{"ً":{"ٌ":1431,"ٍ":"القرآن ونقض مطاعن الرهبان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"علوم القرآن/القرآن ونقض مطاعن الرهبان - الخالدي - ط القلم","files":["82027.pdf"]},"ّ":"الكتاب: القرآن ونقض مطاعن الرهبان\nالمؤلف: د صلاح عبد الفتاح الخالدي\nدار النشر: دار القلم - دمشق\nالطبعة الأولى: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1200,"ٕ":4,"ٖ":1770155532,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":3},{"title":"تعريف بكتاب \" هل القرآن معصوم؟ \"","level":1,"page":9},{"title":"نقد مقدمة الكتاب","level":1,"page":13},{"title":"الفصل الأول نقض المطاعن الجغرافية","level":1,"page":17},{"title":"هل تغيب الشمس في بئر ماء؟","level":2,"page":18},{"title":"هل الأرض ثابتة لا تتحرك؟","level":2,"page":23},{"title":"كيف ترجم الشياطين بالنجوم؟","level":2,"page":26},{"title":"هل السموات سبع والأراضي سبع؟","level":2,"page":30},{"title":"ما هو النسيء؟","level":2,"page":34},{"title":"بماذا تروى مصر؟","level":2,"page":38},{"title":"هل الرعد ملك من الملائكة؛ وكيف يسبح الله؟","level":2,"page":40},{"title":"بين وادي طوى وجبل حوريب","level":2,"page":42},{"title":"هل في طورسيناء زيتون؟","level":2,"page":44},{"title":"هل الشمس ثابتة؟","level":2,"page":47},{"title":"القمر كالعرجون القديم","level":2,"page":51},{"title":"أسطورة جبل قاف","level":2,"page":51},{"title":"الفصل الثاني نقض المطاعن التاريخية","level":1,"page":55},{"title":"هل كان هامان وزيرا لفرعون؟","level":2,"page":56},{"title":"حول تعاون هامان وقارون مع فرعون","level":2,"page":58},{"title":"حول صنع السامري للعجل","level":2,"page":60},{"title":"من هو أبو إبراهيم - ﵇ -؟","level":2,"page":63},{"title":"حول أبي مريم وأخيها","level":2,"page":64},{"title":"هل هم يوسف - ﵇ - بالزنى؟","level":2,"page":67},{"title":"كيف دعا نوح على قومه بالضلال؟","level":2,"page":71},{"title":"هل نجا فرعون من الغرق؟","level":2,"page":73},{"title":"بين زكريا ومريم!!","level":2,"page":76},{"title":"حول انتباذ مريم مكانا شرقيا","level":2,"page":79},{"title":"حول ولادة مريم وكلام وليدها","level":2,"page":81},{"title":"هل لكل أمة رسول؟","level":2,"page":86},{"title":"هل أشرك آدم وحواء بالله؟","level":2,"page":89},{"title":"هل غرق ابن نوح - ﵇؟","level":2,"page":94},{"title":"هل أيوب حفيد إسحاق؟","level":2,"page":97},{"title":"الصلة بين موسى والخضر ومحمد - صلى الله عليهم وسلم -","level":2,"page":99},{"title":"حول ترتيب أسماء الأنبياء","level":2,"page":104},{"title":"إدريس وليس أخنوخ","level":2,"page":106},{"title":"من هم أتباع نوح - ﵇ -؟","level":2,"page":108},{"title":"بابل والنمرود","level":2,"page":110},{"title":"ما هو أصل الكعبة؟","level":2,"page":112},{"title":"إبراهيم - ﵇ - ونمرود","level":2,"page":116},{"title":"إسماعيل صديق نبي - ﵇ -","level":2,"page":117},{"title":"كيف احتال إخوة يوسف - ﵇ - على أبيهم؟","level":2,"page":118},{"title":"الشاهد ببراءة يوسف - ﵇ -","level":2,"page":120},{"title":"يوسف ومراودة نسوة المدينة","level":2,"page":123},{"title":"توجيه طلب يوسف ذكره عند الملك","level":2,"page":124},{"title":"عدد مرات مجيء إخوة يوسف لمصر","level":2,"page":127},{"title":"حقيقة قميص يوسف","level":2,"page":130},{"title":"امرأة فرعون تتبنى موسى - ﵇ -","level":2,"page":132},{"title":"حول تقتيل أولاد بني إسرائيل","level":2,"page":133},{"title":"حول صداق امرأة موسى - ﵇ -","level":2,"page":135},{"title":"وراثة بني إسرائيل للأرض","level":2,"page":136},{"title":"تسع آيات لا عشر ضربات","level":2,"page":137},{"title":"العيون المتفجرة من الحجر","level":2,"page":139},{"title":"الألواح التي كتبت عليها التوراة","level":2,"page":141},{"title":"هل طلب بنو إسرائيل رؤية الله؟","level":2,"page":142},{"title":"قارون الإسرائيلي الكافر","level":2,"page":144},{"title":"بين داود وسليمان - ﵉ -","level":2,"page":145},{"title":"بين هاجر ومريم - ﵉ -","level":2,"page":149},{"title":"حول نزول المائدة على الحواريين","level":2,"page":150},{"title":"أصحاب القرية والرسل الثلاثة","level":2,"page":152},{"title":"حول قوم عاد","level":2,"page":155},{"title":"من هم أصحاب الرس؟","level":2,"page":159},{"title":"حول لقمان الحكيم","level":2,"page":162},{"title":"بين الإسكندر وذي القرنين","level":2,"page":163},{"title":"الكعبة ومقام إبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":166},{"title":"يمين أيوب والضغث والضرب","level":2,"page":169},{"title":"الصرح الذي بني لفرعون","level":2,"page":171},{"title":"حول الطوفان على المصريين","level":2,"page":173},{"title":"حول طالوت وجيشه","level":2,"page":175},{"title":"حول كلام عيسى في المهد","level":2,"page":176},{"title":"عيسى ومعجزة خلق الطير","level":2,"page":177},{"title":"من هو المصلوب؟","level":2,"page":179},{"title":"الفصل الثالث نقض المطاعن الأخلاقية","level":1,"page":189},{"title":"الرخصة لمن أكره على الكفر","level":2,"page":190},{"title":"العفو عن لغو اليمين","level":2,"page":192},{"title":"حول إعطاء المؤلفة قلوبهم","level":2,"page":194},{"title":"حول آيات الجهاد والقتال","level":2,"page":196},{"title":"حول إباحة الغنائم","level":2,"page":200},{"title":"حول قسم الله بمخلوقاته","level":2,"page":202},{"title":"حول الترخيص بالكذب","level":2,"page":205},{"title":"إباحة رد العدوان","level":2,"page":207},{"title":"حول إباحة تعدد الزوجات","level":2,"page":210},{"title":"الفصل الرابع نقض المطاعن اللاهوتية","level":1,"page":216},{"title":"التوحيد والتثليث والأقانيم","level":2,"page":217},{"title":"الذنوب بين الاستغفار والتكفير والفداء","level":2,"page":227},{"title":"ما هي مصادر القرآن البشرية؟","level":2,"page":230},{"title":"هل صلاة الجمعة من تشريع الجاهلية؟","level":2,"page":240},{"title":"هل يباح القتال في الأشهر الحرم؟","level":2,"page":244},{"title":"ما هو أصل التكبير؟","level":2,"page":249},{"title":"حول عالم الجن","level":2,"page":251},{"title":"هل يأمر الله بالفسق والفحشاء؟","level":2,"page":254},{"title":"لم يشك الرسول - ﷺ - بالوحى","level":2,"page":257},{"title":"هل في القرآن أقوال للناس؟","level":2,"page":262},{"title":"حول سور الخلع والحفد والنورين","level":2,"page":268},{"title":"كيف يشاء الله الكفر؟","level":2,"page":272},{"title":"الله يبتلي عباده بالخير والشر","level":2,"page":275},{"title":"حديث القرآن عن المسيح - ﵇ -","level":2,"page":277},{"title":"ما الذي كان يفعله عيسى - ﵇ -؟","level":2,"page":291},{"title":"٦ - رفع عيسى - ﵇ - إلى السماء:","level":2,"page":292},{"title":"٧ - المسيح وجيه في الدنيا والآخرة:","level":2,"page":293},{"title":"٨ - هل المسيح هو المخلص وحده؟:","level":2,"page":295},{"title":"موقف الملائكة من خلق آدم - ﵇ -","level":2,"page":296},{"title":"ما معنى سجود الملائكة لآدم - ﵇ -؟","level":2,"page":298},{"title":"هل جهنم لجميع الأبرار والأشرار؟","level":2,"page":301},{"title":"مظاهر نعيم المؤمنين في الجنة","level":2,"page":304},{"title":"أرواح الشهداء وأجواف الطيور الخضر","level":2,"page":308},{"title":"حول تأخر الوحي عن رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":311},{"title":"هل تذهب الحسنات السيئات؟","level":2,"page":312},{"title":"من الذي صلب: المسيح أم شبيهه؟","level":2,"page":314},{"title":"حول تكفير الصوم للخطايا","level":2,"page":318},{"title":"نفي النبوة عن نسل إسماعيل - ﵇ -","level":2,"page":320},{"title":"هل بلاد العرب للمسيح - ﵇ -؟","level":2,"page":325},{"title":"هل أكلت الشاة القرآن؟","level":2,"page":327},{"title":"حول إحراق عثمان المصاحف","level":2,"page":328},{"title":"كيف يضل الله الإنسان ثم يعذبه؟","level":2,"page":330},{"title":"بين قدر الله وإرادة الإنسان","level":2,"page":333},{"title":"الفصل الخامس نقض المطاعن اللغوية","level":1,"page":337},{"title":"ذكر المرفوع بعد المنصوب","level":2,"page":338},{"title":"الفاعل لا يكون منصوبا","level":2,"page":340},{"title":"المبتدأ مؤنث والخبر مذكر","level":2,"page":340},{"title":"تأنيث العدد وتذكير المعدود","level":2,"page":341},{"title":"اسم الموصول المفرد العائد على الجمع","level":2,"page":343},{"title":"جزم فعل معطوف على منصوب","level":2,"page":344},{"title":"هل يجوز نصب المعطوف على المرفوع؟","level":2,"page":346},{"title":"هل ينصب المضاف إليه؟","level":2,"page":348},{"title":"جمع الكثرة بدل جمع القلة","level":2,"page":349},{"title":"جمع القلة بدل جمع الكثرة","level":2,"page":350},{"title":"هل يجمع الاسم العلم؟","level":2,"page":351},{"title":"بين اسم الفاعل والمصدر","level":2,"page":353},{"title":"لا يعطف المنصوب على المرفوع","level":2,"page":354},{"title":"حكمة وضع المضارع بدل الماضي","level":2,"page":355},{"title":"حكمة حذف جواب الشرط","level":2,"page":356},{"title":"هل صرف القرآن الممنوع من الصرف؟","level":2,"page":359},{"title":"حول تذكير خبر الاسم المؤنث","level":2,"page":361},{"title":"هل القرآن يوضح الواضح؟","level":2,"page":362},{"title":"هل يأتي فاعلان لفعل واحد؟","level":2,"page":363},{"title":"اعتراض على الالتفات","level":2,"page":364},{"title":"حكمة إفراد الضمير العائد على المثنى","level":2,"page":366},{"title":"كم قلبا للإنسان؟","level":2,"page":368},{"title":"الفصل السادس نقض المطاعن التشريعية","level":1,"page":370},{"title":"لماذا قطع يد السارق؟","level":2,"page":371},{"title":"معنى قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره)","level":2,"page":373},{"title":"حول شهادة المرأة وضربها وميراثها","level":2,"page":374},{"title":"حول تعدد الزوجات","level":2,"page":378},{"title":"هل الطلاق خطأ","level":2,"page":380},{"title":"حول جلد الزاني والزانية","level":2,"page":381},{"title":"حول إباحة التسري","level":2,"page":382},{"title":"الحجاب الحافظ للمرأة","level":2,"page":384},{"title":"هل شعائر الحج من الوثنية؟","level":2,"page":386},{"title":"حول إباحة التجارة في موسم الحج","level":2,"page":388},{"title":"من الدي حدد وقت الحج؟","level":2,"page":390},{"title":"هل الإفاضة من أعمال الجاهلية؟","level":2,"page":393},{"title":"هل أركان الحج من الجاهلية؟","level":2,"page":394},{"title":"حول توزيع الزكاة","level":2,"page":395},{"title":"توجيه تفضيل الرجال على النساء","level":2,"page":397},{"title":"هل صلاة المسلمين تقليد وثني؟","level":2,"page":400},{"title":"حول التطهر بالتيمم","level":2,"page":402},{"title":"تفسير سياسي لتحويل القبلة","level":2,"page":406},{"title":"اعتراض على الصلوات الخمس","level":2,"page":409},{"title":"الصلوات وليلة المعراج","level":2,"page":411},{"title":"حول فرض صيام رمضان","level":2,"page":414},{"title":"حول حرمة الأشهر الحرم","level":2,"page":417},{"title":"هل انتشر الإسلام بالسيف؟","level":2,"page":420},{"title":"حول القصاص في القتل","level":2,"page":423},{"title":"حكم قتل المرتد","level":2,"page":426},{"title":"حكم الزواج بالكتابيات","level":2,"page":429},{"title":"الفصل السابع نقض المطاعن الاجتماعية","level":1,"page":431},{"title":"لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟","level":2,"page":432},{"title":"لماذا ميراث المرأة نصف ميراث الرجل؟","level":2,"page":433},{"title":"حول تعدد الزوجات","level":2,"page":434},{"title":"ضرب الزوجات: لماذا؟ ومتى؟ وكيف؟","level":2,"page":436},{"title":"ماذا بعد الطلقة الثالثة؟","level":2,"page":438},{"title":"حول حجاب المرأة","level":2,"page":440},{"title":"حول قتال مانعي الزكاة","level":2,"page":441},{"title":"حول توزيع الغنائم","level":2,"page":442},{"title":"حول أخذ الجزية من أهل الكتاب","level":2,"page":443},{"title":"حول إكراه الجواري على الزنى","level":2,"page":444},{"title":"حول الشهود على الزنى","level":2,"page":446},{"title":"لماذا جلد الزاني أمام الناس؟","level":2,"page":447},{"title":"المنسوخ والناسخ في حد الزنى","level":2,"page":449},{"title":"هل أخد الرسول - ﷺ - بثأر حمزة؟","level":2,"page":451},{"title":"حول الإعداد للأعداء","level":2,"page":454},{"title":"حول النهي عن موالاة الكفار","level":2,"page":456},{"title":"هل يدعو القرآن إلى الكراهية؟","level":2,"page":458},{"title":"حول تقبيل الحجر الأسود","level":2,"page":461},{"title":"حول عدم الاستعانة بالكافرين","level":2,"page":463},{"title":"حول انتشار الإسلام في العالم","level":2,"page":464},{"title":"حول تقاتل المسلمين","level":2,"page":466},{"title":"الفصل الثامن نقض المطاعن العلمية","level":1,"page":468},{"title":"هل لتمثال العجل خوار؟","level":2,"page":469},{"title":"أسطورة خاتم سليمان","level":2,"page":472},{"title":"لماذا إنكار عذاب القبر؟","level":2,"page":473},{"title":"حول ناقة صالح - ﵇ -","level":2,"page":475},{"title":"حول إهلاك قوم مدين","level":2,"page":476},{"title":"كيف مسخ اليهود قردة؟","level":2,"page":479},{"title":"حول عالم الجن","level":2,"page":481},{"title":"حول التداوي بالعسل","level":2,"page":483},{"title":"أين شهود الإسراء والمعراج؟","level":2,"page":485},{"title":"حول مهمة الهدهد زمن سليمان - ﵇ -","level":2,"page":488},{"title":"ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان؟","level":2,"page":492},{"title":"حول موت سليمان - ﵇ -","level":2,"page":494},{"title":"رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل","level":2,"page":497},{"title":"هل تتكلم الجبال؟!","level":2,"page":499},{"title":"الله يلين الحديد لداود - ﵇ -","level":2,"page":501},{"title":"حول نوم أصحاب الكهف","level":2,"page":503},{"title":"حول الريح المسخرة لسليمان - ﵇ -","level":2,"page":505},{"title":"حول أصحاب الفيل والطير الأبابيل","level":2,"page":506},{"title":"هل خاف يعقوب على أبنائه من العين؟","level":2,"page":508},{"title":"حول بقرة بني إسرائيل","level":2,"page":510},{"title":"هل الرعد ملاك؟","level":2,"page":512},{"title":"حول سحر الرسول - ﷺ -","level":2,"page":513},{"title":"الفصل التاسع نقض المطاعن الفنية","level":1,"page":517},{"title":"ما المراد بالحروف المقطعة؟","level":2,"page":518},{"title":"هل في القرآن كلام أعجمي؟","level":2,"page":520},{"title":"دعوى التناقض في القرآن","level":2,"page":522},{"title":"أولا: هل يتبدل كلام الله؟","level":2,"page":524},{"title":"ثانيا: التفاوت في مقادير أيام الله:","level":2,"page":526},{"title":"ثالثا: بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة:","level":2,"page":527},{"title":"رابعا: هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون؟","level":2,"page":529},{"title":"خامسا: هل اليهود والنصارى مؤمنون؟","level":2,"page":530},{"title":"سادسا: بين الأمر بالصفح والأمر بالغلظة:","level":2,"page":532},{"title":"سابعا: هل يأمر الله بالفحشاء؟","level":2,"page":533},{"title":"ثامنا: حول القسم بالبلد الأمين:","level":2,"page":534},{"title":"تاسعا: حول المنافقين:","level":2,"page":535},{"title":"عاشرا: بين النهي عن الهوى وإباحته:","level":2,"page":536},{"title":"أحد عشر: التناقض في الخمر بين الحل والحرمة:","level":2,"page":541},{"title":"ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:","level":2,"page":542},{"title":"\"ثالث عشر: هل نجا فرعون أم غرق؟:","level":2,"page":549},{"title":"رابع عشر: السماء والأرض أيهما خلقت أولا؟:","level":2,"page":551},{"title":"خامس عشر: هل القرآن محكم أو متشابه؟:","level":2,"page":552},{"title":"حول التكرار في القرآن","level":2,"page":555},{"title":"هل في القرآن من كلام الآخرين؟","level":2,"page":558},{"title":"ثانيا: ماذا أخذ الرسول - ﷺ - من كللام عمر بن الخطاب؟:","level":2,"page":562},{"title":"ب - ثلاث موافقات لعمر:","level":2,"page":564},{"title":"ثالثا: ماذا أخذ رسول الله - ﷺ - من كتب اليهود؟:","level":2,"page":566},{"title":"حول إنزال القرآن مفرقا","level":2,"page":590},{"title":"حول الكلمات الغريبة في القرآن","level":2,"page":595},{"title":"حول الناسخ والمنسوخ في القرآن","level":2,"page":598},{"title":"٢ - لماذا نسخت القبلة إلى بيت المقدس؟:","level":2,"page":613},{"title":"٣ - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته؟:","level":2,"page":615},{"title":"\" لماذا نسخ الامتناع عن النساء وقت الصيام؟ \".","level":2,"page":618},{"title":"٦ - هل نسخ تحريم إتلاف أشجار الأعداء؟:","level":2,"page":621},{"title":"٧ - لا نسخ في الصلاة على غير المسلم:","level":2,"page":622},{"title":"حول الكلام المتشابه في القرآن","level":2,"page":624},{"title":"هل القرآن مثل كلام الناس؟","level":2,"page":627},{"title":"حول الاختلاف والتناقض في القرآن","level":2,"page":630},{"title":"مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن:","level":2,"page":634},{"title":"الفصل العاشر نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول - ﷺ -","level":1,"page":637},{"title":"تمهيد:","level":2,"page":638},{"title":"حول أزواج الرسول - ﷺ -","level":2,"page":638},{"title":"حول حرمة نكاح أزواج النبي - ﷺ -:","level":2,"page":641},{"title":"حول جهاد الرسول - ﷺ - وغزواته","level":2,"page":642},{"title":"ما الذي حرمه الرسول - ﷺ - على نفسه؟","level":2,"page":645},{"title":"حول أبوي رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":646},{"title":"الزعم بأن القرآن وحي من الشيطان","level":2,"page":648},{"title":"هل مال الرسول - ﷺ - إلى المشركين؟","level":2,"page":651},{"title":"اتهام الرسول - ﷺ - بتزوج زوجة ابنه","level":2,"page":653},{"title":"حول سحر رسول الله - ﷺ -","level":2,"page":655},{"title":"حول تقبيل الرسول للحجر الأسود","level":2,"page":659},{"title":"التشكيك في عفة عائشة - ﵂ -","level":2,"page":660},{"title":"حول قتل الرسول - ﷺ - خصومه","level":2,"page":663},{"title":"موقف الرسول - ﷺ - من ابن أم مكتوم","level":2,"page":667},{"title":"لم يطرد الرسول - ﷺ - الفقراء والعبيد","level":2,"page":669},{"title":"استعاذة الرسول - ﷺ - من الشيطان","level":2,"page":672},{"title":"هل الرسول - ﷺ - مذنب؟","level":2,"page":674},{"title":"حول موقف عبد الله بن سعد بن أبي السرح","level":2,"page":676},{"title":"هل الرسول - ﷺ - بدون معجزات؟","level":2,"page":680},{"title":"اتهامات الكفار للرسول - ﷺ -","level":2,"page":691},{"title":"هل مات الرسول - ﷺ - مسموما؟","level":2,"page":696},{"title":"حول أحوال الرسول - ﷺ - مع الوحي","level":2,"page":697},{"title":"٣ - غطيط الرسول - ﷺ - عند الوحي:","level":2,"page":699},{"title":"هل شرع الرسول - ﷺ - في الانتحار؟","level":2,"page":702},{"title":"خرافة امتحان خديجة لجبريل","level":2,"page":704},{"title":"سخرية المجرم من رسول الله - ﷺ -!","level":2,"page":705},{"title":"حول المرأة التي وهبت نفسها للرسول - ﷺ -","level":2,"page":707},{"title":"حول إرجاء وإيواء الرسول - ﷺ - من يشاء من نسائه","level":2,"page":707},{"title":"هل أثبت الرسول - ﷺ - أقوال أهل الكتاب في القرآن؟","level":2,"page":708},{"title":"هل شتم الرسول - ﷺ - الذين شتموه؟","level":2,"page":710},{"title":"حول غزوات الرسول - ﷺ -","level":2,"page":712},{"title":"إشاعة إبادة الكلاب في المدينة","level":2,"page":713},{"title":"حول تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام","level":2,"page":714},{"title":"ما معنى الأمي والأميين؟","level":2,"page":721},{"title":"عودة إلى دعوى التناقض في القرآن","level":2,"page":723},{"title":"لماذا النبي - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟","level":2,"page":725},{"title":"تم الكتاب بحمد الله وتوفيقه","level":1,"page":726},{"title":"كتاب: مائة سؤال فى النصرانية","level":1,"page":727}],"ٛ":{"1,4":1,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,59":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,72":67,"1,73":68,"1,74":69,"1,75":70,"1,76":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,80":75,"1,81":76,"1,82":77,"1,83":78,"1,84":79,"1,85":80,"1,86":81,"1,87":82,"1,88":83,"1,89":84,"1,90":85,"1,91":86,"1,92":87,"1,93":88,"1,94":89,"1,95":90,"1,96":91,"1,97":92,"1,98":93,"1,99":94,"1,100":95,"1,101":96,"1,102":97,"1,103":98,"1,104":99,"1,105":100,"1,106":101,"1,107":102,"1,108":103,"1,109":104,"1,110":105,"1,111":106,"1,112":107,"1,113":108,"1,114":109,"1,115":110,"1,116":111,"1,117":112,"1,118":113,"1,119":114,"1,120":115,"1,121":116,"1,122":117,"1,123":118,"1,124":119,"1,125":120,"1,126":121,"1,127":122,"1,128":123,"1,129":124,"1,130":125,"1,131":126,"1,132":127,"1,133":128,"1,134":129,"1,135":130,"1,136":131,"1,137":132,"1,138":133,"1,139":134,"1,140":135,"1,141":136,"1,142":137,"1,143":138,"1,144":139,"1,145":140,"1,146":141,"1,147":142,"1,148":143,"1,149":144,"1,150":145,"1,151":146,"1,152":147,"1,153":148,"1,154":149,"1,155":150,"1,156":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,195":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,296":288,"1,297":289,"1,298":290,"1,299":291,"1,300":292,"1,301":293,"1,302":294,"1,303":295,"1,304":296,"1,305":297,"1,306":298,"1,307":299,"1,308":300,"1,309":301,"1,310":302,"1,311":303,"1,312":304,"1,313":305,"1,314":306,"1,315":307,"1,316":308,"1,317":309,"1,318":310,"1,319":311,"1,320":312,"1,321":313,"1,322":314,"1,323":315,"1,324":316,"1,325":317,"1,326":318,"1,327":319,"1,328":320,"1,329":321,"1,330":322,"1,331":323,"1,332":324,"1,333":325,"1,334":326,"1,335":327,"1,336":328,"1,337":329,"1,338":330,"1,339":331,"1,340":332,"1,341":333,"1,342":334,"1,343":335,"1,344":336,"1,345":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,381":371,"1,382":372,"1,383":373,"1,384":374,"1,385":375,"1,386":376,"1,387":377,"1,388":378,"1,389":379,"1,390":380,"1,391":381,"1,392":382,"1,393":383,"1,394":384,"1,395":385,"1,396":386,"1,397":387,"1,398":388,"1,399":389,"1,400":390,"1,401":391,"1,402":392,"1,403":393,"1,404":394,"1,405":395,"1,406":396,"1,407":397,"1,408":398,"1,409":399,"1,410":400,"1,411":401,"1,412":402,"1,413":403,"1,414":404,"1,415":405,"1,416":406,"1,417":407,"1,418":408,"1,419":409,"1,420":410,"1,421":411,"1,422":412,"1,423":413,"1,424":414,"1,425":415,"1,426":416,"1,427":417,"1,428":418,"1,429":419,"1,430":420,"1,431":421,"1,432":422,"1,433":423,"1,434":424,"1,435":425,"1,436":426,"1,437":427,"1,438":428,"1,439":429,"1,440":430,"1,441":431,"1,443":432,"1,444":433,"1,445":434,"1,446":435,"1,447":436,"1,448":437,"1,449":438,"1,450":439,"1,451":440,"1,452":441,"1,453":442,"1,454":443,"1,455":444,"1,456":445,"1,457":446,"1,458":447,"1,459":448,"1,460":449,"1,461":450,"1,462":451,"1,463":452,"1,464":453,"1,465":454,"1,466":455,"1,467":456,"1,468":457,"1,469":458,"1,470":459,"1,471":460,"1,472":461,"1,473":462,"1,474":463,"1,475":464,"1,476":465,"1,477":466,"1,478":467,"1,479":468,"1,481":469,"1,482":470,"1,483":471,"1,484":472,"1,485":473,"1,486":474,"1,487":475,"1,488":476,"1,489":477,"1,490":478,"1,491":479,"1,492":480,"1,493":481,"1,494":482,"1,495":483,"1,496":484,"1,497":485,"1,498":486,"1,499":487,"1,500":488,"1,501":489,"1,502":490,"1,503":491,"1,504":492,"1,505":493,"1,506":494,"1,507":495,"1,508":496,"1,509":497,"1,510":498,"1,511":499,"1,512":500,"1,513":501,"1,514":502,"1,515":503,"1,516":504,"1,517":505,"1,518":506,"1,519":507,"1,520":508,"1,521":509,"1,522":510,"1,523":511,"1,524":512,"1,525":513,"1,526":514,"1,527":515,"1,528":516,"1,529":517,"1,531":518,"1,532":519,"1,533":520,"1,534":521,"1,535":522,"1,536":523,"1,537":524,"1,538":525,"1,539":526,"1,540":527,"1,541":528,"1,542":529,"1,543":530,"1,544":531,"1,545":532,"1,546":533,"1,547":534,"1,548":535,"1,549":536,"1,550":537,"1,551":538,"1,552":539,"1,553":540,"1,554":541,"1,555":542,"1,556":543,"1,557":544,"1,558":545,"1,559":546,"1,560":547,"1,561":548,"1,562":549,"1,563":550,"1,564":551,"1,565":552,"1,566":553,"1,567":554,"1,568":555,"1,569":556,"1,570":557,"1,571":558,"1,572":559,"1,573":560,"1,574":561,"1,575":562,"1,576":563,"1,577":564,"1,578":565,"1,579":566,"1,580":567,"1,581":568,"1,582":569,"1,583":570,"1,584":571,"1,585":572,"1,586":573,"1,587":574,"1,588":575,"1,589":576,"1,590":577,"1,591":578,"1,592":579,"1,593":580,"1,594":581,"1,595":582,"1,596":583,"1,597":584,"1,598":585,"1,599":586,"1,600":587,"1,601":588,"1,602":589,"1,603":590,"1,604":591,"1,605":592,"1,606":593,"1,607":594,"1,608":595,"1,609":596,"1,610":597,"1,611":598,"1,612":599,"1,613":600,"1,614":601,"1,615":602,"1,616":603,"1,617":604,"1,618":605,"1,619":606,"1,620":607,"1,621":608,"1,622":609,"1,623":610,"1,624":611,"1,625":612,"1,626":613,"1,627":614,"1,628":615,"1,629":616,"1,630":617,"1,631":618,"1,632":619,"1,633":620,"1,634":621,"1,635":622,"1,636":623,"1,637":624,"1,638":625,"1,639":626,"1,640":627,"1,641":628,"1,642":629,"1,643":630,"1,644":631,"1,645":632,"1,646":633,"1,647":634,"1,648":635,"1,649":636,"1,651":637,"1,653":638,"1,654":639,"1,655":640,"1,656":641,"1,657":642,"1,658":643,"1,659":644,"1,660":645,"1,661":646,"1,662":647,"1,663":648,"1,664":649,"1,665":650,"1,666":651,"1,667":652,"1,668":653,"1,669":654,"1,670":655,"1,671":656,"1,672":657,"1,673":658,"1,674":659,"1,675":660,"1,676":661,"1,677":662,"1,678":663,"1,679":664,"1,680":665,"1,681":666,"1,682":667,"1,683":668,"1,684":669,"1,685":670,"1,686":671,"1,687":672,"1,688":673,"1,689":674,"1,690":675,"1,691":676,"1,692":677,"1,693":678,"1,694":679,"1,695":680,"1,696":681,"1,697":682,"1,698":683,"1,699":684,"1,700":685,"1,701":686,"1,702":687,"1,703":688,"1,704":689,"1,705":690,"1,706":691,"1,707":692,"1,708":693,"1,709":694,"1,710":695,"1,711":696,"1,712":697,"1,713":698,"1,714":699,"1,715":700,"1,716":701,"1,717":702,"1,718":703,"1,719":704,"1,720":705,"1,721":706,"1,722":707,"1,723":708,"1,724":709,"1,725":710,"1,726":711,"1,727":712,"1,728":713,"1,729":714,"1,730":715,"1,731":716,"1,732":717,"1,733":718,"1,734":719,"1,735":720,"1,736":721,"1,737":722,"1,738":723,"1,739":724,"1,740":725,"1,741":726,"2,1":727,"2,2":728,"2,3":729,"2,4":730,"2,5":731,"2,6":732,"2,7":733,"2,8":734,"2,9":735,"2,10":736,"2,11":737,"2,12":738,"2,13":739,"2,14":740,"2,15":741,"2,16":742,"2,17":743,"2,18":744,"2,19":745,"2,20":746,"2,21":747,"2,22":748,"2,23":749,"2,24":750,"2,25":751,"2,26":752,"2,27":753},"ٜ":{"1":[4,741],"2":[1,27]},"ٝ":["1,4","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,651","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27"],"ٞ":{"3":[1],"9":[2],"13":[3],"17":[4],"18":[5],"23":[6],"26":[7],"30":[8],"34":[9],"38":[10],"40":[11],"42":[12],"44":[13],"47":[14],"51":[15,16],"55":[17],"56":[18],"58":[19],"60":[20],"63":[21],"64":[22],"67":[23],"71":[24],"73":[25],"76":[26],"79":[27],"81":[28],"86":[29],"89":[30],"94":[31],"97":[32],"99":[33],"104":[34],"106":[35],"108":[36],"110":[37],"112":[38],"116":[39],"117":[40],"118":[41],"120":[42],"123":[43],"124":[44],"127":[45],"130":[46],"132":[47],"133":[48],"135":[49],"136":[50],"137":[51],"139":[52],"141":[53],"142":[54],"144":[55],"145":[56],"149":[57],"150":[58],"152":[59],"155":[60],"159":[61],"162":[62],"163":[63],"166":[64],"169":[65],"171":[66],"173":[67],"175":[68],"176":[69],"177":[70],"179":[71],"189":[72],"190":[73],"192":[74],"194":[75],"196":[76],"200":[77],"202":[78],"205":[79],"207":[80],"210":[81],"216":[82],"217":[83],"227":[84],"230":[85],"240":[86],"244":[87],"249":[88],"251":[89],"254":[90],"257":[91],"262":[92],"268":[93],"272":[94],"275":[95],"277":[96],"291":[97],"292":[98],"293":[99],"295":[100],"296":[101],"298":[102],"301":[103],"304":[104],"308":[105],"311":[106],"312":[107],"314":[108],"318":[109],"320":[110],"325":[111],"327":[112],"328":[113],"330":[114],"333":[115],"337":[116],"338":[117],"340":[118,119],"341":[120],"343":[121],"344":[122],"346":[123],"348":[124],"349":[125],"350":[126],"351":[127],"353":[128],"354":[129],"355":[130],"356":[131],"359":[132],"361":[133],"362":[134],"363":[135],"364":[136],"366":[137],"368":[138],"370":[139],"371":[140],"373":[141],"374":[142],"378":[143],"380":[144],"381":[145],"382":[146],"384":[147],"386":[148],"388":[149],"390":[150],"393":[151],"394":[152],"395":[153],"397":[154],"400":[155],"402":[156],"406":[157],"409":[158],"411":[159],"414":[160],"417":[161],"420":[162],"423":[163],"426":[164],"429":[165],"431":[166],"432":[167],"433":[168],"434":[169],"436":[170],"438":[171],"440":[172],"441":[173],"442":[174],"443":[175],"444":[176],"446":[177],"447":[178],"449":[179],"451":[180],"454":[181],"456":[182],"458":[183],"461":[184],"463":[185],"464":[186],"466":[187],"468":[188],"469":[189],"472":[190],"473":[191],"475":[192],"476":[193],"479":[194],"481":[195],"483":[196],"485":[197],"488":[198],"492":[199],"494":[200],"497":[201],"499":[202],"501":[203],"503":[204],"505":[205],"506":[206],"508":[207],"510":[208],"512":[209],"513":[210],"517":[211],"518":[212],"520":[213],"522":[214],"524":[215],"526":[216],"527":[217],"529":[218],"530":[219],"532":[220],"533":[221],"534":[222],"535":[223],"536":[224],"541":[225],"542":[226],"549":[227],"551":[228],"552":[229],"555":[230],"558":[231],"562":[232],"564":[233],"566":[234],"590":[235],"595":[236],"598":[237],"613":[238],"615":[239],"618":[240],"621":[241],"622":[242],"624":[243],"627":[244],"630":[245],"634":[246],"637":[247],"638":[248,249],"641":[250],"642":[251],"645":[252],"646":[253],"648":[254],"651":[255],"653":[256],"655":[257],"659":[258],"660":[259],"663":[260],"667":[261],"669":[262],"672":[263],"674":[264],"676":[265],"680":[266],"691":[267],"696":[268],"697":[269],"699":[270],"702":[271],"704":[272],"705":[273],"707":[274,275],"708":[276],"710":[277],"712":[278],"713":[279],"714":[280],"721":[281],"723":[282],"725":[283],"726":[284],"727":[285]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب: القرآن ونقض مطاعن الرهبان\nالمؤلف: د. صلاح عبد الفتاح الخالدي\nدار النشر: دار القلم - دمشق\nالطبعة الأولى: ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\n_________\nأولًا: جزى الله مؤلف الكتاب خيرًا، لكنَّ الكتاب يحتاج إلى جهد أكبر، وهذا لا يقلل من شأن مؤلفه.\nثانيًا: تَمَّ تدعيم الكتاب بتعليقات مهمة وضرورية في هوامش الكتاب.\nمن خلال بعض الكتب منها:\nتفسير مفاتيح الغيب (للإمام فخر الدين الرازي)\nالدر المصون (للسمين الحلبي)\nنظم الدرر في تناسب الآيات والسور (للبقاعي)\nالانتصار للقرآن (للقاضي أبي بكر الباقلاني)\nالروض الأنف (للسهيلي)\nمعترك الأقران (للسيوطي)\nشبه المشككين (موقع وزارة الأوقاف المصرية)\nنحو تفسير موضوعي (للشيخ محمد الغزالي)\nالإسلام والاستبداد السياسي\nالمرأة في الإسلام\nالمال في القرآن (للشيخ محمود غريب) .\nثالثًا: تَمَّ إضافة كتاب مائة سؤال في النصرانية (وذلك بعد الفراغ من نص الكتاب) ليقف كل معادٍ للإسلام، وطاعن في القرآن صاغرًا أمام كبرياء القرآن، خجلا من فضائح كتابه المحرَّف \"المقدس\"\nرابعًا: هذا الكتاب ردٌّ على الفاسق الفاجر القسيس عبد الله الفادي، الذي يزعم - زورا وبهتانا - أنه وهب حياته للبحث وخرج بهذه النتائج، وما هو إلا مفترٍ كذوب، شأنه شأن غيره من المستشرقين الذين أعماهم التعصب عن إبصار الحق المبين.\nقد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم\nوليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل.\nقال بعض العلماء:\nولو كان القرآن من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحة ومن حيث الإتقان والمتانة.\nفإن قلت: هذه مجرد دعوى لا تتكي على دليل وقد أخذ على القرآن مناقضات وإشكالات جمة ربما ألف فيه التأليفات، وهي إشكالات لفظية ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنوية تعود إلى خطئه في آرائه وأنظاره وتعليماته، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلا إلى التأويلات التي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وارتضاء الفطرة السليمة.\nقلت: ما أشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب، فالإشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان.\nولا تكاد تجد في هذه المؤلفات التي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلا وهي مذكورة في مسفورات المفسرين مع أجوبتها فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها، ونعم ما قيل: لو كانت عين الحب متهمة فعين البغض أولى بالتهمة.\nوصدق الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) .\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":4},{"text":"(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\n(قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى)\n(وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) .","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونتوبُ إِليه ونستغفرُه، ونَعوذُ باللهِ من\nشرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أَعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأَشهدُ أَنْ لا إِله إِلّا الله، وحْدَه لا شريكَ له، وأَشهدُ أَنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، وعلى آلِه وصحبه أَجمعين.\nأَما بعد:\nفهذا الكتابُ هو الثاني عشر من السلسلةِ القرآنية التي أَعانَنا اللهُ على\nإِصدارها \" من كنوز القرآن \"، وللهِ الحمدُ والشكر.\nوقد خَصَّصْنا هذا الكتابَ \" القرآن ونقض مطاعن الرهبان \" للانتصار\nللقرآن، والدفاعِ عنه أَمامَ هجماتِ أَعدائِه، الذين انْتَقَصوهُ وخَطَّؤُوه، وأَثاروا حولَه الشبهات، ووجَّهوا له الاتهامات، وتَعامَلوا معه بعَداوَةٍ وتَحامُل.\nأَدَرْنا هذا الكتابَ لتفنيدِ اتهاماتٍ وجَّهها له أَحَدُ رجالِ الدين النصارى\n- أَو مجموعةٌ من رجالِ الدين النصارى - وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ ليس معصومًا من الأَخطاءِ، ففيه مجموعةٌ من الأَخْطاءِ، تُعَدُّ بالعَشَرات، في مختلفِ المجالات، وشَتّى الموضوعات.\nالكتابُ الذي خَصَّصْنا كتابَنا للرَّدِّ عليه وتَفنيدِ شُبهاتِه واتهاماتِه هو: \" هل\nالقرآنُ معصوم؟ \" ونُسِب إِلى رجلِ دينٍ نصرانيّ، هو \" عبد الله الفادي \".\nويَبدو أَنَّ هذا الاسْمَ مستعار.\nوصَدَرَ الكتابُ عن مؤسسةٍ تنصيرية في النمسا، اسْمُها \" ضوءُ الحياة \"، وظهرتْ طبعَتُه الأُولى عام (١٩٩٤م)، وتوزِّعُه هيئاتُ ومراكزُ\nالتبشيرِ النصرانية، ودَعَتْ مؤسسةُ \" ضوءِ الحياة \" إِلى مراسلتِها، لإرسالِ الكتابِ لمن يَطلبونَه، كما أَنها أَنْزَلَتْه على \" الإنترنت \".","vol":"1","page":5},{"text":"والظاهرُ أَنَّ هذا الكتابَ ثمرةُ جهودٍ مشتركةٍ لمجموعةٍ من رجالِ الدينِ\nالنصارى، تَفَرَّغوا للنظر في القرآن، بهدفِ انتقادِه، وبيانِ أَخْطائِه وتناقُضاتِه\n- حسبَ مزاعِمهم - ويَبدو أَنهم رَدَّدوا ما قالَه اليهودُ والنصارى من قبلِهم، وظَنّوا أَنهم بذلك سيقضونَ على القرآن، ويوقفونَ انتشارَه، ولكنْ خابَ ظَنُّهم، فالقرآنُ غالبٌ منصور، ونورُه منتشرٌ مشرق، يفتحُ اللهُ له القلوبَ والعقول، في الغرب والشرق.\nوبما أَنَّ الكتاب \" هل القرآن معصوم؟ \" في الظاهر من إِعدادِ مؤلِّفٍ\nواحد، هو \" عبد الله الفادي \" فسننظرُ إِليه وننقدُه على هذا الأَساس، ونستعينُ عليه بالله.\nأَخبرَ \" عبدُ الله الفادي \" في مقدمةِ كتابه أَنه \" رجلُ دينٍ نصراني \" حريصٌ\nعلى القيام \" بخدمةٍ منتجةٍ دائمةِ الأَثرِ للجنس البشري \"، وأَنْ يُقَدِّمَ للناس عملًا عظيمًا، يَخدمُهم ويُقدمُ فيه الخيرَ لهم.\nفماذا سيقدِّمُ لهم، وبماذا سيخدمُهم؟.\nرأى أَنَّ أَفضلَ ما يخدمُهم به هو أنْ يُحَذِّرَهم من خطرٍ كبير، ويُنَبِّهَهم\nإِلى افتراءٍ عظيم، حتى لا يُخْدعوا به، إِنَّ هذا الافتراءَ هو القرآنُ، الذي ادَّعى محمدٌ - ﷺ - أَنه وَحيٌ أَوْحى اللهُ به إِليه، مع أَنَّ الفادي يوقنُ أَنَّه لا وَحْيَ بعدَ الإِنجيل، ولا رسولَ بعدَ المسيح!! فما أَتَى به محمدٌ - ﷺ - كَذِبٌ وإفكٌ مفترى.\nقال في مقدمتِه: \" ...\nولكنني كرجلِ دين، رأيتُ أَنْ أَدرسَ القرآنَ..\nوبما\nأَنَّ اللهَ واحدٌ، ودينَه واحد، وكتابَه المقدَّسَ واحد، الذي ختمهُ بظهورِ المسيح كلمتِه المتجسِّد، وقال: إِنَّ مَنْ يَزيدُ على هذا الكتاب يَزيدُ اللهُ عليه الضرباتِ المكتوبة فيه، وبما أَنَّ القرآن يقول: إِنه وحي، أَخذتُ على عاتِقي دراستَه ودراسة تفاسيرِه، فدرسْتُه مِرارًا عديدة، ووقَفْتُ على ما جاءَ به، ووضعْتُ تعليقاتي في قالبِ مئتين وثلاثة وأَربعين سؤالًا، خدمةً للحق، وتَبصرة لأُولي الألباب..\n\"!!.\nادَّعى عبدُ الله الفادي أَنه وجدَ في القرآن مئتين وثلاثةً وأَربعين خطأً،","vol":"1","page":6},{"text":"وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ ليس معصومًا من الخطأ، ومعناهُ أَنه ليسَ وَحْيًا من الله، وليس كلامَ الله، إِذْ لو كانَ كلامَ الله لما وُجدَ فيه خطأ واحد!! وإذا لم يكن القرآنُ كلامَ الله، لم يكنْ محمدٌ رسولًا من عندِ الله، وإِنما هو مُفْتَرٍ مُدَّعٍ، ومعنى هذا أَنَّ الإِسلامَ ليس دينًا من عندِ الله، وأَنَّ مَنْ يَعتنقُ الإسلام فهو كافرٌ وعلى دينٍ باطل! والدينُ الوحيدُ المقبولُ عند الله هو الدينُ اليهودي والدين النصراني، واليهودُ والنصارى هم وحدهم المؤمنون الموَحِّدون!!.\nقَسَّمَ الفادي أَسئلتَه عن القرآن، التي عَرَضَ فيها أَخطاءَ القرآنِ، إِلى\nعشرةِ أقسام \" هي: أَسئلةٌ جغرافية، وأَسئلةٌ تاريخية، وأَسئلةٌ أَخلاقية، وأَسئلةٌ لاهوتية، وأَسئلةٌ لغوية، وأَسئلةٌ تشريعية، وأَسئلة اجتماعية، وأَسئلةٌ علمية، وأَسلةٌ فنية، وأَسلةٌ خاصةٌ بحياةِ رسولِ الله - ﷺ.\nوجاءَ الكتابُ في مئتين وتسعٍ وخمسين صفحة.\nوتُوَزّعُ الكتابَ هيئاتٌ وجمعياتٌ تنصيرية، بطريقةٍ خاصة، وتوجّهه إِلى\nالمسلمين، بهدفِ تشكيكِهم، في القرآن، الذي يؤمنون به، وتَدْعوهم هذه\nالهيئاتُ إِلى التعجبِ من وجودِ مئاتِ الأَخطاءِ في كتابهم!!.\nومن بابِ الكيدِ واللؤمِ والخبث، وضعت الجهةُ التنصيريةُ المشرفة على\nتأليفِ الكتابِ وطَبْعِه ونَشْرِه وتوزيعِه بين المسلمين في آخرِ الكتاب مسابقةً\nمكوَّنةً من عشرةِ أَسئلة، لتتأَكَّدَ اللجنةُ من أَنَّ القارئَ قرأَ الكتاب، واستوعَبَ ما فيه، وطالَبَتْهُ بالإِجابةِ على الأسئلة، وإرسالِ الإجاباتِ إِليها، لتُقَدّمَ له الجوائز.\nقالت اللجنةُ في بدايةِ المسابقة: \" أَيها القارئُ العزيز: إِنْ تعمقْتَ في\nقراءةِ هذا الكتاب، تستطيعُ أَنْ تُجاوبَ على الأَسئلةِ بسهولة.\nونحنُ مستعدّون أَنْ نُرسلَ لك أَحَدَ كتبِنا الروحية، جائزةً على اجتهادِك..\nلا تنسَ أَنْ تكتب اسْمَك وعنوانَك كاملًا، عند إرسال إِجابتِك إِلينا..\n\".\nوَوَضَعَتْ عنوانَها في النمسا لمراسلتِها..","vol":"1","page":7},{"text":"ونَزلَت اللجنةُ المذكورةُ الكتابَ على الشبكةِ العنكبوتية \" الإنترنت \".\nالمشكلةُ في القِسّيس عبدِ الله الفادي أَنه دَخَل عالمَ القرآنِ بمقررٍ فكريٍّ\nمُسْبَق، هو أَنَ القرآنَ تأليفٌ بشريٌّ وليس كلامَ الله، وتعامَلَ معه على هذا\nالأَساس، وزَعَمَ وُجودَ هذه الأَخطاءِ فيه.\nومن جَهْلِ الفادي بقواعدِ البحثِ العلميِّ الموضوعيّ المحايد أنه أَخذ\nكلامَ المفسرين، وما فيه من أَخطاء، وحَمَّلَ القرآنَ مسؤوليتَه، كما أَنه أَلصقَ بالقرآنِ ما أَخذَه من خرافاتٍ وأَساطير.\nلا يتحمَّلُ القرآنُ إِلا مسؤوليةَ ما فيه من كلام، أَمّا أَفهامُ المفسِّرين\nلكلامِه فلا يتحملُ مسؤوليتَها، لأَنها فهمُ البشرِ لكلامِ الله.\nوقد رأَيْنا من المناسبِ أَنْ نَرُدَّ على كتابِ الفادي \" هل القرآن معصوم؟ \"\nوأَنْ نُبَيّنَ تَهافُتَ أَسئلتِه، وتَفاهَةَ انتقاداتِه..\nوالذي دَفَعَنا إِلى الرَّدّ عليه أَنه يمثلُ خُلاصةَ جُهودِ النصارى في فَحْصِ القرآن، وإِثارةِ الأَسئلةِ والشبهاتِ حوله، فهناك كتبٌ كثيرةٌ لنصارى عديدين، تنتقدُ القرآنَ، وتُثيرُ حولَه الاعتراضات، وتزعمُ الوقوفَ على أَخطاء، ولقد قرأنا بعضَ تلك الكتب، ولدى مقارنتها بهذا الكتاب، وجدناه خلاصةً لها، فالرّدُّ عليه رَدّ عليها، لأَنه لَخَّصَ ما في تلك الكتب من أَسئلةٍ وتشكيكات.\nإِنَّ من اليقينِ عند كل مسلمٍ أَنَّ القرآنَ كتابُ الله، وأَن اللهَ قد تكَفَّلَ\nبحفْظهِ حتى قيامِ الساعة، وأَنه لا خَطَأَ في القرآن، في أَيّ جانبٍ من جوانبه،\nوأَنه أَعظمُ معجزةٍ لرسول الله - ﷺ -.\nوقد تحدّى القرآنُ الكفارَ أَنْ يَجدوا ائيه أَيَّ خَطَأ أَو اختلافٍ أَو تناقُضٍ\nأَو تَعارُضٍ أَو ضَعْف، قالى تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .\nالدعوةُ إِلى تَدَبُّرِ القرآنِ موجَّهَةٌ لجميعِ الناس، المؤمنين والكافرين، يتدبَّرُ\nالمؤمنونَ القرآنَ ليزدادوا يَقينًا أَنه مُنَزَّهٌ عن الأَخطاء، وأَنه كلامُ الله..","vol":"1","page":8},{"text":"ويتدبَّرُ الكفارُ القرآن، ويَنظرونَ فيه، لعلَّهم يَجدونَ فيه خطأً أَو اختلافًا،\nفإِنْ فَعَلوا ذلك فلن يجدوا فيه ما يَبحثونَ عنه!!.\nوالقرآنُ لا يُوَجّهُ الدعوةَ للكفارِ لتدبرِه واكتشافِ الخَطَأ والاختلافِ فيه،\nإِلّا وهو واثقٌ من عَدَمِ وجودِ ذلك فيه، فلو كان فيه خَطَأٌ أَو اختلافٌ لما دخلَ معركةَ التحدي!!.\nونظرَ الكفارُ في القرآن، وبَحَثوا عن أَخطاء فيه، واستمرتْ نظراتُهم فيه\nأكثرَ من خمسةَ عَشَرَ قَرْنًا، وما زالوا يبحثون، وما زالَ القرآنُ يَتَحَدَّاهم،\nويقولُ لهم: هاتوا ما وَجَدتُم عندي من خَطَأ أَو اختلاف!.\nوقَدَّمَ الكفارُ ما زَعَموا أَنهم وَجَدوه في القرآن، ونَظَرَ فيه العلماء، فوجدوهُ\nتافِهًا مُتَهافتًا، لا وَزْنَ ولا قيمةَ له، ولا يَقفُ أَمامَ النقدِ والتمحيصِ والرد!!.\nولقد قَدَّمَ القسيسُ عبد الله الفادي ما ذَكَرَه إِخوانُه الكفارُ ممَّا ظَنّوه\nأَخطاءَ في القرآن، وجَمَعها في كتابِه، وهو يظنُّ أَنه بذلك يوجِّهُ الضربةَ\nالقاضيةَ للقرآن، ولنْ يَستطيعَ حَمَلَةُ القرآنِ وجنودُه الرَّدَّ عليها!! وتباهى القسيسُ فيما قَدَّم في كتابه، وافتخرَ إِخوانُه بما سَجَّلَه، وعملوا على توزيعِ الكتابِ على أَوسعِ مدى!!.\nونشهدُ أَنَّ كَلامَ الفادي المفترِي في كتابه تافِهٌ مُتَهافت، والرَّدُّ عليه\nوإِظهارُ تهافتِه سهلٌ ميسور، والرَّدُّ على الأسئلةِ المثارةِ مقدورٌ عليه، ولم يَأخُذْ\nمنَّا جُهدًا كبيرًا ولله الحمد.\nونُقَدِّمُ هذا الكتابَ \" القرآن ونقض مطاعن الرهبان \" إِلى المسلمين،\nليَزْدادوا يَقينًا بأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنه مُنَزَّهٌ عن الأَخطاءِ والمطاعن، ولِيَقفوا على تهافُتِ وتَفاهةِ أَسئلةِ واعتراضاتِ الكفارِ عليه، وليعرفوا كيفيةَ الرَّدِّ عليها..\nفقد يَلتقي أَحَدُهم مع أَحَدِ المنَصِّرينَ المُشكَكينَ في القرآن، فيقدِّمُ له أَسئلةً مثلَ ما في هذا الكتاب، وعندما يقرأُ الردودَ التي في هذا الكتاب تسهلُ عليه الإجابةُ على تلك الأَسئلة.","vol":"1","page":9},{"text":"لقد صَعَّد أَعداءُ القرآنِ المعاصرون من شبهاتِهم ضدَّ القرآن، وحَرصوا\nعلى نَشْرِها بين المسلمين، وكثيرٌ من المسلمين سمعوا كثيرًا من الأَسئلةِ\nالمُشَكِّكة الموجودةِ في هذا الكتاب، ونَدْعوهم إِلى الوقوفِ على نَقْضِها ورَدّها\nفي هذا الكتاب.\nونقدمُ هذا الكتابَ ليكون خُطوةً نحوَ الأَمامِ في الانتصارِ للقرآن،\nومواجهةِ أَعدائِه، ونقضِ مطاعنهم، وإطْلاع القرّاء على نماذجَ من مكائدِ\nالأَعداء، وتمكينِهم من دَحْضِها.\nونسألُ اللهَ حُسْنَ القبول، وجزيل الأجر والثواب.\nوصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.\nالخميس ٢٨/ ١٠ / ١٤٢٦/ هـ\n١ / ١٢ / ٢٠٠٥\nالدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تعريف بكتاب \" هل القرآن معصوم</span>؟ \"\n\" هل القرآن معصوم؟ \".\nعنوانٌ مثير، لكتابٍ حول القرآن، ظهرتْ طبعَتُه الأُولى عام (١٩٩٤ م)،\nوقد صَدَرَ بثلاثِ لغات: الأَلمانيةِ والإِنجليزيةِ والعربية.\nوجاءَ في صفحةِ العنوانِ أَنَّ مؤلِّفَه هو \" عبدُ الله الفادي \"، وهو اسْمٌ\nمُسْتَعار، ويَبدو أَنه لم يُؤَلِّفْهُ رجلٌ واحد، وإِنما أَعَدَّه مجموعةٌ من القساوسةِ\nوالرهبان.\nوقد طُبعَ فى النمسا، وصَدَرَ عن مؤسسةٍ تنصيرية، اسْمها: Light of Life\nومعناه: \" نور الحياة \"!!.\nوعنوانُ الكتابِ مقصود، والاستفهامُ للإثارة، فمَعْنَى سؤالِهم: \" هل\nالقرآنُ معصوم؟ \" تقرير أَنَّ القرآنَ ليس مُنَزَّهًا عن الخَطَأ، وإِنما فيه عَشَراتُ\nالأَخطاءِ المختلفة، وهذا معْناهُ أَنه ليسَ من عندِ الله، فلو كانَ من عندِ الله لما وُجِدَ فيه خَطَأٌ واحد!.\nوقد قَسَّمَ مؤلِّفو الكتابِ كِتابَهم إِلى عشْرَةِ أَجزاء، ادَّعَوْا أَنهم وَجَدوا في\nكُلِّ جزءٍ منها مجموعةً من الأَخطاءِ في القرآن.\nالجزءُ الأَول: أَسئلةٌ جغرافيةٌ.\nزَعَموا فيه وجودَ اثْنَي عَشَرَ خَطَأً جغرافيًّا في القرآن.\nالجزءُ الثاني: أَسئلةٌ تاريخية.\nزَعَموا فيه وجودَ خمسةٍ وخَمسينَ خَطَأً\nتاريخيًّا في القرآن.\nالجزء الثالث: أَسئلةٌ أَخلاقية.\nزَعَموا فيه وُجودَ تسعةِ أَخطاءٍ أَخْلاقية في\nالقرآن.","vol":"1","page":11},{"text":"الجزءُ الرابع: أَسئلةٌ لاهوتية.\nزَعَموا فيه وُجودَ تسعةٍ وعشرين خطأً\nلاهوتيًّا في القرآن.\nالجزءُ الخامس: أَسئلةٌ لغوية.\nزَعموا فيه وجودَ خمسةٍ وعشرين خَطَأً\nلغويًّا في القرآن.\nالجزءُ السادس: أَسئلةٌ تشريعية.\nزَعَموا فيه وُجودَ ستةٍ وعشرين خطأً\nتشريعيًّا في القرآن.\nالجزءُ السابع: أَسئلةٌ اجتماعية.\nزَعَموا فيه وُجودَ واحدٍ وعشرين خطأً\nاجتماعيًّا في القرآن.\nالجزءُ الثامن: أَسئلةٌ علمية.\nزَعَموا فيه وُجودَ اثْنَيْن وعشرين خطأً علميًّا\nفي القرآن.\nالجزءُ التاسع: اسئلةٌ فنيَّة.\nزَعَموا فيه وُجودَ أَحَدَ عَشَرَ خَطأً فنيًّا في\nالقرآن.\nالجزءُ العاشر: أَسئلةٌ خاصَّةٌ عن محمدٍ - ﷺ -.\nزَعَموا فيه وجودَ ثلاثةٍ وثلاثين خطأً يتعلقُ بحياةِ الرسولِ - ﷺ - في القرآن.\nأَيْ أَنَّ الذينَ أَلَّفوا الكتابَ وَجَدوا في القرآنِ مئتين وثلاثةً وأَربعين خَطَأً،\nفي مختلفِ موضوعاتِه، وهذا رقمٌ كَبير، لو صَحَّ لكانَ القرآنُ باطِلًا مَليئًا\nبالأَخطاء!!.\nوقد وَضَعَ مُؤلِّفو الكتابِ في آخرِهِ قائمةً بالمراجعِ التي رَجَعوا إِليها،\nواستَخْرَجوا منها أَخطاءَ القرآن، وكانت اثنين وعشرين كتابًا، معظمُها لمؤَلّفين من النَّصارى، خَصَّصوها لانْتقادِ القرآنِ وإِثارةِ الشبهاتِ حولَه.\nومن بابِ المبالغةِ في الكيدِ أَرادَ مُؤلفو الكتاب أَنْ ترسخَ شُبهاتُهم في\nذهنِ القارئ، فَوَضَعوا في آخِرِ الكتابِ مسابقة، طَلَبوا فيها من القارئ الإِجابةَ على أسئلةٍ اختاروها من الكتاب، وإِرسالَ الإِجاباتِ إِليهم في النمسا، ليُرسلوا له جائزةً قيمةً بسببِ اجتهادِه! وقالوا في مقدمةِ المسابقة: \" أَيُّها القارئُ العزيز:","vol":"1","page":12},{"text":"إِنْ تَعَمَّقْتَ في قراءةِ هذا الكتاب تَستطيعُ أَنْ تُجاوِبَ على الأسئلةِ بسُهولَة..\nونحنُ مُسْتعدّونَ أَنْ نرسلَ لك أًحَدَ كتُبِنا الروحية جائزةً على اجتهادِك..\nولا تَنْسَ أَنْ تَكتبَ اسْمَك وعنوانَك كامِلًا عند إِرسال إِجابتِك إِلينا..\n\".\nومن الأَسئلةِ التي طَلَبوا من القارئِ الإِجابةَ عليها:\nالسؤالُ الأَول: في القرآنِ عشرةُ أَنواعٍ من الأَخطاء.\nما هي؟.\nالسؤالُ الثاني: اذكُرْ خمسةً من الأَخطاءِ الجغرافية، التي وَرَدَتْ في هذا\nالكتاب!.\nالسؤالُ الثالث: ذَكَرَ المؤَلِّفُ خَمسًا وخمسينَ غلطةً تاريخيّة في القرآن،\nاكْتُبْ عَشْرَ غَلْطاتٍ منها، واشْرَحْ ثلاثًا من هذه العَشْر.\nالسؤالُ الرابع: يُحَلِّلُ القرآنُ تسعَ خَطايا.\nما هي؟\nاذْكُرْ أَكْثَرَ ما ساءَكَ منها.\nالسؤالُ الخامس: أَثارَ المؤلِّفُ تسعةً وعشرين سؤالًا لاهوتيًا حَوْل\nالقرآن.\nاشرحْ خمسةً منها.\nالسؤالُ السادس: وَجَدَ المؤلِّفُ ستًّا وعشرينَ غَلْطَةً لغويةً في القرآن.\nاذْكُرْ خمسًا منها.\nالسؤالُ السابع: وَجَدَ المؤَلِّفُ ستةً وعشرينَ خطأً تشريعيًّا في القرآن\nاذْكُرْ خمسة منها.\nالسؤالُ الثامنْ وَجَدَ المؤَلِّفُ إِحْدى وعشرين غَلطةً اجتماعيةً في القرآن.\nاذْكُرْ خمسًا منها.\nالسؤالُ التاسع: تَساءَلَ المؤَلِّفُ عن اثْنَيْن وعشرينَ أَمْرًا عِلْمِيًّا خاطِئًا في\nالقرآن.\nاذكُرْ خمسةً منها.\nالسؤالُ العاشر: وَجَدَ المؤلِّفُ في حياةِ نبيِّ الإِسلام ثلاثًا وثلاثين أَمْرًا\nمَعيبًا.\nاذكُرْ ما تعتبرُ أَنه أَسوَؤُها، واشرَحْه..\nثم اذكُرْ ما تعتبرُه أَنه ليس\nمَعيبًا، ودافِعْ عن وجهةِ نظرِك.\nويَلبسُ المفْتَرونَ ثوبَ الموضوعيهِ والإِنصافِ و\"الديمقراطية\" عندما","vol":"1","page":13},{"text":"يَسمحونَ للإِنسانِ أَنْ يُخالِفَهم، ويَأذَنونَ له أَنْ يُدافِعَ عن وجهةِ نَظَرِه، كما جاءَ في السؤالِ العاشر!!.\nوهذا الكتابُ حلقةٌ عنيفةٌ حادَّةٌ صاخبةٌ من مسلسلِ \" الهجومِ على\nالقرآن \"، الذي يَشُنُّهُ عليه أَعداؤُه، من اليهودِ والنصارى، وسائرِ الأَعداء، الذين لا يَعترفونَ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، ولا يُؤمنونَ أَنَّ محمدًا هو رسولُ الله - ﷺ -، وإِنما يعلنونَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - مُفْتَرٍ كَذّاب، ادَّعى أَنه نبيّ، وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ وَحْيٌ\nمن اللهِ إِليه، مع أَنه هو الذي أَلَّفَه، وأَعانَه عليه قومٌ آخَرون!!.\nهذا وإِنَّ الحملةَ على القرآنِ طويلةٌ مستمرة، مضى عليها خمسةَ عَشَرَ\nقَرْنًا، وباءَتْ بالفشلِ ولله الحمد، وبقيَ القرآنُ ثابِتًا قويًّا، وغالِبًا مَنْصورًا\nظافرًا، ولن يكونَ هذا الكتابُ الكِتابَ الأَوَّلَ في الهجومِ على القرآن، فقد\nسبَقَهُ آلافُ الكتبِ الحاقدةِ المسمومة، طواها الزمَنُ في مَلَفّات التاريخِ\nالمنسية، فَنَسِيَها الناسُ ونسوا أصحابَها، وبقيَ القرآنُ حَيًّا مُؤَثّرًا، مَحْفوظًا\nمَتْلُوًّا، مَعْروفًا مُفَسَّرًا!! كما أَنَ هذا الكتابَ لن يكونَ الأَخيرَ في هذا المسلسلِ الحاقدِ الخَبيث، إِذْ سَتَتْلوهُ وتتبعُه كُتُبٌ أُخرى، يُؤَلِّفُها أَعداءٌ حاقِدونَ في القرونِ القادمة، وسَيَبْقى القُرآنُ مُحارَبًا مُهاجَمًا من قِبَلِ أَعدائِه حتى قيامِ الساعة، ولكنّه سيبقى غالِبًا بإِذْنِ اللهِ حتى قيامِ الساعة، فنحنُ لا نَخافُ على القرآنِ الهزيمة، لأَننا موقنونَ من انتصارِهِ بإِذْنِ الله.\nوقبلَ البَدْءِ بتفْنِيدِ كلامِ هؤلاءِ الحاقدين في شُبهاتِهم التي اعْتَبَروها\nأَخطاءً، نُقَرِّرُ أَنه لا يوجَدُ أَيّ خَطَأ في القرآن، في أَيِّ موضوعٍ من\nموضوعاتِه، لا في اللغة، ولا في العقيدة، ولا في الفقه، ولا في التاريخ،\nولا في الجغرافيا، ولا في الاجتماع، ولا في الأَخلاق، ولا في العلم، ولا\nفي السياسة، ولا في السيرة! وما اعْتَبَرَه هؤلاءِ المفترونَ أَخطاءً في القرآن،\nإِنما هو وفقَ ما صَوَّرَتْه عُقولُهم القاصرة، وأَفهامُهم السقيمة، ونَظَراتُهم\nالعاجزة، ويَصْدُقُ على كلامِهم قولُ الشاعر:\nوَكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلًا صَحيحًا ...\nوآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>نقد مقدمة الكتاب</span>\nسبقَ أَن قلنا: إِنَّ كتابَ \" هل القرآن معصوم؟ \" صادرٌ عن لجنةٍ من\nالمنَصّرين، جَمعوا ما ظَنّوه خَطَأً في القرآن، من مختلفِ المراجعِ والمصادر،\nولكنَ الكتابَ منسوبٌ إِلى اسمٍ مستعار، هو \" عبدُ اللهِ الفادي \"، الذي زَعَمَ أَنه هو الذي أَلَّفَه! وسَتَكُونُ ردودُنا على عبد الله الفادي الذي نُسِبَ الكتابُ إليه!!.\nمما قالَه المفترِي الفادي في مقدمةِ الكتاب: \" رَغِبْتُ منذُ حَدَاثَتي أَنْ أَقومَ\nبخدمةٍ مُنتجةٍ دائمةِ الأَثَرِ للجنسِ البشري، وليس في مَقْدوري أَنْ أَكتشفَ قارة، مِثْلَ ما فَعَلَ \" كولُمْبُس \"، ولا أَنْ أَخترعَ مِذْياعًا، كما فعلَ \" ماركوني \"، ولا أَنْ أُسَخِّرَ الكهرباء، مثلَ ما فَعَلَ \" أَديسون \"، ولا أَنْ أُحَلّلَ الذَّرَّة، كما فعلَ \" أَيْنِشْتايْن \"، فليسَ شيءٌ من هذا يَدخلُ في دائرةِ اخْتِصاصي..\nولكنَّني كرجلِ دين، رأيتُ أَنْ أَدْرُس القرآنَ..\n\".\nالمؤَلّفُ \" عبدُ الله الفادي \" قِسّيس، وَرَجُلُ دينٍ نصراني، وبما أَنه\nمُتَخَصصٌ في الدين، فهو يُريدُ أَنْ يَقومَ بدراسةٍ دينيّة، يَخدِمُ بها الجنسَ البشريَّ خدمةً دائمة.\nوأَيُّ دينٍ سيَدْرُسُه دراسةً فاحصة؟\nهل هو الدينُ اليهوديّ أَم الدينُ النصرانيُّ أَم الدينُ الإِسلامي؟.\nالعهدُ القديمُ أَساسُ الدينِ اليهودي، وهو جزءٌ من الدينِ النصراني، لأَنَّ\nالعهدَ القديمَ والعهدَ الجديد يُكَوِّنان \" الكتابَ المقَدَّس \" الذي يُؤْمِنُ به النَّصارى أَنهُ من عندِ الله.\nلم يَبْقَ أَمَامَه إِلّا إِلاسلامُ ليَدْرُسَه، وبما أَنَّ القرآنَ هو أَساسُ الإِسلام،\nفلْيُوَجِّه القِسّيسُ \" الفادي \" نَظَراتِه الكنسيَّةَ النصرانيةَ إِليه، ليَدْرُسَه دراسةً مفصَّلَةً، يقدمُ بها خدمةً للبشرية!.","vol":"1","page":15},{"text":"ولا مانعَ من أَنْ يدرسَ أَيُّ إِنسانٍ القرآن، والقرآنُ لا يَخْشى من أَنْ\nيَدرسَهُ أَيُّ إِنسان، سواء كانَ مُسْلِمًا أَو يَهوديًا أَو نصرانيًّا، قِسّيسًا أَو باحِثًا أَو عالِمًا، لكنَّه يَشترطُ على الذي سَيدرُسُه شَرْطًا واحدًا، هو: أَنْ لا يُقْبِلَ على القرآن بمقَرَّر فكري أَو عقيديٍّ مُسْبَق، وأَنْ لا يَحملَ فكرةً يُريدُ إِثْباتَها في القرآن! إِنَّه إِنْ فَعَلَ ذلك تكونُ دراستُه مُنحازةً مُتحاملة، ومن ثَمَّ سيخرجُ من هذه الدراسةِ بنتائجَ خاطئة، تَقومُ على التحامُلِ والهوى والمزاجية.\nيَطلبُ القرآنُ من كُلِّ إِنسانٍ أَنْ يَضَعَ فكرتَه المسبقةَ عن القُرآنِ جانبًا،\nوأَنْ يَدْخُلَ عالمَ القرآنِ وهو خالي الدهْن، وأَنْ يكونَ هدفُه من ذلك البحثَ\nعن الحقيقة، والرغبةَ في المعرفة، ومُتابعةَ الحَقّ، وبذلكَ تكونُ دراستُه\nموضوعيةً عادلةً مُنصفَة، وسيخرجُ منها بنتائج صحيحة.\nولقد قامَ بدراسةِ القرآن كثيرون من مُفَكِّري الغربِ النَّصارى، وكانتْ\nدراستُهم مَوضوعيةً مُحايدةً مُنْصفة، غيرَ قائمةٍ على المقَرَّرِ الذهنيِّ المسْبَق،\nوالانحيازِ الدينيِّ المسبقِ ضدَّه.\nوقد قادَتْهم تلك الدراسةُ إِلى اليقينِ بأَنَّ القرآنَ حَقّ لا خطأَ فيه، وأَنه من عندِ الله، وفي مقدمةِ هؤلاء البروفسورُ الفرنسي \" موريس بوكاي \"، والقِسّيسُ الكندي \" جاري ميللر \"، والقسّيسُ السوداني\n\" أَشوك يانق \"!.\nأَمّا إِذا وَضَعَ الدارسُ في ذهْنِه مُقَرَّرًا مُسْبَقًا عن القرآن، وأَقبلَ عليه\nيدرسُه لتحقيقِ وتأكيدِ ذلك المقَرَّر، فسوفَ تكونُ دراستُه مُتَحاملةً مُنحازةً\nضدَّه، وسيكونُ نظرُهُ في القرآن نَظَرًا خاطِئًا.\nكأَنْ يوقِنَ القِسّيسُ أَنَّ القرآنَ ليس وَحْيًا من الله، وإِنما هو من تأليفِ البشر، وأَنَّ محمدًا - ﷺ - ليسَ رسولًا، وإنما هو مُدَّعٍ مُفْتَرٍ، وأَنَّ في القرآنِ أَخطاءً عديدة، ثم يَدرسُ القرآنَ ليأخذَ منه الأَدلَّةَ والأَمثلةَ على ما يُؤْمِنُ به! عند ذلك سَيَخرجُ بنتائجَ خاطئة، ويَزعمُ أَنه وَجَدَ الأَدلةَ على ما يُريد!.\nوهذا ما فعلَه القِسّيسُ \" عبد الله الفادي \" في دراستِه \" هل القرآنُ معصوم؟ \"","vol":"1","page":16},{"text":"وقد صَرَّحَ هو بدراستِه المتحاملةِ المنحازَة، ومُقَرَّرِه المسْبَقِ الذي أَقبلَ به على\nالقرآن، وذلك بقولِه في المقدِّمَة: \" وبما أَنَّ اللهَ واحد، ودينَه واحد، وكتابَه المقَدَّسَ واحد، الذي خَتَمَهُ بظهورِ المسيحِ كلمتِه المتَجَسِّد، وقال: إِنَّ مَنْ يَزيدُ على هذا الكتاب، يَزيدُ اللهُ عليه الضرباتِ المكتوبةَ فيه، وبما أَنَّ القرآنَ يَقول: إِنه وَحْي، أَخَذْتُ على عاتِقي دراستَه! \".\nهكذا إِذَن، يُؤْمِنُ القِسّيسُ أَنَّ كتابَ اللهِ المقَدَّسَ واحد، وهو العهدُ\nالقديمُ والعهدُ الجديد، وأَن اللهَ أَنرْل العهدَ الجديدَ على عيسى - ﷺ -، وهَدَّدَ أَيَّ إِنسانٍ يَزيدُ شيئًا على هذا الكتاب.\nأَيْ: يُؤمنُ القِسّيسُ \" الفادي \" أَنه لا وَحْيَ بعدَ الإِنجيل، ولا نبيَّ بعدَ\nعيسى - ﵇ -! وهذا مَعناه أَنه يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ ليس وَحْيًا من عندِ الله، وأَنَّ محمدًا ليسَ رسول الله، فالقرآنُ صناعةٌ بشرية، فهو غيرُ معصوم، وإِنما هو مليءٌ بالأَخْطاء.\nآمَنَ القِسّيسُ بهذه الفكرة، وتَسَلَّحَ بهذا السِّلاح، ووضعَ هذا المنظارَ\nعلى عينيه، وأَقبلَ على القرآنِ يَدرسُه ويَنظرُ فيه، ويُقَدِّمُ بذلك خدمةً للجنسِ البشريّ!.\nفماذا سيجدُ فيه؟\nسيجدُ فيه مجموعةً من الأَخطاء، في مختلفِ\nالمجالات والموضوعات، تُقاربُ مئتين وخمسين خطأً!!.\nونقول: أَينَ الباحثونَ الغربيّونَ النَّصارى، الذين دَرَسوا القرآنَ دراسةً\nموضوعيةً، من هذه الأَخطاء، التي اكتشفَها \" الفادي \"؟\nلماذا لم يَرَها موريس بوكاي، ولا جاري ميللر وغيرهما؟!.\nثم ما الذي دَرَسَه القِسّيس \" الفادي \"؟\nدَرَسَ القرآنَ دراسةً متحاملةً\nمنحازة، ودرسَ التفاسيرَ القرآنية، قال في المقدمة: \"..\nوبما أَنَّ القرآنَ\nيَقول: إِنه وَحْيٌ، أَخَذْتُ على عاتِقي دراستَه، ودراسةَ تَفاسيره، فدرَسْتُه مِرارًا عديدة، ووقَفْتُ على ما جاءَ به..\n\".","vol":"1","page":17},{"text":"والتفسيرُ الوحيدُ الذي أَثبتَه الفادي في قائمةِ المراجعِ هو تفسيرُ\nالبيضاوي، ولا أَدري لماذا تَفسيرُ البيضاوي دونَ غيرِه؟\nفهناكَ تَفاسيرُ مأثورة\nأَفضلُ منه، كتفسيرِ الطبري وتفسيرِ ابن كثير.\nثم ما دَخْلُ التفاسيرِ في الدراسةِ الموضوعية للنَّصِّ القرآني؟\nإِنَّ التفاسيرَ هي الفهمُ البشريّ لمعاني القرآن، كما سَجَّلَه السادةُ المفَسِّرون لها، وهذا الفهمُ البشريُّ يَنطبقُ عليه ما ينطبقُ على كُلِّ الأَعمالِ البشريةِ القاصرة، ومهما بَلَغَ أَصحابُها من العلمِ والدقةِ والإِتقان، فإِنها ليستْ معصومةً من الخطأ، ولا مُنَزَّهَةً عن الضعفِ والنقص.\nولذلك وُجِدَتْ في التفاسيرِ المختلفةِ أَخطاءٌ عديدة، باعتبارِها جُهْدًا\nبشريًّا، ولا يوجَدُ تفسيرٌ خالٍ من الخطأ، سواء كانَ قَديمًا أَو معاصرًا.\nوهدْا معناهُ أَنَّ النَّصَّ القرآني لا يَتَحَمَّلُ الخَطَأَ الموجودَ في تلك التفاسير، ولا يَجوزُ أَنْ نَنسبَ الخَطَأَ إِلى القرآنِ، لأَنَّ هذا الخَطَأَ وُجِدَ عند\nالطبريِّ أَو الرازيّ أَو البيضاويِّ أَو القرطبيِّ أو غيرهم.\nفالفهمُ البشريُّ للقرآن ليسَ حُجَّةً على القرآن، إِلّا عندَ أَصحابِ النظراتِ الحاقدةِ على القرآنِ!.\nوقالَ الفادي في مقدمتِه: \" وَوَضَعْتُ تعليقاتي على قالَبِ مئتين وثلاثةٍ\nوأَربعين سؤالًا، خِدمةً للحق، وتبصرةً لأُولي الأَلباب..\n\".\nوسوفَ نُتابعُ الفادي في أَسئلتِه وشبهاتِه واعتراضاتِه، التي ادّعى أَنه\nاكْتَشَفَها في القرآن، وسننظرُ فيها بمنظارِ القرآن، لنعرفَ تهافُتَها وتَفاهَتَها،\nوصَدَقَ اللهُ القائل: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) .","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>الفصل الأول نقض المطاعن الجغرافية</span>","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>هل تَغيبُ الشمسُ في بئرِ ماء</span>؟\nزَعَمَ \" الفادي \" أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِهِ عن مَغيبِ الشمس، حيثُ أَخبرَ\nأَنَّ الشمسَ تَغيبُ في بئْرِ ماء!.\nوذلك في قولهِ تعالى عن رحلةِ ذي القرنَيْنِ الأُولى نحوَ مغربِ الشمس:\n(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا ...) .\nنَسَبَ الفادي إِلى \" البيضاويِّ \" أَنه قالَ في تفسيرِه عن ذي القرنين: \" إِنَّ\nاليهودَ سأَلوا محمدًا عن إِسكندر الأَكبر؟\nفقال: إِنَّ اللهَ مَكَّنَ له في الأَرض، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس، فَوَجَدَها تغربُ في بئرٍ حَمِئَة، وحولَ البئْرِ قومٌ يَعْبُدونَ الأَوثان! \".\nهل كان الفادي أَمينًا في النقلِ عن البيضاوي؟\nهل هذا الكلامُ موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي؟\nلِننظرْ!.\nقال البيضاوي: \" ... واخْتُلِفَ في نبوةِ ذي القَرْنَين، مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه..\nوالسائلونَ هم اليهود، سأَلوهُ امتحانًا، أَو مشركو مكة ... \".\nلم يكن الفادي أَمينًا في النقل، وإِنما كان مُحَرِّفًا، ونَسَبَ إِلى البيضاويِّ\nما لم يَقُلْه، وكَذَبَ على رسولِ اللهِ - ﷺ.\nذَكَرَ البيضاويُّ قولَيْن في الذينَ سأَلوا رسولَ الله - ﷺ - عن ذي القرنين،","vol":"1","page":21},{"text":"هل هم اليهودُ أَو المشركون؟\nوالراجحُ أَنَّ الذينَ أَوْصَوْا أَنْ يُسْأَلَ عن ذي القرنين والذين صاغوا السؤالَ هم اليهود، وأَنَّ الذينَ وَجَّهوا له السؤالَ هم\nمشركو مكة، فلا تعارضَ بين القولَيْن اللذين ذَكرهما البيضاوي، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ نَعتبر السائلين مشركي مكة، لأنهم هم الذين وَجَّهوا له السؤالَ مباشرة!.\nولما سُئِلَ عن ذي القرنين انتظرَ حتى يأْتيَه الجوابُ من الله، لأَنه لم يكنْ\nيعلمُ عنه شيئًا، وآتاهُ اللهُ الجوابَ في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) .\nوقد تلاعَبَ الفادي في كلام البيضاوي وحَرَّفَه، لحاجةٍ في نفسِه، فَزَعَمَ\nأَنَّ اليهودَ سألوا رسولَ الله - ﷺ - عن الإِسكندر الأكبر، مع أَنهم سأَلوهُ عن ذي القرنين، وليس عن الإِسكندرِ الأَكبر، والراجحُ عند علماءِ المسلمين أَنَّ ذا القرنَيْن ليس هو الإِسكندرَ الأَكبر!.\nوافترى الفادي على رسولِ الله - ﷺ -، عندما نَسَبَ له حَديثًا موضوعًا، لم يَقُلْه، وهو: \" إِنَّ اللهَ مَكَّنَ له في الأَرض، فسارَ إِلى المكانِ الذي تَغربُ فيه الشمس، فوجَدَها تَغربُ في بئرٍ حَمِئَة، وحولَ البئرِ قومٌ يَعبدونَ الأَصنام \".\nونَشهدُ أَن رسولَ الله - ﷺ - لم يَقُلْ هذا الكلامَ الذي نَسَبَهُ له الفادي المفترِي، فهو ليسَ حَديثًا صَحيحًا ولا حَسَنًا ولا ضَعيفًا، وإِنما هو مكذوبٌ موضوع.\nوبعدما كَذَبَ الفادي المفترِي على رسولِ الله - ﷺ -، افترى على البيضاويِّ فَنَسَبَهُ له، مع أَنه لا يوجَدُ في تفسيرِه إ!.\nوتابَعَ المفترِي افتراءَه على رسولِ إلله - ﷺ - وعلى البيضاوي، عندما قال: \" ...\nوَسارَ إِلى المكانِ الذي تَطلعُ منه الشمس، فاكتشفَ أَنها تطلعُ على قومٍ لا يَسترُهم من الشمسِ بُيوتٌ أَو ثياب! وسارَ في طريقٍ معترضٍ بين مطلع الشمسِ ومغربها إلى الشمال، فوجَدَه يَنْتَهي إِلى جَبَلَيْن، فصَبَّ بينَهما رَدْمًا من","vol":"1","page":22},{"text":"الحدِيد، وكَوَّنَ بذلك سَدًّا مَنيعًا، لا يُدرِكُه إِلّا الله يومَ قيامِ الساعة..\n\"!!\nوهذا كلامٌ مفترىً، لم يَقُلْه رسولُ الله - ﷺ -، ولم يَذْكُرْه البيضاوي..\nونَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاوي قولًا آخر، وذلك في قولِه: \" وقال\nالبيضاوي: إِنَّ ابنَ عباس سمعَ معاويةَ يَقرأُ \" حامِيَة \"، فقالَ: (حمَئَةٍ) فبعثَ\nمعاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار: كيفَ تجدُ الشمسَ تَغرُب؟\nقال: في ماءٍ وطين.. \".\nوكانَ الفادي مُفْتَرِيًا على البيضاوي في هذا النقلِ أَيْضًا، فالذي في تفسيرِ\nالبيضاوي هو: \" في عينٍ حَمِئَة: ذاتِ حَمَأ..\nمن: حَمِئَت البئرُ \" إِذا صارَتْ ذاتَ حَمْأَة..\nوقرأَ ابنُ عامر وحمزةُ والكسائيّ وأَبو بكر: \" حامِيَة \".\nأَيْ: حارَّة..\nولا تَنافي بينَهما، لجَوازِ أَنْ تكونَ العينُ جامعةً للوصْفَين ...\nولعلَّه بلغَ ساحلَ المحيطِ فرآها كذلك..\nوقيلَ: إِنَّ ابْنَ عباسٍ سمعَ معاويةَ يقرأُ\n\" حامِيَة \"، فقال: (حمَئَةٍ) ..\nفبعثَ معاويةُ إِلى كعبِ الأَحبار: كيفَ تجدُ\nالشمسَ تَغْرُبُ؟\nقال: في ماءٍ وطين، كذلك نجدُه في التَّوراة! \" (١) .\nوأَدْعو إِلى المقاربةِ بينَ كلامِ البيضاوي، والكلامِ الذي نَسَبَهُ له الفادي،\nلمعرفةِ افترائِه وتَحريفِه وتَلاعُبه.\nالإِمامُ البيضاويُّ يُريدُ أَنْ يُفَسِّرَ كلمةَ (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) .\nفقال: إِنَها عينٌ ذاتُ حَمَأ.\nوذَكَرَ مِثالًا على هذا المعنى للتَّوضيح.\nفقال: \" يقال: حَمِئَت البئر؟\nإِذا صارَتْ ذاتَ حمأة \".\nوالحَمَأُ هو: الطينُ الأَسودُ المنتنُ المتغَير.\nويُقال: حَمِئَ الماءُ حَمَأً: إِذا كَثُرَ فيه الحَمَأُ، وهو الطِّين، فَتَكَدَّرَ وتَغَيَّرَتْ رائحتُه.\nويقال: حَمَأَت البئرُ:\nأَيْ: أَخْرَجَتْ حَمْأَتَها.\nوالعينُ الحَمِئَةُ هي: التي فيها الحَمَأُ.\nوهو الطّين.\nوقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنه خَلَقَ الإِنسانَ من حَمَأ، فقال تعالى:\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٤٤- حول غروب الشمس فى عين حمئة ومخالفة ذلك للحقائق العلمية\nتغرب الشمس فى عين حمئة، حسب القرآن [الكهف: ٨٦] وهذا مخالف للعلم الثابت. فكيف يقال إن القرآن لا يتناقض مع الحقائق العلمية الثابتة؟ (انتهى) .\nالرد على الشبهة:\nفى حكاية القرآن الكريم لنبأ \" ذو القرنين \" حديث عن أنه إبان رحلته: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب فى عين حمئة ووجد عندها قومًا..) (١) .\nوالعين الحمئة، هى عين الماء ذات الحمأ، أى ذات الطين الأسود المنتن.\nولما كان العلم الثابت قد قطعت حقائقه بأن الأرض كروية، وأنها تدور حول نفسها وحول الشمس، فإن غروب الشمس ليس اختفاء فى عين أو غير عين، حمئة أو غير حمئة.. والسؤال: هل هناك تعارض بين حقائق هذا العلم الثابت وبين النص القرآنى؟.\nليس هناك أدنى تعارض - ولا حتى شبهة تعارض - بين النص القرآنى وبين الحقائق العلمية.. ذلك أن حديث القرآن هنا هو عن الرؤية البصرية للقوم الذين ذهب إليهم ذو القرنين، فمنتهى أفق بصرهم قد جعلهم يرون اختفاء الشمس - غروبها - فى هذه البحيرة - العين الحمئة -.. وذلك مثل من يجلس منا على شاطئ البحر عند غروب الشمس، فإن أفق بصره يجعله يرى قرص الشمس يغوص - رويدًا رويدًا - فى قلب ماء البحر.\nفالحكاية هنا عما يحسبه الرائى غروبًا فى العين الحمئة، أو فى البحر المحيط.. وليست الحكاية عن إخبار القرآن بالحقيقة العلمية الخاصة بدوران الأرض حول الشمس، وعن ماذا يعنيه العلم فى مسألة الغروب.\nوقد نقل القفال، أبو بكر الشاشى محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر [٤٢٩ - ٥٠٧هـ - /١٠٣٧ - ١١١٤م] عن بعض العلماء تفسيرًا لهذه الرؤية، متسقًا مع الحقيقة العلمية، فقال: \" ليس المراد أنه [أى ذو القرنين] انتهى إلى الشمس مشرقًا ومغربًا حتى وصل إلى جِرْمها ومسَّها.. فهى أعظم من أن تدخل فى عين من عيون الأرض، بل هى أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة. وإنما المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة [أى البقاع المعمورة والمأهولة] من جهة المغرب ومن جهة المشرق، فوجدها فى رأى العين تغرب فى عين حمئة، كما أنا نشاهدها فى الأرض الملساء كأنها تدخل فى الأرض، ولهذا قال: (وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سِترا) (٢) . ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسّهم وتلاصقهم، بل أراد أنهم أول من تطلع عليهم.. \" (٣) .\nفالوصف هو لرؤية العين، وثقافة الرائى.. وليس للحقيقة العلمية الخاصة بالشمس فى علاقتها بالأرض ودورانها، وحقيقة المعنى العلمى للشروق والغروب.\nفلا تناقض بين النص القرآنى وبين الثابت من حقائق العلوم.. اهـ (شبهات المشككين)\n_________\n(١) الكهف: ٨٦.\n(٢) الكهف: ٩٠.\n(٣) القرطبى [الجامع لأحكام القرآن] ج١١ ص ٤٩، ٥٠ - مصدر سابق -.","vol":"1","page":23},{"text":"(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) .\nوالحَمَأُ المسْنونُ هو الطينُ الأَسودُ المتغَيِّرُ.\nفالعينُ الحمئةُ هي العينُ ذاتُ الحَمَأ، أَي التي اخْتَلَطَ فيها الماءُ بالطين.\nوذَكَرَ الإِمامُ البيضاويُّ البِئْرَ لتَوضيحِ معنى الحمأ، فقال: مِن حَمِئَتِ البِئْر، إِذا صارَتْ ذاتَ حمأ.\nأَي: اخْتَلَطَ ماءُ البئرِ بالطينِ، فصارت البئْرُ حَمِئَة، اخْتَلَطَ ماؤُها بالطين!.\nوذَكَرَ البيضاويُّ أَنَّ في \" حَمِئَة \" قراءَتَيْن:\nالأُولى: قراءةُ نافع وابنِ كثير وأَبي عمرو ويعقوب ورواية حفص عن\nعاصم: (حِمَةٍ) بالهمز، ومَعْنى: (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ): عينٍ اخْتَلَطَ ماؤُها\nبالحَمَأِ والطين.\nالثانية: قراءةُ ابنِ عامر وحمزة والكسائي وخلف وأَبي جعفر ورواية أَبي\nبكر عن عاصم: \" حامِيَة \".\nومعنى: \" في عينٍ حامِيَة \": عينٍ حارَّةٍ.\nوذكرَ البيضاويُّ: أَنَّ ابنَ عباسٍ كان يقرأُ: (فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) بالهمزة،\nبينما كانَ معاويةُ بنُ أَبي سفيان - ﵄ - يقرأُ: \" في عينٍ حامِيَة \".\nوروى البيضاويُّ: أَنَّ معاويةَ - ﵁ - بعثَ إِلى كعبِ الأَحبارِ يسأَلُه: كيفَ تجدُ الشمسَ تغرب؟\nقال: \" تغربُ في ماءٍ وطين، كذلك نجدُه في التوراة \".\nوبدأَ البيضاويُّ الروايةَ بصيغةِ \" قيل \"، وهي صيغةٌ دالَّةٌ على التمريضِ\nوالتضعيف! ومعناها أَنَّ الروايةَ لم تَثْبُتْ!!.\nولما نَقَلَ الفادي المفترِي الروايةَ حَذَفَ من كلامِ كعبِ الأَحبار الجملةَ\nالأَخيرة: \" كذلك نجدُهُ في التوراة \"، لئلا يُثبتَ هذا الكلامَ في التوراة!! مع أَنَّ الروايةَ لم تَثبت كما قلنا!!.\nوبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ، عندما نَسَبَ للبيضاوي قولَه: إِنَّ\nالشمسَ تغربُ في ماءٍ وطين، وهذا معناهُ أَنها تَغيبُ في بئرٍ حمئة! مع أَنَّ\nالبيضاويَّ لم يَقُلْ ذلك أَبَدًا.","vol":"1","page":24},{"text":"وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ: إِنَّ الشمسَ كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حَمِئَة،\nوالرسولُ - ﷺ - لم يَقُلْ: إِنها كانتْ تَغيبُ في بئْرٍ حمئة!.\nوبهذا نعرفُ أَنَّ الفادي خبيثٌ مُغْرِض، عندما طَرَحَ سؤالَه المشَكِّكَ\nقائلًا: \" ونحنُ نسأل: إِذا كانت الشمسُ أَكبرَ من الأَرضِ مليونًا وثلاثمئة أَلْف مَرَّة، فكيفَ تَغْرُبُ في بئرٍ رآها ذو القَرنين، ورأى ماءَها وطينَها، ورأى النّاسَ الذينَ عندها؟\n! \".\nإِنَّ هذه الأُكذوبةَ الخُرافيةَ لم تَرِدْ في القرآن، ولم يَقُلْها أَحَدٌ من\nالمسلمين، وإِنما اخْتَلَقَها الفادي المفترِي، وجَعَلَها خطأً جغرافيًا في القرآن!.\nبَقِيَ أَنْ نُبينَ معنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) .\nعندما توجَّهَ ذو القرنين نحوَ الغربِ تابَعَ سيرَه حَتّى وَصَلَ إِلى مكانٍ\nتَلْتَقي فيه اليابسةُ مع الماء، ولعلَّ هذا كان عندَ شاطئ أَحَدِ البِحار، ولا دَليلَ\nعلى تحديد ذلك المكان، فهو من مبهماتِ القرآن!.\nولعلَّ المكانَ الذي وَقَفَ فيه ذو القرنين كان عندَ مَصَبِّ أَحَدِ الأَنهارِ في ذلك\nالبَحر، ويبدو أَنَّ ماءَ النهر في ذلك اليوم كان مختَلِطًا بالتراب، فكانَ \" حَمِئًا \".\nولما وقفَ ذو القرنَين في ذلك المكان، نَظَرَ أَمامَه إِلى الشمسِ وهي\nتَغربُ وَتَغيب، فرآها (تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) .\nأَيْ أَنَّ قُرْصَ الشمسِ سَقَطَ أمامَه في الماءِ المختلطِ بالتراب، الذي يَقذفُه النهرُ في البَحر، وبذلك رآها تغربُ في عينٍ حَمِئَة!.\nوهذا أَمْرٌ لا يَدعو للعجب أَو الغرابةِ أَو الإِنكار.\nوقد عَلَّقَ الإِمامُ\nالبيضاويُّ على ذلك بقوله: \" ولعلًّه بَلَغَ ساحلَ المحيط، فرآها كذلك، إِذْ لم\nيكنْ في مَطمحِ بَصَرِه غيرُ الماء، ولذلك قال: (وَجَدَهَا تَغرُبُ) ولم يَقُل: كانتْ تَغْرُب..\".","vol":"1","page":25},{"text":"وبهذا نعرفُ كَذِبَ وافتراءَ الفادي، عندما اتَّهَمَ القرآنَ والرسول - ﷺ - بالقول بأَنَّ الشمس \" تغرب في بئر حمئة \".\nثم طرحَ سؤالَه التشكيكي الخَبيث، والقرآنُ مُنَزَّهٌ عن ادِّعاءِ وافتراءِ الفادي، حتى البيضاوي لم يقلْ ما نسبَه له ادعاءً وافتراءً.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>هل الأرض ثابتة لا تتحرك</span>؟\nزَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ أَخطأَ في حديثِه عن خَلْقِ الأَرْض، عندما قال:\nإِنَّ الأَرضَ ثابتةٌ لا تَتَحرك! وهذا خطأٌ جغرافيٌّ فَلَكي، لأَنَّ دورانَ الأَرضِ\nبدهيةٌ مُسَلَّمة!.\nوأَوردَ الفادي آياتٍ من سور: الرعد وَالنحل والحجر والأنبياء ولقمان،\nكلُّها تُقرِّرُ ثَباتَ الأَرضِ وعدمَ حركتِها أَو دورانِها!.\nقال: \" جاءَ في سورةِ لقمان: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) .\nوجاءَ في سورةِ الرعد: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ) .\nوجاءَ في سورةِ الحجر: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) .\nوجاءَ في سورةِ النحل: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) .\nوجاءَ في سورةِ الأَنبياء: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) .\nاختارَ الفادي خمسَ آياتٍ من خمسِ سُوَر، تتحدثُ عن الجبال\nالرواسي، التي ثَبَّتَ اللهُ بها الأَرض، لئلا تَميدَ وتضطربَ بأَهْلِها.\nورجعَ إِلى تفسيرِ البيضاوِيّ ليأخذَ منه تفسيرَ الآيات.\nقال: \" وقال البيضاويّ تفسيرًا لآيةِ الأَنبياء: (أَن تَمِيدَ بِكم) \" كراهةَ أَنْ تَميدَ بهم \".\nوقال تفسيرًا لآيةِ الرعد: (وَهُوَ اَلَذِى مَدَّ اَلارضَ): \" بَسَطَها طولًا وعَرْضًا،","vol":"1","page":26},{"text":"لتَثبتَ عليها الأَقدام، ويتفلَّبُ عليها الحيوان \".\nوأَجملَ البيضاويّ تفسيرَ هذه الآياتِ بما فَسَّرَ به آية سورة النحل، فقال: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ): أَي: كراهةَ أَنْ تَميلَ بكم وتضطرب.\nلأَنَّ الأَرضَ قبلَ أَنْ تُخْلَقَ فيها الجبالُ كانت كُرَةً خفيفةً، بَسيطةَ الطبع، وكانَ من حَقِّها أَنْ تتحركَ بالاستدارةِ كالأفلاك، أَو أَنْ تتحركَ بأَدنى سببٍ للتحريك..\nفلما خُلقت الجبالُ على وجهِها تَفاوتَتْ جوانبُها، وتوجهَت الجبالُ نحو\nالمركز، فصارَتْ كالأَوتادِ التي تمنَعُها عن الحركة ...\nوقيل: لما خَلَقَ اللهُ الأَرضَ جَعَلَتْ تَمور، فقالَت الملائكة: ما هي بِمَقَرّ أَحَدٍ على ظهرِها، فأَصبحتْ وقد أُرسيتْ بالجبالِ ...\nالآياتُ الخمسُ التي أَوردَها الفادي صريحةٌ في أَنَّ اللهَ جَعَلَ الجبالَ رواسيَ\nمُثَبِّتَةً للأَرض، لئلّا تَميدَ الأَرضُ وتضطربَ وتتحركَ بأَهلها، ولولا هذه الجبالُ لاضطربَت الأَرضُ بأَهْلِها.\nفهي رَواسٍ تستقرُّ بها الأَرض، وهي أَوتادٌ تُثَبّت الأَرض.\nقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) .\nونتحفَّظُ على كلامِ الإِمامِ البيضاويّ، الذي ذَكَرَ فيه أَنَّ الأَرضَ كانت\nتَمورُ وتتحرك، لأَنه لا دليلَ له على ذلك، لا من القرآن ولا من السنّة، كما نتحفظُ على كلامِه الذي نَسَبَ فيه للملائكةِ قولَهم: إِنَّ الأَرضَ لا تصلحُ أَنْ تكونَ مَقَرًًّا لأَحَدٍ على ظهرِها! لأَنه لا دليلَ له على هذا الكلام الذي نَسَبَه لهم، لا من القرآنِ، ولا من السنّةِ الصحيحة! ومعلومٌ أَنَّ أَنباءَ الماضي لا تُؤْخَذُ إِلّا من آيةٍ صريحة، أَو حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ للنبي - ﷺ -.\nوقد صَدَّرَ البيضاويُّ كلامَه بصيغةِ \" قِيلَ \"، الدالة على التشكيكِ والتَّوْهين!.\nوبعدَ ذلك سَجَّلَ الفادي تَساؤُلَه الخَبيث، فقال: \" ونحنُ نسأل: إِذا كان\nواضحًا أَنَّ الأَرضَ تَدورُ حولَ نفسِها مرةً كُلَّ أَربعٍ وعشرينَ ساعة، وينشأُ عن تلك الحركةِ الليلُ والنهار، وتَدورُ حولَ الشمسِ مع كل سنة وينشأُ عن ذلك","vol":"1","page":27},{"text":"الدورانِ الفصولُ الأربعة، فكيفَ تكونُ الأَرضُ ممدودةً مبسوطةً ثابتةً لا\nتتحرك، وأَنَّ الجبالَ تَمنَعُها عن أَنْ تَميد؟! ...\nوهَدَفُ الفادي من طرحِ سُؤالِه تَخْطِئَةُ القرآنِ، في حديثِهِ عن الجبالِ\nالمثَبِّتَةِ للأَرض، التي تَمْنَعُها عن الحركة، لأَنَّ الأَرضَ تتحركُ حولَ نفسها،\nوتَدورُ حولَ الشمس!!.\nوالفادي جاهلٌ باللغةِ وبالعلمِ وبالفلك، عندما اعتبرَ القرآنَ مُخطئًا، في\nحديثهِ عن الجبالِ الرواسي، التي ثَبَّتَ اللهُ بها الأَرض، لئلّا تَميدَ وتضطربَ\nبأَهْلِها.\nلقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الجبالَ مثبتةٌ للأَرض، حيثُ جعلَها الله رواسيَ\nوأَوتادًا لئلّا تَميدَ الأَرضُ، كما نَصَّتْ على ذلك الآيات ُ السابقة.\nوهذا هو الصوابُ بعينِه، فالجبالُ عاملُ تَوازنٍ في الأَرض، ولولاها لمادَت الأَرضُ واضطربَتْ، ولذلك سَمّاها اللهُ رواسيَ وأَوتادًا.\nوسُمِّيتْ \" رواسيَ \" لأَنها أَشبهُ ما تكونُ برواسي السَّفينة، التي تحفظُ تَوازُنَها.\nوسُميتْ \" أَوتادًا \" لأَنها أَشبهُ ما تكونُ بِأَوتادِ الخيمة، التي تُرْبَطُ بها حِبالُها، فتحفظُ تَوازُنَها ولا تَسقط.\nفالجبالُ تحفظُ تَوازُنَ الأَرض، فلا تَميدُ ولا تَضطرب، ولا تَميلُ ولا تتأرجح..\nوليس معنى هذا أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ الأَرضَ ثابتةٌ، لا تَتحركُ ولا تَجري\nولا تَسير، كما فَهمَ ذلك الفادي الجاهل، واعتَبَرَه خَطَأً جغرافيًّا فلكيًّا في\nالقرآن، واعْتَبَره متعارضًا مع دورانِ الأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس، الذي هو \" بدهية فلكية \" في العصرِ الحديث.\nلقد صَرَّح القرآنُ بأَنَّ الجبالَ تَحفظُ تَوازنَ الأَرض، فلا تَميدُ بأَهْلِها.\nولذلك خاطبَ الناسَ بذلك: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) .\nفَمنْعُ المَيْدِ والاضطرابِ خاصّ بالبَشَر، ولكنَّ هذا لا يمنَعُ دورانَ\nالأَرضِ حولَ نفسِها وحولَ الشمس، وكونُ الجبالِ رواسيَ وأَوتادًا لا يَعني","vol":"1","page":28},{"text":"أَنها لا تَدورُ دورانَها المعْروف، إِنَّنا نوقنُ أَنَّ الأَرضَ تدورُ حولَ نفسِها مرةً\nكُلَّ أَربعٍ وعشرين ساعة، فينتجُ عن ذلك الليلُ والنهار، كما أَنَّنا نوقنُ أَنَّها\nتَدورُ حولَ الشمسِ مرةً كُل سنة، فينتجُ عن ذلك الفصولُ الأَربعة.\nولكنَّ الأَرضَ ثابتةٌ أَثناءَ دورانِها وحركتِها، وهي \" متوازنةٌ \" أَثناءَ هذا\nالدوران اليوميّ والسَّنَوي، والذي جعلَها ثابتةً متوازنة في دورانِها هو الجبالُ\nالرواسي الأَوتاد.\nفدورانُها لا يمنعُ توازُنَها، وتَوازُنُها لا يُلغي دورانَها، فهي\nثابتةٌ متوازنةٌ، متحركةٌ جارية، وليستْ ثابتةً ساكنةً، واقفةً جامدة!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>كيفَ تُرْجَمُ الشياطينُ بالنجوم</span>؟\nخَطَّأَ الفادي المفترِي القرآن، لأَنه صَرَّحَ بأَنَّ اللهَ جعلَ النجومَ رُجومًا\nللشياطين.\nوقد نَصَّ القرآنُ على ذلك.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) .\nوقال تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) .\nوقال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) .\nتَذْكُرُ هذه الآياتُ وظيفتَيْن من وظائفِ النجومِ والكواكب:\nالأُولى: تَزيِينُ السماءِ الدُّنيا وتَجميلُها، فهي في الليلةِ الصافيةِ تكونُ\nمضيئةً متلَأْلِئَة، تُرْسِلُ أَضواءَها الجميلة، فتبدو السماء في أَفضلِ أَحوالِها،\nوأَجملِ صُوَرِها: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) .\n(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) .","vol":"1","page":29},{"text":"الثانية: حِفْظُ السماءِ من صُعودِ الشياطينِ إِليها، فالشياطينُ يُريدونَ\nالصعودَ إِلى السماءِ الدنيا، لِيَتَسَمَّعوا إِلى الملأ الأَعْلى الذينَ فيها من\nالملائكة، لعلَّهم يَسمعونَ منهم كلمةً مما أَمرهم اللهُ بإِنفاذِه في عالَمِ البشر،\nفَيهبطون فَورًا إِلى الأَرض، ويُقَدمونَ ما سَمِعوه إِلى أَعوانِهم من الكهنةِ\nوالسحرةِ والدَّجّالين، فيُخبرونَ الناسَ بذلك، ويوهمونَهم بأَنهم يعلمونَ الغيب.\nوحتى لا ينجحَ الشياطينُ في استراقِ السمع، فإِنَّ اللهَ جَعَلَ على السماءِ\nحُرّاسًا من الملائكة، يَحْفَظونها من الشياطين، وإِذا حاولَ أَحَدُ الشياطين\nالاقترابَ من السماءِ قَذَفوهُ بشهابٍ ثاقب من تلك النجومِ والكواكب، بأَنْ\nيَأخُذوا قطعةً من النجمِ المُشْتَعِل، فيضربوا بها الشيطان، فيَحترقَ ويَموت!!.\nفمعنى قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ) أَنَّ اللهَ يأمرُ الملائكةَ\nالحُرَّاسَ على السماءِ الدنيا أَنْ يَأخُذوا رُجومًا وحجارةً وشُهُبًا مشتعلةً من\nالنجوم، ويَرْجُموا ويَرْموا بها الشياطين.\nومعنى قوله تعالى: (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ):\nأَنَّ اللهَ حفظَ السماءَ بالنجومِ من كلِّ شيطانٍ مارد، وبذلك\nامتنعَ الشياطينُ من التَّسمُّعِ لكلامِ الملائكةِ في الملأ الأَعلى، فإِذَا حاوَلوا\nالتسمُّعَ فإِنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونهم بالشُّهُبِ الثاقبةِ من كُلِّ جانب، وإِذا\nهَرَبَ شيطانٌ بكلمةٍ خَطَفَها فإِنَّ الحُرّاسَ يَتْبَعونَه ويَرْمونَه بشهابٍ ثاقبٍ من تلك النجومِ فيحترق.\nفالآياتُ صريحةٌ في أَنَّ حُرّاسَ السماءِ الدنيا من الملائكة يَرْجُمونَ\nالشياطينَ بشُهُبِ ثاقبةٍ مشتعلة من النجوم.\nوهذا بَعْدَ نبوةِ محمد - ﷺ -، أَمّا قبلَ نُبُوَّتِه فلم يكنْ ذَلك، وقد وَرَدَ هذا صريحًا في القرآن، عندما أَخْبَرَنا عن كلَامِ الجِنِّ المؤمنين.\nقال تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) .","vol":"1","page":30},{"text":"يُخبرُ الجنُّ أَنَّهم كانوا يَقْتَرِبون من السماء، ويَتَسَمَّعونَ كلَامَ الملأ الأَعلى\nفيها، ويُبَلِّغونَ ما يَسمعونَ إِلى الكهنةِ والسحرة، فلما بَعَثَ اللهُ محمدًا نبيًا - ﷺ - حاوَلوا الاقترابَ من السماءِ للتَّسَمُّعِ، فَمُنِعوا من ذلك، وَوَجَدوها مليئةً بالحَرَسِ الأَشدّاءِ من الملائكة، وبالشُّهُبِ المشتعلةِ من النجوم، يَضربونَ بها مَنْ يُحاولُ الاقترابَ من السماء.\nوبهذا المعنى فَسَّرَ ابنُ عباس - ﵄ - الآيات.\nروى الترمذيُّ والنَّسائيُّ وأَحمد عن ابنِ عباس قال: \" كان الجِنُ يَصْعَدونَ إِلى السماء، يَسْمَعونَ الوحي، فإِذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تِسْعًا، فأَمَّا الكلمةُ فتكونُ حَقًّا، وأَمّا ما زادَ فيكونُ باطلًا، فلما بُعثَ رسولُ اللهِ - ﷺ - مُنِعوا مَقاعِدَهم، فذَكَروا ذلك لإِبليس، ولم تكن النُّجومُ يُرْمى بها قبلَ ذلك، فقالَ لهم إِبليسُ: ما هذا إِلّا من أَمْرٍ قد حَدَثَ في الأَرض، فَبَعَثَ جُنودَه، فوَجدوا رسولَ الله - ﷺ - قائِمًا يُصَلِّي\nبينَ جبلَيْنِ بمكة، فأَتوهُ فأَخْبَروه، فقال: هذا الذي حَدَثَ في الأَرض ...\nوهذه الحقيقةُ القرآنيةُ لم تُعجب القِسّيسَ الفادي، واعْتَبَرَها لجهلِه خَطأً\nجغرافيًا وَقَعَ فيه القرآن، لأَنه يَتعارضُ مع عِلْمِ الفَلَك، وبعدَ أَنْ أَوردَ كلامًا\nللبيضاويِّ في تفسيرِ الآياتِ السابقةِ طَرَحَ سؤاله التشكيكيَّ، فقال: \" ونَحنُ\nنَسألُ: إِذا كانَ كُلُّ كوكبٍ هو عالم ضخم، والكواكبُ هي ملايينُ العوالمِ\nالضخمة، تَسْبَحُ على أَبْعادٍ شاسعةٍ في فَضاءٍ لا نَهائِيّ، فكيفَ نتصوَّرُ الكواكبَ كالحجارة، يُمسكُ بها مَلاكٌ في حَجْمِ الإِنسان، ليضربَ بها الشيطان، مَنْعًا له من استماعِ أَصواتِ سُكانِ السماء؟\nهل كلّ هذه الأَجرامِ السماويةِ خُلِقَتْ لتكونَ ذَخيرةً أَو عَتادًا حربيًّا كالحجارةِ لرجْمِ الشيطان، حتى اشْتَهَرَ اسْمُه بالشَّيْطانِ الرجيم؟\n! وكيفَ يَطْرَحُ الملائكةُ الكواكبَ؟\nوكيفَ يُحْفَظُ توازُنُ الكونِ إِذا سارَتْ في غير فَلَكِها؟! \".","vol":"1","page":31},{"text":"وقد طَرَحَ الفادي أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكيةَ بأُسلوبٍ تَهَكُّميٍّ، ولهجةٍ\nساخرة، تدلُّ على تهكُّمِه بالقرآن، وعَدَمِ احترامِه له، وعَدَمِ أَدَبِه معه، وهذا أُسلوبٌ لا يَليقُ به، باعتبارِه قِسّيسًا ورجلَ دينٍ نصرانيًا!.\nواعتراضُه على كَلامِ القرآنِ يَدُلُّ على جَهْلِه، حيثُ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ النجومِ\nوالكواكبِ في الفضاءِ حجارةٌ وعَتادٌ حربي، لضَرْبِ الشياطين التي تُحاولُ\nالصعودَ إِلى السماء، وظَنَّ أَنّ الملَكَ الحارسَ بحجْمِ الإِنسان، أَيْ أَنَّ حَجْمه\nلا يَكادُ يَزيدُ على مئةِ كيلوغرام، فكيفَ يَحملُ بين يَدَيْه نَجْمًا، يَزِنْ مَلايين\nالكيلوغرامات؟!.\nإِنَّ هذا الظَّنَّ السخيفَ يدلُّ على غَباءِ الفادي وسخافةِ تفكيره..\nلقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الملائكةَ الحُرّاسَ يَقْذِفونَ على الشياطينِ الصاعدةِ\nشُهُبًا ثاقِبَة، ولم يَقُلْ: إِنَ أَحَدهم يَحملُ كوكبًا يَزِنُ ملايينَ الأَطْنان!.\n(إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠) .\nفمعَ المَلَكِ شِهابٌ مُشْتَعِلٌ، وهذا الشِّهابُ يكونُ مأخوذًا من النجمِ المشتعل.\nوهناك نجومٌ مشتعلةٌ ملتهبةٌ مثْلُ الشمس، وهناك نُجومٌ باردةٌ مظلمةٌ مثْلُ القَمَر ...\nفلم يَقُل القرآنُ: إِنَّ كُلَّ النجومِ والكواكبِ التي تُعَدُّ بالمليارات حجارةٌ لضَرْبِ الشياطين، إنما أَخْبَرَ أَنَّ معَ الملائكةِ الحُرّاسِ شُهُبًا مُبينَةً مُشْتَعِلَة، مأْخوذةً من النجوم النارية..\nوالشِّهابُ صَغيرُ الحجمِ يَقْدِرُ الطفلُ على حَمْلِه، فما بالك بالمَلَكِ الضخمِ القويِّ؟!.\nومَن الذي قالَ للفادي: إِنَّ حَجْمَ المَلَكِ بحَجْمِ الإِنسان؟\nإِنَّ المَلَكَ\nضخمٌ كَبيرٌ عظيم، كما قل تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) .\nوبما أَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا في القرآنِ أَنه جعلَ النجومَ رُجومًا للشياطين، وأَنَّ\nالملائكةَ الحُرّاس يأخُذونَ منها الشُّهُبَ الثاقبة يَرْمونَ بها الشياطين، فهو الكلامُ الصحيحُ الصائب، ولا نَجِدُ فيه خَطَأً فَلَكيًا أَو جغرافيًا، ولا يَتَعارَضُ مع العقل (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦٧- هل النجوم رجوم الشياطين؟\nالرد على الشبهة:\nإن الإسلام دين، وهو موحى به من رب العالمين يخبرنا عن صدق ويقين، وهو القائل سبحانه: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) (١) . والإسلام ليس بدعًا من الأديان ولذلك نرى أن الكتب المقدسة تذكر ذلك؛ فإن الله تعالى يقول:\n(وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرسًا شديدًا وشهبًا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدا) (٢) . قال ذلك حكاية عن الجن. وليس المعنى كما فهم المؤلف، وإنما المعنى هو أن الله جعل على السماء حراسًا من الملائكة، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين. وهى الشهب. فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف فى يد الجندى المحارب.\nوفى الإصحاح الثالث من سفر التكوين؛ أن الله لما طرد آدم من الجنة وهى جنة عدن، ليعمل الأرض التى أُخذ منها، أقام شرقى جنة عدن ملائكة تسمى الكروبيم، ووضع لهيب سيف متقلب فى أياديهم لحراسة طريق شجرة الحياة: \" فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التى أُخذ منها؛ فطرد الإنسان، وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة \" (٣) .\nويقول المفسرون: \" إن الكروبيم من الملائكة المقربين. وهو فى الفارسية بمعنى الحارس \". وكان عملهم وقت طرد آدم هو \" حراسة الفردوس؛ لئلا يرجع الإنسان إليه \".\nوفى القرآن تفسير الشهب بشواظ من نار. فى قوله تعالى: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان * فبأى آلاء ربكما تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) (٤) .\nفقد جعل للجن غير ما جعل للإنس من أدوات العقاب. ولم يجعل للجن كواكب تُرمى بها كالقمر والشمس، وإنما جعل للجن \" شواظ \" أى \" شهب \". اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الكهف: ٥١.\n(٢) الجن: ٨ - ٩.\n(٣) تك ٣: ٢٣-٢٤.\n(٤) الرحمن: ٣٣ - ٣٥.","vol":"1","page":32},{"text":"وبهذا نَعرِفُ أَنَّ اعتراضَ الفادي في غيرِ مكانِه، وأَنَّ تَهَكُّمَه على\nالقرآنِ لعيبٍ فيه، وأَنَّهُ خَطَّأَ الصّوابَ!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>هل السموات سبع والأراضي سبع</span>؟\nاعترضَ الفادي على كونِ السمواتِ سَبْعًا، وأَنَّ كلَّ سماءٍ منها سقفٌ\nأَملسُ على وشَكِ السُّقوط، كما اعترضَ على كونِ الأَراضي سَبْعًا، واعتبرَ هذا خطأً في القرآن.\nأَوردَ آياتٍ صريحةً في أَنَّ اللهَ خَلَقَ السمواتِ سَبْعًا؟\nمنها قولُه تعالى:\n(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) .\nومنها قولُه تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ...\nومنها قولُه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) .\nواعترضَ لجهلِه على كونِ السمواتِ سَبْعًا، فقال: \" واضحٌ من هذه الآيات، معَ تفسيرِ البيضاويِّ لها، أَنَّ اللهَ خَلَقَ السماءَ التي فوقَنا، وهي سقْفٌ أَمْلَسُ واسع، وفوقَهُ ستّ سموات، كالسُّقوف، بعضُها فوق بعض..\nفكيفَ يكونُ الفضاءُ اللّامتناهي سَقْفٌ أَمْلس، وأَنه يوجَدُ فوقه سبعةُ سُقوفٍ من هذا النوع؟! \" (١) .\nواعتراضُه على هذه الحقيقة دال على جهلِه، واعتبارُه هذا خطأً فلكيًا في\nالقرآن بسببِ تحامُلِه وحقدِه على القرآن.\nوقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللهَ خَلَقَ سبعَ سموات، وجاءَ هذا التصريحُ القرآنيُّ\nفي سبعِ آياتٍ صريحة، وهذا \" التَّوافُقُ العدديّ \" مقصودٌ في القرآن!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦٨- القرآن يتناقض مع العلم\nإنه جاء فى القرآن أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن. فكيف يقول عن أرضنا وهى واحدة من ملايين الكواكب - إنه يوجد سبعة مثلها؟\nوفى القرآن: (أن السماء سقفًا محفوظًا)، وأن الله يمسكها لئلا تقع. فكيف يقول عن الفضاء غير المتناهى: إنه سقف قابل للسقوط؟\nوفى القرآن أن الله زين السماء الدنيا بمصابيح. فكيف يقول عن ملايين الكواكب التى تسبح فى هذا الفضاء غير المتناهى إنها مصابيح؟\nالرد على الشبهة:\nهذا السؤال مكون من ثلاثة أجزاء:\nالجزء الأول: هو أنه ليس فى العالم سبعة أرضين. فكيف يقول عن الأرض: إنها سبعة كما أن السموات سبعة؟ وقول المؤلف إن الأرض سبعة؛ أخذه من بعض مفسرى القرآن الكريم. وهو يعلم أن المفسرين مجتهدون، ويصيبون ويخطئون. والرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو: أن نص الآية هو: (الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علمًا) (١) .\nإنه أتى ب - (مِنْ) التى تفيد التبعيض؛ لينفى العدد فى الأرض. وليثبت المثلية فى قدرته. فيكون المعنى: أنا خلقت سبع سموات بقدرتى، وخلقت من الأرض مثل ما خلقت أنا السماء بالقدرة. ولهذا المعنى علّل بقوله: (لتعلموا أن الله على كل شىء قدير) .\nوبيان التبعيض فى الأرض: هو أن السماء محكمة، وأن الأرض غير محكمة. وهى غير محكمة لحدوث الزلازل فيها، وللنقص من أطرافها.\nوقد عبّر عن التبعيض فى موضع آخر فقال: (أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها) (٢) . والنقص من الأطراف يدل على أن الباقى من الأرض ممسوك بقدرة الله، كما يمسك السماء كلها.\nوالجزء الثانى: هو أن السماء سقف قابل للسقوط.\nوالرد عليه فى هذا الجزء من السؤال هو: أن كل لغة فيها الحقيقة وفيها المجاز. والتعبير على المجاز. فإن السماء شبه سقف البيت، والمانع للسقف من السقوط على الحقيقة هو الأعمدة، وعلى المجاز هو الله؛ لأن كل شىء بقدرته. ولذلك نظير فى التوراة وفى الإنجيل: \" بالكسل يهبط السقف \". وفى ترجمة أخرى: \" من جراء الكسل ينهار السقف. وبتراخى اليدين يسقط البيت \" [جامعة ١٠: ١٨] يريد أن يقول: إن الكسل يؤدى إلى الفقر، والفقر يؤدى إلى خراب البيوت. وعبر عن الخراب بانهيار السقف. والسقف لا ينهار بالكسل، وإنما بهدّ الأعمدة التى تحمله. وفى سفر الرؤية: \" فسقط من السماء كوكب \" [رؤ ٨: ١٠] كيف يسقط كوكب من السماء بغير إرادة الله؟ وفى سفر الرؤية: \" ونجوم السماء سقطت \" (رؤ ٦: ١٣]، ويقول عيسى ﵇: إن العصفور لا يقع إلى الأرض إلا بإرادة الله: \" أما يباع عصفوران بفَلْس واحد. ومع ذلك لا يقع واحد منهما إلى الأرض خفية عن أبيكم \" [متى ١٠: ٢٩] . وفى الرسالة إلى العبرانيين: \" حقًا ما أرهب الوقوع فى يدى الله الحى؟ \" [عب ١٠: ٣١] .\nوالجزء الثالث: وهو أنه كيف يقول عن الكواكب إنها مصابيح؟ والمؤلف دل بقوله هذا على إنكار الواقع والمشاهد فى الحياة الدنيا، ودل أيضًا بقوله هذا على جهله بالتوراة وبالإنجيل. ففى سفر الرؤية: \" كوكب عظيم متقد كمصباح \" [رؤ ٨: ١٠]، \"وأمام العرش سبعة مصابيح \" [رؤ ٤: ٥]، وجاء المصباح على المجاز فى قول صاحب الأمثال: \" الوصية مصباح والشريعة نور \" [أم ٦: ٢٣] . اهـ (شبهات المشككين)\n_________\n(١) الطلاق: ١٢.\n(٢) الأنبياء: ٤٤.","vol":"1","page":33},{"text":"ولا يَعرفُ العلمُ البشريُّ القاصرُ إلّا شيئًا قليلًا عن السماءِ الدنيا، وهو\nلا يَعرفُ شيئًا عن السمواتِ السِّتِّ الأُخرى التي فوقَها، لأَنه غَيْرُ مُؤَهَّل\nللبحث فيها، ويجبُ عليه أَنْ يعترفَ بعَجْزِه وقُصوره، وأَنْ يَكِلَ العلمَ بتلك\nالسمواتِ السِّتِّ إِلى اللهِ العليم الخبير، وأَنْ يأخذ ما ذكرَه اللهُ عنها في القرآن بالقَبولِ والتسليم، وأَنْ لا يُكَذِّبَ بما لا علْمَ له به!.\nفالسمواتُ سبْعٌ طِباق، كلُّ سماء سقفٌ لما تحتَها، وأَساسٌ لما فوقَها.\nقالَ تعالى: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) .\nوقال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) .\nوقالَ تعالى: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) .\nولم يَخترق السمواتِ السبعَ إِلّا رسولُنا - ﷺ -، عندما أَسرى اللهُ به من المسجدِ الحرامِ إِلى المسجدِ الأَقصى، ثم عَرَجَ به إِلى السماء، وَوَصَلَ به إِلى سدرةِ المنتهى..\nوَوَصفَ لنا رسولُ الله - ﷺ - السمواتِ السَّبْعَ في أَحاديثَ صحيحة!\nوعلينا أَنْ نأخذَ المعلوماتِ الغيبيةَ المذكورةَ في القرآن، وأَنْ نَتَلَقّاها\nبالقَبولِ والتسليم، وأَنْ نعترفَ بقُصورِ علْمِنا، بدلَ أَنْ \" نَتَعَالَمَ \" على القرآن، ونُخَطّئ ما فيه من صواب، كما فَعَلَ هذا الفادي!.\nوكما خَطَّأَ الفادي القرآن في كلامِهِ عن السبعِ سموات خَطَّأَهُ في إِشارتِه\nإِلى أَنَّ الأَرْضَ سبعُ أَرَضينَ أَيضًا.\nولم تَرِدْ هذه الإِشارةُ إِلّا مَرَّةً واحدةً في القرآن، ودْلك في قولهِ تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) .\nواعترض على الآيةِ بقولِه: \" وخَلَقَ اللهُ الأَرضَ، التي نحنُ عليها،\nولسِتَّ أَراضٍ مِثْلَها.. فجملةُ السمواتِ والأَراضي أَربع عَشرة ...\nفكيفَ يقولُ القرآنُ: إِنَّ أَرضنا - وهي واحدةٌ من ملايينِ الكواكب والسياراتِ والأَقمارِ والشُموس - يوجَدُ سبعةٌ مثْلُها؟ \"،","vol":"1","page":34},{"text":"لقد فهمَ الجاهلُ من قولِه تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أَنَّ القرآنَ يقولُ\nبوجودِ سَبْع أَرضين، كلُّ واحدةٍ كوكبٌ مثلُ كوكَبنا، وأَرضٌ مثْلُ أَرْضنا، وكلُّ واحدةٍ مستقلَّةٌ عن الأُخْرَياتِ مثلُ أَرضِنا، وكلُّ واحدةٍ صالحةٌ للحياةِ مثلُ أَرضِنا، وكلّ واحدةٍ عليها أَحياءٌ مِثْلُنا!! وهذا ما لم يَقُلْهُ القرآن!.\nكلُّ ما قالَه القرآنُ أَنَّ اللهَ خَلَقَ سبعَ سموات، وأَنه خَلَقَ من الأَرْضِ\nمِثْلَهن: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .\nونرى أَنَّ هذه الجملةَ ليستْ نَصًا قرآنيًّا صريحًا في أَنَّ اللهَ خَلَقَ الأَرضَ سَبْعَ أَرَضين، كما خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طباقًا، ولهذا اختلفَ المفسرون في فهم هذه الجملةِ القرآنية!!.\nوفي المرادِ بالمثليةِ في قولِه تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) قولان:\nالأَول: هي مثليةٌ في الخَلْق.\nفاللهُ خَلَقَ سَبْعَ سموات، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) .\nوعلى هذا القولِ يكونُ حرفُ الجَرِّ \" مِنْ \" للبَيان.\nوتكونُ (الْأَرْضِ) مجرورةً لفظًا، منصوبةً مَحَلًّا، لأَنها معطوفةً على (سَبعَ) المنصوبةِ قبلَها، لأَنها مفعولٌ به.\nو(مِثْلَهنَّ): حالٌ منصوب.\nوصاحِبُ الحالِ هو \" الأَرض \".\nوالتقدير: اللهُ الذي خَلَقَ سبعَ سموات، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَهن.\nووجْهُ الشبهِ بينَ السمواتِ السبعِ والأَرضِ هو الخلق، والمثليَّةُ هنا هي المثليةُ في الخَلْق.\nفالسمواتُ السبعُ مخلوقة، والأَرضُ مثلهن مخلوقة!.\nالثاني: هي مثليةٌ في العَدَدِ، بالإِضافةِ إِلى المثليةِ في الخَلْقِ.\nفاللهُ خَلَقَ السماءَ سَبْعَ سمواتٍ طِباقًا، وخَلَقَ الأَرضَ مثْلَ السماء، وجعلَها سبعَ أَرَضِين!.\nومع أَن الجملةَ تحتملُ القولَيْن، ولكنَّنا نرى أَنَّ القولَ الأَولَ هو\nالراجح، أَما القولُ الثاني فإِنه مرجوح.\nفالراجحُ أَنَّ الأَرضَ كلَّها كتلةٌ واحدة، وأَرضٌ واحدة، وأَنها - مخلوقة\nمثل السمواتِ السبع، وأَنَّ الله هو الذي خَلَقَ السمواتِ وخَلَقَ الأَرض.\nوقد وردَ حديثٌ عن رسولِ الله - ﷺ - \" يُشيرُ إِلى أَنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ.","vol":"1","page":35},{"text":"فقد روى البخاريُّ ومسلمٌ عنه - ﷺ - أَنه قال: \" مَنْ ظَلَمَ قَيْدَ شِبرٍ من الأَرض، طُوقَهُ من سَبْعِ أَرَضين \"..\nوفي روايةٍ أُخرى: \" خُسِفَ به إِلى سبعِ أَرَضين \".\nوقد يُفْهَمُ الحديثُ على أَنه من بابِ الترهيبِ من الظلم وتهديدِ الظالمِ\nبالعذاب، وقد يُؤْخَذُ الحديثُ على ظاهرِه، ويُعْتَبَرُ دَليلًا على أَنَّ الأَرضَ هي\nسبعُ أَرضين.\nوإِذا قُلْنا بأَنَّ الأَرضَ سبعُ أَرَضين، فهي سَبْعُ أَرَضينَ متصلةٌ ببعضِها،\nليس بينها فَراغ، أَمّا السمواتُ فهي سبعُ طبقاتٍ منفصلَة، بين كُل سماءٍ وسماءٍ مسافةٌ بعيدة لا يَعلمُها إِلا الله.\nوبهذا نَعرفُ خطأَ وجهلَ القسيس الفادي، عندما اتَّهَمَ القرآنَ بالقولِ إِنَّ\nالأَرَضين السبعَ هي سبعُ كُراتٍ أَرضيةٍ مستقلة، مثلُ كرتنا الأَرضيةِ التي نحنُ\nعليها!.\nواعترضَ الجاهلُ أيضًا على القرآنِ في إِخبارِه أَنَّ اللهَ هو الذي يمسكُ\nالسماءَ لئلَّا تقعَ على الأَرض، وذلك في قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .\nوسَجَّلَ اعتراضَه في قوله: \" ونحنُ نتساءَل: كيفَ يَقولُ عن الفَضاءِ\nالمتسامي سُمُوًّا لا مُتَناهي فَوقَنا: إِنه سَقْفٌ أَمْلَس قابلٌ للسقوط؟\n..!.\nواعتراضُه على القرآنِ دَليلُ جهْلهِ، ولم يُخطئ القرآنُ في إِخبارِه عن هذه\nالحقيقة، وهَدَفُ الآيةِ تقريرُ حقيقةِ أَنَ كُلَّ شيءٍ في الكونِ إِنما يتمُّ بأَمْرِ الله،\nوأَنَّ اللهَ هو الذي يُدَبِّرُ أَمْرَ الكونِ وما فيه، فهو سبحانه الذي خَلَقَ الأَرضَ\nوالسماء، وهو الذي جَعَلَ السماءَ فوقَ الأَرض، وهو الذي جعلَ الكواكبَ\nوالنجومَ في الفضاء، وحَدَّدَ لكل منها سَيْرَه ومدارَه ومكانَه.\nوهذا واضح في الآية: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) .","vol":"1","page":36},{"text":"وأكد القرآن على هذه الحقيقة في آياتٍ عديدة؟\nمنها قولُه تعالى:\n(وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .\nوليسَ معنى قولِه تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)\nأنَّ السماءَ على وَشَكِ الوقوعِ على الأَرض، وأَنها قابلةٌ للسقوط، كما فهمَ الجاهل، وإِنما مَعْناها أَنَّ اللهَ هو الذي يُمسِكُ السماءَ القويةَ المتينةَ المحْكَمَة، ولولاهُ سبحانَه لوقَعَتْ على الأَرض، ولولاهُ لزالت السماءُ والأَرض، ولولاهُ لَدُمِّرَت النجومُ والكواكبُ في الفضاء..\nولا يوجَدُ مخلوقٌ في الوجودِ يَقْدِرُ على الإِمساكِ بالنظامِ الكونيِّ المتوازن، الذي يُنَظّمُ السماءَ والأَرض والكواكبَ في الفضاء.\nقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) .\n- تُشيرُ الآيةُ إِلى القوةِ المتوازنةِ التي جعلَها اللهُ في الكون، والتي تمسكُ\nما فيه من نجومٍ وكواكب، وهي قوةُ \" الجاذبيةِ \" العجيبة.\nوعندما يَحينُ وَقْتُ إِنهاءِ هذا الكون وما فيه، يُزيلُ اللهُ قوةَ الجاذبية، فتتناثَرُ النجومُ والكواكب، ويكونُ الانفطارُ والانشقاقُ والتكويرُ والانكدارُ والتسييرُ والتسجيرُ والتفجير!\nوهذه مصطلحاتٌ قرآنيةٌ تتحدَّثُ عن يومِ القيامة!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>ما هو النسيء</span>؟\nاعتبرَ الفادي حديثَ القرآنِ عن النَّسيءِ خَطَأً جُغرافيًّا فَلكيًّا وَقَعَ فيه\nالقرآن، واعترضَ على آيتَيْنِ تَتَحدثان عن عِدةِ شهورِ السنة وعن النسيء؟\nوهما قولُ اللهِ - ﷿ -: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .","vol":"1","page":37},{"text":"ولم يَفْهَم الجاهلُ معنى النسيء، ولذلك طَرَحَ سؤالًا دالًّا على جَهْلِه\nوغَبائِه، فقالَ: \" ونحنُ نسأَلُ: يُؤَزخُ جَميعُ العلماءِ بالسَّنَةِ الشمسية، التي تَفْرُقُ عن السنةِ القمريةِ شَهْرَ النَسيء؟\nفهل في هذا كُفْرٌ؟\nوكيفَ نَعتبرُ الحسابَ الفلكيَّ الطبيعيَّ كُفْرًا؟.\nكان الفادِي كاذِبًا مَفْتَرِيًا عندما زَعَمَ أَنَّ جميعَ العلماءِ يُؤَرِّخونَ بالسنةِ\nالشمسية، فمن المعلومِ أَنَّ هناكَ تقويمَيْن للتاريخ: التقويمَ الشمسيَّ، وهو\nالذي يَتبعهُ العالمُ الغربيُّ، والذي أَخَذَه عن الرومان..\nوالتقويمَ القمريَّ، وهو الذي أَرَّخَ به المسلمون، منذُ هجرةِ رسولِ الله - ﷺ - إِلى المدينة..\nوإذا كان الغربيّون قد دَخَلوا في القرنِ الحادي والعشرين الميلاديّ الشمسي، فإِنَّ المسلمينَ قد دَخَلوا في الربع الثاني من القرنِ الخامس عشر الهجريِّ القمري.\nوكانَ الفادي جاهلًا عندما جَعَلَ الفرقَ بينَ السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ\nشَهْرًا، أَيْ أَنَّ السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمرية شهرًا كاملًا!! وهذا ما لم يَقُلْه أَحَدٌ إ!.\nإِن السنةَ الشمسيةَ تَزيدُ على السنةِ القمريةِ ما بينَ عشرةِ أَيامٍ إِلى أَحَدَ\nعَشَرَ يومًا.\nقالَ المؤرخُ الإِسلامِيُّ المعاصر أحمد عادل كمال في الفرقِ بينَ التقويم\nالشمسيِّ والتقويم القمري: \" يزيدُ اليومُ الشمسيُّ عن اليومِ القمريّ ثَلاثَ\nدقائق، وخَمْسًا وخمسين ثانية، وتسعةً في العشرةِ من الثانية! (٩، ٣: ٥٥) !","vol":"1","page":38},{"text":"واليومُ عندَ العرب يبدأُ من غروبِ الشمس، ويمتدُّ إِلى غُروبِها في اليوم\nالتالي!..\nوالشهرُ القمريُّ: (٥٨٨ ٥٣٠، ٢٩) يومًا! والسنةُ القمريةُ (٣٥٤)\nيومًا، وثماني ساعات، و(٤٨) دقيقة، و(٣٦) ثانية! أَما السنةُ الشمسيةُ فإِنَّها (٣٦٥) يومًا، وستُّ ساعات، وتسعُ دقائق، و(٥.٩) ثانية!!\nفالفرقُ بين السنةِ الشمسيةِ والسنةِ القمريةِ حوالي أَحَدَ عَشَرَ يومًا! \".\nفكيفَ يقولُ القسيس بعد هذا الضبطِ الدقيقِ لجزءٍ من الثانية إِنَّ الفرقَ\nبينَ التقويمَيْن شهرٌ كامل، وليس أَحَدَ عشر يومًا؟\nوكيفَ يقعُ في هذا الخطأ\nالحِسابيّ الفلكيِّ الشنيع؟\nوكيفَ يدخُلُ في ما لا يَعرفُهُ؟\nويَتَعالَمُ بعد ذلك على القرآن!.\nوانتقلَ الجاهلُ الذي يُريدُ أَنْ يُخَطِّئَ القرآنَ من خطئِه في الحساب إِلى\nخَطَأ أَقبَح، حيثُ لم يَفْهَمْ معنى \" النسيء \" في الآية، فاعتبرَ النسيءَ هو\n\" التأريخ بالسنةِ الشمسية \"، ولذلك تَساءَلَ بغَباء: كيف نَعتبرُ الحسابَ الفلكي الطبيعيَّ كُفرًا؟.\nولا يَقولُ عاقل: إِنَّ النسيءَ هو التاريخُ الشمسي، وإِنَّه كفر! فضلًا عَنْ\nأَنْ يقولَ القرآنُ بذلك!!\n\" النسيءُ \" في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ) اسْم، بمعنى\nالتأخير، مُشْتَقٌّ من \" نَسَأَ \" بمعنى: أَخَّرَ.\nونَسْءُ الشيءِ تَأخيرُه.\nوهو في الآيةِ تأخيرٌ خاص، إِنَّه \" نَسيء\" في حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، كانَ يمارسُه الكفارُ في الجاهلية.\nلقد جَعَلَ اللهُ أَربعةَ أَشْهُبر حُرُمًا، من شهورِ السنةِ الاثْنَي عَشَر: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ...) .","vol":"1","page":39},{"text":"وهي أَربعةُ أَشهر، لأَنَّ اللهَ حَرَّمَ فيها القتال، وجعلَها أَشْهُرَ أَمْنٍ وأَمان،\nوَسْطَ باقي الشهور، القائمةِ على القتل والسَّلْبِ والنهبِ والعُدوان.\nوالأَشهرُ الحُرُمُ هي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب.\nويُلاحَظُ أَنَّ الأَشهرَ الثلاثةَ مُتَتابعة، أَمّا الشهرُ الرابعُ رجب فهو مُتَأَخّرٌ عنها.\nوكان الكفارُ في الجاهليةِ يَتَعاملونَ مع الأَشهرِ الحُرُمِ بالهوى والمزاجية،\nويَتَلاعَبونَ فيها، فإِنْ دَخَلَ عليهم شَهْرٌ من الأَشهرِ الحُرُم، وَوَجَدوا لهم مصلحةً في انتهاكِ حرمتِهِ وقتال الآخَرين فيه، \" نَسَؤُوه \": أَيْ: نَقَلوا حرمَتَهُ إِلى شهرٍ آخَرَ بعْدَه، واسْتَباحوا القتال فِيهِ.\nشَهْرُ \" مُحَرَّم \" مَثَلًا من الأَشهرِ الحُرُم، فإِنْ دَخَلَ عليهم شهرُ مُحَرَّم حَرُمَ\nعليهم قِتال الآخرين فيه، فإِن وَجَدوا لهم مصلحةً في القتال فيه قالوا: نَنْقُلُ\nحرمَتَهُ إِلى شهرِ \" صفر \" بعدَه، ونُقاتلُ أَعداءَنا فيه، فهو \" نَسيءٌ \"، بهذا\nالاعتبار!!.\nالذين وهذا تلاعُبٌ منهم بأَحكامِ الله، يقودُ إِلى زيادةٍ في كُفرِهم وجرائِمهم\nوضلالِهم، فهو ليس مجردَ كُفْر، وإِنما هو زيادةٌ في الكفر! وعلى هذا قولُه\nتعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .\nوقد فَسَّرت الآيةُ معنى النَّسيء، وذلك في جملةِ (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا) أَيْ أَنهم كانوا يُحِلُّونَ القتال في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُمِ عامًا، ويُحَرِّمونَ\nالقتال في نفسِ ذلك الشهرِ الحرامِ عامًا اَخر!.\nومعنى قوله: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ): أَنهم كانوا يقولون: نحنُ\nنلتزمُ بعدَدِ الأَشهرِ التي حَرَّمَها الله، فالمهمُّ أَنْ نُحَرّمَ في السنةِ أَربعةَ أَشهر،\nولا يُهِمُّ عندنا أَسماؤُها أَيَّ أَشهرٍ تَكون.\nكانوا يُريدونَ أَنْ \" يُواطِئوا \" ويُوافِقوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَربعةُ أَشهرٍ بأربعةِ أَشهر، ومع هذه المواطأةِ والموافقةِ كانوا","vol":"1","page":40},{"text":"يُحِلّونَ ما حَرَّمَ الله، فكانوا يُحِلّونَ القتالَ في شهر ذي القعدة أَحيانًا، ويُحِلّونَه في شهر ذي الحجةِ أَحيانًا أُخرى.\nوبهذا نَعرفُ معنى \" النسيءِ \" الذي كان يفعلُه المشركونَ في الجاهلية،\nوأَنه قائم على معنى التأْخيرِ والنقلِ والتلاعبِ والتغييرِ والتبديل! وليس بمعنى\nتركِ التاريخِ بالحسابِ القمري، والتاريخِ بالحسابِ الشمسي، وأَنَّ استعمالَ\nالحسابِ الشمسيِّ في التقويمِ والتاريخِ حرامٌ وكفر! كما فهم ذلك الجاهلُ\nالمتعالم! وصَدَقَ فيه قولُ الشاعر:\nوكَمْ مِنْ عائِبٍ قَوْلًا صحيحًا ... وآفَتُهُ هي الفهمُ السقيم\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>بماذا تروى مصر</span>؟\nاعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن رِيّ أَرضِ مصر! وذلك في قولِه\nتعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .\nوقد فَهِمَ الفادي لجهلهِ الآيةَ فَهْمًا خاطئًا، واعْتَبَرَها خطأً جغرافيًا، وقالَ\nفي تخطئتها: \" الإِشارةُ هنا إِلى القحطِ الذي أَصابَ مصرَ سبْعَ سنينَ متواليةً،\nأَيامَ يوسف، فيُبشّرُهم بالخَصْبِ بعدَ الجَدْب، ويقولُ: إِنه في عام الخَصْبِ\nيُمْطَرون، فكأَنَّ خَصْبَ مصر مُسَبَّبٌ عن الغيثِ أَو المطر.\nوهذا خِلافُ الواقعِ، فالمطرُ قَلَّما يَنزلُ في مِصر، ولا دَخْلَ له في خَصْبِها الناتجِ عن فيضانِ النِّيل، فكيفَ يُنْسَبُ خَصْبُ مِصرَ للغيثِ والمطرِ؟ \" (١) .\nإِنَّ الآيةَ التاسعةَ والأَربعينَ من سورةِ يوسفَ مرتبطةٌ مع الآياتِ التي\nقَبْلَها، والتي أَخبرتْ عن رؤيا رآها ملكُ مصر في زمنِ يوسفَ - ﷺ -، وطَلَبَ من الملأ حولَه أَنْ يعبروها له، ولما عَجَزوا عن تعبيرها، تَوَجَّهوا إلى\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٠- رىّ مصر بالغيث!\nإن أرض مصر تُروى بالنيل، ولا تروى بالمطر. وفى القرآن: (ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يُغاث الناس وفيه يعصرون) (١) .\nوهذا يدل على غوثهم بالمطر. فكيف ينسب خصب مصر للغيث والمطر؟\nالرد على الشبهة:\nهنا كلمتان:\n١- (يغاث (\n٢- (يعصرون (.\nوكلمة الغوث على الحقيقة تدل على نزول ماء من السماء. وكلمة العصر على الحقيقة تدل على عصير العنب. لأن الشائع بين الناس فى العصر هو العنب. والمؤلف يوجه النقد على المعنى الحقيقى فى نزول المطر، ولم يوجه النقد لعصير العنب. وكلمة الغيث جاءت على الحقيقة مثل: \" فامتنع الغيث ولم يكن مطر \" [إرمياء ٣: ٣]، وجاءت على المجاز مثل: \" لأعرف أن أغيث المعيى \" [إشعياء ٥٠: ٤] . أما على المجاز فالشبهة منتفية. وأما على الحقيقة فهذا هو غرض المعترض وهو مغرض فى ذلك.\nوذلك لأن الأمر كله خارج على المألوف. وبيان خروجه على المألوف: أن المدة خمس عشرة سنة. سبع شداد يأكلن سبعًا سمانًا أو: سبع سمان يأكلهن سبع عجاف. والسنة الأخيرة يأتى فيها الخير قليلًا. والمناسب لقلة الخير؛ نزول المطر. وقلة المياه تكفى لرى العنب والفواكه فى أماكن زراعته، وتكفى لإنبات قمح يكون بذره بذرا للسنوات الآتية التى سيكثر فيها ماء النيل. وهذا أمر غير مستبعد فى العقل. فكيف يكون شبهة؟\nأما عن العصر. فإنه يكون على الحقيقة مثل: \" فأخذت العنب وعصرته فى كأس فرعون، وأعطيت الكأس فى يد فروع \" [تكوين ٤٠: ١١]، ويكون على المجاز مثل: \" فألقاه إلى معصرة غضب \" [رؤية١٤: ١٩] .\nوإذا ثبت وجود العصر، وليس لماء النيل وجود. فكيف حيى النبات وعاش؟ وفى السنوات السبع العجاف كانت سنابل القمح تخرج من الأرض خروجًا هزيلًا. فكيف خرجت وهى هزيلة والنيل لا يروى الأراضى؟\nلابد من القول بوجود مصدر للمياه غير النيل. إما آبار عيون، وإما مطر. ففى حلم فرعون: \" وهو ذا سبع سنابل طالعة فى ساق واحد سمينة وحسنة. ثم هو ذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها \" [تكوين ٤١: ٥-٦]، وكرر الكلام وقال فيه: \" نابتة وراءها \" [تك ٤١: ٢٣] كيف تكون نابتة وليس لماء النيل من سواقى؟. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) يوسف: ٤٩.","vol":"1","page":41},{"text":"يوسفَ - ﷺ - ليعبرها، ففعل.\nوقد رأى الملكُ سَبْعَ بقراتٍ سمانٍ يأكُلُهن سبعٌ\nعِجافٌ وسبْعَ سنبلاتٍ خضر وأُخَرَ يابسات.\nقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .\nلما عَبَّرَ يوسفُ - ﵇ - رؤيا الملكِ أَخبرَ أَنَّ مصْرَ ستمرُّ بدورتَيْن، كُلُّ دورةٍ\nمنها سبعُ سنوات..\nالسبعُ سنوات الأُولى سنواتُ خَصْب، يستغلّونَها في الزراعةِ والإِنتاجِ: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ..\nوالسبعُ سنوات الثانية سنواتُ جَدْبٍ وقَحْطٍ ومَحْل: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) .\nوالسنةُ الخامسة عشرة ستكونُ عامًا للغيثِ والرّيّ: ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩) .\nولا يلزمُ من قولِه: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) أَنْ يكونَ الغيثُ ناتِجًا عن أَمطارٍ\nغزيرة، تهطُلُ عليهم من السماء، حتى يعترضَ الفادي على ذلك، ويعتبرَهُ\nخَطَأً، لأَنَّ المَطَرَ قَلَّما يَهطُل على مصر.\nإِننا نعلمُ أَنَّ رِيَّ مصرَ يكونُ من مياهِ نهرِ النيل، الذي يكونُ فَيَضانُه سَبَبًا\nفي زيادةِ كمياتِ الأَراضي المروية، وفي زيادةِ الإِنتاجِ الزراعي، ونعلمُ أَنَّ\nالأَمطارَ قَلَّما تنزل على مصر.","vol":"1","page":42},{"text":"إِنَّ غيثَ مصرَ من مياهِ نهرِ النيل، وستكونُ مياهُ النيلِ في العامِ الذي\nأَخبرَ عنه يوسفُ - ﷺ - غَزيرة، وسيكونُ فيضانُ النيلِ فيه غَوْثًا لمصْر.\nوقد يكونُ الغيثُ بمياهِ الأَمطارِ النازلةِ من السماء، وهذا هو الأَكْثَرُ\nوالأَغلب، وقد يكونُ بمياهِ الأَنهار، وهذا قليل في البلدان، كما هو غيثُ\nمصرَ بمياهِ النيل.\nفاعتراضُ الفادي على الآيةِ في غيرِ مكانِه، وهو لجهلِه خَطَّأَ الصوابَ\nالذي في الآية!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>هل الرعد ملك من الملائكة؟\nوكيف يسبح الله</span>؟\nاعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الرَّعْد.\nوالذي وردَ في قولِه تعالى: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣) .\nكيفَ يُسبحُ الرعْدُ بحمدِ الله؟ وهل هو مخلوقٌ حَيّ يَتحركُ ويَتكلمُ\nويُسبحُ اللهَ بلسانِه؟.\nرَجَعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ عنه كَلامًا عَجيبًا! قال:\nقالَ البيضاوي: \" عن ابنِ عباس: سُئِلَ النبيُّ - ﷺ - عن الرَّعْد، فقال: \" هو مَلَك مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مخاريقُ من نار، يَسوقُ بها السحابِ \"..\n(وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ): من خوفِ اللهِ وإِجلاله..\nوقيل: الضميرُ للرعد..\nوأَخرجَ الترمذيُّ عن ابنِ عباس: \" أَقبلت اليهودُ إِلى محمد، فقالوا: أَخْبِرْنا عن الرَّعد، ما هو؟\nقال: هو مَلَكٌ من الملائكة، مُوَكَّلٌ بالسَّحاب، معه مَخاريقُ من نار، يَسوقُه\nبها حيثُ يَشاءُ الله.\nقالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسْمَعُ؟\nقال: زَجْرُه السَّحاب، حتى تَنْتَهي حيث أُمِرَتْ.\nقالوا: صَدَقْتَ \".\nونحنُ نَسأل: إِذا كانَ الرَّعْدُ هو الكهرباءَ الناشئةَ عن تَصادمِ السحاب،","vol":"1","page":43},{"text":"فلماذا يقول: إِنَّ الرعدَ هو أَحَدُ الملائكة؟ ! \" (١) .\nلم يكن الفادي أَمينًا في النقلِ عن البيضاوي.\nحيث أسقط من كلامِه قِسْمًا مُهِمًّا، وأَبْقى قِسْمًا يوافقُ هدفَه في تخطئةِ القرآنِ.\nقالَ البيضاويُّ: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ): أَيْ: يُسَبحُ سامعوه.\n(بِحَمْدِهِ): ملْتَبِسين به، فيضجّونَ بسبحانَ اللهِ والحمد لله أو يدلُّ الرعدُ بنفسِه على وحدانيةِ الله وكمالِ قدرتِه، ملْتَبِسًا بالدلالةِ على فضْلِه ونزولِ رحمتِه ...\nهذا هو رأيُ البيضاويِّ في معنى تسبيحِ الرعدِ بحمدِ الله، فإِمّا أَنْ يكونَ\nالمعنى أَن الناسَ الذين يَسمعونَ الرعدَ يُسَبّحونَ الله، ويكونُ تسبيحُهم ملْتَبِسًا ومقرونًا بحمدِ الله، فيقولون: سبحانَ الله والحمدُ الله، وإِمّا أَنْ يكونَ صوتُ الرعدِ دالًّا على وحدانيةِ اللهِ وكمالِ قُدرتِه، ملْتَبِسًا بالدلالةِ على فَضلِ اللهِ ونزولِ رحمتِه.\nوهذا هو التفسيرُ الصوابُ لتسبيحِ الرعدِ بحمدِ اللهِ، وهو الذي يَقولُ به\nالبيضا وي.\nوبعدما قَرَّرَ البيضاويُّ التفسيرَ الصوابَ أَرادَ أَنْ يذكُرَ قولًا آخَرَ هو عنده\nمرجوح، فأَوردَ روايةً عن ابنِ عباس رفعَها للنبيِّ - ﷺ -، ذَكَرَ فيها أَنَّ الرعدَ أَحَدُ الملائكةِ، يسوقُ السحابَ وهو يَذْكُرُ اللهَ ويسبِّحُه.\nونَسَبَ الفادي إِلى البيضاويِّ روايةً لم يوردْها في تفسيرِه، وهي التي\nأَخرجَها الترمذيُّ في سننهِ، والتي فيها جوابُ الرسولِ - ﷺ - لسؤالِ اليهودِ عن أَنَّ الرعْدَ أَحَدُ الملائكة، وصوتُ الرعدِ هو صوتُ الملَكِ يَزجُرُ به السحاب.\nهذه الروايةُ لم تُذْكَرْ في تفسيرِ البيضاوي، وكان الفادي مفتريًا عندما\nزَعَمَ وُجودَها في تفسيره.\nلم يذكر القرآنُ أَنَّ الرعْدَ مَلَكٌ يُسَبِّحُ اللهَ بلسانِه، - وأَنه يسوقُ السحاب،\nويَصْرُخُ فيه ويَزْجُرُه، وهذا الزجْرُ والصراخُ هو الصوتُ الذي نسمعُه منه!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧١- الرعد ملك من الملائكة\nإن فى القرآن أن الرعد يسبح الله. وإن فى الأحاديث النبوية أن الرعد ملك من ملائكة الله. ونحن نعلم أن الرعد هو الكهرباء الناشئة عن تصادم السحاب فكيف يكون الرعد ملكًا؟\nالرد على الشبهة:\nإن المؤلف لا ينكر تسبيح الرعد لله؛ وذلك لأن فى التوراة أن الرعد يسبح لله. وكلُّ شىء خلقه؛ فإنه يسبحه. وإنما هو ينكر كون الرعد مَلَكًا. فمن أكّد له أن الرعد ملك؟ ليس فى القرآن أنه ملك. والأحاديث النبوية تذكر أن للرعد ملكًا؛ وليس أن الرعد ملك، والفرق واضح. ففى التوراة عن التسابيح لله: \" شعب سوف يُخلق؛ يسبح الرب \"؛ يقصد شعب محمد ﷺ [مزمور ١٠٢: ١٨]،وفى سفر الزبور: \" تسبحه السموات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها \" [مز ٦٩: ٣٤] . وفى سفر الزبور: \" سبحوا الرب من السموات، سبحوه فى الأعالى، سبحوه يا جميع ملائكته، سبحوه يا كل جنوده، سبحيه يا أيتها الشمس والقمر، سبحيه يا جميع كواكب النور، سبحيه يا سماء السموات، ويا أيتها المياه التى فوق السموات. لتسبح اسم الرب. لأنه أمر فخُلقت، وثبتها إلى الدهر والأبد. وضع لها حدًا فلن تتعداه.\nسبحى الرب من الأرض يا أيتها التنانين وكل اللجج. النار والبرد. الثلج والضباب. الريح العاصفة كلمته، الجبال وكل الآكام، الشجر المثمر وكل الأَرز. الوحوش وكل البهائم، الدبابات والطيور ذوات الأجنحة. ملوك الأرض وكل الشعوب، الرؤساء وكل قضاة الأرض. الأحداث والعذارى، أيضًا الشيوخ مع الفتيان. ليسبحوا اسم الرب؛ لأنه قد تعالى اسمه وحده. مجده فوق الأرض والسموات \" [مزمور ١٤٨] .\nوفى الأناجيل الأربعة: \" يسبحون الله بصوت عظيم \" [لوقا ١٩: ٣٧]، \" وهم يمجدون الله ويسبحونه \" [لو ٢: ٢٠]، \" وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين: المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة \" [لو ٢: ١٣]، وكان عيسى - ﵇ - يسبح الله تعالى مع الحواريين. ففى مرقس: \" ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون \" [مر ١٤: ٢٦]، وفى متى: \" ثم سبّحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون \" [متى ٢٦: ٣٠] . ومن يسبح الله كيف يكون هو الله أو إله مع الله؟.\nوفى القرآن الكريم: (سبح اسم ربك الأعلى) (١)، وفى الزبور: \" سبحوا اسم الرب. سبحوا يا عبيد الرب \" إلى أن قال: \" كل ما شاء الرب صنع فى السموات وفى الأرض. فى البحار وفى كل اللجج. المصعد السحاب من أقاصى الأرض. الصانع بروقا للمطر. المخرج الريح من خزائنه (٢) .. \" [مز ١٣٥] . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الأعلى: ١.\n(٢) فى سورة الحجر: (وأرسلنا الرياح لواقح) [آية رقم ٢٢]- (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) [آية رقم ٢١] .","vol":"1","page":44},{"text":"وإنما وردَ هذا في روايةٍ منسوبةٍ لابنِ عباس، رَفَعها بدورِه لرسولِ اللهِ - ﷺ -،\nوهذه الروايةُ تَحتاجُ إِلى تخريج، المهمُّ أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك!.\nوأَسْنَدَ القرآنُ إِلى الرعْدِ التسبيح، على طريقةِ القرآنِ المعجزةِ في التعبير،\nوهي \" التصوير \"، يَعرضُ فيها الأَفكارَ والمعاني بطريقةٍ مُصَوَّرَة، كأَنَّ القارئَ\nيرى أَمامَه صُوَرًا حيةً متحركة، وليسَ مجردَ كلماتٍ وعبارات.\nالرعْدُ صوتٌ مسموعٌ من السحاب، وهو ظاهرةٌ جويةٌ معروفة، ناشئةٌ عن\nتصادُمِ السحبِ في الجَوّ، وارتطامِها بعضها ببعض، وهو غيرُ ملموسٍ ولا\nمُجَسَّم، لكنَّ الآيةَ عرضَتْه بصورةٍ مجسَّمةٍ شاخصةٍ متخيَّلَة، حيثُ حَوَّلَتْه إِلى\nجسمٍ مادي، وشخصٍ حيّ، يتحركُ ويَتكلم، وله لسانٌ يُسَبِّحُ به ربَّه ويَحمدُه!\nوليس مجردَ صوتٍ قاصف، ناتجٍ عن ارتطامِ السُّحُب!!.\nوعندما يَسمعُ المسلمُ الآية، يَتَخَيَّلُ في خيالِه الرعد، رَجُلًا جالِسًا وسْطَ\nالسحاب، يَذْكُرُ اللهَ ويُسَبِّحُه ويَحمدُه، بصوتٍ عالٍ مرتفع!.\nفالقرآنُ لم يُخطئْ عندما تكلَّمَ عن الرعد بهذه الطريقةِ المعجزة، وعَرَضَهُ\nفي هذه الصورةِ الحيةِ المتحركة.\nلكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ طريقةَ القرآنِ في التعبير، ولا يستمتعُ بما فيه من روائعِ التصوير!! (١) .\nأَما حديثُ الترمذيِّ عن ابنِ عباس فقد اختلفَ فيه العلماء، فمنهم مَنْ ضَعَّفَه، ومنهم مَنْ صَحَّحَه، وهذا أَمْرٌ حديثيّ لا يَعنينا هنا، لأَنَّ موضوعَنا هو القرآن!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>بين وادي طوى وجبل حوريب</span>\nاعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن المكانِ الذي سمعَ فيه موسى - ﷺ - كلامَ الله، لأَنَّه يتعارضُ مع ما وردَ في الكتابِ المقَدّس!.\nقال الله - ﷿ -: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) .\nوقال وَجمسَّ: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) .\n_________\n(١) الراجح عند المحققين أن تسبيح الرعد على وجه الحقيقة لا المجاز بدليل قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) .\nولا شأن لنا باعتراض هذا الجاهل فلا شبهة له فيه فضلا عن دليل. والله أعلم.","vol":"1","page":45},{"text":"تُصرحُ هذه الآياتُ بأَنَّ اسْمَ الوادي الذي نادى اللهُ فيه موسى - ﷺ - هو \" طُوى \".\nوكانَ اسْمُه \" طُوى \" في زمنِ موسى - ﷺ -.\nوهذا معناهُ أَنه اسْمُ علمٍ أَعجمي، وليس عربيًّا مشتقًّا، فلا نبحثُ له عن معنى في العربية.\nووادي \" طوى \" المقدسُ بجانبِ جبلِ الطّور، وهو في جانبهِ الأَيمنِ.\nقال تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) .\nوقال تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) .\nولكنَّ الفادي يرفضُ كلامَ القرآن، ويَعتبرُه خَطَأً جغرافيًّا، يَتَعارضُ مع ما\nوردَ في العهدِ القديم، الذي هو جزءٌ من دينِ القِسّيسِ الفادي.\nوقد اعترضَ على كلامِ القرآنِ قائِلًا: \" قالَ المفسرونَ المسلمون: إِنّ \" طُوى \" اسْمُ الوادي.\nولكنَّ الكتابَ المُقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنه لما كانَ موسى يَرعى غَنَمَ يَثْرونَ حَمِيه كاهنِ\nمِدْيان، سادقَ الغَنَمَ إِلى ما وراء البريّة، وجاءَ إِلى جبلِ اللهِ حوريب، وظَهَرَ\nملَاكُ الرَّبِّ بلهيب نارٍ من وَسَطِ عُلّيقَةَ، ونظر، وإِذا بالعُلّيقة تتوقَّدُ بالنَّارِ دونَ أَنْ تحترق..\nفَناداهُ الرَّب، وقال له: \" لا تَقتربْ إِلى هاهُنا، اخْلَعْ حِذاءَك من\nرِجْلَيْك، لأَنَّ الموضعَ الذي أَنتَ واقفٌ عليه أَرضٌ مُقَدَّسَة \"خروج ٣: ١ -\n٥ \".\nإِذَنْ موسى كانَ في جبلِ اللهِ حوريب، فمن أَيْنَ جاءَ القرآنُ باسْم طوى،\nمع أَنَّ حوريبَ اسْمُ جبلٍ مشهورٍ في شبهِ جزيرةِ سيناء؟ ! \".\nذَكَرَ العهدُ القديمُ أَنَّ اسْمَ الجبل \" حوريب \"، وذكرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه\n\" الطور \"، والقِسيسُ الفادي يرفضُ اسْمَ القرآن، ويَعتمدُ اسْمَ العهدِ القديم ...\nأما نحنُ المسلمين فإننا نؤمنُ بالقرآن، ونعتمدُ الاسْمَ المذكورَ فيه، ونرفضُ أَيَّ اسْم آخَرَ يَختلفُ معه، لأَنَّ القرآنَ هو الذي تَكَفَّلَ اللهُ بِحِفْظِهِ، فكلُّ ما فيه حَقّ وصَواب، أَما الكُتُبُ الأُخرى فقد عَدَتْ عليها يَدُ التحريفِ فلا يوثَقُ بها.","vol":"1","page":46},{"text":"اسْمُ الجبلِ الذي وَقَعَتْ بجانبهِ الحادثةُ هو جبلُ الطور، كما صَرَّحَ\nالقرآن، ولا أَدري من أَيْنَ أَتى اليهودُ والنَصارى باسم \" جَبَلِ حوريب \".\nواسْمُ الوادي الواقعِ بجانبِ جبلِ الطورِ هو وادي \" طوى \"، ولا يَجوزُ تركُ ما وَرَدَ في القرآنِ صريحًا!.\nوالواجبُ اعتمادُ ما وَرَدَ في القرآن، وَرَدّ كُلِّ ما يتعارضُ معه! (١) .\n***\nهل في طور سيناء زيتون؟\nاعترضَ الفادي على القرآن، في حديثِه عن شجرةِ الزيتون، التي تَخرجُ\nمن طورِ سَيْناء، واعتبرَ هذا خطأً جغرافيًا في القرآن.\nوالآيةُ التي أَخبرتْ عن ذلك هي قولُ اللهِ: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) .\nتتحدثُ الآيَتانِ عن بعضِ النّعَمِ التي تَنشأُ عن إِنزالِ الماءِ من السَّماء،\nويتنَعَّمُ بها النّاسُ على وجْهِ الأَرض، منها الفواكهُ الكثيرةُ التي يأكلونَ منها،\nومنها جَنّاتُ النخيل وجَنّاتُ الأَعناب.\nومن تلك النعمِ شجرةُ الزيتون المباركة، التي تَخرجُ من طورِ سَيْناء،\nوالتي يُؤْخَذُ منها الزَّيْت، الذي يَصلُحُ أَنْ يكونَ دُهْنًا للشَّعَر والجِسْم، ويَصلحُ أَنْ يَكونَ صِبْغًا للآكلين، يَصبغُ به الآكِلونَ طعامَهم، ويَأكلونَه مع الزعتر أَو غَيْرِه.\nوخَطّأَ الفادي هذا الكلام، فقال: \" ونحنُ نَسأل: لَمْ تشتهرْ صَحراءُ سيناء\nالجرداءُ بِشَجَرِ الزيتون.\nأَلم يكن الأَجْدَرُ أَنْ تُذْكَر فلسطينُ بزيتونِها،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٢- الوادى طوى\nإنه لا يوجد وادى اسمه \" طوى \" فى سيناء. فمن أين جاء به القرآن؟.\nالرد على الشبهة:\nإنه فهم من قوله تعالى: (إنى أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) (١) أن (طوى) اسم للوادى المقدس. وفهمه خاطئ. وذلك لأن الله لما عبر عن السموات بأنها (مطويات بيمينه) (٢) يعنى بذلك: أن لا إله غيره يملك من أمر السموات من شىء. عبر عن الأرض بأنها فى ملكه وليس لإله آخر فيها من شىء. فالطى فى السماء كناية عن القدرة والطى فى الأرض كناية عن القدرة. والكناية مناسبة للواد المقدس؛ والمقصود الأرض كلها لئلا يُظن أن التقديس لغيره. وكرر الله المعنى فى السموات فقال: (يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب) (٣) . وشبهه أن تكون الأرض (طوى) أى فى قبضته.\nوفى الرسالة إلى العبرانيين: \" وأنت يا رب فى البدء أسست الأرض، والسموات هى عمل يديك. هى تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى، وكرداء تطويها؛ فتتغير، ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى \" [عب ١: ٢٠ - ٢٢] فقد عبر عن طيها بطى الرداء.\nفيكون المعنى (إنك بالوادى المقدس (الذى سيصير (طوى) بمعنى مطوى كما أن السماء ستكون مطوية بقدرته.\nوهنا هو لا يعترض على القرآن بل على التفاسير، وهو جانب آخر من إعجاز القرآن يزيد فى إثباته وذلك أن كلام البشر من العلماء والمفسرين قد يختلف ويؤخذ منه ويُرد؛ ولكن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، شىء عجيب حقًا ذلك القرآن الذى يقف أمام هؤلاء جميعًا بكل ذلك الفهم الخاطئ والتصيد المستمر وإذ به يتعالى عليهم ويبقى فى عليائه معجزًا للبشر إلى يوم الدين. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) طه: ١٢.\n(٢) الزمر: ٦٧.\n(٣) الأنبياء: ١٠٤.","vol":"1","page":47},{"text":"لا سيناءُ التي من قَحْطِها أَرسلَ اللهُ لبني إِسرائيل فيها المَنَّ من السماء؟ (١) .\nنقول بداية: المرادُ بطورِ سَيْناءَ في الآية شبهُ جزيرةِ سيناءَ المعروفة،\nوفيها جبلُ الطورِ المعروف، الذي ناجى موسى - ﷺ - ربَّه عليه.\nوذُكرتْ \" سَيْناءُ \" مَرَّتَيْن في القرآن: المرةُ الأُولى في سورةِ المؤمنون،\nوالمرةُ الثانيةُ في سورة التين، في قول الله - ﷿ -: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) .\nو\" سَيْناءُ \" الآنَ صحراءٌ في معظمِها، وفيها مناطقُ زراعيةٌ خَصْبَة، وفي\nهذه المناطقِ الزراعيةِ أَشجارُ زيتونٍ جيدة، فزراعةُ الزيتونِ ناجحةٌ فيها.\nواعتراضُ الفادي على الآية مردود، لوجودِ أَشجارِ زيتونٍ حتى الآنَ في\nالأَراضي الزراعيةِ في سيناء، ووجودُ هذه الأَشجارِ حتى الآنَ يدل على أَنَّ\nمنطقةَ سَيْناءَ كانتْ منطقةَ زَيْتونٍ في الماضي البعيد، يوم كانَتْ أَراضيها خصبة، قبلَ أَنْ تتحوَّل إِلى صحراء!.\nوالدليلُ على هذا كلماتُ الآيةِ نفسِها، حيثُ قال تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) ..\nإِنَّ كلمةَ \" شجرةً \" منصوبة، لأَنها معطوفة على \" جَناتٍ \"\nقبلَها، التي هي مفعول به لفعْلِ \" أَنشانا \".\nفي قوله: (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ) والتقديرُ: أَنشانا لكم بالماءِ جناتٍ من نخيل، وأَنشأنا لكم به شجرةً\nخارجةً من طورِ سَيْناء!.\nوإِنشاءُ الشيءِ إِيجادُه من العَدَمِ أَوَّل مَرَّة.\nواختيارُ فعْلِ \" أَنشأَ \" في الآيةِ مقصود، لأَنه يشيرُ إِلى أَول مَرَّةٍ في التاريخ، ظهرتْ فيها جناتُ النّخيل والأَعناب وأَشجارِ الزيتون، ولعلَّ إِنشاءَ أَشجارِ الزيتون على الأَرضِ كانَ قبلَ خَلْقِ آدمَ - ﷺ - بفترةٍ طويلة.\nولا يَعلمُ إِلّا اللهُ كيفَ كانَتْ \" سيناء \" عندما أُهبطَ\nآدمُ إِلى الأَرض!!.\nفالآيةُ تتحدثُ عن إِنشاءِ شجرةِ الزيتونِ لأَوَّل مَرَّة، وليس عن المناطقِ\nوالأَراضي التي تَنبتُ فيها شجرةُ الزيتونِ في هذا الزمان.\nثم إِنَ حرفَ الجَرِّ \" مِنْ \" في الآيةِ يُقَرِّرُ هذا المعنى، فهو هنا للابتداء،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٣- هل الزيتون يخرج من طور سيناء، وهو يخرج من فلسطين، فكيف ذلك؟\nالرد على الشبهة:\nأن سيناء من فلسطين وفلسطين والشام هى شمال مصر، وهذا المعنى يوجد فى التوراة ففى سفر الزبور: [سينا فى القدس] مز ٦٨: ١٧.\nولا تعتمد التقسيمات السياسية الحديثة التى فصلت الديار بعضها عن بعض بل إن مصر فى الأصل كانت تمتد إلى هذا الحد، أما تقسيمات سايكس بيكون فلا يمكن تفسير النصوص المقدسة عليها. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":48},{"text":"والمرادُ به الابتداءُ الزماني.\nوالمعنى: كان ابتداءُ إِنشاءِ وإِخراجِ شجرةِ الزيتون\nفي منطقة سيناء: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) .\nوهذا الابتداءُ كانَ قبلَ آدمَ - ﷺ -.\nفاعتراضُ الفادي على الآيةِ دليلُ جهلِه وغبائِه، لأَنه \" أَسيرُ \" هذا الزمان،\nالذي رأيْنا فيه سيناءَ صحراءَ جرداء.\nحتى الكتابُ المقَدَّسُ الذي يؤمنُ به القِسّيسُ الفادي يُخبرُ أَنَّ الزيتونَ\nكان منتشرًا مَعْروفًا من قديمِ الزمان، وذَكَرَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوينِ من العهدِ القديم أَنَّ الزيتونَ كان مَعْروفًا قبل الطوفان، وزَعَموا أَنه بينما كان نوحٌ - ﷺ - في السفينة، والطوفانُ قد غَطّى كُلَّ شيء حتى قمم الجبال، أَرادَ أَنْ يَعرفَ ماذا جرى خارجَ السفينة، فأَطلقَ الحمامةَ من السفينة، فعادَتْ لأَنها لم تجدْ مكانًا تقفُ عليه، وبعد فترةٍ أَطلقَ الحمامةَ مرةً ثانية، فعادَتْ وفي فمِها \" غُصْنُ زيتون \"، ومن يومِها سُمِّيت الحمامةُ حمامةَ السلام، وصارَ شعارُ السلامِ الحمامةَ وغصنَ الزيتون!! فعودةُ الحمامةِ زمنَ نوحٍ - ﷺ - ومعها غصنُ زيتونٍ\nدليل على أَنَّ الزيتونَ كان معروفًا زمنَ نوحٍ - ﷺ -.\nإِنَّ قولَه تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ) يُشيرُ إِلى ابتداءِ إِنشاءِ\nالزيتونِ في التاريخِ البعيد، وأَنَّ بدايةَ هذه الشجرة كانَتْ عندَ طورِ سيناء، ثم انتشرَتْ من هناكَ إِلى باقي بلدانِ حوضِ البحرِ الأَبيضِ المتوسط، في شمالِه\nوجنوبِه وشرقِه! وهذا يُشيرُ إِلى أَنَّ \" سَيْناء \" كانتْ أَراضِيَ زراعيةً خصبة، ثم\nصارتْ صحراءَ جرداءَ بعد ذلك! ولعلَّ تَحَولَها إِلى صحراءَ كان في زمنِ\nتدميرِ قومِ لوطٍ - ﵇ -، الذي نشأَ عنه جيولوجيًا حفرةُ \" الانهدام \" الكبير، الذي يبدأُ من شمالِ سورية، مرورًا بسهْلِ الغاب، ونُزولًا إِلى الغور، ثم البحرِ الميت، ثم وادي عربة، فالبحر الأحمر، حتى مضيقِ بابِ المندب والقرنِ الإفريقي!!.\nوهناك صلةٌ وثيقةٌ بين كونِ شجرةِ الزيتون المباركة، تَنشأُ وتَخرجُ لأَوَّلِ","vol":"1","page":49},{"text":"مرةٍ من أَرضِ سيناءَ، وجبلِ الطور المقدَّسِ فيها، وبجانبِه وادي طُوى\nالمقَدَّس!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>هل الشمس ثابتة</span>؟\nوقفَ الفادي وقفةً غبيةً أمامَ حديثِ القرآنِ عن جريانِ الشمس، الذي\nوَرَدَ صريحًا في قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .\nنَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي خمسةَ أَقوالٍ في معنى اللّامِ في جملةِ:\n(وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، وفي بيانِ معنى هذه الجملةِ القرآنية:\n١ - الشمسُ تَجْرِي لحدٍّ معينٍ يَنْتهي إِليه دَوْرُها.\n٢ - أَو: الشمسُ تَجري لكبدِ السماء، فإِنَّ حركَتَها هناكَ أَبطأُ، بحيثُ يُظَنُّ\nأَنَّ لها وقْفَة.\n٣ - أَو: الشمسُ تجري لاستقرارٍ لها على نَهْجٍ مخصوص.\n٤ - أَو: الشمسُ تَجري لمنتهى مقدَّرٍ لكلِّ يومٍ من المشارقِ والمغارب.\n٥ - أَو: الشمسُ تجري لمنقطعِ جَرْيِها عند خرابِ العالَم!.\nوالأَقوالُ الخمسةُ متقاربةٌ في المعنى.\nو\" مُسْتَقَرٌّ \": اسْمُ مكان، وهو مكانُ استقرارِ الشمس.\nوالشمسُ لا تستقرُّ إِلّا عندما تتوقَّفُ عن الجريانِ والسَّيْر، وهذا يكونُ عند قيامِ الساعة!.\nوالراجحُ أَنَّ اللامَ في: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) بمعنى \" إِلى \"، وحرفُ \" إِلى \"\nيدلُّ على الغايةِ والنهاية، فمعنى الآية: آيةٌ للناسِ في الشمس وجريانِها، فهي","vol":"1","page":50},{"text":"تجري بسرعةٍ محدَّدَة، منذُ أَنْ خَلَقها الله، وستَبْقى تَجْري بنفسِ السرعةِ التي\nحَدَّدَها لها الله، إِلى أَنْ تَبلغَ مُسْتَقَرَّها، وتَصلَ إِلى مكانِ استقرارِها، وهو ما\nسيكونُ عند قيامِ الساعة!.\nوهذا ما قصدَه الإمامُ البيضاويُّ بقولهِ: \" (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا): \" لحَد مُعَيَّنٍ يَنتهي إِليه دورُها، شُبِّهَ بمستقَرِّ المسافرِ إِذا قَطَعَ مَسيرَه..\nوقولِه: \" أَو لمنقطعِ جَرْيها عندَ خَرابِ العالم \".\nإِنَّ الآيةَ تصرحُ بأَنَّ الشَّمْسَ تَجْري وتَتَحركُ وتَسير، وتَسيَحُ في الفضاء،\nوهي في حالةِ جَرَيانٍ دائم، بدونِ تَوَقُّف، إِلى أَنْ تَصِلَ مُسْتَقَرَّها، وتبلغَ\nنهايتَها، وهذا عندَ قيامِ الساعة.\nوهذا كلامٌ لا يُوافقُ عليه القِسّيسُ الفادي، ويَعتبرُه خَطَأً في القرآن، لأَنَّه\nيرى أَنَّ الشمسَ ثابتة لا تَجْري ولا تَتحرك.\nولذلك اعترضَ عليه قائلًا: \" ونحنُ نَسْأَل: الشمسُ ثابتة، تَدورُ حولَ\nنفسِها، ولا تَنتقلُ من مكانها، والأَرضُ هي التي تَدورُ حولَها، فكيفَ يَقولُ\nالقرآنُ: إِنَّ الشمسَ تَجْري، وإِنَّ لها مُسْتَقَرًَّا تَسيرُ إِليه؟ ! \".\nوما يقولُه الفادي يُخالفُ مقرراتِ الفَلَكِ المعاصِرِ، فقد كانَ علماءُ\nالفَلَكِ السابقونَ يَظُنّونَ أَنَّ الشمسَ ثابتة في مكانِها، لا تَجري ولا تَتحرك..\nولكنْ ثَبَتَ في الفَلَكِ حَديثًا أَنَّ الأَرضَ تَجري، وأَنَّ الشمسَ تَجري، وأَنَّ\nالكواكبَ تَجري، وأَنَّه لا أَحَدَ ثابتٌ واقفٌ في مكانِه، وكلّ في فَلَكٍ يَسْبَحون، وسَيَبْقى جَرَيانُ هذه الكواكبِ إِلى أَنْ تَبْلُغَ مستقرَّها، فتتوقَّفَ عن الجَرَيان، وهذا عندَ قيامِ الساعة!.\nإِنَّ الفادي هو الذي أَخْطَأَ خَطَأً جُغْرافيًا فَلَكيًّا عندما زعمَ أَنَّ الشمسَ\nثابتة، لا تنتقلُ من مكانِها، وأَنَّ القرآنَ أَخْطَأَ عندما أَخبرَ أَنها تَجري لمستقَرٍّ\nلها ...\nفما قالَه القرآن فهو الصواب، المتفقُ مع آخرِ مُقَرَّراتِ علْمِ الفَلَكِ","vol":"1","page":51},{"text":"الحديث، وما قالَه الفادي فهو الخطأُ، المتعارضُ مع تلك المقَرَّرات!!.\nواتفاقُ القرآنِ مع اَخرِ مُقَرَّراتِ عِلْمِ الفَلَكِ الحديث يدل على أَنَّ القرآنَ\nمن عندِ الله.\nووقعَ الفادي في مُغالطةٍ مفضوحة، عندما نَقَلَ عن تفسيرِ البيضاوي قولًا\nبوجودِ قراءةٍ أُخرى في قولِه تعالى: (تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) .\nقالَ البيضاوي: \" وقُرِئ \": \" لا مُسْتَقَرَّ لها \".\nأَيْ: لا سُكونَ لها، فإِنها متحركةٌ دائمًا، ولا مستقرَّ لها، على أَنَّ \" لا \" بمعنى: \" ليس \".\nوعَلَّقَ الفادي على ذلك بقوله: \" وأَمّا القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن: أَنَّ\nالشمسَ تَجْري ولا مستقرَّ لها، فيدلُّ على اختلافِ قراءاتِ القرآن اختلافًا يُغَيِّرُ المعنى، مما يَطعنُ في سَلامةِ القرآنِ وصحَّتِه.. \".\nالفادي جاهل، لا علْمَ له بالقراءات، ومع ذلك يَتَعالَمُ على القرآنِ\nوقراءاتِه.\nإِن من البدهيّاتِ المقَرَّرةِ أَنَ القراءاتِ الصحيحةَ \" توقيفيةٌ \" من عندِ الله،\nواللهُ هو الذي أَنزلَها على نبيِّه محمدٍ - ﷺ -، وأَذِنَ أَنْ تُقْرَأَ بما تُقْرَأُ به!!.\nولا تُقْبَلُ أيةُ قراءةٍ قرآنية إِلّا إِذا اجتمعَتْ فيها شروطٌ ثلاثة:\n١ - أَنْ تكونَ القراءةُ صحيحةَ السَّنَد، منقولةً عن رسولِ الله - ﷺ.\n٢ - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لرسْمِ المصحفِ العثماني.\n٣ - أَنْ تكونَ القراءةُ موافقةً لقواعِدِ اللغةِ العربية.\nفإِذا اخْتَلَّ شرطٌ من هذه الشروطِ كانت القراءةُ شاذَّةً مردودة، وليستْ\nقرآنًا.\nوقد سَجّلَ العلماءُ القراءاتِ الصحيحةَ المقبولة، التي توفرتْ فيها\nالشروطُ الثلاثة.\nوالقراءاتُ الصحيحةُ عَشْرُ قراءات، منسوبةٌ لأَئمتها القُرّاء، وهي: قراءةُ","vol":"1","page":52},{"text":"نافع، وقراءةُ عاصم، وقراءةُ الكسائي، وقراءةُ حمزة، وقراءةُ ابن كثير، وقراءةُ ابن عامر، وقراءةُ أبي عمرو، وقراءةُ أبي جعفر، وقراءةُ يعقوب، وقراءةُ خلف.\nوأَشهرُ القراءاتِ الشاذة أربعة، وهي: قراءةُ الحسن البصري، وقراءةُ\nالأَعمش، وقراءةُ ابن محيصن، وقراءةُ اليزيدي.\nوقد أَجمعَ القراءُ العشرةُ على قراءةِ قولِه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) بكسرِ اللّامِ والتنوين في \" لِمُسْتَقَرٍّ \"، فليس فيها قراءةٌ صحيحةٌ\nأُخرى..\nوما ذَكَرَه البيضاويُّ من القِراءةِ بحرفِ: \" لا \": \" لا مُسْتَقَرَّ لها \"،\nليستْ قراءةً صحيحة، ولا من القراءاتِ الأَربعِ الشاذَّة، وإِنما هي موضوعةٌ\nباطلة، وليستْ قرآنًا!.\nولقد كان الفادي جاهِلًا عندما اعتمدَ هذه القراءةَ الموضوعةَ الباطلة،\nواعتبرها قرآنًا! وكان مُتَحاملًا مُغْرِضًا عندما بنى على هذا الكلام الباطل نتيجةً باطلة، وذلك في قوله: \" وأما القولُ بوجودِ قراءةٍ في القرآن أَنَّ الشمسَ تَجري ولا مستقرَّ لها، فيدلُّ على اختلافِ قراءات القرآنِ اختلافًا يُغَيِّرُ المعنى، مما يَطعنُ في سلامةِ القرآنِ وصحَّته \".\nإِنَ الفادي المفترِي يَزعُمُ أَنَّ اختلافَ القراءاتِ في القرآن يُغَيِّرُ المعْنى،\nوهذا زَعْمٌ مردود، وكلُّ مسلم له علمٌ بالقراءاتِ يَعلمُ بُطْلانَ هذا الزعم،\nويوقنُ أَنَّ الاختلافَ بين القراءاتِ العشرِ الصحيحةِ اختلافٌ يَسير، لا يُغيرُ\nالمعْنى، ولا يُؤَدّي إِلى التعارض والتناقضِ والاضطراب، وإِنما تَلْتَقي كُلُّ\nالقراءاتِ على تقريرِ المعنى.\nوهذا علمٌ نفيس، من أنفسِ علومِ القرآن، يُسَمّى \" علْم توجيهِ القراءات \"!.\nويريدُ الفادي المفترِي الوصولَ إِلى هدفِه الخبيث، وهو الطعْنُ في سلامةِ\nالقرآنِ وصحتِه، ورفْضِ كونِه من عندِ الله، فالاختلافُ في المعنى يطعنُ في\nسلامةِ القرآنِ وحفْظِه! ووجودُ الأَخطاءِ في القرآن يَنفي كونَه وَحْيًا من عندِ الله!","vol":"1","page":53},{"text":"إِن القرآنَ كلامُ الله، وقد حَفِظَه الله، ونَزَّهَه عن التغييرِ والتبديلِ، والزيادةِ\nوالنقص، فلا خَطَأَ في القرآن، ولا تَعارُضَ بين قراءاتِه، ولا تَناقُضَ في معانيه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>القمر كالعرجون القديم</span>\nذَكَرَ الفادي آيتيْنِ من سورةِ يس تتحدَّثان عن القمر، وهما قولُ اللهِ - ﷿ -: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) .\nاكتفى الفادي بذكْرِ تَفسير البيضاويِّ لهاتَيْنِ الآيَتيْن، وذَكَرَ منازِلَ القمر\nالثمانيةَ والعشرين، التي ينزلُ فيها خلالَ الشهر، وبيان معنى العرجونِ القديم، وكلُّ كوكبِ من الكواكبِ في فَلَكٍ يَسبحُ فيه في الفضاء.\nولمَ يُسجل اعتراضَه على الآيَتيْن، ولم يذكُرْ ما رآهُ خَطَأً جغرافيًا فلكيًّا\nفيها، فبقيَ الاعتراضُ في بطنِه! ولا نعرفُ ما الذي لا يُعجبُه من الآيات،\nحتى نردَّ عليه ونبينَ سوءَ فهمه.\nوالعُرجونُ جَريدُ النخل \" الشِّمْراخ \" الدقيقُ الرفيعُ القديمُ العتيقُ اليابس،\nومنازلُ القمر هي التي ينزل فيها على مدارِ الشهرِ القمري!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>أسطورة جبل قاف</span>\nاعترضَ الفادي على القرآنِ لورودِ كلمةِ \" قاف \" فيه.\nوهي المذكورةُ في أَولِ سورة \" قَ \"، في قوله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) .\nواعتبرَ القرآنَ كتابَ أَساطيرٍ وخرافات، لوجودِ هذه الكلمةِ \" قاف \" فيه.","vol":"1","page":54},{"text":"ونَقَلَ عن كتاب \" عرائسِ المجالس \" للثَّعْلَبِيّ أَنَّ اللهَ خلقَ جبلَ \" قاف \"،\nمن زبرجدةٍ خضراء، وجعلَه جَبَلًا عظيمًا، مُحيطًا بالأَرضِ كُلِّها!!.\nونقلَ عن كتابِ \" قصص الأَنبياء \" - هو نفسهُ \" عرائسُ المجالسِ \" للثَّعْلَبِيّ -\nأَنَّ عبدَ اللهِ بنَ سلام - ﵁ - سأَلَ رسولَ الله - ﷺ - عن أعلى جبلٍ في الأَرض؟\nفأَخبره أَنه جبلُ \" قاف \"، وأَنَ ارتفاعَه مسيرةُ خمسمِئة سنة، وأَنَّ طولَه مسيرةُ أَلفي سنة، وأَنه مخلوقٌ من زمردٍ أَخضر.\nوعَلَّقَ الفادي على هذا بأَنَّ أَوَّلَ مَنْ تكلمَ عن جبلِ قافِ المحيطِ\nبالأَرضِ هو الكتابُ الدينى اليهودي \" حَكيكاه \"، عندما فَسَّرَ كلمةَ: \" توهو بوهو \" المذكورةَ في أَولِ جملةٍ في سِفْرِ التكوين، الذي هو أَولُ أَسفارِ العهدِ القديم.\nونقلَ عن \" حَكيكاه \" أَنَّ معنى كلمةِ \" توهو \" العبرية هو: الفضاءُ والفراغ.\nوأَنَّ المرادَ بها الخطُّ الأَخضرُ المحيطُ بجميعِ العالَم..\nولما أَرادَ العربُ تَعريبَ كلمةِ \" توهو \" العبريةِ سَمّوها \" قاف \".\nوبَعدما ذَكَرَ هذه الخرافةَ الأُسطورية، نَسَبَها إِلى القرآن، وقال: \" فالكلمةُ\nالعبريةُ المترجمةُ \" الخَط \" هي \" تاء \"، ولما سَمِعَها الصحابةُ لم يَعْرِفوا معناها أَنَّهُ\nالخَطّ، وتوهموا أَنّها سلسلةُ جبالٍ عظيمةٍ اسْمُها \" قاف \"!!.\nفكيفَ يَعتبرُ القرآنُ ما نُسَمّيه \" الأُفُق \" أوهو خَطّ وَهْمِيٌّ، جَبَلًا\nحقيقيًا؟ \" (١) .\nإِنَّ كتابَ الثعلبيّ \" عرائس المجالس في قصص الأنبياء \" مرفوضٌ عند\nالعلماء، ولا يَصلحُ أَنْ يكونَ مرجعًا في كتبِ التفسير وقَصصِ الأَنبياء، ومعظمُ الحكاياتِ والأَخبارِ والرواياتِ التي فيه موضوعة ومردودة، وهي خُرافاتٌ وأَساطير، مأخوذةٌ عن الإِسرائيلياتِ المردودةِ الباطلة.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٤- جبل قاف المحيط بالأرض كلها\nإنه جاء فى القرآن الكريم: (ق. والقرآن المجيد) ونقل من كتاب عرائس المجالس: أن معنى (ق) جبل يقال له جبل قاف. ونقل من كتاب قصص الأنبياء أن رسول الله ﷺ قال: إن أعلى قمة فى الأرض هى جبل قاف.\nوقال المؤلف: إن الكلمة العبرانية \" تاو \" ومعناه \" الخط \" لما سمعها الصحابة لم يعرفوا أن معناها \" الخط \" بل توهموا أنها سلسلة جبال عظيمة اسمها قاف. فكيف يعتبر بعض القرآن ما نسميه الأفق - وهو خط وهمى - جبلًا حقيقيًا؟\nالرد على الشبهة:\nإن كلام مؤلف عرائس المجالس ليس حُجة على صحة القرآن، وإن الأحاديث الموضوعة ليست حُجة على صحة القرآن. ولم يجمع المسلمون على معنى (ق) فإن لهم فى المعنى آراء كثيرة. منها أن (ق) حرف من حروف الهجاء مثل الألف والياء والتاء.. إلخ. فاعتراض المؤلف على القرآن ليس فى موضعه. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":55},{"text":"وما أَخَذَه الفادي منه باطلٌ ومردود، لأَنه ضمنَ الخرافاتِ والأَساطير\nالتي مَلَأَتْ كتابَه! ولا يتحملُ القرآنُ ما في \" عرائسِ المجالس \" من أَخطاءٍ\nوخرافاتٍ وأباطيل!.\nوما أَوردَه الثعلي من حوارٍ بينَ عبدِ الله بن سلام - ﵁ - وبينَ رسولِ الله - ﷺ - مردود، لأَنه روايةٌ موضوعةٌ باطلة.\nوحكايةُ جبلِ \" قاف \" الأَخضرِ المحيطِ بالأَرضِ كلها، خُرافةٌ وأُسطورة،\nباطلةٌ مردودة، لم يَقُلْ بها أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين المحَقِّقين!!.\nونحنُ مع الإِمامِ الحافظِ المفسِّر ابنِ كثير - ﵀ - في رَدّ هذه الخرافة.\nقال: \" وَقَدْ رُوِيَ عن بعضِ السلف أَنهم قالوا: قاف: جبلٌ محيطٌ بجميعِ\nالأَرض، يُقالُ له: \" جَبَلُ قاف \".\nوكأَنَّ هذا - واللهُ أَعلم - من خُرافاتِ بني إِسرائيل، التي أَخَذَها عنهم بعضُ الناس، لِمَا رأوا من جوازِ الروايةِ عنهم مما لا يُصَدَّقُ ولا يُكَذَّب ...\nوعندي أَنَّ هذا وأَمثالَه وأَشباهَه من اختلاقِ بعضِ زَنادقتِهم، يُلَبِّسونَ به على الناسِ أَمْرَ دينهِم، كما افْتُرِيَ في هذه الأُمةِ مع جلالةِ قدرِ علمائِها وحُفّاظِها وأَئمتِها أحاديثُ عن النبي - ﷺ -، وما بالعهدِ من\nقِدم، فكيفَ بأُمَّةِ بني إِسرائيل، مع طولِ المدى، وقلةِ الحُفّاظِ النّقّادِ فيهم،\nوشُرْبِهم الخمور، وتحريفِ علمائِهم الكلمَ عن مواضعِه، وتبديلِ كتبِ اللهِ\nوآياتِه..\nوإِنما أَباحَ الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله: \" وحَدّثوا عن بني إِسرائيلَ\nولا حَرَجَ \" فيما قد يُجَوِّزُهُ العقل، فأما فيما تُحيلُه العقول، ويُحْكَمُ فيه\nبالبطلان، ويَغلبُ على الظنونِ كذبُه، فليس من هذا القبيل..\nواللهُ أَعلم.. \".\nإِنَّ ابنَ كثير يرفضُ أُسطورةَ \" جبلِ قاف \" المحيطِ بالأَرض، ويَعتبرُها من\nرواياتِ بني إِسرائيل، ويجعلُها خُرافةً تَتناقضُ مع العقل!.\nوبما أَنها مرفوضةٌ مردودة، فإِنَّ القرآنَ لا يَحْملُ وِزْرَها، ولا يُسْتَشْهَدُ بها","vol":"1","page":56},{"text":"على وجودِ الخَطأ في القُرآن، كما فَعلَ المفترِي المتحامل!!.\nو\" ق \" الذي بَنى عليه الفادي أُسطورتَه وخُرافتَه ليس اسْمًا لجَبَل، وإِنما\nهو أَحَدُ حروفِ الهجاء، سَمَّى اللهُ به هذه السورة، وافتتحها به، ثم أَقسمَ بعد ذلك بالقرآن على صدْق نبوةِ محمدٍ - ﷺ -: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) .\nومن المعلومِ أَنَّ اللهَ افتتحَ بعضَ سورِ القرآنِ ببعضِ حُروفِ الهجاء، مثل\nسور: ن، و: ق، و: ص، و: يَس، و: طه ...","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الثاني نقض المطاعن التاريخية</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>هل كان هامان وزيرًا لفرعون</span>؟ \"\nفرعونُ \": لَقَبٌ يُطْلَقُ على مَنْ حكمَ مصرَ زمنَ موسى - ﷺ -.\nوقد أَخبرَ القرآنُ أَنَّ وزيرَ فرعونَ الأَولَ اسْمُه \" هامان \".\nقال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) .\nوقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) .\nوقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) .\nويَعترضُ الفادي على هذا، ويعتبرُه خَطَأً تاريخيًّا فى القرآن، لأَنَّ هامانَ\nكان وَزيرًا للملكِ الفارسي.\nقالَ: \" يَقولُ القرآنُ: إِنَّ هامانَ كانَ وزيرَ فرعون بينما يُثْبِتُ التاريخُ أَنَّ\nهامانَ كانَ وزيرًا لأَحْشَويرش، وأَنَّ بينَ فرعونَ وهامان زهاءَ أَلْفِ سَنة! ثم إِنَّ\nفرعونَ كان ملكَ مصر، وكان هامانُ وزيرًا في بابل! وما أَبْعَدَ الزمانَ والمكانَ\nبينَ فرعونَ وهامان، فكيفَ يكونُ هذا وَزيرًا لذاك؟!\nويَقولُ سِفْرُ أَستير في التوراة: إِنَّ هامانَ كان وزيرًا وخليلًا لأَحْشويرش ملكِ الفرس، الذي يَدْعوهُ اليونانُ زَرْكيس! \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٥- هامان وزير فرعون\nجاء فى القرآن أن هامان كان وزيرًا لفرعون. وهذا خطأ تاريخى؛ لأن هامان كان وزيرًا لأحشويرش ملك الفرس فى مدينة بابل. وبين فرعون وأحشويرش زهاء ألف سنة.\nالرد على الشبهة:\nمن أعلم المؤلف بأن هامان كان وزيرًا لفرعون؟ وهذا السؤال على معنى أن هامان اسم شخص. ولا أحد أعلمه بأن هامان اسم شخص إلا الرواة الذين لا يوثق بمروياتهم. وإذا أصرّ على أن هامان اسم شخص. فليسلّم بأن فرعون اسم شخص. ومعلوم أنه لقب \" الملك \" كان لرئيس المصريين فى زمن يوسف - ﵇ - وأن لقب \" فرعون \" كان لرئيس المصريين فى زمن موسى - ﵇ - مما يدل على تغير نظام الحكم.\nوإذا صح أن \" هامان \" لقب لكل نائب عن الملك، لا اسم شخص. فإنه يصح أن يُطلق على النائب عن فرعون أو عن أى ملك من الملوك. وعلى ذلك يكون معنى: (إن فرعون وهامان وجنودهما) (١) هو إن رئيس مصر الملقب بفرعون، ونائبه الملقب بهامان (وجنودهما كانوا خاطئين) ومثل ذلك: مثل لقب الملك الذى يُطلق على رؤساء البلاد؛ فإنه يطلق على رؤساء فارس واليونان ومصر واليمن وسائر البلاد، ولا يتوجه على إطلاقه خطأ من أخطاء التاريخ.\nوفى الإنجيل أن اليهود كانوا يطلقون لقب \" المضلّ \" على من يخالفهم فى الرأى. وإذا أطلقه العبرانيون على رجل منهم يقولون له: يا سامرى، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون السامريين كفارًا. وإذا أطلقه السامريون على رجل منهم يقولون له: يا عبرانى، بدل قولهم يا مضل. وذلك لأنهم يعتبرون العبرانيين كفارًا. وإذا سمع العبرانى عنهم كلمة \" سامرى \" لا يفهم منها أنها اسم شخص، وإنما يفهم منها أنها لقب للذم. وعن هذا المعنى جاء فى إنجيل يوحنا أن علماء اليهود قالوا لعيسى - ﵇ -: \" إنك سامرى، وبك شيطان \" ورد عليهم بقوله: \" أنا ليس بى شيطان، لكنى أكرم أبى وأنتم تهينوننى. أنا لست أطلب مجدى. يُوجد من يطلب ويدين \" [يو ٨: ٤٨ - ٥٠] . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) القصص: ٨.","vol":"1","page":61},{"text":"يَرى الفادي أَنَّ هامانَ لا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيرًا لفرعون، للفرقِ بينهما\nفي الزمانِ والمكان، ففرعونُ كانَ زَمَنَ موسى - ﷺ -، وهامانُ كان وزيرًا للملكِ \" أَحشويرش \"، وذلك بعدَ حوالي أَلْفِ سنة من وفاةِ فرعون!!.\nوأَخَذَ الفادي معلوماتِه من سِفْرِ أَستيرَ في العهدِ القديم، وهو السّفْرُ الذي\nكَتَبَه أَحبارُ اليهود، وسَجَّلوا فيه التفاصيلَ المثيرةَ لاستيلاءِ اليهودِ على الحكمِ\nفي بلادِ فارس، وإِبادةِ خصومِهِم من الفرسِ الوطنيّين.\nوخلاصَةُ سِفْرِ أَستيرَ أَنَّ \" هامانَ \" كانَ وزيرًا عند الملكِ الفارسيِّ\nأَحشويرش، وكان اليهوديُّ \" مردخاي \" يَعملُ عند الملِك، وحصلَ نزاعٌ بينَ هامانَ الفارسيِّ ومردخاي اليهودي، وتمكنَ مردخايُ من توصيلِ ابنةِ أَخيه الفاتنةِ \" أَسْتير \" إِلى الملك، حيثُ تزوجَها، وتمكَّنَ هامانُ من إِقناعِ الملكِ بإِصدارِ أَمْرِه بقتْلِ اليهودِ في الدولةِ الفارسية، لما يقومون به من إِفسادٍ\nوتخريب..\nلكنَّ الملكةَ أَستير وعَمَّها مردخاي تمكَّنا من إِلغاءِ الأَمْرِ الملكيّ\nالسابق، وإِصدارِ أَمْرٍ مَلَكي آخر، بإِبادةِ مَنْ كانوا مع هامان، وقَتَلَ الملكُ\nوزيرَه هامان، وقَضى على رجالِه، وانتصرَ اليهودُ في صراعِهم مع الفرسِ\nالوطنيين، وتحكَّموا في الدولةِ الفارسيةِ إِلى حين، وخَلَّدَ الأَحبارُ اليهودُ مؤامرةَ أَستير، بأَنْ جَعَلوها أَحَدَ أَسفارِ التوراة.\nونحن نتوقَّفُ في قَبولِ أَخبارِ سِفْرِ أَستير، فلا نُصدقُها ولا نُكَذّبُها، وهذا\nموقفُنا من أَخبارِ وأَحداثِ العهدِ القديم ورواياتِ الإِسرائيليات، الذي أَرشدَنا إِليه رسولُ اللهِ - ﷺ -، حيثُ قال: \" إِذا حَدثَكم بنو إِسرائيل، فلا تُصَدِّقوهم ولا تُكَذِّبوهم، فإِنكم إما أَنْ تُصَدِّقوا بباطِل، وإِمّا أَنْ تُكَذِّبوا بحَقّ \"!..\nومعلومٌ أَنَّ أَحبارَ اليهودِ هم الذين أَلَّفوا وصاغُوا وكَتَبوا أَسفارَ العهدِ القديم، وأَنَّهم مَلَؤُوها بالافتراءِ والكذبِ والادعاء، ونَسَبوها إِلى اللهِ زورًا وبُهتانًا، فهم ليسوا","vol":"1","page":62},{"text":"أُمناءَ على التاريخ، وليسوا صادقين فيما يوردونَه من أَخبارٍ وأَحداث! ولذلك نتوقَّفُ في قَبولِ كَلامِهم، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذّبُه!.\nوَهَبْ أَنَّ ما وردَ في سِفْرِ أَستيرَ صَحيح، وأَنَّ وَزيرَ أَحشويرش اسْمُه\nهامان، فلا يَلزمُ من ذلك أَنْ يكونَ هامانُ وزيرُ مَلِك فارس هو هامان وزيرَ\nفرعونَ ملكِ مصر! إِنَّ هذا مستحيل، لوجودِ فترةٍ زمنية طويلة بينهما قد تَزيدُ على أَلْفِ سنة!.\nإِنهما وزيران، كلٌّ منهما اسْمُه هامان:\nهامانُ الأَول: وهو الذي أَخْبَرَ عنه القرآن، وكانَ الوزيرَ عند فرعون،\nالذي يحكمُ مصرَ باسْمِه، ويُنَفِّذُ أَوامِرَه.\nوهامان الثاني: وهو الذي وَرَدَ الكلامُ عنه في سِفْرِ أَستير، وكانَ وزيرًا\nعند ملك الفرس.\nوبينَ الوزيرين بُعْدٌ في المكان، وبُعْدٌ في الزمان.\nوبهذا يَسقطُ اعتراضُ الفادي، الناشئُ عن جهلِه وغبائِه، فوجودُ هامانَ\nالثاني عند ملكِ الفرس لا يُلغي وُجودَ هامانَ الأَولِ عند فرعون.\nومعلومٌ أَن تِكرارَ الأَسماءِ أَمْرٌ موجودٌ في حياةِ الناس، لا ينكرهُ عاقل!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>حول تعاون هامان وقارون مع فرعون</span>\nأَخْبَرَ القرآنُ أَنَّ هامانَ وقارونَ كانا كافرَيْن، متعاونَيْن مع فرعون، وقَرَنَ\nالقرآنُ بين الطغاةِ الثلاثة.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) .\nوقال تعالى: (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) .","vol":"1","page":63},{"text":"وقد سَبَقَ أَن اعترضَ القِسّيسُ الفادي على كونِ هامانَ وَزيرًا عنْدَ\nفرعون، وَرَدَدْنا عليه فىِ الاعتراضِ السابق!.\nوأَعادَ اعتراضَه على هامانَ في سياقِ اعتراضِه على قارون، واعتبرَ\nهذا خطأً تاريخيًّا في القرآن! قال: \" يَتبادَرُ للذهنِ من هذه الآيات ِ أَنَّ قارونَ\nوهامانَ مصريّان من قومِ فرعون، وأَنّهما مع فرعونَ قاوَموا موسى في\nمصر..\nولكن هذا خَطَأ، لأَنَ قارونَ إِسرائيليّ لا مصري، ومن قومِ موسى\nلا من قومِ فرعون، كما جاءَ في سورةِ القَصص: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) \" (١) .\nذِكْرُ قارونَ وهامانَ بجانبِ فرعونَ خطأٌ تاريخيّ في القرآن! هذا ما قَرَّرَهُ\nالفادي الغَبي!!.\nمع أَنَّه لا خَطَأَ في هذا الموضوع، وقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ هامانَ كان\nالوزيرَ الأَوَّلَ عند فرعون، يُنفذُ أَوامِرَه، ويُشرفُ على حكْم مصرَ باسْمِه، وهو مصريّ فرعونيّ.\nأمّا قارونُ فقد كانَ طاغيةً مع فرعون، كما صَرحَ القرآن: \"وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) ..\nولا يلزمُ من هذا أَنْ يكونَ قارونُ فرعونيًّا مصريًّا، كما فَهم الفادي،\nفقارونُ إِسرائيليّ من قومِ موسى، كما صَرَّحَ القرآن: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ) .\nولكنَّهُ لم يؤمنْ بموسى - ﷺ -، وإِنما كَفَرَ به وكَذَّبَه،\nوانْحازَ إِلى عَدُوِّه فرعون، وأَيَّدَهُ ودَعَمَه وتَعاوَنَ معه في مقاومةِ موسى وحَرْبِه\nوالوقوفِ أَمامَه، فهو إِسرائيليّ كافِر، مُؤَيِّدٌ لفرعونَ المصري!.\nوبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ عندما جَمَعَ بين الطغاةِ الثلاثة: هامانَ\nالمصري، وقارونَ الإِسرائيلي، وفرعونَ المتأله! واعتراضُ الفادي على ذلك\nدليلُ جهْلِهِ وغبائِه!!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٦- قارون وهامان مصريان\nإن قارون يهودى، وفرعون مصرى، وهامان فارسى فكيف قاوم هامان نبى الله موسى وهو لم يكن فى زمانه؟\nالرد على الشبهة:\nإن هامان ليس اسم شخص، وإنما هو لقب يدل على نائب الرئيس. وبهذا المعنى يكون هامان - أى النائب عن فرعون - قد قاوم نبى الله موسى ﵇. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>حول صنع السامري للعجل</span>\nأَخبرَ القرآنُ أَنَّه لما غابَ موسى - ﷺ - عن قومِه، وذهبَ إِلى مناجاةِ ربه على جبلِ الطور، وتركَ فيهم أَخاهُ هارونَ النبيَّ - ﷺ - مسؤولًا، فَتَنَهم السّامريّ، وأَخَذَ ما معهم من حُليٍّ وذَهَبٍ، وصَهَرَه، وصَنَعَ منه عِجْلًا، ودَعَاهم إِلى عبادته، على أَنه إِلهٌ لهم، ففعلوا ...\nقال تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) .\nتُصرحُ الآياتُ أَنَّ السامريَّ هو الذي صنعَ العجلَ لبني إِسرائيل، ولا\nتذكرُ الآيات ُ شيئًا عن السّامريّ غيرَ صنعِه العجل.\nولم يُذْكَر السامريّ في غيرِ","vol":"1","page":65},{"text":"هذه الآياتِ من سورةِ طه.\nولا نَعرفُ نحنُ شيئًا عن بدايةِ أَمْرِه، ولا عن علْمِه ومهارتِه، ولا عن نهايتِه، كلُّ ما أَشارَ إليه القرآنُ أَنَّ موسى - ﷺ - عاقَبَه بقوله:\n(فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ) .\nونفهمُ من هذه الإِشارةِ أَنَّ موسى - ﷺ - عاقَبَ السامريَّ على جريمتِه بطرْدِه، وإخراجِه من بينِ بني إِسرائيل، ونَبْذِه، فذهبَ مَنْبوذًا مَطْرودًا ...\nولا نعرفُ كَيفَ كَانتْ وفاتُه ونهايتُه!.\nوقد اعترضَ الفادي على هذا، وخَطَّأَ القرآنَ في حديثهِ عنه.\nوذلك في قولهْ \" ونحنُ نسأل: السامرةُ مدينةٌ في فلسطين، لم يكن لها وجودٌ لَمّا خرجَ بنو إِسرائيل من مصر، وسافَروا في سيناء، فعملَ لهم هارونُ العجلَ الذهبيَّ كطلبِهم، فكيفَ نَتَخيَّلُ سامريًّا يصنعُ لهم العجلَ قبلَ أَنْ يكونَ للسّامريّين وجود؟ ! \" (١) .\nيَربطُ الجاهلُ بين السّامريِّ والسامريّين والسّامرة.\nوأَرضُ السامرةِ هي منطقةُ نابلس المعروفةُ حاليًّا، ويَدَّعي الفادي أَنها لم تُسَمَّ السامرةَ إِلّا بعدَ أَنْ أَقامَ فيها السّامريّون، وهم طائفةٌ معروفةٌ من بني إِسرائيل، وسُمُّوا السّامريّين بعدَ وفاةِ موسى - ﷺ - بقُرون.\nوبما أَنَّ السّامريَّ ابْنُهم - حسبَ فهم الفادي القاصِر - فكيفَ يكونُ موجودًا مع موسى - ﷺ - في سيناء؟\nوكيف يولَدُ الابنُ قبلَ أَبيه وجَدِّه؟\nإِذَنْ أَخطَأَ القرآنُ عندما اتَّهَمَ السامريَّ بصنْعِ العجل، وذهبَ\nالقرآنُ إِلى أَنَّ السامريَّ الابنَ خُلِقَ وعاشَ قبلَ مولدِ أَبيهِ وجَدِّه!!.\nلقد كان السامريُّ مع بني إِسرائيلَ عندما كانوا في سيناء، ويبدو أَنه\nإِسرائيليّ خرجَ معهم من مصر، لكنه كان إِسرائيليًّا كافرًا، مثلَ قارونَ الذي\nتحدَّثْنا عنه قبلَ قليل، ولذلكَ صنعَ لهم العجل ودَعاهم إِلى عبادته.\nوبما أَنَّ \" السامريَّ \" إِسرائيليّ، كانَ معهم في مصر، فاسْمُه إِسرائيلي،\nوالكلمةُ إِسرائيلية، ولها معنى في اللغةِ العبريّة، ولهذا الاسمِ وجودٌ عند\nالإِسرائيليّين، سواء كان اسْمَ شخصٍ أَو اسمَ قبيلة!!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٧- العجل الذهبى من صنع السامرى\nإن مدينة السامرة فى فلسطين لم يكن لها وجود لما خرج بنو إسرائيل من مصر، مع موسى، وسكنوا أرض سيناء. وفيها عمل لهم هارون العجل الذهبى كطلبهم. فكيف نتخيل سامريًا يضع لهم العجل قبل أن يكون للسامريين وجود؟\nالرد على الشبهة:\n١ - إنه ليس فى فلسطين مدينة تسمى بمدينة السامرة. وإنما كان للسامريين مملكة فى فلسطين، عاصمتها \" نابلس \" المسماة قديمًا \" شكيم \" وكانت هذه المملكة مكونة من عشرة أسباط. وكان للسبطين مملكة فى فلسطين عاصمتها \" القدس \" المسماة قديمًا \" أورشليم \".\n٢ - ولما صعد موسى ﵇ إلى جبل الطور وتلقى التوراة، نزل فوجد اليهود يعبدون عجلًا جسدًا له خوار. فسأل عن ذلك فدلوه على من أغراهم بعبادتهم. فأمسك به وسأله (ما خطبك يا سامرى) أى ما هذا الذى فعلته أيها المضل؟ لأن كلمة (سامرى) تطلق على المضل. ولا تطلق على شخص كاسم من الأسماء.\nوبهذا المعنى لا يكون الذى أضلهم رجل مسمى بالسامرى، حتى يتوجه الإشكال. وإلا يلزم أن يكون السامرى من أسماء المسيح عيسى - ﵇ - فإن اليهود قالوا له: \" إنك سامرى، وبك شيطان \" [يو ٨: ٤٨] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا معناهُ أَنَّ \" السّامريّين \" مجموعةٌ من الإِسرائيليّين، قد يكونونَ فَرْعًا من\nقبيلةٍ إِسرائيلية، ولعلَّهم سُمّوا بهذا الاسم نسبةً لاسْمِ \" السامريّ \"، ولعلهم كانوا من ذريةِ ذلك السَّامريِّ الذي عاقَبَه موسى - ﷺ - بسببِ صنعِه العجل، والذي لا نعرفُ كَيفَ كانَتْ نِهَايَتُه، فإذا كان أولادٌ وإخوةٌ وأقارب، فمن الممكنِ أَنْ يُسَمّوا \" السّامريّين \"، وأَنْ يَكونوا مَعْروفينَ بهذا الاسمِ من أيامِ موسى - ﷺ!!.\nولما دَخَلَ بنو إِسرائيلَ أَرضَ فلسطينَ المقَدَّسَة، كانتْ منطقةُ نابلس تُسَمّى\nأَرضَ شكيم الكنعانية، وسُمِّيَتْ أَرضَ السّامرة بعدَ ذلك، وهو اسْم إِسرائيليّ عِبريّ، ولعلَّ لعشيرةِ السّامريّين، المتولدةِ عن السّامريِّ صانعِ العجلِ دَوْرًا في تسميةِ المنطقةِ بالسّامرة، ولعلَّهم أَقاموا في المنطقة، فسُمِّيَتْ باسمِهم!!.\nفلا معنى لاعتراضِ الفادي على السّامريِّ في القرآن، واعتبارِهِ خَطَأً\nتاريخيًّا في القرآن، فالسّامريُّ أَصْل للسّامريّين والسامرة، وُجِدَ قبْلَهم في الزَّمان.\nومعنى \" السّامرة \" في اللغةِ العبرية: \" مركزُ المراقبةِ والحِراسَة \".\nجاءَ في كتابِ \" قاموس الكتاب المقدس \": \" السّامرة: اسْم عبرانيٌّ معناه:\nمركزُ الحارس.\nوهي عاصمةُ الأَسباطِ العشرة، أَثناءَ أَطولِ مُدَّةٍ في تاريخِهم..\nوالمدينةُ واقعة على تَلّ، وسُمِّيَتْ \" مكانَ المراقبة \" ...\nوتقعُ مدينةُ السامرة - أو سبسطية - على تَلٍّ على مسافةِ خمسةِ أَميالٍ ونصف شمالَ غربِ شكيم ...\nوالسّامرةُ أَيضًا اسْمُ الإِقليمِ الذي عاصِمَتُه مدينةُ السامرة، وهو الذي احتلَّه\nالأَسباطُ العشرةُ، والسامرةُ اسْمُ المملكةِ الشمالية..\nوالسّامريّون هم السكانُ المتَّصلونَ بالمملكةِ الشمالية.. \".\nإِنَ ما قالَه القرآنُ عن السّامريّ هو الحَقُّ والصواب، ولا خطأَ فيه، ولا\nاعتراضَ عليه، فهو قَبْلَ السّامريّين في التاريخ، وهم من نسْلِه وذريته، ولذلك حَمَلوا اسْمه، ولما أَقاموا في تلكَ المنطقةِ سُمِّيَتْ باسمِهم، فالصلةُ بين\nالسّامريّ والسّامرةِ والسّامريّين وثيقة!!.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>من هو أبو إبراهيم - ﵇ </span>-؟\nأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اسْمَ والدِ إِبراهيم - ﵇ - \" آزرُ \".\nقال الله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) .\nوجعلَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيًّا في القرآن، لأَنه يَتعارضُ مع الكتابِ\nالمقَدَّس.\nقال: \" والصوابُ في التاريخ، كما يَشهدُ الكتابُ المقَدَّس أَنَّ والدَ\nإِبراهيمَ اسْمُه تارح، كما جاءَ في سِفْرِ التكوين \" (١) .\nاسْمُ والدِ إِبراهيمَ الواردُ في سِفْرِ التكوينِ \" تارح \"، ويَزعمُ اليهودُ\nوالنّصارى أَنَّ العهدَ القديمَ كلامُ الله، أَنزلَه على موسى وأَنبياءِ بني\nإِسرائيلَ - ﵈ -، مع أَنَّ اللهَ أَخبرَنا أَنَّ الأَحبارَ هم الذين أَلَّفوا العهدَ القَديم، وكَتَبوه بأَيْديهم، ونَسبوهُ إِلى اللهِ زورًا وبُهتانًا..\nقال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .\nوهذا معناهُ أَنَّه ليسَ كلُّ ما في العهدِ القديمِ من عندِ الله، وإِنَّما كَثيرٌ منه\nمن عندِ الأَحبار، وهذا ليسَ صحيحًا بالضرورة، فمنه الصحيحُ ومنه الخَطَأ..\nومعنى هذا أَنْ نتوقَّفَ في قَبولِ كلّ ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديم، ولا نقبلُ\nمنه إِلا ما وردَ في القرآنِ أَو السنةِ مُصَدّقًا له.\nوما سكتَ عنه القرآنُ والسنةُ نتوقَّفُ فيه ونَسكتُ عنه، فلا نصدِّقُه ولا نُكَذِّبُه.\nأَما إِذا وردَ خَبَرٌ في القرآنِ يختلفُ عن ما وردَ في أَسفارِ العهدِ القديمِ،\nفإِنَّ المعتمدَ هو ما وردَ في القرآن، لأَنَّ ما في القرآنِ كلامُ الله قطعًا، لا شَكَّ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٨- أبو إبراهيم آزر\nإن فى التوراة أن أبا إبراهيم اسمه تارح. وقد أخطأ القرآن فى قوله إن أباه اسمه آزر.\nالرد على الشبهة:\nإن الأنساب مختلفة بين التوراة السامرية والعبرانية واليونانية. وإن عدد السنين لكل أب من آدم إلى إبراهيم مختلف فيه بين نسخ التوراة الثلاثة، ولوقا كاتب الإنجيل أزاد على الأسماء قينان. نقلا عن اليونانية. ومعنى هذا أنه كان يجب على المؤلف تصحيح كتبه قبل أن يوجه نقده. ولذلك جاء فى القرآن الكريم: (إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون) (١) . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":68},{"text":"ولا ريبَ فيه، وما خالَفَه فهو خطأ، وهو مما صاغَه وكَتَبَه الأَحْبار، ونَسَبوهُ\nإِلى اللهِ زورًا..\nهذه قاعدةٌ منهجيةٌ موضوعيةٌ في الصلةِ بينَ القرآنِ والعهدِ القديم.\nولا يَجوزُ أَنْ نُحاكمَ القرآنَ الثابتَ الصحيحَ المحفوظَ إِلى رواياتِ العهدِ\nالقديمِ المشكوكِ فيها، كما فَعَلَ الفادي.\nبالنسبةِ لوالدِ إِبراهيمَ - ﵇ -، ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه \" تارح \"، وصَرَّحَ القرآنُ أَنَّ اسْمَه \" آزر \".\nوالأَصْلُ أَنْ نعتمدَ ما صَرَّحَ به القرآن، لأَنه كلامُ اللهِ الثابتُ\nوالمحفوظ، فنقول: إِنَّ اسْمَه آزر.\nولا نَدْري من أَيْنَ جاءَ الأَحبارُ في العهدِ القديمِ باسمِ \" تارح \"! فإِمّا أَنْ\nيكون له اسمان: آزرُ وتارح، فذكَرَ القرآنُ أَحَدَهما وذَكَرَ الأَحبارُ اسْمَه الثاني، وإِمّا أَنْ يكونَ ما قالَه الأَحبارُ خَطَأ، وأَن اسْمَه هو آزرُ فقط، لأَنه هو المصرَّحُ به في القرآن.\nفالذي أَخَطَأَ في اسم والدِ إِبراهيمَ - ﷺ - ليس القرآن، لأَنَّ القرآنَ حَقّ لا خطأَ - فيه، وإِنما الذينَ أَخطؤُوا هم الأَحبارُ عندَ تأليفِهم أَسفارَ العهدِ القديم، فأَتَوْا باسمٍ يُخالفُ الذي في القرآن، وهذا مردودٌ عليهم!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>حول أبي مريم وأخيها</span>\nذَكَرَ القرآنُ اسْمَ والدِ مريم - ﵍ - أَنه عمران.\nقال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢) .\nوذَكَرَ اسمَ أَخيها أَنَّه هارون.\nقال تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) .","vol":"1","page":69},{"text":"ومن المعلومِ أَنَ اسْمَ والدِ موسى - ﵇ - عمرانُ، وأَنَّ اسْمَ أَخيه\nهارونُ - ﵇ -.\nفكيفَ يكونُ عمرانُ والدًا لموسى ولمريم، وبينَهما مئاتُ السنين؟\nوكيفَ يكونُ هارونُ أَخًا لموسى ولمريم، وبينهما مئاتُ السنين؟.\nاعتبرَ الفادي هذا خَطَأً تاريخيًّا في القرآن.\nقال: \" ونحنُ نسأَل: يَقول الإِنجيلُ: إِنَّ مريمَ العذراءَ هي بنتُ هالي ألوقا: ٣ / ٢٢،، فكيفَ يقول القرآنُ: إِنها بنتُ عمران أَبي موسى النبي، وإِنها أُخْتُ هارون؟ مع أَنَّ بينَها وبينَ هارون وموسى وعمران أَلفًا وستمئة سنة! \".\nقال القرآن: اسْمُ والدِ مريم هو عمران..\nوقال إِنجيلُ لوقا: إِنَّ اسْمَه هو هالي! فما الذي نأخُذُه ونقول به؟.\nسبقَ أَنْ ناقَشْنا هذا الأَمْرَ في الموضوعِ السابق، حول والدِ إِبراهيمَ - ﷺ -، ونَدعو إِلى أَنْ نَستحضرَه هنا، فما قُلناهُ هناك عن التوراة، يَصلحُ أَنْ يُقال هنا عن الإِنجيل.\nإِنَّ المعتمدَ هو ما قالَه القرآن، لأَنه هو المحفوظُ الصواب، فاسْمُ والدِ\nمريمَ هو \" عمرانُ \"، واسمُ \" هالي \" في إِنجيلِ لوقا مردود، لتعارُضِه مع الاسمِ الواردِ في القرآن.\nكيفَ عمرانُ والدُ موسى ووالدُ مريم؟\nوكيفَ هارونُ أَخو موسى وأَخو مريم؟\nوبينَ موسى ومريمَ أَلْفٌ وستمئة سنة؟\nهذا خطأٌ تاريخى في القرآنِ في نظرِ الفادي! وهذا بسببِ جهلِ الفادي وغبائِه.\nإِذا كانَ اسْمُ والدِ مريمَ عمرانَ، فلا يلزمُ أَنْ يكونَ هو عمرانَ والدَ\nموسى - ﷺ -، فهما رَجلانِ كل منهما اسْمُه عمران.\nالأَوَّل: عمرانُ والدُ موسى - ﷺ -، والثاني: عمرانُ والدُ مريم.\nوَهناك رَجلانِ آخَران، كلّ منهما اسْمُه هارون.\nالأَوَّل: هارونُ","vol":"1","page":70},{"text":"النبيُّ - ﷺ -، أَخو موسى - ﷺ -..\nوالثاني: هارونُ أَخو مريمَ - ﵇ -.\nومن المعلومِ أَنَّ النَّاس الصّالحينَ يُسَمّون أَبناءَهم بأَسماءِ الأَنبياءِ\nوالصالحينَ السابقين، تَفاؤُلًا وتَيَمُّنًا وبَرَكَة، فكمْ من المسلمينَ مَنْ يُسَمّي ابْنَه\nباسمِ محمدٍ، على اسمِ نبيِّنا محمدٍ - ﷺ -، وكم منهم مَنْ يُسَمّي ابنَه على اسمِ عمرَ أَو عثمانَ أَو على أَو خالدٍ رضي الله عن أَصْحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ - أجمعين.\nفلم يقع القرآنُ في خطأ تاريخيٍّ، عندما أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَ والدِ مريمَ على\nاسْمِ والدِ موسى، واسْمَ أَخيها على اسْمِ أَخي موسى.\nفعمرانُ والدُ مريمَ غيرُ عمران والد موسى، وهارونُ أَخو مريمَ غيرُ هارونَ أَخي موسى - ﷺ -، لأَنَّ بين العِمْرانَيْنِ والهارونَيْن حوالي أَلفٍ وستمئة سنة!!.\nوقَديمًا أَثارَ الرهبانُ هذا الاعتراضَ على القرآن، زمنَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وحَلَّ الرسولُ - ﷺ - هذا الاعتراض.\nروى مسلم برقم: ٢١٣٥،، والترمذيُّ برقم: ٣١٥٥،، عن المغيرةِ بنِ\nشعبةَ - ﵁ - قال: بَعَثَني رسولُ الله - ﷺ - إِلى نجران.\nفقالوا: أَلَسْتُم تَقْرَؤون: (يا أخُتَ هَارُونَ)؟.\nقلتُ: بَلى!.\nقالوا: وموسى قبلَ عيسى بكَذا وكذا؟ !.\nفرجَعْتُ إِلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأَخْبَرْتُه.\nفقالَ: \" أَلا أَخْبَرْتَهم أَنهم كانوا يُسَمّونَ بالأَنبياءِ والصالحينَ قبلَهم؟! \".\nعندما أَثارَ أَحَدُ رهبانِ نصارى نجران الإِشكالَ أَمامَ المغيرةِ بنِ شعبة - ﵁ -، لم يَعرفْ بماذا يُجيبُه، لأَنَّ ذلك الراهبَ رفضَ أَنْ يكونَ هارونُ\nأَخًا لمريم، لأَنه أَخٌ لموسى، وبَيْنَ موسى وعيسى ما بينَهما من مئاتِ السنين.\nفلما سأَلَ المغيرةُ رسولَ الله - ﷺ - عن ذلك أَجابَه بأَنَّ الصالحينَ من بني إِسرائيل كانوا يسمون أبناءَهم بأسماءِ الأَنبياءِ والصالحين من قبلهم..\nأَيْ: هُما رَجُلان: هارونُ أَخو موسى، ثم هارونُ أَخو مريم (١) (٢) .\n_________\n(١) قال الفخر الرازي:\nوأما هارون ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفًا كلهم يسمون هرون تبركًا به وباسمه.\nالثاني: أنه أخو موسى ﵇ وعن النبي ﷺ إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحدًا منهم.\nوالثالث: كان رجلًا معلنًا بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة.\nالرابع: كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به، وهذا هو الأقرب لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولًا على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهارون.\nالثاني: أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش. اهـ (مفاتيح الغيب. ٢١ / ١٧٧)\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٧٩- مريم العذراء بنت عمران\nإن القرآن نسب مريم العذراء إلى عمران أبى موسى النبى. وقال: إنها أخت هارون النبى - ﵇ - وهذا يخالف ما جاء فى إنجيل لوقا أنها بنت هالى [لوقا ٣: ٢٣] ويخالف التاريخ لأن بين مريم وهارون ألف وستمائة سنة.\nالرد على الشبهة:\nإن المؤلف نقل عن الإنجيل أن مريم بنت هالى. ونقله خطأ. والنص هو: \" ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة. وهو على ما كان يُظن ابن يوسف بن هالى بن متثات بن لاوى بن ملكى بن ينّا بن يوسف \" إلى أن أوصل نسبه إلى \" ناثان بن داود \" ﵇. وهذا النص لا يدل على أنه نسب مريم كما قال المؤلف، وإنما يدل على أنه نسب المسيح. فكيف يكذب القرآن بنسب ليس لها؟ وكيف ينسبون المسيح إلى يوسف بن هالى. وفى الإنجيل أنه لا أب له ولا سبط له؟ ذلك قوله عن يوسف: \" ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر \" [متى ١: ٢٤]، وكيف يكذبون القرآن بنسب على سبيل الظن؟ ذلك قوله: \" وهو على ما كان يُظن \" وفى إنجيل متى أن المسيح ابن يوسف بن يعقوب بن متّان بن اليعازر بن آليود. إلى أن أوصل نسبه إلى سليمان - ﵇ -[متى ١] .\nوالحق: أن مريم ابنة عمران الأب المباشر لموسى - ﵇ - وهو أب مباشر لموسى، وهو أب لمريم لأنه رئيس العائلة التى تناسلت هى منها. وهارون ابن عمران. وهى من نسل هارون - ﵇ - فيكون هو أخوها على معنى أنها من نسله. أما أبوها المباشر فاسمه \" يهويا قيم \" وأمها اسمها \" حنة \" كما جاء فى إنجيل يعقوب الذى لا يعترف به النصارى.\nوالنسب هكذا:\nإبراهيم - إسحاق - يعقوب - لاوى وهو الابن الثالث ليعقوب. وأنجب لاوى ثلاثة هم جرشون وقهات ومرارى. وبنوقهات عمرام ويصهار وحبرون وعزئييل. وبنو عمرام هارون وموسى ومريم.\nوقد وصى موسى عن أمر الله تعالى أن تتميز الأسباط التى تريد الإرث فى بنى إسرائيل. وذلك بأن تتزوج كل بنت فى سبطها. ففى سفر العدد: \" وكل بنت ورثت نصيبًا من أسباط بنى إسرائيل؛ تكون امرأة لواحد من عشيرة سبط أبيها؛ لكى يرث بنو إسرائيل كلُّ واحد نصيب آبائه \" [عدد٣٦: ٨] . ووصى بأن يتفرغ سبط لاوى للعلم والدين، ولا يكون له نصيب فى الأرض، وإنما يسكن بين الأسباط فى مدنهم، ووصى بأن تكون الإمامة فى نسل هارون وحده. وعلى هذه الشريعة نجد فى بدء إنجيل لوقا: أن \" أليصابات \" زوجة زكريا - ﵇ - كانت من نسل هارون من سبط لاوى، وكان زكريا من نسل هارون من سبط لاوى. وتزوجت أليصابات زكريا. وأن مريم العذراء كانت قريبة لأليصابات. وإذا ثبت أنها قريبة لها؛ يثبت أن مريم هارونية من سبط لاوى. يقول لوقا: \" كان فى أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبِيّا، وامرأته من بنات هارون، واسمها أليصابات.. إلخ \" ويقول لوقا: \" وهو ذا أليصابات نسيبتك.. إلخ \"؛ قال لها الملاك ذلك وهو يبشرها بالحمل بعيسى - ﵇ - فإذا صح أنها قريبة لها ونسيبة لها. فكيف يخطئ المؤلف القرآن فى نسبتها إلى هارون - ﵇ -؟\nوفرقة أبِيّا هى فرقة من بنى هارون، وهى الفرقة الثامنة من الفرق التى عدها داود - ﵇ - للعمل فى المناظرة على بيت الرب. وخبرهم فى الإصحاح الرابع والعشرين من سفر أخبار الأيام الأول. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>هل هَمَّ يوسفُ - ﵇ - بالزنى</span>؟\nأَساءَ الفادي فَهْمَ إِخبارِ القرآنِ عن ما جَرى بين يوسفَ - ﷺ -، وبين امرأةِ العزيز.\nوذلك في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) .\nوذَهَبَ إِلى أَنَّ القرآنَ اتهمَ يوسفَ - ﷺ - بالهَمِّ بالزنى بامرأةِ العزيز، وقال: \" أَيْ: قَصدَتْ مخالَطتَه وقَصدَ مخالَطَتَها، والهَمُّ بالشيءِ قَصدُه والعَزْمُ عليه، ومنه \" الهَمّامُ \"، وهو الذي إِذا قَصَدَ شيئًا أَمْضاه.\nوهذا القول يُناقضُ التاريخَ المقَدَّسَ الذي يقول: إِنَّها لما طَلَبَتْ منه الشَّرَّ\nاستنكرَ طَلَبها، وقال: كيفَ أَصنعُ هذا الشَّرَّ العظيم، وأُخطئُ إِلى الله؟! \".\nولما أَمسكَتْ بثوبِه تَرَكَهُ معها وهَرَب \" (١) .\nلم يفهم الفادي حديثَ القرآنِ عن مراودةِ امرأةِ العزيز ليوسفَ - ﷺ -، وَرَدِّه على إِغرائِها ودعوتِها الجريئةِ له لارتكابِ الفاحشة، ولم يَفْهَمْ معنى الهَمِّ المذكورِ في الآية، واعتبرَ حديثَ القرآنِ الخاطئَ متعارِضًا مع حديثِ العهدِ القديمِ الصائبِ في نظره، وأَخَذَ جملةً من آياتٍ عديدةٍ تتحدَّثُ عن المراودة، وفَصلَها عن ما قبلَها واعْتَبَرها خطأً تاريخيًّا في القرآن.\nولا بُدَّ أَنْ ننظرَ في الآيات ِ التي أَخبرتْ عن المراودة، لنعرفَ الهَمَّ\nالمنسوبَ ليوسفَ - ﷺ -.\nقال الله - ﷿ - (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٠- يوسف همّ بالفساد\nإن يوسف - ﵇ - هم بالمرأة وهمت به حسبما جاء فى القرآن. وأنه لم يهم بها ولم تهم به حسبما جاء فى التوراة. وما جاء فى التوراة هو المناسب لأحوال الأنبياء.\nالرد على الشبهة:\n١ - يوجد فرق بين رجل عرف الله ورجل لم يعرفه. فالعارف بالله لا يقدم على معصية لله ولا يقدم على ضرر للبشر. والذى لا يعرفه لا يستحيى أن يفعل ما يشاء من المعاصى والضرر. وعلى هذا المعنى يوجد فرق بين امرأة العزيز التى تعبد مع قومها غير الله وبين يوسف - ﵇ - الذى عرف ربه بواسطة البراهين التى قادت إلى معرفته فى كونه، وبما سمعه عن الله من آبائه. فامرأة العزيز همت به أن يفعل الفاحشة بها، وهو قد قال لها: (معاذ الله (وعلّل عدم الفعل بأنه يكون مسيئًا لمن أحسن إليه. وهو سيده. والإساءة إلى المحسن نوع من أنواع الظلم.\n٢ - انظر إلى قوله: (وراودته) وإلى قوله (معاذ الله) تجد أنها لما راودته (همت به) فيكون الهم منها بمعنى طلب فعل الفاحشة. وتجد أنها لما (همت به) صار منه هم بها. يفسره قوله (معاذ الله) كما فسر همها (وراودته) فيكون همه بها؛ دفعًا لها وامتناعًا عنها.\n٣ - ولو فرضنا أن يوسف غير عارف بالله وغير مقر به مثلها؛ فإننا نفرض أنه لو همت به للفعل بها؛ لهم بها للفعل بها. ولولا أنه رأى برهان وجود الله فى كونه، لكان قد فعل بها. إذ هذا شأن الوثنيين. وكهذا البرهان؛ أريناه براهين فى الآفاق وفى الأنفس (لنصرف عنه السوء والفحشاء) .\n٤ - ولا يمكن تفسير (برهان ربه (بعلامة مجىء سيده إلى بيته؛ لأنه لو ظهرت علامة مجئ سيده؛ ما استبقا الباب: هى للطلب، وهو للدفع. فاستباقهما معناه: أنها تغلق الأبواب وتمنع من الإفلات وهو يحاول الدفع، حتى أنها جذبته من خلف ظهره من ثوبه، وعندئذ (ألفيا سيدها لدا الباب)\nوصرح بأنه غير مذنب، وشهد شاهد بالقرائن من أهل الشهادة أنه غير مذنب.\n٥ - على هذا يكون القرآن مقرًا ببراءة يوسف - ﵇ - ويكون لفظ الهم فى جانبه على سبيل المشاكلة لأنه صرح قبله بقوله (معاذ الله) .\nاهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":72},{"text":"أَخبرَ القرآنُ أَنَّ امرأةَ العزيز راودَتْ فَتاها يوسفَ مراتٍ عديدة، وأَنه كانَ\nيُقابلُ مراودتَها وإِغراءَها وفتنتَها بالتعفُّفِ والتَّرَفُّع، وهذا ما اعترفَتْ هي به\nلنساءِ المدينة: قال تعالى: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ) .\nوازدادت المرأةُ عِشْقًا له، وكلَّما أَمعنَ يوسفُ في تعفُّفِه ورفْضِه المراودةَ\nأَمْعَنَتْ هي في عشقِها وإِغرائِها وتهالكِها!!.\nواضطرت المرأَة أَخيرًا إِلى دعوتِه لمعاشرتِها دعوةً جريئةً صريحةً\nمكشوفة، بعدما غَلَّقَت الأَبواب، لكنَّه تَرَفَّعَ بصراحَة: (وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .\nوسيطرتْ عليها شهوتُها، وزادَ سُعارُها الشَّهوانيّ، وأَرادَتْ أَنْ يُعاشِرَها\nبالقُوَّة، فَهَمَّتْ به، وعَزَمَتْ على مخالطتِه، وهَجَمَتْ عليه، والأَبوابُ مُغَلَّقَة: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) .\nولما رأى يوسفُ نفسَه في هذا الموقفِ المثير، أَرادَ أَنْ يتعفَّفَ ويُحَصنَ\nنَفْسَه، فأَمامَه سيدتُه المتهالكةُ المثيرةُ المغرية، وهو الشابُّ القويُّ الممتلئُ،\nفما الذي يعصِمُه منها، ويَحميه من فتنتِها وإِغرائِها؟\nوما الذي يمْنَعُه من مقابلةِ هَمِّها بِهَمٍّ منه؟\nإِنه قوةُ إِيمانِه ومراقبتِه لله!! لقد استحضَرَ هذا المعنى الإِيماني،\nوهو في ذلك الموقفِ والجَوّ، وقَوّى بُرهانَ ربِّه في قلبِه وكيانِه، فمنَعَه هذا من\nالهَمّ بها، أَو الرغبةِ في معاشرتِها، أَو التوجُّهِ إِليها، والعزمِ على ارتكابِ\nالفاحشةِ معها!!.","vol":"1","page":73},{"text":"وقد ذَكَرَ القرآنُ هذا في قوله: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .\nإِنَّ هذه الآيةَ تَنفي عن يوسفَ الهَمَّ بارتكابِ الفاحشة، بعد أَنْ أَثبتَتْ\nلامرأةِ العزيزِ الهَمَّ والعزمَ والتصميمَ على ارتكابِ تلك الفاحشة!!.\nوتتكوَّنُ الآيةُ من جملتَيْن: الأُولى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) .\nالثانية: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .\nالواوُ في (وَهَمَّ بِهَا): حرفُ استئناف، وليستْ حرفَ عطف.\nولو كانَتْ حرفَ عطفٍ لَعَطَفَتْ جملةَ \" هَمَّ بها \" على \" هَمَّتْ به \"، ويكونُ هَمّ كُلٍّ منهما مِثْلَ هَمِّ الآخر، أَيْ: هَمَّتْ هي بمعاشرتِه، وهَمَّ هو بمعاشرتِها! وهذا اتهامٌ ليوسفَ بالعَزْمِ على الزنى بها!.\nوعندما تكونُ الواوُ حرفَ استئناف، يكونُ ما بعدَها جملةً استئنافيةً\nجديدة، وهي جملةٌ شرطية: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) .\nلولا: حرفُ شرط، يدلُّ على الامتناعِ لوجود.\nوفعلُ الشرطِ جملةُ (أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وجوابُ الشرطِ مَحْذوف، دَلَّ عليه ما قَبْلَه.\nوالتقدير: لَهَمَّ بها.\nفتكونُ الجملةُ هكذا: لولا أَنْ رأى بُرهانَ رَبِّه لَهَمَّ بها.\nوبما أَنَّ \" لولا \" حرفُ امتناعٍ لوجود، فإِنَّها تُقَرِّرُ امتناعَ حصولِ جوابِ\nالشرطِ لوجودِ فعلِ الشَّرط.\nأَي: الذي مَنَعَ يوسفَ من الهَمِّ بها وجودُ بُرهانِ رَبِّه.\nوالمرادُ ببرهانِ ربِّه هنا قوةُ الإِيمانِ في قلْبه، واستحضارُه رقابةَ اللهِ ومَعِيَّتَه، فكيفَ يعصيه ويرتكبُ فاحشةَ الزنى، واللهُ يَراهُ ويُراقبُه،\nولذلك رَدَّ على مراودةِ المرأةِ قائلًا: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُو) .\nإِنَّ قولَه تعالى: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) يدلُّ على أَنَّ\nيوسفَ - ﷺ - لم يهمَّ بامرأةِ العزيزِ مطلقًا، ولم يُفَكَرْ بمعاشرتِها، ولم يَلْتَفِتْ لها، في الوقتِ الذي هَمَّتْ هي به، وعَزَمَتْ على معاشرتِه.\nوبهذا نَعرفُ جهلَ وغَباءَ الفادي عندما اتَّهَمَ يوسفَ بالهَمِّ بامرأةِ العزيز،","vol":"1","page":74},{"text":"والعزمِ على مخالطتِها ومعاشرتِها، وذلك في قوله: \" قَصدَتْ مُخالَطَتَه، وقَصَدَ مُخالَطَتَها \".\nأَما ما نَقَلَه الفادي المفترِي عن سِفْرِ التكوينِ: \" أَنَّ امرأةَ العزيز لَما\nأَمْسَكَتْ بثوبِه تَرَكَ الثوبَ معها وهَرَبَ \" فهذا ليسَ صحيحًا، وهو يَتعارَضُ مَع ما ذَكَرَه القرآن.\nقالَ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين عن المراودة: \" كان يوسفُ حَسَنَ الهيئة،\nجميلَ المنظر..\nوحَدَثَ أَنَّ امرأةَ سيدِه رَفَعَتْ عينَيْها إِلى يوسف، وقالَتْ له:\nاضطجعْ معي! فأَبى وقالَ لها: سَيِّدي لا يعرفُ شيئًا في البيت، وكلُّ ما يملكُه\nائتمنَنِي عليه، وسَيِّدي لم يمنعْ عَنّي شيئًا غَيْرَك، لأَنك امرأَتُه، فكيفَ أَصنعُ\nهذه السيئةَ العظيمة، وأُخطئُ إِلى الله؟ !.\nوكَلَّمَتْه يومًا بعدَ يوم، أَنْ يضطجعَ بجانبِها وينامَ معها، فلم يسمعْ لها!.\nواتفقَ في أَحَدِ الأَيّام أَنه دخلَ البيتَ ليقومَ بعملِه، ولم يكنْ في البيتِ\nأَحَدٌ من أَهلِه، فأَمسكَتْ بثوبِه، وقالَتْ له: ضاجِعْني!..\nفتركَ ثوبَه بيدِها، وفَرَّ هاربًا إِلى الخارج.\nفصاحَتْ بأَهْلِ بيتِها، وقالَتْ لهم: انْظُروا كيفَ جاءَنا برجلٍ عِبْرانِيٍّ،\nليُداعِبَنا ويَتلاعَبَ بنا..\nدَخَلَ عَلَيَّ لِيُضَاجِعَني، فصرَخْتُ بأَعلى صوتي..\nولما سَمِعَني أَصرخُ تركَ ثوبَه بجانبي، وَفَرَّ هاربًا إِلى الخارج!.\nوَوَضَعت المرأةُ ثوبَ يوسفَ بجانِبها، حتى جاءَ زوجُها إِلى بيتِه، فحكَتْ\nله الحكايةَ ذاتها.\nقالَتْ: هذا العبدُ العِبْرانيُّ الذي جئتَنَا به، دَخَلَ ليُداعِبَني،\nوعندما رَفَعْتُ صَوْتي وصَرَخْت، تركَ ثوبَه بجانبي وهَرَب ...\nفلما سمعَ ذلك غضبَ على يوسف غَضَبًا شديدًا، وجَعَلَه في\nالسجن \".","vol":"1","page":75},{"text":"وما أَخبرَ عنه القرآنُ يَختلفُ عن ما قالَه الأَحْبار.\nفلما استعصَمَ يوسفُ أَمامَ إِغرائِها، ولم يَهِمَّ بها هَرَبَ من الغرفة، التي كانت المرأةُ قد أَغْلَقَتْ بابَها، ولحقَتْ هي به لتُعيدَه، واستَبَقا الباب، وما أَنْ فَتَحَ البابَ حتى وَجَدَ زَوْجَها عِندَ الباب، فَسارعت المرأةُ إِلى اتِّهامِ يوسفَ، ودافعَ هو عن نفسِه..\nوأَخبرَ الزوجُ أَحَدَ أَهْلِها بما جرى، ودعا الشاهدُ الحَكَمُ إِلى\nملاحظةِ قَمِيصِ يوسف، فإِنْ كان قُدَّ من الأَمامِ فصدقَتْ هي في كلامِها،\nلأَنه يكونُ هو الذي اعْتَدَى عليها، وهي تُدافعُ عن نفسِها، وإِنْ كان قُدَّ من\nالخلفِ يكونُ هو الصادقَ وهي الكاذبة، لأَنه يكونُ هاربًا منها، وهي تلحَقُه\nلتُدركه، فلما رأى القميصَ قُدَّ من الخلفِ عَرَفَ براءةَ يوسفَ وجريمةَ\nامرأتِه!..\nقال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>كيف دعا نوح على قومِه بالضلال</span>؟\nأَخبرَ القرآنُ عن نوحٍ - ﵇ - أَنه دَعا على قومِه بالضلال، قال تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) .\nواعتبرَ الفادي هذا خَطَأً في القرآن، لا يتفقُ مع نبوةِ نوحٍ - ﷺ - وبِرِّه.\nولذلك اعترضَ على القرآنِ قائلًا: \" كيفَ يَدْعو نوحٌ ربَّه أَنْ يَزيدَ الناسَ\nضَلالًا؟\nكما أَنَّ اللهَ ليس مصدرَ الضَّلال، ونوحٌ نفسُه لا يُحِبُّ الضَّلال؟","vol":"1","page":76},{"text":"والتاريخُ المُقَدَّسُ يَشْهَدُ له: \" كانَ نوحٌ رَجُلًا بارًّا في أَجيالِه \" (تكوين: ٦/٩) \" (١) .\nفَهِمَ الفادي الغبيُّ من الآيةِ أَنَ نوحًا يُحِبُّ ضَلالَ الناس، ولذلك دَعا اللهَ\nأَنْ يَزِيدَهم ضَلالًا، ونَسَبَ الضلالَ إِلى الله، على أَنَّ اللهَ هو مصدرُ الضَّلال!\nواعتبرَ هذا خَطَأً مُنْكَرًا مَرْدودًا، ولذلك نَزَّهَ نوحًا عنه!.\nإِنَّ نوحًا نبيّ رسولٌ، ﵊، وهو حَريصٌ على دعوةِ\nالناس، ومحبٌّ لهدايتِهم، وهو لا يُحِبُّ ضَلالَهم وانحرافَهم، وقد بقيَ يدعو\nقومَه أَلْفَ سنةٍ إِلّا خمسينَ عامًا، ولم يُؤْمِنْ معه إِلّا عَدَدٌ قليل.\nمتى دعا نوحٌ - ﷺ - على قومِه بالضلال؟.\nبعد أَنْ أَخبرَه اللهُ أَنه لنْ يؤمنَ منهم إِلّا مَنْ قد آمَن، وأَمَرَهُ أَن يَصنعَ\nالسفينة.\nقال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) .\nوهذا مَعْناهُ أَنه مهما دَعاهم فلَنْ يُؤْمنوا به، لاختيارِهم الكُفْرَ والضَّلال،\nمهما دَعاهم ورَغَّبَهم وحرصَ عليهم؟\nفماذا يفعلُ بعدَ ذلك؟\nليس أَمامَه إِلّاْ الدعاءُ عليهم بالهَلاكِ والفناء.\nقال تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨١- نوح يدعو للضلال\nإن نوحًا - ﵇ - قال لله تعالى: (ولا تزد الظالمين إلا ضلالًا)؛ فكيف يدعو نوح ربه أن يزيد الناس ضلالًا؟\nالرد على الشبهة:\nإن نوحًا لم يدع ربه أن يزيد الناس ضلالًا، وإنما دعا على الظالمين من الناس. ومثل ذلك: ما فى التوراة عن الأنبياء فإنهم دعوا على الظالمين، ولم يدعوا على كل الناس. ففى المزمور الثامن عشر: \" من الرجل الظالم تنقذنى \" - \" مثل طين الأسواق؛ اطرحهم \"، وفى الإنجيل يقول المسيح لله عن الذين آمنوا به: \" احفظهم فى اسمك الذين أعطيتنى \" [يو ١٧: ١١] ولم يدع للكل. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":77},{"text":"لم يكنْ نوحٌ - ﷺ - مخطِئًا في الدعوةِ على قومِه، لأَنه ما دَعا عليهم إِلّا بعدَ أَن اختاروا الكفْرَ والضَّلال، وأَصَرُّوا عليه..\nلقد كفروا وضَلُّوا، وأَضَلُّوا\nكثيرًا، وكانوا دُعاةَ ضلالٍ وإِفسادٍ للآخَرين.\nلقد دعا على الضالّينَ أَنْ يَزيدَهم اللهُ ضَلالًا، لأَنهم هم الذين أَرادوا\nالضَّلالَ وطَلَبوهُ واخْتاروه، ودَعا على الكافرين أَنْ يُهلكَهم اللهُ ولا يُبقي منهم دَيّارًا، لأَنَّهم إِنْ بَقَوا فسوفَ يُضِلّونَ الآخَرين!.\nوبذلك نَعرفُ أَنَّ نوحًا - ﷺ - كانَ على صوابِ في دعائِه على القومِ الكافرينَ بالهلاك، وعلى القومِ الضّالّين بالزيادةِ من الضًّلال!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>هل نجا فرعون من الغرق</span>؟\nاعتبرَ الفادي القرآنَ مُتَناقضًا في حديثهِ عن نهايةِ فرعون، وهذا التناقضُ\nخَطَأٌ، يَطعنُ في صحةِ القرآنِ!! (١) .\nأَخبرَ القرآن أَنَّ اللهَ أَغرقَ فرعونَ في الماءِ.\nقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) .\nوأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرق؛ كما فهمَ القِسيسُ الفادي.\nوذلك في قوله تعالىْ (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٢- فرعون ينجو من الغرق\nإن فى القرآن تناقض فى نهاية فرعون. ففى سورة يونس: (فاليوم ننجيك ببدنك) (١) وهذا يدل على نجاته من الغرق، وفى سورة القصص: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم فى اليم) (٢) وهذا يدل على غرقه.\nالرد على الشبهة:\nإن المؤلف لم يفسر (فاليوم ننجيك ببدنك) على المعنى الظاهرى. وهو إبعاد الجثة عن الهبوط فى اليم، وتركها على الشاطئ حتى يضعها المحنطون فى المقبرة فيراها كل المصريين فيعتبروا ويتعظوا. وفسر على المعنى المجازى كناية عن إفلاته من الغرق. ووجّه الشبهة على المعنى المجازى وليس على المعنى الحقيقى.\nوالمعنى المجازى الذى به وجّه الشبهة؛ موجود فى التوراة عن فرعون. ففيها أنه لم يغرق، وموجود فيها ما يدل على غرقه. وهذا هو التناقض الذى نسبه إلى القرآن. وسوف نبين ما فى التوراة من التناقض عن غرق فرعون. ونسأله هو أن يوفق بين المعنيين المتناقضين. وما يجيب به فى التوفيق؛ يكون إجابة لنا.\nففى الإصحاح الرابع عشر من سفر الخروج: \" فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذى دخل وراءهم فى البحر. لم يبق منهم ولا واحد \" وفى الإصحاح الخامس عشر من نفس السفر: \" تغطيهم اللجج. قد هبطوا فى الأعماق كحجر \" وفى تفسير التوراة ما نصه: \" ولا سبيل لنا هنا إلى الحكم بغرق فرعون، إذ لا دلالة عليه فى هذا النبأ، ولا من قول المرنِّم [مز ٧٨: ٥٣ و١٠٦: ١١] وساق المفسرون أربع حجج على عدم غرقه. ومعنى قولهم: إن قول المرنِّم لا يدل على غرقه هو: أن داود - ﵇ - فى المزمور ٧٨ والمزمور ١٠٦ قال كلامًا عن فرعون لا يدل صراحة على غرقه.\nونص ٧٨: ٣ هو \" أما أعداؤهم فغمرهم البحر \" ونص ١٠٦: ١١ هو \" وغطّت المياه مضايقيهم. واحد منهم لم يبق \".\nهذا عن عدم غرق فرعون. وأما عن غرقه ففى المزمور ١٣٦: ١٥ \" ودفع فرعون وقوته فى بحر يوسف؛ لأنه إلى الأبد رحمته \" وفى ترجمة أخرى: \" أغرق فرعون وجيشه فى البحر الأحمر إلى الأبد رحمته (٣) \" ومفسرو الزبور - وهم أنفسهم الذين صرحوا بعدم غرق فرعون - كتبوا عن فرعون: \" فإن هذا الأخير قد حاول جهد المستطاع أن يرجع الإسرائيليين إلى عبوديتهم؛ فما تم له ما أراد، بل اندحر شر اندحار \" انتهى.\nومن هذا الذى قدمته يكون من الواجب على المؤلف حل التناقض الموجود عنده فى أمر فرعون، قبل أن يوجه كلامه إلى القرآن. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) يونس: ٩٢.\n(٢) القصص: ٤٠.\n(٣) جمعية الكتاب المقدس فى لبنان سنة ١٩٩٣م.","vol":"1","page":78},{"text":"فهل أَخطأَ القرآنُ في حديثِه عن نهايةِ فرعون؟\nوهل تناقَضَ في إِخبارِه عن غرقهِ؟.\nلقد كانَ كلامُ القرآنِ عن غرقِ فرعونَ وجنودِه واضِحًا صَريحًا مُحَدَّدًا.\nفلما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى - ﷺ - وأَتْباعَه، أَمَرَ الله - ﷿ - موسى أَنْ يَضرِبَ البَحْرَ بعَصاه، وشَقَّ لهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا، ولما لَحِقَهم فرعونُ وجنودُه أَطْبَقَ اللهُ عليهم البحر، فأَغْرَقَهم جميعًا.\nقالَ اللهُ - ﷿ -: (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) .\nإن الضمير \" هم \" في قوله: (فَغَشِيَهُمْ) يعود على فرعون وجنوده.\nوهذا تصريح بأن فرعون وجنوده أغرقوا جميعًا.\nوقال - ﷿ -: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) .\nوقال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) .\nومن بابِ التأكيدِ على وفاةِ فرعونَ غَرَقًا نَصَّ القرآنُ على ذلك.\nقال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .\nلقد أُتِيَ القِسّيسُ الفادي من قِبَلِ جَهْلِه وغَفْلَتِه وغبائِه، فَفَهِمَ الآيَةَ فَهْمًا\nخاطِئًا، وخَرَجَ مِنها بغيْرِ ما سيقَتْ له! فَهِمَ من جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) أَنَّ اللهَ أَنجى فرعونَ من الغرَق، وخَرَجَ من البحرِ","vol":"1","page":79},{"text":"حَيًّا، وعادَ إِلى مملكتِه ليُواصِلَ حُكْمَها!! وهذا فَهْمٌ خاطئٌ للآية.\nتُقَرّرُ الآيةُ غَرَق فرعونَ وموتَه، وتَصِفُ اللحظاتِ الأَخيرةَ من عمرِ\nفرعون، قبلَ خُروجِ روحِه تحتَ الماء.\nومعنى (فلما أدركه الغرق): لما أَحاطَ به الغَرَق من كلِّ جانب، وأَتاهُ\nمن كُلِّ مكان، من تحتِه وفوقِه، وعن يَمينِه وشِمالِه، ورأى الموتَ بعينَيْه،\nوأَيْقَنَ بالهلاك..\nعند ذلك أَعلنَ إِسلامه وإِيمانَه بالله، وصَرَّحَ قائلًا: (آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) .\nومن المعلومِ أَنَّ الإِيمانَ عند \" الغرغرة \" قُبيلَ خُروجِ الروحِ غيرُ مقبول،\nولذلك رَدَّ عليه مَلَكُ الموتِ المكلَّفُ بقبضِ روحِه قائلًا: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)؟\nوهذا معناهُ أَنَ إِيمانَ فرعونَ لم يَقْبَلْه الله.\nوقُبيلَ قبض روحِ فرعون وهو تحتَ الماءِ قالَ له المَلَك: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) .\nوليس معنى جملة: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ): اليومَ ننقذكَ من الغَرَق،\nونخرجُك حيًّا من تحتِ الماء.\nإِنَّ مَعْناها: عندما تَخرجُ روحُك، ويُصبحُ جسمُك جُثَّةً هامدة، لن نتركَ\nبَدَنَكَ يَسقطُ في الماءِ إِلى قاع البحر، ولَنْ نَجعلَ بَدَنَك طَعامًا لحيتانِ البحرِ\nوأَسْماكِه - وبالذاتِ سمكُ القرشِ المفترسِ الذي يملأُ البحرَ الأَحمر - وإِنما\nسَنُنَجّي بَدَنَك الهامِدَ الذي خرجَتْ منه الروح، وسنأمُرُ الحيتانَ أَن لا تَأكُلَه،\nوسنَأْمُرُ الماءَ أَنْ يحملَك، وسنأمُرُ الموجَ أَنْ يُلْقِيَكَ على الشاطئ، وسيكونُ\nبَدَنُك ناجيًا هامدًا، وسيكونُ مُلْقى على الشاطئ، وسيكونُ آيةً لِمَنْ خَلْفَك، وهم الأَحياءُ من جنودِك وقومِك، فعندما يُشاهدونَ بَدَنَكَ جثةً هامدة سيَعرفونَ أَنكَ لَسْتَ إِلهًا كما زَعَمْتَ، وإِنما أَنْتَ بَشَرٌ مخلوفٌ ضعيف، والأَصْلُ أَنْ يَعْتَبِروا ويَتَّعِظوا بذلك!.","vol":"1","page":80},{"text":"وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يُخطئْ في حديثِه عن فرعون، ولم يَقَعْ في\nتَناقُض، والْتَقَتْ آياتُه على تقريرِ حقيقةِ موتِ فرعونَ غَرَقًا، والاحتفاظِ بجثَّتِه، لتكونَ آيةً لمن خَلْفَه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>بين زكريا ومريم</span>!!\nأَخبرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ جعلَ النبيَّ زكريّا - ﵇ - يكفَلُ مريمَ - ﵇.\nقال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) .\nواعتبرَ القِسّيسُ الفادي هذا خَطَأً تاريخيًّا وَقَعَ به القرآن، لأَنَّه يُناقضُ ما\nفي الكتابِ المقَدَّس - العهدِ القديمِ والعهدِ الجديد - والمعَتَمَدُ عند الفادي هو\nما في الكتابِ المقَدَّس طبعًا.\nقال في تخطئِتِه للقرآن: \" وهذا يُناقضُ وقائعَ التاريخ، فمريمُ ابنةُ عمران\n- حسبَ التوراة - لم تتزوَّجْ ولم تَلِد، وهي أُخْتُ هارون، واسْمُ أُمِّها يوكابد..\nوالمرأةُ الوحيدةُ التي نذرَتْ ما في بطنِها هي حَنَّةُ، أُمُّ النبيِّ صموئيل..\nولم يَرِدْ أَنَّ زكريا كانَ يقيمُ في الهيكلِ في أُورشليم، حتى يكفَلَ مريمَ هناك،\nلأَنَّ زكريا من حَبْرون، ولا يأتي ليخدمَ في الهيكلِ إِلَّا بالقرعة، ولمدةِ خمسةَ\nعَشَرَ يومًا في السنة الوقا: ١/ ٥ - ٤٠)، ولا يُقيمُ أَحَدٌ في المحراب أَو يدخلُ فيه إلّا رئيسُ الكهنة، مرةً واحدةً فقط في السنة، في يومِ الكفارةِ العظيم، بدمِ","vol":"1","page":81},{"text":"ذبيحة، ليُكَفّرَ عن خطايا الشعب (الملوك الأول: ٦/٨ و٨، و١٦/٩) .\nولم يكفَلْ زكريا مريمَ، لأَنها من سبْطِ يَهوذا، وزكريّا من سبْطِ لاوي\n(عبرانيين: ٧/ ١٤) وكان زكريا يُقيمُ في حَبْرون، بينما كانت مريمُ تقيمُ في\nالناصرة.. \" (١) .\nالمرجعُ عند الفادي هو الكتابُ المُقَدَّس، وهو عنده الحَكَم على كلِّ ما\nسِواه، وما وَرَدَ فيه فهو الصحيحُ والصواب، وما خالَفَه فهو الخطأ!! ولذلك\nهو \" يُحاكمُ \" القرآنَ إِلى كتابِه، وأَيُّ كَلامٍ في القرآنِ اختلفَ مع ما في كتابِه\nفهو الخَطَأ..\nوهو لا يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ الله، ولذلك يُجيزُ وُقوعَ القرآنِ\nفي الخَطأ، لأَنه كلامُ بَشَرٍ يُخطئُ ويُصيب!!.\nوحاكَمَ ما وردَ في القرآنِ عن زكريّا ويحيى وعيسى - ﵉ -، وما وردَ عن نشأةِ مريمَ - ﵍ - إِلى ما في كتابِه الذي يؤمنُ به، وذَكَرَ ما وردَ في كتابِه بهذا الموضوع، واعتبرَ القرآنَ مخطئًا في حديثِه عنه!.\nونعتقدُ أَنَّ ما يفعلُه القِسّيسُ الفادي خطأٌ منهجيٌّ وَقَعَ فيه، وخِلافُنا معه\nخِلافٌ جَذْرِيٌّ أَساسيّ منهجي.\nإِننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وهو يُنكرُ ذلك، ونحنُ نوقنُ أَنه لا خَطَأَ\nفي القرآن، وهو يُثبتُ ذلك، ونحن نوقنُ أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا التوراةَ في أَسفارِ\nالعهدِ القديم، وهو يَنفي ذلك، ونحنُ نُوقِنُ أَنَّ النَّصارى حَرَّفوا الإنجيل، وهو\nيَنفي ذلك! ومرجعُنا القرآنُ، وهو يرفضُ أَنْ يكونَ مرجعًا لَهُ، ومرجعُه هو\nالكتابُ المقدس ونحن نرفضُ أَنْ يكونَ مرجعَنا.\nنرفضُ أَنْ يتعامَلَ الفادي مع القرآنِ على هذا الأَساس، ونرفضُ الأَحكامَ\nالتي يخرجُ بها من مقارنتِه بينَ القرآنِ والكتابِ المقَدَّس.\nفالصوابُ هو ما ذَكَرَه القرآنُ عن ما يتعلقُ بمريمَ وزكريا - ﵉ -، وما قاله الكتابُ المقَدَّسُ مخالِفًا لما قالَه القرآنُ نجزمُ بأَنه خَطَأ.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٣- انتباذ مريم\nإن فى القرآن: أن مريم انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، واتخذت لها حجابًا من قبل أن تحبل بالمسيح. فلماذا انتبذت؟ هل كانت فى مشاجرة مع أهلها وهم المشهورون بالتقوى؟ ولماذا تسكن فتاة عذراء بعيدة عن أهلها؟\nفى القرآن تناقض فى هذا المعنى. وهو أنه صرح بأنها كانت فى المحراب فى كفالة زكريا، وصرح بأنها انتبذت. أى خرجت منهم بعد مشاجرة.\nوقال المؤلف: إن القرآن قد خالف الإنجيل فى مكان سكناها من قبل الحبل بعيسى - ﵇ - ففى القرآن: أنها كانت تسكن فى محراب أورشليم، أو فى أى مكان مجهول. وفى الإنجيل أنها كانت تسكن فى \" الناصرة \" [لو ١: ٢٦ - ٢٣] .\nالرد على الشبهة:\n١ - جاء فى إنجيل يعقوب: أن مريم وهى فى سن الثالثة: ذهبت بها أمها بصحبة أبيها إلى \" أورشليم \" وسلماها إلى كهنة هيكل سليمان، وكانت علامات السرور تبدو عليها. ثم تركاها ورجعا إلى أورشليم، وعاشت مع الراهبات المنذورات إلى أن حبلت.\n٢ - وإن أنت نظرت فى خريطة فلسطين. تجد حبرون أسفل أورشليم وقريبة منها، وتجد الناصرة على نفس الخط وبعيدة عن أورشليم. فتكون أورشليم غرب الناصرة، وشرق حبرون.\n٣ - وفى الإنجيل: \" وفى ذلك الوقت ولد موسى وكان جميلًا جدَّا. فربى هذا ثلاثى أشهر فى بيت أبيه. ولما نُبذ؛ اتخذته ابنة فرعون، وربته لنفسها ابنًا \" [أعمال ٧: ٢١]\nقوله \" ولما نبذ \" لا يدل على أن أهله كرهوه وإنما يدل على أنهم وضعوه فى التابوت وهم لوضعه كارهون. ومن ينتبذ عن قوم؛ لا يدل انتباذه عنهم على كرهه لهم، وإنما يدل على ابتعاده عنهم لسبب أو لأسباب. وإذ صح وثبت أن ابتعادها عنهم كان لعبادة الله؛ يثبت أنها لم تنتبذ لمشاجرة.\n٤ - وقد تبين أن \" الناصرة \" من نصيب سبط زبولون - وهو من أسباط السامريين - وهى من سبط يهوذا - على حد زعمه - فكيف تكون من سكان الناصرة؟ وإذا كانت من سكان الناصرة، فلماذا أتت إلى أورشليم لتعدّ مع سكانها. وسكان أورشليم من سبطى يهوذا وبنيامين؟ فالحق ما قاله القرآن أنها كانت هارونية. ومعلوم أن زكريا وامرأته ويوحنا المعمدان كانوا من التابعين لأهل أورشليم. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":82},{"text":"يَقولُ الفادي معتَمدًا على الكتاب المقَدَّس: المرأةُ التي نَذَرَتْ ما في\nبطنها هي \" حَنَّةُ \" أُمُّ صموئيل..\nوهذا كلامٌ نتوقَّفُ نحنُ فيه، فلا نَنْفيه ولا نُثبتُه، واللهُ أَعلمُ بصحَّتِه..\nوقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ المرأةَ التي نَذَرَتْ للهِ ما في بطنِها هي امرأةُ عمران.\nقال تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) .\nلم يذكر القرآنُ اسمَ امرأةِ عمران، كما أَنه لم يَرِدْ ذكْرٌ لها في الحديثِ\nالصحيحِ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، وهو من \" مُبهماتِ القرآن \" التي لا نُحاولُ بَيانَها، ونقول: اللهُ أَعلمُ باسْمِها.\nكانت امرأةُ عمرانَ صالحةً عابدةً لله، ولما كانَتْ حامِلًا نَذَرَتْ ما في\nبطنِها خالِصًا لله، ولا نعرفُ مُلابساتِ هذا النَّذْر، وكأَنها كانتْ تَتَمَنّى لو كانَ ما في بطنِها ذَكَرًا، ولما وَضَعَتْ حَمْلَها كانت أُنثى، فاستمرَّتْ على نَذْرِها، وجعلت المولودةَ الأُنثى لله، وسَمَّتْها مريم، ودَعَت اللهَ أَنْ يَحفظَها ويَرْعاها.\nفمريمُ هي ابنةُ عمران بنصِّ القرآنِ.\nقال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) .\nونفى القسيسُ الفادي ما وردَ في القرآن، فمريمُ عِنْدَه هي \" مريمُ بنةُ\nعمرام \"، بالميم وليس بالنّون، ولها أَخ اسْمُه هارون، واسْمُ أُمِّها يوكابد..\nوهذا كلامٌ نتوقفُ نحن فيه، كلُّ ما نقولُه: مريمُ التي نعرفُها هي مريمُ بنةُ\nعمران، ولا نعرفُ اسْمَ أُمِّها التي نَذَرَتْها لله، ولها شقيق اسْمُه هارون.\nويَرى الفادي أَنَّ زكريّا من سَبْطِ لاوي، ومريمَ من سَبْطِ يهوذا، فلا قرابةَ\nولا صلةَ بينَها وبينَه، فكيفُ يكفَلُها؟ !.\nوهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه، فلا نَعرفُ السَّبْطَ الذي يَنتسبُ له النبيُّ زكريّا - ﵇ -، ولا الذي تنتسبُ له مريمُ - ﵍ -، لعدمِ ذكْرِه في مصادِرِنا الإِسلاميةِ الصحيحة.","vol":"1","page":83},{"text":"ويرى الفادي أَنَّ زكريا من حَبْرون - الخليل - وأَنَّ مريمَ كانت تُقيمُ في\nالناصرة شمالَ فلسطين، والمسافةُ بينَهما بعيدة، فكيفَ يكفَلُها؟!.\nوهذا كلامٌ نتوقَّفُ فيه أَيضًا.\nالذي نقولُ به هو ما وَرَدَ في القرآن، من أَنَّ اللهَ حفظَ مريمَ - ﵍ -، وأَنَّ العابِدينَ تَنازَعوا فيها، كلُّهم يريدُ أَنْ يكفَلَها، فاقْتَرَعوا قرعة، على أَنْ يُلقوا أَقلامَهم، وفازَ زكريا بالقُرعة، وبذلك قامَ بكفالتِها، وبقيتْ في كفالتِه حتى كبرت.\nقالَ تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) .\nوقال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) .\nوتَدُلُّ مصادرُنا الإِسلاميةُ على وُجودِ صلةِ قرَابةٍ بينَ مريمَ وزكريا، فقد\nأَخبرنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ عيسى ويَحيى - ﵉ - أَبناءُ الخالة، وهذا معناهُ أَنَّ أُنَّ يحيى وأُمَّ عيسى أُخْتان، فامرأةُ زكريا - ﵇ - هي أُختُ مريم الكبرى، وبكفالة\nزكريا مريمَ تكونُ مريمُ قد عاشَتْ عند أُخْتِها، لِتَرعاها وتتعهدَها!! (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>حول انتباذ مريم مكانًا شرقيًّا</span>\nأَخبرنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ انتبذَتْ من أَهلِها مكانًا شرقيًّا.\nقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) .\nورفضَ الفادي هذا الكلامَ، واعترضَ عليه، وقال بتهكُّمٍ وسخرية:\n_________\n(١) قال الحافظ ابن كثير ﵀:\nوإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعًا وعملا صالحًا؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير [وغيرهما] (٧) وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح: \"فإذا بِيحيى (٨) وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ\"، وقد يُطْلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا تَوسُّعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. اهـ (تفسير ابن كثير. ٢ / ٣٥)","vol":"1","page":84},{"text":"\" لا يَذكرُ القرآنُ لماذا انبتذَتْ مريمُ العذراءُ من أَهلِها مكانًا شرقيًّا، واتخذَتْ من دونِهم حجابًا، قبلَ أَنْ تُبَشَّرَ بعيسى..\nهل كانَتْ في مشاجرةٍ مع أَهلِها، وهم المشهورونَ بالتقوى؟\nولماذا تسكنُ فتاةٌ عذراءُ بَعيدًا عن أَهْلِها، مع أَنَّ القرآنَ\nيقولُ: إِنها كانَتْ في المحرابِ في كَفالةِ زكريا؟\nويقولُ الإِنجيلُ: إِنَّ مريمَ كانَتْ في الناصرة، وهيَ مخطوبةٌ ليوسفَ النجار \".\nيُنكرُ الفادي أَنْ تَكونَ مريمُ - ﵍قد انتبذَتْ من أَهْلِها مكانًا شرقيًا، فلماذا تبتعدُ عنهم؟\nهل اختلَفَتْ معهم؟\nوهل طَردوها؟\nوكيفَ ترضى أَنْ تبتعدَ عن الناس، وأَنْ تبقى وحيدةً وهي الفتاةُ العذراء؟\nأَلا تخشى أَنْ يَبطش بِها أَو يَعتديَ عليها أَحَدُهم؟\nوكيفَ قالَ القرآنُ في سورةِ مريم: إِنها انتبذَتْ من أَهْلِها\nوابتعَدَتْ عنهم، مع أَنه هو نفسه أَخبرَ في سورةِ آلِ عمران أَنها كانتْ في\nالمحرابِ عند زكريا كفيلِها؟.\nوتساؤلاتُ واعتراضاتُ الفادي لا معنى لها، والقرآنُ لم يَتناقَضْ في\nحديثِه عن مريمَ - ﵍ -.\nأَخبَر في سورةِ آلِ عمران أَنَّ اللهَ كَفَّلَها زكريا وهي طفلة، وهو زوجُ\nأُخْتِها كما ذكرنا، فنشأَتْ عنده - ﷺ -، وكانتْ عابدةً لله في محراب بيتِه ومكانِ صلاتِه، بينما كان يُؤَمِّنُ لها حاجتَها من الطعام.\nقال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) .\nوكانتْ مريمُ متفرغةً للعبادة، حيث ملأَتْ عليها وقْتَها، وأَنفقَتْ فيها\nعُمْرَها، فلم تَلتفتْ إِلى غيرها.\nولعَلَّها لأَجْلِ هذه الغاية كانت تَنتبذُ عن أَهْلها، وتَذهبُ إِلى مكانٍ\nهادِئ، تعتزلُ فيه مُتعبدة، وكان أَهْلُها يَعرفونَ ذلك، وكانوا عابِدين صالحين،","vol":"1","page":85},{"text":"وكانوا يَقومونَ على رعايتِها وحمايتِها وحراستِها، ويُهَيِّئونَ لها جَوَّ العبادةِ، في المكانِ القَصِيّ الشرقي، الذي اختارَتْه شرقى مكانِ إِقامةِ أَهْلها، والذي كانت تتخذُ فيه من دونِهم حجابًا.\nفهي لم تكنْ بعيدةً عن عُيونِ وحمايةِ أَهْلِها، ولم تكنْ فتاةً وحيدةً في\nمكانٍ بعيد، عرضَةً للخطرِ والأَذى، إِنما كانَ أَهْلُها حارِسينَ لها مُحافظينَ\nعليها.\nولم يُحَدِّد القرآنُ - ولا الحديثُ الصحيح - المدينةَ التي كانَتْ تُقيمُ فيها\nمريمُ عابدةً لله، ولم يُحَدِّد المكانَ الشرقيَّ الذي كانتْ تعتزلُ فيه لعبادةِ الله،\nولم يُحدد المدةَ التي أَقامَتْها في ذلك المكان.\nكلُّ هذا من مبهماتِ القرآن التي لم يَرِدْ بيانا لها في مصادرِنا الإِسلامية..\nأَما ما قالَه الفادي من أَنَّ مريمَ كانتْ تُقيمُ في الناصرة، في شمالِ\nفلسطين، فهذا مما نتوقَّفُ فيه، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدِّقُه، لعدمِ ورودِ دليلٍ عليه عندنا..\nكذلك نتوقَّفُ في ادِّعائِهِ أَنَّ مريمَ - ﵍ - كانتْ مخطوبةً ليوسفَ النجار!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>حول ولادةِ مريم وكلام وليدها</span>\nأَخبرَنا اللهُ أَنه بَعدما نفخَ جبريلُ في مريمَ - ﵍ -، حَمَلَتْ بعيسى - ﵇ -، وابتعدَتْ عن أَهْلِها مكانًا قصيًّا، وهُناكَ وَضَعَتْ وَليدَها تحتَ نَخْلَة، وأَنَّ اللهَ أَنطقَه وهو في الدقائقِ الأُولى من عمرِه، وأَرشدَها إِلى التصرفِ المناسب.\nقال تعالىْ (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .","vol":"1","page":86},{"text":"ورفضَ الفادي ما وردَ في القرآن، واعتبرَهُ خطأً تاريخيًّا، لمخالفتِه ما\nوَرَدَ في كتابه المقدس.\nقال: \" لقد وَلَدَتْ مريمُ السيدَ المسيحَ في بيت لحم، كما تَنَبَّأَ أَنبياءُ التوراةِ بذلك قبلَ حدوته بمئات السِّنين، وليسَ بجوار جِذْع نخلة!..\nوَوَضَعَتْ وَليدَها في مِذْوَد ألوقا: ٢/ ١ - ٢٠، وغَريبٌ أَنْ يُكَلّمَها\nوَليدُهَا من تحتِها: أَنْ تَهُزَّ جذْعَ النخلة، وتأكلَ من البَلح، وتشربَ من\nالجدول، فإِذا مَرَّ بها أَحَدٌ تقول: إِني نذرتُ للرحمنِ صَوْمًا فلن أُكَلِّمَ اليومَ\nإِنْسِيًّا! فأَينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة؟ ! \" (١) .\nيَرى النَّصارى أَنَّ مريمَ وَلَدَتْ عيسى - ﷺ - في بيت لحم..\nووردَ حديثٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - بهذا المعنى..\nروى النَّسائيُّ عن أَنَسِ بنِ مالك - ﵁ -، عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: \" أُتيتُ بدابَّةٍ فوقَ الحمار، ودونَ البَغْل، خَطْوُها عندَ مُنْتَهى طَرْفِها، فركبْتُ، ومعي جبريل - ﵇ -..\nفَسِرتُ..\nفقال: انْزِلْ فَصَلّ.\nفنزَلْتُ فصلَّيْتُ..\nفقال: أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ؟\nصَلَّيْتَ بطَيْبَة، وإِليها المُهاجَر..\nثم قال: انزِلْ فَصلِّ.\nفنزلْتُ فصلَّيْتُ..\nفقال: أَتَدري أَينَ صَلَّيْتَ؟\nصَلَّيْتَ بطورِ سيناء، حيثُ كَلَّمَ اللهُ - ﷿ - موسى - ﷺ -.\nثم قال: انْزلْ فَصَلِّ..\nفنزلْتُ فصَلَّيْتُ..\nفقال: أَتَدْري أَيْنَ صَلَّيْتَ؟.\nصَلَّيْتَ ببيت لحم، حيثُ وُلِدَ عيسى - ﷺ -..\nثم دخلْتُ بيتَ المقدِس، فَجُمِعَ لي الأَنبياءُ - ﵈ -، فقدَّمَني جبريلُ حتى أَمَمْتُهم \".\nيُخبرُ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن المحطّاتِ التي مَرَّ بها في ليلةِ الإِسراء، عندما أُسْرِيَ به من مكةَ إِلى بيتِ المقْدِس، حيثُ أَمَرَهُ جبريلُ - ﵇ - أَنْ يَنزلَ ويُصلِّيَ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٤- مريم تلد فى البرية ووليدها يكلمها من تحتها\nلقد ولدت مريم السيد المسيح فى بيت لحم كما تنبأ أنبياء التوراة بذلك قبل حدوثه بمئات السنين، وليس بجوار جذع نخلة. ووضعت مريم وليدها فى مذود [لوقا ٢: ٢ - ٢٠] وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول. فإذا مرّ بها أحد تقول: (إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا) (١) فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة؟\nالرد على الشبهة:\n١ - ولادة المسيح فى بيت لحم - كما قال المؤلف - تدل على أن مريم من سكان الخليل التى هى حبرون، ولا تدل على أنها من سكان الناصرة. ففى خريطة فلسطين تجد بيت لحم تحت أورشليم، وبعدها حبرون. وعلى هذا تكون مريم بعد حملها بالمسيح وإحساسها بدنو الوضع. قد اتجهت إلى حَبرون (فأجاءها المخاض (عند بيت لحم. ولو كانت من الناصرة وأحست بالحمل وبالوضع. لاتجهت إلى الناصرة. وعندئذ يكون الوضع فى مكان بين أورشليم وبين الناصرة. فقولهم بالمخاض فى بيت لحم يصدق القرآن فى أنها كانت من نسل هارون الساكنين فى حبرون.\n٢ - وقول المعترض: إن التوراة تنبأت بولادة المسيح فى بيت لحم. يقصد به ما جاء فى سفر ميخا وهو \" أما أنت يا بيت لحم أفراتة وأنت صغيرة أن تكونى بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لى الذى يكون متسلطًا على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل \" [ميخا ٥: ٢] .\nوالنبوءة موضوعة وليست من النص الأصلى. بدليل: أن المسيح كان من الهارونيين من جهة أمه، وبيت لحم من مدن سبط يهوذا. ولو كان له أب لأمكن للنصارى نسبته إلى سبط أبيه. ولكنه لا أب له؛ فكيف ينتسب إلى سبط يهوذا أو غير سبط يهوذا؟ وبدليل: أن المتسلط على إسرائيل وهو النبى الأمى الآتى على مثال موسى. يكون ملكًا وفاتح بلاد. ولم يكن المسيح ملكًا ولا فاتح بلاد.. وبدليل: أن سفر ميخا مرفوض من السامريين. وبدليل أن شراح سفر ميخا يصرحون بالتناقض فيه. والنبوءة من مواضع التناقض التى صرحوا بها. يقول الشراح: \"هناك تعليمان متشابكان فى كتاب ميخا: الأول: الله يدين شعبه ويعاقبه [ف١ - ٣: ٦: ١ - ٧: ٧] الله يعد شعبه بالخلاص [ف ٤ - ٥ و٧: ٨ - ٢٠] حين يُعيده إلى حاله السابقة ويجعله بقيادة رئيس من نسل داود [٥: ١ - ٤] .\n٣ - وقد جاء فى إنجيل متى الأبوكريفى معجزة النخلة.\n٤ - وكلام المسيح فى المهد جاء فى برنابا وفى إنجيل الطفولية العربى، وجاء فى تاريخ يوسيفوس.\n٥ - وقال المعترض: إن المسيح كلم أمه من تحتها: أن تهز جذع النخلة.. إلخ. وهو قد قال بذلك على قراءة \" مِن تحتها \" والحق: أن الذى ناداها هو ملاك الله نفسه. وسياق الكلام يدل على أنه الملاك. فإنه قد قال لها: (كذلك قال ربك هو علىّ هيّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرًا مقضيًا) (٢)، ولما حملته وانتبذت به وأجاءها المخاض وتمنّت الموت؛ عاد إلى خطابه معها فقال: (ألا تحزنى قد جعل ربك تحتك سريا وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبًا جنيًا فكلى واشربى وقرى عينًا فإما ترين من البشر أحدًا فقولى إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا) (٣) .\nوأما كلام المسيح فهو لم يقل إلا (إنى عبد الله أتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أينما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة مادمت حيًّا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارًا شقيا والسلام علىّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) (٤) .\n٦ - المعترض قد غالط فى نقل المعنى بقوله: \" وغريب أن يكلمها وليدها من تحتها: أن تهز جذع النخلة وتأكل من البلح وتشرب من الجدول؛ فإذا مر بها أحد تقول: (إنى نذرت للرحمن صومًا فلن أكلم اليوم إنسيا) (٥) فأين الصوم وهى الآكلة الشاربة المتكلمة؟ \".\nووجه المغالطة: أنه يقول فإذا مر بها أحد تقول.. إلخ. والمعنى الصحيح: أنها لا تقول لكل أحد يمر عليها إنها صائمة عن الطعام والشراب. وإنما تقول: لا أتكلم مع أحد فى أمر ابنى فى هذه الأيام. فجملة (فإما ترين من البشر.. (جملة مستأنفة لا صلة لها بالطعام وبالشراب. وقولها: (إنى نذرت للرحمن صوما (تعنى به المعنى المجازى وهو الإمساك عن الكلام بدليل: (فلن أكلم (ولم تقل فلن آكل. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) مريم: ٢٦.\n(٢) مريم: ٢١.\n(٣) مريم: ٢٤ - ٢٦.\n(٤) مريم: ٣٠ - ٣٣.\n(٥) مريم: ٢٦.","vol":"1","page":87},{"text":"في المدينة، التي سيهاجِرُ إِليها، وسيَموتُ ويُدْفَنُ فيها..\nوأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في طورِ سيناء، حيثُ كَلَّمَ اللهُ نبيَّه موسى - ﷺ -..\nوأَنْ يَنزلَ ويُصَلِّيَ في بيتِ لحم، حيثُ كانَتْ وِلادةُ عيسى - ﵇ -..\nولم تَتَحدث الأَناجيلُ عن النخلةِ التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها عيسى تحتَها،\nولذلك خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن النخلَة، وأَنكرَ أَنْ يُكَلِّمَها ابْنُها من\nتحتِها، ويُوَجِّهَها إِلى التصرفِ المناسِب!!.\nومَعنى قولِه تعالى: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ):\nجاءَ المَخاضُ بمريمَ إِلى جِذْعِ النخلة، واضطرَّها إِلى القُدوم، وأَكْرَهَها على المجيء.\nوالمخاض: آلامُ الطَّلْقِ التي تَأخُذُ المرأة، عندما تَدْنو ساعَةُ ولادتِها!..\nوكَأَنَّ هذا المخاضَ شَخْصٌ قوِيّ شَديد، يُخضعُ مريمَ له إِخْضاعًا ويَدْفَعُها\nدَفْعًا، ويُكْرِهُها ويَضْطرُّها، ويَجعلُها تَسيرُ أَمامَه مُضطرة، إِلى أَنْ تَستندَ إِلى\nجِذْعِ النخلة، وتعمدَ عليها..\nوجِذعُ النخلة الذي تَقومُ عليه..\nوإِضافةُ الجِذْعِ إِلى النخلةِ تَدُلُّ على أَنها نخلةٌ حيةٌ خضراءُ نامية، وليس جُزْءًا مقطوعًا يابسًا ملقىً على الأَرض..\nوما هي إلّا لحظاتٌ قصيرةٌ قَضتْها مريمُ تحتَ جذعِ النخلة، حتى وَلَدَتِ\nانْبنها: (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) .\nوما هي إِلَّا لَحظاتٌ حتى خاطَبَها ابنُها الذي أَنْطَقَه الله، فَكَلَّمَها\nبوضوح..\nقال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .\nاستغربَ الفادي أَنْ يُكَلمَ الوليدُ أُمَّه بعدَ لحظةٍ من ولادته، لأَنَّ هذا لا\nيكونُ في عالَمِ المواليد! ومَن الذي قالَ: إِنَّ كلامَه لها كان كَلامًا عاديًّا مَألوفًا\nمعتادًا، حتى يَستغربَ ذلك؟ ! (١) .\n_________\nمن العجيب أن ينسب القرآن ذلك إلى المسيح على سبيل المعجزة، والنصارى يستبعدون كلامه في المهد، مع قولهم بألوهيته!!!.","vol":"1","page":88},{"text":"لقد كانَ الوليدُ معجزةً خارقةً للعادة، واللهُ هو الذي أَنطقَه، وبما أَنَ هذا\nمن أَمْرِ اللهِ فلا غرابةَ فيه، لأَنَّ اللهَ فَعّالِّ لما يُريد، وإِذا كانَ كلامُه لأُمِّه بعدَ\nلحظةٍ من ولادتِه أَمرًا مُدْهِشًا، فإِنَّ حَمْلَها به من غيرِ أَبِ، وولادتَها له بعدَ\nساعاتٍ من حَمْلِها به هو الأَكثرُ دهشة! فلماذا صَدَّقَ الفَادي بالثاني الأَكثرِ\nدهشةً وأَنكرَ الأَوَّل؟!.\nوقد يُكَذِّبُ بعضُهم القرآنَ في حديثِه عن النخلة، التي وَلَدَتْ مريمُ ابْنَها\nتَحْتَها، بزعْمِ أَنَّ مدينةَ بيت لحم ليستْ مدينةَ نخل، لأَنها منطقةٌ باردةٌ نسبيًّا،\nوالنخلُ يَحتاجُ إِلى أَرضٍ دافئة.\nواتفقَ الإِخباريّون على أَنه كانتْ في كنيسةِ المهْدِ في بيت لحم نخلةٌ\nكبيرة، وهذه النخلةُ ماتَتْ وقُطعتْ فيما بعد.\nومَرَّ الشيخُ عبدُ الوهّاب النجارُ مؤلِّفُ كتابِ \" قَصَصِ الأَنبياء \" بكنيسةِ\nالمهدِ في مطلعِ القرنِ العشرين.\nقال: \" وأَقولُ أَيضًا: إِنَّ وُجودَ النخلِ ببيت لحم - وهي البلدةُ التي كانتْ بها مريمُ يومَ ولادهِ المسيح - نادر..\nوقد رأيتُ بكنيسةِ بيت لحم المبنيةِ على موضعِ ولادةِ المسيح مكانًا قد \" قُوِّرَ \" البَلاطُ فيه..\nويقولون: إِنَّ في موضعِ هذا التقويرِ كانت النخلةُ التي وَلَدَتْ عندَها\nمريمُ..\".\nوأَخبرَنا اللهُ أَنَّ الوَليدَ عيسى خاطبَ أُمَّه قائلًا: (أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .\nالسَّرِيّ هو جدولُ الماء.\nفاللهُ أَنبعَ لمريمَ عينَ ماءٍ إِكرامًا لها، ودَعا الوليدُ أُمَّهُ إِلى رؤيةِ ذلك السَّرِيّ، والشربِ من مائِه.\nكما أَنه دَعاها إِلى أَنْ تَهُزَّ جِذْعَ النخلة، فيتساقَطَ عليها الرطبُ الناضج، فتأكلَ منه.\nويَعتقدُ النَّصارى أَنَّ ولادةَ عيسى - ﷺ - كانَتْ في شهرِ كانونِ الأَول، أَيْ","vol":"1","page":89},{"text":"في الشتاء، ومن المعلومِ أَنه لا يَكونُ على النخلِ بَلَحٌ ولا تَمْرٌ ولا رُطَبٌ في\nالشتاء، لأَنَّ البلحَ ينضجُ في الصيْف، وقد يَستغربُ بعضهم وُجودَ رُطَبِ على النخلةِ التي لجأَتْ مريمُ إِليها!.\nوالراجحُ أَن اللهَ أَثمرَ النخلةَ إِثْمارًا مُعْجِزًا، إِكرامًا لمريم، مثلَ ما أنبعَ\nلها عينَ الماء، فمن المتفقِ عليه أَنَّ النخلةَ لا تُثمِرُ في الشتاء، ولكنَّ اللهَ جَعَلَ\nتلك النخلةَ تُثمر، وجَعَلَ تَمْرَها رُطَبًا، واللهُ سبحانه فَعّالٌ لما يُريد.\nواعترضَ الفادي لغَبائِه على قولِه تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .\nوحملَ الصومَ في الآيةِ على الصيامِ المعروف، الذي هو الإِمساكُ عن الطعامِ والشراب.\nولذلك تساءَلَ بغَباء: \" فأينَ الصومُ وهي الآكلةُ الشاربةُ المتكلمة؟ ! \".\nالصومُ هنا ليس بمعنى الإِمساكِ عن الطعام والشراب، وإِنما هو بمعنى\nالإِمساكِ عن الكلام، وهو ما تُفَسرُه بقيةُ الآية: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) ..\nفصومُها بامتناعِها عن تكليمِ أَيّ إِنسان.\nوهي لم تنطقْ بهذه الجملة: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) بلسانِها، إِذْ إنها لو نطقَتْ بها لما كانَتْ صائمةً عن الكلام..\nوإِنما كانَتْ توحي للذي تراهُ بإِشاراتِ يَدَيْها ومَلامحِ وجْهِها، بحيثُ يَفهمُ منها أَنها صائمةٌ عن الكلام..\nواعتبرت الآية ُ هذه الإِشاراتِ المفهمةَ قَوْلًا: \"فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي) .\nولماذا امتناعُها عن الكلام؟\nلأَنها في موقفِ تُهْمَة، ومهما تَكَلَّمتْ فلن يسمعوا لها.\nولقد أَنطقَ اللهُ وَليدَها ليُدافعَ عنها.\nولذلك لما وَصَلَتْ قومَها، وفوجئوا بالغلامِ على حِضنِها، ولاموها مُتَعَجّبين، لم تَتكلمْ بكلمة، وإِنما أَشارتْ إِليه، فتكلَّمَ هو وسْطَ ذُهولِ المستمعين.\nقال تعالى: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ) .","vol":"1","page":90},{"text":"فلا خَطَأَ في ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريم، وإِنما أَفهامُ الفادي وقومِه\nهي القاصرة، لأَنها لم تُحسنْ فهمَ الآياتِ المتحدثةِ عن مريمَ وابنِها - ﵉.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>هل لكلِّ أمةٍ رسول</span>؟\nأَخبرَ اللهُ أَنَّه بعثَ لكلِّ أُمَّةٍ من السابقين رسولًا من أَنفسهم.\nقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) .\nوقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) .\nوقال تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ) .\nويَعترضُ القسيسُ الفادي على هذه الآيات، التي تقررُ هذه الحقيقة،\nويَعتمدُ في اعتراضِه على الكتابِ المقَدَّس، الذي يقولُ بعكْسِ ذلك، قال:\n\" تقولُ هاتان السورتانِ المكيَّتان: إِنَّ اللهَ أَرسلَ في كلِّ أُمَّةٍ نبيًا منها إِليها.\nويقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنَّ الأَنبياءَ والرسلَ هم من بني إِسرائيل، إِليهم وإِلى\nكلِّ العالَم..\nفإذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ، فكيفَ لم يُخرجْ للأُممِ في إفريقية\nوأَوروبة وأَمريكة وأسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم؟\nولو كانت لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإليها، لجازَ أَنْ يكونَ للعربِ رسولٌ منهم! \" (١) .\nيَزعمُ المفْتَري أَنَّ الرسلَ والأَنبياءَ محصورون في بني إِسرائيلَ فقط، فلم\nيَبْعث اللهُ رَسولًا ولا نبيًّا من غيرِهم!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٥- لكل أمة رسول منها إليها\nإنه جاء فى القرآن أن لكل أمة رسول منها. وهذا يناقض الكتاب المقدس فى أن الأنبياء والرسل هم من بنى إسرائيل وإليهم وإلى كل العالم. فإذا صدق ما فى القرآن فكيف لم يخرج للأمم فى إفريقيا وأوروبا وأمريكا واستراليا وآسيا: أنبياء منهم وإليهم؟ ولو كان لهذه الأمم أنبياء - منها وإليها - لجاز أن يكون للعرب رسول منهم.\nالرد على الشبهة:\nإن كلمة الرسول تأتى على الحقيقة وتأتى على المجاز. فعيسى - ﵇ - رسول على الحقيقة. وإذا هو أرسل واحدًا من الحواريين إلى قرية من القرى فإنه يكون رسول رسول الله عيسى على المجاز. ففى إنجيل متى: \" هؤلاء الإثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلًا: \" إلى طريق أمم لا تمضوا.. \" [متى ١٠: ٥] .\nوابتداء الدعوة إلى الله كان فى زمن أنوش بن شعيث بن آدم؛ لقوله: \" حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب \" [تك ٤: ٢٦] وظل الحال على هذه الدعوة التى كانت دعوة إلى مكارم الأخلاق وعدم سفك الدماء ظلمًا إلى زمان نوح - ﵇ - ولم يكن من المطعومات شىء محرم فلما خرج نوح من السفينة أعطاه الله شريعة فيها أن كل الطعام حلال، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه هو لنفسه، وليس فيها شريعة تبين أن هذا حلال وهذا حرام. ففى الإصحاح التاسع من سفر التكوين: \" كل دابة حية تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع.. \" وظلت شريعة نوح سائدة على العالم إلى أن جاء موسى - ﵇ - وأعطاه الله التوراة (موعظة وتفصيلًا لكل شىء (وأمره أن يخصص سِبط لاوِى من بين الأسباط ليعرفها ويعرّفها للناس.\nوهذا الذى ذكرته هو ما يقول به أهل الكتاب جميعًا، ونص عليه أهل الكتاب فى كتبهم. وعنه فى القرآن الكريم: (كل الطعام كان حلًا لبنى إسرائيل) (١) وهو حلال من أيام نوح - ﵇ - وعلى ذلك نسأل المؤلف هذا السؤال وهو أن الناس من آدم أبى البشر إلى موسى الكليم كانت رسلهم من بنى إسرائيل أم من غير بنى إسرائيل؟ إن قلت إن رسلهم كانت من بنى إسرائيل يكذبك الواقع والكتب التى تقدسها، وإن قلت كانت من غير بنى إسرائيل فلماذا وجهت السؤال إلى المسلمين؟\nأما من موسى إلى محمد ﷺ فإن علماء بنى إسرائيل من اللاويين والهارونيين كانوا يبلغون التوراة لليهود وللأمم، وإذا انطلق واحد منهم إلى الأمم؛ فإنه يكون رسولًا إلى الأمم. ليس على الحقيقة، وإنما على المجاز بمعنى أنه رسول رسول الله موسى - ﵇ - وظلوا على هذا الحال إلى زمان سبى بابل سنة ٥٨٦ ق. م فإنهم وهم فى بابل حرفوا التوراة، وقصروا شريعة موسى على اليهود من دون الناس، وابتعدوا عن دعوة الأمم، وتعصبوا لجنسهم وتآمروا على الأمم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل) (٢) .\nومن قبل سبى بابل كان علماؤهم يدعون العرب إلى الله على وفق شريعة موسى. فيكون العالم الداعى رسولًا مجازًا. وهكذا فى سائر بلاد العالم. أما من بعد السبى وتخلى العلماء عن الدعوة فإن كل أمة سارت على ما عندها من العلم. وقد وبخهم المسيح عيسى - ﵇ - على إهمالهم فى دعوة الأمم بقوله: \" لكن ويل لكم أيها الكتبة والفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغلقون ملكوت السماوات قدام الناس؛ فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون \" [متى ٢٣: ١٣] .\nثم حث أتباعه بالانطلاق إلى بلاد اليهود أولًا بأمرين هما أن يعملوا بالتوراة، وأن يستعدوا لتركها إذا ما ظهر محمد رسول الله الذى يبشر به. وإذا فرغوا من دعوة اليهود فى بلادهم ينطلقون إلى الأمم، وسماهم رسلًا مجازًا. فقال: \" إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرىّ إلى حُراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون، اكْرِزوا قائلين: \" إنه قد اقترب ملكوت السموات \" [متى ١٠: ٥] . وملكوت السماوات هى مجئ محمد ﷺ بعد مملكة الروم كما أنبأ النبى دانيال فى الإصحاح السابع من سفره. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) آل عمران: ٩٣.\n(٢) آل عمران: ٧٥.","vol":"1","page":91},{"text":"وهذا كذِبٌ على اللهِ - ﷿ -، واتِّهامٌ له بالظلم.\nفإِذا كانَ كلامُه صحيحًا فماذا يقولُ في الأُممِ الذينَ عاشوا وماتوا قبلَ وُجودِ بني إِسرائيلَ في التاريخ؟\nهل بَعَثَ اللهُ لهم نبيًّا إِسرائيليًّا قبلَ أَنْ يَخلقَ اللهُ بني إِسرائيلَ؟\nهل بَعَثَ اللهُ لقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ والبابليّين والكنعانيّين والمصريّين أَنبياءَ من بني إِسرائيل؟\nوهؤلاءِ الأَقوامُ كانوا قبلَ بني إِسرائيل؟\nأَمْ أَنَّ اللهَ لم يَبعثْ لهم رسولًا قط؟\nوبعدما خَلَقَ اللهُ بني إِسرائيل هَلْ بَعَثَ اللهُ أَنبياءَ إِسرائيليّين للأَقْوامِ الآخَرين، كالفرسِ والرومِ واليونانِ والهنودِ والصينيين والأَفارقةِ والأَمريكيّينَ والأَوربيّين والأُستراليِّين؟.\nإِنَّ ما قالَه الفادي المفترِي من قَصرِ النبوةِ والرسالةِ على الإِسرائيليّين\nكذبٌ وافتراء، ويَتعارَضُ مع حقائقِ التاريخ.\nولقد صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اللهَ بَعَثَ في كلُّ أُمةٍ رسولًا.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا) .\nوصَرَّحَ بأَنَّ الرسولَ كان من نفسِ الأُمَّة، ويتكلمُ بلسانِ أَفْرادِها.\nقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) .\nوصَرَّحَ بأَنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ الناسَ إِلّا بعدَ أَنْ يَبعثَ لهم الرسول، فإِنْ\nكَفروا به وكَذَّبوه استحقّوا العذاب.\nقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.\nوبذلكَ أَقامَ اللهُ الحُجَّةَ على الكافرين، ولم يَبْقَ لهم حُجَّةٌ على الله، قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) .\nوزَعْمُ قصر النبوةِ على بني إِسرائيلَ تكذيبٌ صريحٌ لهذه الآياتِ وأَمثالِها،\nوتناقُضٌ مع حقائقِ التاريخِ وقواعدِ الدين.\nصحيحٌ أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ والرسُلِ المذكورين في القرآنِ الكريمِ بُعِثوا إِلى\nاليهودِ، لكنَّ النبوةَ ليستْ محصورةً فيهم.\nولا معنى لكلامِ الفادي: \" فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآنِ فكيفَ لم يُخرجْ\nللأُممِ في إفريقية وأَوروبة وأَمريكة وأُسترالية وآسية أَنبياءَ منهم وإِليهم؟! \".","vol":"1","page":92},{"text":"والمفتري في كلامِه يُكَذِّبُ القرآن، ويُشَكِّكُ في صدقِ أَخْبارِه، وذلك في\nجملة: \" فإِذا صَدَقَتْ أَقوالُ القرآن \"..\nومنَ البَدَهِى عند كلِّ مسلمٍ ومنصفٍ أَنَّ أَقوالَ القرآنِ صادقة، لا شكَّ ولا خَطَأَ فيها، فما قالَه اللهُ في القرآنِ فهو الصدقُ والحقُّ والصواب.\nوقد ذَكَرَ القرآنُ أَسماءَ خمسةٍ وعشرينَ نبيًّا ورسولًا، وليست النبوةُ\nوالرسالةُ محصورةً فيهم، أَيْ أَنَّ اللهَ لم يذكُرْ كُلَّ الأَنبياءِ في القرآن، وإِنما ذَكَرَ أَشْهَرَهم فقط، والأَنبياءُ يُعَدّونَ بالآلاف، لم يُخْبِرْنا اللهُ إِلّا بأَسماءِ خمسةٍ\nوعشرينَ منهم.\nكثيرٌ من الأَنبياءِ لم يُخبرْنا اللهُ عنهم، فلم نَعرفْ أَسماءَهم.\nقال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) .\nوقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nومعنى هذا أَنَّ اللهَ بَعَتَ أَنبياءَ لكلِّ الأَقوامِ السابقين الذين كانوا يَعِيشونَ\nفي آسية وإفريقية وأَمريكة وأَوروبة وأُسترالية وغيرها، لكنه لم يُخْبِرْنا بأَسماءِ\nهؤلاءِ الأَنبياء، وعدمُ معرفتِنا بأَسمائِهم لا يَنفي كونَهم أَنبياء.\nومن مزايا الأَنبياءِ والرسلِ السابقين أَنَّ كُلَّ نبيٍّ كانَ يُبْعَثُ إِلى قومِه\nخاصة، وكلُّ أَنبياءِ بني إِسرائيل كانوا يُرْسَلونَ إِلى بني إِسرائيلَ خاصة، ولم\nيُبْعَثوا إِلى غيرِهم.\nقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) .\nوآخِرُ أَنبياءِ بني إِسرائيل هو عيسى - ﵇ -، فقد بَعَثَهُ اللهُ رسولًا إِليهم خاصة، ولم يكنْ رَسولًا للنّاسِ كافَّة.\nقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .","vol":"1","page":93},{"text":"موسى - ﷺ - يقولُ لبني إِسرائيل: (أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) ..\nوعيسى - ﷺ - يقولُ لبني إِسرائيل: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) .\nفكلُّ واحدٍ منهما رسالتُه خاصَةٌ بهم.\nوتحوَّلَت \" النصرانيةُ \" إِلى رسالةٍ عالميةٍ بعدَ رفْع عيسى - ﷺ -، وهذا خلاف طبيعتِها التي جاءَ بها عيسى - ﷺ - إِلى بني إِسرائَيل.\nويَختمُ الفادي المفترِي كلامَه بنفْيِ نبوةِ محمدٍ - ﷺ -، وذلك في قوله: \" فلو كانَتْ لهذه الأُمم أَنبياءُ منها وإِليها، لجازَ أَنْ يكونَ للعرب رسولٌ منهم \".\nومعنى كلامِه هنا أَنَّ اللهَ لم يَبعثْ للعربِ رسولًا منهم، لأَنًّ كُلَّ الأَنبياءِ في\nالعالَمِ كانوا من بني إِسرائيلَ حسب ادِّعائِه!!.\nوقد امْتَنَّ اللهُ على العَرَبِ بأَنْ بَعَثَ منهم محمدًا - ﷺ - رسولًا، وذلك في آياتٍ عديدة، منها قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) .\nورغْمَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - من العربِ إِلَّا أَنَّ رسالتَه ليستْ للعربِ فقط، وإِنما هو رسولٌ للعالَمين.\nوقد قَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ عديدة \" منها قولُه تعالى:\n(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) .\nومنها قولُه تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>هل أشرك آدم وحواء بالله</span>؟\nنَسَبَ الفادي للقرآنِ قولَه بأَنَّ آدمَ وحواءَ أَشركا بالله، وزَعَمَ أَنَّ هذا وَرَدَ\nفي قولِه تعالى:","vol":"1","page":94},{"text":"(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) .\nتتحدَّثُ الآيتانِ عن رجلٍ عاشر امرأَتَه، ولما حملَتْ وأَثقلَتْ وأَوشكَتْ\nعلى الوضع، توجَّهَتْ هي وزوجُها إلى اللهِ بالدّعاء، وتَعَهَّدا بأَنَّه إِنْ آتاهما\nوَلَدًا صالحًا سَيَكونان من الشاكرين، فلما آتاهُما وَلَدًا صالحًا جَعَلا لله شرَكاء.\nوَزَعَمَ الفادي أَنَّ هذَيْن الزوجَيْن هما آدمُ وحَوّاء، ونَسَبَ هذا القولَ\nللمسلمين.\nقال: \" قالَ مُفَسِّرو المسلمين: لما هبطَ آدمُ وحَوّاءُ إِلى الأَرض،\nأُلقيت الشهوةُ في نفسِ آدم، فأَصابَ حَوّاء، فحملَتْ من ساعتِها..\nفلما ثَقُلَ الحملُ وكَبُرَ الوَلَدُ أَتاها إِبليسُ..\nقال البيضاوي: أَتاها إِبليسُ في صورةِ رَجُل، فقالَ لها: ما الذي في\nبطنك؟\nقالَتْ: ما أدري..\nقال: إِنّي أَخافُ أَنْ يَكونَ بهيمةً أَو كَلْبًا أو خنْزيرًا!..\nقالَتْ: إِنّي أخافُ بعضَ ذلك..\nقال: وما يُدريكِ من أَينَ يَخرج، أَمِنْ دُبُرِكِ، أَمْ مِن فَمِك، أَو يشقُّ بطْنك فيقتلك؟ ...\nفخافَتْ حَوّاء ذلك، وذكرَتْه لآدم، فلم يَزالا في غمٍّ..\nثم عادَ إِليها إِبليسُ، فقالَ لها: إِنّي من الله بمنزلة، فإِنْ دعوتُ اللهَ أَنْ\nيجعلَه خَلْقًا سَوِيًّا مَثْلَك، ويُسَهِّلَ عليكِ خروجَه، تُسَمّيه عبدَ الحارث ...\nوكان اسْمُ إِبليسَ في الملائكة \" حارث \" ...\nفذكَرَتْ حَوّاءُ ذلك لآدم..\nفعاوَدَها إبليس..\nفلم يَزَلْ بهما حتى غَرَّهُما..\nفلما وَلَدَتْ وَلَدًا سَمّياهُ عبدَ الحارث..\nوقال البيضاوي: في قوله: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) أَيْ: جَعَلا\nأَولادَهما شُركاءَ في ما آتى أَولادَهما، فَسَمّوه عبد العزى وعبدَ مناف..\n\" وقالَ في قوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ): يَعني: الأَصنام ...\nويُعلقُ الفادي على الكلامِ السابقِ بقوله: \" فمن أَيْنَ جاءَتْ هذه القصةُ\nالغريبة؟\nوأَينَ العُزّى ومَنافُ وآلِهَةُ العربِ من آدمَ في الجنة؟\nحتى تكونَ أَصنامُ","vol":"1","page":95},{"text":"العربِ آلهةً لآدَمَ يُسَمّي أولادَه بأَسمائِها؟ \".\nلم يكن الفادي أَمينًا في النقلِ عن البيضاوي، فقد زَعَمَ أَنه أَخَذَ الخرافةَ\nالسابقةَ من تفسيرِ البيضاوي، مع أَنه زاد على البيضاوي ما لم يَقُلْه، وحَذَفَ\nمنه كَلامًا مهمًّا ...\nوالذي ذَكَرَهُ البيضاوي في تفسيره هو: \" ﴿هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة﴾ هو آدم. ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا﴾ من جسدها من ضلع من أضلاعها، أو من جنسها كقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿زَوْجَهَا﴾ حواء. ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه، وإنما ذكر الضمير ذهابًا إلى المعنى ليناسب. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي جامعها. ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالبًا من الأذى، أو محمولًا خفيفًا وهو النطفة. ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ فاستمرت به أي قامت وقعدت، وقرىء ﴿فَمَرَّتْ﴾ بالتخفيف وفاستمرت به وفمارت من المور وهو المجيء والذهاب، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾ صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها. وقرىء على البناء للمفعول أي أثقلها حملها. ﴿دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ ءاتَيْنَا صالحا﴾ ولدًا سويًا قد صلح بدنه. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ لك على هذه النعمة المجددة.\n﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما﴾ أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: ﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .\n﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعني الأصنام. وقيل: لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال: إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقًا مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث، وكان اسمه حارثًا بين الملائكة فتقبلت، فلما ولدت سمياه عبد الحرث. وأمثال ذلك لا يليق بالأنبياء!!.\nويُحتملُ أَنْ يكونَ الخطابُ في (خَلَقَكُم) لآلِ قُصَيٍّ من قُريش، فإِنهم","vol":"1","page":96},{"text":"خُلِقوا من نَفْسِ قُصَيّ، وكانَ له زوجٌ من جِنْسِه، عربية قُرَشية، وطَلَبا من اللهِ الوَلَدَ، فأَعْطَاهُما أَربعةَ بنين، فسَماهُم: عبدَ مناف، وعبد شمس، وعبد قصي، وعبد الدار..\nويكونُ الضميرُ في (يشركُون) لهما ولأَعْقابِهما المقْتَدينَ بهما.. \".\nوأَدْعو إِلى المقارنةِ بين كَلامِ البَيضاويِّ في تفسيرِه، والكلامِ الذي زَعَمَ\nالفادي أَنه للبيضاويِّ في تفسيرِه، لمعرفةِ الفرقِ بينهما، والوقوفِ على تَلاعُبِ الفادي وعَدَمِ أَمانتِه!.\nيقولُ البيضاويُّ في معنى قوله تعالى: (فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما) أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله: (فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) ..\nومعنى كلامِ البيضاويِّ أَنه إِذا كان ضَميرُ المثَنّى يَعودُ على آدمَ وحَوّاءَ في\nقولِه: (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا) فإِنَّ فاعلَ \" جَعَلا \" في الحقيقةِ لا يَعودُ على آدَمَ وحَوّاء، وإنما يعودُ على أَولادِهما المشركين، والسياقُ من بابِ حَذْفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إِليه مَقَامَه، والتقدير: جَعَلَ أَولادُهما لله شركاء..\nوالدليلُ على هذا عند البيضاوي.\nإِسنادُ فعْلِ (يشركُون) بعدَ ذلك إِلى الجمعِ وليسَ إِلى المثَنّى، فقالَ: (فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) .\nولو كان المشركان هما آدمَ وحَوّاءَ لكانَ الفاعلُ مثنى، ولقال: فتعالى اللهُ عما يشركان!!.\nوقد حَرَّفَ الفادي المفترِي كَلامَ البيضاوي، ليجعَلَه دَليلًا له على تخطئةِ\nالقرآن ...\nعبارةُ البيضاوي: \" جعلَ أَولادُهما له شركاءَ فيما آتى أَولادَهما،\nفسمّوهُ عبدَ العُزّى وعبدَ مناف \" صارتْ عند المفترِي؟ \" وقال البيضاوي: أَي: جَعَلا أَولادَهما، شركاءَ فيما آتى أَولادَهما..\nوفرقٌ بَعيدٌ بين الجملتَيْن.","vol":"1","page":97},{"text":"فالبيضاويُّ يُصرحُ بأَنَّ الذينَ جعلوا للهِ شركاءَ هم أَولادُ آدم وحواء، واتهمَ\nالمفترِي البيضاويَّ بأنه يرى أَن آدَمَ وحَواءَ هما اللَّذان جَعلا للهِ شركاء!!.\nومن افتراءِ المفترِي الفادي افتراؤُه على البيضاويِّ بأَنه يعتقدُ صحةَ قصةِ\nإِبليس مع حواءَ وعبد الحارث، مع أَنَّ البيضاويَّ لا يرى صحةَ القصةِ\nالموضوعة التي ذَكَرَها.\nبدليلِ أَنه بدأَ القصةَ بالفعلِ الماضي: \" قيل \".\nوهذه صيغةُ تَضعيف، كما قَرَّرَ العلماء.\nوقد حَذَفَ المفترِي هذا الفعلَ \" قيل \" فيما زَعَمَ نَقْلَه عن البيضاويّ لحاجةٍ في نفسه ...\nومن باب الإمعانِ في الكذبِ والافتراء لم يذكُرْ تعقيبَ البيضاويِّ على\nالقصة، وهو تعقيبٌ مهمٌ، لأَنه يُبَيِّنُ رفْضَ البيضاويِّ للقصة، لمعارضتِها\nلعصمةِ الأَنبياء؟\nوهو قوله: \" وأَمثالُ ذلك لا يليقُ بالأَنبياء ... \"!.\nكما أَنَّ الفادي المفترِي لم يَذكر الاحتمالَ الثاني الذي أَوردَه البيضاويّ\nفي تحديدِ الشخصَيْنِ المشركَيْن، لأَنه يَنقضُ ويَرُدُّ اتهامَه لآدمَ وحَوَّاء بَالشّرْك،\nوالاحتمالُ الذي أَوردَه البيضاويُّ أَنَّ الخطابَ يُمكنُ أَنْ يكونَ لآلِ قُصَيّ:\n(هُوَ اَلَّذِى خلقَكُم)، وعليه يكونُ المرادُ بالزوج وزوجه قُصيٌّ وامرأَتُه، اللَّذان سَميا أَولادَهما بعبدِ شَمْسٍ وعبدِ مَناف ...\nإِنَّ هذا التصرفَ الشائِنَ والتلاعُبَ المرذولَ من الفادي المفترِي يدلُّ على\nفقدانِه الأَمانةَ العلمية فيما ينقلُه من كلام، يَنسبُه للعلماء والمسلمين ليوافِقَ\nهواه، ويُحَرِّفَهُ عن معناه!! وأَدعو إِلى الشَّكِّ في كلِّ ما يَنقلُهُ الفادي وأَهْلُ ملَتِه من أَقوالٍ ينسبونَها للمسلمين، وإذا أحالوا على كتابٍ لعالِمٍ مسلم، وزَعموا وُجودَ الكلامِ فيه، فأَدْعو إِلى العودةِ المباشرةِ إِلى الكتابِ الإِسلامي، وسوفَ نَجِدُ فَرْقًا بَعيدًا بين الكلامِ في الكتابِ الإِسلاميِّ وبين الكلامِ المنقول منه!!\nوبهذا نَعرفُ تَخَلي اليهودِ والنصارى والمستشرقين عن الأمانةِ العلمية في\nبحوثهم العلمية!!.\nوخلاصَةُ هذه المسألة: ما ذَكَرَهُ بعضُ المفَسّرين المسلمين والإخباريين","vol":"1","page":98},{"text":"المؤرخين من حوارٍ بين حَوّاءَ وإِبليسَ انتهى بها إِلى أَنْ أَشركَتْ هي وآدمُ بالله، عندما سَمَّيا مولودَهما الأَولَ عبدَ الحارث - أَيّ: عبدَ إبليس - هذا كلام مخُتَلَق مكذوب موضوع، لم يصحّ ولم يثبتْ.\nفآدمُ وحَوّاءُ لم يُشْرِكا بالله، ولم يُسَمِّيا ابنَهما عبدَ الحارث.\nوتتحدثُ الآياتُ عن زوجَيْنِ متأخِّرَيْن من أَبناءِ آدم، قد يكونانِ من\nالعرب أَو من العجم أَو من غيرِهم، عاهَدا اللهَ أَنْ يُؤْمِنا به ويَشْكُراه، إِنْ\nآتاهما وَلَدًا صالحًا، فلما آتاهما صالحًا نَقَضا العهد، وأَشْرَكا بالله.\nوأَبْقَت الآياتُ قصةَ الزوجَيْنِ مبهمة، لم تُبَيِّنْ من تَفاصيلِها شيئًا، أَبهمتْ\nاسْمَي الزوجَيْن وزَمانَهما ومَكانَهما، وتفاصيل حملِ المرأةِ وولادتِها، وتفاصيلَ الشركِ بالله! وهذا كلُّه لا نَخوضُ فيه، لأَنه لا دليلَ عليه.\nالمهمُّ أَنُّ آدمَ وَحَوَّاءَ لم يُشركا بالله، والبيضاويُّ لم يَنْسبْ ذلك لهما،\nوكان الفادي مفتريًا كاذبًا في زَعمِه ونقْلِهِ عن البيضاوي..\nولم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن زَوْجَيْنِ مشركَيْنِ بالله، لأَنَّ هذه الآياتِ تنطبقُ على كلِّ زوجَيْنِ مشركَيْنِ، مهما كان زَمانُهما ومَكانُهما!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>هل غرق ابن نوح - ﵇</span>؟\nأَخبرَ القرآنُ أَنَّ أَحَدَ أَبناءِ نوحٍ كان كافرًا، وأَنه غَرِقَ في الطوفان.\nقال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) .\nنَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنّ ابنَ نوحٍ الكافرَ الذي رفضَ أَنْ يركبَ مع\nنوحٍ هو كنعان، وأَنه غَرِقَ مع الكافرين!!\nوَرَدَّ الفادي كلامَ البيضاويّ وكلامَ القرآن، وحاكَمَ القرآنَ إلى العهد","vol":"1","page":99},{"text":"القديم الذي يعتقدُ الفادي أنه التوراةُ كلامُ اللهِ.\nقال: \" ومعلومٌ أَنَّ نوحًا لم يكنْ له إِلا ثلاثةُ أَولاد: سام وحام ويافث، ولهم ثلاثُ زوجات..\nفكان الذينَ خَلَصوا في الفُلْكِ ثمانية: نوحٌ، وزوجَتُه، وأَولادُه الثلاثة، ونساءُ أَولادِه الثلاث..\nفأينَ قصةُ غَرَق كنعان؟\nومعلومٌ أَنَّ كنعانَ لم يكن قد وُلِدَ، ولم يكن ابْنًا لنوح، بل وَلَدَهُ حامُ بنُ نوح، وذلك بعدَ الطوفان \".\nلقد أَخبرَ القرآنُ عن غَرَق أَحَدِ أَبناءِ نوحٍ - ﷺ -.\nفلما، كان نوح مع المؤمنين في السفينة، وهي تَجري بهم في موجٍ كالجبال، رأى أَحَدَ أبنائِه واقِفًا في معزلٍ عن الطوفان، فَدَعاهُ إِلى أَنْ يركبَ معهم في السفينة، ولكنَّ الابنَ رفضَ الدعوة، وحالَ الموجُ بينَ الابنِ وأَبيه، وطواهُ في طَيّاتِه، فكانَ من المغرقين! وحزنَ نوحٌ على ما أصابَ ابْنَه وسأَلَ ربَّه مستوضحًا، فأَخبره اللهُ أَنه ليس من أَهْلِه المؤمنين، لأَنه كان كافرًا، وكُفْرُهُ قطعَ الصلةَ بينَه وبينَ أَبيه النبي؟\nقال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧) .\nولقد أَبهمَ القرآنُ اسْمَ وَلَد نوحٍ الكافر الذي غَرِق مع الكافرين، كما\nأبهمه رسولُ الله - ﷺ -، ولا سبيلَ لنا لمعرفةِ اسْمِه لسكوتِ القرآنِ والحديثِ الصحيحِ عنه، والواجبُ علينا أَنْ نُبْقيَه على إِبهامِه.","vol":"1","page":100},{"text":"ولا نوافقُ البيضاويَّ وغيرَه من المفَسرين الذين حَدَّدوا اسْمَه بأَنَّه\n\" كنعان \"، لأَنهم لا يَمْلكونَ دَليلًا على ذلك إ!.\nومحاكمةُ القرآنِ للعهدِ القَديم خطأٌ منهجيّ وَقَعَ به الفادي، وإِذا كانَ\nأَساسُ مَنهجه خطأً، كانت الأَفكارُ والنتائجُ المترتبةُ عليه خاطئة.\nوكيفَ نُحاكم كَلامَ اللهِ الثابتَ المحفوظَ إلى كلامٍ مشكوكٍ فيه، اختلطَ فيه كلامُ اللهِ بكلامِ الأَحبار؟ !.\nونتوقفُ فيما زَعَمَه الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين من أَنه كانَ لنوحٍ ثلاثةُ\nأَبناء، ونتوقفُ في أَسمائِهمِ التي أَطْلقوها عليهم، فلا نَنْفيها ولا نُثْبِتُها،\nونقول: اللهُ تعالى أَعلمُ بأَعدادِهم وأَسمائِهم وتفاصيلِ حياتِهم!.\nأَمّا زعْمُ الفادي أَنَّ الذين رَكبوا في الفلكِ كانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط\nفهذا خطأ؟\nوقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الذينَ رَكبوا في السفينةِ كُلُّ مَنْ آمَنوا بنوحِ - ﷺ -، مع أَنهم كانوا قلائل، إِلَّا أَنهم كانوا أَكْثَرَ من ثمانيةٍ قَطْعًا.\nقال تعالىَ: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) .\nوأَخطأَ الأَحبارُ مُؤَلِّفو سِفْر التكوين والقِسّيسُ الفادي الذي تابَعهم عندما\nصنَّفوا رُكابَ السفينةِ تصنيفًا أُسَرِيًّا نَسَبِيًّا، وليس تصنيفًا إِيمانيًّا..\nفالركابُ الثمانيةُ في السفينةِ هم عائلةُ نوحٍ - ﷺ - في تصنيفهم.\nنوحٌ وزوجَتُه، وأَولادُه الثلاثة وزوجاتُهم الثلاث!!.\nوالصحيحُ هو ما ذَكَرَه القرآن، من أَنَّ الذينَ رَكبِوا معه من أَهْلِه هم\nالمؤمنون فقط، أَمّا الكافرونَ منهم فقد هَلَكوا مع الهالِكين، ولذلك قالَ اللهُ\nعن حَمْلِ أَهْلِه معه: (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) .\nوالذي سبق عليه القولُ هو الكافِرُ مِنْ أَهْلِه، واللهُ حَكَمَ أَنْ يُهلكَه.\nوقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ اثْنَيْنِ من أَهْلِ وأُسْرَةِ نوحٍ كانا كافرَيْن، ولم\nيركَبا معه السفينة: امرأَتُه، وابْنُه.","vol":"1","page":101},{"text":"قالَ اللهُ عن امرأتِه قارنًا لها مع امرأةِ لوط الكافرة: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) .\nولما أَغْرَقَ اللهُ ابْنَ نوحٍ الكافرَ، وسأَلَ نوحٌ عنه لامَه اللهُ على ذلك،\nوأَخبره أَنه ليسَ من أَهْلِه لكُفْرِه، مع أَنه ابْنُه..\nقال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) .\nوبهذا نعرفُ جَهْلَ وغَباءَ الفادي المفترِي، حَيْثُ خَطَّأَ القرآنَ، في الخبر\nالصادقِ الذي أَوردَه عن غرقِ ابنِ نوحٍ، واعتمدَ على كتابِ من صنعٍ بشر، أَلَّفَه الأُحبار، ووَقعوا في أَخطاءٍ كثيرة فيه، يمكنُ الوقوفَُ عليها عند مقارنتِها بالقرآن!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>هل أيوب حفيد إسحاق</span>؟ (١)\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيمَ - ﷺ -.\nقال تعالى عن إبراهيم - ﵇ -:\n(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) .\nالضميرُ في \" له \" يَعودُ على إِبراهيمَ - ﷺ -، لأَنَّ الآياتِ السابقة كانَتْ تتحدَّثُ عنه، وإِسحاقُ ابْنُه، ويَعقُوبُ حَفيدُه، عليهم الصلاة والسلام.\nوالراجحُ أَنَّ الهاءَ في (ذُرِّيَّتِهِ) تعودُ على إِبراهيمَ - ﷺ -، فالأَنبياءُ الستةُ المذكورونَ في الآيةِ من ذريتِه، وهم: داودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارونُ.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٦- خَلْط الأسماء\nذكروا آيتين من سورة الأنعام، وأوردوا الشبهة على نص الآيتين حيث قالوا:\nجاء فى سورة الأنعام (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلًاّ هدينا ونوحًا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطًا وكلًاّ فضلنا على العالمين) (١) .\nوالترتيب التاريخى هو:\nأيوب - إبراهيم وابن أخته لوط وابناه إسماعيل وإسحاق وحفيده يعقوب وابن حفيده يوسف ومن بعده موسى - هارون - داود - سليمان - إلياس - اليسع - يونس - زكريا - يحيى - عيسى.\nالرد على الشبهة:\n١ - إن الضمير فى (ومن ذريته (يعود إلى نوح، ولا يعود إلى إبراهيم وذلك لأن (لوطا (ليس من ذرية إبراهيم، وإنما خرج معه مهاجرًا إلى الله، بعدما آمن له. وفى التوراة \" ولوطًا ابن أخيه \" [تك ١٢: ٥] .\n٢ - إن الترتيب التاريخى غير حاصل لأسباب منها: أنه يريد بيان فضلهم وصلاحهم؛ ليقتدى الناس بهم.\nوفى التوراة أنبياء لا يعرفون تواريخهم ولا يعرفون نسبهم، ومنهم \" أيوب \" فإن منهم من يقول إنه من العرب ومنهم من يقول إنه من الأدوميين ومنهم من يجعله اسمًا فرضيًّا. بل إن الأنبياء أصحاب الأسفار كإشعياء وإرمياء وملاخى وحَبقّوق وميخا؛ لا يعرفون هم أنفسهم السابق منهم عن اللاحق.\nوقد جمعوا أسفارهم فى وقت واحد. ففى الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط سنة ١٩٩٣م ما نصه: \" كانت أول لائحة وضعت فى سبيل \" قانونية \" العهد القديم وأسفاره تضم أسفار الشريعة الخمسة فى أيام عِزْرا [نح ٨: ١] حوالى عام ٤٠٠ ق. م ثم زاد المعلمون الأسفار النبوية من يشوع والقضاة حتى إشعياء وإرمياء وحوالى سنة٩٠ ق. م التقى معلمو الشريعة اليهود من مختلف البلدان، فى بلدة \" يمنية \" الواقعة فى \" فلسطين \" وثبتوا لائحة نهائية وكاملة للأسفار المقدسة.. إلخ (٢) . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الأنعام: ٨٤-٨٦.\n(٢) ص ٣ الكتاب المقدس طبعة لبنان سنة ١٩٩٣م.","vol":"1","page":102},{"text":"وهذا نَص على أَنَّ أَيوبَ - ﵇ - من ذريةِ إِبراهيمَ - ﵇ -.\nوالذريةُ ليسوا الأَبناءَ والأَحفادَ فقط، وإِنما هم الأَولادُ الذين يَنْتَسبون له، ولو كان بينَهم وبينَه عدةُ قُرون.\nوقد رَفَضَ الفادي اعتبارَ أَيوبَ من ذريةِ إِبراهيم، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ\nالقرآنِ التاريخية.\nونَقَلَ عن البيضاويِّ قولَه: \" أَيوبُ بنُ أَموص، من أَسباطِ عيص بنِ\nإِسحاق \".\nوَرَفَضَ كلامَه قائلًا: \" فأَيْنَ أَيوبُ الذي ظَهَرَ في بلادِ العَرَبِ من عصْرِ\nإِبراهيمَ وإِسحاقَ والدِ إسرائيل في أَرضِ فلسطين؟\nوأَينَ هو أَموصُ والدُ النبيّ أَشعياءَ من أَيوب؟ \".\nذهبَ البيضاويُّ إِلى أَنَّ والدَ أَيوبَ هو أَموص، وأَنَّه من نَسْلِ عيص،\nوعيصُ هو حَفيدُ إِبراهيمَ وأَخو يعقوب.\nواعترضَ الفادي على كلامِ البيضاوي، وذَهَبَ إِلى أَنَّ أَيوبَ ظَهَرَ في\nبلادِ العَرَب، وبينَه وبينَ إِبراهيمَ وإِسحاقَ فترةٌ زُمنيةٌ طويلة!.\nولَسْنا مع البيضاويِّ في ما قالَه عن أَيوبَ - ﵇ -، لأَنه ذَكَرَ أَسماءً ليس عليها دليلٌ معتمد، فلم يَرِدْ في مصادِرِنا الإسلاميةِ اليقينيةِ، أَنَّ اسْمَ والدِ أَيوبَ هو أموص، وأَنَّ اسْمَ ابنِ إِسحاقَ هو عيص، وأَنَّ أموصَ هو حفيدُ إِسحاق، وأَنَّ أَيوبَ هو ابنُ حفيدِ إسحاق!.\nوهذه الأَسماءُ التي أَخَذَها البيضاويُّ عن الإِسرائيلياتِ نتوقَّفُ فيها، فلا\nنَنْفيها ولا نُثبتها، ولا يتحملُ القرآنُ مسؤوليةَ ما ذَكَرَه البيضاوي..\nوكلُّ ما نقولُه أَنّ أَيوبَ كان من نَسْلِ وذريةِ إِبراهيم - ﵇ -، مع وجودِ فترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ بينهما!!.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الصلة بين موسى والخضر ومحمد - صلى الله عليهم وسلم </span>-\nأَخْبَرَنا اللهُ في سورةِ الكهفِ عن أَحداثٍ مثيرةٍ وَقَعَتْ بينَ موسى\nوالخضرِ - ﵇ - في الآيات من (٦٠) وحتى (٨٢) ..\nوذَكَرَ رسول اللهِ - ﵇ - فيما رواهُ عنه البخاريّ ومسلمٌ وغيرُهما بعضَ تفصيلاتِ تلك الأَحداث.\nوخُلاصةُ قصةِ موسى مع الخضرِ - ﵉ - كما ذُكِرَتْ في آياتِ القرآنِ وصحيحِ الأَحاديث: أَنَّ موسى - ﵇ - وَقَفَ يومًا خَطيبًا في بَني إِسرائيل فَقيلَ له: هل أَحَدٌ أَعْلَمُ منكَ؟\nفقال: لا!..\nفعتب اللهُ عليه لأَنه لم يُفَوِّضْ ذلك إِلى اللهِ، ولم يَقلْ: اللهُ أَعلم! فقال اللهُ له: بل هناك مَنْ هو أَعلمُ منك؟\nفقال موسى: مَنْ هو يا رَبِّ حتى أَتعلمَ منه؟\nقال: إِنه عَبْدُنا الصالحُ خَضر! قال: يا رَبِّ كيفَ السبيلُ إِليه؟..\nقال: خُذْ حوتًا مُمَلَّحًا في سلَّة، فإِذا فَقَدْتَ الحوتَ وَجَدْتَه في ذلك المكان!!.\nفطلبَ موسى - ﵇ - مِن فَتاهُ يوشَعَ بن نون أَنْ يَسيرَ معه، ووضعَ سَمكَةً مشويةً مملَّحَةً في سَلَّة، لتكونَ غداءً لهما، وتَوَجَّها إِلى الخضر..\nوفي الطريقِ تَعِبا، فَوَجدا صخرةً بجانبِ البَحر، فجلَسا يَستريحانِ عنْدَها، وَوَضَعَ يوشَعُ السلةَ التي فيها السمكةُ المشويةُ بجانبه، وناما ...\nوأَحْيَا اللهُ السمكةَ المشويةَ بقدرتِه، فَقَفَزَتْ من السَّلة، وذهبتْ في البَحر..\nوأَبقى اللهُ مكانَ سيرِها على سطحِ الماءِ كما هو، ليكونَ دَليلًا لموسى وفتاه.\nولما استَيْقَظا، تابَعا سَيْرَهُما نحو الخضر، وحَمَلَ يوشَعُ السَّلَّة، ونَسي\nأَنْ يتفقدَ السمكة فيها..\nوبَعْدَ قليلٍ أَحَسَّ موسى - ﷺ - بالجوع، فطلَبَ من\nيوشَعَ أَنْ يُجَهِّزَ السمكةَ المشويَّة للغَداء! فلما نَظَرَ في السَّلَةِ لم يَجِدْها! فأَخبرَ","vol":"1","page":104},{"text":"موسى أَنها خرجَتْ من السَّلَّةِ عند الصخرة، فعادا إِليها، لأَنَّ الخَضِرَ سيكونُ\nهناك!.\nولما وصلَ موسى الصخرةَ وَجَدَ الخضرَ نائمًا على ظهرِهِ، مغطّى\nبقطيفتِه..\nفأَلقى ﵇، ورَدَّ الخضرُ ﵇، وقالَ له: أَنّى\nبأَرْضِك السَّلام؟.\nوعَرَضَ عليه موسى أَنْ يَسيرَ معه ليتعلَّمَ منه، فقالَ له الخضر: إِنَّكَ لن\nتستطيعَ معيَ صَبْرًا، لأَنَّكَ سترى منّي أَشياءَ لا تَصبرُ عليها، فلقد عَلَّمَنِي اللهُ أَشياء، لا علْمَ لك بها، وأَنتَ عَلَّمكَ اللهُ أَشياء، لا علْمَ لي بها..\nفاسْتَعَدَّ موسى أَنْ يَصبِرَ على كُلِّ ما يَرى، واشترطَ عليه الخضرُ أَنْ لا يَعترضَ على كُلّ ما سيراه منه، وأَنْ لا يسأَلَه، وأَنْ ينتظرَ منه بيانَ وتوضيحَ ما يَراه ...\nوسارَ موسى مع الخضر على شاطئ البَحْر، ومَرَّتْ بهما سفينَة، فعرفَ\nمالكوها الخضر، فأَركبوهما بغيرِ أُجرةٍ إِكْرامًا لهما..\nومَدَّ الخضرُ يَدَه فَقَلَعَ لَوْحًا من أَلواحِ السفينة، فاعترضَ موسى - ﵇ - وقال له: القومُ أَكْرمونا، وأَركبونا في السفينة مَجّانًا، فكيفَ تقابلُ إِكرامَهم بِخَرْق السفينةِ وإِفسادها؟\nوإِنَّك بذلك سَتُغْرِقُ أَهْلَها! وذَكَّرَه الخضرُ بالشرطِ الذي اتفقا عليه، فاعتذرَ بأَنه تكلمَ ناسيًا الشرط.\nوسارا في الطريق، وَوَجَدا غُلامًا صغيرًا يَلعبُ مع الغلمان، فأَقبلَ عليه\nالخضرُ وقَتَلَه! فاستغربَ موسى واعترضَ عليه، إِذ كيفَ يقتلُ فتى صغيرًا بغير\nذنبٍ ارتكبه؟! فذكَّرَه الخضرُ بالشرطِ بينهما، وتَعَهَّدَ موسى بعدمِ الاعتراض، فإِن اعترضَ عليه بعد ذلك فيمكنُه أَنْ لا يُصاحِبَه!.\nووَصَلا أَهلَ قريةٍ بُخَلاء، فطَلَبَا منهم الطعام، فأَبَوْا أَنْ يُضيِّفوهما!\nوَوَجَدا فيها جدارًا على وَشَكِ السقوط، فقامَ الخضرُ بإِصْلاحِه وإِحكام بنائِه، فاعترضَ عليه موسى بأَنه كان الأَولى أَنْ يأخذَ منهم الأَجرة، لأَنهم لا\nيستحقون الإِكرام!.","vol":"1","page":105},{"text":"وبهذا الاعتراضِ الثالثِ فَقَدَ موسى حَقَّه بمصاحبةِ الخضر، وقبلَ أَنْ\nيُفارِقَه فَسَّرَ له الأَحداثَ الثلاثةَ المثيرة:\nخَرَقَ السفينةَ لأَنه يُريدُ المحافظةَ عليها، وإِبقاءَها في مُلْكِ أَصحابِها\nالمساكين، فأَمامَهم ملكٌ ظالم غاصب، كُلَّما وَجَدَ سفينةً صالحةً صادَرَها،\nوعندما يَرى سفينَتَهم مخروقةً سيتركُها لهم..\nأَمّا الغُلامُ فقد علمَ اللهُ أَنه عندما يكبرُ سيكونُ كافرًا، وبذلك سَيُرْهِقُ والِدَيْه المؤمِنَيْن، ولذلك أَمَرَهُ اللهُ بقَتْلِه، وسيُؤْتي اللهُ والدَيْه ابنًا آخَرَ أَفضلَ وأَكرمَ وأَرحمَ منه..\nوأَمّا الجدارُ الذي بَناهُ فقد كانَ لغلامَيْن صغيرَيْن يتيمَيْن، وكانَ أَبوهما الصالحُ قد وَضَعَ لهما كَنْزًا تحتَه، ولو سقط الجدارُ لنهبَ أَهْلُ المدينةِ الكنز، لذلك قامَ الخضرُ بإِصلاحِ الجدار إِكرامًا للغلامَيْن اليتيمَيْن وليس إِكْرامًا للبخلاء!.\nوقبلَ أَنْ يُفارقَ الخضرُ موسى أَخبره أَنَّهُ لم يفعلْ ذلك باجتهادِه، لأَنَّه لا\nيَعلمُ الغيب، وإِنما أَخبرَهُ اللهُ بما سيكون، وأَمَرَهُ بفعْلِه!.\nهذه خلاصةُ قصةِ موسى مع الخضر - ﵉ -، كما وَرَدَتْ في الآياتِ والأَحاديثِ الصحيحة، وهذه القِصَّةُ الصحيحةُ لم تَلْفِتْ نَظَرَ القسيس الفادي، وإِنما ذهبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، وأخذ منه كلمتَيْن، اعتَبَرَهما خطأً من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.\nقالَ البيضاوي عن الخضر: \" الجمهورُ على أَنه الخضرُ - ﵉ -، واسْمُه بليا بن ملكان.\nوقيل: إِليسع.\nوقيل: إِلياس \".\nأَيْ: الخضرُ لَقَب لذلك النبيّ، واسْمُه فيه خِلاف: بليا، أَو إِلياس.\nأَو: إِليسع..\nولما نَقَلَ الفادي المفترِي كلامَ البيضاويِّ لم يكنْ أَمينًا في النقل،\nوصارَتْ عبارة البيضاوي السابقة عنده: \" فَوَجَدَ الخضِرَ، وهو إِيليا النبي \"!!.\nوقالَ البيضاويُّ عن كَنْزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن: \" وكان تحتَه كَنْز لهما من\nذهبٍ وفضة وقيل: من كتبِ العلم..\nوقيل: كان لوحًا من ذهبٍ مكتوب فيه:","vol":"1","page":106},{"text":"عجبْتُ لمن يؤمنُ بالقَدَرِ كيف يَحزن؟\nوعَجِبْتُ لمن يُؤْمِنُ بالرزقِ كيفَ يَتْعَب؟\nوعجبتُ لمن يؤمنُ بالحسابِ كيف يَغْفَل؟\nوعجبتُ لمنْ يؤمنُ بالموتِ كيفَ يَفْرَح؟\nوعجبتُ لمن يعرفُ الدنيا وتقلّبَها بأَهلها كيفَ يطمئنّ إِليها؟!..\nلا إِله إلاّ الله، محمدٌ رسولُ الله ... \".\nويأْبى الفادي المفترِي إِلّا أَنْ يَتَلاعَبَ بالنَّصِّ الذي ينقُلُه عن البيضاوي،\nلأَنه لا يمكنُ أَنْ يكونَ أَمينًا في النقل! فعبارةُ البيضاويِّ السابقة صارَتْ عند\nالمفتري هكذا: \" والجدارُ لغلامَيْن يتيمَيْن، بَناه حَتّى متى كَبُرا يَجِدان تحتَ\nالجدارِ كنزًا من الذهب، مكتوب عليه بعضُ الحِكَم، ومنها: لا إِلهَ إِلّا الله،\nمحمدٌ رسولُ الله! وكان ذلك في أَيامِ إِسكندر ذي القرنين! \".\nفأَضافَ المفترِي على كلامِ البيضاويّ جملة: \" وكان ذلكَ في أَيامِ\nإِسكندر ذي القرنين \" وذلك بهدفِ تكذيبِ قصةِ الخضر مع موسى، واعتبارِها من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية!.\nونحنُ لَسْنا مع ما نَقَلَه البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِ الخضر: بليا، أَو\nإِليسع، أَو إِلْياس! لأَنه لا داعيَ لذلك؟\nفالرسولُ - ﷺ - سَمّاه الخضر، ويَكفي\nذلك، وما ذَكَرَهُ البيضاويُّ من خلافٍ في اسْمِه منقولٌ عن الإِسرائيليات!.\nوهذا مَعناهُ أَننا لا نوافقُ الفادي على أَنَّ الخضرَ هو النبيُّ إِيليا، الذي\nكان في فِلسطينَ في القرن التاسع قبلَ الميلاد! ونَرى أَنه هو الخضر، والراجحُ\nأَنه نَبي، وتَفاصيلُ حياتهِ ونُبوتِه ودعوتِه من مبهماتِ القرآن، التي ليس عندنا\nدليل على بيانِها!.\nولما تكلمَ البيضاويُّ عن كنزِ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان رأْيُه أَنه كنزٌ حقيقيّ\nمن ذهبٍ وفضةٍ.\nولما ذَكَرَ أَقوالًا أخرى في الكنزِ ذَكَرَها بالصيغةِ التمريضيةِ التضعيفيةِ:\n\" قيل \" فقال: \" وقيلَ: مِن كتب العلم.\nوقيل: كان لوحًا من ذهبٍ مكتوب فيه","vol":"1","page":107},{"text":"بعض الحِكَم ...\n\" وذَكَرَ خمسًا من الحكم، وخَتَمَها بالشهادتَيْن: لا إِلهَ إِلّا الله،\nمحمدٌ رسولُ الله.\nوهذه الصيغةُ التمريضيةُ تدلُّ على أَنَّ البيضاويَّ لا يَعتمدُ ما بَعْدَها،\nوإنما يَكتفي بإِيرادِها من بابِ الذِّكْرِ فقط.\nوكنَّا نتمنى على البيضاوي لو لم يورِدْ ذلك، حتى لا يَأتِيَ رجلٌ مغرضٌ\nمثلُ الفادي المفترِي، ويجعله حُجَّةً على البيضاويِّ وعلى القرآن!.\nوالراجحُ أَنَّ كنْزَ الغلامَيْن اليتيمَيْن كان كَنْزًا حقيقيًّا ماليًّا، ولم يكنْ كَنْزًا\nمن كتب العلم، ولا من دُرَرِ الحِكَم، مكتوبةٍ بلغةٍ عربيةٍ سليمة، ومبادئَ\nإِسلامية لم تُعْرَفْ إِلّا بَعْدَ الإِسلام، مختومةٍ بالشهادتين!.\nإِنَّ هذه مزاعمُ نَرُدّها، وأقوالٌ نرفُضُها، ولا تُلْزِمُنا حتى لو كانَتْ عند\nتفسيرِ البيضاوي، ولا يَجوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَجعلَها حُجَّةً على القرآن، لأنها لم تَثْبُتْ بحديثٍ صحيحٍ مرفوع!.\nوالزعْمُ بأَنّ بناءَ الخضرِ للجدارِ كان في زمنِ الإِسكندرِ المقدوني من\nمزاعمِ الفادي وافتراءاتِه وأَكاذيبه، ليتوَصَّل بها إِلى تكذيبِ القرآنِ وتخطئته.\nوبهذا نعرفُ بطلانَ الأَسئلةِ والاعتراضاتِ التي أَثارَها المفترِي على\nالقرآن في حديثه عن قصة الخضر: \" ونَحنُ نَسْأَلُ: أَيْنَ موسى الذي عاشَ في\nمصر سنة [١٥٠٠ ق. م]، من إِيليا الذي عاشَ في فلسطين سنة ٩٠٠ ق.\nم،، من إسكندرَ الأَكبر الذي عاش في اليونانِ سنة ٣٣٢ ق. م،! أَيْنَ هؤلاء من الشَهادَةِ لمحمدٍ الذي ظهرَ - في بلادِ العربِ في القرنِ السابع بعد الميلاد؟ ! فبينَ موسى وإِيليا ٦٠٠ سنة،! وبينَ إِسكندر وموسى ١٢٠٠ سنة،! وبين موسى وظهورِ محمدٍ ٢٢٠٠ سنة،! فكيف يتسنّى لهؤلاءِ الذين نشؤوا في ممالك مختلفة، وفي قرونٍ متباعدة، أَنْ يَجْتَمِعوا في زمنٍ واحدٍ وفي صعيدٍ واحد؟! \".","vol":"1","page":108},{"text":"لقد بَنى المفترِي الفادي كُلَّ أَسئلِته على أُكذوبة، ادَّعَتْ أَنَّ شهادةَ أَنْ لا\nإِله إِلّا الله وأَنَّ محمدًا رسول الله هي الكنزُ الذي بَنى الخضرُ الجدارَ عليه،\nوخَطَّأ القُرآنَ بسببِها! فإِذا كانت هذه الأَكذوبةُ مردودةً، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُها.\nالخضرُ كان مع موسى - ﵉ -، وهو ليس النبيَّ إِيليا الذي عاشَ بعد موسى بتسعةِ قرون، ولا صلة بين الخضر وبين الإسكندرِ المقدوني، الذي جاءَ بعده باثْنَي عَشَرَ قرنًا! ولم تُكتب الشهادتانِ على كَنْزِ الغلامَيْنِ اليتيمَيْن حتى يَصحَّ ما أَثارَه المفترِي على القرآنِ من اعتراض!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>حول ترتيب أسماء الأنبياء</span>\nفي سورةِ الأَنعامِ ثلاثُ آياتٍ ذَكَرَتْ ثمانيةَ عَشَرَ نبيًا.\nوهي قول الله - ﷿ -:\n(وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) .\nالهاءُ في \" لَهُ \" تعودُ على إِبراهيم - ﵇ -.\nوالأَنبياءُ الثمانيةَ عَشَرَ مذكورون في المجموعاتِ الحَالية: إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوب، ونوحٌ لوحده، وداودُ وسليمانُ وأَيوبُ ويوسفُ وموسى وهارون، وزكريّا ويَحْيى وعيسى وإِلياس، وإِسماعيلُ واليسعُ ويونُسُ ولوط.\nوذِكْرُ الأَنبياءِ في هذه المجموعاتِ أَثارَ اعتراضَ الفادي؟\nقال: \" ونحنُ نَسْأَل: كيفَ صُفَّتْ هذه الأسماءُ بلا نظامٍ ولا تَرْتيب، بما فيها من تقديمٍ وتَأْخير، يَدْعو للتشويشِ والخلْط؟\nفما الدّاعي لذِكْرِ داودَ وسُليمانَ قبلَ أَيوبَ ويوسفَ وموسى وهارون؟\nوما الدّاعي لذكْرِ زكريّا ويَحيى وعيسى وإِلْياس؟\nوما الدّاعي لذكْرِ إِسْماعِيلَ بعدَ إِسْحاقَ ويَعقوبَ وداودَ وسُليمانَ وأَيوبَ ويوسفَ","vol":"1","page":109},{"text":"وموسى وهارونَ وزَكريّا ويحيى وعيسى وِإلْياس؟\nوما الدّاعي لذكْرِ اليسعَ ويونسَ قبَل لوط؟.\nمع أَنَّ الترتيبَ التاريخيَّ معروف قبلَ القرآنِ بمئاتِ السِّنين، أَيوبُ في\nبلادِ عوص، وإِبراهيمُ وابنُ أَخيه لوط، وابْناهُ إسماعيلُ وإِسحاق، وحفيدُه\nيعقوب، وابنُ حفيدهِ يوسُف..\nومِنْ بَعْدِهم موسى وهارون..\nومنْ بَعْدِهما داودُ وسليمانُ ابنُه، ومن بعْدِهما إِلياسُ والْيسعُ تلميذُه، ومِنْ بعدِهما يونُس؟\nهؤلاء كلُّهم في العهدِ القديم..\nومن بعدِهم زكريّا ويحيى وعيسى في العهدِ الجديد.. \".\nولا يوجَدُ في ذِكْرِ الأَنبياءِ في الآياتِ ما يَدْعو للاعتراضِ أَو الإِنكار،\nوليس في ذِكْرِ هؤلاءِ الأنبياءِ خطَأ تاريخيّ وقعَ به القرآن.\nالهدفُ هو ذكْرِ أسماء الثمانيةَ عشرَ نبيًّا ذِكْرًا فقط، وليس الهدفُ ذِكْرَ\nالأَسماءِ وفقَ الترتيبِ والتسلسلِ التاريخيّ، فاعتراضُ الفادي في غير مكانِه.\nوالترتيبُ الذي ذَكَرَه هو ليسَ صحيحًا، فهو يَرى أَنَّ أَيّوبَ كانَ قبلَ\nإِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -، وهذا غيرُ صَحيح، والصحيحُ أَنَّ أَيوبَ كان من ذريةِ إِبراهيمَ، بنصّ الآية: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ) .\nوهو يرى أَنَّ زكريّا ويحيى من أَنبياءِ العهدِ الجديد، وهذا غيرُ مُسَلَّم،\nفالعهدُ الجديدُ هو الإِنجيلُ الذي جاءَ به عيسى - ﷺ -، وكان زكريّا قبل عيسى، وإِنْ كانَ الأَنبياءُ زكريا ويحيى وعيسى أنبياء لبني إِسرائيل ...\nواللافتُ للنظرِ أَنَّ القرآنَ عندما يذكرُ أَسماءَ بعضِ الأَنبياءِ فإِنه لا يُرَتِّبُهم\nتَرتيبًا تاريخيًّا، كما هو في الآياتِ السابقة من سورةِ الأنعام، وكما في قولِه\nتعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) (١) .\n_________\n(١) كلام نفيس للإمام البقاعي:\nقال عليه الرحمة ما نصه:\nولما كان إبراهيم ﵇ قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد والذب عنها، وكان التقدير تنبيهًا للسامع على حسن ما مضى ندبًا لتدبره: هذه مقاولة إبراهيم ﵇ لأبيه وقومه، عطف عليه قوله معددًا وجوه نعمه عليه وإحسانه إليه، دالًا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية: ﴿وتلك﴾ أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم، وهي ما حاج إبراهيم ﵇ به قومه، وعظمه بتعظيمها فقال: ﴿حجتنا﴾ أي التي يحق لها بما فيها من الدلالة أن تضاف إلينا، لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا ﴿آتيناها﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿إبراهيم﴾ وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه بها، ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنًا لآتينا وأقمنا، فقال: ﴿على قومه﴾ أي مستعليًا عليهم غالبًا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها، ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفًا: ﴿نرفع﴾ أي بعظمتنا ﴿درجات من نشاء﴾ بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم ﵇ على جميع أهل ذلك العصر.\nولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه، وكان في ختام محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف عليهم، وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة؛ كان الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال: ﴿إن ربك﴾ أي خاصًا لنبيه ﷺ بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيهًا على أن حَجبَه الدليل عمن يشاء لِحِكَم أرادها سبحانه، ففيه تسلية له ﷺ ﴿حكيم﴾ أي فلا يفعل بحزبه إلاّ ما ظنه به خليله ﷺ مما يقر أعينهم، إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما ﴿عليم﴾ فلا يلتبس عليه أحد من غيرهم، فيفعل به ما يحل بالحكمة.\n\nولما أشار إلى رفعته بأنه بصّره بالحجة حتى كان على بصيرة من أمره، وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات، أتبع ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب، فقال معلمًا بأنه جعله عزيزًا في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل، وهم من نسله وذريته، ورفع ذكره أبدًا لأجل قيامه بالذب عن توحيده: ﴿ووهبنا له﴾ أي لخليلنا ﵇ بما لنا من العظمة ﴿إسحاق﴾ ولدًا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ولا لمثل زوجته ﴿ويعقوب﴾ أي ولد ولد، وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق للامتنان على الخليل ﵇، وهو أشد سرورًا بابنه الذي متع به ولم يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر الأنبياء الداعين إلى الله من نسله ومن خواصه، وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة التي هي مهاجر إبراهيم ﵇ ومختاره للسكنى بنفسه ونسله، بل مختار الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان، ودعوا إلى الله ونوروا الأرض بعبادته.\nولما كانت النعمة لا تتم إلاّ بالهداية، قال مستأنفًا مقدمًا للمفعول ليشمل الكلام إياهما: ﴿كلًاّ﴾ أي منهما ومن أبيهما ﴿هدينا﴾ ثم أتبع ذلك المهتدين قديمًا وحديثًا تأكيدًا لأن هذا المذهب لم يزل خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده، فكأنه يقول: إن كنتم تلزمون دينكم لأنه عندكم حق، فقد تبين لكم بطلانه، وأن الحق إنما هو التوحيد، وإن كنتم تلزمونه لِقِدَمِه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى، ثم إلى هذا الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم التسليم، فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية، وإن كنتم تلزمونه لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم ﵇، وقد تلوت عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم، فهو أولى آبائكم أن تعتدوا به - والله الموفق.\nولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من إسحاق وابنه بتربية أبيه، ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح ﵉ لدفع ذلك، ولأن السياق لإنكار الأوثان، وهو أول من نهى عن عبادتها، وهو أجلّ آباء الخليل ﵇ فقال: ﴿ونوحًا هدينا﴾ أي بما لنا من العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج.\nولما كانت لم تتجاوز منه، وكان زمنه بعض الزمن المتقدم، أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيرًا عن زمانه فقال: ﴿من قبل﴾ أي ولم تكن هدايته إلاّ بنا في زمان كان أهله من شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل، كلما امتد احلولك ظلامه واشتد، وطالما دعاهم إلى الله وربّاهم فلم يرجع منهم كثيرًا أحد حتى لقد خالفه زوجه وبعض ولده، ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه ﵈ إشارة إلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة، وأنه ما حفظ كلًاّ منهما على سنن الهدى طول المدى إلاّ الله؛ ثم ابتدأ المذكورين بعدُ بمن بنى على يده ويد ابنه مسجدًا هو بعد المسجد الذي بناه إبراهيم وولده إسماعيل ﵉ فقال: ﴿ومن ذريته﴾ .\nولما كان السياق كله لمدح الخليل، وكان المذكورون - إلا لوطًا - من نسله، وكان التغليب مستعملًا شائعًا في لسان العرب، لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده؛ حكم بأن الضمير لإبراهيم ﵇، وقولُ من قال: إن يونس ﵇ ليس من نسله، غير صحيح، بل هو من بني إسرائيل، وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء، وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة ﴿والصافات﴾ إن شاء الله تعالى، وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية إبراهيم، واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل، كما اقتضى ذلك كلام البغوي في سورة الأنبياء ﵈، وأما أيوب فروى؛ من نسل عيص بن إسحاق ﵈ ﴿داود﴾ أي هديناه ﴿وسليمان﴾ أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر الله: داود بخطه وتأسيسه، وسليمان بإكماله وتشييده.\nوما كان مع ذلك ملكين، تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال: ﴿وأيوب﴾ وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلًاّ منهما ابتلى بأخذ كل ما في يده ثم ردّ الله إليه ﴿ويوسف﴾ وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر، واغتنى فشكر، وأيوب إن لم يكن ملكًا فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك، على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك، وأيضًا فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد واستنقاذهم من ذل الفلسطين، والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ثم ردوا عليه: أيوب بعد أن ماتوا، ويوسف قبل الموت، وأيضًا فداود ﵇ شارك إبراهيم ﵇ في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه الاختفاءُ في غار، وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها، وقال له منجموه: يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك على يده، فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وحملت أم إبراهيم ﵇ به في تلك السنة، فلما وجدت الطلق خرجت ليلًا إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه، ثم سدت فم الغار ورجعت، ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه، وكان يشب في اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة؛ وأما داود ﵇ فإنه لما قتل جالوت وزوَّجَه طالوتُ ابنته، وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال إليه الناس وأحبوه، فحسده فأراد قتله، فطلبه فهرب منه، فدخل غارًا فنسجت عليه العنكبوت، فقال طالوت: لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت، فأنجاه الله منه؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم ﵉ في إبطال عبادة الشمس في قصة بلقيس ﵂؛ وقصة يوسف ﵇ في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى ﴿يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار﴾ [يوسف: ٣٩] .\nولما كان يوسف ﵇ ممن أعلى الله كلمته على كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به، أتبعه من أعلى الله كلمتهما على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما، فكأن بعض قصصهم وفاق، وبعضها تقابل وطباق، فقال: ﴿وموسى وهارون﴾ ولما كان التقدير: هديناهم جزاء لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى، لم يشغل أحدًا منهم منحةُ السراء ولا محنة الضراء، عطف عليه قوله: ﴿وكذلك﴾ أي ومثل ما جزيناهم ﴿نجزي المحسنين﴾ أي كلهم، ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من هذه الجهة، وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية، ومع ذلك فقد أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا.\nولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على الملوك، أتبعهما من سلط الملوك عليهما بالقتل فقال: ﴿وزكريا ويحيى﴾ ثم أتبعهما من عاندهما الملوك ولم يسلطوا عليهما وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن يريد سبحانه فقال: ﴿وعيسى وإلياس﴾ ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين، قال مادحًا لهم على وجه يعم من قبلهم: ﴿كل﴾ أي من المذكورين ﴿من الصالحين﴾\nثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر، وهدى بهما من كان بين ظهرانيه فقال: ﴿وإسماعيل واليسع﴾ هذا إن كان اليسع هو ابن أخطوب ابن العجوز خليفة إلياس، كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى أرسل إلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون ﵇ - فرسًا من نار فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا، وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - عدوًا فقتله ونَبأ الله اليسع وبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل، وأيده فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل ﵉ أن كلًاّ منهما كان صادق الوعد، لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى ﵇ حين بعثهم يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقوله ﴿وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما﴾ [المائدة: ٢٣] وأيضًا فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم بالتوحيد، فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة، ويوشع سبب عمارة البلدة المقدسة - كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى.\nولما كان إسماعيل واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب، أتبعهما مَن هدى الله قومه بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال: ﴿ويونس﴾ أي هديناه؛ ولما انقضت ذرية إبراهيم ﵇، ختم بابن أخيه الذي ضل قومه فهلكوا بغتة، فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة، ووفاق من حيث إن كلًاّ منهما أرسل إلى غير قومه فقال: ﴿ولوطًا﴾ ثم وصفهم بما يعم من قبلهم فقال: ﴿وكلًاّ﴾ أي ممن ذكرنا ﴿فضلنا﴾ أي بما لنا من العظمة بتمام العلم وشمول القدرة ﴿على العالمين﴾ فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده، وبدأهم تعالى بإبراهيم ﵇ وختمهم بابن أخيه لوط ﵇ على هذه المناسبة الحسنة؛ وقيل: إن الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته، فإن صح ذلك تمت المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم، فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس ﵇ طباق.\nومن لطائف ترتيبهم هكذا أيضًا أن إسماعيل ﵇ يوازي نوحًا ﵇، فإنه رابع في العدّ لهذا العقد إذا عددته من آخره، كما أن نوحًا ﵇ رابعه إذا عددته من أوله، والمناسبة بينهما أن نوحًا ﵇ نشر الله منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم ﵇ الذي جعله الله أبًا للأنبياء والمرسلين، وإسماعيل ﵇ نشر الله منه العرب الذين هم خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد ﷺ الذي جعله الله خاتم الأنبياء والمرسلين، فهذا كان بداية وهذا كان نهاية، وأن المذكورين قبل ذرية إبراهيم ﵇ وبعدها - وهما نوح ولوط ﵉ - أهلك الله قوم كل منهما عامة، وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مانع الماء، وأشقى بكل منهما زوجته، بيانًا لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة يكونون على قوم نقمة، وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع، وأن ابن عمران اشترك مع إبراهيم ﵈ في أن كلًاّ من ملكي زمانهم أمر بقتل الغلمان خوفًا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه، وكما أن الله تعالى أنجى إبراهيم ﵇ وابن أخيه لوطًا ﵇ من ملك زمانهما المدعي للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون ﵉ من ملك زمانهما المدعي للآلهة، وأنجى ذرية إبراهيم بهما، فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطًا - لكونه تابعًا له - واحدًا، وموسى وأخاه هارون واحدًا لمثل ذلك، ونظمت أسماء جميع هذه الأنبياء في سلك النقي: لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون، وكان الأربعة واسطة عقدة، فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط سبعة، وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله ﴿فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم، ويكون من بين يديه تسعة، ومن خلفه تسعة، فمن إبراهيم إلى موسى تسعة، ومن لوط إلى هارون كذلك، فكان رسول الله ﷺ واسط العقد ومكمل العقد، فإنه العاشر من كل جانب، فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى، وذلك طبق قوله ﷺ فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» وللبخاري نحوه عن جابر، هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسبًا صاحب القصة إبراهيم ﵇، وإن جعلت موسى وهارون ﵉ كشيء واحد كانا واسطة من الجانب الآخر، فإن عددت من جهة إبراهيم ﵇ كان بينه وبينهما ثمانية، وإن عددت من جهة لوط ﵇ كان كذلك. اهـ (نظم الدرر. ٢ / ٦٦٤: ٦٦٩)","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>إدريس وليس أخنوخ</span>\nذَكَرَ القرآنُ إِدريسَ - ﵇ - ضمنَ الأَنبياءِ، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)\nوقد حاكمَ الفادي - كعادته - القرآنَ إِلى العهدِ القديم، ولَمّا لم يجد اسْمَ\nإِدريسَ فيه حَكَمَ بتخطئةِ القرآن، والذي في العهدِ القديم هو أخنوخ وليسَ\nإِدريس..\nونَقَلَ الفادي عن سِفْرِ التكوينِ أَنَّ أَخنوخَ عاشَ ثلاثمئةٍ وخمسًا\nوستينَ سنة، وسارَ أَخنوخُ مع الله، ولم يوجَدْ بعدَ ذلك لأَنَّ اللهَ أَخَذَه.\nونقلَ عن البيضاويّ قولَه: \" إِدريسُ: هو جَدُّ أَبي نوح، واسْمُه أَخنوخ،\nواشتقاقُ إِدريسَ من الدَّرْس، لكثرةِ دُروسِه، إِذْ رويَ أَنَّ اللهَ أَنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأَنه أَولُ مَنْ خَطَّ بالقَلَم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والحسابِ (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) .\nيَعْني شرف النبوةِ والزلْفى عندَ الله، وقيلَ: الجنة، وقيلَ: السماءَ السادسةَ أَو الرابعة \" (١) .\nواعترضَ الفادي على تسميةِ القرآنِ له بإِدريس، وقال: \" ونحنُ نسأَل:\nمِن أَينَ جيءَ باسمِ إِدريسَ بدل أَخنوخ، فالصوابُ أَخنوخُ وليس إِدريس! \".\nلا تَجوزُ محاكَمَةُ القرآنِ إِلى الكتابِ المقَدَّس، لما سبقَ أَنْ قَرَّرْناهُ،\nوقرآنُنا هو المهيمنُ على ما قبلَه من الكُتُب، لأَنَّ الكتبَ السابقةَ مُحَرَّفَة،\nوالقرآنُ محفوظ.\nفما ذَكَرَه القرآنُ هو الصواب، والاسْمُ الذي خالَفَ المذكورَ\nفي القرآن هو المرفوض، وبما أَنَّ اسْمَه في القرآنِ إِدريسُ فهذا هو اسْمُه ولا\nنَدْري من أَينَ جاء مؤلفو سِفرِ التكوين باسم أخنوخ، وهو اسْمٌ مرفوض!.\nولَسْنا مع البيضاويِّ في ما ذَكَرَه عن إدريسَ من أَنَّ اسْمَه أَخنوخ، وأَنه\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٧- أخنوخ وليس إدريس\nإنه فى القرآن اسم إدريس. واسمه فى التوراة أخنوخ. وقال البيضاوى فى تفسيره: إن إدريس هو أخنوخ. ونحن نسأل من أين جاء فى القرآن اسم إدريس؟ والصواب أنه أخنوخ.\nالرد على الشبهة:\nإن اسمه فى التوراة السامرية \" حنوك \" والنص هو:\n\" وسلك حنوك فى طاعة الله وفُقد؛ إذ تولته الملائكة \" [تلك ٥: ٢٤] والتوراة اليونانية تضيف حرف السين فى آخر الاسم ليعلم أنه اسم مثل يوسيفوس - إدريانوس. وإدريس؛ فى آخره السين، وكذلك يونس. وهو فى العبرى يونان. وعيسى - ﵇ - فى اليونانى \" إيسوس \"، وفى العبرى \" يهو شوّع \" وينطق أحيانًا \" أيشوع \" و\" يسوع \".\nوأخنوخ له سفر لا يعترف به النصارى. ومع ذلك نقل منه يهوذا فى رسالته: \" انظروا جاء الرب مع ألوف قديسيه؛ ليحاسب جميع البشر، ويدين الأشرار جميعًا على كل شر فعلوه، وكل كلمة سوء قالها عليه هؤلاء الخاطئون الفجار \" [يهو ١: ١٤ - ١٥] .\nوهذا النص يثبت أن كل امرئ بما كسب رهين، خلافًا لاعتقاد النصارى فى موت المسيح على الصليب لِيُكَفِّر عن خطايا آدم.\nومفسرو التوراة يستدلون من نقله على ثبوت الحياة من بعد الموت ورأى فيلبسون من قوله \" الله أخذه \" أن ذلك تلطف بالتعبير عن الوفاة قبل إكمال العمر، وأن فى ذلك دليلًا على وجود حياة وراء هذه الحياة الأرضية. ونزيد على ذلك: أن نقل أخنوخ فى متوسط العصر الذى قبل الطوفان، وأن حياته كانت على الأرض ٣٦٥سنة وهو عدد الأيام فى السنة الشمسية وكانت سنة العبرانيين ٣٥٤ يومًا وسنة الكلدانيين ٣٦٠ يومًا \" انتهى. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":111},{"text":"جَدُّ أَبي نوح، وأَنه أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم، ونَظَرَ في علمِ النجومِ والكواكب،\nوأُنزلَ عليه ثلاثون صحيفة، وأَنه رُفِعَ بجسْمِه إِلى السماءِ، كما رُفِعَ عيسَى - ﷺ - وهذا الكلامُ من الإِسرائيليات، ولا دليل عليه من حديثِ رسولِ الله - ﷺ.\nوأَخبرَ اللهُ أَنه رَفَعَ إِدريسَ مكانًا عليًّا: (إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) .\nوأَخَذَ بعضُ العلماءِ الكلامَ على ظاهرهِ، وقالوا: رُفِعَ إِدريسُ\nبجسْمِه وروحِه إِلى السماء، كما رُفِعَ عيسِى - ﵇ -.\nوذهبَ آخَرون إِلى أَنَّه لم يُرْفَعْ إِلى السماء، وأَنه ماتَ موتًا طبيعيًا، ودُفِنَ\nعلى الأَرض، والراجحُ أَنَّ المرادَ برفعِه مكانًا عليًا منزلةُ النبوة، ودرجةُ القُربى والكرامةِ عندَ الله، لأَنه صِدّيقٌ نبى - ﷺ -.\nوفي زمنِ نبوةِ إِدريس - ﷺ - خِلافٌ بين العلماء:\n- فمنهم مَنْ ذهَبَ إِلى أَنه كانَ بعدَ آدمَ وقبلَ نوحٍ - صلى الله عليهما وسلم -، كما ذَكَرَ البيضاوي، وعندما يَعُدُّونَ الأَنبياءَ يكونُ هو في الرقمِ الثاني، فيقولون: آدمُ، إدريسُ، نوح، هود، صالح ... وهكذا.\nولعلَّ هؤلاءِ تَأَثَّروا بكلامِ العهدِ القديم، حيثُ ذَكَرَ الأَحبارُ أَنَّ اسْمَه\nأَخنوخ، وأَنه رُفِعَ بِجِسْمِهِ إِلى السماء، فقالَ هؤلاءِ العلماءُ بقولهم.\n- وذهبَ آخرونَ إِلى أَنَّ نبوةَ إِدريسَ - ﵇ - متأَخرَةٌ، وأَنه كانَ نبيًّا في بني إِسرائيل، نَقَلَ القرطبيُّ في تفسيرِه عن القاضي أَبي بكر بنِ العربيِّ قولَه: \" ومَنْ قالَ: إِنَّ إِدريسَ كان قبلَ نوح، فقد وَهِم!.\nوالدليلُ على وَهْمِه الحديثُ الصحيحُ في المعراجِ، حينَ لقيَ النبيُّ - ﷺ - آدمَ وإدريس.\nفقالَ له آدَمُ: مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والابنِ الصالح، وقالَ له إدريس: مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والأَخ الصالح..\nفلو كانَ إِدريسُ أَبًا لنوحٍ لقال: مَرحبًا بالابنِ الصالحِ والنبيِّ الصالح، ولَمّا قَالَ له إِدريسُ: الأَخ الصالح دَلَّ على أَنه يجتمعُ معه في نوح (١) ..\n_________\n(١) لا يدل على المطلوب.","vol":"1","page":112},{"text":"ونحنُ مع ابنِ العربيِّ والقرطبيّ في أَنَّ إدريسَ مُتَأَخِّر، وأَنه من أَنبياءِ بني\nإِسرائيل، ومما يُؤَكِّدُ ما قالَه ابنُ العربي أَنَّ آدمَ وإِبراهيمَ خاطَبا محمدًا - ﷺ - بالبُنُوَّة، وقالا له: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصالح والابنِ الصالح.\nبينما خاطَبَهُ الخمسةُ الآخَرون: يوسفُ وموسى وهارونُ وإِدريسُ وعيسى بالأُخُوَّة، وقالوا له: مرحبًا بالنبيِّ الصالحِ والأخ الصالح.\nوبهذا نعرفُ خَطَأَ كلامِ الفادي من أَنَّ إِدريسَ هو أَخنوخ، وأَنه جَدُّ\nنوح، فما قالَه عنه القرآن هو الصحيح، وهو من أَنبياءِ بني إِسرائيل\nالمتأَخِّرين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>من هم أتباع نوح - ﵇ </span>-؟\nلَمّا دعا نوحٌ عَلّإِثر قومَه إِلى عبادةِ اللهِ وَخدَه كَفَروا به وكَذَّبوه، ولم\nيَتْبَعْه إِلّا قليلٌ منهم، وأَثارَ الملأُ من قومِه الشبهاتِ ضِدَّه، وأَخبَرَنا اللهُ في\nالقرآنِ عن بعضِ تلك الشبهات.\nقال - ﷿ - (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧) .\nاتَّهَمَ الملأُ نوحًا بأَنَّه ليسَ نبيًّا، وأَنه بَشَرٌ مثلُهم، وأَنَّ الذين آمَنوا به\nواتَّبَعوهُ ليسوا سادَةَ القومِ وأَشْرافَهم، إِنما هم الأَراذلُ والضعفاءُ: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) .\nوخَطَّأَ الفادي القرآنَ في هذا الكلام، لأَنه يتعارضُ مع كلامِ الأَحبارِ في\nالعهد القديم، والمعتمدُ عنده هو ما في العهدِ القديم..\nقال: \" ونحنُ نسأَل:\nأَينَ الأَراذلُ الذينَ اتَّبَعوا نوحًا وآمَنوا به؟\nإِنَّ أَحَدًا لم يُؤْمِنْ بكَرازَتِه، كما تقولُ","vol":"1","page":113},{"text":"التوراةُ والإِنجيلُ، ولم يدخُل معه في الفلكِ إِلا امرأَتُه وأَولادُه ونساءُ أَولادِه،\nوهم ليسوا أَراذل، والقرآنُ يقول: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) ..\nوهذا يعني أَنَّ الحديثَ الذي دارَ بين نوحٍ وقومِه عن إِيمانِ البعضِ به\nلم يَحْدُثْ \" (١) .\nوقد سبقَ أَنْ بَيَّنّا كذبَ الأَحبارِ والفادي في زعْمِهم أَنَّ ركابَ السفينةِ\nكانوا ثمانيةَ أَشخاصٍ فقط، هم أُسرةُ نوح.\nويواصِلُ الفادي هنا كذبَه وافتراءَه عندما ادّعى أَنَّه لم يؤمنْ به أَحَدٌ من\nقومِه! ولا ندري ماذا كان نوحٌ يفعلُ معهم طيلة حوالي أَلْف سنة؟\nيَزعمُ الأَحبارُ والفادي أَنه لم يَدْعُهم إِلى اللهِ خلالَ هذه المدةِ كُلِّها، ولذلك لم يُؤمِنْ به أَحَد! وقد أَخطأَ القرآنُ عندما أَخبرَ عن كلامٍ بينَه وبين قومِه عن إِيمانِ بعضِهم، لأَنَّ هذا الحديثَ لم يَحدثْ كما جزمَ الفادي!.\nلقد كانَ القرآنُ صَريحًا في إِيمان عددٍ قليلٍ من قومِه.\nقال تعالى: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠) .\nوأَخطأَ الأَحبارُ والفادي عندما زَعموا أَنَّ كُلَّ عائلةِ نوحٍ كانوا في\nالسفينة، وقد سَبَقَ أَنْ بَيَّنّا خَطَأَهم فيما مَضى، وذَكَرْنا أَنه لم يركبْ معه في\nالسفينة إِلّا المؤمنونَ من أَهْلِه، وأَنَّ امرأَتَه كافرة، وأَنَّ أَحَدَ أبنائِه كافر..\nفلم يُخطئ القرآنُ في حديثِه عن ما جرى بينَ نوحٍ وقومِه الكافرين، وإِنما أَخْطَأَ الفادي في اعتراضه على القرآنِ، واعتمادِه على أَخطاء العهدِ القديمِ التي كَذَّبها القرآن.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٨- نوح لم يتبعه الأراذل\nإن فى القرآن أن نوحًا ﵇ نجا معه جماعة من المؤمنين من غير أولاده. وهذا يخالف ما فى التوراة وما فى الإنجيل من أنه لم ينج معه من المؤمنين أحد غير أولاده. وأن القرآن بين أن الكافرين بنوح وصفوا المؤمنين به بأنهم أراذل.\nالرد على الشبهة:\n١- إن الذين خرجوا من السفينة حسب نص التوراة العبرانية:\n١- سام\n٢- حام.\n٣- يافث.\n٤- نوح.\n٥- امرأته.\n٦- زوجة سام.\n٧- زوجة حام.\n٨- زوجة يافث) فيكون العدد ثمانية.\n٢- والدليل على صحة ما فى القرآن: هو أن قابين لما قتل هابيل؛ ولد حنوك ولد عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك، ولامك ولد يابال. الذى كان أبًا لساكنى الخيام ورعاء المواشى. واسم أخيه يوبال الذى كان أبًا لكل ضارب بالعود والمزمار، واسم أخيه توبال قابين. الضارب كل آلة من نحاس وحديد [تكوين ٤] .\nقوله عن الثلاثة: الذى كان أبًا لساكنى الخيام ورعاء المواشى - الذى كان أبًا لكل ضارب بالعود والمزمار - الضارب كل آلة من نحاس وحديد؛ يدل على أنه كان من الناجين غير أبناء نوح. ولذلك قال مفسرو التوراة: \" وسلالة قابين سلالة الحياة المدنية، وسلالة شعث سلالة الحياة القدسية \". اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>بابل والنمرود</span>\nأَخبرَ اللهُ أَنه دَمَّرَ بيوتَ كافرين سابقين.\nقال تعالى: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) .\nوقد نقلَ الفادي المتحامِلُ قولًا ذَكَرَه البيضاويُّ في تفسير الآية، أَنه\nلم يَعتمدْه، وعَرَضَه بصيغةِ \" قيل \" الدالَّةِ على التضعيف.\nقال: \" قالَ البيضاوي:\nقيل: المرادُ به نُمرودُ بنُ كنعان، بَنى الصرحَ بِبابِلَ، سُمْكُهُ خمسةُ آلافِ ذراع، ليترصَّدَ أَمْرَ السماء، فأَهَبَّ اللهُ الريحَ، فَخَرَّ عليه وعلى قومِه فَهَلكوا ... \" (١) .\nمع أَنَّ القولَ الذي يقولُ به البيضاوي غيرُ الذي ذكره أعلاه قال: \" (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ): أي: سَوّوا مَنْصوبات، لِيَمْكُروا بها رسلَ اللهِ\nعليهم الصلاة والسلام.\n(فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ): فأتاها أَمْرُه من جهةِ العُمُدِ التي بَنْوا عليها، بأَنْ ضُغضِعَتْ (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ):\nوصار سببَ هلاكِهم.\n(وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ): لا يَحْتَسِبون ولا يتوقَّعون..\nوهو على سبيلِ التمثيل.. \".\nالآيةُ عامةٌ تتحدثُ عن الكفارِ الذين يمكرونَ بأولياءِ اللهِ ودينِه، على\nاختلافِ الزمانِ والمكان، فيُبْطِلُ الله مكْرَهم، ويَنصرُ الحَقَّ، وهي من بابِ\nالتمثيل.\nوهذا معناهُ أَنَّ البيضاويَّ لا يَرى أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن بابلَ والنمرود،\nوأَنه أَوردَ روايةً بذلك من بابِ الذكْر، ولكنَّه لا يَقولُ بها!!.\nولكنَّ الفادي المتحامِلَ اعتبرَ هذه الروايةَ دليلَ تخطئةِ القرآنِ والبيضاوي،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨٩- تهاويل خيالية حول برج بابل\nقال المؤلف: إنه جاء فى سورة النحل (قد مكر الذين من قبلهم..) ثم قال: قال البيضاوى: قيل: المراد به نمرود بن كنعان فإنه بنى صرحًا ببابل.\nالرد على الشبهة:\nإنه وجه الشبهة على كلام مفسر. وهذا المفسر لم يجزم بأن تفسيره هو الصحيح بدليل قوله: \" قيل \" فكيف يورد شبهة على كلام مفسر؟. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":115},{"text":"ولذلك قال: \" ونحنُ نسأَل: من أَيْنَ جاءَ للبيضاويِّ أَن نمرودَ هو ابنُ كنعان؟\nفنمرودُ هو ابنُ كوش بن حام بن نوح [تكوين: ٦/١٠ - ١٨] .\nوأَخَذَ الناسُ بعدَ الطوفانِ يَبنونَ مدينةً وبُرْجًا عاليًا يُخَلِّدونَ به اسْمَهم، فعاقَبَهم اللهُ بأَنْ بلبلَ أَلسنتهم، فلم يَستطيعوا التفاهم، وكَفّوا عن البنيان ...\nولذلك سُميت المدينة \" بابل \"، لأنَّ هناكَ بلبلَ اللهُ أَلسنَتَهم [تكوين: ١١/ ١ - ٩] \".\nإِنَّ الآيةَ تتحدثُ عن الكفارِ السابقين، بدونِ تعيينٍ أَو تَحديد، كانوا\nيمكرونَ بالأَنبياء، ويتآمَرون على المؤمنين، فأنجى اللهُ المؤمنين، وأوقع بهم\nعقابَه، بأَنْ قَلَعَ بُنيانَهم من القواعِد، فخرَّ عليهم السقفُ من فوقِهم، وعَجَزوا عن النجاة..\nوهذا ينطبقُ على كل الأَقوام الكافرين، مثل قومِ نوح، وعاد،\nوثمود، ومدين، وقوم لوط، والفراعِنة، والآشوريين، والبابليين، واليونان، والرومان، وغيرهم.\nوقد وردَ في سِفْرِ التكوينِ أُسطورةُ برج بابل، التي كَتَبَها الأَحبار،\nوزَعَموا أَنها من عندِ الله، وخلاصةُ تلك الأُسطورةِ الخرافية، أَنه كانَ الناسُ\nجميعًا مُتجمعين في بابل، ويتكلَّمون لغةً واحدة، وأَنهم أَرادوا بناءَ مدينةٍ\nعظيمة، وبُرْجًا عاليًا، لِيخَلِّدوا اسْمَهم، ولما رآهم الرَّبُّ على هذا الاجتماع والتعاونِ والاتفاقِ، خاف أَنْ يَغْلِبوه، إِنْ نَجحوا في تحقيقِ مُرادِهم، فعاقَبَهم بأَنْ بَلْبَلَ أَلسنَتَهم وفَرَّقَ قُلوبَهم، وشَتَّتهم، فكَفُّوا عن مشروعِهم الكَبير، وتفَرَّقوا في الأَرض..\nوسُميت المدينةُ التي كانوا فيها \" بابل \" لهذا السبب!!.\nهذه الأُسطورةُ الخرافيةُ التي كَتَبَها الأَحبارُ الكافرون في سفْر التكوين\n١١/ ١ - ٩، يؤمنُ بها الفادي، مع أَنها أَباطيلُ وكفْز بالله، ونحنُ ننكرُها\nونُكَذِّبها ونكفُرُ بها..\nأما اعتراضُ الفادي على البيضاوي لأَنه جعلَ نمرودَ ابنًا لكَنْعان، فهو لا\nمعنى له، وما قالَه هو من أَنَّ نمرودَ هو ابنُ كوشِ بن حام بن نوح ادِّعاءٌ ليس","vol":"1","page":116},{"text":"عليه دليل، لأَنه لم يَرِدْ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية، فنحنُ نتوقَّفُ فيه، لا\nنَنْفيه ولا نُثبته.\nفلا نقول: نمرودُ بن كنعان، ولا نقولُ: نمرود بن كوش، ولا نقول: نمرود فقط.\nونقول: اللهُ تعالى أَعلم، والجهلُ بذلك لا يَضيرنا!!.\nوالعجيبُ في تحامُلِ المفترِي الفادي أَنه يُحَمِّلُ القرآنَ الكلامَ الذي ذَكَرَه\nالبيضاوي، مع أَنه لم يأخذْه من القرآن، وإنما أَخَذه من الإخباريّين السابقين،\nوإِذا كانَ ذلك الكلامُ خطأً فكيف يتحمَّلُه القَرآنُ، الذي لم يَذْكُرْهُ في آياتِه؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ما هو أصل الكعبة</span>؟\nأَخبرَ اللهُ في القرآنِ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - ﵉ - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة قال تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) .\nإِبراهيمُ وإِسماعيلُ - ﵉ - هما اللَّذان بَنَيا بَيْتَ اللهِ الحرام، وكانا\nيَدْعُوانِ اللهَ وهما يَرْفَعان قواعدَ البيت، وجَعَلَ اللهُ البيتَ الحرامَ مثابةً للناسِ\nوأَمْنًا، يأتونَه زائرين مُصَلّين، وحاجّين ومعتَمِرين، من كلِّ مكانٍ في الأَرض.\nويُخَطِّئُ الفادي المفترِي القرآنَ في كلامِه عن بناءِ الكعبة، ويُحاكمُ القرآنَ\nإِلى أَسفارِ كتابِه المقَدَّس، وبما أَنَّ الأَحبارَ لم يَذْكُروا مجيء إِبراهيمَ إِلى بلادِ\nالحجاز، فإِنَّ القرآنَ مخطئٌ في كلامِه عن مجيئِه إِلى الحجاز!.\nقالَ المفترِي: \" ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ إِبراهيمَ دُعِيَ من أُورِ\nالكلْدانيين إِلى أَرضِ كنعان، وهُناك بَنى مَذْبَحًا للرّبّ.\nولم يَرِدْ ذكْرٌ لذهابِه إِلى","vol":"1","page":117},{"text":"بلادِ العَرَب، ولا ذِكْرٌ لبنائِه هو وإِسماعيل الكعبة، ولكنَّه تَغَرَّبَ في أَرضِ\nكنعان، التي وَعَدَهُ اللهُ وَوَعَدَ بها نَسْلَه \".\nوكَلامُ الفادي تَحَكُّمٌ في التاريخِ، ووصايةٌ عليه، فالأَصْلُ عنْدَه أَسفارُ\nالكتابِ المقدس، فكلُّ ما وردَ فيها فهو عنْدَه الصواب، وكل ما سَكَتَتْ عنه\nتلك الأَسفارُ فهو الخطأ! وهذا تَحَكُّمٌ مَرْدود، فلم يَذْكُرِ الكتابُ المقَدَّسُ كُلَّ\nأَحداثِ التاريخِ الماضي، حتى نُخَطِّئ أَيَّ حَدَثٍ لم يَرِدْ فيهِ!.\nهذا إِذا كانَتْ أَسْفارُ الكتاب المقَدّس - بعهدَيْه القديمِ والجديد - صحيحةً\nصادقة، فكيفَ إِذا كانتْ تلكَ الأًسْفارُ مشكوكًا فيها، لأَن الأَحبارَ الكاذبين هم الذين كتَبوها؟\nوهم ليسوا أُمَناءَ على التاريخ!!.\nإِنَّ المرجعَ في أَحْداثِ التاريخ الماضي هو القرآنُ الكريم، لأَنه كَلامُ اللهِ\nالمحفوظُ الثابت، وكَلُّ ما فيه حَقٌّ وصِدْقٌ وصواب، وبما أَنَّ القرآنَ أَخبَرَنا\nبصريح آياتِه أَنَّ إِبراهيمَ هاجَرَ إِلى الأَرضِ المقَدَّسَة، فهذا الخَبَرُ صحيح، وبما\nأَنه أَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ أَتَى إِلى بلادِ الحجاز، فهذا الخَبَرُ صحيح، وبما أَنه\nأَخْبَرَنا أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيل - ﵉ - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة، فهذا الخَبَرُ صحيح..\nواعتراضُ الفادي على هذا مردود، وتخطئَتُه كلامَ القرآن هي الخطأ\nالفادحُ الذي وَقَعَ هو فيه!!.\nويتكلمُ الفادي المفترِي عن الكعبةِ كلامًا فاجِرًا خطيرًا، يقومُ على\nالكذبِ والافتراء.\nاللهُ أَخبرَ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - ﵉ - هما اللَّذان بَنَيا الكعبة، والفادي يَنْفي ذلك ويُخَطِّئُه ويُكَذِّبُه.\nواللهُ أَخبرَ أَنَّ الكعبةَ أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ اللهِ.\nقال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) .\nوالفادي المفترِي يُكَذِّبُ ذلك، ويَعتبرُ الكعبةَ بيتًا بُنِيَ لعبادةِ كوكبِ زُحَل! قالَ في فقرة قبيحةٍ فاجرة: \" ونحنُ نَسأَلُ: كيف تكونُ","vol":"1","page":118},{"text":"الكعبةُ بيتَ الله، وبيتَ المثوبة، وبيتَ الأَمن، وهي بيتُ الأَوْثان؟\n! وقد بُنيتْ أَولَ الأَمْرِ لعبادِةِ كوكبِ زُحَل؟\n! وكان كلُّ مَن استولى عليَها يقهَرُ أَهْلَها، ليمارسوا شعائِرَ مذهبه! وفي أَيامِ محمدٍ كان في الكعبةِ ثلاثمئَةٍ وستون صَنَمًا، لكلّ حيٍّ من أَحياءِ العرب صَنم! وقد شَدُّوا أَقدامَها بالرصاص فجاءَ محمدٌ ومعه قَضيب، وجعلَ يَهوي به على كلِّ صنَم منها، فيسقطُ الصنمُ إِلى الأَرض، وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا \".\nمن أَينَ جاءَ المفترِي بكذبتِه الكُبرى، من أَنَّ الكعبةَ بُنيتْ لعبادةِ زُحَل\nأَوَّلًا؟ !\nلقد بُنيتِ الكعبةُ لعبادةِ الله، لا لتكونَ بيتًا للأصنام، ودَعا بانيها الأَولُ\nإِبراهيمُ - ﷺ - الله أَنْ يجعلَ مكةَ كلَّها آمنة، لأَنها بَلَدُ الكعبة، وسأَلَه أَنْ يُبعدَ عن بنيه عبادةَ الأَصنام.\nقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) .\nويتوقَّحُ المفْتري فيُكَذِّبُ كلامَ اللهِ تكذيبًا صريحًا.\nفاللهُ يقول: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ..\nوالفاجر يُكَذِّبُ ذلك قائلًا: \" كيفَ تكونُ الكعبةُ بيتَ الله، وبيتَ المثوبة، وبيتَ الأَمن، وهي بيتُ الأَوثان، وقد بنيتْ أَوَّلَ الأَمْرِ لعبادةِ كوكبِ زُحَل؟! \".\nإِننا نؤمنُ بكلام اللهِ ونُصَدقُه ونثقُ به، ونكفرُ بكلِّ كلامٍ يُكَذِّبُه ويتناقَضُ\nمعه، فالكعَبةُ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ لعبادةِ اللهِ في الأَرض، والذي بناها هو\nإِبراهيمُ وإسماعيلُ - صلى الله عليهما وسلم -، وجَعَلها اللهُ مثابةً للناسِ وأَمْنًا، وبقيَتْ خالصةً لعبادةِ اللهِ وحْدَه عِدةَ قُرون، وحَوْلَها المؤمنون العابدون لله ...\nثم طَرَأَ عليها الشركُ بالله، وأُدخلتْ فيها الأَصنام، وكانَ أَوَّلَ مَنْ أَدْخَلَ\nالأَصنامَ إِليها هو \" سالمُ بن عمرو الخزاعي \"، وكانَ زعيمَ أَهْلِ مكة، وتَوَجَّهَ\nإِلى البلقاءِ في الشامِ للعلاج، وأَقامَ في \" رَبَّةِ عَمّون \" - مدينة عمان حاليًا - فترة من الزمن، ورأى فيها تماثيلَ وأَصنامًا جميلة، أَعجبَه منظرُها، فحملها معه إِلى مكة، وَوَضعَها في الكعبة، ودَعا قومَه إِلى عبادتِها فاستَجابوا له.\nوكان هذا بعدَ عِدة قُرونٍ من وفاةِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم.","vol":"1","page":119},{"text":"وما زالَ المشركون يَضَعون الأَصنامَ فيها، ويزيدونَ أَعْدادَها، حتى\nوَصَلَتْ عند بعثةِ رسولِ الله - ﷺ - إلى ثلاثمئةٍ وستّين صَنَمًا!! ولكنَّ الشركَ طارئٌ على الكعبة، بعد أَنْ بقيتْ قُرونًا عديدة بيتًا للإِيمانِ والتوحيد.\nثم إِنَّ الرسولَ - ﷺ - أَعادَ الكعبةَ مثابةً للناسِ وأَمْنًا، وبيتًا لعبادةِ الله، وطهرَها للطائفينَ والعاكفينَ والرُّكَّعِ السُّجود..\nولما دخلَها يومَ فتْحِ مكةَ في العشرين من رمضان في السنةِ الثامنةِ للهجرة حَطَّمَ الأَصنامَ كُلَّها، وهو يتلو قولَه تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١) .\nوواصلَ الفادي المجرمُ شَتْمَ الإِسلامِ والرسول - ﷺ -، عندما اتهم شعائِرَ الحجّ والعمرةِ بأَنها من مُخَلَّفاتِ الوثنيّين عابِدي الأَصنام.\nقال: \".. ولما استولى محمدٌ على البيتِ أَبقى فيه أَغْلَبَ الشعائرِ الوثنية كما هي، كالحَجِّ، والطواف، والإحرام، والاعتمار، ورجمِ الحجارة، وتقبيل الحجرِ الأَسود، والنحر، وغير ذلك!.. \".\nومن بابِ الخداعِ والدَّجلِ والتمويه أَحالَ الفادي المفترِي على بعضِ\nالكتب التي أَلَّفها مسلمون، مثل كتاب تاريخِ الكعبة للخربوطلي، هو كتاب: الكعبة على مر العصور، للدكتور علي حسني الخربوطلي،، والجذور التاريخية للشريعة الإسلامية لعبد الكريم الخليل.\nواتِّهامُ الإِسلام بأَنه استمرار للدياناتِ السابقة رَدَّدَهُ اليهودُ والنَّصارى\nوالمستشرقون، وزَعَموا فيه أَنَّ القرآنَ مُسْتَمَدٌّ من التوراةِ والإِنجيل، وأَنَّ\nالإِسلامَ مأخوذٌ من اليهودية والنصرانية، وأَنَّ الأَحكامَ الإسلاميةَ مأخوذة من\nالشرائعِ السابقة، وأَنَّ مناسكَ وشَعائرَ الحجِّ والعمرة، مأخوذةٌ من ممارساتِ\nالعربِ الوثنيين الجاهليّين قبلَ الإِسلام.\nفما قالَه الفادي المفترِي هنا حولَ الحجِّ والعمرةِ استمرار في الأَكاذيبِ\nالتي رَدَّدَهَا إِخوانُه المفترون الكاذبون الكافرون.","vol":"1","page":120},{"text":"ونحن نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ الإِسلامَ دينُ الله، وأَنَّ أَحكامَ\nالإِسلامِ من عند الله!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>إِبراهيم - ﵇ - ونمرود</span>\nوَرَدَ في القرآنِ جِدالٌ وحِجاجٌ ونِقاشٌ بينَ إِبراهيم - ﵇ - وبينَ مَلِكٍ في عهدِه.\nقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) .\nوكان دْلك الملكُ يَدَّعي الأُلوهية، ودَعاهُ إبراهيمُ - ﷺ - إِلى الإِيمانِ باللهِ وَحْدَهُ، والخضوعِ له، ولكنَّه أَبى، فقالَ له إِبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) .\nفقالَ الملِكُ: أَنا أُحيي وأُميت..\nفقالَ له إِبراهيم: اللهُ هو الذي يأتي بالشمسِ من المشرق إِلى المغرب، فإِنْ كنتَ إِلهًا فَسَيْطِرْ على الكون، وغَيّرْ حركةَ الشمس، وائتِ بها من المغرب! عند ذلك بُهِتَ الملكُ الكافر، واعترفَ بعجْزِهِ عن فعْلِ ذلك!!.\nوذهبَ كَثيرٌ من المُفسِّرينَ إِلى أَنَّ اسْمَ ذلك الملِكِ الكافرِ هو: \" نمرود \".\nونَقَلَ الفادي عن البيضاوي قوله: \" قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) تَعَجُّبٌ من مُحاجَّةِ نمرودَ وحماقتِهِ \".\nواعتبرَ الفادي هذا الكلامَ خطأً، لأَنَّه لا يتفقُ مع التاريخ.\nوحَمَّل القرآنَ هذا الخَطَأَ التاريخي: فقال: \" ونحنُ نسأل: كيف حدثَتْ هذه المحاجَّة، ونمرودُ سابقٌ لإِبراهيمَ بثلاثِمئة سنة؟\nفَبَيْنَ إِبراهيمَ ونوْحٍ اثْنا عَشَرَ جيلًا [لوقا: ٣/ ٣٤ - ٣٦]، وبين نمرودَ ونوحٍ أَربعةُ أَجيالٍ [تكوين: ٠ ١/ ١ - ٨] \".","vol":"1","page":121},{"text":"واعتراضُ الفادي مَرْدود: فالقرآنُ أَبْهَمَ اسْمَ ذلك الملكِ الكافر، الذي\nحاجَّ إِبراهيمَ في ربِّه، ولم يذكُرْ رسولُ اللهِ - ﷺ - اسْمَه، وعلينا أَنْ لا نَخوضَ في تحديدِ اسْمِه، لأَنَّ ذلك لا يُؤخَذُ إِلاّ من الآيات ِ القرآنية الصريحةِ أَو الأَحاديثِ النبويةِ الصحيحة.\nوبما أَنَّ القرآنَ والحديثَ الصحيحَ سَكَتا عن اسْمِه فعلينا أَنْ\nنتابعَهما ونَبقى مَعَهما!.\nوهذا معناهُ أَنَّنا لَسْنا مع البيضاويِّ وجمهورِ المفسرين في أَنه نمرود،\nلأَنَّ هذا التحديدَ من الإِسرائيليات، ونقولُ: اللهُ أَعْلَمُ باسْمِه.\nوما ذَكَرَهُ الفادي نَقْلًا عن سِفْرِ التكوينِ في العهدِ القديم من وُجودِ أَربعةِ\nأَجيالٍ بينَ نوحٍ ونمرود لا دليلَ عليه، ولذلك نتوقَّفُ فيه، وما ذَكَرَه من أَنَّ\nنَمرود عاشَ قبلَ إِبراهيمَ - ﷺ - بثلاثمئة سنة نتوقفُ فيه أيضًا، كذلك نتوقَّفُ في ما نقلَه عن إِنجيل لوقا من وُجودِ اثْنَيْ عَشَرَ جيلًا بين نوحٍ وإِبراهيم - صلى الله عليهما وسلم -.\nوقد ذَكَرَ الإِخباريّونَ والمؤَزَخُون أَنَّ نمرودَ كان مَلِكًا في العراق، في\nذلك الزمنِ البعيدِ، ونحنُ نتوقَّفُ فيه، فلا نُصَدِّقُ ما ذكَروه عنه ولا نكذِّبُه،\nولا نَنفيهِ ولا نُثبتُه، ونقول: اللهُ أَعلمُ بحقيقتِه!!.\nوقد كانَ الفادي مُتَحامِلًا على القرآن، عندما حَمَّلَه كلامًا لم يَقُلْه، لأَنَّ\nهَدَفَهُ الانتقاصُ من القرآن وتخطئَتُه، وإِدانَتُه بما لم يَقُلْه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>إسماعيل صِدِّيقَّ نبٌيّ - ﵇ </span>-\nإِسماعيلُ هو ابنُ إِبراهيمَ البكر، وإِسحاقُ هو أَخوه، وهو عَمُّ يعقوب،\nأَبو بني إسرائيل، وذَكَرَ القرآنُ أَنَّ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ كانوا\nأَنبياء - صلى الله عليهم وسلم -.\nوقد نَصَّ القرآنُ على نبوةِ إِسماعيلَ - ﵇ - في أَكثر من آية، منها قولُه تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) .","vol":"1","page":122},{"text":"واعترضَ الفادي على القول بنبوةِ إِسماعيلَ - ﷺ -، واعتبرَ هذا من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية، وحاكَمَ القرآنَ إِلى أَسفارِ العهدِ القديمِ.\nقال: \"ونحنُ نسأَل:\nكيفَ يكونُ إسماعيلُ نبيًّا، والتوراةُ تصفُه في سِفْرِ التكوينِ بقولِها: \" وإنَّه يكونُ إِنسانأ وَحْشِيًّا، يَدُهُ على كلِّ واحدٍ ويَدُ كُلِّ واحدٍ عليه؟\n[تكوين: ١٦/ ١٢،] .\nلقد كانَ الفادي مُخْطِئًا في محاكمةِ القرآنِ لأسفارِ العهدِ القديمِ، لأَنَّ\nتلكَ الأَسفارَ من تأليفِ الأَحبار، وما ذَكَروهُ فيها من كلامٍ مشكوكٌ فيه، أَمّا\nالقرآنُ فهو كلامُ الله، ونَجزمُ بأَنَّ كلَّ ما فيهِ حَقّ وصِدْق، وصحيحٌ وصواب.\nوبما أَنَّ القرآنَ صرَّحَ بأَنَّ إِسماعيلَ - ﷺ - كان رسولًا نبيًا، فهو الصوابُ، ونحنُ نُؤمنُ أَنَّ إِسماعيل هو أَحَدُ الأَنبياءِ الكرامِ عليهم الصلاة والسلام.\nإِنَّ الخلافَ بَيْنَنا وبينَ الفادي وإِخوانِه النَّصارى كبير، فمرجعيَّتُه التي\nيَحتكمُ إِليها هي أَسفارُ الكتابِ المقَدَّس، وكُلُّ ما لم يَرِدْ فيها فهو عندَه خَطَأ،\nوهذه المرجعيةُ مرفوضةٌ عندنا..\nومرجعيتُنا التي نحتكمُ إِليها هي القرآنُ، وكلُّ ما ذُكِرَ فيه فهو صَواب، وهذا مرفوضٌ عنْدَه، لأَنه لا يوفنُ أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! فكيفَ نَلْتَقي مَعَه؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>كيف احتال إخوة يوسف - ﵇ - على أبيهم</span>؟\nذَكَرَ القرآنُ أَنه لما تآمَرَ إِخوةُ يوسفَ عليه، واتَّفَقوا على أَنْ يَطْرَحوهُ في غَيابةِ الجُبِّ، احْتالوا على أَبيهم، ليوافِقَ على إِرسالهِ معهم، وأَوهموهُ أَنَّهم يُريدونَ مصلحةَ الصَّغير، ليرتعَ ويلعبَ ويقفزَ ويمرح.","vol":"1","page":123},{"text":"قال تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤) .\nوحاكَمَ الفادي المفترِي ما وردَ في هذه الآياتِ إِلى سِفْرِ التكوين، فلم\nيَجِدْ فيه كَلامًا عنه، وَوَجَدَ فيه كَلامًا آخَر، فحكَمَ بردِّ ما في الآيات، واعتبارِه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.\nوتساءَلَ بخُبْثٍ ولُؤْم قائلًا: \" ونحنُ نسأَلُ: من أَينَ جاءَتْ هذه\nالمعلوماتُ؟\nمعَ أَنَّ التوارةَ لا تقولُ: إِنَّ إِخوةَ يوسفَ طَلَبوا من أَبيهم أَنْ\nيُرْسِلَه معهم ليلعب، ولا اتَّهَمَ يَعقوبُ أَولادَه بالغفلةِ عن يوسفَ حتى يأكُلَهُ\nالذئب! لكنَّ الواقعَ أَنَّ يَعقوبَ أَرسلَ يوسفَ ليسأَلَ عن سلامةِ إِخوتِه، ولما\nرأَوْهُ قالوا: هُو ذا صاحبُ الأَحلامِ قادم.\nفالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْه ونَطْرَحْه في إِحدى الآبار، ونقول: وَحْشٌ رديءٌ أَكله، فنرى ماذا تكونُ أَحلامُه. [تكوين: ٣٧/ ١٩ - ٢٠] ..\nولما باعوهُ للإسماعيليّين أَخَذوا قميصَه، ولَوَّثوهُ بِدَمِ جدْي، وأَحضروهُ إِلى أَبيهم، ليوهموهُ أَنَّ ذِئْبًا أَكَلَه.. \" (١) .\nإِذا وَرَدَ في القرآنِ كلامٌ عن أَمْرٍ، ووردَ في الكتابِ المقَدَّسِ كَلامٌ آخَرُ\nعن الأَمْرِ نفسِه، يَتَعارَضُ مع ما وردَ في القرآن، فالصَّحيحُ عندنا هو ما وَرَدَ\nفي القرآن، لأَنه كلامُ الله، ولا أَحَدَ أَصْدَقُ من الله، وكلُّ ما خالفَه وعارضَه نحكمُ بأَنه خطأٌ وباطلٌ ومردود.\nوهذه بدهيَّةٌ إِيمانيةٌ مقررةٌ عندنا.\nذَكَرَ القرآنُ أَنَّ الإِخوةَ تآمَرُوا على يوسفَ ليتخلَّصوا منه، وتَحايَلوا على\nأَبيهم، ليأذنَ بخروجِه معهم، وأَوهموه بِأَنَّهُمْ يُريدونَ مصلحَتَه، بأَنْ يَخرجَ\nمَعَهُمْ ليرتعَ ويَلعبَ، ولما ذَكَرَ لهم يَعقوبُ بأَنه يَخافُ أَنْ يَغْفَلُوا عنه، ويَأكُلَه\nالذئب، طَمْأَنوهُ، بأَنَّ ذلك لَنْ يكون، لأَنهم حَريصونَ عليه، حافِظونَ له.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٣- أبناء يعقوب يطلبون أن يلعب يوسف معهم\nإنه جاء فى سورة يوسف من القرآن الكريم أن إخوة يوسف احتالوا على أبيهم فى أخذ يوسف منه بقولهم: (أرسله معنا غدا يرتع ويلعب) وليس فى التوراة هذه الحيلة.\nالرد على الشبهة:\nإن ما جاء فى القرآن، ولم يجئ فى التوراة؛ لا يدل على إيراد شبهة على القرآن، وذلك لأن نسخ التوراة الثلاثة العبرانية واليونانية والسامرية لا تتفق على القصة اتفاقًا تامًّا. ففى اليونانية صواع الملك. وليس فى العبرانية صواع الملك. ففى التوراة العبرانية ترجمة البروتستانت: \" ولما كانوا قد خرجوا من المدينة ولم يبتعدوا؛ قال يوسف للذى على بيته: قم اسع وراء الرجال، ومتى أدركتهم فقل لهم: \" لماذا جازيتم شرًّا عوضًا عن خير؟ أليس هذا هو الذى يشرب سيدى فيه. وهو يتفاءل به؟ أسأتم فيما صنعتم \" [تك ٢٤: ٤ - ٥] وفى الكتاب المقدس ترجمة ١٩٩٣م بلبنان الصادر عن دار الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط: \" فما أن خرجوا من المدينة، وابتعدوا قليلًا حتى قال يوسف لوكيل بيته: قم اتبع هؤلاء الرجال. فإذا لحقت بهم فقل لهم: لماذا كافأتم الخير بالشر؟ لماذا سرقتم كأس الفضة التى يشرب بها سيدى. وبها يرى أحوال الغيب؟ أسأتم فيما فعلتم \".\nفكأس الفضة فى نسخة، وهو غير موجود فى نسخ أخرى. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":124},{"text":"وهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي عليه مردود، وتخطئَتَه له هي الخطأُ\nالكبيرُ الذي وَقَعَ هو فيه، لأَنَّهُ اعتمدَ على كلامِ سِفْرِ التكوين عنه، وهو من\nتأليفِ الأَحبار، الذين حَرَّفوا كلامَ الله، ومَزَجوهُ بأَقوالِهِمْ وأَكاذيبهم\nومَزاعمِهم!!.\nالذي وردَ في سِفْرِ التكوينِ: أَنَّ يَعقوبَ كان يسكنُ في \" النَّقَبِ \" في\nجنوبِ فلسطين.\nوذهبَ أَبناؤُهُ العشرةُ من النَّقَبِ في الجنوب إِلى شَكيمَ - هي\nنابلس - في الشمالِ يَرْعَوْن غَنَمَهم، وقَلِقَ يعقوبُ عليهم، ولم يكنْ عندَه إِلّا\nابْنُه يوسفُ، وكان طِفْلًا صغيرًا، فطلبَ منه أَنْ يَذْهَبَ إِلى إِخوتِه ليطمئنَّ\nعليهم! وسارَ الطفلُ وَحْدَه، وقطعَ المسافةَ من الجنوبِ إِلى الشمالِ وحده،\nواجتازَ منطقةَ النقبِ والخليل وبيتَ لحم والقدس ورام الله وحْدَه، وهي مسافة طويلة، يستغرقُ عُبورُها عدةَ أَيام!!! ووصلَ إِلى إِخوانِه في منطقةِ شكيم، وكانوا يَرعونَ مواشيهم، وكانوا يَكْرَهونَ يوسف، فلما رأَوه قادمًا إِليهم تآمَروا على إِلقائِه في أَحَدِ الآبارِ على الطريقِ ليتخلَّصوا منه، فهجَموا عليه، وجَرَّدوهُ من قميصه الموَشَّى، وأَلْقوهَ في بِئْرٍ، وذَبَحوا جَدْيًا، ولَطَّخوا القميصَ بدمِه، وزَعَموا لأبيهم أَنَّ ذِئْبًا أَكلَه!!.\nوإِذا كان الفادي يَعتمدُ هذا الكلام، لأَنه يؤمنُ أَنَّ كُلَّ ما في الكتابِ\nالمقَدَّس صحيح، فإِننا لا نَعتمدُه ولا نقولُ به، لأَنه يُخالفُ ما ورَدَ في القرآن، وأَيُّ كلامٍ يَتَعارضُ مع القرآنِ مردودٌ عندنا!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الشاهد ببراءة يوسف - ﵇ </span>-\nذكرَ القرآنُ أَنه بعد أَن اتهمت امرأةُ العزيزِ يوسفَ بمراودتِها، ودافعَ\nيوسفُ عن نفسِه، تدخَّلَ أَحَدُ أَفرادِ الأُسرةِ للحكْمِ في هذه المسألة.","vol":"1","page":125},{"text":"قال تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩) .\nوذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليتعَرَّفَ منه على هويةِ هذا الشاهد،\nوأَخَذَ عن البيضاويِّ قولَه: \" قيل: هو ابنُ عَمٍّ لها، كان صبيًّا في المهد \".\nواتَّهَمَ الفادي القرآنَ بالخَطأ، لأَنَّ البيضاويَّ ذَكَرَ ذلك! وكيفَ يتحملُ\nالقرآنُ مسؤولية كلامٍ لم يَقُلْه؟ ! ولذلك عَلَّقَ على ذلك بقوله: \" ونحنُ نسأل: من أَينَ جاءَ هذا الشاهد؟\nهل كانَ في البيت؟ ومعَ مَنْ كان؟\nوالبيتُ لم يكنْ به أَحَد؟..\".\nويمكنُ أَنْ يصحَّ اعتراضُ الفادي لو قُلْنا: كان الشاهدُ طِفلًا صغِيرًا في\nالمهد! مع أَنَّ هذا الكلامَ الذي رواهُ البيضاويُّ لم يصِحّ، ولا نقولُ به، إِذ\nكيفَ يشهدُ هذه الشهادةَ الواعيةَ طفلٌ صغيرٌ في المهد؟\nوأَينَ كانَ هذا الطفل؟\nهل كانَ داخلَ البيتِ وشاهَدَ مراودةَ المرأةِ ليوسف؟.\nالراجحُ أَنَّ هذا الشاهدَ كانَ رجلًا واعيًا حصيفًا حكيمًا، ولا نَعرفُ شيئًا\nعن هوية هذا الشاهد، إِلّا أَنَّه من أَهْلِ امرأةِ العزيز.\nولا يَلْزَمُ أَنه شاهدَ مراودةَ المرأةِ ليوسفَ، كما أَنه لا يلزمُ أَنه كانَ معَ العزيزِ عندما رآهُمَا لدى الباب ...\nفمن المعقولِ - بعدَما اتَّهمت المرأةُ يوسفَ، ودافعَ يوسفُ عنِ\nنفْسِهِ - أَنْ يَطلبَ العزيزُ حَكَمًا ليحققَ في الأَمْرِ ويُصْدِرَ حُكْمَه، وأَنْ يُختارَ هذا الحَكَمُ الشاهد القاضي من أَهْلِها ليكونَ أَبعد عن التهمة.\nوتدلّ شهادةُ الشاهدِ على رجاحَةِ عقْلهِ واتزانِه، حيثُ دَعا إِلى النظرِ إِلى\nالقميصِ الذي يَرتديه يوسف، فإِنْ قُدَّ من الأَمام كانت المرأةُ صادقةً في\nدَعْواها، وكان هو كاذبًا، لأَنَّه يكونُ قد هَجَمَ عليها، وهي تَردُّهُ وتُدافعُ عن نفسها، فتَقُدُّ قَميصَه من قُبُك، وإِنْ قُدَّ قَميصه من دُبُرٍ كانَ يوسفُ صادقًا وهي","vol":"1","page":126},{"text":"كاذبة، لأَنه يكون هاربًا منها، وهي تَلحقُ به لتُعِيدَهُ إليها، وتَشُدُّ قميصَه من\nالخلفِ فَتَقُدُّه!.\nولما رأَى العزيز القميصَ قُدَّ من دُبُرٍ، عَرَفَ أَنَّ امرأَتَه هي التي\nراودَتْ يوسف، فقال لها: هذا من كيدِكُنَّ، إِنَّ كيدَكُنَّ عظيم.\nوبهذا نعرفُ خَطَأَ الفادي عندما خَطَّأَ القرآنَ في كلامِه عن هذا الشاهد،\nوعندما وَضَعَ عنوانًا تهكُّميًا، وهو: \" اختراعُ طِفْلٍ يَنطقُ بالشهادة \"! والاختراعُ يَعْني الادِّعاءَ والافتراءَ والكَذِب.\nوبما أَنَّ القرآنَ أَخبرَ عن الشاهدِ وشهادتِه فهو الصحيح، لأَننا نَثِقُ ونؤمنُ\nبكلِّ ما وَرَدَ في القرآنِ!.\nوفي الوقتِ الذي خَطَّأَ فيه الفادي القرآنَ في كلامِه عن الشاهد، فقد\nاعتمدَ كلامَ الكتابِ المقَدَّس، الذي زعمَ مُؤَلِّفوه الأَحبارُ أَنه لما راودت المرأةُ\nيوسفَ أَمسكَتْه من ثوبه، فتركَ ثوبَه مَعَها وهَرَب!..\nونحنُ ننكرُ ذلك ونَرُدُّه، ولا نقولُ إِلّا بما قال به القرآن.\nويُنكرُ الفادي المفْتَري أَنْ تكونَ المرأةُ قالَتْ لزوجِها ما ذَكَرَه القرآن\nعنها: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) .\nوذلكَ في قولِه: \" وكيفَ يُعلنُ فوطيفارُ براءةَ يوسفَ وذَنْبَ امرأتِه، ثم يُبْقيها هي ويوسف في البيت، ويرضى بهذا العار؟\nوكيفَ بَعْدَ أَنْ يَحكُمَ فوطيفارُ ببراءةِ يوسف، وبعدَ أَنْ تُصَرِّحَ زوجتُه أَنها راودَتْه عن نفسِه فاستعصم، تعودُ لِتهدِّدَ يوسفَ بالسجنِ إِنْ لم يَفعلْ ما أَمَرَتْه به من فحشاء، فَيَقْبَلُ فوطيفارُ أَنْ يسجنَه، لا لشَرّهِ بل لِعفَّتِهِ.. \".\nواعتراضُ الفادي على هذا دليلُ جهلِه وغبائِه، وهو اعتراضٌ لا مَعنى\nله، فبما أَنَّ اللهَ ذَكَرَ ذلك في القرآن فإِننا نجزمُ بأنه حَصَلَ كما أَخبرَ الله.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>يوسف ومراودة نسوة المدينة</span>\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ نسوةً في المدينةِ عَذَلْنَ امرأةَ العزيز لحبِّها فَتاها يوسف،\nومراودَتِها له، وكانت هي أَمْكَرَ منهن، حيثُ أَعَدَّتْ لهنَّ مأدبة، وأَظهرتْ لهنَّ يوسف، فلما رأَيْنَه فُتِنَّ وأُعجبنَ به، فجاهرت المرأةُ بُحبِّها له، وتصميمِها على معاشرته.\nقال تعالى: (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) .\nواعترضَ الفادي المفترِي على ما قالَه الله، وأَنكرَه وكَذَّبه، وكانَ عنوانُ\nاعتراضِه: \" وليمةٌ نسائيةٌ وهمية \" أَيْ لم تكنْ تلك المأدبةُ حقيقية، وإِنما كانَتْ\nوهميةً متخيَّلَة، افْتَراها القرآن.\nوقال في إِنكارِه وتكذيبِه: \" ونحنُ نسأل: هل يُعقلُ أَنَّ زوجةَ ضابطٍ، كبير، تُهيِّئُ وليمةً خِصّيصًا، وتَدْعو سيداتِ أَشرافِ المدينة، لتُعلنَ أَمامَهنَّ غَرامَها وهيامَها بعبدِها، وتكشفَ عن وجهها بُرْقُعَ الحياء، دونَ أَنْ تخشى فضيحة؟\nوكيفَ يُعْقَلُ أَنَّ النسوةَ ينشغلْنَ بجمال يوسفَ حتى يُقَطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين من غيرِ إِحساسٍ، من شدةِ الذُّهول؟\nأَليس هذا من الخيالاتِ السقيمة؟ ! \" (١) .\nاعتبرَ الفادي المفترِي كَلامَ القرآنِ عن المأدبةِ من الخيالاتِ السقيمة،\nفهي مكذوبةٌ مختَلَقَة، واعتبرَها متناقضةً مع المنطقِ العقليِّ! فمن غيرِ المعقول\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٤- وليمة نسائية وهمية\nإنه جاء فى سورة يوسف أن امرأة العزيز هيأت وليمة لبعض السيدات وأنهن قطعن أيديهن. وهذا غير معقول.\nالرد على الشبهة:\nكانت دعوة موسى - ﵇ - فى الأصل عالمية لليهود وللأمم. وكان فيها الدعوة إلى حميد الصفات. وكان فيها عدم احتقار اليهودى للأممى، وعدم التعدى على أمواله وحرماته. وكان فيها الحث على دعوة الأممى إلى معرفة الله وعبادته. وفى زمان سبى بابل حَرَّف اليهود التوراة، وامتنعوا عن دعوة الأمم إلى معرفة الله، وأباح اليهود لأنفسهم أخذ الربا من الأميين، والزنا بنسائهم، وسفك دمائهم وما شابه ذلك من الصفات الذميمة. وكتبوا ما يدل على ذلك فى التوراة، وحذفوا من التوراة حال تحريفهم لها ما يمنعهم عن ظلم الأميين. ومن هذا الذى حذفوه: دعوة يوسف - ﵇ - للمصريين الذين كانوا معه فى السجن إلى عبادة الله تعالى وترك الآلهة المتعددة، وحذف قول النسوة ليوسف: (ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم) (١) لأن هذا يتعارض مع تخليهم عن دعوة الأمم، ويتعارض مع ما اتفقوا عليه من العبث بنسائهم. وألا يكن هذا صحيحًا. فما هذه الترهات المكتوبة فى التوراة عن الأنبياء وغيرهم؟ ففى التوراة أن لوطًا - ﵇ - زنا بابنتيه [تك ١٩] وأن سليمان - عليه السلم - أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون [الملوك الأول ١١] .\nوقال كاتب التوراة: إن سليمان - ﵇ - هو ابن داود من زوجة أُورِيّا الحِثِّى. أى أنه تعدى على زوجة رجل من الأمم هو من قبيلة بنى حث وليس من اليهود. وإذا كان هذا هو المكتوب بغية التعدى على نساء الأمم؛ فإن العقل لا يتصور أن يضع فى التوراة عفة يوسف عن نساء الأمم. ولا يتصور العقل أن يكتب عن يوسف أنه فسر حلم الملك من قبل أن يخرج من السجن. لأنه لو كتب ذلك لكان معناه أن يوسف يحسن إلى من سيئ إليه. وهو يريد لليهود أن يسيئوا لمن يحسن ولمن لا يحسن.\nوإن أصر مورد الشبهة على إيرادها. ففى نسخ التوراة زيادة ونقص، وفى نسخ الإنجيل أيضًا. ومن أمثلة ذلك: المزمور المائة والحادى والخمسين؛ فإنه فى النسخة القبطية فقط. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) يوسف: ٣١.","vol":"1","page":128},{"text":"أَنْ تُجاهرَ المرأةُ بعشقها لفَتاها أَمامَ النساء، وأَنْ تتخلَّى عن برقعِ الحياءِ!\nوكأَنه لا يَعرفُ ماذا يَدورُ بين النساءِ الفاجراتِ من كلامٍ إِباحيٍّ بَذيءٍ، حول\nالجنسِ والشهوة!! وْمن غيرِ المعقول عنده أَنْ تُصابَ النساءُ بالدهشةِ والذُّهولِ عندما شاهدْنَ جَمالَ يوسف فيقطِّعْنَ أَيديهنَّ بالسكاكين!! مع أَنه لا غرابةَ فيه، فالنساءُ شهوانياتٌ خاضعاتٌ لسلطانِ الشهوة، وكان جمالُ يوسفَ طاغيًا، فلما رأَيْنَه صَرَخْنَ قائلات: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) .\nوليس معنى قوله: (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) أَنهنَّ قَطَّعْنَ أَيديهنَّ حقيقة، وفَصَلْنَ\nأَيديهنَ عن أَجسامِهن، إِنما معناهُ أَنهنَّ جَرَحْنَ أَيديهنَّ بسكاكينهن، ونزَفت\nالدماءُ منها، دونَ أَنْ يَشعرنَ، لفرطِ تأَثّرهِنَّ ودهشَتِهِنَّ وإِعجابِهن!!.\nوبما أَنَّ الله أَخبرَ أَنَّ ذلك حَصَل، فإِننا نجزمُ أَنه حصل، ولا يَجوزُ\nلمسلم أَنْ يُكَذِّبَ كلامَ الله، لأَنه لا أَحَدَ أَصدقُ من الله حديثًا! ولْيذهب\nالفادي وتكذيبُه إِلى الجحيم!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>توجيه طلبِ يوسفَ ذكرَه عند الملك</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنه كانَ معَ يوسف في السجن رَجُلان، وأَنه رأى كلّ واحدٍ\nمنهما رؤيا، وأَوَّلَ لكلِّ واحدٍ منهما رُؤْياه، وطلبَ من الذي سَيفرجُ عنه أَنْ\nيَذْكُرَه عند الملك، وأَنه مسجونٌ ظلمًا، لعلَّ الملكَ يفرجُ عنه.\nقال تعالى: (وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) .\nمعنى قوله: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ): اذْكُرْ للملِك قِصَّتي، وأَخْبِرْهُ أَنني مسجونٌ ظلمًا.\nومعنى قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ): أنسى الشيطانُ الرجلَ\nالناجيَ المُفْرَجَ عنه تَذكيرَ الملكِ بقصةِ يوسفَ السجين.\nفالهاءُ المفعولُ به في","vol":"1","page":129},{"text":"\" أَنساهُ \" تَعودُ على الرجلِ الناجي، وليس على يوسف.\nو\" ذِكْرَ \" بمعنى تذكير، والهاءُ المضافُ إِليه في \" رَبِّه \" تعودُ على الرجلِ نفسِه.\nو\" رَبّه \" هو الملك، الذي كانَ يؤمنُ أَنه ربُّه.\nولما نسيَ الرجلُ تذكير الملكِ لَبِثَ يوسُفُ في السجنِ بِضْعَ سنين، لم\nيذكُرْه ولم يفطنْ له أَحَد.\nوقد اعترضَ الفادي على الآية، لأَنه ظَنَّ أَنها تَنهى عن استعانة الإِنسانِ\nبالإِنسان.\nوذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، ونَقَلَ منه كلامًا مَرْجوحًا، وحَديثًا غيرَ\nصحيح..\nقال الفادي: \" قال البيضاوي: قال محمد: رحمَ اللهُ أَخي يوسُف.\nلو لم يَقُلْ: اذْكُرْني عنْدَ ربِّك، لما لبثَ في السجن سَبْعًا بعد الخمس \".\nيَعْني بكلمةِ \" محمد \": محمدًا رسولَ الله - ﷺ -.\nفهل يُمكنُ للإمامِ البيضاويِّ أَنْ يذكُرَ كلمة \" محمد \" غيرَ مقرونةٍ بالصلاةِ والسلام، - ﷺ -؟\nلِننظُر!..\nقالَ البيضاوي: \" أَو أُنْسِيَ يوسفُ ذِكْرَ الله، حتَّى استعانَ بغيرِه..\nويؤَيِّدُهُ قولُه ﵊: رحم الله أخي يوسف ... \".\nالبيضاويُّ يَقول: \" قالَ محمدٌ ﵊ \"، ولما نَقَلَ المفتري\nالفادي هذه الجملة حَرَّفَها إِلى قوله: \" قال محمدٌ \".\nلأَنه لا يؤمنُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - رسولُ الله، ولا يستحقُّ منه الصلاةَ والسلامَ عليه، لذلك يذكُرُ اسْمَه مُجَردًا، بوقاحةٍ وسوءِ أَدبِ معه..\nأَما نحنُ فإِننا مأمورونَ بالأَدَبِ مع رسولِنا، فلا نذكُرُ اسْمَه إِلا مَقْروَنًا بالصلاةِ والسلامِ عليه، فنقول: قالَ محمدٌ رسولُ اللهِ - ﷺ -.\nوالحديثُ الذي ذَكَرَهُ البيضاوي لم يصحّ عن رسولِ الله - ﷺ -، وفيه اتهامٌ وإدانةٌ ليوسفَ ﵊، بأَنه نسيَ ذِكْرَ اللهِ واستعانَ بغيرِه، ولذلك عاقَبَهُ اللهُ بأَنْ أَطالَ سجْنَه، من خمسِ سنين إلى سبعِ سنين.","vol":"1","page":130},{"text":"وقد عَلَّقَ البيضاويُّ على الحديثِ الذي لم يصحّ بقولِه: \" والاستعانةُ\nبالعبادِ في كشفِ الشدائدِ وإنْ كانت محمودةً في الجملة، لكنَّها لا تَلِيقُ\nبمنصبِ الأَنبياء \".\nوهذا تفسير للآيةِ مَرجوح، والراجحُ هو ما ذكَرْناه قبلَ قليل، من أَنَّ\nالمقصودَ بجملةِ (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) هو الرجلُ الناجي وليسَ\nيوسُفَ - ﷺ -.\nوهذا هو الراجحُ عند البيضاويِّ نفسه، ولذلك قال: \" (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) .\nفأُنْسِيَ الشَّرابيُّ أَنْ يَذْكُرَهُ لرَبِّه، فأَضافَ إليه المصدَرَ لملابستِه له.. \".\nوإِذا كانَ الراجحُ في معنى الآية ما قُلْناه، فإِنَّ اعتراضَ الفادي عليها\nمردود، وهو قولُه: \" ونحنُ نسأَلُ: هل حرام أَنْ يستعينَ الإِنْسانُ بأَخيه وقْتَ الشدائد؟\nلَمْ يَنْسَ يوسفُ ربَّه عندما كَلَّفَ الساقِيَ أَنْ يذكُرَه لدى فرعونَ،\nليُنْصِفَه ويُخرجَه من السجن، كما لم يَنْسَ بولسُ الرسولُ ربَّه عندما استغاث من اليهود، واستأْنَفَ قضيتَه إِلى محكمةِ قَيْصَر.\nوماذا يَقولونَ في محمدٍ الذي استعانَ بِعَلِيٍّ وأَلْبَسَه ثوبَه تَعْمِيَةً لأَهْلِ قريش، فنجا محمدٌ بعد أَنْ كان عُرْضَةً للخَطَر؟\nأَمَّا ذكْرُ السّاقي ليوسُفَ أَمامَ فرعونَ فيدلُّ على حكمةِ يوسف، وعلى\nواجب الساقي، من غير وقوعِ أَيِّ ضررٍ على أَيِّ أَحَد.. \".\nوالخلاصةُ: لم يُخطِئْ يوسفُ - ﷺ - عندما طَلَبَ من الرجلِ المفْرَجِ عنه ذكْرَ قصَّتِه عندَ الملك، ولم يكنْ هذا منه استعانةً بغيرِ الله، ولا نسيانًا لذِكْرِ الله، ولم يتسلَّطْ عليه الشيطان، ولم يُنْسِه ذكْرَ ربّه، والذي نَسي هو الرجل، حيث نَسِيَ تذكير الملكِ بقضيةِ يوسفَ المظلوم، وأَدّى هذا إِلى أَنْ يَلبثَ يوسُفُ في السجنِ بضعَ سنين، وهذه المدةُ لم تكنْ عقوبةً من اللهِ\nليوسفَ - ﷺ -، لأَنه لم يُذْنِبْ حتى يعاقبهُ الله، وإِنما كانت ابتلاءً من اللهِ له.","vol":"1","page":131},{"text":"والحديثُ الذي ذَكَرَه البيضاويُّ عن رسولِ الله - ﷺ - لم يصحّ..\nوهذا معناهُ رَفْضُ كلامِ الفادي المفترِي وَرَدُّه، لأَنه بَناهُ على غيرِ أَساس!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>عدد مرات مجيء إخوة يوسف لمصر</span>\nخَطّأَ الفادي المفترِي القرآن، في حديثِه عن عددِ مَرّاتِ مجيءِ إِخوةِ\nيوسُفَ إِليه في مصر، وحاكَمَ القُرآنَ إِلى سِفْرِ التكوين.\nقالَ في اعتراضِه على القرآنِ وتخطئتِه له: \" قالَ البيضاوي: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا):\nيأتيني بيوسفَ وبنيامين وأَخيهما الذي توقَّفَ بمصر..\nولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُخْبرُنا أَنَّ إخوةَ يوسُفَ العشرةَ جاؤوا إِلى مصْرَ\nليَشْتَروا قَمْحًا، فَعَرَفَهم يوسُفُ، ولكنَّه تَنَكَّرَ لهم، وليعرفَ أَحوالَهم اتَّهمهم\nأَنهم جواسيسُ، فقالوا: لا، بل إِنّنا إِخوة، وأَحَدُنا مفقود، وواحدٌ صَغيرٌ مع أَبيه، ونحنُ العَشَرَةُ، فأَخَذَ يوسفُ شمعونَ، وقَيَّدَه رهينَة، حتى يُحْضروا الأَخَ الأَصْغر، ليُبَرْهِنوا أَنهم ليسوا جواسيس..\nوهذا لم يَذْكُرْه القرآنُ!.\nولما رَجَعوا إِلى أَبيهم، أَخذوا بنيامين، وجاؤُوا به إِلى مصر، وَوَضَعَ\nرجالُ يوسُفَ كأسَ يوسُفَ في عِدْلِ بنيامين، واتَّهَموه بالسرقة، فدافَعَ عنه\nإِخوتُه..\nعندَها عَرَّفَهم يوسُفُ بنفسه، وأَرسلَهم ليُحْضروا أَباهم، فَحَضَروا مع\nأبيهم إِلى مصر، حيثُ استَقَرُّوا..\nولكنَّ القرآنَ يَقولُ: إِن يوسُفَ حَبَسَ بنيامين، وإِنَّ شمعون بقيَ في\nمِصْر، وإِنَ إِخوةَ يوسُفَ رَجَعوا لأَبيهم بدونهما..\nفجعَل عَدَدَ مراتِ مجيءِ إِخوةِ يوسُفَ لمصر أَربعَ مَرّاتٍ بَدَلَ ثلاث.. \" (١) .\nعندما يُحاكمُ الفادي القرآنَ إِلى كتابه المُقَدس، وُيخَطِّئُه في ما خالَفَ فيه\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٥- عدم سجن بنيامين\nإن فى القرآن أن يعقوب قال لأبنائه بعد رحيل بنيامين إلى مصر: (بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتينى بهم جميعًا) (١) . وقال المؤلف: إن المفسر البيضاوى يقول: إنه يقصد بقوله (بهم جميعًا) يوسف وبنيامين وأخيهما الذى توقف بمصر.\nوإن القرآن جعل عدد مرات مجئ إخوة يوسف لمصر أربع مرات بدل ثلاث كما جاء فى التوراة، وأن فى القرآن أن يوسف حبس بنيامين، وأن إخوة يوسف رجعوا إلى أبيهما بدون شمعون وبنيامين.\nالرد على الشبهة:\nالخلاف بين التوراة وبين القرآن فى سرد حوادث القصة لا يدل على عيب فى القرآن، ويدل على ذلك: ما فى التوراة من زيادة ونقص فى النسخة الواحدة، وفى النسخ الثلاث. ومع هذا ففى التوراة ما يدل على ما جاء فى القرآن ومن ذلك:\n١ - أن يوسف كان قد أنجب ولدين فى مصر هما أفرايم ومنسّى [تك ٤٦: ٢٠] ويعقوب أبوه من الأنبياء الملهمين، ويدل على ذلك أنه يقول:\n(إنى لأجد ريح يوسف) (٢) - (يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله) (٣) فإذا قال (بهم) بضمير الجمع. وقد صرح من بعد بفقد اثنين هما: يوسف وأخيه فقط؛ لا يدل ضمير الجمع على ولد ثالث محبوس فى مصر، وإنما يدل على ولدى يوسف.\n٢ - أن فى التوراة ما يدل على سجن بنيامين وهو أنه لما دبر حيلته فى استبقائه وتمت الحيلة، طلبوا منه أن يطلقه فرد عليهم بقوله: \" حاشا لى أن أفعل هذا. الرجل الذى وُجد الكأس فى يده؛ هو يكون لى عبدًا، وأما أنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم \" [تك ٤٤: ١٧] .\nفقوله: \" هو يكون لى عبدًا \" معناه: أنه استبقاه فى \" مصر \".\n٣ - وفى التوراة ما يدل على بقاء كبيرهم فى مصر، مع يوسف وبنيامين. وكبيرهم هو \" راوبين \" لا شمعون كما قال المؤلف إنه أخذه رهينة، ولا يهوذا كما قال كاتب التوراة.\nومما يدل على بقاء كبيرهم: أنه استعطف يوسف بقوله: \" فالآن ليمكث عبدك عوضًا عن الغلام عبدًا لسيدى، ويصعد الغلام مع إخوته؛ لأنى كيف أصعد إلى أبى والغلام ليس معى؟ لئلا أنظر الشر الذى يصيب أبى \" [تك ٤٤: ٣٣ - ٣٤] . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) يوسف: ٨٣.\n(٢) يوسف: ٩٤.\n(٣) يوسف: ٨٧.","vol":"1","page":132},{"text":"كتابَه المقَدَّسَ يَقَعُ في خطأٍ منهجى كَبيرٍ، سبق أَنْ ذكَرْناهُ أَكْثَرَ من مَرَّة، إِنه\nيجعلُ كتابَه المقَدَّسَ أَصلًا، ويجعلُ القرآنَ تابعًا له، فإِنْ لم يوافِقْه ويُتابِعْه فهو\nالمخطئ! وهذا باطلٌ ومردود، فمن المعلومِ من الدينِ بالضرورة عندَنا أَنَّ\nالقرآنَ هو الأصل، وأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ هو الذي يُحْمَلُ عليه ويُحاكمُ إِليه،\nوما خالَفَ فيه القرآنَ، فهو الذي أَخْطَأَ وليس القرآن!.\nوخلاصَةُ ما قالَه القرآنُ عن ما جَرى بينَ يوسفَ وأَخيه هي:\nبعدَ أَنْ سَلَّمَ الملكُ يوسفَ مقاليدَ البلاد، وجَعَلَه على خزائنِ الأَرض،\nجاءَ الناس من البلادِ المجاورةِ إِلى مصر، ليأخُذوا منها القمح، ومنهم إِخوةُ\nيوسف، الذينَ جاؤوا من البَدْوِ إِلى مصر.\n١ - جاءَ إِخوةُ يوسفَ العَشرةُ طالبينَ القمح، ولما دَخَلوا عليه عَرَفَهم،\nلكنَّهم لم يَعْرِفوه..\nولما جَهَّزهم بجَهازهم، وأَعطاهم القمح الذي يُريدون، أَعادَ\nلهم بضاعَتَهم التي أَتَوْا بها إِكرامًا لهم، وتَرْغيبًا لهم بالعودة..\nوقبلَ أَنْ يُغادروه طلبَ منهم أَنْ يُحْضِروا معهم أَخاهم من أَبيهم، فإِنْ لم يَأتوا به فلنْ يُعطيهم كَيلًا ولا قمحًا ولا شيئًا كما ورد في الآيات (٥٨ - ٦٢) من سورة يوسف - ﷺ -.\nولما رَجَعوا إلى أَبيهم أَخْبَروه بما حَصَلَ معهم، وطَلَبوا منه أَنْ يُرْسِلَ\nمعهم أَخاهم، وذَكَّرَهم الأَبُ بما فَعَلوا مع أَخيهم يوسف، وانْتَهى الأمْرُ إِلى\nأَن اشترط عليهم أَنْ يَحْلِفوا له الأَيْمانَ المغَلَّظَةَ أَنْ يُحافظوا على أَخيهم\nالصغير، وأَنْ يُعيدوهُ إليه سالمًا، إِلَّا أَنْ يَحْدُثَ شيءٌ لم يكنْ في الحسبان كما\nورد في الآيات (٦٣ - ٦٨) من سورة يوسف - ﵇ -.\n٢ - دخل الإِخوةُ العشرةُ على يوسف، ومعهم أَخوهم الصَّغير، الذي\nيُسَمّيه سِفْرُ التكوين \" بنيامين \"، ونتركُ نحنُ اسْمَه ضمنَ مبهماتِ القرآن، لعدمِ وجودِ دليلٍ على بيانِه.\nوهذا هو اللقاءُ الثاني بين يوسفَ وإِخوتِه.\nولما عَرَّفَ يوسُفُ أَخاه الصَّغيرَ على نفسِه، وطلبَ منه أَنْ لا يُخبرهم\nبذلك، قامَ يوسُفُ بتصرفٍ ليحتفظَ بأَخيه، حيثُ جَعَلَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه الصغِير، وانتهى الأَمْرُ بأَخْذِه بتهمةِ السرقة، ولم تنفع محاولاتُ الإِخوةِ إِطلاقَ","vol":"1","page":133},{"text":"سراحِ أَخيهم الصغير، أَو جَعْلَ أَحَدِهم مكانَه كما ورد في الآيات (٦٩ - ٧٩) من سورة يوسف - ﷺ -.\nعند ذلك أَصَرَّ الأَخُ الأَكبرُ أَنْ يَبْقى في مصرَ ليُتابعَ الأَمْر، وأَمَرَ إِخوانَه\nالتسعةَ أَنْ يعودوا إِلى أَبيهم، ويُخْبِروه بما حَدَث، من أَخْذِ الأَخِ الصغيرِ بتهمةِ السرقة، وعَجزِهم عن إِطلاقِ سَرَاحِهِ أَو استبدالِه.\nكما ورد في الآيات (٨٠ - ٨٢) من سورة يوسف - ﵇ -.\nعند ذلك حَزنَ على فَقْدِ أَبنائِه الثلاثة: يوسف والابنِ الأَكبر والابنِ\nالأَصغر، وقال: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا)، ويقصدُ بذلك الأَبناءَ الثلاثة.\nوطلبَ يعقوبُ من أَبنائه التسعةِ أَنْ يَعودوا إِلى مِصْر، ويَتَحَسّسوا من\nيوسفَ وأَخيه الصغير، ولا يَيْئَسوا من رَوْحِ اللهِ، فَفَعَلوا.\nكما ورد في الآيات (٨٣ - ٨٧) من سورة يوسف - ﷺ -.\n٣ - دَخَلَ الإِخوةُ على يوسف، وهذا هو اللقاءُ الثالثُ به، وأَخْبَروه بما\nأَصابَهم من ضُرٍّ وتَعَبٍ، ورَجوهُ أَنْ يُعيدَ معهم أَخاهم الصغير..\nعند ذلك عَرفَهم يوسفُ على نفسِه، فأَصابَتْهم الدهشةُ والمفاجأة، وطلبَ منهم الإِتيانَ بأَبويهم وأَهْلِهم أَجمعين! وَأَن يأخذوا قميصه، ويلقوه على وجه أبيه ليرتد بصيرًا.\nكما ورد في الآيات (٨٨ - ٩٨) من سورة يوسف - ﵇ -.\n٤ - رجعَ الإِخوةُ إِلى مصر، ومعهم أَهْلُهم أَجمعون، والْتَقَوْا بيوسفَ - ﵇ -\nاللقاءَ الرابع، ورَفَعَ أَبوَيْه على العرش، وخَرَّ الجميعُ له سُجَّدًا.\nوبذلك استقرت العائلةُ كُلّها في مصر، آمِنين مطمئنين.\nكما ورد في الآيات (٩٩ - ١٠٢) من سورة يوسف - ﵇ -.\nوالمعتمدُ عندنا هو ما قالَه القرآن، عن ما جرى بينَ يوسف - ﵇ -\nوإِخوتِه، ونَقبلُ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس، مما جاءَ موافِقًا للقرآن، نَقْبَلُه\nلأَنه وَرَدَ في القرآن، وليس لأَنه وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.\nونَرُدُّ ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس مما جاءَ مخالفًا لما في القرآن، ونعتبره مما عَبَثَتْ به أَيدي الأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة.","vol":"1","page":134},{"text":"قالَ الأَحبارُ: إِنَّ يوسفَ عَرَّفَ إِخوتَه على نفسه في لقائِه الثاني بهم، وقالَ\nالقرآنُ: إِنه عَرَّفَهم على نفسِه في لقائِه الثالثِ بهم، والصوابُ ما وَرَدَ في القرآن.\nوقالَ الأَحبارُ: إِنَّ يوسفَ أَخَذَ أَخاهُ الكبيرَ شمعونَ رهينة، وحَبَسَه عنده\nإِلى أَنْ يَعودَ الإِخوةُ ومعهم أَخوهم الصغير بنيامين.\nوهذا لم يَذْكُرْه القرآن، ولذلك لا نَقولُ به.\nوقالَ القرآنُ: إِنَّ يوسفَ هو الذي وَضَعَ السقايةَ في رَحْلِ أَخيه، ثم أَخَذَه\nبتهمةِ السرقة، وتأَخَّرَ الأَخُ الكبيرُ في مصر لمتابعةِ الموضوعِ، ورجعَ الإِخوةُ\nالتسعةُ إِلى أَبيهم ليُخبروه بالموضوع، فزادَ حُزْنُ يعقوبَ على فَقْدِ أَبنائِه\nالثلاثة..\nوهذا ما لم يذكُرْهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين.\nونحنُ نؤمنُ به ونعتمدُه لورودِه في القرآن، ولا يهمُّنا عدمُ ورودهِ في الكتاب المقدس، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على ما قالَه القرآن وتخطئتِه له!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>حقيقة قميص يوسف</span>\nتَهَكَّمَ الفادي المفترِي على قميصِ يوسفَ - ﵇ -، الذي أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وَجْهِ أَبيه ليرْتَدَّ بَصيرًا، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه: \" قميصٌ سحري \".\nوقد أَشارَ إِلى القميصِ قولُه تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) .\nوذَكَرَ الفادي المفْتَري خُرافةً حولَ القميص، نَسَبَها إِلى التابعيِّ المفَسِّر\nمجاهد بن جبر، ولم يَذْكُر المرجعَ الذي أَخَذَها منه، ويَستحيلُ أَنْ يقولَ\nالتابعيُّ مجاهدٌ تلكَ الأُسطورةَ المكذوبة، لتعارُضِها مع العقيدة والإِيمان!\nوخلاصَةُ تلك الأَسطورةِ الباطلة أَنَ القَميصَ الذي كان يلبسُه يوسفُ كان\nقميصًا لإِبْراهيمَ - ﷺ -، أَنزلَهُ اللهُ عليه من الجنة، عندما أُلْقِيَ في النار، وكانَ قميصًا من حَرير، وتوارَثَه أَبناؤُه إِسحاق ويعقوب، ووضعَه يَعقوبُ في قَصَبَةٍ من فِضةٍ وعَلَّقَه في عنقِه، تعويذةً تَدفَعُ عنه العين، ولما أُلْقِيَ يوسفُ في البئرِ","vol":"1","page":135},{"text":"أتاهُ جبريلُ وأَلْبَسَهُ إِيّاه، وكانَ يوسُفُ مَحفوظًا مُوَفَقًا بفضْلِ القميص..\nوأَمَرَ يوسُفُ بإِرسال القميصِ إِلى أَبيه، لأَنَّ فيه ريحَ الجَنَّة، وله أَثَرُ السحر، فما وُضِعَ على مَريضٍ إِلاّ عوفي.\nوعَلَّقَ الفادي على هذه الأَسطورةِ المكذوبةِ فقال: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ\nيَلْبَس سُكانُ الأَرضِ ثيابَ سُكانِ السَّماء؟\nوكيفَ يعملُ القَميصُ عملَ المعجزاتِ، على أَيْدي الذين توارَثوهُ، أَيًّا كانوا وأَنى كانوا؟ ما هو مَصيرُ هذا القميصِ الآن؟\nأَلا نَسْخَرُ من الذينَ يُلْبِسونَ أَولادَهُم وبهائِمَهم تَعاويذ؟\nوهل يَتَساوى الأَنبياءُ والآباءُ الكرامُ إِبراهيمُ وإِسحاقُ ويَعقوبُ ويوسفُ بمن\nيستعملونَ التعاويذ؟ \" (١) .\nوبما أَنَّ الكلامَ الذي ذَكَرَه الفادي عن القميصِ خُرافَةٌ مكذوبة، فكُلُّ\nالأَسئلةِ التي أَثارَها حولَه باطلةٌ مُلْغاة، ولا دَاعي لها، وكان الأَوْلى به أَنْ\nيُريحَ نَفْسَه فلا يُثيرُها، لأَنها أَسئلةٌ تافهةٌ لا وَزْنَ لها! وهو خَبيثٌ مُتحامل على\nالقرآن، لأَنه حَمَّلَ القرآنَ مسؤوليةَ كلامٍ لم يذكُرْه، وما دَخْلُ القرآنِ بخرافةِ\nالقميص؟\nولماذا يُخَطِّئُ الفادي القرآنَ بشيء ليسَ فيه؟..\nلو قالَ: إِنَّ هذا الكلامَ عن القميصِ خَطَأ، لقبلْنا كلامَه، لأَنه خَطَأٌ فِعْلًا، أَمّا أَنْ يُنْسَبَ هذا الخطأُ للقرآن، ويُسَجَّلَ ضمنَ أَخطاءِ القرآن التاريخية، فهذا هو الاتّهامُ الباطلُ والتحاملُ المفضوخ!.\nكلُّ ما ذَكَرَه القرآنُ عن القميصِ، أَنَ يوسُفَ - ﷺ - أَمَرَ إِخوانَه أَنْ يُلْقوهُ على وجهِ أَبيه، ليعودَ له بَصَرُه، ولما فعلوا ذلك عادَ بَصيرًا.\nقال تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٦- قميص سحرى\nإنه جاء فى القرآن أن قميص يوسف لما رآه يعقوب؛ أتى بصيرًا إلى مصر مع أهله، وقد كان قد عمى من الحزن.\nونقل من كتب التفسير أنه كان قميص إبراهيم.. إلخ.\nواستبعد شفاء يعقوب برؤية القميص.\nالرد على الشبهة:\nإن التوراة مصرحة بعمى يعقوب، وأنه سيبصر إذا وضع يوسف يده على عينيه. ذلك قوله: \" أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك أيضًا. ويضع يوسف يده على عينيك \" [تك ٤٦: ٤] هذه ترجمة البروتستانت. وفى ترجمة الكتاب المقدس بلبنان: \" أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك منها. ويوسف هو يغمض عينيك ساعة تموت \" فيكون النص فى عدم العمى صراحة فى هذه الترجمة.\nواتفقت التراجم على ضعف بصر يعقوب \" وكانت عينا يعقوب كليلتين من الشيخوخة، ولم يكن يقدر أن يبصر \" [تك ٤٨: ١٠] .\nواستبعاد شفاء يعقوب برؤية القميص؛ لا محل له. وذلك لأن فى التوراة من هذا كثير. فنبى الله اليسع - ﵇ - لما مات ودفنوه فى قبره؛ دفنوا معه بعد مدة ميتًا. فلما مست عظامه عظام اليسع؛ ردت إليه روحه. وهذا أشد فى المشابهة من قميص يعقوب ففى الإصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الثانى: \" ومات اليشع فدفنوه. وكان غزاة موآب تدخل على الأرض عند دخول السنة، وفيما كانوا يدفنون رجلًا إذا بهم قد رأوا الغزاة؛ فطرحوا الرجل فى قبر اليشع. فلما نزل الرجل ومسَّ عظام اليشع؛ عاش وقام على رجليه \" [٢مل ١٣: ٢٠ - ٢١] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":136},{"text":"ولا يوجَدُ في مصادِرِنا الإِسلاميةِ اليقينية - المحصورةِ في الكتابِ والسنة -\nما تُضيفُه على ما وَرَدَ في هذه الآيات ِ حولَ قَميصِ يوسفَ - ﵇ -، ونحنُ مأمورونَ أَنْ نبقى مع الآيات، نؤمنُ بما وَرَدَ فيها، ونسكتُ عما سَكَتَتْ عنه.\nفنقول: كانَ القَميصُ قَميصًا عاديًّا، كباقي القُمصانِ العادية، يَلْبَسُه\nيوسُفُ - ﵇ -، كما يلبَسُ أَيُّ إنسانٍ قميصَه..\nوأَوحى اللهُ ليوسفَ أَنْ يرسلَ قميصه إِلى أَبيهِ ليعودَ له بصرُه، ولما أُلقيَ على وجْهِه عادَ له بَصرُه، وكان هذا بأَمْرٍ من الله، الفَعَّالِ لما يُريد، فهو سبحانَه الذي جَعَلَ القميصَ سَبَبًا ماديًّا لإِعادةِ البصر، وجعلَ هذا آيةً من آياتِه، جَرَتْ على أيدي النبيَّيْن يعقوبَ ويوسفَ - صلى الله عليهما وسلم -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>امرأة فرعون تتبنَّى موسى - ﵇ </span>-\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ امرأةَ فرعونَ رَأَت الطفلَ موسى في التابوت، فأَحَبَّتْهُ وتَبَنَّتْه، وطلبتْ من زوجِها فرعونَ أَنْ يَتَبَنّاهُ ولا يَقْتُلَه، فاستَجابَ لها.\nقال تعالى: (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩) .\nوقال تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) .\nأُخرَى@ إَذ أَوْحَيْنَاَ إِكَ أُقِكَ مَا يُوحَى@\nولكنَّ الفادي يُخَطِّئُ القرآنَ في هذا الكلام، ويُحاكِمُه إِلى الكتابِ\nالمقَدس، وبما أَنه خالَفَ ما في الكتابِ المقَدَّس، فما وَرَدَ في الثاني هو\nالصَّواب، وما وَرَدَ في القرآنِ هو الخطأ!!.\nذَكَرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ التي رأَتْ موسى هي ابنةُ فرعون وليستِ\nامرأَتَه.\nقال الفادي: \"ويُعَلمُنا الكتابُ المقدسُ أَنَّ ابنةَ فرعونَ هي التي نَزَلَتْ","vol":"1","page":137},{"text":"إِلى نهرِ النيلِ لِتَغْتَسِل، لأَنهم كانوا يَعتبرونَه إِلهًا، يُطَهِّرُهُم من النجاسَة.\nفرأَتْ سُفْطًا من البَرَدى بين الحَلْفاء، ففتَحَتْه، فإذا صبيٌّ يَبْكي، فأَخذتْه ابنةُ فرعونَ ابْنًا لها.\nلكنَها لم تكنْ زوجةَ فرعون ...\nوقال موسى في سِفْرِ الخروج: إِنها ابنةُ فرعون، وهو أَعلمُ بمَنْ رَبَّتْه ... \" (١) .\nالراجحُ والصحيحُ والمعتمدُ عندنا أَنَّ التي أَخَذَتْ موسى الرضيعَ وتَبَنَّتْهُ\nوَرَبَّتْه هي امرأةُ فرعون كما ذَكَرَ القرآن، وليستْ ابنتَه كما ذَكَرَ الأَحْبارُ في\nالعهد القديم، ومن المعلومِ أَنه إِذا تعارضَ ما في القرآنِ مع ما وَرَد في\nالكتابِ المقَدَّس، فالصحيحُ هو ما وَرَدَ في القرآنِ، لأَنَّهً هو كلامُ الله المحفوظُ\nالثابتُ، ويُتْرَكُ ما وَرَدَ في الكتابِ المَقدَّس، لأَنه هو الخطأ!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>حول تقتيل أولاد بني إسرائيل</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآن أَنَّ فرعونَ وآلَه كانوا يَسومون بني إِسرائيل سوءَ\nالعذاب، يُقَتِّلونَ أَبناءَهم، ويَستحيونَ نساءَهم.\nلكن مَتى كان هذا؟\nهل كانَ قَبْلَ بعثةِ موسى - ﵇ - أَمْ بَعْدها؟.\nوَرَدَ في سورةِ القَصص أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان قبلَ رسالةِ\nموسى - ﵇ -.\nقال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٧- ابنة فرعون أو زوجته\nإن فى القرآن أن امرأة فرعون هى التى التقطت موسى - ﵇ - ويقول: إن فى التوراة أن الملتقطة له هى ابنة فرعون وليست امرأته. وهذا تناقض.\nالرد على الشبهة:\nإن كلمات التوراة مشكوك فيها. والدليل على ذلك: أن اسم الرجل فى موضع، يأتى فى موضع آخر باسم آخر. وكذلك المرأة. وهذا يتكرر كثيرًا. فإسماعيل - ﵇ - كانت له ابنة اسمها \" محلث \" وتزوجت \" العيس \" بن إسحاق - ﵇ -[تك ٢٨: ٩] وفى ترجمة لبنان \" محلة \" وفى نفس الترجمة \" وبسمة \" وفى ترجمة البروتستانت \" بسمة \" [تك ٣٦: ٣] .\nوفىكتب تفسير التوراة تصريح بكلمات ملتبسة مثل \" ثم يذبحه كل جماعة إسرائيل فى العشية \" [خر ١٢: ٦] يقولون: \" العشية \" هذه اللفظة ملتبسة.. \" والشيخ الكبير فى أرض مدين مختلف فى اسمه. ففى الخروج [٢: ١٨] \" رعوئيل \" وفى الخروج [٤: ١٨] \" ثيرون \" والابن الأول لموسى فى ترجمة \" جرشوم \" وعند يوسيفوس \" جرشام \" وفى ترجمة السبعين \" جرسام \" [خر ٢: ٢٢] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":138},{"text":"تَذْكُرُ الآياتُ أَنَّ تَذبيحَ الأَبناءِ واستحياءَ النساءِ كان قبلَ ولادةِ موسى،\nبل إِنَّ موسى وُلِدَ في هذا الجَوِّ، وكان عُرْضَةً للذَّبْح، لولا أَنَّ اللهَ حَماهُ بأَنْ\nأَلْهَمَ أُمَّهُ حُسْنَ التصرف، بأَنْ تَضَعَهُ في التابوت، وتَضَعَ التابوتَ في اليَمِّ،\nفيأْخُذَه الماءُ إِلى الساحل، وهناكَ يَأْخُذُهُ رجالُ أُسْرَةِ فرعونَ، ليُرَبّوهُ وَيَتَبَنَوْهُ!!.\nووردَ في سورةِ الأَعرافِ أَنَّ هذا التعذيبَ والتقتيلَ كان بعدَما بَعَثَ الله\nموسى رسولًا - ﷺ -، وبعدما قَدَّمَ نَفْسَه إِلى فرعون، ودَعاهُ إِلى الإِيمانِ بالله.\nقال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا) .\nتَذْكُرُ هذه الآياتُ أَنَّ الملأَ من قومِ فرعونَ حَرَّضوهُ على البطشِ بموسى\nالنبيِّ وأَتْباعِه، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ بني إِسْرائيل واستحياءِ نسائِهم، ولما فَعَلَ ذلك\nأَمَرَ موسى قومَهُ بالصبرِ والاستعانةِ بالله! (١) .\nواعتبرَ الفادي الآيتَيْن متناقضتَيْن، قال: \" تقولُ سورةُ الأَعرافِ: إِنَّ\nالمصريّينَ اشتكَوْا لفرعونَ من تصرفِ موسى، فأَمَرَ بقتْلِ أَبناءِ العبرانيّين\nواستحياءِ نسائهم..\nوتقولُ سورةُ القَصصِ: إِنَّ فرعونَ قبلَ ولادةِ موسى أَمَرَ\nبذبْحِ الأَولادِ واستِحياءِ النِّساء، حتى خافَتْ أُمُّ موسى عليه، وخَبَّاَتْه في صفطِ البَرَدَى، إِلى أَن انتشلَتْه ابنةُ فرعون..\nفالآيتان مُتناقِضَتان \".\nومن المعلومِ عندنا أَنه لا تَناقُضَ في القرآن، ولا تَعارُضَ بين آياتِه..\nوفي الإِخبارِ عن تعذيب آلِ فرعونَ لبني إِسرائيل، لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ بين\nسورةِ القَصَص وسورةِ الأَعراف.\nإِنَّ تعذيبَ فرعونَ وآلِه لبني إسرائيل استمرَّ وَقْتًا طويلًا، بدأ قبلَ ولادةِ موسى، واستمرَّ إِلى ما بعد ولادته، وبقيَ إِلى أَنْ عادَ موسى من أَرضِ مَدْيَنَ رسولًا إِلى فرعونَ، ولما جَرى ما جَرى بينَ موسى - ﵇ - وفرعون، واصَلَ فرعونُ وآلُهُ التعذيبَ والتذبيحَ والتقتيل، وجَدَّدَ فرعونُ أَمْرَهُ السابق بقَتْلِ الأَبْناء واستحياءِ النساء.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٨- طرح الأولاد فى النهر صدر قبل ولادة موسى لا بعد إرساليته\nإن فى سورة الأعراف: أن الملأ من قوم فرعون بعد ولادة موسى وظهور نبوته قالوا لفرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا فى الأرض؟ وقد رد عليهم بقوله: (سَنُقَتِّل أبناءهم وتستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون)\nوفى سورة القصص: أن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى وهذا تناقض.\nالرد على الشبهة:\nإن قتل الأبناء واستحياء النساء كانا من قبل ولادة موسى - ﵇ - وهو فيما بعد يهدد باستمرار القتل والزيادة فيه. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":139},{"text":"وهذا معناهُ أَنه لا تناقُضَ بين حديثِ سورةِ القصصِ وسورةِ الأَعراف،\nفالتعذيبُ بدأَ قبلَ ولادةِ موسى بفترة، وهذا ما تحدثَتْ عنه سورةُ القَصص،\nواستمرَّ إِلى ما بعد ولادتِه وطفولتِه وشبابِه، وبقيَ متواصلًا إِلى أَنْ عاد موسى\nنبيًّا من مَدْين، وازدادَ التعذيبُ والتذبيحُ والتقتيلُ بعدما احْتَدَمَ الصراعُ بين\nموسى - ﵇ - وبينَ فرعون، وهذا ما تحدَّثَتْ عنه سورةُ الأَعراف!!.\nوأَكَّدَتْ آياتُ سورةِ غافر آياتِ سورةِ الأَعراف.\nقال تعا لى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>حول صداق امرأة موسى - ﵇ </span>-\nأَخْبَرَ اللهُ أَنَ موسى - ﵇ - اتفقَ مع الرجلِ الصالحِ في مدينَ على أَنْ يَعْمَلَ عنده ثمانيَ أَو عَشْرَ سنوات مقابل أَنْ يُزَوجَه ابنَتَه.\nقال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) .\nوقد اعترضَ الفادي على هذه الآية، واعتبرَها من أَخطاءِ القرآن، لأَنها\nمخالفةٌ لما في كتابِه المقَدَّس.\nقال: \" وَمَعروفٌ أَنَّ يَثْرونَ حما موسى - ﷺ - له\nسبعُ بَناتٍ لا اثْنَتَيْن، وزَوَّجَه واحدة، بدونِ أَنْ يخْدمَه ثماني سنواتٍ أَو\nعَشْرًا ...\nوأَمّا الذي خَدَمَ حماهُ كصداقٍ لامرأَتِه فهو يَعقوب، الذي خَدَمَ\nحماهُ سَبْعَ سنين \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩٩- صَدَاق امرأة موسى\nإن فى سورة القصص أن موسى أصدق امرأته من مدين خدمة ثمانى أو عشر لأبيها. وفى التوراة أنه كان له سبع بنات لا اثنتين، وأنه لم يصدق المرأة. لا بالخدمة ولا بما يقوم مقامها.\nالرد على الشبهة:\nهب أنه كان عنده سبعة. وقدم له اثنتين لائقتين بحاله لينتقى واحدة منهما. فما هو الإشكال فى ذلك؟ وحال يعقوب مع خاله \" لابان \"، كحال موسى مع كاهن مديان. فإنهما كانا يتعيشان من رعى الغنم. وخدم يعقوب خاله سبع سنين صداقًا لابنته الأولى \" ليئة \" وخدم سبع سنين أخرى صداقًا لابنته الأخرى \" راحيل \" وموسى هارب من أرض مصر بلا مال. فكيف يتزوج فى أرض غريبة بلا مال.\nوفى النص ما يدل على ما اتفقا عليه. وهو \" فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل. فأعطى موسى صفورة ابنته \" ارتضى على ماذا؟ ولماذا قال بعد الارتضاء: \" فأعطى موسى صفورة ابنته \"؟ والنص كله هو: \" وكان لكاهن مديان سبع بنات. فأتين واستقين وملأن الأجران ليسقين غنم أبيهن. فأتى الرعاة فطردوهن. فنهض موسى وأنجدهن وسقى غنمهن. فلما أتين إلى رعوئيل أبيهن قال: ما بالكن أسرعتن فى المجئ اليوم؟ فقلن: رجل مصرى أنقذنا من أيدى الرعاة، وإنه استقى لنا أيضًا وسقى الغنم. فقال لبناته: وأين هو؟ لماذا تركتن الرجل؟ ادعونه ليأكل طعامًا. فارتضى موسى أن يسكن مع الرجل، فأعطى موسى صفورة ابنته \" [خر ٢: ١٦] وفى النص السامرى: \" فلما أمعن موسى فى السكنى مع الرجل؛ أعطاه صفورة ابنته لموسى زوجة \". اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":140},{"text":"واعتراضُ الفادي عندنا لا وَزْنَ له، ولا يهمنا ماذا قالَتْ أَسفارُ العهدِ\nالقديمِ عن يعقوبَ وموسى - صلى الله عليهما وسلم -..\nإِنَ الذي يَعْنينا ويهمُّنا هو ما قالَه القرآن، وهو الصحيحُ، والمعتمدُ عندنا، وكُل ما وَرَدَ فيه فهو الصواب.\nلقد خَدَمَ موسى - ﷺ - عند الرجلِ الصالحِ في مَدْيَن - الذي لم يَذكر القرآنُ اسْمَه - عَشْرَ سنوات، مقابلَ زواجِه من إِحدى ابنَتَيْه، كان فيها يَرعى الغنم، وكانت السنواتُ العشرُ التي قضاها مَهْرًا للمرأةِ التي تزوَّجَها.\nهذا ما صَرَّحَ به القرآن، وهو الذي نؤمنُ به عن يَقين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>وراثة بني إسرائيل للأرض</span>\nوَعَدَ اللهُ بني إِسرائيلَ أَنْ يَرِثوا الأَرضَ بعدَ هلاكِ فرعونَ وجنودِه.\nقال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) .\nوأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ شبهةً على الآية، فذهبَ إِلى تفسير البيضاوي، لعلَّهُ\nيَجِدُ فيه ما يُرِيدُ.\nفَنَقَلَ عنه قولَه في تفسيرِ الآية.\n\" هي وَعْدٌ لهم بالنّصرة، وتذكيرٌ لمَا وَعَدَهم، من إِهلاكِ القِبط، وتوريثِهم ديارَهم وتحقيقٌ له ... \"..\nوقالَ في تفسير قوله تعالى: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ...): \" وقد رُوِيَ أَنَّ مصرَ إِنما فُتِحَت لهم في زمنِ داود - ﷺ -.\nوعَلَّقَ الفادي على كَلام البيضاويّ بقولهِ: \" ومعروفٌ للجميعِ أَنَّ بَني\nإِسرائيلَ وَرِثوا أَرْضَ مصر \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٠- لم ترث إسرائيل مصر\nإن فى القرآن أن بنى إسرائيل ورثوا أرض مصر بعد هلاك فرعون. وهذا خطأ فإنهم لم يرثوا إلا أرض كنعان.\nالرد على الشبهة:\n١ - على قوله: إن دعوة موسى كانت خاصة لبنى إسرائيل. فإن حدود مصر تبدأ من \" رفح \" وهم يقولون: إن المواعيد هى من النيل إلى الفرات. فيكون الجزء من رفح إلى النيل داخلًا فى الإرث.\n٢ - والإرث ليس لاستغلال خيرات الأرض وتسخير أهلها فى مصالح اليهود. ولكنه \" إرث شريعة \" فإن الله قال لإبراهيم - ﵇ -: \" سر أمامى وكن كاملًا \" [تك ١٧: ١] أى امشى أمامى فى جميع البلاد لدعوة الناس إلى عبادتى وترك عبادة الأوثان. وقد سار إبراهيم ودعا بالكلام وبالسيوف. ولذلك سرّ الله منه، ووعده بمباركة الأمم فى نسل ولديه إسحاق وإسماعيل. والبركة معناها: ملك النسل على الأمم إذا ظهر منه نبى. وسلمه الله شريعة. ولما ظهر موسى - ﵇ - وسلمه الله التوراة. أمره بنشرها بين الأمم. وإذا نشرها بين أمة فإنه يكون وارثًا لهذه الأمة \" إرث شريعة \" إذ هو بنشرها يكون بنو إسرائيل والأمم متساوون أمام الله فيها. وما فائدة بنو إسرائيل إلا التبليغ فقط. وبه امتازوا عن الأمم. ويدل على ذلك: إرثهم لأرض كنعان - كما يقولون - فإنهم ورثوها لنشر شريعة التوراة فيها، وكان الإرث على يد طالوت وداود - ﵉ - وقد قال داود - ﵇ - لجالوت وهو يحاربه: إن الحرب للرب. أى أن القتال فى سبيل الله. ذلك قوله: \" وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب؛ لأن الحرب للرب. وهو يدفعكم ليدنا \" [صموئيل الأول ١٧: ٤٧] .\nوإذا أراد الله نسخ التوراة يكون معنى النسخ إزالة ملك النسل اليهودى عن الأمم ليقوم النسل الجديد بتبليغ الشريعة التى أقرها الله فيهم لتبليغها إلى الأمم. وهذا ما حدث فى ظهور الإسلام. فإن بنى إسماعيل - ﵇ - حاربوا وملكوا ونشروا القرآن وعلموه للأمم. ولهم بركة. فإن الله قال لإبراهيم عن إسماعيل: \" وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا أباركه \" [تك ١٧: ٢٠] .\nوفى التوراة عن بركة إبراهيم: \" وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض \" [تك ١٢: ٣] ومعنى مباركة جميع أمم الأرض فى إبراهيم: هو أن نسله يبلغون للناس شرائع الله.\nوفى التوراة عن إرث بنى إسماعيل للأمم: \" ويرث نسلك أممًا، ويعمر مدنًا خربة \" [إش ٥٤: ٣] .\n٣ - وكتب المؤرخين تدل على أن بنى إسرائيل أقاموا فى مصر. وقد نقل صاحب تفسير المنار فى سورة يونس عن يونانيين قدماء أن موسى - ﵇ - رجع إلى مصر بعد هلاك جنود فرعون وحكم فيها ثلاث عشرة سنة. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":141},{"text":"ولَسْنا مع البيضاوي في ما أَوردَه من أَنَّ المرادَ بالأَرضِ هناْ أَرضُ\nمِصْر، لأَنَّ بَني إِسرائيلَ لم يَرِثوا أَرْضَ مصرَ من فرعونَ وآلِه، ولم يَسْكُنوها\nبعدَ هلاكِ فرعون.\nولكن ما ذَكَرَه البيضاويُّ مما لا يتفقُ مع التاريخ لا يتحمَّلُه القرآن، ولا\nيَجوزُ أَنْ يُعتبرَ من أخطاءِ القرآنِ التاريخية، لأَنَ أَخطاءَ المفَسِّرين لا تكونُ\nأَخطاءً للقرآن، لأَنَّها أَخطاءٌ في فهم الآيات، وليسَ في نَصِّ الآيات.\nذَكَرَ القرآنُ \" الأَرضَ \"، وليس \" مصر \"، فقد قال موسى لبني إِسرائيل:\n(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، والمراد بالأَرضِ هنا كُلُّ بقاعِ الأَرض، وكُلُّ بُلدانِها وأَقطارِها، ومِصْرُ جزءٌ منها، واللهُ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ من عبادِه..\nوقد أَورَثَ اللهُ بني إِسرائيلَ أَرضَ فلسطين بعدَ ذلك، واستخلَفَهم فيها، وحَقَّقَ بذلك كلامَ موسى - ﷺ - لهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ) .\nوحَقَّق اللهُ لهم ما أَخبرنا عنه في القرآنِ من أَنه مذكورٌ في الزبور.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) .\nولكنَّ بَني إِسرائيلَ لم يُحْسِنوا الاستخلاف في أَرضِ كنعان، ومارَسوا\nفيها ما حَرَّمَ الله، فنزعَ اللهُ الأَرضَ منهم، وأَوقع بهم لعنتَه، وأَخرجَهم منها\nأَذلاءَ صاغرين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تسع آيات لا عشر ضربات</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنه أَرسلَ موسى - ﵇ - بتسعِ آياتٍ بَيِّنات، قال تعالى: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) .","vol":"1","page":142},{"text":"وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) .\nوأَرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ إِشكالًا حولَ هذا الكلام، وحاكَمَ القرآنَ إِلى كتابِه\nالمقَدَّسِ، فَزَعَمَ أَنه وَجَدَ خَطَأً في عَدَدِ الآيات، التي آتاها اللهُ لموسى - ﵇ -.\nقال: \" يَقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنَّ الضرباتِ التي ضَرَبَ اللهُ بها المصريّين عَشْرٌ لا تِسْعٌ، وإِنَّ بني إسرائيلَ بعدَ هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البَحْر لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر، بل في أَرَضِ كنعان، وإِنَ فرعونَ لم يكنْ يُريدُ أَنْ يُخْرِجَ اليهودَ من مصر، بل أَرادَ أَنْ يَستعبدَهم فيها.. \" (١) .\nواعتراضُ الفادي على الرقمِ المذكورِ في القرآنِ مَرْدود، لأَنَ ذِكْرَ العددِ\nفيه مَقْصود، فهي تسعُ آياتٍ بالضَّبْط، وليستْ عَشْرًا كما زَعَمَ الأَحبارُ في\nالعهدِ القديم! وإذا تَعارضَ المذكورُ في الكتابِ المقَدسِ مع المذكورِ في\nالقرآن فإِنَّ الصوابَ هو ما ذُكِرَ في القرآن، كما قَرَّرْنا أَكثرَ من مَرَّة.\nوالآياتُ التسعُ هي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقُمَّل،\nوالضفادع، والدم، والسنين، ونقص الثمرات.\nوظَنَّ الفادي لغَبائِه أَنَّ المرادَ بالأَرضِ في قوله تعالى: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) أَرضُ مصر.\nولذلك اعترضَ على الآيةِ قائلًا: \" وإِنَ بني إِسرائيل بعد هَلاكِ فرعونَ وجيشِه في البحرِ لم يَسْكُنوا في أَرضِ مصر؟ بل في أَرضِ كَنْعان \"..\nوسبقَ أَنْ ناقشناهُ في هذه المسألةِ في المبحثِ السابق، وقُلْنا: إِنَّ المرادَ بالأَرض التي أَسكنَ اللهُ بني إِسرائيلَ فيها بعدَ خروجِهم من مصْرَ هي الأَرضُ المقدسةُ فلسطين، والتي يُسميها الأَحبارُ أَرضَ كنعان!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠١- ضربات مصر عشر لا تسع\nإن فى التوراة أن الآيات البينات عشر. وفى القرآن تسع.\nوهذا تناقض.\nالرد على الشبهة:\nإن مفسرى التوراة صرحوا بالاختلاف فى عدد هذه الآيات. فالآية الثانية وهى الضفادع؛ يوجد من يقول إنها التماسيح.\nوالآية الثالثة قال بعضهم إنها ضربة القمل، وقال بعضهم إنها ضربة البعوض.\nوالآية الرابعة قال بعضهم إنها ذباب الكلب خاصة، وقيل مطلق ذباب. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":143},{"text":"والمرادُ بالأَرضِ في هذه الآية مختلفُ بقاعِ العالَمِ القديم، مثلُ: فارسَ\nوالروم والحبشة واليونان وغيرها، التي شَتَّتَ الله اليهودَ فيها، وعاشوا \" عَصرَ الشَّتاتِ \" الذي استمرَّ قُرونًا عديدة.\nوسَيَبْقَوْن مُشَتَّتينَ في مختلفِ بقاعِ الأَرض، في مختلفِ البلدان، إِلى أَنْ يَحينَ موعدُ إِفسادِهم الثاني، حيثُ سيجمعُهم اللهُ من تلك البلدان، ويأْتي بهم إِلى الأرضِ المُقدَّسة! وهذا ما تصرحُ به الآية: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) .\nوهذا ما تحققَ في هذا الزمان، الذي يَعيشُ فيه اليهودُ إفسادَهم الثاني\nالكبير، حيثُ أَتى الله بهم لَفيفًا، من مختلفِ القارّاتِ الخَمْس، وأَقاموا دولَتَهم على الأَرضِ المقَدَّسَة!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>العيون المتفجرة من الحجر</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ بني إِسرائيلَ استسقَوْا موسى وهم في الصحراء، فَأَمَرَهُ اللهُ\nأَنْ يضربَ الحجرَ بعصاه، ولما فعلَ فَجَّرَ اللهُ من الحجرِ اثْنَتا عشرة عَيْنًا، على عَدَدِ أَسباطِ بني إِسرائيل.\nقال تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) .\nوقال تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) .\nوخَطَّأَ الفادي كلامَ القرآن، وحاكَمَه إِلى كلامِ العهدِ القَديم، الذي أَلَّفَه\nالأَحبار، وكلُّ ما خالَفَ العهدَ القديم عندَه خَطَأ!\nنَقَلَ الفادي عن سِفْرِ الخروجِ: \" أَنه لما خَرَجَ بنو إِسرائيلَ إِلى سيناء،\nجاؤُوا إِلى \" إِيليم \"، وَوَجَدُوا فيها اثنتئ عشرةَ عينَ ماء، وسَبْعين نخلة، فَنَزَلوا","vol":"1","page":144},{"text":"عندَ النخلِ والماءِ قليلًا، ثم ارْتَحلوا إِلى بَرِّيَّةِ \" سين \"، ونَزَلوا في \" رفيديم \"\nفيها، ولم يكنْ فيها ماءٌ ليَشْرَبوا، وطَلَبوا من موسى أَنْ يُعطيهم ماءً لِيَشْرَبوا، وتَذَمَّروا عليه وخاصَموه، وصَرَخَ موسى إِلى الرَّبِّ، طالِبًا منه التَّصَرُّف، فأَمَره الربُّ أَنْ يأخذَ الشَّعْبَ معه، إِلى صخرةِ \" حوريب \"، ويضربَ الصخرةَ بعصاه، ولما فعلَ ذلك أَنْبَعَ اللهُ منها عينَ ماءٍ لبني إِسرائيل \".\nوعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه من سِفْرِ الخروجِ بقوله: \" فليست الاثْنَتا عشرةَ عينًا التي في إِيليمَ هي الصخرةُ التي في حوريب \" (١) .\nما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج، أَنَّ بَني إِسرائيلَ مَرّوا على اثْنَتَيْ\nعشرةَ عينًا، أَنْبَعَها اللهُ قبلَ مرورِهم، وعندما احْتاجوا إِلى الماء بعد ذلك\nأَنبعهُ اللهُ لهم، بعدَ أَنْ ضربَ موسى الصخرةَ بعصاه، فخرجَتْ منها عينُ\nماءٍ واحدة، هذا مردود عندنا، لأَنه يتعارض مع ما ورد في القرآن،\nوالمعتمدُ عندنا هو ما وردَ في القرآن! فالذي نقولُ به أَنه بينما كان بنو\nإِسرائيلَ في الصحراء، احْتاجوا إِلى الماء، فَطَلَبُوا من موسى - ﷺ - أَنْ يستسقيَ اللهَ لهم، فأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يضرِبَ الحَجَر بعَصاه، وكان حَجَرًا في ذلك المكان، ولم يكنْ صخرةً كما زعَمَ الأَحبار، ولما ضَرَبَه انفجرتْ منه اثْنَتا عشرةَ عينًا، كلُّ عينٍ منفصلةٌ عن غيرِها، على عَدَدِ أَسْباطِ بني إسرائيل، ليشربَ كُلُّ سِبْطٍ من عينٍ خاصّة: (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) ..\nولم يكنْ خروجُ هذه العيونِ من الحجرِ عاديًّا، إِنما كان معجزةً خارقة، من فعلِ الله - ﷿ -.\nولَسْنا مع الأَحبارِ في تحديدِهم الأَماكن، في إِيليم وسين ورَفيديم\nوحُوريب، ونَبْقى مع القرآنِ في إِبهام المكان، ولا يَضُرّنا الجهلُ به، لعدمِ\nتحديدِه في الآياتِ والأَحاديث، فقد يكونُ في إِيليم، وقد يكونُ في حوريب،\nوقد يكونُ في مكانٍ آخر، وعلْمُ ذلك عندَ اللهِ وَحْدَه!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٣- صخرة حوريب وليست آبار إيلّيم\nجاء فى سورة البقرة: (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا) .\nوفى التوراة أن الاثنتى عشرة عينًا فى \" إيليم \" وفى القرآن أنهم فى \" حوريب \" وهذا تناقض.\nالرد على الشبهة:\nلم يذكر القرآن أن الاثنتى عشرة عينًا فى \" حوريب \". اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الألواح التي كتبت عليها التوراة</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّه لما ناجاهُ موسى - ﵇ - على جبلِ الطّور، أَنزل عليه التوراةَ من السماءِ مكتوبةً على أَلواح.\nقال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) .\nوأَخَذَ موسى - ﵇ - الأَلواحَ وتَوَجَّه إِلى بني إِسْرائيل، فوجَدَهم يَعْبدونَ العجل، فأَلْقى الأَلواح.\nقال تعالى: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) .\nولما زال عنه الغضبُ أَخَذَ الأَلواح، ودَعا بني إِسرائيلَ إِلى الالتزامِ بما\nفيها.\nقال تعالى: (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) .\nوقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في كلامِه عن أَلواحِ التوراة؟\nفقال: \" ومَعروف أَنَ موسى كتبَ الشريعةَ على لوحَيْن لا على أَلواح، وعلى اللوحَيْن كَتَبَ الوصايا العشرَ فقط، وليس تفصيل كُلِّ شيء \" (١) .\nلا نقول إِلاّ بما قال به القرآن، من أَنَّ اللهَ أنزل التوراةَ على موسى - ﷺ -، وهو على جبلِ الطور، وكانت التوراةُ مكتوبةً على \" أَلْواح \"، والأَلْواحُ جمع، فهي عدةُ أَلواح، أَبهمَ القرآنُ عَدَدَها، فلا نعرفُه، إِنما نقول: كانتْ أَلواحًا مكتوبةً في السماء، ولا نَعرفُ كيف كُتِبَتْ في السَّماء، ولا ما هو حجمُ كُلِّ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٤- لوحا الشريعة\nإن الله كتب لموسى فى الألواح من كل شىء. وهذا على ما فى القرآن. وعلى ما فى التوراة كتب لوحين اثنين، وكتب عليهما الوصايا العشر فقط.\nالرد على الشبهة:\n١-إن الألواح الأولى قد كسرت. وحل محلها ألواح جديدة.\n٢- والألواح الأولى كانت مكونة من:\nأ - لوحين للعهد للعمل بالتوراة.\nب - ومن عدة ألواح مكتوب عليها كل أحكام التوراة.\nففى الأصحاح التاسع عشر من سفر الخروج وما بعده إلى الإصحاح الرابع والعشرين كل أحكام التوراة وبعدها \" فجاء موسى وحدث الشعب بجميع أقوال الرب وجميع الأحكام \".\nثم صعد إلى جبل الطور فأعطاه الله:\nأ - لوحى الحجارة.\nب - والشريعة والوصية.\nومن قبل نزوله من على الجبل؛ عبدوا العجل من دون الله.\nولما سمع موسى بالخبر كسر لوحى العهد فى أسفل الجبل. ولكن كاتب سفر التثنية يقول: \" إنه كسر لوحين كان عليهما كل أحكام الشريعة وعليهما مثل جميع الكلمات التى كلمكم بها الرب فى الجبل من وسط النار فى يوم الاجتماع \" [تث ٩: ١٠] ولا يمكن للوحى العهد أن يحملا مع العهد كل أحكام الشريعة التى نزلت فى يوم الاجتماع \".\nولما كسر الألواح. أعطى الله له بدلهم ألواح جديدة [خر ٣٢: ٢٩] والمكتوب على الألواح الجديدة؛ أحكام الشريعة الموجودة فى الإصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية. وفيها: \" لا تطبخ جديًا بلبن أمه \".\nوالمناسب لأحكام الشريعة (الألواح) بالجمع. ومنها لوحى العهد. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":146},{"text":"لوح ومقاسُه، ولا نعرفُ ما كُتِبَ على كُلِّ لوحٍ منها، لأَنَّ اللهَ لم يُبَيِّنْ ذلك في القرآن.\nوما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروجِ من أَنهما لوحانِ فقط، وأَنَّ موسى عَلَّإِنر\nهو الذي كَتَبَهما بيدِه، كلامٌ مردود عندنا لمخالفتِه ما وَرَدَ في القرآن!.\nثم إِنَّ اللهَ أَخْبَرَنا أَنه كتبَ في التوراةِ كُلَّ شيء: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) .\nأَيْ أَنَ اللهَ جعلَ فيها أَحكامًا وتشريعات، وجعلَ فيها مواعظَ ونصائح، وجعلَ فيها تفصيلَ كُلِّ ما يحتاجُ إِليه بنو إِسرائيل، في ذلك الماضي السحيق.\nوهذا معناه أَنْ نَرُدَّ كلامَ الأَحبار، الذينَ يزعمونَ أَنَّ موسى - ﷺ - لم يَكتبْ على اللَّوحَيْن إِلّا الوصايا العَشْرَ فقط.\nفالوصايا العَشْرُ لا تَزيدُ عن عَشْرِ جُمَلٍ مختصرةٍ مجملة، وهذه الوصايا العَشْرُ ليست موعظةً وتَفْصِيلًا لكُلّ شيء!.\nإِنَّ مرجعيَّتَنا غيرُ مرجعيةِ الفادي وقومِه، والحَكَمُ عندنا غيرُ الحَكَمِ\nعندهم، وإِنَّ القرآنَ هو المهيمنُ على الكتابِ المقَدَّس، ولا يكونُ الكتابُ\nالمُقَدَّسُ الذي أَلَّفَه الأحبارُ مهيمنًا على القرآنِ العظيم!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>هل طلب بنو إسرائيل رؤية الله</span>؟\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا من موسى - ﷺ - أَنْ يَرَوا اللهَ جَهرة، وأَنْ يُشاهِدوهُ بعيونِهم، فعاقَبَهم اللهُ على هذا الطلبِ القبيحِ بأَنْ أَخَذَهم بالصاعقةِ، ثم أَحياهم.\nقال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) .","vol":"1","page":147},{"text":"وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ) .\nوقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ لمخالفته ما وَرَدَ في الكتابِ المقَدَّس.\nقال: \" ولكنَّ الكتابَ المقَدَّسَ يُعَلِّمُنا أَنَ بني إِسرائيل خافوا من الله، وقالوا لموسى: \" تَكَلَّمْ أَنتَ مَعَنا، ولا يتكلم اللهُ معنا لئَلّا نَموت \" ...\nفعكسَ القرآنُ الموضوعَ، وقالَ: إِنَّ بني إِسرائيلَ طَلَبوا أَنْ يَرَوُا الله فأَماتَهم اللهُ بالصاعقة، ثم بَعَثَهم ثانية..\nولعلَّ الدافعَ على هذا أَنْ يُخيفَ العَرَبَ الذينَ سأَلوا محمدًا أَنْ\nيَنزّلَ لهم كتابًا من السماء ... \" (١) .\nيَزعمُ الفادي أَنَّ بَنِي إِسرائيل لم يَطْلُبوا أَنْ يَرَوُا اللهَ جهرة، كما ذَكَرَ\nالقرآن، وإِنَّما طَلَبوا أَنْ لا يُكَلِّمَهم الله، لأَنهم خافُوا إِنْ كَلَّمَهم أَنْ يَموتوا.\nونحنُ لا يَعنينا ما قالَه الأَحبارُ في سِفْرِ الخروج، إِنما يَعْنينا ما ذَكَرَهُ\nالقرآن، لأَنَّه عِندنا أَمْرٌ يَقينيّ جازم.\nلقد كان بَنو إِسرائيلَ جاهِلين، غَيْرَ مُعَظِّمينَ لله، فقد ظَنُّوا أَنه يُمكنُ أَنْ يَرَوا الله بعيونِهم، وظَنُّوا أَنَّ موسى - ﷺ - يرى الله عندما يُكلِّمُه ويُناجيه، فحسدوهُ وغَاروا مِنْه، وطَلَبوا أَنْ يَرَوا الله بِعيونِهم، كما يَرى هو اللهَ بعينَيْه..\nعلمًا أَنَّ موسى - ﵇ - لم يَرَ رَبَّه، وعندما سأَلَ اللهَ أَنْ يرَاهُ أَخْبَرَه أَنه لنْ يَراه.\nقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) .\nوقد عَلَّقَ بنو إِسرائيل الجاهلين إيمانَهم لموسى واستسلامَهم وطاعتَهم له\nعلى رؤيتِهم اللهَ جهرةً بعيونِهم، وطَلَبوا منه أَنْ يَطْلُبَ مق الله أَنْ يَنزلَ أَمامَهم، ويُخاطِبَهم، فَيَرَوْهُ ويُشاهدوه وتسمعوه!! عند ذلك عاقَبهم، فأَخَذَتْهم الصاعقة،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٥- هل طلبوا رؤية الله؟\nإن فى القرآن أن بنى إسرائيل طلبوا رؤية الله. وفى التوراة أنهم قالوا لموسى: \" تكلم أنت معنا، ولا يتكلم معنا الله؛ لئلا يموت \" [خر ٢٠: ١٩] فعكس القرآن الموضوع.\nالرد على الشبهة:\nإن المؤلف جاهل بما فى كتابه. وإن فيه:\nأ - أن اليهود رأوا الله.\nب - وأن موسى طلب رؤية الله.\nج - وأنهم طلبوا أن لا يروا الله.\n(أ) فموسى لما أخذ العهد على اليهود أن يعملوا بالتوراة، بكّر فى الصباح وبنى مذبحًا فى أسفل الجبل. وأخذ العهد. ثم قال الكاتب: \" ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرئيل ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف وكذات السماء فى النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بنى إسرائيل فرأوا الله وأكلوا وشربوا \" [خروج ٢٤: ٩ - ١١] .\n(ب) وطلب موسى رؤية الله \" فقال: أرنى مجدك \" ورد عليه بقوله: \" لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش \" [خر ٣٣: ١٨] .\n(ج) ولما تجلى الله للجبل؛ حدث من هيبته حال التجلى نار ودخان وارتجف\nكل الجبل جدًا. فارتعب بنو إسرائيل من هذا المنظر، وقالوا لموسى: إذا أراد الله أن يكلمنا مرة أخرى؛ فليكن عن طريقك يا موسى ونحن لك نسمع ونطيع. فرد الله بقوله: أحسنوا فيما قالوا. وسوف أكلمهم فى مستقبل الزمان عن طريق نبى مماثل لك يا موسى من بين إخوتهم وأجعل كلامى فى فمه؛ فيكلمهم بكل ما أوصيه به [تث ١٨: ١٥ - ٢٢] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":148},{"text":"فَصُعِقوا وأُغميَ عليهم، وكانوا كالأَموات، ثم أَيقظَهم وبَعَثَهم، وأَعادَهم إِلى الحياة، ليستكملوا أَعمارَهم.\nوسألَ اليهودُ في المدينةِ رسولَ الله محمدًا - ﷺ - أَنْ يُنزلَ عليهم كتابًا من السماء، وكانَ سؤالَ تَعَسفٍ وتعجيز، كما كانَ سؤالُ أَجدادِهم لموسى - ﵇ -.\nقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>قارون الإسرائيلي الكافر</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قارونَ وكفرِه وغِناه، وأَنَّه كان إسرائيليًّا كافرًا،\nانضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ موسى وقومِه بني إِسرائيل.\nقال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) .\nوكانتْ نهايةُ قارونَ سيئةً، حيثُ خَسَفَ اللهُ به وبدارِه الأَرض.\nقال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) .\nوقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ، ونَقَلَ عن السابقينَ أَنَّ قارونَ هو مَلِكُ ليديا في\nالقرنِ السادسِ قبلَ الميلاد، وذَكَرَ الأَحبارُ في الكتاب المقَدَّسِ أَنَّ الذي خرجَ\nعلى موسى هو قورحُ وليس قارون.\nقال: \" ومعروفٌ أَنَّ قارونَ القرآن هو كروسوس ملكُ ليديا (٥٦٠ - ٥٤٦ ق. م)، وهو عَلَم على الغِنى، بينَ العربِ وغيرهم..\nولا يوجَدُ ما يُبَرِّرُ خَلْطَه بقورَح، الذي وَرَدَ ذكْرُه في التوراة، فلا\nعلاقَة لقارونَ بقورح، الذي ثارَ على داثان وأَبيرام على موسى، فَفَتَحت\nالأَرْضُ فاها وابْتَلَعَتْهم \".\nلا دليلَ على أَنَّ ملكَ ليديا في القرنِ السادس قبلَ الميلاد كان اسْمُه","vol":"1","page":149},{"text":"قارون، وكلامُ المَؤَرِّخين ليس يقينيًا قاطعًا، إِنما هو محتملٌ للصحةِ والخَطَأ،\nفلا يُعْتَمَدُعليه.\nوكلامُ الأَحبارِ أَيضًا ليس يَقينيًّا، فلا يُعْتَمَدُ عليه، ولا يُحْكَمُ به على\nكلامِ اللهِ في القرآن، ولذلك لا نقول: إِنَّ قورحَ هو الذي خرجَ على\nموسى - ﷺ -، مع اثنيْنِ من بني إِسرائيل، وأَنَّ اللهَ خَسَفَ بالثلاثةِ في البرية.\nونتوقَّفُ في هذا الكلامِ الذي ذَكَرهُ الأَحْبار، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه..\nوالذي نقولُه ونؤمنُ به أَنَّ قارونَ المذكورَ في القرآنِ ليس هو قارونَ ملكَ\nليديا، ولا قورحَ الذي خَرَجَ على موسى، قارونُ المذكورُ في القرآنِ إِسرائيليّ من قومِ موسى، وقد أَغناهُ الله، وآتاهُ من الكنوزِ ما يعجزُ الرجالُ الأَشدّاءُ الأَقوياءُ عن حَمْلِه، واختارَ الكفْرَ والبغيَ والطغيان، وانحازَ إِلى فرعونَ ضدَّ قومِه الإِسرائيليين، واستخدمَ أَموالَه وكنوزَه في محاربةِ موسى - ﷺ - وأَتْباعِه، ولم يَستجبْ لنصْحِ الناصحين المؤمنين، فعاقَبَه اللهُ وخَسَفَ به وبدارِه الأَرض، قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) .\nوالراجحُ أَنَّ قارونَ الإِسرائيليَّ كان قد انضمَّ إِلى فرعونَ ضدَّ بني إِسرائيل،\nقبلَ أَنْ يبعثَ اللهُ موسى - ﵇ - نبيًّا إِلى فرعون، ولذلك أَرسلَه اللهُ نبيًّا إِلى الطُّغاةِ الثلاثة: فرعونَ وهامانَ وقارون.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) .\nوالراجحُ أَنَّ اللهَ خَسَفَ بقارونَ ودارِه الأَرض في مصر، قبلَ أَنْ يَخرجَ\nبنو إِسرئيل منها!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>بين داود وسليمان - ﵉ </span>-\nكان داودُ رسولًا ومَلكًا على بني إِسْرائيل، وكان ابْنُه سليمان نبيًّا مَلكًا\nمن بعدِه على بني إِسرائيل، وكان سليمانُ مساعِدًا لأَبيه في عهدِه - ﵇ -.","vol":"1","page":150},{"text":"وقد أَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن استدراكٍ لسليمان على حُكْمٍ حَكَمَ به والدُه داودُ.\nقال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) .\nوأَوردَ الفادي روايةً عن ابنِ عباس - ﵄ - في حُكْمٍ داودَ وسليمانَ في قضيةِ الحرثِ والغنم، استدركَ فيها سليمانُ على حُكْمِ أبيه..\nوخَطَّأَ القرآنَ في استدراكِ سليمانَ على حُكْمِ أَبيه، كما خَطَّأَ الروايةَ عن ابنِ عباس، واعتبرَ ذلك مُتعارضًا مع فطنةِ ودقةِ وحُكْمِ داود.\nقالَ في تخطئَتِه: \" كانَ داودُ من الأَنبياءِ الملْهَمين، ومن الملوك الحكماء، فلا\nيُعْقَلُ أَن سُلَيمانَ كان يتعقَّبُ أَحكامَه، وهو والدُه، ولا نظنُّ أَنَّ داودَ الملْهَمَ يعْجَزُ عن حَلّ قضيةٍ كهذه..\nأَمّا الذي انتقدَ أَحكامَ أَبيه فكانَ أَبْشالوم وليس سليمان، فإنَّ\nأَبْشالومَ لما عَزَمَ على الثورةِ ضِدَّ والدِه كان يسترقُّ قلوبَ بني إِسرائيل، ويقولُ: مَنْ يجعلُني قاضيًا في الأَرضِ لأُنصفَ المظلومَ! فكانَ يَقْبَلُ الواحدَ ويكرمُه ويُعَظّمُه، فاستمالَ الناسَ ثم قامَ بانقلابٍ فاشلٍ على والدِه ... \" (١) .\nما ذَكَرَهُ الفادي عن قصةِ الملكِ اليهوديِّ أَبْشالوم مع أَبيه وثورتِه عليه\nنتوقَّفُ فيه، فلا نُصَدّقُه ولا نُكَذِّبُه، لعدمِ وجودِ دليلٍ عنْدَنا عليه.\nأَمّا تخطئةُ الفادي لكلامِ القرآنِ عن ما جَرى بينَ داودَ وسليمانَ - صلى الله عليهما وسلم - فهي مردودةٌ عليه، وما قالَه القرآنُ عنها فهو الصحيحُ والصَّواب، وهذا عندنا يَقين.\nلقد استدركَ سليمانُ على حكْمِ لأَبيه - ﷺ - في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، وقَبِلَ داودُ استدراكَ ابنه وأَنْفَذَ له حُكْمَه، وليس معنى هذا اتهامَ داودَ - ﷺ - بالعجْزِ أَو الضعفِ أَو الخَطأ في الحُكْم، فقد آتى اللهُ داودَ فقْهًا وعلْمًا وحكمةً وفِطْنَة، قال تعالى عنه: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) .\nوقال تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٦- سليمان أو أبشالوم\nإن داود وسليمان - كما فى القرآن - حكما فى الحرث، وإن سليمان راجع داود فى الحكم.\nثم ذكر كلام المفسرين فى هذه القضية. وعقب عليه بقوله: القضية تليق بأبشالوم بن داود؛ لأنه كان دائمًا يعارض أقوال أبيه ولا تليق بسليمان.\nالرد على الشبهة:\nإن فى التوراة أن سليمان كان حكيمًا. أحكم من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته. واللائق بحكمته هو الحكم فى الحرث. ففى الإصحاح الرابع من سفر الملوك الأول: \" وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق، وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إيثان الأرزاحى، وهيمان وكلكول ودردع بنى ماحول، وكان صيته فى جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل، وكانت نشائده ألفا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذى فى لبنان، إلى الزوفا الثابت فى الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته \" [امل ٤: ٣٠ - ٣٤] .\nاهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":151},{"text":"شَدَّدَ اللهُ ملكَه وقَوّاه، وآتاهُ اللهُ الحكمة، وهي الفهمُ والعقلُ والصواب،\nكما آتاهُ فَصلَ الخطاب، وهو منعُ الخلافِ والجدالِ والنزاع، بين المتخاصمَيْن المحتكِمَيْن عنده، حيثُ يُصْدِرُ حُكْمَهُ الذي يَحُلُّ المشكلة، ويُنهي الأَمْر!.\nوكان يساعِدُه في أَحكامِه ابْنُه سليمان، الذي آتاهُ اللهُ الحكمةَ والعلمَ\nوالفهم، وبذلك أُضيفَتْ حكمتُه إِلى حكمةِ أَبيه، وأُضيفَ عِلْمُه إِلى عِلْمِ أَبيه..\nوإِذا دَعت الحاجةُ استدركَ الابنُ على حُكْمِ أَبيه، وتَقَبَّلَ الأَبُ استدراك الابنِ وحُكْمَه بِرضًا، وأَمْضى حُكْمَه!.\nوهذا ثَناءٌ على داودَ في فَهْمِه وحُكْمِه وعِلْمِه، وليس اتِّهامًا له بالضعفِ\nوالغفلةِ والجَهْل، كما ظَنَّ الفادي الجاهل.\nوقد أَشارت الآيتانِ من سورةِ الأَنبياءِ إِشارةً مجملةً مبهمةً إِلى حادثةٍ\nمُعَيَّنَة، احتكمَ فيها خَصمانِ إلى داودَ - ﷺ -، ثم استدركَ عليه ابنُه سليمان، فَقَبلَ الأَبُ حُكْمَه وأَمْضاه.\nاحتكمَ إِلى داودَ رَجُلانِ في قضيةِ الحَرْثِ والغَنَم، والحرثُ هو الزَّرْع،\nفدخلتْ غنم صاحب الغنم إلئ ذلك الزرع، ونَفَشَتْ فيه لَيْلًا، واشتكى صاحبُ الزرعِ على صاحبِ الغنمِ عندَ داودَ - ﷺ -، فحكمَ داودُ بحُكْمٍ لم تذكُرْه الآيَتان، واستدركَ سليمانُ على حُكْم أَبيه، وأصدرَ هو حُكْمًا فَهَّمَه اللهُ إِيّاه، وكان هو الحكمَ الأَصَحّ!! ونُلاحظُ أَنَّ الكلامَ في الآيتيْن مجملٌ مختصرٌ مُبْهَم، لم يَذكُرْ تفَاصيلَ القضيةِ المعروضَة، ولا حُكْمَ داودَ في القضية، ولا كيفيةَ استدراكِ سليمان، ولا حُكْمَه فيها.\nولا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ مرفوعٌ لرسولِ الله - ﷺ -، يُضيفُ شيئًا إِلى ما وَرَدَ في القرآن.\nوقد وردَتْ روايةٌ موقوفةٌ على ابن عباسٍ - ﵄ -، يُمكنُ أَنْ \" نستأنسَ \" بها في تَصَوّرِ المسألة.\nقالَ ابنُ عباس: دَخَلَ رجلانِ على داود، أَحَدُهما صاحبُ\nحَرْث، والآخَرُ صاحب غَنَم.\nفقال صاحبُ الحَرْث: إِنَّ هذا أَرسلَ غَنَمَهُ في حَرْثي، فلم يُبْقِ من حَرثي شيئًا!.","vol":"1","page":152},{"text":"فقال له داود: اذهبْ فإِنَّ الغنمَ كُلَّها لك!.\nفَمَرَّ صاحبُ الغنمِ بسليمان، وأَخبرَه بالذي قَضى به داود..\nفَدَخَلَ سليمانُ على داود - ﷺ -، فقال: يا نبيَّ الله! إِنَّ القضاءَ سِوى الذي قَضيْتَ!.\nفقالَ له داودُ: كيفَ؟\nقال سليمانُ: إِنَّ الحرثَ لا يَخفى على صاحبِه ما يخرجُ منه في كُلِّ عام، فلَه أَنْ يَبيعَ من أَولادِها وأصوافِها وأَشعارِها، حتى يستوفيَ ثمنَ الحَرْث! فقالَ له داودُ: أَصبتَ.\nالقضاءُ ما قضيتَ!.\nوفي روايةٍ أُخْرى لابنِ عباسِ: أَنه قال: قضى داودُ بالغنمِ لأَصحابِ\nالحَرْثِ، فقالَ لهم سليمانُ: كيفَ قضى بينكم؟\nفأَخْبَروه..\nفقالَ لهم: لو وُلّيتُ أَمْرَكْم لقضيتُ بغيرِ هذا! فأُخبرَ داودُ بكلامِ سليمانَ، فقال له: كيفَ تَقْضي بينَهم؟.\nقالَ سليمانُ: أَدفعُ الغنمَ إِلى صاحبِ الحَرْثِ، فيكونُ له أَولادُها وأَلبانُها\nومنافعُها، ويَبذُرُ أَصحابُ الغنمِ لأَهْلِ الحَرْثِ مثْلَ حَرْثهم، فإِذا بَلَغَ الحرثُ\nالذي كانَ عليه، أَخَذَ أَصحابُ الحرثِ حَرْثَهم، وردّوا الغَنَمَ إِلى\nأَصحابِها.\nإِنَّ هذا التفصيلَ موقوفٌ على ابنِ عباس، ولم يرفَعْهُ إِلى رسول اللهِ - ﷺ -،\nونحنُ نذكُرُ كلامَه من بابِ الاستِئْناس، مع التحفُّظِ والاحتياط.\nلكنَّنا نقولُ: لم يُخطئْ داودُ - ﷺ - في حُكْمه، لأَنه معصومٌ من الله، إِنما نقول: كانَ حُكْمُهُ خلافَ الأَوْلى، فَفَهَّمَ اللهُ سليمانَ المسألةَ، وأَلهمه الحُكْمَ الأَصَحَّ والأَوْلى.\nفحُكْمُ داودَ صحيحٌ صواب، ولكنَّ حُكْمَ سليمانَ هو الأَصَحُّ الأَصوبُ..\nوالله أعلم!!.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>بين هاجر ومريم - ﵉ </span>-\nأَخْبَرَنا اللهُ عن ما جَرى لمريمَ العذراء - ﵍ -، بعدما نَفَخَ فيها الروحُ جبريلُ، وحَمَلَتْ بعيسى - ﵇ -.\nقال تعالى: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .\nوقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في تخطئَتِه القرآنَ في كلامِه عن\nانتباذِ مريمَ عن أَهْلهِا، وعن النخلةِ وجِذْعِهاَ ورُطَبِها، وعن وَليدِها عيسى الذي كَلَّمها بعد لحظةٍ من ولادتِه.\nوقد اعترضَ على القرآنِ من زاويةٍ أُخْرى، حيثُ زَعَمَ أَنَّ القرآنَ خَلَطَ\nبينَ مريمَ وهاجر، فنَسَبَ لمريمَ ما حَصَلَ مع هاجر.\nقال: \" وفي هذا خَلْطٌ بينَ مريمَ العذراء وهاجرَ أُمّ إِسماعيل..\nفهاجر هربت إِلى البرية بإسماعيل، ولما عطشت هيَّأَ الله لها عين ماء فشربت.\nأَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرّيَّة، ولا احتاجَتْ إِلى الماء، ولا كانَتْ تحتَ نَخْلَة ... \" (١) .\nواعتراضُه مردود، لأَنَّنا نتحفَّظُ على ما ذَكَرَهُ الأَحبارُ في سِفْرِ التكوين،\nبالنسبةِ لهربِ هاجرَ بابنِها إِسماعيلَ إِلى البرية، بسببِ اضطهادِ سارةَ لها، فما\nذَكروهُ ليس في مصادِرِنا ما يُؤَيِّدُه ويُصَدّقُه، ولذلك نتوقف فيه بدونِ تصديقٍ أَو تكذيب، ونقول: اللهُ أَعلمُ بذلك (٢) .\nويتجرأُ الفادي المفترِي على حديث القرآنِ عن مريم العذراء، فيُكَذِّبُه\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٧- هاجر والسيدة العذراء\nإنه جاء فى سورة مريم: أن مريم لما حملت بالمسيح انتبذت به مكانًا قصيًّا. وعندئذ قد جعل الله لها تحتها (سريًّا) أى نهرا جاريًا لتشرب منه. وهذا فى التوراة عن هاجر أم إسماعيل؛ فإنها لما عطشت هيأ الله لها عين ماء. وقد وضعه القرآن على مريم.\nالرد على الشبهة:\nإنه فسر السرى بالنهر الجارى. وليس كذلك. فإن الملاك ناداها بعدم الحزن؛ لأن الله قد جعل تحت كفالتها ورعايتها غلامًا سيكون سيّدا. فالسرى هو السيد وليس هو جدول الماء. وقد تحقق هذا الوعد؛ فإن المسيح صار سيِّدًا. أى معلمًا للشريعة. وقال للحواريين عن هذا المعنى: \" أنتم تدعوننى معلمًا وسيدًا. وحَسَنًا تقولون؛ لأنى أنا كذلك \" [يو ١٣: ١٣] . اهـ (شبهات المشككين)\n(٢) بل هو محض كذب وافتراء، فقد كانت هجرة السيدة هاجر وابنها إسماعيل - ﵉ - بأمر من الله قالت للخليل - ﵇ - آلله أمرك بهذا؟\nقال نعم.\nقالت: إذن فلن يضيعنا.","vol":"1","page":154},{"text":"قائِلًا: \" وأَمّا العذراءُ فلم تَهْرُبْ إِلى بَرِّيَّة، ولا احتاجَتْ إِلى ماء، ولا كانتْ\nتَحْتَ نَخْلَة \"!.\nوقد أَحبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ مريمَ العذراءَ - ﵍ - اعتزلَتْ أَهْلَها، وابتعدتْ عنهم، وانتبذَتْ بابنِها الذي حَمَلَتْه مكانًا قَصِيًّا..\nوهناك جاءَتْها آلامُ المَخاض، فأَلجأَتْها إِلى جذعِ نخلةٍ حَيَّة، فاعتمدَتْ عليه، واستندَتْ إِليه، وازدادت الآلامُ بها حتى إِنها تمنتْ أَنْ تكونَ ماتَتْ قبلَ هذا الوضع..\nوما هي إِلا لحظةٌ حتى وضعتْ مولودَها عيسى بيُسْر، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى\nسمعَتْ مولودَها يُكَلّمُها وهو تَحْتَها، ويَدْعوها إِلى عدمِ الحُزْن، ويُرشدُها إِلى\nأَنْ تَشربَ من ماءِ الجدولِ الذي أَجراهُ اللهُ تحتَها، وأَنْ تَهُزَّ جذعَ النخلةِ إِليها، حيث يتساقَطُ عليها الرطَبُ الجنيُّ الذي أَنضجَهُ اللهُ لها، وإِذا رأَتْ أَمامها\nأَحَدًا لا تكلِّمُه، لأَنها صائمةٌ عن الكلام، وسيتولّى مولودُها مهمةَ الكلامِ نيابهً عنها.\nهذا ما قالَه القرآنُ عن ولادةِ مريمَ ابنَها عيسى - ﵉ -، وهو الصحيحُ والصوابُ عندنا، ولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المخالفِ له، ولا قيمةَ لاعتراضِه عليه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>حول نزول المائدة على الحواريين</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنَّ الحوارِيّين طَلَبوا من عيسى - ﵇ - أَنْ يسأَلَ اللهَ إِنزالَ مائدةٍ من السماءِ عليهم، فسأَلَ عيسى - ﵇ - ربَّه.\nقال تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥) .","vol":"1","page":155},{"text":"وقد اعترضَ الفادي المفترِي على كلامِ القرآنِ وخَطَّاَه، واتَّهَمَه بعدمِ فهمِ\nكلامِ الأَناجيل عن معجزاتِ عيسى - ﵇ - أَمامَ الحواريين، وقصةِ \" العَشاءِ الرباني \" (١) .\nقالَ: \" لا يقولُ الإِنجيلُ إِنَّ تلامِيذَ المسيحِ طَلَبوا منه آيةً من السماء،\nولا يَقولُ إِنَّ مائدةً نزلَتْ من السماء، ولكنَّ الذين تبعوا المسيحَ ليَسْمَعوا\nتَعاليمَه في البَريةِ مَكَثوا مَعَه وَقْتًا طويلًا، ولم يُرِد المسيحُ أَنْ يَصْرِفَهم\nصائمين، لئلا يَخورُوا في الطريق، فأَخَذَ خَمْسَ خبزاتٍ وسَمَكَتَيْن، وبارَكَ\nوكَسَّرَ، وأَطْعَمَهم جميعًا، وزادت عن الآكلين اثنتا عشرةَ قُفَّة!!.\nولعلَّ قصةَ القرآنِ عن نزولِ مائدةٍ من السماءِ، نَشَأَتْ عن عدمِ فهمِ بعضِ\nآياتِ الإِنجيل (١)، فوردَتْ في \" مَتى: ٢٦/ ٢٠ - ٢٩ \"، و\" مرقس: ١٤/ ١٧ - ٢٥ \"، و\" لوقا: ٢٢/ ١٤ - ٢٠ \"، و: \" يوحنا: ١٣/ ١ - ٣٥ \"، قصةُ العشاءِ الرّبّانيّ، الذي رسَمَه المسيحُ تذكارًا لصلْبِه، فوردَ في \" لوقا: ٢٢/ ٣٠ \" (٢) .\nبخصوصِ مائدةِ المسيح، حيثُ قال لهم: \" لتأْكُلوا وتَشْرَبوا على مائِدَتي في\nملكوتي، وتَجْلِسوا على كراسي، لتُدينوا أَسباطَ إِسرائيل الاثني عَشَرَ \".\nيَعترفُ الفادي بالمائدة، التي أَكَلَ منها الحواريّون؟\nبحضورِ عيسى - ﵇ -، ويُحيلُ على الأَناجيلِ الأَربعةِ في حديثِها عنها، ويذكُرُ أَنَّ تلك المائدةَ قامَتْ على تكثير الطعامِ بين يَدَيْ عيسى - ﵇ -، حيثُ كان معه خمسةُ أَرغفة وسمكَتان، فَدَعا اللهَ ليُبارِك فيها، فبارَكَ فيها، وتَعَشّى منها الحواريّون جميعًا \" عَشاءً ربانيًا \"، زادَ عنهم اثْنَتا عَشْرَةَ قُفَّةً مليئةً بالطعام!.\nوإِنَّ اللهَ الذي كَثَّرَ الطعامَ أَمامَ عيسى - ﵇ - قادرٌ على إِنزالِ مائدةٍ من الطعام من السماء، ليأكلَ منها الحواريّون، فلا داعيَ لإِنكار إِنزالِ المائدةِ من\n_________\n(١) رسول الله - ﷺ - لم يطلع على الإنجيل ولم يخرج من مكة حتى يقال ذلك: وكان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) .\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٠٨- لم تنزل مائدة من السماء\nإن فى سورة المائدة: أن الحواريين قد طلبوا مائدة من السماء. وأن الله قال (إنى منزلها عليكم (ولا يقول الإنجيل: إن تلاميذ المسيح طلبوا منه آية من السماء، ولا يقول: إن مائدة نزلت من السماء.\nالرد على الشبهة:\nإن المعترض غير دارس للإنجيل وغير دارس للتوراة. وذلك لأن فى إنجيل يوحنا أن الحواريين طلبوا آية من السماء \" فقالوا له: فأية آية تصنع؛ لنرى ونؤمن بك؟ ماذا تعمل؟ آباؤنا أكلوا المنّ فى البرية. كما هو مكتوب: أنه \" أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا \" [يو ٦: ٣٠ - ٣١] .\nإنهم طلبوا مائدة من السماء؛ لأنهم قالوا: \" آباؤنا أكلوا المن فى البرية \" بعد قولهم \" فأية آية تصنع لنرى ونؤمن بك؟ \" واستدلوا على أكل آبائهم للمن بقولهم مكتوب فى التوراة أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا. وهذا يدل على أن آباءهم أكلوا المن والسلوى فى سيناء. والنص هو: \" وأمطر عليهم منّا للأكل وبرّ السماء أعطاهم \" [مزمور ٧٨: ٢٤] .\nفهل نزل المن من السماء؟ وقد سماه داود - ﵇ - مائدة فى قوله عنهم: \" قالو: هل يقدر الله أن يرتب مائدة فى البرية؟ \" [مز ٧٨: ١٩] فمعنى نزوله من السماء: أنه من جهة الله لا من جهة إله آخر. ونص إنجيل يوحنا يبين أنهم طلبوا مائدة من السماء. ذلك قوله: \" أنه أعطاهم خبزًا من السماء ليأكلوا \" فإذا بارك الله فى طعام من الأرض ليشبع خلقًا كثيرًا؛ فإنه يكون مائدة من السماء. كالمن النازل من السماء. وهو لم ينزل من السماء وإنما كان على ورق الشجر، وكالسلوى.\nومن أعجب العجب: أن مؤلف الإنجيل قال كلامًا عن المسيح فى شأن محمد رسول الله لا يختلف اثنان فى دلالته عليه ﷺ. وقد استدل المسيح فيه عليه ﷺ بنص فى الإصحاح الرابع والخمسين من سفر إشعياء.\nويقول المعترض: ولعلّ قصة القرآن عن نزول مائدة من السماء نشأت عن عدم فهم بعض آيات الإنجيل الواردة فى متى ٢٦ ومرقس ٢٤ ولوقا ٢٢ ويوحنا ١٣. وغرضه من قوله هذا أن لا يعرف المسلمون موضع المائدة من الأناجيل لأنها بصدد كلام من المسيح فى شأن محمد رسول الله، وموضعها الإصحاح السادس من إنجيل يوحنا. اهـ (شبهات المشككين)","vol":"1","page":156},{"text":"السماءِ في الوقْتِ الذي يتمُّ الإِيمانُ بتكثيرِ الطعام، طالما أَنَّ كلا الأَمْرَيْنِ من\nفعْلِ الله، الذي هو على كلِّ شيءٍ قدير.\nوالإِيمانُ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، يَدْعونا إِلى الإِيمانِ والتصديقِ بكلِّ ما\nوردَ في القرآن.\nوقد أَخبرنا اللهُ أَنه مُنَزِّلُ المائدة، في قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)، والتعبيرُ عن إِنزالها بصيغة اسمِ الفاعل: \" مُنَزِّلُها \"، لتأكيدِ حقيقةِ إِنزالِها.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>أصحاب القرية والرسل الثلاثة</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ بقصةِ أَصحابِ القريةِ مع الرسلِ الثلاثة الذين\nأُرسلوا إِليهم ليَدعوهم إِلى الله.\nوخلاصَةُ تلك القصةِ أَنه كانَ أَهلُ قريةٍ من القرى كافِرين باللهِ، فأَرسلَ اللهُ إِليهم رجلَيْن رسولَيْن، ولما وَصلا إِليهم وَدَعواهم إِلى اللهِ كَذَّبوهُما، فَعَزَّزَهما اللهُ برسولٍ ثالث، وقامَ الرسُل الثلاثة بإِقامةِ الحُجةِ على أَهْلِ القَرية، ولكنَّهم لم يَسْتَجيبوا لهم..\nوجاءَ رجل مؤمنٌ من أَقصى المدينة، مُؤَيّدًا الرسلَ الثلاثةِ، ودَعا القومَ إِلى الإِيمان بالرسلِ وتصديقِهم والدخولِ في دينهم، وعبادةِ اللهِ وَحْدَه، لكنَّهم لم يَسْتَجيبوا له..\nوأَمامَ إِصرارِ أَهْلِ القريةِ على الكفرِ والتكذيبِ والإِيذاء، حَقَّتْ عليهم كلمةُ الله، فأَوقعَ بهم العذاب..\nكما ورد في الآيات (١٣ - ٢٩) من سورة يس.\nوقد أَبهمَ القرآنُ تفصيلَ قصةِ أَصحابِ القرية، فلم يذكُر اسْمَها، ولا\nزمانَها، ولا مكانَها، ولا جِنسيةَ أَهْلِها، كما لم يبيِّن أسماءَ الرسلِ الثلاثة،\nولا مَنْ أَرْسَلَهم، هل هم رسلٌ من اللهِ مباشرة، أم أَرسلَهم رسولٌ من عند الله، ولم يذكُرْ دِينَهم، ولا كيفَ وَصَلوا إِلى القرية، ولم يذكُر اسْمَ الرجلِ المؤمنِ الذي جاءَ يسعى ويَنْصُرُ الرسل، ولا تفاصيلَ ما جَرى بينَه وبينَ القوم، ولا كيفَ كانَتْ نهايةُ الرسلِ الثلاثة والرجلِ المؤمن، هل قُتِلوا أَوْ نَجَوْا، ولا كيفَ","vol":"1","page":157},{"text":"كانتْ تفَاصيلُ الصيحةِ الواحدةِ التي أَخذَتْهم وأَهلكَتْهم وجعلَتْهم خامدين!!.\nولم يَرِدْ حديث صَحيحٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - يُفَسِّرُ بعضَ المبهماتِ في قصةِ أَصحابِ القرية، ويُوَضَحُ بعض التفاصيل، ولو وَرَدَ لَقُلْنا به..\nفالواجبُ علينا أَنْ نبقى مع القرآنِ في حديثهِ عن القصة، ونسكتَ عن ما سكَتَ عنه، ولا نُبَيِّنَ بعضَ المبهماتِ التي أَبهمها القرآنُ عمدًا!.\nولكنَّ كثيرًا من المفَسِّرين لم يَفْعَلوا ذلك، وذَهَبوا إِلى الأَخبارِ والرواياتِ\nالتي لم تثبت، والإِسرائيلياتِ التي تُفَصِّلُ الكلام، وفَسَّروا بها كلامَ الله، وبَيَّنوا بها المبهماتِ التي أَبهمها القرآن.\nومن ذلك ما فعلَه الإِمامُ البيضاويُّ في تفسيرِ قصةِ أَصحابِ القريةِ في\nسورةِ يسَ، مما جعلَ الفادي ينتقدُه، ويُحَمِّلُ القرآنَ خَطَأَه!.\nقال: \" (أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ): القريةُ هي إِنطاكية.\n(إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ): هم رسلُ عيسى - ﵇ -.\n(إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ): لأَنه فِعْلُ رسولِه وخليفتِه، وهما يَحيى ويونس، وقيل: غيرهما.\n(فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ): هو شمعون.\n(فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ): وذلك أَنهم كانوا عبدةَ أصنام، فأَرسلَ إِليهم\nعيسى - ﵇ - اثْنَيْن، فلما قَرُبا من المدينةِ رأَيا حبيبًا النجار يَرعى غنمًا، فسأَلَهما فأَخبراه، فقال: أَمعكما آية؟\nفقالا: نَشْفي المريضَ، ونُبرئُ الأَكْمَهَ والأَبرص، وكان له ولد، فَمَسحاه فَبَرأ، فآمَنَ حَبيب، ففشا الخَبَرُ، وشُفيَ على أَيديهما خَلْق كثير.\nوبَلَغَ حديثُهما إِلى الملك، فقالَ لهما: أَلَنا آلهة سوى أَصنامِنا؟\nقالا: نعم، مَنْ أَوجدَك وآلهتَك؟ ...\nقال: حَتّى أَنظرَ في أَمْرِكما، فحبَسَهما..\nثم بَعَثَ عيسى شمعون، فدخَلَ مُتَنكرًا، وعاشَرَ أَصحابَ الملك ...\n، فأَنس به الملك، فقالَ له يومًا: سمعتُ أَنك حبستَ رجلَيْن فهل\nسمعْتَ ما يَقولان؟\nقال: لا.\nفَدَعاهما.\nفقال شمعون: مَنْ أَرسلكما؟\nقالا: اللهُ الذي خَلَقَ كُلَّ شيء، وليس له شريك.\nفقال: صِفَاه وأَوْجِزا.\nفقالا: هو يَفعلُ ما يشاءُ ويحكُمُ بما يُريد.\nفقال: وما آيَتُكما؟\nقالا: ما يَتَمنّى الملِك.","vol":"1","page":158},{"text":"فدعا بغُلامٍ مَطموسِ العينَيْن، فدَعَوَا اللهَ حتى انشقَّ له بَصَرُه، وأَخَذا بُنْدُقَتَيْن، فوضَعاهُما في حَدَقَتَيْه، فصارا مقلَتَيْن ينظرُ بهما.\nفقالَ شَمعون للملك: أَرأيتَ لو سأَلْتَ آلهتَك هل تصنَعُ مثلَ هذا؟\nفقالَ الملك: لا أُخفي عنك سِرًّا، آلهتُنا لا تَسمعُ ولا تُبصر، ولا تَضر ولا تَنْفَع..\nثم قال: إِنْ قَدَرَ إِلهُكما على إحياءِ الميتِ آمَنّا به، فأَتَوا بغُلامٍ ماتَ منذُ سبعةِ أَيامِ، فدعَوَا الله، فقامَ حَيًّا، وقال: إِني أُدخلتُ سبعةَ أَوديةٍ من النار، وأنا أُحَذرُكُم ما أَنتم فيه.. فآمِنوا ...\nوقال: فُتحتْ أَبوابُ السماء، فرأيتُ شابًّا حَسَنًا يشفعُ لهؤلاءِ الثلاثة ...\nفلما رأى شمعونُ أَن قولَه أَثّرَ في الملكِ نَصَحَه، فآمَنَ في جَمْع، ومَنْ لم يؤمنْ\nصاحَ عليهم جبريلُ فَهَلَكوا..\n(وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى) .\nهو حبيبٌ النَجار، وكان يَنحتُ أَصنامَهم، وهو ممنْ آمَنَ بمحمد، وبَيْنَهما ستُّمئة سنة..\nوقيل: كانَ في غارٍ يَعْبُدُ الله، فلما بَلَغَه خَبَرُ الرسولِ أَتاهم وأَظهر دينَه..\".\nتُحَدِّدُ هذه الروايةُ الإِسرائيليةُ القريةَ بأَنها إِنطاكية، والرَّجلينِ الرَّسولينِ\nبأَنهما يحيى ويونس، وأَنَّ الذي أَرسلَهما هو عيسى، وأَنَّ الرسولَ الثالثَ\nالمؤَيّدَ لهما هو شمعون.\nوأَنَّ الذي جاءَ يَسعى من أَقصى المدينة هو حَبيبٌ النجار، وأَن حوارَهم كان مع ملكِ المدينة، وأَنهم قَدَّموا له الآياتِ من الشفاءِ والإِحياءِ حتى آمَن ...\nوقد اعترضَ الفادي على هذه الروايةِ الإِسرائيلية، وحَمَّلَ القرآنَ\nمسؤوليتَها، قال: \" معلومٌ أَنَّ إِنطاكيةَ كانَتْ تحتَ حكْمِ الرومان، فكيفَ يقولُ القرآنُ: إِن لها مَلِكًا؟\nويقولُ البيضاوي: إِنَّ حبيبًا النجارَ نَحّاتَ الأَصنامِ في إِنطاكية آمَنَ بمحمد، فهل من المعقولِ أَنْ يؤمنَ برسالةٍ جاءَتْ بعْدَه بستِّمئة سنة؟\nثم إِنَّه ليسَ مِن تلاميذِ مَنْ يُدْعى شمعون أو يونس؟\nفشمعونُ هو ابنُ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بنِ إِبراهيم، ويونسُ أَو يونانُ هو أَحَدُ أَنبياءِ التوراة، الذي","vol":"1","page":159},{"text":"ابْتَلَعَه الحوت \".\nونحنُ لَسْنا مع البيضاويِّ في الروايةِ الإِسرائيليةِ التي ذَكَرَها، ولا نُفَسّرُ\nبها كلامَ الله، ونَبقى مع حديثِ القرآنِ عن قصةِ أَصحابِ القرية، لا نُضيفُ له أَيَ تفصيل.\nوهذا معناهُ أَنَّ اعتراضَ الفادي على القرآنِ مَرْدودٌ من أَساسِه، لأَنَّ\nالقرآنَ لم يَذكرْ أَنَّ القريةَ هي إِنطاكية، ولا أَنه كان يحكُمُها مَلِك، ولم يُسَمِّ\nالرسلَ الثلاثة: يحيى ويونس وشمعون، ولم يتحدَّثْ عن حبيبٍ النجار.\nولقد كانَ الفادِي متحامِلًا على القرآن، عندما حَمَّلَه خَطَأَ كلام البيضاوي، وادَّعى أَنَّ القرآنَ هو الذي قال: كان الملكُ يحكمُ إنطاكية! ومعلومٌ أَنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ مسؤوليةَ أَيِّ فهمٍ خاطئ له!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>حول قوم عاد</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قصةِ قومِ عاد، وكُفْرِهم بالله، وتكذيبهم نبيَّهم\nهودًا - ﵇ -، ولما أَصَرّوا على كفْرهم وتكذيبهم أَوقعَ اللهُ بهم عِقابَه، حيث أَخَذَتْهم الصيحةُ فقضتْ عليهم وأَهلكَتْهم.\nوقد ذُكرتْ قصةُ عادٍ بالتفصيلِ في سور: الأَعرافِ وهودٍ والشعراءِ وفُصِّلت والقمر وغيرها.\nوفَصَّلَتْ سورةُ الأَحقافِ - قليلًا - العذابَ الذي أَوقعَهُ اللهُ بهم.\nقالَ تعالى: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) .","vol":"1","page":160},{"text":"وقد اعترضَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن قومِ عاد، واعتبرَهُ غيرَ\nصَحيح، لأَنه لا يتفقُ مع حديثِ العهدِ القديمِ..\nوأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ تفصيلَ العذابِ الذي أوقعَهُ اللهُ بهم.\nقال: \" قال البيضاوي: هودٌ هو ابنُ عبدِ الله بنِ رباح بنِ الخلودِ بن عاد بن عوص بن إِرَم بن سامِ بن نوح ...\nوقومُ عادٍ كانوا يَعْبدونَ الأَصنام، فبعثَ اللهُ إِليهم هُودًا، فكَذَّبوه وازدادوا\nعُتُوًّا، فأَمسكَ اللهُ المطرَ عنهم ثلاث سنين، حتى جهدَهم..\nوأَنشأَ اللهُ سَحاباتٍ ثلاثًا، بيضاءَ وحمراءَ وسوداء، ثم نادى مُنادٍ من السماء لزعِيمِهم \" قِيَلِ بنِ عَثَر \": يا قِيَل! اخْتَرْ لنفسِك وقومِك.\nفقالَ: اخترتُ السوداء، فإِنها ْأَكْثرهُنَّ ماء!!..\nفخرجَتْ على عادٍ من وادي المُغيث، فاستَبْشروا بها، وقالوا: هذا عارضٌ ممطِرُنا..\nفجاءَتْهم منها ريخ عَقيم، فأَهلكَتْهم..\nونجا هود والمؤمنونَ معه، فأَتَوْا مكَّة، وعَبَدوا اللهَ فيها حَتى ماتوا \".\nوعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ قائلًا: \" ولا تذكُرُ التوراةُ أَنَّ نبيًا قامَ\nبينَ نوحٍ وإبراهيم، وتذكُرُ بينَ ذريةِ نوحٍ رَجُلًا اسْمُه عاد، ولا تذكُرُ عقابًا\nبانقطاعِ المطرِ ثلاث سنوات، إِلَّا في أَيامِ النبيِّ إِيليا \".\nوقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا القاعدةَ العلميةَ الموضوعيةَ في التعاملِ مع أَحداثِ\nالزمن الماضي، وهي أَخْذُها من المصادرِ الإِسلاميةِ الموثوقة، المحصورةِ في\nالآياتَ القرآنيةِ الصريحة، والأحاديثِ الصحيحةِ المرفوعةِ إِلى رسولِ الله - ﷺ -\nوخلاصَةُ ما ذكَرَهُ القرآنُ حولَ قصةِ عادٍ: أَنهم كانوا يسكنونَ في منطقةِ\nالأَحقافِ في جَنوبِ شرقِ الجزيرةِ العربية، وأَنهم كانوا بعدَ قومِ نوحٍ - ﷺ -، وأَنهم كانوا كافرينَ بالله، وكانوا ظَالمين معتدين، أَقوياءَ أشِدّاء.\nفبعثَ الله ُ لهم هودًا - ﷺ - رسولًا، وجَرى بينَه وبينهم جدالٌ ونقاش، وأَصَرّوا على كفرهم،","vol":"1","page":161},{"text":"ولما أَوقعَ اللهُ بهم عذابَه أَنجى هودًا - ﵇ -، والذين آمَنوا معه، وأَرسلَ على القوم الكافِرين ريحًا باردةً شديدةً قويةً عاتية، سَخَّرها عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أَيامٍ حُسومًا، وأَرسلَ عليهم سَحابًا أَسود، اعترضَ جبالَهم ووديانَهم، فظنّوه سَحابًا ممطرًا، واستبْشَروا به، فأَهلكَهم الله.\nولَسْنا مع ما أَوردَه البيضاويُّ من نَسَبِ هودٍ إِلى نوح - ﵉ -، لأَنه لا دليلَ عندَنا على هذا النَّسَب، فلم يَرِدْ كلامٌ عنه في حديثِ رسولِ الله - ﷺ -..\nكما أَننا لَسْنا مع البيضاوي في حديثِه عن السحاباتِ الثلاث، وعن اختيارِ زعيمِهم السحابةَ السوداء \" لأَنها ممتلئةٌ مطرًا.\nلا نقولُ إِلا بما قالَ به القرآنُ حولَ هذا العارضِ الذي يَحملُ العذاب:\n(فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ) ... .\nوإِذا كانَ في كلامِ البيضاويّ ما ليسَ عليه دليل، فإِنَّ القرآنَ لا يتحملُ\nذلك، والقراَنُ لا يتحملُ إِلَّا ما ذكَرَه ونَصَّ عليه بصراحة! فاعتراضُ الفادي\nعلى القرآن مردود.\nوقد أخطأَ الفادي عندما شَكَّكَ في كلامِ القرآن عن قوم عادٍ، واعتبره من\nأخطاءِ القرآن التاريخية! وهو يَنفي وُجودَ قومِ عادٍ في التاريخ، ويُنكرُ نبوةَ\nهودٍ - ﵇ -، والسببُ هو عدمُ حديثِ التوراةِ عن ذلك! وعدمُ حديثِ التوراةِ عن عادٍ لا يَعْني عدمَ وجودِهم في التاريخ، فلم تَذكر التوراةُ كُلَّ شيء من قَصصِ السابقين، وما سكَتَتْ عنه لا يَعني عدمَ وجوده! ثم إِنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا التوراةَ وأَضافوا لها كثيرًا من مزاعمِهم وأكاذيبهم وأَخطائِهم، فليس كلُّ ما فيها صحيحًا!.\nوبما أَنَّ القرآنَ تحدَّثَ عن عادٍ فهو الحديثُ الصحيح، لأَنه هو مرجعُنا\nالمأمونُ الموثوقُ به، ولا وَزْنَ لاعتراضِ الفادي على حديثِه، وتخطئتِه له!.","vol":"1","page":162},{"text":"حول النبي ذي الكفل - ﵇ -\nذو الكِفْلِ نبيّ من الأَنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ\nضمنَ الأَنبياء.\nقال تعالى: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) .\nوقال تعالى: (وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) .\nوذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ لينظرَ فيما أَوردَه عن قصةِ ذي\nالكِفْلِ، ليشكِّكَ في ذِكْرِ القرآنِ له.\nقال: \" قالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ (ص): ذو الكِفْلِ ابنُ عَمِّ الْيَسَع، أَو\nبِشْرُ بنُ أَيّوب، واخْتُلِفَ في نبوتِه ولَقَبِه.\nفقيل: فَرَّ إِليه مئةٌ من أنبياءِ بني إِسرائيلَ من القَتْل، فآواهُم وكَفِلَهم.\nوقيلَ: كُفِلَ برجلٍ عملَ صالحًا، وكان يُصَلي كُلَ يومٍ مئةَ صلاة \".\nوقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ سورةِ الأَنبياءِ: \" ذو الكفلِ يَعْني إِلياس، وقيل:\nيوشع، وقيل: زَكريا، سُمِّي به لأَنه كانَ ذا حَظ من اللهِ تعالى، أَو تَكَفَّلَ\nأُمَتَه! \".\nوجاءَ في بعضِ التفاسير أَنَّ ذا الكفلِ نبيّ من بَني إِسرائيل، وحكايَتُه أَنَّ\nمَلِكًا أَوحى اللهُ إِليه إِنّي أُريدُ قَبْضَ روحِك، فاعْرِضْ مُلْكَكَ على بَني إِسرائيل، فمنْ تَكَفَّلَ أَنْ يُصَلِّيَ الليلَ ولا يَفْترَ، ويَصومَ النهارَ ولا يُفْطِر، ويَقضيَ بينَ الناسِ ولا يَغْضَب، فادْفَع إِليه مُلْكَكَ، فَفَعَلَ ذلك..\nفقامَ شابّ، فقال: أَنا أَتكفَّلُ لك بهذا..\nفتكفَّلَ وَوَفّى، فَشَكَرَ اللهُ له، ونَبَّأَه..\nوسُمِّيَ ذا الكفل.. \".\nوعَلَّقَ الفادي على ما نَقَلَه بتخطئةِ القرآن، قال: \" ولا تَذْكُرُ التوراةُ ذا\nالكفل، ولكنها تذكُرُ أَنَّ الرجلَ الذي عالَ مئةً من الأَنبياءِ هو عوبديا، وزيرُ\nالملك أَخْآب، وكان يخشى الرَّبَّ جِدًّا، وخَبَّأَ هؤلاء المئة وَقْتَ أَنْ قَتَلت","vol":"1","page":163},{"text":"الملكةُ إِيزابلُ أَنبياءَ الرب \".\nلم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عن ذي الكفل، واكْتَفى بذكْرِهِ ضِمنَ الأَنبياء،\nوكُلّ ما يتعلَّقُ بنبوَّتِه وقِصَّتِه فهو من مبهماتِ القرآن، التي لا نعرفُ عنها شيئًا، ولا نملكُ الوسيلةَ لبيانِها، وكلُّ ما نقولُه عنه: إِنَ ذا الكفل نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل.\nوهذا مَعْناهُ أَنْ نتوقَفَ في ما حكاهُ البيضاويُّ والمفسِّرونَ الآخرون عن\nقصته، كما نتوقَّفُ في كُلِّ ما تذكُرُه الإِسرائيلياتُ، فلا نُصَدِّقُه ولا نُكَذِّبُه،\nوالتوقُّفُ يعني أَنْ لا نذكُرَه ولا نعتمدَه ولا نقولَ به.\nأَما منهجُ الفادي المفترِي في النظرِ إِلى ما ذَكَرَهُ القرآنُ، فإِنه منهج خاطئٌ\nمردود، فهو يُحاكمُ القرآنَ إِلى التوراة، فما وافَقَ التوراةَ صَدَّقَه، وما لم تذكُرْه التوراةُ خَطَّأَهُ وكَذَّبَهُ ورَدَّه.\nولذلك لا يَعتبرُ ذا الكِفْلِ نبيًَّا، لأَنَّ التوراةَ لم تذكُرْ ذلك!.\nذو الكفلِ في نظر الفادي ليسَ نبيًا، والقراَنُ أَخْطَأَ عندما ذَكَرَهُ مع\nالأنبياء! أَما نحنُ فإِننا نؤمنُ أَنَّ ذا الكفلِ نبيٌّ من أَنبياءِ بني إِسرائيل، لأَنَّ اللهَ\nأَخْبَرَنا عنه في القرآن، وتَفاصيلُ قِصتِه من مبهماتِ القرآن، ومَنْ أَنكرَ كونَه نبيًا فهو كافر بالله لأَنه كَذَّبَ القرآنَ!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>من هم أصحاب الرَّسِّ</span>؟\nأَشارَ القرآنُ إِشارةً إِلى أَصحابِ الرّش.\nقال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) .\nوقال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) .","vol":"1","page":164},{"text":"وذهب الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ليتعَرَّفَ منه على أَصحابِ الرسّ.\nونَقَلَ عنه قولَه: \" أَصحابُ الرسّ: قومٌ كانوا يَعبدونَ الأَصْنام، فبعثَ اللهُ لهم \" شعَيْبًا فكَذَّبوه، فبينما هم حَوْلَ الرَّسِّ (وهي البئرُ غيرُ المطويَّة) انهارَتْ، فَخُسِفَ بهم وبديارِهم..\nوقيل: الرسُّ: قريةٌ بجهةِ اليَمامة، كان فيها بقايا ثمود، فبُعث\nلهم نبيّ فقَتَلوه، فهَلكوا..\nوقيل: الرسُّ: الأُخْدود.\nوقيل: الرسُّ: بئرٌ بإِنْطاكية، قَتَلوا فيها حَبيبًا النجار..\nوقيل: هم أَصحابُ حنظلةَ بنِ صفوان النبي، ابْتلاهم اللهُ تعالى بطيرٍ عَظيم، كان فيها من كُلّ لون، وسَمّوها عَنْقاء، لطولِ عُنُقِها، وكانت تسكنُ جَبَلَهم الذي يُقالُ له: فَتْح أَو دمخ، وتنقضُّ على صبيانهم فتخطفُهم إِذا أَعوزَها الصيْد، فدعا عليها حنظلةُ فأَصابَتْها الصاعقة.\nثم إِنهم قَتَلوه فأُهلِكوا..\nوقيل: هم قومٌ كَذَّبوا نبيَّهم وَرسّوه، أَيْ: دَسُّوهُ في بئر \".\nوشَكَّكَ الفادي في هذا الكلام، وهاجَمَ القرآنَ قائلًا: \" ونحنُ نسألُ: ما\nهذه الرسّ؟\nوفي أَيِّ بلاد؟\nوفي أَيِّ زمن؟\nلماذا لم يُوَضّحْ لنا القرآنُ ذلك، إِنْ كانَ للرس وجود؟! (١) .\n\" الرَّس) \": مصدر. تقولُ: رَسَّ، يَرُسُّ، رَسًّا.\nوهو بمعنى الإِدْخال. تقول: رَسَّه. أَيْ: أَدْخَلَه.\nويُطْلَقُ على البئرِ المحفورةِ في الأرض، ولكنَّها لم تُطْوَ، أَيْ: لم تُبْنَ من الداخل.\nو\"أَصحابُ الرسِّ \": هم قومٌ كانوا يُقيمونَ حولَ بئرٍ مطويّة، غيرِ مبنيةٍ\nبالحجارة.\nفقيل عنهم: أَصحابُ الرسِّ.\nولم يُفَصل القرآنُ الحديثَ عنهم، ولم يَقُصَّ قصتَهم، واكتفى بذكْرِ\nاسْمِهم ضمنَ مجموعةٍ من الأَقوامِ الكافرين السابقين، في سورَتَي الفرقان وق.\nفكانت قصةُ أَصحابِ الرسِّ من مبهماتِ القرآن.\nولم يَرِدْ حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ الله - ﷺ - يتحدثُ عنهم.\nولذلك لا نتحدَّث عنهم، ونكتفي بالإِشارةِ القرآنيةِ المجملة.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١٠- أصحاب الرس\nجاء فى سورة الفرقان (وأصحاب الرس) ثم ذكر كلام البيضاوى المفسر، ووجه الإشكال عليه.\nالرد على الشبهة:\nإن كلام المفسر ليس بحجة، ويوجد فى أرض العرب مدينة تسمّى مدينة \" الرس \" وهذا يدل على ذكر اسم قديم فى بلاد العرب. ربما يكون من اسم الأوائل. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":165},{"text":"ولَسْنا مع البيضاويّ في ما نَقَلَه عنهم، لأَنه كلامٌ لا دَليلَ عليه، فقد ذَكَرَ\nخمسةَ أَقوالٍ في تَعيينهم، وكلُّها أَقوالٌ ظنية، والتفاصيلُ التي ذَكَرَها من بابِ\nالإِسرائيليات التي لم تصحّ عندنا، فنتوقَفُ فيها، لا نُصدِّقُها ولا نُكذبُها ولا\nنَرويها.\nوما نقلَه البيضاويُّ في تَعيينِ أصحابِ الرس لا يتحملُه القرآن، فإِنْ كانَ\nخطأً فيتحمَّلُ مسؤوليتَه الذين رَووه وذَكروه!!.\nوتشكيكُ الفادي في وُجودِ أَصحابِ الرسّ اتهامٌ وتكذيبٌ منه للقرآن،\nوتَساؤُلُه عن مكانِ وزمانِ أَصحابِ الرسّ من بابِ خبثِه ولؤمِه: \" لماذا لم\nيُوَضِّحْ لنا القرآنُ ذلك إِنْ كانَ للرسِّ وُجود؟! \".\nإِننا نؤمنُ أَنَّ للرسِّ وجودًا، وأنه كانَ قومٌ من الناسِ مُقيمونَ حولها،\nنؤمنُ بذلك لأَنَ القرآنَ ذَكَرَ ذلك، وكُلُّ ما وردَ في القرآنِ فهو صادق وصحيحٌ وثابت، لأَنه كلامُ الله.\nأَما لماذا لم يُوَضِّح القرآنُ زمانَ أَصحابِ الرسِّ أو مكانَهم، ولم يُفصلْ\nقصتَهم مع نبيّهم، فإِنَّ هذا يتفقُ مع منهج القرآنِ في حديثهِ عن قَصصِ\nالسابقين.\nإِنَّ القرآنَ ليس كتابَ تاريخٍ مُفَصَّل، وحديثُه عن قَصصِ السابقين\nليسَ روايةً تاريخيةً فنيةً مفصَّلَة، إِنه لا يذكُرُ من أَخبارِ السابقين إِلّا ما فيه عبرةٌ\nوعِظَة، وهو يعرضُ من أَخبارِهم ما يُحققُ أَهدافَه من الحديثِ عن قَصصِ\nالسابقين، وما يَعرضُه يتناسقُ مع السياق الذي وَرَدَ فيه.\nوهذا مَعناهُ أَنَّ ما وردَ في القرآنِ من أَخبارِ السابقين هو لَقَطاتٌ ومَشاهد\nومواقف قليلة، وما لم يوردْه من تَفاصيلِ أَخبارِهم أَكثرُ مما أَورده، وقد تعَمَّدَ\nالقرآنُ إِبهامَ الكثير من تَفاصيلِ حياتِهم، عن تَعَمُّدٍ وقَصْد، لأَنَ اللهَ الحكيمَ\nالعليمَ يَذكرُ للناسِ ما يَحتاجونَ إِليه ويستفيدونَ منه، وما طَواهُ عنهم يَعلم أَنهم لا يَحتاجون إِليه!.\nالمهمُّ أَنَّ ما ذَكَرَه القرآنُ من أَخبارِ السابقين صادقٌ صحيحٌ ثابت،","vol":"1","page":166},{"text":"ولا يُلامُ القرآنُ على ما أَغفَلَه من تفاصيلِ قَصصِ السابقين، إِنما يُلامُ أَوْ يتهم إِذا أَخطأَ فيما أَوردَه من قَصصهم!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>حول لقمان الحكيم</span>\nفي القرآنِ سورة سماها اللهُ سورةَ لقمان، وأَخبرَ المسلمين فيها عن طَرَفٍ\nمن قصةِ لقمانَ الحكيم.\nوقال فيها: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) .\nوذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليأخذَ منه مادتَه التشكيكيةَ بالقرآن،\nونَقَلَ عنه قولَه: \" لقمانُ بنُ باعوراء، من أَولادِ آزَرَ، ابنِ أُخْتِ أَيوب أَو\nخالتِه، وعاش حتّى أَدركَ داودَ ﵊، وأَخَذَ منه العلم، وكان يُفتي قبلَ مبعَثِه \".\nوعلقَ على كلامِ البيضاويِّ قائلًا: \" فكيفَ يكونُ لقمانُ هذا نبيًّا؟\nوكيفَ يعتبرُه البيضاويُّ أَنه عاصرَ أيوبَ وعاصَرَ داودَ، وبينَ أيوبَ وداودَ ما يقربُ من تسعمئةِ سنة؟!\nوأَينَ بلادُ عوصٍ حيث عاشَ أَيوبُ من بلادِ فلسطينَ حيثُ عاشَ داودُ؟! \".\nلم يُفَصّل القرآنُ الحديثَ عن لُقمان، وكلُّ ما ذكَرَه عنه أَنه كان رَجلًا\nمؤمنًا بالله، عابدًا شاكِرًا له، آتاهُ اللهُ الحكمةَ والعلمَ والفهم، وكان داعيةً\nناصحًا، وكان له وَلد، فقامَ بواجبِه في نصحِه وتوجيهِه وتذكيرِه وتعليمِه.\nوقد ذَكرتْ سورةُ لقمانَ طَرَفًا مما وَعَظ ونصحَ به ابْنَه.\nولم تُضِفْ مصادرُنا الإسلاميةُ اليقينيةُ على ما وردَ في القرآنِ عنه،\nولذلك معظمُ ما يتعلقُ بقصتِه من مبهماتِ القرآن، التي لا نملكُ دَليلًا على\nبيانها، فلا دَليلَ على زمانِه أَو مكانِه، ولا على القومِ الذين كانَ يَعيشُ معهم،","vol":"1","page":167},{"text":"ولا نَعرفُ هل كان نبيًَّا أَمْ مجردَ مؤمن عالمٍ حَكيم، ولا نَعرفُ من كلامِهِ\nومواعظِه وحِكمِهِ إِلَّا ما وردَ في القرآنِ!.\nوهذا معناهُ أَنْ نتوقَّفَ في القولِ بما وَرَدَ عنهُ من أَخبارٍ وأقوالٍ وحِكم، لأَنها من الإِسرائيلياتِ والرواياتِ التي لم تَثْبُت، فلا نُصدقُها ولا نُكذبُها ولا نَرويها.\nولَسْنا مع البيضاويّ في حديثِه عن لُقْمان، لأَنه لا دليلَ عليه.\nوقد كان الفادي مُتَحامِلًا على القرآنِ عندما اعترضَ على كلامِ\nالبيضاوي، وجَعَلَه من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية، فما دَخْلُ القرآنِ في كلامِ\nالبيضاوي؟\nلا يُسأَلُ القرآنُ إِلا عن الكلامِ الذي يذكُرُه، ولا يُسْأَلُ عن كلامِ\nالبَشَرِ المفَسِّرين، فهم قد يُخطئونَ وقد يُصيبون!.\nلم يُصَرِّح القرآنُ بنبوةِ لقمان، كما أَنه لم يَنْفِ نبوَّتَه، وإِنما سَكَتَ عنها،\nولذلك لا نَقولُ بنبوَّته، لأَنه قد لا يكون نبيًّا!! ولا نَنْفي عنه النبوَّة، لأَنه قد\nيكونُ نبيًّا، فالأَسلمُ هو التوقُّفُ في هذا القول، والاعترافُ بقصورِ العِلْم،\nفنحنُ لا نَعلمُ إِلا ما عَلَّمَنا اللهُ إِياه، أَو وَفَّقَنا إِليه!.\nثم إِنَ ما ذكرَهُ الفادي نَقْلًا عن العهد القديم لا دليلَ عليه، فلا دليلَ\nعلى أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ داودَ - ﵇ - بتسعمئة سنة، ولا دَليلَ على أَنَّ أَيوبَ كان ببلادِ عوصٍ العربية، ولم يَقُلْ لنا أَينَ تقعُ بلادُ عوصٍ في الجزيرةِ العربية.\nفما عابَه الفادي على البيضاوي وَقَعَ هو فيه، وما وَجَّههُ إِليه من انتقادٍ\nيُوَجَّهُ إِليه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>بين الإسكندر وذي القرنين</span>\nذَكَرَ اللهُ طَرَفًا من قصةِ ذي القرنَيْن في سورةِ الكهف الآيات (٨٣ - ٩٨)\nوخلاصةُ ما ذكَرَه عنه: أَنه كانَ رَجُلًا مؤمنًا صالحًا، وكان قويًا شُجاعًا ظافرًا منصورًا، وقامَ بثلاثِ رحلات، رحلةٍ نحو مغربِ الشمس، فَتَحَ فيها بلادًا،","vol":"1","page":168},{"text":"وأَحسنَ معاملةَ أَهلها، ورحلةٍ نحو مشرقِ الشمس، وصلَ فيها إِلى أرضٍ\nمكشوفةٍ سهلة منبسطة، ورحلةٍ نحو الشمال، وَجَدَ فيها قومًا ضِعافًا، شكوا إِليه هجماتِ يأجوج ومأجوج، فأَقامَ سَدًّا عاليًا بين جبلَيْن، ليقيهم من هجماتِهم.\nورجعَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، وأَخَذَ بعضَ ما قالَه عن ذي\nالقرنَيْن، ونسبَ له قوله: \" قال البيضاوي وابنُ هشام: إِنَّ ذا القرنَيْن هو\nإسكندرُ الأَكبر.\nوقال البيضاوي: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ): يَعني إِسكندرَ\nالرومي، مَلَكَ فارس والروم، وقيل: مَلَكَ المشرقَ والمغرب، ولذلك سُمِّيَ ذا القرنين، أَو لأَنه طافَ قَرني الدنيا شرقَها وغربَها، وقيلَ: لأَنه انقرضَ قرنان من الناس، وقيلَ: كانَ له قرنان، أَيْ ضفيرتان، وقيل: كانَ لتاجه قَرْنان..\nويُحتملُ أَنه لُقّبَ بذلك لشجاعتِه، كما يقال: الكبشُ للشُّجاع، كأَنه ينطحُ\nأَقرانَه.\nواختُلفَ في نبوَّته مع الاتفاقِ على إِيمانِه وصَلاحِه \".\nولا نُوافقُ البيضاويَّ على هذا الكلام، لأَنه ليس عليه دليلٌ من القرآنِ أَو\nالحديثِ الصحيحِ عن رسول اللًه - ﷺ -، ولا داعي للأَقوال السبعةِ المختلفة التي ذَكَرَها في سببِ تسميته بذي القرنَيْن، ولا داعيَ لترجيحِ أَحَدٍ منها، لأَنها كُلَّها مما لا دليلَ عليه!.\nلم يَزِد القرآنُ على وصْفِ ذلك الرجلِ بذي القرنَيْن، وأَبهمَ اسْمَه وزَمانَه\nومكانَه، فلا نَعرفُ هل كان نبيًّا أَم لا، ولا نَعرفُ اسْمَه ونَسَبَه، ولا نَعرفُ\nالبلدَ الذي كانَ يحكُمُه، ولا نَعرفُ النبيَّ الذي كانَ في عصره، ولا نَعرفُ\nتَفاصيلَ رحلاتِه المذكورةِ في سورةِ الكهف، ولا يُمكنُنا تَحديدُ المكانِ الذي\nوَصَلَ إِليه في الغرب، ولا تحديدُ العينِ الحمئةِ التي وَقَفَ عندها، ولا تَحديدُ\nالمكانِ في المشرق، ولا تَحديدُ المكانِ الذي وَصَلَه في الشمال، ولا السَّد\nالذي بَناه بين الجبلَيْن، فهذا كُلُّه من المبهماتِ التي لا تَبيينَ لها، لعدمِ وجودِ\nدليلٍ عليها.","vol":"1","page":169},{"text":"ونَرُدُّ القولَ الذي أَوردَه البيضاوي من أَنَّ ذا القرنين هو الإسكندرُ الأَكبرُ\nالرومي، ملكُ اليونانِ المعروف، الذي فَتَحَ بلادَ اليونان والرومان وتركيا\nوالشام ومصر وفارس، وماتَ في شبابِه في مدينةِ بابل، كما قال المؤرخون.\nفهذا القول خطأ، وإنْ قالَ به كثيرٌ من المؤَرِّخين والإِخباريّين\nوالمفَسِّرين، لأَنه يَتعارضُ مع القرآن، فالإِسكندرُ المقدونيُّ الرومي كان وثنيًا\nكافرًا مشركًا بالله، وذو القرنين كان رَجُلًا مؤمنًا صالحًا داعيًا إِلى الله، فأَيْنَ\nهذا من هذا؟!.\nإِذنْ أَخْطَأَ البيضاويُّ - ﵀ - ومَنْ معه عندما قالوا: ذو القرنين هو\nالإِسكندر! لكنَّهُ خطؤُهم وليسَ خَطَأ القرآن.\nوبهذا نَرُدُّ الأَسئلةَ والإِشكالاتِ التي أَثارها الفادي على حديثِ القرآنِ\nعن ذي القرنينِ في قوله: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يَجعل القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ\nالملكَ اليونانيَّ الوثنيَّ نبيًّا يُخاطبُه اللهُ ويُوحي إِليه؟\nوكيفَ يَعْزو إِليه زيارةَ سدودٍ تَحُدُّ الأَرضَ وآبارٍ تَغيبُ فيها الشمس؟\nوإِذا كانَ إِسكندرُ عَمَّرَ جيلَيْن كما قال البيضاوي، فما كانَ أَقصر أَعمارِ أَهلِ زمانه؟\nفالتاريخُ يقول: إِنَّ إِسكندرَ توفيَ ابنَ ثلاثٍ وثلاثين سنة في مدينة بابل سنة (٣٢٣ ق. م)، وكيفَ يكونُ نبيًّا أَو صالِحًا مؤمنًا، وقد كانَ من عبدةِ الأَوثان، وادَّعى أَنه ابنُ آمون إِله المصريين؟! \".\nإِنَّ الفادي يَفتري ويُغالط وَيَتَلاعب، ويتهمُ القرآنَ بما ليسَ فيه، ويَحَمّلُه\nأَخطاءَ المفسِّرين، ويَنسبُ كلامَ المفسِّرين إِلى القرآن.\nإِنه يَكذبُ في قولِه: \" كيفَ يجعلُ القرآنُ إِسكندرَ الأَكبرَ الملكَ اليونانيَّ\nالوثنيَّ نبيًا يُخاطبُه اللهُ ويوحي إِليه؟ \".\nمع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ ذلك، وإِنما أَخْبَرَ عن ذي القرنين، ولم يُصَرِّحْ بنبوةِ ذي القرنين، فضلًا عن أَنْ يَقول: إِنَّ ذا القرنين هو الإِسكندر، وإِنه نبيّ!.\nإِنَّ الذي قَال بأَنَّ ذا القرنين هو الإِسكندرُ هو البيضاوي ومَنْ معه من","vol":"1","page":170},{"text":"المفسرينَ والمؤَرِّخين، وقد أَخْطَؤوا في كلامِهم كما سبقَ أَنْ قَرَّرْنا، فكيفَ\nيَنسبُ الفادي المفترِي كلامَهم إِلى القرآن، ويَجعلُ خَطَأَهم من أَخطاءِ\nالقرآن؟!.\nوبمناسبةِ اتِّهامِه للقرآنِ وتشكيكِه في معلوماتِه، فقد شَكَّكَ في كلامِ القرآنِ\nعن العينِ الحمئةِ التي وَصَلَها ذو القرنين، وعن السَّدِّ الذي بَناه.\nقال: \" وإِنْ كانت الشمسُ تَغربُ في بئرٍ فهل تَدورُ الشمسُ حولَ الأَرض أَم الأَرضُ حولَ الشمس؟\nأَمّا السَّدُّ الذي بَناهُ إِسكندر من زُبَرِ (قِطَعِ) الحَدِيدِ والنحاسِ بين جَبَلَيْن،\nأحدهما مأهولٌ بأُمَّةٍ صالحة، والآخَرُ بأُمَّةٍ متوحشةٍ، فلا نَجِدُ له أَثَرًا \".\nوقد سَبَقَ أَنْ نَاقَشْنا الفادي في تشكيكِه في غروبِ الشمسِ في عينٍ\nحمئة، التي أَخبرَ اللهُ عنها في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) .\nأَما تشكيكُه في إِخبار القرآنِ عن سَدِّ ذي القرنين بحجةِ أَنَّ السَّدَّ ليس\nموجودًا؟\nفلا وَزْنَ له، لأَنَّ عَدَمَ وجودِ السَّدِّ على الأَرضِ لا يَعْني أَنه لم يُبْنَ\nولم يَكنْ موجودًا من قبل، فمن الراجح عندنا أَنَّ السَّدَّ قد تَمَّ نقضُه وهدمُه،\nولم يَعُدْ له أَثَر، لكننا نوقنُ أَنَّ ذا القرنين بَناهُ بين الجبلَيْن من الحديدِ\nوالنحاس، لأَنَّ اللهَ أَخبرَنا عن ذلك في القرآن.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>الكعبة ومقام إبراهيم - ﵇ </span>-\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الكعبةَ هي أَولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لعبادةِ الله.\nقال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) .","vol":"1","page":171},{"text":"وشَكَّكَ الفادي في هذا واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية.\nونَقَلَ عن الدكتورِ علي حسني الخربوطلي قولَه: \" إِنَّ الوثنيّين هم الذين\nبَنَوُا الكعبةَ لعبادةِ زُحَل والأَصنام، وكان العربُ يحجّونَ إِليها لتعظيمِ\nأَصنامِهِم \".\nويُعَلِّقُ الفادي على كلام الخربوطلي بأَنه من الخطأ اعتبارُ الكعبةِ بيتًا\nلعبادةِ الله، قال: \" من الخَطَأ أَنْ يُقالَ: إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللهِ أَو مقامُ إبراهيم، فأين بيتُ اللهِ من بيتِ الأَصنام؟ \" (١) .\nوما نسبَهُ الفادي إِلى الخربوطلي مردود، والدكتورُ علي حسني\nالخربوطلي مسلمٌ، لا يُخالفُ ما وَرَدَ في القرآن، وهو في كتابه \" الكعبة على\nمر العصور \" يذكرُ بعضَ ما قيلَ عن تاريخِ الكعبةِ وماضيها، فذَكَرَ أَنَّ بعضَهم ذهبَ إِلى أَنَّ الكعبة بُنيتْ لعبادةِ الكواكبِ والأَصنام، والخربوطلي لا يَقولُ بذلك، لكنه وجدَ هذا القول فسجَّلَه، ضمن أقوالٍ أُخرى، وباعتبارِه كاتبًا مسلمًا فقد رَجَّحَ ما وَرَدَ في القرآنِ، من أَنها أَوَّلُ بيت وُضِعَ لعبادةِ الله!.\nولكنَّ الفادي الخبيث، وَقَفَ أَمامَ الأَقوالِ التي أَوردَها الخربوطلي،\nوَرجَّحَ القولَ الذي يتفقُ مع هواه، فاختارَه من بين تلك الأَقوال، ليجعَلَه دَليلًا على خطأ القرآن.\nوكنا نتمنَى على الدكتورِ الخربوطلي لو لم يذكُرْ تلكَ الأَقوالَ الباطلةَ المردودة المخالفةَ للقرآن، وأَنْ يكتفي بذكْرِ ما وَرَدَ في القرآن، حتى لا يحتجَّ أَصحابُ الأَهواءِ والمغرضون - كالفادي - بتلك الأَقوال!!.\nوالراجحُ في نشأةِ الكعبةِ هو ما قالَه القرآنُ، من أَنَّها أَوَّلُ بيتٍ وُضِعَ\nللناس لعبادةِ الله، وكان الموحِّدونَ المؤمنونَ يحجُّونَ إِليها لعبادةِ اللهِ وحْدَه.\nوخَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في إِخبارهِ أَنَّ إِبراهيمَ هو الذي بنى\nالكعبة، وبقيَ \" مَقامُ إبراهيم \" الذي كان يَقِفُ عليه أَثناءَ البناءِ بجانبها، قالَ\nتعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) .\nوزَعَم أَنَّ إِبراهيمَ - ﵇ - كانَ يُقيمُ في فلسطين، فأَينَ هو من الحجاز؟!.\nقال: \" ومعلومٌ أَنَّ إِبراهيمَ كان يَسكنُ أَرضَ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١٢- الكعبة مقام إبراهيم\nإنه جاء فى القرآن أن الكعبة أول بيت وضع للناس. وأنها كانت مقام إبراهيم، ومعلوم أن الكعبة من بناء الوثنيين كما جاء فى الكتب التاريخية.\nالرد على الشبهة:\nأولًا: إن الكعبة ليست من بناء الوثنيين كما جاء فى الكتب التاريخية التى لا يشك أحد فى أن لليهود دخل فيها. وإنما هى من بناء نوح - ﵇ - فإنه لما خرج من السفينة، ونجا من الغرق هو ومن آمن معه. بنى \" مذبحًا \" لذبح الحيوانات عنده قربانًا لله تعالى. ففى التوراة: \" وبنى نوح مذبحًا للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور الطاهرة، وأصعد محرقات على المذبح \" [تك ٨: ٢٠] وهذا المذبح كان فى أرض مكة المكرمة المدينة التى استقر الفلك فيها على الجُودِىّ. والدليل على ذلك قول التوراة: إن الناس من بعد نوح ارتحلوا شرقًا إلى أرض شنعار التى هى أرض العراق. فارتحالهم إلى الشرق إلى العراق يدل على أن السفينة كانت فى بلاد العرب. ذلك قوله: \" وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة. وحدث فى ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا بقعة فى أرض شنعار، وسكنوا هناك \" [تك ١١: ١ - ٢] .\nوليس فى القرآن نصوص صريحة على أن العرب قد عبدوا الأصنام حتى يقال: إن الكعبة كانت لصنم رُحل. وفى التوراة نصوص صريحة على أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم فى النار للعرافة والسحر وأنهم عبدوا الأصنام. بل وفى القرآن نصوص صريحة على أن اليهود عبدوا صنم البعل فى أيام إلياس - ﵇ - ففى الزمور المائة والسادس: \" وأهرقوا دمًا زكيًّا. دم نبيهم وبناتهم الذين ذبحوا لأصنام كنعان وتدنست الأرض بالدماء \" [مز ١٠٦: ٣٨] . وفى الإصحاح الخامس والستين من سفر إشعياء: \" أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسى، ورتبوا للسعد الأكبر مائدة، وملأوا للسعد الأصغر خمرًا ممزوجة.. \" [إش ٦٥: ١١] .\nفى ترجمة الكتاب المقدس فى الشرق الأوسط سنة ١٩٩٥م تحت كلمة السعد الأكبر: لجاد وهو المشترى، وتحت كلمة السعد الأصغر: لمَنَى وهو الزهرة.\nوفى ترجمة ١٩٩٥م بلبنان: \" ونسيتم جبلى المقدس. وهيأتم مائدة للإله جاد، ومزجتم الخمر للإلهة مناة \" والتعليق عندهم هكذا: جاد ومناة إلهان عند الكنعانيين.\nهذا مما فى التوراة عن عبادة اليهود للأصنام ومما فيها: \" بعدد مدنك صارت آلهتك يا يهوذا، وبعدد شوارع أورشليم وضعتم مذابح للخزى ومذابح للتبخير للبعل \" [إرمياء ١١: ١٣] .\nويمكن الفهم من آيات فى القرآن أن العرب بنى إسماعيل - ﵇ - لم يعبدوا الأصنام قط. فإبراهيم - ﵇ - وهو يبنى الكعبة ولم يكن له من ولد غير إسماعيل، يطلب من الله طلبين فى ذريته:\nأولهما: أن يجنبهم عبادة الأصنام، وثانيهما: أن يبعث فيهم نبيًّا منهم.\nوإذ شهد الواقع بتحقيق الطلب الثانى فإن محمدًا قد أرسل؛ يكون الطلب الأول قد تحقق أيضًا.\nوفى القرآن أن الله قد عاهد إبراهيم وإسماعيل بتطهير الكعبة من الأصنام ولم يذكر أنهم نقضوا العهد. كما ذكر أن اليهود نقضوا فى قوله (فبما نقضهم ميثاقهم..) (١) .\nوأما قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة..) (٢) فإن فى التوراة أن اليهود عبدوا صنم مناة. والضمير فى (أفرأيتم) يحتمل أنه للعرب ويحتمل أنه لليهود. واحتمال عوده إلى اليهود أقوى لوجود شواهد فى التوراة عليه. ولا يقدر عاقل على اتهام بدليل محتمل.\nوأما قوله تعالى: (وإذا الموءودة سُئلت بأى ذنب قتلت) (٣) ففى التوراة أن اليهود وأدوا نبيهم وبناتهم. وليس فى القرآن من نص صريح على نسبة الوأد إلى العرب. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) النساء: ١٥٥، المائدة: ١٣.\n(٢) النجم: ١٩ - ٢٠.\n(٣) التكوير: ٨ - ٩.","vol":"1","page":172},{"text":"كنعان، ولم يَذهبْ إِلى بلادِ العرب، فمن الخطأ أَنْ يُقالَ: إِنَّ الكعبةَ بيتُ اللهِ أَو مقامُ إِبراهيم، فأَينَ بيتُ اللهِ من بيتِ الأَصْنام؟!\nوأَينَ العِبْرِيُّ من العربي؟!\nوأَينَ فلسطينُ من الحجاز؟\nوقد أَوردَ الدكتورُ طه حسين هذه الفكرةَ في كتابِه الشعر الجاهلي \".\nأَمَّا أَنَّ إِبراهيمَ - ﵇ - كان يُقيمُ في الأَرضِ المقدَّسَة، فهذا حَقّ\nوصواب، نقولُ به لأَنَّ القرآنَ أَخبرَ عنه.\nوكونُه في بلادِ فلسطين لا يمنعُ ذَهابَه إِلى بلادِ الحجاز، وليسَ في هذا محذورٌ عقلًا، فقد كانَ في العراق، ثم توجَّهَ إِلى فلسطين، والمسافةُ بين فلسطينَ والحجازِ ليستْ أَبعدَ من المسافةِ بينَ فلسطينَ وجنوبِ العراق، فلماذا صَدَّق الفادي وطه حسين قُدومَ إِبراهيمَ من العراقِ لفلسطين، ولم يُصَدّقا ذهابَه من فلسطينَ إِلى الحجاز؟\nأَلِأَنَّ الخبرَ الأَولَ وَرَدَ في العهدِ القديم فَصَدَّقاه، ولأَنَّ الخبرَ الثاني لم يَرِدْ\nفي العهدِ القَديم، فلم يُصَدِّقا به؟\nومَنْ قالَ: إِنَّ الحقيقةَ محصورةٌ بما وردَ في العهدِ القديم؟\nولماذا لم يُصَدّقا ما وَرَدَ في القرآن؟\nوهو كلامُ اللهِ الثابتُ المحفوظ!.\nإِنَ مرجعيتَنا الأُولى هي القرآن، وكلُّ ما وَرَدَ في القرآنِ نُؤمنُ به، وقد\nنَصَّ القرآنُ على أَنَّ إِبراهيمَ أتى إِلى بلادِ الحجاز، وأَسكنَ بعضَ أَهْلِه فيها.\nقال تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) .\nكما نَصَّ القرآنُ على أَنَ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ هما اللذان بَنَيا البيتَ الحرام.\nقال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) .\nوعلى ضوءِ هذا البيانِ القرآنيِّ الصادقِ يكونُ كلامُ الفادي خَطَأً وباطلًا\nومردودًا.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>يمين أيوب والضغث والضرب</span>\nأَشارَ القرآنُ إِشارةً مبهمةً مجملةً إِلى يمينٍ حَلَفَه أَيوب، فأَرشَدَه اللهُ إِلى\nكيفيةِ التحللِ من يمينهِ، وعَدَمِ الحنْثِ فيه، بأَنْ يأخذَ ضِغْثأ فيضربَ به الطرفَ الآحْرَ.\nقال تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤) .\nوذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي، ليأخذَ منه دليلًا على تخطئةِ القرآنِ\nفي حديثِه عن يمينِ أَيوب - ﵇ -.\nقال: \" قال البيضاوي: الضغْثُ: الحزمةُ الصغيرةُ من الحشيشِ ونحوِه (فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ): رُوِيَ أَنَّ زوجةَ أَيوبَ \" ليا بنت يعقوب \"، وقيل: \" رحمة بنت أَفرايم بن يوسف \" ذهبتْ لحاجةٍ فأَبطأَتْ، فحلَفَ إِنْ برئ أَن يضربَها مئةَ ضربة، فحلَّلَ اللهُ يَمينَه بذلك، وهي رخصةٌ باقيةٌ\nفي الحدود \".\nوأَثارَ الفادي تشكيكَه وشبهاتِه قائلًا: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يصحُّ لأَيّوب\nالبارّ، الصبورِ على ضَياعِ أَولادِه وعبيدِه ومواشيه، أَنْ يغضبَ على زوجتِه،\nوهو المشهودُ له في التوراةِ باللطفِ والحِلْم، وخاصةً مع زوجته، إِذْ قالَ لها:\n\" تتكلَّمين كَلامًا كإِحدى الجاهلات!! آلْخَيْرَ نقبلُ من عندِ الله والشَّرَّ لا\nنَقْبَل؟ \"..\nوكيفَ يصحُّ لأَيوب أَنْ يتوعَّدَ زوجَتَه بالضربِ مئةَ ضربةٍ لمجردِ\nإِبطائِها؟\nوكيفَ يحلفُ لِيَضْرِبَنَهَا مئةَ سوط، فينصحُه اللهُ أَنْ يأخذَ حُزْمَةً فيها مئةُ\nعود، فيضربَها بها ضربةً واحدةً فلا تقعُ يمينُه؟\nوأَينَ أَيوبُ من يعقوبَ حتى يزوَّجَ ابنتَه؟\nأو من يوسفَ حتى يتزوَّجَ حفيدتَه؟\nوالمعروفُ أَنَّ أَيوبَ سابقٌ ليعقوبَ ويوسفَ تاريخيًا؟..\nوهذه القصةُ موجودةٌ في خرافاتِ اليهودِ القدماء \".","vol":"1","page":174},{"text":"لَسْنا مع الإِمامِ البيضاويِّ في تبيينِه ما أَبهمه القرآن، لأَنَه لا دليلَ له\nعلى ذلك.\nفلا نقول: إِنَّ امرأَتَه هي لَيا بنتُ يعقوب، ولا نقول: إِنها رحمةُ\nبنتُ أَفرايم، ولا نقول غيرَ ذلك، وبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على تعيينِ اسمِ زوجتِه، واعتبارُه ذلك من أَخطاءِ القرآن، لأَنَّ القرآنَ لم يُبَيِّنْ ذلك أَصلًا.\nويُخطئُ الفادي في زَعْمِه أَنَّ أَيوبَ كانَ قبلَ يعقوبَ ويوسفَ بفترةٍ\nطويلة، وأَنه كانَ في بلادِ عوض العربية، والراجحُ من خلالِ حديثِ القرآنِ عن الأَنبياءِ أَنه كانَ من أَنبياءِ بني إِسْرائيل المتأَخِّرين، نقول هذا من بابِ الترجيحِ والاحتمال، وليسَ من بابِ الجزمِ واليقين.\nولَسْنا مع الإِمام البيضاويِّ في تَبيينِه سَبَبَ حَلْفِ أَيّوب، وكيفيةَ تكفيرِه\nعنه، فلا دليلَ عندنا من الآيات ِ الصريحة والأَحاديثِ الصحيحة لرسولِ الله - ﷺ -، على أَنَ أَيوبَ غضبَ على امرأتِه لأَنها أَبْطَأَتْ عليه، فَحَلَفَ أَنْ يضربَها مئةَ سوط، وأَرشدَهُ اللهُ إِلى أَنْ يأخذَ غُصنًا به مئةُ عود، فيضربَها به ضربةً واحدةً، لئلا يحنثَ في يمينِه.\nوبهذا يسقطُ اعتراضُ الفادي على ما أَوردَه البيضاوي، لأنه اعترضَ على\nكلامٍ لم يَصحّ ولم يَثْبُت، وجَعَلَه دليلًا على إِدانةِ القرآنِ وتخطئتِه، مع أَنَّ\nالقرآنَ لم يَقُلْه! وكيفَ يُدانُ القرآنُ ويُخَظَّأُ على كلامٍ لم يَقُلْه؟!.\nوعلَينا أَنْ نبقى مع القرآنِ والحديثِ الصحيح في فهمِ ما ذَكَرَه القرآنُ عن\nقَصَصِ السابقين، ولا يَجوزُ أَنْ نُضيفَ إِليهما كلامًا لأَي شخصٍ آخر، أَو من أَيِّ مصدرٍ آخَر.\nوقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن يَمينِ أَيوبَ - ﵇ -، واكتفى بإِشارةٍ مجملة:\n(وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ) .\nومعنى الآية: إِنَّ أَيوبَ - ﵇ - حَلَفَ يَمينًا أَنْ يَضربَ شَخْصًا ضَرْبًا، فَدَعاهُ اللهُ إِلى أَنْ لا يَحنَثَ في يمينِه، وذلك بأَنْ يأخذَ ضِغْثًا فيضربَ به الطرفَ الآخَر، والضغْثُ هو القبضةُ من الحشيشِ أَو العيدان؟\nيمْسِكُ بها الكَفُّ.","vol":"1","page":175},{"text":"فأَخَذَ أَيوبُ الضِّغْثَ من الحشيشِ أَو العيدانِ وضربَ به الطرفَ الآخَر، وبذلك أَمضى يمينَه ولم يَحْنَثْ!.\nوكلُّ كلامٍ إِضافةً على هذا الكلامِ لا دليلَ عليه، ولا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ به\nكلامَ الله، ولذلك نَستبعدُ ما قيلَ بأَنَّ أَيوبَ حَلَفَ على امرأتِه أَنْ يضربَها مئةَ سوط، وأَنَّ اللهَ أَمَرَهُ أَنْ يضربَها بغصْنٍ فيه مئةُ عودٍ كي لا يَحْنَث!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>الصرح الذي بُني لفرعون</span>\nأخْبَرَنا اللهُ أَنَّ فرعونَ أَصَرَّ على كُفْرِهِ وادعى الأُلوهية، وطلبَ من وزيرِه\nهامانَ أَنْ يَبنيَ له صَرْحًا ليبحثَ عن إِله موسى.\nقال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) .\nوقد اعترضَ الفادي على القرآن، وخَطَّأَه، ووضعَ لكلامِه عِنْوانًا\nاستفزازيًّا هو: \" فرعونُ بنى بُرْجَ بابلَ بمصر! \".\nوهو تهكُّمٌ وسخريةٌ بكلامِ القرآن، فأَينَ برجُ بابلَ الذي في العراقِ من فرعونَ حاكم مِصر؟!.\nقالَ الفادي في تخطئتِه للقرآن: \" ومعلومٌ أَنَّ البرجَ الذي كانَ بنو آدم\nيَبنونَه ليسَّ رأسُه السماء، وقد صنَعوهُ من الطّينِ اللَّبِنِ المشويِّ بالنّار، هو\nبرجُ بابلَ في بلادِ الكِلْدانيّين، وقد شَرَعوا في بنائِه عقبَ حادثةِ الكِلْدانيّين..\nفلا يمكنُ أَنْ يكونَ الآمِرُ بالبرجِ هو فرعون، كما أَنَّ البرجَ لم يُبْنَ في مصر،\nولا يُمكنُ أَنْ يكونَ وزيرُ فرعون هو هامانَ الوزيرَ الفارسيّ، وقد بُنِيَ برجُ بابلَ قبلَ فرعونَ بقرونٍ طويلة! \".\nخَطَّاَ الفادي القرآنَ في حديثهِ عن صَرْحِ فرعون، بينما اعتمدَ حديثَ سِفْر","vol":"1","page":176},{"text":"التكوينِ عن برجِ بابل، مع أَنها أُسطورةٌ وخُرافة، لا تتفقُ مع الإِيمانِ بالله،\nوخلاصَتُها: أَنَّ الناسَ تجمعوا في سهل بابلَ بعدَ انتهاءِ طوفانِ قومِ نوحٍ، فاتفقوا على أنْ يَبْنوا بُرْجًا عاليًا، يَمَسُّ رأْسُه السماء، ليخلّدَ ذكْرَهم على الأَرض، ولما شَرَعوا في بنائِه، رآهم اللهُ وهو في السماء، وخافَ منهم أَنْ يَصْعَدوا إِليه، فقال لمن حَوْلَه من الملائكة: هؤلاء بنو آدم يَبْنون بُرْجَهم إِلى السماء، وإِنْ تَرَكْناهم وَصَلوا إِلينا، فَتَعالوا نَنْزِلْ ونُبَلْبِلْ أَلسنَتَهم ونُفَرِّقْهم!! فنزلَ الرَّبُّ إِليهم وبَلْبَلَ أَلسنَتَهم، فَتوقَّفوا عن البناء، وتَشَتَّتوا وتَفَرقوا في الأَرض!!.\nهذه الأُسطورةُ الخرافيةُ الكافرةُ يُصَدِّقُها الفادي لأَنها وردَتْ في العهدِ\nالقديمِ، مع أَنها لا تتفقُ مع قوةِ اللهِ وقدرتِه وعظمتِه وعدلِه، وهي من تأليفِ\nالأَحبارِ المحَرِّفين للتوراة.\nأَما حديثُ القرآنِ عن الصرحِ الذي طَلَبَ فرعونُ من وزيرِه هامانَ أَنْ\nيبنيَه فإنه يُخَطِّئُه ويَرفضُه، كما يَرفضُ أَنْ يكونَ هامانُ وزيرًا لفرعون، لأَنه كان وزيرًا لملكِ الفرسِ، الذي كان بعدَ فرعونَ بقرون.\nوالصَّرْحُ هو البناءُ العالي، والأَبنيةُ العاليةُ موجودةٌ في كثيرٍ من المدنِ\nالقديمة، وقد ذَكَرَ القرآنُ صرحَيْن:\nالأَول: صَرْحُ فرعونَ الذي بَناهُ له هامانُ من الطينِ المحروق، والذي\nأَخبرتْ عنه آيةُ سورةِ القَصَص: (فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا) .\nوأَخبرَتْ عنه آيةُ سورةِ غافر: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) .\nالثاني: صرحُ سليمانَ العجيب، الذي فاجأَ به ملكةَ سبأ.\nقال تعالى: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) .","vol":"1","page":177},{"text":"وبما أَنَّ اللهَ أَخبرَنا عن صرحِ فرعونَ الذي بناهُ له وزيرُه هامانُ فإِننا نُصَدِّقُ\nذلك ونؤمنُ به، ومعلوم أَنَّ الفراعنةَ تركوا خَلْفَهم مجموعةً من الأهراماتِ\nالأَثرية، والذين بَنَوْا تلك الأَهراماتِ لا يَعجزون عن بناءِ صَرْحٍ عالٍ!!.\nوقد سَبَقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنه لا تَعارُضَ بين هامانَ المصري، الذي كان وَزيرًا\nلفرعون، والذي ذَكَرَ القرآنُ اسْمَه صريحًا، وبينَ هامان الفارسي، الذي كان وزيرًا لملكِ الفرس، فكثيرًا ما تتشابَهُ الأَسْماء!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>حول الطوفان على المصريين</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أنَّه لما أَصَرَّ فرعونُ وقومُه على الكفرِ واضطهادِ بني\nإِسرائيل، أَرسَلَ اللهُ عليهم عدةَ آيات، وابتلاهم بعدةِ ابتلاءات، لعلَّهم\nيَتَراجعونَ ويُؤمنون.\nقال تعالى: (\nوَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) .\nذَكَرت الآياتُ خمس عقوباتٍ عاقبَ اللهُ بها فرعونَ وقومَه، وهي:\nالطوفانُ والجرادُ والقُمَّلُ والضفادعُ والدَّمُ، وقد كان عاقَبَهم قبلَ ذلك بالمحلِ\nوالجَدْبِ والسنين ونقصِ الثمرات، وَوَرَدَ ذلك في قولِه تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) .\nويبدو أَنَ هذه العقوباتِ كانَتْ متتابعة: فعاقَبَهم اللهُ أَوَّلًا بالسنينَ والمحلِ\nونقصِ الثمرات، حيثُ حُبستْ عنهم الأَمْطار، وقَلَّتْ مياهُ نهرِ النيل، وجَفَّتْ مزروعاتُهُم، وتَلِفَتْ أَشجارُهم وثِمارُهُم ...\nثم أَرسلَ اللهُ عليهم الطوفان، بأَن","vol":"1","page":178},{"text":"امتلأَ نهرُ النيلِ بالمياه، التي أَدّى طوفانُها إِلى إِغراقِ أَراضيهم ومزروعاتِهم\nبالمياه..\nولَمّا انْحَسَرت المياهُ ونَبَتَ الزرعُ أَرسلَ الله عليه الجرادَ فقضى\nعليه ...\nوما سَلِمَ من الزرعِ من الجراد، وحَصدوه، وخَزَّنوا حُبوبَه، أَرسلَ اللهُ\nعليه \" القُمَّلَ \" - بتشديدِ الميم - وهو السّوسُ الذي أَكَلَه ونَخَرَه وأَفْسَدَه..\nأَمّا الضفادح والدمُ فهما عقوبتان منفصلتانِ عما قبلَهما، ولا نَعرفُ عن تفاصيلِهما، لأَنَ اللهَ لم يُخبرْنا عن ذلك، فنَكْتَفي بالإشارةِ القرآنيةِ الإِجمالية.\nوقد رَفَضَ الفادي قَبولَ ذلك، واعتبرَهُ من أَخطاءِ القرآنِ التاريخية،\nوحاكَمَ القرآنَ إِلى العهدِ القديم، فوجَدَ فيه الحديثَ عن عَشْر ضَرْبات،\nضَرَبَ اللهُ بها آل فرعون.\nقال: \" معلومٌ أَنَّ اللهَ ضَرَبَ المصريين على يَدِ موسى\nعَشْرَ ضربات، هي: الدَّمُ، الضفادح، البعوضُ، الذُّبَّانُ، موتُ المواشي،\nالدمامِلُ، البَرَدُ، الجرادُ، الظلامُ، موتُ الأَبكار ...\nأَمّا الطوفانُ فلم يُصِبْ مصرَ زمنَ فرعون، بل كانَ حَدَثًا مَشْهورًا حَلَّ بقومِ نوح \".\nوكلامُ الفادي عندنا مَرْدود، وعودَتُه لسِفْرِ الخروجِ لاستخراجِ الضرباتِ\nالربانيةِ العشرة منه غيرُ صحيحة، لأَنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا أَسفارَ العهدِ القديم!\nفنحنُ لا نعتمدُ ما وردَ فيه، وإِنما نعتمدُ ما وَرَدَ في القرآن، فنقول: أَرسلَ اللهُ.\nعلى فرعونَ وقومِهِ الطوفانَ والجرادَ وَالقُمَّلَ والضفادح والدم، بعد أَنْ أَخَذَهم بالسنين ونقصِ الثمراتِ، لعلَّهم يتذكرون!!.\nوقد خَطَّأَ الفادي القرآنَ في حديثِه عن الطوفان، الذي عاقَبَ اللهُ به قومَ\nفرعون، لأَنه لا يوجَد عندَه إِلّا طوفانٌ واحد، وهو الذي عَمَّ الجبالَ\nوالسهول، وأَغرقَ قومَ نوحٍ الكافرين! وهذا بسببِ فكرِهِ القاصرِ وعقْلِه\nالصغير، فالطوفانُ زمنَ نوحٍ - ﵇ - طوفانٌ عامّ شاملٌ كامل، عمَّ وَجْهَ الأَرضِ كُلّها، لكن هذا لا يَمنعُ وُجودَ وحدوثَ حوادثِ طوفانٍ أُخرى جزئية، ومنها ذلك الطوفانُ الذي أَرسلَه اللهُ على قومِ فرعون!!.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>حول طالوت وجيشه</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ عن قصةِ طالوت، وخلاصَتُها أَنَّ بَني إِسرائيل لما\nتسلَّطَ عليهم أَعداؤُهم، طَلَبوا من نَبيٍّ لهم أَنْ يجعلَ عليهم مَلِكًا، يَقودُهم\nلقتالِ أَعدائِهِمْ، فأَخبرهم أَنَّ اللهَ بَعَثَ لهم طالوتَ مَلِكًا، فاعْتَرَضوا عليه بأَنه\nليسَ من بيتِ الملوكِ، وليسَ عندَه مال، فأَخبرهم أَنَّ آيةَ مُلْكِه أَنْ يَأْتِيَهم\nالتابوتُ الذي سَلَبَهم إِياهُ أَعداؤُهم..\nوخرجَ طالوتُ بالجيش، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَشْرَبوا من النهر، إِلا غَرْفَةً باليد، فشَربوا من النهر إِلا عَدَدًا قليلًا منهم، وخاضَ بذلك العددِ القليلِ المعركةَ الفاصلة، وهَزَمَ اللهُ أَعداءَهم، وكانَ داودُ جنديًّا في جيشِ طالوت، وقَتَلَ جالوتَ قائدَ الكفار، وصارَ بعدَ ذلكَ نبيًا ومَلِكًا على بَني إِسرائيل.\nواعترضَ الفادي على عرضِ القرآنِ لقصةِ طالوت، وحاكَمَ القرآنَ إِلى\nأَسْفارِ العهدِ القديم، وحَكَمَ بخطَأِ ما جاءَ في القرآنِ مُخالِفًا لكلامِ الأَحْبار.\nوقال: \" والقصةُ أنَّ صموئيلَ النبيَّ مَسَحَ شاولَ الملك - الذي يُسميه القرآنُ\nطالوتَ لِطولِ قامتِه - ملكًا على بني إِسرائيل، وفي أيامِه بارزَ داودُ جالوتَ\n- الذي هو جُولْيات - وقَتَلَه، ونَصَرَ اللهُ بني إِسرائيل..\nغير أَنَّ القرآنَ خَلَطَ هذه القصةَ بحكايةِ جيشِ جَدْعون، الذي امتحنَهُ بالشربِ من النهر، عندما حارَبَ المدْيانيّين، واعتبرَ أَنَّ شاولَ أَو طالوتَ هو جَدْعون، واعتبرَ أَنَّ الحربَ مع الفلسطينيِّين هي الحربُ مع المديانيين، مع أَنَّ بينَ الحادثتين زَمَن مديد! \".\nإِنَّ المرجعَ والمعتمَدَ هو القرآن، فإِذا قالَ القرآنُ قَوْلًا، وقالَ الكتابُ","vol":"1","page":180},{"text":"المقَدَّسُ قولًا خالفه، حَكَمْنا بخطأ قولِ الكتابِ المقَدَّس، واعتمدْنا قولَ القرآن.\nالكتابُ المقَدَّسُ سَمّى الملكَ شاول، والقرآنُ سماهُ طالوت! والصحيحُ\nأَنَّ اسْمَه طالوت.\nوسمّى الكتابُ المقدسُ قائدَ الأَعداءِ جوليات، والقرآنُ سَمّاهُ جالوت! والصحيحُ أَنَّ اسْمَه جالوت.\nوأَخبرَ القرآنُ أَنَّ طالوتَ هو الذي امتحنَ جُنودَه بالنهرِ الذي مَرّوا به، وطلبَ منهم أَن لا يَشربوا منه إِلّا غَرفةً باليد، فَشَربوا منه إِلا قَليلًا منهم، وأَخبرَ الكتابُ المقَدَّسُ أَنَّ الذي امتحنَ الجنودَ بالنهرِ هو جدعون، وكان قائدًا لبَني إسْرائيل، ظهرَ قَبْلَ طالوتَ بفترة!\nوالصحيحُ هو ما ذكره القرآن.\nولذلك كان الفادي مخطئًا في تخطئةِ القولِ الصحيحِ في القرآن.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>حول كلام عيسى في المهد</span>\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ عيسى - ﵇ - تكلمَ في المهد، أَيْ كَلمَ الناسَ وهو على حضْنِ أُمِّه.\nقال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) .\nوقال تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) .\nوذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى تكلمَ في المهدِ مرتَيْن:\nالمرةُ الأُولى: بعد أَنْ وَلَدَتْه أُمُّه مباشرة، فناداها مِنْ تحتها، ودَعاها إِلى\nعَدَمِ الحُزْن، وأَرشَدَها إِلى الطعامِ والشرابِ، وعدم كلامِ الناس.\nقال تعالى: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) .\nالمرةُ الثانية: بعدما حملَتْه وذهبَتْ به إِلى قومِها، وتَعَجَّبوا من الأَمْرِ،\nوسأَلوها عن تفسيرِ الأَمْر، فلم تُكلمْهم، وأَشارَتْ إِليه وهو على حضنِها،","vol":"1","page":181},{"text":"فكلَّمَهم بلسانٍ فصيح، وقَدَّمَ نفسَه إِليهم..\nقال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .\nولكنَّ الفادي كَذَّبَ القرآنَ وخَطَّاَه، وحاكَمَهُ إِلى كتابه المقَدَّس.\nقال: \" ويقولُ الكتابُ المقَدَّس: إِنه لما جاءَ المسيحُ في الجَسَدِ كان يَنْمو نُمُوًّا\nطبيعيًا، سواءٌ في بَدَنِه أَو عَقْلِه وتفكيرِه.\nفقالَ الإِنجيل: \" وأَمّا يَسوعُ فكان يتقدَّمُ في الحكمةِ والقامةِ والنعمة، عندَ اللهِ والناس \" فلم يَحدثْ أَنْ تكلمَ المسيحُ في المهد \" (١) (٢) .\nوإن كلام الفادي المفترِي مردود، ومحاكمته القرآن إلى الكتاب المقدس\nخطأ منهجي منه، لأن القرآن هو الأصل والمرجع، وبما أنه ذكر أن عيسى - ﵇ - تكلم في المهد، فقد تكلم عيسى في المهد..\nثم إنه ليس في الأمر ما يدعو للاستغراب أو الإنكار، لأن كلامه في المهد لم يكن أمرًا مألوفًا معتادًا، وإنما كان آية خارقة من آيات الله! والله الذي خلق عيسى - ﵇ - من غير أب هو الذي أنطقه في المهد!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>عيسى ومعجزة خلق الطير</span>\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ عيسى - ﵇ - كان يَصنَعُ من الطينِ شَكْلًا على هيئةِ الطيرِ، ثم ينفخُ فيه فيكونُ طائِرًا حَيًّا بإِذْنِ الله.\nقال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\n_________\n(١) أيُّ سفهٍ هذا، يستبعدون كلامه في المهد، ويقولون بألوهيته!!!.\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١٥- يتكلم فى المهد\nإنه قد جاء فى القرآن أن المسيح قد تكلم فى المهد. وليس فى الأناجيل ما يدل على كلامه فى المهد.\nالرد على الشبهة:\nإن مريم لم تكن مخطوبة ولا متزوجة. وقد أحصنت فرجها. أى منعت نفسها عن الزواج طيلة حياتها وسلكت فى سلك الرهبنة. ثم إنها ابنة كاهن من نسل هارون - ﵇ - وابنة الكاهن إذا زنت فإنها تحرق بالنار. لما جاء فى سفر الأخبار: \" وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنا؛ فقد دنست أباها، بالنار تحرق \" [لا ٢١: ٩] . ومريم قد أتت بولد وهى غير متزوجة. وهذا هو دليل الاتهام فلماذا لم تحرق؟ إن عدم حرقها يدل على أن ابنها تكلم فى المهد. ومع ذلك فقد جاء فى بعض الأناجيل المرفوضة أنه تكلم فى المهد. ومن ذلك: \" وبينما كانوا نيامًا؛ حذرهم الطفل من الذهاب إلى هيرودس \" [بر ٧: ١٠] . اهـ (شبهات المشككين)","vol":"1","page":182},{"text":"وقال تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) .\nوعَلَّق الفادي على هذا بِكلامٍ غامِض؟\nقال فيه: \" يَقولُ المسلمون: إِنَّ المسيحَ لما كان صَبِيًّا خَلَقَ من الطينِ طَيْرا..\nويؤمنُ المسيحيّون أَنَّ المسيحَ كلمةُ الله، وهو الذي (كُلُّ شيءٍ به كان، وبغيرِه لم يكنْ شَىءٌ مما كان)، ولكنّهم يؤمنونَ أَنَّ المسيحَ لما تَجَسَّدَ لبثَ ثَلاثينَ سنة قبلَ أَنْ يبدأَ في الكرازةِ وعَمَلِ المعجزات \".\nلم يُصرح الفادي باعتراضِه على القرآن، ولم يُوَضِّحْ ما يريدُ من كلامِه\nعن المسيحِ - ﵇ -، فما معنى جملة \" كُلُّ شيء به كان، وبغيرِهِ لم يكنْ شيءٌ مما كانَ \"!.\nظاهرُ هذه الجملةِ أَنَّ كُلَّ شيء في الوجودِ متعلقٌ ومرتبطٌ بعيسى - ﵇ -، وبدونه لا يوجَدُ شيء!! وهذا من صفاتِ اللهِ الخالق، وليسَ من صفاتِ عيسى المخلوق، فهذه صورةٌ من صورِ إِشراكِ النصارى، حيثُ أَشركوا عيسى بالله في الخلقِ والقوةِ والفعلِ والتصرُّف، وكأَنَ عيسى - ﵇ - هو المتصرفُ في الأَشياء، والقائمُ عليها، والحافظُ لها!!.\nومع ذلك اعترضَ الفادي على القرآن، وخَطَّأَهُ في إِخبارِه عن معجزةٍ\nباهرةٍ لعيسى - ﵇ -، حيث كانَ يأْخُذُ طينًا، ويَصنعُ منه تِمثالًا على شَكْلِ طائر، ثم يَنفخُ فيه، فتدبُّ فيه الروح، ويَصيرُ طائِرًا حيًّا، وهذا بإِذْنِ اللهِ سبحانه ...\nفاللهُ في الحقيقةِ هو الذي جَعَلَه حَيًَّا، ونفخةُ عيسى - ﵇ - ما هي إِلّا سببٌ ماديّ، لأَنَّ المسبّبَ والخالقَ والمريدَ هو الله - ﷿.\nوبما أَنَّ القرآنَ صَرَّحَ بذلك، فإِنَّنا نؤمنُ به ونُصَدِّقُه، ونَعتبرُه معجزةً من\nمعجزاتِ عيسى - ﵇ -، أَجْراها اللهُ على يَدَيْه.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>من هو المصلوب</span>؟\nالْتَبَسَ على النَّصارى صَلْبُ عيسى - ﵇ -، كما الْتَبَسَ على اليَهود..\nوحَلَّ القراَنُ الإِشكالَ، وأَزالَ اللَّبْسَ، لكنَّ النَّصارى لم يُصَدِّقوا القرآن.\nقال الله - ﷿ -: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) .\nواعترضَ الفادي على نَفْيِ القرآن قَتْلَ عيسى - ﵇ - وصَلْبَه، واعتبرَه خَطَأً من أَخطاءِ القرآن، واستغربَ من إِنكارِ القرآنِ أَمْرًا مُجْمَعًا عليه بينَ اليهودِ والنصارى واليونان والرومان.\nونُسجلُ اعتراضَ الفادي قبلَ أَنْ نفَنِّدَه: \" لماذا ينكرُ القرآنُ صَلْبَ المسيحِ\nوقَتْلَه بأَيدي اليهود، مع أَنَّ اليهودَ يَعْترفون بذلك، والنصارى يُؤَكِّدونه\nويَفْتَخرون به؟\nوالإِنجيلُ كُلّه هو خَبَرُ صَلْبِ المسيحِ والبشارةِ به، كَفادٍ للبشر؟.\nويذكُرُ القرآنُ في مواضعَ أُخْرى موتَ المسيحِ وقيامتَه، وارتفاعَه إِلى\nالسماء.\nكقوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، وفيه يَقولُ المسيحُ: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)، ويقولُ أَيضًا: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .\nأَليسَ غريبًا أَنْ يَجيءَ مَنْ يُنكرُ صَلْبَ المسيحِ بعدَ حدوثِه بستمئة سنة؟! \" (١) .\nإِنَّ حادثةَ الصَّلْبِ حقيقةٌ تاريخية، سَجَّلَها اليونانُ والرومانُ واليهودُ\nوالمسيحيون..\nوفي مجمع \" نيْقية \" الذي انعقدَ سنةَ (٣٢٥ م) كتبَ أَساقفةُ العالَم\nالمسيحيِّ قانونَ الإِيمان، مُقَرّرًا صَلْبَ المسيحِ لأَجْلِ خَلاصِنا، وهو القانون\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١٧- إنكار الصَّلب\nإن القرآن ينكر صلب المسيح. والتاريخ يثبته.\nالرد على الشبهة:\nإن العلّة المترتبة على صلب المسيح هى غفران خطايا من يؤمن به ربًّا مصلوبًا والغفران لكل من كان فى المدة من آدم إلى المسيح إذا قدّر أنهم لو كانوا له مشاهدين، لكانوا به مؤمنين. فهل هذه العلة صحيحة؟\nبالتأكيد ليست بصحيحة. وذلك لأن آدم لما أخطأ هدته الحكمة أن يعترف بخطئه وأن يتوب. فتاب الله عليه. وإذ هو قد تاب، فأى فائدة من سريان خطيئة آدم فى بنيه؟ ففى سفر الحكمة: \" والحكمة هى التى حمت الإنسان الأول أب العالم الذى خلق وحده لما سقط فى الخطيئة؛ رفعته من سقوطه، ومنحته سلطة على كل شىء\" [حك ١٠: ١ - ٢] .\nوفى التوراة: أن نجاة المرء من غضب الله يكون بالعمل الصالح حسبما أمر الله. ومن لا يعمل بما أمر الله؛ فإنه لا يكون له نجاة. ففى سفر الحكمة عن نوح - ﵇ - وولده: \" وعندما غاصت الأمم فى شرورها؛ تعرفت الحكمة برجل صالح، وحفظته من كل عيب فى نظر الله، وجعلته قويًّا يفضل العمل بأمر الله على الاستجابة إلى عاطفته تُجاه ولده \" [حكمة ١٠: ٥] .\nانظر إلى قوله \" تجاه ولده \" أى ولده الذى غرق لعدم إيمانه وعمله. وهذا النص من سفر الحكمة عن \" ولده \" ليس له نظير فى قصة نوح الموجودة فى التوراة العبرانية.\nويقول المسيح عيسى - ﵇ -: \" كل كلمة فارغة يقولها الناس؛ يُحاسبون عليها يوم الدين. لأنك بكلامك تُبرّر، وبكلامك تُدان \" [متى ١٢: ٣٦ - ٣٧] .\nوفى التوراة: \" لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يقتل الأولاد عن الآباء. كل إنسان بخطيئته يُقتل \" [تث ٢٤: ١٦] .\nوفى الأناجيل أن المسيح بعد حادثة القتل والصلب؛ ظهر أربعين يومًا للحواريين، وتكلم عن ملكوت الله معهم. وهو ملكوت محمد رسول الله ﷺ ففى بدء سفر أعمال الرسل: \" الذين أراهم أيضًا نفسه حيًّا ببراهين كثيرة بعدما تألم، وهو يظهر لهم أربعين يومًا، ويتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله \" [أع ١: ٣] وظهوره وكلامه عن الملكوت؛ يدلان على استمراره فى الدعوة. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":184},{"text":"الذي يَتْلوهُ كُلُّ مسيحي في كُلّ كنيسة، في كلِّ مكانٍ وزمان! وآثارُ المسيحيينَ في القرونِ العشرين الفائتة في كُلِّ أَنحاءِ العالَمِ تحملُ شاراتِ الصليب؟\nفكيفَ ينكرُ أَحَدٌ تاريخيةَ الصليب؟! \".\nيُؤمنُ كُلّ النصارى أَن اليهودَ والرومانَ قَتَلوا عيسى - ﵇ - وصَلَبوه، وأَنَ روحَه خرجَتْ على الصَّليب، وبعد ثلاثةِ أيامٍ من دفْنِه رُدَّتْ إِليه روحُه، فقام من قَبْرِه، وصَعَدَ إِلى السماء!.\nوكانَ اليهودُ يَتَباهون ويَتَفاخَرون بقتْلِ عيسى - ﵇ -، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ) ..\nأَما النَّصارى فقد جَعَلوا الصليبَ جُزْءًا من عقيدتِهم ودينهم، والشعارَ المميزَ لهم عن باقي أَتْباعِ الأَدْيان، وَوَضَعوا الصليبَ في أَعناقِهم وعلى كنائِسهم وملابِسهم ومرافقِ حياتهم..\nفإِذا نفى القرآنُ صَلْبَ عيسى - ﵇ - نَفْيًا صَريحًا فإِنَ النصرانيةَ تَتَهاوى من أَساسِها، ولذلك كَذَّبَ الفادي القرآنَ في نفيهِ صَلْبَ عيسى - ﵇ -.\nوعندَ النظرِ في كَلامِ القرآنِ عن الصَّلْب نَرى أَنه لم يَنْفِ الصَّلْبَ جملةً\nوتَفْصيلًا، وإِنما نفى صلبَ عيسى - ﵇ -، وكَذًّبَ اليهودَ في ادعاءِ ذلك..\nقال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)؟\nفنفى أَنْ يَكونوا قَتَلوا عيسى - ﵇ - أَوْ صَلَبوه.\nويُقررُ القرآنُ أَنَّ المختَلِفين في موضوعِ القتلِ والصلبِ من اليهودِ\nوالنَّصارى في شكٍّ منه، لم يَصِلوا إِلى اليقين، لأَنهم لا يَنْطَلقونَ من العِلْم،\nوإِنما يَتَّبِعونَ الظَّنَّ، والظَّنّ لا يوصِلُ إِلى يَقين: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ... .\nويؤكِّدُ القرآنُ مرةً أُخرى أَنهم لم يَقْتُلوا عيسى يَقينًا، لأَنَّ اللهَ العزيزَ\nالحكيمَ رَفَعَهُ إِليه: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) .\nوتَدلُّ الجملُ القرآنيةُ السابقةُ على أَنَّ القرآنَ لم يَنْفِ الصلبَ مُطْلَقًا،","vol":"1","page":185},{"text":"وإِنما نفى صَلْبَ عيسى - ﵇ -، فاليهودُ والرومانُ أَرادوا صلْبَ عيسى - ﵇ -، ولكنَّ اللهَ حَماهُ وعَصَمه منهم، ورفَعَهُ إِلى السماءِ حَيًّا بِجسْمِه وروحِه..\nأَمّا هم فقد صَلَبوا رَجُلًا آخَر، وكُل ظَنَهم أَنه عيسى! فقالَ اليهود مُتَبَجّحين: إِنّا قَتَلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ الله.\nمعنى قوله تعالى: (وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ): شُبهَ لهم أَمْرُ الصلْبِ والقَتْل،\nوالْتَبَسَ عليهم، وَوَقَعوا في لَبْسٍ وشَبَهٍ بشأنِه! وهذا معناهُ أَنهم قَتَلوا وصَلَبوا\nشَخْصًا مَشْبوهًا، وكلُّ ظَنَهم أَنه عيسى، مع أَنَ المقتولَ المصلوبَ لم يكنْ\nعيسى، إنما كانَ شَخْصًا آخَر.\nومعنى قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ): لم يقتل\nاليهودُ عيسى - ﵇ - يَقينًا، ولم يكن الشخصُ المقتولُ المصلوبُ عيسى حقيقة، إِنما كانَ شَخْصًااَخَرَ غَيْرَه، بينما كان عيسى - ﵇ - في السماء!!.\nوهذا معناهُ أَنَّ هُناكَ شخصًا مقتولًا مصلوبًا، يَجزمُ اليهودُ والنصارى\nوالرومانُ وغيرُهم أَنه المسيحُ عيسى ابنُ مريم رسولُ الله، ويَنفي القرآن الذي أَنزلَه اللهُ بعد ستمئة سنةٍ من الحادثةِ أَنْ يكونَ عيسى، ويُشيرُ إِلى أَنَّه شخصٌ آخرُ غير عيسى!! فمن هو هذا الشخصُ الآخَرُ المقتولُ المصلوب؟!.\nلم يتحدَّثْ عنه رسولُ اللهِ - ﷺ - في حديثٍ صحيحٍ مرفوع، وذَكَرَ قَصَّتَه الصحابى الجليلُ عبدُ الله بن عباس - ﵄ -.\nوهو أَصَحُّ ما جاءَ في مصادِرِنا الإِسلامية، بشأنِ الأحداث الخطيرة في تلك الليلة، ورواية ابن عباس تتفق مع حديث القرآن عن عدم قَتْلِ عيسى وصَلْبِه، وتُشيرُ إِلى شخصيةِ القَتيل.\nونسجل فيما يلي رواية ابن عباس، وتمهيد ابن كثير لها، وحديثه عن\nأحداث تلك الليلة المثيرة:\nقالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيره: \" وكانَ من خبرِ اليهودِ - عليهم لَعائنُ اللهِ وسَخَطُه وغَضَبُه وعِقابُه - أَنه لما بَعَثَ اللهُ عيسى ابنَ مريم بالبيناتِ والهدى، حَسَدوه على ما آتاهُ اللهُ من النبوة، والمعجزاتِ الباهراتِ التي كان يُبرئُ بها الأَكْمَهَ والأَبرصَ","vol":"1","page":186},{"text":"ويُحيي الموتى بإِذْنِ الله ...\nفخالَفوه وكَذَّبوه، وسَعَوْا في أَذاهُ بكُل ما أَمْكَنَهم، حتى جعلَ نبيُّ اللهِ عيسى - ﵇ - لا يُساكنُهم في بلدة، بل يُكثرُ السياحةَ هو وأُمُّه ...\nثم لم يُقْنِعْهم ذلك حتى سَعَوا إِلى ملكِ دمشق في ذلك الزمان - وكانَ\nرَجُلًا مشركًا من عبدةِ الكواكب، وكانَ يُقالُ لأهْلِ مِلَّتِه: اليونان - وأَنْهَوْا إِليه أَنَّ في بيتِ المقدسِ رجلًا يَفتنُ الناسَ ويُضلُّهم، ويُفسِدُ على الملكِ رعاياه.. فغضبَ الملكُ من هذا، وكتبَ إِلى نائبِه بالقُدْس، أَنْ يَحتاطَ على هذا\nالمذكور، وأَنْ يَصْلُبَه، ويَضَعَ الشوكَ على رأْسِه، ويكفَّ أَذاهُ عن الناس..\nفلما وَصَلَ الكتابُ امتثلَ والي القدس ذلك.\nوذهبَ هو وطائفة من اليهودِ إِلى البيتِ الذي فيه عيسى - ﵇ -، وهو في جماعةٍ من أَصحابِه، اثْنَيْ عشر رجلًا.\nفلما أَحَسَّ عيسى بهم، وأَنه لا مَحالةَ من دخولِهم عليه، أَو خروجِه\nإِليهم، قالَ لأَصحابِه: أَيكم يُلْقى عليه شَبَهي، وهو رفيقي في الجنة؟.\nفانتدبَ لذلك شابٌّ منهم، فكأَنه استصغَرَه، فأَعادَها ثانيةً وثالثة، وكُلّ\nذلك لا يَنْتِدبُ إِلّا ذلك الشّابّ ...\nفقالَ له عيسى: أَنتَ هوإ! وأَلقى اللهُ شَبَهَ عيسى عليه، فكأَنَّه هوإ!.\nوفُتِحَتْ \" رُوزَنَة \" من سَقْفِ البيتِ، وأَخَذَتْ عيسى - ﵇ - سِنَة من النوم، فرُفعَ إِلى السماءِ وهو كذلك ...\nفلما رُفعَ عيسى من سَقْفِ البيت، خَرَجَ أُولئك النفرُ من البيت.\nفلما رأى اليهودُ والجنودُ ذلك الشابَّ ظَنّوه عيسى، فأَخَذوهُ فى الليل\nوصَلَبوه، وَوَضَعوا الشوكَ على رأْسهِ..\nوأَظهرَ اليهودُ أَنهم سَعَوْا في صَلْبِه، وتَبَجَّحوا بذلك..\nوسَلَّمَ لهم طوائفُ من النصارى ذلك؟\nلجهْلِهِم وقلةِ عَقْلِهم..\nما عدا مَنْ كانَ في البيتِ مع المسيح، فإِنهم شاهَدوا رَفْعَه..\nوأَما الباقونَ فإِنهم ظَنُّوا كما ظَنَّ اليهودُ أَنَّ المصلوبَ هو المسيحُ ابنُ مريم ...\nحتى ذَكَروا أَنَّ مريمَ جَلَسَتْ تحتَ ذلك المصلوبِ وبَكَتْ.","vol":"1","page":187},{"text":"وهذا كلُّهُ من امتحانِ اللهِ لعبادِه، لما لَه في ذلكَ من الحكمةِ البالغة.\nوقد أَوضحَ اللهُ الأَمْرَ وجَلّاه وأَظْهَرَه وبَينَه في القرآنِ العظيم، الذي أَنزلَه على رسولِه الكريمِ - ﷺ -، حيثُ بَينَ أَنهم ما قَتَلوا عيسى - ﵇ - وما صلَبوه، ولكن شُبِّهَ لهم، حيثُ أَلْقى اللهُ شَبَهَه على ذلك الشّابّ، فَبَدا لهم عيسى، فقَتَلوه وصَلَبوه، ظانّينَ أَنَّه عيسى! وأَخبرَ اللهُ أَنَّ الذينَ اخْتَلَفوا في عيسى - ﵇ - من اليهودِ الذين ادَّعَوْا قَتْلَه، والنصارى الجُهّالِ الذين سَلَّموا لهم بذلك، كُلُّهم في\nشَكٍّ وحَيْرةٍ وضلالٍ من ذلك! وأَخبرَ أَنهم ما قَتَلوه مُتَيَقنِين أَنه هو، وإِنما كانوا شاكّين مُتَوَهِّمين ...\nقالَ ابنُ عباسٍ رضتها: \" لما أَرادَ اللهُ أَنْ يرفعَ عيسى - ﵇ - إِلى السماء، خَرَجَ على أَصحابِه، وفي البيتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا من الحواريّين، خَرَجَ عليهم من عينٍ في البَيْت، ورأسُه يَقطرُ ماءً، فقالَ إِنَّ منكم مَنْ يكفرُ بي اثنتَي عَشْرَةَ مرة، بعد أَنْ آمَنَ بي!.\nثم قال: أيكم يُلْقى عليه شَبَهي، فيُقْتَلُ مكاني، ويَكونُ معي في دَرَجتي؟.\nفقامُ شابّ من أَحْدَثِهم سِنًّا، فقالَ له: اجلسْ، ثم أَعادَ عليهم، فقامَ\nذلك الشابُّ، فقالَ له: اجلسْ! ثم أَعادَ عليهم، فقامَ ذلك الشاب، فقال: أنا! فقالَ له عيسى - ﵇ -: هو أَنت!!.\nفأُلْقِيَ عليه شَبَهُ عيسى - ﵇ -، ورُفِعَ عيسى من \" روزَنَةٍ \" في البيتِ إِلى السماء، وجاءَ الطَّلَبُ من اليهود، فأَخذوا الشَّبَهَ، فَقَتَلوه، ثم صَلَبوه.. \".\nوعلى ضوءِ كلامِ ابن عباسٍ - ﵄ - وابنِ كثيرٍ - ﵀ -، يمكنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَحداثَ تلك الليلةِ المثيرةِ كما يَلي:\n١ - نجحَ اليهودُ في إِقناعِ الحاكمِ الروماني في إِلقاءِ القبضِ على\nعيسى - ﵇ -.","vol":"1","page":188},{"text":"٢ - توجِّهَتْ مجموعةٌ من الجنودِ الرومانِ واليهودِ إِلى المكانِ الذي فيه\nعيسى - ﵇ -.\n٣ - كان عيسى - ﵇ - في أَحَدِ بيوتِ القُدْس في تلك الليلة، وكانَ معه اثْنا عَشَرَ رَجُلًا من الحوارِيّين.\n٤ - عَلِمَ عيسى - ﵇ - بقدومِ الجنودِ لاعْتِقالِه وقَتْلِه، فلم يَخَف ولم يَقْلَقْ ولم يَحْزَنْ، لأَنَّه يوقنُ أَنَّ اللهَ معه، بِحِفظِه وعنايتِه ورعايتِه.\n٥ - أَخبرَ اللهُ عيسى - ﵇ - أَنهم لن يَصِلوا إِليه، وطَلَبَ منه أَنْ يَنتدبَ من أَتْباعِه شابًا، ليُلقيَ شَبَهَهُ عليه.\n٦ - أَخبرَ عيسى - ﵇ - الحواريّين أَنَّ الله سيحميه، وعَرَضَ عليهم أَنْ ينتدبَ أَحدهم ليفديَه بنفسِه، بأَنْ يُلْقى عليه شَبَهُه، فيُؤْخَذَ ويُقْتَلَ ويَموتَ شهيدًا، ويكونَ معه في الجنة.\n٧ - استجابَ لعيسى - ﵇ - شابٌّ من أَصْغَرِ الحوارِيّين سِنًّا، وبقيَ اسْمُه مبهمًا.\n٨ - أَجرى اللهُ على ذلك الشابِّ الفدائيِّ آيَتَه الخارقة، فَحَوَّلَه إِلى\nعيسى، بأَنْ أَلْقى شَبَهَه عليه، بحيثُ لا يَشُكُّ مَنْ رآهُ أَنه عيسى.\n٩ - رَفَعَ اللهُ رسولَه عيسى - ﵇ - إِلى السماء، بعدَ أَنْ أَلْقى عليه النَّوْم، وكانَ الحوارتون معه في البيت، فرأَوْه وقد أُلْقِيَ عليه النوم، ورأَوْهُ وهو يُرْفَعُ من فتحةٍ في البيت!.\n١٥ - لما دخلَ الجنودُ واليهودُ البيتَ، رأَوْا أَمامَهم \" عيسى \"، وهو في\nالحقيقةِ \" عيسى المُتَحَولُ \"، شبيهُ النبي عيسى الذي رُفِعَ إِلى السماء.\n١١ - أَخَذَ الجنودُ عيسى المتحوِّلَ، وهم لا يَشُكّونَ أَنه عيسى\nالمطلوبُ، ولم يَنْفِ الشابّ أَنَّه عيسى.\n١٢ - لا نَعرفُ ماذا جَرى للحوارِيّين الأَحَدَ عَشَرَ الذين كانوا في البيت،\nهل هَرَبوا أَم اعْتُقِلوا، أَم اعْتُقِلَ بعضُهم وهربَ آخرون.","vol":"1","page":189},{"text":"١٣ - أَخَذَ الجنودُ \" عيسى الثاني الشّبِيه \"، وصَلَبوهُ على الخشبة، وقَتَلوهُ\nعلى الصَّليب، ولقيَ وَجْهَ اللهِ شهيدًا، بينما كان عيسى الرسولُ - ﵇ - في السماء.\n١٤ - كان الناسُ يَأتونَ إِلى الشّابِّ المقتولِ المصلوب، ولا يَشُكونَ أَنه\nعيسى، لأَنَّ اللهَ أَلْقى شَبَهَه عليه، فأَنزلوه عن الصَّليبِ ودَفَنوه.\n١٥ - كان اليهودُ فَرِحين شامِتين، لأَنهم قَتَلوا عيسى وصَلَبوه، وأَذاعوهُ\nفي الناس، وقالوا: إِنا قَتلْنا المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ رسولَ الله..\nبينما كانَ القتيلُ عيسى الشبيه.\n١٦ - لَم يَعلم النَّصارى ماذا جَرى من معجزاتٍ ربانيةٍ في تلك الليلة،\nوأَيْقَنوا أَنَّ الشابَّ الذي خَرَجَتْ روحُه على الصليب، ودُفِنَ في الأَرضِ هو\nعيسى رسولُ الله، ﵊، وقالوا: قَتَلَ اليهودُ رسولَنا\nوصَلَبوه.\n١٧ - صَبَّ اليهودُ والرومانُ العذابَ على الحوارِيّين والمؤمنين\nبعيسى - ﵇ -، وقَتَلوا منهم وصلَبوا، وشَرَّدوا وطَرَدوا..\nولم يلتقطْ ذلك الجيلُ من النصارى أنفاسَهم ليُفَكِّروا بتَأَن وتَمَهُّلٍ فيما جرى في تلك الليلةِ المثيرة.\n١٨ - بقيتْ حقيقةُ ما جَرى في تلك الليلةِ خافيةً على اليهودِ والنصارى،\nوهم يوقنون أَنَّ المقتولَ المصلوبَ هو عيسى رسولُ الله ﵊، حتى بَعَثَ اللهُ محمدًا رسولًا - ﷺ -، بعد ستة قُرون، وأنزل عليه القرآن، وَوَضَّحَ حقيقةَ الأَمْرِ وأَزالَ اللبس، وذَكَرَ أَنَّ المصلوبَ هو ذلك الشابُّ الفدائيُّ الشهيد، وأَنَّ عيسى الرسولَ - ﵇ - في السماء!!.\nمعى قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)\nادّعى الفادي أَنَّ القرآنَ ذَكَرَ موتَ عيسى - ﵇ -.\nقال: \" ويذكُرُ القرآنُ في مواضِعَ أُخرى موتَ المسيح، وقيامتَه وارتفاعَه إِلى السماء، كقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، وقوله: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ) .","vol":"1","page":190},{"text":"وقوله: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .\nوهذا فهمٌ خاطى للآياتِ الثَّلاث، فهي لا تتحدَّثُ عن موتِ عيسى - ﵇ - على الصليب، ثم دفنِه وقيامتِه، وإِنما تتحدَّثُ عن موتِه، وبعثِه يومَ القيامة.\nمعنى آيةِ سورةِ مريم: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣):\nأَنَّ اللهَ سيمنَحُه السلام، ويُنْجيه من الخَطَرِ في المواطنِ الثلاثةِ التي\nيتعرَّضُ فيها الإِنسانُ لخطرٍ كبير: يومَ ميلادِه، ويومَ موتِه، ويومَ بعثِه حَيًا يومَ القيامة!.\nوالمرادُ بقولِه: (وَيَومَ أَمُوتُ): موتُه الحقيقيُّ بعدَ إِنزالِه على الأَرضِ\nقُبَيْلَ قيامِ الساعة، حيثُ سيُنزلُهُ اللهُ حاكِمًا بدينِ الإِسلام، وسيكسرُ الصَّليب ويقتلُ الخنزير، ويضعُ الجزية، ويُقاتلُ النَّصارى، ولا يقبلُ منهم إِلّا\nالإِسلام..\nثم يموتُ الموتةَ التي كَتَبَها اللهُ على كُلّ مخلوقٍ حيٍّ، ثم يُصَلي\nعليه المسلمونَ ويَدفنونه.\nوالمرادُ بقوله: (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا): بَعْثُه يومَ القيامة، معَ باقي الأَنبياءِ\nوالإِنسِ والجِنّ.\nفليس المرادُ بقولِه: (وَيَومَ أَمُوتُ): موتَهُ على الصليبِ وخروجَ روحِه\nعليه.\nكما أَنه ليس المرادُ بقولِه: (وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا): قيامَه من قبرِه الذي دَفَنوهُ\nفيه، بعد ثلاثةِ أَيامٍ من صَلْبِه ودَفْنِه.\nأمّا معنى آيةِ سورةِ آلِ عمران: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فإِنه\nيَحتاجُ إِلى توضيح، لنفيِ اللَّبْسِ وحَلِّ الإِشكال.\n(مُتَوَفِّيكَ) في الآيةِ خبرُ \" إِنَّ \" مرفوعٌ بضمةٍ مقدَّرَةٍ على الياء، وهو اسْمُ\nفاعلٍ من الفعلِ الخُماسيّ: تَوَفّى.\nتقول: تَوَفّى، فهو المتوفِّي.\nوالتوفّي في القرآنِ قد يُسْنَدُ إِلى الله.","vol":"1","page":191},{"text":"قالَ تعالى: (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) .\nوقد يُسْنَدُ إِلى الملائكة؟\nقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) .\nوقد يُسْنَدُ إِلى مَلَكِ الموت؟\nقالى تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) .\nوقد يُسْنَدُ إِلى الموتِ نفسِه؟\nقالى تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) .\nوالتَّوَفّي المسنَدُ إِلى اللهِ في القرآنِ ليس كُلُّه بمعنى الموت، بل إِنه يَرِدُ\nفيه بمعنَيَيْن:\nالأوَّل: الموتُ.\nفاللهُ يتوفّى الناسَ. أَيْ: يُميمُهم ويَقبضُ أَرواحهم.\nقال تعالى: (فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ)، وقالى تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ) .\nالثاني: النّومُ.\nفاللهُ يتوفّى النّاسَ.\nأَي: يجعلُهم يَنامون.\nقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى) .\nومعنى الآية: اللهُ يجعلُكم تَنامون في الليل، ويَقبضُ أَرواحَكم أَثناءَ\nنومِكم، ثم يُعيدُ أَرواحَكم إِلى أَجسادِكم عند استيقاظِكم، ويبعثكم في النهار.\nوقال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .\nاعتبرت الآيةُ النومَ مَوْتًا، وقَسَّمَت الناسَ بِالنوم إِلى قسمَيْن:\nهناك أُناسٌ يَنامونَ، ويَموتون أَثناءَ النّوم، لأَن اللهَ أَنهى آجالَهم أَثناءَ النوم،\nوقبضَ أَرواحَهم، ولم يُرْجِعْها إِلى أَبدانهِم: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) .\nوهناك أُناسٌ يَنامونَ، ويتوفّى اللهُ أَرواحَهم أَثناءَ النوم، ثم يُعيدُها إِلى","vol":"1","page":192},{"text":"أجَسادِهم عند الاستيقاظ، لأَنه بَقيَتْ في أَعمارِهم بقية: (وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .\nوالفريقان يتوفّاهم اللهُ أَثناءَ نَومِهم: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) ..\nوالتوفّي معناه القبضُ، أَيْ: اللهُ يَقبضُ أَرواحَ الأنفس كُلِّها حينَ نومِها، فإِن انتهى عُمْرُ بعضِ الأَنفسِ أَمسكَ أَرواحَها أَثناءَ نومِها، وإِنْ بقيتْ في عمرِ بعضِ الأَنفسِ بقيةٌ أَعادَ لها أَرواحَها.\nوتدلُّ الآياتُ السابقةُ على أَنَّ التوفّي في القرآنِ بمعنى: \" القبضِ \"\nوالتغييب.\nوهذا القبضُ والتغييبُ نوعان: قبضُ نَوْمٍ.. وقَبْضُ مَوْت.\nفالتوفّي في القرآنِ نوعان: تَوَفّي نَوْم.. وتوفّي مَوْت.\nوالمعْنَيانِ مذكورانِ في قصةِ عيسى - ﵇ -: فاللهُ تَوَفّى عيسى - ﵇ - تَوفّي نَوم، ثم سيتوفَّاهُ توفّي مَوْت ...\nالتوفّي الأوَّل: وَرَدَ في قولِهِ تعالى: (إِد قَالَ اَدفَهُ يَعِيممَئَ إِقِ مُتَوَفيلثَ\nوَرَافِعُكَ إِلَىَّ): أَي: إِنَّني أُلْقي عليكَ النَّوْم، وأَتَوَفّاكَ تَوَفّي النَّوْم، وأَقبضُكَ أَثناءَ نومك، وأَرفعُك إِلَيَّ وأَنت نائم، وأُطَفَرُكَ من الذينَ كفروا.\nالتوفي الثاني: وَرَدَ في قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)، أَيْ: لما أَمَتَني وقَبَضتَ روحي، كنتَ أَنْتَ الرقيبَ عليهم.\nوالخلاصةُ: توفّى اللهُ عيسى - ﵇ - تَوَفي نَوْم، وذلك عندما أَتاهُ الجنودُ واليهودُ لقَتْلِه وصَلْبِه، فحماهُ اللهُ منهم، وأَلْقى عليه النوم، وتوفّاهُ وقَبَضَه أثناءَ نومِه، ورَفَعَه إِليه، وجَعَلَه في السَّماء، وهو حيّ بروحِه وجسمِه في السماءِ، حياةً خاصةً معجزة، ليستْ كحياتِنا..\nوسيَنزلُ قُبيلَ قيامِ الساعة.\nوسوفَ يَتَوَفَّى اللهُ عيسى - ﵇ - تَوَفي الموت، عِندما يُنزلُه في آخِرِ الزمان، ويَعيشُ بين المسلمين ما شاءَ اللهُ له أَنْ يَعيش..\nثم يتوفّاهُ اللهُ بقبضِ روحهِ وموته ...\nهذا ما قَرَّرَهُ القرآنُ بشأنِ تَوَفّي عيسى - ﵇ -، وهو الحَق الذي لا خَطَأَ فيه والله أَعلم!! (١) ..\n_________\n(١) قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:\nالمسألة الثانية:\nاعترفوا بأن الله تعالى شرف عيسى في هذه الآية بصفات:\nالصفة الأولى: ﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ ونظيره قوله تعالى حكاية عنه ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] واختلف أهل التأويل في هاتين الآيتين على طريقين أحدهما: إجراء الآية على ظاهرها من غير تقديم، ولا تأخير فيها\nوالثاني: فرض التقديم والتأخير فيها،\nأما الطريق الأول فبيانه من وجوه الأول: معنى قوله ﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ أي متمم عمرك، فحينئذ أتوفاك، فلا أتركهم حتى يقتلوك، بل أنا رافعك إلى سمائي، ومقربك بملائكتي، وأصونك عن أن يتمكنوا من قتلك وهذا تأويل حسن\nوالثاني: ﴿مُتَوَفّيكَ﴾ أي مميتك، وهو مروي عن ابن عباس، ومحمد بن إسحاق قالوا: والمقصود أن لا يصل أعداؤه من اليهود إلى قتله ثم إنه بعد ذلك أكرمه بأن رفعه إلى السماء ثم اختلفوا على ثلاثة أوجه أحدها: قال وهب: توفي ثلاث ساعات، ثم رفع\nوثانيها: قال محمد بن إسحاق: توفي سبع ساعات، ثم أحياه الله ورفعه\nالثالث: قال الربيع بن أنس: أنه تعالى توفاه حين رفعه إلى السماء، قال تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] .\nالوجه الرابع: في تأويل الآية أن الواو في قوله ﴿مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ تفيد الترتيب فالآية تدل على أنه تعالى يفعل به هذه الأفعال، فأما كيف يفعل، ومتى يفعل، فالأمر فيه موقوف على الدليل، وقد ثبت الدليل أنه حي وورد الخبر عن النبي ﷺ: «أنه سينزل ويقتل الدجال» ثم إنه تعالى يتوفاه بعد ذلك.\nالوجه الخامس: في التأويل ما قاله أبو بكر الواسطي، وهو أن المراد ﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ عن شهواتك وحظوظ نفسك، ثم قال: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ وذلك لأن من لم يصر فانيًا عما سوى الله لا يكون له وصول إلى مقام معرفة الله، وأيضًا فعيسى لما رفع إلى السماء صار حاله كحال الملائكة في زوال الشهوة، والغضب والأخلاق الذميمة.\nوالوجه السادس: إن التوفي أخذ الشيء وافيًا، ولما علم الله إن من الناس من يخطر بباله أن الذي رفعه الله هو روحه لا جسده ذكر هذا الكلام ليدل على أنه ﵊ رفع بتمامه إلى السماء بروحه وبجسده ويدل على صحة هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْء﴾ [النساء: ١١٣] .\nوالوجه السابع: ﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ أي أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء وانقطع خبره وأثره عن الأرض كان كالمتوفى، وإطلاق اسم الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته جائز حسن.\nالوجه الثامن: أن التوفي هو القبض يقال: وفاني فلان دراهمي وأوفاني وتوفيتها منه، كما يقال: سلم فلان دراهمي إلي وتسلمتها منه، وقد يكون أيضًا توفي بمعنى استوفى وعلى كلا الاحتمالين كان إخراجه من الأرض وإصعاده إلى السماء توفيًا له.\nفإن قيل: فعلى هذا الوجه كان التوفي عين الرفع إليه فيصير قوله ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ تكرارًا.\nقلنا: قوله ﴿إِنّي مُتَوَفّيكَ﴾ يدل على حصول التوفي وهو جنس تحته أنواع بعضها بالموت وبعضها بالإصعاد إلى السماء، فلما قال بعده ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ كان هذا تعيينًا للنوع ولم يكن تكرارًا.\nالوجه التاسع: أن يقدر فيه حذف المضاف والتقدير: متوفي عملك بمعنى مستوفي عملك ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ أي ورافع عملك إلي، وهو كقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] والمراد من هذه الآية أنه تعالى بشّره بقبول طاعته وأعماله، وعرفه أن ما يصل إليه من المتاعب والمشاق في تمشية دينه وإظهار شريعته من الأعداء فهو لا يضيع أجره ولا يهدم ثوابه، فهذه جملة الوجوه المذكورة على قول من يجري الآية على ظاهرها.\nالطريق الثاني: وهو قول من قال: لا بد في الآية من تقديم وتأخير من غير أن يحتاج فيها إلى تقديم أو تأخير، قالوا إن قوله ﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾ يقتضي إنه رفعه حيًا، والواو لا تقتضي الترتيب، فلم يبق إلا أن يقول فيها تقديم وتأخير، والمعنى: أني رافعك إليّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالي إياك في الدنيا، ومثله من التقديم والتأخير كثير في القرآن.\nواعلم أن الوجوه الكثيرة التي قدمناها تغني عن التزام مخالفة الظاهر، والله أعلم. اهـ (مفاتيح الغيب ٨ / ٦٠ / ٦١)","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الفصل الثالث نقض المطاعن الأخلاقية</span>","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>الرخصة لمن أكره على الكفر</span>\nْرَخَّصَ اللهُ لمنْ أُكْرِهَ على الكفرِ أَنْ يَنطقَ بكلمةِ الكُفْر.\nقال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) .\nتُهَدِّدُ الآية ُ من ارْتَدَّ عن الإِسلام، وعادَ إِلى الكفر، وشَرَح صَدْرَه\nبالكفر، وتتوعَّدُه بالغضبِ من الله، والعذابِ العظيمِ في الآخرة.\nو\" مَنْ \" في أَوَّلِ الآيةِ اسْمُ شرْط.\nوجملةُ (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) فعْلُ الشرط، وجَوابُ الشرطِ مَحْذوف، والتقدير: فهو مُؤاخَذٌ مُعَذَّب.\nوالمعْنى: مَنْ كَفَرَ باللهِ مُخْتارًا راضيًا، وعادَ إِلى الكفرِ بعدَ الإِيمان، برضاهُ واختيارِه، فهو الملعونُ المغضوبُ عليه الخاسرُ.\nوتَستثني الآية ُ من التهديدِ والوعيدِ الذي أُكْرِهَ على الكفر، وتُرَخِّصُ له\nبالنطقِ بكلمةِ الكفرِ بسببِ الإِكراه: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) .\nونزلت الآية في ما جَرى لعمارِ بنِ ياسر - ﵁ -، عندما أَكْرَهَه الكفارُ على النطقِ بكلمةِ الكفر.\nقال ابنُ كثير: \" عَنْ أبي عبيدةَ محمدِ بنِ عمارِ بنِ ياسر قال: أَخَذَ المشركونَ\nعَمّارَ بنَ ياسر، فَعَذَّبوهُ حتى قارَبَهم في بعضِ ما أَرادوا، فشكا ذلك إِلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \" كيفَ تَجِدُ قَلْبَك؟ \".\nقال: مطمئِنًا بالإِيمان.\nقال: \" إِنْ عَادوا فَعُدْ..\n\" فأَنزلَ اللهُ قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) ..","vol":"1","page":197},{"text":"ولما أرادَ الفادي أَنْ يُثيرَ إِشكالًا على الآية، ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي،\nونَقَلَ منه ما قيلَ عن نُزولِ الآيةِ فيما جَرى لعمارِ بنِ ياسر - ﵁ -، وهو بمعنى الروايةِ السابقةِ عندَ ابنِ كثير في تفسيره.\nوعَلَّقَ البيضاويُّ على الآيةِ والروايةِ بقوله: \" وَهوَ دَليلٌ على جَوازِ التكلمِ بالكفرِ عندَ الإِكراه ... \".\nوعَلَّقَ الفادي على كلامِ البَيْضاويِّ بقوله: \" ونحنُ نسأل: هل من الأَمانَةِ\nأَنْ يُزَوِّرَ الإِنسانُ في عقيدتِه ويُنْكِرَ إِلهه الحَيَّ في سبيلِ إِرضاءِ النّاس؟\nقالَ المسيحُ: ومَنْ أَنْكَرَني قُدّامَ الناس، يُنْكَرُ قُدّامَ ملائكةِ الله \".\nواعتراضُ الفادي على الآيةِ لا قيمةَ له، لأَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن رخصةٍ\nرَخَّصَ اللهُ بها لبعضِ المسلمين، أَنْ يَنْطِقوا بكلمةِ الكفر، عندما يُكْرَهون على\nذلك، بمعنى أَنهم إِنْ لم يَنْطِقوا قُتِلوا، وبعضُ الناسِ قد يُحِبُّ الحياةَ، فتُجيزُ\nله الآيةُ ذلك بشرطِ أَنْ تكونَ كلمةً باللسان، للنَّجاةِ من القَتْل، وأَنْ يكونَ\nالقلبُ مطمئِنًّا بالإِيمان.\nومع أَنَّ الإِسلامَ يُجيزُ النطقَ بكلمةِ الكفْرِ للنجاةِ من القَتْلِ إِلَّا أَنَّ الأَوْلى\nوالأَفضلَ للمسلمِ أَنْ لا يَنطقَ بها، وأَنْ يَثْبُت على الإِيمانِ حتى لو أَدّى ذلك\nإِلى قَتْلِه.\nقالَ ابنُ كثير: \".. اتفقَ العلماءُ على أَنَّ المكْرَهَ على الكفرِ يَجوزُ له أَن\nيُوالي، إِبقاءً لمهْجَتِهِ، ويَجوزُ له أَنْ يأبى، كما كان بلالٌ - ﵁ - يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلونَ به الأَفاعيل، حتى إِنهم ليَضَعُونَ الصخرةَ العظيمةَ على صَدْرِه، في شدةِ الحَرّ، ويأمرونَه بالشرك، فيأبى عليهم وهو يقول: أَحَدٌ، أَحَدٌ..\nويقول: واللهِ لو أَعلمُ كلمةً هي أَغيظُ لكم منها لقُلْتُها.\n﵁ وأَرضاه.\nوكذلك حَبيبُ بنُ زَيْدٍ الأنصاري، لما قالَ له مسيلمةُ الكذاب:\nأَتشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله؟\nفيقولُ: نعم.\nفيقولُ: أتشهدُ أَني رسولُ الله؟\nفيقولُ: لا أَسمع! فلم يَزَلْ يُقَظعه إِرْبًا إِرْبًا وهو ثابتٌ على ذلك \".","vol":"1","page":198},{"text":"وقد كان الفادي صاحبَ هوى خبيثًا في نَقْلِه عن تفسيرِ البيضاوي، حيثُ\nأَخَذَ منه ما يوافق هواه، ليتَّهمَ القرآنَ ويُخَطّئَهُ.\nفبعدَما ذَكَرَ البيضاويًّ نُزولَ الآيةِ في حادثةِ عمارِ بن ياسر، واستدلَّ بها على جوازِ التكلم بالكفر عند الإِكراه، ذكَر أَنَّ الأَوْلى والأَفضلَ للمسلم أَنْ لا يَنطقَ بالكفر، وأَنْ يَثبتَ على الإِسلام، حتى لو أَدّى ذلك إِلى قَتْلِه..\nقال: \".. وهو دليلٌ على جَوازِ التكلمِ بالكفرِ عندَ الإِكراه..\nوإِنْ كانَ الأَفْضَلَ له أَنْ يَتَجَنَّبَهُ عنه، إِعْزازًا للدين، كما فعلَه أَبُو عمار، ولما رُوِيَ أَنَّ مسيلمةَ أَخَذَ رجلَيْن، فقالَ لأَحَدِهما: ما تقولُ في محمد؟\nقال: هو رسولُ الله - ﷺ -.\nقال: فما تقولُ فِيَّ؟\nقال: أَنتَ أَيضًا رسولُ الله!! فَخَلّاه.\nوقالَ للآخَر: ما تقولُ في محمد؟\nقال: هو رسولُ الله - ﷺ -.\nقال: فما تقولُ فِيَّ؟\nقال: أَنا أَصَمّ.\nفأَعادَها عليه ثلاثًا، فأَعادَ جوابَه، فقَتَلَه..\nفبلغَ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: \" أَمّا الأَوّلُ فقد أَخَذَ برخصةِ الله، وأما الثاني فقد صَدَعَ بالحقّ، فَهنيئًا له \".\nولو كان الفادي يَتصفُ بالموضوعيةِ والأَمانةِ العلميةِ لَذَكَرَ كَلامَ\nالبيضاويِّ كاملًا، وَذكَرَ ما رَجَّحَه البيضاويُّ من أَنَّ الأَفضلَ للمسلمِ أَنْ لا\nيأخذَ بالرخصة، وأَنْ يَثبتَ على الحَقّ حتى لو قُتِل! ولكنه غيرُ أَمينٍ على العلمِ\nوالنقل.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>العفو عن لغو اليمين</span>\nقالَ اللهُ - ﷿ -: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) .\nتُخبرُنا الآيةُ أَنَّ اللهَ يَعفو عن لَغْوِ اليَمين، ولا يُؤاخِذُ بها، ولا يُحاسِبُ","vol":"1","page":199},{"text":"عليها، وهو يُؤاخِذُ باليمينِ المقصودَة، التي يَعقدُها القلبُ ويَقصدُها ويتعمدُها.\nوحتى يُثيرَ الفادي الشبهاتِ حول الآيةِ ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاوي، لعلَّه\nيَجدُ عندَه ما يُريد.\nقالَ: فَسَّرَها البيضاويُّ بقولِه: \" اللَّغْوُ: هو الساقطُ الذي لا\nيُعْتَدّ به من كلام وغيرِه..\nولَغْوُ اليمين ما لا عَقْدَ له، كالذي سَبَقَ به اللّسان، أَو تكلمَ به جاهِلًا لمعناه، كقولِ العرب: لا واللهِ، وبلى واللهِ، لمجردِ التأكيدِ لقولِه.\n(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ): المعنى: لا يُؤاخذُكم اللهُ بعقوبةٍ ولا\nكَفارة بما لا قَصْدَ منه، ولكن يُؤاخِذُكم بهما أَو بإِحداهما بما قصدتُم من\nالأَيْمان، وواطَأَتْ فيها قلوبُكم أَلسنَتَكم.\nوقالَ أَبو حنيفة: اللغوُ هو أَنْ يَحلفَ الرجلُ بناءً على ظَنّه الكاذبِ.\nوالمعنى: لا يُؤاخذُكم بما أَخطاتُم فيه من الأَيْمان، ولكنْ يعاقبُكم بما تعمدتُم\nالكذبَ فيه \".\nذَكَرَ البيضاويُّ قولَيْن في معنى لَغْوِ اليمينِ الذي لا يُؤاخَذُ صاحِبُه به:\nالأَول: هو الكلامُ الذي يَسبقُ به اللسانُ عندَ الكلام، فينطقُ به بدونِ\nقَصْدٍ ولا تَعَمُّد، كقولِ الرجلِ أَثناءَ كلامِه: لا والله، وبلى والله.\nوهذا هو قولُ الجمهورِ من الفقهاءِ والمفَسِّرين.\nويُؤَيِّدُهُ ما صَحَّ عن عائشة - ﵂ - أَنها قالت:\n\" إِنما اللغوُ في المزاحِ والهزل، وهو قولُ الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارةَ فيه، إِنما الكفارةُ فيما عَقَدَ عليه قَلْبَهُ أَنْ يَفْعَلَه ثم لا يَفْعَلُه \".\nالثاني: هو أَنْ يَحلفَ الرجلُ اليمينَ بناءً على ظَنّه، وهو يَعتقدُ أَنه\nصادِق.\nثم يَظهرُ له أَنَهُ أَخطأَ في ظَنَهِ ويمينِه، فهذا لا يُؤاخَذُ به مع أَن يمينَه\nغيرُ صحيح، لأَنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُ بالخَطَأ.\nوهذا هو فهمُ أَبي حَنيفة.\nويُؤَيّدُه ما صَحَّ عن عائشةَ أَيضًا - ﵂ - أَنها قالَتْ: \" لَغْوُ اليَمينِ هو الشيءُ يَحلفُ عليه","vol":"1","page":200},{"text":"أَحَدُكُم لا يُريدُ منه إِلّا الصّدْق، فيكون على غيرِ ما حَلَفَ عليه \".\nوهذا الكلامُ الواضحُ لم يعجب الفادي المفْتَري، واعْتَرَضَ عليه وخَطَّاَهُ\nقائلًا: \" ونحنُ نسأَلُ: هل من مُقَوّماتِ النّبل والشَّرفِ أَنْ يَكْذِب الإِنسانُ؟!\nيقول المسيح: ليكنْ كلامُكُم: نَعَمْ، نَعَمْ.. لا، لا..\nوما زادَ على ذلك فهو من الشِّرِّير \".\nولا أَدري كيفَ فهمَ الفادي الغبيُّ من كلامِ البيضاويّ السابقِ أَنَّ القرآنَ\nيُجيزُ للإِنسانِ المسلمِ الكذبَ، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ!!.\nالقرآنُ لا يُجيزُ الكذبَ، ولا يُشَجِّعُ عليه، ولا يَدْعو إِليه، كما فَهِمَ هذا\nالغبيّ، وقد حَرَّمَ الكذبَ، وتَوَعَّدَ الكاذبين والمكَذِّبين بالعَذابِ الشديد يومَ\nالقيامة، وعلى هذا آياتٌ كثيرة.\nوما قالَه أَبو حنيفة في بيانِ لَغْوِ اليمينِ ليسَ معناهُ مَدْحَ الكذبِ أَو الدعوةِ\nإِليه أَو التشجيعِ عليه! إِنَّ الإِنسانَ قد يُخطئُ في ظَنّه، ومن ثم قد يَحْلِفُ على ما ظَنَّه، فَيُخطئُ في يمينِه، بناءً على خطئِه في ظَنِّه..\nويكونُ هذا اليمينُ الخطأُ من بابِ اللَّغْو في اليمين، وهو ليس كذِبًا، لأَنَّ الكذبَ هو ما قَصَد الإِنسانُ أَنْ يَنطقَ\nبه، وتَعَمَّدَ أَنْ يَكونَ كلامُهُ غيرَ صحيح! وهذأ أَمْرٌ بَدَهيّ مُقَرَّرٌ لا شَكَّ فيه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>حول إعطاء المؤلفة قلوبهم</span>\nأَجازَ الإِسلامُ إِعطاءَ المؤلَّفةِ قُلوبُهم من الزكاة، وَوَرَدَ هذا في قولِه\nتعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) .","vol":"1","page":201},{"text":"وذَهَبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاويِّ ليُثيرَ الشبهاتِ على المؤلفةِ قلوبُهم.\nقال: فَسَّرَها البيضاويُّ بقوله: \" المؤلفة قلوبهم \": قومٌ أَسْلَموا ونيتُهم ضعيفةٌ فيه، فَيَسْتَألِفُ قُلوبَهم..\nأَو هم أشرافٌ قد يَترقبُ بإِعطائِهم ومراعاتِهم إِسلامَ نُظرائِهم.\nوقد أَعطى رسولُ اللهِ - ﷺ - عيينةَ بنَ حِصْن والأَقرعَ بنَ حابس والعباسَ بن مرداس لذلك.\nوقيل: هم أَشرافٌ يُسْتَألَفون على أَنْ يُسْلموا، فإِنَّه - ﷺ - كان يُعطيهم..\nوالأصحُّ أَنه - ﷺ - كان يُعطيهم من خُمُسِ الخُمُس،\nالذي كانَ خاصَّ مالِه، وقد عَدَّ منهم مَن يُؤَلِّفُ قَلْبَه بشيءٍ منها على قتالِ\nالكفارِ ومانعي الزكاة..\nوقيل: كان سهمُ المؤلَّفَةِ لتكثيرِ سَوادِ الإِسلام، فلما أَعزه اللهُ وأَكثرَ أَهْلَهُ سقط.\nذَكَرَ البيضاويُّ ثلاثةَ أَصنافٍ من المؤلَّفةِ قلوبُهم الذين يُعْطَوْنَ من الزكاة:\n١ - منهم من دَخَلوا في الإِسلام، لكنَّ نيتَهم في الإِسلامِ ضعيفة،\nفيُعطونَ من الزكاةِ لتتألَّفَ قلوبُهم، ويتقوّى إِيمانُهم، ويَثْبُتوا على إسلامِهم.\n٢ - ومنهم مَنْ هم أشرافٌ في أَقوامِهم، فيُعْطَوْنَ من الزكاةِ طَمَعًا في\nإِسلامِهم وإِسلامِ أَتْباعهم.\n٣ - ومنهم مَنْ يُرْجى منه قِتالُ الكافرين ومانِعي الزكاة، فيُعْطَوْنَ من\nالزكاةِ للاستفادةِ منهم ومن قُوَّتِهم.\nوذَكَرَ البيضاويُّ قَوْلًا آخَرَ يَرَى أَنَّ المؤلَّفَةَ قلوبُهم أُعْطوا من الزكاة، لما\nكانَ المسلمونَ قَلائل، وكانَ الإِسلامُ ضعيفًا، فلما أَعَزَّ اللهُ الإِسلامَ والمسلمين لم يَعودوا يَحتاجونَ إِلى تأليفِ قُلوبِ الناس، وبذلك سَقطَ سهمُ المؤلَّفَةِ قلوبُهم من الزكاة!.\nوقد اعترضَ الفادي على هذا، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه مُثيرًا، هو \" تَحليلُ\nالإِغراءِ بالمال \".\nوقالَ في اعتراضِه وتشكيكِه: \" ونحنُ نسأَلُ: هل يُبيحُ الدينُ الإِغراءَ بالمالِ للدُّخولِ فيه؟\nوهل يُؤْجَرُ النّاسُ ويُرْشَوْنَ لِيُهَدِّدوا ويَقْتُلوا الذينَ","vol":"1","page":202},{"text":"لا يَرغبونَ فيه؟\nوهل هذا المالُ يُعْتَبَرُ زكاةً وصدقة، أَمْ يُعتَبَرُ رشوةً ومفسدة \".\nإِنَّ إِعطاءَ المؤلَّفَةِ قلوبُهم نَصيبًا من الزكاةِ ليس رشوةً لهم، ولا إِغراءً\nلهم بالمال، ولا اسْتِئْجارًا لهم ليَقْتُلوا الآخَرين، إِنما هو تأليفٌ لقلوبِهم،\nوترغيبهم للإِقبالِ على الإِسلام، وتقديمُ هديةٍ ماليةٍ لهم، وهذه الهديةُ لمصلحةِ\nالإِسلامِ والمسلمين.\nوإِنَّ اللهَ الذي شَرَعَ هذا الحكم، وأَذِنَ للمسلمينِ أَنْ يُعْطوا المؤَلَّفَةَ قلوبُهم، جُزءًا من زَكَواتِهم، يَعلمُ أَثَرَ المالِ في النفوس وتغييرِ مواقِفِها، وترسيخِ وتَثبيتِ قناعاتِها، ولذلك أَذِنَ بإِعطاءِ المؤلفَةِ قلوبُهم من الزكاةِ، لتثبيتِ الإِيمانِ في قلوبِهم.\nثم إِنَ هذا التشريعَ ليسَ للوجوب، وإِنما هو للإِباحَة، ويُمكنُ أَنْ يَتَوَقَّفَ\nالمسلمون عنه أَحيانًا، ولذلك ذَهَبَ بعضُ العلماءِ إِلى توقيتِه بأَيَّامِ الإِسلامِ\nالأُولى، حيث كان المسلمونَ ضُعفَاء، أَما بَعْدَما انتصرَ المسلمونَ وانتشرَ\nالإِسلامُ فلم تَعُدِ الحاجةُ قائمةً لتأْليفِ قلوبِ الناس، فأَسْقَطوا سهمَ المؤلَّفَةِ\nقُلوبُهم، قالوا: لا نَحتاجُ إِلى تأليفِ قلوبِهم، فمن شاءَ فلْيُؤْمن، ومَنْ شاءَ\nفليكْفُرإ!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>حول آيات الجهاد والقتال</span>\nأعترضَ الفادي على آياتِ الجهادِ والقتالِ في القرآن، فأَوردَ لسِتَّ عشرةَ\nمجموعةً من تلك الآيات، تحت عنوانِ \" تَحْليل القتل \"، أَيْ أَنَّ القرآنَ يُحَرّضُ على القَتْل، ويجعلُه حلالًا، ويَجعلُ صاحبَه مأجورًا.\nوالآياتُ التي أَوردَها هي:\n_________\n(١) ماذا يقول هذا اللعين في المليارات التي تنفقها الكنيسة على حملات التبشير؟؟!!!","vol":"1","page":203},{"text":"١ - قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) .\n٢ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) .\n٣ - قولُه تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) .\n٤ - قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) .\n٥ - قولُه تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) .\n٦ - قولُه تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥) .\n٧ - قولُه تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) .\n٨ - قولُه تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) .\n٩ - قولُه تعالى: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) .","vol":"1","page":204},{"text":"١٠ - قولُه تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) .\n١١ - قولُه تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) .\n١٢ - قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .\n١٣ - قولُه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ) .\n١٤ - قولُه تعالى: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) .\n١٥ - قولُه تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) .\n١٦ - قولُه تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) .\nاعترضَ الفادي المفترِي على هذه الآيات، وأَنْكَرَها وخَطَّأَها، ونفى أَنْ\nتكونَ من عند الله، لأَنها تَدعو إِلى القَتْلِ وسَفْكِ الدماءِ ونَهْبِ الأَموال! قال: \" ونَحنُ نَسأل: هل يُكْرِهونَ الناسَ على قَبولِ الدينِ بالسَّيْف؟\nوماذا كانَ القَتْلُ مُحَلَّلًا فما هو الحَرام؟\nوكيفَ يُحَرِّضُ نبيٌّ على القِتالِ وانتهاكِ الأَشهرِ الحُرُم، وتَجهيزِ القبائل بالعَتادِ والسُّيوفِ ليَقْتُلَ ويَنْهَب؟\nويَقولُ: إِنَّ هذا في سبيلِ اللهِ والدّين؟\nويُغْري أَتْباعَه بالغنائم، وأَخْذِ الجزيةِ في الدنيا، والجنةِ والحورِ العينِ\nفي الآخِرة؟\nولقد جاءَ في حديثِ مسلمٍ أَنَّ محمدًا قال: \" اغْزُوا باسْمِ الله،","vol":"1","page":205},{"text":"في سبيلِ الله، واقْتُلوا مَنْ كَفَرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغْدُروا ولا تُمَثِّلوا، ولا تَقْتُلوا وَليدًا \".\nإِنّنا نَعلمُ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى وباقي طوائفِ أَعداءِ المسلمينِ تُزْعِجُهم\nآياتُ الجِهادِ والقِتال، وهم يُحاربونَ مبدأَ الجهادِ والقتالِ في الإِسلام،\nويَحرصونَ على قَتْلِ روحِ الجهادِ في نفوسِ المسلمين..\nفي الوقتِ الذي لا يتوقفون هم عن الطمعِ في بلادِ المسلمين، وحشْدِ الجيوشِ للعُدوانِ عليهم، ومحاربتِهم واحتلالِ بلدانِهم، ونَهْب خيراتِهم، والقضاءِ على دينهم..\nكما قال تعالى: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) .\nولا عَجَبَ في أَنْ يَشُنَّ الأَعداءُ حربَهم الشرسةَ على الجهادِ والقتالِ في\nالإِسلام.\nولا عَجَبَ في أَنْ يُشاركَ الفادي المفترِي في هذه الحرب الفكريةِ\nالتدميرية، ولا عَجَبَ في أَنْ يَعترضَ على الآياتِ التي سَجَّلَها، وأًنْ يُنكرَها\nويَرفضَها، وأَنْ يَعتبرَها من أَخطاءِ القرآنِ الأَخلاقية!.\nأَما نحنُ فإِننا نعلمُ أَصالةَ الجهادِ في الإِسلام، وكونَه من مقاصدِ القرآن،\nوهو يُشغلُ جانبًا كبيرًا في الفكْرِ والتصورِ والعلمِ والمعرفةِ والثقافةِ في\nالإِسلام.\nوإِذا كانَ الكفارُ المعادون لا يتوقَّفون عن العدوان على المسلمين،\nفكيفَ يُريدُ الفادي المفترِي وإِخوانُه، من المسلمين أَنْ يُلْغوا هذا الجانبَ\nالإسلاميَّ الكبير، وأَنْ يَتَحَوَّلوا إِلى مسالمين ومستسلمين، يَفْتَحون للمحتلّين\nبلَادهم وبيوتَهم، فإِنْ فَكَروا في جهادِهم ومواجهتِهم ورَدِّ عدوانِهم وتحريرِ\nالبلادِ منهم كانوا مجرمين إِرهابيّين؟!.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>حول إباحة الغنائم</span>\nالغنائمُ هي ما يأخذُه المجاهدون من الأَعداء المحاربين، عندما\nيَهزمونَهم، وهذه الغنائمُ تَشملُ الأَموالَ والسِّلاحَ والدّوابّ، ومختلفَ الأَشياءِ المنقولة.\nوقد أَباحَ اللهُ للمجاهدينَ أَخْذَ تلك الغنائم، فقالَ تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) .\nوبَيَّنَ في القرآنِ كيفيةَ توزيعِ الغنائم، وذلك في قولِه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) .\nواعترضَ الفادي على إِباحةِ الغنائمِ للمجاهدين، وذلك في قوله: \" ونَحنُ\nنَسألُ: هل يَأمُرُ اللهُ بقَتْلِ النّاسِ ونَهْب أَموالِهم، ويَقولُ: إِنَّ هذا حلالٌ طَيّب؟\nهل يُحَلّلُ اللهُ أَموالَ الغَيْرِ؟ \".\nلم تَكن الغنائمُ مُباحَةً عندَ السابقين، كاليهودِ والنَّصارى، وعندما كانوا\nيُقاتِلونَ أَعداءَهُم ويَهزمونَهم كانوا يَأخُذونَ الغنائمَ منهم، ويَجمعونها، ثم\nيُشعلونَ فيها النارَ ويَحرقونَها، وكانوا يُعاقِبونَ مَنْ أَخَذَ منها.\nولذلك أَخْبَرَنا رسولُ الله - ﷺ - أَنَّ اللهَ أَحَلَّ الغنائمَ له ولأُمَّتِه، فقال: \" وأُحِلَّتْ ليَ الغَنائم، ولم تُحَلَّ لأَحَدٍ منْ قَبْلي \".\nولا معنى لاعتراضِ الفادي المفترِي على إِباحةِ الغنائم، وعلى أَخْذِ\nالغنائمِ من الأَعداء، فالأَعداءُ يَعْتَدونَ على المسلمين ويُحاربونجهم ويَهجمونَ","vol":"1","page":207},{"text":"عليهم، وأَمَرَ اللهُ المسلمينَ برَدِّ عُدوانِ المعْتَدين، ومحاربةِ المحاربين،\nوالوقوفِ أَمامَ الطامِعين فيهم، وأَوجبَ على المسلمين جهادَهم وقِتالَهم وقَتْلَ\nمَنْ يَقْدِرونَ عليه منهم.\nوجَميعُ الأَديانِ والشرائعِ والمذاهبِ والمناهجِ توجبُ\nعلى الناسِ مواجهةَ المعْتَدين، والدفاعَ عن الأَوطانِ والأَمْوال.\nومن غيرِ المقبولِ والمعقولِ أَنْ يُشَجَّعَ المعْتَدون المحتَلّون، وأَنْ يُدْعى المعْتَدى عليهم إِلى محبةِ المعْتدين، واستقبالهم بالورودِ وأَغْصانِ الزيتونِ والأَحْضان!!.\nيُريدُ الفادي من قومِه أَنْ يُحاربوا المسْلِمين، وأَنْ يَحْتَلوا بلادَهم ويَنْهَبوا\nأَموالَهم، فإِنْ قامَ المسلمونَ بواجِبِهم في الجهادِ ورَدِّ العُدْوان، رَفَعَ صوتَه\nبالاعتراضِ والإِنكارِ، وقال: \" هل يأمُرُ اللهُ بقَتْلِ الناسِ ونَهْبِ أَموالِهم،\nويَقولُ: إِنَّ هذا حَلالٌ طَيّبٌ؟!\nهل يُحَفلُ اللهُ أَموالَ الغير؟! \".\nونحنُ بالمقابلِ نَسْأَلُ المفترِي: هل أَباحَ اللهُ للصليبيّين - الذينَ يَزْعمُونَ\nالإِيمانَ بالنصرانيةِ والإِنجيل - احتلالَ بلادِ المسلمين، وسَفْكَ دمائِهم، ونَهْبَ\nأَموالِهم؟!\nوهل أَباحَ اللهُ للمستعْمِرينَ الإِنجليزِ والفرنسيينِ والإِسبانِ والطليانِ\nوالأَمريكانِ احتلالَ بلادِ المسلمين في هذا الزمان ونَهْبَ أَموالِهم وموارِدِهم؟!.\nلماذا يُنكرُ الفادي على المسلمينَ جهادَ وقِتالَ المعتدينَ المحاربينَ\nالمحتلّين، ولا يُنْكِرُ على أُولئك المعتدينَ عُدْوانَهم واحتلالَهم ونَهْبَهم؟!.\nوعندما يحاربُ الأَعداءُ المسلمينَ فإِنهم يستخدمونَ الأَموالَ والسلاحَ\nلحربِهم، وعندما ينتصرُ المسلمونَ عليهم ويَهزمونَهم، فإِنهم يَسْتَوْلون على بَعْضِ الأَموالِ والسلاحِ والعَتادِ والمَتاع، فماذا يَفعلونَ بها؟\nهل يُعيدونَها للأَعداءِ المقاتلين، ليستَعينوا بها على قتالِ المسلمين؟\nأَمْ يَحرقونَها بالنارِ كما كانَ يَفعلُ اليهودُ في العهد القديم؟..\nلقد أَباحَ اللهُ للمسلمين أَخْذَ تلك الغنائم، والاستفادةَ\nمنها والانتفاعَ بها، وقالَ لهم: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ) .\nواللهُ حكيمٌ في أَمْرِ المؤمنين بقتالِ المقاتِلين، لأَنَّ البادئَ أَظْلَم، وهو\nحكيمٌ في إِباحةِ الغنائمِ للمجاهدين، لأَنَّ في أَخْذِها من الأَعداءِ المقاتلينَ","vol":"1","page":208},{"text":"إِضْعافًا لهم.\nواعتراضُ الفادي على حكْمِ اللهِ الحكيمِ دليلُ جَهْلِه وتحامُلِه!\nوهو لا وَزْنَ له، لأَنه يعترضُ على الصحيحِ، ويُخَطِّئُ الصَّواب!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>حول قسم الله بمخلوقاته</span>\nأَقسمَ اللهُ بكثيرٍ من مخلوقاتِه في القرآن، بحيثُ أَصبحَ القَسَمُ بها ظاهرةً\nمن ظواهرِ التعبيرِ القرآني.\nوقد ذَكَرَ الفادي بعضَ الآياتِ التي أقْسَمَ اللهُ فيها ببعضِ مخلوقاتِه \"\n١ - قولُه تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) .\nوعَلَّقَ الفادي المفترِي على هذه الآياتِ بقولِه: \" فصاحِبُ القرآنِ يُقسمُ\nبالفجر، والليالي العشرِ الأَخيرةِ من رمضان، وبالأَشياءِ كُلّها شَفْعِها وَوَتْرِها، وبالليلِ المدْبِر، ويقولُ: إِنَّ أَقسامَه هذه لذي عَقْل! \".\nومن كَيْدِ الفادي ولُؤْمِه أَنه لم يَقُل: \" الله يقسم بالفجر \"، وإِنما قالَ:\n\" فصاحبُ القرآنِ يُقسمُ بالفجر \"! ومن هو صاحبُ القرآنِ في نظرِه؟\nإِنه لا يُقِرُّ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، أوحى به إِلى رسولِه محمدٍ - ﷺ -، وإِنما يجعلُ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ - ﷺ -، فهو صاحبُ القرآنِ في نظرِ هذا المفتري!.\n٢ - قولُه تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) .","vol":"1","page":209},{"text":"وعَلَّقَ الفادي على هذا القَسَمِ بقولِه: \" في هذه الآياتِ يُقسمُ صاحبُ\nالقرآنِ بالشمسِ والقمر، والنهار والليل، والسماء والأرض، والنفس \".\n٣ - قولُه تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .\n٤ - قولُه تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) .\n٥ - قولُه تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) .\nاعترضَ الفادي المفترِي على قَسَمِ اللهِ بهذهِ المخلوقات.\nفقال: \" ونَحنُ نسأَلُ: لماذا يَحلفُ صاحبُ القرآن، ويُقسمُ بكلِّ شيء، بالشمسِ والقمرِ، والنهارِ والليلِ، والسماءِ والأَرض، والنفس والضحى، والتين والزيتون، وجبل سيناءَ ومكة، وغيرِ ذلك؟!\nهل يَحتاجُ صاحبُ القول الصادقِ إِلى قَسَمٍ يُؤَكّدُ كلامَه؟.\nقالَ المسيح: \" لا تَحْلِفوا ألْبَتَة، لا بالسماءِ لأَنها كرسيُّ الله، ولا\nبالأَرضِ لأَنها موطئُ قدمَيْه، ولا بأورشليمَ لأَنها مدينةُ الملكِ العظيم، ولا\nتَحْلف برأسِك، لأَنك لا تقدرُ على أَنْ تجعَل شعرةً واحدةً بيضاءَ أَو سوداء.. بل ليكُنْ كلامُكم: نَعَم، نَعَم، لا، لا..\nوما زادَ على ذلك فهو من الشِّرّير \" أمتى: ٣٤/٥ - ٣٧،..\nفما الذي دَعا صاحبَ القرآنِ ليحلفَ بكلِّ شيء؟! \".\nيتوقَّحُ الفادي المفترِي على اللهِ وعلى القرآن، وعلى رسول الله - ﷺ -، عندما يُصِرُّ على استخدامِ كلمةِ \" صاحبِ القرآن \"، وهذا بسببِ تحامِله على الإِسلامِ وكرهِه له وحقْدِه عليه، بحيثُ لا يُطيقُ استخدامَ كلمةِ \" قالَ اللهُ في القرآن، كما يَدَّعي المسلمون \"!.","vol":"1","page":210},{"text":"واعْتَبَرَ قَسَمَ اللهِ بمخلوقاته في القرآن من أَخطاءِ القرآنِ الأَخلاقية، لأَنَّ\nالصادق يَذكرُ كلامَه بدونِ قَسَم، فهو لا يَحتاجُ إِلى توكيدِ كلامِه بالقَسَم، ولا إِلى أَنْ يُصَدِّقَه السامعُ بالقَسم!.\nوليدللَ الفادي على صِدْقِ كلامِه وانتقادِه للقرآن، أَوردَ من إِنجيل مَتّى\nكَلامًا مَنْسوبًا للمسيحِ يَنهى فيه أَتْباعَه عن القَسَمِ بأَيِّ شيء، لا بالسمواتِ ولا بالأَرضِ ولا بالقدسِ ولا بالرأْس!.\nوعندما نَنظرُ في الكلامِ المنسوبِ لعيسى - ﵇ - فِإنّنا نَرى أَنّه - إِنْ صَحَّتْ نسبتُه لعيسى - ﵇ - يتوافَقُ مع نهي المسلمين عن القسم بغير الله، فعيسى - ﵇ - يَنهى عن القَسَمِ بالمخْلوقات: السمواتِ والأَرضِ والقُدْسِ والرأس.\nوالرسولُ - ﷺ - نَهانا عن القَسَمِ بغيرِ الله، واعتبرَهُ صورةً من صورِ الشركِ بالله، فَصحَّ عنه - ﷺ - أَنه قال: \" مَنْ حَلَفَ بغيرِ اللهِ فقد أَشْرَكَ \".\nعلى أَننا نرفضُ اعتبارَ السماءِ كُرْسِيًّا لله! لأَنَّ كُرْسِيَّه سبحانه وسعَ\nالسمواتِ والأَرْض.\nقال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا) .\nونرفضُ اعبتارَ الأَرضِ موطئَ قَدَمْي الله، فلا نَجعلُ قَدَمَيْنِ لله، يَطَأُ بهما\nعلى الأَرض! لأَنَّ هذا تَجسيم لله، ووصْف له بصفاتِ المخلوقين! واللهُ يقولُ في القرآن: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) .\nواعتراضُ الفادي على قَسَمِ اللهِ بمخلوقاتِه في القرآن مَرْدود، ومن غبائِه\nوجهلِه أَنه جَعَلَ القَسَمَ دليلًا على حرصِ الحالفِ المقْسِمِ على تَأْكيدِ كَلامِه،\nوتصديقِ السامعِ له، فيلجَأُ للقَسَمِ لتحقيقِ ذلك!.\nهذا ينطبقُ على قَسَمِ المخلوقين، ولذلك لا يَجوزُ لَهم أَنْ يُقْسِموا\nبغيرِ الله! لكنه لا يَنطبقُ على قَسَمِ اللهِ بمخلوقاتِه، فهو عندما يُقسمُ بها لا يُريدُ منّا أَنْ نُصَدّقَه، فهو الصادقُ في كلامِه سبحانه، وهو الذي يقول: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) .","vol":"1","page":211},{"text":"عندما يُقسمُ اللهُ ببعضِ مخلوقاتِه فإِنه يريدُ أَنْ يَلْفِتَ أَنظارَنا إِليها، لنلاحظَ\nعَظَمَتها وفائدتَها لنا، وكونَها آيةً دالةً على وحدانيةِ اللهِ وعظمتِه وقوتِه ورحمتِه وإنعامِه، وعندما نتذكَّرُها نذكُرُ خالقَها العظيمَ ونشكُرُه على تسخيرِها لنا!.\nوبهذا نعرفُ الفرقَ بين قَسَمِ اللهِ بهذه المخلوقاتِ وبين قَسَمِ المخلوقين\nبها، ونعرفُ سببَ قَسَمِ اللهِ بها!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>حول الترخيص بالكذب</span>\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الإِسلامَ يُرَخِّصُ في الكذبِ ويُحَلِّلُه، ويَدْعو\nالمسلمينَ إِلى أَنْ يَكْذِبوا..\nوأَوردَ آيتَيَن، ليسَ فيهما أَدْنى إِشارةٍ إِلى ذلك:\nالأوِلى: قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ) .\nلَتَحدَّثُ الآيةُ عن عَدَمِ مؤاخذةِ المسلمينَ باللَّغْوِ في أَيْمانِهم، وهي اليمينُ\nالتي تَخرجُ من أفواهِهِم بدونِ تَعَمُّدٍ وقَصْد، كقولِ أَحَدِهم: لا وَالله، وبَلى\nوالله.\nثُم تُبَيِّنُ كفارةَ اليمينِ المنعقدة، إِذا حَنَثَ فيها صاحبُها.\nولا تتحدثُ عن الكَذِب!.\nالثانية: قولُه تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ) .\nلا تَتَحَدَّثُ الآيةُ عن الكَذِب، وإنما تُشيرُ إِلى رخصةِ إِباحةِ النطقِ بكلمةِ\nالكفر، لمن كانَ مُكْرَهًا، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا يَنطقَ بها، حتى لو أَدّى ذلك\nإِلى قَتْلِه.\nوقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا هذه الفكرةَ مع الفادي (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١٨- تحليل إنكار الله\nجاء فى سورة النحل: أن الإكراه على الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان؛ يجوز. وهذا لا يصح لأنه ليس من الأمانة أن يزور الإنسان فى عقيدته.\nالرد على الشبهة:\nإن الضرورات تبيح المحظورات. وهذا موجود بكثرة فى التوراة وفى الإنجيل ومن ذلك: ما جاء فى الإصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الأول أن رجلًا من رجال الله جاء إلى مدينة \" بيت إيل \" وتنبأ عليه. وقال له الملك ادخل إلى بيتى لأعطيك أجرة؛ فأبى بحجة أنه أمر من الله أن يعود مسرعًا. وكان نبى شيخ ساكنًا فى بيت إيل. فأتى إليه بنوه وقصّوا عليه قصة رجل الله. فقال لهم: دلونى على الطريق التى رجع منها. فلما لحقه قال له: ارجع معى لتتقوت. فأبى. فقال له النبى الشيخ: \" أنا أيضًا نبى مثلك. وقد كلمنى ملاك بكلام الرب قائلًا: ارجع به معك إلى بيتك. فيأكل خبزًا ويشرب ماء. كذب عليه. فرجع معه وأكل خبزًا وشرب ماء [١مل ١٣: ١٧ - ١٩] .\nفقد استعمل الحيلة فى إرجاعه و\" كذب عليه \"\nوفى الأناجيل والرسائل أن بولس كان ذا لسانين وذا وجهين.\nفإنه لما ردوه للسياط، كذب وقال: إننى رومانى الجنسية وقد ولدت حرًّا [أعمال ٢٢: ٢٨] وقال: أنا رجل يهودى من سبط بنيامين [رومية ١١: ١] . ولما مثل أمام رئيس الكهنة وضربه على فمه قال له بولس: \" سيضربك الله أيها الحائط المبيض \" ولما شتمه بهذا القول وفى التوراة أنه لا يجوز شتم رئيس الكهنة وَوَجَّه إليه اللوم على مخالفته للتوراة. قال بولس: لم أكن أعرف أيها الأخوة أنه رئيس كهنة؛ لأنه مكتوب: رئيس شعبك لا تقل فيه سوءا [أع ٢٣: ١ - ٥]، [خروج ٢٢: ٢٨] .\nوفى التوراة أن الإكراه على كسر حكم من أحكام الشريعة يسقط العقاب على كسر الحكم. فإن الفتاة العذراء المخطوبة لرجل، إن وجدها فى الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها؛ يموت الرجل الذى اضطجع معها وحده \" وأما الفتاة فلا تفعل بها شيئًا. ليس على الفتاة خطية للموت، بل كما يقوم رجل على صاحبه ويقتله قتلًا. هكذا هذا الأمر، إنه فى الحقل وجدها؛ فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلصها \" [تث ٢٢: ٢٦ - ٢٧] .\nوفى الإنجيل ينصح المسيح تلاميذه بالحذر من الناس فيقول: \" ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب. فكونوا حكماء كالحيات، وبسطاء كالحمام. ولكن احذروا من الناس \" [متى ١٠: ١٦ - ١٧] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":212},{"text":"فلا أَدري لماذا ذَكَرَ الفادي الآيتَيْن السابقتَيْن في اعتراضِه على الترخيص\nبالكذبِ في الإِسلام.\nوكتابُه كُلُّه خَصَّصَه لكشْفِ أَخطاءِ القرآن، فالآيَتانِ في\nمَوْضوعٍ آخَر غير الموضوعِ الذي يتحدَّثُ هو عنه.\nوزَعْمُ الفادي أَنَّ الإِسلامَ حَلَّلَ الكذبَ وأَباحَه، أَخَذَهُ من حديثِ\nرسولِ الله - ﷺ.\nقال: قالَ الربيعُ بنُ سليمان ...\nعن أُمِّ كلثوم بنتِ عُقْبَة، قالَتْ: ما سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يُرخصُ في شيءٍ من الكَذِبِ إِلّا في ثَلاث:\nكان رسولُ الله - ﷺ - يقول: \" لا أَعُدُّه كاذِبًا: الرجلُ يُصْلِحُ بينَ الناسِ، يقولُ القولَ ولا يُريدُ به إِلّا الإِصلاح، والرجلُ يَقولُ في الحَرْبِ، والرجلُ يُحَدِّثُ امرأَتَه، والمرأةُ تُحَدّثُ زَوْجَها \".\nيُرَخِّصُ الحديثُ بالكذبِ في ثلاثِ حالات: في الإِصلاحِ بينَ الناس،\nوفي الحربِ، وفي بعضِ الحديثِ بينَ الزوجَيْن.\nونَسَبَ إِلى الرسولِ - ﷺ - حَديثًا غَريبًا، لم يَذْكُرْ مَنْ أَخْرَجَه من أَصحابِ السُّنَن، فقال: \" وقالَ محمد: إِذا أَتاكم عَنّي حَديثٌ يَدُلّ على هُدى، أَو يَرُدُّ عن رَديّ فاقْبَلوه، قُلْتُه أَو لم أَقُلْه، وإِنْ أَتاكم عَنّي حديثٌ يَدُلُّ عَلى رَدِيّ، أَو يَرُدُّ عن هُدَى فلا تَقْبَلوه، فإِنّي لا أَقولُ إِلَّا حَقًا \"!!.\nوهذا حَديثٌ غامض، ومَعناهُ غيرُ واضح، وأَخشى أَنْ يَكونَ من وَضْعِ\nالوَضّاعين!.\nوقد اعترضَ الفادي على حديثِ الترخيصِ بالكذبِ في الحالاتِ الثلاث\nبقوله: \" أَلا تَفْتَحُ هذه الأَقوالُ البابَ للكذبِ على مِصْراعَيْه؟\nوهل الأَخلاقُ الكريمةُ وصنعُ السَّلامِ يَقومُ على الأَكاذيب؟\nوكيفَ يكونُ حالُ بيتٍ يكذبُ فيه الزوجانِ على بَعْضِهِما؟\nوكيفَ يكونُ حالُ الأَبناءِ فيه؟..\nيقولُ الإِنجيل: وأَمّا الزناةُ والسحرةُ وعَبَدَةُ الأَوثانِ وجميعُ الكذبةِ فَنَصيبُهم في البُحيرةِ بنارٍ وكبريتٍ، الذي هو الموتُ الثاني \".","vol":"1","page":213},{"text":"واعتراضُ الفادي على الحديثِ مَرْدود، فَضْلًا عن أَنّه لا يَندرجُ ضمنَ\nموضوعِ كتابِه الذي خَصَّصَهُ للحديثِ عن الأَخطاءِ في القرآن..\nوزعْمُه أَنَّ الإِسلامَ يُبيحُ الكذبَ، ويُؤَدّي هذا إِلى فسادٍ أَخلاقي؟\nافتراءٌ منه على الإِسلام!\nفالإِسلامُ يُحَرِّمُ الكذبَ تَحريمًا قاطعًا..\nقال رسول الله - ﷺ -: \"إِيّاكم والكذبَ\nفإِنَّ الكذبَ يَهْدي إِلى الفُجور، وإِنَّ الفُجورَ يَهْدي إِلى النّار، وما زال الرجلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرّى الكذبَ، حتى يُكْتَبَ عندَ اللهِ كَذّابًا \".\nوترخيصُ الكذبِ في ثلاثِ حالات: الإِصلاحِ، والحربِ، وبينَ\nالزوجين، وهي ليست كذبًا حقيقيًا، وإِنما هي من بابِ \" المعاريض \".\nوالمعاريضُ من بابِ التعريض، وهو أَنْ يتكلمَ الرجُل بكلامٍ غير صريح، فيفهمُ منه السامعُ شيئًا آخَرَ، وهذا من بابِ الفطنةِ وفصاحةِ الكَلام، كأَنْ تقولَ لمن دَعاكَ إِلى تناولِ الغداء: لقد تغدَّيْت.\nفيفهمُ هو أَنك تغدَّيْتَ اليوم، لكنك تَقصدُ أَنك تغدَّيْتَ بالأَمس.\nوقد دَعانا رسولُ الله - ﷺ - إِلى استخدامِ المعاريضِ بقوله: \" إِنَّ في المعاريض لمندوحةً من الكذب \".\nفما وَرَد من الترخيصِ بالكذبِ في الحالاتِ الثلاث هو من بابِ\nالمعاريض، وليسَ من بابِ الكذب، فليس فيه ما يُعابُ عليه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>إباحة ردِّ العدوان</span>\nأَباحَ اللهُ للمسلمينَ المعتدى عليهم رَدَّ العدوان، وإِيقافَ المعْتَدين.\nولكنَّ هذا لم يُعجب الفادي المفترِي، واعتبرَهُ من أَخطاءِ القُرآنِ.\nأَعطى اعتراضَه عنوانًا مُثيرًا هو \" تحليلُ الانتقام \"! أَيْ أَنَّ القرآنَ يُبيحُ\nويُحللُ للمسلمينَ الانتقام، وهذا يَفتحُ بابَ القَتْلِ والتخريبِ والأَخْذَ بالثأر!.\nوالآيةُ التي اعترضَ عليها هي قولُ اللهِ - ﷿ -:","vol":"1","page":214},{"text":"(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\nوعَلَّقَ الفادي المفترِي على الآيةِ بقولِه: \" ونحنُ نَرى الأَثَرَ السيِّئَ لمبدأ\nالأَخْذِ بالثَّار متفَشيا بسببِ هذا القول، وكم تَعِبَ رجال الشرطةِ من نتائجِه، وبُحَّتْ أَصواتُ المعلمينَ في التعليم ضدَّه! وهل الاعتداءُ على من اعتدى\nعلاجٌ للجريمة؟!\nإِنَّ العنفَ يُوَلِّدُ المزيدَ من العنف.\nقال المسيح: \" أَحِبوا أَعداءَكم، بارِكوا لاعِنيكُم، أَحْسِنوا إِلى مُبْغِضيكم،\nوصَلّوا لِأَجْلِ الذين يُسيئونَ إِليكم ويَطردونكم \" أمَتّى: ٥/ ٤٤،..\nوقال أيضًا: \" سمعْتُم أَنه قيل: عَيْنٌ بعَيْنٍ، وسِنٌّ بسِنٍّ..\nوأَما أَنا فأَقول لكم: لا تُقاوِموا الشَّرَّ، بل مَنْ لَطَمَكَ على خَدِّكَ الأَيمن فَحَوِّل له الآخَرَ أَيْضًا \" أمتى: ٣٨/٥ -٣٩،.\nوقال الرسول بولس: \" لا تَنْتَقِموا لأَنفسِكم أَيها الأَحبّاء، بل أَعْطوا مَكانًا\nللغَضَب، لأَنه مكتوبٌ: لي النِّقْمَة، أَنا أُجازي..\nفإِنْ جاعَ عَدُوُّكَ فأَطْعِمْه، وإِنْ عَطِشَ فاسْقِه، لأَنك إِنْ فعلْتَ هذا تَجمعُ جمرَ نارٍ على رأسِه، لا يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ، بل اغلب الشَّرَّ بالخير \" أرومية: ١٢/ ١٩ - ٢١،..\nوقال بطرسُ الرسول: \" المسيحُ أَيضأ تَأَلًّمَ لأَجْلِنا، تارِكًا لنا مثالًا لكي تَتَّبعوا خطواتِه: الذي لم يَفْعَلْ خطيئة، ولا وُجِدَ في فَمِه مكر، الذي إِذا شُتِمَ لم يكن يَشْتِمُ عِوَضًا، وإِذا تَأَلَّمَ لَمْ يكنْ يُهَدّدُ، بل كانَ يُسَلِّمُ لمن يَقْضي بالعَدْل \" أبطرس: ١٢/ ٢١ - ٢٣، \" (١) .\nنَقَلَ أَربعةَ أَقوالٍ عن المسيحِ وبولس وبطرس تَذُمُّ العنفَ والعُدْوان،\nوتَمدحُ العفوَ والتسامحَ والصَّفْح، وهي أَقوال مأَخوذةٌ من الإِنجيل، وكلُّ\nالنَّصارى في العالمِ يُؤْمِنون به، فهل التزمَ النّصارى بهذه التوجيهاتِ الأَخلاقية؟\nوهل تعَامَلوا مع غيرهم على أَساسِها وهَدْيِها؟\nوهل كانَتْ صِلَتُهم بالمسلمين تَقومُ على العفوِ والتسامح؟\nوهل رَدّوا إِساءَةَ المسلمين بالإِحسان؟!.\nالتاريخُ القديمُ والمعاصرُ يَشهدُ بعكْسِ ذلك، فالنَّصارى الصليبيون هم\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٤- تحليل الانتقام\nيقول المؤلف: إن القرآن يحلل الانتقام بقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (١) .\nالرد على الشبهة:\nقد بينا فى إجابة السؤال الرابع من الجزء الثالث معنى قول المسيح \" لطمك على خدك الأيمن فَحَوِّل له الآخر أيضًا \".\nونبين هنا: أن رد الاعتداء ليس فرضًا على المسلمين. فالفرض هو إما رد الاعتداء، وإما الصفح عن الجانى. ورد الاعتداء فرض فى التوراة والصفح عن الجانى فى العدل مرفوض فى التوراة. ففى التوراة: \" وإن حصلت أذية؛ تعطى نفسًا بنفس وعينًا بعين وسِنًّا بسن ويدًا بيد ورجلًا برجل وكيًّا بكى وجرحًا بجرح ورضًا برضى \" [خر ٢١: ٢٣ - ٢٥] .\nوليس عندهم دفع الدية فى مقابل العفو عن القاتل. أما فى القرآن الكريم ففيه (فمن عُفى له من أخيه شىء؛ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) (٢) أى تخفيف من الحكم القديم الذى كان فى التوراة وهو عدم قبول الدية. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) البقرة: ١٩٤.\n(٢) البقرة: ١٧٨.","vol":"1","page":215},{"text":"الذينَ بَدَؤوا بالعُدوانِ على المسلمين، واحتلّوا بلادَهم عشراتِ السنين، وقَتَلوا من المسلمين مَنْ قَتلوا في حملاتِ الحروبِ الصليبية، وهم الذينَ اجْتاحوا بلادَ المسلمين واستعْمَروها في مطلعِ القرنِ العشرين، وخضعَتْ كُل بلادِ المسلمين للاستعمارِ الصليبي: الإِنجليزيِّ والفرنسيِّ والإِسبانيّ والبرتغاليِّ\nوالإِيطاليّ والهولندني والروسي ...\nوها هي أَمريكة الصليبيةُ تُعيدُ احتلالَ بلادٍ إِسلامية واستعمارَها في مطلعِ القرنِ الحادي والعشرين.\nوكلُّ ممارساتِ الصليبيين القديمةِ والمعاصرةِ ضدَّ المسلمين تُخالفُ\nتوجيهاتِ الإِنجيلِ الأَخلاقية، ومع ذلك يَأتي الفادي المفترِي ويَتَغَنّى بجمالِ\nتلك التوجيهات، ويَتَناسى أَنَّ قومَه الصليبيّين هم الذين خالَفوها ونَقَضوها!!.\nإِنَّهُ خَبيثُ ماكر، يُريدُ أَنْ يَكونَ المسلمونَ أَغبياءَ بُلَهاء، في تعامُلِهم مع\nالنصارى الصليبيين، فقومُه يَعْتَدونَ على المسلمين، ويحتلّون بلادَهم، ويَنْهَبون خيراتِهم، ويَسفكون دماءَهم، وهو يَدْعو المسلمين المعتدى عليهم إِلى عدمِ مواجهتِهم وكرهِهم، وعليهم أَنْ يُحِبّوا أَعداءَهم، ويُبارِكوا لاعِنيهم، ويُحْسِنوا إِلى مُبْغِضيهم، ويَشكروا الذين يحتلونَ بلادَهم ويَطردونَهم منها! هكذا يَجبُ أَنْ يفعلَ المسلمون، إِنْ أَرادوا أَنْ يكونوا حَضاريّين متقدمين، دعاةَ سَلامِ وأَمان!!.\nمن هذا المنطلقِ خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ، لأَنه يُجيزُ للمسلمينَ\nالمعتدى عليهم أَنْ يَرُدّوا على العدوانِ بالمثْل، وأَنْ يوقِفوا المعْتَدين، وأَنْ\nيَنْتَصِفوا منهم..\nولا يوجَدُ دينٌ أَو مبدأ - حتى الديانة النصرانية - يَطلبُ من\nأَتْباعِه المعتدى عليهم مُقابلةَ المعتدينَ بالمحبةِ والأَحضانِ والورود والرَّياحين،\nويأمُرُهم بالتنازلِ لهؤلاءِ المعْتَدين عن كُلِّ شيء.\nفمواجهةُ المعْتَدين والرَّدُّ على عُدْوانِهم فِطْرَةٌ في النفسِ الإِنسانية، لا يتخلّى عنها إِلّا مَنْ كانَ ناقصَ الإِنسانية!!.\nولذلك لا يُلامُ القرآنُ إِذا أَجازَ للمسلمين رَدَّ العُدْوانِ عليهم، ولا يُعْتَبَرُ\nهذا مأْخَذًا يُؤْخَذُ عليه.","vol":"1","page":216},{"text":"وعَبَّرَ القرآنُ عن رَدِّ - العدوانِ بالعدوان، وذلك في قوله: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .\nوهذا يُسَمّى \" مشاكلةً \"، وهي الاتفاقُ في اللفظِ مع الاختلافِ في المعنى! فاعتداءُ المعْتَدين مَذْموم، لأَنَهُ يَقومُ على البغيِ والظلمِ، واعتداءُ المسلمين على المعتدين محمودٌ ممدوح، لأَنه يقومُ على مواجهةِ العُدوانِ والقضاءِ عليه!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>حول إباحة تعدد الزوجات</span>\nأَباحَ القرآنُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ في قولِه تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) .\nواعترضَ الفادي على هذه الرخصة، وهاجَمَ إِباحةَ القرآنِ لها.\nقال: \" ونحنُ نسأَلُ: هل يُبيحُ دينٌ من عندِ الله تَعَدّدَ الزوجات، بخلافِ شريعةِ الله، الذي في البدءِ خَلَقَ الإِنسانَ، ذَكَرًا وأُنْثى، وجعلَهما جَسَدًا واحدًا؟ \" (١) (٢) .\nوهو في هذا الكلامِ القبيحِ يَنفي أَنْ يكونَ الإِسلامُ دينًا من عندِ الله،\nويَنْفي أَنْ يكونَ القرآنُ الذي أَباحَ التعددَ كلامَ الله، ويَعتبرُ التعدُّدَ مخالِفًا\nلسنةِ الله، في أَنْ يكونَ للرجلِ امرأةٌ واحدة! فاللهُ خَلَقَ لآدمَ أُنثى واحدةً هي\nحواء! فلماذا الزوجتان والثلاث والأربع؟!.\nواعتراضُه مجردُ كلامٍ تافِه لا وَزْنَ له.\nوليسَ في إِباحةِ تَعَدُّدِ الزوجاتِ في القرآنِ ما يُخالفُ الفطرهً أَو يتصادَمُ مع العقل والمنطق، وِإذا جازَ أَنْ يكونَ للرجلِ زوجةٌ واحدة، جازَ أَنْ يكونَ له زوجتان أَو ثلاثٌ أَو أَربع، وهناك حالاتٌ خاصةٌ قد يَمُرُّ بها الرجل، أَو تمرُّ بها المرأةُ، أَو يمرُّ بها\n_________\n(١) التعدد موجود في العهد القديم التي يؤمن بها هذا الكذوب، ولم تحرم في النصرانية إلا بقرارات من رجال الكنيسة، ولا يوجد نصٌّ واحد في النصرانية يحرم تعدد الزوجات.\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٥- تحليل الشهوات\n١ - إن القرآن أباح للمسلمين أكثر من زوجة.\n٢ - إن الله فى الجنة سيرزق المؤمنين بنساء من الحور العين. وليست الجنة مكانًا للشهوات الحسية، ولا يبيح دين من عند الله تعدد الزوجات.\nالرد على الشبهة:\nإن هذه الشبهة مكونة من جزأين:\nالجزء الأول: تعدد الزوجات،\nوالجزء الثانى: إباحة الشهوات الحسية فى الجنة.\nوالرد على الجزء الأول هو:\nإن إبراهيم - ﵇ - كان متزوجًا من سارة وهاجر وقطورة. وهو أب لليهود والنصارى والمسلمين. وأيضًا كانت له سرارى كثيرة لقوله: \" وأما بنو السرارى اللواتى كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقًا إلى أرض المشرق وهو بعد حى \" [تك ٢٥: ٦] وموسى كان متزوجًا من مديانية وحبشية [عدد ١٢: ١] ويعقوب - ﵇ - كان متزوجًا من حرتين وأمنين وهما ليئة وراحيل وزلفة وبلهة [تك ٢٩ وما بعده] وكان لداود نساء هن: أخينوعم اليزرعبلية - أبيجايل - معكة - حجيث - أبيطال - عجلة. الجميع ستة عدا بثشبع امرأة أورياالحثى التى أنجب منها سليمان - ﵇ -[صموئيل الثانى ٣: ١ - ٥] وكان لسليمان \" سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السرارى \" [الملوك الأول ١١: ٣] .\nوفى الإنجيل أنه كان للمسيح أربع إخوة هم: يعقوب وموسِى ويهوذا وسمعان [مرقس ٦: ٣] واتفق النصارى على أن مريم أتت به بغير زرع بشر. وإذ هذا حاله. فهل هؤلاء الأربعة على الحقيقة إخوة أم على المجاز؟ اختلفوا. لأن متى قال عن يوسف النجار: \" ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر \" [مز ١: ٢٤] فيكون قد عرفها بعد ولادته. وإن منهم لفريقًا يقولون: \" إنها ظلت عذراء إلى أن ماتت، وإن الأربعة أولاد ليوسف عن زوجة سابقة له على مريم \". وعلى أية حال فإن غرضنا وهو إثبات تعدد الزوجات بإخوة المسيح الأربعة. وفى تفاسير الإنجيل أنه كان له أختان أيضًا هما أستير وثامار؛ يكون ملزمًا لهم بإثبات التعدد.\nوالرد على الجزء الثانى هو:\nإن التوراة تصرح بالبعث الجسدى والروحى معًا. فيكون النعيم حسيًّا، والعذاب حسيًّا. والإنجيل يصرح بالبعث الجسدى والروحى معًا. ولكن بُولُوس صرح بالبعث الروحى لغرض اللغو فى حقيقة ملكوت السماوات. ولسنا ههنا بصدد مناقشته. وإنما نحن ههنا بصدد إثبات البعث الجسدى والروحى. ففى إنجيل مرمقس يقول المسيح: \" وإن أعثرتك يدك فاقطعها، خير لك أن تدخل الحياة أقطع من أن يكون لك يدان وتمضى إلى جهنم. إلى النار التى لا تطفأ. حيث دودهم لا يموت والنار لا تطفأ.. إلخ \" [مر ٩: ٤٣ - ٤٤] وفى إنجيل متى \" وإن كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها وألقها عنك؛ لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائه، ولا يلقى جسدك كله فى جهنم \" [متى ٥: ٣٠] .\nوفى سفر إشعياء عن المُسرّات فى الجنة: \" لم تر عينا إنسان ولم تسمع أذناه ولم يدرك قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه \" [إش ٦٤: ٤] واستدل به بولس فى الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس [٢: ٩]، وفى سفر أيوب: \" أعلم أن إلهى حى، وأنى سأقوم فى اليوم الأخير بجسدى وسأرى بعينى الله مخلّصى \" [أى ١٩: ٢٥ - ٢٧] وفى ترجمة البروتستانت: \" وبدون جسدى \".\nوفى سفر إشعياء عن عذاب جهنم: \" يجلس خدمى على مائدتى فى بيتى، ويتلذذون بابتهاج مع حبور ومع صوت الأعواد والأراغن ولا أدعهم يحتاجون شيئًا ما، أما أنتم أعدائى فتطرحون خارجًا عنى حيث تموتون فى الشقاء، وكل خادم لى يمتهنكم \" [إش ٦٠: ١٣] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":217},{"text":"المجتمعُ الإِسلامي، تجعلُ تَعَدُّدَ الزوجاتِ ضرورةً لا بُدَّ منها!.\nثم إِنَّ تَعَددَ الزوجاتِ رخصةٌ لمن يَرْغَب، وليسَ واجبا على كل مسلم!\nومعظمُ الرجالِ المسلمين لا يُعَدّدونَ زوجاتِهم..\nوهذه الرخصةُ مباحةٌ بشرطِ العدلِ بين الزوجات، فإِنْ لم يَعْدِل الرجُل كان آثِمًا مُعَذَّبًا.\nوبما أَنَّ اللهَ أَباحَ التعدُّدَ، ونَصَّ على ذلك في القرآنِ، فهو الصحيحُ\nوالصواب، وتَتَحَقَّقُ فيه المصلحةُ والحكمة، لأَنَّ اللهَ حكيمٌ عليمٌ سبحانه، لا خَطَأَ في أَحكامِه وتَشريعاتِه!.\nوقومُ الفادي الغربيّون الذينَ يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ المشروعَ الطاهرَ\nالنظيف، لا يَكْتَفي الرجلُ منهم بواحدة، كما ادَّعى الفادي أَنها سنةُ الله، وإنما يَذهبُ إِلى العشيقات، وُيمارسُ تَعَدُّدَ العشيقاتِ بالحَرام، وليس لهنَّ عددٌ\nمُعَيّن، وتُعَدّدُ المرأةُ عندهم عاشِقيها أَيضًا، ومن النادرِ جدًا عندَهم أَنْ تَجدَ\nرجلًا غَيْرَ زانٍ، أَو أَنْ تَجدَ امرأةً غيرَ زانية، فالعفةُ وحفظُ الفرج عن الزنى\nنقصٌ وعيبٌ وذَمّ عندهم!!.\nأَبَعْدَ هذه الإِباحيةِ الجنسيةِ عند الغربيين، قومِ الفادي المفترِي، يأَتي\nهؤلاء الملَوَّثون المدَنَّسون، الغارِقون في الرذيلةِ والزنى إِلى آذانِهم، يَعْتَرِضون\nعلى الإِسلامِ الذي أَباحَ تَعَددَ الزوجات!!.\nويَعترضُ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) .\nقالَ في اعتراضه بوقاحة: \" كيفَ يُبيحُ كتابٌ من عندِ اللهِ لرسولٍ من\nعندِ الله، أَنْ يتزوَّجَ بمنْ ملكَتْ يَمينُه من الأَسرى، وبأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه","vol":"1","page":218},{"text":"نَفْسَها، إِنْ وَقَعَ هو في هواها؟!.. \".\nما حكمةُ الزواجِ بالأَسيراتِ اللّواتي أَصبحنَ ملكَ اليمين؟ \"\nالإِمامُ مخيَّرٌ في الكافرينَ المقاتلينَ اللذين يَقَعون أَسْرى بأيدِي\nالمسلمين، فهو إِمّا أَنْ يُطلقَ سَراحَ بعضِهم مَنًّا بدونِ مُقابل، وإِمّا أَنْ يُطلقَ\nسراحَ آخَرينَ بالفِداء، مقابلَ مبلغٍ من المال، وإِمّا أَنْ يسترق آخَرين، ويجعلَهم أَرقّاءَ عَبيدًا للمسلمين لأَنهم حارَبوهم.\nوهو يَختارُ من هذه الخياراتِ ما يُحققُ مصلحةَ المسلمين.\nوالذينَ يَتَّخِذُ القرارَ باسترقاقِهم يُوَزَّعونَ على الرجالِ المجاهِدين،\nليكونوا عَبيدًا عندهم، يُؤَمِّنونَ لهم تكاليفَ حياتِهم مقابلَ خدمتِهم لهم..\nويُرَغِّبُ الإِسلامُ المسلمين في إِطلاقِ سَراحِهم وتَحريرِهم لوجْهِ الله، وأَوجبَ\nعلى مَنْ وَجَبَتْ عليه بعضُ الكَفّارات تَحريرَ هؤلاءِ العَبيد، كما في كَفَّارةِ القَتْلِ والظهارِ واليَمين.\nوإذا كانت الأَسيرةُ المسترَقَّةُ امرأةً، فإِنها تَكونُ مِلْكًا لسيِّدها، وتُسَمّى\n\" مِلْكَ اليَمين \"، ولسيدِها أَنْ يُعاشِرَها، كما أَنَّ له أَنْ يتزوَّجَها، أَو يزوِّجَها لغيرِه، فإذا أَنجبَتْ منه وَلَدًا وَجَبَ عليه عتقُها وتَحريرُها.\nوقد رَتَّبَ الإِسلامُ نظامَ الرِّق والعتقِ بشروطٍ وقواعدَ وضوابط، في الوقتِ الذي كانَ العالَمُ القديمُ فيه يمارسُ ضدَّ العبيدِ أَشَدَّ صورِ الظلمِ والعُدْوان!!.\nولا يُلامُ الإِسلامُ عندما أَجازَ للمسلمِ معاشرةَ الأَمَةِ أَو الزواجَ منها،\nلأَنها تَحتاجُ إِلى مَنْ يُؤْويها، ويتكفَّلُ بحاجاتِها، فهي ليس لها أَهل، فمن أَيْنَ\nستؤَمِّنُ حاجاتِها؟\nهل سَتُتْرَكُ الإِماءُ والجواري في الشَّوارع، يُتاجِرْنَ بأَجسادِهنَّ\nمقابلَ تأمينِ حاجاتِهنّ؟!!\nويَنشُرْنَ الفَسادَ والرذيلةَ والفاحشةَ بين المسلمين؟\nالحَلُّ أَنْ يتكفَّلَ رجلٌ بكلِّ مجموعةٍ منهن، ويَبقى المجتمعُ الإِسلاميُّ مُحافِظًا على طهارتِه وعفَّتِه!.","vol":"1","page":219},{"text":"وقد أَباحَ اللهُ لرسولِه - ﷺ - أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، وجعلَ هذا الحكْمَ خاصًّا به، وليس عامًَّا لجميع المؤمنين، فقالَ لَه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوليس الأَمْرُ أَمْرَ عِشْقٍ وَهَوى كما زَعَمَ المفْتَري، فلا تهوى امرأةٌ مسلمةٌ\nرجلًا أَجنبيًّا، ولا تعشَقُه، حتى لو كانَ رسولَ الله - ﷺ -، والرسولُ - ﵇ - عنوانُ العفَّةِ والطهر، ولا يَقَعُ في هوى امرأةٍ أَجنبية! ولذلك كانَ الفادي مُفتريًا مُتوقحًا عندما قال: \" يتزوجُ بأيةِ امرأةٍ تَهواهُ فتهبُه نَفْسَها، إِنْ وقعَ هو في هواها!! \".\nوتتحدَّثُ الآية ُ عن حالةٍ خاصة، لظروفٍ خاصة، وحكْمٍ خاصٍّ\nلرسولِ الله - ﷺ -..\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن سهل بنِ سعدٍ الساعديّ - ﵁ -\nقال: إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ الله - ﷺ -، فجاءَتْه امرأةٌ، فقالَتْ: يا رسولَ الله إِنّي قد وَهَبْتُ نفسي لك، فَرَ فِيَّ رَايَكَ! فقامَتْ قِيامًا طويلًا، فقالَ رَجل: يا رسولَ الله! زَوّجْنِيها..\nفقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \" هل عندَك من شيء تصدُقُها\nإِيّاه؟ \" قال: لا.\nقال: \" التمس ولو خاتَمًا من حَديد! \" فالْتَمَسَ فلم يَجِدْ شيئًا،\nفقالَ رسولُ الله - ﵇ -: \" هل مَعك من القرآنِ شيء؟ \" قالْ معي سورةُ كذا وسورةُ كذا..\nقال: \" زَوَّجْتُكَها بما مَعك من القرآن \".\nفرغمَ أَنَّ اللهَ أَباحَ لرسولِه - ﵇ - أَنْ يتزوَّجَ مَنْ وَهَبَتْ نفسَها له، إِلَّا أَنه لم يَتَزَوَّجْها، وإِنما زَوجَها لأَحَدِ أَصحابِه.\nولم تتكررْ تلك الحادثةُ معه.\nوإِباحةُ الزواجِ للرسولِ - ﵇ - عن طريقِ الهبةِ خاصٌّ به، كما أُبيحَ له الزواجُ بأَكثرَ من أَربعِ نساء، وكان زَواجًا بدونِ وَليٍّ ولا مَهْر، وهذا لا يَجوزُ لغيرِه، مع أَنه زواجٌ لم يَتَحَقَّقْ!.\nولهذا قالَ قَتادة: ليسَ لامرأةٍ تَهَبُ نفسَها لرجُلٍ بغيرِ وَليٍّ ولا مَهْر، إلّا\nللنبيّ - ﵇ -، لقوله: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوقالَ ابنُ عباس - ﵄ -: لم يكنْ عندَ رسولِ الله - ﷺ - امرأةٌ وَهَبَتْ نَفْسَها له.","vol":"1","page":220},{"text":"أَيْ أَنَ الرسول - ﷺ - لم يَقْبَلْ تلك المرأةَ التي وَهَبَتْ نفسَها له، مع أَنَّ الأَمر كانَ مُباحًا له ومَخْصوصًا به، لأَنه مردودٌ إِلى مشيئتِه: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا) .\nواعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الحورِ العين في الجنة،\nالتي يَتَنعَّمُ بها المؤمنون، والتي وَرَدَ الحديثُ عنها في قولِه تعالى: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) .\nوهذا في رأيه خَطَأ، لأَنَّ المؤمنين لا يَتزَوَّجونَ فيها!! ولذلك.\nقال: \" وهل جَنَةُ اللهِ مكانٌ لِلَّهوِ مع الحورِ العين؟!\nقال المسيح: (لأَنهم في القيامةِ لا يُزَوَّجونَ ولا يَتَزوَّجون، بل يَكونونَ كملائكةِ اللهِ في السماء \".\nواعتراضُ الفادي مردود، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا في القرآن عن استمتاع\nالمؤمنين في الجنةِ بالحورِ العين، وهو صادِقٌ فيما قال، ونحنُ نؤمنُ بكلِّ\nما وردَ في القرآن! وما نَسَبَهُ إِلى المسيح - ﵇ - من أَنَّ المؤمنينَ في الجنة يَكونون كالملائكة، لا يَستمتعونَ بالنِّساءِ مشكوكٌ فيه (١)، لأَنَّ الرهبانَ حَرَّفوا الأَناجيل \" وأَضافوا إِلى كلامِ اللهِ فيها الكثيرَ من كلامِهم ومزاعمِهم وافتراءاتِهم!!.\nوالآياتُ التي تَحَدثَتْ عن استمتاعِ المؤمنين بالحورِ العين والنساءِ\nعديدة، منها قولُه تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) .\nومنها قولُه تعالى: (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) .\nومنها قولُه تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) .\n_________\n(١) بل هو باطل مردود لتعارضه مع صريح القرآن، مما يجعلنا نقطع بكذبه وعدم صحته.","vol":"1","page":221},{"text":"وما المانعُ من أَنْ يَلهوَ المؤمنون مع أَزواجِهم والحورِ العين في الجنة؟!\nإِنَّ الجنةَ دارُ جزاءٍ ونعيم، ومتعةٍ وسَعادة.\nقال تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) .","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>الفصل الرابع نقض المطاعن اللاهوتية</span>","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>التوحيد والتثليث والأقانيم</span>\nاعترضَ الفادي على الآياتِ التي تُبطلُ التثليث، وتُكَفِّرُ النَّصارى القائلين\nبأَنَّ اللهَ ثالثُ ثَلاثة.\nوالآياتُ التي ذَكَرَها هى قولُه تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) .\nوقولُه تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) .\nوقولُه تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) .\nتَنهى الآيةُ الأُولى النَّصارى عن الغُلُوِّ في دينِهم، وعن المبالغةِ في النظرِ\nإِلى عيسى - ﵇ -، وتَدْعوهُم إِلى عَدَمِ تَأليهه، وعدمِ إِشراكِه مع الله، فإِنْ قالوا: الآلهةُ ثَلاثَة، كانوا كافِرين، وتُخبرُهم عن حقيقةِ عيسى - ﵇ -، فهو رسولُ الله، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم، فَحَمَلَتْ به ووضَعَتْه، وهو روحٌ من عندِ الله، جَعَلَها في جَسَدِه، فصارَ عيسى الرسول البَشَرَ - ﵇.\nوتُصرحُ الآيةُ الثانيةُ بكفْرِ النَّصارى الذين آمَنوا بالتَّثْليث، وقالوا: إِنَّ اللهَ","vol":"1","page":225},{"text":"ثالثُ ثلاثةِ آلِهة، هي: الله وعيسى وأمُّه مريم، أَو: اللهُ وعيسى وجبريل.\nوتُخبرُ الآية ُ الثالثةُ عن السؤال الذي سيوجِّهُه اللهُ إِلى عيسى - ﵇ - يومَ القيامة، حيث سيقول له: أَأَنْتَ قُلْتَ للناس: اتَّخذوني وأُمَيَ إِلهَيْنِ من دونِ الله؟\nوسيتبرأُ عيسى - ﵇ - ممن عَبَدوهُ وأَلَّهُوه.\nوتَلتقي الآياتُ مع آياتٍ غيرها على تقريرِ وحدانيةِ الله، ونفيِ وُجودِ\nشركاءَ معه، وكُفرِ النَّصارى القائلين بالتثليث أَو الثالوث!.\nيَعترضُ الفادي على هذه الآيات، وينكرُ كونَ النصارى قائِلين بثلاثةِ\nآلهة.\nقال: \" يَتَّضحُ من هذه الآياتِ أَنَّ مُحَمَّدًا سمعَ من بعْضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة، هم: اللهُ ومريمُ وعيسى، فَرَدَّ على هذه\nالبدعة، وكَرَّرَ المرةَ بعدَ المرةِ أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! \".\nيعترفُ الفادي في هذه الفقرةِ بوجودِ فرقةٍ من النَّصارى يقولون: اللهُ ثالثُ\nثلاثة، هم: اللهُ، ومريمُ، وعيسى، ويَعتبرُ هذه الفرقةَ النصرانيةَ مبتدعَة ...\nوقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك وأَبْطَلَه وكَذَّبَ قائِليه، وهذا ما ظَهَرَ واضحًا صريحًا في\nالآياتِ السابقة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ...)، (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ...)، و(يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...) .\nويُصرحُ الفادي في عبارتِه بأَنَّ القرآنَ من تأليفِ الرسول - ﷺ - وليْس من عندِ الله، وذلك في قوله: \"..\nإن محمدًا سمعَ من بعضِ أَصحابِ البدعِ من النَّصارى أَنه يوجَدُ ثلاثةُ آلهة..\nفَرَدَّ على هذه البدعة \"! فالرسول - ﷺ - هو الذي\nسمعَ تلك البدعة بأُذُنَيْه، وهو الذي رَدَّ على تلك البدعة، وكَرَّرَ في القرآنِ\nالمرةَ بعد الأُخرى أَنَّ اللهَ إِلهٌ واحد! فالكلامُ كلامُه والرَّدُّ رَدُّه، والقرآنُ من\nتأليفِه، وليس وحيًا من عندِ الله مُنَزَّلًا عليه!!.\nمع أَنَّ الآياتِ صريحةٌ في أَنَّ اللهَ هو الذي أَخْبَرَ عن كُفْرِ النَّصارى وتَثْليثهم.","vol":"1","page":226},{"text":"ولنقرأ هذه الآياتِ التي تتحدَّثُ عن نفسِ الموضوع.\nقال الله - ﷿ -:\n(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) .\nوزَعَمَ الفادي أَنَّ الوحدانيةَ هي أَساسُ الدينِ النصراني، وأَنه لا يوجَدُ\nنصرانى يَعْبُدُ ثلاثةَ آلهة، قال: \" وكُلُّ مَنْ له إِلمامٌ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَعرفُ أَنَّ\nوحدانيةَ اللهِ هي أَساسُ الدينِ المسيحيّ..\nفقد قالَت التوراةُ والإِنجيل: \" الرَّبُّ إِلهنا رَبّ واحِد \"التثنية: ٦/ ٤.\nومرقس: ٢٩/١٢، ولم يَقُلْ مسيحيّ حقيقيّ قَطّ إِنَّ العذراءَ مريمَ إِله، مع كلِّ التقديرِ والمحبَّةِ لها \".\nوهذه دعوى كبيرةٌ ادَّعاها الفادي، ونَرجو أَنْ تكونَ صحيحةً صادقة،\nلكنَ واقِعَهم لا يُصَدِّقُها ولا يتوافَقُ معها.\nويَشرحُ الفادي الثالوثَ، ويجعلُه بمعنى التوحيد، ويَزعمُ أَنَّ القرآنَ اتفقَ\nمع الإِنجيلِ على القولِ به!!.\nقال: \" المسيحيّون لا يَعبدونَ ثلاثةَ آلِهة، بلْ إِلهًا\nواحدًا في وحدانيةٍ جامعةٍ: هو الآبُ والابنُ والرّوحُْ القُدُس، أَو بعبارةِ\nالقرآن: الله وكلمتُه وروحُه!! والكلُّ في ذاتٍ واحدة \".\nالنصارى حسبَ زعمِ الفادي يَعْبُدونَ إِلهًا واحدًا في وحدانيةٍ جامِعَة،\nتتعدَّدُ فيها الأَقانيمُ الثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!.","vol":"1","page":227},{"text":"علمًا أَنَّ الأَقانيمَ الثلاثةَ هي ثلاثُ ذواتٍ مُنفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله،\nوالابنُ عندَهم هو عيسى، والروحُ القُدُسُ هو جبريلُ ﵇ -، فكيف صارَتْ هذه الذواتُ والشخصياتُ المتباينةُ إِلهًا واحدًا جامعًا؟!.\nوزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ يقولُ بالثالوث المقَدَّس مثلُ الإِنجيل،\nوالثالوثُ القرآنيُّ هو: اللهُ وكلمتُه وروحُه!!.\nوأَينَ وردَتْ هذه الكلماتُ الثلاثُ بهذا اللفظِ في القرآن؟\nإِنّ الفادي كاذبٌ مُفْتَرٍ مُدَّع.\nقالَ اللهُ في القرآن: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) .\nلا تتكلمُ الآيةُ عن ثلاثةِ أَقانيم، وإِنما تُبطلُ الأَقانيمَ الثلاثة، وتَذْكُرُ\nحقيقةَ عيسى ابنِ مريمَ - ﵇ -.\nوتَصِفُه بثلاثِ صِفات:\nالأُولى: أَنَّهُ رسولُ الله: جعلَه اللهُ نبيًّا رَسولًا، وأَرسلَه إِلى بني إِسرائيل.\nالثانية: أَنَّهُ كلمةُ الله: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) .\nومعنى كونِ عيسى - ﵇ - كلمةَ اللهِ: أَنَّ اللهَ خَلَقَه بكلمةِ \" كُنْ \" الكونيةِ التكوينيّة، التي يَخْلُقُ بها سبحانَه جميعَ المخلوقين.\nوهي الكلمةُ التي خَلَقَ بها أَبا البشر آدم - ﵇ -،\nوقد أَشارَ لها في قولِه تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .\nأَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ عيسى بكلمتِه \" كُنْ \"، فكانَ كما أَرادَ الله، كما خَلَقَ آدمَ بكلمتِه \" كُنْ \"، فكانَ كما أَرادَ الله!.\nأَلْقى اللهُ العظيمُ كلمتَهُ \" كُنْ \" إِلى مريم، فكانت المخلوقَ عيسى\nالرسولَ - ﵇ -، حيثُ تَخَلَّقَ عيسى في رحمِها، ولما نفخَ اللهُ فيه الروح، وضعَتْه مولودًا بشرًا.\nوكلُّ المخلوقاتِ يخلُقُها اللهُ العظيمُ بكلمتِه \" كن \"، التي خَلَقَ بها\nعيسى - ﵇ -، وجاءَ هذا صَريحًا في قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) .","vol":"1","page":228},{"text":"الثالثة: أَنَّهُ روحٌ من عند الله: (وَرُوحٌ منهُ) .\nأَيْ: أَنَّ اللهَ خَلَقَ روحَ عيسى - ﵇ -، كما خَلَقَ روحَ أَيِّ إِنسان، سواءٌ كانَ نبيًّا أَو إِنسانًا عاديًّا، وأَمَرَ جبريلَ الروحَ القُدُسَ أَنْ يحملَ روحَ عيسى المخلوقة، وأَنْ ينفُخَها في مريمَ العذراءِ البتولِ - ﵍ -، ففعل، وحملَتْ بعيسى بأَمْرِ الله (١) .\nو\" مِنْ \" في قوله: (وَرُوحٌ منْهُ) بيانيَّة، وليستْ تبعيضيَّة، تُبَيِّنُ أَنَّ روحَ\nعيسى التي نُفخَتْ في فَرْجِ مريمَ إِنما هي من عندِ الله.\nوقد حَرَّفَ الفادي المفترِي صفاتِ عيسى - ﵇ - الثلاثةَ: \" رسولُ اللهِ وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريم وروحٌ منه \" لتكونَ أَقانيمَ ثلاثةً يؤمنُ بها النصارى: \" اللهُ وكلمتُه وروحُه \"، وكَذَبَ المفترِي في قولِه: \" والكلُّ في ذاتٍ واحدة \".\nفالأَقانيمُ الثلاثةُ: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُسُ ثَلاثُ شخصياتٍ منفصلة، وليستْ ذاتًا واحدة.\nأَما الصفاتُ الثلاثةُ المذكورةُ في القرآن: \" عيسى ابنُ مريم: رسولُ الله،\nوكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ، وروحٌ منه \" فهي ثلاثُ صفاتٍ لِذاتِ المسيحِ\nوشخصِه - ﵇.\nفالمسيحُ رسولُ الله، وهو نفسُه كلمةُ الله، خُلِقَ بكلمةِ \" كُنْ \"\nالإِلهية، وهو نفسُه روحٌ من الله، الروحُ التي في بَدَنِه من عندِ الله.\nوانتقلَ الفادي المفترِي إِلى افتراءٍ آخَرَ يتعلَّقُ بالثالوث، زَعَمَ فيه التقاءَ\nالقرآنِ مع الإِنجيلِ في القولِ بالثالوث!! قال: \" وقد اتفقَ القرآنُ مع الكتابِ\nالمقَدَّسِ في إِسنادِ الفعلِ وضميرِ المتكلمِ في صيغةِ الجَمْعِ إِلى الله..\nولم يَرِدْ في الكتابِ المقَدَّسِ ولا في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائنًا مَنْ كان تَكَلَّمَ عن نفسِه بصيغةِ الجَمْع، مما يدلُّ على وحدةِ الجوهرِ مع تَعَدُّدِ الأَقانيمِ في الذاتِ\nالعلية.\nفمثلًا وَردَ في سورةِ البقرة: (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا)، بصيغةِ الجمع، وَوَرَدَ في سورةِ الأَعراف: (اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ)، بصيغةِ المفرد..\nفتُشيرُ الصيغةُ الأُولى إِلى جمعِ الأَقانيم، وتُشيرُ الصيغةُ الثانيةُ إِلى توحيدِ الذات.. \".\n_________\n(١) قال الثعلبى:\nسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجهًا وأكملهم أدبًا وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعًا بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [فيأبى] فقال له ذات يوم: مالك لا تؤمن؟ قال: لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟\nقال: قوله ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، [فغمَّ] قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل: قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال: يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [الحدث] يسألني في مجلسك، وإنه لم يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها إن شاء الله، فدخل بيتًا مظلمًا، وأغلق عليه بابه [وانشغل] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فصاح بأعلى صوته: افتحوا الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله (وروح منه) توجب أنَّ عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضًا منه، فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحًا شديدًا ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب \" النظائر في القرآن \" وهو كتاب لا يوازيه في بابه كتاب. اهـ (الكشف والبيان. ٣ / ٤١٩: ٤٢٠)","vol":"1","page":229},{"text":"يَزعمُ المفترِي الجاهلُ أَنَّ إِسنادَ ضميرِ الجمعِ إِلى الله الأَحَدِ في القرآنِ\nدليلٌ على \" الثالوثِ المقَدَّسِ \"، وعلى تَعَدُّدِ الأَقانيم في الذاتِ العليةِ الواحدةِ\nوِحدَةَ جَوْهَر! وما دَرى الجاهلُ أن هذه النونَ في (نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) لا تُسَمّى\nنونَ الجمع، وإِنما تُسمى \" نونَ العَظَمَة \"، فاللهُ المتكلمُ واحدٌ أَحَدٌ، فَرْدٌ صَمَد، وعندما يتكلمُ بضميرِ \" نحنُ \" - المنفصلِ أَو المتصلِ أَو المستتر - فإِنما يُريدُ أَنْ يُعَظِّمَ نَفْسَه..\nوليسَ في الأَمْرِ تَعَدُّدُ أَقانيم أَو شخصياتٍ أَو جواهر أَو إِرادات..\nإِنما هو إِلهٌ واحدٌ سبحانه!!.\nويَزعمُ المفترِي أَنَّهُ لم يَرِدْ في القرآنِ كلامُ مخلوقٍ كائنًا مَنْ كانَ تكلَّمَ\nعن نفسِه بصيغةِ الجمع، وهذا زعمٌ باطلٌ منقوض، ويَكفي في تكذيبِه تذكرُ\nقولِ اللهِ وَجضَّ: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) .\nلما حَرَّضَ الملأُ من قومِ فرعونَ فرعونَ على محاربةِ موسى، والقضاءِ عليه\nهو وأَتْباعه، رَدَّ فرعونُ عليهم بضميرِ الجمع، مع أَنه شخصٌ واحد، وأَوردَ في كلامِه أَربعَ كلماتٍ بصيغةِ الجمع: \" سَنُقَتِّلُ \"، و\" نَسْتَحْيي \"، و\" إِنّا \"، و\" قاهرون \".\nفكيفَ يَدَّعي الفادي المفترِي أَنه لم يتكلمْ فَرْدٌ مخلوق بصيغةِ الجمعِ في\nالقرآن؟!.\nوحتى يُقْنِعَنا بأَنَّ التثليثَ توحيدٌ لله، وأَنَّ القرآنَ قالَ بالتثليث، قَدَّمَ كلامَ\nالقرآنِ عن أسماءِ اللهِ الحسنى دليلًا على التثليث، وخَصَّ اسْمَ \" الوَدود \"\nبالذّكْر..\nقال: \" ومن أَسماءِ الله الحسنى أَنه الوَدود، لقوله - ﷿ -: (وَهُوَ اَلغَفُورُ اَلْوَدُودُ) فالوُدُّ صفةٌ من صفاتِه، ومن معرفتِنا أَنَّ هذه الصفةَ أَزلية،\nنستدلُّ أَنَّ هناكَ تَعَدُّد أَقانيم في الوحدةِ الإِلهية، لتَبادُلِ الوُدِّ بينَها قبلَ أَن يُخْلَقَ شيء..\nوإلَّا ففي الأَزَلِ اللَّانهائي كانت صفةُ الوُدِّ عاطلةً عن العمل، وابتدأَتْ\nتَعمل، فبدأَ اللهُ \" يَوَدُّ \"، بعدَ أَنْ خَلَقَ الملائكةَ والناس!.\nوحاشَ لِلّه أَنْ يكونَ","vol":"1","page":230},{"text":"قابلًا للتَّغَيُّر! \".\nالوَدودُ من أَسماءِ الله، والوُدُّ من صفاتِ الله، وتَقَومُ هذه الصفةُ على\nالمحَبَّة، فاللهُ وَدود يُحِبُّ عبادَهُ، ويُحسنُ إِليهم ويُنعمُ عليهم.\nوعلى هذا تكونُ \" وَدود \" صفةً مُشَبَّهَة بمعنى اسمِ الفاعل، فهي بمعنى \" وادّ \"، والوادُّ هو المحِبُّ المنعمُ المحسِنُ.\nويمكنُ أَنْ تَكونَ \" ودود \" بمعنى اسْمِ المفعول \" مَودود \".\nأَي: هو سبحانَه المودودُ المحْبوب، يَوَدُّهُ عِبادُه ويُحبونَه، ويَدْعونَه ويَتَقَرَّبونَ إِليه.\nولا يَلزمُ من كونِ اللهِ وَدودًا تَعَدُّدُ الأَقانيم، لأَنَّ الوُدَّ صفةٌ قائمةٌ\nبالموصوف - ﷿ -، لا تَنفصلُ عنه، ولا تتحوَّلُ إِلى \" أُقنومٍ \" آخَرَ.\nغيرِ الله!.\nوهكذا باقي صِفاتِ الله، كالعِلْمِ والرحمةِ والسمعِ والبَصَرِ، فهي صفات\nمتعدّدَةٌ لموصوفٍ واحد، فاللهُ عليم، وهو نفسُه رَحيم، وهو نفسُه سميع بَصير وَدود.\nويُغالطُ الفادي في زَعْمِ الشراكةِ بينَ المؤمنين وربّهم، عندَ إِيمانِهم\nبصفاتِ الله، تلك الشراكةُ التي تَقودُ للإِيمانِ بالأَقانيم الثلاثة.\nقال: \" وهل نَستطيعُ أَنْ نُوَفّقَ بينَ الإِيمانِ بصفاتِ اللهِ الأَزليةِ كالسَّمعِ والتكلُّم، دونَ الإِيمانِ بثلاثةِ أَقانيمَ في إِلهٍ واحد؟\nولا نَستطيعُ أَنْ نملأَ الفجوة الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ باللهِ على غيرِ قاعدةِ الأُبوة والبُنُوَّة، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوثِ القويمة \"!!.\nولا أَدري كيفَ يَقودُ الإِيمانُ بأَسماءِ الله وصفاتِه إِلى الإِيمانِ بالأَقانيمِ\nالثلاثة، إِنَّ اللهَ الواحدَ الأَحَدَ الصمد، هو العليمُ الحكيمُ الحليمُ السميعُ الحيّ القَيوم ...\nفهو سبحانَه مُتَّصِفٌ بهذه الصفاتِ العظيمةِ الجليلة، ولهذهِ الصفاتِ\nالجليلةِ آثارٌ عملية، ومظاهِرُ إِيجابية، تتعلَّقُ بحياةِ البشرية، وهذه المظاهِرُ\nالإِيجابيةُ لا تَعني الأَقانيمَ الثلاثةَ التي يُؤْمِنُ بها النصارى، لأَنَّهُ فَرْقٌ بين الآثارِ","vol":"1","page":231},{"text":"العمليةِ لصفاتِ الله، وبين الزعمِ بوجودِ ثلاثةِ كيانات، انبثقَ كلُّ كيانٍ عن\nالذي قَبْلَه، وكأَننا أَمامَ شخصياتٍ ثلاثة: الآبُ والابنُ والروحُ القُدُس!!.\nويَدْعو الفادي الجاهلُ إِلى مَلْءِ الفجوةِ الهائلةِ بين اللهِ والإِنسانِ بالتثليثِ\nوالشراكة: \" ولا نَستطيعُ أَنْ نملَأَ الفجوةَ الهائلةَ بين علاقةِ الإِنسانِ بالله على\nغيرِ قاعدةِ الأُبُوةِ والبنوةِ، وحياةِ الشركةِ المعلنةِ في عقيدةِ الثالوث القويمة \"!!.\nوهذا هو أَساسُ الانحرافِ عند النصارى، الذي دَفَعَهم إِلى الإِيمانِ\nبالأَقانيمِ الثلاثةِ والقولِ بالتثليث: إِنه ملءُ الفجوةِ بينَ اللهِ والإنسان، بحيثُ\nأَدّى ذلك إِلى اتِّحادِ الخالقِ والمخلوق، وصارتْ حياةُ المخلوقِ انعكاسًا\nللخالق، ومَظْهَرًا مادّيًا عمليًّا له!.\nوهذا هو ما تَمَيَّزَ به الإِسلام، حيثُ حَرَصَتْ نصوصُه على عدمِ مَلْءِ\nالفجوةِ بين اللهِ والإِنسان، بل التأكيدُ المتواصلُ على الفصلِ الدقيقِ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود، ولذلك قامَت العقيدةُ الإِسلاميةُ على الإِيمانِ بحقيقتَيْن منفصلتَيْن: حقيقةِ الأُلوهية، وحقيقةِ العبودية..\nفالرَّبُّ هو اللهُ وحْدَه، وما سواه ليسَ رَبّا ولا إِلهًا ولا مَعْبودًا، إِنما هو عبدٌ مخلوقٌ ضعيفٌ عاجز!!.\nووردَ هذا في آياتٍ عديدةٍ في القرآن، في مقدمتِها سورةُ الإِخلاص:\n(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) .\nولا يلزمُ من الفصلِ التامِّ بين الخالقِ والمخلوق، والعابدِ والمعبود،\nواللهِ والإِنسان تعطيلُ صفاتِ الله، أَو السيرُ في الحياةِ بعيدًا عن الله، فالمؤمنُ يستحضرُ دائما عظَمةَ الله، ويشعُرُ بمعيَّتِهِ، ويأنَسُ به، ويَعيشُ مظاهرَ صفاتِه الإيجابية، ويَرى آثارَها فيه وفيما حولَه، فيعيشُ بالله ولله وفي الله ومع الله ...\nلكنْ مع استحضارِه الفرقَ البعيدَ بينَه وبينَ الله، ويَقينه بأَنَّ الله متفردٌ في ذاتِه\nوصفاتِه واَفعالِه.\nقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) .","vol":"1","page":232},{"text":"وبهذا نعرفُ جهلَ الفادي الجاهلِ وخَطَأَه عندما زَعَمَ أَنَّ عَدَمَ القولِ\nبالثالوثِ معناهُ الإِيمانُ بالله بدونِ الأُنسِ الروحي به، وهذا إِيمانُ الشياطين.\nقال: \" إِنَّ الإِيمانَ بالتوحيدِ المجَرَّدِ بدونِ أُنسٍ روحي بالله هو إِيمانُ الشياطين\nأَنْتَ تؤمنُ أَنَّ اللهَ واحِد؟ حَسَنًا تفعل..\nوالشياطينُ يُؤْمنونَ ويَقْشَعِرّون! \".\nإِننا نؤمنُ بالله، ونُوحِّدُ الله، ونعتقدُ أَنه متفرّدٌ في ذاتِه وصفاتِه وأَسمائِه\nوأَفعالِه، ونُنكرُ الأَقانيمَ التي يؤمنُ بها النَّصارى، ولا نَجعلُ ذواتًا متولّدَةً عن\nذاتِه، ولا نجعل أَشخاصًا مُتَفَرّعينَ عن شخصه، ونؤمنُ أَنه سبحانَه خَلَقَ كُلَّ\nالمخلوقاتِ بكلمةِ \" كُنْ \" التكوينية.\n- ونحنُ المسلمونَ أَكثرُ النّاسِ أُنْسًا بالله، وسعادةً بذكْرِه، وملاحظةً للآثارِ العمليةِ لصفاتِه العلية، واسْتِحْضارًا لعظمتِه ورعايتِه وقيوميَّتِه سبحانه.\nويُجهدُ الفادي الجاهلُ نَفْسَه في إِقناعِنا بأَنَّ الثالوثَ يَعْني الوحدانية،\nوأَنَّ التَّثْليثَ يَعْني الوحده، فيقول: \" ومثل التثليثِ مثل العقلِ والفكرِ والقولِ، فهذه ثلاثَةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد؟\nوالنارُ والنورُ والحرارةُ ثلاثةُ أَشياءَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ لشيء واحد! فهل نَستبعدُ وُجودَ ثلاثةِ أَقانيمَ متميزةٍ غيرِ منفصلةٍ في إِلهٍ واحد حسبَ إِعلانِ كتابِه المقَدّس؟ \".\nإِنَّ الفادي الجاهلَ يُشَبِّهُ الأَقانيمَ الثلاثةَ: الآبَ والابنَ والروحَ القُدُس،\nبالعقلِ والفكر والقول، ويُشَبِّهُها بالنار والنورِ والحرارة.\nوَوَجْهُ الشَّبَهِ هو التثليت والتميزُ، وعدمُ الانفصال، والتَّوَحُّد!.\nيريدُ الجاهلُ أَنْ يُقْنِعَنا أَنَّ العقلَ والفكرَ والقول، وأَنَّ النارَ والنُّورَ\nوالحرارة، مِثْلُ اللهِ وعيسى وجبريل! صحيحٌ أَنَّ العقلَ والفكرَ والقولَ ثلاثُ\nصفاتٍ لموصوفٍ واحد، وهو ما يقولُه الإِنسان بعد تفكير، حيثُ يفكِّرُ\nالإِنسانُ، ثم يُعملُ عَقْلَه، ثم يَنطقُ بما فَكّرَ به، وكأَنَّ القولَ يَمُرُّ بثلاثِ\nمحطات: الفكرِ والعقلِ والفمِ.\nلكنَّه شيءٌ واحد، هو القول!!.","vol":"1","page":233},{"text":"وكذلك النارُ والنورُ والحرارة، فهي نارٌ، لكنَّها موصوفةٌ بأَنها نورٌ نظرًا\nلإِضاءَتِها، وموصوفةٌ بالحرارةِ نَظَرًا لحرارَتِها، فالنورُ والحرارةُ صفتانِ\nلموصوفٍ واحدٍ، هو النار.\nإِنَّ المثَلَيْن اللذَيْنِ أَوردَهما الفادي يُوَضّحانِ إِيمانَ المؤمنِ بصفاتِ الله،\nكالعلمِ والحياةِ والسمعِ والبَصَر، فهي صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ هو اللهُ سبحانه، ولا يَلْزَمُ من تَعَدُّدِ الصفاتِ تَعَدُّدُ الذات، كما أَنها ليستْ صفاتٍ متميزة، لأَنَّ كُلَّ صفةٍ تَلْحَظُ معنىً من معاني الذات الإِلهية، فصفةُ العلمِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وصفةُ السمعِ تَلْحَظُ هذا المعنى، وهكذا باقي الصفات.\nولا تَمَيُّزَ ولا انفصال بين هذه الصفات، وإِنما بينها تكامُلٌ وتَناسُق، لأَنها كُلَّها تَدُلُّ على ما يَتصفُ به اللهُ من صفاتِ الكمالِ والجلال.\nومَنْ قال: إِنَّ صِفَتَي النورِ والحرارةِ متميزَتان؟\nإِنهما صِفَتانِ مُتكامِلَتان للنّارِ المشتعلة، لا يُمكنُ التمييزُ بينهما ولا التفريق، فالنُّورُ في النارِ مُتَداخِلٌ مع الحرارة، إِذْ كُلُّ جُزْءٍ من النّار حارٌّ مضيء، وتَجتمعُ فيه الإِضاءَةُ معَ الحرارة!.\nأَما الأَقانيمُ الثلاثةُ التي يؤمنُ بها النصارى فإِنَّها ليستْ صفاتٍ لموصوفٍ\nواحد، إِنما هي ثلاثَةُ كياناتٍ متميّزة منفصلَة، فالآبُ عندهم هو الله، والابنُ عندهم هو المسيحُ عيسى ابنُ مريم، والروحُ القُدُس عندهم هو جبريل، فهلْ هذه الكياناتُ الثلاثةُ مثلُ: النارِ والنورِ والحرارة، أَو مثلُ الفكرِ والعقلِ والقولِ؟\nاللهم لا!!.\nمَنْ هم الجاهلونَ إِذَنْ؟\nهل هم المسلمون الذين يَقولون: اللهُ أَحَد، اللهُ الصَّمَد، لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ له كُفُوًا أَحَد؟\nأَم هم النصارى الذين يقولون: الآبُ، والابنُ، والروحُ القُدُس.\nثلاثةُ أَقانيمَ متميزةٌ غيرُ منفصلةٍ عن الذات الواحدة؟\nمع أَنها منفصلةٌ عن الذاتِ الواحدة!!.\nوكَذَبَ المفترِي الفادي في اتِّهامِه للقرآنِ وتخطئتِه له، وصَدَقَ اللهُ القائلُ","vol":"1","page":234},{"text":"في القرآن: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ) ..\nوصَدق اللهُ في نصحِه للنصارى قائلًا: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>الذنوب بين الاستغفار والتكفير والفداء</span>\nوَعَدَ اللهُ المؤمنين أَنْ يُكَفِّرَ عنهم الصغائرَ إِن اجْتَنَبوا الكبائر.\nقال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .\nوجاءَ في صفاتِ المؤمنين الفائزين قولُه تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) .\nوأَثارت الآيتانِ اعتراضَ الفادي، واعتبرَهما من مبادئِ القرآنِ الخاطئة،\nلأَنَّهما تَتَعارضانِ معَ مَبدأ \" الفِداء \" عند النَّصارى، وسَجَّلَ اعتراضَه وتخطئتَه\nبقولِه: \" ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ يَغفرَ اللهُ أَو القاضي لمذنبٍ ارتكبَ\nالسرقةَ لأَنه تجنَّبَ القتْلَ؟\nيؤكّدُ الكتابُ المقَدَّسُ لنا أَنه لا غُفرانَ بغيرِ الفادي المسيح، الذي قالَ عنه القرآنُ: (آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا)، فالإِله القُدّوسُ العادلُ لا يَمنحُ الغفرانَ للخاطئ بدونِ كَفّارَة، ولا يَصفحُ عنه بدونِ فِداء!\nإِنَّ الغفرانَ بغيرِ حساب استهتارٌ بصفاتِ اللهِ القُدّوسَةِ الكاملة، فالعَدْلُ\nيَطلبُ قِصاصَ الخاطئ، والرحمةُ تَطلبُ العفْوَ عنه، وإِجابةُ أَحَدِ المطلَبَيْنِ تَعني\nتَعطيلَ إِحدى الصفتَيْن! \".\nلا يُصَدِّقُ الفادي المفترِي القرآنَ في وَعْدِه غفرانَ الصغائرِ باجتنابِ\nالكبائر، مع أَنه وَعْدٌ قرآنيٌّ صريح، يَجزمُ به المؤمنُ ويَفرحُ له، لأَنه وَعْدُ اللهِ الذي لا يُخلفُ الميعاد.","vol":"1","page":235},{"text":"وهذا من رحمةِ اللهِ بالمؤمنين، فهو يَعلمُ أَنه لا بُدَّ للمؤمنِ أَنْ يَضعفَ\nويَزِلَّ ويُخطئَ ويُذْنِب، وهو غيرُ معصومٍ من الأَخطاءِ والذنوب، وبما أَنَّه\nيتجنبُ الكبائر، كالقتْلِ والزّنى والرِّبا والسرقةِ والخَمْر، فإِنَّ اللهَ يَغفرُ له\nالصغائرَ اللَّمَم، التي يُلِمُّ بها بدونِ قَصْدٍ أَو تَعَمّد، كالكلمةِ الخَطَأ، والنظرةِ\nالخَطَأ، والموقفِ الخَطَأ، والشعورِ الخَطَأ، على أَنْ يعترفَ بذنْبِه ويُسارعَ إِلى\nالتوبةِ والاستغفار، ويُتبعَ السيئاتِ الحسناتِ لتَمحوَها وتَذهبَ بها..\nقالَ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .\nهذا المبدأُ القرآنيُّ لا يُعجبُ الفادي المفترِي، واعْتَبَرَه لا يتفقُ مع العقلِ\nوالمنطق، ومنطقُه العقليُّ يُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ القُدّوسَ العادلَ لا يَغفرُ للمخطئ بدونِ\nكَفّارَة، ولا يَصفَحُ عنه بدونِ فِداء! وإِذا ظَنَّ المسلمُ أَنَّ اللهَ يُمكنُ أَنْ يغفرَ له\nبدونِ فداءٍ أَو كفارةٍ فهذا استهتارٌ منه بالله، لأَنَّ اللهَ العادلَ لا يَرحمُ بدونِ\nقِصاص، ولا يَغفرُ بدونِ كَفارةٍ أَو فداء.\nوهل يَقْتُلُ المذنبُ نَفْسَه لتكونَ كَفارة؟!\nوهل يَسفكُ دَمَه ليكونَ فداء؟!..\nلا داعي لذلك، فقد فَدى اللهُ ذُنوبَ المذنبينَ السابقينَ واللاحقينَ بابنِه الفادي المسيح، الذي أَذِنَ لليهودِ أَنْ يَقْتُلوهُ ويَصْلبوه، ليكونَ قَتْلُه كفارةً لذنوبِ المذْنبين جميعًا، ويكونَ دَمُه المسفوكُ على الصليبِ كفارةً لجميعِ الذنوب!!.\nوعلى المذنبينَ والعصاةِ والمخطئين أَنْ يَفْرَحوا ويَطمئنوا، فاللهُ فَداهم\nبابنِه الفادي، وروحُ الفادي كفارةٌ لذنوبهم، ولا يُطْلَبُ منهم شيءٌ! لا توبةٌ ولا استغفار، ولا اجتنابٌ للكبائر، ولا تَرْكٌ للصغائر، ولا دَفْعٌ للكفارات!!\nليَعْمَلوا ما شاؤوا من الذنوبِ الكبيرةِ والصغيرة ولا يخافوا، فالمسيحُ الفادي\nفَداهم وفَدى ذنوبَهم بنفسِه!.\nاعتبرَ الفادي المفترِي القرآنَ مخطِئًا عندما دَعا المسلمين إِلى تَجَنُّبِ\nالكبائر، وإِلى فعْلِ الحسنات، وإِلى التوبةِ والاستغفار، هذا كلُّه لا داعيَ له،\nوالبركةُ في المسيحِ الفادي، الذي فداهم بنفسه!!.","vol":"1","page":236},{"text":"واستشهدَ الفادي المفترِي على هذا الفداءِ العجيبِ بالقرآن، حيثُ أَخْبَرَ\nأَنَّ اللهَ جعلَ المسيحَ آيةً ورحمة.\nقال تعالى: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) .\nفالمسيحُ رحمةٌ من اللهِ للناس، لأَنه فَداهم بنفسِه، ورضيَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليخلِّصَهم من ذنوبهم!!.\nوهذا فهمٌ خاطئ وتفسيرٌ منحرفٌ للآية، فاللهُ أَخبرَ أَنه سيجعلُ المسيحَ - ﵇ - آيةً منه للناس، لأَنه خَلَقَه بدونِ أَب، وبغيرِ الطريقةِ المعتادةِ للولادةِ والنَّسْل، فكانَ خَلْقُه ونُمُوُّه في رَحِمِ أُمّه آيةً دالَّةً على وحدانيةِ اللهِ وقدرتِه.\nواللهُ جعلَه رحمةً منه للناس، وليستْ رحمةُ الناسِ به لأَنه فدى الناسَ بدمِه،\nوقُتِلَ وصُلِبَ من أَجْلِهِم، فهذا لم يَحْصُل، وهو الآنْ حَيّ في السماءِ..\nإِنما هو رحمةٌ لهم بنبوتِه ورسالتِه، وبالإِنجيلِ الذي أَنزلَه اللهُ عليه ليكونَ هدىً للآخَرين.\nوكلُّ رسولٍ أَرسلَه اللهُ رحمةً للذينَ أُرسلَ إِليهم.\nولهذا خاطَبَ اللهُ رسولَنا محمدًا - ﷺ - بهذا، فقالَ له: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) .\nوأَكَّدَ الفادي فِكْرَه الكنسيَّ في جعْلِ قَتْلِ عيسى وصَلْبِه - كما يَفهمُ\nالنَّصارى - توفيقًا بين عَدْلِ اللهِ في القصاصِ ورحمتِه بالعفو!\nقال: \" والمسيحيةُ تَكشفُ الستارَ عن حكمةِ اللهِ المطْلَقَة، فعن طريقِ قُدرةِ اللهِ غيرِ المحدودة جاءَ التّجَسُّدُ، وعن طريقِ الصلبِ جاءَ التوفيقُ بين عدلِ اللهِ الكاملِ ورحمتِه الكاملة.\nقالَ الإِنجيل: \" إِنَّ الناموسَ بموسى أُعْطيَ، أَما النعمةُ والحقّ فبيسوعَ\nالمسيحِ صارا.. \" أيوحنا: ١/ ١٧، \".\nإِننا نرفضُ هذا الفكْرَ الكنسيَّ حولَ الخَلاصِ والتكفيرِ والفداء، لأَننا نؤمنُ\nأَنَّ اللهَ عَصَمَ رسولَه عيسى - ﵇ - من أَعدائِه، فلم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه، فليسَ هناك قَتْلٌ ولا صَلْبٌ ولا فداءٌ ولا تكفير!!.\nوهذا معناهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عصى أَو أَذْنَبَ عليه أَنْ يَتوبَ إِلى اللهِ ويَستغفرَهُ،","vol":"1","page":237},{"text":"ليغفِرَ اللهُ له ذَنْبَه، وعليه أَنْ يجتنبَ الكبائرَ ليكُفِّرَ اللهُ له الصغائر، وعليه أَنْ\nيُكْثِرَ من الحسناتِ التي تُذْهِبُ السيئاتِ.\nوقد اعترضَ الفادي المتحاملُ على القرآنِ في تقريرِه أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبنَ\nالسيئات، واعتبرَ هذا لا يَتفقُ مع عدلِ الله، ولا يُريحُ ضميرَ المسلمِ العاصي.\nلِنقرأْ قولَه العجيب: \" أَمّا قولُ القرآن: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، فهو لا يتفقُ مع قَداسةِ اللهِ وعَدْلِه، ولا يُعطي الضميرَ راحةً ولا سَلامًا\nولا شعورًا بفَرَحِ الغفران \".\nوهذا تَوَقّحٌ من الفادي على القرآن، وتخطئةٌ صريحةٌ له، واتهامٌ له بأنه\nلا يَتفقُ مع عدلِ اللهِ وقداستِه، ولا أَدري لماذا؟!\nأَليس اللهُ الرحيمُ هو الذي قضى أَنْ تُذْهِبَ الحسناتُ السيئاتِ؟ !\nوماذا في ذلك طالما أَنه أَمْرُ اللهِ وقَضاؤُه؟!\nوهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانه..\nأَليس اللهُ هو العزيزُ الغفور، الذي يَغفرُ لمن يشاء؟\nأَليس اللهُ هو التوَّابُ الذي يَتوبُ على عبادِه التّائبين؟\nلماذا يَدَّعي المفترِي أَنَّ هذا كلَّه لا يَتفقُ مع عدلِ الله؟!.\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ مفهومَ الذنبِ والتوبةِ والاستغفارِ في الإِسلام لا\nتُعطي ضميرَ المسلمِ راحةً ولا سَلامًا ولا فرحًا..\nوقد نَقَلَ أَقوالًا عن رسولِ الله - ﷺ - وأَصحابه، كأَبي بكرٍ وعمرَ وعلي - ﵃ -، تُعَبِّرُ عن ما كانوا يَعيشونَه من قَلَقٍ\nواضطرابٍ واكتئابِ وإِحباط..\nوهذه الأَقوالُ مكذوبةٌ لم تَصْدُرْ عنهم، أَو لعلَّ\nبعضَها صَدَرَ عنهم لَكنَّ الفادي المفترِي أَساءَ فَهْمَها وتأْويلَها وتفسيرَها.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>ما هي مصادر القرآن البشرية</span>؟\nيَرى الفادي المفترِي أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وِإنما أَخَذَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ - من مصادِرَ بشريةٍ حولَه! وزَعَمَ أَنَّ القرآنَ لا يَثبتُ أَمامَ التدبرِ والبحثِ والفحص.\n_________\n(١) وهل من العدل أن يتحمل المسيح ذنوب الخلق، هذا منطق لا ترتضيه البهائم؟؟!!!.","vol":"1","page":238},{"text":"وقد دَعانا اللهُ أَنْ نتدبَّرَ القرآنَ لمعرفةِ تناسُقِه وصحَّحِه وصَوابِه، وخُلُوِّهِ عن\nالخطأ والتناقضِ والاختلافِ والاضطراب، وذلك في قولِه تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\nوعلق الفادي على الآية بقوله: \" وهل يَحتملُ القرآنُ التدبُّرَ والفحصَ؟\nوهل يَقبلُ المسلمونَ مبدأَ البحثِ للوقوفِ على حَقيقةِ القرآن؟..\nلقد دَلَّت الأَبحاثُ أَنَّ محمدًا أَخَذَ القرآنَ وشرائعَه من الصابئين، وعربِ الجاهلية، واليهودِ، والمسيحيين، وعن تَصَرُّفاتِه التي جعلَها سُنَّةً لغيرِه \".\nهكذا إِذن! القرآنُ في نظرِ المفترِي لا يَصْمُدُ أَمامَ الفحصِ والبحثِ\nوالتدبُّر! وقد دَلَّت الأَبحاثُ على أَنَ القرآنَ بشريُّ المصدر، أَخَذَهُ محمدٌ - ﷺ - من الناس الذين حولَه، كالعربِ واليهودِ والصابئين..\nولم يُخْبرنا الفادي المفتري من هم الذينَ قاموا بتلك الأَبحاث، ولا كيفيةَ قيامِهم بها، ولا مكانَها وزمانَها ونتائجَها.\nوللتَّدليلِ على دَعواهُ عَرَضَ نماذجَ من ما أَخَذَهُ محمدٌ عن كل من:\nالصابئين والعربِ واليهودِ والنصارى وعاداتِه الشخصية! لِننظرْ في النماذجِ التي قَدَّمَها:\nأولًا: ما أَخذه عن الصابئين:\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - اعتبرَ الصابئين أَصحابَ دينٍ سماوي، وأَدخلَهم الجنة، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .\nوقال أَيضًا بنفسِ الفكرةِ في سورة البقرة (٦١)، وسورة الحج (١٧) ...\nهل هذه الآيةُ اعترافٌ بدينِ الصابئين، وتَقريرٌ أَنهم على حق، وأَنهم من\nأَهلِ الجنة؟","vol":"1","page":239},{"text":"إِنها تَذْكُرُ الصابئين مع اليهودِ والنصارى، فهل كُلُّ اليهودِ مؤمنون\nفي الجنة؟\nوهل كُلُّ النصارى مؤمنونَ في الجنة؟\nكلا.\nلا يُعْتَبَرُ مؤمنًا مَقْبولًا من الصابئين واليهودِ والنَّصارى إِلّا مَنْ اَمنَ باللهِ واليومِ الآخرِ وعملَ صالحًا!.\nومتى يكونُ الإِيمانُ بالله صَحيحًا كاملًا؟\nلا يَكونُ صحيحًا مقبولًا إلا إذا آمنَ صاحبُه بكلِّ رسلِ اللهِ وأَنبيائِه، وبكلِّ كتبه، فمنْ لم يؤمنْ بنبوةِ رسولٍ من رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه، ومَنْ لم يُؤْمِنْ بأَحَدِ كُتُبه التي أَنزلَها على رسلِه لم يُقْبَلْ إِيمانُه كُلُّه..\nفهل الصابئون واليهودُ والنصارى يؤمنونَ بكلِّ كُتُبِ الله ورسلِه؟\nالجوابُ بالنفي!!.\nلا يؤمنُ الصابئونَ بدينِ اليهودِ والنصارى والمسلمين، فهم كافرونَ\nمُخَلَّدونَ في جهنم..\nولا يؤمنُ اليهودُ بدينِ النصارى، وينكرونَ رسالةَ عيسى وكتابَه الإِنجيلَ، كما يُنكرونَ رسالةَ محمدٍ - ﷺ - والقرآنَ المنزَّلَ عليه.\nفهم كفارٌ لم يؤمنوا باللهِ حقًّا..\nأَمّا النَّصارى فإِنهم لا يؤمنون باللهِ حَقًّا، لأَنهم لا يؤمنونَ أَنَّ القرآنَ كَلامُ الله، ولا أَنَّ محمدًا هو رسولُ الله - ﷺ -.\nأَما نحنُ المسلمين فإِنَّنا وَحْدَنا الذين نؤمنُ باللهِ حَقًّا، ونُحققُ أَركانَ\nالإِيمانِ كاملة، فإِننا نؤمنُ بكُل الرسلِ الذين أَرسلَهم الله، وفي مقدمتِهم موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ونؤمنُ بكلِّ الكتبِ التي أَنزلها الله، ومنها التوراةُ والإِنجيلُ والقرآن.\nوعندما ننظرُ في الآيةِ موضوعِ الحديث، فإِننا نَراها تُقَدِّمُ لنا المسلمين\nباعتبارِهم الأُمَّةَ التي حَقَّقت الإِيمانَ الصحيحَ الكامل، أَمّا الأُمَمُ الأُخرى فإِنَّ\nالواحدةَ منها لا تُقْبَلُ إِلّا إِذا كانَ إِيمانُها مثْلَ إِيمانِ المسلمين.\nقال تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) .\nوتتكوَّنُ الآية ُ من جملتَيْن: الجملة الأُولى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) .\nوالمرادُ بالموصولِ وصلَتِه (الَّذِينَ آمَنُوا) المسلمون.\nوخَبَرُ \" إِنَّ \" محذوف، والتقدير: إِنَّ المؤمنين مفلحون ...","vol":"1","page":240},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)\nوالجملة الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ..\nفالواوُ في: (وَالَّذِينَ هَادُوا) حرفُ استئناف وليسَ حرفَ عَطْف.\n(وَالَّذِينَ هَادُوا) مبتدأ.\n(وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى) معطوفٌ عليه.\nوالخَبَرُ هو: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\nومعنى هذه الجملةِ الاسمية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ): المؤمنونَ من هذهِ الطوائف: اليهود والصابئين والنصارى، هم الذينَ آمَنوا بالله واليوم الآخر..\nولَنْ يَكونوا مؤمنين باللهِ حقًّا إِلّا إِذا آمَنوا بكلِّ كتبِه وخاتمِها القرآنِ، وآمَنوا بكلِّ رسلِ الله، وخاتمِهم محمدٍ - ﷺ -.\nوليسَ في هذه الآية ثناءٌ على الصابئين، وشهادةٌ لهم بأَنهم من أَهلِ\nالجنة، كما زَعَمَ الفادي المفترِي (١) .\nوكَذَبَ الفادي المفترِي عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ أَخَذَ عقيدتَه عن\nالصابئين! وذلك في قوله: \" وقد نَقَلَ الإِسلامُ عنهم عقائدَهم، المعمولَ بها فيه إِلى الآن!! \".\nولم يَجِد المفترِي دَليلًا على دعواهُ الكبيرةِ الضالّة، إِلّا كَلامًا مُجْمَلًا\nنقلَه من كتاب \" بلوغ الأَرَب في أَحوالِ العرب \" للآلوسي، ولم يُقَدِّم الآلوسي دَليلًا على كلامِه، واكتفى بادِّعاءِ أَنَّ للصابئةِ خمسَ صلواتٍ مثْلَ صلواتِ المسلمين، ويُصَلُّونَ على الجنازةِ مثلَ صلاةِ المسلمين عَلَيْها، ويصومون ثلاثينَ يومًا مثلَ المسلمين، ويتوجَّهون في صلاتهم نحو الكعبة، ويُحَرِّمونَ الميتةَ والدمَ ولحمَ الخنزير، ويُحَرِّمونَ زواجَ المحرمات من القريبات مثل المسلمين!!\nوَهَبْ أَنَّ هذا الكلامَ صحيحٌ فهل مَعْناهُ أَنَّ الإِسلام أَخَذَ عنهم عقائِدَهم؟\nإِنَّ \" الصابئينَ \" فرقةٌ صغيرةٌ قليلةُ العدد، لا يتجاوزُ عَدَدُ أَفرادِها بضعةَ آلاف، وهم مُقيمونَ في العراق، ولعلَّهم تَأَثَّروا بالإِسلام على مَدارِ التاريخِ الإِسلامي، فأَخذوا منه بَعْضَ أَحكامِه وتَشريعاتِه..\nأَمّا أَنْ يكونَ الإِسلامُ هو الذي أَخَذَ\n_________\n(١) المعنى كما قاله المحققون: كل هؤلاء الفرق إن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزال ذنبهم، حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضًا كذلك.. والله أعلم.","vol":"1","page":241},{"text":"عنهم عقائِدَهم وأَحكامَهم، فهذا ادعاءٌ كبيرٌ ليس عليه دَليل.\nوبهذا نَرى أَنَّ القرآنَ لم يَأخُذْ من الصابئين شيئًا، وأَنَّ الفادي كاذبٌ\nمُفْتَرٍ عندما ادَّعى ذلك!!.\nثانيًا: ما أَخَذَه عن عرب الجاهلية:\nنَقَلَ الفادي المفترِي أَقوالًا عن بعضِ العلماءِ المسلمين عن أَحوالِ\nالعربِ الجاهليِّين الدينية، مثلِ الشهرستاني في المِلَلِ والنَحَل، والآلوسي في\nنهايةِ الأَرب، وزَعَمَ أَنَّ الإِسلام جاءَ بها واعتَمَدَها، وأَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَها عنهم، وبذلك صارَتْ حياةُ العربِ الجاهليةُ من مصادرِ القرآن، وهذا معناهُ أَنَّ القرآنَ من عندِ محمدٍ - ﷺ -، وليس من عندِ الله!!.\nومما نَقَلَه عن الشهرستاني والآلوسي عن أحوال العرب الدينيةِ في\nالجاهليةِ: كانوا يُحَرّمونَ الجمعَ بين الأُختين، ويُحَرِّمونَ نِكاحَ زوجةِ الأَب،\nويَحُجّون ويَعْتَمرون، ويَطوفون ويَسعون، ويَغْتسِلون من الجنابة، ويقومونَ\nبتقليمِ الأَظفار، ونَتْفِ الإِبْط، وحَلْقِ العانة، ويَقْطعون يَدَ السارقِ اليمنى..\nوكانوا يَلتزمونَ بدينِ إِبراهيم وإسماعيل - ﵉ - وكانوا يُوَحِّدونَ اللهَ ولا يُشركونَ به أَحَدًا، ويُصَلّون ويَصومون ويُزَكّون ويَحُجّون، ثم طَرَأَ عليهم الشركُ بعد ذلك.\nوليس غريبًا أَنْ يَلتزمَ العربُ الجاهليّون بدينِ إِبراهيمَ وإِسماعيلَ - ﵉ - فقد بَعَثَ اللهُ إِسماعيلَ رسولًا إِليهم - ﵇ -، والبيتُ الذي بَناهُ إِبراهيمُ وإسماعيلُ - ﵉ - ما زالَ موجودًا بينهم، وقد كانوا مُوَحِّدينَ لله فترةً من الزمان، ثم طرأَ عليهم الشركُ بعد ذلك، عندما أَدخَل عمرُو بنُ لُحَيّ عبادةَ الأَصنامِ عليهم، ووضعَ الأَصنامَ في الكعبة، وحَتّى بعد شِرْكِهم بالله، بقيتْ فيهم بعضُ الأَحكامِ والقيمِ والأَعرافِ الصحيحة، التي أَخَذوها عن شريعةِ إِسماعيلَ - ﵇ -.","vol":"1","page":242},{"text":"وليس غريبًا أَنْ يأتيَ الإِسلامُ بتلك الأَحكامِ والتشريعات، وأَنْ يكونَ\nمُصَدِّقًا لها، لأَن اللهَ بعثَ إِسماعيل - ﵇ - رسولاَ، كما بَعَثَ محمدًا - ﷺ - رسولًا، فالشريعةُ التي جاءَ بها إِسماعيلُ هي من عندِ الله، والشريعةُ التي جاء بها محمدٌ - ﷺ - هي من عندِ الله أَيضًا، والشرائعُ التي بَعَثَ اللهُ بها الرسلَ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا، مع أَنَّ كُلَّ شريعةٍ قد تختصُّ بما لم يوجَدْ بالشرائعِ قبلَها.\nوقد جاءَ عيسى مُصَدِّقًا لما جاءَ به موسى قبلَه، عليهما الصلاة والسلام،\nقال تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) .\nوجاءَ القرآنُ مُصَدِّقًا وموافقًا لما سَبَقَه من الكتبِ الربانية، فيما لم يُحَرَّفْ\nمنها، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) .\nوكونُ القرآنِ مُصَدِّقًا للتوراةِ والإِنجيلِ ليس معناهُ أَنه أَخَذَ حَقائِقَه\nوأَحكامَه منهما، ولا يقولُ هذا إِلَّا جاهل متحامل مثلُ هذا الفادي المفترِي.\nوكونُ الإِسلامِ موافِقًا لشريعةِ إِسماعيل - ﵇ - لا يَعني أَنَّ محمدًا \" - ﵇ - أَخَذَ رسالتَه من العربِ الجاهليّين، كما قالَ هذا المفترِي، إِنما يَعني توافُقَ الرسالتَيْن والشريعتَيْن: رسالةِ إِسماعيلَ وشريعتِه، مع رسالةِ محمدٍ وشريعتِهِ، عليهما الصلاة والسلام، لأنهما من عند الله.\nثالثًا: ما أخذه عن اليهود:\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ التوراةَ وأَسفارَ العهدِ القديمِ كانت أَحَدَ مصادرِ\nالقرآن، وأَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ القصصَ الكثيرةَ التي سَجَّلَها في القرآنِ عن أَسفارِ العهدِ القديم!! وهذا يَعني أَنها كانَتْ بينَ يَدَيْه، يقرأُ فيها ويَختارُ منها، ويَنقلُ عنها، ويَنسبُها إِلى الله! وما كان الرسولُ - ﷺ - قارئًا ولا ناقلًا ولا كاتبًا.\nوأَشارَ اللهُ إِلى أُمّيَّتِه الدالةِ على نبوَّتِه ورسالتِه، فقالَ تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) .","vol":"1","page":243},{"text":"ولْنقرأْ دعوى الفادي الباطلة؟\nقال: \" في التوراةِ قصةُ آدمَ وقابيل وهابيلَ ونوحٍ وإِبراهيمَ وإِسماعيلَ وإِسحاقَ ولوطٍ ويوسفَ وموسى وفرعونَ وبني إِسرائيل والمَنِّ والسَّلوى والوصايا العشر والتّابوت، وشريعةِ العين بالعين والذبائح، وقصة الجواسيس وقورحَ وبلعامَ وجَدعونَ وصموئيلَ وشاولَ وداودَ وسليمانَ وإِيليا واليشعَ وأَيوب.\nواقتطفَ القرآنُ من أَقوالِ دوادَ وأَشعياءَ وحزقيالَ ويونان وغيرهم.\nوقال: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) \".\nالقَصَص المذكورةُ في القرآنِ أَخَذَها محمدٌ - ﷺ - من التوراة، في زعْمِ هذا المفتري، ودليلُه على هذه الدعوى وجودُ تلك القَصصِ في التوراةِ ووجودُها في القرآن، وهذا يعني أَنَّ الكتابَ المتأَخِّر أَخَذَها من الكتابِ المتَقَدِّم!!.\nوعندما ننظرُ في حديثِ القرآنِ عن القصةِ من قَصَصِ السابقين وحديثِ\nالتوراةِ عنها فإِننا نجدُ فَرْقًا واضِحًا بين الحديثَيْن، ولا يَلْتَقيانِ إِلّا في ذكْرِ\nعنوانِ القِصَّةِ ومُجْمَلِها، ولكنَّهما يَختلفانِ في التفاصيل، ويَظهرُ هذا في كلِّ\nقصةٍ ذَكَرَها القرآن، كقصةِ آدمَ وقصةِ نوحِ وقصةِ إبراهيمَ وقصةِ يوسف وقصة موسى!.\nوالفادي نفسُه اعترفَ بالفَرْقِ بين حديثِ القرآنِ وحديثِ التوراةِ عن\nقَصَصِ السابقين، واعتبرَ هذا الفرقَ دليلًا على وُقوعِ الأَخطاءِ التاريخيةِ في\nالقرآن، وسَبَقَ أَنْ ناقَشْناه في تلك الادِّعاءات.\nوعجيبٌ موقفُ هذا الفادي وفهمُه الأَعوج، فإِذا وافَقَ القرآنُ التوراةَ في\nحديثِه عن قَصصَ السابقين قال: أَخَذَ محمدٌ القرآنَ عن التوراة، ونَقَلَ ما فيها!\nوإِذا خالَفَ القرآنُ التوراةَ في بعضِ التفاصيل قال: أَخطأَ القرآنُ في حديثِه لأَنه خالَفَ التوراة!! المهمّ أَنَّ القرآنَ عندهُ متَّهَمٌ على كلِّ حال، سواءٌ وافَقَ التوراةَ أَو خالَفَها!.","vol":"1","page":244},{"text":"إِنَّ وجودَ فروقٍ بينَ حديثِ القرآن وحديثِ التوراةِ عن قَصَصِ السابقين\nدليلٌ على أَنَّ القرآنَ وحيٌّ من عند الله، ولو كانَ من تأليفِ محمدٍ - ﷺ - لَنَقَلَ كُلَّ ما وَجَدَهُ أَمامَه، سواء كانَ خَطَأً أَوْ صَوابًا.\nوأَشارَ القرآنُ إِلى هذهِ الحقيقة، واعتبرَ ذِكْرَ أَحداثِ القصةِ في القرآنِ\nدليلًا على أَنه من عندِ الله.\nقال تعالى في خاتمةِ قصةِ نوح في سورةِ هود:\n(تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا) .\nوقالَ في خاتمةِ قصةِ يوسف: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) .\nوقالَ في حديثِه عن قصةِ موسى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) .\nومن مُغالطاتِ الفادي المفترِي أَنه أَرادَ أَنْ يَجعلَ القرآنَ نفسَه شاهدًا\nعلى أَنه مأخوذٌ من التوراة، فَذَكَرَ قولَه تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ)، شاهدًا على ذلك.\nقَطَعَ الآيةَ عن سياقِها ليُسيءَ الاستدلالَ بها، وهي واردةٌ في سياقِ آياتٍ\nتتحدَّثُ عن مصدرِ القرآن، وتَجزمُ بأَنه من عندِ الله.\nقال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) .\nوليس معنى قوله: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) أَنَّ مادةَ هذا القرآن مأخوذةٌ من\nزُبُرِ الأَوَّلين، وكتبِ الأَنبياءِ السابقين، كالتوراةِ والزبور والإِنجيل، ولكن\nمعناها أَنَّ القرآنَ مُصَدِّقٌ للكتبِ الربانيةِ السابقة، المنزَّلَةِ على الأَنبياءِ السابقين،","vol":"1","page":245},{"text":"وموافقٌ لها في ما قَدَّمَتْه من حقائقَ عقيديةٍ وأَخلاقيةٍ وعلمية.\nرابعًا: ما أخذه عن النصارى:\nزَعَمَ الفادي أَنَّ الإِنجيلَ كان أَحَدَ المصادرِ التي أَخَذَ محمدٌ - ﷺ - منه مادَّةَ القرآن! وقالَ في زعمه: \" أَخَذَ القرآنُ عن الإِنجيلِ قصةَ بشارةِ الملاكِ لزكريا عن يوحَنّا، وقصةَ بشارةِ المَلاكِ لمريمَ العذراءِ عن ميلادِ المسيح، وعن اسمِه الكريمِ كلمةِ الله، وعن مَسْحِه بالروحِ القُدُس وتعاليمِه، ومعجزاتِه من حيثُ شفاءُ الأَبرص، وتفتيحُ عينِ الأَعمى، وإِقامةُ الموتى، ورفضُ اليهودِ له، وموتُه، وارتفاعُه للسماء، وشهادةُ الرسلِ والكنيسةِ والقساوسة..\nواقتطفَ من أَقوالِ بولس الرسول من رسائِلِه لأَهْلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي وتسالونيكي والعبرانيين..\nواقتطفَ من أَقوالِ يعقوب الرسول وبولس الرسول ويوحَنا الرائي.. \".\nوما قلناهُ في المبحثِ السابقِ نقولُه هنا، فالقرآنُ موافقٌ للإِنجيلِ الحَقِّ\nالذي أَنزلَه اللهُ على عيسى - ﵇ -، ومُصدِّقٌ له، لأَنَّ الاثنينِ من عندِ الله، وكُتُبُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، وتتوافقُ فيما تَعرضُه من معلوماتٍ وأَخبارٍ وحقائق.\nصَدَّق القرآنُ الإِنجيلَ في الإِخبارِ عن بشارةِ زكريا بيحيى - ﵉ -، وعن نَذْرِ أُمِّ مريمَ وولادتِها لها، وعن بشَارةِ مريمَ بعيسى، ومجيءِ جبريلَ - ﵇ - لها، وعن حملِها بعيسى وولادَتِه، وعن كونِ عيسى - ﵇ - عبدَ اللهِ ورسولَه، وعن آياتِه التي آتاهُ اللهُ إِياها، وعن دعوتِه لبني إِسرائيل، وعداوتِهم له، ومحاولتِهم صلْبَه، وإِنجاءِ اللهِ له، وعن تبشيرِه بالنبيِّ الخاتمِ محمدٍ - ﷺ.\nومع كونِ القرآنِ مُصدِّقًا للإنجيل في هذه الموضوعات، إِلّا أَنَّ هناكَ\nفروقًا بين القرآنِ والأَناجيلِ الموجودةِ في ذكْرِ بعضِ التفصيلات، ولعلَّ السببَ","vol":"1","page":246},{"text":"في ذلك هو تَحريفُ النصارى لأَناجيلِهم، وإِضافةُ كلامِهم إِلى كلامِ الله فيها، وتَسَرُّبُ الخطأ إِليها، ولذلك لا يُتابِعُها القرآنُ في تلك الأَخطاء!!.\nووجودُ هذه الفروقِ بين القرآنِ والأَناجيلِ دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وَحْيٌ من\nعندِ الله، فلو أَخَذَ محمدٌ - ﷺ - مادَّتَه من الأَناجيلِ لأَخَذَ كُلَّ ما فيها، سواء كان خَطَأً أَو صوابًا! وهذا أَمْرٌ يعترفُ به كلُّ مُنْصفٍ محايد، يُفكرُ بعقلِه ويَبحثُ عن الحق!!.\nخامسًا: ما أخذه من تصرفاته:\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - مَلَأَ القرآنَ بأَخبارِه وسيرتِه وتصرفاتِه وأَعمالِه.\nقال: \" يَحوي القرآنُ الكثيرَ من أَحوالِ محمدٍ الشخصية، التي جعلَها\nسُنَّةً لأَتْباعِه، فَذَكَرَ فيه غزواتِه وحوادثَ زوجاتِه، عائشة وزينب وخديجة ومارية القبطية وحفصة وأم هانئ وغيرهن..\nودَوَّنَ ما أَصابَه من أَثَرِ السِّحْرِ وتعوُّذاتِه منه، وسَجَّلَ بعضَ أَقوالِ الصحابة، وقالَ: إِنها تنزيلُ الحكيم العليم!! \".\nإِنَّ مزاعمَ الفادي باطلةٌ تافهة، فالقرآنُ ليس \" سيرةً ذاتيةً \" لمحمدٍ - ﷺ -، سَجَّلَ فيها تفاصيلَ حياتِه ودقائقَ أَعمالِه، وليس كتابَ \" مذكَّرات \"، دَوَّنَ فيها كلَّ ما جرى له، كما يفعلُ الذين يكتبونَ مُذَكَّراتِ حياتِهم!! وإِنَّ الحديثَ عن حياةِ الرسولِ الخاصةِ - ﷺ - قليلٌ في القرآن.\nفقد حَزِنَ - ﷺ - كثيرًا لموتِ زوجِه خديجةَ - ﵂ - قبلَ الهجرة، حتى سُمِّيَ ذلك العامُ عامَ الحزن، وحَزِنَ لموتِ ابنِه\nإِبراهيمَ بعد الهجرة..\nولم يَتحدث القرآنُ عن موتِهما، ولا عَنْ حُزْنِ الرسولِ - ﵇ -، ولو كان القرآنُ من تأليفِه لوجَدْنا فيه صفحاتٍ في رثائِهما ونعيِهما ومشاعرِه تجاههما!.\nأَمّا حديثُ القرآنِ عن جهادِ الرسولِ - ﵇ - لأَعدائِه فهذا لا غرابةَ فيه.\nفقد تَحَدَّثَ القرآنُ عن دعوةِ الرسولِ - ﷺ - وتبليغِه، وعن موقفِ أَعدائِه المشركين","vol":"1","page":247},{"text":"والمنافقينَ واليهودِ منه، وعن مواجهتِهم له، ومحاولاتِهم القضاءَ عليه وعلى\nدعوتِه، وعن جهادِه لهم وانتصارِه عليهم، وجَعَلَ ذلك كُلَّه عِبرةً وعِظَةً لأَصْحابِه الذين عاشوا معه، والمؤمنينَ الذين سيأتونَ من بعدِه، ولذلك قال تعالى في تعقيبِه على أَحداثِ إِجلاءِ بني النضير: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢) .\nإِنَّ القرآنَ كتابُ تعليمٍ وتوجيه، وكتابُ هدايةٍ وبَيان، وكتابُ تربيةٍ\nوتزكية، وكتابُ تشريعٍ وتكليف، وكتابُ جهادٍ ومواجهة، وحَفقَ القرآنُ هذه المقاصدَ الحيةَ بمختلفِ الوسائلِ والأَساليب، ومنها ذِكْرُ أَحوالِ الرسولِ - ﷺ - وأَحوالِ أَصحابِه وأَحوالِ أَعدائِه، وجعلَ ذلك وسيلةً لبيانِ فضْلِ اللهِ على المسلمين، ومعيتِه لهم، وحفظِه لهم ورعايتهم، وتوجيهِهِم إِلى محبةِ اللهِ وذكْرِهِ وشكره.\nوقد أَخطأَ الفادي المفترِي عندما عَدَّ أُمَّ هانئ - ﵂ - ضمنَ أَزواجِ النبي - ﷺ -، مع أَنه لم يتزوَّجْها.\nوكَذَبَ كِذْبَةً فاجرةً عندما ادّعى أَنَّ محمدًا - ﷺ - سَجَّلَ في القرآنِ بعضَ أَقوالِ الصحابة، زاعِمًا أَنها وحيٌ من اللهِ إِليه! ونتحدّاهُ\nأَنْ يُثبِتَ هذا الافتراء!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>هل صلاة الجمعة من تشريع الجاهلية</span>؟\nاعترضَ الفادي المفترِي على مشروعيةِ صلاةِ الجمعةِ في القرآن، وادّعى\nأَنها منْ تَشريعِ الجاهلية.\nوقد أَمرَ اللهُ المؤمنين بصلاةِ الجمعةِ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) .","vol":"1","page":248},{"text":"نَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ يومَ الجمعةِ في الجاهليةِ كان يُسَمّى\nيومَ العَروبَة، وقيلَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمّاهُ يومَ الجمعة كعبُ بنُ لُؤَيّ، أَحَدُ أَجدادِ قريش، لأَنَّ الناسَ كانوا يَجتمعونَ إِليه فَيحدِّثَهم عند الكعبة.\nوقالَ البيضاويُّ:\nإِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلّاها رسولُ الله - ﷺ - كانت عندَ قدومِه المدينة حيثُ أدركَتْه صلاةُ الجمعةِ قُبيلَ المدينة، فصَلّاها في تجمعٍ للمسلمين في وادٍ لبني سالم بن عوف.\nوَنَقَلَ عن كتابِ بُلوغِ الأَربِ للآلوسي أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ كانَ يَجمعُ قريشًا\nفي ذلك اليومِ حولَ الكعبةِ، ويَخطبُ فيهم، ولذلك سماهُ يومَ الجُمُعة.\nوعَلَّقَ الفادي الجاهلُ على ذلك النقل بقولِه: \" فيومُ الجمعةِ مصدَرُه عَرَبُ\nالجاهلية، ومن وَضْعِ كعبِ بنِ لُؤَي، وليس من وحيِ السماء \".\nنُبادرُ إِلى القول: لم يَثْبُتْ بروايةٍ معتمدةٍ ما قالَه البيضاويُّ والآلوسيُّ عن\nوجودِ اسمَيْن ليومِ الجمعة، وعن سببِ تغييرِه من يومِ العَروبة إِلى يومِ الجمعة،\nوعن أَنَّ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ أَؤَلُ مَنْ جَمَعَ قريشًا وخطبَ فيهم حولَ الكعبة، وكانَ هذا قبلَ ولادةِ الرسولِ - ﷺ - بعشراتِ السنين.\nوبما أَنَ هذا القولَ لم يَثْبُتْ عندنا، فإِننا نتوقفُ فيه، فلا نُكَذِّبُه ولا نُصَدّقُه.\nوَهَبْ أَنَّ القولَ صحيح، فإِنه لا يُؤَدّي إِلى النتيجةِ الخاطئةِ التي خرجَ بها\nالفادي الجاهلُ منه!! وأَقْصى ما يَدُلُّ عليه أَنَّ يومَ الجمعةِ سُمِّيَ بذلك قبلَ\nميلادِ الرسولِ - ﷺ - بعشراتِ السنين، وأَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يَجتمعونَ فيه ويتحدَّثون ا! وأَينَ هذا من مشروعيةِ صلاةِ الجمعة، التي أَمَرَ اللهُ المسلمين أَنْ يُؤَدّوها فيه؟!.\nنعمْ مصدرُ يومِ الجمعةِ عربُ الجاهلية، وهم سَمّوهُ بهذا الاسمِ قبلَ\nالإِسلامِ بعشراتِ السنين، كما أَنهم سَمّوا باقي أَيام الأُسبوعِ بأَسمائِها في\nذلك الزمنِ البعيد..\nولم يَدَّعِ المسلمونَ أَنَّ اسمَ يومِ الجمعةِ جاءَ وَحْيًا","vol":"1","page":249},{"text":"من السماء، حتى يُسَجِّلَ الجاهلُ اعتراضَه وتخطئتَه للقرآن!.\nلما بَعَثَ اللهُ محمدًا رسولًا - ﷺ - وأَنزلَ عليه القرآن، ْ كانَ هذا اليومُ يُسَمّى يومَ الجمعة، ولم يُسَمّهِ القرآنُ يومَ الجمعة، والجديدُ في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ شَرَعَ فيه صلاةَ الجمعة، وكان تشريعُها قُبيلَ دُخولِ الرسولِ - ﷺ - المدينةَ يومَ الهجرة، ثم أَنزلَ اللهُ سورةَ الجمعةِ بعد الهجرة، وأَمَرَ المسلمينَ بأَداءِ الصلاة، وكان الأَمْرُ في آياتِ سورة الجمعة تأكيدًا لمشروعيتِها يومَ الهجرة!.\nوبهذا نَعْرِفُ جهلَ الفادي في عدمِ تفريقِه بين اسْمِ يومِ الجمعة الذي\nسُمّيَ به قبلَ الإِسلامِ بعشراتِ السنين، وبين مشروعيةِ الصلاةِ فيه، التي\nشَرَعَها اللهُ وأَمَرَ المسلمينَ بها يومَ الهجرة!.\nونقلَ الفادي خَبَرًَا نَسَبَهُ إِلى كتابٍ مجهول، سَمّاه \" السيرة النبوية\nالمَلكيَّة \"، زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ هم الذين اقْتَرحوا على النبيِّ - ﷺ - صلاةَ الجمعة.\nقال: \" وَرَدَ في كتابِ (السيرة النبوية الملكية) أَنه لما هاجَرَ محمدٌ إِلى المدينةِ\nقال له المسلمون: إِنَّ لليهودِ يَوْمًا يَجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظِ هو يومَ السبت، وللنصارى يومًا يجتمعونَ فيه للعبادةِ وسَماعِ الوعظ، ونحنُ المسلمينَ لا يومَ لنا نجتمعُ فيه لعبادةِ اللهِ تعالى أُسوةً بأَهْلِ الكتاب، فأَشارَ عليهم بيوم الجمعة \".\nوهذا الخَبَرُ موضوعٌ مكذوبٌ باطل، ولذلك لم يَرِدْ في حديثٍ صحيحٍ أَو\nحَسَنٍ أو ضَعيف، وهو يوحي بأَنَّ تشريعَ صلاةِ الجمعةِ بَشَرِيّ، وليش ربّانيًّا\nمن عندِ الله، خَضَعَ فيه الرسولُ - ﷺ - لرغبةِ المسلمين، المتأَثِّرين باليهودِ والنصارى، فلما طَلبوا منه استجابَ لهم وشرعَ لهم صلاةَ الجمعة!!.\nوقد كانَ الفادي خَبيثًا عندما عَلَّقَ على خبرِه الموضوعِ قائلًا: \" ونحنُ\nنَسأل: إِذا كانَ اليهودُ يَجتمعونَ للعبادةِ يوم السبت، لذكْرِ خَلْقِ اللهِ العالمَ في ستةِ أَيام، واستراحتِه في اليومِ السابع، وإِذا كان النَّصارى يَحفظونَ يومَ الأَحَدِ لذكْرى قيامةِ المسيح فيه، فما الذي يَجعلُ المسلمينَ يَجتمعونَ يومَ الجمعة؟","vol":"1","page":250},{"text":"هل لِيُحاكوا أَهْلَ الكتاب؟\n- لِمَ لَمْ يَختاروا اليومَ الذي صنَعَه الربّ، بل اليومَ الذي وَضَعَتْهُ عربُ الجاهلية؟! \".\nيُريدُ الفادي الخبيثُ من تعليقِه أَنْ يَجعلَ المسلمين مُقَلِّدين لليهودِ\nوالنصارى، راغبينَ في محاكاتِهم، فبما أَنَّ اليهودَ والنَّصارى يَجتمعونَ يَوْمًا في\nالأُسبوع فلماذا لا يَفعلُ المسلمون مثلَهم؟\nوهو بهذا يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآن، وبشريةِ التشريعِ الإسلامي.\nوعندما ننظرُ في الآيةِ التي أَمرت المؤمنين بصلاةِ الجمعة، فَسنجدُها\nتَكْليفًا مباشِرًا من اللهِ للمؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) ..\nفاللهُ هو الذي خاطَبَهم وكَلَّفَهم وأَمَرَهم، وشرعَ لهم صلاةَ الجمعةِ في يومِ الجمعة، ولم يكن الآمِرُ هو الرسولَ - ﷺ - بناءً على طلبٍ منهم، كما زَعَمَ الفادي المفترِي!.\nوقد أَخْبَرَنا رسولُ الله - ﷺ - أَنَّ يوم الجمعةِ هو أَفضلُ أَيامِ الأُسبوع، جعلَه اللهُ أَفْضَلَ الأَيام قبلَ وجودِ اليهودِ والنصارى، وأَنَّ اليهودَ والنصارى كانوا مأمورين بيومِ الجمعة، لكنَّهم تركوه، فاختارَ اليهودُ السبت، واختارَ النصارى الأحَد، وكانوا مُتَّبِعين لهواهم!.\nروى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: \" نَحنُ الآخِرون، السابقونَ يومَ القيامة، بيد أَنهم أُوتوا الكتابَ من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا يومهم الذي فَرَضَ اللهُ عليهم، فاخْتَلَفوا فيه، فَهدانا اللهُ له، فهم لنا فيه تَبَعَ، اليهودُ غدًا، والنَّصارى بعدَ غد \".\nوروى مسلم عن أَبي هريرة وعن حذيفةَ بنِ اليمان - ﵄ - قالا: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \" أَضل اللهُ عن الجمعةِ مَنْ كانَ قَبْلَنا، فكانَ لليهودِ يومُ السبت، وكانَ للنصارى يومُ الأَحَد، فجاءَ اللهُ بنا، فهدانا اللهُ ليومِ الجُمُعَة،","vol":"1","page":251},{"text":"فجعلَ الجمعةَ والسبتَ والأَحد، وكذلك هم تَبَعٌ لنا يومَ القيامة، نحنُ\nالآخِرون من أهلِ الدنيا، والأوَّلونَ يومَ القيامة، المقضيُّ بينهم قبلَ الخلائِق \".\nوروى مسلمٌ عن أَبي هريرة - ﵁ - عن رسولِ الله - ﷺ - قال: \" خَيْرُ يومٍ طَلَعَتْ فيه الشمسُ يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَم، وفيه أُدخلَ الجَنة، وفيه أُخرجَ منها \".\nولا وَزْنَ لكلامِ الفادي المفترِي واعتراضه، بعدَ هذه الآياتِ الصريحةِ\nوالأَحاديثِ الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -، حولَ فَضْلِ يومِ الجمعةِ وصلاةِ الجمعة!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>هل يباح القتال في الأشهر الحرم</span>؟\nجَعَلَ اللهُ أَربعةَ أَشهر في السنةِ أَشْهُرًا حُرُمًا، حَرَّمَ فيها القتال.\nوهذه الأَشهرُ هي: ذو القعدة وذو الحجة ومُحرمٌ ورجب.\nقالَ تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) .\nواعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن حرمةِ القتالِ في الأَشهرِ\nالحُرُم، ثم إِباحتِه القتالَ فيها بعدَ ذلك.\nقال: \" يُحَرِّمُ الإِسلامُ القتالَ والقَتْلَ والثَّأرَ تَحريمًا مُطْلَقًا في الأَشْهُرِ الحُرُم، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، مهما كانت الدواعي إِلى ذلك، ويعودُ أَصْلُ ذلك إِلى عربِ الجاهليةِ قبلَ الإِسلام \"!.\nوبعدَ أَنْ نَقَلَ كَلامًا للآلوسيِّ في نهايةِ الأَرَبِ أَكَّدَ مُغالَطَتَه واتِّهامَه السابقَ\nبقولِه: \" فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية، ولم يَأتِ بجديد \".","vol":"1","page":252},{"text":"وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في زعمهِ أَخْذَ القرآنِ تشريعاتِه من الجاهلية.\nصحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُحَرِّمونَ القتالَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، لكنَّ هذا ليسَ تشريعًا منهم، وإِنما أَخَذوهُ عن شريعةِ إِسماعيلَ - ﵇ -، ضمنَ الكثيرِ من الموروثاتِ الدينيةِ التي وَرِثوها عنه - ﵇ -، كالحَجِّ إِلى الكعبة..\nولكنَّهم تَلاعَبوا بحرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بالنسيء، فإِذا كانَتْ مصلحَتُهم بالقتالِ في أَحَدِ الأَشهرِ الحُرُم، نَسَؤُوا حُرْمَتَه إِلى شهرٍ آخَر.\nوقد ذَمَّهم اللهُ بقولِه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧) .\nولما جاءَ الإِسلامُ حَرَّمَ النسيءَ الذي كان يمارسُه الجاهليّون، وثَبَّتَ\nحرمةَ الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم.\nقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .\nوقد أَكَّدَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على حُرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، وثَبَّتَها، ومنعَ النَّسيءَ فيها، في خطبةِ الوَداع، التي أَلْقاها يومَ عرفةَ في حَجَّةِ الوداع.\nروى البخاريُّ عن أَبي بَكْرَةَ - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: \" إِنَّ الزمانَ قد اسْتَدار، كهيئَتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرض، السنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، منها أَربعةٌ حُرُمٌ، ثَلاثٌ مُتَواليات: ذو القعدةِ وذو الحجةِ والمحرم، ورجبُ مضرَ الذي بينَ جمادى وشعبان \".\nوبهذا نَعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يأخذْ تشريعَ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُمِ عن الجاهليةِ\nالعربية، وإِنما هو تَشريعٌ ذاتيٌّ منه، توافَقَ مع شريعةِ إِسماعيل - ﵇ -، على اعتبارِ أَنَّ شريعةَ إِسماعيلَ وشريعةَ محمدٍ - ﷺ - عندِ الله.\nوبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي في قولِه: \" فالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن\nعَرَبِ الجاهلية، ولم يَأتِ بجديد \"!.","vol":"1","page":253},{"text":"وقد افْتَرى الفادي على الإِسلام افتراءً آخَرَ عندما زَعَمَ أَنَّ الإِسلامَ يُحَرّمُ\nالقِتال والقَتْلَ تَحريمًا مُطْلَقًا في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانَت الدواعي: \" يُحَرِّمُ\nالإِسلامُ القَتْلَ والقِتال والثَّأرَ في الأَشهرِ الحُرُم، مهما كانت الدواعي إِلى\nذلك \".\nوالصحيحُ أَنَّ الإِسلام حرمَ على المسلمين أَنْ يَبْدَؤوا هم بالقتال في\nالأَشهرِ الحرم، لكنَّه يُبيحُ للمسلمين أَنْ يُقاتِلوا الكُفارَ في الأَشْهُرِ الحُرُم، إِذا\nبدأَ الكفارُ بالقتال، وعلى هذا قولُه تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\nومعنى الآية: التزامُ المسلمينَ بحرمةِ الشهرِ الحرامِ مشروطٌ بالتزامِ\nالمشركين، لأَنه لا بُدَّ على الطَّرَفِ الآخرِ من الالتزام، فإِذا لم يلتزم المشركونَ بذلك وهاجَموا المسلمين واعْتَدَوْا عليهم، كانَ المسلمون في حِلٍّ من الالتزام، لأَنه لا معنى لأَنْ يُواجِهَ المسلمونَ عُدْوانَ الكافرين بالكَفّ عن\nقتالِهم والرَّدِّ على عدوانِهم، لأَنَّ هذا الشهرَ حرام! فالحُرُماتُ قِصاص، بمعنى أَنَّ المسلمين مُلْتَزمون بحرمَتِها إِذا التزمَ الكفارُ بها، فإِن انتهكوا حُرْمَتَها\nواعتَدَوْا على المسلمين، جازَ للسلمين قتالُهم، والبادئُ أَظْلَم!.\nواستشهدَ الفادي الجاهلُ على حُرْمَةِ الأَشهرِ الحُرُمِ بآيةٍ من سورةِ التوبة،\nزَعَمَ أَنها نفسها في سورةِ محمد.\nقال: \" جاءَ في سورةِ محمد: ٤، وسورة التوبة: ٥: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .\nوبمراجعةِ سورةِ محمدٍ لم نَجد الآيةَ الرابعةَ فيها بهذا النَّصِّ كما زَعَمَ\nالمفتري، ونَصُّها هو: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .\nفإِحالةُ الفادي المفتري على آيةٍ ليستْ بالنَّصِّ الذي أَوردَه صورةٌ من صورِ تَحريفِه وتَلاعُبِه بكتابِ الله!.\nواستشهادُ الفادي بالآيةِ الخامسةِ من سورةِ التوبة على حُرْمَةِ القتال في","vol":"1","page":254},{"text":"الأَشهرِ الحُرُمِ دليل على جهلِه، والراجحُ أَنَّ الأَشهرَ المذكورةَ فيها غيرُ الأَشهرِ الحُرُمِ التي تَحَدَّثْنا عنها.\nلقد ذَكَرَ القرآنُ نوعَيْنِ من الأَشهرِ الأَربعةِ الحُرُم:\nالنوع الأَول: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُمُ، التي حَرمَ اللهُ على المسلمينَ البدءَ\nبقتالِ الكفارِ فيها، وأَجازَ لهم الرَّدَّ على عدوانِهم، وهي: ذو القعدة وذو\nالحجة ومحرم ورجب.\nوالتي ثَبَّتَ الرسولُ - ﷺ - حُرْمَتَها، ومنعَ النَّسيءَ فيها.\nالنوع الثاني: الأَشهرُ الأَربعةُ الحُرُم، التي جعلَها الرسولُ - ﷺ - مهلةً للمشركين لتَصويبِ أَوضاعِهم وتَرتيبِ أُمورِهم..\nحيثُ سيعلنُ الحَرْبَ عليهم بعد انْقضائِها، لتطهيرِ الجزيرةِ العربيةِ من الشركِ والكفر.\nوهي المذكورةُ في مقدمةِ سورةِ التوبة.\nقالَ تعالى: (\nبَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) .\nوقد كانَ نزولُ مقدمةِ سورةِ التوبة في أَواخِرِ السنةِ التاسعةِ من الهجرة،\nحيثُ وَجَّهَ رسولُ اللِّهِ - ﵇ - أَبا بكر الصديق - ﵁ - ليحُجَّ بالمسلمين في موسمِ السنةِ التاسعة، وبعدما تَوَجَّهَ أَبو بكرٍ - ﵁ - بالحُجّاجِ إِلى مكةَ أَنزلَ اللهُ على رسولِه - ﷺ - مطلعَ سورةِ التوبة، بتحديدِ العهودِ بين رسولِ اللهِ - ﷺ - وبين المشركين، وإِعطائِهم مُهْلَةَ أَربعةِ أَشهر، تبدأُ من يومِ عرفةَ من السنةِ التاسعةِ، لترتيبِ أُمورهم، حيثُ سيُعلنُ عليهم الحربَ بعد انقضائِها، لتحريرِ الجزيرةِ","vol":"1","page":255},{"text":"العربيةِ من الشرك..\nفأَرسلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عليَّ بْنَ أَبي طالبٍ - ﵁ - ليلحقَ بأَبي بكرٍ - ﵁ -، ويُخبرَ الناسَ في موسمِ الحج بمضمونِ الآيات.\nوكانَ عليٌّ ومعه بعضُ الصحابة يَصيحونَ في تَجَمُّعاتِ الحُجّاجِ في عرفاتٍ ومِنى ومكةَ بمضمونِها.\nقالَ عليّ بنُ أَبي طالب ل لمحبه: بَعَثَني رسولُ اللهِ - ﷺ - في موسم الحَجّ أُنادي في الناسِ بأَربعةِ أُمور: لا يَدخلُ الجنةَ إِلّا نفسٌ مؤمنة، ولا يَحُجَّ بعدَ هذا العامِ مشرك، ولا يَطوفُ بالبيتِ عريان، ومَنْ كانَ بينه وبينَ الرسولِ - ﷺ - عهدٌ فمدَّتُه أَربعةُ أَشهرٍ فقط.\nوكان بدءُ الأَربعةِ أَشهرٍ المذكورةِ في قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) هو العاشرَ من ذي الحجة من السنةِ التاسعة، وتنتهي في العاشرِ\nمن شهرِ ربيعِ الثاني من السنةِ العاشرة!!.\nوالذي حَصلَ أَنَّ كُل القبائلِ العربيةِ أَسلمتْ في كُلِّ الجزيرةِ العربيةِ\nخلالَ الأَشهرِ الأَربعة، وبَعَثَتْ وُفودَها ومَندوبيها إِلى رسولِ الله - ﷺ - في عامِ الوفود، وهو السنةُ العاشرةُ من الهجرة.\nولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ هذه المعلومات، فجعلَ الأَربعةَ أَشهرٍ\nالمذكورةَ في الآيةِ الخامسةِ من سورة التوبة، هي نفسَها الأَربعةَ أَشهرٍ المذكورةَ\nفي الآيةِ السادسة والثلاثين من السورة!!.\nوقد تَوَقَّحَ الفادي المجرمُ على الرسولِ - ﷺ -، وشَتَمَهُ وشَتَمَ الإِسلامَ والقرآن، وذلك في قولِه الفاجر: \" ...\nفالإِسلامُ أَخَذَ هذا التحريمَ عن عربِ الجاهلية، ولم يأتِ بجَديد..\nوأَمّا الجديدُ في الأَمْرِ فهو أَنه بعد أَنْ وافَقَ الإِسلامُ العربَ على الأَشهرِ الحُرُمِ التي جَعلوها فُرصةً للسَّلامِ والتعايشِ والهدوءِ النِّسْبِيّ، وجعلَ هذا التحريمَ شريعةً من الله، رأى محمدٌ أَنَّ هذا يَتعارضُ مع رغبتِه في الغزوِ والانتقام، فَغَدَرَ بأَعدائِه، وأَباحَ ما سبق تحريمُه، وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورة البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) ...","vol":"1","page":256},{"text":"تَأَمَّلْ مَعَنا الجُمَلَ الخبيثةَ في كلامه، التي هاجَمَ فيها الإِسلامَ والقرآن،\nوأَصَرَّ على بشريةِ القرآن، وأَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَهُ من عربِ الجاهلية، ثم نَسَبَهُ إِلى الله، وجَعَلَ أحكامَه شريعةً من الله! وتَأَمَّلْ شَتْمَهُ للرسولِ - ﷺ -، عندما زَعَمَ أَنَّ رغبَتَه قائمةٌ على الغزوِ والانتقام، وَوَصَفَهُ بالغَدْرِ! وناقَضَ نفسَه حيثُ أَباحَ ما سبقَ أَنْ حَرَّمَه على نفسِه من القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.\nوزَعَمَ الفادي المجرمُ أَنَّ القرآنَ من تأليفِ محمدٍ - ﷺ -، حيثُ قال: \" وناقَضَ نفسَه بقولِه في سورةِ البقرة ... \".\nأَيْ أَنَّ سورةَ البقرةِ من تأليفِه، والقرآنَ كُلَّه من تأليفِه..\nوكُلُّ كتابِ الفادي المفترِي يُؤَكِّدُ على تكذيبِه القرآن، ونَفْيِ أَنْ يكونَ من عندِ الله، وتأكيدِ أَنه من كلامِ وتأليفِ محمدٍ - ﷺ -، ولذلك وَقَعَ في الأَخطاءِ والتناقُض إ!.\nوَوَصْفُ الفادي الرسولَ - ﷺ - بالغَدْرِ دليلٌ على بذاءَتِه ووَقاحتِه، وقد شهدَ أَبو سفيانَ الذي كانَ زعيمَ مكةَ الكافرة وأَشَدَّ الناسِ عداوةً لرسولِ اللهِ - ﷺ - بأَنه لم يَغْدِر.\nفعندما سَأَلَه هِرَقْل: هل يَغْدِر؟\nأَجابَه قائلًا: إِنه لا يَغْدِر!.\nويأتي هذا الدَّعِيُّ المفترِي اليومَ ليقولَ: إِنه يَغْدِر!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>ما هو أصل التكبير</span>؟\nيَرى الفادي المفترِي أَنَّ أَصْلَ التكبيرِ جاهليّ، وأَنَّ الجاهليّين كانوا\nيقولون: اللهُ أَكبر!.\nأَوردَ قولَ اللهِ - ﷿ -: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١) .\nومعنى قولِه: \" كبره تكبيرًا \": قل: اللهُ أَكبر!.\nكما أَوردَ قولَ اللهِ في الإِخبارِ عن ما جرى بينَ إِبراهيمَ - ﵇ - وبينَ قومِه، عندما أَبْطَلَ كونَ الكواكبِ اَلهة: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) .","vol":"1","page":257},{"text":"وفَهِمَ الفادي الجاهلُ من كلامِ إِبراهيمَ - ﵇ - أَنه كانَ يؤمنُ بوجودِ آلهةٍ مع الله، وأَنَّ بعضَ تلك الآلهةِ صغير، وأَنَّ الشمسَ أَكبرُ من تلك الآلهة.\nوخَرَجَ من هذا بافتراءٍ كبير، هو أَنَّ التكبيرَ من أَصْلٍ جاهليّ، وأَنَّ\nالمسلمينَ عندما يَذكرونَ اللهَ قائِلين: \" الله أكبر \"، إِنما أَخَذوا هذا عن\nالجاهليّين المشركين! وأَنَّ معنى \" الله أَكبر \" عندَه أَنَّ اللهَ أَكبرُ من الآلهةِ\nالصغيرة، التي تُساعِدُه في إِدارةِ هذا العالم! فالمسلمونَ في نظره مشركون،\nيُؤمنونَ بوجودِ آلهةٍ صغيرةٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!.\nقالَ في افترائِه: \" كان عَرَبُ الجاهليةِ يُكَبِّرونَ اللهَ في بعضِ الأَحوالِ\nقائلين: اللهُ أَكبر..\nبناءً على اعتقادِهم بوجودِ إِلهٍ في السماء، أَو اللهُ بينَ كُلِّ\nالآلهةِ هو إِلهُها ورَبُّها، والآلهةُ الأُخرى أَعوانُه وعُمّالُه في أَرضِه.\nوزَعَمَ النَّقْلَ عن كتابِ بلوغِ الأَرَب للآلوسي أَنه لما افْتَدى عبدُ المطلب\n- جَدُّ الرسولِ - ﷺ - ابْنَه عبدَ الله بمئةٍ من الإِبِل ونجا ابْنُه من الذَّبْحِ صاحَ عبدُ الله قائلًا: اللهُ أَكْبَر.\nوكَبَّرَتْ قريشٌ معه! \".\nإِنَ كلامَه عن إِيمانِ العربِ الجاهليّين بوجودِ آلهةٍ مع اللهِ صَحيح، فهذا\nمعروفٌ عنهم، وقد ذَكَرَهُ القرآنُ في آياتٍ عديدة، وأَبْطَلَه وفَنَّدَه، وعَرَضَ الأَدلةَ العديدةَ على أَنَّ اللهَ هو الإِلهُ وَحْدَه، لا شريكَ له.\nأَمّا زعْمُه أَنَّ العربَ الجاهليّين كانوا يُكَبّرونَ اللهَ في بعضِ أَحوالِهم فهذا\nباطل، وزَعْمُه أَنَّ عبدَ الله كَبَّرَ اللهَ لما نَجا من الذَّبْحِ باطل، وهو يَعتمدُ على\nبعضِ الأَخبارِ والرواياتِ غير الثابتة، ومعلومٌ أَنه ليس كُلُّ قولٍ أَو خبرٍ في\nكتبِ المؤَرّخين أَو المحَدِّثين أَو المفسرين معتمدًا، ولا بُدَّ من تخريجِ تلك\nالأَقوالِ والأَخبار، واعتمادِ ما صَحَّ منها!!.\nوقد كانتْ فريةُ الفادي كبيرةً، عندما زَعَمَ أَنَّ المسلمين أَخَذوا قولَهم:\n\" الله أَكبر \" عن العربِ الجاهليّين، واعتبرَ هذه العبارةَ صورةً من صورِ الشركِ بالله، لأَنها تدل على وُجودِ آلهةٍ صغارٍ بجانبِ اللهِ الأَكبر!!.","vol":"1","page":258},{"text":"إِنَّ كلمةَ \" اللهُ أَكبر \" عنوانُ التوحيد، بجانبِ الكلمةِ الطيبة: \" لا إِله\nإِلّا الله \"، ولذلك جعَلها الإِسلامُ عنوانَ الدخولِ في الصلاة، والانتقال فيها، وفي العيدَيْن وغيرهما.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>حول عالم الجن</span>\nتَحَدَّثَ القرآنُ عن عالَمِ الجِنّ، وأَخبرَ عن استماعِ نَفَرٍ من الجِنِّ القرآنَ\nمن رسولِ اللهِ - ﷺ -، وإيمانِهم به، ودخولِهم في الإِسلام.\nقال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) .\nوقد خَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن عالَمِ الجن، ونفى وجودَ\nجِن مؤمنين، لأَنَّ عالَمَ الغيب عنْدَه إِما ملائكةٌ وإمّا شياطين، وأَثارَ حولَ\nالقرآنِ أَسئلةً تشكيكيةً.\nقال: \" ويُعَلِّمُنا الكتابُ المقَدسُ بوجودِ ملائكةٍ وشياطين، ولكنَّه لا يُعَلمُ بوجودِ الجِنّ، الذي يَقولُ المسلمونَ: إِنهم جنسٌ عاقلٌ بينَ الإِنسِ والشياطين، وإنهم لما سَمعوا القرآنَ آمَنوا به وبالله، وبَشَّروا الجِنَّ الآخَرين، وقالوا: إِنَ القرآنَ جاءَ من بعدِ موسى.\nفلماذا لم يُسمع اللهُ الجِنَّ رسالةَ موسى وعيسى؟\nولماذا خَصَّ الجِنَّ بالقرآنِ وَحْدَه؟\nولماذا يَقولُ الجِنُّ: إِنَّ القرآنَ جاءَ من بعْدِ موسى؟\nولم يَقُلْ من بعدِ الزبورِ والإِنجيل، مع أَنَّ الإِنجيلَ أَقربُ إِليهم من عَهْدِ موسى؟\nوكيف يَتَصَوَّرُ صاحبُ القرآنِ أَنَّ الجنَّ وهم أَرواحٌ يَتَزَوَّجونَ وَيَتَناسلونَ مع أَنهم يقولون: إِن إِبليسَ من الجن؟ \".","vol":"1","page":259},{"text":"يَزعمُ الفادي أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ لا يتحدَّثُ إِلا عن الملائكةِ\nوالشياطين، وهو لا يتحدثُ عن الشياطينِ وطبيعتِهم والمادةِ التي خُلِقوا منها، ويَنفي الفادي وجودَ عالَمِ الجِنّ، لأَنَّ الكتابَ المقَدّسَ لم يتحدثْ عنه.\nوقد كانَ القرآنُ صريحًا في حديثِه عن الجِنّ، حيثُ ذَكَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ\nالجِنَّ قبلَ الإِنْس، وأَنَّه خَلَقَهم من مارِجِ من نار.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) .\nوأَخْبَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - عن المادَّةِ التي خُلِقَ منها كلّ من الملائكةِ والجِنِّ والإِنس: \" خَلَقَ اللهُ الملائكةَ من نور، وخَلَقَ الجِنَّ من النار، وخَلَقَ آدَمَ مما وَصَفَ لكم \".\nوالمخلوقاتُ العاقلةُ في هدا الكونِ ثلاثةٌ هي: الملائكةُ والجِنُّ والإِنس.\nوسُمَيَ الجِنُّ جِنًّا لأَنهم يَسْتَتِرون عن الإِنسِ ولا يَرونَهم.\nقالَ تعالى عن إِبليسَ والجِنّ: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ) .\nوالشياطينُ ليسوا جِنْسًا مستقلًّا كالإِنْس والجِن، وإنما وَصفٌ يُطْلَقُ على\nالكافرين، سواء كانوا إِنسًا أَو جِنًّا، فهناك شياطينُ الإِنس وهناك شياطينُ\nالجن.\nقال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)، وَوُصِفَ الكفارُ بأَنهم\nشياطينُ لأَنهم مُتَمَرِّدونَ بَعيدونَ عن رحمةِ الله.\nوإبليسُ شيطان لأَنه أَولُ كافر، وهو من الجِنِّ بنَصِّ القرآن.\nقالَ تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ)، فهو جِنّيٌّ من حيثُ النَّسَب والجنس، وهو شيطان من حيثُ الوصف.\nوالجِنُّ مُكَلَّفون كالإِنس، لأَنهم عقلاءُ مثلُهم، ومنَحَهم اللهُ من وسائلِ\nالعلمِ والمعرفةِ والقدرة والإرادةِ ما أَهَّلَهم للمسؤوليةِ والتكليف.\nوبعثَ اللهُ رسلًا للجِنِّ كما بَعَثَ رُسُلًا للإِنسِ، والراجحُ أَنَّ رُسُلَ الجِنِّ","vol":"1","page":260},{"text":"من الجِن، لأَن اللهَ بعثَ كلَّ رسول بلسانِ قومِه، ليُبينَ لهم الدعوة، ويَفْهَموا عليه كلامَه.\nقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) .\nوأَخبرَنا اللهُ أَنه بعثَ للجنِّ رُسُلًا من الجنِّ.\nقال تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا) .\nولذلك لم يُبْعَثْ أَحَدٌ من الرسلِ السابقين المذكورين في القرآن إِلى\nالجن، ولم يُبْعَثْ رسولًا للناسِ كافَّة، وإِنما بُعِثَ كُلٌّ منهم إِلى قومِه خاصّة،\nيَنطبقُ هذا على نوحٍ وإِبراهيم، كما ينطبقُ على موسى وهارون، وعلى داودَ وسليمان، وعلى زكريا وعيسى - صلى الله عليهم وسلم -.\nوخَصَّ الله أَفضلَ الخلقِ وأَشرفَهم محمدًا - ﷺ - بخاصيةٍ، دالَّةٍ على فضْلِه على باقي الأَنبياءِ والمرسلين، فبعَثَه للناسِ كُلِّهم، على اختلافِ الزمانِ والمكان، حتى قيام الساعة، ونَسَخَ برسالتِه جميعَ الرسالاتِ السابقة.\nوَوَرَدَ هذا صريحًا في أكثرَ من آية، منها قولُه تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) .\nولم يَبْعَثْهُ للإِنس كلّهم فقط، وإِنما بَعَثَه للإِنسِ والجِنِّ جَميعًا، وأَمَرَ\nالجن بأَنْ يُؤمنوا به كالإِنس، واستجابَ فريقٌ منهم وآمَنوا به، وصاروا\nمسلمين، والذين لم يَدْخُلوا في الإِسلامِ كافرون مخلَّدون في نار جهنم، ككفارِ الإِنس.\nقال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) .\nولذلك ساقَ اللهُ إِلى رسولِه نَفَرًا من الجنّ، فسمعوا القرآنَ منه، وتأَثَّروا","vol":"1","page":261},{"text":"به، وأَعلنوا إِيمانَهم وإسلامَهم، قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) .\nوقال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) .\nبعدَ هذا التيانِ نَعرفُ سخافةَ وغباءَ الفادي الجاهلِ في اعتراضِه على\nحديثِ القرآنِ عن الجن، وفي أَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها حولَ الجِنّ وموسى وعيسى - ﵉ -، والجنِّ والتوراةِ والزبورِ والإِنجيل!! فلم يكونوا مكَلَّفين بالإِيمانِ بموسى وعيسى - ﵉ -، ولا الإِيمانِ بالكتبِ السابقةِ كالتوراةِ والإِنجيل، لأَنهم مأمورونَ بالإِيمانِ بالقرآنِ فقط.\nوحديثُهم عن التوراةِ النازلةِ على موسى - ﵇ - لا غَرابةَ فيه، وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى: (قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) .\nفرغْمَ أَنَّ الجنَّ لم يكونوا مكَلَّفين بالتوراةِ وبموسى - ﵇ -، إِلّا أَنهم كانوا يَعرفونَ أَنَّ اللهَ بعثَ موسى - ﵇ - رسولًا، وأَنزلَ عليه التوراةَ، لأَنَّ الجنَّ يعلمونَ أَخبارَ الإِنسِ وأَحوالَهم، وأَخبرَهم رسلُهم من الجنِّ بهذه الأَخبارِ عن موسى والتوراة.\nالمهمُّ عندنا أَنَّ مرجعيّتَنا هو القرآن، وكلُّ ما وردَ فيه فهو حَق، نؤمنُ به\nونُصدِّقُه، لأَنه كلامُ اللهِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يَدَيْه ولا من خلْفِه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>هل يأمر الله بالفسق والفحشاء</span>؟\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) .\nوأَثارَ حولَ هذه الآيةِ أَسئلةً خبيثة، تدلُّ على تخطئتِه لها.\nقال: \" فهل","vol":"1","page":262},{"text":"يُريدُ اللهُ إِهلاكَ النّاس؟\nوهل يأْمُرُ مُتَنَعِّميهم بالفسق، لتحقَّ العقوبةُ عليهم وعلى الفقراءِ بينَهم؟\nوهلْ يُناسبُ هذا عدل اللهِ وقداستَه وأَمانتَه؟\nوكيفَ يُنْسَبُ للهِ الجورُ والفسقُ والظلم؟ \".\nوذَكَرَ آياتٍ أُخرى تُناقضُ الآيةَ السابقةَ في نظره.\nقال: \" ويُناقضُ القرآنُ قولَه السابقَ بقولِه: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ)، وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) .\nوقوله: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) .\nولا تَناقُضَ بينَ آيةِ سورةِ الإِسراءِ والآياتِ الثلاثِ التي أَوردَها، لأَنه\nلا تناقُضَ بينَ آياتِ القرآن، وهذه بدهيَّةٌ مُقَرَّرة.\nفتتفقُ الآياتُ الثلاثُ مع آيةِ سورةِ الإسراءِ على أَنَّ اللهَ لا يأْمرُ بالفحشاء، ولا يأمرُ بالفسق، ولا يأمرُ بالحرام، ولذلك كَذَّبَ القرآنُ المشركين الذينَ فعلوا الفحشاءَ، وزَعموا أَنَّ اللهَ هو الذي أَمرهم بها، وأَخبرَ أَنه لا يأمُرُ إِلّا بالقسطِ والعدلِ والخير: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) .\nأَما آيةُ سورةِ الإِسراءِ فإِنَّ الفادي الجاهلَ لم يفهمْ معناها، ولذلك\nخَطَّأَها وأَثار حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ الخبيثة.\nإِنَّ الآيةَ تُخبرُ عن سُنَّةٍ ربانيةٍ مطردة، بشأْنِ فسقِ المترفين وبطرِهم،\nوتكبرِهم على أَوامرِ ربّهم، ونشرِهم الفسادَ في البلاد، مما يُؤَدّي إِلي العقابِ\nوالإِهلاكِ والتدمير.\nتُخبرُ الآية ُ عن إِنعامِ اللهِ على أَهلِ القريةِ بالمال، وغنى مجموعةٍ منهم،\nوتحوُّلِهم إِلى أَغنياءَ مُترفين، ويأمُرُ اللهُ هؤلاء المتْرَفين بعبادتِه وطاعتِه، وتنفيذِ\nأَوامره، واجتنابِ مُحَرَّماتِه، لكنهم يَتَكَبَّرونَ على الله، ويرفضونَ طاعتَه،","vol":"1","page":263},{"text":"ويُخالفون أَمره، ويَفسقونَ في القرية، ويَنْشُرون فيها الفسادَ والمعاصي\nوالفسوق، ويُفْسِدونَ بذلك أَهْلَها، فيحق عليها القول، وتنطبقُ عليها السنةُ الربانية، ويوقعُ بها العقابَ، ويُدَمِّرُها تَدْميرًا.\nفي معنى الآيةِ جُمَلٌ مُقَدَّرَة، لتوضيح المعنى، ومعلومٌ أَنَّ الحذفَ والذكْرَ\nملحوظانِ في القرآن، ومرادانِ لحكمةٍ مقصودة، فإِذا ذَكَر القرآنُ الجملةَ ذَكَرَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة، وإِذا حَذَفَها حَذَفَها لحكمةٍ مقصودةٍ مرادة، فهو معجزٌ في ما يَذْكُر، ومعجزٌ في ما يَحْذِف!.\nوتقديرُ الآية: إِذا أَرَدْنا أَنْ نهلكَ أَهْلَ قرية، أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة،\nلكنَّهم يَرفضون أَمْرَنا، ويَفْسُقونَ فيها، وبذلك يحقُّ عليها قولُنا، وتنطبقُ عليها سُنَّتُنا، ونُدَمِّرُها تَدْميرًا.\nوتَهدفُ الآيةُ إِلى أَنْ تُقَررَ قاعدةً مطردة، وهي ارتباطُ الترفِ بالتمردِ\nوالعصيانِ والمخالفةِ والفسقِ، وانتشارُ الفسادِ ثمرةٌ للترفِ والفسق، وهذا كلّه طريقٌ للهلاكِ والعقابِ والتدمير.\nوبهذا نعرفُ غَباءَ أَسئلةِ الفادي التي اعترضَ بها على الآيَة.\nفاللهُ لا يُريدُ إِهلاكَ الناسِ ابتداءً، لأَنه مُنَزهٌ عن الظلمِ سبحانه، ولكنَّه يُرتِّبُ الإِهلاكَ على العصيانِ والفسقِ والذنوب، فإِذا عصى الناسُ عاقَبَهم الله وقَرَّرَ إِهلاكهم، وهذا عدلٌ منه سبحانه!.\nولم يأْمر اللهُ المتْرَفين بالفسقِ كما فهمَ الفادي الجاهل، وإِنما أَمَرهم\nبالطاعة، لكنَّ الفسقَ ناتجٌ عن عِصيانِهم لأَمْرِ الله، وعِقابُ اللهِ للفاسقين\nالمترفين المجرمين عَدْلٌ منه سبحانه.\nومَنْ قالَ: إِنَ الآية تَنسبُ الجورَ والفسقَ والظلمَ إِلى الله؟!\nهذا هو فهمُ الفادي الجاهل! إِنَّ الآيةَ تَنسبُ العَدْلَ إِلى الله، وتُرَتّب العِقابَ على الفسق الناتجِ عن معصيةِ الله!.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>لم يشك الرسول - ﷺ - بالوحىِ</span>\nوَضعَ الفادي المفترِي عِنوانًا مثيرًا هو: \" الوحيُ الذي يَشُكُّ فيه مُبَلِّغُه \"\nاعترضَ فيه على آيتَيْن من القرآن، ووظَّفَهما دليلًا على عَدَمِ نبوةِ محمدٍ - ﷺ -، وعلى سيطرةِ الوساوسِ عليه بشأنِ الوحي:\nالأولى: قوله تعالى: (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) .\nاعتبرَ الفادي الآيةَ دَليلًا على شَكِّ الرسولِ - ﷺ - بالوحيِ والنبوة، وزعم أَنه ملأَ الحرجُ والشَّكُّ صَدْرَه، وسيطرت الوساوسُ عليه، ولذلك تَدْعوه الآية إِلى إِخراجِ الحَرَجِ من صَدْرِه، وإِزالةِ الشّكّ والوساوسِ عنه!.\nونَقَلَ كَلامًا عن البيضاوي يُؤَيِّدُ ما ذَهَبَ إِليه.\nقال: \" وقالَ البيضاويُّ في تفسيرِ الآية: (حَرَجٌ منهُ): أَيْ شَكّ فيه.\nفإِنَّ الشّاكّ حَرِجُ الصدْرِ وضَيِّقُ القَلْبِ مَخافَةَ أَنْ يُكَذَّبَ فيه..\".\nوقد تَصرَّفَ المفْتَرِي في كلامِ البيضاوي! والذي قالَه البيضاويُّ هو:\n(فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ): أَيْ: شَكّ، فإِنَّ الشّاكَّ حَرِجُ الصَّدْرِ.\nأَو: ضِيقُ قَلْبٍ من تبليغِه، مخافَةَ أَنْ تُكَذَّبَ فيه، أَو تُقَصرَ في القيام بحقِّه..\nوتَوجيهُ النهيِ إِليه للمبالغة..\".\nلا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ الرسولَ - ﷺ - كان عندَه شَكّ في الوحْي، كما فهمَ الفادي منها ذلك، إِنما تَنهى الآيةُ الرسولَ - ﷺ - عن التحرج من تَبليغِ الوحْيِ وإِنذارِ الناسِ به: (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) .\nأَيْ: لا تتحرجْ من إِنذارِ الناسِ به..\nوفَرْقٌ بين القول: كانَ عنْدَه شَكّ في الوحيِ والنبوة.\nوبينَ القول: يَدْعوهُ اللهُ إِلى عدمِ التحرجِ من إِنذارِ الناسِ به!.","vol":"1","page":265},{"text":"وإِذا تحرجَ من الإِنذارِ والتبليغِ، يكونُ التحرجُ خشيةَ أَنْ يُكَذّبَه\nالكافرون، أَو خشيةَ تقصيرِه من القيامِ بِالحَقِّ وأَداءِ الواجب.\nولا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ الرسولَ - ﷺ - تحرجَ من الإِنذار، إِنما تدلُّ على أَنه إِذا أَصابَه التحرجُ من الإِنذارِ فعليه أَنْ يُزيلَه.\nعلمًا أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لم يتحرجْ من الإِنذارِ أَبدًا!!.\nالثانية قولُه تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) .\nإِنْ شَك الرسولُ - ﷺ - بالوحيِ الذي أَنزلَه اللهُ إِليه فعليه أَنْ يُزيلَ هذا الشَّكَّ، بسؤالِ أَهْلِ الكتابِ من قَبْلِه، أَمّا إِنْ لم يَشُكّ بالوحيِ فلا داعي لسؤالِ أَهْلِ الكتاب..\nفهلْ شَكَّ بالوحْيِ واضطرَّ إِلى السؤالَ؟\nالجوابُ بالنَّفْي، فلم يَشُكَّ بالوَحي، ولم يضطرَّ إِلى السؤال.\nولما أَرادَ الفادي المفترِي أَنْ يُوَظِّفَ الآيةَ لافترائِه، ويجعلَها إِدانةً\nللنبي - ﷺ - بأَنَّه شاكٌّ بالوحيِ والنبوة، ذَهَبَ إِلى تفسيرِ البيضاويِّ كعادتِه، فلما لم يَجدْ عنْدَه ما يُريدُ؟\nتَرَكَه، وتَوَجَّهَ إِلى تفسيرِ الرازي! فلماذا الرازي في هذه المرة؟\nلأَنَّ المفترِي يظنُّ أَنَّ عنده ما يوافقُ هواه!.\nقالَ الفادي: \" قالَ الإِمامُ الرازي في تفسيرِ سورة يونس: من الوجوهِ في\nتفسيرِ النصّ: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) الخطابُ لمحمد.\nوأَنَّ محمدًا من البشر، وكان حصولُ الخواطرِ المشوِّشةِ والأَفكارِ المضطربة في قلبِهِ من الجائزاتِ، وتلكَ الخواطرُ لا تندفع إلّا بإيرادِ الدلائلِ وتقريرِ البينات، حتى إِنَّ بسببِها تَزُولُ عن خاطرِه تلك الوساوس \".\nولما رَجَعْنا إِلى تفسيرِ الرازي وَجَدْنا الأَمْرَ على غيرِ ما ذَكَرَه الفادي المفترِي.\nفقد ذَكَرَ الرازي قولَيْن في تحديد المخاطبِ بالآية:\nالأول: الخطابُ للنبيِّ - ﷺ - في الظاهرِ، والمرادُ غيرُه.","vol":"1","page":266},{"text":"الثاني: الخطابُ للإِنسانِ الشّاكِّ في نبوةِ محمدٍ - ﷺ.\nوالتقديرُ: إِنْ كنتَ أَيها الإنسانُ في شَكٍّ مما أَنزلْنا إِليك من الهدى على لسانِ محمدٍ - ﷺ -، فاسأَلْ أَهْلَ الكتابِ لِيَدُلُّوكَ على صحةِ نبوَّتِه.\nونفى الرازي أَنْ يكونَ الخطابُ في الحقيقةِ للنبيِّ - ﷺ -، ورَجَّحَ أَنْ يكونَ الخطابُ في الظاهرِ له، لكنَّ المرادَ غيره.\nوقالَ كَلامًا رائعًا في توجيهِ ذلك:\n\" والذي يَدُلُّ على صحةِ ما ذَكَرْناهُ من وجوه:\nالاوَّل: قولُه تعالى في آخرِ السورة: (يا أيُّهَا ألنَّاسُ إِن كنُتم فِى شَكٍّ من\nدِينِى) .\nفَبَيَّنَ أَنَّ المذكورَ في الآيةِ السابقة هم المذكورونَ في هذه الآيةِ على\nسبيلِ التصريح.\nالثاني: أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لو كانَ شاكًا في نبوةِ نفسِه لكانَ شَكُّ غَيرِه في نبوتِه أَوْلى، وهذا يوجبُ سُقوطَ الشريعةِ بالكلية.\nالثالث: بتقديرِ أَنْ يكونَ شاكًا في نبوةِ نفسِه، فكيفَ يزولُ ذلك الشَّكُّ\nبإِخبارِ أَهْلِ الكتابِ عن نبوَّتِه، مع أَنهم في الأَكثرِ كُفّار؟!\nوقد ثَبَتَ أَنَّ ما في أَيديهم من التوراةِ والإِنجيلِ مُصحَّفٌ مُحَرَّف ...\nفثبتَ أَنَّ الحَقَّ هو أَنَّ هذا الخطابَ وإِنْ كانَ في الظاهرِ لرسولِ الله - ﷺ -، إلا أَنَّ المرادَ به أُمَّتُه \".\nحذف الفادي هذا الكلامَ كُلَّه، لأَنه لا يُساعدُ في ما يريدُه من اتهامِ\nالنبيِّ وتخطئةِ القرآن.\nحتى الوجهُ الذي قالَه الرازي، ونقلَه الفادي عنه ليس كما نَقَلَه الفادي،\nلأَنه أَخَذَ منه الجزءَ الذي يتفقُ مع هواه، وأَسقطَ الجزءَ المهمَّ منه، وهو قولُ\nالرازي: \" وتَمامُ التقرير في هذا الباب: إِنَّ قولَه: (فإن كنُتَ فِى شَكٍّ) فافعلْ كذا وكذا قضيةٌ شرطية، والقضيهُ الشرطيةُ لا إِشعارَ فيها ألبتة بأَنَّ الشرطَ وَقَعَ أَو لم يَقَعْ، ولا بأَنَّ الجزاءَ وَقَعَ أَو لم يقع، وليس فيها إِلّا بيانُ أَنَّ ماهيةَ ذلك الشرط مستلزمةٌ لماهيةِ ذلك الجزاء ... .\nإِنَّ الآيةَ تدلُّ على أَنه لو حَصَلَ هذا الشّكّ لكانَ الواجبُ عليه هو،","vol":"1","page":267},{"text":"فِعْلَ كذا وكذا، فأما أَنَّ هذا الشَّكَّ وَقَعَ أَو لم يقع، فليسَ في الآيةِ دلالةٌ\nعليه.\nوالفائدةُ في إِنزالِ هذه الآيةِ على الرسولِ - ﷺ - أَنَّ تَكثيرَ الدلائلِ وتقويتَها مما يَزيدُ في قوةِ اليقينِ وطمأنينة النفس وسكون الصدر، ولهذا السبب أَكثرَ اللهُ في كتابِه من تقريرِ دلائلِ التوحيدِ والنبوة \".\nذَكَرْنا ما قالَه الرازي في تفسيرِ الآيةِ لنُطلعَ القراءَ على مزاجيةِ الفادي\nوافترائِه، وتلاعُبه وتحريفِه، وافتقادِه الأَمانةَ العلميةَ في النقلِ والإِحالة، مع أَنه يلبسُ ثوبَ الموضوعيةِ والمنهجيةِ والحيادِ والبحثِ عن الحقيقة.\nواستخرجَ من كلامِ الرازيِّ والبيضاوي أُكذوبةً مفتراة، لم يذكُرْ أَيٌّ منهما\nحَرْفًا واحدًا منها؟\nقال: \" واضحٌ من هذا أَنَ محمدًا كان يَشُكُّ في مصدَرِ وَحْيِه، وأَنَّ كلامَه من عندِ الله أَم ليس بوحي، حتى نَصَحَهُ مَصدَرُ وَحْيِه أَنْ يَسألَ في ذلك اليهودَ والنصارى، الذين يَقْرَؤونَ الكتابَ من قبلِه، فإِن كانَ الرسولُ يشكُّ في رسالتِه، والمبلّغُ يَرتابُ في صِدْقِ بَلاغِه فكيف يَتوقَّعُ من سامِعيه أَنْ يُصَدِّقوه؟ \".\nولقد كانَ الفادي كاذبًا مفتريًا في كلامِه، وفي هذه النتيجةِ التي خَرَجَ\nبها، وسَبَقَ أَنْ نفاها كُلٌّ من الرازي والبيضاوي.\nونفى الرسولُ - ﷺ - الشّكَّ عن نفسِه، ولذلك قال: \" واللهِ لا أَشُكُّ ولا أَسْأَلُ \"\nأَي: أَنا لستُ في شَكٍّ مما أَوحى اللهُ إِليَّ، ولستُ بحاجةٍ إِلى سؤالِ أَهْلِ الكتاب (١) .\nوادَّعى الفادي المفترِي دَعوى كاذبةً، زَعَمَ فيها أَنَّ محمدًا - ﷺ - اعترفَ أَنَّ مرجعَ القرآنِ هو الكتابُ المقَدَّس.\nقال: \" وفي الوقتِ الذي كانَتْ فيه الشكوكُ تُساورُ محمدًا في وحْيِه اعترفَ أَنَّ المرجعَ والمحكَّ لأَقوالِه هو الكتابُ المقَدَّس، ولذلك قالَ في القرآن: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) .\n_________\n(١) قال القاضي الباقلاني ما نصه:\nفأمَّا تعلُّقهم بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)، وأن هذا نقيضُ ما وصَفَ به سائر رسله من\nأنّهم أعلمُ الخَلْق به، وأعرفُهم بصدقه وصفاته، وأنهم مختارون ومصطفَون\nعلى علمِ على العالمين، فإنه لا تعلق لهم فيه من وجوه.\nأولها: أنّ هذا القولَ ليس بخبرٍ عن حصول شكه ﵇ فيما أُنزل\nعليه وإنّما هو تقريرٌ له وتنبية أنه منزل على غيره أيضًا، وقد يقول القائل لمن\nيعلمُ أنه لا شكّ عنده في الأمر، ولا ريبَ: فإن كنتَ في شك مما أنزله\nوأخْبَر به فسل غيري وسل الناس عنه، وسيما إذا كان يريدُ بذلك إظهارُ صدقه بحضرة من يُنكر ذلك ويدفعه، وربَّما قال له ذلك في الأمر الشائع\nالذائع ليجعل له طريقًا إلى سؤال الناس وإخبارهم بما عندهم من العلم في\nذلك الأمر ليزول ذلك الشك ويقوى سلطانُ الحجَّة، وتبطل الشبهة.\nوالقومُ أعني قريشا، ومن خالفَ الرسولَ كانوا يقولون له فيما نقلوه إفك\nافتراه، وإفك مفترًى ومحدَّث ومجنون، وإن هذا إلا خلق الأولين، وشاعر\nمجنون، فقال له: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ)، ليجعل له ذريعةً إلى ذلك، ومطالبةُ علمائهم مثلُ عبدُ الله بنُ سلام وغيره بما في كتابهم من ذلك تصديقًا لقوله أننا قد أبنَّا بذلك مَنْ كان قبلك، ولم يقُل إنك شاكٌّ فيما أنزل عليك.\nويُوضح هذا أيضا أن القائلَ قد يقول لمن يعلم بتيقنه ظلمُ زيد وجهلُه\nوتخليطُه وأنه لا شك في ذلك: إن كنت في شك من ظُلم زيدٍ فعامِلْه لتنظر.\nوإن كنتَ في شكٍ من تخليط فلانٍ وخبطه فقاوله وناظره، وإن كنت في شك\nمن هوْلِ البحر فاركبه، وإن كنت في شك من جود فلانٍ أو بُخله فمن يعرفُ حالَهُ فسلهُ والتمس منه لتعلم ردّه أو إجابَته، في أمثال هذا مما قد ظهر\nاستعمالُه بينهم، فعلى هذا الوجه ورد قولُه: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) .\nوقد يمكن أن يكون النبي - ﷺ - ظن أن بعض ما أُنزل إليه من العبادات أو بعض ما قصً عليه قد أُنزل على موسى، وأحب الله أن يقطعَ شكه في ذلك فقال: فإن كنت في شك مما أُنزلَ إليك في أنه منزل على موسى ومن كان قبلك فسَلْهم عن ذلك ليخبروك عنه، فيزولَ شكُّكَ، وقد يكونُ من مصالحه ومصالح أمته أو بعضها الأمرُ بسؤال أهل الكتاب عما يشكُ ﵇ في أنَه منزَل عليهم، وربَّما كان ذلك تقويةً ليقين غيره إذا عَرَفَه، فلم يُرد بذلك الشكً في أنَه من عند الله، وإنما أرأدَ الشكُ في أنه منزل على غيره أم لا.\nوقد يجوز أيضا أّن يكون أُتزل عليه جملةً قصةٍ وعبادةً مجمَلةً أخرَ عنه\nبيانها إلى وقت الحاجة،. وقد بيّن تفصيلَها وشرح تلكَ القصة في كتابِ\nموسى، فقال له: \"فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ) يعني في شك من تفصيلِه، فارجع في ذلك إلى أهل الكتاب فإنني قد أنزلتُ تفصيلَ ذلك عليهم، وليس هذا من الشك في أن ما أُنزلَ عليه منزل من عند الله بسبيل.\nوقد يجوز أن يكون أراد بقوله: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ) أي إن كان قومك أو\nبعضُهم في شك فسل أهل الكتاب ليخبروهم بمثل ما تخبرهم به فيؤمنُ عند\nذلك من كان إخبارهم إياه به لطفا له، فيكون ذاكرًا للنبي صلى الله عَليه\nوالمرادُ به غيره، وعلى نحو هذا ورد قولَه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .\nالخطاب له في الظاهر والمرادُ به غيره الشاكُّ فزال بذلك ما قَدَحوا به. اهـ (الانتصار للقرآن. ٢ / ٧١٥: ٧١٧)","vol":"1","page":268},{"text":"ولا نُعيدُ ما قلناهُ قبلَ قليلٍ عن دلالةِ الجملةِ الشرطية: (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) .\nإِنما نُشيرُ إِلى افتراءِ وكَذِبِ الفادي في فريتِه، التي جعلَ فيها الكتابَ المقَدَّسَ مَرْجعًا للقرآنِ، وحَكَمًا عليه.\nوقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ القرآنَ هو المرجعُ والحَكَم، وأَنَّ الكتبَ السابقةَ\nكالتوراةِ والإِنجيل لا بُدَّ أَنْ تُحاكَمَ إِلى القرآن، وأَنْ تُعْرَضَ على القرآن، فما\nاتفقَ مع القرآنِ منها أَخَذْناهُ، وما خالفَ القرآنَ رَدَدْناه، وجَزَمْنا بوضعِه وكَذِبِه واختلاقِه، وأَنه ليسَ من كلامِ الله، وإِنما هو من كلامِ الأَحبارِ أَو الرهبان.\nقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) .\nوافترى الفادي كذبةً أُخرى عندما نَسَبَ إِلى القرآنِ إِقْرارَه بأَنَّ توراةَ يهودِ\nعصْره صحيحةٌ سليمة، قال: \" وأَكَّدَ القرآنُ أَنَّ التوراةَ المَي بينَ يَدي يهودِ\nعصْرِه صحيحةٌ سليمة، فيها حُكْمُ الله، والأَوْلى أَنْ يَرْجِعوا إِليها، لا أَنْ\nيَرْجِعوا إِلى محمد، فقال: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) .\nوأَوصى القرآنُ المسيحيين أَنْ يُلازِموا أَحكامَ إِنجيلِهم، وحَكَمَ\nبالفِسْقِ على مَنْ لا يُقيمُ أَحكامَ الإِنجيل.\nفقال: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) .\nلم يُقِر القرآنُ أَنَّ التوارةَ التي مع اليهودِ في عصْرِ التنزيلِ صحيحةٌ سليمةٌ،\nفيها حُكْمُ اللهِ الذي يَجبُ أَنْ يُتَّبَع، وإِنما جَزَمَ أَن هذه التوارةَ محرفةٌ مَكْذوبة.\nوجاءَ هذا في عدةِ آيات، منها قولُه تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .\nوقوله تعالى: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) .\nوأَنكرَ اللهُ على اليهودِ احتكامَهم إلى رسول الله - ﷺ -، لأَنهم أَرادوا بذلك التلاعبَ والتحايلَ والمكْرَ والخِداع، بهدفِ الحُصولِ على حُكْمِ مُخَفَّفٍ منه، وقد عَرَفَ الرسول - ﷺ - هذا التلاعُبَ والمكر، فحكَمَ فيهم بَحكْمِ اللهِ في\nالتوراة، وأَقامَ حَدَّ الرجمِ على اليهوديِّ واليهوديةِ اللَّذَيْنِ زَنَيا.","vol":"1","page":269},{"text":"ودعوةُ القرآنِ النصارى إِلى الاحتكامِ للإِنجيل، ليقودَ ذلك إِلى الاعتقادِ\nبأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محمدًا هو رسولُ الله - ﷺ -، لأَنَّ الإِنجيلَ بَشَّرَ بالنبيِّ الخاتمِ - ﷺ -، فاحتكامُهم الصحيحُ للإِنجيل معناهُ دخولُهم في الإِسلام!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>هل في القرآن أقوال للناس</span>؟\nهل أَخَذَ محمدٌ - ﷺ - القرآنَ من النّاس؟\nوهل وَضَعَ فيه أَقوالًا للنّاس؟\nهذا ما يؤكِّدُه الفادي المفترِي، ولذلك بَدَأَ اعتراضَه السادسَ والثمانينَ على القرآنِ بنَفْي كونِ القرآنِ وَحْيًا من عندِ الله، قال: جاءَ في سورةِ المدثر: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) .\nفقالَ محمد: إِنَّ قرآنَه وحيٌ من الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .\nوهذه مغالطةٌ من الفادي المفترِي، فآيةُ سورةِ المدَّثرِ التي سَجَّلَها،\nذَكَرَ اللهُ فيها اتهامَ زعيمِ مكةَ الوليدِ بن المغيرةِ للقرآنِ بأَنه سِحْر، والآيةُ ضمنَ آياتٍ تتحدَّثُ عن حادثةِ الوليدِ واتِّهامِه، يَعرفُها الفادي عن يَقين، لكنَّه لم يُشِرْ إِليها.\nوخلاصةُ حادثةِ الوليدِ بن المغيرة أَنَ زعماءَ قريشٍ اجْتَمعوا قُبيلَ موسمِ\nالحَجِّ، ليتَّفِقوا على كلامٍ موحَّد، يَقولونَه في القرآن، ليصُدّوا الناسَ عنه، فقالَ لهم الوليد: قولوا وأَنا أَسمع.\nفقالوا: نَقولُ عنه: إِنَّه شِعْر.\nقال: إِنَّه ليس شِعْرًا.\nفقالوا: نقول: إِنه سِحْر.\nقال: إِنَّه ليس سِحْرًا.\nفقالوا: نقول: إِنه كَذِب.\nقال: إِنه ليس كَذبًا..\nوكُلَّما ذَكروا قولًا رَدَّه الوليدُ بأَنه غيرُ منطقي، وأَنَّ الذين يَسمعونَه لا يُصَدِّقونه!.\nفقالوا له: قُلْ أَنتَ يا أَبا الوليد! فماذا تَقول فىِ القرآن؟.\nقال: دَعوني أُفَكّرْ ...\nولما فَكَّر لم يَجِدْ إِلّا أَنْ يَتَّهمه بأَنه سِحْر! وهو ما نَفاهُ عنه من قَبل.\nوقالَ لهم: قولوا: إِنه سِحْرٌ يُؤْثَر، يُفَرقُ بينَ المرءِ وزوجِه.","vol":"1","page":270},{"text":"وقد أَنزلَ اللهُ آياتٍ من سورةِ المدَّثِّر تُصَوّرُ الوليدَ بنَ المغيرة صورةً\nساخرةً وهو يُفَكِّرُ ويُقَدِّرُ، ويَقولُ كلامًا لا يُصدقُه هو.\nقال تعالى: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) .\nفالذي قالَ عن القرآن: \" إِنْ هذا إِلّا قولُ البشر \" هو الزعيمُ القرشيّ\nالكافر، الوليدُ بنُ المغيرة، واعتمدَ الفادي المفترِي كلامَه، لأَنه يوافقُ هوىً\nفي نفسه إ!.\nولاحِظْ قَصْدَ المفترِي الخبيث من قولِه: \" فقالَ محمد: إِنَّ قرآنَه وحي\nمن الله: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .\nفهو يُؤَكِّدُ على بشريةِ القرآنِ، وأَنَّ محمدًا - ﷺ - هو الذي يُؤَلِّفُ الآيات، ويَضَعُها في السُّوَر، ويَدَّعي أَنها من عندِ الله \"!!.\nوأَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ \" موافقات عمر \"، واستشهدَ بها\nعلى فكرتِه الشيطانيةِ حولَ بشريةِ القرآن!.\nومُوافقاتُ عمرَ هي حوادِثُ محدَّدَةٌ، كانَ عمرُ بن الخطابِ - ﵁ - يقترحُ على رسولِ الله - ﷺ - فعْلَ شيء مُعَيَّن، فتنزلُ الآيةُ توافِقُه على اقتراحِه، ويَدعو اللهُ فيها إِلى الأَخْذِ به.\nقالَ الفادي المفترِي: \" أَمّا أَنَّه قولُ البشرِ فواضِحٌ من أَنَّ القرآنَ حوى\nأَقوالَ عمرَ بنِ الخطابِ التي دَوَّنَها محمد، باعتبارِ أَنها نزلَتْ من السماء \".\nويَقصدُ المجرمُ من هذا الكلامِ الاستفزازيِّ الوقحِ أَنَّ القرآنَ من قولِ\nالبَشر، وأَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَه من قولِ الناسِ وكلامِهم وعباراتِهم، وادَّعى أَنها نازلة عليه من عندِ الله، ونَسَبَ القرآنَ كلَّه لله!!.","vol":"1","page":271},{"text":"وهو بهذا الاتهامِ يَنفي الجريمةَ التي وَقَعَ هو وأَهْلُ مِلتِه وأَسيادُه اليهودُ\nبها عن نفسِه وشياطينِه، ويوجِّهُها للنبيِّ - ﷺ -.\nاليهودُ والنصارى هم الذين حَرَّفوا التوراةَ والإِنجيل، وقد أَدانَهم اللهُ على\nجريمتِهم، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .\nأَمّا الرسولُ - ﷺ - فقد رَدَّ على الكفارِ الذين طَلَبوا منه تغييرَ القرآنِ أَو تَبديلَه، بأَنه لا يُمْكِنُهُ أَن يَفعلَ ذلك، لأَنه مُتَّبعٌ للوحْيِ الذي يَأتيه من عندِ الله.\nقال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦) .\nوهَدَّدَ اللهُ بأَنه لن يسمحَ لأَحَدٍ أَنْ يَتقوَّلَ عليه، ويَنسبَ له ما لم يَقُلْه،\nحتى لو كانَ هذا الشخصُ هو رسولَ اللهِ - ﷺ -، قال تعالى: (\nفَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) .\nوقد نَسَبَ الفادي المفترِي خمسةَ أَقوالٍ لعُمر، وزَعَمَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - أَخَذَها منه وأَثْبَتَها في القرآن.\nقالَ عن القولِ الأَول: \" مَرَّةً قالَ عُمر: يا رسولَ الله! لو اتَّخَذْنا من مَقامِ\nإِبراهيمَ مُصَلّى.\nفجاءَ قرآنٌ يَقول: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوالروايةُ صحيحة، ومقامُ إِبراهيمَ هو الحجرُ الذي كانَ إِبراهيمُ - ﵇ - يَقومُ","vol":"1","page":272},{"text":"ويَقفُ عليه وهو يَبْني الكعبة، حيثُ كانَ ابنُه إِسماعيلُ - ﵇ - يُناولُه الحجارة، وكان هو يَقفُ على الحَجَر، وكان ذلك الحجرُ مُلْتصقًا بالكعبة، ثم أَبْعَدَه عمرُ عن الكعبة لئلا يَشُقَّ الطوافُ على الطائفين.\nوقد اقترحَ عمرُ - ﵁ - على رسول اللهِ - ﷺ - أَنْ يُصلِّيَ الطائفون ركعَتي الطوافِ عندَ مَقامِ إِبراهيم، وهما ركْعَتا السنَّةِ اللَّتان يُصَلّيهما الطائفُ بعد الانتهاءِ من الطواف، فأَقَرَّه الرسولُ - ﷺ - على اقتراحِه.\nوأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوهو يَدُلُّ على صحةِ اقتراحِ عمرَ - ﵁ - وفطنتِه\nوبُعْدِ نَظَرِه.\nوقالَ عن القولِ الثاني لعُمَر: \" ومَرَّةً قالَ عمر: يا رسولَ الله! إِنَّ نِساءَك\nيَدخلُ عليهن البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَهن أَنْ يحتجبْنَ.\nفجاءَ قرآنٌ يقول: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) .\nوالروايةُ صحيحة، دالّةٌ على بُعْدِ نَظَرِ عمرَ - ﵁ -، فَرَغْمَ أَنَّ أَزواجَ الرسولِ - ﷺ - مُحَرَّماتٌ على المسلمين، إِلَّا أَنَّ بعضَ المسلمين قد تَخطرُ لهم خواطرُ السوءِ نحوهن، ولذلك اقترحَ عمرُ على رسولِ الله - ﷺ - أَنْ يأْمرهن بالحجاب، لأَنه يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر، وهذا من فَرْطِ غيرتِه عليهن.\nوأَنزلَ اللهُ الآيةَ يأمُرُه بذلك، مما يدلُّ على صحةِ اقتراحِ عمر - ﵁ -.\nوقالَ الفادي عن القولِ الثالث: \" ومَرَّةً اجتمعَ نساءُ محمدٍ في الغيرة.\nفقالَ عمرُ لهنّ: عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَه أَزواجًا خيرًا منكن.\nفجاءَ قرآنٌ يقول: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .\nوالروايةُ صحيحة، فقد اجْتمعَتْ أَزواجُ النبيِّ - ﷺ -، واتَّفقْنَ على أَنْ يُطالبنَه بالتوسعةِ عليهن، وزيادةِ نفقتِهنَّ، فتألَّمَ النبيُّ - ﷺ - من مَطالبهن، فوعَظَهُنَّ عمرُ - ﵁ - وذَكَّرَهُنَّ وهَدَّدَهُنَّ، وقالَ لهنّ: إِنْ طَلَّقَكنَّ فعسى ربُّه أَنْ يُبدلَه أَزواجًا خيرًا منكُنّ.\nفأَنزلَ اللهُ تعالى قوله: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .","vol":"1","page":273},{"text":"وقال الفادي عن القولِ الرابع: \" ومَرَّةً جاءَ قرآنٌ يَقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) ...، فقالَ عمر: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فسجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) .\nوهذه الروايةُ أَوردَها الحاكمُ وابنُ مردويه وابنُ المنذر، لكنَّها لم تَصِحّ.\nفلا تُصَنَّفُ ضمنَ موافقاتِ عمر.\nوقالَ الفادي عن القولِ الخامس: \" ومَرةً لقيَ يهوديٌّ عمرَ بنَ الخطاب،\nفقالَ: إِنَ جبريلَ الذي يَذْكُرُه صاحبُكم عَدَوٌّ لَنا! فقال له عمرُ: مَنْ كانَ عدوًّا للهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكال فإِنَّ اللهَ عدوٌّ للكافرين.\nفَسَجَّلَ محمدٌ أَقوالَ عمر هذه بنصها: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .\nوهذه الروايةُ أَوردَها الحاكم، ولكنَّها لم تصح.\nوالحادثةُ وَقَعَتْ بينَ رسولِ الله - ﷺ - وبينَ اليهود، وليسَ بين عمرَ - ﵁ - وبين اليهود.\nروى البخاريُّ عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - عن حوارٍ بينَ رسولِ الله - ﷺ - وبينَ اليهودِ حولَ أَسئلةٍ ثَلاثةٍ سأَلوهُ عنها، لا يَعلمُ جوابَها إِلّا نبيّ، فلما أَجابَهم عليها الجوابَ الصحيحَ قالوا له: حَدِّثْنا مَنْ وليُّك من الملائكة، فعندها نجامِعُك أَو نُفارِقُك..\nقال: فإِنَّ وَلِيّي جبريلُ، ولم يَبعث اللهُ نبيًّا قَطّ إِلّا وهو وليُّه..\nقالوا: عندها نفارقُك، ولو كَانَ وَليُّكَ سِواه من الملائكةِ تابَعْناكَ وصَدَّقْناك!.\nقال: فما يمنَعُكُم أَنْ تُصدِّقوه؟\nقالوا: إِنه عَدُوّنا!..\nفأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .","vol":"1","page":274},{"text":"وبهذا نعرفُ أَنَّ نسبةَ القولَيْن الرابعِ والخامسِ لعمرَ - ﵁ - لم تَصِحّ، رغم أَنَّهما ذُكِرا في بعضِ الروايات، ونقلَهما عنها السيوطيُّ في \" الإِتقان \"، ومعلومٌ أَنَّ السيوطيَّ لا يتحرّى الدِّقَّةَ في ما يَنقل، وأَنَّ صحةَ الروايةِ عن رسولِ الله - ﷺ - وأَصحابِه شرطٌ لقَبولِها واعْتمادِها.\nأَمَّا الأَقوالُ الثلاثةُ السابقة فقد ذَكَرَها البخاريُّ في صحيحه، وهي من\nموافقاتِ عمر.\nروى البخاريُّ عن أَنَسِ بنِ مالك - ﷺ - قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ -: وافَقْتُ رَبّي - أَو وافَقَني ربّي - في ثلاث: قلتُ: يا رسولَ الله: لو اتّخَذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصلّى، فنزلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوقلتُ: يا رسولَ الله: يدخلُ عليك البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَ أُمَّهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأَنزلَ اللهُ آيةَ الحجاب.\nوبَلَغَني مُعاتبةُ النبيِّ - ﷺ - بعضَ نسائِه، فدخَلْتُ عليهنّ فقلْتُ: إِن انتهيْتُنَّ أَو لَيُبْدِلَنَّ اللهُ رسولَه خيرًا منكن، فأَتَتْ إِحْدى\nنسائِه، فقالَتْ: يا عُمَر: أَما في رسولِ اللهِ ما يَعِظُ نِساءَه، حتى تَعِظَهُنَّ أَنت؟\nفأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .\nولا تَدُلُّ موافقاتُ عمرَ - ﵁ - وما نَزَلَ من القرآنِ على لسانِ بعضِ الصحابة كما ذكرَ السيوطيُّ في الإِتقان - على أَنَّ في القرآنِ أَقوالَ الناس.\nوأَنَّ القرآنَ صناعةٌ بشرية، كما قالَ الفادي المفتري! فكلّ مسلمٍ يُؤمنُ أَنَّ القرآنَ كُلَّه كلامُ الله، وأَنَّ ما فيه من موافقاتٍ إِخبارٌ من اللهِ عن بعضِ ما قالَه الصحابةُ أَو فَعَلوه، وهذا عِلْمٌ معروفٌ بعِلْمِ \" أَسبابِ النزول \".\nوهو أَنْ تَقَعَ الحادثةُ، فتنزل الآيةُ عَقِبَها.\nوموافقاتُ عمرَ التي نَزَلَت الآياتُ مُقَرِّرَةً لكلامِ عمرَ واقتراحِه، تَدُلُّ على\nفَضْلِ ومنزلةِ وفطنةِ عمرَ - ﵁ -، بحيثُ يُنزلُ اللهُ الآيةَ في اعتمادِ كلامِهِ والأَخْذ ومن هذا البابِ ما \" حكاهُ \" القرآنُ في قصصِه، ونَسَبَهُ لأُناسٍ من السابقينَ، من كلماتٍ وأَقوالٍ وحِوارات، حيث نَقَلَ ما قالوه بلغاتِهم السابقةِ غيرِ العربية بلسانٍ عربيٍّ مبين!!.","vol":"1","page":275},{"text":"ولقد شَتَمَ الفادي المجرمُ القرآنَ والرسولَ - ﷺ - في عباراتٍ استفزازية، مثل قولِه: \" فَسَجَّلَ محمدٌ قولَ عمرَ في القرآن \"، وقولُه: \" فَسَجَّلَ محمّدٌ أَقوالَ عمرَ هذه بنَصها\"..\nوهو يَجزمُ في هذه العباراتِ بأَنَّ محمدًا - ﷺ - هو الذي صاغَ القرآنَ وأَلَّفَه، ونَقَلَ فيه من أَقوالِ الناس، ومنهم عمر بن الخطاب - ﵁ -!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>حول سور الخَلْع والحَفْد والنّورين</span>\nيَرى الفادي المفترِي أَنَّ المسلمينَ حَرَّفوا القرآن، وأَسقطوا منه بعضَ\nسُوَرِه، وأَنَّ بعضَ المسلمين أَلَّفَ بعضَ السورِ القرآنية، وهو بهذا يُكَذِّبُ آياتِ التحدي، التي قَرَّرَتْ أَن البَشَرَ لا يمكنُ أَنْ يأتوا بمثْلِ القرآن.\nقال: \" جاءَ في سورةِ البقرة: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) .\nوجاءَ في سورةِ يونس: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) .\nوجاءَ في سورة الإسراء: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . \"\nولم يُصَدِّق الفادي المفترِي مضمونَ آياتِ التحدي، وزَعَمَ أَنه تَمَّ الإِتْيانُ\nبسُوَرٍ مثلِ القرآن.\nقال: \" فماذا يَحدثُ لو أَنَّنا أَتينا بسورةٍ واثنتينِ وثلاثِ سُوَرٍ\nمثلِ القرآن، دونَ حاجةٍ إِلى اجتماعِ الإِنسِ والجِنِّ؟ \".\nوالسورُ الثلاثُ التي زَعَمَ الفادي المجرمُ أَنها مثْلُ القرآن، هي سور:\nالخَلْعِ والحَفْدِ والنُّورَيْن، وزَعَمَ أَنَّ سورتي الحَفْدِ والخَلْعِ كانتا في مصحفِ\nأُبَيّ بنِ كَعْب وابنِ عباس، وذَكَرَ كلماتِ السُّوَرِ الثلاث.","vol":"1","page":276},{"text":"ونَصُّ سورةِ الخلْعِ الذي ذَكَرَه هو: \" اللهمَّ إِنّا نَستعينُك ونَستغفرُك، ونُثْني\nعليكَ ولا نَكْفُرُك، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك \".\nونَصُّ سورةِ الحَفْدِ الذي ذَكَرَه هو: \" اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد، ولك نُصَلّي\nونَسجد، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد، نَرجو رحمتَك ونَخشى عَذابَك، إِنَّ عذابَك\nبالكفارِ مُلْحِق \".\nوعَلَّقَ على كلماتِ السورتَيْن المزعومتَيْن بقوله: \" ومعلومٌ أَنَّ سورتَي\nالخَلْعِ والحَفْدِ جاءَتا في مصحفِ أُبَيِّ بنِ كعب، وفي مصحفِ ابنِ عباس، وأَنَّ\nمحمدًا عَلَّمَهُما لعليّ بن أَبي طالب، الذي كان يُعَلِّمُهما للناس، وصَلّى بهما\nعمر بن الخطاب..\nفلماذا لا تُوجدَانِ في القرآن المتداوَلِ اليوم؟\nولماذا أَسْقَطَهُما المسلمون؟.. \".\nوهذا التعليقُ كَذِب وافتراء، ومَصاحفُ الصحابةِ الشخصيةُ لا تُخالفُ\nالمصحفَ الإِمامَ، الذي أَجمعَ عليه الصحابة، ولم يكنْ لأُبَيِّ بنِ كعبٍ، ولا\nلابْنِ عَبّاس ولا لابنِ مسعود - ﵃ - مصاحِفُ خاصَّة، فيها سورتا الخَلْعِ والحَفد، كما زَعَمَ الفادي المفترِي.\nوأَلْفاظُ سورتي الخَلْعِ والحَفْدِ التي سَجَّلَها الفادي الجاهلُ، كان عمرُ بنُ\nالخطاب - ﵁ - يَقرأ بها في الصلاةَ! وعَلَّمَها الرسولُ - ﷺ - عليًا، ليقرأَ بها في الصلاة!! نعم، هذا صحيح!! لكنْ ليسَ على أَنها من القرآن، وإِنما على أَنها دعاء لله.\nأَلفاظُ السورتَيْن المزعومتَيْن جزءٌ من دعاءِ القُنوت، كانَ رسولُ الله - ﷺ - يَدْعو به في الصلاة، وعَلَّمَه لعمرَ وعليٍّ وغيرهما من الصحابة - ﵃ -، وكانوا يَدْعونَ اللهَ به في الصلاة، وسمعَه منهم المسلمون، ورَوَوه عنهم، وذُكِرَ هذا في الكتب..\nوقَرَأَ قومُ الفادي من المستشرقين أَلْفاظَ هذا الدعاء، وأَنهم كانوا\nيَذْكُرونَه في الصلاة، فاعْتَبَروهُ من القرآنِ لجَهْلِهم وغَبائِهم!!.","vol":"1","page":277},{"text":"دُعاءُ القنوتِ الذي يَدْعو به المؤمنون في صلاةِ الفجر، وفي صلاةِ الوِتْر\nهو: \" اللهمَّ إِنّا نَستعينُك، ونَستهديك، ونَستغفرُك، ونَتوبُ إِليك، ونُؤمنُ بك، ونتوكَّلُ عليك، ونُثْني عليكَ الخيْرَ كُلَّه، نَشكُرُك ولا نَكفُرُك، ونَخلعُ ونَتركُ مَنْ يَفجرُك، اللهمَّ إِيّاك نَعْبُد، ولكَ نُصَلّي ونَسْجُد، وإِليكَ نَسْعى ونَحْفِد، نَرجو رَحْمَتَك، ونَخشى عَذأبَك، إِنَّ عذابَكَ الجِدَّ بالكُفّارِ مُلْحِق \".\nأَمّا كلماتُ سورةِ النورَيْن التي زعمَ المفْتري وقومُه أَنَّها من القرآنِ\nالمحذوفِ فإِنها كلماتٌ ركيكةٌ ضعيفة، لا تَرْقى إِلى مستوى الكلامِ العربيِّ\nالفَصيحِ البليغ، فَضْلًا عَنْ بُلوغِها مستوى القرآنِ العظيمِ المعجز، وهي كلماتٌ صاغَها قومٌ ضعفاءُ في التعبيرِ البيانيِّ المشرق!.\nوأَضَعُ بين يدي القراءِ كلماتِ هذه السورةِ المفتراة، وأَدْعوهم إِلى إِمعانِ\nالنظرِ فيها، ليَعْرِفوا صِدْقَ ما أَقول:\n\" بسم الله الرحمن الرحيم:\nيا أيها الذين آمَنوا: آمِنوا بالنورَيْن، أَنزلناهما، يَتْلُوان عليكم آياتي،\nويُحَذِّرانكم عذابَ يومٍ عظيم..\nنُورانِ بعضهما من بعض، وإِنّا لَسميعٌ عليم..\nإِنَّ الذين يعرفون بعَهْدِ اللهِ ورسوله في آياتٍ لهم جَناتُ النعيم..\nوالذين كفروا من بعدِ ما آمَنوا بنقْضهم ميثاقَهم وما عاهَدهم الرسولُ عليه يَقذفونَه في الجحيم..\nظَلموا أَنفسهم، وعَصوا الوحيَ الرسولَ أُولئك يُسقَوْنَ من حميم..\nإِن اللهَ الذي نَوَّرَ السماواتِ والأَرض بما شاء، واصطفى الملائكةَ والرسل،\nوجَعَلَ من المؤمنين أُولئكَ من خَلْقِه، يَفعلُ اللهُ ما يشاء، لا إِلَه إِلا هو\nالرحمنُ الرحيم..\nقد كفر الذين من قبلِهم برسلهم، فأَخَذْتُهم بمكْرِهم، إِنَّ\nأَخْذي أَليمٌ شديد..\nإِنَّ اللهَ قد أَهلكَ عادًا وثمود بما كَسَبوا، وجعَلَهم لكم\nتذكرة، أفلا تتقون..\nوفرعونُ بما طغى على موسى وأَخيه هارون أَغرقْتُه ومَنْ تَبِعَه أَجمعين..\nليكونَ لكم آية، وإِنَّ أَكثركم فاسقون..\nإِنَّ اللهَ يجَمعُهم يومَ الحشر فلا يَستطيعونَ الجوابَ حين يُسأَلون..\nإِنَّ الجحيم مأواهم، وإنَّ اللهَ حكيمٌ عليم..\nيا أَيها الرسولُ بَلّغْ إِنذاري فسوفَ يَعلمون..\nقد خَسِرَ الذين","vol":"1","page":278},{"text":"كانوا عن آياتي وحُكْمي مُعْرضين..\nمثل الذينَ يوفون بعهدِك إِني جزيتُهم\nجناتِ النَعيم..\nإِني لذو مغفرةٍ وأَجرٍ عظيم ... .\nوإِنَّ عليًّا لمن المتَّقين..\nوإِنّا لنُوَفِّه حَقَّه يومَ الدين..\nوما نحنُ عن ظُلْمِه بغافِلين..\nوكَرَّمْناهُ على أَهلِكَ أَجمعين..\nوإِنَّه وذريتَه لَصابرون..\nوإِنَّ عَدُوَّهم إِمامُ المجرمين..\nقل للذينَ كَفَروا بعدما آمَنوا: طَلَبْتُم زينةَ الحَياةِ\nالدنيا، واستعجَلْتُم بها، ونَسيتمُ ما وَعَدَكُم اللهُ ورسولُه، ونقضتمُ العهودَ من بعدِ توكيدِها، وقد ضرَبْنا لكم الأَمثالَ لعلكم تهتدون..\nيا أَيها الرسولُ: قد أَنزلْنا إِليكَ آياتٍ مُبَيِّنات، فيها مَنْ يَتَوَفَّهُ مُؤْمِنًا، ومَنْ يتوَلَّه من بعدِك يَظْهَرون..\nفأَعرضْ عنهم إِنهم مُعرضون..\nإِنّا لهم مُحَرّضون، في يوم لا يُغْني عنهم شيءٌ، ولا هم يُرْحَمون..\nإِنَّ لهم في جهنَّم مقامًا عنه لا يَعْدلون..\nفَسَبِّحْ باسمِ رَبِّك وكُنْ من الساجدين..\nولقد أَرسلْنا موسى وهارون، فبَغَوْا هارون، فصَبْرٌ جَميل، فجعلْنا منهم القِرَدَةَ والخَنازير، ولَعَنّاهم إلى يوم يُبْعَثون..\nفاصْبِرْ فسوفَ يُبْلون، ولقد آتينا بك الحُكْم، كالذينَ من قبلِك من المرسلين..\nوجعلْنا لك وَصِيًَّا منهم لعلَّهم يَرجعون..\nومَنْ يَتَولَّ عن أَمْري فإني مُرجعُه، فلْيتمتَّعوا بكفْرهم قليلًا، فلا تسأَلْنِ عن الناكثين..\nيا أَيها الرسولُ قد جعَلْنا لك في أَعناقِ الذين آمَنوا عهدًا، فَخُذْهُ وكُنْ من الشاكرين..\nإِنَّ عليًا قائمًا بالليلِ ساجِدًا، يَحذرُ الآخرةَ ويَرجو رحمةَ ربه.\nقل هل يَستوي الذين ظَلموا، وهم بِعذابي يعلمون..\nسيَجعلُ الأَغلالَ في أَعناقِهم، وهم على أَعمالِهم يندمون..\nإِنا بشرناك بذرية الصالحين..\nوإنهم لأمرنا لا يخلفون..\nفعليهم مني صلاة ورحمة، أَحياءً وأَمواتًا ويومَ يُبْعَثون..\nوعلى الذين يَبْغونَ عليهم من بعْدِك غَضَبي، إِنهم قومُ سوءٍ خاسرين..\nوعلى الذين سَلَكوا مَسْلَكَهم منّي\nرحمة وهم في الغُرُفات آمِنون..\nوالحمدُ لله ربّ العالمين.. آمين.. \".\nهذا هو النصُّ الركيكُ لسورة النّورَيْن، وقد تَعَمَّدْتُ أَنْ أَذكُرَه كما هو في\nكتابِ الفادي المفترِي، بأَخطائِه النحويةِ واللغوية، وأَدْعو القُرّاءَ إِلى الصبرِ","vol":"1","page":279},{"text":"على قراءتِه، ليعرفوا المستوى الهابط الذي انحدر إليه الذين كتبوه..\nوزعموا أنه وحي من الله، وأَنه كانَ في القرآن، ثم حَذَفَه منه المسلمون زَمَنَ\nعثمانَ - ﵁ -.\nولا وَجْهَ للمقارنةِ بينَ هذا الكلامِ وبينَ القرآن، لأَنه لا مُقارنَةَ\nبين الثّرى على الأَرْضِ والثُّرَيّا في السماء!!.\nوكم كان الفادي غَبِيًّا سَخيفًا عندما جَعَلَ عنوانَ كلامِه: \" سُوَرٌ مِثْلُه \"،\nوادَّعى أَنَّ هذا الكلامَ مِثْلُ القرآن! ولا أَتحرجُ من ذِكْرِ وتَسجيلِ ما زَعَمَه\nبعضهم من أَنَّه قرآن، وما ادَّعاهُ بعضُهم من القدرةِ على معارضةِ القرآنِ\nوالإِتيانِ بسوَرٍ مثلِه، ولا أَخافُ منه على القرآن.\nولدي قراءتِنا لكلامِهم التافهِ الذي كَتَبوه نَزْدادُ ثقةً بالقرآن، ومحبةً له، ويَقينًا بأَنَّه كلامُ الله، وعجز البشرِ الأَبَدِيِّ عن معارضتِه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>كيف يشاء الله الكفر</span>؟\nاعترضَ الفادي المفترِي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) .\nونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلامًا، خُلاصتُه: \" (وَمَا يَكُونُ لَنَا): ما يَصِحّ\nلَنا (أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا) خِذلانَنا وارْتِدادَنا..\nوفيه دليلٌ على أَنَّ الكفرَ بمشيئةِ الله! \".\nوسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤلَه قائلًا: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يَشاءُ اللهُ الكفر،\nوهو أَكبرُ المعاصي؟!\nوهل يتفقُ هذا معَ قداسةِ اللهِ وصَلاحِه وعَدْلِه؟\nأَليسَ الأَوفقُ والأَكرمُ لمجدِ اللهِ أَنْ نعتقدَ بقولِ التوراةِ وقولِ الإِنجيل: اللهُ يُريدُ أَنَّ جميعَ الناس يُخْلِصون، وإِلى معرفةِ الحَقِّ يُقْبِلون \".","vol":"1","page":280},{"text":"الآيةُ التي اعترضَ - عليها المفترِي ضمنَ آياتٍ تتحدثُ عن قصةِ\nشعيبٍ - ﵇ - مع قومِه، وتُسَجِّلُ رَدَّ شعيبِ على تهديدِ قومِه الكافرين له ولأَتْباعِه المؤمنين، بإِخراجِهم من قريتِهم إِنْ لمَ يَعودوا في مِلَّتِهم.\nقال تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) .\nأَخبرَ شعيبٌ - ﵇ - قومَه بأَنه لنْ يعودَ هو وأَتباعُه المؤمنون في ملَّتِهم الكافرة، وأَنه لا يكونُ ولا يَنْبَغي له ولأتْباعِه المؤمنين أَنْ يَعودوا إلى الكفر بعدَ أنْ نَجَّاهم الله منه، ومَنَّ عليهم بالإِيمان.\nثم رَبَطَ شعيب - ﵇ - الأَمْرَ بمشيئةِ الله: (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا) .\nوالمعنى: نحنُ قَرَّرْنا أَنْ لا نعودَ في ملَّتِكم، لكن لا نَدري ما الذي\nيَشاؤُه اللهُ ويُريدُه، فإِنْ شاءَ خِذْلانَنا ورِدَّتَنا فإِنَّ مشيئَتَه نافذةٌ ماضية.\nوالمصْدَرُ \" أَنْ يشاءَ اللهُ ربُّنا \" في محلِّ نصب مستثنى، والاستثناءُ هنا\nمنفصل، غيرُ مرتبط مع ما قَبْلَه، والمفعولُ به لفعل \" يشاء \" محذوف، تقديرُه: يَشاءُ اللهُ ربّنا عودَتَنا.\nوتقديرُ الاستثناء: ما يكونُ لنا أَنْ نعوَد فيها إِلا مشيئة ربِّنا ذلك.\nوحكمةُ ذكْرِ الاستثناءِ هنا، رَبْطُ كُلِّ شيء بمشيئةِ اللهِ وإِرادتِه، وعلمه\nوقَدَرِه وقَضائِه، وبيانُ أَنَّ مشيئةَ الله هي النافذة، وأَنَّ إِرادتَه هي الماضية، وأَنه إِذا أَرادَ شيئًا أَوجَده كما أَراد، وأَنَّه لن يَقَعَ شيءٌ في الوجودِ كُلِّه إِلا بمشيئتِهِ سبحانَه وإِرادتِه.\nوهذا معناه أَنْ يُسَلِّمَ المؤمنُ أَمْرَهُ إِلى الله، وأَنْ يحسنَ التوكلَ\nعليه، والتفويضَ إِليه، والرضا بقدرِه!.\nوخاطَبَ إِبراهيمُ - ﵇ - قومَه بكلامٍ قَريب مما خاطَبَ به شعيبٌ - ﵇ - قومَه","vol":"1","page":281},{"text":"قال تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) .\nفبعدَ أَنْ واجَهَهم بعدمِ خوفِه مِنهم ومِن آلهتِهم، رَبَطَ الأَمْرَ بمشيئةِ الله،\nوالمعنى: أَنا لا أَخافُ آلهتَكم لأَنها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، فإِنْ شاءَ اللهُ رَبّي أَنْ\nتَضُرَّني، وَقَعَ الضُّرُّ بي، لأَنَّ اللهَ شاءَ ذلك، وليس لأَنها هي تَضُرُّ، فهي سببٌ في هذه الحالة، والمسَبِّبُ والمقَدِّرُ هو الله!!.\nولم يَفْهَم الفادي الجاهلُ معنى إِرادةِ اللهِ ومشيئتِه، وادَّعى أَنَّ اللهَ لا يَشاءُ\nالكفر! وهذا ادِّعاءٌ كبير، وخَطَأٌ فادح!.\nإِذا كانَ اللهُ لا يَشاءُ الكفر، فمعنى ذلك أَنَّ الكفارَ يَكْفُرون رَغْمًا عن الله،\nوهذا يَقودُ إِلى إثباتِ العجزِ لله، لأَنه لا يَستطيعُ مَنْعَ كُفْر الكفار، وأَنَهُ تَحدثُ في مُلْكِه أَشياءُ بدونِ إِذْنِه!! وهذا اتِّهامٌ للهِ بالنقصِ والضَّعفِ والعَجْز!!.\nولا إِشكالَ في قولِنا: الكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ الله، واللهُ هو الذي يَشاءُ\nالكفر، لأَنه لا يَقعُ شيءٌ في الوجودِ بدونِ إِذْنِ اللهِ وإِرادتِه ومشيئتِه سبحانه، ومَنْ هو ذلك الشخصُ المخلوقُ القادرُ على تعجيزِ الله؟!.\nومشيئةُ اللهِ كُفْرَ الكافرِ تَعْني عِلْمَه بأَنه سيكفُرُ، وإِرادَتَه في أَنْ يَكْفُر، ولو\nلم يُرِدْ ذلك لَمَنَعَ الكافرَ من الكفر، ومَنَعَ العاصي من المعصية.\nولا يَعْني هذا أَنَ اللهَ يَرضى ذلك الكفر، ويحبُّ الكافرَ عندما يكفر،\nفإِنَّ اللهَ لا يَرضى ذلك، ولا يُحِبه، وقد نَهى الكافِرَ عنه، وهَدَّدَه بالعذاب، وسيحاسِبُه ويعاقِبُه ويُعَذِّبُه.\nومعنى هذا أَنَّ مشيئةَ اللهِ وإِرادتَه نوعان:\nالأَول: مشيئةٌ كونيَّة: وهي مشيئَةٌ تَقومُ على مجردِ العِلْم، وهي المتعلقةُ\nبكفرِ الكافرِ، ومعصيةِ العاصي..\nفاللهُ شاءَ ذلك الكفرَ وأَرادَه، بمعنى أَنه عَلِمَه، لكنَه لا يرضى ذلك ولا يَقْبَلُه، وقد نَهى عنه وحَذَّر منه، وتَوَعَّدَ فاعِلَه بالعذاب.","vol":"1","page":282},{"text":"الثاني: مشيئة شرعية: وهي تقومُ على العِلْمِ أَوَّلًا، ثم يَنتجُ عنها الرضا\nوالمحبة، وهي المتعلقةُ بإِيمانِ المؤمنِ وعبادتِه لله وطاعتِه له.\nفاللهُ شاءَ إِيمانَ المؤمن وعبادتَه، بمعنى أَنَّه عَلِمَ أَنَّه سيؤمن، وقَدَّرَ له أَنْ يُؤمن، وأَرادَ له أَنْ يُؤمن، وأَعانَه على أَنْ يُؤمن، ورضيَ له أَنْ يُؤمن ...\nولَمّا آمَنَ المؤمنُ أَحَبَّهُ الله، وأَثابَه على إِيمانِه، وأَعطاهُ على ذلك الأَجْرَ والثواب!.\nوالقرآنُ صَريحٌ في حديثِه عن هاتَيْن المشيئَتَيْن، وذَكَرَ ذلك في آياتٍ\nعديدة، نكتفي منها بقولِ اللهِ (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) .\nوبهذا نعرفُ أَنَّه لا مَحْذورَ في الحديثِ عن مشيئةِ الله، وتَقْريرِ أَنه يَشاءُ\nالكفر، بالمعنى الذي وَضَّحْناه، وإِنما المحذورُ في نفيِ ذلك عن الله، لأَنه\nيُؤَدّي إِلى إثباتِ العَجْزِ والضعفِ لله، وهو ما يُؤَدّي إِليهِ كلامُ الفادي الجاهل!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>الله يبتلي عباده بالخير والشر</span>\nتحدثَتْ آياتُ سورةِ الأَعراف عن قصةِ أَصحابِ السبت، وهم سُكّانُ قريةٍ\nمن اليهود، نَهاهم اللهُ عن صيدِ الأَسْماكِ يومَ السبت، فتَحَايَلُوا على ذلك،\nوارْتَكَبوا المحْذور، ولم يَسْتَجيبوا للنّاصحين الذين نَصحوهم ونَهوهم عن\nذلك، فعاقَبَهم اللهُ بأَنْ مَسَخَهم قردةً خاسِئين، وأَنجى الدعاةَ الذين نَهوهم عن ارتكابِ ما حَرَّمَ الله!.\nومما قالَهُ اللهُ عن أَصحابِ السبت: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) .\nتُخبرُ الآيةُ أَنَّ اللهَ ابْتَلى أَصحابَ القرية، فَوَجَّهَ الأَسماكَ والحيتانَ إِليهم","vol":"1","page":283},{"text":"يومَ السبت، الذي حُرِّمَ عليهم صَيْدُها فيه، حيث كانت تأتيهم على وجْهِ\nالماء، وكأَنها شُرَّعٌ تَسيرُ على وَجْهِ الماء، وفي باقي الأَيامِ كانت لا تَأتيهم،\nوكانوا يُتْعِبونَ أَنفسَهم في البحثِ عنها في البحرِ لصيْدِها.\nواعترضَ الفادي على الآية، وخَطَّأَها، واعتبرها لا تتفقُ مع عَدْلِ الله.\nقال: \" ومعنى هذا أَنَّ اللهَ أَوصى بني إِسرائيل أَنْ يسْتَريحوا من أَعمالِهم للعبادةِ يومَ السبت، وجَعَلَ الحيتانَ تأتي ظاهرةً يَوْمَ السبت، لإِغرائِهم بصيدها، وتَخْتَفي باقىِ أَيام الأُسبوع ...\nفكيف نتصوَّرُ إِلهًا يُجَرِّبُ عبادَه بالشُّرور، ويُسَهِّلُ لهم العصيان بإِظهار الحيتانِ يومَ السبت؟..\nمع أَنَّ الإِنجيلَ يَقول: لا يَقُلْ أَحَدٌ إِذا جُرِّبَ إِني أُجَربُ من قِبَلِ الله، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرِّبٍ بالشّرور، وهو لا يُجَرِّبُ أَحَدًا، ولكن كلُّ واحِدٍ يُجَرَّبُ إِذا انْجَذَبَ وانْخَدَعَ من شهوتِه \".\nيَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ اللهَ لا يَبْتَليَ عبادَه ولا يَمتحنُهم ولا يُجَرِّبُهم،\nلأَنَّ هذا لا يتفقُ مع عَدْلِه، أَيْ كيفَ يُقَدِّمُ لهم الشرورَ والمغرياتِ، ويُسَهِّلُ\nلهم الحصولَ عليها، ثم يمنَعُهم منها ويُحَرِّمُها عليهم؟!.\nواعتراضه مرفوض، وكلامُه مردود، فاللهُ خَلَقَ عبادَه وكَلَّفَهم بالتكاليف،\nوذلك ليبتَلِيَهم ويمنحِنَهم، ويُجَرِّبَهم ويَختبرَهم، فالتكاليفُ والشرائعُ ابتلاءٌ\nمن اللهِ لعبادِه..\nقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .\nواللهُ يَبْتَلِي عبادَه بالخير، كما يَبْتَليهم بالشَّرِّ، ليَميزَ الخبيثَ من الطَّيِّب.\nفالمؤمنُ يشكرُ اللهَ عند الخير والسّرّاء، ويَصبرُ عندَ الشَّرِّ والضرّاء، وبذلكَ\nينجحُ في هذا الابتلاءِ والاختبار.\nأَمّا الكافرُ والفاسقُ فإِنه يَطْغى عندَ الخَيْرِ والنعمة.\nويَيْأَسُ عند الشَّرّ والمصيبة، وبذلك يَخسرُ ويَرسبُ في الابتلاءِ\nوالامتحان.\nقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .","vol":"1","page":284},{"text":"على ضوءِ هذه الآيةِ نَعرفُ ابتلاءَ أَهْلِ القرية، حيثُ امتَحَنَهم بعدمِ صَيْدِ\nالحيتان يوم السبت، ومبالغةً في الابتلاءِ كان يَسوقُ إِليهم الأَسماكَ والحيتانَ\nفي يومِ السبت، وكانت هذه الحيتانُ لا تأْتيهم في باقي أَيام الأُسبوع.\nورسب معظم أَصحابِ القريةِ في الامتحان، حيث تَحايَلوا على\nحُكْمِ الله، وارْتَكَبوا ما حَرَّمَ الله.\nوكما ابْتَلى اللهُ بني إِسرائيلَ بالتكليف، ومَنَعَهم من الصيدِ يومَ السبت،\nابْتَلى اللهُ المؤمنين، ومَنَعَهم من صَيْدِ البَرِّ أَثناءَ إِحرامِهم بالحَجِّ أَو العمرة.\nقال تعالى.\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) .\nفاللهُ قَرَّبَ الصيدَ للمسلمين المُحْرِمين، كما قَرَّبَ الحيتانَ لليهودِ من\nأَصحابِ القرية، وعَبَّرَت الآيةُ عن هذا التقريب: (تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ) .\nوقد نجحَ المسلمونَ في هذا الابتلاءِ والامتحان، والْتَزموا بحُكْمِ الله.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>حديثُ القرآن عن المسيح - ﵇ </span>-\nتحدَّثَ القرآنُ عن المسيح عيسى ابنِ مريمَ - ﵇ - كما تَحَدَّثَ عن غيرِه من الرسل، وكان حَديثُه عن أُولي العزمِ من الرسلِ أَكثرَ من حديثِه عن غيرِهم.\nوأُولو العزمِ من الرسلِ خمسةٌ هم: نوحٌ وإِبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ،\nعليهم الصلاةُ والسلام.\nوقد كَذَبَ الفادي المفترِي عندما قالَ: \" إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن\nالمسيحِ يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البَشَر، بمنْ فيهم محمدٌ - ﷺ - أَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشر؟\nوهذا ما يقولُه الإِنْجيلُ عن لاهوتِ المسيح \".","vol":"1","page":285},{"text":"إِنَّ ما ذَكَرَهُ القرآنُ عن محمدٍ - ﷺ - أَكثرُ مما ذَكَرَه عن عيسى - ﵇ -، وكذلك ما ذَكَرَهُ عن إِبراهيمَ وموسى - ﵉ - أَكثرُ مما ذَكَرَهُ عنه.\nأولًا: مثل عيسى كمثل آدم:\nأَخْبَرَ اللهُ أَنَّ مَثَلَ عيسى كَمَثَلِ آدم - ﵇ -.\nقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .\nخَلَقَ اللهُ آدمَ - ﵇ - من تراب، ثم نَفَخَ فيه من روحِه، وقالَ له: كُنْ إِنسانًا حَيًّا، فكانَ إِنْسانًا حَيًّا..\nوهكذا عيسى - ﵇ -، أَرادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَبٍ، فأَمَرَ\nجبريلَ - ﵇ - أَنْ يَنفخَ روحَه في مريم - ﵍ - فَفَعَل، وقالَ الله لعيسى: كُنْ إِنسانًا حَيًّا في رَحِمِ مريم، فكانَ كما أَرادَ الله.\nفلا غَرابةَ في خَلْقِ عيسى - ﵇ - بدونِ أَبٍ، كما أَنه لا غَرابةَ في خَلْقِ آدمَ بدونِ أَبٍ أَو أُمّ.\nولكنَّ هذا الكلامَ لم يُعْجب الفادي المفترِي، ولذلك اعترضَ على الآيةِ\nبقولِه: \" ونحنُ نَقولُ: إِنَّ آدَمَ مِثْلُ المسيحِ في أَنه أَبو الجِنْسِ البشريِّ ووكِيلُه\nونائبُه، ولكنَّ آدمَ بمعصيتِه جَرَّ ذريتَه جَميعًا للهَلاك.\nأَمّا المسيحُ فهو أَبٌ ووكيلٌ ونائبٌ جَديدٌ للمؤمنين به، الذين مَنَحَتْهُم كفارتُه وعملُه النيابيُّ وطاعتُه خلاصَهم، ولهذا قالَ الإِنجيل: آدمُ الذي هو مِثالُ الآتي \".\nأَمّا أَنَّ آدمَ - ﵇ - أَبو البشر فهذا متفقٌ عليه، لأَنه أَوَّلُ مخلوقٍ من البشر.\nوأَمّا أَنّ عيسى المسيحَ - ﵇ - أَبو البشرِ فهو أَمْرٌ مَرْفوض، لأَنه وُلدَ بعدَ آدمَ بفترةٍ طويلة، تَزيدُ عن مئاتِ الآلافِ من السنين.\nولقد كانَ الفادي وأَهْلُ ملَّتِه مُغالين مُبالغين عندما اعْتَبَروا عيسى - ﵇ - أَبًا للبشر، ووكيلَهم ونائبًا عنهم، لدرجةِ أَنْ\nفَداهم بنفسِه، وجَعَلَ دَمَه كفارةً لذُنوبهم، وتَخْليصًا لهم!! وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي في موضوعِ الكفارةِ والفداءِ والخلاص.\nويُخَطِّئُ الفادي الآيةَ، لأَنها شَبَّهَتْ عيسى - ﵇ - بآدمَ: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .\nفهو يَرى أَنَّ خَلْقَ","vol":"1","page":286},{"text":"عيسى ليسَ كخلْقِ آدم، قال: \" أَمّا تَشبيهُ المسيح بآدَم، بما يُفيدُ أَنَّ المسيحَ\nمخلون كآدمَ بأَمْرِ الله، فهذا خَطَأ..\nلأَنَّ المسيحَ ليس بكائِنٍ من كلمةِ الله، بل هو ذاتُه كلمةُ اللهِ الأَزليّ، الذي تَجَسَّدَ من مريمَ العذراء، وظَهَرَ بينَ الناسِ ليخلَصَهم.. \".\nيَرى الفادي أَنَ آدمَ - ﵇ - خُلِقَ بكلمةٍ من الله، وكُلُّ بَشَرٍ خُلِقَ بكلمةٍ من الله، إِلّا المسيحُ - ﵇ -، فإِنه ليسَ مَخْلوقًا بكلمةٍ من الله، وإِنما هو كلمةُ اللهِ ذاتُها، التي يَخْلُقُ بها الناس، وهي كلمةٌ أَزليةٌ غيرُ مَخلوقة، وَجَّهَها الله ُ إِلى مريم، وتجسَّدَتْ هذه الكلمةُ في عيسى!!.\nومعنى هذا الكلامِ أَنَّ عيسى ليسَ مخلوقًا، وإِنما هو أَزَليّ، والأَزَلِيُّ\nهو الله، لأَنَّ كُلَّ ما سوى اللهِ مَخْلوق، فإِنْ لم يكنْ عيسى مخلوقًا، وإِنْ كانَ أَزَلِيًّا، فسيكونُ إِلهًا، لأَنَّ الموجودَ إِمّا أَنْ يكونَ مَخلوقًا حادِثًا، وإِمّا أَنْ يَكونَ أَزَليًّا خالِقًا، فإِنْ لم يكنْ مَخْلوقًا حادِثًا كان أَزَلِيًّا خالقًا!!.\nإِنَّ جملةَ الفادي السابقةَ تأليه منه لعيسى - ﵇ -.\nوقد أَدانَ اللهُ الذين أَلّهوا عيسى - ﵇ - وكفَّرَهم، وذلكَ في قولِه تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) .\nثانيًا: وضوح حديث القرآن عن المسيح:\nكانَ القرآن واضحًا صريحًا في تقريرِه خَلْقَ عيسى كخلقِ آدمَ - ﵇ -، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بينَهما أَنَ كُلًّا منهما خُلِقَ بكلمةِ اللهِ الأَزلية، التي خَلَقَ بها باقي المخلوقين، وهي كلمةُ \" كُنْ \" التكوينية: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .\nورغْمَ تقريرِ القرآنِ الواضحِ بشأنِ خَلْقِ عيسى - ﵇ -، وأَنه عبدُ اللهِ ورسولُه، إِلَّا أَنَّ الفادي اتَّهَمَهُ بالتناقض.\nقال: \" ويقولُ القرآنُ في المسيحِ","vol":"1","page":287},{"text":"كَلامًا متناقضًا.\nتقولُ سورةُ المائدة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) .\nوَوَرَدَ في سورةِ الزخرف: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) .\nوفي الوقْتِ نفسِهِ توجَدُ آياتٌ أُخرى تُشيرُ إِلى لاهوتِ المسيح، كشخصٍ\nغريبٍ وعَجيب بين البشر، وتُعطيهِ أَعظمَ الأَلْقاب، التي لم تُعْطَ في القرآنِ\nلغيره \".\nإِنّ الفادي يَفتري على القرآن عندما يَتهمُه بالتناقضِ في حديثِه عن\nعيسى - ﵇ -، وهو الذي لم يُحْسِنْ فهمَ حديثِ القرآن!.\nومن أَرادَ أَنْ يَعرفَ حديثَ القرآن عن عيسى - ﵇ -، وأَنْ يَتَعَرَّفَ على شخصيتِه من خلالِ القرآن، فعليهِ أَنْ يَجمعَ الآياتِ التي تحدثَتْ عنه من مختلفِ السُّور، وأَنْ يَنظرَ فيها مجتمعة، وأَنْ يَجمعَ بينها، ويستخرجَ دلالتَها.\nومعلومٌ أَنه لا تَعارُضَ ولا تَناقُضَ في آياتِ القرآن.\nعيسى - ﵇ - خَلَقَهُ اللهُ بدونِ أَب: وخَلَقَ روحَه بكلمتِه التكوينية، \" كُنْ \"، وأَمَرَ جبريلَ أَنْ يَحملَ روحَه المخلوقَة، وأَنْ يَتَوَجَّهَ إِلى مريمَ العذراء، وأَنْ يَنفخَ تلك الروحَ فيها، فحملَتْ مريمُ بعيسى بأَمْر الله، وكانَ حملَ معجزةٍ بأَمْرِ الله، وبعدَ ولادةِ عيسى بلحظاتٍ كَلَّمَ أُمَّه، وبعدَ ذلك كَلَّمَ قومَها، فهو عبدُ اللهِ ورسولُه، وهو كلمتُه التكوينيةُ \" كُنْ \"، والروحُ التي فيه روحٌ من عندِ الله، وهو خَيْرُ مَنْ يُقَدِّمُ نفسَه، عندما كَلَّمَ قومَ أُمَّه بعدَ ميلادِه.\nقال تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .\nوقد وَقَفَ الفادي أَمامَ كلماتٍ قرآنيةٍ وَرَدَتْ في حديثِ القرآنِ عن","vol":"1","page":288},{"text":"عيسى - ﵇ -، واستشهدَ بها على عقيدةِ أَهْلِ مِلَّتِه في المسيح، وحَرَّفَ مَعْناها ودلالتَها، وهذه الكلماتُ هي:\n١ - المسيح كلمة الله:\nذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى - ﵇ - كلمةُ الله.\nقال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) .\nوقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) .\nوفهمَ الفادي الآيتين فَهْمًا خاطئًا، قال: \" كلمةُ اللهِ: هذا الاسْمُ الكريمُ\nلا يَصِحُّ أَنْ يُسَمّى به مخلوق، فهو خاصّ بالمسيح، انفردَ به عن سائرِ البشرِ\nوالملائكة \".\nيُصَرخُ الفادي بأَنَّ عيسى ليس مخلوقًا، لأَنه سُمِّيَ باسمٍ لا يُطْلَقُ على\nالمخلوقين، فلا يَجوزُ لأَيِّ مخلوقٍ من البشر والملائكةِ أَنْ يُسَمّى \" كلمةَ الله \"، وبما أَنَّ المسيحَ سُمِّيَ كلمةَ الله، فهذا يَعني أَنه ليسَ مخلوقًا، وإِذا لم يكنْ\nمَخْلوقًا كان خالِقًا، لأَنَّ الموجودَ إِنْ لم يكنْ مَخْلوقًا كان خالِقًا، وهذا يؤكِّدُ\nإِيمانَ الفادي وأَهْلِ مِلَّتِه بأَلوهيةِ عيسى وأَزليتِه!.\nوزعْمُهُ أَنَّ \" كلمةَ الله \" لم تُطلقْ على غيرِ المسيح في القرآنِ كَذبٌ\nوافتراء، وهو يَعلمُ أَنه كاذبٌ مفترٍ، لأَنه يَعلمُ أَنَّ \" كلمةَ الله \" في القرآنِ أُطلِقَتْ على غير المسيح.\nذُكِرَتْ \" كلمةُ الله \" في مقابلِ \" كلمةِ الذين كفروا \"، وذلكَ في سياقِ الحديثِ عن نصرِ اللهِ رسولَه محمدًا - ﷺ - في رحلةِ الهجرة.\nقال تعالى: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) .","vol":"1","page":289},{"text":"كلمةُ الكفار: هي رغبتُهم وإِرادتُهم في محاربةِ الحَقِّ والقضاءِ عليه.\nوكلمةُ اللهِ: هي إِرادةُ اللهِ فى نَصْرِ الحَق وهزيمةِ الباطل، وسُميتْ إِرادَتُه\nسبحانه \" كلمة \"، لأَنها أَمْرٌ من اللهِ - ﷿ -، حيثُ يأمرُ بإنفاذِ قدرتِه وإرادتِه، وتحقيقِ علمه، فيكونُ ما أَرادَه سبحانه وأَمَرَ به.\nقال تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) .\nوقال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)، وكلمةُ رَبّك: هي إِرادَتُه وأَمْرُه بنَصرِ بني إِسرائيل وإِهلاكِ أَعدائِهم.\nفعبارةُ \" كلمةِ الله \" ليستْ خاصةً بالمسيحِ - ﵇ -، إِنما أُطلقَتْ في القرآن على عيسى وعلى غيره.\nومعنى كون عيسى - ﵇ - كلمةَ الله: أَنَّ اللهَ أَرادَ أَنْ يَجعلَ خَلْقَه معجزةً، عن غيرِ طريقةِ الخَلْقِ المعروفةِ المألوفة، عن طريقِ التزاوجِ والاتِّصالِ\nوالمعاشرةِ والإِخصاب! فأَنْفَذَ إِرادَتَه وخَلَقَ عيسى في رَحِمِ مريمَ العذراء.\nوكان خَلْقُه بكلمتِه التكوينيةِ التنجيزية، التي تُحَوّلُ إِرادةَ اللهِ من صورتِها العلميةِ النظريةِ إِلى صورتِها العمليةِ الحادثة، التي تَمَّ بها إِيجادُ عيسى - ﵇ -!.\nوفَرْقٌ بينَ إِخبارِ القرآنِ أَنَ عيسى كلمةُ (الله)، أَيْ أَنَّه خُلِقَ بكلمةِ اللهِ\nوإِرادتِه، وبين كَلامِ الإِنجيلِ المحَرَّفِ أَنه كلمةُ الله: \" في البدءِ كان الكلمة،\nوالكلمةُ كانَ عندَ الله، وكانَ الكلمةُ الله، هذا كانَ في البدءِ عندَ الله! \".\nفالمسيحُ كلمةُ الله، أَيْ أَنه هو الله! كما سَبَقَ أَنْ صَرَّحَ الفادي بذلك، لأَنَّهُ\nيعَتقدُ أَنَ الكلمةَ ليستْ مخلوقة، وإِنما هي أَزليةٌ مثلُ الله، ملازِمَةٌ لله، لا\nتنفصلُ عن الله، وهذا هو الكفرُ الصريح.\nوقد قاس الفادى الجاهلُ كلمةَ اللهِ على كلمةِ الإِنسان، فقال: \" ولقد سُمّيَ المسيحُ كلمةَ الله، لأَنَّ كلمةَ الإِنسانِ هي منه، ومن مقوماتِ شخصيتِه، فهي صورةُ عَقْلِه وفِكْرِه، والمترجمةُ له، والمنفذةُ لسلطانِه وقوَّتِه..\nفالمسيحُ هو ذاتُ كلمةِ الله، وهذا يُثبتُ لاهوتَه،","vol":"1","page":290},{"text":"لأَنَّ كلمةَ الله من اللهِ وفي اللهِ منذ الأَزل.\nوهل يُمكنُ أَنْ يكونَ قد مَرَّ وَقْتٌ على الله كان فيه بلا كلمة؟ \".\nكلمةُ اللهِ في نظرِ الفادي وأَهْلِ ملته أَزَلِيَّةٌ ملازمةٌ لله، وهي اللهُ نفسُه:\n\" وكانَ الكلمةُ الله \" كما وردَ في إِنجيلِ يوحَنّا، وبما أَنَّ عيسى كلمةُ الله فهو أَزليّ مثلُ الله، وليسَ مخلوقًا مثلُ المخلوقاتِ التي خَلَقَها الله..\nوبما أَنَّ المسيحَ هو كلمةُ الله، وبما أَنَّ الكلمةَ هي الله، فإِنَّ المسيحَ هو الله!! وهذا ما يؤمنُ به الفادي وقومُه! وهذا هو كفر النصارى الذي أَدانهم اللهُ به، في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) .\n٢ - المسيح روح من الله:\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ المسيحَ عيسى ابنَ مريمَ - ﵇ - روحٌ من الله.\nقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) .\nوَوَقَفَ الفادي المفترِي الخبيثُ أَمامَ الآية، واستدلَّ بها على عقيدتِه\nالباطلة! قال: \" لم تكتفِ الآية ُ بنْعتِ المسيحِ بالرسالة، بل شهدَتْ أَنه كلمةُ الله.\nولكي لا نتوهَّمَ خلافَ المقصودِ باللفظِ \" كلمةُ الله \"، أَتْبَعَها بما يُزيلُ الشّكّ، وهو \" وروحٌ منه \"، لنفهمَ أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عادي، بل ابنٌ مرسَلٌ من أَبيه إِلى عالمِ الدُّنيا، كأَشعةِ الشمسِ المنبعثةِ إِلى الأَرضِ من الشمس!!\nوما الفرقُ بين القول: إِنَّ المسيحَ نورٌ من نورِ إلهٍ حَقٍّ من إِله حق، والقول:\nروحُ الله، أَو: روحٌ من الله؟\nأَليسَ أَنَّه من ذاتِ اللهِ ومن جَوْهَرِه؟ \".\nيُؤَكِّدُ الفادي على فكرتِه الباطلةِ وعقيدتِه المخالفةِ للحق، التي تقومُ على\nأَنَّ المسيحَ جزءٌ ماديّ من ذاتِ اللهِ المادية!!.\nإِنه يرى أَنَّ المسيحَ ليس مجردَ رسولٍ عاديٍّ! ومعنى هذا أَنه ليسَ رسولًا\nبَشَرًا، كباقي الرسلِ البشر!.","vol":"1","page":291},{"text":"وهذا كلامٌ مرفوضٌ مردود؟\nفعيسى - ﵇ - رسول عاديّ كباقي الرسل، كلُّ\nما في الأَمْرِ أَنَّ اللهَ الحكيمَ خَلَقَه بدونِ أَب، وأَنطَقَه وهو في المهد، وهو في\nهذا يَختلفُ عن باقي الرسل، وفي ما سوى ذلك هو رسول عاديٌّ كباقي\nالرسل..\nوشَبَّهَ القرآنُ خَلْقَ عيسى بخْلقِ آدم - ﵇ -، ليُزيلَ استغرابَ النصارى من خَلْقِه بدون أَب.\nقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) .\nونَظرةُ الفادي إِلى المسيحِ - ﵇ - نظرة باطلة، إِنّه يرى أَنه \" ابنٌ مرسَل من أَبيه إِلى عالمِ الدنيا \".\nأَي أَنه ابْنُ الله، واللهُ أَبوه هو الذي أَرْسَلَه إِلى الدنيا!!\nوهذا هو الكفرُ والشركُ بالله! وقد نفى القرآنُ أَنْ يكونَ لله وَلَدٌ.\nقال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) .\nوقال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) .\nصلةُ عيسى باللهِ عندَ الفادي كصِلَةِ أَشعةِ الشمسِ بالشمسِ! وانظرْ ما\nأَسْخَفَ هذا التشبيه، وما أَجهلَ مَنْ ذَكَرَه! أَينَ الشمسُ وأَشعتُها من اللهِ ورسولِه عيسى - ﵇ -؟\nالشمسُ كوكبٌ مخلوق مرئيٌّ في السماء، إِننا نرى الشمسَ\nالمخلوقةَ بعيونِنا، ونرى أَشعَّتَها المنبعثةَ منها.\nوفردقٌ بين الشمسِ المخلوقة، وبينَ اللهِ الذي خلَقَها، إِن اللهَ لا يُمكنُ أَنْ يُرى بالعينِ المجردةِ في الدنيا، كما تُرى الشمسُ! وفَرْقٌ بينَ عيسى الذي خَلَقَه الله، وبينَ أَشعةِ الشمسِ المتولدِة عنها والمنبعثةِ منها! لأَنَّ هذه الأَشعةَ منفصلة عن الشمس انفصالًا ماديًّا مُشاهدًا، فهل انفصلَ عيسى عن اللهِ انفصال الجزءِ الصغيرِ من الكُل الكبير؟.\nإِنّ الفادي الكافرَ يرى أَنَّ عيسى انفصلَ عن اللهِ انفصال الجزءِ عن\nالكُلِّ! لأَنَّه جُزْءٌ ماديٌّ صَغيرٌ من ذاتِ اللهِ الكبيرة! قال: \" أَليسَ أَنه من ذاتِ اللهِ ومن جوهرِه \" فهو يؤمنُ أَنَّ للهِ ذاتًا مادية، وجَوْهَرًا وجوديًّا، يُمكنُ أَنْ يُحصَرَ وُيجَسَّمَ ويُحَدَّدَ، ويُمكنُ أَنْ يَنفصلَ عنه جزءٌ صغير، فيه روحٌ وحياة، اسْمُه المسيح.","vol":"1","page":292},{"text":"وهذا كُفْرٌ بالله، وتجسيم وتَحديدٌ له، وتَجزئةٌ وتَقسيم له، وفَصلُ جُزْءٍ\nمنْه عَنْه!.\nولقد كانت الآيةُ دقيقةً في الإخبارِ عن المسيحِ - ﵇ -: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) .\nوتكلَّمْنا عن معنى كون عيسى - ﵇ - كلمةً في المسألةِ السابقة، ونُبَيّنَ هنا معنى قولِه تعالى: (وَرُوحٌ مِنْهُ): فقد وَصَفَ اللهُ عيسى - ﵇ - بأنه روحٌ من الله.\nوفَرْق بعيد بين قولِه: روحٌ من الله، وقوله: روحُ الله.\nلو قالَ: إِنه روحُ الله لكانَ المعنى أَنَّ لله روحًا مادية، كانَتْ فيه،\nموجودةً داخِلَه، كما توجَد روحُ أَحَدِنا في كيانِه، ثم أَخرجَ اللهُ روحَه من\nداخلِه وجَعَلَها عيسى، وهذا الكلامُ لا يَقولُه عاقل!.\nعيسى - ﵇ - \"روحٌ من الله\".\nأَيْ خَلَقَ اللهُ روحَ عيسى - ﵇ -، كما يَخلقُ روحَ أَيِّ إِنسانٍ آخَر، وهذا معناهُ أَنَّ هذه الروحَ غيرُ الله! وحَرْفُ الجَرِّ \" مِنْ \"\nفي الآيةِ للبيان، كما أَنه للابتداء.\nأَي: الروحُ التي جعلَها اللهُ في عيسى - ﵇ - هي روحٌ من عندِ الله.\nحَرْفُ الجَرِّ \" من \" في قوله تعالى: (وَرُوحٌ منه) عند الفادي وأَهْلِ ملَّتِه\nللتبعيض، أَيْ أَنها جزءٌ وبعفق انفصلَ عن الله ودَخَلَ مريم وصارَ عيسى! بينما هذا الحرفُ عند المسلمين للبيانِ والابتداء، كما وَضَّحْنا!.\n٣ - عيسى ابن من؟:\nعيسى هو ابنُ مريمَ - ﵍ -، وذَكَرَ القرآنُ ذلك أَكثر من مَرَّة، وقد شاءَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَه بدونِ أَب..\nولكنَّ الفادي الكافرَ يَقولُ: إِنَّه ابنُ الله.\nقال: \" انفردَ المسيحُ عن سائرِ البشرِ بولادتِه من عذراء! فلماذا تَميَّزَ عن سائرِ الأَنبياءِ بدخولِه عالَمَنا بهذه الطريقةِ المعجزيَّة؟.،.\nإِنه كلمةُ الله وروحُ الله، حَلَّ في أَحشاءِ العذارء، وتَجسَّدَ وظهرَ بينَ الناسِ، آيةً ورحمةً للعالَمين ... فهو ابْن مَنْ أُمُّه؟\nمريمُ..\nومَنْ أَبوه؟ الله.\n(فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) .","vol":"1","page":293},{"text":"سَبَقَ أَنْ تكلَّمنا عن معنى كونِ عيسى كلمةَ اللهِ، وروحًاْ من اللهِ، والجديدُ\nفي كُفْرِ الفادي هنا أَنَّهُ نَصَّ على أَنَّ المسيحَ ابنُ الله: ْ \" ومَنْ أَبوه؟\n.. الله! \".\nوأَرادَ بالبُنُوَّةِ البنوَّةَ الحقيقيةَ المادية، لأَنه قال: أُمّه مريمُ وأَبوهُ الله! وهذا\nكُفْرٌ صريحٌ بالله، لادِّعاءِ أَنَّ له ابنًا وولدًا هو المسيح.\nوقد كان القرآنُ صريحًا في رفْضِ كونِ عيسى ابنًا لله، وكُفْرِ الذينَ جَعلوا\nله وَلَدًا، وإِنكارِ كونِ المسيحِ ابنًا لله على وَجْهِ الخصوص.\nقالَ تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤) .\nوقال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) .\nودَعا اللهُ النَّصارى إِلى التَّخَلّي عن فكرةِ التثليثِ وزَعْمِ كونِ ولدٍ لله.\nقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) .\nوبعدَ ما تحدَّثَتْ آياتُ سورةِ مريمَ عن قصةِ حَمْلِ مريمَ بعيسى وولادتِه\nوكلامِه في المهد، عَقَّبَتْ على ذلك بنفي بُنُوَّتِه لله.\nقال تعالى: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) .\n٤ - عيسى بدون دنب!\nتحدَّثَ الفادي في المسألةِ الرابعةِ عن تميُّزِ المسيحِ عن باقي الرسلِ - ﵇ -، وجَعَلَ عنوانَ الحديثِ: \" قُدُّوسٌ بدونِ شَرٍّ \".\nأَيْ أَنه لم يرتكبْ شَرًّا ولا ذَنْبًا، في الوقتِ الذي ارتكبَ فيه الرسلُ الآخَرونَ الشرورَ والذُنوبَ والمعاصي والأَخْطاءَ! وبعدما أَوردَ آيةً قرآنية وحديثًا عن رسولِ الله - ﷺ - وكَلامًا لأَبي حامِد الغزالي","vol":"1","page":294},{"text":"عن تميُّزِ عيسى عندَ ولادتِه بإِبعادِ الشيطانِ عنه، قال: \" ونحنُ نسأَلُ:\nما سِرُّ هذه القداسةِ المطلقة والكمالِ الفائق؟\nولماذا لا يَذكرُ القرآنُ للمسيح خَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء؟\nولماذا لا توجَدُ في القرآنِ إِشارةٌ إِلى أَنَّ المسيحَ تابَ إِلى الله، ولا أَنَّ اللهَ تابَ عليه، ولا قَدَّمَ استغفارًا، ولا أَنَّ اللهَ غَفَرَ له، كما جاءَ عن سائرِ الأَنبياءِ والرسلِ؟\nأَليس لأَنَّ المسيحَ ذاتٌ قدسية، وهو كلمةُ اللهِ وروحُه؟ \".\nأَمّا أَنَّ اللهَ أَعاذَ عيسى - ﵇ - من الشيطان، فهذا صَحيحٌ، لأَنه ذُكِرَ في القرآنِ وفي الحديث.\nقالَ اللهُ - ﷿ - عن دُعاءِ أُمِّ مريمَ عند ولادتِها: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) .\nواستجابَ اللهُ دعاءَها، فحمى ابنتَها مريمَ عند ولادتِها من الشيطان.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرةَ - ﵁ - عن رسولِ الله - ﷺ -، قال: \" ما مِنْ مَوْلودٍ يولَدُ إِلّا والشيطانُ يَمَسُّه حينَ يولَد، فيستهلُّ صارِخًا من مَسِّ الشيطانِ إِيّاه، إِلّا مريم وابْنها \".\nثم قالَ أَبو هريرة: اقرؤوا إِنْ شِئْتُم قولَه تعالَى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) .\nوأَمّا أَنَّ عيسى - ﵇ - لم يرتكبْ معصيةً ولا ذَنْبًا، فهذا صحيحٌ أَيْضًا، لأَنه عبدُ اللهِ ونبيُّه ورسولُه، فاللهُ عصمهُ من الأَخطاءِ والذُّنوبِ والمعاصي، ولم يَجعلْ للشيطانِ سُلْطانًا عليه!.\nوأَمّا أَنَ الرسُلَ الآخَرين وَقَعوا في الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي، فهذا\nخَطَأٌ وباطل، فكما عَصَمَ اللهُ رسولَه عيسى، كذلك عَصَمَ باقي الأَنبياءِ\nوالمرسلين، ونَزَّهَهم من الأَخطاءِ والذنوبِ والمعاصي، واصْطَفاهم لنفسِه،\nوصَنَعَهم على عينِه، فلم يكنْ للشيطانِ سَبيلٌ ولا سلطانٌ عليهم.\nوأَخْطَأَ الفادي في اتهامِه للمرسلين: \" ولماذا لم يَذْكُر القرآنُ للمسيحِ\nخَطَأً كما ذَكَرَ لغيرِه من الأَنبياء؟ \".","vol":"1","page":295},{"text":"والراجحُ أَنَّ القرآنَ لم يَذْكُرْ للأَنبياءِ أَخطاءً أَو ذُنوبًا، إِنَّما ذَكَرَ بَعْضَ المآخذِ\nالتي أُخِذَتْ عليهم، وعاتَبَهم اللهُ عليها..\nوهم لم يُخْطِئوا في تلك المواقف، ولم يُذْنِبوا في تلك الأَفْعال، وما صَدَرَ عنهم صواب، ولكنَّ اللهَ أَرشَدَهم إِلى ما هو أَوْلى، لأَنَّ اللهَ يُحِبُّ لهم الأَوْلى والأَفضلَ والأَصْوَبَ والأَكمل.\nإِنَّ عيسى - ﵇ - معصومٌ كَباقي الأَنبياء، وليسَ للشيطانِ سُلطانٌ عليه كباقي الأَنبياء، ولذلك لم يَعْصِ ولم يُخْطِئ ولم يُذنب، كباقي الأَنبياء.\n٥ - حول معجزات عيسى - ﵇ -:\nمن مظاهِرِ كُفْرِ الفادي بالله، وجَعْلِه المسيحَ عيسى - ﵇ - ابْنًا لله، حديثُه عن معجزاتِه، التي تَمَيَّزَ بها عن باقي الأنبياء.\nقال: \" يَشهدُ القرآنُ للمسيحِ بقدرتِه المطلقةِ على إِتيانِ المعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مثيلٌ بين سائرِ الأَنبياء \" [ص ٩٠] .\nوهذا كَذِبٌ من المفترِي على عيسى - ﵇ -، لأَنَّهُ نَسَبَ له القدرةَ المطلقةَ على إِتيانِ المعجزات، وهذا مَعناهُ أَنَّه هو الذي يَأتي بالمعجزاتِ ويَخْتارُها ويَصْنَعُها! وهذا خطأ كبير!!.\nمعجزاتُ الأَنبياءِ ليستْ من اختيارِهم، وإِنما هي من اللهِ وَحْدَه.\nوقد كانَ القرآنُ صريحًا في تأكيدِ هذه الحقيقة، وجاءَ هذا في آياتٍ عديدة.\nمنها قولُه تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) .\nوقالَ تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي) .\nوليس هذا خاصًّا بالنبيِّ - ﷺ -، بل هو عامّ، يَشملُ جَميعَ الأَنبياءِ والمرسلين، ومنهم المسيحُ - ﵇ -.\nقالَ تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .","vol":"1","page":296},{"text":"ولما طَلَبَ الأَقوامُ السابقونَ من رسلِهم آياتٍ ومُعْجزاتٍ أَخبرهم رسلُهم\nأَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيدِ الله.\nقال تعالى: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nفإِذا كان الرسُل جَميعًا يَعترفونَ أَنهم لا يُمكنُ أنْ يأتوا بالمعجزاتِ من\nأَنفسِهم، لأَنَّ اللهَ وَحْدَه هو الذي يَأتيهم بها فكيفَ يَقولُ الفادي المفترِي بأَنه\nكان للمسيحِ قدرةٌ مطلقةٌ على الإِتيانِ بالمعجزاتِ بصورةٍ ليس لها مَثيلٌ بين\nسائرِ ألأَنبياء؟!\nإِنَّ هذا افتراءٌ على القرآن، وكَذِبٌ على المسيحِ - ﵇ -.\nولما تكلمَ الفادي على معجزاتِ المسيحِ - ﵇ - في القرآن قَدَّمَ مجموعةً من الافتراءات، ونَسَبَها إِلى القرآن:\nأ - زَعَمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - ﵇ - العلمَ بالغَيْب، وذلك ليَخرجَ بنتيجتِه من أَنَّ المسيحَ إِله، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ بالله، وبما أَنَّ عيسى يَعلمُ الغيبَ فهو إِله!! قال: \" نَسَبَ القرآنُ له العلمَ بالغَيب، وذلك في قولِه: (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) .\nمع أَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) ..\nعلْمُ الغيبِ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه، ولا يَعلمُ أَيُّ مخلوقٍ شيئًا من الغيبِ، إِلّا\nما عَلَّمَهُ اللهُ إِياهء قال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ)،\nوقالَ تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) .\nفعيسى - ﵇ - لم يَعْلَمْ شيئًا من الغيبِ إِلّا ما عَلَّمَهُ اللهُ إِياه.\nوكانَ من","vol":"1","page":297},{"text":"معجزاتِه لبني إِسرائيلَ أَنه كانَ ينبئُهم ويُخبرُهم بما أَكَلوهُ من طعام، وما\nادَّخَروه في بيوتِهم من الطعام، وجَعَلَ ذلك دَليلًا على نبوَّتِه.\nوهو لم يَعْلَمْ ذلك بنفسِه، لأَنه لا يَعلمُ الغيب، وإِنما أَعلمه اللهُ بذلك، وهو بدورِه أَنبأَهم به.\nفاللهُ هو الذي عَلِمَ الغيب، واللهُ هو الذي أَعْلَمَه بالغيب!!.\nوآتى اللهُ يوسفَ - ﵇ - وهو في السجنِ مع الفتَيَيْن نفسَ المعجزة، وذَكَرَها القرآنُ في قوله تعالى: (قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) .\nكان يوسفُ يخبرُ السجينَيْن اللذَيْن معه بنوعِ الطعام الذي سيَأتيهِما في السجنِ قبلَ تقديمِه لهما.\nوهذا علمٌ بالغيب، لكنَّه لم يعلَمْه بنفسِه، إِنما أَعلمَه به الله، ولذلك صَرَّحَ بقوله: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) .\nب - زعمَ المفترِي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - ﵇ - القدرةَ على الخلق، والخلقُ خاصٌّ بالله، وبما أَنَّ عيسى يَخلقُ خَلْقًا سويًّا فهو إِله، لأَنَّه لا خالقَ إِلّا الله.\nقال: \" ونسبَ القرآنُ للمسيحِ القدرةَ على الخلقِ.\nقال: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) \".\nومعلومٌ أَنَّ الخلْقَ خاصٌّ باللهِ وَحْدَه: (أَفَمَن يحلُقُ كمَن لَّا يَخْلُق) .\nوزَعْمُ المفترِي مردودٌ عليه، وعيسى - ﵇ - لم يَخْلُقْ شيئًا خَلْقًا حقيقيًا ماديًّا، يوجِدُ فيه المخلوقَ الحيَّ من العَدَم، لأَنَّ هذا الخلْقَ خاصّ باللهِ وَحْدَه، ولا يُمكنُ أَنْ يَفعلَه عيسى - ﵇ - ولا غيرُه، وقد جعلَه اللهُ دليلًا على وحدانيتِه.\nقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ) .\nوقد نَسَبَ القرآنُ الخلْقَ إِلى عيسى - ﵇ -، لكنْ أَيُّ خَلْقٍ؟\nوبإِذْنِ مَنْ كان يَتِمُّ الخلق؟\nكان عيسى - ﵇ - يَخلقُ الطيرَ من الطين، لكنْ بإِذن الله، وليس\nبقدرتِه الذاتية.\nقال تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) .","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ما الذي كان يفعلُه عيسى - ﵇ </span>-؟\nكان يَأخُذُ المادَّةَ الأَوليةَ التي خَلَقَها الله، يأخذُ حفنةً من الترابِ الذي خَلَقَه الله، ويأخُذُ إِناءً من الماءِ الذي خَلَقَه الله، ويَجبلُ الترابَ بالماءِ حتى يَصيرَ طينًا، ثم يأخذُ ذلك الطينَ، ويَشَكِّلُه على هيئةِ الطائر، ويُصَوّرُه على صورتِه، ويَجعُله تمثالَ طائِر، ثم ينفخُ فيه، ويطلبُ من اللهِ أَنْ يَبُثَّ فيه الروح، فيَجعلُ اللهُ فيه الروح، ويكونُ طيرًا حيًّا.\nفعيسى لم يَخْلُقْ في الطائرِ روحًا، ولم يَجعلْه حيًّا، إِنما اللهُ الذي فَعَلَ ذلك.\nوبمعنى آيةِ سورةِ آلِ عمران السابقة قولُه تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) .\nوقد نَصَّت الآيَتانِ من سورةِ آلِ عمران وسورةِ المائدة على أَنَّ وَضْعَ الروحِ في الطيرِ كان بإِذْنِ الله، فاللهُ هو الخالقُ في الحقيقة، وليس عيسى - ﵇ -، فهو كانَ مجردَ سببٍ مادّيّ، يُشَكِّلُ ويُصوِّرُ ويَنفخ، والمسبِّبُ والمريدُ هو الله سبحانه.\nج - زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ نَسَبَ لعيسى - ﵇ - القدرةَ على إِحياءِ الموتى! وإِحياءُ الموتى خاصّ بالله، وبما أَنَّ عيسى - ﵇ - فَعَلَ ذلك فهو إِله، لأَنه نجحَ في فعْلِ شيءٍ خاص بالله!..\nقالَ: \" وَنَسَبَ القرآنُ له القدرةَ على شفاءِ المرضى وإِحياءِ الموتى.\nقال: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوإِحياءُ الموتى خاصّ بالله: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) \".\nوكما قُلْنا في خَلْقِه من الطينِ كهيئةِ الطيرِ نَقولُ في إِحيائِه الموتى، فاللهُ\nهو الذي آتاهُ معجزةَ إِحياءِ الموتى..\nأَيْ كانَ عيسى - ﵇ - يَقِفُ أَمامَ الميت، ويَدْعو اللهَ أَنْ يُحييَه، ويَستجيبُ اللهُ له.\nفالذي أَحيا الميتَ في الحقيقةِ هو الله، ولم يَكُنْ عيسى - ﵇ - إِلّا سَبَبًا.\nوهذا ما أَكَّدَهُ القرآن، في قولِه عن هذه المعجزة.\nقال تعالى: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوقال تعالى: (وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي) .\nقالَ اللهَ لعيسى - ﵇ -: إِنكَ ستُخرجُ الموتى بإِذْني.\nفأَخْبَرَ عيسى - ﵇ - بَني إسرائيلَ بذلك، وقال لَهم: أَنا سأُحيي الموتى بإِذْنِ الله.","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>٦ - رفع عيسى - ﵇ - إلى السماء:</span>\nوَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ حديثِ القرآنِ عن رفْعِ عيسى - ﵇ - إِلى السماء، وأَساءَ فَهْمَهُ، واستدل به على عقيدتِه الباطلةِ في أُلوهيةِ المسيح! قال:\n\" يَشهدُ القرآنُ أَنَّ المسيحَ رُفِعَ من الأَرضِ إِلى الله، وهو حَيٌّ خالدٌ في السماء، فجاءَ في سورةِ آل عمران (٥٥): (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nوقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا كلامَ الفادي حولىَ معنى الآية، وذَكَرْنا مَعْناها\nالصحيح.\nوقد أَلْقى اللهُ على عيسى - ﵇ - النومَ، ورَفَعَهُ إِليه وهو نائم، والتَّوَفّي هنا تَوَفّي نَوْم وليس تَوَفّيَ مَوْت، وعيسى - ﵇ - حَيٌّ الآنَ في السماء.\nوهو ليس خالِدًا في السماء، لأَنَّ اللهَ لم يَجعل الخلودَ لأَيّ مَخْلوقٍ من البَشَر، ولذلك أَخطأَ الفادي في قولِه: \" وهو خالدٌ في السماء \".\nكُلُّ المخلوقين سَيَموتون، حتى رسولُ اللهِ محمدٌ - ﷺ - سيموت، والوحيدُ المخلَّدُ الذي لن يَموتَ - في نظرِ الفادي - هو عيسى - ﵇ -، وهذا دليل عندَه على أُلوهيتهِ!! قال: \" وقيلَ عن محمدٍ: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) .\nفلماذا انتصَرَ المسيحُ على المَوْت، وقد ماتَ الناسُ في كل جيل، وهو حَيّ خالد، وله الخُلْدُ، وله الرفعةُ والمجد؟ \".\nصحيحٌ أَنَّ عيسى - ﵇ - حَيّ الآنَ في السماء، بروحِه وجسمِه، ولكنَّه ليس مُخَلَّدًا، ولنْ ينتصرَ على الموت، كما ادَّعى الفادي، وسيُنزلُه اللهُ إِلى الأَرض في آخرِ الزمان، وسَيموتُ مَوْتًا طبيعيًّا كما ماتَ البَشَر، ثم يُبْعَثُ معهم يومَ القيامة.\nونَصَّ القرآنُ على أَنَّ عيسى - ﵇ - سَيَموت.\nقال تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) .\nوقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩) .","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>٧ - المسيحُ وجيهٌ في الدنيا والآخرة:</span>\nذَكَرَ القرآنُ أَنَّ عيسى - ﵇ - وجيهٌ في الدنيا والآخرة.\nقال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) .\nواستَخرجَ الفادي المفترِي من الآيةِ ما يتفقُ مع هواهُ من تَأليهِ\nعيسى - ﵇ -.\nقال: \" قال في تفسير الجلالين: \" (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ):\nذا جاه في الدُّنيا بسببِ النبوة، وفي الآخرةِ بسببِ الشفاعةِ والدَّرَجاتِ العُلا\".\nفلماذا يَخُصُّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرة؟ \".\nلم يَخُصّ القرآنُ المسيحَ بالوجاهةِ في الدنيا والآخرةِ، كما ادَّعى\nالمفتري، وإِنَّما أَخبرَ أَنه وجيهٌ في الدنيا والآخِرة، والإِخبارُ بوجاهتِه لا يَعْني\nاخْتِصاصَه بها.\nفقد أَخبرَنا اللهُ أَنَّ موسى - ﵇ - وجيهٌ عندَ الله.\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) .\nوالشفاعةُ في الآخرةِ مَقامٌ محمود، خَصَّ اللهُ به أَشرفَ الخلقِ\nمحمدًا - ﷺ -.\nقالَ اللهُ عنه: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) .\nويوضِّحُ المرادَ بالمقامِ المحمودِ في الآخرة بأَنه الشفاعةُ، ما رواهُ -\nالبخاريّ عن أَنسِ بن مالك - ﵁ - عن رسولِ الله - ﷺ - أَنه قالَ في حديثِ الشفاعةِ الطويل: \" ...\nيَجتمعُ المؤمنونَ يومَ القيامة، فيقولون: لو استشفَعْنا إِلى رَبِّنا، فيأتون آدمَ فيقولون: أَنتَ أَبو الناس..\nفاشْفَعْ لنا عنْدَ رَبِّك، حتى يُريحَنا من مكانِنا هذا، فيقول: لستُ هُناكم ...\n\" إِلى أَنْ \" يَأتوا عيسى - ﵇ -، فيقولون: يا عيسى: أَنتَ عبدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه أَلْقاها إِلى مريمَ وروحٌ منه، اشفعْ لنا عندَ رَبّك، فيقول: لستُ هُناكم، ولكن ائْتُوا مُحَمدًا، عَبْدًَا غفرَ اللهُ له","vol":"1","page":301},{"text":"ما تقدَّمَ من ذنبِه وما تَأَخَّر ...\nفيَأتوني فأَنطلقُ، حتى أَستأذنَ على رَبّي، فَيُؤْذَنَ لي، فإِذا رأيتُ رَبّي وَقَعْتُ ساجدًا، فيَدَعُني ما شاءَ اللهُ، ثم يُقال: ارْفَعْ رأْسَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ \".\nلم يَخُصّ اللهُ عيسى - ﵇ - بالشفاعةِ كما ادَّعى المفْتري، إِنما خَصّ بها عبدَه ورسولَه محمدًا - ﷺ.\nوارتكبَ الفادي المحَرّفُ جَريمةً نكراء، عندما حَرَّفَ معنى آيةٍ تتحدَّثُ\nعن اللهِ رَبِّ العالمين، وجَعَلَها تتحدثُ عن المسيح - ﵇ -..\nقال: \" جاءَ في سورةِ السجدةِ: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) .\nتَذْكُرُ الآيةُ أَنَّ اللهَ هو الذي خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ في ستةِ أَيام، وأَنه استوى على العرش، وتُبَيِّنُ أَنه لا يوجَدُ للناسِ وَلِيٌّ ولا شَفيع من دون الله \".\nوقد ادّعى المفترِي أَنَّ الآيةَ خَصَّتْ عيسى - ﵇ - بالشفاعةِ.\nقال: \" فلماذا لم يُعْطِ اللهُ سُلْطانًا لأَحَدٍ من البَشَرِ بالشفاعةِ إِلّا المسيح؟\nأَليس لأَنه ابْنُ اللهِ المتجسِّدُ، والوسيطُ الوحيدُ بينَ اللهِ والناس؟ \".\nآيةُ سورةِ السجدةِ لا تتحدَّثُ عن المسيحِ، وإِنما تتحدَّثُ عن الله، والهاءُ\nفي (مِنْ دُونِهِ) لا تعودُ على المسيح، وإِنما تعودُ على الله.\nوالمعنى: ليس للناسِ وليٌّ ولا شفيع من دونِ الله.\nوذَكَرَ الفادي المفترِي الكافِرُ باللهِ عبارةً كافرةً فاجرة، جعلَ فيها المسيحَ\nابْنًا لله: \" أَليس لأَنهُ ابْنُ الله المتجسِّدُ \".\nويؤمنُ المؤمنونَ أَن اللهَ ليسَ له ابْن ولا صاحبة.\nحتّى الجنُّ يؤمنون بذلك، وقد أَخْبَرَنا اللهُ عن إِيمانِهم بقولِه\nتعالى: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) .\nوكَذَبَ الفادي المفترِي عندَما قال: \" والمسيحُ هو الوسيطُ الوحيدُ بينَ اللهِ\nوالناس \" ولقد رحمَ اللهُ النّاس، فلم يجعلْ أَيَّ شَخصٍ وَسيطًا بينَهم وبينَه، لا عيسى ولا محمدًا ولا مَلَكًا..\nوأَذِنَ اللهُ لأَيّ إِنسانٍ أَنْ يتصلَ به مباشرة، عن طريقِ ذِكْرِهِ وشُكْرِه وعبادتِه ومناجاتِه.","vol":"1","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>٨ - هل المسيح هو المخلِّص وحده</span>؟:\nساءَ الفادي المفترِي فَهْمَ اسمِ عيسى الذي ذَكَرَهُ القرآنُ خَمسًا وعشرين\nمرة، حيثُ جعلَه بمعنى \" يَسوع \"، ومَعنى عيسى ويَسوع عنده هو: \" المخُلِّص \".\nأَمّا معنى المسيحِ عنده فهو: \" المعَيَّنُ مَلِكًا ونَبيًا وكاهِنًا \".\nوقد ذُكِرَ المسيحُ في القرآنِ ثماني مرات: ومعنى \" الإِنجيل \" هو: \" الخبرُ المفرح \".\nوقد ذُكِرَ في القرآنِ اثنتي عشرةَ مرة.\nوخرجَ الفادي من هذا بنتيجةٍ خاطئة، اعتبرَ فيها المسيحَ يَسوعَ عيسى - ﵇ -\nهو وَحْدَه المخلِّصَ للجنسِ البشري!!.\nوهذا خَطَأٌ مردود، فليسَ المخلِّصُ والمنقذُ هو عيسى - ﵇ - وحْدَه، فكُلُّ نبيٍّ ورسول هو مُخَلِّصٌ أَيضًا، يُخَلِّصُ الناسَ من الخَطَر، ويُنقذُهم من الأَذى، ويُخرجُهم من ظلماتِ الكفرِ إِلى نورِ الهُدى والإِيمان.\nقال اللهُ لنبيّه محمدٍ - ﷺ -: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) .\nوآخِرُ ما قالَه الفادي المفترِي عن تَمَيُّزِ وتَفَرُّدِ عيسى - ﵇ - عن سائرِ الأَنبياء، مما يدل على أُلوهيتِه وعدمِ بشريتِه؟\nقولُه: \" إِنَّ الذي ذَكَرَهُ القرآنُ عن المسيح، يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر، بمن فيهم محمدٌ..\nأَلا يُشيرُ هذا إِلى تَفَرُّدِ المسيحِ عن سائرِ البشرِ؟\nوهذا ما يقولُه الإِنجيلُ عن لاهوتِ المسيح \".\nإِنَّ الذي ذَكَرَه القرآنُ عن عيسى - ﵇ - لا يَفوقُ ما ذَكَرَهُ عن سائرِ البشر، كما ادَّعى الفادي المفترِي، فهناك رُسُلٌ تحدثَ القرآنُ عنهم أَكثرَ مما تَحَدَّثَ عن عيسى - ﵇ -، مثلُ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام.\nويُمكنُ الخروجُ بهذه النتيجةِ عندَ المقارنةِ بين ما ذَكَرَهُ القرآنُ عنهم وعن عيسى عليهم الصلاة والسلام، ولا نَنْسى أَنَّ هؤلاء الرسلَ الخمسةَ هم أُولو العزمِ من الرسل، وهم أَفضلُ الرسلِ عند الله - ﷿ -، وأَفْضَلُهم وأَشرفُهم هو نبيُّنا محمدٌ - ﷺ.","vol":"1","page":303},{"text":"أَمّا عن تَفَرُّدِ المسيحِ - ﵇ - عن سائرِ البشرِ فإِنه خاصٌّ بولادتِه، التي اختلَفَ فيها عن ولادةِ سائرِ البشر، ونُطْقِهِ وهو بالمهد، ورَفْعِه بعدَ ذلك إِلى السماءِ بروحِه وجسمه، وإِبقائِه هناك حَيًّا، وهو الآنَ ينتظرُ إِنزالَه إِلى الأَرْضِ قُبيلَ قيامِ الساعة، وهو فيما سوى ذلك مِثْلُ باقي الأَنبياءِ والمرسلين.\nإِنسانٌ له جسمٌ وروح، وهو عبدُ اللهِ ورسولُه، يَعْتَريه ما يَعْتَري الآخَرينَ من صحةٍ ومَرَضٍ، وحُزْنٍ وفَرَحٍ، ونَوْمٍ ويَقَظَة، وطعامٍ وشراب.\nقالَ تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>موقف الملائكة من خلق آدم - ﵇ </span>-\nأَساءَ الفادي فَهْمَ آيةٍ تتحدَّثُ عن موقفِ الملائكةِ من خَلْقِ آدمَ - ﵇ -، وهي قولُ اللهِ - ﷿ -: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) .\nما معنى إِخبار اللهِ الملائكةَ أَنه جاعلٌ في الأَرضِ خليفة؟\nوما معنى سؤالِ الملائكةِ عن الخليفةِ الذي سيفسدُ ويسفكُ الدماءَ؟\nوما معنى إِخبارِهم عن أَنفسِهم أَنهم يُسَبِّحونَ اللهَ ويَحمدُونه ويُقَدِّسونه؟.\nوقَفَ الفادي الجاهلُ أَمامَ الآية، وفَكَّرَ في هذه الأسئلة، فاعْتَبَرَها خطأً\nمن أَخطاءِ القرآن! قال: \" فلماذا يَستشيرُ اللهُ الملائكة، وهو غنيّ عن أَن يُشيرَ عليه أَحَد؟ ...\nوهل يُعْقَلُ أَنَّ الملائكةَ الأَبْرارَ يَعْصون، ويُعارضونَ رَغَباتِ الله، ويَدَّعونَ العلمَ بالغيب بغيرِ حَقٍّ، ويَطْعَنونَ في آدمَ من قَبْل خَلْقِه؟\nويُزَكّونَ أَنفسَهم بأَلسنتِهم؟ \".","vol":"1","page":304},{"text":"فَهِمَ من قولِ اللهِ للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أَنه يستشيرُهم،\nويقولُ لهم: ما رَأْيُكُم؟\nأَشيروا عَلَيَّ أَيها الملائكةُ، هل من المناسبِ أَنْ أَجعلَ في الأَرضِ خليفةً؟\nولذلك عَلَّقَ على ذلك بأَنَ اللهَ لا يَحتاجُ إِلى أَنْ يُشيرَ عليه أَحَد!.\nوالصحيحُ أَنَّ قولَ اللهِ للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ليسَ من بابِ استشارتِهم، لأَنَّ اللهَ سبحانَهُ لا يَحتاجُ إِلى مشورةِ أَحَد، لأَنَّه أَحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا، وهو الأَعلمُ بالأَنسبِ والأَفضلِ والأَحكم، وكُلُّ فِعْلٍ يفعَلُه فهو صَواب!.\nإنَّ قولَه للملائكةِ من بابِ إِخبارِهم بما سيفعَلُه، ليكونَ عندهم علم وخَبَرٌ\nبما قررَ سبحانَه أَن يفعلَه، ولذلك جاءت الجملةُ بصيغةِ الجَزْمِ والقطعِ، حيثُ قالَ لهم: (إِنِّي جَاعِلٌ)، ولم يقل: \" إني سأجعل \" ومن المعلومِ أَنَّ اللهَ يُخبرُ مَنْ شاءَ مِنْ خَلْقِه بما شاءَ أَنْ يَفعلَه، سواء كانَ المخلوقُ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نبيًّا مُرْسَلًا!!.\nوفَهِمَ الفادي من سؤالِ الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ): أَنه اعتراضٌ منهم على فِعْلِ الله، فهم\nيُنكرونَ على اللهِ فِعْلَه، ويُخَطِّئونَه في ما سيفعَلُه، وهذه معصيةٌ منهم لله، وتَمَرّدٌ عليه! فكيفَ يفعلونَ ذلك؟.\nوهذا فَهْمٌ خاطئ مردود! فلم يكن سؤالُهم من بابِ الاعتراضِ والإِنكار،\nوإِنما كانَ من بابِ الاستفسارِ والاستِعلام، وكأَنَّهم قالوا: يا رَبَّنا: إِنّا نَعلمُ\nأَنك عليمٌ حكيم، وأَنَّ فِعْلَكَ هو الصواب، لكننا نريدُ منك أَنْ تُخبرنا عن\nحكمةِ ذلك، فما حكمةُ جَعْلِكَ خليفةً في الأَرض، يُفسدُ فيها ويَسفكُ\nالدماء؟.\nولم يكن قولُهم عن آدمَ: (مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) طَعْنًا في آدَمَ\nواتِّهامًا له قَبْلَ خَلْقِه، كما أَنه لم يكن ادِّعاءَ العِلْمِ بالغيب منهم، كما فَهِمَ\nالفادي الجاهل، فإِنَّه لا يَعلمُ الغيبَ إِلّا الله.\nوكلامُهم عن الخليفةِ أَنه سيُفسدُ في الأَرضِ ويَسفكُ الدّماءَ صحيح، بدليلِ إِقرارِ اللهِ له، ولو كانَ خَطَأً لأَخبرهم اللهُ أَنه خطأ، ولذلك اكتفى بقولِه لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .","vol":"1","page":305},{"text":"أَيْ: أَنا أَعلمُ أَنَّ ذريةَ الخليفةِ سيُفسدونَ ويَسفكونَ الدماء، لكنَّ الخلافةَ في\nالأرضِ وتَعميرَها لا بُدَّ أَنْ يُصاحبَها إِفسادٌ وسَفْكٌ للدماء! *.\nأَما كيفَ عَرَفَ الملائكةُ ذلك، فليس في مصادِرِنا الإِسلامية اليقينيةِ\nالمتمثلةِ في القرآنِ وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ما يدلُّ على ذلك، ونحنُ لا نأخذُ شيئًا عن الإِسرائيليات، ولا نُفَسّرُ بها كلامَ الله!.\nولعلَّ الراجحَ أَنَّ كلامَهم عن إِفسادِ الخليفةِ ولسَفْكِه الدماءَ من بابِ\nالاستشرافِ وفراسةِ المؤمنين، فَهُمْ قد شاهَدوا مراحلَ خَلْقِ آدم، من الترابِ\nوالطين.\nومعلومٌ أَنَّ الترابَ يَعْني الالتصاقَ بالأَرض والهبوطَ إِليها، والمخلوقُ\nمن الترابِ قد تنحدرُ نفسُه إِلى الأَسْفَل، فيرتكبُ المُحرَّمات، ويُفْسِدُ ويَقْتُل!.\nولم يَقصد الملائكةُ من قولِهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أَنْ\nيُزَكّوا أَنفسَهم بأَلسنتِهم، كما فهمَ الفادي ذلك منه، كما أَنهم لم يكونوا\nطامِعين في أَنْ يَكونوا هم الخلفاء!.\nكلّ ما يُؤْخَذُ من قولِهم أَنَّ اللهَ خَلَقَهم من نور، وفَطَرَهم على ذِكْرِه\nوتَسبيحِه وتقديسِه، ولعلهم قاسوا الأَمْرَ عليهم، فَفَهِموا أَنَّ كُلَّ مخلوقٍ\nسيخلُقُه اللهُ لا بُدَّ أَنْ يكونَ مثلَهم، لا يَعرفُ إِلّا ذِكْرَ اللهِ وتَسبيحَه، فكيفَ\nسيكونُ الخليفةُ مُهْتَمًّا بالعملِ في الأَرض؟!.\nوبهذا نعرفُ أَنه ليسَ في الآيةِ التي اعترضَ عليها الفادي ما يَدْعو\nللاعتراض، وأَنْ تخطئَتَه لها بسببِ جَهْلِه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>ما معنى سجود الملائكة لآدم - ﵇ </span>-؟\nذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ عَلَّمَ آدمَ الأَسماءَ كُلَّها، ولما عَجَزَ الملائكةُ عن\nمعرفِتها، عَرَفَها آدَمُ، فتميَّزَ عليهم بعلْمِه، ولذلك أَمَرهم اللهُ أَنْ يَسْجُدوا له.","vol":"1","page":306},{"text":"قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) .\nوقد اعترضَ الفادي على هذهِ الآيات وخَطَّاَها، لأَنَّها تَتعارضُ مع\nتوحيدِ اللهِ وعدْلِه! قال: \" ونحنُ نسأَل: في أَوَّل الأَمْرِ عَلَّمَ اللهُ آدَمَ الأَسماءَ،\nثم عَرَضَهم على الملائِكةِ فَعَجَزوا عن التَّسمية، واعْتَرَفوا بالعَجْز! فكيف\nيمتحنُ اللهُ الملائكةَ في ما لا يَعرفونَه، ويُعطي الإِجاباتِ لآدمَ ليَعْلَمَ ما لا\nيَعْلَمون؟\nوكيفَ أَمَرَ الله ُ الملائكةَ أَنْ يَسْجُدُوا لآدَم؟\nوحاشَ للهِ القُدْوسِ أَنْ يأْمُرَ بالسجودِ لغيرِ ذاتِه العلِيَّة! قال اللهُ في الخروج: لا تَسْجُدْ لإلهٍ آخَر، لأَنَّ الربَّ اسْمُه غَيور، إِلهٌ غَيورٌ هو \".\nواعتراضُه لا وَزْنَ له، فليسَ في الآيةِ ما يَدْعو للاعتراضِ والإنكار.\nأَرادَ اللهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من جعْلِه آدَمَ وذريَّتَه الخلفاءَ في\nالأَرض، مع أَنه قد يَصدُرُ عن هؤلاءِ الخلفاءِ إفسادٌ في الأَرضِ وسفَكٌ للدماء.\nفلما طَلَبوا من الله أَنْ يُخْبرَهم بحكمةِ استخلافِ آدَمَ أَجْرى لهم ولآدَمَ\nالامتحان، الذي أَشارتْ له هذه الآيات، وهي مرتبطةٌ مع الآيةِ السابقة التي\nتَحَدَّثْنا عنها في المبحت السابق: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) .\nرَدَّ على سُؤالِهِم بأَنه يَعلمُ ما لا يعلمون، أَيْ أَنَّه يَعلمُ أَنه لا يَصلحُ\nللخلافةِ في الأَرض إلَّا هذا الخليفة، لِأَنه سيُزَوِّدُه بوسائلَ ومواهبَ وطاقاتٍ\nوقُدُرات، يتمكَّنُ بها من حُسْنِ الخلافةِ في الأَرض، وفي مقدمتِها العلمُ الذي\nوَهَبَهُ اللهُ إِياه، والنطقُ الذي مَكَّنَهُ منه، بحيثُ يَستطيعُ أَنْ يُعَبِّرَ عما في نفسِه،","vol":"1","page":307},{"text":"ويَرْمُزَ بالأَسماءِ للمسَمَّيات، والملائكةُ المسَبِّحونَ لله لا يَستطيعونَ ذلك،\nفالعلمُ والنطقُ والتفكيرُ والتعبير أُمورٌ ضروريةٌ للخلافةِ في الأَرض!.\nعَلَّمَ اللهُ آدَم الأَسماءَ كُلَّها، وجَعَلَ فيه النطق، والقدرةَ على التعبيرِ عما\nفي نفسِه، والرَّمْزِ بالأَسماءِ للمسَمَّيات، والملائكةُ لا يَعلمونَ ذلك، لأَنهم لا\nيَحْتاجونَ إِليه فِي مهمَّتِهم في عبادةِ اللهِ وتسبيحِه..\nوبعد ذلك أَرادَ اللهُ أَنْ يُبَيِّنَ للملائكةِ الحكمةَ من استخلافِ آدم، وأَنه مَيَّزَهُ عليهم بالعلمِ والنطقِ والتفكيرِ والتعبير..\nفالموضوعُ ليس موضوعَ امتحانِ الملائكة بما لا يَعرفون،\nو\" تَغْشِيشَ \" آدمَ بتقديمِ الإجاباتِ له قبلَ دُخولِه الامتحان، كما فَهِمَ الفادي الجاهل، إنما الموضوعُ تَوجيهٌ وتَعليلٌ وبيانٌ للحكمةِ والعِلَّة، وهذا ما فهمَه الملائكة، ولذلك صَرَّحوا بعجْزِهم عن الجواب، لأَنَّ اللهَ لم يمنَحْهم ذلك العلم، وقالوا: (سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) .\nولما أنبأَهم آدَمُ بالأَسماءِ المطلوبة عَرَفوا حكمةَ استخلافِه في الأَرض،\nوذَكَّرَهم اللهُ بشمولِ عِلْمِه.\nقال تعالى: (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) .\nأَما سجودُ الملائكةِ لآدمَ - ﵇ - فهو ليسَ من بابِ السجودِ لغيرِ الله، ولا عبادةِ آدمَ من دونِ الله، ولا الشركِ بالله، كما فَهِمَه الفادي الجاهل، ثم اعترضَ عليه وخَطَّأَهُ وأَنْكَره.\nإنه سجودٌ لله في الحقيقة، لأَنَّ الله هو الذي أَمَرهم أَنْ يَسْجُدوا لآدَم،\nأَيْ هو الذي كَلَّفَهم بذلك، ولو كان عبادةً لغيرِه لما أَمَرَهم به سبحانَه، لأَنَّ اللهَ لا يأذَنُ لأَيّ مَخْلوق أَنْ يَعْبُدَ غيرَه.\nوعندما سَجَدَ الملائكةُ لآدَمَ كانوا عابِدينَ لله، وكان آدَمُ كَأَنه قِبْلَةٌ لهم في\nعبادتِهم لله، كما يُصلي أَحَدُنا صلاتَه لله، ويَجعلُ الكعبةَ قِبْلَةً له، فهو لا\nيَعَبُدُها ولا يَسجدُ لها، وإنما هي مجردُ قِبلَة، واللهُ أَمَرَه بالتوجُّهِ إِليها\nواستقبالِها، وهكذا كان آدمُ بالنسبةِ للملائكة (١) .\n_________\n(١) ما عليه المحققون أن السجود كان لآدم - ﵇ - على وجه التحية والتكريم. والله أعلم.","vol":"1","page":308},{"text":"لم يَكنْ سُجودُهم لآدمَ عبادةً له من دونِ الله، إِنما كانَ سُجودَ تكريمٍ\nوتَشريفٍ لآدَم، واعترافًا منهم بفَضْلِ آدَمَ عليهم، لأَنَّ الله مَيَّزَهُ عليهم بالعِلم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>هل جهنم لجميع الأبرار والأشرار</span>؟\nوَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن تتحدَّثانِ عن جهَنَّم، واعترضَ عليهما، وقارَنَهما\nبكلامِ الكتابِ المقَدَّس، وخَرَجَ بخَطَأِ القرآنِ وصَوابِ الإنجيل.\nوالآيَتانِ هما قولُ الله تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) .\nوقولُ الله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nلجهَنَّمَ سبعةُ أَبوابٍ كما وَرَدَ في سورةِ الحِجْر، ونَقَلَ الفادي عن بعضِ\nالعلماءِ تحديدَ أَسماءِ تلكَ الأَبوابِ السَّبْعَة، وتحديدَ الأَصنافِ الذين يَدْخُلونَ\nمن كلِّ بابٍ منها، وهذا كلامٌ لَيسَ عليه دَليل، فلا نَخوضُ فيه ولا نَتوقَّفُ\nعِنْدَه.\nوفَهِمَ الفادي الجاهِلُ من الآياتِ أَنَّ القرآنَ يُخبرُ أَنَّ جهنَّم للجِميع،\nسواء كانوا أَبْرارًا أَوْ أَشْرارا، مؤمنين أَو كافرين! ولذلك خَطَّأَ القرآنَ في ذلك.\nقال: \" ونَحنُ نَسأَل: كيفَ يَذْهَبُ المؤمنُ إِلى جهنم؟\nوما قيمةُ التوبةِ والغفرانِ الإِلهي؟\nيقولُ الكتابُ المَقدَّسُ بوجودِ مكانٍ للأَبرار، وهو السماء، ومكانٍ\nللأَشْرار، وهو جهنَّم: \" فَيَمضي هؤلاء إلى عذاب أَبَديّ، والأَبرارُ إلى حياةٍ\nأَبديّة \" ٢٥١ - ٤٦، فلا يَذهبُ الأَبرارُ إلى جَهَنَّم، لأًنَّ اللهَ بَرَّرَهم ببرِّهِ الكامل، وبالتالي لا يَخْرُجون من جهنَّم إِلى السماء ...\nوإِذا كانَ جميعُ الناس سَيَذْهبون إلى جهنَّمَ كما يقولُ القرآن، وإِذا كانت أُمَّةٌ واحدة من الطوائفِ الإسلاميةِ هي التي تَخْلُصُ كقولِ الحَديث، أَفَلا يُخَيِّمُ الخوفُ من الموتِ والدينونةِ على حَياةِ","vol":"1","page":309},{"text":"كُلّ المسلمين؟\nما أَعظمَ الفرقَ بين حياةِ المسلمِ الخائِفِ الحائِر، وبينَ حياةٍ\nالمسيحي، الذي يَشْتَهي أَنْ يَنطلقَ من الدنيا ليكونَ مع المسيح، ويَنتظر يومَ\nالقيامةِ بفَرَح، حيثُ يَنال إِكليلَ الحياة! \".\nلم يَقُل القرآنُ إِنَّ جَميعَ الناسِ سَيَذْهَبونَ إِلى جهنَّمَ، والنتائجُ التي بَناها\nالفادي على هذا الزعم باطلةٌ مَردودة، لأَنَّ ما بُنِيَ على الفاسدِ فهو فاسد.\nولا تَتَحدثُ آياتُ سورةِ الحِجْر التي خَطَّأَها الفادي الجاهِلُ عن الأَبرارِ\nوالأَشرارِ، إِنما تتحدَّثُ عن الأَشْرارِ الغاوِين فقط، الذين اسْتَسْلَموا للشيطان، وتُقَرِّرُ أَنَّ جهنَّمَ موعدُ هؤلاء الغاوين أَجمعين، وتَسْتَثْني الصالحينَ الأَبرار.\nوالآياتُ وارِدةٌ في سياقِ الحديثِ عن ما جَرى بين آدمَ - ﵇ - وبينَ إِبليس، وتَعَهُّدِ إِبليسَ بإِغواءِ مَن استجابَ له من بَني آدم.\nقال تعالى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) .\nلا أَدري كيفَ فَهِمَ المفترِي من الآياتِ الواضحةِ الصريحة دُخول الأَبرارِ\nوالأَشرارِ جهنم، مع أَنها صَريحةٌ في دُخول الكفارِ فَقَطْ جَهَنَّمَ..\nإِنَّ الضميرَ المتَصِلَ \" هم \" في قوله: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) يَعودُ على \" الغاوين \" في الجملة السابقة: (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) .\nوالمعنى: إنَّ جهنَّمَ موعدُ الغاوينَ الذينَ اتَّبَعوك.\nثم إِنَّ الآيات ِ اللاحقةَ صَرَّحَتْ بأَنَّ المتَّقينَ آمِنون في جناتٍ وعيون:\n(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) .\nلقد تَعَمَّدَ الفادي المجرمُ أَنْ يُحَرّفَ معنى الآياتِ الواضحِ، وأَنْ يَتْرُكَ\nالآياتِ والكلماتِ الصريحة، وأَنْ يَتلاعَبَ بها، ليخرجَ منها بنتيجةٍ خاطئة،\nيُخَطِّئُها بها، مع أَنَّها لا توحي بها!!.","vol":"1","page":310},{"text":"ولا تَدُلُّ آياتُ سورةِ مريم على دُخولِ الأَبرارِ والأَشْرارِ النار، كما ادَّعى\nالفادي المفترِي.\nقال تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nالكلامُ في الآياتِ الأُولى عنِ الكافرين، حيثُ سيَحْشُرُهم اللهُ مع\nشَياطينِهم، ثم سيُحْضِرُهُم إِلى جَهَنّم، وسَيَجْثُونَ فيها على رُكبِهم، ثم يُخرجُ اللهُ منهم زُعماءَهم الذين هم أَشَدُّ عَدواةً لله، ثم سَيزيدُ عَذابَ هؤلاءِ الزعماء، ولا يَدْخُلُ المؤمنون ضمنَ هذه الآيات، لأَنهم مُؤْمِنون أَبرار صالحون.\nوبعدما قَرَّرَتِ الآياتُ دُخولَ الكفارِ جَهَنَّم توجَّهَتْ للمؤمنينَ بالخطاب،\nوأَدمجَتْهم في الخطابِ مع الآخرين، وأَخبرتْ عن وُرودِ جَميعِ الناسِ جهَنَّم،\nولم تستَثْنِ أَحَدًا من هذا الورود، سواء كانَ مُؤْمِنًا أَو كافرًا، وقَرَّرَتْ بعدَ ذلك نَجاةَ المتقين وهلاكَ الكافِرين الظالمين: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nفالمرادُ بالورودِ في الآيةِ المرورُ فوقَ جَهَنَّم، بدليلِ ذِكْرِ نَجاةِ المتَّقين\nبَعْدَه.\nوهذا مَعْناهُ أَنه يُنْصبُ الصِّراطُ على شَفيرِ جَهَنَّم، ويمُرُّ عليه.\nجميعُ البَشَر، مؤمنين وكافرين، أَمّا المتقونَ فيُنْجيهم اللهُ برحمتِه، وأَمّا الظالمونَ\nفيُسْقِطُهم اللهُ فيها.\nوفَسَّرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الورودَ بالمُرور.\nفقد روى مسلمٌ عن أُمّ مُبَشِّر الأَنصاريةِ - ﵂ -: أَنها سمعَتْ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ عندَ حَفْصَةَ - ﵂ -: \" لا يَدْخُلُ النّارَ - إنْ شاءَ اللهُ - مِنْ أَصحابِ الشَّجرةِ أَحَد! الذينَ بايَعوا تَحْتَها \".\nقالَتْ حَفْصَة: بلى يا رسولَ الله! فانْتَهَرها رسولُ اللهُ - ﷺ -.\nفقالتَ حفصة: قالَ اللهُ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ! فقالَ لها النبيُّ - ﷺ -: \" قالَ الله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .","vol":"1","page":311},{"text":"لقد فَهمت حفصةُ - ﵂ - الورودَ بأنه بمعنى الدخول، وأَنَ المؤمنين والكافرين سيَدْخُلونَ جهنَّم جَميعًا، ولكنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - فَسَّرَ الوُرودَ بالمرور، وأَخْبَرَها أَنَّ اللهَ يُنجي المؤمنينَ برحمتِه، فلا يُدْخِلُهم جَهَنَّم، وإِنما يَمُرّونَ عليها مُرورًا سَريعًا، في طريقِهم إِلى الجنة.\nوروى مسلم عن أَبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - حديثَ رَسولِ اللهِ - ﷺ - الطويلَ في الشفاعة: \" ...\nثم يُضْرَبُ الجِسْرُ على جَهَنَّم، وتَحِلّ الشَّفاعَة، ويقولون:\nاللهمَّ سَلِّمْ، سَلّمْ، قيلَ: يا رسولَ الله! وما الجِسْرُ؟\nقال: دَحْضٌ مُزِلَّةٌ، فيه كَلاليبُ وخَطاطيفُ وحَسَك، تَكونُ بنَجْد، فيها شُوَيْكَة، يُقالُ لها: السَّعْدان، غيرَ أَنه لا يَعلمُ ما قَدْرُ عِظَمِها إِلّا الله.\nتَخْطِفُ الناسَ بأَعمالِهم، فمنهم الموبَقُ بعَمَلِه، ومنهم المُجازى حتى يَنْجو، فَيَمُرُّ المؤمنون كَطَرْفِ العَيْن، وكالعَيْن، وكالرّيح، وكالطَّيْرِ.\nوكأَجاويدِ الخَيْلِ والرّكاب، فنَاجٍ مُسْلَّمٌ، ومَخْدوش مُرسَلٌ، ومَكْدوسٌ في نارِ جَهَنَّم ... \".\nبهذا البيانِ القاطعِ مِن رسولِ اللهِ - ﷺ - يَتَّضِحُ أَنْ المرادَ بالورودِ هو المرورُ وليس الدخول، فالمتَّقونَ لا يَدْخُلونَ جَهَنَّم مُطْلَقًا! وبهذا نَعْرِفُ جَهْلَ وخَطَأَ الفادي في ادِّعائِه وافترائِه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>مظاهر نعيم المؤمنين في الجنة</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن الجنة، ومظاهر النعيمِ\nالتي فيها، واعتبرَ هذه المظاهرَ لا تَليقُ بالمؤمنين، وأَثْنى على حديثِ الكتابِ\nالمَقَدَّسِ عن الجنة، وسَخِرَ مِن آياتِ القرآنِ التي ذَكَرَتْ صفاتِ الجنة.\nوقالَ في بدايةِ اعتراضِه وتهكّمِه: \" هذه جنةٌ تُناسِبُ الميولَ الجسدية،\nوتُوافِقُ رغباتِهم الماديّة \".\nوفَصَّلَ الحديثَ في اعتراضِه قائلًا: \" بَدَلَ الصحراءِ المحرقة، وَعَدَهم\nبجنةٍ تَجْري من تَحتِها الأَنهار..\nوبَدَلَ النومِ على الرمالِ، وَعَدَهم بجنةٍ فيها","vol":"1","page":312},{"text":"سُرُرٌ مرفوعة..\nوبَدَل لبسِ وَبَرِ الجِمال، وَعَدَهم بجنةٍ يُحَلَّونَ فيها من أَساورَ\nمن ذهبٍ ولؤلؤًا ولباسُهم فيها حرير..\nوبَدَل القحطِ والمَحْل، وَعَدَهم بجنَّتَيْن ملآنَتَيْن بالفاكهة..\nوبَدَلَ الخيامِ التي لا تَقي من حَرّ الصيفِ وزَمْهريرِ الشتاء،\nوَعَدَهم بِقُصورٍ مُشَيَّدَة، فيها غُرَفٌ من فوقِها غُرَفٌ مبنية، ولا يَرَوْنَ فيها شَمْسًا ولا زَمْهَريرًا..\nوبَدَلَ النساءِ البدويَّات، وَعَدَهم بأزواجٍ من الحورِ العين، لم يطمثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، وجعلهنَّ أَبكارًا عُرُبًا أَتْرابًا..\nوبدلَ الحرمانِ من الخَدَم وَعَدَهم بولدانِ الحور، يُقَدِّمونَ لهم ما لَذَّ من الشَّراب..\nوبَدَلَ طعامِ الفاقة وَعَدَهم بلحْمِ الطير..\nوبَدَلَ الجوعِ والفاقةِ وشَظَفِ العيش، وَعَدَهم بجناتٍ فيها أَنهارٌ من ماءٍ غيرِ آسِن، وأَنهارٌ من لبنٍ لم يتغيَّرْ طعْمُه، وأَنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين، وأَنهارٌ من عَسَلٍ مُصَفّى ... \".\nإنَّ الجنةَ التي يراها الفادي خاليةٌ من النعيمِ المادّي، فليس فيها أَشجارٌ\nولا أَنهارٌ، ولا قُصورٌ وغُرَف، ولا أَسِرَّةٌ وبُسُط، ولا ملابسُ وأَساور، ولا\nنِساءٌ ولا ولْدان، ولا خَدَمٌ ولا حورٌ عين، ولا طَعامٌ ولا شَراب، ولا استمتاعٌ ولا شَهوة، ولا مُلْكٌ ولا أَرض ...\nومع هذا يُسَمِّيها جنة، ولا أَدري كيفَ تكونُ جَنَّةً وهي خاليةٌ من كلّ هذه المظاهرِ للنعيمِ والاستمتاع؟!!\nوزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ المسيحَ - ﵇ - نفى وُجودَ نعيم مادّيٍّ في الجنة.\nقال: \" أين هذه الصفاتُ من قولِ المسيح: \" في القيامة لا يُزَوَّجون ولا\nيَتَزَوَّجون، بل يَكونونَ كملائكةِ اللهِ في السماءِ \" [متى: ٢٢ -.٣] .\nوقولِه أيضًا:\n\" لأَنَّه ليسَ ملكوتُ اللهِ أَكْلًا وشُرْبًا، بل هو بِرٌّ وسَلامٌ وفَرَحٌ في الروح\nالقدس \". [رومية: ١٤ - ١٧] \".\nيَنسبُ الفادي للمسيحِ - ﵇ - أَنَّ المؤمنين يَكونونَ في الجنة بدونِ طَعامٍ أَوْ شراب أو زواج، فهم كالملائكةِ الذين لا يَأَكلُون ولا يَشْرَبون ولا يتزوَّجون، وحياتُهم في الجنةِ مُجَرَّدُ فَرَحٍ وسُرورٍ وبِر وسَلام!!.","vol":"1","page":313},{"text":"وأَوردَ الفادي خرافاتٍ حولَ نعيمِ الجنة، نَسَبَها لرسولِنا محمدٍ - ﷺ -، وزَعَمَ أَنَّ رسولَنا قال: إِنَّ لكلّ مؤمنٍ قصورًا كثيرةً في الجنة، في كُلّ قَصْرٍ سَبْعون دارًا من ياقوتٍ أَحْمر، في كل دارٍ سَبْعونَ بيتًا من زُمُردٍ أَخْضَر، في كُلّ بيتٍ سَرير، على كُلِّ سَريرٍ سَبْعون فِراشًا من كُلِّ لون، على كُلِّ فراشٍ سَبْعون زوجةً من، الحورِ العين، وفي كُلِّ بيتٍ سَبْعون وَصيفة، وسَبْعون مائدة، وعلى كُلِّ مائدةٍ سَبْعون لَوْنًا من الطعام، ويتزوَّجُ الرجلُ في الجنةِ خمسَمئةِ حوراء، وأَربعةَ آلافِ بِكْر، وثمانيةَ آلافِ ثَيّب!.\nوهذا كلامٌ مَكْذوبٌ على رسولِنا محمدٍ - ﵇ -، لم يَقُلْه، وفيه طابَعُ المبالغةِ والمغالاة ...\nوهو كَلامٌ مَرْفوضٌ عندنا لأَنه لم يَصِح عن رسولِ اللهِ - ﷺ - ومعلومٌ أَنّ الجنةَ من عالمِ الغيب، ولا نأخذُ عالَمَ الغيبِ إِلّا من آياتِ القرآنِ الصريحة، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ -!.\nوأَنهى الفادي المفترِي اعتراضه على حديثِ القرآنِ عن الجنةِ بادّعاءٍ\nكاذب، قال: \" ولم يَذْكُر القرآنُ أَنَّ في هذه الجنةِ سعادةً روحيةً في محبةِ\nالخالقِ وتسبيحه! \".\nولقد ذَكَرَ القرآنُ السعادةَ العاليةَ التي يَكونُ عليها المؤمنونَ فى الجنة،\nوالفرحَ والسرورَ الذي يُظَللُ حياتَهم.\nفوجوهُهم ناضرة، ضاحكةٌ مستبشرة.\nقالَ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .\nوقالَ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) .\nوقالَ تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) .\nويَحمدونَ اللهَ على ما أَنعمَ به عليهم، ويتذكَّرونَ ما كانوا عليه في\nالدنيا.\nقالَ تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) .","vol":"1","page":314},{"text":"ومِنْ سُرورِهم وسَعادتِهم الروحيةِ في الجنة إِذْهابُ الحَزَنِ عنهم فيها.\nقال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥) .\nومن سعادتِهم الغامرةِ في الجنةِ أَنهم لا يَسمعونَ فيها إِلّا ما يُحبون\nسَماعَه.\nقال تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦) .\nوتَأتيهم الملائكةُ، يَدْخلونَ عليهم، ويُرَحِّبونَ بهم ويُبَشِّرونَهم.\nقال تعالى: (أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) .\nومن سعادَتِهم الغامرةِ أَنَّ اللهَ يُحِلُّ عليهم رِضوانَه، ويُخبرُهم بذلك،\nوهذا الرضوانُ أَكبرُ من كُلِّ مظاهرِ نعيمِ الجنة، من طَعامٍ وشَرابِ وزَواجٍ\nولباس.\nقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢) .\nتنصّ الآيةُ على أَنَّ الرضوانَ الذي يُحِلّهُ اللهُ على المؤمنين والمؤمناتِ\nفي الجنةِ أَكبرُ مِن كُلِّ مظاهرِ النعيمِ المادّيِّ فيها.\nووَضَّحَ رسولُ اللهِ - ﷺ - هذا المعنى.\nفقد روى البخاريّ ومسلمٌ عن أَبي سعيدِ الخُدْرِيّ - ﵁ - قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \" إِنَّ اللهَ ﵎ يَقولُ\nلأَهْلِ الجَنَّة: يا أَهْلَ الجَنَّة.\nفيقولون: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْك.\nفيقول: هل رضيتُم؟\nفيقولون: وما لَنا لا نَرْضى، وقد أَعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أَحَدًا من خَلْقِك.\nفيقول: أَنا أُعطيكُم أَفْضَلَ من ذلك.\nقالوا: يا رَبَّنا: وأَيُّ شيءٍ أفضلُ من ذلك؟\nفيقول: أُحِلُّ عليكم رِضْواني، فلا أَسْخَطُ عليكم بعدَه أَبَدًا \".\nأَبَعْدَ هذه الآيات ِ القرآنيةِ الصريحة، التي تُصَوِّرُ ما يكونُ عليه المؤمنونَ","vol":"1","page":315},{"text":"في الجنةِ من سَعادةٍ ونَضرَةٍ وفَرَحٍ وسُرور، يَأتي الفادي المفْتَري ليَتَّهِمَ القرآنَ\nبأَنه لم يَذْكُرْ شيئًا عن هذه السَّعادَة؟!.\nإِنَّ اللهَ يُكرِمُ المؤمنينَ في الجنة، بكُلِّ مَظاهرِ النعيم، سواء كان نَعيمًا\nمادّيًّا، مُمَثَّلًا في الجَنّاتِ والأَشْجارِ والأَنْهار والقُصورِ واللِّباسِ والطَّعامِ\nوالشَّرابِ والحُورِ العين.\nأَو كان نَعيمًا معنويًّا، مُمَثّلًا في سَعادتِهم وفَرحهِم وسُرورِهم ونَضْرَتِهم..\nقال تعالى: (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>أرواح الشهداء وأجواف الطيور الخضر</span>\nخَطَّأَ الفادي المفترِي القرآنَ في حديثِه عن حياةِ الشهداءِ عندَ رَبِّهم، كما\nخَطَّأَ رسولَ اللهِ - ﷺ - في إِخبارِه عن كونِ أَرواحِ الشهداءِ في أَجوافِ طُيورٍ خُضر، واعترضَ على كلامِ القرآنِ عن البرزَخ.\nقالَ اللهُ عن البرزخ: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) .\nوالبرزَخُ هو المرحلةُ الانتقاليةُ التي يَكونُ عليها الأَمواتُ من البَشَرِ في\nقُبورِهم، بانتظارِ قيامِ الساعة، وهم إِمّا \" مُنَعَّمونَ في قُبورِهم إِنْ كانوا مُحْسنين، وإِمّا مُعَذَّبون في قُبورِهم إِنْ كانوا مُسيئين، والقَبْرُ إِمّا روضَةٌ من رياضِ الجَنَّة، وإِمّا حُفرَةٌ من حُفَرِ النّار، كما أَخبرَ رسولُ اللهِ - ﷺ -\nوعَلَّقَ الفادي على كلامِ القرآنِ عن البرزخِ بقوله: \" والبرزَخُ هو مكانُ","vol":"1","page":316},{"text":"الأَرواح، فيه تُحْفَظُ أَرواحُ الأَشْرار، فلا يَقْدِرونَ على الرُّجوعِ إِلى الحياةِ\nالدنيا \".\nوكلامُه غيرُ صحيح، فالبرزخُ ليسَ مَكانًا لحفْظِ أَرواحِ الأَشْرارِ\nفقط، وإِنَّما هو مكانّ لكُلِّ النّاس، مُؤْمِنين وكافِرين، ومُحْسِنين ومُسيئين، لأَنه مرحَلَةٌ حتميةٌ لما بَعْدَ الموت.\nكما أَنَّ البرزخَ ليسَ مَكانًا للأَرْواحِ فقط، وإِنما هو مكانٌ لكُلِّ إِنسان،\nبجسْمِه وروحِه وكيانِه كُلِّه.\nوقد أَخَبَرنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ كُلَّ إِنسَانٍ عندما\nيوضَعُ في قَبْرِه، تُرَدّ له روحُه في جَسَدِه، ويأْتيهِ الملَكانِ فَيُجْلِسانِه ويَسأَلانِه،\nفإِنْ أَجابَ كانَ مُنَعَّمًا في قَبْرِه، وإنْ لم يُجِبْ كان مُعَذَّبًا.\nفنَعيمُ القبرِ أَو عَذابُه ليسَ للروحِ فقط، لكنَّه للروحِ مع الجَسَدَ.\nلكنَّ البرزخ من عالَمِ الغيب، ولا يُقاسُ بمقاييسِنا الماديةِ الدنيوية، فلو\nفَتَحْنا قَبْرًا ماتَ صاحِبُه قبلَ عشراتِ السنين فلنْ نَجِدَ فيه جِسْمًا ولا روحًا،\nولا نَعيمًا ولا عَذابًا، ولن نَجِدَ فيه إِلا تُرابًا، ولا يَعْني هذا أَنَّ صاحبَه صارَ\nتُرابًا حقيقة، إِنما هو بروحِه وجَسَدِهِ في عالَمِ الغيب، وهو مُنَعَّمٌ أَو مُعَذَّبٌ في\nقبرِه، ويَعِيشُ حياتَه البرزخيةَ بانتظارِ قِيامِ الساعة!.\nأَما حياةُ الشهداءِ عندَ الله، فقد ذَكَرَها القرآنُ في قولِه تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) .\nوهذه الآيات ُ نازلةٌ بعدَ غزوةِ أُحُد، في السنةِ الثالثةِ من الهجرة، التي\nاستُشْهِدَ فيها مَن اسْتُشْهِدَ من الصحابة، فأَخْبَرَ اللهُ أَهْلَهم عن حياتِهم.\nوهذا ما أَكَّدَهُ وَوَضَّحَهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -.\nروى مسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - ﵁ - قال: سأَلْنا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن هذه الآية: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) .","vol":"1","page":317},{"text":"فقال: \" أَرواحُهم في جوفِ طَيْرٍ خُضرٍ، لها قناديلُ مُعَلَّقَةٌ بالعرش،\nتَسرحُ من الجنةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثم تَأوي إلى تلك القناديل \".\nوروى أَبو داود عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -، قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \" لما أُصِيْبَ إِخوانُكُم بأُحُد، جَعَلَ اللهُ أَرواحَهم في جوفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنهارَ الجنة، تَأَكُلُ من ثِمَارِها، وتَأَوي إِلى قناديلَ من ذَهَب مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العرش..\nفلما وَجَدوا طِيبَ مَأكَلِهِمْ ومَشْرَبِهم ومَقيلِهم، قالوا: مَنْ يُبَلغُ إِخوانَنا عَنّا أَنّا أحياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ، لِئَلّا يَزْهَدوا في الجهاد، ولا يَنْكُلوا عندَ الحرب؟\nفقالَ الله: أَنا أُبَلِّغُهُم عنكم! فأنزل قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) ... .\nوقد اعترضَ الفادي على كَلامِ رسولِ الله - ﷺ -، واعتبرَ جَعْلَ أَرواحِ الشُّهداءِ في أَجْوافِ طُيورٍ خُضْرٍ لا يَتفقُ مع كرامَةِ الإنسان.\nقال: \" ونَحنُ\nنسألُ: إِنْ كانَ اللهُ خَلَقَ الإنسانَ على أَحْسَنِ تَقْويم، فكيفَ إذا ذَهَبَ إِلى الجنةِ يُنَزِّلُهُ مَنزلةَ الطير؟\nويَتناسَخُ الأشرارُ في النارِ إِلى قردةٍ وخَنازير، والأَبرارُ في الجنةِ إِلى طيورٍ وعصافير؟ \".\nواعتراضُه يَدُلُّ على جَهْلِه وسَخافَةِ تَفْكيره، فلا يَدُلُّ حَديثُ رسولِ اللهِ - ﷺ - على أَنَّ اللهَ يُحَوّلُ الشُّهداءَ من بَشَر إِلى طيورٍ وعَصافير، إِنما يَدُلُّ على أَنَ اللهَ يُكْرِمُهم بعدَ استشهادِهم، فلا يُبقي أَرواحَهم مع أجسادِهم في الدنيا، وإنما يَستقدِمُها إِلى الجنة، ويَجعلُها في\nحواصلِ طيورٍ خُضْر، تتمتَّعُ في الجنةِ حيثُ شاءت، وتَسرحُ فيها بينَ أَنْهارِها وأَشْجارِها وثمارِها، وتأوي لَيْلًا إِلى قناديلَ مُعَلَّقَةٍ قي ظِلِّ العرش.\nوهذا كُلُّهُ في الدنيا، فأَجسادُهم بَقِيَتْ في قُبورِهم، وأَرواحُهم هي التي\nاسْتَقْدَمَها اللهُ إِلى الجنة، فليسَ في الأَمْرِ تناسُخٌ ولا اسْتِنْساخ، ولا إِهانَةٌ\nواحْتقار للشهيد، بتحوِيلِه من إنسانٍ مُكَرَّمٍ إلى عُصفور!.","vol":"1","page":318},{"text":"أَمَّا يومُ القيامة فإِنَ اللهَ يَبعثُ الشُّهداءَ كما يَبعثُ الناسَ الآخَرين، ويَسيرونَ\nإلى الموقفِ بأَرواحِهم وأَجسادِهِم، ثم يُدخِلُهم اللهُ الجنةَ برحمتِه، ويكونونَ فيها بَشَرًا أَسْوياء، مُعَزَّزين مُكرَّمين، على أَرقى وأَكملِ الصُّوَرِ البشرية!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>حول تأخر الوحي عن رسول الله - ﷺ </span>-\nذَكَرَ الفادي المفترِي خُرافةَ مَوْتِ جَرْوٍ تحتَ سريرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، مما جَعَلَ الوحْيَ يتأَخَّرُ عنه أَيامًا، ولم يَنزلْ عليه إِلا بعدَ إِخراجِ جُثَّةِ الجرو، وجَعَلَ المفترِي عنوانَ الموضوعِ تَهَكُّمِيًّا: \" جَرْوٌ يُعَطِّلُ الوَحْيَ! \".\nونَسَبَ هذه الخرافةَ إِلى تَفسيرِ البيضاوي.\nوزَعَمَ أَنَّ خُرافةَ الجَرْوِ الميتِ سببٌ في نُزولِ قولِه تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .\nقالَ الفادي: \" قال البيضاوي: رُوِيَ أَنَّ الوحْيَ تَأَخَّرَ عن رسولِ اللهِ\nأَيامًا..\nلأَنَّ جَرْوًا مَيتًا كانَ تَحْتَ سَريرِه..\nفقالَ المشركون: إِنَ محمدًا وَدَّعَهُ رَبُّه وقَلاه، فَنَزَلَت رَدًّا عليهم \".\nوجعل الفادي المفترِي نفسَه عالِمًا بالحديث، خَبيرًا بالتَّصحيحِ\nوالتضعيف، فَزَعَمَ أَنَّ روايةَ الجَرْوِ المَيِّتِ مرويةٌ بسَنَدٍ صَحيح! قال: \" ...\nورُوِيَ بإِسنادٍ صَحيحٍ أَنَّ جَرْوًا دَخَلَ بيتَ محمد، فاتَ تحتَ السرير، فماتَ، فانْقَطَع الوحْيُ عنه، فقال محمدٌ لخادمتِهِ خَوْلَة: يا خَوْلَة! ماذا حَدَثَ في بيتي؟\nجبريلُ لا يَأتيني..\nفَقُلْتُ في نَفسي: لو هَيَّأتُ البيتَ فَكَنَسْتُه، فأَهويتُ بالمكنسَةِ تَحْتَ السَّرير، فأَخْرَجْتُ الجَرْوَ ...\nفجاءَ محمدٌ يَرْعَدُ بجُبَّتِه، وكانَ إذا نَزَلَ الوَحْيُ أَخَذَتْه الرعدةُ، فقال: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .","vol":"1","page":319},{"text":"وهذه الروايةُ مكذوبةٌ موضوعة، رَغْمَ ورْودِها في بَعْضِ كُتُبِ المأثور،\nومِن غَيْرِ المقبولِ والمعقولِ أَنْ يَموتَ جَرْوٌ تَحْتَ سَرِيرِ رسولِ الله - ﵇ -، وأَنْ تَبْقى جُثَّتُه تحتَ السَّرير أَيامًا عَديدةً، بدونِ أَنْ تَخْرُجَ رائحتُها المنتنة، أَو أَنْ يَنْتَبِهَ لها أَحَد.\nوأَثارَ الفادي المفترِي على الروايةِ المكذوبةِ أَسئلةً تهكميةً خبيثة، قال:\n\" ونحنُ نسأَلُ: أَيُّ نوعٍ من الوحي هذا الذي يَنقطعُ عن البَشَر بسببِ جَرْوٍ؟\nوأَيُّ مَلاكٍ هذا الذي يُقاطِعُ نبيًّا بسببِ جَرْوٍ؟\nوما دَخْلُ الجَرْوِ في الوحي؟\nأَلمَ يَكُنْ أَغَلَبُ الأَنبياءِ كإِبراهيمَ وإِسحاقَ ويعقوب وموسى وداودَ رُعاةَ أَغْنامٍ\nوتَحْرُسها الكلاب؟\nفلماذا لَمْ نَسمعْ بمقاطعة السَّماءِ لهم من أَجْلِ كِلابِهم؟ ... \".\nوكلُّها أَسئلةٌ متهافتةٌ لأَنها تتعلقُ بروايةٍ مَكْذوبةٍ موضوعة، وهي تَدُلُّ على\nجَهْلِ الفادي وتحامُلِهِ، وحِرْصِه على إِثارةِ الشبهاتِ ضدَّ القرآن، ولو لم يَكُنْ\nعليها دَليلٌ أَوْ بُرْهان!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>هل تذهب الحسناتُ السيئاتِ</span>؟\nأَخْبَرَنا اللهُ أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئات، فقالَ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) .\nوقد اعترضَ الفادي المفترِي على هذهِ الآية، وعلى استشهادِ الرسولِ - ﷺ - بها.\nقال: \" روى الترمذيُّ عن أَبي البُسْرِ قال: أَتَتْني امرأةٌ تَبْتاعُ تَمْرًا، فقلتُ:\nإِنَّ في البيتِ تَمْرًا هو أَطْيَبُ منه، فدخلَتْ معي البيتَ، فأَهْوَيْتُ عليها،","vol":"1","page":320},{"text":"فقبَّلتُها ...\nثم ذَهَبَ إِلى محمد - ﷺ - وأَخْبَرَه بما كان، فأَطْرَقَ محمدٌ طويلًا، ثم قالَ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .\nفقالَ: يا رسولَ الله! أَهي لي خاصَّة أَمْ للنّاسِ عامة؟\nقال: بل للنّاسِ عامة \".\nوالذي صَحَّ في نُزولِ الآيةِ ما رواهُ البخاريُّ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا أَصابَ من امرأةٍ قُبْلَة، فأَتى رسولَ الله - ﷺ - فَذَكَرَ له ذلك، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .\nتَدُلُّ الحادثةُ على أَنَّ أَحَدَ المسلمين زَلَّتْ قَدَمُه، وارتكبَ ذَنْبًا، حيثُ\nقَبَّلَ امرأةً قُبْلَةً مُحَرَّمَة، ثم استيقظَ ضَميرُه، وشَعَرَ بِذَنْبِهِ، واستغفَرَ اللهَ، وتابَ إِليه، وأَتى النبيَّ - ﷺ - مُسْتَسْلِمًا، واضِعًا نَفْسَه بينَ يَدَيْه، ليَحْكُمَ فيه بأَمْرِه.\nولاحَظَ الرسولُ - ﷺ - صِدْقَ الرجلِ في تَوبتِه، وإقلاعَهُ عن ذَنْبِه، وحِرْصَه على الإكثارِ من الحسنات، فأَخبره أَنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات!!.\nوقد صَرَّحَ الرسول - ﷺ - في حديثٍ آخَرَ أَنَّ الصلواتِ الخمس تُكَفِّرُ الذُّنوبَ، وشَبَّهَها برَجُلٍ يَغْتَسلُ في نَهْرٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ في اليوم.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن أَبي هريرة - ﵁ - أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقول: \" أَرأَيْتُم لو أَنَّ نَهْرًا ببابِ أَحَدِكم\nيَغتسلُ فيه كُلَّ يومٍ خَمْسَ مَرّات، هل يَبقى من دَرَنه شَيءٌ؟ \" قالوا: لا يَبْقى من دَرَنهِ شيء.\nقال: \" فذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمسِ يمحو اللهُ بهنَّ الخَطايا \".\nوروى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: \" الصلواتُ الخمسُ، والجمعةُ إِلى الجمعةِ، كَفَّارَةٌ لما بينهنّ، ما لم تُغْشَ الكَبائِر \".\nوقد رَفَضَ الفادي ما قَرَّرَتْه الآية، وما أَكَّدَهُ رسولُ الله - ﷺ - وطَرَحَ حولَها أَسئلتَه التشكيكيةَ، فقالَ: \" ونحنُ نَسألُ: كيفَ يَقترفُ الناسُ الشُّرور، ثمَّ يُكَفِّرونَ عنها بالصلواتِ الخمس؟\nأَلا يُنافي هذا قداسة اللهِ وعَدْلَه؟\nفإنه لا يُمكنُ التكفيرُ عن الخطيئةِ إِلّا بَسَفْكِ دَمٍ، كقولِ الإنجيلِ: \" بدون سَفْكِ دَمٍ لا تَحْصُلُ","vol":"1","page":321},{"text":"مَغْفِرَة \" وكيفَ يَسْتَخِفّونَ بخطِيئةٍ هي أَشنَعُ وأَفظعُ شَيْءٍ أَماْمَ الله \".\nلقد قَدَّمَ الفادي طريقًا شاقًّا للتوبةِ والتكفير، لا تَتَّفِقُ مع عقِيدَتِه\nالنصرانية، إِنَّه لا توبةَ ولا تَكْفيرَ إِلّا بسَفْكِ دَم، وبدونِ سَفْكِ دَمٍ لا تَحصُل\nمغفِرة!! فما مَعْنى هذا؟\nهل يَجِبُ على المذنبِ أنْ يَقتلَ نَفْسَه ليغفرَ اللهُ له؟\nأَلا يؤمنُ النَّصارى أَنَّ المسيحَ هو الفادي؟\nوأَنَّ اللهَ شاءَ أَنْ يُصْلَبَ ابْنُه ليكونَ فِداءً للبَشَرِ جَميعًا حتى قِيامِ السّاعة؟\nوأَنه لا داعِيَ لأَنْ يَستغفرَ المذْنبون، فقد فَداهُم الفادي بنفسِه..\nفكيفَ يَقولُ المفْتَري الآنَ: إِنه لا مَغفرةَ إِلّا بسَفْكِ دَمٍ؟!.\nأَمّا ادّعاؤُه أَنَّ الآيةَ وحديثَ رسولِ اللهِ - ﷺ - تُجَرِّئُ المسلمينَ على ارتكاب الذنوب، وتَدْعوهم إِلى الاسْتِخفافِ بالمعاصي، فهذا افتراءٌ باطل، لأَنَّ الآياتِ القِرآنيةَ وأَحاديثَ رسول الله - ﷺ - تَدْعو إِلى تَقْوى الله ومراقبتِه وتعظيم مقامِه، وعَدَمِ معصيتِه، فإذا أَخْطَأَ المسلمُ بدونِ قَصْدِ، وَوَقَعَ في ذنْبٍ بدون تَعَمُّد، ثم استغفرَ اللهَ وأَكثر مَن مظَاهر عبادتِه وطاعتِه فإنّ اللهَ يغفرُ له.\nلهذا المسلم التائبِ، المنيبِ لرَبّه، المقْلعِ عن ذَنْبِه، الذي عَملَ\nالحسناتِ بعدَ السيئات، تُوَجَّهُ الآيةُ، تَرغيبًا له في الاستمرارِ على طريقِه\nالإِيجابيِّ بعدَ التوبة: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)، كما تُوَجَّهُ له أَحاديثُ\nرسولِ الله - ﵇ - المرغبةُ في فِعْلِ الحسناتِ بعدَ السيئات.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>من الذي صُلب: المسيح أم شبيهه</span>؟\nسَبَقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في مسألة صَلْبِ المسيح - ﵇ - وموتِه ورَفْعِه إِلى السماء، عندما أَثارَ موتَ المسيحِ ثم حياتَه بعدَ موتِه، وذَكَرْنا ما قالَه القرآنُ حولَ ذلك.","vol":"1","page":322},{"text":"وقد عادَ الفادي إِلى هذا الموضوع، وخَصصَ له مَبْحثًا خاصًّا، وهو\nالسؤالُ الثامنُ والتسعون، الذي جَعَلَ عنوانه: \" خِدْعَة إِلْقاءِ شبهِ المسيحِ على غيرِه \".\nاتهمَ الفادي المفترِي القرآنَ بالتناقُضِ في حديثِه عن عيسى - ﵇ -، فأَحيانًا يَذْكُرُ أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوهُ ولم يَصْلُبوهُ، وإِنما قَتَلوا وَصَلَبوا شَبَهَه، وأَحيانًا يذكُرُ أَنهم قَتَلوا المسيحَ ودَفَنوه، ثم أحياهُ اللهُ بعدَ موتِهِ، ورَفَعَهُ إِلى السَّماء!!.\nقالَ: \" جاءَ في سورةِ النساء: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) .\nبسببِ هذه الآيةِ القرآنيةِ الواحدةِ يُنْكِرُ بعضُ المسلمين صَلْبَ المسيح،\nمع أَنَّ في القرآنِ ثلاثَ آياتٍ تقطعُ أَنَّ المسيحَ تُوُفِّيَ ومات، وبُعِثَ حَيًّا، ورُفِعَ إِلى السماء.\nوهي: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .\nو(كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) .\n(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) \".\nثم قال: \" ونحنُ نَسأل: كَيْفَ يَقولُ القرآنُ مرةً: إِنَّ المسيحَ لم يُصْلَبْ\nولم يُقْتَل، بل رُفِعَ حَيًّا، ويَقولُ مِرارًا: إِنه تُوُفِّيَ وماتَ ثم رفِعَ حَيًّا؟!.\nوإِنْ جازَ أَنْ يُقالَ: إِنَّ اللهَ يُلقي شَبَهَ إِنسانٍ على آخَر، أَلا يَفتحُ هذا بابَ\nالشَّكِّ في كلِّ شَيء؟\nفإِذا رأيتَ زيدًا، يُحتملُ أَنه ليسَ بزَيْد، بل أُلْقِيَ شَبَهُ زيدٍ\nعليه، وعند ذلك لا تَبْقى على الأَرضِ حقيقة! بل إِنّنا نَشُكُّ في التَّواتر، لأَننا\nنتساءل إِنْ كانَ ما رواهُ الأَوَّلونَ حقًّا أَو شَبيهًا بالحَق، بل إِنَّنا نَشُكُّ في\nالشرائعِ التي جاءَ بها أَشباهُ الأَنبياءِ، بل الأَنبياءُ أَنفسُهم! وهل في إِلْقاءِ الشَبَهِ","vol":"1","page":323},{"text":"على آخَرَ ليَقْتُلَه اليهودُ بَدَلَ المسيح شيءٌ من العَدْلِ على الرجلِ المقْتول؟\nأَلَا يَظُنُّ اليهودُ أَنَّ اللهَ يُعِزُّ المسيحَ ويُكْرِمُه؟\nإِنَّ الذينَ يُنكرونَ الصلْبَ يَرسمونَ\nلنا اللهَ إِلهًا يَرضى بالغِشِّ والكذِب \".\nلقد أَثارَ الفادي المفترِي في كلامِه مجموعةً من الإِشكالاتِ\nوالمغالطات، ويُمكنُ الرَّدُّ عليها في النقاط التالية:\n١ - زَعَمَ أَنَّ القرآنَ مُتَناقِضٌ في حديثِه عن نهايةِ المسيح - ﵇ -، فقالَ: إِنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوه ولم يَصلبوه، وإِنما شُبِّهَ لهم، وقالَ: إِنّ عيسى تُوُفِّيَ وماتَ ثم بُعِثَ حَيًّا، وصَعَدَ إِلى السّماء.\nوهذا زَعْمٌ باطلٌ مردود، فلم يَتَناقض القرآنُ في حديثِه، ولا تَناقُضَ بين\nالآياتِ القرآنيةِ التي تتحدَّثُ عن الموضوعِ الواحد، وإِذا كان هناكَ تَناقُضٌ أَو\nتَعارض فهو موهوم، ناتِجٌ عن سوءِ فَهْمِها، ويُمكنُ إِزَالةُ ذلك التعارضِ بإِمْعانِ النظرِ فيها، وإِحسانِ فَهْمِها، ودِقَّةِ الجَمْعِ بينها.\n٢ - المعْتَمَدُ في أَمْرِ المسيحِ - ﵇ - آياتُ سورةِ النساء، التي تُصَرِّحُ أَنَّ اللهَ حمى رسولَه عيسى - ﵇ -، وعَصَمَه من كيدِ اليهود، فلما أَتَوْا بالجنودِ الرومانِ لصَلْبِه وقَتْلِه، أَلْقى اللهُ شَبَهَهُ على أَحَدِ تلاميذِه المتَبَرِّعين، فأَخَذوا المؤمنَ المتَبَرِّعَ، وقَتَلوهُ وصَلبوهُ على أَنه عيسى، ثم أَنْزَلوهُ ودَفَنوه! أَمّا عيسى - ﵇ - فقد أَنْجاهُ اللهُ وعَصَمَه وحَماه، ورَفَعَه إِلى السماءِ مُباشَرَة، فلم يُصَبْ بأَذى.\n٣ - لم يَتَحدث القرآنُ عن صَلْبِ عيسى ودَفْنِه وموتِه، ثم قيامَتِه حَيًّا من\nقَبْرِه، كما ادّعى الفادي ذلك ونَسَبَهُ للقرآن.\nوقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ في مَعْنى قولِه تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nوخُلاصةُ مَعْنى الآيةِ: أَنه بعدَ أَنْ أُلْقِيَ شَبَهُ عيسى - ﵇ - على ذلك الشابَ المتطوّع، بحيثُ صارَ كَأَنَّه عيسى تَمامًا، أَلقى اللهُ النومَ على","vol":"1","page":324},{"text":"عيسى - ﵇ -، فنامَ وهو وسطَ تَلاميذِهِ الحَوارِيّين، في تلك الليلةِ المثيرة، وتوفّاة اللهُ بأَنْ أَنامَه، ثم رَفَعَه إِلى السماءِ وهو نائم، وكان ذلك بروحِه وجَسَدِه، وتَمَّ بآيةٍ خارقةٍ ومعجزةٍ باهرةٍ من الله!.\nفليسَ معنى قولِه: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ): سأَسْمَحُ لليهود بصلْبِك\nوقَتْلِك ودَفْنك، وأَكونُ بهذا قد أَمَتُّكَ وَتَوَفَّيْتُكَ، ثم أْحْييكَ بعدَ دفنِك مباشرة، وأَرفعكَ إِلَيَّ حَيًّا.\nكما يؤمنُ بذلك الفادي وأَهْلُ مِلَّتِهِ من النصارى.\nوإِنما مَعْناها: إِنّي مُنيمُك، ورافِعُكَ إِلَيَّ وأَنتَ نائِم، وبذلك أُطهِّرُكَ من الذين كَفَروا، فلم تَمتدَّ أَيديهم إِليكَ بسوء.\n٤ - لا يَدُلّ قولُه تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ): لما\nأَمَتَّني عَلى الصليب، كما فهمَ ذلك الفادي المفترِي، إِنّما المرادُ بها هنا\nالوفاةُ الحقيقيةُ، التي سَيَتَوَفّى اللهُ بها عيسى - ﵇ -، عندَ انتهاءِ أَجَلِه، وذلك بعدَ نزوله في آخرِ الزمان، حيث سيتوَفّاهُ اللهُ ويُميتُه كما يَتَوَفّى ويُميتُ أَيَّ إِنْسان!.\n٥ - أَمّا قولُه تعالى: (وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) فليس كما فهمَه الفادي المفترِي، بما يَتفقُ مع هَواه، من أَنه ماتَ\nودُفِنَ، ثم بَعَثَه اللهُ حَيًّا بعد ذلك ورَفَعَه إلى السماء، وإنما يُخبرُ عن\nالمراحلِ الثلاثةِ التي يَمُرُّ بها عيسى - ﵇ -، كما يَمُرُّ بها كلُّ إِنسان، وهي ميلادُه، ثم موتُه، ثم بعثُه حيًّا يومَ القيامة.\nفعيسى الحيّ الآنَ في السماءِ، سيُنْزِلُهُ اللهُ في آخرِ الزمان، ثم يُميتُه، ثم يَبْعَثُه حَيًّا يومَ القيامة كما يَبْعَثُ باقي الناس.\nوبهذا نُزيلُ التناقضَ الموهومَ بين الآيات، ونَعْرِفُ من القرآنِ أَنَّ اليهودَ\nلم يَقْتُلوا عيسى ولم يَصْلبوه، وأَنامَه اللهُ، وتوفّاه تَوَفِّيَ نَوْمٍ، ورَفَعَه إِليه وهو\nنائم، وسيُنزلِهُ في آخرِ الزمان، ويُميتُه كما يُميتُ باقي البشر، ويبعثُه حَيًّا يوم القيامة كما يَبْعَثُ باقي البَشَر!!.","vol":"1","page":325},{"text":"٦ - لا يَتَرَتّبُ على إِلقاءِ شَبَهِ عيسى - ﵇ - على تلميذه المتطوِّعِ\nالإِشكالاتُ التي ذَكَرَها الفادي، لأَن هذا أَمْرٌ خاصٌّ أَرادَهُ الله، ومعجزةٌ\nخاصَّةٌ قَدَّرَها الله، ليحميَ بها عَبْدَه ورسوله عيسى - ﵇ -، ولا يَصيرُ ذلك الشابُّ المؤمنُ على شَكْل عيسى - ﵇ - إِلّا بأَمْرِ الله، ولا يُؤَدي هذا إِلى الشَكِّ في الحقائقِ والأَشياءِ والأَشخاص، لأَنَّ هذه المعجزةَ لا تُعَمَّم على الجميع! كما أَنه ليسَ في الأَمر ظلمٌ للشاب المتطوِّع، الذي أُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ على أَنه عيسى - ﵇ -، لأَنه تبرعَ بذلك ورضيَ به، طالِبًا الأَجْرَ من الله، حيثُ استَجابَ لدعوةِ عيسى - ﵇ -: \" مَنْ منكُم يَرْضَى أَنْ يُلقى عليه شَبَهي، فيؤْخَذَ ويُقْتَلَ، ويكونَ معي في الجنة؟ \".\nفقالَ ذلك الشاب: أنا.\n٧ - الجملةُ الأَخيرةُ من كلامِ الفادي فاجرةٌ قَبيحةٌ مرذولة: \" إِنّ الذينَ\nيُنْكرونَ الصَّلْبَ يَرسمونَ لنا اللهَ إِلهًا يَرضى بالغِشِّ والكَذِب! \".\nأَيْ أَنَّ ذلك الشابَّ الفدائى المتطوِّعَ كان كاذِبًا غَشّاشًا عندما صارَ شَبيهًا بعيسى - ﵇ -، علمًا أَنَّ الأَمْرَ لم يَتِمَّ بفعْلِه، إِنما تَمَّ بفعلِ الله، وبما أَنَّ اللهَ الذي أَرادَ ذلك وفَعَلَه فهو الصوابُ الذي لا خَطَأ فيه!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>حول تكفير الصوم للخطايا</span>\nوَقَفَ الفادي المفترِي أَمَامَ تكفير صومِ رمضانَ للخطايا، وفَضْلِ ليلةِ\nالقَدْرِ فيه، التي هي خيرٌ من أَلْفِ شَهْر، وأوردَ أَحاديثَ لم تَصح عن\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، ثم اعترضَ عليها.\nبعدَما سَجَّلَ آياتِ سورةِ القَدْرِ قال: جاءَ في حديثٍ عن ابنِ عباس: \" إذا\nكانَتْ ليلةُ القَدْرِ أَمَرَ اللهُ جبريلَ أَنْ يَنزلَ إِلى الأَرض، ويَنزلَ معه سَبعُونَ أَلْفَ\nمَلَك، سُكان سدرةِ المنْتَهى، ومعهم أَلويةٌ من النّور، فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في","vol":"1","page":326},{"text":"المسجدِ الحرام ومسجدِ محمد وبيتِ المقدس، ويُرَكِّزُ جبريلُ لواءً أَخضرَ على\nظهرِ الكعبة..\nثم تَتَفرقُ الملائكةُ في أَقطارِ الأَرضين، فيَدْخُلونَ على كُلِّ\nمؤمن، يَجِدونَه في صلاةٍ أَو ذِكْرٍ، يُسَلِّمون عليه ويُصافحونَه، ويُؤَمِّنونَ على دُعائِه، ويَستغفرونَ لجميع أُمَّةِ محمدٍ حتى مَطْلَعِ الفجر ... \"!! وفي حديث آخَر: \" إِنَّ اللهَ يُعتقُ في كُلًّ يَوْمٍ من رمضان ستَّمئةِ أَلْفِ عَتيقٍ من النار، فإِذا كانَ آخْرُ يومٍ منه أَعتقَ بقَدْرِ ما مَضى! \".\nوالحَديثان اللَّذان ذَكَرَهما لَيْسا صحيحين، ولم يَقُلْهما رسولُ الله - ﷺ -، وفيهما مبالغةٌ واضحة غيرُ مقبولة.\nوانظرْ إلى شيطنةِ وخُبْثِ الفادي المجرم، في قولِه عن المساجدِ الثلاثة:\n\" فَيُرَكّزونَ أَلويتَهم في المسجدِ الحرامِ ومسجدِ محمدٍ وبيتِ المقدس \".\nالروايةُ التي نقلَها تقول: \" المسجدُ الحرامُ والمسجِدُ النبويُّ وبيتُ المقدس \".\nفَحَذَفَ المفتري المحَرِّفُ كلمةَ \" المسجدِ النبوي \"، وَوَضَعَ مكانها \" مسجدَ محمد \"!.\nوذلك ليَنْفي نُبُوَّةَ محمدٍ - ﷺ -، لأَنه لا يؤمنُ بأَنه رسولُ الله، وإِنما هو كاذب مُفْتَرٍ مُدَّعٍ، ادّعى أَنه نبيّ، وأَلَّفَ القرآن، ولذلك يَحرصُ في كتابِه على حَذْفِ أَيِّ كلمةٍ تُشيرُ إِلى نبوَّتِه، فيحذفُها ويَضَعُ مكانَها اسْمَه المجرَّدَ! حتى لو أَدّى ذلكَ إِلى التلاعبِ بالنَّصِّ الذي أَمامَه وتحريفِه، وهذا مما لا يتفقُ مع الأَمانةِ العلميةِ في التعامُلِ مع النصوصِ المخالفة!.\nوقد اعترضَ الفادي على الحديئَيْن اللذين أَوردَهما، وخَطَّاَ القولَ بأَنَّ\nالصومَ يُؤَدّي إِلى مغفرةِ الخطايا.\nقال: \" ونحنُ نَسْأَل: هل مجردُ صومِ رمضانَ\nيُؤَدّي إلى الخَلاصِ، ويَغفرُ الخَطايا؟\nأَلا يُنافي هذا عَدْلَ اللهِ وقَداسَتَه؟\nلقد وَفَّقَ اللهُ بحكمَته بينَ عَدْلِه ورحمتِه، وجَعَلَ المسيحَ بتجسّدِه يَموتُ عن\nالخُطاة، ليخَلِّصَهم من الخطيَّة، ويَمنحَهم القوةَ للعيشةِ بالبِرّ والقَداسَة.\nإِنَّ الاتكالَ على رحمةِ اللهِ فقط دونَ النظرِ للفداءِ يَطْعَنُ في عَدْلِ الله، فيكونُ اللهُ كمَلِكٍ يُصدرُ قانونًا، ويَتَهاونُ في تنفيذِه، فلا يُعاقِبُ كاسِريه! \".","vol":"1","page":327},{"text":"واعتراضُ الفادي على تَكفيرِ الصوْمِ للخَطايا دَليلِّ على جهْلِه، فالمؤمنُ\nعندما يَصومُ يَقومُ بجهدٍ وعَمَلٍ وكسْب، ويَفعلُ الخير، مُتَقَرِّبًا به إِلى الله،\nويُكافؤُه اللهُ على جهدِه وعملِه بتكفيرِ خطاياه، ومضاعفةِ حَسَناتِه، وماذا في\nذلك؟\nولماذا لا يَتفقُ هذا التكفيرُ مع عَدْلِ الله؟\nولماذا يُؤَدّي القولُ بهذا إِلى اتِّهامِ اللهِ بالتهاونِ في تَنفيذِ عِقابِه والتراجعِ عنه؟!.\nإِنَّ اللهَ واسعُ المغفرة، يتقبَّلُ الصالحاتِ من عبادِه الصالحين، ويَتعامَلُ\nمعهم برحمتِه وكَرَمِه، فيضاعِفُ لهم الحسنات، وهو يُريدُ منهم أَنْ يَتَّقوهُ\nويُطيعوه، فإِذا أَذْنَبوا ثم تَابوا واسْتَقاموا، وعَمِلوا الطاعات، فيقبَلُهم ويَعفو\nعنهم، واللهُ غفورٌ رحيم، يَغمرُ التائبين العابدين برحمتِه وفَضْلِه!!.\nوأَيُّهما الأَدْعى للإِنكارِ والاعتراضِ والتخطئة؟\nفكرةُ الإِسلام عن تكفيرِ العباداتِ من صلاةٍ وصوم للذنوبِ والخطايا، أَو فِكرةُ النصرانيةِ عن الخَلاص والفداء؟\nالتي تَقومُ على أَنًّ اللهَ ضحَّى بابنِه المسيح، وأَذِنَ أَنْ يُقْتَلَ ويُصْلَبَ ليكونَ\nفاديًا للناسِ جميعًا، وكان دَمُ ابنِه المسيح المسفوكُ تَكفيرًا لجميعِ ذُنوبِ المذنبين\nحتى قيامِ الساعة! ولا داعي لأَنْ يَتوبَ هؤلاء المذنبون، ولا أَنْ يَسْتَغْفِروا الله، ولا أَنْ يَعْمَلوا الصالحات، ولا أَنْ يَتَوَقَّفوا عن المعاصي! فاللهُ ضَحَّى بابنِه\nالمخَلِّصِ الفادي من أَجْلِهم!! باللهِ هذا كلامٌ؟!\nوهذا دين؟!\nوقائلُ هذا الكلامِ هل هو مُوَحِّدٌ لله؟\nوهل هو مُؤَهَّلٌ للاعتراضِ على الإِسلام وتخطئتِه في كلامِه عن\nتكفيرِ الخطايا بالعملِ الصالح؟\nصَدَق في كلامِ الفادي الجاهلِ قَولُ الشاعر:\nهذاكَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... مَعْناهُ لَيْسَتْ لنا عُقولُ\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>نفي النبوة عن نسل إسماعيل - ﵇ </span>-\nيَحصرُ الفادي المفترِي وأَهْلُ مِلَّتِه النبوةَ في بني إِسرائيلَ من نَسْلِ\nإِبراهيمَ - ﵇ -، ويَنْفونَ النبوةَ عن نَسْلِ إِسماعيل - ﵇ -، وهذا مَعْناهُ أَنهم يَنْفونَ نُبُوَّةَ محمدٍ - ﷺ -.","vol":"1","page":328},{"text":"وبَحَثَ الفادي المفترِي في القرآنِ نفسِه عن دليلٍ يَحصرُ فيه النبوةَ ببني\nإِسرائيلَ، ويَنفي نبوةَ محمدٍ - ﷺ -! وادَّعى أَنَّه وَجَدَ آيتَيْن تُصَرِّحانِ بذلك!.\nقالَ: جاء في سورة الجاثية (١٦): (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦) .\nوجاء في سورة العنكبوت (٢٧): (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا) .\nوخَرَجَ من الآيَتيْن بنتيجةٍ فاجرة! قال: \" وهذا تَصريحٌ بأَنَّ النبوةَ محصورةٌ\nفي بَني إِسرائيلَ دون سواهم، وهي تُوافقُ رَأَيَ التوراة، التي تُحَذِّرُ بَني إِسرائيلَ مِنْ قَبولِ مَنْ يَدَّعي أَنه نبيّ من ذريةِ إِسْماعيل \".\nثم ذَكَرَ الفادي المفترِي نُصوصًا من سِفْرِ التكوينِ تُصَرِّحُ بذلك، منها:\n\" قالَ إِبراهيمُ لله: ليتَ إِسْماعيلَ يَعيشُ أَمامَك! فقال الله: بل سارةُ امرأَتك تَلِدُ لك ابْنًا وتَدْعو اسْمَه إِسحاق، وأُقيم عَهدي معه عَهْدًا أَبدِيًا لنَسْلِه منْ بَعْده! \".\nهذا النَّصُّ يَنفي نُبُوَّةَ إِسْماعيل - ﵇ -، ويَرفعُ البركةَ عنه، وكأَنَّه ليس ابنَ إبْراهيمَ - ﵇ -، ويَخُصُّ البركةَ والنبوَّةَ بإِسحاق - ﵇ - ونَسْلِه وذرِّيَّتِه!! وهذا كَلامٌ باطل، وهو من تأَليفِ الأَحبار، وهو مَردودٌ لأَنَّهُ يَتعارَضُ مع القرآنِ الذي صَرَّحَ بنبوةِ إِسْماعيلَ - ﵇ -.\nويَنقلُ الفادي المفْتَري من سِفْرِ التكوينِ المفترى قولَ اللهِ لإِسْحاق:\n\" وأُكَثِّرُ نَسْلَكَ كَنُجومِ السماء، وأُعْطي نَسْلَكَ جميعَ هذه البلادِ، وتَتَبارَكُ في نَسْلِكَ جَميعُ أُمَمِ الأَرض \"!.\nكما يَنقلُ قولَ اللهِ ليعقوبَ الهاربِ من أخيه عيسو: \" ويكونُ نَسْلُكَ كَتُرابِ الأَرض، وتمتَدُّ شَرْقًا وغَرْبًا وشمالًا وجَنوبًا، ويَتَبارَكُ فيك وفي نَسْلِكَ جَميعُ قبائلِ الأَرض \".\nوقد كَذَّبَ القرآنُ كَلامَ الأَحبار، فاللهُ لم يُعْطِ إِبراهيمَ - ﵇ - وَعْدًا مُطْلَقًا مَفْتوحًا، له ولذريَّتِه من نَسْلِ إِسحاقَ فقط، إِنما جعلَ الإمامةَ في الصَّالحينَ من","vol":"1","page":329},{"text":"ذريتِه، سواءٌ كانوا من نَسْلِ إِسماعيلَ أَو من نَسْلِ إِسْحاق، وحَرَمَ الظالمينَ\nالكافرين من عَهْدِه وفَضْلِه.\nقال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) .\nثم مَنْ قال: إِنَّ نَسْلَ إِسحاقَ ويَعقوبَ أَكثرُ الأَقْوامِ نَسْلًا، وأَنَهم لا\nيُحْصَوْنَ لكثرتِهم، وأنَّهم كتُرابِ الأَرضِ ونُجومِ السماء؟\nإِنَّ الواقعَ يُكَذَبُ ذلك، فاليهودُ في هذه الأَيامِ لا يَزيدونَ عن خمسةَ عَشَرَ مَلْيونًا في العالمِ أَجْمع، وكثيرٌ منهم لَيْسوا من أُصولٍ يَهوديةٍ إِسرائيلية، أَيْ ليسوا من نَسْلِ إِسحاقَ ويَعقوبَ - ﵉ -، وإنما هم من أُصولٍ غير إِسرائيليةٍ دَخَلَتْ في الديانةِ اليهودية!.\nوقد ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ النبوةَ محصورةٌ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإسحاقَ\nويَعقوبَ - ﵈ - قال: \" فالبركَةُ للعالَمِ والعهدُ الإِلهيُّ عن النسلِ الموعودِ به يَنحصرُ في نَسْلِ إِبراهيمَ وإِسحاقَ ويَعقوبَ إِلى المسيح \".\nومعنى قولِه هذا نفيُ نُبوَةِ الأَنبياءِ السابقين من غيرِ بَني إِسرائيل، والكفرُ\nبهم، مثلُ هودٍ وصالحٍ وشعيبِ عليهم الصلاة والسلام، والكفرُ بهم كفرٌ بالله، فهذا مظهرٌ من مظاهر كُفْر الفادَي بالله.\nوصرَّحَ الفادي المفترِي بعدَ ذلك بنفيِ نُبُوَّةِ محمدٍ - ﷺ -.\nقالَ: \" فإذا كانت النبوةُ محصورةً في بَني إِسرائيل، حسبَ شَهادةِ التوراةِ والإِنجيلِ والقرآن، فكيف يكونُ محمدٌ نبيًا؟ \".\nإِنَّ المفْتَري يَفْتَرِي ويَكْذِبُ على القرآن، ويَدَّعي أَنَّ القرآنَ حَصَرَ النبوةَ\nفي بَنِي إِسرائيل، وهذا كَذِبٌ على القرآن، فقد ذَكَرَ القرآنُ قَصَصَ أَنبياءٍ من غيرِ بَني إِسرائيل، مثلُ: نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ ومحمد، عليهم الصلاة والسلام.\nوقد صرَّحَ المفترِي بكفْرِهِ الصريح في نَفْي نبوةِ محمدٍ - ﷺ -: \"فكيفَ يَكونُ محمدٌ نبيًا؟ \"\nوهو بهذا يُكَذِّبُ الآيات ِ القرآنيةَ الكثيرةَ التي تُصَرِّحُ بنبوةِ","vol":"1","page":330},{"text":"محمدٍ - ﷺ - \" كقولِه تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .\nوهذا مظهرٌ آخَرُ من مظاهر كُفْرِه بالله!.\nويُكَذِّبُ الفادي المجرمُ القرآنَ في تصريحِه بنبوةِ إِسماعيلَ - ﵇ -.\nقال: وكيفَ يقولُ القرآن: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)،\nثم يَقولُ: إِنَّ محمدًا وَحْدَه نبيُّ العرب، وقَبْلَه لم يُرْسَلْ لهم نبيٌّ: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)،\nوقال: (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) .\nيُريدُ المفْتَري أَنْ يَتَّهِمَ القرآنَ بالتناقُضِ، فهو يَذْكُرُ أَنَّ إِسماعيلَ - ﵇ - كانَ رسولًا نبِيًا، ثم يَذْكُرُ أَنَّ اللهَ لم يَبْعَثْ رسولًا نبيًّا للعَرَبِ قبل محمدٍ - ﷺ -.\nمع أَنه لا تَناقُضَ بين آياتِ القرآن، فإِسماعيلُ بنُ إِبراهيمَ - ﵉ - بَعَثَهُ اللهُ رسولًا إِلى العربِ الذين كانوا في مكةَ، عندما تَمَّ بِناءُ الكعبة، وبذلك ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ؤرسالتُه!..\nولما نفى اللهُ وُجودَ رسولٍ نذيرٍ للعرب في الحجازِ قبلَ نبوةِ\nمحمدٍ - ﷺ - إِنما أَرادَ نَفْيَ وُجودِ نبيٍّ من زَمنٍ قريب، لأَنَّ آخِرَ الأَنبياءِ هو عيسى - ﵇ -، وهو خاتَمُ أَنبياءِ بني إِسرائيل.\nوأَخْبَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - عن عدمِ وُجودِ أَنبِياءَ بينَه وبينَ عيسى - ﵇ -، وهي مدةُ ستةِ قُرونٍ تقريبًا، فالآياتُ التي نَفَتْ إِرسالَ نَذيرٍ للعَرَبِ في الحجازِ تحدَّثَتْ عن الفترةِ بينَ عيسى ومحمد - صلى الله عليهما وسلم - ولَا تَمتَدُّ هذِه الفترةُ لتَنْفي نبوةَ إِسماعيل، الذي كانَ قبلَ محمدٍ\nعليهما الصلاة والسلام بأَكثرَ من أَلْفَيْ سنة!.\nإِنَّ إِسماعيلَ نبيٌّ رسولٌ ﵊، وإِنَّ محمدًا رسولُ الله\nوخاتَمُ النبيين - ﷺ -، هذا ما ذَكَرَهُ القرآن، وهذا ما نُؤمنُ به، ومَنْ أَنكرَ نُبُوَّتَهما - كالفادي المجرمِ - فهو كافرٌ بالله، لأَنه كَذَّبَ ما قالَه اللهُ في القرآن..\nوليست النبوةُ محصورةً في بني إِسرائيلَ كما ادَّعى الفادي المفترِي، فهناكَ أَنبياء من غيرِ بني إِسرائيل، مثلُ هودٍ وصالحٍ - صلى الله عليهما وسلم -، لأَنَّ اللهَ بَعَثَ لكلِّ أُمَّةٍ نذيرًا، كما قالَ","vol":"1","page":331},{"text":"تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) .\nمع أَنَّ معظمَ الأَنبياءِ المذكورين في القرآنِ إِنما بُعِثوا لبني إسرائيل، وكانوا من بَني إِسْرائيل!!.\nووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ بعضِ الآياتِ التي تُثْني على إِسحاقَ\nويعقوب، واستدلَّ بها على عدمِ نبوةِ إِسماعيل.\nقال: \" وذَكَرَ القرآنُ مِرارًا أَنَّ إِسحاقَ (الابنَ الثاني لإِبراهيم) ويَعقوبَ (حفيدَه) هما هبةُ اللهِ لإِبراهيم، دونَ ذِكْرِ إِسماعيلَ (مع أَنه بِكْرُ إِبْراهيم) فقال: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا)، وقال: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) \".\nوما خَرَجَ به الفادي المفترِي من الآياتِ غَيْرُ صَحيح، فبينما اكْتَفَتْ\nبعضُ الآياتِ بذكْرِ إِسحاقَ ويعقوب، فقد ذَكَرَتْ آياتٌ أُخرى إِسماعيل، وأَثْنَتْ عليه كما أَثْنَتْ عليهما، عليهم جميعًا الصلاة والسلام.\nفالآياتُ التي ذكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ - ﵇ - في سورةِ مريم، تَلَتْها آياتٌ أَثْنَتْ على إِسماعيلَ - ﵇ -، حيثُ قالَ اللهُ عنه: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) .\nوسورةُ الأَنبياءِ التي أَثْنَتْ على إِسحاقَ ويعقوب﵉ -: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) .\nأَثْنَتْ بعدَ ذلك على إِسماعيلَ - ﵇ -: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) .\nوسورةُ الأَنعامِ التي ذَكَرَتْ إِسحاقَ ويَعقوبَ - ﵉ -: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا)، ذَكَرَتْ إِسماعيل - ﵇ - بعد ذلك: (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) .\nوسورةُ الصافات التي تحدثَتْ عن إِسحاقَ: (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) .","vol":"1","page":332},{"text":"تَحَدَثْتَ عن إِسماعيلَ غَظبز قبلَ ذلك، وذكرتْ قصةَ الذبْحِ والفِداء: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) .\nولما حَضَرَ يعقوبَ - ﵇ - الموت وأَرادَ أَنْ يطمئِنَّ على تَدَيُّنِ أَولادِه، سأَلَهم عن مَنْ سيَعْبُدونَ من بعده؟\nفذكروا أنهم سيعبدونَ إِله آبائِه، ومنهم عَمُّه إِسماعيلُ، قال تعالى: (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) .\nوقُدِّمَ إِسماعيلُ على إِسحاقَ ضمنَ ذِكْرِ مجموعةٍ من الأَنبياء، وذلك في\nقولِه تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>هل بلاد العرب للمسيح - ﵇ </span>-؟\nذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تُخْبِرُ أَنَّ نصارى مَخْصوصينَ هم أَقربُ الناسِ\nمَوَدة للمؤمنين.\nقال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) .\nولا ننسى أَنَّ هذه الآيةَ لا تَتحدثُ عن كُلِّ النَّصارى، وإنما عن نصارى\nمخصوصين، هم القِسّيسون والرُّهبانُ الذينَ كانوا مع النَّجاشيِّ مَلِك الحبشة،","vol":"1","page":333},{"text":"والذين تَأَثَّروا بالقرآنِ عندما سمِعوه، وفاضَتْ أَعْيُنُهم من الدَّمْع، وأَعْلَنوا\nإِيمانَهم بالقرآنِ وبالنبيِّ - ﷺ -.\nوهذا ما صَرَّحَتْ به الآياتُ التي بَعْدَ تلك الآية:\n(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) .\nولا تَتَحَدَّثُ الآياتُ عن النَّصارى الأَعداءِ المقاتلين الصليبيّين، الذين\nجَهّزوا الجيوشَ وغَزَوا بلادَ المسلمين، وسَفَكوا دِماءَهم! كما أَنها لا تتحدَّثُ\nعن النَّصارى الذين حارَبوا القرآن، وشَكَّكوا فيه، وخَطَّؤُوه، وَذمّوه وانتهكوه، من أَمْثالِ هذا الفادي المُعادي!.\nوقد جَعَلَ الفادي عنوانَ سُؤالِه الواحِدِ بَعْدَ المئة: \" بلادُ العَرَبِ\nللمسيح \"! وهو عنوانٌ خطيرٌ مُثير، سَجَّلَ فيه الفادي اَمالَه في أَنْ تكونَ بِلادُ\nالعَرَبِ للنَّصارى، بأَنْ يَتَنَصَّرَ أَهْلُها!.\nوقالَ المفترِي في كلامِه: \" انتشرت المسيحيةُ في بلادِ العَرَب، ودَخَلَتْ\nقبائِلُها فيها، حِمْيَرُ وغَسَّانُ ورَبيعُ ونَجرانُ والحيرة، وكان بعضُ العربِ\nحاضِرين عيدَ الخمسين في أُورشليم، فحملوا أَخبارَ المسيحيةِ لبلادِهم ...\nفلماذا اضطهدَ المسلمون المسيحيّين، فَقَتَلوا بعضَهم، وأَجبروا بعضَهم على\nالإِسلام، ونَفَوا الباقين؟ \".\nوكلامُ الفادي غيرُ صَحيح، فلم تَنْتَشر النصرانيةُ في بلادِ العَرَب، ومعظمُ\nالقبائلِ العربيةِ لم تَتَنَصرْ، وبَقِيَتْ على وثنيتِها، والذين تَنَصروا بعضُ القبائلِ\nالعربية على أَطْرافِ بلادِ العَرَب، مثلُ نجران في منطقةِ تهامة والغساسنةِ في\nشمالِ الجزيرة على حدودِ الشام والرومان، والمناذرةِ على حُدودِ فارس.\nولما جاءَ الإِسلامُ، وجاهَدَ المسلمونَ الكافِرين، وفَتَحوا بلادَ الشامِ","vol":"1","page":334},{"text":"والعراق، طَرَدوا الرومانَ من مِصْرَ والشام، وجَعَلوها بلادًا إِسْلامية، وأَخْضعوا سُكّانَها لسلطان المسلمين، ولم يَضطهدوا النَّصارى فيها، ولم يُجْبِروهم على الدخولِ في الإسلام، لأَنه لا إِكْراهَ في الدين.\nومَكَّنوا النَّصارى من حريةِ الاختيارِ بدونِ إِكْراه، فدخَلَ معظمُهم في الإِسلام، والذين بَقوا على النصرانيةِ لم يَتَدَخَّلْ بهم المسلمون!.\nثم ما دَخْلُ هذا الكلامِ عن النَّصارى في بلادِ العرب بأَخطاءِ القرآن؟\nوالفادي خَصَّصَ كِتابَه لاكتشافِ وتَسجيلِ أَخطاءِ القرآن!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>هل أكلت الشاة القرآن</span>؟\nذَكَرَ الفادي المفترِي آيةَ سورةِ الحِجْرِ التي تَكَفَّلَ اللهُ فيها بحفْظِ القرآن،\nوهي قولُه تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .\nوذَكَرَ خرافةً تَتَنَاقَضُ مع الآية، تَقومُ على أَكْلِ شاةٍ للوَرَقِ المكتوبِ عليه\nالقرآن!\nقال: \" روى ابنُ ماجه: قالَتْ عائشة: إِنَّ آيةَ الرَّجْمِ والرَّضاعةِ\nنَزَلَتا ... وكانَ القرطاسُ المكتوبتانِ فيه تَحْتَ فِراشي.\nوماتَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حينئذٍ، وفيما أَنَا مشغولةٌ بموتِه دَخَلَتْ بَهيمةٌ وأَكَلَت القرطاس \"!.\nوهذه خُرافةٌ مكذوبةٌ موضوعةٌ باطلة، لم تَرِدْ في حديثٍ صَحيح، وَرَدَّها\nعلماءُ الحديث.\nولا يَعْتَمِدُها إِلّا صاحبُ هوى مثلُ الفادي المفتري!!\nوَهَب الحادثةَ حَصَلَتْ، وأَنَّ الشاةَ أَكَلَت الورقَ المكتوبَ عليه بعضُ آياتِ القرآن، الموجودِ في بيتِ عائشة، فهل معنى هذا أَنه ضاعَ بعضُ آياتِ وسورِ القرآن؟\nالتي أَكَلَتْها الشاة لم تَكُنْ هي النسخةَ الوحيدةَ المدوَّنَةَ من القرآن، بل كانَتْ\nهناك عشراتُ النُّسَخِ في بيوتِ الصحابة، يمكنُ أَخْذُ الآياتِ المأكولةِ من أَيِّ\nنسخةٍ منها! إِلّا إِذا هاجَمَت الغنمُ البيوتَ كُلَّها في وقتٍ واحد، وبَلَعَت النُّسَخَ كُلَّها في لحظةٍ واحدة!!.","vol":"1","page":335},{"text":"وكم كانَ الفادي بَذيئًا فاقِدَ الذوقِ والأَدَبِ والحياءِ في تَعليقِه السَّمِجِ\nعلى تلكَ الأُكذوبة، حيثُ قال: \" فإِذا كان القرآنُ أَقوالَ الله، فلماذا لم\nيَحْفَظْهُ اللهُ من الضَّياعِ في جوفِ بَهيمة؟ \".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>حول إحراق عثمان المصاحف</span>\nأَثارَ الفادي الشبهاتِ حولَ إِحراقِ عثمانَ - ﵁ - المصاحفَ المخالفةَ لمصحَفِه، واعتبرَ هذا طَعْنًا في صحةِ القرآنِ وحِفْظِه، ودَليلًا على أَنَّ القرآنَ ليسَ من عندِ الله.\nويَتناقضُ مع قوله تعالى: (وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) .\nفالآيةُ تُقررُ أَن سنةَ اللهِ لا تَتَبَدَّل، وعثمانُ بَدَّلَ القرآن، وهذا معناهُ\nأَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، فلو كان كلامَ اللهِ لمنَعَ اللهُ عُثمانَ من تبديلِهِ إ!.\nقال الفادي المفترِي في تَعْليقِه على الآيةِ السابقة: \" أحرقَ عثمانُ بنُ\nعَفّان - ثالثُ الخلفاءِ الراشدين - جميعَ نُسَخِ القرآنِ التي تَختلفُ عن نسخَتِه، وأَبقى على نسختِه التي كَتَبَها هو.\nونحنُ نسأل: أَليستْ جَميعُ الأَقوالِ التي تَختلفُ عن نسخةِ عُثْمان قُرآنًا؟\nفلماذا أَحْرَقَها؟\nولماذا لم تُحْفَظْ من الضَّياعِ بالنار إِنْ كانَتْ أَقوالَ الله؟\nولماذا بَدَّلَ قرآنًا بقُرآن، وأَحرقَ الواحدَ وأَبقى على الآخر؟ \".\nيَكذبُ الفادي عندما يَدَّعي أَنَّ عُثمانَ كَتَبَ نسخَتَه من القرآن، وأَنه حَرَقَ\nكُلَّ النسخ المخالفةِ لها، ومَنْ يقرأُ هذا الكلامَ يَظُنُّ أَنَّ عُثمان أَلَّفَ القرآنَ من\nعنده، وأَنه حَرَّفَه وغَيَّرَه وبَدَّلَه، واستَغَلَّ منصبَه باعتباره خليفَةً، لإِقرارِ واعتمادِ نسختِه المبَدَّلَة المحَرَّفَة، وإِتلافِ جميعِ النسخِ الأُخْرى المخالفةِ لها.\nولا يَتَّسِعُ المجالُ للحديثِ المفَصَّلِ عن جَمْعِ القرآنِ وحِفْظِه والمراحلِ\nالتي مَرَّ بها، إِنما نُشيرُ إِشارةً سريعةً إِلى ذلك.","vol":"1","page":336},{"text":"لقد جُمِعَ القرآنُ أَيامَ رسولِ الله - ﷺ - بطريقَتَيْن: جَمْعُهُ في الصُّدور، بإِتْقانِ حِفْظِه من قِبَلِ الآلافِ الحُفّاظِ من الصحابة.\nوجَمْعُهُ في السُّطور، بكتابتِه على أدواتِ الكتابةِ الميَسَّرةِ في عصرِهم، وهذا تَمَّ على أَيْدي العشراتِ من الصحابة..\nحيث كان الصحابيُّ يَكتبُ على أَوراقِهِ بعضَ سورِ القرآن التى يَخْشى نِسيانَها، فمنهم مَنْ كَتَبَ كُلَّ القرآن، ومنهم مَنْ كَتَبَ نِصْفَه أَو ثلثَه أَو\nربعَه أَو بعضَ سورِه.\nوفي خلافةِ أَبي بكرٍ الصديقِ - ﵁ - بدأَتْ حركَةُ الجهاد، واستُشْهِدَ كثيرٌ من حُفّاظِ القرآن في المعارك، فدعَت الحاجةُ إلى جَمْع القرآن، وأَلْهَمَ اللهُ عمرَ - ﵁ - أَنْ يُشيرَ على أبي بكرٍ - ﵁ - بذلك، وكَلَّفَ أبو بكرٍ زيدَ بنَ ثابتٍ - ﵁ - بذلك.\nفكتبَ زيدٌ النسخةَ الأُولى من المصحف، وسَجَّلَ فيها القرآنَ\nمُرَتَّبَ السورِ والآياتِ كما أَمَرَ اللهُ رسولَه - ﷺ -، في العَرْضةِ الأَخيرةِ التي حَضَرَها زيدُ بنُ ثابت - ﵁ -.\nوكان زيدِّ لا يكتبُ أيةَ آيةٍ في المصحف إِلا بعدَ أَنْ يأتِيَه صحابيٌّ يَحفظُها حِفْظًا مُتْقَنًا، ويأتيهِ بها مكتوبةً عنده، ومعه شاهِدٌ آخرُ\nمن الصحابة، وكان زيدٌ نفسُه حافظًا مُتْقِنًا.\nوبهذا كان يشهدُ على كلِّ آيةٍ أربعةٌ من الصحابةِ الحافظين، وكانت الآية مدَوَّنَةً مكتوبة.\nووُضعت النسخةُ المعتَمَدَةُ من المصحفِ والتي أَجمعَ عليها جميعُ\nالصحابةِ عندَ أَبي بكر، ثم عندَ عُمر، ثم عندَ حفصة بنت عمر - ﵄ -.\nوالذي دَعا إِلى اْلجمعِ الثالثِ للقرآنِ في خلافةِ عثمانَ هو بَقاءُ النُّسَخِ\nالخاصَّةِ مِن مصاحفِ بعضِ الصحابة في بيوتِهم، ولم تَكنْ على طريقةٍ واحدةٍ\nكما ذكرنا، فأَدّى هذا إِلى اختلافٍ في بعْضِ تلك النُّسَخ، في ترتيبِ بعضِ\nالسور والآيات، للأَسبابِ التي أَشَرْنا لها، وكانَ كُلُّ واحدٍ يُقْرِئُ الآخرين من نسختِه التي قد تخالفُ بعضَ النسخ، فأَلهم اللهُ حذيفةَ بنَ اليَمانِ - ﵁ - أَنْ يُشيرَ على الخليفةِ عثمان بجمعٍ جديدٍ للقرآن، لاعتمادِ النسخةِ الجديدةِ وإِلغاءِ ما سِواها من النسخ المخالفة!.","vol":"1","page":337},{"text":"فشكَّلَ عثمانُ لجنةً من الصحابةِ برئاسةِ زيدِ بنِ ثابتٍ لإِعادة جَمْع\nالقرآن، على أَساسِ النسخةِ التي كَتَبَها زيدٌ زمنَ الصديق، وأجمعت اللجنة\nعلى النسخةِ الجديدة، ثم نَسَخَ منها عدةَ نُسَخ، أُرسلَتْ إلى العواصمِ\nالإِسلامية في مكةَ واليمن والبصرة والكوفة والشام، وأَجمعَ الصحابةُ على\nاعتمادِ تلكَ النّسْخَة، بعدَ تَرَدُّدٍ من بعضِهم كعبد الله بن مسعود - ﵁ -، الذي عادَ ووافقَ الصحابةَ على إِجماعهم.\nوسُمِّيَ ذلك المصحفُ \" المصحفَ العثمانيَّ \"، نسبةً إلى الخليفةِ عثمانَ الذي جُمِعَ في عهده، وبما أَنه نالَ إِجماع جميعِ الصحابة وإِقْرارَهم، لذلك سُمّيَ \" المصحفَ الإِمامَ \"!.\nعند ذلك أَمَرَ عُثمانُ - ﵁ - أَيَّ صَحابيٍّ عَنْدَه مصحفٌ كاملٌ أَو جزءٌ منه، أَو بعضُ سورٍ منه أَنْ يَحرقَ ما عندَه، لأَنه قد يختلفُ في ترتيبِ بعضِ آياتِه وسورِه عن ما جاءَ في \" العَرْضَةِ الأَخيرة \"، التي عَرَضَ فيها جبريلُ القرآنَ على رسولِ الله - ﷺ -.\nوبذلك أُحْرِقَتْ تلكَ النُّسَخُ غيرُ الكاملةِ للقرآن، واعْتُمِدَ\nالمصحفُ العثماني الإِمامُ، وكان هذا من مظاهرِ حفظِ اللهِ للقرآن!.\nولقد مَدَحَ عليّ بنُ أَبي طالب عندما كان أَميرًا للمؤمنين جَمْعَ عثمانَ\nللمصحف، وإِحْراقَه المصاحفَ المخالفة بقولِه: لا تَقولوا في عثمانَ إلّا\nخَيْرًا، فواللهِ ما فَعَلَ ما فَعَلَ إِلّا عن موافقةٍ مِنّا، ولو كنتُ مكانَ عُثْمانَ لفعلْتُ ما فَعَلَ عُثْمان!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>كيف يضل الله الإنسان ثم يعذبه</span>؟\nذَكَرَ الفادي سِتَّ آياتٍ تُخبرُ أَنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدي مَنْ يشاء، منها\nقولُه تعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)،\nوقولُه تعالى: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) .","vol":"1","page":338},{"text":"واعترضَ على ما تُقَرِّرُهُ هذه الآيات، واعتبرَه لا يَتفقُ مع رحمةِ اللهِ\nوعَدْلِه؟\nقال: \" ونحنُ نَسأل: أَيُّ إِلهٍ هذا، الذي يُضلُّ الناسَ الذينَ خَلَقَهم،\nليَملأَ بِهم جهنَّم، بعدَ أَنْ قضى بهذا منذُ الأَزَل قضاءً مُبرمًا لا مَفَرَّ منه\nبالضَّلالةِ والعذاب؟\nفأينَ كَرامةُ الإِنسان؟\nوأَينَ حريةُ إِرادتِه؟\nوما معنى الأَوامِرِ والنَّواهي والشرائعِ، والترغيبِ بالثوابِ والتحذيرِ بالعقاب؟ \".\nيُريدُ الفادي أَنْ يَقول: كيفَ يُضلُّ اللهُ النّاسَ الذينَ خَلَقَهم؟\nوكيفَ كَتَبَ عليهم الضلالَ منذُ الأَزَل؟\nوكيف خَلَقَهم إِلى النار؟\nوإِذا كانوا مَخْلوقينَ إِلى النارِ فأَين إِرادَتُهم واختيارُهم؟\nوما فائدةُ التكاليفِ والشرائعِ والأَوامر؟.\nيتكلمُ الفادي عن قضيةٍ معروفةٍ في الفكر الإِسلاميِّ بقضيةِ \" الجَبْرِ\nوالاختيار \" وهل الإِنسانُ مُسَيَّر أَو مُخَيَّر؟\nوكَثُرَ حولَهَا الكلامُ عند رجالِ الفرقِ الإِسلامية.\nوقد كانَ كَلامُ القرآنِ واضِحًا حولَ هذه القضية.\nونُلَخِّصُ الكلامَ عنها بالإِشاراتِ السريعةِ التالية:\nاللهُ الخالقُ لكُلِّ شيءٍ في هذا الوُجود، وكُلُّ شيء يكونُ بإِذْنِ الله\nومشيئتِه وإِرادتِه، وحاشَ لله أَنْ يَقعَ شيء في الكونِ رَغْمًا عنه، فالخيرُ والشرّ، ْوالكفرُ والإِيمان، والطاعةُ والمعصية، كلُّ ذلك بإِرادتِه سبحانه، لكنَّه لا يَرضى الكفْرَ والمعصيةَ والشَّرّ، ولا يَقْبَلُ ذلك من أَصحابِه، ولذلك يُعاقِبُهم عليه، أَمّا الإِيمانُ والطاعةُ فإنه يَرضاهما، ويقبَلُهما من أصحابهما، ويثيبهُم عليهما!.\nوكَرَّمَ اللهُ الإِنسانَ الذي خَلَقَه، ومَنَحَه القدرةَ على اختيارِ ما يُريد، ولم\nيُجْبِرْه على أَيِّ شيء، إِيمانًا أَو كفرًا، طاعةً أَو معصية، فالإِنسانُ يخْتارُ طريقَه بحريتِه وإِرادتِه، يُمكنُ أَنْ يَختارَ الإِيمانَ والطاعةَ بحريتِه وإرادتِه، ويمكنُ أَنْ يَختارَ الكفرَ والضلالَ بإِرادتِه وحريتِه، واللهُ لا يُجْبِرُه على هذا، ولا على هذا!!.","vol":"1","page":339},{"text":"لكنَّ الإِنسانَ لا يَختارُ إِحدى الطريقَيْن إِلّا بمشيئةِ اللهِ وإذنِه وإِرادتِه؟\nلأَنه لا يَحدثُ شيءٌ في الكونِ إِلّا بإِذْنِه ومشيئَتِه كما قَرَّرْنا، فالمؤمنُ يؤمنُ\nبمشيئةِ الله، والكافرُ يكفُرُ بمشيئةِ اللهِ أَيضًا!.\nومشيئةُ اللهِ مشيئَةُ علْمٍ أَوَّلًا، أَيْ أَنَّ اللهَ يَعلمُ أَنَّ فُلانًا سيؤمن، وأَنَّ فلانًا\nسيكْفُر، وعِلْمُه بذلك منْذُ الأَزَل، قبلَ خَلْقِه سبحانه السمواتِ والأَرض،\nفيكونُ إِيمانُ المؤمنِ وكُفْرُ الكافرِ تَحْقيقًا لما عَلِمَه اللهُ وشاءَه وقَدَّرَه وأَرادَه!.\nومن المعلومِ أَنَّ اللهَ لا يُحاسِبُ الإِنسانَ إِلّا على ما كَسَبَه وعَمِلَه وفَعَلَه،\nفهو سبحانه لا يُحاسِبُه على ما عَلِمَه منه، ولكنْ يُحاسبُه بعد فِعْلِه المتفقِ مع ما عَلِمَه منه، وهو مُخَيَّرٌ في ما سيفْعَلُه ويَختارُه!.\nمن الآيات ِ الصريحةِ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ قولُه تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠) .\nومنها قولُه لعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) .\nومنها قولُه تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) .\nوإذا كانَ الإِنسانُ يؤمنُ بإِذْنِ الله، ويكفُرُ بإِذْنِ الله، بالمفهومِ الذي\nوَضَّحْناه، كان الإِيمانُ والهُدى بيدِ الله، وكانَ الكفْرُ والضَّلالُ بيدِ الله،\nفاللهُ هو الذي يَهْدي مَنْ يَشاءُ هدايتَه، واللهُ هو الذي يُضلُّ مَنْ يشاء\nإِضْلاله، بالمفهوم الذي أوضحناه ...\nبهذا نفهمُ معنى إسنادِ الهُدى والضَّلالِ إِلى الله، كما في قولِه تَعالى: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، وكما في قولِه تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .","vol":"1","page":340},{"text":"بقيتْ في هذه القضيةِ مسأَلة؟\nوهي: مَنْ هو الذي يَشاءُ اللهُ هدايتَه؟\nومَنْ هو الذي يَشاءُ اللهُ إِضْلالَه؟.\nيَشاءُ اللهُ هدايةَ الشخص الذي يَختارُ الإِيمانَ والهدى ويُريدُه، ويتوَجَّهُ\nإِليه، ويَرغبُ فيه، فهذا يُعينُه اللهُ ويُثَبِّتُه عليه، ويُحِبُّه ويَرضى عنه، ويُثيبُه على ما فعلَ جَنّاتِ النعيم.\nويَشاءُ اللهُ إِضْلَال الشخصِ، الذي يَختارُ الكفرَ والضَّلال، ويَرفضُ\nالإِيمانَ والهدى، ويَسيرُ في طريقِ الانحرافِ والفساد، ويُحصي اللهُ عليه\nجرائمَه، ويُحاسبُه على أَفعالِه، ويُعَذَبُه في نارِ جهنَّم.\nومن الآياتِ الصريحةِ في تقريرِ هذه الحقيقةِ قولُه تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>بين قدر الله وإرادة الإنسان</span>\nذَكَرَ الفادي أَربعَ آياتٍ تُقَرِّرُ أَنَّ كلَّ شيء يَقعُ في هذا الوجودِ - إِنَّما يكونُ\nبقَدَرِ اللهِ ومشيئَتِه وإِرادَتِه، سواء كانَ الشيءُ خَيْرًا أَو شَرًّا.\nمنها قولُه تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) .\nوقولُه تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) .\nوخَطَّأَ المفترِي هذه الآياتِ ورَفَضَ ما تُقَرِّرُه، واعترضَ عليها قائلًا: \" من\nهذهِ الآياتِ وغيرها كثيرٌ يَرى الإِسلامُ أَنَّ كُلَّ ما يَقَعُ في الوجودِ من خيرٍ وشَرٍّ\nهو من عندِ الله! فيكونُ اللهُ عِلَّةَ الشُّرورِ ابتداءً، وتكونُ رسالةُ الأَنبياءِ وتكليفهُم","vol":"1","page":341},{"text":"بالكرازةِ والدعوةِ عَبَثٌ لا ضرورةَ له ولا فائدَة فيه!..\nوهذا بعكْسِ تعاليمِ الكتابِ المقَدَّس \".\nوبعدما أَوردَ بعضَ كلامِ المسيحِ في الأَناجيل عن حريةِ الإِنسانِ وإِرادتِه\nقال: \" وقال الفلاسفةُ في البيانِ النظريِّ عن الحيوان: إِنَّه الجسمُ الحَسّاسُ\nالمتحركُ بالإِرادَة..\nفإِذا كان حَدُّ الحيوانِ البهيميِّ أَنه متصَرَفٌ بالإِرادة، فكيفَ نتصوَّرُ أَنَّ الإِنسانَ - أَشْرَفَ مخلوقاتِ اللهِ في عالَمِ الحِسّ - عاجِزٌ، مَجْبُورٌ\nعلى العصيانِ أَو الطاعة؟\nوإذا كان هناك إجبارٌ فما فائدةُ العَقْل؟ \".\nيَتَحَدَّثُ الفادي المفترِي عن قضيةِ الإِيمانِ بالقَدَر، ولذلك جَعَلَ عنوانَها:\n\" اللهُ قَدَّرَ الشُّرور \"!\nوهذه القضيةُ مرتبطةٌ بالقضيةِ السابقة، التي أَثارَها في السؤالِ السابق، قضيةِ \" الجَبْرِ والاختيار \".\nونَدْعو إِلى استصحابِ ما قُلْناهُ في المسألةِ السابقةِ ونحنُ نناقشُ الفادي\nفي كلامِهِ عن الإِيمانِ بقَدَرِ الله.\nنقررُ بدايةً أَنَّ الإِيمانَ بالقَدَرِ جُزْءٌ سادسٌ من أَركانِ الإِيمانِ، وإذا لم\nيؤمن الإنسان بالقدرِ كان كافرًا، حَتّى لو آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الخَمسةِ\nالأُخرى: الإِيمانُ بالله، وملائكتِه، وكتبِه، ورسلِه، واليومِ الآخِر.\nويَقومُ الإِيمانُ بالقَدَرِ على حقيقةِ أَنَّ كُل شيء يَقَعُ في هذا الوجودِ يكونُ\nبقَدَرِ اللهِ، وحاش لله أَنْ يقعَ شيءٌ في الوجودِ رَغْمًا عنه، فاللهُ هو الذي قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ وأَرادَه وشاءَه.\nوالآياتُ التي تُقَرِّرُ هذه الحقيقةَ كثيرة.\nمنها قولُه تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) .\nوقولُه تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) .","vol":"1","page":342},{"text":"وهذا معناهُ أَنَّ اللهَ قَدَّرَ كُلَّ شيءٍ في الوجودِ وأَرادَه، وجاءَ هذا الشيءُ\nكما قَدَّرَهُ اللهُ وأَرادَه، سواءٌ كانَ هذا الشيءُ خَيرًا أَو شَرًّا، هُدى أَو ضَلالًا، طاعةً أَو معصية..\nوهذا معناهُ أَنَّ الشُّرورَ والمصائبَ تكونُ بقَدرِ اللهِ سبحانه؟\nلأَنها إِنْ لم تَكُنْ بقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه يكونُ أَصحابُها قد فَعلوها رَغْمًا عن الله،\nويَكونونَ بذلك قد قَهَروهُ وغَلَبوهُ، وأَعْجَزوهُ وهَزموه!!.\nوليس معنى كونِ الشُّرورِ واقعةً بقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه أَنَّ اللهَ راضٍ عنها مُحِبّ\nلأَصحابِها، أَو أَنَّ اللهَ مُحِبٌّ لهذه الشرورِ راغبٌ فيها وآمِرٌ بها، فإِنَّ اللهَ لا\nيَرضى عن الشرور، ولا يُحِبُّ أَصحابَها، ولا يَأَمُرُ بها سبحانَه.\nولذلك رَدَّ الله على الذين بَرَّروا فواحِشَهم بأَنَّ اللهَ يُحِبُّها ويأمُرُهم بها بقولِه (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) .\nولقد فَرَّقَ القرآنُ بينَ تقديرِه للكفرِ وعَدَمِ رضاهُ به، وبينَ تقديرِه للإِيمانِ\nوالشكرِ ورِضاهُ به.\nقالَ تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) .\nوهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ يُفَرِّقُ بينَ القَدَرِ والرِّضا والإِرادةِ والمحَبَّة، فليس\nكلُّ ما يُقَدِّره يَرضى عنه ويَأْمُرُ به، وليس كُلُّ ما يُريدُهُ اللهُ يُحِبُّه، فالشُّرورُ\nيُقَدِّرُها اللهُ ويُريدُها، لكنَّه لا يَرضى عنها ولا يُحِبُّها، ولذلكَ يُعاقبُ أَصحابَها، أَمّا الطاعاتُ فإِنَّ اللهَ يُقَدِّرُها ويَرضى عنها، ويُريدُها ويحبُّها، ولذلك يُثيبُ أَصحابَها!!.\nومِن كُرْهِ اللهِ للشّرورِ أَنه نهى عنها، ومن محبتِه للطاعاتِ أَنه أَمَرَ بها،\nوأَرسلَ رسلَهُ بالدعوةِ إِلى الخيرِ، والأَمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر.\nومن جانبِ آخَر، فإِنَّ اللهَ مَنَحَ الإِنسانَ حريةَ الاختيار، والقدرةَ على\nالاختيار، وتمكينَه من الاختيار، ولم يُجْبِرْه على شيء، ولم يُكْرِهْهُ على اختيارِ شيء.","vol":"1","page":343},{"text":"عند الإِنسانِ الكافرِ قدرةٌ على اختيارِ الكفر، وعندَ الإِنسانِ المؤمنِ قدرةٌ\nعلى اختيارِ الإِيمان، لم يَمنع اللهُ الكافرَ عن كُفْرِه بالقَسْرِ والإِكراه، ولم يُجبر اللهُ المؤمنَ على الإِيمانِ إِجبارًا، فالكافرُ كَفَرَ باختيارِه، والمؤمنُ اَمَنَ باختيارِه.\nلكنَّ اللهَ شاءَ كُفْرَ الكافرِ وأَرادَه، بمعنى أَنه عَلِمَهُ منذُ الأَزَل، وقَدَّرَهُ\nبقدرته، وأَرادَه بإِرادتِه الكونيةِ العامة، وكان الكافرُ بكفرِه مُتَوافقًا مع علمِ اللهِ وقدرتِه وإِرادتِه، ويُحاسبُه اللهُ عليه، لأَنَّه نَهاهُ عنه وكَرِهَهُ ولم يَرْضهُ منه.\nأَمّا إِيمانُ المؤمنِ فإِنَّ اللهَ شاءَهُ وأَرادَه، بمعنى أَنَّه عَلِمَه منذُ الأَزَل،\nوقَدَّرَهُ بقدرَتِه، وأَرادَه بإِرادتِه الكونية والشرعية، والمؤمنُ بإِيمانِه متوافقٌ مع\nعِلْمِ اللهِ وقدرتِه وإِرادتِه، واللهُ يُحِبُّ ذلك ويَرْضاهُ، ويتقبَّلُهُ منه، ويُثيبُه عليه.\nبهذا البيانِ الواضحِ يتمُّ التوفيقُ والتنسيقُ بين قَدَرِ اللهِ وقُدْرَةِ الإِنسان،\nوبينَ إِرادَةِ اللهِ واختيارِ الإِنسان، وكُرْهِ اللهِ للشرورِ التي يَختارُها الإِنسانُ\nالشّرّير، ومحبةِ اللهِ للطاعاتِ التي يَخْتارُها الإِنسانُ المطيع!! وعلى هذه\nالحقيقةِ آياتٌ عديدة، منها قولُه لعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١) .\nوقولُه تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) .\nوقولُه تعالى: (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦) .\nوبعدَ هذا نعرفُ جهلَ الفادِي الجاهلِ في اعتراضِه على قدرِ اللهِ قائلًا:\n\" كيف نَتَصَوَّرُ الإِنسانَ أَشَرفَ مخلوقاتِ الله في عالمِ الحِسّ، أَنه عاجزٌ مَجْبورٌ على العصيانِ أَو الطاعَة؟!\nوإِذا كانَ هناكَ إِجبارٌ فما فائدةُ العَقْل؟! \".","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>الفصل الخامس نقض المطاعن اللغوية</span>","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>ذكر المرفوع بعد المنصوب</span>\nقالَ اللهُ وَبَئّ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .\nخَطَّاَ الفادي الجاهلُ الآية، لأَنَّ كلمةَ (وَالصَّابِئُونَ) فيها مرفوعةٌ بالواو،\nمع أَنها معطوفة على اسم \" إِنَّ \" المنصوب، ولذلكَ جَعَلَ عنوانَ تخطئتِه: \" رَفْعُ المعطوفِ على المنصوب \"، وهذا خَطَأ نحويّ؟\nلأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوب، وقالَ الجاهلُ في تخطئتِه: \" وكانَ يجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعطوفُ على اسم \" إِنّ \" فيقول: \" والصابئين \" كما فعلَ هذا في سورةِ البقرةِ وسورةِ الحج ... \".\nلقد ذَكَرَ القرآنُ أَصحابَ الدياناتِ المعروفةِ في ثلاثٍ من سُوَرِه:\n١ - قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\n٢ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .\n٣ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا ...) .\nولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ البقرة؟\nلأَنَّ (الَّذِينَ آمَنُوا) في محلِّ نَصْب اسمِ \" إنَّ \" و(الَّذِينَ هَادُوا) معطوفةٌ عليها في محلِّ نَصْب، و(النَّصَارَى) معطوفةٌ","vol":"1","page":347},{"text":"(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\n٢ - وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .\n\nعليها منصوبة، و(الصَّابِئِينَ): معطوفَةٌ عليها منصوبةٌ بالياء.\nوخَبَرُ \" إِنَّ \" اسْمُ الموصولِ (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) .\nوالتقدير: إِنَّ المؤمنين واليهودَ والنَّصارى والصابئين المقبولُ منهم هو المؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر.\nولا إِشكالَ على آيةِ سورةِ الحج؟\nلأَنَّ: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) معطوفَة على اسمِ \" إِنَّ \"، وهو (الَّذِينَ آمَنُوا)، وخَبَرُ \" إِنَّ \" جملةُ (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ) والتقدير: إِنَّ المؤمنينَ واليهودَ والصابئين\nوالنَّصارى والمجوسَ والمشركين مَفْصولٌ بينهم يومَ القيامة.\nوالمشكلةُ في آيةِ سورةِ المائدة، لأَنَّ ظاهِرَها عَطْفُ المرفوعِ (وَالصَّابِئُونَ)\nعلى المنصوبِ (الَّذِينَ آمَنُوا) الذي هو اسْمُ \" إِنَّ \"، وهذا لَا يَجوزُ في اللغةِ\nوالنحو، ولذلك اعْتَبَرَهُ الفادي خطأً نحويًا!.\nوالراجحُ أَنَّ آيةَ سورةِ المائدةِ مُكَوَّنَةٌ مَن جملتَيْن:\nالجملةُ الأُولى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) .\nوهي تتحدَّثُ عن المؤمنينَ المسلمينَ من أُمَّةِ محمدٍ - ﷺ -، وتُقَرِّرُ فَلاحَهم عندَ الله.\nوالراجحُ أَنَّ خبرَ \" إِنَّ \" محذوف، والتقديرُ: إِنَّ المؤمنين مفلحون.\nالجملةُ الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\nوالراجحُ أَنَّ الواوَ في (وَالَّذِينَ هَادُوا) حرفُ استئنافٍ وليستْ حَرْفَ\nعَطْف، والجملةُ بَعْدَها استئنافيةٌ وليستْ معطوفةً على ما قبلَها، والراجحُ أَنَّ\n(وَالَّذِينَ هَادُوا) في محلّ رفْع مبتدأ.\nوالواوُ في (وَالصَّابِئُونَ) حرفُ عطف،\n(وَالصَّابِئُونَ) مرفوعةٌ لأَنَّها معطوفةٌ على المبتدأ (الَّذِينَ آمَنُوا)،\n(وَالنَّصَارَى) مرفوعة لأَنها معطوفة على المبتدأ.\nوالراجحُ أَنَّ خَبَرَ المبتدأ هو اسْمُ الموصول (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\nوالتقدير: واليهودُ والصابئون والنَّصارى المؤمنون بالله واليومِ الآخِرِ منهم هم المفلحون!!.\nوعلى هذا التوجيهِ يكونُ مَعْنى الآية: المؤمنونَ من أُمَّةِ محمدٍ - ﷺ.","vol":"1","page":348},{"text":"مُفْلِحون فائزون.\nواليهودُ والصابئون والنصارى لا يُقْبَلُ منهم إِلَّا مَنْ آمَنَ باللهِ\nواليومِ الآخر.\nوبهذا نعرفُ أَنه لا خَطَأَ نحويًا في الآية، وأَنها ليستْ من عَطْفِ المرفوعِ\nعلى المنصوب كما فهمَ الفادي الجاهل، وإِنما هي من استئنافِ جملة بعدَ جملة!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفاعل لا يكون منصوبًا</span>\nقال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) .\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ (الظَّالِمِينَ) في جملةِ (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)\nفاعلُ الفِعْل (يَنَالُ)، وبما أَنه فاعلٌ فلا بُدَّ أَنْ يَكونَ مَرْفوعًا، ولا بُدَّ أَنْ تَكونَ\nالجملةُ هكذا: لا يَنالُ عهدي الظالمون!\nوقد أَخْطَأَ القرآنُ في نَصْبِ (الظَّالِمِينَ) لأَنَّ الفاعلَ لا يكونُ منصوبًا!.\nوهذا الكلامُ دَلَّ على جَهْلِ الفادي باللغةِ العربيةِ وقواعدِها.\nإِنَّ (عَهْدِي) هو الفاعل، و(الظَّالِمِينَ) مفعولٌ به منصوب.\nومَعْنى (يَنَالُ) هنا: يَصِلُ ويُصيبُ.\nأَيْ: لا يَصِلُ عهدي الظالمين من ذريتِك.\nوليسَ مَعْنى (يَنَالُ) هنا: يَأخذ، إِذْ لو كانَ كذلك لكانَ فاعِلُه \" الظالمون \"، ولكان المعنى: لا يَأْخُذُ عَهْدي الظالمون.\nفجملةُ (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) تُريدُ أَنْ تُقَرِّرَ أَنَّ عَهْدَ اللهِ لا يَصِلُ الظالمين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبتدأ مؤنث والخبر مذكر</span>\nقال تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) .\nخَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآيةَ لأَنَّ خَبَرَ \" إنَّ \" مُذَكَّرٌ (قَرِيبٌ)، مع أَنَّ اسْمَها مُؤَنَّث","vol":"1","page":349},{"text":"(رَحْمَتَ اللَّهِ)، والأَصْلُ أَنْ يَتْبَعَ الخَبرُ المبتدأَ في التذكيرِ والتأنيث، فالأَصْلُ\nأَنْ تكونَ الآيةُ هكذا: إِنَّ رحمةَ الله قريبةٌ من المحسنين.\nولتَوجيهِ تَذْكيرِ خَبَرِ \" إِنَّ \" في الآية نَقول: يَجبُ أَنْ يَتبعَ الخَبَرُ المبتدأَ في\nالتذكيرِ والتأْنيث، إِذا كانَ المبتدأُ مُؤَنَّثًا تَأْنيثًا حَقيقيًا، ولم يَفْصِلْ فاصلٌ بينَ\nالمبتدأ والخَبَر.\nتَقُولُ: عائشةُ قريبة منا.\nفإِذا كانَ تأنيثُ المبتدأ غيرَ حقيقيّ جازَ في خَبَرِه التَّذكيرُ والتَّأْنيث.\nوتَأنيثُ (رَحْمَتَ) غيرُ حقيقيّ؟\nلأَنها ليستْ أُنثى حقيقية.\nوقد فَصَلَ لَفْظُ الجلالةِ (اللهَ) بين اسْمِ \" إِنَّ \" وخَبَرِها: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) .\nوهذه الآيةُ كقولِه تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا)، فتأنيثُ الساعةِ غيرُ حقيقي، وفَصَلَ فعلُ (تكونُ) بين الكلمتَيْن، فجاءَتْ\nكلمةُ (قَرِيب) مُذَكَّرًا وليستْ مؤنثة!.\nوهناكَ حكمة أُخْرى لتذكيرِ خَبَرِ \" إِنَّ \" في الآية، وهي أَنَّ كلمةَ (قَرِيب)\nمجاورةٌ لكلمةِ \" الله \"، فمن غيرِ المناسب أَنْ تُؤَنَّث (قَرِيب)، لهذه المجاورة\nاللفظية، من بابِ تنزيهِ اللهِ عن شُبهةِ التأَنيثِ اللفظي!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>تأنيث العدد وتذكير المعدود</span>\nقالَ اللهُ عن أَسباطِ بني إِسرائيل: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) .\nالعددُ في الآيةِ مُؤَنَّث (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) .\nوالمعدودُ مذكَّر (أَسْبَاطًا) لأَنَه جمعُ \" سِبْط \" وهو مذكَّر.\nوقد خَطَّأَ الفادي الجاهلُ الآية، وقال: \" كانَ يَجبُ أَنْ يُذَكِّرَ العَدَدَ ويَأتي\nبالمعدود مُفْرَدًا، فيقول: وقَطَّعْناهم اثْنَتي عَشَرَ سِبْطًا \".","vol":"1","page":350},{"text":"والراجحُ أَنَّ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال منصوب، وصاحبُ الحالِ ضميرُ \" هُمْ \"\nالذي هو في مَحَلِّ نَصْب مفعول به، في (وَقَطَّعْنَاهُمُ)، وهو يَعودُ على بني\nإسرائيل.\nوالراجحُ أَنَّ (أَسْبَاطًا) بَدَل من (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) منصوب.\nأَيْ: قَطَّعْناهم أَسباطًا..\nوالراجحُ أَنَّ (أمُما) بَدَل من (أَسْبَاطًا) منصوب.\nأَيْ: قَطَّعناهم أُممًا.\nولا تَصلحُ (أَسْبَاطًا) أَنْ تَكونَ تَمييزًا للعَدَدِ (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) لأَنَّ شَرْطَ\nتمييزِ العَدَد أَنْ يَكونَ مُفْرَدًا، فالراجحُ أَنَّ تمييزَ العددِ محذوف، والتقدير:\nقَطَّعناهم اثنتي عَشْرَةَ فرقةً أَو قبيلةً أَو أمَّةً.\nوبما أَنَّ التمييزَ المحذوفَ مؤنَّثٌ مُفْرَد، فقد زالَ اعتراضُ الفادي.\nوصارَ تركيبُ الآيةِ هكذا: وقَطَّعْناهم اثْنَتَي عشرةَ فِرْقَةً أَسباطًا أُممًا..\nواتَّفَقَ العددُ مع المعدودِ في التأنيث، وجاءَ المعدودُ التمييزُ مفردًا، فلا إِشكالَ في الآية (١) .\n***\nجمع الضمير العائد على المثنى\nقال تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) .\nخَطَّأَ الفادي صياغَةَ الآية، فكلمةُ (خَصْمَانِ) مُثَنَى، والجملةُ الفعليةُ\nبَعْدَها صفة لها، والفاعلُ في (اخْتَصَمُوا) واوُ الجماعة يَعودُ على المثَنّى\n(خَصْمَانِ) قال: \" وكانَ يَجِبُ أَنْ يُثَنّى الضميرُ العائدُ على المُثنّى، فيقول:\nهذانِ خصمانِ اخْتَصَمَا في ربهما ... \".\n(هَذَانِ): اسْمُ إِشارةٍ مُثَنّى في مَحَلّ رفْع مبتدأ.\nو(خَصْمَانِ) خَبَرُه مرفوع، والكلمتانِ مُثَنّى لَفْظًا، لكنهما تُشيرانِ إِلى جَمْع، لأَنهما ليسا رَجُلَيْن مُخْتَصِمَيْن، وإِنما فَريقان مختصمان، وكلُّ فريق مُكَونٌ من عِدَّةِ أَفْراد، فريقُ الكافرين وفريقُ المؤمنين.\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثنتي عَشْرَةَ﴾: الظاهر أن «قطعناهم» متعدٍّ لواحد لأنه لم يُضَمَّنْ معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون «اثنتي» حالًا من مفعول «قطَّعناهم»، أي: فَرَّقْناهم معدودِين بهذا العدد. وجوَّز أبو البقاء أن يكون قَطَّعْنا بمعنى صَيَّرنا وأن «اثنتي» مفعولٌ ثانٍ، وجزم الحوفي بذلك.\nوتمييز «اثنتي عشرة» محذوف لفهم المعنى تقديره: اثنتي عشرة فرقة و«أسباطًا» بدل من ذلك التمييز. وإنما قلت إن التمييز محذوف، ولم أجعل «أسباطًا» هو المميِّز لوجهين، أحدهما: أن المعدودَ مذكرٌ لأن أسباطًا جمع سِبْط، فكان يكون التركيبُ اثني عشر. والثاني: أن تمييز العدد المركب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر مفرد منصوب، وهذا كما رأيت جمعٌ. وقد جعله الزمخشري تمييزًا له معتذرًا عنه فقال: «فإن قلتَ: مميِّز ما عدا العشرةَ مفردٌ فما وجهُ مجيئه جمعًا؟ وهلا قيل: اثني عشر سِبْطًا. قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقًا لأن المرادَ: وقطَّعْناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكلُّ قبيلة أَسْباط لا سِبْط، فوضع أسباطًا موضع قبيلة. ونظيرُه:\n٢٣١٥ ... بين رماحَيْ مالكٍ ونَهْشَلِ\nقال الشيخ:» وما ذهب إليه من أن كل/ قبيلة أسباط خلافُ ما ذكره الناس: ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وقالوا: الأسباط جمع [سبط]، وهم الفرق والأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل ويكون على زعمه قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ معناه: والقبيلة. وقوله وهو نظير قوله «بين رماحَيْ مالك ونهشل» ليس بنظيره، لأن هذا من باب تثنية الجمع وهو لا يجوز إلا في ضرورة، وكأنه يشير إلى أنه لو لم يُلْحَظْ في الجمع كونُه أريد به نوعٌ من الرماح لم تَصِحَّ التثنية، كذلك هنا لُحِظ في الأسباط وإن كان جمعًا معنى القبيلة فَمُيِّزَ به كما يُمَيَّزُ بالمفرد «.\nوقال الحوفي:» يجوز أن يكونَ على الحَذْف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقةً أسباطًا، ويكون «أسباطًا» نعتًا لفرقة، ثم حُذف الموصوفُ وأقيمت الصفة مُقامه. وأمم نعتٌ لأسباط، وأنَّث العددَ وهو واقعٌ على الأسباط وهو مذكر وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال:\n٢٣١٦ ثلاثة أنفس ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...\nيعني رجلًا. [وقال:]\n٢٣١٧ ... ... ... ... ... . عشرُ أَبْطُنْ ... ... ... ... ... ... .\nبالنظر إلى القبيلة. ونظيرُ وصفِ التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قول الشاعر:\n٢٣١٨ فيها اثنتان وأربعون حَلوبةً ... سُودًا كخافيةِ الغراب الأَسْحَمِ\nفوصف «حلوبة» وهي مفردةٌ لفظًا ب «سُوْدًا» وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع «.\nوقال الفراء:» إنما قال «اثنتي عشرة» والسِّبط مذكر لأنَّ ما بعده أممٌ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان اثني عشر لتذكير السبط لكان جائزًا «واحتجَّ النحويون على هذا بقول الشاعر:\n٢٣١٩ وإنَّ قريشًا هذه عشرُ أبطنٍ ... وأنت بريءٌ من قبائلها العشرِ\nذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك أنَّث والبطن ذَكَر.\nوقال الزجاج: «المعنى:» وقَطَّعناهم اثنتي عشرة فرقةً أسباطًا، من نعتِ فرقة كأنه قال: جَعَلناهم أسباطًا وفَرَّقْناهم أسباطًا «، وجوَّز أيضًا أن يكون» أسباطًا «بدلًا من» اثنتي عشرة «وتبعه الفارسيُّ في ذلك.\nوقال بعضهم:» تقدير الكلام: وقطعناهم فرقًا اثنتي عشرة، فلا يُحتاج حينئذٍ إلى غيره. وقال آخرون: جَعَل كلَّ واحد من الاثنتي عشرة أسباطًا، كما تقول: لزيد دراهم ولفلان دراهم ولفلان دراهم، فهذه عشرون دراهم، يعني أن المعنى على عشرينات من الدراهم. ولو قلت: لفلان ولفلان ولفلان عشرون درهمًا بإفراد «درهم» لأدَّى إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة والمعنى على خلافه. وقال جماعة منهم البغوي: «وفي الكلام تقديمٌ وتأخير تقديرُه: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة» .\nوقوله ﴿أُمَمًا﴾: إمَّا نعتٌ لأسباطًا، وإمَّا بدل منها بعد بدل على قولنا: إن أسباطًا بدلٌ من ذلك التمييزِ المقدر. وجَعَلَه الزمخشري أنه بدل من اثنتي عشرة قال: «بمعنى: وقَطَّعناهم أممًا لأن كل أسباط كانَتْ أمةً عظيمة وجماعة كثيفة العدد» وكلُّ واحدة تَؤُمُّ خلافَ ما تَؤُمُّه الأخرى لا تكاد تأتلف «انتهى. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":351},{"text":"ولذلك جاءَ الخَبَرُ (خَصْمَانِ) مثنى مراعاةً لاسم الإِشارةِ المثَنّى \" هذان \"،\nوجاءَ الضميرُ العائدُ عليه جمعًا (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) مراعاةً لعَدَدِ أفرادِ الفريق، والفريقُ جَمْع.\nولذلك جاءَ بعد ذلك قولُه: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ ...)\nبصيغة الجمع!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>اسم الموصول المفرد العائد على الجمع</span>\nقال تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) .\nاعترضَ الفادي على الآيةِ بقوله: \" كانَ يجبُ أَنْ يَجمعَ اسْمَ الموصول\nالعائدَ على ضميرِ الجمعِ، فيقول: خُضتُم كالذينَ خاضوا \".\nولا مَعْنى لاعتراضِه، لأَنَّ شبْهَ الجملةِ (كَالَّذِى) صفةٌ لمفعول مطلقٍ\nمحذوف، والتقدير: خُضْتُم خَوْضًا كالذي خاضوه.\nأَيْ: خُضتُم خَوْضًا كخوضِ الذينَ من قبلِكم.\nوبهذا يكونُ اسْمُ الموصول \" الذي \" عائدًا على مُفرد، وليس على جَمْع، وبهذا تَناسَقَ الموصول وما عادَ عليه، فلا إِشكال في صياغةِ الآية\nوالخوضُ في الآية معطوفٌ على الاستمتاع قبلَه.\nقال تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) .\nوالمعنى: استمتَعْتُم بخَلاقِكُم استمتاعًا كاستمتاعِ الذينَ من قبلِكم،\nوخضْتُم خَوْضًا كخوضِ الذينَ من قبلكم.\nوبهذا نعرفُ جَهْلَ الفادي بقواعدِ اللغة (١) .\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ الكافُ كالتي قبله. وفي» الذي «وجوهٌ أحدُها: أن المعنى: وخضتم خوضًا كخوض الذين خاضوا، فحُذفت النونُ تخفيفًا، أو وقع المفردُ موقعَ الجمع. وقد تقدم تحقيق هذا في أوائل البقرة، فحُذِفَ المصدرُ الموصوفُ والمضافُ إلى الموصول، وعائدُ الموصول تقديرُه: خاضوه، والأصلُ: خاضوا فيه؛ لأنه يتعدى ب» في «فاتُّسع فيه، فَحُذِفَ الجارُّ فاتصل الضميرُ بالفعل فساغ حَذْفُه، ولولا هذا التدريجُ لَمَا ساغ الحذف؛ لِما عرفت ممَّا مرَّ أنه متى جُرَّ العائد بحرف اشتُرِط في جواز حَذْفِه جَرُّ الموصولِ بمثل ذلك الحرف، وأن يتحدَ المتعلَّق، مع شروط أُخَرَ ذكرتُها فيما تقدَّم.\nالثاني: أنَّ» الذي «صفةٌ لمفردٍ مُفْهِمٍ للجمع أي: وخضتم خوضًا كخوضِ الفوج الذي خاضُوا، أو الفريق الذي خاضوا. والكلامُ في العائد كما سَبَق قبلُ.\nالثالث: أنَّ» الذي «من صفةِ المصدرِ والتقدير: وخضتم خوضًا كالخوضِ الذي خاضوه. وعلى هذا فالعائدُ منصوب من غير وساطةِ حرفِ جر. وهذا الوجهُ ينبغي أن يكونَ هو الراجح إذ لا محذورَ فيه.\nالرابع: أن» الذي «تقعُ مصدريةً، والتقدير: وخضتم خوضًا كخوضهم ومثله:\n٢٥١٤ فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاك مِنْ حسنٍ ... في المُرْسلين ونَصْرًا كالذي نُصِروا\nأي: كنَصْرهم. وقول الآخر:\n٢٥١٥ يا أمَّ عمروٍ جزاكِ اللَّهُ مغفرةً ... رُدِّي عليَّ فؤادي كالذي كانا\nأي: ككونِه. وقد تقدَّم أن هذا مذهب الفراء ويونس، وتقدَّمَ تأويلُ البصريين لذلك. قال الزمخشري:» فإن قلتَ: أيُّ فائدة في قوله: ﴿فاستمتعوا بِخَلاقِهِمْ كَمَا﴾، وقوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُغْنٍ عنه كما أغنى «كالذي خاضوا» [عن أن يقال: وخاضُوا فَخُضْتُمْ كالذي خاضُوا]؟ قلت: فائدتُه أَنْ يَذُمَّ الأوَّلين بالاستمتاع بما أُوتوا ورِضاهم بها عن النظر في العاقبة وطلبِ الفلاحِ في الآخرة وأن يُخَسِّسَ أمر الاستمتاع، ويُهَجِّن أمرَ الراضي به، ثم يشبه حال المخاطبين بحالهم.\nوأمَّا «وخُضْتُمْ كالذي خاضوا» فمعطوفٌ على ما قبله، ومسندٌ إليه مُسْتَغْنٍ بإسناده إليه عن تلك المقدمة «يعني أنه استغنى عن أَنْ يكونَ التركيبُ: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا.\nوفي قوله: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ﴾ إيقاعٌ للظاهر موقع المضمرِ لنُكْتةٍ: وهو أن كانَ الأصلُ: فاستمتعتم فخَلاقكم كما استمتعوا بخلاقِهم، فأبرزهم بصورةِ الظاهر تحقيرًا لهم كقوله تعالى: ﴿لاَ تَعْبُدِ الشيطان إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤] وكقوله قبل ذلك: ﴿المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ المنافقين هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] . وهذا كما يدل بإيقاع الظاهر موقعَ المضمرِ على التفخيم والتعظيم يدلُّ به على عكسِه وهو التحقير. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>جزم فعل معطوف على منصوب</span>\nاعترضَ الفادي على تركيبِ وصياغةِ قولِه تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) .\nقال في اعتراضِه على الآية: \" وكان يَجبُ أَنْ يُنْصَبَ الفعلُ المعطوفُ\nعلى المنصوب: \" فَأَصَّدَقَ وأَكونَ \".\nأَيْ أَنَّ فعْلَ \" أَكُنْ \" معطوفٌ على فعْلِ \" أَصَّدقَ \" وبما أَنَّ المعطوفَ عليه منصوبٌ فيجبُ أَنْ يُنْصَبَ المعْطوف.\nولذلك كان جَزْمُ المعطوفِ خَطَأً نحويًّا وَقَعَ به القرآن!! \".\nفي قولِه: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) قراءتان صحيحتان:\nالأُولى: قراءةُ أَبي عَمْرو البَصْري بِنصْبِ الفعلِ المعطوف: \" فَأَصَّدَقَ\nوأَكونَ \"، وتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَّ \" أَكونَ \" معطوفٌ على \" أَصَّدَّقَ \" منصوبٌ مثْلُه.\nلأَنَّ المعطوفَ على المنصوبِ منصوبٌ.\nالثانية: قراءةُ القراءِ التسعةِ بجَزْمِ الفعلِ \" أَكُنْ \".\nوهو ليس معطوفًا على \" أَصَّدَّقَ \"\nلأَنه لا يَجوزُ عَطْفُ المجزومِ على المنصوب.\nولكنه معطوفٌ على مَحَلِّ \" أَصَّدَقَ \" الذي هو الجَزْم.\nلأَنه في معنى جوابِ الشرط، ففعْلُ \" أَصَّدَّقَ \" منصوبٌ لفظا لكنه مجزومٌ مَحَلًّا!.\nإِنَّ فعْلَ \" أَصَّدَّقَ \" منصوبٌ بحرفِ \" أَنْ \" المصدريِّ المقَدَّر، وهو واقعٌ في\nجوابِ التمنّي، فالجملةُ هكذا: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) .\n(يَأْتِيَ): فعلٌ مضارعٌ مَنْصوبٌ بحرفِ \" أَنْ \"، و\" يَقَول\": مضارعٌ منصوبٌ لأَنه","vol":"1","page":353},{"text":"معطوفٌ على (يَأْتِيَ) .\nو(لَوْلَا): حرفٌ للتَّمني.\nوجوابُ التَّمَنّي جملة: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) .\nوالتقديرُ: لولا أَخَرْتَنى إِلى أَجَلٍ قريب فأَنْ أَصَّدَّق.\nومع أَنَّ \" أَصَّدَّق\" منصوبٌ لَفْظًا بحرفِ \" أَنْ \"، إِلَّا - أَنه مجزومٌ مَحَلًّا، على\nأنه جوابُ الشَّرط، فالجملةُ للتَّمَنّي في الظاهر، لكنَّها جملةٌ شرطيةٌ في\nالحقيقة، والتقدير: إِنْ أَخّرتني إِلى أَجَلٍ قريبِ أَصَّدَّقْ.\nوعلى هذا يكونُ (أَكن) مجزومًا، َ لأَنه معطوف على مَحَلِّ \"أَصَّدَّق\".\nالذي هو جوابُ الشرطِ في الحقيقة، والتقدير: إِنْ أَخَّرْتَني إِلى أَجَلٍ قريبِ\nأَصَّدَّق، وأَكُنْ من الصالحين.\nأَيْ أَنَّ الكافرَ يتعهَّدُ بفعْلِ أَمْرَيْن اثْنَيْن إِنْ أَخَّرَ اللهُ أَجَلَه: يتصدَّقُ في\nسبيلِ الله، ويكونُ من الصالحين (١) .\n***\nعود ضمير الجمع على المفرد\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) .\nاعتراضه على ضمير الجمع في (بِنُورِهِمْ)، فكيفَ جاءَ بصيغةِ الجمعِ مع\nأَنَّهُ يَعودُ على المفرد، وهو الضميرُ المستتر في (اسْتَوْقَدَ) .\nقال: \" وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ الضميرَ العائدَ على المفردِ مُفْرَدًا، فيقول: استوقد نارًا فلما أَضاءتْ ما حوله ذهبَ اللهُ بنورِه \".\nواعتراضُ الفادي دليلُ جَهْلِه بأَساليبِ التعبيرِ الرائعةِ البليغةِ في اللغةِ\nالعربيةِ الشاعرة.\nإِنَّ التشبيهَ في الآيةِ تَشبيهٌ تَمثيليّ، شَبَّهَ حالًا بحال، حالَ المنافقينَ في عدمِ\nانتفاعِهم بالإِيمانِ، بحالِ الذي استوقَدَ نارًا ثم أَطْفَأَها اللهُ، فلم ينتفعْ هو بها.\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿وَأَكُن﴾: قرأ أبو عمروٍ «وأكونَ» بنصب الفعل عطفًا على «فأصَّدَّقَ» و«فأصَّدَّقَ» منصوبٌ على جوابِ التمني في قوله: «لولا أَخَّرتني» والباقون «وأكُنْ» مجزومًا، وحُذِفَتِ الواوُ لالتقاء الساكنين. واختلفت عبارات الناس في ذلك، فقال الزمخشري: «عطفًا على محلِّ» فأصَّدَّقَ «كأنه قيل: إنْ أخَّرْتَني أصَّدَّقْ وأكنْ» . وقال ابنُ عطية: «عطفًا على الموضع؛ لأنَّ التقديرَ: إنْ أخَّرتني أصَّدَّقْ وأكن، هذا مذهب أبي علي الفارسي: فأمَّا ما حكاه سيبويه عن الخليلِ فهو غيرُ هذا وهو أنه جزمٌ على توهُّمِ الشرطِ الذي يَدُلُّ عليه التمني، ولا موضعَ هنا لأن الشرطَ ليسَ بظاهرٍ، وإنما يُعْطَفُ على الموضع حيث يَظْهَرُ الشرطُ كقولِه: ﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] فمَنْ جَزَمَ عَطَفه على موضع ﴿فَلاَ هَادِيَ لَهُ﴾ لأنه لو وقع موقعَه فِعْلٌ لانجزم» انتهى. وهذا الذي نَقَله عن سيبويهِ هو المشهورُ عند النَّحويين. ونَظَّر سيبويه ذلك بقول زهير:\n٤٢٦٨ بَدا ليَ أني لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضَى ... ولا سابقٍ شيئًا إذا كان جائيا\nفخفضَ «ولا سابقٍ» عطفًا على «مُدْرِكَ» الذي هو خبر ليس على توهُّمِ زيادةِ الباء فيه؛ لأنه قد كَثُرَ جَرُّ خبرِها بالباء المزيدة، وهو عكسُ الآيةِ الكريمةِ؛ لأنه في الآية جُزِمَ على توهُّمِ سقوط الفاء، وهنا خُفِضَ على تَوَهُّمِ وجودِ الباءِ، ولكنَّ الجامعَ توهُّمُ ما يَقْتضي جوازَ ذلك، ولكني لا أُحِبُّ هذا اللفظَ مستعملًا في القرآن، فلا يُقال: جُزم على التوهُّم، لقُبْحه لفظًا. وقال أبو عبيد: «رأيتهُ في مصحف عثمان» وأكُنْ «بغير واوٍ. وقد فَرَّق الشيخ بين العطفِ على الموضعِ والعطفِ على التوهُّمِ بشيءٍ فقال:» الفرقُ بينهما: أنَّ العاملَ في العطف على الموضع موجودٌ، وأثرُه مفقودٌ، والعاملُ في العطفِ على التوهُّمِ مفقودٌ، وأثرُه موجودٌ «انتهى. قلت: مثالُ الأول:» هذا ضاربُ زيدٍ وعمرًا «فهذا من العطفِ على الموضع، فالعاملُ وهو» ضارب «موجودٌ، وأثرُه وهو النصبُ مفقودٌ. ومثالُ الثاني ما نحن فيه؛ فإنَّ العاملَ للجزمِ مفقودٌ، وأثُره موجودٌ. وأَصْرَحُ منه بيتُ زهير فإنَّ الباءَ مفقودةٌ وأثُرها موجودٌ، ولكن أثرَها إنما ظهر في المعطوفِ لا في المعطوفِ عليه، وكذلك في الآية الكريمة. ومن ذلك بيتُ امرىء القيس:\n٤٢٦٩ فظلَّ طُهاةُ اللحمِ مِنْ بينِ مُنْضِجٍ ... صَفيفِ شِواءٍ قَديرٍ مُعَجَّلِ\nفإنهم جعلوه مِن العطفِ على التوهُّم؛ وذلك: أنه توهَّم أنه أضاف» منضج «إلى» صَفيف «، وهو لو أضافَه إليه لَجَرَّه فعطفَ» قدير «على» صفيف «بالجرِّ تَوَهمًا لجرِّه بالإِضافة.\nوقرأ عبيد بن عمير» وأكونُ «برفع الفعل على الاستئناف، أي: وأنا أكونُ، وهذا عِدَةٌ منه بالصَّلاح. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":354},{"text":"وجاءَ ضمير \" هُمْ \" في قوله: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) جَمْعًا، مراعاةً للحالِ\nالمشَبَّهَة، وهي حالُ المنافقين، وليس الحالَ المشَبَّهَ بها، وهي حالُ المستوقِدِ\nنارًا، لأَنَّ الهدفَ من هذا التشبيهِ التمثيلي هو المَشبَّهُ وليس المشَبَّه به، وبيانُ\nعَدَمِ استفادةِ المنافقين من الهدى والنور.\nلقد عادَ ضميرُ \" هم \" في (بِنُورِهِمْ) على ضميرِ \" هُمْ \" في (مَثَلُهُمْ)،\nوالمرادُ بهذا الضميرِ المنافقون.\nولو عادَ الضميرُ على المفردِ، وقالَ: \" ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات \"\nلكانَ التركيزُ على التشبيهِ والتمثيل، وهذا ممكِن، ولكنه ليسَ فصيحًا.\nإِنَّ الأَفصحَ والأَبلغَ الانتقالُ من التمثيل والتشبيهِ إِلى الحقيقة، ليدُلَّ على\nأَنَّ اللهَ أَذهبَ نورَ الإِيمانِ من قلوبِ المنافقين؟\nلأَنَّ هذا هو المقصودُ من التشبيه.\nوصارَ التقدير هكذا: مَثَلُ المنافقين في عَدَمِ استفادتِهم من الإِيمانِ كَمَثَلِ\nرجلٍ استوقدَ نارًا، فلما أَضاءَتْ ما حولَه، ذهبَ اللهُ بنارِه، فلم يَسْتَفِدْ منها، وكذلك المنافقون ذَهَبَ اللهُ بنورِهم، فلم يستفيدوا من الإِيمان.\nوقد جاءَ ضميرُ الجمعِ في (بِنُورِهِمْ) بين ضميرَيْ جَمْع: الضميرِ في\n(مَثَلُهُمْ) قبلَه.\nوالضمير في (وَتَرَكَهُمْ) بعدَه!!.\nوعلى هذا يكونُ اعتراضُ الفادي لا معنى له، فالأَفصحُ والأَبلغُ هو ما\nوردَ في القرآن! (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>هل يجوز نصب المعطوف على المرفوع</span>؟\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) .\n_________\n(١) قال السمين:\nوالأَوْلى أن يقال إن «الذي» وقع وصفًا لشيء يُفْهِم الجمعَ، ثم حُذِفَ ذلك الموصوفُ للدلالةِ عليه، والتقديرُ: مَثَلهم كَمَثَل الفريق الذي استوقد أو الجمعِ الذي استوقَدَ، ويكون قد رُوعي الوصفُ مرةً، فعادَ الضميرُ عليه مفردًا في قوله: «استوقد» و«حَوْلَه»، والموصوفُ أخرى فعاد الضميرُ عليهِ مجموعًا في قوله: «بنورِهم، وتركَهم» . اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":355},{"text":"خَظَأَ نَصْبَ (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) لأَنها في نَظَرِهِ القاصِرِ معطوفة على\n(الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)، والأَصْلُ أَنْ تَكونَ مرفوعة: لكن الراسخون في العلم\nمنهم والمؤمنون ... والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة ...\nوتَخطئةُ الفادي للآيةِ دَليلُ جهلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية.\nالآيةُ مُكَوَّنَةٌ من الجملِ التالية:\nالأُولى: الجملةُ الاسمية: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ): (لَكِن): حرفُ استدراكٍ مُلْغى لأَنه مُخَفَّف.\n(الرَّاسِخُونَ): مبتدأٌ مرفوع.\n(وَالْمُؤْمِنُونَ): مَعطوفٌ على ما قبله مرفوع.\nوالجملةُ الفعليةُ (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) في مَحَلِّ رفْع خَبَر.\nوالتقدير: الراسخونَ في العلمِ والمؤمنون هم المؤمنونَ بما أُنزلَ إِليك.\nالثانية: الجملةُ الفعليةُ: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) .\nوهي معطوفةٌ على الجملةِ السابقة.\n(وَالْمُقِيمِينَ) منصوبٌ على المدْح.\nأَيْ أَنَّه مفعولٌ به لفعْلٍ محذوف، تَقديرُه: أَمْدَحُ المقيمين الصَّلاةَ، (الصَّلَاةَ) مفعولٌ به منصوبٌ لاسْم الفاعل (وَالْمُقِيمِينَ) .\nالثالثة: (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) .\nوهي معطوفَةٌ على الجملةِ الأُولى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) .\n(وَالْمُؤْتُونَ): مبتدأ مرفوع.\nومي آلزكًؤةَ): مفعولٌ به لاسْمِ الفاعل\n(وَالْمُؤْتُونَ) .\n(وَالْمُؤْمنونَ) معطوفٌ على (وَالْمُؤْتُونَ) مرفوع.\nوجملةُ (أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) في محلِّ رفْع خَبَرِ المبتدأ (وَالْمُؤْتُونَ) .\nوبهذا نَعرفُ أَنَّ (وَالْمُقِيمِينَ) ليستْ معطوفةُ على (الرَّاسِخُونَ)، من بابِ\nعَطْفِ كلمةٍ على كلمة، لتكونَ مرفوعةً مثلَها.\nوالعَطْفُ من بابِ عَطْفِ جُملةٍ على جُمْلَة.\nوالعُدولُ عن الجملةِ الاسمية إِلى الجملةِ الفعلية، ونَصْبُ اسْمِ الفاعلِ","vol":"1","page":356},{"text":"بفعْلٍ مُقَدَّرٍ، جَمالٌ رائع في الأُسلوبِ القرآني، وتَعبيرٌ بَليغٌ معجزٌ رَفيع.\nلكنَّ الجاهلينَ من أمثالِ الفادي لا يَرْتَقون إِلى مستوى فهمِه فيُخَطِّئونَه! (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>هل ينصب المضاف إليه</span>؟\nخَطَّا الفادي نَصبَ (ضَرَّاءَ) في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) .\nوبما أَنَّ (بَعدَ) ظَرْفُ زَمان، وهي مضاف، فإِنّ (ضَرَّاءَ) مُضافٌ إِليه.\nوالمضافُ إِليه مجرور، فلا بُدَّ أَنْ تَكونَ كلمةُ (ضَرَّاءَ) مجرورةً بالكسرة!!.\nإِنَّ اعتراضَ الفادي على الآيةِ وتَخْطِئَتَه لها دليلٌ على جَهْلِه المطبقِ\nبأَبسطِ قواعدِ اللغةِ العربية.\nإِنه لا يَعرفُ الشيءَ المسَمّى \" الممنوع من الصرف \".\nوهو الاسْمُ الذي لا يَلْحَقُه التَّنْوين، والذي يُجَرُّ بالفتحةِ بَدَلَ الكسرة.\nوتَحكمُ الممنوعَ من الصرفِ قواعدُ وضوابط دقيقة.\nومن الأَسماءِ الممنوعةِ من الصَّرْفِ كُلُّ اسمٍ مُؤَنَّثٍ مختومٍ بأَلِفٍ ممدودةٍ\nبَعْدَها همزة، على وَزْنِ \" فَعْلَاءَ \".\nوفي الآيةِ التي خَطَّاَها الجاهلُ كَلِمتَانِ مَمْنوعَتان من الصَّرْفِ هما\n(نَعْمَآءَ)، (ضَرَّاءَ) .\nوهما كلمتانِ مُتَقابلتان.\n(نَعْمَآءَ): مفعولٌ به ثانٍ للفعْلِ (أَذَقنَاهُ) .\nوهو منصوبٌ بالفتحةِ وليس بالتنوين؟\nلأَنه ممنوعٌ من الصرف.\nو(ضَرَّاءَ) في قوله: (بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّته) مضافٌ إِليه مجرورٌ بالفتحةِ بَدَلَ\nالكسرة، لأَنه ممنوعٌ من الصَّرْف.\nولكنْ أَنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَعرفَ هذه القواعد؟\nومع ذلك نَصَّبَ نَفْسَه قاضيًا على القرآن!!.\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: والمقيمين «قراءةُ الجمهورِ بالياء، وقرأ جماعة كثيرة» والمقيمون «بالواو منهم ابن جبير وأبو عمرو بن العلاء في رواية يونس وهارون عنه، ومالك بن دينار وعصمة عن الأعمش، وعمرو بن عبيد، والجحدري وعيسى بن عمر وخلائق. فأما قراءة الياء فقد اضطربت فيها اقوال النحاة، وفيها ستةُ أقوال، أظهرهما: وعزاه مكي لسيبويه، وأبو البقاء للبصريين - أنه منصوبٌ على القطع، يعني المفيدَ للمدح كما في قطع النعوت، وهذا القطعُ مفيدٌ لبيان فضل الصلاة فَكَثُر الكلامُ في الوصفِ بأن جُعِل في جملة أخرى، وكذلك القطعُ في قوله ﴿والمؤتون الزكاة﴾ على ما سيأتي هو لبيانِ فَضْلِها أيضًا، لكن على هذا الوجه يجب أن يكونَ الخبرُ قولَه:» يؤمنون «ولا يجوز أن يكون قوله ﴿أولئك سَنُؤْتِيهِمْ﴾ لأن القطع إنما يكونَ بعد تمامِ الكلام. قال مكي:» ومَنْ جَعلَ نَصْبَ «المقيمين» على المدحِ جَعَلَ خبرَ «الراسخين»: «يؤمنون»، فإنْ جَعَل الخبر «أولئك» سنؤتيهم «لم يجز نصب» المقيمين «على المدح، لأنه لا يكون إلا بعد تمام الكلام» وقال الشيخ: «ومَنْ جعل الخبرَ: أولئك سنؤتيهم فقوله ضعيفٌ» قلت: هذا غيرُ لازمٍ، لأنه هذا القائلَ لا يَجْعَلُ نصبَ «المقيمين» حينئذٍ منصوبًا على القطع، لكنه ضعيفٌ بالنسبةِ إلى أنه ارتكبَ وجهًا ضعيفًا في تخريج «المقيمين» كما سيأتي. وحكى ابنُ عطية عن قومٍ مَنْعَ نصبه على القطع من أجلِ حرف العطف، والقطعُ لا يكونُ في العطف، إنما ذلك في النعوت، ولما استدلَّ الناسُ بقول الخرنق:\n١٦٧٤- لا يَبْعَدَن قومي الذين همُ ... سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزْرِ\nالنازلين بكلِّ معتَركٍ ... والطيبون معاقدَ الأزْرِ\nعلى جواز القطع فَرَّق هذا القائلُ بأن البيت لا عطفَ فيه؛ لأنها قطعت «النازين» فنصبته، و«الطيبون» فرفعَتْه عن قولِها «» قومي «، وهذا الفرقُ لا أثرَ له؛ لأنه في غيرِ هذا البيت ثبت القطع مع حرف العطف، أنشد سيبويه:\n١٦٧٥- ويَأْوي إلى نِسْوةٍ عُطَّلٍ ... وشُعْثًا مراضيعَ مثلَ السَّعالِي\nفنصب» شعثًا «وهو معطوف.\nالثاني: أن يكونَ معطوفًا على الضمير في» منهم «أي: لكن الراسخون في العلمِ منهم ومن المقيمين الصلاة. الثالث: أن يكون معطوفًا على الكاف في» إليك «أي: يؤمنون بما أُنْزل إليك وإلى المقيمين الصلاةَ وهم الأنبياء. الرابع: أن يكونَ معطوفًا على» ما «في» بما أُنْزِل «أي: يؤمنون» بما أنزل إلى محمد ﷺ وبالمقيمين، ويُعْزَى هذا الكسائي. واختلفت عبارة هؤلاء في «المقيمين» فقيل: هم الملائكة قال مكي: «ويؤمنون بالملائكة الذين صفتُهم إقامةُ الصلاةِ كقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] . وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المسلمون، ويكون على حَذْفِ مضافٍ أي: وبدين المقيمين. الخامس: أن يكونَ معطوفًا على الكاف في» قبلك «أي: ومِنْ قبلِ المقيمين، ويعني بهم الأنبياءَ أيضًا. السادس: أن يكونَ معطوفًا على نفسِ الظرف، ويكونَ على حَذْفِ مضاف أي: ومن قبل المقيمين، فحُذِف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامه. فهذا نهايةُ القولِ في تخريجِ هذه القراءةِ.\nوقد زعم قومٌ لا اعتبارَ بهم أنه لحنٌ، ونقلوا عن عائشة وأبان بن عثمان أنها خطأ من جهةِ غلط كاتبِ المصحف، قالوا: وأيضًا فهي في مصحفِ ابن مسعود بالواو فقط نقله الفراء، وفي مصحف أُبيّ كذلك، وهذا لا يَصحُّ عن عائشة ولا أبان، وما أحسن قولَ الزمخشري ﵀:» ولا يُلتفت إلى ما زعموا مِنْ وقوعِه لَحْنًا في خط المصحف، وربما التفت إليه مَنْ لم ينظر في الكتاب الكتاب ومَنْ لم يعرف مذاهبَ العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغَبِيَ عليه أنَّ السابقين الأولين الذين مَثَلُهم في التوراة ومثلُهم في الانجيل كانوا أبعدَ همةً في الغَيْرة عن الاسلام وذَبَّ المطاعنِ عنه من ان يقولوا ثُلْمَةً في كتاب اله ليسُدَّها مَنْ بعدهم، وخَرْقًا يَرْفوه مَنْ يلحق بهم «وأمَّا قراءةُ الرفعِ فواضحةٌ.\nقوله: ﴿والمؤتون﴾ فيه سبعةُ أوجهٍ أيضًا. أظهرها: أنه على إضمار مبتدأ، ويكون من باب المدحِ المذكورِ في النصب. الثاني: أنه معطوفٌ على» الراسخون «، وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأنه إذا قُطِع التابعُ عن متبوعِه لم يَجُزْ أن يعودَ ما بعده إلى إعراب المتبوع فلايُقال:» مررت بزيدٍ العاقلَ الفاضلِ «بنصب» العاقل «وجر» الفاضل «فكذلك هذا.\nالثالث: أنه عطفٌ على الضمير المستكنِّ في «الراسخون»، وجاز ذلك للفصل. الرابع: أنه مطعوفٌ على الضمير في «المؤمنون» الخامس: أنه معطوفٌ على الضمير في «يؤمنون» السادس: أنه معطوفٌ على «المؤمنون»، السابع: أنه مبتدأ وخبره «أولئِك سنؤتيهم» فيكون «أولئك» مبتدأ، و«سنؤتيهم» خبره، والجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوزُ في «أولئك» أن ينتصِبَ بفعلٍ محذوفٍ يفسِّرُه ما بعده فيكونَ من باب الاشتغال، إلا أنَّ هذا الوجهَ مرجوحٌ من جهةِ أنَّ «زيدٌ ضرتبه» بالرفع أجودُ مِنْ نصبه، لأنه لا يحوج إلى إضمار، ولأنَّ لنا خلافًا في تقديم معمول الفعل المقترن بحرف التنفيس في نحو «سأضربُ زيدًا» مَنَعَ بعضهم «زيدًا سأضرب»، وشرطُ الاشتغالِ جوازُ تسلُّط العامل على ما قبله، فالأَوْلى أَنْ نَحْمِلَه على ما لا خلاف فيه.\nوقرأ حمزة: «سيؤتيهم» بالياء مراعاةً للظاهر في قوله: ﴿والمؤمنون بالله﴾ والباقون بالنون على الالتفات تعظيمًا، ولمناسبةِ قوله: «وأعتدْنا» وهما واضحتان. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>جمع الكثرة بدل جمع القلة</span>\nخَطَّأَ الفادي الإِتيانَ بجمعِ الكثرةِ بَدَل جمعِ القِلَّة، في قولِ الله - ﷿ -: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .\nقالَ في اعتراضِه على الآية: \" وكانَ يَجبُ أَنْ يَجْمَعَها جمعَ قِلَّة؟\nلأَنَّهم أَرادوا القِلَّة، فيقول: أَيامًا معدودات \".\nيَرى الفادي أَنَ \" معدودات \" جمعُ قِلَّة، وأَنَ (مَعْدُودَةً) جمعُ كثرة!\nوهذا الكلامُ باطل، فالصّيغَتان جمعُ قِلَّة.\nلكنَّ (مَعْدُودَةً) تدلُّ على عددٍ أَقَلَّ من \" معدودات \".\nفإذا أَريدَ العددُ الأَقَلُّ ذُكِرَتْ صيغةُ (مَعْدُودَةً)، وإِذا أُريدَ\nالعددُ الأَكثرُ ذُكِرَتْ صيغةُ \" معدودات \".\nوهذا عكسُ ما قالَه الفادي الجاهلُ باللغةِ العربية.\nوالآيةُ التي خَظَأَها الجاهلُ تتحدَّثُ عن اليهود، واستخفافِهم بعذابِ الله،\nوادِّعائهم أَنهم أَبناءُ اللهِ وأَحِبّاؤه.\nقال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .\nواللطيفُ في التعبيرِ القرآنيِّ المعجزِ أَنَه أَوْرَدَ الصيغتَيْن \" معدودة، ومعدودات\"\nفي نفسِ الموضوع، وهو زَعْمُ اليهودِ عدمَ تعذيبِهم إِلّا أَيّامًا قليلةً في جهنَّم.\nقال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) .\nوقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) .","vol":"1","page":358},{"text":"(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)\n(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)\nما حكمةُ وَصْفِ الأَيّامِ في سورةِ البقرة بالصيغةِ الدالَّةِ على العَدَدِ الأَقَلّ:\n(أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، وَوَصْفِ الأَيّام نفسِها في سورةِ آل عمران بالصيغةِ الدالةِ\nعلى العددِ الأكثر: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)؟\nمع أَنَّ الأَيّامَ في السورتَيْن واحدة، والقائلين فيهما اليهود؟.\nإِنَّ السياقَ هو الحَكَم، وهو في سورةِ البقرة غيرُه في سورةِ آل عمران!.\nإِنَّ الكلامَ في سورةِ البقرة مختَصَر، والهدفُ منه ذِكْرُ زَعْمِ اليهودِ ثم الرَّدُّ\nعليه بإِيجاز، ولذلك وُصِفَت الأَيّامُ بالصيغةِ الدالَّةِ على القِلَّة، لِتَتَناسَبَ مع\nالهدفِ من الكلامِ، وهو الاختصارُ الدالُّ على التقليل: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) .\nأَمّا الكلامُ في سورةِ آل عمران فإنه مُفَصَّلٌ مُطَوَّل قليلًا، فهو لا يَكتفي\nبمجردِ تسجيلِ زَعْم اليهود، وإِنَّما يَدْعو إِلى التعجبِ من موقفِ اليهودِ\nالاستعلائي، فإِنهم عندما يُدْعَون إِلى الاستجابةِ لحُكْمِ الله، يَرْفُضون تلكَ\nالدعوة، ويَتَوَلُّونَ ويُعْرضون، ويُصرّونَ على باطِلهم، والسببُ في هذا زَعْمُهم أَنهم لن يُعَذَّبوا في النارِ إِلّا أَيامًا معدودات، واغترارُهم في دينهم، وتصديقُهم مزاعِمَهم.\nوبما أَنَّ الكلامَ في سورةِ آلِ عمران مُطَوَّلٌ مُفَصَّل، في عَرْضِ بعضِ\nصفاتِ اليهودِ وتصرفاتِهم وأَقوالِهم، جاءَ بالصيغة الدالَّةِ على تكثيرِ الأيام،\nلتتناسبَ مع السياقِ الذي وَرَدَتْ فيه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>جمع القلة بدل جمع الكثرة</span>\nبناءً على تَفريقِ الفادي الجاهلِ بينَ (مَعْدُودَةً) و(مَعْدُودَاتٍ) على أَنَّ\n(مَعْدُودَةً) جمعُ كَثْرَة، و(مَعْدُودَاتٍ) جمعُ قِلَّة، تابَعَ اعتراضه على القرآن،\nفأَثارَ سُؤالَه السابعَ عَشَرَ بعد المئة، وجَعَلَه تابعًا لسؤالِه السابق، الذي ناقَشْناهُ فيه.\n_________\n(١) قال السمين:\nوجاء هنا «معدودات» بصيغة الجمع، وفي البقرة: ﴿مَّعْدُودَةً﴾ [الآية: ٨٠] تفنُّنًا في البلاغة، وذلك أنَّ جَمْعَ التكسيرِ غيرَ العاقلِ يجوزُ أَنْ يعامَلَ معاملةَ الواحدةِ المؤنثة تارةً ومعاملةَ جمعِ الإِناث أخرى، فيقال: «هذه جبالٌ راسيةٌ» وإن شئت: «راسيات»، و«جِمال ماشية» وإن شئت: «ماشيات» . وخُصَّ الجمعُ بهذا الموضعِ لأنه مكانُ تشنيع عليهم بما فعلوا وقالوا، فأتى بلفظِ الجمعِ مبالغةً في زَجْرِهم وزجرِ مَنْ يعملُ بعملهم.\nاهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":359},{"text":"قال: \" جاء في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجمعَها جمعَ كَثْرَة، حيثُ إِنَّ المرادَ جمعُ كثرةٍ عِدَّتُه\nثَلاثون يومًا، فيقول: أَيامًا معدودةً \".\nومعنى اعتراضِه أَنَّ شَهْرَ رمضانَ الواجبَ صيامُه ثلاثون يومًا، وهي أَيامٌ\nكثيرة، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ توصَفَ أَيّامُهُ بجمعِ القِلَّة (مَعْدُودَاتٍ)، وإِنما\nتوصَفُ بجمْعِ الكثرةِ: (مَعْدُودَةً) .\nوعلى هذا يكونُ القرآنُ - في نظرِ الفادي - قد أَخْطَأَ، عندما قال عن\nأَيامِ رمضان: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ)، وكان الواجبُ أَنْ يَقول: أَيامًا معدودة!!.\nوقد سبقَ أَنْ ناقَشْناهُ في المبحثِ السابق، ورَفَضْنا كلامَه أَنَّ (مَعْدُودَاتٍ)\nجمعُ قلة، و(مَعْدُودَةً) جمعُ كثرة، وذَكَرْنا أَنَّ اللفظَيْن جمعُ قِلَّة.\nوأَنَّ (مَعْدُودَةً) تُستعملُ مع العددِ الأَقَل، و(مَعْدُودَاتٍ) مع العَدَدِ الأَكْثَر!.\nنقول مثلًا: هذه عشرةُ أيامٍ معدودةٍ.\nوتقول: هذه ثلاثون يومًا معدودات!!.\nولذلك ذَكَرَ القرآنُ صفةَ \" معدوداتٍ \" مع أَيامِ شهرِ رمضان الثلاثين:\n(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>هل يجمع الاسم العلم</span>؟\nذَهَبَ الفادي إِلى أَنَّ القرآنَ جَمَعَ اسْمَ العَلَمِ المفردَ الأَعجميّ، وهذا لا\nيَجوزُ في اللغة، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ.\nقال: \" جاءَ في سورةِ الصافات: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) .","vol":"1","page":360},{"text":"(سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)\nفلماذا قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن \" إِلياس \" المفرد؟\nفمِنَ الخَطَأِ لغويًّا تَغييرُ اسمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْعِ المتَكَلَّف.\nوجاءَ في سورةِ التين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) .\nفلماذا قال: (سِينِينَ) بالجمعِ عن سيناء؟\nفمِن الخطأ لغويًّا تَغييرُ اسْمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْع المتكَلَّف؟ \".\n(إِلْ يَاسِينَ) في نظرِ الفادي جمعُ الاسْمِ الأَعجميِّ \" إِلياس \".\nو(سِينِينَ) جمعُ الاسمِ الأَعجميّ (سَيْنَآء)، فهل هذا صحيح؟.\nنَقفُ أَمامَ كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) أَوَّلًا.\nفي كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) قراءَتان صحيحتان:\nالأُولى: قراءةُ نافع وابنِ عامر: \" سلام على آل ياسين \".\nبإضافة \" آل \" إِلى \" ياسين \".\nو\" ياسين \" هو \" إِلْياس \".\nو\" آل ياسين \" هم أَتَبْاعُهُ المؤمنون الذين آمَنوا به ودَخَلوا في دينِه.\nوالسَّلامُ على آلِ ياسين سَلامٌ على إِلْياس نفسِه، لأَنَّه هو السببُ في هدايتِهم!.\nالثانية: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بكسْرِ الأَلفِ وسكونِ اللّام.\nو(إِلْ يَاسِينَ) ليس جمعَ إِلْياس، وإِنما هو لغةٌ ثانيةٌ في \" إِلْياس \"، تقول:\nإِلْياس وإِلْياسين، كما نقول: إِسماعيل وإِسماعين، وجبرائيل وجبرائين،\nوميكائيل وميكائين، وإِسرائيل وإِسرائين.\nفتُقْلَبُ اللامُ نونًا في هذه الأَسماءِ بهدفِ التسهيل.\nوفي إِلْياس، أُضيفَتْ له الياءُ والنونُ للتسهيلِ وليس للجمع.\nوقد يُرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) آلُ إِلياس الذين آمَنوا به واتَّبعوه.\nوعلى هذا تكونُ (إِلْ يَاسِينَ) جمع، مفردُه \" إِلْيَاسِيٌّ \" بياءِ النِّسْبَة.\nتقول: إِلْياس.\nوعندما تَنْسِبُ إِليه مَن اتبعَه تقولُ: إِلْياسِيٌّ.\nكما تقول: شافِع، ومع الياء تقول: شافِعِيّ.","vol":"1","page":361},{"text":"وجمعُ \" إِلْياسِيّ \": \" إِلْياسِيّون \" بالياءِ المشَدَّدَة.\nكما تقول في \"شافِعيّ \" شافِعِيّونَ\".\nثم حُذِفَتْ إِحدى الياءَيْنِ للتَّسهيل، فصارت الكلمةُ \" إِلْياسون \"\nوعندما جُرَّتْ بحرفِ الجَرِّ صارَتْ: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) .\nوالمرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) على هذا التوجيه \" آل إِلْياس \"، فآل إِلياس هم\n\" إلْياسون \"، وهم المؤمنونَ به (١) .\nأَمَّا (وَطُورِ سِينِينَ): فهو اسْمٌ مكَوَّنٌ من جزأَيْن: (طُورِ): وهو اسْمُ جَبَلِ\nالطورِ الذي ذُكِرَ عدةَ مراتٍ في القرآن، وهو الموجودُ في سيناء، وناجى عليه موسى - ﵇ - رَبَّه.\nو(سِينِينَ): وهو اسْمٌ لصحراءِ سيناءَ المعروفة، التي تَفْصِلُ بينَ مصرَ\nوفلسطين.\nوهي المرادَةُ في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) .\nوبالجمعِ بينَ آيةِ سورةِ المؤمنون (طُورِ سَيْنَاءَ) وآيةِ سورةِ التين (وَطُورِ\nسِينِينَ) نعرفُ أَنَّ للصحراءِ الواقعةِ بينَ مصرَ وفلسطين اسْمَيْنِ في القرآن:\nسيناء، وسينين، والكلمتان أَعجميتان.\nوبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَجْمَع اسْمَ العلمِ الأَعجميِّ المفرد، لأَنَّ هذا\nلا يَجوزُ في اللغة، وأَنَّه لم يَفعلْ ذلك حُبًّا في السَّجْعِ المتكَلَّف، كما اتَهمه\nالفادي الجاهلُ بذلك!! (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>بين اسم الفاعل والمصدر</span>\nاعترضَ الفادي على صياغةِ قول اللهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) .\nواعتراضُه على جملةِ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ)، حيثُ جاءَ خَبَرُ\n\" لكنَّ \" اسْمَ موصول، والموصول وصلتُه هنا بمعنى اسم الفاعل.\nوالتقدير: ولكنَّ البرَّ المؤمنُ بالله!.\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿على إِلْ يَاسِينَ﴾:\nقرأ نافعٌ وابن عامر ﴿على آلِ يَاسِينَ﴾ بإضافةِ «آل» بمعنى أهل إلى «ياسينَ» . والباقون بكسرِ الهمزةِ وسكونِ اللامِ موصولةً ب «ياسين» كأنه جَمَعَ «إلياس» جَمْعَ سلامةٍ. فأمَّا الأُوْلى: فإنَّه أراد بالآل إلياسَ وَلَدَ ياسين كما تقدَّم وأصحابَه. وقيل: المرادُ بياسين هذا إلياسُ المتقدمُ، فيكونُ له اسمان. وآلُه: رَهْطُه وقومُه المؤمنون. وقيل: المرادُ بياسينَ محمدُ بن عبد الله ﷺ.\nوأمَّا القراءةُ الثانيةُ فقيل: هي جمعُ إلياس المتقدمِ. وجُمِعَ باعتبارِ أصحابِه كالمَهالبةِ والأَشاعثةِ في المُهَلَّبِ وبنيه، والأَشعثِ وقومِه، وهو في الأصلِ جمعُ المنسوبين إلى إلياس، والأصلُ إلياسيّ كأشعَريّ. ثم اسْتُثْقِل تضعيفُهما فحُذِفَتْ إحدى ياءَي النسَب/ فلمَّا جُمِعَ سَلامةٍ التقى ساكنان: إحدى الياءَيْن وياءُ الجمعِ، فحُذِفَتْ أولاهما لالتقاءِ السَّاكنين، فصار إلياسين كما ترى. ومثلُه: الأَشْعَرُون والخُبَيْبُون. قال:\n٣٨٢٠ قَدْنِيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِيْ ... وقد تقدَّم طَرَفٌ من هذا آخر الشعراء عند «الأَعْجَمِيْن» .\nإلاَّ أنَّ الزمخشريَّ قد رَدَّ هذا: بأنَّه لو كان على ما ذُكِر لَوَجَب تعريفُه بأل فكان يُقال: على الإِلياسين.\nقلت: لأنه متى جُمِعَ العَلَمُ جَمْعَ سَلامةٍ أو ثُنِّي لَزِمَتْه الألفُ واللامُ؛ لأنه تَزُوْلُ عَلَميَّتُه فيقال: الزيدان، الزيدون، الزينبات ولا يُلْتَفَتُ إلى قولهم: جُمادَيان وعَمايتان عَلَمَيْ شهرَيْن وجبلَيْن لندورِهما.\nوقرأ الحسن وأبو رجاء «على إلياسينَ» بوصلِ الهمزةِ على أنه جَمْعُ إلياس وقومِه المنسوبين إليه بالطريق المذكورة.\nوهذه واضحةٌ لوجودِ أل المعرفةِ فيه كالزيدِيْن. وقرأ عبد الله «على إدْراسين» لأنَّه قرأ في الأول «وإنَّ إدْريَس» . وقرأ أُبَيٌّ «على إيليسِيْنَ» لأنه قرأ في الأول «وإنَّ إيليسَ» كما حَرَّرْتُه عنه. وهاتان تَدُلاَّن على أن إلياسينَ جَمْعُ إلياس. اهـ (الدر المصون) .\n(٢) قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾: الطُّور جَبَلٌ. وسينين: اسم مكانٍ فأُضيف الجبل للمكان الذي هو به. قال الزمخشري: «ونحو سِينون يَبْرُوْن في جواز الإِعرابِ بالواو والياء والإِقرارِ على الياءِ وتحريكِ النونِ بحركات الإِعراب» وقال أبو البقاء: «هو لغةٌ في سَيْناء» انتهى. وقرأ العامَّةُ بكسرِ السين. وابنُ أبي إسحاق وعمرو بن ميمون وأبو رجاءٍ بفتحها، وهي لغةُ بكرٍ وتميم. وقرأ عمر بن الخطاب وعبد الله والحسن وطلحة «سِيْناءَ» بالكسر، والمد، وعمرُ أيضًا وزيدُ بن علي بفتحِها والمدِّ، وقد ذُكِرا في المؤمنين، وهذه لغاتٌ اختلفَتْ في هذا الاسمِ السُّرْيانيِّ على عادةِ العرب في تلاعُبها بالأسماء الأعجميةِ. وقال الأخفش: «سينين شجرٌ، الواحدةُ سِيْنِية» وهو غريبٌ جدًا غيرُ معروفٍ عن أهلِ التفسير. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":362},{"text":"قال: \" والصوابُ أَنْ يُقال: \" ولكنَّ البِرَّ أَنْ تُؤمِنوا بالله \"، لأَنَّ البِرَّ هو\nالإِيمانُ وليس المؤمنَ \".\nصَحيح أَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ، ولكنَّ الخَبَرَ في الحقيقةِ ليس\nاسْمَ الموصول \" مَنْ \"، وإِنما هو مَحذوف، و\" مَنْ \" في الحقيقةِ مضافٌ إِليه\nلمضافٍ محذوف.\nوالتقدير: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِالله.\nأي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ المؤمن.\nفلم يأتِ اسْمُ الفاعل \" المؤمن \" في الآية بَدَل المصدر، كما فَهم الفادي\nالجاهل، وإِنما هو مُضاف إِليه لمضافٍ مَحْذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>لا يُعطف المنصوب على المرفوع</span>\nاعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) .\nواعتبرَ (وَالصَّابِرِينَ) المنصوب معطوف على (وَالْمُوفُونَ) المرفوع، وهذا خَطَأ.\nقال: \" وكانَ يجبُ أَنْ يُرفعَ المعطوفُ على المرفوع، فيقول: والموفونَ\nبعهدِهم ... والصابرون ... \".\n(وَالصَّابِرِينَ) ليستْ معطوفةً على (وَالْمُوفُونَ)، وإِلّا لكانَتْ مرفوعة، لأَنه\nلا يَجوزُ عَطْفُ المنصوبِ على المرفوع.\nإِنَّ (وَالصَّابِرِينَ) مفعولٌ به منصوبٌ بالياء، لفعلٍ محذوف، تقديرُه:\n\" أَمدح \" أَي: وأَمدحُ الصابرين في البأساء والضراء.\nوقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في آيةٍ قريبةٍ من هذه الآية، وهي\nقولُه تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾\nفي هذهِ الآيةِ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ «البِرَّ» اسمُ فاعلٍ من بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ، والأصلُ: بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة «فَطِن»، فلما أُريد الإِدغام نُقِلَتْ كسرةُ الراءِ إلى الباءِ بعد سَلْبِها حركتَها، فعلى هذه القراءةِ لا يَحتاج الكلامُ إلى حَذْفٍ وتأويلٍ لأنَّ البِرَّ من صفاتِ الأعيان، كأنه قيل: ولكن الشخصَ البِرِّ مَنْ آمن.\nالثاني: أنَّ في الكلامِ حذفَ مضافٍ من الأولِ تقديرُه: «ولكنَّ ذا البِرَّ مَنْ آمن» .\nالثالث: أن يكونَ الحذفُ من الثاني، أي: ولكن البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن، وهذا تخريجُ سيبويه واختيارُه، وإنما اختارَه لأنَّ السابق إنما هو نفيُ كونِ البر هو تَوْلِيَةُ الوجهِ قِبَل المشرقِ والمغربِ، فالذي يُسْتَدْرك إنما هو من جنس ما يُنْفَى، ونظيرُ ذلك: «ليس الكرمُ أن تَبْذُلَ درهمًا ولكن الكرمَ بَذْلُ الآلاف» ولا يناسِبُ «ولكن الكريم مَنْ يبذُلُ الآلاف» .\nالرابع: أن يُطْلَقَ المصدرُ على الشخصِ مبالغةً نحو: «رجلٌ عَدْلٌ» . ويُحكى عن المبردِ: «لو كنتُ مِمَّن يقرأُ لقرأتُ:» ولكنَّ البَرَّ «بفتح الباء وإنما قال ذلك لأن» البَرَّ «اسم فاعل تقول: بَرَّ يبَرُّ فهو بارٌّ وبَرٌّ، فتارةً تأتي به على فاعِل وتارة على فَعِل.\nالخامس: أن المصدرَ وقع مَوْقِع اسمِ الفاعلِ نحو: «رجل عَدْل» أي عادل، كما قد يَقَعُ اسمُ الفاعلِ موقعه نحو: «أقائمًا وقد قعد الناس» في قولٍ، وهذا رأيُ الكوفيين.\nوالأَوْلَى فيه ادِّعاءُ أنه محذوفٌ من فاعل، وأن أصلَه بارٌّ، فجُعل «بِرًَّا» ك «سِرّ»، وأصلُه: سارٌّ، وربٌّ أصله رابٌّ. وقد تقدَّم ذلك.\nوجَعَلَ الفراء «مَنْ آمَنَ» واقعًا موقِعَ «الإِيمان» فأوقَعَ اسمَ الشخصِ على المعنى كعكسه، كأنه قال: «ولكنَّ البِرَّ الإِيمانُ بالله» . قال: «والعربُ تَجْعَلُ الاسمُ خبرًا للفعلِ وأنشد:\n٨٢٥ لَعَمْرُك ما الفتيانُ أن تَنْبُت اللِّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فتىً نَدِي\nجَعَلَ نباتَ اللحيةِ خبرًا للفتيانِ، والمعنى: لَعَمْرُكَ ما الفتوةُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحى.\nوقرأ نافع وابن عامر:» ولكنْ البِرُّ «هنا وفيما بعد بتخفيف لكن، وبرفع» البرُّ «، والباقون بالتشديد ولنصب، وهما واضحتان ممَّا تقدَّم في قولِه: ﴿ولكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقرىء:» ولكنَّ البارَّ «بالألف وهي تقوِّي أنَّ» البِرَّ «بالكسرِ المرادُ به اسمُ الفاعلِ لا المصدرُ.\nوَوَحَّد» الكتابَ «لفظًا والمرادُ به الجمعُ، وحَسَّن ذلك كونُه مصدرًا في الأصلِ، أو أرادَ به الجنسَ، أو أراد به القرآنَ، فإنَّ مَنْ آمنَ به فقد آمَنَ بكلِّ الكتبِ فإنَّه شاهدٌ لها بالصحةِ. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":363},{"text":"حيث ظَنَّ الفادي أَنَّ (وَالْمُقِيمِينَ) منصوبٌ لأَنَّه معطوفٌ على المرفوعِ قبلَه: (وَالْمُؤْمِنُونَ)، مع أَنه منصوبٌ؟\nلأَنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديره: أَمْدَحُ المقيمين الصلاة (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>حكمة وضع المضارع بدل الماضي</span>\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .\nقالَ في اعتراضه: \"كانَ يَجِبُ أَنْ يُعتبرَ المقامُ الذي يَقْتَضي صيغةَ\nالماضي لا المضارع، فيقول: ثم قالَ له: كُنْ، فكان \".\nالكلامُ في الجملةِ عن خَلْقِ أَبي البشر آدمَ - ﵇ -، فاللهُ خَلَقَه بكلمتِه التكوينية، ولَمّا سَوّاهُ من تُراب، قالَ له: (كُنْ)، فكان، وصارَ إنسانًا حَيًّا.\nو(كُنْ) فعْلُ أَمْرٍ تامّ، يَحتاجُ إِلى فاعلٍ فَقَط، وهو ضميرٌ مستترٌ تَقديرُه: أَنْتَ.\nوهو بمعنى الوجودِ والتكوين.\nأَيْ: تَكوَّنْ وتَشَكَلْ كما نُريدُ.\nوالفاءُ في (فَيَكُونُ) حَرْفُ عطف.\nوجملةُ (يَكُونُ) معطوفةٌ على جملةِ (كُنْ) .\nو(يَكُونُ) فعلٌ مضارع تامٌّ، وفاعلُه تقديرُه \" هو \" وجملةُ \" يكونُ \" في\nمحلِّ رَفْعٍ خبر لمبتدأ محذوف، تقديرُه: فهو يَكون.\nأَيْ: قالَ له: كُنْ، وتَكَوَّنْ، فهو كائِنٌ مُتَكَوِّنٌ كما أَمَرَهُ الله.\nوكانَ المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالماضي: ثم قالَ له: كُنْ فكان.\nلأَنه أَخْبَرَ عن خَلْقِ آدَمَ - ﵇ - في بدايةِ تاريخِ البشريةِ، لكنَّهُ عَدَل عن الماضي إِلى المضارع، فقال: ثم قالَ له: كُنْ، فيكون.\nوذلك لكي نستحضرَ نحنُ في خيالِنا خَلْقَ أَبينا آدمَ - ﵇ -\nلأَنَّ المضارعَ يدل على التجدّدِ والاستمرارِ، والحيويةِ والتفاعل (٢) .\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿والموفون﴾ في رفعه ثلاثةُ أوجه:\nأحدُها: - ولم يذكر الزمخشري غيرَه - أنه عطفٌ على «مَنْ آمن»، أي: ولكنَّ البِرَّ المؤمنون والموفون. والثاني: أن يَرْتفعَ على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم المُوفون. وعلى هذينِ الوجهين فنصْبُ «الصابرين» على المدحِ بإضمارِ فعلٍ، وهو في المعنى عَطْفٌ على «مَنْ آمن»، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ.\nقال الفارسي: «وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ، بخلافِ اتفاق الإِعراب فإنه يكونُ جملةً واحدةً، وليس فيها من المبالغةِ ما في الجملِ المتعددةِ.\nفإن قيل: لِمَ لا يجوزُ على هذين الوجهين أن يكونَ معطوفًا على» ذوي القربى «أي: وآتى المالَ الصابرين؟\nقيل: لئلاَّ يلزمَ من ذلك محذورٌ وهو الفصلُ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه الذي هو في حكمِ الصلة بأجنبي وهو الموفون. والثالث: أن يكونَ» الموفون «عطفًا على الضمير المستتر في» آمَنَ «، ولم يُحْتَجْ إلى التأكيدِ بالضميِر المرفوعِ المنفصلِ لأنَّ طولَ الكلامِ أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ في» الصابرين «وجهان، أحدُهما: النصبُ بإضمارِ فعلٍ كما تقدَّم، والثاني: العطفُ على» ذوي القربى «، ولا يَمْنَعُ من ذلك ما تقدَّم من الفصلِ بالأجنبي، لأنَّ الموفين على هذا الوجه داخلٌ في الصلةِ فهو بعضُها لا أجنبيٌّ منها.\nوقوله: ﴿إِذَا عَاهَدُواْ﴾» إذا «منصوبٌ بالموفُون، أي: الموفون وقتَ العهدِ من غيرِ تأخيرِ الوفاءِ عن وقتِهِ.\nوقرأ الحسنُ والأعمشُ ويعقوبُ:» والصابرون «، وحكى الزمخشري قراءَة:» والموفين «و» الصابرين «.\nقال الراغب: وإنما لم يَقُلْ:» وأوفى «كما قال» وأقام «لأمرين، أحدُهما: اللفظُ، وهو أنَّ الصلةَ متى طالت كان الأحسنُ أن تُعْطَفَ على الموصولِ دون الصلة لئلا تطولَ وَتَقْبُحَ. والثاني: أنه ذكر في الأولِ ما هو داخلٌ في حَيِّز الشريعةِ وغيرُ مستفادٍ إلاَّ منها، والحكمةُ العقليةُ تقتضي العدالةَ دون الجَوْر، ولمَّا ذكرَ وفاءَ العهدِ وهو مِمَّا تقضي به العُقولُ المجردةُ صار عطفُهُ على الأولِ أحسنَ، ولَمَّا كان الصبرُ من وجهٍ مبدَأَ الفضائِلِ ومن وجهٍ جامعًا للفضائلِ إذ لا فضيلَةَ إلا وللصبرِ فيها أثرٌ بليغٌ غَيَّر إعرابَهُ على هذا المَقْصِد» وهذا كلامٌ حَسَنٌ طائِلٌ. اهـ (الدر المصون) .\n(٢) قال الإمام الفخر الرازي:\nوالجواب: تأويل الكلام، ثم قال له ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكان.\nواعلم يا محمد أن ما قال له ربك ﴿كُنَّ﴾ فإنه يكون لا محالة. اهـ (مفاتيح الغيب. ٨ / ٦٨) .\nوجاء في الروض الأنف للسهيلي ما نصه:\nتَأْوِيلُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾\nذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُمْ لِلنّبِيّ ﷺ مَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ يَعْنُونَ عِيسَى، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ وَفِيهَا نُكْتَةٌ فَإِنّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ فَيَعْطِفُ بِلَفْظِ الْمَاضِي عَلَى الْمَاضِي، وَالْجَوَابُ أَنّ الْفَاءَ تُعْطِي التّعْقِيبَ وَالتّسْبِيبَ فَلَوْ قَالَ فَكَانَ لَمْ تَدُلّ الْفَاءُ إلّا عَلَى التّسْبِيبِ وَأَنّ الْقَوْلَ سَبَبٌ لِلْكَوْنِ فَلَمّا جَاءَ بِلَفْظِ الْحَالِ دَلّ مَعَ التّسْبِيبِ عَلَى اسْتِعْقَابِ الْكَوْنِ لِلْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ مَهَلٍ وَأَنّ قَالَ لَهُ كُنْ فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ وَاقْتَضَى لَفْظُ فِعْلَ الْحَالِ كَوْنَهُ فِي الْحَالِ فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: إنّ آدَمَ مَكَثَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَهُوَ طِينٌ صَلْصَالٌ وَقَوْلُهُ لِلشّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ يَقْتَضِي التّعْقِيبَ وَقَدْ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَهِيَ سِتّةُ آلَافِ سَنَةٍ فَأَيْنَ قَوْلُهُ كُنْ فَيَكُونُ مِنْ هَذَا؟\nقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنّ قَوْلَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ كُنْ يَتَوَجّهُ إلَى الْمَخْلُوقِ مُطْلَقًا وَمُقَيّدًا، فَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا كَانَ كَمَا أَرَادَ لِحِينِهِ وَإِذَا كَانَ مُقَيّدًا بِصِفَةِ أَوْ بِزَمَانِ كَانَ كَمَا أَرَادَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ الزّمَانِ الّذِي تَقَيّدَ الْأَمْرُ بِهِ فَإِنْ قَالَ لَهُ كُنْ فِي أَلْفِ سَنَةٍ كَانَ فِي أَلْفِ سَنَةٍ وَإِنْ قَالَ لَهُ كُنْ فِيمَا دُونَ اللّحْظَةِ كَانَ كَذَلِكَ. اهـ (الروض الأنف للسهيلي. ٣ / ٥: ٦) .","vol":"1","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>حكمة حذف جواب الشرط</span>\nاعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) .\nوتساءَلَ عن جوابِ \" لَمّا \" وقال: \" أَينَ جوابُ لَمّا؟\nولو حَذَفَ الواوَ التي قبلَ (وَأَوْحَيْنَا) لاستقام المعنى \".\nاعتراضُه على حَذْفِ جوابِ \" لَمّا \".\nواقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من جملةِ (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، لتكونَ هي جوابَ الشرط، فيكونَ التقديرُ: فلما ذهبوا به وأَجْمَعوا أَنْ يَجْعَلوهُ فِي غيابةِ الجُبِّ أَوحينا إِليه!!.\nواعتراضُه متهافت، والأَفصحُ والأَبلغُ حذفُ جوابِ الشَّرْط ...\nإِنَّ \" لَمّا \" ظَرْفُ زمان للماضي، يتضمَّنُ مَعْنى الشرط.\nوجملةُ (ذَهَبُواْ بِهِ) فعلُ الشرط.\nوجملةُ (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) معطوفة عليها.\nوجوابُ الشرطِ محذوف، تقديرُه: جَعَلوهُ في غيابةِ الجُبِّ.\nوجملةُ (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) استئنافية، ولا تَصْلُحُ أَنْ تكونَ جوابَ الشرط.\nفيكون معنى الآية: لما ذَهَبَ الإِخوةُ بأَخيهم الصغيرِ يوسف، وأَجْمَعوا\nعلى التخلُّصِ منه، نَفَّذوا ما أَجْمَعوا عليه، وَوَضَعوه في غيابة الجب.\nولما استقَرَّ الصغيرُ يوسفُ في غيابةِ الجُبِّ واسَيْناهُ وطَمْأَنّاه، وأَوحينا إليه بأنه\nسيتجاوزُ تلك المحنة، ويكونُ في وضعٍ مُريح، حيثُ سَيُنَبِّئُهم بأَمرهم هذا وهم لا يشعرونَ به، ولا يتوقَّعونَ أَنْ يكونَ هو.\nوقد يكونُ من البلاغةِ ذِكْرُ جوابِ الشرطِ في الجملة، ولكنَّه قد يكونُ\nحَذْفُ جوابِ الشرطِ أحيانًا هو الأَفصحَ والأَبلغَ.\nوبهذا يكونُ اعتراضُ الفادي على حَذْفِ جواب الشرط دليلَ جهلِه وغبائِه.","vol":"1","page":365},{"text":"توهم الاضطراب بسبب عودة الضمائر\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) .\nولْنقرأْ ما سَجَّلَه في اعتراضِه وانتقادِه وتخطئتِه.\nقال: \" وهُنا نَرى اضطرابًا في المعنى، بسببِ الالتفات، من خِطابِ محمدٍ إِلى خطابِ غيره.\nولأَنَّ الضميرَ المنصوبَ في قولِه: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) عائدٌ على الرسولِ\nالمذكورِ آخِرًا، وفي قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ) عائدٌ على اسمِ الجَلالةِ المذكورِ أَوَّلًا.\nهذا ما يَقتضيهِ المعْنى، وليسَ في اللفظ ما يُعَيِّنُهُ تَعيينًا يُزيلُ اللَّبْس.\nفإِنْ كَانَ القولُ: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)\nعائدًا على الرسولِ يكونُ كُفْرًا؟\nلأَنَّ التَّسبيحَ لله فقط.\nوإِنْ كانَ القولُ: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) عائدًا على اللهِ يَكونُ كُفْرًا؟\nلأَنَّه تعالى لا يَحتاجُ لمنْ يُعَزِّرُهُ ويُقَوِّيه.. \".\nالمشكلةُ عند الفادي في عودةِ الضمائرِ في الأَفعالِ الثلاثة: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ)، لأَنَّ الضمائرَ في الأَفعالِ الثلاثةِ لا بُدَّ أَنْ تَعودَ على\nواحِد، إِمّا اللهُ وإِمّا رسولُه، المذكوران في: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...)\nفإنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على الرسولِ - ﷺ - كانَ القرآنُ مُخْطِئًا، لأَنَه يَدعو المؤمنينَ إِلى تسبيحِ الرسولِ - ﷺ -، وتَسبيحُ البَشَرِ كُفْر ...\nوإِنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على اللهِ كانَ القرآنُ مُخْطِئًا، لأَنه يَدعو إِلى تعزيرِ الله وتوقيرهِ، وهذا كُفْرٌ، لأَنَه يدلُّ على أَنَّ الله يَحتاجُ إِلى تعزيرٍ وتَوقيرٍ واحْتِرام!.","vol":"1","page":366},{"text":"وقبلَ حَلِّ المشكلة نَقول: إِنَّ تَعزيرَ اللهِ وتَوقيرَه سبحانه ليسَ كفرًا \" لأَنَّ\nالتعزيرَ مَعْناهُ النَّصْرُ والتأييد، والتوقيرَ مَعْناهُ التعظيمُ والإِجلال، وهل نَصرُ الله وتَأييدُه كُفْر؟\nوهل تَعظيمُ اللهِ وإِجلالُه كُفْر؟!.\nلقد دَعا اللهُ المؤمنين إِلى نَصرَه، ورَبطَ نَصرَهُ لهم بنصرِهم له، فقال\nتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) .\nفهل معنى هذا أَنَّ اللهَ ضَعيفٌ يَحتاجُ إِلى مَنْ يَنصُرُه؟\nحاشَ لله.\nوهكذا نَفهمُ تَعزيرَ اللهِ وتأييدَه، فهو لا يَحتاجُ إِلى تعزيرِ وتَأييدِ أَحَد، والإِنسانُ هو المستفيدُ عندما يُعَزِّرُ اللهَ ويُؤَيِّدُه ويَنصرُه.\nولقد ذَمَّ اللهُ الكفارَ الذين لم يَقْدُروهُ حَق قَدْرِه.\nقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) .\nوأَنكرَ نوحٌ - ﵇ - على قومِه الكافرين عَدَمَ توقيرِ اللهِ.\nقال تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) .\nوهذا مَعناهُ أَنَّ توقيرَ اللهِ وتعظيمَه وإِجلالَه واجب.\nبعد هذا البيانِ نَقول: للعلماءِ قولان في مَنْ عادَتْ عليه الضَّمائِرُ الثلاثة:\nالقولُ الاوَّلُ: عادَ الضميرُ الأَوَّل والثاني على الرسولِ - ﷺ - (تُعَزِّوهُ وَتُوَقِّرُوُه) .\nبمعنى نَصْرِه واحترامِه وتوقيرِه وتَقديره.\nأَمّا الضميرُ الثالث: (وَتُسَبِّحُوهُ) فإِنَّهُ يَعودُ على الله، لأَنَّ التسبيحَ لا يَكونُ إِلّا لله. فتكونُ الواوُ في (وَتُسَبِّحُوهُ) حرفَ استئناف وليستْ حَرْفَ عَطْف \" لأَنَّ (وَتُسَبِّحُوهُ) ليسَ مَعْطوفًا على (وَتُوَقِّرُوُه)، فالتَّعزيرُ والتوقيرُ للرسولِ - ﷺ.\nأَمَّا التَّسبيحُ فإِنَّه لله.\nالقولُ الثاني: الضمائرُ الثلاثةُ تَعودُ على الله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)، والأَفعالُ الثلاثةُ معطوفةٌ على (لتُؤْمِنُواْ) .\nويكونُ المعْنى دعوةً إِلى الإِيمانِ بالله، وتَعْزيرِه، وتَوقيرِه، وتَسبيحه.\nوالراجحُ هو القولُ الثاني، فنحنُ مأمورونَ بالإِيمانِ بالله وتعزيرِه وتوقيرِه\nوتسبيحِه، على المعْنى الذي ذَكَرْناهُ في التعزيرِ والتوقير.","vol":"1","page":367},{"text":"وبهذا يكونُ الفادي جاهلًا عندما ادَّعى اضطرابَ معنى الآية، وخَطَّأَ\nتَركيبَها وعودةَ ضمائرِها، وكان جاهلًا عندما ادَّعى أَنَّ توقيرَ اللهِ وتَعْزيرَه كفْر!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>هل صرف القرآن الممنوع من الصرف</span>؟\nاعترضَ الفادي على تنوينِ (قَوَارِيَرْا) في قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) .\nكما اعترضَ على تنوينِ (سَلَاسِلًا) في قولِه تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) .\nيرى الفادي أَنَّ (قَوَارِيَرا) ممنوعةٌ من الصرف، لأَنَّها على وَزْنِ \" مَفاعيل \"،\nمثلُ \" مصابيح \".\nوالممنوعُ من الصرفِ لا يُنَوَّن، إلّا بشروط، لذلك أَخْطَأَ\nالقرآنُ، في نظر الفادي في تنوين (قَوَارِيَرا) وصَرْفِها، كذلك أَخْطَأَ القرآنُ في\n- نظر الفادي - في تنوينِ وصَرْفِ (سَلَاسِلًا)، مع أَنها ممنوعةٌ من الصَّرْف،\nلأَنها على وَزْنِ \" مفاعل \".\nوتوجيهُ تَنوينِ الكلِمَتَيْن الممنوعتَيْن من الصَّرْفِ \" سلاسل \" و\" قواريرَ \"\nسهل.\nفي كلمةِ \" سلاسلَ \" قراءتان صحيحتان:\nالأُولى: قراءةُ نافع والكسائي وأَبي جعفر المدني، وروايةُ أَبي بكرٍ عن\nعاصم، وهشام عن ابنِ عامر: \" سلاسلًا \" بالتنوين.\nوالكلمةُ مُنَوَّنَةٌ على هذه القراءة، مع أَنها ممنوعةٌ من الصرفِ في\nالأَصْلِ، لوقوعِ كلمتَيْن مصروفتَيْن بعدها: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا)، وحكمةُ تنوينها وصرفها مراعاةُ المزاوجةِ والجوار، ومراعاةُ المزاوجةِ طريقةٌ فصيحةٌ بليغةٌ ملحوظة، ولا تُسَمّى خطأً نحويًّا في اللغةِ والقرآن، كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.","vol":"1","page":368},{"text":"(وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)\nالثانيةُ: قراءةُ ابنِ كثير وحمزةَ وأَبي عمرو ويعقوب وخلف وروايةُ حفصٍ\nعن عاصم: \" سَلاسِلَ \" بالفتحة فقط.\nعلى أَنه ممنوعٌ من الصَّرْف، لأَنه على صيغةِ منتهى الجموع.\nوعليه يكونُ اعتراضُ الفادي الجاهل مَرْدودًا، فالكلمةُ ممنوعَةٌ من\nالصَّرْفِ على القراءتين، لكنها مُنَوَّنَةٌ على القراءةِ الأُولى للمزاوجةِ والمجاورة.\nوفي كلمةِ قوارير في قوله تعالى: \"وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) ثَلاثُ قراءات:\nالأُولى: قراءةُ نافع والكسائي: (قَوَارِيرَا) .. (قَوَارِيَرْا) بتنوينِ الكلمتَيْن،\nوالوقوفِ عليهما بالأَلفِ، اتِّباعًا لرسْمِ المصحف، لأَنَّ الكلمتَيْن مكتوبَتان في\nالمصحفِ بالأَلِف.\nوتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَ تنوين \" قواريرا \" الأُولى ليس صَرْفًا لها، لأَنها\nممنوعةٌ من الصَّرف، وإِنما تنوينُها مراعاةً للفاصلةِ في الآياتِ التي قَبْلَها\nوبَعْدَها، حيثُ خُتمتْ آياتُ السورةِ الواحدةُ والثلاثون كلُّها بكلماتٍ مُنَوَّنَة، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ تأْتِيَ \" قواريرَ \" وَحْدَها ممنوعةً من الصَّرْف، وسْطَ ثلاثينَ آيةً مُنَونَة! وهذا من روائعِ التناسقِ في السياقِ القرآني، وليس مَأْخَذًا عليه!\nوأَمَّا تَنوينُ (قَوَارِيَرْا) الثانية فلمجاوَرَتِها (قَوَارِيَرْا) الأُولى المنَوَّنَة.\nالثانية: قراءةُ ابنِ كثير وخَلَف: (قَوَارِيَرْا) الأُولى بالتنوين.\nو(قَوَارِيَرْا) الثانية بالفتحةِ وليسَ بالتنوين.\nوحُجَّةُ تَنوينِ الأُولى موافقتُها للفاصلةِ في آيات السورةِ كما قَرَّرْنا، وحُجَّةُ عدمِ تنوينِ الثانيةِ عدمُ الاعتدادِ بالمجاورةِ والمزاوجة، واعتمادُ المنع من الصرف.\nالثالثة: قراءةُ أَبي عمرو وابن عامر وحمزة، وروايةُ حفصٍ عن عاصم\nبعدمِ التنوينِ في الكلمتين: (قَوَارِيَرْا) ... (قَوَارِيَرْا) .\nواعتمادِ القاعدةِ في منعِ الكلمتَيْن من الصرف.\nوتقديمِ القاعدةِ النحوية على رؤوس الآياتِ والمجاورةِ.\nولكنهم وقفوا على (قَوَارِيَرْا) الأُولى بالأَلفِ، لأَنها رأسُ آية: (وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) (١) .\n_________\n(١) قال الشخ الطاهر ابن عاشور:\nوكتب ﴿سلاسلا﴾ في المصحف الإِمامِ في جميع النسخ التي أرسلت إلى الأمصار بألف بعد اللام الثانية ولكن القراء اختلفوا في قراءته، فنافع والكسائي وهشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر قرأوا ﴿سَلاسلًا﴾ منونًا في الوصل ووقفوا عليه كما يوقف على المنون المنصوب، وإذ كان حقه أن يمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجمع تعين أن قراءته بالتنوين لمراعاة مزاوجته مع الاسمين اللذيْن بعده وهما ﴿أغلالًا﴾ و﴿سعيرًا﴾، والمزاوجة طريقة في فصيح الكلام، ومنها قول النبي ﷺ لنساءٍ \" ارجِعْنَ مَأزورات غير مأجورات \" فجعل «مأزورات» مهموزًا وحقه أن يكون بالواو لكنه هُمز لمزاوجة مأجورات، وكذلك قوله في حديث سؤال الملكين الكافر «فيقال له: لاَ درَيْت ولا تلَيْت»، وكان الأصل أن يقال: ولا تَلوت.\nومنه قول ابن مُقْبِل أو القَلاَّحُ:\nهتَّاكُ أخْبيَةٍ وَلاَّجُ أبْوِبَةٍ ...\nيُخَالطُ البِرُّ منه الجِدَّ واللِّينا\nفقوله (أبوبة) جمع باب وحقه أن يَقول أبواب.\nوهذه القراءة متينة يعضدها رسم المصحف وهي جارية على طريقة عربية فصيحة.\nوقرأه الباقون بدون تنوين في الوصل.\nواختلفوا في قراءته إذا وقفوا عليه فأكثرهم قرأه في الوقف بدون ألف فيقول ﴿سلاسلْ﴾ في الوقف.\nوقرأه أبو عمرو ورويس عن يعقوب بالألف على اعتباره منونًا في الوصل.\nقرأه البَزي عن ابن كثير وابنُ ذكوان عن ابن عامر وحفصٌ عن عاصم في الوقف بجواز الوجهين بالألف وبتركها.\nفأما الذين لم ينونوا ﴿سلاسلا﴾ في الوصل ووقفوا عليه بألف بعد لامه الثانية.\nوهما أبو عمرو ورويس عن يعقوب فمخالفة روايتهم لرسم المصحف محمولة على أن الرسم جرى على اعتبار حالة الوقف وذلك كثير فكتابة الألف بعد اللام لقصد التنبيه على إشباع الفتحة عند الوقف لمزاوجة الفواصل في الوقف لأن الفواصل كثيرًا ما تعطى أحكام القوافي والأسجاع.\nوبعدُ فالقراءات روايات مسموعة ورسم المصحف سُنة مَخصوصة به وذكر الطيبي: أن بعض العلماء اعتذر عن اختلاف القراء في قوله: ﴿سَلاسلا﴾ بأنه من الاختلاف في كيفية الأداء كالمَدّ والإِمالة وتخفيف الهمزة وأن الاختلاف في ذلك لا ينافي التواتر. اهـ\nوقال ﵀ عند قوله تعالى ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ ما نصه:\nوكتب في المصحف ﴿قَوَارِيرَا قَوَارِيرَا﴾ بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين.\nوقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ﴿قواريرا﴾ الأول والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة واللاحقةِ من قوله ﴿كافورًا﴾ [الإنسان: ٥] إلى قوله ﴿تقديرا﴾ وتنوين الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿سلاسلا وأغلالًا﴾ [الإنسان: ٤] .\nوقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب ﴿قوايرًا﴾ الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي.\nوقرآ ﴿قواريرا﴾ الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون. اهـ (التحرير والتنوير. للطاهر ابن عاشور)","vol":"1","page":369},{"text":"بهذا التوجيهِ للقراءاتِ الثَّلاثِ نَعرفُ خَطَأَ وجهلَ الفادي المفترِي في\nاعتراضه على القرآن، وأَنه تكلَّمَ بشيء لا يَعرفُ عنه شيئًا، ورحمَ اللهُ امرءًا عَرَفَ قَدْرَ نفسه!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>حول تذكير خبر الاسم المؤنث</span>\nاعترضَ الفادي الجاهلُ على قولِ اللهِ - ﷿ -: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) .\nوقال في اعتراضِه: \" لماذا لم يُتْبعْ خَبَرَ \" لَعَلَّ \" اسْمَها في التأنيث؟\nولماذا لم يَقُلْ: \" قَريبة \"؟ \".\n(السَّاعَةَ) مُؤَنَّثَة، وهي في الآية: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) اسمُ\n\" لَعَلَّ \" منصوب.\nو: (قَرِيبٌ): خَبَرُ \" لَعَلَّ \" مرفوع.\nوالإِشكالُ عند الفادي في تَذكير الخبرِ (قَرِيبٌ) مع أَنَّ الاسْمَ\n(السَّاعَةَ) مُؤَنَّث، ولا يَجوزُ أَنْ نَقولَ: الساعَةُ قَريب، وإِنما نقولُ: الساعةُ قَريبة، ولذلك أَخْطَأَ القرآنُ - في زَعْمِه - لإِخبارِه عن المَؤنَّثِ بالمذكَّر!.\nوفي توجيهِ هذا قولان:\nالأَول: (قَرِيبٌ) في الجملة: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) ليسَ خَبَرَ\n\" لَعَلَّ \"، ومن ثم ليس إِخْبارًا عن الاسمِ المؤَنَّثِ (السَّاعَةَ) .\nوإِنما هو خَبَرٌ لمبتدأ محذوف، تقديرُه: موعد.\nفتكونُ جملةً اسميةً من مبتدأ وخبر: موعِدُها قريبِ.\nوهذه الجملةُ الاسميةُ في محلِّ رَفْع خَبَرِ \" لعلَّ \".\nفيكونُ السياقُ هكذا: وما يدريكَ لَعَلَّ الساعةَ موعِدُها قريب.\nالثاني: (قَرِيبٌ) في القرآنِ وَصْفٌ لم يَأتِ إِلَّا مُذَكَّرًا، فهو وَصْفٌ على\nوَزْنِ \" فعيل \"، لكنَّه بمعنى \" فاعِل \": أَيْ: قارِب.\nولذلك جاءَ مُذَكَّرًا، سواءٌ كانَ المخبَرُ عنه مُذَكَّرًا أَو مُؤَنَّثًا.\nولم تَأتِ صفةُ \" قريبة \" المؤنثةُ في القرآن.","vol":"1","page":370},{"text":"ومن مجيئِه وَصْفًا لمذَكَّرٍ في القرآن قولُه تعالى: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) .\nأَيْ: أَلّا إِنَّ نَصْرَ اللهِ موعدُه قريب.\nومن ذلك أَيضًا قولُه تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) .\nومن مجيئِه وَصْفًا لمؤَنَّث، على تقديرِ كلمةٍ محذوفةٍ قولُه تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) .\nأَيْ: يكونُ موعدُها قريبًا.\nومن ذلك أَيضًا قولُه تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) .\nويمكنُ الجمعُ بين القولينِ بأَنَّه بما أَنَّ (قَرِيبٌ) لم يأْتِ إِلَّا مُذَكَّرًا في القرآن.\nفهو صفة لموصوفٍ مذكَّرٍ محذوف، هو \" موعِد \".\nأي: موعدُه قريب.\nولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ أُسلوبَ القرآن، ولا مظاهرَ التعجيرِ فيه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>هل القرآن يوضح الواضح</span>؟\nاتَّهَمَ الفادي القرآنَ بأَنَّه يُوَضِّحُ الواضِحَ، وهذا مَطْعَن فيه، فما الدّاعي\nلذلك.\nواستشهدَ على ذلكَ بقولِه تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .\nقال: \" فلماذا لم يَقُلْ: \" تلكَ عشرة \" مع حَذْفِ \" كامِلَة \"، تلافيًا لإِيضاحِ الواضح؟\nومَنْ يَظُنُّ أَنَّ العشرةَ تِسْعَة؟! \".\nتتحدثُ الآيةُ عن الواجبِ على مَنْ حَجَّ مُتَمتِّعًا، أَيْ يُؤَدّي مناسكَ العمرةِ\nمن طَوافٍ وسَعْي، ثم يتحلَّل، وَيلبسُ ملابِسَه العادِيّة، ثم يُحرمُ بالحَجِّ يومَ\nالثامنِ من ذي الحجة، ويتوجَّهُ مع الحُجّاجِ إِلى عَرَفَة، فهذا يَجِبُ عليه أَنْ\nيَذبحَ هَدْيًا، فإِنْ لم يَجِدْ ثَمَنَ هَدْي انتقلَ للصيام، بأَنْ يَصومَ في مكةَ ثَلاثةَ\nأَيام، وإِذا عادَ إِلى بَلَدِه صامَ سبعةَ أًيام، فيكونُ المجموعُ عشرةَ أَيام، يَصومُها كاملة.","vol":"1","page":371},{"text":"قال تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .\nومعلومٌ أَنَّ ناتجَ الثلاثةِ معَ السبعةِ عشرةٌ، فلماذا قال: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)؟\nوهل هذا من بابِ تحصيلِ الحاصلِ وتوضيحِ الواضح؟.\nالإِشارةُ في (تِلْكَ) إِلى حاصلِ جَمْعِ الثلاثةِ والسبعة.\nوالتقديرُ: نتيجةُ جمع الأَيامِ الثلاثةِ والسبعة هي عشرةُ أَيّام.\nوحكمةُ ذكْرِ الجملةِ: (تِلْكَ عَشَرَةٌ)، هي التوكيدُ، ولإِفادةِ تَقريرِ الحكمِ\nمَرَّتَيْن: مرةً بالتفريقِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ)، ومرةً بالجمع: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .\nوهذا كقولك: كتبتُ بيدي.\nفإضافَةُ شبْهِ الجملةِ \" بيدي \" للتوكيد، لأَنَّ الكتابةَ لا تكونُ إِلّا باليد، فهو يُريدُ التأكيدَ على الكتابةِ الحقيقيةِ الحسية.\nولذكْر الجملةِ حكمةٌ أُخرى، وهي نفيُ التخيير، والتأكيدُ على الإيجابِ\nوالإلزامِ بصيامِ العشرة أيام، لأَنَّ تَفريقَ الأَيام: ثلاثة وسبعة قَد يَتَوَهَّمُ منه\nبعضُهم بأَنَّ المرادَ التخييرُ بين الثلاثةِ والسبعة، فنفت الجملةُ الأَخيرةُ التخيير،\nوأَكَّدَتْ على أَنَّ المرادَ هو الإِيجاب، فليست الرخصةُ في إِنْقاصِها عن عشرة، وإِنما الرخصةُ في تفريقها بين ثَلاثَةٍ وسَبعة.\nووصْفُ العشرةِ بأَنها كاملة: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ليسَ من بابِ توضيحِ\nالواضح، كما فَهمَ الفادي الجاهل، وإِنما من بابِ الحَثّ على صيامِها كُلِّها\nكاملة، وعدمِ إِنقاصِ أَيِّ يومٍ منها، فإِنْ أَنقصَ يومًا منها لم تَكُن العشرةُ\nكامِلَة.\nفالمرادُ بكَمالِها كَمال صيامِها، وليس كمال عَدِّها، ولن يكونَ عَدُّها\nكامِلًا إِلّا أَنْ يكونَ صيامُها كاملًا، فكمال عَدِّها بكمال صيامِها! (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>هل يأتي فاعلان لفعل واحد</span>؟\nاعترضَ الفادي على قول اللهِ وَبَئ: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) .\n_________\n(١) قال الإمام الفخر الرازي:\nأما قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فقد طعن الملحدون لعنهم الله فيه من وجهين أحدهما: أن المعلوم بالضرورة أن الثلاثة والسبعة عشرة فذكره يكون إيضاحًا للواضح والثاني: أن قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ يوهم وجود عشرة غير كاملة في كونها عشرة وذلك محال، والعلماء ذكروا أنواعًا من الفوائد في هذا الكلام الأول: أن الواو في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ ليس نصًا قاطعًا في الجمع بل قد تكون بمعنى أو كما في قوله: ﴿مثنى وثلاث وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وكما في قولهم: جالس الحسن وابن سيرين أي جالس هذا أو هذا، فالله تعالى ذكر قوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ إزالة لهذا الوهم النوع.\nالثاني: أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالًا من المبدل كما في التيمم مع الماء فالله تعالى بين أن هذا البدل ليس كذلك، بل هو كامل في كونه قائمًا مقام المبدل ليكون الفاقد للهدي المتحمل لكلفة الصوم ساكن النفس إلى ما حصل له من الأجر الكامل من عند الله، وذكر العشرة إنما هو لصحة التوصل به إلى قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ كأنه لو قال: تلك كاملة، جوز أن يراد به الثلاثة المفردة عن السبعة، أو السبعة المفردة عن الثلاثة، فلا بد في هذا من ذكر العشرة، ثم اعلم أن قوله: ﴿كَامِلَةٌ﴾ يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجه أحدها: أنها كاملة في البدل عن الهدي قائمة مقامه وثانيها: أنها كاملة في أن ثواب صاحبه كامل مثل ثواب من يأتي بالهدي من القادرين عليه\nوثالثها: أنها كاملة في أن حج المتمتع إذا أتى بهذا الصيام يكون كاملًا، مثل حج من لم يأت بهذا التمتع.\nالنوع الثالث: أن الله تعالى إذا قال: أوجبت عليكم الصيام عشرة أيام، لم يبعد أن يكون هناك دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيام عن هذا اللفظ، فإن تخصيص العام كثير في الشرع والعرف، فلو قال: ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، بقي احتمال أن يكون مخصوصًا بحسب بعض الدلائل المخصصة، فإذا قال بعده: تلك عشرة كاملة فهذا يكون تنصيصًا على أن هذا المخصص لم يوجد ألبتة، فتكون دلالته أقوى واحتماله للتخصيص والنسخ أبعد.\nالنوع الرابع: أن مراتب الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئين، وألوف، وما وراء ذلك فأما أن يكون مركبًا أو مكسورًا، وكون العشرة عددًا موصوفًا بالكمال بهذا التفسير أمر يحتاج إلى التعريف، فصار تقدير الكلام: إنما أوجبت هذا العدد لكونه عددًا موصوفًا بصفة الكمال خاليًا عن الكسر والتركيب.\nالنوع الخامس: أن التوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب، كقوله: ﴿ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور﴾ [الحج: ٤٦] وقال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] والفائدة فيه أن الكلام الذي يعبر عنه بالعبارات الكثيرة ويعرف بالصفات الكثيرة، أبعد عن السهو والنسيان من الكلام الذي يعبر عنه بالعبارة الواحدة، فالتعبير بالعبادات الكثيرة يدل على كونه في نفسه مشتملًا على مصالح كثيرة ولا يجوز الإخلال بها، أما ما عبر عنه بعبارة واحدة فإنه لا يعلم منه كونه مصلحة مهمة لا يجوز الإخلال بها، وإذا كان التوكيد مشتملًا على هذه الحكمة كان ذكره في هذا الموضع دلالة على أن رعاية العدد في هذا الصوم من المهمات التي لا يجوز إهمالها ألبتة.\nالنوع السادس: في بيان فائدة هذا الكلام أن هذا الخطاب مع العرب، ولم يكونوا أهل حساب، فبين الله تعالى ذلك بيانًا قاطعًا للشك والريب، وهذا كما روي أنه قال في الشهر: هكذا وهكذا وأشار بيديه ثلاثًا، وأشار مرة أخرى وأمسك إبهامه في الثالثة منبهًا بالإشارة الأولى على ثلاثين، وبالثانية على تسعة وعشرين.\nالنوع السابع: أن هذا الكلام يزيل الإبهام المتولد من تصحيف الخط، وذلك لأن سبعة وتسعة متشابهتان في الخط، فإذا قال بعده تلك عشرة كاملة زال هذا الاشتباه.\nالنوع الثامن: أن قوله: ﴿فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع أن يكمل سبعة أيام، على أنه يحسب من هذه السبعة تلك الثلاثة المتقدمة، حتى يكون الباقي عليه بعد من الحج أربعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، ويحتمل أن يكون المراد منه أن يكون الواجب بعد الرجوع سبعة سوى تلك الثلاثة المتقدمة، فهذا الكلام محتمل لهذين الوجهين، فإذا قال بعده تلك عشة كاملة زال هذا الإشكال، وبين أن الواجب بعد الرجوع سبعة سوى الثلاثة المتقدمة.\nالنوع التاسع: أن اللفظ وإن كان خبرًا لكن المعنى أمر والتقدير: فلتكن تلك الصيامات صيامات كاملة لأن الحج المأمور به حج تام على ما قال: ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ وهذه الصيامات جبرانات للخلل الواقع في ذلك الحج، فلتكن هذه الصيامات صيامات كاملة حتى يكون جابرًا للخلل الواقع في ذلك الحج، الذي يجب أن يكون تامًا كاملًا، والمراد بكون هذه الصيامات كاملة ما ذكرنا في بيان كون الحج تامًا، وإنما عدل عن لفظ الأمر إلى لفظ الخبر لأن التكليف بالشيء إذا كان متأكدًا جدًا فالظاهر دخول المكلف به في الوجود، فلهذا السبب جاز أن يجعل الإخبار عن الشيء بالوقوع كناية عن تأكد الأمر به، ومبالغة الشرع في إيجابه.\nالنوع العاشر: أنه ﷾ لما أمر بصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج، فليس في هذا القدر بيان أنه طاعة عظيمة كاملة عند الله ﷾، فلما قال بعده: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ دل ذلك على أن هذه الطاعة في غاية الكمال، وذلك لأن الصوم مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص على ما قال تعالى: ﴿الصوم لي﴾ والحج أيضًا مضاف إلى الله تعالى بلام الإختصاص، على ما قال: ﴿وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ وكما دل النص على مزيد اختصاص لهاتين العبادتين بالله ﷾، فالعقل دل أيضًا على ذلك، أما في حق الصوم فلأنه عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها، وهو مع ذلك شاق على النفس جدًا، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاة الله تعالى، والحج أيضًا عبادة لا يطلع العقل ألبتة على وجه الحكمة فيها، وهو مع ذلك شاق جدًا لأنه يوجب مفارقة الأهل والوطن، ويوجب التباعد عن أكثر اللذات، فلا جرم لا يؤتى به إلا لمحض مرضاته، ثم إن هذه الأيام العشرة بعضه واقع في زمان الحج فيكون جمعًا بين شيئين شاقين جدًا، وبعضه واقع بعد الفراغ من الحج وهو انتقال من شاق إلى شاق، ومعلوم أن ذلك سبب لكثرة الثواب وعلو الدرجة فلا جرم أوجب الله تعالى صيام هذه الأيام العشرة، وشهد سبحانه على أنه عبادة في غاية الكمال والعلو، فقال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ فإن التنكير في هذا الموضع يدل على تعظيم الحال، فكأنه قال: عشرة وأية عشرة، عشرة كاملة، فقد ظهر بهذه الوجوه العشرة اشتمال هذه الكلمة على هذه الفوائد النفيسة، وسقط بهذا البيان طعن الملحدين في هذه الآية والحمد لله رب العالمين. اهـ (مفاتيح الغيب. ٥ / ١٣٣ - ١٣٥)","vol":"1","page":372},{"text":"وفَهِمَ الجاهلُ من الآيةِ اجتماعَ فاعِلَيْن لفعْلِ \" أَسَرَّ \"، وهما واوُ\nالجماعة، واسْمُ الموصولِ (الَّذِينَ) .\nواقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من (أَسَرُّوا)، والاكتفاءَ باسمِ الموصولِ فاعلًا!.\nبدايةً نَقولُ: لا يجُوزُ ورودُ فاعِلَيْنِ لفِعْلٍ واحِد، إِلّا على رأيِ ضَعيفٍ\nفي اللّغَة، يُسَمّى لغةَ \" أَكَلوني البَراغيث \".\nوالقرآنُ المعجِزُ يُوَجَّهُ إِلى أَقوى اللغاتِ وأَفصحِ الاختيارات، وأَرجحِ الاحتمالات، ويُرْبَأُ به عن اللغاتِ الضعيفةِ، والتَأْويلات المتكَلَّفَة!.\nوفي توجيهِ وُقوعِ الموصولِ بعدَ الضميرِ في \"وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)\nأَقوالٌ عديدة، تَعَرَّضَ لها معظمُ الذين فَسَّروا القرآنَ وأَعْرَبوه.\nوالراجحُ أَنَّ (الَّذِينَ) في مَحَلّ رفع بَدَلٍ من الضمير الفاعلِ في\n(أَسَرُّواْ) .\nو(ظَلَمُوا) صلةُ المو صول.\nوالتقدير: وأَسروا النَّجوى الظالمون.\nوبِما أَنّها بَدَلٌ فإِنَّه يُمكنُ ذِكْرُها بَدَلَ الفاعِل، فيصحُّ أَنْ تَقولَ: أَسَرَّ الذينَ\nظَلَموا النجوى.\nأَيْ: أَسَرَّ الظالمون النجوى.\nواللطيفُ في الآية مجيءُ كلمتَيْنِ بَدَلَيْن من قبلِهما: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) .\nفجملةُ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) بَدَلٌ من الفاعل.\nوجملة (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) بَدَلٌ من المفعول به (النَّجْوَى) ولو وَضَعْنا البَدَلَيْنِ مَكانَ المبْدَلِ منهما لكانَ التقدير: وأَسَرَّ الظالمونَ قَوْلَهم: هل هذا إِلّا بشرٌ مثلكم!.\nوأنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَتَذَوَّقَ هذا التعبيرَ القرآنيَّ الرائع! ولأَنه عجزَ\nعن الارتقاءِ إِلى مستواهُ قامَ بانتقادِه وتخطئتِه (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>اعتراض على الالتفات:</span>\nْاعترَضَ الفادي الجاهِلُ على قولِ اللهِ - ﷿ -: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) .\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾\nيجوزُ في محلِّ» الذين «ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ والنصبُ والجرُّ. فالرفعُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ من واو» أَسَرُّوا «تنبيهًا على اتِّسامهم بالظلمِ الفاحش، وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد.\nالثاني: أنه فاعلٌ. والواوُ علامةُ جمعٍ دَلَّتْ على جمعِ الفاعل، كما تَدُلُّ التاءُ على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك. وأنشدوا:\nيَلُوْمونني في اشتراء النَّخي ... لِ أهلي فكلُّهُمُ أَلْوَمُ\nوقد تقدَّمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [الآية: ٧١] وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة. وضعَّف بعضُهم هذه اللغةَ، وبعضُهم حَسَّنها ونسبها لأزد شنوءة، وقد تقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ .\nالثالث: أن يكونَ» الذين «مبتدأً، و» أَسَرُّوا «جملةً خبريةً قُدِّمَتْ على المبتدأ، ويُعْزَى للكسائي.\nالرابع: أن يكون» الذين «مرفوعًا بفعلٍ مقدرٍ فقيل تقديره: يقولُ الذين. واختاره النحاس قال:» والقول كثيرًا ما يُضْمَرُ. ويَدُلُّ عليه قولُه بعد ذلك: ﴿هَلْ هذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ . وقيل: تقديرُه: أَسَرَّها الذين ظلموا.\nالخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هم الذين ظلموا.\nالسادس: أنه مبتدأٌ. وخبرُه الجملةُ من قوله: ﴿هَلْ هذآ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ ولا بُدَّ من إضمار القولِ على هذا القول تقديرُه: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلاَّ بَشَرٌ، والقولُ يُضمر كثيرًا.\nوالنصبُ مِنْ وجهين، أحدُهما: الذمُّ. الثاني: إضمار أعني. والجرُّ من وجهين أيضًا: أحدهما: النعت، والثاني: البدلُ، من «للناس»، ويعزى هذا للفراءِ وفيه بُعْدٌ.\nقوله: ﴿هَلْ هذآ﴾ إلى قوله: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ يجوز في هاتَيْن الجملتين الاستفهاميتين أَنْ يكونا في محلِّ نصب بدلًا من «النجوى»، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ بإضمار القول. قالهما الزمخشريُّ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ على أنهما محكيَّتان بالنجوى، لأنها في معنى القولِ. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل «تَأْتُون» . اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":373},{"text":"قالَ الفادي: \" لماذا الْتَفَتَ عن المخاطَب إِلى الغائبِ قبلَ تمامِ المعنى؟\nوالأَصَحُّ أَنْ يَستمرَّ على خطابِ المخاطب! \".\nبَدَأَت الآيةُ بالخطاب: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، والخطابُ\nللنّاسِ جميعًا، الذين يَسيرونَ في البَرِّ، ويَسيرونَ في البَحْر، سواء كانوا\nمسلمين أَو كافرين.\nوعَرضت الآيَةُ مَشْهدًا لهم وهم يَركبونَ في السفينةِ في البَحْرِ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، وهذا المشهدُ يشملُ كُلّ الذين فى السفينة، سواء كانوا\nمسلمين أَو كافرين.\nوخطابُهم من بابِ الامتنانِ عليهم، وذِكْرِ نعمةِ اللهِ عليهم بتَسْييرِهم في\nالبَرِّ والبَحْر.\nثم انتقلت الآيةُ للإِخبارِ عن الكفارِ، وموقِفِهم من الخَطَرِ والكَرْب:\n(وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .\nوالدليلُ على أَنَّ الكلامَ عن الكفار، في قولِه: \"وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)\nقولُه في آخر المشهد: (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)،\nوالمؤمنون لا يَفْعلونَ ذلك.\nوالوقفةُ الآن أَمامَ الجملةِ التي اعترضَ عليها الفادي: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ) .","vol":"1","page":374},{"text":"الالتفاتُ فيها من المخاطب: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) إِلى الغائبِ:\n(وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا) .\nواللطيفُ في صياغةِ الآيةِ أَنَّ أَوَّل جملتَيْن فيها بصيغةِ الخِطاب: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، ولعلَّ الخطابَ فيهما دَعوةُ السامعين إلى تَصَوُّرِ المشهدِ وتَخَيُّله واستحضارِه، فإِذا استَحْضَروه وتَخَيَّلوه، جاءَ الكلامُ بصيغةِ الغائب، لأَنَّ السامعين مُراقبونَ مُشاهدونَ، رُواة مُخْبِرون، وجاءَتْ سِتُّ جُمَل للروايةِ والإخبار: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .\nوالمشهدُ المعروضُ يناسبُه الإِخبارُ بصيغةِ الغائب، وليس الخطابَ المباشر.\nواللطيف في الآية أَيْضًا أَنَّ فِعْلَ الشرط جاءَ بصيغةِ الخِطاب: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، وجوابَ الشرطِ جاء بصيغةِ الغائِب: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ.\nوهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ المعجزَ \" يُنَوِّعُ \" في أَساليبِ تعبيرِه، و\" يتفنَّنُ \" في\nتَصويرِه وتَأَثيرِه (١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>حكمة إفراد الضمير العائد على المثنى</span>\nاعترضَ الفادي على عودةِ ضميرٍ مفردٍ على اثْنَيْن مذكورَيْنِ @قَبْلَه.\nقال:\nجاء في سورة التوبة: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)، فلماذا لم\nيُثَنِّ الضميرَ العائِدَ على الاثنَيْن، اسمِ الجلالةِ ورسوله، فيقول: \" أنْ\nيُرْضوهما \".\n_________\n(١) قال الحافظ السيوطي في المعترك ما نصه:\n(وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) .\nوالأصل بكم، ونكتةُ العدول عن خطابهم إلى حكاية\nحالهم لغيرهم التعجّبُ من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت\nتلك الفائدة.\nوقيل: لأن الخطاب أولًا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم، بدليل:\n«هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، فلو كان: وجَرَيْن بكم\nللزم الذم للجميع، فالتفت عن الأول للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخطاب الخاص.\nقلت: ورأيتُ عن بعض السلف في توجيهه عكسَ ذلك، وهو أن الخطاب\nأوله خاص وآخره عام، فأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) - قال: ذكر الحديثَ عنهم، ثم حدث عن غيرهم، ولم يقل: \" وجَرَيْنَ بكم\"، لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم وجَرَيْن بهؤلاء وغيرهم من الخلق، هذه عبارته.\nفلله درُّ السلف، ما كان أوقعهم على المعاني اللطيفة التي يَدْأب المتأخرون فيها زمانًا طويلًا، ويُفنون فيها أعمارهم، ثم غايتهم أنْ يحومُوا حول الحمى.\nومما ذُكر في توجيههم أيضًا أنهم وقت الركوب حضروا لأنهم خافوا الهلاكَ\nوغلبة الريح، فخاطبهم خطاب الحاضرين، ثم لما جرت الرياح بما تشتهي السفن، وأمنوا الهلاك، لم يبق حضورُهم كما كان، على عادة الإنسان أنه إذا أمن غاب قلبه عن ربه، فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة، وهذه إشارة صوفية. اهـ (معترك الأقران في إعجاز القرآن. ١ / ٢٨٨) .\nوقال السمين:\nقوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ يجوز أن يكونَ نسقًا على «كنتم»، وأن يكونَ حالًا على إضمار «قد» . والضميرُ عائدٌ على «الفلك»، والمرادُ به هنا الجُمع، وقد تقدَّم أنه مكسرَّ، وأن تغييره تقديريٌّ، فضمَّتُه كضمةِ «بُدْن»، وأنه ليس باسم جمع، كما زعم الأخفش.\nوقوله: ﴿بِهِم﴾ فيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة. قال الزمخشري: / «فإن قلت: ما فائدةُ صَرْفِ الكلامِ عن الخطابِ إلى الغَيْبة؟ قلت: المبالغةُ كأنه يَذْكُرُ لغيرهم حالَه ليُعْجِبَهم منها ويَسْتدعي منهم الإِنكارَ والتقبيح» . وقال ابن عطية: «بهم» خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبة وحَسُنَ ذلك لأن قوله: ﴿كُنتُمْ فِي الفلك﴾ هو بالمعنى المعقول، حتى إذا حَصَلَ بعضُكم في السفن «انتهى. فقدَّر اسمًا غائبًا وهو ذلك المضافُ المحذوف، فالضميرُ الغائب يعود عليه. ومثلُه ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] تقديره: أو كذي ظلمات» وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال الشيخ: «والذي يَظْهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا هي أن قولَه ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ﴾ خطابٌ فيه امتنانٌ وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين، والمسيَّرون في البر والبحر مؤمنون وكفَّار، والخطابُ شاملٌ، فَحَسُن خطابُهم بذلك ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعلَّ الطالحَ يتذكر هذه النعمةَ، ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نَجَوا بَغَوا في الأرضِ عَدَلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صُدورُه منهم وهو البغيُ بغير الحق» . اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":375},{"text":"تَذُمُّ الآيةُ المنافقين \" لأَنَّهم يَحْرِصونَ على إرضاءِ المسلمين، فيحْلفونَ\nلهم الأَيْمانَ يَتَبَرَّؤُوُنَ فيها من أَقوالٍ قالوها، وهم يَكْذِبونَ في تلك الأَيْمان،\nفترشدُهم الآيةُ إِلى أَنه كانَ الأَوْلى بهم أَن يَحْرِصوا على إِرضاءِ اللهِ ورسولِه.\nلفظُ الجلالةِ (اللَّهُ) مبتدأ. و(رَسُولُهُ) معطوفٌ عليه مرفوع.\nوأَفعلُ التفضيل: (أَحَقُّ) خبرٌ مرفوع.\nوالمفَضلُ عليه محذوف، والتقديرُ: منكم.\nأيْ: اللهُ ورسولُه أَحَقُّ منكم أَنْ يُرْضوهُما.\nوالمصدرُ المؤَوَّلُ من (أَنْ يُرْضُوهُ)\nفي مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ من المبتدأ والمعطوفِ عليه.\nوالتقديرُ: إِرضاءُ اللهِ ورسولِه أَحَقُّ من إِرْضائِكم!.\nويُخَطِّئُ الفادي الآيَةَ لأَنَّ الضميرَ المفْرَدَ \" الهاء \" في (يُرْضُوهُ) عادَ على\nالاثنَيْن: اللهُ ورسولُه.\nوالأَوْلى عندَه أَنْ يَجيءَ الضميرُ مُثَنّى: \" أَنْ يُرْضوهُما \".\nأَيْ: اللهُ ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُما.\nوكلامُه مَرْدود، وهو دَليلُ جَهْلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية، وأَساليبِ البيانِ\nفيها.\nفالهاءُ في (يُرْضُوهُ) لا يعود على (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ) معًا، وإِنما يَعودُ على\nلفظِ الجلالةِ (اللَّهُ) أَوَّلًا، لأَنَّه أَوَّلُ المذكورَيْن، ثم يَعودُ على (ورَسُولُه) بعدَ\nذلك..\nعلى أَنَّ العَطْفَ في (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ) ليسَ من عَطْفِ\nالكلمات، وإِنما من عَطْفِ الجُمَل! وهذا هو الأَرْوَع والأَبْلَغ!.\nإِنَّ جملةَ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) جُملَتان في الحقيقة، والتقدير:\nاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ، ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.\nولذلك عَبَّر بالضميرِ المفرد (يُرْضُوهُ) ليعودَ على كُلِّ جملةٍ على حِدَة!!.\nوهناكَ حِكْمَةٌ أُخْرى للتعبيرِ بالضميرِ المفرد (يُرْضُوهُ)، وهي الإِشارَةُ إِلى\nالتفرقةِ بين الإِرضاءَيْن: إِرضاء اللهِ وإِرضاء رسولِه! فإِرضاءُ اللهِ هو الأَساس، وإِرضاءُ الرسولِ متفرِّعٌ عنه وتابعٌ له.\nومن غيرِ المناسبِ التعبيرُ بالضميرِ المثَنْى، العائد على اللهِ ورسولِه، لأَنه","vol":"1","page":376},{"text":"يَجمعُ بين الخالقِ والمخلوقِ بضمير تثنيةٍ واحد، وهذا لا يَليقُ بتوحيدِ اللهِ - ﷿ -، ولذلك كانَ التقدير: اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ، والرَّسولُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.\nوقد سمعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - خطيبًا يقول: \" مَنْ يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشَد، ومَنْ يَعْصهِما فقد غَوى! \" فغضبَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْه وخاطَبَه قَائِلًا: \" بئسَ خَطِيبُ القومِ أَنتَ.\nوَيْحَك، أَجَعَلْتَني للهِ نِدًّا؟\nقُلْ: ومَنْ يَعْص اللهَ ورسولَه فقد غَوى!! \".\nفالرسولُ - ﷺ - اعترضَ على الخطيبِ عندما عَبَّرَ عن اللهِ ورسولِه بضميرِ التثنية، ودعاهُ إلى التعبير بالاسمِ الظاهرِ لكُلٍّ منهما.\nوهذا معنى ذَوقيّ توحيدي، لا يَعرفُه الفادي، الذي تَقومُ عقيدتُه على\nالمزْج بين الأُلوهيةِ والعبوديةِ في مبدأ التثليث، ولذلك دَعا القرآنُ إِلى التعبيرِ\nبضميرِ التثنيةِ الجامعِ بين اللهِ ورسولِه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>كم قلبًا للإنسان</span>؟\nاعترضَ الفادي على آيةٍ جمعَتْ قلْبَي امرأَتَيْن، وعَنْوَنَ لاعتراضِه بقولِه:\n\" أَتى باسم جَمْعٍ بَدَلَ المثَنّى \".\nومما جاءَ في اعتراضِه قولُه: \" جاء في سورةِ التحريم: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، والخطابُ (كما يقولُ البيضاوي) موجَّهٌ لحفصةَ وعائشة.\nفلماذا لم يَقُلْ: \" صَغت قَلْباكما \"، بَدَلَ (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، إذ إِنَّه ليسَ للاثنتَيْن أَكثرُ من قَلْبَيْن؟ \".ْ\nتَتحدَّثُ الآياتُ عن مشكلةٍ وَقَعَتْ بينَ ثلاثةٍ من أُمَّهاتِ المؤمنين، هُنَ:\nحفصةُ وعائشةُ وزينبُ ﵅، حيث تآمَرَتْ حفصةُ وعائشةُ على زينب، وأَشاعَتا حديثًا لرسولِ اللهِ - ﷺ -، فهدَّدَهما اللهُ بالعقاب، ودَعاهما إلى المسارعةِ إِلى التوبة.","vol":"1","page":377},{"text":"قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) .\nوالذي أَثارَ اعتراضَ الفادي إِسنادُ القلوبِ للاثنَتَيْن: حفصةَ وعائشةَ رعِيهنما: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) .\nوإذا كان لكلِّ واحدةٍ قلبٌ واحد، فكان المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالمثنى، فيقول: فقد صَغَا قَلْباكما! ولذلك خَطَّأَ الفادي القرآن؟\nلأَنه ذَكَرَ الجمعَ بَدَلَ المثَنّى!.\nوحكمةُ العُدول عن المثنى إلى الجمع: (قُلُوُبكُمَا) هي الرغبةُ في\nالتخفيف والتسهيل، وكراهةُ اجتماعِ مُثَنَّيَيْن، فلو قالَ: \" قلباكما \" لاجتمعَ مُثَنَّيان: الاسْمُ البارزُ \" قَلْبا \"، وضميرُ التثنيةِ ص المضافُ إِليه \" كُما \".\nوالكلمةُ ثَقيلةٌ في النطق، وثَقيلةٌ على الأُذُن، فَعَدَلَ إِلى الجَمْع (قُلُوبُكُمَا) طَلَبًا للخِفَّة.\nوالقاعدةُ النحويةُ تُقَرِّرُ أَنه إِذا أُضيفَ المثَنَّى إِلى المثَنّى، فإِنَّ المثَنى\nالأَوَّلَ المضافَ يَصيرُ جَمْعًا للتخفيف: تقول: قلوبُكما، بَدَل: قَلْباكُما.\nوتقول: بيوتُكُما، بَدَل: بَيْتاكُما، وتقول: رؤوسُكما، بَدَل: رأَساكُما!!.\nثم إِنَّ المرادَ بالجَمْعِ (قُلُوُبكُمَا) المثنى، لأَنَّ صيغةَ الجمعِ قد تُطْلَقُ على\nالاثنين، لأَنَّ أَقَل الجمع اثْنان!.\nوعندما يَقرأُ القارئُ قولَ الله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) علم\nأَنَّ المرادَ قَلْبان وليسَ قُلوبًا، لأَنَّ الخِطابَ لاثنَتَيْن، وبذلك أُمِنَ اللَّبسُ.\nوهذه المعاني لا يَعرفُها الفادي الجاهلُ في اللغة، ولذلك اعترضَ على\nالقرآنِ في استعمالِه الأَفصحَ والأَبلغَ (١) .\n_________\n(١) قال السمين:\nقوله: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ جمعٌ واقعٌ موقعَ التثنيةِ لأمْنِ اللَّبْس، لأنه معلومٌ أنه يُقْطَعُ مِنْ كلِّ سارقٍ يمينه، فهو من باب ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ويدل على ذلك قراءةُ عبد الله: «فاقطعوا أيمانَهما» واشترط النحويون في وقوعِ الجمع موقعَ التثنية شروطًا، ومن جملتها: ان يكون ذلك الجزءُ المضافُ مفردًا من صاحبِه نحو: «قلوبكما» و«رؤوس الكبشين» لأمن الإِلباس بخلافِ العينين واليدين والرجلين، لو قلت: «فَقَأْتُ أعينَهما» وأنت تعني عينيهما، و«كَتَّفْتُ أيديَهما» وأنت تعني «يديهما» لم يَجُزْ لِلَّبْسِ، فلولا أنَّ الدليل دَلَّ على أن المراد اليدان اليمنيان لَما ساعَ ذلك، وهذا مستفيضٌ في لسانهم - أعني وقوعَ الجمعِ موقعَ التثنيةِ بشروطِه - قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] .\nوَلْنذكر المسألةَ فنقول: كلُّ جزأين أضيفا إلى كُلَّيْهما لفظًا أو تقديرًا وكانا مفردَيْنِ من صاحبيهما جازَ فيهما ثلاثةُ أوجهٍ: الأحسنُ الجمعُ، ويليه الإِفرادُ عند بعضِهم، وليله التثنيةُ، وقال بعضُهم: الأحسنُ الجمعُ ثم التثينةُ ثم الإِفرادُ نحو: «قَطَعْتُ رؤوسَ الكبشين ورأسَ الكبشين ورأسَيْ الكبشين»، قال:\n١٧٢٦- ومَهْمَهَيْنِ قَذَفَيْنِ مَرْتَيْنْ ... ظهراهُما مثلُ ظهورِ التُّرْسَيْنْ\nفقولي: «جزآن» تَحَرُّزٌ من الشين المنفصلين، لو قلت: قبضت دارهمكما «تعني: دِرْهميكما لم يَجُزْ لِلَّبْس، فلو أُمِنَ جاز كقوله: اضرباه باسيافِكما» «إلى مضاجعكما» وقولنا «أُضيفا» تحرُّزٌ من تفرُّقهما كقوله: ﴿على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]، وقولنا «لفظًا مثالُه: فإنَّ الإِضافةَ فيه لفظيةٌ.\nوقولُنا» أو تقديرًا «نحو قوله:\n١٧٢٧- رأيت بني البكري في حومة الوغى ... كاغِرَي الأفواهِ عند عَرِين\nفإنَّ تقديره: كفاغري أفواهما. وقولنا «مفردين» تحرزٌ من العينين ونحوهما: إنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين، وكان الجمعُ أولى من المفرد لمشاركةِ التثنيةِ في الضم، وبعده المفردُ لعدم الثقل، هذا عند بعضِهم قال: «لأنَّ التثنيةَ لم تَرِدْ إلا ضرورةً كقوله:\n١٧٢٨- هما نَفَثا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ... على النابحِ العاوي أشدَّ رِجامِ\nبخلافِ الإِفراد فإنه وَرَدَ في فصيحِ الكلامِ، ومنه:» مَسَح أذنيه ظاهرَهما وباطنَهما «. وقال بعضُهم:» الأَحسنُ الجمعُ ثم التثنيةُ ثم الإِفراد كقوله:\n١٧٢٩- حمامةَ بطنِ الواديَيْن تَرَنَّمي ... سَقاكِ من الغُرَِّ الغوادِي مطيرُها\nوقال الزمخشري: «أيديهما: يديهما، ونحوه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] اكتفى بتثنيةِ المضاف إليه عن تثنيةِ المضاف، وأريد باليدين اليُمْنَيان، بدليلِ قراءة عبد الله:» والسارقون والسارقات فقطعوا أَيْمانهم «وردَّ عليه الشيخ بأنهما ليسا بشيئين، فإنَّ النوعَ الأول مطردٌ فيه وضعُ الجمعِ موضعَ التثينةِ، بخلافِ الثاني فإنه لا ينقاس، لأن المتبادَرَ إلى الذهن من قولك:» قَطَعْتُ آذانَ الزيدين: أربعة الآذان «وهذا الردُّ ليس بشيءٍ لأنَّ الدليلَ دَلَّ على أن المراد اليمنيان. اهـ (الدر المصون) .","vol":"1","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>الفصل السادس نقض المطاعن التشريعية</span>","vol":"1","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>لماذا قطع يد السارق</span>؟\nأَمَرَ اللهُ بقطْعِ يدِ السارقِ والسارقةِ بشروطٍ خاصَّة.\nقال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .\nوقد اعترضَ الفادي على حُكْمِ اللهِ، لأَنَّه يُؤَدّي إِلى إِصابةِ الإِنسانِ\nبالإِعاقةِ والبِطالة، قال: \" ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ القرآنُ وَضَعَ شريعةَ قَطْعِ يَدِ السارق، خِلافًا لكلِّ الشرائعِ السماويةِ والوضعية، أَلا يسيءُ هذا إِلى\nالإِنسانية؟\nويجعلُ أَصحابَ الأَيْدي المقطوعة، حتى بعدَ توبتِهم، عالَةً على\nالمجتمع، يَعيشونَ فيه بمرارةٍ ناقِمينَ عليه؟\nإِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ يَحرمُه من العمل، وكسبِ رزْقِهِ بعَرَقِ جَبينِه..\nوجاءَ في كِتاب \" الملل والنحل \"\nللشهرستاني أَنْ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية، فلماذا شَرَعَ محمدٌ عوائِدَ\nالوَثَنِيّين الذميمةَ في دينهِ؟ \".\nواعتراضُ الفادي متهافتٌ مَرْدودٌ عليه، وإِنه يتطوَّعُ للدِّفاعِ عن السارق،\nالذي يَظلمُ ويَطْغى، ويَسرقُ ويَتَعَدّى، ويأخُذُ غيرَ حَقِّه، ويَتركُ المسروقين\nالمظلومين، الذينَ ذَهبَتْ أَموالُهم، وضاعَتْ جُهودُهم، وتلاشَتْ أَعمالُهم!!\nإِنهم قد عَمِلوا واجْتَهدوا، وتَعِبوا وكَدّوا، حتى حَصلوا أَموالَهم، ثم جاءَهم\nرجلٌ كَسولٌ ظالم، لا يَملكُ إِلّا العُدوان، فأَخَذَ ما تَعِبوا به، وتَمَلَّكَه في\nلَحظة! فماذا يُقَدِّمُ الفادي المعترضُ لهؤلاء؟.\nوبماذا يُعاقِبُ الفادي هذا السارق، الذي اعْتَدى على غَيْرِه، وأَخَذَ ما لا\nيَحِلُّ له، وبذلك صارَ عالةً على العاملين المجتَهِدين، يأخُذُ ثمرةَ كَدِّهم.","vol":"1","page":381},{"text":"لقد اكتفى الفادي بتخطئةِ القرآنِ الذي أَمَرَ بقَطْعِ يَدِه، ولم يَذْكُرْ لنا العقوبةَ الإِنسانيةَ الرحيمةَ الرقيقةَ التي تتفقُ مع الرأفةِ والرِّقَّة، إلّا إذا كانَ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ السارقُ مطلقًا، لأَنَّ عِقابَه لا يَتفقُ معَ إِنسانيةِ الإِنسان، أَمّا قِيامُه بالسرقةِ والاعتداء على الآخرينَ فلا شيءَ فيه!!.\nإِنَّ قَطْعَ يَدِ السارق تأديبٌ له، فاللهُ هو الذي مَنَحَهُ اليَدَ ليكسبَ بها\nويَعتاشَ ويرتزق، ولكنَه حَوَّلَها إِلى أَداةٍ للعدوان، فناسَبَ أَنْ تُقْطَع، وأَنْ تُزالَ القُوَّةُ الباغيةُ التي يَعْتَدُّ بها، ويَعْتَدي بها على الآخَرين، وهو الذي أَساءَ لنفسِه وليدِه، وهو الذي عَطَّلَها عن مهمتِها الإِيجابية، وحَولَها إِلى وسيلةٍ تخريبية، ولذلك أَدَّبَهُ اللهُ بقَطْعِها.\nوإِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ ليس حُكْمًا بشرِيًّا قابِلًا للخَطَأ والصواب، والتَّغييرِ\nوالتَّبديل، وإِنما هو حُكْمُ الله، الذي أَنزلَه اللهُ للتنفيذ، والذي لا يَقْبَلُ التبديل، ولا يَعْتَريه الخطأ، ولا يَقِفُ أَمامَه اعتراضٌ أَو تخطئةٌ أَو اقتراح \" لأَنَّ كُلَّ مسلمٍ يوقِنُ أَنَّ ما أَمَرَ اللهُ بِه فهو الحَقّ، وما حَكَمَ به فهو الصّواب! واللهُ الحكيمُ الذي خَلَقَ الإِنسانَ يَعلمُ ما يُصلحُه فأَمَرَ به، ويَعلمُ ما يُفسِدُه فنَهى عنه! ولعله لأَجْلِ هذا خُتِصَتْ آيَةُ الأَمْرِ بقطْعِ يَدِ السارقِ بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .\nونقولُ للفادي الجاهل: أَأَنْتَ أَعلمُ أَم الله؟!.\nأَمّا زَعْمُ الفادي المفترِي أَنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية، وإِحالَتُه على\nكتابِ الشهرستانيِّ لنُصَدّقَه، فهذا زُعْمٌ باطل، وافتراءٌ مردود، فلم يكن العربُ الجاهليّون يُعاقبونَ السارقَ أَصْلًا، فَضلًا عَنْ أَنْ يَقْطَعوا يَدَه! ولأَنَّ الفادي صاحِبُ هَوى، فإِنَّه يَبحثُ في كتبنا الإِسلاميةِ عن قولٍ يُوافِقُ هَواه وكَذِبَه، فإِن وَجَدَه سَجَّلَه وفَرِحَ به، كما فَعَلَ مع القولِ الذي نَسَبَه للشهرستاني، ولا يُهِمه إِنْ كانَ صحيحًا أَو باطلًا!.\nإنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ إسلامية مُتَمَيِّزَة، تَفَرَّدَ بها الإِسلام، فلم تَرِدْ في\nغيرِه منَ المبادئ السماويةِ أَو الأَرضية، وهي حَقٌّ وصَوابٌ لأَنَها من عندِ الله (١) (٢) .\n_________\n(١) الإسلام لا يقطع إلا اليد الخبيثة؛ لأن بقاءها يؤدي إلى هلاك المجتمع.\nواليد في الإسلام على أربعة أنواع\nاليد العاملة يكرمها، واليد العاطلة يعلمها، واليد العاجزة يطعمها، واليد العابثة يقطعها.\nمصادر الكسب\nلم يعرف الإسلام عيش أطيب من عمل اليد.\nقال النبي الكريم - ﷺ -: ما أكل ابن آدم طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده. \"وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده\".\nوذكر سيدنا داود بالذات (مع أن معظم الأنبياء كانت تأكل من عمل يدها) لأن داود ﵇ كان نبيًا وملكًا وصانعًا. قال تعالى:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾\n(سورة سبأ)\nويفهم من الآية الكريمة حرص الإسلام على دقة الصناعات وإتقانها فالدروع التي يصنعها سابغات.\nولابد أن يقدِّر في سرد الحديد فلا يقطع قطعة بدون حساب وتقدير.\nإنَّ دقَّةَ العمل وإتقانَه مطلبٌ من مطالب الإسلام الأولى. لأن الله يحبُّ إذا عمل أحدُكم عملًا أن يتقنَه.\nوعملُ اليد في الإسلام هو أطهر رزق.\nوقد سئل النبي - ﷺ - أي الكسب أفضل؟\nقال عمل الرجل بيده. وكل بيع مبرور.\nلأن التاجرَ الصدوق مع النبيين والصدقيين.\nوقد كان النبي يفتش في الأسواق بنفسه ليكرَّم التاجرَ الصدوق ويتوعد الكذاب الغشاش.\nإن عمل الرجل علامة على إسلامه. ودليل على استحقاقه شرف الخلافة التي تمنَّتْهُ الملائكة.\n* * *\nوقد كرّم النبي - ﷺ - اليدَ العاملة.\nفعندما دخل رجل على رسول الله - ﷺ - مدَّ النبيُّ يدَه ليصافح الرجل فاعتذر الرجل لخشونة يديه من أثر العمل. ولكن النبيَّ الكريم أخذ يدَ الرجلِ وقال له: هذه يدٌ يحبُّها اللهُ ورسولُه.\nوأخبر النبيُّ العظيمُ أنه مَنْ باتَ كالًاّ مِن عمل يده.... بات مغفورًا له.\n* * *\nويكره التسول\nوبمقدار تكريم الإسلام لليد العاملة بمقدار ما يكره التسول \"مهما كانت صور التسول\" لأن التسول تطفل على أموال العاملين.\nلقد جيء برجل ميت إلى النبي - ﷺ - ليصلي عليه فقال النبي الكريم:\nكم ترك؟ قالوا: دينارين أو ثلاثة.\nقال: ترك كيَّتين أو ثلاث كيَّات \"أي بالنار\"\nوالسبب أن الرجل كان متسولًا وعنده من المال ما يكفيه.\n* * *\nهذا وللإمام الحقُّ أن يصادر أموالَ المتسولين إذا استزادوا بالتسول لمجرد شهوة الجمع.\nوقد مرَّ عمر بن الخطاب على رجلٍ متسولٍ فقال له عمر: ماذا تحت ثيابك؟\nفلما رآه خُبزًا أمر بمصادرة الخُبز وإعطائه لخيل المسلمين.\n* * *\nإنَّ اليدَ العاطلة يكرهها الإسلام مهما كان السبب ولو كان السبب هو التفرغ للعبادة.\nوعندما رأى النبي - ﷺ - الشاب يواصل صلاته في المسجد وأخوه ينفق عليه قال النبي الكريم - ﷺ -:\n\"أخوه أفضل منه\".\nولم يكتفِ الإسلامُ بالعلاج السلبي للمشكلة فعندما جاء رجل يسأل النبي - ﷺ - الصدقة (وفيه قدرة على العمل) أحضر له النبي \"فأسًا\" وصنع النبي لها يدًا وقال له:\n\"خذ هذه الفأسَ واحتطب خمسة عشر يومًا لا أراك فيها\".\nثم جاء الرجل ومعه من المال ما يسَّر الله به من بيع الحطب. لقد أصبح طاقة منتجة، وعضوًا نافعًا. بعد إن كان طفيليًا يأكل سُحْتًا.\nإنَّ السؤالَ لا يحل للرجل إلا في أمور ثلاثة \"كما بين النبي الكريم\"\n* رجل تحمل حمَّالة \"أي غُرما في صلح بين اثنين\" فتحل له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك.\n* ورجل أصابته جائحة اجتاحت مالَه فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش.\n* ورجل أصابته فاقةٌ فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش.\nفما سواهن \"يا قبيصة\" فَسُحْتٌ يأكلها صاحبها سُحْتًا\". اهـ (المال في القرآن. للشيخ محمود غريب. ص: ٥٣ - ٦٠) . بتصرف يسير.\n***\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n- حد السرقة\nالرد على الشبهة:\nإن النظام الإسلامى كلٌ متكامل، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر فى طبيعة النظام وأصوله ومبادئه، كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملًا ويعمل به جملة واحدة هذا بصفة عامة.\nأما بالنسبة لحد السرقة:\nفإن الإسلام يقرر حق كل فرد فى الحياة وحقه فى كل الوسائل لحفظ حياته، ومن حق كل إنسان أن يحصل على هذه الوسائل:\nأولًا عن طريق العمل مادام قادرًا على العمل، فإن لم يستطع أن يحصِّل أسباب الحياة فعلى المجتمع المسلم أن يوفر له ما يحفظ حياته أولًا من النفقة التى تفرض له شرعًا على القادرين فى أسرته.\nثانيًا على القادرين من أهل محلته.\nثالثًا من بيت مال المسلمين من حقه المفروض له فى الزكاة فى نظام تكافلى للرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعى.\nوالإسلام كذلك يتشدد فى تحديد وسائل جمع المال فلا تقوم الملكية الفردية فيه إلا على حلال، ومن ثم لا تثير الملكية الفردية فى المجتمع المسلم أحقاد الذين لا يملكون حيث يمكن لكل أحد أن يصبح غنيًّا بالوسائل المشروعة المتاحة والسوق التنافسية الشريفة. والإسلام يربى ضمائر الناس وأخلاقهم، فيجعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب لا إلى السرقة، وبذلك يحفظ مصالح الفرد والمجتمع معًا.\nإذن فلماذا يسرق السارق فى ظل هذا النظام؟\nإنه لا يسرق إلا للطمع فى الثراء من غير طريق العمل، والثراء لا يطلب من هذا الوجه الذى يروع الجماعة المسلمة فى دار الإسلام، ويحرمها الطمأنينة التى من حقها أن تستمتع بها، ويحرم أصحاب المال الحلال أن يطمئنوا على مالهم الحلال.\nفإذا سرق إنسان بعد هذا فإنه لا يسرق وله عذر، ولا ينبغى لأحد أن يرأف به متى ثبت عليه الجريمة وأحيل أمره إلى النظام.\nونفس الإنسان فطرت على حب المال ولعل هذا هو الذى يدفع معظم الناس إلى العمل والكد. والإسلام دائمًا يقوّم دوافع النفس حتى تنضبط إما بالترغيب أو بالترهيب. من هنا حض الإسلام على الكسب الحلال ورغّب فيه ورهّب من السرقة بهذه العقوبة، حتى يستقيم المجتمع بما فيه من بار وفاجر. يقول رسول الله ﷺ [إن الله ليدع بالسلطان ما لا يدع بالقرآن] .\nولما كان قطع يد السارق يفضحه ويسمه بسمة السرقة ويطلع الناس على ما كان منه. فقد أقام الإسلام حراسة على من يتهم بالسرقة، فلا تقطع يده مع وجود شبهة فى أنه سرق كما لا تقطع يده فى الشىء المسروق إذا كان تافهًا لا يعتد به، أو كان فى غير حرز بل إن السارق فى تلك الحالة يعزر بالضرب أو الحبس، ولا تقطع يده.\nومن تلك الضوابط التى وضعتها الشريعة لإقامة حد القطع على السارق:\nأولًا: أن يكون المسروق شيئًا ذا قيمة أى أن له اعتبارًا اقتصاديٍّا فى حياة الناس. عن السيدة عائشة ﵂ عن النبى ﷺ أنه قال: [تقطع اليد - أى يد السارق - بربع دينار فصاعدًا] (١) .\nثانيًا: أن يكون المسروق محروزًا، أى محفوظًا فى حرز.\nثالثًا: أن ما أخذ للأكل بالفم من التمر فهذا لا قطع فيه ولا تعزير.\nرابعًا: السرقة فى أوقات المجاعات لا قطع فيها ولذلك أبطل عمر ﵁ القطع فى عام الرمادة حينما عمت المجاعة.\nخامسًا: العبد إذا سرق شىء ينظر هل سيده يطعمه أم لا؟ فإن كان لا، غرم سيده ضعف ثمن المسروق كما فعل سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ فى غلمان ابن حاطب بن أبى بلتعة حينما سرقوا ناقة رجل من مزينة فقد أمر بقطعهم ولكن حين تبين له أن سيدهم يجيعهم درأ عنهم الحد وغرم سيدهم ضعف ثمن الناقة تأديبًا له.\nوالقاعدة أن الحدود تُدْرَء بالشبهات.\nوهكذا ينبغى أن تفهم حدود الإسلام فى ظل نظامه المتكامل الذى يتخذ أسباب الوقاية قبل أن يتخذ أسباب العقوبة.\nفالحدود تمنع من وقوع الجريمة ولذلك نرى على مر التاريخ الإسلامى وعلى مساحة واسعة من بلاد المسلمين أن حد السرقة لم يطبق إلا فى أضيق الحدود وبعدد محدود جدًا لا يتجاوز العشرات مع كل هذه الملايين من البشر حيث استقر فى وجدان المسلمين أن السرقة جريمة من الجرائم السيئة التى تهدد الأمن الاجتماعى والمجتمع فى ذاته بحيث تستحق مثل هذه العقوبة البدنية التى تشبه عقوبة الإعدام وعلى قدر عظم الذنب والجرم يكون عظم العقاب.\nوبعض المعاصرين ينطلقون من نموذج معرفى آخر يقدم بدن الإنسان فى ذاته بغض النظر عن أفعاله وجرائمه. وقد خفى عليهم كل هدى سليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. اهـ (شبهات المشككين)","vol":"1","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>معنى قوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)</span>\nاعْترضَ الفادي على حُكْمِ شَرْعيٍّ يَتعلّقُ بالطلاق، فللرجلِ على امرأَتِه أَنْ\nيُطَلِّقَها ثلاثَ طَلْقات، فإِنْ طَلقًها الطلقةَ الثالثةَ حَرُمَتْ عليه، ولا تَحِلُّ له إِلّا\nبعدَ أَنْ يَتزوَّجَها رجلٌ آخَر، ويُطَلِّقَها إِنْ شاء! وقد وردَ هذا الحُكمُ صَريحًا في\nقَولِ اللهِ - ﷿ -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .\nوذَكَرَ الفادي خَبَرًا عن البيضاويِّ يُعتبرُ سَبَبًا في نزولِ الآية، وقد وَرَدَ\nهذا الخبرُ في الصحيحَيْن.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - ﵂ - قالت: تَزَوَّجَ\nرفاعَةُ القرظيُّ امرأة، ثم طًّلقَها، فتزوَّجَ آخَر، فأَتَت النبيَّ - ﷺ -، فذكرتْ أَنه لا يَأتيها، وأَنه ليسَ معه إلّا مثْلُ هُدْبَةِ الثوب! فقالَ - ﷺ -: (لا، حَتّى تَذوقي عُسَيْلَتَه ويَذوقَ عُسَيْلَتَك \".\nومعنى الحديثِ أَنَّ رفاعةَ القرظيَّ طَلَّقَ امرأَتَه ثَلاثَ تَطليقات، وبذلك\nحَرُمَتْ عليه، فتزوَّجَتْ رَجُلًا اَخر - هو عبدُ الرحمن بنُ الزبيرِ في بعضِ الروايات -\nوكان مُصابًا بالعَجْز الجِنْسِيّ، وذَكَرُهُ مُتَراخٍ كقطعةِ القِماش، فلم يُعاشِرْها،\nفأَرادَتْ أَنْ تَعودَ لزوجها الأَوَّل، وأخبرتْ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فمنعَ ذلك إِلّا بَعْدَ أَنْ يُعاشِرَها زوجُها الثاني، وعَبَّرَ عن الجِماعِ بذَوْقِ العُسَيْلَة.\nودَلَّ هذا على اشتراطِ جِماعِ الزوجِ الثاني لها، حتى تَعودَ إِلى زَوْجِها الأَوَّل: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .\nواعترضَ الفادي على الحُكْمِ الذي تُقَرّرُه الآية.\nقال: \" وكثيرًا ما تكونُ امرأةٌ، لها زَوْجٌ عظيم، وأَولادٌ وبنات، هم سادَةُ مجتمعهم، وفي حالةِ غَضَبٍ يُطَلِّقُها زوجُها، ثم يَنْدَمُ على ما فَعَلَ، فإِذا الشرعُ القرآنى يُلْزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه! \".","vol":"1","page":383},{"text":"إِنَّ الفادي يَرفضُ الطلاقَ ويُحارِبُه ويُنكرهُ، ويُخَظَئُ القرآنَ لأَنه أَباحَه،\nوهو يَعتبرُ زواجَ المرأةِ المطَلَّقَةِ بزوجٍ آخَرَ جَريمة.\nوانظرْ إلى عبارتِه البذيئةِ الوقحة، التي يعتبرُ فيها الزواجَ الثانيَ لها زِنى،\nويَعتبرُ زوجَها الثاني زانيًا، وهي زانية، ويَعتبرُ القرآنَ داعيًا إِلى الزنى! \" فإِذا\nالشرعُ القرآنيُّ يُلزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه! \".\nاللهُ يَقولُ: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)، والنِّكاحُ هو عقْدُ\nالزواج، وما يَترتَّبُ عليه من جِماعٍ ومعاشرةٍ زوجيَّة، فلا بُدَّ لزوجِها الثاني من أَنْ يُجامعَها حتى تَعودَ لزوجها الأَوَّل، كما صَرَّحَ الرسولُ - ﷺ - لامرأةِ رِفاعَة.\nوحَرَّفَ الفادي المحَرّفُ المجرمُ الجملة القرآنية إلى قوله: \" يُلزم القرآن\nهذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجها \"! فهو يَعتبرُ إِتيانَ الرجلِ الثاني لها مُجَرَّدَ\nجِماع، والجِماعُ بدونِ زَواجٍ هو الزّنَى بعينِه!! فالقرآنُ في نَظَرِ الفادي الفاجرِ يَدْعو إِلى الزنى والفجور!!.\nواللهُ حكيمٌ في تشريعِه الطَّلاق، وفي تحديدِ الأَحكامِ المترتبةِ على كُلّ\nطَلْقَة، وحُكْمُه صحيحٌ وصَوابٌ في تحريمِ الزوجةِ على زوجِها بعدَ الطلقةِ الثالثة، وبَعْدَما تنتهي عِدَّتُها منه تكونُ هي بالخَيار، فإنْ تَقَدَّمَ لها رَجلٌ اَخرُ جازَ أَنْ تتزوَّجَه، ولا بُدَّ أَنْ ينكحَها ويُعاشِرَها ويُجامعَها، وغالبًا قد لا يُطَلّقُها، فإِنْ بَدا له أَنْ يُطَلِّقَها، فإِنه يَجوزُ أَنْ يَتزوَّجَها زوجُها الأَوَّل، بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زواجِها الثاني! وليس في هذه الأَحكامِ القرآنيةِ عيبٌ أَو ذَمٌّ أَو خَطَأٌ واعتراض!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>حول شهادة المرأة وضربها وميراثها</span>\nاعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن المرأة، من حيثُ شهادتُها\nوميراثُها وإِباحةُ ضَرْبِها، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه: \" هَضْمُ حقوقِ المرأةِ في\nالمعاملةِ الزوجيةِ والشهادةِ والميراث \".","vol":"1","page":384},{"text":"قالَ عن إِباحةِ ضَرْبِ المرأةِ في القرآن: \" جاء في سورةِ النساء: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) .\nفلماذا يُقَنّنُ القرآنُ للرجلِ أَنْ يَضْرِبَ زوجَتَه؟! \".\nيَرفضُ الفادي إِباحةَ ضربِ المرأة، ويعتبرُ هذا الضربَ اعتداءً عليها،\nويُخَطّى القرآنَ في ذلك!!.\nإِنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن وسائلَ ناجعةٍ لعِلاجِ المرأة، عند ظهورِ بداياتِ\nالنشوزِ والتمردِ عندها، وقبلَ أَنْ يَستفحلَ النُّشوزُ عندَها، وتُعلنَ تَمَرُّدَها.\nوهذا لا يُصيبُ كُلَّ الزوجاتِ، إِنما يُصيبُ بَعْضَهن، ومعظمُ الزوجاتِ المسلمات ملتزماتٌ بأَحكامِ الشرع، تَعرِفُ الواحدةُ منهنَّ واجِبَها فتؤَدّيه، وتَعرفُ حَقَّهَا على زوجِها فتأْخُذُه، فالآيةُ لا تضعُ تشريعًا لكلِّ الزوجات، وإِنما للنسبةِ القليلةِ الناشزةِ منهن!.\nوتُرشدُ الآيةُ زوْجَ الناشزِ إِلى اتخاذِ ثَلاثِ خُطواتٍ مُتدرجة، فإِنْ تَمَّ\nالعِلاجُ في الأُولى فَبِهَا ونعْمَتْ، وإِلّا انتقلَ للثانية، والثالثةُ آخِرُ الخَيارات:\n(فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) .\nالخطوةُ الأُولى: وَعْظُ الزوجة، وتَذْكيرُها بالله، وتَحذيرُها من عاقبةِ\nنُشوزِها.\nالخطوةُ الثانية: هَجْرُها في المضجَع، بأَنْ يتوقَّفَ عن معاشرتِها.\nالخطوةُ الثالثة: ضربُها تأديبًا لها، وقد يكونُ عندَ بعضِ النساءِ انحرافٌ\nنفسيٌّ أَو سلوكي، ولا يُقَوَّمُ هذا الانحرافُ إِلّا بضرْبها ضَرْبًا خَفيفًا، واللهُ الذي خَلَقَ النساءَ يَعلمُ ذلك من بعضهن، فشرعَ ضَرْبَها الخَفيفَ لتقويمِ ذلك الانحراف.\nوعندَ الاضطرارِ إِلى اللجوءِ إِلى الخطوةِ الثالثةِ فإِنَّ الإِسلامَ يَدْعو الزوجَ\nإِلى أَنْ يكونَ الضَّرْبُ خَفيفًا غيْرَ مُبَرِّح، وأَنْ لا يتركَ آثارًا على الوْجهِ أَو البَدَن","vol":"1","page":385},{"text":"وأَن لا يكون أمامَ الآخَرين، وأَنْ لا يَقترنَ بالسَّبِّ والشتْمِ والذَّمِّ والتقبيح، وأَنْ لا يَكونَ دائمًا مُتَواصِلًا، وإِنما في حالات استثنائيةٍ نادرة!.\nوقالَ الفادي في اعتراضِه على حديثِ القرآنِ في شهادةِ المرأة: \" وجاءَ\nفي سورةِ البقرة: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .\nفلماذا تكونُ شهادةُ امرأَتَيْن بشهادةِ رجلِ واحد، مع أَنها في أَحيانٍ كثيرةٍ\nقد تَفوقُ رَجُلَها في العقلِ والثقافةِ والشخصيةِ \" (١) .\nليست الشهادةُ في الآيةِ مُطْلَقَة، وِإنما هي شهادَةٌ مُقَيَّدَة، متعلقة بموضوع\nالآيَة، وهو الكلامُ على \" الدَّيْنِ \" وكيفيةِ كتابتِه وإِقرارِه والشهادةِ عليه.\nوَوَجَّهَ القرآنُ المسلمينَ إِلى الإِشهادِ على الدَّيْنِ بشاهدَيْن رجلَيْن، فإِنْ لم يَجِدوا رجلَيْن، فيمكنُ أَنْ يستشهدوا برجُلٍ وامرأَتَيْن.\n- لماذا شهادةُ امرأتَيْن مقابلَ الرجل؟\nالجوابُ في الآية: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .\nأَيْ أَنَّ المرأتَيْن تَتَعاونانِ وتَتَكاملانِ في الشهادة، فإِنْ ضلَّتْ إحْدى المرأتَيْن تَفاصيلَ القضيةِ الماليةِ المرفوعة، ذَكَّرَتْها صاحبتُها بتلك التفاصيل، وكُلّ واحدةٍ معرضة للضَّلالِ والنسيان، فتُذَكِّرُها الأُخرى بما نسيَتْه!.\nولا يَعني شهادةُ المرأتَيْن بشهادةِ رجلٍ اتّهامَ المرأةِ في عَقْلِها وشخصيتِها، كما فهمَ الفادي خطأً، فللمرأةِ عَقْلُها وتفكيرُها وحفْظُها، وقد\nتفوقُ الرجلَ في ذلك!.\nإِنَّ المسألةَ مالية، تتعلَّقُ بتفاصيلِ الدَّيْنِ وملابساتِه وكتابتِه وإِجراءاتِه،\nوهذه أُمورٌ لا تَعني النساءَ غالِبًا، ولا تَلفتُ انتباهَهُنّ، ولو اكْتُفِيَ بشهادةِ امرأةٍ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٣١- أن شهادة المرأة نصف شهادة الرجل\nالرد على الشبهة:\nأما الشبهة الثانية والزائفة التى تثار حول موقف الإسلام من شهادة المرأة.. التى يقول مثيروها: إن الإسلام قد جعل المرأة نصف إنسان، وذلك عندما جعل شهادتها نصف شهادة الرجل، مستدلين على ذلك بآية سورة البقرة: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا فإن كان الذى عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دُعُوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شىء عليم) (١) .\nومصدر الشبهة التى حسب مثيروها أن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة، بجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل: [فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان] هو الخلط بين \" الشهادة \" وبين \" الإشهاد \" الذى تتحدث عنه هذه الآية الكريمة.. فالشهادة التى يعتمد عليها القضاء فى اكتشاف العدل المؤسس على البينة، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها، ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضى لصدق الشهادة بصرف النظرعن جنس الشاهد، ذكرًا كان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فالقاضى إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين، أو امرأتين، أو رجل وامرأة، أو رجل وامرأتين، أو امرأة ورجلين، أو رجل واحد أو امرأة واحدة.. ولا أثر للذكورة أو الأنوثة فى الشهادة التى يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات..\nأما آية سورة البقرة، والتى قالت: [واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى] فإنها تتحدث عن أمر آخر غير\" الشهادة \" أمام القضاء.. تتحدث عن \" الإشهاد \" الذى يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه، وليس عن \" الشهادة \" التى يعتمد عليها القاضى فى حكمه بين المتنازعين.. فهى - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضى الحاكم فى النزاع.. بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود فى كل حالات الدَّيْن.. وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص، وفى حالات خاصة من الديون، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.. فهو دين إلى أجل مسمى.. ولابد من كتابته.. ولابد من عدالة الكاتب. ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة..ولابد من إملاء الذى عليه الحق.. وإن لم يستطع فليملل وليه بالعدل.. والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين.. أو رجل وامرأتين من المؤمنين.. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة.. ولا يصح امتناع الشهود عن الشهادة.. وليست هذه الشروط بمطلوبة فى التجارة الحاضرة.. ولا فى المبايعات..\nثم إن الآية ترى فى هذا المستوى من الإشهاد الوضع الأقسط والأقوم.. وذلك لا ينفى المستوى الأدنى من القسط..\nولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن \" الإشهاد\" فى دَيْن خاص، وليس عن الشهادة.. وإنها نصيحةوإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعًا موجهًا إلى القاضى الحاكم فى المنازعات.. فقه ذلك العلماء المجتهدون..\nومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية [٦٦١٧٢٨ هجرية /١٢٦٣ ١٣٢٨] وتلميذه العلامة ابن القيم [٦٩١٧٥١ هجرية / ١٢٩٢ ١٣٥٠م] من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده [١٢٦٥١٣٢٣ هجرية] والإمام الشيخ محمود شلتوت [١٣١٠١٣٨٣ هجرية /١٨٩٣١٩٦٣م] من المحدثين والمعاصرين فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ويؤكد عليه ابن القيم:\nقال عن \" البينة \" التى يحكم القاضى بناء عليها.. والتى وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله ﷺ: \" البينة على المدعى، واليمين على المدعى عليه \" رواه البخارى والترمذى وابن ماجه:\n\" إن البينة فى الشرع، اسم لما يبيّن الحق ويظهره، وهى تارة تكون أربعة شهود، وتارة ثلاثة، بالنص فى بينة المفلس، وتارة شاهدين، وشاهد واحد، وامرأة واحدة، وتكون نُكولًا (٢)، ويمينًا، أو خمسين يمينًا أو أربعة أيمان، وتكون شاهد الحال.\nفقوله ﷺ: \" البينة على المدعى \"، أى عليه أن يظهر ما يبيّن صحة دعواه، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له.. \" (٣) فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر، تقوم بشهادة المرأة الواحدة، أو أكثر، وفق معيار البينة التى يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضى -..\nولقد فصّل ابن تيمية القول فى التمييز بين طرق حفظ الحقوق، التى أرشدت إليها ونصحت بها آية الإشهاد - الآية ٢٨٢ من سورة البقرة وهى الموجهة إلى صاحب \" الحق الدَّين \" وبين طرق البينة، التى يحكم الحاكم القاضى بناء عليها.. وأورد ابن القيم تفصيل ابن تيمية هذا تحت عنوان [الطرق التى يحفظ بها الإنسان حقه] .. فقال:\n\" إن القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين فى طرق الحكم التى يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر النوعين من البينات فى الطرق التى يحفظ بها الإنسان حقه، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذى عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا فإن كان الذى عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) (٤) .. فأمرهم، سبحانه، بحفظ حقوقهم بالكتاب (٥)، وأمر من عليه الحق أن يملى الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طُلبوا لذلك، ثم رخّص لهم فى التجارة الحاضرة ألا يكتبوها، ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبًا، أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة.\nكل هذا نصيحة لهم، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم، وما تحفظ به الحقوق شئ وما يحكم به الحاكم [القاضى] شئ، فإن طرق الحكم أوسع من الشاهد والمرأتين، فإن الحاكم يحكم بالنكول، واليمين المردودة ولا ذكر لهما فى القرآن وأيضًا: فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصريحة الصحيحة.. ويحكم بالقافة (٦) بالسنة الصريحة الصحيحة التى لا معارض لها ويحكم بالقامة (٧) بالسنة الصحيحة الصريحة، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان، ويحكم، عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بوجود الآجر فى الحائط، فيجعله للمدعى إذا كان جهته وهذا كله ليس فى القرآن، ولا حكم به رسول الله ﷺ، ولا أحد من أصحابه..\nفإن قيل: فظاهر القرآن يدل على أن الشاهد والمرأتين بدلٌ عن الشاهدين، وأنه لا يُقْضَى بهما إلا عند عدم الشاهدين.\nقيل: القرآن لا يدل على ذلك، فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم، فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق، فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى ما دونها.. وهو سبحانه لم يذكر ما يحكم به الحاكم، وإنما أرشدنا إلى ما يحفظ به الحق، وطرق الحكم أوسع من الطرق التى تُحفظ بها الحقوق \" (٨) ..\nوبعد إيراد ابن القيم لهذه النصوص نقلًا عن شيخه وشيخ الإسلام ابن تيمية علق عليها، مؤكدًا إياها، فقال: \" قلت [أى ابن القيم]: وليس فى القرآن ما يقتضى أنه لا يُحْكَم إلا بشاهدين،أو شاهد وامرأتين، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النِّصاب، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به، فضلًا عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول، واليمين المردودة، والمرأة الواحدة، والنساء المنفردات لا رجل معهن، وبمعاقد القُمُط (٩)، ووجوه الآجرّ، وغير ذلك من طرق الحكم التى تُذكر فى القرآن..فطرق الحكم شئ، وطرق حفظ الحقوق شئ آخر، وليس بينهما تلازم، فتُحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه، ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه، ولا خطر على باله.. \" (١٠) .\nفطرق الإشهاد، فى آية سورة البقرة التى تجعل شهادة المرأتين تعدل شهادة رجل واحد هى نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّين ذى الطبيعة الخاصة -.. وليست التشريع الموجه إلى الحاكم القاضى والجامع لطرق الشهادات والبينات.. وهى أيضًا خاصة بدَيْن له مواصفاته وملابساته، وليست التشريع العام فى البينات التى تُظهر العدل فيحكم به القضاة..\n* وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد.. أخذ ابن تيمية يعدد حالات البينات والشهادات التى يجوز للقاضى الحاكم الحكم بناء عليها.. فقال: \" إنه يجوز للحاكم -[القاضى]- الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه فى غير الحدود، ولم يوجب الله على الحاكم ألا يحكم إلا بشاهدين أصلًا، وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، وهذا لا يدل علىأن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك، بل قد حكم رسول الله ﷺ، بالشاهد واليمين، وبالشاهد فقط، وليس ذلك مخالفًا لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف.. وقد قبل النبى ﷺ شهادة الأعرابى وحده على رؤية هلال رمضان، وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبارًا، لا شهادة، أمر لفظى لا يقدح فى الاستدلال، ولفظ الحديث يردّ قوله، وأجاز ﷺ شهادة الشاهد الواحد فى قضية السَّلَب (١١)، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر، واستحلفه، وهذه القصة [وروايتها فى الصحيحين] صريحة فى ذلك.. وقد صرح الأصحاب: أنه تُقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة، وهو الذى نقله الخِرَقى [٣٣٤ هجرية ٩٤٥م] فى مختصره،فقال: وتِقبل شهادة الطبيب العدل فى الموضحة (١٢) إذا لم يقدر على طبيبين، وكذلك البيطار فى داء الدابة..\" (١٣) .\n* وكما تجوز شهادة الرجل الواحد فى غير الحدود.. وكما تجوز شهادة الرجال وحدهم في الحدود، تجوز عند البعض شهادة النساء وحدهن فى الحدود.. وعن ذلك يقول ابن تيمية، فيما نقله ابن القيم: \" وقد قبل النبى ﷺ شهادة المرأة الواحدة فى الرضاع، وقد شهدت على فعل نفسها، ففى الصحيحين عن عقبة ابن الحارث: \" أنه تزوج أم يحيى بنت أبى إهاب، فجاءت أَمَةٌ سوداء، فقالت: قد أرضعتكما. فذكرتُ ذلك للنبى ﷺ، فأعرض عنى، قال: فتنحيتُ فذكرتُ ذلك له، قال: فكيف؟ وقد زعمتْ أنْ قد أرضعتكما! \".\nوقد نص أحمد على ذلك فى رواية بكر بن محمد عن أبيه، قال: فى المرأة تشهد على مالا يحضره الرجال من إثبات استهلال الصبى (١٤)، وفى الحمّام يدخله النساء، فتكون بينهن جراحات.\nوقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمد فى شهادة الاستدلال: \" تجوز شهادة امرأة واحدة فى الحيض والعدة والسقط والحمّام، وكل مالا يطلع عليه إلا النساء \".\nفقال: \"تجوز شهادة امرأة إذا كانت ثقة، ويجوز القضاء بشهادة النساء منفردات فى غير الحدود والقصاص عند جماعة من الخَلَف والسلف \". وعن عطاء [٢٧-١١٤ هجرية /٦٤٧ ٧٣٢م] أنه أجاز شهادة النساء فى النكاح. وعن شريح [٧٨ هجرية / ٦٩٧م] أنه أجاز شهادة النساء فى الطلاق. وقال بعض الناس: تجوز شهادة النساء فى الحدود. وقال مهنا: قال لى أحمد بن حنبل: قال أبو حنيفة: تجوز شهادة القابلة وحدها، وإن كانت يهودية أو نصرانية..\" (١٥) .\nذلك أن العبرة هنا فى الشهادة إنما هى الخبرة والعدالة، وليست العبرة بجنس الشاهد ذكرًا كان أو أنثى ففى مهن مثل الطب.. والبيطرة.. والترجمة أمام القاضى.. تكون العبرة \"بمعرفة أهل الخبرة \" (١٦) .\n* بل لقد ذكر ابن تيمية فى حديثه عن الإشهاد الذى تحدثت عنه آية سورة البقرة أن نسيان المرأة، ومن ثم حاجتها إلى أخرى تذكرها (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى (ليس طبعًا ولا جبلة فى كل النساء، وليس حتمًا فى كل أنواع الشهادات.. وإنما هو أمر له علاقة بالخبرة والمران، أى أنه مما يلحقه التطور والتغيير.. وحكى ذلك عنه ابن القيم فقال:\n\" قال شيخنا ابن تيمية، رحمه الله تعالى: قوله تعالى:: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى (فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل واحد إنما هو لإذكار إحداهما للأخرى، إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما فيه الضلال فى العادة، وهو النسيان وعدم الضبط.. فما كان من الشهادات لا يُخافُ فيه الضلال فى العادة لم تكن فيه على نصف الرجل..\" (١٧) .\nفحتى فى الإشهاد، يجوز لصاحب الدَّيْن أن يحفظ دَينه وفق نصيحة وإرشاد آية سورة البقرة بإشهاد رجل وامرأة، أو امرأتين، وذلك عند توافر الخبرة للمرأة فى موضوع الإشهاد.. فهى فى هذا الإشهاد ليست شهادتها دائمًا على النصف من شهادة الرجل..\nولقد كرر ابن القيم وأكد هذا الذى أشرنا إلى طرف منه، فى غير كتابه [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] فقال فى كتابه \" إعلام الموقعين عند رب العالمين\" أثناء حديثه عن \" البينة \" وحديث رسول الله ﷺ: \" البينة على المدعى واليمين على من أنكر \" خلال شرحه لخطاب عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى [٢١ق هجرية ٤٤ هجرية ٦٠٢- ٦٦٥م] فى قواعد القضاء وآدابه - قال: \" إن البينة فى كلام الله ورسوله، وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق.. ولم يختص لفظ البينة بالشاهدين.. وقال الله فى آية الدَّيْن: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان (فهذا فى التَّحمل والوثيقة التى يحفظ بها صاحب المال حقه، لا فى طرق الحكم وما يحكم به الحاكم، فإن هذا شئ وهذا شئ، فذكر سبحانه ما يحفظ به الحقوق من الشهود، ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك.. فإن طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق.. وقال سبحانه: (ممن ترضون من الشهداء (لأن صاحب الحق هو الذى يحفظ ماله بمن يرضاه.. \".\nوعلل ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين فى هذه الحالة تعدلان شهادة الرجل الواحد، بأن المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات.. لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها، كانت شهادتها حتى فى الإشهاد على حفظ الحقوق والديون مساوية لشهادة الرجل.. فقال:\n\" ولا ريب أن هذه الحكمة فى التعدد هى فى التحمل، فأما إذا عقلت المرأة، وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات، ولهذا تُقبل شهادتها وحدها فى مواضع، ويُحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب فى أصح القولين، وهو قول مالك [٩٣-١٧٩ هجرية ٧١٢-٧٩٥م] وأحد الوجهين فى مذهب أحمد.. \"\nوالمقصود أن الشارع لم يَقِف الحكم فى حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين، لا فى الدماء ولا فى الأموال ولا فى الفروج ولا فى الحدود.. وسر المسألة ألا يلزم من الأمر بالتعدد فى جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد فى جانب الحكم والثبوت، فالخبر الصادق لا تأتى الشريعة برده أبدًا.\nوهذا الذى قاله ابن تيمية وابن القيم فى حديثهما عن آية سورة البقرة هو الذى ذكره الإمام محمد عبده، عندما أرجع تميز شهادة الرجال على هذا الحق الذى تحدثت عنه الآية على شهادة النساء، إلى كون النساء فى ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات، ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات فى هذه الميادين.. وهو واقع تاريخى خاضع للتطور والتغير، وليس طبيعة ولا جبلة فى جنس النساء على مر العصور.. ولو عاش الإمام محمد عبده إلى زمننا هذا، الذى زخر ويزخر بالمتخصصات فى المحاسبة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وب \" سيدات الأعمال \" اللائى ينافسن \" رجال الأعمال \" لأفاض وتوسع فيما قال، ومع ذلك، فحسبه أنه قد تحدث قبل قرن من الزمان فى تفسيره لآية سورة البقرة هذه رافضًا أن يكون نسيان المرأة جبلة فيها وعامًّا فى كل موضوعات الشهادات، فقال:\n\" تكلم المفسرون فى هذا، وجعلوا سببه المزاج، فقالوا: إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة،ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها، فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعنى أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويكثر اشتغالهم بها \" (١٨) .\nولقد سار الشيخ محمود شلتوت الذى استوعب اجتهادات ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده مع هذا الطريق، مضيفًا إلى هذه الاجتهادات علمًا آخر عندما لفت النظر إلى تساوى شهادة الرجل فى \" اللعان \".. فكتب يقول عن شهادة المرأة وكيف أنها دليل على كمال أهليتها، وذلك على العكس من الفكر المغلوط الذى يحسب موقف الإسلام من هذه القضية انتقاصًا من إنسانيتها.. كتب يقول:\nإن قول الله ﷾: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان (ليس واردًا فى مقام الشهادة التى يقضى بها القاضى ويحكم، وإنما هو فى مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل (يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولايأب كاتب أن يكتب كما علمه الله (إلى أن قال: (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) (١٩) .\nفالمقام مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذى تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهم.\nوليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتى ليس معهن رجل، لايثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضى، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو \" البينة \".\nوقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة فى الشرع أعم من الشهادة، وأن كل ما يتبين به الحق ويظهره، هو بينة يقضى بها القاضى ويحكم. ومن ذلك: يحكم القاضى بالقرائن القطعية، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها.\nواعتبار المرأتين فى الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها، الذى يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثرًا له، وإنما هو لأن المرأة كما قال الشيخ محمد عبده \" ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك فى الأمور المنزلية التى هى شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويمارسونها، ويكثر اشتغالهم بها.\nوالآية جاءت على ما كان مألوفًا فى شأن المرأة، ولا يزال أكثر النساء كذلك، لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافى هذا الأصل الذى تقضى به طبيعتها فى الحياة.\nوإذا كانت الآية ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق، وكان المتعاملون فى بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات، كان لهم الحق فى الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه.\nهذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها، وهى القضايا التى لم تجر العادة بإطلاع الرجال على موضوعاتها، كالولادة والبكارة، وعيوب النساء والقضايا الباطنية.\nوعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده، وهى القضايا التى تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها، على أنهم قدروا قبول شهادتها فى الدماء إذا تعينت طريقًا لثبوت الحق واطمئنان القاضى إليها. وعلى أن منها ما تقبل شهادتهما معًا.\nومالنا نذهب بعيدًا، وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء فى شهادات اللعان، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقول شهود (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) (٢٠) .\nأربع شهادات من الرجل، يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويقابلها ويبطل عملها، أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين.. فهذه عدالة الإسلام فى توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة، وهى عدالة تحقق أنهما فى الإنسانية سواء.. (٢١) .\nهكذا وضحت صفحة الإسلام.. وصفحات الاجتهاد الإسلامى فى قضية مساواة شهادة المرأة وشهادة الرجل، طالما امتلك الشاهد أو الشاهدة مقومات ومؤهلات وخبرة هذه الشهادة.. لأن الأهلية الإنسانية بالنسبة لكل منهما واحدة، ونابعة من وحدة الخلق، والمساواة فى التكاليف، والتناصر فى المشاركة بحمل الأمانة التى حملها الإنسان، أمانة استعمار وعمران هذه الحياة.\n*وأخيرًا وليس آخرًا فإن ابن القيم يستدل بالآية القرآنية: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا) (٢٢) . على أن المرأة كالرجل فى هذه الشهادة على بلاغ الشريعة ورواية السنة النبوية.. فالمرأة كالرجل فى \" رواية الحديث \"، التى هى شهادة على رسول الله ﷺ..\nوإذا كان ذلك مما أجمعت عليه الأمة، ومارسته راويات الحديث النبوى جيلًا بعد جيل \" والرواية شهادة \" فكيف تقبل الشهادة من المرأة على رسول الله ﷺ ولا تقبل على واحد من الناس؟.. إن المرأة العدل [بنص عبارة ابن القيم] كالرجل فى الصدق والأمانة والديانة (٢٣) .\nذلكم هو منطق شريعة الإسلام وكلها منطق وهذا هوعدلها بين النساء والرجال وكلها عدل وكما يقول ابن القيم: \" وما أثبت الله ورسوله قط حكمًا من الأحكام يُقطع ببطلان سببه حسًّا أو عقلًا، فحاشا أحكامه سبحانه من ذلك، فإنه لا أحسن حكمًا منه ﷾ ولا أعدل. ولا يحكم حكمًا يقول العقل: ليته حكم بخلافه، بل أحكامه كلها مما يشهد العقل والفِطَر بحسنها، ووقوعها على أتم الوجوه وأحسنها، وأنه لا يصلح فى موضعها سواها \" (٢٤) .\nهذا.. ولقد تعمدنا فى إزالة هذه الشبهة أمران:\nأولهما: أن ندع نصوص أئمة الاجتهاد الإسلامى هى التى تبدد غيوم هذه الشبهة، لا نصوصنا نحن.. وذلك حتى لا ندع سبيلًا لشبهات جديدة فى هذا الموضوع!\nوثانيهما: أن تكون هذه النصوص للأئمة المبرزين فى إطار السلف والسلفيين.. وذلك حتى نقطع الطريق على أدعياء السلفية الذين حملوا العادات الراكدة لمجتمعاتهم على دين الإسلام، فاستبدلوا هذه العادات بشريعة الإسلام!.. وحتى نقطع الطريق كذلك على غلاة العلمانيين والعلمانيات، الذين استبدلوا البدع الفكرية الوافدة بحقائق وحقيقة الإسلام، والذين يتحسسون مسدساتهم إذا ذكرت مصطلحات السلفية والسلفيين!..\nفإنصاف المرأة، وكمال واكتمال أهليتها هو موقف الإسلام، الذى نزل به الروح الأمين على قلب الصادق الأمين.. وهو موقف كل تيارات الاجتهاد الإسلامى، على امتداد تاريخ الإسلام. اهـ (شبهات المشككين)\n_________\n(١) البقرة: ٢٨٢.\n(٢) النكول: هو الامتناع عن اليمين.\n(٣) ابن القيم [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص٣٤. تحقيق محمد جميل غازى. طبعة القاهرة سنة ١٩٧٧م.\n(٤) سورة البقرة: ٢٨٢.\n(٥) أى الكتابة.\n(٦) القافة: مفردها قائف هو الذى يعرف الآثار آثار الأقدام ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه..\n(٧) القامة: الأيمان، تقسم على أهل المحلة الذين وجد المقتول فيهم.\n(٨) [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص ١٠٣-١٠٥، ٢١٩،٢٣٦.\n(٩) مفردها قمط بكسر القاف وسكون الميم: ما تشد به الإخصاص ومكونات البناء ولبناته.\n(١٠) [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص ١٩٨.\n(١١) السَّلب بفتح السين مشددة، وفتح اللام -: هو متاع القتيل وعدته، يأخذه قاتله.. وفى الحديث: \" من قتل قتيلًا فله سَلَبُهُ \".\n(١٢) الموضحة: هى الجراحات التى هى دون قتل النفس.\n(١٣) [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص ٩٨، ١١٣، ١٢٣.\n(١٤) استهلال الصبى: هو أن يحدث منه ما يدل على حياته ساعة الولادة من رفع صوت أو حركة عضو أو عين، وهو شرط لتمتعه بحقوق الأحياء.\n(١٥) [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص ١١٥-١١٧.\n(١٦) المصدر السابق. ص ١٨٨، ١٩٣.\n(١٧) [إعلام الموقعين عن رب العالمين] ج١ ص ٩٠-٩٢، ٩٤-٩٥،١٠٣،١٠٤. طبعة بيروت سنة ١٩٧٣م.\n(١٨) [الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده] ج٤ ص٧٣٢. دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. طبعة القاهرة سنة ١٩٩٣م.\n(١٩) البقرة: ٢٨٢.\n(٢٠) النور: ٦٩.\n(٢١) [الإسلام عقيدة وشريعة] ص ٢٣٩- ٢٤١. طبعة القاهرة سنة ١٤٠٠ هجرية سنة ١٩٨٠م.\n(٢٢) البقرة: ١٤٣.\n(٢٣) [الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية] ص٢٣٦، ٢٤٤.\n(٢٤) المصدر السابق، ص٣٢٩.","vol":"1","page":386},{"text":"واحدةٍ في هذا الموضوعِ المالي فقد تَنْسى كثيرًا من التفاصيل، وبذلك قد\nتُضَيِّعُ حَقَّ الرجل، ولذلك اشترطَ القرآنُ اجتماعَ امرأتَيْن للشهادة، بحيتُ تُذَكِّرُ كُلّ واحدةٍ الأُخْرى، وبذلك تُؤَدَّى الشهادةُ على وجْهِها، ولا تَضيعُ الحقوق.\nأَما الرجالُ فإِنَّ التفصيلاتِ الماليةَ تَعْنيهم غالبًا؛ لأَنها تَتفقُ مع مهمتِها\nالتي خَلَقَهم اللهُ لها، ولذلك يَحفظونَها ويَعرضونَها بدِقَّة!.\nوقالَ الفادي في اعتراضِه على القرآنِ بشأنِ نصيبِ المرأةِ من الميراث:\n\" وجاءَ في سورةِ النساءِ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)، فلماذا يُعطي المرأةَ نصْفَ نَصيبِ الرجل، مع أَنَّ الحياةَ تَقْسو على\nالمرأةِ أَحْيانًا أَكثر من قسوتِها على الرجُل؟\nإِنَّ القسمةَ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) من أَصلِ الجاهلية، جاءَ في كتابِ بُلوغ الأَرب: وأَوَّلُ منْ قَسَمَ للرجلِ مثلَ حَظّ الأُنثييْن عامرُ بنُ جَهْم الجُهَني \".\nالزعمُ بأَنَّ إِعطاءَ الرجُل مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ تَشريعٌ جاهِليٌّ زَعْمٌ باطِلٌ\nمردود، رَدَّدَهُ الفادي الجاهلُ، ونَسبَهُ إِلى كتابٍ غيرِ مُوثَّق! إِنهُ تَشريعٌ إِسلاميٌّ قرآني، وَرَدَ النَّصُّ عليه في القرآن.\nوليس فيه هَضْمٌ لحقوقِ المرأَةِ كما ادَّعى الفادي، وإنما هو يتفقُ مع طبيعةِ\nالمرأة ومهمَّتها ووظيفتِها في الحياة.\nفالإِسلامُ قد كَرَّمَ المرأةَ وصانَها واحترمَها، ومَنَحَها شخصيَّتَها الماليةَ المستقلة، وأَباحَ لها جمعَ الأَموال وتملُّكَها، في الوقتِ الذي لم يوجِبْ عليها إنفاقَ شيءٍ من أَموالِها على الأُسرة.\nجعلَ الإِسلامُ الإِنفادق على الرجلِ في البيت، سواء كانَ أَبًا أَو زوجًا أَو\nأَخا أَو ابنًا، ولو كانت النساءُ في البيت يمتلكْنَ الأَموالَ فإِنَّه لا يَجبُ عليهنَ\nإِنفاقُ شيءٍ من أَموالِهن، وعلى الرجلِ أَنْ يُرَتِّبَ أَمْرَه ويُنفقَ ولو بالاستدانة.\nولذلك ناسبَ أَنْ يُعطى الرجلُ المأمورُ بالإِنفاق مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ،\nاللتَيْن لا يجبُ عليهما إِنفاقُ شيء.\nوسبحان اللهِ الحكيم في خلْقِه وفعلِه وتشريعِه! (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٣٠- أن ميراث الأنثى نصف ميراث الذكر\nالرد على الشبهة:\nصحيح وحق أن آيات الميراث فى القرآن الكريم قد جاء فيها قول الله ﷾: (للذكر مثل حظ الأنثيين) (١)؛ لكن كثيرين من الذين يثيرون الشبهات حول أهلية المرأة فى الإسلام، متخذين من التمايز فى الميراث سبيلًا إلى ذلك لا يفقهون أن توريث المرأة على النصف من الرجل ليس موقفًا عامًا ولا قاعدة مطّردة فى توريث الإسلام لكل الذكور وكل الإناث. فالقرآن الكريم لم يقل: يوصيكم الله فى المواريث والوارثين للذكر مثل حظ الأنثيين.. إنما قال: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) .. أى أن هذا التمييز ليس قاعدة مطّردة فى كل حالات الميراث، وإنما هو فى حالات خاصة، بل ومحدودة من بين حالات الميراث.\nبل إن الفقه الحقيقى لفلسفة الإسلام فى الميراث تكشف عن أن التمايز فى أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة.. وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية فى التوريث حِكَم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث فى بعض مسائل الميراث وحالاته شبهة على كمال أهلية المرأة فى الإسلام. وذلك أن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات فى فلسفة الميراث الإسلامى - إنما تحكمه ثلاثة معايير:\nأولها: درجة القرابة بين الوارث ذكرًا كان أو أنثى وبين المُوَرَّث المتوفَّى فكلما اقتربت الصلة.. زاد النصيب فى الميراث.. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب فى الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين..\nوثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال.. فالأجيال التى تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها، عادة يكون نصيبها فى الميراث أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة. وتتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها - عادة - مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.. فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه - وكلتاهما أنثى -.. وترث البنت أكثر من الأب! - حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.. وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التى للابن، والتى تنفرد البنت بنصفها! -.. وكذلك يرث الابن أكثر من الأب - وكلاهما من الذكور..\nوفى هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث فى الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين!..\nوهى معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق..\nوثالثها: العبء المالى الذى يوجب الشرع الإسلامى على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين.. وهذا هو المعيار الوحيد الذى يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضى إلى أى ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها.. بل ربما كان العكس هو الصحيح!..\nففى حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون فى درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا فى موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال - مثل أولاد المتوفَّى، ذكورًا وإناثًا - يكون تفاوت العبء المالى هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث.. ولذلك، لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى فى عموم الوارثين، وإنما حصره فى هذه الحالة بالذات، فقالت الآية القرآنية: (يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) .. ولم تقل: يوصيكم الله فى عموم الوارثين.. والحكمة فى هذا التفاوت، فى هذه الحالة بالذات، هى أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى - هى زوجه - مع أولادهما.. بينما الأنثى الوارثة أخت الذكر - إعالتها، مع أولادها، فريضة على الذكر المقترن بها.. فهى - مع هذا النقص فى ميراثها بالنسبة لأخيها، الذى ورث ضعف ميراثها، أكثر حظًّا وامتيازًا منه فى الميراث.. فميراثها - مع إعفائها من الإنفاق الواجب - هو ذمة مالية خالصة ومدخرة، لجبر الاستضعاف الأنثوى، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات.. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين..\nوإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية فى تفاوت أنصبة الوارثين والوارثات وهى التى يغفل عنها طرفا الغلو، الدينى واللادينى، الذين يحسبون هذا التفاوت الجزئى شبهة تلحق بأهلية المرأة فى الإسلام فإن استقراء حالات ومسائل الميراث - كما جاءت فى علم الفرائض (المواريث) - يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين عن أفكارهم المسبقة والمغلوطة فى هذا الموضوع.. فهذا الاستقراء لحالات ومسائل الميراث، يقول لنا:\n١ - إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.\n٢ - وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تمامًا.\n٣ - وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.\n٤ - وهناك حالات ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال.\nأى أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل، أو أكثر منه، أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال، فى مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.. (٢) \"!!.\nتلك هى ثمرات استقراء حالات ومسائل الميراث فى علم الفرائض (المواريث)، التى حكمتها المعايير الإسلامية التى حددتها فلسفة الإسلام فى التوريث.. والتى لم تقف عند معيار الذكورة والأنوثة، كما يحسب الكثيرون من الذين لا يعلمون!..\nوبذلك نرى سقوط الشبهة الأولى من الشبهات الخمس المثارة حول أهلية المرأة، كما قررها الإسلام. اهـ (شبهات المشككين)\n_________\n(٢) د. صلاح الدين سلطان \"ميراث المرأة وقضية المساواة \" ص١٠، ٤٦، طبعة القاهرة، دار نهضة مصر سنة ١٩٩٩م - \" سلسلة فى التنوير الإسلامى \".","vol":"1","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>حول تعدد الزوجات</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لإِباحَتِه تَعَدُّدَ الزوجات.\nوقالَ في اعتراضِه: \" جاءَ في سورةِ النساء: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .\nوقد فَسَّرَ البيضاوي: (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) بالسراري.\nونحنُ نسأَل: أَليسَ تَعَدُّدُ الزوجاتِ والتَّسَري مُخالِفًا لسُنَّةِ اللهِ منذُ بَدْءِ الخَليقةِ؟\nخَلَقَ اللهُ حَوَّاءَ واحدةً لآدمَ واحد..\nونحنُ نُكرمُ الرجولةَ باحترامِ الأُمَّهاتِ والأَخَواتِ والبَناتِ\nوالزَّوجات، ومَنْ يُفْسِد البيتَ يُفْسِد الإنسانية، وفي تَعَدُّدِ الزوجاتِ إِفسادٌ\nلأَخلاقِ الرجلِ بالمظالم، وتأْخيرٌ لنَجاحِ الأَولاد، وإِهانةٌ للزوجات، وتدميرٌ\nللتقدمِ الاجتماعيّ والسلامةِ القومية \" (١) .\nتَعَدُّدُ الزوجاتِ في نظرِ الفادي المفترِي جريمةٌ عظمى، ومفاسِدُها\nوأَخطارُها عديدة، فهو مُخالفٌ للفطرةِ والسنةِ الإِلهية، لأَنَّ اللهَ خَلَقَ لكلِّ رجلٍ امرأةً واحدة، فإِذا أَخَذَ الرجلُ امرأتَيْن أَو أَكثرَ كان مُتَعدِّيًا على حَقِّ غيرِه، وتَعَدُّدُ الزوجاتِ إِهانةٌ للمرأة، وإِفسادٌ للأَخلاقِ وللأَولادِ وللبيوت، ونَشْرٌ للظُّلم، وتدميرٌ للمجتمع والإِنسانية! يا لطيف! أَكُلُّ هذه الجرائمِ والمفاسدِ ناتجةٌ عن تعدّدِ الزوجات؟!.\nإِنَّ تَعَدُّدَ الزوجاتِ مُباحٌ في الإِسلام، وليسَ واجبًا على كُلّ رجلِ\nمتزوِّج، والواقعُ العمليُّ أَنَّ معظمَ المتَزَوّجين لا يَأْخذونَ بهذه الرخصة، وأَنًّ\nالذين يُعَدِّدونَ الزوجاتِ أَعدادٌ قليلةٌ جِدًّا.\nثم إِنَّ الإِسلامَ عندما أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ اشترطَ على الرجلِ العَدْلَ\nوالمساواةَ بين الزوجاتِ، وحَرَّمَ عليه أَنْ يَميلَ لامرأةٍ على حِسابِ الأُخْريات،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين رد على شبهة تعدد الزوجات ما نصه:\nإن إبراهيم - ﵇ - كان متزوجًا من سارة وهاجر وقطورة.\nوهو أب لليهود والنصارى والمسلمين.\nوأيضًا كانت له سرارى كثيرة لقوله: \" وأما بنو السرارى اللواتى كانت لإبراهيم فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن إسحاق ابنه شرقًا إلى أرض المشرق وهو بعد حى \" [تك ٢٥: ٦] وموسى كان متزوجًا من مديانية وحبشية [عدد ١٢: ١] ويعقوب - ﵇ - كان متزوجًا من حرتين وأمنين وهما ليئة وراحيل وزلفة وبلهة [تك ٢٩ وما بعده] وكان لداود نساء هن: أخينوعم اليزرعبلية - أبيجايل - معكة - حجيث - أبيطال - عجلة.\nالجميع ستة عدا بثشبع امرأة أورياالحثى التى أنجب منها سليمان - ﵇ -[صموئيل الثانى ٣: ١ - ٥] وكان لسليمان \" سبع مائة من النساء السيدات، وثلاث مائة من السرارى \" [الملوك الأول ١١: ٣] .\nوفى الإنجيل أنه كان للمسيح أربع إخوة هم: يعقوب وموسِى ويهوذا وسمعان [مرقس ٦: ٣] واتفق النصارى على أن مريم أتت به بغير زرع بشر.\nوإذ هذا حاله.\nفهل هؤلاء الأربعة على الحقيقة إخوة أم على المجاز؟ اختلفوا.\nلأن متى قال عن يوسف النجار: \" ولم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر \" [مز ١: ٢٤] فيكون قد عرفها بعد ولادته.\nوإن منهم لفريقًا يقولون: \" إنها ظلت عذراء إلى أن ماتت، وإن الأربعة أولاد ليوسف عن زوجة سابقة له على مريم \".\nوعلى أية حال فإن غرضنا وهو إثبات تعدد الزوجات بإخوة المسيح الأربعة.\nوفى تفاسير الإنجيل أنه كان له أختان أيضًا هما أستير وثامار؛ يكون ملزمًا لهم بإثبات التعدد. اهـ (شبهات المشككين)","vol":"1","page":388},{"text":"كما اشترطَ عليه القدرةَ الماليةَ والجسدية والجنسية على التعدُّد، فإِنْ لم تتحقَّقْ\nتلك الشروطُ كان التعدُّدُ حرامًا.\nوإِنَّ تعدُّدَ الزوجاتِ حَلّ لمشكلاتٍ عديدةٍ عندَ الرجلِ والمرأةِ والبيتِ\nوالمجتمع، ولا يكون الحَلُّ بغيره، وإِنَّ اللهَ الذي أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ وأَذِنَ بِه يَعْلَمُ حاجةَ الرجالِ إِليه أَحيانًا، ولكنه لم يَجْعَلْه مَفْتوحًا، وإِنما وَضَعَ له\nالشروطَ، كي لا يتحوَّلَ إِلى مفسدة!.\nولا أَدرىِ لماذا يشُنُّ النَّصارى والغربيّون عُمومًا على تَعَدُّدِ الزوجاتِ هذه\nالحربَ الشَّرِسَة، ويثيرونَ حولَه الشبهاتِ والاتِّهامات، وماذا يَضيرُهم لو عَدّدَ بعضُ الرجالِ زوجاتِهم، إِذا كانَتْ مُشكلاتُهم ومُشكلاتُ النساءِ العوانس لا تُحَلُّ إِلّا بالتَعَدُّد!!.\nولماذا يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجات، وقد كانَ التَّعَدُّدُ منتشرًا بين الناس، من\nقديمِ الزمان.\nوقد ذَكَرَ العهدُ القديمُ - الذي يَعتبرُه النَّصارى جزءًا من دينِهم -\nأَمثلةً عديدةً لأَنبياء عَدّدوا الزوجات، وفي مقدمتِهم داودُ وسليمانُ - صلى الله عليهما وسلم - فهلَ كانَ النبيانِ داودُ وسليمانُ مخطئَيْنِ عندما عَدَّدا الزوجات؟\nأَم أَنَّهما لم يُعَدِّدا؟\nوهلّ يمكنُ للفادي أَنْ يُكَذِّبَ العهدَ القَديم ويبقَى مؤمنًا؟!.\nوإِذا كان النَّصارى الغربيّون لا يُعَدِّدونَ الزوجات، ويَعتبرونَه جريمةً\nومفسدةً ودَمارًا، فإِنهم يُمارسونَ فاحشةَ الزِّنى مع العشيقات والخليلات،\nيُخالِلُ الرجلُ منهم في الوقتِ الواحدِ أَكثرَ من عشيقة، ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في عشيقاتِه كما يَشاء، ولو عَدَّ الرجلُ الغربيّ النساءَ العشيقاتِ اللَّواتي زَنى بهنَّ فقد يصلُ العددُ إِلى مئةِ عشيقةٍ أَو أَكثر! وقُلْ مثلَ هذا في عُشّاقِ المرأة، الذين تُعاشِرُهم وتَرتكبُ معهم الفاحشة، فقد يَزيدُ عددُ الرجالِ الذينَ زَنَوا بها عن مئة!.\nفالذينَ يَرفعونَ أَصواتَهم في الاعتراضِ على تَعَدُّدِ الزوجات، وتخطئةِ\nالقرآنِ الذي أَباحه، يُمارسونَ تَعَدُّدَ العشيقاتِ الزانيات، وتَحَدَّثْ عن امتهانِ المرأةِ العشيقةِ واحتقارِها، وتَحَدَّثْ عن المفاسدِ والمصائبِ والخسائر، التي","vol":"1","page":389},{"text":"تَنتجُ عن تَعَدُّدِ العشيقات! ولا مُقارنةَ بين عظمةِ القرآنِ عندما حَدَّدَ العَدَدَ\nالأَقصى بأَربعِ زوجاتٍ عفيفات، وبينَ الإِباحيةِ الغربيةِ التي لا تَجعلُ قَيْدًا على\nعَدَدِ العشيقاتِ الزانيات!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>هل الطلاق خطأ</span>\nخَطَّاَ الفادي القرآنَ في إِباحتِه الطَّلاق.\nقال: \" جاءَ في سورة البقرة: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) .\nأَباحَ القرآنُ للرجلِ بإِرادتِه المنفردةِ، بدونِ رجوعٍ لأَحَدٍ في ما يُريد، أَنْ يَهدِمَ أُسرتَه، ويُقَوِّضَ أَركانها، ويُشَتِّتَها، فيوقعُ يَمينَ الطلاقِ على زوجتِهِ، ومن المبكياتِ أَنْ نَرى الرجل المسلمَ إِذا تشاجَرَ خارجَ البيتِ وحَلَفَ اليَمينَ ثلاثًا يَطرُدُ زوجَتَهُ الآمنةَ من بيتِها، لا لسببٍ إلّا لأَنه حَلَفَ في مشاجرةٍ لا ناقةَ للمرأةِ فيها ولا جَمَل! ثم يَقولونَ: \" إِنَّ أَبغضَ الحلالِ عندَ اللهِ الطلاق \"! فكيفَ يُحَلّلُ اللهُ شَيْئًا يَكرهُه؟\nأَليسَ الأَصَحُّ أَنَّ ما يَكرهُه يُحرمُه؟ \".\nيمنعُ النصارى الطلاقَ، ولا يوقعونَه إِلّا في حالاتٍ خاصةٍ نادرةٍ جدًّا،\nتُضبطُ فيها الزوجةُ متلبِّسَةً بالزّنى، وإِذا لم يكنْ تَفاهُمٌ بين الزَّوْجَين عندهم،\nفإِنَّ كُلًّا منهما يَذهبُ في حالِ سَبيلِه، يَبحثُ الرجلُ عن عشيقاتِه يَزْني بهنّ،\nوتَبحثُ هي عن عُشّاقِها يَزْنونَ بها! ومعَ ذلك يَبْقى الزوجانِ أَمامَ الناسِ\nزوجَيْن، يَربطهُما رباطُ الزواجِ المقَدَّس! لأَنَّ المهمَّ عِندهم هو المحافظَةُ على\nالمظاهرِ الاجتماعية!!.\nولذلك يُحاربون الإِسلامَ الذي أَباحَ الطَّلاقَ، ويُخَطِّئونَ القرآنَ الذي\nضَبَطَه ونَظَّمَه، ويَعتبرونَ الطلاقَ عدوانًا على المرأةِ وظُلْمًا لها.","vol":"1","page":390},{"text":"وإِنَّ اللهَ حَكيم، وهو يَعلمُ أَنَّ بعضَ الأَزواجِ قد لا يكونُ بينهم أُلْفَةٌ\nوائتلاف، وقد لا يَكتشفونَ هذا إِلّا بعدَ الزواج، وقد تقعُ الخلافاتُ بين\nالزوجَيْن، ولا تنفعُ معها كُلُّ محاولاتِ الإِصلاح! فما هو الحَلُّ؟\nهل الحَلُّ أَنْ يَذهبَ كُلٌّ منهما إِلى حالِ سبيله يَبحثُ عن قضاءِ شهوتِهِ عن طريقِ فاحشةِ الزنى؟\nوهل الحلُّ أَنْ يتحوَّلَ بيتُ الزوجيةِ إِلى سجنٍ لهما، يَقضيانِ فيه عقوبةَ\nالسجنِ المؤبَّدِ إِلى أَنْ يَموتَ أَحَدُهما فيَستريحَ الآخَر؟.\nالحَلُّ الصحيحُ هو أَنْ يَفْتَرقا بإِحسان، كما اجْتَمَعا بإِحسان، أَيْ أَنْ\nيُطلِّقَ الرجلُ امرأَتَه، وسوفَ يُعَوّضُه اللهُ خَيرًا منها يَتفقُ معها، ويُعوضُها اللهُ\nخيرًا منه تتفقُ معه.\nوقد ذَكَرَ الفادي جملةً شائعةً تتردَّدُ على أَلسنةِ الناس، لكنها جملة\nخاطئة، وهي: \" إِنَّ أَبغضَ الحَلالِ إِلى اللهِ الطلاق! \".\nوهي خاطئة لأَنَّ اللهَ لا يُحَلِّلُ شيئًا ثم يُبغضُه ويَكرهُه، وإِذا كانَ يَكرهُه فلماذا أَباحَه؟!.\nاللهُ أَباحَ الطَّلاقَ، وجَعَلَه حَلًّا لمشكلاتٍ بينَ الزوجين، لا تُحَلُّ إِلّا به،\nوبهذا يكونُ الطلاقُ آخرَ العِلاج، وقد يكونُ آخر العلاج الكَيّ بالنَّار!.\nولا نُنكِرُ أَنَّ كَثيرًا من الرجالِ يَتَعَسَّفونَ في الطَّلاق، ويُسيئونَ استْخدامَه،\nفيُطَلّقونَ لأَتْفَهِ الأَسباب، وبذلكَ يَظْلِمونَ الزوجات، ولكنَّ الخَطَأَ يَبْقى\nمَحْصورًا فيهم، ولا يُلامُ القرآنُ على إباحته إذا أَساءَ الرجالُ استِخْدامَه، والحَلُّ هو أَنْ يُعَلَّمَ وُيرَبّى ويُؤَدَّبَ هؤلاء، بَدَلَ أَنْ يُتَّهَمَ الإِسلامُ بسببِ الطلاق!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>حول جلد الزاني والزانية</span>\nاعترضَ الفادي على حَدّ الزِّنى المذكور في القرآن.\nقال: \" جاءَ في سورةِ النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .","vol":"1","page":391},{"text":"ونحنُ نسأَل: هل إِيقاعُ هذه العقوبةِ البدنيةِ عَلَنًا يُصْلِحُ المخطئَ ويُطَهِّرُ قَلْبَه \".\nثم أَوردَ قصةَ المسيح - ﷺ - عندما رُفِعَتْ له قضيةُ امرأةٍ زانية، فطلَبَ منه اليهودُ أَنْ يرجُمَها بالحجارة، لأَنَّ عقوبةَ الزنى في شريعةِ موسى - ﷺ - هي الرجم، فقالَ لهم عيسى: مَنْ كانَ منكم بلا خطيئة فلْيَرْمِها بحَجَر..\nفانْسَحَبوا من حولِها، فعَفا المسيحُ عنها، ونَصَحَها أَنْ تتوقَّفَ عن الزِّنى.\nأَيْ أَنَّ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ الزاني والزانيةُ بأَيةِ عقوبة، سواء كانت\nالعقوبةُ رَجْمًا أَو جَلْدًا أَوْ غيرَ ذلك!.\nأَليسست العقوبةُ للردع والتأديبِ والتربية \"؟ (١) .\nالفادي يَنفي ذلك، ويَكْتَفي بالنصحِ والوعظِ والتذكير، بأَنْ يُقالَ للزاني: لا تَزْنِ، ويُقالَ للزانية: لا تَزْني!\nوكأَنَّ هذا كافٍ للقَضاءِ على انتشارِ الزِّنى في المجتمعات!.\nاللهُ الحكيمُ شرعَ عقوبةَ الزنى، ليرتدعَ الزناة، لا سِيَّما إِذا تَمَّ إِيقاعُ\nالعقوبةِ على مشهدٍ من الناس! بحيثُ يُجْلَدُ كُلٌّ من الزاني والزانيةِ مئةَ جلدة:\n(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوقد رَدَّت الآيةُ على اعتراضاتِ الفادي وأَمثالِه، الذين قد يَتَّهِمونَ\nالعقوبةَ بالشدَّةِ والعنف، ويَدَّعونَ الرحمةَ والرأفة.\nفقالت: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) .\nأَيْ: لا تَدَّعوا الرأفةَ بالزاني والزانية، فحمايةُ المجتمعِ من\nفاحشةِ الزنى وآثارها المدمرةِ أَوْلى من الرأفةِ بالذين يَرتكبونها، وعليكم أَنْ\nتُطَبِّقوا عليهم حكْمَ الله، لأَنَّ الحكمةَ والمصلحةَ مرتبطةٌ بحكم الله.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>حول إباحة التسري</span>\nاعترضَ الفادي على إِباحةِ التَّسَرّي في القرآن.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٨- حد الزنا\nالرد على الشبهة:\nإن جريمة الزنا لهى من أقذر الجرائم حتى أنكرها كل دين، بل وأنكرها العقلاء والراشدون من الناس، كما أنكرها أصحاب المدنية الغربية جهرًا وإن قبلوها سرًا وذلك لما فيها من عدوان على حقوق الأزواج ومن اختلاط للأنساب وحل لروابط الأسرة وقتل لما فى قلوب الآباء من عطف وحنان على الأبناء، ورعاية وبذلٍ سخى لهم بما يبلغ حد التضحية بالراحة والنفس، الأمر الذى لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء وذلك لا يكون إلا إذا وقع فى قلوب الآباء وقوعًا محققًا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم.\nثم لعلك لا تعجب لما تقرأ من الأخبار الواردة إلينا من أمريكا وأوروبا عن آباء قتلوا أولادهم بأيديهم وأتوا على الأسرة كلها فى لحظة واحدة دون أن ينبض فيهم شعور بالتردد قبل الجريمة أو الندم بعدها، وذلك شفاء لما فى نفوسهم من شكوك فى صحة نسب هؤلاء الأبناء إليهم حتى لقد تحولت هذه الشكوك إلى عواطف من الجنون الذى أفقد هؤلاء الآباء كل شعور إنسانى نحو الأبناء المشكوك فى نسبهم، وهيهات أن يخلو شعور أوروبى من الشك فى نسبة أبنائه إليه مع هذه الإباحية المطلقة للجمع بين النساء والرجال فى أى مكان وأى زمان.\nفإن أراد الإسلام أن يحارب هذه الجريمة برصد هذه العقوبة الرادعة - الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن - كان ذلك عند أعداء الإسلام تهمة شنيعة يرمونه بها ويحاكمونه عليها ليخرجوه من حدود الإنسانية المتحضرة إلى عالم سكان الأدغال ورعاة الإبل والشياه فى الصحارى.\nويقولون: كيف يحكم الإسلام بإهدار آدمية الإنسان حتى يأمر بجلده على مرائى ومسمع من الناس؟ ثم كيف تصل الوحشية فى قسوتها إلى أن يُلقى بالإنسان فى حفرة ثم تتناوله الأيدى رجمًا بالحجارة إلى أن يموت.\nهكذا يقولون (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) (١) .\nولا ننكر أن فى شريعة الإسلام حكم الجلد والرجم يقول الله تعالى: (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (٢) .\nوقال رسول الله ﷺ [لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (٣) .\nوالنظام الإسلامى كل متكامل لا تفهم جزئياته إلا فى نسق واحد.\nفإن الإسلام قد حرّم النظر إلى \" الأجنبيات \" قال رسول الله ﷺ [النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه إيمانًا يجد حلاوته فى قلبه] (٤) .\nوكذلك أمر النساء ألا يظهرن الزينة إلا للأزواج أو الأقارب من الصلب الذين لا يُخشى منهم فتنة.\nقال الله تعالى: (يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) (٥)، وقال:\n(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (٦) .\nوأمر أيضًا ألا يختلى رجل بامرأة لا تحل له قال رسول الله ﷺ [ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما] .\nوحرم أيضًا أن يمس الرجل امرأة لا تحل له فقال رسول الله ﷺ [لئن تضرب بمخيط فى رأسك فتدمى به رأس خير لك من أن تمس امرأة لا تحل لك] .\nوقبل هذا كله فقد استطاع الإسلام أن يربى الضمير فى الرجل والمرأة على حد سواء على ضوء ما جاء فى قصة ماعزو الغامدية.\nوالإسلام كذلك حض الشباب على إخراج هذه الشهوة فى منفذها الشرعى بالزواج.\nفقال رسول الله ﷺ: [يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء] (٧) أى قاطع للشهوة.\nوكذلك رخص للرجل أن يتزوج بامرأة واحدة أو اثنين أو ثلاثة أو أربع مادام يملك النفقة ويستطيع العدل.\nوأمر أولياء الأمور أن لا يغالوا فى مهور بناتهم فقال رسول الله ﷺ [إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير] (٨) .\nوأمر الأغنياء أن يساعدوا الشباب فى نفقات الزواج.\nوقد قام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بتزويج الشباب والفتيات من بيت مال المسلمين.\nهذا كله هو بعض ملامح الإسلام فى تيسير أمر إخراج هذه الشهوة بطريق مشروع، والحقيقة أن مثل هذه الشنيعة لا تحصل فى المجتمع المسلم - الذى تسوده الفضيلة - إلا بعد تدبير عظيم من كلا الطرفين يدل على إجرام كلا الطرفين ولكن مع كل هذا فإن شريعة الإسلام قد وضعت شروط من الصعب جدًا توافرها قبل إيقاع العقوبة.\nفإن لم تتوفر مجتمعة لا يقام الحد على صاحب هذه الفعلة جلدًا كان أو رجمًا وهذه هى الشروط:\n١ - لابد حتى تثبت الجريمة من شهادة أربعة شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا من الرجل والمرأة ما يكون بين الرجل وزوجته من اتصال مباشر، الأمر الذى لا يكاد يراه أحدٌ من البشر.\nوكأن الشريعة لا ترصد هذه العقوبة على هذه الفعلة بوصفها ولكنها ترصدها على شيوع هذه الفعلة على الملأ من الناس بحيث لا يبغى بين الناس من يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.\n٢ - إن الشريعة الإسلامية تقرر درء الحدود بالشبهات بمعنى أن أى شك فى شهادة الشهود يفسر لصالح المتهم فيسقط بذلك الحد.\nقال رسول الله ﷺ [ادرءوا الحدود بالشبهات] (٩) .\n٣ - فرضت الشريعة عقوبة الجلد ثمانين جلدة على من قذف محصنة ثم لم يأت بأربعة يشهدون بأنهم رأوا منها ومن المقذوف بها ما يكون بين الزوج وزوجته قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون) (١٠) .\n٤ - رغبت الشريعة الإسلامية فى التستر على عورات المسلمين وإمساك الألسنة عن الجهر بالفواحش وإن كانت وقعت، قال رسول الله ﷺ\n[لرجل جاء يشهد: هلا سترتهما بثوبك] يقول الله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (١١) .\nأبعد هذا كله يتخرص متخرص ويقول: إن الإسلام يظلم الإنسان ويهدر أدميته حين يأخذ أولئك الذين يأتون الفاحشة على أعين بما يأخذهم به من جلد بالسياط.\nوفضح بين الملأ من الناس.\nأفلا يسأل هؤلاء المتخرصون أنفسهم ماذا يبقى للإنسان من آدميته وكرامته إذا تركت هذه الفاحشة يعالى بها بعض الآدميين من غير استحياء ثم لا يضرب على أيديهم أحد.\nإن إنسانًا توفرت له كل هذه الميسرات وتجرأ على الترتيب لهذه الفعلة الشنيعة.\nثم افتضح حاله حين يراه هذا العدد فى هذا الوضع.\nإن إنسانًا فى مثل هذا الحال لهو إنسان مفسد ضال مضل ولو لم يتم بتره أو تربيته فإن هذا يشكل خطرًا على المجتمع كله.\nوالمتحدثون عن حقوق الإنسان يقولون لا بأس من أن يحبس قترة من الزمن ثم يخرج لكى يمارس عمله ولا يعلمون أن مثل هذا الحبس سوف يمكنه من أن يخالط من هو أجرم منه ليتعلم منه ويعلمه ويخرجان إلى المجتمع بعد أن أصبحا إمامين فى الضلال ليضلا الناس عن طريق رب الناس وهذا هو المشاهد.\nفضلًا عن الذى يترتب على الحد من تكفير لهذا الذنب.\nوإن المتتبع لا يجد هذه العقوبة قد نفذت \" حال تنفيذ العقوبات \" إلا فى أعداد محدودة ولا ضرر فى هذا مادام قد وفر الأمن والاستقرار للمجتمع. اهـ (شبهات المشككين)\n_________\n(١) الكهف: ٥.\n(٢) النور: ٢.\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) رواه الحاكم فى المستدرك.\n(٥) الأحزاب: ٥٩.\n(٦) النور: ٣١.\n(٧) رواه البخارى.\n(٨) رواه ابن ماجه.\n(٩) رواه الترمذى.\n(١٠) النور: ٤.\n(١١) النور: ١٩.","vol":"1","page":392},{"text":"قال: \" جاءَ في سورةِ النساء: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، وجاءَ في سورة الأَحْزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) .\nونحنُ نَسأل: هل هذا لكرامةِ النبيِّ والمسلمين؟\nوهل هذا لكرامةِ الزوجاتِ والبناتِ والأَوْلاد؟\nوهل هذا لتقدُّمِ الأُسرةِ والأُمةِ والمجتمعِ؟! \".\nالتَّسَرّي هو الاستمتاعُ بالجاريةِ الرقيقةِ التي هي \" مِلْكُ اليمين \"!\nويَعْتبرُ الفادي هذا التَّسَرّيَ إِذْلالًا للمرأة، ولا يَتفقُ مع كرامتِها وكرامةِ المجتمعِ الإِسلامي!.\nوالتَّسَرّي بالجواري مرتبطٌ بنظامِ الرِّقِّ، الذي كان نظامًا سائِدًا في العالَمِ\nالقديم، فالإِسلامُ لم يَصْنَعْه، وإِنما وَجَدَهُ نظامًا عالميًّا، فعملَ الإِسلامُ على\nضَبْطِهِ وتنظيمِه وتوجيهِه، كما عَمِل على التَّقليلِ منه وتَجفيفِه، تمهيدًا للتخلُّص منه! ولذلك لا يُلامُ الإِسلامُ لضبطِ وتنظيمِ الرق، إِنما يُمْدَحُ ويُثْنى عليه لهذا الضبطِ والتنظيم!.\nالمصدرُ الوحيدُ المعترفُ به في الإِسلام للاسترقاقِ هو الكفارُ المقاتلون\nللمسلمين من الرجالِ والنساءِ، فإِذا انهزَمَ الكفارُ في الحربِ فقد يَقَعُ بعضُ\nرجالِهم ونسائِهم المقاتلين بأَيْدي المسلمين، فيكونون عَبيدًا وأَرِقّاء، سواءً\nكانوا رجالًا أَو نساء!.\nكيفَ يكونُ وَضْعُ هؤلاءِ العبيدِ بينَ المسلمين؟\nهل يُتْرَكونَ على رُؤوسهم، لينْشُروا المفاسِدَ بين المسلمين؟\nالحلُّ هو أنْ \" يُوَزَّعوا \" على المسلمين، ليكونوا عَبيدًا لهم، تُؤَمَّنُ لهم حاجاتُهم! وبذلك تَكونُ السبايا المقاتِلاتُ الكافراتُ في بيوتِ المسلمين، وتُصبحُ الواحدةُ منهنَّ أَمَةً جارِيَةً في بيتِ سَيِّدِها، يتكفَّلُ سَيِّدُها بكلِّ حاجاتها.\nومن ذلك حاجتُها الجنسية، حيثُ يَتَسَرَّى بِها ويُعاشرها وتكونُ \" مِلْكَ يَمينِه \"، فإِنْ أَنجبَتْ منه وَجَبَ عليه أَنْ","vol":"1","page":393},{"text":"يُعتِقَها ويُحَرِّرَها، لأَنَّها أُمُّ وَلَدِه! هل هذا إِذلال لها وإِفسادٌ للمجتمع؟\nكما يقول الفادي المفتري!.\nما هو الحَلُّ عند الفادي وأَمثالِه، الذينَ يُحاربونَ التَّسَري والاستمتاعَ\nبالجاريةِ مِلْكِ اليَمين؟\nنساءٌ كافراتٌ مُقاتِلات انهزمْنَ في المعركةِ وأُلقيَ القبضُ\nعليهنّ؟\nوبعدَ كُلّ معركة تُؤْخَذُ عَشَراتٌ من النساءِ بهذهِ الطريقة، بحيثُ يَصِلُ\nعَدَدُهن إِلى أُلوف!.\nماذا يُفْعَلُ بِهِن؟\nهل يُتْرَكْنَ في مُدُنِ المسلمين، يَتَجَوَّلْنَ ويَعِشْنَ حياتَهُن\nكما يُرِدْن؟\nومَن المسؤولُ عنهنّ؟\nومَن المتكفّلُ بهنّ؟\nومَنِ الذي يُراقبهُن؟\nأَلا يتحَوَّلْنَ إِلى مُخَرِّباتٍ فاسِداتٍ مُفْسِدات؟\nأَلا يُتَاجِرْنَ بأَعراضِهنَّ لإِغواءِ أَبناءِ المسلمين؟\nألا يَنْشُرْنَ الفاحشةَ والرذيلةَ بين المسلمين؟\nومَنْ هو المسلمُ العاقلُ الذي يرضى بهذا؟.\nلقد ضَبَطَ الإِسلامُ حياتَهُن، بأَنْ أَعطى كُل واحدةٍ لرجلٍ مسلم، فصارَ\nمَسؤولًا عنها، ومتكَفِّلًا بحاجاتِها، ومنها الحاجة الجنسية، ودَعاهُ إِلى عِتْقِ ما\nفي مُلْكِ يَمينهِ من هؤلاء النساء بمختلفِ الأَسبابِ والصور!\nهذا هو الحَل الصَّوابُ والتصرفُ السليم، وهو الذي شَرَعَهُ اللهُ العليمُ الحكيم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>الحجاب الحافظ للمرأة</span>\nاعترضَ الفادي على القرآنِ في دعوتِه المسلماتِ إِلى الحجابِ ليحفَظْنَ\nأَنفسهُنَّ من الخطر.\nقال: \" جاءَ في سورةِ النور: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .\nوجاءَ في سورةِ الأحزِاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ..)","vol":"1","page":394},{"text":"ونحنُ نَسألُ: هل يمنعُ حجابُ المرأةِ عينَ الرجلِ الشِّرّيرِ مِنْ أَنْ تَشْتَهي؟\nإِنَّ عينَ الشِّرّيرِ تَرى بعينِ الخَيال!.\nولقد تَحَدَّثَ الإِنجيلُ عن الولادةِ الجديدةِ وتَغييرِ القلبِ بعمَلِ الروحِ\nالقُدُسِ، الذي نَتيجتُه: أَنْ تَخْلَعوا من جهةِ التصرفِ السابقِ الإِنسانَ العَتيقَ\nالفاسدَ بحسَبِ شَهَواتِ الغُرور، وتَتَجَدَّدوا بروحِ ذِهْنكم، وتَلْبَسوا الإِنسانَ\nالجديد، المخلوقَ بحسبِ الله، في البِرِّ وقَداسَةِ الحَقّ \" (١) .\nالحجابُ مُحافَظَةٌ على المرأةِ المسلمة، وتكريمٌ لها، وبه تَسْتُرُ المرأةُ\nعورَتَها، ولا تَفْتنُ بها الآخَرين.\nولكنَّ الفادي يُنكرُ على القرآنِ دعوتَه المرأةَ المسلمة إِلى التَّحَجُّبِ والتَّعَفُّفِ والتَّسَتُّر والتَّطَهُّرِ، ويَرى أَنه لا داعيَ ولا حاجةَ له!\nلماذا؟ لأَنَّ هذا الحجابَ لا يَمنَعُ عينَ الرجلِ الشِّرِّيرِ من أَنْ تَشتهيَ\nالمرأةَ المتحجِّبَة، لأَنَّ عينَ الشّرّيرِ تَرى بعينِ الخيال!\nأَيْ أَنَّ الرجلَ الشّريرَ يَنظرُ للمرأةِ المحجَّبَة، ويَشْتَهيها، ويتخيَّلُها بخَيالِه عارية!!.\nالحَلُّ عندَ الفادي أَنْ لا تَتَحَجَّبَ المرأةُ، وأَنْ لا تَسْتُرَ فتنَتَها وزينَتَها عن\nالرجلِ الشرير، وإِنما الحَلُّ في تربيةِ الرجُل، وإِزالةِ الشَّرّ من قَلْبِه، وإِماتةِ\nالشَّهَوأتِ من نفسِه، وملءِ قلْبِه بالبِرِّ والحَقّ، ولذلك نَقَلَ نَصًّا من الإِنجيلِ يَدْعو فيه إِلى ميلادٍ جديدٍ للإِنسان، وتغييرِ قَلْبه وكيانِه ليتحوَّلَ من الشهواتِ إلى الحَقِّ!.\nوالإسلامُ الذي يَدْعو المرأةَ المسلمةَ إِلى السِّتْرِ والتَّحَجُّبِ، يَعلمُ أَهميةَ\nالحجابِ في المحافظةِ على المرأة، وفي نَشْرِ العفافِ والفضيلةِ في المجتمع.\nوهو في نفسِ الوقتِ الذي يَدْعوها للحجابِ يَلتفتُ إِلى الرجُل، ويَدْعوهُ إلى\nالتعفّفِ والتطهُّر، وعدمِ الاستعبادِ للشهوات، وعدمِ ارتكابِ المحَرَّمات.\nولذلك أَمَرَ الرجالَ بغَضِّ البصرِ وحفظِ الفرْج قبلَ أَمْرِ النساءِ بذلك.\nقال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٣٥- قضية الحِجاب\nالرد على الشبهة:\nالسياق القرآنى لآية الخمار يبين أن العلة هى العفاف وحفظ الفروج، حيث يبدأ بالحديث عن تميز الطيبين والطيبات عن الخبيثين والخبيثات..\nوعن آداب دخول بيوت الآخرين، المأهول منها وغير المأهول..\nوعن غض البصر..\nوحفظ الفروج، لمطلق المؤمنين والمؤمنات..\nوعن فريضة الاختمار، حتى لا تبدو زينة المرأة - مطلق المرأة - إلا لمحارم حددتهم الآية تفصيلًا.\nفالحديث عن الاختمار حتى فى البيوت، إذا حضر غير المحارم..\nثم يواصل السياق القرآنى الحديث عن الإحصان بالنكاح (الزواج) وبالاستعفاف للذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله:\n(الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) .\nفنحن أمام نظام إسلامى، وتشريع إلهى مفصل، فى العفة وعلاقتها بستر العورات عن غير المحارم.\nوهو تشريع عام، فى كل مكان توجد فيه المرأة مع غير محرم.\nبل إن ذات السورة - (النور) تستأنف التشريع لستر العورات داخل البيوت - نصًا وتحديدًا - فتقول آياتها الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) .\nفنحن أمام تشريع لستر العورات، حتى داخل البيوت، عن غير المحارم - الذين حددتهم الآيات - ومنهم الصبيان إذا بلغوا الحلم..\nفحيث أمر الله بالعفاف وحرم الزنا وأقر الزواج وأباح إمكانية التعدد فكان لابد لكمال التشريع من الأمر بدرء ما يوصل إلى عكس ذلك كله فأمر بالحجاب وبغض البصر وبعدم الخلوة وهو أَمْرٌ له سبحانه فى كل دين. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":395},{"text":"وإِذا نَظَرَ الرجلُ إِلى المرأةِ نظرةً خِلْسَةً فعينُه خائِنَة، واللهُ يَعْلَمُ خِيانَتَها.\nقال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) .\nإِنَّ التربيةَ القرآنيةَ متكاملةٌ متناسِقَة، فالقرآنُ يُرَبّي كُلًّا من الرجلِ والمرأَة،\nويأَخُذُ بأَيْديهما، ويَرْتَقي بهما إِلى عالمِ التَّسامي والفضائلِ والكمالات.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>هل شعائر الحج من الوثنية</span>؟\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَ بعضَ شعائِرِ الحَجِّ أُخِذَتْ من الوثنية، مثلُ\nالسَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَة.\nقالَ: \" جاءَ في سورةِ البقرة: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)\nقالَ البيضاوي: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ): هما عَلَما جَبَلَيْنِ بمكَّة.\n(مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ): من أَعلامِ مناسِكِه، جمعُ شعيرة، وهي العَلامة.\n(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ):\nالحَجُّ لغةً: القصد، والاعتمارُ: الزيارة، فَغَلَبا شَرْعًا على قَصدِ البيتِ الحرام\nوزيارَتِه، عَلى الوجهين المخصوصَيْن.\n(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا):\nكانَ إِسافُ على الصفا، ونائلة على المروة، وكانَ أَهْلُ الجاهلية إِذا سَعَوا\nمَسَحوهُما، فلما جاءَ الإِسلامُ وكُسِرَت الأَصنامُ، تَحَرَّجَ المسلمونَ أَنْ يَطَّوَّفوا بينَهما لذلك، فنزلَتْ، والإِجماعُ على أَنَّه مَشروعٌ في الحَجِّ والعمرة!.\n\" ونحنُ نسأَل: كيفَ يَجعلُ القرآنُ الشعائِرَ الوثنيةَ شعائِرَ الله؟\nوهل كان الوَثَنِيُّون مُلْهَمين فيها من الله؟ \".\nإِنَّ تساؤُلَ الفادي خَبيث، وهو يَهدفُ إِلى التشكيكِ في أَحكامِ القرآن،\nوالاعتراضِ عليها، ونفيِ أَنْ تَكونَ من عندِ الله.","vol":"1","page":396},{"text":"كانَ العربُ في الجاهليةِ يَحُجّونَ على طريقتِهم، ويَطوفونَ بالبيت،\nويَسعونَ بينَ الصَّفا والمروة، ويَقِفونَ بعَرَفات، ويُقيمونَ في مِنى.\nولما جاءَ الإِسلامُ أَمَرَ المسلمينَ بالحَجِّ، واعتَبَرَهُ رُكْنًا من أَركانِ الإِسلام.\nومن أَركانِ الحَجِّ السعيُ بينَ الصَّفا والمروة، بنَصّ الآيةِ المذكورة،\nوبفعْلِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nصَحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين الوثنيِّين كانوا يَسعونَ بينَ\nالصَّفا والمروة، لكنَّ القرآنَ لم يَأَخُذ تشريعَه عنهم، كما يَزعمُ الفادي\nالمفتري، فليس في مناسِكِ الحَجِّ شيءٌ من شعائِرِ الجاهلية.\nإِنَّ الحَجَّ مرتبطٌ بإبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم -، فهما اللَّذان بَنَيا البيتَ الحرام، أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ في الأَرضِ لعبادةِ الله، ولما فَرَغا من بنائِه أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ - ﵇ - أَنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحَجّ، فَفَعَل، وحَجَّهُ أَوَّلُ فوجٍ من الحُجّاجِ زمنَ إِبراهيمَ - ﷺ -.\nقالَ تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .\nواستمرَّ الناسُ يَحُجّون، منذُ إِبراهيمَ - ﵇ -، يَتَوارَثونَ الحَج منذُ ذلك التاريخ، لكنَّهم يَرتكبونَ فيه كَثيرًا من مظاهرِ الشركِ والمخالفات.\nفلما جاءَ الإِسلامُ طَهَّرَ الحَجَّ من ممارساتِ الجاهليِّين الباطلة، وأَعادَ له صِلَتَهُ الإِيمانية بإبراهيمَ - ﷺ -، وأَعطاهُ طابَعَهُ الإِيمانيّ، وجَعَلَه عبادةً خالصةً لله - ﷿ -.\nوبذلك صارَتْ شعائرُ الحَجِّ إِسلاميةً ربانية، وليستْ وثنيةً جاهلية!.\nومما يُؤَكِّدُ هذا المعنى الحوارُ الذي دار بين عروةَ بنِ الزبير وخالتِه\nعائشة - ﵂ -.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن عروةَ بنِ الزبير: أَنه قالَ لعائشةَ - ﵂ -: قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .\nفما أرى على أحد شيئًا أن لا يطوف بهما!\nفقالَتْ عائشة: لو كانَتْ كما تَقولُ لكانَتْ: \" فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما \".","vol":"1","page":397},{"text":"إِنما أُنزلَتْ هذه الآية ُ في الأَنْصار، كانوا يُهلّونَ لمناة، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْد، وكانوا يتحرَّجون أَنْ يَطَّوفوا بينَ الصفا والمروة، فلما جاءَ الإِسلامُ سأَلوا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلك، فأَنزلَ اللهُ الآية ...\nتُصَحِّحُ عائشةُ - ﵂ - لابن أُخْتِها عروةَ بنِ الزبيرِ معنى الآية، فقد فَهِمَ عُروةُ من الآيةِ أَنها تُبيحُ للحاجِّ أَو المعتمرِ عَدَمَ الطَّوافِ بهما، فبيَّنَتْ له أَنَّ الآيةَ توجِبُ عليه الطوافَ بهما، وأَنه لو كانَ مَعْناها كما فَهِمَ عروةُ لقالَتْ: \" فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما \".\nثم ذَكرتْ عائشةُ - ﵂ - مُناسبةَ نُزولِ الآية، وأَشارَتْ إِلى بعضِ ممارساتِ العربِ الجاهليّين في الحج، فكانَ العربُ من أَهْلِ المدينة لا يَطوفونَ بينَ الصّفا والمروة، فلما أَسْلَموا ورأَوا المسلمينَ من المهاجِرين يَفْعلونَ ذلك\nسأَلوا الرسولَ - ﷺ -، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ يَأَمرُ المسلمين أَنْ يَسْعَوْا بينَ الصَّفا والمروة، ويُزيلُ التحرجَ الذي كانَ عليه أَهْلُ المدينةِ قبلَ الإسلام: (فَلَا جُنَاحَ عَليهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .\nوبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي المفترِي عنْدَما جعلَ السعيَ بين الصَّفا\nوالمروةِ شعيرةً وثنيةً جاهلية! فهو تَشريعٌ قرآني، وأَمْرٌ ربّاني، وعبادةٌ\nخالصةٌ لله!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>حول إباحة التجارة في موسم الحج</span>\nاعترضَ الفادي على وُرودِ آيةٍ قرآنيةٍ تُبيحُ التجارةَ في موسمِ الحَجِّ؟\nلأَنَّ الأَمْرَ سَهْلٌ لا يَستدعي نَصَّ القرآنِ عليه!.\nقال: \" جاءَ في سورةِ البقرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .\nكانَ العربُ في الجاهليةِ يَتَّجرونَ في أَسواق عُكاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجاز، وكانَ لهم مواسم، فكانوا يُقيمونَ بعُكاظَ عِشْرِين","vol":"1","page":398},{"text":"يوما من ذي القعدة، ثم يَنْتَقلون إِلى مَجَنَّة، وهي عند عَرَفَة، فيُقيمونَ بها ثمانيةَ عَشَرَ يومًا، عشرةُ أَيامٍ من آخِرِ ذي القعدة، وثمانيةُ أَيام من أَولِ ذي الحجة، ثم يَخْرُجون إِلى عَرَفَة.\nفلما كانَ الإِسلام، فكأَنهم تَأَثَّموا أَنْ يَتَّجروا في الموسمِ، فأَجازَ لهم\nمحمدٌ ذلك.\nوعن أَبي ماجه [الصحيح: أَبي أُميمَة]، التيمي قال: كُنتُ رَجُلًا أُكْرى في\nهذا الوَجْه، وكانَ الناسُ يقولونَ لي: إِنَّه ليسَ لَكَ حَجّ، فلقيتُ ابْنَ عُمَرَ\nوسأَلْتُه عن ذلك، قال: إِنَّ لك حَجًّا.\nوجاءَ رجلٌ إِلى محمد، فسأَلَه عن ذلك، فلم يُجِبْهُ، وأخيرًا قال بالجَوَازِ ...\nونحنُ نَسأل: هل كَانَ في الأَمْرِ شيءٌ جَديدٌ يَحتاجُ إِلى وَحْي؟\nأَليسَ إباحَةُ محمدٍ للتجارة في موسمِ الحَجّ شيئًا عاديًّا يتَنَاسَبُ مع مَصالحِ العَرَبِ الدنيويَّة؟ \".\nالروايةُ الصحيحةُ في نزول الآيةِ ليستْ هكذا، فالفادي يأخُذُ الروايةَ من\nمصادرَ غيرِ موثوقة، علاوةً على تصرُّفهِ في كلماتِ النَّصّر الذي أَمامَه.\nروى البخاريُّ عن ابنِ عباس - ﵄ - قال: كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المجاز أَسْواقًا في الجاهلية، فتَأَثَّموا أَنْ يَتَّجِروا في المواسِم، فنزلَت الآيَة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ): في مواسِمِ الحج.\nوالروايةُ في السببِ المباشرِ لنزول الآيةِ أَخرجَها أَبو داود وأَحمدُ عن\nأَبي أُمامَةَ التيمي قال: قُلْتُ لابنِ عُمَر: إِنّا قَوْمٌ نُكْرى، فهل لنا حَجّ؟\nقال: أَليسَ تَطوفونَ بالبيت، وتَأَتونَ المعَرَّفَ، وتَرمونَ الجِمار، وتَحْلِقونَ رُؤوسَكم؟\nقُلْنا: بَلى..\nقال: جاءَ رَجُلٌ إِلى النبيّ - ﷺ - فسأَلَه عن الذي سأَلْتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يَقول له، حتى نَزَل جبريلُ مم - ﵇ - عليه بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .\nفقالَ النَّبِي - ﷺ -: أَنتم حجاج.","vol":"1","page":399},{"text":"واعتراضُ الفادي على الآيةِ دَليلُ جَهْلِه، فقد ظَنَّ لجَهْلِهِ أَنَّ لأَمْرَ لا\nيَسْتَدعي نُزولَ الآيةِ بإِباحةِ التجارةِ في موسمِ الحج؟\nلأَنَّ العَرَبَ في الجاهليةِ كانوا يُتاجرون، والأَصْلُ بَقاءُ الأَمْرِ على ما كانَ عليه، فما الدّاعي لإِنزالِ آيةٍ تُبيحُ شَيْئًا هو مُباح؟!.\nلقد كانَ العربُ في الجاهليةِ يُتاجِرونَ في موسمِ الحَجّ، فلما أَسْلَموا\nتَحَرَّجوا من ذلك، وتَأَثَّموا منه، ولذلك توقَّفوا عَنْه، لأَنهم ظَنُّوه غيرَ جائِز،\nولا يَتفقُ مع التَّجردِ للهِ أَثناءَ أَداءِ المناسك.\nوجاءَ أَحَدُهم إِلى النبى - ﷺ - يسأَلُه عن جواز ذلك، فتوقَّفَ النبيُّ - ﵇ - عن الجواب، لأَنَّه ليس عندَه فيه شيءٌ جَديد، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ جوابًا على السؤال، مُبيحًا التجارةَ في الحج.\nوهذا التحرُّجُ والتوقُّفُ من الصحابةِ بانتظارِ معرفةِ الحكْمِ الشرعيِّ شهادةٌ\nلصالحهم، لأَنه يدلّ على التزامِهم بحكْمِ الله، وعدمِ مخالفَتِه، بحيثُ يتوقَّفون\nعَمَّا كانوا يَعملونَه، بانتظارِ حُكم الله فيه.\nفلما أَنزلَ اللهُ الآيةَ وأَباحَ فيها التجارةَ في موسمِ الحج، أَزالَ تَحَرجَهم\nوتَأَثّمَهم، وأَعْطى تَصرُّفَهم السابقَ بُعْدًا إِسلاميًّا.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>من الدي حدد وقت الحج</span>؟\nذَهَبَ الفادي المفترِي إِلى أَنَّ الرسولَ - ﷺ - هو الذي حَدَّدَ وَقْتَ الحَجّ، وأَنه في شهرِ ذي الحِجَّة!\nقالَ في افترائه: \" كانَ بعضُ أَهْلِ الجاهليةِ يَقفُ بعَرَفَة، وبعضهم بمزدَلِفة، وكان يَحُجُّ بعضهم في ذي القعدة، وبعضهم في ذي الحِجّة!\nوكلٌّ يَقول: الصوابُ فيما فَعَلْتُه!\nفقال محمد: لا شكَّ أَنَّ الحَجَّ في ذي الحِجّة \".","vol":"1","page":400},{"text":"ولا يَعْنينا اختلافُ القبائلِ العربيةِ الجاهليةِ في وَقْتِ الحَجِّ ومكانِه، فقد\nكانوا في الجاهلية يَخْتَلفون في كُلِّ شيء.\nإنما يَعنينا تقريرُ حقيقةٍ إسلاميةٍ تشريعية، وهي أَنَّ اللهَ هو صاحبُ الحكْمِ\nوالتشريع! فالأَوامرُ والتَّشريعاتُ من عند الله، أَمَرَ بها النبي - ﷺ -، ولم يَشْرَعْها ويَبْتَدِعْها رسولُ اللهِ - ﷺ.\nإِنَّ اللهَ هو الذي حَدَّدَ مكانَ الحَجِّ وزَمانَه وأفعالَه..\nوكان الفادي كاذِبًا مفتريًا عندما زَعَمَ أَنَّ الرسولَ - ﷺ - هو الذي فَعَلَ ذلك! قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .\nواللهُ هو الذي شَرَعَ الحَجَّ منذُ أَيامِ إِبراهيمَ - ﵇ -.\nقال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .\nوكم كانَ الفادي مُفْتَريًا ومُجْرِمًا عندما قال: \" ونحنُ نَسْأَلُ: أَليسَ هذا\nْالقولُ هو من الأَدِلَّةِ على أَنَّ ديانَتَه هي من مُشْركي العرب؟ \".\nوهذا الذي يُريدُ المجرمُ أَنْ يَصلَ إِليه، فهو يَرى أَنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - ليس رسولَ الله، وأَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وأنَّ الإِسلامَ ليس دينَ الله، وإِنما أَخَذَهُ محمدٌ - ﷺ - من المشركين الذينَ حولَه!.\nوقد كانَ القرآنُ واضحًا صَريحًا في تَقْريرِ حقيقةِ أَنَّ الإِسلامَ هو الدينُ\nالذي ارْتَضاهُ اللهُ لنا، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .\nواعترضَ الفادي على الأَمْرِ بالتزوُّدِ للحَجِّ، فقال: \" إِنَ باقي الآيةِ يَقول:\n(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .\nوسببُ هذا أَنَّ أُناسًا من أَهْلِ اليمن كانوا يَخْرُجون للحَح من غيرِ زادِ، ويقولون: نحن متوكِّلون.","vol":"1","page":401},{"text":"ويقولون: نحنُ نحجُّ بيتَ رَبّنا أفلا يُطْعِمُنا؟!\nفإذا قَدِموا مكةَ تَسَوَّلوا طَعامَهم، وربما أَفْضى بهم\nالحال إِلى السَّلْبِ والنَهْب، فقال لهم محمد: \" فتزودوا \"..\nوهو أَمْرٌ بَدَهي، ليس فيه شيءٌ فوق مستوى العقل، حتى يَحتاجَ إِلى وَحْي..\n\".\nإِنَه يَرى أَنَّ التزوُّدَ بالزادِ للحَجِّ أَمْرٌ بَدَهِيٌّ عاديّ، يَفعلُه كُلُّ إِنسانٍ يُريدُ\nالسَّفَر، ولا يَحتاجُ إِلى تَدَخُّلِ الوَحْي.\nوهو يُخطئُ في النظرِ إِلى الوَحْي، عندما يَظُن أَنَ الوحْيَ لا يتدَخَّلُ إِلّا\nفي الأُمورِ الصعبة، التي هي فوقَ مستوى العقل!.\nلقد عَرَفْنا من تَنَزُّل القرآن وأَسبابِ نزول بَعْضِ آياتِه، أَنَّ كَثيرًا من آياتِ\nالقرآنِ كانت تنزل ابتداءً، بدونِ حادثةٍ أَو سَبَب، ولا تَتحدَّثُ عن أُمورٍ فوقَ مستوى العَقْل، إِنما تتحدَّثُ عن أُمورٍ عادِيةٍ حياتيةٍ خَبَرِيةٍ عملية..\nوما نَزَل من الآياتِ على أَسبابٍ خاصة لم تكن تلكَ الأَسبابُ أو الحوادثُ فوقَ مستوى العَقْل، وإِنما كانت أَسْبابًا مألوفةً عاديةً في حياةِ المسلمين.\nثم إِنَّ قولَه تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) نَزَل لِيُصَوِّبَ ويُصحِّحَ\nنظرةَ بعضِ المسلمين في التوكلِ على الله، فقد كانَ بعضُ أَهْلِ اليمنِ يأتونَ للحج، وليس معهم شيءٌ من الزاد، ويقولون: نحنُ متوكّلونَ على الله، ونحنُ ضُيوفُ الله وحُجّاجُ بيتِه، ومن غير المعقول أَنْ يَتَخَلّى اللهُ عَنا وأَنْ لا يَرْزُقَنا!.\nفكانَ إنزال هذه الجملة من الآيةِ لِتصحيحِ هذه النظرة، وإِبطال ما فيها\nمن خَطَأ، وهَدَفت الآية ُ إلى أَنَّ التوكُّلَ على اللهِ لا يَعني عدمَ الأَخْذِ\nبالأَسْباب، بل إِنه يوجِبُ على المتوكلِ الأَخْذَ بالأَسباب.\nفقُدومُ الحُجّاجِ إِلى الحَج متوكّلينَ على اللهِ يوجِبُ عليهم التزوُّدَ بالزادِ\nالمادي والزادِ المعنويّ الذي هو التقوى!.\nومن حِقْدِ الفادي وكُرْهِه وبُغْضه لرسول اللهِ - ﷺ -، وحربِه للقرآنِ","vol":"1","page":402},{"text":"والإسلام، أَنه كانَ حَريصًا على عدمِ الإخبارِ بأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، والتأكيدِ على أَنه كلامُ محمدٍ - ﷺ -، ويَبدُو هذا في قولِه: فقال لهم محمد: (وَتَزَوَّدُوا) فهذه الكلمةُ في الآية، لكنَّ المفترِي جَعَلَها من كلامِ رسولِ الله - ﷺ.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>هل الإفاضة من أعمال الجاهلية</span>؟\nاعتبرَ الفادي قولَ اللهِ - ﷿ -: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، دَليلًا على أَنَّ أَعْمالَ الحَجّ التي يُؤَدّيها المسلمون من أَعمالِ\nالوثنيّين الجاهليّين، وليسَ تَشريعًا من الله رَبّ العالمين!.\nالأَمْرُ في الآيةِ لقريش، يَأمُرُهم فيه بالتَّخَلّي عن عادتِهم التي كانوا عليها\nفي الجاهلية، فقد كانَ القرشيّون في الجاهليةِ يُسَمّون أَنْفُسَهم \" الحُمْس \"،\nلأَنَّهم سَدَنَةُ بيتِ اللهِ الحرام، وكانوا لا يَقِفون مع النّاسِ في عَرَفات، ويتميَّزونَ عنهم بالوقوفِ في المزدلفة، ويَعتبرونَ الوقوفَ مع عامةِ الناسِ لا يَتفقُ مع منزلتِهم الدينية.\nفلما أَوجبَ اللهُ على المسلمين الحَجَّ دَعا أَهْلَ قريشٍ المسلمين إِلى عَدَمِ\nالتميزِ عن باقي الحجاج، وأَوجبَ عليهم الوقوفَ بعَرَفَة معهم، والإفاضةَ من\nعرفاتٍ إِلى مزدلفةَ ليلةَ العيدِ معهم، والسيرَ معهم، وعَدَمَ التميز عنهم.\nقالَ الفادي: \"..\nقالَ أَهلُ التفسير: كانت قريشٌ ومن دانَ بدِينِها - وهم الحُمْسُ - يَقِفون بالمزدلفة، ويَقولون: نَحْنُ أَهْلُ الله..\nوكانوا يَتعاظمون أَنْ يَقفوا معَ سائرِ الناسِ بعرفات، فإِذا أَفاضَ الناسُ من عرفاتٍ أفاضَ الحُمْسُ من المزدلفة، فلما جاءَ محمدٌ أَمَرَهم أَنْ يَقِفوا مع سائِر الناس، ثم يُفيضوا منها إِلى جمع \".\nوخَرَجَ من ذلك بالنتيجةِ الشيطانيةِ الخبيثة، التي اعتبرَ بها الإِسلامَ","vol":"1","page":403},{"text":"مأخوذًا من الجاهلية، قال: \" ونحنُ نسأل: أَليسَ الأَمْرُ بالوُقوفِ على عرفات والإِفاضةِ منها كسائرِ الناسِ في الجاهلية دَليلًا على أَنَّ أَركانَ الحَجّ من أَصْلٍ وثنيّ، وأَنه ليس من التشريعِ السماويِّ في شيء؟ \".\nطريقةُ الفادي في البحثِ والاستدلالِ والاستنباطِ عجيبة غريبة، مُثيرةٌ\nللسخريةِ.\nفالإِسلامُ عنده مأخوذ منَ الممارساتِ الجاهلية، والعاداتِ الوثنية،\nبدليل وجودِ آيةٍ في القرآن تُصحّحُ أَداءَ قريشٍ لمناسكِ الحج، فقد كانَ\nالقرشيّونَ في الجاهليةِ لا يَحُجّونَ مع باقي الناس، فلما أَمَرَهم القرآنُ بالحجّ\nمع الناس، والوقوفِ بعرفةَ مع الناس، والإِفاضةِ معهم إِلى مزدلفة، دَلَّ هذا\nعلى أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ أَحكامَه من الجاهلية! مع أَنه يَدْعوهم إِلى التخلّي عن تلك الجاهلية!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>هل أركان الحج من الجاهلية</span>؟\nعادَ الفادي المفترِي إِلى التأكيدِ على أَنَّ كُلَّ أَعمالِ الحَجِّ ومناسِكِه\nمأخوذة من الجاهلية، وهي المسألةُ التي تحدَّثَ عنها أَكثرَ من مرةٍ فيما مضى.\nفبعدَ أَنْ ذَكَرَ أَربعَ آياتٍ من سورةِ البقرةِ تتحدَّثُ عن الحج، استخرجَ منها دلالتَه العجيبةَ المعتادة: \" كان اسْمُ شهرِ ذي الحِجَّةِ المخصَّصِ\nللحَجِّ موجودًا قبلَ الإِسلام، وكذلك كان الإِحرامُ (وهو البُعْدُ عن الرَّفَثِ\nوالصَّيْد) موجودًا قبلَ الإِسلام، كما كانت التجارةُ في الحَجّ موجودةً قبل\nالإِسلام، وكذلك الإِفاضةُ من عرفاتٍ وإِلقاءُ الخُطَب وذِكْرُ المناقبِ عندَ\nالمشْعَرِ الحرام ...\nفاتَّخَذَ الإِسلامُ عاداتِه وشعائِرَه من عادات العرب المشركين..\".","vol":"1","page":404},{"text":"الإِسلامُ عند الفادي المفترِي ليسَ من عندِ الله، وإِنما هو من وَضْعِ\nواختيارِ محمدٍ - ﷺ -، أَخَذَه وانْتَقاهُ من عادات العرب المشركين في الجاهلية، حيثُ كان يَلْتَقي بهم، ويَختارُ من حياتِهم ما يريد، ثم يُسجلُه ويقدمُه لأَصحابِه، زاعمًا أَنَّ اللهَ أَوحى به إِليه!.\nوالدليلُ عندَ المفترِي على ذلك، أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ شعائرَ وعاداتِ الحج من العربِ الجاهليّين، وزَعَمَ أَنَّ اللهَ هو الذي أَوحى به إِليه: أَبْقى اسْمَ شهرِ الحَجّ \" ذي الحجة \" على اسْمِه الجاهلي، وأَبْقى الإِحرامَ على صورتِه الجاهلية، وأَبْقى التجارةَ في موسمِ الحَجِّ كما كانتْ عليه في الجاهلية، وأَبْقى الإِفاضةَ من عرفاتٍ على ما كان يَفعلُه أَهْلُ الجاهلية!!.\nولو كانَ الحَجُّ تشريعًا من عندِ الله لأَلْغى كُلَّ هذه الأَعمالِ الجاهلية،\nوأَمَرَ بأَعمالٍ إسلاميةٍ جديدة!!.\nوقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في هذا الأَمْر، وبَيّنّا أَنَّ الحَجَّ ذو\nنَسَبِ إِيماني، وأَنه سابِقٌ على العَرَبِ الجاهليّين، وأَوَّلُ مَنْ حَجَّ هو إِبراهيمُ\nالخلَيلُ - ﵇ -، والعَربُ المشركونَ في الجاهليةِ تَوارَثوا أعمالَ وشعائِرَ الحَجِّ عن إبراهيم - ﵇ -، وأَضافوا لها الكثيرَ من ممارساتِهم الخاطئة، التي تَقومُ على الشركِ بالله، فلما جاءَ الإِسلامُ أَزالَ الممارساتِ الجاهليةَ الخاطئةَ عن مناسكِ الحج، وأَعادها إِلى أَصْلِها الإِيمانيِّ العريق، وأَبقى الأَعمالَ النظيفةَ والشعائِرَ الصحيحةَ، لأَنها إِيمانيةُ الأَصل، كالوقوفِ بعَرَفَة والإِفاضة والإِحرام، فهي ليستْ عاداتٍ وشعائرَ مأخوذةً من الجاهليةِ كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>حول توزيع الزكاة</span>\nحَدَّدَ اللهُ الأَصنافَ الذين تُدْفَعُ لهم الزكاة، وبَيَّنَ أَنها ثَمانيةُ أَصْنافٍ\nفقط! قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) .","vol":"1","page":405},{"text":"وقد اعترضَ الفادي المفترِي على بَعْضِ مَصارفِ الزكاة، واعتبرَ دَفْعَها لبعضِ\nالأَصنافِ المذكورين في الآية نوعًا من الرشوة، التي لا تَتفقُ مع دينِ الله!\nقال: \" ومَعلومٌ أَنَّ الزكاةَ هي أَحَدُ أَركانِ الدينِ الإِسلاميِّ الخمسة، التي هي: الصلاةُ والزكاةُ والصومُ والحَجُّ والشهادتان.\nفهي من صميم الدينِ الإِسلامي، وهي ليستْ مخصصَةً للفقراءِ والمساكين، ولكن يُصْرَفُ منها في أَغراضٍ إِسلاميةٍ بحتة، وصُرِفَ\nمنها للمؤلَّفةِ قلوبُهم، ولو كانوا أَغنياء، لاستمالتِهم لقَبولِ الإِسْلام، وتُصْرَفُ في شراءِ الأَسلحةِ وتَجهيزِ الجُنْدِ لقتال الكفار، والجهادِ في سبيل الإِسلام ...\nوللمسيحيّين كتابُهم المقَدَّس، الذي يَقْضي بتقديم العُشورِ للصَّرْفِ على\nالفقراء، وتَعمير الكنائس، وإعالةِ رجال الدين، ونَشْرِ الكتابِ المُقَدَّس ومبادئ المسيحية..\nويُحَرِّمُ الكتابُ المقَدَّسُ الدعوةَ للدّين باستخدامِ المال للاستمالة،\nأَو السيفِ للإِرهاب، فأَتْباعُ الدينِ المسيحيِّ قَدَّموا دعوتَه بالمحبةِ والشجاعةِ\nوالتضحيةِ على مثال المسيح.. \" (١) .\nيَرى المفترِي أَنَّ إِعطاءَ المؤلَّفَةِ قلوبُهم من الزكاة خَطَأٌ \" لأَنه لا يَجوزُ\nاستخدامُ المال لنشْرِ الدعوةِ أَوْ ترغيبِ الآخَرين، ويَذْكُرُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ\nيُحَرِّمُ ذلك على المسيحيّين، ويأمُرُهم بالدعوةِ بالمحبةِ والشجاعةِ والتضحية!.\nوإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَثَرَ المال الإِيجابيَّ في بعضِ النًّفوس،\nولذلك أَجازَ تأْليفَ قُلوبِ بَعْضهم بجزءٍ من مالِ الزكاة، إمّا بترغيبهم في\nالإسلام واستمالتِهم وتقريبِهم إِليه، وإِمّا بتحييدِهم أَوْ تَقَليلِ عَداويهم للإِسلامِ والمسلمين.\nوليس في هذا شيء، فما زال الناسُ قَديمًا وحَديثًا يُعْطون\nويُهْدون، ويُوَثّقونَ روابطهم وعلاقاتِهم بشيءٍ من المال يدفعونَه لهذه الغاية!.\nويَفْتَري القادي عندما يَزعمُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ حَرَّمَ على النصارى\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٠- تحليل الإغراء بالمال\nإن فى القرآن أن من مصارف الزكاة (والمؤلفة قلوبهم) وهذا إغراء بالمال للدخول فى الإسلام.\nالرد على الشبهة:\nإذا كان الإحسان إلى الناس إغراء لهم بالدخول فى الإسلام. فما بال النصارى ينشئون المستشفيات والمبرات الخيرية فى بلاد المسلمين وفى غير بلاد المسلمين لغرض التنصير والصد عن سبيل الله؟ وفى الدين الإسلامى أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا أصروا على ما نشأوا عليه. ولو كان التأليف إغراء؛ لما أخذ المسلمون منهم أموال الجزية. ذلك قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (١) .\nوهل يسمى النصارى مكارم الأخلاق إغراء؟ والمؤلفة قلوبهم هم الذين ألف الله بين قلوبهم لقوله: (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما فى الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) (٢) وللتأليف أسبابه. ومنها الإنفاق على طلاب العلم الذين يتولون هدايتهم إلى الله. وذلك بفتح دور للعلم فيها ليتعلم الطلاب لغات الأمم، ثم ينتشرون لتعليمهم وإزالة شبه الشيطان عن دينهم، ووضع القرآن بينهم، وما شابه ذلك. وهذا يُنفق عليه من أموال الزكاة. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) التوبة: ٢٩.\n(٢) الأنفال: ٦٣.","vol":"1","page":406},{"text":"استخدامَ المالِ للدعوةِ والاستمالةِ والتَبْشير، فالجمعيّاتُ التنصيريةُ النصرانيةُ\nهي أَكثرُ الجمعياتِ استخْدامًا للمالِ للتَّنْصير، والرهبانُ أَكثرُ الناسِ دَفْعًا\nللأَموال تَرْغيبًا في اعتناقِ النصرانية، وتَرْصدُ الكنائسُ الملايينَ من الدولاراتِ\nلهذه الغاية، وتنتشرُ مجموعاتُ التَّنْصيرِ في كلِّ بِلادِ العالم، وتُرَكِّزُ على\nممارسةِ التَّنْصِيرِ بينَ المسلمين على وَجْهِ الخصوص، وتَقومُ على الدفعِ\nوالإِغراءِ بالمال..\nويقولُ لنا الفادي المفترِي بعدَ ذلك: يَحرمُ على النصارى\nاستخدامُ المالِ للدعوة.\nوهم يَنْشرونَ دعوتَهم بالمحبةِ والتضحية!!.\nكما يَرى الفادي المفترِي أَنَّ صرفَ جُزْءٍ من الزكاةِ لجهادِ وقتالِ الكفارِ\nخَطَأ، ويعتبرُه نوعًا من سوءِ استخدامِ المال، وإِنفاقِهِ للإِرْهاب!.\nوكلامُه باطل، فاللهُ أَوْجبَ على المسلمين جهادَ الأَعداءِ الطّامعين فيهم،\nوالشِّد والغلظةَ في قتالِهم، وإِيقافَ عُدْوانهم، وإِبطالَ مكائِدِهم ومُخَطّطاتِهم\nضدَّهم، وَوَعَدَهم على ذلك جزيلَ الأَجْرِ والثواب!\nومعلومٌ أَنَّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ يَحتاجُ إِلى كثيرٍ من الأَموالِ للإِنفاقِ عليه، ولذلك جعلَ اللهُ الإِنفاقَ عليه سهمًا من أَسهمِ الزكاةِ الثمانية، واللهُ عليمٌ حكيمٌ في تَشريعِه سبحانه!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>توجيه تفضيل الرجال على النساء</span>\nذَكَرَ الفادي آيَتَيْنِ تَتَحَدَّثانِ عن الصلةِ بينَ الرجالِ والنِّساء.\nهما قولُه تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) .\nوقولُه تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) .\nونَقَلَ كَلامًا للبيضاويِّ في تفسيرِ الآيَتَيْن، وبيانِ معنى القوامةِ والدرَجة، وأسبابِ ذلك.\nثم عَلَّقَ على ذلك مُخطِّئًا القرآنَ والإسلام، فقال: \" ونحنُ نَسأل: لماذا\nيَهْضِمُ الإِسلامُ حُقوقَ المرأة، فيعتبرُ من حَقِّ الرجلِ أَن يَملكَ نفسَها،","vol":"1","page":407},{"text":"بينما لا تمتلكُ المرأةُ إِلّا نَصيبًا منْ مالِه؟\nالطبيعيُّ أَنْ يكونَ جسدُ الرجلِ مِلْكَ المرأة، وجَسَدُ المرأةِ مِلْكَ الرجُل، ولماذا يستبدُّ الرجلُ بالفِراق، ولا يُسمحُ للمرأَةِ بالفراق إِذا رَأَتْ ذلك، في حالةِ خيانتِه، وإِنْ كانَ من العيبِ أَنْ تَضربَ المرأةُ الرجلَ، فلماذا تَسمحُ الشريعةُ الإِسلاميةُ للرجلِ أَنْ يَضربَ المرأة؟ \" (١) .\nيَجِبُ أَنْ نُفرقَ أَوّلًا بينَ القوامةِ والتَّفْضيل، فالقوامَةُ منزلةٌ دنيوية، تَقومُ\nعلى المسؤوليةِ لمواهبَ وقُدُرات، أَمّا التفضيلُ فهو منزلةٌ دينية إِيمانية، يَرتفعُ\nبها صاحِبُهَا عندَ الله.\nلقد جعل اللهُ القوامةَ في الدنيا للرجالِ على النِّساء، بمعنى أَنه أَعطى\nمسؤوليةَ إِدارةِ الأُسرةِ والبيتِ للرجُل، فهو صاحبُ القِوامةِ والمسؤوليةِ والقيادةِ والحكمِ في هذه المؤسسة.\nوذَكرت الآيةُ سَبَبَيْن لجعْلِ القوامةِ للرجال:\n(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ...\nالسببُ الأوَّل: ما منحهُ اللهُ للرجالِ من مواهبَ وطاقاتٍ خاصّة، تَمَيَّزوا\nبها عن النساء، تُؤَهِّلُهم للقيامِ بواجبِ القوامة، وإِدارةِ شُؤونِ الأُسْرَة،\nوفَضَّلَهم اللهُ بهذه المواهبِ تَفْضيلًا دُنيويًا.\nالسببُ الثاني: ما أَوجبهُ اللهُ على الرجال من إِنفاقِ الأَموالِ على مُؤَسَّسةِ\nالأُسْرَة، فالإِنفاقُ واجبٌ على الرجل، ولا يَجبُ على امرأَتِه أَنْ تُنفقَ شيئًا ولو كانتْ تملكُ المالَ الكثير.\nوكونُ القوامةِ الدنيويةِ بيدِ الرِّجالِ لا يَعْني أَنَّ جِنْسَ الرجالِ أَفْضلُ من\nجنس النساءِ عندَ الله، فأَساسُ التفضيلِ عندَ الله ليس الجنسَ أَو اللون، إِنما\nهو الإِيمانُ والتقوى، كما قالَ الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)،فإذا كانت المرأةُ صالحةً تقيةً كانتْ أَفضلَ عندَ الله من زوجِها\nغيرِ التَّقِيّ، أَو الأَدنى منها في التقوى.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٣٤- الرجال قوَّامون على النساء\nالرد على الشبهة:\nفى المدينة المنورة نزلت آيات \" القوامة \" قوامة الرجال على النساء.. وفى ظل المفهوم الصحيح لهذه القوامة تحررت المرأة المسلمة من تقاليد الجاهلية الأولى، وشاركت الرجال فى العمل العام مختلف ميادين العمل العام على النحو الذى أشرنا إلى نماذجه فى القسم الأول من هذه الدراسة؛ فكان مفهوم القوامة حاضرًا طوال عصر ذلك التحرير.. ولم يكن عائقًا بين المرأة وبين هذا التحرير..\nولحكمة إلهيةِ قرن القرآن الكريم فى آيات القوامة بين مساواة النساء للرجال وبين درجة القوامة التى للرجال على النساء، بل وقدم هذه المساواة على تلك الدرجة، عاطفًا الثانية على الأولى ب \" واو \" العطف، دلالة على المعية والاقتران.. أى أن المساواة والقوامة صنوان مقترنان، يرتبط كل منهما بالآخر، وليسا نقيضين، حتى يتوهم واهم أن القوامة نقيض ينتقص من المساواة..\nلحكمة إلهية جاء ذلك فى القرآن الكريم، عندما قال الله ﷾ فى الحديث عن شئون الأسرة وأحكامها:\n(ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) (١) .\nوفى سورة النساء جاء البيان لهذه الدرجة التى للرجال على النساء فى سياق الحديث عن شئون الأسرة، وتوزيع العمل والأنصبة بين طرفى الميثاق الغليظ الذى قامت به الأسرة الرجل والمرأة فإذا بآية القوامة تأتى تالية للآيات التى تتحدث عن توزيع الأنصبة والحظوظ والحقوق بين النساء وبين الرجال، دونما غبن لطرف، أو تمييز يخل بمبدأ المساواة، وإنما وفق الجهد والكسب الذى يحصِّل به كل طرف ما يستحق من ثمرات.. (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليمًا * ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدًا * الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم..) (٢) .\nولقد فقه حبر الأمة، عبد الله بن عباس [٣ق هجرية ٦٨ هجرية / ٦١٩ ٦٨٧م] الذى دعا له الرسول ﷺ ربه أن يفقهه فى الدين فهم الحكمة الإلهية فى اقتران المساواة بالقوامة، فقال فى تفسيره لقول الله، ﷾ -: (ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف) تلك العبارة الإنسانية، والحكمة الجامعة: \" إننى لأتزين لامرأتى، كما تتزين لى، لهذه الآية \"!\nوفهم المسلمون قبل عصر التراجع الحضارى، الذى أعاد بعضًا من التقاليد الجاهلية الراكدة إلى حياة المرأة المسلمة مرة أخرى - أن درجة القوامة هى رعاية رُبّان الأسرة الرجل لسفينتها، وأن هذه الرعاية هى مسئولية وعطاء.. وليست ديكتاتورية ولا استبدادا ينقص أو ينتقص من المساواة التى قرنها القرآن الكريم بهذه القوامة، بل وقدمها عليها..\nولم يكن هذا الفهم الإسلامى لهذه القوامة مجرد تفسيرات أو استنتاجات، وإنما كان فقهًا محكومًا بمنطق القواعد القرآنية الحاكمة لمجتمع الأسرة، وعلاقة الزوج بزوجه.. فكل شئون الأسرة تُدار، وكل قراراتها تُتَّخذ بالشورى، أى بمشاركة كل أعضاء الأسرة فى صنع واتخاذ هذه القرارات، لأن هؤلاء الأعضاء مؤمنون بالإسلام والشورى صفة أصيلة من صفات المؤمنين والمؤمنات (والذين يجتنبون كبائرالإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون *والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون) (٣) .\nفالشورى واحدة من الصفات المميزة للمؤمنين والمؤمنات، فى كل ميادين التدبير وصناعة القرار.. والأسرة هى الميدان التأسيسى والأول فى هذه الميادين.. تجبُ هذه الشورى، ويلزم هذا التشاور فى مجتمع الأسرة - لتتأسس التدابير والقرارات على الرضا، الذى لا سبيل إليه إلا بالمشاركة الشورية فى صنع القرارات.. يستوى فى ذلك الصغير والخطير من هذه التدابير والقرارات.. حتى لقد شاءت الحكمة الإلهية أن ينص القرآن الكريم على تأسيس قرار الرضاعة للأطفال - أى سقاية المستقبل وصناعة الغد على الرضا الذى تثمره الشورى.. ففى سياق الآيات التى تتحدث عن حدود الله فى شئون الأسرة.. تلك الحدود المؤسسة على منظومة القيم.. والمعروف.. والإحسان.. ونفى الجُناح والحرج.. وعدم المضارة والظلم والعدوان.. والدعوة إلى ضبط شئون الأسرة بقيم التزكية والطهر، لا \" بترسانة \" القوانين الصماء!.. فى هذا السياق ينص القرآن الكريم على أن تكون الشورى هى آلية الأسرة فى صنع كل القرارات: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما أتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) (٤) .\nهكذا فهم المسلمون معنى القوامة.. فهى مسئولية وتكاليف للرجل، مصاحبة لمساواة النساء بالرجال.. وبعبارة الإمام محمد عبده: \" إنها تفرض على المرأة شيئًا وعلى الرجل أشياء \".\nوكانت السنة النبوية فى عصر البعثة البيان النبوى للبلاغ القرآنى فى هذا الموضوع.. فالمعصوم ﷺ الذى حمّله ربه الحمل الثقيل فى الدين.. والدولة.. والأمة.. والمجتمع - (إنا سنلقى عليك قولًا ثقيلًا) (٥) . هو الذى كان فى خدمة أهله - أزواجه - وكانت شوراهن معه وله صفة من صفات بيت النبوة، فى الخاص والعام من الأمور والتدابير.. ويكفى أن هذه السنة العملية قد تجسدت تحريرًا للمرأة، شاركت فيه الرجال بكل ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية.. وحتى القتال.. كما كان ﷺ دائم التأكيد على التوصية بالنساء خيرًا..فحريتهن حديثة العهد، وهن قريبات من عبودية التقاليد الجاهلية، واستضعافهن يحتاج إلى دوام التوصية بهن والرعاية لهن.. وعنه ﷺ تروى أقرب زوجاته إليه عائشة ﵂: \" إنما النساء شقائق الرجال \" رواه أبو داود والترمذى والدارمى والإمام أحمد وعندما سئلت:\nما كان رسول الله ﷺ يعمل فى بيته؟\nقالت: \" كان بشرًا من البشر، يغلى ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه \" رواه الإمام أحمد يفعل ذلك، وهو القَوَّام على الأمة كلها، فى الدين والدولة والدنيا جميعًا!..وفى خطبته ﷺ بحجة الوداع [١٠ هجرية / ٦٣٢ م] وهى التى كانت إعلانا عالميا خالدًا للحقوق والواجبات الدينية والمدنية - كما صاغها الإسلام أفرد ﷺ للوصية بالنساء فقرات خاصة، أكد فيها على التضامن والتناصر بين النساء والرجال فى المساواة والحقوق والواجبات فقال: \" ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. ألا إن لكم على نسائكم حقًا ولنسائكم عليكم حقًا.. فاتقوا الله فى النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت!. اللهم فاشهد \" (٦) .\nهكذا فُهمت القوامة فى عصر التنزيل.. فكانت قيادة للرجل فى الأسرة، اقتضتها مؤهلاته ومسئولياته فى البذل والعطاء.. وهى قيادة محكومة بالمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه فى الحقوق والواجبات ومحكومة بالشورى التى يسهم بها الجميع ويشاركون فى تدبير شئون الأسرة.. هذه الأسرة التى قامت على \" الميثاق الغليظ \" ميثاق الفطرة والذى تأسس على المودة والرحمة، حتى غدت المرأة فيها السكن والسكينة لزوجها حيث أفضى بعضهم إلى بعض، هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن، فهى بعض الرجل والرجل بعض منها: (بعضكم من بعض) (٧) - (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (٨) (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن) (٩) (وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) (١٠) .\nوإذا كانت القوامة ضرورة من ضروريات النظام والتنظيم فى أية وحدة من وحدات التنظيم الاجتماعى، لأن وجود القائد الذى يحسم الاختلاف والخلاف، هو مما لا يقوم النظام والانتظام إلا به.\nفلقد ربط القرآن هذه الدرجة فى الريادة والقيادة بالمؤهلات وبالعطاء، وليس بمجرد \" الجنس \" فجاء التعبير: (الرجال قوامون على النساء) وليس كل رجل قوّام على كل امرأة.. لأن إمكانات القوامة معهودة فى الجملة والغالب لدى الرجال، فإذا تخلفت هذه الإمكانات عند واحد من الرجال، كان الباب مفتوحًا أمام الزوجة إذا امتلكت من هذه المقومات أكثر مما لديه لتدير دفة الاجتماع الأسرى على نحو ما هو حادث فى بعض الحالات!..\nهكذا كانت القوامة فى الفكر والتطبيق فى عصر صدر الإسلام.. لكن الذى حدث بعد القرون الأولى وبعد الفتوحات التى أدخلت إلى المجتمع الإسلامى شعوبًا لم يذهب الإسلام عاداتها الجاهلية، فى النظر إلى المرأة والعلاقة بها، قد أصاب النموذج الإسلامى بتراجعات وتشوهات أشاعت تلك العادات والتقاليد الجاهلية فى المجتمعات الإسلامية من جديد..\nويكفى أن نعرف أن كلمةٍ \" عَوَان \" التى وصف الرسول ﷺ بها النساء، فى خطبة حجة الوداع، والتى تعنى فى [لسان العرب]: \" النَّصَف والوسط \" (١١) أى الخيار وتعنى ذات المعنى فى موسوعات مصطلحات الفنون (١٢) .. قد أصبحت تعنى - فى عصر التراجع الحضارى - أن المرأة أسيرة لدى الرجل، وأن النساء أسرى عند الرجال.. وأن القوامة هى لون من \" القهر \" لأولئك النساء الأسيرات!! حتى وجدنا إمامًا عظيمًا مثل ابن القيم، يعبر عن واقع عصره العصر المملوكى فيقول هذا الكلام الغريب والعجيب: \" إن السيد قاهر لمملوكه،حاكم عليه، مالك له. والزوج قاهر لزوجته، حاكم عليها، وهى تحت سلطانه وحكمه شبه الأسير \" (١٣) !!\nوهو فهم لمعنى القوامة، وعلاقة الزوج بزوجه، يمثل انقلابًا جذريا على إنجازات الإسلام فى علاقة الأزواج بالزوجات!.. انقلاب جذريًّا فالعادات والتقاليد الجاهلية التى أصبحت تغالب قيم الإسلام فى تحرير المرأة ومساواة النساء للرجال..\nووجدنا كذلك فى عصور التقليد والجمود الفقهى تعريف بعض \" الفقهاء \" لعقد النكاح، فإذا به: \" عقد تمليك بضع الزوجة \"!!.. وهو انقلاب على المعانى القرآنية السامية لمصطلحات \" الميثاق الغليظ \" و\" المودة \".. والرحمة.. والسكن والسكينة.. وإفضاء كل طرف إلى الطرف الآخر، حتى أصبح كل منهما لباسًا له \"..\nهكذا حدث الانقلاب، فى عصور التراجع الحضارى لمسيرة أمة الإسلام..\nولذلك، كان من مقتضيات البعث الحضارى، الحديث والمعاصر، لنموذج الإسلام فى تحرير المرأة وإنصافها، كبديل للنموذج الغربى الذى اقتحم عالم الإسلام فى ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية لبلادنا والذى شقيت وتشقى به المرأة السوية فى الغرب ذاته كان من مقتضيات ذلك إعادة المفاهيم الإسلامية الصحيحة لمعنى قوامة الرجال على النساء.. وهى المهمة التى نهضت بها الاجتهادات الإسلامية الحديثة والمعاصرة لأعلام علماء مدرسة الإحياء والتجديد..\nفالإمام محمد عبده، قد وقف أمام آيات القوامة (ولهن مثل الذىعليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) (١٤) فإذا به يقول:\n\" هذه كلمة جليلة جدًا، جمعت على إيجازها مالا يُؤَدى بالتفصيل إلا فى سفر كبير، فهى قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل فى جميع الحقوق، إلا أمرًا واحدًا عبّر عنه بقوله: (وللرجال عليهن درجة) وقد أحال فى معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس فى معاشراتهن ومعاملاتهن فى أهليهن، وما يجرى عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم..\nفهذه الجملة تعطى الرجل ميزانا يزن به معاملته لزوجه فى جميع الشئون والأحوال، فإذا همّ بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس، ﵄: إننى لأتزين لامرأتى كما تتزين لى، لهذه الآية.\nوليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها، وإنما المراد: أن الحقوق بينهما متبادلة، وأنهما كفئان، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها، وإن لم يكن مثله فى شخصه، فهو مثله فى جنسه، فهما متماثلان فى الذات والإحساس والشعور والعقل، أى أن كلا منهما بشر تام له عقل يتفكر فى مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره مالا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه فى مصالحه، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول فى الحياة المشتركة التى لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه..\nهذه الدرجة التى رُفع النساء إليها لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الإسلام ولا بعده..\nلقد خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة، فى العبادات والمعاملات، كما خاطب الرجال، وجعل لهن مثل ما جعله عليهن، وقرن أسماءهن بأسمائهم فى آيات كثيرة، وبايع النبى ﷺ المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن فى الدنيا والآخرة..\nوأما قوله تعالى: (وللرجال عليهن درجة) فهو يوجب على المرأة شيئًا، وذلك أن هذه الدرجة درجة الرياسة والقيام على المصالح، المفسرة بقوله تعالى (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) (١٥) .\nإن الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولا بد لكل اجتماع من رئيس، لأن المجتمعين لابد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم فى بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يُرجع إلى رأيه فى الخلاف، لئلا يعمل كل ضد الآخر فتفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها، وكانت هى مطالبة بطاعته فى المعروف.\nإن المراد بالقيام \" القوامة \" هنا هو الرياسة التى يتصرف فيها المرؤوس بإرادته واختياره، وليس معناه أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه.\nإن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.\nأما الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة فى بيوتهم، فإنما يلدون عبيدًا لغيرهم \" (١٦) !!.\n\" وإذا كانت عصور التراجع الحضارى كما سبق وأشرنا قد استبدلت بالمعانى السامية لعقد الزواج المودة، والرحمة، والسكن والميثاق الغليظ \" ذلك المعنى الغريب \"عقد تمليك بُضع الزوجة \"! - وعقد أسر وقهر!. فلقد أعاد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر الاعتبار إلى المعانى القرآنية السامية.. وكتب الشيخ محمود شلتوت [١٣١٠١٣٨٣ هجرية ١٨٩٣ ١٩٦٣م] فى تفسيره للقرآن الكريم تحت عنوان [الزواج ميثاق غليظ] يقول:\n\" لقد أفرغت سورة النساء على عقد الزواج صبغة كريمة، أخرجته عن أن يكون عقد تمليك كعقد البيع والإجارة، أو نوعا من الاسترقاق والأسر حيث أفرغت عليه صبغة \" الميثاق الغليظ \".\nولهذا التعبير قيمته فى الإيحاء بموجبات الحفظ والرحمة والمودة. وبذلك كان الزواج عهدا شريفًا وميثاقًا غليظًا ترتبط به القلوب، وتختلط به المصالح، ويندمج كل من الطرفين فى صاحبه، فيتحد شعورهما، وتلتقى رغباتهما وآمالهما. كان علاقة دونها علاقة الصداقة والقرابة، وعلاقة الأبوة والبنوة (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهن) (١٧) (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (١٨) . يتفكرون فيدركون أن سعادة الحياة الزوجية إنما تُبنى على هذه العناصر الثلاثة: السكن والمودة والرحمة..\nوإذا تنبهنا إلى أن كلمة (ميثاق) لم ترد فى القرآن الكريم إلا تعبيرًا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد، والتزام الأحكام، وعما بين الدولة والدولة من الشئون العامة والخطيرة، علمنا مقدار المكانة التى سما القرآن بعقد الزواج إليها، وإذا تنبهنا مرة أخرى إلى أن وصف الميثاق \" بالغليظ \" لم يرد فى موضع من مواضعه إلا فى عقد الزواج وفيما أخذه الله على أنبيائه من مواثيق (وأخذنا منهم ميثاقًا غليظًا) (١٩) . تضاعف لدينا سمو هذه المكانة التى رفع القرآن إليها هذه الرابطة السامية \".\nثم تحدث الشيخ شلتوت عن المفهوم الإسلامى الصحيح \" للقوامة \" فقال:\n\".. وبينت السورة الدرجة التى جعلها الله للرجال على النساء، بعد أن سوى بينهما فى الحقوق والواجبات، وأنها لا تعدو درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التى يمتاز بها الرجل على المرأة، بحكم الكد والعمل فى تحصيل المال الذى ينفقه فى سبيل القيام بحقوق الزوجة والأسرة، وليست هذه الدرجة درجة الاستعباد والتسخير، كما يصورها المخادعون المغرضون \" (٢٠) .\nتلك هى شبهة الفهم الخاطىء والمغلوط لقوامة الرجال على النساء.. والتى لا تعدو أن تكون الانعكاس لواقع بعض العادات الجاهلية التى ارتدت فى عصور التراجع الحضارى لأمتنا الإسلامية فغالبت التحرير الإسلامى للمرأة حتى انتقلت بالقوامة من الرعاية والريادة، المؤسسة على إمكانات المسئولية والبذل والعطاء، إلى قهر السيد للمسود والحر للعبد والمالك للمملوك!.\nولأن هذا الفهم غريب ومغلوط، فإن السبيل إلى نفيه وإزالة غباره وآثاره هو سبيل البديل الإسلامى الذى فقهه الصحابة، رضوان الله عليهم للقوامه.. والذى بعثه من جديد الاجتهاد الإسلامى الحديث والمعاصر، ذلك الذى ضربنا عليه الأمثال من فكر وإبداع الشيخ محمد عبده والشيخ محمود شلتوت.\nبل إننا نضيف، للذين يرون فى القوامة استبدادا بالمرأة وقهرا لها سواء منهم غلاة الإسلاميين الذين ينظرون للمرأة نظرة دونية، ويعطلون ملكاتها وطاقاتها بالتقاليد أو غلاة العلمانيين، الذين حسبوا ويحسبون أن هذا الفهم المغلوط هو صحيح الإسلام وحقيقته، فيطلبون تحرير المرأة بالنموذج الغربى.. بل وتحريرها من الإسلام!.. أقول لهؤلاء جميعًا:\nإن هذه الرعاية التى هى القوامة، لم يجعلها الإسلام للرجل بإطلاق.. ولم يحرم منها المرأة بإطلاق.. وإنما جعل للمرأة رعاية - أى \" قوامة \" - فى الميادين التى هى فيها أبرع وبها أخبر من الرجال.. ويشهد على هذه الحقيقة نص حديث رسول الله ﷺ \" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذى على الناس راع عليهم، وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهى مسئولة عنهم.. ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن راعيته \" رواه البخارى والإمام أحمد.\nفهذه الرعاية \"القوامة \"-هى فى حقيقتها \" تقسيم للعمل \" تحدد الخبرةُ والكفاءةُ ميادين الاختصاص فيه.. فالكل راع ومسئول-وليس فقط الرجال هم الرعاة والمسئولون-وكل صاحب أو صاحبة خبرة وكفاءة هو راع وقوّام أو راعية وقوّامة على ميدان من الميادين وتخصص من التخصصات.. وإن تميزت رعاية الرجال وقوامتهم فى الأسر والبيوت والعائلات وفقًا للخبرة والإمكانات التى يتميزون بها فى ميادين الكد والحماية..فإن لرعاية المرأة تميزًا فى إدارة مملكة الأسرة وفى تربية الأبناء والبنات.. حتى نلمح ذلك فى حديث الرسول ﷺ الذى سبق إيراده - عندما جعل الرجل راعيًا ومسئولًا على \" أهل بيته \" بينما جعل المرأة راعية ومسئولة على \" بيت بعلها وولده \"..\nفهذة \" القوامة \" - توزيع للعمل، تحدد الخبرة والكفاءة ميادينه.. وليست قهرًا ولا قَسْرًا ولا تملكا ولا عبودية، بحال من الأحوال..\nهكذا وضحت قضية القوامة.. وسقطت المعانى الزائفة والمغلوطة لآخر الشبهات التى يتعلق بها الغلاة.. غلاة الإسلاميين.. وغلاة العلمانيين.\nفالطريق مفتوح أمام إنهاض المرأة بفكر متزن يرى أنها مع الرجل قد خلقا من نفس واحدة وتساويا فى الحقوق والواجبات واختلفت وظائف كل منهما إختلاف تكامل كتكامل خصائصهما الطبيعية لعمارة الدنيا وعبادة الله الواحد الأحد. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) البقرة: ٢٢٨.\n(٢) النساء: ٣٢-٣٤.\n(٣) الشورى: ٣٧ - ٣٩.\n(٤) البقرة: ٢٣٣.\n(٥) المزمل: ٥.\n(٦) [مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوى والخلافة الراشدة] ص٢٨٣. جمعها وحققها: د. محمد حميد الله. طبعة القاهرة سنة ١٩٥٦م.\n(٧) آل عمران: ١٩٥.\n(٨) الروم: ٢١.\n(٩) البقرة: ١٨٧.\n(١٠) النساء: ٢١.\n(١١) ابن منظور [لسان العرب] طبعة دار المعارف. القاهرة.\n(١٢) انظر: الراغب الأصفهانى [المفردات فى غريب القرآن] طبعة دار التحرير. القاهرة سنة ١٩٩١م. وأبو البقاء الكفوى [الكليات] ق٢ ص٢٨٧. تحقيق: د. عدنان درويش، طبعة دمشق سنة ١٩٨٢م.\n(١٣) [إعلام الموقعين] ج٢ ص١٠٦. طبعة بيروت سنة ١٩٧٣م.\n(١٤) البقرة: ٢٢٨.\n(١٥) النساء: ٣٤.\n(١٦) [الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده] ج ٤ ص ٦٠٦ - ٦١١- وج٥ ص ٢٠١، ٢٠٣. دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. طبعة القاهرة ١٩٩٣م.\n(١٧) البقرة: ١٨٧.\n(١٨) الروم: ٢١.\n(١٩) النساء: ٢١.\n(٢٠) [تفسير القرآن الكريم] ص ١٧٢ ١٧٤. طبعة القاهرة ١٣٩٩ هجرية ١٩٧٩م.","vol":"1","page":408},{"text":"وقد جَعَلَ اللهُ للرجال على النساءِ درجةً، بعدَما ساوى بينهما في الحقوق\nوالواجبات، وذلك في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) .\nوالدرجةُ التي للرجال على النساء مرتبطةٌ بالقوامة، فالذي له القِوامَةُ له\nعلى الطَّرف الآخر درجة.\nفهذه الدرجةُ دنيوية، متعلِّقَةٌ بدفعِ المهر والنفقة وغيرِ ذلك من الأُمورِ الماليةِ الدنيوية، والدرجةُ الدنيويةُ لا تَعْني الدرجةَ الدينيةَ عند الله، فقد تكونُ المرأةُ أَعْلى درجةً عند الله من زوجها لتَقْواها.\nوقد أَكرمَ الإِسلامُ المرأةَ عندما نَصَّ على أَنَّ لها على زوجِها حقوقًا،\nمثلَ ما عليها له من واجبات: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .\nوبعدَ هذه الآيةِ الصريحةِ يأتي شَخْصٌ جاهِلٌ مثْلُ هذا الفادي، ليقول:\nلماذا يَهضمُ القرآنُ حُقوقَ المرأة؟.\nوإِنَّ الأَسئلةَ التي يَطرحُها الفادي دالَّةٌ على جَهْلِه وغَبائِه، فهو يَقول:\nلماذا يَملكُ الرجلُ المرأَةَ بينما هي لا تملِكُه، إِنما تَملكُ جُزْءًا من مالِه؟\nوإِذا كان قَصْدُه من سؤالِه مِلْكَ الأَمْرِ والنهي والمسؤولية، فإِنَّ هذا مرتبطٌ بالقِوامة، ومؤسسةُ الأُسرةِ لا بُدَّ لَها من مسؤولَ، والمسؤوليةُ للرجل، والمرأةُ تابعةٌ له في المؤَسَّسة، وهذا لا يُنقصُ منزلَتَها، إِنما هو شَرَفٌ لها.\nوإِذا كان قَصْدُهُ مِلْكَ التَّلَذُّذِ والاستمتاعِ وقَضاءِ الشهوة، فكلٌّ منهما يملكُ\nجَسَدَ الآخَر، الرجلُ يَملكُ جَسَدَ المرأةِ ويتلَذَّذُ ويَستمتعُ بها، وهي تملكُ\nجَسَدَهُ وتتلذذُ وتستمتعُ به، مع أَنَّ الرجلَ صاحبُ القوامةِ والدرجةِ الدنيوية.\nويُطالبُ الفادي الجاهلُ أَنْ يَكونَ الطلاقُ والفراقُ بيدِ المرأة، مثلَ ما\nهو بيدِ الرجل!\nوهذا خلافُ الفطرةِ وسُنَّةِ الحياة! فالذي يتزوجُ هو الذي\nيُطَلّقُ، والذي يَدفعُ مهرَ الزواجِ هو الذي يَدفعُ نفقةَ الطلاقِ، وصاحبُ القوامةِ في مؤسسةِ الأُسْرَةِ هو الذي يُطَلِّقُ ويُفارقُ، ويَدفعُ ثَمَنَ فِراقِهِ وطَلاقِه (١) .\nأَما انتقادُ الفادي في آخرِ كلامِه مبدأَ ضرْبِ الرجلِ لامرأتِه فقد سبقَ أَنْ\nناقَشْناه فيه، وَوَجَّهْنا الأَمْرَ، وبَيّنّا حكمتَه وصَوابَه!.\n_________\n(١) وأين هو من الخُلْع الذي شرعه الإسلام للمرأة، إذا أساء الزوج عشرتها؟؟!!!","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>هل صلاة المسلمين تقليد وثني</span>؟\nوَضَعَ الفادي المفْتَري عنوانًا استفزازيًّا مُثيرًا، اسْتَفَزَّ به مشاعِرَ\nالمسلمين: \" الصلاةُ الإِسلاميةُ تَقليدٌ وثنيّ \"!!.\nذَكَرَ في تَساؤُله قولَ اللهِ - ﷿ -: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) .\nثم زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ أَخَذوا صَلَواتِهم الخمسَ عن الصابئين، فقال: \" فرضَ الإِسلامُ على المسلمين خمسَ صلواتٍ يوميًا، وهي: صلاةُ الفجرِ والظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء.\nوهي نفسُ مواقيتِ الصلاةِ عند اليهود والمسيحيّين والصابئين ...\nوقالَ أَبو الفِداءِ في تاريخِه: للصَّابئين عبادات، منها سَبْعُ صَلًوات، منهنّ خمسٌ تُوافِقُ صلواتِ المسلمين، والسادسةُ صَلاةُ الضحى، والسابعةُ صلاةٌ يَكونُ وَقْتُها في تمامِ الساعةِ السادسةِ من الليل.\nوصلاتُهم كصلاةِ المسلمين من النية، وأَلّا يَخْلطَها المصلي بشيءٍ من غيرِها، ولهم الصلاةُ على الميت، بلا ركوع ولا سجود..\nونحنُ نسأل: لماذا اقتبسَ المسلمون نِظامَ صَلواتِهم من الصابئين؟ \".\nبَدَأَ الفادي كلامَه بكذبةٍ كُبْرى، عندما زَعَمَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى\nوالصابئين يُصَلّونَ كُلَّ يومٍ خَمسَ صَلَواتٍ مثلَ المسلمين!\nوسُؤالُ أَي يهوديٍّ أَو نصرانيٍّ أَو صابئي كَفيلٌ ببيانِ كَذِبِ هذا المفْتَري.\nثم نَقَلَ كَلامًا أَوردَه أَبو الفِداء، زَعَمَ فيه أَنَّ الصّابئين يُصَلّونَ سَبْعَ\nصلواتٍ في اليومِ والليلة، وأَنَ كيفيةَ صَلاتِهم كَصلاةِ المسلمين، من الركوعِ\nوالسجودِ والتلاوة، وأَنَّهم يُصَلّونَ على موتاهم كصلاةِ المسلمين على\nموتاهم!!.","vol":"1","page":410},{"text":"وأُعجبَ الفادي بكلامِ أَبي الفِداء، وَوَظَّفَهُ دَليلًا على اتِّهامِ الإِسلام، بأَنَّه\nأَرضيّ بَشَرِيٌّ، وليسَ تشريعًا من عندِ الله، وعَلَّقَ عليه بسؤالِه المثيرِ الخطير:\n\" لماذا اقتبس المسلمونَ نظامَ صَلَواتِهم من الصّابِئِين؟ \".\nكلامُ أَبي الفِداءِ غيرُ صحيح.\nولا أَدْري من أَيْنَ أَخَذَ كَلامَه، وعلى أَيِّ مَصْدَرٍ اعتمد، المهمُّ أَنه لم يأخُذْه من حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -،\nولا من قولٍ صحيحٍ لصحابي أَو تابعيّ.\nفليس صحيحًا أَنَّ الصابئين يُصَلّونَ سَبْعَ صلوات، وأَنَّ صَلاتَهم كصلاةِ\nالمسلمين، وها هم الصابِئون \" الميدانيّون \" موجودون في العراق، اسْأَلوهم عن عَدَدِ وكيفيةِ صَلاتِهم، إِنْ كانَ في دينهم صلاةٌ أَصْلًا!.\nوهذا معناهُ أَنَّ المسلمينَ لم يَأَخُذوا صلاتَهم عن الصابئين أَو غيرِهم،\nوأَنَّ الصلاةَ الإِسلاميةَ ليستْ تَقْليدًا وثنيًّا كما زَعَمَ هذا الكاذِبُ المفترِي.\nالصلاةُ ركنٌ من أَركانِ الإِسلام، واللهُ هو الذي أَمَرَ رسولَه - ﷺ - بها، منذُ أَيامِ الدعوةِ الإِسلاميةِ الأُولى في مكة، وفي ليلةِ المعراج أَمَرَ اللهُ رسولَه - ﷺ - بخمسِ صَلَواتٍ في اليومِ والليلة، وهُنَّ خمْس صلواتٍ في العَدَدِ، ولكنهنَّ خُمسونَ صلاةً في الأَجْر، وثَبَتَ هذا عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، فى الصحيحين وغيرهما من كُتُبِ السنن.\nواللهُ هو الذي حَدَّدَ مواقيتَ الصلوات، وأَشارَ إلى هذا قولُه تعالى:\n(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) .\nوبَعَثَ اللهُ جبريلَ للنبيِّ - ﷺ - وحَدَّدَ له وَقْتَ كُلِّ صلاةٍ\nمن الصلواتِ الخَمْس، بدايةً ونهايَة..\nواللهُ هو الذي حَدَّدَ للرسولِ - ﷺ - كيفيةَ\nكُل صلاة، أَفعالَها وأَقوالَها وأَذكارَها وحَركاتِها، وأَركانَها وسُنَنَها وهيئاتِها..\nوأَمَرَ الرسولُ - ﷺ - المسلمين أَنْ يُصَلّوا مثْلَ صلاته، فقال: \" صَلّوا كما رأيتُموني أُصَلّي \".\nإِنَّ كُلَّ ما يتعلَّقُ بالصلاةِ من قولٍ أَو فعل أَو حركةٍ من الله، أَوحى به","vol":"1","page":411},{"text":"للرسولِ - ﷺ -، وإِنَّ الإِسلامَ اخْتَصَّ وتَمَيَّزَ وتَفَرَّد بالصلاة، ولا يُصَلّي أَصحابُ أَيِّ دينٍ كما يُصَلّي المسلمون، سواء كانوا يَهودًا أَو نصارى أَو صابئين أَو غيرَهم!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>حول التطهر بالتيمم</span>\nأَثارَ الفادي المفترِي عِدة إِشْكالاتٍ حولَ التَّطَهُّرِ بالتَّيمم، وتَلاعبَ في\nحديثِه عن سببِ نُزولِ آيةِ التَّيمم، وحَرَّفَ كَلامَ البيضاويِّ وغيرِه، كعادتِه في التَّلاعبِ والتَّحريف، والكذبِ والافتراء، والزَّعْمِ والادِّعاء.\nالآيةُ التي شَرَعت التيممَ هي قولُ اللهِ - ﷿ -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .\nوكانَ نزولُ هذه الآية في حادثةِ عائشةَ - ﵂ -، عندما أَضاعَتْ عِقْدَها.\nذَكَرَ الفادي روايةَ البخاري قائلًا: \" روى البخاريّ عن عائشةَ قالَتْ:\nسَقَطَتْ قِلادَةٌ لي بالبَيْداء، ونَحنُ داخلونَ المدينة، فأَناخَ محمدٌ ونَزَل، فَثَنى\nرأسَه في حِجْري راقِدا، وأَقبلَ أَبو بكر، فَلَكَزني لَكْزَةً شديدة، وقالَ: حَبَسْتِ الناسَ في قِلادة..\nثم إِنْ محمدًا استيقظ..\nوحَضَرت الصبْحُ، فالْتُمِسَ الماءُ، فلم يوجَدْ، فاستعوَضَه بالتُّراب..\nوعن عائشةَ قالت: لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان، وقالَ أَهلُ الإِفْكِ ما قالوا، خرجْتُ معَ محمدٍ في غزوةٍ أُخْرى، فسقَطَ أَيْضًا عِقْدي، حتى حَبَسَ الناسَ عن الْتماسِه، فقالَ لي أبو بكر: بُنَيَّة!\nفي كُلِّ سفر تكونينَ عَناءً وبَلاءً على الناس..\nولكنْ لما كانَتْ هي سببُ التيممِ رضيَ عَنْها أَبو بَكْر.. \"","vol":"1","page":412},{"text":"هل هذه روايةُ البخاري؟\nوهل كان الفادي أَمينًا في النّقل؟\nلِنقرأ الروايةَ من صحيحِ البخاري، ولْنقارنْ بينَ الكلامِ الذي فيه، والكلامِ الذي نَقَلَهُ الفادي عنه.\nروى البخاريُّ عن عائشةَ - ﵂ - قالَتْ: \" خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - ﷺ - في بَعْضِ أَسفارِه، حتى إِذا كُنّا بالبَيْداء، أَوْ بذاتِ الجَيْش، انقطعَ عِقْدٌ لي، فأَقامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على الْتماسِه، وأَقامَ الناس معه، ولَيْسوا على ماء..\nفأَتَى الناسُ إِلى أَبي بكر الصّدّيق، فقالوا: أَلا ترى ما صَنَعَتْ عائشةُ؟\nأَقامَتْ برسولِ اللهِ - ﷺ - والناسِ، ولَيْسوا على ماء، وليس مَعهم ماءٌ.\nفجاءَ أَبو بكر، ورسولُ الله - ﷺ - واضع رأسَه على فَخِذي قَدْ نَام، فقال: حَبَسْتِ رسول اللهِ - ﷺ -\nوالنّاسَ، ولَيْسوا على ماء، وليسَ معهم ماء! فعاتبَني أَبو بكر، وقالَ ما شاءَ اللهُ أَنْ يَقول، وجَعَلَ يَطْعَنُني بيدِه في خاصِرَتي، فلا يَمنعُني من التحرُّكِ إِلّا مَكانُ رسولِ اللهِ - ﷺ - على فَخذي، فقامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حينَ أَصبحَ على غيرِ ماء، فأَنزلَ اللهُ آيةَ التيمّم، فتيمموا..\nفقال أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر: ما هي بأولِ بركتِكم يا آلَ أَبي بكر ...\nفَبَعَثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فأَصَبْنا العِقْدَ تَحْتَه \" (١) .\nالفادي المفترِي حَريصٌ على حَذْفِ كلمةِ \" رسولِ اللهِ - ﷺ - من الرواية، ووضْع الاسمِ المجرَّدِ \" محمد \" مكانَها.\nولو كان أَمينًا في النَّقْلِ لَنَقَلَ العبارةَ كما هي، مع أَنه لا يُؤمنُ أَنَّ محمدًا هو رسولُ اللهِ - ﷺ -.\nوصرَّحَتْ عائشةُ - ﵂ - بأَنَّ اللهَ أَنزلَ آيةَ التيمم في صَباحِ تلك الليلة، فتيممَ المسلمونَ بعدَ نزولِ الآية.\nوالفادي المفترِي لا يُريدُ الإِخبارَ عن إِنزالِ الوحي من عندِ الله، حتى لو كان يَنْقُلُ من نَصٍّ أَمامَه! ولذلك زَعَمَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - هو الذي أَمرهم بالتيممِ من عندِ نفسه: \" وحَضرت الصبحُ فالتُمِسَ\nالماءُ فلم يوجَدْ، فاستَعْوَضَه بالتُّراب \"!\nوهذه الجملةُ غيرُ مذكورةٍ في الأَصل!\nلكنَّها من تلاعُبِ الفادي وتحريفه.\n_________\n(١) صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب التيمم، حديث رقم: (٣٣٤)؟\nوصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم: (٣٦٧) .","vol":"1","page":413},{"text":"ومِنْ تَلاعُبِ الفادي وتحريفه زَعْمُه أَنَّ أَبا بكر شَتَمَ ابنَتَه عائشة - ﵄ -، وقالَ لها: \" بُنَيَّة: في كلِّ سَفَرٍ تكونينَ بَلاءً وعناءً على الناس! \".\nولا أَدري من أَينَ جاءَ المفترِي بهذه العبارة.\nمع أَنَّ عائشةَ - ﵂ - كانَتْ موضعَ ثَناء، وانظرْ ما أَجْمَلَ ما قالَه أُسَيْدُ بنُ حُضيْرٍ - ﵁ -: ما هي بأولى بركاتِكم يا آلَ أَبي بَكْر.\nواللهُ حَكيم، فهو الذي قَدَّرَ أَنْ يُقطعَ عِقْدُ عائشةَ - ﵂ -، وقَدَّرَ أَنْ يَبْرُكَ عليه البَعيرُ، وأَنْ يتَأَخَّرَ المسلمون في البحثِ عنه، وذلك ليضطروا إِلى التيمم، ويُنزل اللهُ عليهم برحمتِه آيةَ التيمم، واللهُ عليمٌ حكيم! لكن هذا معنى لا يَنتبهُ له الفادي؛ لأَنه محجوبٌ عن الله!!.\nوقَدَّمَ الفادي حَديثًا غَريبًا في التيمم، لا أَدْري من أَينَ جاءَ به، قال:\n\" جاءَ في الحديثِ: \"الصَّعيدُ الطيبُ وضوءُ المسلم، ولو إِلى عَشْرِ سنين، حتى يَجِدَ الماءَ، وإِذا وَجَدَهُ فَلْيُمسَّه جِلْدَه\"!!.\nوزعمَ المفترِي أَنَّ عائشةَ - ﵂ - خَرَجَتْ مع رسول اللهِ - ﷺ - في غزوةٍ أُخرى، وأَنها أَضاعَت فيها عِقْدًا آخَرَ لها، وأَنَّ اللهَ أَباحَ للمسلمينَ التيمم: \" وعن عائشةَ قالَتْ: لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان، وقال أَهْلُ الإِفْكِ ما قالوا خَرَجْتُ مع محمدٍ في غزوةٍ أُخرى، فسقطَ أَيضًا عِقْدي، حتى حَبَسَ الناسَ عن التماسه..\".\nوعَلَّقَ المفترِي على هذه الحادثةِ بكلامٍ خَبيت، فقال: \" ونحنُ نسأَل:\nكانَتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي اتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بن\nالمعَطّل، فلماذا أَخَذَها معه في غزوةٍ أُخرى؟! \".\nوزَعَمَ الفادي المفترِي أَنهما حادثَتان مُختلفتان، أَضاعَتْ عائشةُ في كُل\nحادثةٍ عِقْدًا، وأَنزل اللهُ في كُلِّ حادثةٍ آية تبيحُ التيمم، وهذا جهلٌ منه، فلم تكنْ إِلّا حادثةً واحدة، وهي التي رَواها البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشة - ﵂ -.\nوادَّعى المفترِي أَنَّ حادثةَ فَقْدِ العِقْدِ وإِنزال آيةِ التيمم هي نفسُ حادثةِ\nحَديثِ الإِفْك، عندما اتَّهمَ المنافقونَ عائشةَ - ﵂ -، وهو ادِّعاءٌ باطل، فحادثةُ فَقْدِ العِقْدِ غيرُ حادثةِ حَديثِ الإِفْك.","vol":"1","page":414},{"text":"والعبارةُ التي ذَكَرَها المجرمُ في اتهامِ عائشةَ - ﵂ - فاجرة، أَرادَ بها تأكيدَ اتِّهامِها في عِرْضِها.\nقال: \" كانتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي\nاتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بنِ المعَطّل \".\nوصَفوانُ بنُ المعَطّل صحابيٌّ جَلِيلٌ - ﵁ -، وهو الذي اتَهَمَ المنافقونَ المجرمونَ عائشةَ - ﵂ - به، وقد أَنزلَ اللهُ براءةَ عائشةَ في آياتِ سورةِ النور، وذَمَّ الذين اتَّهموها في عِرْضِها، وأُقيمَ عليهم حَدُّ القَذْف.\nوقد تكلمَ الفادي على التيمم بوقاحةٍ وسوءِ أَدَب.\nقال: \" ما معنى الاستعاضة عن الماءِ بالتراب؟\nأَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة؟\nوأَيُّ عاقلٍ يَتصوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيرًا عن الذنوب؟ \".\nإِنه يُخَطِّئُ القرآنَ في تشريعِه التيممَ عند فَقْدِ الماء، أَو العجزِ عن\nاستعمالِه، ويتهمُ التيممَ بأَنه قَذارةٌ ومَدْعاةٌ للمرض، وهذا اتِّهامٌ للهِ سبحانَه، وتَخْطئةٌ له في أَحكامِه وتَشريعاتِه، وتَكذيبٌ له في أَوامِرِه وتوجيهاتِه.\nفاللهُ يَقولُ في بيانِ حكمةِ التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .\nوهو يُكَذِّبُ كَلامَ اللهِ فيقول: \" وما معنى الاستعاضةِ عن الماءِ بالتراب؟\nأَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة؟ \".\nوالوُضوءُ أَو التيممُ تَطهيرٌ للمؤمن وتكفيرٌ له عن سيئاتِه وذُنوبه، والفادي\nالمفتري يَرفضُ ذلك قائلًا: \" وأَيُّ عاقلٍ يَتَصَوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيرًا عن\nالذنوب؟ \" وما درى الجاهلُ أَنَّ تَنفيذَ أَوامرِ اللهِ تطهيرٌ ومغفرةٌ للذنوب.\nوقد أَخْبَرَنا رسولُ الله - ﷺ - أَنَّ الوضوءَ تكفيرٌ للذنوب.\nروى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ ل به: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \" إِذا تَوَضَّاَ العبدُ المسلمُ، فَغَسَلَ وَجْهَه، خَرَجَ من وجهِه كُلُّ خَطيئةٍ نَظَرَ إِليها بعيْنَيْه، معَ الماءِ، أَو معَ آخَرِ قَطْرِ الماءِ، فإِذا غَسَلَ يَدَيْه، خرَجَ من يَدَيْه كُلُّ خطيئةٍ كانتْ","vol":"1","page":415},{"text":"بطشَتْها يَداهُ، مع الماء، أَو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ رجْلَيْه، خرجَتْ كُلُّ خطيئةٍ مَشَتْها رِجْلاه مع الماء، أَو معَ آخرِ قَطْرِ الماء، حتى يَخرجَ نقيًّا من\nالذُّنوب! \".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>تفسير سياسي لتحويل القبلة</span>\nوَقَفَ الفادي أَمامَ حادثةِ تَحويلِ القبلة، وتَحَدَّثَ عنها بسَفاهَةٍ وَوَقاحَة.\nلما كانَ المسلمونَ في مكةَ كانَتْ قبْلَتُهم في صلاتِهم الكَعْبَة.\nولما هاجروا إِلى المدينة جَعَلَ اللهُ قبلَتَهم بيتَ المقْدِس، وبعدَ ستةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سبعةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَوَّلَ اللهُ القبلة، وأَعادَها إِلى الكعبة، وجاءَ هذا التحويلُ صَريحًا في قولِه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .\nواعتبرَ القرآنُ أَنَّ الذينَ يَعترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء، قال تعالى:\n(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) .\nوتوقَّفَ الفادي السفيهُ مع آياتِ تَحويلِ القبلة من سورةِ البقرة، ونَقَلَ\nبعضَ كلامِ البيضاويّ في تَفسيرِها.\nثم سَجَّلَ اعتراضَه على ذلك التحويل بِسَفاهة.\nقال: \" ونحنُ نسأل: إِذا كانَت القبلةُ شريعةً وركنًا من أَركانِ الصلاة،\nفلماذا تتغَيَّر؟\nهل هي لعبةٌ سياسيةٌ لاستمالةِ قُلوبِ العربِ تارة، واستمالةِ قُلوب\nاليهودِ أُخْرى؟\nفاتَّجَهَ مع العربِ في مكةَ إِلى الكعبة، ولما هاجَرَ إِلى المدينة\nحيثُ الكثيرُ من اليهودِ اتَّجَهَ إِلى بيتِ المقْدِس، ولما هاجَمَهُ اليَهودُ جَعَلَ قبلَتَه\nالكعبةَ مَغ أُخْرى!\nلقد كَانَ لتغييرِ القبلةِ طَنَّةٌ وَرَنَّةٌ، حتى ارتَدَّ كثيرونَ عن الإِسلامِ إِلى اليهودية، وقالوا: رَجَعَ محمدٌ إِلى دينِ آبائِه، وتَرَكَ قبلةَ اليَهود، التي هيَ حَقّ!..\nوعَيَّرَ اليهودُ المسلمين، فقالَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأَصحابُه من","vol":"1","page":416},{"text":"اليهود: أَخْبرونا عن صلاتِكم إِلى بيتِ المقْدِس: إِنْ كانَتْ على هدى، فقد\nتخلَّيْتُم عنه، وإِنْ كانَتْ على ضَلالَةٍ، فقد دِنْتُم اللهَ بها، وَمَنْ ماتَ عليها فقد ماتَ على ضَلالة ...\nفلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء؟\nلقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا ... \".\nلم ينظر الفادي السَّفيهُ لمسألةِ تَحويلِ القبلة على أَنها تشريعٌ رباني،\nوتوجيهٌ مباشِرٌ من الله سبحانه، وحَلَّلَها تَحْليلًا تافِهًا سَفيهًا، مرتبطًا مع نَظرتِه للقرآنِ والوحي..\nإِنه لا يَعترفُ بنبوةِ محمدٍ - ﷺ -، ولا بأَن القرآنَ وَحْيٌ من الله، ولذلك اعتبرَ القبلةَ اختيارًا خاصًّا من الرسولِ - ﷺ -، فهو الذي يَختارُ ما يَشاء، ويَجعلُه قِبْلَة، ويأمُرُ أَتْباعَه بالتوجُّهِ حيثُ يَشاء! وهذا تأكيدٌ منه على بَشَريةِ القرآنِ والإِسلام!.\nثم يَنتقلُ المجرمُ إِلى جريمةٍ أُخرى، حَيثُ يَجعلُ تَحويلَ القبلةِ \" لُعْبَةً\nسياسية \" من الرسولِ - ﷺ - ...\nفلما كانَ في مكةَ جَعَلَ قبلَتَه الكعبةَ ليَستميلَ العربَ الجاهليّين، ولما هاجَرَ إِلى المدينةِ حَوَّلَ قبلَتَه إِلى اليهودِ ليَستميلهم، ولما لم يَنجحْ في ذلك وغَضِبَ منهم أَعادَ قبلتَه إِلى الكعبة!!\nبهذه السفاهةِ حَلَّلَ الفادي السفيهُ مَسألةَ تَحويلِ القبلة، ودافَعَ عن السفهاءِ السابقين من أَمثالِه، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة، واعْتبروه تَلاعُبًا، ولما رَدَّ اللهُ عليهم اعْتَبَرهم سُفَهاء.\nقال الفادي مُدافعًا عَنْهم: \" فلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء؟\nلقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا \".\nاعتبرهم اللهُ سُفهاءَ لاعتراضِهم على تَحويلِ القبلة، والفادي المفتري\nرَدَّ كَلامَ اللهِ، واعْتَبرهم حُكَماء، وعلى حَقٍّ فِي اعتراضِهم.\nلِيَقُل الفادي السفيهُ عن تحويلِ القبلةِ ما يَشاء، فكلامُه وتحليلُه مَردودٌ\nعليه، ونحنُ نوقِنُ أَنَّ استقبالَ القبلةِ في الصلاة كانَ بأَمْرٍ من الله، وأَنَّ تَحديدَ القبلةِ كانَ بأَمْرٍ من الله، وأَنَّ تَحويلَ القبلةِ كان بأَمْرٍ من الله، لتحقيقِ حكمةٍ أَرادَها الله..","vol":"1","page":417},{"text":"إِنَّ اللهَ هو الذي جَعَلَ القبلةَ في مكةَ الكعبة، واللهُ هو الذي أَمَرَ\nالمسلمينَ بعدَ الهجرةِ بالتوجُّهِ إِلى بيتِ المقدس، لحكمةٍ يُريدُها سبحانه، ولما\nتَحققتْ تلك الحكمةُ الربانيةُ هو الذي أَمرهم بالعودَةِ إِلى القبلة الأُولى\nالكعبة..\nفالأَمْرُ والتحويلُ والتوجيهُ من اللهِ سبحانه، الذي له الأَمْرُ والنَّهْي،\nوما الرسولُ - ﷺ - إِلّا مُنَفّذٌ لأَمْرِ الله.\nوقد كان هذا المعنى واضحًا صَريحًا في حديثِ القرآنِ عن تحويلِ القبلة.\nقال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) .\nالدلالاتُ التي يمكنُ أَنْ تُؤْخَذَ من هذه الآياتِ الأَربعِ عديدة، ليس هذا مكانَ\nالحديثِ عنها، ونُشيرُ هنا إِشاراتٍ خاطفةً إِلى بعضِ حقائقِ الآياتِ حول القبلة:\n١ - تَنُصُّ الآيات ُ على أَنَّ الذينَ يَعْترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء،\nوهذا يَشملُ كُلَّ المعترِضين في أَيِّ زَمانٍ ومكان، فالفادي المفْتَري سَفيهٌ من\nالسفهاء: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) .\n٢ - كانَ تحويلُ المسلمين إِلى بيتِ المقْدِس امتحانا من اللهِ لهم: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) .","vol":"1","page":418},{"text":"٣ - كانَ الرسولُ - ﷺ - يتمنّى أَنْ تَتَحَوَّلَ القبلةُ عن بيتِ المقدسِ إِلى الكعبة، لكنه كان متأدِّبًا مع الله، فلم يَطْلُبْ منه ذلك، وإِنما كان يُقَلِّبُ وجهه في السماء، متمنِّيًا أَنْ ينزل جبريلُ بالتوجُّهِ إِلى القبلةِ الجديدة: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ...) .\n٤ - تُصرحُ الآياتُ بأَنَّ اللهَ هو الذي وَلّى رسولَه - ﷺ - إِلى القبلةِ الجديدة:\n(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .\nإِنَّ هذه التعبيراتِ الصريحةَ تُبَيِّنُ كَذِبَ وسَفَهَ الفادي المفترِي في اعتراضه\nعلى تحويلِ القبلة، وتحليلِه المتهافتِ لذلك التحويل!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>اعتراض على الصلوات الخمس</span>\nأَمَرَ اللهُ المسلمينَ أَنْ يُصلّوا خمسَ صَلواتٍ في اليومِ واللَّيلة، وحَثَّهم\nعلى المحافظةِ عليها في القرآنِ.\nقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) .\nوالصلاةُ الوسْطى المذكورةُ في الآيةِ هي صَلاةُ العصر، لِما وَرَدَ في ذلك\nعن رسول اللهِ - ﷺ -.\nواعترضَ الفادي الجاهلُ على تكليفِ المسلمينَ بالصلواتِ الخمس.\nقال: \" ونَحنُ نَسْأَل: ما فائدةُ الصلواتِ المتكررةِ يوميًّا خمسَ مَرّات، وأُسبوعيًّا وشهريًّا وسنويًّا، وإِلى ما شاءَ اللهُ في الحياة، بدونِ زيادةٍ ولا نُقصان؟\nإنَّ الصلاةَ تَعبيرٌ متجددٌ لمشاعرِ الإِنسانِ نحوَ الله.\nقال المسيح: وحينَما تُصلّونَ لا تُكَرِّروا الكلامَ باطلًا كالأُمم، فإِنهم يَظُنُّونَ أَنه بكثرةِ كلامِهم يُستجابُ لهم، فلا تَتَشَبَّهوا بهم \".\nإِنَّ هذا الجاهلَ يَرى أَنه لا فائدةَ من أَداءِ خَمْسِ صلواتٍ يوميًّا، حتى","vol":"1","page":419},{"text":"انتهاءِ العمر؟\nلأَنه لا تَجديدَ فيها، ولا تَفاعُلَ معها، ولا بُدَّ أَنْ تُجَدِّدَ الصلاةُ\nمشاعرَ الإِنسان.\nولم يَذكر لنا الجاهلُ المفترِي كيفَ يُصَلّي هو - وأَهْلُ مِلَّتِه من النصارى،\nوكيفَ يُجَدِّدُ هو وأَهْلُ مِلَّتِه مشاعِرَهم نحو الله، وهل يَجْتَهدون ويُغَيِّرونَ\nويُبَدِّلونَ في صَلاتِهم، بهدفِ تَجديدِ مشاعرِهم، أَم أَنهم يَستمرون على الكيفيةِ التي تَعَلَّموها؟!.\nإِن الصلاةَ عند المؤمنين عِبادةٌ وذكر لله، وتوثيقٌ لصلتِهم بالله، وهي\nليستْ صلاةً جامدة، تُؤَدّى بطريقةٍ روتينيةٍ رَتيبة، وإِنما يَتفاعلُ المؤمنُ بها وهو يُؤَديها، وينشطُ لها، ويَسعدُ وهو يُناجي اللهَ فيها! ...\nصحيحٌ أَنه لا يَجوزُ التغييرُ والتبديلُ والزيادةُ والنقصانُ في أَوقاتِها وأَعدادِها وأَركانِها وأَدائِها، لكنَّ التجديدَ في النظرةِ لها، والتفاعلَ في أَدائِها، وفي الحالةِ الإِيمانيةِ العاليةِ أَثناءَ أَدائِها، وفي الثمراتِ والنتائجِ التي تُؤْخَذُ منها.\nويَكفينا قولُ اللهِ تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) .\nولذلك كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إِذا حَزَبَه أَمرٌ فَزعَ إِلى الصلاة..\nوكانَ - ﷺ - يَقولُ: \" أَرِحْنا بها يا بِلال \".\nولمعرفةِ فَضْلِ الصلواتِ الخمسِ نتذكَّرُ ما رواهُ البخاريُّ ومسلم عن أَبي\nهريرةَ - ﵁ - عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: \" أَرأَيْتُم لو أَنَّ نهرًا ببابِ أَحَدِكم يَغتسلُمنه كلَّ يومٍ خمسَ مَرّات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟\nقالوا: لا يَبْقى من دَرَنه شيء..\nقال: فكذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمس، يَمحو اللهُ بهنَّ الخطايا \".\nوإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ أَوجبَ علينا الصلواتِ الخمس، وجعلَ الصلاةَ\nركنًا مهمًّا من أَركانِ الإِسلام؟\nلأَنه يَعلمُ آثارَ الصلاةِ الإيجابيةَ في الشخصيةِ الإِسلامية.\nقال تِعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ) .","vol":"1","page":420},{"text":"وبهذا نَعرفُ سَفَهَ الفادي عندما اعترضَ على الصلواتِ الخَمْس، وجعلَ\nعنوان اعتراضِه استفزازيًّا: \" تِكرارُ الصَّلاةِ باطلٌ \"!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>الصلوات وليلة المعراج</span>\nأَثارَ الفادي المفترِي اعتراضَه على فرضِ الصلواتِ الخمس ليلةَ\nالمعراج، وعَرَضَ الحادثةَ بتحريفٍ وتَغييرٍ وتَبديل!.\nقال: \" قالَ علماءُ المسلمين: لما أَسرى اللهُ بمحمد، ورأى حورَ العين،\nوسَلَّمَ عليهنَّ، وقابَلَ موسى، سأَلَه موسى: ما فَرَضَ ربُّكَ عليك؟\nوقيل: إِنَّه سأَلَه: بمَ أُمِرْتَ؟\nقال: خمسينَ صلاة، قال: ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيفَ.\nوفي البخاري: إِنَّ أُمَّتَك لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كُلَّ يَوْم، وإِنّي واللهِ جَرَّبْتُ\nالناسَ قَبْلَك، وعالَجْتُ بني إِسرائيل أَشَدَّ المعالَجَة.\nأَيْ: إِنَّه فُرِضَ عليهم صلاتان، فما قاموا بهما، رَكْعَتان بالغَداة، ورَكْعتان بالعشِيِّ!\nوفي تفسير البيضاوي أنه فُرِضَ عليهم خمسونَ صلاة، غيرَ أَنَّ السيوطي قال: إِنَّ هذا باطل ...\nثم قالَ موسى: ارجعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَله التخفيفَ لأُمَّتِك.\nقال: فرجعْتُ إِلى رَبّي، فقلت: يا رَبِّ خَفِّفْ عن أُمتي.\nفحَطَّ عَنّي خَمْسًا. فرجَعْتُ إِلى موسى، فقلْتُ: حَطّ عنّي خَمْسًا.\nقال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيقُ ذلك، فارجِعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التَّخْفيف..\nقال: فلم أَزَلْ أَرجع بينَ ربّي وبين موسى، حتى قال الله: يا محمد! إنهنَ خمسُ صَلَواثٍ في كُلِّ يومٍ وليلة، لكلِّ صلاةٍ عَشْرٌ، فذلك خمسون.\nقال: فنزلْتُ حَتى انتهيْتُ إِلى موسى فأَخَبرْتُه، فقال: ارجِعْ\nإِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيف.\nقلتُ: قد رجعْتُ إِلى رَبّي حتى استحييتُ منه! \".\nولْنقرأ الحادثةَ من صحيحِ مسلم.\nفقد روى مسلمٌ عن أَنَسِ بنِ مالك - ﵁ -، عن رسولِ اللهِ - ﷺ - أَنه حَدَّثَ عن ما جَرى في رحلةِ الإِسراءِ\nوالمعراج، ومن ذلك قوله: \" ... فأَوحى اللهُ إِليَّ ما أَوحى، فَفَرَض عليَّ\nخمسين صلاةً في كُلِّ يومٍ وليلة، فنزلتُ إِلى موسى ﵊،","vol":"1","page":421},{"text":"فقال: ما فَرَضَ ربُّكَ على أُمَّتِك؟\nقلتُ: خمسينَ صلاة.\nقال: ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَله التخفيف، فإِنّ أُمَّتَك لا يُطيقون ذلك، فإني قد بلوْتُ بني إِسرائيلَ وخَبَرْتُهم.\nفرجعْتُ إِلى رَبّي، فقلْتُ: يا ربي! خَفَّفْ على أُمَّتي.\nفَحَطَّ عَنّي خَمْسًا.\nفرجعْتُ إِلى موسى فقلت: حَطَّ عَنّي خَمْسًا.\nقال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلك، فارْجِعْ إِلى رَبك، فاسْأَلْهُ التخفيف.\nفلم أَزَلْ أَرجعُ بينَ ربّي ﵎ وبينَ موسى - ﵇ -، حتى قال: يا محمد، إِنهنَّ خمسُ صلواتٍ كُلَّ يومٍ وليلة، لكلِّ صلاةٍ عَشْر، فذلك خَمسونَ صلاة.\nومَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتبتْ له حَسَنَة، فإِنْ عَمِلَها كُتبتْ له عَشْرًا، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ شيئًا، فإنْ عَمِلَها كُتبتْ سيئةً واحدة.\nفنزلْتُ حتى انتهيتُ إِلى موسى - ﵇ - فأَخبرتُه.\nفقال: ارْجِعْ إِلى ربّك فاسأَلْه التخفيف..\nفقلْتُ: قد رجعْتُ إِلى رَبّي فاستحييتُ منه \" (١) .\nوقد اعترضَ الفادي المفترِي على حادثةِ الصلواتِ الخمس، وأَثارَ\nشُكوكَه حولَ الوحيِ والنبوةِ والإِسلام، قال: \" ونحنُ نَسأل: هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من اللهِ سبحانه؟\nوهل يتبعُ اللهُ رأيَ الناس؟\nأَليس هذا كلُّه ناشئًا عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ الله، وأَنَّ الصلاةَ أُنْسٌ بالله، وليستْ فرضًا ولا عبودية؟\nوالمسلمُ الذي يهتمُّ بالوضوءِ ونظافةِ البدنِ أَكثر من نظافةِ القلب\nلا يُدرِكُ معنى الصلاة؟\nلأَنه يهتمُّ بالاتجاهِ للقبلةِ أَكْثَرَ من اتجاهِ ضميرِه لله، ويتمسكُ بأَلفاظٍ محفوظةٍ دونَ الاهتمامِ بالتعبير عن حاجاتِه الخاصة، ويَعتبرُ أَنَّ الصلاةَ في ذاتِها حَسنةٌ تُذْهِبُ السيئة، ويَهتَمُّ بالنَحْرِ مع الصلاة، كقوله:\n(فَصَل لِرَبِّكَ وَاَنحَر)، دونما إِدراكٍ لمعنى كفارةِ المسيح؟! \".\nإِنه لجهلِه وغبائِه لا يَعرفُ الحكمةَ من تشريعِ الصلواتِ الخمس بهذه\nالطريقة، ولذلك أَثارَ أَسئلتَه التهكُّمية، وحَلَّلَ الحادثةَ تحليلًا استفزازيًا، شَتَمَ\nفيه الرسولَ - ﷺ - والإِسلامَ والمسلمين!.\n_________\n(١) مسلم، برقم: (١٦٢) .","vol":"1","page":422},{"text":"كلُّ الأَوامرِ والنواهي والتكاليفِ الشرعية كَلَّفَ اللهُ بها رسولَه - ﷺ - بطريقةِ الوحي، إِلّا الصلواتُ الخمس، فإنه شاءَ ﷾ أَنْ يكَلِّفَه بها بهذه الطريقةِ الخاصة، حيثُ استدعاهُ وعَرَجَ به إِلى السماء، وكَلَّفَه بها، وذلك لأَهميةِ الصلواتِ الخمس وعِظَمِ منزلتِها في هذا الدين، وعِظَمِ مهمَّتِها وآثارها في حياةِ المسلمين.\nوشاءَ اللهُ العليمُ الحكيمُ أَنْ يكونَ التكليفُ بالصلواتِ الخمسِ على هذه\nالصورةِ المتدرجةِ اللطيفة، ولو شاءَ أَنْ يُكَلِّفَه بخمسِ صَلَواتٍ من أَوَّلِ الأَمْرِ\nلفَعَل، لكنَّه ﷾ شاءَ أَنْ يُكلفَه بخمسينَ صلاةً أَولًا،.\nوأَنْ يُسْقِط بَعْضًا من أَعدادِها كلَّما ذَهَبَ محمدٌ - ﷺ - إِلى موسى - ﷺ - ثم عادَ إِليه، حتى أَنزلَ أَعدادَها من خمسينَ إِلى خمس، مع إِبقائِهن في الأَجْرِ خمسين، أَيْ أَنهنَّ خمسٌ في العدد، وخَمسونَ في الأَجْر.\nفَعَلَ اللهُ ذلك بالصلواتِ الخمس، ليمتَنَّ على المسلمين بذلك، ويُبَيِّنَ\nلهم رحمتَه بهم، رحمتَه في تخفيضِهن من خمسينَ إِلى خمس، ورحمتَه في\nإبقائِهنَّ على خمسينَ في الأَجرِ.\nولا نتصوَّرُ مقدارَ المشقةِ والحَرَج لو أَبْقاهُنَّ اللهُ خمسينَ صلاةً في اليوم!\nفإِذا كانَ بعضُ المسلمين قد يَتَثاقَلُ عن الصلواتِ الخمس، فكيف لو كُنَّ خمسينَ صلاة؟!.\nإِنَّ اللهَ الحكيمَ يتحببُ إِلى المسلمين، ويقدمُ لهم مظاهرَ من رحمتِه\nورأفتِه بهم، وذلك ليعرفوا فضلَه وكرمَه وإِنعامَه، ويتذوقوا مظاهرَ رحمتِه وبرِّه ومحبتِه، وبذلك يزدادونَ محبةً له، وذكرًا وشكرًا له، ونشاطًا وحيويةً في عبادتِه وطاعتِه ومناجاتِه.\nوإنَّ الجاهلَ السفيهَ محجوبٌ عن هذه المعاني الروحية، لكفرِه وضَلاله،\nولذلك لم يَفهم الحكمةَ من فرضِ الصلواتِ الخمسِ بهذه الطريقةِ المحببة،\nومن ثم كَذَّبَ القرآنَ وكَذَّبَ رسولَ الله - ﷺ -، وأَثارَ أَسئلتَه الاستفزازية.\nإِنَّ الجاهلَ الغبيَّ يسأَل: هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من الله؟","vol":"1","page":423},{"text":"أَيْ: كيفَ يَفرضُ اللهُ خمسينَ صلاة، وموسى - ﷺ - يقولُ: إِنَّ الناسَ لا يتحملونَ ذلك؟\nلأَنه جَرَّبَ بني إِسرائيل!؟.\nلم يَقُلْ مسلمٌ عاقلٌ: إِنَّ موسى - ﷺ - أَعرفُ بأَحوالِ الناسِ من الله، فالله ﷾ هو الأَعلم، وعِلْمُه شاملٌ\nلكلِّ شيء، ولكنَّ اللهَ الحكيمَ شاءَ أَنْ يكونَ الإِنقاصُ في عددِ الصلواتِ بهذه\nالطريقةِ التي حَلَّلْناها قبلَ قليل.\nوكان الجاهلُ مجرمًا عندما شتمَ نبيَّنا محمدًا - ﷺ - في قوله: \" أليس هذا كلُّه ناشئًا عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ الله؟! \".\nوإِذا كان نبيُّنا - ﷺ - لا يَعرفُ صفاتِ الله فمن الذي يعرِفُها؟!\nهل هو هذا الجاهلُ الغبيُّ المتعالم؟!..\nلقد كان رسولُ اللهِ - ﷺ - أَعرفَ الناسِ بالله، وأَكثرَهم تقوى لله، وأَقربَ الناسِ إِلى الله.\nولذلك قال - ﷺ -: \"أَلا إِنّي أَتْقاكُم لله وأَخشاكُم له \"!.\nوكان المجرمُ ضالا بَذيئًا عندما شَتَمَ المسلمين، واتهمَهم في نياتِهم\nوقلوبِهم وضمائِرِهم وإِخلاصِهم، وكأَنه مُطَّلِعٌ على ما في قلوبهم، ويَعلمُ ما في صدورِهم!!.\nإِنَّ الإِسلامَ يَدْعو المسلمينَ إِلى الاهتمامِ بنظافةِ قلوبهم أَكثرَ من\nاهتمامهم بنظافةِ أَبدانِهم، وإِنَّ الصلاةَ تزكيةٌ للنفس، وتطهيرٌ للقلب، وسُمُوُّ بالروح، وعندما يُطَهِّرُ المؤمنُ بَدَنَه، يُقبلُ على ربِّه في صلاته، ويَسعدُ بذكْرِه ومناجاتِه..\nويكونُ حاضرَ العقلِ والقلبِ وهو يُصَلّي ويدعو ربَّه..\nوما إِنْ ينتهي من صلاته حتى يكونَ قد تزوَّدَ بالزادِ الإِيمانيِّ العظيم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>حول فرض صيام رمضان</span>\nأَعادَ الفادي المفتري اعْتِراضَه على صيامِ رمضان، ونفى عنه صفةَ\nالوَحْي، وزَعَمَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَه عن الصابئين.\nذَكَرَ خمسَ آياتٍ من سورةِ البقرة تتحدَّثُ عن بعضِ أَحكامِ الصيامٍ، ثم\nنَقَلَ كلامًا من تفسير البيضاويّ، ذَكَرَ فيه أَنَّ صومَ رمضان كان واجباَ على\n_________\nوفي صحيح مسلم برقم (٤٦٥٠) يقول رسول الله - ﷺ -\n\"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ\".","vol":"1","page":424},{"text":"النَّصارى، وأنهم نَقَلوا الصومَ إلى الربيعِ ليكونَ أَسهلَ عليهم، وزادوا عليه\nعشرينَ يومًا، فصارَ صِيامُهم خمسينَ يومًا!! ثم نَقَلَ كَلامًا للمؤَرّخِ أَبي الفِداء،\nذَكَرَ فيهِ أَنَّ الصابئينَ كانوا يَصومونَ ثلاثين يومًا، وكانَ صيامُهم من الفجرِ إِلى المغرب! \" وقالَ أَبو الفداءِ في تاريخه: وللصّابئين عبادات، منها سَبْعُ\nصَلَوات، ويَصومون ثَلاثينَ يومًا، وإِنْ نَقَصَ الشهرُ الهلاليُّ صاموا تسعًا\nوعشرين يومًا، وكانوا يُراعون في صومِهم الفِطْرَ والهِلال، بحيثُ يكونُ الفطرُ وقد دَخَلت الشمسُ الحَمَل، ويَصومون من ربعِ الليلِ الأَخيرِ إِلى غروبِ قرصِ الشمس \".\nومعنى كلام أَبي الفِداء أَنَّ الصابئين كانوا يَصومونَ كصيامِ المسلمين،\nفكانَ صيامُهم ثلاثين يومًا أَو تسعةً وعشرين يومًا، وكانَ صيامُهم من الفجر\nإلى المغرب! وبما أَنَّ الصابئين كانوا قبلَ المسلمين، فإِنَّ المسلمينَ أَخَذُوا\nأَحْكَامَ صيامِهم عن أولئك الصابئين!!.\nوهذه هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها الفادي المفتري!\nقال: \" ونحنُ نَسْأَل: إِنْ كانَ صيامُ رمضانَ ليس شرعًا جَديدًا، ولا هو من الدينِ السماويِّ في شيء، بل هو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العَرَب، فكيفَ يَقول: إنَّ مَصدَرَه وحيٌ سماوي؟\nولا يوجَدُ دليلٌ واحدٌ على صحةِ القول: إنَّ رمضانَ كُتِبَ أولًا على النَّصارى \".\nلم يَثبتْ عندنا بحديثٍ صحيح أَنَّ صومَ رمضانَ كتِبَ على\nالنصارى، وما ذَكَرَهُ البيضاوِيُّ ليس عليه دَليل معتَمد، ولذلك نتوقَفُ فيه\nولا نَقولُ به.\nوقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ كَتَبَ علينا الصيام كما كَتَبه على الذين من قبلِنا.\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) .\nوهذه إشارةٌ قرآنية مجملَة، لم يَرِدْ حِديثٌ","vol":"1","page":425},{"text":"صَحيحٌ بتفصيلها، فنُبْقيها على إجمالِها، ولا نخوضُ في بيانِها، لعدمِ وجودِ\nدليلٍ نعتمدُ عليه.\nفكلُّ ما نقولُه: أَوجَبَ اللهُ علينا الصيام، كما أَوجبه على\nالذينَ من قبلِنا، فكانَ المسلمون السابقونَ يَصومون، أَمّا كيفَ كانوا يَصومون؟\nوكم كانوا يَصومون؟\nومِنْ أَيِّ شهرٍ كانوا يصومونِ؟\nفعِلْمُ ذلك عندَ الله.\nأَما ما ذَكَرَه أَبو الفداء في تاريخه عن صومِ الصابئين فإنه لا دَليلَ عليه\nعندنا، حيث لم يَرِدْ فيه نقلٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - أو الصحابة، ولذلك نتوقف فيه ولا نعتمدهُ، ولا نَعرفُ كيف كان يَصومُ الصابئون!.\nبعد هذا البيانِ ننظرُ في ما قالَه الفادي الجاهل: \" ونحنُ نسأَل: إِنْ كانَ\nصيامُ رمضانَ ليس شَرْعًا جَديدًا، ولا هو من الدينِ الإِسلاميِّ في شيء، بل\nهو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العرب، فكيفَ يقول: إِنَ مصدرَه وحيٌ\nسماوِي؟ \".\nإِنَّ هذا قولٌ متهافتٌ سخيفٌ، مبنيٌّ على كلامٍ غيرِ صَحيح ولا مَقبول،\nوالمهمّ عند الفادي إِدانةُ القرآن، واتِّهامُه بالخَطأ، ونفيُ كونهِ من عندِ الله،\nوالزعمُ بأَنَّه من البشر، ولذلك يَعتمدُ أيَّ كَلامٍ يُحققُ له هذا الهدفَ الخبيث، حتى لو كانَ ذلك الكلامُ باطلًا مردودًا ...\nوما بالُكَ في مَنْ يزعمُ أَنه باحِث، وهو يَعتمدُ على كلامٍ غير صحيح؟!.\nإِنَّ صومَ شهرِ رمضان شرعٌ إسلاميٌّ جَديد، خاصٌّ بالمسلمين، واللهُ هو\nالذي كَتَبَه عليهم وأَمَرَهم به، كما وردَ في الآياتِ الصريحة، وخَصَّهم بأحكامِه التشريعية..\nولا يَنفي هذه الحقيقة القاطعة تشبيهُ صيامِنا بصيامِ مَنْ قبلنا: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، فوجْهُ الشَّبَهِ هو في وُجوبِ الصِيام، وهو الامتِناعُ عن الطعامِ والشرابِ.\nأما كيفيةُ الصيامِ وأحكامُه وعَدَدُ أيامِه، فلكلِّ أُمَّةٍ تَشْرِيعُهَا الربانيُّ الخاصُّ بها، كما قالَ اللهُ تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>حول حرمة الأشهر الحرم</span>\nأَوردَ الفادي عدةَ آياتٍ تتحدَّثُ عن القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم، والأَشهرُ\nالأَربعةُ التي وادَعَ عليها رسولُ اللهِ - ﷺ - المشركين المعاهَدين.\nوالآياتُ التي ذَكَرَها سبعُ آياتٍ من سورة التوبة (١ - ٥) و(٣٦) و(٣٧)، وآية من سورة البقرة (١٩٤)، وآيتان من سورة المائدة و(٩٧) .\nوبعد ذلك أَثارَ أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكية، قال: \" ونحنُ نسأل: لماذا\nيُحَرِّمُ القرآنُ القتالَ في الأَربعةِ أَشهرٍ الحُرُم فقط، ويُحَلِّلُهُ في بقيةِ شُهورِ السَّنة؟\nأَليسَ الأَجدرُ أَنْ يُحَرمَ القتالَ دائمًا ليحيا الناسُ في سَلام؟\nولماذا يُخالفُ القرآنُ ما اصطلحَ عليه العربُ من منعِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم، بعد اعترافِه أَنّ ذلك من شعائِرِ الله؟\nويُلَطِّخُ الأَشهرَ الحُرُمَ بِسفْكِ الدِّماءِ، مما جَعَلَ العربَ يُعَيِّرونَه بالغَدْر والخيانة؟\nوما بالُ القرآن بعد هذا يُدافعُ عن الأَشهر الحُرُم،\nفيخلط بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَةِ الشمسيَّة، ويَزعمُ أَنَّ الاعتراف بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْرٌ؟\nوإذا كانَت الأَشهرُ الحُرُمُ من شعائرِ الله، فلماذا بَطَلَ اعتبارُها في جميعِ\nالعالمِ الإسلاميِّ في الوقْتِ الحاضِر؟ \".\nيَعترضُ الفادي على تَحريمِ القِتالِ في الأَشهرِ الحُرمِ فقط، ويَقترحُ تَعميمَ\nتَحريمهِ على أَشهرِ السَّنَةِ كُلِّها، ليَعيشَ الناسُ في سَلام! في الوقتِ الذي\nيُخَطِّطُ فيه الأعداءُ لقتالِ المسلمين، ولا يتوقَّفُ تَخطيطُهم أَو حَشْدُ جيوشِهم\nفي أَيِّ شهرٍ من شُهورِ السَّنَة! فما معنى ذلك؟\nإِنها دعوةٌ خبيثة من هذا الفادي وأمثالِه، لِيَقْتُلَ روحَ الجهادِ في نفوسِ المسلمين، لكي لا يُواجِهوا الأعداءَ الحريصينَ على قِتالِهم!\nوتَأَمَّلْ مَعَنا براءةَ دعوةِ الفادي: الأَعداءُ لا يتوقَّفون عن ضَرْبِنا ومواجهتِنا، ويَجبُ على قرآنِنا أَنْ يُحَرِّمَ علينا قتالَهم!!.","vol":"1","page":427},{"text":"ثم يَعترضُ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن الأَشهرِ الحُرُم، ويتهِمُه\nبالتناقُض! فبعدما اعترفَ القرآنُ أَنَّ الأَشهرَ الحُرُمَ من شعائرِ اللهِ التي يَحرمُ\nالقِتالُ فيها، ونهى المسلمينَ عن استحلالِ القتالِ فيها، وذلك في قوله تعالى:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) .\nعادَ وأَباحَ للمسلمين القتالَ في الشهرِ الحَرام، وذلك في قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) .\nمع أَنَّ الأَمْرَ ليس كما - فهمَه ذلك الجاهل، وإِنَّنا نوقنُ أَنه لا تَعارُضَ بين\n- آياتِ القرآن.\nفالقراَنُ حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم؛ لأَنها من شعائر الله التي لا يَجوزُ استحلالُ القِتال فيها، حتى العربُ في الجاهليةِ\nاحترموها ولم يَتَقاتَلوا فيها، ولذلك كان المسلمونَ أَكْثرَ احْتِرامًا لها.\nلكنَّ القرآنَ أَجازَ للمسلمينَ الرَّدَّ على قِتالِ الأَعداءِ لهم فيها، ولا يُلامُ\nالمسلمونَ على رَدِّ العُدوانِ في الأَشهرِ الحُرُم، إِنما يُلامُ الأَعداءُ المعتَدون،\nالذين انتهكوا حرمةَ تلك الأَشهر الحُرُم، وليس من المعقولِ أَن يُهاجِمَ\nالأَعداءُ المسلمين، وأَن يسكتَ عليهم المسلمونَ بحجةِ حرمةِ القِتالِ في\nالأَشهُرِ الحُرُم! وعلى هذا قولُه تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .\nوبهذا الجمع بين الآيات التي تُحَرِّمُ بَدْءَ القتالِ في الأَشهر الحُرُم، والآياتِ التي تُبيحُ رَدَّ الاعتداءِ في الأَشهرِ الحُرُم نُدركُ حكمةَ التشريعِ الإسلاميِّ الجهادي.\nوالأَمْرُ في هذه المسألةِ مثلُ حُكْمِ القتالِ عند المسجدِ الحرام، فاللهُ حَرَّمَ على المسلمين البدءَ بقتالِ الكافرين عندَ المسجدِ الحرام، لكنه أَجازَ لهم الرَّدَّ على قتالِهم.\nقال تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) .","vol":"1","page":428},{"text":"ولكنَّ الفادي الجاهلَ مطموسُ البصيرة، محجوبُ القلب، لا يُوَفَّقُ لهذه\nالمعاني لكفرِه وضَلالِه، ولذلك يُسارعُ بتخطئةِ المرآنِ واتهامِه بالتناقُض!!.\nولم يفهم الغبيُّ حديثَ القرآنِ عن شهورِ السنة، وما فيها من أَشهرٍ\nحُرُم، وما كانَ يَفْعَلُهُ الجاهليّون من نَسيءٍ فيها.\nقال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .\nالمعتَمَدُ في الإِسلامِ هو الحسابُ القمري، والسَّنَةُ القمريةُ اثْنا عَشَرَ\nشَهرًا، منها أَربعةُ أَشهرٍ حرم وهي: ذو القعدةِ، وذو الحجةِ، ومحرمٌ،\nورجب.\nودَعا اللهُ المسلمين إِلى عدمِ ظُلْم أَنفسِهم بارتكابِ المعاصي، ومنها\nانتهاكُ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، ببدءِ قِتالِ الأًعداءِ فيها، فَإنْ قاتَلَهم الأَعداءُ فيها جازَ لهم قِتالُهم والرَّدُّ على عدوانِهم، كما تُصرحُ آياتُ سورةِ البقرة وسورةِ التوبة: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) و(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) .\nتَذُمُّ الآياتُ بعدَ ذلك المشركينَ في الجاهلية، لما كانوا يُمارسونَه من\nنَسيء، وذلك بنقلِ حُرْمةِ شهرٍ حَرامٍ إلى شهرٍ آخر، إِذا احتاجوا لقِتالِ الآخَرين فيه، وقد زادَهم هذا النَّسيءُ والتلاعبُ كُفْرًا وضلالًا.\nهذا ما تقرره الآيتانِ (٣٦ - ٣٧) من سورةِ التوبة، وكم كان الفادي\nالجاهلُ غبيًا عندما استخرجَ منهما قولَه: \" ما بالُ القرآنِ بعد هذا يُدافعُ عن\nالأَشهرِ الحُرُم، فيخلطُ بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَة الشمسية، وَيزعمُ أَنَّ الاعترافَ بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْر؟ \".\nلا أدري كيفَ خَلَطَ القرآنُ في الآيتَيْن السابقتَيْن بين السنةِ القمريةِ والسنةِ","vol":"1","page":429},{"text":"الشمسية! إِنَّ كلامَه هو عن السَّنَةِ القمرية، ولم يَتكلمْ عن السَّنَةِ الشمسيةِ كلمةً واحدة!\nولا أَدري من أَينَ أخذ الغبيُّ أَنَّ القرآنَ اعتبرَ الاعترافَ بالسَّنةِ الشمسيةِ\nكفرًا، مع أَنه لم يَذْكُرْها أَصْلًا.\nإِنه من السهلِ توزيعُ الاتهاماتِ جزافًا، وقد يُخْدَعُ بها بعضُ الناسِ\nأَحيانًا، لكن ماذا يكونُ موقفُ المفْتَري عندما تتلاشى اتهاماتُه، ويعرفُ\nالمراقبونَ والمتابعون تَفاهتها؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>هل انتشر الإسلام بالسيف</span>؟\nذَكَرَ المفترِي قولَ اللهِ - ﷿ -: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) .\nونَقَلَ كلامًا من تفسيرِ البيِضاويِّ في تفسيرِ الآية، وَوَقَفَ أَمامَ جملةِ:\n(تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ)، ونَقَل تفسيرَ البيضاويِّ لها: \" أَيْ: يكونُ أَحَدُ\nالأَمْرين: إِمّا الإِسلامُ أو المقاتَلَة، لا غير..\nومَنْ عَداهُمْ يقاتَلُ حتى يُسلمَ أَو يعطيَ الجزية.\n(فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا) هو الغنيمةُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرة \".\nأَيْ أَنَّ المشركين في بلادِ العرب يُقاتَلون، ولا يَتوقَّفُ قتالُهم إلَّا بإسْلامهم..\nأَمّا أَهلُ الكتابِ من اليهودِ والنصارى فأَمامَهم خياران: إِمّا الإِسلامُ وإِما دَفْعُ الجزية، وهو ما دَلَّ عليه قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .\nواعترضَ الفادي المفْتَري على هذه الدعوةِ القرآنية، واعتَبَرَها دَليلًا على\nانتشارِ الإِسلامِ بالسيف.\nقال: \" ونحنُ نسأَلُ: هل يقومُ دينٌ صادِق إِلّا على","vol":"1","page":430},{"text":"الحُجةِ والبُرهان، لا على الإرهابِ والاستبداد؟\nوإنْ كانتِ الآيات ُ المكيةُ تَحُضُّ على السِّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القتال، فأَيُّ آياتٍ منها أَرسخُ وأَثبتُ؟\nوأَيُّها أَنسبُ من حيثُ الإيمانُ والثواب؟.\nإنَّ الإِرهابَ يَدْفَعُ للنفاق.\nقالَ الشاعر:\nأَسْلَمَ الكافِرونَ بِالسيْفِ قَهْرًا ... وإذا ما خَلَوَا فَهُمْ مُجْرِمونَ\nسَلِموا مِنْ رَواحِ مالٍ وَروحٍ ... فَلَا هُمْ سالِمونَ ولا مُسْلِمونَ\nيَزعمُ المفترِي وُجودَ تَعارضٍ بينَ الآياتِ المدنيةِ والآياتِ المكيَّة،\nفالآياتُ المكيةُ تحضُّ على السّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القِتال \" فأَيُّها\nأَصْدقُ؟ وأَيُّها يُتَّبَعُ\"؟ (١) .\nوهذا زَعْمٌ باطل، فالآياتُ المكيةُ سَكَتَتْ عن قِتالِ الكفار، فكانَ قِتالُهم\nمن الأمرِ المؤَجَّل، الذي لم يَحِنْ وَقْتُ الحديثِ عنه، وليس معنى هذا أَنَّ\nالآياتِ المكيةَ كانتْ تَنْهى عن القِتال، وتحضُّ على السَّلام.\nوبعدما أَقامَ المسلمونَ مجتمعَهم الإِسلاميَّ بعد الهِجرة، واعتَدى عليهم\nالكافرون، أَذِنَ اللهُ لهم بالقِتال، وأمرهم به، وحَثَّهُم عليه.\nوأشارَت الآيات ُ المدنيّةُ إِلى ما كانَ عليه المسلمونَ في مكة.\nقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) .\nويَقومُ سؤالُ الفادي على المغالطةِ والاتِّهام: \" هل يقومُ دينٌ صادقٌ إلّا\nعلى الحُجَّةِ والبُرهان، لا على الإرهاب والاستبداد؟ \"..\nومن المتفقِ عليه أَنَّ أَيَّ دينٍ لا يَقومُ إلّا على الحُجةِ والبرهان.\nوالإِسلامُ دينٌ يخاطبُ العقلَ والقلبَ والروح، ويقدمُ للناسِ حقائِقَه بالحُجَّةِ والبرهان، والدليلِ المقنعِ الذي يُخاطبُ العقل.\nوانتشرَ الإسلامُ في العالمِ بالدعوةِ وليسَ بالسيفِ، وقامَ على الحُجَّةِ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦٥- الإسلام انتشر بالسيف، ويحبذ العنف\nالرد على الشبهة:\nوهى من أكثر الشبه انتشارًا، ونرد عليها بالتفصيل حتى نوضح الأمر حولها:\nيقول الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا ﷺ: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (١) .\nإن هذا البيان القرآنى بإطاره الواسع الكبير، الذى يشمل المكان كله فلا يختص بمكان دون مكان، والزمان بأطواره المختلفة وأجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص بحالة دون حالة، والناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة؛ ليجعل الإنسان مشدوها متأملًا فى عظمة التوصيف القرآنى لحقيقة نبوة سيد الأولين والآخرين، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) رحمة عامة شاملة، تجلت مظاهرها فى كل موقف لرسول الله ﷺ تجاه الكون والناس من حوله.\nوالجهاد فى الإسلام حرب مشروعة عند كل العقلاء من بنى البشر، وهى من أنقى أنواع الحروب من جميع الجهات:\n١- من ناحية الهدف.\n٢- من ناحية الأسلوب.\n٣- من ناحية الشروط والضوابط.\n٤- من ناحية الإنهاء والإيقاف.\n٥- من ناحية الآثار أو ما يترتب على هذه الحرب من نتائج.\nوهذا الأمر واضح تمام الوضوح فى جانبى التنظير والتطبيق فى دين الإسلام وعند المسلمين.\nوبالرغم من الوضوح الشديد لهذه الحقيقة، إلا أن التعصب والتجاهل بحقيقة الدين الإسلامى الحنيف، والإصرار على جعله طرفًا فى الصراع وموضوعًا للمحاربة، أحدث لبسًا شديدًا فى هذا المفهوم - مفهوم الجهاد - عند المسلمين، حتى شاع أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأنه يدعو إلى الحرب وإلى العنف، ويكفى فى الرد على هذه الحالة من الافتراء، ما أمر الله به من العدل والإنصاف، وعدم خلط الأوراق، والبحث عن الحقيقة كما هى، وعدم الافتراء على الآخرين، حيث قال سبحانه فى كتابه العزيز: (لِمَ تَلبِسُونَ الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) (٢) .\nولقد فطن لبطلان هذا الادعاء كاتب غربى كبير هو توماس كارليل، حيث قال فى كتابه \" الأبطال وعبادة البطولة \" ما ترجمته: \" إن اتهامه - أى سيدنا محمد ﷺ بالتعويل على السيف فى حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم؛ إذ ليس مما يجوز فى الفهم أن يشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس، أو يستجيبوا له، فإذا آمن به من يقدرون على حرب خصومهم، فقد آمنوا به طائعين مصدقين، وتعرضوا للحرب من غيرهم قبل أن يقدروا عليها \" (٣) .\nويقول المؤرخ الفرنسى غوستاف لوبون فى كتابه \" حضارة العرب \" وهو يتحدث عن سر انتشار الإسلام فى عهده ﷺ وفى عصور الفتوحات من بعده ـ: \" قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التى قهرت العرب مؤخرًا كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار فى الهند - التى لم يكن العرب فيها غير عابرى سبيل - ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها.. ولم يكن الإسلام أقل انتشارًا فى الصين التى لم يفتح العرب أى جزء منها قط، وسترى فى فصل آخر سرعة الدعوة فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا فى الوقت الحاضر \" (٤) .\nهذا وقد مكث رسول الله ﷺ بمكة ثلاثة عشر عامًا، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد كان نتاج هذه المرحلة أن دخل فى الإسلام خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن لدى رسول الله ﷺ ثروة عظيمة يغرى بها هؤلاء الداخلين، ولم يكن إلا الدعوة، والدعوة وحدها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمَّل المسلمون - لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم - من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسى عن تحمله، فما صرفهم ذلك عن دينهم وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة فى الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم، وما سمعنا أن أحدًا منهم ارتدّ سخطًا عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين فى النكوص عنه، وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاء ونقاء، وسنتكلم هنا على الجانبين التنظيرى والتطبيقى، ونقصد بالتنظيرى ما ورد فى مصادر الإسلام (الكتاب والسنة)، ونعنى بالتطبيقى ما حدث عبر القرون ابتداء من الحروب التى شارك فيها النبى ﷺ، وانتهاء بعصرنا الحاضر، ثم نختم ببيان هذه النقاط الخمسة التى ذكرناها سابقًا.\nأولًا: الجانب التنظيرى\nورد فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية آيات وأحاديث تبين شأن الجهاد فى الإسلام، ويرى المطالع لهذه الآيات والأحاديث، أن المجاهد فى سبيل الله، هو ذلك الفارس النبيل الأخلاقى المدرب على أخلاق الفروسية العالية الراقية؛ حتى يستطيع أن يمتثل إلى الأوامر والنواهى الربانية التى تأمره بضبط النفس قبل المعركة وأثناء المعركة وبعد المعركة، فقبل المعركة يجب عليه أن يحرر نفسه من كل الأطماع، وألا يخرج مقاتلا من أجل أى مصلحة شخصية، سواء كانت تلك المصلحة من أجل نفسه أو من أجل الطائفة التى ينتمى إليها، أو من أجل أى عرض دنيوى آخر، وينبغى أن يتقيد بالشروط التى أحل الله فيها الجهاد، وأن يجعل ذلك لوجه الله تعالى، ومعنى هذا أنه سوف يلتزم بأوامر الله، ويستعد لإنهاء الحرب فورًا، إذا ما فقدت الحرب شرطًا من شروط حلها أو سببًا من أسباب استمرارها، وسواء أكان ذلك الفارس منتصرًا، أو أصابه الأذى من عدوه، فإن الله يأمره بضبط النفس، وعدم تركها للانتقام، والتأكيد على الالتزام بالمعانى العليا، وكذلك الحال بعد القتال، فإنه يجب عليه أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر؛ حتى لا يتحول الفارس المجاهد إلى شخصٍ مؤذٍ لمجتمعه أو لجماعته أو للآخرين، وبالرغم من أن لفظة الجهاد إذا أطلقت انصرف الذهن إلى معنى القتال فى سبيل الله. إلا أن الرسول ﷺ قد أسماه بالجهاد الأصغر، وسمى الجهاد المستمر بعد القتال بالجهاد الأكبر؛ لأن القتال يستمر ساعات أو أيام، وما بعد القتال يستغرق عمر الإنسان كله.\nوفيما يلى نورد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تحدثت عن هذه القضية، ثم بعد ذلك نستخرج منها الأهداف والشروط والضوابط والأساليب، ونعرف منها متى تنتهى الحرب، والآثار المترتبة على ذلك:\nأولًا: القرآن الكريم:\n١- (وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) (٥) .\n٢- (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) (٦) .\n٣- (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (٧) .\n٤- (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) (٨) .\n٥- (وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (٩) .\n٦- (ولا تحسبن الذين قُتِلُوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يُرْزَقُون) (١٠) .\n٧- (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا فى سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم) (١١) .\n٨- (فليقاتل فى سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل فى سبيل الله فيُقتل أو يَغِلب فسوف نؤتيه أجرا عظيمًا) (١٢) .\n٩- (وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرًا) (١٣) .\n١٠- (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا) (١٤) .\n١١- (وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون) (١٥) .\n١٢- (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (١٦) .\n١٣- (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير) (١٧) .\n١٤ (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط) (١٨) .\n١٥- (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (١٩) .\n١٦- (يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرًا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) (٢٠) .\n١٧- (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم * وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون) (٢١) .\n١٨- (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فَيَقتُلُون وَيُقتَلُون) (٢٢) .\n١٩- (أُذِنَ للذين يُقَاتَلُون بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا رَبُّنَا الله) (٢٣) .\nثانيًا: الأحاديث النبوية الشريفة:\n١- عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ قال: \" تكفل الله لمن جاهد فى سبيله لا يخرجه من بيته إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة \" (٢٤) .\n٢- عن وهب بن منبه، قال: سألت جابرًا عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبى ﷺ أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبى ﷺ بعد ذلك يقول: \" سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا \" (٢٥) .\n٣- عن سعد بن زيد بن سعد الأشهلى أنه أهدى إلى رسول ﷺ سيفًا من نجران فلما قدم عليه أعطاه محمد بن مسلمة، وقال: \" جاهد بهذا فى سبيل الله فإذا اختلفت أعناق الناس فاضرب به الحجر، ثم ادخل بيتك وكن حلسًا ملقى حتى تقتلك يد خاطئة أو تأتيك منية قاضية. قال الحاكم: فبهذه الأسباب وما جانسها كان اعتزال من اعتزل عن القتال مع على ﵁ وقتال من قاتله \" (٢٦) .\n٤- عن سعيد بن جبير قال: \" خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجل كيف ترى فى قتال الفتنة فقال وهل تدرى ما الفتنة كان محمد ﷺ يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس كقتالكم على الملك \" (٢٧) .\n٥- عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: إنى أريد الجهاد فقال: \" أحى والداك؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد \" (٢٨) .\nويتضح من هذه الآيات والأحاديث أن هدف الحرب فى الإسلام يتمثل فى الآتى:\n١- رد العدوان والدفاع عن النفس.\n٢- تأمين الدعوة إلى الله وإتاحة الفرصة للضعفاء الذين يريدون اعتناقها.\n٣- المطالبة بالحقوق السليبة.\n٤- نصرة الحق والعدل.\nويتضح لنا أيضا أن من شروط وضوابط الحرب:\n(١) النبل والوضوح فى الوسيلة والهدف.\n(٢) لا قتال إلا مع المقاتلين ولا عدوان على المدنيين.\n(٣) إذا جنحوا للسلم وانتهوا عن القتال فلا عدوان إلا على الظالمين.\n(٤) المحافظة على الأسرى ومعاملتهم المعاملة الحسنة التى تليق بالإنسان.\n(٥) المحافظة على البيئة ويدخل فى ذلك النهى عن قتل الحيوان لغير مصلحة وتحريق الأشجار، وإفساد الزروع والثمار، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت.\n(٦) المحافظة على الحرية الدينية لأصحاب الصوامع والرهبان وعدم التعرض لهم.\nالآثار المترتبة على الجهاد\nيتضح لنا مما سبق أن الجهاد فى الإسلام قد اتسم بنبل الغاية والوسيلة معا، فلا غرو أن تكون الآثار والثمار المتولدة عن هذا الجهاد متناسقة تماما فى هذا السياق من النبل والوضوح؛ لأن النتائج فرع عن المقدمات، ونلخص هذه الآثار فى النقاط التالية:\n(١) تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية.\n(٢) إزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وهو الشر الذى يؤدى إلى الإفساد فى الأرض بعد إصلاحها.\n(٣) إقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم.\n(٤) تقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية.\n(٥) تحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس فى أوطانهم.\nيقول الله ﷾ فى سورة الحج:\n(الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) (٢٩) .\nقال الإمام القرطبى عند تفسيره لهذه الآية:\n(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) أى لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم فى الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات؛ فكأنه قال: أذن فى القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوى هذا الأمر فى القتال بقوله: (ولولا دفع الله الناس) الآية؛ أى لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق فى كل أمة. فمن استشبع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقى الدين الذى يذب عنه. وأيضًا هذه المواضع التى اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى؛ أى لولا هذا الدفع لهُدمت فى زمن موسى الكنائس، وفى زمن عيسى الصوامع والبيع، وفى زمن محمد ﷺ المساجد. \" لهدمت \" من هدمت البناء أى نقضته فانهدم. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل فى تأويل الآية \" (٣٠) .\nثانيًا: الناحية التطبيقية\n(١) حروب النبى ﷺ:\n(أ) الحرب ظاهرة اجتماعية:\nالحرب ظاهرة إنسانية قديمة قدم الإنسان على ظهر هذه البسيطة، فمنذ وُجد الإنسان وهو يصارع ويحارب، وكعلاقة من العلاقات الاجتماعية الحتمية نشأت الحرب، فالاحتكاك بين البشر لابد وأن يُوَلِّد صدامًا من نوع ما، لقد جبل الإنسان على غريزة التملك التى تدعوه إلى التشبث بما يملكه، حيث إن هذه الغريزة هى التى تحفظ عليه البقاء فى الحياة، وهى بالتالى التى تتولد عنها غريزة المقاتلة، فى أبسط صورها دفاعًا عن حقه فى الاستمرار والحياة، وقد تتعقد نفسية الإنسان وتصبح حاجاته ومتطلباته مركبة، فلا يقاتل طالبًا للقوت أو دفاعًا عنه فقط، وإنما يقاتل طلبًا للحرية ورفعًا للظلم واستردادا للكرامة. ويُفَصِّل العلامة ابن خلدون هذه الحقيقة فى مقدمته فيقول: \" اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة فى الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض ويتعصب لكل منها أهل عصبيته، فإذا تذامروا لذلك وتوافقت الطائفتان؛ إحداهما تطلب الانتقام والأخرى تدافع، كانت الحرب وهو أمر طبيعى فى البشر، إما غيرة ومنافسة وإما عدوان وإما غضب لله ولدينه، وإما غضب للملك وسعى فى تمهيده \" (٣١) .\n(ب) الحرب فى الكتب المقدسة قبل الإسلام:\nإذا ما تجاوزنا الأمم والحضارات البشرية، وتأملنا فى الكتب السماوية المقدسة (التوراة - الإنجيل)، نرى أن هذه الكتب المقدسة قد تجاوزت الأسباب المادية الغريزية التى يقاتل الإنسان من أجلها إلى أسباب أكثر رُقِيًّا وحضارة، فبعد أن كان الإنسان يقاتل رغبة فى امتلاك الطعام أو الأرض، أو رغبة فى الثأر الشخصى من الآخرين، أو حتى ردا للعدوان، نرى أن الكتب المقدسة قد أضافت أسبابًا أخرى، أسبابًا إلهية تسمو بالبشرية عن الدنايا وظلم الآخرين، إلى بذل النفس إقامة للعدل، ونصرة للمظلوم، ومحاربة للكفر والخروج عن منهج الله، لقد حددت الكتب السماوية المناهج والأطر التى يُسْمَح فيها بإقامة القتال وعبرت بالإنسان مرحلة بناء المجد الشخصى المؤسس على الأنا، إلى مرحلة التضحية من أجل المبادئ والمثل الإلهية العليا، التى تعمل فى إطار الجماعة البشرية لا فى محيط الفرد الواحد.\nالحرب فى العهد القديم:\nوردت أسباب الحرب فى ست وثلاثين آية تقع فى ثمانية أسفار من أسفار العهد القديم هى: (التكوين - العدد - التثنية - يوشع - القضاة - صموئيل الأول - الملوك الثانى - حزقيال) .\n(١) ففى سفر العدد - الإصحاح الثالث عشر، ورد ما يفيد أن موسى ﵇ بعد خروجه بقومه من مصر بعث رسلا يتحسسون أمر أرض كنعان - فلسطين - ليستقروا فيها:\n\" فساروا حتى أتوا موسى وهارون وكل جماعة بنى إسرائيل إلى برية فاران إلى قادش، وردوا إليهما خبرًا وإلى كل الجماعة، وأروهم ثمر الأرض وأخبروه، وقالوا: قد ذهبنا إلى الأرض التى أرسلتنا إليها وحقا إنها تفيض لبنًا وعسلًا وهذا ثمرها غير أن الشعب الساكن فى الأرض معتز والمدن حصينة عظيمة جدًا وأيضا قد رأينا بنى عناق هناك \" (٣٢) .\n(٢) وجاء فى سفر صموئيل الأول - الإصحاح الخامس والعشرون:\n\" فأجاب نابال عبيد داود وقال: من هو داود ومن هو ابن يسى قد كثر اليوم العبيد الذين يقحصون كل واحد من أمام سيده، أآخذ خبزى ومائى وذبيحى الذى ذبحت لجارى وأعطيه لقوم لا أعلم من أين هم؟ فتحول غلمان داود إلى طريقهم ورجعوا وجاءوا وأخبروه حسب كل هذا الكلام، فقال داود لرجاله: ليتقلد كل واحد منكم سيفه وتقلد داود سيفه وصعد وراء داود نحو أربعمائة رجل ومكث مائتان مع الأمتعة \" (٣٣) .\n(٣) وفى سفر الملوك الثانى - الإصحاح الثالث:\n\" وكان ميشع ملك موآب الثانى صاحب مواش، فأدى لملك إسرائيل مائة ألف خروف ومائة ألف كبش بصوفها، وعند موت آخاب عصى ملك موآب على ملك إسرائيل وخرج الملك يهورام فى ذلك اليوم من السامرة وعد كل إسرائيل وذهب وأرسل إلى يهو شافاط ملك يهوذا يقول: قد عصى على ملك موآب، فهل تذهب معى إلى موآب للحرب؟ \" (٣٤) .\n(٤) جاء فى حزقيال الإصحاح الواحد والعشرون:\n\" وكان إلى كلام الرب قائلا: يا ابن آدم اجعل وجهك نحو أورشليم وتكلم على المقادس وتنبأ على أرض إسرائيل وقل لأرض إسرائيل هكذا قال الرب هأنذا عليك وأستل سيفى من غمده فأقطع منه الصديق والشرير من حيث إنى أقطع منك الصديق والشرير فلذلك يخرج سيفى من غمده على كل بشر من الجنوب إلى الشمال فيعلم كل بشر أنى أنا الرب سللت سيفى من غمده لا يرجع أيضًا \" (٣٥) .\n(٥) وجاء فى سفر يوشع الإصحاح الثالث والعشرون:\n\" وأنتم قد رأيتم كل ما عمل الرب إلهكم هو المحارب عنكم انظروا: قد قسمت لكم بالقرعة هؤلاء الشعوب الباقين ملكًا حسب أسباطكم من الأردن وجميع الشعوب التى قرضتها والبحر العظيم نحو غروب الشمس والرب إلهكم هو ينفيهم من أمامكم ويطردهم من قدامكم فتملكون أرضهم كما كلمكم الرب إلهكم \" (٣٦) .\n(٦) وجاء فى سفر القضاة الإصحاح الأول:\n\" وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوا بحد السيف وأشعلوا المدينة بالنار وبعد ذلك نزل بنو يهوذا لمحاربة الكنعانيين سكان الجبل وسكان الجنوب والسهل \".\n(٧) وفى سفر القضاة الإصحاح الثامن عشر:\n\" فأما هم فقد أخذوا ما صنع ميخًا والكاهن الذى له وجاءوا إلى لايش إلى شعب مستريح مطمئن فضربوهم بحد السيف وأحرقوا المدينة بالنار ولم يكن مَنْ ينقذ لأنها بعيدة عن صيدون ولم يكن لهم أمر مع إنسان وهى فى الوادى الذى لبيت رحوب فبنوا المدينة وسكنوا بها ودعوا اسم المدينة دان باسم دان أبيهم الذى ولد لإسرائيل ولكن اسم المدينة أولا: لايش \" (٣٧) .\n(٨) وفى صموئيل الأول الإصحاح الرابع:\n\" وخرج إسرائيل للقاء الفلسطينيين للحرب ونزلوا عند حجر المعونة، وأما الفلسطينيون فنزلوا فى أفيق واصطف الفلسطينيون للقاء إسرائيل واشتبكت الحرب فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين وضربوا من الصف فى الحقل نحو أربعة آلاف رجل \" (٣٨) .\n(٩) وفى التكوين الإصحاح الرابع والثلاثون:\n\" فحدث فى اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابنى يعقوب شمعون ولاوى أخوى دينة أخذ كل واحد منهما سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف لأنهم بخسوا أختهم، غنمهم وبقرهم وكل ما فى المدينة وما فى الحقل أخذوه وسبوا ونهبوا كل ثروتهم وكل أطفالهم ونسائهم وكل ما فى البيوت \" (٣٩) .\n(١٠) وفى سفر التكوين الإصحاح الرابع عشر:\n\" فلما سمع إبرام أن أخاه سبى جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاثمائة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان وانقسم عليهم ليلًا هو وعبيده فكسرهم وتبعهم إلى حوبة التى من شمال دمشق واسترجع كل الأملاك واسترجع لوطًا أخاه أيضًا وأملاكه والنساء أيضًا والشعب \" (٤٠) .\n(١١) وفى سفر العدد الإصحاح الواحد والعشرون:\n\" فقال الرب لموسى لا تخف منه لأنى قد دفعته إلى يدك مع جميع قومه وأرضه فتفعل به كما فعلت بسيحون ملك الأموريين الساكن فى حبشون فضربوه وبنيه وجميع قومه حتى لم يبق لهم شارد وملكوا أرضه \" (٤١)\n(١٢) وفى سفر العدد الإصحاح الخامس والعشرون:\n\" ثم كلم الرب موسى قائلا ضايقوا المديانيين واضربوهم لأنهم ضايقوكم بمكايدهم التى كادوكم بها \" (٤٢) .\n(١٣) وفى سفر العدد الإصحاح الثالث والثلاثون:\nتطالعنا التوراة، أن الله قد أمر موسى ﵇ أن يشن حربًا على أقوام قد عبدوا غير الله ﷾: \" وكلم الرب موسى فى عربات مو آب على أردن أريحا قائلا: \" كلم بنى إسرائيل وقل لهم: إنكم عابرون الأردن إلى أرض كنعان فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم \" (٤٣) .\n(١٤) وشبيه به ما ورد فى سفر صموئيل الإصحاح السابع عشر آية ٤٥: ٤٧\n\" فقال داود للفلسطينى: أنت تأتى إلى بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتى إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم ٠٠٠ فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل \" (٤٤) .\n(١٥) وفى سفر صموئيل الأول الإصحاح الثالث والعشرون:\n\" فذهب داود ورجاله إلى قعيلة وحارب الفلسطينيين وساق مواشيهم وضربهم ضربة عظيمة وخلص داود سكان قعيلة \" (٤٥) .\n(١٦) فى سفر المزامير المزمور الثامن عشر:\nيسبح داود الرب ويمجده لأنه يعطيه القوة على محاربة أعدائه: \" الذى يعلم يدى القتال فتحنى بذراعى قوس من نحاس.. أتبع أعدائى فأدركهم ولا أرجع حتى أفنيهم أسحقهم فلا يستطيعون القيام، يسقطون تحت رجلى تمنطقنى بقوة للقتال تصرع تحتى القائمين على وتعطينى أقفية أعدائى ومبغضى أفنيهم \" (٤٦) .\nهذه بعض من حروب بنى إسرائيل التى سجلتها نصوص كتبهم وأسفارهم، فمفهوم الحرب والقتال، ليس مفهومًا كريهًا من وجهة النظر التوراتية، وكأنها حروب مستمدة من الشريعة الدينية التوراتية، وهى كانت دائما تتم بمباركة الرب ومعونته وكأن الرب - حسب تعبير التوراة - قد استل سيفه من غمده فلا يرجع (٤٧) .\nالحرب فى العهد الجديد:\nكذلك نرى الإنجيل لم يهمل الكلام عن الحروب بالكلية، بل جاء نص واضح صريح، لا يحتمل التأويل ولا التحريف يقرر أن المسيحية على الرغم من وداعتها وسماحتها التى تمثلت فى النص الشهير \" من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر \" - إلا أنها تشير إلى أن السيد المسيح ﵇ قد يحمل السيف ويخوض غمار القتال إذا دعته الظروف لذلك؛ فجاء فى الإنجيل على لسان السيد المسيح:\n\" لا تظنوا أنى جئت لأرسى سلامًا على الأرض، ما جئت لأرسى سلامًا، بل سيفًا، فإنى جئت لأجعل الإنسان على خلاف مع أبيه، والبنت مع أمها والكنة مع حماتها وهكذا يصير أعداء الإنسان أهل بيته \" (٤٨) .\nولعلنا نلاحظ التشابه الكبير بين هذه المقولة وحديث الرسول ﷺ: [بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده] (٤٩) .\nمما سبق يتبين لنا واضحًا وجليا أن الحرب والقتال سنة كونية سرت فى الأمم جميعًا، ولم نر فى تاريخ الأمم أمة خلت من حروب وقتال، ورأينا من استعراض الكتب المقدسة - التوراة والإنجيل - أنه سنة شرعية لم تخل شريعة من الشرائع السماوية السابقة على الإسلام من تقريره والقيام به كما مر.\nلقد كان هذا القدر كافيا فى إثبات أن محمدًا ﷺ سائر على سنن من سبقه من الأنبياء، وأن الجهاد لتقرير الحق والعدل مما يمدح به الإسلام؛ لا مما به يشان، وأن ما هو جواب لهم فى تبرير هذه الحروب وسفك الدماء كان جوابًا لنا فى مشروعية ما قام به النبى ﷺ من القتال والجهاد.\nولنشرع الآن فى تتميم بقية جوانب البحث مما يزيل الشبهة ويقيم الحجة ويقطع الطريق على المشككين، فنتكلم عن غزوات النبى ﷺ، ممهدين لذلك بالحالة التى كانت عليها الجزيرة العربية من حروب وقتال وسفك للدماء لأتفه الأسباب وأقلها شأنًا، حتى يبدو للناظر أن القتال كان غريزة متأصلة فى نفوس هؤلاء لا تحتاج إلى قوة إقناع أو استنفار.\nالحرب عند العرب قبل الإسلام\nسجلت كتب التاريخ والأدب العربى ما اشتهر وعرف بأيام العرب، وهى عبارة عن مجموعة من الملاحم القتالية التى نشبت بين العرب قبل مبعث النبى ﷺ، وليس يعنينا سرد هذه الملاحم وتفاصيلها ولكن الذى يعنينا هنا أن نقف على بعض الجوانب التى تصلح للمقارنة (الأسباب - الزمن المستغرق - الآثار التى خلفتها هذه الحروب) .\nقال العلامة محمد أمين البغدادى: \" اعلم أن الحروب الواقعة بين العرب فى الجاهلية أكثر من أن تحصر، ومنها عدة وقائع مشهورة لا يتسع هذا الموضع لذكرها ولنذكر بعضًا منها على سبيل الإجمال \" (٥٠) .\nوقد ذكرت كتب التواريخ أيامًا كثيرة للعرب (البسوس - وداحس والغبراء - يوم النسار - يوم الجفار - يوم الفجار - يوم ذى قار - يوم شعب جبلة - يوم رحرحان ٠٠٠ إلخ) والمتأمل فى هذه الملاحم والأيام يرى أن الحماسة الشديدة والعصبية العمياء وعدم الاكتراث بعواقب الأمور والشجاعة المتهورة التى لا تتسم بالعقل، كانت هى الوقود المحرك لهذه الحروب، هذا فضلًا عن تفاهة الأسباب التى قامت من أجلها هذه المجازر، والمدة الزمنية الطويلة التى استمرت فى بعضها عشرات السنين، والآثار الرهيبة التى خلفتها هذه الحروب، وعلى الرغم من أننا لم نقف على إحصاء دقيق لما خلفته هذه الحروب إلا أن الكلمات التى قيلت فى وصف آثارها من الفناء والخراب وتيتم الأطفال وترمل النساء ٠٠٠ إلخ لتوقفنا على مدى ما أحدثته الحرب فى نفوس الناس من اليأس والشؤم، ويصف لنا الشاعر زهير بن أبى سلمى طرفًا من ذلك فى معلقته المشهورة وهو يخاطب الساعين للسلام بين عبس وذبيان:\nتداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\nفهو يقول للساعين للسلام: إنكما بتحملكما ديات الحرب من مالكما، أنقذتما عبسا وذبيان بعدما يأسوا، ودقوا بينهما عطر منشم، ومنشم هو اسم لامرأة كانت تبيع العطر يضرب بها المثل فى التشاؤم، دليل على عظم اليأس الذى أصاب نفوس الناس من انتهاء هذه الحرب (٥١) .\nهذه إطلالة سريعة ومختصرة على الحروب وأسبابها لدى العرب قبل الإسلام والآن نشرع فى الكلام على تشريع الجهاد فى الإسلام ثم نتبع ذلك بتحليل موثق لغزوات النبى ﷺ.\nالجهاد فى شرعة الإسلام:\nلما استقر النبى ﷺ بالمدينة وأسس حكومته النبوية بها، بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة إلى الله وتحمل الأذى والعذاب فى سبيل ذلك تخللتها ثلاث هجرات جماعية كبيرة - هاجت ثائرة قريش وحقدوا على رسول الله ﷺ لما أحرزه من استقرار ونجاح لهذه الدولة الوليدة - دون ظلم أو استبداد أو سفك للدماء - ولذلك فقد كان ﷺ مقصودًا بالقتل، إذ ليس معقولًا أن تنام أعينهم على هذا التقدم والنمو، ومصالحهم قائمة على الزعامة الدينية فى جزيرة العرب، وهذه الدولة الجديدة قائمة على أساس دينى ربما يكون سببًا فى زوال هذه الزعامة الدينية الوثنية الموروثة. وإذا كان الإسلام دينًا بلغت الميول السلمية فيه مداها فى قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام) (٥٣) إلا أن الميول السلمية لا تتسع لمنع القائمين بهذا الدين الجديد من الدفاع عن أنفسهم وعن دينهم الذى أنزله الله للإنسانية كافة، فى عالم يضيع فيه الحق والعدل إن لم يكن لهما قوة تحميهما، فكان لا مناص من السماح للمسلمين بحماية أنفسهم ودينهم بالسلاح الذى يشهره خصومهم فى وجوههم، ولذلك كان التعبير بقوله تعالى: (أُذِنَ للذين يُقَاتَلُونَ بأنهم ظُلِمُوا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) (٥٣) .\nأقول: كان التعبير بالإذن الذى يدل على المنع قبل نزول الآية يدل على طروء القتال فى الإسلام وأنه ظل ممنوعًا طيلة العهد المكى وبعضًا من العهد المدنى.\n\" هذا ولم يغفل الإسلام حتى فى هذا الموطن - موطن الدفاع عن النفس والدين - أن ينصح لأتباعه بعدم العدوان؛ لأن الموضوع حماية حق لا موضوع انتقام ولا شفاء حزازات الصدور، وهذا من مميزات الحكومة النبوية، فإن القائم عليها من نبى يكون كالجراح يضع مشرطه حيث يوجد الداء لاستئصاله، مع عدم المساس بالأعضاء السليمة، ومقصده استبقاء حياة المريض لا قتله، والعالم كله فى نظر الحكومة النبوية شخص مريض تعمل لاستدامة وجوده سليمًا قويًا.. إن طبيعة هذا العالم مبنية على التدافع والتغالب ليس فيما بين الناس فحسب، ولكن فيما بينهم وبين الوجود المحيط بهم، وبين كل فرد والعوامل المتسلطة عليه من نفسه، ولا أظن أن قارئًا من قرائنا يجهل الناموس الذى اكتشفه دارون وروسل ولاس ودعوه ناموس تنازع البقاء وبنوا عليه كل تطور أصاب الأنواع النباتية والحيوانية والإنسان أيضًا \" (٥٤) .\n\" ألم تر كيف تصدى خصوم الدين النصرانى للمسيح، وما كان يدعو إلا للصلاح والسلام حتى إنهم استصدروا أمرًا بصلبه فنجاه الله منهم، وما زالوا بالذين اتبعوه يضطهدونهم ويقتلونهم حتى مضت ثلاثة قرون وهم مشردون فى الأرض لا تجمعهم جامعة، إلى أن حماهم من أعدائهم السيف على يد الإمبراطور قسطنطين الذى أعمل السيف فى الوثنيين من أعدائهم.. أفيريد مثيرو هذه الشبهة أن يقوم دين على غير السنن الطبيعية فى عالم مبنى على سنن التدافع والتنازع واستخدام القوة الحيوانية لطمس معالم الحق ودك صروح العدل \"؟ \" يقول المعترضون: وماذا أعددتم من حجة حين تجمع الأمم على إبطال الحروب وحسم منازعاتها عن طريق التحكيم، وهذا قرآنكم يدعوكم إلى الجهاد وحثكم على الاستبسال فيه؟\nنقول: أعددنا لهذا العهد قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (٥٥) .\n\" هذه حكمة بالغة من القرآن، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة، وهى أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها، ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التى لابد منها ما دام الإنسان فى عقليته ونفسيته المأثورتين عنه، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمى يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حُجة لأهله من ناحية، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم \" (٥٦) .\nثانيًا: نظرة تحليلية لغزوات النبى ﷺ:\nإذا تتبعنا هذه الغزوات وقسمناها حسب الطوائف التى ضمتها، أمكننا التعرف على القبائل التى حدثت معها هذه المعارك وهى كالآتى:\n(١) قريش مكة:\nوهى القبيلة التى ينتمى إليها النبى ﷺ، حيث أن قريش هو فهر بن مالك، وقيل النضر بن كنانة، وعلى كلا القولين فقريش جد للنبى ﷺ، وكانت معهم الغزوات: سيف البحر - الرابغ - ضرار - بواط - سفوان - ذو العشيرة - السويق - ذو قردة - أحد - حمراء الأسد - بدر الآخرة - الأحزاب - سرية العيص - سرية عمرو بن أمية - الحديبية - سيف البحر الثانية ٨هـ - فتح مكة.\n(٢) قبيلة بنو غطفان وأنمار:\nغطفان من مضر، قال السويدى: \" بنو غطفان بطن من قيس ابن عيلان بن مضر، قال فى العبر: وهم بطن متسع كثير الشعوب والبطون \" (٥٧)، قال ابن حجر فى فتح البارى: \" تميم وأسد وغطفان وهوازن جميعهم من مضر بالاتفاق \" (٥٨)، أما أنمار فهم يشتركون فى نفس النسب مع غطفان، قال ابن حجر: \" وسيأتى بعد باب أن أنمار فى قبائل منهم بطن من غطفان \" (٥٩)، أى أن أنمار ينتسبون إلى مضر أيضًا ونسبهم كالتالى: أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر (٦٠) .\nوالغزوات التى ضمتها هى: قرقرة الكدر - ذى أمر - دومة الجندل - بنى المصطلق - الغابة - وادى القرى - سرية كرز بن جابر - ذات الرقاع - تربة - الميفعة - الخربة - سرية أبى قتادة - عبد الله بن حذافة (٦١) .\n(٣) بنو سليم:\nقال السويدى: \" بضم السين المهملة قبيلة عظيمة من قيس عيلان والنسبة إليهم سلمى، وسليم من أولاد خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر (٦٢)، والغزوات التى خاضها ﷺ مع بنى سليم هى: بئر معونة - جموم - سرية أبى العوجاء - غزوة بنى ملوح وبنى سليم (٦٣) .\n(٤) بنو ثعلبة:\nثعلبة هو ابن سعد بن ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٦٤)، نسبه الدكتور على الجندى إلى مر بن أد هكذا: ثعلبة بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر (٦٥)، والغزوات التى غزاها ﷺ معهم هى: غزوة ذى القصة - غزوة بنى ثعلبة - غزوة طرف - سرية الحسمى (٦٦) .\n(٥) بنو فزارة وعذرة:\nقال فى سبائك الذهب: \" بنو فزارة بطن من ذبيان من غطفان، قال فى العبر: وكانت منازل فزارة بنجد ووادى القرى، ونسب فزارة: فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر.\nأما بنو عذرة: بنوه بطن من قضاعة، ونسبهم هكذا: عذرة بن سعد بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافى بن قضاعة (٦٧) . ونسبهم إلى قضاعة أيضًا الدكتور على الجندى معتمدًا على أنساب ابن حزم هكذا: عذرة بن سعد بن أسلم بن عمران بن الحافى بن قضاعة (٦٨)، وعلى هذا فبنو عذرة ليسو من مضر وإنما كانوا موالين لبنى فزارة وهم من مضر. وكان معهما الغزوات والسرايا الآتية:\nسرية أبى بكر الصديق - سرية فدك - سرية بشير بن سعد - غزوة ذات أطلح (٦٩) .\n(٦) بنو كلاب وبنو مرة:\nأما بنو كلاب فهم: بنو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبنو مرة هم أبناء كعب بن لؤى فيكون كلاب بطن من مرة، وهذه نفس سلسلة النسب التى ذكرها الدكتور على الجندى معتمدًا على أنساب ابن حزم (٧٠)، والغزوات التى كانت معهم: غزوة قريظة - غزوة بنى كلاب - غزوة بنى مرة - سرية ضحاك (٧١) .\n(٧) عضل والقارة:\nقال فى سبائك الذهب: \"عضل بطن من بنى الهون من مضر\"، ونسبهم هكذا: عضل بن الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأما القارة فلم يذكرها السويدى فى السبائك ولا الدكتور الجندى، إلا أن الأستاذ الشيخ محمد الخضرى نسبها إلى خزيمة بن مدركة، وذكر الفارة بالفاء الموحدة لا بالقاف المثناة (٧٢) وقد غزاهم النبى ﷺ غزوة واحدة هى غزوة الرجيع (٧٣) .\n(٨) بنو أسد:\nقال السويدى: \" بنو أسد حى من بنى خزيمة، ونسبهم هكذا: أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر (٧٤)، والغزوات التى غزاهم رسول الله ﷺ هى: سرية قطن - سرية عمر مرزوق - غزوة ذات السلاسل (٧٥) .\n(٩) بنو ذكوان:\nقال السويدى: \" بنو ذكوان بطن من بهتة من سليم، وهم من الذين مكث النبى ﷺ شهرًا يقنت فى الصلاة يدعو عليهم وعلى رعل (٧٦) ونسبهم هكذا: ذكوان بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٧٧)، ولم يغزهم رسول الله ﷺ إلا غزوة واحدة هى غزوة بئر معونة.\n(١٠) بنو لحيان:\nمن المعروف أن بنى لحيان من هذيل، وهذيل هو: ابن مدركة بن مضر (٧٨)، وغزاهم النبى ﷺ غزوة واحدة هى: غزوة بنى لحيان (٧٩) .\n(١١) بنو سعد بن بكر:\nنسبهم: سعد بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة ابن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨٠)، وقد أرسل لهم النبى ﷺ سرية واحدة هى سرية فدك.\n(١٢) بنو هوازن:\nبنو هوازن بطن من قيس عيلان، ونسبهم هكذا: هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨١)، وقد غزاهم ﷺ غزوة ذات عرق.\n(١٣) بنو تميم:\nبنو بطن من طابخة، قال فى العبر: \" وكانت منازلهم بأرض نجد دائرة من هنالك على البصرة واليمن، ونسبهم هكذا: تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر \" (٨٢) .\n(١٤) بنو ثقيف:\nبنو ثقيف بطن من هوازن اشتهروا باسم أبيهم ثقيف، ونسبهم: ثقيف بن منبه بن بكر بن بهتة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر (٨٣)، وقد غزاهم النبى ﷺ غزوتين هما: غزوة حنين - غزوة الطائف.\nونستطيع من خلال هذا التتبع أن نقول: إن هذه القبائل كانت جميعها تنتسب إلى مضر وهو جد النبى ﷺ أو من والاهم، وبالمعنى الأدق كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، أما اليهود فقد كانوا مع قريش حسب معاهدتهم معهم، وبذلك ظهر جليًا أن الغزوات والسرايا التى خاضها أو أرسلها النبى ﷺ، كانت موجهة فى نطاق ضيق هو نسل مضر، فلا يمكن أن يقال حينئذ: أن النبى ﷺ قد أشعل نار الحرب ضد العرب جميعًا، أو أنه خاض الحروب لإكراه الناس على اعتناق الإسلام، ولو كان الأمر كما يقولون لوقعت حرب عدوانية أو دفاعية ضد أى قبيلة من مئات القبائل العربية، وهذه الحقيقة تحتاج إلى مزيد من التعمق والتحليل فى بعض خصائص القبائل العربية؛ إذ قد يقول قائل أو يعترض معترض: إن هذا الذى توصلنا إليه بالبحث - ألا وهو انحصار القتال مع المضريين - لم يحدث إلا اتفاقًا، والأمور الاتفاقية لا تدل على شىء ولا يستخرج منها قانون كلى نحكم به على جهاد النبى ﷺ، إذ كان من الممكن أن يقاتل النبى ﷺ ربيعة بدلًا من مضر، أو يقاتل ربيعة ومضر معًا، أو يقاتل القحطانية بدلًا من العدنانية أو يقاتلهما معًا، وهكذا.\nذلك المتوقع أن تزيد الألفة والمودة بين أفراد وقبائل الجد الواحد لا أن تشتعل نار الحرب والقتال بينهم، فما الذى عكس هذا التوقع وقلب الأمر رأسًا على عقب؟!\nوللإجابة على هذه الشبهة نقول:\nكان من أشهر الأمثلة العربية المثل المشهور \" انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا \" وقد كان العرب يطبقون هذا المثل تطبيقًا حرفيًا - دون هذا التعديل الذى أضافه الإسلام عليه - فكانوا ينصرون إخوانهم وبنى أعمامهم نصرًا حقيقيًا على كل حال فى صوابهم وخطئهم وعدلهم وظلمهم، وإذا دخلت قبيلتان منهم فى حلف كان لكل فرد من أفراد القبيلتين النصرة على أفراد القبيلة الأخرى، وهذا الحلف قد يعقده الأفراد وقد يعقده رؤساء القبائل والأمر واحد فى الحالين.\nبينما هم كذلك فى بنى أبيهم وفى حلفائهم، إذ بك تراهم حينما تتشعب البطون قد نافس بعضهم بعضًا فى الشرف والثروة، فنجد القبائل التى يجمعها أب واحد كل واحدة قد وقفت لأختها بالمرصاد تنتهز الفرصة للغض منها والاستيلاء على موارد رزقها، وترى العداء قد بلغ منها الدرجة التى لا تطاق، كما كان بين بطنى الأوس والخزرج، وبين عبس وذبيان، وبين بكر وتغلب ابنى وائل، وبين عبد شمس وهاشم، ٠٠٠ إلخ، فكانت روح الاجتماع سائدة بين القبيلة الواحدة، تزيدها العصبية حياة ونموًا، وكانت مفقودة تمامًا بين القبائل المختلفة؛ فكانت قواهم متفانية فى قتالهم وحروبهم ونزاعاتهم.\nوقد علل الشيخ محمد الخضرى بك هذه الحقيقة العجيبة بأمرين:\nالأمر الأول:\nالتنافس فى مادة الحياة بين بنى الأب الواحد، إذ أن حياتهم كانت قائمة على المراعى التى يسيمون فيها أنعامهم، والمناهل التى منها يشربون.\nالأمر الثانى:\nتنازع الشرف والرياسة، وأكثر ما يكون ذلك إذا مات أكبر الإخوة وله ولد صالح لأن يكون موضع أبيه، فينازع أعمامه رياسة العشيرة ولا يسلم أحد منهما للآخر، وقد يفارق رئيس أحد البيتين الديار مضمرًا فى نفسه ما فيها من العداوة والبغضاء، وقد يبقيا متجاورين، وفى هذه الحالة يكون التنافر أشد كما كان الحال بين الأوس والخزرج من المدينة، وبين هاشم وأمية من مكة، وبين عبس وذبيان من قيس، وبين بكر وتغلب من ربيعة. ومتى وجد النفور بين جماعتين أو بين شخصين لا يحتاج شبوب نار الحرب بينهما إلى أسباب قوية، بل إن أيسر النزاع كاف لنشوب نار الحرب وتيتم الأطفال وتأيم النساء؛ لذلك كانت الجزيرة العربية دائمة الحروب والمنازعات (٨٤) .\nهذه الحقيقة التى توصلنا إليها - وهى أن نار الحرب سريعة النشوب بين أبناء الأب أو الجد الواحد - تدعم ما توصلنا إليه من أن الحرب إنما كانت نتيجة غضب إخوته من أجداده، وإذا كان الخلاف محصورًا فى السببين السابقين، فأى سبب هو الذى أجج نار الغيرة والحقد على رسول الله ﷺ؟ هل السبب هو التنافس فى مادة الحياة الدنيا، أم الخوف من انتزاع الشرف والسيادة التى تؤول إلى النبى ﷺ إذ هم أذعنوا له بالرسالة والنبوة؟\nأما عن السبب الأول فليس واردًا على الإطلاق، فلقد ضرب كفار مكة حصارًا تجويعيًا على رسول الله ﷺ وعلى بنى هاشم وبنى عبد المطلب، فانحازوا إلى شعب أبى طالب ثلاث سنوات كاملة، عاشوا فيها الجوع والحرمان ما لا يخطر ببال، حتى إنهم من شدة الجوع قد أكلوا ورق الشجر وكان يسمع من بعيد بكاء أطفالهم وأنين شيوخهم، ومع ذلك فقد التزم النبى ﷺ الصبر والثبات، ولم يأمر أصحابه أن يشنوا حربًا أو قتالًا لفك هذا الحصار، والخبير يعلم ما الذى يمكن أن يفعله الجوع بالنفس البشرية، إن لم يصحبها نور من وحى أو ثبات من إيمان.\nكان السبب الثانى إذن كفيلًا بإشعال هذه النار فى قلوب هؤلاء وعلى حد تعبير الأستاذ العلامة محمد فريد وجدى: \" كان مقصودًا بالقتل من قريش، وليس يعقل أن تغمض قريش عينها، ومصلحتها الحيوية قائمة على زعامة الدين فى البلاد العربية، وعن قيام زعامة أخرى فى البلاد كيثرب يصبح منافسًا لأم القرى، وربما بزها سلطانًا على العقول، وكر على قريش فأباد خضراءها وسلبها حقها الموروث \" (٨٥)، والذى يؤيد هذا ويقويه ذلك الحوار الذى دار بين الأخنس بن شريق وبين أبى جهل؛ إذ قال له الأخنس: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ - يعنى القرآن - فقال ما سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يأتيه الوحى من السماء، فمتى ندرك هذا؟! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه.\nليست الصدفة إذن ولا محض الاتفاق هما اللذان دفعا النبى ﷺ لقتال أبناء أجداده من مضر دون ربيعة أو غيرها من العرب، بل الطبيعة العربية المتوثبة دائمًا، لمن ينازعها الشرف والسيادة من أبناء الأب الواحد - على ما بيناه آنفًا - كانت هى السبب الرئيسى لاشتعال هذه الحروب ولولاها لما اضطر ﷺ للقتال بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة والصبر تخللها من المشاق والعنت ما الله به عليم، ومع ذلك فقد كان هجيراه - بأبى هو وأمى - \" اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون \".\nوثمة أمر آخر ينبغى الإشارة إليه، يتعلق بالآثار الناجمة عن هذا القتال، من حيث أعداد القتلى التى نجمت عن هذه الغزوات والجدول الآتى يعطينا صورة بيانية عن هذه الآثار كالآتى:\nالغزوة / شهداء المسلمين / قتلى المشركين / الملاحظة\nبدر / ١٤ / ٧٠ /\nأُحد / ٧٠ / ٢٢ /\nالخندق / ٦ / ٣ /\nبنو المصطلق / - / ٣ /\nخيبر / ١٩ / لم يدخل اليهود فى هذه الإحصائية لأن لهم حكم آخر بسبب خيانتهم، فهم قُتلوا بناء على حكم قضائى، بسبب الحرب.\nبئر مونة ٦٩ / - /\nمؤتة / ١٤ / ١٤ /\nحنين / ٤ / ٧١ /\nالطائف / ١٣ / - /\nمعارك أخرى / ١١٨ / ٢٥٦ /\nالمجموع / ٣١٧ / ٤٣٩ / ٧٥٦ من الجانبين.\nوبعد فقد بدا للناظرين واضحًا وجليًا أن الإسلام متمثلًا فى شخص رسول الله ﷺ أبعد ما يكون عن حمل الناس على اعتناق الإسلام بالسيف، وهو الذى قال ﷺ لأعدائه بعدما قدر عليهم: \" اذهبوا فأنتم الطلقاء \" هكذا دون شرط أو قيد، أقول حتى دون اشتراط الإسلام.\nوالنتائج الحقيقية:\n(١) تحويل العرب الوحوش إلى عرب متحضرين، والعرب الملحدين الوثنيين إلى عرب مسلمين موحدين.\n(٢) القضاء على أحداث السلب والنهب وتعزيز الأمن العام فى بلاد تفوق مساحتها مساحة فرنسا بضعفين.\n(٣) إحلال الأخوة والروحانية محل العداوة والبغضاء.\n(٤) إثبات الشورى مكان الاستبداد (٨٦) .\nهذا وقد وضع رسول الله ﷺ ضوابط وقيود كان من شأنها أن تحدد وظيفة الجهاد فى نشر الإسلام فى ربوع المعمورة، دون سفك للدماء ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.\nومن هذه الضوابط قوله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين) (٨٧) .\nفإن كان بين المسلمين والكفار عهد أو أمان فلا يجوز للمسلمين الغدر حتى ينقضى الأمد، فإن خاف المسلمون من أعدائهم خيانة بأن ظهر من قرائن أحوالهم ما يدل على خيانتهم من غير تصريح منهم، فحينئذ يخبرهم المسلمون أنه لا عهد بيننا وبينكم حتى يستوى علم المسلمين وعلم أعدائهم بذلك.\nودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من الأعداء لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف منهم بل علم ذلك.\nودل مفهوم الآية أيضًا على أنه إذا لم يخف منهم خيانة بأن يوجد منهم ما يدل على عدم الخيانة، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته (٨٨) .\nانتشار الإسلام\nأـ معدلات انتشار الإسلام:\nالذى يؤكد على الحقيقة التى توصلنا إليها - وهى أن انتشار الإسلام كان بالدعوة لا بالسيف - أن انتشار الإسلام فى الجزيرة العربية وخارجها، كان وفق معدلات متناسبة تمامًا من الناحيتين الكمية والكيفية، مع التطور الطبيعى لحركة الدعوة الإسلامية، ولا يوجد فى هذه المعدلات نسب غير طبيعية أو طفرات تدل على عكس هذه الحقيقة، والجدول الآتى يوضح هذه النسب:\nالسنوات بالهجرى / فارس / العراق / سورية / مصر / الأندلس\nنسبة المسلمين مع نهاية أول مائة عام / ٥%/ ٣%/ ٢%/ ٢%/أقل من ١%\nالسنوات التى صارت النسبة فيها ٢٥% من السكان/ ١٨٥/ ٢٢٥/ ٢٧٥/ ٢٧٥/ ٢٩٥\nالسنوات التى صارت النسبة فيها ٥٠% من السكان/ ٢٣٥/ ٢٨٠/ ٣٣٠/ ٣٣٠/ ٣٥٥\nالسنوات التى صارت النسبة فيها ٧٥% من السكان/ ٢٨٠/ ٣٢٠/ ٣٨٥/ ٣٨٥/ ٤٠٠\n* حسبت السنوات منذ عام ١٣ قبل الهجرة عندما بدأ تنزيل القرآن الكريم.\nوتوضح معلومات أخرى أن شعب شبه الجزيرة العربية كان الشعب الأول فى الدخول فى الإسلام، وقد أصبح معظمهم مسلمين فى العقود الأولى بعد تنزيل القرآن الكريم.\nوهكذا كان عدد العرب المسلمين يفوق عدد المسلمين من غير العرب فى البداية، ومهدوا الطريق للتثاقف الإسلامى والتعريب من أجل المسلمين غير العرب، ولم يمض وقت على هؤلاء فى أصولهم من أديان ومذاهب متعددة من كل الأمم والحضارات السابقة.\nكان على هؤلاء جميعًا أن يوظفوا بشكل موحد عمليات توأمية للتقليد والابتكار فى وقت واحد وذلك حسب خلفياتهم الأصلية تحت التأثير الثورى والمتحول الأكثر عمقًا للفكر الإسلامى ومؤسساته، وقاموا عن طريق عملية التنسيق المزدوجة بتنقية تراثهم من علوم وتكنولوجيا وفلسفات عصر ما قبل القرآن الكريم وذلك إما بالقبول الجزئى أو الرفض الجزئى، وقاموا كذلك بالابتكار من خلال انطلاقهم من أنظمتهم الفكرية الحسية وتراثهم فى ضوء القرآن الكريم والسنة.\nومن هنا ولدت العلوم الإسلامية والتكنولوجيا الإسلامية والحضارة الإسلامية الحديثة متناسبة مع الأيدولوجية والرؤية الإسلامية الشاملة (٨٩) .\nخصائص ذلك الانتشار:\nـ عدم إبادة الشعوب.\nـ جعلوا العبيد حكامًا.\nـ لم يفتحوا محاكم تفتيش.\nـ ظل اليهود والنصارى والهندوك فى بلادهم.\nـ تزاوجوا من أهل تلك البلاد وبنوا أُسرًا وعائلات على مر التاريخ.\nـ ظل إقليم الحجاز - مصدر الدعوة الإسلامية - فقيرًا إلى عصر البترول فى الوقت الذى كانت الدول الاستعمارية تجلب خيرات البلاد المستعمرة إلى مراكزها.\nـ تعرضت بلاد المسلمين لشتى أنواع الاعتداءات (الحروب الصليبية - الاستعباد فى غرب إفريقيا - إخراج المسلمين من ديارهم فى الأندلس وتعذيب من بقى منهم فى محاكم التفتيش) ونخلص من هذا كله أن تاريخ المسلمين نظيف وأنهم يطالبون خصومهم بالإنصاف والاعتذار، وأنهم لم يفعلوا شيئًا يستوجب ذلك الاعتذار حتى التاريخ المعاصر.\n١ - سرية سيف البحر - رمضان ١ هجرية - ٣٠ راكب - حمزة بن عبد المطلب - ٣٠٠أبو جهل - انصرف المسلمون بدون قتال - بعثت هذه السرية لدراسة أحوال مكة ووجد الأعداء أن المسلمين منتبهون فانصرفوا عنهم.\n٢ - سرية الرابغ - شوال سنة ١ هجرية - ٦٠ - عبيدة بن الحارث - ٢٠٠ عكرمة بن أبى جهل أو أبو صيان - انصرف المسلمون بدون قتال - بعثت هذه السرية لتفقد أحوال أهل مكة فرأت جمعًا عظيمًا من قريش بأسفل ثنية المرة.\n٣ - سرية ضرار - فى ذى القعدة سنة ١ هجرية - ٨٠ سعد بن أبى وقاص - خرج حتى بلغ الجحفة ثم رجع ولم يلق كيدًا.\n٤ - غزوة ودان وهى غزوة الأبواب - صفر ٢ هجرية - ٧٠ - سيدنا محمد ﷺ عاهد عمرو بن مخثى الضمرى على ألا يعين قريش ولا المسلمين.\n٥ - غزوة بواط - ربيع الأول ٢ هجرية - ٢٠٠ - سيدنا محمد ﷺ ١٠٠ - أمية بن خلف - بلغ إلى بواط ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة لقى فى الطريق قريشًا وأمية - رضوى اسم جبل بالقرب من ينبع.\n٦ - غزوة صفوان أو بدر الأولى - ربيع الأول ٢ هجرية - ٧٠ - سيدنا محمد ﷺ كرز بن جابر الفهرى - خرج فى طلب العدو حتى بلغ صفوان فلم يدركه - كان كرز بن جابر قد أغار على مواشى لأهل المدينة.\n٧ - غزوة ذى العشيرة - جمادى الآخرة ٢ هجرية - ١٥٠ - سيدنا محمد ﷺ وادع بنى مذلج وحلفائهم من بنى ضمرة - ذو العشيرة موضع بين مكة والمدينة من بطن ينبع.\n٨ - سرية النخلة - فى رجب ٢ هجرية - ١٢ - عبد الله بن جحش - قافلة تحت قيادة بنى أمية - أطلق الأسيران وودى القتيل - أرسلوا لاستطلاعن قريش فوقع الصدام.\n٩ - غزوة بدر الكبرى - رمضان ٢ هجرية - ٣١٣ - سيدنا محمد ﷺ ١٠٠٠ - أبو جهل - ٢٢ - ٧٠ - ٧٠ - انتصر المسلمون على العدو - بين بدر ومكة سبعة منازل وبين بدر والمدينة ثلاثة منازل لما علم بخروج قريش إلى المدينة ارتحل دفاعًا عن المسلمين.\n١٠ - سرية عمير بن العدى الخطمى - فى رمضان ٢ هجرية - ١ - عمير - ١ - عصماء بن مروان - ١ - قتل عمير اخته التى كانت تحض قومها على الحرب ضد المسلمين.\n١١ - سرية سالم بن عمير الأنصارى - فى شوال ٢ هجرية - ١ - سالم - ١ - الخطمية أبو عكفة - كان أبو عكفة اليهودى يستفز اليهود على المسلمين فقتله سالم.\n١٢ - غزوة بنى قينقاع - فى شوال ٢ هجرية - النبى ﷺ قبيلة بنى قينقاع - تم إجلائهم - أتوا بالشر فى المدينة حين كان المسلمون فى بدر فأجلوا لذلك.\n١٣ - غزوة السويق - فى ذى الحجة ٢ هجرية - ٢٠٠ - النبى ﷺ ٢٠٠ - أبو سفيان - خرج النبى ﷺ فى طلبه فلم يدركه - بعث أبو سفيان من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها فحرقوا فى أسوال من نخل ووجدوا بها رجلين فقتلوهما.\n١٤ - غزوة قرقرة الكدر أو غزوة بنى سليم - محرم ٢ هجرية - ٧٠ - سيدنا محمد ﷺ كرز بن جابر الفهرى - ١ - خرج العدو يغزو المدينة فانصرف حين رأى جمعًا من المسلمين - أسر عبد اسمه يسار فأطلق سراحه.\n١٥ - سرية قررة الكدر - ٢ هجرية - ١ - غالب بن عبد الله الليثى - قبيلة بنى غطفان وبنى سليم - ٣ - قتل من الأعداء وفر الباقون - بعثت هذه السرية إكمالًا إذ اجتمع الأعداء مرة أخرى.\n١٦ - سرية محمد بن مسلمة - ربيع الأول - ٣ هجرية - محمد بن مسلمة الأنصارى الخزرجى - ١ - كعب بن الأشرف اليهودى - ١ - ١ - كان كعب بن الأشرف يحرض القبائل من اليهود ضد المسلمين ودعا قريشًا للحرب فوقعت غزوة أحد.\n١٧ - غزوة ذى أمر أو غزوة غطفان أو أنمار - فى ربيع سنة ٣ هجرية - ٤٥٠ - النبى ﷺ بنو ثعلبة وبنو محارب - اجتمعت بنو ثعلبة وبنو محارب للإغارة على المدينة فانصرفوا حين رأوا جمعًا من المسلمين - خرج النبى ﷺ فى أصحابه حتى بلغ نجد وهنا أسلم وعثود الذى هم بقتل رسول الله ﷺ.\n١٨ - سرية قردة - فى جمادى الآخرة سنة ٣ هجرية - ١٠٠ - زيد بن حارثة - أبو سفيان - ١ - خرج زيد بن حارثة فى بعث فتلقى قريشًا فى طريقهم إلى العراق - أسر فراء بن سفيان دليل القافلة التجارية فأسلم.\n١٩ - غزوة أُحد - شوال ٣ هجرية - ٦٥٠ راجل - النبى ﷺ ٢٨٠٠ راجل - ٢٠٠ راكب أبو سفيان الأموى - ٤٠ - ٧٠ - ٣٠ - لحقت خسارة فادحة بالمسلمين ولكن فشل الكفار نتيجة لرعب أصابهم - بين أحد والمدينة ثلاثة أيمال كانوا الأعداء زحفوا من مكة إلى أُحد.\nـ غزوة حمراء الأسد - فى ٧ من شوال المكرم سنة ٣ هجرية - ٥٤٠ - النبى ﷺ ٢٧٩٠ - أبو سفيان - ٢ أبو عزة ومعاوية بن المغيرة - خرج النبى ﷺ مرعبًا للعدو - لما آن الغد من يوم أُحد خرج المسلمون إلى معسكر العدو لئلا يغير عليهم ثانية ظانًا بهم ضعفًا، أسر رجلان، وقتل أبو عزة الشاعر لأن كان وعد فى بدر بأنه لا يظاهر أبدًا على المسلمين ثم نقض عهده وحث المشركين على المسلمين.\n٢١ - سرية قطن أو سرية أبى سلمة المخزومى - فى غرة محرم الحرام سنة ٤ هجرية - ١٥٠ أبو سلمة المخزومى - طلحة وسلمة - لم يتمكنوا من الإغارة على المدينة بمظاهرة قام بها المسلمون - هو رئشيس قطاع الطريق أراد الإغارة على المدينة ولكن المسلمين تظاهروا فوصلوا إلى قطن وهو مسكنه فتفرق جمعه.\n٢٢ - سرية عبد الله بن أنيس - فى ٥ من محرم الحرام سنة ٤ هجرية - ١ - عبد الله بن أنيس الجهنى الأنصارى - ١ - سفيان الهذيلى - ١ - سمع عبد الله بأن سفيان استنفر قومًا ضد المسلمين بعرفى فوصل عليها وقتل بها أبا سفينان.\n٢٣ - سرية الرجيع - فى صفر ٤ هجرية - ١٠ عاصم بن ثابت - ١٠٠ - من عضل والقارة - ١٠ - استشهاد عشرة قراء.\n٢٤ - سرية بئر معونة - ٧٠ - منذر بن عمر - جماعة كبيرة - عامر بن مالك - ١ - ٦٩.\n٢٥ - سرية عمر بن أمية الضميرى - ربيع الأول ٤ هجرية - ١ - عمر بن أمية الضمرى - ٢ قبيلة بنى كلاب.\n٢٦ - غزوة بنى النضير - ربيع أول ٤ هجرية - النبى ﷺ قبيلة النضير - تم إجلائهم بأنهم هموا بقتل الرسول ﷺ.\n٢٧ - غزوة بدر الأخرى - ذى القعدة ٤ هجرية - ١٥١٠ النبى ﷺ ٢٠٥٠ أبو سفيان - لم تحدث مواجهة - خرج أبو سفيان فى أهل مكة حتى نزل بناحية الظهران أو عسفان ولما علم النبى ﷺ خرج إليه فرجع أبو سفينان رجع النبى أيضًا.\n٢٨ - غزوة دومة الجندل - سنة ٥ هجرية - ١٠٠٠ النبى ﷺ أهل الدومة - رجع الرسول ﷺ قبل أن يصل إليها ولم يلق كيدًا.\n٢٩ - غزوة بنى المصطلق - ٢ شعبان ٥ هجرية - النبى ﷺ الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق - ١٩ - ١٠ - انهزم العدو وأطلق الأسرى كلهم.\n٣٠ - غزوة الأحزاب أو الخندق - شوال ٥ هجرية - ٣٠٠٠ - النبى ﷺ ١٠٠٠٠ أبو سفيان - ٦ - ١٠ - انقلب العدو خاسرًا.\n٣١ - سرية عبد الله بن عتيك - ذى القعدة ٥ هجرية - ٥ - عبد الله بن عتيك الأنصارى - ١ - سلام بن أبى الحقيق - ١.\n٣٢ - غزوة بنى قريظة - النبى ﷺ بنو قريظة - ٤ - ٢٠٠ - ٤٠٠ - من الأعداء من قتل ومنهم من أسر - قتلهم كان حكمًا قضائيًا بسبب الخيانة وكان هذا الحكم موافقًا لنصوص التوراة التى كانوا يؤمنون بها.\n٣٣ - سرية الرقطاء - ٣٠ - محمد بن مسلمة - ٣٠ - ثمامة بن آثال - ١ - أثر ثمالة فأطلقه رسول الله ﷺ كان ثمامة سيد نجد، وأسلم بعد أن أطلق سراحه من الأسر.\n٣٤ - غزوة بنى لحيان - ٦ هجرية - ٢٠٠ - النبى ﷺ بنو لحيا من بطون هذيل - تفرق العدو حين علم بمقدم المسلمون إليه - كانت الغزوة لتأديب أهل الرجيع الذين قتلوا عشرة من القراء.\n٣٥ - غزوة ذى قردة - ٦ هجرية - ٥٠٠ - النبى ﷺ خيل من غطفن تحت قيادة عيينة الفزارى - امرأة واحدة - ٣ - ١ - أغاروا على لقاح لرسول الله فخرج المسلمون ولحقوا بهم.\n٣٦ - سرية عكاشة محصن - ٤٠ - عكاشة بن محصن الأسدى - بنو أسد - تفرق الأعداء ولم تحدث مواجهة - كان بنو أسد قد أجمعوا الإغارة على المدينة فبعثت إليهم هذه السرية.\n٣٧ - سرية ذى القصة - ٦ هجرية - ١٠ - محمد بن مسلمة - ١٠٠ بنو ثعلبة - ١ جريح - ٩ - استشهد تسعة من الدعاة وأصيب محمد بن مسلمة بجرح - كان عشرة من القراء ذهبوا للدعوة وبينما هم نائمون قتلهم بنو ثعلبة وذو القصة اسم موضع.\n٣٨ - سرية بنى ثعلبة - ٦ هجرية - ٤٠ - أبو عبيدة بن الجراح - بنو ثعلبة - ١ - انصرف العدو وغنم المسلمون ما كان لهم من متاع.\n٣٩ - سرية الجموم - ٦ هجرية - زيد بن حارثة - بنو سليم - ١٠ - أسر مجموعة رجال وأطلقهم النبى ﷺ.\n٤٠ - سرية الطرف أو الطرق - ٦ هجرية - ١٥ - زيد بن حارثة - بنو ثعلبة - هرب الأعداء وأصاب المسلمون عشرين بعيرًا - بعثت هذه السرية لمعاقبة المجرمين بذى القصة.\n٤١ - سرية وادى القرى - ١٢ - زيد بن حارثة - سكان وادى القرى - ١ جريح - ٩ - قتل من المسلمين تسعة رجال وجرح واحد - كان زيدًا ذاهبًا للجولة فحملوا عليه وعلى أصحابه.\n٤٢ - دومة الجندل - ٦ هجرية - عبد الرحمن بن عوف - قبيلة بنى كلب - الأصبغ بن عمرو - تحقق نجاح ملموس فى مجال الدعوة - أسلم الأصبغ بن عمرو وكان نصرانيًا وأسلم معه كثير من قومه.\n٤٣ - سرية فداك - ٦ هجرية - ٢٠٠ - على بن أبى طالب - بنو سعد بن بكر - هربت بنو سعد وأصاب المسلمون مائة بعير وألفى شاة - بلغ النبى ﷺ أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر فقام علىّ رضى الله الله عنه بالمظاهرة عليهم.\n٤٤ - سرية أم فرقة - ٧ هجرية - أبو بكر الصديق ﵁ بنو فزارة تحت قيادة أم قرفة - ٢ - انهزم العدو - كانت بنو فزارة قد أغاروا على قافلة زيد بن حارثة.\n٤٥ - سرية عبد الله بن رواحة - ٦ هجرية - ٣٠ - عبد الله بن رواحة - ٣٠ - أسير بن رزام اليهودى - ١ - ٣٠ - وقع اشتباك لسوء فهم الفريقين فقتل اليهود جميعًا.\n٤٦ - سرية العرنيين - ٦ هجرية - ٢٠ - كرز بن جابر الفهرى - رجال من عكل وعريننة - ١ - ٨ - قتلوا الراعى واستاقوا الإبل فأسروا ومثل بهم - استوخموا المدينة فشربوا من ألبان الإبل وأبوالها فصحوا ثم قتلوا يسارا راعى النبى ﷺ واستاقوا الإبل.\n٤٧ - سرية عمرو بن أمية الضمرى - ٦ هجرية - ١ - عمرو بن أمية الضمرى - كان عمرو قد جاء إلى مكة ليقتل النبى ﷺ ثم أسلم من حسن خلقه الشريف ثم ذهب إلى مكة يدعو أهلها.\n٤٨ - غزوة الحديبية - ٦ هجرية - ١٤٠٠ - النبى ﷺ أهل مكة - سهيل بن عمرو القرشى - تم الصلح بين النبى ﷺ وبين ريش عشر سنوات - كان النبى قد خرج معتمرًا فصدته قريش عن البيت فى الحديبية.\n٤٩ - غزوة خيبر ٧ هجرية - ١٠٠ - النبى ﷺ ١٠٠٠٠ - يهود خيبر كنانة بن أبى الحقيق - ٥٠ جريحًا - ١٨ - ٩٣ - فتح الله للمسلمين فتحًا مبينًا - كان اليهود قد قاتلوا المسلمين فى أُحد والأحزاب ونقضوا عهدهم مع النبى ﷺ فأفسد خططهم العدوانية.\n٥٠ - غزوة وادى القرى - المحرم ٦ هجرية - ١٣٨٢ - النبى ﷺ اليهود من وادى القرى.\n٥١ - غزوة ذات الرقاع - ٧ هجرية - ٤٠٠ - النبى ﷺ بنو غطفان وبنو محارب وبنو ثعلبة وبنو أنمار - تفرق العدو - كانت بنو عطفان قد جمعوا جموعًا من القبائل للإغارة على المسلمين فلما قام المسلمون بحشودهم تفرقوا جميعًا.\n٥٢ - سرية عيص - فى صفر ٧ هجرية - ٧٢ - أبو جندل وأبو بصير - قافلة قريش - ٩ - أخذ أموال العدو ثم ردها إليهم بأمر النبى ﷺ.\n٥٣ - سرية الكديد - صفر ٧ هجرية - ٦٠ - غالب بن عبد الله الليثى - بنو الملوح - ١ - وقع اشتباك - كانت بنو الملوح قد قتلوا أصحاب بشير بن سويد فبعثت إليهم هذه السرية للتوبيخ.\n٥٤ - سرية فدك - فى صفر سنة ٧ هجرية - غالب بن عبد الله الليثى - أهل فدك - قتل ناس من العدو.\n٥٥ - سرية حسمى - فى جمادى الآخرة ٧ هجرية - ٥٠٠ - زيد بن حارثة - ١٠٢ - الهنيد بن عوض الجزرى - ١٠٠ - ٢ - انتصر المسلمون وقتل الهنيد مع ابنه وأطلق الباقون بعد توبتهم - كان دحية الكلبى محملًا ببعض الهدايا من قيصر فقابله الهنيد فى ناس وقطع عليه الطريق.\n٥٦ - سرية تربة - فى شعبان سنة ٧ هجرية - عمر بن الخطاب - أهل تربة - تفرق العدو - بين تربة ومكة منزلان كان أهل تربة قد اصطلحوا مع بنى غطفان فقام المسلمون بالمظاهرة فى محالهم.\n٥٧ - سرية بنى كلاب - فى شعبان ٧ هجرية - أبو بكر الصديق ﵁ بنو كلاب - انتصر المسلمون سبى من الأعداء جماعة وقتل آخرون - كانوا أجمعوا الهجوم على المسلمين مع بنى محارب وبنى أنمار.\n٥٨ - سرية الميفعة - رمضان ٧ هجرية - غالب بن عبد الله الليثى - أهل الميفعة - وقع اشتباك - كانوا حلفاء أهل خيبر.\n٥٩ - سرية خربة - فى رمضان ٧ هجرية - أسامة بن زيد - أهل خربة - بينما أسامة وأصحابه يمشون فى الطريق إذ هبط إليهم رجل من الجبل فقتله أسامة بعد أن قال لا إله إلا الله.\n٦٠ - سرية بنى مرة - شوال ٧ هجرية - ٣٠ بشير بن سعد - بنو مرة بالقرب من فدك - وقع اشتباك كانوا حلفاء أهل خيبر.\n٦١ - سرية بشير بن سعد الأنصارى - فى شوال ٧ هجرية - ٣٠ بشير بن سعد - بنو فزارة وعذرة - جرح جميع المسلمين وأسر منهم رجلان - كانت بنو فزارة وعذرة قد ساعدوا اليهود فى خيبر فبعثت إليهم هذه السرية للترويع.\n٦٢ - سرية ابن أبى العوجاء - ٧ هجرية - ٥٠ - ابن أبى العوجاء - بنو سليم - ١ - ٤٩ - أصيب ابن أبى العوجاء بجرح واستشهد الباقون - قام المسلمون بحشد قواهم فى محالهم لأنهم كانوا يجمعون للإغارة على المدينة.\n٦٣ - سرية ذات أطلح - ٨ هجرية - ١٥ - كعب بن عمير الأنصارى - أهالى ذات أطلح بنو قضاعة - ١٤ - استشهد المسلمون جميعًا وبرأ واحد منهم - كانوا يجمعون فى عدد كبير للإغارة على المسلمين فبعث إليهم كتيبة لتخوفيهم فاستشهد المسلمون جميعًا.\n٦٤ - سرية ذات عرق - فى ربيع الأول ٨ هجرية - ٢٥ - شجاع بن وهب الأسدى - بنو هوازن أهالى ذا عرق - كانت هوازن قد مدّوا يد المعونة لأعداء المسلمين مرارًا ثم اجتمعوا على مشارف المدينة فاحتشد المسلمون لتخويفهم.\n٦٥ - سرية مؤنة - فى جمادى الأولى سنة ٨ هجرية - ٣٠٠٠ - زيد بن حارثة - مائة ألف - شرحبيل الغسانى - ١٢ - لم نعرف عدد المفقودين - انتصر المسلمون - كان شرحبيل قد قتل رسول الله ﷺ فوقعت لذلك الحرب وهزم ثلاثة آلاف مائة ألف.\n٦٦ - سرية ذات السلاسل - جمادى الآخرة ٨ هجرية - ٥٠٠ - عمرو بن العاص القرشى - بنو قضاعة ساكنوا السلاسل - هرب الأعداء بمظاهرة المسلمين - كانت قضاعة قد تجمعت للإغارة على المدينة.\n٦٧ - سرية سيف البحر - فى رجب ٨ هجرية - ٣٠٠ - أبو عبيدة - قريش - أقام المسلمون على الساحل أيامًا ثم انصرفوا - كان الغرض من هذه السرية تشتيت همم قريش.\n٦٨ - سرية محارب - فى شعبان ٨ هجرية - ١٥ - أبو قتادة الأنصارى - بنو غطفان - هرب العدو خائفًا وأصاب المسلمون أنعامًا - تجمع بنو غطفان بخضرة فأرسلت إليهم سرية مكونة من خمسة عشر رجلًا للاستطلاع.\n٦٩ - غزوة فتح مكة - رمضان ٨ هجرية - ١٠٠٠٠ - النبى ﷺ قريش مكة - ٢ - ١٢ - انتصر المسلمون - لم يتعرض للمسلمين أحد إلا كتيبة واحدة ثم دخل النبى ﷺ مكة وجعل الناس كلهم طلقاء ولا تثريب عليهم.\n٧٠ - سرية خالد - فى رمضان ٨ هجرية - خالد بن الوليد - الصنم العزى - كانت العزى صنم بنى كنانة فحطمها خالد ﵁.\n٧١ - سرية عمرو بن العاص - ٨ هجرية - عمرو بن العاس - الصنم سواع - كانت سواع صنم بنى هذيل فحطمها عمرو بن العاص ﵁.\n٧٢ - سرية سعد الأشهلى - رمضان ٨ هجرية - سعد بن زيد الأشهلى الأنصارى - الصنم مناة - كانت مناة صنمًا للأوس والخزرج فهدمها سعد الأشهلى ﵁.\n٧٣ - سرية خالد بن الوليد - شوال ٨ هجرية - ٣٥٠ - خالد بن الوليد - بنو جذيمة - ٩٥ - قتل خمسة وتسعون رجلًا من بنى جذيمة ممن كانوا أسلموا فكره الرسول ﷺ قتلهم وودى بهم الدية - كان خالد بن الوليد بعث داعيًا وكانت بنو جذيمة قد أسلموا من قبل فشك خالد فى إسلامهم وقتل منهم رجالًا.\n٧٤ - غزوة حنين أو أوطاس أو هوازن - شوال ٨ هجرية - ١٢٠٠٠ - النبى ﷺ بنو ثقيف وبنو هوازن وبنو معز وبنو أحسم - ٦ - ٦٠٠٠ - ٧١ - انتصر المسلمون - أطلق النبى ﷺ سراح جميع الأسرى وأعطاهم الكسوة كذلك.\n٧٥ - غزوة الطائف - شوال ٨ هجرية - ١٢٠٠٠ - النبى ﷺ بنو ثقيف - جمع كثير - ١٣ - جمع كثير - رجع النبى ﷺ بعد محاصرة دامت شهرًا - لما رفع النبى ﷺ عنهم الحصار قدموا عليه وأسلموا.\n٧٦ - سرية عيينة بن حصن - فى محرم ٩ هجرية - ١٥٠ - عيينى بن حصن الفزارى - قبيلة بنى تميم - ٦٢ - تم القضاء على الثورة - قامت هذه القبيلة بإغراء القبائل التابعة لها ومنعتها عن أداء الجزية ولما خرج إليهم عيينى أسر منهم ١١ رجلًا و٢١ امرأة و٢٠ ولدًا فأطلقهم النبى ﷺ حين قدم عليه سيدهم.\n٧٧ - سرية قطبة بن عامر - فى صفر ٩ هجرية - ٢٠ - قطبة بن عامر - قبيلة خثم - أكثر من النصف - أكرهم - تفرقوا وانتشروا - كانوا يدبرون مؤامرة ضد المسلمين فجاء قطبة ببعضهم أسيرًا فأطلقهم رسول الله ﷺ.\n٧٨ - سرية الضحاك ابن سفيان الكلابى - ربيع أول ٩ هجرية - الضحاك ﵁ قبيلة بنى كلاب - بعث المسلمون إلى بنى كلاب داعين فاعترض لهم الكفار فوقع اشتباك.\n٧٩ - سرية عبد الله بن حذافة - ربيع أول ٩ هجرية - ٣٠٠ - عبد الله بن حذافة القرشى السهمى - القراصنة من الخثعميين - هربوا - كانوا قد اجتمعوا فى ساحل جدة يريدون الإغارة على مكة فتفرقوا حين رأوا هذه السرية.\n٨٠ - سرية بن طىء - ٩ هجرية - ١٥٠ - على ﵁ بنى طىء - أسرت سفانة بنت حاتم وغيرها من الناس.\n٨١ - غزوة تبوك - ٩ هجرية - ٣٠٠٠ - الرسول ﷺ هرقل قيصر الروم - قام النبى ﷺ بالتجمع مع أصحابه وأرهب الأعداء ثم رجع إلى المدينة.\n٨٢ - سرية دومة الجندل - ٤٢٠ - خالد بن الوليد - أكيدر أمير دومة الجندل - أسر أكيدر وقتل أخوه - أطلق رسول الله ﷺ سراح أكيدر وعقد الحلف مع حكومات نصرانية أخرى. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الأنبياء: ١٠٧.\n(٢) آل عمران: ٧١.\n(٣) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه ص ١٦٦ ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n(٤) غوستاف لوبون حضارة العرب ص ١٢٨، ١٢٩ ط الهيئة المصرية للكتاب.\n(٥) البقرة: ١٩٠-١٩١.\n(٦) البقرة: ١٩٢، ١٩٣.\n(٧) البقرة: ٢١٦.\n(٨) البقرة: ٢١٧.\n(٩) آل عمران: ١٤٦.\n(١٠) آل عمران: ١٦٩.\n(١١) آل عمران: ١٩٥.\n(١٢)، (١٣) النساء: ٧٤، ٧٥.\n(١٤) النساء: ٩٠.\n(١٥) الأنفال: ٧ـ٨.\n(١٦) الأنفال: ١٧.\n(١٧) الأنفال: ٣٩.\n(١٨) الأنفال: ٤٧.\n(١٩) الأنفال: ٦١.\n(٢٠) الأنفال: ٧٠.\n(٢١) التوبة: ٥ـ٦.\n(٢٢) التوبة: ١١١.\n(٢٣) الحج: ٣٩-٤٠.\n(٢٤) رواه مسلم - كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والخروج فى سبيل الله.\n(٢٥) رواه أبو داود فى سننه - كتاب الخراج والإمارة والفئ - باب ما جاء فى خبر الطائف.\n(٢٦) رواه الحاكم فى مستدركه - كتاب معرفة الصحابة ﵃ ذكر إسلام أمير المؤمنين على ﵁.\n(٢٧) رواه البخارى - كتاب التفسير - باب قول الله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة (.\n(٢٨) مصنف عبد الرازق - كتاب الجهاد - باب الرجل يغزو وأبوه كاره.\n(٢٩) الحج: ٤٠.\n(٣٠) القرطبى ج ١٢ تفسير سورة الحج.\n(٣١) تاريخ ابن خلدون ١ / ٢٢٦ فصل فى الحروب ومذاهب الأمم فى ترتيبها.\n(٣٢) سفر العدد - الإصحاح الثالث عشر - الآيات: ٢٦-٢٩.\n(٣٣) سفر صموئيل الأول - الإصحاح الخامس والعشرون آية ١٠-١٤.\n(٣٤) سفر الملوك الثانى - الإصحاح الثالث، الآيات ٤ - ٨.\n(٣٥) سفر حزقيال - أصحاح ٢١ آيات ١ ـ٥.\n(٣٦) سفر يوشع - الإصحاح الثالث والعشرون - الآيات ٣ـ٥.\n(٣٧) سفر القضاة - الإصحاح الثامن عشر - الآيات ٢٧ـ٣٠.\n(٣٨) سفر صموئيل الأول - الإصحاح الرابع، الآيات ١ـ٤.\n(٣٩) سفر التكوين - الإصحاح الرابع والثلاثون - الآيات ٢٥ـ٢٩.\n(٤٠) سفر التكوين - الإصحاح الرابع عشر - الآيات ١٤ - ١٦.\n(٤١) سفر العدد - الإصحاح الواحد والعشرون الآيتان ٣٤ـ٣٥.\n(٤٢) سفر العدد - الإصحاح الخامس والعشرون الآية ١٦.\n(٤٣) الإصحاح الثالث والثلاثون الآيات ٥٠ـ٥٣.\n(٤٤) سفر صموئيل - الإصحاح السابع عشر الآيات ٤٥ـ٤٧.\n(٤٥) سفر صموئيل الأول - الإصحاح الثالث والعشرون الآية ٦.\n(٤٦) سفر المزامير - المزمور الثامن عشر الآيات ٣٥-٤١.\n(٤٧) سفر حزقيال الإصحاح الواحد والعشرون آية ٥.\n(٤٨) إنجيل متى - الإصحاح العاشر آية ٣٤-٣٦.\n(٤٩) رواه أحمد وأبو داود.\n(٥٠) سبائك الذهب ٤٤٣.\n(٥١) شرح المعلقات السبع للزوزنى ص ٨٣، ط مصطفى الحلبى.\n(٥٢) الزخرف: ٨٩.\n(٥٣) الحج: ٣٩-٤٠.\n(٥٤) السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة لمحمد فريد وجدى ص ١٦٤، ١٦٣ بتصرف.\n(٥٥) الأنفال: ٦١.\n(٥٦) السيرة النبوية لمحمد فريد وجدى ١٦٥، ١٦٦.\n(٥٧) سبائك الذهب ص ١٢٠ ط دار الكتب العلمية، موسوعة القبائل العربية لمحمد سليمان الطيب ١ / ٥١ دار الفكر العربى.\n(٥٨) فتح البارى ٦ / ٥٤٣ دار المعرفة - بيروت.\n(٥٩) فتح البارى ٧ / ٤٢٤.\n(٦٠) تاريخ الأدب الجاهلى د. على الجندى ٤٧٢.\n(٦١) رحمة للعالمين للمنصور فورى ص ٤٦٢.\n(٦٢) فى تاريخ الأدب الجاهلى ٤٧٣.\n(٦٣) رحمة للعالمين للمنصور فورى ص ٤٦٢.\n(٦٤) سبائك الذهب ٨.\n(٦٥) تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٧٠.\n(٦٦) رحمة للعالمين المنصور فوزى ص ٤٦٢.\n(٦٧) سبائك الذهب ٨٧.\n(٦٨) تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٦٦.\n(٦٩) رحمة للعالمين للمنصور فورى ص ٤٦٣.\n(٧٠) سبائك الذهب ٢٩٥، تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٦٧.\n(٧١) رحمة للعالمين ص ٤٦٣.\n(٧٢) تاريخ الدولة الأموية للشيخ محمد الخضرى ص ١٥٦.\n(٧٣) رحمة للعالمين ص ٤٦٣.\n(٧٤) سبائك الذهب ص ٢٥٦، تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٦٧.\n(٧٥) رحمة للعالمين ص ٤٦٣.\n(٧٦) سبائك الذهب ص ١٢٧.\n(٧٧) سبائك الذهب ص ١٢٦.\n(٧٨) تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٦٧.\n(٧٩) رحمة للعالمين ص ٤٦٣.\n(٨٠) سبائك الذهب ص ١٤٨، تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٧٣.\n(٨١) سبائك الذهب ص ١٢٤، وتاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٧٣.\n(٨٢) سبائك الذهب ص ٨٥، ٨٦، تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٧٠.\n(٨٣) سبائك الذهب رقم ١٤٧، ١٤٨، تاريخ الأدب الجاهلى ص ٤٧٣.\n(٨٤) تاريخ الدولة الأموية الشيخ محمد الخضرى بك ص ٣٢، ٣٣، ط دار القلم، بيروت.\n(٨٥) السيرة المحمدية تحت ضوء العلم والفلسفة الأستاذ محمد فريد وجدى ص ١٦٢، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب.\n(٨٦) رحمة للعالمين ص ٤٦٩.\n(٨٧) الأنفال: ٥٨.\n(٨٨) تفسير ابن كثير ٢ / ٣٢١.\n(٨٩) الفكر الإسلامى فى تطوير مصادر المياه والطاقة، د. سيد وقار أحمد حسينى - عالم زائر فى جامعة ستانفورد ٧١-٧٥، ترجمة د. سمية زكريا زيتونى طبعة: فصلت للدراسات والترجمة والنشر.\nand emergence of a Muslim Society in Richard W. bulliet، Conversion of Islam Meier &amp; ed. Nehemia Levtzion (New York Holmes Iran in Conversion to Islam، (Publ.، Inc، ١٩٧٩) Pp. ٣٠-٥١، p٣١ for fig ١.١.","vol":"1","page":431},{"text":"والبرهان، وخاطَبَ الدعاةُ الناسَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، ودَخَلَتْ بِلادٌ\nواسعةٌ في الإِسلام.\nلم تحدثْ فيها معركةٌ واحدة، مثلُ أندونيسيا وماليزيا..\nولو انتشرَ الإِسلامُ بالسيف، وأَسَلمَ الناسُ مُكْرَهين، لارتَدّوا عن الإِسلام\nعندما ضَعُفَ سلطانُ المسلمينَ السياسي، وتَقلَّصَ نفوذُ الإِسلامِ من\nالمجتمعات.\nوها هو الإِسلامُ يَكتسبُ عُقولًا وقُلوبًا جديدةً في العالمِ الغربي،\nويُسلمُ أُناسٌ من قادةِ الفكْرِ والرأيِ والعلمِ والمعرفةِ عندهم، مع أنه لا يوجَدُ\nللإِسلامِ دولةٌ تَتَبَنّاهُ بصدْق، وتَدعو إليه بإِخلاص، ومع اشتدادِ الهجمةِ الشرسة عليه من قِبَلِ قُوى البغيِ والعدوان، بقيادَةِ اليهوديةِ الخبيثةِ والصليبيةِ الحاقدة، فلو لم يُقَدِّمْ حقائِقَه بالحجةِ والبرهانِ لما أَثَّرَ في النّاس!.\nوالإِسلامُ لا يَقومُ على الإِرهابِ والاستبداد، ولم ينتشرْ بالسيفِ والعُنْفِ\nوالإِكراه.\nوقد صَرَّحَ القرآنُ بعدمِ الإِكراهِ على اعتناقِ الإِسلام.\nقال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .\nولم يكن القتال وسيلةً للدعوةِ إِلى الإِسلام ونَشْرِه بينَ الناس، إِنما القتالُ\nوسيلةٌ لردِّ عُدْوانِ الكافِرين على الإِسلامِ والمسلمين، ورَدِّ عُدوانِهم على بلادِ المسلمين، ورَدِّ عدوانِهم على الدعاةِ المسلمين المنتشرين بين الشعوب،\nيَدْعونَ إِلى الإِسلامِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة!.\nإِنَّ القتالَ في الإِسلامِ قِتالٌ للقوةِ الماديةِ الكافرة، التي تَقِفُ أَمامَ\nدينِ الله.\nولم يكنْ هدفُ القِتالِ إِدخالَ الناسِ بالإِسلامِ مُكْرَهِين، كما يَزعمُ\nالفادي المفترِي، إنما هَدَفُ القتالِ تَحطِيمُ قُوةِ الكفارِ العسكرية، المتمثلةِ في\nالجيشِ والأَسلحةِ والعَتاد! هَدَفُه إِزالةُ النظامِ الكافر، الذي يُحارِبُ بكل\nمؤسساتِه الإِسلامَ، ويَمنعُ شَعْبَه من اعتناقِ الإِسلام عن بصيرة! هَدَفُه تَحريرُ\nالشعوبِ الكافرةِ المستعْبَدَةِ من قِبَلِ الحكامِ الطواغيت.\nوبعدَما يُحققُ القتالُ هَدَفَه ويُحَطِّمُ القوةَ الماديةَ العسكريةَ، ويُحررُ\nالشعوبَ المستعْبَدَة، يُقَدِّمُ الإِسلامُ نَفْسَهُ إِلى هؤلاءِ المحَرَّرين، ويُخاطبُهم","vol":"1","page":432},{"text":"بالحجةِ والبرهان ويَدعوهم إِلى الدخولِ فيه عن قَناعةٍ واختيار..\nفمن اقتنعَ ودَخَلَ فيه فقد فازَ في الدنيا والآخرة، ومن رَفَضَ ذلك وأَصَرَّ على كفرِه تَرَكَهُ المسلمون، وطالَبوه بدفعِ مبلغٍ من المال، اسْمُه \" الجزية \"، مُقابِلَ حمايتِهم له.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>حول القصاص في القتل</span>\nوَقَفَ الفادي أَمامَ آيةِ القصاص في القَتْل، وهي قولُ اللهِ - ﷿ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) .\nوذَكَرَ تفسيرَ البيضاويِّ للآية، واختلافَ المذاهبِ في قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ\nوالذَّكَر بالأُنثى، مع أَنَّ الآية لا تَدُلُّ على جوازِ ذلكِ ولا على مَنْعِه، كما قال البيضاوي: \" ولَا تدلُّ الآيةُ على أَنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بالعَبْد، والذكَرُ بالأُنثى، كما لا تَدُلُّ على عكْسِه \".\nفمسأَلَةُ قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ، والذكْرِ بالأُنثى، والمؤمنِ بالكافر، لم يتكلَّمْ\nفيها القرآنُ كَلامًا صَريحًا، وإِنما اختلفَ فيها العلماء والمذاهبُ اختلافًا\nكبيرًا..\nومع ذلك اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ فيها، وخَطَّأَه وانْتَقَدَه،\nمع أَنه لم يتكلَّمْ فيها!!\nقال: \" ونحنُ نسأل: لماذا سمحَ محمدٌ وأَبو بكر وعمرُ وعليٌّ للأَغنياءِ والسادةِ أَنْ يَقْتلُوا العبيدَ دونَ أَنْ يَقْتَصوا منهم، وجَعلوا عَدَمَ قتْلِ الحُرّ بالعبدِ والمسلمِ بذي عَهْد سُنَةً أَقَرَّها المذهبُ المالكيُّ والمذهبُ الشافعي؟\nولماذا لم يَعْتبِروا قول التوراةِ المحكيَّ في القرآنِ (النَّفْس بِالنَّفْسِ)\nقانونًا إِلهيًا واجبَ الاتِّباع، مُدَّعين أَنَّ التوراةَ لا تَنسخُ القرآن، رغمَ أَنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر؟\nإِنَّ اللهَ واحد، وقانونَه واحد، فلماذا يُحابي الإسلامُ الأَغنياء، فلا يُطالبُ بدماءِ العبيدِ من أَعناقِ السادةِ؟\nومن الغريبِ أَنَ الشرعَ الإِسلاميَّ يصرحُ أَنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بدمِ كافرٍ، ولا بدَمِ ذي عَهْد.","vol":"1","page":433},{"text":"أَلا يُعتبرُ هذا رخصةً من الإِسلامِ للعَبَثِ بأرواحِ جميعِ بني آدم،\nواعتبارِ العهودِ قُصاصةً على وَرَق؟ ! \".\nاعتراضُ الفادي المفترِي على القرآن لا يتناسبُ مع موضوعِ كتابِه، وكان\nالأولى به أَنْ لا يجعلَه في الكتاب، لأنه خَصَّصَ الكتابَ لاكتشافِ الأَخطَاءِ\nفي القرآن، وهذا ليسَ موضوعًا قرآنيًا، ولكنه يُريدُ أَنْ يُسَجِّلَ كُلَّ ما يُثيرُ الشبهةَ والتشكيكَ في القرآن!.\nإِنَّ مسألةَ الاختلافِ في قتلِ الحُرِّ بالعبدِ والذكَرِ بالأنثى والمؤمنِ بالكافرِ\nمسألةٌ فقهية، وليستْ مسألةً قرآنية أَو حديثية، والأَوْلى أَنْ تُبْحَثُ ضمنَ\nالمباحثِ الفقهية، وقد اختلفَ فيها الفقهاء.\nفالشافعيةُ يرونَ أَنه لا بُدَّ من التكافؤ في القصاص، بمعنى أَنْ يَكونَ القتيلُ مُكافِئًا للقاتلِ ليتمَّ القِصاص، وبما أنه لا تَساويَ بين الحُرِّ والعبد، والمؤمنِ والكافر، والذكرِ والأُنثَى، فلا قصاصَ بينهم، فإذا قَتَلَ الحُرُّ عَبْدًا، أَو المؤمن كافرًا، أَو الرجلُ امرأة، دفعَ القاتِلُ الدِّيَةَ ولم يُقْتَصَّ منه.\nأَما الأَحنافُ فإنهم لا يشترطونَ التكافؤَ في القصاص، ويَجوز قَتْلُ\nالأَعلى بالأَدنى، أَيْ أَنه يُقْتَلُ عندهم الحُرّ إِذا قَتَلَ عَبْدًا، ويُقْتَلُ المؤمنُ إِذا قتَلَ كافرًا ذِمِّيًّا معاهِدًا، ويُقْتَلُ الرجلُ إذا قَتَلَ امرأة.\nومع أَنَّ المسألةَ خلافية بين المذاهِب، فيجوزُ أَخْذُ أَيّ قَوْل، وتَرجيحُه\nعلى الأَقوالِ الأُخْرى، دودنَ ذَمٍّ لأَصحابِ الأَقوال الأُخرى، أَو اتهامِ الإِسلامِ والقرآنِ بالخطأ أَو الظلمِ والمحاباة، كما فعلَ الفادي المفترِي.\nوإِنّني أَميلُ منذُ مُدَّة إلى ترجيح قولِ الأَحنافِ في هذه المسألة، مع أَني\nشافعيُّ المذْهَب، لأَنني أَراه أَكثرَ اتفاقًا مع المساواةِ وإنسانيةِ الإِنسان، وتحقيقِ\nالعدالةِ الإنسانية، مع احترامي للأَقوالِ الأخرى فيها.\nوإِنَّ عَدَمَ قتلِ الحُرِّ بالعبدِ كما يُقررُ المذهبُ الشافعي لا يعني مُحاباةَ الأَغنياءِ والسادة.","vol":"1","page":434},{"text":"ولا يَعني ذهابَ دِماءِ العبيدِ هَدْرًا، لأَنَّ الحكم يَنتقلُ من\nالقِصاصِ إِلى الدِّيَة، يَدْفَعُها أَهلُ القاتلِ إِلى أَهلِ القتيل.\nوالفادي المفترِي الذي شَنَّ على النَّسخِ هُجومًا شَديدًا، يَدْعو الآنَ إِلى\nاعتمادِه والقولِ بِه، لأَنه يتفقُ مع هواه! فقد أَخْبَرَنا الله في القرآنِ عن حُكْمِهِ\nفي التوراة بوجوب قَتْلِ أَيِّ نفسٍ بأَيّ نفس.\nقال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) .\nوعَلَّقَ الفادي على هذا بقوله: \" ولماذا لم يَعْتَبِروا قولَ التوراةِ المحكيَّ بالقرآن: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) قانونًا إِلهيًا واجبَ الاتِّباعِ، مُدَّعين أَنَّ التوراة لا تَنسخُ القرآن! \".\nوكيفَ يُريدُ للتوراةِ النازلةِ قبلَ القرآن بمئاتِ السِّنين أَنْ تنسخَه، مع أَنه\nمن المتفق عليه عند العُقَلاءِ أَنَّ السابقَ المتقدِّمَ لا ينسخُ اللاحقَ المتأَخِّر.\nوإذا كان اللهُ قد أَوجبَ القِصاصَ في التوراة، وأَوجبَ قَتْلَ النفسِ\nبالنفس، فقد أَوجبَ ذلك في القرآن، عندما أَمَرَ بالقصاصِ في القَتْلى، وفَصَّلَ\nذلك بقولِه: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) .\nفهذه الحالاتُ الثلاثةُ في الآيةِ تفسيرٌ للنفسِ بالنفس.\nأَما الجملةُ التي ذَكَرَها الفادي: \" إِنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ\nوالمساواةِ بين البشر \" فهي جملةٌ فاجرة، شَتَم المجرمُ بها القرآنَ، مع أَنَّ\nالعبارةَ التي اعترضَ عليها لا تَتَنافى مع العدلِ والمساواةِ بينَ البَشَر، وإِنما\nتَعْمَلُ على إقرارِها وسيادتِها.\nوإِذا كانَ بعضُ المذاهبِ لا يُجيزونَ قَتْلَ المسلمِ بالذِّمّيّ قِصاصًا؟\nفإِنَّ مذاهبَ أُخرى أَجازَتْ ذلك، وسبقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنَّ المذهبَ الحنفيَّ يقولُ بذلك، وأننا رجَّحْنا هذا القول.\nوحتى عندَ الذينَ لا يَقْتُلونَ المسلمَ بالذِّمِّيِّ المعاهَدِ قِصاصًا، فإِنَّ دَمَ\nالذِّمّيِّ القتيلِ لا يَذهَبُ هَدْرًا؟\nلأَنَّ الواجبَ ينتقلُ إلى الديَة، يدفعُها أَهلُ القاتلِ لأهلِ القتيل!.","vol":"1","page":435},{"text":"وهذا لا يُؤَدّي إِلى اعتبارِ العهدِ في الإِسلامِ لا قيمةَ لها، فالإِسلامُ دَعا\nإِلى الالتزام بالعهودِ والوَفاءِ بها، والمسلمون من أَكثرِ النَّاسِ التزامًا وَوَفاءً\nبالعهود.\nكما أنه يَعتبرُ المحافظةَ على الأَرواحِ والدّماءِ من مقاصدِه الأَساسية،\nولا يُجيزُ سَفْكَ دَمِ أَيِّ إنسانٍ أَو إِزهاقِ روحِه إِلَّا بسببٍ مَشْروع، مثل الجهادِ للمُعتَدين، أو تطبيقِ الحَدِّ الشرعيِّ على المجرمين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>حكم قتل المرتد</span>\nأَوردَ الفادي المفترِي آياتٍ تتحدَّثُ عن المرتدِّ عن الإِسلام؟\nمنها قولُه تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) .\nوأساءَ الفادي فهمَ قول اللهِ - ﷿ -: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) .\nفهمَ منها أَنها تحكمُ بالكفرِ على المؤمنين الذين تثاقلوا عن الهجرةِ إلى\nالمدينة.\nقال: \" والظاهرُ من سورة البقرة أَنَّ مَنْ يرتدّ عن الإِسلامِ إِلى أَيّ دينٍ\nآخَرَ يُعتبر كافرًا.\nوالظاهرُ من سورة النساءِ أَنَّ الذين أَظْهَروا الإِسلامَ ثم قعدوا\nعن الهجرة، أَوجبَ القرآنُ على المسلمين أَنْ يَقْتُلُوهم حيث وَجَدُوهم، كسائرِ الكَفَرَةِ، فَأَيْنَ حريةُ العقيدةِ والدين؟!\nإنها وصمةُ عارٍ أن يُقْتَلَ الذي يرى في الإسلامِ غيرَ الذي يرونه! \" (١) .\nإنَّ هذه الآيةَ من سورةِ النساءِ لا تَحكمُ بالكُفْر على مُسْلمين لأَنهم\nتَثَاقَلُوا عن الهجرة، ولا تَأْمُرُهم بالقتْلِ لمجردِ هذا السَّبَب، كما فهمَ الفادي\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٩- حد الردة\nالرد على الشبهة:\nإن الإسلام يقرر حرية اختيار الدين، فالإسلام لا يكره أحدًا على أن يعتنق أى دين يقول الله تعالى (لا إكراه فى الدين) (١) .\nغاية ما هنالك أن الإسلام لا يقبل الشرك بالله ولا يقبل عبادة غير الله وهذا من صلب حقيقة الإسلام باعتبار كونه دين من عند الله جل وعلا، ومع ذلك يقبل النصارى واليهود ولا يقاتلهم على ما هم عليه ولكن يدعوهم إلى الإسلام. كما أن الإسلام لا يبيح الخروج لمن دخل فى دين الله لا يكلف أحدًا أن يجهر بنصرة الإسلام، ولكنه لا يقبل من أحدٍ أن يخذل الإسلام، والذى يرتد عن الإسلام ويجهر بذلك فإنه يكون عدوًّا للإسلام والمسلمين ويعلن حربًا على الإسلام والمسلمين ولا عجب أن يفرض الإسلام قتل المرتد، فإن كل نظام فى العالم حتى الذى لا ينتمى لأى دين تنص قوانينه أن الخارج عن النظام العام له عقوبة القتل لا غير فيما يسمونه بالخيانة العظمى.\nوهذا الذى يرتد عن الإسلام فى معالنة وجهر بارتداده، إنما يعلن بهذا حربًا على الإسلام ويرفع راية الضلال ويدعو إليها المنفلتين من غير أهل الإسلام وهو بهذا محارب للمسلمين يؤخذ بما يؤخذ به المحاربون لدين الله.\nوالمجتمع المسلم يقوم أول ما يقوم على العقيدة والإيمان. فالعقيدة أساس هويته ومحور حياته وروح وجوده، ولهذا لا يسمح لأحد أن ينال من هذا الأساس أو يمس هذه الهوية. ومن هنا كانت الردة المعلنة كبرى الجرائم فى نظر الإسلام لأنها خطر على شخصية المجتمع وكيانه المعنوى، وخطرعلى الضرورة الأولى من الضرورات الخمس \" الدين والنفس والنسل والعقل والمال \".\nوالإسلام لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يُدخل فيه اليوم ويُخرج منه غدًا على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: (آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) (٢) .\nوالردة عن الإسلام ليست مجرد موقف عقلى، بل هى أيضًا تغير للولاء وتبديل للهوية وتحويل للانتماء. فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من أمة إلى أمة أخرى فهو يخلع نفسه من أمة الإسلام التى كان عضوًا فى جسدها وينقم بعقله وقلبه وإرادته إلى خصومها ويعبر عن ذلك الحديث النبوى بقول رسول الله ﷺ فيه: [التارك لدينه المفارق للجماعة] (٣)، وكلمة المفارق للجماعة وصف كاشف لا منشئ، فكل مرتد عن دينه مفارق للجماعة.\nومهما يكن جرم المرتد فإن المسلمين لا يتبعون عورات أحدٍ ولا يتسورون على أحدٍ بيته ولا يحاسبون إلا من جاهر بلسانه أو قلمه أو فعله مما يكون كفرًا بواحًا صريحًا لا مجال فيه لتأويل أو احتمال فأى شك فى ذلك يفسر لمصلحة المتهم بالردة.\nإن التهاون فى عقوبة المرتد المعالن لردته يعرض المجتمع كله للخطر ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا الله سبحانه. فلا يلبث المرتد أن يغرر بغيره، وخصوصًا من الضعفاء والبسطاء من الناس، وتتكون جماعة مناوئة للأمة تستبيح لنفسها الاستعانة بأعداء الأمة عليها وبذلك تقع فى صراع وتمزق فكرى واجتماعى وسياسى، وقد يتطور إلى صراع دموى بل حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.\nوجمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد قبل تنفيذ العقوبة فيه بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية هو إجماع الصحابة ﵁ وبعض الفقهاء حددها بثلاثة أيام وبعضهم بأقل وبعضهم بأكثر ومنهم من قال يُستتاب أبدًا، واستثنوا من ذلك الزنديق؛ لأنه يظهر خلاف ما يبطن فلا توبة له وكذلك سابّ الرسول ﷺ لحرمة رسول الله وكرامته فلا تقبل منه توبة وألَّف ابن تيمية كتابًا فى ذلك أسماه \" الصارم المسلول على شاتم الرسول \".\nوالمقصود بهذه الاستتابة إعطاؤه فرصة ليراجع نفسه عسى أن تزول عنه الشبهة وتقوم عليه الحُجة ويكلف العلماء بالرد على ما فى نفسه من شبهة حتى تقوم عليه الحُجة إن كان يطلب الحقيقة بإخلاص وإن كان له هوى أو يعمل لحساب آخرين، يوليه الله ما تولى. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) البقرة: ١٥٦.\n(٢) آل عمران: ٧٢.\n(٣) رواه مسلم.","vol":"1","page":436},{"text":"منها هذا، وإِنما تتحدَّثُ عن مُنافقينَ كافِرينَ حقيقة، وكُفْرُهم ليسَ بسببِ عَدَم الهجرة، وإِنما كُفْرُهم بنفاقِهم، والمنافقون كُفّارٌ في الحقيقة، رغْمَ إِظهارِهم الإِسلام.\nقال تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) .\nهم منافقونَ لقولِه: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ..)\nوهم كفارٌ حقيقةً لقوله: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً)\nوتَنهى الآياتُ المؤمنين عن اتخاذِ أولئك المنافقين الكافرين أَولياء، حتى يُهاجِروا في سبيلِ الله، ومعنى هجرتِهم في سبيل الله أَنْ يَدْخُلوا في الإِسلام أَوَّلًا، ثم يُهاجِروا بعدَ ذلك؛ لأَنَّ الهجرةَ مبنيةٌ على الإِسلام.\nفإِنْ رَفَضوا الدخول في الإِسلام، ورَفَضوا الهجرةَ في سبيلِ الله، فعلى\nالمسلمينَ أَنْ يَأخُذوهُم ويَقْتُلوهُم حيث وَجدوهم، والسببُ هو كفْرُهم ونفاقُهم وعداوتُهم للمسلمينَ وحربُهم لهم، وهذه جرائمُ استحقّوا بها القَتْل!!.\nوتباكى الفادي على المُرْتَدِّين الذينَ حارَبَهم أَبو بكر الصديقُ - ﵁ -، واعْتَبَرَهم مظلومين معتدى عليهم، قال: \" أَينَ حريةُ العقيدةِ والدين؟\nإِنها وصمةُ عارٍ أَنْ يُقْتَلَ الذي يَرى في الإِسلامِ غيرَ الذي يروْنَه..\nأَلَمْ يُلَطخْ أَبو بكر الصَّدّيقُ يَدَيْه بِدماءِ أُلوفِ المرتدين؟! \".\nكما تباكى على جَبَلَةَ بنِ الأَيْهم آخرِ مُلوكِ الغساسنة، الذي دَخَلَ في\nالإِسلامِ بعدَ فتحِ بلادِ الشام، ولم يكن إِسلامُه عن قَناعَة، ولما حَكَم عمرُ - ﵁ - أَنْ يَقْتَصَّ منه ذلك الأَعرابيُّ الذي لَطَمَه أَثناءَ الطواف، اعتبرها جَبَلَةُ إِهانةً له، وهَرَبَ من المدينة إِلى بلادِ الروم مرتدًّا عن الإِسْلام، عائِدًا إلى النصرانية!.\nواعتراضُ الفادي المفترِي على قَتْلِ المرتَدّ لا يَتَّفِقُ مع موضوع كتابه،\nالذي خَصَّصَه لانتقادِ وتخطئةِ القرآن، وهذه المسألة مسألةٌ حديثية فقهية.","vol":"1","page":437},{"text":"فالقرآنُ لم يتحدَّثْ عن قَتْلِ المرتَدِّ، والذي أَمَرَ بذلك هو رسولُ اللهِ - ﷺ -.\nوذلك في قوله: \" لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مسلمٍ إلّا بإِحْدى ثلاث: النفسُ بالنفس، والثَّيِّبُ الزَّاني، والتاركُ لدينهِ المفارقُ للجماعة \".\nمَن الذي أَمَرَ الإِسلامُ بقَتْله؟\nإِنه ليس الكافرَ أَصْلًا، المصِرَّ على كُفْرِه، ولكنه الكافرُ الذي دَخَلَ في الإِسلام، ثُمّ خَرَجَ منه وعادَ إِلى الكفر.\nإِنَّ الردةَ دليلٌ على التلاعبِ بالعقيدةِ والإِيمان، والاستهزاءِ بالإِسلامِ والقرآن، والكيدِ ضدَّ المسلمين.\nإِنَّ المرتَدَّ يُعْلِنُ بردَّتِه خطأَ الإِسلامِ وبُطلانَه، وهو بردَّتِه يَدعو المسلمين\nإِلى الاقتداءِ به، والارتدادِ عن الإِسلام مِثْله!.\nوالإِسلامُ حَقٌّ وصَواب، ودعوةٌ للعالَمين جميعًا، والمرتَدُّ عن الإِسلام\nمحاربٌ له بردَّتِه، وصادٌّ عنه، وهذه الجرائمُ استحَقَّ بها القَتْل.\nوالمرتَدُّ لا يُقْتَلُ فورًا، إِنما يُناقَشُ أَوَّلًا، وتُزالُ الشبهاتُ التي عنده،\nوتُقَدمُ له الحججُ والبراهينُ على الحَقّ، وَيُدْعى للعودةِ إلى الإِسلامِ، كل ذلك\nبالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضَ هذا المنطقَ العقلانيَّ الدعوي، وأَصَرَّ\nعلى ارتدادِه وكُفْرِه، فيكون هذا من بابِ العِنادِ والاستكبار، ولا يَعتمدُ على دَليلٍ عقلي مُقْنِعٍ، لأَنَّ الإِسلامَ حَقٌّ يتوافَقُ مع الفطرةِ والمنطقِ والعقلِ السَّليم، وليس فيه ما يَتَصادَمُ أَو يتناقَضُ مع المنطق.\nعند ذلك يكونُ ارتدادُه تَلاعُبًا وكيدًا وحَرْبًا للإسلام، ويكونُ جزَاؤُه\nالقتل.\nإِنَّ حريةَ العقيدةِ والدين التي يَتَباكى عليها الفادي المفترِي ليستْ مع\nهذا المرتَدِّ عن الإِسلام، إِنما هي معَ الكافِر، الذي لم يَدْخُلْ في الإِسلام\nأصْلًا -، فهذا يُدعى للدُّخولِ في الإِسلام بالمنطقِ والحجةِ والبرهانِ، فإن اقتنعَ واعتنقَ الإِسلامَ يكونُ قد فازَ في الدنيا والآخرة، وإِنْ رَفَضَ الدعوةَ وأَصرَّ على كفرِه تركَه المسلمون وشأنَه، من بابِ حريةِ العقيدةِ والدين التي يُنادي بها الفادي، ولا يُجْبِرونَه على الدخولِ في الإِسلام، لأَنَ اللهَ يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)","vol":"1","page":438},{"text":"معَ اليقينِ بأَنَّ هذا الذي رفضَ الدخولَ في الإسلام كافرٌ ضالّ خاسِرٌ، فاسقٌ ظالم مجرم، ليس على هدى أو إِيمانٍ أو حق، وهو في الآخرةِ مخلَّدٌ في نارِ جهنم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>حكم الزواج بالكتابيات</span>\nأَباحَ اللهُ للمسلمينَ الزواجَ بالكتابيات، قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) .\nوعَلَّقَ الفادي على هذا بقولِه: \" يُجيزُ القرآنُ للمسلمينَ أَنْ يَتَزَوَّجوا\nالمسيحيات..\nبينما يُحَرِّمُ الإِنجيلُ تَحريمًا باتًّا زواجَ المسيحياتِ بغيرِ المسيحيّين، ويقول: \" فهي حُرَّةٌ لكي تتزوج بمَنْ تُريُد، في الرَّبِّ فقط \"..\nوهذا إِعلانٌ قرآنيّ باحترامِ الإِيمانِ المسيحيّ، لأَنَّ الزوجةَ المسيحية سَتُرَبّي أَولاد الزوج المسلم \".\nزَعَم الفادي أَنَّ الإِنجيلَ حَرَّمَ زواجَ النصرانيةِ منَ غيرِ النصراني، فكيفَ\nتُوافقُ النصرانيةُ على الزواجِ من المسلم؟\nإِنها بذلك تُخالفُ أَحكامَ دينِها، فما رأيُ الفادي في هذه المخالفة؟\nولماذا يُجيزُ - وهو القِسّيسُ - للنصرانياتِ الزواجَ من المسلمين؟\nإنه يَعْتَبِرُ إِباحةَ زواجِ المسلم بالكِتابِيَّةِ إِعْلانًا قرآنيًا باحترامِ الإِيمانِ المسيحي، وتفويضَ المرأَةِ النصرانيةِ بتربيةِ أَولادِ زوجهما المسلمَ.\nلقد أباحَ القرآنُ للمسلمِ الزواجَ بالكتابية، لأَنها تؤمنُ بالتوراةِ أَو","vol":"1","page":439},{"text":"الإِنجيل، وهما كتابان من كتبِ الله، صحيحٌ أَنّ اليهود والنَّصارى حَرَّفوهما\nبعدَ ذلك، لكنَّ أَصْلَهما من عندِ الله، فهو يتعامَلُ معهما على هذا الأَساس.\nولا يَعني إِباحةُ الزواجِ من الكتابيةِ الاعترافَ بأَنها مؤمنةٌ مُوَحِّدَة، بل هي\nكافرة؛ لأَنّ مَنْ لم يكنْ مسلمًا فهو كافرٌ بنصِّ القرآن.\nقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .\nونُقَرِّرُ أَنَّ القرآنَ لم يُبحِ الزواجَ بالنصرانيةِ فقط، وإِنما أَباحَ الزواجَ\nباليهوديةِ والنصرانيةِ، لأنهما كتابيَّتانَ، والزواجُ بهما مُباحٌ، وليس واجبًا أَو\nمندوبًا أَو سُنَّةً مُتَّبَعَة، والأَوْلى والأَفْضَلُ أَنْ لا يكون، لكنه مُباحٌ لمن أَراده.\nوهو ليس مباحًا مُطْلَقًا، إِنما هو مباحٌ بشرطِ أَنْ تكونَ الكتابيةُ مُحْصَنَة\nلقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) .\nوالمرادُ بالإِحصانِ هنا العفةُ وإِحصانُ الفَرْج، وعدمُ ارتكابِ فاحشةِ الزنى،\nولا بُدَّ للمسلمينَ الراغبينَ في الزواجِ من الكتابياتِ من أَنْ يكونوا مُحْصنين\nعَفيفين، غيرَ زناةٍ مسافحين ولا متخذي أَخْدان.\nوالخلاصَةُ أَنَّ الزواجَ بالكتابياتِ اليهودياتِ والنصرانيات مُباحٌ إِباحة، مع\nأَنَّ الأَولى أَنْ لا يكون، وهو مباحٌ بشرْطِ الإِحْصانِ في الطرفين، الإحصانُ\nفي الرجلِ المسلمِ وعدمُ زِناهُ، والإِحصانُ في المرأةِ الكتابيةِ وعَدَمُ زناها..\nوفَتِّشْ عن امرأةٍ كتابيةٍ غربيةٍ محصَنَة غَيرَ زانيةٍ في هذا الزمان!.","vol":"1","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>الفصل السابع نقض المطاعن الاجتماعية</span>","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل</span>؟\nاعترضَ الفادي الجاهلُ على تفريقِ القرآنِ بينَ الرجلِ والمرأةِ في الشهادة،\nحيثُ جعلَ شهادةَ المرأةِ على النصفِ من شهادةِ الرجل، وذلك في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .\nالموضوعُ الذي تأمُرُ الآيةُ بالإِشهادِ عليه هو الدَّيْن، وهو موضوغ ماليّ\nتفصيليّ إِجرائي، يقومُ على المعاملاتِ بينَ الناس، ومعلومٌ أَنَّ هذه التفاصيلَ\nالدقيقة تَعْني الرجال غالبًا وتَستهويهم، أَمّا النساء فإِنهنَّ لا يَنتبهنَ لها غالِبًا،\nلأنها لا تتفقُ مع ميولِهنَّ.\nوإِذا طُلِبَ من المرأةِ أَنْ تَنْتَبِهَ لهذه التفصيلات وتخفظَها فإِنَّها لا تَضبطُ ذلك، وإِنْ طُلِبَ منها أَنْ تَذكرَ تلك التفصيلاتِ بعدَ فترةٍ فإِنها لا تُحسنُ أَداءَ ذلك.\nفإذا جُعلت المرأةُ شاهدةً على تلك التفصيلاتِ المالية، وطُلبَ منها أَداءُ\nالشهادة، فإِنها غالِبًا لا تَستحضرُ تلك التفصيلات، وبذلك لا تُؤَدِّي الشهادةَ على أُصولِها، وبذلك قد يَضيعُ الحَقُّ على صاحبِه!!.\nوإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ الذي خَلَقَ المرأةَ على هذه الصورةْ، يَعلمُ ذلك منها،\nولذلك جعلَ شهادةَ المرأَتَين مُقابلَ شهادةِ الرجلِ الواحد، وعَلَّلَ ذلك بقوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .\nأي: تَأْتي المرأَتانِ لأَداءِ شهادتِهما على تَفْصيلاتِ الدَّيْن، وتوقَفُ الشاهِدَتان معًا، فإِذا نَسيتْ إِحداهُما بعضَ تلك التفصيلاتِ ذَكَّرَتْها صاحبتُها، وبذلك تتكامَلُ شَهادَتَاهما على تقريرِ الحقيقة!.\nولكنَّ الفادي لا يَعرفُ هذا المعنى، لذلك اعترضَ على القرآنِ وخطَّأَهُ،","vol":"1","page":443},{"text":"واعتَبَرَهُ امتهانًا للمرأة.\nقال: \" ونحنُ نَسأل: كم هو مقْدارُ الغبْنِ والمهانة، التي تَشعرُ\nبها السيداتُ من هذا المبدَأ المُهين، البَعيدِ كُلَّ البعدِ عن مبدأ المساواةِ في الشخصيةِ الإِنسانية؟\nكم من امرأةٍ واحدةٍ فاضِلةٍ خيرٌ من عديدٍ من الرجالِ الجُهّال؟! \".\nوكلامُه دليلُ جَهْلهِ وغبائِه، فالأَمْرُ ليس كما تَصَوَّرَه، وليس الكلامُ عن\nالغبنِ والظلم، والاحتقارِ والمهانَة، وليس فيه تفضيلُ جنسِ الرِّجالِ على جنسِ النساء، بل هو موضوعٌ ماليّ إِجرائيّ تَفصيليٌّ خاصّ كما ذكرنا.\nوالمرأةُ مساويةٌ للرجلِ في الإِنسانية، وفْقَ التصور الإِسلامي، ثم تَفترقُ\nعنه بعدَ ذلك في فُروق خاصَّةٍ بها، جعلَها اللهُ في كيانِها، لتُحققَ رسالتها\nالإِنسانية، كما يفترقُ الرجلُ عنها في فروقٍ خاصَّةٍ به، ليُحققَ رسالسَه الإِنسانية.\nولا ننكرُ أَنَّ بعضَ النساءِ المؤمناتِ الصالحاتِ الفاضلات، أَفضلُ مِن\nكثيرٍ من الرجالِ غيرِ الصالحين؛ لأَنَّ التَّقوى هي أَساسُ التكريمِ عندَ الله.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>لماذا ميراث المرأة نصف ميراث الرجل</span>؟\nاعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله - ﷿ - (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)\nتجعلُ الآية ُ ميراثَ الرجلِ ضعْف ميراثِ الأُنثى، فالرجلُ يأخذُ مثلَ\nنصيبِ المرأَتَيْن.\nوهذا أَثارَ اعتراضَ الفادي، فقال: \" ونحنُ نسأل: لماذا لا يَتساوى الولدُ والبنتُ في الميراث؟\nأَليسَ لكل منهما جَسَدٌ يَحتاجُ للِكساء، ومعدةٌ تحتاجُ للقوت؟\nأَليستْ مطالبُ المعيشةِ على كلَيْهما واحدة؟\nبل قد تكونُ أقسى على البنتِ وهي قاصرٌ أو عانس أَو أَرملة! \".\nيَقترحُ الفادي أَنْ يَتَساوى الرجلُ والمرأةُ في الميراث، بحجةِ تَساويهما في","vol":"1","page":444},{"text":"الحاجاتِ من طَعامٍ وشَرابٍ وكِساء، بل إِنَّ المرأةَ أَكثرُ حاجةً في ذلك من الرجل.\nويَعتبرُ أَخْذَ الرجل ضعْفَ نصيبِها من الميراث ظُلْمًا لها، وتفضيلًا للرجلِ عليها.\nإِنَّ إِعطاءَ الرجلِ ضعْفَ نصيبِ المرأةِ ليس مرتَبطًا بالتفضيل، أَيْ ليس\nالرجلُ أَفضَلَ من المرأةِ تَفْضيلًا جنسيًّا، فلا يُفَضلُ لِأَنَّه رَجُل..\nويَقومُ التفضيلُ عندَ اللهِ على أَساسِ العملِ، بدونِ اعتبارٍ للجنسِ أو اللونِ أَو اللغةِ أَو العمر أَو التملكِ أَو النَّسَبِ، فالأَكرمُ عندَ اللهِ هو الأَتْقَى، سواء كانَ رَجُلًا أو امرأة، غنيًا أَو فقيرًا، شَريفًا أَو وضيعًا، أَبيضَ أَو أسود.\nلقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) .\nوهذا معناهُ أَنَّ المرأةَ الصالحة التقية أَفضلُ عند اللهِ من آلافِ الرجالِ غيرِ الصالحين.\nوتوزيعُ الميراثِ لا يُنْظَرُ فيه إِلى حاجاتِ الجسمِ من طَعامٍ وشَرابِ\nوكساء، لأَنَّ الرجلَ والمرأةَ يَتَساويان في ذلك.\nلقد أُعْطِيَ الرجلُ ضعفَ نَصيبِ المرأة بسببِ المسؤولياتِ الموكولةِ إِليه،\nفالرجلُ هو المسؤولُ مَهْما كانَ وضْعُه العائليّ، سواء كان أَبًا أَو زوجًا أَو أَخًا\nأَو ابنًا، هو المعيلُ لمن عنْدَه من النساء، الزوجاتِ والأُمهاتِ والأَخَواتِ\nوالعَمّاتِ، وهو المتكفلُ بحاجاتِهنّ، والمُنْفِقُ عليهن..\nأما المرأةُ فإنه لا يجبُ عليها إِنفاقُ أَيِّ شيء من مالها، مهما كان وَضْعُها العائلي، ومهما كانَ مالُها، إِلّا إِذا أرادَتْ أَنْ تُنفقَ من مالِها كَرَمًا منها!! أَيْ أَنَّ الرجلَ هو الذي يَدفعُ دائَمًا، والمرأةُ هي التي تأخذُ وتَكْسِبُ دائمًا ...\nألا يتطلَّبُ ذلك إِعطاءَ الرجلِ ضِعْفَ نَصيبِ المرأةِ من الميراث؟.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>حول تعدد الزوجات</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على الآيةِ التي تُبيحُ تَعَدُّدَ الزوجات، وهي\nقولُ الله - ﷿ -: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .","vol":"1","page":445},{"text":"وبعدما سَجَّلَ الفادي خُلاصَةَ تفسيرِ البيضاوي للآية أَعلنَ رَفْضَه لها.\nقال: \" ونحنُ نسأل: أَليست الأُسرةُ هي خليَّةً مصغَّرَةً للمجتمع؟\nإِنَّ وُجودَ رجلٍ واحدٍ بينَ أَربعِ نساء، وعَدَدٍ كبيرٍ من السَّراري مصنَعٌ للمظالم، وميدانٌ للبغضاءِ والمشاحنات، ومعملٌ لتخريجِ المطلَّقات والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأَبرِياء، وإِذا تزوَّجَ الرجلُ بأَربعٍ أو أَكثرَ في آنٍ واحد، فلماذا لا تتطلَّعُ المرأةُ للتزوُّجِ بأربعةِ رجالٍ في آنٍ واحد؟\nأَليسَ العدلُ أَنْ تُراعِيَ القانونَ الأَصْليَّ وهو: حواءُ واحد \" لآدمَ واحد؟ \".\nوقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي الشبهاتِ حولَ تَعَدّدِ الزوجات، وناقَشْناهُ في\nذلك، وذَكَرْنا أَنَّ التعدُّدَ رخصة مشروطة، وليسَ واجبًا عينيًا على كُلِّ رجل، وهو مشروطٌ بعدْلِ الرجلِ بين زوجاتِه، فإِنْ لم يعدلْ كان آثمًا، وعندما يَعدلُ الرجلُ بين زوجاتِه تزولُ المخاطرُ التي أَثارَها المفترِي حولَ التعدد، إِذْ يجعلُ البيتَ الذي فيه أَكثرُ من زوجةٍ مَصنَعًا للمَظالم، ومَيْدانًا للبَغْضاءِ والمشاحنات، ومَعْملًا لتخريجِ المَطلَّقاتِ والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأبرياء!! فبالعدلِ بين الزوجاتِ يكونُ البيتُ واحةَ سَلامٍ وأَمان، ومكانَ مودَّةٍ ومحبةٍ، ويَنشأُ الأَطفالُ فيه نشأةً سويةً سعيدة..\nهكذا كانت بيوتُ الصحابة، الذين أخذوا برخصةِ التعَدُّد، وكانوا عادِلينَ بينَ زوجاتهم.\nوإِذا كان بعضُ المسلمينَ الآخِذين برخصةِ التَّعَدُّدِ يُسيئونَ استخدامَ هذه\nالرخصة ويَظلمونَ زوجاتِهم، فهم المؤاخَذونَ أَمامَ الله، وهم الذين يَتَحمَّلونَ تبعةَ ظُلْمِهم وسوءَ تصرُّفِهم، ولا يتحمَّلُ ذلك القرآنُ الذي أَباحَ التعددَ مَشْروطًا بالعَدْل.\nوافترى الفادي على الله عندما زَعَمَ أَنَّ سنةَ اللهِ هي تزوُّجُ الرجل بامرأةٍ\nواحدة، لأَنَّ آدَمَ تزوَّجَ بحواءَ فقط..\nوهذا كذبٌ من المفترِي، فآدمُ تزوَّجَ بحواءَ فقط، لأَنه لم يكنْ عنْدَه أُنثى غيرُها من البَشَر.\nوقد تَزَوَّجَ كثيرٌ من الأَنبياءِ بأَكثرَ من امرأةٍ واحدة، مثلُ سيدِنا محمد - ﷺ -، ومثلُ داودَ وسليمان - صلى الله عليهما وسلم -، اللَّذان تزوَّجا بأكثرَ من زوجةٍ واحدة.","vol":"1","page":446},{"text":"وبما أَنَّ اللهَ أَذِنَ بتعدُّدِ الزوجاتِ في هذ الآيةِ الصريحةِ، فهذا هو الحقُّ\nوالصواب، والحكمةُ دائمًا تتحقَّقُ من كلّ ما أَبَاحَهُ اللهُ أَو أَمَرَ به.\nواعتراضُ الفادي على حْكُمِ اللهِ دليلُ جَهلِهِ، وكُفْرِه بالله، وعدمِ تقديرِه سبحانَهُ حَق قَدْرِه.\nوأَيُّهما أَفْضَلُ وأَطهرُ وأَكرمُ للمرأة، أهو تعدُّدُ الزوجاتِ، بِأَنْ تعيشَ أَكثرُ\nمن امرأةٍ تحتَ رعايةِ رجلٍ واحد، أَمْ تعدُّدُ \" العشيقات \"، الذي يَقومُ على امتهانِ المرأةِ، وتحوِيلها إلى مجردِ جَسَدٍ يُشْتَهى، ويُؤدّي إِلى شيوع الفواحش؟.\nأما ما يطالبُ به من تعدُّدِ الأَزَواجِ للمرأةِ، مقابلَ تعدّدِ الزوجاتِ للرجل،\nفهذا من فُحْشِه وبذاءَتِه، ودليلٌ على جهْلهِ وغبائِه، فاللهُ خلقَ الرجل طالِبًا للمرأة، وجَعَلَ المرأةَ تابعةً للرجل! فيكفي المرأةَ رجلٌ واحدٌ يقومُ عليها ويتكفَّلُ بها.\nثُمَّ إِنَّ تَعَدُّدَ الأَزواجِ للمرأةِ يؤَدِّي إِلى اختلاط الأنساب، فلا يَعرفُ الولَدُ\nمَنْ أَبوه، لاحتمالِ أَنْ يكون كلُّ واحدٍ من أزواجها أَبًا له، وفي هذا من\nالمفاسدِ الاجتماعيةِ والنفسيةِ والإنسانيةِ ما فيه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>ضرب الزوجات: لماذا؟ ومتى؟ وكيف</span>؟\nاعترضَ الفادي على إِباحةِ ضربِ الزوجاتِ في بعضِ الحالات، وهي\nالتي أَشارَ لها قولُ اللهِ - ﷿ -: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) .\nوعَلَّقَ على الآيةِ بقولِه: \" يُصرحُ القرآنُ أَنه إِذا خافَت المرأةُ من إِعراضِ\nزوجِها عنها فلْتلجأ إِلى هيئةِ تَحكيم، من أَهْلِها وأَهْلِه، ليُصْلِحا بينَهما صُلْحأ: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .\nولكنَّه يقولُ: إنه إذا خافَ الرجلُ من إعراضِ زوجتِه عنه فعلَيْه أَنْ يَعِظَها، ثم يَهْجُرَها، ثم يضربَها، سواءٌ صَفْعًا باليد، أَو لَكْمًا بجمعِ اليَد، أَو رَفْسًا ورَكْلًا بالرِّجْل، أَو نهشًا بالكُرباج، أَو لَفْحًا بالعَصا ... \".","vol":"1","page":447},{"text":"ثم أَوردَ نَصًا من الإِنجيلِ على محبةِ الرجلِ لامرأتِه، لأَنها جُزْءٌ منه..\nويَهدفُ الخبيثُ من ذلك إِلى المقارنةِ بينَ القرآنِ والإِنجيلِ في النظرِ إِلى\nالزوجة، واتِّهامِ القرآنِ بأَنه دَعا إِلى ظلمِ المرأةِ وإِهانَتِها، بينما دَعا الإِنجيلُ\nإِلى مَحَبَّتِها وتكريمها.\nوقد دَعَا القرآنُ الرجلَ إِلى السكونِ إِلى امرأتِه، وجَعَلَ ذلك آيةً من\nآياتِ الله، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .\nونهى اللهُ الرجالَ عن ظلمِ نسائِهم وإِيذائِهن، وأَوجبَ عليهم معاشرتَهُن\nبالمعروف \" قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) .\nوفي حالاتٍ نادرةٍ قد تختلفُ المرأةُ مع زوجها، وتبدأُ بالنشوز والتمرُّدِ\nعلى زوجها، عند ذَلك لا بُدَّ أَن يُعالجَ زوجُها الأَمْرَ، ويَقضي على النُّشوز،\nقبلَ أَنْ يَصِلَ إِلى الطلاق..\nوقد أَرْشدَه اللهُ في هذه الحالةِ إِلى القيامِ بثَلاثِ خطواتٍ متدرِّجَة: يبدأُ بوعْظِها وتذكيرِها بالله، وتحذيرِها من عواقبِ النشوز، فإِنَ لم تنفعْ معها هذه الوسيلةُ لجأَ إِلى هجرِها في المضجع، فإِنْ لم تتوقَّفْ عن نُشوزِها ضَرَبَها ضَرْبًا خفيفًا غيرَ مُبَرِّح!.\nوإنَّ اللهَ الحكيمَ الذي شَرَعَ هذه الوسائلَ لعلاجِ النشوزِ لَيعلم أَنَّ بعضَ\nحالاتِ النشورِ والتمردِ لا يَنفعُ معها إِلا الضربُ الخفيفُ، ولذلك شَرَعَهَ وأَذِنَ به.\nوقد كانَ الفادي مفتريًا كاذبًا عندما وَصَفَ الضربَ وَصْفًا همجيًّا\nوحشيًّا.\nحيثُ قال: \" ثم يَضربُها، سواءٌ صَفْعًا باليَد، أَوَ لَكْمًا بجمْعِ اليَد، أَو\nرفْسًا ورَكْلًا بالرِّجْل، أَو نهشًا بالكرباج، أَو لَفْحًا بالعَصا \".","vol":"1","page":448},{"text":"ولم يَأذَن القرآنُ ولا رسولُ اللهِ - ﷺ - بهذا الضرب، ولم يَصِفْهُ أَيّ عالمِ أَو مفسِّر أَو فقيهٍ بهذا الوصف، ولا يَجوزُ استعمالُ الكرباجِ أَو العصا أَو الرَّجْلِ في ضربِ الزوجة؛ لأَنَّ هذا ضربُ انتقام، وليسَ وسيلةَ تربيةٍ وأُسلوبَ علاج.\nإِنَّ ضَرْبَ الزوجةِ الناشزِ كأُسلوبِ علاجٍ لا بُدَّ أَنْ يكونَ ضربًا خفيفًا،\nبِكَفٍّ أَو إِصبع، على أن يتجنب الوجه لأنه مكرم عند الله، وعلى أن لا يترك أثرًا، وأن لا يكون مبرِّحًا، ونكرر أن معظم الأزواج لا يضطرون إلى هذا الأسلوب مع زوجاتهم، وأنه لا يستعمل إلا في حالات نادرة جدًّا.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>ماذا بعد الطلقة الثالثة</span>؟\nوَرَدَ في القرآنِ أَنه إِذا طَلَّقَ الرجلُ زوجتَه الطلقةَ الثالثة، فإِنّها لا تحلُّ له\nإِلّا بعدَ أَنْ تَنكحَ زوجًا غيرَه.\nقال تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .\nوالمعنى أَنه إِنْ طَلَّقَها زوجُها الطلقةَ الثالثة فإنها لا تحلّ له حتى تنكحَ\nزَوْجًا غيرَه، وذلك بأَنْ يتزوَّجَها الثاني، ويدخُلَ بها، ويُجامعَها، فإِنْ طَلَّقَها\nزوجُها فلا جناحَ على زوجِها الأَوَّلِ أَنْ يتزوَّجَها من جَديد.\nأَما إِذا عَقَدَ الزوجُ الثاني العقدَ عليها فقط، بهدفِ تحليلِ عودتِها إِلى\nزوجِها الأَول، ولم يُجامعْها، فهذا لا يَجوز، وقدْ لعنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الرجلَيْن، المحلِّلَ وهو الزوجُ الثاني، والمحلَّلَ له، وهو زوجُها الأَوَّل، وقال - ﷺ -: \"لَعَنَ اللهُ المحلِّلَ والمحَلَّلَ له \".\nوهذا التشريعُ كُلُّه لم يُعْجب الفادي المجْرِم، وأَثارَ عليه اعْتِراضَه\nوإِنْكِارَه، وخَظَأَ القرآنَ، وشَتَمَ رسولَ اللهِ - ﷺ - ببذاءَة.\nقال: \" ونحنُ نَسأَل: أَلا يَستنكرُ العُقلاءُ هذا النظامَ الغَريب؟\nلماذا يُصَرّحُ القرآنُ بصُلْحِ المطَلقةِ","vol":"1","page":449},{"text":"ورُجوعِها إلى زوجِها، بشرطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلًا غيرَه يُسَمَّى مُحَلِّلًا؟\nولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له؟\nأَليسَ الأَحَقُّ باللَّعن هو المُشرِّع؟! \" (١) .\nوكلامُ المجرمِ يَقومُ على التلاعبِ والتحريفِ، والتَّدْليسِ والتَّمويه، إِنه\nلإِجْرامِه وشيطنَتِه يُريدُ أَنْ يُمَوِّهَ على القارئ!.\nإِنه يَدْعو العُقَلاءَ إِلى استنكارِ هذا النِّظام الغَريب، ويزَعُمُ أَنَه لا يتقبَّلُه\nالعقلُ السَّليم..\nولا أَدري أَينَ مصادمَتُهُ للعقل.\nلقد شرَعَ اللهُ الطَّلاق، وحَدَّدَ عَدَدَ الطلقات بالثَّلاث، بعدَ أَنْ كانَ مَفْتوحًا مُطْلَقًا في الجاهلية، فقد يُطلِّقُ الرجلُ منهم زوجَتَه مئةَ طَلْقَة، ويُبْقيها زوجةً له، فجاءَ الإِسلامُ وحَدَّدَه بثَلاثِ طَلْقات..\nويمكنُ للمرأةِ أَنْ تتزوَّجَ رجُلًا آخَرَ بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها الأَوَّل.\nوماذا في هذا من تَصادُمٍ مع العقل؟\nويمكنُ لزوجِها الثاني أَنْ يُطَلِّقَها إِذا أَراد، وماذا في هذا؟\nوما المانعُ من أَنْ تَعودَ إِلى زوجِها الأَوَّل بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها\nالثاني؟\nأَينَ الذي يرفُضُه العقلُ السَّليمُ من هذا التشريع؟\nثم أَليس هو شرعَ الله، جاءَ صَريحًا في القرآن؟\nوهل في شرعِ اللهِ ما يتناقَضُ مع العقلِ السليم؟.\nوجملةُ المجرمِ مَلْغومَة: \" بشَرْطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلًا غيرَه يُسَمّى المحَلِّل \"،\nويَقصدُ المجرمُ بالجماعِ هنا الجماعَ المُحَرَّمَ الذي هو الزِّنى، لأَنه يستنكرُ\nزواجهَا الثاني ويعتبرُه زنى، والجِماعُ المباحُ في الإِسلام هو الذي يكونُ بينَ\nالزوجَيْنِ زَواجًا شرعيًا.\nوالزوجُ الثاني إِنْ تزوَّجَ المرأةَ على الأُصولِ الشرعيةِ زوجٌ كاملُ\nالمواصفاتِ الزوجيةِ وحقوق الزوج، ولا يُسَمّى محلّلًا، إِنما يُسَمّى مُحَلِّلًا إِذا\nتزوَّجَها بهدف تحليلِ إِعادتِها إِلى زوجِها الأَوّل، واشترطَ عليه أَنْ لا يُجامِعَها!.\nوكم كانَ الفادي مُجْرِمًا بَذيئًا مَلْعونًا عندما وَجَّهَ لعنة مباشرةً لرسولِنا - ﷺ -، وذلكَ في قوله: \" ولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له؟\nأليسَ الأَحَقّ باللعنةِ هو المشَرِّع؟ \".\n_________\n(١) بل لعائن الله ومقته وغضبه عليك وعلى والديك وعلى كل من آذى الإسلام والمسلمين، خاب ظنك وضل عملم أيها الخاسر السفيه.","vol":"1","page":450},{"text":"ولا نقولُ إِلَّا أَنَّ هذا المجرمَ عليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجْمعين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>حول حجاب المرأة</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لأَنه أَمَرَ المرأةَ المسلمةَ\nبالاحْتِجاب، وذلكَ في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .\nقال: \" والخُمُرُ جمعُ خِمار، وهو ما تُغَطّي به المرأةُ رأْسَها.\nو\" جيوبهن \" جمعُ جيب، وهو القَلْبُ أَو الصدْرُ، والجيبُ أَيضًا هو طَوْقُ القَميص، فيكونُ المعنى: يَسْتُرْنَ أَعناقَهن بغطاء رؤوسهن.\n- ونحنُ نسأَل: كيفَ توضَعُ المرأةُ في حِجابِ يُشْبِهُ السِّجْن؟\nإِنَّ الحجابَ يقتلُ في المرأةِ روحَ العمل والنشاطِ والحريةِ الشخَصية، ويَرجِعُ بالإِنسانيةِ إِلى عهودِ الرِّقِّ والعبودية \".\nلا أَدري لماذا يُهاجمُ الفادي الحِجابَ، ويَصفُه بهذه الصفاتِ المذمومة؟\nوهو رَجُلُ الدّينِ النَّصْراني، الذي يَزعمُ حِرْصَه على العَفافِ والطُّهْر، ومُحاربةِ الانحلالِ والعُهْر، وإِنَّ الحجابَ صيانةٌ وحفظٌ للمرأة، ونَشْرٌ للطهارةِ والفضيلةِ في المجتمع.\nومَن الذي قالَ: إِنَّ الحجابَ سجنٌ للمرأة؟\nولماذا يُرَدِّدُ الفادي دِعاياتِ الشَّياطِين.\nإِنَّ دُعاةَ الشهوات، الحريصين على نَشْرِ الفواحِش، يُريدونَ فتنةَ\nالناسِ بالمرأة، فيُخْرِجونَها متبرجةً متزينةً مغرية، ويُحاربونَ حِجابَها وسِتْرَها،\nوما الفادي إِلَّا واحدٌ من هؤلاءِ الشياطينِ المفسدين، ولذلك يُهاجمُ الحجاب\nويَجعلُه مُدمِّرًا للمرأة، قاتِلًا لروحِ العمل والنشاطِ فيها، علمًا أَنَّ المحَجَّباتِ\nمن أَنشطِ النساءِ في المجتمع!.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>حول قتال مانعي الزكاة</span>\nذَكَرَ الفادي آياتٍ من سورةِ التوبة تتحدَّثُ عن إخراج الزكاة، ثم ذَكَرَ\nقِتالَ أَبي بكرٍ الصّدّيق - ﵁ - مانعي الزكاة، حيثُ أَرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ - ﵁ - فقاتَلَهم وأَعادَهم للإسلام.\nثم اعترض على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نسأل: إذا كانت الزكاةُ رُكْنًا من\nأَركانِ الدين، والدينُ لله، فهل يُعْتَبَرُ الدِّينُ قَيِّمًا إِذا كُنّا نُمَارسُهُ لا رغبةً\nوتَطَوّعًا، بل جَبْرًا وقَسْرًا، وإِنَّ زكاةً يجمعُها سيفُ خالدِ بنِ الوليد وأَمثالِه،\nيَرفُضها الله! لأنها ليستْ إِحْسانًا \".\nإِنَّ اعتراضَه هنا خارجٌ عن موضوعِ الكتابِ، فالكتابُ مُخَصَّصٌ للحديثِ\nعن أَخطاءِ القرآنِ في زَعْمِه، وهذا الاعتراضُ على ما فَعَلَه أَبو بكر وخالدٌ - ﵄ - من قِتالِ مانعي الزكاةِ من المرتَدين العرب!.\nومع ذلك نقول: صَحيح أَنَّ الزكاةَ رُكْنٌ من أَركانِ الإِسلام، وأَنه لا بدَّ\nللمسلمِ من أَنْ يَدْفَعَها وهو منشرح مُتَفاعِل، وأَنْ يَتَفاعَلَ كيانُهُ كُلّه بإِعطائِها، كما قالَ الله - ﷿ -: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) .\nوالمسلمونَ يقومونَ بشعائِر الإِسلام رغبةً وتَطَوّعًا، لأَنهم يَتَقَرَّبون بذلك\nإِلى الله، ويَفرحونَ لأنهم بذلك يَنالونَ جَنَّتَه ورِضوانَه.\nوقتالُ مانِعي الزكاةِ زمنَ الصدّيقِ - ﵁ - ليسَ من أَجْلِ إِكراهِهم على دفْع الزكاةِ جبرًا وقَسْرًا، كما ظَنَّ الفادي الجاهل، بل من أَجْلِ أَنهم مُرْتَدّون كُفّار \"\nلأَنهم أَنكروا وُجوبَ الزكاة، وإِنكار وُجوبِها خروجٌ من دينِ الله..\nومن المعلومِ أَنَّ قِتالَ المرتَدّين واجب.","vol":"1","page":452},{"text":"فلما عَادوا للإِسلامِ دَفَعوا الزكاةَ راضين مُتَقَرِّبينَ بذلك إِلى الله!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>حول توزيع الغنائم</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في توزيعِه الغنائم، وذلك في قولِه\nتعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) .\nوالغنائمُ هي كُلُّ ما أَخِذَ من الكفارِ بعد هزيمتِهم واستسلامِهم.\nوهذه الغنائمُ أَحَلَّها اللهُ للمؤمنين المجاهدين، ولم يُبِحْها للمسلمين السابقين، فلما كان السابقونَ يُجاهدونَ الكافرين ويَهزمونَهم، ويَأخُذون منهم الغنائم، كانوا يَجْمَعون تلك الغنائمَ ويَحْرِقونَها بالنار، وعلى هذا قولُ رسولِ اللهِ - ﷺ -: \" وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تُحَلَّ لأَحَدٍ من قبلي.. \".\nوأَمَرَ اللهُ بتَخْميسِ الغنائم.\nأَيْ: تَقْسيمها إِلى خمسةِ أَخْماسٍ متساوية، تُعْطى أَربعةُ أَخْماسٍ منها للمجاهِدين تكريمًا ومكافأةً لهم.\nوالخُمسُ الخامسُ يَقَسَّمُ على خمسةِ أَصناف، ذَكَرَتْهم الآية: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) .\nوقد اعترضَ الفادي على هذا، فقال: \" ونحنُ نسأَلُ: كيفَ تُستباحُ أَموالُ\nالناسِ بعد إِراقةِ دمائِهم باسمِ الله؟\nوكيفَ يأخُذُ القائدُ الدينيُّ غنيمة؟! \".\nيُنكرُ الفادي المفترِي قِتالَ الكافرين، حتى لو بَدَؤوا هم بالعُدْوان على\nالمسلمين وقتالِهم، ويَعتبرُ قَتْلَهُمْ سَفْكًا للدمِ بالباطل، ويعتبرُ المسلمين\nمعتدين!.\nوإذا كان الفادي الجاهلُ يَعترضُ على القرآنِ لإِباحتِه قِتال الكفار، فإنه","vol":"1","page":453},{"text":"يعترضُ على القرآنِ أَيضًا لأَنه أَباحَ أَخْذَ الغنائم من الكفارِ المعتدين، وقَسَّم\nتلكَ الغنائمَ عليهم، وأَعطى النبيَّ جُزْءًا من تلك الغنائم!.\nواعتراضُ الفادي مردود؛ لأَنه يعترضُ على أَمْرٍ أَباحَه الله، وَوَرَدَ النصُّ\nعليه في كتابِ الله - ﷿ - قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>حول أخذ الجزية من أهل الكتاب</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله - ﷿ -: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .\nلأَنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنين بقتالِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى من أهلِ الكتاب، وتُبَيِّنُ المبرراتِ التي تَدْعو إِلى قِتالِهم، ولا يتوقفُ قِتالُهم إِلّا بخضوعِهم للمسلمين، ودفعِهم الجزيةَ وهم صاغرون.\nونَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي تفسيرَ الآية وبيانَ مَعْناها، ومعنى الجزية،\nومَن الذين تُؤْخَذُ منهم، وكَيفيةَ أَخَذِها منهم، واختلافَ المذاهبِ في ذلك.\nوقالَ بعدَ ذلك: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ يُبيحُ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهم أَنْ يُقاتِلوا الناس\nباسمِ الدين، ويُخَيِّروهُم بينَ الإِسلام أَو الموت أَو الجزية؟ \" (١) .\nأَيْ أَنَّ الفادي المفترِي لا يُجيزُ قِتال الآخرين، ولا أَخْذَ الجزيةِ منهم؛ لأَنَّ هذا ظلْم لهم واعتداءٌ عليهم.\nإنّ قِتالَ الكفارِ من أَهلِ الكتابِ وأَخْذَ الجزيةِ منهم، ليس اجتهادًا من\nالمسلمين، حَتّى نقولَ: إِنْ هذا اجتهاد خاطِئ، وفَعْلٌ باطل، ولكنَّ هذا أَمْرٌ\nصريحٌ من اللهِ ﷾، أَنزلَه في كتابِه الكريم، والمسلمونَ مكُلَّفونَ\nبتنفيذِه..\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٢- تحليل النهب\nإن الله حلل الغنائم، وهذا أمر بقتل الناس ونهب أموالهم.\nالرد على الشبهة:\nإن تحليل الغنائم فى التوراة. ففى سفر التثنية: \" وغنيمة المدن التى أخذنا.. الجميع دفعه الرب إلهنا أمامنا \" [تث ٢: ٣٥ - ٣٦]، وفى سفر التكوين فى صفات بنيامين: \" فى الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبًا \" [تك ٤٩: ٢٧] أى محارب.\nومن أوصاف محمد رسول الله فى التوراة أنه يقسم غنائم. ففى نبوءة العبد المتألم: \" ومع العظماء يقسم غنيمة \" [إش ٥٣: ١٢] ولكن النصارى يفسرونها على المسيح مع أنه لم يحارب أحدًا. وفى المزمور الثامن والستين عن محمد ﷺ: \" الملازمة البيت تقسم الغنائم \" [مز ٦٨: ١٢] . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":454},{"text":"وبما أَنَّه أَمْرٌ من اللهِ فهو صواب، لا خَطَأَ فيه، ولا اعتراضَ عليه؛ لأَنَّ اليقينَ عند كُلّ مسلمٍ وجوبُ الالتزامِ بأَحكامِ الله، وتنفيذِ أَوامِرِه.\nلماذَا أَمَرَ اللهُ بقتالِ أَهل الكتابِ من اليهودِ والنصارى؛ لأَنَّهم كُفّار أَوَّلًا:\n(لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) .\nثم لأَنهم يتآمَرونَ على المسلمين، ويَعْتَدُونَ عليهم، ويَطْمَعون فِي\nبُلدانِهم، ولا يتوقَّفونَ عن قتالِهم، وإنْ ظَهَروا عليهم وغَلَبوهم ارْتَكَبوا ضِدَّهم الجرائمَ الفَظيعة: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) .\nولماذا أَخْذُ الجزيةِ منهم؟.\nإِنَّ دفْعَ هؤلاء الكافرين المعتدينَ الجزيةَ لليسلمين دليل على خُضوعِهم\nلسلطانِ المسلمين، وتوقفِهم عن العدوانِ عليهم، وهذا معناهُ أَنْ يتكفَّلَ\nالمسلمونَ بحمايتِهم والدفاعِ عنهم، والمحافظةِ على دمائِهم وأموالِهم، وهم\nيَدْفَعون مبلغًا من المال للمسلمين، مقابلَ هذه الحماية، وسُمّيَتْ جزيةً من\nالجَزاء، وهو دَفْعُ شيءٍ جَزاءً لشيء، فهم يكسبونَ من المسلمين الحماية\nوالأَمان، ويَبْذُلونَ المال جزاءً ومكافأةً لذلك!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>حول إكراه الجواري على الزنى</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله - ﷿ -: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) .\nنَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويّ سببَ نُزولِ هذه الآيةِ وتفسيرَها.\nوخلاصَةُ ذلك أَنه كانَ لعبدِ الله بنِ أُبَيّ ستّ جَوارٍ من الإماء، وكان","vol":"1","page":455},{"text":"يُكْرِهُهُن على الزنى، ويُطالبهنَّ بِدْفعِ ضريبةٍ ماليةٍ له مقابل ذلك، فشكا بعضُهنَ الأَمْرَ إِلى رسول اللهِ - ﷺ..\nفأَنزل اللهُ الآيةَ لِذَمِّ ابنِ أَبَيّ ومَنْعِه من فعْلِهِ.\nوالمعنى: لا يجوزُ إِكراهُ الجواري على الزِّنى أَصْلًا، ولا يَجوزُ إِرسالُهنَّ\nإِلى الزنى أَصلًا، حتى لو لم تَكُنَّ مُكْرَهات، فالموافقةُ على زناهُنَّ حَرام،\nوإِرسالُهنّ للزِّنى حَرام، وإِكراههنَّ على الزّنى حرام.\nوالشرطُ في قولِه: (إن أردنَ تحصنًا) ليس قَيْدًا للنَّهي، لأَنَّ النهيَ عن زناهُنَّ عامّ، سواءٌ أَرَدْنَ تَحَصنًا أَمْ لا، لكنَّ هذا الشرط لبيانِ الواقع، لأَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في إماءٍ تَعفَّفْنَ وأَردْن التحصُّن..\nفإِذا كُنَّ هؤلاء الإماءُ يُردْنَ التحصُّنَ والتعففَ وهنَّ إِماء، فكيفَ\nبغيرِهن من الحرائر، اللَّواتي يَنْفُرْنَ من الزنَى أساسًا؟!.\nوقد اعترضَ الفادي على الآيةِ وصياغَتِها.\nقال: \" ونحنُ نسأل: أليس الأَولى أَنْ يَأمُرَ الفتياتِ أَنْ يُشهِرْنَ الطاعةَ لله، والعصيانَ على البشر، فلا يَقْبَلْنَ ارتكابَ المنكر؟\nوكان الأَوْلَى بدَل أَنْ يقول: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أنْ يقول: إن الله شديد العقاب، إلا على من تاب \".\nواقتراحُ الفادي دَليلٌ على جهْلِه وغَبائِه، فهو يَرى أَنَّه كانَ الأَوْلى بالآيةِ\nأَنْ تَأَمُرَ أُولئك الفتياتِ الجواري بإِعلانِ الطاعةِ لله، ورفْضِ ارتكابِ المنْكَرِ.\nومَنْ قال: إِنَّهُنَ لم يفعَلْنَ ذلك؟!\nلقد عَصَيْنَ سيدَهُن عبدَ الله بنَ أَبَيّ، ورفضنَ تنفيذَ طَلَبه، وشَكَوْنَهُ إِلى رسول اللهِ - ﷺ -، وفعَلْنَ ذلك من بابِ طاعَتِهنَ لله!\nفلماذا يَقترحُ الغبيُّ على الآيةِ طَلَبَ شيءٍ منهنَّ فعلْنَه ونَفَّذْنَه؟!.\nويُنكرُ الجاهلُ على الآيةِ خَتْمَها بجملةِ: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ويقترحُ خَتْمَها بجملةِ: \"فإن الله شديد العقاب إلا على من تاب\".\nيَتَعالَمُ الجاهلُ ويَتَفاصَحُ على القرآنِ العظيم المعْجِز، ويَرى عِبارتَهُ أَبْلغَ\nوأَفصحَ من عبارةِ القرآن، فيرَى أَنَّ خَتْمَ آيةٍ تَنهى عن الحَرَامِ والمْنكَرِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمةِ غَيْرُ مناسِب، وكانَ الأَوْلى أَنْ تُخْتمَ الآية ُ بالتهديدِ بالعِقاب!.","vol":"1","page":456},{"text":"إِنَّ الأَنْسَبَ هو خَتْمُ الآيةِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمة، وهذا التَّرغيبُ\nليسَ للذي يُكْرِهُهُنَّ على البِغاء، إِنما هو ترغيِبٌ لهن، فقد يَزْنينَ مُكْرَهاتٍ\nنافرات، فَتَدْعوهُنَّ الآيةُ إِلى التوبةِ والاستغفار، واللهُ غفورٌ رحيم، يَغفرُ لهنَّ\nويَرْحَمُهُن!.\nأَمّا الذي يُكْرِهُهُنَّ فإنَّ الله سيحاسِبُه ويُعَذِّبُه.\nوالتقدير: ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فسوفَ يُحاسبه الله، أَمّا هُنَّ فإِنَّ اللهَ سيغفرُ لهنّ؟\nلأَنَّه غَفورٌ رحيم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>حول الشهود على الزنى</span>\nاعترض الفادي المجرمُ على قولِ اللهِ وَبَئ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) .\nتُحَذِّرُ الآية ُ من الحديثِ عنِ الأَعراضِ والاتِّهامِ بالزِّنى، وتُطالِبُ\nالمُسْلِمِينَ بالاحتياطِ والحَذَرِ والتَّشَدُّد، وذلكَ بالإِتيانِ بأَربعةِ شُهود، شاهَدوا\nالرجلَ يَزْني بالمرأة، فإِنْ لم يَشْهد الأَربعةُ على ذلك جُلِدوا حَدَّ القَذْف.\nوعَلَّق الفادي على ذلك مُعْتَرِضًا فقال: \" ونحنُ نسأل: كيِفَ يَتَسَنّى لأَربعةٍ\nأَنْ يَكونوا شُهودًا لحادثةٍ فِيها دائمًا كتمان وسِرِّيَّة؟\nوكيفَ يُحْكمُ بالجلدِ ثمانينَ جلدةً على ثلاثةِ شُهود، ولو رأوْا بأَعْيُنِهم ارتكابَ الحادث وشهِدُوا عليه؛ لأَنَّه ليسَ معهم شاهِدٌ رابع؟\nإِنَّ المطالبةَ بأَربعةِ شهودٍ أَقربُ إِلى المستحيل، وتعجيزٌ وتعطيل، بهدفِ تبرئةِ المذنب \" (١) .\nيعترضُ الفادي على طلبِ إِحضارِ أَربعةِ شُهود، رَأَوُا الزّنى بأَعينهِم \" لأَنَّ\nهذا شِبْهُ مستَحيل، ولأَنَّ الزِّنى يكونُ غالِبًا في مكانٍ خاصّ، فالهدفُ من\nاشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو تبرئةُ الزَّانِيَيْنِ، وتَعطيلُ الحَدّ!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١٢٨- حد الزنا\nالرد على الشبهة:\nإن جريمة الزنا لهى من أقذر الجرائم حتى أنكرها كل دين، بل وأنكرها العقلاء والراشدون من الناس، كما أنكرها أصحاب المدنية الغربية جهرًا وإن قبلوها سرًا وذلك لما فيها من عدوان على حقوق الأزواج ومن اختلاط للأنساب وحل لروابط الأسرة وقتل لما فى قلوب الآباء من عطف وحنان على الأبناء، ورعاية وبذلٍ سخى لهم بما يبلغ حد التضحية بالراحة والنفس، الأمر الذى لا يكون إلا إذا ملأت عاطفة الأبوة قلوب الآباء وذلك لا يكون إلا إذا وقع فى قلوب الآباء وقوعًا محققًا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم.\nثم لعلك لا تعجب لما تقرأ من الأخبار الواردة إلينا من أمريكا وأوروبا عن آباء قتلوا أولادهم بأيديهم وأتوا على الأسرة كلها فى لحظة واحدة دون أن ينبض فيهم شعور بالتردد قبل الجريمة أو الندم بعدها، وذلك شفاء لما فى نفوسهم من شكوك فى صحة نسب هؤلاء الأبناء إليهم حتى لقد تحولت هذه الشكوك إلى عواطف من الجنون الذى أفقد هؤلاء الآباء كل شعور إنسانى نحو الأبناء المشكوك فى نسبهم، وهيهات أن يخلو شعور أوروبى من الشك فى نسبة أبنائه إليه مع هذه الإباحية المطلقة للجمع بين النساء والرجال فى أى مكان وأى زمان.\nفإن أراد الإسلام أن يحارب هذه الجريمة برصد هذه العقوبة الرادعة - الرجم للمحصن، والجلد لغير المحصن - كان ذلك عند أعداء الإسلام تهمة شنيعة يرمونه بها ويحاكمونه عليها ليخرجوه من حدود الإنسانية المتحضرة إلى عالم سكان الأدغال ورعاة الإبل والشياه فى الصحارى.\nويقولون: كيف يحكم الإسلام بإهدار آدمية الإنسان حتى يأمر بجلده على مرائى ومسمع من الناس؟ ثم كيف تصل الوحشية فى قسوتها إلى أن يُلقى بالإنسان فى حفرة ثم تتناوله الأيدى رجمًا بالحجارة إلى أن يموت.\nهكذا يقولون (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا) (١) .\nولا ننكر أن فى شريعة الإسلام حكم الجلد والرجم يقول الله تعالى: (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) (٢) .\nوقال رسول الله ﷺ [لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزانى، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] (٣) .\nوالنظام الإسلامى كل متكامل لا تفهم جزئياته إلا فى نسق واحد.\nفإن الإسلام قد حرّم النظر إلى \" الأجنبيات \" قال رسول الله ﷺ [النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه إيمانًا يجد حلاوته فى قلبه] (٤) . وكذلك أمر النساء ألا يظهرن الزينة إلا للأزواج أو الأقارب من الصلب الذين لا يُخشى منهم فتنة. قال الله تعالى: (يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) (٥)، وقال:\n(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) (٦) . وأمر أيضًا ألا يختلى رجل بامرأة لا تحل له قال رسول الله ﷺ [ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما] .\nوحرم أيضًا أن يمس الرجل امرأة لا تحل له فقال رسول الله ﷺ [لئن تضرب بمخيط فى رأسك فتدمى به رأس خير لك من أن تمس امرأة لا تحل لك] . وقبل هذا كله فقد استطاع الإسلام أن يربى الضمير فى الرجل والمرأة على حد سواء على ضوء ما جاء فى قصة ماعزو الغامدية.\nوالإسلام كذلك حض الشباب على إخراج هذه الشهوة فى منفذها الشرعى بالزواج. فقال رسول الله ﷺ: [يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء] (٧) أى قاطع للشهوة.\nوكذلك رخص للرجل أن يتزوج بامرأة واحدة أو اثنين أو ثلاثة أو أربع مادام يملك النفقة ويستطيع العدل.\nوأمر أولياء الأمور أن لا يغالوا فى مهور بناتهم فقال رسول الله ﷺ [إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد كبير] (٨) . وأمر الأغنياء أن يساعدوا الشباب فى نفقات الزواج. وقد قام الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بتزويج الشباب والفتيات من بيت مال المسلمين.\nهذا كله هو بعض ملامح الإسلام فى تيسير أمر إخراج هذه الشهوة بطريق مشروع، والحقيقة أن مثل هذه الشنيعة لا تحصل فى المجتمع المسلم - الذى تسوده الفضيلة - إلا بعد تدبير عظيم من كلا الطرفين يدل على إجرام كلا الطرفين ولكن مع كل هذا فإن شريعة الإسلام قد وضعت شروط من الصعب جدًا توافرها قبل إيقاع العقوبة.\nفإن لم تتوفر مجتمعة لا يقام الحد على صاحب هذه الفعلة جلدًا كان أو رجمًا وهذه هى الشروط:\n١ - لابد حتى تثبت الجريمة من شهادة أربعة شهود عدول يشهدون بأنهم رأوا من الرجل والمرأة ما يكون بين الرجل وزوجته من اتصال مباشر، الأمر الذى لا يكاد يراه أحدٌ من البشر.\nوكأن الشريعة لا ترصد هذه العقوبة على هذه الفعلة بوصفها ولكنها ترصدها على شيوع هذه الفعلة على الملأ من الناس بحيث لا يبغى بين الناس من يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا.\n٢ - إن الشريعة الإسلامية تقرر درء الحدود بالشبهات بمعنى أن أى شك فى شهادة الشهود يفسر لصالح المتهم فيسقط بذلك الحد. قال رسول الله ﷺ [ادرءوا الحدود بالشبهات] (٩) .\n٣ - فرضت الشريعة عقوبة الجلد ثمانين جلدة على من قذف محصنة ثم لم يأت بأربعة يشهدون بأنهم رأوا منها ومن المقذوف بها ما يكون بين الزوج وزوجته قال الله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون) (١٠) .\n٤ - رغبت الشريعة الإسلامية فى التستر على عورات المسلمين وإمساك الألسنة عن الجهر بالفواحش وإن كانت وقعت، قال رسول الله ﷺ\n[لرجل جاء يشهد: هلا سترتهما بثوبك] يقول الله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (١١) .\nأبعد هذا كله يتخرص متخرص ويقول: إن الإسلام يظلم الإنسان ويهدر أدميته حين يأخذ أولئك الذين يأتون الفاحشة على أعين بما يأخذهم به من جلد بالسياط. وفضح بين الملأ من الناس.\nأفلا يسأل هؤلاء المتخرصون أنفسهم ماذا يبقى للإنسان من آدميته وكرامته إذا تركت هذه الفاحشة يعالى بها بعض الآدميين من غير استحياء ثم لا يضرب على أيديهم أحد. إن إنسانًا توفرت له كل هذه الميسرات وتجرأ على الترتيب لهذه الفعلة الشنيعة. ثم افتضح حاله حين يراه هذا العدد فى هذا الوضع. إن إنسانًا فى مثل هذا الحال لهو إنسان مفسد ضال مضل ولو لم يتم بتره أو تربيته فإن هذا يشكل خطرًا على المجتمع كله.\nوالمتحدثون عن حقوق الإنسان يقولون لا بأس من أن يحبس قترة من الزمن ثم يخرج لكى يمارس عمله ولا يعلمون أن مثل هذا الحبس سوف يمكنه من أن يخالط من هو أجرم منه ليتعلم منه ويعلمه ويخرجان إلى المجتمع بعد أن أصبحا إمامين فى الضلال ليضلا الناس عن طريق رب الناس وهذا هو المشاهد.\nفضلًا عن الذى يترتب على الحد من تكفير لهذا الذنب.\nوإن المتتبع لا يجد هذه العقوبة قد نفذت \" حال تنفيذ العقوبات \" إلا فى أعداد محدودة ولا ضرر فى هذا مادام قد وفر الأمن والاستقرار للمجتمع. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الكهف: ٥.\n(٢) النور: ٢.\n(٣) رواه مسلم.\n(٤) رواه الحاكم فى المستدرك.\n(٥) الأحزاب: ٥٩.\n(٦) النور: ٣١.\n(٧) رواه البخارى.\n(٨) رواه ابن ماجه.\n(٩) رواه الترمذى.\n(١٠) النور: ٤.\n(١١) النور: ١٩.","vol":"1","page":457},{"text":"إِنّ ما ذكَرَتْه الآية من اشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو الحَقُّ والصَّواب، وحكمَةُ\nذلك المحافَطةُ على الأعراضِ وصِيانَتُها وعَدَمُ جَعْلِها وسيلةً للإِشاعاتِ\nوأَحاديثِ المجالس.\nتَتَناقَلُها وتُرَدّدُها الأَلسنة، وبهذا تنتشرُ الرذيلة، وتُوحي\nبسهولةِ ارْتكَابِها بينَ الناس، وتُغْري رُوّادَ الفواحشِ بيُسْرِ الحصولِ عليها.\nلذلك حَرَّمَ الإِسلامُ الحديثَ في الأَعْراض، وقَذْفَ الناسِ بالزنى، واشْتَرَطَ\nعلى المتحدّثِ تَقْديمَ أربعةِ شُهودٍ شاهَدوا ارتكابَ الفاحشةِ بعُيونِهم، فإِنْ لم يَتِمَّ ذلك أُقيمَ على المتكلّمين حَدُّ القَذْف، وجُلِدَ كُلّ واحدٍ منهم ثَمانين جلدة.\nصحيحٌ أَنه من المتَعَذِّرِ رؤيةُ أَربعةِ رجالٍ الزَّانِيَيْنِ وهما يَزْنِيان \" لأَنَّ\nالزِّنى فية إِسرارٌ وتكتُّمٌ واخْتِفاء، لكن لا بُدَّ من شهودٍ وبَيِّنَة، ثم إِنه ليس من\nهدفِ القرآنِ إِقامةُ حَدّ الزِّنى على الزانِيَيْن، بل هدفُه تطْهيرُ المجتمعِ الإِسلاميّ\nمن فاحشةِ الزِّنى، ومحاربتُها ومطاردتُها، وإبعادُها عن تفكير ومشاعرِ الراغِبين فيها، بحيثُ يضطرُّ المجرمان المتَّفِقانِ على الزِّنى إِلى الاختفاءِ عَن عيونِ\nالناس، وارتكابِ الفاحشةِ في غُرْفَةٍ محكمةِ إِغلاق الأَبوابِ والنوافذِ! وهما إِنْ\nنَجَيا من إِقامَةِ الحَدِّ في الدنيا، فلن يَنْجُوا من عذَابِ اللهِ في الآخرة!.\nوعجيبٌ أَمْرُ هذا الفادي المجرم: إِنَّ أَيَّ آيةٍ في القرآنِ تُثيرُ اعْتراضَه\nوإِنكارَه، فاشتراطُ الآيةِ أَربعةَ شهودٍ جَعَلَها تلاَعبًا وتبرئةً للزانيَيْن، ولو تساهَلَت الآيةُ في إِثباتِ الزنى لجعَلَها قاسيةً شديدةً! فمهما قال القرآنُ فهو عنْدَه خطأ!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>لماذا جلد الزاني أمام الناس</span>؟\nعندما أَمَرَ اللهُ بإِقامةِ حَدّ الجَلْدِ على الزانيةِ والزاني، أَوجبَ أَنْ يَكونَ\nذلك أَمامَ المؤمنين؟\nقال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .","vol":"1","page":458},{"text":"واعترضَ الفادي المفترِي على ذلك، فقال: \" ونحنُ نَسأل: أَليسَ\nالأَجْدَرُ أَنْ يُعالَجَ أَمثالُ هؤلاء المذنبين بروحِ الوداعةِ والشفقة؟\nوالمسيحيةُ لا تأمُرُ بطرْدِ المخطئ، بل بفرزِهِ من الجماعةِ تَخْجيلًا له، ثم قَبولُه والترحيبُ به إِذا نَدِمَ وأَعْلَنَ توبَتَه \".\nيَرى الفادي أَنَّ جَلْدَ الزاني عقوبةٌ قاسيةٌ شديدة، فيها انتقامٌ ووحشيةٌ\nوعُنْف، لا سِيَّما أَنَّ الجَلْدَ لا بُدَّ أَنْ يكون علنيًّا، وأَن يشهدَه طائفةٌ من\nالمؤمنين.\nويُفَضِّلُ الفادي عقوبةَ الزاني في الإِنجيلِ على عقوبتِه في القرآنِ، لأَنَّ العقوبةَ في الإِنجيلِ تتمُّ بروحِ الوَداعةِ والشفقة، وتقومُ على فرْزِهِ وفصْلِه\nعن الجماعةِ تَخْجيلًا له، وإِذا ندمَ وتابَ يُعادُ إِلى الجماعة!!.\nوإِنَّ اعتراضَ الفادي مردودٌ باطل، لأَنه مُوَجَّهٌ إِلى حكمٍ صادِرٍ عن اللهِ،\nوإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَنه بتطبيقِ هذا الحكمِ يرتدع الزُّناةُ ويتأَدَّبونَ، لأَنهم يخشونَ الفضيحةَ العلنية، والعقوبةَ المرئية، ويحسِبون لها كُلَّ حساب: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوبعضُ الذين لا يَخافون من حسابِ اللهِ وعقابِه، قد يخافونَ من الفضيحة، فيتوقَّفونَ عن ارتكابِ الحَرام إِذا نتجَ عنه فضيحة.\nودَعا الله المؤمنين إلى عقاب الزانيةِ والزاني بمئةِ جَلْدَة، ونَهاهُما عن\nإيقاف العقابِ بحجَّةِ الرأفةِ بهما: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .\nوهذا رَدّ على تَعالُمِ المعْتَرِضين على حُكْمِ الله، من أَمْثالِ الفادي، الذينَ\nيَظُنّونَ أَنهم أَرأَفُ وأَرحمُ بالعُصاةِ من اللهِ ربِّهم، فيرفُضونَ حكْمَه، ويُقَدّمونَ\nبديلًا له، يَظُنُّونَهُ أَفضلَ..\nإِنَّ الأَفضلَ للناسِ هو تطبيقُْ حُكْمِ الله، ولا يُرَبّيهم ويُزَكّيهم إلّا حُكْمُ الله، ولا بَديلَ لحُكْمِ الله..\nونقولُ للفادي وأمثالِه ما عَلَّمَنا القرآنُ: (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) .","vol":"1","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المنسوخ والناسخ في حد الزنى</span>\nاعترضَ الفادي على آيةٍ تتحدَّثُ عن عقوبةٍ منسوخةٍ للزنى، وهي\nقولُ الله - ﷿ -: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) .\nالنساءُ اللواتي يرتكبنَ فاحشةَ الزِّنى، يَجبُ أَنْ يَشهدَ - عليهنَّ أَربعةُ شُهود، فإِنْ شهِدوا عوقِبنَ بالحبسِ في البيوت، حتى يَحينَ أَجَلُهُنَّ\nوتَنتهي أَعمارُهن، أَو يأتيَ حكْمٌ جديدٌ من اللهِ يَنسخُ هذا الحكم: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) .\nوهذا الحكمُ أَثارَ اعتراضَ الفادي المفترِي، فقال: \" ونحنُ نسأَلُ: هَلْ\nيُصْلِحُ الحبسُ المؤَبَّدُ في مثلِ هذه الحالةِ المذْنِبَ؟\nكَيفَ يَحْبِسونَ فَتاةً في السادسةَ عشرةَ من عمرِها مَثَلًا، إِذا قُدِّرَ لها أَنْ تَعيش ثمانينَ سنة؟\nالأَصلحُ أَنْ تُعطى الخاطئةُ فُرْصَةً للتوبةِ والحياةِ المقدسةِ الجديدة.\nويقولُ عُلماءُ المسلمين: إِنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بِحَدِّ الجَلْدِ للزانيةِ غيرِ\nالمحصَنَة في سورةِ النور، وبحَدّ الرجمِ للزانيةِ المحصَنَة، ولو أَنَّ آيةَ الرجْمِ\nنُسِخَتْ تِلاوة..\nويقولُ القرآنُ: إِنَّ حَدَّ الإِماءِ نصفُ حَدِّ الحرائر، ولكنَّنا لا نعلمُ ما هو نِصْفُ الرَّجْم \"!.\nيَرى الفادي أَنَّ حبسَ المرأةِ الزانيةِ في البيت لا يُصْلِحُها، والأَصْلَحُ لها\nأَنْ تُعطى فرصةً جديدةً للتوبة، والتخلّي عن الفاحشة، ولا أَدري كيفَ تُعْطى لها هذه الفُرصة! ويتهكَّمُ على الحكم على الزانيةِ بالحبسِ حتى الموتِ بأَنه حُكمٌ بالسجنِ المؤَبَّدِ، وسيكون هذا عشراتِ السنين!.","vol":"1","page":460},{"text":"وكلامُه يدل على جَهْلِه، فهو لا يَعلمُ بأَنَّ الحكْمَ بحبسِ الزانية إِنما هو\nحُكُمٌ مُؤَقَّت، وسينسخُه اللهُ فيما بَعْد.\nولم يُطبَّقْ هذا الحُكْمُ على عهدِ\nرسول الله - ﷺ -، فلم تُسَجِّل الرواياتُ الصحيحةُ حادثةً واحدةً حُكِمَ فيها على امرأةٍ زانيةٍ بالحبْسِ في البيتِ حتى الموت، ولم تَمُتْ زانيةٌ واحدو وهي محبوسةٌ في بيتها؛ لأَنه لم تَثْبُتْ حالةُ زنى واحدةٌ خلال هذه الفترة.\nوالدليلُ على أَنَّ الحكمَ بالحبسِ مُؤَقَّتٌ قول الله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أيّ: سيأتي اللهُ بحكْمٍ آخرَ، يَنسخُ هذا الحكْمَ.\nوجاءَ الحكمُ الناسخُ في سورةِ النور، قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .\nنَسَخَ اللهُ حكْمَ حَبْسِ الزانياتِ في البيوتِ بجِلْدِهِنَّ مئةَ جَلْدة، إِذا كُنَّ غيرَ\nمتُزَوِّجاتٍ وقد صَرَّحَ رسول اللهِ - ﷺ - بأَنَّ آيةَ سورةِ النورِ ناسخةٌ لآيةِ سورةِ النساء، والسبيلَ الذي وعَدَتْ به آيةُ سورةِ النساء هو ما ذكَرَتْهُ آيةُ سورةِ النور.\nروى مسلمٌ عن عبادةَ بنِ الصامت - ﵁ -، عن رسول اللهِ - ﷺ - قال: \" خُذُوا عَنّي، خُذُوا عَنّي، قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونفيُ سَنَة، والثيبُ بالثيبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْم\".\nوإذا كان حَدُّ الزاني البكرِ الجلدُ مئةَ جلدةٍ، قد ثَبَتَ في سورةِ النور، فإنَّ حَدَّ الزاني المتزوج الرجمَ حتى الموتِ، قد ثَبَتَ في حديثِ رسول الله - ﷺ -، حيثُ رَجَمَ زُناةً متَزوِّجين!.\nوالراجحُ أَنَّ الرجْمَ لم يُذْكَرْ في القرآن، كما أَنَّ الراجحَ أَنه لا توجَدُ آيَةٌ\nمنسوخةُ التلاوةِ في القرآن، وأَنَّ النسخَ الذي في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مَعَ\nبقاءِ التلاوة.\nروى مسلمٌ عن عبد الله بنِ عباس - ﵄ - قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - وهو جالسٌ على منبر رسولِ اللهِ - ﷺ -: \"إِنَّ اللهَ بَعَثَ محمدًا - ﷺ - بالْحقّ، وأَنزل","vol":"1","page":461},{"text":"عليه الكتاب، فكانَ مما أَنزلَ عليه آيةُ الرجم، قرأناها ووَعَيْناها وعَقلناها،\nفَرَجَم رسولُ اللهِ - ﷺ - ورَجْمنا بَعْدَه، فأخشى إِنْ طالَ بالناسِ زَمان أَنْ يقول قائل: ما نَجدُ الرجمَ في كتابِ الله، فيَضلّوا بتركِ فريضةٍ أَنزلَها الله، وإنَّ الرجْمَ في كتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زنى إِذا أُحْصِنَ، من الرجالِ والنساء، إِذا قامت البينةُ أَو كانَ الحَبَلُ أَو الاعتراف \".\nومعنى كلامِ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّ الله هو الذي أَمَرَ برجْمِ الزاني المحْصَن، وأوحى بهذا الحكمِ لرسولِ اللهِ - ﵇ -، وعَدَمُ وُجودِه في القرآنِ منصوصًا عليه، لا يَعْني أَنه غَيْرُ مَشْروع، فوجودُه في السُّنَّةِ كافٍ لإِثباتِ مشروعيتِه!.\nأَمّا الجواري الإِماءُ فإِن عقوبتَهنَّ نِصْفُ عقوبةِ الحَرائر، كما صرَّحَ بذلك\nالقرآن، قال تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) .\nومعنى قولِه: (فَإِذَا أُحْصِنَّ): إِذا تَزوَّجْنَ، فإِذا زَنَت الأَمَةُ بعدَ الزواج\nأُقيمَ عليها الحَدُّ، وهو على النِّصْفِ من الحَدِّ الذي يُقامُ على الحُرَّة، وبما أَنَّ\nحَدَّ الحرةِ المحصنةِ هو الرجم، فإِنه لا يُقامُ على الأَمَةِ نصفُ الرجم \" لأَنَّ\nالرجْمَ لا يُنَصفُ.\nوقد كانَ الفادي خَبيثًا عندما قالَ مُشَكِّكًا: \" ويَقولُ القرآنُ: إِنَّ حَدَّ الإِماءِ\nنصفُ حَدِّ الحَرائِر، ولكنَّنا لا نَعْلَمُ ما هو نصْفُ الرجم! \".\nبما أَنَّ الرجمَ لا يتنصَّفُ، فينقل الحكْمُ إِلى الجلدِ مئهَ جَلْدَة، وبما أَنَّ\nالحرةَ تُجْلَدُ مئةَ جلدة فإِنَّ الأَمَةَ تُجْلَدُ خمسينَ جلْدَة!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>هل أخد الرسول - ﷺ - بثأر حمزة</span>؟\nوَقَفَ الفادي أَمامَ قولِ الله - ﷿ -: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) .","vol":"1","page":462},{"text":"وكان نزولُ هذه الآيةِ بعد غزوةِ أُحُد، في السنةِ الثانيةِ من الهجرة، التي\nجَرى فيها للمسلمين ما جَرى، وقد استشهدَ حمزةُ - ﵁ -، بعد أَنْ بَقَرَ المشركونَ بَطْنَه ومَثَّلوا به.\nوقد نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنَّه لما رأى رسولُ اللهِ - ﷺ - حمزةَ وقَدْ مُثِّلَ به، قال: \" واللهِ لئن أَظْفَرني اللهُ بهم، لأَمَثِّلَنَ بسبعينَ منهم مكانَك \"، فأنزلَ اللهُ الآية، وكَفَّرَ رسولُ الله - ﷺ - عن يمينِه.\nوعَلَّقَ الفادي المغرضُ على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نَسأل: هل الأَخْذُ بالثأرِ\nيُهَذّبُ النفسَ ويَحفظُ الأَمْن؟\nإِنّنا نُعاني من عادةِ الأَخْذِ بالثأرِ ويلاتٍ مُرَّة..\nقال المسيح: إِنَّ الذينَ يأخُذونَ السيفَ بالسيفِ يَهْلِكون..\nوما أبعدَ الفرق بينَ قولِ محمدٍ: \" والله لئن ظَفِرْتُ بهم لأُمَثلَنَّ بسبعينَ مكانك \" وبين قولِ المسيح: إِنْ أَخْطَأَ إِليكَ أَخوكَ سبعينَ مَرَّةً سبْعَ مراتٍ فاغفِرْ له \".\nتُبيحُ الآيةُ لمن اعْتُدِيَ عليه وعُوقِبَ وظُلِمَ من المسلمين أَنْ يَنتصفَ\nويَأخذَ حَقَّه ممنْ ظَلَمَه واعتدى عليه، وترشدُه إِلى ما هو أَوْلى، وهو الصبرُ\nعلى الأذَى، والعفوُ عنِ العِقابِ.\nواعترضَ الفادي على الآية، لأَنها تُبيحُ الأَخْذَ بالثأر، وهو ينشرُ الفَسادَ\nويُخَرّبُ الأَمْنَ، ولا يُهَذّبُ النَفْسَ.\nوالعِقابُ بالمثْل، والإِذْنُ بِرَدِّ الاعتِداء، ليسَ من بابِ الأَخْذِ بالثَّأْرِ \" لأَنَّ\nالأَخْذَ بالثأرِ عادَةٌ عشائرية، والعِقابُ بالمثْلِ مبدَأٌ إِسلامي، وفَرْقٌ بين الأَمْرَيْن.\nورغمَ أَنَّ القرآنَ أَجازَ الانتصافَ من الظالمِ والمعْتَدي إِلّا أَنَّه وَجَّهَ\nالمسلمينَ إِلى الأَفضل، وهو العَفْوُ والصفْح.\nقالَ تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) .","vol":"1","page":463},{"text":"وقد انتقصَ الفادي المفْتَري رسولَ اللهِ - ﷺ - لأَنه قالَ: \" واللهِ لئن أَظْفَرَني اللهُ بهم لأُمَثِّلَنَّ بسبعينَ مكانَك \" لأَنه أَخْذٌ بالثَّارِ على الطريقةِ الجاهلية، حيث سيَقْتُلُ سَبْعين شَخْصًا مقابلَ حمزَة - ﵁ -، وقارَنَ بين هذا الموقِف، وموقفِ عيسى - ﷺ -\nالذي دَعا فيه إِلى العَفْوِ عن مَنْ أَخْطَأَ على الإِنسانِ سَبْعينَ مَرَّة.\nوكَلامُ الفادي مَرْدود، لأَنه مبنيّ على باطِل، فلم يَقُلْ رسولُ اللهِ - ﷺ - \" ما نُسِبَ إِليه، وقد رَدَّ المحَدِّثونَ والمفَسّرونَ هذا الحديثَ لأَنه لم يَصِحّ.\nقالَ الإِمامُ ابنُ كثير في حُكْمِه على الحديث: \" وقالَ محمدُ بنُ إِسحاق:\nعن بعضِ أَصحابِه، عن عطاءِ بن يسارِ قال: قُتِلَ حمزَةُ - ﵁ -، ومُثّلَ به يومَ أُحُد، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: لئن أَظْهَرَني اللهُ عليهم لأُمَثِّلَنَّ بثلاثين رَجُلًا منهم، فلما سمعَ المسلمونَ ذلك قالوا: واللهِ لئنْ أظْهَرَنا اللهُ عليهم لنُمَثِّلَنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمَثِّلْها أَحَدٌ من العربِ بأَحَدٍ قط، فأَنزلَ الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...) إِلى آخرِ السورة.\nوهذا مُرْسَلٌ، وفيه رَجُلٌ مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ!!.\nوقد رُوِيَ هذا من وجْه آخَر مُتصل.. عن أَبي هريرة - ﵁ -: أَنَّ\nرَسولَ الله - ﷺ - وَقَفَ على حَمزةَ بن عبدِ المطلب - ﵁ - حين اسْتُشْهِد، فَنَظَرَ إِلى مُنْظرٍ لم يُنْظَرْ إِلى مَنظرٍ أوجع للقَلْب منه، وقد مُثِّلَ به، فقال: \" رحمةُ اللهِ عليك، إِن علمتُكَ إِلّا وَصولًا للرَّحِم، فَعولًا للخَيْرات، واللهِ لولا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عليك، لسَرَّني أَنْ أَتركَك حَتَّى يَحشُرَك اللهُ من بُطونِ السِّباع، أَما واللهِ لأُمَثّلَنَّ بسبعينَ كمُثْلَتِك \" فنزل جبريلُ - ﵇ - على محمدٍ - ﷺ - بهذه السورةِ: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، فكَفَّرَ رسولُ الله - ﷺ - عن يَمينِه، وأَمسكَ عن ذلك \".\nوهذا إِسنادٌ فيه ضَعْف، لأَنَّ صالِحًا هو ابنُ بشيرٍ المرّي، ضعيفٌ عند\nالأئمة.\nوقال البخاري: هو منكرُ الحديث \".\nوبَنى الفادي لجهلِه كَلامَه على حديثٍ ضعيفٍ مردودٍ عندَ المحَدّثين،\nورَتَّبَ عليه نتائج، وانتقصَ فيها رسولَ الله - ﷺ -، وبما أَنَّ الأَساسَ الذي اعتمدَ عليه مَرْدود، فكلُّ النتائج التي خرجَ بها مردودة.","vol":"1","page":464},{"text":"والذي صَحَّ في هذه الحادثةِ هو ما رواهُ الترمذيُّ وأَحمدُ وابنُ حِبّان\nوالحاكمُ والطبرانى عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ - ﵁ - قال: أُصيبَ من الأَنصارِ يومَ أَحُدٍ أَربعةٌ وستّون، وأُصيبَ من المهاجرين ستّة، فيهم حمزةُ، فَمَثَّلوا بقَتْلاهم، فقالَت الأنصار: لئن أَصَبْنا منهم يَومًا من الدهْر لَنَرْبِيَنَّ عليهم..\nفلما كان يومُ فتحِ مكَّة، نادى رجلٌ لا يُعْرَف: لا قُريشٌ بعدَ اليوم! فأنزَلَ اللهُ - ﷿ - على نبيِّه - ﷺ -: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ..) .\nفقال النبيُّ - ﷺ -: \"كُفوا عن القوم ... \".\nثم ماذا فَعَلَ رسولُ الله - ﷺ - بعدَ أَنْ أَظفرَهُ اللهُ بقُرَيْش، وذلك يومَ فتْحِ مكة؟\nهل مَثَّلَ بسبعينَ رجلًا منهم؟..\nلم يَقْتُلْ منهم أَحَدًا، ولقد عَفا عنهم جميعًا، حتى وَحْشِي بن حَرْبٍ، الذي قَتَلَ حمزةَ مباشرة عفا عنه، وحتى هند بِنت عتبة، التي لاكَتْ كَبِدَ حمزةَ عَفا عنها.\nولما جَمَع رجالَ قريشٍ قال لهم: \" ماذا ترونَ أَنّي فاعل بكم؟\nقالوا: خيرًا، أَخٌ كريمٌ وابنُ أَخٍ كريم.\nقال: اذْهَبوا فأنتم الطُّلَقاءُ! \".\nوإِنَّ الفادي المفترِي يَعْلَمُ هذا قَطْعًا، لكنّه يتعمَّدُ أَنْ لا يذكُرَه، ويذكُرَ\nالكلامَ الضعيفَ المردودَ بَدَلَه، ليَذُمَّ النبيَّ - ﷺ - وينتَقِصه!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>حول الإعداد للأعداء</span>\nاعترضَ الفادي على قولِ اللهِ - ﷿ -: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) .","vol":"1","page":465},{"text":"وأَخَذَ من تفسير البيضاوي بعضَ ما قالَه في تفسيرِ الآية، وهي تأمرُ\nالمسلمينَ بإِعدادِ كلّ ما استطاعوا إعدادَه من قوةٍ وسلاحٍ لمواجهةِ أَعداءِ اللهِ\nوأَعدائِهم، ومنْعِ عدوانِهم.\nوعلَّقَ على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يأمُرُ القرآنُ بحملِ السلاحِ،\nوالاستعدادِ للغزوِ والفَتْحِ في سبيلِ الله، فَتُزْهَقُ أَرواحُ البَشَر، وتُنْهَبُ الأَموالُ في سبيلِ الدين، وقَهْرِ الناسِ على قَبولِه؟\nإِنَّ السيفَ هو حُجَّةُ الذي لا يَحتملُ المناظرة \"!.\nلا يُريدُ الفادي المفترِي من القرآنِ أَنْ يُوَجِّهَ المسلمين إِلى حَمْلِ السِّلاحِ\nلقتالِ ألأَعداء المحاربين، الطّامعين في بلادِ المسلمين وأَموالِهم، لأَنه يُريدُ أَنْ\nيُواجِهَ المسلمونَ العُدوان بالاستسلام، والحربَ بالسَّلام، وإِذا ما قاتَلَهم\nأَعداؤُهم كَفّوا أَيديهم عنهم! وعلى القرآنِ أَنْ يَكونَ كتابَ محبة، يأمُرُ\nالمسلمين بفتْحِ قُلوبِهم وأَيدِيهم لأَعدائِهم!!.\nلن يكفَّ الأَعداءُ عن الطمعِ في المسلمين، والتآمر عليهم، وتَحَيُّنِ\nالظرفِ المناسبِ لقتالِهم، والهجومِ عليهم، واحتلالِ بلادِهم.\nوقد سَجَّلَ التاريخُ الإِسلاميُّ الشواهدَ العمليةَ الكثيرةَ على مصداقيةِ هذه الحقيقة، ولم تَخْلُ فترةٌ من حربِ الأَعداءِ ضدَّ المسلمين، في صورةٍ من صورِ الحربِ العديدة.\nوإِنّ ما يقولُه الفادي المفترِي في اعتراضِه على الآية لا يَتفقُ مع المنطق!\nإِنَّ أَيةَ أُمةٍ - مهما كان دينُها - تَقفُ أَمامَ أعدائِها الطامعين فيها، والمحاربينَ\nلها؛ لَأَنَّ الدفاعَ عن النفسِ والمالِ والأَرض، وصَدَّ عُدوانِ المعتدين، فطرةٌ\nإِنسانية، فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها، ولا تبديلَ لهذه الفطرة.\nمَنْ هم الذينَ أَمَرَ اللهُ المسلمين بمواجهتِهم؟\nإِنهم أَعداؤُهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .","vol":"1","page":466},{"text":"إِنَّ إِعدادَ السلاحِ والقوةِ للأَعْداء واجب، والأَعداءُ هم الكفارُ الذين\nيُعادونَ المسلمين، ويتآمرون عليهم، ويُخَطّطونَ لقتالِهم، ويَقِفُونَ أَمامَ دينهم، والهدفُ من هذا الإِعدادِ هو \" إِرهابُ \" أولئكِ الأعداء، وتخويفُهم وردْعُهم، ليتوقَّفوا عن مخططاتِهم..\nو\" إِرهابُ \" أَعداءٍ آخرين، يتهيَّؤُون للهجومِ على المسلمين.\nلم يكن هدفُ المسلمين من التسلحِ والاستعدادِ غزوَ الكفار، واحتلالَ\nبلادِهم، وإِزهاقَ أَرواحِهم، ونَهْبَ أموالِهم، وِإكرا هَهم على الدخول في\nالإِسلام، كما قال الفادي المفترِي.\nوصحيح أَن السيفَ هو حجةُ الذي لا يَحْتملُ المناظرة، وِإنّ الإِسلامَ\nيُقَدِّمُ نفسَه بالحُجةِ والبرهان، ويَدخلُ إِلى العقولِ والقلوب.\nوالمسلمون مأمورون بالدعوةِ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فهذا هو الأَصلُ في الدعوةِ إلى الله.\nفإذا ما وقفَ الظالمونَ الكافرونَ أَمامَ الدعاةِ إِلى اللهِ بالحجةِ والحكمةِ\nوالمنطق، وفَتَنوهم وَعذَّبوهم وقَتَلوهم، فلن يقفَ المسلمون ساكتينَ على هذا\nالعدوان، وسينتَصرون لإِخوانِهم الدعاة، وسيُواجهون أُولئك الأَعداءَ.\nفالإِعدادُ والاستعدادُ إنما هو للأَعْداء المقاتِلين المعْتَدين، وليس\nللشعوبِ المسالمةِ الوادعة، التي تَكُفُّ أَيْدِيَها عن الدعاةِ، المبلِّغين لدينِ الله!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>حول النهي عن موالاة الكفار</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على القرآن، لأَنه نهى المؤمنين عن موالاةِ\nالكفارِ من اليهودِ والنصارى، وذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) .","vol":"1","page":467},{"text":"ذَكَرَ ما قالَه الإِمامُ البيضاويّ في تفسيرِها، ثم عَلَّقَ على ذلك بقولِه:\n\" ونَحنُ نسأل: ما هي نتيجةُ هذه النصيحةِ القرآنية، إِلّا الانكفاءُ على الذات؟\nوكيف يُوَفِّقُ المسلمُ بين الزواجِ من كتابيةٍ، تُرَبّي عِيالَه وتتولّى أُمورَ بيتِه، وبينَ هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ؟\nوما أَكثرَ الكفاءاتِ التي أُهدرَتْ بسببِ التفرقةِ الدينية!\nإِنَّ المسيحية تَدْعو للسلامِ والمحبةِ وخدمةِ الجميع، على مِثالِ ما فعلَ\nالمسيحُ رَبُّ السلام، الذي عَلَّمَنا في مَثَلِ السامريِّ الصالحِ كيفَ نُضحِّي،\nونخدُم جميعَ الناسِ على السواء، من جميعِ الأَجناسِ واللُّغاتِ والأَديان.\nإِنَّ نصيحةَ القرآنِ مناسبةٌ ما دامَ المسلمونَ غالبين، أَمّا اليومَ فهي تُقَوِّضُ روحَ\nالتآخي بينَ شعوبِ الأرض، وتُعَطِّلُ تَقَدُّمَ المسلمين \".\nيَعتبرُ الفادي المفترِي عَدَمَ مُوالاةِ المسلمين للكافرين انكفاءً على\nالذات، وتَقَوْقُعًا على النفس، وقَطْعًا للصلَةِ بالآخرين، وهَدْرًا للكفاءات،\nوتَفْريقًا للناس، وهذا يُعَطِّلُ تَقَدّمَ المسلمين، ويُقَوِّضُ روحَ التآخي بين\nالشعوب.\nويَعتبرُ الفادي القرآنَ مُنغلقًا، وداعِيًا إِلى العزلة، وهذا ليس في مصلحةِ\nالمسلمين، ويُقارِنُ بين القرآنِ والنصرانية، ففي الوقتِ الذي يَدْعو القرآنُ\nالمسلمين إِلى العزلة والتقوقعِ والانكفاءِ على الذات - حَسب رأْيِ الفادي -\nتَدْعو النصرانيةُ إِلى المحبَّةِ والانفتاحِ على الآخرين، وخِدمَتهم ومساعدتِهم،\nعلى اختلافِ أَجناسِهم ولغاتِهم وأَديانهم.\nولا يدري الفادي المفترِي كيفَ يوفق بين هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ وبين\nزواجِ المسلمِ من الكتابية، التي تُرَبّي عِيالَه وتُدَبِّرُ بيتَه!.\nإِنَّ الفادي لا يفرقُ - لجهْلِه - بين الولاء المحَرَّم وحسنِ المعامَلَةِ المباح،\nفالولاءُ يَقومُ على التحالُفِ والتناصُرِ والتوادُدِ، وربطِ المصير بالمصير، ومحبةِ\nهؤلاءِ الكفار، والرِّضا بهم، والانحيازِ إليهم، والأَنسِ بهم، وجعلِهِم أعوانًا","vol":"1","page":468},{"text":"وأَنصارًا وأَحبابًا، وخبراءَ وناصحين ومستشارين، وإطلاعِهم على أَسرارِ\nالمسلمين، مع أَنهم كفارٌ أَعداء للمسلمين، حَريصون على إِفسادِهم وإِضلالِهم.\nوالآياتُ القرآنيةُ التي تُحَرِّمُ هذا النوعَ من الصلةِ بينَ المسلمين وأَعدائِهم\nالكافرين كثيرة.\nأَمّا حسنُ المعاملةِ بين المسلمين والكفارِ المسالمين فهي مَطلوبة، وتَتمُّ\nبها خدمةُ الآخَرين ومساعدتُهم.\nوقد فَرَّقَ القرآنُ بين الولاءِ المُحرَّم والمعاملةِ الحسنة، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>هل يدعو القرآن إلى الكراهية</span>؟\nوَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن، معتَرِضًا عليهما، لأَنَّهما تَدْعُوانِ في نظرِهِ\nإِلى كراهيةِ كُلِّ البَشَر، وهما قولُ اللهِ - ﷿ -: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) .\nوقول الله - ﷿ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) .\nوسَجَّلَ المفترِي فريتَه الكبيرة قائلًا: \" لَمّا كانَ محمدٌ بمكةَ كان يُسالِمُ\nجميعَ الناس، ويَحترم اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إِنَّ لهم الجَنَّة\nانظر: سورة المائدة: الآية ٦٩،، ولكن لما اشْتَدَّ ساعِدُهُ في المدينةِ بالأَنْصار أَمَرَ بقَتْلِ جميعِ غيرِ المسلمين، أو يَدْفَعوا الجزية، أَوْ يَدْخُلوا الإِسلام، وهذا يَعْني الاقتصارَ على الأُخُوَّةِ الإِسلامية، وهَدْمَ أَركانِ الأُخُوَّةِ العَامَّة، وقَطْعَ أَواصِرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ طَبَقاتِ البَشَر، وهكذا حَرَّمَ المسلمونَ الاستيطانَ","vol":"1","page":469},{"text":"في كُل بلادِ الحجازِ على كل غيرِ المسلمين \".\nوفي هذا الكلامِ المفترى مجموعةٌ من المغالطات والأَكاذيب:\n١ - يَزعمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان في مَكَّةَ يُسالمُ جَميعَ الناس، ويَحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إنَّ لهم الجَنَّة.\nوهذا زَعْمٌ باطِل، فلم يكنْ في مكَّةَ وُجودٌ لليهودِ أَو النَّصارى أَو الصابئين.\nلأَنَّ أَهلَ مكةَ كانوا من قريشٍ والعرب، وكان فيها ثلاثةٌ أَو أَربعةٌ\nمن النَّصارى، فكيفَ يزعُمُ الفادي المفترِي أَنه كان يحترمُ اليهودَ والنَّصارى\nوالصا بئين؟!.\nولم يكنْ محمدٌ - ﷺ - مُسالمًا للنّاسِ في مكة، إِنما كانَ داعيةً مُذَكِّرًا مُبَلِّغًا للدين، يُنذرُهم من عذابِ الله، وكان مأمورًا هو وأَتْباعُه المؤمنون بكَفِّ أَيديهم عن قتالِ المشركين لحِكَم كَثيرة..\nلكِنَّه كانَ يعلمُ أَنه ستأتي مرحلةٌ جديدة، يكون فيها قِتالٌ ومُواجهة.\n٢ - يَكْذِبُ المفترِي عندما يزعمُ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَخبرَ وهو في مكةَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى والصابئين في الجنة، وأَحالَ على قولِه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .\nإنَّ هذه الآيةَ مدنيّة، لأَنَّ سورة المائدةِ مدنية، وليستْ مكيهً كما ادَّعى\nالمفتري!.\nثم إِنَّ الآيةَ لا تُخبرُ أَنَّ اليهودَ والنَّصَارى والصابئين في الجنة، إِنما\nتُخبرُ أَنَّ المؤمنين المسلمين المتَّبِعين لرسولِ الله - ﷺ - هم المؤمنون حقًا، وهم أَهلُ الجنة، أَمّا اليهودُ والنصارى والصابئون، فلا يُقْبَلُ إِيمانُ أَحَدٍ منهم، إِلّا إِذا آمَنَ باللهِ وعَمِلَ صالحًا وآمَنَ باليومِ الآخر، ولَنْ يتحقَّقَ ذلك إِلّا إِذَا آمَنَ بكل كُتُبِ الله، ومنها القرآنُ، وآمَنَ بكُلِّ رسلِ الله، ومنهم محمدٌ - ﷺ -،","vol":"1","page":470},{"text":"فإذا لم يُؤْمن اليهودي أو النصرانيُّ أَو الصابِئُ بالقرآنِ وبالرسولِ - ﷺ - لم يَكُنْ مؤمِنًا، ولم يكنْ من أَهْلِ الجنة، لأَنَّهُ فَرَّقَ بين رسلِ الله، فآمَنَ ببعضِهم وكَفَرَ بآخَرين، وهذا هو الكُفْرُ الصريح.\nقالَ اللهُ - ﷿ -: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) .\n٣ - يَزعُمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - لما هاجَرَ إِلى المدينةِ واشْتَدَّ ساعِدُه، وتَقَوّى بالأَنْصار، وزادَ عَدَدُ أَتْباعِه، غَيَّرَ أَفكارَه ونظرَتَه إِلى الآخرين، وتَخَلّى عن مسالمةِ الناس، وأَعلنَ الحرْبَ عليهم، وأَمَرَ بقَتْلِ كُلِّ مَنْ كانَ غيرَ مُسْلِم، إِذا لم يَدْفَع الجزية، وكانَ أَمامَهُ أَحَدُ خياراتٍ ثلاثة: الإِسلامُ أَو الجزيةُ أَو القِتال.\nوهذا الزعْمُ والافتراءُ يعني أَنَّ محمدًا - ﷺ - يُغَيِّرُ مبادِئَه وأَفكارَه من عنْدِه، ويُؤَلِّفُ القرآنَ من عِنْدِه، ويَضَعُ أَحكامَ الإِسلامِ من عنْدِه!.\nإِنَّ اللهَ هو الذي أَمَرَ المسلمينَ في مكةَ بكَفّ أَيْديهم عن قتالِ المشركين،\nوالصَّبْرِ على أَذاهم، وهو سبحانَه الذي فَتَحَ لهم بابَ الفَرَج في المدينة، ونَصَرَ دينَه بالأَنصارِ فيها، وهو الذي أَنزلَ السورَ المدنيّةَ وأَمَرَ فيها بقتالِ المعْتَدين، وَوَرَد هذا في سورِ البقرةِ وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ومحمد والصف وغيرها.\n٤ - يَزعمُ المفْتَرِي أَنَّ القرآنَ بدعوتِه إِلى الأُخُوَّةِ الإِسلاميةِ بينَ المسلمين\nيَدْعو إِلى هَدْمِ أَركانِ الأُخُوة العامّة، وقَطْعِ أَوَاصرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ\nالناس.\nوهذا افتراءٌ منه على القرآن، فدعوةُ القرآنِ إلى تعميقِ وتوثيقِ الأُخوةِ\nالإِسلامية بين المسلمين لا تَعْني قَطْعَ الأُخُوَّةِ بين الناس، فاللهُ أَمَرَ المْسلِمين\nأَنْ يُوَثقوا صِلَتَهم بغيرهم، ويُحْسنوا معامَلَتَهم، ويُقدِّموا لهم الخير، واعتبرَ","vol":"1","page":471},{"text":"هذا من البِرِّ والإِحسان، يتقرَّبونَ به إلى الله - ﷿ - قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) .\nوقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) .\nأَما تحريمُ إِقامةِ غيرِ المسلمين في بلادِ الحجاز، فلأَنَّ الحجازَ والجزيرةَ\nالعربية كلَّها صارَتْ دارَ إِسلام، وقد أَسلمَ أهْلُها جَميعًا في حياةِ رسول اللهِ - ﷺ -، وبما أنهم مسلمونَ فإِنَّ مَنْ تَرَكَ الإِسلامَ منهم يكونُ مرتدًّا، والمرتَدُّ يُقْتَلُ إِنْ لم يَعُدْ للإِسلامِ، وغيرُ المسلمين من البلدانِ الأُخرى ليسوا من أَهْلِ الحجاز، فلماذا يُقيمونَ ويستَوْطِنون فِيها؟!.\nلو طَرَدَ المسلمونَ أَحَدَ أَهلِ الحجازِ الأَصلِيِّين يمكنُ أَنْ يُلامُوا، لكنَّهم\nلا يُلامونَ على عَدَمِ السماحِ للمسلمِ بالردة، ولا على عدمِ السماحِ لابنِ غيرِ المنطقةِ الكافرِ بالإِقامةِ فيها.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>حول تقبيل الحجر الأسود</span>\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ شعائرَ الحَجِّ التي يُؤَدّيها المسلمون، ليستْ من\nعندِ الله، وإنما هي من أعمال الجاهلية، بما في ذلك تقبيلُ الحَجَرِ الأَسودِ\nعند الطَّواف.\nقال: \"معلومٌ أَنَّ الحَجَّ إِلى الكعبةِ وشعائِرَهُ هي من شعائرِ الجاهلية، بما في ذلك تقبيلُ الحجرِ الأَسود!\nقال عمرُ بنُ الخَطَّاب للحَجَرِ الأَسود: أَما والله لقد عَلمتُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، ولولا أًني رأيتُ رسول اللهِ يقبّلُك ما قَبَّلْتُك \"!.\nوقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي فريةَ أَخْذِ شعائرِ الحَجّ من الجاهلية، وسَبَقَ أَنْ\nرَدَدْنا عليه، وذَكَرْنا أَمْرَ اللهِ بالحَجِّ من أَيامِ إِبراهيمَ - ﷺ -، وأنَّ الجاهليّين","vol":"1","page":472},{"text":"توارثوه من أَيامِ إِبراهيمَ - ﵇ -، لكنَّهم أضافوا له كثيرًا من ممارساتِهم الجاهليةِ الباطلة، فأزالَ اللهُ ذلك، وأَعادَ لشعائر الحَجِّ صِفَتَها الإِيمانيةَ الخالصة، فعندما يُؤدّي المسلمونَ مناسِكَ الحَجّ فإِنهم يُنَفِّذونَ بذلك أَمْرَ اللهِ سبحانه..\nقالَ تعالى في أَمرِ إِبراهيم - ﵇ - بالحج: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .\nأَمّا تَقبيلُ الحجرِ الأَسود فقد تهكَّمَ الفادي السفيهُ عليه بسوءِ أَدَب \" قال:\n\" ونحنُ نَسْأَلُ: هل في الحجر الأَسودِ روحٌ حتى يحسَّ بحرارةِ القُبْلَةِ التي\nيَطبَعُها المسلمون عليه، أَو هل فيه عَقْلٌ يُدركُ تَقديرَ المسلمينَ له وِإِكرامَهم\nإِيَّاه؟\nولماذا يُعطي المسلمونَ كَرامةً لحَجَر، كان يُؤَدّيها عَرَبُ الجاهليةِ\nلأَوثانِهم أو كيفَ أَقْدَمَ محمدٌ على هذا الإِكرام الديني للحَجَر؟\nوكيفَ أبقى محمدٌ هذا الحَجَرَ في الكعبةِ، ولم يَعْزِلْه\nكما عَزَلَ بقيةَ الأَصنام؟! \".\nإِننا نتركُ الأُسلوبَ البذيء الذي صاغ المجرمُ به أَسئلتَه الوقحة، ونُقَرِّرُ\nأَنَّ العَرَبَ الجاهليين لم يَكونوا يَلْمَسون الحَجَرَ الأَسودَ أَو يُقَبِّلونَه، عندما كانوا يطوفونَ بالكعبة.\nوإنَّ لَمْسَ الطائفينَ له وتقبيلَه تَشريعٌ إسلاميّ، وليس عادَةً جاهلِية.\nوهذا لا يَعني إِكرامَ المسلمينَ له لأَنه مجرَّدُ حَجَر، ولكنهم بذلك يُنَفَذون\nأَمْرَ الله، وهم بذلك يَعْبُدونَ الله، وتَقبيلُهم الحَجَرَ الأَسودَ كالطوافِ بالكعبة، وهم عابِدونِ للهِ عندما يَطوفون بالكعبة، وعابِدونَ لله عندما يُقَبّلونَ الحَجَرَ الأَسود.\nوما أَجملَ ما قالَه عمرُ بن الخطابِ - ﵁ - وهو يُقَبل الحَجَرَ الأَسودَ أَثناءَ طوافِه: \" واللهِ إِنِّي لأَعلمُ أنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفع، ولولا أَنّي رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يُقَبّلُك ما قَبَّلْتُك \".","vol":"1","page":473},{"text":"إِنَّ هذا الكلامَ الرائعَ لِعُمر أَبلغُ رَدٍّ على مزاعمِ المفَتري، وهو صريحٌ في\nنظرةِ المسلمينَ إِلَى الحجرِ الأَسود وهم يُقَبِّلونَه، كما أَنه دَليلٌ على صفاءِ\nتوحيدِ الله في تصوُّرِ المسلمين.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>حول عدم الاستعانة بالكافرين</span>\nنهى اللهُ المسلمينَ عن اتِّخاذِ الكافرينَ الأَعداءَ أَولياءَ، وأَشارَ إِلى ذلك\nقولُه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) .\nونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويِّ في تفسيرَ الجملةِ الأَخيرةِ من الآية: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا): يَعني جانِبوهم رأسًا، ولا تَقْبَلوا منهم ولايةً ولا\nنصرةً ولا نصيرًا تَنْتَصِرونَ به على عدُوّكُم.\nوعَلَّقَ على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نسأل: هل يَتفقُ هذا مع تاريخِ\nالمسلمين، الذين اسْتَعانوا بالمسيحيّين في عصورٍ كثيرةٍ؟\nإِنَّ الضرورةَ الاجتماعيةَ والعسكرية تُحَتّمُ التعاونَ مع الغير، فالعزلة السياسيةُ تتعَارضُ مع القوانينِ المدنية، وقد لَفَظَها المجتمعُ لعدمِ صلاحيَّتِها \".\nدَعا الإِسلامُ المسلمين إِلى عدمِ موالاةِ الكافرين، وعدمِ الاستعانةِ بهم،\nوخاصةً إِذا كانوا مُحارِبين، وهذا لَم يُعجب الفادي، ولذلك رَفَضَهُ لأَنَّه يَدْعو إِلى العزلةِ السياسيةِ للمسلمينَ، ويَتعارَضُ مع القوانينِ المدنية.\nويزعمُ الفادي أَنَّ هذه الدعوةَ القرآنيةَ لم يَلتزمْ بها المسلمون أَنفسُهم،\nبل خَرَجوا عليها في تاريخِهم، واستعانوا بالمسيحيين في عصورٍ كثيرة.","vol":"1","page":474},{"text":"ونحنُ لا يُهِمُّنا ما - فعلَه المسلمون في تاريخِهم، ولا نقرُّهم على\nمخالفتِهم توجيهات القرآن، ونعترفُ أَنَّ كثيرًا منهم لم يلتزموا بالقرآن، في\nتحدِيدِ صِلاتهِم وارتباطاتِهم بغيرِهم، فمِنهم مَن استعانَ بالنَّصارى المحارِبين،\nومنهم مَنْ تحالَفوا مع الأَعداءِ ضدَّ إِخوانِهم المسلمين، وقاتَلوا إِخوانَهم\nالمسلمين بهم!!\nوهذه التصرفاتُ كلُّها مخالِفَة للإِسلام، نرفضها وننكرُها، في الوقتِ الذي يعتزُّ بها الفادي المفترِي؛ لأَنها مظهر من مظاهرِ مخالفةِ المسلمين لدينِهم!.\nإِنَّ الآيةَ التي اعترض عليها الفادي المفترِي تتحدَّثُ عن كُفارٍ أَعداءٍ\nللمسلمين، محاربين لهم، حَريصين على رِدَّتِهم عن إِسلامِهم، وبسببِ هذه\nالمعاداةِ فإِنَّ الآيةَ تدعو المسلمين إِلى الحَذَرِ والانتباه، وعدمِ موالاةِ هؤلاء\nالأعداءِ، وعدم الاستنصارِ بهم، إِذ كيفَ يُوالونَ مَنْ هذه صِفَتُهم وكيفَ يَطلبونَ النصرةَ من الحريصين على إِضعافِهم وردَّتِهم؟\nولماذا يعترضُ المفترِي على هذه الدعوةِ القرآنية؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>حول انتشار الإسلامِ في العالم</span>\nوقفَ الفادي أَمامَ سورةِ النصر، التي تُبَشَرُ بنصْرِ الإِسلامِ وانتشارِه؟\nقال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) .\nواعترضَ الفادي على السورة، واعتبرَ انتشارَ الإِسلامِ ليسَ فَضلًا من الله،\nولا دليلًا على أَنه من عندِ الله، ولذلك عَلَّقَ على ذلك قائلًا: \" ونحنُ نسأل: إِذا كانَ من المعلومِ أَنَّ الناسَ بطبيعتِهم مُقَلِّدون، وأَنَّ تَأَثُّرَ الجماعاتِ والقبائل بَعضهم من بعض، قادَ العربَ وغيرَهم للدُّخول في الإِسلام ...\nواعتبرَ المسلمونَ أَنَّ هذا تيسيرٌ من الله لم يَخطرْ على بال أَحَد، وأَنَ هذا شهادةٌ للإِسلام ...","vol":"1","page":475},{"text":"فماذا يقولُ المسلمون في انتشارِ الدينِ الوثنيّ، وعَدَدُ أَتْباعِه\nأَضعافُ المتدينين بدينِ محمد، وله من الأَديرةِ والمعابد ما لا يُحصى عَدًّا.\nوكثيرٌ منها غايةٌ في الجَمالِ والغِنى، وهو ممتدٌّ من غربِ الهندِ إِلى حدودِ\nسَيْبيريا، فهل تكونُ الوثنيةُ من عندِ الله؟ \".\nللمفتري تفسيرٌ خَبيثٌ لسرعةِ انتشارِ الإِسلام قُبيلَ وَفاةِ رسولِ اللهِ - ﷺ - يُخالفُ التفسيرَ الصحيحَ، الذي يتفقُ مع المنطقِ والمنهجيةِ! إِنه يَعْزو ذلك إِلى البُعْدِ القَبَلِيّ والعَشائري، فالناسُ في العُرْفِ القبليّ يَتَّبِعونَ شيخَ القبيلة، ولا يُناقشونه ولا يَعترضونَ عليه، ولهذا قَلَّدَ رجالُ القبائلِ الأَقوياءَ منهم، الذين دَخَلوا في الإِسلام، وتابَعَ الناسُ شُيوخَ قبائلِهم!!.\nولو كانَ كَلامُه صحيحًا لأَسلمَ الناسُ في الجزيرةِ العربيةِ منذُ السنواتِ\nالأُولى..\nلقد حارَبَتْ قُريشٌ الإِسلامَ عشرينَ سنةً بكلِّ ما أُوتيتْ من قوة، ولم\nتَدخُلْ في الإسلامِ إِلاّ بعدَ هزيمتِها أمامَه.\nوإنَّ الله هو الذي جاءَ بالنصرِ والفتح، وهو الذي شَرَحَ له صُدورَ\nالناس، فصاروا يَدخلونَ فيه أَفواجًا، وهو الذي وَعَدَ المسلمينَ بذلك قبلَ\nتَحَقُّقِه ومجيئِه في أَكثرَ من آية، منها قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) .\nومنها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) .\nوقولُ الفادي: إِنَّ الوثنيين أَضعافُ عدِد المسلمين، كَذِبٌ وافتراء،\nفالمسلمونَ هم الملةُ الثانيةُ في العَدَدِ بعد النصارى!.","vol":"1","page":476},{"text":"وما زالَ الدينُ الإِسلاميّ قَويًّا، رغمَ تصعيد الأَعداء حربَهم له، وكُلُّ يومٍ\nيدخل فيه أَفرادٌ جُدُد في مختلفِ بِقاع العالمِ، مع أَنه لا توجَدُ دولة تحملُه\nوتُطبقُه بصدقٍ في هذا الزمان، فهو دينٌ زاحفٌ، رغم أنفِ الأعداءِ وكثرةِ\nالمعَوِّقات!.\nوقد أَخبرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنَ الإِسلام سينتشرُ في الأَرض كُلِّها، ويدخلُ كلَّ بيتٍ عليها، وسيبلغُ ما بَلَغُ الليلُ والنهار، وسيَقضي على كُلِّ الأَديانِ الباطلة..\nونقول للفادي: حَلِّلْ كما تَشاء، ومُتْ بغَيْظِك!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>حول تقاتل المسلمين</span>\nامتَنَ اللهُ على المسلمينَ بأَنه أَلَّفَ بين قلوبهم، وجَعَلهم إِخْوانًا مُتحابّين.\nقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) .\nولكنَّ الفادي المفترِي اعترضَ على الآيةِ وكَذَّبَها، وذَكَرَ أَمثلةً ونماذجَ\nلاختلافِ المسلمين وتقاتُلِهم وتَطاحُنِهم، وقالَ: إِنَّ الحروبَ التي وَقَعَتْ بين\nالمسلمين في صَدْرِ الإِسلامِ أَكثرُ وأعنفُ وأَشَدُّ من الحروبِ التي وقَعَتْ بين\nالعربِ الجاهليّين!.\nقال: \" يَرى المسلمونَ أَنه من فضائلِ الإِسلامِ الدالَّةِ على أَنه من عندِ الله،\nأَنَّه أَلَّفَ بينَ قُلوبِ العرب، بعدَ أَنْ كانوا قبائلَ تَشُنُّ الحروبَ بعضُها على\nونحنُ نَرُدُّ: إِنَّ هذا القول باطل، فالحروبُ والغزواتُ كانت على أَشُدِّها\nبين العربِ أَيامَ محمد.\nولما ماتَ قامَ أَبو بكر بحروبِ الرِّدَّة، وبعدَ موتِ عُمَرَ أَعملَ المسلمون السيفَ بعضُهم برقابِ بَعْض، فماتَ عمرُ وعثمانُ مقتولَيْن،","vol":"1","page":477},{"text":"وحَدَثَتْ حَرْبُ الجَمَلِ بين عائشة وعلي، ثم بينَ معاويةَ وعلي وابنِه\nالحسين ...\nثم كانت فتنةُ عبد الله بن الزُّبَيْر والحربُ بينه وبينَ الحَجّاجِ في\nخلافةِ عبدِ الملك بن مروان ...\nهكذا كان حالُ العربِ في صَدْرِ الإِسلام، يقتلُ بعضهم بعضًا، مُواجهةً وخِدعةً وغَدْرًا، فأَين التآلفُ وإِصلاحُ ذاتَ البينِ الذي أَتى به الإسلام؟! \".\nإِنَّ من المتفقِ عليه أَنَّ العداوةَ والبغضاءَ كانتْ شديدةً بين العربِ في\nالجاهلية، وأَنَّ حياتَهم كانت تَقومُ على الغزوِ والقَتْل، والسلبِ والنهب،\nوالظلمِ والعدوان، وكانت تنشبُ بينهم الحروبُ الطويلةُ لأَتْفَهِ الأَسباب..\nوجَمَعَهم اللهُ بعدَ ذلك لما أَسلموا على القرآن، وامتنَّ اللهُ على المسلمين\nبذلك، ودعاهم إِلى الاعتصام به، وتَذَكُّرِ ما كانوا عليه من العَداوة، وما صَاروا إليه من الأُخُوَّةِ والمحبَّة، وشَتّانَ بين ماضيهم الجاهليِّ وحاضرِهم الإِيمانيّ!.\nونَعتَرفُ بأَنهُ حَصَلَ للمسلمين تَفَرُّقٌ واختلافٌ بعد وفاةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأَدّى هذا إِلى تَقاتُلٍ ونزاعٍ، ونَشَبَت المعاركُ بين المسلمين، في البصرةِ وصفّين، واستشهدَ كثيرٌ من خِيارِ المسلمين.\nلكنَّ هذه الفترةَ كانت غاشيةً غشيت المسلمين، ثم تَلاشَتْ وزالَتْ، وحَلَّ\nمَحَلَّها اتفاقُهم واجتماعُهم وتَلاقيهم.\nثم إِنَّ هذا الاختلافَ والتقاتُلَ لم يُؤَدِّ إِلى خروجهم عن الإِسلام، ومع أَنَّ الأَصْلَ أَنْ لا يكون، لكنَّ وُقوعَه أَمْر حتميّ بينَ مختلفِ الناس.\nكما قال الله - ﷿ -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) .\nولا يَزالُ القرآنُ عاملَ اجتماعِ وتعاونِ المسلمين، تَأتلفُ عليه\nقلوبُهم، ويُخففُ آثارَ الاختلافِ الذي لا بُدَّ أَنْ يقعَ بين البَشَر!.","vol":"1","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-188>الفصل الثامن نقض المطاعن العلمية</span>","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>هل لتمثال العجل خوار</span>؟\nأَخبرَ اللهُ أَنه في غيبةِ موسى - ﵇ - عن بَنِي إِسرائيل، فَتَنَهم وأَضَلَّهُم السامريُّ الكافر، فأَخَذَ حُليَّهُم وزينَتَهم، وصَنَعَ منها تمثالًا ذَهَبِيًّا، على شَكْلِ عجل، ودَعَاهُم إِلى عبادَتِه، على أَنه إلهُهُم، ومن بابِ فتنتِهم كان لهذا التمثالِ خُوَارٌ كخوارِ العِجْل.\nقال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) .\nوقال تعالى: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) .\nوقد اعترضَ الفادي على كلام القرآن، واعتبرَه مُتَناقضًا مع حقائق\nالعلم، إِذْ كيفَ يُمكنُ للبشرِ أَنْ يَصْنَعُوا تِمثالًا ناطِقًا متكَلِّمًا؟\nقال: \" ونَحْنُ نَسأل: من أَينَ استقى القرآنُ هذا الخَبر، الذي ليس له أَساسٌ تاريخي؟\nوهل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ الطبِيعيّ؟\nوهل يتمنّى السامريُّ المزعومُ ذلك، ويَطلبُه هارونُ من الله، فيوافقُ اللهُ على تَحسينِ الصَّنَمِ فيخورُ، ليُغريَ الناسَ ليَعْبُدوهُ من دونِ الله؟\nوهل صارَ السامريُّ وهارونُ واللهُ شركةً واحدةً في صُنعِ العجل؟! \".\nيتساءَلُ الفادي بخُبْث: \" من أَينَ اسْتَقى القرآنُ هذا الخبرَ؟\nالذي ليس له أَساسٌ تاريخي؟ \" إِنَّهُ بهذا التَّساؤُل يُريدُ أَنْ يُقَرِّرَ بشريةَ القرآن، فلأَنَّه من عند\nالبَشَر فلا بُدَّ أَنْ يكونَ لما يَقولُه مصدَرٌ يأخُذُه منه، فمن أَينَ أَخَذَ القرآنُ فِكرةَ العجْلِ البشري؟.","vol":"1","page":481},{"text":"ونحنُ نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وكلّه صادق، لأَنَّه لا أَحَدَ أَصْدَقُ\nحَديثًا وَقْولًا من الله، ولا يَجوزُ أَنْ نبحثَ عن مصدَرٍ بشري لما يذكُرُه القرآن، ويَكفي ذِكْرُ الخبر في القرآنِ دَليلًا على تَصديقه.\nويُكَذِّبُ الفادي المفترِي القرآنَ عندما يَزعمُ أَنَّ إِخبارَه عن عجلِ السامريِّ\nليس له أَساسٌ تاريخي، ونقول له: مرجعيَّتُنا هي القرآن، لأَنه كلامُ الله،\nويَجبُ أَنْ نؤمنَ بكلِّ ما وردَ فيه، وَمَنْ كَذَّبَ شيئًا مما ذُكِرَ فيه، فهو\nمُكَذّبٌ لله، كافرٌ به.\nوبعدَ ذلك نقول للفادي: لقد ذَكَرَ كِتَابُكَ المقَدَّسُ الذي تُؤمنُ به قصةَ\nصنْعِ العجل، لكنَّ الحاخامات الذين أَلّفوا أَسفارَ العهد القديم كَذَبوا على الله وعلى هارونَ النبيِّ - ﵇ -، حيثُ زَعَموا أَنه هو الذي صنَعَه، ودَعا قومَه إِلى عبادتِه!.\nوَرَد في سِفْرِ الخُروجِ ما يلي: \" ورأى الشعبُ أَنَّ موسى قد تَأَخَّرَ في\nالنزول من الجبل، فاجتمعَ الشعبُ على هارون، وقالوا له: قُمْ فاصنعْ لَنا آلهةً تسيرُ أَمامَنا، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصْعَدَنا من أَرضِ مصر لا نَعلمُ ماذا أَصابَه!!.\nفقال لهم هارون: انْزعوا حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِ نسائِكم وبَناتِكم\nوبَنيكم، وأتوني بها ...\nفَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِهم، وأَتَوْا بها هارون ...\nفأَخَذَها وصَبَّها قالبًا، وصَنَعَها عِجْلًا مسبوكًا ...\nفقالوا: هذه آلهتُكَ يا إِسرائيل، التي أَصعدَتْكَ من أَرضِ مصر، فلما رأى هارونُ ذلك بنى مَذْبحًا أَمامَ العجل، ونادى قائلًا: غدًا عيدٌ للرّبّ! فَبكَّروا في الغَدِ، وأَصْعَدوا مُحَرَّقات، وقَرَّبوا ذبائح، وجَلَسَ الشعبُ يأكلُ ويشربُ، ثم قامَ يَلْعَب ...\nولما عادَ موسى - ﵇ - إلى قومِه غَضْبانَ أَسِفًا، لامَ هارونَ لَوْمًا شَديدًا على ما فَعَلَه، وقال له: ماذا صَنَعَ بك هذا الشعبُ، حتى جَلَبْتَ عليهم خطيئةً عظِيمة.","vol":"1","page":482},{"text":"فقالَ هارون: أَنتَ عارفٌ أَنه شعبٌ شِرّير، قالَ لي: اصنَعْ لنا آلهةً\nتَسيرُ أَمامَنا، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصعَدَنا من أَرضِ مِصْر، لا نَعْلمُ\nماذا أَصابه..\nفقلْتُ لَهم: مَنْ له ذَهَبٌ فلينزَعْه..\nفأْتوني به، فأَلقيتُه في النّار، فخرجَ هذا العجل ...\n\" [سفر الخروج: ٣٢/ ١ - ٦ و: ٣٢/ ٢١ - ٢٤] .\nالفادي يقول: هل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ\nالطبيعي؟\nونقول: نَعَمْ من المعْقول، إِذْ ليس في هذا ما يَتناقضُ مع العَقْلِ،\nلأَنه لم يحدُثْ بفعلِ السّامريّ، إِنما حَدَثَ بإرادةِ الله، والسّامريُّ لم يخلقْ\nعجْلًا طبيعيًّا حقيقيًَّا، لأَنَّ الخالقَ هو الله، كلُّ ما فعلَه أَنه صَنَعَ من الذهبِ\nوالحِلِيّ عِجْلًا جَسَدًا، وتمثالًا مُجَسدًا، واللهُ هو الذي جَعَلَ لهذا العجلِ\nالتمثالِ خُوارًا، وجَعَلَ له صَوْتًا كصوتِ العِجْل، مُبالغةً في ابتلاءِ وامتحانِ بني إِسْرائيل، ولقد رَسَبوا في الامتحان، وخَسِروا في الابتلاء، وكانوا كُلَّما سَمِعوا خُوارَ العجلِ التمثالِ ازْدادوا إِقْبالًا عليه وفَرَحًا به!\nومن المعلوم أَن الله يَبْتَلي عبادَه بالخيرِ والشَّرّ، كما قالَ تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) .\nثم ما هو الذي يتعارَضُ مع العقلِ في خُوارِ العجلِ الجَسَد؟\nأَلا يُمكنُ تَقريبُ ما جرى من خلال تَذَكُّرِ آلاتِ العَزْفِ الموسيقية، حيثُ يُخرجُ العازفُ أَلْحانًا موسيقيةً من ضربه على بعضِ الآلاتِ الجامدة، أَو نَفْخِهِ في آلاتٍ أُخرى؟\nفإذا كانَ الإِنسانُ يَستطيعُ إِخْراجَ أَلَحانٍ مختلفةٍ من الآلاتِ التي يَتعامَلُ معها،\nأَيعجِزُ الله سبحانه عن إِخراجِ صوتِ خُوارِ العجلِ من تمثالِ عجلٍ مجسَّد؟!.\nالمشكِلةُ ليستْ في إِخْبارِ القرآنِ عن خُوارِ تِمثالِ العجل، إِنما المشكلةُ\nفي ما نَسَبَهُ الأَحبارُ الكُفارُ إِلى النبيِّ هارونَ - ﷺ - من كفر! فهل يُعقلُ أَنْ يستجيبَ النبيُّ هارونُ - ﷺ - إِلى طلباتِ قومِه الكافرة، ويَصنعَ لهم من حُلِيِّهم عِجْلًا، ويَقولُ لهم: إِنَّ هذا هو إِلهُكُم، فتَعالوا واعْبُدوه؟!.\nوقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ هارونَ - ﷺ - أَنكرَ عليهم عبادتَهم العجلَ، قال تعالى: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) .","vol":"1","page":483},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-190>أسطورة خاتم سليمان</span>\nحَمَّلَ الفادي المسلمين أُكذوبةَ خاتَمِ سليمانَ - ﵇ -، التي ذَكَرَها بعضُ المَفسِّرينَ، الذينَ يَذْكرُونَ الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطير، وذلك أَثناءَ تفسيرِهم لقولِ الله - ﷿ -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) .\nقالَ: \" قالَ مفسرو المسلمين: إِنَّ سُليمانَ قَتَلَ مَلِكَ صَيْدون، وأَخَذَ ابْنَتَهُ\nجَرادَةَ لجَمالِها، فكانَتْ تَبْكي في بيتِ سليمانَ على أَبيها.\nفأَوصى سليمانُ الشياطينَ، فعَمِلوا تِمثالًا لأَبيها، وضعَتْه أَمامَها، وكانتْ تسجدُ له أَربعين يومًا ...\nوكان لسليمانَ خاتمٌ يلبسُه، وكان إِذا دَخَلَ للطهارةِ يُعْطِيه لزوجتِه\nأَمينة! فَمَرَّةً دخلَ للطهارة، وظهَرَ الشيطانُ لأَمينَة في شكْلِ سُليمان، وأَخَذَ\nالخاتم، وجَلَسَ على سَريرِ الملِك، وتَزَوَّجَ بنساءِ سليمان، واستمرَّ في المُلْكِ\nأَربعين يومًا، وسليمانُ مطرودٌ، يستنكرُه كلُّ مَنْ رآه..\nوطارَ الشيطان، وسَقَطَ منه الخاتمُ في البحر، وصادَ الصَّيّادون سَمَكًا، وأَعْطوا سليمانَ سمكتَيْن أُجْرَةً له، على خدمتِه في حَمْلِ السَّمَك، فَوَجَدَ الخاتمَ في جوفِ السمكة، ولما لبسَه عادَ إِليه المُلْك! \"..\nوعَلَّق الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله: \" فما معنى هذا الخاتم\nالسحري، الذي مَنْ يلبسُه من الإِنسِ أَو الجنِّ يَصيرُ مَلِكًا؟\nوكيفَ يتزوَّجُ الشيطانُ النِّساءَ وهو من الأَرواح؟\nومتى كان سليمانُ الملكُ شَحّاذًا وحَمّالَ سَمَكٍ أَرْبعين يومًا؟! \".","vol":"1","page":484},{"text":"إِنَّ هذا الكلامَ مردودٌ مكذوب، لم يَرِدْ في كتابِ الله، ولا في حديثِ\nرسولِ الله - ﷺ -، ولم يقلْه واحد من الصحابةِ أَو التابعين، وهو من الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطيرِ الباطلة، التي لا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ بها كلامَ الله..\nوسامَحَ اللهُ الإِخباريّينَ والرواةَ من المسلمين، الذين أَجازوا\nلأَنفسِهم تفسيرَ كلامِ اللهِ بهذا الهراءِ التافه، حتى يأتيَ إِنسان مُغْرِض مثلُ\nالفادي يجعلُه مَطْعَنًا يوجِّهُه إِلى كتابِ الله - ﷿ -.\nثم إِنَّ هذا الكلامَ الباطِلَ يَطعنُ في نبوةِ سليمانَ - ﷺ - وعصمتِه وإِيمانه، ويُصوِّرُهُ بصورةِ الذي يَرضى بالشِّرْكِ بالله في بيته، بل يَرضى أَنْ يَصنعَ الأَصنامَ لامرأتِه المشركة، ويَدْعوها لعِبَادَتِها، إِنَّ هذا لا يفعَلُه مسلمٌ عادي، فكيفَ يفعلُه النبيُّ الملكُ القويُّ سليمانُ - ﷺ -؟!.\nوما هو هذا الخاتمُ السحريُّ الذي كان يَحكمُ به سليمانُ الإِنسَ والجنّ؟\nوكيفَ يرضى اللهُ أَنْ يُسْلَبَ سُليمانُ الملكَ؟\nوأَنْ يَحلَّ محلَّه شيطانٌ رجيم؟\nوكيفَ يَطَأُ ويُجامعُ هذا الشيطانُ الكافرُ أَزواجَ سليمانَ واحدةً واحدة؟\nوكيف؟ وكيف؟ وكيف؟ ...\nإِنَّنا نبرأُ إِلى الله من هذه الأُسطورةِ المكذوبة، ونُبَرِّئُ سليمانَ - ﵇ - منها!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>لماذا إنكار عذاب القبر</span>؟\nيُنكرُ الفادي المفترِي عَذابَ القبر، ويَعتبرُه مما لا يتفقُ مع العلم، ومما\nيَتَناقَضُ مع العقل، ويُخَطِّئُ الرسولَ - ﷺ - في حديثِه عنه.\nوإِنَّ إِنكارَه عذابَ القبرِ لا يَتفقُ مع موضوعِ كتابِه، الذي خَصَّصَه لانتقادِ\nالقرآن، وهو في هذا الموضوعِ يَنتقدُ حديثَ رسولِ الله - ﷺ -!.\nذَكَرَ قولَ اللهِ - ﷿ - (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) .","vol":"1","page":485},{"text":"وذِكْرُه للآيةِ في معرضِ حديثِه عن عذابِ القبرِ دَليلُ جهْلِه، فالآيةُ\nلا تتحدَّثُ عن عذابِ القبر، وإِنما تتحدَّثُ عن الموت، الذي لا بُدَّ أَنْ يُصيبَ الإِنسانَ مهما فَرَّ منه.\nوالآيةُ شبهُ الصريحةِ في عذابِ القبر هي قولُ اللهِ - ﷿ -:\n(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) .\nوذكَرَ الحديثَ الذي رواهُ البخاريُّ عن عائشةَ - ﵂ - قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ عجوزان من عجائزِ يهودِ المدينة، فقالَتا: إِنَّ أَهلَ القُبورِ يُعَذَّبونَ في قبورِهم، فكذَّبْتُهما، فَخَرَجَتا..\nودَخَلَ النبيُّ - ﷺ -، فقلْتُ له ما قلْتُ لهما، وإِني لم\nأُصَدِّقْهما في ذلك، فقال: \" صَدَقَتا، إِنهم يُعَذَّبون في قُبورِهم عذابًا تَسمعُه\nالبهائمُ كلُّها.\nفما رأيْتُه بعدَ ذلك في صلاةٍ إِلّا تعوَّذَ من عذابِ القبر \".\nثم ذَكَرَ حديثًا آخَرَ في تَعَوُّذِ رسولِ اللهِ - ﷺ - من العجزِ والكسلِ والجبنِ والبخلِ وعذابِ القبر، وحَديثًا ثالثًا في سؤالِ الملَكَيْن لمن يوضَعُ في قبرِه.\nوعَلَّقَ على تلك الأَحاديثِ الثلائة قائلًا: \" ونحنُ نسأَل: إِذا كان الميتُ\nيَسمعُ ويتعذَّبُ في القبر، فلماذا لا يَسمعُ عذابَ أَهلِ القبرِ إِلّا البهائم؟\nوإِذا كان أَهلُ المقابرِ الذين يَعترفونَ بنبوَّةِ محمدٍ يُعْفَوْنَ من العذاب، فلماذا كان النبيُّ نفسُه دائمًا يتعوَّذُ من عذابِ القبر؟\nلعلَّ خُرافةَ العجوزَيْن (اللتَيْن كذَّبَتْهما عائشة) تَعودُ إِلى أنهما سمعتا عن شخصٍ دُفِنَ بسرعةٍ بعدَ أَنْ ظَنّوه مات، ولما أَفاقَ في القبرِ استغاث، وليسَ مَنْ يُغيث، فماتَ، فخرجَتْ إِشاعَةُ أَنَّ أَهلَ القبورِ يُعَذَّبون!! \".\nبهذا التفسيرِ الساذج، الذي يدلُّ على الغَباء، يُفَسِّرُ الفادي الجاهلُ\nعذابَ القبر: شابّ أُغْمِيَ عليه، فظُنَّ أَنه مات، فدُفِنَ في قبرِه، وهناك\nاستيقَظ، فصاحَ وصَرَخَ واسْتَغاث، وماتَ الموتَ الحقيقي..\nولما سمع الناسُ صُراخَه (ولا أدري كيفَ سمعوه) أَشاعوا إِشاعةَ عَذابِ القبر!!.","vol":"1","page":486},{"text":"وكلامُ الفادي مردود، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ عذابَ القبرِ حَقّ، لأَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخبرَ بذلك، وإِذا صَحَّ الحديثُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - وَجَبَ الأَخْذُ به، والإِيمانُ بما وَرَدَ فيه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>حول ناقة صالح - ﵇ </span>-\nلما بَعَثَ اللهُ صالِحًا - ﵇ - رسولًا إِلى قومِ ثَمودَ آتاهُ الناقةَ آية، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَمَسّوها بسوء، لكنَهم لم يَستجيبوا له، ولما عَقَروها وَقَعَ بهم العَذاب..\nقال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) .\nولما أَرادَ الفادي أَنْ يتعرفَ على قصةِ الناقةِ ذَهَبَ إِلى المفسّرين\nالمولَعين بذكْرِ التفاصيلِ المستمدَّةِ من الإِسرائيليات، والتي لا دليلَ عليها من\nالكتابِ والسُّنَّة، وأَخَذَ منهم تلك التفاصيل، ثم رَدَّها وأَنكَرَها، بحجَّةِ مخالفتِها للعلمِ والعَقْل، وحَمَّلَها للقرآن، وخَطَّأَه بسببها، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بها!.\nزَعَمَ هؤلاءِ أَنَّ قومَ ثمودَ طَلَبوا من صالحٍ - ﵇ - آية، فأَخْرَجَ لهم ناقَةً من الصَّخرة، وأَخرجَ من الصخرةِ ابنَها، فآمَنَ به بعضُهم وكَفَرَ به آخرون، وكانت الناقةُ تُخيفُ أَنعامَهم، وتَشربُ ماءَهم، وهم في المقابلِ يَشْرَبون لَبَنَها، فاتَّفَقوا على قَتْلِها واقتسام لَحْمها، ولما قَتَلوها أَخْفَت الأَرضُ داخلَها ابنَها، وبعدَ ثلاثةِ أَيام وَقَعَ بهم العذابُ، وأَنْجى اللهُ صالحًا - ﵇ - إِلى فلسطين.\nوعَلَّقَ الفادي على ذلكَ بقوله: \" هل من المعقولِ أَنَّ الصخرةَ تَلِدُ ناقة؟\nوأَنَّ الناقةَ تَشربُ كُلَّ البئر، وتُطعمُ كُلَّ المدينة؟\nوهل من المعقولِ أَنه عندما تتسبَّبُ الناقةُ في أَذِيَّة المدينة بَطرْدِ الأَنعامِ شِتاءً وصَيفًا، فيذبَحُها الناس،","vol":"1","page":487},{"text":"فيُهلكُ اللهُ المدينةَ كُلَّها مقابلَ ذبْح نَاقة؟\nوهلْ من المعقولِ أَنْ تَسمعَ الصخرةُ رُغاءَ الفَصيل، فتنشقَّ ويدخلَ فيها، ويَعودَ جُزْءًا من الصخرة كما كان؟\nأَليسَ هذا أَشبهَ بحكاياتِ أَلْفِ لَيْلَةٍ ولَيْلَة؟! \" (١) .\nالواجبُ علينا أَنْ نبقى مع حديثِ القرآنِ عن ناقةِ صالح - ﵇ -، لا سيما أَنه لا يوجَدُ حَديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - يُفَصِّلُ ما أَجْملَه القرآنُ عنها، ولا يجوزُ لنا أَنْ نَذهبَ إِلى الأَساطيرِ والرواياتِ غير الصحيحة، كما فَعَلَ الفادي الجاهل!.\nلم يَقُل القرآنُ: إِنَّ الناقةَ خرجَتْ من الصخرة، وأَنَّ ابْنَها خَرَجَ منها\nبَعْدَها، ولم يَقُل القرآن: إِنّ الناقةَ كانت تُلاحِقُ وتُطارِدُ أَنعامَ ثَمود، ولم يَقُل\nالقرآنُ: إِنَّ ابْنَها عادَ إِلى الصخرةِ بعدَ ذبْحِ أُمِّه، ولم يُفَصل القرآنُ كيفيةَ ذبْحِ الناقة، ولم يَقُل القرآنُ: إِنَّ وجوهَ قومِ ثمودَ اصْفَرَّتْ في اليومِ الأَوَّلِ بعدَ ذبْح الناقة، واحمَرَّتْ في اليومِ الثاني، واسْوَدَّتْ في اليومِ الثالث.\nوبهذا تُصبحُ كلّ الأَسئلةِ الإِنكاريةِ التي أَثارَها الفادي لاغية، لأَنَّها تُوَجَّهُ إِلى التفاصيلِ الأُسطورية، ولا تُوَجَّهُ إِلى القرآن!.\nكُلُّ ما قالَه القرآنُ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ الناقةَ آيةً لقومِ ثمود، ولا نَعرفُ كيفَ\nكانَتْ آية، وأَنهم لم يَلْتَزِموا بتحذيرِ صالحٍ لهم من ذَبْحها، وأَنهم عُذِّبوا بعدَ\nثَلاثةِ أَيامٍ من ذَبْحِها!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>حول إهلاك قوم مدين</span>\nأَخبرَ اللهُ عن قصةِ قومِ مَدْيَن مع نبيّهم شعيبٍ - ﵇ -، ووردَتْ قصتُهم في أَكثرَ من سورةٍ في القرآن.\n_________\n(١) لا وجه لما استبعده هذا الفاسق الفاجر، فالكلام في عن معجزة أيد الله بها نبيه صالحًا - ﵇ - وهي أمر خارق للعادة، ومن ثَمَّ فلا وجه للاستبعاد ولا الإنكار إلا إذا تعارض مع نص الكتاب العزيز أو السنة المطهرة. والله أعلم.","vol":"1","page":488},{"text":"وقد ذَكَرَ الفادي خمسَ عشرةَ آيةً تحدثَتْ عن قصةِ قومِ مَدْيَنَ في سورةِ\nالشعراء [الشعراء: ١٧٦ - ١٩٠]، ثم ذَكَرَ كلامًا مَنْسوبًا لابنِ عباسٍ في كيفيةِ إِهلاكِ قومِ مدين، خُلاصتُه أَنَّ اللهَ بَعَثَ عليهم حَرًَّا شديدًا من جَهَنَّم، بحيثُ لم ينفَعْهم ظِلّ ولا ماء ولا سِرْداب، فَهَرَبوا إِلى البريَّة، فأَرسلَ اللهُ لهم سَحابَةً أَظَلَّتْهم، فوجَدوا لها بَرْدًا ونَسيمًا، ولما تَنادَوْا إِليها وصاروا تَحْتَها، جَعَلَها الله عليهم نارًا فأَحرقَتْهم!.\nوعَلَّقَ الفادي على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نسأل: لا نَجِدُ في الكتابِ\nالمقَدَّسِ كلمةً عن رجلٍ اسْمُه شُعَيب، أُرسلُ إِلى مَدْيَن، ولا أَنَّ مَدْيَن هلكَت\nبالنّار، وهل من المعقولِ أَنَّ سَحابة تَبعَثُ نَسيمًا عَليلًا وهَواءً طيبًا، وهي نارٌ\nحاميةٌ تَحرقُ المدُنَ فتُفْنيها؟ \".\nإِنّ الفادي المفترِي يُكَذِّبُ كلامَ القرآنِ عن نبوَّةِ شُعيبِ - ﵇ -، وعن إِهْلاكِ مَدْيَن، لأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ الذي يؤمنُ به لم يَذْكُرْ ذلك، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ شُعَيبًا - ﵇ - هو رسولُ اللهِ إِلى مَدْيَن، وأَنهم لما كَذَّبوه أَهلكَهم الله، لأَنَّ اللهَ ذَكرَ ذلك في القرآن.\nوالخلافُ بَيْنَنا وبين الفادي في المرجعية، إِنَّ مرجعيَّتَه هي ما يسمِّيه\nبالكتابِ المقَدَّس، وهو يؤمنُ بكلِّ ما وَرَدَ فيه، ويُكَذِّبُ كُلَّ ما لَم يَرِدْ فيه،\nلأَنه عنده كلامُ الله! ونحنُ لا نُؤمنُ بذلك، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا\nالتوراة، وأَنَّ النصارى حَرَّفوا الإِنجيل، فكَثيرٌ مما ذُكِرَ في أَسفارِ الكتاب\nالمقَدَّس من كَلامِ الأحبارِ والرُّهبان المشكوكِ فيها!.\nومرجعيتُنا نحنُ هي القرآن، لأَنه كلامُ الله، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به\nونصَدِّقُه، ولكنَّه يُنكرُ أَنْ يكونَ القرآنُ من عندِ الله، ولذلك يُكَذِّبُ ما وَرَدَ فيه!.\nنحنُ نؤمنُ أَنَّ اللهَ بَعَثَ شُعَيْبًا - ﵇ - نبيًّا رسولًا إِلى قومِ مَدْيَن، وأَنَّ معظمَهم كَذَّبوه وكَفَروا به، فعذَّبَهم اللهُ بالرجفةِ والظُّلَّةِ فأَهلَكَهم وقَضى عليهم.","vol":"1","page":489},{"text":"ولا دليلَ على ما ذَكَرَهُ الفادي من تَفْصيل عَذابِهم بالحَرّ، ولم يَصِحَّ هذا\nالكلامُ إِلى ابنِ عباسٍ - ﵄ -، ولذلك نحنُ لا نَقولُ به ونَرُدُّه، فلم يَبعثْ لأَهْلِ مَدْيَنَ سَحابةً منعشةً فوقَهم، نسيمُها طَيِّبٌ وظِلُّها لطيف، فلما تجمعوا تَحتَها تَحَوَّلَ ذلك النَّسيمُ إِلى لهب وتَحَوَّلَت السحابةُ إِلى نارٍ حارقة! لا نَقولُ بذلك لأنه لم يُذْكَرْ في القرآنِ الكريم، ولا في حديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nثم مَنْ قالَ: إِنَّ اللهَ عَذبَ قومَ مَدْيَن بالظُّلَّةِ (السحابةِ الباردة)، فلما\nتَجَمَّعوا تَحْتَها حَوَّلَها اللهُ إلى نارٍ حارقة؟!.\nلقد أَخبرَ اللهُ أنه أَهلكَ قَوْمَ مدينَ بالرَّجفَةِ والصيْحةِ والظُّلَّةِ:\nقالَ تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) .\nوالرَّجْفَةُ هي حركةُ الأَرضِ من تحتِهم، حيثُ زُلزلتْ ورَجفتْ وتَحركتْ\nواضْطربتْ.\nوقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) .\nوالصيحةُ هي الصوتُ العالي المدَوّي، الناتجُ عن زلزالٍ أَو انفجارٍ\nهائل.\nوقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) .\nوالظُّلَّةُ هي السَّحابة، وكانت تلك السحابةُ سحابةً بركانيةً حارقة، وليستْ\nباردةً أَو منعشة.\nوقد يَتهمُ بعضُهم القرآنَ بالتناقضِ في حديثهِ عن إِهلاكِ قومِ مَدْيَن،\nفسورةُ الشعراءِ تُخبرُ أَنَّ إِهْلاكَهم كانَ بالظُّلَّة، وسورةُ الأَعرافِ تُخبرُ أَنَّ\nإِهلاكَهم كانَ بالرجفة، وسورةُ هودٍ تُخبرُ أَنَ إِهلاكَهم كان بالصيحةِ! فبماذا\nكان إِهلاكُهم؟\nولماذا تَناقضت السُّوَرُ الثلاثُ في حديثِها عن إِهلاكِهم؟.","vol":"1","page":490},{"text":"وعند تدبُّرِ الآيات ِ في السورِ الثلاث، المتحدثةِ عن إِهلاكِهم، فإِننا لا\nنَجدُ فيها تَعارضًا أَو تَناقضًا، إِنما نَجِدُ فيها تَكامُلًا في الإِخبارِ عن ما جَرى.\nلقد كان إِهلاكُهم على ثَلاثِ.\nمراحلَ مُتدرّجةٍ مُتَعاقبة، وتحدثَتْ كُلُّ سورةٍ عن مرحلةٍ منها، ولا بُدَّ من جَمْعِ المراحلِ والخطواتِ الثلاث:\nالمرحلةُ الأُولى: في سورةِ الأَعراف..\nحيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهْلِكوا بالرَّجْفَة، وهي الزلزلة، حيث زَلْزَل اللهُ الأَرضَ من تحتِهم، فَرَجَفَتْ وتحركَتْ واضطربَتْ وانشَقَّتْ.\nالمرحلةُ الثانية: في سورة هود..\nحيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهلكوا بالصيحة، وهي الصوتُ المدَوِّي العالي، الذي يَصُمُّ الآذان من شدَّتِهِ وعُلُوِّه، وهذه الصيحةُ ناتجةٌ عن الرجفةِ والزلزلة، فلما انشَقَّتِ الأَرض، حَدَثَ انفجارٌ بركانيٌّ كبير مُدَوٍّ، وسَمعوا صوتَ ذلك الانفجارِ، فأُصيبوا بالفَزَع والهَلَع!!.\nالمرحلة الثالثة: في سورةِ الشعراء..\nحيثُ أَخبرتْ أَنهم أهلكوا بالظُّلَّة، وهي السحابةُ التي أَظَلَّتْهم، وهي ليستْ سحابةً عاديةً كباقي السُّحُب، ولكنها سحابَةٌ بركانيةٌ نارية حارقة، وهذه السحابةُ ناتجةٌ عن ذلك الانفجارِ البركانيِّ الضخْم، الذي قَضى عليهم.\nفالرجفةُ في الأَرض، أَحْدَثَتْ صيحةً مُدَوّيَةً، ونتجَ عنها ظُلَّة نارية\nحارقة.\nأَين هذا من الأَساطيرِ التي يذكُرُها الفادي، ثم يَنسبُها للقرآنِ، ويُخَطِّئُهُ\nبسببِها؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>كيف مُسخ اليهود قردة</span>؟\nذَكَرَ القرآنُ قصةَ أَصحابِ القريةِ من اليهود، الذين اعْتَدَوْا في السَّبتَ،\nوخالَفوا حُكْمَ اللهِ في تحريمِ صيدِ السَّمَكِ يومَ السَّبْتَ، ولم يَستَمِعوا لنُصْحِ","vol":"1","page":491},{"text":"إِخْوانِهم، الملْتَزِمينَ بحكمِ الله، فأَوقعَ اللهُ بهم العِقاب، وأَنجى إِخوانَهم\nالملْتَزِمين الناصحين!.\nوكانَ عِقابُهم اَيةً من آياتِ الله، حيثُ مَسَخهم اللهُ قردةً خاسِئين \" قال\nتعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) .\nونَقَلَ الفادي الجاهلُ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلامًا في تفسيرِ مَسْخِهم قردَةً،\nثم عَلَّقَ على ذلك مُنْكِرًا حُصولَه، لأَنه يتعارضُ مع العقلِ والعلمِ الحديثِ.\nقال: \" ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ نُقابِلَ إِنْسانًا مُسِخَ قِرْدًا أَو خِنزيرًا؟\nأَلا تُعَلِّمُنا الطبيعةُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ يُبْذَرُ بِذْرًا كجنْسِه؟\nأَليسَ مَنْ يَقولُ: إِنَّ القمحَ صارَ شعيرًا، وإِنَّ العِنَبَ صارَ تينًا، كمنْ يَقولُ: إِنَّ الإِنسانَ صارَ قِردًا أَو خِنزيرًا؟ \".\nوللرَّدِّ على استغرابِ الفادي وإِنكارِه نَقول: ذَهَبَ بعضُ المفَسِّرين إِلى أَنَّ\nمَسْخَ اليهود قِرَدَة، لم يَكُنْ مسخًا حقيقيًّا، أَيْ لم يَتَحَوَّلوا من بَشَرٍ إِلى قُرود،\nوِإنما مُسخَتْ أَرواحُهم وقُلوبُهم، بمعنى أَنهم تَخَلّوا عن فطرتِهم الإِنسانية،\nومشاعِرِهم واهتماماتِهم العالية، وصارُوا كالقُرودِ في الاكتفاءِ بالطعامِ\nوالشَراب.\nوممن قالَ بهذا القولِ المفسّرُ التابعي مجاهدُ بنُ جَبْر.\nولَسْنا مع الإِمام مجاهدٍ في قولِه بالمسْخ المعنويّ، ونحنُ مع جمهورِ\nالمفسّرين في أَنَ المسخَ كانَ مَسْخًا حقيقيًّا، بحيثُ حَوَّلَهم اللهُ من بَشَر آدَميّين\nإِلى قُرود، عقابًا لهم على عُدوانِهم في السبت.\nوالراجحُ أَنُ هؤلاء القُرودَ لم يُعَمِّروا طويلًا، وإِنما تُوُفُّوا بعدَ المسخِ مباشرة، فالقرودُ الموجودةُ هي حيواناتٌ حقيقية، وليستْ يَهودًا مُتحوِّلينَ إِلى قرود.\nواعتراضُ الفادي على هذا المسخ دَليلُ جَهْلِه وغَبائِه، وتَساؤُلُه في غيرِ\nمَحَلّه، والمثالُ الذي ذَكَرَهُ هنا لا يَنطبقُ على المَسخ، لأَنَّ القمحَ لا يَصيرُ","vol":"1","page":492},{"text":"شَعيرًا، والعنبَ لا يَصيرُ تينًا، في الوضع الطبيعي، لأَنَّ القمحَ قمحٌ، والشَّعيرَ شعيرٌ..\nلكن لو أَرادَ اللهُ أَنْ يَجعَل القمح شعيرًا فَعَل، فلا رادَّ لمشيئته.\nوالإِنسانُ لا يَصيرُ قِرْدًا في الوضع الطبيعي، لأَنَّ الإِنسانَ إِنْسان، والقِردَ\nقِرْد، واليهودُ سكانُ تلك القريةِ لم يَكونوا أَصلًا قُرودًا، ولم يَصيروا قُرودًا\nبرغبتِهم واختيارِهم وإِرادتِهم.\nإِنَّ اللهَ هو الذي مَسَخَهم قُرودًا، وحَوَّلَهم من بَشَرٍ إِلى قُرود، ومَنْ نَظَر\nإِليهم رآهُم قُرودًا، وكان هذا المسخُ والتحويلُ خارقةً من الخوارق، وآيةً من آياتِ الله، ولذلك لا يَدْعو الأَمْرُ إِلى الاستغرابِ والإنكار والاعتراض،\nومرجعيّتنا هي القرآنُ الكريم، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به، ونصَدقُه، وبما أَنَّ اللهَ قالَ لأولئك القومِ: كُونوا قردةً خاسئين، فقد صاروا قردةً خاسئين، لأَنَّ اللهَ يَقول: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>حول عالم الجن</span>\nللفادي المفترِي موقفٌ خاص من الجنّ، فهو يَرفضُ وُجودَ هذا العالَم\nالخَاصّ، الذي أَخبرَ عنه القرآن، ولذلك هو يُخَظَئُ القرآنَ في كلامِه عنه..\nوقد سَجَّلَ الفادي آياتٍ من سبعِ سورٍ تتحدَّثَ عن الجن: سورةُ الحجر: ٢٧، وسورةُ هود: ١١٩، وسورةُ الأَحقاف: ٢٩ - ٣٠، وسورةُ الذاريات: ٥٦، وسورةُ الجن: ١ - ١٧، وسورةُ سبأ: ١٢ - ١٣، وسورة النمل: ١٧ و٣٨ - ٣٩.\nوقالَ بعدَ تلك الآيات: \"يُخبرُ القرآنُ بوجودِ خليقةٍ غيرِ الشياطينِ اسْمُها\nالجنُّ والعَفاريت، مخلوقونَ من نارِ جهنّم، وهم يأكُلونَ ويَشربون،\nويتزوَّجون، ويَحيون ويَموتون، ومنهم المسلمونَ الذينَ كانوا يزدَحِمون حول محمدٍ عندَ قراءَتِه القرآن، وأَنهم كانوا مُسَخَّرين من سليمانَ لبناءِ الهيكل والقصور والتماثيل وغير ذلك \".","vol":"1","page":493},{"text":"وقد أَخطأَ الفادي عندما قالَ عن المادَّةِ التي خَلَق اللهُ منها الجنّ، حيثُ\nقال: \" وهم مخلوقونَ من نارِ جَهَنَّمَ \"! وكأَنه لا نارَ إِلّا نارُ جهنَّم!!.\nخَلَقَ اللهُ الجنَّ من نارِ السَّموم، لقوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) .\nولكنَّ هذه النارَ الحارةَ الحاميةَ نارٌ في الدُّنيا، وليستْ نارَ جَهَنَّمَ..\nوكأَنَّ الفادي الجاهلَ لا يَرى إِلّا نارَ جَهَنَّمَ!! إِنهما ناران: نارُ\nالدنيا المعروفَة..\nونارُ جَهَنَّمَ التي أَعَدَّها اللهُ للكافرين.\nوالنارُ التي خَلَقَ اللهُ منها الجنَّ هي نارُ الدنيا.\nوعَلَّقَ على ذلك بأَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها: \" ونحنُ نسأل: إِن كانت\nالعفاريتُ مخلوقةً من نار، وهي روحانيةٌ تَصْعَدُ وتَنزل، وتخترقُ جميعَ\nالأَماكن، فكيفَ تتزوَّجُ؟ وكيفَ تموت؟ \".\nإِنه يريدُ أَنْ يَقيسَ عالَمَ الجنِّ على عالَمِ الإِنس، فعالَمُ الإِنسِ عالَمٌ مادِّيّ\nمشاهَدٌ محسوس، يأكلُ ويَشرب، ويَتزوجُ ويَعملُ ويَتحرك..\nلكنَّ عالَمَ الجنِّ عالمٌ آخَرُ خاصٌّ، وهو عالمٌ غيبيّ، له مقاييسُه الغيبيةُ الخاصَّة، التي لا تُقاسُ على مقاييسِ عالَمِ الإِنسِ الماديّ.\nوطريقُنا إِلى معرفةِ عالمِ الجنِّ الغيبيِّ هي النَّصّ، القائمُ على آياتِ\nالقرآن، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ الله - ﷺ -، فما قالَه اللهُ عن عالَمِ الجنِّ يَجبُ قبولُه وأَخْذُهُ والإيمانُ به.\nوللإِجابةِ على تَساؤُلاتِ الفادي الجاهلِ نَقول: خَلَقَ اللهُ الجِنَّ من مارجٍ\nمن نار، وهم ذُكورٌ وإِناث، ولذلك يَتَزوَّجون ويَتَناسَلونَ ويَتكاثرون، وهم\nيَأكلونَ ويَشربون، ويَصْعَدون ويْنزِلون، ويَعْمَلون، ويَتحركون، ويعيشونَ\nويموتون..\nومنهم المؤمنودن الصالحون، ومنهم الكافرون المجرمون، وهم\nمُكَلَّفونَ مِثْلَنا بكلّ تكاليفِ الإِسلام، فمنهم مَنْ يُطيعُ ويُنفِّذُ، ومنهم مَنْ يَعصي ويُخالف..\nوليس في الإِيمانِ بِالجنِّ ما يُخالِفُ العلمَ، أَو يتناقَضُ مع العقل!.","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>حول التداوي بالعسل</span>\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ في العسل شِفاءً للناس، قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) .\nواعترضَ الفادي المفترِي على الآية، وعلى حديت لرسول اللهِ - ﵇ - بشأنِ العَسَل.\nوارتكبَ المجرمُ أَثَناءَ اعتراضِه جريمةَ التحرِيفِ والافتراء، فلما ذَكَرَ\nحديثَ رسول اللهِ - ﷺ - لم يذكُرْه كامِلًا، وإِنما اجتزأ منه ما وَظَّفَهُ ضدَّ القرآن، وحَذَفَ منه ما لا يَتفقُ مع ذلك، وأَوهم القارئَ أَنه لم يَحذفْ منه شيئًا.\nقال: \" عن قتادةَ: أَنَّ رَجُلًا جاءَ إِلى رسول اللهِ - ﵇ - فقال: إِنَّ أَخي يَشتكي بَطْنَه.\nفقال: اسْقِهِ العسل، فَذَهَبَ ثم رجعَ، فقال: قد سقَيْتُه فما نَفَعَ، فقال: اذْهَبْ واسْقِه عَسَلًا، فقد صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك \".\nوعَلَّقَ على الحادثةِ مُكَذِّبًا القرآن، ومكَذِّبًا رسول اللهِ - ﵇ - فقال: \" ونحنُ نسأَل: إِذا كانَ المريضُ لم يَنَل الشِّفاء، فكيفَ يُصَدَّق اللهُ ويُكَذَّبُ بَطْنُه؟\nوهل هذا الرَّدُّ يُبَيِّنُ صِدْقَ محمد؟\nأَمْ صِدْقَ تَأْثيرِ العَسَل؟ \".\nيُريدُ المفترِي أَنْ يُخبِرَنا أَنَّ الرجلَ لم يتمَّ شِفاء بَطنِه، رغمَ أَنه شرِبَ\nالعَسَلَ مرتَيْن، وهذا معناهُ أَنَّ العسلَ ليس فيه شفاءٌ للناس كما ذَكَر القرآن!\nولذلك كان تَعليقُ المفترِي على الحديثِ خَبيثًا، فبما أَنَّ المريضَ لم يَنَل\nالشّفاء، فكيفَ يُصَدَّقُ اللهُ وتُكَذَّبُ بَطْنُ أَخيه؟.","vol":"1","page":495},{"text":"فهل بقيَ بَطْنُ المريضِ بدونِ شِفاء؟\nأَمْ شفي بعدَ شُرْبِ العَسَلِ؟\nلِنَنْظُر: روى البخاري ومسلم عن أَبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ -: أَنَّ رَجُلًا أَتى النبيَّ - ﷺ - فقال: أَخي يَشْتَكي بَطْنَه.\nفقال: \" اسْقِه عَسَلًا! ثم أَتاهُ الثانية، فقال: اسْقِهِ عَسَلًا، ثم أَتاهُ الثالثة، فقال: اسْقِهِ عَسَلًا.\nثم أَتاهُ، فقال: قد فَعَلْت!\nفقال: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك.\nاسْقِه عَسَلًا..\nفسَقاهُ فَبَرَأ \".\nأُصيبَ ذلك الرجلُ بمرَضٍ في بطْنهِ، حيثُ أُصيبَ بالإِسهال - (استطلَقَ\nبطْنُه) في روايةٍ ثانيةٍ للحديث - ومعلومٌ أَنَّ المصابَ بالإِسهال يُمْنَعُ عنه الشَرابُ الحُلْو، والعَسَلُ شَرابٌ حلو.\nفلما ذَكَرَ أَخو الرجلِ الأَمْرَ للنبيِّ - ﷺ -، طَلَبَ منه\nأَنْ يَسقيَه عَسَلًا، على اعتبارِ أَنَّ في العسلِ شِفاءً، ولكنَّ إِسهالَ الرجلِ ازداد، فأَمَرَ النبيُّ - ﷺ - أَنْ يُسقى عَسلًا للمرةِ الثانية، ثم للمرةِ الثالثة، ولكنَّ الإِسهَال لم يتوقَفْ بل ازداد.\nفأمَرَ النبيُّ - ﷺ - أَنْ يُسقى عَسَلًا للمرةِ الرابعة، وقال للرجل: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك!..\nفلما أُسقيَ العسلَ للمرةِ الرابعة بَرأَ!!.\nوكأَنَّ الرسول - ﷺ - يُريدُ أَنْ يَقول للرجل: لقد أَخبرَ اللهُ أَنَّ في العسلِ شِفَاءً للناس، وهو صادِقٌ في إِخبارِه، وبَطْنُ أَخيك كاذب، لأَنه لم يَشْفَ بعدَ شُرْبِ العسلِ ثَلاثَ مَرّات، ولا بُدَّ أَنْ يَشفى! ولعلَّ السببَ في أَنَّه لم يَشْفَ إِلّا في المرةِ الرابعةِ أَنَّ الميكروباتِ المسبِّبَةَ للإِسهال كانت متمكِّنَةً من بَطْنِه، فاحتيجَ إِلى جرعاتٍ كثيرةٍ من العسل للقَضَاءِ عليها.\nوتُعْجِبُكَ الثقةُ المطلقةُ من الرسول - ﷺ - بالقرآن، بحيثُ أَيْقَنَ يَقينًا جازمًا أَنَّ العسلَ لا بُدَّ أَنْ يشفيَ للرجلِ بَطْنَه بإِذْنِ الله، وبما أَنَّ بَطْنَه لم يتجاوَبْ مع العسل فهو كاذب! وقد بَرَأَ الرجلُ بعدَ ذلك، لما قضى العسلُ على المسبِّبِ للإِسْهال.\nونحنُ نَقْتَدي برسولِ الله - ﷺ - في تصديقِنا المطلَقِ بالقرآن، فنقول: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الفادي المفتري! ففي العَسَلِ شِفاءٌ للناس.\nوبقيَ أَنْ نُشيرَ إِلى أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ: إِنَّ العسلَ شفاءٌ لكلِّ الأَمراض،\nإِنما ذَكرَ أَنه شِفاءٌ لبَعْضِ الأَمراض: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)، ولو كانَ العسلُ شِفاءً لكُلِّ الأَمراضِ لقال: \" هو الشِّفاءُ للناس \"! (١) .\n_________\n(١) من الأمراض ما يحتاج إلى تكرار الدواء - حسب حالة المريض - وليقرأ هذا الفاسق الكذوب الأبحاث العلمية المتعلقة بعسل النحل.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>أين شهود الإسراء والمعراج</span>؟\nوَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ قولِ اللهِ وَبَئ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) .\nونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَةَ حادثةِ الإِسراءِ برسولِ الله - ﷺ - من المسجدِ الحرامِ في مكةَ إِلى المسجدِ الأَقصى في بيت المقدس، ثم عروجِه إِلى السمواتِ العُلى، ثم عودَتِه إِلى مكة، واستغرابِ المشركين الحادثة، وتصديقِ المؤمنين بها.\nوعَلَّقَ على ذلك بقولِه: \" ونحنُ نسأل: مَنْ هم شُهودُ معجزةِ الإِسراءِ\nالمحمدية؟\nإِنَّ من شروطِ المعجزةِ أَنْ تكونَ أَمامَ شُهود، وأَنْ تَكونَ ذاتَ\nفائدة، وهذا ما لا يتوفَّرُ للإِسراءِ والمعراج، كما أَنَّ المسجدَ الأَقصى لم يكنْ\nمَوْجودًا زمنَ محمد، بل بُنِيَ بعدَ موتِه بنحوِ مئةِ سنةِ، فكيفَ صَلّى فيه وَوَصَفَ أَبوابَه ونوافذَه؟! \".\nيُكَذِّبُ المفترِي الحادثة، ويُنْكِرُ وُقوعَها، ويُخَطِّئُ القرآنَ في حديثهِ عنها،\n- لأَنَّها تَتَعارَضُ مع العقلِ والعلمِ في زَعْمِه، إِذ كيفَ يَنتقلُ إِنسان قبلَ خمسةَ\nعشرَ قَرْنًا من مكةَ إِلى القُدس، بدونِ وسيلةِ نَقْل، ثم يَصعَدُ إِلى السماء، ثم\nيَعودُ إِلى مكة، في جزءٍ من الليل؟.\nونقولُ له: نَعَمْ. الأَمْرُ مُستحيل! أَنْ يَنتقلَ شخص من مكةَ إِلى القدس،\nثم يَصعَدَ إِلى السماء السابعة، ثم يهبطَ من السماءِ السابعةِ إِلى القُدس، ثم\nيعودَ إِلى مكة، بدونِ وسيلةِ نَقْل!! ولو زَعَمَ أَحَدٌ أنه فعلَ ذلك بنفسِه لحكَمْنا\nعليه بالكذب!.\nوالرسولُ - ﷺ - لم يَدَّعِ ذلك، والقرآنُ لم ينسبْ ذلك لرسولِ - ﷺ -.","vol":"1","page":497},{"text":"فإِذا كانَ الحَدَثُ قد تَمَّ بأَمْرِ الله، القادرِ على كُلِّ شيء، فليس فيه ما\nيَدْعو إِلى الاستغراب أَو الاعتراضِ أَو التكذيب، لأَنَّ اللهَ فَعّالٌ لما يُريد، ولا\nيُعجزُه شيءٌ في الأَرضِ ولا في السماء.\nأَسندَ القرآنُ الحادثةَ إِلى اللهِ سبحانَهُ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ...)، فاللهُ هو الذي أَسْرى بعبدِه محمدٍ - ﷺ -، ثم عَرَجَ به إِلى السماء، ثم أَعادَهُ إِلى مكة، ولا يُسْتَبْعَدُ صدورُ ذلك الحدَثِ عن اللهِ العليِّ العظيم.\nوإِنكارُ الفادي المفترِي للحَدَث، تكذيبٌ منه للهِ وللرسولِ - ﷺ - وللقرآن، وهذا كُفْرٌ منه بالله - ﷿ -.\nأَمّا نحنُ فإننا نؤمنُ أَنَّ الحَدَثَ وَقَع، كما أَخْبَرَ اللهُ عنه.\nومن أَدِلَّةِ الفادي على عَدَمِ وُقوعِ حادثةِ الإِسراءِ والمعراج عَدَمُ وُجودِ\nشُهود، شاهَدوا الرسولَ - ﷺ - عندَ إِسرائِه ومِعْراجِه، ومن شروطِ المعجزةِ عندَه حتى يُؤْخَذَ بها أَنْ يشاهدها الناسُ ويَشْهَدوا عليها!.\nولا أَدري من أَيْنَ جاءَ المفترِي بهذا الشَّرْط! فهناكَ مُعجزاتٌ شاهدَهَا\nأُناس، وهناك معجزات لم يُشاهِدْها أَحَد.\nإِنَّ نُزولَ جبريلَ بالوحي على أَيّ رسولٍ من رسلِ اللهِ معجزةٌ شخصية، لم يُشاهِدْها أَحَد، ومع ذلك آمَنَ بها المؤمن!.\nويكفي لثُبوتِ المعجزةِ عندنا ذِكْرُها في القرآن، أَو فيما صَحَّ من حديثِ\nرسولِ الله - ﷺ -.\nفصحةُ النقل عندَنا هي شرطُ المعجزة، وبما أَنَّ معجزةَ\nالإسراءِ والمعرَاجِ مذكورةٌ في القرآنِ والسنة فنُثبتُ وُقوعَها ونَجزمُ بذلك.\nوخَطَّأَ المفترِي القرآنَ في ذِكرِه المسجدَ الأَقصى: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا ...) .\nفكيفَ يجعلُه مَسْجِدًا ولم يكنْ له وجودٌ ليلةَ الإِسراء، وكيفَ يكونُ رسولُ - ﷺ - قد صَلّى فيه، ورأى أَبوابَه ولم يَكُنْ مَبْنِيًّا، لأَنه بُنِيَ في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك؟.\nوتَخطئَتُه دَليلُ جهْلِه فلم يكنْ بِناءُ المسجدِ الأَقصى زمنَ الوليدِ بنِ\nعبدِ الملك، وإِنما كانَ بناؤُه قبلَ الإِسلامِ بمئاتِ السّنين.","vol":"1","page":498},{"text":"الراجحُ أَنَّ الذي بَنى المسجدَ الأَقصى هو إِبراهيمُ - ﵇ -، وقد أَخْبَرَنا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنَّ أَوَّلَ مسجدٍ بُنِيَ هو المسجدُ الحرام، وأَنّ الثاني هو المسجدُ الأَقصى..\nروى مسلم عن أَبي ذَر الغفاريِّ - ﵁ - قال: قلْتُ: يا رسولَ الله!\nأَيُّ المساجِدِ بُنِيَ أَوَّلًا؟\nقال: \" المسجدُ الحرام \".\nقلت: ثم أَيّ؟\nقال: \" المسجدُ الأَقصى \".\nقلتُ: كم بَيْنَهما؟\nقال: \" أَربعونَ سَنَة! \".\nوأَوَّلُ مَنْ بنى المسجدَ الحرامَ هو إِبراهيمُ وابنُه إِسماعيلُ - ﵉ -.\nقال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) .\nفإذا كانَ إِبراهيمُ هو باني المسجدِ الحرامِ يكونُ هو الذي بنى المسجدَ الأَقصى بعدَ ذلك بِأَربعينَ سَنَة!.\nوقد عَدَت العوادي على المسجدِ الأَقصى بعدَ ذلك، وتَأَثَّرَ بالأَحداث،\nفَهُدِمَ، ثم أُعيدَ بِناؤُه، ثم هُدِمَ، ثم أُعيدَ بِناؤُه ...\nومن الذين أَعادوا بناءَه بعدَ ذلك النبيُّ الملكُ سليمانُ بنُ داود عليهما\nالصلاة والسلام، حيث جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقْصى، ولم يَبْنِ الهيكلَ المزعوم،\nالذي يزعُمُه اليهود.\nفلما أُسريَ برسولِ الله - ﷺ - كان المسجدُ الأَقصى مُتَهَدِّمًا، ولكنْ كانَتْ بعضُ معالِمه وأَطلالِه موجودة، فالأَرضُ هي أَرضُ المسجِد، وبعضُ حجارتِه مُتَناثرَة عليها، وبعضُ جدرانِه وأَعمدتِه موجودة، وبعضُ أَبوابِه موجودة، ولكنَّ البناءَ مُتَهَدِّم..\nولما نَزَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عن \"البُرَاقِ \" - الدابَّةِ التي ركبَها في الإِسراء - رَبَطَهُ في حلقةِ بابِ المسجدِ الأَقصى، حيث كانَ الأَنبياءُ يَربطونَ دوابَّهم، وصَلَّى في المسجدِ بالأَنبياء، الذين جَمَعَهم اللهُ له.\nوعند الفتحِ الإِسلاميِّ لبيتِ المقْدِس كانت أَطلالُ المسجدِ قائمة، ولما\nدَخَلَ عمرُ بن الخطاب - ﵁ - القدسَ وَقَفَ على أَطلالِ المسجدِ وصارَ يُنَظِّفُه..\nثم بنى الخليفةُ الأَمويّ الوليدُ بنُ عبدِ الملك المسجدَ الأَقصى.\nأَوْ قُلْ: جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقصى الذي بَناهُ إِبراهيمُ - ﵇ - من قبل.","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>حول مهمة الهدهد زمن سليمان - ﵇ </span>-\nتَحدثَتْ آياتُ سورةِ النملِ عن قصةِ سليمانَ - ﵇ -، وأَخبرتْ أَنه وَرِثَ أَباهُ داودَ - ﵇ - في النبوَّةِ والملك، وأَنَّ اللهَ عَلَّمَهُ منطقَ الإِنسِ والجِنِّ والطيرِ والحَشَرات، وكانَ جنودُه من الإِنسِ والجِنِّ والطير، فَسارَ بهم يومًا حتى أَتَوْا على وادي النَّمل، وسمعَ سليمانُ - ﵇ - نملةً تنصحُ باقي النملِ، أَنْ يَدخُلوا مساكنَهم تحتَ الأَرض، لئلا يَحطمَهم جنودُ سليمانَ وهم لا يَشْعُرون!\nولما سمعَها سليمانُ - ﵇ - تَبَسَّمَ ضاحِكًا من قولها..\nثم تفقدَ الطيرَ في جيشِه، فلم يَجد الهدهدَ، فهدَّدَه بالعذابِ إِنْ لم يُبَرّرْ غيابَه، ولما عادَ الهدهدُ أَخبرَ سليمانَ - ﵇ - عن مملكةِ سبأ وملكتِها وعرشِها، وإِشراكِ أَهْلها بالله، فأَرسلَ سليمانُ معه رسالةً إِلى ملكةِ سَبَأ، يطلبُ منها الإِيمانَ بِه، والإِسلامَ معه للهِ ربِّ العالَمين، ولما استشارت الملكةُ قومَها، ووكلوا الأَمْرَ إِليها، قَرَّرَتْ أَنْ تُرسلَ هديةً رشوةً لسليمان، ولما وصلتْ إِليه ردَّها وهَدَّدَ القومَ بغزوِ بلادهم، وطلبَ من رجالِ حاشِيتِه أَن يُحْضِروا له عرش ملكةِ سبأ، فعرضَ عفريت من الجنِّ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبلَ أَنْ يقَومَ سليمانُ من مقامِه، وعَرَضَ الذي عنْدَه علم من الكتابِ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبل أَنْ ترمش عينُه، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى رأى سليمانُ - ﵇ - عرش ملكةِ سبأ أَمامَه، فحمدَ اللهَ على ذلك.\nولما توجَّهتْ ملكةُ سبأ إِلى سليمانَ طلبَ أَنْ يُنَكِّروا لها عَرْشَها، ولما رأَتْه سُئلَتْ: أَهكذا عرشُكِ؟\nقالتْ: كأَنَّه هو.\nوأَعَدَّ سليمانُ - ﵇ - لها مفاجأةً أُخرى، حيث جعلَ\nلها بركةَ ماءٍ مغطاةً بالزُّجاج، ولما طُلِبَ منها اجتيازُ البركةِ حَسِبَتْها لجةَ ماء،\nفكشفَتْ عن ساقَيْها فقيل لها: إِنّه صَرْحٌ من زجاج!!\nعند ذلك اعترفَتْ لسليمانَ بالنصرِ والقوة، وقالَتْ: رَبّ إِنّي ظلمْتُ نفسي وأَسْلَمْتُ مع سليمانَ للهِ ربِ العالمين.\nوتحدثَتْ عن قصةِ سليمانَ - ﵇ - مع النملةِ والهدهدِ وملكةِ سبأ\nآياتُ سورةِ النمل: (١٥ - ٤٤) .","vol":"1","page":500},{"text":"واعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في إخباره عن ذلك، واعتبرَه\nيَتعارضُ مع العقل.\nقال: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ يتصوَّرُ عاقلٌ أَنْ تكونَ حاشيةُ\nسليمانَ الملك من الجنِّ والطُّيور؟\nوكيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حكمةً وعلمًا، ويتحدّى سليمانَ قَائلًا: أَحطتُ بما لم تُحِطْ به، وجئْتُكَ من سبأ بنبأ عظيم؟\nوكيفَ يهجو الهدهدُ عِبادَةَ الأَوثانِ ويمتدحُ الوحدانية؟\nوكيفَ يقوم الهدهدُ بدوْرِ المراسلة؟\nوكيفَ يتصرفُ الهدهدُ في مملكة سليمان تَصَرُّفًا يفوقُ تَصرُّفَ\nالملوكِ والوزراءِ والفلاسفة؟ \".\nزعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ جَعَلَ حاشيةَ سليمانَ - ﵇ - مكوَّنَةً من الجنّ والطيور، واعتبرَ هذا كلامًا لا يُصدِّقُه عاقل! وهو بهذا يُكذِّبُ قولَ الله - ﷿ -: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) .\nولم يَجعل القرآنُ حاشيةَ سليمانَ من الجِنّ والطيورِ فقط، والكلامُ في\nالآيةِ عن جَيْشِ سليمان، حيثُ كانَ مُكَوَّنًا من \" الجِنِّ والإِنْسِ والطير \".\nولا غَرابَةَ في هذا، فاللهُ أَخْضَعَ له الجنّ، وجَعَلَهم يُنَفّذونَ أَمْرَه، واللهُ عَلَّمَه لُغَةَ الجنِّ والطيرِ! فالأمْرُ أَمْرُ الله، وليس على اللهِ شيءٌ غريب، فهو الفَعّالُ لما يريدُ، سبحانه.\nوحَديثُ القرآنِ عن الهدهد لا يَدْعو للاستغراب، وليسَ فيه ما يتناقَضُ\nمع العلمِ والعقل، وأسئلةُ المفترِي حولَه مردودَةٌ عليه!\nفالهدهدُ طائرٌ من خَلْقِ الله، مؤمنٌ بالله، مُسَبِّحٌ بحمدِ الله، كَباقي المخلوقاتِ الِحية التي خلَقها اللهُ مُسَبّحَةً ساجدةً له.\nقالَ الله - ﷿ -: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .\nوقالَ أيضًا: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) .\nوهذا الهدهدُ المؤمنُ باللهِ جَعَلَ اللهُ عندَه بعضَ العلمِ والحكمة، وبعضَ","vol":"1","page":501},{"text":"الجهدِ والاهتمامِ، وبعضَ الفهمِ والإِدراك، وبعضَ الحرصِ في الدعوةِ إِلى الله، وكانَ هذا معجزةً من اللهِ، جعلَها في هذا الطائر، ومَيَّزَهُ بهذا عن باقي\n\" الهَداهِدِ \" الطيورِ، ليقومَ بهذه المهمةِ الخاصَّةِ، ويَكتشفَ مملكةَ سبأ، لتدخُلَ بعد ذلك في الإِسلام! لقد أَرادَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يَعرفَ سليمانُ - ﵇ - مملكةَ سبأ عن طريقِ ذلك الهدهد، وليس عن طريقِ الوحيِ المباشر ...\nوأَخبرَنا اللهُ عن مهمةِ الهدهدِ ودوْرِه في الدعوةِ إِلى الله، ليكونَ هذا عبرةً لنا، وليوجِدَ عندَنا نوعًا من الباعثِ على الدعوة، والاقتداءِ بذلك الهدهدِ الداعية!.\nولم يكن الهدهدُ أَكثرَ علمًا وحكمةً من سليمانَ - ﵇ -، فكلامُ الفادي عنه باطل، وذلك عندما تَساءَل: \" كيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حِكْمَةً وعلمًا؟! \".\nسليمانُ رسولٌ كريمٌ ﵊، وهو الأَكثرُ عِلْمًا وحكمة، وعِلْمُ الهدهدِ خاصٌّ بمملكةِ سَبَأ! وعَلَّمَهُ اللهُ ذلك ليتعلَّمه سليمانُ - ﵇ -، فهو وسيلةٌ ربانيةٌ لتعليمِ سليمانَ - ﵇ -.\nوقالَ المفترِي الجاهل: \" كيفَ يَتَحَدّى الهدهدُ سليمانَ قائلًا: أَحطتُ بما\nلم تُحِطْ به.. \"؟\nولا أَدري كيفَ فهمَ الفادي تَحَدّي الهدهدِ لسليمانَ - ﵇ -،\nعندما أَخْبرَهُ عن مملكةِ سبأ، وهو المهَدَّدُ بالتعذيبِ لغيابِه؟\nقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) .\nإنَّه يُخاطِبُ سليمانَ - ﵇ - بافتخارٍ واعتزاز، وليسَ بتَحَدٍّ وتَكَبُّر، ويُخبرُهُ أَنَّ اللهَ عَلَّمَه عِلْمًا لم يُعَلِّمْه سليمانَ - ﵇ -: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ)، ولم يُنكرْ سليمانُ - ﵇ - عليه قولَه، ولم يُعاقِبْه عليه، وهو القائِدُ الحازم، لأَنه فهمَ الإِشارةَ من الهدهد، فعليه أَنْ \" يَتَواضَعَ \" بينَ يديه، وهو النبيُّ المعَلِّمُ - ﵇ -، ويَعترفَ بقُصورِ عِلْمِه، فاللهُ أَعطى الهدهدَ عِلْمًا لم يُعْطِه منه وهو النبي!!.\nويَستغربُ الفادي من ذَمِّ الهدهدِ لشركِ ملكةِ سبأ وقومِها بالله، وعبادتِهم","vol":"1","page":502},{"text":"للشمسِ من دونِ الله، فلم يَستوعبْ عَقْلُه \" الصغيرُ \" فهمَ طائرٍ للإِيمانِ والشرك، ودعوتِه إِلى وحدانيةِ اللهِ والسجودِ له وحْدَه! ولقد قُلْنا: إِنه هدهدٌ خاصٌّ، عَلَّمَهُ اللهُ وفَهَّمَه بتعليمٍ وتفهيم خاص، وأَخْبَرَنا عن بيانِه الدعويّ في قولِه تعالى: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) .\nونقول: لقد كانَ هذا الهدهدُ المؤمنُ أَكثرَ عِلْمًا من الفادي المفترِي،\nوأَعمقَ إِيمانًا وتَوحيدًا لله منه، فهذا الفادي المتعالمُ المتفلسفُ لا يَتبعُ الحَقَّ\nالموجودَ في الإِسلام، ويُصِرُّ على الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثة: الآبِ والابنِ\nوالروحِ القُدُس، ويجعلُ المسيحَ - ﵇ - ابْنًا لله، وها هو الهدهدُ يَدْعو إِلى توحيدِ اللهِ بهذا المنطقِ الدعويّ الرائعِ، وهذا الحماسِ الإيمانيِّ المؤَثِّر!!\nويتساءل الفادي الجاهلُ بإِنكار؟ \" كيفَ يَقومُ الهدهدُ بدوْرِ المراسَلَة؟! \".\nوقد سبقَ أَنْ قُلْنا: إِنه هدهدٌ خاصٌّ، عَلَّمَه اللهُ ومَيَّزَهُ عن باقي الطيور، ومَكَّنَهُ من أَنْ يَقومَ بمهمتِه الدعويةِ في مملكةِ سبأ، فَحَمَلَ الرسالةَ الخاصة، وقَطَعَ المسافَةَ الطويلة، وأَلقى الرسالةَ إِلى ملكةِ سَبَأ، وتوقَّفَ عندَ قَصْرِها يُراقبُ ويَرصد، ويَرى ماذا سيكون رَدُّ فعْلِها هي وقومُها! إِنه ليسَ مجرَّدَ طائر، ولكنّه هدهدٌ خاصّ، جعلَ اللهُ فيه فهمًا وإدراكًا خاصًّا!! وقد أَخبرَ اللهُ عن مهمةِ الهدهد، والكتاب الذي حَمَلَه.\nقال تعالى: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) .","vol":"1","page":503},{"text":"ولا تَدُلُّ مهمةُ الهدهدِ الدعويةُ على أَنَه أَعلى منزلةً من كُلِّ الوزراءِ عند\nسليمان - ﵇ -، وكان الفادي غبيًّا في تَساؤُلِه: \" وكيفَ يتصرَّفُ الهدهدُ في مملكةِ سليمانَ تَصرُّفًا يَفوقُ تَصَرفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة؟! \".\nفمن غيرِ المعقولِ أَنْ يُعَيِّنَ سليمانُ - ﵇ - الهدهدَ الطائرَ وَزيرًا عنْدَه، مَسؤولًا عن الوزراءِ البَشَر..\nكلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ هذا الهدهدَ قامَ بمهمةٍ دعويَّة، أَعانَهُ اللهُ على القيامِ بها، ووفَّقَهُ إِليها، ونتجَ عنها دخولُ ملكةِ سبأ وشعْبِها في الإِسلام، ومتابعةِ النبيِّ الملكِ سليمانَ - ﵇ -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان</span>؟\nتحتَ عنوان: \" دابةٌ بينَ الأَنبياء \" اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن\nالدابَّةِ التي تَخرجُ في آخِرِ الزمان، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) .\nوقد نقلَ الفادي من تفسير البيضاويِّ كَلامًا عن الدابةِ، يَذكرُ فيه كيفيةَ\nومَكانَ خروجِها، ويُقَدِّمُ لها بعضَ المواصفات، ويَنسبُ لها بعضَ الأَعمالِ\nعند خُروجِها، وبعضُ ذلك الكلامِ مَسْنَدٌ إِلى رسولِ الله - ﷺ -.\nثم عَلَّقَ على ذلك بقوله: \" ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ نتصوَّرَ دابَّةً\nلها أَربع قوائمَ مثلُ الحيوان، وريشٌ وزغبٌ وجناحان مثلُ الطيور، وتتكلمُ مثلَ الإِنسان، وتعظُ مثلَ الأَنبياء، بسلطانِ موسى، وحكمةِ سليمان، وأَنها تحتفظُ بعصا موسى وخاتمِ سليمان؟! \".\nالمشكلةُ عنْدَ الفادي المفترِي هي جَهْلُه وغَباؤُه، وعدمُ اعترافِه بذلك،\nوادِّعاؤُه العلمَ والمعرفة، وتعالُمُ الجاهلِ جريمةٌ مزدوجة، جَمَعَ فيها بينَ\nالجهلِ والتَّعالُم!.","vol":"1","page":504},{"text":"لم يقف الجاهلُ عند - حديثِ القرآنِ عن الدَّابّة، وذهبَ إِلى بعضِ الكتبِْ\nالتي لا تتحرَّى الصحيحَ فيما تَذْكُر، وتَجمعُ كُلَّ ما وصلَ إِليها من أَخبارٍ\nوروايات، ولو لم تصحّ، وأَخَذَ منها تلكَ الخرافاتِ التي نرفضها نحنُ أَيضًا،\nوحَمَّلَها للقرآنِ، وأَدانَه وخَطَّاَه بسببِها!.\nلم يصحّ حديثٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - حولَ الدّابّةِ وخُروجِها وصِفاتِها وأَعمالِها، ونتوقَّفُ في الرواياتِ غيرِ الصحيحة التي تحدَّثُ عنها، والتي ذَكَرَها بعضُ المفسِّرين سامَحهم الله، ولا نَعتمدُها لعدمِ ثُبوتِها.\nوهذا معناهُ أَنْ نبقى مع القرآنِ في إِشارتِه لها، ولا نَزيدُ عليه شيئًا آخَر.\nونقولُ للفادي الجاهل: ليس في كلامِ القرآنِ عِن الدَّابّة ما يَتَعارَضُ مع العقلِ\nوالعلم، لأَنَّ اللهَ هو الذي سيخلقُ هذه الدابة في آخرِ الزمان، قُبيلَ قيامِ\nالساعة، وسيجعلُ لها مهمَّةً خاصَّة، وبما أَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه، والفعلَ فعلُه\nسبحانَه، فلا غرابةَ فيه، ولا اعتراضَ عليه.\nيُخبرُ اللهُ أَنه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ):\nأَي اقتربَ وقْتُ تحقُّقِ ما أَخبرَ اللهُ عنه، وَوَعَدَ الناسَ به، وهو قربُ انتهاءِ الحياةِ الدُّنيا، وقيامِ الساعة.\n(أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ): اللهُ هو الذي سيُخرجُ للناسِ تلك الدابة،\nوهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانَه، ولا يُعجزُهُ أَيُّ شيءٍ في الأرضِ ولا في\nالسماء.\nولقد أَبهمَ القرآنُ صفال الدابَّة، فلم يذكُرْ عنها شيئًا، واكتفى بذكْرِ كلمةِ\n\" دابّة \" نَكِرَة، وتَنكيرُها لإِبهامِها، وهذا التنكيرُ دعوةٌ لنا لعدمِ الخوضِ في\nالدابة، وعدمِ محاولةِ معرفةِ ذلك.\nلعدمِ وجودِ دليلٍ عليه، ولعدمِ تَحَقُّقِ الفائدةِ منه.\nوهذه الدابَّةُ سيُخرجها اللهُ من الأَرض، بدونِ تَحديدِ مَكانِ خُروجها أَو\nكيفيةِ خروجِها.\nوهذه الدابةُ ستكلمُ الناسَ الأَحياءَ وَقْتَ خُروجِها: (تُكَلِّمُهُمْ)، واكتفى","vol":"1","page":505},{"text":"القرآنُ بذكْرِ أَنَّ الدابةَ ستكلمُ الناس، ونَبقى عندَ حديثِ القرآنِ عن كلامِها، ولا نُجاوزُهُ إِلى غيره، فهي ستكلمهم والسّلام! ولا نَعرفُ كيفَ تُكلمُهم، ولا بأيّ لغة ستكَلّمُهم، ولا بأَيّ جزءٍ من جِسْمِها ستكلّمُهم، ولا كيفَ سيسمَعون كلامَها، فعِلْمُ ذلك كلّه عندَ اللهِ وحدَه!.\nواللهُ الذي خَلَقَ الدابَّة، وأَخرجَها من الأَرضِ، هو الذي جَعَلَها تتكلَّم،\nوبما أَنَّ الدابَّة لا تتكلمُ بقدرتِها الذاتية، وإِنما بأَمْرِ اللهِ، فلا غرابةَ في ذلك.\nواللطيفُ أَنَّ القرآنَ الذي أَبهمَ الكلامَ عن صفاتِ وأَعمالِ الدابة، أَخبرَ\nعن ما سَتُكَلِّمُ الدابةُ الناسَ به، وما ستَقولُه لهم: (تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) .\nأَيْ: أَنَّ الناسَ يَكْفُرون بآياتِ الله، ويُنكرونَ ما أَخبرتْ عنه\nتلكَ الآيات، ومن ذلك بَعْثُ الناسِ بعدَ الموت، وإِخبارُ الدابة بذلك قُبيلَ\nقيامِ الساعة من بابِ ذَمّ الكفارِ الموجودين عند خروجها، لأَنهم ذاهبون إِلى\nالموت، ثم البعثِ بعده!.\nوبهذا نَعرفُ غَباءَ الفادي الجاهلِ في أَسئلتِه التي اعترضَ بها على\nالقرآنِ، في إخباره عن الدابة، ونعرفُ سفاهَتَه في عنوانِه: \" دابَّة بين الأَنبياء \"، فمنْ قالَ: إِنَ تلك الدابةَ ستكونُ بين الأَنبياء؟\nومَن الذي جمَع بين الدابةِ الحيوان وبينَ الأَنبياءِ الذين هم أفضلُ الناسِ عندَ الله؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>حول موت سليمان - ﵇ </span>-\nاعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن موتِ سليمانَ - ﵇ -، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه: \" مَيِّت يتوكَّأُ على عَصا مدةَ سَنَة \"!.\nقالَ اللهُ عن وفاةِ سليمانَ - ﵇ -: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) .","vol":"1","page":506},{"text":"أَخبرَ اللهُ أَنه لما قَضى على سليمانَ - ﵇ - الموتَ وَحانَ أَجَلُه، تَوفّاهُ اللهُ وقبضَ روحَه، ولم يَعْلم الجنُّ بوفاتِه إِلّا بعدَ أَنْ أَكلتْ دابَّةُ الأَرضِ مِنْسَأَتَه، وهي عصاهُ التي كان يستعملُها، فبعدَما أَكلتْ دابَّةُ الأَرض عَصاه، خَرَّ سليمانُ - ﵇ - على الأَرض، وسَقَطَ جثةً هامدة، ففوجئَ الجِنُّ بذلك وثبتَ لهم أَنهم لا يعلمونَ الغيب، فلو كانوا يَعلمونَ الغيبَ لعَرَفوا بموتِه.\nوذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ليأخذَ منه تفسيرَ الآية، وأَخَذَ منه\nكَلامًا لم يَثبت، وقَدَّمَ تفصيلاتٍ لموتِ سليمان - ﵇ - ليس عليها دليلٌ صحيح.\nتقولُ تلك الروايات: \" بَدَأ داودُ - ﵇ - بناءَ الهيكلِ في بيتِ المقْدِس، لكنّه ماتَ قبلَ إِتمامِ البِناء، فتولَّى ابنهُ سليمانُ - ﵇ - إِتمام البناء، واستخدم الجنَّ في البناء، وكانَ شَديدًا عليهم، ودَنا أَجلُه، وخشيَ إِنْ ماتَ قبلَ إِكمالِ البناء، أَنْ يتوقَّفوا عن العمل، فأَمرهم أَنْ يَبْنوا له بَيتًا من زُجاج، ليسَ له باب، ودَخَلَ سليمانُ البيتَ الزجاجي، وقامَ يُصلّي وهو مُتَّكِئٌ على عصاه، وهم يَعمَلونَ في البناء..\nومات وهو متكئٌ على عَصاه، وهم يرونَه يَنظرُ إِليهم.\nوبقيَ مُتَّكئًا على العَصا حتى أَكَلَتْها الأَرَضَةُ، عند ذلك سَقَطت العصا، فخرَّ على الأَرض، ولما حَسَبَ الجنُّ الزمنَ وَجدوه قد مات قبلَ سنة، فتعَجَّبوا! \".\nوعَلَّقَ الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ يَموتُ\nسليمانُ الملك، ويَستمرُّ سَنَةً دونَ أَنْ يَعلمَ به أَحَد؟\nأَينَ نساؤُه؟ وأَينَ أَولادُه؟ وأَينَ حاشيتُه؟ وأَينَ شعبُه؟\nألا يوجَدُ واحدٌ من هؤلاء يَسأَلُ عنه؟\nوهل يتصوَّرونَه قائمًا يُصَلّي على عَصاهُ سَنَةً كاملةً، بدونِ نومٍ ولا أكلٍ ولا شربٍ ولا اسْتِحْمام؟\nوكيفَ لما ماتَ على عَصا لم يَسْقُط؟\nأَلم يتحلَّلْ جسدُه ويُصِبْهُ النَّتنُ والتَّعفنُ؟\nولما أَكلت الأَرَضَةُ جُزْءًا من العصا أَلَمْ يختلّ توازُنُه ويَسْقُط؟\nأَليس تآكلُ العَصا في يوم يَكفي لسقوطِ الميتِ، كتآكُلِها إِلى آخِرِها لمدةِ سَنَة؟\nوإِذا كان سليمانُ قد بنى على نفسِه صَرْحًا من قواريرَ لِيُعَمِّي عينَ الإِنسِ والجنِّ عن موتِه، فلماذا لم يَعلمْ مُقدَّمًا الدور الذي ستَلْعبُه الأَرَضَة؟ \".","vol":"1","page":507},{"text":"الأَسئلةُ التي يُثيرُها الفادي هنا وجيهةٌ ومَعْقُولة، نحنُ معه في إِثارتِها،\nولكنَّها لا تُوَجَّهُ إِلى القرآنِ في حديثِه عن موتِ سليمانَ - ﵇ -، وإنما تُوَجَّهُ إِلى تلك الأَسطورةِ، التي صَوَّرَتْ موتَ سليمانَ - ﵇ - بهذه الصورةِ غير المعقولة، والتي يرفضُها كُلُّ عاقل.\nإِنَّ هذه الأَسطورةَ التي أَخَذَها الفادي من تفسيرِ البيضاوي، والتي أَخذَها\nالبيضاويُّ من بعضِ التفاسيرِ السابقة، التي لا تَتَحَرّى الصحةَ فيما تُورده، هذه الأَسطورةُ مرفوضةٌ عندنا لأَنها لم تَصحّ عن رسولِ الله - ﵇ -، ولا عن أصحابِه الكرام.\nوقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا أَن قَصصَ السابقين لا تُؤْخَذُ تفاصيلُها إِلّا من آياتِ\nالقرآنِ الصريحة، وأَحاديثِ رسولِ اللهِ - ﷺ - الصحيحة.\nوالمشكلةُ عندَ الفادي المفترِي هي جهْلُه، فهو يَعتمدُ كَلامًا غيرَ مقبولٍ\nعندَ العلماء والمحققين، ثم يُحَمِّلُ القرآنَ تِبعتَه، ويُخَطِّئُ القرآنَ بسببِه، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه، وبذلك تتهاوى أَسئلةُ الفادي الجاهل.\nإِنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ إِلّا ما يذكُرُه هو في آياتِه، وما يَذكُرُه لا خَطَأَ فيه\nولا اعتراضَ عليه، أَمّا الفهمُ البشريُّ لآياتِه الذي صَدَرَ عن المفَسِّرين فلا\nيتحمَّلُه القرآن، لأَنَّ هذا الفهمَ البشريَّ قد يكونُ خاطئًا!.\nلا بُدَّ أَنْ نفهمَ الآية التي تحدَّثَتْ عن موتِ سليمانَ - ﵇ - فَهْمًا - صحيحًا، لا سيما أَنه لا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، يُضيفُ جَدِيدًا إِلى ما ذَكَرَتْه الآيَة.\nأَرادَ اللهُ أَنْ يَجعلَ موتَ سليمانَ - ﵇ - آيةً وعبرةً للإِنسِ والجِنّ، ودَليلًا على عدمِ عِلْمِهم بالغيب، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصّ باللهِ سبحانه..\nفقد كانَ سليمانُ - ﵇ - يَحكمُ الإِنْس والجِنَّ والطير، وكانَ يُسَخِّرُ الجِنَّ في الأَعمالِ الكبيرة، وكان مَلِكًا حازمًا يَهابُهُْ الذين يَعملونَ عنده من الإِنْسِ والجِنّ.\nولما حانَ أَجَلُ سليمانَ - ﵇ -، كان الجنُّ يَعملونَ بينَ يَدَيْه، وكانَ هو واقفًا أَمامَهم، مُتَّكِئًا على عصاه، يُراقِبُهم ويَضبطُهم، وهم يَنْشَطونَ في العمل، ولا يَرْفَعونَ رؤوسهم ناظِرينَ إِليه هيبةً له.","vol":"1","page":508},{"text":"وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يَقبضَ روحَ سليمانَ - ﵇ - وهو متكئٌ على عَصاه..\nوبقيَ متكئًا على عَصاهُ بعد خروجِ روحه، والجنُّ منهمكون في العَمَل، لا\nيَعلمونَ بموتِه..\nوَوَجَّهَ اللهُ دودةَ الأَرض \" الأَرَضة \" إِلى عصاهُ فأَكَلَتْها ونَخَرَتْها،\nوكُسِرت العصا وسَقَطَتْ، وخَرَّ سليمانُ - ﵇ - جُثَّةً هامِدة..\nوفوجئَ الجنُّ بذلك، وعَرفَوا قُصورَ علمِهم، فهم لا يَعلمونَ الشهادة، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَعْلَموا الغيب، فها هو سليمانُ ماتَ أَمامَهم وهم لا يَعلمونَ بموتِه!!.\nوالفترةُ الزمنيةُ بين موتِه وسقوطِه لم تكنْ سَنَواتٍ ولا سَنَة، ولم تكنْ\nشُهورًا أَو أَيامًا، إِنما كانَتْ فترةً قصيرةً، ونحن لا نحاولُ تحديدَ تلكَ الفترة،\nلأَننا لا نجدُ دَليلًا على ذلك، فَنَكِلُ العلمَ بها إلى الله ﷾ إ!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على إِخبارِ القرآنِ عن رَفْعِ جَبَلِ الطّورِ فوقَ بني\nإِسرائيل، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه: \" جَبَل يُحَلِّقُ في الجَوّ! \" وهو عنوانٌ للتهكمِ والاستهز اء.\nوالآيةُ التي اعترضَ عليها، واعْتَبَرَها متناقضةً مع العلمِ والعقل، هي\nقولُ اللهِ - ﷿ - (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) .\nوبعدَما نَقَلَ المفترِي بعضَ ما ذكَرَه البيضاويُّ في تفسيرِ الآية، استبعدَ ما\nذكَرَتْه فقالَ: \" ونحنُ نسأل: هَلْ من المعقول أَنْ يَخْلَعَ اللهُ جَبَلًا من الأَرض، يَعْلو في الفضاء، ويَظَلُّ مُعَلَّقًا على لا شيء، ليُخيفَ الناس، ويُرغمَهم ليَقْبَلوا شريعتَه؟\nوهل يوافِقُ هذا علميًّا ناموسَ الجاذبية؟\nوأَدَبِيًّا ناموسَ المحبةِ الإلهِية؟ \".","vol":"1","page":509},{"text":"لم يَستوعِبْ عَقْلُ الفادي الصغيرُ أَنْ يخلعَ اللهُ جَبَلًا من الأَرض، وأَنْ\nيرفعَه إلى الأَعلى وأَنْ يوقفَه فوقَ مجموعة من الناس! وكيفَ يَحصلُ هذا؟\nولماذا لم يَقعْ على رؤوسهم؟\nفما ذكَرَه القرآنُ - في رأْيه - غيرُ صَحيح!!.\nلو زَعَمَ إِنسانٌ قويٌّ أَنه خَلَعَ جبلًا ورَفَعَه في الجو لما صَدَّقْناه، لأَنَّ\nالقوةَ البشريةَ محدودة، ولا تَستطيعُ قوةُ أَيِّ شخصٍ أو دولةٍ فعلَ ذلك، مهما عَظمَتْ.\nأما قوةُ اللهِ فإِنَّها مُطْلَقَة، لا حُدودَ لها، ولا قُيودَ عليها، وقُدْرَتُه نافذةٌ\nفاعلة، لا يوقِفُها أَيُّ شيء، فاللهُ قويٌّ قادرٌ على قَلْعِ الجبلِ من الأَرضِ،\nوإِيقافِه في الجوِّ بين السماءِ والأَرض، بدونِ أَعمدة، وإِعادتِه مكانَه، يَفعلُ\nهذا، ويفعلُ ما هو أَكْبرُ منه! وبما أَنه أَخْبَرَنا عن ذلك في القرآن، فإِننا نجزمُ\nأَنَّ ذلك حَصَل، لأَننا نُصدِّقُ كُلَّ ما وَرَدَ في القرآن!.\nولا أَدري لماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصغيرِ هذه الحادثة، وقد وَرَدَ\nفي كتابِه المقَدَّسِ حوادِثُ أَكبرُ منها، وهو يؤمنُ بها لأَنها واردةٌ في كتابِه.\nمن ذلك شَقُّ البحرِ لموسى - ﵇ -، ونجاتُه هو وأَتباعه من بني إِسرائيل، عندما لحقَهم فرعونُ وجنودُه.\nوقد أخبرَنا اللهُ عن ذلك في القرآن، قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) .\nموسى - ﵇ - يقفُ أَمامَ البحر، ويأْمُرُه اللهُ أَنْ يضربَه بعصاه، ولما فَعَلَ فَلَقَ اللهُ البحرَ فلقتَيْن، وقَسَمَه إِلى قِسْمَيْن، بينهما فاصِلٌ من الأرضِ الصلبةِ اليابسة، ووقفَ الماءُ على الجانبَيْنِ كالجبلِ العظيم، لا يمسكُه سَدّ أَو حاجِز!\nفمن الذي فَعَلَ ذلك؟\nومَن الذي أَوجَدَ الطريقَ اليَبَسَ ليَمُرَّ عليه موسى ومَنْ معه؟\nومَن الذي أَمسكَ الماءَ على الجانبين فلم يُغْلِقِ الطريقَ ولم يجتمعْ مع بعضه؟\nإِنه الله!.","vol":"1","page":510},{"text":"أَيهما أَوضحُ وأَكبرُ معجزةً، وأَعظمُ وأَضخمُ آيةً؟\nشَقّ البحرِ أَمْ رفعُ الجبلِ، إِنَّ شَقّ البحر أَضخمُ وأَعظمُ.\nفلماذا آمَنَ الفادي به وكَذَّبَ وأَنكرَ ما دونَه؟\nأَلأنَّه وَرَدَ في كتابه صَدَّقَه، ورفعُ الجبل لم يَرِدْ في كتابِه فاعتَبره مُسْتَحيلًا\nعقليًّا؟\nأَيْنَ المنهجيةُ والموضوعيةُ التي ادَّعاها في بحثِه؟\nولماذا لم يَقِسْ رَفْعَ الجبل على شَقِّ البحر؟.\nأَما نحنُ المسلمين فإِننا نؤمنُ بشَقِّ البحر ورفْعِ الجبل، لأَنَّ الله ذكَرَ\nالمعجزتَيْن في القرآن، ولأَنهما من فعلِ الله، والله فَعّالٌ لما يُريدُ سِبحانهَ.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>هل تتكلم الجبال</span>؟!\nتحتَ عنوان: \" جَبَلٌ يتكلَّم \"!\nاعترضَ الفادي على إِخبارِ القرآنِ عن تَكَلّمِ الجبال، وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك مرتَيْن.\nالمرةُ الأولى: في حديثِه عن قصةِ داودَ - ﵇ -، فعندما كانَ يُسَبِّحُ اللهَ سبحانَه كانت الجبالُ والطيورُ تُسَبِّحُ معه.\nقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) .\nومعنى (أَوِّبِي): رَدّدي ورَجِّعي مَعَه.\nأَيْ: سَبِّحي مَعَه عندما يُسَبّحُ.\nفكانَ داودُ - ﵇ - عندما يُسَبِّحُ اللهَ يَسمعُ الجبالَ\nتُسَبِّحُ اللهَ معهِ، ويَسمعُ الطيورَ تُسَبّحُ اللهَ مَعَه!!.\nإِنَّ اللهَ هو الذي سَخَّرَ الجبالَ للتسبيحِ معه، وأَمَرَ الطيرَ أَنْ تُسَبّحَ معه.\nقال تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) .\nولم يُصَدِّق الفادي المفترِي القرآنَ في إخبارِه عن ذلك، واعْتَبَرَه مما\nيتناقَضُ مع العِلْمِ والعَقْل.\nقال: \" وهل للجبالِ عَقْلٌ وتَمييزٌ وعَواطفُ، لِتُرَدّدَ صلواتِ واعترافاتِ وتسابيحَ داودَ؟! \".\nونَقولُ له: نَعَم.\nإِنَ اللهَ خالِقَها هو الذي أَرادَ أَنْ تُسَبحَ، وأَمَرَها أَنْ","vol":"1","page":511},{"text":"تُسَبِّح، فنفَّذَتْ أَمْرَه سبحانه وسَبحَتْ، ولا نَدري كيفَ سَبَّحَتْ، وهي الجمادُ الذي لا عَقْلَ عندَه ولا إِدْراك.\nالمهمُّ أَنَّ اللهَ هو الذي أَوجَدَ عندَها القدرةَ على التسبيح فَسَبَّحَتْ!\nوالأَمْرُ ليس غريبًا على الله، وليس مستَبْعَدًا عند الله، فهوعلى كُلًّ شيء قدير!.\nوالمرةُ الثانية: في حديثِه عن الأَمانةِ التي حَمَلَها الإِنسانُ الظَّلومُ الجَهول.\nقال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) .\nعَرَضَ اللهُ أَمانَةَ التكليفِ على السمواتِ والأَرضِ والجبال، لكنهنَّ أَبينَ أَنْ يحملْنَها ويُكَلَّفْنَ بِها، لأنهنَّ أَشفقْن منها، وخِفْنَ من التقصيرِ فيها.\nولما عُرِضَت الأَمانةُ على الإِنسانِ استَعَدَّ أَنْ يَحملَها، رغمَ المسؤوليةِ والتبعةِ والحساب، وهو بذلك ظلوم جهول!!.\nوقد اعترضَ الفادي على ذلك، فقال: \" ونحنُ نَسأَل: هل للجبالِ فَهْمٌ،\nيَجعلُها تُدركُ ما لا يُدركُه أَكثرُ البَشَر، فترفضُ الأَمانَةَ المعروضة عليها؟! \".\nونَقولُ له: وما المانعُ العقليُّ من ذلك؟\nإِنَّ اللهَ هو الذي جعلَ فيها نوعًا من الإِدْراك، بحيثُ تَسمعُ وتَفهمُ وتُجيب، وهو ليسَ كسَماعِنا وفَهْمِنا وإدْراكِنا وكَلامنا وجوابِنا، وإِنما نوعٌ خاصٌّ على مُستواها، وهو ليس أمْرًا عاديًّا، وإنما هو خارقةٌ من الخوارق، ومعجزةٌ من المعجزات!! واللهُ يَفعلُ ما يشاء، ويوجِدُ فيه ما يَشاء، ولا شيءَ مستحيلٌ على إِرادةِ الله.\nولماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصَّغيرِ كلامَ الجبال، ويَجعلُهُ مُستحيلًا\nعَقْلًا، ولم يَستبعدْ تحويلَ العَصا اليابسةِ إِلى أَفْعى فيها روحٌ وحياة!..\nكانَ موسى - ﵇ - يُمسكُ عَصا يابسةً بيدِه، ولما أَلْقاهَا بأَمْرِ اللهِ جَعَلَ اللهُ فيها حياة، وحَوَّلها إِلى أَفعى تَسعى، وَحَمَلها موسى بيدِه وهي حَيَّة، ولما أَلْقاها على الأَرضِ ثانيةً أَعادَها اللهُ عصا يابسة!! وكان هذا كُلّه بأَمْرِ اللهِ، فالذي جَعَلَ العصا الخشبيةَ حَيَّة تَسعى هو نفسُه الذي جعلَ الجبالَ تتكلم.","vol":"1","page":512},{"text":"وليستْ هذه أَوَّلَ مَرَّةٍ يَجعلُ اللهُ في السمواتِ والأَرضِ والجبال قُدرةً\nعلى الفهم والكلامِ والجَوابِ على السُّؤال - على مُسْتَواها الضعيف المحدود -، فلما خَلَقَها اللهُ خاطَبَها وأَجابَتْ؟\nقال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) .\nسَمعت السمواتُ والأَرضُ خِطابَ اللهِ لهما، وفَهِمَتاهُ على طريقَتِهما،\nوأَجابَتا اللهَ قائلَتَيْن: أَتَيْنا طائِعين!\nولا نَدري كيفَ حَصَلَ ذلِك، لأَنَّ هذا معجزةٌ من الله، أَوجَد فيهما سبحانَه إِدْراكًا خاصًّا، وسَماعًا خاصًّا وفَهمًا خاصًّا، وأَجابَتا جَوابًا خاصًّا أَيضًا!\nفالأَمْرُ أَمْرُه، والإِرادَة إِرادَتُه - ﷿ -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>الله يلين الحديد لداود - ﵇ </span>-\nتَحتَ عنوانِ: \" الحَديدُ يَلينُ كالشَّمْع \"\nاعترضَ الفادي على كَلامِ القرآنِ عن إِلانَةِ الحَديدِ لداودَ - ﵇ -.\nوذلك في قولِه تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) .\nوذَكَر كلامَ البيضاويِّ في تفسير الآية: \" قالَ البيضاوي: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) جعلناهُ في يَدِه كالشمع يُصَرِّفُهُ كيفَ يشاء، من غيرِ إِحْماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه\nأو بقُوَّتِه \".\nوعَلَّقَ على ذلك بقوله: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يُغَيِّرُ الحديدُ خاصِّيتَه بينَ\nيَدَيْ داودَ، فيفقدُ صلابَتَه، ويتحوَّلُ إِلى لُيونَةِ ومُرونَةِ الشمعِ، بغرِ إِحماءٍ أَو\nطَرْق؟\nوما هو الهَدَفُ من هذهِ المعجزةِ التي لو كانَتْ قد جَرَتْ فِعْلًا لَذَكَرَتْها\nالتوارةُ المقَدَّسَة؟.\nاكتفى القرآنُ بقولِه: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) .\nولم يَقُل القرآنُ: جعلْنا الحديدَ في يَدِه كالشمعِ، يُصرِّفُه كيفَ يَشاء، من غيرِ إِحماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه.","vol":"1","page":513},{"text":"والذي قالَ هذا هو البيضاوي فإِذا اعتَرضَ الفادي على كلامِ البيضاويّ، فلْيعترضْ عليه، والبيضاويُّ هو الذي يتحمَّلُ مسؤوليةَ وتبعةَ كلامِه، فلماذا يُحَمِّلُ الفادي القرآنَ مسؤوليةَ كَلامٍ لم يَقُلْه؟.\nعلينا أَنْ نَبقى مع القرآن، ولا نُضيفَ عليه شَيْئًاْ، إِلّا ما صَحَّ من حديثِ\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، وفي موضوعِ إلانةِ الحديدِ لداودَ - ﵇ -، أجملَ القرآنُ الكلامَ عنها، ولم يُفْصِّلْه، والأَولى أَنْ نُبقيهِ على إِجمالِه، وأَنْ لا نَخوضَ في تفصيلِه، لعدم وُجودِ دَليلٍ صَحيحٍ معتمدٍ عليه في ذلك.\nإِنَ الفعلَ (وَأَلنًّا لَهُ الْحَدِيدَ) مُسْنَدٌ إِلى الله، فاللهُ هو الذي أَلانَ الحديدَ\nلداودَ - ﵇ -، وعَلَّمَه صنعَ الصناعاتِ الحديدية منه: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ...) وهذه الجملةُ تفسيرٌ للإِلانة، وبيانٌ لما نتجَ عنها من أَعمالٍ وصناعات! وهي متعلِّقَةٌ بفعلٍ مُقَدَّر، تقديرُه: وأَلَنّا له الحديد، وقُلْنا له: اعملْ سابغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْد.\nو(سَابِغَاتٍ): صفة لموصوفٍ محذوف، تقديرُهِ: دُروعًا سابغاتٍ، ومَعنى\n(سَابِغَاتٍ) طويلة، بحيثُ تُغَطِّي الجسمَ كُلَّه، وذلك ليَقِيَ أجسامَ الجنودِ في\nالحربِ من الخَطَر\nو(وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ): بمعنى إِتقانِ صُنْع الدروعِ السابغاتِ الحربية،\nوتوصيلها بالمسامير، وذلك بأَنْ يكونَ هناك تَناسُبٌ بينَ المسمارِ وفَتْحَتِه، فلا\nتكونُ تلك الفتحةُ أَكبرَ منه، بحيثُ لا تتماسَكُ أَجزاءُ الدّرع، ولا تكونُ أَصغرَ منه فلا يُحْكَمُ الصُّنْع!!.\nوبمعنى هذه الآيةِ قولُ الله وَبَئّ: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) .\nويُفهمُ من الآية: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) .\nأَنَّ لداودَ - ﵇ - جُهْدًا في الدروعِ الحديديةِ التي صَنَعَها، فهو يَصنعُ المسامير، ويَقُصُّ الحديدَ، ويَفتحُ فيه فتحاتٍ مقدَّرةً، مناسبةً للمسامير.","vol":"1","page":514},{"text":"أَما إِنكارُ الفادي المفترِي لهذه الآية، لعدمِ ذِكْرِها في التوارة، فهو\nمردودٌ عليه، لأَنَّ القرآنَ أَضافَ كثيرًا على المذكورِ في الكتابِ المقَدَّسِ فيما\nيتعلَّقُ بقَصَصِ الأَنبياء، وهذا مَعناهُ أَنَّهُ لا يَجوزُ إِنكارُ الخَبَر الذي ذَكَرَهُ القرآن إِذا لم يَذْكُرْهُ الكتابُ المقَدَّس، فذِكْرُه في القرآنِ كافٍ لقَبولِه!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>حول نوم أصحاب الكهف</span>\nذَكَرَ اللهُ قصةَ أَصحابِ الكهفِ في ثماني عشرةَ آيةً من سورةِ الكهف،\nوقد سَجَّلَ الفادي المفترِي آياتِ القصة، ثم اعترضَ عليها بقولِه: \" ونحنُ\nنسأل: كيفَ يَتسَنّى لسبعةِ غِلمانٍ وكلبِهم أَنْ يَعيشوا ثلاثمئةٍ وتسعَ سنين، بدونِ أَكْلِ ولا شُربٍ ولا مَشْيِ ولا تَبَوُّلٍ ولا تَبَرُّز، تحسبُهم أَيقاظًا وهم رُقود، يتقلًّبونَ ذاتَ اليمينِ وذاتً الشّمال، وكلبُهم باسط ذراعيه بفناء المغارة؟\nوما هو الدرسُ المستفادُ من هذه القصةِ لنا اليوم؟ \".\nيَنظرُ المفترِي للمعجزاتِ المذكورةِ في القرآن نظرةً ماديَّةً دائمًا، ويَقيسُها\nبالأُمور العاديّة المألوفة للناس، وبما أَنها لا تُقاسُ بها لأَنها معجزات، لذلك\nيُنكرُ وُقوعَها ويُكذِّبُ بها، وبما أَنَّ القرآنَ ذَكَرَها، لذلك يُخَطِّئُ القرآنَ\nويَعترضُ عليه، ويتهمُه بذكْر أَشياءَ لم تَحْدُث، وعَرْضِ أُمورٍ لا يُصَدّقُها العقل!\nأَما المعجزاتُ المذكورةُ في كتابِه المقَدّس فإِنه يؤمنُ بها، مع أَنها لا تُقاسُ\nبالأمور العادية! فلماذا يَكيلُ المفْتَري بمكيالَين، وَيُصَدِّقُ المذكورَ في كتابِه\nالمقدس، ويُكَذِّبُه إِذا ذُكِرَ في القرآن؟\nمع أَن الموضوعَ فيها واحد!!\nإِنه التحاملُ على القرآن!.\nذَكَر القرآنُ قصةَ أصحابِ الكهف الذينَ جعلَهم الله آيةً وعبرة، وأَكرمَهم","vol":"1","page":515},{"text":"ببعضِ الكراماتِ المعْجزات، في مقدمتِها أَنه جعلَهم يَنامونَ ثلاثَمئةٍ وتسعَ\nسنوات، بدونِ موتٍ أَو تَعَفُنٍ أَو فساد، ثم أَيقَظَهم من نومِهم لفترةٍ قصيرة، ثم أَماتَهم الموتَ الحقيقي.\nقال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) .\nويُنكِرُ الفادي المفترِي صحةَ ذلك، ويَعْتَبِرُه مُتَناقِضًا مع العلمِ\nوالعَقْل، إِذْ كيفَ يَنامونَ ثلاثمئةٍ وتسعَ سنوات، بدونِ أَكْلٍ ولا شُرْبِ ولا\nمَشْيٍ ولا تَبَولٍ ولا تَبَرُّز؟!.\nولو كانَ الأَمْرُ عاديًا وفقَ مألوفِ الناسِ وعاداتِهم لقُلْنا: هذا مستحيلٌ\nوغيرُ معقول.\nولكنَّه من أَمْرِ الله، واللهُ فَعَّالٌ لما يريد، وهو معجزةٌ خارقةٌ\nللعادة، ولو لم تكن خارقةً لما كانَتْ معجزة.\nشاءَ اللهُ أَنْ يُبْقِيهم نائمينَ هذه المدةَ الطويلة، وهَيَّأَ الأَمورَ حولَهم لئلا\nيَبْلوا ويَتَعَفَّنوا، فضربَ على آذانِهم، وفَتَحَ عيونَهم، وجعلَ الشمسَ تَميلُ عنهم في الصباحِ ذاتَ اليمينِ، وتبتعدُ عنهم عند المساءِ ذاتَ الشمال، حتى لا تُؤْذيهم بأَشعتِها وحرارتِها، وقَلَّبَهم على الأرضِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، لئلا تَقْضي عليهم الرطوبةُ والعَفَن ...\nثم بَعَثَهم بعدَ ذلك من نومِهم وأَيقظَهم ...\nوطالما أَنَّ الأَمْرَ معجزةٌ خارقة، من فِعْلِ اللهِ سبحانه، فلا استبعادَ أَو إِنكارَ له.\nوالفادي المفترِي دائمُ الافتراءِ والتلاعب والتحريف، فاللهُ يقولُ عن\nأَصحابِ الكهف: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)، وقد أَسندت الآيةُ تَقْليبَهم إِلى الله، لأَنَ الأمْرَ معجزةٌ وليس عاديًا..\nولكنَّ الفادي أَسندَ التقليبَ إليهم، فقال: تحسبُهم أَيقاظًا وهم رُقود، يتقلَّبون ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال!! وفَرْقٌ بعيدٌ بين قولِ الله تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ)، وبينَ قولِ المفتري\nالمتلاعِب: \" يَتَقَلَّبونَ ذاتَ اليمين.. \"!!","vol":"1","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>حول الريح المسخرة لسليمان - ﵇ </span>-\nذَكَرَ القرآنُ الريحَ التي سخَّرَها اللهُ لسليمانَ - ﵇ -\nقال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) .\nوقال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) .\nوقال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) .\nونَقَلَ الفادي كعادتِه من تفسيرِ البيضاويِّ بعضَ كلامِه عن الريح.\nقال: (الرِّيحَ عَاصِفَةً): شَديدَة الهُبوب، من حيثُ إنها تَبْعُدُ بكرسِيِّه في مدَّةٍ يَسيرة، كما قال تعالى: (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) .\nوكانت (رُخَاءً) في نفسِها طيبة.\nوقيل: كانَتْ رُخاءً تارة وعاصفةً أُخرى، حسبَ إِرادتِه.\n(إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) إِلى الشام.\nوعَلَّقَ على ذلك مُشَكِّكًا فيه، فقال: \" ونحنُ نسأل: ما الفائدةُ من تسخيرِ\nالريحِ لسليمان، فتحملُ عرشَه مَتى شاء إِلى أَينَ شاء، وتشتَدُّ إِذا رَغِب، وتَلينُ إِذا رَغب؟\nوما هو الهدَفُ من كُلِّ هذا؟\nماذا عادَ على بَني إِسرائيل أَو عَلى مملكةِ اللهِ من كلِّ هذا؟ \".\nأَخَذَ الخُرافةَ، وحَمَّلَها للقرآن، وكَذَّبَه وخَطَّأَهُ بسببها!.\nذَهَبَ رُواةُ الخرافاتِ والرواياتِ غيرِ الصحيحة إِلى أَن الريح كانَتْ\nخاصَّةً لسليمانَ - ﵇ -، فقد كانَتْ تَحملُ عرشَه وكُرْسِيَّه وهو جالسٌ عليه، وتَطيرُ به في الجَوِّ، وتأْخُذُه حيثُ يَشاء، وهو راكب على \" بِساطِ الريح \"! وهي تُشبة طيرانَ الطائراتِ وسفنِ الفضاءِ في زماننا!.\nولذلك اعتبرَ الفادي هذه الريحَ بدونِ فائدةٍ لبني إِسْرائيل، فهي كأَنها طائرةٌ","vol":"1","page":517},{"text":"شخصيةٌ لسليمانُ - ﵇ -، يُسافِرُ عليها إِلى مختلفِ البلدان، ولذلك قال: \" ما هو الهَدَفُ من كُلِّ هذا؟\nوماذا عادَ على بني إِسرائيل ومملكةِ اللهِ من كُلِّ هذا؟ \".\nونقول للفادي: المستفيدُ من هذه الريحٍ هم بنو إِسْرائيل، ولم تكن الريحُ\nتَطيرُ بسليمانَ - ﵇ - وعرشِه وكرسِيِّه، إِنما كانتْ تأَتي بالغيثِ والمَطَر، وتَحملُ معها الرّخاءَ والخصْب..\nوكانت تبقى ومعَها الغيثُ فوقَ الأَرضِ المباركةِ مُدَّةً طويلة، متمثلةً في منخفضٍ جَوِّيٍّ عمَيق، وتستمرُّ شهرًا في غُدُوِّها، وشهرًا في رَواحِها، نعمةً من اللهِ على سليمان - ﵇ - وقومِه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>حول أصحاب الفيل والطير الأبابيل</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على سورةِ الفيل، التي تَحدثَتْ عن أَصحابِ\nالفيل، وسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤُلَه تحتَ عنوان: \" الطيرُ تُحاربُ بالحجارة \"!.\nوأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَة حادثةِ أَصحابِ الفيل، التي أَشارَتْ\nلها السورة، والمعروفةُ للباحثين والدارسين..\nثم عَلَّقَ على ذلك بإِثارةِ أَسئلةِ تافهة، فقال: \" ونحنُ نسأل: كيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يُعاوِنَ الوثنيّين، ويَهْرُبَ من معاونة المسيحيّين، فكلَّما وجَّهوه لكعبةِ الأَوثانِ رَفَضَ السير، وكلَّما وَجَّهوهُ إِلى اليمنِ هَرْوَل؟\nوكيفَ أَدركت الطيرُ ذلك، فاشتركَتْ في الحربِ معِ الوثنيِّين\nضدَّ المسيحيّين؟\nوكيف تفاهَمت جماعاتُ الطير، وعرفَتْ مكانَ المعركة، وأحضرت الحجارة، وملأَتْ أَفواهَها وأَرجلَها، ورمَتْ بها جيشَ المسيحيينَ دون الوثنيّين؟\nوكيفَ انحازَ الرَّبُّ للفيلِ وللطيرِ، ولأَصحابِ الكعبةِ الوثنيين\nضدَّ المسيحيين؟\nوكيفَ يَنزل الحجرُ الذي هو أَصغرُ من الحمصةِ من فمِ الطائرِ\nإِلى رأْسِ الرجلِ، فيخرقُ رأْسَه وعنُقَه وصَدْرَه وبَطنَه، ويَخرجُ من دُبُرِه؟! \".","vol":"1","page":518},{"text":"التساؤلاتُ التي أَثارَها المفترِي على الحادثةِ تُفيدُ إِنكارَه لها، وتكذيبَه\nلوقوعِها، مع أَنَّ القرآنَ كانَ صريحًا في إِثباتِها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) .\nلقد صوَّرَ له عقْلُه الصغيرُ أَنَّ المعركةَ كانت بينَ الأَحباشِ النَّصارى وبين\nالعرب الوثنيّين، والنَّصارى أَقربُ إِلى اللهِ منِ الوثنيّين، فكيفَ انحازَ الله ُ إِلى\nالوثنيّين ضدَّ النَّصارى المؤمنينَ به؟!\nهذا غيرُ معقول، وأَخْطَأ القرآنُ في القولِ به!!\nوالكعبةُ عندَه \" كعبة الأوثان \" وبَيْت تُجْمَعُ فيه الأَصنام، فكيفَ يُدافعُ اللهُ عنها؟!.\nوكيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يكونَ مع العربِ الوثنيّين ضدَّ النَّصارى؟\nإِنَ هذا غيرُ معقولٍ!\nوكيفَ تداعَتْ جَماعاتُ الطيرِ واشتركَتْ في المعركة، وانحازَتْ إِلى\nالوثنيّين، وحارَبَت النَّصارى المؤمنين بالحجارة؟\nهذا كلّه لا يُصَدِّقُه العَقْل، ولذلك لم يَحدث!!.\nإِنَّ الأَمْرَ ليس على هذه الصورةِ التي فَهِمَها الفادي خَطأ، وإنَ اللهَ لم\nيَنْحَزْ للعربِ الوثَنيّين ضد المسيحيّين، إِنما دافَعَ اللهُ عن بيتِه المحَرَّمِ المعَظَّم.\nلقد توجهَ أَبرهةُ بجيشِه وفيلِه ليهدِم الكعبة، لا ليقاتِلَ قُرَيْشًا، فمعركَتُه\nليستْ ضدّ قريشٍ الوثنيّين، وإنما هي ضدَّ البيتِ المحرَّم! ولذلك لما وَصَلَ إِلى\nضواحي مكةَ لم يشتبكْ في حَرَبٍ مع قُرَيْش، ورِجالُ قريشٍ عَرَفوا هذا، حيثُ أَخْلَوْا له مَكَّة، وصَعَدوا إِلى الجبالِ، يُراقبونَ ما سيَحْدُث، ولما راجَع\nعبدُ المطلبِ زعيمُ مكة أَبرهةَ بشأَنِ إِبلِهِ التي أَخَذوها منه، قال له: أَنا رَبُّ\nالإِبل، وللبيتِ رَبّ يَحْميه!!.\nوإنَّ اللهَ يَعلمُ أَنَّ قريشًا مَلؤوا الكعبة بالأصنام، التي عَبَدوها وجَعَلوها\nآلِهَة، وهو سبحانه لم يُدافِعْ عنهم ولا عن أَصنامِهم.\nإِنَّ حادثةَ الفيلِ كانتْ دِفاعًا عن الكعبةِ المُشَرَّفَة، حمى اللهُ فيها الكعبةَ\nمن الهَدْم، هذه الكعبةُ ضمنَ بيتِ اللهِ الحرام، أَوَّلِ بيتٍ بُنِيَ في الأَرضِ","vol":"1","page":519},{"text":"لعبادَةِ الله، والذي بَناهُ إِبراهيمُ وإِسماعيلُ - ﵉ - لعبادَةِ الله، وستكونُ هذه الكعبةُ المشرفَةُ قِبْلَةً للأُمةِ المسلمةِ القادمة، التي سَيستخلِفُها اللهُ على الأُمم، وسيولَدُ بالقربِ من الكعبةِ محمدُ بنُ عبدِ الله، الذي سيكونُ النبيَّ الخاتم - ﷺ -.\nومن أَجْلِ هذه المعاني حمى اللهُ الكعبةَ من جيشِ أَبْرَهَة، لا من أَجْلِ\nقريشٍ الوثنيّين، وأَمَرَ اللهُ الفيلَ أَنْ لا يَستجيبَ لأَمْرِ أَبرهَةَ بالسيرِ نحو الكَعْبَة، ونَفَّذَ الفيلُ أَمْرَ رَبِّه، وكان ذلك الفيلُ أَعْقَلَ من هذا الفادي صاحبِ العَقْلِ الصَّغير الذي أَنكرَ الحادثة!.\nولم تتوجّه الطيرُ الأَبابيلُ إِلى أَصحابِ الفيلِ بنفسها، إِنما اللهُ هو الذي\nوَجَّهَها وأَرسَلَها، واللهُ هو الذي حَمَّلَها الحجارةَ من سِجّيل، وأَمَرَها أَنْ\nتقصفَ بها أَصحابَ الفيل.\nإِنَّ الأَفعالَ في سورةِ الفيلِ مسنَدَة إِلى الله، فاللهُ هو الذي فَعَلَ بأَصحابِ\nالفيل ما فَعَل، وهو الذي أَرسلَ عليهم الطيرَ الأَبابيل، وهو الذي أمَرَها أَنْ\nتَرميهم بالحِجارة، وهو الذي أَهْلَكَ أَصحابَ الفيل، وهو الذي جَعَلَهم كعصفٍ مأكول ...\nوكانت حادثةُ أَصحابِ الفيل \" إِرْهاصًا \" ومُقَدّمَةً للإِسلام، وتهيئَةً له،\nوالرسولُ - ﷺ - وُلِدَ عام الفيل، وبَعَثَهُ الله ُ نبيًّا بعدَ أَربعينَ سنةً من الحادثة.\nولذلك ذَكَرَها اللهُ في القرآن، باعتبارِها آيةً من آياتِه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>هل خاف يعقوب على أبنائه من العين</span>؟\nعندما تَوَجَّهَ أَبناءُ يَعقوبَ الأَحَدَ عَشَرَ إِلى عَزيزِ مِصر - الذي هو أَخوهم\nيوسُفُ وهم لا يَعرفونَه - طَلَبَ منهم أَبوهم أَنْ لا يَدْخُلُوا من بابِ واحد،\nوإِنما يَدخلونَ من أَبوابٍ متفرقَة، قالَ اللهُ - ﷿ -: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) .","vol":"1","page":520},{"text":"لماذا طلبَ يعقوبُ - ﵇ - من أَبنائِه هذا الطَّلَب؟\nأَتْعَبَ بعضُ المفَسِّرينَ والإِخباريّين أَنفسَهم في محاولةِ معرفةِ ذلك..\nوذَهَبَ الفادي كعادَتِه إِلى تفسير البيضاوي، ونَقَلَ منه قولَه: \" قال البيضاوي: لأَنهم كانوا ذَوي جَمالٍ وأُبَّهَة، مُشْتَهرينَ في مِصرَ بالقُرْبِ والتَّكريمِ عندَ الملِك، فخافَ عليهم أَنْ يَدْخُلوا كوكبةً واحدةً فَيُعانُوا - أَيْ يُصابُوا بالعَيْن - ولعَلَّهُ لم يُوصِهِم بذلك في المرةِ الأَولى لأَنهم كانوا مَجْهولين حِينئذٍ، أَو كانَ الداعي إِليها الخَوْف على بُنْيامين..\nوللنفس آثارٌ منها العين ... \".\nوعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ بقوله: \" ونحنُ نسأل: مِنْ أَينَ جاءَ\nالقرآنُ بهذه القصَّةِ التي لم تَذْكُرْها التوراة، فَنَسَبَ لواحدٍ من أَنبياءِ اللهِ خُرافَةً تُنافي العِلْم، وتُنافي الإِيمانَ بعنايةِ الله؟! \".\nمَن الذي أَخبرَ رُواةَ الإِسرائيلياتِ أَنَّ يَعقوبَ - ﵇ - كان يَخشى على أَبنائِه أَنْ يُصابُوا بالعين، لجَمالِهم وكثرتِهم وتَقريبِ العَزيزِ لهم؟\nوحتى يَنْجوا من شَرِّ العَيْن أَمْرَهُم أَنْ يَدْخُلوا من أَبواب متفرقَة! لم يُذْكَرْ هذا التعليلُ في حديثٍ صحيحٍ لرسولِ الله - ﷺ -، ولهذا نتوقًّفُ في قَبولِ هذا التعليل!.\nوقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن ذلك، ودَعا إِلى عَدَمِ الخوضِ فيه، لِعَدَمِ\nوُجودِ دليلٍ عليه.\nولْنقرأ هاتَيْنِ الآيتَيْن بإِمعانٍ، قالَ تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) .\nقالَ يَعقوبُ - ﵇ - لأَبنائِه مُعَلِّلًا دُخولَهم من أَبوابِ متَفَرّقة: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) .\nأَيْ: دُخولكُم من أَبوابٍ متفرقَةٍ لاَ يُغْني عنكم شيئًا من الله، ولا يَدْفعُ عنكم شَيْئًا من قَدَرِ الله، ومهما حَذِرْتُم فإِنَّه لا يُغْني حَذَرٌ من قَدَر!.","vol":"1","page":521},{"text":"وأَكملَ كلامَه لهم بالإِشارةِ إِلى أَنَّ الحُكْمَ حُكْمُ الله، نافذ على عبادِه،\nوهو متوكَلٌ على الله، مُسَلّم أَمْرَهُ لها: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) .\nوأَشارَ القرآنُ إِلى أَنَّ يَعقوبَ - ﵇ - قَضى وحَقَّقَ حاجَةً في نفسه، عندما نَفَّذَ أَبناؤُه طَلَبَه، ودَخَلوا من حيثُ أَمَرَهم: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) .\nوإِبهامُ القرآنِ لتلك الحاجةِ دَعوة لنا لعَدمِ البحثِ فيها، وعَدَمِ مُحاولةِ\nبَيانِها، ومعرفَتُها لا دلَيلَ عليها ولا فائدة منها، ولا يَضيرُنا الجهلُ بها، ولو\nعلمَ اللهُ في ذِكْرِها خَيْرًا لنا لَذَكَرَها.\nوليتَ الذينَ حَدَّدوا تلك الحاجةَ فَهموا هذه الإِشارة القرآنية، ولم يُتْعِبوا أَنفسَهم في تحديدِ تلك الحاجةِ بأَنها لدفْعِ العَيْن!.\nوبهذا نعرفُ أَنَّ يعقوبَ - ﵇ - كان كل متوكّلًا على الله عندما طَلَبَ من أَبنائِه أَنْ يَدْخلُوا من أَبوابٍ متفرقة، وأَنَّ هذا ليس خرافةً تُنافي العلْمَ والإِيمان، كما زَعَمَ المفْتَري.\nوقد نفى الفادي هذه الحادثة، رَغْمَ وُرودِها في القرآن لأَنها لم تُذْكَرْ في\nالتوراة وهذا باطل، ومرجَعِيَّتُنا ليست التوراة، إِنما هي القرآن، وذِكْرُ الحادثةِ في القرآن يَكفي لقَبولِها والإِيمانِ بها، سواءٌ ذَكَرَتْها التوراةُ أَمْ لا.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>حول بقرة بني إسرائيل</span>\nذَكَرَتْ سورةُ البقرةِ قصةَ بقرةِ بني إسرائيل في سَبْعِ آياتٍ منها ٦٧ - ٧٣.\nوخُلاصَتُها أَنه قُتِلَ قَتيلٌ من بني إِسْرائيل، زَمَنَ موسى - ﵇ -، ولم يُعْرَف القاتل، ولما رَفَعوا القضيةَ إِلى موسى - ﵇ -، أَخْبَرَهم بأَمْرِ اللهِ لهم أَنْ يَذْبَحوا بقرة، فعَجِبوا من ذلك، وظَنّوهُ يَهزأُ بهم ما فنفى ذلك، ولما سَأْلوهُ عن عمرِها","vol":"1","page":522},{"text":"ولونِها وعملِها أَخبرهم، عند ذلك ذَبَحوها مُكْرَهين.\nوضُربَ القَتيلُ بجزءٍ من تلك البقرة، فأَحياهُ اللهُ وأَخبرَ عن القاتِل!!.\nوقد رَفَضَ الفادي المفترِي ما قالَه القرآنُ عن قصةِ البقرة، واتَّهمَ\nالنبيَّ - ﷺ - بأَخْذِ القصةِ من التوراة، لأَنَّ القرآنَ عندَه ليس كلامَ الله، وإِنما هو من تأليفِ النبيِّ - ﷺ - أَخَذَهُ من مصادرَ بشرية؟\nقال: \" وتَاريخُ بني إِسرائيل من أَوَّلِه إِلى آخرِه خالٍ من هذه القصة.\nولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفًا من روايتِه من التوراة \".\nالقصةُ عندَه غيرُ صَحيحة، لأَنها لم تَرِدْ في التوراة، ومرجعيَّتُه هي\nالتوراة، فما ذُكِرَ فيها فهو الصواب، وما لم يُذْكَرْ فيها فهو الخَطَأ..\nمع العلمِ بأَنَّ التوراةَ مُحَرَّفَة، أَضافَ الأَحبارُ فيها كلامَ البشرِ إِلى كلامِ الله ...\nأَما نحن المسلمين فإِنَّ القرآنَ هو مرجعيَّتُنا، ما ذُكِرَ فيه نجزمُ بأَنه هو الصوابُ\nوالصحيح، وما لم يُذْكَرْ فيه نتوقَّفُ في قَبولِه! وما خالَفَه نجزمُ بأَنه خَطَأ.\nوبما أَنَّ قصةَ البقرةِ مذكورةٌ في سورةِ البقرة، فإِننا نجزمُ بوقوعِ أَحداثِها\nالتي ذَكَرَها القرآن، ولْيَقُل الفادي ما شاء!!.\nولاحِظْ عبارةَ الفادي القبيحة: \" ولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفًا من\nروايتِه من التوراة \"، فقد صَرَّحَ فيها بأَنَّ القرآنَ من كلام البشر، وليس كلامَ الله.\nوبعدَما استعرضَ بعضَ كَلامِ التوراة حولَ القتلِ وأَحكامِه أَجرى مقارنَةً\nبين كلامِ التوراة وما وَرَدَ في القرآن.\nقال: \" فهذه هي شريعةُ التوراة، التي تبيّنُ بَشاعةَ القَتْل، وتُعلنُ اعترافَ شيوخِ الشعبِ أَنهم لا يَعرفون القاتِل، بغسْلِ أيديهم على الذبيحةِ رمز البَراءَة، ثم يَطلبونَ الغُفْرانَ لتلك الخطيةِ المجهولَةِ الفاعِل! وهذا كُلُّه مَعْقول.\nولكنْ هل من المعقولِ أَنَّ قطعةَ لَحْمٍ من العجلةِ يُضْرَبُ بها القتيل، فيَحيا ويَتَكَلَّم؟! \".\nيُنكرُ الفادي المعجزةَ في قصةِ البقرة، وهي التي أَشارَ لها قولُه تعالى:","vol":"1","page":523},{"text":"(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) .\nبعدما ذَبَحوا البقرة، أَخذوا قطعةَ لَحْمٍ منها، وضرَبوا القَتيل بها،\nفأَحياهُ الله، وعَرَّفَ على قاتِلِه ثم مات.\nوهذا غيرُ معقول عند الفادي الجاهل، لأَنه يَظُنُّهُ فِعْلًا عاديًّا، كباقي\nأَفعال البشر..\nلأَنه لا يُفَرِّقُ بينَ الفعلِ البشريِّ العادي، وبين المعجزةِ الربانية، التي يُجريها الله، ويَجعلُها آيةً لعباده، وهذه المعجزةُ لا بُدَّ أَنْ تكونَ\nخارقةً لعاداتِ البشر!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>هل الرعد ملاك</span>؟\nوَقَفَ الفادي المفترِي أمامَ قولِ اللهِ - ﷿ - (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) .\nونَقَلَ كلامَ البيضاوي في تفسيرِ الآية، الذي ذَكَرَ فيه بعضَ الرواياتِ عن\nالرعد، بأَنه مَلَكٌ من الملائكة، ومعه مخاريقُ من نارٍ يَسوقُ بها السَّحاب،\nوالبرقَ بأَنه مَلَكٌ آخُر من الملائكة!.\nوعَلَّق الفادي على ما نَقَلَه عن البيضاويِّ بقولِه: \" ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ\nالرعدُ والبرق من الظواهر الطبيعيةِ الناتجةِ عن احتكاكِ السَّحابِ ببعضها،\nفكيفَ يقولونَ إِنها ملائكة؟! \".\nإِنَّ البرقَ والرعدَ من الظواهرِ الطبيعيةِ الجوية، ولَيْسا مَلَكَيْنِ من الملائكةِ\nيَسوقانِ السحاب، وما نَقَلَه البيضاويُّ في تفسيرِه إِنما هو أَقوالٌ ذَكَرَها بعضُ\nالسابقين، الذين لا يُقَدِّمونَ الدليلَ على ما يَقولون، ولا يَتَحَرَّونَ الدقةَ فيما\nيَنْقُلون..\nوما نَقَلَه من أَحاديث عن رسولِ الله - ﵇ - لم تَصحّ.","vol":"1","page":524},{"text":"وبما أَنه لم يثبُتْ شيءٌ عن رسولِ الله - ﷺ - في أَنَّ الرعدَ والبرقَ مَلَكان من الملائكة، فإِننا لا نقولُ بذلك!.\nواعتراضُ الفادي على الآيةِ مردود، واتهامُه للقرآنِ بأَنه يجعلُ الرعْدَ\nمَلَكًا مردودٌ أَيضًا، لأَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بذلك.\nالذي قالَه القرآنُ أَنَّ الرعْدَ يسبحُ بحمدِ الله، لأَنَّ الرعدَ مخلوقٌ من\nمخلوقاتِ الله، وكُلُّ المخلوقاتِ تُسَبِّحُ اللهَ، قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .\nوليس معنى إِسناده التسبيح للرَّعْد أَنْ يكونَ الرعْدُ مَلَكًا يُسَبِّحُ، بل هذا\nمن حيويةِ التعبيرِ القرآني، الذي يستخدمُ طريقةَ التصوير، حيث قَدَّمَ الرعد في صورةٍ حيةٍ شاخصة، في صورةِ رجلٍ خاشعٍ عابدٍ يسبحُ اللهَ - ﷿ -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>حول سحر الرسول - ﷺ </span>-\nوَقَفَ الفادي أَمامَ سورةِ الفَلَق، وما قيلَ في سببِ نُزولِها، من أَنَّها نزلَتْ\nفي سِحْرِ رسولِ اللهِ - ﷺ -..\nونَقَلَ كلامَ البيضاويِّ في تفسيرِ السورة..\n\" رُويَ أَنَّ يهوديًّا سَحَرَ النبيَّ - ﷺ - في إِحْدى عشرةَ عُقْدَة، في وترٍ دَسَّهُ في بئْر، فمرضَ النبيُّ، ونزلتِ المعوِّذَتَان..\nوأَخبرَه جبريلُ بموضعِ السِّحْر، فأَرسلَ عليًّا، فجاءَ به، فقرَأهما عليه، فكانَ كُلَّما قَرَأ آيةً انحلَّتْ عُقْدَة، وَوَجَدَ بعضَ الخِفَّة..\nولا يوجبُ ذلك صِدْقَ الكَفَرَةِ في أَنه مَسْحور، لأَنهم أَرادوا به أَنه مجنون بواسطةِ السحر \".\nثم ذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تتحدَّثُ عن قصةِ هاروتَ وماروت، وفيها قولُه\nتعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوتَدُلّ الآيةُ على أَنَّ السِّحْرَ قد يَضرُّ المسحورَ بإِذْنِ الله، وأَنَّ السحرةَ قد يُؤْذونَ الإِنسان، ويُفَرِّقونَ بين المرْءِ وزوْجِه.","vol":"1","page":525},{"text":"وذَكَرَ الفادي أقوالًا من الكتابِ المقَدَّس، تَنْهى عن تَعَلُّمِ السِّحر، منها\nأَقوالٌ لبولُسَ وبطرس.\nوخرجَ من ذلك بأَنَّ محمدًا - ﷺ - ليس رسولَ الله، لأَنَّه لو كانَ رسولَ الله لما أَثَّرَ فيه السحرُ، ولنهى عن السحر كما نهى عنه بولُسُ وبطرس! قال: \" ونحنُ نسأَلُ: كيفَ يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعنايةِ الله؟..\nولقد نهتْ شريعةُ اللهِ عن السحر.. \" ...\nوبعدما ذَكَرَ أَقوالَ بولسَ وبطرسَ في النهيِ عن السحرِ قال:\n\" هذه هي شريعةُ اللهِ حقًّا، وهؤلاء هم الرسلُ اللهِ فِعْلًا، يَنتهرون السَّحَرَةَ، ويُعطلونَ أَعمالَهم، وقوةُ الله فوقَ قوى السَّاحرين \".\nحادثةُ سِحْرِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ثابتةٌ في الحديثِ الصحيح.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - ﵂ -، قالت: سَحَرَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يهوديّ من يَهودِ بني زريق، يُقالُ له: لَبيدُ بنُ الأَعْصَم، حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه يفعلُ الشيءَ، وما يَفْعَلُه ...\nحتّى إِذا كانَ ذاتَ يوم، دعا رسولُ الله - ﷺ - ثم دَعا، ثم دَعا، ثم قالَ: \" يا عائشة! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتاني فيما استفتيتُه فيه، أَتاني رَجُلان، فقعدَ أَحَدُهما عندَ رأسي، والآخَرُ عند رجْلَي.\nفقالَ الذي عند رأسي للآخَر: ما بالُ الرجل؟\nقال: مَطْبوب.\nقال: ومَنْ طَبَّهُ؟\nقالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَم.\nقالَ: في أَي شيء؟\nقال: في مِشْطٍ ومُشاطَة.\nقال: أَيْنَ؟\nقال: في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَرْوان \".\nقالَتْ عائشة: فأَتى النبيُّ - ﷺ - البئرَ في أُناسٍ من أَصحابِه، حتى استخرجَه..\nثم قالَ: \" يا عائشةُ! هذه البئرُ التي أُريتُها، وكأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ\nالحِنَّاء، وكأَنَّ نَخْلَها رؤوسُ الشياطين.. \".\nفقلتُ: يا رسولَ الله، أَفلا أَحْرَقْتَه!\nقال: \" لا؟\nأَمّا أَنا فقد عافاني اللهُ، وكرهتُ أَنْ أُثيرَ على الناسِ شَرًّا..\nفأَمَرْتُ بها فدُفِنَتْ ... \".","vol":"1","page":526},{"text":"خُلاصَةُ حادثةِ سِحْرِ رسولِ - ﷺ - أَنَّ اليهوديَّ لَبيدَ بنَ الأَعْصَمِ كان ساحِرًا، وأَرادَ أَنْ يسحر رسولَ الله - ﷺ -، فأَخَذَ مِشْطًا كان يَمتشِطُ فيه رسولُ اللهِ - ﷺ -، وأَخَذَ \" مُشاطة \" - وهي بقايا الشَّعْرِ الذي كان يَسقطُ من رسولِ الله - ﷺ -، ويَبْقى في المشْط - ونَفَثَ في ذلك المشطِ والمُشاطة، ولَفَّهُما على سِحْرِه، ووضَعَهما في \" جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر \"، وهو الغِشاءُ الذي يَكونُ على طَلْعِ النخل، ثم وَضَعَ الوعاءَ تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَروان، والرّاعوفةُ هي الحجرُ الكبيرُ تكونُ في قَعْر البئر، يَنزلُ الإِنسانُ إِليها، ويَقِفُ عليها، إِذا احتاجَ إِلى النزولِ للبئر ...\nوبئرُ \" ذَرْوان \" واقعةٌ في بستانٍ في المدينة.\nوشاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ البشري لرسولِ اللهِ - ﷺ -، ولَفْظُ الحديثِ دَقيق: \" حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه يَفعلُ الشيءَ، وما يَفعلُه \"..\nأَي: كانَ أَثَرُ السحرِ على بَصَرِه فَقَط - ﷺ -، بحيثُ يدفعُه إِلى مجردِ التخيُّلِ بالبَصَر!.\nولم يستمرّ هذا طَويلًا، فلما أَحسَّ رسولُ اللهِ بالتخيُّل على بَصَرِه لَجَأَ\nإِلى اللهِ بالدُّعاء، فدعاهُ - ﷺ - ثم دَعاهُ، ثم دَعاهُ، وطَلَبَ منه أَنْ يُزيلَ عنه ما يَجدُه..\nواستجابَ اللهُ دعاءَ رسولِه - ﷺ - وأَزالَ عنه أَثَرَ السحر بفضْلِه سبحانه، ولم يَعُدْ يتخيَّلُ ببصرِه غيرَ الموجود..\nوأَحَسَّ رسولُ الله - ﷺ - بذلِك فحمدَ اللهَ،\nثم قالَ لعائشةَ - ﵂ -: \"لقد أَفْتاني اللهُ فيما استَفْتَيْتُه \"، أَيْ: عافاني ممّا أَجِدُه، واستجابَ دعائي!.\nوأَرسلَ اللهُ اثنَيْنَ من الملائكةِ في صورةِ رجلَيْن، فقعَدَ أَحَدُهُما عند\nرأسِه، وقَعَدَ الآخرُ عند رجلَيْه، وتحاوَرا فيما بينَهما ليَسمعَ كلامَهما، فعرفَ منهما أَنه مَسْحور، وأَنَّ الذي سَحَرَهُ هو اليهوديُّ لبيدُ بنُ الأَعصم، وعَرَف مكانَ السحْر..\nفذهبَ مكل مجموعةٍ من الصحابةِ فاستخرجَه.\nوقد اقترحَتْ عائشةُ - ﵂ - عليه أَنْ يحرقَه، ولكنَّه أَبى ذلك، حتى لا يُثيرَ على الناس شَرًّا.\nوأَمَرَ به فدُفِنَ في الأَرض.","vol":"1","page":527},{"text":"وإِنَّ حَادِثةَ سِحْرِ الرسولِ - ﷺ - دليلٌ على بشريَّتِه، وأَنه تُؤَثّرُ فيه الأَحْداثُ، ويَجري عليه قَدَرُ الله، كما أَنها تَدُل على أَنَّ السحْرَ يَضُرُّ بإِذْنِ الله.\nولا إِشكالَ في سحرِ الرسولِ - ﷺ -، لأَنَّ جانبَ النبوةِ لم يَتَأَثَّرْ بالسِّحر، فهو محفوظٌ بحفظِ الله، إِنما كانَ تأثيرُه على حاسَّةِ بصرِه فقط، بحيثُ كان يتخيَّلُ أَنه فَعَلَ الشيءَ، مع أَنه لم يفعَلْه، أَما عقْلُه وقلْبُه وروحُه وأَعصابُه فقد بقيَتْ سليمة ...\nوسرعانَ ما أَزالَ اللهُ عن بَصَرِه أَثرَ السحر، بعد أَنْ دَعاهُ\nوتَضَرَعَ إِليه.\nوقد كانَ الفادي جاهلًا عندما وَظَّفَ حادثةَ سِحْرِه - ﷺ - دَليلًا على عدم نبوَّتِه، وذلك عندما تساءَلَ بخُبْث: \" كيف يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعناية الله؟! \".\nإِنَّ اللهَ يَحفظُ عبادَه المؤمنين، ومع ذلك يَبْتَليهم بالضّرِّ، ويَأْذَنُ أَنْ يُصابوا\nبالأَذى، وليس وقوعُ هذا بهم دليلًا على عدمِ محبَّتِه لهم، أَو تخلّيه عنهم..\nوهم عندما يُصابونَ بالضُّرِّ والأَذى يلجؤون إِليه، ليكشفَ عنهم ما بهم..\nوبذلك يَزدادونَ قُرْبًا منه سبحانه.\nوهذا ما حَصَلَ مع رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولكنَّ الفادي مطموسٌ على قلبه، لذلك يجهلُ هذه الحقائق والمعاني والدروسَ والدلالات! (١) .\n_________\n(١) قال الله تعالى في حق موسى - ﵇ - (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) .","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-211>الفصل التاسع نقض المطاعن الفنية</span>","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>ما المراد بالحروف المقطعة</span>؟\nاعترضَ الفادي المفترِي على القرآن، لإِيرادِه الحروفَ المَقطَّعَةَ في بدايةِ\nبعضِ سورهِ، وذَكَرَ اعتراضَه تحتَ عنوانٍ قبيح، هو \" الكلامُ العاطِل \" أَيْ أَنَّ في القرآنِ كَلامًا عاطِلًا، وهذه صفةٌ مرذولةٌ، يوصَفُ بها الشيءُ التافهُ الساقط، ولقد أَرادَ المجرمُ بهذا العنوانِ شَتْمَ القرآنِ شَتْمًا سوقيًّا بَذيئًا!!.\nومعلومٌ أَنَّ السورَ المفتتحة بالحروفِ المقطَّعَةِ تسع وعشرون سورة، على\nعددِ حروفِ الهجاءِ في اللغةِ العربية.\nوالحروفُ المذكورة فيها هي:\n- (الم): في سور: البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة.\n- (الر): في سور: يونس وهود ويوسف وِإبراهيم والحجر.\n- (حم): في سور: غافر وفصلت والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف.\n- (طسم): في سورتي: الشعراء والقصص.\n- وسورةٌ واحدةٌ لكلٍّ مما يلي: (المص): سورة الأعراف.\nو(المر): - سورة الرعد.\nو(كهيعص): سورة مريم.\nو(طه): سورة طه.\nو(طس): سورة النمل.\nو(يسَ): سورة يس.\nو(حم عَسق): سورة الشورى.\nو(ص): سورة صَ.\nو(ق): سورة قَ.\nو(ن): سورة القلم.\nوقالَ الفادي المفترِي في بدايةِ اعتراضِه: \" جاءَ في فواتحِ تسعٍ وعشرين\nسورة بالقرآن حروفٌ عاطِلَة، لا يُفْهَمُ معناها! \".\nوبعدما ذَكَرَ أَسماءَ تلك السور قال: \" ونحنُ نسأل: إِنْ كانتْ هذه\nالحروفُ لا يعلمُها إِلّا الله كما يَقولون، فما فائدتُها لنا؟\nإِن اللهَ لا يوحي إِلّا بما يُفيد، فكلامُ الله بلاغَ وبَيانٌ وهدى للناس \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٥- الكلام العاطل\nيدعى المشكِّكُون أنه جاء فى فواتح ٢٩ سورة بالقرآن الكريم حروف عاطلة، لا يُفهم معناها نذكرها فيما يلى مع ذكر المواضع التى وردت فيها:\nالحروف: السورة\nالر: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر\nالم: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة\nالمر: الرعد\nالمص: الأعراف\nحم: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف\nحم عسق: الشورى\nص: ص\nطس: النمل\nطسم: الشعراء، القصص\nطه: طه\nق: ق\nكهيعص: مريم\nن: القلم\nيس: يس\nونحن نسأل: \" إن كانت هذه الحروف لا يعلمها إلا الله (كما يقولون) فما فائدتها لنا، إن الله لا يوحى إلا بالكلام الواضح فكلام الله بلاغ وبيان وهدى للناس \".\nالرد على هذه الشبهة:\nأطلقوا على هذه الحروف وصف \" الكلام العاطل \" والكلام العاطل هو \" اللغو \" الذى لا معنى له قط.\nأما هذه الحروف، التى أُفتتحت بها بعض سور القرآن، فقد فهمت منها الأمة، التى أُنزل عليها القرآن بلغتها العريقة، أكثر من عشرين معنى (١)، وما تزال الدراسات القرآنية الحديثة تضيف جديدًا إلى تلك المعانى التى رصدها الأقدمون فلو كانت \" عاطلة \" كما يدعى خصوم الإسلام، ما فهم منها أحد معنى واحدًا.\nولو جارينا جدلًا هؤلاء المتحاملين على كتاب الله العزيز من أن هذه \" الحروف \" عاطلة من المعانى، لوجدنا شططًا فى اتهامهم القرآن كله بأنه \" كلام عاطل \" لأنها لا تتجاوز ثمانى وعشرين آية، باستبعاد \" طه\" و\" يس \" لأنهما اسمان للنبى ﷺ، حذف منهما أداة النداء والتقدير: يا \" طه \" يا \" يس \" بدليل ذكر الضمير العائد عليه هكذا:\n(ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) (٢) و(إنك لمن المرسلين) (٣) .\nوباستبعاد هاتين السورتين من السور التسع والعشرين تُصبح هذه السور سبعًا وعشرين سورة، منها سورة الشورى، التى ذكرت فيها هذه الحروف المقطعة مرتين هكذا:\n\"حم، عسق \" فيكون عدد الآيات موضوع هذه الملاحظة ثمانى وعشرين آية فى القرآن كله، وعدد آيات القرآن الكريم ٦٢٣٦ آية. فكيف ينطبق وصف ثمانٍ وعشرين آية على ٦٢٠٨ آية؟.\nوالمعانى التى فُهمتْ من هذه \" الحروف \" نختار منها ما يأتى فى الرد على هؤلاء الخصوم.\nالرأىالأول:\nيرى بعض العلماء القدامى أن هذه الفواتح، مثل: الم، والر، والمص \". تشير إلى إعجاز القرآن، بأنه مؤلف من الحروف التى عرفها العرب، وصاغوا منها مفرداتهم، وصاغوا من مفرداتهم تراكيبهم. وأن القرآن لم يغير من أصول اللغة ومادتها شيئًا، ومع ذلك كان القرآن معجزًا؛ لا لأنه نزل بلغة تغاير لغتهم، ولكن لأنه نزل بعلم الله ﷿، كما يتفوق صانع على صانع آخر فى حذقه ومهارته فى صنعته مع أن المادة التى استخدمها الصانعان فى \" النموذج المصنوع \" واحدة وفى هذا قطع للحُجة عنهم.\nويؤيد هذا قوله ﷾:\n(أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون) (٤) .\nيعنى أن اللغة واحدة، وإنما كان القرآن معجزًا لأمر واحد هو أنه كلام الله، نازل وفق علم الله وصنعه، الذى لا يرقى إليه مخلوق.\nالرأى الثانى:\nإن هذه الحروف \" المُقطعة \" التى بدئت بها بعض سور القرآن إنما هى أدوات صوتية مثيرة لانتباه السامعين، يقصد بها تفريغ القلوب من الشواغل الصارفة لها عن السماع من أول وهلة. فمثلًا \" الم \" فى مطلع سورة البقرة، وهى تنطق هكذا.\n\" ألف لام ميم \" تستغرق مسافة من الزمن بقدر ما يتسع لتسعة أصوات، يتخللها المد مد الصوت عندما تقرع السمع تهيؤه، وتجذبه لعقبى الكلام قبل أن يسمع السامع قوله تعالى بعد هذه الأصوات التسعة:\n(ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (٥) .\nوإثارة الانتباه بمثل هذه المداخل سمة من سمات البيان العالى، ولذلك يطلق بعض الدارسين على هذه \" الحروف \" فى فواتح السور عبارة \" قرع عصى \" (٦) وهى وسيلة كانت تستعمل فى إيقاظ النائم، وتنبيه الغافل. وهى كناية لطيفة، وتطبيقها على هذه \" الحروف \" غير مستنكر. لأن الله ﷿ دعا الناس لسماع كلامه، وتدبر معانيه، وفى ذلك يقول ﷾:\n(وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) (٧) .\nالرأى الثالث:\nويرى الإمام الزمخشرى أن فى هذه \" الحروف \" سرًّا دقيقًا من أسرار الإعجاز القرآنى المفحم، وخلاصة رأيه نعرضها فى الآتى:\n\" واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه فى الفواتح من هذه الأسماء يقصد الحروف وجدتها نصف حروف المعجم، أربعة عشر سواء، وهى: الألف واللام والميم والصاد، والراء والكاف والهاء، والياء والعين والطاء والسين والحاء، والقاف والنون، فى تسع وعشرين سورة، على حذو حروف المعجم \".\nثم إذا نظرت فى هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك أن فيها:\nمن المهموسة نصفها:\n\" الصاد، والكاف، والهاء والسين والخاء \".\nومن المجهورة نصفها:\nالألف واللام والميم، والراء والعين والطاء، والقاف والياء والنون.\nومن الشديدة نصفها:\n\" الألف والكاف، والطاء والقاف \".\nومن الرخوة نصفها:\n\" اللام والميم، والراء والصاد، والهاء والعين، والسين والحاء والياء والنون \".\nومن المطبقة نصفها:\n\" الصاد والطاء \".\nومن المنفتحة نصفها:\n\" الألف واللام، والميم والراء، والكاف، والهاء والعين والسين والحاء، والقاف والياء والنون \".\nومن المستعلية نصفها:\n\" القاف والصاد، والطاء \".\nومن المنخفضة نصفها:\n\" الألف واللام والميم، والراء والكاف والهاء، والياء، والعين والسين، والحاء والنون \".\nومن حروف القلقلة نصفها: \" القاف والطاء \" (٨) .\nيريد أن يقول: إن هذه الحروف المذكورة يلحظ فيها ملحظان إعجازيان:\nالأول: من حيث عدد الأبجدية العربية، وهى ثمانية وعشرون حرفًا. فإن هذه الحروف المذكورة فى فواتح السور تعادل نصف حروف الأبجدية، يعنى أن المذكور منها أربعة عشر حرفًا والذى لم يذكر مثلها أربعة عشر حرفا:\n١٤+١٤ = ٢٨ حرفًا هى مجموع الأبجدية العربية.\nالثانى: من حيث صفات الحروف وهى:\nالهمس فى مقابلة الجهارة.\nالشدة فى مقابلة الرخاوة.\nالانطباق فى مقابلة الانفتاح.\nوالاستعلاء فى مقابلة الانخفاض.\nوالقلقلة فى مقابلة غيرها.\nنجد هذه الحروف المذكورة فى الفواتح القرآنية لبعض سور القرآن تعادل نصف أحرف كل صفة من الصفات السبع المذكورة. وهذا الانتصاف مع ما يلاحظ فيه من التناسب الدقيق بين المذكور والمتروك، لا يوجد إلا فى كلام الله المنزل على محمد ﷺ. وهو ذو مغزى إعجازى مذهل لذوى الألباب، لذلك نرى الإمام جار الله الزمخشرى يقول مُعقبًا على هذا الصنع الحكيم:\n\" فسبحان الذى دقت فى كل شىء حكمته. وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته. فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التى منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحُجة إياهم (٩) .\nثم أخذ الإمام الزمخشرى، يذكر فى إسهاب الدقائق والأسرار واللطائف، التى تستشف من هذه \" الحروف \" التى بدئت بها بعض سور القرآن، وتابعه فى ذلك السيد الشريف فى حاشيته التى وضعها على الكشاف، والمطبوعة بأسفل تفسير الزمخشرى. وذكر ما قاله الرجلان هنا يخرج بنا عن سبيل القصد الذى نتوخاه فى هذه الرسالة. ونوصى القراء الكرام بالاطلاع عليه فى المواضع المشار إليها فى الهوامش المذكورة وبقى أمرٌ مهمٌّ فى الرد على هذه الشبهة التى أثارها خصوم الإسلام، وهى شبهة وصف القرآن بالكلام العاطل. نذكره فى إيجاز فى الأتى:\nلو كانت هذه \" الحروف \" من الكلام العاطل لما تركها العرب المعارضون للدعوة فى عصر نزول القرآن، وهم المشهود لهم بالفصاحة والبلاغة، والمهارة فى البيان إنشاءً ونقدًا؛ فعلى قدرما طعنوا فى القرآن لم يثبت عنهم أنهم عابوا هذه \" الفواتح \" وهم أهل الذكر \" الاختصاص \" فى هذا المجال. وأين يكون \" الخواجات \" الذين يتصدون الآن لنقد القرآن من أولئك الذين كانوا أعلم الناس بمزايا الكلام وعيوبه؟!\nوقد ذكر القرآن نفسه مطاعنهم فى القرآن، ولم يذكر بينها أنهم أخذوا على القرآن أىَّ مأخذ، لا فى مفرداته ولا فى جمله، ولا فى تراكيبه. بل على العكس سلَّموا له بالتفوق فى هذا الجانب، وبعض العرب غير المسلمين امتدحوا هذا النظم القرآنى ورفعوه فوق كلام الإنس والجن.\nولشدة تأثيره على النفوس اكتفوا بالتواصى بينهم على عدم سماعه، والشوشرة عليه.\nوالطاعنون الجدد فى القرآن لا قدرة لهم على فهم تراكيب اللغة العربية، ولا على صوغ تراكيبها صوغًا سليمًا، والشرط فيمن يتصدى لنقد شىء أن تكون خبرته وتجربته أقوى من الشىء الذى ينقده. وهذا الشرط منعدم أصلًا عندهم. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) انظر للوقوف على هذه المعانى: التفسير الكبير \" للفخر الرازى. تفسير سورة البقرة.\n(٢) طه: ٢.\n(٣) يس: ٣.\n(٤) هود: ١٣-١٤.\n(٥) البقرة: ٢.\n(٦) يعنى الضرب بالعصى على الأرض لتنبيه المراد تنبيهه.\n(٧) الأعراف: ٢٠٤.\n(٨) الكشاف (ج١ ص ١٠٠- ١٠٣) .\n(٩) الكشاف: (ج١ ص ١٠٣) .","vol":"1","page":531},{"text":"وللردّ عليه، نقررُ أنه لا يوجَدُ في القرآنِ حروفٌ أَو كلمات أَو جُمَل\nعاطلة، لا معنى لها، أو لا يمكنُ أَنْ يُفْهَمَ معناها، كما أَنه لا توجَدُ في\nالقرآن حروفٌ أَو كلماتٌ زائدة..\nوكلُّ حرفٍ في القرآن له معنى ووظيفة، ويُؤدّي معناه ضمنَ السياقِ الذي وَرَدَ فيه، وإِذا حُذِفَ اختلَّ المعْنى، وضعُفَ التركيبُ، ونَقَصت الدِّلالة!!.\nوهذا معناهُ أَنَ الحروفَ المقطَّعَةَ في افتتاحياتِ بعضِ السور ليستْ عاطلةً\nأَو مهملةً، أَو ليس لها معنى ودلالة، أو ليس لورودها على هذه الصورة حكمةٌ أَو فائدة.\nونعترفُ أَنَّ العلماءَ والمفسرين اخْتَلَفوا في نظرِهم إِلى الحروفِ\nالمقطَّعَة، وانقسموا في ذلك إِلى فريقين:\n- الفريق الأول: لم يَخوضوا فيها، ولم يُحاوِلوا تفسيرَها، أَو بيانَ\nمَعْناها والحكمةِ منها، وقالوا: هي مما استَأثَرَ اللهُ بعلمِه، فلا يعلمُها إِلّا هو،\nونحنُ لا نخوضُ فيها.\n- الفريق الثاني: وَقَفوا أَمامَها، وتأَمَّلوا فيها، وحاولوا بيانَ معناها،\nوالحكمة من ورودِها!.\nوالراجحُ هو ما ذَهَبَ إِليه الفريقُ الثاني، لأَنَّ الله َ أَوجبَ علينا تَدَبُّرَ\nالقرآن، وفَهْمَ معانيه، ولم يَجعلْ فيه ما ليسَ له معنى، أَو ما لا يمكنُ أَنْ\nنفهمَه، فكل ما في القرآنِ له معنى، وكلُّ ما فيه يمكنُ أَنْ نفهمَه.\nوالراجحُ أَن افتتاحَ بعضِ السورِ القرآنية بالحروفِ المقطّعَةِ للتَحدي\nوالإِعجاز، وإِثباتِ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله.\nوبيانُ هذا، أَنه لما سمعَ المشركونَ القرآنَ من رسولِ الله - ﷺ - رَفَضوا الاعترافَ بأَنه من عندِ الله، واتَّهموا النبي - ﷺ - بتأليفه، ثم ادَّعوا بأَنَّ عندهم القدرةَ على الإِتيانِ بمثْلِه لو أَرادوا..\nفتحدَّاهم الله، وطَلَبَ منهم الإِتيانَ بمثْلِه، أَو بعشْرِ سورٍ مثْلِه، أَو بسورةٍ مثلِه ...","vol":"1","page":532},{"text":"ومن بابِ المبالغةِ في التحدي افتتحَ بعضَ السورِ بالحروف المقَطَّعَة، باعتبارِ الحروفِ هي المادَّة الأولية للكلامِ العَرَبي، لأَنَّ الكلمةَ مكوَّنَة من تلك\nالحروفِ البنائية..\nوكأَنَه لي قولُ لهم: القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مُبين، مكوَّن من هذهِ\nالحروف، ولغتُكم العربيةُ مكوَّنَة من هذه الحروف، وأَنتم تُحسنونَ الكلامَ بهذهِ اللغة وتَزعمونَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَلَّفَ القرآنَ من هذه الأَحرف..\nفخُذوا هذه الأَحرفَ مفكوكَةً مَفْرودَة، وصُوغوا منها سورةً أَو عَشْرَ سُوَرٍ مثلَ هذا القرآن!\nفإِن استطعْتُم ذلك ثَبَتَ أَن القرآنَ من تأليفِ محمد - ﷺ - ...\nوإنْ لم تَستطيعوا وعَجَزْتُم عن الإِتيانِ بالمطلوب ثبتَ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محَمَّدًا هو رسولُ اللهِ - ﷺ -، ووجبَ عليكم تصديقُه والدخولُ في دينه!.\nوالدليلُ على أَنَّ هذا هو الرأيُ الراجح، أَنَّ الحروفَ المقطَّعَة الواردةَ في\nبدايةِ بعضِ السور أَربعةَ عَشَرَ حرفًا.\nبعدَ إِسقاطِ المكرر منها، وأَنَّ بعضَهم جمعَها في جملةٍ مفيدةٍ ذاتِ دلَالة، وهي: نَصّ حَكيمٌ قاطِعٌ لَهُ سِرٌّ.\nومما يُشيرُ إِلى هذه الدلالةِ والحكمةِ والنتيجةِ من ورودِ الحروفِ المقطعةِ في\nافتتاحياتِ بعضِ السور، ورودُ آيةِ التحدي في سورةِ هود، وهي مفتتحةٌ بقوله تعالى: (الر) .\nوقالَ اللهُ فيها يتحدّى المشركين: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>هل في القرآن كلام أعجمي</span>؟\nوَقَفَ الفادي أَمامَ بعضِ الكلماتِ القرآنية التي ظَنَّها أَعجمية، واعتبرَ\nوُجودَها في القرآن يَتعارضُ مع الآياتِ التي تتحدَّثُ عن عربيةِ القرآن، كقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) .\nوقوله تعالى: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) .","vol":"1","page":533},{"text":"وتساءَلَ بخبْثٍ قائلًا: \" ونحنُ نسألُ: كيفَ يكونُ القرآنُ عَربيًّا مُبينًا، وبه\nكلماتٌ أَعجميةٌ كثيرة، من فارسيةٍ وآشوريةٍ وسريانيةٍ ويونانيةٍ ومصرية وحبشية، وغيرها؟! \" (١) .\nوالكلماتُ غيرُ العربية التي ذَكرها تسعٌ وعشرون كلمة، ما بين عبريةٍ\nوفارسيةٍ وآشورية، ومصرية ويونانية وآرامية، وسريانيةِ وحبشية ولاتينية.\nوقد اختلف العلماءُ في القولِ بوجودِ كلماتٍ أعجميةٍ في القرآن:\n- فمنهم مَنْ ذهبَ إِلى أَنَّ في القرآنِ كلماتٍ كثيرةً بلغاتٍ غيرِ عربية؟\nففيه كلمات فارسيةٌ وحبشيةٌ وسريانيةٌ وآراميةٌ ويونانية.\n- ومنهم مَنْ نفى وُجودَ أَيّ كلمةٍ غيرِ عربيةٍ في القرآن، فكلُّ كلماتِه عربيةُ\nالأَصل، حتى أَسماء الأَعلامِ للأَشخاصِ والأماكنِ والمواقع.\n- ومنهم مَنْ تَوَسَّطَ، فقالَ: كلُّ كلماتِ القرآنِ عربية، إلّا أَسماءُ بعض\nالأَشخاصِ والأَماكنِ والمواقع، مثلُ: آدمَ وإِبليسَ وإبراهيمَ وإِسماعيلَ وفرعونَ ومصر.\nوالراجحُ هو ما ذهب إليه الفريق الثالث، فما في القرآن من الكلمات\nالأَعجمية أَسماءُ الأَعلامِ فقط، أَما غيرُ الأَعلامِ فكلُّها كلماتٌ عربيةٌ مشتقة،\nيمكنُ إِعادتُها إِلى جذورِها وأُصولِها العربيةِ، ويمكنُ تحديدُ معناها العربي.\nووجودُ بعضِ الأعلامِ الأَعجميةِ في القرآنِ لا يَتعارضُ مع عربيةِ القرآن،\nوأَنه نَزَلَ بلسانٍ عَربيٍّ مبين، لأَنها كلماتٌ مترجمةٌ إِلى العربية، ومسجلَةٌ في\nالقرآن بحروفٍ عربية.\nومعلومٌ أَنْ أَسماءَ الأَعلام تُنقلُ وتُترجمُ من لغتِها الأَصليةِ إِلى اللغاتِ الأُخرى، بحروفِ تلك اللُّغات، وهذا أَمْرٌ متفقٌ عليه بينَ اللغات.\nفالأَعلامُ الأَعجميةُ هكذا هي في لغاتِها الأَصلية، وهي مترجمةٌ إِلى اللغةِ\nالعربية، ومذكورةٌ في القرآنِ بالحروفِ العربية.\nومن أَسماءِ الأَعلامِ الأَعجميةِ في القرآن، أَسماءُ بعضِ الأَنبياء: آدم،\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٤- الكلام الأعجمى\nجاء فى سورة الشعراء: (نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربى مبين) (١) . وجاء فى سورة الزمر: (قرآنا عربيًا غير ذى عوج) (٢) . وجاء فى سورة الدخان: (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) (٣) . وجاء فى سورة النحل: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون إليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين) (٤) .\nونحن نسأل: \" كيف يكون القرآن عربيًّا مبينًا، وبه كلمات أعجمية كثيرة، من فارسية، وآشورية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، ومصرية، وحبشية، وغيرها؟ \".\nهذا نص الشبهة الواردة فى هذا الصدد، وتأكيدا لهذه الشبهة ذكروا الكلمات الأعجمية حسب زعمهم التى وردت فى القرآن الكريم وهى:\nآدم أباريق إبراهيم أرائك استبرق إنجيل تابوت توراة جهنم حبر حور زكاة زنجبيل سبت سجيل سرادق سكينة سورة صراط طاغوت عدن فرعون فردوس ماعون مشكاة مقاليد ماروت هاروت الله.\nالرد على هذه الشبهة:\nهذه هى شبهتهم الواهية، التى بنوا عليها دعوى ضخمة، ولكنها جوفاء، وهى نفى أن يكون القرآن عربيًّا مثلهم كمثل الذى يهم أن يعبر أحد المحيطات على قارب من بوص، لا يلبث أن تتقاذفه الأمواج، فإذا هو غارق لا محالة.\nولن نطيل الوقوف أمام هذه الشبهة، لأنها منهارة من أساسها بآفة الوهن الذى بنيت عليه. ونكتفى فى الرد عليها بالآتى:\n- إن وجود مفردات غير عربية الأصل فى القرآن أمر أقر به علماء المسلمين قديمًا وحديثًا. ومن أنكره منهم مثل الإمام الشافعى كان لإنكاره وجه مقبول سنذكره فيما يأتى إن شاء الله.\n- ونحن من اليسير علينا أن نذكر كلمات أخرى وردت فى القرآن غير عربية الأصل، مثل: مِنْسَأَة بمعنى عصى فى سورة \" سبأ \" ومثل \" اليم \" بمعنى النهر فى سورة \" القصص \" وغيرها.\n- إن كل ما فى القرآن من كلمات غير عربية الأصل إنما هى كلمات مفردات، أسماء أعلام مثل: \" إبراهيم، يعقوب، إسحاق، فرعون \"، وهذه أعلام أشخاص، أو صفات، مثل: \" طاغوت، حبر\"، إذا سلمنا أن كلمة \" طاغوت \" أعجمية.\n- إن القرآن يخلو تمامًا من تراكيب غير عربية، فليس فيه جملة واحدة إسمية، أو فعلية من غير اللغة العربية.\n- إن وجود مفردات أجنبية فى أى لغة سواء كانت اللغة العربية أو غير العربية لا يخرج تلك اللغة عن أصالتها، ومن المعروف أن الأسماء لا تترجم إلى اللغة التى تستعملها حتى الآن. فالمتحدث بالإنجليزية إذا احتاج إلى ذكر اسم من لغة غير لغته، يذكره برسمه ونطقه فى لغته الأصلية ومن هذا ما نسمعه الآن فى نشرات الأخبار باللغات الأجنبية فى مصر، فإنها تنطق الأسماء العربية نُطقًا عربيَّا. ولا يقال: إن نشرة الأخبار ليست باللغة الفرنسية أو الإنجليزية مثلًا، لمجرد أن بعض المفردات فيها نطقت بلغة أخرى.\nوالمؤلفات العلمية والأدبية الحديثة، التى تكتب باللغة العربية ويكثر فيها مؤلفوها من ذكر الأسماء الأجنبية والمصادر التى نقلوا عنها، ويرسمونها بالأحرف الأجنبية والنطق الأجنبى لا يقال: إنها مكتوبة بغير اللغة العربية، لمجرد أن بعض الكلمات الأجنبية وردت فيها، والعكس صحيح.\nومثيرو هذه الشبهة يعرفون ذلك كما يعرفون أنفسهم فكان حريًاّ بهم ألا يتمادوا فى هذه اللغو الساقط إما احترامًا لأنفسهم، وإما خجلًا من ذكر ما يثير الضحك منهم.\n- إنهم مسرفون فى نسبة بعض هذه المفردات التى ذكروها وعزوها إلى غير العربية:\nفالزكاة والسكينة، وآدم والحور، والسبت والسورة، ومقاليد، وعدن والله، كل هذه مفردات عربية أصيلة لها جذور لغُوية عريقة فى اللغة العربية. وقد ورد فى المعاجم العربية، وكتب فقه اللغة وغيرها تأصيل هذه الكلمات عربيَّا فمثلًا:\nالزكاة من زكا يزكو فهو زاكٍ. وأصل هذه المادة هى الطهر والنماء.\nوكذلك السكينة، بمعنى الثبات والقرار، ضد الاضطراب لها جذر لغوى عميق فى اللغة العربية. يقال: سكن بمعنى أقام، ويتفرع عنه: يسكن، ساكن، مسكن، أسكن.\n- إن هذه المفردات غير العربية التى وردت فى القرآن الكريم، وإن لم تكن عربية فى أصل الوضع اللغوى فهى عربية باستعمال العرب لها قبل عصر نزول القرآن وفيه.. وكانت سائغة ومستعملة بكثرة فى اللسان العربى قبيل نزول القرآن وبهذا الاستعمال فارقت أصلها غير العربى، وعُدَّتْ عربية نطقًا واستعمالًا وخطًاّ.\nإذن فورودها فى القرآن مع قلتها وندرتها إذا ما قيست بعدد كلمات القرآن لا يخرج القرآن عن كونه \" بلسان عربى مبين \"\nومن أكذب الادعاءات أن يقال: إن لفظ الجلالة \" الله \" عبرى أو سريانى وإن القرآن أخذه عن هاتين اللغتين. إذ ليس لهذا اللفظ الجليل \" الله \" وجود فى غير العربية:\nفالعبرية مثلًا تطلق على \" الله \" عدة إطلاقات، مثل ايل، الوهيم، وأدوناى، ويهوا أو يهوفا. فأين هذه الألفاظ من كلمة \" الله \" فى اللغة العربية وفى اللغةاليونانية التى ترجمت منها الأناجيل إلى اللغة العربية حيث نجد الله فيها \" الوى \" وقد وردت فى بعض الأناجيل يذكرها عيسى ﵇ مستغيثًا بربه هكذا \" الوى الوى \" وترجمتها إلهى إلهى.\nإن نفى عروبة القرآن بناء على هذه الشبهة الواهية أشبه ما يكون بمشهد خرافى فى أدب اللامعقول. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الشعراء: ١٩٣-١٩٥.\n(٢) الزمر: ٢٨.\n(٣) الدخان: ٥٨.\n(٤) النحل: ١٠٣.","vol":"1","page":534},{"text":"نوح، لوط، إبراهيم، إسماعيل، زكريا، يحيى ...\nوغيرهم عليهم الصلاة والسلام.\nوأسماءُ بعضِ المواقع، مثل: مصر، والجودي، وأسماءُ بعضِ\nالأَشخاص، مثلُ: إِبليس، وفرعون، وَوَدّ، وسُواعٌ، ويَغوثُ، ويَعوقُ، ونَسْرٌ.\nومن الأَسماءِ الأَعجميةِ التي ذكَرَها الفادي، والتي نوافقهُ على أَنها\nأَعجمية، لكنها معربةٌ في القرآنِ بحروفٍ عربية: آدمُ، وإِبراهيمُ، وتوراة،\nوإنجيل، وفرعون، وهاروت، وماروت.\nوأَكثرُ من عشرينَ كلمةً من الكلماتِ القرآنيةِ التي زَعَمَها الفادي أَعجميةً\nهي كلماتٌ عربية، لها جذورٌ وأُصولٌ عربية:\nأباريق: مشتقةٌ من: بَرْقٌ..\nو: أَرائك: مشتقةٌ من: أَرْكٌ..\nو: إِستبرق: مشتقةٌ من: بَرْقٌ..\nو: تابوتٌ: مشتقةٌ من: تَبْتٌ..\nو: جهنمُ: مشتقَّةٌ من: جَهْمٌ..\nو: خَبَرٌ: مشتقةٌ من: خَبْرٌ..\nو: حُورٌ: مشتقةٌ من: حَوْرٌ..\nو: زكاةٌ: مشتقةٌ من: زَكْوٌ..\nو: زنجبيلٌ: مشتقّ من: زَنْجٌ..\nو: السَّبْتُ: مشتقّة من: سَبْتٌ..\nو: سِجّيل!: مشتقّة من: سَجْلٌ..\nو: سُرادِقٌ: مشتقة من: سَرْدٌ..\nو: سَكينَةٌ: مشتقة من: سَكْنٌ..\nو: سورَةٌ: مشتقةٌ من: سَوْرٌ..\nو: صِراطٌ: مشتقةٌ من: صَرْطٌ..\nو: طاغوتٌ: مشتقّة من: طَغْوٌ..\nو: عَدنٌ: مشتقةٌ من: عَدْنٌ..\nو: فرْدَوسٌ: مشتقةٌ من: فَرْدٌ..\nو: ماعونٌ: مشتقّة من: مَعْنٌ..\nو: مشكاةٌ: مشتقةٌ من: شَكْوٌ..\nو: مَقاليدُ: مشتقةٌ من: قَلْدٌ..\nولفظ الجلالة: اللهُ: مشتقٌ من: أَلْهٌ.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>دعوى التناقض في القرآن</span>\nذَكَرَ الفادي المفترِي قولَ اللهِ - ﷿ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\nوتدعو الآية ُ الناسَ جميعًا إِلى تدبُّرِ القرآن، وإمعانِ النظر فيه، وتَجزمُ بأَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أو نقصًا،","vol":"1","page":535},{"text":"أَو اختلافًا أَو اضطرابًا..\nوعدمُ وجودِ ذلك فيه دَليل على أنه من عندِ الله، ولو كان من عندِ غيرِ اللهِ لما سَلِمَ من هذه العيوب.\nوقد تحدّى القرآنُ الكفارَ أَنْ يَجدوا اختلافًا وتناقضًا فيه، ودَعاهُم إِلى\nإِمعانِ النظر، وإِطالةِ التدبُّر..\nواستمرَّ التحدي منذُ نزولِ القرآنِ على رسول الله - ﷺ -، وما زالَ التحدي مستمرًا خمسةَ عَشَرَ قَرْنًا، وسَيبقى مستمرًا\nحتى قيامِ الساعة.\nونَظَرَ الكفارُ في القرآن، وتدبَّروه، وادَّعوا أَنهم وَجدوا فيه اختلافًا\nوتناقضًا..\nوقَدَّموا ما زعموهُ..\nوعندما نظر العلماء في ما قدموه وَجدوهُ تافِهًا، يمكنُ الرَّدُّ عليه بمنتهى السهولة.\nومن هؤلاءِ الكفارِ الفادي المفترِي، الذي ادَّعى أَنّه وَجَدَ اخْتِلافًا\nوتَناقضًا كَثيرًا في القرآن.\nولذلكَ قالَ بعدَ أَنْ ذكرَ الآيَةَ السابقة: \" ولكنّنا نجِدُ فيه التناقضَ الكثير \".\nثم سَجَّلَ المفترِي خمسةَ عَشَرَ موضوعًا في القرآن، ادَّعى أَنَ القرآنَ\nمتناقضٌ في حديثِه عن كلِّ واحدٍ منها، وكانَ يَضَعُ عمودَيْن ليبيِّنَ التناقضَ في\nالقرآن، يجعلُ في العمودِ الأَولِ الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الموضوع، ويجعلُ\nفي العمودِ المقابلِ الآياتِ التي تتناقضُ مع الآياتِ المقابلة.\nوالموضوعاتُ التي ادعى تناقضَ القرآنِ في حديثِه عنها هي: تَبديلُ\nوتَغييرُ كَلامِ اللهِ في القرآن.\nومقدارُ اليومِ عند الله.\nووقوعُ الشفاعةِ في الآخرة..\nوعَدَدُ أَهْلِ الجنة..\nوأَيُّ دينٍ هو المقبولُ عندَ الله..\nوالصفحُ عن المخالفين..\nوالنهيُ عن الفحشاء..\nوالقَسَمُ بمكَّة..\nوالنهيُ عن النفاق..\nوالنهيُ عن الهوى..\nوالموقفُ من الخمر..\nوالموقفُ من الكفار..\nوكيف كانت نهايةُ فرعون..\nوخَلْقُ الأَرض والسماء..\nوالإِحكامُ والتشابهُ في القرآن.. (١)\nوسوفَ ننظرُ في الآيات ِ التي زَعَمَها متناقضة، ونَرُدُّ زعمَ التناقَضِ\nفيها بعونِ الله..\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦- الكلام المتناقض\n\" جاء فى سورة النساء: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا) (١) .\nولكننا نجد فيه التناقض الكثير مثل:\nكلام الله لا يتبدل: كلام الله يتبدل\n(لا تبديل لكلمات الله) (٢): (وإذا بدلنا آية مكان آية..) (٣)\n(لا مبدل لكلماته) (٤): (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها) (٥)\n(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٦): (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) (٧)\nهذه طريقتهم فى عرض هذه الشبهة يقابلون بين بعض الآيات على اعتبار تصورهم، وهو أن كل آية تناقض معنى الآية المقابلة لها، على غرار ما ترى فى هذا الجدول الذى وضعوه لبيان التناقض فى القرآن حسب زعمهم.\nالرد على هذه الشبهة:\nالصورة الأولى للتناقض الموهوم بين آية يونس: (لا تبديل لكلمات الله) وآية النحل (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لا وجود لها إلا فى أوهامهم ويبدو أنهم يجهلون معنى التناقض تمامًا. فالتناقض من أحكام العقل، ويكون بين أمرين كليين لا يجتمعان أبدًا فى الوجود فى محل واحد، ولا يرتفعان أبدًا عن ذلك المحل، بل لا بد من وجود أحدهما وانتفاء الآخر، مثل الموت والحياة. فالإنسان يكون إما حيًّا وإما ميتا ولا يرتفعان عنه فى وقت واحد، ومحال أن يكون حيًّا وميتًا فى آن واحد؛ لأن النقيضين لا يجتمعان فى محل واحد.\nومحال أن يكون إنسان ما لا حى ولا ميت فى آن واحد وليس فى القرآن كله صورة ما من صور التناقض العقلى إلا ما يدعيه الجهلاء أو المعاندون. والعثور على التناقض بين الآيتين المشار إليهما محال محال؛ لأن قوله تعالى فى سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) معناه لا تبديل لقضاء الله الذى يقضيه فى شئون الكائنات، ويتسع معنى التبديل هنا ليشمل سنن الله وقوانينه الكونية. ومنها القوانين الكيميائية، والفيزيائية وما ينتج عنها من تفاعلات بين عناصرالموجودات،أو تغييرات تطرأ عليها. كتسخين الحديد أو المعادن وتمددها بالحرارة، وتجمدها وانكماشها بالبرودة. هذه هى كلمات الله ﷿.\nوقد عبر عنها القرآن فى مواضع أخرى ب.. السنن وهى القوانين التى تخضع لها جميع الكائنات، الإنسان والحيوان والنبات والجمادات. إن كل شئ فى الوجود، يجرى ويتفاعل وفق السنن الإلهية أو كلماته الكلية، التى ليس فى مقدور قوة فى الوجود أن تغيرها أو تعطل مفعولها فى الكون.\nذلك هو المقصود به ب \" كلمات الله \"، التى لا نجد لها تبديلًا، ولا نجد لها تحويلًا.\nومن هذه الكلمات أو القوانين والسنن الإلهية النافذة طوعًا أو كرهًا قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) (٨) . فهل فى مقدور أحد مهما كان أن يعطل هذه السنة الإلهية فيوقف \" سيف المنايا \" ويهب كل الأحياء خلودًا فى هذه الحياة الدنيا؟\nفكلمات الله إذن هى عبارة عن قضائه فى الكائنات وقوانينه المطردة فى الموجودات وسننه النافذة فى المخلوقات.\nولا تناقض فى العقل ولا فى النقل ولا فى الواقع المحسوس بين مدلول آية: (لا تبديل لكلمات الله) وآية: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) .\nلأن معنى هذه الآية: إذا رفعنا آية، أى وقفنا الحكم بها، ووضعنا آية مكانها، أى وضعنا الحكم بمضمونها مكان الحكم بمضون الأولى. قال جهلة المشركين: إنما أنت مفتِرٍ (٩) .\nفلكل من الآيتين معنى فى محل غير معنى ومحل الأخرى.\nفالآية فى سورة يونس (لا تبديل لكلمات الله) والآية فى سورة النحل: (وإذا بدلنا آية مكان آية..) لكل منهما مقام خاص، ولكن هؤلاء الحقدة جعلوا الكلمات بمعنى الآيات، أو جعلوا الآيات بمعنى الكلمات زورًا وبهتانًا، ليوهموا الناس أن فى القرآن تناقضًا. وهيهات هيهات لما يتوهمون.\nأما الآيتان (لا مبدل لكلماته) و(ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وقد تقدم ذكرهما فى الجدول السابق.\nهاتان الآيتان بريئتان من التناقض براءة قرص الشمس من اللون الأسود:\nفآية الكهف (لا مبدل لكلماته) معناها لا مغير لسننه وقوانينه فى الكائنات. وهذا هو ما عليه المحققون من أهل العلم ويؤيده الواقع المحسوس والعلم المدروس.\nوحتى لو كان المراد من \" كلماته \" آياته المنزلة فى الكتاب العزيز \" القرآن \" فإنه - كذلك - لا مبدل لها من الخلق فهى باقية محفوظة كما أنزلها الله ﷿، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (١٠) .\nأما آية البقرة: (ما ننسخ من آية) فالمراد من الآية فيها المعجزة، التى يجريها الله على أيدى رسله. ونسخها رفعها بعد وقوعها. وليس المراد الآية من القرآن، وهذا ما عليه المحققون من أهل التأويل. بدليل قوله تعالى فى نفس الآية: (ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير) .\nويكون الله ﷿ قد أخبر عباده عن تأييده رسله بالمعجزات وتتابع تلك المعجزات؛ لأنها من صنع الله، والله على كل شىء قدير.\nفالآيتان - كما ترى - لكل منهما مقام خاص بها، وليس بينهما أدنى تعارض، فضلًا عن أن يكون بينهما تناقض.\nأما الآيتان الأخيرتان الواردتان فى الجدول، وهما آية الحجر: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وآية الرعد: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فلا تعارض بينهما كذلك؛ لأن الآية الأولى إخبار من الله بأنه حافظ للقرآن من التبديل والتحريف والتغيير، ومن كل آفات الضياع وقد صدق إخباره تعالى، فظل القرآن محفوظًا من كل ما يمسه مما مس كتب الرسل السابقين عليه فى الوجود الزمنى، ومن أشهرها التوراة وملحقاتها. والإنجيل الذى أنزله الله على عيسى ﵇.\nأما الآية الثانية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) فهى إخبار من الله بأنه هو وحده المتصرف فى شئون العباد دون أن يحد من تصرفه أحد. فإرادته ماضية، وقضاؤه نافذ، يحيى ويميت، يغنى ويفقر، يُصحُّ ويُمْرِضُ، يُسْعِد ويُشْقِى، يعطى ويمنع، لا راد لقضائه، ولا معقب على حكمه (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون) (١١) . فأين التناقض المزعوم بين هاتين الآيتين يا ترى؟ التناقض كان سيكون لو ألغت آية معنى الأخرى. أما ومعنى الآيتين كل منهما يسير فى طريقٍ متوازٍ غير طريق الأخرى، فإن القول بوجود تناقض بينهما ضرب من الخبل والهذيان المحموم، ولكن ماذا نقول حينما يتكلم الحقد والحسد، ويتوارى العقل وراء دياجير الجهالة الحاقدة؟ نكتفى بهذا الرد الموجز المفحم، على ما ورد فى الجدول المتقدم ذكره.\nوهناك شبه أخرى يمكن سردها بإيجاز:\n١- إنهم توهموا تناقضًا بين قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) (١٢) . وبين قوله تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) (١٣) . وفى عبارة شديدة الإيجاز نرد على هذه الشبهة الفرعية، التى تصيدوها من اختلاف زمن العروج إلى السماء، فهو فى آية السجدة ألف سنة وهو فى آية المعارج خمسون ألف سنة، ومع هذا الفارق العظيم فإن الآيتين خاليتان من التناقض. ولماذا؟ لأنهما عروجان لا عروج واحد، وعارجان لا عارج واحد.\nفالعارج فى آية السجدة الأمر، والعروج عروج الأمر، والعارج فى آية المعارج هم الملائكة والعروج هو عروج الملائكة.\nاختلف العارج والعروج فى الآيتين. فاختلف الزمن فيهما قصرًا أو طولًا. وشرط التناقض - لو كانوا يعلمون - هو اتحاد المقام.\n٢- وقالوا أيضًا: إن بين قوله تعالى: (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين) (١٤) . وقوله تعالى: (ثلة من الأولين وثلة من الآخرين) (١٥) تناقضا. وشاهد التناقض عندهم أن الله قال فى الآية (١٣) (وقليل من الآخرين (وقال فى الآية (٤٠) (وثلة من الآخرين) إذ كيف قال أولًا: (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) ثم قال ثانيًا (ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين (ولو كان لديهم نية فى الإنصاف، ومعرفة الحق ناصعًا ونظروا فى المقامين اللذين ورد فيهما هذا الاختلاف لوصلوا إلى الحق من أقصر طريق. ولكنهم يبحثون عن العيوب ولو كلفهم ذلك إلغاء عقولهم.\nهذا الاختلاف سببه اختلاف مقام الكلام؛ لأن الله ﷿ قسم الناس فى سورة الواقعة، يوم القيامة ثلاثة أقسام. فقال: (وكنتم أزواجًا ثلاثة):\n*السابقون السابقون. *وأصحاب الميمنة. * وأصحاب المشئمة.\nثم بين مصير كل قسم من هذه الأقسام فالسابقون السابقون لهم منزلة: \" المقربون فى جنات النعيم \"\nثم بيَّن أن الذين يتبوأون هذه المنزلة فريقان:\nكثيرون من السابقين الأولين، وقليلون من الأجيال المتأخرين\nوذلك لأن السابقين الأولين بلغوا درجات عالية من الإيمان وعمل الباقيات الصالحات. ولم يشاركهم من الأجيال المتأخرة عن زمنهم إلا قليل.\nأما أصحاب اليمين أو الميمنة فبلاؤهم فى الإسلام أدنى من بلاء السابقين الأولين. لذلك كانت درجاتهم فى الجنة أدنى من درجات السابقين الأولين ويشاركهم فى هذه المنزلة كثير من الأجيال اللاحقة بهم؛ لأن فرصة العمل بما جعلهم أصحاب اليمين، متاحة فى كل زمان.\nويمكن أن نمثل للسابقين الأولين بأصحاب رسول الله (ولأصحاب اليمين) بالتابعين، الذين أدركوا الصحابة ولم يدركوا صاحب الرسالة. واذا صح هذا التمثيل، ولا أظنه إلا صحيحًا، صح أن نقول:\nإن قليلًا منا، بل وقليل جدًا، من يسير فى حياته سيرة أصحاب رسول الله ﷺ وإن كثيرًا منا من يمكن أن يسير سيرة التابعين ﵃.\nوعلى هذا فلا تناقض أبدًا بين الآيتين:\n(ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) .\nو(ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين) .\n٣- وقالوا أيضًا: إن فى القرآن آية تنهى عن النفاق، وآية أخرى تُكره الناس على النفاق أما الآية التى تنهى عن النفاق - عندهم - فهى قوله تعالى (: وبشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليما) (١٦) .\nوأما الآية التى تُكره الناس على النفاق - عندهم - فهى قوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أَنَّى يؤفكون) (١٧) .\nمن المحال أن يفهم من له أدنى حظ من عقل أو تمييز أن فى الآية الأولى نهيًا، وأن فى الآية الثانية إكراهًا ويبدو بكل وضوح أن مثيرى هذه الشبهات فى أشد الحاجة إلى من يعلمهم القراءة والكتابة على منهج: وزن وخزن وزرع.\nويبدو بكل وضوح أنهم أعجميو اللسان، لا يجيدون إلا الرطانة والتهتهة؛ لأنهم جهلة باللغة العربية، لغة التنزيل المعجز. ومع هذه المخازى يُنَصَّبُون أنفسهم لنقد القرآن، الذى أعجز الإنس والجن.\nلا نهى فى الآية الأولى، لأن النهى فى لغة التنزيل له أسلوب لغوى معروف، هو دخول \" لا \" الناهية على الفعل المضارع مثل: لا تفعل كذا.\nويقوم مقامه أسلوب آخر هو: إياك أن تفعل، جامعًا بين التحذير والنهى، ولا إكراه فى الآية الثانية. وقد جهل هؤلاء الحقدة أن الإكراه من صفات الأفعال لا من صفات الأقوال أما كان الحرى بهم أن يستحيوا من ارتكاب هذه الحماقات الفاضحة.\nإن الآية الأولى: (وبشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما) تحمل إنذارًا ووعيدًا. أما النهى فلا وجود له فيها والآية الثانية تسجل عن طريق \" الخبر \" انحراف اليهود والنصارى فى العقيدة، وكفرهم بعقيدة التوحيد، وهى الأساس الذى قامت عليه رسالات الله ﷿.\nوليس فى هذه الآية نفاق أصلًا، ولكن فيها رمز إلى أن اليهود والنصارى حين نسبوا \" الأبنية \" لله لم يكونوا على ثقة بما يقولون، ومع هذا فإنهم ظلوا فى خداع أنفسهم.\nوكيف يكون القرآن قد أكرههم على هذا النفاق \" المودرن \" وهو فى الوقت نفسه يدعو عليهم بالهلاك بقبح إشراكهم بالله:\n(قاتلهم الله) . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) النساء: ٨٢.\n(٢) يونس: ٦٤.\n(٣) النحل: ١٠١.\n(٤) الكهف: ٢٧.\n(٥) البقرة: ١٠٦.\n(٦) الحجر: ٩.\n(٧) الرعد: ٣٩.\n(٨) آل عمران: ١٨٥.\n(٩) انظر تفسير فتح القدير (ج٢/٢٣٢)\n(١٠) تفسير فتح القدير (ج٣ - ص ٣٣٣) .\n(١١) الأنبياء: ٢٣.\n(١٢) السجدة: ٥.\n(١٣) المعارج: ٤.\n(١٤) الواقعة: ١٣ - ١٤.\n(١٥) الواقعة: ٣٩ - ٤٠.\n(١٦) النساء: ١٣٨.\n(١٧) التوبة: ٣٠.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>أَوَّلًا: هل يتبدَّلُ كلامُ الله</span>؟\n: ذَكَرَ الفادي ثلاثَ آياتٍ تدلُّ على أَنَّ كلامَ اللهِ لا يَتَبَدَّلُ.\nقال تعالى: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) ..\nوقال تعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) .\nوقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .\nما هو موضوعُ الآيةِ التي أَخبرتْ أَنَّه لا مُبَدِّلَ لكلماتِ الله؟.\nآيةُ سورةِ يونس في سياقِ الحديثِ عن حفظِ اللهِ لأوليائه.\nقال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) .\nالمرادُ بكلماتِ اللهِ هنا قَدَرُ اللهِ وإِرادَتُه ومشيئَتُه سبحانه، وليس كلامَه\nالقرآنَ الكريم، فاللهُ قَدَّرَ سعادةَ وفوزَ أَوليائِه المتقينَ في الدنيا والآخِرة، وهذا لا بُدَّ أَن يَتَحَقَّقَ، لأَنَّ اللهَ هو الذي قَدَّره وأَرادَه، ولا رادَّ لأَمْرِه، ولا تَبديلَ لقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه.\nوآيةُ سورةِ الكَهفِ تأمُرُ بتلاوةِ القرآن، قال تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) .\n\" مُبَدِّلَ \": اسم فاعل.\nوهو اسْمُ \" لا \" النافية للجنس.\nوالمرادُ بكلماتِه هنا آياتُ القرآنِ وجُمَلُه وأَلفاظُه.\nوالتقدير: لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقينَ على أَنْ يُبَدّلَ كلماتِ الله، التي أَنزلَها على رسولِه - ﷺ -.\nومصداق هذه الآية ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الحجر: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) . فبما أَنَّ اللهَ تعهَّدَ بحفْظِ كتابه، فلا يَقْدِرُ أَحَدٌ على أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُبَدِّلَ فيه \".\nلِننظر الآنَ في الآياتِ التي زَعَمَ الفادي الجاهلُ تعارُضَها مع هذه الآيات!.","vol":"1","page":537},{"text":"قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .\nوقال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) .\nوقال تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .\nهل هذه الآيات ُ متعارضةٌ مع الآيات ِ السابقة؟\nوما وَجْهُ معارضتِها لها؟\nالآياتُ السابقةُ تقررُ أَنه لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقين على تبديلِ كلماتِ الله،\nفهل تُقررُ هذه الآياتُ أَنه يمكنُ لأَحَدٍ من المخلوقين تبديلُ كلماتِ الله؟.\nآيةُ سورةِ الرعدِ لا تتحدَّثُ عن آياتِ القرآن، وإِنما تتحدَّثُ عن المحوِ\nوالإِثباتِ والتغييرِ والتبديلِ في قَدَرِ الله، وتِجعلُ هذا بيَدِ اللهِ وحده.\nفالله يَمحو ويُغيرُ ما يَشاءُ من قَدَرِه، ويُثْبِتُ ويُبْقي ما يَشاءُ من قَدَرِهِ، وله الحكمةُ في ما يَمْحو وما يُثْبِت، وعنده أُم الكتاب، وهو اللوحُ المحفوظ، الذي جعلَ فيه كُلَّ ما يريدُ فِعْلَه في هذا الكونِ، قبلَ خَلْقِ السمواتِ والأَرض.\nوظَنَّ الفادي الجاهلُ أَنَّ المرادَ بأُم الكتابِ هنا القرآنُ كُلُّه، أَو سورةُ\nالفاتحة، وهذا ظَنّ باطِل، فالمرادُ بأُمِّ الكتابِ هنا اللوحُ المحفوظ.\nوتتحدَّثُ آيةُ سورةِ البقرةِ عن النسخ، وتجعلُه بيدِ اللهِ وحْدَه سبحانه، فإذا\nنسخَ اللهُ آيةً من آياتِ القرآن، وأَلْغى حُكْمَها، فإِنه يأتي بآيةٍ أُخْرى، فيها حُكْم خيرٌ من حُكْمِ الآيةِ المنسوخة، أَو هو مثْلُه.\nفاللهُ هو الذي ينسخُ ما يشاءُ من أَحكامِ القرآن، أَمّا المخلوقُ فإِنه\nيَستحيلُ عليه نسخُ أَو تبديلُ القرآن، وكلُّ مسلمٍ يعتقدُ هذا عن يَقين.\nوتَرُدُّ آيةُ سورةِ النحل على اتهاماتِ وإِشاعاتِ الكفار، فإذا نَسَخَ اللهُ اَيَةً\nبآية، وبَدَّلَ آيةً مكانَ آية، اتهمَ الكفارُ النبيَّ - ﷺ - بالتلاعبِ والتحريف، وقالوا له: إِنما أَنتَ مُفْتَرٍ..\nفتردّ عليهم الآيةُ بأَن النسخَ والتبديلَ لم يَصدرْ عن","vol":"1","page":538},{"text":"رسولِ اللهِ - ﷺ -.\nوإِنما هو من فعل اللهِ وحدَه، فالكلامُ كلامُه، والأَمرُ أَمرُه، وهو أَعلمُ بما يُنزلُ من الآيات، وأَعلمُ بما يَنَسخُ ويُبدلُ ويُبقي من الأَحكام.\nولذلك لما طلبَ الكفارُ من النبيِّ - ﷺ - تغييرَ القرآنِ أَو تبديلَه، كان يردُّ عليهم بأَنه لا يكونُ له ذلك، لأَنه متَّبعٌ لشرعِ الله، قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) .\nفلا تَعارضَ بين الآياتِ التي تَنفي إِمكانيةَ التبديلِ لكلماتِ الله، وتلك\nالتي تُثبتُ ذلك، لأَنَّ كُلَّ مجموعةٍ متوجهةٌ إِلى حالَة، بتَناسقٍ وتَوازنٍ وتَكامل.\nالآياتُ التي تَنفي التبديلَ متوجهةٌ إِلى المخلوقين، فلا يُمكنُ لأَيِّ\nمخلوقٍ - مهما عَلَتْ منزلتُه وعَظُمتْ قوتُه - أَنْ يُغيرَ أَو يُبدلَ كلماتِ الله، سواء كانتْ أَقدارَ الله، أَو كانت بعضَ آياتِ كتابِه.\nوالآياتُ التي تُخبرُ عن إِمكانيةِ تبديلِ آياتِ القرآن، تجعلُ ذلك بيدِ اللهِ\nوحده، فهو صاحبُ الحَقِّ في نسخِ وتبديلِ ما يشاءُ من آياتِه، وفْقَ ما يعلمُه من الحكمة، وما يحققُه لعبادِه من المصلحة.\nفأَينَ التعارضُ والتناقضُ بين الآيات؟\nالمشكلةُ في جهلِ الفادي المفترِي، الذي يصدقُ فيه قولُ الشاعر:\nوَكَمْ من عائِبٍ قَوْلًا صَحيحًا ... وآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>ثانيًا: التفاوت في مقادير أيام الله:</span>\nزعمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآن متناقِضٌ في حديثِه عن مقاديرِ الأَيامِ\nعند الله، فما مقدارُ اليوم، هل هو أَلْفُ سنة، أم هو خمسونَ أَلْفَ سَنَة؟!.\nهناك آية تُخبرُ أَنه أَلْفُ سنة، قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) .\nوهناك آية أُحْرى تخبرُ أَنه خمسونَ أَلفَ سنة، قال تعالى:","vol":"1","page":539},{"text":"(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) .\nلا تتحدثُ الآيتانِ عن يومٍ واحد، حتى يُظَنَّ التناقضُ بينَهما وإِنما\nتتحدثانِ عن يومينِ مختلفَيْنِ في المقدار: اليومُ الأولىُ مقدارُه أَلْفُ سنة مما\nنَعُدُّهُ نحن البَشَر.\nواليومُ الثاني مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة.\nوحتى نفهمَ التفاوتَ بين ذَيْنِكَ اليومَيْن، نتذكَّرُ تفاوُتَ أَيامِنا في الدنيا،\nفمن المعلومِ أَنَّ النهارَ في الشتاءِ يكونُ قصيرًا، ما بينَ شروقِ الشمسِ\nوغروبها، لكنَّ هذا النهارَ في الصيفِ يكونُ طويلًا قد يزيدُ سبعَ ساعاتٍ على\nنهارِ الشتاء.\nفإِذا كانَتْ أَيامُنا القصيرةُ متفاوتةً في الطول والمقدار، أَفلا تكونُ\nالأَيامُ عندَ الله متفاوتةً في ذلك؟.\nالذي يَعْرُجُ إِلى الله هو الأَمْرُ الذي يُدَبِّرهُ الله، ويُنزلُه على الأَرض،\nويكونُ عروجهُ إِليه في يومٍ مقدارُه أَلْف سنةَ، مما يَعُدُّهُ البشرُ من السنوات.\nأَمّا عُروجُ الملائكةِ والروحِ إِلى الله، فإِنه يكونُ في يومٍ مقدارُه خمسونَ\nأَلْفَ سنة، ليستْ مما نَعُدُّ من السنواتَ.\nولذلك لم تَقُلْ آيةُ سورةِ المعارج: في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ أَلْفَ سنةٍ مما تَعُدّون.\nكما قالَتْ آيةُ سورةِ السجدة!.\nإِنهما يومانِ مُختلفان، مُتفاوتانِ في المقدار، وفي كل منهما عروجٌ\nيختلفُ عن العروجِ في اليومِ الآخَر، فعُروجُ الأَمْرِ إِلى الله يومُه أَقْصَرُ من يومِ\nعُروجِ الملائكة، ولذلك ذُكِرَ عَدُّ سَنَواتِ البشرِ في اليومِ الأَقْصَر، ولم يُذْكَرْ\nفي اليومِ الأَطول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>ثالثًا: بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة:</span>\nنفى القرآنُ في بعضِ آياتِه وُجودَ شفاعَةٍ في الآخرة، وأَثْبَتَ في آياتٍ\nأُخرى وُجودَها، فوقَعَ الفادي الجاهلُ في حَيْرَة، ومن ثَمَّ اتَّهَمَ القرآنَ\nبالتناقض.\nوالذي أَوصلَه إِلى هذا جهْلُه وحِقْدُه، وتحامُلُه على القرآن.\nمن الآياتِ التي نَفَت الشفاعة عن غيرِ الله، وقَصَرتْها عليه وَحْدَه","vol":"1","page":540},{"text":"سبحانه، قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) .\nفالشفاعَةُ لله وَحْدَه، وهي بيدِ اللهِ وَحْدَه، هو المالكُ لها وللبشرِ، وللسمواتِ والأَرض، وللدنيا والآخرة.\nومنها قوئه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) .\nوبعدما سَجَّلَ الفادي الجاهلُ الآيتَيْن، سجَّلَ آيةً كريمةً اعْتَبَرَها مُصرحةً\nبالشفاعة، وهي قولُه تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) .\nهل تتناقَضُ الآيةُ الثالثةُ مع الآيتَيْن السابقتَيْن؟\nلا أَدري كيفَ يفهمُ الفادي الجاهلُ القرآنَ؟\nوما عِلْمُه باللغةِ العربيةِ لغةِ القرآن؟.\nآيةُ سورةِ الزمرِ تَجعلُ الشفاعةَ لله وحده: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)\nومن معاني قَصْرِها على الله، أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ إِلّا بإذْنِه سبحانه، لأَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه سبحانه، ولا سلُطانَ لأَحَدٍ مع سُلطانِه، لا في الدَّنيا ولا في الآخرة.\nوهذا ما تُقَرِّرُهُ الآيةُ الثانية: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ)، فإذا\nأَذِنَ اللهُ للشفيعِ فإِنه يَشفع، وإِذا لم يَأْذَنْ له فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يشفع، سواءٌ كان في الدنيا أَو في الآخرة.\nوجاءت الآية ُ الثالثةُ مُؤَكِّدَةً لما قَرَّرَتْه الآية ُ الثانية: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ)، فلا يَشفعُ أَيّ شفيعٍ إِلّا من بعدِ أَنْ ياذَنَ اللهُ\nله.\nأَيْنَ التناقضُ بين قولِه تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ)، وقوله تعالى: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)؟\nأَلا تَلْتَقي الآيتانِ على تقريرِ الحقيقةِ المتعلقةِ بالشفاعة، وهي أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ\nلأَحَدٍ في الدنيا وفي الآخرةِ إِلّا بإذْنِ الله؟!.","vol":"1","page":541},{"text":"وقررتْ آيةُ الكرسي نفسَ الحقيقة: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .\nوهكذا نَفهمُ نفيَ الشفاعةِ عن الكافرين، الواردِ في قوله تعالى:\n(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١.\nوقوله تعالى الذي يقرر أنه لا يشفع الشافع إلا بأمر الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>رابعًا: هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون</span>؟\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ حديثَ القرآنِ عن عَدَدِ أَهْلِ الجنةِ مُتناقض،\nتَناقَضَ - في نظرِه - قولُه تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) .\nمع قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .\nلننظر: هل تَتناقَضُ الآياتُ مع بعضها؟.\nمَنْ هم (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)؟\nومَنْ هم وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)؟\nوهل أَصحابُ الجنةِ كلُّهم صنفٌ واحد؟.\nأَخبرتْ آياتُ سورةِ الواقعةِ أَنَّ الناسَ يومَ القيامة ثلاثَةُ أَصْناف:\nالسابقون، وأَصحابُ اليمين، وأَصحابُ الشمال.\nقالَ تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) .\nأَصحابُ المشأمَةِ هم أَصحابُ الشمال، وهم الكفارُ في جهنم؟\nقال الله - ﷿ -: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) .\nأَما السّابقون وأَصحابُ اليمين فهم المؤمنونَ في الجنة، وهما صنفان\nمُتفاوتانِ في منازلِ الجنة: السابقون المقَرَّبون في أَعْلى منازلِ الجنة،\nوأَصحابُ اليمينِ في أَوسطِ منازلِ الجنة.\nقالَ اللهُ عن الصنفِ الأَول: السابقين: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) .\nوقالَ اللهُ عن الصنفِ الثاني: أَصحابِ اليمين:","vol":"1","page":542},{"text":"(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .\nمعنى \" ثُلَّةٌ \": مجموعَة.\nوالمرادُ بالأَوَّلين: أَصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - على أَنهم أَفضلُ جيلٍ من أَجيالِ المسلمين.\nوالمرادُ بالآخِرين الأَجيالُ المتأخرةُ من المسلمين.\nالسابقون المقَرَّبون أَكثرهم من الأَوَّلين، وقَليلٌ منهم من الآخِرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .\nأَمّا الصنفُ الثاني أَصحابُ اليمين، فكثير منهم من الأوَّلين السابقين،\nوكثيرٌ من الآخِرينَ المتأخرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .\nإِنَّ الفادي الجاهلَ غبيّ، لا يُحسنُ فهمَ القرآن، ولذلك قالَ بالتناقض،\nوزالَ هذا التناقضُ المزعومُ، بمعرفةِ مَنْ تتحدثُ عنهم كُلُّ مجموعةٍ من\nالآيات.\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>خامسًا: هل اليهود والنصارى مؤمنون</span>؟\nزَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثهِ عن اليهودِ والنَّصارى، فاعْتَبَرهم مرةً مؤمنين، واعْتَبَرهم مرةً كافرين.\nاعْتَبَرهم مؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .\nواعْتبرَهُم كافِرين، عندما اعْتَبَر الإِسلامَ وَحْدَه هو الدينَ المقبولَ عندَ الله.\nقال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .\nفهل تَناقَضَ القرآنُ في حديثِه عن اليهودِ والنَّصارى؟\nالجوابُ بالنفي..","vol":"1","page":543},{"text":"صرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الإِسلامَ الذي جاءَ به رسولُنا محمدٌ - ﷺ - وحدَه الدينُ المقبولُ عند الله، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) .\nوهذا مَعناهُ أَنَّ أَيَّ دينٍ آخَرَ غيرِ الإِسلامِ لا يُقْبَلُ من صاحبِه، أَيْ أَنه\nكافرٌ مخلَّدٌ في نار جهنم، قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)\nولم يُصرحِ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والنَّصارى مؤمنون حتى نَتَّهِمَه بالتعارض.\nوالآيةُ التي أَوردَها الفادي أَخْطَأَ - كعادَتِه - في فَهْمِها: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)\nف (الَّذِينَ آمَنُوا): المرادُ بهم أُمَّةُ محمدٍ - ﷺ -.\nو(الَّذِينَ): في محل نصبِ اسْمِ \" إِنَّ \". وخَبَرُ \" إِنَّ \" محذوف.\nوالتقدير: إِنَّ المؤمنين فائزون مُخَلَّدون في الجنة.\nوالواوُ في (وَالَّذِينَ هَادُوا): حَرْفُ استئناف.\nوبَعْدَها جملة استئنافيةٌ جديدة.\n(اَلَّذِينَ هَادُوا): في مَحَلّ رفع مبتدأ.\n(وَالصَّابِئُونَ): معطوف على المبتدأ مرفوع.\n(وَالنَّصَارَى): مَعطوف عليه مرفوع أَيضًا.\nو(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ): في محلِّ رفْع خَبر.\nوالتقدير: واليهودُ والصابئون والنصارى المؤمنُ باللهِ واليومِ\nالآخر منهم هو المقبولُ عند الله.\nإِنهما جملَتان مستقلَّتان إِذَنْ: الجملة الأولئ: (إِنَّ اَلَّذِينَءَامَنُوا)\nأَيْ: إِنَّ المؤمنينَ مقبولون.\nوالجملةُ الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ...)\nأَيْ: إِنَّ المقبولَ من هذه الأَصنافِ الثلاثة هو المؤمنُ باللهِ\nواليومِ الآخر، فإِنْ لم يكنْ مؤمنًا باللهِ واليومِ الآخِر لم يُقْبَلْ منه شَيءٌ.\nومتى يكَونُ اليهوديُّ والنصرانيُّ والصابئيُّ مؤمِنًا باللهِ واليومِ الآخِر؟\nلا يكونُ كذلكَ إِلّا إِذا آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الستة: الإِيمانِ باللهِ، وملائكتِه،\nوكتبه، ورسلِه، واليومِ الآخر، والقَدَرِ خيرِه وشَرِّه..\nلأَنَّ الإِيمانَ لا يَقبلُ التجزئةَ، وتحقيقَ بعضِه وإِنكارَ بعضه.","vol":"1","page":544},{"text":"وهذا معناهُ أَنه يجبُ على كُلّ واحدٍ من الطوائفِ الثلاثِ الإِيمانُ بكلِّ\nالرسل، وعلى رأسِهم محمدٌ - ﷺ -، كما أَنه يجبُ عليه الإِيمانُ بكلّ الكتب، وفي مقدِّمَتها القرآن.\nفإِنْ آمَنَ بذلك يجبُ عليه الدخولُ في الإِسلام، وإِنْ لم يدخلْ\nفي الإِسلام لم يكنْ مؤمنًا باللهِ واليومِ الآخر حقًّا!!\nفلا تَعارُضَ بين الآيتَيْن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>سادسًا: بين الأمر بالصفح والأمر بالغلظة:</span>\nيَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ قولَه تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، يَتناقَضُ مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) .\nووجْهُ التناقضِ بينهما عندَه أَنَّ آيةَ سورةِ الحجرِ تأمُرُ النبيَّ - ﷺ - بالصفحِ الجميلِ عن الكفار، وآيةَ سورةِ التوبة تأمُرُه بالغلظةِ على الكفارِ والمنافقين وجهادِهم، وهذا إِلغاءٌ لآيةِ الحِجْر.\nإِنَّ الأَمْرَ بالصفح لا يَتَنَاقَضُ مع الأَمْرِ بالجهاد، لأَنَّ الصفحَ عن صنفٍ\nمن الكفار، والجهادَ لصنفٍ آخَرَ من الكفار.\nالصفحُ عن كفارٍ مُسالمين، لا يَتآمرونَ على المسلمين، ولا يُحاربونَ\nدينَهم، فهؤلاء تَجبُ دعوتُهم للإِسلام، فإِنْ لم يُلَبّوا الدعوة، وأَصرّوا على\nكُفْرِهم، وانصرفوا إِلى أَنفسِهم، يَصفحُ عنهم المسلمون ويَتْرُكونَهم.\nهذا ما تُقرر آيةُ سورةِ الحجر: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) .\nوما تُقرره آيةُ سورةِ الزخرف: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) .\nثم إِنَّ الصفحَ عن الكفارِ كان في العهدِ المكي، حيثُ كانَ المؤمنون\nمأمورينَ بكَفّ أَيديهم، وعَدَم قتالِ الكفار، لكنْ بعدَ الهجرة أَذِنَ اللهُ لهم\nبالقتال، وأَمَرَهم بجهادِهم والغلظةِ عليهم.\nفالأَمْرُ بالصفْح موقوتٌ بوقْت، وعندما يَنتهي ذلك الوقتُ، يأْتي الأَمْرُ بالجهاد.","vol":"1","page":545},{"text":"وهذا صريحٌ في قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) .\nفالعفوُ والصفحُ مستمرّان إِلى أَنْ يأتيَ اللهُ بأَمْرِه، فيأمرَ المسلمينَ بأَمْرٍ\nجَديد، وهو الجهادُ والقتال!.\nأَما الأَمْرُ بجهادِ الكفارِ والمنافقين، والغِلظةِ عليهم فيه، فهذا مُوَجَّهٌ ضدَّ\nصنفٍ آخَرَ من المنافقينِ والكافرين، وهم أولئك الحاقدونَ المتآمرونَ على\nالمسلمين، الذين يُحاربونَهم ويُهاجمونَ دينَهم.\nوبذلك نجمعُ بين الأَمْرِ بالصفح والأَمْر بالغلظةِ في الجهاد، بأَنْ يُوَجَّهَ\nكُلُّ أَمْرٍ إِلى صنف، ذي صفاتٍ خاصة، تختلفُ عن صفاتِ الصنفِ الآخَر،\nوتَقييدِ أَحَدِ الأَمريْن بزمنٍ وعهدٍ خاصّ، فإِذا اختلفَ الزمانُ أَو المكانُ أَو\nالأَشخاصُ فلا تَناقُضَ بين الأَمْرِ بالصلحِ والأَمرِ بالجهاد!!.\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>سابعًا: هل يأمر الله بالفحشاء</span>؟\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن الفحشاء، فهو يُخبرُ\nأَنَ الله لا يامُرُ بالفحشاء، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) .\nوهو يُثبتُ الأَمْرَ بالفحشاءِ لله، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) .\nوليسَ الأَمْرُ كما فهمَه الجاهل، فمن المعلومِ أَنَّ اللهَ لا يأمُرُ بالفحشاء.\nوهذا ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الأَعراف، حيث رَدَّتْ على أَكاذيبِ الكافرين، فعندما كانوا يَفعلونَ الفاحشةَ كانوا يقولون: اللهُ أَمَرَنا بها، ويَرْضاها مِنّا، ولو لم يَرْضَها منّا ولم يأمُرْنا بها لأَهْلَكَنا عندما فَعَلْناها! فكَذبَهم اللهُ بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) .","vol":"1","page":546},{"text":"لقد حَرَّمَ اللهُ الفحشاءَ، فكيفَ يَامُرُ بها، واللهُ لا يَامُرُ إِلّا بالقِسْطِ\nوالخَيْر، ولذلكَ قالَ في الآيةِ التالية: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .\nأَمّا آيةُ سورةِ الإِسراءِ فلا تَدُلُّ على أَنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالفحشاء، ولا تَتَناقَضُ\nمع آيةِ سورةِ الأَعْراف، وإِنما تَلْتَقي معها في تقريرِ أَمْرِ اللهِ بالخيرِ والقسط،\nونهيِه عن الشَّرّ والفَحْشاء.\nبماذا يَأمُرُ اللهُ المتْرَفين؟\nهل يَأْمُرُهم بالفسق والفَحشاء؟\n: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) .\nيَستحيلُ أَنْ يَأْمُرَ اللهُ المتْرَفين بالفسقِ والفحشاء، لأَنه سبحانه لا يَأمُرُ\nبالفحشاء!\nوفي قولِه: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) كلام مُقَدَّر، يَقْتَضيه السياقُ\nوالمعنى.\nوالتقديرُ: أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة، فَعَصوْا أَمْرَنا وفَسَقوا فيها، وبذلك\nحَقَّ عليهم القولُ والحكمُ والعذاب، فأَهلكناهم ودَمَّرْناهم.\nومن المعلومِ أَنَ القرآنَ المعجزَ قد يَحذفُ بعضَ الكلماتِ من تعبيرِه قَصْدًا،\nحتى يُفَكَرَ فيه المتَدَبِّرون، ويُقَدِّروا الكلامَ الذي يَقْتَضيه السياق، ولا يَأْخُذوا الأَمْرَ على ظاهِرِه..\nوهذا معنى لا يُدركُه الفادي الجاهلُ، المحجوبُ عن القرآن.\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>ثامنًا: حول القسم بالبلد الأمين:</span>\nالْتَبَسَ على الفادي الجاهلِ قَسَمُ القرآنِ بالبَلَدِ الأَمينِ مكةَ المكرمة، فَظَنَّ\nالقرآنَ متناقضًا، لأَنه لا يقسمُ به في موضع، ويُقسمُ به في موضعٍ آخر!.\nفهم قولَه تعالى: (لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) نفيًا للقَسَم به، واعْتَبَرَه مُنَاقضًا\nللقَسَمِ الصَّريح به في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) .\nفي سورةِ التينِ قَسَمٌ صريحٌ بالبَلَدِ الأَمين، حيثُ أَقْسَمَ اللهُ بأَربعةِ أَشْياء:\nالتينِ والزيتونِ وطور سينين والبلدِ الأَمين.\nوالمقسَمُ عليه الإِنسانُ، الذي خَلَقَه اللهُ في أَحسنِ تقويم، ثم رَدَّهُ أَسْفَلَ سافلين.","vol":"1","page":547},{"text":"وفي سورةِ البلدِ قَسَمٌ أَيْضًا، لكنَّه قَسَمٌ بأُسلوبِ آخَر: (لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا\nالبَلَدِ) .\nإِنَّ هذا ليسَ نفيًا للقَسَم كما فَهِمَه الفادي الجَاهل، إِنما هو توكيدٌ\nللقَسَم.\nو\" لا \" هنا ليستْ حرفَ نَفْيِ في الحقيقة، إِنما هي للتوكيد، من باب\nالتلويحِ بالقَسَم.\nوكأَنه يَقول: لا تجَعَلْني أُقسمُ بهذا البلد، فالأَمْرُ أَوضَحُ مِن\nأَن يحتاج إِلى قَسَم.\nوهذا أَبلغُ في القَسَمِ مما لو قال: أُقسمُ بهذا البَلَد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>تاسعًا: حول المنافقين:</span>\nلم يُوَضِّح الفادي الجاهلُ: \" التناقضَ التاسع \" الذي سَجَّلَه على القُرآن،\nفَذَكَرَ عمودَيْن: الأَوَّل سَمّاه \" النهيُ عن النفاق \"، والثاني سَمّاه \" الإِكراهُ على النفاق \".\nوسَجَّلَ في العمودِ الأَوَّلِ قولَه تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) .\nكما سَجَّلَ قولَه تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) .\nفي هذه الآياتِ التي سَجَّلَها تَهديدٌ شديدٌ من اللهِ للمنافقين، ووعيدٌ لهم\nبالعذاب، وعرضُ بعضِ تصرفاتِهم وأَفعالِهم وأَقوالِهم القبيحة.\nوسَجَّلَ في العمودِ الثاني الذي سَمّاهُ \" الإِكراه على النفاق \" قولَه تعالى:\n(وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) .\nولا حَديثَ في الآيةِ عن المنافقين، إِنما تتحدَّثُ عن اليهودِ والنصارى،\nوكُفْرِهم بالله، ونسبتِهم إِلى الله الولد، مضاهاةً وتقليدًا لأَقوالِ الكافرين","vol":"1","page":548},{"text":"من قبلِهم.\nفكيف اعتبرَ الفادي الجاهلُ الآيةَ من بابِ \" الإِكراه على النفاق \"؟!\nوما مقصودُه بهذا العنوان؟\nهل يَقصدُ أَنَّ اللهَ يُكْرِهُ اليهودَ والنَّصارى على النفاقِ\nإِكْراهًا، ويأْمُرُهم به أَمْرًا؟\nوهل الآيةُ تتحدَّثُ عن ذلك؟\nلا أَدري كيفَ يُفكرُ هذا الجاهل، وكيفَ ينتقدُ القرآنَ!!.\nثم سجلَ قولَه تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) .\nوالآيةُ لا تتحدثُ عن المنافقين، وإنما تتحدثُ عن إِهلاكِ وتدميرِ السابقينَ من الكافرين..\nفأَينَ الإِكراهُ على النفاق في كلماتِ الآية؟!.\nكلامُ الفادي الجاهلِ حولَ التناقضِ التاسع غيرُ واضح، فضلًا عن أَنه\nباطل، لأَنه لا تَناقُضَ في القرآن، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ التي زَعَمَ هو\nتناقُضَها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>عاشرًا: بين النهي عن الهوى وإباحته:</span>\nافْتَرى الفادي المفترِي على القرآن، وعلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، وعلى المسلمين، فزعَمَ أَنَّ القرآنَ تناقَضَ بين تحريمِ الهوى وإِباحتِه، وزعَمَ أَنَّ محمدًا - ﷺ - كان يَتبعُ هواه وشهوتَه.\nأَثنى اللهُ على الصالحِ الملتزم الذي نهى نفسَه عن هواها؟\nقال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .\nوبعدَ أَنْ أَوردَ المفترِي الآيةَ زَعَمَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ أَوَّلَ مَنْ خالَفَها، لأَنه اتبع هواه، وأَباحَ ذلك لأَصحابه!!.\nأ - قال المفترِي: \" أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ الدينية، والدخولَ\nعلى الأَسيراتِ دونَ تطليقِهنَّ من أَزواجِهن، فقال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..)\nقالَ البيضاوىِ: إِلّا ما ملكتْ أَيمانُكم من اللّاتي سُبينَ، ولهنَّ أَزواجٌ كُفار، فهنَّ حَلالٌ للسّابين، والزواجُ مرتفعٌ بالسَّبْي،","vol":"1","page":549},{"text":"لقول أَبي سعيدٍ - ﵁ -: أَصَبْنا سبايا يومَ أَوطاس، ولهنَّ أَزواجٌ كُفّار، فكَرِهْنا أَنْ نقعَ عليهن، فسأَلْنا النبيَّ - ﷺ - فنزلت الآية فاستحلَلْناهُنَّ.\nوإِيّاهُ عنى الفرزدقُ بقوله:\nوذَاتُ حَليلٍ أَنكحَتْها رِماحُنا ... حَلالٌ لمنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ \"\nالفادي خَبيثٌ مُغرضٌ في قوله: \" أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ\nالدينية \" لأَنه يَجعلُ الصحابةَ مجموعةً من العصاباتِ وقُطّاعِ الطرق، يُغيرونَ\nعلى الآمِنين المسالمين، ويَجعلُ الجِهادَ في سبيلِ الله سَلْبًا ونَهْبًا وقَطْعًا\nللطريق، مع أَنَّ الرسولَ - ﷺ - وأَصحابَه كانوا يُجاهدونَ في سبيلِ الله، ويُقاتلونَ المحاربينَ لهم، والطامِعين فيهم.\nوالفادي كان مُفْتَرٍ في قولِه: \" والدخولَ على الأَسيراتِ دون تطليقِهن\nمن أَزواجهن \"، فقال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) !! ولم يَقُلْ ذلك أَيُّ مذهبٍ إِسلامي، ولا أَيُّ عالمٍ مسلمٍ مُعْتَبَر.\nالأَسيراتُ هُنَّ النساءُ الكافراتُ المحاربات، اللّواتي يَخْرُجْنَ مع الرجال\nالكفارِ لحربِ المسلمين، وعندما تَنْتَهي المعركةُ بهزيمةِ الكفار، تَقعُ بعضُ\nأولئك النساءِ المحارباتِ في السَّبْي، فهنَ سبايا، ولَسْنَ \" أَسيرات \" كما ادَّعى\nالمفتري الفادي؛ لأَنَّ للأَسيرِ الكافرِ المحاربِ أَحكامًا خاصة، غيرَ أَحكامِ\nالسبايا.\nعندما يأخذُ المسلمون هذه النساءَ المقاتلاتِ سَبايا، ماذا يريدُ الفادي\nالمفتري من المسلمينَ أَنْ يَتصرفوا معهنّ؟\nهل يعيدونهنَّ إِلى الجيشِ الكافرِ مجنَّداتٍ فيه، ليَعُدْنَ إِلى حربِ المسلمين من جديد؟.\nالإسلامُ اعتبرهنَّ سبايا، وبما أَنهنَّ ليس لهنَّ أَهْل، فلَنْ يُتْرَكْنَ \" على\nرؤوسهن \" في بلادِ المسلمين، يَنشرنَ الفاحشةَ والفساد، فلا بُدَّ أَنْ يُوَزَّعْنَ على المجاهدين، بحيثُ يُؤوي المجاهدُ السَّبِيَّةَ، ويتكفلُ بأُمورها وحاجاتِها.","vol":"1","page":550},{"text":"وهذه السَّبِيَّةُ تكونُ مِلْكًا له، لأَنه سيدُها والمسؤولُ عنها، ولذلك أَطْلَقَ\nعليها القرآنُ (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)، وهو يُلَبّي لها حاجاتِها الجنسيةَ بالإِضافةِ إِلى باقي حاجاتِها.\nلكن متى يُعاشرُ المسلمُ سبيتَه؟\nليس بمجردِ حصولِه عليها، ولكنْ بعدَ أَنْ \" تَحيضَ \" حيضةً عنده، وذلك \" لاستبراءِ \" رَحِمها، لأَنَّ مجيءَ الدورةِ الشهريةِ لها معناهُ أَنها ليستْ حامِلًا من زوجِها الكافر، فإِنْ كانَتْ \" حامِلًا \" لا يُعاشِرها سيدُها إِلّا بعدَ ولادتِها.\nوبهذا نعرفُ كَذِبَ الفادي المفترِي عندما قال: \" أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه\nالدخولَ على الأَسيرات دونَ تطليقهِن من أَزواجهنّ \".\nفالمسلمُ لا يُعاشرُ أَمَتَه إِلّا بعدَ حيضتِها.\nومعلوئم أَنَّ وُقوعَها في السَّبْيِ - وهي المحاربةُ للمسلمين -\nيُنهي علاقَتَها بزوجِها الكافر، ولا تَحتاجُ إِلى تطليق منه!.\nوهذا معنى كلامِ البيضاوي: \" ما ملكتْ أَيمانُكم، من اللّاتي سُبينَ ولهنَّ\nأَزواجٌ كُفار، فهنَّ حَلال للسّابين، والزواجُ مرتفعٌ بالسبي \".\nونُزولُ الآيةِ في سَبايا \" أَوطاس \" كما ذَكَرَ البيضاويُّ صحيح.\nروى مسلمٌ عن أَبي سعيد الخدري - ﵁ -: أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله - ﷺ - أصابوا سَبْيًا يومَ أَوطاس، لهنَّ أَزواجٌ من أَهْلِ الشرك، فكانَ أُناسٌ من أَصحابِ رسولِ اللهِ - ﷺ -\nكَفّوا وتَأَثَّموا من غِشيانِهنّ، فنزلَتْ هذه الآية.\nوروى الترمذي الحادثة بلفْظٍ آخر، عن أَبي سعيدٍ الخدري - ﵁ - قال: أَصَبْنا سَبْيًا من سَبْي أَوطاس، ولهنَّ أَزواج، فكَرِهْنا أَنْ نَقَعَ عليهنَّ ولهنَ أَزواج، فسأَلْنا النبيَّ - ﷺ -، فنزلَتْ هذه الآية ...\nوكانتْ غَزوةُ أَوطاس في السنةِ الثامنةِ من الهجرة بعدَ غزوةِ حنين، وقد\nهُزِمَ فيها جيشُ المشركين، ووقعَتْ بعضُ المشركاتِ المحارباتِ في الأَسْر،\nفأَخذهنَ المسلمون سبايا، ووَزَّعَهُنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على المجاهدين، وكان بعضُهنَّ متزوجاتٍ من المشركين، فتحرَّجَ بعضُ المسلمين عن معاشرتِهن،","vol":"1","page":551},{"text":"ولما سألوا رسولَ اللهِ - ﷺ - أَباحَ لهم معاشرتَهن، وأَنزلَ اللهُ الآيةَ في إباحةِ ذلك، وهذا بعدَ استبرائِهن، بأَنْ تَحيضَ الأَمَةُ عند سيدِها حَيْضة، ويَثبتَ له عدمُ حَمْلِها.\nومعنى هذا أَنَّ وُقوعَ الكافرةِ المقاتلةِ في السَّبْيِ يُنهي زَواجَها من زوجِها\nالكافر، لكنها لا تَحِلُّ لسَيِّدِها إِلّا بعدَ استبرائِها وحيضِها عندَه.\nولذلك قال ابنُ كثيرٍ في تفسير الآية: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ): إِلّا ما ملكْتُموهن بالسَّبْي، فإِنه يَحِلُّ لكم وَطْؤُهنَّ، إِذا استبرأْتُموهن \".\nوبهذا نعرفُ أَنَّ ما فعلَه الصحابةُ بالسبايا يومَ أَوطاس اتِّباع لشرعِ الله،\nوليس اتِّباعًا للهَوى، كما زَعَمَ المفْتري! وكان الصحابةُ مُحاربينَ لأَهوائِهم،\nنَهوا نُفوسَهم عن الهوى، كما أَمَرَهم الله سبحانه.\nب - افترى الفادي على رسولِ اللهِ - ﷺ -، عندما قالَ: إِنه كانَ مُتَّبِعًا لهَواه وشهوتِه، وذلك في قولِه الفاجر: \" أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيِّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها، بلا قَيْدٍ أَوْ شَرط، فوقَ زوجاتِه العديدات، وفوقَ ما ملكَتْ يمينُه، فقال: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nزعمَ الفادي أَنَّ القرآنَ من تأليفِ وكلامِ محمدٍ - ﷺ -، وليس وحيًا من عندِ الله، ولذلك نَسَبَ الآيةَ من سورةِ الأَحزابِ إِليه، وليسَ إِلى اللهِ، وأَسندَ الحكمَ الذي فيها إِليه، وليسَ إِلى الله، فقال: أَباحَ محمدٌ لنفسِه الزواج ...\nوانظرْ إِلى وقاحَتِه وسوءِ أَدبه وفجورِه، وهو يتكلَّمُ عن رسولِ الله - ﷺ -: \" أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها بلا قَيْدٍ أَو شَرْط ... \".\nونُنزهُ حَبيبَنا محمدًا - ﷺ - عن هذا الكلامِ السوقيِّ الساقط، فكيفَ يُتَّهَمُ بأَنه يَهوى ويَعشقُ امرأةً ليستْ زوجًا له؟\nوكيفَ تَهواهُ وتعشقُه امرأةٌ أَجنبيةٌ عنه؟!.\nوما أَباحَتْه الآيةُ له ليس اتّباعًا للهَوى والشهوة، إِنما هي حالَةٌ خاصة،","vol":"1","page":552},{"text":"في امرأةٍ خاصةٍ واحدة، لم تتكرَّر له ولا لغيرِه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عنْ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ - ﵁ - قال: إِني لفي القومِ عندَ رسولِ اللهِ - ﵇ - إِذ قامت امرأةٌ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأَيَك.\nفلم يُجِبْها شيئًا.\nثم قامت فقالَتْ: يا رسولَ الله!\nإِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأيَك.\nفلَم يُجِبْها شيئًا.\nثم قامت الثالثةَ\nفقالَتْ: إِنها قد وهبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَكَ.\nفقامَ رجل فقالَ: يا رسولَ الله: أَنْكِحْنِيها.\nفقال: هل عندَك من شيء؟.\nقال: لا.\nقال: اذهَبْ فاطلُبْ ولو خاتَمًا من حديد.\nفذهَبَ وطَلَبَ، ثم جاءَ فقال: ما وجدْتُ شيئًا، ولا خاتَمًا من حَدِيد!\nقال: هل معكَ من القرآنِ شيء؟.\nقال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.\nقال: أَنْكَحْتُكَهَا بما مَعَك من القرآن! \".\nهذه المرأةُ وهبتْ نفسَها للنبيِّ - ﷺ -، بمعنى أَنها فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه، لأَنه إِمامُ المسلمين، وهو أَوْلى بهم من أَنفسِهم، وصَرَّحَ القرآنُ بذلك، قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .\nعندما فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه قالَتْ له: فَرَ فيها رَأْيَك! وليس معنى هذا أَنها\nرَمَتْ نفسَها عليه، وأَنها هَويَتْه وعشقَتْه، وطلبَتْ منه أَنْ يتزوَّجها، إِنما فوَّضَتْه في التصرُّف المناسب، وأَعَادَتْ عليه الكلامَ ثلاثَ مرات، فطلبَ رجَلٌ من المسلمين أَنْ يُزَوِّجَه إِياها، لأَنه وَليُّ أَمْرِها، فطَلَبَها منه كما يطلبُ أَيُّ خاطبٍ البنتَ من أَبيها، فزوَّجها له بما معه من القرآن!.\nأَينَ هذا من اتِّهامِ الفادي المفترِي الرسولَ - ﷺ - بالهوى والشهوةِ، وهو لم يتزوَّجْ تلك المرأة، إِنما زَوَّجَها لأَحَدِ أَصْحابه؟.\nب - استدلَّ الفادي المفترِي على أَنَّ المسلمينَ مُتَّبعون لأَهوائِهم\nوشهواتِهم: بأَنَّ النبيَّ - ﷺ - وَعَدَهم بالاستمتاعِ الجنسيّ بالحورِ العينِ في الجنة!\nقال: \" كما أَنَّ محمدًا جعلَ نِكاحَ النساءِ أَمَلَ المستقبلِ في الجنة، فقال:","vol":"1","page":553},{"text":"(حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) .. (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) .. (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) .\nالفادي وأَهْلُ ملَّتِه يُؤْمنون بأَنَ نَعيمَ الجنةِ معنويّ وليس ماديًّا، فليس في\nالجنةِ طَعامٌ ولا شرابٌ ولا استمتاعٌ بالنساء! ولذلك اعتبرَ حديثَ القرآنِ عن\nنساءِ الجنةِ من بابِ إِغراءِ المسلمين بذلك، لأَنهم مُتَبِعون للهوى.\nأَما نحنُ المسلمين فإِنَنا نؤمنُ أَنَّ نعيمَ الجنةِ مادّيّ ومعنوي، ففيها طَعامٌ\nوشَرابٌ واستمتاعٌ بالنساء، وفيها قُصورٌ وأَثاث، وأَرائكُ ولباس، وفيها بساتينُ وجنات، وفيها فوق هذا كُلّه رضوانٌ من اللهِ عليهم، وسَعادَةٌ غامرةٌ تَملأُ حياتَهم \" قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) .\nوهم لم يَدْخُلوا الجنةَ إِلّا بعدما صَدَقوا مع اللهِ في الدنيا، وأَحسنوا\nعبادَتَه، ونَهوا نُفوسَهم عن الهوى والشهوةِ في الدنيا \" قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>أحد عشر: التناقض في الخمر بين الحل والحرمة:</span>\nكيفَ حَرَّمَ اللهُ الخمرَ في الدنيا، وأَباحَها للمؤْمنين في الجَنَّة؟\nاعتبرَ الفادي هذا تَناقُضًا في القرآن.\nذَكَرَ الآيةَ التي حَرَّمت الخمرَ في الدُّنيا، وهي قولُ اللهِ - ﷿ - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) .\nوذَكَرَ مُقابِلَها الآيةَ التي أَباحت الخمرَ في الآخرة، وهي قولُ اللهِ - ﷿ -: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى..)\nوذكر بجانبها قوله تعالى عن شرب المؤمنين الخمر فىِ الجنة، وهي قوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) .","vol":"1","page":554},{"text":"ولا تَناقُضَ بين حديثِ القرآنِ عن حرمةِ الخمرِ في الدنيا وإِباحتِها في\nالآخرة، لأَنَّ خمرَ الدنيا ليستْ كخمر الجَنّة.\nخمرُ الدنيا من أَسلحةِ الشيطانِ في إِغواءِ وإِفسادِ الناس، وإِيقاعِ - العَداوةِ والبغضاءِ بينهم، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) .\nوخمرُ الدنيا تذهبُ بعقولِ شاربيها، فعندما يَسكرونَ يَفقدونَ السيطرةَ\nعلى أَقوالِهم وأَفعالهم، ولذلك حَرَّمَها اللهُ على الناس.\nوخمرُ الجنة منزهةٌ عن هذه العيوبِ والمفاسد، فلا سُلطانَ للشيطانِ\nعليها في الجنة، وهي لا تَغتالُ عُقولَ شاربيها المؤمنين، قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) .\nوقال لعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) .\nفالخمرُ السيئةُ التي حَرَّمَها اللهُ في الدنيا أُمُّ الخبائث، وهي غيرُ الخمرِ\nالطيبةِ التي أَباحَها اللهُ للمؤمنينَ في الجنة.\nفلا تَناقُض بين حرمةِ هذه وإِباحةِ تلك!!.\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم:</span>\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن الكافرين، وفي\nتوجيهِ المسلمين إِلى كيفيةِ التعاملِ معهم، فأَوردَ خمسَ آياتٍ تَنْهى عن إِيذاءِ\nالكفار، وتأمرُ المسلمين بحسنِ معاملتِهم، وأَوردَ في مقابِلِها خمسَ آياتٍ\nتتناقضُ معها، وتأمرُ المسلمينَ بقتالِ الكفارِ وقَتْلِهم:\nأ - نهى اللهُ النبيَّ - ﷺ - عن إِيذاءِ الكفار، قال تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨) .\nالآيةُ محكَمة، وهي تَنهى عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، صَحيح، لكن\nمَنْ هم الذينَ تَنهى الآيةُ عن إِيذائِهم، إِنهم الكافرونَ والمنافقونَ الذين","vol":"1","page":555},{"text":"لا يُؤذونَ المسلمين، ولا يَتَآمرون عليهم، ولا يُحاربونَهم، وإِنما هم مُوادِعونَ مُسالِمون ساكتون، ومن المعلومِ أَنَّ إِيذاءَ المسالمِ الساكنِ عدوانٌ عليه، وهذا محرمٌ في الإِسلام.\nولا ننسى أَنَّ الآيةَ التي نهتْ عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، نَهَتْ أَيْضًا\nعن طاعتِهم ومتابعتِهم وموافقتِهم على باطلِهم، ولا بُدَّ أَنْ نجمعَ بينَ جملتي\nالآية، ولا يَجوزُ أَنْ نُلغيَ الجملةَ الأولى ونُبقي الجملةَ الثانية: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) .\nب - أَوردَ الآيةَ التي تَنْهى عن الإِكراهِ في الدين؟\nقال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) .\nتَنهى الآيةُ إِكْراهَ أَي كافرٍ على الدخولِ في الدينِ الإِسلامي، لأَنَّ\nالدخولَ في الإِسلامِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن اقتناع.\nلكن لا يعني هذا أَن لا نَدْعوه للإِسلام، فلا بُدَّ أَنْ نُفَرقَ بين الدعوةِ والإِكراه ...\nيَجبُ علينا أَنْ نَدعوَ كُلَّ كافرٍ للدخولِ في الإِسلام، مهما كان دينه، لأَن الإِسلامَ دعوةٌ للعالمين جميعًا.\nوعندما نوجِّهُ له الدعوةَ نكون قد أَدَّيْنا الواجبَ الذي علينا، فإِن\nاستجابَ للدعوة واعتنقَ الإِسلام، فازَ وأَفْلح، وإِنْ رفضَ الدعوةَ وأَصَرَّ على كفره كان من الخاسرين، ونحن لا نُكرهُه على الإِسلام، ولا نُؤْذيه لِكفرِه طالما هو متوقّفٌ عن إِيذائِنا، فإِنْ آذانا دَفَعْنا الإِيذاء.\nجـ - أَوردَ الآيةَ التي تُرشدُنا إِلى مساعدةِ الكفار مالِيًا، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) .\nليسَ علينا هدى الكفار، لكن بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ لهم الدعوةَ، ونُقدمَ لهم\nالمساعدةَ الماليةَ إِذا كانوا محتاجين، وهذا بعدَ أَنْ يُعْلِنوا خُضوعَهم لسلطانِ","vol":"1","page":556},{"text":"المسلمين، بدفْعِ الجزية، ويَكُفّوا أَيديهم عن إِيذاءِ المسلمين.\nومن روائع ما يُروى عن أَميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ - أَنه رأَى نصرانيًا عَجوزًا هَرِمًا محتاجًا، فأَمَرَ بإِعطائِه مساعدةً من بيتِ مالِ المسلمين، وقال: ما رحمْنا الرجلَ إِذا أَخَذْنا منه المال - الجزية - شابًّا، وتخلَّينا عنه وهو هَرِم!.\nد - زَعَمَ الفادي أَنَّ اللهَ أَمَرَ المسلمينَ بتَرْكِ الكفارِ وشأنهم، واستدلَّ\nعلى ذلك بقوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) .\nوهذا استدلالٌ باطلٌ، فإِنَّ الآيةَ صريحةٌ في دعوتِهم للدخولِ في\nالإِسلام، قال تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) .\nإِنه لا يتركُهم وشأْنَهم، وإِنما يُحاججُهم ويُحاجّونَه، ويُكَلِّمُهم ويُكَلِّمُونَهُ،\nفإِنْ لم يَسْتَجيبوا له صارحَهم بإِسْلامِه، وهو يَدْعوهم دعوةً صريحةً للدخولِ في الإِسلام: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) .\nفإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على الكفر، أَيْقَنّا أَنهم كافِرون خاسِرون\nهالِكون، وإِنْ كَفُّوا أَيديَهم عن إِيذائِنا تَرَكْناهم وشأنهم.\nواستدلَّ أَيضًا على تركِ الكافرين بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) .\nوهذا استدلال باطل أَيضًا، لأَنَّ الرسولَ - ﷺ - مأمورٌ بتبليغِ الكفارِ الدعوة، وإِقامةِ الحجةِ عليهم، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ تركَهم وشأنَهم، ويكونُ قد قامَ بواجبِه، ولم يجعَلْه اللهُ حَفيظًا ولا وكيلًا عليهم، ولم يأمُرْه بقذْفِ الإِيمانِ في قلوبِهم، لأَنَّ هذا بيدِ الله.\nواستدلَّ الفادي الجاهلُ أَيضًا على وجوبِ تركِ الكافرين وشأنهم بقولِه","vol":"1","page":557},{"text":"تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nلا تَنفي الآيةُ وُجوبَ دعوةِ الكفارِ للإِسلام، فإِنّ هذا واجبٌ على\nالدعاةِ، إِنما تَنفي إِكراهَ الكفارِ على الإِيمان، لأَنه لا إِكراهَ في الدينِ، وبعدَ\nتبليغِ الدعوةِ وإِقامةِ الحجةِ يُتْرَكُ الكفارُ وشأنهم.\nهـ - أَمَرَ اللهُ المسلمين بدعوةِ الكفارِ إِلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ\nالحسنة، وأَوردَ الفادي قولَه تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) .\nوالآيةُ محكمة، وتوضحُ لنا أُسلوبَ الدعوة، وكيفيةَ التعاملِ مع\nالآخَرين، وتقديمِ الدعوة لهم، وإِقامةِ الحجةِ عليهم.\nوأَوردَ الفادي المفترِي خمسَ مَجموعاتٍ من الآياتِ، اعْتَبَرَها متناقضةً\nمع المجموعاتِ السابقة، ولذلك اتهمَ القرآنَ بالتناقض.\n١ - أَمَرَ اللهُ النبيَّ - ﷺ - بتحريضِ المؤمنين على قِتالِ الكافرين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..) .\nواعتبرَ الفادي الآيةَ متناقضةً مع الآيةِ التي تَنْهى عن إِيذاءِ الكافرين، وهي قولُه تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) .\nولا تَناقُضَ في الحقيقةِ بينَ النهيِ عن إِيذاءِ الكافرين، والأَمْرِ بالتَّحريضِ\nعلى قِتالِهم، لأَنَّ الكفارَ نوعان: النهيُ عن الإِيذاءِ ينطبقُ على نوعٍ من الكفار، وهم الكفارُ المسالمونَ المحايدون، الذين لا يَتآمرونَ على المسلمين ولا يُحاربونهم.\nأَمَّا الأَمْرُ بقتالِ الكفارِ فإِنه ينطبقُ على نوعٍ آخرَ من الكفار، وهم\nالذين يَتَآمَرونَ على المسلمين ويُحاربونَهم، ويَطْعَنونَ في دينِهم، ويَمنعونَ\nدعوتَهم، ويَفْتِنون الناسَ عن الإِسلام.","vol":"1","page":558},{"text":"٢ - لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)، وبينَ قولِه تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) .\nتمنعُ الآيةُ الأُولى إِجبارَ الكفارِ على اعتناقِ الإِسلام، لأَنَّ\nالإِسلامَ لا يَقبلُ الإِكراهَ والإِجبار، ولا بُدَّ من أَنْ يَقتنعَ الإِنسانُ بالإسلامِ قناعةً خاصّة، ينتجُ عنها اعتناقُه الإِسلام، ولكنَّ عَدَمَ إِكراهِهم على اعتناقِ الإِسلام لا يُلْغي وُجوبَ دعوتهِم للدخولِ فيه، فعلى الدعاةِ أَنْ يَدعوهم لهذا الدين، لأَنه رسالةٌ عالمية، ودينُ اللهِ للعالَمين جَميعًا، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرِهم تركْناهم وشأْنَهم، وحسابُهم عند اللهِ، على أَنْ يَخْضَعوا لسلطان المسلمين.\nفإِذا وَقَفَ الكفارُ أَمامَ الدعاة، ومَنَعوهم من أَداءِ واجبِ الدعوةِ، وفتنوهم\nوآذوهم وعَذَّبوهم واضطهدوهم، كانوا هم المعْتَدين الظالمين، وعند ذلك أَباحَ لنا اللهُ مواجَهَتهم، وأَمَرَنا بقتالِهم، والدفاعِ عن الناسِ المعَذَّبين المفتونين الذينَ تحتَ سُلطانِهم! وإِذا تَركوا الدعاةَ يَدْعونَ ويتحركون، ولم يَتَعَرَّضوا لهم بفتنةٍ ولا إِيذاء - وهذا نادرًا ما يحصلُ من الكفار - فإِنهم لا يُقاتَلون.\n٣ - لا تَناقُضَ بين تقديمِ الأَموالِ والمساعداتِ للكفار، الذي أَشارَ له\nقولُه تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، وبينَ الأَمرِ بقتالِهم حتى يَدفعوا الجزيةَ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .\nفإِنَّ القتالَ مُوَجَّهٌ للكفارِ المقاتلينَ المحاربينَ المعتدينَ على المسلمين، المتآمِرين عليهم، وهم يُقاتَلونَ لأَنهم هم البادئونَ بالعُدوانِ والقتال، والبادئُ\nأَظلم..\nفإِذا هُزِمَ الكفارُ المقاتِلون فلا بُدَّ أَنْ يَخْضَعوا لسلطانِ المسلمين،\nويَعْتَرفوا بقوَّتهم، والدليلُ على ذلك دفعُ الجزيةِ لهم، وهذه الجزيةُ على\nالقادرين منهم، يَدْفَعونَها للمسلمين مقابلَ حمايتِهم لأَنفسِهم ودمائِهم\nوأَموالِهم، ودفاعِهم عنهم.","vol":"1","page":559},{"text":"وإِدْا كان هؤلاء الكفارُ المسالمونَ مُحتاجين إِلى المال، وَجَبَ على\nالمسلمين تَقديمُ المساعدةِ لهم، وهم مأجورونَ على ذلك: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) .\n٤ - لا تناقُضَ بين تركِ الكفار وشأنِهم الذي قد يُؤْخَذُ من قوله تعالى:\n(أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، ولا بين ملاحقتِهم والأَمْر بقتالِهم، الذي وَرَدَ في\nقولِه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) .\nإِنَّ تركَهم وشأنَهم يكونُ بعد تقديمِ الدعوةِ الإِسلاميةِ لهم، وإِقامةِ الحجةِ\nعليهم، فإِنْ أَصَرّوا على كُفْرِهم، تَرَكَهُم المسلمون وشَأنَهم، بشرطِ أَنْ لا\nيَتَآمَروا على المسلمين، ولا يَقِفوا أَمامَ دينِهم، ولا يَطْمَعوا فيهم، وهذا ما\nتُقررُه آيةُ سورةِ يونس.\nأَما إِذا تآمَرَ الكفارُ على المسلمين، وحارَبوهم، أَو فَتَنوهم عن دينهم،\nونَشَروا بينهم الكفرَ والفساد، فإِنهم يكونونَ مُعْتَدين على المسلمين، وعند ذلك يُقاتِلُ المسلمون هؤلاء الكفارَ المُعْتَدين الظالمين، وهذا ما تصرحُ به آيةُ سورةِ النساء، فهي تتحدثُ عن صنفٍ خاصٍّ من الكفار، وهم الذين قالَتْ عنهم: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) .\nإِنهم يَحرصون على كفرِ المسلمين، ويَنشرونَ بينهم الكفر والانحراف، ليستووا معهم، فإِن لم يَتَوقَّفوا عن هذا العدوان وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم وأَخْذُهم: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .\n٥ - لا تَناقُضَ بين وُجوب دعوةِ الكفارِ بالحسنى، الذي وَرَدَ في قولِه\nتعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وبينَ الأَمْرِ بقتالِهم، الذي وَرَدَ في قوله تعالى:","vol":"1","page":560},{"text":"(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nإِنَّ الدعوةَ هي أَولُ ما يُوَجَّهُ إِلى الكفار، وهي لا تَكونُ إِلّا بالحكمةِ\nوالموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضوا الدعوة، وقاموا بقِتالِ المسلمين وَجَبَ على\nالمسلمين قِتالُهم لأَنهم معتدون ظالمون.\nوكم كان الفادي مُفْتَرِيًا عندما اعتبرَ قِتالَ الكفارِ المقاتِلينَ دعوةً بالسيف،\nعلمًا أَنَّ السيفَ لم يكنْ يومًا أُسلوبًا من أَساليبِ الدعوةِ إِلى الإِسلام، لأَنه\nيَهدفُ إِلى تحطيمِ قوةِ الكفارِ العسكرية، التي يُحارِبونَ بها الإِسلام\nوالمسلمين، ويَحرمونَ شعوبَهم من نورِ الإِسلام، وعندما يَتحققُ هذا الهدفُ\nبالقتالِ وتَتحطمُ قوةُ الكفارِ العسكرية، ويَخضعونَ لسلطانِ المسلمين، يتوقَّفُ المسلمونَ عن قتالِهم وقَتْلِهم، ويتوجَّهون إِلى شعوبِهم بالدعوة، التي لن تكونَ إِلَّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة.\nوكان الفادي كاذبًا على رسولِ اللهِ - ﷺ -، عندما قالَ عنه: \" لهذا فَتَكَ محمدٌ بمعارضيه في الدين، مثلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وأَبي عَفْك، وأَبي رافعِ بنِ أَبي عَقيق \".\nإِنه لا يُحسنُ قراءةَ الأَسماء، فالثاني ليس \" أَبا عَفْك الشيخ \"، وإِنما هو\n\" ابنُ أَبي عَفْك \"، والثالث ليس: \" أَبا رافع بنِ أَبي عَقيق \"، وإِنما هو: \" أَبو رافع بنُ أَبي الحقيق \".\nولقد أَمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بقَتْلِ هؤلاءِ الثلاثة - وآخرينَ غيرِهم مَعْروفين في كتبِ السيرة - ليس لأَنَّهم كُفارٌ مُعارِضونَ له في الدين، فقد كان كُفار كَثيرون يُعارضونَه في الدّين، ويَسْتَحِبّونَ الكفرَ على الإِيمان، ومع ذلك لم يَقْتُلْهم، وكان منهم منافقون مثلُ عبدِ الله بن أُبَيّ، وكان منهم يهودٌ مثلُ كَعْبِ بنِ أَسَد، زعيمِ يهودِ بني قريظة، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللهِ - ﷺ - عَهْدًا، ومثلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب زعيمِ يَهودِ بني النضير، الذي عَقَدَ معه رسولُ الله - ﷺ - عهدًا آخر.","vol":"1","page":561},{"text":"قَتَلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - هؤلاء الكفارَ الثلاثة: ابنَ الأَشرف، وابنَ أَبي عفك، وابنَ أَبي الحقيق، لأَنهم تآمَروا على المسلمين، وجَيَّشوا الجيوشَ ضدَّ المسلمين، وحَرَّضوا الآخَرين على قتالِهم، وشَنّوا على المسلمينَ حَرْبًا إِعلاميةً شَعْواء، وبذلك كانوا مُعْتَدين، فَقَتَلَهم لعدوانِهم وليس لمجرد كفرِهم، كذلك قَتَلَ ابْنَ أَخطب وابْنَ أَسَد لأَنهما نقضا عَهْدَهما معه، وحارَباه مع جنودِ الأَحزاب.\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-227>ثالث عشر: هل نجا فرعون أم غرق</span>؟:\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن نهايةِ فرعون، فذكَرَ\nفي سورتي الإِسراءِ والقَصصِ أَنه غَرِقَ مع جنودِه في اليَمّ، وذَكَرَ في سورةِ\nيونس أَنَّ اللهَ نَجَّاه ببدنِه..\nفهل نَجا أَمْ غَرِق؟!.\nكانَ القرآنُ صَريحًا في إِخبارِه عن غَرَقِ فرعونَ مع جنودِه، وأَوردَ الفادي\nآيتَيْن صريحتَيْن بذلك، هما: قولُه تعالى: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) .\nوقولُه تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) .\nوالآيةُ التي لم يَفهم الفادي مَعْناها لجهْلِه، فاعْتَبَرَها إِخبارًا عن نجاةِ\nفرعونَ من الغرقِ هي قولُه تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) .\nدليلُ عدمِ موتِ فرعونَ ونجاتِه من الغرقِ في نظرِ الفادي الجاهلِ جملَةُ:\n(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)، أَيْ: أَنَّ اللهَ أَنْقَذَهُ من الغَرق، ونَجّاه ببدَنِه وروحِه","vol":"1","page":562},{"text":"وعادَ إِلى شعبه مَلِكًا عليهم! وهذا فهمٌ خاطئ يَدُلُّ على جهلِ الفادي بلغةِ\nالقرآن.\nتتحدَّثُ آياتُ سورةِ يونس عن اللحظاتِ الأَخيرةِ من حياةِ فرعون..\nلما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى - ﵇ - وأَتْباعَه، وأَنْجى اللهُ موسى ومَنْ معه، ودَخَلَ فرعونُ وجنودُه الطريقَ اليَبَسَ في البحر، أَطبقَ اللهُ عليهم البحر، وصاروا تحتَ الماء، فأَهلكهم الله.\nأَمّا فرعونُ فلم يكتفِ القرآنُ بذكْرِ وفاتِه، وإِنما ذَكَرَ اللحظاتِ الأَخيرةَ من\nحياتِه، قبلَ خروجِ روحِه، وذِكْرِ ماذا قالَ وماذا قيلَ له..\nأَطبقَ اللهُ عليه الماءَ، وصارَ هو تحتَ الماء، ولما أَدركَه الغرق وأَحاط به من كُلِّ جانب، وأَيقنَ بالموت، أَعلنَ إِيمانَه بالله، الذي حارَبه وهو في قمةِ مُلْكِه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) .\nوكان بجانِبه الملائكةُ الموكَّلون بقبضِ روحه، وسَمعوهُ وهو يُعلنُ إِيمانَه،\nوأَحَبّوا أَنْ يُشْعِروهُ بخسارتِه، ليزدادَ نَدَمًا وخِزْيًا قبلَ موتِه، فأَمرهم اللهُ أَنْ\nيقولوا له: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً..) .\nوالمعنى: آلآنَ أَعلنتَ إِيمانَك يا فرعون؟!\nلقد جاءَ إِيمانُك متأَخِّرًا، ولو جاءَ في وقتِه المناسبِ لقُبِلَ منك، أَما الآنَ فإِنه لَنْ يُقبلَ منك، وستموتُ تحتَ الماء، وسنُنَجيك ببدنِكَ بعدَ خروجِ روحِك، ولن يَسقطَ بدنُك في قاعِ البحر، ولن يكونَ طعامًا للسَّمك، وسنأْمُرُ موجَ البحرِ أَنْ يَقذِفك على شاطئ البحر، وسيَرى الناسُ بدنَك الهامدَ على الشاطئ، فتكونُ لمن خَلْفَك آيةً وعبرة، ودلالةً على أَنك مخلوق ضعيف، ولستَ إِلهًا وربًَّا للناس.\nونجَّى اللهُ بَدَنَ فرعونَ بعدَ خروجِ روحِه وموتِه، ولم يَسقطْ بدنُه في قعرِ\nالبحر، ولم تبتلِعْه الأَسماك، وأَمَرَ الموجَ أَنْ يقذفَه على الشاطئِ، ومَرَّ به\nرجالُ دولتِه، وشاهَدوه جُثَّةً هامدة، وأَيْقَنوا أَنه ماتَ تحتَ الماء، وأَنَّ بَدَنَه","vol":"1","page":563},{"text":"على الشاطئ، أَخذوه وحَنَّطوه، ووَضعوهُ فِي تابوتِهِ، ودَفَنُوهُ في مدافنِ الملوك في وادي طيبةَ عاصمتهم.\nواكتشفَ علماءُ الآثارِ جُثَّتَه، واسْتَخْرَجوها من المدافن، وعُرِضَتْ في متحفِ الآثار، وأَبقى اللهُ جثةَ فرعونَ آيةً على مدارِ القرون، وما زالتْ آيةً تنشرُ دروسَها وعِبَرَها بعد مرورِ آلافِ السنين على موتِ صاحبها!.\nوبهذا نعرفُ التوافقَ بين قولِه تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)، وقوله تعالى: (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>رابع عشر: السماء والأرض أيهما خلقت أولًا</span>؟:\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن خَلْقِ السماءِ\nوالأَرض، ففيه آياتٌ تُخبرُ أَنَّ الأَرضَ خُلِقَتْ أَولًا، وفيه آياتٌ تُخبرُ أَنَ السماءَ خُلقتْ أوَّلًا.\nفأَيهما خُلقتْ أَولًا؟.\nسَجَّلَ الفادي آياتٍ من سورةِ فُصِّلَتْ، على أَنَّ اللهَ خلقَ الأَرضَ أَوَّلًا.\nقال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) .\nوسجلَ مقابلَها آياتٍ من سورةِ النازعات، على أَنَّ اللهَ خلقَ السماءَ\nأَوَّلًا.\nقال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) .\nوانطلاقًا من القاعدةِ اليقينيةِ من أَنه لا تَناقُضَ في القرآن، فمن الواجبِ\nإِمعانُ النظرِ في هذه الآيات، والجمعُ بينها، وإِزالةُ التناقضِ الظاهري عنها.\nتوحي لنا آياتُ القرآنِ على أَنَّ خَلْقَ السمواتِ والأَرضِ كان على\nمرحلتَيْن:","vol":"1","page":564},{"text":"المرحلة الأولى: خَلْقُهُما خَلْقًا أَوَّليًّا، بدون تفصيلٍ أَو تَقْدير.\nخُلقت السماءُ أَوَّلًا، ثم الأَرضُ بعد ذلك، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ\nالنازعات، فهي صريحةٌ في أَنَّ اللهَ خَلَقَ السماء أَوَّلًا: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) ..\nثم خَلَقَ الأَرضَ بعد ذلك: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) .\nالمرحلة الثانية: تقديرُ وتَفصيلُ وترتيبُ السمواتِ والأَرض.\nوكانَ هذا في الأَرضِ أَوَّلًا، ثم صارَ في السماءِ بعد ذلك، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ فصلت.\nفاللهُ خَلَقَ الأَرضَ في يومين: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) وفَصلَها وقَدَّرَها، وجعلَ فيها جبالَها وأَنهارَها، وقَدَّرَ فيها أَقواتَها،\nفي يومَيْن آخرين، فكانَ مجموعُ خَلْقِ الأَرض أَربعةَ أَيام: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) .\nوبعدما تَمَّ تَفصيلُ وتَرتيبُ خَلْقِ الأَرص، استوى اللهُ إِلى السماء،\nفسوّاهُنَّ سبعَ سمموات، وذلك في يومين: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) .\nويمكنُنا أَنْ نقولَ في ترتيبِ خَلْقِ السمواتِ والأَرض: السماءُ، ثم الأَرض.\nوأَنْ نقولَ في تفصيلِ خلْقِهما: الأَرضُ، ثم السماءُ ...\nأَيْ: سماء، أَرض.. ثم: أَرض، سماء..\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>خامس عشر: هل القرآن محكم أو متشابه</span>؟:\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ متناقضٌ في إِخبارِه عن طبيعتِه، فأَخبرَ أَنه\nمُحْكَمٌ مُبينٌ واضح، وأَخبرَ في موضعٍ آخرَ أَنه متشابه!.\nسَجَّلَ آيةً تُخبرُ أَن القرآنَ مُبين، وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nوسَجَّلَ مقابلَها آيةً تُخبرُ أَنَّ القرآنَ متشابه، وهي قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) .","vol":"1","page":565},{"text":"إِنَّ الذي يُقابلُ التشابهَ هو الإِحكامُ وليسَ الإِبانة، فنقول: هو مُحْكَم،\nفي مقابلِ قولِنا: هو مُتَشابه.\nفَوَضْعُ الفادي \" المبينَ \" مقابل \" المتشابه \" دَليلُ جهلِه باللغةِ العربيةِ ومصطلحاتِ القرآن.\nفالقرآنُ كُلّه مُبين، أَيْ: كُلُّهُ واضحٌ ظاهرٌ مَفهومٌ بَيَنٌ للناس.\nأَما الإِحكامُ فهو الإِتقانُ والإِجادةُ والدقة، وحُسْنُ الترتيب والتفصيل،\nوالقرآنُ كُلُّه مُحْكَمٌ مُتقنٌ مفصَّلٌ بهذا الاعتبار؟\nقال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) .\nوأَمّا التشابهُ فهو التماثلُ والتَّساوي، يقال: فُلانٌ يُشْبِهُ فُلانًا، أَيْ: هو\nيُماثلُه ويُساويه، فَهما مُتَماثِلان مُتَشابهان.\nوالقرآنُ كُلُّه متشابهٌ بهذا المعنى، لأَنَّ سُوَرَهُ وآياتِه متماثلة، متساويةٌ في الوضوحِ والبيان، والفصاحةِ والبلاغة، وفي الدلالةِ على أَنها من عندِ الله.\nوصَرَّحَ القرآنُ بأَنه كُلَّه متشابهٌ بهذا المعنى للتشابه.\nقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nوللتّشابهِ معنى آخر هو: الاشْتِبَاه، بمعنى أَنَّ القارئَ يَقَعُ في اشتباهٍ\nوشُبْهَة، ويَختلطُ عليه الأَمْرُ، ويَلتبسُ عليه المعنى، بسببِ لَبْسٍ في الكلامِ\nالذي أَمامه، وغُموضٍ في معناه.\nوفي القرآنِ بعضُ الآيات ِ المتشابهاتِ بهذا المعنى، كما وَضحَتْ سورةُ\nآلِ عمران: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) .\nوتُشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ مُعظمَ آياتِ القرآنِ محكمات، أَيْ واضحاتُ الدلالة\nعلى المعنى، لا تَحتاجُ إِلى آياتٍ أُخرى لحُسْنِ فهم المعنى، وهذه الآيات ُ\nالمحكماتُ هُنَّ أُمُّ الكتاب، وأَصْلُه الذي لا بُدَّ أَنْ يُعادَ كُلُّ شيء إِليه.","vol":"1","page":566},{"text":"كما تشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ بعضَ آياتِ القرآنِ متشابهات، وهذه الآياتُ المتشابهاتُ قليلةٌ بجانبِ المحكمات.\nوسَببُ التشابهِ في الآياتِ القليلةِ المتشابهةِ هو \" الغموضُ المقصود \" في\nمعناها، واللَّبْسُ الذي قد يَقَعُ فيه بعضُهم عندما ينظرُ فيها، كما فَعَلَ هذا\nالفادي الجاهلُ في تناقضاتِه الخمسة عشر التي زَعَمَ وُجودَها في القرآن، والتي\nنَقَضْناها في هذا المبحث.\nوأَخبرت الآية ُ عن اختلافِ نظرةِ الناسِ للآياتِ المتشابهات، فقالت:\n(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\n(الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): هم الذين يَبحثونَ عن الشبهاتِ والإِشكالات،\nويُريدونَ اتباعَ الباطل، ويَهدفونَ إِلى فتنةِ الناس، من أَمثال هذا الفادي الجاهلِ مريضِ القلب، هؤلاءِ يَتَّبعونَ الآياتِ المتشابهاتِ لتحقيقِ أَهدافِهم المريضة.\n(وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ): هم المتمكِّنونَ من العلم، الذين يُحسنونَ فَهْمَ\nالقرآن، ولذلك يَحْملونَ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ على الآياتِ المحكماتِ\nالكثيرة، التي هي أُمُّ الكتابِ وأَصْلُ المتشابهات، ويَخرجونَ من ذلك بزيادةِ\nالإِيمانِ واليقين، ويُعْلنونَ ذلك قائلين: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\nأَيْ: آمَنَّا بالقرآن، وأَيْقَنّا أَنه كَلامُ الله، وكُلٌّ من آياتِه المحكَماتِ والمتشابهاتِ من عندِ ربنا.\nوبالمثال يَتَّضِحُ المقال:\nقال اللهُ عن عيسى ابنِ مريم - ﵇ -: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nفي معنى هذه الآيةِ لَبْسٌ وغُموض، فما معنى قول اللهِ له: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)؟\nقد يَحتجُّ بها اليهودُ على أَنهم صَلَبوا عيسى - ﵇ - وقَتَلوه، وقد\nيحتجُّ بها النَصارى على أَنَّ عيسى - ﵇ - قُتِلَ وصلِبَ، ودينُهم يقومُ على","vol":"1","page":567},{"text":"الصَّلْب، وشعارُه الصليب..\nوقد يقولُ لنا قسّيسٌ جاهِلٌ مثلُ هذا الفادي: لماذا\nلا تُصَدّقونَ قرآنَكم أَيها المسلمون، وهو يُصرحُ بأَنَّ عيسى توفَّاهُ الله، ومعناهُ أَنه ماتَ، وخرجَتْ روحُه على الصليب!!.\nنقولُ لهؤلاء: حتى نَفهمَ هذه الآيةَ التي فيها تَشابُهٌ ولَبْس وغموض، لا بُدَّ\nأَنْ نَحملَها على آيةٍ محكَمَة، هي لها أُمٌّ وأَصْلٌ، لإزالةِ لَبْسِها وغُموضِها \" وهي قول الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) .\nإِنّنا نوقنُ بما صرَّحَتْ به هذه الآية ُ المحكَمَة، من أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا\nعيسى - ﵇ - ولم يَصْلُبوه، والذي قَتَلوهُ وصَلَبوهُ شخْصٌ آخرُ شُبِّهَ لهم، ورَفَعَ اللهُ عيسى حَيًّا إِلى السماء، بروحِه وجِسْمِه، وهو الآنَ حَيٌّ عندَ الله، بروحِه وجِسْمِه.\nوعندما نَحْملُ قولَه: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) على قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) نقول: المرادُ بالتَّوَفّي هو القبضُ والتَّغييبُ، وذلك\nعن طريقِ النوم، أَيْ: أَلْقى اللهُ على عيسى - ﵇ - في تلك الليلةِ النَّوْمَ، وتوفَّاهُ وهو نائم، أَيْ غَيَّبَهُ وقَبَضَه وهو نائم، ورفَعَهُ إِليه وهو مُتَوفّى نائمٌ.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>حول التكرار في القرآن</span>\nأَثارَ الفادي الجاهلُ إِشْكالًا حولَ التكرارِ في القرآن، تحتَ عنوان\n\" الكلامُ المتكرر \"، واعتبرَ هذا الكلامَ عَيْبًا وخَلَلًا، وداعيًا إلى المَلَل، وقالَ\nفي آخِر اعتراضِه: \" ونحنُ نسأل: أَليسَ في هذا التكرارِ عيبُ الخَلَلِ والملل،\nوالبُعْدُ عن ضُروبِ البلاغة؟ \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٨- الكلام المكرر\nهذه الشبهة من الشبهات التى أكثروا اللغو حولها. واتخذوها كذلك منفذًا للطعن فى القرآن الكريم بأنه ليس وحيًا من عند الله.\nوركزوا كل التركيز على تكرار القصص فى القرآن وذكروا بعض القصص الذى تكرر، مع الإشارة إلى مواضعه فى سور القرآن، كما ذكروا تكرار بعض العبارات والجمل.\nولغوا لغوًا كثيرًا، حول تكرار قصة آدم فى القرآن، وقالوا إنها تكررت خمس مرات. ونحن نقول بل تكررت سبع مرات.\nكما فعلوا الشىء نفسه مع التكرار الوارد فى سورة \" الرحمن \" وادعوا أن القرآن إذا حُذف منه المكرر لم يبق منه إلا ما يملأ كراسة واحدة.\nلذلك فإننا فى الرد عليهم سنقف وقفة متأنية، نلقنهم فيها درسًا بليغًا حول التكرار الوارد فى القرآن المحفوظ وبخاصة فى سورة الرحمن، وتكرار قصة آدم (فى مواضع سبعة. لنقيم الحجة لله.\n* الرد على هذه الشبهة:\nيقع التكرار فى القرآن الكريم على وجوه:\nمرة يكون المكرر أداة تؤدى وظيفة فى الجملة بعد أن تستوفى ركنيها الأساسيين.\nوأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.\nفاصلة تكرر فى سورة واحدة على نمط واحد.\nقصة تتكرر فى مواضع متعددة مع اختلاف فى طرق الصياغة وعرض الفكرة.\nبعض الأوامر والنواهى والإرشادات والنصح مما يقرر حكمًا شرعيًّا أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة أو يرغب فى خير أو ينفر من شر.\nوتكرار القرآن فى جميع المواضع التى ذكرناها، والتى لم نذكرها مما يلحظ عليها سمة التكرار. فى هذا كله يباين التكرار القرآنى ما يقع فى غيره من الأساليب لأن التكرار وهو فن قولى معروف. قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق والاضطراب فيكون هدفًا للنقد والطعن. لأن التكرار رخصة فى الأسلوب إذا صح هذا التعبير والرخص يجب أن تؤتى فى حذر ويقظة.\n* وظيفة التكرار فى القرآن:\nمع هذه المزالق كلها جاء التكرار فى القرآن الكريم محكمًا. وقد ورد فيه كثيرًا فليس فيه موضع قد أخذ عليه دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم وبين القرآن تارات؛ فهم له أعداء وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه مع سلامته من المآخذ والعيوب يؤدى وظيفتين:\nأولاهما: من الناحية الدينية.\nثانيهما: من الناحية الأدبية.\nفالناحية الدينية باعتبار أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتشريع لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر وتوكيده وإظهار العناية به ليكون فى السلوك أمثل وللاعتقاد أبين.\nأما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد وإن كان الهدف منه فى جميع مواضعه يؤدى إلى تأكيد المعانى وإبرازها فى معرض الوضوح والبيان. وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذى أثبتناه فى صدر هذا البحث.\n* تكرار الأداة:\nومن أمثلتها قوله تعالى: (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحِيِم) (١) .\n(ثم إن ربك للذيِن عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (٢) .\nوالظاهر من النظر فى الآيتين تكرار \" إنَّ \" فيهما. وهذا الظاهر يقتضى الاكتفاء ب \" إنَّ \" الأولى. ولم يطلب إلا خبرها. وهو فى الموضعين أعنى الخبر \" لغفور رحيم \" لكن هذا الظاهر خولف وأعيدت \" إنَّ \" مرة أخرى. ولهذه المخالفة سبب.\nوهذا السبب هو طول الفصل بين \" إنَّ \" الأولى وخبرها. وهذا أمر يُشعِر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله \" إنَّ \" وهو التوكيد. لهذا اقتضت البلاغة إعادتها لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.\nعلى أن هناك وظيفة أخرى هى: لو أن قارئًا تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما \" إنَّ \" ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى لظهر له الفرق بين الحالتين: قلق وضعف فى الأولى، وتناسق وقوة فى الثانية.\nومن أجل هذا الطول كررت فى قول الشاعر (٣):\nوإن امرأً طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ *** عَلَى مِثْلِ هَذاَ إنَّهُ لَكَرِيمُ\nيقول ابن الأثير رائيًا هذا الرأى: \".. فإذا وردت \" إنَّ \" وكان بين اسمها وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة \" إنَّ \" أحسن فى حكم البلاغة والفصاحة كالذى تقدّم من الآيات \" (٤) .\n* تكرار الكلمة مع أختها:\nومن أمثلتها قوله تعالى: (أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم فى الآخرة هم الأخسرون) (٥) .\nفقد تكررت \" هم \" مرتين، الأولى مبتدأ خبرها: \" الأخسرون \". والثانية ضمير فصل جئ به لتأكيد النسبة بين الطرفين وهى: هُمْ الأولى بالأخسرية.\nوكذلك قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال فِى أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (٦) .\nتكررت هنا \" أولئك \" ثلاث مرات. ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسنًا وروعة. فالأولى والثانية: تسجلان حكمًا عامًّا على منكرى البعث: كفرهم بربهم وكون الأغلال فى أعناقهم.\nوالثالثة: بيان لمصيرهم المهين. ودخولهم النار. ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذى لا يعقبه خروج منها.\nولو أسقطت (أَولئك (من الموضعين الثانى والثالث لرك المعنى واضطرب. فتصبح الواو الداخلة على: (الأغلال فى أعناقهم) . واو حال. وتصبح الواو الداخلة على: (أَصحاب النار هم فيها خالدون) عاطفة عطفًا يرك معه المعنى.\nلذلك حسن موضع التكرار فى الآية لما فيه من صحة المعنى وتقويته. وتأكيد النسبة فى المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.\n***\n* تكرار الفاصلة:\nسبق أن ذكرنا فى مبحث الفواصل بسوء المصير من تكرار الفاصلة مرتين بدءًا وثلاث مرات نهاية. وقد وجهنا أسلوب التكرار فى تلك الصور. ولكنَّا هنا أمام فاصلة لم تقف فى تكرارها عند حد المرات الثلاث. بل تعدت ذلك بكثير. لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هى بهذا الموضع أنسب (٧) .\nونعتمد فى دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هى: \" الرحمن القمر المرسلات \". وهى السور التى برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية. بشكل لم يرد فى غيرها، كما ورد فيها.\nفقد تكررت: (فبِأى آلاء ربكما تكذبان) (٨) فى \" الرحمن \". وتكررت (فكيف كان عذابى ونذر) (٩) فى \" القمر \". وتكررت: (ويل يومئذ للمكذبين) (١٠) فى \" المرسلات \".\n* تكرار الفاصلة فى \" القمر \":\nولهذا التكرار فى المواضع الثلاثة أسباب ومقتضيات. ففى سورة القمر \" نجد العبارة المكررة وهى: (فكيف كان عذابى ونذر (قد صاحبت فى كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أول موضع ذُكِرت فيه عقب قصة قوم نوح. وبعد أن صوَّر القرآن مظاهر الصراع بينهم وبين نوح ﵇ ثم انتصار الله لنوح عليهم. حيث سلَّط عليهم الطوفان. فأغرقهم إلا مَن آمن وعصمه الله.\nونجد أن الله نجَّى نوحًا وتابعيه. ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة وادكار، ولتلفت إليها الأنظار وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: (فكيف كان عذابى ونذر (مُصدَّرًا باسم الاستفهام \" كيف \" للتعجيب مما كان، ولقد مهَّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه. وهى قوله تعالى: (ولقد تركناها آية فهل من مدكِر) (١١) .\nوالموضع الثانى لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد وعتوها عن أمر الله وفى \" عاد \" هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءًا ونهاية. قال تعالى: (كذبت عادُ فكيف كان عذابىِ ونذر *ِإنا أرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا فى يومِ نحْسٍ مستمر * تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابى ونذر) (١٢) .\nوتكرار العبارة هكذا فى البداية والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام. مع ملاحظة أن أحداث القصة هنا صُورت فى عبارات قصيرة ولكنها محكمة وافية.. ولم يسلك هذا المسلك فى قصة نوح أعنى قصر العبارات والسبب فيما يبدو لى أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق فى الماء. وهى وسيلة كثيرًا ما تكون سبب هلاك. فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه.. أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر.\nولعل مما يقوى رأينا هذا. أن هذه القصة قصة عاد وردت فى موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة، ويختلف معه قليلًا من حيث طريقة العرض وزيادة التفصيل.\nجاء فى سورة الحاقة: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصرٍ عاتية* سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حُسومًا فترى القوم فيها صرعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية) (١٣) .\nفإرسال الريح هكذا سبع ليال وثمانية أيام حسومًا مدعاة للعظة والاعتبار.\nومثله: (وفى عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم) (١٤) . (فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا فى أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون) (١٥) .\nفقد بطرت \" عاد \" نعم ربها عليها. وغرها ما فيه من أسباب التمكين فى الأرض وقوة البطش أن تبارز ربها ومولى نعمها بالمعاصى، فأهلكها الله بما لا قبل لها به. وفى كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء، تأتى عباراته قوية هادرة واعظة زاجرة..\nجاء فى موضع آخر: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التى لم يُخلق مثلها فى البلاد) (١٦)\nوكانت عاقبتها خسرًا وهلاكًا مع من طغى فى الأرض بغير الحق: (فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد) (١٧) .\nأما الموضع الأخير الذى ذكرت فيه هذه العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر (فحين قص الله علينا قصة \" ثمود \"، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع. ولفت نظره إليها: (فكيف كان عذابى ونذر* إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر) (١٨) .\nومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار. فليست إحدى العبارات فى موضع بمغنية عن أختها فى الموضع الآخر. إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين: الدينية والأدبية.\nمن الناحية الدينية حيث تحمل المومنين على التذكر والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص، ومن الناحية الأدبية لأن العبارة: (فكيف كان عذابى ونذر (تأتى عقب كل قصة أيضًا لافتة أنظار المشاهدين إلى \" كنه \" النهاية وختام أحداث القصة.\nوقد مهد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهى كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف \" الراء \" مع التزام تحريك ما قبلها. وذلك هو نهج فواصل السورة كلها. وقد أشاع هذا النسق الشاجى نوعًا من الإحساس القوى بجو الإنذار. والسورة فوق كل هذا مكية النزول والموضوع.\nكما أن الطابع القصصى هو السائد فى هذه السورة. فبعد أن صور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة. وبَيَّن ضلال مسلكهم. وقد كان الرسول (حريصًا على هدايتهم فى وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضًا عنه. لهذا اقتضى الموقف العام سوق عِبَر الماضين ليكون فى ذلك تسلية للرسول (ومن اتبعه وزجر لمن عارضه وصد عنه.\nوما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية خاصة تربية الأمم تستدعى تأكيد الحقائق بكل وسيلة ومنها التكرار الذى لمسناه فى سورتنا هذه؛ حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.\n* تكرار آخر فى سورة \" القمر \":\nوفى هذه السورة \" القمر \" مظهر آخر من مظاهر التكرار، هو قوله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) (١٩) . حيث ورد فى السورة أربع مرات، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.\nوقد اشتملت هذه الآية: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر (على خبر واستفهام، والخبر تمهيد للاستفهام الذى فيها ولفت النظر إليه.\n***\n* التكرار فى سورة \" الرحمن \":\nأما التكرار الوارد فى \" الرحمن \" فى قوله تعالى: (فبأى آلاء ربكما تكذبان (حيث تكررت الآية فيها إحدى وثلاثين مرة فله أسبابه كذلك. ويمكن أن نسجل هذه الملاحظات:\nأولًا: إن هذا التكرار الوارد فى سورة \" الرحمن \" هو أكثر صور التكرار الوارد فى القرآن على الإطلاق.\nثانيًا: إنه أى التكرار فى هذا الموضع قد مُهِّدَ له تمهيدًا رائعًا. حيث جاء بعد اثنتى عشرة آية متحدة الفواصل. وقد تكررت فى هذا التمهيد كلمة \" الميزان \" ثلاث مرات متتابعة دونما نبو أو ملل:\n(والسماء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا فى الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (٢٠) .\nوهذا التمهيد قد أشاع كذلك لحنًا صوتيًّا عذبًا كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجومًا؛ لأن القرآن قد راعى فى فواصل المقدمة التمهيدية ما انبنت عليه فواصل الآية المكررة.\nثالثًا: إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثَقَلين: الإنس والجن، وبعد كل نعمة أو نِعَم يعددها الله تأتى هذه العبارة: (فبأى آلاء ربكما تكذبان (.\nوعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم عِلّة التكرار الذى حفلت به سورة الرحمن أنه تذكير وتقرير لنعمه. وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها أو التكذيب بها.\n\" فتكرار الفاصلة فى الرحمن.. يفيد تعداد النِّعَم والفصل بين كل نعمة وأخرى لأن الله سبحانه عدَّد فى السورة نعماءه وذكَّرعباده بآلائه. ونبههم على قدرها وقدرته عليها ولطفه فيها. وجعلها فاصلة بين كل نعمة لتعرف موضع ما أسداه إليهم منها. ثم فيها إلى ذلك معنى التبكيت والتقريع والتوبيخ؛ لأن تعداد النِعَم والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادى المنعَم عليه من الناس بتعديدها\" (٢١) . ولقائل أن يسأل: إن هذه\nالفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد وتهديد. فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات؟\n(يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (٢٢) .\n(يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصى والأقدام * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (٢٣) .\n(هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأى آلاء ربكما تكذبان) (٢٤) .\nوظاهر هذه الآيات بلاء وانتقام وليس بنعم.\nوالجواب: ولكن المتأمل يدرك أن فى الإنذار والوعيد وبيان مآل الضالين عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.\nومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعم، لأن النعمة نوعان: إيصال الخير. ودفع الشر. والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.\n* التكرار فى سورة \" المرسلات \":\nبقى التكرار الوارد فى سورة \" المرسلات\". وقد صنع ما صنع فى نظيريه فى \" القمر \" و\" الرحمن \" من التقديم له بتمهيد.. وله مثلهما هدف عام اقتضاه.\nبيد أن التمهيد يختلف عما سبق فى \" القمر و\" الرحمن \". فقد رأينا فيهما اتحاد الفاصلة فى الحروف الأخيرة مع التزام نهج معين فيما قبله. أما هنا فإن الأمر يختلف. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) النحل: ١١٠.\n(٢) النحل: ١١٩.\n(٣) ديوان الحماسة: ٢/١٠٥ ولم ينسب لقائل معين.\n(٤) المثل السائر (ج٣ ص٧) تحقيق د/ بدوى طبانة ود/ الحوفى.\n(٥) النمل: ٥.\n(٦) الرعد: ٥.\n(٧) انظر كتابنا: خصائص التعبير فى القرآن الكريم وسماته البلاغية (مبحث الفواصل) مكتبة وهبة بالقاهرة\n(٨) وردت ٣١ مرة.\n(٩) وردت ٤ مرات.\n(١٠) وردت ١٠ مرات\n(١١) القمر: ١٥.\n(١٢) القمر: ١٨ ٢١.\n(١٣) الحاقة: ٦ ٨.\n(١٤) الذاريات: ٤١ ٤٢.\n(١٥) فصلت: ١٥ ١٦.\n(١٦) الفجر: ٦ ٨.\n(١٧) الفجر ١٣ ١٤. (١٨) القمر: ٣٠ ٣١.\n(١٩) القمر: ١٧، ٢٢،٣٢، ٤٠.\n(٢٠) الرحمن: ٧-٩.\n(٢١) خزانة الأدب للحموى: ص ١٤٤-١٤٥.\n(٢٢) الرحمن: ٣٥ - ٣٦.\n(٢٣) الرحمن: ٤١-٤٢.\n(٢٤) الرحمن: ٤٣-٤٥.","vol":"1","page":568},{"text":"اعترضَ على تكرارِ قولِه تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في سورة\nالرحمن، حيث ذُكرت الآيةُ إِحدى وثلاثين مرةً.\nوهذا ليسَ تِكرارًا في الحقيقة، وإِنما هو \" تَنْويعٌ \" في العرض، وفَرْق بين\nالتكرارِ والتنويع، فالتكرارُ هو إِعادَةُ الآيةِ أَو القصةِ أَو الموضوعِ مرةً أُخرى، بدونِ إِضافةٍ معلومةٍ أَو جملةٍ أَو كلمة، وبدونِ هدفٍ وغَرَضٍ جَديد.\nوهذا التكرارُ عيبٌ في التأليف، وضعفٌ في الأُسلوب، ودليلٌ على الخلل، والتدنّي في البلاغةِ والفصاحة، يُنَزِّهُ الكاتبُ البليغُ كلامَه عنه.\nولذلك نقول: لا تكرارَ في القرآن.\nإِنّ الذي في القرآنِ هو التنويع، وذلك بأَنْ يُضيفَ القرآنُ الجديدَ في كُلِّ\nمَرَّةٍ يُعيدُ فيها ذِكْرَ القصةِ أَو الآيةِ أَو الجملةِ أَو الكلمة، إِما معلومةٌ جديدة،\nوإِما كلمةٌ جديدة، وإِمّا لهدفٍ جَديد، وإِمّا للتناسبِ مع سياق جديد..\nوهذا ليسَ تكرارًا كما زَعَمَ الفادي الجاهل، وإِنما هو تَنويع.\nإِنَّ قولَه تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قد ذُكِرَ في سورةِ الرحمن\nإحدى وثلاثين مرةً، ولكنَّ هذه الآيةَ كانت تُذْكَرُ في كُل مرةٍ لهدفٍ جديد،\nوكانت متناسبةً مع الآياتِ التي سَبَتَتْها، وخاتمةً مناسبةً لها، لأَنَّ سورةَ\nالرحمن كُلَّها معرضٌ لآلاءِ اللهِ وبعَمِه، وكانت كُلَّما تَذكُرُ بعضَ نِعَمِ الله أَو\nأَفعالِه أَو الأَدلةِ على وحدانيتِه وعظمتِه تَختمُ ذلك بالآية: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) على اعتبار أَنَّ الموضوعَ الذي تتحدَّثُ عنه هو بعضُ آلاءِ الله..\nفهي أَشبهُ ما تكونُ بلازمةٍ شعرية، كتلكَ اللّوازمِ الشعريةِ التي كانَت تُخْتَمُ بها رباعياتُ بعضِ القصائدِ الشعريةِ الموزونة.\nولْنأخذْ على ذلك مثالًا من السورة: ذُكِرَت: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)\nفي آية (١٨) لغيرِ الهدفِ الذي ذُكِرَتْ لأَجْلِه في آية (١٦) .\nإِنها في الآيةِ السادسة عشرة مرتبطةٌ مع الآياتِ التي قبلَها، والتي تتحدثُ عن خلقِ الإِنسِ والجن، قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) .","vol":"1","page":569},{"text":"فهي تَذكيرٌ بنعمةِ خَلْقِ الإِنسِ والجِنَ.\nأَما في الآيةِ الثامنة عشرة فإِنها مسبوقة بقولِه تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)، فهي بهدفِ التذكيرِ بمُلْكِ اللهِ لكلِّ ما في الكون، ومنه مُلْكُه للمشرقَيْن وللمغربَيْن.\nوهي في الآية (٢١) خاتمة لموضوع جَديد، وردَ في قولِه تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) .\nوهو التذكيرُ بنِعَمِ اللهِ وقدرتِه وعظمتِه، في خلقِ الماءِ العذبِ والماءِ\nالمالح.\nوهكذا في باقي مَرّاتِ وُرودِها، فليسَ الأَمْرُ تَكرارًا مُخِلًّا، كما زعَمَ\nالفادي الجاهل، وإِنما هو تَنويعٌ وإضافة.\nوانتقدَ الجاهلُ وُرودَ بَعْضِ قَصصِ القرآنِ في أَكثرَ من سورة، واعْتَبَرَ\nذلك من التَّكرارِ المعنوي، قال: \" وفي القرآنِ الكثيرُ من التكرارِ اللفظي، كما في سورةِ الرحمن، والتكرارِ المعنوي كما في قَصص الأَنبياء، فَضْلًا عما فيها من سَجْعٍ مُتَكَلَّفٍ \".\nوذَكَرَ بعضَ القَصصِ التي اعْتَبَرَها مُكَررَة، والسورِ المذكورةِ فيها كُلُّ\nقِصَّة، وهي: \" قصة آدم، وقصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة لوط، وقصة موسى، وقصة سليمان، وقصة يونس - الذي سماه يونان، وقصة\nعيسى - صلى الله عليهم وسلم -.\nوكلامُ الجاهلِ باطل، وانتقادُه مردودٌ عليه، فهو يعيبُ ما لا عيبَ فيه،\nوهو يُخَطِّئُ الصَّوابَ، ويَنتقدُ الصحيح، وإِنَ ذِكْرَ القصةِ القرآنيةِ في أَكثرَ من سورةٍ ليسَ من بابِ التكرارِ المُمِلّ والمُخِلِّ، وإِنما هو من بابِ التنويعِ\nالهادف، والإِضافةِ الحكيمة، والتناسقِ المعجز.\nوعندما نتدبَّرُ المواضعَ المختلفةَ التي وَرَدَتْ فيها القصةُ القرآنية، فسنجدُ\nأَنَّ اللقطاتِ المعروضةَ من القصةِ متناسبة ومتناسقة ومترابطةٌ مع موضوعِ","vol":"1","page":570},{"text":"السورة، ومعَ السياقِ الذي وردَتْ فيه، ومتصلةٌ بما قبلَها وما بعدَها، وتَلْتقي مع السياقِ في تحقيق أَهدافِه العلميةِ والإِخباريةِ والتربوية ...\nوفي كُلّ مرةٍ جديدةٍ تُعرضُ فيها بعضُ لقطاتِ القصةِ تكونُ فيها معلومةٌ جديدة، أَو فيها جزئيةٌ جَديدة، تضافُ للمعلومةِ المذكورةِ سابقًا.\nولا يَتسعُ المجالُ لتفصيلِ القولِ في هذا الموضوع، ولا لعرضِ الأَمثلةِ التطبيقيةِ من القصصِ القرآني، فإِنَّ الكلامَ في هذا يَطول!.\nإِنَّ من الخطأ الكبيرِ أَنْ نَقولَ: تَكَرَّرَ ذِكْرُ قصةِ آدم - مَثَلًا - في سور:\nالبقرة، والأَعراف، والحجر، وطه، وصَ.\nوالواجِبُ أَنْ نقول: ما هو الجزءُ من القصةِ المعروضُ في سورةِ البقرة، وما الذي أَضافَتْهُ سورةُ الأَعرافِ على سورة البقرة، وما الذي ذَكَرَتْه سورةُ طه أَو الحِجْر أَو (ص)، وما وَجْهُ الاتصالِ والارتباطِ بين المعروضِ في سورةِ الأَعراف - أَو أَيّةِ سورةٍ أُخرى - وبينَ موضوع السورة، والسياقِ الذي ورد فيه..\nإِنَّ هذا التنويعَ الهادفَ الحكيمَ وَجْهٌ من وجوهِ الإِعجازِ القرآني، ومزيةٌ من مزايا القرآنِ العظيمة، وليس مَأخَذًا على القرآن.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>هل في القرآن من كلام الآخرين</span>؟\nخَصَّصَ الفادي المفترِي الجاهلُ هذا المبحثَ من كتابه لاتِّهامِ القرآنِ بأَنَّه\nمن تأليفِ محمد - ﷺ -، وأَنه نَقَلَه عن كلامِ الآخرين، من العربِ واليهودِ والنَّصارى والفرسِ وغيرهم، فهو أَساطيرُ الأَوَّلين اكْتَتَبها.\nولْننظرْ في اتِّهاماتِه التي أَوردَها تحتَ عنوانِ \" الكلام المنقول \"، لنرى\nسَخافَتَها وتَفاهَتَها، وجَهْلَ مَنْ أَطْلَقوها.\nسَجَّل في بدايةِ اتهاماتِه قولَه تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) .","vol":"1","page":571},{"text":"ثم علق على الآيتَيْن تَعْليقًا فاجِرًا قبيحًا، قال: \"تدلُّ هذه الآية ُ على أَنَّ\nمحمدًا قال: إِنَّ القرآنَ نَزَلَ عليه وَحْيًا مِن الله ...\nولكنَّ مُعاصريه لم يَجِدوا في ما جاءَ به شيئًا جَديدًا، فقالوا: إِنَّه جاءَ بأساطيرِ الأَولين، التي كانَ يَسمعُها، وكَتَبَها قرآنًا.\nفهي ليستْ وَحْيًا!\nلقد اقتبسَ محمدٌ أَشعارَ امرئ القيس، وأَقوالَ عمرَ بن الخطاب، وكُتُبَ جُهّالِ اليهودِ والمسيحيين، وكُتُبَ الفرسِ، وكُتُبَ الحنفاءِ، وغيرهم ... \".\nهكذا بجملةٍ فاجرةٍ يُلْغي هذا الفاجرُ الوحيَ والنبوةَ والرسالة، ويَعتمدُ\nاتهاماتِ الكفرةِ الفجرةِ السابقين، التي ذَكَرَها القرآن، ثم نَقَضَها وَرَدَّها، لكنه لكُفْرِه وفُجورهِ لا يَقْبَلُ رَدَّ القرآنِ عليها.\nقالَ الكفارُ عن آياتِ القرآن: هيَ أَساطيرُ الأَوَّلين، وقَصصُ السابقين\nوأَخبارُهم، طلبَ محمدٌ من الكُتّابِ أَنْ يكْتُبوها له، فَفَعَلوا وقَدَّموها له،\nوصارَتْ تُملى عليه في الصباحِ والمساء، فأَخَذَها منهم، وزعَمَ أَنها جاءَتْه\nوحيًا من عندِ الله، وليس في المسألةِ وَحْيٌ ولا نبوَّة!!.\nوَرَدَّ اللهُ على هذا الاتهامِ بتقريرِ حقيقةِ الوحي، وتَأكيدِ أَنَّ القرآنَ\nكَلامُ الله - ﷿ - (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .\nواللهُ يَعلمُ السِّرَّ ويَعلمُ الجهر، لكنه ذَكَرَ هنا السِّرَّ دونَ الجهر، لأَنَّ إِنزالَ القرآنِ عن طريقِ جبريل - ﵇ -، كان بطريقةٍ غيبيةٍ خفيَّةٍ سِرِّيَّة.\nوالفادي الحاقدُ أَغفلَ عامدًا كلامَ اللهِ الذي رَدَّ على اتِّهامِ الكفار، وأَبْقى\nكلامَهم مُعْتَمِدًا له.\nومن أَكاذيبهِ الصارخةِ المتهافتةِ قولُه عن الكفار: \" ولكنَّ مُعاصِريه لم\nيَجِدوا في ما جاءَ به شَيْئًا جديدًا \".\nأَيْ أَنَّ القرآنَ تكرارٌ لما قالَه السابقون، وتَرديدٌ لكلامِهم، وليس فيه أَيُّ شيء جديد! علمًا أَنَّ القرآنَ لم يتأَثَّرْ بما كانَ حولَه من معارفَ وثقافاتٍ وخرافات، وكُلُّ ما أَتى به فهو جَديد، لم يُسْبَقْ إِليه.","vol":"1","page":572},{"text":"أولًا: ماذا أخذ الرسول - ﷺ - من امرئ القيس؟:\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ بعضَ كلامِ الشاعرِ الجاهليِّ المشهورِ \" امرئِ القَيْس \"، وسَجَّلَه في القرآن، ونَسَبَه إِلى الله، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه! وقَدَّمَ الغبيُّ دليلًا على دعْواه وزعْمِه أَبياتٍ ركيكة، ادَّعى أَنها لامرئ القيس، مع أَنها ليستْ له، وإِنما هي في غايةِ الضعفِ والركاكة، وشعْرُ امرئ القيس في غايةِ الفصاحةِ والبلاغة.\nولْنقرأْ هذا الشعرَ الركيكَ، الذي صاغَه شاعِرٌ متأَخِّر، ونَسَبَه الفادي\nالجاهلُ إِلى امرئ القيس:\nدَنَت السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرْ ... عَنْ غَزالٍ صادَ قَلْبي ونَفَرْ\nأَحْوَرٌ قَدْ حِرْتُ في أَوْصافِهِ ... ناعِسُ الطَّرْفِ بِعَيْنَيْهِ حَوَرْ\nمَرَّ يَوْمَ العيدِ بي في زينةٍ ... فَرَماني فَتَعاطى فَعَقَرْ\nبِسِهامٍ مِنْ لِحاظٍ فاتِكٍ ... فَرَّ عَنّي كَهَشيمِ المُحْتَظِرْ\nوَإِذا ما غابَ عَنِّي ساعَةً ... كانَت السَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرّ\nكَتَبَ الحُسْنُ على وَجْنَتِهِ ... بِرَحيقِ المِسْكِ سَطْرًا مُخْتَصَرْ\nعادَةُ الأَقْمارِ تَسْري في الدُّجى ... فَرَأَيْتُ اللَّيْلَ يَسْري بالقَمَرْ\nبالضُّحى وَاللَّيْلِ مِنْ طُرَّتِهِ ... فَرْقُهُ ذا النَّورِكَمْ شَيءٌ زَهَرْ\nقُلْتُ إِذْ شَقَّ العِذارُ خَدَّهُ ... دَنَت السّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرْ\nليسَ مُحمدٌ - ﷺ - الذي أَخَذَ بعضَ جُمَلِ هذه القصيدة، وَوَضَعَها في القرآن، كما ادَّعى الفادي الجاهل، وإِنما الشَاعِرُ الضعيفُ الركيكُ المتأَخِّر - الذي لم أَعرف اسْمَه - هو الذي حاكى القرآنَ كَلامَ الله، واقْتَبسَ من القرآنِ بعضَ جُمَلِه، زَيَّنَ بها قَصيدَتَه.\nوديوانُ الشاعرِ الجاهليِّ البليغِ امرئ القيسِ مَطْبوعٌ مُتَداوَل، ونَتَحَدّى\nالفادي الجاهلَ أَو أَيَّ واحدٍ من أَهْلِ مِلَّتِه أَنْ يُرينا هذه القصيدةَ الركيكةَ في\nديوانِ امرئِ القيس! فافتراءُ الفادي المفترِي لا يَثْبُتُ أَمامَ البحثِ العلمي.","vol":"1","page":573},{"text":"أَخَذَ الشاعرُ المتأخِّرُ من سورةِ القمرِ قولَه تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فافتتَحَ بها قصيدَتَه، كما خَتَمَها بها في الشطرِ الثاني من بيتِه\nالأَخير، مع بعضِ التحوير.\nحيثُ قال: دَنت الساعةُ وانشقَّ القمر.\nكما أَخَذَ من السورة قولَه تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ)،\nووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الثالث: فرماني فتعاطى فعقر.\nوأَخَذَ من السورةِ قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)، ووَضَعه في الشطرِ الثاني من البيتِ الرابع: فَرَّ عَنّي\nكهشيمِ المحتَظِر.\nوأَخَذَ من السورةِ قولَه تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الخامس: كانت الساعةُ أَدهى وأَمَرّ.\nوأخذ من سورة الضحى قوله تعالى: وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) . ووضعه في الشطر الأول من البيت الثامن: بالضحى والليل من طُرَّتِه..\nوذَكَرَ الفادي المفترِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْن، لا يَختلفانِ عن الأَبياتِ السابقةِ في\nالركاكةِ والضَّعف، والغَزَلِ الساقط، نَسَبَهما لامرئ القيس أَيْضًا، وزَعَمَ أَنَ\nمحمدًا - ﷺ - أَخَذَ منهما كلامًا في القرآن.\nوهما: أَقْبَلَ وَالعُشّاق مِنْ حَوْلِهِ ... كأَنَّهم من كلِّ حَدْبِ يَنْسِلونْ\nوَجاءَ يَوْمَ العيدِ في زينَتِه ... لِمِثْلِ ذا فَلْيَعْمَلَِ العامِلونْ\nوما قلناهُ عن الأَبياتِ السابقةِ نقولُه هنا، ويَبدو أَنهما لنفسِ ناظمِ الأَبياتِ\nالسابقة، حاكى القرآنَ، وأَخَذَ منه بعضَ كلامِه، وَوَظَّفَهُ بوَقاحَةٍ للغزل بعشيقِه والثناءِ عليه.\nأَخَذَ من سورةِ الأَنبياءِ قولَه تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) .\nووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الأَول: كأَنهم من كلِّ حَدَبٍ ينسلون.\nوأَخَذَ من سورةِ الصافاتِ قولَه تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) ..\nوَوَضَعَه في الشطرِ الثاني من بيته الثاني.","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-232>ثانيًا: ماذا أخذ الرسول - ﷺ - من كللام عمر بن الخطاب</span>؟:\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ كَلامًا لعمرَ وَوَضَعَهُ في القرآن، وهو المسَمّى بموافقاتِ عُمَر.\nوالموافقاتُ التي ذَكَرَها صاغَها بأُسلوبه، وَوَظَّفَها دَليلًا لاتهاماتِه.\nأ - موافَقَة عمر في عداوة الله عدوَّ جبريل:\nقالَ عن هذه الموافقة: كانَ لعمرَ بن الخطاب أَرضٌ بأَعلى المدينة،\nوكان مَمَرُّهُ على مِدْراسِ اليهود، فكانَ يَجلسُ إِليهم، ويَسمعُ كَلامَهم..\nفقالوا يومًا: ما في أَصحابِ محمدٍ أَحَبُّ إِلينا منك، وإِنا لنطمعُ فيك! فقالَ عُمَر: واللهِ ما آتيكم لحُبِّكم، ولا أَسأَلُكم لأَني شاكٌّ في ديني، وإِنما أَدخلُ إِليكم لأَزدادَ بصيرةً في أَمْرِ محمدٍ.\nفقالوا: مَنْ صاحبُ محمدٍ الذي يأْتيه من الملائكة؟\nقال: جبريل.\nقالوا: ذلكَ عَدُوُّنا.\nفقال عمر: مَنْ كانَ عدوًّا للهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكالَ فإِنَّ اللهَ عَدُوُّه.\nفلما سمعَ محمدٌ بذلك قال: هكذا أُنزلَتْ، وأَوردَها في قرآنِه في سورةِ البقرة.\nوقالَ محمد لعمر: لقد وافَقَكَ رَبُّك يا عمر.\nوعَلَّقَ على ما أَوردَه بقوله: \" ونحنُ نسأل: أَليسَ الأَصحُّ أَنْ يقولَ\nمحمد: إِنَّ عُمَرَ وافقَ رَبَّه، لا العكس؟\nوالأَغربُ من هذا أَنَّ محمدًا يَنتحلُ أَقوالَ عمر، ويقولُ: إِنها هكذا نَزَلَتْ! وفي هذه الحالة: هل يُعْتَبَرُ عمرُ نبيًّا يوحى إِليه؟\nأَمْ أَنَّ محمدًا انتحلَ أَقوالَ غيره، وقال: إِنها وَحْي؟ \".\nوهذه الروايةُ في سببِ نزولِ قولِه تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .\nالتي اعتَمَدَها الفادي المفترِي لأَنها توافقُ هواه، رواية ضعيفة، مذكورة في بعضِ التفاسير عن الشعبيّ عن عمرَ بن الخطاب، ومذكورةٌ بأسانيدَ أُخرى عن قتادةَ عن عُمَر، وحكمَ عليها بالضعفِ الإِمامُ الحافظُ ابنُ كثير.","vol":"1","page":575},{"text":"قالَ ابنُ كثير عن روايةِ الشعبيِّ بعد أَنْ أَوْرَدَها بإِسنادَيْن: \" وهذانِ\nالإِسنادان يَدُلّانِ على أَنَّ الشعبيَّ حَدَّثَ به عن عمر، ولكن فيه انْقطاعٌ بينَه\nوبينَ عمر، فإِنَّه لم يُدْرِكْ زَمانَه، واللهُ أَعلم \".\nوقال عن إسنادِ روايةِ قتادة: \" وهو أَيضًا منقطع \".\nوإِذا كانت هذه الروايةُ منقطعةَ الإِسنادِ، فهي ضعيفةٌ مردودةٌ لم تَصح،\nوبما أَنها مردودة، فإِنَّ تَساؤُلاتِ الفادي المفترِي عليها داحِضةٌ زائفة، وهو\nمُجرمٌ مفترٍ، متحامِلٌ خَبيث، عندما قال: \" والأَغْرَبُ من هذا أَنَّ محمدًا يَنتحلُ أَقوالَ عُمَر ويقول: هكذا أُنزلَتْ!!.\nوالروايةُ الصحيحةُ في سببِ نُزولِ قولِه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .\nتُصَرِّحُ بأَنَّ الحادثةَ جَرَتْ بينَ النبيِّ - ﷺ - وبين اليهود.\nروى أَحمدُ والطبرانيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عباس - ﵄ - قال: حَضَرَتْ عصابة من اليهودِ نبيَّ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا، فقالوا: يا أَبا القاسم! حَدّثْنا عن خِلالٍ نسأَلُكَ عنهنّ، لا يعلمهنَّ إِلّا نبيّ.\nقال: سَلُوني عما شِئْتُم.\nولكن اجْعَلوا لي ذِمَّةَ الله، وما أَخَذَ يعقوبُ - ﵇ - على بَنيه، لئنْ حَدَّثْتُكُم شيئًا فعرفْتُموه، لَتُتابِعُنّي على الإِسلام!.\nقالوا: فذلكَ لك.\nقال: فَسَلوني عما شئْتُم.\nفسأَلوهُ أَربعةَ أَسئلة، وأَجابَهم عليها، ووَافَقوهُ على الجَواب، وشَهِدوا\nأَنه جَوابٌ صَحيح.\nولكنَهم تَهَرَّبوا من تنفيذِ ما وَعَدوهُ به - كعادتهم - وأَثاروا مشكلةً جديدة،","vol":"1","page":576},{"text":"فقالوا له: حَدِّثْنا مَنْ وَليُّك من الملائكة؟\nفعندَها نُجامِعُك أَو نُفارِقُك!.\nقال: فإِنَّ وَلِيِّي جبريلُ، ولم يَبعث اللهُ نبيًّا قَطّ إِلّا وهو وَلِيُّه.\nقالوا: فعندَها نُفارقُك، لو كان وَلِيُّكَ سِواهُ من الملائكة لتابَعْناك\nوصَدَّقْناك.\nقال: فما يمنَعُكُم من أَنْ تُصَدقوه؟.\nقالوا: إِنّه عَدُوُّنا!!.\nفأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>ب - ثلاث موافقات لعمر:</span>\nذَكَرَ الفادي المجرمُ حديثَ البخاريِّ في موافقاتٍ ثَلاثٍ لعُمَرَ - ﵁ -، لكنه عَلَّقَ عليها تَعليقًا خَبيثًا، حيثُ وَظَّفَها دَليلًا على أَنَّ القرآنَ من كلامِ البشر.\nقال: \" روى البخاريُّ وغيرُه عن عمرَ أَنه قال: وافَقْتُ رَبّي في ثلاث:\nقُلْتُ: يا رسول الله! لو اتخذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.\nفأَخَذَها من لسانِه،\nوأَوردَها في قرآنه، بأَنْ قال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوقلتُ: يا رسول الله إِنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَهنَّ أَنْ\nيحتجِبْن.\nفأَخَذَها محمدٌ من لسانِ عمر، وأَوردَها في آية (٥٣) من سورة\nالأحزاب.\nواجتمعَ على محمدٍ نساؤُه في الغيرة، فقالَ عمرُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ\nطلقكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجًا خيرًا منكن.\nفأَخَذَها محمد بنَصها، وأَوردَها في سورةِ ْالتحريم.\nفهل يؤخَذُ كَلامُ اللهِ من أَفواهِ الناس؟ \".\nإِنَّ الفادي الخبِيثَ غيرُ أَمينٍ على الكلامِ الذي يَنقلُه، وهو يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ\nفيه على هَواهُ، ويَتَلاعَبُ بأَلفاظِه، ويَزيدُ ويُنْقِصُ منها، ويُضيفُ لها ما يُريد.\nروى البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أَنَسِ بنِ مالك ل به قال: قال عُمَرُ بنُ\nالخطاب - ﵁ -: وافَقْتُ ربي في ثلاث؟\nفقلْتُ: يا رسول الله! لو اتَّخَذْنا من","vol":"1","page":577},{"text":"مقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.\nفنزلَت الآية: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوقلتُ: يا رسولَ الله! لو أَمرتَ نساءَك أَنْ يَحتجِبْن، فإِنه يُكَلِّمُهنَّ البَرّ\nوالفاجر، فنزلَتْ آيةُ الحجاب: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ..) .\nواجتمعَ نساءُ النبيِّ - ﷺ - في الغيرة عليه، فقلْتُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجًا خيرًا منكنّ.\nفنزلَت الآية: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ...) .\nموافقاتُ عمرَ - ﵁ - ليستْ كما نَظَرَ إِليها هذا الفادي المجرمُ الخَبيث، وإِنما هي من \" أَسباب النزول \"، وأَسبابُ النزولِ علْمٌ ضروريٌّ من علوم القرآن، لا بُدَّ لكلِّ ناظرٍ في القرآنِ منْ أَنْ يتعلَّمَه ويَفْهَمه، فهناك بعضُ آياتِ القرآنِ نزلَتْ بعد حادثةٍ أَو مشكلةٍ وقعَتْ بين الصحابة.\nوهذا من حيويةِ القرآنِ وأَثَره في المسلمين، وحَلِّه لمشكلاتِهم، وهذه مزيةٌ له، وليستْ مَطْعَنًا يوجَّهُ له.\nوأَشارَ إِليها قولُه تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .\nوموافقاتُ عمرَ - ﵁ - دَليلٌ على فطنتِه وذكائِه، وعلى حُسْنِ تَفكيرِه ونَظَرِه، وعلى حُضورِ ذِهْنِه واهتمامِه بأَحوالِ المسلمين، فهو يُفكرُ ويَنظرُ ويَجتهدُ، ويَقترحُ ويَنصحُ ويُشير، وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يُنزلَ الآياتِ الثلاث - الصلاةِ في مقامِ إِبراهيم، وأَمْرِ نساءِ النبيِّ بالحجاب، وتهديدِهنَّ إِنْ لم يتوقَّفْن عن الغيرة - بعدَ ثلاثةِ اقتراحاتٍ لعمر، وبذلك ويكونُ التفاعلُ والتأَثُّرُ بالآياتِ أكثر، ويكونُ ثناءً على عمرَ العبقريِّ - ﵁ -..\nواللهُ حكيم في ما كانَ يُنْزِلُه من آياتِ القرآن، يَختارُ بحكمتِه سبحانه الوقْتَ المناسب لإِنزالِ الآية أَو الآيات، ويَجعلُ ذلك الإِنزالَ مُتوافِقًا مع حالةِ المسلمين، أَوْ حَلًّا لمشكلة، أَو علاجًا لحادِثَة.\nولكنَّ الجاهلَ المفتريَ يَجعلُ مزيةَ القرآنِ مَطْعنًا فيه، ويَعتبرُ مَنْقَبَتَه دَليلًا\nعلى اتِّهامه، والسببُ هو تَحامُلُه وحِقْدُه وسَفَهُه وعُدوانيتُه!!.","vol":"1","page":578},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>ثالثًا: ماذا أخذ رسول الله - ﷺ - من كتب اليهود</span>؟: وَضعَ الفادي المفترِي عنوانًا مثيرًا: \" ما أَخَذَهُ من كُتُبِ جُهّالِ اليهود \"،\nوقالَ تحتَ هذا العنوان: \" هاكُم جَدْولًا بالموضوعاتِ التي انتحلَها محمد،\nومكانُها في المؤلفاتِ اليهوديةِ التي أَخَذ عنها \" (١) .\nوالموضوعاتُ التي ذكرها أَحَدَ عَشَرَ موضوعًا، وكان يذكُرُ موضِعَ كُلِّ\nموضوعٍ في القرآن، وموضعَه في كتبِ اليهود.\nوالموضوعاتُ التي ذَكَرَها هي:\n١ - تَعَلُّمُ \" قايين \" من الغرابِ كيفيةَ دَفْنِ أَخيه.\nوهو ابنُ آدمَ الكافر، الذي سَمّاهُ اليهودُ والنصارى \" قايين \"، وسَمّاهُ بعضُ المسلمين \" قابيل \".\nعلمًا أَنَّ اسْمَه لم يُذْكَرْ في القرآن.\nوقد ذُكرتْ قصةُ ابْنَي آدم في سورة المائدة: ٣٠ - ٣٥،.\nوادعى الفادي أن محمدًا - ﷺ - أخذ هذا الموضوع من الكتاب اليهودي \" فرقى ربي أليعزر، فصل: ٢١ \".\n٢ - طرحُ نمرودَ لإِبراهيمَ في النار، وعدمُ مقدرةِ النارِ على إِحراقه.\nوقد ذكر هذا في السور التالية: الأنبياء ٥٧ - ٧٥،.\nوالصافات: ٩١ - ٩٨،.\nوادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ قصةَ إِلقاءِ إِبراهيمَ في النارِ وَرَدَتْ في تسعِ\nسُوَر، هي: البقرة: ٢٦٠.\nوالأنعام: ٧٤ - ٨٤.\nوالأنبياء: ٥٢ - ٧٢.\nوالشعراء: ٦٩ - ٧٩.\nوالعنكبوت: ١٥ - ١٦.\nوالصا فات: ٨١ - ٨٥.\nوالزخرف: ٢٥ - ٢٧.\nوالممتحنة: ٤.\nوهذا دليلُ جهْلِه بالعلمِ والبحثِ وبالقرآن، لأَنَّ الكلامَ ليس عن قصة إِبراهيمَ - ﵇ -، ومواجهتِه لقومِه، وإِنما الكلامُ عن محاكمتِه بعد تحطيمِه الأَصنامَ، وحُكْمِهم عليه بالإِحراقِ بالنّار، وهذا لم يَرِدْ إِلّا في سورةِ الأَنبياء وسورةِ الصافات.\nولَسْنَا مع الإِخبارِيّين الذين جَعَلوا اسْمَ الملِكِ زمنَ إِبراهيم - ﵇ -: \" نمرود \".\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n١١- الكلام المنقول عن غيره دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة\nالشبهة التى تمسكوا بها وُرُودُ مواضع بينها تشابه فى كل من التوراة والقرآن الكريم. ومن أبرزها الجانب القصصى. وبعض المواضع التشريعية تمسكوا بها، وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة، وبعضهم يضيف إلى هذا أن القرآن اقتبس مواضع أخرى من \" الأناجيل \".\n* الرد على هذه الشبهة:\nكيف يتحقق الاقتباس عمومًا؟\nالاقتباس عملية فكرية لها ثلاثة أركان:\nالأول: الشخص المُقتَبَس منه.\nالثانى: الشخص المُقتَبِس (اسم فاعل) .\nالثالث: المادة المُقتَبَسَة نفسها (اسم مفعول) .\nوالشخص المقُتَبَس منه سابق إلى الفكرة، التى هى موضوع الاقتباس، أما المادة المقُتَبَسَة فلها طريقتان عند الشخص المُقِتَبس، إحداهما: أن يأخذ المقتبس الفكرة بلفظها ومعناها كلها أو بعضها. والثانية: أن يأخذها بمعناها كلها أو بعضها كذلك ويعبر عنها بكلام من عنده.\nوالمقتبس فى عملية الاقتباس أسير المقتبس منه قطعًا ودائر فى فلكه؛ إذ لا طريق له إلى معرفة ما اقتبس إلا ما ذكره المقتبس منه. فهو أصل، والمقتبس فرع لا محالة.\nوعلى هذا فإن المقتبس لابد له وهو يزاول عملية الاقتباس من موقفين لا ثالث لهما:\nأحدهما: أن يأخذ الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط.\nوثانيهما: أن يأخذ جزءً من الفكرة باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط.\nويمتنع على المقتبس أن يزيد فى الفكرة المقتبسة أية زيادة غير موجودة فى الأصل؛ لأننا قلنا: إن المقتبس لا طريق له لمعرفة ما اقتبس إلا ما ورد عند المقتبس منه، فكيف يزيد على الفكرة والحال أنه لا صلة له بمصادرها الأولى إلا عن طريق المقتبس منه.\nإذا جرى الاقتباس على هذا النهج صدقت دعوى من يقول إن فلانًا اقتبس منى كذا.\nأما إذا تشابه ما كتبه اثنان، أحدهما سابق والثانى لاحق، واختلف ما كتبه الثانى عما كتبه الأول مثل:\n١- أن تكون الفكرة عند الثانى أبسط وأحكم ووجدنا فيها مالم نجده عند الأول.\n٢- أو أن يصحح الثانى أخطاء وردت عند الأول، أو يعرض الوقائع عرضًا يختلف عن سابقه.\nفى هذه الحال لا تصدق دعوى من يقول إن فلانا قد اقتبس منى كذا.\nورَدُّ هذه الدعوى مقبول من المدعى عليه، لأن المقتبس (اتهامًا) لما لم يدر فى فلك المقتبس منه (فرضًا) بل زاد عليه وخالفه فيما ذكر من وقائع فإن معنى ذلك أن الثانى تخطى ما كتبه الأول حتى وصل إلى مصدر الوقائع نفسها واستقى منها ما استقى. فهو إذن ليس مقتبسًا وإنما مؤسس حقائق تلقاها من مصدرها الأصيل ولم ينقلها عن ناقل أو وسيط.\nوسوف نطبق هذه الأسس التى تحكم عملية الاقتباس على ما ادعاه القوم هنا وننظر:\nهل القرآن عندما اقتبس كما يدعون من التوراة كان خاضعًا لشرطى عملية الاقتباس وهما: نقل الفكرة كلها، أو الاقتصار على نقل جزء منها فيكون بذلك دائرًا فى فلك التوراة، وتصدق حينئذ دعوى القوم بأن القرآن (معظمه) مقتبس من التوراة؟\nأم أن القرآن لم يقف عند حدود ما ذكرته التوراة فى مواضع التشابه بينهما؟ بل:\n١ عرض الوقائع عرضًا يختلف عن عرض التوراة لها.\n٢ أضاف جديدًا لم تعرفه التوراة فى المواضع المشتركة بينهما.\n٣ صحح أخطاء \" خطيرة \" وردت فى التوراة فى مواضع متعددة.\n٤ انفرد بذكر \" مادة \" خاصة به ليس لها مصدر سواه.\n٥ فى حالة اختلافه مع التوراة حول واقعة يكون الصحيح هو ما ذكره القرآن. والباطل ما جاء فى التوراة بشهادة العقل والعلم إذا كان الاحتمال الأول هو الواقع فالقرآن مقتبس من التوراة..\nأما إذا كان الواقع هو الاحتمال الثانى فدعوى الاقتباس باطلة ويكون للقرآن فى هذه الحالة سلطانه الخاص به فى استقاء الحقائق، وعرضها فلا اقتباس لا من توراة ولا من إنجيل ولا من غيرهما.\nلا أظن أن القارئ يختلف معنا فى هذه الأسس التى قدمناها لصحة الاتهام بالاقتباس عمومًا.\nوما علينا بعد ذلك إلا أن نستعرض بعض صور التشابه بين التوراة والقرآن، ونطبق عليها تلك الأسس المتقدمة تاركين الحرية التامة للقارئ سواء كان مسلمًا أو غير مسلم فى الحكم على ما سوف تسفر عنه المقارنة أنحن على صواب فى نفى الاقتباس عن القرآن؟.\nوالمسألة بعد ذلك ليست مسألة اختلاف فى الرأى يصبح فيها كل فريق موصوفًا بالسلامة، وأنه على الحق أو شعبة من حق.\nوإنما المسألة مسألة مصير أبدى من ورائه عقيدة صحيحة توجب النجاة لصاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.\nأو عقيدة فاسدة تحل قومها دار البوار يوم يقدم الله إلى ما عملوا من عمل فيجعله هباءً منثورًا.\nالصورة الأولى من التشابه بين التوراة والقرآن. لقطة من قصة يوسف ﵇ مع امرأة العزيز\nتبدأ هذه اللقطة من بدء مراودة امرأة عزيز مصر ليوسف (﵇) ليفعل بها الفحشاء وتنتهى بقرار وضع يوسف فى السجن. واللقطة كما جاءت فى المصدرين هى:\nأولًا: نصوصها فى التوراة: (١)\n\" وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينها إلى يوسف وقالت: اضطجع معى، فأبى وقال لامرأة سيده: هو ذا سيدى لا يعرف معى ما فى البيت وكل ما له قد دفعه إلى يدى، ليس هو فى هذا البيت أعظم منى. ولم يمسك عنى شيئا غيرك لأنك امرأته. فكيف أصنع هذا الشر العظيم، وأخطئ إلى الله، وكانت إذ كلمت يوسف يومًا فيوما أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها..\nثم حدث نحو هذا الوقت أنه دخل البيت ليعمل عمله ولم يكن إنسان من أهل البيت هناك فى البيت فأمسكته بثوبه قائلة اضطجع معى فترك ثوبه فى يدها وخرج إلى خارج، وكان لما رأت أنه ترك ثوبه فى يدها، وهرب إلى خارج أنها نادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة:\n\" انظروا قد جاء إلينا برجل عبرانى ليداعبنا دخل إلىّ ليضطجع معى فصرخت بصوت عظيم، وكان لما سمع أنى رفعت صوتى وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبى وهرب وخرج إلى خارج. فَوَضَعَتْ ثوبه بجانبها حتى جاء سيده إلى بيته فكلمته بمثل هذا الكلام قائلة دخل إلىَّ العبد العبرانى الذى جئت به إلينا ليداعبنى وكان لما رفعت صوتى وصرخت أنه ترك ثوبه بجانبى وهرب إلى خارج فكان لما سمع سيده كلام امرأته الذى كلمته به قائلة بحسب هذا الكلام صنع بى عبدك أن غضبه حمى..\nفأخذ سيدُه يوسف ووضعه فى بيت السجن المكان الذى كان أسرى الملك محبوسين فيه \".\nنصوص القرآن الأمين\n(وَرَاوَدَتْهُ التى هوَ فى بيتها عن نفسه وغلّقتِ الأبوابَ وقالتْ هيت لك قال معاذ الله إنهُ ربى أحسنَ مثواى إنهُ لايُفلحُ الظالمون *ولقد هَمَّتْ به وَهَمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرفَ عنهُ السوءَ والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دُبرٍ وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاءُ من أراد بأهلكَ سوءًا إلا أن يُسجن أو عذابُ أليم * قال هى راودتنى عن نفسى وشهد شاهدٌ من أهلها إن كان قميصَه قُد من قُبُل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قُد من دُبرٍ فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قُد من دُبرٍ قال إنه من كيدكُنَّ إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبكِ إنك كنتِ من الخاطئ ... (٢) ثم بدا لهم من بعد مارأوا الآيات لَيَسْجنُنَّهُ حتى حين) (٣) .\nتلك هى نصوص الواقعة فى المصدرين:\nوأدعو القارئ أن يقرأ النصين مرات قراءة متأنية فاحصة. وأن يجتهد بنفسه فى التعرف على الفروق فى المصدرين قبل أن يسترسل معنا فيما نستخلصه من تلك الفروق. ثم يكمل ما يراه من نقص لدينا أو لديه فقد يدرك هو ما لم ندركه، وقد ندرك نحن ما لم يدركه وربَّ قارئ أوعى من كاتب..\nالفروق كما نراها\nالتوراة: القرآن الأمين\nالمراودة حدثت مرارًا ونُصح يوسف لامرأة سيده كان قبل المرة الأخيرة: المراودة حدثت مرة واحدة اقترنت بعزم المرأة على يوسف لينفذ رغبتها.\nتخلو من الإشارة إلى تغليق الأبواب وتقول إن يوسف ترك ثوبه بجانبها وهرب وانتظرت هى قدوم زوجها وقصت عليه القصة بعد أن أعلمت بها أهل بيتها.: يشير إلى تغليق الأبواب وأن يوسف هم بالخروج فَقَدَّتْ ثوبه من الخلف وحين وصلا إلى الباب فوجئا بالعزيز يدخل عليهما فبادرت المرأة بالشكوى فى الحال.\nلم يكن يوسف موجودًا حين دخل العزيز ولم يدافع يوسف عن نفسه لدى العزيز.: يوسف كان موجودًا حين قدم العزيز، وقد دافع عن نفسه بعد وشاية المرأة، وقال هى راودتنى عن نفسى.\nتخلو من حديث الشاهد وتقول إن العزيز حمى غضبه على يوسف بعد سماع المرأة: يذكر تفصيلًا شهادة الشاهد كما يذكر اقتناع العزيز بتلك الشهادة ولومه لامرأته وتذكيرها بخطئها. وتثبيت يوسف على العفة والطهارة.\nتقول إن العزيز فى الحال أمر بوضع يوسف فى السجن ولم يعرض أمره على رجال حاشيته.\nيشير إلى أن القرار بسجن يوسف كان بعد مداولة بين العزيز وحاشيته.\nتخلو من حديث النسوة اللاتى لُمْنَ امرأة العزيز على مراودتها فتاها عن نفسه، وهى فجوة هائلة فى نص التوراة.\nيذكر حديث النسوة بالتفصيل كما يذكر موقف امرأة العزيز منهن ودعوتها إياهن ملتمسة أعذارها لديهن ومصرة على أن ينفذ رغبتها\nهذه ستة فروق بارزة بين ما يورده القرآن الأمين، وما ذكرته التوراة. والنظر الفاحص فى المصدرين يرينا أنهما لم يتفقا إلا فى \" أصل \" الواقعة من حيث هى واقعة وكفى، ويختلفان بعد هذا فى كل شىء. على أن القرآن قام هنا بعملين جليلى الشأن:\nأولهما: أنه أورد جديدًا لم تعرفه التوراة ومن أبرز هذا الجديد:\n(١) حديث النسوة وموقف المرأة منهن.\n(٢) شهادة الشاهد الذى هو من أهل امرأة العزيز.\nثانيهما: تصحيح أخطاء وقعت فيها التوراة ومن أبرزها:\n(١) لم يترك يوسف ثوبه لدى المرأة بل كان لابسًا إياه ولكن قطع من الخلف.\n(٢) غياب يوسف حين حضر العزيز وإسقاطها دفاعه عن نفسه.\nاعتراض وجوابه:\nقد يقول قائل: لماذا تفترض أن الخطأ هو ما فى التوراة، وأن الصواب هو ما فى القرآن؟! أليس ذلك تحيزًا منك للقرآن؛ لأنه كتاب المسلمين وأنت مسلم؟ ولماذا تفترض العكس؟ وإذا لم تفترض أنت العكس فقد يقول به غيرك، وماتراه أنت لا يصادر ما يراه الآخرون. هذا الاعتراض وارد فى مجال البحث. وإذن فلابد من إيضاح.\nوالجواب:\nلم نتحيز للقرآن لأنه قرآن. ولنا فى هذا الحكم داعيان:\nالأول: لم يرد فى القرآن - قط - ما هو خلاف الحق؛ لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وقد ثبتت هذه الحقيقة فى كل مجالات البحوث التى أجريت على \" مفاهيم \" القرآن العظيم فى كل العصور. وهذا الداعى وحده كافٍ فى تأييد ما ذهبنا إليه.\nالثانى: وهو منتزع من الواقعة نفسها موضوع المقارنة وإليك البيان: كل من التوراة والقرآن متفقان على \" عفة يوسف \"وإعراضه عن الفحشاء. ثم اختلفا بعد ذلك:\nفالتوراة تقول: إن يوسف ترك ثوبه كله لدى المرأة وهرب والقرآن يقول: إنه لم يترك الثوب بل أمسكته المرأة من الخلف ولما لم يتوقف يوسف ﵇ اقتطعت قطعة منه وبقيت ظاهرة فى ثوبه.\nفأى الروايتين أليق بعفة يوسف المتفق عليها بين المصدرين؟! أن يترك ثوبه كله؟! أم أن يُخرق ثوبه من الخلف؟!\nإذا سلمنا برواية التوراة فيوسف ليس \" عفيفًا \" والمرأة على حق فى دعواها؛ لأن يوسف لا يخلع ثوبه هكذا سليمًا إلا إذا كان هو الراغب وهى الآبية.\nولا يقال إن المرأة هى التى أخلعته ثوبه؛ لأن يوسف رجل، وهى امرأة فكيف تتغلب عليه وتخلع ثوبه بكل سهولة، ثم لما يمتنع تحتفظ هى بالثوب كدليل مادى على جنايته المشينة؟!\nوهل خرج يوسف \" عريانًا \" وترك ثوبه لدى غريمته..؟!\nوالخلاصة أن رواية التوراة فيها إدانة صريحة ليوسف وهذا يتنافى مع العفة التى وافقت فيها القرآن الأمين.\nأما رواية القرآن فهى إدانة صريحة لامرأة العزيز، وبراءة كاملة ليوسف ﵇.\nلقد دعته المرأة إلى نفسها ففر منها. فأدركته وأمسكته من الخلف وهو ما يزال فارًا هاربًا من وجهها فتعرض ثوبه لعمليتى جذب عنيفتين إحداهما إلى الخلف بفعل المرأة والثانية إلى الأمام بحركة يوسف فانقطع ثوبه من الخلف.\nوهذا يتفق تمامًا مع العفة المشهود بها ليوسف فى المصدرين ولهذا قلنا: إن القرآن صحح هذا الخطأ الوارد فى التوراة.\n.. فهل القرآن مقتبس من التوراة؟!\nفهل تنطبق على القرآن أسس الاقتباس أم هو ذو سلطان خاص به فيما يقول ويقرر؟.\nالمقتبس لا بد من أن ينقل الفكرة كلها أو بعضها. وها نحن قد رأينا القرآن يتجاوز هذه الأسس فيأتى بجديد لم يذكر فيما سواه، ويصحح خطأ وقع فيه ما سواه.\nفليس الاختلاف فيها اختلاف حَبْكٍ وصياغة، وإنما هو اختلاف يشمل الأصول والفروع. هذا بالإضافة إلى إحكام البناء وعفة الألفاظ وشرف المعانى (٤) .\nإن الذى روته التوراة هنا لا يصلح ولن يصلح أن يكون أساسًا للذى ذكره القرآن. وإنما أساس القرآن هو الوحى الصادق الأمين. ذلك هو مصدر القرآن \" الوضىء \" وسيظل ذلك هو مصدره تتساقط بين يديه دعاوى الباطل ومفتريات المفترين فى كل عصر ومصر.\nالصورة الثانية من صور التشابه بين التوراة والقرآن\nقصة هابيل وقابيل ابنى آدم\nنصوص التوراة:\n\" حدث من بعد أيام أن قابين قدم من أثمار الأرض قربانا للرب، وقدم هابيل أيضا من أبكار غنمه، ومن سمانها، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ولكن إلى قابين. وقربانه لم ينظر. فاغتاظ قابين جدًا وسقط وجهه. فقال الرب لقابين لماذا اغتظت ولماذا سقط وجهك؟ إن أحسنت أفلا رفع؟؟. وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها، وأنت تسود عليها. وكلم قابين هابيل أخاه. وحدث إذ كانا فى الحقل أن قابين قام على هابيل أخيه وقتله. فقال الرب لقابين أين هابيل أخوك فقال لا أعلم أحارس أنا لأخى؟ فقال ماذا فعلت؟ صوت دم أخيك صارخ إلىَّ من الأرض. فالآن ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك متى عملت الأرض؟؟ تعود تعطيك قوتها. تائهًا وهاربًا تكون فى الأرض فقال قابين للرب: ذنبى أعظم من أن يحتمل أنك قد طردتنى اليوم على وجه الأرض، ومن وجهك أختفى وأكون تائهًا وهاربًا فى الأرض فيكون كل من وجدنى يقتلنى فقال له الرب: لذلك كل من قتل قابين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وجعل الرب لقابين علامة لكى لا يقتله كل من وجده. فخرج قابين من لدن الرب وسكن فى أرض نود شرقى عدن \" (٥) .\nنصوص القرآن الأمين\n(واتل عليهم نبأ ابنى آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبلُ الله من المتقين * لئن بسطت إلىَّ يدك لتقتلنى ما أنا بباسطٍ يدى إليك لأقتلك إنى أخافُ الله ربَّ العالمين * إنى أريد أن تبوء بإثمى وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين* فطوعت له نفسهُ قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله غرابًا يبحث فى الأرض ليُرِيَهُ كيف يوارى سوءة أخيه * قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارىَ سوءة أخى فأصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فسادٍ فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك فى الأرض لمسرفون) (٦) .\nالفروق بين المصدرين\nاتفق المصدران حول نقطتين اثنتين لا ثالث لهما واختلفا فيما عداهما. اتفقا فى: مسألة القربان. وفى قتل أحد الأخوين للآخر. أما فيما عدا هاتين النقطتين فإن ما ورد فى القرآن يختلف تمامًا عما ورد فى التوراة، وذلك على النحو الآتى:\nالتوارة/القرآن الأمين\nتسمى أحد الأخوين بقابين وهو \" القاتل \" والثانى \" هابيل \" كما تصف القربانين وتحدد نوعهما./ لايسميهما ويكتفى ببنوتهما لآدم كما اكتفى بذكر القربانين ولم يحددهما.\nتروى حوارًا بين قابين والرب بعد قتله أخاه،وتعلن غضب الرب على قابين وطرده من وجه الرب إلى أرض بعيدة./ لا يذكر حوارًا حدث بين القاتل وبين الله، ولا يذكر أن القاتل طرده الله من وجهه إلى أرض بعيدة، إذ ليس على الله بعيد.\nالتوراة تخلو من أى حوار بين الأخوين./ يذكر الحديث الذى دار بين ابنى آدم ويفصل القول عما صدر من القتيل قبل قتله وتهديده لأخيه بأنه سيكون من أصحاب النار إذا قتله ظلمًا..\nلا مقابل فى التوراة لهذه الرواية ولمْ تبين مصير جثة القتيل؟! / يذكر مسألة الغراب، الذى بعثه الله لٍِيُرى القاتل كيف يتصرف فى جثة أخيه، ويوارى عورته.\nتنسب الندم إلى \" قابين \" القاتل لما هدده الله بحرمانه من خيرات الأرض، ولا تجعله يشعر بشناعة ذنبه./ يصرح بندم \" القاتل \" بعد دفنه أخيه وإدراكه فداحة جريمته.\nلا هدف لذكر القصة فى التوراة إلا مجرد التاريخ. فهى معلومات ذهنية خالية من روح التربية والتوجيه. /يجعل من هذه القصة هدفًا تربويًا ويبنى شريعة القصاص العادل عليها. ويلوم بنى إسرائيل على إفسادهم فى الأرض بعد مجىء رسل الله إليهم.\nأضف إلى هذه ما تحتوى عليه التوراة من سوء مخاطبة \" قابين\" الرب، فترى فى العبارة التى فوق الخط: \" أحارس أنا لأخى \" فيها فظاظة لوصدرت من إنسان لأبيه لعد عاقًّا جافًّا فظًّا غليظًّا فكيف تصدر من \" مربوب \" إلى \" ربه \" وخالقه..؟!\nولكن هكذا تنهج التوراة فلا هى تعرف \" قدر الرب \" ولا من تنقل عنه حوارًا مع الرب.\nولا غرابة فى هذا فالتوراة تذكر أن موسى أمر ربه بأن يرجع عن غضبه على بنى إسرائيل، بل تهديده إياه سبحانه بالاستقالة من النبوة إذا هو لم يستجب لأمره.\nوالواقع أن ما قصَّهُ علينا القرآن وهو الحق من أمر ابنى آدم مختلف تمامًا عما ورد فى التوراة فى هذا الشأن.\nفكيف يقال: إن القرآن اقتبس هذه الأحداث من التوراة وصاغها فى قالب البلاغة العربية؟!\nإن الاختلاف ليس فى الصياغة، بل هو اختلاف أصيل كما قد رأيت من جدول الفروق المتقدم.\nوالحاكم هنا هو العقل فإذا قيل: إن هذه القصة مقتبسة من التوراة قال العقل:\n* فمن أين أتى القرآن بكلام الشقيق الذى قتل مع أخيه، وهو غير موجود فى نص التوراة التى يُدعى أنها مصدر القرآن؟!\n* ومن أين أتى القرآن بقصة الغراب الذى جاء ليُرى القاتل كيف يوارى سوءة أخيه وهى غير واردة فى التوراة المُدَّعى أصالتها للقرآن؟!\n* ولماذا أهمل القرآن الحوار الذى تورده التوراة بين \" الرب \" وقابين القاتل وهذا الحوار هو هيكل القصة كلها فى التوراة؟!\nإن فاقد الشىء لا يعطيه أبدًا، وهذا هو حكم العقل. والحقائق الواردة فى القرآن غير موجودة فى التوراة قطعًا فكيف تعطى التوراة شيئًا هى لم تعرف عنه شيئًا قط..؟!\nلا.. إن القرآن له مصدره الخاص به الذى استمد منه الوقائع على وجهها الصحيح، ومجرد التشابه بينه وبين التوراة فى \" أصل الواقعة \" لا يؤثر فى استقلال القرآن أبدًا.\nالصورة الثالثة من صورالتشابه بين التوراة والقرآن مقارنة بين بعض التشريعات\nالمحرمات من النساء\nقارَنَّا فيما سبق بين بعض المسائل التاريخية التى وردت فى كل من التوراة والقرآن الأمين. وأثبتنا بأقطع الأدلة أن القرآن له سلطانه الخاص به فيما يقول ويقرر، ورددنا دعوى أن القرآن مقتبس من التوراة. وبَيَّنَّا حكم العقل فى هذه الدعوى كما أقمنا من الواقع \" المحكى \" أدلة على ذلك.\nونريد هنا أن نقارن بين بعض المسائل التشريعية فى المصدرين؛ لأنهم يقولون: إن المسائل والأحكام التشريعية التى فى القرآن لا مصدر لها سوى الاقتباس من التوراة.\nوقد اخترنا نص المحرمات من النساء فى التوراة لنقابله بنص المحرمات من النساء فى القرآن الحكيم ليظهر الحق.\nالنص فى المصدرين\nأولًا: فى التوراة:\n\" عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف. إنها أمك لا تكشف عورتها. عورة امرأة أبيك لا تكشف. إنها عورة أبيك. عورة أختك بنت أبيك أو بنت أمك المولودة فى البيت، أو المولودة خارجًا لا تكشف عورتها. عورة ابنة ابنك أو ابنة بنتك لا تكشف عورتها إنها عورتك. عورة بنت امرأة أبيك المولودة من أبيك لا تكشف عورتها إنها أختك. عورة أخت أبيك لا تكشف إنها قريبة أبيك. عورة أخت أمك لا تكشف إنها قريبة أمك عورة أخى أبيك لا تكشف، إلى امرأته لا تقرب إنها عمتك. عورة كنتك لا تكشف. إنها امرأة ابنك لا تكشف عورتها.\nعورة امرأة أخيك لا تكشف إنها عورة أخيك. عورة امرأة، وبنتها لا تكشف، ولا تأخذ ابنة ابنتها أو ابنة بنتها لتكشف عورتها إنهما قريبتاها. إنه رذيلة. ولا تأخذ امرأة على أختها للضر لتكشف عورتها معها فى حياتها (٧) .\nثانيًا: فى القرآن الحكيم:\n(ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ماقد سلف إنه كان فاحشة ومقتًا وساء سبيلا * حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتى فى حجوركم من نسائكم اللاتى دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورًا رحيما والمحصنات من النساء..) (٨) .\nهذان هما النصان فى المصدرين. نص التوراة، ونص القرآن الحكيم. فما هى أهم الفروق بينهما ياترى؟!\nوقبل إجراء المقارنة نفترض صحة النص التوراتى وخلوه من التحريف إذ لا مانع أن يكون هذا النص فعلًا مترجمًا عن نص أصلى تشريعى خلا مترجمه من إرادة تحريفه.\nوالمهم هو أن نعرف هل يمكن أن يكون نص التوراة هذا أصلًا اقتبس منه القرآن الحكيم فكرة المحرمات من النساء، علمًا بأن النص التوراتى قابل إلى حد كبير لإجراء دراسات نقدية عليه، ولكن هذا لا يعنينا هنا.\nالفروق بين المصدرين:\nالتوراة:\n١- لا تقيم شأنًا للنسب من جهة الرضاعة.\n٢- تحرم نكاح امرأة العم وتدعوها عمة.\n٣- تحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه.\n٤- لا تذكر حرمة النساء المتزوجات من رجال آخرين زواجهم قائم.\n٥- تجعل التحريم غالبًا للقرابة من جهة غير الزوج مثل قرابة الأب الأم العم ٠٠٠ وهكذا.\nالقرآن الأمين:\n١- يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.\n٢- لا يحرم نكاح امرأة العم ولا يدعوها عمة.\n٣- لا يحرم نكاح امرأة الأخ لأخيه إذا طلقها أو مات عنها أخوه.\n٤- يحرم نكاح المتزوجات فعلًا من آخرين زواجًا قائمًا ويطلق عليهن وصف المحصنات من النساء.\n٥- يجعل التحريم لقرابة الزوج ممن حرمت عليه. أو قرابة زوجته أحيانًا.\nهذه الفروق الواضحة لا تؤهل النص التوراتى لأن يكون أصلًا للنص القرآنى، علميًّا، وعقليًّا، فللنص القرآنى سلطانه الخاص ومصدره المتميز عما ورد فى التوراة. وإلا لما كان بين النصين فروق من هذا النوع المذكور.\nوقفة مع ما تقدم:\nنكتفى بما تقدم من التوراة وإن كانت التوراة مصدرًا ثَرًَا لمثل هذه المقارنات، ولو أرخينا عنان القلم لما وقفنا عند حد قريب ولتضاعف هذا\nالحجم مئات المرات. ومع هذا فما من مقارنة تجرى بين التوراة وبين القرآن إلا وهى دليل جديد على نفى أن يكون القرآن مقتبسًا من كتاب سابق عليه، فالقرآن وحى أمين حفظ كلمات الله كما أنزلت على خاتم النبيين (وقد رأينا فى المقارنات الثلاث المتقدمة أن القرآن فوق ما يأتى به من جديد ليس معروفًا فى سواه إنه يصحح أخطاء وقعت فيما سواه وهذا هو معنى \" الهيمنة \" التى خَصَّ الله بها القرآن فى قوله تعالى: (مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه) (٩) .\nفالأمور التى لم يلحقها تحريف فى التوراة جاء القرآن مصدقًا لها أو هو مصدق لكل من التوراة والإنجيل بالصفة التى أنزلها الله عليهما قبل التحريف والتبديل.\nأما الأمور التى حُرفت، وتعقبها القرآن فقصها قصًّا صحيحًا أمينًا، وصحح ما ألحقوه بهما من أخطاء، فذلك هو سلطان \" الهيمنة \" المشهود للقرآن بها من منزل الكتاب على رسله.\nفالقرآن هو كلمة الله \" الأخيرة \" المعقبة على كل ما سواها، وليس وراءها معقب يتلوها؛ لأن الوجود الإنسانى ليس فى حاجة مع وجود القرآن إلى غير القرآن.\nكما أن الكون ليس فى حاجة مع الشمس إلى شمس أخرى تمده بالضوء والطاقة بعد وفاء الشمس بهما.\nولنأخذ صورة مقارنة من العهد الجديد أيضًا حيث يختلف عن العهد القديم وذلك لأن نص الإنجيل الذى سندرسه يقابله من القرآن نصان كل منهما فى سورة مما يصعب معه وضع النص الإنجيلى فى جدول مقابلا بالنصين القرآنيين. ولهذا فإننا سنهمل نظام الجدول هنا ونكتفى بعرض النصوص، والموازنة بينها والموضوع الذى سنخضعه للمقارنة هنا هو بشارة زكريا ﵇ بابنه يحى ﵇ وذلك على النحو الآتى:\nالصورة الرابعة من الإنجيل والقرآن\nبشارة زكريا ب \" يحيى \" (﵉)\nالنص الإنجيلى:\n\" لم يكن لهما يعنى زكريا وامرأته ولد. إذ كانت اليصابات يعنى امرأة زكريا عاقرًا. وكان كلاهما متقدمين فى أيامهما فبينما هو يكهن فى نوبة غرفته أمام الله حسب عادة الكهنوت أصابته القرعة أن يدخل إلى هيكل الرب ويبخر، وكان كل جمهور الشعب يصلى خارجًا وقت البخور. فظهر له ملاك الرب واقفًا عن يمين مذبح البخور. فلما رآه زكريا اضطرب ووقع عليه خوف. فقال له الملاك: لاتخف يا زكريا؛ لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ولدًا وتسميه يوحنا، ويكون لك فرح وابتهاج. وكثيرون سيفخرون بولادته؛ لأنه يكون عظيمًا أمام الرب. وخمرًا ومسكرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ بروح القدس ويرد كثيرين من بنى إسرائيل إلى الرب إلههم، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء. والعصاة إلى فكر الأبرار، لكى يهئ للرب شعبًا مستعدًّا. فقال زكريا للملاك: كيف أعلم هذا وأنا شيخ وامرأتى متقدمة فى أيامها..؟!\nفأجاب الملاك وقال: أنا جبرائيل الواقف قدام الله. وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتًا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذى يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامى الذى سيتم فى وقته. وكان الشعب منتظرين زكريا ومتعجبين من إبطائه فى الهيكل. فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم ففهموا أنه قد رأى رؤيا فى الهيكل. فكان يومئ إليهم. وبقى صامتًا..\" (١٠) .\nالنصوص القرآنية:\n(١) سورة آل عمران:\n(هنالِكَ دعا زكريا ربَّهُ قال رب هب لى من لدُنك ذريةً طيبةً إنك سميعُ الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب أن الله يُبشرك بيحيى مصدقًا بكلمةٍ من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًّا من الصالحين * قال رب أنى يكون لى غلامٌ وقد بلغنى الكبر وامرأتى عاقر قال كذلِكَ الله يفعلُ ما يشاء * قال ربِّ اجعل لى آية قال آيتك ألا تُكلم الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا واذكر ربك كثيرًا وسبح بالعشى والإبكار) (١١) .\n(٢) سورة مريم:\n(ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربَّه نداءً خفيًّا * قال رب إنى وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبًا ولم أكن بدعائك ربِّ شقيًّا * وإنى خفت الموالى من ورائى وكانت امرأتى عاقرًا فهب لى من لدنك وليًّا * يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله ربِّ رضيًّا * يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميًّا * قال رب أًنَّى يكون لى غلام وكانتً امرأتى عاقرًا وقد بلغت من الكبر عتيًّا * قال كذلكَ قال ربكَ هو علىَّ هينٌ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويًّا * فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيًّا * يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيًّا * وحنانًا من لدنَّا وزكاةً وكان تقيًّا * وبرًا بوالديه ولم يكن جبارًا عصيًّا * وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيًّا) (١٢) .\nذلك هو نص الإنجيل. وذان هما نصا القرآن الأمين. والقضية التى نناقشها هنا هى دعوى \" الحاقدين \" أن القرآن مقتبس من الأناجيل كما ادعوا قبلا أنه مقتبس من التوراة.\nوندعو القارئ أن يراجع النص الإنجيلى مرات، وأن يتلو النصوص القرآنية مرات، ويسأل نفسه هذا السؤال:\nهل من الممكن علميًّا وعقليًّا أن يكون النص الإنجيلى مصدرًا لما ورد فى القرآن الأمين؟!\nإن المقارنة بين هذه النصوص تسفر عن انفراد النصوص القرآنية بدقائق لا وجود لها فى النص الإنجيلى. ومن أبرز تلك الدقائق ما يلى:\nأولًا: فى سورة آل عمران:\n(أ) تقدم على قصة البشارة فى\" آل عمران\" قصة نذر امرأة عمران ما فى بطنها لله محررًا. وهذا لم يرد فى النص الإنجيلى.\n(ب) الإخبار بأنها ولدت أنثى \" مريم \" وكانت ترجو المولود ذكرا وهذا لم يأت فى النص الإنجيلى.\n(ج) كفالة زكريا للمولودة \"مريم \" ووجود رزقها عندها دون أن يعرف مصدره والله ﷾ أعلم سؤاله إياها عن مصدره. وهذا بدوره لم يرد فى النص الإنجيلى.\n(د) القرآن يربط بين قصة الدعاء بمولود لزكريا وبين قصة مولودة امرأة عمران. وهذا لا وجود له فى النص الإنجيلى.\n(هـ) دعاء زكريا منصوص عليه فى القرآن وليس له ذكر فى النص الإنجيلى.\nثانيًا: فى سورة مريم:\n(أ) ما رتبه زكريا على هبة الله له وليًّا، وهو أن يرثه ويرث من آل يعقوب. ولم يرد هذا فى النص الإنجيلى.\n(ب) السبب الذى حمل زكريا على دعاء ربه وهو خوفه الموالى من ورائه والنص الإنجيلى يخلو من هذا.\n(ج) كون زكريا أوحى لقومه بأن يسبحوا بكرة وعشيًّا. ولا وجود لهذا فى النص الإنجيلى.\n(د) الثناء على المولود \" يحيى \" من أنه بار بوالديه عليه سلام الله يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه حيًّا ورد فى القرآن ولا مقابل له فى النص الإنجيلى.\nهذا كله جديد خاص بالقرآن لا ذكر له فى سواه. وهذا يعنى أن القرآن قد صور الواقعة المقصوصة تصويرًا أمينًا كاملًا.\nوهذه هى المهمة الأولى التى تعقب بها القرآن المهيمن ما ورد فى الإنجيل المذكور.\nوبقيت مهمة جليلة ثانية قام بها القرآن المهيمن نحو النص الإنجيلى، كما قام بمثلها نحو النصوص التوراتية المتقدمة. وتلك المهمة هى: تصحيح الأخطاء التى وردت فى النص الإنجيلى.\nومن ذلك:\n(أ) النص الإنجيلى يجعل الصمت الذى قام بزكريا عقوبة له من الملاك.\nفصحح القرآن هذه الواقعة، وجعل الصمت استجابة لدعاء زكريا ربه. وقد حرص على هذا النصان القرآنيان معًا. ففى آل عمران (قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزًا (وفى مريم: (قال رب اجعل لى آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (.\nفالصمت فكان تكريما لزكريا ﵇ من الله، وليس عقوبة من الملاك، وقد انساق بعض مفسرى القرآن الكريم وراء هذا التحريف الإنجيلى فقال: إن الصمت كان عقوبة لزكريا، ولكن من الله لا من الملاك.\nوها نحن نرفض هذا كله سواء كان القائل به مسلما أو غيرمسلم.\nفما هو الذنب الذى ارتكبه زكريا حتى يعاقب من الله أو حتى من الملاك؟!\nهل إقراره بكبر سنه وعقر امرأته هو الذنب؟!\nلقد وقع هذا من إبراهيم ﵇ حين بشر بإسحق، ووقع من سارة حين بشرت به فلم يعاقب الله منهما أحدًا.\nوقد وقع هذا من \" مريم \" حين بُشِّرَتْ بحملها بعيسى ولم يعاقبها الله عليه. فما السر فى ترك إبراهيم وسارة ومريم بلا عقوبة وإنزالها بزكريا وحده مع أن الذى صدر منه صدر مثله تمامًا من غيره.\nأفى المسألة محاباة..؟! كلا.. فالله لا يحابى أحدًا.\nإن أكبر دليل على نفى هذا القول هو خلو النصوص القرآنية منه، وليس هذا تعصبًا منا للقرآن. وإنما هو الحق، والمسلك الكريم اللائق بمنزلة الرسل عند ربهم.\nإن الصمت الذى حل بزكريا كان بالنسبة لتكليم الناس، ومع هذا فقد ظل لسانه يلج بحمد الله وتسبيحه فى العشى والإبكار كما نص القرآن الأمين.\n(ب) النص الإنجيلى يحدد مدة الصمت بخروج زكريا من الهيكل إلى يوم أن ولد يحيى.\nوهذا خطأ ثانٍ صححه القرآن المهيمن فجعل مدته ثلاثة أيام بلياليهن بعد الخروج من المحراب.\n(ج) النص الإنجيلى يجعل البشارة على لسان ملاك واحد، بينما النصان القرآنيان يجعلانها على لسان جمع من الملائكة: (فنادته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب) (١٣) .\n(يا زكريا إنا نبشرك بغلام..) (١٤) .\nوهذا خطأ ثالث وقع فيه النص الإنجيلى فصححه القرآن الأمين.\n(د) النص الإنجيلى يجعل التسمبة ب \" يحيى \" يوحنا من اختيار زكريا بيد أن الملاك قد تنبأ بها.\nوهذا خطأ رابع صححه القرآن الأمين فجعل التسمية من وحى الله إلى زكريا: (.. اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) (١٥) .\n(هـ) النص الإنجيلى يقول: \" إن زكريا حين جاءه الملاك وقع عليه خوف واضطراب \".\nوقد خلا النص القرآنى من هذا.. فدل خلوه منه على أنه لم يقع.\nذلك أن القرآن الحكيم عَوَّدَنَا فى قَصِّهِ للوقائع المناظرة لهذه الواقعة أن يسجلها إذا حدثت ولا يهملها، بدليل أنه قد نَصَّ عليها فى واقعة السحرة مع موسى ﵇ فقال: (فأوجس فى نفسه خيفة موسى) (١٦) . وقال فى شأنه كذلك عند انقلاب العصى حية لأول مرة: (فلما رآها تهتز كأنها جَانُّ وَلَّى مُدبِرًا ولم يُعَقِّبْ) (١٧) . وحكاها عن إبراهيم ﵇ حين جاءته الملائكة تبشره فقال حكاية عن إبراهيم لضيوفه: (إنا منكم وجلون) (١٨) . وحكاها عن مريم حين جاءها الملك: (قالت إنى أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) (١٩) .\nوحِرْصُ القرآن على ذكر هذا الانفعال (الخوف، إذا حدث) يدل على أن خلوه منه بالنسبة لزكريا دليل على أنه لم يقع منه خوف قط، وهذا \" الخلو \"يعتبر تصحيحًا لما ورد فى الإنجيل من نسبة حدث إلى زكريا هو فى الواقع لم يصدر منه.\nفهذه خمسة أخطاء قام بتصحيحها القرآن الأمين نحو نصوص الإنجيل المذكورة هنا فى المقارنة. وبهذا نقول:\nإن القرآن أدى هنا فى تعقبه للنص الإنجيلى مهمتين جليلتين:\nالأولى: تصوير الواقعة المقصوصة تصويرًا أمينًا كاملًا.\nالثانية: تصحيح الأخطاء الواردة فى النص الإنجيلى المقارن.\nوقفة أخيرة مع دعوى الاقتباس:\nموضوع الدعوى كما يروج لها المبشرون أن القرآن اقتبس من الكتاب المقدس كل قَصَصِهِ التاريخى.\nوالواقعة التى هى موضوع دعوى الاقتباس هنا هى حادثة تاريخية دينية محددة ببشارة زكريا ﵇ بيحيى عبد الله ورسوله ووثائق تسجيلها هما: الإنجيل، ثم القرآن الأمين.\nوصلة الإنجيل بالواقعة المقصوصة أنه سجلها فرضًا بعد زمن وقوعها بقليل؛ لأن عيسى كان معاصرًا ليحيى ﵉ وصلة القرآن الأمين بها أنه سجلها بعد حدوثها بزمن طويل \" حوالى سبعمائة سنة \".\nوقرب الإنجيل من وقوع الحادثة المقصوصة، وبُعد القرآن الزمنى عنها يقتضى إذا سلمنا جدلًا بدعوى الاقتباس المطروحة أن يأتى الاقتباس على إحدى صورتين:\nأولاهما: أن يقتبس القرآن جزءًا مما ورد من القصة الكلية فى الإنجيل. وتظل القصة فيه ناقصة عما هى عليه فى المصدر المقتبس منه (الإنجيل) على حسب زعمهم.\nثانيهما: أن يقتبس القرآن القصة كلها كما هى فى الإنجيل بلا نقص ولا زيادة، سواء أخذها بألفاظها أو صاغها فى أسلوب جديد (البلاغة العربية كما يدعون)، بشرط أن يتقيد بالمعانى الواردة فى المصدر المقتبس منه؛ لأن الفرض قائم (حتى الآن) على أن القرآن لم يكن له مصدر يستقى منه الواقعة غير الإنجيل المقتبس منه.\nومحظور على القرآن عملا بهذه القيود التى تكتنف قضية الاقتباس للوقائع التاريخية من مصدرها الأوحد أن يأتى بجديد أو يضيف إلى الواقعة ما ليس فى مصدرها الأوحد.\nفماذا صنع القرآن إذن؟\nهل اقتبس من الإنجيل جزءًا من الواقعة؟ أم الواقعة كلها؟!\nدائرًا فى فلك الإنجيل دورة ناقصة أو دورة كاملة؟!\nلو كان القرآن قد فعل هذا: اقتبس جزءًا من الواقعة كلها، وَلَوْ مع صياغة جديدة لم تغير من المعنى شيئا؛ لكان لدعوى الاقتباس هذه ما يؤيدها من الواقع القرآنى نفسه. ولما تردد فى تصديقها أحد.\nولكننا قد رأينا القرآن لم يفعل شيئًا مما تقدم. لم يقتبس جزءًا من الواقعة ولا الواقعة كلها.\nوإنما صورها تصويرًا أمينًا رائعًا. سجل كل حقائقها، والتقط بعدساته كل دقائقها. وعرضها عرضًا جديدًا نقيًّا صافيًا، وربط بينها وبين وقائع كانت كالسبب الموحد لها فى بناء محكم وعرض أمين.\nولم يقف القرآن عند هذا الحد.. بل قام بإضافة الكثير جدًّا من الجديد الذى لم يعرفه الإنجيل. وصحح كثيرًا من الأخطاء التى وردت فيه بفعل التحريف والتزوير. إما بالنص وإما بالسكوت. وهذا لا يتأتى من مقتبس ليس له مصدر سوى ما اقتبس منه.\nوإنما يتأتى ممن له مصدره ووسائله وسلطانه المتفوق، بحيث يتخطى كل الحواجز، ويسجل الواقعة من \" مسرحها \" كما رآها هو، وعقلها هو، وسجلها هو. وكان هذا هو القرآن.\nإن المصدر الوحيد للقرآن هو الوحى الصادق الأمين.. وليس ما سجله الأحبار والكهان، والفريسيون، والكتبة فى توراة أو أناجيل.\nإن مقاصد القرآن وتوجيهاته وكل محتوياته ليس فى التوراة ولا فى الإنجيل منها شىء يذكر. وفاقد الشىء لا يعطيه. هذا هو حكم العقل والعلم، ومن لم يخضع لموازين الحق من عقل وعلم ونقل فقد ظلم نفسه. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) سفر التكوين الإصحاح (٣٩) الفقرات (٧ ١٩) .\n(٢) لم نذكرالنص القرآنى الخاص بحديث النسوه إذ لا مقابل له فى التوراة.\n(٣) يوسف: ٢٣-٢٩ ثم آية ٣٥.\n(٤) تأمل عبارة التوراة \" اضطجع معى \" تجدها مبتذلة فاضحة تكاد تجسم معناها تجسيمًا. ثم تأمل عبارة القرآن (وراودته التى هو فى بيتها عن نفسه (تجدها كناية لطيفة شريفة بعيدة عن التبذل والإسفاف. والألفاظ أوعية المعانى والمعانى ظلال الألفاظ..\n(٥) سفر التكوين (٤-٣-١٦)\n(٦) المائدة: ٢٧-٣٢.\n(٧) سفر اللاويين (١٨ ٧ ١٨) .\n(٨) النساء: ٢٢-٢٤.\n(٩) المائدة: ٤٨.\n(١٠) إنجيل لوقا (٧- ٢٢) الإصحاح الأول.\n(١١) آل عمران: ٣٨-٤١. وراجع قبله الآيات من ٣٥-٣٧ للأهمية\n(١٢) مريم: ٨ - ١٥\n(١٣) آل عمران: ٣٩.\n(١٤) مريم: ٧.\n(١٥) مريم: ٧.\n(١٦) طه: ٦٧.\n(١٧) القصص: ٣١.\n(١٨) الحجر: ٥٢.\n(١٩) مريم: ١٨.","vol":"1","page":579},{"text":"وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى:\n(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، ويُلاحَظُ أَنَّ الآيةَ لم تَذْكُر اسْمَه، وبما أَنَّ اسْمَه لم يَرِدْ في حَديثٍ صَحيحٍ عن رسول الله - ﷺ -، فإِنَّنا نتوقَّفُ في ذِكْرِ اسْمِه، ونَجعل ذلك من مبهمات القرآن، ونقول: الله أعلم باسمه.\nوادَّعى الفادي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب اليهودي: \" مدراس رباه \" فصل: ١٤.\nفي تفسير تك: ١٥ - ١٧.\nولا أَدري من أَيْنَ أَخَذَ رسول الله - ﷺ - هذا الكتابَ اليهودي، وهو الأُمّيُّ، والكتابُ المذكورُ مجهول عند حاخاماتِ اليهود؟!.\n٣ - اجتماعُ سليمانَ - ﵇ - مع رجال جيشهِ من الجنِّ والإِنسِ والطير، وقصةُ الهدهدِ معَ ملكةِ سبأ، وإِحضاره عرشَ ملكةِ سبأ.\nوقد وَرَدَ هذا الموضوعُ في سورةِ النمل: ١٧ - ٤٤،.\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ قصةَ سليمانَ - ﵇ - مع ملكةِ سبأ من الكتابِ اليهودي: \" الترجوم الثاني عن كتاب أَستير \".\nولا أَدري كيفَ قرأَ الرسولُ الأُميُّ محمدٌ - ﷺ - هذا الكتابَ اليهوديَّ المفقودَ، الذي لم يكنْ موجودًا عند اليهودِ في الحجاز؟!.\n٤ - لم يُحسن الفادي الجاهلُ فَهْمَ إِشارةِ القرآنِ إِلى قصةِ الملَكَيْن اللَّذَيْنِ\nأَنزلهما اللهُ في مدينة بابل، والتي وردَتْ في الآيةِ: (٩٦) من سورة البقرة.\nوأَخَذَ تفاصيل إِسرائيلية باطلة، واتهمَ الملَكَيْن هاروت وماروت بالباطل.\nقال عنهما: \" تَركيبُ الشهوةِ في الملاكين هاروت وماروت، وارتكابُهما شربَ الخمرِ والزنى والقتلَ وتعليمَ الناس السحر \".\nوادَّعى الجاهلُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ قصةَ هاروتَ وماروت من الكتابِ اليهودي: \" مدراس بلكوت \": الفصل: ٤٤.\nوكَذَبَ اليهودُ في اتهامِهم المَلَكَيْن هاروتَ وماروتَ بارتكابِ جرائمِ\nشربِ الخمرِ والزنى والقتل، بعدَ أَنْ رَكَّبَ اللهُ فيهما الشهوة.\nويَجِبُ علينا أَنْ","vol":"1","page":580},{"text":"نَبقى مع الإِشارةِ القرآنيةِ المجملةِ إِلى قصتهما، فهما مَلَكان كريمان، أَنزلَهما اللهُ من السماء على أَهل بابل، ليُحَذِّراهم من السحر، ويَنْهَيَاهُمْ عن ممارستِه، ثم صَعَدا إِلى السماء مَلَكَيْن كريمَيْن، لم يَفْعَلا ذنبًا، ولم يرتكبا فاحشة.\n٥ - وَرَدَ رفعُ جبلِ الطورِ فوقَ رؤوسِ اليهودِ في سورة البقرة: (٦٣)\nو(٩٣) .\nوفي سورة الأعراف: (١٥٥) و(١٧١) .\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: \" عبوداه زاراه \": الفصل الثاني.\n٦ - ذَكَرَ القرآنُ عبادةَ بني إِسرائيل العجلَ الذهبيَّ الذي له خُوار، أَثناءَ\nغيبةِ موسى - ﵇ - عنهم، ذاهبًا إِلى جبلِ الطور.\nوورد ذلك في سورة الأعراف: (١٤٨ - ١٥٣) .\nوورد في سورة طه: (٨٦ - ٩٨) .\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: \" فرقى ربي أليعازر. فصل: ٤٥ \".\n٧ - ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ جَعَلَ من السماءِ سبعَ سمواتٍ في أَكثرَ من آية،\nمنها آيةُ (٢٩) من سورة البقرة.\nكما ذَكَرَ أَنَّ لجهنَّمَ سبعةَ أَبواب، كما وردَ في آيةِ (٤٤) من سورة الحجر.\nوَزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ \" حكيكا ٥ \" باب: ٩. فصل: ٢.\nوكتاب: \" زوهر \" فصل: ٢.\n٨ - أَخبرَ اللهُ أَنه لما خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ كان عرشُه على الماء.\nوَوَرَدَ هذا في الآية من سورةِ هود.\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من كتابِ اليهود: \" تفسير راشي في تك \" ١: ٢.\n٩ - تكلَّمَ القرآنُ عن أَصحابِ الأَعراف، وما يقولونَه لأَصحابِ الجنة\nوأَصحابِ النار.\nوَوَرَدَ هذا في سورةِ الأَعراف: آيات ٤٦ - ٤٩،.\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ: \" مدراس تفسير جامعة ٧: ١٤ \".","vol":"1","page":581},{"text":"١٠ - أَخبرَ اللهُ أَنَّ علامةَ بَدْءِ الطوفان زَمَنَ نوحٍ - ﵇ هو فورانُ الماءِ من وسطِ التَّنّور.\nوَوَرَدَ هذا في سورةِ هود، آية (٤٥) .\nوادَّعى الفادي الجاهلُ أَنّ رسولَ الله - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: \" روش هشاناه \" فصل ٢: ١٦.\n١١ - أَشارَ القرآنُ إِلى أَن اللهَ حَفِظَ القرآنَ المجيدَ في اللوحِ المحفوظِ\nعنده، وَوَرَدَ هذا في آيَتَى (٢١ - ٢٢) من سورةِ البروج.\nوادَّعى الفادي المفتري أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: \" فرقي أبوت \" باب: ٥، فصل: ٦.\nوالكتبُ اليهوديةُ التي ذَكَرَها الفادي المفترِي لا يَعرفُها معظمُ الأَحْبارِ\nوالحاخامات اليهود، ولم تكنْ موجودةً عند اليهودِ في بلادِ الحجاز، فمن أَيْنَ\nاطَّلَعَ عليها محمدٌ - ﷺ -؟!!\nومِنْ مَنْ أَخَذَها، وهو لم يُجالس اليهودَ والنصارى في مكة؟\nوكيف يَقرأُ فيها باللغةِ العبرية وهو الأُمِّيُّ الذي لم يَقْرَا ولم يَكتبْ باللغةِ\nالعربية؟!.\nرابعًا: ماذا أَخدْ رسول الله - ﷺ - من كتب النصارى؟\n:\nادّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَخَذَ بعضَ موضوعاتِ القرآنِ من \" كتب جهلة المسيحيين \" على حَدِّ قولِه.\nوذَكَرَ خمسة موضوعاتٍ في القرآن، وذكر في مقابلِها الكتبَ النصرانيةَ التي أَخَذَ منها.\n١ - ادَّعى أَنَّ قصةَ أَصحابِ الكهف التي وَرَدَتْ في سورةِ الكهف ٩١ -\n٢٦، أَخَذَها رسولُ اللهِ - ﷺ - من الكتابِ النصرانيِّ: \" مجد الشهداء \" فصل: ٩٥. تأليف غريغوريوس.\n٢ - ذَكَرَ القرآنُ قصةَ مريم، منذُ أَنْ كانَتْ جَنينًا في رَحِمِ أُمِّها، إِلى أَنْ\nكفَّلَها اللهُ زكريا - ﵇ -، وَوَرَدَ هذا في الآيات: ٣٥١ - ٤٨، من سورة آل عمران.","vol":"1","page":582},{"text":"وزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ النصراني: \" بروت يو أنجيليون \": إصحاح: ٣، ٤، ٥، ٧، ٨، ١٩، ١١، ١٥.\n٣ - ذَكَرَ القرآنُ حَمْلَ مريمَ بعِيسى - ﵇ -، وكيف انْتَبَذَتْ من أَهْلِها مكانًا قصيًا، وكيفَ أَنجبتْ عيسى، وبماذا أَرشدها وليدُها.\nوَوَرَدَ هذا في آياتِ (١٦ - ٢٦) من سورة مريم) .\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب النصراني: \" حكاية مولد مريم وطفولة المخلص \" الفصل: ٢٥.\n٤ - ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى - ﵇ - كانَ يَصنعُ من الطينِ كهيئةِ.\nالطير، ثم يَنفخُ فيه فيكونُ طَيْرًا بإِذنِ الله.\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَْخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليوناني: \" بشارة هوما الإسرائيلي \". فصل: ٢.\n٥ - صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والرومانَ لم يَقْتُلوا عيسى - ﵇ - ولم يَصْلُبوه، وإِنما شُبّهَ لهم، فقَتَلوا وصَلَبوا الشَّبيه.\nوَوَرَدَ هذا في آية (١٥٧) من سورة النساء.\nوادَّعى الفادي المفترِي أنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ هذا الموضوعَ من رجل نصراني اسْمُه \" باسيليوس \".\nقال عنه: \" حَسْبَ بدعةِ باسيليوس، الذي قالَ: إِنَّ\nالمسيحَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ على \" سمعان القيرواني \"، فصُلِبَ بَدَنُه، لأَنَّ المسيحَ ليس له جَسَدٌ حقيقي، بل أُخذ شبه جسد \".\nوكيفَ يَدّعي هذا المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - قرأَ كُتُبًا نصرانية متخصصةً بعدَّةِ لغات، في أَماكنَ خاصة، في كنائسَ عديدة، في بلادِ الشامِ ومصر، بل وفي اليونان! وكأَنَّ النبيَّ الأُمّيَّ - ﵇ - كان عالمًا بعدةِ لُغاتٍ؟\nمنها: الآرامية واليونانية، اللَّتين كُتبت بهما الأَناجيل! وكأَنه - ﷺ - سافَرَ إِلى كنائسِ الشام ومصر واليونان، وتَعَلَّمَ من رُهبانِها تلك الكتب، وأَخَذَ من كُلّ كتابٍ أَشطُرًا أو صفحات!!","vol":"1","page":583},{"text":"لا أَدري أَينَ ذهبَ عَقْلُ هذا الفادي المفترِي وهو يكتبُ هذا الكلام؟!.\nخامسًا: ماذا أخذ رسول الله - ﷺ - من كتب الفرس؟:\nادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَخَذَ كَثيرًا من القرآنِ من كتب الفرس، وأَنه سَمِعَ قَصَصَ ملوكِ الفرسِ وعَقَائِدَهُمْ من الناسِ حولَه، ثم أَلَّفَ منها قرآنَه.\nقالَ المجرم: \" ومن المعلوم أَنَ الفرسَ كانوا مُتَسَلِّطينَ على كثيرٍ من\nقبائلِ العرب، قبلَ مولدِ محمدٍ وفي عصره، فانتشرَتْ قَصصُ ملوكهِم\nوعقائِدُهُمْ وخرافاتُهم بين العرب، فتركَتْ تأثيرها على محمد، وَدوَّن منها\nالشيءَ الكثيرَ في قرآنِه \".\nومَن الذي اكتشفَ محمدًا - ﷺ - وهو يَسطو على قَصصِ الفرسِ ويَضَعُها في قرآنِه، كما يَدَّعي الفادي المجرم؟\nإِنه الزعيمُ القرشي \" النَّضرُ بنُ الحارث \"!\nقالَ المجرم: \" يَشهدُ القرآنُ أَنَّ النَّضْرَ بنَ الحارث كان يُعَيِّرُ محمدًا بأَنه ناقلُ\nأَقوالِ الفرس، ولم يأخُذ من الوحيِ شيئًا ...\nوكان النَّضرُ بنُ الحارث يُحَدِّثُ الناسَ عن أَخبارِ ملوكِ الفرس، ثم يقول: واللهِ ما محمدٌ بأَحسنَ حَديثًا منّي، وما حديثُه إِلّا أَساطيرُ الأَولين، اكتتَبَها كما اكْتَتَبْتُها..\nفردَّ عليه محمدٌ في قرآنِه بقولِه: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) .\nوجعل يسب النضر قائلًا: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) \".\nيُصَرّحُ المجرمُ في الفقرةِ السابقةِ أَنَّ القرآنَ ليسَ وحيًا من عندِ الله، وإِنما\nهو من صياغةِ محمدٍ - ﷺ - ولذلك قالَ: \" فَرَدَّ عليه محمدٌ في قراَنِه بقولِه: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) \".\nأَيْ أَنَّ هذه الآيةَ من سورةِ القلمِ من تأليفِ محمدٍ - ﷺ -، هو الذي صاغَها وَوَضَعَها في سورةِ القلم.\nوسَجَّلَ المجرمُ آيتَيْن من سورةِ الجاثية اعتبَرَهما \" سَبًَّا \" صاغَهُ محمدٌ - ﷺ - وشَتَمَ به النَّضْرَ بنَ الحارِث، وَوَضَعَهُ في السورة.\nوصَدَّق المفترِي افتراءَه، وجعلَه حقيقةً يَقينيَّة، ورَتَّبَ عليه نتائجَ اعتبرها","vol":"1","page":584},{"text":"قاطعة، ولذلك قالَ: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ يَسمحُ محمدٌ لنفسِه أَنْ يَشْتُمَ النَّضْرَ، وقد اقتبسَ في قرآنِه من أَساطيرِ الفرس، ما كان من معراج أَرتيوراف، وَوَصْفَ الفردوس بِحورِه ووِلْدانِه؟\nوقد جَعَلَ محمدٌ فِعْلًا مُعَلِّمَه \" سلمانَ الفَارسيَّ \" واحدًا من الصحابة؟ \".\nوللردّ على المفترِي المجرمِ نقول: لم يَشْتُم الرسولُ - ﷺ - النَّضْرَ بْنَ الحارث، لأَنه لم يكن سَبّابًا ولا لَعّانًا ولا شاتِمًا، ولم يكنْ فاحِشًا بذيءَ اللسان، وكان كَلامُه كلُّه رِقَّةً وأَدَبًا وذوقًا، ولم تَصدُرْ عنه كلمةٌ واحدةٌ جارحة..\nوأَخطأَ الفادي المجرمُ الجاهلُ في زعمِه أَنَّ آيةَ سورةِ القلمِ وآيتيْ\nسورةِ الجاثية السابقة نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارثِ.\nوقد وَرَدَتْ بعضُ الرواياتِ في أَنَّ الذي نزلَ في النَّضرِ بنِ الحارث قولُه\nتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) .\nولكنَّ الراجحَ أَنه لم يَنْزلْ فيه، كما أَنه لم ينزلْ فيه آياتُ سورةِ القلمِ\nوالجاثية..\nولم تَصحّ قصةُ النضرِ بن الحارث، وأَنه كان \" يُشَوِّشُ \" على\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، بما كانَ يَحكي للناسِ من قَصصِ مُلوكِ الفرس، ولم يَصِحّ إِنزالُ آياتٍ في قصته.\nولكنَّ الفادي جاهل، وهو لجهلِه يَعتمدُ على رواياتٍ موضوعة، وأَخبارٍ\nباطلة، ويَبْني عليها اتهاماتِه ضِدَّ القرآنِ والرسولِ - ﷺ -، وهو يَجمعُ بينَ الجهلِ والحِقْدِ والافتراءِ والادّعاء!!.\nأ - هل أخذ رسول الله - ﷺ - حادثة المعراج من الفرس؟:\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - لم تَحْدُثْ له حادثةُ الإِسراءِ والمعراج، وإنما قرأَ هذه القصةَ في كتابٍ فارسي، بلغةٍ فارسية، ونَسَبَها لنفسه، وادَّعى أَنه هو الذي عُرِج به!!.","vol":"1","page":585},{"text":"لِنقرأ هذه الفقرةَ الفاجرةَ من كلامِ الفادي الفاجر: \" جاءَتْ قصَّةٌ فارسيةٌ\nقديمةٌ في كتابٍ باللغةِ الفارسية، اسْمُه: \" أرتيوراف نامك \"، كُتِبَ سنةَ أَربعمئةٍ قبلَ الهجرة، وموضوعُ القصةِ أَنَّ المجوسَ أَرْسَلوا روحَ \" أَرتيوراف \" إِلى السماءِ، وَوَقَعَ على جسدِه سُبات، وكان الغرضُ من رحلتِه هو الاطلاع على كُلِّ شيء في السماء، والإِتيانَ بأَنبائِها..\nفعَرَجَ إِلى السماء، وأَرشَدَهُ أَحَدُ رؤساءِ الملائكة، فَجالَ من طبقة إِلى طبقة، وترقى بالتدريج إِلى أَعلى فأَعلى ...\nولما اطَّلَعَ على كُلِّ شيء أَمَرَه \" أُورمَزْد \" الإِلهُ الصالحُ أَنْ يَرجعَ إِلى\nالأَرضِ، ويُخبرَ الزرادشتيةَ بما شاهَد.\nفأَخَذَ محمدٌ قصةَ مِعْراج \" أَرتيوراف \"، وجَعَلَ نفسَه بَطَلَها!\nوقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) .\nوقال محمدٌ في الحديثِ عن ليلةِ الإِسراء: \" أُتِيتُ بدابَّةٍ دونَ البَغْلِ وفَوْقَ\nالحمارِ، أَبيض يُقالُ له: البُراق، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أَقصى طَرْفِه، فجلَسْتُ عليه، فانْطلَقَ بي جبريل، حتى أَتى السماءَ الدنيا، فاستفتَحَ ورأى آدم، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثانية، فرأيتُ عيسى ويحيى، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثالثة فرأيتُ يوسف، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الرابعة فرأيتُ إِدريس، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الخامسة فرأيتُ هارونَ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السادسة فرأيتُ موسى، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السابعةِ فرأيتُ إِبراهيم، ثم رجعْتُ إِلى سدرةِ المنتهى، فرأيتُ فيها أَربعةَ أَنهار، منها النيلُ والفرات، ثم أُتيت بإِناءٍ من خَمْرٍ وإِناءٍ من لَبَن، وإِناءٍ من عَسَل، فأَخَذْتُ اللَّبَن، فقال: هي الفطرةُ أَنتَ عليها وأُمَّتُكَ ... \".\nإِذَنْ: لم يحدث الإِسراءُ برسولِ الله - ﷺ -، ولا العروجُ به إِلى السمواتِ العُلَى، والذي اكتشفَ هذه الحقيقةَ هو هذا القِسّيسُ الفادي، حيث اطَّلعَ هذا الفادي على المرجعِ الذي أَخَذَ منه رسولُ الله - ﷺ - ادِّعاءَه.\nإِنه كتاب فارسي قَديم، مُؤَلَّف بلغةٍ فارسيةٍ قديمة، يتحدَّثُ عن أُسطورةِ معراج \" أَرتيوراف \"،","vol":"1","page":586},{"text":"وقد اطَّلَعَ محمدٌ - ﷺ - على هذا الكتابِ الفارسي، وهو متمكِّنٌ من اللغةِ الفارسية في نظرِ الفادي المكتَشِف، لأَنه عالِمٌ باللُّغاتِ المختلفة، قراءةً وكتابةً ومحادثة،\nومنها العربيةُ والآراميةُ والحبشيةُ والفارسية واليونانية والرومانية والعبرية و...\nوأُعجبَ محمدٌ - ﷺ - بقصةِ أَرتيوراف، وادَّعاها لنفسه، وكَذَبَ على الناس، وزَعَمَ أَنه هو الذي عُرِجَ بهِ إِلى السماءِ وليس أَرتيوراف!! وأَثبتَ ذلك في قرآنِه الذي أَلَّفَه، وادَّعى أَن اللهَ أَوحى به إِليه!!.\nهكذا يُسجلُ الفادي المجرمُ كلامَه، ويُدَوِّنُ اتِّهاماتِه لرسولِنا محمدٍ - ﷺ -، ويَلْبَسُ ثوبَ الموضوعيةِ والحياد، ويقولُ كَلامًا حاقِدًا لا يَصدُرُ عن منصفٍ مُحايد!!.\nب - هل أخذ رسول الله - ﷺ - وصف الحور العين من الفرس؟:\nادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ وَصْفَ الحورِ العينِ في الجنةِ عن كُتُبِ الفرس، ووَضَعَه في القرآن، ونَسَبَه إِلى الله، قال: \" أَخَذَ القرآنُ الاعتقادَ بوجودِ الحورِ العينِ في الجَنَّةِ مما قَالَه الزرادشتيةُ القُدَماءُ، عن وُجودِ أَرواح الغاديات الغانياتِ المضيئاتِ في السماء، وأَنَّ مكافأةَ أَبطال الحروبِ هي الوجودُ مع الحورِ ووِلْدانِ الحور، وكانَ الاعتقادُ بوجودِ الحورِ سارِيًا عندَ الهنودِ أَيْضًا، وكلمةُ \" حوري \" في لغةِ \" أُوْستا \" (وهي من لُغاتِ الفرسِ القديمة) تَعْني الشمسَ وَضَوْءَها، وفي اللغةِ البهلويةِ \" هور \"، وفي لغةِ الفرسِ الحديثةِ \" حنورِ \"، ولَفَظَها العَرَبُ \" حُور \" أكتاب \" شرائع منوا \" فصل: ٥، البيت: ٨٩، فَجَرْيًا على هذهِ العقيدةِ الفارسيةِ والتعبيرِ الفارسيِّ قال القرآن: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) .\nوقال: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) \".\nرسول اللهِ - ﷺ - مطلعٌ على كُتُبِ الفرسِ القديمة، وخبيرٌ باللغةِ الفارسية، يَذهبُ إِلى بلادِ الفرس، ويقرأُ تلك الكتب، ويأخُذُ منها ما يُريد، ويَصوغُه","vol":"1","page":587},{"text":"باللغةِ العربية، ويجعَلُه قرآنًا، واكتشفَ الفادي الباحثُ ذلك، وذَكَرَ لنا الكتابَ الذي كان محمدٌ - ﷺ - يأخذُ منه إ!.\nمن ما أَخذَه من ذلك الكتابِ القولُ بأَنَّ في الجنةِ نساءً من الحورِ العين،\nفهذه عَقيدةٌ فارسيةٌ زرادشتيةٌ، وكلمةُ \" حور \" هنديةٌ فارسية، معناها الشمسُ، حَوَّرَها الفرسُ إِلى \" هور \"، وأَخَذَها منهم محمدٌ - ﷺ - وحَرَّفَها إِلى كلمةِ \" حور \"..\nهذا ما يقررُه الباحثُ المتمكِّنُ من فقهِ اللغات، الفادي أَفندي!!.\nإِن كلمةَ \" حَوْرٌ \" كلمةٌ عربيةٌ.\nأَصيلة، وكانَ يَستعملها العربُ في الجاهليةِ قبلَ الإِسلام، ويَجعلونَها وَصْفًا للنساءِ الحسانِ الجَميلات.\nقالَ العالمُ اللغويُّ الإِمامُ ابنُ فارس: \" الحَوَرُ: شِدَّةُ بَياضِ العينِ في\nشِدَّةِ سَوادِها.\nقالَ أَبو عمرو: الحَوَرُ: أَنْ تَسْوَدَّ العَينُ..\nوإِنما قيلَ للنِّساءِ: \" حورُ العين \" لأَنهنَّ شُبّهْنَ بالظِّباء \".\nوجاءَ في لسانِ العرب: \" الحَوْرُ: الرُّجوعُ عن الشيء، وإِلى الشيء.\nحارَ إِلى الشيء: رَجَعَ إِليه.\nوأَحارَ عليه جوابَه: رَدَّهُ.\nو: المحاورةُ: المجاوبة.\nو: الحَوَرُ: أَنْ يَشتدَّ بياضُ العينِ وسَوادُ سَوادِها، وتَستديرَ حَدَقَتُها، وتَرِقَّ\nجُفونُها، ويَبْيَضَّ ما حوالَيْها.\nوقيل: الحَوَرُ شِدَّةُ سَوادِ المقلَةِ في شِدَّةِ بياضِها، في شِدَّةِ بَياضِ الجَسَد.\nقال الأَزهري: لا تُسَمّى حوراءَ حتى تكونَ مع حَوَرِ\nعَيْنَيْها بيضاءَ لونِ الجَسَدِ ...\nوالأَعرابُ تُسَمّي نساءَ الأَمصارِ حواريات لبياضهِنَّ، وتَباعُدِهنَّ عن قَشْفِ الأَعراب بنظافتِهنَّ ...\nفالحواريّاتُ من النساء: النقيّاتُ الأَلوانِ والجُلودِ لبياضهِنَّ\".\nوبهذا نَعرفُ أَنَّ مادَّةَ \" حَوْرٌ \" عربيةٌ أَصيلة، في جَذْرِها واشتقاقاتِها\nوتَصريفاتِها واستعمالاتِها، وليستْ فارسيةً أَو مُعَرَّبَةً عن الفارسية، كما زعمَ\nهذا الفادي المفترِي.\nوقد وَرَدَتْ مادَّةُ \" حَوْرٌ \" في القرآنِ ثلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَوَرَدَ منها الكلماتُ","vol":"1","page":588},{"text":"التالية: يَحورُ بمعنى: يَرجعُ: مرةً واحدة.\nو: يُحاورُ بمعنى: يُراجعُ ويُناقشُ\nويُجادلُ في الكلام. وَرَدَ مرتَيْن.\nو: تَحاوُرٌ: بمعنى المراجعة والمناقشة. وَرَدَ مرةً واحدة.\nو: حورٌ عين: صفةُ نساءِ الجَنَّة. وَرَدَ أَربعَ مرات.\nو: الحواريّون: أَصحابُ عيسى - ﵇ -. وَرَدَ خمسَ مرات.\nقال اللهُ عن الحورِ العين: (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) .\nوقال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) .\nوقال تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) .\nوقال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) .\nب - هل سلمان الفارسي هو مؤلف القرآن؟:\nمن مفترياتِ الفادي المفترِي الكبيرةِ الفاجرةِ زَعْمُهُ أَنَّ مُعَلِّمَ النبيِّ - ﵇ - هو سلمانُ الفارسيُّ - ﵁ -، كان يُلَقِّنُ النبيَّ - ﷺ - القرآنَ، فيصوغُه بدوْرِه بالعربية، ويَنسبُه إِلى الله!!.\nقال تحتَ عنوان: \" مُلَقِّنُ محمدٍ: سلمان الفارسي \": \" شهدَ القرآنُ أَنَّ\nالمقصودَ بإِملائِه القصصَ الفارسيةَ علي محمدٍ هو سلمانُ الفارسي، فقال:\n(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nوسلمانُ هذا فارسيّ أَسلم، وكان من الصحابة، وهو الذي أَشارَ على\nمحمدٍ وَقْتَ حصارِ المدينة بحفْرِ الخندق، فنفَّذَ محمدٌ نصيحتَه، وهو الذي\nأَشارَ على محمدٍ باستعمال المنجنيقِ في غزوةِ ثقيف في الطائف.\nوقد اتهمَ العربُ محمدًا أَنَّ سلمانَ هذا هو الذي ساعَدَه على تأليفِ قرآنه، ومنه اسْتَقى الكثيرَ من قَصَصه وعباراتِه، ومع أَن محمدًا قال: إِن سلمانَ أَعجميّ والقرآنَ عربيّ، ولكن هذا لا يمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان، وصياغتُها في أُسلوبها العربي لمحمد\".","vol":"1","page":589},{"text":"يَكْذِبُ المفْتَري عندما يَزعُمُ أَنَّ القرآنَ شَهِدَ أَنَّ المقصودَ بإِملاءِ القَصصِ\nالفارسيةِ على رسولِ اللهِ - ﷺ - هو سلمانُ الفارسيُّ - ﵁ -، وأَنه هو الأَعجميُّ المقصودُ بقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nلم يَقُلْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين أَن الآيةَ نازلة في سلمانَ الفارسي، لأَنَّ سورةَ النحلِ مكية، ولم يكنْ سلمانُ مُسْلمًا وقْتَ نزولِها، إِنما أَسلمَ في\nالمدينةِ بعدَ الهجرة.\nوالراجحُ أَنَّ المقصودَ بالآيةِ بعضُ العبيدِ الأَعاجمِ في مكة.\nروى الواحديُّ في \" أَسبابِ النزول \"، والطبريُّ في تفسيرِه، عن عبدِ الله بنِ\nمسلم الحضرميِّ - ﵁ -: أَنه كانَ لهم عَبْدانِ من أَهْلِ غَيْرِ اليمن، وكانا طِفْلَيْن، وكان يُقالُ لأَحَدِهما: يَسار، وللآخَر. جَبْر.\nفكانا يَقْرَأانِ التوراةَ، وكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - ربما جَلَسَ إِليهما.\nفقالَ كفارُ قريش: إِنما يَجلسُ إِليهما يتعلَّمُ منهما، فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nوقالَ محمدُ بنُ إِسحاق في السيرة: كانَ الغلامُ النصرانيُّ واسْمُه \" جَبْر \"\nعَبْدًا لبعضِ بني الحَضْرَمي.\nوقالَ عِكرمةُ وقَتادة: كان اسْمُه يعيش.\nوقالَ ابنُ عباس: كان اسْمُه بلعام.\nوبعدَ أَنْ ذكرَ الحافظُ ابنُ كثير الاختلافَ في اسمِ ذلك الغلامِ\nالأَعجميّ، قال: \" وقالَ الضَّحّاكُ بنُ مزاحم: هو سلمانُ الفارسي.\nوهذا القولُ ضَعيف، لأَنَّ هذه الآيةَ مكية، وسلمانُ إِنما أَسلمَ بالمدينة \".\nوقالَ ابنُ كثير في تفسيرِ الآية: \" يَقولُ تعالى مُخْبِرًا عن المشركين، ما\nكانوا يقولونَه من الكذبِ والافتراءِ والبُهْت، أَنَّ محمدًا إِنما يُعَلِّمُه هذا الذي\nيَتْلوهُ علينا من القرآنِ بَشَر..\nويُشيرونُ إِلى رجلٍ أَعجمي كان بينَ أَظْهرِهم،","vol":"1","page":590},{"text":"غُلامٌ لبعضِ بُطونِ قريش، كان بَيّاعًا يَبيعُ عند الصفا، وربما كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَجلسُ إِليه ويُكلمُه بعضَ الشيء، وذاك كانَ أَعجميَّ اللسانِ لا يَعرفُ العربية، أَو أَنه كانَ يَعرفُ الشيءَ اليسير، بقَدْرِ ما يَرُدُّ جَوابَ الخطابِ فيما لا بُدَّ منه، فلهذا قالَ اللهُ تعالى رَدًّا عليهم في افترائِهم ذلك: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nأَي: القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبين، فكيفَ يتعلَّمُ مَنْ جاءَ بهذا القرآنِ - في فصاحتِه وبلاغتِه ومعانيه التامةِ الشاملة، التي هي أَكملُ من كُلِّ كتابِ نَزَلَ على بني إِسرائيل - من رجلٍ أَعجميٍّ؟\nلا يَقولُ هذا مَنْ له أَدنى مِسْكَةٍ من عَقْل.. \".\nلقد كَذَبَ الفادي المفترِي كذبتَيْنِ كبيرتَيْن: كَذَبَ عندما زَعَمَ أَنَّ\nالرسولَ - ﷺ - أَخَذَ هذا القرآنَ عن رجلٍ أَعجمي، ولا نجدُ في الرَّدِّ عليه أَبلغَ من قولِه تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nوالكِذْبةُ الثانيةُ عندما زَعَمَ أَنَّ هذا الأَعجميّ المعلِّمَ هو سلمانُ\nالفارسيّ - ﵁ -، وهو يقولُ هذا الكلامَ لأَنه جاهلٌ بالقرآنِ، وبالسيرةِ، وبالتاريخِ، وبأُسس البحثِ العلميِّ المحايدِ النزيه.\nإِنه جاهِلٌ لا يَعرفُ أَنَّ سورةَ النحل مكيّة، وجاهلٌ لأَنه لا يَعرفُ أَنَّ\nإِسلامَ سلمانَ الفارسيِّ كانَ في المدينة.\nوهو حاقدٌ متحاملٌ، يُغالطُ عندما يَدَّعي أَنَّ سلمانَ الفارسيَّ كان يُعلمُ الرسولَ - ﷺ - العلومَ والقصصَ والأَخبارَ\nوالمعاني، باللغةِ الفارسية، فيتلقَّفُها منه، ويَصوغُها بلغتِه العربية: \" ولكنَّ\nهذا لا يَمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان، وصياغتها في أُسلوبِها العربيِّ\nلمحمد \".\nوقد كانَ سلمانُ الفارسيُّ - ﵁ - خبيرًا بشؤونِ الحرب، ولذلك هو الذي أَشارَ على رسولِ الله - ﷺ - بحَفْرِ الخندق، في السنةِ الخامسةِ من الهجرةِ،","vol":"1","page":591},{"text":"لما هاجمتْ أَحزابُ الكفارِ المدينة، ففوجئوا بذلك الخندق، الذي لم يَألَفوه من\nقبل.\nكما أَشارَ على رسول اللهِ - ﷺ - بضربِ الطائفِ بالمنجنيق، في السنةِ الثامنةِ من الهجرة.\nسادسًا: ما الذي أخذه رسول الله - ﷺ - من كتب الحنفاء؟:\nتكلمَ الفادي الجاهلُ عن \" الحنفاءِ \" كَلامًا باطلًا، دَل على جهلِه\nوافترائِه، وزَعَمَ فيه أَنَّ هؤلاءِ الحنفاءَ كانوا من الذين عَلَّموا رسول اللهِ - ﷺ -.\nأ - من هو الحنيف؟:\nمن جهل الفادي أنه لم يَعْرِفْ معنى كلمة \" حنيف \" في اللغةِ العربية، فبَعْدَ\nأَنْ دكَرَ بعضَ الآياتِ التي وَصفَتْ إِبراهيمَ - ﵇ - بأَنه حَنيفٌ، كقوله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) .\nادَّعى الجاهلُ الغبيُّ أَنَ كلمةَ \" حَنيف \" عبريةٌ وسريانيةٌ وليست عربية.\nقال في افترائِه: \" وكلمةُ (حنيف) في اللغةِ العبريةِ والسريانيةِ تَعْني \" نَجسًا \" أَو \" مُرْتَدًّا \"، وُصِمَ بها العربُ الذين هَجَروا عبادةَ الأَصْنام، وارتَدُّوا عن دينِ أَسلافِهم \".\n\" حَنيف \" عند الجاهلِ ليستْ صفةَ مَدْح، بل صفة ذَمِّ، بمعنى: نَجِس،\nوهي عبريةٌ وليستْ عربية! هكذا يَدَّعي هذا الباحثُ الموضوعيُّ المحايد!!.\nعلمًا أَنَّ الكلمةَ عربيةٌ أَصيلةٌ، ذاتُ جَذْرٍ لغويّ صحيح، ومعنى عربي:\nواضح مفهوم.\nهل الحنيفُ هو النجسُ؟ لِنَنْظُر:\nقال ابنُ فارس: \" الحَنَفُ هو الميْلُ.\nورجلٌ أَحْنَف: مائِلُ الرّجْلَيْن.\nوالحَنيفُ: المائل إِلى الدينِ المستقيم.\nويُقال: الحَنيفُ هو النّاسِك، والحَنيفُ هو المستقيمُ الطريقة، وهو يَتَحَنَّفُ.\nأَيْ: يَتَحَرّى أَقومَ الطَّريق \".\nوجاءَ في لسانِ العرب: \" الحَنيفُ: المسلم، الذي يَتَحَنَفُ عن الأَدْيان،","vol":"1","page":592},{"text":"أَيْ: يَميلُ إِلى الحَقّ.\nوقيلَ: هو الذي يَستقبلُ قبلةَ البيتِ الحرامِ على ملَّةِ\nإِبراهيم، على نبيّنا وعليه الصلاةُ والسلام.\nوقيلَ: هو المخْلِص، وقيل: هو مَنْ أَسْلَمَ في أَمْرِ الله، فلم يَلْتَوِ في شيء.\nوقيل: كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ لأَمْرِ اللهِ ولم يَلْتَوِ فهو حَنيف.\nفالحَنيفُ: المستقيم، والحَنَفُ: الاستقامة.\nوالدّينُ الحَنيفُ: الإِسلام.\nوالحنيفيةُ: مِلَّةُ الإِسلام.\nوفي الحديث: \" بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَة \".\nقالَ الزجاج: الحَنيفُ في الجاهليةِ: مَنْ كانَ يَحُجُّ البيتَ، ويَغتسلُ من\nالجَنابة، ويَختتن، فلما جاءَ الإِسلامُ كانَ الحنيفُ المسلمَ.\nوفي الحديثِ القدسيّ: \" خَلَقْتُ عبادي حُنَفاء \".\nأَيْ: طاهِري الأَعضاء من المعاصي ... \".\nالحَنيفُ في اللغةِ العربيةِ هو الطاهرُ وليس النَّجس، وهو المسلمُ وليس\nالمرتَدّ، وهو المستقيمُ على الحَقّ، وليس المنحرفَ عنه، فهو صفةُ مدحٍ\nوثناء، وليسَ صفةَ ذَم، كما ادّعى هذا الجاهلُ الغبيُّ.\nولذلك جاءَتْ هذه الصفةُ للمدحِ والثناء، وَوُصِفَ بها إِبراهيم - ﵇ - أَكثرَ من مَرَّة.\nكما في قولِه تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) .\nوكما في قولِه تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) .\nوكما في قولِه تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) .\nولذلك أَمَرَ اللهُ رسولَه محمدًا - ﷺ - أَنْ يَقْتديَ بإِبراهيمَ - ﵇ -، وأَنْ يكونَ حَنيفًا مثْلَه.\nقالَ تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) .\nوقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) .","vol":"1","page":593},{"text":"وأَمَرَ اللهُ كُلَّ عبادِه المسلمين أَنْ يَكونوا حُنَفاء، على اختلافِ زمانِهم أَو\nمكانِهم.\nقال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) .\nإِبراهيمُ - ﵇ - حَنيفٌ، ورسولُنا - ﷺ - حَنيفٌ..\nوالنَّجِسُ المرتَدُّ الخبيثُ المفتري هو هذا الفادي المجرمُ، الذي يتلاعَبُ حتى بمعاني الكلمات!.\nب - حول نشأة الحنفاء ونهايتهم:\nيواصِلُ الفادي الجاهلُ جَهْلَه، فيتحدَّثُ عن نشأَةِ الحُنَفاء، ويَذْكُرُ أَمْرًا\nساذجًا مُضْحِكًا، يَدَّعي أَنه نَقَلَه عن السيرةِ النبويةِ لابنِ هشام.\nزَعَمَ أَنَّ قُريشًا اجتمعتْ في يومِ عيدٍ لهم، حول صنمٍ من أَصنامِهم،\nيَعبدونَه ويُعَظّمونه ...\nفاعتزلهم أَربعةُ نَفَر، وجَلَسُوا يتحدثون فيما بينهم، وهم: وَرَقَةُ بنُ نوفل، وعبيدُ الله بن جحش، وعثمانُ بن الحويرث، وزيدُ بن عمرو بن نفيل..\nوقال بعضُهم لبعض: تَعلمونَ أَنَّ قومَكم ليسوا على شيء، وأَنهم تركوا دينَ أَبيهم إِبراهيم، وعبدوا أَحجارًا لا تَضُرُّ ولا تَنفع ...\nوتواصى هؤلاء الأَربعةُ أَنْ يَتَفَرَّقوا في البلدان، للبحثِ عن الدينِ الحق.\nوزَعَمَ الفادي أَنَّ وَرَقَة بنَ نوفل تَنَصَّر، وأَنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ جحشِ بقيَ\nحائِرًا، إِلى أَنْ أَسلمَ ثم تَنَصَّر، وأَنَّ عثمانَ بنَ الحويرث تَنَصَّر، وزيدَ بنَ عمرو اعتزل قَومَه، وطَردوه من مكة، وأَقامَ على جبل حراء\".\nوهذا كلامٌ باطل، يَدُل على أَنَّ \" الحنفاءَ \" لم يوجَدوا إِلّا في قريش،\nقُبيلَ بعثةِ رسول اللهِ - ﷺ -، وأَنهم أَربعةُ رجالٍ فقط، انتهى ثلاثةٌ منهم إِلى النصرانية وصاروا نصارى، والرابعُ هو الذي عَلَّمَ محمدًا - ﷺ - القراَن!!.\n\" الحُنَفاءُ \" هم: الذينَ لم يُشركوا بالله، ولم يَعْبُدوا الأَصنام، وآمَنوا بالله\nوحْدَه لا شريكَ له، وبَقوا على دينِ إِبراهيمَ - ﵇ -، فقد كانوا يَعلمونَ أَنَّ","vol":"1","page":594},{"text":"إِبراهيمَ - ﵇ - كان \" حَنيفًا \"، ولهذا أَعلنَ كُلُّ واحدٍ منهم أَنه حنيف، يَقْتَدي بإِبراهيم - ﵇ -، وسُمّوا بالحنفاء.\nأَيْ أَنَّ دينَهم كانَ \" الحنيفية \"، القائمةَ على توحيدِ الله، وعدمِ الشركِ به.\nوكان هؤلاء قبلَ بعثةِ محمدٍ - ﷺ - بمئاتِ السِّنين، ولم يتوقَّفْ وجودُ الحنفاءِ في بلادِ العرب منذُ إِسماعيلَ - ﵇ -، ولم يكونوا في مكةَ وَحْدَها، إِنما كانوا موجودين في مختلفِ بلادِ العرب، كمكةَ والمدينةِ والطائف ونجد واليمن وعُمان وغيرها.\nفلم يكونوا مجردَ أَربعةِ رجالِ كما زعم الفادي.\nوكَذَبَ الفادي المفترِي عندما ادَّعى أَنَّ ورقةَ بنَ نوفل اعتنقَ النصرانية،\nوذلك في قولِه: \" فأَما وَرَقَةُ بنُ نوفل فاستحكَمَ في النصرانية، واتبعَ الكتبَ من أَهلِها، حتى عَلِمَ عِلْمًا من علمِ أَهْلِ الكتاب \".\nلقد بقيَ وَرَقَةُ على الحنيفية، ولم يَدخلْ في اليهوديةِ ولا في النصرانية،\nلقد كان قارِئًا كاتِبًا، مطَّلِعًا على التوراة، يقرأُ فيها، ويعرفُ النبوةَ والأَنبياء، لكنه لم يَعتنقْ أَيًّا من الديانتَيْن اليهوديةِ والنصرانية.\nوبقيَ ورقةُ بنُ نوفلَ حَيًّا حتى بعثةِ محمدٍ - ﷺ -، وكان قَريبًا لزوجِه خديجةَ - ﵂ -، وقد قابلَ الرسولُ - ﷺ - ورقةَ بعدَ نزولِ الوحيِ عليه، وثَبّتَه على الحَقّ.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ - ﵂ - حديثَ \" بدءِ الوحي \" الطويل، ونسجلُ هنا الجزءَ المتعلقَ بورقة، قالت: \" ... فقالَتْ خديجةُ لورَقَة: أَي عَمّ! اسمعْ من ابنِ أَخيك.\nفقالَ له ورقة: يا بنَ أَخي ماذا تَرى؟ فأَخبره رسولُ الله - ﷺ - خَبَرَ ما رآه.\nفقالَ له ورقَة: هذا الناموسُ الذي أُنزلَ على موسى - ﵇ -، يا لَيْتَني فيها جَذَعًا، يا لَيْتَني أَكونُ حيًّا إِذْ يخرجُك قومُك! فقال رسولُ الله - ﷺ -.\n«أَوَ مُخْرِجيَّ هُمْ؟ \".\nقَالَ ورقَة: نَعَمْ. لم يأتِ رجلٌ قَط بمثْلِ ما جئْتَ به إِلّا عودِي، وإِنْ يدركْني يومُك أَنْصرْكَ نَصرًا مُؤَزَّرًا.\nثم لم يَنشِب ورقةُ أَنْ تُوُفَي \".","vol":"1","page":595},{"text":"وَرَقَةُ حَنيفٌ مُوَحِّد، يَعرفُ النبوةَ والأنبياء، لذلك عَرَفَ أَنَّ اللهَ بَعَثَ\nمحمدًا رسولًا نبيًا - ﷺ -، وأَنزل عليه الوحيَ، وأَنَّ جبريلَ الذي أُنزلَ عليه هو الذي أَنزلَه اللهُ على كُل نبيٍّ قبلَه..\nوأَخبرَ ورقةُ محمدًا - ﷺ - أَنْ قُريشًا\nسيُخرجونَه من مكة، وسيُعادونَه ويُحاربونَه، لأَنَّ الأَقوامَ السابقين عادوا\nأَنبياءَهم وحارَبوهم، وتمنّى لو كانَ في شبابِه وقُوَّتِه لينصُرَه ويؤَيدَه ويكونَ معه، وَوَعَدَه أَنْ يَدخلَ في دينِه إِنْ أَدركَه وبقيَ حَيًّا، لكنَّه سرعانَ ما توفي!.\nأَيْ أَنَّ ورقةَ أَيقنَ أَنَّ محمدًا هو رسول الله - ﷺ -، وتمنّى لو دَخَلَ هو في الإِسلام، وكان يَنْوي ذلك، لكنَّه ماتَ قبلَ أَنْ يبدأَ رسول الله - ﷺ - بالدعوة.\nب - زيد بن عمرو ورسول الله - ﷺ -:\nادعى الفادي المجرمُ أَنَّ قُريشًا نَفَوا زيدَ بنَ عمرو، فأَقامَ في غارِ حراء،\nوهناك كانَ يجتمعُ به محمد - ﷺ -، فعلَّمَه زيدٌ القرآن!! قالَ الفاجرُ فَضَّ اللهُ فاه:\n\" وأَما زيدُ بنُ عمرو فلم يدخُلْ في يهوديةٍ ولا نصرانية، وفارَقَ دينَ قومِهِ،\nفاعتزلَ الأَوثانَ، ونهى عن قتْلِ الموءودةِ، وقال: أَعبدُ رَبَّ إِبراهيم، ونادَى\nقومَه بعيبِ ما هم عليه، وكان يَجهرُ في الكعبةِ بمبادئِه، فطردَه عَمُّه خَطَّاب من مكة، وأَلزمَه أَن يُقيمَ على جبلِ حراء أَمامَ تلك المدينة، ولم يَأذَنْ له بالدخولِ إِلى مكة..\nوكان محمدٌ يَذهبُ إِلى جبلِ حِراء، ويَصرِفُ هناكَ شهرًا كُلَّ سنة،\nحَيثُ طبعَ زيدٌ على محمدٍ في ذلك الغارِ أَكبرَ أَثَرٍ في أَفكارِهِ وتوجيهِه \".\nما ادَّعاهُ المجرمُ غيرُ صَحيح، فلم تَنْفِ قريشٌ زيدَ بنَ عمرو من مكة،\nومن ثَمَّ لم يكنْ مُقيمًا في غارِ حِراء، فقد كانَ مُقيمًا في مكَّة، ويتجوَّلُ فيها،\nويَجلسُ عند الكعبة، ويَنشُدُ الأَشْعار، ويَنطقُ بالأَقوال في عَيْبِ الشركِ بالله، والجهرِ بتوحيدِ الله، وكانوا يَسمعونَه ولا يهتَمُّون به.\nولم يَلْتقِ رسولُ الله - ﷺ - بزيدِ بنِ عمرو في غارِ حِراء، كما ادعى المجرمُ، وماتَ زيدُ بنُ عمرو قبلَ بعثةِ رسولِ الله - ﵇ -، والذي أَدرك النبوةَ هو ابنُه","vol":"1","page":596},{"text":"سعيدُ بنُ زيد، الذي كانَ من خَيارِ الصحابة، ومن العشرةِ المبَشَّرين بالجنة.\nوانظر إِلى فُجورِ الفادي عندما يُوَظِّفُ الروايةَ الصحيحةَ تَوْظيفًا سيئًا،\nيوافِقُ هواه، ويَستدلُّ بها على ادِّعاءاتِه واتهاماتِه.\nفالرسولُ - ﷺ - كان يَذهبُ إِلى غارِ حراءَ شَهْرًا في السنة، هو شَهْرُ رمضان، هذا صحيح، حيثُ كان يَخْلو\nإِلى نفسِه، يُفَكِّرُ ويتأَمَّل ...\nلكنَّه لم يكن هناك مع زيدِ بنِ عمرو، ولم يُعَلِّمْه زيدٌ القرآنَ، ولم يُلَقّنْه التوحيدَ.\nوعندما كان رسولُ اللهِ - ﷺ - وحيدًا في غارِ حِراءَ فاجأَه الوحْيُ، وأَنزلَ اللهُ عليه جبريلَ - ﵇ -.\nروى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ أُمِّ المؤمنين - ﵂ - قالت: \" أَوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحةُ في النومِ، فكانَ لا يَرى رؤيا إِلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح ...\nثم حُبِّبَ إِليه الخَلاء، وكانَ يَخْلو بغارِ حِراء، فيتحنَّثُ فيه - وهو التعبّدُ - الليالي ذواتِ العَدَد، قبلَ أَنْ يَنْزعَ إِلى أَهْلِه، ويتزوَّدَ\nلذلك، ثم يَرجعَ إِلى خَديجة، فيتزوَّدَ لمثْلِها ...\nحتى جاءَهُ الحق وهو في غارِ حراء..\nفجاءَه المَلَكُ، فقالَ: اقْرَأ ... \".\nد - هل أَثَّرَ زيدُ بنُ عمرو في القرآن؟:\nما زالَ الفادي المفْتَري مُصرًًّاعلى فُجورِه ومزاعمِه بأَنَّ محمدًا - ﷺ - تَلَقّى القرآنَ عن زَيْدِ بنِ عمرو.\nوأَورَدَ بعضَ الأَبياتِ الشعريةِ التي نُسبتْ لزيدِ بن عَمرو، ولَخَّصَ هو بعضَ أَفكارِها، الرافضةِ للشرك، والداعيةِ إِلى التوحيد، ثم زَعَمَ أَنَّ هذه الأَبياتِ أَثَّرَتْ في القرآن.\nقال المجرم: \" أَقوالُ زيدِ بنِ عمرو وأَثَرُها في القرآن:\nقالَ زيدُ بنُ عمرو في فراقِ قومِه:\nأَرَبّ واحدٌ أَمْ أَلْفُ رَبٍّ ... أَدينُ إِذا تَقَسَّمَتِ الأُمورُ\nعَزَلْتُ اللَّاتَ والعُزّى جَميعًا ... كَذلكَ يَفْعَلُ الجَلِدُ الصَّبورُ\nفَلا عُزّى أَدينُ وَلا ابْنَتَيْها ... وَلا صَنَمَى بَني عَمروٍ أَزورُ\nوَلا هُبَلًا أَدينُ وَكانَ رَبًّا ... لَنا في الدَّهْرِ إِذ حِلْمِي يَسيرُ","vol":"1","page":597},{"text":"عَجِبْتُ وَفي اللَّيالي مُعْجباتٌ ... وَفي الأَيّامِ يَعْرِفُها البَصيرُ\nبِأَنَّ اللهَ قَدْ أَفْنى رِجالًا ... كَثيرًا كانَ شَأْنُهُمُ الفُجورُ\nوَأَبْقى آخَرينَ بِبِز قَوْمٍ ... فَيَكْبُرُ مِنْهُمُ الطفْلُ الصَّغيرُ\nوَبَيْنا المَرْءُ يَفْتُرُ ثابَ يَوْمًا ... كَما يَتَرَوَّحُ الغُصْنُ المَطيرُ\nوَلكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمنَ رَبّي ... لِيَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الغَفورُ\nفَتَقْوى الله رَبِّكُمُ احْفَظوها ... متى ما تَحْفَظوها لا تَبورُ\nتَرى الأَبْرارَ دارَهُمُ جنانٌ ... وللكُفّارِ حامِيَةٌ سَعيرُ\nوَخِزْيٌ في الحَياةِ وَإِنْ يَموتوا ... يُلاقوا ما تَضيقُ به الصُّدورُ \"\nوعَلَّقَ المفْتَري على شِعْرِ زيدِ بنِ عمرو بقوله: \" فهذه القصيدةُ العامرةُ\nتُبَيِّنُ مَبادئَ الحُنَفاءِ التي تَأَثَّرَ بها محمد، وجَعَلَها من مقوِّماتِ دينِه، فقصيدةُ\nزيدِ بنِ عمرو قبلَ الإِسلام تُعلنُ المبادئَ التالية:\nرفضُ عبادةِ الأَوثان.\nوالإِقرارُ بوحدانيةِ الله.\nوالوعدُ بالجنة.\nوالوعيدُ بالعذابِ في سَعيرِ جهنم.\nوأَسماءُ اللهِ الرَّبِّ الرحمنِ الغفور.\nوالمناداةُ بدينِ إِبراهيم.\nوقد أَخَذَ الإِسلامُ أَهَمَّ مبادِئِه عن الحنفاء، كما عَلمَها زيدُ بنُ عمرو\nلمحمدٍ!! \".\nصحيحٌ أَنَّ زيدَ بنَ عمرو قال بعضَ أبياتِ هذه القصيدة التي نُسبتْ له،\nوبعضُ أَفكارِها التي وَرَدَتْ كانَ زيدٌ مؤمنًا بها، لأَنه كانَ مُوَحِّدًا حنيفًا، على\nدينِ إِبراهيمَ - ﵇ -.\nولكنَّ زيدًا ماتَ قبلَ بعثةِ محمدٍ رسولِ الله - ﵇ -، ولزيدٍ\nأَبياتٌ وعباراتٌ توحيدية أُخرى، لأَنه كانَ مؤمنًا مُوَحدًا لله.\nولا يُسْتَغْرَبُ اتفاق بعضِ المبادئ والأَفكارِ التي كان يُؤمنُ بها زيدُ بنُ\nعمرو - أَو غيرُه في العربِ الحنفاء - مع ما جاءَ في القرآنِ، لأَن تلكَ المبادئَ أَخَذوها عن دينِ إِبراهيمَ - ﵇ -.","vol":"1","page":598},{"text":"لقد جاءَ إِبراهيمُ ﵇ - بالتوحيد، وجاءَ محمدٌ - ﷺ - بالتوحيد، وجاءَ كُلُّ نبيٍّ بالتوحيد، ولا خِلافَ في العقيدةِ بينَ رسولٍ ورسول، فكلّهم جاؤوا بعقيدةٍ واحدة، ولا غرابةَ في اتفاقِ القرآنِ مع ما كان يؤمنُ به المؤمنُ الحنيفُ زيدُ بن عمرو.\nقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) .\nوقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) .\nسابعًا: ما الذي أخذه رسول الله - ﷺ - من الكتب السماوية؟:\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ القرآنَ من الكتبِ السماوية السابقة، المتمثلةِ في أَسْفارِ العهدِ القديمِ وأناجيلِ العهدِ الجديد، وادَّعى أَنَّ القراَنَ اعترفَ بذلك، واستشهدَ على ذلك بقولِه تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) .\nومعنى الآيةِ عندَه أَنَّ آياتِ القرآنِ موجودةٌ في الصحف الأُولى، كصحفِ\nإِبراهيمَ وموسى - ﵉ -.\nأَيْ أَنَّ محمدًا - ﷺ - أَخَذَ آياتِ القرآنِ من الصحفِ\nالأُولى، التي أُنزلَتْ على إِبراهيمَ وموسى، وزَعَمَ أَنَّ اللهَ أَنزلَها عليه.\nوهذا الفهمُ الخاطئُ للآيةِ سَبَبُهُ جهلُ الفادي وغباؤُه، اسْمُ الإِشارةِ \" هذا \"\nفي الآية: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) يَعودُ في زعمِه على القرآن.\nوهذا باطلٌ.\nإِنَّ اسْمَ الإِشارةِ يَعودُ على المعنى الذي قَرَّرَتْه الآياتُ السابقةُ من\nالسورة، مثلُ قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) .\nأَيْ: هذا المعنى في الآياتِ موجودٌ في الصحفِ الأُولى، كصحفِ إِبراهيمَ وموسى.\nوهذه الآياتُ تُقررُ حقائقَ إِيمانيةً عقيدية، وهذه الحقائقُ موجودةٌ في","vol":"1","page":599},{"text":"الصحفِ الأُولى، فاللهُ أَخبرَ \" في صحفِ إِبراهيمَ وموسى أَنَّ مَنْ تَزَكّى وذَكَرَ\nاسْمَ ربِّه فصلّى، فهو مفلحٌ فائزٌ ناجح..\nولكنَّ معظمَ الناسِ لا يَأخذون بذلك، وإنما يُؤْثِرونَ ويُفَضلونَ الحياةَ الدنيا، وهم خاسرونَ مُخطئون في إِيثارِهم واختيارِهم، لأَنَّ الآخِرَةَ خَيرٌ وأَبقى.\nفهذه الآيات ُ شاهدةٌ بوحدةِ الصحفِ والكتبِ التي أَنزلَها اللهُ على رسلِه،\nووحدةِ الرسالاتِ في الأُصول، وهي مسائلُ الإِيمانِ والعقيدة، وكلُّهم جاؤوا\nبعقيدةٍ واحدةٍ، تقومُ على توحيدِ الله، وإفرادِه بالعبادةِ والاستعانة، وطالَبوا\nبتحقيقِ أَركانِ الإِيمان، والخلافُ بينَهم إِنما كان في الشرائعِ، لقوله تعالى:\n(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .\nوذَكَرَ الفادي المفْتَري بعضَ الموضوعاتِ التي أَخَذَها محمدٌ - ﷺ - من الكتبِ السابقة فقال: \"..\nوفي هذا اعترافٌ صريحٌ أَنَّ القرآنَ (عَدَا قصص نساءِ محمدٍ وغاراته) مأخوذٌ عن الكتابِ المقدس..\nفمِنْ سِفْرِ التكوينِ اقتبسَ قصةَ الخليقةِ وآدمَ وحَوّاء وقايينَ وهابيلَ وأَخنوخَ ونوحٍ وإبراهيمَ ولوطٍ وإسحاق ويَعقوبَ ويوسُفَ ...\nوعن سِفر الخروج أَخَذَ قصةَ موسى وفرعون وعامودَ السحاب والمنِّ والسلوى والصخرةِ والوصايا العشر والعجل الذهبي واللوحين\nوالتابوت ...\nوعن سِفر اللّاويين أَخَذَ شريعةَ العينِ بالعينِ والسِّنِّ بالسن والذبائح الدموية ...\nوعن سِفْرِ العددِ أَخَذَ قصةَ الجواسيس وقورح والبقرة\nالحمراء وبلعام ...\nوعن سفرِ التثنية أَخَذَ أَنَّ موسى كتبَ التوراة، وأَنَّ الكهنةَ\nحفظوها ...\nومن سِفْرِ يَشوع اقتبسَ قصةَ دُخول بني إِسرائيلَ أَرضَ الموعد..\nوأَخَذَ قصةَ جَدْعون عن سِفْرِ القضاة..\nوقصةَ شاول وداود وجوليات وتوبةَ داود عن سِفْرَي صموئيل..\nوقصةَ سليمان من سِفر المزامير وأَشعياء وحزقيال.\nوقصةَ يونان عن سِفر يونان..\nوقصةَ زكريا ويحيى ومريم العذراء\nوميلاد المسيح ومعجزاتِه وموته وصعوده عن الأَناجيل.\nوانتشار المسيحية ومجمع أورشليم ورسامة القساوسة عن أعمال الرسل..\nوبعضَ الآياتِ اقتباسًا من رسائل بولس الرسول إِلى أَهلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي","vol":"1","page":600},{"text":"وتسالونيكي والعبرانيين، ومن رسائل يعقوب وبطرس ورؤيا يوحنا\nاللاهوتي \".\nإِذا توافَقَ القرآنُ في أَيِّ قصةٍ أَو خَبَرٍ مع أَسفارِ التوراةِ والأَناجيل، فهو\nدليلٌ على أَنَّ محمدًا \" - ﷺ - أَخَذَ ذلك من تلك الكتب، أَيْ أَنه رجعَ إِليها وقرأَ فيها وحفظها، ثم أَخَذَ واقتبسَ وصاغَ منها ما يَشاء، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَها عليه!!.\nلا أَدري كيفَ يَلبسُ هذا الفادي الجاهلُ ثوبَ البحثِ العلميِّ الموضوعيِّ\nالمنصفِ المحايد، ولا كيفَ يَفهمُ الأُمورَ، ولا كيفَ يَقرأُ في الأَديانِ\nوالرسالات!!.\nإِننا نؤمنُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ التوراةَ على موسى - ﵇ -، قبلَ أَنْ يُحَرّفَها اليهود، كما نؤمِنُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ الإِنجيلَ على عيسى - ﵇ -، قبلَ أَنْ يُحرفَه النَّصارى، وبما أَنَّ الكتبَ الثلاثةَ من عندِ اللهِ فلا بُدَّ أَنْ تكونَ متوافقةً متساندة، ولا يَجوزُ أَنْ تكونَ مُتعارضةً متناقضة.\nويَجبُ أَنْ يَكونَ الكتابُ اللاحقُ المتأَخِّرُ مُصَدِّقًا للكتابِ السابق، وإذا جاءَ مُناقِضًا له، أَو مُخَطِّئًا أَو مُكَذِّبًا لما فيه، فأَحَدُ الكتابَيْنِ ليسَ من عند الله!!.\nوإِنَّ من المتَّفِقِ مع التفكيرِ العقليِّ المنطقيِّ أَنَّ كَلامَ اللهِ صادقٌ صَحيحٌ\nصائب، وأَنه لا يَجوزُ لبعضِ كلامِ اللهِ أَنْ يُخَطِّئَ أَو يكَذِّبَ أَو يَنْقُضَ أَو يَرُدَّ\nبعضَ كَلامِ الله.\nولهذا نقول: يَستحيلُ عَقْلًا وشَرْعًا أَنْ يُخَطِّئَ الإِنجيلُ\nالتوراة، أَو أَنْ يُناقِضَ القرآنُ ما في الإِنجيلِ والتوراة!!\nكلُّ ما وردَ في الإِنجيلِ النازلِ على عيسى - ﵇ - مُوافقٌ ومُصدِّقٌ للتوراةِ النازلةِ على موسى - ﵇ -.\nوكلُّ ما وردَ في القرآنِ النازلِ على محمدٍ - ﷺ - موافِقٌ ومُصَدِّقٌ لما وَرَدَ في التوراةِ النازلةِ على موسى، والإِنجيلِ النازلِ على عيسى - ﵇ -.\nهذا أَمْرٌ بَدَهيّ عقليّ مُقَرّر!!.","vol":"1","page":601},{"text":"وقد أَخبرَ اللهُ أَنَّ عيسى جاءَ مُصَدّقًا لموسى - ﵇ -، وأَنَّ الإِنجيلَ جاءَ مُصَدّقًا للتوراة.\nقال تعالى عن ما قالَه عيسى - ﵇ - لبني إِسرائيل: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) .\nوقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .\nوقال تعالى عن موافقة وتصديق الإِنجيل للتوراة: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) .\nويُلاحَظُ أَنَّ الحالَ \" مُصَدّقًا \" وَرَدَ في الآيةِ مرتَيْن.\nكان في المرةِ الأُولى حالًا لعيسى - ﵇ -: (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ..) .\nوكانَ في المرةِ الثانيةِ حالًا للإِنجيل: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) .\nومن المعلومِ أَنَّ الإِنجيلَ مُكَمّلٌ للتوراة، حتى الأَناجيل المحرفة التي\nكَتَبها النصارى، متوافقةٌ في كثيرٍ من أَفكارِها مع أَسفارِ العهدِ القديم المحرَّفَةِ\nالتي كتبها الأَحْبار.\nفلماذا لم يَتَّهِم الفادي المجرمُ عيسى - ﵇ - بأَنه أَلَّفَ الإِنجيلَ من عنده، لأَنه متوافقٌ مع التوراة في كثيرٍ من الأَخبارِ والقَصصِ والحكايات؟\nبينما اتَّهَمَ محمدًا - ﷺ - بأَنه أَلَّفَ القرآنَ من عندِه، لأَنه متوافقٌ مع التوراةِ والإِنجيل؟!\nولماذا حَرَّمَ على القرآنِ ما أَباحَه للإِنجيل؟\nوأَينَ هذا من الموضوعيةِ والمنهجية؟!.\nلو خالَفَ القرآنُ التوراةَ والإِنجيل، ولو كَذَبَ ما فيهما من حقائقَ صادقة\nفسوفَ يُشَكُّ في أَنَّه من عندِ الله، لأَنَّ مَنْ ناقَضَ وكَذَّبَ كَلامَ الله فليس من\nعندِ الله.\nولذلك نَعتبرُ موافقةَ القرآنِ للتوراةِ والإِنجيل، وتصديقَه لما فيهما،","vol":"1","page":602},{"text":"شهادةً له تُقررُ أَنه من عندِ الله، أَوحى به إِلى محمدٍ - ﷺ -، وليس شُبهةً تُوَْجَّهُ ضِدَّه، كما فَعَلَ ذلك الفادي المفترِي.\nوأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنه جعلَ القرآنَ مُصدِّقًا لما قبلَه من التوراةِ\nوالإِنجيل، قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) .\nوالقرآنُ ليس مجردَ مصدّقٍ للتوراةِ والإِنجيل، وإِنما هو مهيمنٌ عليهما،\nفهو الحاكمُ عليهما، وهو المرجعُ لما وَرَدَ فيهما، لأَنَّ اللهَ أَنزلَه بعدهما \"\nقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) .\nونُذَكِّرُ بحقيقةٍ قاطعةٍ هي أَنَّ القرآنَ مُصَدِّق للتوراةِ الربانية، التي أَنزلَها اللهُ\nعلى موسى - ﵇ -، وللإِنجيلِ الربانيّ الذي أَنزلَه اللهُ على عيسى - ﵇ -..\nأَمّا التوراةُ التي بينَ أَيدي اليهودِ الآنَ فإِنَّ القرآنَ مُكَذِّبٌ لما فيها من أَخطاء\nوأَكاذيب، لأَنها من تأليفِ الأَحبار الكافرين.\nوالأَناجيلُ التي بين أَيدي النصارى الآن يُكَذّبُ القرآنُ ما فيها من أَكاذيب، لأَنها من تأليفِ الرهبان!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>حول إنزال القرآن مفرقًا</span>\nشاءَ اللهُ الحكيمُ إِنزالَ الكتبِ السابقةِ جملةً واحدة، وشاءَ الحكيمُ\nسبحانه أَنْ لا يكونَ إِنزالُ القرآنِ كذلك، ولذلك أَنزلَه مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا، واستمرَّ إِنزالُه مدة البعثة، التي كانت ثلاثةً وعشرين عامًا.\nوقد أَثارَ الكفارُ السابقونَ اعتراضًا وإِشكالًا على ذلك، واقترحوا أَنْ\nينزلَ القرآنُ جملةً واحدة، كالكتبِ السابقة، وذَكَرَ اللهُ قولَهم ورَدَّ عليه في أَكثر من آية.","vol":"1","page":603},{"text":"وأَعادَ الفادي المفترِي اعتراضَ السابقين، واعْتَبَرَه مَطْعَنًا يوجَّهُ ضِدَّ\nالقرآن، ودَليلًا على أَنه ليسَ من عندِ الله.\nوجعلَ اعتراضَه تحتَ عنوان: \" الكلامُ المفَكَّك \".\nأَيْ أَنَّ القرآنَ كلامٌ مُفَكَّك مُتقطع متفرِّق، لا يَجمعُه نظام أَو تناسُق، فهو\nمُتَعارِض مُتَناقِض مع نفسِه، فما قالَه قبلَ عَشْرِ سنوات يُخالِفُه الآن، وما أَخبرَ عنه في الماضي يَتَراجَعُ عنه في الحاضر، وما أَباحَه سابقًا يتراجَع عنه لاحِقًا.\nوهذا التعارضُ والاختلافُ دَليل على أَنه ليسَ من عندِ الله!!.\nأَوردَ المفترِي قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .\nتُشيرُ الآيةُ إِلى حقيقةِ إِنزالِ القرآنِ مُفَرَّقًا منجمًا، على حسبِ الحوادثِ والأَسباب، وتُبينُ الحكمةَ من هذا الإِنزال، وهي أَنْ يقرَأَهُ\nالرسولُ - ﷺ - على الناسِ على مُكْثٍ وتَمَهُّل.\nثم ذَكَرَ المفترِي تَفسيرَ البيضاوي للآيَة، وتَلاعَبَ في كلامِه كعادتِه،\nوقَدَّمَ وأَخَّرَ وحَذَفَ.\nوأَوردَ قولَه تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .\nتَذْكُرُ الآيةُ اعتراضَ الكفارِ على إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّمًا، وتَرُدُّ عليهم بالإِشارةِ إِلى حكمةِ ذلك التنزيل.\nثم ذَكَرَ المفترِي تفسيرَ البيضاوي للآية، الذي سَجَّلَ فيه لسِتَّ حِكَم تبدو\nمن ذلك، وقَدَّمَ وأَخَّرَ في ما ينقلُه كعادتِه.\nثم سَجَّلَ اعتراضَه الفاجرَ بقوله: \" ونحنُ نسأل: كيفَ يكونُ القرآنُ\nوحيًا، وهو متقطِّغ مُفَرَّق، يأتي بعضُه في وَقْتٍ، ويتأخَّرُ بعضُهِ إِلى وقتٍ آخَر؟\nلقد كانَ محمدٌ يَرتبكُ عندما كان العربُ أَو اليهودُ أَو النَّصارى يسأَلونَه،","vol":"1","page":604},{"text":"وأَحيانًا كان يَحْتجُّ بأَنَّ جبريلَ تَأْخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب! \".\nإِنَّ هذا الفادي المفترِي، مثله مثل باقي الكفار، لا يعجبُه شيء في ما\nيتعلَّقُ بالقرآن، لأَنَّ القرآنَ عندَه مُتَّهَم دائمًا، ومُخْطِئ دائمًا.\nفلو أَنَّ اللهَ أَنزله دفعةً واحدةً لاعترضَ عليه هذا الفادي، وقال: إِنَّ محمدًا أَخَذَهُ من التوراة، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه دفعةً واحدةً مثل التوراة!.\nوبما أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه منجَّمًا مفرَّقًا، فقد اعترضَ الفادي على ذلك، وقالَ - كما قالَ كفارُ قريش -:\nلماذا لم يُنزلْه عليه دفعةً واحدةً مثلَ التوراةِ والإِنجيل؟!\nوهذا الاعتراضُ المستمِرُّ منه على القرآنِ دليلُ انحرافِ فكرِه، وسَوادِ قلبِه، واتِّباعِه لهواه، ورفضِه الاستجابة لمنطقِ الحق.\nونصَّ القرآنُ على حكمةِ إِنزالِه منجَّمًا مفرَّقًا، وذَكَرَ المفسِّرون ومؤَلّفو\nالكتبِ في علومِ القرآنِ الحِكَمَ العديدةَ من هذا التفريقِ في إِنزاله.\nفاللهُ يقول: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .\nالحكمةُ هي أَنْ يقرَأَهُ الرسولُ - ﷺ - على الناس، وأَنْ يُعَلِّمَهم إِياه، ويُربيهم به، وهم أُمّيّون لا يُحسنونَ الكتابةَ والقراءة، فكان من الحكمةِ إِنزالُه مفرقًا، ليُحْسِنوا التعاملَ والتفاعلَ معه، وتنفيذَ أَحكامِه، وتربيةَ نفوسِهم به..\nومعلوم أَنه لا بُدَّ في التربيةِ والمجاهدةِ من المكثِ والتَّأَنّي والتمهُّلِ والتدرُّج، وهذا يتطلَّبُ التفريقَ والتنجيم.\nواللهُ تعالى يقولُ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .\nالحكمةُ التي ذَكَرَتْها الآيةُ هي تَثبيتُ فُؤادِ النبيِّ - ﷺ -، وذلك بمواساتِه على ما يَجِدُ من حَرْبِ وتَكْذيبٍ وعِداء، ففي كُلِّ موقفٍ من مواقفِ مواجهتِه للكفار، يُنزلُ اللهُ عليَه آياتٍ جديدة، يُحَدِّثُه فيها عن ما جَرى لنبي قَبْلَه، أَو يُفَرِّحُه بأَنه معه، ويَدْعوهُ إِلى الصبرِ والثبات.","vol":"1","page":605},{"text":"وقد ذَكَرَ العلماءُ حِكمًا عديدةً من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، نَكتفي\nبالإِشارةِ إِلى الحِكَمِ التي ذَكَرَها البيضاوي، ونَقَلَها عنه المفترِي رافضًا\nلها:\n١ - المساعَدَةُ على حِفْظِ الرسولِ - ﷺ - للآيات، لأَنه أُمِّىّ، فلو أُنزلَ عليه جملةً واحدة لَخُشِيَ أَنْ لا يَحْفَظَه.\n٢ - نُزولُه مُنَجَّمًا بحسبِ الحوادثِ يساعِدُ على حُسْنِ فَهْمِ المؤمنين للآياتِ\nوتدبُّرِها.\n٣ - استمرارُ تَحَدّي الكفار، ومطالبتهِم بالإِتيانِ بمثله، واستمرارُ إِظهارِ\nعجْزِهم، وهذا يُؤَكِّدُ حقيقةَ كونِ القرآنِ من عندِ الله.\n٤ - تَثبيتُ فؤادِ الرسولِ - ﷺ - وقلوبِ المؤمنين على الحق، في كُلّ دفعةٍ جديدةٍ من الآيات.\n٥ - تربيةُ المسلمين، فعندما تقع الحادثةُ تَنزلُ آياتٌ جديدةٌ تُعالجُها، وهذا ما\nثَبَتَ في علْمِ \" أَسباب النزولِ \"، الذي هو من أَهَمِّ عُلومِ القرآن.\n٦ - معرفةُ الحكمِ المتأَخِّرِ الناسخِ للحُكْمِ المنسوخِ المتَقَدّم.\nوالفادي غَبِيّ جاهِلٌ، لا يَعرفُ هذه الحِكَمَ من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّمًا، ولذلك اعتبرَهُ كَلامًا مُفَكَّكًا.\nعِلْمًا أَنَّ القرآنَ كُلَّه وحدةٌ موضوعيةٌ واحدة، تَقومُ على التناسقِ\nوالتناسبِ والترابط، فرغْمَ أَنَّ نُزولَه استمرَّ ثلاثةً وعشرين عامًا، إِلّا أَنّه\nمُتَكامِلٌ مُتَرابط، لا تَرى فيه تَفَكُّكًا أَو انفِصالًا أَو اختِلافًا أَو اضطِرابًا، وأَكَّدَ هذه الحقيقةَ قول اللهِ - ﷿ -: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\nويَبدو التناسقُ والترابطُ في الوحداتِ التالية: كلماتُ الجملةِ القرآنية،","vol":"1","page":606},{"text":"وجُمَلُ الآيةِ الطويلة، وآياتُ السورة، وسُورُ القرآنِ مجتمعة..\nوهذا لا يوجَدُ في الكتبِ السابقة، التي حَرَّفَتْها أَيْدي البَشَر.\nوقد اعتنى علماءُ ومفَسِّرونَ ببيانِ وإظهارِ التناسقِ بينَ آياتِ السورة، وفي\nمقدمةِ هؤلاءِ الإِمامُ المفَسِّرُ البقاعيُّ في تفسيرِه \" نَظْمُ الدُّرَر في تناسبِ الآيِ\nوالسور \".\nوسيد قطب في تفسيرِه: \" في ظلال القرآن \".\nويأتي بعد هذا المفترِي المجرمُ ليزعُمَ أَنَّ القرآنَ كَلامٌ مُفَكَّكٌ مُجَزَّأٌ،\nويَطرَحَ تَساؤُلَه الفاجرَ الدالَّ على خُبْثِه وجَهْلِه: \" كيفَ يكونُ القرآنُ وَحْيًا وهو منقطعٌ مُفَرَّقٌ، يأتي بعضُه في وَقْت، ويتأَخَّرُ بعضُه إِلى وَقْتٍ آخر؟ \".\nوهو لا يتوقَّفُ عن الافتراءِ والكذبِ عندما يقولُ: \" لقد كانَ محمَّدٌ\nيَرتبكُ عندما يسأَلُه العَرَبُ أَو اليهودُ أَو النصارى، وأَحيانًا كان يحتجّ بأَنَّ\nجبريلَ تَأَخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب \".\nلم يَرتبِكْ رسولُ اللهِ - ﷺ - مرةً واحدة، عندما وُجّهَ له أَيُّ سؤال، ولم يَضطربْ ويتلعْثَم لأَنه لم يَعرف الجواب..\nإِذا كانَ يَعرفُ جوابَ السؤالِ ذَكَرَه، وإذا لم يَعرف الجوابَ يَنتظرُ الجوابَ من الله، والانتظارُ ليسَ ارْتِباكًا أَو اضطرابًا كما ادَّعى الجاهل، إِنما هو تأكيدٌ على حقيقةِ نبوتِه وتَلَقّيه الوحْيَ من الله.\nوهذا موجودٌ في مبحثِ \" نُزولِ القرآن \"، واسْمُه: \" ما نزلَ بعد طولِ\nانتظار \"، مثلُ إِنزالِ الآياتِ بشأنِ خولةَ بنتِ ثعلبة وزوجِها أَوسِ بن الصامت، وإنزالِ الآيات ِ ببراءَةِ عائشة - ﵂ - بعدَ حديثِ الإِفْك، وإنزالِ الآياتِ بشأْنِ قصةِ أَصحاب الكهف وذي القرنين والروح، وهي موجودَةٌ في كتبِ التفسيرِ والحديثِ لا يتسعُ المَجالُ لذِكْرِها.\nوأَمَّا أَنَّ جبريلَ لم يَنزلْ على رسولِ الله - ﷺ - لوجودِ كلبٍ عندهُ فهذه أُكذوبةٌ مضحكةٌ وروايةٌ باطلة، وَرَدَتْ في بعضِ الكتبِ التي لا تتحرّى الدِّقَّةَ والصحة، فتلَقفَها الفادي المجرمُ المفترِي وَرَدَّدَها..\nوتَزعمُ الروايةُ الأُكذوبةُ أَنَّ جبريلَ تَوَقَّفَ لعدةِ أَسابيع عن النزولِ على رسولِ الله - ﷺ -، فرآهُ في الطريقِ وسأَلَه عن سببِ توقُّفِه، وقال له: لماذا لم تَنْزِلْ عَلَيَّ فأَنا مشتاقٌ إِليك؟","vol":"1","page":607},{"text":"فقالَ له: كيفَ أَنزلُ عليك وفي بيتك كَلْبٌ ميتٌ منذُ أَسابيع!\nفأَخرجَ الرسولُ كَلْبًا ميتًا تحتَ سريرِه، فنزلَ عليه جبريلُ فورًا بسورة الضحى، التي قال الله له فيها: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .\nإِنَّ أَيَّ إِنسانٍ عاقلٍ يرفضُ هذا الهُراء، والمَثَلُ يقولُ: إِذا كان المتكلِّمُ\nمجنونًا فلْيكن المستمعُ عاقلًا!!\nفهلْ يُعْقَلُ أَنْ يَدْخُلَ كلبٌ بيتَ النبيِّ - ﷺ - ولا يَراه\nهو أَو أَحَدٌ من أَهلِ بيتِه؟\nويَبْقى مختفيًا تحتَ سريره؟\nوهل يُعْقَلُ أَنْ يَموتَ الكلْبُ تحتَ سريره، وتبقى جُثَّتُه عدةَ أَسابيع، لم يُلاحِظْها أحد من أَهلِ بيتهِ؟\nأَلم تَخرجْ منها الرائحةُ الكريهة؟\nأَلم تَتَحَلَّلْ؟\nأَلم يشمَّ الرسولُ - ﷺ - رائحتَها وهو\nنائمٌ على السرير، وهي متحللةٌ تحتَ السرير؟\nيُريدُ المفترِي منّا أَنْ نُلغيَ عُقولَنا، وأَنْ نُصَدِّقَ هذا الهراءَ السخيف الذي قالَه، والذي يَصْدُقُ فيه كلامُ الشاعر:\nهذا كَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... معْناهُ لَيْسَتْ لَنا عُقولُ\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>حول الكلمات الغريبة في القرآن</span>\nوَجَّهَ الفادي المفترِي انتقادَه لوجودِ كلماتٍ غريبةٍ في القرآن، وقال: \" في\nالقرآنِ كثيرٌ من الكلماتِ الغريبة، وهاكُم جَدْولًا ببعضِها \".\nوبعدَ أَنْ سجلَ عشرينَ كلمةً منها، ذَكَرَ موقفَ عمرَ بنِ الخطاب وعبد الله بن عباس - ﵄ - من هذه الكلمات، قال: \" قَرَأَ عمرُ بنُ الخطابِ على المنبر: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) .\nفقال: هذه الفاكهةُ قد عرفْناها، فما الأَبُّ؟\nثم رجعَ إِلى نفسه فقال: إِنَّ هذا لهو التكلفُ يا عمر..\nوقالَ ابنُ عباس: لا أَعرفُ غِسْلينَ وحَنانًا وأَوّاه والرَّقيم \"\nوختمَ كلامَه بسؤالِه الخبيث: \" ونحن نسأل: أَليستْ هذه الأَلفاظُ الغريبةُ\nمخالِفةً للذوقِ السليمِ في فَنِّ الإِنشاء؟! \".","vol":"1","page":608},{"text":"ولنقضِ شبهاتِه ودحضِ افتراءاتِه نُقررُ أَنَّ الكلماتِ الغريبةَ في القرآنِ\nكلماتٌ عربيةٌ أَصيلة، لها أُصول وجُذورٌ عربية فصيحة، وليستْ كلماتٍ\nأَعجميةً أَو معرَّبة، ووجْهُ غرابتِها هو نُدرةُ استعمالِها في الأَساليبِ العربية،\nونُدرةُ دورانِها على أَلسنةِ وأَقلامِ العرب، مما جعلَها شبهَ مهجورةِ\nالاستعمال، فغابَ عن الذهنِ العربيِّ المعنى المباشِرُ لها، مما تَطَلَّبَ العودةَ\nإِلى القواميسِ والمعاجم لمعرفةِ معناها..\nفهي ليستْ غريبةً على اللغةِ العربية في جذورِها واشتقاقاتِها، ولكنها غريبة على الثقافةِ العربية عند المتكلمينَ العرب، وإِذا جازَ توجيهُ اللومِ فإِنه لا يُوَجَّهُ إِلى القرآنِ الذي استعملَها، وإِنما يُوَجَّهُ إِلى القُرّاءِ والكُتّابِ والمثَقَّفينَ العرب، لأَنهم لم يَرْتَقوا إِلى مستوى البلاغةِ القرآنية..\nوأَنت لا تَلومُ السامي في ارتقائِه، وإِنما تلومُ الذي لا يرتقي إِلى مستواه.\nثم إِنَّ غرابةَ معاني تلك الكلماتِ، تَزولُ بالعودةِ إِلى كتبِ التفسيرِ\nالمختصرة، ومَنْ أَرادَ التوسُّعَ والاستزادةَ فيمكنُه ذلك، بالعودةِ إِلى كتبِ\nالقواميسِ والمعاجم.\nويَكفي لمعرفةِ المعاني السريعةِ لهذه الكلماتِ وغيرِها اصطحابُ كتابِ \" كلمات القرآن: تفسير وبيان \" لحسنين مخلوف - ﵀ -..\nوقد طُبعَ هذا الكتابُ عدةَ طَبْعاتٍ على هامشِ المصحف، ويمكنُ لقارئ القرآنِ أَن يَنظرَ إِلى هامشِ الصفحةِ من القرآنِ، ليَعرفَ معنى الكلمةِ الغريبةِ في الآية.\nوبهذا لم تَعُدْ تلك الكلماتُ الغريبةُ غريبةً، لا على القارئِ العادي للقرآن، ولا على الباحث في معاني وتفسيرِ القرآنِ!!.\nإِننا نَعتبرُ وُجودَ هذه الكلماتِ الغريبةِ في القرآن شهادَةً للقرآنِ في\nبلاغتِه وسُمُوّه وإِعجازِه، وجَمالًا جَديدًا يُضافُ إِلى مظاهرِ جَمالِه في\nأَساليبِ بيانِه، وهي ليستْ مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فنِّ الإِنشاءِ كما زَعَمَ\nالفادي الجاهل.\nوالروايةُ عن عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ - في موقفِه من \" الأَبِّ \" في القرآنِ صحيحة، لكنَّ الفادي الجاهلَ لم يَعرفْ مَعْناها، فأَساءَ توظيفَها ضدَّ القرآن.","vol":"1","page":609},{"text":"إِنَّ عمرَ - ﵁ - عربيٌّ فصيح، وهو يَعرِفُ معنى \" الأَبِّ \" في اللغة، ويَعرفُ معناها في الآية: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا)، ويَعلمُ أَنها مذكورو في مقابلِ الفاكهةِ المخصَّصةِ للإنسان، فهي طعامٌ للأَنعام.\nووجْهُ تَرَدُّدِه ولومِه لنفسِه أَنه أَرادَ أَنْ يُحددَ أَصنافَ الأَبِّ، من أَيِّ أَنواعِ النباتِ هو؟\nفكأَنه يقول: عَرَفْنا الفاكهةَ، التي منها الزيتونُ والأَعنابُ والرمانُ والتمر، فما هو الأَبُّ الذي تأكله الأَنعام؟\nهل هو \" البَرسيمُ والفَصَّةُ\"؟\nوهل هناك أَسماءٌ غيرها؟\nثم تراجَعَ وقال: إِنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمر.\nفالتكلُّفُ ليسَ في محاولةِ معرفةِ معنى الأَبّ، لأَنه يَعرفُ معناه، ولكنَّه\nفي محاولةِ تحديدِ أَنواعِه وأَصنافِه وأَسمائِه.\nأَما الروايةُ المنسوبةُ إِلى ابنِ عباس - ﵄ -: \"لا أَعرفُ معنى غسلين وحنانًا وأواه والرقيم \" فهي ليسَتْ صحيحة، وهي مطعونٌ فيها، وتَتعارضُ مع علمِ ابنِ عباس - ﵄ - بمعاني القرآن، الذي كانَ أَعلمَ الصحابةِ بالقرآن، وقد استجابَ اللهُ دعاءَ الرسول - ﷺ - له: \" اللهمَّ فَقهْهُ في الدينِ وعَلِّمْهُ التأويل \".\nوهو الصحابيُّ الذي حازَ لَقَبَ: (حَبْرُ الأُمَّة وتُرجمانُ القرآن) .\nوما من كلمةٍ من كلماتِ القرآن إلا وكانَ يَعرفُ معناها الدَّقيقَ،\nوكانَ يحفظُ الشواهدَ عليها من الشعرِ العربيّ الجاهليّ.\nوقد امتحنَه زَعيمُ الخوارجِ نافعُ بنُ الأَزرق، وسأَله عن معنى حوالي مئةِ كلمةٍ غريبةٍ في القرآن، وعندما كانَ يُجيبُهْ كانَ يطالبه بالشاهد الشعري، فيقول له: \" وهل تعرف العرب ذلك من كلامها؟ \"، فكان ابنُ عباس يُقَدمُ له المطلوب.\nوقد جَمعتْ تلك الأَسئلةَ والأَجوبةَ والشواهدَ الشعريةَ الدكتورةُ عائشةُ\nعبد الرحمن - بنتُ الشاطئ - في كتابها: \" إِعجازُ القرآن البياني ومسائل\nنافعِ بنِ الأَزرق \" ...\nوالذي عنده هذا العلمُ لا يَقول: لا أَعرفُ معنى كذا في القرآن!.","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>حول الناسخ والمنسوخ في القرآن</span>\nخَصصَ الفادي المفترِي حَيِّزًا كبيرًا من كتابِه للاعتراضِ على النسخِ في\nالقرآن، وإِثارةِ الشبهاتِ والإِشكالاتِ عليه.\nوجَعَلَ تلك الاعتراضاتِ في المباحثِ التالية: عُيوبُ الناسخِ والمنسوخ..\nوأَمثلةٌ للناسخِ والمنسوخ..\nوالأَسبابُ الحقيقيةُ للناسخِ والمنسوخ.\nوبدأَ كلامَه بذكرِ أَربعةِ آياتٍ أَخبرتْ\nعن النسخِ في القرآن، هي: سورة البقرة: ١٠٦.\nوسورة النحل: ١٥١.\nوسورة الرعد: ٣٩.\nوسورة الحج: ٥٢.\nوتحتَ عنوان: \" عُيوب الناسخِ والمنسوخ \" سَجَّلَ ستةَ عيوبٍ لوجودِ\nالنسخ في القرآن! وادَّعى أَنَّ القرآنَ وحْدَه الذي فيه ناسخٌ ومنسوخ، من بينِ سائرِ الكتبِ الدينية، ووجودُ النسخ في القرآن دَليلٌ على أَنه ليس كلامَ الله، لأَنَّ \" كَلامَ اللهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه الناسخُ والمنسوخ \".\nولا يهمُّنا البحثُ عن الناسخِ والمنسوخِ في التوراةِ والإِنجيل، وإِنما\nيهمُّنا ثقريرُ الأَساسِ المنطقيِّ المنهجيِّ للنظرِ إِلى النسخِ في القرآن، فالنسخُ في\nالقرآنِ ليس مشكلة، ولا يَتناقَضُ مع العقلِ والمنطق، فاللهُ هو الحاكمُ المشرعُ سبحانه، يُشَرِّعُ ما شاءَ من الأَحكام وفقَ حكمَتِه سبحانه، ويَجعلُ بعضَ تلك الأَحكامِ موقوتةً بزمنٍ محدَّد، وفقَ حكمتِه سبحانه، وعندما يَنتهي ذلك الزمنُ ويُحقِّقُ ذلك الحكمُ هَدَفَه يَنسخُه اللهُ ويُلْغيه، وفقَ حكمتِه سبحانه..\nفالحكْمُ السابقُ شَرَعَه الله، والحكمُ الناسخُ له فيما بعد شَرَعَه الله، وبما أَنَّ الناسخَ والمنسوخَ من عندِ الله، فاللهُ الحكيمُ العليمُ يَفعلُ ما يشاء، لا رادَّ لأَمْرِه، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِه..\nوهذا معناه أَنَّ الفادي المفترِي كاذبٌ في زعمِه أَنَّ كلامَ اللهِ\nالحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه النسخ.","vol":"1","page":611},{"text":"وبعد هذه المقدمةِ العقليةِ المنهجيةِ نَبحثُ عن النسخ في القرآن، هل\nتَحَدَّثَ القرآنُ عن النسخ؟\nفإذا وردتْ آيةٌ واحدةٌ في القرآن، فإِنها كافيةٌ لإِثباتِ النسخِ وإِيمانِنا به، لأَنَ القرآنَ يُعلِّمُنا المنهجيةَ العلمية، ويَجعَلُ عُقولَنا تَابعةً لكلامِ الله، فاهمةً متدبِّرَةً له، تَدورُ معه حيثُ دار، وتَقولُ بما قالَ به، وتُؤمِنُ\nبما وردَ فيه، ولا يَجوزُ لأَيِّ عقلٍ أَن يكونَ فوقَ كلامِ الله، وأَنْ يكونَ هو\nالحَكَمَ والمهيمنَ على كَلامِ الله.\nأَكثرُ من آيةٍ قَررت النسخ، وجعلَتْه بيدِ الله، منها قولُه تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)، فاللهُ هو الذي يَنسخُ\nالآيةَ أَو يُنْسِيْهَا، واللهُ هو الذي يأْتي بخيرٍ منها أَو مثلِها، واللهُ على كل شيء\nقديرٌ، وهو الحكيمُ الخبير.\nومنها قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .\nإِننا نعتمدُ على هاتيْن الآيتيْن في إِيمانِنا بالنسخِ في القرآن، وفي فهمِنا للناسخِ والمَنسوخِ أولًا: لا عيوب في النسخ في القرآن:\nسَجَّلَ الفادي الجاهلُ ستةَ عيوبِ للنسخِ في القرآن..\nوهي لا تَصمدُ أَمامَ النظرِ والبحث، ولا تَثبتُ أَمامَ المنَهجيةِ والعلمية:\n١ - اعتبرَ الجاهلُ النسخَ مُتَناقِضًا مع الحكمةِ والصدقِ والعلم، فقال:\n\" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ في كلام الله ضدّ حكمتِه وصدْقِه وعلْمِه، فالإِنسانُ\nالقصيرُ النظرِ هو الذي يَضعُ قوانين، ويُغَيّرُها ويُبدلُها بحسبِ ما يَبدو له من\nأَحوالٍ وظروف..\nلكنَّ اللهَ يَعلمُ بكلِّ شيء قبلَ حدوثِه، فكيفَ يُقالُ: إِنَّ اللهَ\nيُغيرُ كلامَه ويبدلُه وينسخُه ويُزيلُه؟\nأَليسَ من الأَوفقِ أَنْ ئنزهَ اللهَ فنقولَ: ليس اللهُ إِنْسانًا فيكذب، ولا ابنَ إِنسانٍ فيندم؟! \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٩- الكلام المنسوخ\nالنسخ فى اللغة هو الإزالة والمحو، يقال: نسخت الشمسُ الظلَّ، يعنى أزالته ومحته، وأحلت الضوء محله.\nثم تطورت هذه الدلالة فأصبح النسخ يطلق على الكتابة، سواء كانت نقلًا عن مكتوب، أو ابتدأها الكاتب بلا نقل.\nوالنُّساخ أو الوراقون هم جماعة من محترفى الكتابة كانوا ينسخون كتب العلماء (ينقلون ما كتب فيها فى أوراق جديدة فى عدة نسخ، مثل طبع الكتب الآن) .\nأما النسخ فى الشرع فله عدة تعريفات أو ضوابط، يمكن التعبيرعنها بالعبارة الآتية:\n\" النسخ هو وقْفُ العمل بِحُكْمٍ أَفَادَه نص شرعى سابق من القرآن أو من السنة، وإحلال حكم آخر محله أفاده نص شرعى آخر لاحق من الكتاب أو السنة، لِحكمة قصدها الشرع، مع صحة العمل بحكم النص السابق، قبل ورود النص اللاحق (١) والنسخ موجود بقلة فى القرآن الكريم، مثل نسخ حبس الزانيات فى البيوت حتى الموت، وإحلال الحكم بالجلد مائة، والرجم حتى الموت محل ذلك الحبس (٢) .\nالنسخ ووروده فى القرآن، على أن القرآن ليس وحيًا من عند الله. ونذكر هنا عبارة لهم صوَّروا فيها هذه الشبهة:\n\" القرآن وحده من دون سائر الكتب الدينية، يتميز بوجود الناسخ والمنسوخ فيه، مع أن كلام الله الحقيقى لا يجوز فيه الناسخ والمنسوخ؛ لأن الناسخ والمنسوخ فى كلام الله هو ضد حكمته وصدقه وعلمه، فالإنسان القصير النظر هو الذى يضع قوانين ويغيرها ويبدلها بحسب ما يبدو له من أحوال وظروف.\nلكن الله يعلم بكل شئ قبل حدوثه. فكيف يقال إن الله يغير كلامه ويبدله وينسخه ويزيله؟\nليس الله إنسانًا فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم؟!\n* الرد على هذه الشبهة:\nنحن لا ننكر أن فى القرآن نسخًا، فالنسخ موجود فى القرآن بين ندرة من الآيات، وبعض العلماء المسلمين يحصرها فيما يقل عن أصابع اليد الواحدة، وبعضهم ينفى نفيًا قاطعًا ورود النسخ فى القرآن (٣) .\nأما جمهور الفقهاء، وعلماء الأصول فيقرونه بلا حرج، وقد خصصوا للنسخ فصولًا مسهبة فى مؤلفاتهم فى أصول الفقه، قل من لم يذكره منهم قدماء ومحدثين. والذى ننكره كذلك أن يكون وجود النسخ فى القرآن عيبًا أو قدحًا فى كونه كتابًا منزلًا من عند الله. ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.\nإن الناسخ والمنسوخ فى القرآن، كان إحدى السمات التربوية والتشريعية، فى فترة نزول القرآن، الذى ظل يربى الأمة، وينتقل بها من طور إلى طور، وفق إرادة الله الحكيم، الذى يعلم المفسد من المصلح، وهو العزيز الحكيم.\nأما ما ذكرتموه من آيات القرآن، ساخرين من مبدأ الناسخ والمنسوخ فيه فتعالوا اسمعوا الآيات التى ذكرتموها فى جداول المنسوخ والناسخ وهى قسمان:\nأحدهما فيه نسخ فعلًا (منسوخ وناسخ) .\nوثانيهما لا ناسخ فيه ولا منسوخ فيه، ونحن نلتمس لكم العذر فى هذا \" الخلط \" لأنكم سرتم فى طريق لا تعرفون كيفية السير فيه.\nالقسم الأول: ما فيه نسخ:\nمن الآيات التى فيها نسخ، وذكروها فى جدول الناسخ والمنسوخ الآيتان التاليتان: (واللاتى يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) (٤) .\nثم قوله تعالى: (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله ٠٠٠) (٥) .\nهاتان الآيتان فيهما نسخ فعلًا، والمنسوخ هو حكم الحبس فى البيوت للزانيات حتى يَمُتْنَ، أو يجعل الله لَهُنَّ حكمًا آخر.\nوكان ذلك فى أول الإسلام. فهذا الحكم حكم حبس الزانية فى البيت، حين شرعه الله ﷿ أومأ فى الآية نفسها إلى أنه حكم مؤقت، له زمان محدد فى علم الله أزلًا. والدليل على أن هذا الحكم كان فى علم الله مؤقتًا، وأنه سيحل حكم آخر محله فى الزمن الذى قدره الله ﷿ هو قوله: (أو يجعل الله لهن سبيلًا (. هذا هو الحكم المنسوخ الآن وإن كانت الآية التى تضمنته باقية قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.\nأما الناسخ فهو قوله تعالى فى سورة \"النور\" فى الآية التى تقدمت، وبين الله أن حكم الزانية والزانى هو مائة جلدة، وهذا الحكم ليس عامّا فى جميع الزناة. بل فى الزانية والزانى غير المحصنين. أما المحصنان، وهما اللذان سبق لهما الزواج فقد بينت السنة قوليًّا وعمليًّا أن حكمهما الرجم حتى الموت.\nوليس فى ذلك غرابة، فتطور الأحكام التشريعية، ووقف العمل بحكم سابق، وإحلال حكم آخر لاحق محله مما اقتضاه منهج التربية فى الإسلام.\nولا نزاع فى أن حكم الجلد فى غير المحصنين، والرجم فى الزناة المحصنين، أحسم للأمر، وأقطع لمادة الفساد.\nوليس معنى هذا أن الله حين أنزل عقوبة حبس الزانيات لم يكن يعلم أنه سينزل حكمًا آخر يحل محله، وهو الجلد والرجم حاشا لله.\nوالنسخ بوجه عام مما يناسب حكمة الله وحسن تدبيره، أمَّا أن يكون فيه مساس بكمال الله. فهذا لا يتصوره إلا مرضى العقول أو المعاندين للحق الأبلج الذى أنزله الله وهذا النسخ كان معمولًا به فى الشرائع السابقة على شريعة الإسلام.\nومن أقطع الأدلة على ذلك ما حكاه الله عن عيسى ﵇ فى قوله لبنى إسرائيل: (ولأحل لكم بعض الذى حُرِّم عليكم) (٦) .\nوفى أناجيل النصارى طائفة من الأحكام التى ذكروها وفيها نسخ لأحكام كان معمولًا بها فى العهد القديم.\nومثيروهذه الشبهات ضد القرآن يعرفون جيدًا وقوع النسخ بين بعض مسائل العهد القديم والعهد الجديد. ومع هذا يدعون بإصرار أن التوراة والأناجيل الآن متطابقان تمام الانطباق (٧) .\nومن هذا القسم أيضًا الآيتان الآتيتان:\n(يا أيها النبى حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (٨) .\nوقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) (٩) .\nوالآيتان فيهما نسخ واضح. فالآية الأولى توجب مواجهة المؤمنين لعدوهم بنسبة (١: ١٠)، والآية الثانية توجب مواجهة المؤمنين للعدو بنسبة (١: ٢) .\nوهذا التطور التشريعى قد بين الله الحكمة التشريعية فيه، وهى التخفيف على جماعة المؤمنين فى الأعباء القتالية فما الذى يراه عيبًا فيه خصوم الإسلام؟\nلو كان هؤلاء الحسدة طلاب حق مخلصين لاهتدوا إليه من أقصر طريق، لأن الله عزوجل لم يدع مجالًا لريبة يرتابها مرتاب فى هاتين الآيتين. لكنهم يبحثون عن \" العورات \" فى دين أكمله الله وأتم النعمة فيه، ثم ارتضاه للناس دينًا.\nوقد قال الله فى أمثالهم:\n(ولو نزلنا عليك كتابًا فى قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (١٠) .\nومن هذا القسم أيضًا الآيتان الآتيتان:\n(والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصيةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول غير إخراج ...) (١١) .\nوقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا ...) (١٢) .\nأجل، هاتان الآيتان فيهما نسخ؛ لأن موضوعهما واحد، هو عدة المتوفى عنها زوجها.\nالآية الأولى: حددت العدة بعام كامل.\nوالآية الثانية: حددت العدة بأربعة أشهر وعشر ليال.\nوالمنسوخ حكمًا لا تلاوة هو الآية الأولى، وإن كان ترتيبها فى السورة بعد الآية الثانية.\nوالناسخ هو الآية الثانية، التى حددت عدة المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشر ليال، وإن كان ترتيبها فى السورة قبل الآية المنسوخ حكمها.\nوحكمة التشريع من هذا النسخ ظاهرة هى التخفيف، فقد استبعدت الآية الناسخة من مدة العدة المنصوص عليها فى الآية المنسوخ حكمها ثمانية أشهر تقريبًا، والمعروف أن الانتقال من الأشد إلى الأخف، أدعى لامتثال الأمر، وطاعة المحكوم به.. وفيه بيان لرحمة الله ﷿ لعباده. وهو هدف تربوى عظيم عند أولى الألباب.\nالقسم الثانى:\nأما القسم الثانى، فقد ذكروا فيه آيات على أن فيها نسخًا وهى لا نسخ فيها، وإنما كانوا فيها حاطبى ليل، لا يفرقون بين الحطب، وبين الثعابين، وكفى بذلك حماقة.\nوها نحن نعرض نموذجين مما حسبوه نسخًا، وهو أبعد ما يكون عن النسخ.\nالنموذج الأول:\n(لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (١٣) .\n(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (١٤) .\nزعموا أن بين هاتين الآيتين تناسخًا، إحدى الآيتين تمنع الإكراه فى الدين، والأخرى تأمر بالقتال والإكراه فى الدين وهذا خطأ فاحش، لأن قوله تعالى (لا إكراه فى الدين) سلوك دائم إلى يوم القيامة.\nوالآية الثانية لم ولن تنسخ هذا المبدأ الإسلامى العظيم؛ لأن موضوع هذه الآية \" قاتلوا \" غير موضوع الآية الأولى: (لا إكراه فى الدين) .\nلأن قوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) له سبب نزول خاص. فقد كان اليهود قد نقضوا العهود التى أبرمها معهم المسلمون. وتآمروا مع أعداء المسلمين للقضاء على الدولة الإسلامية فى المدينة، وأصبح وجودهم فيها خطرًا على أمنها واستقرارها. فأمر الله المسلمين بقتالهم حتى يكفوا عن أذاهم بالخضوع لسلطان الدولة، ويعطوا الجزية فى غير استعلاء.\nأجل: إن هذه الآية لم تأمر بقتال اليهود لإدخالهم فى الإسلام. ولو كان الأمر كذلك ما جعل الله إعطاءهم الجزية سببًا فى الكف عن قتالهم، ولاستمر الأمر بقتالهم سواء أعطوا الجزية أم لم يعطوها، حتى يُسلموا أو يُقتلوا وهذا غير مراد ولم يثبت فى تاريخ الإسلام أنه قاتل غير المسلمين لإجبارهم على اعتناق الإسلام.\nومثيرو هذه الشبهات يعلمون جيدًا أن الإسلام أقر اليهود بعد الهجرة إلى المدينة على عقائدهم، وكفل لهم حرية ممارسة شعائرهم، فلما نقضوا العهود، وأظهروا خبث نياتهم قاتلهم المسلمون وأجلوهم عن المدينة.\nويعلمون كذلك أن النبى (عقد صلحًا سِلْمِيًّا مع نصارى تغلب ونجران، وكانوا يعيشون فى شبه الجزيرة العربية، ثم أقرهم عقائدهم النصرانية وكفل لهم حرياتهم الاجتماعية والدينية.\nوفعل ذلك مع بعض نصارى الشام. هذه الوقائع كلها تعلن عن سماحة الإسلام، ورحابة صدره، وأنه لم يضق بمخالفيه فى الدين والاعتقاد.\nفكيف ساغ لهؤلاء الخصوم أن يفتروا على الإسلام ما هو برئ منه؟\nإنه الحقد والحسد. ولا شىء غيرهما، إلا أن يكون العناد.\nالنموذج الثانى:\n(يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (١٥) .\n(إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) (١٦) .\nوالآيتان لا ناسخ ولا منسوخ فيهما. بل إن فى الآية الثانية توكيدًا لما فى الآية الأولى، فقد جاء فى الآية الأولى: \" فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما \"\nثم أكدت الآية الثانية هذا المعنى: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) فأين النسخ إذن؟.\nأما المنافع فى الخمر والميسر، فهى: أثمان بيع الخمر، وعائد التجارة فيها، وحيازة الأموال فى لعب الميسر \" القمار \" وهى منافع خبيثة لم يقرها الشرع من أول الأمر، ولكنه هادنها قليلًا لما كان فيها من قيمة فى حياة الإنسان قبل الإسلام، ثم أخذ القرآن يخطو نحو تحريمها خطوات حكيمة قبل أن يحرمها تحريمًا حاسمًا، حتى لا يضر بمصالح الناس.\nوبعد أن تدرج فى تضئيل دورها فى حياة الناس الاقتصادية وسد منافذ رواجها، ونبه الناس على أن حسم الأمر بتحريمها آتٍ لا محالة وأخذوا يتحولون إلى أنشطة اقتصادية أخرى، جاءت آية التحريم النهائى فى سورة المائدة هذه: (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) هذه هى حقيقة النسخ وحكمته التشريعية، وقيمته التربوية ومع هذا فإنه نادر فى القرآن. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) هذا التعريف راعينا فيه جمع ما تفرق فى غيره من تعريفات الأصوليين مع مراعاة الدقائق والوضوح.\n(٢) الجلد ورد فى القرآن كما سيأتى. أما الرجم فقد ورد قوليا وعمليا فى السنة، فخصصت الجلد بغير المحصنين.\n(٣) منهم الدكتور عبد المتعال الجبرى وله فيه مؤلف خاص نشرته مكتبة وهبة بالقاهرة، والدكتور محمد البهى ومنهم الشيخ محمد الغزالى.\n(٤) النساء: ١٥.\n(٥) النور: ٢.\n(٦) آل عمران: ٥٠.\n(٧) انظر كتابنا \" الإسلام فى مواجهة الاستشراق العالمى \" طبعة دار الوفاء.\n(٨) الأنفال: ٦٥.\n(٩) الأنفال: ٦٦.\n(١٠) الأنعام: ٧.\n(١١) البقرة: ٢٤٠\n(١٢) البقرة: ٢٣٤.\n(١٣) البقرة: ٢٥٦.\n(١٤) التوبة: ٢٩.\n(١٥) البقرة: ٢١٩.\n(١٦) المائدة: ٩٠.","vol":"1","page":612},{"text":"اعتبرَ الجاهلُ النسخَ ثمرةً للبَداء، وهو ظهورُ الشيء بعدَ خَفائِه، واللهُ\nمنزَّهٌ عن البَداء، لأَنه سبحانه أَحاطَ بكلِّ شيء علْمًا، وهو يعلمُ الشيءَ قبلَ\nحُدوثِه..\nومن جهلِ الفادي قياسُه فعْلَ اللهِ على فعْل الإِنسان، وعدمُ ملاحظتِه\nالفرق بينَ مَقامِ اللهِ وضَعْفِ الإِنسان.\nفالإِنسانُ جاهلٌ قَصيرُ النظر، ولذلك يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ في قوانينِه، بحسَب ما يَبدو له من علمٍ جَديد.\nونسخُ اللهِ لبعضِ أحكامِه ليس من هذا الباب، فلا بَداءَ في علْمِ الله،\nوهو سبحانه يَجعلُ بعضَ أَحكامِه موقوتةً بزمنٍ مُحَدَّد، لتحقيق مصلحةِ\nالمسلمين، فإِذا انتهى زَمَنُها نَسَخها وأَتى بأَحكامِ أُخْرى بَدَلَها.\nوهو العليمُ الخبيرُ الحكيم.\nويُشيرُ إِلى هذه الحقيقةِ قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .\nفالآيةُ صريحةٌ في تَقريرِ حقيقةِ علْمِ اللهِ بما يُنزل، وجاءَ هذا التقريرُ في جملةٍ معترضةٍ للاستدراك (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) ..\nفالنسخُ والتبديلُ في الآياتِ مبنيّ على علْمِ اللهِ بما يُنزلُ قبلَ أَنْ يُنزلَه، فلا بِداءَ فيه.\n٢ - ادَّعى الجاهلُ المفترِي أَنه لا يوجَدُ نَسخ في اليهوديةِ والنصرانية،\nونَقَلَ كَلامًا منسوبًا لعيسى - ﵇ - في نفيِه.\nقال: \" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ ليس له وُجود في اليهوديةِ ولا في المسيحية.\nقالَ المسيح: لا تَظنوا أَنِّي جئتُ لأَنقضَ الناموسَ أَو الأنبياء، ما جئتُ لأنقضَ بل لأُكملَ، فإِنِّي الحقَّ أَقولُ لكم: إلى أنْ تزولَ السمواتُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أَو نقطة واحدةٌ من الناموس، حتى يكونَ الكُلّ \".\nوادّعاءُ الجاهلِ باطلٌ مردودٌ عليه، وهو مُفْتَرٍ في نفيِه النسخَ بين اليهوديةِ\nوالنصرانيةِ، وقد نَسَخَ اللهُ برسالةِ عيسى - ﵇ - بعضَ الأَحكامِ التي جعلَها على اليهود، وجاءَ هذا المعنى صريحًا في قولِه تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) .","vol":"1","page":613},{"text":"لقد جمعَتْ هذه الآيةُ الحكيمةُ بينَ \" الإِحكامِ والنسخ \" في رسالةِ\nعيسى - ﵇ -.\n- الإِحكامُ في قوله: «وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) .\nلقد كانَ عيسى - ﵇ - مُصدِّقًا للتوراةِ ومُؤَيّدًا لها في الجانبِ المحكَمِ منها الذي لا نَسخَ فيه، وهو الجانبُ الإِيمانى والأَخلاقيُّ والإِخْبارِيّ.\nومعلوم أَنه لا نَسخَ في العقائدِ أَو الأَخلاقِ أَو الأَخبارِ، فالإِنجيلُ موافقٌ تَمامًا للتوراةِ النازلةِ على موسى - ﵇ - في ذلك وهو لا يَعترفُ بأَسفارِ العهدِ القديمِ التي كَتبها الأَحبارُ ونَسبوها إِلى الله زورًا.\nعلى هذا الجانبِ المحْكَم من التوراة نَحملُ الكلامَ الذي نَسَبَه الفادي\nإِلى عيسى - ﵇ - إِنْ صَحَّتْ نسبتُه له -! فهو لا يَنقضُ الناموسَ أَو الأَنبياء، وما جاءَ لينقضَ ما وردَ في التوراةِ بل ليُكَمّلَه ويُصَدّقَه، أَيْ: مسائلُ الإِيمانِ المذكورةُ في التوراةِ ثابتةٌ محكَمَة، لا نَسخَ لها، لا في الإِنجيلِ ولا في القرآن.\n- والنسخُ في رسالةِ عيسى - ﵇ - الموجهةِ إِلى بني إِسرائيلَ في قوله في الآية: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) .\nإِنَّ هذه الجملةَ صَريحةٌ في نَسْخِ الإِنجيلِ لبعضِ أَحكامِ التوراة، فقد\nكانت بعض الأَشياءِ محرمةً على اليهود، وجاءَ عيسى - ﵇ - ليُحِلَّ لهم تلك الأَشياءَ المُحرَّمة، وإِذا كانَ هذا لا يُسَمّى نَسْخًا فماذا يُسَمّى؟!.\nومن الدليلِ على وُقوعِ النسخِ في الشريعةِ اليهوديةِ نفسِها أَنَّ بعضَ\nالأَشياءِ كانت مُباحةً لليهود، وشرعَ اللهُ إِباحتَها في التوراةِ النازلةِ على\nموسى - ﵇ -، ثم حَرَّمَ اللهُ عليهم تلك المباحات، عِقابًا لهم على ظُلمِهم وعُدوانِهم.\nقال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) .\nكانت بعضُ الطيباتِ مُباحةً لليهود، وبعدما ظَلَموا وبَغَوا عاقَبَهم الله، فنسخَ إِباحتَها، وحَرَّمَها عليهم!.","vol":"1","page":614},{"text":"لقد مَرَّتْ بعضُ الأَحكامِ التىِ شَرَعَها اللهُ لليهودِ بالمراحلِ التالية:\nالإِباحةُ، ثم الحرمَةُ عِقابًا لهم، ثم الحِلُّ والإِباحةُ على لسان عيسى - ﵇ -.\nفكيفَ يتجرأُ الفادي المدَّعي بعدَ ذلك ليقول: لا نَسخَ في اليهوديةِ ولا\nفي النصرانية؟!.\n٣ - من عيوبِ النسخِ في نَظَرِ الفادي أَنه يفتحُ بابَ الكذبِ والادّعاء،\nولذلك لا بُدَّ من منعِه! قال: \" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ يَفتحُ بابَ الكذبِ\nوالادِّعاء، فإِذا قالَ مُدَّعي النبوةِ قَوْلًا وظَهَرَ خَطَؤُه، أَو إِذا اعترضَ عليه\nسامِعوه، قال: إِنه منسوخ، ويَأتي بقولي آخَرَ..\nفينسخ الله ما يلقي الشيطان، كما يَنسخُ إِلهُ محمدٍ ما يُلقيهِ عليه من قرآن \".\nوهذه الشبهةُ مردودةٌ على الجاهل، ولا تُوَجَّهُ إِلى النسخِ في القرآن،\nفالأَمْرُ ليس من بابِ الادِّعاءِ والتقوُّل والافتراء، وليسَ كما يفعلُه ويقولُه\nالكَذّابون المدَّعون، وإِنما هو من فعْلِ اللهِ سبحانه، ولذلك أُسندَ إِلى اللهِ وليس إِلى الرسولِ - ﷺ -: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .\nو(وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ..)\nوكَلامُ مُدَّعي النبوةِ باطلٌ مردودٌ عليه، سواء ادَّعى النسخَ أَم لا!!.\n٤ - تساءلَ الفادي بخبثٍ عن مصيرِ الآياتِ المنسوخة؟\nقال: \" لأَنَّ محمدًا اعتبرَ الناسخَ والمنسوخَ من نفسِ كلامِ الله، فهل كانَ المنسوخُ كَلامًا إِلهيًّا مكتوبًا في اللوحِ المحفوظ؟\nوهل يَترتبُ على نسخِه في القرآن نسخُه أَيْضًا في اللوحِ المحفوظ؟\nوكيفَ يَسمحُ اللهُ لكلامِه العزيزِ بالزوال والإِهمال؟\nوإِلّا فلماذا كُتِبَ؟ \".\nوهذه الأَسئلَةُ مردودةٌ ومتهافتةٌ ولا وَزْنَ لها، لأَنَّ الراجحَ هو أَنَّ النسخَ\nفي أَحكامِ القرآنِ وليسَ في آياتِه وكلماتِه، ولم يَثبتْ عندنا آياتٌ منسوخةٌ\nبكلماتِها، حتى تُوَجَّهَ لها أَسئلةُ الفادي التشكيكية! فلم تُنْسَخْ كلمةٌ أو آيةٌ","vol":"1","page":615},{"text":"من القراَن، والآياتُ التي أَنزلَها اللهُ على رسولِه محمدٍ - ﷺ - بَقيتْ كما هي، لم تُنسخْ أَو تُغيّرْ أَو تُبدّلْ، هذا ما نقولُ به، وكلُّ كلام غير هذا مرجوحٌ مردودٌ عندنا.\n٥ - ادَّعى الفادي المفترِي أَنه يتعذرُ حصرُ المنسوخِ في القرآن، مما\nيجعلُ القرآنَ مُبْهَمًا مُلْتبسًا مشكوكًا فيه، وإِذا جُرِّدَ القرآنُ من الناسخِ والمنسوخِ لم يبقَ منه شيء!!.\nقال: \" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ متغلغلٌ في جميعِ أَجزاءِ القرآن، بحيثُ يتعذَّرُ على الراسخين في العلمِ معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ بطريقَةٍ\nلا تقبلُ الشك، مما يَجعلُ أَقوالَ القرآنِ مبهمةً ملتبسة \".\nوادَّعى أَنَّ السورَ التي فيها منسوخٌ وليسَ فيها ناسخ أَربعونَ سورة،\nوالسورَ التي فيها ناسخٌ وليس فيها منسوخٌ سِتُّ سُور، والسورَ التي فيها ناسخٌ ومنسوخٌ خمس وعشرون سورة، والسورَ التي ليسَ فيها ناسخٌ ولا مَنسوخ ثلاثٌ وأَربعون سورة.\nوخَتَمَ كلامَه بعبارةٍ فاجرةٍ خبجثة، قالَ فيها: \" فإِذا جُرِّدَ\nالقرآنُ من الناسخ والمنسوخ كان كراسةً صغيرة! ومع ذلك ادَّعوا أَنه المعجزةُ\nالكبرى \"!.\nإِنَّ المنسوخَ غيرُ متغلغلٍ في جميعِ أَجزاءِ القرآنِ وسورِه المكيةِ والمدنيَّة،\nوالأَرقامُ التي ذَكرها المفترِي لأَعدادِ السورِ التي فيها ناسخٌ أَو منسوخٌ مردودة، لأَنه مُبالَغٌ فيها.\nوالآياتُ التي فيها نسخٌ حَصرَها العلماءُ، والراجحُ أَن هذه\nالآياتِ لا تَتجاوزُ عَدَدَ أَصابعِ اليدَيْن!.\nويُصِرّ المفترِي على القولِ بالنسخِ بالتلاوة، أَيْ إِلغاءِ كثيرٍ من آياتِ\nالقرآن، وهذا رأيٌ مرجوحٌ ومردودٌ عندنا، رغمَ أَنه قالَ به بعضُ علماءِ\nالمسلمين، والراجحُ عندنا أَنَّ النسخَ إِنما هو في الأَحكامِ فقط، والأَحكامُ\nالمنسوخةُ في القرآنِ لا تتجاوزُ عشرةَ أَحكام!!.\nومن غباءِ وسخفِ الفادي دعوتُه إِلى تجريدِ القرآنِ من الناسخ\nوالمنسوخ، وادّعاؤُه أَنه لو حصلَ ذلك لما بقيَ من القرآنِ إِلّا \" كراسة صغيرة\"!!.","vol":"1","page":616},{"text":"فإذا كانَ \" نسخُ التلاوةِ \" غيرَ موجودٍ في القرآن، وإِذا كانت الآياتُ\nالتي نُسختْ أَحكامُها لا تَزيدُ على عشرِ آيات، ولا تَكادُ تملأ صفحةً واحدة، فكيفَ يقولُ هذا الغبيُّ المفترِي ما قال؟!\nإِننا نوقنُ أَنّه لم تنسخْ آيةٌ واحدةٌ من القرآن بكلماتِها وصياغتِها، وأَنه لا يمكنُ إِلغاءُ آيةٍ واحدةٍ من القرآن، كما أَننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ هو المعجزةُ الكبرى حَقًّا، وأَنه كلامُ اللهِ المحفوظ، لم يُغَيَّرْ منه كلمةٌ واحدة.\n٦ - العيبُ السادسُ الذي سَجَّلَه الفادي على النسخِ قَسَّمَ فيه النسخ إِلى\nثلاثةِ أَقسام، وكُلُّها في نظرِه مردودة.\nقال: \" لأَنَّ النسخَ في القرآنِ عند علماءِ المسلمين ثلاثةُ أَنواع:\nفالنوعُ الأَولُ ما نُسِخَ تلاوتُه وحكْمُه، أَيْ: بعدَ كتابتِه وقراءَتِه لم يَكتُبوه ولم يَقرؤوه..\nوالنوعُ الثاني: ما نُسِخَ حُكمُه وبَقيتْ تلاوتُه، وهو مقدار كبيرٌ من آياتِ القرآن، يَقْرؤونها ويَعتقدون أَنَّ أَحْكامَها ملغِيَّة، فلا يَعملونَ بها..\nوالنوعُ الثالث: ما نُسخَتْ تلاوَتُه وبقيَ حُكْمُه..\nوأَمامَ هذا النوعِ نتساءَل: لماذا يُكلفُنا اللهُ أَنْ نَعملَ بآيةٍ غيرِ موجودة؟\nأَلَم يَكن الأَوْلى أَنْ تَبْقى في كتابِه حتى يُحاسِبَنا بمقتضاها؟! \".\nصحيحٌ أَنه لم يأتِ بأَقسامِ النسخِ الثلاثةِ من عنده، وأَنه نَقَلَها من بعضِ\nالمراجعِ الإِسلامية، وأَنه قال بها كثيرٌ من العلماءِ المسلمين، لكنَّ تعليقاتِ\nالمفتري واستنتاجاتِه مرذولةٌ باطلة.\nالنوعُ الأَول: ما نُسختْ تِلاوتُه وحُكْمُه.\nوفَسَّرَهُ المفترِي بأَنَّ المسلمينَ لم يَكتبوه ولم يَقرؤوه، بعدَ كتابتِه وقراءتِه.\nوهذا يَعني أَنهم هم الذين تَصَرَّفوا بالنسخِ في القرآنِ على هواهم، وأَنهم أَهملوا الاهتمامَ بالقرآن، وأَنهم أَسْقَطوا منه كثيرًا من آياتِه، وأَضاعوا كثيرًا من أَحكامِه.\nورغم أَنَّ كثيرًا من السابقين قالوا بهذا النوعِ من النسخِ، إِلّا أَننا لا نقولُ\nبه، ونَعتبرُه مَرْدودًا، لأَنه لم يثبتْ عندَنا نَسْخُ شيء من أَلفاظِ وكلماتِ القرآن!","vol":"1","page":617},{"text":"النوعُ الثاني: ما نُسِخَ حكْمُه وبقيتْ تلاوتُه.\nوعَلَّقَ عليه المفترِي بقولِه: \" وهو مقدارٌ كبيرٌ من آياتِ القرآن، يَقرؤونَها ويَعتقدونَ أَنَّ أَحكامها ملغيةٌ فلا يَعملونَ بها \".\nوهذا النوعُ هو الوحيدُ في القرآن، فالمنسوخ في القرآنِ هو بعضُ\nالأَحكامِ فقط، مع أَنَّ الآياتِ التي عرضَتْ تلك الأَحكام المنسوخة بقيَتْ في\nالقرآن.\nلكن هذه الآياتِ المنسوخة ليستْ كثيرةً كما زعمَ المفترِي، وإنما هي\n- آياتٌ قليلة، لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات.\nالنوع الثالث: ما نُسختْ تلاوتُه وبَقيَ حُكْمُه.\nوعَلَّقَ عليه المفترِي بأَنه كانَ الأَوْلى أَنْ تبقى تلك الآياتُ المنسوخةُ في القرآن، وأَنْ لا تُرفَعَ منه.\nومَثَّلَ العلماءُ لهذا النوع من النسخ برجْمِ الزاني والزانية إِذا كانا محصنَيْن\nمتزوجَيْن، ويَزعمونَ أَنه كانَتْ آيةٌ في القرآن، نَصُّها: \" الشيخُ والشيخةُ إِذا زنيا فارجُموهما ألبتة \"، فنَسخَها اللهُ من القرآنِ وأَبْقى حكمَها!.\nونحنُ لا نقولُ بهذا النوعِ من النسخ، ونَرى أَنَّ رجمَ الزاني المحصَنِ\nثبتَ بالسُّنَّة وليس بالقرآن، وثبوتُه بالسنة يكفي لاعتمادِه حُكْمًا شرعيًا.\nوالخلاصةُ أَنَّ النسخَ الوحيدَ في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مع بقاءِ التلاوة،\nوالآياتُ التي نُسِخَ حكمُها في القرآنِ قليلةٌ لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات.\nثانيًا: أمثلة الناسخ والمنسوخ في القرآن:\nعرضَ الفادي الجاهلُ خمسةَ أَمثلةٍ اعتبرَها من \" الناسخِ والمنسوخ \" في\nالقرآن، كان يَذكرُ الآيةَ المنسوخة، وبجانبها الآيةَ الناسخة، والحكمَ المنسوخ والحكمَ الناسخ، ومعظمُ هذه الأَمثلةِ لا نسخَ فيها.\nولْننظرْ في الأَمثلةِ التي ذكرها:\n١ - الحكمُ المنسوخُ هو: السِّلْمُ في سبيلِ الدعوة، الذي قَرَّرَه قولُه\nتعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .","vol":"1","page":618},{"text":"وقولُه تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) .\nوادَّعى المفترِي أَنَّ الحكمَ الناسخَ هو: القتالُ في سبيلِ الدعوة.\nوأَنَّ النصَّ الناسخَ هو قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .\nوقولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) .\nوكلامُ المفترِي دليلُ جهْلِه، فالدعوةُ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة\nأمر مُحْكَم وليس منسوخًا، وهو باقٍ حتى قيامِ الساعة، ودليلُه الآيةُ\nالمحكمةُ: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .\nوآيةُ سورةِ البقرةِ التي ذَكَرَها الفادي محكمةٌ وليستْ منسوخَة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) إِنها تنهى عن إِكراهِ الكافرين من اليهودِ والنصارى وغيرهم على الدخولِ في الإِسلام، وإِجبارهم عليه، لأَنَّ الدينَ لا يَقبلُ الإِجبارَ والإِكراه، وإِنما يقومُ على الرضا والاختيار والاقتناع..\nولكنَّ عدمَ إِكراهِهم على الإِسلام لا يَعْني عدمَ دعوتِهم إِليه، فيجبُ على المسلمينَ أَن يَدْعوهم إِلى الإِسلامِ، ويُقيموا عليهم الحجة، وأَنْ تَكونَ دعوتُهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فإن استجابوا - للدعوةِ أَفْلَحوا، وإِلّا كانوا خاسِرين..\nفلا نسخَ في قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، ولا نسخ في قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) .\nوالآياتُ التي تأمُر بقتالِ وجهادِ الكفارِ والمنافقين ليستْ ناسخةً لآياتِ\nوجوبِ الدعوةِ إِلى الله، كقولِه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) .","vol":"1","page":619},{"text":"وقوله تعالى: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) .\nلأَنه لا تَعارُضَ بين الآيات ِ الآمرةِ بالجهادِ والقتالِ والآياتِ الآمرةِ بالدعوةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، لأَنَّ القتالَ موجَّهٌ إِلى الأَعداءِ المحاربين، الطامِعين في بلادِ المسلمين، أَو الذينَ يَمنعونَ الدعاةَ من تبليغِ الدعوة، والهدفُ من قتالِهم هو إِيقافُ عدوانِهم، وتحطيمُ قوتِهم، وليس إِكراهَهم على الدخولِ في الإِسلام.\nفإِذا تَوقَّفَ الأَعداءُ عن العدوان، قام الدعاةُ بدعوتِهم إِلى هذا\nالدين، فإِنْ رَفضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرهم، تُرِكوا وشأنهم، وعذابُهم\nعندالله!!.\n٢ - الحكمُ المنسوخ: هو حبسُ الزانيات، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) .\nإذا ارتكبت امرأة فاحشةَ الزنى، وثَبَتَ زِناها بشهادةِ أَربعةِ شهود، وَجَبَ\nحبسُها في بيتِ أَهْلِها حتى تَموت، أَو يأتيَ اللهُ بحكْمٍ جديد.\nوالحكمُ الناسخُ هو جلْدُ الزانيةِ والزاني المحصنَيْن مئةَ جلدة، الذي قَرَّرَه\nقولُه تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) .\nوهذا المثالُ للنسخ في القرآنِ صَحيح، فآيةُ سورةِ النساء أَمَرَتْ بحبسِ\nالنساءِ الزانيات، ولكنَّ اللهَ نَسَخَ هذا الحكمَ بآيةِ سورةِ النور، حيثُ أَمَرَ بضربِ الزانيَيْن مئةَ جلدة.\nوَأَكَّدَ هذا النسخَ رسولُ اللهِ - ﷺ.\nروى مسلم عن عبادةَ بنِ الصامت - ﵁ - عن رسولِ الله - ﷺ - قال: \" خُذوا عَنّي، خُذوا عَنّي، قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا.\nالبِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونَفْيُ سَنَة، والثَّيّبُ بالثيبِ جلدُ مئةٍ والرجمُ \".\n٣ - الحكمُ المنسوخ: ثَباتُ الواحدِ لعشرةٍ من الكفار في القتال، الذي\nقرره قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .","vol":"1","page":620},{"text":"أَمَرَ اللهُ المؤمنين بقتالِ الكفار، والثباتِ في قتالِهم، وعدمِ الفرارِ\nمنهم، وأَوجبَ على المسلمِ أَنْ يَثبتَ أَمامَ عشرةِ كفار.\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) .\nوالحكمُ الناسخ هو ثباتُ الواحدِ لاثنين من الكفارِ في القتال، والذي قَرَّرَهُ\nقولُه تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوهذا المثالُ صحيحٌ للنسخِ في القرآن، ويبدو أَنَّ وُجوبَ ثباتِ المؤمنِ\nأَمامَ عشرةٍ من الكفارِ كانَ في بدايةِ الدعوةِ الإِسلامية، حيثُ كان عددُ\nالمسلمين قليلًا، وكانَ إِيمانُهم كبيرًا، وكانتْ حماستُهم للقتالِ عالية، ويمكنُ\nللمؤمنِ أَنْ يُقاتِلَ عشرةً، وأَنْ يَصمدَ أَمامَهم.\nوفيما بعدُ انتشرَ الإِسلام، وازدادَ عددُ المسلمين، ولعلَّه تَدَنّى مستوى\nحماسِهم، ودَبَّ فيهم الضعف، فخفَّفَ الله عنهم، ونَسَخَ الحكمَ السابق بحكْمٍ جديد، هو أَنْ يثبتَ المؤمنُ أَمامَ اثنيْن من الكفار.\n٤ - الحكمُ المنسوخُ هو: اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها سنةً كاملة،\nوالذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) .\nوالحكمُ الناسِخُ هو اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ أَيام،\nالذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .\nوالراجحُ أَنه لا نَسْخَ في عدةِ المتوفّى عنها زوجُها، وأَنَّ الآيةَ (٢٣٤)","vol":"1","page":621},{"text":"من سورةِ البقرة التي تأمرُ المرأةَ المتوفّى عنها زوجُها بالعدةِ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ\nأَيام ليستْ ناسخةً للآية (٢٤٠)، التي تتحدثُ عن الإِقامةِ حَوْلًا كاملًا، ولا\nتَعارُضَ بين الآيتَيْن حتى نَلجأَ إِلى النسخ.\nعِدَّةُ المرأةِ المتوفّى عنها زوجُها هي أَربعةُ أَشهرٍ وعشرةُ أَيام: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) .\nويَحرمُ عليها أَثناءَ العدةِ أَنْ تُخْطَبَ أَوْ تَتزوج، ويَجبُ عليها أَنْ تقضيَ هذه المدةَ في بيتِ زوجِها المتوفّى.\nوقولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) يَجعلُ للمرأةِ المتوفّى عنها زوجُها الحَقَّ في أَنْ تُقيمَ في\nبيتِ زوجِها المتوفّى حولًا كاملًا، وذلكَ بأَنْ تزيدَ على مدةِ العِدَّةِ الواجبةِ\nعليها، وعلى أَهْلِ زوجِها المتوفّى أَنْ لا يَمنعوها من ذلك، ولكنَّ هذا الحَقَّ\nليس واجبًا عليها، فإِنْ خرجَتْ قبلَ انقضاءِ الحولِ جازَ لها ذلك: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) .\nالآيةُ (٢٣٤) تتحدَّث عن العِدَّةِ الواجبةِ على المتوفّى عنها زوجُها،\nوالآيةُ (٢٤٠) تتحدث عن المدَّةِ الزائدةِ التي يمكِنُ لها أَنْ تُقيمَها المعتدَّةُ في\nبيتِ زوجِها المتوفّى، ويَجوزُ لها أَنْ تُقَلِّلَ مدةَ الإِقامةِ عن الحَوْل، لكنَّه لا\nيجوزُ لها أَنْ تُنقصَ أَيامَ العِدَّةِ يومًا واحدًا.\n٥ - الحكمُ المنسوخ: في الخمرِ والميسرِ إِثمٌ وَمنافعُ للناس، الذي قررَه\nقولُه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .\nوالحكمُ الناسخ هو تحريمُ الخمرِ والميسرِ لأَنهما رجسٌ من عملِ\nالشيطان، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) .\nوالراجحُ أَنه لا نسخَ في الأَمْرِ، ولا تَعارُضَ بين آيةِ سورةِ البقرة وآيةِ سورةِ المائدة.","vol":"1","page":622},{"text":"فآيةُ سورةِ المائدة نَصتْ على تَحريمِ الخمرِ والميسر، وأَمَرت\nالمسلمين باجتنابهما، ووصفَتْهما بأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان، وهي الدليلُ القرآنيُّ على حرمةِ الخَمرِ والميسر، حيثُ استقرَّتْ حرمَتُهما حتى قيامِ الساعة.\nوآيةُ سورةِ البقرة لا تَتعارضُ معها، حتى نقولَ: إِنها منسوخة، لأَنها\nنَزَلَتْ جوابًا على سؤالٍ للنبيّ - ﷺ -، وأَخبرتْ أَنّ في الخمرِ والميسر إِثمًا كبيرًا ومنافعَ للناس: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .\nفيهما إِثم كبيرٌ لأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان، ولذلك حَرَّمَهما اللهُ في\nسورةِ المائدة.\nلكن فيهما منافعُ للناس، وتلك موجودةٌ فيهما حتى بعدَ\nتحريمِهما، وتتمثَّلُ هذه المنافعُ في المتاجرةِ فيهما صناعةً وبيعًا واكتسابًا،\nحيثُ تُشادُ مصانعُ للخمر، وتُفتحُ محلاتٌ لبيعِ الخمر، وهذه المصانعُ\nوالمتاجرُ تَدرُّ رِبحًا ومالًا لأَصحابِها، وهي منافعُ مالية مادية لهم..\nلكنَّ هذه المنافعَ لبعضِ الناس مفاسدُ لمعظمِ الناس، ولذلك حَرَّمَ اللهُ الخمرَ رغم هذه المنافعِ للبعض، وجعَلَها أُمَّ الخبائث، للمضارِّ والمفاسدِ التي تُوقِعُها بالناس!.\nثالثًا: الأسباب الحقيقية للناسخ والمنسوخ:\nحَشَرَ الفادي المفترِي نفسَه في الناسخِ والمنسوخِ في القرآن، وتعامَلَ معه\nبجهْلِهِ وغَبائِه، وفَسَّرَهُ على أَساسِ تَحامُلِه على القرآن، وسوءِ ظَنِّهِ به، واتِّهامِه له، وجَزْمِه بأَنه من كلامِ البَشَر وليس من كلامِ الله.\nوحاوَلَ الوقوفَ على الأَسبابِ الحقيقية للنسخِ، وهو بهذهِ النفسيةِ الحاقدةِ العدائية، وزَعَمَ أَنه عَرَفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لسبعةِ أمثلةٍ من النسخِ في القرآن.\nونَنظرُ في الأَسبابِ التي ذَكَرَها لنقفَ على جَهْلِه وتحامُلِه وحِقْدِه:\n١ - لماذا نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام؟:\nزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ حَرَّمَ القتالَ في الشهرِ الحرام.\nولم يَذْكُر الآيةَ التي حَرَّمَتْ ذلك.\nثم زَعَمَ أَن هذه الحُرمةَ نُسخَتْ بالإِباحة، وذلك بآية:","vol":"1","page":623},{"text":"(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) .\nوالسببُ الحقيقيُّ للنسخِ في نظرِه هو رغبةُ الرسولِ - ﷺ - في السَّلْبِ والنهبِ والقتل، وتبريرُه لذلك، قالَ فَضَّ اللهُ فاه: \" جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ بعد القتالِ الذي قامَ به عبدُ اللهِ بنُ جحش الأَسديُّ في الشهرِ الحرام، وإِعطائِه خُمس السَّلْبِ لمحمد، وتعييرِ قريشٍ لمحمدٍ بِسببِ ارتكابِ المسلمين القتالَ في الشهرِ الحرام.\nفلكَي يُسكتَهم ويُرضي أَصحابَه ويُبررَ سَلَبَه قالَ بهذه الآيةِ الناسخة! \".\nمحمدٌ - ﷺ - في نظره - هو الذي يُؤَلِّفُ آياتِ القرآن، ويَنسبُها إِلى الله، وذلك ليُبررَ بها أَعمالَه ويُرضيَ أَصحابَه!!\nهذا هو السببُ الحقيقيُّ عند المجرمِ لنسخِ حرمةِ القتالِ في الشهرِ الحرام.\nفقد أَرسلَ عبدَ الله بنَ جحش، ومعه مجموعةٌ من أَصحابِه، فأَغَاروا على تجارةٍ لقريشٍ في الشهرِ الحرام، وقَتَلوا مَنْ فيها، وصادَروها، وأَعْطوا ما فيها للرسولِ - ﷺ - فأَلَّفَ آيةً نَسَخَ فيها حرمةَ\nالقتالِ في الشهرِ الحرام، ليُبررَ فِعْلَه، ويُرضيَ أَصحابَه!!.\nوكلامُ الفادي المجرمِ خَطَأ وباطل، وهو دَليلُ جهْلِه وغَبائِه.\nلقد كانتْ حادثةُ سريةِ عبد اللهِ بنِ جحش - ﵁ - في منتصفِ السنةِ الثانيةِ للهجرة، قبلَ غزوةِ بدر، وهي لم تَنسخْ حُرمةَ القتالِ في الشهرِ الحرامِ، ولم تَجعلْ ذلك القتالَ مباحًا، بل اعتبرَتْه مُحَرَّمًا، لكنَّ جرائمَ قريشٍ كانت أَكبر.\nوخلاصةُ حادثةِ تلك السَّرِيَّةِ أَنَّ الرسولَ - ﷺ - \"شَكَّلَ \" سريةً مجاهدةً بقيادةِ عبدِ الله بن جحش - ﵁ -، وأَمرهم أَنْ يَتَوَجَّهوا إِلى منطقةِ \" نَخْلَة \"، على طريقِ مكة، وأَنْ يَرْصُدوا فيها قافلةً تجارية لقريش..\nولما كَمَنوا في المنطقةِ مَرَّتْ بهم القافلةُ المرصودة، واخْتلفَ أَصحابُ السريَّةِ في التاريخ: هل هذا اليومُ هو آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى الثانية، الذي يَجوزُ القتالُ فيه، أَم هو أَولُ أَيامِ شهرِ رجب المحَرّم الذي يَحرمُ القتالُ فيه؟\nورجَّحوا أَنه آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى،","vol":"1","page":624},{"text":"وهاجموا القافلةَ، فَقَتلوا أَحَدَ المشركين، وأَسَروا اثنَيْن، وهربَ الرابعُ إِلى\nمكة، ليُخبرَ قُرَيْشًا بما جَرى، وأَتَوا بالقافلةِ والأَموالِ والأَسيرَيْن إِلى\nرسولِ الله - ﷺ - في المدينة.\nوأَثارَتْ قريشٌ حربًا إِعلاميةً ضخمةً ضدَّ المسلمين، وقالَتْ لقبائلِ\nالعرب: انْظُروا إِلى محمد الذي يَزعمُ أَنه رسولُ الله، وأَنه يحترمُ الحُرُمات،\nها هو ينتهكُ حرمةَ الشهرِ الحرام، الذي أَجمعَ العربُ على تحريمِ القتالِ فيه،\nويَقتلُ أَحَدَ رجالِنا في رجب الحرام!.\nفأَنزلَ اللهُ آيةً محكمةً تَرُدُّ على إشاعاتِ قريش، وتُدينُ قتْلَ الرجلِ في\nالشهرِ الحرام، وتَذكرُ جرائمَ قريشٍ الكبيرةَ الفظيعةَ بجانبِ قَتْلِ ذلك الرجل!\nوهي قولُ اللهِ - ﷿ -: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) .\nوالمعنى: يَسألُ الكفارُ عن حكمِ القتالِ في الشهرِ الحرام، وعن حكمِ\nالقَتْلِ في الشهرِ الحرام، والجوابُ على سؤالهم أَنَّ القتالَ والقَتْلَ فيه كبيرٌ.\nوهذا معناهُ: أَنَّ الصحابةَ الذين قَتَلوا الرجلَ في الشهرِ الحرام كانوا مُخطئين\nفي اجتهادِهم، لأَنه لا يَجوزُ القتالُ والقتلُ في الشهرِ الحرام.\nلكنَّ خطأَ الصحابة في قَتْلِ الرجلِ في الشهرِ الحرام لا يَكادُ يُذْكَرُ أَمامَ\nسلسلةِ الجرائمِ التي ارتكبَتْها قريشٌ ضدَّ المسلمين، وذَكرت الآيةُ تلك الجرائمَ بقولها: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .\nوالمعنى: إِذا أَخطأَ المسلمون بقَتْلِ رجلٍ كافرٍ في الشهرِ الحرام، فإِنَّ\nكُفارَ قريشٍ قد ارتكبوا سلسلةً فاحشةً من الجرائم، منها: صَدُّهم عن سبيلِ الله، والكفرُ بالله، والكفرُ والشركُ وعبادةُ غيرِ الله في المسجدِ الحرام، وإِخراجُ أَهْلِ","vol":"1","page":625},{"text":"المسجدِ الحرامِ المؤمنين الصالحين من المسجد، وفتنتُهم المسلمينَ وتعذيبُهم\nليرتَدّوا عن دينهم..\nهذه الجرائمُ أَكبرُ عندَ الله من قَتْلِ ذلك الرجل، فلماذا\nتَتَباكى قريشٌ على الحرمات، وهي التي تَنتهكُ حرمَتَها؟!.\nوبهذا نعرفُ أَنَّ الآيةَ لم تَنْسَخْ حرمةَ القتال في الشهبرِ الحرام، كما فَهم\nمنها الفادي الجاهل، وإِنما أَكَّدَتْ حرمةَ ذلك القتال، ولامَت الصحابةَ على\nقَتْلِهم الرجلَ المشرك، واعتبرتْ ذلك الحادثَ كبيرًا: (قُل قِتَالٌ فِيهِ كبِير)،\nلكنَّ جرائمَ قريشٍ أَكبرُ من القتل.\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>٢ - لماذا نسخت القبلة إلى بيت المقدس</span>؟:\nكانتْ قبلةُ المسلمين بيتَ المقدس، وصَلّوا إِليها سبعةَ عشرَ شهرًا بعدَ\nالهجرة، ثم نَسَخَ اللهُ تلك القبلة، وحَوَّلهم إِلى الكعبة، وذلك في قوله تعالى:\n(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنه اكتشفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لهذا النَّسخ.\nقال: \" جاءَتْ هذهِ الآية ُ الناسخةُ، بعدَ أَنْ كانَ المسلمون يُصَلُّون مستَقْبِلين بيتَ المقدس، وأَرادَ محمدٌ أَنْ يَستميلَ العربَ إِليه، ولكي لا يَتحوَّلوا إِلى اليهوديةِ التي كان يُقَدّسُ قبلَتَها، قال: إِنَّ اللهَ غَيَّرَ له القبلةَ إِلى القبلةِ التي يَرْضاها، فحُكْمُ النسخِ ليس حسبَ المشيئةِ الإِلهية الثابتة، بل حسبَ هوى محمدٍ ورضاه!! \".\nيُفَسرُ المجرمُ المفترِي الأَحكامَ الشرعيةَ تفسيرًا سياسيًّا ومصلحيًا، ويُنَحّي\nالتفسيرَ الإِيماني، لأَنه يَنفي أَساسًا كونَ القرآنِ من عند الله، ويجعلُه من تأليفِ محمدٍ - ﷺ -.\nكانَ محمدٌ - ﷺ - يُقَدِّسُ قبلةَ اليهود، وكان يُصَلِّي إِليها، لكنه خشيَ أَنْ يتأَثَّرَ قومُه العربُ باليهود، وأَنْ يَتَحَوَّلوا إِلى الديانةِ اليهودية، وبذلك يغلبُه اليهود.","vol":"1","page":626},{"text":"وأَرادَ أَنْ يستميلَ العربَ إِليه، فحوَّلَ القبلةَ من بيتِ المقدسِ إِلى\nالكعبة، التي كان قومُه العربُ يقدسونَها، ويَعتبرونَها قبلةً لهم..\nوادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَ عليه القرآنَ بنسْخِ القبلةِ السابقةِ والتحوُّلِ إِلى القبلةِ الجديدة!\nفالنسخُ في القرآنِ ليس من عندِ الله، ولا بأَمْرِ الله، وإِنما هو وفقَ هوى ورغبةِ ورضا محمدٍ - ﷺ -، يَنسخُه متى يَشاء، ويُثبتُه متى يَشاء!!.\nبهذا التحليلِ الخبيثِ يتعامَلُ المفترِي الحاقدُ مع مسألةِ تحويلِ القِبلة،\nويُلغي الجانبَ الربانيَّ الإِلهي، ويَجعلُ الإِسلامَ والقرآنَ والشريعةَ والأَحكامَ\nنتاجَ اللهو واللعبِ والعبثِ والهوى والمزاج.\nوقد كانتْ آياتُ القرآنِ صريحةً في إِسنادِ تحويلِ القبلةِ إِلى الله، وفي الردِّ\nعلى السفهاءِ من الناس، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة.\nوعند قراءةِ كلامِ الفادي المفترِي عن سببِ تحويلِ القبلةِ نجدُ أَنه أَحَدُ هؤلاء (السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) .\nقال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) .\nالآياتُ صريحة في أَنَّ نسخَ القبلةِ إِلى بيتِ المقدس، وتحويلَها إِلى","vol":"1","page":627},{"text":"الكعبة، إِنما هو من الله، وله الحِكَمُ العديدةُ من القبلةِ الأُولى، ومن التحويلِ\nإِلى القبلةِ الجديدة، حِكَمٌ تربويةٌ وتشريعية، ورَدَّت الآياتُ على شبهاتِ\nواعتراضاتِ السفهاءِ من اليهود.\nوهذه الآياتُ أَبلغُ رَدٍّ على تحليلاتِ الفادي\nالمفتري، ونقضٍ لاتهاماتِه ضد رسولِنا الحبيبِ - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>٣ - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته</span>؟:\nنَظَرَ الفادي المجرمُ نظرةً خبيثةً لحادثةِ زَواجِ الرسولِ - ﷺ - من زينبَ بنتِ جحشٍ - ﵂ -، بعدَ أَنْ طَلَّقَها مُتَبَنّاهُ زيدُ بنُ حارثة - ﵁ -، لخلافاتٍ زوجيةٍ بينهما، وفَسَّرَ المجرمُ الحادثةَ تفسيرًا فاجِرًا حاقِدًا لئيمًا، اتهمَ فيه رسولَنا - ﷺ - بأَنه متبعٌ للهوى والشهوة.\nقالَ اللهُ - ﷿ -: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) .\nادَّعى المجرمُ المفترِي أَنَّ في الآيةِ نَسْخًا، وأَنه وفقَ هوى الرسولِ - ﷺ -.\nقال: \" جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ لزيدٍ أَنْ يتقيَ اللهَ ويتمسكَ بزوجتِه زينب، بعد أَنْ خافَ محمدٌ من تعييرِ العربِ له أَنه يتزوجُ بزوجةِ ابنِه بالتبنّي، مع ما سبقَ وأَضمَره محمدٌ في نفسِه ساعةَ رأى زينبَ واشْتهاها، فقال: سبحانَ مُقَلِّبِ القلوب.\nثم قال: إِنَّ اللهَ أَمَرَه بالزواجِ من زينب! \".\nادَّعى المجرمُ أَن جملةَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ)\nالمذكورةَ في الآيةِ منسوخةٌ، وأَنَّ التي نسخَتْها هي الجملةُ التي بعدَها في الآية: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) .\nوادَّعى الفاجرُ المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - رأى زينبَ زوجةَ ابنِه بالتَّبَنّي زيدِ بن حارثة، فأَحَبَّها واشْتَهاها، وأَضمرَ في نفسِه الزواجَ منها، ولكنه خشيَ","vol":"1","page":628},{"text":"من تَعييرِ العربِ له، بأَنه تزوجَ امرأةَ ابنِه، وكان قد أَوصى زيدًا بها قائِلًا له: أَمْسِكْ عليك زوجَكَ واتَّقِ الله.\nفَنَسَخَ هذه الوصية، وزعمَ أَنَّ اللهَ هو الذي زوَّجَه من زينب، وأَنزلَ عليه الآيةَ المذكورة، التي فيها جملة: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) .\nمع أَنه لا يوجَدُ في الآيةِ منسوخٌ ولا ناسخ، وإِنما هذا ثمرةُ جَهلِ\nالفادي المفترِي وإِجرامه وفجورِه، والأَسبابُ التي ذكرها لزعْمِ النسخِ نتَاجُ\nحِقْدِه وخيالِه المريض.\nوخلاصةُ حادثةِ زواج الرسولِ - ﷺ - بإِيجازٍ هي:\nكانت زينبُ بنتُ جحشٍ - ﵂ - ابنةَ عمةِ النبيِّ - ﷺ -، وهو يَعرفُها منذ صغرِها، وكانَ قبلَ البعثةِ قد تَبَنّى زيدَ بنَ حارثة، واشتهرَ بين قريشٍ باسمِ: زيدِ بنِ محمد، وكان زيدٌ من السابقين إِلى الإِسلام - ﵁ -.\nوقد أَبطلَ اللهُ المَبني، وأَمَرَ بنسبةِ الأَبناءِ بالتبَنّي إِلى آبائِهم الحقيقيّين، وذلك في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) .\nوبذلك أُعيدَتْ نسبةُ زيدٍ إِلى أَبيه حارثة، فلم يقولوا: زيدُ بنُ محمد،\nوإِنما يقولون: زيدُ بنُ حارثة.\nوأَرادَ اللهُ الحكيمُ الخبيرُ أَنْ يُبطلَ كُلَّ آثارِ التَبني، بتجربةٍ عمليةٍ على يدِ\nرسولِه محمدٍ - ﷺ -، فأَمَرَ اللهُ نبيَّه - ﷺ - أَنْ يُزَوِّجَ ابنةَ عمتِه زينبَ لزيدِ بنِ حارثة، فنفَّذَ أَمْرَ اللهِ وزوَّجَه بها..\nوكانَ في زينبَ حِدَّةٌ وشِدَّة، وكانتْ تَرى نفسَها\nأَفضلَ من زيد، لأَنها قرشيةٌ هاشمية، وهو عَبْدٌ مُحَرَّر..\nولذلك كانت تنشأُ بينهما خلافاتٌ عديدة، وكان زيدٌ يشكو زينبَ إِلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، وكانَ الرسولُ - ﷺ - يوصيهِ بها، ويَدْعوه إِلى الصبرِ عليها، ولما أَخبره أَنه يُريدُ أَنْ","vol":"1","page":629},{"text":"يُطَلقَها نهاهُ عن ذلك، وقال له: أَمْسِكْ عليك زوجَك واتقِ اللهَ فيها.\nوأَخبرَ اللهُ رسولَه - ﷺ - أَنَّ الحياةَ الزوجيةَ لن تستمرَّ بينهما، وأَنَّ زيدًا سيُطَلِّقُ زينب، وأَنه هو الذي سيتزوَّجُ زينبَ بعد تطليقِ زيدٍ لها، وذلك لإِبطال كُلِّ آثارِ التبني ...\nوكان - ﷺ - يَعلمُ أَنَّ قَدَرَ اللهِ لا بُدَّ أَنْ يَتم، وصارَ يفكرُ في ما سيقولُه عنه الناس بعد زواجِه بزينب.\nوطَلَّقَ زيدٌ زينب، ولما انتهتْ عِدَّتُها أَمَرَ اللهُ رسولَه - ﷺ - أَنْ يتزوَّجَها، وأَثارَ المنافقون الخبثاءُ الشبهاتِ ضدَّ الرسولِ - ﷺ -، وقالوا: لقد تزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنهِ زيد!.\nفأَنزلَ اللهُ الآيةَ، لإِبطالِ تلك الشبهات، وبَيَّنَ حكمةَ ذلك الزواج \" قال\nتعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) .\nذَكرت الآية ُ ما قالَه الرسولُ - ﷺ - لزيد: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) .\nومعنى قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ): تُخْفي في نفسِك ما\nأَخبرَكَ اللهُ به، من أَنَّ زيدًا سَيُطَلِّقُ زينبَ، وستتزوجُها أَنت من بعدِه بأَمْرِ الله.\nواللهُ سيُبدي هذا الأَمْرَ ويُظهِره للناس، وسيتمُّ الطلاقُ، وستتزوَّجُها أَنت فعلًا.\nومعنى قوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ): تُفكرُ في كلامِ الناسِ\nوشبهاتِهم واتهاماتِهم لك، ولحسبُ لهم حِسابًا، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا تخشى\nالناسَ، وأَن لا تهتمَّ بما سيقولونَه عنك، لأَنك على صواب، واللهُ هو الأَحَقُّ\nأَنْ تَخْشاه.","vol":"1","page":630},{"text":"ونَصت الآيةُ على حكمةِ هذا الزواج: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، وأَدعياؤهم هم أَبناؤُهم بالتبني، ويَجوزُ للرجلِ أَنْ يتزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنِهِ بالتبنّي، لأَنه ليس ابنَه حقيقة.\nوأَخبرت الآيات ُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - ليس أَبًا لأَحَدٍ من\nرجالِ المسلمين: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) .\nوشاءَ اللهُ الحكيم أَنْ يموتَ أَبناؤُه وهم صغار.\nوبهذا نعرفُ أَنه لا منسوخ ولا ناسخ في الآية التي تحدثَتْ عن ذلك\nالزواج، وليس في الأَمْرِ هوى أَو شهوة، كما قالَ ذلك المجرمُ المفترِي.\n٤ - حولَ النسخ في معاشرة الزوجات في ليل رمضان:\nأَثارَ الفادي المجرمُ سؤالًا خَبيثًا حولَ النسخِ في بعضِ أَحكامِ الصيام:\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-240> لماذا نُسخَ الامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيام</span>؟ \".\nواعترضَ فيه على قولِ اللهِ - ﷿ -:\n(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) .\nوعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ زاعمًا اكتشافَه السببَ الحقيقيَّ للنسخ، فقال:\n\" جاءَتْ هذه الآيةُ الناسخةُ بعدَ اعترافِ أَصحابِ محمد، ومنهم عمرُ بن\nالخطاب، أَنهم خانوا نِظامَ الصيامِ المتَّبَع، بإِتْيانِهم نساءهم بعد صلاةِ العشاء،\nفجَعلت الآيةُ الناسخةُ الممنوعَ ممكِنًا، والمحَرَّمَ مُحَلَّلًا \"!!.\nإِنَّ المجرمَ يأْبى إِلا الغَمز واللمزَ والإِيذاء، ولذلك عَلَّقَ على القصةِ\nالصحيحةِ باعترافِ بعضِ الصحابة بمخالفتِهم بقوله: \" فجعَلت الآيةُ الناسخةُ\nالممنوعَ ممكِنًا، والمحرمَ مُحَلَّلًا \".\nمع أَنَّ النسخَ هنا ليس تَحليلًا للحرام، وإِنما هو إِلغاءٌ وإِبطالٌ للحرام، ووضْع للحَلالِ مكانَه.\nولذلك عَرَّفَ العلماءُ النسخَ قائلين: هو رَفْعُ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخّر.","vol":"1","page":631},{"text":"وسُؤالُ المجرمِ خَبيثْ: لماذا نُسِخَ الامتناعُ عن النساءِ وقْتَ الصيام؟\nهَدَفُه منه التشكيكُ بالحكمِ الشرعي، عِلْمًا أَنَّ الآيةَ لم تَنسخ الامتناعَ عن\nالنّساء وقتَ الصيام، فالامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيامِ في نهارِ رمضان ما زالَ قائمًا، ومَنْ جامعَ امرأَتَه في نهارِ رمضان وجبَ عليه القضاءُ والكفارة، وذلك بعتْقِ رقبة، أَو صيامِ شهريْن متتابعَيْن، أَو إِطعامِ ستّين مسكينًا.\nوحتى نعرف النسخَ في الآية لا بُدَّ أَنْ نتعرفَ على مناسبةِ نزولِها.\nكانَ الإِمساكُ عن الطعامِ والشرابِ والجماعِ بمجردِ النوم في ليلِ\nرمضان، فإِذا نامَ المسلمُ بعدَ الإِفطار وجبَ عليه الإِمساكُ حتى مغربِ اليومِ\nالتالي، ولو كان نومُه بعدَ صلاةِ العشاءِ مباشرة، وهذا الحكمُ ثابتٌ في السُّنَّةِ\nوليسَ في القرآن.\nوكانَ أَحَدُ الأَنصارِ - وهو قَيْسُ بنُ صِرْمَة - يعملُ في أَرضِه طولَ النهار،\nوعادَ إِلى بيتِه في المساء، وقامت امرأَتُه لتعِدَّ له الإِفطار، ولكنَّه غلبَتْه عينُه فنام، وجاءَتْه امرأَتُه بالطعام فوجدَتْه نائمًا، فأَمسكَ ولم يَأكل، وذهبَ في الصباحِ إِلى أَرضِه، ولكنه سقطَ في الأَرضِ مغشيًّا عليه من التعبِ والجوعِ والإِرهاقِ.\nوجاءَ عمرُ بن الخطابِ - ﵁ - إِلى رسولِ الله - ﷺ -، فقال: يا رسولَ الله!\nلقد هلكْتُ! لقد عدتُ إِلى بيتي ليلةَ أَمس، فوجدْتُ امرأَتي نائمةً، فوقعْتُ\nعليها.\nفأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) .\nلقد رحمَ اللهُ المسلمين وخَفَّفَ عنهم، فأَباحَ لهم ما كانَ منعَهم فى ليلِ\nرمضان، وأَباحَ لهم الطعامَ والشراب ومعاشرةَ الزوجات طيلةَ ليلِ رمضان:\n(فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ) .","vol":"1","page":632},{"text":"أللهُ هو الذي شرعَ لهم الحكْمَ السابقَ بالإِمساكِ بمجردِ النَّوْم، واللهُ هو\nالذي نَسَخَ ذلك الحكم، وأَباحَ لهم كلَّ المفطراتِ في ليلِ رمضان، وأَوجبَ\nالإِمساكَ بطُلوعِ الفجر.\n٥ - حول نسخ ما حرمه الرسول - ﷺ - على نفسه:\nطَرَحَ الفادي المجرمُ سُؤالًا قالَ فيه: \" لماذا نَسَخَ ما حَرَّمَه على نفسِه،\nوحَنَثَ بالقَسَم؟ \".\nوقالَ في توضيح الأَمر: جاءَ في سورةِ التحريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) .\nوعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ وما زَعَمَه فيها من نَسْخٍ بقولِه: \"\nروى محمد هذه الآيةَ بعد أَنْ أَتى بماريةَ القبطية في بيتِ زوجتِه حفصةَ بنتِ عمر بن الخطاب، وفي غيبتِها، فَشَقَّ ذلك على حَفْصَة، فأَرضاها، وقالَ لها: اكتمي عَلَيَّ، وقد حَرَّمْتُ ماريةَ القبطيةَ على نفسي، ولكنَّ حفصةَ أَخبرَتْ عائشةَ، فغضبَ محمدٌ، وطَلَّقَ حفصة.\nفكيفَ السبيلُ لتحليلِ ماريةَ بعدَ أَنْ حَرَّمَها على نفسِه؟\nوكيفَ السبيلُ لمراجعةِ حفصةَ التي طَلَّقها؟\nأَتى الناسخ يُحللُ ذلك، ويُعفي من القَسَم! فقد أَقَرَّ اللهُ بمعاشرةِ ماريةَ المحَرَّمَة، وبرجوعِ حفصةَ المطَلَّقة \".\nالقصةُ التي أَوردَها المفترِي مرجوحةٌ وليست راجحة، فلا نَقولُ بها.\nوالراجحُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ الآياتِ في عتابِ الرسولِ - ﷺ -، لأَنه حَلَفَ يَمينًا حَرَّمَ فيه شيئًا أَباحَهُ اللهُ له.\nوخلاصةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - ذَهَبَ يومًا إِلى امرأَتِهِ زينبَ بنتِ جحش - ﵂ -، وشَرِبَ عندَها عَسَلًا، وكانَ يُحبُّ العَسَلَ.\nثم غادرَ حجرةَ زينب، وتوجَّهَ إِلى حفصةَ - ﵂ -، فقالَتْ له حفصةُ: يا رسولَ الله! لقد أَكلتَ مَغافير!.","vol":"1","page":633},{"text":"والمغافيرُ اسْمٌ لنباتٍ حُلْوِ الطعمِ كَريهِ الرائَحة.\nوكانَ - ﷺ - يُحبُّ أَنْ تُشَمَّ منه دائمًا رائحةٌ طيبة، فقال لها: لقد شربتُ عند زينبَ عَسَلًا، ولا أَشربُ\nعندها العسلَ بعد ذلك..\nوأَقسمَ على ذلك اليمين..\nففرحَتْ حفصةُ بذلك، وأَخبرتْ به عائشةَ - ﵂ -.\nفأَنزلَ اللهُ الايةَ يُعاتبُ رسولَه - ﷺ -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) .\nأَيْ: لِمَ تَمتنعُ من شربِ العسلِ عندَ زينب، وقد أَباحَ اللهُ لك ذلك.\nومعنى قولِه: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ):\nشَرَعَ اللهُ لكم التحللَ من أَيْمانِكم التي تَحلفونَها، وذلك بدفعِ الكفارة.\nوقد حَنثَ رسولُ الله - ﷺ - بيمينِه\nبعدَما عاتبه اللهُ، فدفعَ الكفارة بأَنْ أَعتقَ رقبة، وعادَ إِلى شربِ العسل.\nوبهذا نعرفُ أَنه لا مَنسوخَ ولا ناسخَ في الآيات، فمن أَينَ أتى الفادي\nالمجرمُ الجاهلُ بدعوى النسخ؟!\nكُلُّ ماِ هنالك أَنَّ الرسولَ - ﷺ - حَلَفَ يَمينًا\nبالامتناعِ عن بعضِ المباح، فعاتَبَه الله، ودَعاهُ إِلى دَفْعِ الكفارة.\nوالمفتري كاذبٌ في دعوى تطليقِ حفصةَ، فلم يُطَلِّقْها رسول الله - ﷺ -.\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٦ - هل نسخَ تَحريمُ إِتلافِ أَشجارِ الأَعداء</span>؟:\nادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - حَرَّمَ إِتْلافَ أَشجارِ الأَعداء وقْتَ حربِهم، ثم نسخَ ذلك وأَباحَ إِتلافَ أَشجارِهم والعبثَ بمزارعِهم.\nأَوردَ قولَه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) .\nوعَلَّقَ على الآيةِ قائلًا: \" لما حاصرَ محمدٌ يهودَ بني النَّضير بجوارِ\nيثرب، قَطَعَ نخيلَهم، فنادوه من الحصون: يا محمد! قد كُنتَ تَنهى عن\nالفسادِ، وتُعيبُه على مَنْ صَنَعَهُ، فما بال قَطْعِ النخيلِ وتحريقِها؟\nفارتابَ بعضُ الصحابة بِجَوازِ هذا الفعل، وتأَثَّروا من اعتراضِ بني النضير، فأَتى الناسخُ، وجعلَ هذه الأَفعالَ الفاسدةَ بإِذن الله! \".","vol":"1","page":634},{"text":"لا نَسْخَ في هذه الحادثةِ، ودعوى النسخِ في ذهنِ الفادي المجرم، ليتهكَّمَ على القرآن، ويُدينَ رسولَ اللهِ - ﷺ -.\nلما حاصرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يهودَ بني النَّضيرِ في السنةِ الرابعةِ للهجرة، شَنَّ عليهم حربًا اقتصادية، فأَمَرَ الصحابةَ بقَطْعِ وحَرْقِ بعضِ نَخيلِهم في بساتينِهم، ليوقعَ الحسرةَ في نفوسِهم، فأَنكروا عليه ذلك، ونَادَوهُ من الحصونِ قائلين: يا أَبا القاسم: قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ، فلماذا تَقطعُ النخيلَ وتَحرقُه؟!.\nوكأَنَّ بعضَ الصحابةِ تَحَرَّجوا من ذلك، فأَرادَ اللهُ أَنْ يُزيلَ ذلك التحرجَ\nمن قلوبهم، فأَنزلَ آيةً حكيمةً تبَيّنُ مشروعيتَه، وهي قولُه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) .\nأَيةُ نخلةٍ قَطعوها كان ذلك بإِذْنِ الله، وأَيةُ نخلةٍ تَركوها قائمةً على\nأُصولِها كان ذلك بإِذن الله، والمرادُ بإِذْنِه سبحانه رِضاهُ عن ذلك وإِباحتُه،\nومنحُ الثوابِ للصحابةِ الذين فَعَلوه، ومن حِكَمِ ذلك أَنه أَرادَ سبحانه أَنْ يَنصرَ المؤمنين، ويُخزيَ اليهودَ الفاسقين الكافرين.\nواللهُ هو الذي أَوحى إِلى نبيِّه - ﷺ - بذلك، وهو أَمَرَ الصحابةَ به فنفَّذوه.\nفأَينَ الناسخُ والمنسوخُ في الآية؟\nوما الذي نسخَتْه الآيةُ؟\nولماذا زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنها ناسخة؟\nوكيف يَصِفُ قطعَ النخيلِ الذي أَذِنَ اللهُ به ورضيَه وأَباحَه أَفعالًا فاسدة؟\nوهل اللهُ يأذنُ ويُجيزُ أَفعالًا فاسدة؟!.\nإِنَّ الآيةَ أَباحَتْ قطعَ نخيلِ اليهود، ودلَّتْ على مشروعيةِ الحربِ\nالاقتصاديةِ ضدَّ الأَعداءِ المحاربين، وتَدميرِ اقتصادِهم وممتلكاتِهم، وهذا\nالتشريعُ الذي قررَتْه لا يُسمى نَسْخًا، لأَنه لم يَنسخْ حكْمًا تشريعيًا قبلَه! ولكنَّ الفادي المفترِي جاهل، ولذلك جَعَلَها ناسخةً لحرمةِ قَطْعِ النخيل، مع أَنه لم يَسبقْ أَنْ جاءَ حكمٌ شرعيٌّ بحرمةِ قَطْعِ النخيل!.\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>٧ - لا نسخ في الصلاة على غير المسلم:</span>\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الصلاةَ على غيرِ المسلم كانت جائزة، ولما","vol":"1","page":635},{"text":"صَلّى الرسولُ - ﷺ - على عبدِ الله بنِ أُبَيّ اعترضَ عليه عمرُ بنُ الخطاب، فنسخَ إِباحةَ الصلاةِ، وحَرَّمَها إرضاءً لعمر.\nقالَ المجرمُ: \" جاءَ في سورةِ التوبة (٨٤): (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) .\nجاءَتْ هذه الآية ُ بعدَ فراغِ محمدٍ من صلاتِه على جثةِ المنافقِ عبدِ الله بنِ\nأُبيِّ ابن سلول، وإِقامتهِ على قبرِه حتى نهايةِ دفنِه، وكان عمرُ يُمانعُ محمدًا من\nالصلاةِ عليه بسببِ نفاقِه، فلم يَمتنع، ولكن إِرضاءً لعمرَ نزلَ الناسخُ ليوقفَ تأثيرَ الصلاة \".\nوالحادثةُ ليستْ كما قال هذا المفترِي، ولم تكن الصلاةُ على المنافقِ أَو\nالكافرِ إِذا ماتَ مُحَرَّمَة، ولو كانت كذلك لما فعلَها رسولُ الله - ﷺ -، لأَنه كان ملتزمًا بأَحكامِ الله، ولا يُمكنُ أَنْ يفعلَ شيئًا حَرَّمَهُ اللهُ عليه.\nكانت الصلاةُ على غير المسلمِ مسكوتًا عنها، لا مُباحَةً ولا مُحَرَّمَة، لم\nيَرِدْ نَصّ بإِباحتِها، ولا بحرمتِها.\nوتُوفيَ عبدُ الله بنُ أُبَيِّ ابن سَلُول زعيمِ المنافقين، وكان مُسْلمًا في\nالظاهر، ومحسوبًا على المسلمين، فَدَعا الرسولُ - ﷺ - المسلمينَ إِلى الصلاةِ عليه.\nفتدخَّلَ عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ -، وقال: كيفَ تُصلّي عليه وهو المنافق؟\nفلم يلتفتْ له رسولُ الله - ﷺ -، وصلّى على ابنِ أُبَي.\nفأنزلَ اللهُ الآيةَ يَنهى الرسولَ - ﷺ - عن الصلاةِ على أَحَدٍ من الكافرين أَو المنافقين، كما ينهاهُ عن تَشييعِ جنازتِه، أَو الإِقامةِ على قبره.\nولم تَنزل الآية ُ إِرضاءً لعمر، كما ادَّعى ذلك المفترِي.\nوهذه الآية ُ ليستْ ناسخةً، كما ادَّعى المفترِي الجاهل، لأَنه لم يسبقْها\nحكْمٌ شرعيّ بإِباحةِ الصلاة على الكافرِ أَو المنافق، حتى تنسخَه وتُحَرِّمَ ذلك.\nوالنسخ هو رفعُ حكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّر.","vol":"1","page":636},{"text":"وبهذا نعرفُ جَهلَ الفادي المفترِي بأَحكامِ الناسخِ والمنسوخ، ومع ذلك\nيَدَّعي وقوفَه على الأَسبابِ الحقيقيةِ للناسخِ والمنسوخ، والأَسبابُ التي عَرَضَها هي في مخيَّلتِه المريضة، وهدفُه منها التهكمُ على الإِسلام، واتهامُ القرآن، وإِدانَةُ الرسول - ﷺ -.\nومعظمُ الأَمثلةِ التي ذكَرَها وحَلَّلَها لا نسخَ فيها!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>حول الكلام المتشابه في القرآن</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على وُجودِ الكلامِ المتشابهِ في القرآن، واعْتَبره\nنَقصًا في إِحكامِ القرآنِ وبلاغَتِه، وأَنَّ المسلمَ يُلغي عَقْلَه أَمامَه ويُسَلِّمُ به تسليمًا أَعمى.\nقالَ: \" جاءَ في سورةِ آل عمران: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\nاعترفَ القرآنُ أَنَّ به آياتٍ مُحْكَمات، لا تَقبلُ الصرفَ عن ظاهرها، ولا الذهابَ في محتملاتِها مذاهبَ شَتّى..\nكما قالَ: إِنَّ به آياتٍ متشابهات، لا يَتضحُ مَعْناها، لأَنها مجملة، أَو غيرُ موافقةٍ للظاهرِ إِلّا بتدقيقِ الفِكْر، وما يَعْلمُ تَأْويلَها إِلّا الله.\nوإِنَّ على أَشَدِّ الناسِ رسوخًا في العلمِ أَنْ يُسَلِّموا بها تَسليمًا أَعمى.\nونحنُ نسألُ: أَليسَ وجودُ هذه المتشابهاتِ نَقْصًا في البلاغةِ والإِحكام؟\nفكيفَ نتأكدُ ممَّا لا يَعلمُ تأويلَه إِلّا الله؟.\nقالَ الإِنجيل: \" امْتَحِنوا كُلَّ شيء، تَمَسَّكُوا بالحَسَن \".\nفهل يَحتملُ القرآنُ الامتحان؟ \".\nآياتُ القرآن نوعان: آياتٌ محكَمات، وآياتٌ متشابهات.\nقالَ تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)","vol":"1","page":637},{"text":"ومعظمُ آياتِ القرآنِ محكَمات، والآياتُ المتشابهاتُ آياتٌ\nقليلةٌ جدًّا.\nوالمحكَمات هنَّ أُمُّ الكتاب، والأَصْل الواضحُ الذي يَجبُ\nحملُ الآيات ِ المتشابهاتِ عليها، لإِحسانِ فهمِها ومعرفةِ مَعْناها.\nوالمحكَماتُ واضحاتُ الدلالة، لا لَبْسَ ولا غُموضَ فيها، ولا إِشكالَ عليها.\nأَمّا المتشابهات فإِنّ فيها لَبْسًا وإِشكالًا، ومَعْناها غيرُ واضحٍ وُضوحَ معنى المحكَمات، ويقفُ العلماءُ أَمامَها باحِثينَ متفكِّرين، ويَجبُ عليهم أَنْ يَحْمِلوها على الآياتِ المحكمَات، لِيُزيلوا اللَّبسَ عنها، ويُحْسِنوا معرفةَ\nمَعناها.\nولا يَستحيلُ معرفةُ معنى الآيات ِ المتشابهاتِ كما ادَّعى الفادي المفْتَري، فإِنَّ معرفةَ معناها ممكِنَة، بل هي واجبة، لأَنه يَجبُ علينا معرفةُ كُلِّ معاني القرآن، ولم يُخاطبنا اللهُ في القرآنِ بشيءٍ لا نَعرفُ معناه، فقد أَنزلَه علينا\nبلسانٍ عربيٍّ مُبين، وأَوجبَ علينا فَهْمَه، وتَدَبُّرَه، فكلُّ ما في القرآن مَفهومُ المعنى، ومنه الآيات ُ المتشابهات.\nلكن معرفة معنى الآيات المتشابهات يحتاج إلى مزيد من النظر والتفكر والبحث، لأَنها ليستْ بوضوحِ الآياتِ المحكَمات، ولَنْ يُعْرَفَ معناها بدقَّةٍ وإِتْقانٍ إِلّا بَحَمْلها على أُصولِها من الآياتِ المحْكَمات، وهذا ممكنٌ يتمُّ على\nأَيْدي الراسخين في العلم.\nوهناكَ أَشخاصٌ في قلوبِهم مَرَض، من أَمثالِ هذا الفادي المفتري المجرم، يَتركونَ الآياتِ المحكَماتِ الواضحاتِ الكثيرة، ويَبْحَثونَ عن الآياتِ المتشابهاتِ القليلة، بهدفِ فتنةِ المؤمنين، وتَشكيكِهم في القرآن، ويُثيرون\nالشبهاتِ والإِشكالاتِ على معاني الآيات ِ المتشابهات، ولو حَمَلوا الآياتِ المتشابهاتِ على أُصولِها المحكماتِ لأَحْسَنوا فهمَ تلك المتشابهات.\nإِذنْ معرفةُ معنى الآياتِ المتشابهاتِ ممكنةٌ بل واجبة، والمؤمنُ يَتعاملُ معها بوعْي عقلي، ولا يُسلمُ بها تَسليمًا أَعمى، كما ادَّعى هذا الفادي الأَعْمى.","vol":"1","page":638},{"text":"والذي لا يَعرفُهُ الراسخون في العلمِ من المتشابهاتِ هو كيفيتُها الواقعيةُ\nالعمليةُ المادية، لأَنها غيبية غيرُ مُدْرَكَةٍ بالعقل، والعقلُ عاجز عن تكييفِها،\nفلذلك يَكِلونَ كيفيتَها إِلى الله، ويَقولون: آمَنّا بالقرآن، كُلّ قسمَيْه من المحْكَمِ والمتشابه من عندِ رَبِّنا.\nوالفادي لجهْلِه وغَبائِه وصِغَرِ عَقْلِه لم يُفَرِّق بين معرفةِ مَعاني الآيات ِ\nالمتشابهات الممكِنة، التي تتمّ على أَيدي الراسخين في العلم، وبينَ تَكييفِها\nالواقعيّ العمليِّ الذي لا يُمكنُ أَنْ تَقومَ به عقولُ الراسخين في العلم، فيَكِلونَ\nهذا التَّكييفَ إِلى الله!!.\nووجودُ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ في القرآن، تأكيد على بلاغةِ القرآن\nوسُمُوِّهِ وإحْكَامِهِ وإِعجازِهِ، وليس نَقْصًا في بلاغتِهِ وإِحكامِهِ، كما ادَّعى\nالجاهلُ، والقرآنُ يَدعو الراسخينَ في العلم من أُولي الأَلباب إِلى إِمعانِ النظرِ\nفي الآياتِ المتشابهات، وإِطالةِ الوقفةِ أَمامَها، وحَمْلِها على أُصولِها\nالمحكَمات، لإِزالةِ اللَّبس الخارجيِّ عنها، وإِحسانِ فَهْمِها، وتَقديمِها\nللآخرين.\nوكان الفادي الجاهلُ غبيًّا عندما طَرَحَ سؤالَه في آخرِ كلامِه: \" فهل\nيَحتملُ القرآنُ الامتحان؟ \".\nنقولُ: نعم.\nالقرآنُ يَحتملُ الامتحان.\nوهو يَتَحَدّى الكافرين، ويَدْعوهم إِلى امتحانِه، ويحثُّهم على امتحانِه، ويُقررُ لهم أَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أَو اختلافًا أَو تفاوتًا أَو تناقضًا أَو اضطرابًا، ويَتَحَدّاهم باستخراجِ ذلك منه.\nوأَوضحُ دعوةٍ قرآنيةٍ لهم في قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\nوامتحنَ الكفارُ القرآن، ونَظَروا فيه بهدفِ الوقوفِ على الخطأ والاختلافِ\nوالتعارضِ والتناقض، واستمرَّ امتحانُهم ونَظَرُهم خمسةَ عشر قرنًا، وقَدَّموا في ذلك كلامًا تافِهًا لا وَزْنَ ولا قيمةَ له، مثلَ هذا الكلامِ الذي قَدَّمَه هذا الفادي","vol":"1","page":639},{"text":"المفتري الجاهل، ويُمكنُ الرَّدُّ على شبهاتِهم بسهولةٍ ويُسْر، ولم يَتَأَثَر القرآنُ بما قالوه عنه، وبَقيَ صخرةً قويةً ثابتة، يَصدُق عليهم وعليه قولُ الشاعر:\nكَناطِحِ صَخْرَةٍ يَوْمًا لِيوهِنَها ... فَما وَهاها وَأَوْهى قَرْنَهُ الوَعِلُ\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>هل القرآن مثل كلام الناس</span>؟\nوضَعَ الفادي المفترِي عِنوانًاا ستفزازيًا مُثيرًاْ \" الكلامُ المماثلُ لغيرِه من\nكلامِ الناس \" ادَّعى فيه أَنَّ القرآنَ مثلُ كَلامِ الناس.\nوجاءَ في عرضِه لفكرتِه الخبيثة قولُه: \" جاءَ في سورةِ الإِسراء (٨٨):\n(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .\nونحنُ نسألُ: أَليست المعلَّقاتُ السبعُ ومَقاماتُ الحريريِّ أَفصحَ من\nالقرآن؟\nأَو ليس امرؤُ القيس أَفصحَ من محمد؟\nأَليستْ قصائدُ المتنبي وابن الفارضِ وخُطَبُ قِسّ بنِ ساعِدَة وغيرهم تُحاكي فَصاحةَ القرآن، وتُخرجُه عن كونِه معجزة؟\nفليس القرآنُ من المعجزةِ في شيء، لأَنَّ المعجزةَ حَدَثٌ يحدُثُ\nخِلافَ مَجرى الطبيعةِ وناموسِها، فإِماتةُ حَيٍّ بطريقةٍ ما لا يُعَدُّ مُعجزة، لحدوثِه وفقَ ناموسِ الطبيعة، ولكنَّ إِحياءَ الميتِ بواسطةِ دُعاءٍ وأَمْرٍ يُحْسَبُ مُعجزة..\nوعليه فتأليفُ كتابٍ في نهايةِ البلاغةِ والفصاحةِ لا يُعَدُّ معجزة، بل يُعَدُّ من\nنوادِرِ أَعمالِ الإِنسان.\nوإِنْ حَسَبْنا القرآنَ بناءً على سموِّ بلاغَتِه وفصاحتِه معجزةً، سيلزَمُنا أَن\nنَحْسِبَ كثيرًا من أَشعارِ العَرَبِ وخُطَبِهم مُعْجزات!\nوإِنْ كانَ القرآنُ يتحدّى الناسَ جَميعًا في فصاحتِه، فأَي مسلمٍ يَقرأُ للعربِ قصائِدَهم العامرةَ وخُطَبَهم الرنانة، ويتذرَّعُ بالشجاعةِ في الرأي ويُعلنُ الحقيقةَ السافرةَ أَنَّ محمدًا كأَحَدِ هؤلاءِ العرب، أَو يقل عنهم!.","vol":"1","page":640},{"text":"وكم هم الذين يَزيدون فصاحةً من أُدباءِ اليهودِ في اللغةِ العِبْرِية، ومن\nأُدباءِ اليونانِ في اللغةِ اليونانية، ومن أُدباءِ الرومانِ في اللغةِ الرومانية، كما هو معروفٌ أَنَّ لكلّ لغةٍ أُدباءَها.\nأَما معلوماتُ القرآن فلم تَزِدْ عن أَقوالِ العربِ والمجوسِ واليهود\nوالنصارى، الذين أُخِذَ عنهم! \".\nإِنَّ المجرمَ الفاجرَ يَرى أَنَّ القرآنَ من كلامِ محمد - ﷺ - وليس من كَلامِ الله، وأَنَّ بعضَ كلامِ العرب أَفصحُ من القرآن، كشعرِ امرئ القيس والمتَنَبي، وحتى مقاماتُ الحريري الركيكةُ أَفصحُ عنده من القرآن.\nوهو يَرى أَنَّ القرآنَ ليس معجزةً للنبي - ﷺ -، لأَنَّ المعجزةَ في نظرهِ حَدَثٌ يَحدثُ على خلافِ الطبيعة، كإِحياء الميت، والقرآنُ في نظرِه ليس على خلافِ الطبيعةِ البشرية، إِنه كتابٌ أَلَّفَه محمدٌ - ﷺ - على مستوى من الفصاحةِ والبلاغة، فالقرآنُ صناعةٌ بشريةٌ من نَوادرِ أَعمالِ الإِنسان!\nولو كانَ القرآنُ معجزةً لكانتْ كُلُّ خُطَبِ العربِ وأَشعارِهم معجزات!!.\nويرى المجرمُ أَنَّ تحدّي القرآنِ الناسَ في فصاحتِه لا مَعنى له، لأَنَّ\nمؤَلّفَه محمدًا - ﷺ - أَقَلُّ من مستوى العربِ في الفصاحةِ والبلاغة!!.\nإِنَّ المجرمَ يَهذي في هذا الكلام، ويُقدمُ كَلامًا تافِهًا ساقِطًا، يوحي به\nإِليه حِقْدُه ولؤمُه وخبثُه وكيدُه، ولذلك يُغالطُ الحقائِق، ويطلبُ من القارئ\nتَصديقَه!!.\nهَبْ أَنَّ القرآنَ أَقَلُّ فصاحةً وبلاغةً من خُطَب وأَشعارِ العرب، فلماذا لم\nيَأتوا بالمطلوبِ لما تَحَدّاهم القرآن؟\nولماذا لم يُؤَلًّفوا سورةً أَوْ عَشْرَ سُوَر؟\nوما الذي مَنَعَهم من ذلك وهم الأَفصحُ والأَبلغ؟\nوهم الحَريصونَ على أَنْ لا يَنْهَزِموا في ميدانِ البيانِ والفصاحةِ والبلاغة!!.","vol":"1","page":641},{"text":"ومَن الذي قالَ: إِنَّ القرآنَ ليس معجزة؟\nإِنَّ المعجزةَ هي الأَمْرُ الخارقُ للعادة، يُجريهِ اللهُ على يَدِ النبيّ، وما ذَكَرَهُ من إِحياءِ الميتِ معجزةٌ، لكنَّها ليستْ خاصةً به.\nإِنَّ المعجزاتِ نوعان:\nالنوعُ الأَول: معجزات ماديَّة، سالمةٌ من المعارضة، بحيثُ لا يَستطيعُ\nالخصْمُ نَقْضَها ومعارضَتَها وإبطالَها، مثلُ عصا موسى - ﵇ -، التي جعلَها اللهُ حَيَّةً تَسعى، والْتَقمتْ كُلَّ ما قَدَّمَ السحرةُ من حِبالٍ وعِصِي، ومثلُ النارِ التي جَعَلَها اللهُ بَرْدًا وسلامًا على إِبراهيم - ﵇ -، ومثْلُ إِحياءِ الميت الذي تَم على يَدِ عيسى - ﵇ -.\nالنوعُ الثاني: معجزاتٌ معنويةٌ غيرُ محسوسةٍ ولا ملموسة، مثلُ القرآنِ\nالذي جَعَلَهُ اللهُ آيةً بيانيةً عقليةً للنبيِّ - ﷺ -، وهو معجزةٌ عقليةٌ يُخاطبُ اللهُ بها العقلَ الإِنساني، ويُقَدمُ الأَدلةَ العقليةَ العديدةَ على أَنه من عندِ الله، وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ تكونَ معجزةُ الرسولِ - ﷺ - الأُولى عقليةً بيانية، لأَنَ رسالتَه مستمرة حتى قيامِ الساعة، فلا نبيَّ بعده.\nفحصْرُ الفادي المجرمِ المعجزاتِ بالنوعِ الأَوَّلِ دَليلُ جهْلِه وغبائِه.\nولقد كانَ لرسولِنا محمدٍ - ﷺ - معجزاتٌ ماديةٌ ثانوية، مثلُ تكثيرِ الطعامِ والماءِ بين يديه، وتسبيحِ الحصى بين يدَيْه، ومعجزةِ الإِسراءِ والمعراج.\nوعندما طلبَ المشركونَ من الرسولِ - ﷺ - تقديمَ معجزات مادية، كتلك التي أَتى بها الأَنبياءُ السابقون، رَدَّ اللهُ عليهم بلَفْتِ نظرِهم إِلى معجزتِه الأَهَم التي هي القرآن.\nقالَ تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) .\nويُغالطُ الفادي المجرمُ، ويُخالفُ المنطقَ والموضوعيةَ، عندما يَدعي أَنَّ\nأَشعارَ العربِ أَفصحُ من القرآن، وحتى مقاماتُ الحريري أَفصحُ من القرآن،","vol":"1","page":642},{"text":"وإِنَّ الباحثينَ المنصفينَ المُحايدين، الذين يَحتَرمونَ عُقولَهم وعقولَ القراء،\nويَحترمون الحقيقةَ والموضوعية، قَرّروا أَنه لا مجالَ للمقارنةِ بينَ القرآنِ وبين\nالشعرِ العربي، لأَنَّ فصاحةَ القرآنِ وبلاغتَه بَلَغَتْ حَدَّ الإِعجاز، ولذلك عَجَزَ العربُ المشركون عن معارضةِ القرآن، والإِتيانِ بمثلِه، أَو بعشرِ سورِ مثلِه، أَو بسورةِ مثله.\nولقد أَخبرَ القرآنُ استحالةَ قدرةِ الناسِ على معارضةِ القرآنِ والإِتيانِ\nبمثْلِه، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) .\nوهذه الآيةُ الجازمة، يُصَدّقُها الواقعُ التاريخي، على مَدارِ خمسةَ عَشَرَ\nقرنًا، فكم حارَبَ القرآنَ من أَصنافِ الكفار، وكم حاوَلوا معارضَتَه ونَقْضَه، ولكنَّ جَميعَ محاولاتِهم باءَتْ بالفَشَل، ولم يتمكَّنوا من معارضتِه والإِتيانِ\nبمِثْلِه، ويَبقى خَبَرُ الآيةِ قائمًا: (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) .\nويَبْقَى هذا دليلًا قاطِعًا على أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! وأَنه لا يُماثِلُ ولا يُشابِهُ\nكَلامَ الناس.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>حول الاختلاف والتناقض في القرآن</span>\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ القرآنَ ليسَ مُختلفًا ولا مُتناقضًا، ولو كانَ من عندِ غير اللهِ\nلكانَ فيه الكثيرُ من الاختلافِ والتناقض.\nقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .\nولكنَّ الفادي المجرمَ لم يُصَدِّق الآيةَ، وإِنما كَذَّبَها، وادَّعى أَنَّ القرآنَ\nمختل مُضطرب مُتناقض.\nوقالَ تحتَ عنوان: \" الكَلامُ المختلف \": \" جاءَتْ في القرآنِ اختلافاتٌ كثيرةٌ لاختلافِ قراءاتِه، وصارَتْ سُنَّة أَنَّ عباراتِ القرآنِ على سبعةِ أَحرفٍ أَو سبعةِ أَوجهٍ، حتى ليَصعبُ على الإِنسانِ أَنْ يُصدرَ حُكْمًا","vol":"1","page":643},{"text":"صحيحًا، لعدمِ تأكيدِه إِلى أَيِّ قراءةٍ يَستند ... \" (١) .\nيَزْعُمُ المفترِي أَنَّ القراءاتِ تُؤَدّي إِلى الاختلافاتِ الكثيرةِ في القرآن.\nوكأَنَّ هذه القراءات من وَضْعِ واختيارِ البشر، وهذا زعمٌ باطل.\nوإِنَّ القراءاتِ الصحيحةَ عَشْرُ قراءات، هي: قراءةُ ابنِ كثيرٍ المكي،\nونافعِ المدني، وابنِ عامر الشامي، وأَبي عمرو البصري، وعاصمِ الكوفي،\nوحمزةَ الكوفي، والكسائي الكوفي، وأَبي جعفر المدني، ويعقوبَ البصري،\nوخَلَفٍ البغدادي.\nوكُلُّ هذه القراءاتِ العشرِ أَنزلَها اللهُ على نبيِّه محمدٍ - ﷺ -، فكلُّها كَلامُ اللهِ قَطْعًا.\nوشروطُ القراءةِ الصحيحةِ ثلاثة: أَنْ تكونَ صحيحةَ السَّنَد، وأَنْ تُوافِقَ رَسْمَ المصحف العثماني، وأَنْ تُوافِقَ اللغةَ العربية..\nفإِذا اختلَّ واحِدٌ من هذه الشروطِ الثلاثة كانت القراءةُ شاذةً غيرَ صحيحة، وحكَمْنا بأَنها ليستْ قرآنًا.\nولا اختلافَ بين القراءاتِ العشرِ كما زَعَمَ هذا الجاهل، لأَنها كُلها\nمتوافقةٌ مع رسمِ المصحف، والخلافُ بينها يسيرٌ في بعضِ الحركاتِ أَو\nالحروف، وضمنَ المصحف، واللهُ أَنزلَ الآيةَ بأَكثرَ من قراءةٍ لحِكَمٍ عديدة.\nوعلْمُ \" القراءات \" عِلْمٌ أَصيل، وقد حَصَرَ علماءُ القراءات تلكَ القراءات\nحَصْرًا دَقيقًا مضبوطًا، وحَدّدوا كيفيةَ النطقِ بكلّ قراءة، وأَلَّفوا في ذلك العديدَ من الكتب، وصارَ بإِمكانِ أَيِّ قارئٍ للقرآن أَنْ يُتقنَ قراءةَ أَيِّ إِمامٍ من القُرّاءِ العشرة.\nولكنَّ الفادي الجَاهلَ محجوب عن هذا العلمِ، لكُفْرِه وحِقْدِه وجَهْلِه\nوغبائه.\nوكما اعترضَ الفادي الجاهلُ على القراءات اعترضَ على الأَحرفِ\nالسبعة، التي أَنزلَ اللهُ القرآنَ عليها، واعتبرَها سَبَبًا في وجودِ الاختلافِ\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٣- تعدد قراءات القرآن\nمقدمة: تعدد القراءات ألا يدل على الإختلاف فيه، وهو نوع من التحريف؟\nالقراءات: جمع قراءة، وقراءات القرآن مصطلح خاص لا يراد به المعنى اللغوى المطلق، الذى يفهم من اطلاع أى قارئ على أى مكتوب، بل لها فى علوم القرآن معنى خاص من إضافة كلمة قراءة أو قراءات للقرآن الكريم، فإضافة \" قراءة \" أو \"قراءات \" إلى القرآن تخصص معنى القراءة أو القراءات من ذلك المعنى اللغوى العام، فالمعنى اللغوى العام يطلق ويراد منه قراءة أى مكتوب، سواء كان صحيفة أو كتابًا، أو حتى القرآن نفسه إذا قرأه قارئ من المصحف أو تلاه بلسانه من ذاكرته الحافظة لما يقرؤه من القرآن ومنه قول الفقهاء:\nالقراءة فى الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء تكون جهرًا، فإن أسرَّ فيهما المصلى فقد ترك سُنة من سنن الصلاة، ويسجد لهما سجود السهو إن أسر ساهيًا. فقراءة القرآن هنا معنى لغوى عام، لا ينطبق عليه ما نحن فيه الآن من مصطلح: قراءات القرآن. وقد وضع العلماء تعريفًا للقراءات القرآنية يحدد المراد منها تحديدًا دقيقًا. فقالوا فى تعريفها:\n\" اختلاف ألفاظ الوحى فى الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما (البرهان فى علوم القرآن (١/٣١٨» .\nوقد عرفها بعض العلماء فقال:\n\" القراءات: هى النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبى ﷺ..\" (القراءات القرآنية تاريخ وتعريف) .\nومما تجب ملاحظته أن القراءات القرآنية وحى من عند الله ﷿، فهى إذن قرآنً، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:\nقوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنْفُسِكُمْ) (١) . هذه قراءة حفص عن عاصم، أو القراءة العامة التى كُتب المصحف فى خلافة عثمان بن عفان ﵁ عليها، والشاهد فى الآية كلمة \"أنفُسِكُم\" بضم الفاء وكسر السين، وهى جمع: \" نَفْس \" بسكون الفاء، ومعناها: لقد جاءكم رسول ليس غريبًا عليكم تعرفونه كما تعرفون أنفسكم لأنه منكم نسبًا ومولدًا ونشأة، وبيئة، ولغة.\nوقرأ غير عاصم: \" لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكُمْ \" بفتح الفاء وكسر السين، ومعناها: لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم.\nو\" أنْفَس \" هنا أفعل تفضيل من النفاسة. فكلمة \" أنفسكم \" كما ترى قرئت على وجهين من حيث النطق. وهذا هو معنى القراءة والقراءات القرآنية.\nمع ملاحظة مهمة ينبغى أن نستحضرها فى أذهاننا ونحن نتصدى فيما يأتى للرد على الشبهة التى سيوردها خصوم القرآن من مدخل: تعدد قراءات القرآن أن هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات فى الآية دون كلمات الآية الأخرى، وقد رأينا فى الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات، بل كانت فى كلمة واحدة هى \" أنفسكم \".\nوهذا هو شأن القراءات فى جميع القرآن، كما ينبغى أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّا تامًّا.\nومثال آخر، قوله تعالى:\n\" مالك يوم الدين \" والشاهد فى الآية كلمة \" مالك \"، وفيها قراءتان:\n\" مالك \" اسم فاعل من \" مَلِكَ \" وهى قراءة حفص وآخرين. \" مَلِك \" صفة لاسم فاعل، وهى قراءة: نافع وآخرين.\nومعنى الأولى \" مالك \" القاضى المتصرف فى شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة.\nأما معنى \" مَلِك \" فهو أعم من معنى \" مالك \" أى من بيده الأمر والنهى ومقاليد كل شىء. ما ظهر منها وما خفى.\nوكلا المعنيين لائق بالله تعالى، وهما مدح لله ﷿.\nولما كانت هذه الكلمة تحتمل القراءتين كتبت فى الرسم هكذا \"ملك \" بحذف الألف بعد حرف الميم، مع وضع شرطة صغيرة رأسية بين الميم واللام، ليصلح رسمها للنطق بالقراءتين.\nومثال ثالث هو قوله تعالى:\n(يوم يُكشف عن ساق) (٢) .\nوالشاهد فى الآية كلمة \" يُكشَف \" وفيها قراءتان الأولى قراءة جمهور القراء، وهى \" يُكشف \" بضم الياء وسكون الكاف، وفتح الشين. بالبناء للمفعول، والثانية قراءة ابن عباس \" تَكْشِفُ \" بفتح التاء وسكون الكاف، وكسر الشين، بالبناء للفاعل، وهو الساعة، أى يوم تكشف الساعة عن سياق. قرأها بالتاء، والبناء للمعلوم، وقرأها الجمهور بالياء والبناء للمجهول.\nوالعبارة كناية عن الشدة، كما قال الشاعر:\nكشفت لهم ساقها * * * وبدا من الشر البراح (٣) .\nهذه نماذج سقناها من القراءات القرآنية تمهيدًا لذكر الحقائق الآتية:\n- إن القراءات القرآنية وحى من عند الله ﷿.\n- إنها لا تدخل كل كلمات القرآن، بل لها كلمات محصورة وردت فيها، وقد أحصاها العلماء وبينوا وجوه القراءات فيها.\n- إن الكلمة التى تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه.\n- إن القراءات القرآنية لا تؤدى إلى خلل فى آيات الكتاب العزيز، وكلام الله الذى أنزله على خاتم رسله عليهم الصلاة والسلام.\nومع هذا فإن خصوم الإسلام يتخذون من تعدد قراءات بعض كلمات القرآن وسيلة للطعن فيه، ويرون أن هذه القراءات ما هى إلا تحريفات لحقت بالقرآن بعد العصر النبوى.\nوكأنهم يريدون أن يقولوا للمسلمين، إنكم تتهمون الكتاب المقدس بعهديه (التوراة والإنجيل) بالتحريف والتغيير والتبديل، وكتابكم المقدس (القرآن) حافل بالتحريفات والتغييرات والتبديلات، التى تسمونها قراءات؟\nوهذا ما قالوه فعلًا، وأثاروا حوله لغطًا كثيرًا، وبخاصة جيش المبشرين والمستشرقين، الذين تحالفوا إلا قليلًا منهم على تشويه حقائق الإسلام، وفى مقدمتها القرآن الكريم.\nونكتفى بما أثاره واحد منهم قبل الرد على هذه الشبهة التى يطنطنون حولها كثيرًا، ذلكم الواحد هو المستشرق اليهودى المجرى المسمى: \" جولد زيهر \" الحقود على الإسلام وكل ما يتصل به من قيم ومبادئ.\nإن هذا الرجل لهو أشد خطرًا من القس زويمر زعيم جيش المبشرين الحاقدين على الإسلام فى عهد الاحتلال الإنجليزى للهند ومصر.\nأوهام جولد زيهر حول القراءات القرآنية:\nالمحاولة التى قام بها جولد زيهر هى إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله، نزل به الروح الأمين إلى كونها تخيلات توهمها علماء المسلمين، وساعدهم على تجسيد هذا التوهم طبيعة الخط العربى؛ لأنه كان فى الفترة التى ظهرت فيها القراءات غير منقوط ولا مشكول، وهذا ساعد على نطق الياء ثاء فى مثل \" تقولون \" أو \" تفعلون \"! فمنهم من قرأ بالتاء \" تقولون \" ومنهم من قرأ بالياء \" يقولون \".\nهذا من حيث النقط وجودًا وعدمًا، أما من حيث الشكل أى ضبط الحروف بالفتح أو الضم مثلًا، وأرجع إلى هذا السبب قوله تعالى: (وهو الذى أرسل الرياح بُشرًا..) (٤) .\nفقد قرأ عاصم: \" بُشرا \" بضم الباء وقرأها الكسائى وحمزة: \" نَشْرا \" بالنون المفتوحة بدلًا من الباء المضمومة عند عاصم.\nوقرأ الباقون: \" نُشُرا \" بالنون المضمومة والشين المضمومة، بينما كانت الشين فى القراءات الأخرى ساكنة (٥) .\nوفى هذا يقول جولد زيهر نقلًا عن الترجمة العربية لكتابه الذى ذكر فيه هذا الكلام (٦):\n\" والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب فى ظهوره إلى خاصية الخط العربى، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها، كما أن عدم وجود الحركات النحوية، وفقدان الشكل (أى الحركات) فى الخط العربى يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب. فهذه التكميلات للرسم الكتابى ثم هذه الاختلافات فى الحركات والشكل، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات، فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن \".\nإن المتأمل فى هذا الكلام، الذى نقلناه عن جولد زيهر، يدرك أن الرجل يريد أن يقول فى دهاء وخبث. إن هذه القراءات تحريفات معترف بها لدى المسلمين خاصتهم وعامتهم، وأن النصوص الإلهية المنزلة على رسولهم أصابها بعض الضياع إنه لم يقل صراحة بالتحريف وإنما وضع المبررات لوجود التحريف فى القرآن الحكيم.\nثم أخذ بعد ذلك يورد أمثلة من القراءات وينسبها إلى السببين اللذين تقدم ذكرهما، وهما:\n- تجرد المصحف من النقط فى أول عهده.\n- تجرد كلماته من ضبط الحروف.\nفإلى السبب الأول نسب قوله تعالى:\n(ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) (٧) .\nوالشاهد فى كلمة \" تستكبرون \" وهى قراءة الجمهور. وقد قارنها جولد زيهر بقراءة شاذة \" تستكثرون \" بإبدال الباء ثاء، يريد أن يقول: إن الكلمة كانت فى الأصل \" يستكبرون \" غير منقوطة الحروف الأول والثالث والخامس فاختُلِف فى قراءتها:\nفمنهم من قرأ الخامس \" باء \" والأول تاء فنطق: تستكبرون، ومنهم من قرأ الخامس \" ثاء \" فنطق \" تستكثرون.\nهذا هو سبب هاتين القراءتين عنده.\nوكذلك قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه..) (٨) .\nوالشاهد فى كلمة \" إياه \" ضمير نصب منفصل للمفرد الغائب الذكر.\nثم قارنها بقراءة شاذة لحماد الراوية هكذا \" اباه \" بإبدال الياء من \" إياه \" باء \" اباه \" أى وعدها إبراهيم ﵇ أباه؟ (٩) .\nأما اختلاف القراءات للسبب الثانى، وهو تجرد كلمات المصحف عن الضبط بالحركات، فمن أمثلته عنده قوله تعالى:\n(ومَنْ عِنْدَهُ علم الكتاب) (١٠) .\nوقارن بين قراءاتها الثلاث: \" مَنْ عنْدَهُ \" \" مِنْ عِنْدِه \" \"مَنْ عِنْدِهِ \"؟ !\nهذا هو منهجه فى إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله، إلى كونها أوهامًا كان سببها نقص الخط العربى الذى كتب به المصحف أولًا عن تحقيق الألفاظ من حيث حروفها ومن حيث كيفية النطق بها. واقتفى أثره كثير من المبشرين والمستشرقين.\nالرد على هذه الشبهة:\nلقد حظى كتاب الله العزيز بعناية منقطعة النظير، فى حياة النبى ﷺ، وبعد وفاته. ومن الحقائق الراسخة رسوخ الجبال أن طريق تَلَقِّى القرآن كان هو السماع الصوتى.\n- سماع صوتى من جبريل لمحمد ﵉.\n- وسماع صوتى من الرسول إلى كتبة الوحى أولًا وإلى المسلمين عامة.\n- وسماع صوتى من كتبة الوحى إلى الذين سمعوه منهم من عامة المسلمين.\n- وسماع صوتى حتى الآن من حفظة القرآن المتقنين إلى من يتعلمونه منهم من أفراد المسلمين.\nهذا هو الأصل منذ بدأ القرآن ينزل إلى هذه اللحظة وإلى يوم الدين، فى تلقى القرآن من مرسل إلى مستقبل.\nوليست كتابة القرآن فى مصاحف هى الأصل، ولن تكون. القرآن يجب أن يُسمع بوعى قبل أن يقرأ من المصحف، ولا يزال متعلم القرآن فى أشد الحاجة إلى سماع القرآن من شيوخ حافظين متقنين، وفى القرآن عبارات أو كلمات مستحيل أن يتوصل أحد إلى نطقها الصحيح عن مجرد القراءة فى المصحف، ولو ظل يتعلمها وحده أيامًا وأشهرا.\nوبهذا تهوى الأفكار التى أرجع إليها جولد زيهر نشأة القراءات إلى الحضيض، ولا يكون لها أى وزن فى البحث العلمى المقبول؛ لأن المسلمين من جيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يتعلموا القرآن عن طريق الخط العربى من القراءة فى المصاحف، وإنما تعلموه سماعًا واعيًا ملفوظًا كما خرج من فم محمد ﷺ، ثم قيض الله لكتابه شيوخًا أجلاء حفظوه وتلوه غضًا طريًا كما كان صاحب الرسالة يحفظه ويتلوه كما سمعه من جبريل أمين الوحى.\nأجل.. كان سيكون لأفكار جولد زيهر وجه من الاحتمال لو كان المسلمون يأخذون القراءة قراءة من مصاحف. أما وقد علمنا أن طريق تلقى القرآن هو السماع الموثق، فإن أفكار جولد زيهر تذهب هباء فى يوم ريح عاصف.\nثانيًا: إن القراءات الصحيحة مسموعة من جبريل لرسول الله ﷺ، ومسموعة من محمد ﷺ لكتبة الوحى، ومسموعة من محمد ومن كتبة الوحى لعموم المسلمين فى صدر الإسلام الأول، ثم شيوخ القرآن فى تعاقب الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها.\nلقد سمع المسلمون من محمد المعصوم عن الخطأ فى التبليغ \" فتبينوا \" و\" فتثبتوا \" فى قوله تعالى:\n(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (١١) بالباء والياء والنون.\nوسمعوها منه \" فتثبتوا \" بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد زيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل فى أول أمره؟.\nوالقراءتان، وإن اختلف لفظاهما، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها: لأن التبين، وهو المصدر المتصيد من \" فتبينوا \" هى التفحص والتعقب فى الخبر الذى يذيعه الفاسق بين الناس، وهذا البَين هو الطريق الموصل للتثبت. فالتثبت هو ثمرة التبين. ومن تبيَّن فقد تثبت. ومن تثبت فقد تبين.\nفما أروع هذه القراءات، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، إن قراءات القرآن لهى وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن، وإن كره الحاقدون.\nوكما سمع المسلمون من فم محمد، الذى لا ينطق عن الهوى ﷺ فى الآية السابقة: \" فتبينوا \" و\" فتثبتوا \" سمعوا منه كذلك، \" يُفَصِّل \" و\" نُفصِّلُ \" فى قوله تعالى:\n(ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) (١٢) .\nو\" نفصل الآيات \"\nوفاعل الفصل فى القراءتين واحد هو الله ﷿:\nوقد اختلف التعبير عن الفاعل فى القراءتين، فهو فى القراءة الأولى \" يفَصِّل \" ضمير مستتر عائد على الله ﷿ فى قوله:\n(ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أى يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد \" الله \".\nوفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم \"نُفَصِّل\" أى نفصل نحن.\nوالله واحد أحد، ولكن النون فى \" نفصل \" لها معنى فى اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة \" الجماعة \" تعظيمًا لشأنه، وإجلالًا لقدره.\nوفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى، وهو وصف ملازم لكل القراءات.\nوللبلاغيين إضافة حسنة فى قراءة \" نفصل \" بعد قوله: \" ما خلق الله.. \" هى الانتقال من الغيبة فى \" ما خلق الله \" إلى المتكلم فى \" نفصل \" للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.\nوبعد: إن إرجاع القراءات القرآنية لطبيعة الخط العربى الذى كان فى أول أمره خاليًا من النقط والشكل، كما توهم \" جولد زيهر \" ومن بعده \" آثر جيفرى \" فى المقدمة التى كتبها لكتاب المصاحف، لأبى داود السجستانى، وتابعهما المستشرق \" جان بيرك \"، إن هذه النظرية مجرد وَهْمٍ سانده جهل هؤلاء الأدعياء على الفكر الإسلامى، مبدؤه ومنتهاه الحقد على الإسلام والتطاول على القرآن، لحاجات فى نفوس \" اليعاقيب \".\nوقد قدمنا فى إيجاز ما أبطل هذه الأوهام، وبقى علينا فى الرد على هذه الشبهة أن نذكر فى إيجاز كذلك جهود علمائنا فى تمحيص القراءات، وكيف وضعوا الضوابط الدقيقة لمعرفة القراءات الصحيحة، من غيرها مما كان شائعًا وقت جمع القرآن فى عهد عثمان بن عفان \" ﵁ \".\nتمحيص القراءات:\nوضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التى هى وحى من عند الله. وتلك الضوابط هى:\n١- صحة السند، الذى يؤكد سماع القراءة عن رسول الله ﷺ.\n٢- موافقة القراءة لرسم المصحف الشريف، الذى أجمعت عليه الأمة فى خلافة عثمان ﵁ مع ملاحظة أن الصحابة الذين نسخوا القرآن فى المصحف من الوثائق النبوية فى خلافة عثمان، نقلوه كما هو مكتوب فى الوثائق النبوية بلا تغيير أو تبديل. ورسم المصحف الذى بين أيدينا الآن سنة نبوية؛ لأن النبى ﷺ أقر تلك الوثيقة، واحتفظ بها فى بيته حتى آخر يوم فى حياته الطيبة.\nولذلك أجمع أئمة المذاهب الفقهية على تحريم كتابة المصحف فى أى زمن من الأزمان، على غير الرسم المعروف بالرسم العثمانى للمصحف الشريف. ونقل هذا الإجماع عنهم كثير من علماء تاريخ القرآن (١٣) .\n٣- أن تكون القراءة موافقة لوجه من وجوه تراكيب اللغة العربية؛ لأن الله أنزل كتابه باللسان العربى المبين.\n٤- أن يكون معنى القراءة غير خارج عن قيم الإسلام ومقاصده الأصول والفروع.\nفإذا تخلف شرط من هذه الشروط فلا تكون القراءة مقبولة ولا يعتد بها.\nوعملًا بهذه الضوابط تميزت القراءات الصحيحة من القراءات غير الصحيحة، أو ما يسمى بالقراءات الشاذة، أو الباطلة.\nولم يكتف علماؤنا بهذا، بل وضعوا مصنفات عديدة حصروا فيها القراءات الصحيحة، ووجهوها كلها من حيث اللغة، ومن حيث المعنى.\nكما جمع العلامة ابن جنى القراءات الشاذة، حاصرًا لها، واجتهد أن يقومها تقويمًا أفرغ ما ملك من طاقاته فيه، وأخرجها فى جزءين كبيرين.\nأما ذو النورين عثمان بن عفان ﵁، حين أمر بنسخ الوثائق النبوية فى المصاحف، فقد أراد منه هدفين، ننقل للقارئ الكريم كلامًا طيبًا للمرحوم الدكتور/ محمد عبد الله دراز فى بيانهما:\n\" وفى رأينا أن نشر المصحف بعناية عثمان كان يستهدف أمرين:\nأولهما: إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة، التى كانت تدخل فى إطار النص المدون يعنى المصحف ولها أصل نبوى مجمع عليه، وحمايتها فيه منعًا لوقوع أى شجار بين المسلمين بشأنها، لأن عثمان كان يعتبر التمارى (أى الجدال) فى القرآن نوعًا من الكفر.\nثانيهما: استبعاد ما لا يتطابق تطابقًا مطلقًا مع النص الأصلى (الوثائق النبوية) وقاية للمسلمين من الوقوع فى انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أى تحريف، نتيجة إدخال بعض العبارات المختلف عليها نوعًا ما، أو أى شروح يكون الأفراد قد أضافوها إلى مصاحفهم \" (١٤) .\nهذه هى عناية المسلمين من الرعيل الأول بالقرآن الكريم وتعدد قراءاته، وحماية كتاب الله من كل دخيل على نصوص الوحى الإلهى.\nهذا، وإذا كان جولد زيهر، وآثر جيفرى المبشر الإنجليزى، وجان بيرك قد أجهدوا أنفسهم فى أن يتخذوا من قراءات القرآن منفذًا للانقضاض عليه، والتشكيك فيه، فإن غيرهم من المستشرقين شهدوا للقرآن بالحق، ونختم ردنا على هذه الشبهة بمستشرق نزيه، أثنى على القرآن وقال إنه النص الالهى الوحيد، الذى سلم من كل تحريف وتبديل، لا فى جمعه، وفى تعدد مصاحفه، ولا فى تعدد قراءاته. قال المستشرق لوبلوا: [إن القرآن هو اليوم الكتاب الربانى الوحيد، الذى ليس فيه أى تغيير يذكر] . ومن قبله قال مستشرق آخر (د. موير) كلاما طيبًا فى الثناء على القرآن، وهو: [إن المصحف الذى جمعه عثمان، قد تواتر انتقاله من يد ليد، حتى وصل إلينا بدون أى تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة، بحيث لم يطرأ عليه أى تغيير يذكر، بل نستطيع أن نقول إنه لم يطرأ عليه أى تغييرعلى الإطلاق فى النسخ التى لا حصر لها، المتداولة فى البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية\nالمتنازعة وهذا الاستعمال الإجماعى لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم حجة ودليل على صحة النص المُنزل، الموجود معنا والذى يرجع إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان ﵁ الذى مات مقتولا (١٥) . اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) التوبة: ١٢٨.\n(٢) القلم: ٤٢.\n(٣) معانى القرآن للقراء (٣/١٧٧) .\n(٤) الفرقان: ٤٨.\n(٥) انظر: رسم المصحف (٢٩) للدكتور / عبد الفتاح شلبى، مكتبة وهبة.\n(٦) المذاهب الإسلامية (ص٤)، ترجمة د. محمد يوسف موسى.\n(٧) الأعراف: ٤٨.\n(٨) التوبة: ١١٤.\n(٩) رسم المصحف (٣٠)، مرجع سبق ذكره.\n(١٠) الرعد: ٤٣.\n(١١) الحجرات: ٦.\n(١٢) يونس: ٥.\n(١٣) ينظر: البرهان فى علوم القرآن، مرجع سبق ذكره.\n(١٤) \" مدخل إلى القرآن الكريم \" (ص٤٣) مرجع سبق ذكره.\n(١٥) حياة محمد: تأليف w.MUIR نقلا عن (مدخل إلى القرآن الكريم) .","vol":"1","page":644},{"text":"والاضطرابِ في القرآن.\nوقالَ في اعتراضه: \" قال محمد: \" هذا القرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه \"..\nقال محمدٌ هذا الكلامَ لعمرَ بن الخطّاب، لَمّا جاءَه عمرُ بهشامِ بنِ حكيم وقد لَبَّبَهُ بردائِه، لما سمعَهُ يقرأُ سورةَ الفرقان على غيرِ ما أَقرأَها محمدٌ لعُمَر.\nفقالَ عمرُ: يا رسولَ الله! إِني سمعتُ هذا يقرأُ سورةَ الفرقانِ على حروفٍ لم تُقْرِئْنيها..\nفقال له محمدٌ: \" اقْرأَ يا هشام \".\nفقرأَ عليه القراءةَ التي سمعَه عمرُ يقرؤُها.\nفقال محمد: \" هكذا أُنزلَتْ! \"\nثم قالَ محمد: \" اقرأْ يا عمرُ \".\nفقرأَ بقراءَتِه التي أَقرأَه بها محمد، فقالَ محمدٌ: \" هكذا أُنزلَتْ! \" ثم قالَ: \" إِنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، *\nفاقرؤوأ ما تيسَّرَ منه! \".\nقالَ المفَسِّرون: سبعةُ أَحْرف.\nأَيْ: سبعةُ أَوْجُهٍ مختلفة، أَو سبعُ قراءاتٍ مختلفه \".\nالقصةُ التي ذَكَرَها الفادي صحيحة، وقد أَجازَ الرسولُ - ﷺ - قراءهً هشامِ بنِ حكيم، وأَجازَ قراءةَ عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ -، لأَنه أَقْرَأَ كُلَّ واحدٍ بما قرأَه، وكان الخلافُ بينَ قراءةِ هشام وقراءةِ عُمَر قليلًا، وعَلَّلَ الرسولُ - ﷺ - الاختلافَ\nبينهما بأَنَّ اللهَ أَنزلَ القرآنَ على سبعةِ أَحْرُف، وأَنه يَجوزُ قراءةُ القرآنِ بأَيِّ\nحرفٍ منها، وكلٌّ من عمرَ وهشامٍ قرشيٌّ، ومع ذلك قرأَ كُلُّ واحدٍ بقراءةٍ\nتَعَلَّمَها من رسولِ الله - ﷺ -.\nوالأَحْرفُ السبعةُ توقيفيةٌ، ولَيستِ اجتهاديةً باجتهادِ واختيارِ الصحابة،\nاللهُ هو الذي أَنزلَها للتيسيرِ على الناس، وأَجازَ القراءةَ بأَيِّ حرفٍ منها.\nوالراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ هي \" وُجوهُ التغايرِ السبعة \" في قراءةِ الكلمةِ\nالقرآنية، بمعنى أَنَّ أَقْصى وجوهِ التغايرِ في قراءةِ الكلمةِ القرآنيةِ هو سبعةُ وجوه.\nومُعظمُ كلماتِ القرآنِ تُقرأُ على حرفٍ واحد، وبوَجْهٍ واحدٍ فقط، لكنَّ\nبعضَها قد يُقرأُ على حرفين أَو ثلاثة، ولا تَزيدُ أَوجُهُ قراءَتِه عن سبعةِ وُجوه.","vol":"1","page":645},{"text":"والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ موجودةٌ في القرآن، لم يُنسخْ ولم يُرفعْ منها\nشيء، وأَنَّ رسمَ المصحف زمنَ عثمانَ - ﵁ - احْتَواها وضَمَّها، وهذه الأَحرفُ السبعةُ آلَتْ إِلى القراءاتِ العشرِ الصحيحة، التي رَصَدَها ولسَجَّلَها العلماء، وقرؤُوا بها القرآن.\nوبهذا نَعرفُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشرَ أَنزلَها اللهُ على\nرسولِه - ﷺ -، وأَذِنَ للمسلمين القراءةَ بها، فهي كلامُ الله وليسَ تأليفَ المسلمين، وأَنَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ حوى وشملَ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشر، وأَنه يَجوزُ القراءةُ بأَي حرفٍ منها أَو أَيةِ قراءةٍ منها، وأَنَّ معظمَ كلماتِ القرآنِ لا تُقرأُ إِلّا على حرفٍ واحدٍ بقراءةٍ واحدة، وأَنها لا اختلافَ ولا تَعارضَ بينها، وأَنها تتكاملُ للدلالةِ على المعنى القرآني.\nونوردُ مثالًا على هذه القراءاتِ والأَحرفِ من سورةِ الفرقان لتتضحَ\nالمسألة.\nقالَ تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) .\nفي كُلٍّ من (تَشَقَّقُ) و(نُزِّلَ) قراءتان:\nفي \" تَشَقَّقُ \" قراءتان:\nالأُولى: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأَبي عمرو: \" تَشَقَّقُ \"\nبتَخفيفِ التاءِ والشينِ.\nعلى أَنه فعلٌ مضارع، حُذِفَتْ منه التاءُ الأُولى، لأَنَّ\nأَصْلَه: تَتَشَقَّقُ، وماضيه: تَشَقَّقَ.\nوالمعنى: تَتَشَقَّقُ السماءُ بالغمام.\nالثانية: قراءةُ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب: \" تَشَّقَّقُ \"\nبتشديدِ الشين، على إِدغامِ التاءِ الثانيةِ في الشّين، لأَنَّ أَصْلَه: تَتَشَقَّقُ.\nوالقراءتانِ متقاربتانِ متكاملتان ولَيْستا مختلفتَيْن أَو متناقضتين، فهما\nتَتفقان على أَنَ الفعلَ مضارع: \" تَتَشَقَّقُ \"، على وزْن \" تَتَفَعَّلُ \".\nلكنَّ القراءةَ الأُولى حَذَفت التاءَ الأُولى للتخفيف، والقراءةُ الثانيةُ أَدغمت التاءَ الثانيةَ في الشينِ للتخفيف أَيضًا.","vol":"1","page":646},{"text":"وفي \" ونُزِّلَ الملائكة \" قراءتان:\nالأُولى: قراءةُ ابنِ كثير المكي: \" وَنُنَزِّلُ الملائكةَ \" على أَنَّ الفعلَ\nالمضارعَ مُسندٌ إِلى الله، و\" الملائكةَ \": مفعولٌ به.\nوالمعنى: وننزلُ نحنُ الملائكةَ تنزيلًا.\nالثانية: قراءةُ التسعة - نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي\nعمرو وأبي جعفر ويعقوب وخلف -: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ) .\nعلى أَنه فعلٌ ماض مبنيٌّ للمجهول، و\" الملائكةُ \": نائبُ فاعلٍ مرفوع.\nوالمعنى: يُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلًا في ذلك اليوم.\nوالقراءَتان متكاملتان، وليستا مختلفتَيْن، فإِذا كانَ اللهُ يُنزلُ الملائكةَ\nتنزيلًا على قراءةِ ابن كثير، فإِنَّ الملائكةَ يُنَزَّلونَ تَنزيلًا في ذلك اليوم، على\nقراءةِ القراءِ التسعة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن:</span>\nقَدَّمَ الفادي الجاهلُ أَمثلةً على دَعواهُ الغبيةِ على وُجودِ الاختلافِ في\nالقرآن، وليتَه لم يُقَدّمْ تلك الأَمثلة، فقد فَضحَ نفسَه، وأَبانَ عن جَهْلِه وغَبائِه.\nذَكَرَ أَنَّ الاختلافَ اللفظي في القرآنِ له ثَلاثَةُ مظاهر: تَبديلُ اللفظِ، وتَبديلُ التركيب، والتبديلُ بالزيادةِ والنقصان.\nلِننظرْ في الأَمثلةِ الدالَّةِ على الاختلافِ بتبديلِ الأَلفاظِ والتراكيبِ، والزيادةِ والنقصان.\n- قالَ تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .\nادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: \" وتكونُ الجبالُ كالصّوفِ المنفوش \".\nفَتَم تَبديلُ \" الصّوفِ \" إِلى \" العِهْنِ \" ولا أَدري مَنْ أَدراهُ أَنَّ أَصْلَ الآيةِ بالصوفِ وليس بالعهن.\n- قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) .\nادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: \" فَامْضُوا إِلى ذكر الله \".\nفتمَّ تَبديلُ \" فامضوا \" إِلى (فَاسْعَوْا) .","vol":"1","page":647},{"text":"- قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ)\nادَّعى الفادي أَنَّ الآيَةَ: \" فكانت كالحجارة \"، فَتَمَّ تَبديلُ الفعلِ\n\" فكانت \" إِلى الضمير: (فَهِىَ) .\n- قالَ تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) .\nادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ:\n\" ضربت عليهم المسكنة والذلة \"، فَقَدَّموا الذِّلَّةَ على المسكنة، وجَعَلوها:\n(الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) .\n- قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) .\nادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ: \" وجاءت سكرة الحق بالموت \"، فَتَمَّ تَبديلُ الآيةِ إِلى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) .\n- قالَ تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .\nادَّعى الفادي أَنَّ أَصْلَ الآية: \" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه\nأمهاتهم وهو أب لهم \".\nفَحَذَفوا جُملة: \" وهو أب لهم \".\nأَمّا الاختلافُ في المعنى فقد أَوردَ عليه الفادي الجاهلُ مثالَيْن:\n- قال تعالى: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) .\nادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ بالجملةِ الخبرية، على أَنَّ \" رَبُّنا \" مبتدأ مرفوع،\nو\" باعَدَ \" فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والجملةُ الفعلية: \" بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا \" في محلِّ رفْع خبر.\nواعتبارُ الجملةِ خبريةً قراءةٌ قرآنية صحيحة، حيث قَرَأَ يَعقوبُ البصري:\n\" قَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أسْفَارِنَا \".\nوبما أَنها قراءو صحيحة فليس فيها اختلافٌ في المعنى كما ادَّعى الفادي الجاهل.\n- قال تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) .\nادَّعى الفادي أَنَّ الجملةَ خطاب لعيسى - ﵇ -: \" يا عيسى ابْنَ مريم هَلْ تَستطيعُ رَبَّك \".\nعلى أَنَّ \" رَبَّكَ \" مفعولٌ به ...","vol":"1","page":648},{"text":"وهذه قراءة عشرية صحيحة.\nحيثُ قَرَأَ الكسائيّ الكوفي: \" هل تَسْتَطيعُ رَبَّكَ \".\nوالمعنى على قراءةِ الكسائي: هل تَستطيعُ يا عيسى أَنْ تَدْعوَ رَبَّكَ أَنْ\nيُنزلَ علينا مائدةً من السماء؟\nوإِنْ دعَوْتَه فهل يَستجيبُ لك؟.\nإِنَ ادِّعاءَ الفادي المفترِي وجودَ اختلافٍ في القرآن باطلٌ متهافت،\nوالأَمثلةُ التي ذَكَرَها دليلُ جَهْلِه وغَبائِه، فاللهُ يَقولُ: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .\nوالغبيُّ يُكَذِّبُ ذلك ويقول: الآيةُ هكذا: \" وتكونُ الجبالُ كالصوفِ\nالمنفوش \"..\nواللهُ يقول: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) . والغبيّ يُكَذّبُ ذلك\nويقول: الآيةُ هكذا: \" وجاءت سكرةُ الحَقِّ بالموت \"، ويُسمي هذا الهراءَ بَحْثًا علميًّا موضوعيًّا محايدًا!!..","vol":"1","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>الفصل العاشر نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول - ﷺ </span>-","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>تمهيد:</span>\nخَصصَ الفادي المفترِي الجزءَ العاشرَ من كتابِه المتهافتِ للاعتراضِ\nعلى الآياتِ التي تتحدَّثُ عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، والادِّعاءِ أَنَّ فيها أَخطاءً، وأَنها تدلُّ على أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وأَنه من تأليفِ النبيِّ - ﷺ -.\nولْننظرْ في هذه الاعتراضاتِ التي ذَكَرَها، والأسئلةِ التشكيكيةِ التي طَرَحَها.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>حولَ أَزواجِ الرسولِ - ﷺ </span>-\nأَوردَ الفادي المفترِي مقاطعَ من ثلاثِ آياتٍ من سورةِ الأَحزاب، تتحدَّثُ\nعن أَزواج رسولِ اللهِ - ﷺ -\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) .\nواعترضَ الفادي المجرمُ على هذِه الآياتِ، واعتَبَرَها من تأليفِ النبيّ - ﷺ -، وأَنه اتبعَ فيها هَواه، وأَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على أَصحابه، وسمحَ لنفسِه أَن يتزوجَ بما شاء.\nقال: \" ونحنُ نسألُ: لماذا حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيره؟\nأَلم يُحدِّد للمسلمِ أَربعَ زوجات، فقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)؟.","vol":"1","page":653},{"text":"فلماذا أَطلقَ العَنانَ لنفسِه دون المسلمين، وتزوجَ بأَكثر مما يَسمحُ به القانون، من أَيِّ امرأةٍ تَهبُه نفسَها، لو أَنه وَقَعَ في هواها، فكانَ له عند وفاتِه تسعُ نسوةٍ أَحياء، وسريَّتَيْن هما مارِيَة ورَيْحانَة؟ ...\nوقالَ البيضاوي: إِنَّ النساءَ اللاتي وَهَبْنَ أَنفسهنَّ للنبيِّ هن: مَيمونَةُ بِنتُ الحارث، وزينبُ بنتُ خُزامَة، وأُمُ شريك بنتُ جابر، وخولةُ بنتُ حكيم! أَليس غَريبًا أَنَّ محمدًا أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بينَ النِّساء، وأَباحَ لنفسِه حريةَ عَدمِ العَدْلِ بين أَزواجه، فقال: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) .\nالفادي المجرمُ يُصِرُّ على استبعادِ البُعْدِ الربانيِّ للأَحكامِ الشرعية\nوالآياتِ القرآنية، ويُصِرُّ على نسبةِ الآياتِ وما فيها من أَحكامٍ إِلى محمدٍ - ﷺ -، ويَظهرُ هذا في قوله: \" حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرمَه على غيره \" و\" أَلَم يُحددْ للمسلمِ أَربعَ زوجات، فقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ)؟ \" (١) .\nونُلاحظُ أَنَّ المجرمَ يَنسبُ الآيةَ إِلى النبيِّ - ﷺ -، وأَنه هو الذي أَلَّفَها وصاغَها، ثم نَسَبَها إِلى الله!\nإِنه لا يعترفُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محمدًا هو رسولُ اللهِ - ﷺ -، وأَنَّ الإِسلامَ هو دينُ الله؟\nوإِذا كانَ هذا منطلقه في النظرةِ إِلى الإِسلامِ والقرآنِ ومحمدٍ - ﷺ -، فكلُّ تَفصيلاتِه وتحليلاتِه مرتبطةٌ بهذه النظرة، وهي ثمرةٌ طبيعية لها.\nوفي كلامِ الفادي المجرمِ السابقِ مجموعَةٌ من المغالطات، منها:\n١ - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ - ﷺ - هو الذي حَدَّدَ للمسلمِ التزوجَ بأَربعِ نساء، وهذا كَذِب، فالذي حَدَّدَ ذلك هو اللهُ - ﷿ - في القرآنِ الكريم، قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) .\n٢ - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ - ﷺ - أَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه، وأَطلقَ العَنانَ\nلنفسِه، وتزوَّجَ بأَكثر مما يسمحُ به القانون.\nوهذا كذبٌ مفضوح منه، فالذي أَباحَ له ذلك هو اللهُ في كتابِه الكريم.\n_________\n(١) قال الشيخ / محمد الغزالي - ﵀ - ما نصه:\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ..) .\nوالمعروف أن للمسلم أن يتزوج بأربع لا يزيد. وقد أسلم رجل ولديه عشر زوجات، فأمره النبى بإمساك أربع وتسريح الباقيات. قد تقول فلماذا لم يطبق ذلك على نفسه؟ والجواب أنه بعدما اخترنه على أهلهن وآثرن البقاء معه على شظف العيش ما يسوغ ترك إحداهن! ثم ماذا تفعل من يسرحها؟ إن زواجها بغيره مستحيل لحرمة أمهات المؤمنين على سائر الأمة! فالحل أن يبقين، ولو كان من بينهن العجائز! ثم قيل للرسول عقب هذا الوضع \" لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا\". والتعدد نظام قد يقبل مع شرف الأخلاق وتباين الطبائع والحاجة إلى الذرية، وقد عرف فى سير الأنبياء. وأشعر بريبة فيما ذكرته التوراة من أنه كان لسليمان ألف امرأة، وأحسب ذلك من المجازفات..! وليس للحضارة المعاصرة أن تخوض فى هذه القضية! فإن التعدد فيها كلأ مباح، وربما استطاع الصعلوك أن ينال أكثر مما نال! سليمان سفاحا لا نكاحا.. اهـ (نحو تفسير موضوعي. ص: ٣٢٥)","vol":"1","page":654},{"text":"قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) .\nلقد كان رسولُ الله - ﷺ - ملتزِمًا بشرعِ الله، وَقّافًا عند حُدودِ الله، مُنَفّذًا لأَوامِرِ الله.\n٣ - زَعْمُه أَنَ الرسولَ - ﷺ - كان مُتَّبِعًا لهواه، وأَنه أَباحَ لنفسِه أَنْ يتزوَّجَ أَيةَ امرأةٍ عشقَتْه ووهبَتْ نَفْسَها له، وهَوِيَها هو!..\nوهذا كَذِب منه.\nفالرسولُ - ﷺ - لم يَتبعْ هواه، وإِنما كانَ إِمامَ الزاهدين، واللهُ هو الذي أَباحَ له الزواجَ من المرأةِ التي وَهَبَتْ نَفسَها له: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوكَذَبَ المجرمُ عندما ادَّعى أَنَّ النبيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ أَربعًا من أَزواجِه عن طريقِ الهِبَة، بعدَ أَنْ وَهبْنَ أَنفسهنَّ له.\nفلم يتزوج الرسولُ - ﷺ - من أَيّ امرأةٍ\nوهبتْ نفسَها له..\nوالذي حَصلَ أَنَّ امرأةً وَهَبَتْ نفسَها له، بأَنْ فوَّضتْه أَمْرَها، وجعلَتْه وليَّ أَمْرِها، وزَوَّجَها لأَحَدِ أَصحابه ...\nروى البخاريُّ عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ - ﵁ - قال: إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ الله - ﷺ -، إِذْ قامَت امرأة فقالَتْ: يا رسولَ الله، إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَكَ.\nفلم يُجِبْها شيئًا.\nثم قامَتْ فقالَتْ: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَك..\nفلم يُجِبْها شيئًا..\nثم قامَت الثالثةَ، فقالَتْ: إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَك..\nفقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله! أَنْكِحْنيها.\nقال: \" هل عندَك من شيء؟ \" قال: لا.\nقال: \" اذهبْ فالتمسْ ولو خاتمًا من حديد..\n\" فَذَهَبَ وطَلَب، ثم جاءَ فقال: ما وجدْتُ شيئًا، ولا خاتمًا من حديد.\nقال: \" هل معك من القبرآنِ شيء؟ \" قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.\nقال: \" اذهبْ فقد أَنْكَحْتُكَهَا بما معكَ من القرآن..\".\n٤ - زَعْمُه أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بين نسائِهم، وأَباحَ لِنفسِه عدمَ العَدْل، فقال: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ...) .\nإِنَّ الفادي المجرمَ يُصِرُّ على أَنَّ محمدًا - ﷺ - هو الذي قالَ: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) ..\nمع أَنَّ اللهَ هو الذي أَنزلَ هذه الآيةَ على رسولِه - ﷺ -.","vol":"1","page":655},{"text":"ولم يُبِح الرسولُ - ﷺ - لنفسِه عدمَ العدلِ بين الزوجات، وإِنما أَعفاهُ اللهُ من ذلك، وذلك في قولِه تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) .\nومع أَنَّ اللهَ أَعْفاهُ من وجوبِ العَدْلِ، إِلّا أَنه أَخَذَ بالأَفضلِ والأَكمل،\nفكانَ يَعدلُ بين نسائِه.\nروى البخاريُّ عن عائشةَ - ﵂ -: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَستأذنُ في يومِ المرأةِ مِنّا، بعدَ أَنْ أُنزلَتْ عليه هذه الآيةُ: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) .\nفقالَتْ لها مُعاذَة: ماذا كنتِ تَقولين؟\nقَالَتْ عائشة: \" كنتُ أَقولُ له: إِنْ كانَ ذلك إِليّ، فإِنّي لا أُريدُ يا رسولَ اللهِ أَنْ أُوثرَ عليك أَحدًا \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>حول حرمة نكاح أزواج النبي - ﷺ </span>-:\nحَرَّمَ اللهُ على المسلمين نِكاحَ أَزواجِ النبيّ - ﷺ - من بعده.\nقال تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) .\nوهذا لم يُعجِب الفادي المفترِي، وأَثارَ اعتراضَه واستنكارَه، قال:\n\" ولماذا يُعطي الحقَّ لجميعِ الأَرامِلِ أَنْ يتزوَّجْنَ، ويُحَرّمُ هذا الحقَّ على نسائه، فيوصي أَنْ لا يتزوَّجْنَ من بعدهِ أَبدًا؟ \" (١) .\nلم يُحَرِّم الرسولُ - ﷺ - على المسلمين نِكاحَ أَزواجِه من بعدِه، والذي حَرَّمَ ذلك هو اللهُ - ﷿ -، ووردَ ذلك التحريمُ في الآيةِ القرآنيةِ الحكيمة، التي أَوردْناها قبلَ قَليل.\nواللهُ عليمٌ حكيمٌ في ما يُشَرِّعُ من الأَحكام، والإِنسانُ يتلَقّى حُكْمَ اللهِ\nبالقَبولِ والرضا والتسليمِ واليقين.\nوحكمةُ تحريمِ نكاحِ أَزواجِه أَنهنَّ أُمَّهاتٌ للمؤمنين، أُمومةً اعتباريةً\nمعنوية، تَقومُ على الاحترامِ والتكريمِ والتوقير.\nقال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .\n_________\n(١) قال الشيخ / محمد الغزالي - ﵀ - ما نصه:\nربما قال قائل: آمنا بأن تعدد الزوجات كان مألوفا فى الديانات الأرضية والسماوية حتى جاء الإسلام فوضع عليه القيود، فلماذا لم يلتزم نبى الإسلام بالعدد الذى وقف بالمسلمين عنده؟ ألم يجئ فى الأحاديث الصحاح أنه أمر رجلا لديه عشر زوجات أن يمسك أربعا ويسرح الباقيات؟ قلت: سؤال صحيح! فلنتدبر الإجابة عليه! أن النسوة الست التى طلقهن صاحب العشرة سيتركن بيته ويجدن بيوتا أخرى، فلهن حق الزواج ممن أحببن، ولاحرج على أحد فى التزوج منهن! لكن ماذا عسى يفعل زوجات الرسول إذا كان الوحى قد نزل من قبل يقول للمسلمين: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) لقد صرن أمهات للمؤمنين وفق النص القائل: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ..) وما كان لمؤمن أن يتزوج أمه! فهل يسوغ بعد هذا تسريحهن ليعشن فى وحدة وإياس؟ ولنفرض زورا أن تسريحهن مطلوب فهل هذا هو الجزاء الإلهى لنسوة تحملن مع صاحب الرسالة شظف العيش ومشقات الحصار المضروب على أمته؟ لقد اخترن البقاء معه عندما خيرهن، وأبين العودة إلى أهلهن فى بيوت أملأ بالسمن والعسل، وحملهن الإيمان على البقاء فى جو التهجد والصيام والكفاح مع النبي الذى انتصب لمقاومة الضلال فى العالمين، فهل يكون الجزاء بعد هذا الوفاء الخلاص منهن؟ إن الله أذن ببقائهن، والاقتصار عليهن، وصدر لهن تشريع خاص (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء رقيبا) .\nحلف الأطلسى.، يحميهم وإنى أسائل الهاجمين على محمد من خلال هذه الثغرة المزعومة فى حياته، أهى محاكمة خاصة لهذا الإنسان الشريف؟ ومحاولة متعمدة للنيل منه وحده؟\nأعرف أن مساءات كثيرة وجهت لأنبياء من قبله، وتعرض الرجال الصالحون لأقبح التهم! ألم يتهم النبي الطاهر لوط بأنه زنى بابنتيه كلتيهما بعد ما أفقدته الخمر وعيه وأنجب منهما؟ ألم يتهم النبي يعقوب بأنه سرق منصب النبوة من أخيه الأكبر عيصو بعد عملية احتيال ماكرة على أبيه الذى كف بصره؟ ألم يتهم سليمان بأنه انطلق فى شوارع القدس يبحث عن الحبيب المجهول ليأخذه إلى فراشه، مع أن عنده ألف امرأة؟ إن هذا البحث الماجن استغرق عدة صفحات مليئة بجمل طائشة تحت عنوان الإنشاد الذى لسليمان! من شاء قرأه فى العهد القديم.. ومع جنون الاتهام الذى سيطر على كاتبى هذه الصحف، فإن المتهمين بقوا أنبياء مكرمين! أما سليمان فقد جعله اليهود ملكا، ولكن أى ملك؟ إنه بانى الهيكل الذى يجب أن يعاد بناؤه ليكون مسكنا للرب يتجلى فيه بهاؤه ويحكم العالم كله من سدته بوساطة شعبه المختار من بنى إسرائيل!! أما محمد الصوام القوام الكادح لله طوال حياته، والذى جمع آخر عمره بضع نسوة من الأرامل والمصابات عشن معه على مستوى الضرورة، وتمحضن لله والدار الآخرة فهو وحده الذى يستباح وتتوارث الضغائن عليه، ويتجمع حلف الأطلسى لحماية شاتميه! ومن أولئك الشاتمون الغاضبون؟ أهم رهبان وقذتهم العبادة وكبتوا حب النساء فى دمائهم فهم يشتهون ويميتون شهواتهم ابتغاء رضوان الله كما يزعمون؟ كلا، إنهم أفراد وشعوب شربوا كئوس الشهوات حتى الثمالة، ولم يتركوا بابا للذة إلا افتتحوه دون تهيب أو حياء!\nوحضارة أوروبا تميزت بأنها يسرت للدهماء من المتع ما كان حكرا على الملوك والرؤساء فأضحى الصعلوك قادرا على الاتصال بسبعين امرأة كلما ذاق جديدا طلب مزيدا ما تحجزه عن دناياه تقاليد ولا قوانين، وفى هذا الوسط من الدنس يذمون محمدا وينالون منه! أى منطق هذا المنطق الجائر الظلوم؟\nإن الإسلام لم يأمر بتعدد الزوجات، فإن الزواج ليس نشدانا للذة فقط وإنما هو قدرة على التربية ورعاية الأسرة، فمن عجز عن ذلك كلفه الإسلام بالصوم، ونحن نوجه للأوربيين سؤالا لا مهرب منه: هل التعدد الذى أذن الإسلام به أفضل أم الزنى؟ إننى أسائل كل منصف صادق: هل المجتمعات الأوروبية تكتفى بالواحدة أم أن التعدد قانون غير مكتوب يخضع له الكثيرون؟ وثم سؤال آخر: هل الضرورات هى التى تدفع إلى التعدد الحرام أم أن الإثارات المتعمدة فى الاختلاط المطلق وفى تقاليد الرقص التى لا آخر لها من وراء هذا الفيضان من العلاقات الآثمة؟؟\nوأختم هذا القول بسؤال حاسم: هل وعى التاريخ الجاد سيرة رجل أعف خلقا وأشرف ثوبا وأغير على الحرمات وأبعد عن الشبهات من محمد؟\nهل حكى عن أحفال فى بيته رُصت فيها الموائد وعليها زجاجات الخمور، وأطايب الأطعمة، وأنواع المشهيات والهواضيم؟ لقد كانت عيدان الحصير تنطبع على جلده وهو نائم، أو جالس، فإذا ظفر مع أصحابه بالخبز واللحم عد ذلك من النعيم الذى يسأل الناس عنه يوم القيامة!! فهل هذا النبي الفارس المخشوشن الجلد يوصف بأنه من أصحاب الشهوات؟ ومن الذى يصفه؟ الذين ابتلاهم الله \" بالإيدز\" بعد ما ابتلاهم بالزهرى وغيره من أمراض الإسفاف والإسراف والسقوط!! امراتان.. نادرتان!! كانت أم المؤمنين \" خديجة\" سيدة ثاقبة البصيرة، خبيرة بأغوار الرجال، تعرف طبائعهم فلا يخفى عليها معدن نفيس، ولا يخدعها طلاء مزور! ولعل اشتغالها بالتجارة كون لديها هذه الملكة فالتجار من أعرف الناس بطوايا النفوس! وفى ميدان عملها التجارى عرفت خديجة محمدا - ﵊ - وخطبته لنفسها، ولم يكن محمد مجهولا لدى جمهور العرب، كانت خلائقه الزاكية موضع إجماع وحب، وكثيرا ما تكون زكاة الباطن كصباحة الوجه أساسا لتقدير عام أو عنوانا لا يختلف فيه اثنان.. لكن خديجة بعد زواجها ازدادت خبرة برجلها وأدركت أى أفق من الكمال قد بلغه! فلما أخبرها بما عرض له فى غار حراء قاست المستقبل على الماضى، وأقسمت أن مثله لا يضيع، وأنه يستحيل أن يخذل الله رجلا قد أفاء عليه خلال النبل والشرف كلها، قالت: \"والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصدق الحديث وتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق وتؤدى الأمانة \". إن الله لا يخزى فى الدنيا ولا فى الأخرى صاحب هذه السيرة! ذاك إنسان محصن من عدوان الشيطان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا..) وخديجة من سروات قريش، أى من قمة المجتمع العربى، وهى أول من آمن من النساء، لكن الإسلام دين عام ينتظم البشر أكابرهم وأصاغرهم، فإذا كانت أفئدة بعض الأغنياء تهوى إليه، فإن جماهير من الفقراء تدخل فيه وتستبشر به، السادة والعبيد جميعا لهم مكان واحد فيه، كأبو بكر المرموق يعتنقه، وبلال المملوك يعتنقه، ثم يجىء عمر العظيم فيقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا!! لا طبقات فى هذا الدين، ولكن أخوة عامة، وإذا كانت خديجة أول من آمن، وهى من البيوتات الرفيعة، فإن أول من استشهد \" سمية \" أم عمار وهى من البيوتات المستضعفة التى لا يؤبه لها. واختبار الله لعباده فنون، إنه يختبر بالشهرة والخمول وبالثروة والعدم وبالصحة والسقام، والمهم هو الآخرة. اهـ (المرأة في الإسلام. ٢٣ - ٢٦)","vol":"1","page":656},{"text":"وإِذا كُنَّ أُمهاتٍ للمؤمنين، فهن مُحَرَّماتٌ عليهم، لأَنه لا يمكنُ لإِنسانٍ أَنْ يتزوَّجَ أُمَّه.\nوإِذا كانَ لا يَجوزُ للإِنسانِ أَنْ يتزوَّجَ امرأةَ أَبيه، ولا يُمكنُ عَقْلًا أَنْ\nيَخلفَ أَباه عليها، فمن الذي يرضى أَنْ يَخلفَ الرسولَ - ﷺ - على أَزواجه؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>حول جهاد الرسول - ﷺ - وغزواته</span>\nاعترضَ الفادي المفترِي على جهادِ الرسولِ - ﷺ -، وأَساءَ تَفسيرَ غزواتِه وقتالِه للأَعداء.\nوأَوردَ في بدايةِ اعتراضِه قولَ اللهِ - ﷿ - (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) .\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) .\nوسَجَّلَ كلامَه الخبيثَ قائلًا: \" ونحنُ نسأل: وهل يَحتاجُ اللهُ للعنفِ\nوالسيفِ لينشرَ فِكْرَه؟\nلقد حَلَّلَ محمد لنفسِه ما سبقَ تَحريمُه، فحرَّضَ أَتْباعَه\nعلى القتال، وأَوصى بالغزوِ والجهادِ في سبيلِ الدين..\nمع أنه لما كان في مكة كان يُعلِّم أنه: (لَآ إِكرَاهَ فِى الدِّينِ)، ويَقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) .\nوكانَ يَقول: إِنَّ اللهَ قالَ له: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) .\nولكنْ لما اشتدَّ ساعِدُه في المدينةِ بعدَ الهجرة، وَوَجَدَ نفسَه مُحاطًا\nبذوي السُّيوفِ البَتّارةِ من أَتْباعِه، هَجَمَ على اليهودِ بقربِ المدينة، وسَفَكَ دماءَ الأَكثرين، وأَوصى بمجاهدةِ جميع الخارجين عنه، ليكونَ الكُلّ من أَتْباعِه..\nوقد فاتَه أَنَّ اللهَ لا يَسودُ العالمَ بالقَسْوةِ، بل بالمحبَّة، فاللهُ مَحَبَّة \" (١) .\n_________\n(١) قال الشيخ / محمد الغزالي - ﵀ - ما نصه:\nمنع الفتنة:\nكما يحارب الإسلام دفعا للعدوان، يعبئ قواه كلها منعا للفتنة! والفتنة التى تكرر فى القرآن ذكرها على أن إطفاءها نهاية للحرب المعلنة من جانبه، تعنى استغلال السلطة لمصادرة الحق ومطاردة أهله، كما فعل ألوف الطغاة قديما وحديثا. وقد علمت أن الإسلام يبنى جهاده على أن الإكراه لا يؤسس عقيدة. فهو لا يضغط على أحد حتى يلجئه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، وفى الوقت نفسه لا يقبل من قوة غاشمة أن تضطهد المؤمنين وترجعهم إلى الجاهلية التى طلقوها. والجو الذى ينشده الإسلام هو الجو الذى يتنفس فيه الإنسان هواء الحرية الطليق ملء رئتيه. يقبل المرء فيه على الرأى الذى يستصوبه، فلو ترك الإيمان بالله ورسوله لأنه يقتنع بذلك، فليس من سبيل لأحد على إرغامه أن يؤمن!. وهذا ما قرره القرآن الكريم فى مواضع شتى: \" نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد\". \" ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب \". \" فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر \". \" وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق ... \". وقد خلط قوم من الباحثين فى فهم هذه الآيات خلطا شنيعا، وساروا فيها على نهجين متناقضين كلاهما شارد عن الصراط المستقيم، فمنهم من فهم من هذه الآيات أنه لا حكم فى الإسلام!! وأن نفى الإكراه يقتضى إسقاط الحكومة من تعاليم الكتاب والسنة. كأن ثوار فرنسا لما أعلنوا حقوق الإنسان وحرية الرأى المطلقة امتنعوا عن تكوين حكومة تمثل مبادئ الثورة!.\nإن الحكومة فى الإسلام حق لا يحتمل ريبة، وهى لا تعنى - إذا قامت - لتنفيذ أحكام الإسلام أن تقهر رجلا على دين يرفضه، فإن الحرية الدينية من أحكام الإسلام الذى تشرف الحكومة الإسلامية على تنفيذه. وهناك فريق فهم أن هذه الآيات نسخت بإقامة حكم يقاتل الكفار أبدا، ويعلن عليهم حربا شعواء، لا تنتهى حتى يبيدوا! كلا الفريقين مخطئ، بعيد عن إصابة الحق فى مقاصد القرآن، فإن الدولة التى يقيمها الإسلام ممثلة لدعوته لا يمكن ولا يجوز أن تخرج فى أساليب الدعوة عن الحدود التى رسمها الله ﷿ وإلا اعتبرت خارجة على نفسها، وأساس الدعوة الأول: \" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. \". وأساس استخدام القوة المقاصة: \" وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ... \". وأساس إعلان الحرب هدم السلطات الفاجرة لتتوطد أركان الحرية العقلية وتتراوح عوائق الاستبداد عن طريق الناس. والقتال شر! ولكن لا بد منه لإزالة شر أشد، وعلى ذلك قبله الإسلام ودفع جنوده لخوضه. لما استكثر المشركون القتال فى الشهر الحرام، وافتعلوا ضجة كاذبة للإرجاف بالمسلمين نزل قوله تعالى: \" يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل..\".\nوالفتنة هنا نشأت من تسلط الكفار على المؤمنين وإحراجهم بسبب دينهم الجديد حتى أخرجوهم من ديارهم، وحق على الدولة المسلمة أن تكافح هذه السلطة الجائرة، فلا تتركها إلا مقلمة الأظافر مهشمة الأنياب. وقد حض الله - سبحانه - على ذلك، وأمر بمتابعة الهجوم على ذوى السلطان الجائر ومصادر الاستبداد الأعمى حتى تطهر الأرض منهم. \" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير \". وهذا الأمر الواضح بالقتال، حتى تنتهى الفتنة، ذيل بمعان تشير إلى ملابساته التى فرضته، فإن ترك الفتانون جرائمهم فيها، فأمرهم إلى الله، ولا سبيل لنا عليهم، وإن رفضوا استعنا بالله على كف أذاهم.. واستعددنا لمعاودة قتالهم. ذلك - والغرض المتعين من هذه الحرب - تعبيد الطريق أمام الآراء كلها، ليتمحص الحق والباطل، وعندئذ تتخير النفوس ما تهواه. \" وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. \". على أن هناك من يريد بالقوة إبطال الحق وإحقاق الباطل! والإسلام لا يترك أولئك أحرارا، وما ينبغى له ذلك بل يقاتل \" ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون \". اهـ (الإسلام والإستبداد السياسي. ص: ١٠٨ - ١١١)","vol":"1","page":657},{"text":"وفي هذا الكلامِ الخبيثِ بعضُ المغالطاتِ والأَكاذيبِ والجهالات،\n١ - إِصْرارُه على أَنَّ الرسول - ﷺ - يُحَلّلَ ما يَشاء، ويُبيحُ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه، والتلاعبَ في التحليلِ والتحريم..\nعِلْمًا أَنَّ التحليلَ والتحريمَ لله وَحْدَه، فاللهُ سبحانه هو الذي يُنَزّل عليه الآيات، مُحَلّلًا ما يَشاء، ومُحَرِّمًا ما يَشاء..\nوالآياتُ التي أَوردَها ليستْ من تأليفِه، وإِنما هي كلامُ اللهِ أَوحى به\nإِليه.\n٢ - من جهالاتِ المفترِي الجاهلِ عدمُ تَفريقِه بين السورِ المكيةِ النازلةِ\nفي مكةَ قبلَ الهجرة، والسُّوَرِ المدنيةِ النازلةِ في المدينةِ بعدَ الهجرة.\nوسَجَّلَ جَهْلَه في قوله: \" مع أَنه لما كان في مكةَ كان يَعْلَمُ أَنَّه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) \".\nلقد جعل سورةَ البقرةِ مكية، وكل مُبتدئ في العلْمِ مُسلمًا كان\nأَو كافرًا فإِنَّه يَعلمُ أَنَّ سورةَ البقرة مدنية، وفيها النهيُ عن الإِكراهِ في الدين، وإِجبارِ الآخَرينَ على الدخول في الإِسلام، وأَوردَ آيةَ سورةِ النحلِ الآمرةِ\nبالدعوةِ إِلَى الله بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، واعتبرها لجهلِه مكية، مع أَنَّ\nالراجحَ أَنَ سورةَ النحلِ مدنية، وأَنها أُنزلَتْ بعد غَزوةِ أُحُد، في السنةِ الثالثةِ\nمن الهجرة.\n٣ - ادَّعى المجرمُ أَنَّ الجهادَ طارئٌ على النبيّ - ﷺ -، وأَنه لما كانَ في مكةَ كانَ يَحُثُّ على عدمِ الجهادِ والقتال، ويُركزُ على الدعوةِ والبَلاغ.\nولما هاجَرَ للمدينةِ صارَ قويًا، واشتَدَّ ساعِدُه، ووجَدَ نفسَه مُحاطًا بذوي السيوفِ البتَّارةِ من أَتْباعِه، عند ذلك غَيَّرَ فِكْرَه وأُسلوبَه ودَعا إِلى الجهادِ والغَزْو.\nعلمًا أَنَّ اللهَ هو الذي أَمَرَ المسلمين في مكةَ بكَفّ أَيديهم عن القِتال،\nوالصبرِ على أَذى المشركين، واللهُ هو الذي أَمَرَهم بالجهادِ والقتالِ في\nالمدينة، فالأَمْرُ أَمْرُ الله، ووردَ في آياتِ القرآنِ الحكيمة.\nوالرسولُ - ﷺ - يتلَقّى أَمْرَ الله، ويلتزمُ به ويُبَلّغُه لأَتْباعِه ليلْتَزموا به.","vol":"1","page":658},{"text":"٤ - يُغالطُ الفادي المجرمُ ويَكْذِبُ، عندما يدَّعي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - هو الذي هَجَمَ على اليهودِ بالقربِ من المدينةِ وقَتَلَهم، أَي أَنه صَوَّرَ اليهودَ في صورةِ المظلومين، الذين تَعَرَّضوا لعدوانِ النبيِّ - ﷺ -.\nمع أَنَّ الحقيقةَ القاطعةَ أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لما هاجَرَ إِلى المدينةِ عَقَدَ معاهداتٍ مع قبائلِ اليهود، واتفقَ معهم على أَنْ لا يَعْتَدوا عليه، وأَنْ لا يُعاوِنوا أَعداءَه عليه.\nوهو لم يَنقضْ عَهْدَه معهم، ولم يَبْدأْهم بالهجومِ والعدوانِ لمَّا شَعَرَ بالقوة، واليهودُ المجرمون هم الذين نَقَضوا عَهْدَهم معه، واعْتَدوا على المسلمين، وحاوَلوا قَتْلَه، وتآمَروا مع قريشٍ ضده.\nفي السنةِ الثانيةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بَني قينقاع عَهْدَهم مع\nالرسولِ - ﷺ -، واعْتَدَوْا على مسلمةٍ، وقَتَلوا مسلمًا، فأَدَّبَهم وأَجْلاهم عن المدينة..\nوفي السنةِ الرابعةِ من الهجرةِ نَقَضَ يهودُ بَني النضيرِ عَهْدَهم معه،\nعندما تآمَروا عليه وحاوَلوا اغتيالَه، فأَدَّبهم وأَجلاهم عن المدينة..\nوفي السنةِ الخامسةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بني قريظةَ عَهْدَهم معه، عندما تَحالَفوا مع جيوشِ الأَحزابِ المحاصِرَةِ للمدينة، فعاقَبَهم لخيانَتِهم العظمى وقَتَلَهم!.\n٥ - يَكْذِبُ المفترِي عندما يَدَّعي أَنَّ هدفَ الرسولِ - ﷺ - من الجهادِ هو سفكُ دماءِ الآخَرين، ولذلك أًوصى بمجاهدةِ جميعِ الخارجين عليه ليَكونوا من أَتْباعِه.\nعلمًا أَنَّ القتالَ ليسَ بهدفِ إِدْخالِ الكفارِ في الإِسلام؛ لأَنه لا إِكراهَ في\nالدين، وليس بهدفِ جَعْلِهم أَتْباعًا للنبيِّ - ﷺ -، إِنما هو بهدفِ رَدِّ عُدْوانِ الكفارِ عن المسلمين، وتحطيمِ قُوَّتِهم التي يُؤْذونَ بها المسلمين، فإذا تحققَ ذلك أَوقفَ المسلمون قتالَهم، وهذا صريحُ قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) .\n٦ - يَكذبُ المفترِي عندما يَتهمُ الإِسلامَ بالقَسْوَة، وأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ فقط،\nوأَنه لا يَسودُ العالمَ إِلا بالمحبة، فاللهُ غفورٌ رحيم، ولكنَّه أَيْضًا شديدُ","vol":"1","page":659},{"text":"العقاب، قال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) .\nوالصليبيّون الذين يَزْعُمُونَ أَنَّ اللهَ محبّة، وأَنهم رسلُ محبة، هم الذين\nسَفَكوا دماءَ المسلمين، واحتلّوا أَوطانَهم، وسَلبوهم أَموالَهم، في القديمِ وفي\nالحديث!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>ما الذي حرمه الرسول - ﷺ - على نفسه</span>؟\nاعترضَ الفادي المفترِي على ما حَرَّمَه الرسولُ - ﵇ - على نفسِه، والذي عاتَبَه الله عليه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) .\nونقلَ كلاما غيرَ صحيح بأُسلوبِه الخبيثِ البذيء، قالَ فيه: \" كان محمدٌ\nيومًا في بيتِ حَفْصةَ بنتِ عمر، وهي إِحدى أَزواجِه، فاستأذَنَتْ منه في زيارة\nأَبيها، فأَذِنَ لها، فأَرسَل إِلى مارية، وهي إِحدى سراريه، وأَدخلَها بيتَ حَفْصَةَ وَواقعَها، فَرَجَعَتْ حَفصةُ وأَبصرتْ ماريةَ معهُ في بيتِها، فلم تَدخُلْ حتى خرجَتْ ماريةُ، تم دخَلَتْ، وقالَتْ له: إِنَّني رأيتُ مَنْ كانَتْ مَعَك في البيت..\nوغَضِبَتْ وبَكَتْ وقالَتْ له: لقد جئتَ إِليَّ بشيء ما جئتَ به إِلى أَحَدٍ من نسائِك، في يومي، وفي بيتي، وعَلى فِراشي!..\nفقالَ لها: اسْكُتي، أَمَا تَرْضينَ أَنْ أَحَرِّمَها على نفسي، ولا أَقربها أَبدًا؟\nقالَت: نعم.\nوحَلَفَ أَنْ لا يَقْرَبَها.\nولكنْ لما عاوَدَتهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ\nحفصةَ على رجوعِه في قَسمه، بقوله: إِنَّ اللهَ أَوحى إِليه.. \" (١) .\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٥٦- محمد ﷺ يحرّم ما أحل الله\nالرد على الشبهة:\nاستند الظالمون لمحمد ﷺ فى توجيه هذا الاتهام إلى ما جاء فى مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى: (يا أيها النبى لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغى مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) (١) .\nوهذه الآية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث فى بيت النبى ﷺ عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة المعروفة عن النساء عامة إذ كان ﷺ قد دخل عند إحداهن وأكل عندها طعامًا لا يوجد فى بيوتهن، فأسر إلى إحداهن بالأمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحرّم ﷺ تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن.\nوالواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحرّم ما أحل الله هو تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له..\nفمطلع الآية (لم تحرم ما أحل الله لك) هو فقط من باب \" المشاكلة \" لما قاله النبى لنسائه ترضية لهن؛ والنداء القرآنى ليس اتهامًا له ﷺ بتحريم ما أحل الله؛ ولكنه من باب العتاب له من ربه سبحانه الذى يعلم ﵎ أنه ﷺ يستحيل عليه أن يحرّم شيئًا أو أمرًا أو عملًا أحلّه الله؛ ولكنه يشدد على نفسه لصالح مرضاة زوجاته من خلقه العالى الكريم.\nولقد شهد الله للرسول بتمام تبليغ الرسالة فقال: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (٢) .\nوعليه فالقول بأن محمدًا ﷺ يحرّم ما أحل الله من المستحيلات على مقام نبوته التى زكاها الله ﵎ وقد دفع عنه مثل ذلك بقوله: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى) (٣) .\nفمقولة بعضهم أنه يحرّم هو تحميل اللفظ على غير ما جاء فيه، وما هو إلا وعد أو عهد منه ﷺ لبعض نسائه فهو بمثابة يمين له كفارته ولا صلة له بتحريم ما أحل الله. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) التحريم: ١.\n(٢) الحاقة: ٤٤- ٤٧.\n(٣) النجم: ٣- ٤.","vol":"1","page":660},{"text":"وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي الجاهلَ في القصةِ التي أَوْرَدَها، وذكَرْنا أَنها\nلم تَصِحّ، رغم وُرودِها في بعضِ الكتبِ الإِسلامية، كالسيرةِ الحلبية.\nوالراجحُ أَنَّ الله عاتَبَ رسولَه - ﷺ - لأَنه حَلَفَ اليمينَ على أَنْ لا يَشْرَبَ العَسَلَ.\nوخلاصَةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - شربَ عندَ امرأتهِ زينبَ بنتِ جحش - ﵂ - عَسَلًا.\nولما ذَهَبَ إِلى حفصةَ - ﵂ - أَخْبرتْه أَنَّ رائحةَ العسل الذي\nشربَه عند زينبَ كَريهة، فَحَلَفَ على أَنْ لا يشربَ ذلك العسلَ عند زينب،\nفأَنزلَ اللهُ الآيةَ في عتابه على يَمينِه، ويَدْعوهُ إِلى التكفيرِ عن يَمينِه.\nومعنى قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ): لِمَ تَمْتَنِعُ عن أَكْل ما أَباحَ اللهُ لكَ؟\nفالتحريمُ هنا امتناعٌ عن فعل بعضِ المباح، وليس تحريمًا شرعيًّا للحَلَال.\nوكَلامُ الفادي سَيِّئٌ مرذول، وذلك عندما وَصَفَ النبيَّ - ﷺ - وَصْفًا قبيحًا بقوله: \" ولكنْ لما عاوَدَتْهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ حفصةَ على رجوعِه في قَسَمِه بقوله: إِنَّ اللهَ أَوحى إِليه.. \"\nوهذا الكلامُ لا يقولُه نبيّ رسول، إِنما يقولُه رجلٌ كاذبٌ مفْتَرٍ، بلا دينٍ ولا أَدب!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>حول أبوي رسول الله - ﷺ </span>-\nتَدَخَّلَ الفادي المفترِي في أَبَوَيْ رسولِ الله - ﷺ -، وعَلَّقَ على آية تَنْهى المؤمنين عن الاستغفارِ للمشركين ولو كانوا من أقاربِهم، وهي قول الله - ﷿ -: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) .\nوقال تحتَ عنوانٍ استفزازي مُثير هو: \" أهله من أصحاب الجحيم \"..\n\" قالَ البيضاويّ: رُويَ أَنَّ النبيَّ قالَ لأَبي طالب لما حضرَتْه الوفاة: قُلْ كلمةً\nأُحاجّ لك بها عِندَ الله، فأَبى.\nفقال: لا أَزالُ أَستغفرُ لك ما لم أُنْهَ عنه.\nفنزلَتْ.\nوقيل: لما افتتحَ مكة خرجَ إِلى الأبواء، فَزارَ قَبْرَ أُمِّه، ثم قامَ","vol":"1","page":661},{"text":"مُسْتَعْبِرًا، فقال: إِني أستأذنْتُ ربّي في زيارةِ قبرِ أُمّي فأذِنَ لي، واسْتَاذَنْتُه في\nالاستغفارِ فلم يأَذَنْ لي، وأَنزلَ عَلَى الآيتَيْن.. \".\nصحيحٌ أَنَّ هذا الكلامَ في تفسير البيضاوي، لكن ليس مُسَلَّمًا، وليس\nكُلُّه صحيحًا.\nفهذه الآية ُ من سورةِ التوبة، وهي متأخرةٌ في النزول، حيثُ كان\nنزولُها في السنةِ التاسعةِ من الهجرة، وكانتْ وَفاةُ أَبي طالِب في السنةِ الثامنة\nمن البعثة، قبلَ الهجرةِ بخمسِ سنوات، أَيْ أَنّ أَبا طالب تُوفىَ قبل نزولِ الآيةِ\nبأكثرَ من أَربعَ عشرةَ سنة! فكيف يكونُ نزولُها في وفاته؟!.\nإِنَ الذي صَحَّ في أبي طالب هو نزولُ آيةٍ مكيةٍ فيه.\nروى البخاري ومسلم، عن سعيد بنِ المسيبِ عن أَبيه قال: لما حَضَرَتْ أَبا طالب الوفاة، جاءَه رسولُ اللهِ - ﷺ -، فوجَدَ عندَه أَبا جهل، وعَبدَ الله بن أَبى أُمية بن المغيرة.\nفقالَ له: أَيْ عَمّ! قُلْ: لا إِله إِلا الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عندَ الله!.\nفقالَ له أَبو جهل وعبدُ الله بن أَبي أُمية: أَترغبُ عن مِلَّة عبدِ المطلب؟!.\nفلم يَزَلْ رسولُ الله - ﷺ - يَعرضُها عليه، ويُعيدانهِ بتلك المقالة، حتى قالَ أَبو طالب آخرَ ما كَلَّمهم: على مِلَّةِ عبدِ المطلب.\nوأَبى أَنْ يقول: لا إِله إِلّا الله.\nفأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) .\nأَمّا سببُ نُزولِ آيتي سورةِ التوبة (١١٣ - ١١٤) فقد رَواهُ النسائي والترمذي عن عَلِيّ بن أَبي طالب - ﵁ -، قال: سمعْتُ رَجُلًا يَستغفرُ لأَبَويْه وهما مشركان، فقلْتُ: تَستغفرُ لأَبويْك وهما مُشْركان؟\nفقال: أَليس قد استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه وهو مشرك؟\nقال عليّ: فذكرتُ ذلك للنبيِّ - ﷺ -، فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) .\nأَمّا أَبوا رسولِ اللهِ - ﷺ - فقد ماتا على غيرِ الإِسْلام، وصَحَّ أَنَ","vol":"1","page":662},{"text":"رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: استأذَنْتُ ربي أَنْ أَزورَ أُمّي فأَذِنَ لي، واستأذنْتُه في أَنْ أَستغفرَ لأُمّي فلم يأذَنْ لي \".\nولكنَّ الآيَتَيْنِ (١١٣ - ١١٤) من سورةِ التوبة لم تَنْزِلا في أُمّه ولا في أَبيه.\nولم يَصِحَّ قولٌ نُسبَ للرسولِ - ﷺ -: لأَستغفرنَّ لأَبي،\nكما استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه، فأَنزلَ اللهُ عليه الآيتَيْن يَنهاهُ عن ذلك!!.\nومن أَكاذيبِ المفترِي وافتراءاتِه قولُه: \" واتفقَ المفَسِّرونَ على أَنَّ محمدًا\nكان يَطلبُ المغفرةَ لأَبيه عبدِ الله، وأُمّه آمنة، وعَمّه أَبي طالب، وأَنَ اللهَ نَهاهُ وَزَجَره عن ذلك زَجْرًا أَبكاه، لأَنَّهم مُشركون، وقد صاروا من أَصحابِ النار..\nوما أَبعدَ الفرقَ بينهم وبين العذراءِ مريم وابنِها!! \".\nإِنَّ هذا كَذِبٌ مفضوح، فلم يَستغفرْ رسولُ اللهِ - ﷺ - لأَبيه، ولا لأُمِّه، ولا لَعَمِّه أَبي طالب، لأَنهم ماتوا على غيرِ الإِسلام، ورسولُ اللهِ - ﷺ - يَعلمُ أَنه لا يَجوزُ له أَنْ يَستغفرَ لكافر، ولو كان أَقربَ الناسِ إِليه.\nوادَّعى الكاذبُ المفترِي أَنَّ اللهَ نَهاهُ عن الاستغفارِ لأَبيه وأُمِّه وعمِّه،\nوزَجَرَه عن ذلك زجرا أَبكاه، وهذا ادِّعاءٌ كاذب، فلم يَنْهَهُ اللهُ عن ذلك ولم يَزجزه، لأَنه - ﷺ - لم يَفعلْ ذلك أَصلًا.\nوالآيةُ نَفَتْ وُقوعَ هذا الاستغفار: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) ...\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>الزعم بأن القرآن وحي من الشيطان</span>\nذَكَرَ الفادي المجرمُ تحتَ عنوان: \" وَحْيٌ من الشيطان \" قولَ الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) .","vol":"1","page":663},{"text":"وعَلَّقَ على الآيةِ تَعْليقًا خَبيثًا، فقال: \" قالَ المفَسّرون: إِنَ محمدًا لما\nكانَ في مجلسِ قريش أَنزلَ اللهُ عليه سورةَ النجم، فقرأَها، حتى بَلَغَ قوله:\n(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) .\nفأَلْقى الشيطانُ على لسانِه ما كانَ يُحَدِّثُ به نفسَه ويَتَمَنّاه، وهو: \" تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى \"،\nفلما سمعَتْ قريش فَرِحوا به، ومضى محمد في قراءتِه، فقرأَ السورةَ كلَّها،\nوسجدَ في آخرِها، وسجدَ المسلمون بسجوده، كما سجدَ جميعُ المشركين،\nوقالوا: لقد ذَكَرَ محمد آلهتَنا بأَحسنِ الذكر، وقد عَرَفْنا أَنَّ اللهَ يُحيي ويُميت، ولكنَّ آلهَتنا تشفعُ لنا عندَه \".\nوبعدَما أَوردَ هذه الروايةَ طَرَحَ سؤالَه وهُجومَه وبذاءَتَه، فقال: \" ونحنُ\nنسأل: كيفَ يتنكَّرُ محمد لوحدانيةِ الله، ويمدحُ آلهةَ قريش، ليتقَرَّبَ إِليهم، ويفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية؟\nوما الفرقُ بين النبيِّ الكاذبِ والنبيِّ الصادق، إِذا كانَ الشيطانُ يَنطقُ على لسانِ كليهما؟! \" (١) .\nالخُرافَةُ التي ذَكرَها الفادي الجاهلُ معروفة باسم \" قصة الغرانيق \".\nوالغَرانيقُ جَمعُ \" غُرْنوق \"، وهو طَيْرُ الماء.\nوقد ذَكَرَ تلك الخرافةَ بعضُ كتبِ التاريخِ والتفسيرِ والحديث، وردَّدَها عنهم الذين لا يتَحرونَ الدقة والصحةَ فيما يَنْقُلون، وتلَقَّفَها الفادي الجاهل.\nوخُلاصَةُ تلك الخرافةِ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان يَوْمًا عند الكعبة، وحولَه بعضُ المسلمين والكافرين، فتَلا سورة النجم، وهم يَستَمعونَ إِليه، حتى وَصَلَ إِلى قولِه تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) .\nفَأَدخلَ الشيطانُ في قراءَتِه، وصارَ يتكلمُ بصوتِه، وأدرجَ فيه جملتَيْن،\nسَمعوها بصوتٍ هو صوتُ النبيِّ - ﷺ -، مع أَنه صوتُ الشيطان، والجملتان هما: \" تلكَ الغرانيقُ العُلى، وإِنَّ شفاعتَهنَّ لترتُجى \" وواصَلَ الرسولُ - ﷺ - قراءَتَه، وسطَ ذُهولِ المسلِمين، وفرح المشركين، الذين قالوا: الْتَقى محمد مَعَنا، ومَدَحَ آلهتَنا..\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦٢- الشيطان يوحى إلى محمد ﷺ\nالرد على الشبهة:\nالظالمون لمحمد ﷺ يستندون فى هذه المقولة إلى أكذوبة كانت قد تناقلتها بعض كتب التفسير من أنه ﷺ كان يقرأ فى الصلاة بالناس سورة \" النجم: فلما وصل ﷺ إلى قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى) (١)؛ تقول الأكذوبة:\nإنه ﷺ قال: - حسب زعمهم - تلك الغرانيق (٢) العلى وإن شفاعتهن لترتجى.\nثم استمر ﷺ فى القراءة ثم سجد وسجد كل من كانوا خلفه من المسلمين وأضافت الروايات أنه سجد معهم من كان وراءهم من المشركين!!\nوذاعت الأكذوبة التى عرفت بقصة \" الغرانيق \" وقال - من تكون أذاعتها فى صالحهم -: إن محمدًا أثنى على آلهتنا وتراجع عما كان يوجهه إليها من السباب. وإن مشركى مكة سيصالحونه وسيدفعون عن المؤمنين به ما كانوا يوقعونه بهم من العذاب.\nوانتشرت هذه المقولة حتى ذكرها عدد من المفسرين حيث ذكروا أن المشركين سجدوا كما سجد محمد ﷺ وقالوا له: ما ذكرت آلهتنا بخير قبل اليوم ولكن هذا الكلام باطل لا أصل له.\nوننقل هنا عن الإمام ابن كثير فى تفسيره الآيات التى اعتبرها المرتكز الذى استند إليه الظالمون للإسلام ورسوله وهى فى سورة الحج حيث تقول:\n(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (٣) وبعد ذكره للآيتين السابقتين يقول: \" ذكر كثير من المفسرين هنا قصة \" الغرانيق وما كان من رجوع كثير ممن هاجروا إلى الحبشة \" ظنًّا منهم أن مشركى مكة قد أسلموا.\nثم أضاف ابن كثير يقول: ولكنها - أى قصة \" الغرانيق \" - من طرق كثيرة مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، ثم قال ابن كثير: (٤) عن ابن أبى حاتم بسنده إلى سعيد بن جبير قال: \" قرأ رسول الله ﷺ بمكة \" سورة النجم \" فلما بلغ هذا الموضع. (أفرأيتم اللات والعزّى * ومناة الثالثة الأخرى (. قال بن جبير: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.\nفقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم.. فأنزل الله هذه الآية: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عزيز حكيم (ليقرر العصمة والصون لكلامه سبحانه من وسوسة الشيطان.\nوربما قيل هنا: إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقى الشيطان ويحكم آياته فلماذا لم يمنع الشيطان أصلًا من إلقاء ما يلقيه من الوساوس فى أمنيات الأنبياء\nوالجواب عنه قد جاء فى الآيتين اللتين بعد هذه الآية مباشرة:\nأولًا: ليجعل ما يلقيه الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض من المنافقين والقاسية قلوبهم من الكفار وهو ما جاء فى الآية الأولى منهما: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) (٥) .\nثانيًا: لميز المؤمنين من الكفار والمنافقين فيزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم؛ وهو ما جاء فى الآية الثانية: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادى الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (٦) .\nهذا: وقد أبطل العلماء قديمًا وحديثًا قصة الغرانيق. ومن القدماء الإمام الفخر الرازى الذى قال ما ملخصه (٧):\n\" قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق وقد استدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول؛ أما القرآن فمن وجوه: منها قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (٨) .\nوقوله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى (. (٩) وقوله سبحانه حكاية عن رسوله ﷺ: (قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ) (١٠) .\nوأما بطلانها بالسنة فيقول الإمام البيهقى:\nروى الإمام البخارى فى صحيحه أن النبى ﷺ قرأ سورة \" النجم \" فسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيها حديث \" الغرانيق \" وقد روى هذا الحديث من طرق كثيرة ليس فيها ألبتة حديث الغرانيق.\nفأما بطلان قصة \" الغرانيق \" بالمعقول فمن وجوه منها:\nأ - أن من جوّز تعظيم الرسول للأصنام فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه ﷺ كان لنفى الأصنام وتحريم عبادتها؛ فكيف يجوز عقلًا أن يثنى عليها؟\nب - ومنها: أننا لو جوّزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه ﷺ فإنه لا فرق - فى منطق العقل - بين النقصان فى نقل وحى الله وبين الزيادة فيه. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) النجم: ١٩ -٢٠.\n(٢) المراد بالغرانيق: الأصنام؛ وكان المشركون يسمونها بذلك تشبيهًا لها بالطيور البيض التى ترتفع فى السماء.\n(٣) الحج: ٥٢.\n(٤) عن: التفسير الوسيط للقرآن لشيخ الأزهر د. طنطاوى ج٩ ص ٣٢٥ وما بعدها.\n(٥) الحج: ٥٣.\n(٦) الحج: ٥٤.\n(٧) التفسير السابق: ص ٣٢١.\n(٨) الحاقة: ٤٤ - ٤٧.\n(٩) النجم: ٣- ٤.\n(١٠) يونس: ١٥.","vol":"1","page":664},{"text":"ومعلومٌ أَنَّ في آخرِ سورةِ النجمِ سَجْدَة، فلما فرغَ\nرسولُ اللهِ - ﷺ - من قراءَتِه سَجَدَ، وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركون..\nولما علمَ الرسولُ - ﷺ - بما أَجرى الشيطانُ على لسانهِ حَزِنَ وتَألَّم، فأَمره اللهُ بحذْفِ جملتي الشيطانِ من سورةِ النجم: \" تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى \".\nوأَنزلَ آيةً من سورة الحج تتحدَّثُ عن ذلك: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) .\nوهذه الخرافةُ مكذوبة، لم تَردْ في روايةٍ صحيحة.\nوإِنما هي من وضع الزنادقة، والكَذَّابين والوضّاعين، وقد رَدَّها المفَسِّرون والمحَدِّثونَ والمؤرِّخونَ، وأَلَّفَ بعضُهم كتُبًا في رَدِّها، منهم الشيخُ محمد ناصر الدين الأَلباني، في كتابه: \" نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق \".\nهذه الخرافةُ مردودةٌ عَقْلًا أَيضًا، إِذْ لا يُعقلُ أَنْ يَأَذنَ اللهُ للشيطانِ أَن\nيتقمَّصَ صوتَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وأَنْ يُؤَلِّفَ كلامًا من عندِه يُدْخِلُه على القرآن، وهو يتعارضُ مع القرآن، فالقرآنُ يَذُمُّ اللاتَ والعُزّى، والشيطانُ يمدَحُهما، ويَجعلُ لهما شفاعةً عند الله! وأَينَ حِفْظُ القرآن؟\nوأَينَ عِصمةُ اللهِ لنبيِّه - ﷺ -؟!.\nأَما الفادي المفترِي الخبيثُ فقد طارَ فَرَحًا بالخرافة، وصَدَّقَها، واعتمدَها في التشكيكِ بالقرآنِ وإِدانةِ الرسولِ - ﷺ -، وقال كلامًا فاجرًا: \" كيف يتنكَّرُ محمدٌ لوحدانيةِ الله، ويَمدحُ آلهةَ قُريش، ليتقربَ إليهم، ويَفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية؟\nوما الفرق بين النبيِّ الصادِقِ والنبيِّ الكاذبِ إِذا كان الشيطانُ ينطقُ على لسانِ كِلَيْهما؟ \".\nأَمّا آيةُ سورة الحج التي زَعَمَ الفادي أنها جاءَتْ لمسْحِ ما أَلْقاهُ الشيطانُ\nعلى القرآن، فإنها تتحدَّثُ عن أُمنياتِ الأَنبياء إِيمانَ أَقوامِهم، ومحاولاتِ\nالشيطان تَيْئيسَهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ..) .","vol":"1","page":665},{"text":"يُخبرُ اللهُ رسولَه - ﷺ - أَنَّ كُل رسول ونبي قبلَه كان يتمنّى ويَرجو ويأمَلُ أَنْ يؤمنَ به قومُه ويُصَدِّقوه، وكان يَبذلُ جهدَه في دعوتِهم، ولكنَّ الشيطانَ كان يُحاولُ تيئيسَه، ولذلك كان يُلقي في أُمنيتهِ، ويُريه أَنها مستحيلة، وأَنَّ قومَه لن يؤمنوا به، فلا يُتْعِبُ نفسَه معهم..\nوكان اللهُ يَتداركُ رسولَه برحمته، ويَمُنُّ عليه بالأَمَل، وبذلك كان يَنسخُ ما يلقي الشيطانُ من وساوس، ويُحكمُ آياتِه، ويُبقي الرسولَ على ثقتِه وأَملِه وجهودِه في الدعوة..\nهذا هو الراجحُ في معنى الآية، والله أعلم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>هل مال الرسول - ﷺ - إلى المشركين</span>؟\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمدًا - ﷺ - مَالَ إِلى مهادنةِ المشركينَ وموالاتِهم ومَدحِ آلهتِهم، وذَكَرَ آياتٍ أساءَ فَهْمَها وتَفسيرها.\nووضَعَ عنوانًا مُثيرًا: \" كادوا يفتنونه \"؟\nقال فيه: \" جاءَ في سورةِ الإِسراء (٧٣): (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) .\nوجاءَ في السورةِ نفسِها (٣٩): (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) .\nوجاء في سورة الأَحزاب (١ - ٢): (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) .\nوجاء في سورةِ الزمر: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .\nوجاء في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) .\nونحنُ نَسألُ: أَلا تدلُّ هذه الآيات ُ على ميل محمدٍ للمشركين، وموالاتِه\nلمدْحِ آلهتِهم، ثم اعتذاره عن هذا بأَنَّ اللهَ نَهاهُ عن ذلك وزَجَرَه؟!.. \".","vol":"1","page":666},{"text":"لقد كان المشركونَ حريصين على فتنةِ رسول الله - ﷺ -، ليتنازَلَ عن الحَق ويَسيرَ معهم، وعَرَضوا عليه عُروضًا مغرية.\nومن أَعجبِ وأَطرف ما عَرضوه أنهم قالُوا له: يا محمد أَنتَ على حَقّ، ونحنُ على حَقّ، فنعبُدُ نحن ربَّك يومًا، على أَنْ تعبدَ أَنتَ آلهتنا يومًا!..\nفأنزلَ اللهُ عليه سورة الكافرون: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .\nواجَهَ الرسولُ - ﷺ - مساوماتِ وإِغراءاتِ المشركين بالرفضِ، والثباتِ على الحق، وقالَ قولته المشهورة: \" واللهِ يا عَمّ لو وَضَعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي، على أَنْ أَتركَ هذا الأَمْرَ ما تركتُه، حتى يُظهرَهُ الله، أَو أَهلكَ دونَه \".\nوقد فوضت قريشٌ أَحَدَ زعمائِها \" الوليدَ بنَ المغيرة \" ليُفَاوضَ\nرسولَ اللهِ - ﷺ -، ويُعطِيَه ما شاءَ من الدنيا، على أَنْ يَتَخَلّى عن رسالتِه ودعوتِه، فعرضَ عليه الوليدُ ما شاء من المالِ أَو الجاهِ والمركز، بأَنْ يكونَ زعيمًا عليهم، أَو الزواج أَو العلاج، وهم مستعدّودن أَنْ يُعطوهُ ما أَرادَ، مقابلَ أَنْ يَسكتَ وَيَتوقَّفَ عن ذَمِّ آلهتِهم..\nفردَّ الرسولُ - ﷺ - على عروضِه بأَنْ تَلا عليه\nآياتٍ من سورةِ فصلت..\nفقام الوليدُ يائسًا..\nوقد امتنَّ اللهُ على رسولِه - ﷺ - بأَنه هو الذي ثَبَّتَه على الحَق، وأَعانَه على رفْضِ مساوماتِ المشركين.\nقال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) .\nوأَمْرُ اللهِ رسولَه - ﷺ - بالتَّقْوى والثباتِ وتَبليغِ الدعوةِ لا يدلُّ على أَنَّهُ قَصَّرَ في ذلك، إِنما هو لمزيد توكيد، ولاستمرارِ التذكيرِ بالحقيقة، والذكرى تنفعُ المؤمنين، والتأكيدُ على الحقيقةِ لرسوخِها واستقرارها.","vol":"1","page":667},{"text":"كما أَنَّ نَهْيَ الله رسولَه - ﷺ - عن الشركِ لا يَعْني أَنهَ فَكَّرَ في أَنْ يُشركَ، ونهيَه له عن جعْلِه إِلهًا آخَرَ مع الله لا يَعْني أَنه فَكَّرَ في ذلك.\nوكانَ - ﷺ - قبلَ البعثة يَكفرُ بالأَصنامِ ولا يَعتبرُها آلهة، فهل يعتبرُها آلهة بعد النبوة؟!.\nإِن قولَه تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .\nيدل على أَنَّ اللهَ لا يَتَسامَحُ في الشرك، ويُحبطُ عملَ المشركِ به، ويجعَلُه خاسِرًا هالكًا، حتى لو كانَ هذا أَقْرَبَ الناسِ إِليه، وأفضلَهم عنده، وهو رسولُه محمدٌ - ﷺ -..\nفإِذا كانَ اللهُ يُعَذِّبُ رسولَه وحبيبَه إِذا أَشركَ - وهو لَنْ يُشرك - فكيف بالآخرين الذينَ أَشركوا فِعْلًا، إنهم عرضَةٌ لعَذابِ اللهِ إِنْ لم يَتَرَاجعوا عن ذلك، فالإِيمانُ باللهِ وتَوحيدُه وعِبادتُه وحده لا تَراجُعَ عنه، ولا مفاوضة عليه!!.\nولكنَّ الفادي الجاهلَ الكافرَ باللهِ لا يَعرفُ هذه الحقيقةَ القرآنيةَ\nالإيمانية، ولذلك قال ما قال، واتهمَ رسول اللهِ - ﷺ - بما اتَّهَمَه به.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>اتهام الرسول - ﷺ - بتزوج زوجة ابنه</span>\nكلامُ الفادي الفاجر المجرمُ في هذا المبحثِ من أَرْذَل وأَفْجَرِ وأَقبحِ ما\nسَجَّلَه في كتابِه القبيح، وقد جَعَلَ كَلامَه تحتَ عنوان: \" يتزوَّجُ زوجةَ ابنِه!! \".\nوعَلَّقَ على آيتَيْنِ من سورةِ الأَحزاب، تتحدَّثانِ عن زواجِ رسول الله - ﷺ -، من زينبَ بنتِ جَحْش - ﵂ -، وفيهما قولُه تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) .\nوقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا المجرمَ البذيءَ في هذا الأَمْرِ، وبَيَّنّا مُلابسةَ زَواجِ\nرسول الله - ﷺ - من زينبَ بنتِ جحش - ﵂ -، وقَدَّمْنا المعنى الصحيحَ لآياتِ سورةِ الأَحزابِ التي تحدَّثَتْ عن ذلك.","vol":"1","page":668},{"text":"لكنّنا نسجلُ هنا كلامَ المجرمِ البذيء، ليعرفَ الإِخوةُ القُرّاءُ إِجرامَ\nالمجرمِ وقلةَ أَدَبِه، وهو الذي يَظهَرُ بمظهرِ الموضوعيِّ المحايِد، والباحثِ\nالمنصف.\nقال - فَضَّ اللهُ فاه، وشَلَّ يَدَه -: \" اتفقَ جميعُ المفَسِّرين على أَنَّ محمدًا\nقال هذه العبارةَ في زينبَ بنتِ جحش.\nوكان قد زَوَّجَها لزيدِ بنِ حارثة، وهو ابنُه بالتَّبَنّي..\nوفي ذاتِ يومٍ أَتى محمدٌ زيدًا لحاجَة، وأَبصرَ زينبَ في دِرْعٍ\nوخمار، وكانتْ بيضاءَ وجميلةً وذاتَ خُلُق، من أَتَمِّ نساءِ قريش، ولم يكنْ زيدٌ في البيت، فوقعَتْ في نفسِ محمد، وأَعجبَه حُسْنُها، فقال: سبحانَ اللهِ مُقَلِّبِ القُلوب..\nفلما جاءَ زيدٌ، ذَكَرَتْ له ذلك، ففطِنَ للأَمْرِ، واحتاط لنفسِه من\nعواقِبه، وذهبَ لمحمد، وقال له: إِنّي أَريدُ أَنْ أُطَلِّقَ صاحِبَتي! فقال محمد:\nما لَكَ؟\nأَرابَكَ منها شيء؟\nقال: لا.\nولكنْ لشَرَفِها تتعاظمُ عَلَيَّ..\nفقال محمد: أَمْسِكْ عليكَ زوْجَك، واتَّقِ اللهَ في أَمْرِها.\nقالَ محمدٌ هذا خشيةً من الناس، لئلا يُعَيِّروهُ بِأَخْذِ زوجةِ ابنِه، وأَخْفى في نفسِه شهوتَه إِليها!!..\nولكن الفضلَ لجبريلَ، الذي أَنزلَ عليه أَلَّا يخشى الناسَ، ولْيجاهرْ برغبتِه في أَخْذِها من ابنه، وأَلا يكونَ لجميعِ المسلمين حَرَج إِذا أَخذوا نساءَ أَدعيائِهم، بعدَ أَنْ يَقْضوا منهنَّ مُرادَهم.\nفكيفَ ساغَ لمحمدٍ أَنْ يَمُدَّ عينَيْه، ويَشْتهي امرأةَ زيدٍ، أَقربِ الناسِ إِليه؟\nوكيفَ يَدَّعي في مجلسِ العربِ بغير ما في نفسِه، ويَسْتَعدي جبريل على زيدٍ\nليحرمَهُ من زوجته، لياخُذَها لنفسِه، وَبَدَلَ أَنْ يَندمَ ويَستغفرَ، يُسَبِّحُ الله ويقول: سبحانَ الله، مُقَلِّبِ القلوب؟\nوهل يَليقُ بجبريل الطاهرِ أَنْ يُوافِقَ هوى محمد، ويجعلَ هذا الاغتصابَ سُنَّةً، ويَرفعَ الحرجَ عن جميع المؤمنين، إِذا ما أَتوا مثلَ هذه الفضائح؟!..\nولهذا المنطقِ الأَخلاقيِّ كانت زينبُ تَتَباهى على سائِرِ\nنساءِ النبيّ قائلة: إِنَّ اللهَ تولّى إِنكاحي، وأَنتنَّ زوَّجكُنَّ أَولياؤكُنّ.. \" (١) (٢) .\n_________\n(١) قال الشيخ / محمد الغزالي - ﵀ - ما نصه:\nوهناك شائعة أخرى من أخبث ما انطلق فى آفاق المعرفة الدينية، وأحق بالاحتقار! تلك هى رغبة النبى ﷺ المفاجئة فى الزواج من زينب بنت جحش كما يرجف الخراصون! والنبى ﵊ أبعد العالمين عن هذا التطلع؟ ويستحيل أن يمر بخاطره هذا الوهم. والذى يظهر لى أن دسا يهوديا خفيا من وراء هذه الشائعة، يريد القوم - بعدما افتروا على نبى الله داود - أن يجعلوا بينه وبين نبينا شبها. وكان هذا الكيد قمينا أن يموت فى مكانه لولا حفاوة بعض الرواة بالغرائب دون وعى! ولولا أن بعض الكتاب لا يبالى بنسبة الأخطاء أو الخطايا إلى الكبار كى يعطى العذر لنفسه ولغيره فى ارتكابها. والخلاصة الصحيحة للقصة أن النبى ﵊ كان يحب متبناه - سابقا - زيد بن حارثة، وكان معجبا بخصائصه النفسية والعقلية، ويراه سيدا قائدا، وأهلا للإمارة والإدارة فى السلم والحرب وقد ولاه قيادة جيش مؤتة وولى ابنه من بعده قيادة الجيش المتوجه إلى الرومان، وذكر أن ذلك عن جدارة لا عن محاباة. ومن إعزاز رسول الله ﷺ لزيد أنه اختار له ابنة عمته زينب ليتزوجها، وكان يعتقد أن زينب ستكشف خلال زيد وتستريح إليه وتسعد. إن فؤاد زيد من الملوك، وإن كان قد جىء به رقيقا إلى مكة، مخطوفا من أسرته وبيع كما بيع يوسف الصديق من قبل وذاك لا يضيره. لكن زينب قبلت هذا الزواج مرغمة، كان أملها، وهى من ذؤابة قريش، أن تتزوج كفئا لها فى النسب وما عساها تصنع إذا كان الرسول ﵊ قد ضغط عليها وعلى أخيها؟ وشعر زيد بأن امرأته تراه دونها، فثار إباؤه، واكفهر الجو فى البيت الذى سعى الرسول صلى الله عيه وسلم فى بنائه.\nومع تدخل الرسول ﵊ الكثير لإصلاح ذات البين، وحرصه على بقاء الزوجية فإن الفجوة لا تزيدها الأيام إلا اتساعا. وكان الرسول ﵊ يعجب لنفور زينب من شاب ماجد عظيم، ويقول: سبحان مقلب القلوب. وفى ساعة شموخ وغضب طلق زيد امرأته، واستعلن الفشل الذى كان الرسول ﷺ يداريه.. لقد حار: ماذا يصنع؟ ثم فوجى بأن الله يطلب منه أن يتزوج هو نفسه زينب! وفزع لهذا الطلب وتمثل أمامه كلام الناس وهم يقولون: تزوج محمد امرأة ابنه - أى متبناه - وبدلا من أن ينفذ مراد الله منه تراخى! بل ذهب إلى أبعد من ذلك وقال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله.. أى راجع زوجتك. بيد أن الوحى نزل حاسما يطلب من الرسول صلى الله عيه وسلم قبول الأمر الواقع، وإقرار الطلاق الذى تم وتنفيذ الأمر الإلهى الذى صدر إليه بالزواج من زينب بعد انقضاء عدتها فلا معنى لإخفائه ولا معنى للوجل من كلام الناس، فشأن الأنبياء ارتبط بالخالق لا بالخلق.. نعم ما يجوز هذا الإخفاء بعد أن علم مراد الله بوضوح. ونحن نفهم سر الألم الذى خامر قلب النبى ﵊ لفشل الزواج الذى أراد به إسعاد زيد، ونفهم كذلك سر القلق الذى استولى عليه لما صدر إليه الأمر بالتزوج من امرأة ابنه - أو بالتعبير الصحيح - متبناه. وشاء الله أن يتولى هو سبحانه هذا العقد كى يبطل قانون التبنى الذى شاع بين العرب. وتفسير الآيات الواردة فى سورة الأحزاب يتضح كل الاتضاح بعد هذا الشرح. ولكن بعض المغفلين قال: دخل رسول الله ﷺ على زينب فجأة وهى عند زيد فأحبها من أول نظرة كما يقول مؤلفو الأغانى! وقال: \" سبحان مقلب القلوب \"! وأن ما كان يخفيه هو التدله فى حبها. وهذا كلام بادى الكذب والإسفاف، فإن زينب بنت عمة الرسول ﵊، وكان يعرفها جيدا عندما زوجها زيدا، فما هذا الحب المفاجئ إنه خيال سمج. وكلمة \" سبحان مقلب القلوب \" قيلت فى التعليق على كره زينب لرجلها الجدير بالقبول! كما أوضحنا آنفا. وتسويف الرسول صلى الله عيه وسلم للزواج منها بعدما طلقها زيد كان كرها لهذا الزواج وخشية من أقاويل الناس، ولو كان الأمر إليه ما تزوجها قط. غير أن القضاء الإلهى أعلى وأحكم، فعوتب النبى ﵊ على تريثه أو تردده.\nونزل قرآن يلومه على ذلك! قالت عائشة: لو كان رسول الله ﷺ يكتم شيئا من الوحى لكتم هذه الآيات: (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) . فأين مكان الغرام، والعشق فى هذا السياق الصارم؟ على أن الله ﵎ وهو الخبير بالعباد - واسى نبيه ﷺ بعدما اجتاز هذه المحنة البشرية عظيما جليلا، فمدحه مدحا لم يذكر مثله فى سورة أخرى فقال له: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) . ثم قال فى أعقاب قصة زينب والزواج الذى نقلها بعد إلى أمهات المؤمنين: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) . ومع هذه الحقائق العلمية فإن بعض الكتابات المعاصرة عن أزواج النبي ﷺ تتحدث عن عشق أخذ بمجامع القلوب (!) لأن للشائعات، أو للأساطير المروية سوقا بين أهل الغفلة. وما أشد مصاب الإسلام من أولئك الرواة البله. اهـ (علل وأدوية. ص: ١٠٠ - ١٠٢)\n(٢) وجاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\nوتجدر الإشارة هنا إلى مجموعة الآيات القرآنية التى جاءت إعلانًا عن هذا الحكم المخالف لعادات الجاهلية وتفسيرًا للتشريع الجديد فى هذه - المسألة وفى موضوع الزواج بزينب حيث تقول:\n(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (٦) .\n(ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم فى الدين ومواليكم) (٧) .\n(وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولًا) (٨) .\nمرة أخرى نذكر بأن زواج الرسول ﷺ من زينب لم تكن وراءه أبدًا شهوة أو رغبة جنسية وإنما كان أمرًا من قدر الله وإرادته لإبطال عادة التبنى من خلال تشريع يتردد صداه بأقوى قوة فى المجتمع الجاهلى الذى كانت عادة التبنى أصلًا من أصوله وتقليدًا مستقرًا فيه، فكان السبيل لأبطالها أن يتم التغيير فى بيت النبوة وعلى يد الرسول نفسه ﷺ.\nوقد فطنت السيدة \" زينب بنت جحش \" نفسها إلى هذا الأمر فكانت تباهى به ضراتها وتقول لهن: \" زوجكن أهاليكن وزوجنى ربى من فوق سبع سمَوات \" (٩) .\nأما لماذا كان زيد بن حارثة نفسه يتردد على الرسول معربًا عن رغبته فى تطليق زينب؛ فلم يكن - كما زعم المرجفون - أنه شعر أن الرسول يرغب فيها فأراد أن يتنازل عنها له..\nولكن لأن حياته معها لم تكن على الوفاق أو التواد المرغوب فيه؛ ذلك أن زينب بنت جحش لم تنس أبدًا - وهى الحسيبة الشريفة والجميلة أيضًا أنها أصبحت زوجًا لرجل كان رقيقًا عند بعض أهلها وأنه - عند الزواج بها - كان مولىً للرسول ﷺ أعتقه بعد ما اشتراه ممن أسره من قريش وباعه بمكة.\nفهو - وإن تبناه محمد وبات يسمى زيد بن محمد فى عرف المجتمع المكى كله، لكنه عند العروس الحسيبة الشريفة والجميلة أيضا ما يزال - كما كان بالأمس - الأسير الرقيق الذى لا يمثل حُلم من تكون فى مثل حالها من الحسب والجمال وليس هذا بغريب بل إنه من طبائع الأشياء.\nومن ثم لم تتوهج سعادتها بهذا الزواج، وانعكس الحال على زيد بن حارثة فانطفأ فى نفسه توهج السعادة هو الآخر، وبات مهيأ النفس لفراقها بل لقد ذهب زيد إلى الرسول ﷺ يشكو زينب إليه كما جاء فى البخارى من حديث أنس قال: جاء زيد يشكو إلى الرسول فجعل ﷺ يقول له: [أمسك عليك زوجك واتق الله] (١٠) قال أنس: لو كان النبى كاتمًا شيئًا لكتم هذا الحديث.\nلكن الرسول ﷺ كان يقول له كما حكته الآية: أمسك عليك زوجك ولا تسارع بتطليقها.\nوزينب بنت جحش هى بنت عمة الرسول ﷺ - كما سبقت الإشارة - وهو الذى زوجها لمولاه \" زيد \" ولو كانت به رغبة فيها لاختارها لنفسه؛\nوخاصة أنه رآها كثيرًا قبل فرض الحجاب، وكان النساء فى المجتمع الجاهلى غير محجبات فما كان يمنعه - إذًا - من أن يتزوجها من البداية؟!؛ ولكنه لم يفعل.\nفالأمر كله ليس من عمل الإرادة البشرية لهم جميعًا: لا لزينب ولا لزيد ولا لمحمد ﷺ، ولكنه أمر قدرى شاءته إرادة الله لإعلان حكم وتشريع جديدين فى قضية إبطال عادة \" التبنى \" التى كانت سائدة فى المجتمع آنذاك.\nيؤكد هذا ويدل عليه مجموع الآيات الكريمة التى تعلقت بالموضوع فى سورة الأحزاب.\nأما الجملة التى وردت فى قوله تعالى: (وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (١١) . فإن ما أخفاه النبى ﷺ هو كتم ما كان الله قد أخبره به من أن زينب - يومًا ما - ستكون زوجًا له؛ لكنه لم يصرح به خشية أن يقول الناس: إنه تزوج زوجة ابنه بالتبنى (١٢) . اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":669},{"text":"ولا نعلقُ على هذا الكلامِ الفاجرِ البذيء، ونُحيلُ على ما قُلْنَاهُ سابقًا في\nهذا الأمر!\nوقد بَيَّنَ كثيرٌ من العلماءِ حادثةَ زَواجِ الرسولِ - ﷺ - من زينبَ بنتِ جحشٍ - ﵂ -، وتَحَدَّثْنَا عنها بالتفصيلِ في كتابنا \" عتاب الرسول - ﷺ - في القرآن: تحليل وتوجيه \".\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>حول سحر رسول الله - ﷺ </span>-\nعَلَّقَ الفادي المجرمُ على حادثةِ سِحْرِ رسولِ الله - ﷺ - تحتَ عنوان: \" النبيّ المسحور \"\nوأَخَذَ الحادثةَ من مصادرَ صحيحةٍ ومصادر باطلة، وخلط فيها الحقَّ\nبالباطل، ثم وظَّفَها دليلًا على جُنونِ الرسولِ - ﷺ -، وقارنَ بينَه وبين موسى وعيسى - ﵉ -، اللَّذيْنِ غَلَبا السحرةَ والشياطين.\nأَوردَ سورةَ الفلقِ وسورةَ الناس ثم نَقَلَ كَلامًا للبيضاوي في تفسيرِ\nالنفاثات في العُقَد.\nوقال بعد ذلك: \" جاءَ في كتابِ \" السيرةِ النبوية الملكية \":\n\" رُوِيَ أَنَّ لَبيدًا بنَ الأَعْصَمِ اليهودي سَحَرَ النبيَّ.\nفكانَ يُخَيَّلُ للنبيِّ أَنه يَفعلُ الشيءَ، وهو لا يَفعلُه، مما لا تَعَلُّقَ له بالوحي، كالأَكْل والشربِ وإِتيانِ النِّساءِ، ومَكَثَ في ذلك سَنَةً، أَو ستة أَشهر، على ما قيل، حتى جاءَه جبريلُ، وأَخبرَه بذلك السِّحرِ ومكانِه، فأَرسلَ النبيُّ واستحضَره وفَك عُقَدَه، فَفُكَّ عنه السحر \".\nوجاءَ في كتابِ العَقْد الفريد: \" في مسندِ ابن أَبي شيبة: أَنَّ رَجُلًا من\nاليهودِ سَحَرَ النبيّ، فاشتكى لذلك أيامًا، فأَتاهُ جبريلُ فقال له: إِنَّ رجلًا من\nاليهودِ سَحَرَك، عَقَدَ لك عُقَدًا، وجَعَلَها في مكانِ كذا وكذا، فأَرسلَ عليًّا - فاستخرجَها وجاءَ بها، وجَعَلَ يَحُلُّها، فكلما حَلَّ عُقْدَة، وَجَدَ رسولُ الله خِفَّة، ثم قامَ رسولُ الله، وكأنما نَشَطَ من عِقال \".\nقال البخاري: رَوَتْ عائشةُ قالت: كان رسولُ الله سُحِرَ، حَتَى كان يَرى\nأَنه يأتي النساءَ وهو لا يأتيهن..\nفقالَ محمد: يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أَنَّ اللهَ أفتاني","vol":"1","page":670},{"text":"فيما أَنا اسْتَفْتَيْتُهُ فيه، أَتاني رَجُلان، فقعَدَ أَحَدُها عند رأْسي، والآخَرُ عند\nرِجْلَيَّ، فقالَ الذي عندَ رأسي للآخَر: ما بالُ الرجل؟\nقال: مَطْبوب.\nقال: وَمَنْ طبَّهُ؟\nقال: لَبيدُ بنُ الأعصم، رجلٌ من بني زريق، حليفُ اليهود، كان\nمنافقًا، قال: وَفيم؟\nقال: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ.\nقال: وأَيْنَ؟\nقال: في جُفِّ بئر ذِروان ...\nقالت: فأَتى النبيُّ البئرَ فاستَخْرَجَها ... \".\nما زَعَمَه الفادي المفترِي من أَنَّ سِحْرَ رسولِ الله - ﷺ - استمرَّ ستةَ أَشهرٍ أَو سنةً غيرُ صحيح، فلم يستمر ذلك إِلّا فترةً قصيرةً لم تَتَجاوزْ أَيامًا قليلة.\nوالراجحُ أَنَّ رَسولَ اللهِ - ﷺ - لم يُرسلْ عليَّ بنَ أَبي طالب - ﵁ - إلى البئرِ التي فيها السحرُ، ولم يستخرجْه منها، وما نَقَلَه الفادي عن العقدِ الفريدِ مرجوح مردود.\nوالصحيحُ في هذه الحادثةِ ما رواه البخاريُّ عن عائشةَ - ﵂ - قالت: \" سُحِرَ النبيُّ - ﷺ -، حتى إِنه ليُخَيَّلُ إِليه أَنه يفعلُ الشيءَ وما فَعَلَه ...\nحتى إِذا كانَ ذاتَ يومٍ وهو عندي، دَعا اللهَ ودَعاه..\nثم قال: أَشعرتِ يا عائشةُ أَنَّ اللهَ قد أَفْتاني فيما اسْتَفْتَيْتُهُ فيه؟\nقلتُ: وما ذاك يا رسولَ الله؟\nقال: جاءَني رَجُلان، فجلسَ أَحَدُهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلَيَّ، ثم قالَ أَحَدُهما للآخَر: ما وَجَعُ الرجل؟\nقال: مَطْبوب، قال: ومَنْ طَبهُ؟\nقال: لَبيدُ بنُ الأَعْصَمِ اليهودي من بني زُريق.\nقال: في ماذا؟\nقال: في مُشْطٍ ومشاطَة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر.\nقال: فأَينَ هو؟\nقال: في بْئرِ ذي أَروان.\nقالَتْ: فذهبَ النبيّ - ﷺ - في أُناسٍ من أَصحابِه إِلى البئر، فَنَظَرَ إِليها وعليها نَخْل..\nثم رجعَ إِلى عائشةَ، فقال: واللهِ لكَأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، وكأَنَّ نخلَها\nرؤوسُ الشياطين..\nقلتُ: يا رسولَ الله، أَفَأَخْرَجْتَه؟\nقال: لا..\nأَمّا أَنا فقد عافاني اللهُ وشَفاني، وخشيتُ أَنْ أُثَوِّرَ على الناس منه شَرًّا.\nوأَمَرَ بها فدُفنتْ \".","vol":"1","page":671},{"text":"لقد شاءَ اللهُ أَنْ يُسحرَ رسولُه - ﷺ -، وذلك تأكيدٌ لبشريَّتِه وضعْفهِ؛ لأَنَّ كُلَّ بشر مخلوقٌ ضَعيف، تؤثَرُ فيه الأَسبابُ بأَمْر الله، والذي سَحَرَه هو اليهوديُّ \" لَبيدُ بنُ الأَعْصَم \"، حيثُ أَخَذَ مِشْطًا كان يُمَشِّطُ فيه رسولُ اللهِ - ﷺ - شَعْرَهُ، وفيه \" مشاطةٌ \"، وهي بقيةُ الشَّعْرِ الذي عَلِقَ من رأسِه بالمشط، وَرَبطَ المشط\nوالمشاطةَ في \" جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر \"، وهو الغشاءُ الذي على طَلْعِ البَلَحِ عند بدايةِ خروجِه من كُمِّه على النخلة.\nوَوَضعَ المشْط والمشاطَةَ والجُفَّ الغشاءَ في قَعْر بئرِ ذي أَروان، والماءُ الذي فيها قليل.\nوشاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ المادِّيِّ من رسولِ الله - ﷺ -، أَيْ أَنَّه أَثَّرَ في جِسْمِهِ فقط، ولم يُؤَثِّرْ في عَقْلِه وإدراكِه، كما أنه لم يُؤَثِّرْ في رسالتِه أَو الوحيِ الذي يَتَلَقّاهُ من الله، ولم يُؤَثَرْ في عبادَتِه ودعوتِه وذِكْرِه لله..\nأَقصى ما أَثَّر فيه السحرُ كما أَخْبَرَتْ عائشة - ﵂ - أَنه كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه فعل الشيءَ وما فعلَه، ولم يستمرَّ هذا فيه طويلًا، حيثُ كانَ - ﷺ - يلجأُ إلى الله، يَدْعوهُ ويتضرَّعُ إليه، كي يُذهبَ عنه ما أَثَّر فيه..\nوفي أَحَدِ الأَيّام كانَ - ﷺ - عند عائشهَ - ﵂ -، فدعا الله طويلًا، واستجابَ اللهُ دُعاءَه، وأَخبرَه عن حقيقةِ ما به،\nوأَخبرَ عائشة - ﵂ - عن ما حَصَلَ له، وأَنَّ اللهَ قد أَفْتاهُ فيما اسْتَفْتاهُ فيه، حيثُ أَرسلَ إِليه ملكَيْنِ في صورةِ رجلَيْن.\nفجلسَ أَحَدُهما عند رأْسِه، وجلسَ الآخَرُ عند رجلَيْه، وجَرى بينهما حوارٌ على مسمَع منه - ﷺ -، وعَرَفَ منهما أَنَّ لَبيدَ بن\nالأَعصم اليهوديَّ سَحَرَه، وأَنه وَضَع السِّحْرَ في قعرِ بئرِ ذي أَروان.\nوعافاهُ الله، وأَذْهَبَ عنه ما أَثَّر فيه.\nوذهبَ رسولُ الله - ﷺ - إِلى البئر، وعادَ إلى عائشةَ - ﵂ - وأَخْبَرَها عنها: ماؤُها قليلٌ أَحمرُ كأنَّه حِنّاء، وعليها نَخْلٌ مثمرة، ثَمَرُها كأَنه رؤوسُ الشياطين.\nوأَمَرَ - ﷺ - بدفن المادَّةِ التي سُحِرَ فيها، ولما اقترحَتْ عليه عائشةُ - ﵂ - أَنْ يُخرِجَها، وأَنْ يَتَنَشَّرَ، أَيْ أَنْ يُعالجَ نفسَه بالرُّقْيَة، رَفَضَ ذلك، وقال: لقد عافاني اللهُ وشفاني فلن أَتَنَشَّرَ، حتى لا أَثيرَ على الناسِ من ذلك السحرِ شَرًّا.\nوبهذا انتهتْ هذا الحادثةُ العابِرة، التي مَرَّتْ برسولِ اللهِ - ﵇ - مُرورًا","vol":"1","page":672},{"text":"عابرًا، ولم يتأَثَّرْ بها عَقْلُه أَو وَعْيُه أَو حِفْظُه وعبادَتُه، ولم تُؤَثِّرْ على نبوَّتِه\nورسالته.\nأَمّا الفادي المجرمُ فقد وَظَّفَ الحادثةَ لَيُحققَ هَدَفَه بالإِساءَةِ إِلى\nرسولِ الله - ﷺ -، ونَفْي نُبُوَّتِه.\nوعَلَّقَ على الحادثةِ بقولِه: \" ونحنُ نسأل: كيفَ\nيكونُ محمدٌ نبيًا وقد خَضَعَ لسطوةِ الشيطان، فتارةً يُذْهِبُ عَقْلَه بالسِّحْر، وتارةً يُلقي على لسانِه آياتٍ شيطانية، كالتي قالَها في سورةِ النجم؟\nلهذا اتَّهَمَه أَعداؤه بأَنه مجنون، فدفعَ عن نفسِه هذه التهمة، في آياتٍ كثيرة، كقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) .\nوقوله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) .\nفأَيْنَ هو من موسى الذي غَلَبَ السحر؟\nوأَينَ هو من المسيحِ الذي أَخرجَ الشياطينَ وأَقامَ الموتى؟\nوإِنْ كانَ في إِمكانِ جبريلَ فَكّ سِحْرِه، وشِفاؤُه، فلماذا تَرَكَه، ولم يَأتِه إِلّا بعدَ ستةِ أشهر أَو سَنَة؟\nوكيفَ يُؤْتمَنُ مِثْلُه على أَقوالِ الوحي؟\nلذلكَ قال له إِلهه: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) \".\nاتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ - ﷺ - بالجُنون، وَردَّدَ التهمةَ التي أَطلقها الكفارُ زمنَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، وقد نَفَتْ آياتُ القرآنِ الصريحةُ هذه التهمة عن رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولو كانَ - ﷺ - مَجْنونًا لما نجحَ في دعوتِه هذا النجاح، ولما تكلمَ بما تكلمَ به، ولما تعامَلَ مع أَصحابِه بأَعْلى درجاتِ العلمِ والحلم\nوالحكمةِ وسَعَةِ الصَّدْر.\nونُكررُ أَنَّ السحرَ لم يُؤَثِّرْ في عَقلِه - ﷺ - ووعيه!.\nومقارنةُ الفادي المجرم بين رسول الله - ﷺ - وبينَ أَخَوَيْهِ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لا دَاعيَ لها، لأَنَّ كُلًَّا منهم رسولٌ كريمٌ أَيَّدَهُ اللهُ بالمعجزات، وقد شاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثّرَ السحرُ قليلًا في الجانب البشريِّ من رسولِ اللهِ - ﷺ -، تأكيدًا على بشريته.","vol":"1","page":673},{"text":"والسؤالُ الذي طَرَحَه المجرمُ خبيث مثلُ صاحبه: \" وكيف يُؤْتَمَنُ مِثْلُه\nعلى أَقوالِ الوحي؟ \" لأَنَّ اللهَ ائتمنَه على الوحي، وَوَعَدهُ أَنْ لا يَنسى من القرآن حرفًا واحدًا، وقال له: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>حول تقبيل الرسول للحجر الأسود</span>\nتَوَقَّفَ الفادي المجرمُ أَمامَ تقبيلِ الرسول - ﷺ - للحجرِ الأَسود، وأَساءَ فهمَ الحادثةِ وتفسيرَها، كعادَتِه، وجعلَ حديثَه عنها فرصةً لاتِّهامِ الرسول - ﷺ - في عقيدتِه وإِيمانِه وإِخلاصِه وتوحيدِه.\nقَال فَضَّ اللهُ فاه: \" جاءَ في سورةِ الأحزاب (٢١): (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، وقال عمرُ بنُ الخطابِ عن الحجرِ الأَسود: أَما واللهِ لقد علمْتُ أَنكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، ولولا أَني رأيتُ رسولَ اللهِ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك.\nونحنُ نسأل: لماذا جَعَلَ محمدٌ تقبيل الحجرِ الأَسودِ من شعائرِ الحَجِّ\nكالوثنيين؟\nوهل هذه هي الأُسوةُ الحسنة؟\nولماذا يُجاري ويُداري عربَ الجاهلية، فيشركُ في إكرامِ اللهِ إِكرام الأَحجار؟ \" (١) .\nيرفضُ المجرمُ اعتبارَ رسول اللهِ - ﷺ - قدوةً حسنةً للمسلمين من بعدِه، لماذا؟\nلأَنه قَبَّلَ الحجرَ الأَسودَ، وجعلَ تقبيلَه من شعائِرِ الحَجّ!!\nوماذا في تقبيلِه له؟\nإِنه بهذا يُداري ويُجاري الوثنيّين، ويَفعلُ مثلَ فِعْلِهم.\nوهذا إِكرامٌ منه للحجر، وهذا إِشراك منه بالله - ﷿ -!!\nفالرسول - ﷺ - مشرك بالله بمجردِ تَقبيلهِ\nالحجرَ الأَسود!!\nهكذا يكونُ البحث، وهكذا يكونُ التحليلُ والتعليلُ\nوالاستنباطُ والاستدلال؟!.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٥٨- محمد ﷺ يعظم الحجر الأسود\nالرد على الشبهة:\nإنهم فى هذه المقولة - يريدون أن يتهموه بأنه كان يعظم الحجر الأسود - بل ويعظم الكعبة كلها بالطواف حولها وهى حجر لا يختلف فى زعمهم عن الأحجار التى كانت تصنع منها الأوثان فى الجاهلية وكأن الأمر سواء!!\nوحقيقة الأمر أن من بعض ما استبقاه الإسلام من أحوال السابقين ما كان فيه من تعاون على خير أو أمر بمعروف ونهى عن منكر، من ذلك ثناء الرسول ﷺ على حلف كان فى الجاهلية يسمى \" حلف الفضول \" وهو عمل إنسانى كريم كان يتم من خلاله التعاون على نصرة المظلوم، وفداء الأسير، وإعانة الغارمين، وحماية الغريب من ظلم أهل مكة وهكذا..\nوقد أثنى الرسول ﷺ على هذا الحلف وقال: لو دعيت إلى مثله لأجبت.\nوأيضًا كان مما استبقاه الإسلام من فضائل السابقين مما ورثوه عن إبراهيم - ﵇ - تعظيمهم للبيت الحرام وطوافهم به؛ بل وتقبيلهم للحجر الأسود.\nوهناك بعض مرويات تقول إن هذا الحجر من أحجار الجنة.\nوهنا فقط لا يكون أمامنا إلا ما ثبت من أن الرسول ﷺ كان يقبل الحجر الأسود عند طوافه بالبيت، وهو ما تنطق به الرواية عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال عن تقبيله لهذا الحجر: (والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك) .\nوهنا نقول:\nمن المستحيل أن يكون تقبيل الرسول ﷺ للحجر الأسود من باب المجاراة أو المشاكلة لعبدة الأصنام فيما كانوا يفعلون.\nومستحيل أيضًا أن يكون ﷺ قد فعل ذلك - أى تقبيل الحجر الأسود - دون وحى أو إلهام وجهه ﷺ إلى تقبيل الحجر بعيدًا بعيدًا عن أى شبهة وثنية أو مجاراة لعبدة الأصنام.\nولأنه ﷺ قال: [خذوا عنى مناسككم] فقد أصبح تقبيل الحجر الأسود من بعض مناسك الحجاج والعمار للبيت الحرام.\nكما أن تعظيم الحجر الأسود هو امتثال لأوامر الله الذى أمر بتعظيم هذا الحجر بالذات، وهو سبحانه الذى أمر برجم حجر آخر كمنسك من مناسك الحج فالأمر بالنسبة للتعظيم أو الرجم لا يعدو كونه إقرارًا بالعبودية لله تعالى وامتثالًا لأوامره ﷿ واستسلامًا لأحكامه. اهـ (شبهات المشككين) .","vol":"1","page":674},{"text":"ومن المعلومِ عندنا أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - لم يُشَرّعْ من عندِه، وإِنما كان يُبَلِّغُ المسلمين حكمَ اللهِ وشَرْعَه، فاللهُ سبحانه هو الذي شَرَعَ مناسكَ الحج، من إِحرامٍ وطوافٍ وسعي ورميِ للجِمار وغير ذلك، واللهُ هو الذي شَرَعَ للرسولِ - ﷺ - والمسلميًن استَلامَ الحجرِ الأَسودِ عند الطوافِ وتقبيلهِ، كما أَمرهم باستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وعندما كان - ﷺ - يُقَبِّلُ الحجرَ الأَسودَ كان\nيُطَبِّقُ أَمْرَ الله، ويُنَفِّذُ شَرعَ الله، وهو بهذا عابدٌ لله وليس مشركًا به!.\nوكم كانَ عمرُ بنُ الخطاب - ﵁ - واعيًا حكيمًا فَطِنًا، عندما قَرَّرَ أَنه يُقَبّلُ الحجرَ الأَسود؛ لأَنه يقتدي في ذلك برسولِ اللهِ - ﷺ -، وهو يوقنُ أَنه مجردُ حجرٍ، لا يَضُرُّ ولا يَنْفَع.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>التشكيك في عفَّة عائشة - ﵂ </span>-\nشَكَّكَ الفادي المجرمُ في عِفَّةِ عائشةَ - ﵂ -، وكَرَّرَ ما قالَه المنافقون الكافرون في اتِّهامها.\nوكانتْ وقفتُه الفاجرةُ الخبيثةُ أَمامَ قولِ اللهِ - ﷿ -: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) .\nذَكَرَ خُلاصَةَ الحادثة كما وَرَدَتْ في تفسير البيضاويِّ: من أَنَّ\nرسولَ اللهِ - ﷺ - خرجَ في غزوةٍ من غزواتِه، واستصحبَ معه عائشة - ﵂ -، ولما عاد من الغزوة إِلى المدينة، نَزَلَ بالجيشِ ليلًا ليستريحوا، ثم نادى بالرَّحيل، وكانتْ عائشةُ قد مَشَتْ قليلًا لتقضيَ حاجتَها، ولما عادَتْ إِلى الرَّحْلِ عرفَتْ أَنها أَضاعَتْ عُقْدَها الذي في عنقِها، فعادَتْ لتبحث عنه، وظنَّ المكلَّفُ بترحيلها أَنها داخلَ الهودج، فأَقامَ الناقة وسارَ بها مع الجيش، وهو يوقنُ أَنَّ عائشةَ في الهودَج، ولما عادَتْ إِلى المكانِ في الليل وَجَدَت الجيش قد تحركَ فجلَستْ على الأَرض مكانها..\nوكان رسولُ اللهِ - ﷺ -","vol":"1","page":675},{"text":"قد كَلَّفَ صفوانَ بنَ المعَطِّلِ السلميَّ - ﵁ - أَنْ يَسيرَ خَلْفَ الجيش، ليلتقطَ ما يسقطُ منه..\nولما وصلَ صفوانُ إِلى المكانِ رأى عائشة، فأَناخ راحلَتَه، فركبَتْها وساقَها حتى وَصَلَ الجيش..\nولما رآهُ المنافقون أَشاعوا حادثةَ الإِفك، واتَّهموها في عِفَّتها\nوطهارتِها..\nواستمرَّ الحديثُ حول الشائعةِ حوالي خمسين يومًا، وأَنزل اللهُ\nبعدَ ذلك شهادةً ببراءةِ عائشةَ - ﵂ -، وأَقامَ الرسول - ﷺ - حَدَّ القَذْفِ على الذينَ رَدَّدوا الإِشاعة، واتهموها في عِرْضها ...\nوأَطلقَ الفادي المجرمُ سِهامَه الخبيثة المسمومة، وقَذَفَ عائشةَ - ﵂ - في عِفَّتِها.\nقال: \" ونحنُ نسأل: هل كان زواجُ محمدٍ بعائشة بركةً له أَم لعنةً\nعليه؟..\nقال ابنُ هشام: إن محمدًا تزوج ثلاثَ عشرة امرأة، منهنَّ عائشة، التي\nكانَتْ بِنْتَ لسِتٍّ لَمّا عَقَدَ عليها، وبِنْتَ تِسعٍ لَمَّا بَنى بها..\nفلماذا يتزوجُ محمدٌ وهو شيخٌ بطفلةٍ في التاسعة؟\nوإنْ كانَتْ هذه عادةُ عربِ زمانِه، فلماذا لم يُصْلِحْ\nنَبِيُّ العَرَبِ عادة أَهْلِ زمانه، بَدَل أَنْ يُمارِسَها معهم؟\nولماذا كان محمدٌ يصطحبُها معه في غَدْواتِه ورَوْحاته، حتى في الحروب، فتصبحَ سيرتُه وسيرتُها مضغةً في الأفواه، كما حَدَثَ مع صفوانَ بن المعَطِّل في غزوةِ بني المْصطَلِق؟.\nولقد كانَ عليُّ بنُ أَبي طالب حكيمًا، وهو يُقدِّمُ النصحَ لابنِ عَمِّه وَحَميِّه، ويقول له: لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساءُ سواها كثير..\nولكنَّ عليًا لم يكنْ يعلمُ مكانةَ عائشةَ في قلبِ محمد، وقد كانَ يقول عنها: إِنها بينَ نسائِه كالثريد بينَ الطعام.\nفذهبَ محمدٌ إِليها، وقال لها: \" بَلَغَني عنك ما بَلَغني، فإِنْ كنت بِريئةً\nفيبرِّئُكِ اللهُ، وإِنْ كنتِ أَلممْتِ بذنْبِ فاستْغفِري اللهَ وتوبي إِليه، فإِنَّ العبدَ إِذا اعترفَ بذنْبه ثم تابَ تابَ اللهُ عليَه \".\nوسرعانَ ما جاءَ جبريلُ بوحيٍ يُبَرِّئُ عائشة، ويَلْعَنُ الذين اتَّهموها، وشَغَلَتْ شهادَةُ جبريلَ ولعناتُه ثماني عشرةَ آية من سورة النور.\nقال ابنُ عباس - كما ذَكَر البيضاوي -: \" لو فَتَّشْتَ وعيداتِ\nالقرآن لم تَجِدْ أَغلظَ مما نَزل في إِفْكِ عائشةَ - ﵂ -\".\nأَلا يرى العاقلُ أَنَّ محمدًا شَحَنَ قرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائِه؟\nوإذا كانتْ عائشةُ بريئةً، فلماذا لم يُبَرِّئْها في الحال؟..\nولماذا لَبِثَ الوحيُ مدةً طويلة، تاركًا إِياها في بيت أَبيها، ومحمد مرتابٌ في عِفّتها؟.. \".","vol":"1","page":676},{"text":"كلامُ الفادي المجرم وقحٌ قبيح، وكلُّه اتهامٌ للرسولِ - ﷺ - ولعائشةَ - ﵂ -.\nإِنه يَعتبرُ زواجَه بعائشةَ لعنةً عليه، وأَنه خسر كثيرًا بسببه، علمًا أَنَّ حياةَ\nالرسولِ - ﷺ - مع عائشةَ كانَتْ سعيدةً هانئة، وكانتْ عالشةُ مباركةً - ﵂ -.\nوأَثارَ المجرمُ إِشْكالًا حولَ عُمْرِ عائشة عندما تزوَّجَها - ﷺ -، صَحيحٌ أَنه خَطَبَها وهي بنتُ لسِتِّ سنوات، ودخلَ بها وهي بنتُ تِسْعِ سنوات، - ولا غَرابَةَ في هذا الزواج، فقد كانَتْ كاملةَ الأُنوثةِ وهي في هذا السِّنِّ، ومعلوم أَنَّ البَناتِ في المناطقِ الحارَّةِ تكبرُ أَجسامُهُنَّ بِسُرْعة.\nأَما اصطحابُ الرسولِ - ﷺ - لعائشةَ في غَزواتِه وسَفراتِه فقد كانَ يَخرجُ بها عندما ي؟ أتي دورها، حيثُ كانَ يَعدِلُ بين زوجاتِه، ويخرجُ بمن هي على الدَّور!.\nوالفادي مجرمٌ وقح عندما قال عن الحادثة: \" فتصبحُ سيرتُه وسيرتُها\nمضغةً في الأَفواه \".\nولقد كانتْ سيرةُ رسولِ اللهِ - ﷺ - وسيرةُ عائشة أُمِّ\nالمؤمنين - ﵂ -، عنوانَ العِفَّةِ والطهرِ والفَضيلة، ولم يكنْ في حياتِه أَو حياتها ما يُريب، والذينَ تَحَدَّثوا عن عائشةَ واتهموها في عِفَّتِها هم المنافقون، ومَنْ تَأَثَّر بهم من مرضى القُلوب، أما المسلمونَ الصادقون فقد كَذَّبوا حديثَ الإِفك وقالوا: سبحانَك هذا بهتان عظيم.\nواستغربَ الفادي الجاهلُ حديثَ سورةِ النورِ عن حديثِ الإِفكِ، في\nثماني عشرةَ آية، وهذا دَليلُ جَهْلِه، فالقرآنُ كان يُرَبّي المسلمينَ بالأَحداث،\nويَجعلُها مناسبةً لعَرْضِ وتقريرِ حقائقِه، وقد كانت الدروسُ والعِبَرُ والتوجيهاتُ من حادثةِ الإِفْكِ كثيرة، ولذلك تَحَدَّثَ عنها القرآنُ في ثماني عشرة آية.\nوكان الفادي وَقحًا مُجْرِمًا عندما قال: \" أَلا يرى العاقِلُ أَنَّ محمدًا شَحَنَ\nقرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائه؟ \".","vol":"1","page":677},{"text":"إِنه يؤكدُ أَنَّ القرآنَ كلامُ النبى - ﷺ - وليس كلامَ الله، وأَنه كان يَضَعُ فيه ما شاء من الآياتِ التي أَلَّفها ...\nوهو يرى أَنَ القرآنَ مليءٌ بأخبار الرسولِ - ﷺ - الشخصية! وهذا دَليلُ جْهلهِ وغبائه.\nإِنَّ اللافتَ للنظر أَنَّ حديث القرآنِ عن أَخبارِ الرسولِ - ﷺ - الشخصية قليل، وهذا دليلٌ على أَنَّ القرآنَ كَلامُ الله، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ رسولِ الله - ﷺ - لملأَهُ بالحديث عن شؤونهِ وسيرتهِ وحياتِه، وعن رحلاتِه وأَسفارِه، وعن مشاعرِه وهمومِهِ، وأحزانِه وأفراحه..\nكما يفعلُ المؤلِّفون عندما يكتبُ أَحدهم سيرتَه الذاتية.\nلم يعرض القرآنُ من أخبارِ الرسولِ - ﷺ - إِلا ما جعلَه فرصةً لتقرير الدروس.\nويَتساءلُ الفادي بخبث: لماذا لم يُبرئ الوحيُ عائشة في الحال؟..\nإِنَ تَأَخُّيرَ الوحي في إِعلان براءةِ وعِفَّةِ عائشة - ﵂ - دليلٌ آخَرُ على أَنه كلامُ الله، فقد كانَ الموضوعُ خطيرًا جدًا، ويتعلَّقُ ببيتِ رسولِ اللهِ - ﷺ - وشرفِه وعِفَّة وعرضِ امرأتِه، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ النبيِّ - ﷺ - لسارعَ بإِعلانِ براءَتِها، وادَّعى\nإِنزالَ الآياتِ عليه!! لكنَّ الرسولَ - ﷺ - بقيَ ينتظرُ الوحيَ أَيامًا عديدة، وهو لا يَعلمُ الغيب، والقضيةُ حساسةٌ تتفاعَلُ وتتحركُ وتنتشرُ بين الناس، والمسلمونَ ينتظرونَ البيانَ من الله، ويتأخَّر إِنزالُ الآياتِ لحِكْمَة، ليوَظَّفَ هذا دليلًا على أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! !.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>حول قتلِ الرسولِ - ﷺ - خصومَه</span>\nأَثارَ الفادي المجرمُ الاعتراضاتِ والإِشكالاتِ على موقفِ رسولِ الله - ﷺ - من خصومهِ الكافرينَ المعادين، حيثُ أَمَرَ بقتل بعضِهم.\nوبدأ هذا المبحثَ بالحديثِ عن سَرِيَّةِ عبد اللهِ بنِ جحشٍ - ﵁ -، التي","vol":"1","page":678},{"text":"كانت قُبيلَ غزوةِ بَدْر، والتي أَدَّتْ إِلى قَتْل رجلٍ مشركٍ خطأً، في أَولِ يومٍ من أَيامِ شهرِ رجبَ الحرام.\nوقد سبقَ أَن اعترضَ الفادي المفترِي على هذه الحادثة، ورَدَدْنا على مغالطاتِه، وبَيَّنّا حقيقةَ أَحداثِ تلك السَّريَّة، ومعنى الآية (٢١٧) من سورة البقرة التي أُنزلَتْ بشأنِ تلك الأَحداث، وللرَّد على شبهاتِ الكافرين.\nفلا داعيَ لإِعادَةِ كلامِه عن الحادثة، وإِعادَةِ توضيحِنا لمجريات الحادثة.\nوالذي نُشيرُ إِليه هنا هو عباراتُ المجرمِ الاستفزازيةُ، التي يُهاجمُ فيها\nرسولَ الله - ﷺ -، ويَصِفُه بأَقبحِ الصفات.\nمن ذلك قولُه في بدايةِ حديثهِ عن أَحداثِ السَّرِيَّة: \" حَرَّمَت الجاهليةُ القِتَال في الأَشهرِ الحُرُمِ كما حَرَّمَه القرآنُ في سورة محمد، الآية (٤) .\nولكنَّ محمدًا خالَفَ كُلَّ هذا في سبيلِ الغَدْرِ بأَعدائِه \".\nالمجرمُ يتهمُ الرسولَ - ﷺ - بالغَدْرِ، مع أَنَّ الغَدْرَ خُلُقٌ ذَميمٌ وفعْلٌ قَبيح، يُنَزَّهُ عنه المسلمُ العادي، فكيفَ برسولِ اللهِ - ﷺ -؟!.\nوقد شهدَ للرسولِ - ﷺ - بعدمِ الغدرِ عَدُوُّه اللَّدودُ أَبو سفيان، ففي السنةِ السابعةِ من الهجرة الْتقى أَبو سفيان بملكِ الروم هرقل، فسأَلَه عن الرسولِ - ﷺ -: هل يَغْدِر؟\nفقالَ أَبو سفيان: لا.\nفقالَ هِرَقْل: وكذلك الرسلُ لا يَغْدِرون..\nويأتي هذا المجرمُ ليتهمَ رسولَ الله - ﷺ - بالغَدْرِ!.\nويَجمعُ الفادي بينَ الإِجرامِْ والجَهْل، ومِن جهلِه زَعْمُه أَنَّ الآية الرابعةَ\nمن سورةِ محمد تُحرّمُ القتالَ في الشهرِ الحرام.\nفلْنقرأ الآيةَ ونَنظرْ مدى صحةِ كَلامِه.\nقال تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) .\nأَينَ الكلامُ عن حُرمةِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ فِي الآية؟\nوكيفَ اعتبرَها","vol":"1","page":679},{"text":"الفادي الجاهلُ دالَّةً على تحريمِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.\nإِنَّ الآيةَ التي حَرَّمَت القتالَ في الأَشهرِ الحُرُمِ هي قولُه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) .\nوقولُه تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .\nوحرمةُ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ مَشروطةٌ بالتزامِ الأَعداءِ بذلك، فإِنْ لم\nيَلْتَزموا بهذه الحرمة، وقاتلوا المسلمينَ في شَهْرٍ حرام، رَدَّ المسلمونَ عليهم،\nوقاتَلوهم مَأْجورين، حتى في ذلك الشهر الحرامِ.\nقال تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .\nوقد خَتَمَ المجرمُ كلامَه على سريةِ عبدِ الله بن جحش المذكورةِ بسؤالٍ\nوقحٍ فاجرٍ طَرَحَه، حيثُ قال: \" ونحنُ نسألْ كيفَ حَلَّلَ اللهُ القِتال، مع أَنَّ\nالوثنيّين كانوا يمنعونَه؟\nكأَنَّ اللهَ أَشَدُّ عُنفًا من الوثنيّين؟ \".\nأيوصَفُ اللهُ بهذه الصفة؟\nوهل يتكلمُ مُؤمنٌ باللهِ عن اللهِ بهذا الكلام؟\nونؤكِّدُ ما قُلْناه قبلَ قليلٍ، من أَنَ اللهَ الذي حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في\nالشهرِ الحرام، أَجازَ لهم الردَّ على عُدْوانِ المشركين عليهم وقتالهم.\nثم من الذي زَعَمَ أَنَّ عربَ الجاهليةِ الوثنيينَ كانوا مُلْتَزِمين بحرمةِ القتالِ\nفي الأَشهرِ الحُرُم؟\nلقد كانوا يتوقَّفونَ عن القتالِ فميها إِذا كانَتْ لهم مصلحةٌ في\nالتوقُّف، فإِنْ كانَتْ لهم مصلحةٌ في القتالِ قاتلوا خُصومَهم في الشهرِ الحرام،\nوتعامَلوا معه على أساسِ \" النَّسيء \".\nوالنَّسيءُ بمعنى التَّاخير، وذلك بأَنْ يَنْقُلوا حرمةَ هذا الشهرِ الحَرامِ إِلى\nشهرٍ آخَرَ بَدَلَه، ويُقاتِلوا أَعداءَهم فيه.\nفقد تَكونُ لهم مصلحةٌ في القتالِ في شهر رجب الحرامِ مثلًا، فيقولُ شيخُ القبيلة: نَنقلُ هذه السنة حرمةَ رجب إِلى شعبان، فيكونُ رَجَب حَلالًا نُقاتلُ فيه، ويكونُ شَعبان حَرامًا لا نُقاتِلُ فيه.","vol":"1","page":680},{"text":"وقد ذَمَّهم اللهُ على هذا التلاعبِ في قولِه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) .\nوبعدما اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ - ﷺ - بالغَدْرِ بخصومِه المخالفينَ له في الرأي، وقَتْلِهم عن طريقِ الغَدْرِ والاغتيال - وهو كاذبٌ في ما قال - ذَكَرَ بعضَ الأَمثلةِ على ذلك، وهي:\n١ - مقتَلُ عصماءَ بنتِ مروان.\n٢ - مقتَلُ أَبي عَفك اليهودي.\n٣ - مقتَلُ كعبِ بنِ الأَشرفِ اليهودي.\n٤ - مقتلُ أَبي رافع بن عبد الله.\n٥ - مقتَلُ سلامِ بنِ أَبي الحُقيْقِ اليهودي: والراجحُ أَنَّ سلامًا هذا هو أَبو\nرافعٍ نفسُه.\n٦ - مقتَلُ أُمِّ قِرفة.\n٧ - مقتَلُ ابنِ شيبينَة اليهودي.\n٨ - مقَتلُ يهودِ بني قريظة (١) .\nوعَرَضَ هذه الأَمثلةَ بطريقته القائمةِ على الافتراءِ والكذب والتلاعبِ\nبالأَحداث، مع أَنه جاهل لا يَعْرِفُ حقيقة ما حَدَث، ففي كلامهِ أًخطاءٌ علميةٌ وتاريخية، بالإِضافةِ إِلى سوءِ أَدَبه وقُبْح عبارتِه في كلامِه عن رسولِ الله - ﷺ -.\nولا نتوقَّفُ مع تفاصِيلِ مقتلِ هؤلاءِ، ولا أَسبابِ قَتْلِهم؛ لأَنه لا صلةَ\nلذلك بموضوعِ الكتاب الذي خَصَّصَه الفادي لانتقادِ القرآنِ وبيانِ أَخطائِه،\nوالكلامُ على مقتلِ هؤلاء من مَباحثِ السيرةِ النبوية.\nنُسجلُ فقط عبارتَه الفاجرةَ القبيحةَ، التي خَتَمَ بها كلامَه على تلك\n_________\n(١) هؤلاء مجرمو حرب، لابد من استئصال شأفتهم درءا للفتنة، وحماية للمجتمع، وقد لقوا جزاءهم العادل.\nقال الشيخ / محمد الغزالي - ﵀ -:\nقابلنى الأستاذ الحمزة دعبس وقال لى: إن رئيسا لإحدى الجماعات الإسلامية يطلب عقد مناظرة حرة بينه وبين كبار علماء الأزهر فى أمر مهم. قلت: ما هذا الأمر؟ قال: هو يرى أن الإسلام يبيح الاغتيال! ... وقبل أن يتم كلامه قلت: ما هذا الحمق؟ قال: إنه يستدل بقتل كعب ابن الأشرف! قلت: يا صديقى هذا جهل بالكتاب والسنة والتاريخ مصيبة هؤلاء أن أحدهم يفتح كتاب حديث ثم يقرأ فيه خبرا مبتورا لا يدرى ما قبله ولا ما بعده، ثم يصدر حكما مكذوبا على الله ورسوله! لقد علمت أن الله لا يحب الخائنين! وعلمت أن الوفاء فرض مع الكافر والمؤمن على سواء. وكعب هذا نقض عهودا، وأعلن حربا، وشرع يلم فلول الكفر من هنا ومن هنا لحرب الإسلام فأصدر رئيس الدولة- وهو هنا رسول الله- حكما بقتله، ونفذ الحكم العدل واختفت بعد مقتله رءوس الفتنة، فكيف يوصف هذا الحكم بأنه اغتيال؟ أكان يراد أن يدخل كعب المدينة مارا بأقواس النصر؟ إنه رجل خائن غادر نال جزاءه! اهـ (المحاور الخمسة للقرآن الكريم. ص: ١٨٨)","vol":"1","page":681},{"text":"الأَمثلةِ، لمعرفةِ وقَاحَتهِ وإِجرامِه.\nقالَ فَضَّ اللهُ فاه: \" وما أَكثرَ القتالَ وحوادثَ الغَدْرِ والقتلِ المروّعَة، التي جَرَتْ في التاريخِ الإِسلامي، أَسوةً بمؤسِّسي دينهم، ويَكْفينا أَنْ نَذْكرَ قولَ عليِّ بن أَبي طالب:\nالسَّيْفُ والخَنْجَرُ ريحانُنا ... أُفٍّ على النّرْجُسِ والآسِ\nشَرابُنا دَمُ أَعْدائِنا ... كَأسُنا جُمْجُمَةُ الرَّاسِ\nوالفادي مجرمٌ كاذبٌ في ما قال، وعليُّ بنُ أَبي طالب لم يَقُلْ ذلك\nالكلام، وسيرةُ الصليبيّينَ الإِجراميةُ هي المظهرُ العمليُّ لهذا الكلامِ الحاقد،\nفَهم الذي سَفَكوا دماءَ المسلمين، وشربوها في جَماجم رُؤوسهم.\nويَكْفينا تَذَكُّرُ ما قالَه شاعرٌ مسلمٌ يَنتقدُ ما فعلَه الكفارُ الصليبِيون ضدّ المسلِمين:\nمَلَكْنا فكانَ العَدْلُ مِنّا سَجِيَّةً ... فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّم أَبْطَحُ\nويَكفيكُم هذا التَّفاوُتُ بَيْنَنا فَكلُّ إِناءٍ بِالذي فيه يَنْضَحُ\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>موقف الرسول - ﷺ - من ابن أم مكتوم</span>\nعبدُ الله بنُ أُمِّ مكتومٍ - ﵁ - رجلٌ من السابقينَ إِلى الإِسلام، وكانَ أَعْمى، ووقعَتْ له حادثةٌ مع رسولِ اللهِ - ﷺ -، وعاتَبَهُ اللهُ عليها في القرآن.\nووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ الحادثة، وجعلَ هُجُومَهُ على النبيِّ - ﷺ - تحتَ عنوان: \" يَحتقرُ الأَعْمى \"!.\nذَكَرَ الآياتِ الأُولى من سورةِ عبس: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) .\nثم بَثَّ سُمومَه قائِلًا: \" رُوي أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتوم أَتى محمدًا، وهو يَتكلمُ مع\nعُظماءِ قريش، فقالَ له: أَقْرِئْني وعَلِّمْني مما عَلَّمَكَ اللهُ، فلم يلتفتْ محمدٌ إِليه،","vol":"1","page":682},{"text":"وأَعرضَ عنه، وقالَ في نفسِه: يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصِّبيانُ والعَبيدُ والسَّفَلَةُ، فعبسَ وَجْهُهُ وأَشاحَ عنه، وأَقبلَ على القومِ الذين كانَ يُكَلّمُهم.\nونحنُ نسأل: كيفَ يُراعي محمدٌ أَصحابَ الجاهِ، ويَرفضُ الفقيرَ\nوالمسكين، ويُقَطِّبُ وَجْهَه للأَعمى؟\nأَيْنَ هو من المسيح، الذي لما جاءَه الأَعمى أَحاطَه بعطفِه ورعايتِه وأَعادَ له البَصَر؟! \".\nكَذَبَ المفترِي في عَرْضِه للحادثة، وذلك في زَعْمِه أَنَّ محمدًا - ﷺ - لَمّا أَعرضَ عن ابنِ أُمِّ مكتومِ قالَ في نفسه: \" يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصبيانُ والعبيدُ والسَّفَلةُ \"!.\nولم يَذْكُرْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين هذا، وإنما هو من وَضْعِ واختلاقِ الفادي المفْتَري..\nإِنه يَزْعُمُ أَنَّ محمدًا - ﷺ - قالَ هذا\nالقولَ في نفسه، ولم يُخبرْ بِه أَحَدًا، فإِذا كانَ قالَه في نفسِه فكيفَ عرفَ\nالفادي به؟\nوكيفَ وَصلَ إِليه، وبينَه وبينَ الرسولِ - ﷺ - خمسةَ عشرَ قَرْنًا؟\nوهو لم يَنطقْ به؟\nسبحانك ربي هذا بهتان عظيم.\nوخلاصَةُ الحادثةِ: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان مجتمعًا مع مجموعةٍ من زُعماءِ قريش، يَعرضُ عليهم الإِسلامَ، ويَطمعُ في إِسلامِهم، وفي هذه اللحظةِ دَخَلَ عليه عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتوم - ﵁ -، وبما أَنه أَعمى، فإِنه لم يَرَ الحالةَ التي عليها رسولُ الله - ﷺ - مع القوم، وخاطَبَ الرسولَ - ﷺ - قائلًا: يا رسولَ الله، عَلّمْني مما عَلَّمَكَ الله! فكَرِهَ الرسولُ - ﷺ - قُدومَه وطَلَبَه، ولكنه لم يُكَلِّمْهُ ولم يَنْهَرْهُ ولم يَحْتَقِرْه، وعبسَ في وجهِه كارِهًا ذلك..\nوفهمَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ أَنه قَدِمَ في وقتٍ غير مناسب، فخرجَ من المكان، وتابَعَ الرسولُ - ﷺ - كلامه مع القومِ الذينَ لم يُسْلِموا.\nوأَنزلَ اللهُ مطلعَ سورةِ عَبَس، يُعاتِبُ فيها رسولَهُ - ﷺ -، على عُبوسِه في وَجْهِ الأَعمى، ويُرشدُه إِلى أَنه كان الأَولى به أَنْ يُقبلَ عليه ويُعَلِّمَه..\nولم يَحتقرْ رسولُ اللهِ - ﷺ - ابنَ أُمِّ مكتومٍ الأعمى كما ادَّعى الفادي المجرمُ، ولم يُخطئْ في حَقِّه، فهو لم يَزِدْ على أَنْ عَبَسَ في وجهه، والرجلُ أَعمى لم يُشاهِدْ عُبوسَه، وفَهِمَ الحقيقةَ، وخَرَجَ غيرَ غاضبٍ ولا حزين.","vol":"1","page":683},{"text":"ولكنَّ اللهَ عاتَبَ رسولَه - ﷺ - بشأنِه، وخَلَّدَ هذا العتابَ في القرآن، من بابِ توجيهِ رسولِ اللهِ - ﷺ - لما هو أَوْلى، فهو لم يُخْطئْ مع ابنِ أُمِّ مَكْتوم، ولم يَنْهَرْهُ ولم يَشْتُمْه، وكان مَشغولًا بأَمْرٍ هامٍّ لمصلحةِ الإِسلام، وكان طامِعًا في إِسلامِ المجموعةِ ليُنقذَهم من النار، ولو كانَ أَحَدُنا مكانَه لفعلَ مثْلَ فِعْلِه، وما كان مخطئًا..\nولكنَّ اللهَ يريد لرسولِه - ﷺ - الأَكملَ والأَفضلَ والأَوْلى، ولذلك عاتَبَه هذا العتابَ، مُرْشدًا له إِلى ما هو أَوْلى.\nوكانَ الرسولُ - ﷺ - يُكرمُ عبدَ اللهِ بنَ أُمِّ مكتومٍ - ﵁ -، ويُرحبُ به كلَّما لَقِيَه، ويُداعبُه قائِلًا: \" أَهْلًا بمنْ عاتَبَني فيه رَبّي! \" وعندما كان يَخرجُ من المدينةِ لسفر أو غَزْوٍ، كان يُعَيِّنُ هذا الصحابيَّ واليًا مكانَه على المدينة، وأميرًا عليها، وتحتَ إِمرتِه كِبارُ الصحابة!.\nوبهذا نعرفُ أَنَ كَلامَ الفادي المجرمِ قبيحٌ مرْذُولٌ مثلُ صاحبه، وهو\nمردودٌ عليه، فليس في الأَمْرِ احتِقَارٌ لابنِ أُمَ مكتوم، وليس فيه مراعاةٌ\nلأَصحابِ الجاهِ والمال من الكفار، وليسَ فيه تَخَلٍّ عن الفقراءِ والمساكين من\nالمسلمين..\nورسولُنا محمدٌ - ﷺ - لم يُخالفْ طريقَ أَخيه عيسى ابنِ مريم ﵊ في التواضعِ والاهتمامِ بالضعفاءِ والمساكين، وكان خَيْرَ مُنَفِّذٍ لقولِ الله - ﷿ -: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>لم يطرد الرسول - ﷺ - الفقراء والعبيد</span>\nاتَّهَمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللهِ - ﷺ - بأَنه طَرَدَ الفقراءَ من أَتْباعِهِ من أَجْلِ كسبِ رضا الأَغنياءِ من الكفار!.\nذَكرَ تحتَ عنوان: \" يَطْرُدُ الفقراء \" قولَ الله - ﷿ -: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) .","vol":"1","page":684},{"text":"وعَلَّقَ على الآيةِ قائلًا: \" جاءَ الأَقرعُ بنُ حابس التميمي وعيينةُ بنُ\nحصن الفَزارِي، فوجَدوا محمدًا قاعدًا مع صُهيبٍ وبِلال وعمارٍ وخَبّاب،\nفي نَفَرٍ من ضعفاءِ المسلمين، فلما رأوهم حولَه حَقَّروهم، فقالوا لمحمد:\nلو جلستَ في صَدْرِ المجلس، ونَفيتَ عَنّا هؤلاء وأَرواحَ جِبابِهم - وكانتْ\nعليهم جِبابُ صوف، لها رائحةٌ كريهة - وأَخَذْنا عنك، ونحبُّ أَنْ تجعلَ لنا\nمنك مجلسًا، تعرفُ به العربُ فَضْلَنا، فإِنَّ وُفودَ العرب تأتيكَ، فنستحيي\nأَنْ تَرانا مع هؤلاءِ العبيد، فإِذا نَحْنُ جئْناكَ فأَقمهم عَنَّا، وإِذا نحنُ فَرَغْنا\nفأَقْعِدْهم حيثُ شئتَ.\nفقالَ لهم: نَعَم أَفعل.\nقالوا: فاكتبْ لنا عليكَ بذلكَ كتابًا.\nفأَتى بالصحيفة، ودَعا عَلِيًّا ليكتبَ..\nولما راجَعَ نفسه، ورأى أَنها أُحبولة، قالَ: إِنَّ جبريلَ نهاه.\nوقالَ ابنُ عباس: إنّ ناسًا من الفقراءِ كانوا مع النبيِّ، فقال ناسٌ من\nأَشرافِ الناس: نؤمنُ بك، وإِذا صَلّيْنا فأَخِّرْ هؤلاء الناسَ الذين معك،\nفلْيُصَلّوا خَلْفَنا، فكادَ أَنْ يُجيبَ الطلب، ولما رأَى ما فيه من الظلمِ قال:\nإِنَّ اللهَ نَهاهُ عن ذلك \".\nالروايةُ التي نقلَها الفادي عن بعضِ الكتبِ الإِسلاميةِ غيرُ صحيحة؛ لأَنَّ\nالآية (٥٢) هي من سورة الأَنعام، وسورةُ الأَنعام مكية، وكان نزولُها قبلَ\nالهجرةِ بحوالي خمس سنوات، وكان إِسلامُ الأقرعِ بنِ حابس وعيينةَ بن حصن\nفي عامِ الوفود، في السنةِ التاسعةِ للهجرة.\nأَيْ أَنَّ نُزولَ الآيةِ كان قبلَ وُقوعِ الحادثة بحوالي أَربعَ عشرة سنة، فكيف تَنزلُ الآيةُ قبلَ وقوعِ السببِ بهذه السنواتِ الطويلة؟!.","vol":"1","page":685},{"text":"إِنَّ الفادي جاهلٌ غَبيٌّ، لا يَعرِفُ معنى سببِ النزول، ولذلك وَقَعَ في\nهذا الخطأ!\nإِنَّ التعريفَ المعتمدَ لسببِ النزولِ هو: ما نَزَلَتِ الآيةُ تُبَيِّنُ حُكْمَه\nعندَ نزولِها.\nأَما آيةُ سورةِ الأَنعام المذكورةُ فإِنها نزلَتْ لتثبيتِ رسولِ الله - ﷺ - على الحقّ، وللرّدّ على طلبِ المشركينَ الغريب.\nوخَيْرُ مَنْ يُخبرُ عن سببِ نزولِها أَحَدُ الذين أُنزلَتْ فيهم، وهو سَعْدُ بنُ أَبي وقاص - ﵁ -.\nروى مسلمٌ عن سعدِ بن أَبي وقاص - ﵁ -، قال: كُنّا معَ النبيِّ - ﷺ - ستة نفر.\nفقالَ المشركون للنبيِّ - ﷺ -: اطردْ هؤلاء، لا يَجْتَرِئونَ علينا! قَال: وكنتُ أنا وابنُ مسعود، ورجلٌ من هُذَيْل، وبلالٌ، ورَجُلانِ لستُ أُسَمّيهما، فوقَعَ في نفسِ رسولِ اللهِ - ﷺ - ما شاءَ اللهُ أَنْ يَقَع، فأنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .\nتدلُّ الروايةُ على أَنَّ المشركينَ أَرادوا إبعادَ الفقراءِ والعبيدِ عن مجلسِ\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، وطلبوا ذلك منه، لكنَّ الرسولَ - ﷺ - لم يَستجبْ لهم، ولم يَطردْ هؤلاءِ الفقراء، كما ادَّعى الفادي الكاذبُ المفترِي..\nوإِنزالُ الآية المذكورةِ عليه، وأَمْرُهُ أَنْ يَبقى مع هؤلاء الفقراء، لا يدلُّ على أَنه طَرَدَهم، أَو اتفقَ مع المشركين على طردهم، أَو فَكَّرَ في طَرْدِهم، والآيةُ توجيهٌ وتذكيرٌ للرسول - ﷺ -.\nوتلتقي عدةُ آياتٍ على تَقريرِ وتأكيدِ وترسيخِ هذه الحقيقة، منها قوله تعالى:\n(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..) .\nوقوله تعالى (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) .\nوقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .","vol":"1","page":686},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>استعاذة الرسول - ﷺ - من الشيطان</span>\nجَعَلَ الفادي المجرمُ علاقةً للشيطان بالقرآن، وسَجَّلَ تحتَ عنوان:\n\" علاقةُ الشيطانِ بالوحي \" قول الله عبن: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) .\nونَقَلَ خلاصةَ تفسير البيضاويِّ للآيات، الذي بَيَّنَ فيه مَعْنى النَّزغ.\nومِن جَهْلِ المجرمِ وغَبائِه أَنه لا يُحسنُ النقلَ عن البيضاويّ، فالنَّزْغُ في تفسيرِ\nالبيضاوي هو الغَرْزُ، بِالغَيْن، لكنَّ هذه الغينَ عند الجاهلِ صارَتْ فاءً، وصارَ الغَرْزُ فَرْزًا، وبذلك تَغَيَّرَ المعنى.\nوالنَّزْغُ هو الوسوسة، وكأَنَّ وسوسةَ الشيطانِ التي يُغْري الناسَ بها على\nالمعاصي غَرْزٌ وسَوْقٌ، كالرجلِ يَسوقُ دابّتَه ويَغْرِزُ عصاهُ فيها لتَسير.\nومِن جهْلِ الفادي المجرمِ وغبائِه ولؤمِه أَنه وَظَّفَ الآيةَ لإِدانةِ\nرسولِ الله - ﷺ -، وأَنَّ الشيطانَ يَنزغُه ويَنخسُه، ويَغرزُ فيه مغارِزَه، ويَسوقُهُ أَمامَه، وهو مستسلمٌ لنزغ وغَرزِ وسَوْقِ الشيطان!!.\nقال فَضَّ اللهُ فاه: \" ونحنُ نسأل: إِذا كانَ إِبليسُ يَسوقُ محمدًا وينخَسُه،\nفكيفَ يكونُ نبيًا؟!\nما أَعظمَ الفرقَ بينَه وبين المسيح، الذي لما جاءَه إبليسُ - على قولهم - ينخسُه، فَنَخَسَ في الحجاب، والذي قالَ عن نفسه: رئيسُ هذا\nالعالِم يأتي، وليسَ له فيَّ شيءٌ \".","vol":"1","page":687},{"text":"إِنَّ النزغَ هو الدخولُ للإفساد.\nيقال: نَزَغَ بينهم.\nأَي: دَخَلَ بينَهم ليُفْسِدَ صِلاتهم وعلاقاتِهم.\nوالشيطانُ حريصٌ على أَنْ يَنزغَ ويُفسدَ العلاقاتِ بين الناس، قال تعالى:\n(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) .\nوقد صوَّرَ الفادي الملعونُ الشيطانَ مسيطرًا على رسولِ الله - ﷺ -، ينزغُهُ ويَدفعُه أَمامَه، وهو مستسلمٌ له، وهذا معناهُ أَنَّه ليسَ نبيًَّا! وأَنَّ ما عندَه من القرآنِ ليسَ من عندِ الله، وإنما من وحْي الشيطان ونزغاتِه ووساوسِه!!.\nومن المعلومِ بَدَاهَةً أَنه لا سُلطانَ للشيطانِ على رسولِ اللهِ - ﷺ -، ولا غيرِه من الأنبياء، فاللهُ عَصَمَهم وحَفِظَهم، وحَماهُم من الشيطانِ ونزغاتِه ووساوسِه.\nالخطابُ في قولِه تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)\nللرسولِ - ﷺ - في ظاهره، ولكنَّه ليس المقصودَ منه، لأَنَّ اللهَ حماهُ منه، وإنما المقصودُ كلُّ مسلمٍ من بعدهِ، يُعَلِّمُه الله كيفيةَ التخلصِ من وساوسِ الشيطانِ ونزغاتِه، وذلك بأَنْ يستعيذَ باللهِ ويلجأَ إِليهِ.\nوكثيرًا ما كانَ اللهُ في القرآنِ يُخاطبُ المسلمين من خلالِ خطاب الرسولِ - ﷺ -، فكان يقول: (يا ايُّهَا النَّبيُّ)\nوالمقصودُ بذلك أُمَّتُه، يوجِّهُهم أَو يأمُرُهم أَو يَنهاهم.\nومن خصوصياتِ رسولِ اللهِ - ﷺ - التي خَصَّهُ اللهُ بها، أَنَّ اللهَ جعلَ شيطانَه يُسلم.\nفقد روى البخاريُّ عن عائشةَ - ﵂ -: أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: \" كُلُّ إِنسانٍ وَكَّلَ اللهُ به شيطانًا.\nقالت: حَتى أَنتَ يا رسولَ الله؟\nقال: حتى أنا، ولكنَّ اللهَ أَعانَني عليه فأَسلمَ فلا يأمُرُني إِلّا بخير \"!.\nشيطانُ الرسول - ﷺ - أسلم، وبذلك صارَ لا يأمره إِلّا بخَيْر، وذهبَتْ نَزغاتهُ ووساوسُه الشريرة.\nوهذا كخصوصية عِيسى ابنِ مريم - ﵇ - حيثُ حَماهُ الله من الشيطانِ عند ولادتِه، قالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"كُلُّ مولودٍ يولَدُ ينخَسُه الشيطانُ حينَ ولادتِه،","vol":"1","page":688},{"text":"لذلك يستهلُّ صارِخًا، إِلّا عيسى ابن مريم، فإِنه حينَ ذَهَبَ ينخَسُه نَخَسَ في\nالحِجاب \".\nأي: لَمَّا نَخَسَه لم يُصِبْ بَدَنَه، وإِنما وَقَعت النخسَةُ في ملابِسه..\nوقد استجابَ اللهُ دُعاءَ أُمِّ مريم - ﵍ -، عندما عَوَّذَتْها بالله.\nقال تعالى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) .\nولا علاقةَ للشيطانِ بالقرآن، وقد كانَ القرآنُ صريحًا في نفي هذه العلاقةِ\nفي آياتٍ كثيرة، منها قولُه تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) .\nوقوله تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>هل الرسول - ﷺ - مذنب</span>؟\nعِنوانُ الفادي الخبيثِ هو: \" وِزْرٌ ينْقضُ الظَّهرَ \".\nأَيْ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كانَ له من الأَوزارِ والذنوبِ ما أَتْعَبَه وأَنقضَ ظَهْرَه.\nوَقَفَ أَمامَ قولِ اللهِ - ﷿ -: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) .\nونَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ كلامًا غيرَ دَقيقٍ وغيرَ مُسَلَّمٍ في تفسيرِ الآية، وخَرَجَ منه بأَنَّ للرسولِ وزرًا وذَنْبًا ومعصية، وَضَعَه عنه الله.\nوهذا كلامٌ باطل، فالرسول - ﷺ - معصومٌ عن الذنوبِ والمعاصي.\nوالوِزْرُ في الآيةِ ليس هو الذنْبَ، وإِنما هو حملُ مهمةِ الدعوةِ وواجبِ الرسالة، والاهتمامُ بالناسِ ودعوتِهم وإِرشادِهم، وهذه مهمةٌ ثقيلةٌ شاقَّة، وقد أَعانَ اللهُ رسولَه - ﷺ - على حَمْلِها، وخَفَّفَ عليه أَداءَها، ولولا فَضْلُ اللهِ عليه لما تمكَّنَ من ذلك.\nفالوزْرُ هنا حِمْلٌ معنويّ نفسي، وليس حِمْلًا ماديًّا على الظهر، وهو\nوِزْرٌ إِيجابيٌّ فيه تبليغٌ للدعوة، وليس وِزْرًا سَلْبِيًّا فيه ذنبٌ ومخالفةٌ ومعصية (١) .\n_________\n(١) قال الفخر الرازي ما نصه:\nاحتج بهذه الآية من أثبت المعصية للأنبياء ﵈ والجواب: عنه من وجهين الأول: أن الذين يجوزون الصغائر على الأنبياء ﵈ حملوا هذه الآية عليها، لا يقال: إن قوله: ﴿الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ يدل على كونه عظيمًا.\nفكيف يليق ذلك بالصغائر، لأنا نقول: إنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام النبي ﷺ بوقوعه منه وتحسره مع ندمه عليه، وأما إنما وصفه بذلك لأن تأثيره فيما يزول به من الثواب عظيم، فيجوز لذلك ما ذكره الله تعالى.\nهذا تقرير الكلام على قول المعتزلة وفيه إشكال، وهو أن العفو عن الصغيرة واجب على الله تعالى عند القاضي، والله تعالى ذكر هذه الآية في معرض الامتنان، ومن المعلوم أن الامتنان بفعل الواجب غير جائز الوجه الثاني: أن يحمل ذلك على غير الذنب، وفيه وجوه أحدها: قال قتادة: كانت للنبي ﷺ ذنوب سلفت منه في الجاهلية قبل النبوة، وقد أثقلته فغفرها له وثانيها: أن المراد منه تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها وحفظ موجباتها والمحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت له وثالثها: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل.\nوكان لا يقدر على منعهم إلى أن قواه الله، وقال له: ﴿أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم﴾ [النحل: ١٢٣] .\nورابعها: أنها ذنوب أمته صارت كالوزر عليه، ماذا يصنع في حقهم إلى أن قال: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] فأمنه من العذاب في العاجل، ووعد له الشفاعة في الآجل وخامسها: معناه عصمناك عن الوزر الذي ينقض ظهرك، لو كان ذلك الذنب حاصلًا، فسمى العصمة وضعًا مجازًا، فمن ذلك ما روي أنه حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة ليسمع، فضرب الله على أذنه فلم يوقظه إلا حر الشمس من الغد وسادسها: الوزر ما أصابه من الهيبة والفزع في أول ملاقاة جبريل ﵇، حين أخذته الرعدة، وكاد يرمي نفسه من الجبل، ثم تقوى حتى ألفه وصار بحالة كاد يرمي بنفسه من الجبل لشدة اشتياقه وسابعها: الوزر ما كان يلحقه من الأذى والشتم حتى كاد ينقض ظهره وتأخذه الرعدة، ثم قواه الله تعالى حتى صار بحيث كانوا يدمون وجهه، و(هو) يقول: «اللهم اهد قومي» وثامنها: لئن كان نزول السورة بعد موت أبي طالب وخديجة، فلقد كان فراقهما عليه وزرًا عظيمًا، فوضع عنه الوزر برفعه إلى السماء حتى لقيه كل ملك وحياة فارتفع له الذكر، فلذلك قال: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وتاسعها: أن المراد من الوزر والثقل الحيرة التي كانت له قبل البعثة، وذلك أنه بكمال عقله لما نظر إلى عظيم نعم الله تعالى عليه، حيث أخرجه من العدم إلى الوجود وأعطاه الحياة والعقل وأنواع النعم، ثقل عليه نعم الله وكاد ينقض ظهره من الحياء، لأنه ﵇ كان يرى أن نعم الله عليه لا تنقطع، وما كان يعرف أنه كيف كان يطيع ربه، فلما جاءته النبوة والتكليف وعرف أنه كيف ينبغي له أن يطيع ربه، فحينئذ قل حياؤه وسهلت عليه تلك الأحوال، فإن اللئيم لا يستحي من زيادة النعم بدون مقابلتها بالخدمة، والإنسان الكريم النفس إذا كثر الإنعام عليه وهو لا يقابلها بنوع من أنواع الخدمة، فإنه يثقل ذلك عليه جدًا، بحيث يميته الحياء، فإذا كلفه المنعم بنوع خدمة سهل ذلك عليه وطاب قلبه. اهـ (مفاتيح الغيب. ٣٢ / ٥ - ٦)","vol":"1","page":689},{"text":"ووقفَ أَمامَ قولِ الله - ﷿ - (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (١)، وقول الله - ﷿ -: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .\nوقول الله - ﷿ - (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) .\nوقد أَخَذَ الفادي المجرمُ هذه الآيات ِ على ظاهِرِها، وجَعَلَها إِدانةً\nللنبيِّ - ﷺ -، وشاهِدَةً على أَنه يُذنبُ ويُخطئُ ويَعصي.\nوقالَ مُعَلّقًا عليها: \" ونحنُ نسأَلُ: هل يَصِحُّ الادِّعاءُ أَنه شَفيعٌ وهو نفسُه\nمُذْنِب؟! \" (١) (٢) .\nمن المتفقِ عليه عند المسلمين أَنَّ اللهَ عَصَمَ رُسُلَه وأَنبياءَه من الوقوعِ في\nالذنوبِ والمعاصي، ولم يَجعلْ سُلْطانًا للشيطانِ على أَحَدٍ منهم، فلم يَصْدُرْ\nمن أَحَدٍ منهم معصيةٌ أَو ذَنْب.\nوعلى أَساسِ هذه الحقيقةِ نفهمُ الآياتِ السابقة، التي يَدْعو اللهُ فيها رسولَه - ﷺ - إِلى الاستغفارِ لذنبه.\nذَنْبُ الرسولِ - ﵇ - ليس ذَنْبًا حقيقيًا، قائمًا على فعلِ المعصية، وإِنما هو ذنبٌ معنوي يَقومُ على نوعٍ من تَرْكِ الأَوْلى، والسهوِ والغفلةِ والنسيان، الذي لا يُؤَدّي إِلى تَرْكِ واجبٍ أَو فعْلِ مُحَرَّم.\nقد يفعلُ الرسولُ - ﷺ - خِلافَ الأَوْلى، فيعاتبُه الله، وقد يَمُرُّ بحالةٍ من السهوِ اليسير أو الغفلةِ البسيطة، فيتداركُه الله، وهذا نوعٌ من التقصير، يَستدعي أَنْ يستغفرَ اللهَ منه، ليبقى - ﷺ - في كاملِ تَأَلُّقِهِ وارتقائِه.\nوقديمًا قيل: حَسناتُ الأَبرارِ سيئاتُ المقرَّبين.\nإِنَ استغفارَ الرسولِ - ﷺ - وتوبتَه نوعٌ من أَنواعِ ذكْرِه لله، وعلى هذا قوله - ﷺ -: \"إِنّه ليُغانُ على قلبي فأَتوبُ إِلى الله وأستغفرُه في اليومِ مئة مَرَّة \".\nاستغفارُه للهِ صورةٌ من صُوَرِ ذِكْرِه وشُكْرِه له.\n_________\n(١) قال الفخر الرازي ما نصه:\nلم يكن للنبي ﷺ ذنب، فماذا يغفر له؟\nقلنا الجواب عنه قد تقدم مرارًا من وجوه أحدها: المراد ذنب المؤمنين ثانيها: المراد ترك الأفضل ثالثها: الصغائر فإنها جائزة على الأنبياء بالسهو والعمد، وهو يصونهم عن العجب رابعها: المراد العصمة، وقد بينا وجهه في سورة القتال.\nالمسألة الرابعة:\nما معنى قوله ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾؟ نقول فيه وجوه أحدها: أنه وعد النبي ﵇ بأنه لا يذنب بعد النبوة ثانيها: ما تقدم على الفتح، وما تأخر عن الفتح ثالثها: العموم يقال اضرب من لقيت ومن لا تلقاه، مع أن من لا يلقى لا يمكن ضربه إشارة إلى العموم رابعها: من قبل النبوة ومن بعدها، وعلى هذا فما قبل النبوة بالعفو وما بعدها بالعصمة، وفيه وجوه أُخر ساقطة، منها قول بعضهم: ما تقدم من أمر مارية، وما تأخر من أمر زينب، وهو أبعد الوجوه وأسقطها لعدم التئام الكلام. اهـ (مفاتيح الغيب. ٢٨ / ٦٨) .\n(٢) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٦١- محمد ﷺ مذنب كما فى القرآن\nالرد على الشبهة:\nأخذوها من فهمهم الخاطئ فى مفتتح سورة \" الفتح \": (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا) .\nفقالوا: كتاب محمد يعترف عليه ويصفه بأنه مذنب!!\nوسيرة محمد سيد الخلق وخاتم الأنبياء ﷺ كتاب كبير مفتوح استوفى فيه كُتَّاب سيرته كل شىء فى حياته. فى صحوه ونومه وفى حربه وسلمه، وفى عبادته وصلواته، فى حياته مع الناس بل وفى حياته بين أهله فى بيته.\nليس هذا فحسب بل إن صحابته حين كانوا يروون عنه حديثًا أو يذكرون له عملًا يصفونه ﷺ وصفًا بالغ الدقة وبالغ التحديد لكافة التفاصيل حتى ليقول أحدهم: قال ﷺ كذا وكان متكئًا فجلس، أو قال كذا وقد امتلأ وجهه بالسرور وهذا ما يمكن وصفه بلغة عصرنا: إنه تسجيل دقيق لحياته ﷺ بالصوت والصورة..\nثم جاء القرآن الكريم فسجل له شمائله الكريمة فقال عنه: إنه الرحمة المهداة إلى عباد الله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) .\nووصفه بأنه الرؤوف الرحيم بمن أرسل إليهم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) .\nثم لخص القرآن مجمل شمائله ﷺ فى قوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) .\nأكثر من هذا أن تكفل القرآن بإذاعة حتى ما هو من خلجات الرسول وحديث نفسه الذى بينه وبين الله مما لا يطلع الناس عليه على نحو ما جاء فى سورة الأحزاب فى أمر الزواج بزينب بنت جحش والذى كان القصد التشريعى فيه إبطال عادة التبنى من قوله تعالى: (وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذ قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولًا) .\nأقول: مع أن سيرة محمد ﷺ هى كتاب مفتوح لم يخف التاريخ منه شيئًا بل وتدخل القرآن ليكشف حتى ما يحدث به نفسه ﷺ مما لا يطلع عليه الناس، ولم يذكر له ﷺ ذلةً ولا ذنبًا فى قول أو عمل.\nأفبعد هذا لا يتورع ظالموه من أن يقولوا أنه \" مذنب \"؟ !!!\nولو كان هؤلاء الظالمون لمحمد ﷺ على شىء من سلامة النظر وصفاء القلوب لانتبهوا إلى بقية سورة الفتح، والتى كانت كلها تثبيتًا للمؤمنين وللرسول وتبشيرًا لهم بالتأييد والنصر.. لو كان محمد ﷺ - كما ادعيتم - من المذنبين والعاصين لكان من المستحيل أن يجعله الله تعالى ممن يؤيدهم بنوره ويتم عليهم نعمته ويهديهم صراطًا مستقيمًا؛ لأن النصر يكون للصالحين لا للمذنبين.\nونقف أمام الذنب فى منطوق الآية: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر (فالذنب هنا ليس مما تعارف عليه الناس من الخطأ والآثام؛ لأن سنة الله ﵎ هى عصمة جميع أنبيائه وفى قمتهم خاتمهم ﷺ. وهذا مما يعرفه ويقره ويقرره أتباع كل الرسالات إلا قتلة الأنبياء ومحرّفى الكلم عن مواضعه من اليهود الذين خاضوا فى رسل الله وأنبيائه بما هو معروف.\nفالذنب هو ما يمكن اعتباره ذنبًا على مستوى مقام نبوته ﷺ ذنبًا مما تقدره الحكمة الإلهية - لا ما تحدده أعراف الناس.\nومع هذا كله فإن سيرة محمد ﷺ قبل البعثة كانت محل تقدير قومه وإكبارهم له لما اشتهر به ﷺ من العفة والطهر والتميز عن جميع أترابه من الشباب حتى كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين.\nأفبعد هذا لا يستحى الظالمون لمحمد ﷺ والحاقدون عليه من أهل الكتاب أن يقولوا: إنه مذنب؟!!\n(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) . اهـ (شبهات المشككين)","vol":"1","page":690},{"text":"وهذا معناهُ وجوبُ التفريقِ بين استغفارِنا واستغفارِ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فاستغفارُنا بسببِ ذنوبِنا ومعاصينا الكثيرةِ المستمرة، وكلُّنا رجاءٌ في الله أَنْ يَغفَرها لنا..\nأَمَّا استغفارُ رسولِنا - ﷺ - فإِنه ذِكْرٌ منه لله، وقُرْبى يَتقربُ به إِليه.\nوقد خَصَّ اللهُ حبيبَه محمدًا - ﷺ - بمقامِ الشفاعةِ المحمود، حيثُ يَأذَنُ له أَنْ يَشفعَ للناسِ يومَ القيامةِ الشفاعةَ العامَّةَ بفتح بابِ الحساب لهم، ثم يَأْذَنُ له أَنْ يَشفعَ لأَمَّتِه شفاعةً خاصةً بأَنْ يُدخِلَهم الجَنَّة، وشفاعتُه - ﷺ - ثابتةٌ في الأَحاديثِ الصحيحةِ المتفقِ عليها، وكُلُّ مسلمٍ يَطمعُ في أَنْ يَسعدَ بتلكَ الشفاعة.\nأَمّا الفادي الكافرُ المجرمُ فإِنه محرومٌ من الشفاعة، ولذلك يُنكرُها،\nويشتمُ النبيَّ - ﷺ - ْ\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>حول موقف عبد الله بن سعد بن أبي السرح</span>\nاتَّهمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللهِ - ﷺ - بأَنَّه أَخَذَ القرآنَ من الناسِ من حولِه، حيث كانَ يُسجلُ أَقوالَهم، ومنهم كاتبُ الوحي عبدُ الله بنُ أَبي السَّرْح.\nذكَرَ تحتَ عنوان: \" يُدَوِّنُ أَقوالَ كَتَبَتِه \" قولَ اللهِ - ﷿ -: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .\nونقَل عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ الآيةَ نازلةٌ في عبدِ اللهِ بن سعدِ بنِ أَبي\nالسَّرْح، وأنه كان يكتبُ الوحْيَ لرسولِ الله - ﷺ -.\nوأوردَ روايةً عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح كان\nيكتبُ الوحْيَ لرسولِ الله - ﷺ - وأَنه استَدْعاهُ ليكتبَ الآياتِ الأُولى من سورةِ المؤمنون، وكانَ يُملي عليه ويَكتب، فأَملى عليه","vol":"1","page":691},{"text":"قولَه تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) .\nفقال ابنُ أَبي السَّرْحِ مُتَعَجِّبًا من تفاصيلِ خَلْقِ الإِنسان: \" تبارك الله\nأحسن الخالقين \".\nفقال له رسول الله - ﷺ -: اكْتُبْهَا فهكذا أُنزلَتْ.\nفشكَّ عبدُ الله بنُ أَبي السَّرْح، وقال: لئن كان محمدٌ صادقًا لقد أُوحيَ إِليَّ كما أُوحيَ إِليه، ولئن كانَ كاذبًا لقد قُلْتُ كما قال.\nونقلَ الفادي أَنَّ عبدَ اللهِ بن سعدٍ كان يقول بعدما ارتَدَّ: كنتُ أَصْرِفُ\nمحمدًا حيثُ أُريد.\nكان يُملي عَلَيَّ: \" عَلِيّ حكيم \" فَأَكتبُ \" عَزيز حكيم \".\nفيقول لي: اكتبْ كيفَ شِئْتَ، فكلّ سواء.\nقال الفادي المجرم: ولما فَضحَ هذا الكاتِبُ محمدًا، أوردَ في القرآنِ قولَه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)؟.\nصحيح أَنَّ عبدَ اللهَ بنَ أَبي السَّرْح ارتَدَّ عن الإِسلام، ولجأَ إِلى قريشِ\nفي مكة، لكنَّ الحادثةَ التي أَوردَها الفادي غيرُ صحيحة، وإِنما هي باطلَة\nمردودة، فلم يَقُلْ: (تبارك الله أحسن الخالقين) .\nولمَ يأمُرْه الرسول - ﷺ - بكتابتِها بعدَ أَنْ نَطَق بها.\nولقد كانَ الفادي الغبيُّ جاهِلًا عندما اعتمدَ على روايةٍ باطلةٍ مَرْدودةٍ،\nوبَنى عليها عنوانَه: \" يُدَوِّنُ أَقوال كَتَبَتِه\".\nولم يَنزل قولُه تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) بشأن عبدِ اللهِ بنِ سعد، لأَنه لم يَدَّعِ النبوةَ ولا الإِتيانَ بمثْلِ القرآن، وكلُّ ما فعَلَ أَنه فُتِنَ فارتَدَّ عن الإِسلام، وعادَ إِلى الكفر، وهَرَبَ إِلى مَكَّة.\nولما فَتَحَ الرسول - ﷺ - مكة أَهْدَرَ دمَ مجموعةٍ من الأَعداءِ شديدي","vol":"1","page":692},{"text":"العداوة، الذين ارتكبوا جرائم يَستحقّونَ بها القَتْلَ، وأَمَرَ بقَتْلِهم، ومنهم\nعبدُ اللهِ بنُ سعد.\nونَقَلَ الفادي هذه الحادثةَ بقوله: \" ولما كان يومُ الفتحِ أَمَرَ محمدٌ بقَتْلِ\nكاتبه، ففَرَّ إلى عثمانَ بنِ عفان، لأَنه كانَ أَخاه من الرَّضاعة، فغيَّبَه عثمانُ\nعنه، ثم جاءَ به عثمانُ بعدما اطْمَأَنَّ الناس، واستأذَنَ له محمدًا..\nفصمَتَ محمدٌ طويلًا..\nثم قال: نَعَمْ..\nفلما انصرفَ عثمانُ قالَ محمدٌ لمن حولَه:\nما صَمَتُّ عنه إِلّا لتَقْتُلوه.. \".\nوعَلَّقَ الفادي المجرمُ الخبيثُ على ما رَواهُ بقولِه: \" ونحنُ نَسأل: كيفَ\nيكونُ محمدٌ نبيًا وهو يستحسنُ أَقوالَ كَتَبَتهِ، ويأمرُ بتدوينِها على أَنَّها وحي؟!\nوكيفَ يكونُ محمدٌ نبيًا وهو يُؤَمِّنُ عبدَ اللهِ بنَ سعدٍ على حياتِه ثم يُحَرِّضُ\nالناسَ على قَتْلِه؟! \".\nوالفادي مجرمٌ مُحَرِّفٌ، غيرُ أَمينٍ على ما يَنْقُلُهُ، يوردُ ما يتفقُ مع هَواه،\nويَحذفُ ما لا يَتفقُ مع هواه.\nوقد روى سعدُ بنُ أَبي وَقّاص - ﵁ - الحادثة، فقال: \" لما كانَ يومُ فتْحِ مكةَ أَمَّنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - الناسَ إِلّا أَربعةَ نَفَرٍ وامرأتين، وقال: اقْتُلوهم، وإِنْ وجدتُموهم متعلِّقينَ بأَستارِ الكعبة: عكرمةُ بنُ أَبي جهل، وعبدُ الله بنُ خَطل، ومقيسُ بنُ صبابة، وعبدُ الله بن سعد بن أبي السرح ... .\nوأمّا عبدُ اللهِ بنُ سعد بن أَبي السَّرْحِ فإِنه اختبأَ عند عثمانَ بن عفان، فلما دَعا رسولُ اللهِ - ﷺ - أَهْلَ مكةَ إِلى البيعة، جاءَ بِه حتى أَوقفَه على النبيِّ - ﷺ -، فقال: بايعْ عبدَ الله..\nفرفعَ إِليه رأْسَه، فنظرَ إِليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يأبى.. فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ ...\nثم أَقبلَ على أصحابه، فقال: أَما كانَ فيكم رجلٌ رشيد، يَقومُ إِلى هذا، حيتُ رآني كَفَفْتُ يدي عن بيعَتِه، فيقْتُلُه!..\nفقالوا: وما يُدْرينا يا رسولَ الله ما في نفسِك، هلّا أَوماتَ إِلَيْنا برأسِك؟","vol":"1","page":693},{"text":"قال: إِنه لا يَنْبَغي لنبي أَنْ يكونَ له خائنةُ أَعين!! \"..\nأخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم والبزار وأبو يعلى.\nعفا الرسولُ - ﷺ - عن أهل مكةَ الذين حارَبوه، ولم يأْمُرْ إِلّا بقَتْلِ أَربعةِ رجالٍ وامرأتين، لارتكابهم جرائمَ توجبُ قَتْلَهم.\nومنهم عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح، والذي أوجبَ قتْلَه هو ارتدادُه، فقد كانَ مسلمًا ثم كَفَر، وحُكْمُ المرتَدِّ في الإِسلامِ هو القتلُ، لقولِه - ﷺ -: \"مَنْ بَدَّلَ دينَه فاقْتُلوه \".\nفالسببُ في إِهدارِ دَمِه والأمْرِ بقَتْلِه ليس مجردَ مخالفتِه للنبيِّ - ﷺ -، كما زَعَمَ الفادي المفتري؛ لأَنَّ الرسولَ - ﵇ - عفا عن آلافِ الكُفّارِ الذين خالَفوهُ وحارَبوه.\nوبسببِ الأُخُوَّةِ في الرَّضاعِ بينَ عبدِ الله بن سعد وبينَ عثمانَ - ﵁ -، فقد رَقَّ له عثمانُ ولم يَقْتُلْه، وأَخفاهُ عن المسلمين.\nثم أَتَى به النبيَّ - ﷺ -، وطَلَبَ منه أَنْ يُبايعَه، وكَلَّمه في ذلك ثَلاث مَرّات، والرسولُ - ﷺ - ساكِت؟\nلأَنه كارهٌ مبايعَتَه لارتدادِهِ.\nوكان - ﷺ - في سكوتِه يَنتظرُ قيامَ أَحَدِ الصَّحابَة بقَتْلِه، ولكنَّ ذلك لم يَحصل، فبايَعَه - ﷺ - على الإِسلام! ثم لامَ الرسولُ أَصحابَه على عَدَمِ قَتْلِه، وأَخبرَهم أَنه بسكوتِه كان يُريدُ أَنْ يُعطيَهم الفرصةَ لقَتْلِه، لكن لم يَفْهَموا ذلك..\nولما أَخبروه أَنه كانَ يمكنُ أَنْ يومئَ لهم برأْسِه، بحركةٍ تَدُلُّ\nعلى رغبتهِ في قَتْلِه، أَخبرهم أَنه لا يمكنُ أَنْ يفْعل ذلك؛ لأَنه لا يكونُ للنبيِّ\nخائنةُ أَعين!!.\nوقد حَسُنَ إِسلامُ عبدِ اللهِ بنِ سعد بن أَبي السَّرحِ - ﵁ - بعد ذلك، وكان واليًا على مِصرَ في خلافةِ عُثْمَانَ - ﵁ -، وهو فاتحُ إفريقية، وخاضَ معاركَ عديدةً ظافرةً ضدَّ الكفارِ، في البَرِّ والبَحْر.\nوهذا الموقفُ الأَخلاقيُّ العظيمُ لرسولِ الله - ﷺ -، حيثُ لم يَرْضَ بالإِشارةِ بحركةٍ غير مناسبة، واعتبرَها من خيانَةِ الأَعين، كانَتْ مثارَ انتقادِ واعتراضِ الفادي المجرم، واعتبرها تحريضًا منه على قَتْلِه: \" وكيفَ يكونُ محمدٌ نبيًا وهو يُؤَمِّنُ عبدَ الله بن سعد على حياتِه، ثم يُحرّضُ الناسَ على قَتْلِه؟! \".","vol":"1","page":694},{"text":"ولو حَرَّضَ الناسَ على قَتْلِه لقَتلوه..\nولم يَفعْل شيئًا بعَدَ تأمينه ومبايعتِه على الإِسلام، إِنما كان تَوقُّفُه وسكوتُه قبلَ مبايعتِه له.\nفالفادي في كلامه يَكذبُ ويُغالط ويَفْتري ويُحَرّفُ، وهذه طريقتُه في بحثِه ...\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>هل الرسول - ﷺ - بدون معجزات</span>؟\nزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - كان بدونِ معجزات، أَيْ أَنّه لم يُقَدِّمْ للناسِ أَيَّةَ آيةٍ أَو معجزة دالَّةٍ على نبوَّتِه.\nوهذا كذبٌ وافتراءٌ منه.\nوزَعَمَ أَنه لما طلبَ خصومُه منه معجزةً، اعترفَ بعجْزِه التامِّ عن ذلك.\nقال: \" حاوَلَ اليهودُ والعربُ مرارًا أَنْ يَحْملوا محمدًا على الإتيانِ بمعجزةٍ،\nلتأييدِ دَعْواه بالنبوة.\nفاعترفَ بعجْزِه التَّامِّ، وانتحلَ لذلك أَعذارًا \".\nوهذا كَذِبٌ مَفْضوحٌ من الفادي المفترِي، فلم يكن الرسولُ - ﷺ - بدونِ آياتٍ أَوْ معجزات.\nوقد آتاهُ اللهُ الكثيرَ من المعجزاتِ المادية، وفي مقدمةِ آياتِه\nومعجزاتِه كان القرآن الكريم.\nوعلى هذا قولُه - ﷺ -: \"ما من الأَنبياءِ من نبيٍّ إِلّا\nأُوتيَ من الآياتِ ما مِثْلُه آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذي أوتيتُه وَحْيًا أَوحاهُ اللهُ إِليَّ، وإِني لأَرجو أَنْ أَكونَ أَكثَرهم تابعًا يوم القيامة \".\nولما كانَ الكافرونَ يَطلبونَ منه معجزاتٍ ماديَّة، ويَزْعُمُونَ أَنه هو الذي\nيَختارُ الآيات والمعجزاتِ من نفسهِ، كان يُخبرُهم أَنه لا اختيارَ له للمعجزات؛ لأَنَّها عندَ الله، هو الذي يُنزلُ منها ما يشاء، وقَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ كثيرةٌ.\nمنها قولُه تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) .","vol":"1","page":695},{"text":"وقولُه تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) .\nوليس هذا الموقفُ خاصًّا برسولِ اللهِ - ﷺ -، فكلُّ إِخوانِه الأَنبياء هكذا، ومنهم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام.\nفلما كانَ أَقوامُهم يَطلبونَ منهم الآيات، كانوا يُخبرونَهم أَنَّ الله هو الذي يَأتيهم بها.\nقال تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nأَمَرَ اللهُ رسولَه محمدًا - ﷺ - أَنْ يقولَ للكفارِ الذين طَلَبوا منه معجزاتٍ:\n(قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) .\nوأَمَرَ اللهُ الرسلَ أَنْ يقولوا لأَقوامِهم: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوبذلك يتكامَلُ القولان، ويكونُ محمدٌ - ﷺ - كإخوانهِ الأَنبياء السابقين.\nوعرضَ الفادي المجرمُ بعضَ آياتِ القرآن التي تُقررُ أَنَّ الآياتِ عندَ الله،\nوأَنَّ الله يُنزلُ منها ما يَشاء وفْقَ حكمتِه، ولا اختيارَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - لها.\nوعَلَّقَ المجرمُ عليها تَعليقًا فاجرًا، هاجمَ فيه رسولَ الله - ﷺ -.\nوفيما يلي بعضُ تعليقاتِه على بعضِ الآياتِ التي أَوردَها:\n١ - قال تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) .\nنَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ قولَه: \" (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) أيْ: ما\nصَرَفَنا عن إِرسالِ المعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ): إلّا تكذيبُ الأَوَّلين، الذين هم أَمثالُهم في الطبع كعادٍ وثمود، وإنها\nلو أُرسلَتْ لكَذَّبوا بها كتكذيبِ أَولئك \".","vol":"1","page":696},{"text":"ثم عَلَّقَ على ذلك بوقاحةٍ وبَذاءَةٍ فقال: \" ونحنُ نَسأل: إِنْ كانت الآياتُ\nبلا فائدةٍ مُطلَقًا، عندَ الذين عُمِلَتْ معهم قديمًا وحديثًا، فلماذا عَمِلَها الله؟\nوما الذي يَمنعُ اللهَ عن عَمَلِها على يَدِ محمدٍ، كما عملَها على يَدِ جميعِ الأَنبياءِ الصادقين، كموسى وإيليا واليسع والمسيح؟\nهذا عُذْرٌ أَبداهُ محمدٌ للتملُّص فقط، وإِذا كانت الآيات ُ ممتنعةً لتكذيبِ الناسِ إِياها، فلماذا لا يكونُ التبليغُ ممتنِعًا لتكذيبِ الناسِ إِياهُ أَيْضًا؟ \".\nلم يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الآياتِ بلا فائدة، وإِنَّ اللهَ يَعلمُ أهميةَ الآيات ِ للأَنبياء،\nولذلك كان يُعطي كُلَّ نبيٍّ آياتٍ لِقوْمِهِ، دالَّةٍ على صِدْقِ نبوَّتِه، وهذا ما صَرَّحَ به رسولُ - ﷺ - بقوله: \" ما من الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ... \".\nوآيةُ سورةِ الإِسراءِ لا تُلغي الآيات، ولا تَنفي فائدتَها مطلقًا، كما فهمَ\nالفادي الجاهلُ منها ذلك لجهْلِه وغَبائِه، إِنما تَنفي استجابَةَ اللهِ لطلب\nالمشركين إِنزالَ الآيات، فلم يَستجب اللهُ لهم، ولم يُنزل الآياتِ التي طَلَبوها؛ لأَنه يَعلمُ أَنه لو أَنزلَها كما طلبوا فإِنهم لن يُؤْمِنوا بها، وبعدَ ذلك سيعَذَبُهم\nويُهْلكُهم، ولذلك لم يَستجب اللهُ لهم رحمةً بهم، لئلا يُعَذِّبَهم (١) ..\nوليس معنى هذا أَنَّ اللهَ لم يُنزل الآياتِ على - النبيِّ - ﷺ -، ولا على غيرِه من الأَنبياء السابقين.\nوهذا ما ذَكَرَهُ البيضاويُّ صَريحًا في تفسيرِ الآية: \" وما صَرَفَنا عن إِرسالِ\nالمعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش ...\n\" فهذا موضوعُ الآية، وهي لا تنفي إِنزالَ المعجزات مطلقًا.\nوعلى هذا قولُه تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) .\n_________\n(١) في عدم استجابة الله تعالى لمقترحات مشركي مكة مدح وتكريم لرسول الله - ﷺ - لأنهم طلبوها على وجه الاستبعاد والسخرية، وقد علم الله تعالى أنها لو تحققت مقترحاتهم فلم يؤمنوا، وسنة الله في الأمم المكذبة لرسلها الاستئصال، وقد أكرم الله الأمة برسوله ومصطفاه - ﷺ - فقال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) .\nوقال (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) .","vol":"1","page":697},{"text":"٢ - قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) .\nولما نَقَلَ الفادي المفترِي المجرمُ من تفسير البيضاوي، أَخَذَ بعضَه الذي\nيتفقُ مع هَواه، وتركَ بعضَه الضروريَّ لفهمِ الآية.\nقال في النقلِ عن البيضاوي: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ): مثلُ ناقةِ صالح، وعصا موسى، ومائدةِ عيسى.\n(قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ): يُنزلُها كما يَشاء، لستُ\nأَملكُها، فآتيكم بما تَقْتَرحونه..\n(وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ): ليس من شأني إِلّا الإنذار \".\nوحَذَفَ الفادي المجرمُ من تفسيرِ البيضاويّ الجملةَ الأخيرة، فكلامُ\nالبيضاويّ هكذا: \" ليس من شأني إِلّا الإِنذار، وإِبانَتُهُ بما أُعطيتُ من الآيات\"\nفَحَذَفَ الجملةَ الأَخيرةَ قاصدًا، لأَنها صريحةٌ في أَنَّ الرسول - ﷺ - أُوتيَ ما أُوتيَ من الآيات، وهي لا تَخدمُ الفادي المجرم في اتِّهامِه النبيَّ - ﷺ -، ولذلك حَذَفَها!\nوعلى البحثِ والأَمانةِ العلمية السَّلام!!.\nوسَجَّلَ الفادي المجرمُ تَساؤُلَه الخبيث: \" ونحنُ نسأل: إِذا كانت الآياتُ\nعندَ الله، وكان لمحمد صلةٌ بالله كالأَنبياءِ والرسل، فلماذا لم يَسمح اللهُ بتأييدِه بها؟ \".\nوجوابُ تساؤلِه موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي، الذي نجزمُ أَنَّ المجرمَ\nقرأَه، ولكنَّه تجاهلَه ولم ينقُلْهُ، لأَنه يُصرحُ بأَنَّ اللهَ آتى نبيَّه - ﷺ - أَعظمَ آية، هي القرآنُ الكريم.\nقال البيضاويّ في تفسير الآية الثانية: \" (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .\nأَوَلَم يكْفِهم آيةٌ مغنيةٌ عما اقْترحوه، أَنا أَنزلْنا عليكَ الكتاب، تَدومُ عليهم تلاوتهُ، ويَدومُ تحدِّيهم به، فلا يَزال معهم آيةً ثابتةً","vol":"1","page":698},{"text":"لا تَضمحلّ، بخلافِ سائرِ الآيات، فهذا الكتابُ آيةٌ مستمرة، وحُجَّةٌ\nمُبَيِّنة ... \".\n٣ - قولُه تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) .\nاعتبرَ الفادي المفترِي الآيةَ خِطابًا من اللهِ لليهودِ في المدينة، وأَنها رَدّ\nعلى ما طَلَبَه اليهودُ من رسولِ الله - ﷺ -.\nقال المفترِي: \" قالَ اليهودُ لمحمد: ائتنا بكتابٍ من السماء جُمْلَة، كما أَتى موسى بالتوراة، أَو فَجِّرْ لنا أنهارًا، نتبعْك ونُصدقْك، كما فَعَلَ موسى، فإِنه ضَرَبَ الصخرةَ فانفجرت المياه.\nفقالَ لهم: أَم تريدونَ أَنْ تسألوا رسولَكم؟\nوسألوه هذا السؤالَ مرارًا، وعَجَزَ عن إِجابتِهم بإتيانِ معجزة.\nونحَنُ نسأل: أَليسَ لليهودِ حقّ في سؤالِهم؟\nفكيفَ يَعتبرُ محمدٌ نفسَه نبيًا، وهو لا يماثلُ الأَنبياءَ في شيء؟! \".\nادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ الآيةَ خِطابٌ من اللهِ لليهودِ للإِنكارِ عليهم؛ لأَنهم سأَلوا الرسولَ - ﷺ - ما نَسَبَهُ الفادي إِليهم، وهذا ادِّعاءٌ باطل، يدلُّ على جَهْلِهِ.\nالخطابُ في الآيةِ من الله للمسلمين وليسَ لليهود، بدلالةِ إضافةِ الرسولِ\nإِليهم: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) .\nوهو رسولُ اللهِ محمدٌ - ﷺ -.\nوالمسلمونَ لم يَسْأَلوا رسولَهم - ﷺ -، بدلالةِ قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) .\nوالهدفُ منه تحذيرهم من السؤال.\nوإِذا كان معنى الآيةِ هكذا، يكونُ كلامُ الفادي باطِلًا مردودًا عليه،\nعندما اعتبرَها دالَّةً على عدم نبوةِ الرسولِ - ﷺ -.\nوهناك آيةٌ أُخرى صَرَّحَتْ بأَنَّ اليهودَ سأَلوا رسولَ الله - ﷺ - إِنزالَ كتاب","vol":"1","page":699},{"text":"عليهم من السماء، ورَدَّتْ عليهم.\nقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) .\nيَذُمُّ اللهُ اليهودَ في طلبهم من الرسولِ - ﷺ - أَنْ يُنزلَ عليهم كتابًا من السماء، ويُذَكِّرهم بماضيهم الأَسودِ، فقد سأَلوا موسى - ﵇ - أَنْ يُريهم اللهَ بعيونِهم، فعاقَبَهم اللهُ بالصاعقةِ التي أَخَذَتْهم.\nولماذا يطلبُ اليهودُ من رسولِ الله - ﷺ - أَنْ يُنَزِّلَ عليهم كتابًا من السماء؟\nأَلا يكفيهم القرآنُ الذي أنزلَه اللهُ عليه من السماء؟\nوجعَلَهُ آيته البينةَ له!\nقال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .\n٤ - قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) .\nزَعَمَ المفترِي أَنَ اليهودَ لم يَطلُبوا من موسى - ﵇ - أَنْ يَرَوا اللهَ جهرة.\nقال في تعليقِه على هذه الآية: \" قالَ رافعُ بنُ خزيمة لمحمد: إِنْ كنتَ رسولًا\nمن الله كما تقول فقُلْ لله يكلِّمنا حتى نسمعَ كلامَه، أَو اصْنَعْ آيةً حتى نؤمنَ بك..\nفأَجابَه: إِنَّ اليهودَ سألوا موسى أَن يريهم اللهَ جهرة.\nوهذا الجوابُ خَطَأ، لأَنَّ اليهودَ سأَلوا عَكْسَ ذلك، وقالُوا لموسى:\nتكلَّمْ أَنتَ معنا فنسمع، ولا يتكلمُ اللهُ مَعَنا لئلا نَموت!.\nونحنُ نسأل: أليسَ من حَقِّ الناسِ أَنْ يَفْحَصوا كُلَّ رسالة يقولُ\nصاحبُها: إِنها من عندِ الله \".\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ الذين لا يَعلمونَ طَلَبوا أَنْ يُكَلِّمَهم اللهُ مباشرة، أَو يأتيَهم\nالرسولُ - ﵇ - بآية.\nوالمرادُ بهم اليهودُ في المدينة، وهذا الطلبُ الذي طلَبوهُ من\nالرسولِ - ﷺ - يُشابِهُ الطلبَ الذي طَلَبَه آباؤُهُم من موسى - ﵇ -.","vol":"1","page":700},{"text":"وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنهم طلبوا من موسى - ﵇ - أَنْ يَروا اللهَ جهرة.\nقال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) .\nولما طلبَ اليهودُ في المدينةِ من رسولِ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُنزلَ عليهم كتابًا من السماءِ ذَكَّرَهُمُ اللهُ بما طَلَبَه آباؤُهم من موسى - ﵇ -.\nقال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) .\nورغم هذه الآياتِ الصريحةِ التي أَخبرتْ عن قولِهم وطلبِهم إِلّا أَنَّ\nالفادي المفتريَ المجرمَ خَطَّأَها وكَذَّبها، وقال في تكذيبه: \" أَجابَهُ أَنَّ اليهودَ\nسألوا موسى أَنْ يُريهم الله جهرة، وهذا خطأ، لأَنَّ اليهودَ سَألوا عكسَ\nذلك ... \"!!.\n٥ - قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) .\nنقلَ الفادي في سببِ نزولِ الآيةِ أَنها أُنزلَتْ للرَّدّ على طلبِ قريش،\nعندما طلبوا من رسول الله - ﷺ - أَنْ يأْتيهم بآيةٍ، مثل الآياتِ التي جاءَ بها الأَنبياءُ السابقون، كموسى وعيسى وصالح - ﵈ -، وزَعَمَ أَنه وافَقَهم ودعا الله.\nقال: \" قالَتْ قريش: يا محمد: إِنك تخبرُنا أَنَّ موسى كانت له عصا يَضربُ بها الحجر، فتنفجرُ منه اثنتا عشرةَ عينًا، وتخبرُنا أَنَّ عيسى كان يُحيي الموتى، وأَنَّ ثمودَ لهم ناقة، فأتِنا بآيةٍ حتى نُصَدِّقَك ونؤمنَ بك ...\nفقال محمد: أَيّ شيءٍ تُحبون؟\nقال: تجعلُ لنا الصفا ذهبًا، وابعثْ لنا بعضَ موتانا نسأَلْهم\nعنك: أحقٌّ ما تَقولُ أَم باطل؟\nوأَرِنا الملائكة يَشهدونَ لك..\nفقال محمد: إِنْ فعلْتُ بعضَ ما تقولون أَتصدقونَني؟\nقالوا: نعم والله، لئن فعلْتَ لنتبعنَّك أَجمعين..\nوسأَلَ المسلمون محمدًا أَنْ يُنزلَها عليهم حتى يؤمنوا، فقامَ محمد\nوجعلَ يدعو اللهَ أَنْ يَجعَل الصفا ذهبًا، فجاءَه جبريل فقال: إِنْ شئتَ أَصبحَ","vol":"1","page":701},{"text":"الصَّفا ذَهبًا، ولكن إِنْ لم يُصَدِّقوك لنعذبنَّهم، وإِنْ شئت تركْتَهم حتى يتوبَ\nتائبُهم..\nفقال محمد: أَتْرُكُهُم حتى يتوبَ تائبُهم..\nوهكذا تخلَّص مَحمدٌ أَنْ يأتيَ بمعجزة!.. \".\nصحيحٌ أَنَّ قريشًا طَلبُوا من رسولِ الله - ﷺ - أَنْ يأتيَهم بآياتٍ ليؤمنوا به، كتحويلِ الصَّفا ذَهَبًا، أَو إِنزالِ الملائكةِ عليهم، أو إِحياءِ آبائِهم الأَموات، وهذا ما أَشارتْ له الآية..\nلكنَّه ليس صحيحًا استجابةُ الرسولِ - ﷺ - لطلبِهم،\nوأَنه دعا اللهَ أَنْ يَجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا، وأَنَّ جبريلَ حَدَّثَه بالأَمر، فتوقَّفَ عن الدُّعاء حتى لا يَهلكوا..\nكما ادَّعى الفادي المفترِي، وخَرَجَ من هذه الروايةِ\nالمردودةِ أَنَّ محمدًا - ﷺ - تخَلصَ وتهرَّبَ من الإتيان بمعجزة.\nلم يطلب الرسولُ - ﷺ - من ربِّه أَنْ ينفِّذَ لهم ما طَلَبوا منه؛ لأَنه يَعلمُ أَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيد الله، وهذا ما صرَّحَتْ به آياتُ القرآن.\nكقولِه تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) .\n٦ - قولُه تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) .\nتُسجّلُ هذه الآياتُ بعضَ الطلباتِ التي طَلَبَها كفارُ قريشٍ من\nرسولِ الله - ﷺ -: طَلَبوا منه أَنْ يُفَجِّرَ لهم الينابيعَ من الأَرض، أَو تكونَ له جنةٌ","vol":"1","page":702},{"text":"من نخيلٍ وعنبٍ تتفجرُ الأَنهارُ خلالَها، أَو يُسقطَ السماءَ عليهم، أَو يصعدَ هو في السماء، وَيَنْزِلَ عليهم منها بكتابٍ خاص، موجَّهٍ من الله لهم،..\nورَدَّ على هذه الطلباتِ التعجيزيةِ بقولِه لهم: سبحانَ رَبّي، هل كنتُ إلّا بشرًا رسولًا.\nأَيْ ما أَنا إِلا بَشَرٌ رسول، لا دَخْلَ لي في المعجزات، فأَنا لا أَختارُها\nولا أَفْعَلُها؛ لأَنَّها عند الله، يُنزلُ عليَّ ما شاءَ منها، وأَنا أُقدمُ لكم ما آتاني\nمنها.\nوقد فهمَ الفادي الجاهلُ الآياتِ فهمًا خاطئًا، وجعلَها دالَّةً على عَدَمِ\nنبوَّتِه.\nقال المجرم: \" ونحن نسأل: أَلم يكنْ موسى وإِيليا وأَليشع ودانيال من\nالبشر الرُّسُل؟\nومع ذلك كانوا أَصحابَ معجزات، فإِنْ كانَ محمدٌ صاحبَ\nرسالةٍ سماويةٍ فلماذا لا تساندُ السماءُ رسالتَه؟! \".\nإِنَّ الجاهلَ يَظُنُّ أَنَّ رسولَ الله - ﷺ - بدونِ معجزات، ولو كانَ اللهُ أَرسلَه لسانَدَه وأَيَّدَه بها، وهذا ظَنٌّ باطلٌ وَقَعَ فيه المفترِي الجاهل!\nلقد آتى اللهُ رسولَه - ﷺ - أَعظمَ آيةٍ عقليةٍ بيانية، مستمرةٍ حتى قيامِ الساعة، وهي القرآنُ العظيم..\nكما آتاهُ كثيرًا من الآياتِ الماديةِ المحسوسة، مثلُ: شَقِّ صَدْرِه، والإِسراءِ والمعراج، وانشقاقِ القمر ...\nوالجاهلُ مصممٌ على جَهْلِه وافترائه، وسوءِ فهمِه للحقائق، ولذلك ذَكَرَ\nسبْعَ آياتٍ متفرقة، واعتبرَها دَليلًا من القرآنِ على أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لم يُؤْتِه اللهُ أَيةَ معجزة!.\nالآياتُ التي أَساءَ فَهْمَها والاستدلالَ بها هي:\n١ - قولُه تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) .","vol":"1","page":703},{"text":"لا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ الله لم يُؤْتِ رسولَه أَيَّةَ معجزة، إِنما تدلُّ على أَنه\nمهما قَدَّمَ من الآياتِ والمعجزاتِ لأَهْلِ الكتاب فلن يُصَدِّقوهُ، ولن يَتَّبِعوا\nقبلَتَه، لأَنهم يَتَّبعون أَهواءَهم.\n٢ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) .\nلا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُنَزِّلْ على رسولِه أَيةَ معجزة، إِنما تَرُدُّ على\nالكفار، الذين عَلَّقوا إِيمانَهم بالحقِّ على إِنزالِ الآيةِ التي طَلَبوها، وتُخبرُهم أَنَّ الإِيمانَ ليس مُعَلَّقًا على إِنزالِ الآيات، لأَنَّ اللهَ يُضِلّ مَنْ يَشاء، ويَهدي إِليه مَنْ أَناب.\n٣ - قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) .\nلا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ القرآنَ ليس آيةً للنبيِّ - ﷺ -، وإِنما تَدُلّ على أَنَّ اللهَ لو خاطَبَ بالقراَنِ الأَرضَ أَو الجبالَ أَو الموتى لأَثَّر فيهم، ولو أَرادَ ذلك لفَعَل، لأَنه لا يمنَعُه من ذلك أَحَد.\nولكنَّه لم يَشأْ، وإِنما خاطبَ بالقرآنِ الإنسانَ.\n٤ - قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) .\nلا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ الله لم يُؤْتِ رَسولَه مُعجزة، وإِنما تُصرحُ بأَنَّ اللهَ\nكان يُؤْتِيه كثيرًا من الآيات، ولكنَّ الكفَّارَ مُعانِدون، يَرفضونَ قَبولَ الحَقِّ، ْ\nفعندما كانتْ تَأتيهم الآية ُ من عند الله، كانوا يُصِرُّون على كفرِهم ويقولون: لن نؤمن حتى نُؤْتى مثْلَ ما أُوتيَ رسلُ الله!!\n٥ - قولى تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) .","vol":"1","page":704},{"text":"لا تدلّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تَرُدُّ على طلبِ\nالكفارِ آياتٍ مخصوصة، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ ليس خاضِعًا لطَلَباتهِم\nوأَهوائِهم، وإنما يُنزلُ اللهُ منها ما يَشاءُ وفقَ حكمتِه سبحانه.\n٦ - قوله تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) .\nلا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ الله لم يؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تُقَدِّمُ رَدًّا آخَرَ على\nما طَلَبَة منه المشركون، حيثُ كانوا يَطلبونَ منه أَنْ يَجْتبيَ ويَصطفيَ ويختارَ\nالآياتِ التي يَطلبونها، أَيْ أَنه هو الذي يَأتي بها، فَرَدَّ عليهم بأَنه لا دَخلَ له\nفي اختيارِ المعجزات، لأَنه يَتَّبعُ وَحْيَ الله، ويتلَقّى الآياتِ التي يُؤْتيهِ اللهُ\nإِياها، ويُقَدِّمُها لهم، وكلُّ ما آتاهُ الله من الآياتِ قَدَّمَه لهم ...\n٧ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) .\nلا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تَرُدُّ على طَلَبِ الكفارِ\nإِنزالَ الآياتِ التي يَطلبونَها منه، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ خاضغ لحكمةِ الله، وليس لطلباتِهم، ولا لاختيارِ النبيِّ - ﷺ -، والرسولُ - ﷺ - مُنذرٌ يبلِّغُهم وَحيَ الله.\nوهكذا رأينا أَنه لم تَنْفِ آية واحدة من الآياتِ السبع وُجودَ معجزةٍ مع\nرسولِ الله - ﷺ -، إِنَّ كُلَّ آيةٍ رَدَّتْ على طلبٍ للمشركين، أَو قَدَّمتْ حقيقةً متعلقةً بالآياتِ والمعجزات.\nولْننظر الاَنَ كيفَ فهمَ الفادي المجرمُ هذه الآياتِ السبع، وكيفَ\nاستنْطَقَها، وما هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها منها في نفي نبوةِ محمدٍ - ﷺ -؟\nقال فَضّ اللهُ فاه: \" ففي جميعِ هذه الآيات ِ يعترفُ القرآنُ أَنَّ محمدًا لم يَأتِ\nبمعجزةٍ واحدة.\nوأَما الأَسبابُ التي انتحلَها واعتذَرَ بها فمردودة..\nفالمعجزاتُ التي عملَها الأَنبياءُ أمامَ الشعوب الأَوَّلين، آمَنَ بها البعض، بينما\nرفَضَها البعضُ الآخَرُ.\nوعليه فالقولُ: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) .","vol":"1","page":705},{"text":"عُذْرٌ مرفوض.\nولو كانَ القرآنُ معجزةً لكان قال: هاكمُ القرآنُ معجزة!! وما كانَ\nليقول: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)\nلم يَأتِ محمدٌ بآيةٍ مُطْلقًا تُثْبتُ أَنه رسولٌ مُشرِّع، ولا حَتَّى القرآن ... \".\nإِنَّ هذا القولَ الفاجرَ مردودٌ على الفادي المفترِي، ولقد آتى اللهُ نبيَّه\nمحمدًا - ﷺ - كثيرًا من المعجزاتِ المادية، التي أَشَرْنا لها فيما مضى.\nوهذا يُكَذّبُ قولَ المجرم: \" لم يأتِ محمدٌ بآيةٍ مطلقًا تُثبتُ أَنه رسولٌ مُشَرّع \"!.\nأَما قولُه الفاجر: \" لو كان القرآنُ معجزةً لكان قال: هاكم القرآنُ\nمعجزة \".\nفإِنه يدلّ على جَهْلِه وغَبَائِه! إِنَّ هذا هو الذي حَصَل، فلما طَلَبَ\nالكفارُ معجزةً من رسولِ اللهِ - ﷺ -، قال لهم: هاكم القرآنُ معجزة! وهذا ما وردَ في صريحِ قولِه تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>اتهامات الكفار للرسول - ﷺ </span>-\nرَدَّدَ الفادي المفترِي الاتهاماتِ التي وَجَّهَها الكفارُ من المشركين\nوالمنافقينَ واليهود لرسولِ اللهِ - ﷺ -، والتي ذَكَرَها القرآن، ثم نَقَضَها وأَبْطَلَها، لكنَّ الفادي المجرمَ اعتمدَها وقالَ بها، واتَّهمَ النبيَّ - ﷺ - بها، واعتبرَها وثيقةَ","vol":"1","page":706},{"text":"إِدانةٍ له..\nقالَ في مقدمةِ تلك الاتهامات: \" انتقدَ العربُ محمدًا، ولاموهُ على\nالكثير.\nوقد أَورَدَ ذلك في قرآنِه، مع الردودِ عليه.. \".\nما زالَ يؤكدُ على أنَّ القرآنَ منسوبٌ إِلى رسولِ الله - ﷺ -، وأَنه هو الذي أَلَّفَه، وأَوردَ فيه ما يُريد، وحَذَفَ منه ما لا يُريد!!.\nوالاتهاماتُ الموجهةُ ضدَّ رسولِ الله - ﷺ - هي:\n١ - مَجنون: ووردَتْ في قولِه تعالى إِخبارًا عن قولِ المشركين: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) .\nوقد اعتمدَ المجرمُ هذه التهمةَ في قوله: \" فقد اتَّهموهُ بالجنون، الذي هيأ\nله أَوهامَ الوحي والملائكة \".\nأَيّ أَنّه لا وحيَ في الحقيقة، وإِنما هو أوهامٌ وتخيُّلاتٌ كان يَمُرُّ بها الرسولُ - ﷺ -، فيصدِّقُ أَنه رأى جبريل، وأَنه تلقى منه\nالوحي، مع أَنه لا جبريلَ ولا وحيَ؛ لأَنه مجنون!!.\nوقد رَدَّ القرآنُ على هذه التهمةِ بعدة آيات، نكتفي منها بتذكُّرِ قولِه\nتعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) .\nوقد كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - حَريصًا على تأكيدِ وعْيِه وحضورِه وانتباهِه، عندما يأتيه الوحي.\nفقد سألَه الحارثُ بنُ هشام - ﵁ - فقال: يا رسولَ الله!\nكيفَ يأتيكَ الوحي؟\nفقال - ﷺ -: \"أَحْيانًا مثلُ صلصلةِ الجَرَس، فيفْصِمُ عَنّي وقد وعيتُ ما قال، وأَحيانًا يتمثلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فيكلِّمُني، فأَعي ما يقول \".","vol":"1","page":707},{"text":"ولا يُمكنُ أَنْ يكونَ رسول الله - ﷺ - مجنونًا، وشخصيتُه معروفَة، وأَقوالُه في حياتِه معلومة، وجهودُه في الدعوةِ والحركةِ معلومة، ونَجاحُه في دعوتِه وانتشارُ دينِه في حياتِه معروف، ولو كان مجنونًا لما كانت نتائجُ رسالتِه في حياتِه على ما هي عليه!.\n٢ - مُفْتَرٍ: والمفتري هو الكاذبُ المدَّعي، الذي يَقلبُ الحقائقَ، ويَنسبُ\nالقول إِلى غيرِ قائلِه كَذِبًا وزُورًا.\nوقد اتهَمَ الكفارُ الرسول - ﷺ - بأَنه مُفْتَرٍ كاذب، وأَخبرَ اللهُ عن اتّهامهم في قولِه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .\nوفي قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) .\nوقد صَدَّقَ الفادي المجرم هذه التهمة، وأَلْصقَها برسول اللهِ - ﷺ -.\nقال: \" لقد رأَوْا محمدًا يأْمُرُ أَصْحابَه بأَمْر، ثم يَنهاهم عنه، ويأمُرُهم بخلافِه، ويقول اليومَ قولًا، ويَرجعُ عنه غدًا.\nفقالوا: إِنَّ ما تقولُه إِنما هو من تلقاءِ نفسِك؟\nلأَنه لو كانَ كلامَ الله لكانَ ثابتًا، لا يُنْسَخُ ولا يَتَغَيَّرُ.. \".\nوَنَزَّهَ اللهُ رسولَه - ﷺ - عن تهمةِ الافتراء، في آياتٍ كثيرة، منها قولُه تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .\nوبَيَّنَ اللهُ أَنه لا يَسمحُ لأَحَدٍ في أَنْ يتقوَّل ويَفْتَريَ ويكذبَ عليه، حتى لو\nكان رسولَه - ﷺ -، وحاشاهُ أَنْ يَفعلَ ذلك.\nقال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) .\nأَيْ: لو تَقَوَّل وكَذَبَ وافترى علينا لذَبَحْناه! بأَنْ نأخُذَه من يَمينِه،","vol":"1","page":708},{"text":"ثم نقطعَ وَتينَه وعُنُقَه، ولن يَجِدَ أَحَدًا ينصرُه أَو يحجزُه ويوقفُ عنه الذبح!!.\nوبَيَّنَ أَنَّ المفتريَ على اللهِ هو أَظلمُ الظالمين، وأَنَّ اللهَ لن يُوَفِّقَ مفتريًا\nأَبدًا.\nقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .\nوهذه شهادةٌ من اللهِ لرسولِه - ﷺ - بالصِّدْق، فلو كان مفتريًا لأَهلكَه اللهُ وقضى عليه، ولَمَا وَفَّقَه وأَيَّدَه\nونَصَرَه ونَشَرَ دَعوته.\nإِنَّ هذا النجاحَ الكبير لرسولِ اللهِ - ﷺ - دليل على أَنَّ اللهَ هو الذي يَسَّرَه له، وهذا دليلٌ على أَنه رسولُ اللهِ فِعْلًا، - ﷺ -.\nوالنسخُ في الفرآن الذي لا يَمَلُّ الفادي المفترِي من الكلامِ عليه\nوانتقادِه، سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ فيه في أَكْثَرَ من موضع، وهو لا يَدُلُّ على افترائهِ\nوكذبِه - ﷺ -، لأَنه لم يَدَّعِ أَنه هو الذي يَنسخُ ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في الأَحكام، وإِنما اللهُ هو الذي يَنسخُ ما يَشاء، وبما أَنَّ الفعلَ فعلُ الله، فهو فَعَّال لما يُريدُ - ﷿ -.\nقال الله - ﷿ -: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) .\n٣ - مسحور: اتهمَ الكفارُ رسولَ اللهِ - ﷺ - بأَنه مسحور، سيطرَ عليه الجنُّ والشياطين، وحَرَّكوه كما يريدون.\nوقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة التي وَجَّهوها له.\nقال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) .\nوقال تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) .\nوقد رَدَّدَ الفادي المفترِي هذه التهمة، وأَلصقَها برسولِ اللهِ - ﷺ -، وحَكَم عليه بأَنه مسحورٌ قال: \" لقد شاهَدوه مريضًا ناسيًا، يَشكو من الساحراتِ النفاثات في العُقَد، ويَستعيذُ من فعلهنّ، فقالوا: لا شكَّ أَنه مسحورٌ مَغلوبٌ على عقله.. \".","vol":"1","page":709},{"text":"وقد سبقَ أَنْ ناقشْنا الفادي المفترِي في مسألةِ سِحْرِ رسول الله - ﷺ -، وأَنَّ السحرَ لم يُؤَثّرْ إِلّا في جانبٍ من بَدَنِه، وأَنَّ ذلك لم يستمرَّ إِلّا ساعات، ثم عافاهُ اللهُ منه!.\nوهذا معناهُ أَنَ رسولَ اللهِ - ﷺ - لم يكُنْ مَريضًا، ولم تُؤَثَرْ فيه الساحرات، ولم يكنْ مغلوبًا على عَقْلِه، وما كلامُ الفادي السابقُ إِلّا افتراءً كبيرًا.\n٤ - أُذُن: اتهمَ المنافقونَ الرسولَ - ﷺ - بأَنه أُذُن، أَيْ أَنه ساذجٌ مُغَفَّل، يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسمع، ويُمكنُ خِداعُه بسهولةٍ، وقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة ثم رَدَّ عليها.\nقال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) .\nونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويّ في معنى الآية.\nونَقَلَ ما قالَه المنافقون في اتهامِهم له: \" روِيَ أَنهم قالوا: محمدٌ أُذُنٌ سامِعَة، نقولُ ما شئْنا، ثم نأتيه فيصدّقُنا بما نَقول \".\nوذِكْرُه لقولِ المنافقين، وسكوتُه عنه، إِقرارٌ منه له.\nأَيْ أَنّ الفادي المفتريَ مع المنافقينَ في اتهامِ الرسولِ - ﷺ - بأَنه أُذُنٌ ساذج، يَسهلُ خداعُه!.\nوما أَجملَ ما رَدَّ به القرآنُ هذه التهمةَ: إِنَّه - ﷺ - أُذُنُ، يُحسنُ الاستماعَ بأُذُنِه، ويَعي ما يسمَعُه..\nوقد استمعَتْ أُذُنُه الشريفةُ القرآنَ من جبريلَ - ﵇ -، ثم قَدَّمَه للمسلمين، وبهذا كان أُذُنَ خيرٍ للمؤْمنين.\nوقد كان رسولُ اللهِ - ﷺ - أَذكى الناسِ، وأَكْثَرَهم فِطْنَة، وأَرجَحَهم عَقْلًا، مُنَزَّهًا عن السذاجةِ والبَلاهةِ والغَفْلة.","vol":"1","page":710},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-268>هل مات الرسول - ﷺ - مسمومًا</span>؟\nذَكَرَ الفادي الجاهلُ عِنوانًا مُثيرًا هو: \" موتُه بتأثيرِ السّمّ \".\nوسَجَّلَ تحت هذا العنوانِ قولَه تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) .\nثم نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ معنى هذه الآية، ومناسبةَ نُزولها، وحادثةَ\nاعتداءِ المشركين على رسولِ اللهِ - ﷺ - في غَزوةِ أُحُد، وما أَشاعوهْ من أَنه قد قُتِلَ، وتَأَثُّرِ بعضِ الصحابة بما سمعوه، حتى حَزِنَ بعضُهم وأَلْقى السلاح.\nثم ذَكَرَ قصةَ الشاةِ المسمومة التي حَشَتْها اليهوديةُ في غزوةِ خَيْبَرَ، وقَدَّمَتْها للرسول - ﷺ -، محاوِلةً قَتْلَه.\nوخَرَجَ الجاهلُ منها بأَنَّ الرسولَ - ﷺ - ماتَ مسموما\" (١) .\nصَحيحٌ أَنَّ المرأةَ اليهوديَّةَ سَمَّمَتْ شاةً ثم شَوتْها وقَدَّمَتْها للرسولِ - ﷺ -، وكَثرَتْ من السُّمِّ في الكَتِفِ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يُحبُّ الكَتِف..\nولما قُدِّمَ الكتفُ للرسول - ﷺ - وَضَعَ في فَمِه لقمةً منها وَمَضَغَها، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها ولم يَبْلَعْها، وقال: إِنَ هذا الذراعَ يُخبرُني أَنه مسموم..\nوقد تناول بِشْرُ بنُ البراءِ - ﵁ - لُقمةً منه وابتعلها، وماتَ فورًا من شدةِ وقوةِ السّمّ.\nواستدعى الرسولُ - ﷺ - اليهودية، وقالَ لها: ما حَمَلَكِ على ما صَنَعْتِ؟\nقالَتْ: يا أَبا القاسم، إِني كنتُ أَعلمُ أَنك إِنْ كنتَ رسولًا فسيحْميك اللهُ، وإِنْ كنتَ كاذبًا متَّ واسْتَرَحْنا منك!.\nوأَمَرَ بها رسولُ اللهِ - ﷺ - فقُتِلَتْ قِصاصًا؛ لأَنها قَتَلَتْ بِشْرَ بنَ البراء بن معرور - ﵁ - بالسّمّ.\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٥٠- مات النبى ﷺ بالسم\nالرد على الشبهة:\nحين تصاب القلوب بالعمى بسبب ما يغشاها من الحقد والكراهية يدفعها حقدها إلى تشويه الخصم بما يعيب، وبما لا يعيب، واتهامه بما لا يصلح أن يكون تهمة، حتى إنك لترى من يعيب إنسانًا مثلًا بأن عينيه واسعتان أو أنه أبيض اللون طويل القامة، أو مثلًا قد أصيب بالحمى ومات بها، أو أن فلانًا من الناس قد ضربه وأسال دمه؛ فهذا كأن أو أن تعيب الورد بأن لونه أحمر مثلًا؛ وغير ذلك مما يستهجنه العقلاء ويرفضونه ويرونه إفلاسًا وعجزًا.\nأن محمدًا ﷺ قدمت له امرأة من نساء اليهود شاة مسمومة فأكل منها فمات ﷺ.\nوينقلون عن تفسير البيضاوى:\nأنه لما فتحت خيبر واطمأن الناس سألت زينب بنت الحارس - وهى امرأة سلام بن مشكم (اليهودى) - عن أى الشاة أحب إلى محمد ﷺ؟ فقيل لها: إنه يحب الذراع لأنه أبعدها عن الأذى فعمدت إلى عنزة لها فذبحتها ثم عمدت إلى سمّ لا يلبث أن يقتل لساعته فسمَّت به الشاة، وذهبت بها جارية لها إلى الرسول ﷺ وقالت له: يا محمد هذه هدية أهديها إليك.\nوتناول محمد الذراع فنهش منها.. فقال ﷺ: ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع والكتف تخبرنى بأنها مسمومة؛ ثم سار إلى اليهودية فسألها لم فعلت ذلك؟ قالت: نلت من قومى ما نلت ... وكان ذلك بعد فتح \" خيبر \" أحد أكبر حصون اليهود فى المدينة وأنه ﷺ قد عفا عنها.\nثم يفصحون عن تفسير البيضاوى:\nأنه ﷺ لما اقترب موته قال لعائشة - ﵂ - يا عائشة هذا أوان انقطاع أبهرى (١) .\nفليس فى موته ﷺ بعد سنوات متأثرًا بذلك السُّم إلا أن جمع الله له بين الحسنيين، أنه لم يسلط عليه من يقتله مباشرة وعصمه من الناس وأيضًا كتب له النجاة من كيد الكائدين وكذلك كتب له الشهادة ليكتب مع الشهداء عند ربهم وما أعظم أجر الشهيد.\nوأيضًا.. لا شك أن عدم موته بالسم فور أكله للشاة المسمومة وحياته بعد ذلك سنوات يُعد معجزة من معجزاته، وعَلَمًا من أعلام نبوته يبرهن على صدقه، وعلى أنه رسول من عند الله حقًا ويقينًا.\nوقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يموت فى الأجل الذى أجله له رغم تأثره بالسم من لحظة أكله للشاة المسمومة حتى موته بعد ذلك بسنوات. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) الأبهران عرقان متصلان بالقلب وإذا قطعا كانت الوفاة.","vol":"1","page":711},{"text":"ولم يُؤَثِّر السّمُّ في رسولِ اللهِ - ﷺ -، لأَنه اكتفى بمضْغِ اللقمةِ من اللَّحمِ المسَمَّم، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها، وقال: يُخْبِرُنِي هذا الذراعُ بأَنه مسمومٌ.\nوهذا معناه أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - لم يَمُتْ بتأثيرِ السُّمّ، كما زَعَمَ الفادي المفتري، ولو ماتَ بتأثير السُّمِّ لماتَ فورًا، أَو بعدَ ساعاتٍ أَو أَيامٍ أَو أَشهر، مثلُ بشْرِ بنِ البراء الذي ماتَ فورًا.\nوقد عاشَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بعد حادثةِ السُّمِّ\nأَكثرَ من ثَلاثِ سنوات! حيثُ كان فَتْحُ خيبرَ في محرم من السنةِ السابعة\nللهجرة، وتُوُفِّي - ﷺ - في ربيع الأَول من السنةِ الحادية عشرة.\nصحيحٌ أَنه بَلَعَ أَثَرَ السّمّ، لكنَّ هذا الأَثَرَ لم يُؤَدِّ إِلى وفاتِه \" لأَنَّ اللهَ\nتكفَّلَ بحمايتِه وعصمتهِ من الأَعداء، فكم حاولَ الأَعداءُ اغتيالَه وقَتْلَه،\nولكنَّ اللهَ عَصمَه وحَماه، وأَخبره عن ذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) .\nوصحيحٌ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ لعائشةَ - ﵂ -: \"ما زلْتُ أَجِدُ أَثَرَ السّمّ الذي قُدّمَ لي في خيبر \".\nوأَنه قالَ لها أَيضًا: \" هذا أَوانُ انْقِطاعِ أَبهَري \".\nوهذا معناه أَنه كان يَمْرَضُ من أَثَرِ ذلك السم، وكانَ أكبرَ الأَثَرِ على\nأَبهَره، وهو وَريدُه، لكنْ فرقٌ بين أَنْ نقول: كان يَمرضُ من أَثَرِ السم، وبينَ أَنْ نقولَ: ماتَ متأثرًا بالسم.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>حول أحوال الرسول - ﷺ - مع الوحي</span>\nأَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ أَحوالِ الرسول - ﷺ - عندما كانَ يَأتيه الوحي، وَوَجَّهَ الاتهاماتِ له في عَقْلِه ونَفْسِه وأَعْصابِه، مما يدلُّ على أَنَّه ليس رسولًا، وأَنَّ الذي يتخيَّلُه ليس وحيًا.","vol":"1","page":712},{"text":"١ - الرسول المزمل المدثر:\nقالَ الله - ﷿ -: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) .\nوالمُزَّمِّلُ هو المتَغَطي بثيابِه.\nونقلَ عن تفسرِ البيضاوي معاني الآيات الأولى من السورة.\nوقال - ﷿ -: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) .\nوالمُدَّثِّرُ هو المتَغَطّي بثجابِه أَيْضًا، ونقلَ عن تفسيرِ البيضاوي معاني آياتِ السورة.\nومع تحفُّظِنا على بعضِ ما وَرَدَ في تفسيرِ البيضاوي، من رواياتٍ وأَخبارٍ\nغيرِ دقيقة، أَو مرجوحة، إِلّا أَنّنا لن نتوقَّف معها، وننتقلُ مع الفادي المفتري\nلنرصدَ شبهاته واتهاماتِه وافتراءاتِه.\n٢ - هل صورة الرسول - ﷺ - صورة السكران؟:\nقال الفادي المفترِي: \" جاءَ في الأَحاديث الصحيحة أَنَّه إِذا نَزَلَ عليه\nالوحْيُ يُغْشى عليه، لتغيُّره تَغَيُّرًا شديدًا، حتى تصيرَ صورَتُه كصورةِ السَّكْران.\nوقال علماءُ المسلمين: إِنه كانَ يُؤْخَذُ من الدنيا \".\nوفي هذا الكلامِ مُغالطاتٌ وافتراءات، أَطْلقَهَا الفادي المجرمُ ضدَّ\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، ونَسَبَها لعلماءِ المسلمين.\nأَمّا أَنَّ الرسولَ - ﷺ - كان يَتَأَثَّرُ بالوَحْي، وأَنه كانَ يُغْشى عليه من ثقَلِ الوَحْي، فهو صحيح.\nوهذا ما وَرَدَ في الأَحاديثِ الصحيحة.\nونكتفي من هذه الأَحاديث بالحديثِ الثاني من صحيحِ البخاري، حيثُ\nروى البخاريُّ عن عائشة - ﵂ -: أَن الحارثَ بنَ هشام - ﵁ - سأَلَ رسولَ اللهِ - ﷺ - فقالَ: يا رسولَ الله، كيفَ يَأتيك الوَحْي؟\nفقال رسولُ الله - ﷺ -: \"أَحْيانًا يأْتِيني مثل صَلصلة الجَرَسِ، وهو أشَدُّه علَيَّ، فيفصمُ عني وقد وَعَيْتُ عنه ما قالَ، وأحْيَانًا يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فيكَلِّمُني، فأعي ما يقول \".\nقالَتْ عائشةُ - ﵂ - \" ولقد رأيْتُه يَنزِلُ عليه الوحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ، وإِنَّ جبينَه ليتفَصَّدُ عَرَقًا \".","vol":"1","page":713},{"text":"يعترفُ رسولُ اللهِ - ﷺ - أَنه كانَ يُعاني شِدَّةً من نُزولِ الوحي عليه، وتشهدُ عائشةُ - ﵂ - لذلك بأَنها رأَتْه يَنزلُ العرقُ من جبينِه في اليومِ الشديدِ البَرْد.\nلكنَّ هذه الشدةَ التي كانتْ تقعُ به عندما يَغشاهُ الوحيُ، لم تُؤَدّ إِلى تَغَيُّرِه\nهو في بَدَنِه وجسْمِه، وفي نَفسيَّتهِ وأَعصابه، ولم تتغيَّرْ صورتُه تغيُّرًا سلبيًّا.\nوقد كانَ الفادي بَذيئًا فاجرا عندما شَبَّهَ صورَتَه بصورةِ السكران، وصورةُ\nالسكران صورةٌ كريهةٌ مُقَزّزة، وكيفَ تُشَبَّهُ بها صورةُ أَشرفِ الخلقِ وأَكرمِهم وأَطيبِهم - ﷺ -، وهو في أَشرفِ أحوالِه، حيث يتلقّى كلامَ الله وهو في غايةِ السعادةِ والسرور، والوعي والانتباه..\nلكنّ الفادي مجرمٌ مفتر، قالَ كَلامًا لم يَقُلْهُ أَحَدٌ من المسلمين.\nوافترى المفترِي افْتراءً آخَرَ عندما نَسَبَ لعلماءِ المسلمين قولَهم: إِنَّ\nرسولَ الله - ﷺ - كان يُؤْخَذُ من الدنيا! أَيْ أَنّه كان يَغيبُ عن الدنيا بفكْرِه وعَقْلِه، ويَسرحُ في تخيّلاتِه..\nونأخذُ من كلامِ رسولِ الله - ﷺ - أَبلغَ رَد على هذا، حيثُ كانَ يركزُ على وَعْيِهِ وحُضورِه وانتباهِهِ، للدلالةِ على أَنه يعيشُ الحَدَثَ بكيانِه كُلّه: \" فيفْصمُ عنّي وقد وعيتُ ما قال \".\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>٣ - غطيط الرسول - ﷺ - عند الوحي:</span>\nنَسَبَ الفادي إِلى أَبي هريرة - ﵁ - قولَه: \" كانَ محمدٌ إِذا نَزَلَ عليه الوحْيُ استقبلَتْهُ الرّعْدَة.\nوفي روايةٍ: كَرِبَ لذلك، وتَزَبَّدَ له وجْهُه، وغَمَّضَ عَيْنَيْه،\nوربما غَطَّ كغطيط الإِبِلِ \".\nصَحيحٌ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يَغُطُّ عندما يَغْشاهُ جبريلُ - ﵇ -، وذلك من ثِقَلِ الوحي، والغَطيطُ قَريبٌ من الشَّخير، وهو إِخراجُ الصوتِ من الأَنْفِ، وهذا أَمْرٌ عاديّ يمرُّ به أَيُّ شخصٍ عندما يبذلُ جهدًا كبيرًا، أَو يصعدُ مرتقى، وقد يَصدرُ عن كثيرٍ من النائمين، وهو ليسَ حالَةً مرضيَّة.","vol":"1","page":714},{"text":"أَمَّا أَنْ يَرتعدَ جسْمُه ويَرتعشَ ويَنتفضَ، كما ادَّعى المفترِي، فهو غيرُ\nصحيح، وأَمّا أَن يكونَ غَطيطُه بصوتٍ مُرتفعٍ مُزعجٍ كَغَطيط الإِبل، فهو غَيْرُ صحيحٍ أَيْضًا، وأَمَّا أَنه كان يَسْودُّ وجْهُه، ويخرجُ الزَّبَدُ من فمِه كما ادّعى هذا المجرمُ، فهو غيرُ صحيحٍ أَيضًا؛ لأَنَّ هذه حالةٌ مرضية، تدلُّ على أَمراضٍ نفسيةٍ عصبيةٍ حادة!\nوهذه تَنَزَّه عنها أَشرفُ وأَعقلُ الخلقِ - ﷺ -.\n٤ - صوت كدويِّ النحل:\nنَقَلَ الفادي قولَ عمرَ بنِ الخطاب - ﵁ -: \"كان إِذا نزلَ عليه الوحي، يُسْمَعُ عند وَجْهِه كَدَوِيِّ النَّحْل! \".\nوهذا كلامٌ صحيح؛ لأَنَّ هذا الصوتَ الذي يُدَوّي هو صوتُ نُزولِ\nجبريل - ﵇ - عليه، ووصولِه إِليه.\n٥ - صوت كصلصلة الجرس:\nنَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ - ﵂ -: سُئِلَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: كيفَ يَأتيكَ الوحي؟\nفقال: \" أَحيانًا مثْلُ صَلْصَلَةِ الجَرَس، وهو أَشَدُّه عَلَيَّ، وأَحيانًا يتمثَّلُ لي الملَكُ رَجُلًا يُكلِّمُني، فأَعي ما يقول \".\nوهذا جزءٌ من حَديثٍ صحيحٍ عند البخاري، أَوْرَدْناهُ قبلَ قَليل..\nوصلصلةُ الجَرَسِ: صوتُ ضَرْبِ الجَرَس عندما يُقْرَعُ، وصلصلةُ الجَرَسِ هو ما كانَ يُسمعُ أَمامَه كَدوِيِّ النحل، كما قالَ عمرُ - ﵁ -.\n٦ - تصبب الرسول - ﷺ - عرقًا:\nنَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ - ﵂ -: \"ولقد رأيتُه يَنزلُ عليه الوحيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْد، وإِنَّ جَبينَه ليتفَصدُ عَرَقًا \".\nوهذه تكملةٌ لحديثِ الحارثِ بن هشام السابقِ - ﵁ -، في كيفيةِ نزولِ الوحي، حيث أخبرَ أَنَّ مجيئه كصلصلةِ الجَرَس، وكان هو الأَشَدَّ عليه، وشَهدَتْ عائشةُ - ﵂ - على ذلك، بأنها رأَتْ جَبِينَهُ يَتَفَصدُ عَرَقًا في اليومِ الشديدِ البَرْد.","vol":"1","page":715},{"text":"وهذا أَمْرٌ عاديّ، قد يمرُّ به أَيُّ شخصٍ منّا، وليسَ به مرضٌ نَفْسِيٌّ أَو\nعضويّ، فقد يلبَسُ أَحَدُنا ملابسَ صوفيةً، ثم يَسيرُ في طريقٍ صاعدًا في مُرْتَفَع، ويكونُ العَرَقُ يتصبَّبُ من وجْهِه وجسمه، مع أَنَّ الثلجَ يَتساقطُ بغَزارة!.\n٧ - هل كان الرسول - ﷺ - يسمع أصواتًا خفية؟:\nادّعى الفادي أَنَّ رسول الله - ﷺ - كانت تُسمعُ حولَه أصواتٌ خفية، لا يُعرفُ أَصحابُها، وادَّعى الفادي أَنَّ رسول اللهِ - ﷺ - قالَ لخديجة - ﵂ -: \"إِذا خلوْتُ سمعْتُ نِداءً: يا محمد، يا محمد.\nوقال لها في روايةٍ أُخْرى: أَرى نورًا يقظة، وأَسمعُ صوتًا، وقد خشيتُ من ذلك على نفسي.\nوأَخشى أَنْ أَكونَ كاهنًا، وأَنْ يكونَ الذي يُنادِيني تابِعًا من الجِنّ..\nوأَخْشى أَنْ يكونَ بي جُنون.. \".\nوادَّعاءُ الفادي باطلٌ مردود، وهذه الأَقوال لم تَصْدُرْ عن رسول الله - ﷺ -، وقد رَدَّها علماءُ المسلمين؛ لأَنَ فيها اتِّهامًا لرسول الله - ﷺ - في عَقْلِه، فهو يَسمعُ أَصواتًا لا يَدري مَصْدَرَها، وكأَنها تتشكَّلُ في مخيِّلَتِه، وهو يَخشى أَنْ يكونَ الجِنُّ مسيطرًا عليه، وأَنْ يكون قد أَصابَه الجُنون!!.\nومن المعلوم أَنَّ رسول اللهِ - ﷺ - لم يَكُنْ يَخْشى على نفسِه أَو عَقْلِه، وكان يوقنُ أَنَّه رسول الله، وأَن ما يأْتيه هو الوحيُ من الله، وأَنه كان على بيّنَةٍ قاطعة، ويَقينٍ كبير.\nقال تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) .\n٨ - هل كانت تصيبه الرعدة؟:\nادَّعى الفادي أَنَّ الرعدة كانَتْ تُصِيبُ رسولَ اللَه - ﷺ - عندما كان يأْتيهِ الوحيُ، ونَسَبَ هذا الادّعَاءَ إِلى أَبي هريرةَ - ﵁ -.\nوهذا ادّعاءٌ غيرُ صَحيح، فلم يكنُ رسول اللهِ - ﷺ - يَرتعدُ أَو يضطربُ، أو ينتفضُ جسْمُه، وإِنما كان متحكِّمًا في جِسْمه، ضابطًا لأَعْصابِه، فَرِحًا سعيدًا مسرورًا.","vol":"1","page":716},{"text":"٩ - هل كان رأسُه يؤلمه؟:\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يشكو من آلامٍ شديدةٍ في رأسِه، ونَسَبَ إِلى أَبي هريرةَ - ﵁ - أَنهم كانوا يَضَعونَ الحِنّاءَ على رأْسِه، لتخفَّ عنه تلك الآلام!.\nوهذا ادّعاءٌ باطل، فلم يكنْ - ﷺ - يشكو من آلامٍ في رأسِه طيلةَ حياتِه، بل لم يكن يشكو من أَيةِ أَمْراض، إِنما أَصابَتْه الحُمّى في آخرِ أَيامِه - ﷺ -.\nوبعدما ناقَشْنا الفادي المفتريَ فيما أَوردَه من مظاهرِ التغييرِ والتأثيرِ\nالتسعةِ التي ادَّعى أَنها كانت تَطرأُ على رسولِ اللهِ - ﷺ - عندما يأتيه الوحي..\nننظرُ في ما خَرَجَ من ذلك من اتّهام.\nقال المفترِي: \" ونحنُ نسأل: أَيّ وَحْي هذا الذي يُخرجُ الإِنسانَ عن وَعْيه، فيُغْشى عليه، ويُشبهُ السكران، ويَغُطًّ كغطيطِ الإِبل، وتَحْمَرُّ عَيناه، وتأخُذُه الرّعدة، ويتَصبَّبُ عَرَقًا، ويُصَابُ بألم الرأس، ويُحِسُّ بطنينٍ في أُذنيهِ ورَنينٍ في دِماغِه؟\nولقد كان مُصابًا بهذه الأَعراضِ عينِها قبلَ أَنْ يَدَّعيَ الوحي \".\nلقد صَوَّرَ الفادي المجرمُ رسولَ الله - ﷺ - مع الوحي بصورةِ الإِنسانِ المريض بالأَمراضِ النفسية، والمضطربِ في أَعصابه، الذي لا يُسيطرُ على كيانه..\nوهو كاذبٌ في ادعاءاته، مجرمٌ في استنتاجاته!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>هل شرع الرسول - ﷺ - في الانتحار</span>؟\nادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - شَرَعَ في الانتحار، ونَسَبَ هذا الادّعاءَ إِلى علماءِ المسلمين.\nقال: \" قالَ علماءُ المسلمين: إِنه لما فَتَرَ الوحيُ عنه حَزِنَ حُزْنًا شَديدًا، حتى كانَ يَغدو إِلى يَثرب مرة، وإِلى حِراء مرةً أُخرى،","vol":"1","page":717},{"text":"يُريدُ أَنْ يُلقيَ نفْسَه منه، فكلما وافى ذِرْوَةَ جَبَلٍ منهما كي يُلقي نفسَه، تَبَدّى له جبريل، فقالَ له: يا محمد! أَنت رسولُ الله حقًا، فيسكُنُ لذلك جأشُه، وتَقَرُّ عينُه، ويَرجع، وإِذا طالَتْ عليه فترةُ الوحيِ عادَ لمثْلِ ذلك..\nواختلفوا في مدةِ هذه الفترة، فعند ابنِ إِسحاق أنها ثلاثُ سنوات.\nوقالَ أَبو القاسمِ السُّهَيْلي:\nجاءَ في بعضِ الأَحاديثِ المسندةِ أَنَّ مدةَ هذه الفترةِ كانتْ سنتَيْن ونصفًا، وقالَ السيوطي: إِنها كانتْ سنتين ... \" (١) .\nوعَلَّقَ الفادي المجرمُ على هذا الادِّعاءِ بقوله: \" ونحنُ نسأَل: كيفَ\nيُحاولُ نبيّ الانتحارَ؟\nويقولُ القرآنُ معاتبًا محمدًا: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ...): أَيْ: قَاتِلُهَا غمًّا \".\nوما نَقَلَه الفادي عن كتب إِسلامية مردودٌ وباطل، ولم يُنقلْ هذا بروايات\nصحيحة.\nفالرسولُ - ﷺ - لم يَشرعْ في الانتحار، ولم يُفكرْ في قَتْلِ نفسِه، ولم يكنْ يَتَنقلُ بين رؤوسِ جبالِ مكة، ليتردّى منها، فيلاحقُه جبريلُ ويُناديه، ويُطَمئنُه أَنه رسولُ الله.\nلقد كانَ رسولُ الله - ﵇ - يوقنُ أَنه رسولُ الله، منذُ أَنْ أَنزلَ اللهُ عليه الوحي، وكان على بينةٍ من ربِّه وقد شهدَ اللهُ له بتلك البينة في قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) .\nومن جهلِ الفادي وغَبائِه أَنه لم يُحسنْ فهمَ آيةٍ من القرآن، فيها تسليةٌ\nلرسولِ الله - ﷺ -.\nوهي قولُ الله - ﷿ - (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) .\nلا تتحدَّثُ الآيةُ عن رغبةِ الرسولِ - ﷺ - في الانتحارِ والتخلُّصِ من الحياة، كما ادَّعى الفادي المجرم، وإِنما تشيرُ الآيةُ إِلى اهتمامِ الرسولِ - ﷺ - بقومه، وحرصِه على هدايتهم، وتأَلمِه من تكذيبِهم وكفرِهم، وتَدْعوهُ الآية ُ إِلى\n_________\n(١) جاء في كتاب شبهات المشككين ما نصه:\n٥٢- محاولة النبى محمد ﷺ الانتحار\nالرد على الشبهة:\nالحق الذى يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التى استندتم إليها - يا خصوم الإسلام - ليست صحيحة رغم ورودها فى صحيح البخارى - ﵁ -؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة، ولكن أوردها تحت عنوان \" البلاغات \" يعنى أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ، ومعروف أن البلاغات فى مصطلح علماء الحديث: إنما هى مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (١) .\nوقد علق الإمام ابن حجر العسقلانى فى فتح البارى (٢) بقوله:\n\" إن القائل بلغنا كذا هو الزهرى، وعنه حكى البخارى هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولًا برسول الله ﷺ، وقال الكرمانى: وهذا هو الظاهر \".\nهذا هو الصواب، وحاش أن يقدم رسول الله - وهو إمام المؤمنين - على الانتحار، أو حتى على مجرد التفكير فيه.\nوعلى كلٍ فإن محمدًا ﷺ كان بشرًا من البشر ولم يكن ملكًا ولا مدعيًا للألوهية.\nوالجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان ﷺ يعتنى بها، وقد قال القرآن الكريم فى ذلك: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرًا رسولًا) (٣) .\nومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - فى علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه؛ لأنه من أعراض بشريته ﷺ.\nوحين فتر (تأخر) الوحى بعد أن تعلق به الرسول ﷺ كان يذهب إلى المكان الذى كان ينزل عليه الوحى فيه يستشرف لقاء جبريل، فهو محبّ للمكان الذى جمع بينه وبين حبيبه بشىء من بعض السكن والطمأنينة، فماذا فى ذلك أيها الظالمون دائمًا لمحمد ﷺ فى كل ما يأتى وما يدع؟\nوإذا كان أعداء محمد ﷺ يستندون إلى الآية الكريمة: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا) (٤) .\nفالآية لا تشير أبدًا إلى معنى الانتحار، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبى محمد ﷺ بسبب صدود قومه عن الإسلام، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم ﷺ بدعوة الناس إلى الله، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.\nوهذا خاطر طبيعى للنبى الإنسان البشر الذى يعلن القرآن على لسانه ﷺ اعترافه واعتزازه بأنه بشر فى قوله - ردًا على ما طلبه منه بعض المشركين-: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أوتأتى بالله والملائكة قبيلًا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) . فكان رده: (سبحان ربى) متعجبًا مما طلبوه ومؤكدًا أنه بشرٌ لا يملك تنفيذ مطلبهم: (هل كنت إلا بشرًا رسولًا) (٥) .\nأما قولهم على محمد ﷺ أنه ليست له معجزة فهو قول يعبر عن الجهل والحمق جميعًا.\nحيث ثبت فى صحيح الأخبار معجزات حسية تمثل معجزة الرسول ﷺ، كما جاءت الرسل بالمعجزات من عند ربها؛ منها نبع الماء من بين أصابعه، ومنها سماع حنين الجذع أمام الناس يوم الجمعة، ومنها تكثير الطعام حتى يكفى الجم الغفير، وله معجزة دائمة هى معجزة الرسالة وهى القرآن الكريم الذى وعد الله بحفظه فَحُفِظَ، ووعد ببيانه؛ لذا يظهر بيانه فى كل جيل بما يكتشفه الإنسان ويعرفه. اهـ (شبهات المشككين) .\n_________\n(١) انظر صحيح البخارى ج٩ ص ٣٨، طبعة التعاون.\n(٢) فتح البارى ج١٢ ص ٣٧٦.\n(٣) الإسراء: ٩٣.\n(٤) الشعراء: ٣.\n(٥) الإسراء: ٩٣.","vol":"1","page":718},{"text":"أَنْ لا يُهلكَ نفسَه هَمًّا وغَمًّا وحُزْنًا عليهم، ومن المعلومِ أَنه إِذا زادَ الهَمُّ\nوالغَمُّ عند إِنساب، فإِنه قد يَقْضي عليه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>خرافة امتحان خديجة لجبريل</span>\nانتقلَ الفادي الجاهلُ من ادِّعاءِ محاولاتِ الرسولِ - ﷺ - الانتحارَ إِلى ادِّعاءٍ آخَرَ، أَشَدَّ منه بُطْلانًا، وأَكْثَرُ غرابة.\nوهو أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لم يكنْ متأكِّدًا\nأَنَّ الذي يأتيه هو جبريل، وظَنّ أَنه يُمكنُ أَنْ يكونَ جنّيًّا شيطانًا، فكلَّفَ امرأَتَه خديجةَ أَنْ تمتحنَه، فتأكَّدَتْ أَنه جبريلُ وليسَ شيطانًا.\nقالَ المفترِي في افترائِه وادّعائِه: \" مَنْ نَظَرَ في الأَحاديث التي هي عندَ\nالمسلمين بمنزلة القرآن، في الاعتقاداتِ والمعاملات، رأى أَنَّ محمدًا كان\nغيرَ متأكِّدٍ من وحْيه \".\nكَذَبَ المفْتَري عندما ادَّعى أَنَّ الأَحاديثَ عند المسلمين بمنزلةِ القرآن..\nولم يَدَّعِ أَحَدٌ من المسلمين هذا الادّعاء، فمن البدَهيّات عندَ كُلّ مسلمٍ أَنَّ\nالأَحاديثَ ليستْ بمنزلةِ القرآن، لأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، والأَحاديث كَلامُ\nرسولِ اللهِ - ﷺ -، وهما ليسا بمنزلةٍ واحدة.\nوادَّعى المجرمُ أَنَّ الأَحاديث تدلُّ على أَنَّ محمدًا كانَ غيرَ متأكّدٍ من\nالوحي، مع أَننا ناقَشْناهُ في هذا الادعاء قبلَ قليل، وبَيّنّا أَنّه كان على يَقينٍ\nكاملٍ أَنه رسولُ الله.\nوزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ خديجةَ - ﵂ - طَلَبَتْ من الرسولِ - ﷺ - أَن يُخبرَها بقدومِ جبريل، لأَنَّها نَوَتْ أَنْ تمتحنَه..\nفلما قَدِمَ جبريلُ أَخبرها..\nفطلبتْ منه أَنْ يَجلسَ على فَخذها، فجلسَ وما زالَ يَرى جبريل.\nفأَلْقَتْ خِمارَها عن رأسِها وكَشَفَتْ شَعْرَها، ولما رأى جبريلُ شعْرَها خرجَ من البيت.\nفقالَتْ خديجة: يا ابْنَ عَمّي! اثبتْ وأَبْشِرْ..\nفواللهِ إِنه لَمَلَكٌ وليس بشيطان.","vol":"1","page":719},{"text":"وعَلَّقَ الفادي المفترِي على هذه الرواية بقوله: \" ومن أَقوالِ العلماءِ هذه\nنرى أَنَّ خديجة هي التي استنتجتْ بأَنَّ الذي كانَ يعرضُ له هو حاملُ الوحى،\nالذي كان يأتي الأَنبياء.\nونحنُ نسأل: وهل تَرَبَّتْ خديجةُ بين الأَنبياء؟\nأَو هل كانَ في عشيرتها نبيٌّ، كان يَعْتَريه مثلُ هذه الحالة، فتقيسُ عليه حالةَ محمد؟\nوكيف عَرَفَتْ تلك القاعدة الغريبة أَنَّ المَلَكَ لا يرى الرأسَ المكشوفة، والجنُّ يراها؟\nوأَيُّ نبي قبل محمدٍ جلسَ في حجرِ زوجتِه، فأكَّدَتْ له أَنَّ جبريلَ هو الذي يأْتيه؟ \".\nهذه الروايةُ التي نُسبتْ لخديجةَ - ﵂ - في امتحانِ جبريلَ روايةٌ مردودةٌ وباطلة، ولم تَردْ بسَنَدٍ صَحيحٍ عن أَحَدٍ من أَصحابِ رسولِ الله - ﷺ -، وقد رَدَّها وأَنكرَها علماءُ الحديثِ الثقات، ولكنَّ الفادي لجهلهِ المطبقِ لا يُحسنُ انتقاءَ الرواياتِ الصحيحة، ولا التمييزَ بين الصحيحِ والمردود.\nوإِذا كانت الروايةُ مردودة، فإِنَّ تعليقَ الفادي عليها مردود، والنتيجةُ التي\nخرج بها منها مردود،؟!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>سخرية المجرم من رسول الله - ﷺ </span>-!\nوَضَعَ الفادي عنوانًا مثيرًا هو: \" عَلامَ يَحسدونَه؟ \".\nواعترضَ فيه على قولِ اللهِ - ﷿ - عن اليهود: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .\nتتحدَّثُ الآية ُ عن حَسَدِ اليهودِ للرسولِ - ﷺ -، لِما آتاهُ اللهُ من فضْلِه، وهي النبوةُ التي خَصَّهُ اللهُ بها.\nقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) .","vol":"1","page":720},{"text":"كانَ اليهودُ يَطمعونَ أَنْ يَكونَ النبيُّ الخاتمُ منهم، فلما اختارَهُ الله من\nغيرِهم كَفَروا به، وجَعَلوا المشركينَ أَقربَ منه إِلى الله، وفَعَلوا ذلك حَسَدًا\nمنهم له، لقد حَسَدوهُ على ما آتاهُ اللهُ من النبوة، وحَسَدوا الأُمَّةَ المسلمةَ على ما آتاها اللهُ من الهدى، ولذلك كانوا أَشَدَّ الناسِ عداوةً للرسولِ - ﷺ - وأُمَّتِه.\nوقد تجاوزَ الفادي المفترِي المجرمُ هذا المعنى الصحيح للآية، واعتمدَ\nمعنىً باطلًا، وتكلّمَ عن رسولِ اللهِ - ﷺ - بسفاهةٍ وسخريةٍ وقلَّةِ أَدَب.\nزَعَمَ المجرمُ أَنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن \" فُحولةِ \" الرسولِ - ﷺ -، وأَنَّ اللهَ آتاهُ القدرةَ على معاشرةِ وجماع نسائِه كلِّهنَّ في يومٍ واحد!.\nقالَ فَضَّ اللهُ فاه: \" قالَ ابنُ عباس: قال أَهْلُ الكتاب: زَعَمَ محمدٌ أَنه\nأُوتي ما أُوتيَ في تواضُع، وله تسعُ نسوة، وليس هَمُّه إِلّا النكاح..\nفأَيُّ مُلْكٍ أَفضلُ من هذا؟\nفقال محمدٌ: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .\nويَفتخرُ المسلمونَ بأَنَّ محمدًا كانَ يَدورُ على نسائِه (أَيْ يُجامعُهنَّ)\nفي الساعةِ الواحدةِ من النَّهارِ أَو الليل، وهُنَّ إِحْدى عشرةَ امرأة..\nقالَ قتادةُ بنُ دعامة لأَنَسِ بنِ مالك: أَوَ كانَ يُطيقُ الدورانَ عليهنَّ كُلِّهن؟\nفقالَ أَنس: كُنّا نَتَحَدَّثُ أَنه أُعطيَ قُوهَ ثلاثينَ رَجُلًا - وفي روايةٍ: قوةَ أَربعينَ رجلًا من أَهْلِ الجنةِ! وَوَرَدَ في الحديث: قالَ محمد: أُعطيتُ قوةَ أَربعينَ رجلًا من أَهل الجنةِ في البطشِ وفي الجماع!!\nوَرَوَوا أَنَّ الرجلَ من أَهلِ الجنةِ ليُعطى قوةَ مئةِ رَجُلٍ في الأَكْلِ والشربِ والجماعِ والشهوة..\nوقال محمد: أَتاني جبريلُ بقِدْرٍ، فأَكَلْتُ منها، فأُعطيتُ قُوةَ أَربعينَ رَجُلًا من رجالِ الجنة..\nوشكا محمد إِلى جبريلَ قلةَ الجماع، فتبسَّمَ جبريلُ حتى تلأْلأَ مجلسُ محمدٍ\nمن بريقِ ثنايا جبريل، فقال له: أَينَ أَنتَ من أَكْلِ الهريسة؟! \".","vol":"1","page":721},{"text":"وكلُّ الرواياتِ التي أَوردَها الخبيثُ باطلةٌ مردودة، لم تَصحّ روايةٌ واحدةٌ\nمنها، فهو يَضَعُ في كتابهِ المتهافتِ الكلامَ الباطلَ الساقط، ثم يتحدثُ عن\nرسولِ اللهِ - ﷺ - ببذاءةٍ وانعدامِ حياء، وبتهكُّمٍ وسخريةٍ واستهزاء، ويَجعلُ ذلك دليلًا على عدمِ نبوَّتِه - ﷺ -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>حول المرأة التي وهبت نفسها للرسول - ﷺ </span>-\nسَبَقَ أَن اعترضَ الفادي المجرمُ على القرآنِ في قولِه تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوسَبَقَ أَنْ رَدَدْنا على اعتراضِه المتهافت.\nوأَعادَ الكلامَ على هذه المسألةِ في اعتراضِه على سيرةِ رسولِ الله - ﷺ -، ورَدَدْنا على اعتراضِه..\nوها هو يُعيدُ ويُكررُ القولَ عن هذه المرأةِ هنا، ونُذَكّرُ بما رَدَدْنا\nعليه فيما مضى ونُحيل عليه.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>حول إرجاء وإيواء الرسول - ﷺ - من يشاء من نسائه</span>\nوسَبَقَ أَن اعترضَ الفادي المجرمُ على القرآنِ وعلى الرسولِ - ﷺ - في تخطئته لقوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) .\nوَرَدَدْنا عليه في حينِه، فلا داعيَ لإِعادةِ ذكْرِ اعتراضِه، وإعادَةِ رَدِّنا عليه.\nواعترضَ الفادي المجرمُ على تحريمِ أَزواجِه على المسلمين، الذي وَرَدَ\nفي قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) .","vol":"1","page":722},{"text":"وادَّعى أَنَّه هو الذي حَرَّمَ ذلك على أَصحابِه.\nوأَلَّفَ الآيةَ زاعِمًا أَنَّ اللهَ أَنزلَها عليه.\nوقد سبقَ أَنْ رَدَدْنا عليه في هذه المسألةِ أَيضًا.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>هل أثبت الرسول - ﷺ - أقوال أهل الكتاب في القرآن</span>؟\nاخْتارَ الفادي المفترِي عِنوانًا مُثيرًا هو: \" اقتبسَ أَقوالَ أَهْلِ الكتاب \" زَعَمَ\nأَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - كان يأخذُ أَقوالَ اليهودِ والنصارى، ويَضَعُها في القرآن، ويزعم أَنَّ اللهَ أَوحى إِليه بها.\nواعترضَ على قولِ اللهِ وَبَئ: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .\nنَقَلَ المجرمُ عن بعضِ المسلمين ما قيلَ عن سببِ نُزولِ الآية، وتَعيينِ\nالأَشخاصِ الذين اتَّهمهم المشركون بتأْليفِ القرآن، وأَنَّ الرسولَ - ﷺ - أَخَذَ القرآنَ منهم..\nوالذين نَقَلَ عنهم هم ابنُ عباس - ﵄ -، ومحمدُ بنُ إِسحاق\nصاحب السيرة، والبيضاويُّ صاحبُ التفسير.\nوالأَعاجمُ في مكة الذين اتُّهِموا بتأليفِ القرآنِ بالأَعجمية، وعَلَّموهُ\nللرسولِ - ﷺ - فصاغَهُ بالعربية هم: الحَدّادُ النصراني \" بَلْعام \"، و\" يَعيش \" غلامُ بني المغيرة، و\" جَبْر \" الغلامُ الروميُّ لبعضِ بني الحضرميّ، و\" يَسار \" الغلامُ الفارسي من عينِ التمر، وكان جَبر ويَسار حَدّادَيْن يصنعانِ السّيوفَ في مكة، والغُلام \" عائش \" النصراني، عبدٌ لحويطبِ بن عبد العزى، و\" عَدّاس \" غلامُ عتبةَ بن ربيعة.\nوبعدَما ذَكَرَ أَسماءَ هؤلاءِ عَلَّقَ المفترِي على القصةِ بقوله: \" ونحن نسأل:","vol":"1","page":723},{"text":"اتهمَ العربُ محمدًا أَنه يتعلمُ الأَخبارَ من غيرِه ثم ينسبُها لنفسِه، ويزعمُ أَنها\nوحيٌ إِليه من الله، فلماذا لم يُقدم لهم البرهانَ أَنه يتلقى أَقوالَه منْ الله رأْسًا؟\nإِنَّ رَدَّه أَنَّ الذي يَسمعُ أَقوالَه أَعجميٌّ اعترافٌ بالاقتباس \" لأَنه صاغَ ما سمعَ\nمن معانٍ بأُسلوبه العربيِّ الفصيح \".\nزعمَ الكفارُ أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وإِنما هو من تأليفِ بَشَرٍ كان يُعَلِّمُ\nمحمدًا - ﷺ -، واختلفَ الرواةُ في تحديدِ اسمِ ذلك الشخصِ الأعجمي، ومن الأَسماءِ التي رَدَّدَها الرواة: بلعام ويعيش وجبر ويسار وعداس.\nورَدَّت الآية ُ على هذا الزعمِ المتهافت بأَنَّ لسانَ ذلك الشخصِ\nأَعجمي، والقرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبين، فكيفَ للأَعجميِّ الذي لا يَعرفُ إِلّا\nبضعَ كلماتٍ مكسَّرَةٍ عربية أَنْ يُؤَلِّفَ كلامًا عربيًّا بلغَ الذروةَ في البلاغةِ\nوالفصاحة؟!.\nوهذا الرَّدُّ لم يُعجب الفادي المفترِي، وقد رَدَّدَ اتهاماتِ المشركين،\nوادَّعى أَنَّ الرسولَ - ﷺ - لم يُقَدّم للكفارِ البرهانَ على أَنه يتلقّى القرآنَ من الله!\nوهذا ادّعاءٌ باطل، فكلُّ القرآنِ دليلٌ على أَنه كلامُ الله، وكُلُّ حياةِ الرسولِ - ﷺ - دليلٌ على أَنَّ القرآنَ وحيٌ من اللهِ إِليه، وأَنه رسولُ الله - ﷺ -.\nوتكفي الإِشارةُ إِلى آياتِ التحدي، التي طالَبَ اللهُ فيها الكفّارَ بالإِتيانِ\nبعشْرِ سورٍ أَو بسورةٍ مثلِ القرآن، فإِنْ عَجَزوا عن ذلك فليعلموا أَنه من\nعندِ الله.\nقالَ الله: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) .\nومن جهلِ الفادي أَنه لم يعرفْ معنى قولِه تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) حيثُ ادَّعى أَنه اعتراف بالأَخْذِ عن الأَعجمي: \" إِنَّ رَدَّه","vol":"1","page":724},{"text":"بأَنَّ الذي يَسمعُ أَقوالَه أَعجميٌّ اعترافٌ بالاقتباس، وأَنه صاغَ ما سمعَ من\nمعانٍ بأُسلوبِه العربيِّ الفصيح! \".\nلم يَعترف الرسولُ - ﷺ - بأَنه يَسمعُ كلامَ الأَعجميِّ جبر أو يسار أَو غيرهما، باللغةِ الأَعجمية، ويأخذُ المعنى منه، ويقتبسُ الفكرةَ منه، ثم يصوغُ ذلك المعنى الأَعجميَّ بلسانِه العربي!.\nإِنَّ معنى قوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ): لسانُ الشخصِ الذي يَميلونَ إليه، ويَنسبونَ إِليه تأليفَ القرآن، ويَدَّعونَ أَنه من عندِه،\nأَعجمي، فكيفَ للأَعجميّ أَنْ يأتي بهذا البجانِ العربيِّ المبين؟.\nوقَدَّمَ الفادي المفترِي دَليلًا على أَنَّ محمدًا - ﷺ - اقتبسَ الأَفكارَ القرآنيةَ من الأَعجميّ في مكة، ثم صاغَها بالعربية، هو انتشارُ قصص التوراةِ والإِنجيلِ في بلادِ العرب، وورودُها في أَشعارِ بعضِ الشعراء، وذَكَرَ أَبياتًا لأُميةَ بن أَبي الصلت زَعَمَ أَنه أَخَذَها من سِفْرِ التكوين، وأَبياتًا للسموأل زعم أنه أخذها من سفر الخروج.\nكما ادَّعى أَنَّ النصرانيةَ كانتْ منتشرةً في بلادِ العَرَب، وكان لها كنائسُ\nفي نجران، وأَنَّ \" قِسَّ بن ساعدة \" كان نصرانيًا، ولذلك انتشر الفكر النصراني في بلاد العرب.\nوفَرْقٌ بين انتشارِ بعضِ الأَفْكارِ اليهوديةِ والنصرانيةِ في بعضِ بلادِ\nالعرب، وبينَ إِنزالِ القرآن على رسولِ الله - ﷺ -.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>هل شتم الرسول - ﷺ - الذين شتموه</span>؟\nادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - كانَ يُقابلُ شتمَ أَعدائِه بشتمِهم ولعْنِهم وسَبِّهم، ونسبَ له تسجيل هذه الشتائم في القرآن.\nلما ماتَ ابنُ الرسولِ - ﷺ - من خديجة عَيَّرَه بذلك العاصُ بنُ وائل، أَحَدُ","vol":"1","page":725},{"text":"زعماءِ المشركين، وقال: محمدٌ أَبترُ لا عَقِبَ له.\nقال الفادي المفترِي: \" فقالَ محمد: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) .\nفإِنْ عَيَّروه بأَنه أَبترُ فإِنَّ شانئَه ومبغضَه هو الأَبتر \"!.\nفهو يُصرحُ بأَنَّ محمدًا - ﷺ - أَلَّفَ سورةَ الكوثر، للردّ على شتْمِ العاصِ له بشتْمِه، ولا يَعترفُ بأَنَّ اللهَ هو الذي أَنزلَ سورةَ الكوثرِ عليه، وأَن اللهَ هو الذي دافعَ عن رسولِه - ﷺ -، وهو سبحانه الذي وَصَفَ عدوَّه بأَنه أَبتر مقطوعُ الذِّكْر.\nوادَّعى الفادي المفترِي بأنَّ الرسولَ - ﷺ - هو الذي رَدَّ على شتْمِ عَمِّه أَبي لهب له بشتيمةٍ مقابلهّ.\nفعندما جمعَ أَقاربَه، ودَعاهم إِلى الإيمان، شَتَمَه أَبو لهب قائلًا: تَبًَّا لك، أَلهذا جمعتنا؟.\nقال الفادي المفترِي: \" فَسَبَّهُ محمدٌ قائلًا: (تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) .\nأَيْ: هلكَتْ نفسُ أَبي لهب، وسيدخلُ نارًا، وسبَّ امرأةَ عَمِّه قائلًا: إِنها حَمّالَةُ الحَطب، الذي يَحرقُها في جهنم، وإِنَّ في عنقِها حَبْلًا يَقْتُلُها ويَخنقُها..\nفكانَ يُكيلُ اللعناتِ لكلّ مَنْ قاوَمَه!.\nوأَينَ محمدٌ من السيدِ المسيح الذي \" إِذا شُتِمَ لم يكنْ يَشْتُمُ عِوضًا \" والذي\nقال: باركوا لاعِنيكم؟ \".\nما زالَ المفترِي مُصِرًّا على أَنَّ الرسولَ - ﷺ - هو الذي أَلَّفَ القرآن، فلما شَتَمَه عَمُّه أَبو لهب أَلَّفَ سورةَ المسد شاتِمًا عَمَّه وامرأةَ عَمِّه! فهو لا يعترفُ بأَنَّ اللهَ هو الذي أَنزل سورةَ المسد، وأَنَّهُ هو الذي حكمَ على أَبي لهبِ بالتَّبابِ والخسارةِ لكفْرِه، وأَنَّ اللهَ هو الذي لَعَنَه.\nويَكذبُ المفترِي عندما يَدَّعي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - كان \" يَكيلُ اللعناتِ لكلِّ مَنْ قاوَمَه \".\nفالرسولُ - ﷺ - على خُطا أَخيهِ المسيحِ رسولِ اللهِ ﵊، ولم يكنْ يَلْعَنُ إلّا مَنْ لَعَنَه الله، وكان - ﵇ - عفيفَ اللّسان، فلم يكنْ سَبّابًا، ولا لَعّانًا، ولا شَتّامًا، ولا فاحِشًا بذيءَ اللّسان، وكان يَنهى أَصحابَه","vol":"1","page":726},{"text":"عن هذه التصرفاتِ والأَلفاظ، وكان يَعفو ويصفح، ولا يُقابلُ السيئةَ بالسيئة، ولا الشتيمةَ بشتيمة!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>حول غزوات الرسول - ﷺ </span>-\nوَقَفَ الفادي أَمامَ جهادِ رسول الله - ﷺ -، ونَقَلَ أَسماءَ غزواتِه، التي بَلَغَتْ تِسْعًا وعشرينَ غَزوة، وهي المعاركُ التي خاضَها بنفسِه، وذَكَرَ أَنَّ سراياهُ زادَتْ على سبعين، فيكونُ مجموعُ الغزواتِ والسرايا مئة.\nوذَكَرَ خُلاصةَ بعضِ الغزوات والسرايا، مثلُ سريةِ ابنِ الحَضْرَمي، وغزوةِ\nأُحُد، وغزوةِ حُنَيْن، وغزوةِ بدر، وغزوةِ بني النضير.\nوهو يتكلمُ عنها بأُسلوبِه القائمِ على اتهامِ النبيِّ - ﷺ -، ورفْضِ نبوته، والزعمِ بأَنه هو الذي أَلَّفَ القرآن.\nمن ذلك قولُه: \" وقد سجلَ محمدٌ في قرآنِه الكثيرَ من غزواتِه وسراياه \"..\nوقولُه عن سريةِ ابن الحضرميّ: \" ...\nوغَضِبَ محمدٌ لاستباحةِ أَصحابِه القتالَ في الشهرِ الحرام، ثم استحلَّ ذلك، وقَسَّمَ الغنائم لنفسِه وأَصحابِه.. \".\nوقد سبقَ أَنْ ذَكَرْنا تفاصيلَ قصةِ سريةِ ابن الحضرمي، التي هي في الحقيقةِ سريةُ عبدِ الله بن جحش - ﵁ -.\nومن ذلك قولُه عن غزوةِ أُحُد: \" ...\nفأَخَذَ محمدٌ في لعنِ الذين هَزموه، وحاولَ إِنْعاشَ أَفئدةِ الذين انْهزموا، فقال لهم: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) \".\nوادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - أَخَذَ عبارةً من إِحدى النساء، وسَجَّلَها في قرآنِه.\nوهي عبارة: \" يَتخذُ اللهُ من عبادِه الشهداء \"، قال: \" فقالت","vol":"1","page":727},{"text":"المرأة: يتخذُ اللهُ من عبادِه شهداء.\nفاقتبسَ محمدٌ عبارتَها، وجَعَلَها وحْيًا \"!!.\nوادَّعى المفترِي أَنَّ الرسولَ - ﷺ - أُعجبَ بكثرةِ أَصحابِه في غزوةِ حُنَيْن، فقال: \" لن نُغْلَبَ اليومَ من قلة \" فهزمَهم الله!.\nوالصحيحُ أَنَّ الذينَ قالوا هذا القولَ هم \" الطُّلَقاء \"، الذين أَسلموا يومَ فتحِ مكة، والذين لم يَتعمق الإِيمانُ في قلوبهم، فأُعجبوا بكثرتهم، فأَدَّبَهم الله، أَما الرسولُ - ﷺ - فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يقولَ ذلك، لقوةِ توكُّلِه على الله.\nومع أَنَّ حديثَه عن أَهم غزواتِ رسولِ الله - ﷺ - كانَ مُخْتَصَرًا، إِلّا أَنه لم يكنْ في مجملِه صحيحًا؛ لأَنه لم يأَخُذْه من المصادرِ الإِسلاميةِ الصحيحة، ولذلك أَخطأَ في عرضِ بعضِ الأَحداث، إِضافةً إِلى تأكيدِه المتواصلِ على أَنه هو الذي كان يُؤَلِّفُ القرآنَ من عنده، وأنه ليس رسولًا من عند الله!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>إشاعة إبادة الكلاب في المدينة</span>\nذَكَرَ الفادي المفترِي أُسطورةَ إِبادَةِ الكلابِ في المدينة.\nقال: \" عن أَبي رافعٍ قال: جاءَ جبريلُ إِلى محمدٍ يستأْذِنُه، فأَذِنَ له، فلم يَدْخُل.\nفقال: إِنّا قد أَذِنّا لك فَلِمَ لَمْ تَدْخُل؟\nفقال: إِنّا لا ندخلُ بيتًا فيه كَلْب! قالَ أَبو رافع:\nفأَمَرني أَنْ أَقتُل كُلَّ كَلْبٍ في المدينة! ففعَلْتُ، حتى انتهيتُ إِلى امرأةٍ عندها\nكَلْبٌ ينبحُ عليها، فتركْتُه رحمةً لها، ثم جئتُ إِلى محمد، فأَمَرني بقتله..\nفأَتى عديُّ بنُ حاتم وزيدُ بنُ المهلهل الطائِيَّيْن، فقالا: يا رسولَ الله، إِنّا قومٌ نَصيدُ بالكلاب، فماذا يحلُّ لنا؟\nفقالَ: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) \".\nوعَلَّقَ على هذه الإِشاعةِ بقوله: \" ونحنُ نسأل: إِنْ كانَ جبريلُ لم يدخُلْ\nبيتَ محمدٍ لسببِ الكلابِ التي فيه، فلماذا لم يكتفِ محمدٌ بقَتْلِ كلابِ بيتِه\nفقط؟\nولماذا أَمَرَ بقَتْلِ كَلْبِ المرأةِ المسكينة، التي رَقَ لها أَبو رافع ولم يشأ","vol":"1","page":728},{"text":"أَنْ يقتلَ كَلْبَها، وفي الوقتِ نفسِه استحيا كلابَ الأَغنياءِ للصيْد؟\nثم إِنَّ الكلابَ كانتْ في بيتِ محمدٍ وفي المدينة، قبلَ قَتْلِ الكلاب، فكيفَ كان جبريلُ يأتي محمدًا قبلَ قتْلِها؟\nإِنْ كانَ جبريلُ يكرهُ الكلابَ، أَلا نقول: إِنَّ الذي كانَ يأتي\nمحمدًا أَوَّلًا هو غيرُ جبريل؟ \".\nإِنَّ ما ذَكَرَه الفادي المفترِي أُسطورةٌ مكذوبة، فلم يكنْ في بيتِ\nرسول الله - ﷺ - كَلْب، ومن ثم لم يحدثْ أَن امتنعَ جبريلُ من الدخول بسببِ الكلب، ولم يأْمر الرسول - ﷺ - أَبا رافعٍ بقَتْلِ جميعِ الكلابِ في المدينة.\nوإِذا كانت القصةُ مكذوبةً باطلة، فكلُّ ما بناهُ الفادي المفترِي عليها من\nنتائج فهو باطلٌ مردود.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>حول تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسلام</span>\nقالَ اللهُ - ﷿ -: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) .\nتُخبرُ الآيةُ أَنَّ عيسى - ﵇ - بَشَّرَ بالنبيِّ الخاتمِ محمدٍ - ﷺ -، ولكنَّ الفادي المفتري لم يأخُذْ بما قَرَّرَتْه الآية، وسَجَّلَها تحتَ عنوانَ: \" لم تَتَنَبَّأ التوراةُ به \".\nوزَعَمَ أَنَّ القرآنَ يَشهدُ بحفظِ وسلامةِ التوراة، وأَوردَ آياتٍ لم يَفْهَمْ معناها\nالصحيح.\nقال: \" يَشهدُ القرآنُ أَنَّ التوراةَ حُفظَتْ صحيحة سليمةً من كُلّ تحريفٍ\nإِلى أَيامِ المسيح، قال في سورةِ آل عمران (٤٨): (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) ..\nوشهدَ القرآنُ في مواضعَ كثيرة أَنَّ التوراةَ بَقيتْ بغيرِ تحريف، من وقْتِ المسيحِ إِلى وقْتِ محمد، قال في سورةِ آلِ عمران:","vol":"1","page":729},{"text":"(قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) .\nوكذلك شهدَ القرآنُ بسلامةِ الإِنجيل، قالَ في سورةِ المائدة: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) .\nفالكتابُ المقدس إِذَنْ صَحيح، لم يَعْتِرِهِ تَحريف أَو تَبديلٌ أَو زيادةٌ أَو\nنقصان..\nوها هو الكتابُ المقَدَّسُ كُلُّه، ليس فيه أَيةُ إِشارةٍ إِلى إِتيانِ محمدٍ\nكنبيّ، فمنْ أَينَ جاءَ محمدٌ بأَنَّ عيسى بَشَّرَبه؟ \".\nلم يُخبر القرآنُ أَنَّ التوراةَ محفوظةٌ وصحيحة وسالمةٌ من التحريفِ، كما\nادَّعى الفادي المفترِي، إِنما جَزَمَ بتحريفِ اليهودِ للتوراة، وجاءَ هذا صريحًا\nفي آياتٍ كثيرة.\nمنها قولُه تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) .\nومنها قولُه تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) .\nنَقَضَ اليهودُ ميثاقَهم مع الله، وحَرَّفوا كلامَه الذي أَنزلَه إِليهم في\nالتوراة، وكَتَبوا التوراةَ بأَيديهم، وأَلَّفوا أَسفارَها من عندهم، ثم نَسَبوها إِلى اللهِ زورًا وبهتانًا.\nمن اليقينِ عندَ العلماءِ أَنه لا تَناقُضَ بينَ آياتِ القرآن، فالآيتَانِ السابقتانِ\nصريحَتانِ في تحريفِ اليهودِ للتوراة، وعلَيْنا أَنْ نَفهمَ الآياتِ التي أَوردَها\nالفادي على أَساسِ الآيتَيْن السابقتَيْن، لنُحسنَ فهمَ تلك الآيات.\nأَخبرَ اللهُ أَنه سيُعَلّمُ عيسى ابنَ مريمَ - ﵇ - التوراة.\nقال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) .\nفأَيّ توراةٍ سيُعَلّمُه اللهُ؟\nهل هي التوراةُ التي بأَيدي الحاخامات، التي حَرَّفوها وأَلَّفوها من عندهم؟\nكَلآ.","vol":"1","page":730},{"text":"سيُعلمُه التوراةَ التي أَنزلَها على موسى - ﵇ -، والتي جعلَ الإنجيلَ مُصَدِّقًا لها؛ لأَنَّ الكتابَيْنِ من عندِ الله!\nلقد عَلَّمَ اللهُ عيسى - ﵇ - التوراةَ التي أَنزلَها على\nموسى - ﵇ -، وذلك بما أَنزلَ عليه من كلامِ الإِنجيل، وجعَلَه مُصَدِّقًا للتوراة، وناسِخًا لبعضِ أحكامها، ومُحَلِّلًا لبعضِ الأَشياءِ المحَرَّمَة فيها.\nقال تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) .\nولَنْ يُعَلِّمَ اللهُ عيسى - ﵇ - التوراةَ المحَرَّفَة، التي شهدَ أَنها مُحَرَّفَة، وأَخبرَ القرآنُ أَنها مُحَرَّفَة ...\nفهما \" توراتان \"، التوراةُ التي أَنزلَها على موسى - ﵇ -،\nثم عَلَّمَها لعيسى - ﵇ -، والتوراةُ التي حَرَّفَها اليهودُ، والتي تَبَرَّأَ اللهُ سبحانه منها.\nوإِذا ثَبَتَ أَنَّ الأَحبارَ حَرَّفوا التوراةَ قبلَ بعثةِ محمد - ﷺ -، فإِنَّ التوراةَ التي كانتْ بين أَيدي اليهودِ في المدينةِ كانَتْ مُحَرَّفَةً أَيضًا.\nوصَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ في المدينةِ كانوا يمارسونَ جريمةَ التحريفِ المتواصلِ للتَّوراة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا.\nوبما أَنَّ اليهودَ في المدينة حَرَّفوا التوراة، وأَضاعوا التوراةَ الربانيةَ التي\nأَنزلَها اللهُ على موسى - ﵇ -، فقد تَحَدّاهُم اللهُ بالإِتيانِ بالتوراةِ الأَصْلِيَّة.\nقال تعالى: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) .\nلا تُعتبرُ الآيةُ شاهدةً على اعتمادِ التوراة، وأَنها صحيحةٌ سليمةٌ من\nالتحريفِ، وأَنَّ اليهودَ في المدينة كانوا يَلْتَزمون بالتوراةِ الصحيحة، كما زعم الفادي المفترِي.","vol":"1","page":731},{"text":"إِنَّ الآية إِدانةٌ لليهودِ، بأَنهم تَلاعبوا بالتوراةِ وحَرَّفوها، وغَيَّروا\nأَحكامَها، ومع ذلك زعموا أَنهم ملتزمونَ بها، فتحدَّتْهم الآيةُ بإِحضارِ التوراةِ\nالأصلية، ولن يستطيعوا ذلك، لأَنهم أَضاعوها.\nأَخبرَ اللهُ أَنَّ كُلَّ أَنواعِ الطعام كانتْ مباحةً لبني إِسرائيل، وأَنه لم يُحَرِّمْ\nعليهم إِلَّا الطعامَ الذي حَرَّمَه أَبوهم إِسرائيل - يعقوب - ﵇ - على نفسه، وهذا الطعامُ هو لحومُ الإِبل، وهذا كان قبلَ إِنزال التوراة؛ لأَنَّ إِنزال التوراةِ كان على موسى - ﵇ -، ويعقوبُ عاشَ قبلَ ذلك بمئاتِ السنين: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) .\nفإِذا لم يُسَلِّم اليهودُ في المدينةِ بهذه الحقيقةِ القرآنية، وكَذَّبوا القرآن،\nوزَعَموا أَنَّ الذي في التوراةِ خلافَ المذكورِ في القرآن، فعليهم أَنْ يَأتوا\nبالتوراة، وأَنْ يَتْلوها، ويَستَخْرِجوا منها الكلامَ المتعارضَ من القرآن، وأَنْ\nيُقَدِّموا هذا للرسول - ﷺ - وأَصحابِه: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) .\nوهم لن يستطيعوا ذلك، ولَن يأتوا بالتوراة، لأَنَّ التوراةَ الأَصليةَ\nمفقودو، فمِنْ أَيْنَ يأتونَ بها؟!.\nوهكذا رأَيْنا الآيةَ تُدينُ اليهودَ ولا تُؤَيِّدُهم، وتُقررُ ضَياعَ التوراةِ، ولا\nتَشهدُ لها بأَنها صحيحة وسالمة من التحريف، كما ادعى الفادي!.\nوزَعْمُ الفادي شهادةَ القرآنِ بسلامةِ الإِنجيلِ من التحريفِ مردود عليه،\nوالذي قَرَّرَه القرآنُ هو عكسُ ذلك، فقد قَرَّر تَحريفَ الرهبانِ للإِنجيل،\nوتأْليهَهُم لعيسى - ﵇ -.\nقال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) .\nوقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ) .","vol":"1","page":732},{"text":"وقد أَمَرَ اللهُ أَهْلَ الإِنجيلِ بأَنْ يَحكموا بما أَنزلَ اللهُ فيه، وذلك في قوله\nتعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) .\nولا تدلُّ هذه الآيةُ على اعتمادِ الإِنجيل، والشهادةِ له بعدمِ التغييرِ أَو\nالتبديل، كما ادَّعى الفادي الجاهل، إِنما تُخبرُ الآية ُ عن أَمْرٍ تاريخي، يُقَرِّرُ\nأَنَ اللهَ بعثَ عيسى - ﵇ - رسولًا، وأَنزلَ عليه الإِنجيل، وأَمَرَ أَتْباعَه النصارى بالتحاكمِ إِليه.\nوهذا قبلَ بعثةِ محمدٍ - ﷺ -، وقبلَ إِنزالِ القرآنِ عليه.\nأَمّا بَعْدَ البعثةِ فإِنَّ أَهْلَ الإِنجيلِ مثلُ أَهْلِ التوراة، مأْمورون بالإِيمانِ\nبالقرآن والحكمِ بما أَنزلَ اللهُ فيه.\nقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .\nولذلك أَمَرَ اللهُ رسولَه محمدًا - ﷺ - أَنْ يَحكمَ بين اليهودِ والنصارى بما أَنزلَ اللهُ عليه في القرآن.\nقال تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) .\nولذلك أَخبرَ اللهُ أَنَّ اليهودَ والنصارى ليسوا على شيء، حتى يُقيموا\nالتوراةَ والإِنجيلَ والاقرآنَ.\nقال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) .\nوالذي أُنزلَ إِليهم من ربِّهم هو القرآن، وهذا معناهُ أَنَّ الإِيمانَ الصحيحَ بالتوراةِ والإِنجيلِ يَجبُ أَنْ يقودَ إِلى الإِيمانِ بالقرآن.\nوبعد هذا التوضيح يظهرُ كذبُ الفادي في ما قاله في نهايةِ كلامِه:\n\" فالكتابُ المقَدَّسُ إِذنْ صحيح، لم يَعْتَرِهِ تحريف أَو تبديلٌ أَو زيادَ أَو\nنقصان \".\nفالقرآنُ جَزَمَ بأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ - بقسمَيْهِ التوراةِ والإِنجيل - أَصابَه\nما أَصابَه من التحريفِ والتبديلِ والزيادةِ والنقصان!!.\nوجَزَمَ الفادي المفترِي بأَنَّ عيسى - ﵇ - لم يُبَشِّرْ بالنبيِّ الخاتم - ﷺ -","vol":"1","page":733},{"text":"قال: \" وها هو الكتابُ المقَدَّسُ كُلُّه، ليس فيه إِشارةٌ إِلى إِتيانِ محمدٍ كَنبيّ، فمن أَيْنَ جاءَ محمدٌ بأَنَّ عيسى بَشَّرَ به؟ \".\nوهو في هذا الافتراءِ يُكَذّبُ القرآنَ تكذيبًا صَريحًا مباشرًا، وذلك في\nقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .\nوزَعَمَ أَنَّ الذي في الإِنجيلِ أَنَّ المسيحَ وَعَدَ أَنْ يُرسلَ إِلى تَلاميذِه\n\" الروحَ القُدُسَ \" من بعدِه، وليس محمدًا - ﷺ -.\nقال: \" قالَ المسيحُ: إِنَّه بعد صُعودِهِ سيرسلُ إِلى تلاميذِه \" الروحَ القُدُسَ \".\nوأَصْلُه باللغةِ اليونانية \" البارقليط \"، ومَعْناهُ \" المعَزّي \".\nوهذه الكلمةُ تُقاربُ في لَفْظِها كلمةً يونانيةً أُخْرى، معناها \" مَشهورٌ \" أَو \" مَمْدوحٌ \" وهو معنى اسمِ محمد، فَظَنَّ محمدٌ أَنَّ هذا الممدوحَ الذي سيُرسلُه المسيحُ هو محمد!.\nومنشأُ هذا الخطأَ هو الالتباسُ بين الكلمتَيْن اليونانيّتَيْن، ففهمَ العربُ غيرَ ما أَرادَهُ المسيح \".\nنحنُ مع القرآنِ في جَزْمِه أَنَّ عيسى - ﵇ - قد بَشَّرَ بمحمدٍ - ﷺ -: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .\nوما قالَه الفادي المفترِي تَلاعُبٌ وتَحريفٌ وكتمانٌ للحقائقِ الهادية.\nأَمّا البارقليط ومَعنَاها فنحتكمُ إِلى رجلٍ متمكِّنٍ من الإِنجيلِ ولُغَتِه، عَرَفَ\nالحَقَّ وآمَنَ به وانْحازَ إِليه، وفَضَحَ كاتمي الحَق من القساوسةِ والرهبان، إِنه\nالمهْتَدي عبدُ الأَحَد داود.\nكانَ عبدُ الأَحَدِ داود قِسيسًا كبيرًا للكلدانيين التابعينَ للروم الكاثوليك،\nوكان اسمه: \" دافيد بنجامين كلداني \".\nوقد دَرَسَ الكتابَ المقَدَّسَ دراسةً متأنِّيَة، ووَقَفَ فيه على بشاراتِ أَنبياءِ بني إِسرائيل بمحمدٍ - ﷺ -، وبشارةِ عيسى الصريحةِ به..\nوقادَهُ البحثُ إِلى الحق، فاعتنقَ الإِسلام، وأَلَّفَ كتابًا رائعًا هو: \" محمد في الكتاب المقدس \".","vol":"1","page":734},{"text":"ويهمُّنا هنا ذِكْرُ خلاصةِ ما قالَه عن البارقليط.\nقالَ - ﵀ -: \" وَرَدَتْ بشارةُ عيسى بأَحمدَ - ﷺ - في إِنجيل يوحنا، في الإِصحاحاتِ الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر.\nالعبارةُ الصحيحةُ التي في إِنجيل يوحنّا هي قولُ عيسى - ﵇ -: \" وسوفَ أَذهبُ إِلى الآب، وسيرسلُ لكم رسولًا، سيكونُ اسْمُه \" البرقليطوس \" لكي يبقى معكم إِلى الأَبَد..\".\nوالبرقليطوس هو: أَحمد.\nولكنَ النَّصارى حَرَّفوا العبارةَ إِلى قولِهم: \" وسوفَ أَسأَلُ الآب، وسوفَ\nيُعطيكم برقليطوس آخر \".\nوفَرْق بَعيدٌ - كما يقولُ عبدُ الأحَد داود - بين الكلمةِ الأَصلية:\n\" البرقليطوس \" بالتعريفِ والتحديد، وبينَ الكلمةِ الأُخرى \" برقليطوس آخر\"\nبالتنكيرِ والتعميم، التي تدلُّ على أَنَّ عيسى - ﵇ - عنده مجموعة من \" البرقليطيسيين \".\nكلُّ واحدٍ منهم برقليطوس، أَيْ: هو مُعَز ووسيط ومعينٌ.\nوإِنَّ كلمةَ عيسى - ﵇ - المحددة: \" البارقليطوس \" كلمة يونانية، معناها المحدَّدُ باللغةِ العربية: \" الأَمْجَدُ الأَشْهَر \"، وهو معنى \" أحمد \" باللغة العربية.\nوالصيغةُ الآراميةُ التي كان يتكلمُ بها عيسى - ﵇ - هي: \" مَحامْدا \"، وهي متناسقةٌ مع الصيغةِ العربيةِ \" محمد \" أَو \" أحمد \" تمامًا!.\nوالخلاصةُ أَنَّ عيسى - ﵇ - قالَ للحواريين باللغة الآرامية: \" سوفَ أَذهبُ إِلى الآب، وسيرسلُ لكم رسولًا، سيكونُ اسْمُه \" مَحامْدا \"، لكي يبقى معكم إِلى الأَبد \".\nولما كتبَ يوحَنّا هذه العبارة، ونَقَلَها من الآراميةِ إِلى اليونانية، ترجمَ\nكلمةَ \" مَحامْدا \" إِلى كلمةِ \" البارقليطوس \"، ومعناها الأَحْمَدُ الأَمْجَدُ الأَشْهَرُ.\nوفعلُه صحيح.","vol":"1","page":735},{"text":"لكنْ لما أَعادَ الرهبانُ كتابةَ إِنجيلِ يوحَنّا باليونانية أَرادوا طمسَ بشارةِ\nعيسى بمحمد - ﷺ -، فَحَرَّفوا الكلمة، ونَقَلوها من معناها المحدَّدِ إِلى المعنى الأَعَمّ، وحوّلوا كلمةَ \" البارقليطوس \" إِلى كلمةِ \" بارقليطوس آخر \"، التي معناها: المعَزّي أَو المعين.\nوزَعَمَ الفادي أَنَّ عيسى لم يُبَشِّرْ بمحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، ودعا\nإِلى قراءةِ الأَناجيلِ لاستخراجِ هذه البشارة..\nوها هو البروفسورُ المهتدي عبدُ الأَحد داود يُقَدّمُ لنا تلك البشارة، ويُرينا تَحريفَ الرهبانِ لها!!.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>ما معنى الأُمِّي والأميين</span>؟\nوَقَفَ الفادي أَمامَ وَصْفِ الرسولِ - ﷺ - بالنبيِّ الأُمِّي، وهو الوصْفُ الذي وَرَدَ في قولِه تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) .\nوزَعَمَ أَنَّ سبَب وَصفِه بذلك أنه لم يكنْ أَصْلُه يهوديًا، ولم يكنْ من أَهلِ\nالكتاب؛ لأَنَّ الأُمّيّين عند اليهودِ هم الأُمَمُ من غيرِ اليهود.\nوزَعَمَ الفادي أَنَّ القرآن: \" جرى على هذا القياس، فسمى اليهودَ والنصارى \" أَهْلَ الكتاب \"، وما عَداهم \" الأُمّيّين \".\nفأَهْلُ الكتابِ اسْم علم على اليهودِ والنَّصارى، والأُمّيّون\nاسْمُ عَلَمٍ على جَميعِ العَرَبِ وغيرِهم..\nولهذا سُمّيَ محمدٌ بالنبيِّ الأُمّيّ، لأَنه غريب عن الشعب المختار، الذي أَقامَ اللهُ منه جميعَ الأَنبياء وجعلَ خاتمَهم كلمتَه المسيحَ مُخًلِّصَ العالَم \".\nوزَعْمُ الفادي مردود، لا تَشهدُ له اللغة، ولا يُؤَيِّدُه المعنى.","vol":"1","page":736},{"text":"إِنَّ \" الأُمِّيَّ \" منسوبٌ إِلى \" الأُمّ \"، وهي والدةُ الإِنسانِ التي أَنجبَتْه، تقول:\nأُمّ، وأُمِّيّ.\nكما تقول: شافع وشافِعِي.\nوالأُمِّيُّ هو الذي لا يُحسنُ الكتابة؛ لأَنَّ الكتابةَ تَحتاجُ إِلى مَهارةٍ وتدريبٍ وخبرة.\nوسُمّيَ الذي لا يُحسنُ الكتابةَ أُمِّيًّا، تَشبيهًا له بحالةِ خروجِه من رَحِمِ أُمِّه؛ لأَنه خَرَجَ وهو جاهل، لا يَعلمُ شيئًا، ثم حَصلَ التعليمَ فيما بَعْد.\nقال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) .\nوَصَفَ اللهُ رسولَه الخاتَم - ﷺ - بالأُمِّية.\nقالَ تعالى: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) .\nلأَنه - ﷺ - لم يَتعلم القراءةَ والكتابة، وهذا الوصْفُ لا يَعْني الذَّمَّ والإِنْقاص، إِنما هو وَصْفٌ لحالةٍ وواقع، فلا يُعابُ الرسولُ - ﷺ - على أُمِّيَّتِه؛ لأَنَه لم تُيَسَّرْ له ظروفُ التعلُّم والكتابة، لا سيَّما أَنَّ الأُميةَ كانتْ منتشرةً في بلادِ العربِ في ذلك العصر، والذين تَعَلَّموا الكتابةَ كانوا قليلين.\nوجَعَلَ القرآنُ أُمِّيَّةَ النبيِّ - ﷺ - دَليلًا على أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) .\nولم تأتِ الأُمِّيَّةُ وَصْفًا لرسولِ الله - ﷺ - وَحْدَه، وإِنما كانَتْ وَصْفًا للعربِ في الجاهلية، وهي إِخبارٌ عن واقِعِهم، وليس ذَمًَّا لهم.\nقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .\nوبهذا نَعرفُ خَطَأَ الفادي عندما جَعَلَ الأُمَيّينَ كُلَّ الأَقوامِ من غيرِ\nاليهود، مهما كانت أَجناسُهم، عَرَبًا أَو عَجَمًا.\nإِنَّ هؤلاء يُسَمّيهم اليهودُ \" أُمَمِيِّين \"، والمفرد: أُمَمِيٌّ، وهو منسوبٌ إِلى الأُمَم وليس إِلى الأُمّ.\nتقول: أُمَمٌ، وأُمَمِيّ.\nوالأُمَمُ جمعُ أُمَّة، وهي المجموعةُ من الناس.\nوأَطْلَقَ اليهودُ وَصْفَ \" الأُمّيين \" على العربِ الذين كانوا حولَهم.","vol":"1","page":737},{"text":"وعلى هذا قولُه تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) .\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>عودة إلى دعوى التناقض في القرآن</span>\nعادَ الفادي المفترِي إِلى ادِّعاءِ التَناقُضِ في القرآن، وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ\nمُطَوَّلًا في الآياتِ التي زَعَمَها مُتَناقضة، وقد جَمَعْنا بينَها وأَزَلْنا ما يُظَنُّ أَنه\nتناقُفق موهوم بينها، لكنَّ الفادي المفترِي خَتَمَ كتابَه بهذه الدعوى المردودة.\nوعَرَضَ هذه الدَّعوى بأُسلوب استفزازيٍّ مُثير.\nقال: \" في القرآنِ نهجانِ متباينان، كأَنهما من نبييْنِ مختلفَيْنِ، تَعارَكا حتى هَزَمَ ثانيهما الأَوَّلَ، فأَسَرَهُ وعَطَّلَ رسالَتَه..\nحَظَرَ الأَوَّلُ إِيذاءَ مَنْ لم يؤمنْ به، فقال: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) .\nوقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .\nوقالَ: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) .\nولكنَّ الثاني نَسَخَ حُكْمَ هذه الآيات، ولو أَنَّه لم يَمْحُ حَرْفَها من القرآن،\nبل أَبقاها للتلاوةِ فقط.\nواتَّخَذَ في موطنِ هجرتِه في المدينة مِنهاجًا جديدًا، هو الحربُ والعنفُ والقتال! فكيفَ يوفقُ المسلمُ بين هذه الآيات ِ، المكيّ والمدنيّ، السلميّ والحربيّ؟ \".\nيَدَّعي المفترِي أَن الآياتِ المدنيةَ تُناقضُ الآيات ِ المكيةَ السابقة،","vol":"1","page":738},{"text":"فالآياتُ المكيةُ تأمر بالسلمِ وحسنِ الكلامِ والدعوة، وتَنهى عن الإِيذاءِ والعنفِ والقَتْل، والآياتُ المدنيةُ تنسخُ هذا المنهج، وتضعُ مكانَه الأَمْرَ بالعنفِ والقَتْلِ والحربِ وسفكِ الدّماء.\nوهذا الادّعاءُ يدلُّ على جَهْلِه، وقد أَورد هو آيةً مدنيةً لا تأمرُ بالقتْلِ\nوالعنفِ - على حَدِّ تعبيره - وهي قولُه تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) .\nونهى اللهُ عن الإِكراهِ في الدين في سورة البقرةِ المدنية.\nقال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) .\nلم يُغَيِّرْ رسولُ اللهِ - ﷺ - منهجَه في الدعوة، بينَ الفترةِ المكيةِ والفترةِ المدنية، ولم تَنسخْ آياتُ الجهادِ والقتالِ آياتِ البلاغِ المكية، ولا تَعارُضَ بين هذه الآيات!!\nإِنَّ الأَمْرَ بالدعوةِ والبَلاغِ المبينِ مستمرٌّ في المدينة، والآياتُ المدنيةُ تَنهى عن الإِكراهِ في الدين، كما هو واضحٌ في آيتي البقرةِ وآلِ عمران اللتَيْن أَوردْناهما، ومعناهما مستمرٌّ حتى قيامِ الساعة، لم يُنسخْ ولم يُغَيَّرْ ولم\nيُبَدَّلْ.\nوآياتُ الجهادِ والقتالِ مستمرةٌ أَيضًا حتى قيامِ الساعة، والجهادُ موجَّهٌ\nللذين يَقفون أَمامَ هذا الدين، بهدفِ إِبطالِ مخططاتِهمِ ضدَّ الإِسلام،\nوالقتالُ موجَّهٌ للأَعداء الذين يُحاربون الدعاة، ويمنعونهم من واجبِ\nالتبليغ، وهو بهدفِ تحطيمِ القوةِ المادية الكافرة، التي تَفتنُ الناسَ،\nوتمنعُهم من اعتناقِ الإِسلامِ عن قناعَة، وليس بهدفِ إِكراهِ الناسِ على\nاعتناق الإِسلام.\nوبهذا نعرفُ أَنه لا تَعارضَ بين آياتِ الدعوةِ والبلاغِ والنهيِ عن\nالإِيذاءِ والإِكراه، وآياتِ الأَمْرِ بالجهادِ والقتال؟\nلأَنَّ كُلَّ آياتٍ تُنَزَّلُ على حالةٍ خاصة.","vol":"1","page":739},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>لماذا النبي - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم</span>؟\nأَخَبَر اللهُ المؤمنين أَنَّ النبيَّ - ﷺ - أَولى بهم من أَنفسِهم.\nقالى تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .\nولذلك أَوجبَ على المؤمنين أَن يَقْبَلوا حُكْمَه، ويُنَفِّذوا أَمْرَه؛ لأَنَّه لا يأمُرُ إِلّا بخَيْر.\nقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦) .\nولم يُعجبْ هذا الفادي المفترِي، الذي جعلَ هدفَه الأَساسيَّ تخطئةَ\nالقرآنِ، وإِثارةَ الاعتراضِ عليه، واتهامَ الرسول - ﷺ -.\nولذلك قال: \" من هذه الآياتِ نرى كيفَ فرضَ محمدٌ إِرادَتَه المطلقة، فإِذا أَرادَ أَنْ يُزَوِّجَ زينبَ لابنِه زَيْد، فيجبُ أَنْ تَنْصاعَ للأَمْر، حتى لو اعترضَتْ هي وأَخوها، وإِذا أَرادَ محمد زينبَ فيجبُ أَنْ يتخلَّى عنها زيدٌ زوجُها!\nوإِذا أَرادَ الغزوَ فعلى الشّبّانِ أَنْ يُطيعوا بدونِ استئذانِ والديهم \".\nلم يَفرضْ رسول اللهِ - ﷺ - إِرادتَه المطلقةَ على أَصحابِه، ولم يُخْضعْهم له، ولم يَجعل الأَمْرَ أَمْرًا شخصيًا، يبحثُ فيه عن زعامةٍ على حسابهم!.\nلقد تعاملَ معه الصحابةُ على أَنه رسولٌ من عندِ اللهِ - ﷺ -، يبلِّغُهم شرعَ الله، ويُطبِّقُ فيهم حُكْمَ الله، ولا يأمُرُهم إِلا بما أَمرهم اللهُ به، ولا يَنهاهم إِلّا عن ما نهاهُم اللهُ عنه..\nوقد حفظ اللهُ رسولَه - ﷺ -، وعَصَمَه من\nالوقوعِ في أَيِّ خطأ أَو ذَنْبٍ أَو معصية، ولذلك كان لا يأمُرُ إِلّا بطاعةِ الله.\nلذلك أَمَرَ اللهُ المؤمنين بطاعةِ رسولهِ - ﷺ - كما أَمرهم بطاعتِه.\nقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .","vol":"1","page":740},{"text":"وجعلَ سبحانه طاعةَ رسولهِ - ﷺ - طاعةً له، فقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) .\nبهذا الاعتبارِ صارَ النبيُّ - ﷺ - أَوْلى بالمؤمنين من أَنفسِهم.\nقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) .\n***********************\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>تَمَّ الكتاب بحمد الله وتوفيقه</span>","vol":"1","page":741},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>كتاب: مائة سؤال فى النصرانية</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nأسئلة تبحث عن أجوبة\nالسؤال الأول\n(التجسد) هل تجسد الله. أم أرسل ابنه الوحيد؟\nيعتقد الأرثوذكس أن الله ﷾ قد أخذ جسد بشري وأتى بنفسه للعالم بينما نجد أن كاتب إنجيل يوحنا يقول: لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد. ٣ عدد ١٦ وقال يوحنا في رسالته الأولى: إن الله قد أرسل ابنه الوحيد إلى العالم لكي نحيا به.. يوحنا ٤ عدد ٩\nونحن نسأل: هل الله قد تجسد كما تزعمون وأتى بنفسه للعالم أم انه أرسل للعالم ابنه الوحيد كما تزعم النصوص؟ ومما لا شك فيه أن الراسل غير المرسل والباعث غير المبعوث. وهناك العديد من النصوص التي تنص على أن الله لم يتجسد وينزل ولكنه أرسل ابنه للعالم انظر الرسالة الأولى ليوحنا ٤ عدد ١٤\nالسؤال الثاني\n(الصلب والفداء) لماذا استمرار العقوبات حتى بعد الفداء؟\nيؤمن النصارى بعدل الله وأنه إله عادل. وقد ذكر كتابهم المقدس العقاب الذي شمل آدم وحواء والحية بعد قصة السقوط وهذا العقاب قد شملهم بالآتي:\n(١) أوجاع الحمل والولادة لحواء. [تكوين ٤ عدد ٢]\n(٢) دوام العداوة بين نسل المرأة والحية\n(٣) لعنة التربة التي يعتمد عليها الإنسان في حياته على الأرض [تكوين ٣ عدد ١٧ - ١٩]\n(٤) عقوبة الرب للحية التي أغوت حواء بأن جعلها تسعى على بطنها [تكوين ٣ عدد ١٤]\nوالسؤال المطروح هو: بما أن الله عادل. . وقد صالحنا بصلب المسيح المزعوم. . فلماذا لم تنتهِ هذه العقوبات.؟ لماذا ما زالت الحية تسعى على بطنها؟ لماذا ما زالت المرأة تصاب بأوجاع الحمل والولادة؟ لماذا لم تنتهي العداوة بين نسل المرأة والحية؟\nألستم تقولون أن الله صالحنا بموت المسيح على الصليب فلماذا ما زالت المرأة تلد بالأوجاع - لدرجة أن البعض منهن يستخدمن المخدر من شدة الألم - ولماذا عقاب الاشتياق ما زال موجودًا منها ومن الرجل؟ ولماذا ما زال عقاب الرب للحية بأن تمشي على بطنها مستمرًا (تكوين ٣ عدد ١٤)؟؟!\nأين هو عدل الله بحسب إيمانكم؟؟ ونلاحظ أيضا أن الله أعطى عقوبة لآدم \" بعرق وجهك تأكل خبزًا.. ملعونة الأرض بسببك. بالتعب تأكل منها \" (تكوين ٣عدد ١٩،١٧) فإذا كانت قصة الخلاص المسيحية هي حقيقة فلماذا ما تزال هذه العقوبات قائمة؟! أم أنها باقية للذكرى كما قال البابا شنودة في إحدى كتاباته؟!!!\nهل من عدل الله بعد أن خلصنا المسيح وصالحنا أن يُبقي هذه العقوبات؟\nالسؤال ٣:\n(صفات الرب) هل الله ينقض عهده أم لا ينقض عهده؟\nمزمور٨٩ عدد ٣٤: لا انقض عهدي ولا اغيّر ما خرج من شفتيّ. (SVD)\nهذا هو الطبيعي وهذا هو المقبول في صفات الله ﷾ أن الله ليس بناقض للعهد كما في المزمور ٨٩ عدد ٣٤ وهو كلام الله لداوود ولكننا نجد أن الرب نقض عهده في موضع آخر فانظر ماذا يقول في زكريا الإصحاح ١١ عدد١٠-١١\nزكريا١١ عدد١٠: فأخذت عصاي نعمة وقصفتها لانقض عهدي الذي قطعته مع كل الأسباط. (١١) فنقض في ذلك اليوم وهكذا علم أذل الغنم المنتظرون لي إنها كلمة الرب. (SVD)\nالسؤال ٤:\n(الصلب والفداء) السبب الرئيس هو إبليس فلماذا لم يمت إبليس؟","vol":"2","page":1},{"text":"لقد ادعى بولس مؤسس المسيحية المحرفة بأن أجرة الخطية الموت، فإذا كانت أجرة الخطية الموت فلماذا لم يمت إبليس المتسبب الرئيسي للخطية والذي هو صاحب كل خطية في العالم؟ نريد إجابة مقنعة بحسب عدل الله الذي تدعونه. ومع العلم أن الله إختار أن يفدي آدم أو ذرية آدم ولم يفدي إبليس مع أن إبليس كان من أبناء الله كما في سفر أيوب ١عدد ٦: وكان ذات يوم انه جاء بنو الله ليمثلوا امام الرب وجاء الشيطان ايضا في وسطهم. (SVD) وغير هذا في أيوب ٢ عدد ١ وإستمرت علاقة الشيطان بالرب وتكليف الرب للشيطان بمهام كما كلفه بضرب أيوب بقرح ردئ وغيره من الأمور، مما يعني إستمرار العلاقة بين الرب والشيطان فلماذا لم يعاقبه الله كما عاقب آدم؟ أو يكفر عنه كما كفر عن آدم؟ حقيقة نحتاج إلى إجابة.\nالسؤال ٥:\n(الأقانيم والتثليث) تدَّعون أن الأب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم متحدة، فهل تعتمد هذه الأقانيم على بعضها البعض؟ وهل لكل منهم وظيفة لا يستطيع الآخر أن يقوم بها؟ فإن كانوا يعتمدون على بعضهم فليس أي منهم إله، لأن الإله لا يعتمد على غيره. وإن كانوا لا يعتمدون على بعضهم، فيكونون حينئذٍ ثلاثة آلهه وليس إلهًا واحدًا. وبالمثل إن كان لكل منهم وظيفة لا يستطيع الآخر القيام بها، لا يكون أى منهم إله، لأن الله كامل، وعلى كل شيء قدير. وإن كان لكل منهم وظيفة محددة، يكون كل منهم إله ناقص، ولا يُقرُّ دينكم هذا.\nالسؤال ٦:\n(التجسد) أين الدليل على أنه إنسان كامل؟\nهل قال المسيح لتلاميذه وأتباعه، إنه يتكون من جزء لاهوتي وجزء ناسوتي؟ وأنه إله كامل وإنسان كامل؟ نطالب النصارى بالأدلة النقلية من الكتاب المقدس على لسان المسيح التي تثبت ذلك.\nوإذا كان المسيح إنسان كامل فهل يعني هذا انه يشتهي النساء كأي إنسان كامل وان قضيبه الذكري كان ينتصب كأي إنسان كامل؟!\nثم إذا كان الناسوت واللاهوت هو ركيزة أساسية في النصرانية وسبب من أسباب الانقسام والحروب والاضطهاد والكراهية بين النصارى. فماذا قال المسيح عنها؟ كيف شرحها لهم؟\nوإذا كان هذا من البدع التي ابتدعوها بعد السيد المسيح ﵇ فكيف يكون أساس الدين وأكثر الأمور جدالا حولها لم يشرعه الله ولم يتكلم عنها المسيح؟\nالسؤال ٧:\n(أخطاء) هل أنجبت ميكال بنت شاول أم لا؟\n(وَلَمْ تُنْجِبْ مِيكَالُ بِنْتُ شَاوُلَ وَلَدًا إِلَى يَوْمِ مَوْتِهَا ([صموئيل الثاني ٦ عدد٢٣] .\nنفهم من النص السابق أنها لم تنجب أبدًا حتى يوم مولدها، لكن نجد العكس في النص التالي:\n(فَأَخَذَ الْمَلِكُ، أَرْمُونِيَ وَمَفِبيُوشَثَ ابْنَيْ رِصْفَةَ ابْنَةِ أَيَّةَ اللَّذَيْنِ وَلَدَتْهُمَا لِشَاوُلَ، وَأَبْنَاءَ مِيكَالَ ابْنَةِ شَاوُلَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ أَنْجَبَتْهُمْ لِعَدْرِيئِيلَ ابْنِ بَرْزِلاَيَ الْمَحُولِيِّ [صموئيل الثاني ٢١ عدد ٨] .\nفهل أنجبت ميكال بنت شاول أم لم تنجب؟ نريد إجابة أيها العقلاء.\nالسؤال ٨:\n(أخطاء الشريعة) هل القتل حرام أم حلال؟\nقال الرب لموسى في الوصايا العشر: لا تقتل. لا تزني. لا تسرق. . خروج ٢٠ عدد ١٣\nإلا أننا نجد في سفر العدد ٣١ عدد ١ - ١٧ أن الرب يناقض الوصية بعدم القتل:\nوَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى. . ١٧فَالآنَ اقْتُلُوا كُلَّ ذَكَرٍ مِنَ الأَطْفَالِ، وَاقْتُلُوا أَيْضًا كُلَّ امْرَأَةٍ ضَاجَعَتْ رَجُلًا، ١٨وَلَكِنِ اسْتَحْيَوْا لَكُمْ كُلَّ عَذْرَاءَ لَمْ تُضَاجِعْ رَجُلًا.","vol":"2","page":2},{"text":"وجاء في سفر يشوع ٦ عدد ١٦:\nقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ وَهَبَكُمُ الْمَدِينَةَ. ١٧وَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ وَكُلَّ مَا فِيهَا مُحَرَّمًا لِلرَّبِّ،. . . . أَمَّا كُلُّ غَنَائِمِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَآنِيَةِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، فَتُخَصَّصُ لِلرَّبِّ وَتُحْفَظُ فِى خِزَانَتِهِ. ٢٠فَهَتَفَ الشَّعْبُ، وَنَفَخَ الْكَهَنَةُ فِي الأَبْوَاقِ. وَكَانَ هُتَافُ الشَّعْبِ لَدَى سَمَاعِهِمْ صَوْتَ نَفْخِ الأَبْوَاقِ عَظِيمًا، فَانْهَارَ السُّورُ فِي مَوْضِعِهِ. فَانْدَفَعَ الشَّعْبُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ كُلٌّ إِلَى وِجْهَتِهِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا. وَدَمَّرُوا الْمَدِينَةَ وَقَضَوْا بِحَدِّ السَّيْفِ عَلَى كُلِّ مَنْ فِيهَا مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ وَشُيُوخٍ حَتَّى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْحَمِيرِ.\nوفي سفر هوشع ١٣ عدد ١٦ يقول الرب: «تجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها. بالسيف يسقطون. تحطم أطفالهم، والحوامل تشق»\nوفي سفر إشعيا ١٣ عدد ١٦ يقول الرب: «وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم»\nالسؤال ٩:\n(صفات الرب) هل الرب يتراجع عن كلامه؟ ولا يوفي بوعده؟\nإرميا٣٣ عدد١٧: لأنه هكذا قال الرب. لا ينقطع لداود إنسان يجلس على كرسي بيت إسرائيل. (SVD)\nما نفهمه من النص السابق في ارميا ٣٣ عدد١٧ هو على كلام النبي ارميا أنه لا ينقطع نسل داود من الملوك الجالسين على كرسي حكم إسرائيل ولكن لنراجع سفر ارميا الإصحاح ٣٣ عدد٢١ كما يلي:\nإرميا٣٣ عدد٢١: فان عهدي أيضا مع داود عبدي ينقض فلا يكون له ابن مالكا على كرسيه ومع اللاويين الكهنة خادمي. (SVD)\nفنجد أن الرب ينقض عهده مع داوود فلا يكون لداود ابن يحكم على شعب إسرائيل كما قال من قبل.لن أطيل في التعليق على هذه التناقضات ولكن ليس أمامنا هنا إلا اختياران لا ثالث لهما:\nأولًا هو كذب أحد الخبرين، ثانيًا كذب الخبرين معًا.ولك الاختيار.\nالسؤال١٠:\n(الأقانيم والتثليث) لماذا الأب أب؟ ولماذا لا يكون ابنًا؟\nيزعم النصارى أن المسيح مولود من أبيه أزلًا.......... ونحن نقول: إذا كان الأمر كما تقولون فيكونان موجودان أزليان الله الأب أزلي والله الابن أزلي فإن كان الأب قديمًا فالابن مثله وإن كان الأب خالقًا كان الابن خالقًا مثله، والسؤال هو:\nلم سميتم الأب أبًا والابن ابنًا؟\nفإذا كان الأب استحق اسم الأبوة لقدمه فالابن أيضًا يستحق هذا الاسم بعينه لأنه قديم قدم الأب، وإن كان الأب عالمًا قديرًا فالابن أيضًا مثله، فهذه المعاني تبطل اسم الابوة والبنوة، لأنه إذا كان الأب والابن متكافئين في القدرة والقدم فأي فضل للأب على الابن حتى يرسله فيكون الأب باعثًا والابن مبعوثًا؟\nألم يقل يوحنا أن الأب أرسل الابن للعالم؟ ولا شك أن الراسل هو غير المرسل.\nالسؤال ١١:\n(أخطاء) هل يستطيع الإنسان رؤية الله I؟؟؟\nعلى حسب كلام يوحنا ١عدد١٨ الله لم يره أحد أبدًا اقرأ:\nيوحنا ١ عدد١٨: الله لم يره احد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر (SVD)\nلكننا نجد عكس ذلك كما يلي:\nموسى رأى الله وجهًا لوجه\nخروج ٣٣ عدد١١: ويكلم الرب موسى وجها لوجه كما يكلم الرجل صاحبه. وإذا رجع موسى إلى المحلّة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة (SVD)\nوأيوب رأى الله بعينه:","vol":"2","page":3},{"text":"أيوب٤٢ عدد ٥: بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني. (SVD)\nوداود رأى الله في قدسه:\nمزمور٦٣ عدد٢: لكي أبصر قوتك ومجدك كما قد رأيتك في قدسك. (SVD)\nوإبراهيم رأى الله عندما ظهر الله له:\nأعمال٧ عدد٢: فقال أيها الرجال الإخوة والآباء اسمعوا. ظهر اله المجد لأبينا إبراهيم وهو في ما بين النهرين قبلما سكن في حاران (SVD)\nونعيد السؤال كالمعتاد، هل الله رآه أحد غير الابن أم لم يراه أحد؟ رجًا ادعم إجابتك بنصوص الكتاب المقدس\nالسؤال ١٢:\n(هل معقول؟) ما قصة هؤلاء الملائكة؟\nيعلّمنا كتاب الله أن الملائكة هم عباده المعصومون عن الخطأ والزلل إلا أن كتبة الأسفار زعموا أن من الملائكة من سار وراء رغباته وضل، ولم يبتعد عن هوان المعصية فاستحق بذلك العذاب المهين. . فقد جاء في رسالة بطرس الثانية ٢: ٤ قوله: الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء\nوجاء في رسالة يهوذا ١: ٦ الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم الي دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام\nوالعجب العجاب أن بولس - مؤسس المسيحية الحالية - يزعم أنه سيحاكم وسيحاسب ملائكة الله في يوم الحساب.\nفهو القائل: ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم. ألستم تعلمون أننا سندين ملائكة. . كورنثوس الاولى ٦: ٢ - ٣\nفهل يعقل هذا الكلام؟\nالسؤال ١٣:\n(الكتاب المقدس) أين ذهبت تلك الكتب؟؟ أليست من كلام الله؟ كيف اختفت؟؟؟\nعدد ٢١عدد ١٤: لذلك يقال في كتاب حروب الرب واهب في سوفه وأودية ارنون (SVD)\nيشوع ١٠ عدد ١٣: فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر. فوقفت الشمس في كبد السماء ولم تعجل للغروب نحو يوم كامل. (SVD)\nوها هو سفر ياشر مرة أخرى\n٢صموائيل١ عدد ١٨: وقال إن يتعلم بنو يهوذا نشيد القوس هوذا ذلك مكتوب في سفر ياشر (SVD)\nإذا كانت ليست وحيًا إلهيًا فكيف يستشهد الكامل بالناقص؟ كيف يستشهد الله بكلام بشر ويعلم أن هذا الكلام سيختفي من العالم؟\nاعلم: يقول قاموس الكتاب المقدس عن سفر ياشر تحت حرف الياء ثم الاسم ياشر هكذا:\nاسم عبري معناه «مستقيم» وهو ابن كالب ابن حصرون (١ أخبار ٢: ١٨) .\nسفر ياشر (سفر هياشار):يلوح للمتعمق في العهد القديم أن ترنيمة يشوع (يش ١٠: ١٣)، ومرثاة داود لشاول ويوناثان (٢ صم ١: ١٨- ٢٧)، مقتبسة عن هذا السفر المفقود. ولربما كان خطاب سليمان عند تدشين الهيكل (١ مل ٨: ١٢ الخ. ونشيد دبورة (قض ٥) مستقيان منه أيضًا. ويظهر أن هذا السفر كان مجموع قصائد، قُدم له بديباجة نثرية، وتخللته تفاسير وشروحات نثرية، واختتم بها على غرار المزمور ١٨ و٥١، أو كسفر أيوب، الذي يفتتح (أي ١: ١- ٣: ١) نثرا ويختتم (ص ٤٢: ٧- ١٧) . نثرًا. إن جمال هذا السفر الذي نلمسه في القطع المقتبسة منه في العهد القديم يبعث على الرجاء بأنه سيعثر عليه كاملًا في النهاية، سيما وأنه لا يمكن أن يكون قد كتب قبل عصر داود وسليمان.\nالسؤال ١٤:\n(الألوهية) لماذا إحتاج إلى من يدحرج الحجر؟\nقال متى في إنجيله ٢٨ عدد ٢ وَإِذَا زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَدَثَتْ لأَنَّ مَلاَكَ الرَّبِّ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَجَاءَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنِ الْبَابِ وَجَلَسَ عَلَيْهِ\nوالسؤال هو: إذا كان المسيح إله فهل الإله يحتاج الي ملاك من السماء ليزيح ويدحرج الحجر الذي كان بباب قبره؟","vol":"2","page":4},{"text":"وهذا الأمرفيه مسائل لا يمكن أن يتخطاها باحث عن الحق، فلو راجعت نفس القصة في الأناجيل الأربعة وجدت العجب من التناقضات والإختلافات ما عليك إلا أن تأتي بالأربع أناجيل وتراجع نفس القصة ذاتها وهي قصة قيام يسوع من القبر وإعتبر كل ما تجده من إختلاف هو سؤال يحتاج إلى إجابة منك.\nالسؤال ١٥:\n(الألوهية) إن كان المسيح هو الله فلماذا نفى عن نفسه الصلاح؟\nهل هناك أحد صالح غير الله؟؟؟\nمتى١٩ عدد١٧: فقال له لماذا تدعوني صالحا. ليس احد صالحا الا واحد وهو الله. ولكن ان اردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا. (SVD)\nعجبًا أن نجد في الكتاب أناس صالحين ولا يكون الله وحده هو الصالح كما قال يسوع:\nإقرأ: يوسف كان رجلًا بارًا وصالحًا:\nلوقا٢٣ عدد٥٠: وإذا رجل اسمه يوسف وكان مشيرا ورجلا صالحا بارا. . (SVD)\nإقرأ: برنابا كان رجلًا صالحًا وممتلئًا من الروح القدس:\nأعمال١١ عدد٢٢: فسمع الخبر عنهم في آذان الكنيسة التي في أورشليم فأرسلوا برنابا لكي يجتاز إلى إنطاكية. (٢٣) الذي لما أتى ورأى نعمة الله فرح ووعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب. (٢٤) لأنه كان رجلا صالحا وممتلئا من الروح القدس والإيمان. فانضم إلى الرب جمع غفير. (SVD)\nثم إذا كان يسوع غير صالح كما يقول الكتاب فهو قطعًا ليس إله لأنه من صفة الإله أن يكون صالحًا.\nوالسؤال هو: إن كان هناك بشر وصفهم الكتاب أنهم صالحين من قبل يسوع ومن بعد يسوع فكيف يكون يسوع وهو معلمهم أو إلههم على حب زعمكم غير صالح وباعترافه شخصيًا؟\nالسؤال ١٦:\n(الأقانيم والتثليث) من أين جئتم بكلمة التثليث؟ فهي غير موجودة بكتابكم المقدس!!\nرجاءً إدعم كلامك بنصوص الكتاب المقدس، نحتاج إلى كلمة التثليث أو الثالوث المقدس، إنه أصل العقيدة عندك بل أصل الأصول ... فكيف لا يذكر ولا مرة واحدة هذه الكلمة في الكتاب كله؟\nالسؤال ١٧:\n(تناقضات) ما آخر كلمة قالها يسوع على الصليب؟\nلدينا خمسة روايات من أربع أناجيل وكل واحدة مختلفة عن الأخرى فهل عجز الوحي عن أن يصدق أو يبلغ التلاميذ ما هي آخر كلمة قالها يسوع على الصليب في هذا الحدث الرهيب؟ ننتظر الإجابة.\n١- حسب إنجيل لوقا ٢٣: (٤٦) ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك استودع روحي. ولما قال هذا اسلم الروح. (SVD)\nسؤالى بسيط ... أية روح أستودعها المسيح يدى ربه؟؟ الروح الأنسانية ... هل لديك دليل ... لا ... عظيم ... لماذا يستودع روحه فى يدى الآب ان كان هو مساوى للآب فى الجوهر ... وهل ثبت ان المسيح كما انه يحى يمكن ان يميت؟؟؟ وما معنى (ربه) هل المسيح له رب ... أذا فليس هناك تثليث.\n٢- بحسب إنجيل متى ٢٧: (٤٦) ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ايلي ايلي لما شبقتني أي الهي الهي لماذا تركتني. (SVD)\n٣- بحسب إنجيل متى أيضًا ولكن في رواية أخرى: متى٢٧ عدد٥٠: فصرخ يسوع أيضا بصوت عظيم واسلم الروح (SVD)\n٤- وبحسب إنجيل مرقس١٥ عدد٣٤: وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا ألوي ألوي لما شبقتني. الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني. (SVD)\nلو قلتم ان المصلوب هو المسيح ... فتكون هذه الصرخة دليل ان المسيح كان عاجزا ... محتاج للرب دائما وليس له قوة؟؟؟ ولماذا يحتاج الإله إلى أله آخر.. وكم ألاه هنا؟؟\n٥- وبحسب إنجيل يوحنا ١٩ عدد٣٠: فلما اخذ يسوع الخل قال قد أكمل. ونكس رأسه واسلم الروح (SVD)\nالسؤال ١٨:\n(الصلب والفداء) أين النص؟","vol":"2","page":5},{"text":"يمثل صلب المسيح كفارة عن خطيئة آدم الركن الأساسي في عقيدة النصرانية، وتزعمون أنه بسبب خطيئة آدم جاء المسيح ﵇، والسؤال هو:\nأين نجد نصًا في الاناجيل الاربعة على لسان المسيح ﵇ يقول فيه ويذكر انه جاء من اجل الخطيئة الأزلية لأبوهم آدم؟\nومن جهة أخرى: أين هو صليب المسيح المزعوم؟ ماذا حدث له؟\nالسؤال ١٩:\n(صفات الرب) هل هو إله تشويش أم إله سلام؟\nقال بولس»: لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلَهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلَهُ سَلاَمٍَ. «كورنثوس الأولى ٣٣ عدد ١٤\nوجاء في سفر التكوين: «وَقَالَ الرَّبُّ: هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ وَهَذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالْآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ. ٨فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا \"بَابِلَ\" لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ» ١١ عدد ٦-٩\nوفي الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي ٢ عدد ١١ نجد أن الله يرسل إليهم عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب.\nفمن نصدق رواية بولس، أم رواية سفر التكوين بالعهد القديم؟ وهل يتعارض كلام الله؟\nوهل نفهم من ذلك أن تعلم اللغات الأجنبية محرم من الله حسب كتابكم المقدس؟\nالسؤال ٢٠:\n(هل معقول) هل الرب يحتاج إلى جحش؟\nمرقس ١١ عدد ٢: وقال لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشا مربوطا لم يجلس عليه احد من الناس. فحلاه وأتيا به ٣. وان قال لكما احد لماذا تفعلان هذا فقولا الرب محتاج إليه. فللوقت يرسله إلى هنا. (SVD)\nفقط أعطوا الناس سبب واحد فقط يبرر احتياج الرب لجحش!! ليس من أجلي أنا ولكن من اجل الناس!! ما هو السبب الذي يحتاج الرب جحشًا من أجله؟\nوهل من المنطق أنه لا يقول لتلاميذه أنكم لا تخبروا أصحاب الجحش عن سبب أخذكم للجحش إلا إذا سألوكم عن ذلك؟ ألا تعتبر هذه سرقة؟ سبحان الله! رب.. ويحتاج إلى جحش؟\nالسؤال ٢١:\n(هل معقول) هل الحمير يوحى لها؟ وهل الحمار يردع نبي عن حماقة؟\nرسالة بطرس الثانية ٢عدد١٦: ولكنه حصل على توبيخ تعديه إذ منع حماقة النبي حمار أعجم ناطقا بصوت إنسان. (SVD)\nوأصل هذه القصة كما هو معروف إقتبسها صاحب رسالة بطرس من العقد القديم سفر العدد ٢٢عدد٢٥-٣١\nالسؤال ٢٢:\n(هل معقول) كيف يركب رجل على حمار وجحش معًا في نفس الوقت؟\nجاء في إنجيل متى ٢١عدد٧: وأتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما. (SVD)\nالسؤال ٢٣:\n(تناقضات) ممنوع اللمس أم مسموح اللمس؟\nمن التناقضات الموجودة في الإنجيل نجد انه قد ورد في إنجيل يوحنا ٢٠عدد ١٧قول المسيح لمريم المجدلية: لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد ... الا اننا نجد بعد ذلك في العدد ٢٧ من نفس الإصحاح ان المسيح يقول لتوما: هات اصبعك. . وهات يدك وضعها في جنبي!!\nالسؤال ٢٤:\n(المسيح) من الذي أدخل الشيطان في يهوذا؟","vol":"2","page":6},{"text":"جاء في إنجيل يوحنا ١٣ عدد ٢٦-٢٧ قول السيد المسيح عن يهوذا: ٢٦ اجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس انا اللقمة واعطيه. فغمس اللقمة واعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي. (٢٧) فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع ما انت تعمله فاعمله باكثر سرعة. (SVD)\nومعنى هذا أن السيد المسيح هو الذي أدخل الشيطان على يهوذا!! وهل عرفت يد المسيح ﵇ إلا الخير والإحسان؟\nالسؤال ٢٥:\n(أخطاء علمية) عهد آدم حتى ميلاد المسيح؟\nيقول لنا الكتاب المقدس أن عمر البشرية بحساب التواريخ وعلماء اللاهوت والمفسرين كلٌ على حسب توراته كما هو الآتي:\n١ - فى التوراة العبرية من عهد آدم حتى ميلاد المسيح هو (٤٠٠٤) سنة.\n٢- فى التوراة اليونانية من عهد آدم حتى ميلاد المسيح هو (٥٨٧٢) سنة.\n٣- فى التوارة السامرية من عهد آدم حتى ميلاد المسيح هو (٤٧٠٠) سنة.\nوالسؤال هنا للعقلاء فقط، يقول الدكتور عبد الجليل شلبي: تحدثنا من قبل عن أخطاء سفر التكوين في حديثه عن نشأة الكون، ونريد الآن أن نرى سلسلة الأنساب الذي جاءت به، وهي السلسلة من آدم إلى إبراهيم، وقد عاش آدم ٩٣٠ عامًا، وإبراهيم هو الابن العشرون له وولد بعده بنحو ١٩٤٨ سنة، وهذا تاريخ لا يصدق ولا يعقل، هذا لأن إبراهيم ﵇ وفد على سوريا في القرن الثامن عشر ق. م. عصر انتشار الهكسوس وهو عصر كانت الحضارة الانسانية قد تقدمت فيه شوطًا بعيدًا جدًا، لا يحدث إلا في آلآف عديدة من السنين، وعلى سبيل المثال كان العصر الجليدي في أوربا في نحو ٥٠٠.٠٠٠ - ٤٠٠.٠٠٠ ق م، وفي الأرض التي عاش بها العبرانيون ترك أسلافهم أدوات حجرية وجدت في كهوف عدلون وجبل الكرمل وأم قطفة. . وغيرها وهي على حظ من الصنعة، ويقدر العصر الحجري في هذه البقاع أنه كان في نحو ١٥٠.٠٠ سنة ق. م.\nوإذن فتقدير ميلاد إبراهيم انه ١٩٤٤ تقدير ظاهر السخف.\nالسؤال ٢٦:\n(الصلب والفداء) لماذا لم يفدي البشر في عهد آدم؟\nعندما وقعت المعصية لم يكن هناك الا آدم وحواء، وبناء عليه لماذا ترك إله المحبة والسلام الانسانية تتوالد تحت ناموس اللعنة والخطية وان يعم الفساد وينتشر؟!!\nإختر الإجابة من الآتي: ضع علامة صح أمام الإجابة الصحيحة:\nأ - الرب لم يغفر للبشر ولم يقتل نفسه على الصليب من أجلهم في عهد آدم لأنه لم يكن مثلث الأقانيم في هذا الوقت.\nب - الرب لم يقتل إبنه في عهد آدم لأنه لم تكن خطرت على باله فكرة الصلب والفداء حينها وكان غاضب من آدم\nت - لم يقتل إبنه في هذا الوقت لأن الرب كان عقيدته زمان كما في حزقيال ١٨عدد٢٠: النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من اثم الاب والاب لا يحمل من اثم الابن. بر البار عليه يكون وشر الشرير عليه يكون. (SVD) حتى غير رأيه وأصبح العكس وأن الإله ممكن يُقتل بدلًا عن البشر وأصبح الإبن يحمل خطيئة الأب.\nث - لأنه قال هكذا في سفر الخروج ١٤عدد٩: فاذا ضل النبي وتكلم كلاما فانا الرب قد اضللت ذلك النبي وسأمد يدي عليه وابيده من وسط شعبي اسرائيل. (SVD) فكان غرضه أن يضل الناس من هذا الزمان حتى قتله إبنه من أجلنا. ولأنه قال هكذا أيضًا: في تيماثوس الثانية ٢عدد١١: ولاجل هذا سيرسل اليهم الله عمل الضلال حتى يصدقوا الكذب (SVD) فكان قصده إضلال البشرية.","vol":"2","page":7},{"text":"ج - قصة الصلب والفداء هي خرافة ومن المستحيل أن يقتل الله نفسه أو يقتل إبنه من أجل خطيئة إرتكبها آدم ولم يكن آدم يعلم من الأساس أنها خطيئة لأن الشجرة التي أكل منها آدم هي شجرة معرفة الخير والشر فقبلها لم يكن عارفًا للخير أو الشر. تكوين ٢عدد١٧، تكوين ٣عدد٢٢\nالسؤال ٢٧:\n(الصلب والفداء) أين العدل؟ وأين العقل؟\nفي قضية الصلب والفداء نرى الآتي:\n_ الانسان يخطىء ضد الله! - الله يتألم! - الله يجعل نفسه ملعون وكفارة خطية! غلاطية (٣عدد١٣) المسيح صار لعنة - ليظهر للبشر بر الله!\nوفي هذا نرى: أن الخاطيء هو الذي تكون خطيئته سببًا في تألم الله!!\nثم يحمل الله خطيئة هذا المذنب ويجعل نفسه مكانه ليظهر بره!!\nفأي عدل هذا؟ ثم العجب انك تجد أن الله قتل نفسه من أجل أن يغفر للبشر خطيئة لم يرتكبوها في حقه نفسه!! أو قتل نفسه ليرضي نفسه، شئ عجيب.\nالسؤال ٢٨:\nهل كل من يقتل من الأنبياء يكون كذاب؟\nجاء في سفر التثنية ١٨ عدد ٢٠: «وأما النبي الذي يطغي فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي.»\nهل يعني ذلك طبقًا لهذا النص أن نبي الله يوحنا الذي كانت نهايته القتل كذاب؟ - والعياذ بالله - وهل ينطبق هذا النص أيضًا على نبي الله زكريا وغيرهم من الانبياء الذين قتلوا؟ أم ان النص من المحرف؟\nالسؤال ٢٩:\n(أخطاء علمية) كيف يفرق بين الدم والماء؟\nكتب يوحنا في ١٩ عدد ٣٣ حول حادثة الصلب المزعومة ما يلي:\nواما يسوع فلما جاءوا اليه لم يكسروا ساقيه لانهم رأوه قد مات.٣٤ لكن واحدا من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء٣٥. والذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم انه يقول الحق لتؤمنوا انتم.\nوالسؤال هو:\nكيف تمكن الشاهد الذي عاين وشهد كما يقول يوحنا من التفريق بين الماء والدم من هذه الطعنة؟؟ لأنه من المعروف أن الماء إذا اختلط بالدم فإن الخليط سيصبح لونه أحمر أقل قتامة من الدم بحيث يستحيل على الرائي أن يفرق بين الدم والماء بالعين المجردة ... في عصرنا هذا يمكن الوصول إلى ذالك بالأدوات تحليل الدم ... وخصوصًا أن الحادثة وقعت والظلام قد حل على الأرض كلها مرقس ١٥ ٣٣ عدد\nوالنقطة الثانية والمهمة هي أن خروج الدم والماء من جنب يسوع لدليل دامغ على أنه لم يمت فمن المعروف أن دماء الموتى لا تسيل!!\nالسؤال ٣٠:\n(صفات الرب) من هي العروس امرأة الخروف؟\nجا في سفر الرؤيا ١٢عدد٩: ثم جاء اليّ واحد من السبعة الملائكة الذين معهم السبع الجامات المملوءة من السبع الضربات الاخيرة وتكلم معي قائلا هلم فأريك العروس امرأة الخروف. (SVD)\nكاتب هذه الكلمات يقصد هنا بالخروف هو الله I كما قال في سفر الرؤيا (١٧عدد١٤) . هؤلاء سيحاربون الخروف والخروف يغلبهم لأنه رب الأرباب وملك الملوك والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون. (SVD)\nوالسؤال هنا هو من هي العروس امرأة الخروف؟ وهل هي آدمية أم من جنس الخراف؟ وأين سيقام الفرح؟ وهل هكذا يتحدث الأنبياء في كتابكم عن الله رب العزة؟ يصفونه بأنه خروف؟\nالسؤال ٣١:\n(الألوهية) أين القطعة المقطوعة؟\nقال لوقا في إنجيله عن ختان المسيح: «ولما تمت ثمانية ايام ليختنوا الصبي سمي يسوع كما تسمى من الملاك قبل ان حبل به في البطن» [٢ عدد ٢١] والسؤال هو: هل القطعة المقطوعة من يسوع عندما ختن هل كانت متحدة باللاهوت ام انفصلت عنه وأين رموا القطعة بعد الختان؟","vol":"2","page":8},{"text":"ثم الأهم من ذلك هل هذه القطعة هي من ضمن الفداء والصلب؟ هل هذه القطعة أيضًا تحملت خطيئة آدم؟ وهل صعود يسوع بعد القيامة كانت بهذه القطعة أم بدونها؟ ثم أن هذه القطعة أين دفنت؟ هل تخلصوا منها في القمامة؟ من العجيب أن يكون الإله له قطعة في جسدة ضارة وغير نافعة وهل هي قطعة مقدسة؟ والله لا أعرف إلى الآن كيف ختنوا الإله!!\nالسؤال ٣٢:\n(الأقانيم والتثليث) من الذي حبَّلَ مريم العذراء؟ وكم أقنوم؟\nيقول لوقا: «فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِلْمَلاَكِ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلًا؟ \" فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.» لوقا ١: ٣٤-٣٥\nومعنى ذلك أن الحمل تمَّ عن طريقين: (اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ) (وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ)، فهما إذن شيئان مختلفان وليسا متحدين.\nفلو كان الروح القدس هو المتسبب في الحمل، فلماذا يُنسَب إلى الله؟\nولو كان هناك إتحاد فعلى بين الأب والابن والروح القدس لا ينفصل طرفة عين، فعلى ذلك يكون الابن (الذي هو أيضًا الروح القدس) هو الذي حبَّلَ أمَّه. وبهذا مشكلة كبيرة فالله كما حل في يسوع فصار يسوع إله فقد حل قبله في أمه مريم ومن المعلوم أنه لولا الأم ما وجد الإبن فهي السبب في وجود الإبن وبالتالي هي أم الإله وزوجته في نفس الوقت فإن كان بحلوله في يسوع أصبح يسوع إلهًا فقد حل في سبب وجود يسوع وهو أمه قبل أن يولد يسوع بل وإلتحم بها، فلماذا لا تكون مريم هي الأقنوم الرابع؟\nالسؤال ٣٣:\n(صفات الرب) هل الرب يخطأ في الأنساب؟\nيقول متى: «فَجَمِيعُ الأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى الْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلًا.» متى ١عدد ١٧ وهذا يُخالف ما ورد في سفر أخبار الأيام الأول، فقد ذُكِر أن أجيال القسم الثاني (ثمانية عشر) . فقد أسقط متى يواش (أخبار الأيام الأول ٣عدد ١٢) وأمصيا (أخبار الأيام الأول ٣عدد ١٢) وعزريا (أخبار الأيام الأول ٣عدد ١٢) ويهوياقيم (أخبار الأيام الأول ٣عدد ١٦) وفدايا (أخبار الأيام الأول ٣عدد ١٩) .\nفكيف نسى الرب أن يوحى بهذه الأسماء ولماذا نسيهم؟ هل تعلم أن الرب لا ينسى؟ هل تعلم أن الرب صادق ولا يتكلم إلا بالصدق؟ (أنا الرب متكلم بالصدق) إشعياء ٤٥عدد ١٩، (فاعلم أن الرب إلهك هو الله، الإله الأمين، الحافظ العهد والإحسان للذين يحبونه، ويحفظون وصاياه إلى ألف جيل) تثنية ٧عدد ٩، (ليس الله إنسانًا فيكذب، هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفى؟) عدد ٢٣عدد ١٩ فمن إذن الذي كتب هذا الكتاب؟","vol":"2","page":9},{"text":"فلماذا حذف متى خمسة أجيال من ترتيبه بين داود والسبى البابلى؟ «وَدَاوُدُ الْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ الَّتِي لأُورِيَّا. ٧وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحَبْعَامَ. وَرَحَبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. ٨وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. ٩وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ.» متى ١عدد ٦-١١\nوهل حذفهم من نفسه أو أوحى إليه ذلك؟ ولو أوحى الرب ذلك، فلماذا لم يُعدِّل الرب من كتابه الأول لو كان هو الذي أوحى هذا الكلام؟\nالسؤال ٣٤:\nما علاقة عبدة النار المجوس بملك اليهود؟\nيقول الكتاب: «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ.» متى ٢عدد ١-٢ «فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوُا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ وَرَأَوُا» متى ٢عدد ٩-١١\nإلى الآن لم نجد أي تفسير، ما علاقة عبدة النار من المجوس باليهودية وبمجيء ملك اليهود؟ وكيف عرفوا ذلك على الرغم من عدم معرفة اليهود أنفسهم بهذا الموعد؟ فبعد ٣٣ سنة عاشوها معه سأله رئيس الكهنة: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؟» متى ٢٦عدد ٦٣ «فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» متى ٢٧عدد ١١\nفلو صدقوا بذلك لكانوا من أتباع اليهودية! ولم نسمع ولم نقرأ ولم يسجل أحد المؤرخين القدماء أن المجوس سجدوا لأحد من ملوك اليهود، فلماذا تحملوا مشقة السفر وتقديم كنوزهم والكفر بدينهم والسجود لمن يقدح في دينهم ويسب معبودهم؟\nثم كيف أمكن للنجم الضخم تحديد المكان الصغير الذي ولد فيه يسوع من مكان يبعد عن الأرض بلايين السنوات الضوئية؟ فالمعتاد أن أشير بإصبعي لأحدد سيارة ما. لكن أن أشير بالسيارة لأحدد أحد أصابع شخص، فهذا غير منطقي.\nالسؤال ٣٥:\n(الكتاب المقدس) الكفار أبناء الزنا يكتبون كتابكم؟؟؟؟؟","vol":"2","page":10},{"text":"سليمان كما هو معروف في الكتاب المقدس هو بن داود من زوجة أوريا الحثي بثشبع التي إغتصبها داود من زوجها وقتل زوجها وأنجب منها من الزنا سليمان والقصة بكاملها موجودة ومسطورة في الكتاب في سفر صموائيل الثاني الإصحاح الحادي عشر ثم تولى سليمان الملك بعد أبيه ومن المعروف عند علماء الكتاب المقدس بالإجماع أن سليمان ليس بنبي بل لقد كفر سليمان وإرتد في آخر أيامه وعبد الأصنام وبنى لها المعابد كما يقول الكتاب المقدس في الملوك الأول ١١عدد٤ «وكان في زمان شيخوخة سليمان ان نساءه أملن قلبه وراء آلهة اخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب الهه كقلب داود ابيه. (SVD) ولا يوجد ولا خبر واحد في التوارة تقول ان سليمان قد تاب من كفره بل الظاهر أنه مات على الكفر عابدًا للأوثان ونحن نتبرأ إلى الله من هذا القول، وينسب علماء الكتاب المقدس إلى سليمان عدد من الكتب في العهد القديم وأشهرها النشيد الفسقي المسمى بنشيد الإنشاد وسفر الجامعة وبعض المزامير والأمثال،.\nوالسؤال المهم هنا: إن كان سليمان ليس بنبي ولا رسول، وهو بن زنا كما زعمتم، وأنه كافر مرتد عابد للأوثان كما يقول كتابكم، فبأي صفة يكتب في الكتاب المقدس وتقولون على كلامه أنه كلام الله؟ هل الرب يوحي لرجل ليس بنبي ولا رسول وهو كافر بن زنا مرتد عابد للأوثان وبنى لها المعابد بل حتى لم يتوب؟ هل هؤلاء يتلقون الوحي عندكم؟\nالسؤال ٣٦:\n(المسيح) هل غسيل الأرجل يحتاج إلى خلع الملابس؟\nيحكي لنا الإنجيل قصة يسوع وهو سهران في إحدى الليالي وبعد العشاء وشرب الخمر فعل هكذا:\nيوحنا ١٣عدد٤: قام عن العشاء وخلع ثيابه واخذ منشفة واتّزر بها. (٥) ثم صبّ ماء في مغسل وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ ويمسحها بالمنشفة التي كان متزرا بها. (SVD)\nوالسؤال هو: هل غسل أرجل الناس يستدعي التعري وخلع الملابس؟ لقد أضطر أن يتزر بالمنشفة حتى يداري عورته، فهل هذا سلوك طبيعي؟\nالسؤال ٣٧:\n(الصلب والفداء) من أرسل من؟\nورد في إنجيل (متى ٢١: ٣٧) في قوله «فأخيرًا أرسل إليهم ابنه قائلًا يهابون ابني» . ويقصدون أن الله أرسل ابنه المسيح إلى شعب اليهود لأنهم لم يهابوا الله وقد يهابوا ابنه- تعالى الله عن هذا الخرافات علوًا كبيرًا.\nولو صدَّق أحد هذا لوجب ألا يكون هناك ثلاثة في واحد، بل ثلاثة في ثلاثة، حيث إن الإله الأول لم يهبه أحد، فأرسل إليهم ابنه!! فالراسل غير المُرّسَل\nوإذا كان الإله قد جاء في صورة الجسد ليَحْدُث التشابه بينه وبين الإنسان فيوقع إنتقامه على البشر وبذلك يخلصهم، فلماذا لم يُحيى آدم لينتقم منه بدلًا من الإنتقام من (شخص / أو إله / أو ابنه / أو نفسه) برىء مظلوم؟ ولماذا لم يجىء في صورة امرأة؟ ألم يقل بولس إنَّ المرأة هى التي أغويت، وآدمُ لم يَغْوَ ولكنَّ المرأة أُغوِيَتْ فَحَصَلَت في التعدِّى (تيموثاوس الأولى٢: ١٤)\nالسؤال ٣٨:\nما هو شكل تماثيل البواسير البشرية؟ وما الحكمة!\nورد في سفر صموائيل الاول ٦عدد٤-٥ ما يلي:\n١صموائيل ٦عدد٤: فقالوا وما هو قربان الاثم الذي نرده له. فقالوا حسب عدد اقطاب الفلسطينيين خمسة بواسير من ذهب وخمسة فيران من ذهب. لان الضربة واحدة عليكم جميعا وعلى اقطابكم. (٥) واصنعوا تماثيل بواسيركم وتماثيل فيرانكم التي تفسد الارض وأعطوا اله اسرائيل مجدا لعله يخفف يده عنكم وعن آلهتكم وعن ارضكم. (SVD)","vol":"2","page":11},{"text":"والسؤال هنا هو: كيف هو شكل هذه التماثيل البواسيرية؟ وما الحكمة من صناعة تماثيل بواسير البشر من الذهب وتماثيل ذهبية للفئران؟ في أي تاريخ ذكر أن البشر صنعوا تماثيل لبواسيرهم؟ أليس هذا أمر بصناعة الأصنام؟ ننتظر الرد ولكن عفوًا نستقبل الردود فقط من العقلاء.\nالسؤال ٣٩:\n(المسيح) هل المسيح كان من الأشرار؟\nحسب الايمان المسيحي نعم. فقد قرر الكتاب المقدس أن «الشرير فدية الصديق» أمثال ٢١: ١٨، وقد قرر بولس أن المسيح صُلِبَ كفارة لخطايا كل العالَم (رسالة يوحنا الأولى ٢ عدد ٢)، بل وإعترف بولس بأن يسوع ليس شريرًا فقط ولكنه أيضًا صار ملعون،، ألا تصدق؟ في غلاطية ٣عدد١٣ يقول هكذا: «المسيح افتدانا من لعنة الناموس اذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علّق على خشبة. (SVD) والسؤال هو هل يسوع شرير ملعون كما يقول كتابكم؟\nالسؤال ٤٠:\n(تناقضات) هل بطرس صديق طاهر أم مرائي منافق كذَّاب؟\nأولًا: يقول مرقس عن سمعان صخرة الكنيسة «فَأَنْكَرَ أَيْضًا. وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَيْضًا قَالَ الْحَاضِرُونَ لِبُطْرُسَ: حَقًّا أَنْتَ مِنْهُمْ لأَنَّكَ جَلِيلِيٌّ أَيْضًا وَلُغَتُكَ تُشْبِهُ لُغَتَهُمْ. فَابْتَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: \"إِنِّي لاَ أَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَقُولُونَ عَنْهُ!» مرقس ١٤: ٧٠-٧١.\nأين البر؟ وأين الفضيلة؟ وأين الأخلاق في كذب بطرس - صخرة عيسى ﵇ الذي يملك مفاتيح السماوات والذى عليه بُنِيَت كنيسة يسوع، تلك الكنيسة التي لا تقوى أبواب الجحيم عليها؟\nثانيًا: يقول إنجيل متى ٢٦عدد٧٢ عن قصة إنكار ولعن بطرس ليسوع عند المحاكمة هكذا:انكر ايضا بقسم اني لست اعرف الرجل. (٧٣) وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقا انت ايضا منهم فان لغتك تظهرك. (٧٤) فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف اني لا اعرف الرجل. وللوقت صاح الديك. (SVD)\nفكيف جاز لبطرس صخرة الكنيسة أن يقسم كذبًا وينكر إلهه بل ويلعن إلهه يسوع كما تدعون؟ الحق أنه على هذا ليس عنده مثال حبة من خردل من الإيمان كما قال وصف يسوع تلاميذه الرسل في لوقا ١٧عدد٥-٦ «٥ فقال الرسل للرب زِد ايماننا. (٦) فقال الرب لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم (SVD)\nثالثًا: وصف بولس بطرس بأنه مرائي منافق كما ورد في رسالته إلى أهل غلاطية ٢عدد١١: «١١. ولكن لما أتى بطرس الى انطاكية قاومته مواجهة لانه كان ملوما. (١٢) لانه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الامم ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفا من الذين هم من الختان. (١٣) وراءى معه باقي اليهود ايضا حتى ان برنابا ايضا انقاد الى ريائهم. (SVD)\nفنعيد السؤال مرة أخرى هل من مثل هؤلاء تاخذون دينكم؟ وهل نصف بطرس صخرة الكنيسة صفا بانه مؤمن صديق أم كاذب منافق مرائي؟ لك الحكم\nالسؤال ٤١:\n(خرافات) فسر مايلي:\nعدد ٥عدد٢٢: ويدخل ماء اللعنة هذا في أحشائك لورم البطن ولإسقاط الفخذ. فتقول المرأة آمين آمين. (SVD)\nرؤيا ٦عدد٦: وسمعت صوتا في وسط الأربعة الحيوانات قائلا ثمنية قمح بدينار وثلاث ثماني شعير بدينار وأما الزيت والخمر فلا تضرهما\nالسؤال ٤٢:\n(تناقضات) متى نزلت الحمامة بالضبط؟\nبعد أن صعدَ من الماء متى ٣عدد ١٦-١٧\nأثناء صعوده من الماء مرقس ١عدد ٩-١١\nأثناء صلاته أى بعد التعميد لوقا ٣عدد ٢١-٢٢","vol":"2","page":12},{"text":"ألا يعنى نزول روح الرب كحمامة وظهورها منفصلة أنه لا إتحاد بين روح الرب ويسوع؟ فقد ظهرا منفصلين. وهل روح الرب صغيرة لدرجة أنها تتشكل في جسم حمامة؟ ولماذا لم تظهر روح الرب لكل الناس لتعلمهم بذلك؟ لماذا خصَّت المعمدان بهذا الشرف وحده؟\nالسؤال ٤٣:\n(تناقضات) صوت مَن؟\nيقول صاحب إنجيل لوقا عند قصة تعميد يسوع في لوقا ٣عدد٢٢ هكذا «٢٢ ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة وكان صوت من السماء قائلا انت ابني الحبيب بك سررت (SVD)\nوبغض النظر عن قصة الحمامة لكن السؤال هو صوت مَن المتحدث؟ إن كان يوحنا يقول عن الله في يوحنا ٥عدد٣٧ هكذا: «والآب نفسه الذي ارسلني يشهد لي. لم تسمعوا صوته قط ولا ابصرتم هيئته. (SVD)\nفعلمنا أنه لا أحد يسمع صوت الله أبدًا ولا يبصر أحد هيئته، وإن كان الإبن هو يسوع وهو لم يقل أنت إبني الحبيب ولكن الصوت كان قادمًا من السماء والروح القدس هي الحمامة وهي لم تقل هذا أيضًا والله لا أحد يسمع صوته قط!! فمن الذي قال أنت إبني الحبيب؟؟؟؟\nالسؤال ٤٤:\n(هل معقول) بني إسرائيل ليس فيهم عقيم ولا عاقر ولا في بهائمهم ولا تصيبهم الأمراض؟؟؟\nتثنية٧عدد١٤: مباركا تكون فوق جميع الشعوب. لا يكون عقيم ولا عاقر فيك ولا في بهائمك. (١٥) ويرد الرب عنك كل مرض وكل أدواء مصر الرديئة التي عرفتها لا يضعها عليك بل يجعلها على كل مبغضيك. (SVD)\n!!!!!!!!!!!!!!\nالسؤال ٤٥:\n(تناقضات) هل طريق يسوع هيِّن وخفيف على سالكيه أم ضيق ملىء بالصعوبات؟\nضيق: «مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!» متى ٧عدد ١٤\nهيِّن: «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ.» متى ١١عدد ٢٩-٣٠\nالسؤال ٤٦:\nهل الرب يأمر بالنذور للشيطان؟\nجاء في سفر اللاويين أمر الرب لموسى هكذا: سفر اللاويين الإصحاح ٧عدد٥-١٠ «٥ ويأخُذُ مِن عِندِ جَماعةِ بَنى إسْرائيلَ تَيسَينِ مِنَ المَعِزِ لِذَبيحةِ الخَطيئَة وكَبْشًا لِلمُحرَقَة. ٦ فيُقَرِّبُ هارونُ عِجْلَ ذَبيحةِ الخَطيئَةِ الَّتي علَيه وُيكَفِّرُ عن نَفْسِه وعن بَيتِه. ٧ ثُمَّ يأخُذُ التَّيسَينِ وُيقيمُهما أَمامَ الرَّبّ عِندَ بابِ خَيمَةِ المَوعِد. ٨ وُيلْقي هارونُ علَيهما قُرعَتَين، إِحْداهما لِلرَّبّ والأُخْرى لِعَزازيل. ٩ وُيقَرِّبُ هارونُ التَّيسَ الَّذي وَقَعَت علَيه القُرعَةُ لِلرَّبّ، وَيصنَعُه ذَبيحةَ خَطيئَة. ١٠ والتَّيسُ الَّذي وَقَعَت علَيه قُرعةُ عَزازيل يُقيمُه حَيًّا أَمامَ الرَّبّ، لِيُكَفِّرَ عَلَيه ويُرسِلَه إِلي عزازيلَ في البَرِّيَّة.\nوعزازيل هو الشيطان كما هو معروف وكما يُعرِّفَه قاموس الكتاب المقدس هروبًا من الموقف هكذا نصًا: الشيطان أو الجن في الصحاري والبراري أو ملاك ساقط (بحسب سفر اخنوخ ومعظم المفسرين الحديثين) إنتهى بالنقل حرفيًا.\nفالعقلاء أسأل: هل الرب يأمر بالنذر للشيطان؟ هل في هذا مثقال ذرة من التوحيد؟ وأي حكمة في أن تهب للرب تيس وللشيطان تيس؟ لم يجبنا أحد حتى الآن.\nالسؤال ٤٧:\nهل الله يأمر الناس بعبادة الأصنام؟","vol":"2","page":13},{"text":"سفر حزقيال ٢٠عدد٣٩: «٣٩ اما انتم يا بيت اسرائيل فهكذا قال السيد الرب. اذهبوا اعبدوا كل انسان اصنامه وبعد ان لم تسمعوا لي فلا تنجسوا اسمي القدوس بعد بعطاياكم وباصنامكم. (SVD)\nالسؤال ٤٨:\n(المسيح) ماذا فعل يسوع بعد أن أنهى الشيطان تجربته معه؟\n«ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. ١٢وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ انْصَرَفَ إِلَى الْجَلِيلِ. ١٣وَتَرَكَ النَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرِنَاحُومَ الَّتِي عِنْدَ الْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ» متى ٤عدد ١١-١٣\n«وَرَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ الرُّوحِ إِلَى الْجَلِيلِ وَخَرَجَ خَبَرٌ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ. وَكَانَ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ مُمَجَّدًا مِنَ الْجَمِيعِ. وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى.» لوقا ٤عدد ١٤\nفترى يسوع عند متى كان في الناصرة وانصرف منها إلى الجليل واستقر في كفرناحوم\nأما عند لوقا فقد رجع إلى الجليل واستقر في الناصرة.\nالسؤال ٤٩:\nما هو تمثال الغيرة؟\nحزقيال ٨عدد٣: ومد شبه يد وأخذني بناصية راسي ورفعني روح بين الارض والسماء واتى بي في رؤى الله الى اورشليم الى مدخل الباب الداخلي المتجه نحو الشمال حيث مجلس تمثال الغيرة المهيج الغيرة (٤) واذا مجد اله اسرائيل هناك مثل الرؤيا التي رأيتها في البقعة (SVD)\nما هو شكل هذا التمثال؟ ألا توافقني إنها أمور وثنية أخذها كتبة الكتاب المقدس من الحضارات التي عايشوها فتأثروا بها؟ لكن أيضًا لم نعرف ما هو هذا التمثال؟\nالسؤال ٥٠:\nمتى أعطى يسوع التلاميذ القدرة على إخراج الشياطين؟\nحدثت أولًا قصة المجنون الأخرس في (متى ٩عدد ٣٢-٣٤)، ثم أعطاهم القدرة على إخراج الشياطين وإشفاء المرضى في (متى ١٠عدد ١-١٠)\nوعند لوقا أعطاهم أولًا القدرة على إخراج الشياطين وإشفاء المرضى (٩عدد ١-٦)، ثم حدثت قصة التجلى (٩عدد ٢٨-٣٦) .\nالسؤال ٥١:\n(الصلب والفداء) قد أكمل ماذا؟؟؟؟؟\nفي إنجيل يوحنا الإصحاح السابع عشر نأخذ منه فقرتين ٣، ٤ فيقول (يوحنا ١٧عدد٣-٤)\n:٣ وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته. (٤) أنا مجدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته. (SVD)\nكيف يكون العمل الذي أعطاه الله للمسيح قد أكمل والمسيح لم يصلب بعد؟ المسيح حتى لم يكن وضع على الصليب وكما تقولون أنتم فإن العمل الذي جاء من أجله هو أن يصلب ليخلص البشرية، فكيف يقول المسيح قبل الصلب بأن العمل الذي أعطاه الله له قد أكمله؟ هل كان يكذب؟\nثم كيف يقول المسيح للإله هذه هي الحياة الأبدية أيها الإله أن يعرفوك أنك أنت الإله الحقيقي ولاحظ قال كلمة (وحدك) ثم اعترف أن الله هو من أرسله؟ أليس المسيح هو الإله؟ لو كان هو الله حقًا كما تزعمون لقال ليعرفوك أني الإله الحقيقي وحدي أو ليعرفوا أنك أنت الأب وأنا الابن وهناك الروح القدس ونحن إله واحد؟ أليس هذا من الدجل؟\nالسؤال ٥٢:\n(عقائد وعبادات) لماذا لاتسجدون في صلاتكم، كما كان يصلي المسيح؟\nجاء عند متى عن المسيح «ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَكَانَ يُصَلِّي» متى ٢٦عدد ٣٩","vol":"2","page":14},{"text":"وفى متى أيضًا أن يسوع قال لإبليس: عندما طلب منه إبليس أن يسجد له وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي\". حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: \"اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ.» متى ٤عدد ٩-١٠ ولوقا ٤عدد ٧-٨\nوجاء عند مرقس: «ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى الأَرْضِ وَكَانَ يُصَلِّي لِكَيْ تَعْبُرَ عَنْهُ السَّاعَةُ إِنْ أَمْكَنَ.» مرقس ١٤عدد ٣٥\nوأيضًا: «مَنْ لاَ يَخَافُكَ يَا رَبُّ وَيُمَجِّدُ اسْمَكَ، لأَنَّكَ وَحْدَكَ قُدُّوسٌ، لأَنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ سَيَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّ أَحْكَامَكَ قَدْ أُظْهِرَتْ.» رؤيا يوحنا ١٥: ٤\nالسؤال ٥٣:\nهل جهنم هى الفردوس عندكم؟ وأين كان يسوع عقب موته؟ هل كان في الفردوس أم في جهنم؟\nلقد قال بولس: «وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلًا إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. ١٠اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلَأَ الْكُلَّ.» أفسس ٤عدد ٩-١٠\nأى أن يسوع نزل إلى الهاوية وجهنم لكى يخلِّص الخطاة ويحررهم من خطيئة أدم وحواء.\nإلا أن يسوع نفسه قال: «وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا! ٤٠فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلًا: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ٤٢ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. ٤٣فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ.» لوقا ٢٣عدد ٣٩-٤٣\nالسؤال ٥٤:\n(تناقضات) هل شهادة المسيح لنفسه حق أم ليست حقًا؟\nأعلم ستقول أن شهادته حق ولن ينفع كلامي معك لذا سأعطيك النصوص مباشرة فاقرأ: \" إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقًا \" يوحنا ٥ عدد ٣١\nبما يناقضه تماما في يوحنا ٨ عدد ٣١ \" وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق \"\nالسؤال ٥٥:\n(الصلب والفداء) هل من الرحمة والعدل أن يسلم إبنه المظلوم؟\nهل من الرحمة أن يُسلم الأب ابنه للصلب دون أن يقترف إثمًا أو جريمة ما تستحق هذه العقوبة؟ وما الفائدة التربوية التي نتعلمها من مثل هذا التصرُّف؟ فما بالك إذا كان الآخر ابن الإله؟ وكيف يثق خلقه به إذا كان قد ضحى بالبار البريء من أجل غفران خطيئة مذنب آخر؟ هل يُعجبه أن يصفه أحد خلقه بالقسوة وعدم الرحمة؟ «اَلَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ» رومية ٨ عدد ٣١-٣٢\nولو كان الصلب والفداء لغفران خطيئة آدم وحواء - فكيف يكفر عن خطيئة الشيطان؟ وهل سيضطر إلى النزول مرة أخرى والزواج من شيطانة لينجب شيطانًا يصلب عن الشياطين؟ أليست خطيئة الشيطان أعظم وأجل؟\nوهل يعقل أن تكون قوانين الأمم المتحضرة اليوم أعدل من قانون الله، حيث إنها لا تحاسب الإنسان على فعل غيره ولو كان ابنه أو أباه؟ كيف تكون عملية الصلب والقتل وإسالة دم البريْ رحمة وهبة للبشرية؟\nالسؤال ٥٦:","vol":"2","page":15},{"text":"(هل معقول) هل صوت البشر يهدم صور مدينة بني من أجل تحصينها؟\nانهيار السور بالهتاف\nيقول كاتب سفر يشوع ٦ عدد ٥: «ويكون عند امتداد صوت قرن الهتاف عند استماعكم صوت البوق ان جميع الشعب يهتف هتافا عظيما فيسقط سور المدينة في مكانه ويصعد الشعب كل رجل مع وجهه»\nهتف بنو إسرائيل فانهار سور اريحا. انهار السور كله حول المدينة عن طريق الهتاف!!!! هل هذا هو السلاح الجديد الذى لم يسمع به أحد لا من قبل ولا من بعد؟.. نعم أنه هو!!!\nوالسؤال هنا هو: أذكر كتاب تاريخ واحد أو مؤرخ واحد ذكر هذه الحادثة في كتابه أو تأريخه!\nإن حصار مدينة كأريحا وسقوطها بعد الحصار في حرب مشهورة كهذه وسقوط سور المدينة بهذه الخطة الرائعة لهو حدث تسير به الركبان ويتناقله المؤرخون وينتشر كانتشار النار في الهشيم، فأي مؤرخ أو كتاب تاريخ ذكر هذه المعجزة؟\nالسؤال ٥٧:\n(الصلب والفداء) كيف كانوا أطهارًا وهم يحملون خطية آدم؟\nلقد شهد إلهكم قبل أن يموت على الصليب المزعوم ويفدى البشرية من خطيئة أدم أن تلاميذه من الأطهار باستثناء واحد منهم: «قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: \"يَا سَيِّدُ لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي. قَالَ لَهُ يَسُوعُ: \"الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلاَّ إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ.» يوحنا ١٣عدد ٩-١٠ ألا يكذب هذا بدعة الصلب والفداء؟\nالسؤال ٥٨:\nتضلون إذ لا تعرفون الكتب؟ أي كتب يقصد؟\nجاء في إنجيل متى الإصحاح الثاني والعشرون الفقرة (متى ٢٢عدد٢٣-٣٠) الصدوقيين يسألون المسيح عن المرأة يرثها أخو زوجها إن مات زوجها ففي الآخرة لمن تكون المرأة زوجة فقال هكذا:\n٢٣. في ذلك اليوم جاء إليه صدوقيون الذين يقولون ليس قيامة فسألوه (٢٤) قائلين يا معلّم قال موسى إن مات احد وليس له أولاد يتزوج أخوه بامرأته ويقيم نسلا لأخيه. (٢٥) فكان عندنا سبعة إخوة وتزوج الأول ومات. وإذ لم يكن له نسل ترك امرأته لأخيه. (٢٦) وكذلك الثاني والثالث إلى السبعة. (٢٧) وآخر الكل ماتت المرأة أيضا. (٢٨) ففي القيامة لمن من السبعة تكون زوجة. فإنها كانت للجميع. (٢٩) فأجاب يسوع وقال لهم تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. (٣٠) لأنهم في القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء. (SVD)\nوسؤالنا من شقين كالآتي:\nالشق الأول: أين في كتب الأنبياء أو في العهد القديم مكتوب أو موجود انهم في القيامة لا يزوجون أو يتزوجون بل يكونون كملائكة الله في السماء؟ رجاءً ادعم إجابتك بالنصوص من العهد القديم.\nالشق الثاني: المسيح لم يعترض على كون المرأة يتوارثها إخوة زوجها بعد وفاة زوجها، بل كل ما استنكره أن يكون هناك زواج في الآخرة كما قرأت، والسؤال هو: لماذا ترك النصارى هذا الجزء من شريعة موسى؟ تحت أي سبب وما هي الحجة؟ المسح قال ما جئت لأنقض بل لأكمل (متى ٥عدد١٧)، وهو لم يعترض على كون الإخوة يتوارثون زوجة أخيهم الميت بالتتابع عند وفاة الأكبر منهم فالذي يليه كما ترى، لماذا لا يطبق النصارى هذه الشريعة اليوم؟؟ رجاءً ادعم إجابتك بالنصوص من الكتاب المقدس.\nالسؤال ٥٩:\n(الصلب والفداء) هل كان يريد الصلب أم لا يريد؟","vol":"2","page":16},{"text":"تزعمون أن المسيح جاء برضاه إلى الدنيا لكي يقتل على الصليب ولكي يصالح البشرية مع الله ويفديهم بدمه ليخلصهم من خطيئة أبيهم آدم. وهذا يتناقض مع ما جاء في الأناجيل، فقد بينت الأناجيل أن المسيح لم يكن راضيًا على صلبه، وأنه أخذ يصلي ويستغيث بالله، أن ينجيه من أعدائه، حتى أن عرقه صار كقطرات دم نازلة على الأرض، واستمر في دعائه قبل القبض عليه وبعد أن وضع على الصليب حسب اعتقادكم: «حِينَئِذٍ جَاءَ مَعَهُمْ يَسُوعُ إِلَى ضَيْعَةٍ يُقَالُ لَهَا جَثْسَيْمَانِي فَقَالَ لِلتَّلاَمِيذِ: اجْلِسُوا هَهُنَا حَتَّى أَمْضِيَ وَأُصَلِّيَ هُنَاكَ. ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. امْكُثُوا هَهُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي. ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ» (متى ٢٦عدد ٣٦-٤٤) و(مرقس ١٤عدد ٣٢-٣٩) و(لوقا ٢٢عدد ٤١-٤٤)\nالسؤال ٦٠:\n(الصلب والفداء) لماذا حزنوا؟\nلماذا حزن تلاميذه والمؤمنون لو كانوا قد علموا بفرية الفداء والصلب؟ ألم تكن هذه الحادثة مدعاة إلى سرور الناس جميعًا؟ «وَكُلُّ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ لِهَذَا الْمَنْظَرِ لَمَّا أَبْصَرُوا مَا كَانَ رَجَعُوا وَهُمْ يَقْرَعُونَ صُدُورَهُمْ.» لوقا ٢٣عدد ٤٨\nالسؤال ٦١:\n(الأقانيم والتثليث) هل كان الأنبياء الكبار قبل ديانة بولس يؤمنون بالتثليث وأن الله ثلاثة في واحد؟ وأين الدليل؟ رجاءً أيد إجابتك بالنصوص التوراتية.\nالسؤال ٦٢:\n) هل معقول (كيف يموت الأسد مرتان؟\nيقول كاتب سفر صموئيل الأول ١٧ عدد ٣٤:\n«فقال داود لشاول كان عبدك يرعى لابيه غنما فجاء اسد مع دب واخذ شاة من القطيع. ٣٥ فخرجت وراءه وقتلته وانقذتها من فيه ولما قام عليّ امسكته من ذقنه وضربته فقتلته.!!!» ترجمة الفانديك\nلاحظ عزيزي القارىء كيف تم امساك الأسد من ذقنه! ولا حظ أنه أمسكه من ذقنه وضربه في الوقت ذاته! ولا حظ أنه قتل الدب أيضًا!!!! والسؤال هنا هو: كيف يموت الأسد مرتان؟\nالسؤال ٦٣:\n(الألوهية) فسر ما يلي:\nماذا تعنى عندكم هذه الفقرة: «لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لاَ تَرَوْنَنِي مِنَ الآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!» متى ٢٣ عدد ٣٩؟\nلو كان المسيح هو الله فكيف سيأتي باسم الرب لماذا لا يأتي باسمه هو؟\nالسؤال ٦٤:\n(أخطاء الشريعة) لماذا لم يقيم اليهود الحد على مريم العذراء؟\nهل تكلم عيسى فى المهد؟\nلو لم يتكلم عيسى ﵇ فى المهد ويُبرِّأ أمه، لحكم اليهود على أمه بالحرق تبعًا لشريعتهم: (٩ واذا تدنست ابنة كاهن بالزنى فقد دنست اباها. بالنار تحرق) لاويين ٢١عدد ٩، وبما أن اليهود لم يحرقوها ولم يمسوها بأذى، فلابد أن تكون قد أتت بالدليل. أو بكل وضوح كانت متزوجة من يوسف النجار ولن يخفى على أحد في هذا الزمان إن كانت زوجته بالفعل أم أنها حبلت من الزنا، فالسؤال هو لماذا لم يقم عليها اليهود حد الزنى؟\nالسؤال ٦٥:\nقاله إضربني، قاله لأ، قاله الأسد هايكلك، وأكله الأسد!!!!\nعفوًا على اللغة العامية أعلاه لكن إطلع على النص ولك الحكم","vol":"2","page":17},{"text":"جاء في سفر الملوك الأول ٢٠ عدد ٣٥ «ان رجلًا من بني الانبياء قال لصاحبه. عن امر الرب اضربني. فأبى الرجل ان يضربه. فقال له من اجل انك لم تسمع لقول الرب فحينما تذهب من عندي يقتلك أسد. ولما ذهب من عنده لقيه أسد وقتله» (ترجمة الفانديك دار الكتاب المقدس)\nتخيل.. رجل يقول لصاحبه إن الله يأمرك أن تضربني!!! هل هذا معقول؟ هل يُنزل الله وحيًا على رجل ما، يقول له فيه عليك أن تطلب من رجل آخر أن يضربك؟ على كل حال وكما هو متوقع من العقلاء فإن الرجل رفض أن يضرب صاحبه فغضب طالب الضرب على صاحبه ودعا عليه فأكله أسد!!!! ولماذا يدعو عليه؟ وما ذنبه؟ دعا عليه لأنه رفض أن يضربه!!!! والمدهش أن الرب استجاب دعائه (حسب النص) فأكل الأسد هذا الرجل المسكين الذي رفض أن يضرب صاحبه!!!! وهل هذه العقوبة مناسبة لرفض الرجل أن يضرب صديقه؟ ننتظر الإجابة ولكن عفوًا نريدها من العقلاء.\nالسؤال ٦٦:\n(هل معقول) هل أراد عيسى u حقًا إفناء البشرية؟\nفلماذا قال إذًا؟ «لأَنَّهُ يُوجَدُ خِصْيَانٌ وُلِدُوا هَكَذَا مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَاهُمُ النَّاسُ وَيُوجَدُ خِصْيَانٌ خَصَوْا أَنْفُسَهُمْ لأَجْلِ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقْبَلَ فَلْيَقْبَلْ.» متى ١٩عدد ١٢\nوأين حق النساء في الزواج والإستمتاع بأزواجهن؟ ألم يعلم إلهكم بعلمه الأزلى أن الساقطات سوف يستخدمن مثل هذا القول من أجل تبرير السحاق؟\nولم يكن هو نفسه أو أحد الأنبياء مخصيًا أو حتى أحد الحواريين، فمن المعروف أن بعض الحواريين كان متزوجًا مثل بطرس وبولس، بل ويندد سفر التثنية بمن يفعل ذلك قائلًا: «لا يَدْخُل مَخْصِيٌّ بِالرَّضِّ أَوْ مَجْبُوبٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ.» تثنية ٢٣ عدد ١\nالسؤال ٦٧:\nهل يوحنا المعمدان هو إيليا؟\nأولًا: جاء في إنجيل متَّى ١٧ عدد١٠-١١ هكذا: وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولا. (١١) فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتي أولا ويردّ كل شيء. (SVD)\nفيفهم منه بصريح النص أن إيليا من المفروض أن يسبق مجيئه مجئ المسيح وإن لم يشر التلاميذ من أين أتوا بهذه الفرضية ولكن يسوع قد أكد هذه الفكرة وأيد رأي التلاميذ أنه من المفروض أن يأتي إيليا أولًا قبل مَجئ المسيح المنتظر وهذا حسب ما جاء على لِسان المسيح أيضًا في إنجيل مرقس ٩ عدد١٢ هكذا: فأجاب وقال لهم إن إيليا يأتي أولا ويرد كل شيء. وكيف هو مكتوب عن ابن الإنسان أن يتألم كثيرا ويرذل. (SVD)،\nولكن لما خرج يوحنا يعمد الناس بمعمودية التوبة فقد اعتقد الناس أنه إما أن يكون إيليا لأن إيليا يسبق مجئ المسيح، ولما أنكر أنه إيليا وقال لست أنا إيليا، فظنوا أنه المسيح لأنه لو لم يكن إيليا فربما كان المسيح المنتظر فأنكر أيضًا كونه المسيح، فلابد أنه النبي المنتظر ولكنه أنكر أيضًا كونه النبي المنتظر وهذا كما هو وارد في إنجيل يوحنا ١ عدد٢١ هكذا: فسألوه إذا ماذا. إيليا أنت؟ فقال لست أنا. النبي انت؟.فأجاب لا. (SVD)\nفظهر بصريح النص أن يوحنا أنكر كونه إيليا وقريب من هذا ما هو في نفس إنجيل يوحنا ١ عدد٢٥ هكذا: فسألوه وقالوا له فما بالك تعمّد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي. (SVD)","vol":"2","page":18},{"text":"ولكن بنص قول المسيح في إنجيل متى ١٧ عدد١٢-١٣ هكذا: ولكني أقول لكم أن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم. (١٣) حينئذ فهم التلاميذ انه قال لهم عن يوحنا المعمدان (SVD)\nفَيُفهم من هذا القول إما حسب فهم التلاميذ أو حسب كلام يسوع أن يوحنا هو إيليا ولكن يوحنا أنكر كونه إيليا وكذب هذا الكلام كما قلنا من قبل، وليس من المعقول أن يكون يوحنا نبي ولا يدري أهو إيليا أم لا!!! فالأصدق قول يوحنا أنه ليس إيليا لأنه أدرى بنفسه من الكلام الذي فهمه التلاميذ من يسوع فبعدم إتيان إيليا ينفي مجيء المسيح المنتظر على حسب قول اليهود والتلاميذ، وقول النصارى أن يوحنا هو إيليا بالروح فهذا قول لا يُنظر إليه إذ أن يوحنا أنكر كونه إيليا ولم يشر إلى أنه إيليا بالروح أو بالجسد فالأولى تصديق يوحنا لا تصديق غيره. فالآن نعيد السؤال بصيغة أخرى إذا كان من المفترض أن يسبق مجيء المسيح نزول إيليا من السماء كما قال المسيح للتلاميذ وأيد رأيهم في ذلك، وإذا كان كاتب الإنجيل إدعى زورًا وبهتانًا أن إيليا قد جاء وأن إيليا هو يوحنا المعمدان وأنكر يوحنا u ها الأمر ورفض أن يكون إيليا بصريح النص أعلاه؟ فكيف يكون يسوع هو المسيح المنتظر مع مراعاة إنكار يحي أنه إيليا؟ ننتظر إجابة من عقلاء النصارى.\nالسؤال ٦٨:\nمن هو الكاهن الذي قتلته اليهود في بيت الرب؟\n«وَلَبِسَ رُوحُ اللَّهِ زَكَرِيَّا بْنَ يَهُويَادَاعَ الْكَاهِنَ فَوَقَفَ فَوْقَ الشَّعْبِ وَقَالَ لَهُمْ: [هَكَذَا يَقُولُ اللَّهُ: لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصَايَا الرَّبِّ فَلاَ تُفْلِحُونَ؟ لأَنَّكُمْ تَرَكْتُمُ الرَّبَّ قَدْ تَرَكَكُمْ] . ٢١فَفَتَنُوا عَلَيْهِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ بِأَمْرِ الْمَلِكِ فِي دَارِ بَيْتِ الرَّبِّ.» أخبار الأيام الثاني ٢٤عدد ٢٠\n«لِكَيْ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ كُلُّ دَمٍ زَكِيٍّ سُفِكَ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَمِ هَابِيلَ الصِّدِّيقِ إِلَى دَمِ زَكَرِيَّا بْنِ بَرَخِيَّا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ بَيْنَ الْهَيْكَلِ وَالْمَذْبَحِ. ٣٦اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هَذَا الْجِيلِ!» متى ٢٣عدد ٣٥-٣٦\nلقد أخطأ الكاتب بين زكريا ابن يهويا داع الكاهن الذي قتل (أخبار الأيام الثاني ٢٤عدد ٢٠-٢٢) وبين زكريا ابن برخيا (زكريا ١عدد ١، ٧) .\nإنظر هامش إنجيل متى صفحة ٦-١١ من الكتاب المقدس (Einheitsübersetzung)\nالسؤال ٦٩:\nهل يريد الرب أن يُخلص الناس أم يصدقوا الكذب ويهلكون؟\n«لأَنَّ هَذَا حَسَنٌ وَمَقْبُولٌ لَدَى مُخَلِّصِنَا اللهِ، ٤الَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ.» تيموثاوس الأولى ٢عدد ٣-٤\n«وَلأَجْلِ هَذَا سَيُرْسِلُ إِلَيْهِمُ اللهُ عَمَلَ الضَّلاَلِ، حَتَّى يُصَدِّقُوا الْكَذِبَ، ١٢لِكَيْ يُدَانَ جَمِيعُ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا الْحَقَّ، بَلْ سُرُّوا بِالإِثْمِ.» تسالونيكى الثانية ٢عدد ١١-١٢\nالسؤال ٧٠:\n(هل معقول) هل ملائكة الله تأكل لحمًا وخبزًا؟!\nهل سمعتم عن كتاب يزعم أن ملائكة الله تأكل لحمًا وخبزًا؟\nالكتاب المقدس يزعم أن ابراهيم ﵇ حين مرت به الملائكة لهلاك قوم لوط ضيفهم وأطعمهم خبزًا ولحمًا!!!","vol":"2","page":19},{"text":"«فَأَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى دَاخِلِ الْخَيْمَةِ إِلَى زَوْجَتِهِ سَارَةَ وَقَالَ: هَيَّا أَسْرِعِي وَاعْجِنِي ثَلاَثَ كَيْلاَتٍ مِنْ أَفْضَلِ الدَّقِيقِ وَاخْبِزِيهَا. ثُمَّ أَسْرَعَ إِبْرَاهِيمُ نَحْوَ قَطِيعِهِ وَاخْتَارَ عِجْلًا رَخْصًا طَيِّبًا وَأَعْطَاهُ لِغُلامٍ كَيْ يُجَهِّزَهُ. ثُمَّ أَخَذَ زُبْدًا وَلَبَنًا وَالْعِجْلَ الَّذِي طَبَخَهُ، وَمَدَّهَا أَمَامَهُمْ، وَبَقِيَ وَاقِفًا فِي خِدْمَتِهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَهُمْ يَأْكُلُونَ.» تكوين ١٨ عدد ١ أيها العقلاء، إن الملائكة هي أرواح لا أجساد، فهل الأرواح تأكل لحم وخبز؟ وإن كان الملائكة التي جاءت لإبراهيم هي الله ومعه الإلهين الآخرين فيكون الثالوث فهل الثالوث يأكل لحم وخبز؟\nالسؤال ٧١:\nما معنى قول بطرس (ولو أضطررت أن أموت معك)؟\nجاء في انجيل مرقس ١٤عدد ٢٧-٣١ «وَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: إِنَّ كُلَّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ الْخِرَافُ. ٢٨وَلَكِنْ بَعْدَ قِيَامِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى الْجَلِيلِ\". فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: وَإِنْ شَكَّ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ! ٣٠فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ الْيَوْمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ مَرَّتَيْنِ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ\". ٣١فَقَالَ بِأَكْثَرِ تَشْدِيدٍ: وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ. وَهَكَذَا قَالَ أَيْضًا الْجَمِيعُ.»\nان قول بطرس والتلاميذ هنا «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ» لدليل على معرفة التلاميذ له بأنه إنسان مُعرَّض للهلاك والموت، وأن هرطقة الاتحاد بينه وبين الله والروح القدس من الخرافات التي دخلت فيما بعد على دين عيسى ﵇ وأفسدت رسالته الحقة. وكيف يكون هو الإله والله هو الحى الباقى الذي لا يموت؟\nالسؤال ٧٢:\nهل الله I يعاقب على شئ مستحيل الحدوث؟؟\nإني أتسائل هَل يضع الله \\ عقابًا لجريمة لا يمكن ان تحدث أساسا أو مستحيلة الحدوث؟؟ ولأوضح السؤال أقول هل من المعقول أن يقول الله أن من يصعد إلى السماء السابعة ويصنع ثقبًا قطره ١٠.٥ متر يعاقب بأن يدخل النار!!!!!\nهل هذا الكلام منطقي أو معقول عن الله؟؟ بالطبع لا، لكن أصدقائنا النصارى يقولون باستحالة تحريف الكتاب المقدس ولا يتخيلون ذلك أساسًا، إذًا يا أعزائي إذا كان هذا الأمر مستحيلا فلماذا وضع الله عقابًا له؟؟؟ هل يضع الله عقابًا لجريمة مستحيلة الحدوث؟؟\nاقرأ ماذا يقول ربك في كتابك كما في رؤيا يوحنا ٢٢ عدد ١٨-١٩:ـ\nرؤيا ٢٢ عدد ١٨: لاني اشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب إن كان احد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب. (١٩) وان كان احد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوّة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة ومن المدينة المقدسة ومن المكتوب في هذا الكتاب (SVD)\nلماذا وضع الوعيد والتهديد في نهاية السفر لكل من يحاول التحريف إن كان التحريف مستحيل الوقوع كما تزعمون؟؟؟","vol":"2","page":20},{"text":"وفي التثنية يوصيهم ألا يزيدوا على كلام الرب أو ينقصوا منه.. هل كلام الرب قابل للزيادة والنقصان؟ اقرأ الإصحاح الرابع من التثنية الفقرات ٤ عدد ١-٢ كما يلي: ١ فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التي أنا أعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض التي الرب اله آبائكم يعطيكم. (٢) لا تزيدوا على الكلام الذي أنا أوصيكم به ولا تنقصوا منه لكي تحفظوا وصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها.\nالرب يوصيهم ألا يزيدوا أو ينقصوا من هذا الكلام.. هل الرب يوصيهم بشئ من المستحيل وقوعه؟؟؟\nــ\nالسؤال ٧٣:\n(الكتاب المقدس) ماذا تعرف عن هؤلاء؟\nمن هو مترجم كل إنجيل؟ وما هي كفاءته العلمية واللغوية بكلا اللغتين؟ وما هي درجة تقواه وتخصصه؟ وما هي جنسيته؟\nالسؤال ٧٤:\n(الكتاب المقدس) هل معقول أنك تجهل من كتب كتابك المقدس؟\nيقول علماء الكتاب المقدس إن أغلب أسفار الكتاب المقدس مجهولة الهوية ومجهول هوية من كتبوها وإن أطلق إسم رجل على سفر معين كتسمية المزامير باسم داود مثلًا فلا يعني أبدًا أن دواد هو كاتب كل المزامير هذا إن كان قد كتب بعضها وبهذا قياسًا على باقي أسفار الكتاب المقدس فامسك ورقة وقلم وإبدأ من التكوين حتى رؤيا يؤحنا سفر سفر وجهز لي قائمة أمام كل سفر إسم الشخص الذي كتبه بالدليل، ومعلومات عن تاريخ كتابة كل سفر وحال من كتبه هل هو نبي أو رسول أم وثني أم مرتد كحال سليمان مثلًا، أم مجهول هوية من كتب هذا السفر؟ وسنرى كم سفر ستصل إلى كاتبه، ثم كيف يثق الناس بأسفار مجهول هوية من كتبوها ولا يعرف دينهم أو مدى صحة ما كتبوه؟\nالسؤال ٧٥:\n(الصلب والفداء) لماذا حُسب هؤلاء أبرار أتقياء قبل الصلب والفداء؟\nهل بخطيئة واحد أخطأ الجميع رومية ٥عدد ١٢ أم أخطأ الكثيرون رومية ٥عدد ١٩؟\nوما رأيكم في قول يعقوب في رسالته: «وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: \"فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا\" وَدُعِيَ خَلِيلَ اللَّهِ.» يعقوب ٢عدد ٢٣، وأيضًا «وبارك الرب إبراهيم في كل شىء» تكوين ٢٤عدد ١، فقد كان إبراهيم إذًا من الأبرار، من قبل أن يتجسد الإله ويُصلَب.\nوكذلك «وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد لأن الله أخذه» تكوين ٥عدد ٢٤\nوأيضًا «بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ - إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ.» عبرانيين ١١عدد ٥ وكذلك «صعد إيليا في العاصفة إلى السماء» ملوك الثاني ٢عدد ١١\nالسؤال ٧٦:\n(التجسد) أخرج الشاهد من أقوال المسيح:\nهل قال عيسى لتلاميذه وأتباعه، إنه يتكون من جزء لاهوتي وجزء ناسوتي؟ وأنه إله كامل وإنسان كامل؟ أيَّد إجابتك بالأدلة النقلية من الكتاب المقدس على لسان المسيح!\nالسؤال ٧٧:\n(الألوهية) أخرج الشاهد من أقوال المسيح:\nأين نجد قول عيسى ﵇ نفسه لتلاميذه إنه الله وقد نزل إلى الدنيا لكي يغفر للبشر خطاياهم بالصلب؟ وأين قال لهم أنه جاء من أجل خطيئة آدم؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، فأيِّد إجابتك من الأناجيل!\nالسؤال ٧٨:\n(تناقضات) كم عدد الشهود على المسيح؟\nكم عدد الشهود الذين شهدوا أنه قال إنه ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام؟","vol":"2","page":21},{"text":"حسب انجيل متى: كانوا اثنين فقط «.. .. .. وَلَكِنْ أَخِيرًا تَقَدَّمَ شَاهِدَا زُورٍ وَقَالاَ: \"هَذَا قَالَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هَيْكَلَ اللَّهِ وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِيهِ.» متى ٢٦عدد ٦٠-٦١\nولكن حسب انجيل مرقس كانوا قومًا: «ثُمَّ قَامَ قَوْمٌ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ زُورًا قَائِلِينَ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنِّي أَنْقُضُ هَذَا الْهَيْكَلَ الْمَصْنُوعَ بِالأَيَادِي وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَبْنِي آخَرَ غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِأَيَادٍ.» مرقس ١٤عدد ٥٧-٥٨\nالسؤال ٧٩:\nهل كانوا شهود زور؟ أم شهدوا بما قاله المسيح؟\nمن العجيب أن كتبة الأناجيل نسبوا شهادة الزور للذان أو للذين شهدوا على يسوع أنه يقول أني أنقض الهيكل وأبنيه في ثلاثة أيام ولا ندري عددهم أهم شخصان أم مجموعة من الناس فالأناجيل إختلفت في ذلك ولكن يقول إنجيل متى ٢٦عدد٦٠-٦١ «٦٠ فلم يجدوا. ومع انه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا. ولكن اخيرا تقدم شاهدا زور (٦١) وقالا. هذا قال اني اقدر ان انقض هيكل الله وفي ثلاثة ايام ابنيه. (SVD) لاحظ أنهما هنا شاهدان فقط\nثم يقول أيضًا في إنجيل مرقص ١٤عدد٥٧-٥٨ «٥٧ ثم قام قوم وشهدوا عليه زورا قائلين. (٥٨) نحن سمعناه يقول اني انقض هذا الهيكل المصنوع بالايادي وفي ثلاثة ايام ابني آخر غير مصنوع باياد. (SVD) ولاحظ هنا أنهم قوم (مجموعة)\nفالعجب كل العجب أن نسب كتبة الأناجيل للشهود الذين شهدوا على يسوع أنهم شهدوا زورًا لأن يسوع قال هذا بالفعل كما في إنجيل يوحنا ٢عدد١٩ «١٩ اجاب يسوع وقال لهم انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة ايام اقيمه. (٢٠) فقال اليهود في ست واربعين سنة بني هذا الهيكل أفانت في ثلاثة ايام تقيمه. (SVD)\nفلا أدري أين شهادة الزور هنا؟ الناس شهدوا بما قاله يسوع بالفعل! فلماذا نسبتموهم إلى شهادة الزور؟\nالسؤال ٨٠:\nأين في إرميا؟\nورد في متى ٢٧ عدد ٩ قوله: حينئذ تم ما قيل بإرميا النبي القائل: وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمَّن الذي منوه من بني إسرائيل\nاعترف المستر جوويل، في كتابه المسمى (بكتاب الاغلاط) المطبوع سنة ١٨٤١ أنه غلط من متى، وأقر به هورون في تفسيره المطبوع سنة ١٨٢٢ حيث قال: في هذا النقل إشكال كبير جدًا لأنه لا يوجد في كتاب إرميا مثل هذا ويوجد في [١١ عدد ٣] من سفر زكريا لكن لا يطابق ألفاظ متى ألفاظه\nوالسؤال هو: هذه العبارة غير موجودة في سفر إرميا فلماذا كذب كاتب إنجيل متى وقال أنها موجودة في إرميا؟ وهل هذا خطأ من الوحي أم من الكتبة والمترجمين المدلسين؟ ولا تنسى قول إرميا نفسه طالما نتحدث عن إرميا حينما قال في إرميا ٨ عدد ٨ هكذا: ٨ كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقا انه الى الكذب حوّلها قلم الكتبة الكاذب. (SVD)\nالسؤال ٨١:\nهل تصدق هذه العبارة؟\nيوحنا ٢١ عدد ٢٥ \" واشياء أخر كثيرة صنعها يسوع ان كتبت واحدة واحدة فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة آمين \"","vol":"2","page":22},{"text":"العقلاء أسأل: هل يتخيل عاقل على وجه الأرض أن يوحنا صادق في هذه العبارة؟ إن القارئ لهذه العبارة قد يتخيل أن يوحنا يقصد كل معجزات يسوع أو تاريخ حياة يسوع، لكن الأمر غير ذلك فإن يوحنا يتحدث عن المعجزات التي فعلها يسوع بعد قيامته من القبر وهو في خلال أربعين يومًا كما يقول في أعمال الرسل ١عدد٣: الذين اراهم ايضا نفسه حيّا ببراهين كثيرة بعدما تألم وهو يظهر لهم اربعين يوما ويتكلم عن الامور المختصة بملكوت الله. (SVD)\nبالله عليكم هل ما يقوله الرجل معقول؟ لو فرضنا أنه صنع خمسة معجزات وليكن عشرة في اليوم الواحد الذي يظهر لهم فيه في خلال الأربعين يومًا أي عشرة في اليوم الواحد في خمس مرات أو ستة مرات ظهر فيها ما يساوي ستين معجزة على أقصى تقدير ... فهل كتب العالم كلها لا تسع ستين معجزة من معجزات يسوع؟\nالسؤال ٨٢:\n(هل معقول) هل يحل للرجل بيع إبنته؟\nالكتاب المقدس يعطي للرجل الحق في أن يبيع ابنته!\nقال الرب في سفر الخروج ٢١ عدد ٧: «إِذَا بَاعَ رَجُلٌ ابنته كَأَمَةٍ، فَإِنَّهَا لاَ تُطْلَقُ حُرَّةً كَمَا يُطْلَقُ اْلعَبْدُ.» [ترجمة كتاب الحياة]\nالسؤال ٨٣:\n(عقائد وعبادات) ما قصة الصور والتماثيل في الكنيسة؟\nجاء في سفر التثنية ٥ عدد ٨: لا تصنع لك تمثالا منحوتا، ولا صورة ما مما في السماء من فوق، وما في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن، ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك غيور. .\nوجاء في تثنية ٤ عدد ١٥: فَاحْذَرُوا لأَنْفُسِكُمْ جِدًّا، فَأَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا صُورَةً مَا حِينَ خَاطَبَكُمُ الرَّبُّ فِي جَبَلِ حُورِيبَ مِنْ وَسَطِ النَّارِ. لِئَلاَّ تَفْسُدُوا فَتَنْحَتُوا لَكُمْ تِمْثَالًا لِصُورَةٍ مَا لِمِثَالِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ.\nوفي سفر اللاويين ٢٦ عدد ١.. لاَ تَصْنَعُوا لَكُمْ أَصْنَامًا، وَلاَ تُقِيمُوا لَكُمْ تَمَاثِيلَ مَنْحُوتَةً، أَوْ أَنْصَابًا مُقَدَّسَةً، وَلاَ تَرْفَعُوا حَجَرًا مُصَوَّرًا فِي أَرْضِكُمْ لِتَسْجُدُوا لَهُ\nهذه هي نصوص توراتية وردت في النهي عن عمل الصور والتماثيل وعن عبادتها، والسجود لها. ولا شك أن التوراة تعتبر كتابا مقدسًا لدى المسيحيين، بالإضافة إلى أن العهد الجديد خال من هذه البدعة، لكن يأبى النصارى إلا مخالفة شريعة الله والجري وراء أهوائهم ورغباتهم، فيدخلون شعيرة تقديس الصور والتماثيل والفطيرة والخمرة - وهي شعيرة وثنية - ضمن شعائرهم، شأنها في ذلك شأن كافة الشعائر والبدع التي اقتبسوها عن الوثنين.\nأكثر النصارى يسجد للتصاوير في الكنائس. وهو من كفرهم. وأي فرق بين عبادة الأصنام والسجود للتصاوير.. وإذا زرت - عزيزي القارىء - كاتدرائية القديس بولس في لندن أو كنيسة القديس بطرس في روما، فإنك لا تكاد تفرق بينهما وبين معبد (سومناث) في الهند!\nوالسؤال هو: لماذا تخالفون نصوص العهد القديم وتحلون لأنفسكم بناء الأصنام والصور في الكنائس والسجود لها؟\nالسؤال ٨٤:\nما هو تاريخ ميلاد المسيح؟ ولماذا ٢٥ ديسمبر؟","vol":"2","page":23},{"text":"يختلف المسيحيون الغربيون عن الشرقيين في موعد احتفالاتهم بعيد ميلاد السيد المسيح. فبينما في الغرب هو يوم ٢٥ ديسمبر (كانون الاول) عند الكاثوليك والبروتستانت، فانه عند الارثوذوكس في الشرق يوم ٧ يناير (كانون الثاني) من كل عام. والاحتفال الذي يسمى بالانجليزية \"كريسماس\" والفرنسية \"نويل\" اصله \"ناتيفيتاس\" في اللاتينية. ولم يبدأ الاحتفال بعيد الميلاد الا منذ منتصف القرن الرابع الميلادي، بعدما تحولّت الدولة الرومانية الى الديانة الجديدة على يد الامبراطور قسطنطين. ولا احد يدري كيف اختير يوم ٢٥ ديسمبر، فقد كان هذا اليوم هو يوم الاحتفال بهيليوس الذي يمثل الشمس عند الرومان قبل ذلك.\nاناجيل العهد الجديد الاربعة لم يتحدث عن تاريخ ميلاد المسيح إلا متى ولوقا، واختلف متى ولوقا سواء في تحديدهما لتاريخ الميلاد او لموقعه. فبينما يذكر انجيل متى ان مولده كان في ايام حكم الملك هيرودوس، الذي مات في العام الرابع قبل الميلاد، فان انجيل مرقص يجعل مولده في عام الاحصاء الروماني، اي في العام السادس الميلادي.\nكما يقول الأسقف بارنز أن هذا التاريخ التاريخ ٢٥ ديسمبر قد صادف يوم احتفال كبير بعيد وثني قومي في روما، ولم تستطع الكنيسة أن تلغي هذا العيد - بل باركته كعيد قومي لشمس البر فصار ذلك تقليدي منذ هذا الوقت.وقد تم الاتفاق على الاحتفال بعيد الميلاد في ديسمبر بالنسبة للغربيين بعد مناقشات طويلة حوالي عام ٣٠٠.وهذا الرأي الذي ذهب إليه الأسقف بارنز أخذت به دائرة المعارف البريطانية ودائرة معارف شامبرو (انظر ذلك في الصفحة ٦٤٢، ٦٤٣ من دائرة المعارف البريطانية ط:١٥ مجلد: ٥)\nوالسؤال هو: ما هو تاريخ ميلاد المسيح على وجه الدقة وبالدليل؟ ولماذا يتم الإحتفال به في ٢٥ ديسمبر أو في ٧ يناير؟\nالسؤال ٨٥:\nأين الدليل على تحريم تعدد الزوجات؟\nالثابت تاريخيًا أن تعدد الزوجات ظاهرة عرفتها البشرية منذ أقدم العصور كالأنبياء وغيرهم، وفي العهد الجديد نجد نصوصًا تبيح التعدد كالنص الوارد في رسالة بولس الاولى الي تيموثاوس ٣ عدد ٢: «فعلى الاسقف أن يكون منزها عن اللوم، زوج امرأة واحدة» وهذا يعني أن اللوم على اكثر من واحدة خاص بالاسقف فلا يشمل كل الرعية والناس. وكذلك ما جاء في نفس الرسالة ٣ عدد ١٢: «ليكن الشمامسة كل بعل امرأة واحدة مدبرين اولادهم وبيوتهم حسنا.» وبهذا نستشف ان التعدد غير مباح للشماس أو المدبر في الكنيسة فلا يشمل بقية الناس والرعية.\nوالمسيح نفسه ضرب مثلًا في متى ٢٥ عدد ١ - ١١ بعشرة من العذراى كن في انتظار العريس وأنهن لجهالة بعضهن لم يستطعن الدخول معه فأغلق الباب دون هذا البعض لأنهن لم يكن قد أعددن ما يلزم - فلو أن التعدد كان غير جائز عنده ما ضرب المثل بالعذراى العشر اللائي ينتظرن عريسًا واحدًا.\nوكم طالبنا النصارى أن يأتوا بدليل واحد على لسان المسيح يمنع فيه التعدد فعجزوا، وكل ما يستدلوا به إنما هو تمويه وليس فيه ما يصلح للإحتجاج فنراهم يستدلون بما جاء في متى (١٩ عدد ٣ و٤ و٥):\n«وجاء اليه الفريسيون ليجربوه قائلين له هل يحل للرجل ان يطلق امرأته لكل سبب. فاجاب وقال لهم أما قرأتم ان الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وانثى وقال.من اجل هذا يترك الرجل اباه وامه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدا واحدا»","vol":"2","page":24},{"text":"في الحقيقة هذه العبارات ليس فيها منع التعدد، ولا نجد جملة واحدة تقول ممنوع التعدد او لا يجوز الزواج بأكثر من واحدة، وغاية الكلام هنا هو منع الطلاق وليس غير، وهذا ما سأله الفريسيون من البداية وهذا ما عناه المسيح ﵇. فكما أن إتحاد الرجل بزوجته ليس حقيقيًا بل مجازًا فكذلك من الممكن بكل سهولة أن يكون إتحاده بإمرأة أخرى ويصيرا جسدًا واحدًا أيضًا.\nوالسؤال هو: أين نجد نص واحد صريح من الكتاب المقدس يحرم تعدد الزوجات؟\nوهل كان هناك تحريم لتعدد الزوجات في العهد القديم؟\nالسؤال ٨٦:\n(الصلب والفداء) هل جاء من أجل أن يُصلب؟\nمن أساس العقيدة المسيحية الحالية أن المسيح جاء من أجل أن يصلب وأن الرب إتخذ جسدًا بشريًا مخصوص من أجل الصلب والفداء، وأنه قد ضحى بابنه مختارًا وراضٍ بذلك من أجل أن يكفر عن الخطيئة، ولا يختلف في هذا إثنان من النصارى في عصرنا الحالي، والسؤال هو: إن كان الرب جاء خصيصًا من أجل أن يُصلب، فقد كان يصلي لنفسه بتضرعات ودموع حتى صار عرقه كقطرات دم نازلة طالبًا من نفسه أن ينجي نفسه من الصلب، دع عنك هذه القصة، ولكني أقول لو أنه جاء لأجل الصلب، فلماذا أرسل رؤيا إلى زوجة بيلاطس الحاكم الذي أمر بصلب يسوع يحاول تنجية نفسه من هذا الصلب كما في إنجيل متى ٢٧ عدد ١٩: «واذ كان جالسا على كرسي الولاية ارسلت اليه امرأته قائلة اياك وذلك البار. لاني تألمت اليوم كثيرا في حلم من اجله. (SVD) لو أنه جاء من أجل الصلب وهو راضي به فلماذا أرسل رؤيا كهذه لزوجة بيلاطس؟\nالسؤال ٨٧:\n(التجسد) هل يجوز أن يتجسد الله؟\nهذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر يسبقه وهو هل التجسد هو صفة كمال أم صفة نقصان؟\nإن كان التجسد صفة كمال وهذا ما يصرخ به النصارى فالله كان ناقصًا حاشا لله قبل أن يتجسد فبإجماع النصارى الله لم يتجسد قبل المسيح أبدًا، وأول تجسده كان في المسيح، ولم يكن متجسدًا أزلًا، فبغض النظر أن هذا يعتبر جديد جَدَّ على الله، فإن كان الله أول ما تجسد تجسد في المسيح والتجسد هو صفة كمال فسبحانه وتعالى كان ناقصًا حتى إكتمل بتجسده في المسيح فأصبح متصفًا بالتجسد الذي هو صفة كمال كما تقولون وقبلها لم تكن فيه هذه الصفة فبدونها كان ناقصًا. وهذا كفر صريح لا شك في ذلك فالله لا يوصف بالنقصان أبدًا فسبحانه وتعالى علوًا كبيرًا عن هذا.\nوإن كان التجسد هو صفة نقصان فهذا كلام جيد ولكن هو كفر أيضًا إن نسبنا لله انه تجسد فمن الكفر وصف الله بأنه متصف بصفة نقصان حاشاه سبحانه\nوالسؤال مرة أخرى هل يجوز التجسد لله أم لا يجوز؟ ننتظر إجابة مقنعة؟\nالسؤال ٨٨:\n(الألوهية) أليس هو الله؟ فما حاجته لملاك يقويه؟\nهذا ما يقوله لوقا في إنجيله ٢٢عدد٤٣ «وَابْتَعَدَ عَنْهُمْ مَسَافَةً تُقَارِبُ رَمْيَةَ حَجَرٍ، وَرَكَعَ يُصَلِّي ٤٢قَائِلًا: يَاأَبِي، إِنْ شِئْتَ أَبْعِدْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ، لِتَكُنْ لاَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَتُكَ. وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ ليقويه. وَإِذْ كَانَ فِي صِرَاعٍ، أَخَذَ يُصَلِّي بِأَشَدِّ إِلْحَاحٍ؛ حَتَّى إِنَّ عَرَقَهُ صَارَ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الأَرْضِ.» كان يدعوا حتى ينجيه ربه من الصلب.","vol":"2","page":25},{"text":"إذا كان يسوع الناصري هو الله فكيف يظهر له ملاك من السماء يقويه؟ إن قلت أنه جاء يقوي ناسوته فأنت تدعوني للضحك، لأن نص الفقرة تقول «. وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ ليقويه» لم يقل ليقوي ناسوته دون لاهوته، ثم العجب لماذا لم يقوي لاهوته ناسوته؟ إنسان يحمل داخله لاهوت الله يحتاج بعدها لملاك ليقويه؟ أين العقلاء؟ إن هذا شبيه حينما تقول إن رافعة عملاقة ترفع حجر صغير وزنه كيلو جرام واحد ثم جاءت نملة لتقوي الرافعة على رفع الحجر!! كلام ليس له معنى، الله يحتاج إلى ملاك ليقويه هل تتخيل ذلك؟\nالسؤال ٨٩:\nهل في الجنة أكل وشرب ومتع حسية؟\nجاء في إنجيل متى٢٦عدد ٩: واقول لكم اني من الآن لا اشرب من نتاج الكرمة هذا الى ذلك اليوم حينما اشربه معكم جديدا في ملكوت ابي. (SVD)\nوفي نفس الإنجيل متى١٩عدد ٢٩: وكل من ترك بيوتا او اخوة او اخوات او ابا او اما او امرأة او اولادا او حقولا من اجل اسمي يأخذ مئة ضعف ويرث الحياة الابدية.\nوفي نفس الإنجيل متى١٠ عدد ٢٨: ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون ان يقتلوها. بل خافوا بالحري من الذي يقدر ان يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم. (SVD)\nوفي إنجيل لوقا ٢٢ عدد ٣٠: لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتي وتجلسوا على كراسي تدينون اسباط اسرائيل الاثني عشر.\nوفي نفس إنجيل لوقا ١٤ عدد ١٥ فلما سمع ذلك واحد من المتكئين قال له طوبى لمن يأكل خبزا في ملكوت الله. (SVD)\nوجاء في سفر الرؤيا رؤيا ٢ عدد ٧: من له اذن فليسمع ما يقوله الروح للكنائس. من يغلب فسأعطيه ان يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله (SVD)\nمذهب النصارى في هذا العصر وبالإجماع أنه لا أكل ولا شرب ولا متع حسية في الجنة، وحينما نطالع كل هذه النصوص أعلاه يتضح لنا قطعًا أن هناك أكل وشرب ومتع حسية في الجنة، وهناك أيضًا عذاب وألم للجسد في جهنم، والسؤال هو كيف تقولون أنه لا متع حسية في الجنة بل نكون أرواح؟ وهل الأرواح تأكل وتشرب؟\nالسؤال ٩٠:\n(الأقانيم والتثليث) مسحه الله بالروح القدس!\nيقول بطرس عن المسيح: \" يسوع الذي في الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس.. \" اعمال ١٠ عدد ٣٨. من المعلوم ان المسيحيون يؤمنون بعقيدة التثليث والتي تنص على ان الروح القدس هو الله. وهكذا فإن النص يصبح هكذا: \" مسح اللهُ الله بالله \" فكيف يكون الله ماسحًا وممسوحًا وممسوحًا به في الوقت ذاته؟\nالسؤال ٩١:\n(الألوهية) من الذي أقامه من الموت؟ وهل هناك إله يقيم إله؟ لماذا لم يقيم نفسه من الموت؟\nأعمال٢عدد ٣٢: فيسوع هذا اقامه الله ونحن جميعا شهود لذلك. (SVD)\nأعمال٢عدد ٢٤: الذي اقامه الله ناقضا اوجاع الموت اذ لم يكن ممكنا ان يمسك منه. (SVD)\nالسؤال ٩٢:\n(هل معقول) هل الحية تأكل تراب؟\nتكوين ٣عدد ١٤: فقال الرب الاله للحيّة لأنك فعلت هذا ملعونة انت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين وترابا تأكلين كل ايام حياتك. (SVD)\nالسؤال ٩٣:\n(الألوهية) أليس هو الله؟ لماذا لم يغفر لهم هو؟\nلوقا ٢٣عدد ٣٤: فقال يسوع يا ابتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. وإذ اقتسموا ثيابه اقترعوا عليها (SVD)\nالسؤال ٩٤:\n(الأقانيم والتثليث) هل روح القدس افضل من الإبن؟\nلماذا يسمح بالتجديف على الإبن ولا يسمح على الروح؟\nلوقا ١٢عدد ١٠: وكل من قال كلمة على ابن الانسان يغفر له. وأما من جدف على الروح القدس فلا يغفر له. (SVD)","vol":"2","page":26},{"text":"السؤال ٩٥:\n(الأقانيم والتثليث) كيف يجلس عن يمين نفسه؟\nمرقس ١٦عدد ١٩: ثم ان الرب بعدما كلمهم ارتفع الى السماء وجلس عن يمين الله. (SVD)\nالسؤال ٩٦:\n(الألوهية) إن كان يسوع هو الله فكيف يطلب الشيطان من الله أن يسجد له؟\nلوقا ٤عدد ٧: فان سجدت امامي يكون لك الجميع (٨) فأجابه يسوع وقال اذهب يا شيطان انه مكتوب للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد.\nالسؤال ٩٧:\n(أخطاء) كيف يكون يهوذا الخائن ديان؟\nمتى ١٩عدد ٢٨: فقال له يسوع الحق اقول لكم انكم انتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده تجلسون انتم ايضا على اثني عشر كرسيا تدينون اسباط اسرائيل الاثني عشر. (SVD)\nكيف يشهد يسوع أن يهوذا الخائن سيكون ديان؟ أم أن يسوع لم يكن يعلم بعد أن يهوذا سيخونه؟ وأن أحد تلاميذه سيكون في الجحيم؟\nالسؤال ٩٨:\n(أخطاء) كم عدد بنو يعقوب إخوة يوسف وأهله حينما دخلوا إلى مصر؟\nيقول العهد القديم في سفر التكوين ٤٦عدد ٢٦-٢٧: جميع النفوس ليعقوب التي اتت الى مصر الخارجة من صلبه ما عدا نساء بني يعقوب جميع النفوس ست وستون نفسا. (٢٧) وابنا يوسف اللذان ولدا له في مصر نفسان. جميع نفوس بيت يعقوب التي جاءت الى مصر سبعون (SVD)\nبينما يقول العهد الجديد أعمال ٧عدد ١٤: فارسل يوسف واستدعى اباه يعقوب وجميع عشيرته خمسة وسبعين نفسا. (SVD)\nالسؤال ٩٩:\nمن هو فلان الفلاني\nراعوث ٤عدد ١: فصعد بوعز الى الباب وجلس هناك واذا بالولي الذي تكلم عنه بوعز عابر. فقال مل واجلس هنا انت يا فلان الفلاني فمال وجلس. (SVD)\nلا يعقل أن يكون كتاب من عند الله فيه الوحي ويقول فلان الفلاني! فمن هو فلان الفلاني هذا؟\nالسؤال ١٠٠:\nلمن يقول يسوع هذه العبارة لليهود ام للمسلمين؟؟ أم للنصارى الذين يقولن أننا نخرج الشياطين باسم الرب؟\nمتى ٧عدد ٢٢: كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا وباسمك اخرجنا شياطين وباسمك صنعنا قوات كثيرة. (٢٣) فحينئذ أصرّح لهم اني لم اعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الاثم (SVD)\nوختامًا فهذا هو السؤال رقم ١٠٠ وعليه نرجوا من أعزائنا الذين يقولون أن القساوسة يصنعون المعجزات ويشفون المرضى ويخرجون الشياطين باسم يسوع، فلمن يقول يسوع هذه الكلمات أعلاه؟ هل لليهود أم للنصارى أم للمسلمين؟ وحقيقة لا أدري إن كان القساوسة يفعلون هذا حقيقة فما فائدة المستشفيات؟ وما فائدة علم الطب؟ ولماذا كان بابا الفاتيكان يوحنا يبول على نفسه ولا يستطيع أن يتحكم في بوله أو برازه؟ وهذا منشور في المجلات عن حالة البابا الصحية؟ لماذا لم يشفي نفسه؟ أو يشفيه صانعي المعجزات من المؤمنين والقساوسة؟ وأذكركم بهذا النص في لوقا ١٧ عدد ٦: فقال الرب لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذه الجميزة انقلعي وانغرسي في البحر فتطيعكم (SVD)\nفلو كان عندكم مقدار من حبة خردل من الإيمان لشفيتم المرضى وحركتم الجبال ولكن يسوع يقول هذه آيات تتبع المؤمنين ويبدوا أنه ليس فيكم مؤمن واحد لأن يسوع يقول إنجيل مرقس ١٦ عدد ١٧-١٨: وهذه الآيات تتبع المؤمنين. يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة. (١٨) يحملون حيّات وان شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون ايديهم على المرضى فيبرأون\nكتبه: خطاب المصري AYOOP٢","vol":"2","page":27}]}