧)، (٧٠٦١)، و«صحيح مسلم» حديث (١٥٧، الموضع الثاني، بعد حديث ٢٦٧٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٤٢٥٥)، و«مسند أحمد» ٢: ٥٢٥، و«مسند البزار» حديث (٧٧١٩)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٥٢٢)، (٤٦٨٢)، و«التتبع» ص ١٦١، و«علل الدارقطني» ٩: ١٨١.","vol":"2","page":375},{"text":"وعلى هذا فيحتمل أن يكون ذكر سعيد بالوصل والإرسال وهما من معمر، فإنه لم يتابع على ذكره، ويحتمل أن يكون وهمه في ذكر أبي هريرة في طريق سعيد، ويكون الزهري له إسنادان في هذا الحديث: حميد، عن أبي هريرة، وسعيد مرسلا، لكن إنما يقوى حفظه لهذا الأخير لو كان معمر قد شارك الجماعة في رواية حديث حميد، وروى الإسناد الآخر.\nومن ذلك أيضا في معمر، أن عبدالرزاق، وعبدالله بن المبارك، رويا عنه، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم، عن عبدالرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، عن أبي بن كعب، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن من الشعر حكمة» (^١).\nورواه رباح بن زيد، وهشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث، عن مروان بن الحكم (^٢).\nوالمعتمد من روايتي معمر الثانية، فقد قال رباح بن زيد: «أخرج معمر كتابه فإذا فيه: عن أبي بكر بن عبدالرحمن»، قال ابن حجر بعد أن ذكر هذا: «كأن معمرا حدث به من حفظه فأبدل، وكتابه أتقن» (^٣).\nوقد تأيد هذا بأن الجلة من أصحاب الزهري، ومنهم شعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد، وزياد بن سعد، وإبراهيم بن سعد، وغيرهم - رووه عن الزهري\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٥: ١٢٥.\n(^٢) «مسند أحمد» ٥: ١٢٥، و«الوسيط» للواحدي ٣: ٣٦٦.\n(^٣) «النكت الظراف» ١: ٣٢.","vol":"2","page":376},{"text":"كرواية رباح، وهشام، عن معمر، إلا أن إبراهيم بن سعد -في قول الجماعة عنه- كان يقول: عن عبدالله بن الأسود، مكان: عبدالرحمن بن الأسود، وخطأه النقاد في ذلك (^١).\nوقد وقع لابن عيينة نحو ما وقع لمعمر في ذكر عروة، وإن كان ابن عيينة يرسله (^٢).\nوالخلاصة أن المتابعات للمدار ومن فوقه هامة جدا في حال وجود وجهين أو أكثر توصل الباحث إلى أنها كلها محفوظة عن المدار، وذلك لمعرفة الراجح من هذه الأوجه، أو من خارجها.\nفإذا فرغ الباحث من النظر في المدار، وفي صفة روايتيه، وفي الطرق فوق المدار، فما يصل إليه في النهاية من نتيجة سواء ترجح وجه واحد أو أكثر - هو الذي يعتمده ويحكم على إسناده حكمه النهائي، ويتعامل الباحث معه -من حيث الجملة- كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا، حين يكون عند الباحث وجه واحد راجح عن المدار، فيطبق ما تقدم هناك في الفقرة الخامسة، في الحديث عن الوجه الراجح، وكيفية تعامل الباحث معه، بعد فراغه من النظر في المدار، وما فوقه من طرق، فالحكم في الحالين واحد، وهو النظر في إسناد لوجه محفوظ، أو في أسانيد\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦١٤٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٥٠١٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٧٥٥)، و«مسند أحمد» ٣: ٤٥٦، ٥: ١٢٥.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٨: ٥٠٣، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٧٢٣ - ٧٢٤. وانظر مثالا آخر في «علل ابن أبي حاتم» (٦٠٣).","vol":"2","page":377},{"text":"لأوجه محفوظة، فلا أعيد ما ذكرته هناك.\nوكذلك الحال في الوجه المرجوح هنا، إن كان يوجد وجه مرجوح، أحكامه تقدمت في المبحث السابق بتفاصيلها.\nوأستثني من ذلك ثلاث قضايا، أتحدث عنها هنا:\n١ - إذا وقف الباحث على طرق أخرى خارج المدار للوجهين اللذين حفظا عن المدار، أو لأحدهما، وأراد أن يستعين بها في ترجيح حفظ الوجهين بعد المدار، أو حفظ أحدهما، فالباحث حينئذ ملزم قبل أن يستفيد من هذه الطرق أن يطبق عليها قواعد الاستعانة بطرق أخرى للترجيح.\nومن القواعد أن هذه الطرق لا يصح أن تغير من النتيجة السابقة في نظر الباحث في المحفوظ قبل المدار، فهو هنا ينظر في المحفوظ بعد المدار، والأصل أنه قد فرغ من المرحلة الأولى، فإن تغيرت النتيجة، وعاد الباحث فقرر أن المحفوظ عن المدار أحد الوجهين، فمعناه أنه قد اضطرب في معالجته للاختلاف قبل المدار، فقرر مسبقا حفظ وجهين، وذلك قبل أن يستكمل النظر في دلائل هذا الرأي، ثم عاد بعد أن استكملها فنقض هذه النتيجة، وهذا لا يصح أبدا.\nومنها أن هذه الطرق التي يريد أن يستعين بها عليه أن يفحصها جيدا، من جهة رواتها، وسماع بعضهم من بعض، ويطبق عليها قواعد التفرد، ويفعل بها كما فعل في الإسناد الأصل الذي ابتدأ به.\nثم عليه أن يفحصها جيدا من جهة وجود اختلاف على بعض رواتها، فإن","vol":"2","page":378},{"text":"وجد شيئا من ذلك فعليه أن ينشئ نظرا جديدا في هذا الاختلاف، ويطبق عليه قواعد النظر في الاختلاف بصفة عامة، ويتوصل إلى نتيجة فيه هي التي ينقلها ليستفيد منها في نظره في المحفوظ بعد مداره الأساس.\nومنها كذلك أن الباحث بعد فحص هذه الطرق وظهور صلاحيتها للترجيح، عليه أن يتمعنها جيدا، فقد يكون في أسانيدها أو متونها دلائل يستعين بها في معرفة المحفوظ بعد المدار، من وجود قصة مثلا، أو وجود راو في المتن نقل إلى الإسناد، ونحو ذلك من الدلائل التي تدخل في صفة الرواية، وهي التي تقدمت في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nومنها -وهو أمر بالغ الأهمية- أن يلاحظ الباحث قرب المتابعة من المدار وبعدها، وإمكانية الترجيح بما لا يستبعد عقلا.\nوكل هذه القواعد وغيرها تقدم شرحها في المبحث الخاص بالاستعانة بطرق أخرى خارج المدار للترجيح بها في المحفوظ عن المدار، وهو المبحث الرابع من الفصل الثاني من هذا الباب، فالحكم في الحالين واحد، فهناك كان الحديث عن الاستعانة بهذه الطرق للترجيح قبل المدار في أوجه وردت عنه، وهنا يستعان بها في الترجيح في أوجه حفظت عنه.\n٢ - إذا تحرر عند الناظر في الاختلاف في نهاية الأمر وجهان أو أكثر، وكان أحد الوجهين متضمنا للآخر، متمما له، فالحكم حينئذ يكون للوجه التام، ويندرج تحته الوجه الناقص، فلا حكم له.","vol":"2","page":379},{"text":"ولهذا صور كثيرة، منها أن يحفظ عن المدار أو عمن بعده وجهان، أحدهما موصول، والآخر مرسل بإسقاط الصحابي، فالحكم للموصول، والمرسل انضوى تحته، فلا حكم له، وهكذا في الرفع والوقف.\nومنها أن يسقط الراوي شيخه أو من فوقه مرة، ويذكره أخرى، تدليسا، أو إرسالا، فالحكم للإسناد الذي أتى فيه بزيادة الراوي، والإسناد الآخر الناقص لا حكم له.\nومن هذا الباب قول ابن حجر في توجيه إخراج البخاري لحديث اختلف فيه على الزهري وصلا وإرسالا، في قصة إتيان صفية إليه - ﷺ - وهو معتكف، فقيل عنه، عن علي بن الحسين، عن صفية أم المؤمنين، وقيل عنه، عن علي بن الحسين مرسلا، وأكثر الطرق إلى الزهري على وصله، ومنهم من رواه على الوجهين، قال ابن حجر: «واعتمد المصنف الطريق الموصولة، وحمل الطريق المرسلة على أنها عند علي، عن صفية، فلم يجعلها علة للموصول، والله أعلم» (^١).\nوقد تقدم في المبحث السابق أن النقاد في حال ترجيح وجه واحد عن المدار، وتخطئة الآخر، قد يصححون الوجه الخطأ إذا كان الوجه الآخر متمما له،\n_________\n(^١) «فتح الباري» ٤: ٢٨٧، وانظر طرق هذا الحديث في: «صحيح البخاري» حديث (٢٠٣٥)، (٢٠٣٨ - ٢٠٣٩)، (٣١٠١)، (٣٢٨١)، (٦٢١٩)، (٧١٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٢١٧٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٣٣٤)، (٣٣٥٧ - ٣٣٥٩)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٧٧٩)، و«مسند أحمد» ٦: ٣٣٧، و«مسند أبي يعلى» حديث (٧١٢١)، و«علل الدارقطني» ١٥: ٢٩٠.","vol":"2","page":380},{"text":"فصارا وجها واحدا، فكذلك هنا من باب أولى، فمعنى حفظ وجهين عن المدار هنا وأحدهما ناقص هو بمعنى الترجيح، وإن لم يعبر عنه بالخطأ، فالراوي الذي عليه الاختلاف حين حدث بالناقص لم يأت بالرواية كما سمعها فهو بمعنى المرجوح إذن.\nوأحكام الوجه المرجوح بابها واحد، لكنني اضطررت إلى إعادة بيان هذه القضية هنا لما فيها من الخفاء، فحفظ وجهين عن المدار، أحدهما تام، والآخر ناقص، قد لا يتفطن الباحث لقضية أن الوجه الناقص هو بمعنى المرجوح، فيذهب يحكم عليه لوحده.\nوهذا رأيته في عمل كثير من الباحثين، إذا وصل إلى نتيجة حفظ الوجهين بعد المدار موصول ومرسل -مثلا- حكم على الموصول بحكم، ثم عاد فحكم على المرسل، فيقول مثلا: وقد تبين من الدراسة أن الوجهين محفوظان عن الأعمش، أو عن قتادة، أو عن الزهري، وهذا منه، تارة ينشط فيصل الحديث، وتارة يفتر فيرسله، والحديث من وجهه الموصول صحيح، وأما من وجهه المرسل، فهو ضعيف، وربما زاد الباحث على ذلك فيقول: ولكن هذا المرسل له متابعات، أو شواهد تقويه، فيرتقي إلى الصحيح لغيره.\nهكذا رأيت بعض الباحثين يحرر نتيجته، وفي تحريرها بهذه العبارة وأمثالها خلل ينبغي على الباحث أن يتجنب الوقوع فيه.\nومن الإيغال في التفرقة بين الإسنادين على هذه الصورة أن أحد الإخوة","vol":"2","page":381},{"text":"الباحثين تعرض لاختلاف على راو، وصلا وإرسالا، وقد أخرج البخاري الوجهين الموصول والمرسل، واكتفى مسلم بتخريج الموصول، وتوصل الباحث إلى أن الوجهين محفوظان عن المدار، ثم قال في النتيجة النهائية: «الحديث من وجهيه صحيح، حيث أخرجهما البخاري في «صحيحه»، وانفرد مسلم بإخراج الوجه الأول فقط، ولكن البخاري مقدم، والجمع أولى من الترجيح».\nكذا قال الباحث، والصواب أنه لا فرق بين عمل الإمامين، ومسلم لا يلزم من عمله الترجيح، فالحديث عاد إلى وجه واحد هو الوصل، وكون البخاري أخرج المرسل الأقرب أنه أراد بيان أن هذا ليس علة للموصول، بعد أن ثبت الوصل، أو أراد تكثير الطرق على عادته، فالمرسل موصول في الحقيقة.\n٣ - تقدم في المبحث السابق ضرورة اعتناء الباحث بإسناد الوجه الراجح، والتأمل فيه جيدا قبل إصدار الحكم عليه، وأن الخلل قد يتطرق إلى عمل الباحث بعد الجهد الكبير الذي بذله في النظر في الاختلافات، والترقي فيها إن وجد الاختلاف في طبقات متعددة، يتطرق إليه الخلل في حكمه على الإسناد، من جهة رواته ودرجاتهم، وسماع بعضهم من بعض، وضربت هناك بعض الأمثلة.\nوما قيل هناك يعاد ذكره هنا من باب أولى، وذلك في حال حفظ المدار لإسنادين للحديث الواحد، فيعتني الباحث بكل إسناد، ويصدر عليه حكمه اللائق به، ولا يفتر عن التدقيق فيهما أو في أحدهما، فيذهب عمله سدى.\nومما يؤخذ على بعض الناظرين في الاختلاف تسامحهم في الحكم على إسنادين","vol":"2","page":382},{"text":"محفوظين للحديث مدارهما على شخص واحد، فيقول الناظر مثلا: والحديث صحيح من وجهيه، أو كلا الإسنادين صحيح، ونحو ذلك وعند التأمل لا يكون الأمر كذلك، ففي الإسنادين أو في أحدهما ضعف في جهة ما يمنع من التصحيح.\nوقد يتسبب هذا القصور في التأمل في الإسنادين إلى خطأ مضاعف، فهناك خلل في طريقة كثير من المتأخرين في النظر في الاختلافات، وذلك من جهة تأثير تصحيح الإسنادين على الاختلاف نفسه، والنظر في المحفوظ من الأوجه، وإعمال قرائن الموازنة والنظر، فإذا رأى أن الإسنادين كلاهما صحيح بادر إلى الحكم بصحة الوجهين إلى المدار، وأن المدار قد حفظهما، ولا يدقق في قرائن الترجيح، فيمر سريعا على الاختلاف، ويصدر حكمه بحفظ الوجهين بحجة أنه ليس هناك تأثير كبير على صحة الحديث، فسواء حفظ الوجهان، أو أحدهما، فالحديث صحيح، فتكثر عندهم هذه العبارات ونحوها: وسواء كان هذا، أو هذا، فالحديث صحيح، أو: غاية ما في الأمر أنه انتقال من إسناد إلى آخر، وكلاهما صحيح، أو: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة، وهذا لا يضر.\nوغير خاف أن هذه الأسس التي ينطلق منها بعض المتكلمين على الاختلافات لها تأثير كبير في ضعف نظرهم في الاختلاف، وبعدهم عن منهج النقاد الأوائل، فلا تأثير مطلقا لحال الإسنادين -كما تقدم شرحه مرارا- على نظر الناقد، والجهد الذي يبذله في معرفة الراجح من المرجوح، ولهم من النظر في الاختلافات اعتبارات وأغراض غير مجرد معرفة الصواب في الاختلاف المعين.","vol":"2","page":383},{"text":"فإذا وقع الناظر في الخلل في تحرير حال الإسنادين، وصححهما، ثم قاده ذلك إلى التأثير على نظره في أصل الاختلاف - صار خطؤه مضاعفا، فإن صحة الإسنادين لا تأثير لها في النظر في الاختلاف عن المدار، مع التسليم بصحتهما، فكيف إذا كانت صحتهما أو صحة أحدهما -وقد يكون هو الراجح عند النقاد- محل نظر؟\nمثال ذلك الحديث الماضي في المبحث الذي قبل هذا، وهو حديث عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، أنه قال لمروان بن الحكم: «ألم أرك قصرت سجدتي المغرب؟ …» الحديث، وقيل: عن عروة، عن زيد بن ثابت وحده، وقيل: عن عروة، عن مروان بن الحكم، أن زيد بن ثابت قال له ذلك، وقيل عن عروة على وجهين آخرين.\nوالراجح أن الحديث لزيد بن ثابت وحده، لكن هل يرويه عنه عروة مباشرة، أو بواسطة مروان بن الحكم؟ تقدم أن النقاد يصححون أنه عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت.\nوقد تعرض ابن حجر لهذا الاختلاف، ورجح أن الاختلاف فيهما من عروة بن الزبير، فكلا الوجهين عنه صحيح، وزيادة على ذلك فإسناد كل من الوجهين صحيح، فعروة سمعه من مروان، عن زيد بن ثابت، ثم لقي زيد بن ثابت فأخبره، واعتمد ابن حجر في ذلك على رواية عند الطحاوي، من طريق أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، يصرح فيها عروة بالإخبار عن زيد بن ثابت، وهي أيضا عند الطبراني، ونقل رأي ابن حجر بعض الباحثين","vol":"2","page":384},{"text":"وأقره على ذلك.\nوبغض النظر عن النتيجة التي وصل إليها ابن حجر بالنسبة للاختلاف عن المدار وهو عروة، وأن الاختلاف من عروة، تارة يذكر مروان، وتارة يسقطه، فإن الحكم على رواية عروة، عن زيد بن ثابت بالصحة، وأنه سمعه من مروان عنه، ثم سمعه منه مباشرة، هذا الحكم هو محل النظر.\nفرواية التصريح بالإخبار معلولة، كما يظهر من النظر في طرق الحديث إلى أبي الأسود، وقد رجح النقاد -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أن عروة يرويه بواسطة مروان، عن زيد بن ثابت، وعليه فكان يرسله عن زيد في بعض أحيانه.\nوسماع عروة، من زيد بن ثابت، في أصله محل نظر، ولم أقف على قول لأحد يثبت سماعه منه سوى أن علي بن المديني ذكره مرة فيمن لقي زيد بن ثابت، ثم ذكره مرتين فيمن لم يلقه، وأطال في بيان ذلك، والمرة الأخيرة منهما يحتمل أن يكون ابن المديني ينقله عن يحيى القطان (^١).\nوخلاصة ما تقدم أن طريق عروة، عن زيد، لهذا الحديث منقطع، وأن مرجعه إلى الطريق الآخر، والله أعلم.\nومن ذلك أيضا أن أبا اليمان الحكم بن نافع روى عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي حسين، عن أنس، عن أم حبيبة، أن رسول الله - ﷺ - قال: «رأيت ما تلقى\n_________\n(^١) «علل ابن المديني» ص ٤٩ - ٥٨.","vol":"2","page":385},{"text":"أمتي من بعدي، وسفك بعضهم دماء بعض …» الحديث.\nورواه الحكم بن نافع مرة أخرى، عن شعيب، عن الزهري، عن أنس، عن أم حبيبة.\nوكبار النقاد -كأحمد، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن صالح المصري، وغيرهم- يرون أن الحكم بن نافع غلط فيه حين جعله عن الزهري، فليس له أصل من حديثه، في كلام طويل لهم في ذلك (^١).\nوقد مَرّ أحد الباحثين بهذا الحديث، فصححه، وذكر الاختلاف على الحكم بن نافع، وبعض كلام النقاد، ثم قال مبررا تصحيحه للحديث: «والخطب في ذلك يسير، فإنه انتقال من ثقة إلى ثقة».\nهكذا صنع الباحث، دفعه تصحيح الحديث من إسناديه إلى عدم التدقيق في أصل الاختلاف، فلم يحسم الرأي فيه، فوقع في إشكالين، ضعف النظر في الاختلاف، وتصحيح الحديث.\nوالإسناد الذي رجحه النقاد وهو: شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس، لم يستوف شروط الصحة، فابن أبي حسين -وهو عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي حسين المكي- لم يسمع من أنس، فيما يظهر من ترجمته، وهو قد روى عنه\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ٤٢٨، و«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٥٦، و«أسئلة البرذعي لأبي زرعة» ص ٧٤٦، و«السنة» لابن أبي عاصم حديث (٢١٥)، (٨٠٠)، و«المعجم الكبير» ٢٣ حديث (٤٠٩)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٦٤٥)، و«علل الدارقطني» ١٥: ٢٧١، و«المستدرك» ١: ٦٨، و«تهذيب الكمال» ٧: ١٥٠ - ١٥٣، و«سير أعلام النبلاء» ١٠: ٣٢٣.","vol":"2","page":386},{"text":"حديثا بواسطة عطاء بن أبي رباح (^١).\n٤ - إذا لم يصل الباحث إلى رأي في وجهين محفوظين أو أكثر عن المدار، فلم يرجع بعضها إلى بعض، ولم يرجح حفظها كلها، بعد نظره في المدار وما فوقه من طرق، فإما أن يكون حكم على المدار بالاضطراب، أو توقف في الحكم، فلم يبن له شيء في الأوجه، فينتقل نظره حينئذ في الاختلاف إلى حال أخرى، وهي موضوع المبحث التالي.\nوقبل الانتقال إلى المبحث التالي لا بد من الإشارة إلى وجود ارتباط في بعض الاختلافات، ونظر الباحث فيها، بين ما تقدم في المبحث الثاني وهو (الوجه الراجح والوجه المرجوح)، وبين ما تقدم في مبحثنا هذا وهو (الأوجه المحفوظة عن المدار)، من جهة وجودهما جميعا في اختلاف واحد، بسبب تعارض القرائن أمام الناظر في الاختلاف، فيتردد بين ترجيح أحد الأوجه عن المدار، وبين عدم وجود وجه راجح، فكلها محفوظة عنده، فيذكر الباحث الاحتمالين، ودلائل كل احتمال.\nوقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، أمثلة على وقوع هذا للنقاد، بسبب تعارض القرائن، وسيأتي له قريبا أيضا زيادة بيان وأمثلة في المبحث الرابع من فصلنا هذا، فإذا وقع هذا للباحث بدأ بعرض الرأي\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ١٥٦، و«التاريخ الكبير» ١: ١٢٩، و«كنى الدولابي» ١: ١٠٨، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٣٠٧١)، و«معجم ابن الأعرابي» حديث (١٦٦).","vol":"2","page":387},{"text":"الأقوى عنده، فيذكره ويذكر دلائله، ثم ينتقل للاحتمال الآخر، فلو افترضنا أنه مال أولا إلى الترجيح بدأ به، وذكر قرائنه، وتعامل مع الوجه المرجوح والوجه الراجح كما تقدم في المبحث الثاني، ثم انتقل إلى احتمال حفظ الوجهين عن المدار، وتعامل معه كما تقدم في مبحثنا هنا.\n * * *","vol":"2","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-477>المبحث الرابع\nعدم حفظ شيء من أوجه الاختلاف عن المدار</span>\nفي بعض الأحاديث يصل الباحث في نهاية دراسته للاختلاف إلى أن يحكم بعدم حفظ شيء عن مدار الاختلاف، فقد تكون طرق الأوجه إليه كلها ضعيفه، بسبب رواتها، أو انقطاع في أسانيدها، أو وقوع خطأ على بعض الرواة ممن دونهم في الإسناد.\nوقد تقدم في أول المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب بعض الأمثلة على هذا.\nومن ذلك أيضا أن حسين بن عطاء بن يسار روى عن زيد بن أسلم، عن عمر، قال: سألت أبا ذر عن صلاة الضحى، فقال: قال النبي - ﷺ -: «من صلى سجدتين لم يكتب من الغافلين …» الحديث (^١).\nورواه الصلت بن سالم، عن زيد بن أسلم، عن عبدالله بن عمرو، عن أبي الدرداء (^٢).\nوحسين بن عطاء، والصلت بن سالم، ضعيفان جدا، وقد سئل أبو حاتم عن اختلافهما، فقال: «جميعا مضطربان، ليس لهما في الرواية معنى» (^٣).\n_________\n(^١) «المجروحين» ١: ٢٣٤، و«أطراف الغرائب والأفراد» حديث (٤٦٨٤).\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٢: ٢٠٩.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣٤، و«الجرح والتعديل» ٣: ٦١، ٤: ٤٣٦، و«لسان الميزان» ٢: ٢٩٨، ٣: ١٩٥.","vol":"2","page":389},{"text":"وقد تكون الطرق إلى المدار في حيز القبول، غير أن الناظر في الاختلاف لم يتمكن من ترجيح شيء منها، فيتوقف، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث الحديث عن تعارض القرائن والمرجحات في الاختلاف الواحد، وأن ذلك يعرض للنقاد الكبار، فيترددون في الترجيح، وقد يرجح الناقد مرة وجها، ومرة وجها آخر، وهو بالنسبة للباحث أمر بالغ الصعوبة، كما شرحته هناك.\nف<span data-type='title' id=toc-478>إذا وصل الحال بالناظر في الاختلاف إلى تكافؤ القرائن فلا بد أن يتوقف في الحكم</span>، فيقول مثلا: ولم يتبين لي أي الوجهين هو المحفوظ، أو عندي توقف في الراجح منهما، كما يقول الناقد إذا سئل عنهما: لا أدري، أو يحتمل هذا وهذا.\nو<span data-type='title' id=toc-479>إذا توقف الناظر في الاختلاف عن الترجيح صار الحديث مضطربا، وأعل الوجهان جميعا بهذا </span>كما قال العلائي: «إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك، مع أن كلهم ثقات …، فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث\n-بل غالبهم- جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقتين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث، وعللوه بذلك» (^١).\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧١٢، ٧٧٨.","vol":"2","page":390},{"text":"ويلتحق بما تقدم في الحكم ما إذا وصل الناظر إلى حفظ وجهين أو أكثر عن المدار، وتبين له أن المدار هو سبب الاختلاف، وبعد أن نظر في المدار وما فوقه من طرق لم يستطع ترجيح شيء منها، ولا الحكم بحفظها كلها، فالحديث حينئذ مضطرب.\nوتحميل المدار عهدة الاختلاف تقدمت أمثلة كثيرة له في المبحث الثالث من فصلنا هذا، وكذلك في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب، وفي كثير منها يتمكن الناظر في الاختلاف عن طريق التأمل في حال المدار، وصفة روايتيه، والطرق فوقه، من ترجيح شيء من الأوجه المحفوظة عنه، أو الحكم بحفظها جميعا، فهذا شأن آخر، مضى الكلام فيه في المبحث الذي قبل هذا، والكلام الآن فيما إذا لم يتمكن الناظر من الوصول إلى شيء من ذلك، فهو حكم منه بالاضطراب ولا بد.\nفيضم الناظر ما كان حرره من كلام في الطرق إلى المدار، وفي المدار نفسه، إلى حكمه بالاضطراب، وكذلك ما يجده من كلام في رواة الإسناد بعد المدار، وينظر كذلك في أوجه الاختلاف فوق المدار إن كان هناك اختلاف فوقه، فإن وجد فيها شيئا ضمه كذلك إلى ما تقدم، ويلخص كل هذا بعبارة مناسبة، فليس هناك عبارة تضبط هذا يوصى بها الباحث، فالصور المتفرعة عنه كثيرة جدا، والمهم في هذا أن يراعي الباحث حين اختياره للعبارة، وفي تعاطيه مع الأوجه المضطربة، ما تقدم في المبحث الثاني من قواعد تتعلق بالوجه المرجوح، إذ الاضطراب علة، فكأن الأوجه كلها مرجوحة.","vol":"2","page":391},{"text":"وفي قضية الاضطراب أمران مهمان:\nالأمر الأول: نجد في تناول بعض الباحثين للاختلافات حالات من الحكم بالاضطراب يعود الباحث فينفي بعدها الاضطراب عن الحديث، وأشهرها في صنيعهم حالتان، الأولى: إذا كان الاضطراب في وجهين بإسنادين مختلفين، في راو أو أكثر، وكان الإسنادان بالنسبة للرواة وسماع بعضهم من بعض صحيحين، أو في حكم الصحيح، تجدهم يسعون إلى نفي تأثير الاضطراب عليهما، فيكثر منهم أن يقول أحدهم: وهو انتقال من ثقة إلى ثقة فلا يضر، أو غاية ما في الأمر إبدال إسناد بآخر، وكلاهما صحيح، فلا تأثير، والحديث صحيح، ونحو ذلك.\nولا تردد في أن هذا المسلك مخالف لطريقة أئمة النقد، وهو في النهاية يؤدي إلى الخلط بين منهجين في التطبيق، وقد حذرت منه مرارا فيما سبق، إذ المفترض في الباحث أن يكون طويل النفس في تطبيق منهج النقاد، شديد الانتباه، لا يغفو فيدعه بقصد أو دون قصد.\nومنهج النقاد في هذه المسألة واضح لاخفاء فيه، فالاضطراب مشعر في الجملة بعدم الضبط، وكون الراوي تردد بين إسنادين لا يمنع الاحتمال أن يكون هناك إسناد ثالث هو الصواب، لكن الراوي لم يضبط.\nثم إن القول بأن التردد بين إسنادين متساويين لا يضر - يعود بالنقض على أحكام النقاد على الرواة، فإن الثبات أو التردد من أهم وسائل أحكامهم التي","vol":"2","page":392},{"text":"يصدرونها على الرواة، كما تقدم في «الجرح والتعديل» (^١)، ومن أمثلته أيضا، عاصم بن أبي النجود، فقد تكلم النقاد في حفظه، ومن الكلام فيه تردده في الحديث الواحد عن شيوخه، قال حماد بن سلمة: «كان عاصم يحدثنا بالحديث الغداة عن زر، وبالعشي، عن أبي وائل» (^٢)، وقال العجلي: «وكان ثقة في الحديث، ولكن يختلف عنه في حديث زر، وأبي وائل»، ثم ضرب أمثلة لذلك (^٣).\nالثانية: إذا كان الاختلاف على وجهين، وكان أحدهما تاما والآخر ناقصا، كالوصل والإرسال، والرفع والوقف، وزيادة راو وحذفه، ونحو ذلك، وكانت النتيجة التي وصل إليها الناظر في الاختلاف هي الاضطراب، فبعض الباحثين يقرر أنه لا مانع في مثل هذه الحالة أن يوقف مع الناقص منهما، ففي الرفع والوقف يحكم للوقف، وفي الوصل والإرسال يحكم للإرسال، وفي زيادة راو وحذفه يحكم للناقص منهما، فإن كانت زيادته تؤدي إلى ضعف الإسناد لضعفه هو حكم بذلك، وإن كان ثقة وحذفه يؤدي إلى انقطاع الإسناد، حكم لهذا الوجه، وهكذا.\nومن حججهم في هذا المقام أن الأدنى هو المتيقن، والأعلى مشكوك فيه، فنلقي الشك، ونبقى مع الأدنى.\nوكذلك ما يؤثر عن النقاد في التحذير من الزيادة في الحديث، والتسامح في\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ٩٠ - ٩٥.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ٢: ٧٨٨.\n(^٣) «الثقات» ٢: ٦.","vol":"2","page":393},{"text":"النقص منه، كقولهم: انقص من الحديث، ولا تزد فيه، ومرادهم أن الخطأ في النقص أهون من الخطأ في الزيادة.\nوكذلك ما جاء عن بعض الرواة من تعمد وقف الحديث، أو إرساله، إذا توقف الراوي في شيء منه في متنه أو إسناده، أو كان شيخه ضعيفا، ونحو ذلك، كما تقدم هذا في المبحث الأول من الفصل الثاني من هذا الباب.\nوهذه الحجج ترجع إلى أصل عظيم من أصول النقد عليه أدلة كثيرة، وهو البراءة الأصلية، فالأصل أن الحديث لم يرد عمن نسب إليه، ورفع هذا الأصل يحتاج إلى دعامة قوية، هي شروط الحديث الصحيح عند النقاد، فإذا ترددنا في شيء، يبقى مع البراءة الأصلية، أو يرفعها، فالحكم لمن يبقيها.\nغير أن هذه الحجج إنما تفيد منع ترجيح التام عند الاضطراب، وأما البقاء مع الأدنى فلا تفيده، وبين المسألتين فرق، فنحتاج للبقاء مع الأدنى إلى دليل آخر، يمنع من قيام احتمال أن يكون هناك وجه خارج أوجه الاضطراب، وهو أدنى مما ورد إلينا، إذ وقوع الاضطراب يفتح باب هذا الاحتمال ويقربه.\nوهذا الدليل الآخر -فيما أرى- يتعلق بدرجة الراوي الذي وقع منه الاضطراب، فإن كان الراوي ثقة وقع منه الاضطراب في هذا الحديث المعين، قرب جدا أن يقال إن الظاهر عدم وجود وجه لم يرد في الرواية، وأن تردده كان بين هذين الوجهين: التام، والناقص، وأما إن كان الراوي ضعيفا، أو موصوفا بكثرة الاضطراب في حديثه، فاحتمال وجود وجه ثالث، قد يكون أدنى مما ورد في الوجهين هو احتمال قوي، والقضية تحتاج مزيد تأمل وبحث.","vol":"2","page":394},{"text":"الأمر الثاني: يحكم الناقد على الحديث الذي وقع فيه اختلاف بعد نظره في أمور كثيرة، منها ما هو في الطرق إلى المدار، وصفة روايتهم، ومنها ما هو في المدار نفسه، وروايته، ومنها ما هو في الطرق فوقه، وكل ما يمر به هو محل اجتهاد ونظر للناقد، فهي أحكام مبنية على قرائن قد تتعاضد، فيصير الحكم على الناقد سهلا، وقد تتعارض إما تعارضا ضعيفا، أو قويا.\nوالحكم بالاضطراب لا يخرج عن هذا، فهو إحدى النتائج التي يصل إليها الناظر في الاختلاف بناء على ما أمامه من قرائن وأدلة.\nوهذه مسألة مفروغ منها ليست خاصة بقضية الاضطراب، وتقريرها هنا من أجل بيان أن الحكم بالاضطراب قد يكون ظاهرا لا خفاء فيه، كأن تكون الطرق إلى المدار فيها ضعف ما، ولا مرجح بينها، والمدار فوق أن يوصف بالاضطراب، وكأن يكون المدار نفسه موصوفا بالاضطراب، بصفة عامة، أو عن بعض شيوخه، وهو يروي الحديث عن واحد منهم، والطرق مع ذلك إلى المدار قوية، فيحمل الاضطراب.\nوقد يكون الحكم بالاضطراب فيه خفاء، فقرائنه ليست قوية، كأن يكون المدار ثقة لم يوصف بالاضطراب، ولكن الطرق إليه أيضا قوية، وما شابه ذلك، وبناء على هذا فلا يستغرب أن يكون للناقد الواحد في الحديث رأيان، رأي يصرح فيه بالتوقف، أو يحكم بالاضطراب، ورأي يرجح فيه وجها واحدا، أو وجهين، ولا يستغرب أن يحكم ناقد بالاضطراب، وناقد آخر يرجح أحد الأوجه، وقد تقدمت أمثلة هذا في مبحث تعارض القرائن وهو المبحث الرابع","vol":"2","page":395},{"text":"من الفصل الثالث من هذا الباب.\nوتقدم في المبحث الثاني من فصلنا هذا أن ترجيح وجه واحد قد يكون ظاهرا قويا، فيكتسب الوجه الراجح من هذا قوة، والوجه المرجوح ضعفا، وقد يكون الترجيح فيه ضعف، فمع جنوح الناقد إلى الترجيح إلا أن الاضطراب لم يزل تماما، فيؤثر هذا عليهما، وذكرت هناك بعض الأمثلة على هذه الصورة.\nويمكن تقرير هذا هنا بصورة مقلوبة، ف<span data-type='title' id=toc-481>حكم الناقد بالاضطراب لا يزيله أن يشير إلى احتمال رجحان وجه واحد </span>من أوجه الاختلاف، فالاضطراب باق، والحديث يضعف به، والحكم في هذه القضايا لغلبة الظن، فهناك رجح وجها واحدا بناء على غلبة ظنه، وإن كان الاضطراب لم يزل تماما، فالترجيح مع لينه لا يزال باقيا، وهنا حكم بالاضطراب بناء على غلبة ظنه، وأشار إلى احتمال ترجيح وجه واحد، فالحكم بالاضطراب لم يزل باقيا.\nوسأضرب الآن مثالا واحدا للاضطراب يجتمع فيه ما تقدم، ثم أعقب عليه بما أريد.\nروى صدقة بن يزيد المقدسي، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: إن عبدا أصححت جسمه، وأوسعت عليه في الرزق، يأتي عليه خمس سنين لا يفد إلي محروم».\nوصدقه بن يزيد ضعيف الحديث، استنكر النقاد عليه هذا الحديث، وصرحوا بأن الصواب أنه من رواية العلاء بن المسيب، وليس العلاء بن","vol":"2","page":396},{"text":"عبدالرحمن (^١).\nوالعلاء بن المسيب قد اختلف عليه في هذا الحديث اختلافا واسعا، فقيل عنه، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، وقيل عنه، عن أبيه، أو عن رجل، عن أبي سعيد مرفوعا، وقيل عنه، عن يونس بن خباب، عن مجاهد، عن أبي سعيد مرفوعا، وقيل عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرة مرفوعا، ومرة موقوفا، وقيل عنه من قوله هو.\nسأل ابن أبي حاتم أباه، وأبا زرعة، عن حديث صدقة بن يزيد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فاستنكراه من حديث العلاء بن عبدالرحمن، فالصواب أنه من حديث العلاء بن المسيب، وقال أبو حاتم بعد ذلك: «والناس يضطربون في حديث العلاء بن المسيب»، ثم ذكر بعض أوجه الاختلاف.\nقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي أيها الصحيح منها؟ قال: هو مضطرب، فأعدت عليه، فلم يزدني على قوله: هو مضطرب، ثم قال: العلاء بن المسيب، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد موقوف مرسل أشبه، قلت لأبي: لم يسمع يونس، من أبي سعيد؟ قال: لا …، وقال أبو زرعة: والصحيح: عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nفترجيح أبي زرعة للوجه الذي ذكره لا يلغي ما ذهب إليه أبو حاتم من\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٤: ٢٩٥، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨، ٢٨٦، ٢٩٠، و«الضعفاء الكبير» ٢: ٥٩١، و«الكامل» ٤: ١٣٩٦.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٠.","vol":"2","page":397},{"text":"الحكم بالاضطراب، فهذا اجتهاد ناقد، وهذا اجتهاد ناقد آخر، وأيضا ميل أبي حاتم إلى الوجه الذي ذكره بعد إلحاح ابنه لا يلغي حكمه بالاضطراب، فهو ترجيح فيه لين، لم يصل إلى درجة الظن الغالب، كما يظهر من السياق، ويؤكده أن ابنه سأله مرتين أخريين عن حديث صدقة بن يزيد، عن العلاء بن عبدالرحمن، فاستنكره، وذكر حديث العلاء بن المسيب، وأنه الصواب، وفي الأولى منها قال: «إنما هو: العلاء بن المسيب، عن يونس بن خباب، عن أبي سعيد، مرسلا مرفوعا» (^١).\nوقال في الثانية منهما: «إنما هو كما رواه خلف بن خليفة، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -، ومنهم من يقفه» (^٢).\nفهذه ثلاثة آراء لأبي حاتم في الوجه الذي يرجح أنه المحفوظ، مما يؤكد أن حكمه بالاضطراب لا يزال باقيا، وهو ما ذهب إليه الدارقطني، فإنه قال بعد أن ذكر عددا من أوجه الاختلاف: «ولا يصح منها شيء» (^٣).\nوالغرض من تقرير ما تقدم يتعلق بـ (مصطلح الحديث)، في قضية هامة جدا، تحدثت عنها بشيء من الإيضاح في بحث خاص عن تدريس هذه المادة، وأكتفي هنا بالإشارة إليها، فخلاصتها أن<span data-type='title' id=toc-482> التمثيل لمصطلح من المصطلحات لا يصح الاعتراض عليه إذا كان الاعتراض منصرفا إلى اجتهاد المعترض</span>،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٩٠.\n(^٣) «العلل» ١١: ٣٠٩.","vol":"2","page":398},{"text":"مخالفا فيه اجتهاد من مَثَّل بالحديث، إذ المقصود بالمثال إيضاح المصطلح، وهو حاصل بالحديث الذي تم التمثيل به وفق اجتهاد من ذكره، فلا يصح النقض عليه باجتهاد غيره، وإلا لم يسلم مثال لأحد، لا في الاضطراب ولا في غيره، إذ يتطلب سلامة المثال أن لا يخالف فيه أحد، وهذا أمر متعذر (^١).\nوقد مثل ابن الصلاح -ووافقه العراقي، وغيره- للمضطرب بحديث أبي هريرة مرفوعا في سترة المصلي: «إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا» (^٢).\nواعترض على ابن الصلاح جماعة ممن جاء بعده -ومنهم ابن حجر- بأن الجمع ممكن، وقال ابن حجر في نهاية كلامه: «ومع ذلك كله فالطرق التي ذكرها ابن الصلاح، ثم شيخنا، قابلة لترجيح بعضها على بعض، والراجحة منها يمكن التوفيق بينها، فينتفي الاضطراب أصلا ورأسا».\nثم استعاض ابن حجر عن هذا المثال بالحديث المشهور، حديث أبي بكر: «أراك شبت يا رسول الله …»، وساق عددا من أوجه الاختلاف فيه (^٣).\nفاجتهاد ابن حجر في ترجيح وجه من وجوه الاختلاف في حديث أبي هريرة، واعتراضه -بناء على ذلك- على التمثيل به لا يسلم له، لسببين:\n_________\n(^١) انظر مثالا حكم عليه أبو حاتم بالاضطراب، ورجح فيه أبو زرعة في «علل ابن أبي حاتم» (٢٣٧٤)، (٢٤١٦).\n(^٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ٢٠٥، و«التقييد والإيضاح» ص ١٢٢، و«محاسن الاصطلاح» ص ٢٠٥.\n(^٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ص ٧٧٢ - ٧٧٦.","vol":"2","page":399},{"text":"الأول: أن الحديث عند من مَثَّل به هو مضطرب حسب اجتهاده، وهذا كاف لسلامة المثال، والحديث الذي مَثَّل به ابن حجر لغيره نظر آخر فيه، فالترجيح فيه ممكن (^١)، فلا تنقطع السلسلة أبدا.\nوالسبب الثاني: أن وجود ترجيح لوجه أو أكثر لا يلغي الاضطراب، إذا لم يصل الناظر إلى ظن جازم أو غالب، فالاضطراب باق مع وجود الترجيح (^٢).\nوالمخرج من كل هذا -في المضطرب وغيره- هو ما أشرت إليه، أن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، والمثال صحيح عند من يمثل به، وفيما يخص المضطرب يضاف أن الميل إلى وجه من وجوه الاختلاف أو أكثر لا ينفي الاضطراب، إذا لم يصل الترجيح إلى الظن الجازم أو الغالب، والله أعلم.\n * * *\n_________\n(^١) انظر: رسالة «أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافا في كتاب العلل» لخالد باسمح ص ١٩٧ - ٢٢٥، و«الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده» حديث (٣٩).\n(^٢) انظر مثالا من صنيع ابن حجر، وصف الحديث باضطراب مداره، مع إشارته إلى إمكان الترجيح في: «إتحاف المهرة» ١٤: ٥١٧.","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-484>الفصل الخامس\nالنظر في الاختلاف وكلام النقاد</span>\n\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: جهد الباحث وعلاقته بكلام النقاد.\nالمبحث الثاني: فوائد جمع كلام النقاد.\nالمبحث الثالث: كلام النقاد ومصطلحاتهم.\nالمبحث الرابع: عبارات الترجيح والتصحيح.","vol":"2","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-485>المبحث الأول\nجهد الباحث وعلاقته بكلام النقاد</span>\nالناظر في الفصول السابقة المتعلقة بقضية اختلاف الرواة يدرك بسهولة سعة هذا العلم، وتشعبه، وحاجة الباحث إلى مزيد من الجهد والمثابرة، حين يواجه ذلك، وبالتجربة فكل حديث يتعرض له الباحث يظهر أمامه من مسائل هذا العلم ما لم يظهر في الحديث الآخر، فهذا حديث تبين أن الاختلاف فيه سببه المدار، لسعة روايته، أو لاضطرابه في هذا الحديث، أو لاضطرابه في عموم روايته، وهذا حديث تبين أن الاختلاف فيه سببه رواة أحد الأوجه، فبعضها خطأ، وهذا حديث ظهر فيه أن الأوجه كلها لا تصح، وهذا حديث يحتمل عدة آراء، ودلائل ذلك كله قد تكون ظاهرة متعاضدة، وقد تكون خفية، بل قد تكون متعارضة.\nوالذي يوصى به الباحث في كل الأحوال أن لا يحاول السير لوحده، فهو مرتبط -شاء أم أبى- بأئمة النقد، كما تقدم التنبيه عليه في أكثر من مناسبة، وهو هنا يبرز بقوة، إذ تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، ما توافر للنقاد من وسائل النظر والموازنة، مما لا يمكن للباحث المتأخر أن يستخدمه، يضاف إلى ذلك أن ما نشاركهم فيه من وسائل النظر والموازنة هم أقرب إلى تطبيقه على وجهه الصحيح.\nوقد جرى التأكيد على هذه القضية في مناسبات عديدة، ويأتي الحديث","vol":"2","page":403},{"text":"عنها أيضا في مناسبات أخرى، لكن المقصود هنا هو إيضاح العلاقة بين ما قام به الباحث من جهد، وبين ما يقف عليه من كلام النقاد في الحديث الذي ينظر فيه، ويمكن القول بأن هذه العلاقة ليست على درجة واحدة وصفة واحدة، سواء بالنسبة للباحثين، وتمكنهم، ودربتهم، أو بالنسبة لكل حديث بعينه، إذ الأحاديث تختلف من جهة ظهور الترجيح وخفائه.\nوأمر آخر -لا يقل أهمية عن سابقه- وهو أن استخدام قرائن الترجيح والموازنة من قبل من جاء بعدهم لا يعني بالضرورة أن يكون الشخص قد بلغ مبلغهم وساماهم في علمهم، فإن ذلك مما لا سبيل إليه، واشتراطه يعني إغلاق باب الاجتهاد في هذا الفن مطلقا كليا أو جزئيا، والذي أراه أنه يمكن للمتأخر أن يشارك أئمة النقد استخدام هذه القرائن، بالقدر الذي يستطيعه، ويرى أنه ممكن له، وهذا القدر يختلف من باحث لآخر، فهو على درجات، يضع الباحث نفسه في الدرجة اللائقة بها، وهو مسؤول عن ذلك، وهذه الدرجات هي:\n١ - الخروج بمعرفتها عن دائرة التقليد المحض إلى معرفة الحق بدليله، وأعني بذلك أن الباحث إذا وقف على حديث رجح فيه الأئمة وجها من وجوه الاختلاف أدرك هو سبب الترجيح، واطمأنت نفسه، وفوق ذلك إذا رأى من يخالفهم ممن لم يسلك منهجهم ولم يتبع طريقتهم، لم تترك هذه المخالفة في نفسه أثرا.\nولو افترضنا أن الباحث واجه حديثا اختلف الأئمة في الترجيح فيه أمكنه أن يفهم وجه الترجيح في كل قول.\nوتمكن الباحث من هذه الدرجة يساعده كثيرا على حسن عرضه لمادته","vol":"2","page":404},{"text":"العلمية في تخريجاته وبحوثه، ويبعده عن الوقوع في خطأ فهم مصطلحات الأئمة العلمية.\nوتحقق هذه الدرجة للباحث ليس بالأمر الهين، فهو يحتاج إلى صبر ومثابرة، وكثرة دربة ومران، ثم لا ينبغي الاستهانة بهذا القدر من الفائدة، فهو مكسب عظيم، أغفله كثير من الباحثين، وقنعوا بما دونه، واضطرهم الأمر أحيانا إلى التعرض له فما أحسنوا.\nفهذه الدرجة إذن أدنى درجات الاستفادة من معرفة قرائن الترجيح، وكيفية استخدامها.\n٢ - قد يقف الباحث على حديث رجح الأئمة أو بعضهم وجها من وجوه الاختلاف وذكرت أسباب الترجيح، ثم يرى الباحث أنهم اكتفوا بذكر بعض أسباب الترجيح، وتركوا بعضها، إما استغناء بما ذكر عما لم يذكر لوضوح الأمر، أو لكون الإمام لم يقف على المرجح الآخر، أو لغير ذلك، فبإمكان الباحث حينئذ أن يعضد هذا الترجيح بما يقف عليه من مرجحات لم تذكر، فيقول: ويترجح ما ذكروه أيضا بكذا وبكذا، ثم يذكر ما لديه.\n٣ - يمر بالباحث أحاديث فيها اختلاف، ويرجح الأئمة وجها من الوجوه، فيقول الواحد منهم: الصواب وقفه، أو إرساله، أو رفعه، أو وصله، أو كونه عن فلان، دون أن يوضح سبب الترجيح، وهذا كثير جدا، ففي هذه الحالة يمكن للباحث أن يجتهد في تفسير أسباب الترجيح إذا كان قد عرف المرجحات التي يستخدمها الأئمة.","vol":"2","page":405},{"text":"ومثله لو وقع اختلاف بين الأئمة في الترجيح ولم تتضح أسباب الترجيح لكل قول، فالباحث حينئذ يجتهد في تفسيرها.\nوكل هذا يفعله الباحث مع التزام الحذر الشديد، لئلا يحمل كلام الأئمة ما لا يحتمله.\nوهذه الدرجات -الأولى والثانية والثالثة- ليس للباحث فيها اجتهاد في الترجيح نفسه، فمهمته حسن العرض، وزيادة التوضيح والبيان.\n٤ - إذا مر بالباحث حديث وقع في أسانيده أو متنه اختلاف، واختلف الأئمة في الترجيح، وكل ذكر ما يؤيد قوله، فبإمكان الباحث حينئذ أن ينظر في مرجحات كل قول، وله بعد تأن ونظر أن يميل إلى ما هو الأقوى في نظره، بحسب ما توافر لكل قول من مرجحات، وقد يزيد في الوجه الذي اختار ترجيحه مرجحات أخر لم يتعرض لها الأئمة الذين اختاروه، أو يزيد في الوجوه المرجوحة أسبابا أخرى لذلك لم يذكرها الأئمة أيضا.\nولا شك أن هذه خطوة فوق التي قبلها، إذ بدأ الباحث يقحم نفسه في الاجتهاد في الترجيح بين الأوجه، ويختار منها ما يراه الأقوى، ولا شك أيضا أنها تحتاج إلى مزيد وخبرة ومران، وكثرة ممارسة ونظر في كلام الأئمة وترجيحاتهم.\n٥ - قد يخرج الباحث حديثا ويجمع طرقه ثم يجد في أسانيده أو متنه اختلافا يحتاج إلى موازنة ونظر، ثم يبحث عن رأي للأئمة أو لأحدهم فلا يجد من ذلك شيئا، ويرى في بعض أوجه الاختلاف ما يمكن ترجيحه، بناء على معرفته بالمرجحات التي استخدمها الأئمة.","vol":"2","page":406},{"text":"وقضية الاجتهاد في التصحيح والتضعيف وإغلاق هذا الباب جرى بحثها كثيرا، ولا ريب أنه من الصعوبة بمكان القول بإغلاق باب الاجتهاد تماما، فالاجتهاد معناه بذل الجهد والوسع لمن له أهلية الاجتهاد وتمكن منه، وأعني بهذا أنه لا بأس باستخدام مرجحات الأئمة في حديث لم يتكلموا عليه، متى ظهر ذلك جليا للباحث، وكان قد تهيأ لذلك وجرب، ودرس أحاديث كثيرة للأئمة فيها ترجيح، فاكتسب من ذلك هيئة نفسية تساعده على تحمل مسؤولية مثل هذا، فإن الأمر دين، مع ملاحظة أن يبتعد ما استطاع عن عبارات الجزم والقطع، مثل عبارة: الصواب بلا ريب هو كذا، أو: وهذا هو المحفوظ قطعا، فيقول مثلا: والأظهر -والله أعلم- كذا وكذا، أو: ويظهر لي -والله أعلم- أن الصواب هو الوجه الفلاني، أو: ويمكن من خلال ما تقدم ترجيح الوجه الفلاني، وأن يتذكر الباحث المقولة المشهورة: حفظت شيئا وغابت عنك أشياء.\n٦ - إذا مر بالباحث حديث تكلم فيه الأئمة أو بعضهم فرجحوا وجها أو أكثر، ثم ظهر للباحث من خلال نظره في المرجحات التي بنوا عليها ترجيحهم وما تجمع لديه من مرجحات أخرى أنه يمكن ترجيح خلاف ما رجحه الأئمة فهل له أن يقارعهم ويعترض عليهم ويرجح خلاف ما رجحوه؟ هذا سؤال مهم، والإجابة عليه ليست سهلة.\nوبادئ ذي بدئ لا بد من إخراج بعض الصور من هذا السؤال، وذلك فيما إذا اتفقت كلمة الأئمة على ترجيح وجه من الوجوه فإنه لا يصح بحال من الأحوال معارضتهم وترجيح خلاف ما رجحوه، ومثل ذلك ما إذا توارد على","vol":"2","page":407},{"text":"هذا الترجيح عدد منهم، فالذي أراه كذلك أنه ينبغي التسليم لهم والأخذ بقولهم، وإن بدا للباحث أن الراجح خلافه، فتوارد جماعة من الأئمة على شيء هو بالنسبة للمتأخر أمر ملزم.\nيبقى مجال النظر فيما إذا حكم واحد منهم بترجيح وجه من الوجوه، فقد يقال: هذا حكم شخص واحد، والباحث قد وقف على مرجحات تدل على خلاف ما ذهب إليه هذا الإمام، فالمتجه حينئذ أن يبدي الباحث رأيه المخالف، فيقول مثلا: وقد ذهب فلان إلى ترجيح الوصل، لكذا وكذا، والذي يظهر لي أن الراجح إرسال الحديث لما يأتي، ويذكر ما اعتمد عليه، أو العكس.\nوغير خاف أن القول بأن للباحث أن يخالف هذا الإمام، مبني على ظواهر الأمور، ففي كل اختلاف في أي علم من العلوم إذا بدا للباحث خلاف ما ذهب إليه أحد ممن سبقه، معتمدا على أدلة قوية فله أن يذكر رأيه، لكن هذا القول لم يلاحظ ما لهذا العلم من خاصية -أعني علم اختلاف الروايات والموازنة بينها- ينفرد بها عن غيره من العلوم، وهذه الخاصية هي أن أئمته الذي طبقوه في عصر الرواية كان فيهم من الدراية والعلم، ولديهم وسائل الترجيح والموازنة ما لا يمكن توافره لمن جاء بعدهم، وقد تقدم شيء من هذا في الفصل الرابع من الباب الأول، فأحكامهم على الاختلافات وعلى أخطاء الرواة يصدرونها من منطلق مجموعة من المعارف كونت لديهم قدرة علمية بها يميزون الخطأ من الصواب، والراجح من المرجوح، حتى أنه في أحيان كثيرة يحكم الواحد منهم بحكم ولا يستطيع أن يقيم الدليل عليه مع جزمه به.","vol":"2","page":408},{"text":"ومن هذا الباب قول عبدالرحمن بن مهدي: «معرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم بعلل الحديث: من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة» (^١)، علق السخاوي على كلمة ابن مهدي هذه بقوله: «يعني يُعَبِّر بها غالبا، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والدفع» (^٢).\nوقال عبدالرحمن أيضا: «إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة» (^٣)، وروي عنه أنه قيل له: كيف تعرف صحيح الحديث من خطئه؟ فقال: «كما يعرف الطبيب المجنون» (^٤).\nوقال علي بن المديني: «أخذ عبدالرحمن بن مهدي على رجل من أهل البصرة -لا أسميه- حديثا، فغضب له جماعة، فأتوه، فقالوا: يا أبا سعيد من أين قلت هذا في صاحبنا؟ فغضب عبدالرحمن بن مهدي، وقال: أرأيت لو أن رجلا أتى بدينار إلى صيرفي، فقال: انتقد لي هذا، فقال: هو بهرج، يقول له: من أين قلت لي إنه بهرج؟ الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم» (^٥).\nوقال أحمد بن صالح المصري: «معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب والشبه، فإن الجوهر إنما يعرفه أهله، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له: كيف\n_________\n(^١) «معرفة علوم الحديث» ص ١١٣، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٥.\n(^٢) «فتح المغيث» ١: ٢٧٣.\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٦.\n(^٤) «المجروحين» ١: ٣٢.\n(^٥) «الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٦.","vol":"2","page":409},{"text":"قلت: إن هذا بائن -يعني الجيد أو الرديء-؟» (^١).\nوقال أبو حاتم: «مثل معرفة الحديث كمثل فَصٍّ ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمنه عشرة دراهم» (^٢).\nوروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال: «جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر فعرضه علي، فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعضه: هذا حديث باطل، وقلت في بعضه: هذا حديث منكر، وقلت في بعضه: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث صحاح. فقال لي: من أين علمت أن هذا خطأ، وأن هذا باطل، وأن هذا كذب؟ أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت وأني كذبت في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية من هو؟ غير أني أعلم أن هذا خطأ وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعي الغيب؟ قال قلت: ما هذا إدعاء الغيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ قلت: سل عما قلت من يحسن مثل ما أحسن، فإن إتفقنا علمت أنا لم نجازف، ولم نقله إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثل ما قلت؟ قلت: نعم. قال: هذا عجب، فأخذ فكتب في كاغذ ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلت: إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد، وما قلت:\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩.","vol":"2","page":410},{"text":"إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل، وما قلت: إنه منكر قال: هو منكر، كما قلت، وما قلت: إنه صحاح قال أبو زرعة: هو صحاح. فقال: ما أعجب هذا، تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما، فقلت: فقد ذلك أنا لم نجازف، وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا، والدليل على صحة ما نقوله بأن دينارا نبهرجا يحمل إلى الناقد فيقول: هذا دينار نبهرج، ويقول لدينار: هو جيد، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا نبهرج؟ هل كنت حاضرا حين بهرج هذا الدينار؟ قال: لا، فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجت هذا الدينار؟ قال: لا، قيل فمن أين قلت: إن هذا نبهرج؟ قال: علما رزقت، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك.\nقلت له: فتحمل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين فيقول: هذا زجاج، ويقول لمثله: هذا ياقوت، فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صنع فيه هذا الزجاج قال: لا، قيل له: فهل أعلمك الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجا؟ قال: لا، قال: فمن أين علمت؟ قال: هذا علم رزقت، وكذلك نحن رزقنا علما لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب، وهذا حديث منكر، إلا بما نعرفه» (^١).\nونحو ذلك وقع لأبي زرعة، في هذه القصة: «قال له رجل: ما الحجة في تعليلكم الحديث؟ قال: الحجة أن تسألني عن حديث له علة فأذكر علته، ثم تقصد ابن وارة -يعني محمد بن وارة- وتسأله عنه، ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه، فيذكر علته، ثم تقصد أبا حاتم فيعلله، ثم تميز كلام كل منا على ذلك\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٤٩.","vol":"2","page":411},{"text":"الحديث، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم، قال: ففعل الرجل، فاتفقت كلمتهم عليه، فقال: أشهد أن هذا العلم إلهام» (^١).\nوإبرازا لجلالة هؤلاء الأئمة النقاد في هذا العلم وتميزهم، وأنه لا يقاربهم ولا يدانيهم أحد ممن جاء بعدهم - فقد توارد الأئمة بعدهم على الثناء عليهم، وتأكيد اختصاصهم بهذا الفن، فمن ذلك قول ابن منده: «إنما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفرا يسيرا ممن يدعي علم الحديث، فأما سائر الناس من يدعي كثرة كتابة الحديث، أو متفقه في علم الشافعي، وأبي حنفية، أو متتبع لكلام الحارث المحاسبي، والجنيد، وذي النون، وأهل الخواطر، فليس لهم أن يتكلموا في شيء من علم الحديث، إلا من أخذه عن أهله، وأهل المعرفة به، فحينئذ يتكلم بمعرفته» (^٢).\nوقال العلائي لما ذكر حديثا له علة خفية كشفها أحد أئمة الحديث: «وبهذا يتبين أن التعليل أمر خفي، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث، دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها» (^٣).\nوقال ابن كثير في حديثه عن علم (العلل): «هو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.\n_________\n(^١) «معرفة علوم الحديث» ص ١١٣، و«الجامع لأخلاق الراوي» ٢: ٢٥٦.\n(^٢) «شرح علل الترمذي» ١: ٣٣٩.\n(^٣) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧١٤.","vol":"2","page":412},{"text":"وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن: الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والزيوف، والدنانير والفلوس، فكما لا يتمارى هذا كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة رسول الله - ﷺ - التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس …» (^١).\nومع أن هذا المكان ليس مناسبا للإطالة في شرح ما تميز به أئمة النقد عن غيرهم، إلا أنني رأيت أنه من اللازم التعرض لشيء منه لمعرفة الجواب المناسب على السؤال المطروح وهو: إذا حكم إمام متقدم بحكم في حديث وقع فيه اختلاف، ثم ظهر للباحث من خلال قرائن الترجيح خلاف ما رجحه هذا الإمام، فهل يصح للباحث أن يخالفه؟\nوأظن الإجابة -من خلال العرض السابق- باتت ظاهرة، فالذي يظهر لي أن الباحث عليه متابعة ذلك الإمام، وعدم الالتفات إلى ما ترجح لديه، فهذا أسلم له من جهة، وأليق بأصول هذا العلم من جهة أخرى، وقد رأيت للحافظ ابن حجر كلاما مناسبا للمقام هنا، أذكره للاستئناس به، فقد قال بعد أن أطال في الكلام على حديث أعله أئمة النقد، وصححه جماعة: «وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم - بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من\n_________\n(^١) «اختصار علوم الحديث» ص ٦٣.","vol":"2","page":413},{"text":"حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد …» (^١).\nوقال أيضا في كلامه على (الحديث المعلل) ملخصا كلاما للعلائي: «وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غايصا، واطلاعا حاويا، وإدراكا لمراتب الرواة، ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم، وإليهم المرجع في ذلك، لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه، دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.\nوقد تقصر عبارة المعلل منهم فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى، كما في نقد الصيرفي سواء.\nفمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك، كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه، وهذا الشافعي -مع إمامته- يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث.\nوهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرح بإثبات العلة، فأما إن وجد غيره صححه، فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما، وكذلك إذا أشار المعلل إلى العلة إشارة، ولم يتبين منه ترجيح لإحدى الروايتين، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح» (^٢).\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧٢٦.\n(^٢) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧١١.","vol":"2","page":414},{"text":"وقد أشار السخاوي إلى أمر هام جدا في ضرورة متابعة أئمة النقد في أحكامهم عند اختلاف الرواة، كما تقدم نقل كلمته في التمهيد، وهو أننا نتابعهم في أحكامهم على الرواة في الجرح والتعديل، فإذا وثق الواحد منهم راو أخذنا بقوله، وإذا جرحه فكذلك، ما لم يكن له معارض فيلزم النظر، فالباب واحد حينئذ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن أئمة النقد إنما حكموا على الرواة في الغالب عن طريق مقارنة مروياتهم (^١)، فبهذا يكتشفون قوة القوي وضعف الضعيف، فمن أخذ بقولهم في الرواة وترك قولهم في اختلاف الرواة فقد تناقض حينئذ ولا شك.\nويستوي في ذلك من ترك منهجهم في مقارنة المرويات والموازنة حين الاختلاف بالكلية، وسلك مسلك الفقهاء والأصوليين في النظر إلى الأسانيد مفردة، ومن يدعي أنه على منهج أئمة النقد في الموازنة والمقارنة لكنه عند التطبيق لا يبالي بأحكامهم، ويدعها لأدنى شبهة، ويضع نفسه في مصافهم، ويتكلم على الأحاديث بجرأة وإقدام كأنه واحد منهم، بل أكثر منهم جرأة وإقداما.\nولما كانت كلمة السخاوي من الأهمية بمكان فإني أعيد نقلها هنا، قال السخاوي في حديثه عن أحكام أئمة النقد: «هو أمر يهجم على قلوبهم لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث\n-كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبدالبر- لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث\n_________\n(^١) انظر: «الجرح والتعديل» ص ٧٧ - ٩٩.","vol":"2","page":415},{"text":"بالأدلة، هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله، ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو متعني.\nفالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين، فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت، مع الفهم وجودة التصور، ومداومة الاشتغال، وملازمة التقوى والتواضع - يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله» (^١).\nوعلى هذا فما يذكره الأئمة المتأخرون من حث طلبة الحديث على إدامة النظر والقراءة في كتب أئمة النقد، وملاحظة كلامهم وأحكامهم ونقدهم، لمشاركتهم في هذا العلم، يتحدد المقصود به في حدود الدرجات الخمس الأولى التي يستفيدها المتأخر من معرفته للمرجحات بين الرواة حين الاختلاف، وهي المرجحات التي يمكنه تطبيقها والاستفادة منها، وأما الدرجة السادسة فيكون الباحث منها على حذر شديد وليعرف قدر نفسه، فرحم الله امرءا عرف ذلك.\nومن تلك الكلمات التي أعنيها كلمة ابن رجب الماضية في التمهيد أيضا، قال: «ولا بد في هذا العلم (يعني علم العلل) من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة به فليكثر طالبه المطالعه في كلام الأئمة العارفين، كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد، وابن المديني، وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذلك، وفهمه،\n_________\n(^١) «فتح المغيث» ١: ٢٧٤.","vol":"2","page":416},{"text":"وفقهت نفسه، وصارت له فيه قوة نفس وملكة - صلح له أن يتكلم فيه» (^١).\nولا بد -بعد ذلك وفي نهاية هذا المبحث- من الإشارة إلى الطريق الذي سلكه هؤلاء الأئمة حتى حلوا بهذه المنزلة التي هم فيها، والثمن الذي دفعوه لذلك، وإنما قلت: لا بد من الإشارة - لأن الحديث في هذا المقام يحتاج إلى توسع وبسط ليس هذا مكانه، يصح أن يقال إن الحديث فيه ذو شجون، يفرح ويبكي، يسر ويحزن، تأخذ القارئ فيه النشوة، ويعتريه الطرب إذا ألم بشيء من أخبارهم وقصصهم، ويحمد الله تعالى أن وجد هؤلاء في هذه الأمة، فهم قرة عينها، والغُرَّة في جبينها، ويحزن بل ويبكي حين يرانا ونحن بالنسبة إلى علمهم صبية أغرار - فنخوض فيما يخوضون فيه، ونتكلم فيما هو من اختصاصهم، ونقارعهم الحجة بالحجة، بل وصل الأمر ببعض المنتسبين لهذا العلم إلى درجة استهجان صنيعهم والحط عليهم.\nوسأكتفي هنا بنقل<span data-type='title' id=toc-494> ثلاثة نصوص ترشد إلى ما بذله الأئمة النقاد من جهد ووقت ومال</span>، اثنان منهما لواحد منهم وهو الإمام أبو حاتم، يحكي جانبا مما لقيه في سبيل تحصيل هذا العلم، قال أبو حاتم: «أول سنة خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته (^٢)، ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٦٤.\n(^٢) يعني تركت الإحصاء.","vol":"2","page":417},{"text":"البحر من قرب مدينة صلا إلى مصر ماشيا، ومن مصر إلى الرملة ماشيا، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ثم رجعت من طرطوس إلى حمص -وكان بقي على شيء من حديث أبي اليمان فسمعت-، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل (^١)، ومن النيل إلى الكوفة، كل ذلك ماشيا، كل هذا في سفري الأول وأنا ابن عشرين سنة، أجول سبع سنين …» (^٢).\nوقال أيضا: «بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومائتين ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئا فشيئا، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيت خالٍ، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت من الغد، وغدا علي رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني، وانصرفت جائعا، فلما كان من الغد غدا علي، فقال: مر بنا إلى المشايخ، قلت: أنا ضعيف لا يمكنني، قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا، فقال لي: قد بقي معي دينار، فأنا أواسيك بنصفه، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من\n_________\n(^١) النيل: بليدة في سواد الكوفة. معجم البلدان ٥: ٣٣٤.\n(^٢) «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٩.","vol":"2","page":418},{"text":"البصرة، وقبضت منه النصف دينار» (^١).\nوأما النص الثالث فهو لابن تيمية يصف فيه ما بذله هؤلاء الأئمة، وما قدموه من تضحيات، قال: «وقام علماء النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عند أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، يتوسد أحدهم التراب، وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال والصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه، ليحفظ بذلك دين الله …» (^٢).\n * * *\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ١: ٣٦٣.\n(^٢) «مجموع فتاوى ابن تيمية» ١: ٧.","vol":"2","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-495>المبحث الثاني\nفوائد جمع كلام النقاد</span>\nيفترض في الباحث لكي يتمكن من النظر في حديث وطرقه أن يكون بذل أقصى جهده في جمع طرق هذا الحديث، كما تقدم شرح ذلك في الفصل الأول من الباب الأول، ويكمل الباحث هذا ببذل جهد آخر لجمع كلام النقاد على حديثه الذين بين يديه، محاولا جهده استقصاء ذلك، والتنقير الشديد عن كلامهم في مظانه.\nولكي تتضح أهمية البحث عن كلام النقاد وجمعه أذكر بعض الفوائد لهذا، ثم أنبه على بعض الأمور المتعلقة بجمع كلام النقاد، والنظر فيه.\nفمن هذه الفوائد أن كلام الناقد قد يكون متضمنا لذكر الاختلاف، ولولا كلامه هذا لما عرف الباحث أن هناك اختلافا، وربما ذهب يتكلم على بعض رجال الإسناد، أو على تفرد فيه، وقد يقع هذا للنقاد أنفسهم.\nفمن ذلك الحديث الماضي في الفصل الرابع من الباب الأول، في المبحث الثاني منه، وهو ما رواه أبو أسامة حماد بن أسامة، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في (قصة ذي اليدين)، فقد مَرَّ على هذا الحديث جماعة من النقاد، منهم أبو حاتم، وابن خزيمة، والدارقطني، وغيرهم، يذكرون تفرد أبي أسامة به عن عبيدالله، ومنهم من صرح بنكارة الحديث، قال أبو حاتم: «هذا حديث منكر، أخاف أن يكون أخطأ فيه أبو أسامة» (^١).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٩٩، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٠٣٤)، و«أطراف الغرائب والأفراد» حديث (٣٣٧٣)، و«سنن البيهقي» ٢: ٣٥٩.","vol":"2","page":420},{"text":"وليحيى بن سعيد القطان نقد لهذا الحديث لم يذكروه، وقد تضمن ذكر مخالفة أبي أسامة لما في كتاب عبيدالله بن عمر، فالحديث في الكتاب مرسل، ونقل أحمد كلام يحيى، وأقره عليه.\nومر أحد الباحثين بالحديث الذي تقدم في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو ما رواه زهير بن معاوية، وشريك، عن أبي إسحاق، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس مرفوعا في التلبية، وقال عنه إن إسناده ضعيف، لاختلاط أبي إسحاق، ولأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس، لكن الحديث صحيح لغيره.\nكذا قال الباحث، ولأبي حاتم كلام على هذا الحديث لم يورده الباحث، وهو موضح لوجود اختلاف فيه على أبي إسحاق.\nفقد سئل عن هذه الرواية، فذكر أن سفيان الثوري، وأبا الأحوص، وإسرائيل، وغيرهم، رووه عن أبي إسحاق ولم يرفعوه، ثم سئل عن الأصح منهما، فقال: «سفيان، وإسرائيل أتقن، وزهير متقن، غير أنه تأخر سماعه من أبي إسحاق».\nوروى محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبدالله الصنابحي، عن عبادة بن الصامت مرفوعا: «خمس صلوات افترضهن الله على عباده …» الحديث (^١).\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٤٢٥)، و«مسند أحمد» ٥: ٣١٧.","vol":"2","page":421},{"text":"تعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد فقال في وصفه: «إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين»، ثم ذهب يتكلم على (عبدالله الصنابحي) وأن الصواب: عن أبي عبدالله الصنابحي، وهو عبدالرحمن بن عسيلة.\nولأبي حاتم كلام في تعليل الحديث بهذا الإسناد من الأهمية بمكان، لم يورده الباحث، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «سمعت هذا الحديث عن عبادة منذ حين، وكنت أنكره، ولم أفهم عورته حتى رأيته الآن: حدثنا أبو صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن ابن محيريز، عن عبادة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول …، فعلمت أن الصحيح هذا، وأن محمد بن مطرف لم يضبط هذا الحديث، وكان محمد بن مطرف ثقة» (^١).\nوالحديث مشهور عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، رواه عنه جماعة (^٢)، وأما جعله عن عطاء بن يسار بالإسناد المذكور فقد تفرد به محمد بن مطرف، فظهر صواب ما قال أبو حاتم.\nوروى داود بن أبي هند، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٩، وإسناد الحديث موضع السؤال ليس فيه عند ابن أبي حاتم ذكر عبدالله الصنابحي.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٤٢٠)، و«سنن النسائي» حديث (٤٦٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٤٠١)، و«مسند أحمد» ٥: ٣١٥، ٣١٨، ٣٢٢، و«مسند الحميدي» حديث (٣٨٨)، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٣١٦٩)، (٣١٧١)، و«مسند الشاشي» حديث (١٢٨٢، ١٢٨٣، ١٢٨٧)، و«مسند الشاميين» حديث (٢١٨٣ - ٢١٨٧).","vol":"2","page":422},{"text":"«غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (^١).\nصححه بهذا الإسناد أحد المشايخ، وقال فيه أحد الباحثين: «حديث صحيح بطرقه وشواهده، رجاله ثقات رجال الصحيح، وأبو الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس- لم يصرح بالتحديث، لكنه قد توبع».\nثم ذكر من تابعه، فذكر إسنادين آخرين إلى جابر، أحدهما من طريق أبان بن أبي عياش، عن أبي نضرة، عن جابر بلفظ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (^٢)، وضعف الإسناد بأبان، وأنه متروك.\nوذكر بعده من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعا: «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (^٣)، وقال: «وإسناده حسن».\nوتقدم لنا هذه الطريقة في النقد صورة باهتة جدا لما آل إليه النقد لدى كثير من المشايخ والباحثين، فهذا الحديث عن جابر لا يصح، فإسناد أبي الزبير ترك فيه الباحث كلاما لأبي حاتم يقضي عليه، فقد سئل عنه أبو حاتم، فقال: «هذا\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (١٣٧٧)، و«مسند أحمد» ٣: ٣٠٤، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٢: ٩٣، ٩٥، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (١٧٤٧)، و«شرح معاني الآثار» ١: ١١٦، و«صحيح ابن حبان» حديث (١٢١٩)، و«التمهيد» ١٠: ٨٢.\nورواية داود بن أبي هند هي المشهورة، وقد جاء في المنتخب من مسند عبد بن حميد حديث (١٠٧٢) من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير.\n(^٢) «مسند عبد بن حميد» حديث (١٠٧٧).\n(^٣) «صحيح ابن خزيمة» حديث (١٧٤٦)، و«المعجم الأوسط» حديث (٤٢٦٧).","vol":"2","page":423},{"text":"خطأ، إنما هو على ما رواه الثقات، عن أبي الزبير، عن طاوس، عن أبي هريرة، موقوف» (^١).\nوممن رواه كذلك زهير بن معاوية، وهو أحد الأثبات في أبي الزبير (^٢)، وقد ترك الجادة، فظهر جدا أن الصواب روايته (^٣).\nوأما طريق محمد بن المنكدر فهو في الغاية من الضعف، إذ هو من رواية عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، ورواية الشاميين -خاصة عمرو بن أبي سلمة- عن زهير بن محمد، واهية جدا، كما تقدم شرح ذلك (^٤).\nوهؤلاء الباحثون يوردون أحيانا كلام أئمة النقد، فترك النقل هنا -مع قربه- يوحي للقارئ أن الحديث غير معلل، وليس كذلك.\nوقد يتجاوز الباحث ما تقدم بأن يقف على الإسناد الذي فيه مخالفة، ثم يذكره على أنه متابع أو شاهد لإسناده، ويكون النقاد قد نبهوا إلى أن هذا علة للإسناد، ولم يذكر الباحث كلامهم.\nومن أمثلة ذلك أن أحد الباحثين تعرض للحكم على ما يرويه حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٨.\n(^٢) «الجعديات» حديث (٢٦١٣).\n(^٣) انظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥: ٣٩٧، و«البدر المنير» ٣: ٣٧٥، و«إتحاف المهرة» ٣: ٣٨٢.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ص ١١٣.","vol":"2","page":424},{"text":"الكلابي، أن رسول الله - ﷺ - قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟ …» الحديث (^١)، فقال: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف، لضعف علي بن زيد، ولانقطاعه، فالحسن لم يسمع من الضحاك بن سفيان …».\nولابن معين كلام لم يحضره الباحث، يبين فيه أن هذا الإسناد خطأ، وأن الصواب ما رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان مرسلا: «أن النبي - ﷺ - قال للضحاك …»، فقد سئل عن هاتين الروايتين، فقال: «حماد بن سلمة أعرف بعلي بن زيد من حماد بن زيد» (^٢).\nوقد ترتب على إغفال كلام ابن معين عند الباحث أنه جعل حديث أبي عثمان هذا الذي هو عند ابن معين علة لحديث الضحاك، جعله شاهدا له، وعضده به، فذكره من طريق عاصم الأحول، عن أبي عثمان، وذكر الاختلاف فيه على عاصم وعلى من دونه، فمنهم من يجعله عن أبي عثمان، عن سلمان، ومنهم من يجعله مرسلا ليس فيه سلمان، ومنهم من يشك (^٣)، وقال عن المجزوم به دون أن يعالج الاختلاف في إسناده: «وإسناده صحيح على شرط الشيخين، فالحديث يصح به»، يعني أن حديث الضحاك يصح بهذا الشاهد.\nومن الفوائد أيضا أن بعض الأحاديث لا يظهر للناظر فيها لأول وهلة وجود اختلاف على أحد رواتها، فالباحث أثناء جمعه للطرق، ونظره فيها لم يتبين\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٤٥٢، و«المعجم الكبير» حديث (٨١٣٨).\n(^٢) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٤٧٩.\n(^٣) «الزهد لابن المبارك» حديث (٤٩١ - ٤٩٢)، و«المعجم الكبير» حديث (٦١١٩).","vol":"2","page":425},{"text":"له ذلك، فيقف على كلام ناقد ينص أو يشير فيه إلى هذا الاختلاف، وقد تقدم في المبحث الأول من الفصل الأول من هذا الباب الحديث عن التردد في عَدِّ تنوع الرواية عن راو من الرواة حديثا واحدا وقع فيه اختلاف، أو هما حديثان منفصلان، وذكرت هناك أن القارئ في «سنن النسائي»، يتعجب من سعة حفظ هذا الإمام، وقدرته على استحضار الارتباط بين الأسانيد.\nوفي أقل الأحوال أن يكون الباحث قد دار في خلده أن تلك الرواية مرتبطة برواية أخرى عنده، فهو محتاج إلى النظر بينهما، يميل إلى عده اختلافا، غير أنه محتاج إلى من يدفعه قليلا إلى اعتماد هذا، فإذا ظفر بكلام ناقد وافق ما جال بخاطره، فقد ظفر بكنز ثمين، واطمأن إلى ما سيقوم به من عمل.\nومما يتصل بهذا أن الناقد ربما اكتفى بذكر وجهين أو ثلاثة من أوجه الاختلاف، والباحث وقف على أوجه أخرى، فهو بحاجة إلى من يرجح له دخولها في هذا الاختلاف، وقد يقف على هذا المرجح في كلام الناقد نفسه في مكان آخر، أو في كلام ناقد آخر، وهذا كثير جدا.\nومن الفوائد أيضا، أن كلام النقاد على الاختلافات هو في نفسه مورد معين للطرق نفسها، فالناقد ربما سرد طرقا للأوجه أو بعضها لم يقف عليها الباحث قبل ذلك، وليس هذا بالقليل، بل هو كثير جدا، بل ربما لم يقف الباحث على طرق للاختلاف أو لبعض الأوجه إلا من كلام الناقد، وقد تقدم الحديث عن هذا في الفصل الثالث من الباب الأول، وكذلك في الفصل الثالث من الباب الثالث، في المبحث الثاني منه.","vol":"2","page":426},{"text":"ومن الفوائد أيضا أن الناظر في الاختلاف -بعد أن يستقر رأيه على أنه اختلاف- قد يبعد النجعة في معالجته، وربما أكثر من فرض الاحتمالات، أو وقع في نزاع مع غيره حول نتيجة النظر فيه، وكان يغنيه عن ذلك كله أن يقف على قول ناقد متقدم يحسم الأمر، ويظهر ما قد خفي مما يتكأ عليه في الترجيح والموازنة.\nومن أمثلة ذلك أن جماعة من أصحاب ابن جريج رووا عنه، عن عبدالحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: «أتيت جابر بن عبدالله، فقلت: سمعت رسول الله - ﷺ - ينهي عن صوم يوم الجمعة؟ قال: إي ورب الكعبة»، ورواه جماعة آخرون عن ابن جريج بإسقاط عبدالحميد، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وفي روايته تصريح ابن جريج بالإخبار عن محمد بن عباد (^١).\nوقد تكلم جماعة من الأئمة على هذا الحديث، فأشار الإسماعيلي إلى أن الصواب رواية من أسقطه، ففيهم يحيى بن سعيد القطان، وذهب البيهقي إلى أن يحيى بن سعيد قَصَّر في روايته بإسقاطه لعبدالحميد بن جبير، والصواب ذكره في الإسناد، ونقل هذا عن الإمامين ابن حجر، ثم قال: «يحمل على أنه سمعه من عبدالحميد، عن محمد، ثم لقي محمدا فسمعه منه، أو سمعه من محمد، واستثبت من عبدالحميد، فكان يحدث به تارة عن هذا، وتارة عن هذا …» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٩٨٤)، و«صحيح مسلم» حديث (١١٤٣)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢٧٤٦ - ٢٧٤٩)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٦، و«سنن البيهقي» ٤: ٣٠١.\n(^٢) «فتح الباري» ٤: ٢٣٢.","vol":"2","page":427},{"text":"واستروح لكلام ابن حجر جمع من الباحثين، فصاروا ينصون على أن ابن جريج سمعه من عبدالحميد بن جبير، ثم سمعه من محمد بن عباد، فكان يحدث به على الوجهين، غير أن هؤلاء الباحثين زادوا الطين بلة، فوصفوا الإسناد الذي فيه عبدالحميد، ومحمد بن عباد، بأنه من المزيد في متصل الأسانيد، وهذا خطأ وتناقض، لأن من شرط المزيد في متصل الأسانيد أن تكون الزيادة خطأ، والإسناد متصل بدونها، وعليه فهذا الإسناد إن كان كلا الوجهين صوابا لم يكن من المزيد في متصل الأسانيد، وإن كان الإسناد من المزيد في متصل الأسانيد فالزيادة ليست صوابا، وهو متصل بدونها، فهذا تناقض.\nفهذه ثلاثة آراء في الاختلاف على ابن جريج، تصويب من أسقط عبدالحميد، وتصويب من ذكره، وتصويب الطرفين.\nوبالوقوف على نص إمام متقدم قطعت جهيزة قول كل خطيب، فأمكن معرفة الصواب، وأنه خارج هذه الآراء كلها، ففيه تصويب الطرفين، فابن جريج حدث به هكذا، وهكذا، غير أنه لم يسمعه من الاثنين، وإنما سمعه من عبدالحميد بن جبير فقط، وأسقطه خطأ، وصرح بالتحديث من شيخ شيخه، وذلك حين حدث به من حفظه.\nروى عبدالله بن أحمد، عن أبي بكر بن خلاد، قال: «سمعت يحيى يقول: حدثني ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: أتيت جابر بن عبدالله …، قال يحيى: رفعه، قال فيه: حدثنا -يعني محمد بن عباد-، وهذا في الكتب: عن","vol":"2","page":428},{"text":"عبدالحميد بن جبير بن شيبة، وإن لم يحدثك ابن جريج من كتابه لم تنتفع به» (^١).\nوذكر الحاكم ما رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة»، ثم قال: «وهذا لا ينظر فيه حديثي إلا علم أنه من شرط الصحيح، والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زلقوا»، ثم ذكر أن المحفوظ جعله عن أبي بردة، عن الأغر المزني.\nتعرض لرواية موسى بن عقبة باحثان ينظران في الاختلافات الواقعة على أبي بردة في هذا الحديث، فأما أحدهما فلم يزد على أن نقل قول أبي حاتم في تعليلها برواية إسرائيل المرسلة، وأنه أحفظ.\nوأما الآخر فقال في تعليلها: «لا تصح لأمرين: أن موسى مدني، وأبو إسحاق كوفي، وهذه الرواية ونظائرها لا تخلو من ضعف، قال الحاكم …، والثاني: مخالفة إسرائيل، وهو كوفي مثل جده أبي إسحاق …».\nولأبي حاتم كلمة في رواية موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، تقضي على هذه الرواية تماما، بين فيها أبو حاتم أن موسى بن عقبة يروي هذه الأحاديث عن أبي إسحاق بواسطة رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، يعني ويسقطه (^٢).\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٣: ٢٣٩.\n(^٢) سيأتي تخريج هذا الحديث بطرقه، وكلام النقاد فيه في المبحث الرابع من هذا الفصل، حيث ذكرته هناك لمناسبة أخرى.","vol":"2","page":429},{"text":"وروى عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - أرسل أم سليم تنظر إلى جارية، فقال: شمي عوارضها، وانظري إلى عرقوبيها» (^١).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد، ووصفه بأنه حسن، مع أنه قد ذكر رواية حماد بن سلمة، عن ثابت لهذا الحديث، والاختلاف على حماد، وعلى من دونه وصلا وإرسالا (^٢)، والراجح عن حماد إرسال الحديث، ولهذا فإن إسناد عمارة لا يستقيم وصفه بالحسن، لمخالفته أثبت الناس في ثابت، وهو حماد بن سلمة.\nولأحمد كلمة في إسناد عمارة تقضي عليه، ولم يقف عليها الباحث، ولهذا لم يوردها، قال مهنا: «سألت أحمد عن عمارة بن زاذان، فقال: صالح، إلا أنه يروي حديثا منكرا، يحدث به عن ثابت، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - أرسل أم سليم …»، قلت له: هذا غريب، قال: فلذلك صار منكرا» (^٣).\nونقل الأثرم، عن أحمد قوله فيه: «روى (يعني عن ثابت)، عن أنس، أحاديث مناكير» (^٤).\nوقد يكون الناقد الذي وقفنا على كلامه هو أحد المختلفين، تراجع عن روايته، فيحسم الاختلاف، وقد تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول التنبيه على أهمية الوقوف على ما يجري بين الرواة في عصر النقد عصر الرواية، وثباتهم\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٣: ٢٣١.\n(^٢) «المراسيل» لأبي داود، حديث (٢١٦)، و«المستدرك» ٢: ١٦٦، و«سنن البيهقي» ٧: ٨٧.\n(^٣) «إكمال تهذيب الكمال» ١٠: ١٦.\n(^٤) «الجرح والتعديل» ٦: ٣٦٦.","vol":"2","page":430},{"text":"أو تراجعهم.\nومن أمثلة ذلك هنا أن جماعة من أصحاب شعبة -منهم محمد بن جعفر، وهاشم بن القاسم، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم- رووا عن شعبة، عن أبي بلج يحيى بن أبي سليم، عن عمرو بن ميمون، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «من أحب أن يجد طعم الإيمان، فليحب المرء لا يحبه إلا لله ﷿» (^١).\nورواه يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أشعث بن سليم المعروف بأشعث بن أبي الشعثاء، قال البزار بعد أن أخرجه: «لا نعلم أحدا رواه عن شعبة، عن أشعث، هكذا إلا يزيد، ولم يتابع عليه، والصواب عندي حديث أبي بلج، عن عمرو، عن أبي هريرة» (^٢).\nوكذا قال الدارقطني: «وهم يزيد بن هارون، وإنما سمعه (يعني شعبة) من يحيى بن أبي سليم -وهو أبو بلج-، كذلك رواه غندر وأصحاب شعبة، عن شعبة، عن أبي بلج» (^٣).\nوقد روى أحمد، عن يزيد بن هارون، أنه رجع عن روايته بعد أن حاوره\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٢: ٢٩٨، ٥٢٠، و«مسند الطيالسي» حديث (٢٦١٧)، و«مسند إسحاق بن راهويه» حديث (٢٥٣)، (٢٦٦)، و«الجعديات» (١٧٣٣) و«شرح مشكل الآثار» حديث (٣٧٩٦)، و«المستدرك» ١: ٣، ٤: ١٦٨، و«شعب الإيمان» حديث (٨٥٧٦)، (٨٦٠٢ - ٨٦٠٤).\n(^٢) «كشف الأستار» حديث (٦٣).\n(^٣) «العلل» ٨: ٣٢٧.","vol":"2","page":431},{"text":"أحمد، قال أحمد بعدما رواه عن يزيد على الخطأ: «فقلت ليزيد: أي شيء اسم أبي بلج؟ قال: يحيى بن أبي سليم، فقال يزيد: لقد سمعته من شعبة ببغداد، وكنت في آخر الناس، وأنا أشك فيه مذ سمعته، فرجع يزيد عنه، وقال: اكتبوه: عن رجل» (^١).\nومن الفوائد كذلك -وهي في غاية الأهمية- أن الباحث قد يعتمد على أقوال النقاد في الترجيح، وذلك في حال إجماعهم على رأي في الاختلاف، فإجماعهم حجة، كما في كلمة أبي حاتم، وهو يتكلم على سماع الزهري، من أبان بن عثمان بن عفان، وقد نفى أهل الحديث سماعه منه، مع أنه يمكنه ذلك، قال أبو حاتم: «أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة» (^٢).\nوليس المقصود بالإجماع أن ينقل الحكم عن جميع أئمة النقد، فهذا غير ممكن، بل يكفي أن يحكي الاتفاق أحد النقاد، كما يفعل الترمذي أحيانا، أو يتوارد عدد منهم على ترجيح في حديث، ولا يوجد من يخالفهم، ويحصل بعددهم طمأنينة القلب إلى أن هذا الحكم إجماع منهم، خاصة مع ظهور قرائن الترجيح.\nوقد تقدم لهذا كله أمثلة في مبحث تعاضد القرائن، وهو المبحث الثالث من الفصل الثالث من هذا الباب.\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ١: ٢٢٨، ٢٢٩، و«مسائل صالح» ص ٢٢٦، ٢٢٩.\n(^٢) «المراسيل» ص ١٩٢.","vol":"2","page":432},{"text":"ويلتحق بهذا ما يوجد في كلام النقاد من حكاية نقد لم ينسب لأحد، ويفهم منه أنه قول مشهور في النقد، قد قال به جماعة، كأن يقول الناقد: يرون أن الصواب كذا، أو أن فلانا أخطأ فيه، أو لم أزل أسمع أن الصواب كذا، ونحو ذلك، فهذه العبارات تفيد نوع إجماع على حكم في الاختلاف.\nومثال ذلك أن أبا نعيم روى عن الثوري، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد، عن أبيه، عن السائب بن عبدالله، قال: «رأيت النبي - ﷺ - بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار» (^١).\nورواه محمد بن كثير وغيره، عن الثوري، فسموا صحابيه: عبدالله بن السائب (^٢)، وكذا رواه أصحاب ابن جريج، ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وعبدالرزاق، ومحمد بن بكر، وغيرهم (^٣).\nقال البخاري بعد أن رواه عن أبي نعيم: «وهو وهم» (^٤).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٨: ٢٩٣، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١: ٢٩٨، و«حجة الوداع» لابن حزم حديث (٩١).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٢.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (١٨٩٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٣٩٣٤)، و«مسند أحمد» ٣: ٤١١، و«الأم» ٢: ١٤٧، و«صحيح ابن خزيمة» حديث (٢٧٢١)، و«المستدرك» ١: ٤٥٥، و«سنن البيهقي» ٥: ٨٤.\n(^٤) «التاريخ الكبير» ٨: ٢٩٣.","vol":"2","page":433},{"text":"وقال أبو حاتم وقد سئل عن رواية أبي نعيم: «هذا خطأ، أخطأ فيه أبو نعيم …، منذ حين أسمع الناس يقولون: هذا مما أخطأ فيه أبو نعيم» (^١).\nو<span data-type='title' id=toc-505>يقرب من الإجماع دلالة أن يكون الجمهور على قول، ويخالفهم ناقد واحد، فإن الأقرب إلى الصواب في الغالب مع الجمهور</span>.\nفمن ذلك حديث حذيفة الماضي في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، فقد رواه الأعمش -في الراجح عنه- ومنصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن حذيفة: «أن النبي - ﷺ - أتى سباطة قوم فبال قائما»، وذكر فيه الأعمش وحده أنه توضأ ومسح على الخفين.\nورواه عاصم بن أبي النجود، وحماد بن أبي سليمان، عن أبي وائل، عن المغيرة بن شعبة.\nفأخرج البخاري ومسلم رواية الأعمش، ومنصور، إلا أن البخاري لم يذكر قصة المسح في رواية الأعمش، وكذا رجح أحمد، وأبو حاتم، والترمذي، والدارقطني روايتهما، وأن الحديث عن حذيفة، وأما أبو زرعة فقال: «الصحيح: حديث عاصم، عن أبي وائل، عن المغيرة، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nوروى شعبة، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٧٢.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (١٣)، و«مسائل حرب» ص ٤٥٢، و«العلل الكبير» ١: ٩٣، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ١٣، و«علل الدارقطني» ٧: ٩٥.","vol":"2","page":434},{"text":"قال: «يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب» (^١).\nورواه هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وهمام، وسلم بن أبي الذيال، عن قتادة، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس موقوفا، إلا أن هماما، وهشاما في بعض الطرق إليه، أدخلا بين قتادة، وجابر بن زيد: صالحا أبا الخليل، وسلم بن أبي الذيال لم يذكر جابر بن زيد، وقد قيل أيضا إن شعبة جاء عنه الوقف (^٢).\nفرجح الجمهور -ومنهم يحيى بن سعيد القطان، وأحمد، وأبو داود- وقف الحديث، وخالفهم أبو حاتم فقال عن حديث شعبة المرفوع: «هو صحيح عندي» (^٣).\nومن الفوائد أيضا أن الاجتهاد في جمع كلام النقاد يُقِّرب الباحث من الإنصاف، ويبعده عن التعجل في رد كلام النقاد، والاستهانة به، خاصة إذا كان\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (٧٠٣)، و«سنن النسائي» حديث (٧٥٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٩٤٩)، و«مسند أحمد» ١: ٣٤٧.\n(^٢) «سنن النسائي» حديث (٧٥٠)، و«مسند أحمد» ١: ٣٤٧، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ٢٨١، و«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (٥٨٩)، (٥٩١ - ٥٩٢)، و«الكامل» ٥: ٢٠٢١، و«بيان الوهم والإيهام» ٣: ٣٥٦، و«تحفة الأشراف» ٤: ٣٧٣، و«فتح الباري» لابن رجب ٤: ١٢١، و«إتحاف المهرة» ٧: ٢٥.\n(^٣) «سنن أبي داود» حديث (٧٠٣)، و«علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٠، و«سنن البيهقي ٢: ٢٧٤، و«فتح الباري» لابن رجب ٤: ١٢١، وانظر: مثالين آخرين في: «علل ابن أبي حاتم» (١١١٥)، (٢٢٢٥)، وحاشيته لسعد الحميد وآخرين.","vol":"2","page":435},{"text":"يذهب إلى ترجيح الوجه التام، وتصحيح الإسناد.\nروى وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن سالم أبي النضر، عن أبي أنس، عن عثمان مرفوعا حديث الوضوء ثلاثا، ورواه جماعة عن الثوري، عن سالم، عن بسر بن سعيد، عن عثمان، وقد أخرج مسلم رواية وكيع، وانتقده الدارقطني، ورجح رواية الجماعة، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nفتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف بين مسلم، والدارقطني، وصوب رأي مسلم، وقسى على الدارقطني في العبارة، وذكر أن أبا حاتم، وأبا زرعة، قد رجحا كذلك رواية وكيع.\nوأبو حاتم، وأبو زرعة، إنما رجحا رواية وكيع، لأنهما ذكراها في مقابل رواية واحد من الجماعة الذين رووه عن الثوري، ووكيع أحفظ منه، وليس هذا موضع الشاهد هنا، فالشاهد من صنيع الباحث أن أحمد قد سبق الدارقطني إلى توهيم وكيع، وتصويب رواية من جعله عن بسر بن سعيد، ولم يذكر الباحث قول أحمد، وهو مهم جدا في مثل هذا الموضع.\nومَرَّ باحث آخر برواية وكيع، فصححها على شرط الشيخين، ثم مَرَّ برواية بعض أصحاب الثوري الذين خالفوا وكيعا، فقال مرة: إسناده قوي، وقال مرة: إسناده حسن، وذكر الاختلاف بين رواية وكيع، ورواية الآخرين، ثم نقل رأي أبي حاتم، وأبي زرعة، في ترجيح رواية وكيع، ولم يذكر رأي أحمد، والدارقطني مطلقا.","vol":"2","page":436},{"text":"وروى عبدالله بن عون الخراز، والحسين بن علي بن الأسود، عن محمد بن بشر، عن مسعر بن كدام، عن قتادة، عن أنس، قال: «قام رسول - ﷺ - حتى تورمت قدماه …» الحديث (^١).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الإسناد، وقال فيه: «رجاله رجال الصحيح»، ثم نقل عن ابن حجر أنه أعله بأن المشهور: عن مسعر، عن زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، واعتمد ابن حجر على قول البزار في ذلك، وأن هذا الوجه هو الصواب (^٢)، ثم قال الباحث: «هذا ليس بعلة يعل بها هذا الطريق، محمد بن بشر العبدي ثقة حافظ …».\nوقد أعل حديث أنس جمع غفير من النقاد -غير البزار- وأن الصواب حديث المغيرة، فأعله بذلك ابن معين، وعلي بن الحسين بن الجنيد، وابن عدي، والطبراني، والدارقطني، وفي كلامهم أن الخطأ ممن رواه عن محمد بن بشر، فقد رواه الثقات عن محمد بن بشر على الصواب، بل هذا في كلام البزار أيضا، غير أن ابن حجر اختصره (^٣).\n_________\n(^١) «كشف الأستار» حديث (٢٣٨٠)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٢٩٠٠)، و«التهجد» لابن أبي الدنيا حديث (٢١٥)، و«المعجم الأوسط» حديث (٥٧٣٧).\n(^٢) «فتح الباري» ٣: ١٥، و«المطالب العالية» ١: ٢٥٢.\n(^٣) «كشف الأستار» حديث (٢٣٨٠)، و«علل ابن أبي حاتم» (٥٥٤) طبعة محمد الدباسي، و«الكامل» ٢: ٧٧٨، و«المعجم الأوسط» حديث (٥٧٣٧)، و«علل الدارقطني» ٧: ١٢٤.\nوحديث المغيرة جاء من طرق عن مسعر، وعن زياد بن علاقة، انظر: «صحيح البخاري» حديث (١١٣٠)، (٤٨٣٦)، (٦٤٧١)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٨١٩)، و«سنن الترمذي» حديث (٤١٢)، و«سنن النسائي» حديث (١٦٤٣)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٥١، ٢٥٥، و«علل الدارقطني» ٧: ١٢٤.","vol":"2","page":437},{"text":"وعبدالله بن عون الخراز ثقة، لكنه أخطأ في هذا الحديث، وأما الحسين بن علي فهو ضعيف، ونص ابن عدي على أنه سرقه من عبدالله بن عون، وقال: «على أن غير الحسين من الضعفاء، قد سرقه منه أيضا».\nولعل الباحث لو أحضر هذه الأقوال للنقاد لما تجرأ على تصحيح حديث أنس، ولتبين له أنه دفاعه عن الإسناد بذكر منزلة محمد بن بشر لا يفيد شيئا.\nولو قال قائل: إذا وجدت أقوالا للنقاد في اختلاف على راو، ولم أجد بينهم اختلافا في الترجيح، فلم لا أكتفي بقول بعضهم؟ يجيب عن هذا التساؤل ما تقدم، وهو أننا محتاجون إلى جمع ما أمكن من أقوالهم، لا سيما أن ذكرها لا يكلف شيئا، فتكفي الإشارة إليها، كأن يقول الباحث: ورجح الوقف فلان، وفلان …، ويمكن أن يختصر فيقول: وغيرهم، ويحيل إلى المراجع.\nوالباحث إذا ذكر قولا لناقد، وأغفل قول ناقد آخر، عُدَّ صنيعه هذا تقصيرا، كما لو اقتصر على بعض الطرق، وترك منها ما هو مهم في دراسة الاختلاف.\nفمن ذلك أنني ذكرت في «الاتصال والانقطاع» (^١) في مكانين حديث أنس في قصة صلاته - ﷺ - في مرض موته، والاختلاف فيه على حميد الطويل بذكر ثابت\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٨، ٣٥١.","vol":"2","page":438},{"text":"البناني، وحذفه، وذكرت فيهما ترجيح الترمذي للزيادة، وأغفلت قول أبي حاتم، وكلامه أظهر من كلام الترمذي لمناسبة الحديث في الموضعين، فقد ذكرته في الموضع الأول مثالا على وقوع خطأ في تصريح مدلس بالتحديث، وفي الموضع الثاني لقرينة ارتكاب المدلس للتدليس بذكر واسطة بينه وبين شيخه في بعض الطرق.\nوهذا كلام أبي حاتم بعد أن ذكر له ابنه رواية الجماعة بإسقاط ثابت، ورواية يحيى بن أيوب بذكره: «يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، وقد زاد رجلا» (^١).\nولأبي زرعة أيضا قول لم أذكره، وهو ترجيح إسقاط ثابت، وعلل ذلك بأن فيمن أسقطه الثوري وهو حافظ، والذي زاده وهو يحيى بن أيوب ليس بذاك الحافظ (^٢)، غير أن كلام أبي زرعة لا يعكر على التمثيل بالحديث في الموضعين، وظهر من السؤال والجواب أن أبا زرعة -مثل أبي حاتم- عنده من طرق الحديث عن حميد ممن زاد ثابتا طريق يحيى بن أيوب، فرآه أبو حاتم كافيا للحكم بتدليس حميد، وعلل ذلك بما ذكره، وجنح أبو زرعة إلى الترجيح بين أصحاب حميد، وقد تقدم هناك أن جماعة غير يحيى بن أيوب قد ذكروا ثابتا في الإسناد، فترجح قول الترمذي، وأبي حاتم.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٢٢.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٤.","vol":"2","page":439},{"text":"وروى إسماعيل بن علية، وسفيان بن عيينة، وعبدالأعلى بن عبدالأعلى، ووهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: «قالت عائشة لابن أبي السائب قاص أهل المدينة: ثلاث لتتابعني عليهن أو لأناجزنك …» الحديث، وهو منقطع، فإن الشعبي لم يسمع من عائشة، كما تقدمت الإشارة إليه في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، حيث تقدم الحديث هناك.\nوقد رواه أبو معاوية، عن داود، عن الشعبي، عن ابن أبي السائب -أو عن أبي السائب-، عن عائشة (^١).\nورواه حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة (^٢).\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، ونقل عن الدارقطني ترجيحه للوجه الذي رواه الجماعة عن داود، قال الدارقطني: «والصحيح: عن الشعبي، عن عائشة» (^٣).\nوقد رجح المرسل أيضا أبو حاتم، ولم يذكر الباحث قوله، ولهذا فات الباحث أيضا من طرق الوجه المرسل طريق وهيب، فإنه عند أبي حاتم (^٤).\nوروى يحيى بن أبي بكير، عن زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر،\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥، ٢٤٨، و«صحيح ابن حبان» حديث (٩٧٨).\n(^٢) «مسند أبي يعلى» حديث (٤٤٧٥).\n(^٣) «علل الدارقطني» ١٤: ٢٨٣.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٥.","vol":"2","page":440},{"text":"عن عبدالله بن مسعود، قال: «أول من أظهر إسلامه سبعة …» (^١).\nنقل أحد الباحثين في كلامه عليه قوله البزار: «هذا الحديث لا نعلم رواه عن زائدة موصولا إلا يحيى بن أبي بكير» (^٢).\nونقل أيضا قول الدارقطني: «تفرد به يحيى بن أبي بكير، وهو وهم، وإنما رواه زائدة، عن منصور، عن مجاهد قوله» (^٣).\nوترك الباحث من أقوال النقاد قول ابن معين: «هذا عن منصور، عن مجاهد، هكذا حدث به الناس»، وقال مرة: «إنما يرويه سفيان، عن منصور، عن مجاهد فقط».\nوكذا قول عباس الدوري: «هذا باطل، إنما هو من رأي مجاهد» (^٤).\nومن الفوائد كذلك لجمع أقوال النقاد والفحص الشديد عنها أن أئمة النقد يذكرون في كلامهم ما استندوا إليه في الترجيح، فيستفيد الباحث تحرير قرائن الترجيح في حديثه الذي ينظر فيه، وهذا كثير جدا، تقدم له أمثلة في الفصول السابقة.\nوفي أحاديث كثيرة تتعارض القرائن أمام الباحث، وربما توقف عن اختيار\n_________\n(^١) «سنن ابن ماجه» حديث (١٥٠)، و«مسند أحمد» ١: ٤٠٤.\n(^٢) «مسند البزار» حديث (١٨٤٥).\n(^٣) «علل الدارقطني» ٥: ٦٣.\n(^٤) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٣٢٣ - ٣٢٤.","vol":"2","page":441},{"text":"رأي له، فهو محتاج إلى من يساعده ويعينه على ذلك، وسيجد ضالته في كلام النقاد، ويتأكد هذا إذا استحضرنا ما تقدم في الفصل الرابع من الباب الأول، وهي الوسائل الخاصة بالنقاد، وليس بمقدورنا نحن تطبيقها والاستفادة منها.\nومن الفوائد كذلك أن الباحث حين نظره في الطرق، ورواة الأوجه، وصفة رواية كل منهم، يظهر لديه رأي في هذا الاختلاف، لكنه محتاج إلى رأي ناقد يتكئ عليه، ويطمئن إلى سلامة نظره واجتهاده هو، فإذا وقف عليه فرح بذلك واستبشر.\nومن فوائد جمع كلام النقاد والنظر فيه أن الباحث يتعود على تحليل النصوص، والتمعن فيها، وفحصها، ويتربى كذلك على تقبل الرأي المخالف، ويدرك أن ما فيه مجال للاجتهاد من مسائل العلم الأمر فيه واسع، ووجود عدة آراء فيه قريب جدا، لا إشكال فيه.\nومما يتعلق بهذا أن الباحث يبتعد في هذا العلم -وفي كافة العلوم- عن القطع في كل مسألة يبحثها، كما هو ديدن بعض الباحثين، فإذا تعرض لقضية تراه يبدئ ويعيد ويكرر أن لا مجال لاحتمال الصواب والخطأ فيما ذهب إليه، إنما هو الصواب فقط.\nويتأكد هذا إذا تمعن الباحث في كثرة وجود رأيين للناقد الواحد، يتغير اجتهاده، فتراه في موضع أو كتاب يرجح رأيا، وفي موضع أو كتاب يرجح آخر، كما تقدم هذا بأمثلته في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب،","vol":"2","page":442},{"text":"وما ذاك إلا لأن الاحتكام إنما هو إلى قرائن وقواعد في هذا العلم، وهي مجال واسع للاجتهاد والنظر.\nوكنت دائما أنبه إلى أن الدخول في علم العلل ومقارنة المرويات هو في الحقيقة دخول لمدرسة شاملة للتدرب والتمكن من قواعد البحث العلمي بصفة عامة، أساتذتها هؤلاء النقاد الأجلاء.\nوفي مسألة (كلام النقاد في الاختلاف) عدد من الأمور يحسن التنبيه عليها:\n<span data-type='title' id=toc-512>الأمر الأول: كلام النقاد قد يكون صريحا في الاختلاف الذي ينظر فيه الباحث</span>، بأن يذكر الناقد الاختلاف، وينص على الراجح أو يشير إليه، وهذا لا إشكال فيه.\nوقد يكون كلام الناقد بمعزل عن سوق الاختلاف، والترجيح فيه، غير أن كلامه له صلة بأحد الأوجه، أو بأحد رواته، وذلك كأن يقول الناقد إن هذا الحديث لا يعرف من حديث فلان، أو يقول إن فلانا أخطأ في حديث يرويه عن شيخه، ونحو ذلك، فهذا كله يحسن بالباحث أن يتتبعه، وأن ينظمه في سلك أقوال النقاد في الحديث الذي ينظر فيه، وقد يكون الباحث أصلا لم يقف على كلام صريح في الاختلاف، فهذا يعينه في الترجيح إذن.\nمثال ذلك أن وهب بن جرير روى عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قصة صلاته - ﷺ - على قبر (^١).\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٩٥٤)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٠٨٩ - ٣٠٩٠)، و«حلية الأولياء» ٧: ١٩٣، و«سنن البيهقي» ٤: ٤٦.","vol":"2","page":443},{"text":"ورواه وهب بن جرير أيضا عن شعبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس (^١).\nوكذلك رواه جماعة من كبار أصحاب شعبة، منهم محمد بن جعفر، وسليمان بن حرب، وأبو داود الطيالسي، ومسلم بن إبراهيم، وحجاج بن منهال، وغيرهم، عن شعبة، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن ابن عباس (^٢).\nوهو مشهور عن أبي إسحاق الشيباني، فرواه مع شعبة جماعة من أصحابه أيضا، منهم سفيان الثوري، وأبو معاوية، وزائدة بن قدامة، وعبدالواحد بن زياد، وجرير بن عبدالحميد، وعبدالله بن إدريس، وغيرهم (^٣).\nوقد سئل أحمد عن رواية وهب بن جرير، عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، فأنكره، وقال: «ليس هذا من حديث إسماعيل بن أبي خالد» (^٤).\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» ٤: ٤٥.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٨٥٧)، (١٣١٩)، (١٣٢٢)، (١٣٣٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٥٤)، و«سنن النسائي» حديث (٢٠٢٢)، و«مسند أحمد» ١: ٣٣٨، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٠٨٨)، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٥٨١).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (١٢٤٧)، (١٣٢١)، (١٣٢٦)، (١٣٤٠)، و«صحيح مسلم» حديث (٩٥٤)، و«سنن أبي داود» حديث (٣١٩٦)، و«سنن الترمذي» حديث (١٠٣٧)، و«سنن النسائي» حديث (٢٠٢٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٥٣٠)، و«مسند أحمد» ١: ٢٢٤، ٢٨٣، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٥٨٣)، و«سنن الدارقطني» ٢: ٧٧ - ٧٨، و«سنن البيهقي» ٤: ٤٦.\n(^٤) «مسائل أبي داود» ص ٤٣٣.","vol":"2","page":444},{"text":"فكلام أحمد هذا يجعله الباحث رأيا لأحمد في هذا الاختلاف، وأن الصواب ما رواه الجماعة عن شعبة.\nوكذلك كلام النقاد في عموم رواية وهب بن جرير، عن شعبة، فقد تكلم فيها عبدالرحمن بن مهدي، وعفان بن مسلم، وذكر عفان أنها أحاديث عبدالرحمن بن زياد الرصاصي (^١).\nوعند التأمل فإن من تكلم في راو في عموم روايته، وإن لم ينص على شيخه المعين، ثم وجدنا لهذا الراوي شيئا يخالف فيه غيره، أمكن أن يقال إن هذا الناقد يرجح خطأه في روايته هذه، وإن لم يأت عن هذا الناقد شيء بخصوصها.\nوهذا راجع إلى قضية نبهت عليها كثيرا، وهي أن أحكام النقاد على الرواة إنما جاءت من أحكامهم على رواياتهم، وليس العكس، ووعدت بالتنبيه عليها في مناسباتها، لإيضاح كيفية استفادة الباحث من إدراكها، وعدم الغفلة عنها.\nالأمر الثاني: يصح للباحث أن يذكر إجماعا للنقاد، أو قولا للجمهور، أو لاثنين منهم، وإن لم يكن بين من نسب إليهم القول اتفاق في جميع التفاصيل، إذا كان بينهم قدر مشترك هو الذي يريده الباحث.\nولهذا صور عديدة، تقدم بعضها في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو المبحث المتعلق بتعارض القرائن، فقد تقدم هناك أن النقاد قد يتفقون على أن هذا الوجه خطأ، ثم يختلفون في تحميل عهدة الخطأ، فمنهم من\n_________\n(^١) «العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٣١٣.","vol":"2","page":445},{"text":"يجعله محفوظا عن المدار، والخطأ منه، ومنهم من يجعل الخطأ ممن دون المدار، وقد يتفقون على أن الخطأ ممن دون المدار، ثم يختلفون هل المخطئ راوي الوجه المباشر عن المدار، أو أحد رواة الإسناد دونه؟ بل قد يقع هذا التردد من الناقد الواحد، فهذا الاختلاف لا يضر في أصل القضية، وهو اتفاقهم على أن هذا الوجه خطأ.\nومن صوره أيضا أن يتفق النقاد على تخطئه وجه ما، ثم يختلفون في الوجه الصواب ما هو؟ كأن يتفقوا على تخطئة الوجه المرفوع، ثم يقع بينهم اختلاف في الوجه الصواب، فيقول بعضهم: الحديث موقوف على صحابيه، ويقول بعضهم: الحديث موقوف على التابعي، وكأن يتفقوا على تخطئة الوجه الموصول، ثم يختلفون في صفة الوجه الصواب الذي هو المرسل، فبعضهم يذكره بإسقاط الصحابي، وبعضهم يذكره بإسقاط التابعي، وهكذا.\nوكذا لو اتفقوا على تخطئة وجه، ثم اختلفوا في ذكر الوجه الذي هو علة للوجه الخطأ.\nومن ذلك ما رواه أبو اليمان الحكم بن نافع، وأبو المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج، عن سعيد بن عبدالعزيز التنوخي، عن سليمان بن موسى، عن جبير بن مطعم مرفوعا: «كل أيام التشريق ذبح» (^١).\nورواه سويد بن عبدالعزيز، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن سليمان بن\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٤: ٨٢.","vol":"2","page":446},{"text":"موسى، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقيل إن إسماعيل بن عياش قد رواه كذلك عن سعيد (^١).\nورواه أبو نصر التمار، عن سعيد بن عبدالعزيز، عن سليمان بن موسى، عن عبدالرحمن بن أبي حسين، عن جبير بن مطعم (^٢).\nوقد اتفق النقاد -أحمد، والبزار، وابن عبدالبر، والبيهقي- على تخطئة الوجه الثاني، وهو جعله عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وذكر أحمد، وابن عبدالبر، والبيهقي، أن الصواب إرساله، يعني بإسقاط نافع بن جبير، وهو الوجه الأول، وأما البزار فذهب إلى أن الصواب هو الوجه الثالث، فقال: «حديث ابن أبي حسين هذا هو الصواب، وابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم»، إلا أن البزار لم يذكر الوجه الأول (^٣).\nفهذا الاختلاف في الوجه الصواب لا يمنع من الاعتماد على اتفاقهم على أن الوجه الثاني الموصول خطأ.\nوروى جماعة عن أزهر بن سعد السمان، عن عبدالله بن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، عن علي بن أبي طالب قال: «جاءت فاطمة ﵂ إلى رسول الله - ﷺ - تشكو مجل يدها من أثر الرحى …» الحديث (^٤).\n_________\n(^١) «مسند البزار» حديث (٣٤٤٣)، و«المعجم الكبير» حديث (١٥٨٣)، و«التمهيد» ٢٣: ١٦٧.\n(^٢) «مسند البزار» حديث (٣٤٤٤)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٣٨٥٤).\n(^٣) «مسند البزار» حديث (٣٤٤٤)، و«التمهيد» ٢٣: ١٦٧، و«سنن البيهقي» ٩: ٢٣٩، ٩: ٢٩٥.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (٣٤٠٨ - ٣٤٠٩)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٩١٧٢)، و«مسند أحمد» ١: ١٢٣، و«مسند البزار» حديث (٥٥١)، و«الضعفاء الكبير» ١: ١٣٢، و«أمالي المحاملي» حديث (١٤٣).","vol":"2","page":447},{"text":"وقد توارد جماعة من النقاد -ابن المديني، والبخاري، والبزار، والعقيلي- على تعليل هذا الإسناد، وأن الصواب إرسال الحديث، واعتمدوا على أن هذا هو الموجود في كتاب أزهر، فما حدث به من حفظه أخطأ فيه، ومنهم من ناقشه في ذلك، غير أنهم اختلفوا في صفة الإرسال، فمنهم من يذكره بإسقاط علي بن أبي طالب، ومنهم من يذكره بإسقاط عبيدة السلماني (^١).\nوليس هذا الاختلاف بمؤثر على اتفاقهم على ضعف الموصول.\nوالباحث بعد فراغه من النظر بين الوجه الخطأ، وبين ما هو صواب -بغض النظر عن صفته- يعود إلى النظر في الاختلاف الواقع بين النقاد في الصواب ما هو؟ فهذه قضية أخرى، ولا يصح أن يجعل اختلافهم في جهة ما دليلا على ضعف ما اتفقوا عليه.\nروى أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، عن سعيد بن عبدالرحمن الجمحي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا: «إذا نسي أحدكم صلاته فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل مع الإمام …» الحديث (^٢).\nورواه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب، عن سعيد بن عبدالرحمن موقوفا\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ٢: ٩٠٩، و«مسند البزار» حديث (٥٥١)، و«الضعفاء الكبير» ١: ١٣٢.\n(^٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٦٧، و«المعجم الأوسط» حديث (٥١٣٢)، و«سنن الدارقطني» ١: ٤٢١، و«سنن البيهقي» ٢: ٢٢١.","vol":"2","page":448},{"text":"على ابن عمر (^١). وكذا رواه مالك، عن نافع موقوفا أيضا على ابن عمر (^٢).\nوقد أطبق النقاد: ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وموسى بن هارون، وابن حبان، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي، على أن المرفوع خطأ، والصواب وقفه على ابن عمر، قال أبو زرعة بعد أن خطأ المرفوع: «وأخبرت أن يحيى بن معين انتخب على إسماعيل بن إبراهيم، فلما بلغ هذا الحديث جاوزه، فقيل له: كيف لا تكتب هذا الحديث؟ فقال يحيى: فعل الله بي إن كتبت هذا الحديث».\nوتعرض بعضهم للمخطئ فيه، وأكثر من تعرض لذلك يجعل الخطأ من أبي إبراهيم الترجماني، ومنهم من يجعله من سعيد بن عبدالرحمن (^٣).\nقال الزيلعي بعد أن ذكر كلام النقاد: «فقد اضطرب كلامهم، فمنهم من ينسب الوهم في رفعه لسعيد، ومنهم من ينسبه للترجماني الراوي عن سعيد» (^٤).\nواختلاف النقاد هذا ليس باضطراب في أصل المسألة، وهو كون المرفوع وهما، وإنما اختلف اجتهادهم في تحديد المخطئ، إذ يحتمل أن يكون من الترجماني، بدلالة رواية الليث، ويحيى بن أيوب، عن سعيد موقوفا، ويحتمل أن يكون من سعيد، وهم في رفعه حين حدث به الترجماني، فهذا نظر آخر.\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» ١: ٤٦٧، و«سنن الدارقطني» ١: ٤٢١، و«تاريخ بغداد» ٩: ٦٧.\n(^٢) «الموطأ» ١: ١٦٨، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٢٢٥٤).\n(^٣) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٠٨، و«المجروحين» ١: ٣٢٣، و«الكامل» ٣: ١٢٣٦، و«سنن الدارقطني» ١: ٤٢١، و«سنن البيهقي» ٢: ٢٢١، و«نصب الراية» ٢: ١٦٢.\n(^٤) «نصب الراية» ٢: ١٦٣، وانظر مثالا آخر له أيضا في ١: ٣٩٦.","vol":"2","page":449},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-514>الاستفادة من القدر المشترك في كلام النقاد </span>لا تنحصر في كلامهم على الاختلاف، وما يتعلق به، فتوجد أيضا في الجرح والتعديل، إذ قد يتفق النقاد على ضعف راو، ولكن يختلفون في سبب ضعفه، فمنهم من يعزو ذلك إلى أحاديث منكرة تفرد بها، ومنهم من يعزوه إلى قبوله التلقين، ومنهم من يعزوه إلى كثرة مخالفته للثقات، وقد ينفي بعض النقاد عن الراوي ما ذكره ناقد آخر، لكن ضعف الراوي متفق عليه بينهم.\nوكذلك في التضعيف المقيد، يتفق النقاد على ضعف ونكارة رواية أهل بلد عن راو، أو رواية راو عن أهل بلد، ثم يختلفون في تحميل العهدة، كما وقع في زهير بن محمد الخراساني، ورواية الشاميين عنه، فمن النقاد من حمل العهدة زهيرا، وأنه حدث هناك من حفظه، ومنهم من قال إن أهل الشام أخطؤوا عليه، ومنهم من أبدى احتمالا أن يكون غيره، قلب أهل الشام اسمه، وقد تقدم هذا في موضعه (^١).\nومن ذلك أيضا ما تقدم في الباب الثاني، وهو المتعلق بالتفرد، فالنقاد قد يستنكرون أحاديث تفرد بها راو عن شيخه، ثم يختلفون في تحميل عهدة النكارة، كما في رواية عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، أو يتفقون على تحميل راو عهدة الخطأ في التفرد، ولكن يختلفون في مصدر الخطأ، أي: ما هو أصل الحديث الذي أخطأ فيه الراوي، أو يختلفون في سبب وقوع الراوي في الخطأ.\n_________\n(^١) «الجرح والتعديل» ص ١١٣.","vol":"2","page":450},{"text":"فكل هذه الاختلافات غير مؤثرة إطلاقا على أصل ما اتفقوا عليه.\nويجدر التنبيه إلى أن القدر المشترك والاستفادة منه لا يختص بكلام النقاد، بل يوجد فيما هو أهم منه، وهم الرواة أنفسهم، فيستفاد من القدر المشترك بين رواياتهم، وقد تقدم هذا في مناسبتين، إحداهما في مبحث خاص بالقدر المشترك، والاستفادة منه في الترجيح بين الأوجه، وهو المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، والثانية في الاستفادة من القدر المشترك بين الوجه الصواب، والوجه الخطأ، وهذا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب.\nوقد ظهر لي أن قضية القدر المشترك موجودة بقوة في مجال نقد المرويات، وهي بحاجة إلى من يخصها بدراسة مستقلة، يوضحها ويتتبع تطبيقاتها.\nالأمر الثالث: يتأنى الباحث كثيرا حين يريد نقل نص ناقد في الاختلاف، ويحذر من أن ينسب قولا لغير قائله، ويوصى الباحث بالتدقيق والنظر في سياق النص، خشية أن يقع في الخطأ، فيجمع بين تقويل أحد قولا لم يصدر عنه، وتفويت نسبة قول لصاحبه بنسبته لغيره، وقد يكون أمكن في هذا العلم، أو أقدم طبقة.\nولا سبيل إلى تفادي الوقوع في الخطأ إلا بالتدقيق والتأني، والبعد عن الاستعجال، وأيضا التعرف على طبيعة المصادر، وخصائص كل منها.\nفهناك بعض المصادر يروي التلميذ جل مادته عن شيخ له، لكنه يورد فيه أيضا عن شيوخ آخرين كلاما، أو يروي عمن تقدمه من غير طريق شيخه، كما في «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، فعبدالله يروي جله عن والده،","vol":"2","page":451},{"text":"ومن شيوخ والده يحيى القطان، وربما روى عبدالله عن يحيى بن معين، وربما روى عن يحيى القطان بواسطة بعض شيوخه غير أبيه، كأبي بكر بن خلاد، فيقع الاشتباه على الباحث.\nوبعض المصادر جرى فيه مؤلفه على سرد النصوص، فيختلط ما يرويه بإسناده عن شيوخه أو من فوقهم، بما يقوله هو، فيشق أحيانا تمييز صاحب القول، ويحتاج إلى التمعن في السياق، وقد يحتاج الباحث إلى الاستعانة بأمر خارجي، كما في «المعرفة والتاريخ» ليعقوب بن سفيان.\nوجرى بعض المؤلفين على أن يذكر قبل كلامه اسمه، أو كنيته، وقد يكون هذا من الراوي للكتاب عنه، وذلك عوضا عن قوله: (قلت)، أو (قال المؤلف)، وربما راوح بين الاسم والكنية، كما يفعل ابن حزم في «المحلى»، تارة يقول: قال علي، وتارة يقول: قال أبو محمد، فيشتبه على الباحث، ويظن أن المؤلف ينقل عن غيره، خاصة إذا وافق الاسم أو الكنية اسم أو كنية ناقد آخر.\nومن هؤلاء ابن خزيمة يسبق كلامه عبارة: قال أبو بكر، فربما قال الباحث: ونقل ابن خزيمة عن شيخه أبي بكر كذا، وابن خزيمة هو أبو بكر، فهو صاحب القول.\nومن هؤلاء أيضا: ابن حبان، يسبق كلامه بقوله: قال أبو حاتم، وهي كنيته، فيظن الباحث أنه ينقل عن أبي حاتم الرازي.\nوكذلك البيهقي، كثيرا ما يرد عنده: قال أحمد، أو: قال الشيخ أحمد، فيظن أنه ينقل عن أحمد بن حنبل، والكلام للبيهقي، فاسمه أحمد بن الحسين.","vol":"2","page":452},{"text":"والباحث ينبه على هذا في النقل عن النقاد في جميع مسائل هذا العلم، وذكرته هنا لمناسبة الحديث عن ضرورة الاهتمام بكلام النقاد في الاختلاف، ومن الاهتمام به: التدقيق في صاحب القول من هو؟\nونبهت عليه أيضا لما رأيت من خطأ بعض الباحثين في نسبة الأقوال إلى أصحابها.\nفمن ذلك أن أبا نعيم الفضل بن دكين روى عن عبدالعزيز بن عمر بن عبدالعزيز، عن عبدالله بن موهب، قال: سمعت تميما الداري يقول: «سألت رسول الله - ﷺ -: ما السنة في الرجل من أهل الكفر يسلم على يدي الرجل من المسلمين …» (^١).\nقال أحد الباحثين في دراسة هذا الإسناد: «قول عبدالله بن موهب هنا: سمعت تميما الداري، خطأ، خطأه فيه أبو نعيم نفسه راوي الحديث، فقال -فيما نقله عنه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٤٣٩ -: وهذا خطأ، ابن موهب لم يسمع تميما، ولا لحقه».\nكذا نقل الباحث، ولم يحكم هذا النقل، فصاحب القول هو يعقوب بن سفيان، يوازن بين ما رواه أبو نعيم، عن عبدالعزيز بن عمر، بذكر تصريح عبدالله بن موهب بالسماع من تميم، وبين ما رواه يحيى بن حمزة الدمشقي، عن عبدالعزيز بن عمر، بإدخال واسطة بين عبدالله بن موهب، وتميم، وهو قبيصة\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٤: ١٠٣، و«المعرفة والتاريخ» ٢: ٤٣٩، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٢٨٥٢)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم حديث (١٢٦٦)، و«سنن البيهقي» ١٠: ٢٩٦.","vol":"2","page":453},{"text":"بن ذؤيب، وقد قال يعقوب بعد أن ذكر رواية يحيى بن حمزة: «الحديث حديث يحيى بن حمزة».\nوقد كان أبو نعيم إذا ذكر له تخطئة بعض النقاد للتصريح بالتحديث يغضب ويقول: أنا سمعت عبدالعزيز بن عمر يذكر هذا، ويقول: من يحيى بن حمزة حتى يحتج علي بروايته؟ .\nوقد روى الحديث مع أبي نعيم جماعة كثيرون، وافقوه على إسقاط قبيصة بن ذؤيب، ووافقه وكيع على التصريح بالتحديث، غير أن جمهور النقاد على أن عبدالله بن موهب لم يسمع من تميم، وإن لم يعتمدوا رواية يحيى بن حمزة في تسمية الواسطة، وكأن غضب أبي نعيم لظنه أن من يخطئ التصريح بالتحديث يحمله هو الخطأ (^١).\nوقصة الاختلاف في هذا الحديث، وكلام النقاد في معالجته طويلة، والشاهد هنا خطأ الباحث فيما نقله عن أبي نعيم، فصار أبو نعيم عنده يخطئ روايته، وذلك لأن الباحث هجم على النص، ولم يتمعن في سياقه، وأيضا لم يقف على\n_________\n(^١) ينظر: «سنن أبي داود» حديث (٢٩١٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٢١١٢)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٦٤١٢، ٦٤١٣)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٢٧٥٢)، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٩٨٧٢)، و«سنن سعيد بن منصور» حديث (٢٠٣)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١١: ٤٠٨، (١٦٢٧١)، و«العلل ومعرفة الرجال» ٢: ٥٣١، و«التاريخ الكبير» ٥: ١٩٨، و«تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٥٧٠، و«علل ابن أبي حاتم» ٢: ٥٢، و«مسند أبي يعلى» حديث (٧١٦٥)، و«الجرح والتعديل» ٥: ١٧٤، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٧٢)، (١٢٧٣)، و«سنن الدارقطني» ٤: ١٨١، و«سنن البيهقي» ١٠: ٢٩٧، و«تاريخ بغداد» ٧: ٥٣.","vol":"2","page":454},{"text":"المصدر الذي ذكر رأي أبي نعيم صراحة.\nونقل أحد الباحثين عن أبي حاتم رأيه في الحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (^١)، وهو حديث: «الإمام ضامن …»، وقد رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه محمد بن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة، وترجيح أبي حاتم لرواية الأعمش، ثم ذكر الباحث نقلا عن «إتحاف المهرة» ١٦/ ١٠٧٠، ١٧/ ٦٥١، أن أبا حاتم قال: «سمعه أبو صالح من عائشة، وأبي هريرة»، وذكر الباحث أن رأي أبي حاتم هذا يخالف رأيه الأول.\nكذا صنع الباحث، لم يتمعن في سياق النص الموجود في «الإتحاف»، فابن حجر ذكره بعد عزو الحديث إلى «صحيح ابن حبان»، فأبو حاتم عنده إذن هو أبو حاتم بن حبان، وليس أبا حاتم الرازي، والنص موجود في «صحيح ابن حبان».\nوتعرض أحد الباحثين لما رواه جماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: «قيل لعائشة: ما كان النبي - ﷺ - يصنع في بيته؟ …» (^٢)، ورواه آخرون عن هشام، عن رجل، عن عائشة (^٣).\nقال الباحث: «ورجح يحيى القطان هذه الرواية، فيما نقله عنه ابن معين في «تاريخه» ١/ ٢٨٧ (١٢٢٠)، فقال: هو مرسل، هشام، عن رجل …».\n_________\n(^١) «الاتصال والانقطاع» ص ٣٥٠.\n(^٢) «مسند أحمد» ٦: ١٠٦، ١٢١، ١٦٧، ٢٦٠، و«طبقات ابن سعد» ١: ٣٦٦، و«مسند أبي يعلى» حديث (٤٦٥٣).\n(^٣) «مسند أحمد» ٦: ٢٤١، و«أخلاق النبي - ﷺ -» حديث (١١).","vol":"2","page":455},{"text":"والمرجح هو يحيى بن معين نفسه، وليس القطان، ففي «التاريخ»: «سألت يحيى عن حديث هشام بن عروة …»، فالسائل هو الدوري، والمسؤول هو ابن معين.\nوتعرض باحث آخر لحديث عائشة في قصة زيارته - ﷺ - لأهل البقيع، وقد اختلف فيه على ابن جريج، وعلى بعض من دونه، في تسمية شيخه، وفي إسقاطه (^١)، وقال: «وقد رجح المزي في «تحفة الأشراف» ١٢/ ٣٠٠، رواية حجاج، على رواية ابن وهب، فقال: حجاج في ابن جريج أثبت عندنا من ابن وهب».\nوهذا الكلام إنما هو للنسائي، ينقله عنه المزي، قاله النسائي بعد أن أخرج الحديث (^٢).\nومما له صلة بهذا أن يتقن الباحث الإسناد إلى صاحب النص، إن أراد ذكره، أو ذكر جزء منه، والخطأ في هذا وإن لم يكن بقدر الخطأ في نسبة القول إلى غير صاحبه، غير أنه مؤشر -إذا كثر من الباحث، أو انضم إلى غيره من الأخطاء- على عجلة الباحث، وعدم إنعامه النظر فيما يثبته من معلومات.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٩٧٤)، و«سنن النسائي» حديث (٢٠٣٦)، (٣٩٧٣ - ٣٩٧٤)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٢١٦٤)، (٧٦٨٥)، (٨٩١١ - ٨٩١٢)، و«مسند أحمد» ٦: ٢٢١، و«مصنف عبدالرزاق» حديث (٦٧١٢)، و«الدعاء» للطبراني حديث (١٢٤٦)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٧١١٠)، و«مستخرج أبي نعيم» حديث (٢١٨٧ - ٢١٨٨).\n(^٢) وانظر: «السنن الكبرى» للنسائي طبعة مؤسسة الرسالة، حديث (٨٨٦٢).","vol":"2","page":456},{"text":"ذكر أحد الباحثين في كلامه على حديث الحسن البصري، عن الضحاك بن سفيان الكلابي: «أن رسول الله - ﷺ - قال له: يا ضحاك ما طعامك؟ …» الحديث (^١)، ما لفظه: «نقل ابن المبارك، عن يحيى بن صاعد قوله: وقد روي هذا الحديث عن أبي بن كعب، ووقفه بعض، ورفعه بعض»، نقل هذا من «الزهد» لابن المبارك (^٢).\nوابن المبارك مات قبل أن يولد يحيى بن صاعد بزمن طويل، وإنما اشتبه على الباحث، لكون يحيى بن صاعد يروي كتاب «الزهد» لابن المبارك، عن الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن المبارك، وللحسين بن الحسن في أثناء الأحاديث زوائد كثيرة يرويها من غير طريق ابن المبارك، ولابن صاعد زوائد كذلك، يرويها من غير طريقهما، وله أيضا كلام على بعض الأحاديث، فالذي نقل كلام ابن صاعد هما راويا الكتاب عن ابن صاعد: أبو عمر بن حيويه، وأبو بكر الوراق.\nوذكر أحد الباحثين ما رواه معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر قال: «جعل رسول الله - ﷺ - الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (^٣).\n_________\n(^١) حديث الضحاك أخرجه أحمد ٣: ٤٥٢.\n(^٢) وهو في «الزهد» حديث (٤٩٢). وحديث أبي أخرجه أحمد ٥: ١٣٦، ومداره على الحسن أيضا.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٢٢١٣ - ٢٢١٤)، (٢٢٥٧)، (٢٤٩٥ - ٢٤٩٦)، (٦٩٧٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٥١٤)، و«سنن الترمذي» حديث (١٣٧٠)، و«سنن ابن ماجه» (٢٤٩٩)، و«مسند أحمد» ٣: ٢٩٦، ٣٧٢، ٣٩٩.","vol":"2","page":457},{"text":"ثم ذكر الباحث كلام أبي حاتم على هذا الحديث، وأنه يرى إدراج آخر الحديث: «فإذا وقعت الحدود …»، ثم قال الباحث: «روى ابن عبدالبر في «التمهيد» (٧/ ٤٥) بإسناده إلى أبي زرعة، قال: قال لي أحمد بن حنبل: رواية معمر، عن الزهري، في حديث الشفعة، حسنة، قال: وقال لي يحيى بن معين: رواية مالك أحب إلي وأصح في نفسي مرسلا: عن سعيد، وأبي سلمة».\nوظاهر من سياق كلام الباحث ومناسبته أنه يرى أن أبا زرعة هذا هو الرازي، وإنما هو أبو زرعة الدمشقي، والنص موجود في «تاريخه» أتم منه (^١).\nالأمر الرابع: كلام النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة مصدره الأساس كتب العلل، سواء منها الكتب الشاملة، مثل «العلل الكبير» للترمذي، و«علل ابن أبي حاتم»، و«علل الدارقطني»، أو الكتب التي قصد بها أصحابها نقد كتاب معين، أو مرويات راو معين، مثل «علل حديث الزهري» لمحمد بن يحيى الذهلي، و«علل الأحاديث في صحيح مسلم» لأبي الفضل بن عمار الشهيد، و«التتبع» للدارقطني، و«الأحاديث التي خولف فيها مالك» للدارقطني أيضا.\nويوجد كذلك في كتب السؤالات الموسعة، مثل «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد، رواية ابنه عبدالله، و«مسائل أحمد» لأبي داود، و«تاريخ الدوري عن ابن معين».\n_________\n(^١) «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» ١: ٤٦٣ - ٤٦٤. وفي الحديث اختلاف كثير على الزهري، ينظر فيه: «علل الدارقطني» ٤: ٢٧٦، ٩: ٣٣٧.","vol":"2","page":458},{"text":"وكذلك كتب الرجال التي تذكر في ترجمة الراوي شيئا مما تفرد به، أو خولف فيه، أو اختلف فيه عليه، مثل «التاريخ الكبير» للبخاري، و«الضعفاء الكبير» للعقيلي، و«الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي.\nكما يوجد في كتب التواريخ، مثل «تاريخ أبي زرعة الدمشقي»، و«المعرفة والتاريخ» للفسوي، و«التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة.\nومن مصادر كلامهم المهمة كذلك كتب الرواية التي يتعرض المؤلف فيها لشيء من نقد ما يرويه، مثل «سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي»، و«سنن النسائي»، و«مسند أحمد»، و«مسند يعقوب بن شيبة»، و«مسند البزار»، و«سنن الدارقطني» و«سنن البيهقي».\nوفي الجملة فليس من الممكن أن يحدد للباحث مصادر معينة في عصر الرواية أو يذكر له نوع من المصادر، تحوي أقوال النقاد في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف بين الرواة، فما من كتاب مؤلف في ذلك العصر إلا وهو مظنة وجود شيء من كلامهم، سواء ما ألف لنقد الراوي أو المروي، أو ما ألف لجمع المرويات، وسواء كان كتابا كبيرا، أو جزءا صغيرا.\nثم بعد ذلك ما ألف بعد عصر الرواية، مثل مؤلفات ابن رجب، وابن القيم، والمزي، والذهبي، وابن كثير، والعراقي، وابن الملقن، والزيلعي، وابن حجر، وغيرهم، ففي هذه الكتب من النقول عن النقاد شيء كثير جدا، وجملة منه لا يوقف عليه فيما هو موجود من كتب الصنف الأول، فغدا الكتاب المتأخر مصدرا رئيسا من هذه الجهة.","vol":"2","page":459},{"text":"وقد تقدم في الفصل الأول من الباب الأول، الكلام عن مصادر طرق الأحاديث التي ينبغي للباحث أن يجمع منها طرق الأحاديث، وهي أيضا مصادر لكلام النقاد.\nوالباحث وهو بصدد جمع كلام النقاد في حديثه لن يجد الأمر دائما ميسرا، فهناك<span data-type='title' id=toc-518> إشكالات تواجه الباحثين أثناء جمعهم لكلام النقاد </span>للنظر فيه، وتوظيفه في دراسة الاختلاف، وسأعرج الآن على بعض هذه الإشكالات على عجل.\nفمنها احتمال أن يفوت الباحث كلام بعض النقاد، لسبب أو لآخر، فقد يكون الناقد سرد عددا من الأحاديث، وأخر نقدها أو نقد بعضها بعد فراغه منها، فيفوت الباحث الوقوف على كلام الناقد في حديثه المعين.\nثم كلام الناقد قد يوجد في بعض روايات كتابه، ولا يوجد في أخرى، كما هو الحال في «سنن أبي داود»، و«سنن النسائي» الصغرى والكبرى، يدرك ذلك بمقارنة ما فيها بما ينقله المتأخرون عنهم، كالمزي في «تحفة الأشراف»، وغيره.\nومن ذلك أن البيهقي قال في حديث سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، في كتاب النبي - ﷺ - في الصدقات (^١): «قال أبو عيسى الترمذي في كتاب «العلل»: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرجو أن يكون محفوظا، وسفيان بن حسين صدوق» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود حديث (١٥٦٨ - ١٥٦٩)، والترمذي حديث (٦٢١)، وأحمد ٢: ١٤ - ١٥.\n(^٢) «سنن البيهقي: ٤: ٨٨.","vol":"2","page":460},{"text":"وذكر أبو علي الجياني، وابن القطان، أن الترمذي في «العلل» نقل عن البخاري كلاما في حديث عقبة بن عامر الجهني مرفوعا: «ما من أحد يتوضأ …» الحديث (^١).\nولا يوجد هذان النصان في المطبوع من «ترتيب العلل الكبير» للقاضي أبي طالب (^٢).\nبل قد يوجد في بعض الروايات أو النسخ جزء من النص المطبوع والنص بتمامه في رواية أو نسخة أخرى، كما في كلام النسائي على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، في قصة المرأة التي جاءت وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، وقد تقدم في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب.\nومن الإشكالات الكبيرة في نصوص النقاد ما يواجه الباحث من اضطراب في النص، كأن يجد الباحث الترجيح مقلوبا، ففي مصدر ينسب إلى الناقد ترجيح وجه، وفي مصدر ينسب إليه ترجيح مقابله، ولا يمكن حمله على تغير الاجتهاد، أو يجد السؤال موجها إلى ناقد، والجواب لناقد آخر، أو يقع النص خطأ، إما بسبب سهو المؤلف، أو بسبب وقوع السقط والتحريف في النسخ.\nفمن ذلك أن زيد بن أبي أنيسة، روى عن أبي إسحاق، عن جرير بن\n_________\n(^١) «تقييد المهمل» ٣: ٧٨٩، و«بيان الوهم والإيهام» ٢: ٣٨٢. والحديث أخرجه مسلم حديث (٢٣٤)، وأبو داود حديث (١٦٩)، (٩٠٦)، والنسائي حديث (١٤٨)، وابن ماجه حديث (٤٧٠)، وأحمد ٤: ١٤٥، ١٥٣.\n(^٢) وانظر أيضًا: «معالم السنن» ١: ٨٦، و«سنن البيهقي» ١: ٣٩٠.","vol":"2","page":461},{"text":"عبدالله مرفوعا حديث صيام أيام البيض (^١).\nورواه مغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن جرير موقوفا.\nونقل ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة ترجيح المرفوع، وعلل ذلك بأن زيدا أحفظ من مغيرة (^٢)، وهكذا نقل ابن الملقن عن ابن أبي حاتم أن أبا زرعة رجح المرفوع (^٣).\nوذكر ابن حجر نقلا عن ابن أبي حاتم عكس هذا، فقال: «رواه ابن أبي حاتم في «العلل»، عن جرير مرفوعا، وصحح عن أبي زرعة وقفه» (^٤).\nوروى العباس بن محمد الدوري، عن روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عُرَيْن، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، قال: «زجر النبي - ﷺ - صبياننا عن أكل الجراد»، ثم قال الدوري: «سمعت يحيى يقول: أخطأ فيه روح، إنما هي زينب بنت مُنَخَّل، قال يحيى: هذا الحديث ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» (^٥).\n_________\n(^١) «سنن النسائي» حديث (٢٤١٩).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٦٦.\n(^٣) «البدر المنير» ٥: ٧٥٤.\n(^٤) «التلخيص الحبير» ٢: ٢٢٧.\n(^٥) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ١: ٢٧٩، ٢: ١٦٨، ٤: ٣٢٦، وقد وقع في المواضع الثلاثة في رواية روح: «منخل» فيما صوبه ابن معين: «منجل»، وهو خطأ مطبعي، والصواب عكسه، انظر: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني: ٤: ٢١٩٤، و«الإكمال» ٧: ٢٩٧، و«تهذيب مستمر الأوهام» ص ٣٢٨.","vol":"2","page":462},{"text":"كذا في النسخة، وفي النص اضطراب، فقوله: «ليس يسنده إلا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم» يعارضه أن روح بن عبادة قد أسنده كما رواه الدوري عنه، وأيضا ابن أبي عدي، وابن أبي مريم يقفانه على عائشة، قال الدارقطني: «يرويه عثمان بن غياث، واختلف عنه، فرواه روح بن عبادة، عن عثمان بن غياث، عن برد بن عرين، عن زينب بنت منجل، عن عائشة، عن النبي - ﷺ -، وخالفه سعيد، وابن أبي عدي، روياه عن عثمان بن غياث، لم يذكرا رسول الله - ﷺ -، موقوفا، وهو الصواب» (^١).\nفالظاهر أن صواب العبارة: «هذا الحديث لم يسنده ابن أبي عدي، وابن أبي مريم».\nوأخرج الترمذي عن أبي الوليد الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، «أن النبي - ﷺ - مسح أعلى الخف وأسفله».\nثم قال الترمذي: «هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور بن يزيد غير الوليد بن مسلم، وسألت أبا زرعة، ومحمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء بن حيوة، قال: حدثت عن كاتب المغيرة، مرسل، عن النبي - ﷺ -، ولم يذكر المغيرة» (^٢).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٤: ٤٤٦.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٩٧)، و«تحفة الأشراف» ٩: ٤٩٧.","vol":"2","page":463},{"text":"كذا نقل الترمذي هنا عن هذين الإمامين، وفيه قلب، فثور بن يزيد هو الذي يقول: حدثت عن رجاء بن حيوة، وليس رجاء بن حيوة هو الذي يقول: حدثت عن كاتب المغيرة، وقد نقله الترمذي في «العلل» عن أبي زرعة والبخاري، على الصواب (^١)، وكذا ذكره عن ابن المبارك جماعة آخرون من النقاد، كما تقدم ذكر هذا في «الاتصال والانقطاع» (^٢).\nوروى عبدالحميد بن سليمان، عن محمد بن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه …» الحديث (^٣).\nقال الترمذي بعد أن أخرجه في «السنن»: «حديث أبي هريرة قد خولف عبدالحميد بن سليمان في هذا الحديث، ورواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، مرسلا، قال محمد: وحديث الليث أشبه، ولم يعد حديث عبدالحميد محفوظا» (^٤).\nكذا قال الترمذي في هذا الموضع، جعل رواية الليث عن أبي هريرة، وهو سبق نظر وقلم، انتقل إليه من الإسناد الموصول، وقد ذكر النص عن البخاري في «العلل» على الصواب، وفيه: «رواه الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن عبدالله\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ١٨٠.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٧٥.\n(^٣) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و«العلل الكبير» ١: ٤٢٥.\n(^٤) «سنن الترمذي» حديث (١٠٨٤)، و«تحفة الأشراف» ١١: ٩٩.","vol":"2","page":464},{"text":"بن هرمز، عن النبي، مرسلا …» (^١).\nورواية الليث أخرجها أبو داود في «المراسيل» عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن عبدالله بن هرمز اليماني (^٢).\nوقد ذكر أحد الباحثين كلام الترمذي في الموضعين، فخطأ الصواب، وصوب الخطأ (^٣).\nونقل ابن حجر «في النكت» كلام النسائي على ما رواه عن يزيد بن سنان، عن مكي بن إبراهيم، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله - ﷺ - …»، ووقعت العبارة في النسخة هكذا: «هذا حديث مفصل، لا أعلم من رواه غير مكي، لا بأس به، لا أدري من أنبأني» (^٤).\nوقد تقدمت العبارة على الصواب في الفصل الأول من الباب الثاني، حيث ذكرت الحديث هناك لمناسبة أخرى.\nوالباحث متى وجد اضطرابا في النص فهو ملزم بالنظر فيه ومعالجته، ولا يصح له أن ينقله كما هو، وهو حين نقله إلى بحثه متحمل لعهدة الخطأ والاضطراب في النص، وإذا نظر فيه وفحصه ولم يستطع تصويبه فلينبه قارئه،\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ٤٢٦.\n(^٢) «المراسيل» حديث (٢٢٥)، و«تحفة الأشراف» ٩: ١٤١، ١٣: ٢٦٦.\n(^٣) وانظر مواضع أخرى وقع فيها إشكال في كلام الترمذي، بسبب السقط والتحريف في النسخ: «العلل الكبير» ١: ٤٠٥، ٥٦٨، وفي طبعة السامرائي ص ١٤٤، ٢١٥.\n(^٤) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٧٦.","vol":"2","page":465},{"text":"ليشاركه النظر فيه، فقد يراه مستقيما، وقد يكون لديه معلومات إضافية تساعد على حلِّ إشكاله.\nومن أمثلة ذلك قول ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه موسى بن داود، عن عبدالعزيز بن أبي سلمة، عن حميد، عن أنس، عن أم الفضل: «أن النبي - ﷺ - صلى في ثواب واحد».\nقال أبي: هذا خطأ، إنما هو ما حدثنا به عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل: «أن النبي - ﷺ - …»،» (^١).\nفهذا الجواب للسؤال فيه إشكال، وهو يتعارض مع جواب سابق لأبي حاتم، وأبي زرعة، عن السؤال عينه، قال ابن أبي حاتم: «قالا: هذا خطأ، قال أبو زرعة: إنما هو على ما رواه الثوري، ومعتمر، عن حميد، عن أنس، عن النبي - ﷺ -: «أنه صلى في ثوب واحد» فقط، دخل لموسى حديث في حديث، يحتمل أن يكون عنده حديث عبدالعزيز قال: ذكر لي عن أم الفضل: «أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمرسلات»، وكان بجنبه: عن حميد، عن أنس، (يعني بحديث الصلاة في الثوب الواحد)، فدخل له حديث في حديث، والصحيح: حميد، عن أنس …\nقال أبي: ومما يبين خطأ هذا الحديث ما حدثنا به كاتب الليث (هو عبدالله بن صالح)، عن عبدالعزيز الماجشون (وهو عبدالعزيز بن أبي سلمة)، عن حميد، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - صلى في ثوب واحد»، قال عبدالعزيز: وذكر لي عن أم الفضل:\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٦١.","vol":"2","page":466},{"text":"«أن النبي - ﷺ - قرأ في المغرب بالمرسلات، وكان هذا آخر صلاة النبي - ﷺ - حتى قبض»، فجعل موسى الحديث كله عن أم الفضل» (^١).\nفهذا الجواب يوضح أن الجواب في الموضع الثاني فيه إشكال، لا يستقيم كما هو، وقد مَرَّ عدد من الباحثين على الإسناد الوارد في الجواب، وهو: عبدالله بن صالح، عن عبدالعزيز، عن رجل، ولم يذكروا مصدرا لتخريجه، فالذي يظهر لي أن النسخ من «علل ابن أبي حاتم» وقع فيها خلل في هذا الموضع (^٢).\nالأمر الخامس: الأئمة المشهورون بالكلام في الأحاديث التي وقع فيها اختلاف، وهو ما يعرف بعلم العلل، هم بعض أئمة الجرح والتعديل، وقد تقدم هناك في «الجرح والتعديل» (^٣) من الكلام عن تصنيفهم من جهة طبقاتهم الزمانية، ومن جهة كثرة وقلة ما ورد عنهم من الجرح والتعديل، وكذلك أقسامهم من جهة التشدد والتساهل.\nأما ما يختص بعلم العلل فكذلك هم على طبقات، أولاها فيها شعبة، وسفيان الثوري.\nثم تلامذتهما، كيحيى القطان، وعبدالرحمن بن مهدي.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٨٤.\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى لنصوص فيها إشكال فيما يظهر لي: «العلل ومعرفة الرجال» (٢٠١٢)، و«مسائل أبي داود» (١٩٤٥)، و«مسائل إسحاق بن هانئ» (٢١٧٨)، و«علل ابن أبي حاتم» (٣٠٢)، (١٦٨٧).\n(^٣) «الجرح والتعديل» ص ٣٧٥ - ٤٠١.","vol":"2","page":467},{"text":"ثم بعد هؤلاء أحمد، وابن معين، وابن المديني، وعمرو بن علي الفلاس.\nثم طبقة محمد بن يحيى الذهلي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، وأبي حاتم، وأبي زرعة الرازي، ويعقوب بن شيبة، والدارمي، وخلق كثير في هذه الطبقة.\nثم طبقة الترمذي، وعبدالله بن أحمد، وأبي بكر البرديجي، والنسائي، والبزار، والساجي، وموسى بن هارون، وعلي بن الحسين بن الجنيد.\nثم طبقة ابن خزيمة، ويحيى بن صاعد، وابن المنذر.\nثم طبقة العقيلي، وأبي بكر النيسابوري، وابن أبي حاتم.\nثم طبقة، ابن حبان، وابن عدي، وأبي علي النيسابوري، والإسماعلي.\nثم طبقة الدارقطني، وابن منده، والحاكم.\nثم طبقة البرقاني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي نعيم الأصبهاني.\nثم طبقة الخليلي، والعتيقي.\nثم طبقة البيهقي، والخطيب، وابن عبدالبر.\nثم بعد ذلك لم تخل طبقة من متكلم في علل الأحاديث، وإن كان قد تناقص هذا الأمر.\nولا شك أن أهل الطبقتين الأولى، والثانية، هم الذين وضعوا أسس هذا العلم كعلم مستقل، وإن كانت تطبيقاتها موجودة أيضا عند من قبلهم.\nوكذلك فإن الطبقات الثالثة، والرابعة، والخامسة، هي أزهى طبقات","vol":"2","page":468},{"text":"النقد، لكثرتهم، وكثرة ما نقل عنهم وتمكنهم في هذا العلم.\nوأما من جاء بعدهم فهو متمم لعملهم، يعتمد كثيرا على ما نقل عنهم في الأحاديث التي تكلموا فيها، وهم مع ذلك أصل في أحاديث وأسانيد ظهرت أو وقع الغلط فيها بعد تلك الطبقات.\nوللعلماء كلام في تصنيف أصحاب هذه الطبقات الثلاث من جهة التمكن في هذا العلم، مثل قول الذهبي في حديثه عن النسائي: «لم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم، ومن أبي داود، ومن أبي عيسى، وهو جار في مضمار البخاري، وأبي زرعة» (^١).\nوقال الذهبي أيضا في أبي حاتم الرازي: «هو من نظراء البخاري، ومن طبقته» (^٢).\nفهاتان درجتان، إحداهما فيها البخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والأخرى فيها مسلم، وأبو داود، والترمذي، ويظهر أن هناك درجة عنده فوق هاتين، وفيها: أحمد، وابن المديني، وابن معين.\nوللعلماء كلام كثير في المفاضلة بين أصحاب الدرجة الأولى وهم أحمد، وابن المديني، وابن معين، وربما جرى ذكر غيرهم من طبقتهم والطبقة التي تليهم، فقد كانت هاتان الطبقتان مليئتين بالحفاظ النقاد غير هؤلاء، كإسحاق بن راهويه،\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» ١٤: ١٣٣.\n(^٢) «سير أعلام النبلاء» ١٣: ٢٤٧.","vol":"2","page":469},{"text":"ومحمد بن يحيى الذهلي، والدارمي، وأبي خيثمة زهير بن حرب، وأحمد بن صالح المصري، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم.\nوابتدأت هذه المفاضلة في وقت مبكر، فقد كان أحمد يقول: «أعلمنا بالعلل علي بن المديني» (^١).\nواتفقت الكلمة على قول أحمد هذا، فقد كان ابن المديني مبرزا في هذا الشأن، ثم ابن معين، وأحمد، وتميز أحمد بكثرة المنقول عنه في الاختلاف والعلل (^٢).\nوأما ما يتعلق بالتشدد، والاعتدال، والتساهل، فلم أقف على كلام لأحد من الأئمة في تصنيف أئمة النقد في هذا الباب.\n * * *\n_________\n(^١) «المجروحين» ١: ٥٥.\n(^٢) انظر: «سؤالات الآجري لأبي داود» ٢: ٣٠٦، و«الجرح والتعديل» ١: ٢٩٣، ٣١٩، و«تاريخ بغداد» ١٠: ٧٠، ١١: ٤٦٤، و«شرح علل الترمذي» ١: ٤٨٣.","vol":"2","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-523>المبحث الثالث\nكلام النقاد ومصطلحاتهم</span>\nمن المهم جدا لمن يريد الاستفادة من كلام النقاد في الاختلاف أن يتعرف على مصطلحاتهم، وتصرفاتهم، سواء منها ما كان في الاختلاف نفسه، أو في المصطلحات العامة، لئلا تزل قدمه، فينزل كلام الناقد على غير مراده، أو يفسره بما لا يحتمله، بل ربما عالجه بما ينبئ عن بعده عن النظر في كلامهم، وأساليبهم في عرض الاختلاف، ومعالجته.\nوهذا الباب واسع جدا، أحاول بقدر الإمكان أن أعرضه بما يجمع بين أداء الغرض والاختصار.\nوأول ما يجب العناية به في هذا الموضوع عبارات النقاد وألفاظهم وطرقهم في الترجيح، وتلخيص نتيجة نظرهم في الاختلاف، فالناقد كثيرا ما يصرح بذلك، فيقول مثلا: المرفوع أصح، أو المرسل أصح، أو المحفوظ موقوف، أو رواية فلان أصح، أو يقول عن أحد الأوجه: هذا هو الصحيح، أو المحفوظ، أو هذا أشبه، أو هذا باطل، أو لا يصح، أو هو وهم، أو هو خطأ والصحيح كذا، ونحو هذه العبارات، وهي كثيرة جدا، لا تدخل تحت الحصر، وربما جاء في الجواب الواحد عدد منها.\nوقد يوجد شيء من هذه الألفاظ مع تردد الناقد، كما تقدم هذا في المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذا الباب، فهو أيضا ترجيح واختيار، لكنه دون","vol":"2","page":471},{"text":"ما جزم به الناقد دون تردد.\nومثل هذا إذا ترجح عنده حفظ وجهين أو أكثر، كأن يقول: كلاهما صحيح، أو هما محفوظان، أو لعله -يعني أحد رواة الإسناد- سمع منهما جميعا، وكذا إذا لم يترجح شيء منها عنده، إما لتوقفه، كأن يقول: لا أدري أيهما الصحيح، أو لا أقضي فيه بشيء، أو لضعفهما جميعا، كأن يقول: كلاهما منكر، أو لا يصح هذا ولا هذا، أو لا يصح شيء منهما.\nفهذه كلها ألفاظ صدرت من الناقد دالة صراحة على رأيه واختياره.\nويلي ذلك -وهو داخل في التصريح- ما ينقله التلميذ عن شيخه أو من فوقه، بعبارته هو، كأن يقول: سألته فصححه من حديث فلان، أو فرجحه موصولا، أو مرسلا، أو موقوفا، أو لم يعد حديث فلان محفوظا، أو لم يعرف حديث فلان، أو لم يقض فيه بشيء، أو لم يقل: أيهما أصح، ونحو هذه العبارات.\nويقوم مقام التصريح ما يعرف بإشارات النقاد، فإنها دالة أيضا على اختيارهم، ولها صور عديدة.\nمنها أن يسأل الناقد فيذكر قرينة أو أكثر للترجيح، إما في الوجه الراجح، أو في الوجه المرجوح، وقد يجمع بينهما، كأن يقول: فلان أحفظ، أو فلان أحفظهم، أو رواه الجماعة فأرسلوه، أو ووصلوه، أو الناس يروونه مرسلا، أو لا أعرفه مرفوعا إلا من حديث فلان، أو لم يسنده إلا فلان، أو فلان سلك الطريق السهل، أو فلان ضعيف.","vol":"2","page":472},{"text":"ويوجد هذا أيضا في ترجيح الناقد عدم حفظهما جميعا، كأن يقول لراوي أحد الوجهين عن المدار: إنه ضعيف، ويقول في راوي الوجه الآخر: لم يسمع منه.\nفهذا الصنيع يقوم مقام التصريح بالاختيار، إذ الظاهر أن ذكره القرينة الغرض منه الترجيح.\nومما يشكل على الباحث في هذه الصورة أن يذكر الناقد قرينة لحفظ وجه، ويذكر قرينة لحفظ وجه آخر، كأن يقول: فلان أحفظ، وأهل كذا أعرف بحديث فلان، أو فلان حافظ، ورواية فلان لها أصل، ونحو ذلك، فهل الناقد يشير بهذا إلى تردده، أو إلى حفظ الوجهين جميعا؟ فيحتاج الباحث في مثل هذا إلى إنعام النظر، لترجيح مراد الناقد، وقد يستعين بآراء غيره من النقاد.\nومن الصور كذلك أن يسأل الناقد عن اختلاف، فيذكر أنه سأل شيخا له عنه فأجاب بكذا، أو يروي الجواب بإسناده عمن فوق شيخه، ويسكت الناقد بعد ذلك، لا يتعقبه بشيء، فالظاهر أن هذا اختياره، فكأنه يقول: وما أجاب به ظاهر، أو صحيح.\nوأظهر منه في الاختيار أن لا يسمي صاحب القول، فيقول مثلا: يرون أن فلانا وهم فيه، أو أن فلانا حفظه، أو يُرى أن قول فلان وهم، أو هو الصواب.\nويلتحق بذلك ما يورده المؤلفون في كتب السنة التي وضعت للنقد، سواء منها كتب الرجال، مثل كتب البخاري، والعقيلي، وابن عدي، أو كتب الأحاديث، مثل «مسند ابن المديني»، و«مسند يعقوب بن شيبة»، و«مسند البزار»، فما يذكرونه","vol":"2","page":473},{"text":"عمن تقدمهم، سواء كان من شيوخهم، أو ممن فوق شيوخهم، هو قول لهم أيضا، لأن هذا هو الظاهر من سياقه لكلام من تقدمه، وأنه يوافقه عليه، ما لم يصرح بخلاف ذلك.\nوالظاهر أنه يلتحق بذلك أيضا ما وضع من مصنفات وإن لم يكن غرضها الأساس هو النقد، بل الجمع والاستنباط، مثل «السنن الأربع»، فما ينقله أبو داود عن أحمد، أو ما ينقله الترمذي عن البخاري، إنما نقله في الحديث المعين بغرض نقده، فهو رأي له أيضا.\nومما يشكل في هذه الصورة ما كتبه تلامذة النقاد من أجوبة النقاد، فالتلميذ ناقد أيضا، فهل يقال مثلا إن قول أحمد في سؤالات أبي داود له قول لأبي داود أيضا، وكذلك الترمذي في «العلل الكبير» مع البخاري، أو ابن أبي حاتم في «علل الحديث» مع أبيه وأبي زرعة؟\nومثله ما يورده الناقد ابتداء، فليس في سياق جواب سؤال، مثل ما يذكره أحمد لابنه عبدالله، عن شيخه يحيى القطان، أو ما يرويه يحيى، عن شعبة، ونحو ذلك.\nوفي الجواب عن هذا الإشكال يمكن أن يقال إننا نرى التلاميذ يعترضون على كلام شيوخهم، ومن تقدمهم، إذا تبين لهم خلاف ما ذكره الشيخ، وهذا كثير، فسكوتهم دال على أنهم موافقون له فيما أجاب به، وكذلك فإن التلميذ يزيد كلام شيخه إيضاحا، حين يرى أن في جوابه عوزا، وينص على ذلك، وعليه فإن الأصل موافقة التلميذ لما ذكره عن شيخه أو من فوقه في هذه الحالة،","vol":"2","page":474},{"text":"ما لم يتبين خلاف ذلك.\nوهذا الجواب فيه قوة، لكن الذي يظهر لي أنه لا بد من قرينة تدل على أن الناقل مستروح للرأي الذي نقله عن شيخه، أو من تقدمه، لكي تصح نسبته إليه، وإلا فالأصل أنه مجرد ناقل.\nوالباحث حين يعتمد على إشارة الناقد في الصور السابقة يجمل به أن يوضح الأمر الذي اعتمد عليه، لئلا يظن القارئ أن الناقد صرح بذلك، فيقول الباحث مثلا: وهذا قول ابن معين -فيما يظهر-، فإنه سئل عن هذا الاختلاف، فأجاب بأن فلانا أحفظ، أو يقول الباحث: وهذا قول يحيى القطان، نص عليه، وكذا أحمد -فيما يظهر-، فقد نقل قول القطان حين سأله ابنه عبدالله عن هذا الاختلاف …، وهكذا.\nويغتفر للباحث أن يدرج الناقد مع غيره من النقاد، إذا كثروا، وصار الترجيح ظاهرا، كأن يقول: وإلى هذا ذهب ابن المديني، وأحمد، وأبو حاتم، والعقيلي، وابن عدي، مع أن العقيلي لم ينص على هذا الرأي، لكن الباحث استنبط رأيه من نقله لقول ابن المديني.\nومما تستفاد منه آراء النقاد -بالإضافة إلى التصريح، والإشارة- ما يعرف بتصرفات النقاد في مصنفاتهم، وذلك في مصنفات لم توضع في الأساس للنقد، وإنما وضعت لجمع السنة، وربما الاستنباط منها أيضا، مثل الكتب الستة، و«صحيح ابن خزيمة»، و«شعب الإيمان» للبيهقي، ففيها أحاديث كثيرة جدا مما وقع فيه اختلاف، ولا إشكال فيما صرح به المؤلف من اختياره، كأن يقول: هذا","vol":"2","page":475},{"text":"هو الصواب، والذي قبله خطأ، أو وهم فلان في كذا، وكذلك فيما أشار فيه إلى الصواب إشارة، على ما تقدم آنفا.\nوالكلام الآن فيما يورده هؤلاء من اختلاف، ولا يصرحون برأيهم، أو يشيرون إليه إشارة، بل يكتفون بسوق الاختلاف، وربما وضع بعضهم عنوانا له، كما يقول النسائي: ذكر الاختلاف على فلان، ويسوق عنه أوجها.\nوقد تكلم العلائي على هذه القضية، فقال: «إذا اقتصر على الإشارة إلى العلة فقط، بأن يقول -مثلا- في الموصول: رواه فلان مرسلا، ونحو ذلك، ولا يتبين أي الروايتين أرجح، فهذا هو الموجود كثيرا في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الوصل» (^١).\nومما يساعد ما ذهب إليه العلائي أن الناقد في كتب السؤالات حين يورد وجها آخر في مقابل وجه ذكر له، أو هو يورد ابتداء وجهين أو أكثر، ربما سأله التلميذ عن رأيه في هذا الاختلاف، وقد يصححهما جميعا، أو يضعفهما جميعا، أو يرجح فيهما، وهذا كثير (^٢)، فسؤال التلميذ دال على أن مجرد ذكر الاختلاف، أو الوجه المخالف ليس اختيارا.\nوعلى هذا يمكن القول بأن الناقد حين يورد وجهين لا يؤخذ من مجرد ذلك رأي له، ما لم يظهر من الناقد إشارة لاختياره، فإن ظهر من كلامه إشارة عمل بها على ما تقدم آنفا، وكذلك إذا أمكن معرفة رأيه من تصرفه، وهذا\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٧١١، ٧٧٧، وانظر أمثلة ذلك: «العلل الكبير» ١: ٢٧٢ - ٢٧٣.\n(^٢) ينظر مثلا: «علل ابن أبي حاتم» (١٠)، (١٢)، (٤٨٧)، (٩٧٠)، (٩٧٦).","vol":"2","page":476},{"text":"موضع الحديث هنا، إذ يمكن أن يعرف اختيار الناقد بسبر طريقته في كتابه، وهذا هو المقصود بالتصرف، كما قال ابن رجب في كلامه على «سنن الترمذي»: «وقد اعترض على الترمذي -﵀- بأنه في غالب الأبواب يبدأ بالأحاديث الغريبة الإسناد غالبا، وليس ذلك بعيب، فإنه -﵀- يبين ما فيها من العلل، ثم يبين الصحيح في الإسناد، وكان مقصده -﵀- ذكر العلل، ولهذا تجد النسائي إذا استوعب طرق الحديث بدأ بما هو غلط، ثم يذكر بعد ذلك الصواب المخالف له.\nوأما أبو داود -﵀- فكانت عنايته بالمتون أكثر، ولهذا يذكر الطرق واختلاف ألفاظها، والزيادات المذكورة في بعضها دون بعض، فكانت عنايته بفقه الحديث أكثر من عنايته بالأسانيد، فلهذا يبدأ بالصحيح من الأسانيد، وربما لم يذكر الإسناد المعلل بالكلية …» (^١).\nوأشار السخاوي في كلام له على حديث إلى أن أبا داود إذا قدم الوجه المرسل فهو مشعر بترجيحه (^٢)، وذكر هذا عن السخاوي الباحث تركي الغميز، ثم قال: «وهذا الذي أشار إليه السخاوي لحظته في الأحاديث التي بهذه المثابة» (^٣).\nوكذا ذكر الباحث محمد الفراج في الأحاديث التي يسند أبو داود فيها المرفوع، والموقوف، فقال: «والأكثر هنا أن يقدم الموقوف على المرفوع، وإذا قدم\n_________\n(^١) «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٢٥.\n(^٢) «المقاصد الحسنة» ص ٣٦.\n(^٣) «الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها» ص ٥٣.","vol":"2","page":477},{"text":"الموقوف فهو أصح في الغالب، ولم يخالف هذه القاعدة إلا حديث واحد، وهو محتمل، وقد يكون اختيار أبي داود أيضا وقفه» (^١).\nوأجدني هنا مضطرا للحديث بشيء من التفصيل عن «صحيحي البخاري ومسلم»، فكثير من الناس لا يدرك أنهما من أهم كتب نقد المرويات، وهذا ظاهر جدا فيما أعرضا عن إخراجه من أحاديث هي أصول في أبوابها، إذ لا مناص من القول إنهما تركاها لعلة فيها، وكثير منها وقع في أسانيدها اختلاف، ولهذا ينص العلماء في كلامهم على بعض الأحاديث، أو على بعض الأسانيد لها، على أنهما تركاها للاختلاف على فلان، مثل أبي عوانة في «مستخرجه على مسلم» (^٢)، والحاكم في «المستدرك» (^٣)، وابن حجر في «فتح الباري» (^٤)، وهذا شأن تقدم التنبيه عليه في مواضع، منها في «الاتصال والانقطاع» (^٥).\nوأشير هنا إلى أن من دقائق النقد لما تركاه، أن يخرج الواحد منهما حديثا بإسناده، ثم يدع من متن هذا الحديث جملة طويلة أو قصيرة، لعلة فيها، حسب اجتهاده، ويحضرني من هذا الضرب مواضع في الكتابين، وبعضها نبه عليه الشراح، ويخطر في بالي أنها عند البخاري أكثر منها عند مسلم.\n_________\n(^١) «الأحاديث التي بين أبو داود في سننه تعارض الرفع والوقف فيها» ص ٥٦.\n(^٢) «مسند أبي عوانة» ٢: ٤٦٩ طبعة دار المعرفة، و«إتحاف المهرة» ١٤: ٥٠٤.\n(^٣) انظر مثلا: ١: ٧٧، ٢٧٩، ٢: ٥١، ٣: ٣٣٦، ٤: ٥٢٧.\n(^٤) انظر مثلًا: «فتح الباري» ١: ١٣٨، ٥٢١.\n(^٥) «الاتصال والانقطاع» ص ٤٥٥ - ٤٥٩.","vol":"2","page":478},{"text":"والذي يهمنا هنا ما يتعلق بنقد ما أورداه في كتابيهما، تصريحا، أو إشارة، أو تصرفا، فهذا موجود في الكتابين بكثرة، وما يوردانه من علل على أصل حديث عندهما، فالظاهر أن غرضهما أن تلك العلة غير مؤثرة، إما لرجحان الوجه التام، أو لترجيح حفظ الوجهين، فكأن مرادهما الإشارة إلى اطلاعهما على الاختلاف وأنه غير مؤثر أصلا، أو هو مؤثر على معنى نزول الحديث عن المرتبة العليا من الصحة، وليس مؤثرا على أصل الصحة، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من هذا في الكلام على الوجه الراجح في المبحث الثاني من الفصل الرابع.\nومن ذلك أيضا حديث عمر بن أبي سلمة في قصة أكله مع النبي - ﷺ -، فقد أخرجه البخاري من طريق الوليد بن كثير، ومحمد بن عمرو بن حلحلة، عن وهب بن كيسان، عن عمر بن أبي سلمة بالقصة، ثم ساق رواية مالك، عن وهب بن كيسان بالقصة مرسلة (^١).\nوالكتابان موضوعان للحديث الصحيح، وما فيه علة توجب ضعفه قد تركاه ابتداء، ولهذا قال الترمذي في كلامه على الاختلاف على أبي إسحاق السبيعي، في تسمية من فوقه، في حديث عبدالله بن مسعود في الاستنجاء بالأحجار: «فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقلت: أي الروايات عندك أصح في هذا الباب؟ فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أصح، ووضع حديث زهير في\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٥٣٧٦ - ٥٣٧٨)، وانظر مثالا آخر في «صحيح البخاري» حديث (٢٣٥٩ - ٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)، (٤٥٨٥)، و«العلل الكبير» ١: ٥٥٩.","vol":"2","page":479},{"text":"كتاب «الجامع»،» (^١).\nولا يخرج عن هذا الظاهر إلا بدلالة قوية ترجح أن الواحد منهما أخرج الحديث الذي فيه اختلاف، مع ترجيحه للوجه الناقص الذي لم يستوف شروط الصحة، كأن يرجح كونه مرسلا، فيكون قد تسامح في النزول عن الشرط لسبب.\nوأما ما يوردانه من علل وبيان اختلاف يتعلق ببعض الإسناد أو المتن، فهذا كثير عندهما، وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه أنه سيذكر علل بعض الأحاديث، فقال بعد شرح منهجه في انتقاء أحاديثه: «قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم، ووفق لها، وسنزيد -إن شاء الله تعالى- شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعللة، إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى» (^٢).\nوقد وفى مسلم بما وعد به، فأكثر من تعليل زيادات ألفاظ في المتون، أو تغيير في متن الحديث، وكذلك في الإسناد، من زيادة راو، أو تغيير في اسمه، ونحو ذلك، وكذا صنع البخاري، فساق كثيرا من أوجه الاختلاف بغرض تعليلها، وهذا ظاهر لمن تأمل الكتابين.\nولا يظن ظان أن هذا فيه تجن على صاحبي الصحيح، بوجود أحاديث معللة في الكتابين، بل هو دفاع عنهما، فإن بعض ما انتقد عليهما لا عتب عليهما\n_________\n(^١) «العلل الكبير» ١: ١٠٠، ورواية زهير هي عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، وهي في «صحيح البخاري» حديث (١٥٦).\n(^٢) «صحيح مسلم» ١: ٨.","vol":"2","page":480},{"text":"في إخراجه، إذ غرضهما تعليله فيما يظهر، وقد ذكر أبو الفضل بن عمار الشهيد عدة أحاديث في كتابه «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» فيها علل في متونها، ويظهر جدا من سوق مسلم لأسانيدها ومتونها أن غرضه كان بيان ما فيها من علل (^١)، وكذلك الحال بالنسبة للدارقطني مع مسلم (^٢).\nويبقى النظر في طريقة معرفة كون الشيخين أرادا بيان العلة وأنها مؤثرة أو غير مؤثرة، إذ هما في النادر ينصان على ذلك، لكن النص عليه موجود في الكتابين، فمن ذلك قول البخاري بعد أن روى عن أزهر بن جميل، عن عبدالوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قصة ثابت بن قيس وزوجه: «لا يتابع فيه عن ابن عباس»، ثم أخرجه من طريق خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عكرمة مرسلا، وعلقه أيضا عن إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا كذلك.\nفمراد البخاري بيان علة إسناد أزهر بن جميل، فإن ذكر ابن عباس في رواية خالد الحذاء لا يصح، غير أن أصل الحديث ثابت عند البخاري من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقد ساقه البخاري بعد طريق خالد الحذاء، وبين الاختلاف فيه على أيوب أيضا وصلا وإرسالا، لكنه يرجح هنا وصل الحديث من طريق أيوب (^٣).\n_________\n(^١) «علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج» الحديث (١)، (٩)، (١١).\n(^٢) انظر: «الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم» لأبي مسعود الدمشقي الحديث رقم (٢).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٥٢٧٣ - ٥٢٧٧)، وانظر أمثلة أخرى: حديث (٢٥٣)، (٩٣٦)، (١٣٩٦)، (١٥٩٠)، (١٥٩٣)، (٢١٤٨)، (٢٧١٨)، (٢٨٣٩)، (٣٤٢٤)، (٥٠٦١)، (٥٩٩٠)، (٦٤٠٤)، (٦٨٤٠)، (٧٢٨٤ - ٧٢٨٥)، (٧٠١٧).","vol":"2","page":481},{"text":"وأخرج مسلم عدة أحاديث في قصة الإسراء والمعراج، وذكر منها حديث أنس بن مالك، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، وساق طرفا منه، وأحال باقيه على رواية ثابت، عن أنس، ثم قال في نقد رواية شريك: «وقدم فيه شيئا وأخر، وزاد ونقص» (^١).\nقال ابن القيم: «وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر، وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد ﵀» (^٢).\nولما أخرج مسلم طرق حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قصة استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش، قال: «في حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره»، يعني به الأمر بالوضوء لكل صلاة (^٣).\nفإذا لم ينصا على ذلك فهذا موضع فيه غموض، وأرى أنه يمكن معرفة ذلك بأحد أمرين:\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٦٢ - ١٦٨).\n(^٢) «زاد المعاد» ٣: ٤٢، وانظر أيضا في نقد رواية شريك: «الجمع بين الصحيحين» لعبدالحق ١: ١٢٧، و«تفسير ابن كثير» ٣: ٣، و«فتح الباري» ١٣: ٤٨٠ - ٤٨٦.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٣٣٣)، و«سنن النسائي» حديث (٢١٧)، (٣٦٢)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٦٢١)، و«سنن البيهقي» ١: ١١٦، ٣٤٣، وانظر أمثلة أخرى في «صحيح مسلم» حديث (٧١١)، (١١٦٢)، (٢٧٣٩).","vol":"2","page":482},{"text":"أحدهما: أن يكون صاحب الصحيح قد جاء عنه قول في الرواية في غير الصحيح، تصحيحا أو تعليلا.\nمثال ذلك عند البخاري رواية سماك بن عطية، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس قال: «أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة، إلا الإقامة» (^١)، فإن البخاري ذكر هذه الرواية في ترجمة سماك بن عطية في «التاريخ الكبير» (^٢)، فالظاهر أنه يرى أن فيها علة، فقوله في آخر الحديث: «إلا الإقامة»، مدرج في الحديث من كلام أيوب السختياني (^٣).\nومثاله عند مسلم رواية مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، في حديث صلاته - ﷺ - بالليل، وفيه: «فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين»، وقد صدر بها مسلم أحاديث الباب (^٤).\nفهذا الحديث بهذا اللفظ انتقده مسلم في كتاب «التمييز» على مالك (^٥)، وسوقه لطرق الحديث في الصحيح عن الزهري يدل أيضا على توهيم مالك، وذلك في جعله ركعتي الفجر بعد الاضطجاع، والصواب أنه يركعهما قبل أن يضطجع (^٦).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٦٠٥).\n(^٢) «التاريخ الكبير» ٤: ١٧٤.\n(^٣) بينت ذلك بالتفصيل في تخريج كتاب «التحقيق» لابن الجوزي حديث (٤٠٩).\n(^٤) «صحيح مسلم» حديث (٧٣٦).\n(^٥) «أطراف الموطأ» للداني ٤: ٤٩.\n(^٦) وانظر مثالين آخرين في «صحيح البخاري» حديث (٢٣٥٩ - ٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)، (٤٥٨٥) مع «العلل الكبير» ١: ٥٩٥، و«صحيح البخاري» حديث (٥١٠٨) «العلل الكبير» ١: ٤٤٢، و«سنن البيهقي» ٧: ١٦٦، و«فتح الباري» ٩: ١٦١، ومثالا آخر أخرجاه على وجهين، وجاء عن البخاري تصحيحهما، وعن مسلم تصويب أحد الوجهين، في: «صحيح البخاري» حديث (٢٢٠٣ - ٢٢٠٤)، (٢٢٠٦)، (٢٣٧٩)، (٢٧١٦)، و«صحيح مسلم» حديث (١٥٤٣)، و«العلل الكبير» ١: ٤٩٨، و«سنن البيهقي» ٥: ٣٢٤.","vol":"2","page":483},{"text":"والثاني: أن يظهر من سوقه لطرق الحديث ترجيحه أن العلة مؤثرة أو غير مؤثرة، وقد تقدم شيء من هذا في الفصول السابقة.\nومن أمثلته أيضا أن البخاري أخرج من طريق شعيب، عن الزهري، عن أنس، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي، فيأتيهم والشمس مرتفعة».\nثم أخرجه من طريق مالك، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: «كنا نصلي العصر، ثم يذهب الذاهب إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة» (^١).\nقال ابن رجب: «إنما خرجه من هذين الوجهين، ليبين مخالفته (يعني مالكا) لأصحاب الزهري في هذا الحديث، وقد خالفهم فيه من وجهين، أحدهما: أنه لم يذكر فيه النبي - ﷺ - …، والثاني: أن مالكا قال في روايته: «ثم يذهب الذاهب إلى قباء» …» (^٢).\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (٥٥٠ - ٥٥١)، وأخرجه أيضا من طريق صالح بن كيسان، عن الزهري، بمثل رواية شعيب، وكذا علقه عن يونس، عن الزهري، لكنه لم يسق لفظه: حديث (٧٣٢٩).\n(^٢) «فتح الباري» ٤: ٢٨٣.","vol":"2","page":484},{"text":"وكذا صنع مسلم، فإنه أخرجه من طريق الليث بن سعد، وعمرو بن الحارث -مفرقين-، ثم أتبعهما برواية مالك (^١).\nولما ذكر الدارقطني في «التتبع» رواية مالك، وانتقد الشيخين في تخريجهما، كأنه اعتذر لهما بأن غرضهما نقدها، فقال: «وقد أخرجا قول من خالف مالكا أيضا» (^٢).\nوروى مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».\nثم أخرجه عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وفيه: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام …».\nثم ساق طرقا كثيرة إلى الزهري، ومنها طريق يونس من رواية ابن المبارك عنه، ثم قال: «بمثل حديث يحيى، عن مالك، وليس في حديث أحد منهم «مع الإمام»،» (^٣).\nوسياق مسلم لحديث الزهري بهذه الصفة يظهر منه جدا أن زيادة «مع\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٦٢١).\n(^٢) «التتبع» ص ٤٥٧، وانظر في الكلام على رواية مالك أيضا: «الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس» للدارقطني حديث (١٦)، و«التمهيد» ٦: ١٧٨، و«فتح الباري» لابن حجر ٢: ٣٦.\n(^٣) «صحيح مسلم» حديث (٦٠٧).","vol":"2","page":485},{"text":"الإمام» لا تصح عنده، فإن الحديث في إدراك الوقت، سواء كان مع الإمام أو منفردا، ولهذا ساق مسلم بعده طرقا أخرى إلى أبي هريرة، وفيها التصريح بأن المقصود به إدراك الوقت، وساق أيضا في أثنائها حديث عائشة (^١).\nوأخرج مسلم من طريق مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، وفي الآخرة منهما: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾،».\nثم أخرجه من طريق أبي خالد الأحمر، عن عثمان بن حكيم، لكنه ذكر الآية الثانية: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.\nثم عاد فأخرجه من طريق عيسى بن يونس، عن عثمان بن حكيم، وذكر أنه بمثل حديث مروان (^٢).\nفهذا السياق لطرق الحديث يظهر بوضوح أن ذكر مسلم لرواية أبي خالد الأحمر بغرض تعليلها ونقدها، فجعلها بين روايتين متفقتين، ويساعد على ذلك حال أبي خالد الأحمر، فإنه صدوق يخطئ، وعلى هذا فمن قال بأن السنة أن يبادل بين هاتين الآيتين، اعتمادا على تخريج مسلم لهما. فقوله مرجوح.\nومن دقيق ما صنع مسلم به ذلك من الأحاديث، ما أخرجه من طريق قرة\n_________\n(^١) انظر: «هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام؟» للمعلمي ص ٤٤.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٧٢٧).","vol":"2","page":486},{"text":"بن خالد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الصلاة في سفرة سافرها، في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء»، قال سعيد: «فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته» (^١).\nوسياق مسلم لما قبل هذا الطريق وما بعده يدل على أن مسلما أراد بيان خطأ هذا الحديث بهذا الإسناد، وأن أبا الزبير إنما يروي حديث جمعه - ﷺ - في غزوة تبوك عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل، وأما حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فهو في قصة أخرى، في جمعه - ﷺ - بين الصلاتين بالمدينة، وفيه سؤال سعيد لابن عباس عن سبب ذلك، وقد أبدع مسلم جدا في بيان غلط رواية قرة بن خالد، ولولا خشية الإطالة لشرحت ذلك.\nوأخرج مسلم من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر مرفوعا حديث النهي عن القران في أكل التمر، وفي آخره: «إلا أن يستأذن الرجل صاحبه»، ثم قال شعبة: «لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر -يعني الاستئذان-».\nثم ساقه من طريق معاذ بن معاذ، وعبدالرحمن بن مهدي، عن شعبة، وليس في روايتهما كلام شعبة.\nثم ساقه من طريق سفيان الثوري، عن جبلة بن سحيم، عن ابن عمر\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٧٠٥ - ٧٠٦).","vol":"2","page":487},{"text":"مرفوعا كله (^١).\nفالذي يظهر من عرضه لطرق هذا الحديث ترجيح رفع الحديث كله، فإن شعبة غير جازم بوقف الاستثناء، ولهذا جاء عنه رفع الحديث كله جزما، وسفيان الثوري -وهو من هو في الحفظ- رفعه كله أيضا (^٢).\nوقضية نقد الشيخين لبعض ما يخرجانه له صلة أيضا بالرواة الذين يخرجان لهم، فليسوا كلهم سواء، كما تقدم بيان ذلك بالتفصيل في «الجرح والتعديل» (^٣)، وفاتني هناك أن أنبه إلى أن بعض من يخرج له البخاري أو مسلم إنما أخرجا له بغرض نقد روايته، فلا يصح الإطلاق بأنه أخرج له، كما في أزهر بن جميل المتقدم آنفا، بالنسبة للبخاري، فلم يخرج له البخاري إلا في هذا الموضع الذي نقده فيه (^٤).\nوأختم هذا المبحث بما بدأت به، وهو ضرورة اعتناء الباحث بمصطلحات النقاد في الترجيح والاختيار، والتدقيق في إشاراتهم، وتصرفاتهم، لمعرفة اختيار\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (٢٠٤٥).\n(^٢) وانظر أمثلة أخرى في «صحيح البخاري» حديث (١٥٢٣)، (١٨٣٨)، (٢٥٨١)، (٦٤٠٤)، (٦٧٩٣)، (٦٨٢٠)، و«صحيح مسلم» حديث (١٦)، (٣٣٠)، (١٤٠٦)، (١٥٠١ - ١٥٠٢)، (١٥٠١ - ١٥٠٢ م بعد حديث ١٦٦٧)، (١٦٧٩)، (٢٠٦٨)، (٢٥٤٨)، (٢٧٤٠)، (٢٩٧٨).\n(^٣) «الجرح والتعديل» ص ٢٨٤ - ٢٨٧.\n(^٤) «التعديل والتجريح» للباجي ١: ٣٩٧، و«فتح الباري» لابن حجر ٩: ٣٩٨، وذكر مغلطاي في «الإكمال» ٢: ٤٤، عن كتاب «الزهرة» أن البخاري روى عنه ثلاثة أحاديث، ولم أقف عليه إلا في هذا الموضع.","vol":"2","page":488},{"text":"الناقد ورأيه، أو لمعرفة أنه لا رأي له في الاختلاف.\nوالباحث مع تدقيقه عرضة لأن يقع في الخطأ في فهم مراد الناقد، إذا استخدم الناقد الإشارة، أو التصرف، ولم يصرح برأيه.\nوليس معنى ذلك أن الخطأ لا يقع من الباحثين مع التصريح بالرأي من الناقد، بل هو موجود، وهو يدل على وجود احتمال قوي أن يخطئ الباحث مع عدم التصريح، فيلزمه التأني، وتقليب النظر.\nسئل أحد النقاد عن حديث محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر مرفوعا: «نهى عن بيع الحيوان نسيئة» (^١)، فقال: «ليس فيه ابن عمر، هو عن زياد بن جبير موقوف».\nفعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «أي لم يثبت المرفوع عن ابن عمر، بل المحفوظ هو الموقوف عليه من طريق زياد المذكور».\nكذا قال الباحث، ولم يذكر دليلا على فهمه هذا، وعبارة الناقد صريحة في أنه موقوف على زياد بن جبير، وليس على ابن عمر.\nومر أحد الباحثين في أحد كتب النقاد بهذا النص: «قالوا لسفيان: إن منكدرا يقول: عن أبيه، عن جابر، قال: فأنا من أين أقع على: سعيد بن عبدالرحمن بن يربوع، عن جبير بن الحويرث: «رأيت أبا بكر واقفا على قزح» …»؟ .\nومراد سفيان، أن منكدرا سلك الطريق السهل عليه، فرواه عن أبيه،\n_________\n(^١) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤: ٦٠.","vol":"2","page":489},{"text":"عن جابر، وأخطأ في روايته، وعلل سفيان ذلك بأن الإسناد الذي أتى به هو وعر جدا، يدل على أنه قد حفظه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الثالث من الفصل الثاني.\nقال الباحث معلقا عليه: «لعل سفيان يريد بكلامه هذا الإشارة إلى أن منكدرا لم يسمع من أبيه، كما أن سعيد بن عبدالرحمن لم يسمع من جبير، ولكن في تاريخ الفسوي ٢: ٧٠٢، قال سفيان: لما قدم منكدر بن محمد بن المنكدر، قلت: لأنظرن حفظه فأتيته فقلت: كيف تحفظ حديث أبيك: «قال: رأيت أبا بكر واقفا على قزح»؟ قال: حدثني أبي، عن جابر، فقلت: هذا كان أهون عليه».\nهكذا صنع الباحث، نسب إلى سفيان بن عيينة شيئا لم يرده، وزاد على ذلك بأن اعترض بأن منكدرا صرح بالسماع من أبيه، والناقل لهذا التصريح هو سفيان نفسه.\nوروى جماعة من أصحاب أبي إسحاق عنه، عن عبدالله بن معقل، عن عدي بن حاتم مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وفي بعض طرقه عن أبي إسحاق: سمعت عبدالله بن معقل، قال: سمعت عدي بن حاتم (^١).\nقال يحيى القطان: «كان يونس -يعني ابن أبي إسحاق- يقول: أبو إسحاق سمعت عدي …».\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» حديث (١٤١٧)، و«صحيح مسلم» حديث (١٠١٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٢٥٦، ٣٧٧.","vol":"2","page":490},{"text":"ونقل عن يحيى أحد النقاد في مصنف له، فعلق عليه أحد الباحثين بعد أن خرجه من طرق أخرى بقوله: «هذا الطريق لم أجده، ولعل المصنف يريد بيان أن أبا إسحاق يصرح بالتحديث فيه عن عبدالله بن معقل، ومن الممكن أنه يريد أن أبا إسحاق سمعه عن عدي بدون واسطة».\nولم يرد المصنف ما ذكره الباحث، وغرض يحيى بيان خطأ يونس بن أبي إسحاق على أبيه، بروايته للحديث عن أبيه، عن عدي، مع تصريحه بالتحديث عنه، وهو إنما يروي الحديث عنه بواسطة عبدالله بن معقل، والنص له تكملة توضح هذا (^١)، ويظهر أنها سقطت من النسخة التي يعلق عليها الباحث، لكن النص بدونها ظاهر المعنى، يفهم من النظر في طرق الحديث، ومن ترجمة يونس.\nوذكر أحد الباحثين ما رواه سعيد بن عامر، عن همام، عن قتادة، عن أنس: «أن النبي - ﷺ - سن فيما سقت السماء، وسقي السيح، وسقي العيون: العشر …» الحديث، وقول البخاري: «هو عندي مرسل: قتادة، عن النبي - ﷺ -، وسعيد بن عامر كثير الغلط».\nثم نقل عن أبي حاتم أنه خطأ الموصول، ورجح المرسل كذلك.\nوبالنظر في كلام أبي حاتم يتضح أن المرسل الذي رجحه ليس هو من مرسل قتادة، ولفظه: «هذا خطأ، إنما هو: همام، عن قتادة، عن أبي الخليل:\n_________\n(^١) «الضعفاء الكبير» ٤: ٤٥٧، وانظر: «الجعديات» ١: ١٥٧ - ١٥٨ الأرقام (٤٥٦ - ٤٦١)، و«الكامل» ٧: ٢٦٣٥.","vol":"2","page":491},{"text":"«أن النبي - ﷺ - …» مرسلا» (^١).\nوتعرضت إحدى الباحثات للحديث الماضي في «الاتصال والانقطاع» (^٢)، وهو حديث أنس في قصة صلاته - ﷺ - في مرضه خلف أبي بكر، وذكرت الباحثة الاختلاف فيه على حميد الطويل، فجمهور أصحابه يرويه عنه، عن أنس، ورواه يحيى بن أيوب، عنه، عن ثابت البناني، عن أنس، ثم قالت الباحثة: «فيحيى بن أيوب خالف أصحاب حميد الثقات، حيث زاد رجلا، وهو ثابت، وهذه الزيادة خطأ ممن زادها، بسبب المخالفة، ولأنه ثبت سماع حميد من أنس لهذا الحديث بدون واسطة، ويقول الترمذي: ومن لم يذكر فيه: عن ثابت، فهو أصح …، يقول ابن أبي حاتم (يعني نقلا عن والده): يحيى قد زاد رجلا، ولم يقل أحد من هؤلاء عن حميد: سمعت أنسا، ولا حدثني أنس، وهذا أشبه، قد زاد رجلا.\nفهنا قوله: هذا أشبه، يدل على أن رواية الجمهور هي الأولى، وأن رواية يحيى الذي خالف ليست صحيحة، وقد وافقه الترمذي في ذلك، ويحيى بن أيوب لم يجمع على توثيقه، ويخطئ، فلعل هذا الحديث من أخطائه».\nهذا كلام الباحثة، وعليها فيه مناقشات، فيحيى بن أيوب لم ينفرد بذكر ثابت في الإسناد، كما شرحته هناك، ولكن ما أريده هنا هو ما ذكرته الباحثة عن الترمذي، وعن أبي حاتم، فكلام الترمذي نقلته الباحثة مقلوبا، فهو يرجح وجود\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢١٥.\n(^٢) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٧، ٣٥١.","vol":"2","page":492},{"text":"ثابت في الإسناد، وصواب عبارته: «ومن ذكر فيه عن ثابت فهو أصح» (^١).\nثم لما قلبت الباحثة عبارة الترمذي، لم تتمعن جيدا في نص أبي حاتم، فسارعت إلى تنزيله على كلام الترمذي الذي نقلته مقلوبا، ولو تمعنت في كلام أبي حاتم لظهر لها أنه يرجح زيادة ثابت في الإسناد، واستدل على ذلك بأن المخالفين له لم يذكروا تصريح حميد بالتحديث، وهو زاد عليهم ذكر ثابت، فالراجح إذن زيادته في الإسناد، وليس معنى ذلك تخطئة الجماعة الذين لم يذكروه، فإن هذا من المدار وهو حميد، فقد وصفه جماعة بالتدليس عن أنس، منهم أبو حاتم، وأبو زرعة (^٢).\nوذكر أحد الباحثين الاختلاف على يونس بن يزيد في حديث أبي هريرة الماضي ذكره في المبحث الثالث من الفصل الرابع، من هذا الباب، ولفظ الحديث: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين»، وقد اختلف فيه على يونس بن يزيد في إسناد الحديث، وفي رفعه ووقفه.\nوساق الباحث كلمة أبي حاتم في ترجيح أن يكون الاضطراب من يونس بن يزيد، فإحدى روايتيه كانت بمكة أو المدينة، ولم تكن معه كتبه … الخ.\nثم نقل الباحث عن الدارقطني قوله: «يرويه الزهري، واختلف عنه، فرواه سعيد بن يحيى -المعروف بسعدان- اللخمي، عن يونس، عن الزهري، عن\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٦٣)، وكذلك هو في «سنن الترمذي» ص ٩٨، من طبعة دار السلام التي تعزو إليها الباحثة.\n(^٢) ينظر: «علل ابن أبي حاتم» (٢٠٧١).","vol":"2","page":493},{"text":"قبيصة، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ووهم فيه، وخالفه القاسم بن مبرور، فرواه عن يونس، عن الزهري، عن سالم بن عبدالله، عن أبي هريرة، موقوفا، وقال فيه: قال الزهري، حدثني سعيد بن خالد، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي هريرة موقوفا أيضا، وهو الصواب» (^١).\nفذكر الباحث أن الضمير في قول الدارقطني: ووهم فيه، يعود إلى يونس بن يزيد، بدلالة كلام أبي حاتم.\nوالمتأمل في كلام الدارقطني يراه صريحا في تحميل عهدة الخطأ سعدان بن يحيى، وأنه هو الذي يهم فيه، والصواب رواية القاسم بن مبرور، والباحث قد يلجأ إلى كلام ناقد لتفسير كلام ناقد آخر، لكن هذا حيث يكون بحاجة إلى تفسير، أما في هذا النص فالأمر ظاهر، واتفاق الناقدين على خطأ الإسناد، لا يلزم منه اتفاقهما على مصدر الخطأ فيه.\nوسئل أحد النقاد عن عامر الأحول، فقال: «… روى حديث عثمان فقال: عن أبي هريرة، -في الوضوء- وإنما هو حديث عطاء، عن عثمان».\nفقام أحد الباحثين بتخريج حديث عطاء، عن أبي هريرة من «الضعفاء الكبير» (^٢)، وحديث عطاء، عن عثمان من «سنن ابن ماجه» (^٣)، وذكر أن عطاء\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١١: ١٤٥.\n(^٢) «الضعفاء الكبير» ٣: ٣١٠، وهو في «مسند أحمد» ٢: ٣٤٨.\n(^٣) «سنن ابن ماجه» حديث (٤٣٥)، وهو في «مسند أحمد» ١: ٦٦، ٧٢، ٢: ٣٤٨، وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ١: ٦٣، و«علل الدارقطني» ٣: ٢٨.","vol":"2","page":494},{"text":"لم يسمع من عثمان (^١)، ثم قال: «لكن الحديث معروف من رواية حمران بن أبان، عن عثمان، في صفة الوضوء، أخرجه الشيخان وغيرهما، وقد رواه عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران، عن عثمان، فلعل المصنف يعني هذا، ولكنه لا يرويه عن عثمان مباشرة، والله أعلم».\nكذا قال الباحث، فأفسد بكلامه هذا تخريجه الصواب للحديث من العقيلي، وابن ماجه، وعطاء فيه هو عطاء بن أبي رباح، وأما الراوي عن حمران فهو عطاء بن يزيد الليثي، كما ذكر الباحث، فقول الباحث: «فلعل المصنف يعني هذا» لا معنى له، وإنما المقصود حديث عطاء بن أبي رباح، فهو شيخ عامر الأحول.\nوذكر أحد الباحثين ما تقدم في المبحث الرابع من الفصل الرابع من الباب الأول، وهو ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس مرفوعا: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»، مثالا على الترجيح بسلوك الراوي للجادة، وأن الصواب مع من تركها، ثم قال: «ضرب على هذا الحديث أبو الوليد الطيالسي، وأعله أحمد، والبخاري، والترمذي، وأبو داود، والدارقطني، بأن جريرا، وحجاجا الصواف، كانا عند ثابت البناني، فحدث به حجاج، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، فوهم جرير، فظن أن الحديث عن ثابت، عن أنس، وإنما روى ثابت، عن أنس قال: «كان النبي - ﷺ - إذا أقيمت الصلاة يتكلم\n_________\n(^١) نقل الباحث هذا عن المزي في «تحفة الأشراف» ٧: ٢٦٤، وهو ظاهر من ولادته، وصرح بعدم سماعه أبو حاتم، وأبو زرعة، كما في «المراسيل» ص ١٥٥، ١٥٦، وحديثه هذا رواه عبدالرزاق حديث (١٢٤)، عن ابن جريج، عن عطاء، أنه بلغه عن عثمان بن عفان.","vol":"2","page":495},{"text":"مع الرجل حتى ينعس بعض القوم».\nوثابت، عن أنس جادة، حيث قال الإمام أحمد في رواية الميموني: «هؤلاء الشيوخ إنما يلحقون عن ثابت، عن أنس، إسنادا عرفوه»،».\nكذا صنع الباحث، لم يحكم هذا المثال جيدا، فليس فيه سلوك للجادة، بل ليس فيه اختلاف أصلا، وإنما فيه انتقال الراوي من إسناد إلى إسناد، والاختلاف لا بد له من مدار، ولا مدار هنا، والترجيح بسلوك الجادة -وهو الذي قصده الباحث وشرحه- لا بد فيه من مدار يختلف عليه، فيجعله بعض الرواة عنه عن شيخ له مشهور بالرواية عنه، كثابت، عن أنس، ويرويه بعضهم عنه فيخرج به عن هذه الجادة، كأن يجعله عن ثابت، عن أبي هريرة، أو ثابت عن الحسن مرسلا، ونحو ذلك، كما تقدم شرح ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب.\nومن أمثلته -وهو مثال أيضا على خطأ باحث في فهم كلام ناقد، واعتراضه عليه- أن مسلما أخرج من طريق شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من طلب الشهادة صادقا أعطيها وإن لم تصبه» (^١).\nقال أبو الفضل بن عمار الشهيد: «وافقه على هذه الرواية المؤمل بن إسماعيل، وهذا حديث وهم فيه شيبان، والمؤمل جميعا.\n_________\n(^١) «صحيح مسلم» حديث (١٩٠٨).","vol":"2","page":496},{"text":"فأما المؤمل فكان قد دفن كتبه، وكان يحدث حفظا فيخطئ الكثير، والصحيح ما رواه الحجاج بن المنهال، وموسى بن إسماعيل، والعيشي، عن حماد، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، وعن حماد، عن ثابت، عن النبي - ﷺ - مرسلا، مثله.\nوالصحيح من حديث ثابت مرسل، وحديث أبان مسند» (^١).\nعلق عليه أحد الباحثين بقوله: «ولكنه (يعني أبان بن أبي عياش) متروك، فتعليل الرواية الصحيحة بالرواية الضعيفة ليس منهجيا، وبخاصة أن رواية حماد، عن ثابت، مشتهرة معروفة، بخلاف رواية أبان، عن أنس، فهي قليلة جدا، حتى إنه ليس في الكتب الستة ولا رواية منها».\nكذا صنع الباحث، لم يفهم كلام الناقد، فاعترض عليه بما يدل على بعده عن إدراك علم (العلل)، والناقد لم يعترض على الرواية الصحيحة برواية ضعيفة، وإنما اعترض على رواية صحيحة برواية أصح منها، فالمدار حماد بن سلمة، ورواه عنه شيبان، والمؤمل، عن ثابت، عن أنس، ورواه الجماعة عنه، عن ثابت مرسلا، وساقوا معه رواية حماد، عن أبان، عن أنس الموصولة، وهذا دليل آخر على حفظهم وضبطهم لرواية حماد، وفصلهم بين المرسل والمسند.\nوقام أحد الباحثين بدراسة الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الأول، وهو ما رواه شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن\n_________\n(^١) «علل الأحاديث في صحيح مسلم» ص ١٠٨.","vol":"2","page":497},{"text":"عبدالله، قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار»، فذكر له عللا، أحدها أنه مختصر من متن مشهور، رواه الجماعة عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: «قربت للنبي - ﷺ - خبزا ولحما، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ».\nونسب الباحث إعلاله بهذا إلى جمع من النقاد: أبي داود، وابن حبان، والبيهقي، بعد أن أخرجوا الحديث.\nولا إشكال في هذا، لكن الباحث ذكر علة أخرى للحديث وهي اضطراب المتن، ونقل عن ابن أبي حاتم قوله: «سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة …، فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو: «أن النبي أكل كتفا ولم يتوضأ»، كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدث به من حفظه فوهم فيه».\nثم ذهب الباحث يشرح اضطراب المتن بكلام بناه على ما في ذهنه من معنى لكلمة (مضطرب) الورادة في كلام أبي حاتم، فمعنى المضطرب -كما تقدم شرحه في المبحث الرابع من الفصل الرابع- هو الحديث الذي يروى على أوجه ولا مرجح بينها، وقد يوصف بالاضطراب مع الترجيح.\nوالباحث لم يجد أن حديث شعيب قد روى على أوجه في متنه، إنما هو لفظ واحد، فخرج الباحث إلى عموم أحاديث الباب، وأن منها ما فيه ترك الوضوء مما مست النار، ومنها ما فيه الأمر بالوضوء مما مست النار.","vol":"2","page":498},{"text":"وتفسير الاضطراب الذي في كلام أبي حاتم بهذا أبعد الباحث فيه النجعة جدا، فلا يمكن أن يكون مرادا لأبي حاتم، وإلا لناقض آخر كلامه أوله، وإنما وقع الباحث فيما وقع فيه بسب الالتزام الدقيق بالمصطلحات الواردة في كتب المصطلح، وأن حدودها جامعة مانعة، فَنَزَّل كلام أبي حاتم على تعريف مصطلح (المضطرب).\nوالنقاد قد يستخدمون مصطلح (المضطرب) في الإسناد والمتن على معنى أعم، وهو وجود خلل في أحدهما، وإن لم يكن مرجعه إلى الاختلاف.\nمثال ذلك ما ذكره ابن أبي حاتم، قال: «سألت أبي عن حديث رواه ابن حمير، قال: حدثنا شعيب بن أبي الأشعث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: «المراء في القرآن كفر»، قال أبي: هذا حديث مضطرب، ليس هو صحيح الإسناد، عروة، عن أبي سلمة لا يكون، وشعيب مجهول» (^١).\nومن المهم جدا بالنسبة للباحث وهو ينظر في الاختلاف، أن يدقق في سياق المصطلح الذي ذكره الناقد، فقد يريد به معنى غير ما عرف واشتهر فيما بعد قصره عليه، وذلك في عموم مصطلحات النقاد، مثل المرسل، والمرفوع، والمنكر، وغيرها.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٧٤، وانظر: المسائل (٧٩)، (٢٨٣)، (٨٣٩)، (١٠٦١)، (١٤٤٠)، (١٤٥٥)، (١٩٨٤)، (٢٠٩٧)، (٢١١٦).","vol":"2","page":499},{"text":"قال الدوري: «سألت يحيى، عن حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: «أنها سئلت: ما كان يصنع رسول الله - ﷺ - في بيته؟ …»، فقال يحيى: هو مرسل، هشام، عن رجل».\nفالناظر لأول وهلة يظن أن المقصود في الجواب أن هشام بن عروة يرويه عن رجل، عن أبيه، فيكون الإسناد الأول مرسل، أي لم يسمعه من أبيه، لكن الطرق الأخرى -كما تقدم في المبحث الذي قبل هذا- أفادت أن الإسناد ليس فيه: عن أبيه، والرجل يرويه عن عائشة، ففي كلام ابن معين تسمية ما فيه مبهم: مرسل (^١).\nوروى جماعة فيهم حماد بن سلمة في رواية أكثر أصحابه، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله …» الحديث (^٢).\nورواه عبدالله بن جعفر والد علي بن المديني، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر، وكذلك رواه أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، عن سهيل (^٣).\n_________\n(^١) وانظر: «معرفة علوم الحديث» ص ٢٧، و«مقدمة ابن الصلاح» ص ١٤٤، و«النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٥٦١ - ٥٦٤، ٥٧٣.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٤٠٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (٨٤٠٥ - ٨٤٠٦)، (٨٦٠٣)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٨٤، و«سنن سعيد بن منصور» حديث (٢٤٧٤)، و«فضائل الصحابة» (١٠٣١)، (١٠٤٤)، (١٠٥٦)، (١١٢٢)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٦٩٣٤).\n(^٣) «علل الدارقطني» ١٠: ١١٠، و«المستدرك» ٣: ١٢٥.","vol":"2","page":500},{"text":"قال الدوري: «سمعت يحيى بن معين يقول في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عمر: «لأعطين الراية …»، قال يحيى: إنما هو عن أبي هريرة موقوف» (^١).\nفالوقف هنا يراد به أنه من رواية أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، وليس من رواية أبي هريرة، عن عمر، عن النبي - ﷺ -.\nوروى عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعا: «كان النبي - ﷺ - يقبل الهدية، ويثيب عليها» (^٢).\nقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عيسى» (^٣).\nفكلام الترمذي قد يفهم منه أن غير عيسى بن يونس يرويه موقوفا، لذكره الرفع في وصف رواية عيسى، وليس هذا مراده، فمراده الإرسال: هشام، عن النبي - ﷺ -، ليس فيه: عن أبيه، عن عائشة.\nوللنقاد عبارات أخرى في هذا الاختلاف، فقال أحمد: «كان عيسى بن يونس يسند حديث الهدية، والناس يرسلونه» (^٤).\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٣: ٢٦٢.\n(^٢) «صحيح البخاري» حديث (٢٥٨٥)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٥٣٦)، و«سنن الترمذي» حديث (١٩٥٣)، و«مسند أحمد» ٦: ٩٠.\n(^٣) «تحفة الأشراف» ١٢: ١٨٩، وهو في «السنن» مطولا، لكن سقط منه لفظة «مرفوعا».\n(^٤) «تهذيب الكمال» ٢٣: ٦٨، وانظر: «شرح علل الترمذي» ٢: ٦٧٩.","vol":"2","page":501},{"text":"وقال ابن معين: «عيسى بن يونس يسند حديثا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة …، والناس يحدثون به مرسل» (^١).\nوقال أبو داود: «تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل» (^٢)\nفهذه ثلاث مصطلحات عبر بها النقاد عن ذكر عيسى بن يونس في روايته عروة، وعائشة، مخالفا بذلك من لم يذكرهما من أصحاب هشام، وهي: الرفع، والإسناد، والوصل، وأقلها استخداما بهذا المعنى: الرفع، وهو الذي قاله الترمذي.\nولما أراد ابن حجر نقل قول الترمذي احتاج إلى أن يذكره بالمعنى، فعبر بالمشهور، فقال: «قال الترمذي، والبزار: لا نعرفه موصولا إلا من حديث عيسى بن يونس» (^٣).\nوسئل أبو حاتم عن الحديث الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، وهو حديث: «من ترك الجمعة فليتصدق بدينار»، وقد اختلف فيه على قتادة، فقال: «له إسناد صالح، همام يرفعه، وأيوب أبو العلاء يروي عن قتادة، عن قدامة بن وبرة، لا يذكر سمرة …» (^٤).\n_________\n(^١) «تاريخ الدوري عن ابن معين» ٢: ٤٦٧.\n(^٢) «فتح الباري» ٥: ٢١٠.\n(^٣) «فتح الباري» ٥: ٢١٠. وانظر مثالا آخر في «المراسيل» ص ٢٤٣، في كلام أبي زرعة، وابن أبي حاتم على رواية يحيى بن أبي كثير، عن أنس، ومثالا آخر في «علل الدارقطني» ١٤: ١٤٧.\n(^٤) «علل ابن أبي حاتم» ١: ١٩٦.","vol":"2","page":502},{"text":"فقول أبي حاتم: «همام يرفعه» يريد به وصله بذكر سمرة، لا الرفع الذي هو مقابل الوقف، إذ الجميع يروونه مرفوعا بهذا المعنى.\nوإذا كان الباحث ينبه إلى ضرورة تنزيل كلام النقاد على مرادهم، والاستعانة بالسياق إذا ظهر للباحث استخدام الناقد لمصطلح على غير ما اشتهر في كتب المصطلح المتأخرة، فمن باب أولى أن لا يعترض الباحث على صنيع إمام في استخدامه لذلك المصطلح.\nذكر عبدالحق الإشبيلي قول الحاكم في حديث رواه من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن النبي - ﷺ - مرسلا: «لا أعلم أحدا رفعه» (^١)، فعلق عليه ابن القطان بقوله: «وأما قول الحاكم: لا أعلم أحدا رفعه، فإنه إن كان عنى به أنه لا يعلم أحدا أسنده ووصله فصدق، ولكن ليست هذه العبارة مشهورة عن هذا المعنى، وإنما يقال ذلك فيما يكون موقوفا، وإن كان يعني بهذا أن أحدا لم يبلغ به النبي - ﷺ - فهذا خطأ، فقد ذكر ابن وهب في ذلك مرسلين، أحدهما أحسن من هذا» (^٢).\nوروى سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، كتاب\n_________\n(^١) «الأحكام الوسطى» ٤: ١٤، وهو في «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٣٦ بلفظ: «ثم لا نعلم أحدا من الرواة وصله …».\n(^٢) بيان الوهم والإيهام» ٢: ٣٤٥، واعتراض ابن القطان على الحاكم بالمرسلين اللذين ذكرهما ابن وهب يدل على أنه لم يتنبه لمراد الحاكم، وسأشرح هذا في المبحث الذي يلي هذا، وأوضح سببه.","vol":"2","page":503},{"text":"النبي - ﷺ - في الصدقات (^١).\nورواه يونس بن يزيد، وسليمان بن كثير، عن الزهري، عن سالم مرسلا ليس فيه ابن عمر (^٢).\nقال الترمذي في رواية سفيان بن حسين الموصولة بعد أن أخرجها: «حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء، وقد روى يونس بن يزيد وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، بهذا الحديث، ولم يرفعوه، وإنما رفعه سفيان بن حسين».\nوذكر ابن حجر هذا عن الترمذي، ثم قال: «وقول الترمذي: ولم يرفعوه، وإنما مراده: لم يرفعوا إسناده إلى منتهاه، وكان ينبغي أن يعبر باصطلاح القوم، بأن يقول: فأرسلوه، أو لم يسندوه» (^٣).\nوصنيع هذين الإمامين -ابن القطان، وابن حجر- لا يحسن أن يقلدا فيه، فلا يعترض على استخدام ناقد متقدم لمصطلح على غير المشهور عندنا، إذ هم أهل الاصطلاح، وتحرير المتأخر لمصطلحاتهم أخذه من عملهم، فإذا كانوا قد خرجوا عما حرره في معنى المصطلح فلا بد من أحد أمرين، أن يكون سبر المتأخر ناقصا، أو يكون المتأخر قصر المصطلح على معنى لاشتهاره عند الأولين،\n_________\n(^١) «سنن أبي داود» حديث (١٥٧٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٢١)، و«مسند أحمد» ٢: ١٥.\n(^٢) «سنن أبي داود» حديث (١٥٧٠)، و«سنن ابن ماجه» حديث (١٨٠٥)، و«الأموال» لأبي عبيد حديث (٩٣٥ - ٩٣٧).\n(^٣) «تغليق التعليق» ٣: ١٦.","vol":"2","page":504},{"text":"أو لكونه يتميز به عن غيره، وكل هذا لا يصح أن يحاسب عليه المتقدم.\nوهذا كله إذا كان الناقد المتقدم قد خرج عما هو مشهور في زمنهم في معنى المصطلح المعين، فَتَجَوَّز استعانة بالسياق، وأما إذا كان استخدم المصطلح على معنى مشهور عندهم، والمتأخرون هم الذين أخرجوه في تحريرهم للمصطلح، فالخطب أعظم.\nومثاله أن المتقدمين يستخدمون مصطلح المنكر لما تفرد به راويه، وترجح فيه خطؤه، سواء كان ثقة، أو لا، وسواء خالف أو لم يخالف، والمتأخرون قصروه على تفرد الضعيف، وقد تقدم شرح هذا في الفصل الثالث من الباب الثاني.\nوقد ذكر ابن حجر قول أبي داود في حديث همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس في وضع الخاتم عند دخول الخلاء، وقوله عنه إنه حديث منكر، ثم قال ابن حجر: «وحكم النسائي عليه بكونه غير محفوظ أصوب، فإنه شاذ في الحقيقة، إذ المنفرد به من شرط الصحيح، لكنه بالمخالفة صار حديثه شاذا» (^١).\nفقول أبي داود إنه حديث منكر، وقول النسائي إنه غير محفوظ، هما بمعنى واحد، ولا يقال إن عبارة أحدهما أصوب من الأخرى، بناء على ما اختاره المتأخرون في معنى المصطلح، سواء في تعريفه، أو في القاعدة والحكم.\n_________\n(^١) «النكت على كتاب ابن الصلاح» ٢: ٦٧٦. والحديث أخرجه أبو داود حديث (١٩)، وفيه حكمه عليه بالنكارة، وسبب ذلك، والترمذي حديث (١٧٤٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» حديث (٩٥٤٢)، وفيه قوله عنه إنه غير محفوظ، وابن ماجه حديث (٣٠٣).","vol":"2","page":505},{"text":"وخلاصة ما تقدم أن من المهم جدا بالنسبة للباحث قبل أن يستدل برأي الناقد، أو يصنفه، أو يعترض عليه، أن يفهمه جيدا، وينزله وفق مراد الناقد، وقد يحتاج في سبيله إلى هذا أن يتأمل في السياق، وفي طرق الحديث، وكلام الناقد في مكان آخر إن وجد، وكلام النقاد الآخرين.\nويتأكد الأمر حين يكون غرض الباحث من النص الاستدلال به على قاعدة في النقد، أو إثبات سماع راو من آخر، أو يريد بالنص نقض قاعدة اشتهرت عند الناس، يراها غير صحيحة، خاصة مع تسرع بعض الباحثين، واكتفائهم بالمثال والمثالين لتحرير قاعدة، أو لنقضها، فإذا كانت الأمثلة -مع قلتها- لم يفهم الباحث مراد الناقد منها كبر خطؤه حينئذ، ولولا ضيق المقام هنا لشرحت ذلك بأمثلته، لكن المقصد الأساس هنا التأكيد على تأني الباحث في فهم كلام الناقد حين تناوله للاختلاف، أيا كان غرضه منه.\n * * *","vol":"2","page":506},{"text":"<span data-type='title' id=toc-543>المبحث الرابع\nعبارات الترجيح والتصحيح</span>\nظهر جليا من مباحث الفصل السابق قبل هذا أن النظر في حديث وقع فيه اختلاف قد يحتاج معه الناظر لإصدار حكم نهائي على الحديث بالصحة أو الضعف إلى الوقوف في عدد من المنازل، وهو في الطريق إلى الحكم النهائي، وهو في كل منزلة منها ملزم بإصدار حكمه في تلك المنزلة، ثم الصعود إلى ما فوقها من منازل.\nفإذا كان مع الناظر مدار أساس وقع عليه اختلاف، قد يكون في الطريق إلى هذا المدار مدارات أخرى وقع عليها اختلاف أيضا، فالناظر عليه تحرير هذه الاختلافات، وإصدار أحكامه عليها، ثم استصحاب هذا الحكم وتسخيره للحكم في الاختلاف في مداره الأساس، ثم بعد ذلك عليه النظر في الطرق فوق مداره، وإصدار أحكامه عليها، وإن وجد اختلافا على مدار أعلى من مداره الأساس وجب عليه الانتقال إلى هذا الاختلاف، والحكم عليه كذلك، وقد يجد هذا في طبقات متعددة، فعليه التنقل فيها منزلة منزلة، حتى يصل إلى نهايتها، ويصدر بعد ذلك حكمه على آخر إسناد يصفو معه.\nوإن كان في الحديث الواحد أنواع من الاختلافات على مدار واحد، أو على مدارات متعددة، ميز بينها، ونظر في كل منها.\nوظهر أيضا أنه لا تلازم مطلقا بين نتيجة في منزلة، ونتيجة في منزلة دونها","vol":"2","page":507},{"text":"أو فوقها، ولا بين نتيجة نهائية للاختلافات، وبين حال الإسناد بعدها.\nوظهر أيضا -وهو أمر بالغ الأهمية هنا- أن الاختلاف قد يتحمل عهدته الرواة عن المدار، وقد يكون سببه المدار نفسه، وإذا كان سببه المدار نفسه فالأوجه قد تكون بعده محفوظة كلها، وقد لا يحفظ منها شيء أبدا، وقد يتحرر حفظ واحد منها أو أكثر.\nوظهر أيضا أن النقاد قد ينصون على نتيجة النظر في اختلاف على راو، ويفصلون ذلك عن نتيجة اختلاف على راو أعلى منه، وقد تكون النتيجتان مختلفتين، فينص الناقد على أن المحفوظ عن فلان كذا، لكن المحفوظ عن شيخه أو من فوقه هو كذا، أو أن الوجهين محفوظان عن فلان، لكن المحفوظ عن شيخه الوجه الفلاني فقط، غير أنهم يفعلون هذا في الغالب عند الحاجة إليه، كأن يسأل الناقد عن اختلاف، ثم يعاد عليه السؤال عن اختلاف أعلى منه، أو يسأل عنهما جميعا.\nوكذا إذا استخدم الناقد لفظ الصحة عن المدار، ربما بين مقصوده بالصحة، إن كان الوجه الصحيح عن المدار لا يصح بعده، لضعف المدار مثلا، أو لضعف راو في الإسناد بعد المدار، أو لانقطاع فيه، ونحو ذلك.\nوالمتأمل في صنيع النقاد يراهم لم يلتزموا هذا دائما، بل الغالب ترك النص على مقصودهم بالترجيح والتصحيح، وذلك لأسباب تقدم شرحها، وخلاصتها أن كلامهم في الغالب يخرج مخرج الجواب عن سؤال محدد، فالجواب يأتي على وفقه، والاختلاف الأدنى أو الأعلى يأتي عندهم الحديث عنه في مناسبته،","vol":"2","page":508},{"text":"وكذلك هم يخاطبون من هو مثلهم فلا يلتبس عليه الأمر، فالسائل هو ناقد في الأصل، يسأل من تقدم عليه زمنا.\nوالغرض من تلخيص هذا كله في هذا المبحث هو تنبيه الباحث وقد عرف أن النقاد في الغالب يتكلمون على موضع السؤال الموجه إليهم فيبقون مع مداره، ولا يتحدثون عن مدارات فوقه، أو دونه، وأنهم يصححون بعض الأوجه ومرادهم بذلك أي عن المدار، ولا يلزم منه صحة الوجه بعده، وكذلك قد يرجحون وجها، أو يصرحون بصحته، وفيه ضعف، في مقابل وجه آخر أشد ضعفا منه.\nوعرف أيضا أنهم يرجحون بالقدر المشترك، فيرجحون وجها مع وجود خطأ فيه، ومقصودهم الاستفادة مما فيه من صواب، في مقابل وجه خطأ كما تقدم شرحه في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب.\nوأيضا قد يقولون في وجه من الأوجه إنه الصحيح أو المحفوظ، في مقابل وجه آخر، ولكن ليس معناه أن راوي الوجه الآخر قد أخطأ، فالخطأ من المدار حين حدث بالوجه الآخر، وقد يكون فعل ذلك عمدا.\nإذا عرف هذا كله فإن الواجب حينئذ عليه أن يتمعن كثيرا في عبارات النقاد حين يريد أن ينقلها في كلامه على الاختلاف، فلا يهجم على العبارة دون تأمل ونظر، فقد يضعها في غير موضعها، ويستدل بها على شيء لا تدل عليه.\nوالباحث قبل أن يستفيد في بحثه من عبارة لناقد ملزم بالنظر في سياق العبارة، وكيف خرجت من الناقد وفق هذا السياق، وكذلك النظر في كلام الناقد في مواضع أخرى على الحديث نفسه، وأيضا كلام النقاد الآخرين على الحديث،","vol":"2","page":509},{"text":"فكل هذا -السياق، وكلام الناقد في موضع آخر، وكلام النقاد- مما يعين الباحث على فهم عبارة الناقد، وتحديد مراده بها، وربما توافر في بعض الاختلافات عوامل أخرى تساعد الباحث على تحديد مراد الناقد، فيستفيد منها كذلك.\nوسأسوق الآن أمثلة لتدقيق النظر في كلام ناقد، وبيان مراده.\nروى شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أنس بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع بن العمياء، عن عبدالله بن الحارث، عن المطلب، عن النبي - ﷺ - قال: «الصلاة مثنى، مثنى، وتشهد في كل ركعتين …» الحديث.\nورواه الليث بن سعد وغيره، عن عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن العباس.\nوقد رجح النقاد رواية الليث بن سعد في سياقه للإسناد كما تقدم شرحه في المبحث الثاني من الفصل الثاني من هذا الباب، ومن ذلك أن الترمذي سأل البخاري عنه، فقال: «وحديث الليث بن سعد هو حديث صحيح -يعني أصح من حديث شعبة-»، وفي بعض النسخ: «… وهو أصح من حديث شعبة» (^١).\nفاحتاج الترمذي، أو البخاري، إلى شرح المراد من قوله: «هو حديث صحيح»، وأن مراده الصحة النسبية، أي عن المدار، وهو عبد ربه بن سعيد، يعني أن الراجح عنه هو ما حدث به الليث بن سعد، فقد يفهم من قوله: «هو حديث صحيح»، تصحيحه للحديث، وليس هذا مراده، فالإسناد بعد المدار قد\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٣٨٥).","vol":"2","page":510},{"text":"نقده البخاري بقوة، كما تقدم هذا في المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، فذكر الحديث في ترجمة ربيعة بن الحارث، وقال: «وهو حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع هؤلاء بعضهم من بعض».\nوروى شريك، عن ثابت بن أبي صفية أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر «أن النبي - ﷺ - توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا»؟، قال: نعم.\nورواه وكيع وغيره، عن ثابت، قال: قلت لأبي جعفر: حدثك جابر: «أن النبي - ﷺ - توضأ مرة مرة»؟ قال: نعم (^١).\nسأل الترمذي البخاري عن هذا الحديث، فقال: «الصحيح ما رواه وكيع، عن أبي حمزة، وحديث شريك ليس بصحيح» (^٢).\nوالمراد بالصحة هنا أي عن أبي حمزة الثمالي، وأما بعد ذلك فهو ضعيف، فإن أبا حمزة هذا ضعيف، أو دون ذلك، وعبارة الترمذي في هذا الاختلاف: «وهذا -يعني حديث وكيع- أصح من حديث شريك، لأنه قد روى من غير وجه هذا عن ثابت نحو رواية وكيع، وشريك كثير الغلط، وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي» (^٣).\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٤٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٤١٠)، و«العلل الكبير» ١: ١٢٣.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٤٦).\n(^٣) «العلل الكبير» ١: ١٢٤.","vol":"2","page":511},{"text":"وروى جماعة عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن أبي خزامة، عن أبيه، حديث الأدوية والرقى، ورواه آخرون عن ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه.\nورجح النقاد رواية ابن عيينة الأولى، لموافقتها لرواية أصحاب الزهري، كما تقدم هذا في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب، ومن هؤلاء الترمذي، فقد قال بعد أن أخرج الرواية الثانية عن ابن عيينة بتسمية شيخ الزهري ابن أبي خزامة: «وقد روى غير واحد هذا عن سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح، هكذا قال غير واحد عن الزهري …».\nوقول الترمذي: «وهذا أصح» قد يفهم منه أن الرواية الثانية عن ابن عيينة خطأ ممن رواها عن ابن عيينة، غير أن مراده أنها أصح من رواية ابن عيينة الثانية، أي أن ابن عيينة يخطئ حين يقول: ابن أبي خزامة، فالخطأ منه، وقد أوضح الترمذي هذا في مكان آخر، فقال بعد أن أخرج الحديث على الوجهين: «وقد روي عن ابن عيينة كلا الروايتين، وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه، وقال بعضهم: عن ابن أبي خزامة، عن أبيه، وقد روى غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه، وهذا أصح …» (^١).\nوروى جماعة -منهم زهير بن معاوية، وخالد بن عبدالله الواسطي، ويزيد بن هارون، وغيرهم- عن حميد، عن أنس قال: «عاد النبي - ﷺ - رجلا قد جهد\n_________\n(^١) «سنن الترمذي» حديث (٢١٤٨).","vol":"2","page":512},{"text":"حتى صار مثل الفرخ …» الحديث (^١).\nورواه جماعة آخرون -منهم خالد بن الحارث، وسهل بن يوسف، ومحمد بن أبي عدي، وغيرهم- عن حميد، عن ثابت، عن أنس (^٢).\nذكر ابن أبي حاتم لأبي زرعة، وأبي حاتم، الوجه الأول، فقالا: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس»، ثم ذكرا بعض من رواه على الوجه الثاني.\nقال ابن أبي حاتم: «فهؤلاء (يعني من رواه على الوجه الأول) أخطؤوا؟ قالا: لا، ولكن قصروا، وكان حميد كثيرا ما يرسل».\nفقول أبي زرعة، وأبي حاتم: «الصحيح: عن حميد، عن ثابت، عن أنس» قد يفهم منه أن من رواه على الوجه الأول قد أخطأ على حميد، ولهذا سألهما ابن أبي حاتم عن هذا، فأجابا بتحميل حميد عهدة هذا الاختلاف، وأنه عرف بالإرسال عن أنس، فيروي عنه مباشرة ما سمعه عنه بواسطة، فربما ذكرها، وربما أسقطها.\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه المسيب بن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن أبي المطوس،\n_________\n(^١) «مسند عبد بن حميد» حديث (١٣٩٩)، و«الأدب المفرد» حديث (٧٢٨ - ٧٢٨)، و«مسند أبي يعلى» حديث (٣٧٥٩)، (٣٨٠٢)، (٣٨٣٧)، و«تفسير الطبري» ٢: ٣٠٠.\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٦٨٨)، و«سنن الترمذي» حديث (٣٤٨٧ - ٣٤٨٨)، و«مسند أحمد» ٣: ١٠٧، و«شرح مشكل الآثار» حديث (٢٠٤٨)، و«صحيح ابن حبان» حديث (٩٤١).","vol":"2","page":513},{"text":"عن أبيه، عن أبي هريرة، قال نبي الله - ﷺ -: «من أفطر يوما من شهر رمضان من غير عذر لم يقضه صيام الدهر وإن صامه».\nقال أبي: إنما هو: سفيان، عن حبيب، عن أبي المطوس، وشعبة يقول: حبيب، عن عمارة، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -».\nثم قال ابن أبي حاتم: «إنما أنكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت» (^١).\nومراد ابن أبي حاتم بهذا التنبيه أن غرض والده تخطئة ما جاء عن سفيان بذكر عمرو بن دينار، بدل حبيب بن أبي ثابت، وليس غرضه الموازنة بين ما يقوله سفيان بإسقاط عمارة من الإسناد، وما يقوله شعبة بذكر عمارة، فغرض أبي حاتم من إيراد رواية شعبة التنبيه إلى أن سفيان قد خولف في الوجه الصواب عنه، فيحتاج هذا الاختلاف إلى نظر آخر، وقد تقدم شرحه في المبحث الثالث من الفصل الرابع من هذا الباب.\nوروى جماعة عن خالد بن طهمان، عن حصين بن مالك البجلي، عن ابن عباس مرفوعا: «ما من مسلم كسا مسلما ثوبا إلا كان في حفظ من الله ما دام منه عليه خرقة» (^٢).\nوقد روي عن خالد موقوفا.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٤٥.\n(^٢) «سنن الترمذي» حديث (٢٤٨٤)، و«المعجم الكبير» حديث (١٢٥٩١ - ١٢٥٩٢)، و«المستدرك» ٤: ١٩٦.","vol":"2","page":514},{"text":"سئل أبو حاتم عن هذا الاختلاف، فقال: «الناس يرفعونه، مرفوعا عندي صحيح» (^١).\nفهذا التصحيح من أبي حاتم مراد به صحة المرفوع عن خالد بن طهمان، هذا هو الذي تفيده العبارة وسياقها، وأما الإسناد من خالد فمن فوقه فلا يصح تنزيل كلمة أبي حاتم عليه.\nوقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن أبي بردة، عن أبيه: «أنه كان عند النبي - ﷺ -، وعنده نفر من اليهود، فعطس …»، فذكر الحديث.\nورواه أبو سلمة، عن حماد، فقال: عن أبي حمزة، عن أبي بردة: «أن النبي - ﷺ - …» مرسلا.\nفقيل لأبي: أيهما الصحيح؟ فقال: عن أبي موسى الصحيح، لأن الثوري رواه عن حكيم بن الديلم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -» (^٢).\nوأبو سلمة هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت، لا يقل عن يزيد بن هارون، فالظاهر أن مراد أبي حاتم أن الموصول هو الصحيح من روايتي\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٦٨.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ٢٤٩، ورواية يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة أخرجها ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١: ٣٥٣، ورواية الثوري أخرجها أبو داود حديث (٥٠٣٨)، والترمذي حديث (٢٧٣٩)، وأحمد ٤: ٤٠٠.","vol":"2","page":515},{"text":"حماد، وأنه هو الذي يرسله أحيانا، فيتحمل هو عهدة الاختلاف، وحاله، وتغير حفظه في آخر عمره، وقدم سماع يزيد منه بالنسبة لأبي سلمة، يساعد على ذلك.\nوذكر أبو حاتم ما رواه عن هلال بن العلاء، عن أبيه، عن عبيدالله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن سيار أبي الحكم، عن شهر بن حوشب، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إن الله ﷿ يقول: عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت …».\nثم ذكر أبو حاتم ما رواه عن محمد بن يزيد بن سنان، عن أبيه، عن زيد بن أبي أنيسة، عن موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبدالرحمن بن غنم، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -، قال أبو حاتم: «وهو أشبه» (^١).\nومراد أبي حاتم بهذا الترجيح في خصوص رواية زيد بن أبي أنيسة، وأن الصواب عنه جعل شيخه موسى بن المسيب، وقد سئل مرة أخرى هو وأبو زرعة عن رواية موسى بن المسيب، فذكرا أن علي بن زيد رواه عن شهر، عن تبيع قوله، قالا: «فكأن هذا يدفع ذاك» (^٢).\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٣٤، والروايتان أخرجهما أيضا أبو عوانة في «مستخرجه» كما في «إتحاف المهرة» ١٤: ١٦٣. والحديث مشهور عن موسى بن المسيب، رواه عنه جماعة آخرون، انظر: «سنن ابن ماجه» حديث (٤٢٥٧)، و«مسند أحمد» ٥: ١٧٧، و«شعب الإيمان» حديث (٦٦٨٧).\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٠٤. وانظر أمثلة أخرى في: «علل ابن أبي حاتم» (٣٧٧ - ٣٧٨)، و«علل الدارقطني» ١٠: ٢٧١، ٢٧٦.","vol":"2","page":516},{"text":"والباحث إذا لم يتمعن في كلام الناقد، وسياقه، وما يحتف به، ربما فهمه على غير مراد الناقد، بل ربما اعترض عليه، وقد يشدد في العبارة، وهو إنما أتي من قبل فهمه للنص.\nوسأذكر الآن بعض الأمثلة على ذلك من صنيع الباحثين وغيرهم.\nفمن ذلك حديث سلمان بن عامر الماضي في المبحث الأول من الفصل الثالث من هذا الباب، فقد سأل ابن أبي حاتم أباه عما رواه حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب بنت صليع، بقصة سلمان بن عامر مرسلا، ورواه هشام بن حسان، عن حفصة، عن الرباب، عن سلمان بن عامر موصولا، فقال أبو حاتم: «جميعا صحيحان، قصر به حماد، وقد روي عن عاصم أيضا نحوه» (^١).\nقال ابن كثير، وابن حجر، عن هذا الحديث: «وصححه أبو حاتم الرازي» (^٢)، وقال ابن الملقن: «قال ابن أبي حاتم في «علله»: سألت أبي عنه، فقال: صحيح من طريقيه» (^٣).\nوليس في كلام أبي حاتم تصحيح الحديث، ومراده بالتصحيح أي عن حفصة بنت سيرين، فهو يقارن بين روايتين عنها.\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٢٣٧.\n(^٢) «إرشاد الفقيه» ١: ٢٨٩، و«التلخيص الحبير» ٢: ٢١١.\n(^٣) «البدر المنير» ٥: ٦٩٧.","vol":"2","page":517},{"text":"وروى عبدالسلام بن حرب، وزائدة بن قدامة -فيما رواه عنه معاوية بن عمرو- عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: «إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء» (^١).\nورواه عبدالله بن الحسين بن جابر، عن محمد بن كثير المصيصي، عن زائدة به مرفوعا إلى النبي - ﷺ - (^٢).\nقال الدارقطني عن الرواية المرفوعة: «رفعه هذا الشيخ عن محمد بن كثير، عن زائدة، ورواه معاوية بن عمرو، عن زائدة موقوفا، وهو الصواب» (^٣).\nونقله عنه البيهقي، وأقره (^٤).\nولما تحدث ابن القيم عن أصل حديث ابن عمر في القلتين، ذكر حجج المضعفين له، ومنها أنه معلول، وله ثلاث علل، وقال في أولها: «وقف مجاهد له عن ابن عمر، واختلف فيه عليه …، ورجح البيهقي في «سننه» وقفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب»، إلى أن قال: «ويدل على وقفه أيضا: أن مجاهدا\n-وهو العلم المشهور الثبت- إنما رواه عنه موقوفا» (^٥).\nوكلام ابن القيم هذا مسلم به لو صح الحديث الموقوف على ابن عمر، من\n_________\n(^١) «الأوسط» لابن المنذر ١: ٢٦١، و«سنن الدارقطني» ١: ٢٣، و«سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.\n(^٢) «سنن الدارقطني» ١: ٢٣، و«سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.\n(^٣) «سنن الدارقطني» ١: ٢٣، وقال في «العلل» ١٢: ٣٧٢: «والموقوف أصح».\n(^٤) «سنن البيهقي» ١: ٢٦٢.\n(^٥) «تهذيب السنن» ١: ٦٢.","vol":"2","page":518},{"text":"طريق مجاهد، ولا يصح عنه، فليث بن أبي سليم راويه عن مجاهد ضعيف، وقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، عن مجاهد فجعله من قوله هو (^١)، وكذلك جاء من رواية يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد (^٢)، فمراد الدارقطني، والبيهقي، من تصويب الموقوف على ابن عمر، أي في خصوص رواية الليث، عن مجاهد، فإن من رفعه من هذا الطريق قد أخطأ، ولا يلزم من ذلك صحة الموقوف وصوابه في نفسه.\nوروى جماعة كثيرون، منهم أيوب السختياني، وعثمان بن الأسود، ونافع بن عمر الجمحي، وابن جريج، وصالح بن رستم، وغيرهم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مرفوعا: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، وفي رواية عثمان بن أبي الأسود تصريح ابن أبي مليكة بسماعه من عائشة (^٣).\nقال الدارقطني بعد أن ذكر رواية هؤلاء: «وكذلك قال مروان الفزاري، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، وخالفه يحيى القطان، وعبدالله بن المبارك، فروياه عن حاتم بن أبي صغيرة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد،\n_________\n(^١) «الجعديات» حديث (٢١٢٩)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ١: ١٤٤، و«تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (١١٠٢)، و«سنن البيهقي» ١: ٢٦٤.\n(^٢) «الطهور» لأبي عبيد (١٦٨)، «تهذيب الآثار» (مسند ابن عباس) حديث (١١٠٣).\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٤٩٣٩)، (٦٥٣٦)، و«صحيح مسلم» حديث (٢٨٧٦)، و«سنن أبي داود» حديث (٣٠٩٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٢٤٢٦)، و(٣٣٣٧)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١١٦٥٩)، و«مسند أحمد» ٦: ٤٧، ٩١، ١٠٨، ١٢٧، ٢٠٩، و«تفسير الطبري» ٣٠: ١١٦.","vol":"2","page":519},{"text":"عن عائشة …، والصحيح حديث يحيى القطان، وابن المبارك» (^١)، ونقل الجياني، عن الدارقطني هذا الكلام، وآخره بلفظ: «وقولهما أصح، لأنهما زادا، وهما حافظان متقنان، وزيادة الحافظ مقبولة» (^٢).\nوظاهر جدا من كلام الدارقطني أن هذا الترجيح إنما هو بالنسبة لرواية حاتم، فالراجح عنه ذكر القاسم في الإسناد، كما رواه عنه يحيى القطان، وابن المبارك، وكذلك رواه عنه روح بن عبادة، ومحمد بن أبي عدي، ومحمد بن عبدالله الأنصاري، وعبدالله بن بكر (^٣)، فقول هؤلاء أرجح من رواية مروان الفزاري بإسقاط القاسم، فهذا بخصوص رواية حاتم، على أنه لا يبعد أن يكون الاضطراب من حاتم نفسه، وأما المقارنة بين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وما ترجح عن حاتم بذكره، فلم يتعرض له الدارقطني صراحة، وإن كان سياق كلامه يدل على ترجيح حذف القاسم.\nوقد ذكر الدارقطني هذا الحديث في «التتبع»، وما زاد على أن ذكر أنهما\n-يعني الشيخين- أخرجا هذا الحديث بهذا الإسناد مع هذا الاختلاف فيه على ابن أبي مليكة، ولم يرجح بين الإسنادين (^٤).\n_________\n(^١) «علل الدارقطني» ١٤: ٣٥٩، ورواية يحيى القطان أخرجها البخاري حديث (٤٩٣٩)، ومسلم حديث (٢٨٧٦)، وظاهر صنيعهما تعليل رواية حاتم بزيادة القاسم.\n(^٢) «تقييد المهمل» ٢: ٧٠٤.\n(^٣) «صحيح البخاري» حديث (٦٥٣٧)، و«تفسير الطبري» ٣٠: ١١٦، و«إتحاف المهرة» ١٧: ٤٩٠.\n(^٤) «التتبع» ص ٥٢٢.","vol":"2","page":520},{"text":"وقد ذكر ابن حجر كلمة الدارقطني التي نقلها الجياني، لكنه اختصرها ورواها بالمعنى، فتغير مؤداها، قال ابن حجر: «قال الدارقطني: رواه حاتم بن أبي صغيرة، عن عبدالله بن أبي مليكة، فقال: حدثني القاسم بن محمد، حدثتني عائشة، وقوله أصح، لأنه زاد، وهو حافظ متقن» (^١).\nكذا جاءت عبارة الدارقطني عند ابن حجر، يوازن فيها الدارقطني بين رواية حاتم، عن ابن أبي مليكة التي فيها زيادة القاسم، وبين رواية الجماعة عن ابن أبي مليكة بإسقاط القاسم، وعبارة الدارقطني كما نقلها الجياني لا تفيد هذا، فالمقارنة في خصوص رواية حاتم، فرجح الدارقطني قول الجماعة عنه بزيادة القاسم، وبين الأمرين فرق كبير.\nوأخرج البيهقي حديث أبي سعيد الماضي في المبحث الثالث من الفصل الثاني من هذا الباب، وهو حديث: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام»، وقد اختلف فيه وصلا وإرسالا، ثم قال البيهقي بعد أن ساق رواية الثوري المرسلة ورواية حماد بن سلمة الموصولة: «حديث الثوري مرسل، وقد روي موصولا وليس بشيء، وحديث حماد بن سلمة موصول، وقد تابعه على وصله عبدالواحد بن زياد، والدراوردي …» (^٢).\nويقصد البيهقي تضعيف الموصول من طريق الثوري خاصة، لكن ابن التركماني\n_________\n(^١) «فتح الباري» ١١: ٤٠١.\n(^٢) «سنن البيهقي» ٢: ٤٣٤.","vol":"2","page":521},{"text":"فهم من عبارته تضعيف الموصول مطلقا، فتعقب البيهقي بقوله: «إذا وصله ابن سلمة، وتوبع على وصله من هذه الأوجه فهو زيادة ثقة، فلا أدري ما وجه قول البيهقي: وليس بشيء» (^١).\nوكذلك صنع ابن حجر، فنقل عن البيهقي أنه يرجح المرسل -هكذا بإطلاق- (^٢).\nوتعرض أحد الباحثين للاختلاف في الحديث الماضي في الاتصال والانقطاع (^٣)، وهو ما يرويه الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر الصديق في قصة ميراث الجدة، وقد اختلف فيه على الزهري، فرواه الجلة من أصحابه\n-ومنهم معمر، ويونس بن يزيد، وصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة في المشهور عنه- رووه عن الزهري كما تقدم، ورواه مالك بن أنس، وأبو أويس، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي بكر، وكذا رواه ابن عيينة في بعض الروايات عنه، إلا أنه أبهم عثمان بن إسحاق.\nفذهب الباحث إلى ترجيح الوجه الذي يرويه مالك ومن معه، لأنه أثبت أصحاب الزهري، فقوله الراجح، وإن كان الجماعة قد خالفوه وفيهم من عُدَّ من أوثق أصحاب الزهري، لكن مالكا مقدم عليهم عند الاختلاف، ثم نقل عن\n_________\n(^١) «الجوهر النقي» ٢: ٤٣٤.\n(^٢) «التلخيص الحبير» ١: ٢٩٦.\n(^٣) «الاتصال والانقطاع» ص ٢٨٥.","vol":"2","page":522},{"text":"الذهلي، والترمذي، والنسائي، والدارقطني، ترجيحهم رواية مالك.\nوطريقة الباحث في معالجة الاختلاف، ثم نقله عن النقاد أقوالهم، يوهم أن النقاد يخطئون رواية الجماعة عن الزهري، وهذا بعيد جدا، فمقصودهم أن الزيادة التي ذكرها مالك ومن معه محفوظة، لم يخطئ فيها هؤلاء، فالاختلاف من الزهري نفسه، وهو ربما أرسل، فمن زاد في الإسناد عن الزهري إذا كان حافظا فروايته محفوظة، ومراد النقاد أن الإسناد بتمامه هو المحفوظ، فلم يسمعه الزهري من قبيصة بن ذؤيب، وكان يسقط الواسطة بينه وبين قبيصة، وربما ذكرها.\nوسئل البخاري عن رواية سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعا: «من وجد تمرا فليفطر عليه …» الحديث، فقال: «الصحيح حديث شعبة، عن عاصم، عن حفصة بنت سيرين، عن سلمان بن عامر، عن النبي - ﷺ -، وحديث سعيد بن عامر وهم».\nوقد رواه الجماعة من أصحاب عاصم -غير شعبة- فزادوا ذكر الرباب بنت صليع، بين حفصة، وسلمان بن عامر، وقد روي عن شعبة بذكر الرباب لكنه لا يصح عنه، وقد تقدم شرح هذا في المبحث الأول من الفصل الثالث، وفي المبحث الثاني من الفصل الرابع من هذا الباب، وذكرت في الموضعين أن الصواب عن عاصم ما رواه الجماعة بذكر الرباب، ورواية شعبة بإسقاطها مرجوحة.\nوالشاهد هنا أن أحد الباحثين جاءت عنده كلمة البخاري، ففهم منها أن البخاري يصحح بإطلاق رواية شعبة بحذف الرباب، ويقدمها على رواية الجماعة","vol":"2","page":523},{"text":"عن عاصم، فوضع داخل النص نقطا، لاحتمال أن يكون اسم الرباب سقط من نص البخاري، ثم علق الباحث بكلام تعدى فيه طوره، وأبعد جدا عن غرض البخاري الصحيح، وهو الموازنة بين روايتي أصحاب شعبة فقط، أي ما هو الصواب عن شعبة بخصوصه؟\nولم يرد البخاري الموازنة بين الصحيح عن شعبة، وبين ما رواه الجماعة عن عاصم، ومما قاله الباحث: «هذه الرواية فيها إشكال، والإشكال أن يصحح الإمام البخاري رواية شعبة، عن عاصم، عن حفصة، عن سلمان، دون ذكر الرباب بين حفصة، وسلمان، علما بأن شعبة رووا (كذا) أصحابه عن هذا الحديث، وذكر فيها شعبة الرباب، ما بين حفصة وسلمان، ووافقه على ذلك الحفاظ، بل هو وافقهم في هذه الرواية، كالثوري، وابن عيينة …، فمما لا شك فيه أن ما رواه هؤلاء الحفاظ أصح …\nفعلى هذا يستبعد أن يصحح البخاري رواية شعبة التي خالف فيها من هو أحفظ منه، أو مثله على أقل تقدير، وهم جماعة وهو فرد، والخطأ من الفرد أقرب منه إلى الجماعة، أو أن ذكر الرباب ما بين حفصة وسلمان قد سقط سهوا من النساخ، ولعل هذا أقرب …».\nوكل هذه الإطالة وما فيها من كلام بعيد عن التحقيق لم يكن الباحث محتاجا لها لو أدرك مقصود البخاري، وعرف طريقة النقاد، وتحديد غرضهم من سياق السؤال والجواب.\nوروى مالك بن أنس، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم بن","vol":"2","page":524},{"text":"عمر بن الخطاب، عن أبي هريرة، أو أبي سعيد، مرفوعا: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».\nهكذا رواه على الشك الجلة من رواه «الموطأ» عن مالك، وقد روي عن مالك على أوجه أخرى، أشهرها جعله عن أبي هريرة وحده (^١).\nوقد رجح جماعة من النقاد رواية من رواه عن مالك بالشك، لكثرة من رواه على هذا الوجه.\nتعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر من رجح هذا الوجه عن مالك، ثم قال: «بينما رجح بعض الأئمة الوجه الخامس: مالك، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة وحده …»، وذكر الباحث في هذا السياق قول الدارقطني: «الصحيح قول من قال: عن حفص، عن أبي هريرة» (^٢)، وقول ابن عبدالبر: «الحديث محفوظ لأبي هريرة» (^٣).\nهكذا صنع الباحث، مع أن عبارة الدارقطني، وابن عبدالبر، لم تأت في سياق الموازنة بين أصحاب مالك فقط، فقد ذكر الدارقطني طريق عبيدالله بن عمر الثقة الثبت، عن خبيب، وطريق شعبة، عن خبيب، لكنه ضعف طريق شعبة، وكذا ذكر ابن عبدالبر طريق عبيدالله، وله طريقان آخران إلى خبيب، لم يردا\n_________\n(^١) «موطأ مالك» (القبلة) حديث (١٠)، و«صحيح البخاري» حديث (٦٩٠٤)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٦، ٤٦٥، ٥٣٣، ٣: ٤، و«الضعفاء الكبير» ٤: ٧٢.\n(^٢) «علل الدارقطني» ١٠: ٢٧٣.\n(^٣) «التمهيد» ٢: ٢٨٦.","vol":"2","page":525},{"text":"عند الدارقطني، وابن عبدالبر، وهما طريق عبدالله بن عمر أخو عبيدالله، ومحمد بن إسحاق (^١).\nفترجيح الدارقطني، وابن عبدالبر، إذن هو في الرواية عن خبيب، فلا يصح تنزيل ذلك على الاختلاف على مالك، وعبارة ابن عبدالبر صريحة في هذا، فعبارته بتمامها: «والحديث محفوظ لأبي هريرة بهذا الإسناد، كذلك رواه عبيدالله بن عمر، عن خبيب بهذا».\nوروى المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده أبي موسى الأشعري حديث استغفاره - ﷺ - في اليوم مئة مرة (^٢).\nوكذا رواه موسى بن عقبة، وأشعث بن سوار، وإسرائيل بن يونس -من رواية أبي أحمد الزبيري عنه- عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى (^٣).\nورواه إسرائيل بن يونس -من رواية محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله\n_________\n(^١) انظر الطرق إلى خبيب في: «صحيح البخاري» حديث (١١٣٨)، (١٧٨٩)، (٦٢١٦)، و«صحيح مسلم» حديث (١٣٩١)، و«مسند أحمد» ٢: ٣٧٦، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٣٨، ٥٢٨، و«المعجم الصغير» حديث (١١١٠).\n(^٢) «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٥)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٨١٦)، و«مسند أحمد» ٤: ٤١٠، و«الدعاء» للطبراني حديث (١٨١١).\n(^٣) «سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٤)، و«مسند أحمد» ٥: ٣٩٤، و«مسند البزار» حديث (٢٩٧٠)، و«مسند الروياني» حديث (٤٦٠).","vol":"2","page":526},{"text":"بن موسى عنه- عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن النبي - ﷺ - مرسلا، وقرن أبو إسحاق بأبي بردة: أخاه أبا بكر بن أبي موسى، مرسلا أيضا (^١).\nورواه ثابت البناني، وعمرو بن مرة، وحميد بن هلال، وغيرهم، عن أبي بردة، عن الأغر المزني، سوى رواية حميد، فإنه لم يسم الصحابي، بل قال: عن رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، وكذا ثابت البناني في بعض الطرق إليه، قال: عن رجل من أصحابه، والمشهور عنه الأول (^٢).\nوقد توارد جمع من النقاد على ترجيح رواية الجماعة عن أبي بردة، وهو جعله عن الأغر المزني، منهم البخاري، والعقيلي، والدارقطني، غير أنهم لم يذكروا المرسل، ومنهم من لم يذكر رواية أبي إسحاق الموصولة أيضا (^٣).\nوقد تعرض أحد الباحثين لهذا الاختلاف، وذكر قول جمهور النقاد في ترجيح هذا الوجه، ثم ذكر أن أبا حاتم الرازي خالفهم، فرجح الوجه المرسل.\n_________\n(^١) «سنن الدارمي» حديث (٢٧٢٦)، و«شعب الإيمان» حديث (٦٧٨٨).\n(^٢) «صحيح مسلم» حديث (٢٧٠٢)، و«سنن أبي داود» حديث (١٥١٥)، و«سنن النسائي الكبرى» حديث (١٠٢٧٦ - ١٠٢٨٠)، وأحمد ٤: ٢١١، ٢٦٠، ٢٦١، ٥: ٤١١، و«شرح معاني الآثار» ٤: ٢٨٩.\nوهناك وجه رابع، لكنه غير مشهور، وهو جعله عن أبي بردة، سمعت الأغر المزني يحدث عن ابن عمر؛ وهذا خطأ والصواب: سمعت الأغر يحدث ابن عمر، كما تقدم ذكره في الفصل الثالث من الباب الأول.\n(^٣) «التاريخ الكبير» ٢: ٤٣، و«الضعفاء الكبير» ٤: ١٧٤، و«علل الدارقطني» ٧: ٢١٦، و«التتبع» ص ٥٤٥، و«معرفة علوم الحديث» ص ١١٥.","vol":"2","page":527},{"text":"هكذا صنع الباحث، وبالرجوع إلى النص الذي اعتمده الباحث في رأي أبي حاتم، وسياقه، يظهر منه بوضوح أن أبا حاتم لا يتكلم على الترجيح بين الأوجه الثلاثة، وإنما هو يوازن بين روايتي سعيد بن أبي بردة، وأبي إسحاق السبيعي، بذكر أبي موسى، وبين رواية أبي إسحاق الثانية بحذف أبي موسى، فرجح من هذه الجهة فقط.\nفكأنه يقول: لا يصح ذكر أبي موسى الأشعري، أما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، فلحال راويه عن سعيد، وهو المغيرة بن أبي الحر، وأما من طريق أبي إسحاق، فالراوي عنه عند أبي حاتم هو موسى بن عقبة، وروايته عن أبي إسحاق لا تصح، فهو يروي هذه الأحاديث عن رجل مجهول، يقال له: عبدالله بن علي، عن أبي إسحاق، يعني ويسقطه، هكذا قال أبو حاتم عنه في حديث آخر، خالفه فيه إسرائيل أيضا فأرسله كما في حديثنا هذا (^١)، وهذا هو الراجح عن أبي إسحاق، فتلخص أن جعل الحديث عن أبي موسى الأشعري لا يصح.\nوكأن أبا حاتم لم يقف على رواية أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل، الموصولة بذكر أبي موسى، أو وقف عليها ولم يعتدَّ بها، فإن أبا أحمد الزبيري يخطئ، وقد خالفه محمد بن يوسف الفريابي، وعبيدالله بن موسى، فروياه عن إسرائيل مرسلا، كما تقدم، وفي رواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي بردة قصة، فلم\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ١: ٣٥٨، وانظر: «الجرح والتعديل» ٥: ١١٤.","vol":"2","page":528},{"text":"يضبطها أبو أحمد، عن إسرائيل، وضبطها محمد بن يوسف، وعبيدالله بن موسى، وذلك أن أبا إسحاق يروي هذا الحديث بأثر حديثه عن عبيد بن المغيرة -على اختلاف في اسمه على أبي إسحاق- عن حذيفة، ثم يقول أبو إسحاق: «فذكرته لأبي بردة بن أبي موسى فحدثني عن أبي موسى: أن رسول الله - ﷺ - قال …»، هكذا رواه أبو أحمد الزبيري، عن إسرائيل، ورواه الآخران عنه فقالا: «فذكرته لأبي بردة، وأبي بكر، ابني أبي موسى، فقالا: قال رسول الله - ﷺ - …».\nوعبيدالله بن موسى أثبت أصحاب إسرائيل (^١).\nولم يتعرض أبو حاتم لرواية أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق الموصولة بذكر أبي موسى، وأشعث في نفسه ضعيف الحديث، ورواية إسرائيل المرسلة تدل على أن أشعث أخطأ أيضا على أبي إسحاق.\nهذا ما يؤخذ من كلام أبي حاتم، وسياق السؤال والجواب، ولم يتعرض أبو حاتم للرواية المشهورة عن أبي بردة، بجعله عن الأغر، فلا يستقيم جعله مخالفا للجمهور، وهذا نص السؤال والجواب:\nقال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عن حديث رواه أبو نعيم، عن مغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رسول الله - ﷺ -\n_________\n(^١) وجنح الدارقطني في «التتبع» ص ٥٤٥ إلى احتمال تدليس أبي إسحاق بوصله الحديث بذكر أبي موسى، أو أنه أخطأ فسلك الجادة، فذكر أبا موسى، كما فعل المغيرة بن أبي الحر في روايته عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، وما ذهب إليه أبو حاتم أولى، فالموصول لا يصح عن أبي إسحاق، والصواب عنه الإرسال، كما رواه إسرائيل في المحفوظ عنه.","vol":"2","page":529},{"text":"-ونحن قعود-، فقال: «ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مئة مرة».\nقال أبي: رواه موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، ورواه إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بكر، وأبي بردة -ابني أبي موسى-، عن النبي - ﷺ - بنحوه، ولم يذكر أبا موسى، قال أبي: وحديث إسرائيل أشبه، إذ كان هو أحفظ» (^١).\nويؤكد هذا أن أبا حاتم سئل مرة أخرى عن رواية حميد بن هلال للحديث عن أبي بردة، عن رجل من المهاجرين، فقال: «يقال: إن هذا الرجل هو الأغر المزني، وله صحبة» (^٢).\nفأرجع أبو حاتم رواية حميد إلى الرواية المشهورة: عن أبي بردة، عن الأغر.\nويبقى نظر آخر في هذا الاختلاف، وكلام النقاد عليه، وهو أن جمهور النقاد الذين رجحوا كونه عن الأغر لم يرد في كلامهم ذكر للمرسل، فلم لا يقال: ترجيحهم لرواية من جعله عن الأغر إنما هو بالنسبة لرواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، ولو ذكروا المرسل لربما رجحوه في النهاية، كما قلتم في صنيع أبي حاتم، وأن غرضه الموازنة بين من جعله عن أبي موسى الأشعري، ومن أرسله، ولا يدل ذلك على أنه لا يرجح في النهاية ما رجحه جمهور النقاد، بجعله عن الأغر؟\n_________\n(^١) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٨٧.\n(^٢) «علل ابن أبي حاتم» ٢: ١٣٦.","vol":"2","page":530},{"text":"والجواب: أن جمهور النقاد رجحوا وجها تاما، وهو جعله عن الأغر المزني، وهو الوجه المشهور عن أبي بردة، ولو كان هناك وجه يعله ويضعفه هو الراجح عندهم لبادروا بإحضاره، وكان غرضهم تعليل رواية المغيرة بن أبي الحر، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، لئلا يظن أنه حديث آخر، فبينوا غلطه، وأما المرسل فلو صح عن أبي إسحاق، أو عن أبي بردة، لم يؤثر هذا شيئا بعد ثبوت وجه الأغر، فالمرسل إذا ترجح الوجه الموصول دخل فيه، كما تقدم شرح هذا في المبحثين الثاني، والثالث، من الفصل الرابع من هذا الباب، سواء قيل: التقصير من أبي إسحاق، أو قيل: أبو بردة أرسله حين حدث به أبا إسحاق، وسياق القصة يؤيده، فكأن أبا بردة حين سأله أبو إسحاق أجاب: نعم، قد قاله - ﷺ -، مع أنه عنده عن الأغر.\nوأما أبو حاتم فزاد على النقاد طريقا آخر يجعله عن أبي موسى، وهو طريق موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وبين أن هذا لا يصح أيضا، فالصواب إرساله عن أبي إسحاق، فكلام أبي حاتم إذن متمم لكلام النقاد، في تعليل حديث أبي موسى، وليس معارضا لهم في ترجيحهم لوجه الأغر، والله أعلم.\nوأخرج البخاري من طريق عبدالرحمن بن مغراء، عن يزيد بن أبي حبيب، عن اللجلاج، عن عبدالله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة، عن أبي هريرة مرفوعا في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (^١).\n_________\n(^١) «التاريخ الكبير» ٣: ٤٧٩.","vol":"2","page":531},{"text":"فذكر هذا بعض الباحثين، وعقبه بأن البيهقي نقل عقيب هذا الإسناد عن البخاري قوله: «وحديث مالك أصح» (^١).\nثم قال الباحث مفسرا كلام البخاري: «يشير إلى ما وقع في روايته من تسمية الراوي: جلاح، كما سلف برقم …، واللجلاج خطأ».\nكذا قال الباحث، ورواية مالك ليس فيها ذكر لهذا الراوي أصلا، ومقصود البخاري بالأصحية هنا فيما يتعلق بعبدالله بن سعيد المخزومي، فإن مالكا وغيره يسمونه: سلمة بن سعيد، وهم يروونه عن صفوان بن سليم، عن سلمة بن سعيد، عن المغيرة بن أبي بردة به، لا ذكر للجلاح في إسناده (^٢).\nوقد تابع صفوان بن سليم: الجلاح أبو كثير، فرواه عن سلمة بن سعيد، هكذا رواه عن الجلاح: عمرو بن الحارث، ويزيد بن أبي حبيب، من رواية الليث عنه، ورواه ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، فاضطرب في تسمية الجلاح، وفي تسمية سلمة بن سعيد (^٣).\n_________\n(^١) «معرفة السنن والآثار» ١: ١٣٥.\n(^٢) «موطأ مالك» (الطهارة) حديث (١٢)، و«سنن أبي داود» حديث (٨٣)، و«سنن الترمذي» حديث (٦٩)، و«سنن النسائي» حديث (٥٩)، و(٣٣١)، (٤٣٦١)، و«سنن ابن ماجه» حديث (٣٨٦)، (٣٢٤٦)، و«مسند أحمد» ٢: ٢٣٧، ٣٦١، ٣٩٢، و«المستدرك» ١: ١٤١، و«معرفة السنن» حديث (٣ - ٤).\n(^٣) «مسند أحمد» ٢: ٣٧٨، و«سنن الدارمي» حديث (٧٣٤)، و«التاريخ الكبير» ٣: ٤٧٨، و«المستدرك» ١: ١٤١، و«سنن البيهقي» ١: ٣، و«معرفة السنن» حديث (٥)، (٧ - ٨).","vol":"2","page":532},{"text":"وفي الجملة فإن الاستفادة من كلام النقاد على الوجه الأمثل يحتاج إلى دراسة موسعة، فقد نبهت في هذا المبحث على بعض قضاياه، وتركت قضايا أخرى خشية الإطالة، منها ما إذا ذكر الناقد عددا من الأوجه، وقال مثلا: كلها محفوظة، أو ما عدا الوجه الفلاني فهو محفوظ، فحينئذ لا يصح أن يذكر الباحث كلامه بإطلاق، وهو قد زاد شيئا لم يذكره الناقد.\nومنها أن الناقد إذا نص على ضعف وجه أو أكثر، فلا يعني هذا أن كل ما عداه فهو محفوظ، وإن لم ينص عليه الناقد.\nثم إن<span data-type='title' id=toc-548> الباحث كما هو ملزم بالتدقيق في عبارات النقاد، فهو ملزم أيضا باعتنائه بالألفاظ التي يستخدمها </span>هو، فقد أمضى الباحث فترة طويلة في جمع طرق الحديث، والنظر فيها، وتحرير الاختلاف، والموازنة بين الأوجه، فيجدر به أن يتأنى كثيرا في كتابة نتيجة النظر، سواء في الاختلاف على مداره الأساس، أو الاختلافات النازلة، أو العالية، فكل اختلاف له عبارته اللائقة به، وبها تكون النتيجة واضحة لقارئها، يفهم منها إن كان المقصود بها الترجيح عن المدار، أو الترجيح بعد المدار، وكذا يفهم منها إن كان الترجيح قصد به على مدار جزئي، ولم يستكمل الباحث النظر، أو على مدار نهائي، وإن استخدم الباحث عبارات التصحيح يستطيع القارئ دون لبس أن يفهم منها إن كان المقصود تصحيح الوجه عن مدار جزئي معين، أو عن مدار نهائي، أو قصد بالعبارة تصحيح الإسناد بعد آخر مدار.\nوإن كان في الحديث اختلافات متنوعة لا بد أن تكون العبارة واضحة","vol":"2","page":533},{"text":"أيضا في المقصود بها من هذه الاختلافات، مميزة لنتيجة النظر فيه عن نتيجة النظر في الاختلاف الآخر.\nولا يمكن بحال أن يرشد الباحث إلى عبارات معينة يقولها، فكل حديث له عباراته اللائقة به، بحسب تعدد المدارات، وتنوع الاختلافات.\nوالمهم هنا أنه لا يليق بالباحث بعد طول عناء أن يستعجل في إثبات العبارة التي لخص بها نتيجة نظره في اختلاف معين، فلا يطلق -مثلا- فيقول: والمحفوظ هو كون الحديث عن فلان، ويترك القارئ هكذا، وغرضه بالحفظ هنا أي عن المدار، ولكن المدار قد خولف، فالمحفوظ في النهاية خلاف هذا، بل عليه أن يحدد مراده بالحفظ هنا، وإذا قال: أصح الوجهين هو كذا، لثقة رواته وجلالتهم، ومقصوده أنه أصح الوجهين إلى مداره، لكنه بعده لا يصح، لضعف في الرواة، أو غير ذلك، فالعبارة موهمة إذن.\nو<span data-type='title' id=toc-549>أشد خطورة من العبارات الموهمة أن يخطئ الباحث في التعبير عن مراده</span>، ويظهر من عبارته التناقض، وأذكر في هذا المقام حالة قَلَّ أن قرأت لباحث في ابتداء أمره -الماجستير أو الدكتوراه مثلا- إلا ويخطئ فيها، وهي ما إذا صح عن المدار وجهان، وهو يخطئ في واحد منهما، إما لكونه حدث به من حفظه، أو في حال تغيره، ونحو ذلك، أو كان يتعمد ذلك كما في التدليس، فيقول الباحث في حديث اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي: والمحفوظ عن أبي إسحاق الوجه الأول، فإن الوجه الثاني يرويه زهير بن معاوية، وهو إن كان ثقة ثبتا غير أنه سمع من أبي إسحاق بعد تغيره، ونحو هذه العبارة.","vol":"2","page":534},{"text":"فهذه العبارة متناقضة، فإذا كان زهير بن معاوية ثقة ثبتا، وسمع من أبي إسحاق بعد تغيره، فالوجه الذي يرويه محفوظ عن أبي إسحاق أيضا ولا بد، وإلا تناقضت العبارة، وما يوجد في كلام النقاد في مثل هذا، كأن يقول الناقد: والصحيح الوجه الأول، فسماع زهير من أبي إسحاق متأخر، يريد به الناقد أن الصحيح من روايتي أبي إسحاق -وكلاهما محفوظ عنه- ما حَدَّث به قبل تغيره، وأما ما حَدَّث به بعد تغيره فهو خطأ منه، وإن كان محفوظا عنه.\nذكر أحد الباحثين ما رواه عبدالرزاق، ومحمد بن جعفر، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله، عن أم قيس بنت محصن، قالت: «دخلت على رسول الله - ﷺ - بابن لي …» الحديث (^١).\nورواه يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله مرسلا (^٢).\nقال الباحث في النظر بين الروايتين: «والذي يظهر أن هذه الرواية (يعني رواية يزيد بن زريع المرسلة) غير محفوظة عن معمر، وذلك لأن راويها -مع كونه ثقة ثبتا- إلا أنه بصري، ومعمر مضعف في حديثه بالبصرة، خاصة وأن يزيد لم يتابع على روايته هذه، فترجح الرواية الأولى عليها بالكثرة، وكون أحد راوييها عبدالرزاق، وهو صنعاني، وعُدَّ من أثبت أصحاب معمر».\nفهذا الكلام من الباحث في تلخيص نتيجة النظر بين الروايتين، وقرائن\n_________\n(^١) «مسند أحمد» ٦: ٣٥٦.\n(^٢) «الطب النبوي» لأبي نعيم (٣٤٥)، و«علل الدارقطني» ١٥: ٤٢٢.","vol":"2","page":535},{"text":"ذلك، مضطرب جدا غير مستقيم، ذلك أن يزيد بن زريع ثقة ثبت، ومعمر مضعف فيما حدث به بالبصرة، كما يقرره الباحث، وعليه فلا بد أن تكون الرواية هذه محفوظة عن معمر، فيكون قد حدث بالوجهين، فالوجه الصواب حدث به باليمن، وهو الذي رواه عنه عبدالرزاق، والوجه الثاني الذي قصر به معمر حدث به بالبصرة، وهو الذي رواه عنه يزيد بن زريع.\nوهناك أمر لم يشر إليه الباحث، وهو أن معمرا قد حدَّث بالصواب أيضا في البصرة، فقد رواه عنه مع عبدالرزاق محمد بن جعفر المعروف بغندر، وهو بصري، ولا رحلة له إلى اليمن، وقد سمع من معمر بالبصرة، فيكون معمر قد اضطرب في روايته للحديث بالبصرة، والوجهان محفوظان عنه، وهو يخطئ في أحدهما، يقصر بالحديث فيرسله.\n * * *","vol":"2","page":536},{"text":"<span data-type='title' id=toc-550>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق زهير الناصر وآخرين، نشر مركز خدمة السنة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٢ - الأجوبة عما أشكل الدارقطني على صحيح مسلم، لأبي مسعود الدمشقي، تحقيق إبراهيم الكليب، نشر دار الوراق، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٣ - أحاديث أبي إسحاق السبيعي التي ذكر الدارقطني فيها اختلافا في كتاب العلل، لخالد باسمح، رسالة دكتوراه (لم تطبع).\n٤ - الأحاديث التي أشار أبو داود إلى تعارض الوصل والإرسال فيها، لتركي الغميز، رسالة ماجستير (لم تطبع).\n٥ - الأحاديث التي أعلها البخاري في التاريخ الكبير، لعادل الزرقي، رسالة ماجستير (لم تطبع).\n٦ - الأحاديث التي بين أبو داود في سننه تعارض الرفع والوقف فيها، لمحمد الفراج، رسالة ماجستير (لم تطبع).\n٧ - الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس، للدارقطني، تحقيق رضا بن خالد، نشر مكتبة الرشد، الرياض، ١٤١٨ هـ.\n٨ - الأحاديث التي ذكر البزار علتها في مسنده، لسارة الشهري، رسالة دكتوراه (لم تطبع).\n٩ - الأحاديث المختارة، للضياء المقدسي، تحقيق عبدالملك بن دهيش، نشر","vol":"2","page":537},{"text":"دار خضر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٠ - إحكام الأحكام، لابن دقيق العيد، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١ - الأحكام الوسطى، لعبد الحق الأشبيلي، نسخة مخطوطة، والنقل منه بواسطة حاشية بيان الوهم والإيهام، لابن القطان.\n١٢ - الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم الظاهري، تحقيق محمد عبدالعزيز، نشر مكتبة عاطف، القاهرة، الطبعة الأولى ١٣٩٨ هـ.\n١٣ - أحوال الرجال، للجوزجاني، تحقيق عبدالعليم البستوي، نشر حديث أكاديمي، باكستان، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n* أخبار أصبهان = ذكر أخبار أصبهان.\n١٤ - أخبار المكيين، التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة، تحقيق إسماعيل حسين، نشر دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n١٥ - أخبار مكة، للأزرقي، تحقيق رشدي الصالح، نشر دار الثقافة، مكة، ١٤٢١ هـ.\n١٦ - اختصار علوم الحديث، لابن كثير، تحقيق أحمد شاكر، نشر محمد صبيح، الطبعة الثانية ١٣٧٠ هـ.\n١٧ - اختلاف الحديث، للشافعي، تحقيق عامر حيدر، نشر مؤسسة الكتب، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٨ - الإخوان، لابن أبي الدنيا، تحقيق مصطفى عبدالقادر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":538},{"text":"١٩ - آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم، تحقيق عبدالغني عبدالخالق، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٠ - أدب الإملاء والاستملاء، للسمعاني، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢١ - الأدب المفرد، للبخاري، تحقيق كمال الحوت، نشر عالم الكتب، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢٢ - إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه، لابن كثير، تحقيق بهجة الطيب، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٢٣ - إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق، للنووي، تحقيق نور الدين عتر، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١١ هـ.\n٢٤ - الإرشاد في معرفة علماء الحديث، لأبي يعلى الخليلي، تحقيق محمد سعيد عمر، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٥ - أسئلة البرذعي، لأبي زرعة الرازي، مطبوع ضمن كتاب: (أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية)، لسعدي الهاشمي، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٢٦ - الأسامي والكنى، لأبي أحمد الحاكم، تحقيق يوسف الدخيل، نشر مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٧ - استدراكات الصحابة بعضهم على بعض في الرواية، لنوال الغنام، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣١ هـ.","vol":"2","page":539},{"text":"٢٨ - الاستذكار، لابن عبدالبر، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار قتيبة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٢٩ - الأسماء المبهمة، للخطيب البغدادي، تحقيق عز الدين السيد، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤٠٥ هـ.\n٣٠ - الأسماء والصفات، للبيهقي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٣١ - الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر، تحقيق أبي حماد صغير أحمد الأنصاري، نشر مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٣٢ - الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر العسقلاني، تحقيق طه الزيني، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأولى.\n٣٣ - أطراف الغرائب والأفراد للدارقطني، لابن طاهر المقدسي، تحقيق جابر السريع، نشر دار التدمرية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n٣٤ - أطراف مسند الإمام أحمد، لابن حجر العسقلاني، تحقيق زهير الناصر، نشر دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٣٥ - أطراف الموطأ، للداني، تحقيق رضا بو شامة وعبدالباري عبدالحميد، نشر مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٣٦ - اعتلال القلوب، للخرائطي، تحقيق حمدي الدمرداش، نشر مكتبة نزار الباز، مكة، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.\n٣٧ - الاقتراح في بيان الاصطلاح، لابن دقيق العيد، نشر دار الكتب العلمية،","vol":"2","page":540},{"text":"بيروت، ١٤٠٦ هـ.\n٣٨ - إكمال تهذيب الكمال، لمغلطاي، تحقيق عادل محمد وأسامة إبراهيم، نشر الفاروق الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ.\n٣٩ - الإلزامات والتتبع، للدراقطني، تحقيق مقبل الوادعي، نشر دار الخلفاء، الكويت.\n٤٠ - الإلمام بأحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٤١ - الأم، للشافعي، تحقيق محمد زهري النجار، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.\n٤٢ - أمالي ابن بشران، تحقيق أحمد سليمان، نشر دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٤٣ - أمالي المحاملي، تحقيق إبراهيم القيسي، نشر دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٤٤ - الأموال، لابن زنجويه، تحقيق شاكر ذيب، نشر مركز الملك فيصل، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٤٥ - الأموال، لأبي عبيد، تحقيق محمد عمارة، نشر دار الشروق، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٤٦ - الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف، لابن المنذر، تحقيق أبي حماد صغير أحمد، نشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":541},{"text":"٤٧ - الإيمان، لابن منده، تحقيق علي الفقيهي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٤٨ - البداية والنهاية، لابن كثير، تحقيق عبدالله التركي، نشر دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٤٩ - البدر المنير، لابن الملقن، تحقيق جماعة، نشر دار الهجرة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٥٠ - بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، لابن القطان الفاسي، تحقيق حسين سعيد، نشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٥١ - تاريخ أبي زرعة الدمشقي، تحقيق شكر الله قوجاني، من مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق.\n٥٢ - تاريخ الإسلام، للذهبي، تحقيق عمر تدمري، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٥٣ - تاريخ الدارمي عن ابن معين، تحقيق أحمد نور سيف، نشر مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٥٤ - تاريخ الدوري، عن ابن معين، تحقيق أحمد نور سيف (ضمن كتاب: يحيى بن معين وكتابه التاريخ)، نشر جامعة أم القرى، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٥٥ - التاريخ الصغير، للبخاري، تحقيق محمود زايد، نشر دارالوعي، حلب، الطبعة الأولى ١٣٩٧ هـ.","vol":"2","page":542},{"text":"٥٦ - التاريخ الكبير، للبخاري، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد.\n٥٧ - تاريخ المدينة، لابن شبة، تحقيق فهيم شلتوت، نشر دار التراث، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٥٨ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥٩ - تاريخ جرجان، لحمزة السهمي، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى ١٣٥٠ هـ.\n٦٠ - تاريخ دمشق، لابن عساكر، تحقيق عمر العمروي، نشر دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٦١ - التاريخ الكبير، لابن أبي خيثمة، تحقيق صلاح فتحي هلل، نشر دار الفاروق الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ.\n٦٢ - التاريخ وأسماء المحدثين وكناهم، للمقدمي، تحقيق محمد اللحيدان، نشر دار الكتاب والسنة، باكستان، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n* التتبع = الإلزامات والتتبع.\n٦٣ - تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف، للمزي، تحقيق عبدالصمد شرف الدين، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، والدار القيمة، الهند، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٦٤ - التحقيق في أحاديث التعليق، لابن الجوزي، تحقيق مسعد السعدني، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٥ - التحقيق في أحاديث التعليق، لابن الجوزي، تحقيق إبراهيم اللاحم،","vol":"2","page":543},{"text":"رسالة دكتوراه (لم تطبع).\n٦٦ - تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف، لابن حجر، مطبوع مع الكشاف للزمخشري، نشر دار المعرفة، بيروت.\n٦٧ - تذكرة الحفاظ، للذهبي، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٦٨ - الترغيب في فضائل الأعمال، لابن شاهين، تحقيق صالح الوعيل، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٦٩ - الترغيب والترهيب، لقوام السنة، تحقيق أيمن شعبان، نشر دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٧٠ - تصحيفات المحدثين، للعسكري، تحقيق محمود ميرة، نشر المطبعة العربية الحديثة، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٢ هـ.\n٧١ - التعديل والتجريح، للباجي، تحقيق أبي لبابة حسين، نشر دار اللواء، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٧٢ - تعظيم قدر الصلاة، للمروزي، تحقيق عبدالرحمن الفريوائي، نشر مكتبة الدار، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٧٣ - تغليق التعليق، لابن حجر، تحقيق سعيد القزقي، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٧٤ - تفسير ابن أبي حاتم، تحقيق أسعد الطيب، نشر مكتبة الباز، مكة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.","vol":"2","page":544},{"text":"* تفسير ابن جرير = جامع البيان.\n* تفسير الطبري = جامع البيان.\n* تفسير الواحدي= الوسيط.\n٧٥ - تفسير عبدالرزاق، تحقيق مصطفى مسلم، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٧٦ - تقييد المهمل وتمييز المشكل، للجياني، تحقيق علي العمران، ومحمد عزير، نشر دار عالم الفوائد، مكة، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٧٧ - التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، للعراقي، تحقيق عبدالرحمن عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة النبوية، ١٣٨٩ هـ.\n٧٨ - تكملة شرح التسهيل، لبدر الدين ابن مالك، تحقيق محمد المختون وآخر، نشر دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ ..\n٧٩ - التلخيص الحبير، لابن حجر، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ١٣٩٩ هـ.\n٨٠ - تلخيص المتشابه، للخطيب البغدادي، تحقيق سكينة الشهابي، نشر دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى.\n٨١ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر، تحقيق جماعة من المحققين، نشر وزارة الأوقاف، المغرب.\n٨٢ - التمييز، لمسلم بن الحجاج، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.","vol":"2","page":545},{"text":"٨٣ - تنقيح التحقيق، لابن عبدالهادي، تحقيق أيمن شعبان، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٨٤ - التهجد وقيام الليل، لابن أبي الدنيا، تحقيق مصلح الحارثي، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢١ هـ.\n٨٥ - تهذيب الآثار، للطبري، تحقيق محمود شاكر، نشر مطبعة المدني، القاهرة.\n٨٦ - تهذيب التهذيب، لابن حجر، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى ١٣٢٧ هـ.\n٨٧ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للمزي، تحقيق بشار عواد، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n٨٨ - تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم، تحقيق أحمد شاكر، نشر دار المعرفة، بيروت.\n٨٩ - تهذيب مستمر الأوهام، لابن ماكولا، تحقيق سيد كسروي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٩٠ - توجيه النظر إلى أصول الأثر، لطاهر الجزائري، نشر المكتبة العلمية، المدينة النبوية.\n٩١ - التوحيد، لابن خزيمة، تحقيق عبدالعزيز الشهوان، نشر مكتبة الرشد، الرياض.\n٩٢ - الثقات الذين ضعفوا في بعض شيوخهم، لصالح الرفاعي، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ١٤١٣ هـ.\n٩٣ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، نشر مكتبة","vol":"2","page":546},{"text":"مصطفى الحلبي، القاهرة، الطبعة الثالثة ١٣٨٨ هـ.\n٩٤ - الجامع الصحيح، للبخاري، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، نشر المكتبة السلفية، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n٩٥ - جامع العلوم والحكم، لابن رجب، نشر مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الرابعة ١٣٩٣ هـ.\n٩٦ - الجامع في الحديث، لابن وهب، تحقيق مصطفى حسن، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٩٧ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، تحقيق محمود الطحان، نشر مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٣ هـ.\n٩٨ - جامع المسانيد، لابن كثير، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n٩٩ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى ١٣٧١ هـ.\n١٠٠ - جزء القراءة خلف الإمام، للبخاري، تحقيق السعيد بسيوني، نشر المكتبة التجارية، مكة.\n١٠١ - جزء القراءة خلف الإمام، للبيهقي، تحقيق السعيد بسيوني، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٠٢ - جزء رفع اليدين في الصلاة، للبخاري، نشر إدارة العلوم الأثرية، فيصل آباد، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":547},{"text":"١٠٣ - الجعديات (حديث علي بن الجعد الجوهري)، لأبي القاسم البغوي، تحقيق رفعت فوزي، نشر مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.\n١٠٤ - الجمع بين الصحيحين، لعبدالحق الإشبيلي، تحقيق حمد الغماس، نشر دار المحقق، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٠٥ - الجهاد، لابن أبي عاصم، تحقيق مساعد الحميد، نشر دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n١٠٦ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لابن تيمية، تحيق علي سيد، نشر مطبعة المدني، القاهرة، ١٣٧٩ هـ.\n١٠٧ - الجوهر النقي، لابن التركماني (مطبوع مع كتاب سنن البيهقي)، نشر دار الفكر، بيروت، عن الطبعة الأولى، عن دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، ١٣٤٤ هـ.\n١٠٨ - حجة الوداع، لابن حزم، تحقيق أبي صهيب الكرمي، نشر بيت الأفكار، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n١٠٩ - حديث هشام بن عمار، تحقيق عبدالله الشيخ، نشر دار إشبيليا، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١١٠ - الحطة في ذكر الصحاح الستة، لصديق حسن، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١١١ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٨٧ هـ.","vol":"2","page":548},{"text":"١١٢ - الدعاء، للطبراني، تحقيق محمد سعيد، نشر دار البشائر الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١١٣ - الدعاء، لمحمد بن فضيل، تحقيق عبدالعزيز البعيمي، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١١٤ - دلائل النبوة للبيهقي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١١٥ - دلائل النبوة، لأبي نعيم الأصبهاني، نشر دار الوعي، حلب.\n١١٦ - ذكر أخبار أصبهان، لأبي نعيم الأصبهاني، نشر الدار العلمية، دلهي، الطبعة الثانية ١٤٠٥ هـ.\n١١٧ - ذم الملاهي، لابن أبي الدنيا، تحقيق عمرو عبدالمنعم سليم، نشر مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مكتبة العلم، جدة، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n١١٨ - الرسالة، للإمام الشافعي، تحقيق أحمد شاكر.\n١١٩ - رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه، لأبي داود السجستاني، تحقيق محمد لطفي الصباغ، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٥ هـ.\n١٢٠ - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لابن حبان، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، نشر دار الكتب العلمية، بيروت ١٣٩٧ هـ.\n١٢١ - الزهد والرقائق، لابن المبارك، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"2","page":549},{"text":"١٢٢ - الزهد، لهناد بن السري، تحقيق عبدالرحمن الفريوائي، نشر دار الصيمعي، الرياض، ١٤١٥ هـ.\n١٢٣ - الزهد، لوكيع بن الجراح، تحقيق عبدالرحمن الفريوائي، نشر مكتبة الدار، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٢٤ - زوائد السنن الأربع على الصحيحين في كتاب الصيام، لعمر المقبل، نشر دار التدمرية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ.\n١٢٥ - سؤالات ابن أبي شيبة لعلي ابن المديني، تحقيق موفق عبدالقادر، نشر مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٢٦ - سؤالات ابن الجنيد ليحيى بن معين، تحقيق أحمد نور سيف، نشر مكتبة الدار، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٢٧ - سؤالات أبي داود للإمام أحمد، تحقيق زياد منصور، نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n١٢٨ - سؤالات الآجري لأبي داود، تحقيق عبدالعليم البستوي، نشر دار الاستقامة، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n١٢٩ - سؤالات البرقاني للدارقطني، تحقيق عبدالرحيم القشقري، نشر في لاهور، باكستان، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٣٠ - سؤالات السلمي للدارقطني، تحقيق سليمان آتش، نشر دار العلوم، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n١٣١ - سؤالات السهمي للدارقطني، تحقيق موفق عبدالقادر، نشر مكتبة","vol":"2","page":550},{"text":"المعارف، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٣٢ - السنة، لابن أبي عاصم، تحقيق الألباني، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n١٣٣ - السنة، لأبي بكر الخلال، تحقيق عطية الزاهراني، نشر دار الراية، الرياض، الطبعة الثانية ١٤١٥ هـ.\n١٣٤ - السنن، لابن ماجه، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، طبع عيسى الحلبي، القاهرة.\n١٣٥ - السنن، لأبي داود السجستاني، تحقيق عزت عبيد الدعاس، نشر محمد السيد، حمص، الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ.\n١٣٦ - السنن، للترمذي، تحقيق أحمد شاكر، ومحمد عبدالباقي، وإبراهيم عطوة، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٣٧ - السنن، للدارقطني، تحقيق عبدالله هاشم، طبع دار المحاسن، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n١٣٨ - السنن، للدارمي، تحقيق عبدالله هاشم، نشر حديث أكاديمي، باكستان، ١٣٨٦ هـ.\n١٣٩ - السنن الصغرى، للنسائي، تحقيق مكتب تحقيق التراث الإسلامي، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.\n١٤٠ - السنن الصغير، للبيهقي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر جامعة الدراسات الإسلامية، كراتشي، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.","vol":"2","page":551},{"text":"١٤١ - السنن الكبرى، للبيهقي، نشر دار الفكر، بيروت.\n١٤٢ - السنن الكبرى، للنسائي، تحقيق عبدالغفار البنداري، وسيد كسروي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١١ هـ.\n١٤٣ - السنن المأثورة، للشافعي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٤٤ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، تحقيق مجموعة من المحققين، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٢ هـ.\n١٤٥ - شرح الإلمام بأحاديث الأحكام، لابن دقيق العيد، تحقيق محمد خلوف العبدالله، نشر دار النوادر، الطبعة الثانية ١٤٣٠ هـ.\n١٤٦ - شرح التسهيل، لابن مالك، تحقيق محمد المختون وآخر، نشر دار هجر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n١٤٧ - شرح السنة، للبغوي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، وزهير الشاويش، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٠ هـ.\n١٤٨ - شرح الكافية الشافية، لابن مالك، تحقيق عبدالمنعم أحمد، نشر دار المأمون، مكة المكرمة.\n١٤٩ - شرح صحيح مسلم، للنووي، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ.\n١٥٠ - شرح علل الترمذي، لابن رجب الحنبلي، تحقيق همام عبدالرحيم، نشر مكتبة المنار، الأردن، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.","vol":"2","page":552},{"text":"١٥١ - شرح مشكل الآثار، للطحاوي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٥٢ - شرح معاني الآثار، للطحاوي، تحقيق محمد النجار، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n١٥٣ - شرح نزهة النظر، لإبراهيم بن عبدالله اللاحم (لم يطبع).\n١٥٤ - شروط الأئمة الخمسة، للحازمي، تحقيق زاهد الكوثري، نشر دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥ هـ.\n١٥٥ - شعب الإيمان، للبيهقي، تحقيق مختار الندوي، نشر الدار السلفية، الهند، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n١٥٦ - الشمائل المحمدية، للترمذي، تحقيق محمد الزعبي، نشر دار العلم للطباعة، جدة، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٥٧ - الصحيح، لابن حبان، ترتيب علاء الدين بن بلبان الفارسي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ.\n١٥٨ - الصحيح، لمسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، نشر إدارة البحوث بالمملكة العربية السعودية، ١٤٠٠ هـ.\n* صحيح البخاري = الجامع الصحيح.\n١٥٩ - صيد الخاطر، لابن الجوزي، تحقيق علي الطنطاوي، نشر دار الفكر، دمشق.\n١٦٠ - الضعفاء الكبير، للعقيلي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار الكتب","vol":"2","page":553},{"text":"العلمية، ١٤٠٤ هـ.\n١٦١ - الضعفاء والمتروكين، للنسائي، تحقيق محمود إبراهيم زايد، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٦٢ - الطب النبوي، لأبي نعيم، تحقيق مصطفى دونمز، نشر دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ.\n١٦٣ - الطبقات الكبرى، لابن سعد، نشر دار صادر، بيروت، وجزء منه، وهو (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم)، تحقيق زياد منصور، نشر المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٦٤ - طبقات المحدثين بأصبهان، لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق عبدالغفور البلوشي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n١٦٥ - طبقات علماء الحديث، لابن عبدالهادي، تحقيق أكرم البلوشي وآخر، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n١٦٦ - الطهور، لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق مشهور حسن سلمان، نشر مكتبة الصحابة، جدة، ومكتبة التابعين، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n١٦٧ - عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث في مسند بقي بن مخلد، لابن حزم، تحقيق أكرم العمري، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n١٦٨ - العظمة، لأبي الشيخ الأصبهاني، تحقيق رضا الله المباركفوري، نشر دار العاصمة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٦٩ - العلل، لعلي بن المديني، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر المكتب","vol":"2","page":554},{"text":"الإسلامي، بيروت.\n١٧٠ - علل ابن أبي حاتم (المناسك)، تحقيق تركي الغميز، رسالة دكتوراه\n(لم تطبع).\n١٧١ - علل الأحاديث في صحيح مسلم، لأبي الفضل بن عمار، تحقيق علي حسن، نشر دار الهجرة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n١٧٢ - علل الحديث، لابن أبي حاتم، نشر مكتبة المثنى، بغداد.\n١٧٣ - العلل الكبير، للترمذي، تحقيق حمزة مصطفى، نشر مكتبة الأقصى، عمان، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n١٧٤ - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، لابن الجوزي، تحقيق إرشاد الحق الأثري، نشر إدارة العلوم الأثرية، باكستان، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n* علل المروذي = العلل ومعرفة الرجال.\n١٧٥ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن السلفي، نشر دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ، وتكملته، تحقيق محمد بن صالح الدباسي، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٧ هـ.\n١٧٦ - العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد، رواية ابنه عبدالله، تحقيق وصي الله عباس، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، ودار الخاني، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٧٧ - العلل ومعرفة الرجال، للإمام أحمد، رواية المروذي، تحقيق وصي الله عباس، نشر الدار السلفية، الهند، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٧٨ - عمارة القبور، لعبدالرحمن المعلمي، أعدها للنشر ماجد الزيادي، نشر","vol":"2","page":555},{"text":"المكتبة المكية، مكة المكرمة، سنة ١٤١٨ هـ.\n١٧٩ - عمل اليوم والليلة، لابن السني، تحقيق عبدالقادر عطا، نشر دار المعرفة، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n١٨٠ - عمل اليوم والليلة، للنسائي، تحقيق فاروق حمادة، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n١٨١ - العيال، لابن أبي الدنيا، تحقيق نجم خلف، نشر دار الوفاء، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n١٨٢ - غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في صحيح مسلم من الأسانيد المقطوعة، لرشيد الدين العطار، تحقيق سعد الحميد، نشر مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n١٨٣ - غريب الحديث، لابن الجوزي، تحقيق عبدالمعطي قلعجي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n١٨٤ - الغيلانيات، لأبي بكر الشافعي، تحقيق مرزوق الزهراني، نشر دار المأمون، دمشق، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n* فتاوى ابن تيمية = مجموع فتاوى ابن تيمية.\n١٨٥ - فتح الباب في الكنى والألقاب، لابن منده، تحقيق نظر الفاريابي، نشر مكتبة الكوثر، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n١٨٦ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، نشر المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة، ١٣٨٠ هـ.","vol":"2","page":556},{"text":"١٨٧ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب، تحقيق جماعة من المحققين، نشر مكتبة الغرباء، المدينة المنورة، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n١٨٨ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي، تحقيق علي حسين، نشر الجامعة السلفية، بنارس، الهند، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n١٨٩ - الفروسية المحمدية، لابن القيم، تحقيق زائد النشيري، نشر دار عالم الفوائد، مكة، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n١٩٠ - الفصل للوصل المدرج في النقل، للخطيب البغدادي، تحقيق عبدالسميع الأنيس، نشر دار ابن الجوزي، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n١٩١ - فضائل الصحابة، لأحمد بن حنبل، تحقيق وصي الله عباس، نشر المركز العلمي بجامعة أم القرى، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٩٢ - فضائل الصحابة، لخيثمة بن سليمان، تحقيق عمر تدمري، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n١٩٣ - فهرسة ابن خير الإشبيلي، نشر دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٩ هـ.\n١٩٤ - فوائد الحنائي، تحقيق خالد أبو النجا، نشر دار أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ.\n١٩٥ - فوائد الفاكهي، تحقيق محمد الغباني، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n١٩٦ - فوائد تمام، ترتيب وتخريج جاسم الدوسري، نشر دار البشائر","vol":"2","page":557},{"text":"الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n١٩٧ - الفوائد، ليحيى بن معين، رواية الصوفي، تحقيق عصام السناني، رسالة ماجستير (لم تطبع).\n١٩٨ - فوائد حديثية، لابن القيم، تحقيق مشهور حسن، وإياد عبداللطيف، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n١٩٩ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢٠٠ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للهيثمي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ.\n٢٠١ - الكفاية في علم الراوية، للخطيب البغدادي، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى ١٣٥٧ هـ.\n٢٠٢ - الكنى والأسماء للدولابي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٠٣ - الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات، لابن الكيال، تحقيق عبدالقيوم عبد رب النبي، نشر دار المأمون، دمشق، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٢٠٤ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، طبع دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى ١٣٢٩ هـ.\n٢٠٥ - المؤتلف والمختلف، للدارقطني، تحقيق موفق عبدالقادر، نشر دار","vol":"2","page":558},{"text":"العرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ.\n٢٠٦ - ما تمس إليه حاجة القاري لصحيح البخاري، للنووي، تحقيق علي حسن، نشر دار الفكر، بيروت ١٤٠٥ هـ.\n٢٠٧ - المجروحين، لابن حبان، تحقيق محمود زايد، نشر دار الوعي، حلب، الطبعة الأولى ١٣٩٦ هـ.\n٢٠٨ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٢٠٩ - مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع عبدالرحمن بن قاسم، نشر مطابع الرياض، الرياض، الطبعة الأولى ١٣٨١ هـ.\n٢١٠ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للرامهرمزي، تحقيق محمد عجاج الخطيب، نشر دار الفكر، بيروت، الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ.\n٢١١ - المحلى، لابن حزم الظاهري، تصحيح زيدان حسن، نشر مكتبة الجمهورية العربية، القاهرة.\n٢١٢ - مختصر المزني، نشر دار المعرفة، بيروت.\n٢١٣ - المدخل في أصول الحديث، للحاكم، طبع ضمن الرسائل الكمالية في الحديث، المجموعة الثانية، نشر مكتبة المعارف، الطائف.\n٢١٤ - المراسيل، لابن أبي حاتم، تحقيق شكر الله قوجاني، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٩٧ هـ.\n٢١٥ - المراسيل، لأبي داود السجستاني، تحقيق شعيب الأرنؤوط، نشر مؤسسة","vol":"2","page":559},{"text":"الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٢١٦ - مسائل أحمد، رواية أبي داود السجستاني، تحقيق طارق عوض الله، نشر مكتبة ابن تيمية، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٢١٧ - مسائل أحمد، رواية إسحاق بن هانئ، تحقيق زهير الشاويش، نشر المكتب الإسلامي.\n٢١٨ - مسائل أحمد وإسحاق، رواية حرب الكرماني، تحقيق ناصر السلامة، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.\n٢١٩ - مسائل أحمد، رواية ابنه صالح، تحقيق طارق عوض الله، نشر دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٢٢٠ - مساوئ الأخلاق، للخرائطي، تحقيق مصطفى الشلبي، نشر مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n* مستخرج أبي عوانة = مسند أبي عوانة.\n٢٢١ - المستخرج على صحيح مسلم، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق محمد حسن، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٢٢٢ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، نشر مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب.\n٢٢٣ - المسند، لأبي بكر البزار، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، نشر مؤسسة علوم القرآن، بيروت، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":560},{"text":"٢٢٤ - المسند، لأبي بكر الحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر عالم الكتب، بيروت.\n٢٢٥ - المسند، لأبي داود الطيالسي، تحقيق محمد بن عبدالمحسن التركي، نشر هجر للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٢٦ - المسند، لأبي يعلى الموصلي، تحقيق إرشاد الحق الأثري، نشر دار القبلة، جدة، مؤسسة علوم القرآن، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.\n٢٢٧ - المسند، لأبي يعلى الموصلي، تحقيق حسين أسد، نشر دار الثقافة العربية، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٢٨ - المسند، للإمام أحمد، نشر المكتب الإسلامي، ودار صادر، بيروت.\n٢٢٩ - المسند، للإمام أحمد، تحقيق شعيب الأرنؤوط وجماعة، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n* مسند ابن الجعد = الجعديات.\n٢٣٠ - مسند أبي بكر بن أبي شيبة، تحقيق عادل العزازي وآخر، نشر دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٢٣١ - مسند أسامة بن زيد، للبغوي، تحقيق حسين المندوه، نشر دار الضياء، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٣٢ - مسند إسحاق بن راهويه، تحقيق عبدالغفور البلوشي، نشر مكتبة الإيمان، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٣٣ - مسند الروياني، تحقيق أيمن علي، نشر مؤسسة قرطبة، الطبعة الأولى","vol":"2","page":561},{"text":"١٤١٦ هـ.\n٢٣٤ - مسند الشافعي، بترتيب السندي، تحقيق يوسف الزواوي، وعزت العطار، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٧٠ هـ.\n٢٣٥ - مسند الشاميين، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ.\n٢٣٦ - مسند الشهاب، للقضاعي، تحقيق حمدي السلفي، نشر دار هجر، القاهرة، الطبعة الثانية ١٤٢٠ هـ.\n٢٣٧ - مسند الهيثم بن كليب الشاشي، تحقيق محفوظ الرحمن زين الله، نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٣٨ - مسند أبي عوانة، نشر دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الطبعة الأولى.\n* مشكل الآثار = شرح مشكل الآثار.\n٢٣٩ - مشيخة ابن طهمان، تحقيق محمد طاهر، نشر مجمع اللغة العربية، دمشق، ١٤٠٣ هـ.\n٢٤٠ - المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق عبدالخالص الأفغاني وآخرين، نشر الدار السلفية، الهند، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٤١ - المصنف، لعبدالرزاق، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، نشر المجلس العلمي، كراتشي، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٤٢ - مصنف ابن أبي شيبة (الجزء المفقود)، تحقيق عمر العمروي، نشر دار عالم الكتب، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ.","vol":"2","page":562},{"text":"٢٤٣ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر، طبع بعناية سعد الشثري، نشر دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ.\n٢٤٤ - معالم السنن، للخطابي، مطبوع بحاشية سنن أبي داود، تحقيق عزت الدعاس، نشر محمد السيد، حمص، الطبعة الأولى ١٣٩١ هـ.\n٢٤٥ - معجم ابن الأعرابي، تحقيق عبدالمحسن الحسيني، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٢٤٦ - معجم ابن المقرئ، تحقيق عادل سعد، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٤٧ - المعجم الأوسط، للطبراني، تحقيق طارق بن عوض الله، وعبدالمحسن الحسيني، نشر دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥ هـ.\n٢٤٨ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٤٩ - معجم الشيوخ، للصيداوي، تحقيق عمر تدمري، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٢٥٠ - معجم الصحابة، لابن قانع، تحقيق صلاح المصراتي، نشر مكتبة الغرباء، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.\n٢٥١ - معجم الصحابة، للبغوي، تحقيق محمد الجكني، نشر دار البيان، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ.\n٢٥٢ - المعجم الصغير، للطبراني، تحقيق محمد شكور، نشر المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.","vol":"2","page":563},{"text":"٢٥٣ - المعجم الكبير، للطبراني، تحقيق حمدي السلفي، مطبعة الوطن العربي، بغداد، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ.\n٢٥٤ - معجم شيوخ الإسماعيلي، تحقيق زياد منصور، نشر مكتبة العلوم والحكم، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٢٥٥ - معرفة أصحاب الأعمش، لمحمد التركي، نشر دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ.\n٢٥٦ - معرفة أصحابة شعبة، لمحمد التركي، نشر دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤٣٠ هـ.\n٢٥٧ - معرفة الرجال، ليحيى بن معين، تحقيق محمد كامل القصار، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، ١٤٠٥ هـ.\n٢٥٨ - معرفة السنن والآثار، للبيهقي، تحقيق سيد كسروي حسن، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٥٩ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم الأصبهاني، تحقيق عادل العزازي، نشر دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٦٠ - معرفة علوم الحديث، للحاكم، تحقيق معظم حسين، نشر المكتب التجاري، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٧ هـ.\n٢٦١ - المعرفة والتاريخ، للفسوي، تحقيق أكرم العمري، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n٢٦٢ - المقاصد الحسنة، للسخاوي، تصحيح عبدالله الصديق، نشر مكتبة","vol":"2","page":564},{"text":"الخانجي، القاهرة، ١٣٧٥ هـ.\n٢٦٣ - المقدمة، لابن الصلاح، تحقيق عائشة عبدالرحمن، نشر الهيئة المصرية للكتاب، ١٣٩٤ هـ.\n٢٦٤ - مكارم الأخلاق، للخرائطي، تحقيق أيمن البحيري، نشر دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٦٥ - من كلام أبي زكريا يحيى بن معين في الرجال، رواية أبي خالد يزيد بن الهيثم الدقاق، تحقيق أحمد نور سيف، نشر دار المأمون للتراث، دمشق، بيروت.\n٢٦٦ - المنار المنيف في الصحيح والضعيف، لابن قيم الجوزية، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، الطبعة الثانية ١٤٠٣ هـ.\n٢٦٧ - المناسك المنسوب لإبراهيم الحربي، تحقيق حمد الجاسر، نشر دار اليمامة، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٠١ هـ.\n٢٦٨ - المنتخب من علل الخلال، لابن قدامة المقدسي، تحقيق طارق عوض الله، نشر دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٩ هـ.\n٢٦٩ - المنتخب من مسند عبد بن حميد، تحقيق مصطفى العدوي، نشر دار الأرقم، الكويت، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٠ - المنتقى، لابن الجارود، نشر حديث أكاديمي، فيصل آباد، باكستان.\n٢٧١ - المنتقى شرح الموطأ، للباجي، نشر دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة ١٤٠٤ هـ.\n٢٧٢ - منهج المحدثين في الإعلال بمخالفة الراوي لما روى، لعادل المطرفي،","vol":"2","page":565},{"text":"رسالة ماجستير (لم تطبع).\n٢٧٣ - موضح أوهام الجمع والتفريق، للخطيب، تحقيق عبدالرحمن المعلمي، نشر الدار السلفية، الكويت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٢٧٤ - الموضوعات، لابن الجوزي، تحقيق عبدالرحمن عثمان، نشر المكتبة السلفية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٨ هـ.\n٢٧٥ - الموطأ، للإمام مالك، رواية يحيى بن يحيى، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٧٦ - الموطأ، للإمام مالك، رواية أبي مصعب الزهري، تحقيق بشار معروف، وآخر، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٢٧٧ - الموقظة في مصطلح الحديث، للذهبي، تحقيق عبدالفتاح أبو غدة، نشر مكتب المطبوعات الإسلامية حلب، الطبعة الأولى ١٤٠٥ هـ.\n٢٧٨ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، للذهبي، تحقيق علي البجاوي، نشر دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى ١٣٨٢ هـ.\n٢٧٩ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر العسقلاني، تحقيق علي حسن عبدالحميد، نشر دار ابن الجوزي، الدمام، الطبعة الثانية ١٤١٤ هـ.\n٢٨٠ - نسخة وكيع عن الأعمش، تحقيق عبدالرحمن الفريوائي، نشر الدار السلفية، الكويت، الطبعة الثانية ١٤٠٦ هـ.\n٢٨١ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، نشر دار المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية ١٣٩٣ هـ.","vol":"2","page":566},{"text":"٢٨٢ - نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد، للعلائي، تحقيق كامل الراوي، نشر مطبعة الأمة، بغداد، ١٤٠٦ هـ.\n٢٨٣ - النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر العسقلاني، تحقيق ربيع هادي، نشر الجامعة الإسلامية، المدينة النبوية، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ.\n٢٨٤ - النكت الوفية بما في شرح الألفية، للبقاعي، تحقيق ماهر الفحل، نشر مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية ١٤٢٩ هـ.\n٢٨٥ - النكت على مقدمة ابن الصلاح، للزركشي، تحقيق زين العابدين بن محمد بلا فريج، نشر دار أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٩ هـ.\n* هدي الساري = ينظر: فتح الباري لابن حجر.\n٢٨٦ - هل يدرك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإمام؟ للمعلمي، تحقيق عبدالرحمن عبدالقادر، نشر مكتبة الإرشاد، صنعاء، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ.\n٢٨٧ - الوسيط في التفسير، للواحدي، نشر دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ.","vol":"2","page":567}]}