{"ً":{"ٌ":145172,"ٍ":"غاية المريد شرح كتاب التوحيد","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: غاية المريد شرح كتاب التوحيد\nالمؤلف: د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالناشر: مركز النخب العلمية - مطبعة معالم الهدى للنشر والتوزيع.\nالطبعة: الثالثة، ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٧ م\nعدد الصفحات: ٥٨٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"(غاية المريد شرح كتاب التوحيد) هو الكتاب الثاني ضمن سلسلة شروح المنهجية العلمية التأصيلية للتميز، التي تُعنى بشرح المتون التسعة، وهي:\n١) لامِيَّة شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٢) حائِيَّة ابن أبي داود.\n٣) العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤) القواعد المثلى لابن عثيمين.\n٥) كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب.\n٦) منظومة القواعد الفقهية للسعدي.\n٧) متن الورقات في أصول الفقه للجويني.\n٨) نخبة الفكر لابن حجر.\n٩) أصول في التفسير لابن عثيمين.\nمع العناية بحفظها وإتقان شرحها ومراجعتها، والمتابعة المستمرة لطالب العلم المشارك في هذه المنهجية.","ٓ":"1.0","ٔ":2973,"ٕ":1,"ٖ":1770156204,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"الافتتاحية","level":2,"page":1},{"title":"منهجية التميز","level":2,"page":2},{"title":"ترجمة موجزة للإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ -","level":1,"page":5},{"title":"- اسمه ونسبه","level":2,"page":5},{"title":"- مولده ونشأته وطلبه للعلم","level":2,"page":5},{"title":"- حال الناس قبل دعوته","level":2,"page":5},{"title":"- ظهور دعوته","level":2,"page":7},{"title":"- الافتراءات والشبهات حول دعوته","level":2,"page":8},{"title":"- شيوخه","level":2,"page":9},{"title":"- تلاميذه","level":2,"page":11},{"title":"- مؤلفاته وآثاره العلمية","level":2,"page":13},{"title":"- مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه","level":2,"page":14},{"title":"- عقيدته ومذهبه","level":2,"page":16},{"title":"- وفاته","level":2,"page":17},{"title":"نبذة تعريفية بكتاب التوحيد","level":1,"page":18},{"title":"- اسم الكتاب","level":2,"page":18},{"title":"- نسبة الكتاب إلى مؤلفه","level":2,"page":18},{"title":"- تاريخ تأليفه ومكانه","level":2,"page":18},{"title":"- سبب تأليفه","level":2,"page":19},{"title":"- أهميته","level":2,"page":19},{"title":"- ثناء العلماء على الكتاب","level":2,"page":19},{"title":"- موضوع الكتاب","level":2,"page":21},{"title":"- منهج المؤلف في كتابه","level":2,"page":22},{"title":"- عناية العلماء بالكتاب","level":2,"page":23},{"title":"أولا: الشروح والتعليقات والحواشي","level":3,"page":23},{"title":"ثانيا: الكتب التي خدمت الكتاب","level":3,"page":26},{"title":"ثالثا: مختصرات كتاب التوحيد","level":3,"page":27},{"title":"كتاب التوحيد","level":1,"page":30},{"title":"أقسام التوحيد","level":2,"page":31},{"title":"العلاقة بين أقسام التوحيد","level":2,"page":33},{"title":"تعريف العبادة","level":2,"page":34},{"title":"الحكم من إرسال الرسل","level":2,"page":35},{"title":"أقسام القضاء والفرق بينها","level":2,"page":37},{"title":"باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب","level":1,"page":43},{"title":"هل يكفي التلفظ بالشهادتين","level":2,"page":46},{"title":"معنى كون عيسى كلمة الله","level":2,"page":47},{"title":"شروط (لا إله إلا الله)","level":2,"page":50},{"title":"معيار تفاضل الأعمال","level":2,"page":52},{"title":"باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب","level":1,"page":54},{"title":"معنى تحقيق التوحيد","level":2,"page":55},{"title":"الفرق بين الأمة والإمام","level":2,"page":56},{"title":"تعريف العين","level":2,"page":59},{"title":"طرق علاج العين","level":2,"page":60},{"title":"إشكال في قوله ﷺ (فظننت أنهم أمتي)","level":2,"page":62},{"title":"الاسترقاء والكي ليسا بمذمومين","level":2,"page":65},{"title":"باب الخوف من الشرك","level":1,"page":68},{"title":"هل الشرك الأصغر تحت المشيئة","level":2,"page":69},{"title":"أقسام الرياء باعتبار إبطاله للعبادة","level":2,"page":72},{"title":"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله","level":1,"page":75},{"title":"صفات الداعي إلى الله","level":2,"page":76},{"title":"حكم الدعوة إلى الله","level":2,"page":78},{"title":"أحوال المدعويين","level":2,"page":83},{"title":"باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله","level":1,"page":85},{"title":"الطاعة في التحليل والتحريم عبادة","level":2,"page":86},{"title":"باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه","level":1,"page":89},{"title":"أحكام الأسباب","level":2,"page":89},{"title":"حكم لبس الحلقة والخيط ونحوهما","level":2,"page":90},{"title":"تعريف التميمة","level":2,"page":97},{"title":"حكم تعليق التميمة","level":2,"page":98},{"title":"تغيير المنكر باليد","level":2,"page":100},{"title":"باب ما جاء في الرقى والتمائم","level":1,"page":101},{"title":"تعريف الرقى","level":2,"page":101},{"title":"الفرق بين الرقى والتمائم","level":2,"page":101},{"title":"حكم تعليق التمائم","level":2,"page":102},{"title":"أقسام الرقى","level":2,"page":102},{"title":"تعريف التولة","level":2,"page":107},{"title":"حكم تعليق التمائم من القرآن","level":2,"page":109},{"title":"سبب النهي عن الاستنجاء برجيع الدابة أو العظم","level":2,"page":117},{"title":"باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما","level":1,"page":121},{"title":"حكم التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها","level":2,"page":121},{"title":"أقسام التبرك","level":2,"page":122},{"title":"باب ما جاء في الذبح لغير الله","level":1,"page":130},{"title":"الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين","level":2,"page":130},{"title":"المراد بالصلاة والنحر في آية الكوثر","level":2,"page":132},{"title":"حكم لعن الفاسق المعين","level":2,"page":135},{"title":"التفصيل في المكره على الكفر","level":2,"page":139},{"title":"باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله","level":1,"page":141},{"title":"حكم الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله","level":2,"page":144},{"title":"النذر فيما لا يملك يحتمل معنيين","level":2,"page":145},{"title":"باب من الشرك النذر لغير الله","level":1,"page":146},{"title":"تعريف النذر","level":2,"page":146},{"title":"هل ينعقد نذر المعصية؟","level":2,"page":148},{"title":"باب من الشرك الاستعاذة بغير الله","level":1,"page":149},{"title":"تعريف الاستعاذة","level":2,"page":149},{"title":"حكم الاستعاذة بالمخلوق","level":2,"page":149},{"title":"الفرق بين العياذ واللياذ","level":2,"page":150},{"title":"المخلوقات من حيث الخير والشر فيها ثلاثة أقسام","level":2,"page":152},{"title":"باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره","level":1,"page":154},{"title":"تعريف الاستغاثة وأنواعها","level":2,"page":154},{"title":"أنواع الدعاء","level":2,"page":155},{"title":"الفرق بين الدعاء والاستغاثة","level":2,"page":156},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (١٩١) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون﴾.","level":1,"page":162},{"title":"حجتان على بطلان الشرك","level":2,"page":163},{"title":"السر في الأمر بإنذار الأقربين أولا","level":2,"page":168},{"title":"قاعدة في التوحيد","level":2,"page":169},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم","level":1,"page":170},{"title":"أنواع العلو","level":2,"page":172},{"title":"باب الشفاعة","level":1,"page":177},{"title":"تعريف الشفاعة","level":2,"page":177},{"title":"أقسام الناس في الشفاعة","level":2,"page":177},{"title":"الشفاعة الوارة في القرآن والسنة من حيث الإثبات والنفي نوعان","level":2,"page":178},{"title":"شروط صحة الشفاعة","level":2,"page":178},{"title":"القسم الأول: الشفاعة الخاصة","level":2,"page":179},{"title":"القسم الثاني: الشفاعة العامة وهي أنواع","level":2,"page":182},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ الآية.","level":1,"page":189},{"title":"أقسام الهداية","level":2,"page":189},{"title":"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين","level":1,"page":193},{"title":"الناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام","level":2,"page":193},{"title":"تعريف الغلو","level":2,"page":200},{"title":"باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده","level":1,"page":203},{"title":"اتخاذ القبور مساجد، يشمل ثلاثة معان","level":2,"page":207},{"title":"شبهة وجود قبر النبي ﷺ في مسجده","level":2,"page":208},{"title":"العمل بالمساجد المبنية على قبور الصالحين","level":2,"page":213},{"title":"باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله","level":1,"page":217},{"title":"اتخاذ القبور مساجد وسيلة للشرك","level":2,"page":218},{"title":"حكم زيارة النساء للقبور","level":2,"page":222},{"title":"علة النهي عن إسراج القبور","level":2,"page":225},{"title":"باب ما جاء في حماية المصطفى - ﷺ - جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك","level":1,"page":227},{"title":"حكم شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ","level":2,"page":231},{"title":"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان","level":1,"page":234},{"title":"الفرق بين الوثن والصنم","level":2,"page":234},{"title":"تعريف الجبت","level":2,"page":235},{"title":"تعريف الطاغوت","level":2,"page":236},{"title":"المقصود بالأئمة المضلين","level":2,"page":244},{"title":"الجمع بين حديث (لا نبي بعدي) ونزول عيسى","level":2,"page":247},{"title":"الراجح في المراد بالطائفة المنصورة","level":2,"page":248},{"title":"باب ما جاء في السحر","level":1,"page":250},{"title":"تعريف السحر لغة واصطلاحا","level":2,"page":250},{"title":"أنواع السحر","level":2,"page":250},{"title":"هل للسحر حقيقة؟","level":2,"page":251},{"title":"حكم تعلم السحر","level":2,"page":252},{"title":"تعريف الكاهن","level":2,"page":255},{"title":"هل يقتل الساحر حدا أو ردة؟","level":2,"page":261},{"title":"باب بيان شيء من أنواع السحر","level":1,"page":263},{"title":"ووجه كون العيافة من السحر","level":2,"page":265},{"title":"إشكال كان نبي يخط","level":2,"page":267},{"title":"حكم تعلم النجوم","level":2,"page":269},{"title":"وجه مشابهة النميمة للسحر","level":2,"page":273},{"title":"باب ما جاء في الكهان ونحوهم","level":1,"page":275},{"title":"سؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام","level":2,"page":277},{"title":"كتابة أبي جاد على قسمين","level":2,"page":287},{"title":"باب ما جاء في النشرة","level":1,"page":290},{"title":"حل السحر بالسحر","level":2,"page":294},{"title":"باب ما جاء في التطير","level":1,"page":296},{"title":"الجمع بين حديث: «لا عدوى» وحديث: «فر من المجذوم»","level":2,"page":298},{"title":"إشكال في حديث (الشؤم في ثلاثة)","level":2,"page":300},{"title":"الفرق بين الطيرة والفأل","level":2,"page":302},{"title":"ضابط الطيرة الشركية","level":2,"page":307},{"title":"باب ما جاء في التنجيم","level":1,"page":310},{"title":"أنواع علم التنجيم وتعريفها","level":2,"page":310},{"title":"باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء","level":1,"page":319},{"title":"أقسام الاستسقاء بالأنواء","level":2,"page":320},{"title":"نسبة المطر إلى النوء على ثلاثة أقسام","level":2,"page":321},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾","level":1,"page":328},{"title":"أقسام المحبة","level":2,"page":328},{"title":"بواعث حب الله","level":2,"page":329},{"title":"أسباب حصول محبة الله للعبد ونصرته","level":2,"page":337},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾","level":1,"page":339},{"title":"الخوف من غير الله ينقسم إلى أربعة أقسام","level":2,"page":340},{"title":"الفرق بين الخشية والخوف","level":2,"page":342},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾","level":1,"page":348},{"title":"تعريف التوكل","level":2,"page":348},{"title":"أقسام التوكل","level":2,"page":349},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾","level":1,"page":353},{"title":"أسباب القنوط","level":2,"page":354},{"title":"القنوط واليأس والفرق بينهما","level":2,"page":357},{"title":"باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله","level":1,"page":359},{"title":"الصبر ثلاثة أنواع","level":2,"page":360},{"title":"باب ما جاء في الرياء","level":1,"page":368},{"title":"حكم العبادة إذا خالطها الرياء","level":2,"page":369},{"title":"الشرك الخفي","level":2,"page":372},{"title":"باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا","level":1,"page":374},{"title":"فعل الإنسان للعمل الصالح بقصد الدنيا هو من الشرك الأصغر","level":2,"page":374},{"title":"باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا","level":1,"page":378},{"title":"حكم من حلل الحرام أو حرم الحلال","level":2,"page":384},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به","level":1,"page":385},{"title":"ضابط نفي الإيمان عن المتحاكم إلى غير الله","level":2,"page":386},{"title":"تعريف الطاغوت","level":2,"page":386},{"title":"باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات","level":1,"page":393},{"title":"حكم من جحد شيئا من الأسماء والصفات","level":2,"page":394},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾","level":1,"page":399},{"title":"الكفر بنعم الله قسمان","level":2,"page":399},{"title":"حكم قول القائل: (لولا فلان لم يكن كذا)","level":2,"page":402},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾","level":1,"page":405},{"title":"الحلف بصفات الله","level":2,"page":409},{"title":"باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله","level":1,"page":413},{"title":"حكم الرضى بالحلف","level":2,"page":415},{"title":"باب قول: «ما شاء الله وشئت»","level":1,"page":416},{"title":"حكم قول (ما شاء الله وشئت)","level":2,"page":417},{"title":"باب من سب الدهر فقد آذى الله","level":1,"page":423},{"title":"المراد بالأذى في قوله: (فقد آذى الله)","level":2,"page":423},{"title":"باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه","level":1,"page":426},{"title":"التسمي بقاضي القضاة ونحوه شرك من جانبين","level":2,"page":426},{"title":"باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك","level":1,"page":429},{"title":"حكم التسمي بأسماء الله إذا لوحظ فيها معنى الصفة","level":2,"page":433},{"title":"باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول","level":1,"page":434},{"title":"حكم المستهزئ بشيء فيه ذكر الله أو الرسول","level":2,"page":434},{"title":"هل لساب الله ورسوله توبة؟","level":2,"page":437},{"title":"باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي﴾","level":1,"page":438},{"title":"تشكل الملائكة بغير صورهم","level":2,"page":440},{"title":"هل دعاء الملائكة مستجاب مطلقا","level":2,"page":442},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾","level":1,"page":443},{"title":"حكم تعبيد الأسماء لغير الله","level":2,"page":443},{"title":"الجمع بين تحريم التعبيد في الأسماء لغير الله، وقوله: (أنا ابن عبد المطلب)","level":2,"page":446},{"title":"بطلان قصة حمل حواء وتهديد الشيطان من سبعة أوجه","level":2,"page":448},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾","level":1,"page":452},{"title":"تعريف الإلحاد وأنواعه","level":2,"page":453},{"title":"باب لا يقال السلام على الله","level":1,"page":457},{"title":"حكم قول السلام على الله","level":2,"page":458},{"title":"معنى اسم السلام","level":2,"page":459},{"title":"باب قول: «اللهم اغفر لي إن شئت»","level":1,"page":460},{"title":"المحظور في تعليق الدعاء بالمشيئة من ثلاثة أوجه","level":2,"page":461},{"title":"باب لا يقول: «عبدي وأمتي»","level":1,"page":463},{"title":"حكم قول السيد عبدي وأمتي","level":2,"page":463},{"title":"باب لا يرد من سأل بالله","level":1,"page":466},{"title":"هل يعاذ المستعيذ مطلقا","level":2,"page":468},{"title":"فوائد مكافأة المحسن","level":2,"page":469},{"title":"باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة","level":1,"page":470},{"title":"المراد بالنهي عن السؤال بوجه الله","level":2,"page":472},{"title":"باب ما جاء في اللو","level":1,"page":473},{"title":"استعمال العبد لفظة (لو) على قسمين","level":2,"page":474},{"title":"الفرق بين العجز والتعاجز","level":2,"page":478},{"title":"باب النهي عن سب الريح","level":1,"page":482},{"title":"الفرق بين سب الدهر وسب الريح","level":2,"page":483},{"title":"معنى سب الريح","level":2,"page":485},{"title":"باب قول الله تعالى: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية","level":1,"page":487},{"title":"الطوائف التي ضلت في القدر","level":2,"page":489},{"title":"باب ما جاء في منكري القدر","level":1,"page":491},{"title":"تعريف القدر","level":2,"page":492},{"title":"مراتب القدر","level":2,"page":493},{"title":"اختلاف السلف في القلم والعرش أيهما خلق أولا","level":2,"page":495},{"title":"حكم منكر القدر","level":2,"page":500},{"title":"باب ما جاء في المصورين","level":1,"page":501},{"title":"أحوال التصوير وحكمه","level":2,"page":504},{"title":"علة تحريم التصوير","level":2,"page":507},{"title":"اقتناء الصور على أقسام","level":2,"page":510},{"title":"باب ما جاء في كثرة الحلف","level":1,"page":512},{"title":"حكم الحلف على الظن","level":2,"page":513},{"title":"قاعدة في النص الذي يحتمل معنيين","level":2,"page":514},{"title":"محاذير الحلف كاذبا","level":2,"page":517},{"title":"باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ","level":1,"page":522},{"title":"وجوب حفظ ذمة الله وذمة رسوله","level":2,"page":522},{"title":"للمسلمين مع المشركين في الحرب ثلاثة أحوال","level":2,"page":526},{"title":"هل الأصل في العلاقة مع الكفار السلم أو الحرب؟","level":2,"page":527},{"title":"باب ما جاء في الإقسام على الله","level":1,"page":531},{"title":"تعريف الإقسام وأسماء الحلف","level":2,"page":531},{"title":"أنواع القسم على الله","level":2,"page":532},{"title":"باب لا يستشفع بالله على خلقه","level":1,"page":536},{"title":"تحريم الاستشفاع بالله على خلقه","level":2,"page":540},{"title":"باب ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك","level":1,"page":541},{"title":"الفرق بين حمى التوحيد وجناب التوحيد","level":2,"page":541},{"title":"طوائف تطرفت في رسول الله ﷺ","level":2,"page":547},{"title":"باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة","level":1,"page":549},{"title":"اللغات في إصبع","level":2,"page":552},{"title":"الجمع بين ألفاظ حديث: (يطوي الله الأرضين)","level":2,"page":554},{"title":"الجمع بين حديث: (ثم يأخذهن بشماله)، وحديث: (كلتا يديه يمين)","level":2,"page":554},{"title":"المنكرون لعلو الله قسمان","level":2,"page":559}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,190":186,"1,191":187,"1,192":188,"1,193":189,"1,194":190,"1,195":191,"1,196":192,"1,197":193,"1,198":194,"1,199":195,"1,200":196,"1,201":197,"1,202":198,"1,203":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,234":230,"1,235":231,"1,236":232,"1,237":233,"1,238":234,"1,239":235,"1,240":236,"1,241":237,"1,242":238,"1,243":239,"1,244":240,"1,245":241,"1,246":242,"1,247":243,"1,248":244,"1,249":245,"1,250":246,"1,251":247,"1,252":248,"1,253":249,"1,254":250,"1,255":251,"1,256":252,"1,257":253,"1,258":254,"1,259":255,"1,260":256,"1,261":257,"1,262":258,"1,263":259,"1,264":260,"1,265":261,"1,266":262,"1,267":263,"1,268":264,"1,269":265,"1,270":266,"1,271":267,"1,272":268,"1,273":269,"1,274":270,"1,275":271,"1,276":272,"1,277":273,"1,278":274,"1,279":275,"1,280":276,"1,281":277,"1,282":278,"1,283":279,"1,284":280,"1,285":281,"1,286":282,"1,287":283,"1,288":284,"1,289":285,"1,290":286,"1,291":287,"1,292":288,"1,293":289,"1,294":290,"1,295":291,"1,296":292,"1,297":293,"1,298":294,"1,299":295,"1,300":296,"1,301":297,"1,302":298,"1,303":299,"1,304":300,"1,305":301,"1,306":302,"1,307":303,"1,308":304,"1,309":305,"1,310":306,"1,311":307,"1,312":308,"1,313":309,"1,314":310,"1,315":311,"1,316":312,"1,317":313,"1,318":314,"1,319":315,"1,320":316,"1,321":317,"1,322":318,"1,323":319,"1,324":320,"1,325":321,"1,326":322,"1,327":323,"1,328":324,"1,329":325,"1,330":326,"1,331":327,"1,332":328,"1,333":329,"1,334":330,"1,335":331,"1,336":332,"1,337":333,"1,338":334,"1,339":335,"1,340":336,"1,341":337,"1,342":338,"1,343":339,"1,344":340,"1,345":341,"1,346":342,"1,347":343,"1,348":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,433":429,"1,434":430,"1,435":431,"1,436":432,"1,437":433,"1,438":434,"1,439":435,"1,440":436,"1,441":437,"1,442":438,"1,443":439,"1,444":440,"1,445":441,"1,446":442,"1,447":443,"1,448":444,"1,449":445,"1,450":446,"1,451":447,"1,452":448,"1,453":449,"1,454":450,"1,455":451,"1,456":452,"1,457":453,"1,458":454,"1,459":455,"1,460":456,"1,461":457,"1,462":458,"1,463":459,"1,464":460,"1,465":461,"1,466":462,"1,467":463,"1,468":464,"1,469":465,"1,470":466,"1,471":467,"1,472":468,"1,473":469,"1,474":470,"1,475":471,"1,476":472,"1,477":473,"1,478":474,"1,479":475,"1,480":476,"1,481":477,"1,482":478,"1,483":479,"1,484":480,"1,485":481,"1,486":482,"1,487":483,"1,488":484,"1,489":485,"1,490":486,"1,491":487,"1,492":488,"1,493":489,"1,494":490,"1,495":491,"1,496":492,"1,497":493,"1,498":494,"1,499":495,"1,500":496,"1,501":497,"1,502":498,"1,503":499,"1,504":500,"1,505":501,"1,506":502,"1,507":503,"1,508":504,"1,509":505,"1,510":506,"1,511":507,"1,512":508,"1,513":509,"1,514":510,"1,515":511,"1,516":512,"1,517":513,"1,518":514,"1,519":515,"1,520":516,"1,521":517,"1,522":518,"1,523":519,"1,524":520,"1,525":521,"1,526":522,"1,527":523,"1,528":524,"1,529":525,"1,530":526,"1,531":527,"1,532":528,"1,533":529,"1,534":530,"1,535":531,"1,536":532,"1,537":533,"1,538":534,"1,539":535,"1,540":536,"1,541":537,"1,542":538,"1,543":539,"1,544":540,"1,545":541,"1,546":542,"1,547":543,"1,548":544,"1,549":545,"1,550":546,"1,551":547,"1,552":548,"1,553":549,"1,554":550,"1,555":551,"1,556":552,"1,557":553,"1,558":554,"1,559":555,"1,560":556,"1,561":557,"1,562":558,"1,563":559,"1,564":560,"1,565":561,"1,566":562,"1,567":563},"ٜ":{"1":[5,567]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567"],"ٞ":{"1":[1,2],"2":[3],"5":[4,5,6,7],"7":[8],"8":[9],"9":[10],"11":[11],"13":[12],"14":[13],"16":[14],"17":[15],"18":[16,17,18,19],"19":[20,21,22],"21":[23],"22":[24],"23":[25,26],"26":[27],"27":[28],"30":[29],"31":[30],"33":[31],"34":[32],"35":[33],"37":[34],"43":[35],"46":[36],"47":[37],"50":[38],"52":[39],"54":[40],"55":[41],"56":[42],"59":[43],"60":[44],"62":[45],"65":[46],"68":[47],"69":[48],"72":[49],"75":[50],"76":[51],"78":[52],"83":[53],"85":[54],"86":[55],"89":[56,57],"90":[58],"97":[59],"98":[60],"100":[61],"101":[62,63,64],"102":[65,66],"107":[67],"109":[68],"117":[69],"121":[70,71],"122":[72],"130":[73,74],"132":[75],"135":[76],"139":[77],"141":[78],"144":[79],"145":[80],"146":[81,82],"148":[83],"149":[84,85,86],"150":[87],"152":[88],"154":[89,90],"155":[91],"156":[92],"162":[93],"163":[94],"168":[95],"169":[96],"170":[97],"172":[98],"177":[99,100,101],"178":[102,103],"179":[104],"182":[105],"189":[106,107],"193":[108,109],"200":[110],"203":[111],"207":[112],"208":[113],"213":[114],"217":[115],"218":[116],"222":[117],"225":[118],"227":[119],"231":[120],"234":[121,122],"235":[123],"236":[124],"244":[125],"247":[126],"248":[127],"250":[128,129,130],"251":[131],"252":[132],"255":[133],"261":[134],"263":[135],"265":[136],"267":[137],"269":[138],"273":[139],"275":[140],"277":[141],"287":[142],"290":[143],"294":[144],"296":[145],"298":[146],"300":[147],"302":[148],"307":[149],"310":[150,151],"319":[152],"320":[153],"321":[154],"328":[155,156],"329":[157],"337":[158],"339":[159],"340":[160],"342":[161],"348":[162,163],"349":[164],"353":[165],"354":[166],"357":[167],"359":[168],"360":[169],"368":[170],"369":[171],"372":[172],"374":[173,174],"378":[175],"384":[176],"385":[177],"386":[178,179],"393":[180],"394":[181],"399":[182,183],"402":[184],"405":[185],"409":[186],"413":[187],"415":[188],"416":[189],"417":[190],"423":[191,192],"426":[193,194],"429":[195],"433":[196],"434":[197,198],"437":[199],"438":[200],"440":[201],"442":[202],"443":[203,204],"446":[205],"448":[206],"452":[207],"453":[208],"457":[209],"458":[210],"459":[211],"460":[212],"461":[213],"463":[214,215],"466":[216],"468":[217],"469":[218],"470":[219],"472":[220],"473":[221],"474":[222],"478":[223],"482":[224],"483":[225],"485":[226],"487":[227],"489":[228],"491":[229],"492":[230],"493":[231],"495":[232],"500":[233],"501":[234],"504":[235],"507":[236],"510":[237],"512":[238],"513":[239],"514":[240],"517":[241],"522":[242,243],"526":[244],"527":[245],"531":[246,247],"532":[248],"536":[249],"540":[250],"541":[251,252],"547":[253],"549":[254],"552":[255],"554":[256,257],"559":[258]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي جعل العلم النافع طريقًا موصلًا لرضاه، وصراطًا يتبعه من أراد هداه، ويحيد عنه من ضل واتبع هواه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ونشهد أن لا إله إلا الله، رفع شأن العلم وأهله حتى وصلوا من المجد إلى منتهاه، ومن العز أعلى ذراه، فمن سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى جنته وعلاه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الهداة التقاة، ومن سار على نهجه إلى يوم لقاه.\nأما بعد: فهذا شرح كتاب التوحيد بحلته الجديدة، وطبعته الثالثة، وقد ضمنته فرائد من الفوائد، واجتهدت فيه بذكر مقاصد الأبواب، ومناسبتها لعنوان الكتاب، وارتباط الباب بالباب، كما حرصت أن يكون متميزًا يجد فيه الطالب الجديد، ويحظى فيه بمقاصد التوحيد.\nوقد كنت شرحته مرارًا وطبع الشرح للمرة الأولى عام ١٤٢٩ هـ، ثم لم أزل أنظر فيه وأزيد وأضيف تحرير بعض المسائل والحكم على بعض الأحاديث مع التخريج على طريقة المدار، وأمضيت في ذلك سنوات، تم فيها مراجعة جميع شروح كتاب التوحيد المطبوعة، وبذلت وسعي ليكون هذا الشرح خلاصة لهذه الشروح المطبوعة، وزبدة لما ذكره أهل العلم على كتاب التوحيد، رغبة في تقريب مقاصد هذا الكتاب لطالبه، وحرصًا على أن يجد الراغب بغيته من كتاب التوحيد، وسميته: «غاية المريد شرح كتاب التوحيد» سائلًا الله الكريم أن يبارك فيه، وأن ينفع به، ويجزي خيرًا كل من شارك في إخراجه وسعى في نشره وتعميم فائدته.\n\nد. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل\nالقصيم - بريدة","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>منهجية التميز</span>\nالحمد لله والصلاة والسَّلام على رسول الله، وبعد:\nفهذا الشَّرح هو الكتاب الخامس (١) من المنهجية العلمية التأصيلية للتميز، التي نرجو أن تعين طالب العلم، وتأخذ بيده إلى طريق واضح نَيِّر لينشد غايته من العلم الشرعي الصحيح على ضوء الكتاب والسنة بخطوات ثابتة مدروسة.\nومنهجية التميز تُرَكِّزُ على جوانبَ غايةٍ في الأهمية في مسيرة طالب العلم نحو هدفه، ومن تلك الجوانب:\n- اختيار أبرز وأهم المتون العلمية، وشرحها شرحًا مناسبًا يقرب العلم ويسهل إتقانه.\n- توفير شروح المنهجية وطباعتها مع وضع خطة للمراجعة المستمرة لجميع الشُّروح باستمرار، عبر برنامج (الإنجاز العلمي).\n- رعاية طالب العلم مع متابعته في مسيرته من خلال سجل خاص بكل طالب علم.\n- التواصل العلمي مع طالب العلم الملتحق بالمنهجية.\n- وضع البرامج والخطط العلمية الإضافية لمن يجد لديه همةً وطموحًا وسعةً من الوقت.\n- طرح برامج علمية مساندة تتمثل في:\n_________\n(١) أصل هذا الكتاب دروس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - ألقاها الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل بجامع العودة ببريدة عام (١٤٢٩ هـ)، فقام الطلاب بتفريغها، ثم جرى عليها قلم التعديل والتهذيب والإضافة.","vol":"1","page":6},{"text":"o برنامج حفظ المتون أو الصحيحين.\no برنامج إتقان وقراءة المطولات والمناقشة عليها، ككتب ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، وكتاب الشرح الممتع شرح زاد المستقنع لابن عثيمين، وكتاب منحة العلام شرح بلوغ المرام للفوزان.\nوهذه البرامج الثلاثة اختيارية، يراعى فيها المستوى العلمي ووفرة الوقت لدى طالب العلم.\n- الاهتمام بالجوانب الإيمانية والسلوكية والخُلُقِيَّة من خلال الدروس واللقاءات التربوية المتكررة.\n- إعانة طالب العلم وتذليل العقبات أمامه من خلال الجلسات العلمية الدائمة؛ لمعالجة عوائق الطلب، وأدواء الطريق، كالاضطراب في المنهج والتشتت في التلقي، مع تقديم المناهج العلمية المُعِينة على التحصيل في جميع مسارات العلم.\n- لطالب العلم الراغب في الالتحاق بالمنهجية إمكانية اللحاق واستدراك ما فاته، وذلك بالتواصل مع الإخوة عبر الجوال الخاص بالمنهجية، أو التواصل المباشر مع د. عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل، ويفضل الحضور لأجل المتابعة باستمرار ومواظبة حسب ظروف المشارك، ويمكن طالبَ العلم الذي لا يتمكن من الحضور - سواء في منطقة القصيم أو خارجها أو خارج المملكة - الالتحاق بالمنهجية وذلك بتوفير شروح المنهجية له، ومتابعته في قراءتها وإتقانها من خلال التواصل عن طريق جوال المنهجية.\nأمدنا الله وإياكم بالعلم النافع، ووهبنا من لدنه رحمة وفضلًا.","vol":"1","page":7},{"text":"القسم العلمي\nبمركز النخب العلمية - بريدة\n\n٢٠ ربيع الآخر ١٤٣٨ هـ\nبريد إلكتروني:\nnokhba.much@gmail.com أو al_khaleefa@hotmail.com\nجوال:\n(٠٥٣٠١٢٣١٢٧) أو (٠٥٠١٥٣٦٠٦٢) أو (٠٥٠٦٥٤٣٠٩٠)","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>ترجمة موجزة\nللإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ </span>-\n-<span data-type=\"title\" id=toc-5> اسمه ونسبه:</span>\nهو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرَّف، التميمي النجدي.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-6> مولده ونشأته وطلبه للعلم:</span>\nولد الإمام محمد بن عبد الوهاب في بلدة العيينة (١) سنة (١١١٥ هـ)، ونشأ في تلك البلدة تحت رعاية والده، وقد ظهرت عليه علامات النجابة والفطنة في صغره؛ فحفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة.\nودرس على والده عددًا من العلوم الشرعية، وكان مهتمًّا بكتب التفسير والحديث والعقائد، كثير الاعتناء والمطالعة لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.\nوقد رحل إلى مكة والمدينة والبصرة، وسمع من علماء تلك البلدان، ثم عاد إلى نجد مرورًا بالأحساء، وسكن حريملاء، ثم انتقل إلى العيينة واستقر بها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-7> حال الناس قبل دعوته:</span>\nالحال الدينية في بلاد نجد يصفها المؤرخون والعلماء بأنها كانت حياة جهل وانحرافات، حيث انتشار الخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين، وتعاليم الإسلام، بل كان العالم الإسلامي عمومًا يمتلئ بهذه المنكرات، والشركيات.\n_________\n(١) تقع العيينة شمال غرب مدينة الرياض، على بعد سبعين كيلومترا تقريبًا.","vol":"1","page":9},{"text":"يقول المؤرخ حسين بن غنام (ت: ١٢٢٥ هـ): «كان أكثر المسلمين في مطلع القرن الثاني عشر الهجري قد ارتكسوا في الشرك، وارتدوا إلى الجاهلية، وانطفأ في نفوسهم نور الهدى، لغلبة الجهل عليهم، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال، فنبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلالة، وقد ظنوا أن آباءهم أدرى بالحق وأعلم بطريق الصواب» (١).\nوقال الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ): «وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدًا لطلب قضاء الحوائج وملجأً لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشَدُّوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة: إنهم لم يَدَعُوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه» (٢).\nوقال ابن بشر (ت: ١٢٩٠ هـ): «وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها، وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور، والبناء عليها والتبرك بها والنذر لها والاستعانة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم والحلف بغير الله، وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر» (٣).\nوقد رأى الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه المظاهر الشركية ببلاد نجد وغيرها من البلدان، فعندما زار الحجاز كان يسمع الاستغاثاتِ الشركيَّةَ\n_________\n(١) تاريخ ابن غنَّام ص (١٣).\n(٢) نيل الأوطار (٤/ ١٠٢).\n(٣) عنوان المجد في تاريخ نجد (١/ ٣٤).","vol":"1","page":10},{"text":"برسول الله - ﷺ -، وتقديس قبور الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين، كما رأى في البصرة وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ولا يقره الشرع.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-8> ظهور دعوته:</span>\nهنالك عدة عوامل أدت إلى ظهور دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، منها:\n١) أن الإمام محمدًا - ﵀ - كان في صغره محبًّا للسنة كارهًا للبدعة، جهورًا بالحق.\n٢) تأثره بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إذ كان مشغوفًا بها.\n٣) تأثره بشيوخه الذين قابلهم في رحلاته فكانوا يكرهون الشركيات والبدع والخرافات ولكن لا يجرؤون على إنكارها، كالشيخ محمد حياة السندي، والشيخ عبد الله بن سيف، والشيخ محمد المجموعي وغيرهم.\n٤) ما كان عليه الناس من البعد عن دين الله تعالى، والانحراف في الأخلاق، وشيوع المنكرات، وتفشي الخرافات في المجتمع إذ ذاك.\nوكان بدء الإمام محمد بن عبد الوهاب بالجهر بدعوته الإصلاحية المباركة بعد عودته من البصرة، بحريملاء التي انتقلت إليها أسرته من العيينة، حيث قرر محاربة البدع والخرافات والأوثان مهما كلفه الأمر، ودعا الناس للرجوع إلى ما كان عليه الصدرُ الأولُ من هذه الأمة في عهد الرسول - ﷺ - وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان، وسعى لتخليص التوحيد وتجريده من شوائب الشرك، مدعمًا ما يقول بآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول - ﷺ - وأقوال السلف الصالح.","vol":"1","page":11},{"text":"ثم اضطُرَّ إلى ترك حريملاء، وانتقل إلى العيينة حيث وجد من أميرها عثمان ابن معمَّر التأييد والعون، ثم ساءت الأحوال بالعيينة فانتقل إلى الدرعية، فقيض الله له أميرها الجديد الإمام محمد بن سعود فوقف معه وأيده وناصره، فبايعه محمد بن عبد الوهاب على السمع والطاعة، وبايعه الأمير محمد على نشر دعوته.\nثم بارك الله في هذه الدعوة فانتشرت انتشارا واسعًا، فعمت الجزيرة العربية، بل تجاوزتها إلى كثير من الأقطار والبلدان، مع تسلط الأعداء، وكيد الكائدين، وتربص المتربصين، ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨].\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-9> الافتراءات والشبهات حول دعوته:</span>\nلقد أُلْصِقَت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - مفتريات كبيرة، وأُثِيرَت حولها شبهات كثيرة، كان وراءها أعداءُ هذه الدعوة المباركة وخصومها، الذين لم يجدوا وسيلة لمحاربتها سوى هذه الافتراءات، منها:\nالفرية الأولى: أنَّ إمام هذه الدعوة يكفر المسلمين، ويستحل دماءهم:\nوقد رد الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذه الفرية بردود كثيرة، منها قوله: «أما التكفير: فإني أكفر من عَرَف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سَبَّه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفره، وأكثر الأمة - ولله الحمد- ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة» (١).\nوقال أيضًا: «وأما ما ذكره الأعداء عن أنَّي أكفَّر بالظن وبالموالاة أو أكفِّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله» (٢).\n_________\n(١) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ٣٨).\n(٢) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ٢٥).","vol":"1","page":12},{"text":"الفرية الثانية: أنه يحرم زيارة قبر النبي - ﷺ - وزيارة قبر الوالدين.\nالفرية الثالثة: أنه يبطل كتب المذاهب الأربعة، ويقول: الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.\nوقد ذكر - ﵀ - هاتين الفريتين مع عدد من المفتريات الأخرى، وقال: «جوابي عن هذه المسائل، أن أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم!» (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-10> شيوخه:</span>\nتتلمذ الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - على عدد من العلماء، من أبرزهم:\n١ - والده: عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن مشرف التميمي النجدي، الفقيه الحنبلي القاضي، المتوفى سنة (١١٥٣ هـ)، درس عليه ابنه محمد الفقه الحنبلي والتفسير والحديث بنجد (٢).\n٢ - عمه: إبراهيم بن سليمان بن علي بن مشرف التميمي النجدي القاضي، المتوفى سنة (١١٤١ هـ) أخذ عنه الإمام محمد الفقه بنجد (٣).\n٣ - الشيخ عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عيسى الشافعي البصري منشأً المكيُّ مولدًا، المتوفى سنة (١١٣٤ هـ) أخذ عنه الإمام محمد الحديث بمكة (٤).\n_________\n(١) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ١١، ١٢).\n(٢) ينظر في ترجمته: السحب الوابلة ص (١/ ٦٧٥)، وعنوان المجد ص (٦)، والأعلام (٤/ ١٨٢).\n(٣) ينظر في ترجمته: تاريخ ابن المنقور ص (٥١)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (١/ ١١٠).\n(٤) ينظر في ترجمته: فهرس الفهارس (١/ ١٩٣)، والأعلام (٤/ ٨٨)، وهدية العارفين (١/ ٤٨٠).","vol":"1","page":13},{"text":"٤ - الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، من آل سيف، المتوفى (١١٤٠ هـ) أصله من المجمعة بنجد، قدم المدينة النبوية مع والده واستقر بها، أخذ عنه الإمام محمد بعض العلوم عند رحلته إلى المدينة (١).\n٥ - الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي الأصل نزيل المدينة الحنفي، حامل لواء السنة بالمدينة النبوية، المتوفى سنة (١١٦٣ هـ)، أخذ عنه الإمام محمد الحديث بالمدينة (٢).\n٦ - الشيخ إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي أبو الفداء الجراحي العجلوني الدمشقي، نزيل المدينة، محدث الشام في أيامه، المتوفى سنة (١١٦٢ هـ) (٣).\n٧ - الشيخ علي بن صادق بن محمد بن إبراهيم الداغستاني، فاضل قرأ في بلاده ثم في ديار بكر والحجاز واستقر بدمشق، وتوفى سنة (١١٩٩ هـ)، أخذ عنه الإمام محمد الحديث بالمدينة (٤).\n٨ - محمد الجموعي، أخذ عنه الإمام محمد اللغة والحديث بالبصرة (٥).\n_________\n(١) ينظر في ترجمته: عنوان المجد (١/ ٧)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (٢/ ٥٠١).\n(٢) ينظر في ترجمته: عنوان المجد (١/ ٧)، وسلك الدرر (٤/ ٣٤)، ونزهة الخواطر (٦/ ٨١٥).\n(٣) ينظر في ترجمته: سلك الدرر (١/ ٢٥٩)، وفهرس الفهارس (١/ ٩٨)، والأعلام (١/ ٣٢٥).\n(٤) ينظر في ترجمته: سلك الدرر (٣/ ٢١٥)، والأعلام (٤/ ٢٩٤)، وإيضاح المكنون (٣/ ١٤٠).\n(٥) ينظر في ترجمته: عنوان المجد ص (١/ ٧، ٨)، وحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (٣٠).","vol":"1","page":14},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-11> تلاميذه:</span>\nتتلمذ على الإمام محمد بن عبد الوهاب عدد كبير من العلماء، منهم:\n١ - ابنه حسين بن محمد بن عبد الوهاب، وكان كفيف البصر واعي البصيرة، ذا شهامة وعبادة ووقار، مات سنة (١٢٢٤ هـ) (١).\n٢ - ابنه: عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، تفقه على أبيه وغيره، وبرع في التفسير والعقائد وعلوم العربية، مات سنة (١٢٢٣ هـ) (٢).\n٣ - ابنه: علي بن محمد بن عبد الوهاب، كان عالمًا جليلًا، ورعًا كثير الخوف من الله، له معرفة في الفقه والتفسير (٣).\n٤ - ابنه: إبراهيم بن محمد بن عبد الوهاب، له معرفة في العلم، قرأ عليه صاحب عنوان المجد في صغره كتاب التوحيد (٤).\n٥ - حفيده: عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، صاحب كتاب فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد، مات سنة (١٢٨٥ هـ) (٥).\n٦ - أحمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، كان عالمًا جليلًا تولى القضاء بالدرعية زمن الملك سعود، مات سنة (١٢٢٥ هـ) (٦).\n_________\n(١) ينظر في ترجمته: عنوان المجد ص (١/ ٩٣)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (١/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(٢) ينظر في ترجمته: الأعلام للزركلي (٤/ ١٣١).\n(٣) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٣).\n(٤) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٣).\n(٥) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٣)، والأعلام (٣/ ٣٠٤)، ومعجم المؤلفين (٥/ ١٣٥).\n(٦) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، والأعلام (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":15},{"text":"٧ - عبد العزيز بن عبد الله الحصين الناصري، كان زاهدًا ورعًا تولى القضاء في ناحية الوشم، مات سنة (١٢٣٧ هـ) (١).\n٨ - محمد بن سويلم العالم القاضي في بلد الدلم وناحية الخرج (٢).\n٩ - عبد الرحمن بن خميس، القاضي في بلد الدرعية زمن عبد العزيز (٣).\n١٠ - عبد الرحمن بن نامي، قاضي بلد العيينة، والأحساء، زمن سعود وابنه عبد الله، مات سنة (١٢٣٤ هـ) (٤).\n١١ - محمد بن سلطان بن محمد العوسجي، قاضي المحمل ثم الأحساء زمن سعود، مات سنة (١٢٢٣ هـ) (٥).\n١٢ - عبد الرحمن بن عبد المحسن أبو حسين قاضي حريملاء وبلد الزلفي وغيرهما زمن عبد العزيز وابنه عبد الله (٦).\n١٣ - حسن بن عبد الله بن عيدان، وكان قاضيًا في بلاد حريملاء زمن عبد العزيز (٧).\n١٤ - عبد العزيز بن سويلم العريني الذي صار عالما قاضيًا في ناحية القصيم زمن عبد العزيز وابنه سعود وابنه عبد الله، وكان مقره مدينة بريدة (٨).\n_________\n(١) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، مشاهير علماء نجد ص (١٦١ - ١٦٥).\n(٢) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤).\n(٣) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤).\n(٤) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤).\n(٥) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، ومشاهير علماء نجد ص (٢٦).\n(٦) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤).\n(٧) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (٢/ ٤٦٣).\n(٨) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (٢/ ٤٦٣).","vol":"1","page":16},{"text":"١٥ - حمد بن راشد العريني القاضي في ناحية سدير زمن عبد العزيز (١).\n١٦ - حسين بن أبي بكر بن غنام الأحسائي التميمي، صاحب تاريخ نجد، مات سنة (١٢٢٥ هـ) (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-12> مؤلفاته وآثاره العلمية:</span>\nترك الإمام محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - مؤلفات كثيرة في العقيدة، والتفسير، والحديث، والفقه وأصوله، والسيرة، ومن أهم مؤلفاته ما يلي:\n١) أحاديث الفتن والحوادث: ويشتمل على عدد من أحاديث الفتن والحوادث.\n٢) آداب المشي إلى الصلاة: ويشتمل على عشرة أبواب.\n٣) أصول الإيمان: ويشتمل على ١٢ بابًا.\n٤) التوحيد الذي هو حق الله على العبيد: وهو أشمل ما كتب - ﵀ - في توضيح عقيدة التوحيد الخالصة، ويشتمل على ٦٦ بابًا.\n٥) ثلاثة الأصول: ويشتمل على الأسئلة الثلاثة التي يسأل عنها الناس في قبورهم.\n٦) رسالة في الرد على الرافضة: فيها ٣١ مطلبًا.\n٧) الزكاة: ويشتمل على سبعة أبواب.\n٨) شروط الصلاة وأركانها وواجباتها.\n٩) فضل الإسلام: ويشتمل على ١٣ بابًا.\n_________\n(١) ينظر في ترجمته: تاريخ نجد (١/ ٩٤)، وعلماء نجد خلال ستة قرون (١/ ٢٢٣).\n(٢) ينظر في ترجمته: الأعلام (٢/ ٢٥١)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣١٧)، ومشاهير علماء نجد ص (١٤٧).","vol":"1","page":17},{"text":"١٠) القواعد الأربع: ذكر فيها أربع قواعد مهمة ذكرها الله تعالى في كتابه.\n١١) قواعد تدور عليها الأحكام: مجملها ثماني قواعد أصولية.\n١٢) الكبائر: ويشتمل على ١٢٤ بابًا.\n١٣) كتاب فضائل القرآن: يشتمل على ١٨ بابًا.\n١٤) كشف الشبهات: وفيه رد على بعض الشبهات في توحيد العبادة.\n١٥) مختصر الإنصاف والشرح الكبير: وهو مختصر مفيد.\n١٦) مختصر تفسير سورة الأنفال.\n١٧) مختصر زاد المعاد للإمام ابن القيم: بدأه بفصل اختص الله نفسه بالطيب، وختمه بفصل في أحكامه في النكاح وتوابعه.\n١٨) مختصر سيرة الرسول: وهو مختصر من كتاب السيرة النبوية لابن هشام.\n١٩) مسائل الجاهلية: وهي مائة مسألة خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية.\n٢٠) مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد: وفيه إثبات تكفير المعين بعد بلوغه الحجة.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-13> مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه:</span>\nأثنى على الإمام محمد بن عبد الوهاب عدد كبير من العلماء المنصفين الذين عرفوه وعرفوا دعوته الإصلاحية، ومن هؤلاء:\n١ - الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت: ١١٨٢ هـ) لما وصلته أخبار الإمام محمد كتب قصيدة أرسلها إليه، وقال فيها:","vol":"1","page":18},{"text":"سلام على نجد ومن حلَّ في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي\nقفي واسألي عن عالم حلَّ سُوحَها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشد\nمحمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي\nلقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي (١)\n٢ - محمود شكري الألوسي (ت: ١٣٤٢ هـ)، حيث قال: «كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب شديد التعصب للسنة، كثير الإنكار على من خالف الحق من العلماء» (٢).\n٣ - محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ)، حيث قال: «لقد كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، من العلماء المجددين، حيث قام يدعو إلى تجديد التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده، بما شرعه في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ -» (٣).\n٤ - محمد حامد الفقي (ت: ١٣٧٨ هـ)، حيث قال: «كان علمه وجهاده لإحياء العمل بالدين الصحيح، وإرجاع الناس إلى ما قرره القرآن في توحيد الإلهية والعبادة لله وحده ذلًّا وخضوعًا، ودعاءً، ونذرًا، وحلفًا، وتوكلًا، وطاعةً لشرائعه» (٤).\n_________\n(١) ديوان الأمير الصنعاني ص (١٢٨، ١٢٩).\n(٢) تاريخ نجد له ص (١٦٥).\n(٣) الشيخ محمد بن عبد الوهاب المجدد المفترى عليه، لأحمد بن حجر، ص (٢٤٤).\n(٤) أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب وغيرها ص (٤).","vol":"1","page":19},{"text":"٥ - خير الدين الزركلي (ت: ١٣٩٦ هـ)، حيث قال: «محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي: زعيم النهضة الدينية الإصلاحية الحديثة في جزيرة العرب، ولد ونشأ في العيينة بنجد ... وسكن حريملاء ... ثم انتقل إلى العيينة، ناهجًا منهج السلف الصالح، داعيا إلى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالإسلام من أوهام ... وكانت دعوته الشعلة الأولى لليقظة الحديثة في العالم الإسلامي كله: تأثر بها رجال الإصلاح في الهند ومصر والعراق والشام وغيرها» (١).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-14> عقيدته ومذهبه:</span>\nعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - هي عقيدة السلف الصالح، وهي ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعون والأئمة المهتدون؛ ويشهد لذلك كتبه الكثيرة المشتملة على بيان التوحيد الخالص، ونبذ الشرك ووسائله، والبدع والخرافات والأوهام، والدعوة إلى التوحيد بجميع أنواعه، ومتابعة النبي - ﷺ -، وقد شهد له بهذه العقيدة كل من ترجم له من العلماء والمؤرخين، بل يُعَدُّ الإمام محمد من المجددين في الدعوة السلفية.\nوقد أفصح - ﵀ - عن عقيدته في مواضع كثيرة، فقال في رسالته إلى أهل القصيم لما سألوه عن عقيدته: «أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما يعتقده أهل السنَّة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره» (٢).\nوقال في موضع آخر: «ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهبِ صوفيٍّ أو فقيهٍ أو متكلمٍ، أو إمامٍ من الأئمة الذين أُعَظِّمُهُم مثل ابن القيم والذهبي\n_________\n(١) الأعلام (٦/ ٢٥٧، ٢٥٨).\n(٢) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ٨).","vol":"1","page":20},{"text":"وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - ﷺ -» (١).\nوقال في رسالته إلى السويدي أحد علماء العراق: «وأخبرك أني، ولله الحمد، مُتَّبِع ولست بمبتدع؛ عقيدتي وديني الذي أدين الله به: مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة» (٢).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-15> وفاته:</span>\nذكر المؤرخون أن الإمام محمد بن عبد الوهاب قد ثقل في آخر عمره من الكبر فكان يخرج لصلاة الجماعة يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وفي يوم الاثنين آخر ذي القعدة سنة (١٢٠٦ هـ) فاضت روحه إلى بارئها، وله من العمر إحدى وتسعون سنة، قضاها في العلم والجهاد والدعوة، ودفن بمقبرة الدرعية، وقد كتبت في رثائه قصائد كثيرة (٣).\n_________\n(١) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ٢٥٢).\n(٢) الرسائل الشخصية (ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ) (٥/ ٣٦).\n(٣) ينظر في ترجمته: عنوان المجد في تاريخ نجد (١/ ٩٥)، والأعلام للزركلي (٦/ ٢٥٧)، وداعية التوحيد محمد بن عبد الوهاب ص (٤٢)، والإمام محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته ص (١٨)، ومحمد بن عبد الوهاب عقيدته السلفية ص (١٥)، وحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحقيقة دعوته ص (٢٥)، ومن أعلام المجددين ص (٤٩)، وحركة التجديد والإصلاح في نجد ص (٣٧)، واحتساب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ص (٨١).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>نبذة تعريفية\nبكتاب التوحيد</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-17> اسم الكتاب:</span>\nاسم الكتاب: «كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد»، ويُسَمَّى اختصارًا (كتاب التوحيد).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-18> نسبة الكتاب إلى مؤلفه:</span>\nلا شك ولا ريب في صحة نسبة (كتاب التوحيد) للإمام محمد بن عبد الوهاب، وقد أثبت ذلك المؤرخون القدامى أمثال: ابن غنام وابن بشر، وغيرهما، ونسبه إليه كل من ترجم له، وقد صَرَّح بذلك فحولٌ من أهل العلم، ويُعَدُّ كتاب التوحيد من أشهر كتب الإمام محمد التي عُرِفَ بها.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-19> تاريخ تأليفه ومكانه:</span>\nكتاب التوحيد من أوائل الكتب التي ألفها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وقد اختُلف في مكان تأليفه، فيرى ابن غنام أنه ألفه في حُرَيْملاء قبل أن ينتقل منها إلى العُيَيْنة (١)، ويرى الشيخ عبد الرحمن بن حسن أنه ألفه في البصرة قبل مجيئه إلى حريملاء، حيث قال: «فصنف في البصرة كتاب التوحيد» (٢)، ويمكن الجمع بين القولين، بأن الشيخ جمع مادة الكتاب بالبصرة، وحرره وأكمله بحريملاء.\n_________\n(١) تاريخ ابن غنام ص (٨٤).\n(٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٢/ ٧).","vol":"1","page":22},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-20> سبب تأليفه:</span>\nكان الداعي لتأليف هذا الكتاب: ما رآه المؤلف في زمانه من انتشار الشرك والخرافات والخزعبلات في بلاده وغيرها من بلدان العالم الإسلامي.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-21> أهميته:</span>\nتتمثل أهمية الكتاب في الجوانب التالية:\n١. ما اشتمل عليه من بيان ما بعث الله به رسوله - ﷺ - من أنواع التوحيد، بالأدلة من كلام الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ -، وأقوال سلف هذه الأمة ﵏، مع الإيجاز والسلامة من التعقيد والتكلُّف.\n٢. كثرة النصوص الشرعية التي حواها الكتاب، وطريقة المؤلف البديعة ومنهجه السديد في الاستدلال بهذه النصوص.\n٣. مكانة المؤلف العلمية، وشهرته وتمكنه في العقيدة، فهو من الأئمة المجددين المصلحين.\n٤. مدحُ أهل العلم وثناؤهم على الكتاب كما سيأتي.\n٥. عناية العلماء بالكتاب، شرحًا، وتعليقًا، واختصارًا ونظمًا، وترجمته إلى عدد من اللغات.\n٦. إقبال طلبة العلم على الكتاب حفظًا ودراسةً ومذاكرةً.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-22> ثناء العلماء على الكتاب:</span>\nقال عنه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (ت: ١٢٣٣ هـ) - ﵀ -: «هو كتابٌ فَرْدٌ في معناه، لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق» (١).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٢).","vol":"1","page":23},{"text":"وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (ت: ١٢٨٥ هـ): «جمع على اختصاره خيرًا كثيرًا، وضمَّنه من أدلة التوحيد ما يكفي من وفقه الله، وبيَّن فيه الأدلة في بيان الشرك الذي لا يغفره الله» (١).\nوقال المؤرخ ابن بشر (ت: ١٢٩٠ هـ): «ما وضع المصنفون في فنه أحسن منه، فإنه أحسن فيه وأجاد، وبلغ الغاية والمراد» (٢).\nوقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ (ت: ١٢٩٣ هـ): «صنف كتابه المشهور في التوحيد ... وقرئ عليه هذا الكتاب المفيد، وسمعه كثير ممن لديه من طالب ومستفيد، وشاعت نسخه في البلاد» (٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ): «ليس له نظير في الوجود، قد وضَّح فيه التوحيد الذي أوجبه الله على عباده وخلقهم لأجله، ولأجله أرسل رسله، وأنزل كتبه ... فصار بديعًا في معناه لم يسبق إليه، علمًا للموحدين، وحجة على الملحدين، واشتهر أي اشتهار» (٤).\nوقال الشيخ سليمان بن حمدان (ت: ١٣٩٧ هـ): «كتاب التوحيد بديع الوضع، عظيم النفع، لم أرَ من سبقه إلى مثاله أو نسج في تأليفه على منواله، فكل باب منه قاعدة من القواعد يبنى عليه كثير من الفوائد ... فألَّفه عن خبرة ومشاهدة للواقع، فكان لذاك الداء كالدواء النافع» (٥).\n_________\n(١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٤/ ٣٣٩).\n(٢) عنوان المجد (١/ ٩٢).\n(٣) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٣٧٧).\n(٤) حاشية كتاب التوحيد ص (٧).\n(٥) الدر النضيد شرح كتاب التوحيد ص (٥).","vol":"1","page":24},{"text":"وقال الشيخ عبد الرحمن الجطيلي (ت: ١٤٠٤ هـ): «من أكبر الكتب نفعًا في معرفة التوحيد وأقسامه، والتحذير من الشرك وأنواعه، وسد الذرائع الموصلة إليه، وبيان شوائبه وما يقرب منه» (١).\nوقال الشيخ عبد الله الدويش (ت: ١٤٠٩ هـ): «قد جاء بديعًا في معناه من بيان التوحيد، وما ينافيه من الشرك والتنديد» (٢).\nوقال الشيخ عبد الله الجار الله (ت: ١٤١٤ هـ) وهو يذكر مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «ألف عدة مؤلفات قيمة ومن أهمها: هذا الكتاب القيم الذي هو من أهم الكتب المصنفة في التوحيد» (٣).\nوقال الشيخ عبد الله البسام (ت: ١٤٢٣ هـ): «هو من أنفس الكتب ولم يصنف على منواله» (٤).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-23> موضوع الكتاب:</span>\nموضوع الكتاب: توحيد العبادة الذي خُلق من أجله العباد، وأُرسلت من أجله الرسل، وأُنزلت من أجله الكتب، وقد تخلل الكتاب بعضُ الأبواب في توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوقد بيَّن المؤلف هذا التوحيد بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر أو ما ينافي كماله الواجب؛ من الشرك الأصغر ونحوه.\n_________\n(١) إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ص (٧).\n(٢) التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد ص (٢٣).\n(٣) الجامع الفريد ص (٦).\n(٤) علماء نجد (١/ ١٤٩).","vol":"1","page":25},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-24> منهج المؤلف في كتابه:</span>\nيتلخص منهجه في المعالم التالية:\n- اقتفى المؤلف أثر بعض المصنفين، كالإمام البخاري في تبويبه للكتاب، فنجده يقطع بالحكم في التبويب إذا كان الأمر ليس فيه خلاف أو تفصيل، كقوله: «باب من الشرك النذر لغير الله» وتارة يترك المسألة دون جزم بالحكم لوجود الخلاف في المسألة أو التفصيل كقوله «باب ما جاء في الرقى والتمائم».\n- يبوب تارة بالآية كقوله: «باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية».\n- جعل الكتاب في ستة وستين بابًا، والناظر في ترتيب هذه الأبواب يجد أن المؤلف في الغالب يجمع الأبواب المشتركة في المعنى والحُكم في مكان واحد، وتارة يفرق بين أبواب متشابهة، وكان الأنسب الجمع بينها على نسقٍ وترتيبٍ واحد، مثل: «باب ما جاء في السحر» والذي بعده: «باب بيان شيء من أنواع السحر» ثم «ما جاء في الكهان، ثم النشرة»، ثم التطير، وكان الأولى أن يقدم «باب النشرة» على «باب ما جاء في الكهان»؛ لأنها إلى أبواب السحر أقرب وبها ألصق، والتطير بالكهانة أنسب. وكذلك الأبواب التي تكلم فيها عن حماية المصطفى لجناب التوحيد جاءت في بابين متباعدين جدًّا، وكان الأنسب أن يأتي بكل باب تلو الآخر؛ ولعل للمؤلف فقهًا خاصًّا به في هذا، والله أعلم.","vol":"1","page":26},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-25> عناية العلماء بالكتاب:</span>\nكثرت عناية العلماء بالكتاب، فدونوا عليه الشروح والحواشي والتعليقات، والمختصرات، وغيرها من الكتب التي خدمت الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>أولًا: الشروح والتعليقات والحواشي:</span>\n١) «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد»: لحفيد المؤلف الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الله - ﵀ - (ت: ١٢٣٣ هـ)، ولم يكمله.\n٢) «تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد»: للشيخ عبد الهادي بن محمد العجيلي - ﵀ - (ت: ١٢٦٢ هـ).\n٣) «فتح الحميد شرح كتاب التوحيد»: للشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور - ﵀ - (ت: ١٢٨٢ هـ).\n٤) «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد»: للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - (ت: ١٢٨٥ هـ).\n٥) «قرة عيون الموحدين في تحقيق دعوة الأنبياء والمرسلين»: (حاشية على الكتاب)، للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - (ت: ١٢٨٥ هـ).\n٦) «إبطال التنديد باختصار شرح كتاب التوحيد»: للشيخ حمد بن علي ابن عتيق - ﵀ - (ت: ١٣٠١ هـ).\n٧) «فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد»: للشيخ حامد بن محمد بن حسن بن محسن - ﵀ - (ت: بعد ١٣١٧ هـ).","vol":"1","page":27},{"text":"٨) «حاشية كتاب التوحيد»: للشيخ إسحاق بن حمد بن عتيق - ﵀ - (ت: ١٣٤٣ هـ).\n٩) «القول السديد في مقاصد التوحيد»: للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ﵀ - (ت: ١٣٧٦ هـ).\n١٠) «القصد السديد على كتاب التوحيد»: للشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك - ﵀ - (ت: ١٣٧٦ هـ).\n١١) «حاشية كتاب التوحيد»: للشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - ﵀ - (ت: ١٣٩٢ هـ).\n١٢) «الدر النضيد على أبواب التوحيد»: للشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان - ﵀ - (ت: ١٣٩٧ هـ).\n١٣) «الجامع الفريد للأسئلة والأجوبة في علم التوحيد»: للشيخ عبد الله ابن جار الله الجار الله - ﵀ - (ت: ١٤١٤ هـ).\n١٤) «إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيد»: للشيخ عبد الرحمن بن حمد بن محمد الجطيلي - ﵀ - (ت: ١٤٠٦ هـ).\n١٥) «التعليق المفيد على كتاب التوحيد»: لشيخنا عبد العزيز بن عبد الله ابن باز - ﵀ - (ت: ١٤٢٠ هـ).\n١٦) «القول المفيد على كتاب التوحيد»: لشيخنا محمد بن صالح العثيمين - ﵀ - (ت: ١٤٢١ هـ).","vol":"1","page":28},{"text":"١٧) «الدر النضيد على كتاب التوحيد»: شرح وتعليق للشيخ سعيد بن عبد العزيز الجندول - ﵀ - (ت: ١٤٢٩ هـ).\n١٨) «الشرح الموجز الممهد لتوحيد الخالق الممجد الذي ألفه شيخ الإسلام محمد»: للشيخ أحمد بن يحيى النجمي - ﵀ - (ت: ١٤٢٩ هـ).\n١٩) «السبك الفريد شرح كتاب التوحيد»: لشيخنا عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين - ﵀ - (ت: ١٤٣٠ هـ).\n٢٠) «إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد»: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان.\n٢١) «التعليق المختصر المفيد على كتاب التوحيد»: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان أيضًا.\n٢٢) «الجديد في شرح كتاب التوحيد»: للشيخ محمد بن عبد العزيز السليمان القرعاوي.\n٢٣) «المفيد على كتاب التوحيد»: للشيخ عبد الله بن صالح القصير.\n٢٤) «التمهيد لشرح كتاب التوحيد»: للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.\n٢٥) «الشرح الميسر لكتاب التوحيد»: للشيخ عبد الملك القاسم.\n٢٦) «عون العلي الحميد شرح كتاب التوحيد»: للشيخ إسلام بن شعبان دعدوشة.","vol":"1","page":29},{"text":"٢٧) «التعليق المفيد على كتاب التوحيد»: للشيخ: فهد بن عبد الله التركي.\n٢٨) «مُغني المريد الجامع لشروح كتاب التوحيد»: للشيخ: عبد المنعم إبراهيم.\n٢٩) «منحة الحميد في تقريب كتاب التوحيد»: للشيخ خالد بن عبد الله الدبيخي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>ثانيًا: الكتب التي خدمت الكتاب:</span>\n١) «التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد: للشيخ عبد الله بن محمد بن أحمد الدويش (ت: ١٤٠٨ هـ). شرح فيه المسائل التي يذكرها المؤلف في آخر كل باب من أبواب كتابه.\n٢) «فضل الغني الحميد تعليقات مهمة على كتاب التوحيد»: ياسر بن حسين برهامي. وهو عبارة عن تعليقات يسيرة على مواضع من كتاب التوحيد.\n٣) «فوائد من شرح كتاب التوحيد»: للشيخ عبد العزيز بن محمد السدحان.\n٤) «الدر النضيد في تخريج كتاب التوحيد»: للشيخ صالح بن عبد الله العصيمي.\n٥) «ضعيف كتاب التوحيد»: للشيخ صغير بن علي الشمري.\n٦) «تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب»: للشيخ فريح بن صالح البهلال.","vol":"1","page":30},{"text":"٧) «تنبيهات على كتب تخريج كتاب التوحيد»: للشيخ ناصر بن حمد الفهد.\n٨) «خطب التوحيد المنبرية»: للشيخ عبد الملك بن قاسم.\n٩) «عناية العلماء بكتاب التوحيد»: لعبد الإله بن عثمان الشايع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ثالثًا: مختصرات كتاب التوحيد:</span>\n١) «مع عقيدة السلف كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: للشيخ مصطفى العالم.\n٢) «القول المفيد في اختصار كتاب التوحيد»: للشيخ مروان بن إبراهيم القيسي.\n\n•••","vol":"1","page":31},{"text":"بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n•---------------------------------•\nابتدأ المُصَنِّف كتابه بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز، حيث جاءت البسملة في بداية سور القرآن؛ واقتداءً بالنبي - ﷺ - في مكاتباته ومراسلاته، حيث كان يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» في أولها.\nوالمصنف لم يذكر خطبة للكتاب بعد البسملة على خلاف عادة المؤلفين في ذلك؛ وفي هذا يقول شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ، وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة؛ لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد» (١).\nوقد جاء في بعض النسخ الخطية ذكر الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - بعد البسملة، كما بيَّن ذلك الشيخ عبد الرحمن ابن حسن - ﵀ -، حيث قال: «ووقع لي نسخة بخطه - ﵀ - بدأ فيها بالبسملة، وثنَّى بالحمد والصلاة على النبي صلي الله عليه وسلم وآله» (٢).\nوقد اعتذر صاحب تيسير العزيز الحميد عن المؤلف في عدم ذكره للحمدلة، بقوله: «فإن قلت: هلا جمع المصنف بين البسملة والحمدلة ... قيل: المراد الافتتاح بما يدل على المقصود مِن حمد الله والثناء عليه؛ لأن الحمد متعين؛ لأن القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله وقد حصل بالبسملة» (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١١).\n(٢) فتح المجيد ص (٦).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (١٣).","vol":"1","page":32},{"text":"وقال صاحب فتح المجيد: «والمصنف قد اقتصر في بعض نسخه على البسملة؛ لأنها من أبلغ الثناء والذكر» (١).\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ المصنف - ﵀ - اكتفى بالبسملة في كتابه هذا، ويدلِّل على ذلك أن جميع النسخ الخطية لم يذكر فيها سوى البسملة، إلا النسخة التي أشار إليها صاحب فتح المجيد؛ وهو الشرح الوحيد الذي اعتمد هذه النسخة وشرح الحمد والثناء على الله، والصلاة والسلام على النبي - ﷺ -، واكتفى بقية الشراح بشرح البسملة فقط.\nوالناظر في مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب الأخرى يجد أنه يكتفي بالبسملة في أغلبها؛ وليس في ذلك ضيرٌ، فالبسملة كافية وشافية، ولا شك أنه إذا أُضيف إليها الحمد والثناء، والصلاة والسلام على النبي - ﷺ - كان أكمل وأفضل.\nودأب المؤلفون من السلف ومن تبعهم على البدء بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) تبركًا بها؛ ولأن الأمور المهمة تبدأ بالبسملة ومنها التأليف، واقتداءً بكتاب الله حيث افتتح بها، وبسنة النبي - ﷺ - فهو يفتتح رسائله بالبسملة، كما في كتابه لهرقل عظيم الروم، وغيره.\nومن هنا نعلم خطأ بعض الكتاب المعاصرين الذين خلت كتبهم من البسملة تقليدًا للكتاب الغربيين في ذلك.\n•••\n_________\n(١) فتح المجيد ص (٦).","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>كتاب التوحيد</span>\n•---------------------------------•\n«كتابُ التَّوحيدِ» الملاحظ هنا أنَّ المؤلف ترجم بكتاب وما بعده كلها أبواب؛ وليس مع هذا الكتاب كتب أخرى، ومن حيث الترتيب المنهجي للتأليف كان الأولى أن تكون الترجمة هنا بالباب؛ ويؤكد ذلك أنَّ المؤلف أجراه مجرى الأبواب فسرد فيه النصوص، وذكر تحتها المسائل؛ ولذلك اختلفت الآراء حول هذه الترجمة:\nفبعضهم جعلها عنوانًا عامًّا للكتاب، فجاء في بعض الطبعات: «باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾»، وهذا ليس بجيد؛ لأن عنوان الكتاب المشهور: «كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد»، ويسمى اختصارًا (كتاب التوحيد).\nوبعضهم يرى أن هذه الترجمة قامت مقام خطبة الكتاب، يقول السعدي - ﵀ -: «هذه الترجمة تدل على مقصود هذا الكتاب من أوله إلى آخره؛ ولهذا استغني بها عن الخطبة، أي أن هذا الكتاب يشتمل على توحيد الألوهية والعبادة بذكر أحكامه، وحدوده وشروطه، وفضله وبراهينه، وأصوله وتفاصيله، وأسبابه وثمراته ومقتضياته، وما يزداد به ويقويه، أو يضعفه ويوهيه، وما به يتم أو يكمل» (١).\nوبعض الشراح قدَّر لهذه الترجمة معنًى، فقال: (كتاب التوحيد) أي وجوب التوحيد (٢)؛ استنباطًا من النصوص التي تحت الترجمة.\n_________\n(١) القول السديد ص (١٧).\n(٢) القول السديد ص (٢٣)، والقول المفيد (١/ ٦٠).","vol":"1","page":34},{"text":"وقوله: «كتابُ التَّوحيدِ» خبر لمبتدأ محذوف تقديره: (هذا كتاب التوحيد)، أو مبتدأ لخبر محذوف تقديره: (كتاب التوحيد هذا موضعه)، ويجوز غير ذلك.\nو«كتاب» مصدر كتب يكتب كتابًا وكتابةً وكَتْبًا (١)، ويكون بمعنى مكتوب «أي هذا مكتوب جامع لخصائص التوحيد وحقوقه ومكملاته، وما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر» (٢).\nو«التَّوحيد» لغة: مصدر وَحَّدَ يُوَحِّد توحيدًا، أي: جعل الشيءَ واحدًا، وأصل التوحيد في اللغة إفراد الشيء عن غيره (٣).\nوشرعًا: إفراد الله تعالى بما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (٤).\nوقد قسم علماء أهل السنة والجماعة التوحيد إلى ثلاثة أقسام (٥):\nالأول: توحيد الربوبية: وهو إفراد الله تعالى بما يختص به من الخلق، والملك، والتدبير، والرَّزْق والإحياء والإماتة، ونحوها من خصائص ربوبيته.\nوهذا القسم من التوحيد أقرَّ به المشركون الأوائل ولم ينكروه، لكنهم لم يدخلوا به في الإسلام؛ لأنهم لم يفردوا الله بالعبادة.\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ٨٨)، والصحاح للجوهري (١/ ٢٠٨)، ولسان العرب (١/ ٦٩٨).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد لابن قاسم ص (١١).\n(٣) ينظر: لسان العرب (٣/ ٤٥٠)، والقاموس المحيط ص (٣٢٤).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ١١).\n(٥) ينظر: شرح الطحاوية (١/ ٢٤).","vol":"1","page":35},{"text":"الثاني: توحيد الألوهية (١): وهو إفراد الله تعالى بالعبادة، كالدعاء والخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، والإنابة وغيرها من أنواع العبادة.\nوهذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها على الإطلاق؛ لأنه الغاية التي خُلِقَ من أجلها الإنسان، وهو الذي أُنزلت من أجله الكتب وأُرسلت الرسل.\nالثالث: توحيد الأسماء والصفات: وهو إفراد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى الواردة في الكتاب والسنة، اسمًا ومعنًى وحُكْمًا، من غير تحريف ولا تكييف، ولا تعطيل ولا تمثيل.\nوهذا التوحيد ضلت فيه كثير من الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرها.\nوقَسَّم ابن القيم - ﵀ - التوحيد إلى قسمين (٢):\nالأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويسمى أيضًا: (التوحيد العلمي الخبري)، ومعناه: إثبات حقيقة ذات الرب تعالى، والإخبار عنه سبحانه وعن صفاته وأفعاله وأسمائه، كما أخبر عن نفسه، وكما أخبر رسول الله - ﷺ - عنه.\nالثاني: توحيد الطلب والقصد: ويسمى أيضًا: (التوحيد الإرادي الطلبي): وهو نظير توحيد الألوهية في التقسيم السابق، ويحمل التعريف نفسه.\n_________\n(١) ويقال له أيضًا: (توحيد العبادة)، فباعتبار إضافته إلى الله يسمى: توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة. ينظر: القول المفيد (١/ ١٤).\n(٢) ينظر: مدارج السالكين (٣/ ٤١٧).","vol":"1","page":36},{"text":"فالقسم الأول في هذا التقسيم اشتمل على توحيد الربوبية والأسماء والصفات، والقسم الثاني: هو توحيد الألوهية؛ وبهذا نعلم أنه لا تعارض بين هذين التقسمين، فالأول مفصل، والثاني مجمل، وذاك باعتبار، وهذا باعتبار آخر.\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-31> العلاقة بين أقسام التوحيد</span>؟\nجميع أقسام التوحيد متلازمة ومتكاملة، ولا غنى لأحدها عن الآخر، ومن القواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة: «أن توحيد الألوهية متضمَّن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «وتوحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية فإنه من لم يعبد إلا الله يندرج في ذلك أنه لم يقر بربوبية غيره، بخلاف توحيد الربوبية فإنه قد أقر به عامة المشركين» (١).\nوقال ابن كثير في (تفسيره) (٢): «وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية».\nوخلاصة المقصود أن التوحيد المطلوب هو توحيد الألوهية، الذي يتضمن توحيد الربوبية.\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية (٤/ ٥٣٣).\n(٢) تفسير ابن كثير (٦/ ٢٩٤).","vol":"1","page":37},{"text":"وقولِ الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\n•---------------------------------•\nفي هذه الآية جاء الاستثناء بعد النفي؛ وذلك يفيد القصر والحصر، واللام في قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لام التعليل وتسمى (لام الحكمة)، والمعنى: أن الحكمة من خلق الله للجن والإنس، هي عبادته سبحانه، وليست الحكمة من خلقهم نفع الله؛ ولهذا قال سبحانه في الآية التي بعدها: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].\nوقد ذكر المفسرون في معنى هذه الآية تسعة أقوال، أصحها ما ذكره الشنقيطي - ﵀ - بقوله: «التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أي: إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ» - وذكر الآيات الدالة على ذلك، ومنها قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]- ثم قال: «فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسر قوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ وخير ما يفسر به القرآن: القرآن» (١).\nوالعبادة لغة: الطاعة مع الخضوع والتَّذلُّل، ومنه طريق مُعَبَّدٌ أي: مذلل بالأقدام (٢).\nوقد عرف العلماء العبادة في الشرع بتعريفات كثيرة، من أحسنها وأشملها، تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية لها، حيث قال: «العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة» (٣).\n_________\n(١) أضواء البيان (٧/ ٤٤٥ و٤٤٦).\n(٢) ينظر: الصحاح للجوهري (٢/ ٥٠٣)، ومجمل اللغة ص (٦٤٢)، ولسان العرب (٣/ ٢٧٣).\n(٣) العبودية لابن تيمية ص (٣).","vol":"1","page":38},{"text":"وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦].\n•---------------------------------•\nواعلم يا طالب العلم أن «رَحَى العبودية تدور على خمسَ عشرةَ قاعدةً، من كَمَّلَها كَمَّلَ مراتب العبودية، وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب، واللسان، والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب، واللسان، والجوارح» (١).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ «دلت هذه الآية على أنَّ الحكمة في إرسال الرسل: دعوتهم أممهم إلى عبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه، وأن هذا هو دين الأنبياء والمرسلين، وإن اختلفت شرائعهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]» (٢).\nومن الحكم في إرسال الرسل أيضًا:\n٢ - إقامة الحجة: قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].\n٣ - الرحمة: لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].\n٤ - بيان الطريق الموصل إلى الله تعالى؛ لأن الإنسان لا يعرف ما يجب لله على وجه التفصيل إلَّا عن طريق الرسل.\n_________\n(١) مدارج السالكين لابن القيم (١/ ١٢٩).\n(٢) فتح المجيد ص (١٧).","vol":"1","page":39},{"text":"وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [الإسراء: ٢٣].\n•---------------------------------•\nوقد دلت الآية أيضًا على وجوب الكفر بما يعبد من دون الله، وهو الشرط الثاني من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وقد سبق الحديث عن هذه الشروط في شروح سابقة (١).\nوالطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحَدِّ في كل شيء.\nوقد عرفه ابن القيم - ﵀ - بقوله: «الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله؛ فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عدلوا من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت» (٢).\nوالآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به (٣).\nوقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، أي: أَمَر وألزم وأوجب أن يفرد ﷾ وحده بالعبادة.\nوهذه الآية أفادت حصر العبادة لله وحده بطريق النفي والإثبات، مقررةً بذلك معنى (لا إله إلا الله)، فقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ في معنى (إلا الله).\n_________\n(١) ينظر: التحفة الندية شرح العقيدة الواسطية ص (٢٦).\n(٢) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).\n(٣) القول المفيد (١/ ٣١ و٣٢).","vol":"1","page":40},{"text":"وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].\n•---------------------------------•\nوطريقة القرآن «أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي؛ فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات» (١).\nوالقضاء: في قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاء شرعي؛ لأن «قضاء الله ﷿ ينقسم إلى قسمين:\n١ - قضاء شرعي. ٢ - قضاء كوني.\nفالقضاء الشرعي: يجوز وقوعه، وقد يقع وقد لا يقع، ولا يكون إلَّا فيما يحبه الله، مثال ذلك: هذه الآية ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ فتكون قضى بمعنى شرع.\nوالقضاء الكوني: لا بدَّ من وقوعه، ويكون فيما يحبه الله، وفيما لا يحبه، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤]» (٢).\nوقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآية، يقول ابن كثير - ﵀ - في تفسير هذه الآية: «يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات (٣) والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته» (٤).\n_________\n(١) بدائع الفوائد (١/ ١٣٤).\n(٢) القول المفيد (١/ ٣٠).\n(٣) الآنات: جمع (آن) يعني الزمن.\n(٤) تفسير ابن كثير ت سلامة (٢/ ٢٩٧).","vol":"1","page":41},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١].\n•---------------------------------•\nوقد اشتملت الآية السابقة على نفي، وإثبات: فقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ نفي في معنى (لا إله)، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إثبات في معنى (إلا الله).\nوالأمر بعبادة الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ يفيد النهي عن عبادة غيره؛ لأن من المقرر في علم الأصول: أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، ثم جاء النهي الصريح بعده بقوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ من باب التأكيد.\nوقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النهي، فتعم الشرك جميعه قليله وكثيره، صغيره وكبيره.\nوهذه الآية تسمى (آية الحقوق العشرة)؛ وذلك لأنها تضمنت عشرة حقوق ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.\nوقد ذكر الله تعالى جميع الحقوق في هذه الآية بمفردها، ما عدا حقه سبحانه، فإنه أمر به ونهى عن ضده، وبدأ به الآية؛ لأنه أحق الحقوق، وما بعده مَبْنِيٌّ عليه.\nوقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ تسمى هذه الآية: آية الوصايا العشر.\nوفي هذه الآية الكريمة يقول الله تعالى لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، الزاعمين أن الله حرم عليهم ما هم محرِّموه من حروثهم وأنعامهم، على ما ذكرت لك في تنزيلي عليك: تعالوا، أيها القوم، أقرأ عليكم ما حرم ربكم حقًّا يقينًا، لا الباطل تخرُّصًا، تخرُّصَكم =","vol":"1","page":42},{"text":"قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، إِلى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\n= على الله الكذبَ والفريةَ ظنًّا، ولكن وحيًا من الله أوحاه إليَّ، وتنزيلا أنزله عليَّ: أن لا تشركوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تعدلوا به الأوثان والأصنام، ولا تعبدوا شيئًا سواه (١).\nلماذا قال في الآية: ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ولم يقل: ما حرم الله؟\nالجواب: أن اسم الرب هنا أنسب؛ لأن المقام مقام حجة وبيان، فكأنه يقول لهم: إذا كان الله هو الذي رباكم بالنعم فلماذا تعبدون غيره؟\n«قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - ... إلخ» هذا الأثر عند الترمذي، والطبراني والبيهقي (٢)، وفيه مقال (٣).\n_________\n(١) جامع البيان (٩/ ٦٥٦).\n(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٢٦٤) رقم (٣٠٧٠)، والطبراني في الكبير (١٠/ ٩٣) رقم (١٠٠٦٠)، وفي الأوسط (٢/ ٤٣) رقم (١١٨٦)، وابن عرفة في جزئه ص (٧٩) رقم (٦٥) ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (١٠/ ٣٠٨) رقم (٧٥٤٠)، والحنائي في فوائده (٢/ ١٣٣٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٤١٤) من طريق محمد بن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٣) اختلف العلماء في الحكم على هذا الأثر، ما بين مضعف ومصحح، والسبب في ذلك أن الحكم مبني على من هو (داود الأودي) هل هو داود بن يزيد الأودي، أو هو داود بن عبد الله الأودي؛ لأن كليهما يروي عن الشعبي، ويروي عنهما محمد بن فضيل، وداود بن يزيد ضعيف، والثاني ثقة، فمن رجح أنه ابن يزيد ضعف الأثر، ومن رجح أنه ابن عبد الله صحح الأثر.\nوالصواب: أنه داود بن يزيد الأودي، وإسناد الحديث ضعيف لعلتين:\nالعلة الأولى: ضعف داود بن يزيد الأودي =","vol":"1","page":43},{"text":"عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لِي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟»، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؛ قَالَ: «حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى الله أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا». أخرجاه في الصحيحين.\n•---------------------------------•\n«وَصيةِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ» ليس المراد بها وصية مكتوبة مختومًا عليها؛ لأن النبي - ﷺ - لم يثبت عنه أنه ترك وصية بهذه الصورة، ولكن مراد ابن مسعود - ﵁ - أنه لو قُدِّر أن النبي - ﷺ - ترك وصية مختومًا عليها بعد وفاته لكانت هذه الآيات، وهذا يدل على أهمية هذه الآيات وعظم شأنها؛ وذلك لأنها حوت وصايا قيمة ومهمة أولها النهي عن الشرك، هذه الآيات الكريمة جاءت جامعة شاملة لمقاصد الشريعة ولب الإسلام.\n«عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى حِمَارٍ ... إلخ». الحديث متفق عليه، كما صرح المصنف بقوله: «أخرجاه في الصحيحين» (١).\nوقد أورد المصنف - ﵀ - هذا الحديث لمناسبة اسم الكتاب (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) فناسب أن يذكر من النصوص ما يبين بيانًا واضحًا حق الله على العبيد؛ فذكر هذا الحديث.\n_________\n= العلة الثانية: تفرده بهذا الحديث.\nقال الترمذي: «حسن غريب». وقال الطبراني في الأوسط: «لم يرو هذا الحديث عن الشعبي إلا داود، تفرد به: محمد بن فضيل». وقال الدارقطني (كما في أطراف الغرائب والأفراد) (٤/ ١١٨): «تفرد به داود بن يزيد الأودي عن الشعبي، وتفرد به محمد بن فضيل عنه».\n(١) صحيح البخاري (٤/ ٢٩) رقم (٢٨٥٦)، وصحيح مسلم (١/ ٥٨) رقم (٣٠).","vol":"1","page":44},{"text":"«أَتَدْرِي»: «الدراية هي المعرفة، وأخرج السؤال بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة لا يعلمها، ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه - ﷺ -» (١).\n«مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ» أي: ما أوجبه وجعله محتمًا عليهم.\n«مَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله» أي: ما أوجبه على نفسه، تكرمًا وتفضلًا، لا على سبيل المعاوضة بين الخالق والمخلوق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه ... وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]» (٢).\n«حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» هذا هو توحيد الألوهية، وهو يقرر معنى (لا إله إلا الله) وأن ذلك مشتمل على إثبات ونفي، فقوله: «أَنْ يَعْبُدُوهُ» في معنى (إلا الله)، وقوله: «وَلَا يُشركُوا بِهِ شيئًا» في معنى (لا إله).\n«قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَفَلاَ أُبَشر النَّاسَ؟» البشارة هي الإخبار بما يسر، وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] لكن الأكثر الأول، وهو المراد هنا، كما أن الثاني لا يأتي مطلقًا بل مقيدًا.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":45},{"text":"«لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» هنا لطيفة مستوحاة من هذه الجملة، وهي: أنه لا ينبغي تحديث الناس بالرخص التي لا تبلغها عقولهم.\nولذا قال العلماء: يؤخذ من منع معاذ من تبشير الناس لئلا يتكِلُوا، أن أحاديث الرخص لا تشاع في عموم الناس؛ لئلا يقصر فهمهم عن المراد بها، وقد سمعها معاذ فلم يزدد إلا اجتهادًا في العمل وخشيةً لله ﷿، فأما من لم يبلغ منزلته فلا يأمن أن يقصر اتكالًا على ظاهر هذا الخبر (١).\nوهل نهي النبي - ﷺ - لمعاذ في قوله: «لَا تُبَشرهُمْ فَيَتَّكِلُوا» للتحريم؟\nالذي يظهر، والله أعلم أن هذا النهي ليس للتحريم، بل هو أمر اقتضته المصلحة؛ ولذلك علل النبي - ﷺ - بقوله: «فَيَتَّكِلُوا» لأن الاتكال على رحمة الله وحدها دون العمل، يسبب مفسدة عظيمة هي الأمن من مكر الله.\nوكذلك القنوط من رحمة الله يبعد الإنسان من التوبة، ويسبب اليأس من رحمة الله؛ ولهذا قال الإمام أحمد - ﵀ -: «ينبغي أن يكون -أي العبد- سائرًا إلى الله بين الخوف والرجاء؛ فأيهما غلب هلك صاحبه» (٢).\nلذا ينبغي أن يسير المسلم بين الخوف والرجاء دون تغليبٍ لأحدهما على الآخر، إلا عند الموت فيُشْرَع تغليب جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لقوله - ﷺ -: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله - ﷿ -» (٣).\n•••\n_________\n(١) فتح الباري (١١/ ٣٤٠).\n(٢) ينظر: الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٩).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٠٦) رقم (٢٨٧٧) من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ -.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>بابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان أن التوحيد بأنواعه الثلاثة له فضلٌ عظيمٌ يفوق فضل جميع الأعمال الصالحة الأخرى، ومن هذا الفضل تكفير الذنوب جميعًا، والحصول على الأمن بكل معانيه للأفراد والمجتمعات، ودخول الجنة، والنجاة من النار، ونحو ذلك. فأراد المؤلف أَنْ يُرَغِّبَ في التوحيد ويَحُثَّ عليه؛ لأن الشيء إذا عُلِمَ فضله ومقامه، تعلقت به القلوب، وحرصت عليه النفوس.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «أراد المؤلف بيان شيء من فضل التوحيد، وأنه أعظم الأعمال في تكفير الذنوب؛ لأنه أساس الأعمال وأصلها، والأعمال لا تصح إلا بعد وجوده» (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد وللباب الذي قبله: أنَّ المؤلف لما ذكر في الترجمة السابقة وجوب التوحيد، وأنه الفرض الأعظم على جميع العبيد، ذكر هنا فضله؛ وهو آثاره الحميدة ونتائجه الجميلة، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة، مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله (٢).\n«وَمَا يُكفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ» هذا من باب عطف الخاص على العام، فإن مغفرة الذنوب وتكفيرها من بعض فضائله وآثاره كما ذكر شواهد ذلك في الترجمة (٣).\n_________\n(١) التعليق المفيد ص (٣٣).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (٢٣).\n(٣) ينظر: المرجع السابق ص (٢٣).","vol":"1","page":47},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢].\n•---------------------------------•\nو(ما) في قوله: «وَمَا يُكفِّرُ» قيل: هي (ما) الموصولة يعني باب التوحيد والذي يكفر من الذنوب، وقيل هي مصدرية، أي: وبيان تكفيره للذنوب، وهذا أرجح؛ لأن الأول يوهم أن ثمَّ ذنوبًا لا يكفرها التوحيد وليس بمراد (١).\nوالتوحيد له فضائل كثيرة وعظيمة، منها أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما (٢).\n«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾» أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك؛ لأن الظلم هنا المراد به الشرك، ولذلك لما نزلت هذه الآية شَقَّ ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا رسول الله، أَيُّنَا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٣).\nو(الظلم) في آية الباب جاء نكرة في سياق النفي فيعمُّ كلَّ أنواع الظلم، ولكن العموم هنا دخله التخصيص، فيكون المراد به عموم أنواع الشرك، وليس عموم أنواع الظلم.\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (٢٣).\n(٣) أخرجه البخاري (٩/ ١٨) رقم (٦٩٣٧)، ومسلم (١/ ١١٤) رقم (١٢٤)، من حديث عبد الله ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":48},{"text":"عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» أخرجاه.\n•---------------------------------•\nووجه مناسبة الآية للباب: أنَّ من لم يلبس إيمانه بشرك فله الأمن التام، والاهتداء الكامل، وهذا من أعظم فضائل التوحيد، ويظهر هذا المعنى بذكر الآية بتمامها ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].\nوالأمن في الآية شامل لجميع أنواع الأمن؛ فمنه: الأمن النفسي، والاجتماعي، والأمن في الأوطان؛ ولهذا تجد البلد الذي أهله موحدون أكثر الناس استقرارًا، والبلد الذي ينتشر فيه الشرك يضعف في أهلها الأمن والاستقرار، وانشراح النفوس وسعادتها.\nيقول ابن القيم - ﵀ -: «على قدر الشرك يكون الرعب، فالمشرك بالله أشد شيء خوفًا ورعبًا، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بالشرك لهم الأمن والهدى والفلاح، والمشرك له الخوف والضلال والشقاء» (١).\nحديث عبادة بن الصامت متفق عليه (٢)، وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله».\nقال النووي - ﵀ -: «هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد» (٣).\n_________\n(١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٣).\n(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٤٣٥)، ومسلم (١/ ٥٧) رقم (٢٨).\n(٣) شرح مسلم (١/ ٢٢٧).","vol":"1","page":49},{"text":"ومناسبة هذا الحديث للباب: أن من حقق التوحيد وشهد بهذه الشهادات، أدخله الله الجنة، وهذا فضل عظيم من فضائل التوحيد.\n«مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أي: من نطق بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، موقنًا بها (١)؛ لأنه لا يكفي التلفظ بالشهادة، بل لا بد من النطق والعلم والعمل بمقتضى هذه الكلمة.\n«وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ» تأكيد لمعنى شهادة أن لا إله إلا الله، فقوله: «وَحْدَهُ» فيه تأكيد للإثبات (إلا الله)، وقوله: «لَا شريكَ لَهُ» تأكيد للنفي (لا إله)، وجاء التأكيد هنا ليدلل على عظمة التوحيد، وخطورة الشرك.\n«وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» أي: وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله على نية تكرار العامل (٢).\nوفي قوله: «عَبْدُهُ» بيان أنه عبد لله فلا يُعبد؛ وذلك ردًّا على الذين غلوا فيه، ورفعوه إلى مرتبة الألوهية كما في قول البوصيري:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\nإن لم تكن آخذًا يوم المعاد يدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥١)، وفتح المجيد ص (٣٥).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٩)، وفتح المجيد ص (٣٩).","vol":"1","page":50},{"text":"قال ابن رجب وغيره: «إنه -أي: البصيري- لم يترك لله شيئًا ما دامت الدنيا والآخرة من جود الرسول - ﷺ -». وهذا الغلو فوق غلو النصارى الذين قالوا: إنَّ المسيح ابن الله، وقالوا: إن الله ثالث ثلاثة.\nوفي قوله: «وَرَسُولُهُ» بيان أنه مرسل من عند الله، فلا يُكذب، بل يصدق ويتَّبَع، وهو ردٌّ على الجافين الذين يكذِّبون برسالته - ﷺ -، ولا يصدقونه ولا يُطيعونه.\n«وَأَنَّ عيسى عَبْدُ الله» فيه رد على النصارى الذين يعتقدون أن عيسى هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.\nقال الطيبي: «في ذكر عيسى تعريض بالنصارى وإيذان بأن إيمانهم مع قولهم بالتثليث شرك محض» (١).\n«وَرَسُولُهُ» فيه ردٌ على اليهود الذين كذبوه وأنكروا رسالته، ورموه بالبهت، فقالوا: إنه ولد بغي، قال القسطلاني: (ورسوله): تعريض باليهود في إنكارهم رسالته وانتمائهم إلى ما لا يحل من قذفه وقذف أمه (٢).\n«وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ» قال قتادة - ﵀ -: «هو قول الله تعالى: (كن)، فكان» (٣)، أي: أنَّ عيسى خُلق بكلمة من الله، وهي قوله: (كن)؛ لأن عيسى وُجد من غير أب، وإضافة الكلمة إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؛ لأن الكلام - ومنه قوله: (كن) - صفة من صفات الله جلَّ وعلا.\n_________\n(١) شرح المشكاة (١/ ٤٨٠).\n(٢) إرشاد الساري (٥/ ٤١٠).\n(٣) ينظر: جامع البيان (٩/ ٤١٩).","vol":"1","page":51},{"text":"قال الإمام أحمد - ﵀ -: «الكلمة التي ألقاها إلى مريم حين قال له: (كُن) فكان عيسى بـ (كُن) وليس عيسى هو (كُن)، ولكن بـ (كُن) كان» (١).\nومراد الإمام أحمد أنَّ عيسى ليس هو نفس الكلمة؛ وإنما سُمِّيَ بالكلمة لأنه خُلق بها، وعيسى مخلوق تجري عليه جميع الأحوال البشرية، وهو ذات بائنة عن الله تعالى، وأما كلمة (كن) التي خلق بها فهي من قول الله ﷿، وليست شيئًا مخلوقًا؛ لأن كلام الله وصف قائم به، لا بائن منه (٢).\n«وَرُوحٌ مِنْهُ» (من) هنا ليست للتبعيض كما يقول النصارى حيث جعلوا عيسى ﵇ جزء من الله - تعالى الله عن ذلك - ولكنها لابتداء الغاية، والإضافة إضافة تشريف كناقة الله، وبيت الله.\nوالمعنى: صار جسده - ﵇ - بالكلمة، فنفخت فيه هذه الروح التي هي من الله، أي: خلق من مخلوقاته أضيفت إليه تعالى للتشريف والتكريم. وعيسى - ﵇ - ليس روحًا، بل جسد ذو روح، قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فبالنفخ صار جسدًا، وبالروح صار جسدًا وروحًا (٣).\n«وَالجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ» أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق، أي ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة (٤).\n_________\n(١) الرد على الجهمية ص (١٢٦).\n(٢) ينظر: كتاب التوحيد وقرة عيون الموحدين في ص (١٦)، والقول المفيد (١/ ٧٣).\n(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٧٤).\n(٤) فتح المجيد ص (٤٣).","vol":"1","page":52},{"text":"وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ - ﵁ -: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».\n•---------------------------------•\n«وَلَهُمَا» أي: البخاري ومسلم في صحيحيهما (١).\n«فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ» (عِتبان) - بكسر العين - هو ابن مالك الخزرجي صحابي ممن شهد بدرًا من الأنصار.\n«فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله» أي من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه لا يريد بذلك إلا وجه الله، منع الله النار أن تأكل جسده. فالنطق بالشهادة يقتضي العمل بما تدل عليه، فلا يكفي مجرد النطق، وثم قيد مهم في هذا قد أشار إليه حديث الباب: أن يكون خالصًا صادقًا، كما قال: «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».\nوهذا هو وجه مناسبة الحديث لترجمة الباب، حيث إن التوحيد سببٌ للنجاة من النار، وهذا من الفضائل العظيمة.\nفلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، لكن بشرط العمل بمقتضاها، لذلك قيل للحسن: «إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة» (٢).\nومثله ما قيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: «بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك» (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري (١/ ٩٢) رقم (٤٢٥)، وصحيح مسلم (١/ ٤٥٥) رقم (٣٣).\n(٢) ينظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٥٨)، وكلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب ص (١٤).\n(٣) ينظر: صحيح البخاري (٢/ ٧١).","vol":"1","page":53},{"text":"وأسنان هذا المفتاح هي<span data-type=\"title\" id=toc-38> شروط (لا إله إلا الله)</span>، وهي (١):\n١ - العلم المنافي للجهل.\n٢ - اليقين المنافي للشك.\n٣ - الإخلاص المنافي للشرك.\n٤ - الصدق المنافي للكذب.\n٥ - المحبة المنافية للبغض.\n٦ - الانقياد المنافي للترك.\n٧ - القبول المنافي للرد.\n٨ - الكفر بما يعبد من دون الله.\nوقد نظم بعض العلماء هذه الشروط، فقال:\nعِلْمٌ يَقِينٌ وإِخْلاصٌ وصِدْقُكَ مَع ... مَحَبَّةٍ وَانْقِيَادٍ وَالقَبُولِ لها\nونظم بعضهم زائدًا على البيت الأول:\nوَزِيدَ ثَامِنُهَا الكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا ... سِوَى الإِلهِ من الأَوْثَانِ قَدْ أُلِها\n_________\n(١) جاء ذكر هذه الشروط مع ذكر أدلتها في شرحنا للعقيدة الواسطية.","vol":"1","page":54},{"text":"وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - ﵁ - عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: «قَالَ مُوسى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسى لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالأَرَضينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ». رواهُ ابنُ حبانَ، والحاكمُ وصححه.\n•---------------------------------•\nحديث أبي سعيد أخرجه ابن حبان والحاكم (١)، إسناده ضعيف.\n«يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شيئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ» أراد موسى - ﵇ - أن يخصه الله بشيء يذكره ويدعوه به، ويدل على طلب التخصيص قوله: «يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا»، مما يدل على أنه يريد شيئًا يخصه.\n«مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» أي: رجحت عليهن، وذلك لما اشتملت عليه من توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال، وأساس الملة، ورأس الدين.\nولا سيما إذا كان التوحيد نابعًا من قلب صادق؛ لأن «الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض» (٢).\n_________\n(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٩/ ٣٠٧) رقم (١٠٦٠٢)، وفي عمل اليوم والليلة ص (٦٠٨) رقم (١١٤١)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ١٠٢) رقم (٦٢١٨)، والطبراني في الدعاء ص (٤٣٥) رقم (١٤٨٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧١٠) رقم (١٩٣٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ٣٢٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٥١) رقم (١٨٥) من طريق دراج ابن سمعان أبي السمح عن أبي الهيثم العتواري، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.\nودراج هذا نصَّ أئمة الحديث على أنَّ روايته عن أبي الهيثم ضعيفة فيها مناكير وعجائب. قال الإمام أحمد: «حديثه منكر». العلل (٣/ ١١٦). وقال أبو داود: «أحاديثه مستقيمة، إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد». سؤالات الآجري (٢/ ١٦٦). فالحديث ضعيف لأجل دراج.\n(٢) مدارج السالكين (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":55},{"text":"وللتِّرمذيِّ وحَسَّنَهُ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشركُ بِي شيئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث للباب: أنَّ كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا يعدلها شيء البتة، وأن فضلها عظيم عند الله تعالى.\nحديث أنس عند الترمذي، حسن بشواهده (١).\n«ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ... إلخ» والمعنى أن «من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا إلى مشيئة الله - ﷿ -، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. قال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يلقى الكفار، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية» (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ٥٤٨) رقم (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤/ ٣١٥) رقم (٤٣٠٥)، وابن شاهين في الترغيب في فضائل الأعمال ص (٦٣) رقم (١٧٩)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٢٣١) من طريق سعيد بن عبيد، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أنس بن مالك - ﵁ -. وقال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه»، وقال أبو نعيم: «غريب تفرد به عنه سعيد بن عبيد». والحديث له شواهد، فهو حسن بشواهده، قال ابن رجب: «إسناده لا بأس به»، وقال أيضًا: «تابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم».\n(٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٤١٧).","vol":"1","page":56},{"text":"ومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان سعة فضل الله، وكثرة ثواب التوحيد عند الله وتكفيره للذنوب.\nوخلاصة ما تدل عليه أحاديث الباب: كثرة ثواب التوحيد، وسعة كرم الله وجوده ورحمته، حيث وعد عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد، فإنه يقابله بالمغفرة الواسعة التي تسع ذنوبه، والرد على الخوارج الذين يكفرون المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق، ويلتقون مع الخوارج في النتيجة؛ ألا وهي تخليده في النار أبدًا.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>بابُ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان عظم درجة من حَقَّقَ التوحيد؛ ولَمَّا كان الباب السابق في فضل التوحيد، ناسب أن يذكر هنا تحقيق التوحيد؛ لأن الشيء لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه. وتحقيق التوحيد قدرٌ زائدٌ على بيان ماهيته.\nوعلاقة هذا الباب بالذي سبقه: أن ذاك يتعلق بمن وَحَّدَ الله ولم يشرك بالله، ولكن قد يكون عنده بعض المعاصي والبدع الإضافية، فهذا قد يغفر الله له ذنوبه، ويدخله الجنة ابتداءً، وقد يعذبه بقدر خطاياه، ثم يدخل الجنة.\nوأما هذا الباب فيختص بمن وَحَّدَ الله حق التوحيد، ولم يشرك به شيئًا، وسَلِمَ من شوائب المعاصي والذنوب ونحوها، فهذا له مرتبةٌ أعلى، ويدخل الجنة بغير حساب.\nوذهب بعض الشراح إلى أن هذا الباب تكميل للباب الذي قبله وتابع له. فإن تحقيق التوحيد تهذيبه وتصفيته من الشرك الأكبر والأصغر، ومن البدع القولية الاعتقادية، والبدع الفعلية العملية، ومن المعاصي، وذلك بكمال الإخلاص لله في الأقوال والأفعال والإرادات، وبالسلامة من الشرك الأكبر المناقض لأصل التوحيد، ومن الشرك الأصغر المنافي لكماله، وبالسلامة من البدع والمعاصي التي تكدر التوحيد، وتمنع كماله وتعوقه عن حصول آثاره (١).\nوالأقرب أن الباب السابق في فضل من أتى بأصل التوحيد، وهذا الباب في فضل من أتى بالتوحيد الكامل، فيكون السابق عامًّا، وهذا خاص.\n_________\n(١) ينظر: القول السديد ص (٢٨).","vol":"1","page":58},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n•---------------------------------•\nو«تحقيق التوحيد: تخليصه من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:\nالأول: العلم؛ فلا يمكن أن تحقق شيئًا قبل أن تعلمه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩].\nالثاني: الاعتقاد، فإذا علمت ولم تعتقد موجب ما علمت، لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] يتعجبون ممن يعتقد انفراد الله بالألوهية.\nالثالث: الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد، لم تحقق التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥ - ٣٦] فإذا حصل هذا وحقق التوحيد; فإن الجنة مضمونة له بغير حساب» (١).\n«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾» مناسبة الآية للباب: من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم ﵇ بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد ترغيبًا في اتباعه في التوحيد (٢).\nومعنى ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ أي: قدوةً وإمامًا معلمًا للخير، وما ذاك إلا لتكميله مقامي الصبر واليقين اللذين تنال بهما الإمامة في الدين.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٩١).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٧٤).","vol":"1","page":59},{"text":"وقوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾ أي: طائعًا خاضعًا لله، مداومًا على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «القانت: ... هو الذي يطيع الله دائمًا» (١).\nوعن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: «إنَّ مُعاذًا كان أُمَّة قانتًا لله، قال: فقال رجل من أشجع يُقال له فروة بن نوفل: نَسِيَ، إنما ذاك إبراهيم، قال: فقال عبد الله: من نسي؟ ! إنما كنا نشبهه بإبراهيم، قال: وسُئِل عبد الله عن الأمَّة، فقال: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله» (٢).\nلماذا جاء التعبير في الآية الكريمة بقوله: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾ ولم يقل كان إمامًا؟\nالجواب: أن هناك فرق بين الأمة والإمام من وجهين:\nأحدهما: أن الإمام كل ما يؤتم به، سواء كان بقصده وشعوره أو لا، ومنه سُمي الطريقُ إمامًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨، ٧٩]، أي: بطريق واضح ... ولا يسمى الطريق أمة.\nالثاني: أن الأمة فيه زيادة معنى وهو الذي جمع صفات الكمال من العلم والعمل، بحيث بقي فيها فردًا وحده، فهو الجامع لخصال تفرقت في غيره، فكأنه باين غيره باجتماعها فيه (٣).\nوقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مائلًا عن الشرك، مستقيمًا على التوحيد.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٣٩).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٩٤).\n(٣) ينظر: مفتاح دار السعادة ص (١٧٤).","vol":"1","page":60},{"text":"وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٢٠].\nعَنْ حُصينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟، فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاَةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟، قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ.\n•---------------------------------•\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيد، لاستمراره على التوحيد، فقد كان ﵊ معصومًا عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين (١).\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي: الذين هم يخلصون العبادة لله وحده، ولا يشركون به غيره. ووجه تحقيق التوحيد من الآية أن هؤلاء سلموا من كل أنواع الشرك: الأكبر، والأصغر، والجلي، والخفي، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية في تحقيق التوحيد.\nومناسبة الآية للترجمة: من جهة أن الله تعالى وصف المؤمنين المسارعين للخيرات السابقين إلى الجنات بعدة صفات أعظمها الثناء عليهم بأنهم بربهم لا يشركون.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «هذه صفات أهل التوحيد والإيمان، أنهم كانوا موحدين لله مخلصين له، خالصين من الشرك مع عبادتهم وخوفهم لله، وهذا كمال التوحيد» (٢).\nحديث حصين أخرجه البخاري ومسلم (٣) كما ذكر ذلك المصنف.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٩٣).\n(٢) التعليق المفيد ص (٤).\n(٣) صحيح البخاري (٨/ ١١٢) رقم (٦٥٤١)، وصحيح مسلم (١/ ١٩٩) رقم (٢٢٠).","vol":"1","page":61},{"text":"قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثنَاهُ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصيبِ أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ.\n•---------------------------------•\nو(حصين): هو حصين بن عبد الرحمن السلمي الحارثيُّ أبو الهذيل الكوفي، من تابعي التابعين مات سنة (١٣٦ هـ) وله (٩٣) سنة.\nو(سعيد بن جُبير) هو الوَالِبِيُّ الكوفي، من أعلام التابعين، وكان علمًا ورعًا فقيهًا، من تلاميذ ابن عباس - ﵁ -، قتله الحجَّاج بن يوسف الثَّقفي سنة (٩٥ هـ) قبل أن يبلغ الخمسين من عمره.\n«أَيُّكُمْ رَأَى الكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ البَارِحَةَ؟» يسأل ابن جبير الجالسين أيهم رأى النجم الذي سقط، وهو الشِّهاب الذي يُرمى به الشياطين.\nو(البَارِحَة): أقرب ليلة مضت، وسُمِّيَتِ البارحةَ من بَرَحَتْ، أي: مَضَتْ (١).\n«فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ» القائل هو حصين، نفى ما يتوهمه الحاضرون من أن سهره في تلك الليلة كان بسبب قيام الليل، وهذا من ورع السلف، وابتعادهم عن الرياء، وتزكية النفس.\n«وَلَكِنِّي لُدِغْتُ» أي: لدغته حية أو عقرب، وكانت هذه اللدغة فيما يظهر شديدة؛ لأنه سهر بسببها.\n«ارْتَقَيْتُ» وفي رواية مسلم: «اسْتَرْقَيْتُ»، أي: طلبتُ الرقية.\n«فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟» يسأل سعيد حصينًا عن الدليل الذي جعله يسترقي، وهذا يدل على أن السلف كانوا لا يعملون إلا بمستند شرعي.\n_________\n(١) جمهرة اللغة (١/ ٢٧٤)، وتهذيب اللغة (٥/ ٢١)، ولسان العرب (٢/ ٤١٢).","vol":"1","page":62},{"text":"«حَدِيثٌ حَدَّثنَاهُ الشَّعْبِيُّ» الشعبي هو: عامر بن شراحيل الهمداني، الكوفي، من أئمة التابعين وثقاتهم، مات سنة (١٠٣ هـ).\n«لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (العين): هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، وهي نظرة مسمومة تؤثر في المعيون بإذن الله فيمرض بسببها.\nو«هي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمَعِين تصيبه تارة، وتخطئه تارة، فإن صادفته مكشوفا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولا بد، وإن صادفته حذرا شاكيَ السلاح لا منفذ فيه للسهام لم تؤثر فيه، وربما ردت السهام على صاحبها، وهذا بمثابة الرمي الحسي سواء، فهذا من النفوس والأرواح وذاك من الأجسام والأشباح.\nوأصله من إعجاب العائن بالشيء، ثم تتبعه كيفية نفسه الخبيثة، ثم تستعين على تنفيذ سمها بنظرة إلى المَعِين، وقد يَعِين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته، بل بطبعه، وهذا أردأ ما يكون من النوع الإنساني، وقد قال أصحابنا وغيرهم من الفقهاء: إن من عرف بذلك، حبسه الإمام، وأجرى له ما ينفق عليه إلى الموت، وهذا هو الصواب قطعًا» (١).\nوالعين حقٌّ كما في الحديث: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (٢).\n_________\n(١) زاد المعاد (٤/ ١٥٤).\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٧١٩) رقم (٢١٨٨) من حديث ابن عباس - ﵁ -.","vol":"1","page":63},{"text":"والاستغسال: هو أن يؤتى بالعائن ويطلب منه أن يتوضأ، ثم يؤخذ ما تناثر من الماء من أعضائه، ويصب على المصاب ويشرب منه، ويبرأ بإذن الله، والرقية أيضًا علاج للعين كما دل على ذلك حديث الباب.\nوهل الأمر في قوله - ﷺ -: «فَاغْسِلُوا» للوجوب؟\nقال المازري - ﵀ -: «هذا أمر وجوب، ويُجْبَرُ العائن على الوضوء للمعين على الصحيح» (١).\nوعلاج العين يكون بما يلي:\n١ - الاستغسال، كما سبق.\n٢ - الرقية، ودليلها حديث عبد الرحمن بن حصين هذا.\nوهناك طريقة أخرى، لا مانع منها أيضًا، وهي أن يؤخذ شيء من شعاره، أي: ما يلي جسمه من الثياب، كالثوب والطاقية والسروال وغيرها، أو التراب إذا مشى عليه وهو رطب، ويصب على ذلك ماء يرش به المصاب أو يشربه، وهو مُجرَّب (٢).\nو(الحُمَة) - بضم الحاء، وتخفيف الميم - هي: كلُّ هامةٍ ذاتِ سَم من حية أو عقرب أو نحوهما.\nومعنى الحديث: لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة (٣)؛ وإنما خص العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة شريرة روحانية شيطانية.\n_________\n(١) نقله عنه السيوطي في شرح مسلم (٥/ ٢٠٥).\n(٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (٩/ ٨٨).\n(٣) معالم السنن (٤/ ٢٢٦).","vol":"1","page":64},{"text":"قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَن انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ،\n•---------------------------------•\n«قَدْ أَحْسَنَ مَن انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ» أي: من أخذ بما بلغه من العلم وعمل به فقد أحسن؛ لأنه أدى ما وجب عليه، وعمل بما بلغه من العلم (١).\n«عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ» قال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «العارض لها الله ﷾، وهذا في المنام فيما يظهر» (٢).\n«فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ» وفي رواية مسلم: «الرُّهَيْطُ» بالتصغير، و(الرَّهْطُ): الجماعة دون العشرة، أي: من الثلاثة إلى التسعة.\n«وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ» أي: يبعث النبي ويتبعه رجلان، ويبعث النبي ولا يتبعه أحدٌ البتة؛ وليس ذلك نتيجة تقصير من الأنبياء، بل إنهم قد أدَّوا رسالاتهم على أكمل وجه، وبلغوا البلاغ المبين، وإنما يعود ذلك إلى استكبار أقوامهم وعدم قبولهم للحق.\nوفيه أن الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، وأن بعضهم لا يتبعه أحد، وفيه الرد على من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصور فيهم، وليس كذلك، بل الواجب اتباع الكتاب والسنة مع من كان وأين كان (٣)؛ بل قد ذم الله الكثرة، فقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٧٩).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٠٠).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٨٠).","vol":"1","page":65},{"text":"إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ».\n•---------------------------------•\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nوأثنى سبحانه على القلة، فقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩].\n«إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسى وَقَوْمُهُ» قد يقال: كيف لم يعرف - ﷺ - أمته، حيث ظن أنَّ قوم موسى - ﵇ - هم أمته؟ وكيف يجمع بين هذا، وبين حديث أبي الدرداء، وفيه: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله، كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرَهُمْ ...» (١)؟\nوالجواب: أن الأشخاص الذين رآهم في الأفق لا يدرك منهم إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم، وأما ما في حديث أبي الدرداء فمحمول على ما إذا قربوا منه (٢).\nوالسواد في الأصل: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص الذي يرى من بعيد.\nوفي حديث ابن مسعود: «فَإِذَا الْأُفُقُ قَدْ سُدَّ بِوُجُوهِ الرِّجَالِ» (٣)، وفي لفظ للإمام أحمد: «فَرَأَيْت أُمَّتِي قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ، فَأَعْجَبَنِي كَثْرَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ، فَقِيلَ أَرَضِيت يَا مُحَمَّدُ؟ قُلْت: نَعَمْ أَيْ رَبِّ» (٤).\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣٦/ ٦٤، ٦٥) رقم (٢١٧٣٧).\n(٢) ينظر في بحث هذه المسألة: فتح الباري لابن حجر (١١/ ٤٠٨).\n(٣) أخرجه البخاري ٥/ ٢٣٩٦ رقم (٦١٧٥)، وأحمد (١/ ٤٠١) رقم (٣٨٠٦) واللفظ له.\n(٤) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٣) رقم (٣٨١٩).","vol":"1","page":66},{"text":"ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ الله؟، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشركُوا بالله شيئًا. وَذَكَرُوا أَشياءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، .....................\n•---------------------------------•\n«وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا» «المراد من العدد التكثير والمبالغة، فالعرب تطلق السبعة، والسبعين ألفًا وتريد بذلك الكثرة والمبالغة» (١)، وقد يقال: إن الحديث على ظاهره، وأن المراد بالعدد الحقيقة.\nوقد ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين وصف السبعين ألفًا بأنهم تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر.\n«يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» أي: لا يعذبون ولا يحاسبون، لا في القبر، ولا في الموقف، ولا في النار؛ لأن قوله: «بَغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ» نكرتان في سياق النفي فتفيدان العموم؛ والسبب في هذا الفضل أنهم حققوا كمال التوكل على الله، وهذا المعنى الذي قصده المصنف، ومن أجله أورد الحديث في هذه الترجمة.\n«فَخَاضَ النَّاسُ في أُولَئِكَ» أي: تباحث الحاضرون وأفاضوا وتناظروا واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، فإنهم عرفوا أنهم إنما نالوا ذلك بعمل هو أفضل الأعمال (٢).\nقال النووي: «وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة الاستفادة وإظهار الحق» (٣).\n_________\n(١) فوائد من شرح كتاب التوحيد لعبد العزيز السدحان ص (١٥)، نقلًا عن شيخنا ابن جبرين - ﵀ -.\n(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٤٤).\n(٣) شرح النووي على مسلم (٣/ ٩٥).","vol":"1","page":67},{"text":"وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ». فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجْلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ». رواه البخاري، ومسلم.\n•---------------------------------•\n«فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ» بما تحاوروا فيه من أمر هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذاب، قال:\n«هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ» أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم.\n«وَلَا يَكْتَوُونَ» أي: لا يطلبون من غيرهم أن يكويهم بالنار لأجل العلاج.\nووقع في رواية سعيد بن منصور عند مسلم: «لَا يَرْقُونَ» بدل: «وَلَا يَكْتَوُونَ» وقد أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الرواية، وقال: إنها غلط من راويها، وهذا هو الصواب، وهي رواية شاذة مخالفة لرواية الثقات.\nومما يؤكد شذوذ هذه الرواية أنَّ النبي - ﷺ - رقى أصحابه وأذن لهم في الرقى وقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (١)، والنفع مطلوب.\n«وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، والتطير: مأخوذ من الطير، واسم المصدر منه طِيَرَة، وسيأتي باب خاص بالتطير.\n«وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهذا هو الأصل الجامع لكل ما سبق من الأشياء التي في تركها كمال التوكل على الله، ونهاية تحقيق التوحيد له سبحانه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٦) رقم (٢١٩٩).","vol":"1","page":68},{"text":"وبهذا نعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-46> الاسترقاء والكي ليسا بمذمومين</span>، وإنما تركهما من كمال التوكل على الله، وقد ثبت في صحيح البخاري، عن أنس: «أَنَّهُ كُوِيَ مِنْ ذَات الْجَنْب، وَالنَّبِيّ - ﷺ - حَيّ» (١).\nوروى الترمذي وابن حبان عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِن الشَّوْكَةِ» (٢).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعًا: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنا أَنْهَى أُمَّتِي عَن الْكَيِّ» (٣).\nوفي حديث جابر: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (٤).\nوقد اختلف أهل العلم في الكي، فمنهم من حرمه وجعل الأحاديث التي فيها الإذن بالكي متقدمة، وأحاديث النهي متأخرة، ومنهم من حمل النهي على كراهية التنزيه، وأحسن من تكلم في ذلك الإمام ابن القيم - ﵀ - حيث قال: «تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:\nأحدها: فعله.\nوالثاني: عدم محبته له.\nوالثالث: الثناء على من تركه.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٥/ ٢١٦٢) رقم (٥٣٨٩).\n(٢) جامع الترمذي ٤/ ٣٩٠، وصحيح ابن حبان (١٣/ ٤٤٣) رقم (٦٠٨٠).\n(٣) صحيح البخاري (٥/ ٢١٥٢) رقم (٥٣٥٩).\n(٤) أخرجه البخاري (٧/ ١٢٥) رقم (٥٧٠٢).","vol":"1","page":69},{"text":"والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركيه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية» (١)، فمن ترك هذه الأمور توكلًا لا تجلدًا ولا تصبرًا فهو من كمال تحقيق التوحيد.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «الأقرب أن يقال ما يلي:\n١) أن ما علم أو غلب على الظن نفعه مع احتمال الهلاك بعدمه؛ فهو واجب.\n٢) ما غلب على الظن نفعه، لكن ليس هناك هلاك محقق بتركه؛ فهو أفضل.\n٣) ما تساوى فيه الأمران؛ فتركه أفضل» (٢).\nوأما التطير فإنه لا يجوز مطلقًا؛ لأنه من أفعال الجاهلية وليس له حقيقة أصلًا، وقد عقد المؤلف له بابًا خاصًا سيأتي.\n«فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ» عُكَّاشة - بضم العين وتشديد الكاف ويجوز تخفيفه - ابن محصن بن حُرْثَان الأسدي، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال، هاجر وشهد بدرًا وقاتل فيها واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد سنة (١٢ هـ) (٣).\n«أَنْتَ مِنْهُمْ» قيل: هو خبر بمعنى الدعاء؛ لأنه جاء في بعض الروايات: «اللهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ»، ويؤكده قول عكاشة في الحديث: «ادْعُ اللهَ».\n_________\n(١) زاد المعاد (٤/ ٥٨).\n(٢) الشرح الممتع (٥/ ٢٣٤).\n(٣) ينظر في ترجمته: الطبقات الكبرى (٣/ ٦٧)، والاستيعاب (٣/ ١٠٨٠)، وأسد الغابة (٤/ ٦٤).","vol":"1","page":70},{"text":"وقيل: قوله: «أَنْتَ مِنْهُمْ» جملة خبرية على بابها، وقد وقع كما أخبر النبي - ﷺ - حيث سار عكاشة ببقية حياته على الجادة حتى قتل شهيدًا، وفي هذا عَلَم من أعلام النبوة كما ذكر المصنف في مسائل هذا الباب.\nويمكن الجمع بين القولين بأن النبي - ﷺ - قد يكون دعا له أولًا، ثم جاءه الوحي بدخوله الجنة؛ فأخبره بذلك.\nومناسبة الحديث للباب: أن هؤلاء المؤمنين الموصوفين بتلك الصفات دخلوا الجنة بغير حساب؛ لقوة توحيدهم وتوكلهم وإخلاصهم واعتمادهم على الله وحده.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>بَابُ الخَوْفِ مِنَ الشركِ</span>\nوَقَوْلِ الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان خطورة الشرك، فإنه لَمَّا ذكر في الأبواب السابقة فضل التوحيد وتحقيقه ناسب أن يذكر ما يضاده وهو الشرك بالله؛ لأن الشيء يُعْرَفُ بضده، وقديمًا قيل:\nضِدَانِ لَمَّا استَجمَعَا حَسُنَا ... وَالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ\nوأراد المصنف أن يبين أيضًا أَنَّ العبد مهما بلغ من الإيمان فإنه لا يأمن على نفسه الفتنة، فقد يقع في الشرك وهو لا يعلم، وقد يقع فيه لضعفٍ أو عجزٍ أو مصلحة أو رهبة ونحو ذلك.\nوقوله: «بَابُ الخَوْفِ مِنَ الشركِ» أي: باب وجوب الخوف من الشرك، والشرك يعم الأكبر والأصغر؛ لأن كلمة (الشرك) جاءت محلاة بـ (ألـ)، فتشمل نوعي الشرك.\n«وَقَوْلِ الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾» هذه الآية بينت أن كل صاحب ذنب تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم يكن ذنبه شركًا بالله.\nقال ابن الجوزي - ﵀ -: «والمراد من الآية لا يغفر لمشرك مات على شركه، وفي قوله: (لمن يشاء) نعمة عظيمة من وجهين:\nأحدهما: أنها تقتضي أن كل ميت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب وإن مات مُصِرًّا.","vol":"1","page":72},{"text":"والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين وهو أن يكونوا على خوف وطمع» (١).\nفإن قِيل: ماذا عن الشرك الأصغر هل يأخذ حكم الشرك الأكبر فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، أم أنه يأخذ حكم الكبائر ويكون تحت المشيئة، ويدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟\nالجواب: أن هذه مسألة مختلف فيها، فقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ - في بعض المواضع أنه «قد يقال: الشرك لا يغفر منه شيء لا أكبر ولا أصغر على مقتضى عموم القرآن، وإن كان صاحب الشرك الأصغر يموت مسلمًا، لكن شركه لا يغفر له بل يعاقب عليه وإن دخل بعد ذلك الجنة» (٢).\nونقل عنه شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - في موضع آخر القول بغفران الشرك الأصغر، فقال: «شيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال: الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر، وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقًا؛ لأن العموم يحتمل أن يكون داخلًا فيه الأصغر» (٣).\n_________\n(١) زاد المسير (١/ ٤١٨).\n(٢) الرد على البكري ص (١٤٦).\n(٣) القول المفيد (١/ ١١٤).","vol":"1","page":73},{"text":"وَقَالَ الخَلِيلُ - ﵇ -: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.\n•---------------------------------•\n«وقال الخليل - ﵇ -: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾» الخليل هو إبراهيم - ﵇ -، وسمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليًلا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].\nووجه مناسبة الآية للترجمة: أنه إذا كان إبراهيم - ﵇ - يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ ! وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك، لا كما يقول الجهال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ولهذا أَمِنُوا الشرك فوقعوا فيه.\nومعنى هذا الدعاء: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي: اجعلني وإياهم جانبًا بعيدًا عن عبادتها والإلمام بها (١).\nوفي هذا إشارة إلى وجوب الخوف من الشرك، فمع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم - ﵇ - من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار، مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة (٢)؛ ولذا قال إبراهيم التيمي: «من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم» (٣).\n_________\n(١) ينظر: تفسير السعدي ص (٤٢٦).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٩٦).\n(٣) تفسير الطبري (١٧/ ١٧).","vol":"1","page":74},{"text":"وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» رواه أحمد من حديث محمود بن لبيد.\n•---------------------------------•\nحديث محمود بن لبيد عند أحمد، والبيهقي وغيرهما (١)، وهو مرسل.\n_________\n(١) أخرجه إسماعيل بن جعفر في (حديث علي بن حجر عنه) ص (٤٤٧) رقم (٣٨٤)، وأحمد في المسند (٣٩/ ٤٠) رقم (٢٣٦٣١)، و(٣٩/ ٤٣) رقم (٢٣٦٣٦)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٢٣، ٣٢٤) رقم (٤١٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ١٥٤) رقم (٦٤١٢) من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٢٢٧) رقم (٨٤٠٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٦٧) رقم (٩٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٣) رقم (٣٥٨٥)، وشعب الإيمان (٤/ ٥٠٢) رقم (٢٨٧٢) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة،\nكلاهما (عمرو بن أبي عمرو، وسعد بن إسحاق) عن عاصم بن عمر بن قتادة الظَّفَرِيِّ، عن محمود بن لبيد، مرفوعًا، ولفظه في رواية عمرو: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، إِنَّ اللهَ -يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمْ-: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً». ولفظه في رواية سعد بن إسحاق: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا؛ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ».\nوهو مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يسمع من النبي - ﷺ -، فقد عدَّه ابن سعد في الطبقات (٥/ ٧٧)، ومسلم كما في تهذيب التهذيب (١٠/ ٦٦) من التابعين، وقال المزي في تهذيب الكمال (٢٧/ ٣٠٩): «ولم تصح له رؤية ولا سماع من النبي - ﷺ -».\nوجاء في رواية عند أحمد في المسند (٣٩/ ٣٩) رقم (٢٣٦٣٠) من طريق عمرو بن أبي عمرو عن محمود بن لبيد فسقط عاصم الظَّفَرِيُّ من إسناده.\nوأخرجه - بلفظ رواية سعد بن إسحاق - البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ٤١٣) رقم (٣٥٨٥) وجعله من حديث محمود بن لبيد عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٥٣) رقم (٤٣٠١) وجعله من حديث محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج مرفوعًا.","vol":"1","page":75},{"text":"«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشركُ الأَصْغَرُ» دل الحديث على أن النبي - ﷺ - يخاف على أصحابه مع قوة إيمانهم من الشرك الأصغر، فنحن مع ضعف إيماننا وقلة معرفتنا يجب أن نخاف من الشركين الأصغر والأكبر من باب أولى.\n«فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: الرِّيَاءُ» الرياء لغة: مشتق من الرؤية، يقال: راءيتُه، مراءاة، ورياء، إذا أريتُه على خلاف ما أنا عليه (١).\nوالرياء في الشرع: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها (٢).\nوالرياء ينقسم -باعتبار إبطاله للعبادة- إلى قسمين (٣):\nالأول: أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء؛ فهذا عمله باطل مردود عليه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٤).\nالثاني: أن يكون الرياء طارئًا على العبادة، أي: أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء؛ فهذا ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن يدافعه؛ فهذا لا يضره.\nالقسم الثاني: أن يسترسل معه؛ فهذا باطل، ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أو لا؟\n_________\n(١) ينظر: جمهرة اللغة (١/ ٢٣٦)، والمصباح المنير (١/ ٢٤٧).\n(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٣٣٦).\n(٣) هذا التقسيم مستفاد من القول المفيد (١/ ١١٧ - ١١٩) بتصرف.\n(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٨٩) رقم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":76},{"text":"وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ». رواه البخاري.\n•---------------------------------•\nلا يخلو هذا من حالين:\nالحال الأولى: أن يكون آخر العبادة مبنيًّا على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها؛ فهذه كلها فاسدة.\nمثال ذلك: الصلاة فلا يصح أولها مع فساد آخرها.\nالحال الثانية: أن يكون أول العبادة منفصلًا عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء؛ فهو صحيح، وما كان بعده؛ فهو باطل.\nمثال ذلك: رجل عنده مائة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين أخرى بقصد الرياء؛ فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة؛ لأن آخرها منفك عن أولها.\n«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: ...» الحديث في الصحيحين (١).\n«مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا» (مَنْ) شرطية، ويحتمل أنها موصولة، وهي من ألفاظ العموم، فتعمُّ الذكر والأنثى والعالم وغير العالم.\nوقوله: «وَهُوَ يَدْعُو» يشمل الدعاء بقسميه: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.\nوقوله: «مِنْ دُونِ الله نِدًّا» الند هو: الشَّبيه والمثيل والنَّظير، و(نِدًّا) هنا جاءت نكرة في سياق الشرط، فتعم كل نِدٍّ.\n«دَخَلَ النَّارَ» هذا جواب الشرط، وإذا قلنا: إنها موصولة، فالجملة خبر المبتدأ، والمعنى: دخل النار خالدًا فيها؛ لأن الشرك يخلد صاحبه في النار.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٦/ ٢٣) رقم (٤٤٩٧)، وصحيح مسلم (١/ ٩٤) رقم (٩٢).","vol":"1","page":77},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشركُ بِهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ».\n•---------------------------------•\n«وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: ...» الحديث. أخرجه مسلم في صحيحه (١) كما ذكر المصنف.\n«مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشركُ بِهِ شيئًا» أي: من لم يتخذ معه شريكًا في الإلهية، ولا في الخلق، ولا في العبادة، ومن المعلوم من الشرع المُجْمَع عليه عند أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ من مات على ذلك، فلا بُدَّ له من دخول الجنة، وإن جَرَت عليه قبل ذلك أنواعٌ من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل الجنة، ولا يناله من الله تعالى رحمة، ويخلدُ في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب ولا تصرم آباد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين (٢).\nوقوله في الحديث: «شيئًا» نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم، والمراد لا يشرك مع الله غيره لا في الربوبية ولا في الألوهية ولا في الأسماء والصفات.\nومناسبة الحديثين للترجمة: أنَّ الشرك تترتب عليه عواقب وخيمة إذا مات الإنسان قبل أن يتوب منه، ومن هذه العواقب خلوده في النار، وهذا أكبر مُخَوِّف عن الشرك.\nهل المشرك يخلد في النار؟\n- مسألة: هل المشرك يُخَلَّد في النار؟\nالجواب: أنَّ هذا بحسب الشرك، إن كان الشرك أصغر، فإنه لا يلزم من ذلك الخلود في النار، وإن كان أكبر؛ فإنه يلزم منه الخلود في النار، وهذا هو مقتضى الآيات الواردة في كتاب الله عن الشرك.\n_________\n(١) صحيح مسلم (١/ ٩٤) رقم (٩٣).\n(٢) المفهم (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: أنه لما سبق الكلام عن التوحيد والحَثِّ عليه، وعن الشرك والتحذير منه، ناسب هنا بيان أنه لا ينبغي لمن عرف هذا الحق أن يقف به عند نفسه، بل عليه أن يدعو غيره إلى ذلك؛ لأن هذه سنة الأنبياء، وهو الواجب على كل من عرف التوحيد.\nوهذا الباب يتناسب في ترتيبه مع الأبواب السابقة، فإن المؤلف ذكر وجوب التوحيد وفضله، والحث عليه وعلى تكميله، والتحقق منه ظاهرًا وباطنًا، والخوف من ضده، وبذلك يكمل العبد نفسه. ثم ذكر في هذا الباب تكميله لغيره بالدعوة إلى شهادة (أن لا إله إلا الله)، فإنه لا يتم التوحيد حتى يكمل العبد جميع مراتبه ثم يسعى في تكميل غيره، وهذا هو طريق جميع الأنبياء (١).\n«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾» قال ابن كثير - ﵀ -: «يقول الله تعالى لعبده ورسوله إلى الثقلين: الإنس والجن، آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه، يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - ﷺ - على بصيرة ويقين وبرهان شرعي وعقلي» (٢).\nوذكر المصنف هذه الآية بعد الترجمة؛ لأن فيها الدعوة إلى الله وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له كما بيَّن الإمام ابن كثير.\n_________\n(١) ينظر: القول السديد ص (٣٧).\n(٢) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٢٢).","vol":"1","page":79},{"text":"﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ أفرد هنا السبيل، وهو الصراط المستقيم؛ لأنه سبيل واحد.\n﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على علم، والبصيرة عليها مدار الدعوة إلى الله، وقد جاءت نصوص كثيرة تبين أن الداعي ينبغي له أن يكون عليمًا فيما يأمر به، عليمًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، فقد قال الله تعالى لرسوله - ﷺ -: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].\nوقال تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤].\nوقال الرسول - ﷺ -: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» (١)، وقال - ﷺ -: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا (٢)»، (٣).\nوالداعي إلى الله له شروط وصفات، منها:\nالصفة الأولى: أن يكون مخلصًا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].\nالصفة الثانية: أن يكون على بصيرة.\nالصفة الثالثة: الصبر على الدعوة.\nالصفة الرابعة: العلم بأحوال المدعوين (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٤) رقم (٢٥٩٤) من حديث عائشة - ﵂ -.\n(٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٥) رقم (٦٩)، ومسلم (٣/ ١٣٥٩) رقم (١٧٣٤) من حديث أنس - ﵁ -.\n(٣) ينظر: فتح الله الحميد ص (١٧٩).\n(٤) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص (٤٣ - ٤٨) بتصرف.","vol":"1","page":80},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، (وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ)،\n•---------------------------------•\nحديث ابن عباس - ﵁ - أخرجه البخاري ومسلم (١).\n«إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ» هذه توطئة «للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهلِ الكتاب أهلَ علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصهم بالذكر تفضيلا لهم على غيرهم» (٢).\nو«أخبره النبي - ﷺ - بذلك؛ لأمرين:\nالأول: أن يكون بصيرا بأحوال من يدعو.\nالثاني: أن يكون مستعدا لهم؛ لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم» (٣).\n«فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول - ﷺ - واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلمًا والعدو وليًّا» (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٢/ ١١٩) رقم (١٤٥٨)، وصحيح مسلم (١/ ٥١) رقم (١٩).\n(٢) فتح الباري (٣/ ٣٥٨).\n(٣) القول المفيد (١/ ١٣٢).\n(٤) الفتاوى الكبرى ٣/ ٥٤٤.","vol":"1","page":81},{"text":"فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، ................................................\n•---------------------------------•\nوهل يجب على كل مسلم أن يدعو إلى الله؟\nذكر شيخنا ابن باز - ﵀ -: أن الأصل أنها واجب على الكفاية، وإن قام بها البعض سقطت عن الباقين، شريطة أن تكون الأمة أو الطائفة التي تدعو تكفي، فإذا لم تكن تكفي تعين على الجميع أن يسدوا هذا الواجب، فعند قلة الدعاة وكثرة المنكرات وغلبة الجهل كحالنا اليوم تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته (١).\n«فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» قال ابن حجر - ﵀ -: «قوله خمس صلوات استدل به على أن الوتر ليس بفرض» (٢).\n«فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» فيه دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وأنها لا تنفع إلَّا من وحد الله وصلى الصلوات الخمس بشروطها وأركانها وواجباتها، وقد قرن الله الزكاة بالصلاة في مواضع كثيرة من كتابه (٣).\n«تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليلٌ على أن لولي الأمر أن يأخذ الزكاة من أهلها ويصرفها في مصارفها، وأنه إذا فعل ذلك برئت الذمة (٤).\n_________\n(١) الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ص (١٥، ١٦) بتصرف.\n(٢) فتح الباري (٣/ ٣٥٩).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٩٩)، وقرة عيون الموحدين ص (٣٨).\n(٤) ينظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٢/ ٥٠٦).","vol":"1","page":82},{"text":"فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» أخرجاه.\n•---------------------------------•\nوقوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فيه دليل على جواز إعطاء الزكاة لصنف واحد.\nوقد بوب البخاري: (باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا) وهذا يدل على أن البخاري يرى جواز نقل الزكاة إلى بلاد المسلمين الأخرى؛ لعموم قوله: «فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان، كان ذلك جائزًا.\n«فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» «إِيَّاكَ» تفيد التحذير، والتحذير يستلزم النهي (١). و«كَرَائِمَ» جمع كريمة أي نفيسة، وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال؛ لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه (٢).\n«وَاتِّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ» «فيه: أن للإمام أن يعظ من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم، ويحذره وباله» (٣).\n«فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ» هذا تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار السلطان متظلمًا فلا يحجب (٤).\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن دعوة المظلوم مستجابة، وأنه يجب على الإنسان أن يتقي الظلم ويخاف من دعوة المظلوم (٥).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١٤٢).\n(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (٣/ ٣٦٠)، ونيل الأوطار (٤/ ١٤٠).\n(٣) شرح صحيح البخاري (٣/ ٥٤٨).\n(٤) فتح الباري (٣/ ٣٦٠).\n(٥) شرح رياض الصالحين (٢/ ٥٠٨).","vol":"1","page":83},{"text":"وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ»، .....\n•---------------------------------•\nحديث سهل بن سعد أخرجه البخاري ومسلم (١).\n«لأُعْطِيَنَّ» هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات: الأول: القسم المقدر، والثاني: اللام، والثالث: النون، والتقدير: والله لأعطين (٢).\n«الرَّايَةَ» أي: العَلَم، وسمي راية، لأنه يُرى، وهو ما يتخذه أمير الجيش للعلامة على مكانه (٣). قال ابن القيم - ﵀ -: «وكانت له راية سوداء يقال لها: العقاب، وفي سنن أبي داود عن رجل من الصحابة قال: رأيت راية رسول الله - ﷺ - صفراء وكانت له ألوية بيضاء» (٤).\n«رَجَلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» فيه اختصاص علي - ﵁ - دون غيره من الصحابة بهذه البشارة، مع أنهم جميعًا يحبون الله ورسوله ويحبهم الله ورسوله، وهي منقبة عظيمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «هذا الحديث أصح ما روي لعلي - ﵁ - من الفضائل» (٥).\nوهل هذا لاختصاص يعني أنه أفضل الصحابة كما تقول الرافضة؟\nالجواب: إن الخصوصية لا تعني الأفضلية وربما يختص بعض الصحابة ببعض المناقب ولا يكون دليلًا على أنه أفضل من غيره.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤/ ٤٧) رقم (٢٩٤٢)، وصحيح مسلم (٤/ ١٨٧٢) رقم (٢٤٠٦).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ١٣٤).\n(٣) المرجع السابق (١/ ١٣٤).\n(٤) زاد المعاد (١/ ١٢٧).\n(٥) منهاج السنة النبوية (٥/ ٤٤).","vol":"1","page":84},{"text":"فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ - كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»، فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِي بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، ...................................................\n•---------------------------------•\nوقد ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - سأل سؤالًا فلم يعرفه إلا ابن عمر وكان أصغر الموجودين، وكان في المجلس أبو بكر، وعمر، وكان هذا السؤال عن الشجرة التي لا يسقط ورقها (١) فوقع في نفسه الجواب، وهذا لا يعني أنَّ ابن عمر كان أفضل الحاضرين.\nوقوله: «يَفتْحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ» صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه، فكان الأمر كذلك، ففيه دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله (٢).\n«فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا» يدوكون: أصله من الدَّوْك، من داك يدوك دوكًا، والدوك هو الاختلاط، والمعنى أي يخوضون ويموجون ويختلفون.\nأي: كلهم باتوا يفكرون أيهم يعطاها، ليس للإمارة في حد ذاتها وإنما لحب الله ورسوله لمن يعطاها.\n«كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا» عمر كان أيضًا يرجوها، وفي رواية أبي هريرة عند مسلم (٣): أن عمر - ﵁ - قال: «مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ».\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ٣٤) رقم (٦١)، ومسلم (٤/ ٢١٦٤) رقم (٢٨١١).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (١٠٤).\n(٣) صحيح مسلم (٤/ ١٨٧١) رقم (٢٤٠٥).","vol":"1","page":85},{"text":"فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ، فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». يَدُوكُونَ: أَيْ يَخُوضُونَ.\n•---------------------------------•\n«فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقد أحوالهم (١).\n«فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ» أي: من الرمد كما في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص، فقال: «فَأُتِىَ بِهِ أَرْمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَيْنِهِ» (٢).\n«فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ» فيه آية من آيات النبوة، وفي رواية: «مَا رَمِدْتُ وَلَا صُدِّعْتُ مُنْذُ دَفَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِلَيَّ بِالرَّايَةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» (٣).\n«انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ» أي: مَهْلِك، مأخوذ من رسل الناقة؛ أي: حليبها يحلب شيئًا فشيئًا، والمعنى: امش هوينا هوينا؛ لأن المقام خطير؛ لأنه يخشى من كمين، واليهود خبثاء أهل غدر (٤).\n«حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ» أي: حتى تبلغ فناءهم من أرضهم.\n«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ» هذا محل الشاهد من الحديث للباب، «باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله».\n_________\n(١) ينظر: فتح المجيد ص (٩١).\n(٢) صحيح مسلم (٤/ ١٨٧١) رقم (٢٤٠٤).\n(٣) أخرجها أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ١٥٦) رقم (١٨٥).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":86},{"text":"حيث قال: «ادعهم إلى الإسلام» فهذا فيه دليل على وجوب الدعوة إلى الإسلام، وأن العدو يُدعى قبل أن يُقاتل، ولا يُبدأ بالقتال قبل الدعوة (١).\nوالدعوة من حيث حال المدعو تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يكون طالبًا للحق محبًا له مؤثرًا له على غيره، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظة ولا جدال.\nالثاني: أن يكون معرضًا مشتغلًا بضد الحق، ولكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.\nالثالث: أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن، فإن رجع إلى الحق، وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن (٢).\n«وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله تَعَالَى فِيهِ» أي: فأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه التي لا بد من فعلها كالصلاة والزكاة.\n«فَوالله لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا» فيه جواز القسم بغير استحلاف، لبيان عظم الأمر وتأكيد وقوعه، وقد حلف النبي - ﷺ - من غير استحلاف في ثمانين موضعًا كما ذكر ابن القيم.\n_________\n(١) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ١١٦)، وللتوسع في ذلك، ينظر مبحث: (هل الأصل في التعامل مع غير المسلمين السلم أم الحرب؟) من كتابي التعامل مع غير المسلمين في السنة النبوية.\n(٢) ينظر: الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٧٦).","vol":"1","page":87},{"text":"«خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» قال النووي - ﵀ -: «تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية، خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها» (١).\nوقوله: «حُمْرِ النَّعَمِ»: هي الإبل الحمراء، وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، وذكرها لأنها مرغوبة عند العرب، وهي أحسن وأنفس ما يكون من الإبل عندهم.\nفائدة:\n(حُمْر): بسكون الميم لا ضمها: جمع أحمر، أما بالضم (حُمُر): جمع حمار، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدَّثر: ٥٠].\nو(النَّعَم): بفتح النون لا كسرها: الإبل، وأما (النِّعَم) بالكسر: جمع نعمة.\nومناسبة هذا الحديث والذي قبله للباب أن النبي - ﷺ - أمر معاذًا لمَّا بعثه إلى اليمن وعليًّا في خيبر أن يبدآ بالدعوة إلى (لا إله إلا الله).\n_________\n(١) شرح مسلم (١٥/ ١٧٨).","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>بَابُ تَفْسيرِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أَنَّ التوحيد ليس اسمًا لا معنى له، أو قولًا لا حقيقة له، كما يتصوره بعض الجهال.\nوعطف المصنف الشهادة على التوحيد من باب عطف المترادفين؛ لأنهما بمعنى واحد، وإن اختلفت ألفاظهما.\n«وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [الإسراء: ٥٧]» يتضح معناها بذكر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].\nقال ابن جرير - ﵀ -: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - ﷺ -: قل يا محمد لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه عند ضرٍّ ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم، أو تحويله عنكم إلى غيركم» (١).\n«﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾» أي: هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب; فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟ ! (٢)\n_________\n(١) جامع البيان (١٤/ ٦٢٦).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":89},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ الآية، وَقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.\n•---------------------------------•\nوقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ أفادت الآية أن التوحيد معناه تجرد الإنسان من الشرك وإنكاره له.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «هذا تفسير التوحيد بمعناه فقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ كقولنا: لا إله، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ كقولنا: إلا الله، فبين أن معنى التوحيد البراءة من عبادة غير الله، والتوحيد لله وحده بجميع أنواع العبادات» (١).\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية أفادت هذه الآية الكريمة أن من أطاع غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه ربًّا ومعبودًا، وذلك ينافي التوحيد.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله» (٢).\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ الآية، أفادت هذه الآية الكريمة: أن من أشرك مع الله غيره في المحبة، فقد جعله شريكًا في العبادة، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله.\n_________\n(١) شرح كتاب التوحيد ص (٤٨).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٠٧).","vol":"1","page":90},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى الله ﷿».\nوَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ.\n•---------------------------------•\nو«الشاهد من هذه الآية: أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أندادًا» (١).\n«وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح مسلم (٢)، عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه: طارق بن أَشْيَمَ الْأَشْجَعِيِّ.\n«مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله» أي: نطق بها وعرف معناها وأقر بها وعمل بمقتضاها.\n«وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله» أي: تبرأ وأنكر كل معبود سوى الله بقلبه ولسانه، كان حكمه أنه «حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» فلا يحل للمسلمين أخذ ماله وسفك دمه، بناءً على ما ظهر منه.\n«وَحِسَابُهُ عَلَى الله ﷿» فهو الذي يتولى حساب من تلفَّظ بالشهادة، فيجازيه على حسب اعتقاده، فإن كان صادقًا أثابه، وإن كان منافقًا عذبه.\nوقد علق النبي - ﷺ - - في هذا الحديث وغيره - عصمة المال والدم بأمرين:\nالأمر الأول: قول: لا إله إلا الله.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١٥٦).\n(٢) (١/ ٥٣) رقم (٢٣).","vol":"1","page":91},{"text":"والثاني: الكفر بما يعبد من دون الله.\nوقد أجمع العلماء على ذلك، وعلى أنه لا بد في العصمة من الإتيان بالتوحيد والتزام أحكامه وترك الشرك.\nلكن بعض من وقع في الشرك في هذه الأزمنة، وفي زمن الإمام المجدد، وقبله لا يقولون: سنتخذ مع الله إلهًا آخر، وإنما يقولون: شيخًا، وسيِّدًا، وفقيهًا، وأبًا. وشركهم مع الله يسمونه توسلًا، وواسطةً، ونحو ذلك. والمعنى واحدٌ، وتغيير الأسماء لا يغير من الحقيقية شيئًا.\n«وَشرحُ هَذِهِ التَّرْجَمَة مَا بَعْدَهَا مِنَ الأَبْوَابِ» أي: هذا الباب: (تفسير التوحيد وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله) يأتي شرحه وبيانه في الأبواب التالية له.","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>بَابٌ مِنَ الشركِ لُبْسُ الحَلْقَةِ وَالخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا\nلِرَفْعِ البَلاءِ أَوْ دَفْعِهِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: لمَّا ذكر المصنف في الباب السابق معنى «لا إله إلا الله»، وتفسير التوحيد؛ ناسب أن يذكر في هذا الباب وبعده أنواعًا من الشرك الأصغر والأكبر، وهذا في غاية المناسبة؛ إذ إِنَّ الشيء بعد أن يُعَرَّف يُؤْتَى بأنواعه وأشكاله.\n«مِنَ الشركِ» (مِنْ) هنا تبعيضية، يعني من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد: لبس الحلقة والخيط ونحوهما، وليس ذلك كل الشرك.\nوقد يكون شركًا أكبر على ما يأتي تفصيله إن شاء الله.\n«لِرَفْعِ البَلاءِ أَوْ دَفْعِهِ» الفرق بين (الرَّفْع) و(الدَّفْع)؛ أن الرَّفْع: هو إزالة البلاء بعد وقوعه. والدَّفْع: منع نزوله. فالأول علاج، والثاني وقاية.\n\nوهذا الباب الذي عقده المصنف - ﵀ - يخص ما يتعلق بالأسباب، قال السعدي - ﵀ -: «هذا الباب يتوقف فهمه على معرفة<span data-type=\"title\" id=toc-57> أحكام الأسباب</span>، وتفصيل القول فيها: أنه يجب على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:\nأحدها: أن لا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا.\nثانيها: أن لا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها، مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها.\nثالثها: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره لا خروج لها عنه» (١).\n_________\n(١) القول السديد ص (٤٦).","vol":"1","page":93},{"text":"«وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد بل القيام بها واعتبارها وإنزالها في منازلها التي أنزلها الله فيها هو محض التوحيد والعبودية» (١).\nواعلم أن «الناس في الأسباب طرفان ووسط:\nالأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله، كالجبرية، والأشعرية.\nالثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلون ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم.\nالثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله، سواء كان سببًا شرعيًا أو كونيًا.\nوهؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًا، وآمنوا بحكمته» (٢)، وهم الوسط بين هؤلاء وهؤلاء.\n\nما<span data-type=\"title\" id=toc-58> حكم لبس الحلقة والخيط ونحوهما</span>؟\nالجواب: أن لبس الحلقة ونحوها الأصل فيه أنه من الشرك الأصغر، ولكن قد يرتقي إلى الشرك الأكبر، فإن اعتقد لابسها أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، وإن اعتقد أنها مؤثرةٌ بنفسها دون الله، فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا غيره.\n_________\n(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٩٥).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٦٤).","vol":"1","page":94},{"text":"وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nكيف ندرك أن السبب صحيح؟\nالجواب: العلم بأن الشيء سبب صحيح، إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وكقراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].\nوإما عن طريق القدر، ولكن لا بد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا (١).\n«وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ﴾ الآية» أي: قل لهم: هل تستطيع هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله أن تُبْعِدَ عني أذًى قدَّره الله عليَّ، أو تزيلَ مكروهًا لَحِق بي؟ وهل تستطيع أن تمنع نفعا يسَّره الله لي، أو تحبس رحمة الله عني؟\nو(ما) في قوله: ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ عامة؛ لأنها اسم موصول بمعنى الذي؛ فتشمل كل ما يدعى من دون الله.\nواستعملت (ما) في الآية لبيان أنَّ آلهتهم لا تعقل؛ لأن (ما) في اللغة تستعمل لغير العاقل.\nوالضمير ﴿هُنَّ﴾ في قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ يؤكد أيضًا أنَّ آلهتهم لا تعقل شيئًا؛ لأن الضمير ﴿هُنَّ﴾ إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل، والأخير يتناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل.\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ١١٧).","vol":"1","page":95},{"text":"عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ، فَقَالَ: «انْزِعْهَا فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» رواهُ أحمدُ بسندٍ لا بأسَ بِهِ.\n•---------------------------------•\nوقوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الضُر سوء الحال، ويشمل المرض والفقر والبلاء والشدة ونحوها.\n«والشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر؛ فليست أسبابا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري؛ فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله» (١).\n«عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ ...» الحديث رواه أحمد، وابن ماجه وغيرهما (٢)، وإسناده مرفوعًا ضعيف، والصحيح وقفه.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١٦٨).\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٣٣/ ٢٠٤) رقم (٢٠٠٠٠) عن خلف بن الوليد،\nوابن ماجه في سننه (٢/ ١١٦٧) رقم (٣٥٣١) من طريق وكيع بن الجراح،\nوالبزار في مسنده (٩/ ٣٢) رقم (٣٥٤٧) من طريق حبان بن هلال الباهلي،\nوابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٤٩) رقم (٦٠٨٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ١٧٢) رقم (٣٩١) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوالطبراني في المعجم الكبير أيضًا (١٨/ ١٧٢) رقم (٣٩١) من طريق حجاج بن المنهال، وعبد الرحمن بن سلام الجمحي،\nوإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١٠٥٥) عن سعيد بن سليمان الواسطي،\nسبعتهم (خلف، ووكيع، وحبان، وأبو الوليد، وحجاج، وعبد الرحمن، وسعيد) عن مبارك بن فضالة، عن الحسن البصري، عن عمران - ﵁ -.\nوليس في رواية ابن ماجه، والبزار، والحربي، قوله: «فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا».\nوعند ابن حبان والطبراني: «وُكِلْتَ إِلَيْهَا» بدل: «مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا».\nوأخرجه البزار في مسنده (٩/ ٣١) رقم (٣٥٤٥) من طريق يونس بن عُبيد، =","vol":"1","page":96},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والروياني في مسنده (١/ ١٠٠) رقم (٧٢)، والدينوري في المجالسة (٥/ ٤٢) رقم (١٨٣٨)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٣) رقم (٦٠٨٨)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٥٩) رقم (٣٤٨)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٩)، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٨١، ١٨٢) رقم (٢٥٥) من طريق أبي عامر الخزاز،\nكلاهما (يونس، وأبو عامر) عن الحسن، عن عمران - ﵁ -، وفي رواية أبي عامر أنَّ عمران هو الذي كان لابسًا للحلقة، وعند البيهقي: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ» بدل: «فِي عَضُدِهِ حَلْقَةُ».\nوأخرجه عبد الرزاق في (جامع معمر) (١١/ ٢٠٩) رقم (٢٠٣٤٤) من طريق معمر،\nوابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٠) من طريق يونس بن عُبيد،\nوابن أبي شيبة أيضًا في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦١)، وأبو بكر الخلال في السنة (٥/ ٦٤) رقم (١٦٢٣)، والطبراني في الكبير (١٨/ ١٧٩) رقم (٤١٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٨٦٠) رقم (١١٧٢) من طريق منصور بن زاذان،\nوالطبراني في الكبير (١٨/ ١٦٢) رقم (٣٥٥) من طريق إسحاق بن الربيع العَطَّار،\nأربعتهم (معمر، ويونس، ومنصور، وإسحاق) يروونه عن عمران موقوفًا عليه.\nوخلاصة القول: أن المرفوع ضعيف لأربع علل:\nالعلة الأول: عنعنة مبارك بن فضالة، فهو مدلس ولم يصرح بسماعه من الحسن، وقد تابعه أبو عامر الخزاز وهو كثير الخطأ، وتابعه أيضًا يونس بن عُبيد، ولكن قال البزار: «لا نعلم يروى من حديث يونس عن الحسن إلا من حديث محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوِيِّ». ومحمد بن عبد الرحمن هذا وصف بالوهم والتدليس. ينظر: تقريب التهذيب ص (٤٩٣)، وطبقات المدلسين ص (٤٣).\nالعلة الثانية: الانقطاع، فالحسن لم يسمع من عمران كما نص على ذلك الأئمة، كابن المديني، وابن أبي حاتم، وغيرهما. ينظر: العلل لابن المديني ص (٥١)، والمراسيل لابن أبي حاتم ص (٣٨).\nالعلة الثالثة: اضطراب متن الحديث، ففي رواية مبارك بن فضالة ويونس بن عُبيد: «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ»، وفي رواية أبي عامر الخزاز: «أنَّ عِمْرَانَ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وفِي عَضُدِهِ حَلْقَةٌ»، وفي بعضها: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ».\nالعلة الرابعة: الاختلاف في رفعه ووقفه، حيث اختلف فيه على الحسن، فرواه بعضهم عنه، عن عمران مرفوعًا، ورواه البعض الآخر عن الحسن موقوفًا على عمران - ﵁ -. والذين رووه موقوفًا ثقات ومن كبار أصحاب الحسن، خلافًا لمن رواه مرفوعًا، وعليه تترجح رواية الوقف.","vol":"1","page":97},{"text":"«أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا» لم يذكر اسم الرجل في أكثر الروايات، ورواية الحاكم تبين أنَّ الذي كان لابسًا للحلقة هو عمران نفسه، حيث قال: «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَفِي عَضُدِي حَلْقَةُ صُفْرٍ» (١).\nوقوله في رواية حديث الباب: «فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ» وفي رواية عند البيهقي: «فِي عُنُقِهِ حَلْقَةٌ» (٢).\nوالحلقة في اللغة: كل شيء استدار كحلقة الذهب والفضة، ويقال حلقة القوم دائرتهم (٣).\nوكان المشركون يجعلون في أعضادهم حلقة من صفر وغيره، يزعمون أنها تحفظهم من أذى العين والجن ونحوهما، وكذا لبسها للبركة، أو لمنع بعض الأمراض.\n«مِنْ صُفْرٍ» الصُّفر - بضم الصاد وسكون الفاء - النُّحَاس.\n«فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟» يحتمل أن يكون الاستفهام للاستفصال عن سبب لبسها؛ لأنه قد يكون لابسًا لها زينةً، ويحتمل أن يكون للإنكار، وهذا أقرب، وتؤيده رواية: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟» (٤).\n_________\n(١) المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠٢).\n(٢) السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٩).\n(٣) ينظر: الصحاح (٤/ ١٤٦٢)، والمحكم لابن سيده (٣/ ٦).\n(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٣٣/ ٢٠٤) رقم (٢٠٠٠٠).","vol":"1","page":98},{"text":"«مِنَ الوَاهِنَةِ» الوَاهِنَة: علة تصيب الذراع أو العضد فتضعف قوته وحركته (١).\n«انْزِعْهَا» أي: أزلها، وأصل النزع في اللغة: الجذب والقلع (٢).\n«فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنَّ هذه الحلقة التي تلبسها من أجل الواهنة فإنَّها لا تزيدك إلا ضعفًا.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «(لا تزيدك إلا وهنًا)، أي: وهنًا في النفس لا في الجسم، وربما تزيده وهنًا في الجسم، أما وهن النفس؛ فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها، ونسيت الاعتماد على الله عزوجل ... فأحيانا يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض ... ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر، حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا; فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الموهوم حقيقة» (٣).\n«فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» أي: لو مات ولم يتب منها ما أفلح أبدًا. وبهذا استدل القائلون بأن الشرك لا يُغفر حتى ولو كان شركًا أصغر، يُعذَّب به صاحبه، وإن كان لا يعذَّب تعذيب المشرك الشرك الأكبر؛ فلا يخلَّد في النار، لكن يعذَّب بها بقدره (٤).\n_________\n(١) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٣٤).\n(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٤١).\n(٣) القول المفيد (١/ ١٦٩).\n(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ١٣٩).","vol":"1","page":99},{"text":"وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ».\n•---------------------------------•\nحديث عقبة بن عامر عند أحمد وغيره (١)، وإسناده ليس بالقوي.\n_________\n(١) أخرجه ابن وهب في جامعه ص (٧٤٨) رقم (٦٦٢)، ومن طريقه الروياني في مسنده (١/ ١٧٢) رقم (٢١٧)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٠) رقم (٦٠٨٦)، وابن عدي في الكامل (٨/ ٢٣٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٠) رقم (٧٥٠١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٨) رقم (١٩٦٠٥)،\nوابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ص (٣٢١)، والدولابي في الكنى (٣/ ١٠١٧) رقم (١٧٨٠)، وابن عبد البر في التمهيد (١٧/ ١٦٢) من طريق وهب الله بن راشد،\nوأحمد في مسنده (٢٨/ ٦٢٣) رقم (١٧٤٠٤)، وابن عبد الحكم في فتوح مصر والمغرب ص (٣٢١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٢٥) رقم (٧١٧٢) من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ،\nوأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٩٥) رقم (١٧٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٢٩٧) رقم (٨٢٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٨٩) من طريق أبي عاصم النبيل،\nأربعتهم (ابن وهب، وابن راشد، وأبو عبد الرحمن المقرئ، وأبو عاصم النبيل) عن حيوة بن شريح، عن خالد بن عبيد، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر مرفوعًا.\nوالحديث ليس بالقوي؛ لأنه من رواية مشرح بن هاعان، قال ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٥٢): «يخطئ وَيُخَالف»، وقال في المجروحين: «يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها».\nوأخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٦٣٦) رقم (١٧٤٢٢)، والحارث في مسنده (بغية الباحث) (٢/ ٦٠٠) رقم (٥٦٣)، ومن طريقه قاضي المارستان في مشيخته (٣/ ١١١٣) رقم (٥٢١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٣) رقم (٧٥١٣) من طريق دخين الحجري،\nوالطبراني في مسند الشاميين (١/ ١٤٦) رقم (٢٣٤) من طريق أبي سعيد المقبري،\nكلاهما (دخين، وأبو سعيد) عن عقبة بن عامر مرفوعًا. وتحرَّف في المطبوع من المستدرك (الدُّخين) إلى: الرجلين، ولفظ الحديث في رواية دخين: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».\nوفي إسناده خالد بن عبيد المعافري، ترجم له ابن حجر في التعجيل (١/ ٤٩٤)، ولم يذكر في الرواة عنه سوى مشرح بن هاعان، ولم يؤثر توثيقه عن غير ابن حبان. وقد تابعه ابن لهيعة كما في التخريج، وهو سيئ الحفظ.","vol":"1","page":100},{"text":"«وَفِي رِوَايَةٍ: مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ» هذه الرواية أخرجها أحمد والحاكم وغيرهما (١)، من طريق دخين الحجري، كما في تخريج الحديث.\n«مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً» التميمة: هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام (٢).\nوهذا بعض أنواعها وهو المعروف عند العرب قديمًا، ولكن معناها أعم من ذلك، فكل ما يُعَلَّق على الشيء بقصد دفع الضرر وجلب النفع فهو تميمة، والكلمة مأخوذة من الإتمام أي إتمام الدواء والشفاء المطلوب (٣).\n«فَلاَ أَتَمَّ اللهُ لَهُ» فيه الدعاء على من اعتقد في التمائم وعلقها على نفسه بضد قصده وهو عدم التمام لما قصده من التعليق (٤).\n«وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً» الودعة: شيء أبيض يشبه الصدف مشقوق الوسط، يقذفه البحر، فيثقب ويعلق على الشيء لدفع العين (٥).\n«فَلاَ وَدَعَ اللهُ لَهُ» أي لا جعله في دعة وسكون. وقيل: هو لفظ مبني من الودعة: أي لا خفف الله عنه ما يخافه (٦).\n«مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشركَ» دلَّ على أن من علق تميمة معتقدًا فيها النفع فقد أشرك؛ لأنَّ جلب النفع ودفع الضر من الأفعال الخاصة بالله.\n_________\n(١) مسند أحمد (٢٨/ ٦٣٦) رقم (١٧٤٢٢)، والمستدرك (٤/ ٢٤٣) رقم (٧٥١٣).\n(٢) ينظر: تهذيب اللغة (١٤/ ١٨٤)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٩٧).\n(٣) ينظر: مقاييس اللغة (١/ ٣٣٩).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (١٢٧)، ونيل الأوطار (٨/ ٢٤٤).\n(٥) ينظر: الصحاح (٣/ ١٢٩٥)، والقاموس المحيط ص (٧٦٩).\n(٦) ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٦٨).","vol":"1","page":101},{"text":"وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلاَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\n•---------------------------------•\nوتعليق التمائم يكون شركًا أكبر إن اعتقد أنها ترفع أو تدفع بذاتها دون الله، وإلَّا فهو أصغر.\nقال ابن الأثير - ﵀ -: «إنما جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه» (١).\nومناسبة الحديث للباب ظاهرة: وهي أن تعليق التميمة والودعة ونحوهما؛ لأجل رفع البلاء أو دفعه شرك، كما جاء ذلك صريحًا في الرواية الثانية للحديث.\n«وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ ...» الأثر عند ابن حاتم وغيره، وإسناده صحيح (٢).\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٩٨).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٠٨) عن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن إِشْكَابَ، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن عَزْرَةَ، قال: «دَخَلَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَرِيضٍ فَرَأَى فِي عَضُدِهِ سَيْرًا فَقَطَعَهُ أَوِ انْتَزَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]».\nوأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٣)، من طريق أبي معاوية الضرير،\nوحرب الكرماني في مسائله (٢/ ٨١٩) من طريق عيسى بن يونس،\nوأبو بكر الخلال في السنة (٥/ ١٣) رقم (١٤٨٢)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٤٣) رقم (١٠٣٠) من طريق وكيع،\nوأبو بكر الخلال في السنة أيضًا (٥/ ٦٤) رقم (١٦٢٤)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٤٣) رقم (١٠٣١) من طريق سفيان الثوري،","vol":"1","page":102},{"text":"«أَنَّهُ رَأَى رَُجُلًا» جاء في رواية: «رَجُل مِنْ بَنِي عَبْسٍ»، وفي رواية أخرى: «رَجُلٍ مِنَ النَّخَعِ» (١)، والنخع: قبيلة عربية من اليمن نزلت الكوفة (٢).\n«فِي يَدِهِ خَيْطٌ»، جاء في رواية: «رأى في عَضُدِهِ سَيْرًا»، وفي رواية: «فَرَأَى تَعْوِيذًا عَلَى عَضُدِهِ»، كما جاء في التخريج.\n«مِنَ الحُمَّى» (من) هنا للسببية؛ أي: في يده خيط لبسه من أجل الحمى لتبرد عليه أو يشفى منها (٣).\nو«الحُمَّى»: - بضم الحاء وتشديد الميم - معروفة، وهي: عِلَّة يسْتَحِرُّ بِها\nالجسم، من الحميم، وسميت بذلك لما فيها من الحرارة المفرطة (٤).\n«فَقَطَعَهُ» دلَّ على أمرين:\nالأول: أنَّ ربط الخيط ونحوه من أجل الحمى وغيرها منكر عظيم، يجب إنكاره.\n_________\nأربعتهم (أبو معاوية، وعيسى بن يونس، ووكيع، والثوري) عن الأعمش، عن أبي ظَبْيَانَ حُصَين بن جُنْدُبٍ، قال: «دَخَلَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَلَمَسَهُ بِيَدِهِ فَرَأَى تَعْوِيذًا عَلَى عَضُدِهِ؛ فَقَامَ غَضْبَانَ وَقَالَ: لَوْ مُتَّ وَهَذِهِ عَلَيْكَ؛ مَا صَلَّيْتُ عَلَيْكَ». وفي لفظ رواية وكيع: «دَخَلَ حُذَيْفَةُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ».\nوأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٢) من طريق يزيد بن أبى زياد، عن زيد بن وهب، عن حذيفة، بنحو اللفظ السابق، وفيه: «انْطَلَقَ حُذَيْفَةُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ النَّخَعِ».\nوسند ابن أبي حاتم فيه عَزْرة بن عبد الرحمن الْخُزَاعِيُّ، لم يُعرف له سماع عن حذيفة - ﵁ -.\n(١) مضى ذكر هذه الروايات في تخريج الأثر.\n(٢) ينظر: الأنساب للسمعاني (١٣/ ٦٢).\n(٣) القول المفيد (١/ ١٧٢).\n(٤) ينظر: المحكم لابن سيده (٢/ ٥٥٣)، ولسان العرب (١٢/ ١٥٥)، وتاج العروس (٣٢/ ١٧).","vol":"1","page":103},{"text":"والآخر: أنَّ السلف كانوا يغيرون المنكر باليد، إن لم يكن هناك مفسدة.\n\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «قوله: (فقطعه) ... يدل على غيرة السلف الصالح، وقوتهم في<span data-type=\"title\" id=toc-61> تغيير المنكر باليد </span>وغيرها» (١).\n«وَتَلاَ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾» الروايات الأخرى لهذا الأثر - وهي الأصح - ليس فيها ذكر هذه الآية، وإنما فيها قول حذيفة للرجل: «لَوْ مِتَّ وَهَذِهِ عَلَيْكَ؛ مَا صَلَّيْتُ عَلَيْكَ» فاستدل حذيفة بهذه الآية على أن تعليق الخيط ونحوه مما ذكر شرك، أي: أصغر كما تقدم في الحديث، وفيه صحة الاستدلال بما نزل في الأكبر على الأصغر (٢).\nوقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وفيه دليل على أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وشرك، ولكن ليس الشرك الأكبر؛ لأن الشرك الأكبر لا يجتمع مع الإيمان، ولكن المراد هنا الشرك الأصغر، وهذا أمر معلوم» (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١٧٢).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (١٢٩).\n(٣) القول المفيد (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم الرُّقَى والتمائم، ولم يجزم في الترجمة بأن ذلك من الشرك؛ لأن الرقى منها ما هو جائزٌ، ومنها ما هو شركٌ، وكذلك التمائم اختلف في بعض أنواعها كتعليق القرآن والأدعية المأثورة كما سيأتي بيانه. وهذا بخلاف الباب السابق؛ فإنه نص فيه على أن الحلقة والخيط من الشرك.\n\nومناسبة هذا الباب لما قبله واضحة جليةٌ؛ وذلك لأن هذا الباب يُعَدُّ مكملًا للباب السابق: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما ...) والذي ذُكِر فيه أنواعٌ أخرى من أنواع الشرك الأصغر في ذات السياق المرتبط بالتعاويذ والرقى، و<span data-type=\"title\" id=toc-64>الفرق بين الرقى والتمائم </span>هو أَنَّ الرُّقَى هي العوذة التي يعوذ بها من الكلام، والتمائم هي ما يعلق لتتميم الأمر جلبًا لنفعٍ أو دفعًا لضرٍّ، والفرق بينهما من جهة أن الرقى عوذة ملفوظة وينفث بها، وأن التمائم عوذة مكتوبة تعلق (١).\nوقوله: «الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ» (الرُّقَى): جمع رقية، وهي تعاويذ وأدعية تقرأ؛ لتحصين المرقى عليه أو إشفائه (٢).\nو(التمائم): مضى التعريف بها في الباب السابق، وهي: اسم جامع لكل ما عُلق من أسباب غير شرعية أو قدرية لدفع ضر أو لرفعه سواء كانت من خشب أو خرز أو معدن أو غيرها.\n_________\n(١) ينظر: شرح كتاب التوحيد للعصيمي ص (٣١).\n(٢) ينظر: المخصص (٤/ ٢١)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٢٥٤).","vol":"1","page":105},{"text":"تعليق التمائم هل هو من الشرك الأكبر أم الأصغر؟\nالجواب فيها تفصيل: «فمنها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين.\nومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك.\nوأما التعاليق التي فيها قرآن أو أحاديث نبوية أو أدعية طيبة محترمة فالأولى تركها لعدم ورودها عن الشارع، ولكونها يتوسل بها إلى غيرها من المحرم؛ ولأن الغالب على متعلقها أنه لا يحترمها ويدخل بها المواضع القذرة» (١).\nوالرقى على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الرقية المشروعة: وهي ما اجتمع فيها ثلاثة أمور:\nالأول: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو صفاته أو ما أثر عن النبي - ﷺ -.\nالثاني: أن تكون باللسان العربي.\nالثالث: أن لا يعتقد أن الرقية تؤثر بذاتها بل بإذن الله.\nوقد أجمع العلماء على جواز الرقية عند اجتماع هذه الشروط، كما حكاه عدد من المحققين (٢).\nالقسم الثاني: الرقية الممنوعة: وهي ما اختلَّ فيها شرط من شروط الرقية المشروعة، وهي على نوعين:\n_________\n(١) القول السديد ص (٣٦ - ٣٨). وسيأتي بسط الخلاف في هذه المسألة.\n(٢) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ١٩٥).","vol":"1","page":106},{"text":"النوع الأول: الرقية الشركية: وهي التي يستعان فيها بغير الله، فيذكر فيها أسماء الجن وغيرهم من الخلق، وقد تكون بغير العربية ولكن يُتيقن أنها تتضمن الاستعانة بالجن وذكر أسمائهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: «الرقى؛ والعزائم الأعجمية: هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون؛ ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه، فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك» (١).\nوقال في موضع آخر: «إن المشركين يقرؤون من العزائم والطلاسم والرقى ما فيه عبادة للجن وتعظيم لهم، وعامة ما بأيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي لا تفقه بالعربية فيها ما هو شرك بالجن؛ ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفقه معناها؛ لأنها مظنة الشرك وإن لم يعرف الراقي أنها شرك» (٢).\nوجاء بيان هذا النوع من الرقى في أحاديث كثيرة، منها:\nحديث عوف بن مالك الأشجعي - ﵁ -، قال: «كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ٣٦٢).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣).\n(٣) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٢٧) رقم (٢٢٠٠).","vol":"1","page":107},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ،\n•---------------------------------•\nحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (١).\nالنوع الثاني: الرقية البدعية: وهي التي تكون على صفة مخالفة للرقية المشروعة، ولكنها لم تشتمل على شرك، كالرقية باللسان غير العربي، أو بما لا يعرف معناه؛ لأنها مظنة أن يدخلها شرك أو كفر.\nقال السعدي - ﵀ - في معرض حديثه عن الرقى والتمائم: «منها: ما هو شرك أكبر كالتي تشتمل على الاستغاثة بالشياطين أو غيرهم من المخلوقين ... ومنها: ما هو محرم كالتي فيها أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك» (٢).\n«فِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري وصحيح مسلم (٣).\n«عَنْ أَبِي بَشيرٍ اَلأَنْصَارِيِّ - ﵁ -» صحابي ممن شهد الخندق، وهو مشهور بكنيته، وقد اختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا، فقيل: قيس بن عبيد من بني النجار، وقيل: لا يوقف له على اسم صحيح (٤).\n«فَأَرْسَلَ رَسُولًا» قال ابن عبد البر - ﵀ -: «رواه روح بن عبادة عن مالك فسمى الرسول فقال فيه: (أرسل زيدًا مولاه) وهو عندي زيد بن حارثة» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤/ ٩) رقم (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١١٦٦) رقم (٣٥٣٠)، وأحمد في المسند (٦/ ١١٠) رقم (٣٦١٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤١) رقم (٧٥٠٥)، وصححه.\n(٢) القول السديد ص (٤٧).\n(٣) أخرجه البخاري (٤/ ٥٩) رقم (٣٠٠٥)، ومسلم (٣/ ١٦٧٢) رقم (٢١١٥).\n(٤) ينظر: الاستيعاب (٤/ ١٦١٠)، وأسد الغابة (٦/ ٣٠)، والإصابة (٧/ ٣٥).\n(٥) التمهيد (١٧/ ١٦٠).","vol":"1","page":108},{"text":"فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ».\n•---------------------------------•\n«أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ» كلمة (لَا يَبْقَيَنَّ): نهي مؤكَّد بنون التوكيد الثقيلة، والأصل في النهي التحريم.\nوقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» البعير: يطلق على الذكر والأنثى من الإبل، وجمعه أبعرة، وأَباعِرُ، وبُعْرانٌ (١).\nوقوله: «رَقَبَةِ بَعِيرٍ» خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب عند العرب تعليق بعض الأشياء على رقبة البعير يعتقدون أنها تدفع العين عنه؛ ولذلك فالنهي يشمل التعليق على البعير أو غيره، وسواء كان التعليق على الرقبة أو أي موضع.\n«قِلادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلادَةٌ» شك من الراوي، والأولى أرجح؛ لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد؛ لأنه تعلُّق بما ليس بسبب، والتعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك؛ لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سببا لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي - ﷺ - أن تقطع هذه القلائد. أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام؛ فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد (٢).\nوقوله: «وَتَرٍ» المراد به وتر القوس، وقد كان الناس يقلدون الإبل أوتارًا لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا (٣).\n_________\n(١) ينظر: الصحاح (٢/ ٥٩٣)، ولسان العرب (٤/ ٧١).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٧٩).\n(٣) غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٢).","vol":"1","page":109},{"text":"وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شركٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.\n•---------------------------------•\n«إِلَّا قُطِعَتْ» فيه دلالة على وجوب قطع كل ما عُلِّق لأجل دفع العين ونحوها من الآفات؛ لأنه لا يرد الضرر ولا يدفعه إلَّا الله سبحانه.\nومناسبة الحديث للباب: هي أن القلائد التي تعلق على رقبة البعير من التمائم المنهي عنها؛ ولهذا جاء الأمر بقطعها.\n«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديثه عند أحمد وأبي داود (١)، وإسناده ضعيف.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٦/ ١١٠) رقم (٣٦١٥)، ومن طريقه ابنه عبد الله في السنة (١/ ٣٦٦) رقم (٧٩٢) وأبو داود في سننه (٤/ ٩) رقم (٣٨٨٣)، وأبو بكر الخلال في السنة من طريق أحمد أيضًا (٥/ ١٨) رقم (١٤٩٤)، والطبراني في الدعاء للطبراني ص (٣٣٧) رقم (١١٠٦)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٢/ ٧٤٤) رقم (١٠٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٨) رقم (١٩٦٠٣) من طريق أبي داود، والبغوي في شرح السنة (١٢/ ١٥٦) رقم (٣٢٤٠) من طريق أبي معاوية،\nوابن ماجه في سننه (٢/ ١١٦٦) رقم (٣٥٣٠) من طريق عبد الله بن بشر،\nوأبو يعلى الموصلي في مسنده (٩/ ١٣٣) رقم (٥٢٠٨)،\nثلاثتهم (أبو معاوية، وعبد الله بن بشر، وأبو يعلى) عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى ابن الجزار، عن ابن أخت زينب امرأة عبد الله بن مسعود، عن زينب، عن ابن مسعود، مرفوعًا، بألفاظ مختلفة، بعضها مطولًا وبعضها مختصرًا، وليس عند الطبراني في الدعاء قوله: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ».\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٩٠) من طريق محمد بن مسلمة الكوفي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زينب، عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٥٦) رقم (٦٠٩٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١٣) رقم (١٠٥٠٣) من طريق فضيل بن عمرو، عن يحيى بن الجزار قال: «دَخَلَ عَبْدُ الله عَلَى امْرَأَةٍ وَفِي عُنُقِهَا شَيْءٌ مُعَوَّذٌ، فَجَذَبَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ آلُ عَبْدِ الله أَغْنِيَاءَ أَنْ =","vol":"1","page":110},{"text":"«إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ» سبق التعريف بالرقى والتمائم في بداية هذا الباب.\n«التِّوَلَةَ» خرز أو نحوه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى زوجته (١)، وهو نوع من السحر يسمى العطف.\nوقد جاء تفسير التولة عن ابن مسعود في رواية ابن حبان (٢): «قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه الرقى والتمائم قد عرفناها، فما التولة؟ قال: شيء يصنعه النساء يتحببن إلى أزواجهن».\nوصارت التولة شركًا؛ لأنها ليست بسبب شرعي ولا قدري للمحبة، وهي نوع من أنواع السحر.\n_________\n= يُشْرِكُوا بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَذِهِ الرُّقَى وَالتَّمَائِمُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا التِّوَلَةُ؟ قَالَ شَيْءٌ يَصْنَعُهُ النِّسَاءُ يَتَحَبَّبْنَ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ». وهو منقطع؛ لأن يحيى بن الجزار لم يسمع ابن مسعود، وابن أخت زينب امرأة ابن مسعود مجهول، وقد وقع في الحديث اضطراب في سنده ومتنه؛ فلهذه العلل المذكورة يكون الحديث ضعيفًا.\nوقد أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ١١٩) رقم (١٤٤٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤١) رقم (٧٥٠٥) من طريق قيس بن السكن، أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: كان مما حفظنا عن رسول الله - ﷺ -: «أَنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ مِنَ الشِّرْكِ. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا التِّوَلَةُ؟ قَالَ: التَّهْيِيجُ». وقيس بن السكن ثقة، أخرج له مسلم.\n(١) ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٤/ ٥٠)، وتهذيب اللغة (١٤/ ٢٢٨).\n(٢) صحيح ابن حبان (١٣/ ٤٥٦) رقم (٦٠٩٠).","vol":"1","page":111},{"text":"وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُكَيْمٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.\n•---------------------------------•\nحديث عبد الله بن عكيم عند أحمد والترمذي وغيرهما (١)، وإسناده ضعيف.\n«مَنْ تَعَلَّقَ شيئًا» أي: اعتمد على شيء، واستمسك به، وعلَّق به خوفه ورجاءه.\n«وُكِلَ إِلَيْهِ» أي: وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٢٨٨) رقم (٧٨٦)، وفي مصنف (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٥٧)، وأحمد في مسنده (٣١/ ٧٧) رقم (١٨٧٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦١٠) من طريق وكيع،\nوأحمد في مسنده (٣١/ ٨١) رقم (١٨٧٨٦)، وابن أبي عاصم الآحاد والمثاني (٥/ ٣٧) رقم (٢٥٧٦) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٧٤٢) رقم (٤٤١٩) من طريق شعبة،\nوالترمذي في جامعه (٤/ ٤٠٣) رقم (٢٠٧٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤١) رقم (٧٥٠٣) من طريق عبيد الله بن موسى،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٨٥) رقم (٩٦٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٠١٨) رقم (٧٠٠٠) من طريق المطلب بن زياد،\nوالترمذي في الموضع السابق (٤/ ٤٠٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ١١٧) من طريق يحيى بن سعيد،\nأربعتهم (وكيع، وشعبة، وعبيد الله، والمطلب) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عكيم، عن النبي - ﷺ -.\nوالحديث فيه علتان:\nالعلة الأولى: أن الحديث من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف سيئ الحفظ.\nالعلة الثانية: أن عبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي - ﷺ -، كما قال الترمذي وغيره.\n(٢) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٦٠).","vol":"1","page":112},{"text":"التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلُهُ مِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ. مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -.\n•---------------------------------•\n«التَّمَائِمُ: شيءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» هذا تعريف من المصنف للتمائم، وقد سبق الحديث عنها.\nوقوله: «شيءٌ يُعَلَّقُ» يشمل الخرز والوَدْع والورق وغيرها من الأشياء التي تعلق.\nوقوله: «يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلاَدِ» هذا الغالب في التمائم، وإلا فهي تعلق على الكبار من الرجال والنساء، وتعلق على الدواب، والبيوت، وغير ذلك.\nوقوله: «يَتَّقُونَ بِهِ العَيْنَ» الغالب في التمائم أن يتقى بها العين، وتعلق أيضًا من أجل دفع المضار وجلب المنافع.\n«لَكِنْ إِذَا كَانَ المُعَلَّقُ مِنَ القُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ ... إلخ».\nاختلف العلماء في حكم التمائم إذا كانت من القرآن، على رأيين:\nالرأي الأول: جواز ذلك، وهو مروي عن بعض الصحابة: كعائشة (١)، وعبد الله بن عمرو (٢).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٢) رقم (٧٥٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٦)، وسيأتي في أدلة هذا الرأي.\n(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ١٢) رقم (٣٨٩٣)، والترمذي (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨)، وسيأتي في الأدلة.","vol":"1","page":113},{"text":"ومروي عن بعض التابعين: كابن المسيب (١)، وابن سيرين (٢)، وعطاء (٣)، ومجاهد (٤)، وأبي جعفر الباقر (٥).\nوقال به بعض فقهاء الحنفية (٦)، والمالكية (٧)، والشافعية (٨)، وأحمد في رواية (٩).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٣) رقم (٢٣٥٤٣) من طريق شعبة عن أبي عصمة، قال: سألت سعيد بن المسيب عن التعويذ، فقال: «لا بأس إذا كان في أديم». وسنده ضعيف؛ لأن أبا عصمة هو نوح بن أبي مريم، وهو متهم بالكذب.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٨)، عن إسماعيل بن مسلم، عن ابن سيرين: «أنه كان لا يرى بأسًا بالشيء من القرآن»، وإسناده ضعيف، لضعف إسماعيل بن مسلم المكي.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٥٠)، عن ليث بن أبي سليم، عن عطاء، قال: «لا بأس أن يعلق القرآن». وإسناده صحيح.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٥) عن ثُوَيْر بن أبي فاختة، قال: «كان مجاهد يكتب للناس التعويذ فيعلقه عليهم». وسنده ضعيف؛ لضعف ثُوَيْر بن أبي فاختة.\n(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٤) رقم (٢٣٥٤٦)، عن جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه: «أنه كان لا يرى بأسًا أن يُكتب القرآن في أديم ثم يعلقه». وإسناده حسن.\n(٦) ينظر: المغرب في ترتيب المعرب ص (٦٢)، وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٦٣).\n(٧) ينظر: البيان والتحصيل (١/ ٤٣٩)، والذخيرة للقرافي (١٣/ ٣٢٧)، والقوانين الفقهية ص (٢٩٥).\n(٨) المجموع شرح المهذب (٩/ ٦٦) تحفة المحتاج (١/ ١٤٩)، وِأسنى المطالب (١/ ٦١).\n(٩) نقل ابن مفلح في الفروع (٣/ ٢٤٩) عن الميموني: قال: سمعت من سأل أبا عبد الله عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء؟ قال: «أرجو أن لا يكون به بأس».\nوقال ابنه عبد الله في مسائله ص (٤٤٧): «رأيت أبي يكتب التعاويذ للذي يقرع وللحمى لأهله وقراباته، ويكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام، أو شيء لطيف ويكتب حديث ابن عباس، إلا أنه كان يفعل ذلك عند وقوع البلاء، ولم أره يفعل هذا قبل وقوع البلاء».\nوقال أبو داود في مسائله ص (٣٤٩): «رأيت على ابن لأحمد، وهو صغير، تميمة في رقبته في أديم».","vol":"1","page":114},{"text":"وذهب إلى ذلك القرطبي (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن القيم (٣)، وابن حجر (٤)، وغيرهم.\nواستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:\n١ - ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ غَضَبِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ»، وكان عبد الله بن عمر يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه (٥).\n٢ - ما روي عن عائشة أنها قال: «التَّمَائِمُ مَا عُلِّقَ قَبْلَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وَمَا عُلِّقَ بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِتَمِيمَةٍ» (٦).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ٣٢٠).\n(٢) ذكر فصلًا في مجموع الفتاوى (١٩/ ٦٤) بأنه يجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئًا من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى، وختم هذا الفصل بقوله: «قال علي: يكتب في كاغدة فيعلق على عضد المرأة، قال علي: وقد جربناه فلم نر شيئًا أعجب منه، فإذا وضعت تحله سريعًا ثم تجعله في خرقة أو تحرقه». ولم يعلق على ذلك كالمقر له.\n(٣) حيث عقد فصلًا في الزاد (٤/ ٣٢٦)، ذكر فيه عددًا من الآثار والأقوال الدالة على جواز ذلك.\n(٤) قال في فتح الباري (٦/ ١٤٢) بعد ذكره للأحاديث والآثار في النهي عن تعليق التمائم: «هذا كله في تعليق التمائم وغيرها مما ليس فيه قرآن ونحوه، فأما ما فيه ذكر الله فلا نهي فيه، فإنه إنما يجعل للتبرك به والتعوذ بأسمائه وذكره».\n(٥) أخرجه أبو داود (٤/ ١٢) رقم (٣٨٩٣)، والترمذي (٥/ ٥٤١) رقم (٣٥٢٨)، وأحمد في مسنده (١١/ ٢٩٥) رقم (٦٦٩٦)، وقال الترمذي: «حسن غريب».\n(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٦٣) رقم (٨٢٩١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٨٩) رقم (١٩٦٠٦)، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد».","vol":"1","page":115},{"text":"الرأي الثاني: النهي عن ذلك، وهو مروي عن ابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وحذيفة (٣)، وعقبة بن عامر (٤)، وعكيم (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، والحسن البصري (٧)، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه (٨).\nواستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٤) وسيأتي لفظه في أدلة المانعين.\n(٢) أورده ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٨١) عن وكيع عن ابن عباس قال: «اتفل بالمعوذتين ولا تعلق».\n(٣) سبق تخريجه.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٥) رقم (٢٣٤٦٥) من طريق أبي الحر، عن عقبة بن عامر، قال: «موضع التميمة من الإنسان والطفل شرك».\n(٥) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٤٠٣) رقم (٢٠٧٢)، وأحمد في مسنده (٣١/ ٧٧) رقم (١٨٧٨١)، عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «دخلت على عبد الله بن عكيم أبي معبد الجهني، أعوده وبه حمرة، فقلنا: ألا تعلق شيئا؟ قال: الموت أقرب من ذلك. قال النبي - ﷺ -: من تعلق شيئًا وكل إليه». وقد تقدم تخريج الحديث المرفوع.\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٦) عن مغيرة بن مقسم الضبي، قال: «قلت لإبراهيم: أعلق في عضدي هذه الآية: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] من حمى كانت بي، فكره ذلك». وإسناده صحيح.\n(٧) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص (٣٨٢)، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: «أنه كان يكره أن يغسل القرآن، ويسقاه المريض، أو يتعلق القرآن».\n(٨) قال الكوسج في مسائله لأحمد (٩/ ٤٧١٢)، قلت: ما يكره من الرقى، وما يرخص منها؟ قال: «التعليق كله يكره».","vol":"1","page":116},{"text":"وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ.\n•---------------------------------•\n١ - عموم النهي الوارد في تحريم التمائم، ولا مخصص لهذا العموم.\n٢ - سد الذريعة؛ فإن تعليق ما فيه قرآن يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك.\n٣ - أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك (١).\nوأجابوا عن أدلة الرأي الأول: بأن الرواية عن عبد الله بن عمرو ضعيفة، وعلى فرض صحتها، فإن ذلك يُعَدُّ اجتهادًا من عبد الله بن عمرو، وقد وُجد من خالفه من الصحابة.\nوأثر عائشة أيضًا يعد اجتهادًا منها، ثم إن الاستدلال به ليس ظاهرًا.\nوالذي يظهر - والله أعلم - جواز تعليق التمائم من القرآن والأدعية المشروعة، إلا أن سبيل الاحتياط ترك ذلك، فهو أولى احتياطًا وسدًّا للذريعة.\n«وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَزَائِمَ» العزائم: جمع عزيمة، وهي قراءة الآيات على المريض رجاء بركتها والبُرْءِ بها (٢).\n«وَخَصَّ مِنْهَا الدَّلِيلُ مَا خَلا مِنَ الشركِ فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ -» يدل على أن الأصل في الرقى المنع؛ لقوله: «رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ الله - ﷺ -»؛ لأن الترخص لا يكون إلا بعد المنع كما هو مقرر في علم الأصول، ومراد المصنف أن هناك مستثنيات من المنع، وهي الرقى الخالية من الشرك.\n_________\n(١) ينظر هذه الأوجه الثلاثة في فتح المجيد ص (١٢٨).\n(٢) ينظر: مجمل اللغة ص (٦٦٦)، ولسان العرب (١٢/ ٤٠٠).","vol":"1","page":117},{"text":"وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.\nوَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله؟: «يَا رُوَيْفِعُ، .........\n•---------------------------------•\n«مِنَ العَيْنِ وَالحُمَةِ» «ظاهر كلام المؤلف: أن الدليل لم يرخص بجواز القراءة إلا في هذين الأمرين: (العين، والحمة)، لكن ورد بغيرهما؛ فقد كان النبي - ﷺ - ينفخ على يديه عند منامه بالمعوذات، ويمسح بهما ما استطاع من جسده وهذا من الرقية، وليس عينا ولا حمة» (١).\n«وَالتِّوَلَةُ: هِيَ شيءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ المَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا» عرفها بذلك ابن مسعود - ﵁ - في إحدى الروايات كما مر معنا.\n«وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ ...» عند أحمد وغيره (٢)، وإسناده ضعيف.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ١٨٦).\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٢١٠) رقم (١٧٠٠٠)، عن يحيى بن غيلان،\nوأبو داود في سننه (١/ ٩) رقم (٣٦)، ومن طريقه الخطابي في غريب الحديث (١/ ٤٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ١٧٨) رقم (٥٣٤)، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٢٨) رقم (٢٦٨٠) عن يزيد بن خالد الهمداني،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٨) رقم (٤٤٩١) من طريق سعيد بن أبي مريم،\nوابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٢١٠) رقم (٢١٩٦) من طريق معلى بن منصور،\nوالبزار في مسنده (٦/ ٣٠١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ١٠٦٧) رقم (٢٧٠٤)، والمزي في تهذيب الكمال (١٢/ ٥٩١، ٥٩٢) من طريق عبد الأعلى بن حماد،\nخمستهم (يحيى بن غيلان، ويزيد بن خالد، وسعيد بن أبي مريم، ومعلى بن منصور، والأعلى بن حماد) عن المفضل بن فضالة عن عياش بن عباس القتباني، عن شييم بن بيتان، عن شيبان القتباني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري مرفوعًا.\nوأخرجه أحمد في مسنده (٢٨/ ٢٠٣) رقم (١٦٩٩٤)، و(٢٨/ ٢٠٤) رقم (١٦٩٩٥)، (٢٨/ ٢٠٦) رقم (١٦٩٩٦) من طريق ابن لهيعة،","vol":"1","page":118},{"text":"لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ».\n•---------------------------------•\nو«رُوَيْفِعُ»: هو ابن ثابت بن السكن، الأنصاري المدني صحابي، له ثمانية أحاديث، نزل مصر وولي بَرْقَة، وتوفي بها سنة (٥٦ هـ) (١).\n«لَعَلَّ الحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ» فيه عَلَم من أعلام النبوة؛ لأنه وقع كما أخبر، فإنَّ رويفعًا عاش بعد النبي - ﷺ - ستًّا وأربعين سنة.\n«فَأَخْبِرِ النَّاسَ» فيه دليل على وجوب إخبار الناس، وليس هذا مختصًّا برويفع، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس وجب إعلامهم به، فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك فالتبليغ فرض كفاية.\n«مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ» النهي عن عقد اللحية فيه ثلاثة تأويلات:\nأحدها: أنه نهى عن عقدها لكونه من زِيِّ الكفار، وعادة بعض الأعاجم، وكانوا يعقدونها في الحرب وغيرها.\n_________\nوالنسائي في المجتبى (٨/ ١٣٥) رقم (٥٠٦٧)، والكبرى (٨/ ٣٢٣) رقم (٩٢٨٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٢٣) رقم (٧٥٢) من طريق حيوة بن شريح،\nكلاهما (ابن لهيعة، وحيوة) عن عياش بن عباس القتباني، عن شييم بن بيتان، عن رويفع، دون ذكر شيبان القتباني، إلا في أحد الروايات عن ابن لهيعة عند أحمد (٢٨/ ٢٠٣) رقم (١٦٩٩٤)، فجاء فيها زيادة أبي سالم، وشيبان بن أمية في الإسناد بين شييم ورويفع، مع اختصار في متن الحديث.\nوأخرج الحديث أيضًا ابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٢٤٦) رقم (٧٣٦) من طريق حنش الصنعاني، عن شييم بن بيتان، عن شيبان، عن رويفع بن ثابت.\nومدار الحديث على شيبان بن أمية القتباني، وهو مجهول. وجوَّد إسناده بعضهم، فقال النووي في المجموع (١/ ٢٩٢)، وابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٥٢): إسناده جيد.\n(١) ينظر: الطبقات الكبرى (٤/ ٣٥٣)، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (٢/ ١٠٦٢)، ومعرفة الصحابة لابن منده ص (٦٤٢).","vol":"1","page":119},{"text":"والثاني: أن المراد النهي عن معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد؛ لأنه من زي أهل التَوضُّع والتأنيث (١).\nوالثالث: الخوف من العين؛ لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك؛ فإن الرسول - ﷺ - بريء منه (٢).\n«أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا» الوَتر: بالفتح: وتر القوس، أو مطلق الحبل والخيط (٣).\nعلة النهي عن تقليد الوتر\nواختلفوا في علية النَّهي عن تقليد الوتر وغيره على عدة آراء (٤):\nأحدها: أن النهي من أجل العوذ والتَّمائم المشتملة على رُقَى الجاهلية، كانوا يعلِّقونها في الرِّقاب، ويشدُّونها بالأوتار، ويرونها تدفع الآفات، فنهى عنها.\nوالثاني: نهى عنها بسبب الأجراس التي تعلَّق فيها، فهي مزامير الشيطان.\nوالثالث: نهى عن تعليق الأوتار في رقاب الخيل؛ لئلَّا تختنق بها عند شِدَّة الركض لانتفاخ أوداجها. ولعل الأقرب القول الأول.\n«أَو اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ» (الاستنجاء): لغة القطع، واصطلاحًا: قطع أثر الخارج من السبيلين بالماء أو الحجارة أو نحوهما.\nورجيع الدابة: هو الروث والعذرة، سميا رجيعًا؛ لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان علفًا أو طعامًا (٥).\n_________\n(١) ينظر هذان التأولان في: معالم السنن (١/ ٢٧)، وشرح سنن أبي داود للنووي ص (١٩٠).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٨٨).\n(٣) ينظر: الصحاح (٢/ ٨٤٢)، ولسان العرب (٥/ ٢٧٨)، ومرقاة المفاتيح (٦/ ٢٥٠٧).\n(٤) ينظر هذه الأقوال الثلاثة في معالم السنن (١/ ٢٧)، وغريب الحديث له (١/ ٤٢٣)، والفائق في غريب الحديث (٣/ ١٠)، وشرح سنن أبي داود للنووي ص (١٩١).\n(٥) ينظر: حاشية السيوطي على سنن النسائي (٨/ ١٣٦).","vol":"1","page":120},{"text":"وما<span data-type=\"title\" id=toc-69> سبب النَّهي عن الاستنجاء برجيع الدابة أو العظم</span>؟\nاختلف في ذلك، فقيل: لأنَّ رجيع الدواب والعظام جُعلا رزقًا للجن، والاستنجاء بهما يفسده عليهم، ولهذا جاء النهي عن ذلك (١).\nودليل هذا القول: حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ، وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» (٢).\nوقيل: إنَّ رجيع الدواب والعظام لا ينقيان محل النجاسة؛ لهذا جاء النهي عن الاستنجاء بهما (٣).\nودليل هذا القول: حديث أبي هريرة - ﵁ -: «إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ أَوْ عَظْمٍ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا تُطَهِّرَانِ» (٤).\nويمكن الجمع بين القولين، فيقال: إنَّ النهي يشمل الأمرين جميعًا، وإن كان القول الأول أظهر وأشهر، والله أعلم.\n«فَإِنَّ مُحَمَّدًا بَرِيءٌ مِنْهُ» «أي: بريءٌ من فعله، وقاله بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر» (٥).\nواعترض بعضهم على هذا التأويل، بأنه بعيد، وخلاف ظاهر الحديث؛ لأن الضمير في: «مِنْهُ» يعود إلى (مَنْ) في قوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ» (٦).\n_________\n(١) ينظر: معالم السنن (١/ ٢٧)، وشرح سنن أبي داود للنووي ص (١٨٩).\n(٢) أخرجه مسلم (١/ ٣٣٢) رقم (٤٥٠)، والترمذي في جامعه (١/ ٣٠) رقم (١٨) واللفظ له.\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (١٣٩).\n(٤) أخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٨٨) رقم (١٥٢)، وقال: «إسناد صحيح».\n(٥) شرح سنن أبي داود للنووي ص (١٩٢).\n(٦) ينظر: فتح المجيد ص (١٣٢)، وقرة عيون الموحدين ص (٦١).","vol":"1","page":121},{"text":"وقد ذكر شيخنا عبد الله الغنيمان في هذه المسألة كلامًا جيدًا، فقال: «للعلماء في هذا مذهبان مشهوران:\nالمذهب الأول: أنه لا بد من تأويل ذلك؛ لأن الفاعل لهذه الأمور لا يكون كافرًا، فقالوا في مثل قوله - ﷺ -: (إن محمدًا بريء منه) يعني: بريء من فعله، أو أنه برئ منه في هذه الحال، فإذا راجع ربه، وتاب، وأقلع عن ذلك الذنب، فإنه لا يكون بريئًا منه ...\nالمذهب الثاني: مذهب كثير من المحققين، يقولون: هذا التأويل خطأ، وإنما الواجب أن تبقى هذه النصوص كما جاءت، مع اعتقاد أن الفاعل لها لا يكون كافرًا، ولا يكون خارجًا من الملة، ولكن لا يجوز لنا أن نتأولها؛ لأن تأويلها يكون فيه محذوران:\nالأول: الخطر في ذلك، لأننا لا ندري مراد الله ومراد الرسول - ﷺ - من هذا، فإذا عينا شيئًا فإننا نكون على خطر، فقد يكون هذا الشيء الذي عيناه ليس هو مراد الله ولا مراد رسوله ﵊.\nالثاني: أن هذه النصوص إذا تركت كما جاءت فإن هذا يكون أدعى للانزجار والابتعاد عن اقتراف مثل هذه الذنوب، وهذا هو الراجح» (١).\nوالشاهد الذي من أجله أورد المصنف هذا الحديث في الباب: قوله: «تَقَلَّدَ وَتَرًا»؛ لأن ذلك يُعد نوعًا من أنواع التمائم المنهي عنها.\n_________\n(١) شرح فتح المجيد دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.","vol":"1","page":122},{"text":"وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» رَوَاهُ وَكِيعٌ. وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا مِنَ القُرْآنِ وَغَيْرِ القُرْآنِ».\n•---------------------------------•\n«وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: ...» هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة (١).\n«مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» «هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون على هذا مرسلًا، لأن سعيدًا تابعي» (٢).\nوقوله: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ» هذا من باب الإنكار باليد، ولا يكون ذلك إلا ممن يقدر عليه، مع مراعاة المصلحة والمفسدة.\nوالأثر يشمل من تسبب في قطع التميمة بأي صورة من الصور، ولو كان القاطع الحقيقي للتميمة صاحب التميمة نفسه.\nوقوله: «كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» أي: ما يعدل عتق رقبة، ولعل وجه ربط قطع التميمة بعتق الرقبة هو أنَّ الذي يقطع التميمة تسبب في عتق صاحبها من العبودية لغير الله، ومن ثَمَّ عتقه من النار، والله أعلم.\n«وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ» (وله): أي: وكيع، وإبراهيم هو: ابن يزيد النخعي، التابعي المشهور.\n«كَانُوا يَكْرَهُونَ» هذه الصيغة يستخدمها النخعي في حكاية أقوال أصحاب ابن مسعود، كالأسود، وعلقمة، ومسروق، وغيرهم.\n_________\n(١) في مصنفه (٥/ ٣٦) رقم (٢٣٤٧٣) عن حفص، عن ليث، عن سعيد بن جبير.\n(٢) تيسير العزيز ص (١٣٩).","vol":"1","page":123},{"text":"والكراهة عند المتقدمين المقصود بها التحريم، قال شيخ الإسلام - ﵀ -: «والكراهية في كلام السلف كثيرًا وغالبًا يراد بها التحريم» (١).\nوقال ابن القيم - ﵀ -: «فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم» (٢).\nوالكلام عن التمائم وتعليقها سبق الحديث عنه بما فيه الكفاية.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣٢/ ٢٤١).\n(٢) إعلام الموقعين (١/ ٣٤).","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>بَابُ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا</span>\n•---------------------------------•\n\nمقصود الترجمة: بيان<span data-type=\"title\" id=toc-71> حكم التبرك بالأحجار والأشجار ونحوها</span>.\nومناسبة هذا الباب للأبواب السابقة أنه يُعَدُّ تكملةً لها؛ لأنه ذكر لبس الحلقة والخيط، وذكر الرُّقَى ولبس التمائم؛ فناسب هنا أن يذكر النهي عن التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وأن ذلك من الشرك بالله تعالى. فإن القاسم المشترك بين كل هذه الأبواب أنها تتعلق بالاعتقاد بغير الله تعالى، وأنها من الشرك الأصغر في أصلها، وإن كانت قد ترتقي إلى الأكبر إذا اعتقد الفاعل لذلك استقلال المُعَلَّق أو المُتَبَرَّك به في التأثير.\nو(مَنْ) هنا يمكن أن تكون موصولة بمعنى (الذي)، والتقدير: (باب بيان حكم الذي يتبرك بشجرة أو حجر ونحوهما).\nويمكن أن تكون شرطية، والتقدير: (باب من تبرك بشجرةٍ أو حجرٍ ونحوهما فقد أشرك)، والأقرب أنها موصولة.\nوالمصنف لم يصرح بالحكم في هذه الترجمة؛ لأن الحكم مرتبط باعتقاد المُتبَرِّك وقصده.\nفإذا كان يعتقد أن هذا المتبرَّك به ينفع ويضر من دون الله فهو شرك أكبر.\nوإذا لم يعتقد ذلك ولم يدل الدليل على أنه مما يُتبرك به، فهذا قد يؤول بالمرء إلى الوقوع في الشرك، وإن لم يكن شركًا أكبر.\n«مَنْ تَبَرَّكَ» التبرك في اللغة: طلب البركة، والبركة: النماء والزيادة (١)، وفي الشرع: ثبوت الخير الإلهي في الشيء (٢).\n_________\n(١) ينظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١٣١)، والصحاح (٤/ ١٥٧٥).\n(٢) المفردات في غريب القرآن ص (١١٩)، والكليات ص (٢٤٨).","vol":"1","page":125},{"text":"وهل التبرك كله ممنوع؟\nالجواب: التبرك ينقسم إلى قسمين:\nالأول: التبرك المشروع وهو أنواع:\nالنوع الأول: التبرك بذات النبي - ﷺ -، وما انفصل من جسده، من شعرٍ، أو عَرَقٍ، أو لباسٍ، وما استعمله من ماءٍ أو إناءٍ، ونحو ذلك. فإِنَّ كل ذلك مباركٌ، يجوز التبرك به. وقد دلت الأدلة على ذلك، ولكن في هذا الباب لا بد من التنبيه على أمور:\nأولها: أَنَّ هذا خاصٌّ به لا يَتَعَدَّاه إلى غيره.\nوالنوع الثاني: عدم إمكانية الحصول على هذه الأشياء المنفصلة عن جسده - ﷺ -؛ وخاصةً مع تقادم الزمان، والبعد عن عهده؛ فإن الحصول على ذلك في هذه العهود بات أمرًا نادرًا أو معدومًا، ولو وُجِدَ لَمَا أمكن القطع بذلك على وجه اليقين.\nالثاني: التبرك المشروع بالأقوال والأفعال، والأمكنة، والأزمنة، والأطعمة، كما يلي:\nأولًا: التبرك المشروع بالأقوال: كقراءة سورة البقرة: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ» (١).\nثانيًا: التبرك بالأفعال: كالاجتماع على الطعام.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١/ ٥٥٣) رقم (٨٠٤).","vol":"1","page":126},{"text":"الثالث: من التبرك المشروع: التبرك بالأمكنة.\nكالأماكن التي فيها نص كالمساجد؛ فإنه ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أَحَبُّ الْبِلاَدِ إِلَى الله مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلادِ إِلَى الله أَسْوَاقُهَا» (١).\nوكيف يكون التبرك بالمساجد؟\nالجواب: يكون ذلك بفعل ما دل الشرع على جوازه، فإن كان بيتَ المقدس بشد الرحال إليه وكثرة الصلاة فيه، وكذلك المسجد الحرام، والمسجد النبوي فبشد الرحال إليهما وكثرة الصلاة فيهما.\nالرابع: من التبرك المشروع التبرك بالأزمنة:\nكليلة القدر: وتلتمس بركتها بقيام ليلها وصيام نهارها، وهكذا يوم الجمعة، وشهر رمضان، ويوم عرفة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، يشرع أن يفعل فيها ما دل عليه الدليل.\nالخامس: من التبرك المشروع التبرك بالأطعمة وما في حكمها:\nكالزيت المستخرج من شجرة الزيتون لقوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥].\nومن ذلك: اللبن، والحبة السوداء، والعجوة، والكمأة، والعسل، والخيل، والغنم، والنخل.\nوأيضًا ماء زمزم: لحديث: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ» (٢)، وماء المطر: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩].\n_________\n(١) أخرجه مسلم ١/ ٤٦٤ رقم (٦٧١).\n(٢) أخرجه مسلم ٤/ ١٩١٩ رقم (٢٤٧٣).","vol":"1","page":127},{"text":"وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ الآية [النجم: ١٩].\n•---------------------------------•\nالقسم الثاني: التبرك الممنوع:\nوهو كل تبرك بشيء لم يدل الدليل على مشروعية التبرك به، كالتبرك بالأمكنة أو الجمادات أو الأزمنة التي لا دليل على ثبوت بركتها، ويدخل في التبرك الممنوع، التبركُ بالأمكنة المباركة على غير ما ورد به الشرع، كتقبيل أبواب المساجد، والتمسح بأعتابها والاستشفاء بتربتها، ومثل ذلك: التمسح بجدران الكعبة، أو مقام إبراهيم، وغير ذلك من التبرك الممنوع.\nومن ذلك أيضًا: الذهاب إلى القبور لا لقصد الزيارة، وإنما لقصد الدعاء عندها.\nومن ذلك: تخصيص أزمنة معينة بنوع من التعظيم، والاحتفالات، والعبادات؛ كيوم مولد الرسول - ﷺ -، ويوم الإسراء والمعراج، ويوم الهجرة، ويوم بدر، وفتح مكة، وغير ذلك؛ فالتبرك بالأزمنة على هذا النحو من البدع.\n﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ معناه: أفرأيتم أيها المشركون هذه الآلهة التي تعبدونها: اللات والعزَّى ومناة الثالثة الأخرى هل نفعتكم أو ضرَّتكم حتى تجعلوها شركاء لله؟\nو﴿اللَّاتَ﴾ بتخفيف التاء، على قراءة الجمهور، قيل: إنها مأخوذة من الإله.\nوبتشديد التاء (اللاتَّ) على قراءة ابن عباس - ﵁ -، قيل: إنه رجل بالطائف كان يلت السويق للحجاج، فلما مات؛ عظموه، وعكفوا على قبره.","vol":"1","page":128},{"text":"﴿وَالْعُزَّى﴾ مأخوذة من اسم العزيز، وقيل: هو اسم شجرة كانت تعبد.\nقال ابن كثير: «كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها» (١).\n﴿وَمَنَاةَ﴾ مأخوذة من اسم المنان (٢)، وقيل: سميت بذلك لكثرة ما يُمْنَى -أي: يراق- عندها من دماء.\nوقوله: ﴿الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ وصف لمناة، وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى «إشارة إلى أن التي تعظمونها، وتذبحون عندها، وتكثر إراقة الدماء حولها، أنها أخرى بمعنى متأخرة؛ أي: ذميمة حقيرة» (٣).\nوالأصنام التي كان يعبدها المشركون كثيرة وجاء النص على هذه الثلاثة؛ لأنها كانت الأشهر عند العرب.\nومناسبة الآية للترجمة: أن هذه الأصنام من الحجارة، أو الأشجار، التي كان المشركون يتقربون إليها بالذبائح وغيرها طلبًا للنفع وجلبًا للبركة، ودفعًا للشر، أو رفعه، كل ذلك من الضلال والشرك بالله تعالى.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٧/ ٤٤٥).\n(٢) معالم التنزيل (٧/ ٤٠٧)، والجامع لأحكام القرآن (٧/ ٣٢٨).\n(٣) القول المفيد (١/ ١٩٨).","vol":"1","page":129},{"text":"عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِي - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشركِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله؟: «الله أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسرائِيلَ لِمُوسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» رواهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه.\n•---------------------------------•\nحديث أبي واقد رواه الترمذي وغيره (١)، وإسناده صحيح.\n_________\n(١) أخرجه معمر في جامعه (١١/ ٣٦٩) رقم (٢٠٧٦٣)، ومن طريقه أحمد في مسنده (٣٦/ ٢٣١) رقم (٢١٩٠٠)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ١٣٠)، والمروزي في السنة ص (١٦) رقم (٣٨)، والنسائي في السنن الكبرى (١٠/ ١٠٠) رقم (١١١٢١)، والطبري في تفسيره (١٣/ ٨١)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٣) رقم (٣٢٩٠)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٥٦٨) رقم (٧١٠)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٧٥٩) رقم (٢٠٢١)،\nوأبو داود الطيالسي في مسنده (٢/ ٦٨٢) رقم (١٤٤٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٤٧٩) رقم (٣٧٣٧٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٣٧) رقم (٧٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٤) رقم (٣٢٩٤) من طريق إبراهيم بن سعد،\nوالحميدي في مسنده (٢/ ٩٨) رقم (٨٧١)، والشافعي في السنن المأثورة ص (٣٣٨) رقم (٤٠٠)، والترمذي في جامعه (٤/ ٤٥) رقم (٢١٨٠)، والمروزي في السنة ص (١٦) رقم (٣٧)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٤) رقم (٣٢٩٢)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٣٠) رقم (١٤٤١)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٧٢)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٣٩) رقم (٢٠٤)، ورقم (٢٠٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٧٥٩) رقم (٢٠٢١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ١٨٦) رقم (٣٢٩)، وفي دلائل النبوة (٥/ ١٢٥) ِمن طريق سفيان بن عيينة،\nوأحمد في مسنده والمروزي في السنة ص (١٧) رقم (٤٠) من طريق عقيل بن خالد،","vol":"1","page":130},{"text":"«وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ» أي: جديدون في الإسلام، وقريبو عهد بكفر، وهذا اعتذار عن الزلة العظيمة التي وقعت منهم بسبب ذلك، وفي هذا دليل على أن حديث العهد بالكفر يعذر بجهله.\n«وَلِلْمُشركِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا» العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته (١)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]. فالمشركون لازموا هذه السدرة وأقبلوا عليها عبادة وتعظيمًا، وطلبًا للبركة.\n«وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ» من ناط الشيء ينوطه نوطًا، أي علَّقه (٢)، والمعنى: أنهم كانوا يعلقون أسلحتهم على هذه الشجرة طلبًا للبركة.\n_________\nوالمروزي في السنة ص (١٧) رقم (٣٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٤) رقم (٣٢٩١)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٧٥٩) رقم (٢٠٢١) من طريق مالك بن أنس،\nوابن حبان في صحيحه (١٥/ ٩٤) رقم (٦٧٠٢) من طريق يونس بن يزيد،\nومحمد بن إسحاق كما في (سيرة ابن هشام) (٢/ ٤٤٢)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٤٤) رقم (٣٢٩٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٧٥٩) رقم (٢٠٢١)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ١٢٤)،\nسبعتهم (معمر، وإبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعقيل بن خالد، ومالك، ويونس بن يزيد، وابن إسحاق) عن ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي.\nقال الترمذي (٤/ ٤٥): «حسن صحيح»، وصححه ابن حبان.\n(١) مجمل اللغة ص (٦٢٤).\n(٢) الصحاح (٣/ ١١٦٥)، ولسان العرب (٧/ ٤١٨).","vol":"1","page":131},{"text":"«يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ» أي: تسمى أو تلقب بذات أنواط، «وإنما سميت بذلك لكثرة ما يناط بها من السلاح» (١).\n«فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ» أي: اجعل لنا شجرة نعلق عليها أسلحتنا فتنالها البركة؛ فتصبح أمضى وأقوى، مثل ما يحصل لأسلحة المشركين.\n«الله أَكْبَرُ» وفي رواية الترمذي: «سُبْحَانَ الله» والتكبير والتسبيح هنا وقعا موقع التعجب والاستنكار واستعظام الأمر، ومعناهما تعظيم الله تعالى وتنزيهه عن الشرك، وعما لا يليق به.\n«إِنَّهَا السَنَنُ» أي: السنن الإلهية الكونية في تتبع اللاحقين للسابقين في طرقهم ومذاهبهم، وهي سنة لا تتغير، ولا تتبدل.\n«قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسرائِيلَ لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾» فقاس - ﷺ - مقالة صحابته على مقالة بني إسرائيل، فهؤلاء قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما للمشركين، وأولئك قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾.\n«لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» «يحتمل أن يكون بفتح السين، أي: طريق من كان قبلكم من الأولين، ويحتمل أن يكون بضمها، فيكون المراد بها الطرائق، أي: لتأخذن أو لتأتن ما أتاه من قبلكم من الخلائق» (٢).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٩٣).\n(٢) العقد الثمين في شرح أحاديث أصول الدين ص (١١٠).","vol":"1","page":132},{"text":"ومناسبة الحديث للباب واضحة وظاهرة لا تحتاج إلى بيان.\nوفيه النهي عن التشبه بأهل الجاهلية من أهل الكتاب والمشركين، وفيه من اللطائف: أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة؛ كما وقع فيمن قبلها، ففيه رد على من قال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، ومن لطائف الحديث: العذر بالجهل وعدم التسرع في إطلاق وصف الشرك على من وقع في فعل أو قول شركي لداعٍ وبالأخص من كان حديث عهد بكفر.","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان حكم الذبح لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر.\nومناسبة الباب للأبواب السابقة: أَنَّ تلك الأبواب كانت عن الشرك الأصغر؛ فناسب هنا أن يبدأ بذكر أنواع الشرك الأكبر؛ لأن خطة المصنف أَنْ يتقدم في ترتيب هذا الأمر تصاعديًّا، من الأدنى إلى الأعلى، والأبواب السابقة في الشرك الأصغر والوسائل المفضية إلى الشرك، وهذا الباب وما بعده في الشرك الأكبر.\nوقوله: «مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ الله» أي: ما جاء من الوعيد في الذبح لغير الله، وبيان أنه من الشرك بالله.\nولم يجزم المصنف بالحكم في هذا الباب؛ لأن مسألة الذبح لغير الله فيها تفصيل «ولا شك أنه يرى تحريم الذبح لغير الله على سبيل التقرب والتعظيم، وأنه شرك أكبر، لكنه أراد أن يمرن الطالب على أخذ الحكم من الدليل، وهذا نوع من التربية العلمية، فإن المعلم أو المؤلف يدع الحكم مفتوحًا، ثم يأتي بالأدلة لأجل أن يكل الحكم إلى الطالب، فيحكم به على حسب ما سيق له من هذه الأدلة» (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-74>«الذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:</span>\nالقسم الأول: أن يذبح لغير الله تقربًا وتعظيمًا؛ فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.\nالقسم الثاني: أن يذبح لغير الله فرحًا وإكرامًا؛ فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحيانًا، فالأصل أنها مباحة.\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":134},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية، [الأنعام: ١٦٢].\n•---------------------------------•\nفلو قدم السلطان إلى بلد، فذبحنا له، فإن كان تقربًا وتعظيمًا؛ فإنه شرك أكبر، أما لو ذبحناها له إكرامًا وضيافة، وطبخت، وأكلت؛ فهذا من باب الإكرام، وليس بشرك» (١).\nقوله: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يعبدون غير الله، معلنًا لهم قيامك بالتوحيد الخالص.\n﴿إِنَّ صَلَاتِي﴾ الصلاة لغةً: الدعاء (٢)، وشرعًا: عبادة لله ذات أقوال، وأفعال معلومة مخصوصة، مفتَتَحة بالتكبير، مختَتَمة بالتسليم، وسُمِّيت صلاة؛ لاشتمالها على الدعاء (٣).\n﴿وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، وقيل المراد الأضحية؛ لأنها تسمى نسكًا، وكذلك كل ذبيحة على وجه القربة إلى الله تعالى فهي نسك. وقيل: تعني العبادة وجميع أنواع الطاعات، من قولك: نسك فلان نسكًا إذا تعبد.\n﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أحيا لله وأموت في سبيل الله. كما قال معاذ بن جبل: «أَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي» (٤) أي: أتقوى بهذا النوم على طاعة الله أو أعطي بدني حقه امتثالًا؛ لقوله - ﷺ - في الصحيح: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق (١/ ٢١٤).\n(٢) ينظر: الصحاح (٦/ ٢٤٠٢)، ولسان العرب (١٤/ ٤٦٤).\n(٣) ينظر: المبدع في شرح المقنع (١/ ٢٦٣)، والروض المربع ص (٦٠).\n(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٥٧٨) رقم (٤٠٨٦).\n(٥) أخرجه البخاري (٢/ ٦٩٧) رقم (١٨٧٤).","vol":"1","page":135},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].\n•---------------------------------•\nومناسبة الآية للباب: أن الذبح عبادة عظيمة؛ ولذلك جاءت مقترنة بالصلاة، فإذا ثبت أنها عبادة فصرفها لغير الله شرك أكبر، كما أن صرف الصلاة وغيرها من العبادات لغير الله شرك أكبر.\n﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ هذا أمر من الله تعالى لنبيه بأن يجعل صلاته وذبيحته خالصة له تعالى، خلافًا للذين يشركون في عباداتهم وينحرون لغير الله.\nوالنحر: من نحر ينحر نحرا إذا أصاب نحره، ونحر البعير ينحره نحرًا: طعنه في منحره، حيث يبدو الحلقوم من أعلى الصدر (١).\nوللمفسرين أقوال في المراد بالصلاة، والنحر، في الآية، فقيل: المراد بالصلاة: صلاة عيد الأضحى، والمراد بالنحر: نحر الأضاحي يوم العيد.\nوقيل معناه: اجعل يدك اليمنى على اليسرى عند النحر في الصلاة.\nولعل الأقرب إلى الصواب أن الصلاة هنا عامة، والنحر أيضًا عام، ويؤيد ذلك قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح قرن بالصلاة ولم يخصص، وكذلك الصلاة لم تخصص.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وقوله: (وانحر): مطلق، فيدخل فيه كل ما ثبت في الشرع مشروعيته، وهي ثلاثة أشياء: الأضاحي، والهدايا، والعقائق» (٢).\nومناسبة الآية للباب: كمناسبة الآية التي قبلها، وهي أن النحر عبادة يجب صرفها إلى الله تعالى، ومن صرفها لغيره فهو مشرك شركًا أكبر.\n_________\n(١) ينظر: الصحاح (٢/ ٨٢٤)، ومقاييس اللغة (٥/ ٤٠٠)، ولسان العرب (٥/ ١٩٥).\n(٢) القول المفيد (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":136},{"text":"عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ الله - ﷺ - بَأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» رَوَاهُ مُسْلِمُ.\n•---------------------------------•\nحديث عليٍّ - ﵁ - عند مسلم كما ذكر المصنف (١).\n«لَعَنَ اللهُ» اللعن الطرد والإبعاد من الخير، وجمع اللعنة: لِعانٌ ولَعَناتٌ.\nواللعن من الله: الطرد والإبعاد للملعون عن رحمته، ومن الإنسان: السب والدعاء، وهو طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله لهذا العبد (٢).\n«وقوله: (لعن): يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول - ﷺ - يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم العن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ، لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب» (٣).\n«مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله» قال النووي - ﵀ -: «وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا ... فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا» (٤).\n«لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» أَي: أباه وأمه وإن عَلَوَا.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٦٧) رقم (١٩٧٨) من طريق عامر بن واثلة، عن علي - ﵁ -.\n(٢) ينظر: الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢٥٥).\n(٣) القول المفيد (١/ ٢٢٢).\n(٤) شرح النووي على مسلم (١٣/ ١٤١).","vol":"1","page":137},{"text":"ولعن الولد لوالديه قد يكون من باب التسبب، وذلك بأن يلعن والد رجلٍ آخر، فيرد عليه هذا فيسب والده، وقد فسَّر ذلك النبي - ﷺ - في خبر سب الرجل والديه، حيث قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ» (١). قال المناوي - ﵀ -: «ولعل وجه تفسيره بذلك استبعاده أن يسب الرجل والديه بالمباشرة، فإن وقع سبهما يكون واقعًا بالتسبب» (٢).\nوقد يكون اللعن من الولد لوالديه مباشرًا؛ وهذا لا شك أنه أعظم وأخطر من الأول، ولا يتوقع صدوره من مسلم، «فإذا استحق من تسبب لسبهما اللعنة فكيف حال المباشر؟ !» (٣).\n«لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» أي: ضمه إليه وحماه. «والإحداث يشمل الإحداث في الدين: كالبدع. والإحداث في الأمر، أي في شؤون الأمة: كالجرائم وشبهها» (٤).\n«لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» جمع منارة، وهي العلامة التي تجعل في الحدود بين أرضين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٨/ ٣) رقم (٥٩٧٣)، ومسلم (١/ ٩٢) رقم (٩٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.\n(٢) فيض القدير (٥/ ٢٧٥).\n(٣) المصدر السابق الموضع نفسه.\n(٤) القول المفيد (١/ ٢٢٣).","vol":"1","page":138},{"text":"ومناسبة الحديث للباب: قوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله»؛ واللعن لا يأتي إلا على كبيرة من الكبائر، وهذا مؤشر على خطورة الذبح لغير الله، وتدل الأدلة الأخرى على أنه شرك.\nما حكم اللعن على سبيل العموم؟\nظاهر هذا الحديث جواز لعن الفاسقين على العموم، وقد لعن الله الظالمين على العموم، فقال: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤].\nوأيضًا في سورة هود ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وتقدم أن الرسول - ﷺ - لعن لعنًا عامًّا، كما في لعن الواشمة والمستوشمة، والواشرة، والمستوشرة، والواصلة والمستوصلة، والمتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال، واليهود والنصارى، ومن لعن والديه.\nوما حكم لعن المعين الفاسق؟\nالجواب: اختلف فيه العلماء على قولين:\nالقول الأول: يجوز، واختاره ابن الجوزي وغيره.\nالقول الثاني: لا يجوز، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الأكثر.\nوقد جاءت جملة من الأحاديث في النهي عن اللعن، منها:\n١. حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا» (١).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٥) رقم (٢٥٩٧).","vol":"1","page":139},{"text":"وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟\n•---------------------------------•\n٢. حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١).\n٣. حديث أبي هريرة قال: «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً» (٢).\n٤. عن ثابت بن الضحاك عن النبي - ﷺ - قال: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» (٣).\n«وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ» الحديث رواه أحمد في الزهد وغيره (٤)، موقوفًا على سلمان، وليس مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، كما ذكر المصنف، ولعله تبع ابن القيم في ذلك (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦) رقم (٢٥٩٨).\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٠٦) رقم (٢٥٩٩).\n(٣) أخرجه مسلم (١/ ١٠٤) رقم (١١٠).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٤٧٣) رقم (٣٣٠٣٨) من طريق مخارق بن خليفة،\nوأحمد في الزهد ص (١٧) رقم (٨٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (١/ ٢٠٣)، والخطيب البغدادي في الكفاية ص (١٨٥) من طريق سليمان بن ميسرة،\nوابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٨٦٢) رقم (١٧٩٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٤٥٧) رقم (٦٩٦٢) من طريق الحارث بن شبيل،\nوأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٠٣) معلقًا من طريق قيس بن مسلم،\nأربعتهم (مخارق، وسليمان، والحارث، وقيس) عن طارق بن شهاب، عن سلمان الفارسي - ﵁ - موقوفًا عليه. وتحرف (سلمان) في المطبوع من الزهد لأحمد إلى (سليمان)، وتحرف أيضًا (الحارث ابن شبيل) في المطبوع من شعب الإيمان إلى (الحارث عن شبل).\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية الموضع السابق معلقًا عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، عن المنهال بن عمرو، عن حيان بن مرثد، عن سلمان بنحوه.\n(٥) حيث قال في الجواب الكافي ص (٣٥): «وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب يرفعه، قال: دخل رجل الجنة في ذباب ... إلخ».","vol":"1","page":140},{"text":"قَالَ: «مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ ....................................\n•---------------------------------•\nوقول المصنف في نهاية الحديث: (رواه أحمد) يوهم أنه في مسنده، وليس كذلك، بل هو في الزهد كما سبق.\nوالأثر صحيح موقوفًا، ولم يصح مرفوعًا (١)، ولكن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ذلك من الإسرائيليات (٢).\n«دَخَلَ الجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ» أي: بسبب ذباب؛ لأن (في) هنا للسببية، ومثل ذلك قوله - ﷺ -: «دَخَلَت امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» (٣)، أي: بسبب هرة.\n«مَرَّ رَجُلانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ» الصنم ما له شكل وصورة، ويطلق عليه الوثن أيضًا؛ لأن الوثن يطلق على ما له صورة وعلى غيره (٤).\n_________\n(١) وفيه ثلاث علل:\nالأولى: أن طارق بن شهاب اتفقوا على أنه لم يسمع من النبي - ﷺ - واختلفوا في صحبته، والأكثرون على أنه صحابي، لكن إذا قلنا: إنه صحابي، فلا يضر عدم سماعه من النبي - ﷺ -؛ لأن مرسل الصحابي حجة، وإن كان غير صحابي، فإنه مرسل غير صحابي، وهو من أقسام الضعيف.\nالثانية: أن الحديث معنعن من قبل الأعمش، وهو من المدلسين.\nالثالثة: أن الإمام أحمد رواه عن طارق عن سلمان موقوفًا من قوله، وكذا أبو نعيم وابن أبي شيبة، فيحتمل أن سلمان أخذه عن بني إسرائيل.\nوهذا الأثر لا يوجد في دواوين السنة مرفوعًا.\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٢٢٤)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة (١٢/ ٧٢٢).\n(٣) أخرجه البخاري ٣/ ١٢٠٥ رقم (٣١٤٠) من حديث ابن عمر - ﵃ -.\n(٤) ينظر: معجم الفروق اللغوية ص (٣٢٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٥١)، وتاج العروس (٣٦/ ٢٣٩).","vol":"1","page":141},{"text":"لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا، فَقَالُوا لأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قالَ: لَيْسَ عَنْدِي شيءٌ أُقَرِّبُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ.\n•---------------------------------•\n«لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شيئًا» أي: لا يمر أحدٌ بهذا الصنم ويتعداه إلا بعد أن يقدم له قربانًا، ومن لم يقرب له شيئًا ضربت عنقه.\n«فَقَرَّبَ ذُبَابًا» أي: قتل ذبابًا - وهو الحشرة المعروفة - تقربًا للصنم.\n«فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ» أي: تركوه وسبيله، ولم يتعرضوا له بشيء.\n«فَدَخَلَ النَّارَ» أي: دخل النار بسبب الذباب الذي قرَّبه إلى الصنم، وهذا محل الشاهد من الحديث للباب؛ لأن قتل الذباب تقربًا للصنم بمنزلة الذبح له، وهذا المُقَرَّب بالرغم من أنه حقيرٌ كان سببًا لدخول النار؛ لأنه صُرِفَ لغير الله تعالى.\nومن هذا يستفاد أنَّ صرف أي شيء مهما كان حقيرًا لغير الله تعالى على وجه التقرب والعبادة فهو شرك موجب لفاعله النار.\nقال سليمان آل الشيخ - ﵀ -: «في هذا بيان عظمة الشرك ولو في قليل، وأنه يوجب النار» (١).\nوأما من فعل ذلك وهو لا يقصد التقرب به، وإنما فعله خوفًا من المُكْرِه، فلا يكفر؛ قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٣٩، ١٤٠).","vol":"1","page":142},{"text":"وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ، قَالَ: مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شيئًا دُونَ الله ﷿، فَضربُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الجَنَّةَ». رواه أحمد.\n•---------------------------------•\n«مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأَحَدٍ شيئًا دُونَ الله - ﷿ -، فَضربُوا عُنُقَهُ فَدَخَلَ الجَنَّةَ» وعدم أخذه بالرخصة يحتمل أمرين:\nالأول: أن شريعتهم ليس فيها عذر بالإكراه، ولهذا لم يأخذ بالرخصة ويتخلص من شرهم.\nالثاني: يحتمل أنه ترك الرخصة وأخذ بالعزيمة لقوة إيمانه ويقينه فقتلوه. وفي شريعتنا أن من أكره على الشرك ففعل ما أكره عليه بقصد التخلص من شرهم، ولم يطمئن بذلك فلا حرج؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، فيأخذ بالرخصة حتى لو قال الكفر بلسانه (١).\nوقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: هل الأولى للإنسان إذا أُكره على الكفر أن يصبر ولو قُتِل، أو يوافق ظاهرًا فيها ويتأول؟\nهذه المسألة فيها تفصيل:\nأولًا: أن يوافق ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا يجوز لأنه ردة.\nثانيًا: أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، ولكن بقصد التخلص من الإكراه؛ فهذا جائز.\nثالثًا: أن لا يوافق لا ظاهرًا ولا باطنًا ويقتل، وهذا جائز، وهو من الصبر، لكن أيهما أولى أن يصبر ولو قتل أو أن يوافق ظاهرًا؟\n_________\n(١) ينظر: التعليق المفيد (٨١، ٨٢).","vol":"1","page":143},{"text":"فيه تفصيل: إذا لم يكن في موافقته ضرر على الإسلام، فالأولى أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، أما إذا كان في موافقته ضرر على الإسلام فإنه يجب عليه الصبر؛ لأنه من باب الصبر على الجهاد في سبيل الله، وذلك كمحنة الإمام أحمد - ﵀ - (١).\nهذا رأي شيخنا - ﵀ -، لكن نقل ابن بطال الاتفاق على أن من اختار القتل فهو أعظم أجرًا ممن اختار الرخصة (٢).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٢٢٩) بتصرف.\n(٢) شرح ابن بطال (٨/ ٢٩٥).","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>بَابٌ لا يُذبَحُ للهِ بمكانٍ يُذبَح فيه لغير الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان تحريم الذبح لله في مكانٍ يُذْبَحُ فيه لغير الله، وهذا الحكم عام فـ «لا يجوز للمؤمنين التشبه بأهل المعاصي ولا مشاركتهم في أماكن المعصية وفي أماكن تعبدهم ولو بغير الذبح، حتى لا ينسب إليهم ويشاركهم» (١).\nومناسبة هذا الباب للذي قبله: أنه تابعٌ له ومُكَمِّلٌ له؛ فالباب السابق يتكلم عن الذبح لغير الله وهو شركٌ، وهذا الباب هو سدٌّ للذريعة التي تؤدي إلى الذبح لغير الله.\nوقد أحسن المؤلف - ﵀ - حيث أتبع هذا الباب الباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة؛ فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها وشركا بالله قد صار مشعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحة ولو قصدها لله، فقد تشبه بالمشركين وشاركهم في مشعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم (٢).\n«لَا يُذبَحُ» بالبناء للمجهول، و(لا) هنا يجوز فيها وجهان:\nالأول: أن تكون نافية (لا يُذْبَحُ) بضم الحاء، ويكون النفي بمعنى النهي.\nوالثاني: أن تكون لا ناهية (لا يُذْبَحْ) بإسكان الحاء، فتكون الجملة واضحةً في النهي.\n_________\n(١) التعليق المفيد ص (٨٣).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (٦١).","vol":"1","page":145},{"text":"وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].\n•---------------------------------•\nفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهي من الله - ﷿ - لنبيه أن يقوم في مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله تعالى، فبناه المنافقون؛ لأغراض فاسدة جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. وأمره أن يقوم بمسجد قباء الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم.\nووجه مناسبة الآية للباب: من جهة القياس، فمَنْعُ النبي - ﷺ - من أن يقوم في مسجد الضرار مع أنه يتعبد فيه لله، دليل على أنَّ المكان الذي يعصى الله فيه لا يصح أن يقام فيه، فكذلك الأماكن التي يذبح فيها لغير الله، لا يجوز أن يذبح فيها لله.\n«ومطابقة الآية للترجمة أن هذا المسجد لما أسس على معصية الله والكفر به، صار محل غضب، فنهى الله نبيه - ﷺ - أن يقوم فيه، لوجود العلة المانعة، وهو - ﷺ - لا يصلي إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله يجب اجتناب الذبح فيها لله، وهذا قياس صحيح» (١).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (١٠٣).","vol":"1","page":146},{"text":"عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - ﵁ - قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ الله؟: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شرطِهِمَا.\n•---------------------------------•\nحديث ثابت بن الضحاك رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.\n_________\n(١) أخرجه داود في سننه (٣/ ٢٣٨) رقم (٣٣١٣)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٢) رقم (٢٠١٣٩)، والسنن الصغير (٤/ ١٢٠) رقم (٣٢٢٣)،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢/ ٧٥) رقم (١٣٤١) عن عبد الله بن أحمد،\nكلاهما (أبو داود، وعبد الله بن أحمد) عن داود بن رشيد، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول الله - ﷺ - ...» الحديث.\nوالحديث صحيح، وله شواهد منها:\n- حديث ميمونة بنت كردم بن سفيان عن أبيها، أخرجه أبو داود (٣/ ٢٣٨) رقم (٣٣١٤)، وابن ماجه (١/ ٦٨٨) رقم (٢١٣١)، وأحمد في مسنده (٤٤/ ٦٢٢) رقم (٢٧٠٦٦) عن ميمونة: «أَنَّ أَبَاهَا لَقِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ رَدِيفَةٌ لَهُ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: هَلْ بِهَا وَثَنٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ». وإسناد حسن.\n- حديث ابن عباس - ﵁ -، أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٨٨) رقم (٢١٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٢) رقم (١٢٣٥٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٣) رقم (٢٠١٤١)، من طريق عبد الله بن رجاء عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ، فَقَالَ: فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ». وإسناده حسن.\nوالحديث صححه جماعة منهم: النووي في المجموع (٨/ ٤٦٧)، وشيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٠)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٥١٨)، وابن حجر في التلخيص (٤/ ٤٣٩).","vol":"1","page":147},{"text":"«نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ» بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر (١).\n«هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» «هذا السؤال يدل على أنه لو وجد هذا الوصف، وهو أنه كان ثَمَّ وثن من أوثان الجاهلية يعبد، لم يجز النحر في ذلك الموضع، وهو المراد من إيراد هذا الحديث في الباب، وهو وجه الاستدلال» (٢).\n«فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» أي: هل كان هذا الموضع الذي تريد أن تنحر فيه، من الأماكن التي اعتاد أهل الجاهلية المجيء إليها، ليتقربوا فيها إلى معبوداتهم بإراقة الدماء، وغيرها من العبادات الشركية.\nفالذبح لله في أماكن يذبح فيها لغيره، وسيلة إلى الذبح إلى غير الله في تلك الأماكن، وهو شرك.\nوالنبي - ﷺ - سأل عن أمرين: عن الشرك، ووسائله. فالشرك: هل كان فيها وثن؟ ووسائله: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟\nولما كانت الإجابة بالنفي قال له: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» أي: إذا انتفت الأوصاف السابقة في المكان الذي نذرت أن تذبح فيه، فأوف بنذرك؛ لأنه انتفى المانع.\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ١٦٤)، ومعجم البلدان (١/ ٥٠٥)، والمعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص (٥٤)\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (١٥٥).","vol":"1","page":148},{"text":"«فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصيةِ الله» أي: لو ثبت أنَّ هناك وثنًا يعبد، أو عيدًا من أعياد الجاهلية، فإنه لا يجوز الوفاء بالنذر حينئذٍ. وفي هذا «دليل على أن هذا نذر معصية لو قد وجد في المكان بعض الموانع. وما كان من نذر المعصية، فلا يجوز الوفاء به بإجماع العلماء» (١).\n«وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» «الذي لا يملكه ابن آدم يحتمل معنيين:\nالأول: ما لا يملك فعله شرعا، كما لو قال: لله علي أن أعتق عبد فلان، فلا يصح لأنه لا يملك إعتاقه.\nالثاني: ما لا يملك فعله قدرًا، كما لو قال: لله علي نذر أن أطير بيدي، فهذا لا يصح لأنه لا يملكه. والفقهاء ﵏ يمثلون بمثل هذا للمستحيل» (٢).\n_________\n(١) فتح المجيد ص (١٥٥).\n(٢) القول المفيد (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>بابٌ مِنَ الشركِ النَّذْرُ لِغَيْرِ الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم النذر لغير الله تعالى، وأنه من الشرك الأكبر المخرج عن الملة.\nومناسبة هذه الترجمة للباب الذي قبلها: أنه جاء في سياق سرد الأبواب المتعلقة بالشرك الأكبر؛ فلما تكلم في الباب السابق عن الذبح في مكانٍ يذبح فيه لغير الله، الذي هو تكملةٌ لبابٍ سابقٍ له عن الذبح لغير الله ناسب هنا أن يتكلم عن النذر لغير الله، الذي هو نوعٌ آخر من أنواع الشرك الأكبر.\nوقوله: «مِنَ الشركِ النَّذْرُ لِغَيْرِ الله» أي: من أنواع الشرك الأكبر النذر لغير الله، وقطع المصنف في الحكم؛ لوضوح ذلك، وصراحة الأدلة فيه.\nوالنذر في اللغة: الإيجاب والإلزام (١).\nوفي الشرع: التزام المكلف شيئًا لم يكن عليه منجزًا أو معلقًا (٢).\n«والنذر في الأصل مكروه، بل إن بعض أهل العلم يميل إلى تحريمه، لأن النبي - ﷺ - نهى عنه، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» (٣)؛ ولأنه إلزام لنفس الإنسان بما جعله الله في حل منه، وفي ذلك زيادة تكليف على نفسه. ولأن الغالب أن الذي ينذر يندم» (٤).\n_________\n(١) ينظر: كتاب العين (٨/ ١٨٠)، ومشارق الأنوار (٢/ ٨).\n(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٥٧٢)، وخلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام ص (٣٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٨/ ١٤١) رقم (٦٦٩٣)، ومسلم (٣/ ١٢٦١) رقم (١٦٣٩) من حديث ابن عمر - ﵁ -، واللفظ لمسلم.\n(٤) القول المفيد (١/ ٢٣٥).","vol":"1","page":150},{"text":"وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآيَةُ [الإنسان: ١٧]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: ٢٧٠].\n•---------------------------------•\nقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآيَة قال ابن كثير - ﵀ -: «أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر» (١).\nوما علاقة الآية بالباب؟\nالجواب: أن وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى على المؤمنين لوفائهم بنذورهم، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: كل ما تنفقون من نفقة قليلة أو كثيرة، في حق أو باطل، في سر أو علانية، وكل ما تنذرون من نذر في طاعة أو معصية، فإن الله يعلمه، وهو المُطَّلِع على نياتكم، وسوف يجازيكم على ذلك.\nووجه مناسبة الآية للباب: أنَّ الله تعالى أخبر في هذه الآية أنه يعلم كل نفقة تنفق، وكل نذرٍ ينذر، فما كان خيرًا جازى عليه بالثواب الجزيل، وما كان شرًّا جازى عليه بالعقاب الأليم، وترتب الجزاء على هذه الأعمال يدل على أنها من العبادات، وصرف العبادة لغير الله شرك، والنذر أحد هذه العبادات المنصوص عليها في الآية.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٨/ ٢٨٧).","vol":"1","page":151},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ».\n•---------------------------------•\n«وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري (١).\n«مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» فيه دليل على أن من نذر طاعة يلزمه الوفاء به، وإن لم يكن معلقًا بشيء، وقال بعضهم يجب إذا كان معلقًا بشرط، ووجد ذلك الشرط (٢).\nوقد أجمع العلماء على أن من نذر طاعة بشرط يرجوه كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب عليه أن يوفي بها مطلقًا إذا حصل الشرط.\n\n«وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلا يَعْصِهِ» وهنا: مسألة:<span data-type=\"title\" id=toc-83> هل ينعقد نذر المعصية</span>؟\nالجواب: لا ينعقد؛ ولذا قال الإمام الخطابي - ﵀ - شارحًا هذه العبارة: في هذا بيان أن النذر في المعصية غير لازم، وأن صاحبه منهي عن الوفاء به، وإذا كان كذلك لم تجب فيه كفارة، ولو كان فيه كفارة لأشبه أن يجري ذكرها في الحديث، وأن يوجد بيانها مقرونًا به (٣).\nومناسبة الحديث للباب: أنه دل على أن النذر قد يكون طاعةً أو معصيةً، وإذا كان طاعة وجب الوفاء به، وهذا يدل على أنه عبادة؛ وصرف العبادة لغير الله شرك.\n_________\n(١) (٨/ ١٤٢) رقم (٦٦٩٦)، و(٨/ ١٤٢) رقم (٦٧٠٠) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، وأبي عاصم النبيل، كلاهما عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة - ﵂ -.\n(٢) شرح المشكاة للطيبي (٨/ ٢٤٤٥)، وتيسير العزيز الحميد ص (١٦٩).\n(٣) معالم السنن (٤/ ٥٤).","vol":"1","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>بَابٌ مِنَ الشركِ الاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم الاستعاذة بغير الله، وأنها إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي من الشرك الأكبر المخرج عن الملة.\nومناسبة الباب للباب الذي قبله: أنه جاء على ذات النسق المنتظم المتسلسل المتعلق بذكر أنواع الشرك الأكبر بدءًا بالذبح لغير الله، ثم النذر، ثم الاستعاذة.\nوجزم المصنف هنا بالحكم لدلالة الأخبار التي ذكرها في الباب على ذلك.\n«وهذه الترجمة ليست على إطلاقها؛ لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة» (١).\nوالاستعاذة هي: اللجوء إلى الشيء، والاعتصام به (٢).\nوالاستعاذة بالله عبادة من العبادات، وطلبها من الله توحيد.\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-86> حكم الاستعاذة بالمخلوق</span>؟\nالجواب: أن فيه تفصيلًا يتبين بذكر أقسام الاستعاذة بغير الله، وهي:\nأولًا: استعاذة بغير الله جائزة، وهي الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يستطيعه، ودليل ذلك حديث أبي مسعود - ﵁ -: «أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ غُلَامَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللهِ، فَتَرَكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: وَاللهِ لله أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَعْتَقَهُ» (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٢٥٠).\n(٢) ينظر: تهذيب اللغة (٣/ ٩٣)، ومختار الصحاح ص (٢٢١)، وتاج العروس (٩/ ٤٣٨).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٢٨١) رقم (١٦٥٩).","vol":"1","page":153},{"text":"وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].\n•---------------------------------•\nثانيًا: استعاذة بغير الله ممنوعة، وهي نوعان:\nالأول: الاستعاذة بالمخلوق الحي الحاضر فيما لا يستطيعه إلا الله، فهذا شرك أكبر.\nالثاني: الاستعاذة بالمخلوق الحي الغائب أو الميت فيما لا يستطيعه إلا المخلوق الحي الحاضر، وهي شرك أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ ذكر المفسرون أنه كان الرجل في الجاهلية إذا سافر فأمسى في قفر من الأرض، استعاذ بالجن، فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي أو بعزيز هذا المكان من شر سفهاء قومه، فيبيت في جوار منهم حتى يصبح (١).\nقوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ أي: يستعيذون، من العوذ، وهو الالتجاء إلى الشيء طلبًا للنجاة.\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-87> الفرق بين العياذ واللياذ</span>؟\nالجواب: العياذ يكون لدفع الشر مما يخاف، واللياذ يكون لطلب جلب الخير فيما يؤمل، ومن ذلك قول المتنبي، وهو يخاطب ممدوحه، ولا يصلح ما قاله إلا لله:\nيَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّنْ أُحَاذِرُهُ\nلَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ... وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ (٢)\n_________\n(١) ينظر: جامع البيان (٢٣/ ٦٥٤)، وتفسير ابن كثير (٨/ ٢٣٩).\n(٢) ينظر: تفسير ابن كثير (١/ ١١٤) وفتح المجيد ص (١٦٢)، والقول المفيد (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":154},{"text":"وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ - ﵂ - قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شر مَا خَلَقَ لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\n﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زادتهم الجن خوفًا وإرهابًا وذعرًا، وذلًّا وصغارًا، وازداد الجن طغيانًا وتكبرًا.\n«ووجه الاستدلال بالآية على الترجمة: أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول - ﷺ - وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها الاستعاذة بغير الله» (١).\n«وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ» حديث خولة رواه مسلم كما ذكر المصنف (٢).\n«مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا» يشمل منزل السفر والحضر، والمنزل المؤقت، والمنزل الدائم؛ لأن كلمة (مَنْزِلًا) جاءت نكرة في سياق الشرط؛ فتفيد العموم.\n«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ الله» يشمل جميع كلام الله تعالى، القرآن وغيره، وفي هذا دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك.\nقال الخطابي - ﵀ -: «كان أحمد بن حنبل يستدل بقوله: (بكلمات الله التامة)، على أن القرآن غير مخلوق؛ وهو أن رسول الله - ﷺ - لا يستعيذ بمخلوق وما من كلام مخلوق إلّا وفيه نقص والموصوف منه بالتمام هو غير المخلوق وهو كلام الله سبحانه» (٣).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٧٢).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٨١) رقم (٢٧٠٨) من طريق سعد بن أبي وقاص، عن خولة بنت حكيم السلمية - ﵂ -، مرفوعًا.\n(٣) معالم السنن (٤/ ٣٣٢، ٣٣٣).","vol":"1","page":155},{"text":"«التَّامَّاتِ» «قيل: معناه: الكاملة التي لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل كلام البشر.\nوقيل: التامة: النافعة الشافية» (١)، والأقرب أنها تشمل المعنيين معًا ولا تعارض بينهما.\nوقد جاء التصريح بتمام الكلمات في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، والإشارة إلى التمام في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].\n«مِنْ شر مَا خَلَقَ» أي: من شر كل ذي شر من الإنس، والجن، والدواب، والهوام، والرياح، والصواعق، وغيرها.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:\n١) شر محض: كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.\n٢) خير محض: كالجنة، والرسل، والملائكة.\n٣) فيه شر وخير: كالإنس، والجن، والحيوان» (٢).\n«لَمْ يَضرَّهُ شيءٌ» نكرة في سياق النفي، فتفيد عموم الأشياء التي يأتي منها الضرر والشرور.\n_________\n(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٨/ ٢٠٦).\n(٢) القول المفيد (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).","vol":"1","page":156},{"text":"«حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» قال القرطبي - ﵀ -: «هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب ... فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات» (١).\nومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان الاستعاذة المشروعة والإرشاد إليها، وهي الاستعاذة بكلمات الله التي هي صفة من صفاته، وبيان أنَّ الاستعاذة المشروعة نافعة للمستعيذ، خلافًا لاستعاذة المشركين الشركية بالجن وغيرهم، والتي لا تفيد ولا تنفع بل تزيد المستعيذ خوفًا وذعرًا.\nوذكر هذا الحديث بعد الآية يدل على فقه المصنف - ﵀ -، حيث ذكر الاستعاذة الممنوعة في الآية، ثم ذكر البديل لذلك وهو الاستعاذة المشروعة في الحديث.\n_________\n(١) المفهم (٧/ ٣٦٣٧).","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>بَابٌ مِنَ الشركِ أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ الله أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أَنَّ الاستغاثة بغير الله ودعاء غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك الأكبر المخرج عن الملة.\nوأما مناسبة هذا الباب للأبواب التي قبله: فهي أَنَّه جاء في سلك الأبواب المتعلقة ببيان أنواع الشرك الأكبر.\nقوله: «مِنَ الشركِ» هنا قطع المصنف بالحكم لدلالة النصوص التي ذكرها في الباب على ذلك.\nتعريف الاستغاثة:\nالاستغاثة في اللغة: طلب العون والنصر، مأخوذة من الغوث، وهو: الإغاثة والنُّصرة عند الشِّدَّة (١).\nوالاستغاثة شرعًا: لا تخرج في المعنى عن التعريف اللغوي.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: «والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون» (٢).\n«بِغَيْرِ الله» أي: الاستغاثة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ لأن الاستغاثة ثلاثة أنواع:\n١ - استغاثةٌ شرعية: وهي استغاثة المخلوق بربه وإلهه ﷾، وهي عبوديةٌ لله تعالى واجبةٌ يؤجر عليها العبد.\n_________\n(١) ينظر: شمس العلوم (٨/ ٥٠٣٤)، والكليات ص (١١٤)، وتاج العروس (٥/ ٣١٤).\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":158},{"text":"٢ - استغاثةٌ مباحة: وهي الاستغاثة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فهذه مباحةٌ جائزةٌ، وإن تركها دون ضررٍ أو عنتٍ فهو أولى.\n٣ - استغاثةٌ شركية: وهي الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ويدخل في ذلك الاستغاثة بالميت أو الحي الغائب فيما يقدر عليه الحي الحاضر.\n«أَوْ يَدْعُوَ غَيْرَهُ» أي: من الشرك أن يدعو غير الله؛ لأنه معطوف على قوله: «أَنْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ الله» فأخذ المعطوف حكم المعطوف عليه.\nوأصل الدعاء: النداء والطلب مطلقًا.\nوالدعاء في الاصطلاح الشرعي: اسم لجميع العبادة القولية والفعلية، وهو نوعان:\nدعاء العبادة، ومعناه: الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي.\nدعاء المسألة: ومعناه: المسألة، والطلب بالصيغة القولية.\nوالدعاء عبادة من العبادات، فصرفه لغير الله شرك أكبر، ومن الأدلة على أنه عبادة، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وقوله - ﷺ -: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٧٦) رقم (١٤٧٩)، والترمذي في جامعه (٥/ ٢١١) رقم (٢٩٦٩)، وابن ماجه في سننه (٢/ ١٢٥٨) رقم (٣٨٢٨) من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -. وقال الترمذي: «حسن صحيح».","vol":"1","page":159},{"text":"وَقَوْل الله تعَاَلىَ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦].\n•---------------------------------•\n«والفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. فعطف الدعاء على الاستغاثة من باب عطف العام على الخاص. فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة» (١).\nوقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ظاهر الخطاب في الآية للنبي - ﷺ -، وهو عام لكل من يصح خطابه من الإنس والجن، وتوجيهه إلى النبي - ﷺ - لا يقتضي أن يكون ذلك ممكنًا منه، بل حاشاه - ﷺ - أن يدعو من دون الله شيئًا، ولا يمكن أن يقع منه - ﷺ -، باعتبار حاله شرك أبدًا. والحكمة من النهي أن يكون غيره متأسيًا به، فإذا كان النهي موجهًا إلى من لا يمكن أن يقع منه باعتبار حاله فهو إلى من يمكن منه من باب أولى (٢).\nومعنى الآية: ولا تدعُ من دون الله ما لا ينفعك إن عبدته ودعوته، ولا يضرك إن تركت عبادته، «وهذا وصف لكل مخلوق، أنه لا ينفع ولا يضر، وإنما النافع الضار، هو الله تعالى» (٣).\n_________\n(١) فتح المجيد ص (١٦٦).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٢٦٢).\n(٣) تيسير الكريم الرحمن ص (٣٧٥).","vol":"1","page":160},{"text":"﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية [يونس: ١٠٦].\n•---------------------------------•\nوقوله: ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فإن فعَلْت ذلك ودعوت من دون الله فإنك إذًا من المشركين بالله، الواضعين العبادة في غير موضعها، الظالمين لأنفسهم بالشرك والمعصية.\nقال السعدي - ﵀ -: «فإذا كان خير الخلق، لو دعا مع الله غيره، لكان من الظالمين المشركين فكيف بغيره؟ !» (١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية [يونس: ١٠٧]، «هذا من أعظم الأدلة على أن الله وحده المستحق للعبادة، فإنه النافع الضار، المعطي المانع، الذي إذا مس بضر، كفقر ومرض، ونحوها ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾؛ لأن الخلق، لو اجتمعوا على أن ينفعوا بشيء، لم ينفعوا إلا بما كتبه الله، ولو اجتمعوا على أن يضروا أحدا، لم يقدروا على شيء من ضرره، إذا لم يرده الله، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ أي: لا يقدر أحد من الخلق أن يرد فضله وإحسانه» (٢).\nومناسبة الآيتين للباب: ما جاء فيهما من النهي عن دعاء من لا يملك ضرًّا ولا نفعًا؛ بل الله مالك كل ذلك، وإن أصاب بشدة أو بلاء فلا كاشف لذلك إلا هو جلَّ وعلا، وإن أراد أحدًا برخاء أو نعمة لا يمنعه عنه أحدٌ؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، فمن دعا غيره أو استغاث بغيره فيما لا يقدر عليه إلا هو فهو مشرك شركًا أكبر.\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن ص (٣٧٥).\n(٢) المصدر السابق ص (٣٧٥).","vol":"1","page":161},{"text":"وَقَوْله: وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية [العنكبوت: ١٧]. وَقَوْله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٤٦].\nوَقَوْله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].\n•---------------------------------•\n﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ أي: إنَّ أوثانكم التي تعبدونها من دون الله لا تقدر أن ترزقكم شيئًا، فالتمسوا عند الله الرزق لا من عند أوثانكم، وأخلصوا له العبادة والشكر على رزقه إياكم (١).\nومناسبة الآية للباب: أن الله أمر في هذه الآية بطلب الرزق من عنده وحده دون سواه؛ لأنه القادر عليه، فمن طلب الرزق من غيره فيما لا يقدر عليه؛ فقد أشرك.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا أو أمواتًا من دون الله، ويطلب منها ما لا تستطيعه، وهي لن تستجيب له أبدًا.\nومناسبة الآية للباب: أنَّ الآية فيها بيان أن الله وحده هو الذي يجيب الدعاء، وأنَّ من يدعو الأصنام والأموات التي لا تسمع الدعاء ولا تجيب مِنْ أضلِّ النَّاس؛ وهذا يدل على أن الدعاء عبادة لا تصرف لغير الله تعالى.\nوقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ أي: أنَّه لا أحدَ يجيب المستغيث المضطر ويكشف عنه السوء غير الله؛ فلذلك هو وحده المستحق للعبادة فلا يدعى غيره ولا يستغاث بغيره؛ لأن ذلك من الشرك.\n_________\n(١) ينظر: جامع البيان (١٨/ ٣٧٥).","vol":"1","page":162},{"text":"وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله».\n•---------------------------------•\nهذه الحديث عزاه المصنف للطبراني (١)، وهو ضعيف جدًّا، لكن المعنى الذي اشتمل عليه الحديث صحيح.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير كما في مجموع الفتاوى (١/ ١١٠)، و(جامع المسانيد والسنن) (٤/ ٥٦٨) رقم (٥٧٨٠)، ومجمع الزوائد (١٠/ ١٥٩) من طريق سعيد بن عُفَيْر،\nوابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٢٩٥)، وأحمد في مسنده (٣٧/ ٣٨٠) رقم (٢٢٧٠٦)، من طريق موسى بن داود،\nوابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٤٤٤) معلقًا، من طريق زيد بن الحباب،\nثلاثتهم (سعيد بن عُفَيْر، وموسى بن داود، وزيد بن الحباب)، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن عبادة بن الصامت.\nوفي طريق موسى، وزيد: زيادة رجل مبهم بين علي بن رباح وعبادة، ولفظه من طريقهما: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله - ﷺ - من هذا المنافق، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يقام لي، إنما يقام لله». وفي طريق زيد بن الحباب عند ابن أبي حاتم زيادة وطول.\nوفي الحديث ثلاث علل:\nالعلة الأولى: أنَّ مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف؛ لاختلاطه.\nالعلة الثانية: الاختلاف في سنده، فرواه علي بن رباح عن عبادة مباشرة، في طريق سعيد بن عُفَيْر، ورواه عن رجل مبهم عن عبادة، في الطريقين الأخريين.\nالعلة الثالثة: الاختلاف في متن الحديث، فجاء في طريق ابن عُفَيْر: «إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله»، وجاء في الطريقين الأخريين: «لا يقام لي، إنما يقام لله»، بدل اللفظ الأول.\nقال ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٣٣) بعد أن نقل الحديث عن ابن أبي حاتم: «هذا الحديث غريب جدًّا».","vol":"1","page":163},{"text":"«مُنَافِقٌ يُؤْذِي المُؤْمِنِينَ» «هذا المنافق لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أُبَيٍّ، فإنه معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في أعراضهم ونحو ذلك، أما أذاهم بنحو ضرب أو زجر، فلا نعلم منافقًا بهذه الصفة» (١).\n«فَقَالَ بَعْضُهُمْ» جاء في كل الروايات التي وقفت عليها أنَّ القائل هو أبو بكر الصديق - ﵁ -.\n«قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ الله» أي: فيما يقدر عليه، لا الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى.\n«إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» وجاء في رواية بدل هذا: «لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لله».\n«إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي» ظاهر هذه الجملة النفي مطلقًا، ويحتمل أن المراد: لا يستغاث به في هذه القضية المعينة.\nفعلى الأول: يكون نفي الاستغاثة من باب سد الذرائع والتأدب في اللفظ، وليس من باب الحكم بالعموم؛ لأن نفي الاستغاثة بالرسول - ﷺ - ليس على إطلاقه، بل تجوز الاستغاثة به فيما يقدر عليه حال حياته، أما إذا قلنا: إن النفي عائد إلى القضية المعينة التي استغاثوا بالنبي - ﷺ - منها، فإنه يكون على الحقيقة، أي: على النفي الحقيقي، أي: لا يستغاث بي في مثل هذه القضية =\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (١٩٩).","vol":"1","page":164},{"text":"= لأن النبي - ﷺ - كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، ولا يمكنه حسب الحكم الظاهر للمنافقين أن ينتقم من هذا المنافق انتقامًا ظاهرًا، إذ إن المنافقين يستترون، وعلى هذا، فلا يستغاث للتخلص من المنافق إلا بالله» (١).\n«وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بالله» أراد بذلك الاستغاثة المطلقة الكاملة التي لا تكون إلا لله تعالى، وأما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فهي جائزة، بشرط أن يُعْتَقد أن المغيث الحقيقي هو الله، وأما المخلوق فإنما هو سبب، وقد دل على الجواز قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥].\nومناسبة الحديث للباب: نهي النبي - ﷺ - صحابته عن الاستغاثة به، فإذا كان ذلك في الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ !\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٢٧٦، ٢٧٧).","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>باب\nقول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾</span>.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان الأدلة الدالة على بطلان عبادة غير الله تعالى، وإيراد دليل عجز المخلوقين عن الخلق، وقدرة الله الخالق سبحانه على ذلك.\nوعلاقة هذا الباب بالأبواب السابقة: أَنَّ المصنف في الأبواب السالفة تكلم عن أنواع الشرك الأكبر من الاستعاذة والاستغاثة بغير الله - ﷿ - وغير ذلك؛ فناسب هنا أن يتكلم عن الأدلة والبراهين التي تدل على ذلك، وتَرُدُّ على أهل الإشراك. وثمرة هذا الدليل أَنَّ الرب الخالق المدبر هو المستحق للعبادة دون سواه مِمَّن لا قدرة له ولا ملك. والمؤلف حينما يذكر هذه الأمور يقرر بذلك أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية (١).\nقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الاستفهام هنا للتقريع والتوبيخ (٢)، والمعنى: كيف يشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يقدرون على خلق شيءٍ من الأشياء، بل هم مخلوقون (٣).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٢٨٣)، والتوضيح الرشيد ص (١١١).\n(٢) قاله الشوكاني في فتح القدير (٢/ ٣١٣).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٦٣٣)، وتفسير القرطبي (٧/ ٣٤١)، وتفسير ابن كثير (٣/ ٤٧٨).","vol":"1","page":166},{"text":"وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.\n•---------------------------------•\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي: «أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله ما لا يستطيع أن ينصرهم إن أراد الله بهم سوءًا، أو أحل بهم عقوبة، ولا هو قادر إن أراد به سوءًا نصر نفسه ولا دفع ضر عنها؟» (١).\nووجه الاستدلال من الآية على الباب: أن الله تعالى احتج على المشركين -الذين يعبدون غيره من المخلوقات كالملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام وغيرها- بحجتين عظيمتين:\nالحجة الأولى: أن هؤلاء مخلوقون ولا يستطيعون خلق شيء.\nوالحجة الثانية: أنهم لا قدرة لهم على نفعكم ولا نفع أنفسهم. وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله؛ لأن المخلوق العاجز عن الخلق والنفع لا يستحق العبادة (٢).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ المعنى: أيها الناس إن الذين تعبدونهم من دون ربكم لا يملكون قطميرًا، والقطمير هو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون عليها، فضلًا عما هو فوقه (٣).\n﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي: إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع، أو أموات لا حيلة لهم (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٣/ ٣١٩).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٦٣٣)، وفتح المجيد ص (١٨٢)، وقرة عيون الموحدين ص (٨٧).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٤٩)، وتفسير البغوي (٦/ ٤١٧).\n(٤) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).","vol":"1","page":167},{"text":"﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ أي لو جعلنا لهم عقولًا وحياةً وسمعًا فسمعوا دعاءكم قيل: ما استجابوا لكم؛ لأنها عاجزة، وليس كل سامعِ قولٍ يتيسرله الجواب عنه، وقيل: لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر (١).\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي يوم القيامة لا يرضون ولا يُقِرُّون به، بل يتبرأون منكم (٢)، «ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين؛ أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقًّا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر ﷾ عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، ويجوز أن يندرج فيه الأصنام أيضًا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلًا للعبادة» (٣).\nووجه الدلالة من الآية على الباب: هو أن الله تعالى بَيَّنَ لهؤلاء المشركين أن الذين تدعونهم لا يملكون شيئًا، والمستحق للعبادة هو الخالق المالك المدبر لا غيره، وأكبر دليل على ذلك أنكم لو دعوتموهم لما استجابوا لكم، ولو سمعوا دعاءكم لكانوا عاجزين عن أن يفعلوا لكم شيئًا، وعلاوةً على ذلك أنهم يوم القيامة سوف يتبرأون منكم، ولا يرضون بعبادتكم لهم.\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٥١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٣٥١)، وتفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).\n(٣) تفسير القرطبي (١٤/ ٣٣٦).","vol":"1","page":168},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟» فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨].\n•---------------------------------•\nحديث أنس في صحيح مسلم (١).\n«شُجَّ النَّبِيُّ؟»: «الشج في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء» (٢).\n«وَكُسرتْ رَبَاعِيَتُهُ»: الرَّبَاعِيَة: -بفتح الراء- هي السن التي تلي الثنية من كل جانب، وللإنسان أربع رباعيات (٣).\n«كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟» المعنى: كيف تتحقق السعادة والرضا والفوز لأمثال هؤلاء وهم يفعلون هذا مع نبيهم (٤)، وهذا «استبعاد لتوفيق من فعل ذلك به» (٥)، فاستدرك الله على نبيه بقوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس إليك، يا محمد، من أمر خلقي إلا أن تُنَفذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنما أمرهم إلي والقضاء فيهم بيدي دون غيري\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٤١٧) رقم (١٧٩١) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁،\nوقد أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٩٩) تعليقًا، فقال: «قال حميد وثابت، عن أنس ...» فذكره بنحوه.\n(٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٤٥).\n(٣) ينظر: شرح مسلم للنووي (١٢/ ١٤٨)، وطرح التثريب (٧/ ٢١٢).\n(٤) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٢٠).\n(٥) تفسير القرطبي (٤/ ١٩٩).","vol":"1","page":169},{"text":"وَفِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الفَجْرِ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا» بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\n•---------------------------------•\nأقضى فيهم وأحكم بالذي أشاء، من التوبة على من كفر بي وعصاني وخالف أمري، أو العذاب إما في عاجل الدنيا بالقتل والنقم المبيرة، وإما في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي (١).\nومناسبة الحديث السابق للباب: هو أن النبي - ﷺ - لا يستحق شيئًا من العبادة؛ لأنه لا يملك نفعًا ولا ضرًّا، بل هو مبلغ عن الله تعالى، وإذا كان هذا بالنسبة له فغيره من الأولياء والصالحين من باب أولى، وفي هذا أبلغ رد على المشركين الذين يتعلقون به ﵊، فكيف بمن يتعلق بمن هو دونه؟ (٢).\n«وَفِيهِ»: أي الصحيح، والمراد به هنا صحيح البخاري (٣).\n«اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وَفُلانًا»: هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام كما جاء في الرواية الأخرى التي تليها.\nوقد ثبت في صحيح مسلم أنه لعن أحياء من العرب، كما في رواية يونس عن الزهري عند مسلم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ» (٤).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري (٧/ ١٩٤).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٢١٠، ٢١١)، والتوضيح الرشيد ص (١١٢).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٩٩) رقم (٤٠٦٩) عن يحيى بن عبد الله السلمي، عن عبد الله، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه.\n(٤) صحيح مسلم (١/ ٤٦٦) رقم (٦٧٥) عن أبي هريرة - ﵁ -.","vol":"1","page":170},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْروٍ، وَالحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.\n•---------------------------------•\n«وَفِي رِوَايَةٍ»: أي في الصحيح (١)، وفيها توضيح من أبهم في الرواية السابقة، كما أشرنا إليه في موضعه.\nفي الحديث دلالة على أن النبي - ﷺ - لا يملك الضر لأحد، حيث نهي عن الدعاء عليهم وعن لعنهم، فصار من باب أولى أن غيره لا يملك الضر، فبطل بذلك التعلق به - ومن هو دونه من سادة الأولياء من باب أولى - في الضر والنفع (٢).\nوهنا لطيفة: وهي أنَّ الإمام بالبخاري - ﵀ - أدخل هذه الترجمة في كتاب الاعتصام بالسنة؛ ليحقق أن الاعتصام في الحقيقة إنما هو بالله، لا بذات الرسول - ﷺ -، إذ الرسول - ﷺ - معتصم بأمر الله، ليس له من الأمر شيء إلا التبليغ. والتبليغ أيضًا من فضل الله وعونه؛ ألا إلى الله تصير الأمور (٣).\n_________\n(١) هذه الرواية تلي الرواية السابقة مباشرةً في صحيح البخاري (٥/ ٩٩) رقم (٤٠٧٠) عن حنظلة ابن أبي سفيان، سمعت سالم بن عبد الله يقول: فذكر الحديث؛ ولذلك فهي مرسلة. وقد وصلها أحمد في مسنده (٩/ ٤٨٦) رقم (٥٦٧٤) من طريق عبد الله بن عقيل،\nوالترمذي في سننه (٥/ ٢٢٧) رقم (٣٠٠٤) من طريق أحمد بن بشير،\nكلاهما (عبد الله بن عقيل، وأحمد بن بشير) عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄.\nقال الترمذي (٥/ ٢٢٧، ٢٢٨): «هذا حديث حسن غريب، يُسْتَغْرَب من حديث عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه، وكذا أخرجه الزهري، عن سالم، عن أبيه، لم يعرفه محمد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزهري»، والحديث حسن.\n(٢) التوضيح الرشيد ص (١١٢).\n(٣) المتواري على أبواب البخاري ص (٤٠٥، ٤٠٦).","vol":"1","page":171},{"text":"وَفِيهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَامَ رَسُولُ الله - ﷺ - حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، فَقَالَ: «يَا مَعْشر قُرَيْشٍ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شيئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شيئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ الله - ﷺ - لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا».\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة في صحيحي البخاري ومسلم (١).\nقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فيه تربية الداعية بأن يبدأ في دعوته بأهل بيته وخاصته، ثم جيرانه وأهل بلده، ثم من حوله من البلاد.\n\n«و<span data-type=\"title\" id=toc-95>السر في الأمر بإنذار الأقربين أولًا</span>، أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع» (٢).\n«اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ»: أي أسلموا بإخلاص العبادة لله وحده، ونبذ الشرك، تسلموا من عذاب الله، فتكون الطاعة ثمنًا للنجاة والفوز يوم القيامة (٣).\n«سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ» قال الطيبي: «أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء، إنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه، ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال لا سيما بمكة» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٧) رقم (٢٧٥٣) من طريق شعيب،\nومسلم في صحيحه (١/ ١٩٢) رقم (٢٠٦) من طريق يونس،\nكلاهما (شعيب، ويونس) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) فتح الباري لابن حجر (٨/ ٥٠٣).\n(٣) ينظر: التوضيح لابن الملقن (٢٠/ ٩٠)، وفتح الباري لابن حجر (٨/ ٥٠٣).\n(٤) شرح المشكاة للطيبي (١١/ ٣٣٩٨).","vol":"1","page":172},{"text":"«لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شيئًا»: وهذا هو الشاهد من الحديث على الترجمة في هذا الباب، أي لا أدفع أو لا أنفع (١).\nوفي الحديث «بيان القاعدة الكلية في التوحيد، وهي أن (ما كان لله لا يطلب من غير الله)، فلا يخفى الفرق -إن شاء الله تعالى- بين قوله (من مالي) وبين (من الله شيئًا)» (٢).\nوفيه حجة على من تعلق بالأنبياء والصالحين، ورغب إليهم ليشفعوا له وينفعوه، أو يدفعوا عنه؛ فإن ذلك هو الشرك الذي حرمه الله تعالى، وأقام نبيه ﷺ بالإنذار عنه (٣).\nووجه مطابقة الحديث للباب: أنه إذا كان «هذا كلام النبي - ﷺ - لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته؛ فما بالك بمن هم أبعد؟ ! فعدم إغنائه عنهم شيئًا من باب أولى؛ فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول - ﷺ - ويلوذون به ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق، لأنهم تعلقوا بما ليس بمُتَعَلق، إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول - ﷺ - هو الإيمان به واتباعه» (٤).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٢٩٥) بتصرف.\n(٢) التوضيح الرشيد ص (١١٣).\n(٣) فتح المجيد ص (١٩٠).\n(٤) القول المفيد (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>باب قول الله تعالى:\n﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ </span>قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: أمران:\nالأول: «بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم مَنْ عُبِدَ مِن دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى، وهيبتهم منه، وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله؟ ! وإذا كانوا لا يُدْعَون مع الله تعالى لا استقلالًا، ولا وساطة بالشفاعة، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء -من الأموات والأصنام- أولى أن لا يدعى، ولا يعبد، ففيه الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من لا يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم» (١).\nالثاني: ذكرُ برهانٍ آخر على وجوب التوحيد وبطلان الشرك، وهو إيراد الأدلة التي تدل على عظمة الرب - ﵎- وكبريائه، وخضوع الكون كله من أحياءٍ وجماداتٍ له. وهي تدل بطريق اللزوم على توحيد العبادة؛ فإن الرب الذي له صفات الكمال، وله الجبروت والعظمة هو المستحق للعبادة، والمصنف يريد بذلك إثبات توحيد الألوهية من خلال توحيد الأسماء والصفات؛ فإن الثاني مستلزم للأول (٢).\nوبهذا تُعلم مناسبة الباب الظاهرة لكتاب التوحيد.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢١٨)، وينظر أيضًا: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٨٨)، والقول المفيد (١/ ٣٠٦)، وفوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٤٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٣٤).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (٦٨، ٦٩)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٠٤ - ٢٠٨).","vol":"1","page":174},{"text":"وأما علاقة هذا الباب بالأبواب التي قبله: فهي إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بطلان الشرك.\nففي الأبواب السابقة بيَّن الشيخ - ﵀ - بيان بطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنة.\nوفي هذا الباب يبين بطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمل للأبواب السابقة التي قبله في بيان بطلان عبادة كل من عبد من دون الله؛ من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنه إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة -وهم أقوى الخلق خِلْقةً، ومن أقربهم إلى الله ﷾ منزلة- فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى» (١).\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾: حتى إذا كُشِف وجُلِّى وأُزيل عن قلوبهم، والضمير عائد على الملائكة (٢). وقُرئ (افْرُنْقِعَ) عن قلوبهم بمعنى انكشف عنها (٣).\n_________\n(١) إعانة المستفيد (١/ ٢٢١).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٤)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤)، وهذا قول المحققين من أهل التفسير، ويدل عليه الحديث الآتي؛ ولذلك قال ابن كثير في تفسيره (٦/ ٤٥٥): «وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لصحة الأحاديث فيه والآثار».\n(٣) التبيان في إعراب القرآن (٢/ ١٠٦٨)، وهي قراءة شاذة.","vol":"1","page":175},{"text":"﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾: «يسأل أهل كل سماء الذين فوقهم إذا خُلي عن قلوبهم ماذا قال ربكم؟» (١).\n﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾: «فيقولون الحق؛ أي: هو الحق يعنون: الوحي» (٢).\n\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾: تشمل<span data-type=\"title\" id=toc-98> أنواع العلو </span>الثلاثة:\n١ - علو القدر.\n٢ - علو الذات.\n٣ - علو القهر.\nفهو ﴿الْعَلِيُّ﴾ بذاته، فوق جميع مخلوقاته، وقهره لهم، وعلو قدره، بما له من الصفات العظيمة، جليلة المقدار ﴿الْكَبِيرُ﴾ في ذاته وصفاته» (٣).\nوفي الآية فائدة: وهي إثبات صفة القول لله تعالى.\nوتدل الآية على أن الملائكة مع علو مقامهم يخافون من الله - ﷿ - ويخشونه ويتذللون له، فهذا يدل على أن الله وحده هو المنفرد بالعظمة والجبروت والكبرياء؛ فإذا كان ذلك كذلك فكيف يُقْدِم بعضُ المشركين على عبادة هؤلاء الملائكة الذين هم عبيدٌ لله، وما بالك بِمَن يعبدُ مَن هو دونهم مِن الأولياء والصالحين؟ ! (٤).\n_________\n(١) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٤/ ١٥).\n(٢) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٤/ ١٥).\n(٣) تفسير السعدي ص (٦٧٩).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٠٨)، والتوضيح الرشيد ص (١١٩)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٤٨).","vol":"1","page":176},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَضى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضربَتِ المَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\n•---------------------------------•\n«فِي الصَّحِيحِ»: أي صحيح البخاري (١).\n«كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ»: الصفوان هو الصخر الأملس (٢)، فإذا جُرَّت عليه سلاسل الحديد أزعجت القلوب بالرعب (٣).\n«وهذا تشبيه للسماع بالسماع، لا للمسموع بالمسموع، تعالى الله أن يشبهه في ذاته أو صفاته شيء من خلقه، وتنزه النبي - ﷺ - أن يُحْمَل شيء من كلامه على التشبيه، وهو أعلم الخلق بالله - ﷿ -» (٤).\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وليس المراد تشبيه صوت الله تعالى بهذا؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل المراد تشبيه ما يحصل لهم من الفزع عندما يسمعون كلامه بفزع من يسمع سلسلة على صفوان» (٥).\n«يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ»: أي القول، والضمير في (ينفذهم) عائد على الملائكة، أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ١٢٢) رقم (٤٨٠٠) عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (٣/ ٤١).\n(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٥٤٨)، وفتح الباري لابن حجر (٨/ ٥٣٨).\n(٤) أعلام السنة المنشورة ص (٧٣، ٧٤).\n(٥) القول المفيد (١/ ٣١٠).","vol":"1","page":177},{"text":"فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، (وَصَفُهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِه)، فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ. فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ».\n•---------------------------------•\n«فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ»: أي: يسمع مسترقو السمع، وهم الشياطين، الكلمة التي يقضيها الله - ﷿ -؛ بأن يركب بعضهم فوق بعض، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر الذي يقضيه الله (١).\n«فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيهَا» الشهاب مفرد شُهُب: وهو جرم سماوي يسبح في الفضاء، فإذا دخل في الغلاف الجوي اشتعل وصار رمادًا، وقد جعل الله هذه الشُّهُب رجومًا للشياطين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [المُلك: ٥]، فمن يسترق السمع من الشياطين، يرجمه الشهاب كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحِجر: ١٨].\nو«مناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن فيه الرد على المشركين؛ فإنه إذا كان هذا حال الملائكة عند سماع كلام الله مع ما أعطاهم الله من القوة، عُلم أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة لهم، فكيف بمن دونهم» (٢).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٢٢).\n(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٣٨).","vol":"1","page":178},{"text":"وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)، خَوْفًا مِنَ الله - ﷿ -، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهَلُ السَّمَوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لله سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ جِبْرِيلُ، فَيُكَلِّمَهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلائِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: قَالَ الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْي إِلَى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ - ﷿ -». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.\n•---------------------------------•\nحديث النواس رواه ابن أبي حاتم وغيره (١)، وفي إسناده ضعف.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ٢٢٦، ٢٢٧) رقم (٥١٥)، وابن أبي حاتم- كما في تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٦) -، من طريق محمد بن عوف،\nوالمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٣٦) رقم (٢١٦) من طريق محمد بن يحيى،\nوابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٣٤٨، ٣٤٩)، والطبري في تفسيره (٢٠/ ٣٩٧، ٣٩٨)، من طريق زكريا بن يحيى بن إياس المصري،\nوابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٩٧)، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٤٥٣) رقم (٨٨٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٥١٢) رقم (٤٣٥) من طريق أحمد بن منصور الرمادي،\nوالآجري في الشريعة (٣/ ١٠٩٢، ١٠٩٣) رقم (٦٦٨)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٢/ ٥٠٠، ٥٠١) من طريق محمد بن سهل بن عسكر،\nوأبو نُعَيْم في حلية الأولياء (٥/ ١٥٢) من طريق يحيى بن عثمان، وبكر بن سهل.\nسبعتهم عن نعيم بن حماد، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان.\nوأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٢/ ٥٠١) من طريق عمرو بن مالك الراسبي، عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان =","vol":"1","page":179},{"text":"«إِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ»: «(بالأمر) أي: بالشأن من شؤون الكون والمخلوقات، أو بالأمر من الوحي المنزل على الرسل، فهو عام» (١).\n«أَخَذَتِ السَّمَوَاتِ مِنْهُ رَجْفَةٌ، (أَوْ قَالَ: رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ)» «وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة؛ لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح» (٢).\nو«هذا -والله أعلم- في جميع الأمور التي يقضيها الرب ﵎، كما يدل عليه عموم اللفظ» (٣).\nوحديث النواس، وإن كان في إسناده ضعف، إلا أن فيه ما في النصوص قبله من بيان عظمة الله وخوف الملائكة والسماوات منه، وأنه الله العظيم المستحق للتعظيم والعبادة، وأن مَنْ سواه مخلوق مربوب فقير إلى الله تعالى، فدل ذلك على إبطال كل عبادة لغير الله سبحانه، وأن كل من عبد من دون الله، فإنه لا يملك شيئًا ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤) يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٥].\n_________\n= والحديث ضعيف؛ لأن الوليد بن مسلم شديد التدليس وقد عنعن، ونعيم بن حماد يخطئ كثيرًا، ويتفرد بمناكير؛ ولعل هذا الحديث منها؛ ولهذا قال دحيم كما في تاريخ أبي زرعة الدمشقي ص (٦٢١): «لا أصل له». وقال أبو حاتم: «ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم». ينظر: تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٦).\n(١) إعانة المستفيد (١/ ٢٣٠).\n(٢) القول المفيد (١/ ٣١٨).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٢٢٥).","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>بَابُ الشَّفَاعَةِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: ذكر دليل آخر من أدلة التوحيد وبطلان الشرك، ألا وهو امتلاك الله ﷾ للشفاعة وحده دون من سواه. وإذا كان ذلك كذلك فإنه سبحانه هو المستحق للعبادة لا غيره.\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أنه يحتوي على الحجج والبراهين التي ترد شبهة من أعظم الشبه التي يتذرع بها أهل الإشراك: ألا وهي الشفاعة؛ حينما يقولون: نحنُ نؤمن بربوبية الله، ولكن نحنُ ضعاف، وهؤلاء الأولياء يشفعون لنا عند الله؛ لجاههم وعظمتهم، وهذه حجة المشركين الأوائل.\nوقول المؤلف: «بَابُ الشَّفَاعَةِ»: «أي بيان الشفاعة المثبَتة والمنفية، والحق والباطل فيها» (١).\nوالشفع لغةً: ضد الوتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣].\nوالشفاعة اصطلاحًا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.\nمثال جلب المنفعة: شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الجنة ليدخلوها.\nومثال دفع المضرة: شفاعة النبي - ﷺ - لمن استحق النار أن لا يدخلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>أقسام الناس في الشفاعة:</span>\nانقسم الناس في الشفاعة إلى ثلاث طوائف: طرفان ووسط:\nالطائفة الأولى: منكرو الشفاعة: كاليهود والنصارى والخوارج المكفرين بالذنوب. وقالوا: إن من دخل النار لا يخرج منها، فخالفوا بذلك الأحاديث الصحيحة المتواترة.\n_________\n(١) شرح كتاب التوحيد ص (٩٢).","vol":"1","page":181},{"text":"الطائفة الثانية: الغالون في الشفاعة: وهم الذين أثبتوها وغلوا في إثباتها، حتى جوزوا طلبها من الأولياء والصالحين.\nالطائفة الثالثة: أهل الوسطية: وهم الذين أثبتوها بالشرع لله تعالى وحده وبإذنه، ولأهلها الذين يستحقونها برضا الله عنهم، وهم أهل السنة والجماعة (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-102>الشفاعة الوارة في القرآن والسنة من حيث الإثبات والنفي نوعان:</span>\nالنوع الأول: الشفاعة المنفية:\nوهي الشفاعة التي نفاها الله - ﷿ - عن أهل الكفر والإشراك؛ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، وقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨]، وقال ﷻ: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.\nالنوع الثاني: الشفاعة المثبتة:\nوهي الشفاعة التي أثبتها القرآن، وهي خالصة لأهل التوحيد (٢).\nوتدل النصوص على أنها لا تتم إلا بشرطين:\nالشرط الأول: إذن الله للشافع أن يشفع:\nقال الله - ﷿ -: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِي﴾ [البقرة: ٢٥٥].\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣)، وإعانة المستفيد (١/ ٢٤٠).\n(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣)، وقرة عيون الموحدين ص (٩٧).","vol":"1","page":182},{"text":"الشرط الثاني: رضاه عن المشفوع له:\nقال الله سبحانه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، فالإذن بالشفاعة له بعد الرضا كما في هذه الآية، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد (١).\nوالشفاعة المثبتة تنقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>القسم الأول: الشفاعة الخاصة </span>بالرسول - ﷺ -:\nوهي أنواع:\nالنوع الأول: الشفاعة العظمى:\nوهي الشفاعة الخاصة بنبينا محمد - ﷺ - من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وهي المقام المحمود:\nوأدلة هذه الشفاعة كثيرة في القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، فمن القرآن قول الله - ﷿ -: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال النبي - ﷺ - حينما سُئِلَ عن هذه الآية: «هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ لِأُمَّتِي فِيهِ» (٢).\nومن الأحاديث حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وهو حديثٌ مشهورٌ طويلٌ، وفيه ذهاب الناس للأنبياء من آدم إلى عيسى ﵈، فيعتذرون بأعذارٍ إلى أن ينتهوا إلى محمد - ﷺ -: «... فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ الله وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا =\n_________\n(١) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٩٧)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٣٣).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه (٥/ ٣٠٣) رقم (٣١٣٧)، وأحمد في مسنده (١٥/ ٤٢٨) رقم (٩٦٨٤). قال الترمذي: (حديثٌ حسن).","vol":"1","page":183},{"text":"= إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي - ﷿ -، ثُمَّ يَفْتَحُ الله عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ» (١).\nالنوع الثاني: شفاعته - ﷺ - لأهل الجنة في أن يدخلوا الجنة:\nشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي - ﷺ - إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، كما في حديث أنس بن مالك قال: قال النبي - ﷺ -: «أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ، لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ» (٢).\nالنوع الثالث: شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب:\nودليل ذلك ما جاء عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -، أنه سمع النبي - ﷺ -، وذكر عنده عمه، فقال: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٨٤) رقم (٤٧١٢)، ومسلم (١/ ١٨٥) رقم (١٩٤).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٨٨) رقم (١٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٥/ ٥٢) رقم (٣٨٨٥)، ومسلم (١/ ١٩٥) رقم (٢١٠).","vol":"1","page":184},{"text":"فإن قيل: هذا النوع من الشفاعة يتعارض مع قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، قيل الجواب من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن المراد بالآية هنا: لا تنفعهم شفاعة الشافعين في الخروج من النار؛ كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة (١).\nالوجه الثاني: أن هذه حالة خاصة بنبينا محمد - ﷺ - في حق أبي طالب خاصة، وهي مستثناة من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدَّثر: ٤٨]، ونحوها من الآيات؛ وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي - ﷺ - ودفاع عنه، وهو مع ذلك لم يخرج من النار.\nالوجه الثالث: أن هذه الشفاعة هي شفاعة تخفيف فقط، فالنبي - ﷺ - لم يشفع له في دخول الجنة ولا الخروج من النار، وإنما شفع له في تخفيف العذاب (٢).\nالنوع الرابع: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب:\nجاء هذا في حديث أبي هريرة، أن النبي - ﷺ - قال: «يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهِ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ قَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» (٣).\n_________\n(١) ينظر: التذكرة ص (٦٠٨).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٣٣).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ١٩٧) رقم (٢١٦).","vol":"1","page":185},{"text":"القسم الثاني: الشفاعة العامة له - ﷺ - ولجميع المؤمنين وهي أنواع:\nالنوع الأول: الشفاعة فيمن استحق النار من أهل التوحيد أن لا يدخلها:\nعن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ» (١).\nالنوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل التوحيد أن يخرج منها:\n«وقد تواترت بها الأحاديث وأجمع عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج؛ فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقًا؛ لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي - ﷺ - وغيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع» (٢).\nوقد جاء ذلك صريحًا في حديث أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٥٥) رقم (٩٤٨).\n(٢) القول المفيد (١/ ٣٣٤)\n(٣) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٣٦) رقم (٤٧٣٩)، والترمذي (٤/ ٦٢٥) رقم (٢٤٣٥)، وأحمد (٢٠/ ٤٣٩) رقم (١٣٢٢٢). قال الترمذي: (حديث حسن).","vol":"1","page":186},{"text":"وَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\n•---------------------------------•\nالنوع الثالث: شفاعته - ﷺ - في رفعة درجات أهل الجنة:\nودليلها في حق النبي - ﷺ - دعاؤه لأبي سلمة حينما قال: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ (١)» (٢).\nوفي حق أمته قوله - ﷿ -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].\nوَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿وَأَنذِرْ﴾: «الإنذار: هو الإعلام المتضمن للتخويف، أما مجرد الخبر؛ فليس بإنذار، والخطاب للنبي - ﷺ -» (٣).\nوالضمير في ﴿بِهِ﴾: يعود للقرآن الكريم (٤).\n﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: هم المؤمنون، «يخافون مما يقع لهم من سوء العذاب في ذلك الحشر» (٥).\n﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: الآية فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين، وعلى نفيها بغير إذن الله، وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن الله كما ادعته المعتزلة، وقد سبقت الأدلة في ذلك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٣٤) رقم (٩٢٠) من حديث أم سلمة.\n(٢) ينظر: التذكرة ص (٦٠٧)، والبداية والنهاية (٢٠/ ١٨٦ - ١٩٤)، والقول المفيد (١/ ٣٣١).\n(٣) القول المفيد (١/ ٣٣٠).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٠).\n(٥) القول المفيد (١/ ٣٣٠، ٣٣١).","vol":"1","page":187},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\n•---------------------------------•\nوالمقصود من سياق الآية هنا ما دلت عليه من نفي الشفاعة التي لم تتوفر شروطها، وهي شفاعة المخلوق على سبيل الاستقلال، فيكون طلبها من المخلوق شركًا أكبر، ومن ذلك طلبها من الأوثان التي زعموا أنهم يعبدونها للشفاعة، وفي ذلك ردٌّ على المشركين الذين يدعون الأنبياء والصالحين يطلبون منهم الشفاعة (١).\nوَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ اللام في قوله: ﴿لِّلَّهِ﴾ لام الملك، ولفظ الجلالة خبر مقدم، والشفاعة مبتدأ مؤخر، والقاعدة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، أي أن الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، ومن ثم: فهي تُطلب منه وحده، لا تُطلب من غيره، لأن الذين تُطلب منهم الشفاعة لا يملكون منها شيئًا؛ ولأن ذلك عبادة وتأله وتقرب لا يصلح ولا يكون إلا لله تعالى (٢).\nوقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه الآية السابقة: وهو أن الشفاعة لله سبحانه وحده، إذ إنها لا تقع إلا لأهل التوحيد خاصة، وبشرط إذنه - ﷿ - ورضاه (٣).\nوَقَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ «في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر\n_________\n(١) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٥٥)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٤٢).\n(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٣٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٢١).\n(٣) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٩٨).","vol":"1","page":188},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾.\n•---------------------------------•\nذلك عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه وأن أحدًا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله: ﴿لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨]» (١).\n﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ هذه الآية دلت على ما دلت عليه الآيات السابقات من أن الشفاعة لا يقبلها الله - ﷿ - إلا لمن يأذن له، ولا يقبلها إلا فيمن رضي عنه.\nو«هذا توبيخ من الله تعالى ذكره لعبدة الأوثان والملأ من قريش وغيرهم الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: ٣] فقال الله جلَّ ذكره لهم: ما تنفع شفاعة ملائكتي الذين هم عندي لمن شفعوا له، إلا من بعد إذني لهم بالشفاعة له ورضاي، فكيف بشفاعة من دونهم، فأعلمهم أن شفاعة ما يعبدون من دونه غير نافعتهم» (٢).\nقال ابن كثير - ﵀ -: «فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟» (٣).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٢).\n(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٥٧).\n(٣) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢٥).","vol":"1","page":189},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.\n•---------------------------------•\n﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ﴾: هذا أمر تعجيز والمراد منه التوبيخ، والمعنى: «ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم لله شريك من دونه، فسلوهم أن يفعلوا بكم بعض أفعالنا بالذين وصفنا أمرهم من إنعام أو إبآس، فإن لم يقدروا على ذلك فاعلموا أنكم مبطلون؛ لأن الشركة في الربوبية لا تصلح ولا تجوز» (١).\n﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾: أي لا يملكون شيئًا منفردين بملكه من دون الله: لا استقلالًا، ولا على سبيل الشركة؛ لا من خيرٍ ولا شرٍّ، ولا ضرٍّ ولا نفعٍ (٢).\n﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾: أي ليس لله تعالى معين يعينه - على خلق شيء ولا حفظه - من هذه الآلهة التي يعبدونها ويدعونها من دونه سبحانه؛ لأنها لم يكن لها حظ من الملك لا مشاعًا ولا مقسومًا (٣).\n﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾: «أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة» (٤).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢)، وتفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٢).\n(٤) تفسير ابن كثير (٦/ ٤٥٤).","vol":"1","page":190},{"text":"قَالَ أَبُو العَبَّاسِ: نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ المُشركُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِلْكٌ أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ عَوْنًا له، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، فَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا المُشركُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا القُرْآنُ. وَأَخْبَرَ النَّبيُّ - ﷺ - «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ».\n•---------------------------------•\nو«هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب لمن عقلها» (١).\n«فإذا كانت الشفاعات لا تنفع عند الله أحدًا إلا لمن أذن الله في الشفاعة له، والله لا يأذن لأحد من أوليائه في الشفاعة لأحد من الكفرة به، وأنتم أهل كفر به أيها المشركون، فكيف تعبدون من تعبدونه من دون الله زعمًا منكم أنكم تعبدونه ليقربكم إلى الله زلفى وليشفع لكم عند ربكم» (٢).\n«قَالَ أَبُو العَبَّاسِ»: هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.\n«وقد ساق المصنف - ﵀ - كلام شيخ الإسلام هنا، فقام مقام الشرح والتفسير لِمَا في هذا الباب من الآيات، وهو كافٍ وافٍ بتحقيقٍ مع الإيجاز» (٣).\n«وَأَخْبَرَ النَّبيُّ - ﷺ - «أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ، لا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَْوَّلًا»: هذا هو حديث الشفاعة الطويل في الصحيحين (٤).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٣٦).\n(٢) تفسير الطبري (١٩/ ٢٧٤).\n(٣) فتح المجيد ص (٢١٠).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٤٦) رقم (٧٥١٠) من طريق سليمان بن حرب،","vol":"1","page":191},{"text":"وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله، وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ، لِيُكْرِمَهُ وَيَنَالَ المَقَامَ المَحْمُودَ. فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا القُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شركٌ، وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلَاصِ. انْتَهَى كَلَامُهُ.\n•---------------------------------•\n«وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟»: هذا الحديث الذي ذكره شيخ الإسلام في صحيح البخاري (١).\n«فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأِهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ الله، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشركَ بالله ...» الخ: هذا بيان وتبيين لشروط الشفاعة المعتبرة شرعًا، وقد تكلمنا عنها في بداية الباب؛ بما أغنى عن إعادتها هنا.\nقال ابن القيم - ﵀ - في معنى حديث أبي هريرة: «تأمَّل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياءهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي - ﷺ - ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع» (٢).\n_________\nومسلم في صحيحه (١/ ١٨٢) رقم (١٩٣) من طريق أبي الربيع الْعَتَكِي، وسعيد بن منصور، ثلاثتهم (سليمان بن حرب، وأبو الربيع الْعَتَكِي، وسعيد بن منصور) عن حماد بن زيد، عن معبد بن هلال العنزي، عن أنس بن مالك ﵁.\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٣١) رقم (٩٩) عن عبد العزيز بن عبد الله، عن سليمان، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ -.\n(٢) مدارج السالكين ١/ ٣٤١.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية</span>.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: «الرد على عباد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء والصالحين أنهم ينفعون ويضرون، فيسألونهم مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، وهداية القلوب، وغير ذلك من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية، ويعتقدون أن لهم التصرف بعد الموت على سبيل الكرامة» (١).\nو«إذا كان رسول الله - ﷺ - لم يملك لعمه أبي طالب شيئًا، وأنه نهي عن الاستغفار له، ففي حق غير النبي - ﷺ - من باب أولى، فدل ذلك على أنه - ﷺ - لا يدعى من دون الله، ولا يطلب منه شيء من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله» (٢).\nوهذا الباب مقارب لما قبله، فإذا لم يكن أحد يستطيع أن ينفع أحدًا بالشفاعة والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدًا؛ فيقوم بما أمر الله به.\nمسألة: كيف نوفق بين قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]؟\nالجواب: أنَّ الهداية قسمان:\nالأول: هداية توفيق وقبول: وهي المنفية، بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٤٧) -بتصرف يسير.\n(٢) إعانة المستفيد (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":193},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ - ﵁ - قَالَ: لما حَضرتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ،\n•---------------------------------•\nوالثاني: هداية دلالة وإرشاد: وهي المثبتة، ولا يلزم حصول الهدى بها، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] (١).\n﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾: أي أن الله وحده هو الذي يملك هداية التوفيق والقبول والتغيير لا أحد سواه.\n﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: أي: أن الله - ﷿ - أعلم بالذين يستحقون الهداية من الذين يستحقون الغواية (٢).\nوهذه فيها دلالة واضحة على أن الرسول - ﷺ - لا يملك ضرًّا ولا نفعًا ولا عطاءً ولا منعًا، وأن الأمر كله بيد الله، ففيها الرد على الذين ينادونه لتفريج الكربات وقضاء الحاجات.\n«وَفِي الصَّحِيحِ»: أي البخاري ومسلم، واللفظ الذي ذكره المصنف لمسلم (٣).\n«لما حَضرتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ»: معناه: حضرت علامات الوفاة وقارب الموت، وليس المراد أنه نزل به الموت؛ لأنه إذا نزل الموت بالمحتضر، وبلغت الروح الغرغرة لا تقبل منه توبة، ولا ينفعه إيمان، ويدل على ذلك ما وقع من المراجعة بينه وبينهم.\n_________\n(١) ينظر: السراج المنير (٣/ ١٠٨)، وتفسير السعدي ص (٦٢٠).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٤٩).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ١١٢، ١١٣) رقم (٤٧٧٢) من طريق شعيب،\nومسلم في صحيحه (١/ ٥٤) رقم (٢٤) من طريق يونس،\nكلاهما (يونس وشعيب) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه - ﵁ -.","vol":"1","page":194},{"text":"جَاءَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - وَعِنْدَهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عَنْدَ الله»، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ؟، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷿ -: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\n•---------------------------------•\n«جَاءَهُ رَسُولُ الله؟»: «حرصًا على هدايته وشفقة عليه، لما رأى منه النصح والاجتهاد، فيما يصلح أمره، والذب عنه بماله وحاله وولده، وصنع الصنائع التي لم يصنعها أحد من الأقارب والأباعد معه - ﷺ -» (١).\n«وَعِنْدَهُ عَبْدُ الله بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ»: «يحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم وهو أيضًا مخزومي، وكانوا يومئذ كفارًا فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران» (٢).\n«يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله»: أي: قل هذه الكلمة، لأنه يعرف علم أبي طالب بمعناها وهو إخلاص التوحيد ونفي الشرك، ولم يذكر شهادة أن محمدًا رسول الله؛ لأنها تبعٌ لكلمة لا إله إلا الله ولا بد من الإتيان بها (٣).\n«كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عَنْدَ الله»: (أُحَاجُّ): بتشديد الجيم من (الْمُحَاجَّة) وهي مفاعلة من (الْحُجَّة).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (١٤٢).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٠).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٠)، وفتح المجيد ص (٢١٣).","vol":"1","page":195},{"text":"«فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟»: «القائلان هما: عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل، والاستفهام للإنكار عليه؛ لأنهما عرفا أنه إذا قالها - أي كلمة الإخلاص - كان موحدًا بريئًا من آلهة قومه، وذكرا له ما تَهِيجُ به نُعَرَتُه (١)، وهي ملة عبد المطلب حتى لا يخرج عن ملة آبائه وقد مات أبو جهل على ملة عبد المطلب، أما عبد الله بن أبي أمية والمسيب الذي روى الحديث، فأسلما؛ فأسلم من هؤلاء الثلاثة رجلان، ﵄.\n«مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ»: أي: دين عبد المطلب، وهو دين أهل الجاهلية القائم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان.\nومناسبة هذا الحديث للباب: أن النبي - ﷺ - قال: «لأستغفرن لك» ... فالاستغفار حصل منه - ﷺ - لعمه، ولكن: هل نفع استغفار النبي - ﷺ - له؟ الجواب: لم ينفعه ذلك. فدل على أن الرسول - ﷺ - لا يملك نفعًا لمن هو أقرب الناس إليه. وهذا يبطل التعلق بالنبي - ﷺ - لجلب النفع أو دفع الضر، وغيره من باب أولى (٢).\n_________\n(١) النُّعَرَة: النخوة والأنفة والكبر. ينظر: مقاييس اللغة (٥/ ٤٤٩)، لسان العرب (٥/ ٢٢٢).\n(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٣١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٥٧).","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-108>بَابُ مَا جَاء أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ\nوَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان السبب الذي من أجله وقع الناس في الشرك بالله تعالى وهو الغلو في الصالحين بمجاوزة الحد في حقهم قولًا أو فعلًا أو اعتقادًا، وهذا أصل الشرك قديمًا وحديثًا.\nو«مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف - ﵀ - لَمَّا بَيَّنَ بعض ما يفعله عُبَّاد القبور مع الأموات من الشرك المضاد للتوحيد أراد في هذا الباب أن يُبَيِّنَ السبب في ذلك؛ لِيُحْذَر ويُجْتَنَب وهو الغلو في الصالحين» (١).\nوالمؤلف - ﵀ - لما انتهى في الأبواب السابقة من أنواع الشرك الأصغر والأكبر، والأدلة على بطلان ذلك، أراد أن يشرع في ذكر الأسباب المؤدية إلى هذا الإشراك بالله، والذرائع المفضية إلى الكفر به سبحانه، وهذا في غاية المناسبة؛ فإنه شروعٌ في الأسباب والذرائع، بعد ذكر الأصول والعقائد (٢).\n\n«و<span data-type=\"title\" id=toc-109>الناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام:</span>\nأهل الجفاء الذين يهضمون حقوقهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم.\nوأهل الغلو الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها.\nوأهل الحق الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية ولكنهم يبرؤون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم» (٣).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٥٨).\n(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٣٧).\n(٣) القول السديد ص (٧٨).","vol":"1","page":197},{"text":"وَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.\n•---------------------------------•\nوَقَوْلِ الله - ﷿ -: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: هم اليهود والنصارى.\n﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: الغلو: هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به. والمعنى: لا تتجاوزوا الحد في دينكم فتقولوا على الله ما لا يليق ولا يحل، ولا تقولوا في عيسى غير الحق (١).\nوالمعنى المقصود هنا: أي لا ترفعوا المخلوق-وهو المسيح ابن مريم- عن منزلته التي أنزله الله فتنزلوه المنزلة التي لا تنبغي إلا لله؛ لأن باقي الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾.\nوالخطاب-وإن كان لأهل الكتاب- فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيرًا لهم أن يفعلوا بنبيهم - ﷺ - فعل النصارى في عيسى، واليهود في عزير، ويدل لذلك قوله ﵊: «لَا تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَت النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ (٢)» (٣).\nقال ابن تيمية: «ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراطٍ فيه أو تفريطٍ، وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم كالخوارج المارقين من الإسلام» (٤).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري (٧/ ٧٠٠)، وتيسير العزيز الحميد ص (٢٥٤).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٦٧) رقم (٣٤٤٥).\n(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٢١٨)، وقرة عيون الموحدين ص (١٠٥).\n(٤) نقله عنه صاحب تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٤)، ولم أقف عليه في كتب شيخ الإسلام.","vol":"1","page":198},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ قَالَ: هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ،\n•---------------------------------•\nومناسبة الآية للباب ظاهرة: وهي: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ نهيٌ لأهل الكتاب عن الغلو في الدين، و(تغلو): فعل مضارع جاء في سياق النهي، والقاعدة: أن الفعل المضارع لاشتماله على نكرة ينزل منزلتها؛ فيفيد العموم في سياق النهي أو النفي. فهو هنا يعم جميع أنواع الغلو في الدين، أي: لا تغلو بأي نوع من أنواع الغلو في الدين؛ فنهوا عن أي نوع من أنواع الغلو. فيدخل في هذا عموم الغلو في الصالحين وغيرهم (١).\n«فِي الصَّحِيحِ»: أي في صحيح البخاري (٢)، وهذا الحديث قد اختصره المصنف، ولفظه: عن ابن عباس ﵄: «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ، أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ».\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٤٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٥٩)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٧٤).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ١٦٠) رقم (٤٩٢٠) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄.","vol":"1","page":199},{"text":"فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشيطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسِونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلكَ أُولَئِكَ وَنُسي العِلْمُ، عُبِدَتْ.\n•---------------------------------•\nقوله: «وَنُسي العِلْمُ»: هكذا نقلها الماتن، والرواية التي بين أيدينا من نسخ البخاري: «وَتَنَسَّخَ العِلْمُ» (١): أي: درست آثاره بذهاب العلماء، وغلب الجهال؛ فوقع الناس في الشرك؛ لعدم تمييزهم بينه وبين التوحيد (٢).\n«أَوْحَى الشيطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ»: الوحي: إلقاء في خفاء، فأوحى الشيطان إليهم في روعهم ذلك، وهو وحي وسوسة، وليس وحي إلهام (٣).\n«أَنْصَابًا»: جمع نُصب، وهو ما ينصب لغرض كالعبادة، والمراد به هنا الأصنام المصورة على صور أولئك الصالحين التي نصبوها في مجالسهم، وسموها بأسمائهم (٤).\nوهذا الأثر يدل على أن هذا الفعل الذي فعله هؤلاء بوحي من الشيطان هو من الغلو في الصالحين، الذي تدَرج بهم وكان سببًا من أسباب عبادتهم لهم من دون الله، وهذا هو عين الشرك بالله تعالى (٥).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٦/ ١٦٠) رقم (٤٩٢٠).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٨)، وفتح المجيد ص (٢٢١).\n(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٦٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٤٤).\n(٤) ينظر: الكواكب الدراري للكرماني (١٨/ ١٦٦)، وفتح المجيد ص (٢٢١).\n(٥) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٤٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦١)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٧٦).","vol":"1","page":200},{"text":"وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ،\n•---------------------------------•\n«وَقَالَ ابْنُ القَيِّمِ» (١): وهو بمثابة تفسير لما قاله ابن عباس ﵄ في الأثر الذي مَرَّ معنا آنفًا.\n«قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ» «الظاهر أن ابن القيم ذكر ذلك بالمعنى لا باللفظ، وقد رُوِيَ عن غير واحد من السلف معنى ذلك، منهم أبو جعفر الباقر، وغيره» (٢).\n«لما مَاتُوا»: أي لما مات هؤلاء الأولياء والصالحون «عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ»: هذه الخطوة الأولى من خطوات التدرج في الغلو في الصالحين، حيث عكفوا على قبورهم، أي أطالوا البقاء والمكث في مكان قبورهم.\n«ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ»: وهذه هي الخطوة الثانية، وكان القصد من ذلك في أول الأمر التأسي بهم، وتذكرهم في عبادتهم (٣).\nقال القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور؛ ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها (٤).\n_________\n(١) في كتابه إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (١/ ١٨٤).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٨).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٢٦٧).\n(٤) ينظر: المفهم (٢/ ١٢٧، ١٢٨).","vol":"1","page":201},{"text":"ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ».\nوَعَنْ عُمَرَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ» أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\n«ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ»: وهذه الخطوة الثالثة، والمعنى: فلما طال عليهم الزمان، نسوا المقصد الذي قصده آباؤهم الأولون بتصوير صور هؤلاء الصالحين؛ فعبدوهم من دون الله؛ فوقعوا في الشرك (١).\nومناسبة كلام ابن القيم - ﵀ - للترجمة: هو أن هؤلاء غلوا في صالحيهم حتى إذا ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ونصبوا الأنصاب في أماكنهم؛ ليتذكروهم في عبادتهم ويتأسوا بهم، ثم تدرج بهم الأمر حتى عبدوهم من دون الله؛ فكان الغلو في الصالحين هو السبب الأساسي في عبادة الأولياء والصالحين (٢).\nحديث عمر قال المصنف: «أَخْرَجَاهُ»: أي البخاري ومسلم، وهو وَهْمٌ من المصنف - ﵀ -؛ فإن الحديث قد رواه البخاري وحده دون مسلم (٣).\n«لَا تُطْرُونِي»: الإطراء: هو مجاوزة الحد في المدح بالكذب فيه، تقول: أطريت فلانًا: أي مدحته فأفرطتُ في مدحه، والمقصود به: المبالغة في المدح والغلو في الثناء (٤).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٥٩)، وإعانة المستفيد (١/ ٢٦٧).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٦٩)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٤٣، ٢٤٤).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٦٧) رقم (٣٤٤٥) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمر ﵁.\n(٤) ينظر: عمدة القاري (١٦/ ٣٧) ومرقاة المفاتيح (٧/ ٣٠٧١).","vol":"1","page":202},{"text":"«كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ»: أي: لا تغلوا في مدحي، ولا تصفوني بما ليس فيَّ من الصفات، تبتغون بذلك مدحي، كما غلت النصارى في عيسى؛ حتى ادعوا فيه الربوبية والألوهية (١).\n«وهذا النهي عام ...؛ فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه، ويكون قوله: (كما أطرت) لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق؛ لأن إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم - ﷺ - حيث جعلوه ابنا لله وثالث ثلاثة» (٢).\n«إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ»: هذا من تواضعه وهضمه نفسه، والمعنى: ليس لي من ملك الربوبية شيءٌ، ولا من حق الألوهية نصيب، ولا أي شيء مما يختص به الله - ﷿ -.\n«فَقُولُوا: عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ»: بيَّن لنا النبي - ﷺ - طريقة مدحه، فقال: صفوني بما وصفني به ربي - ﷿ - بكوني عبدًا من خاصة عبيده، ونبيًّا ورسولًا من عنده (٣).\nمناسبة الحديث للباب: أن الرسول - ﷺ - نهى عن الغلو في حقه بإعطائه شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية؛ لأن ذلك يفضي إلى الشرك الذي يخرج المسلم من الإسلام، كما أخرج النصارى من دينهم؛ لأنهم غلوا في عيسى ﵇ (٤).\n_________\n(١) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٢٥٤)، وفتح المجيد ص (٢٢٦).\n(٢) القول المفيد (١/ ٣٧٠).\n(٣) ينظر: منار القاري (٤/ ٢٠٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٣).\n(٤) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٧٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٣).","vol":"1","page":203},{"text":"قالَ: وَقَالَ رَسُولُ الله؟: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ، فَإِنمَّا أَهَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ» رواه أحمد.\n•---------------------------------•\nقوله: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ»: الحديث رواه أحمد وغيره (١)، وإسناده صحيح.\nقال شيخ الإسلام: الغلو: مجاوزة الحد بأن يزاد الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق، ونحو ذلك، وهو عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقاد والأعمال (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٢٠٣) رقم (١٣٤٦١)، والنسائي في سننه (٥/ ٢٦٨) رقم (٣٠٥٧)، من طريق إسماعيل ابن علية،\nوأحمد في المسند (٥/ ٢٩٨) رقم (٣٢٤٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٤/ ١٧٩) رقم (٤٠٥١) مختصرًا ولم يسق موضع الشاهد، من طريق يحيى، وقرن أحمد مع يحيى (إسماعيل المعنى)،\nوأحمد في المسند (٣/ ٣٥٠) رقم (١٨٥١)، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٣٥٧) رقم (٢٤٧٢) من طريق هشيم،\nوابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٦) رقم (٩٨) من طريق حماد بن زيد مختصرًا.\nوابن ماجه في سننه (٢/ ١٠٠٨) رقم (٣٠٢٩) من طريق أبي أسامة،\nوالنسائي في السنن الكبرى (٤/ ١٧٨) رقم (٤٠٤٩) من طريق يعقوب بن إبراهيم الدورقي،\nوأبو يعلى في مسنده (٤/ ٣١٦) رقم (٢٤٢٧)، وابن الجارود في المنتقى ص (١٢٧) رقم (٤٧٣)، من طريق عيسى بن يونس، وقرن أبو يعلى مع عيسى بن يونس (عبد الله بن المبارك)،\nوابن خزيمة (٤/ ٢٧٤) رقم (٢٨٦٧) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد،\nوابن حبان في صحيحه (٩/ ١٨٣) رقم (٣٨٧١) من طريق عبد الله، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣٧) رقم (١٧١١) عن أبي النضر هاشم بن القاسم،\nكلهم عن عوف، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس ﵄.\nقال الحاكم (١/ ٦٣٧): (صحيح على شرط الشيخين)، وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء (١/ ٣٢٨): (وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٣٢٨) بتصرف يسير.","vol":"1","page":204},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» قَالَهَا ثَلَاثًا.\n•---------------------------------•\nوهل قوله: (فَإِنمَّا أَهَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ) على سبيل الحصر؟\nالجواب: ليس المراد بذلك حصر سبب هلاك الأمم السابقة في الغلو، إنما ذلك على سبيل التمثيل بالغالب، ويدل على ذلك أن هنالك أحاديث أضاف النبي - ﷺ - الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله - ﷺ -: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ» (١).\nوقوله - ﷺ -: «فَوَالله لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُم الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» (٢).\n«مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن الغلو مطلقًا، وبيان أنه سببٌ للهلاك في الدنيا والآخرة، فيدخل فيه النهي عن الغلو في الصالحين من باب أولى؛ لأنه سبب للشرك» (٣).\n«وَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ...» الحديث رواه مسلم كما أشار المؤلف (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٢٨٢) رقم (٣٢٨٨)، ومسلم (٣/ ١٣١١) رقم (١٦٨٨) من حديث عائشة ﵂.\n(٢) أخرجه البخاري (٣/ ١١٥٢) رقم (٢٩٨٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٣) رقم (٢٩٦١).\n(٣) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٥، ١٦٦).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٥٥) رقم (٢٦٧٠) من طريق ابن جريج، عن سليمان بن عتيق، عن طلق بن حبيب، عن الأحنف بن قيس، عن عبد الله.","vol":"1","page":205},{"text":"«هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ»: «المتنطع المتعمق في الشيء المتكلف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم» (١).\nووجه مناسبة الحديث للباب: أن التنطع من الغلو والزيادة في الدين المنهي عنها، ويدخل في ذلك الغلو في تعظيم الصالحين؛ حتى يؤدي إلى الشرك بالله تعالى (٢).\n_________\n(١) معالم السنن (٤/ ٣٠٠).\n(٢) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (١٠٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٥٢)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٧)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٨١).","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ\nعِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَكَيْفَ إِذَا عَبَدَهُ</span>\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ....................................\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أَنَّ العبادة عند قبور الصالحين سببٌ من أسباب الوقوع في الشرك بالله تعالى؛ ولذلك فهي محرمةٌ أشد التحريم، وقد ورد فيها من النصوص التي هددت من ذلك، وغَلَّظَت في الأمر، وجاءت بالوعيد الشديد فيه؛ فإذا كان هذا فيما يتعلق بالعبادة عند هذه القبور، فكيف بمن يعبد صاحب القبر نفسه، ويصرف له ألوان العبادات التي لا يستحقها إلا الله؟ (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن عبادة الله تعالى عند قبور الأولياء والصالحين وسيلةٌ إلى الشرك بالله الذي ينافي التوحيد ويناقضه (٢).\n«فِي الصَّحِيحِ» أي البخاري ومسلم (٣).\n«عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ»: أغلب الروايات في الصحيحين عن أم سلمة وأم حبيبة، وعلى هذا رواية مسلم، وغالب روايات البخاري، ما عدا التي نقلها الماتن هنا؛ جاءت أم سلمة دون أم حبيبة، وعليها اقتصر المصنف.\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٦، ٢٦٧)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٥٣).\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٨).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٩٤، ٩٥) رقم (٤٣٤) من طريق عبدة،\nومسلم في صحيحه (١/ ٣٧٥) رقم (٥٢٨) من طريق يحيى بن سعيد،\nكلاهما (عبدة، ويحيى بن سعيد) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن أم سلمة، وأم حبيبة ﵄.","vol":"1","page":207},{"text":"ذَكَرَتْ لِرَسُولِ الله - ﷺ - كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَو العَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ...................\n•---------------------------------•\n«ذَكَرَتْ لِرَسُولِ الله - ﷺ -»: وجاء في روايات عند البخاري ورواية مسلم أن الرائي أم حبيبة وأم سلمة: «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ» (١).\n«كَنِيسَةً»: بفتح الكاف وكسر النون: وهي معبد النصارى، وجاء في نفس رواية الحديث: أن الكنيسة يقال لها (مارية) (٢).\n«إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَو العَبْدُ الصَّالِحُ»: «هذا والله أعلم شك من بعض رواة الحديث؛ هل قال النبي - ﷺ - هذا أو هذا، ففيه التحري في الرواية، وجواز رواية الحديث بالمعنى» (٣).\n«بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا»: أي: موضعًا للعبادة، وإن لم يسم مسجدًا كالكنائس والمشاهد (٤).\n«وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ»: أشار النبي - ﷺ - بهذا الكلام إلى ما ذكرته أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة، كما في بعض ألفاظ الحديث «فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا (٥)» (٦).\n_________\n(١) صحيح البخاري (١/ ٩٣) رقم (٤٢٧)، وصحيح مسلم (١/ ٣٧٥) رقم (٥٢٨).\n(٢) ينظر: الكواكب الدراري للكرماني (٤/ ٨٨)، وتيسير العزيز الحميد ص (٢٦٧).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٧).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٧).\n(٥) صحيح البخاري (٢/ ٩١) رقم (١٣٤١).\n(٦) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٧، ٢٦٨).","vol":"1","page":208},{"text":"أُوْلَئِكِ شرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله». فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ القُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ.\n•---------------------------------•\n«أُوْلَئِكِ شرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله»: ذم النبي - ﷺ - هؤلاء وجعلهم شرار الخلق؛ لأنهم كانوا يتعبدون عند تلك القبور، وعملهم هذا وسيلة إلى الشرك والكفر بالله (١).\nوهذا الحديث يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور، لا سيما وقد ثبت اللعن عليه (٢).\nوقال ابن رجب - ﵀ -: «هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم كما دلت عليه النصوص» (٣).\nقوله: «فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ القُبُورِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ»: هذا من كلام ابن القيم (٤)، ذكره المصنف - ﵀ - كالتوضيح لمعنى الحديث، وأتى به غير منسوب؛ لأنه معلوم عند غالب من يقرأ هذا الكتاب (٥).\n_________\n(١) ينظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٠/ ٥٢)، والقول المفيد (١/ ٣٩٥).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٨)، وفتح المجيد ص (٢٣١).\n(٣) فتح الباري (٣/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(٤) في كتابه: إغاثة اللهفان (١/ ١٨٤).\n(٥) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٨)، وفتح المجيد ص (٢٣١)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٥٥)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٩).","vol":"1","page":209},{"text":"وَلَهُمَا عَنْهَا قَالَتْ: لمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ الله - ﷺ - طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ.\n•---------------------------------•\n«فِتْنَةِ القُبُورِ»: لأنهم بنوا المساجد عليها، وعظموها تعظيمًا مبتدعًا؛ فهي الفتنة العظمى والأولى (١).\n«وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ»: لأنهم صوروا الصور في قبور الصالحين بعد أن بنوا عليها؛ فآل أمرهم إلى عبادتها بعد ذلك، وهذه الفتنة الثانية (٢).\nوالشاهد من الحديث: قوله: «أولئك شرار الخلق عند الله، ووجه الدلالة من الحديث: أن هذا الكلام فيه التغليظ فيمن عبد الله في الكنيسة، التي فيها القبور والصور، وتعظيم القبور وعبادة الله عندها وتعليق الصور ونصبها من وسائل الشرك بالله جل وعلا المنافي للتوحيد (٣).\n«وَلَهُمَا عَنْهَا»: أي: للبخاري ومسلم (٤) عن عائشة.\n«لَمَّا نُزِلَ»: هو بضم النون وكسر الزاي. أي نزل به ملك الموت والملائكة الكرام ﵈، وفي رواية (نَزَلَت) أي حضرت الوفاة والموت (٥).\n«طَفِقَ» -بكسر الفاء وفتحها، والكسر أفصح وبه جاء القرآن-: ومعناه جعل يفعل، يقال: طفق يفعل كذا؛ أي جعل يفعل كذا (٦).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٨)، والقول المفيد (١/ ٣٩٥).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٦٨)، والقول المفيد (١/ ٣٩٥).\n(٣) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٥٧)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٦٨).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٩٥) رقم (٤٣٥) من طريق شعيب،\nومسلم في صحيحه (١/ ٣٧٧) رقم (٥٣١) من طريق يونس،\nكلاهما (شعيب، ويونس) عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، وعبد الله ابن عباس ﵄.\n(٥) ينظر: الكواكب الدراري (٤/ ٩٦)، وشرح مسلم للنووي (٥/ ١٢، ١٣).\n(٦) ينظر: كتاب العين (٥/ ١٠٦)، والصحاح (٤/ ١٥١٧)، وشرح مسلم للنووي (٥/ ١٣).","vol":"1","page":210},{"text":"فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\n«خَمِيصَةً»: الخميصةُ-بفتح الخاء وكسر الميم-كساء أسود معلمٌ من الصوف أو الخز ونحوهما (١).\n«فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا»: اغتم افتعل من الغم، وهو: التغطية والستر، أي: إذا احتبس نفسه عن الخروج (٢).\n«اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: هذه الجملة تعليل لقوله: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى»، كأن قائلًا يقول: ولماذا لعنهم النبي - ﷺ -؟ فكان الجواب: أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي: أمكِنة للسجود، سواءٌ بنوا مسجدًا أم لا. يصلون ويعبدون الله تعالى فيها مع أنها مبنية على القبور (٣).\nما معنى اتخاذ القبور مساجد؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>اتخاذ القبور مساجد، يشمل ثلاثة معان:</span>\nالأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.\nالثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.\nالثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها (٤).\n_________\n(١) ينظر: كتاب العين (٤/ ١٩١)، ومشارق الأنوار على صحاح الآثار (١/ ٢٤٠).\n(٢) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٨٨)، ولسان العرب (١٢/ ٤٤٣).\n(٣) القول المفيد (١/ ٣٩٦).\n(٤) تحذير الساجد للألباني ص (٢٨، ٢٩) بتصرف.","vol":"1","page":211},{"text":"قال ابن القيم: «فلا يجتمع في دين الإسلام مسجدٌ وقبرٌ، بل أيهما طرأ على الآخر مَنَعَ منه، وكان الحكم للسابق، فلو وُضِعَا معًا لم يَجُزْ، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد؛ لنهي رسول الله - ﷺ - عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا» (١).\nفإذا قال قائل: أليس قبر النبي - ﷺ - في مسجده؟ كان الجواب على هذه الشبهة من عدة وجوه:\nالوجه الأول: أنَّ المسجد لم يبن على القبر، بل بُني المسجد في حياة النبي - ﷺ -، والقبر بعد ذلك.\nالوجه الثاني: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يدفن في المسجد، حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته.\nالوجه الثالث: أنَّ إدخال بيوت الرسول - ﷺ - ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلَّا القليل. وذلك عام (٩٤ هـ) تقريبًا، فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أنَّ بعضهم خالف في ذلك، وممَّن خالف أيضًا سعيد بن المسيب من التابعين.\nالوجه الرابع: أنَّ القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله؛ لأنَّه في حجرة مستقلَّة عن المسجد؛ فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جُعل هذا المكان محفوظًا ومحوطًا بثلاثة جدران.\n_________\n(١) زاد المعاد (٣/ ٥٠١).","vol":"1","page":212},{"text":"«وَلَوْلَا ذَلِكَ»: أي: لولا تحذير النبي - ﷺ - مما صنعوا، وخشية أن يتخذ قبره مسجدًا، «أُبْرِزَ قَبْرُهُ»: يعني: لأظهر وأخرج قبره، ودفن مع سائر القبور في البقيع أو غيرها (١).\n«غَيْرَ أَنَّهُ خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»: (خُشِيَ) بضم الخاء على المبني للمجهول، ورُوِيَ (خَشِيَ) بفتح الخاء بالبناء للمعلوم، ورجح بعضهم رواية الضم (٢)، ولكن الروايتان صحيحتان (٣)؛ فعلى رواية الضم يكون الذين خشوا هم الصحابة الكرام، وعلى رواية الفتح يكون الذي خشي هو النبي - ﷺ -، وفي واقع الأمر: كلا الأمرين صحيح (٤).\n«يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»: من اتخاذهم القبور مساجد، والبناء عليها (٥). وهذه جملة أخرى مستأنفة، هي من كلام الراوي، كأنه سُئِلَ عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت؛ فأجاب بهذا الجواب (٦).\nخلاصة المقصود: أن الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على القبور، وعبادة الله عندها؛ لما في ذلك من تعظيم أصحابها، والتعظيمُ عبادة، وصرفُ العبادة لغير الله شرك، فإذا كان ذلك كذلك فكيف بعبادة أصحاب القبور؟ ! (٧).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٣٩٧)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٥٩).\n(٢) ينظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٢/ ٤٧٩، ٤٨٠).\n(٣) ينظر: شرح مسلم للنووي (٥/ ١٢).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٧١)، وفتح المجيد ص (٢٣٤)، والقول المفيد (١/ ٣٩٧).\n(٥) ينظر: إرشاد الساري للقسطلاني (٦/ ٤٦٧).\n(٦) ينظر: الكواكب الدراري (٤/ ٩٧)، وفتح الباري (١/ ٥٣٢)، وعمدة القاري (٤/ ١٩٤).\n(٧) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٧).","vol":"1","page":213},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهَ قَد اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».\n•---------------------------------•\n«وَلِمُسْلِمٍ»: في صحيحه (١).\n«إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى الله»: أي أبعد عن هذا، وأمتنع وأنقطع عنه، وأنكره ولا أتصل به (٢).\n«أَنْ يَكُونُ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ»: (الخليل): هو المختص بشيء دون غيره؛ ولا يجوز أن يختص رسول الله - ﷺ - أحدا بشيء من أمور الديانة دون غيره، وقيل: هو المنقطع إليه، وقيل: من (الْخُلَّة) بضم الخاء وهي تخلل المودة في القلب؛ فنفى - ﷺ - أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله تعالى (٣).\n«لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا»: يدل على أن مقام الخلة أعلى من مقام المحبة (٤)، وفيه فضيلة ظاهرة لأبي بكر الصديق ﵁ (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٣٧٧) رقم (٥٣٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث النجراني، عن جندب.\n(٢) ينظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٥٢)، وشرح مسلم للنووي (٥/ ١٣).\n(٣) ينظر: إكمال المعلم (٢/ ٤٥٢، ٤٥٣)، وشرح مسلم للنووي (٥/ ١٣).\n(٤) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٣/ ٣٨١).\n(٥) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (٢/ ١٢٦)، وشرح مسلم للنووي (١٥/ ١٥١، ١٥٢).","vol":"1","page":214},{"text":"فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ -وَهُوَ فِي السياقِ- مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ؟: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا». متفق عليه.\n•---------------------------------•\n«كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: «إنكار النبي - ﷺ - صنيعهم هذا يخرج على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن» (١).\nوعلاقة الحديث بالباب ظاهرة، وهي: أنه حرم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، مع أنه قد يكون العابد لا يعبد إلا الله؛ لأنها وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، والوسائل تفضي إلى ما بعدها، وقد تقرر في القواعد الشرعية، وأجمع عليه المحققون: أن سد الذرائع الموصلة إلى الشرك، وإلى المحرمات، أمر واجب (٢).\nقوله: «فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ»: هذا مِن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (٣)، وقد جعله المصنف كالتعليق على الحديثين السابقين.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٧٣).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٦٤، ٢٦٥).\n(٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٩).","vol":"1","page":215},{"text":"والناهي: هو النبي - ﷺ -، والمنهي عنه: هو اتخاذ القبور مساجد، كما في حديث جندب الآنف الذكر (١).\n«ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ»: كما في حديث عائشة السابق: «لَعْنَةُ الله عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».\n«وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ»: يعني أن الصلاة عند القبور هي نوعٌ من أنواع اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يكن هنالك مسجد، ولذلك قال العلماء: لا تجوز الصلاة إلى القبور (٢). ومصداق ذلك ما جاء في الحديث: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» (٣).\n«وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا - أي: عائشة - «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»: هذا استدلال من شيخ الإسلام للمسألة السابقة التي مرت معنا، وهي أن الصلاة إلى القبور هي من اتخاذ القبور مساجد، وإن لم يُبْنَ عليها مسجد.\n«فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا»: «قد يقال: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» معناه: خشي أن يبنى عليه مسجد، لكن يبعده أن الصحابة لا يمكن أن يبنوا حول قبره مسجدًا؛ لأن مسجده مجاور لبيته؛ فكيف يبنون مسجدا آخر؟ ! هذا شيء مستحيل بحسب العادة؛ فيكون معنى قولها: «خُشي أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»؛ أي: مكانًا يصلى فيه، وإن لم يبن المسجد» (٤).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٠٢).\n(٢) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٠٢)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٦٥).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٦٨) رقم (٩٧٢) من حديث أبي مَرْثَد الغَنَوِي.\n(٤) القول المفيد (١/ ٤٠٣).","vol":"1","page":216},{"text":"«وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُصِدَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا»: هذا دليل تأكيدي على إثبات أن مجرد الصلاة إلى القبور يعني اتخاذها مساجد، وإن لم يكن هنالك مساجد مبنية على القبور، أو قبور مبنية على المساجد.\nوماذا يُعمل بالمساجد المبنية على قبور الصالحين؟ وهل تصح الصلاة فيها؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وتُكْرَه الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه، ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب؛ لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك» (١).\nوهنا تنبيه مهم:\nوهو أن من لم يستطع الإنكار أو ترتب على إنكاره مفاسد كبيرة، فهو معذور بذلك ولا يلزمه إنكار ولا يلحقه إثم لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\nوحينئذ عليه أن يعلم الناس العقيدة الصحيحة ويأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن ما يضاده، بالرفق واللين والحجاج المقنع والبرهان الساطع، وما يدري لعل الله بذلك يفتح قلوبًا عميًا وآذانًا صمًّا.\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٨٧).","vol":"1","page":217},{"text":"وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ». وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ.\n•---------------------------------•\n«وَلأَحْمَدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ» حديث ابن مسعود عند أحمد وابن أبي حاتم وغيرهما، وإسناده صحيح (١).\n«إِنَّ مِنْ شرارِ النَّاسِ»: (مِن): للتبعيض، وشرار: بكسر الشين جمع شر، أي مِن أسوأ الناس عقيدة وعملًا، وقد قال بعض العلماء: إن الحديث من العام الذي أُرِيدَ به الخصوص.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٠) رقم (١١٨١٦)، وفي المسند (١/ ١٨٦) رقم (٢٧٢)، والبزار في مسنده- البحر الزخار (٥/ ١٣٦) رقم (١٧٢٤) من طريق أبي داود،\nوأحمد في مسنده (٧/ ٢٠٩) رقم (٤١٤٣) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصرى،\nوأحمد في مسنده (٦/ ٣٩٤) رقم (٣٨٤٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٨٨) رقم (١٠٤١٣) من طريق معاوية بن عمرو،\nومحمد بن عاصم الثقفي في جزئه ص (٩٠) رقم (١٤)، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٦) رقم (٧٨٩)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٧٨) من طريق الحسين بن علي الجعفي،\nوأبو يعلى في مسنده (٩/ ٢١٦) رقم (٥٣١٦) من طريق عثمان بن عمر،\nوالجرجاني في معجم أسامي شيوخ أبي بكر الإسماعيلي (٣/ ٧٩٩) رقم (٤٠٢)، وأبو سعيد النقاش في فوائد العراقيين ص (٨٨) رقم (٧٧)، من طريق عمرو بن مرزوق،\nستتهم (أبو داود، وعبد الرحمن بن عبد الله، ومعاوية بن عمرو، والحسين بن علي الجعفي، وعثمان بن عمر، وعمرو بن مرزوق) عن زائدة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nوالحديث عند البخاري في صحيحه (٩/ ٤٩) رقم (٧٠٦٧) معلقًا مختصرًا من غير موضع الشاهد. والحديث ليس بالقوي؛ لأجل عاصم بن أبي النجود فإنه صدوق له أوهام.","vol":"1","page":218},{"text":"ومعناه: أن الساعة تقوم في الأكثر والأغلب على شرار الناس، ولكن يعكر على ذلك ما جاء بصيغة التعميم، كقوله ﵊: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ (١)» (٢).\n«مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ»: أي: الذين يعيشون في آخر الزمان، من الكفار والمشركين والمنافقين، وتقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ في الصور وهم أحياء (٣).\n«وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا موضع الشاهد من الحديث، يعني: أنهم من شرار الناس، فالذين يتخذون القبور مساجد هم من شرار الناس وإن لم يشركوا؛ وذلك لأنهم فعلوا وسيلة من وسائل الشرك، والوسائل لها أحكام المقاصد، وإن كانت دون مرتبتها، لكنها تعطى حكمها بالمعنى العام (٤).\n«وقوله: «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ»: هذا يعم كل اتخاذ للقبر مسجدًا، سواء اتخذه بالصلاة عليه، أو بالصلاة إليه، أو بالصلاة عنده، فذلك القصد» (٥).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٦٨) رقم (٢٩٤٩) من حديث ابن مسعود ﵁.\n(٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٤)، والكواكب الدراري (٢٤/ ١٥٢)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ١٩)، ومنار القاري شرح مختصر البخاري (٥/ ٣٥٤).\n(٣) ينظر: منار القاري شرح مختصر البخاري (٥/ ٣٥٤)، وتيسير العزيز الحميد ص (٢٧٧).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٠٦)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٦٦).\n(٥) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٦٦).","vol":"1","page":219},{"text":"ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة: فإنه ذكر أن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، والقصد من ذلك: أن يعبد الله عند قبر ذلك الرجل الصالح، فكيف الحال إذا توجه إليه بالعبادة؟ ! (١).\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٦٧).","vol":"1","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الغُلُوَّ فِي قُبُورِ الصَّالِحِينَ\nيُصيرُهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله</span>\n•---------------------------------•\nقَصَد المصنف - ﵀ - بهذه الترجمة أمورًا:\nالأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين.\nالثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها.\nالثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانًا ولو كانت قبور صالحين.\nالرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد، والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك.\nو«مناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن المصنف - ﵀ - لما حذر في الباب الذي قبله من الغلو في الصالحين أراد أن يبين في هذا الباب أن الغلو في القبور وسيلةٌ إلى الشرك المضاد للتوحيد وذلك بعبادة الأموات. كما أراد أيضًا التحذير من الغلو في القبور» (١).\nوأما العلاقة بين هذا الباب والذي قبله على وجه الخصوص: فهي أن الباب السالف يتحدث عن عبادة الله عند قبور الصالحين، وهنا يتحدث عن الغلو في قبورهم، ولا شك أن عبادة الله في هذه الأمكنة هو غلوٌّ في قبورهم، فبين البابين عمومٌ وخصوصٌ (٢).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٧٨).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (٩٦)، والقول المفيد (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":221},{"text":"رَوَى مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».\n•---------------------------------•\n«رَوَى مَالِكٌ فِي المُوَطَّأ»: هذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ من حديث عطاء بن يسار مرسلًا (١).\nولكن جاء موصولًا من وجهٍ آخر ثابت من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «اللهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (٢).\nقوله: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ»: هذا دعاء منه ألَّا يجعل قبره وثنًا تصرف إليه العبادة، كما كانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها.\nوقد استجاب الله دعاء نبيه - ﷺ -، فمنع الناس من الوصول إلى قبره.\nكما قال ابن القيم - ﵀ -:\nفَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ ... وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَان\nحَتَى اغْتَدَت أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ ... فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ (٣)\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (١/ ١٧٢) رقم (٨٥) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رسول الله - ﷺ - به.\nوالحديث ضعيف بهذا الإسناد؛ لأنه من رواية عطاء بن يسار مرفوعًا، وهو لم يدرك النبي ﵊، قال ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٤١): «لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث على ما أخرجه يحيى سواء».\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٢/ ٣١٤) رقم (٧٣٥٨)، وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٣٣) رقم (٦٦٨١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (٥/ ٣٥٨) رقم (٧٨٢٢)، والحميدي في مسنده (٢/ ٢٢٤) رقم (١٠٥٥)، وغيرهم، وإسناده لا بأس به.\n(٣) نونية ابن القيم ص (٢٥٢).","vol":"1","page":222},{"text":"وقد أمر عمر - ﵁ - بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي - ﷺ - فقُطِعت؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة (١).\nوقد روى أصحاب مالك عنه أنه كره أن يقول القائل: «زرت قبر النبي - ﷺ -»، وعلل وجه الكراهة بقوله: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدًّا للذريعة، وحسمًا للباب (٢).\nقوله: «اشْتَدَّ غَضَبُ الله عَلَى قَوْمٍ»: «الأظهر أنه إخبار عما وقع في الأمم السالفة تحذيرًا للأمة المرحومة من أن يفعلوا فعلهم، فيشتد غضبه عليهم» (٣).\n«اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: يعني بنوا عليها مواضع للعبادة، وتوجهوا إليها، وصلوا إليها، واتخاذ قبور الأنبياء مساجد من غلو الوسائل وذلك يصيِّر تلك القبور أوثانًا، فجمع ﵊ بين ذكر الوسيلة، والتنفير منها.\nوقد دل الحديث على أن اتخاذ القبور مساجد وسيلة لعبادة أصحابها، وذلك شرك مناف للتوحيد.\n_________\n(١) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢/ ١٠٠)، وابن وضاح في البدع والنهي عنها ص (٤٢، ٤٣).\n(٢) ذكره الْمُحِبُّ الطبري في القرى ص (٦٢٩)، وينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٨٨).\n(٣) مرقاة المفاتيح (٢/ ٦٢٨).","vol":"1","page":223},{"text":"وَلابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قَالَ: كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّويقَ فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ.\n•---------------------------------•\n«وَلابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ» قول مجاهد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره كما قال المصنف (١).\n«كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّويقَ»: السويق هو دقيق الحنطة أو الشعير يحمص، ثم يطحن، ولتُّه: يعني خلطه بالسمن والتمر والماء ونحو ذلك، ثم يؤكل (٢).\n«فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ»: يعني: أقبلوا على قبره، وواظبوا على زيارته، حتى عبدوه، وجعلوه إلهًا مع الله (٣).\n«وَكَذَا قَالَ أَبُو الجَوْزَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحَاجِّ»:\nهذا الأثر عند البخاري (٤).\nوهذا التفسير لمعنى اللات على إحدى القراءتين، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وأبي صالح: (اللاتَّ) بتشديد التاء (٥).\nوالقراءة الأخرى قراءة جمهور القراء: اللات بالتخفيف، وهؤلاء قالوا: اللات بيت كان بالطائف تعبده قريش (٦).\n_________\n(١) (٢٢/ ٤٧).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٨٩)، والقول المفيد (١/ ٤٢٦).\n(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٢٦)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٠).\n(٤) صحيح البخاري (٦/ ١٤١) رقم (٤٨٥٩).\n(٥) جامع البيان للطبري (٢٢/ ٤٧).\n(٦) ينظر: جامع البيان (٢٢/ ٤٧)، وزاد المسير (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":224},{"text":"وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسرجَ». رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.\n•---------------------------------•\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وفي هذا التحذير من الغلو في القبور، لهذا نُهى عن تجصيصها، والبناء عليها، والكتابة عليها؛ خوفًا من هذا المحظور العظيم الذي يجعلها تُعْبَد من دون الله» (١).\nومناسبة الأثر للترجمة: أن سبب عبادة اللاتِّ أنهم غلوا في ذلك الرجل؛ لأجل صلاحه حتى عبدوه، وصار قبره وثنًا من أكبر أوثان المشركين في الجاهلية (٢).\n«وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله ...» الحديث رواه أصحاب السنن، وفي سنده ضعف (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٤٢٦).\n(٢) ينظر: فتح المجيد ص (٢٤٩)، وقرة عيون الموحدين ص (١١٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٦٦)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٧٢، ٢٧٣)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٠٥)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٠).\n(٣) أخرجه الطيالسي في مسنده (٤/ ٤٥٤) رقم (٢٨٥٦)، وابن الجعد في مسنده ص (٢٢٤) رقم (١٥٠٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥١) رقم (٧٥٤٩)، و(٣/ ٣٠) رقم (١١٨١٤)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٧١) رقم (٢٠٣٠)، و(٤/ ٣٦٣) رقم (٢٦٠٣)، و(٥/ ١٢٨) رقم (٢٩٨٤)، و(٥/ ٢٢٧) رقم (٣١١٨)، وأبو داود في السنن (٣/ ٢١٨) رقم (٣٢٣٦)،، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ١٧٨) رقم (٤٧٤١)، والصيداوي في معجم شيوخه ص (٢٦٥) من طريق شعبة بن الحجاج،\nوقرن الصيداوي مع شعبة (الحسن بن أبي جعفر الجفري)، و(الحسن بن دينار)، و(أبو الربيع السمان)، و(محمد بن طلحة بن مصرف)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٣٠) رقم (١٣٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٣٠) رقم (٧٢٠٦)،","vol":"1","page":225},{"text":"«لَعَنَ رَسُولُ الله - ﷺ - زَائِرَاتِ القُبُورِ»: «لأنهن مأمورات بالقرار في بيوتهن؛ فأي امرأة خالفت ذلك منهن، وكانت حيث يُخْشَى منها، أو عليها الفتنة، فقد استحقت اللعن، أي الإبعاد عن منازل الأبرار» (١).\n\nما<span data-type=\"title\" id=toc-117> حكم زيارة النساء للقبور</span>؟\nاختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال:\nالقول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور.\nوهذا قول أكثر أهل الحديث، وهو رواية عن أحمد (٢).\n_________\nوابن ماجه (١/ ٥٠٢) رقم (١٥٧٥)، والترمذي (٢/ ١٣٦، ١٣٧) رقم (٣٢٠)، والنسائي (٤/ ٩٤) رقم (٢٠٤٣)، وفي السنن الكبرى (٢/ ٤٦٩) رقم (٢١٨١)، دون موضع الشاهد، وابن حبان في صحيحه (٧/ ٤٥٢) رقم (٣١٧٩)، و(٧/ ٤٥٣) رقم (٣١٨٠)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ١٧٩) رقم (٤٧٤٢)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص (٢٧٣) رقم (٣٠٧) من طريق عبد الوارث بن سعيد،\nستتهم (شعبة بن الحجاج، والحسن بن أبي جعفر الجفري، والحسن بن دينار، وأبو الربيع السمان، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وعبد الوارث بن سعيد) عن محمد بن جحادة، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄.\nوفي سنده أبو صالح مولى أم هانئ وهو ضعيف.\nقال الترمذي (٢/ ١٣٧): (حديث حسن)، وقال الحاكم في المستدرك (١/ ٥٣٠): «أبو صالح هذا ليس بالسمان المحتج به، إنما هو باذان، ولم يحتج به الشيخان، لكنه حديث متداول فيما بين الأئمة، ووجدت له متابعًا من حديث سفيان الثوري في متن الحديث؛ فخرجته».\n(١) فيض القدير (٥/ ٢٧٤).\n(٢) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٥٦٢).","vol":"1","page":226},{"text":"وهو اختيار شيخ الإسلام (١)، ومحمد بن عبد الوهاب (٢)، ورجحه شيخنا ابن باز، وابن عثيمين رحمهما الله.\nولم يعرف عن النساء في عهد النبي - ﷺ - زيارة القبور، قال ابن تيمية - ﵀ -: «ما علمنا أحدًا من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي - ﷺ - وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور» (٣).\nوهؤلاء استدلوا بحديث الباب.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ - معلقًا على حديث ابن عباس: «فيه حرمة زيارة القبور على النساء على الصحيح للأدلة ... فزيارة القبور مختصة بالرجال .... لا يجوز زيارة النساء حتى إلى قبر النبي - ﷺ - على الصحيح؛ لأن الحديث عام، وورد لفظ (زَوَّارَات) لكن ورد أيضًا (زَائِرَاتِ)» (٤).\nوقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وأنها من كبائر الذنوب» (٥).\nالقول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم: وهذا هو قول الجمهور (٦)، وهو المشهور من مذهب أحمد وأصحابه (٧).\n_________\n(١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٦٤).\n(٢) آداب المشي إلى الصلاة ص (٤٠).\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٣٤٥).\n(٤) شرح كتاب التوحيد ص (١١٠، ١١١).\n(٥) القول المفيد (١/ ٤٣٠).\n(٦) ينظر: المجموع للنووي (٥/ ٣١٠).\n(٧) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٥٦١)، والشرح الممتع لابن عثيمين (٥/ ٣٨٠).","vol":"1","page":227},{"text":"واستدل أصحاب هذا القول بحديث أم عطية: «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» (١).\nالقول الثالث: جواز زيارة النساء للقبور من غير كراهة:\nوهو رواية عن الإمام أحمد (٢).\nوحجتهم حديث المرأة التي مر النبي - ﷺ - بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: «اتَّقِي الله وَاصْبِرِي». فقالت له: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمثل مصيبتي. فانصرف رسول - ﷺ - عنها، فقيل لها: هذا رسول الله - ﷺ -. فجاءت إليه تعتذر؛ فلم يقبل عذرها (٣).\nفالنبي - ﷺ - شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر.\nولما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة الطويل، وفيه: أن النبي - ﷺ - خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأنَّ جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج - ﷺ - مستخفيًا عن عائشة، وزار ودعا، ورجع، ثم أخبرها الخبر؛ فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: «قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ، مِنَ المؤْمِنِينَ وَالمسْلِمِينَ» (٤).\n_________\n(١) تقدم تخريجه.\n(٢) ينظر: الإنصاف للمرداوي (٢/ ٥٦٢).\n(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٦١٥) رقم (٦٧٣٥)، ومسلم (٢/ ٦٣٧) رقم (٩٢٦).\n(٤) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ رقم (٩٧٤).","vol":"1","page":228},{"text":"قالوا: فعلَّمها النبي - ﷺ - دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز.\nالقول الرابع: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال:\nلقوله - ﷺ -: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الْآخِرَةَ» (١)، وهذا عام للرجال والنساء، ولأن عائشة - ﵂ - زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي - ﷺ - قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنَّه أمر بها بعد ذلك (٢). وهذا دليل على أنَّه منسوخ.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح» (٣).\nقوله: «وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ»: هذا هو الشاهد من الحديث، وقد مر معنا شرح ذلك مستوفيًا فيما سبق.\n«وَالسُّرُجَ»: جمع سراج، وفي ذلك كراهة اتخاذ السرج في القبور، ونُهِيَ عن اتخاذ السرج؛ لأنها تضييع المال، ولا فائدة من ورائها، ولا سيما وهي من آثار جهنم، وأشد من ذلك أنها نوع من تعظيم القبور، ووسيلة للغلو فيها وعبادتها واتخاذها مساجد (٤).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٢٣) رقم (١٤٠٦).\n(٢) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٢٨٤) رقم (٤٨٧١)، الحاكم (١/ ٥٣٢) رقم (١٣٩٢)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٧٨) رقم (٦٩٩٩)، وقال: «تفرد به بسطام بن مسلم البصري».\n(٣) القول المفيد (١/ ٤٣١).\n(٤) ينظر: شرح أبي داود للعيني (٦/ ١٩٣)، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (٢/ ٦١٩).","vol":"1","page":229},{"text":"«ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله: هو أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان في اللعنة، فدل ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، بل لأجل نجاسة الشرك، ولذلك قرن بينه وبين الإسراج عليها، وليس النهي عن الإسراج لأجل النجاسة، فكذلك البناء» (١).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٢٩٢)، وانظر أيضًا: القول المفيد (١/ ٤٢٨).","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايِةِ المُصْطَفَى - ﷺ - جَنَابَ التَّوْحِيدِ\nوَسَدهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الشركِ</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: إبراز حماية النبي - ﷺ - لمقام التوحيد من كل ما ينقضه أو ينقصه، وسد الذرائع المؤدية إلى الشرك بالله تعالى (١).\nوأما مناسبة الباب للأبواب قبله فهي في غاية الوضوح والظهور؛ إذ إن الأبواب السابقة عُقِدَت لبيان الأسباب المؤدية إلى الشرك، وهذا الباب عُقِدَ أيضًا لهذا الغرض، ولكن الأبواب السابقة كانت خاصةً، ً بجزئيةٍ معينةٍ في موضوع ذرائع الشرك، وأما هذا الباب فهو عام في حماية جناب التوحيد بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى؛ ولذلك فصنيع المؤلف هنا هو من باب التعميم بعد التخصيص، وهذا أسلوبٌ عربيٌّ بلاغيٌّ قرآنيٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ (٢) الآية [النبأ: ٣٨] (٣).\n﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾: الخطاب للعرب، أي جاءكم أيها القوم، رسول الله إليكم، ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾: أي هو بشر مثلكم، تعرفونه، وهو عربي كما أنكم من العرب، وأنتم تعرفونه، وقد وقفتم على مذهبه، فهو أوكد لإقامة الحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون عمن هو مثلكم ولم يكن من غيركم؛ فتتهموه على أنفسكم في النصيحة لكم.\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٩٢)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٠٩).\n(٢) هذا على القول بأن الروح هو جبريل ﵇.\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٢٩٢)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٠٩).","vol":"1","page":231},{"text":"﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: أي: يعز عليه عنتكم، وهو دخولكم في المشقة، وحصول المكروه والأذى لكم (١).\n﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾: أي: شديد الحرص على هدايتكم، وحريص على دخولكم الجنة، وحريص عليكم أن تؤمنوا، وحريص على توبتكم ورجوعكم إلى الله (٢).\n﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾: تقديم المؤمنين بالذكر يفيد التخصيص، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص، أي أن الرأفة والرحمة خاصة بالمؤمنين دون الكافرين، وأما الرحمة العامة فهو ﵊ رحيم بالمسلم والكافر، ومن رحمته بالكفار حرصه على دعوتهم وهدايتهم؛ ولذلك أمثلة كثيرة في السنة.\nوالرؤوف: معناه المبالغ في الشفقة، والمعنى: شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين، فهو أرحم بهم من والديهم؛ فيرأف بالمطيعين ويرحم المذنبين (٣).\n«ووجه الدلالة من الآية أنه - ﷺ - يعز عليه كل ما يؤثم الأمة ويشق عليهم، وأعظم ما يؤثم الأمة ويشق عليهم الشرك بالله قليله وكثيره ووسائله وما يقرب منه من كبائر الذنوب، وقد بالغ - ﷺ - في النهي عن الشرك وأسبابه أعظم مبالغة كما لا يخفى، وقد كانت هذه حال أصحابه - ﵃ - في قطعهم الخيوط التي رقي للمريض فيها ونحو ذلك من تعليق التمائم» (٤).\n_________\n(١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٤٧٧)، وتفسير الطبري (١٢/ ٩٦).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٢/ ٩٦)، وتفسير القرطبي (٨/ ٣٠٢).\n(٣) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية (٣/ ١٠٠)، وتفسير البغوي (٤/ ١١٦).\n(٤) قرة عيون الموحدين ص (١١٨).","vol":"1","page":232},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.\n•---------------------------------•\n«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» الحديث رواه أبو داود وغيره (١)، وفي سنده عبد الله بن نافع وفي حفظه لين، وللحديث شواهد تقويه.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: «ومثل هذا يخاف أن يغلط أحيانًا، فإذا كان لحديثه شواهد عُلِمَ أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة» (٢).\n«لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: أي لا تجعلوا بيوتكم كالقبور الخالية عن ذكر الله تعالى وعبادته؛ لأن القبور غير صالحة لذلك؛ فتتركوا الصلاة فيها، وذكر الله - ﷿ -، ودعاءه، وضرب المثال بالقبور؛ لأنها معروفة ومعهودة بهذه الصفة حسًّا وشرعًا.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٤/ ٤٠٣) رقم (٨٨٠٤)، من طريق سريج،\nوأبو داود في سننه (٢/ ٢١٨) رقم (٢٠٤٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥٢، ٥٣) رقم (٣٨٦٥)، وفي كتاب حياة الأنبياء في قبورهم ص (٩٥) رقم (١٤) من طريق أحمد بن صالح،\nوالطبراني في الأوسط (٨/ ٨١، ٨٢) رقم (٨٠٣٠)، من طريق مسلم بن عمرو الحذاء المديني،\nثلاثتهم (سريج، وأحمد بن صالح، ومسلم بن عمرو) عن عبد الله بن نافع، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁.\nوقال الحافظ ابن عبد الهادي في الصارم المنكي ص (٣٠٨): «هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة يرتقى بها إلى درجة الصحة».\nوقد صحح الحديث: النووي في رياض الصالحين ص (٣٩٦)، وابن حجر في الفتح (٦/ ٤٤٨)، وعبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد ص (٢٥٨)، وشعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق سنن أبي داود (٣/ ٣٨٥)، وحَسَّنه شيخ الإسلام في الاقتضاء (٢/ ١٧٠)، وابن القيم في إغاثة اللهفان (١/ ١٩١)، والسخاوي في المقاصد الحسنة ص (٤٢٣).\n(٢) الرد على الإخنائي ص (١٠٥).","vol":"1","page":233},{"text":"وفي ذلك أمرٌ بأداء العبادة من صلاةٍ وغيرها في البيوت، ونهيٌ وتحذيرٌ عن فعلها في القبور، وهذا ما يفعله أهل الشرك من النصارى، ومن تشبه بهم من القبوريين (١).\n«وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا»: «العيد: اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائد: إما بعود السنة، أو بعود الأسبوع، أو الشهر، أو نحو ذلك» (٢).\nوالمعنى: «لا تصيروا قبري مكانًا تعودون إليه؛ أو: تعتادون المجيء إليه في أوقات معلومة؛ فإن هذا قد يوصل إلى أن يعظم النبي - ﵊ - كتعظيم الله جل وعلا. فاتخاذ القبور عيدًا من وسائل الشرك» (٣).\nووجه الدلالة: أن قبر رسول الله - ﷺ - أفضل قبر على وجه الأرض؛ لاحتوائه أفضل مقبور، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان (٤).\nقال ابن القيم - ﵀ -: «نهيه لهم أن يتخذوا قبره عيدًا: نهي لهم أن يجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة، بل يُزار قبره صلوات الله وسلامه عليه كما كان يزوره الصحابة رضوان الله عليهم، على الوجه الذي يرضيه ويحبه، صلوات الله وسلامه عليه» (٥).\n_________\n(١) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٧٢)، وشرح المشكاة للطيبي (٣/ ١٠٤٣).\n(٢) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٩٦).\n(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٧٦)، وينظر: شرح المشكاة للطيبي (٣/ ١٠٤٣).\n(٤) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ١٧٢).\n(٥) حاشية على سنن أبي داود (٦/ ٢٣).","vol":"1","page":234},{"text":"وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسينِ - ﵁ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ». رَوَاهُ فِي المُخْتَارَةِ.\n•---------------------------------•\n«فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ»: أي متى ما صليتم عليَّ فإن هذه الصلاة تبلغني حيثما كنتم في برٍّ أو بحرٍ أو جوٍّ، قريبين كنتم أو بعيدين؛ فلذلك لا ينبغي أن تتكلفوا المعاودة إلي فإن الصلاة عَلَيَّ تغنيكم عن ذلك (١).\nوفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره - ﷺ -، وإلى غيره من القبور والمشاهد؛ لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، وقد قال - ﷺ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ - ﷺ -، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (٢).\n«وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسينِ - ﵁ - أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا» رواه الضياء المقدسي في المستخرج من الأحاديث المختارة، وابن أبي شيبة وغيرهما. وقد ذكر شيخ الإسلام (٣) أنه حديثٌ ثابتٌ وله شواهد (٤).\n_________\n(١) ينظر: تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (١/ ٣٠٧)، وشرح المشكاة للطيبي (٣/ ١٠٤٣)، وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٥/ ٤٧٨)، وتطريز رياض الصالحين ص (٧٦٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٦٠) رقم (١١٨٩)، ومسلم (٢/ ١٠١٤) رقم (١٣٩٧).\n(٣) في الرد على الإخنائي ص (٣٤٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٥٠) رقم (٧٥٤٢)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٦١) رقم (٤٦٩)، والضياء المقدسي في المختارة (٢/ ٤٩) رقم (٤٢٨)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن جعفر بن إبراهيم، من ولد ذي الجناحين، عن علي بن عمر، عن أبيه، عن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده.","vol":"1","page":235},{"text":"«رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلى فُرْجَةٍ»: (الفُرْجَة): -بضم الفاء وفتحها لغتان، وكسر الراء- مفرد (فُرَج)، وهي الخلل والشق بين الشيئين، أي: هي الفتحة والكُوَّة في الجدار ونحوه (١).\n«لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»: هذه الجمل سبق شرحها في الحديث السالف، فأغنى ذلك عن الإعادة.\nوفي معنى الجملة الثانية عدة أحاديث أخرى:\nففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» (٣).\n_________\nوأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي - ﷺ - ص (٣٥، ٣٦) رقم (٢٠) بإسنادٍ أعلى من هذا، فقال: (حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عمن أخبره من أهل بلده، عن علي بن حسين بن علي) فذكر بقية الإسناد والمتن، ولكن نلاحظ أنه أبهم راويًا، وأسقط الآخر من الإسناد.\nوالحديث (فيه حفص بن إبراهيم الجعفري، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحًا، وبقية رجاله ثقات) ينظر: مجمع الزوائد (٤/ ٣)، وقد حسَّن الحديث السَّخَاوي في المقاصد الحسنة ص (٤٢٣)، والعجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٢٨)، وجَوَّد إسناده سليمان بن عبد الله في تيسير العزيز الحميد ص (٢٩٩).\n(١) ينظر: ينظر: البارع في اللغة لأبي علي القالي ص (٦٦٩)، ومجمل اللغة لابن فارس ص (٧١٩).\n(٢) صحيح البخاري (١/ ١٦٦) رقم (٤٢٢)، وصحيح مسلم (١/ ٥٣٨) رقم (٧٧٧).\n(٣) صحيح مسلم (١/ ٥٣٩) رقم (٧٨٠).","vol":"1","page":236},{"text":"قوله: «وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ»: «المراد: صلوا عليَّ في أي مكان كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلموا عليَّ وتصلوا عليَّ عنده» (١).\nومناسبة هذا الحديث والذي قبله للباب وللتوحيد: هو أن هذين الحديثين قد دَلَّا على تحريم اعتياد قبر النبي ﵊ لأجل الدعاء، وهذا من النبي - ﷺ - حِمَاية لحِمَى التوحيد، وسدًّا للطريق الموصلة إلى الشرك بالله ونهى عن اتخاذ قبره ﵇ عيدًا ومسجدًا خشية الشرك بالله، فما بالك بقبور غيره من الأنبياء والصالحين، فهذه أولى ثم أولى (٢).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٤٥١).\n(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٧٧)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٧)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٥).","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْبُدُ الأَوْثَانَ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود المصنف بهذه الترجمة: إثبات أَنَّ الشرك سيقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من ينكر ذلك مِن أهل البدع والضلال مِن عُبَّاد القبور الذين يقولون: عبادة القبور والأولياء ليست من الشرك بالله؛ لأن الأمة معصومة منه، والمصنف إذ يقول هذا الكلام يحذر الناس مِن أن يقعوا في براثن الشرك، ولا يفيدهم استبعاد ذلك في حقهم؛ لأنه واقعٌ في هذه الأمة لا محالة، بدلالة النصوص الشرعية، والواقع المشاهد (١).\nوعلاقة الترجمة بما قبلها من الأبواب: هو أن المصنف لَمَّا تكلم عن التوحيد ووجوبه، والشرك والحذر منه، وذَكَرَ ما ينافي كمال التوحيد، وما هو ذريعةٌ إليه، أراد أن يُبَيِّنَ أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة بعبادتها لغير الله تعالى (٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفرق بين الوثن والصنم: </span>هو أن الصنم: كل ما عُبِدَ من دون الله تعالى على صورة إنسانٍ أو حيوانٍ، وهو التمثال والصورة، وأما الوثن: فهو ما عُبِدَ من دون الله من غير صورةٍ كقبرٍ أو شجرٍ أو حجر أو بقعةٍ أو غير ذلك. وعليه فالوثن أعم من الصنم، فبين الوثن والصنم عمومٌ وخصوصٌ؛ إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٠٦)، والقول السديد ص (٩١)، والقول المفيد (١/ ٤٥٤).\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (١٨٨).\n(٣) قال بهذا الفرق: أبو هلال العسكري في الفروق ص (٣٢٣)، وابن عرفة كما في لسان العرب (١٢/ ٣٤٩)، وعَكَسَ المعنى صاحب النهاية (٥/ ١٥١)، وتبعه جمع غفير، فلم يصيبوا في ذلك!","vol":"1","page":238},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.\n•---------------------------------•\nوقول المصنف: «أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الأُمَّةِ»: «أي لا كلها؛ لأن في هذه الأمة طائفة لا تزال منصورة على الحق إلى قيام الساعة، لكنه سيأتي في آخر الزمان ريح تقبض روح كل مسلم، فلا يبقى إلَّا شرار الناس» (١)، كما في قوله - ﷺ -: «لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ الله، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ، فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الْإِيمَانِ إِلا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» (٢).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: «الاستفهام هنا للتقرير والتعجيب، والرؤية بصرية بدليل أنها عديت بإلى، وإذا عديت بإلى صارت بمعنى النظر. والخطاب إما للنبي - ﷺ - أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب؟» (٣).\n﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾: وهم اليهود يعني أعطوا حظًّا مِن علم كتابهم، وهو التوراة، فعلموه، ثم خالفوه بأن آمنوا ﴿بِالْجِبْتِ﴾: والجبت: كل ما عُبِدَ من دون الله من صنمٍ وغيره (٤)؛ ولذلك كل ما قيل في تفسيره صحيح، فقيل: هي الأصنام، وقيل الكهان، وقيل: غير ذلك (٥).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٤٥٤).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٢٤) رقم (١٩٢٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.\n(٣) القول المفيد (١/ ٤٥٥).\n(٤) ينظر: جمهرة اللغة لابن دريد (١/ ٢٥٢).\n(٥) ينظر هذه الأقوال في النكت والعيون للماوردي (١/ ٤٩٥)، وزاد المسير لابن الجوزي (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":239},{"text":"وقد جاء عن ابن عباس ﵄ قال: «الجبت: رسم الشيطان بالحبشية» (١).\nقال سعيد بن جبير في هذه الآية: «(الجبت) الساحر بلسان الحبشة» (٢).\n﴿وَالطَّاغُوتِ﴾: الطَّاغُوت: يذكر ويؤنث، مفرد طواغيت، وهو على وزن (لاهوت)، ولكنه مقلوب؛ لأنه مأخوذ من (طغا) يطغى طغيانًا، والتاء زائدة (٣).\nو«الطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حَدَّهُ من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ» (٤).\nومناسبة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان أهل الكتاب من اليهود النصارى- الذين أوتوا التوراة والإنجيل-قد وقعوا في الشرك بالله من الإيمان بالجبت والطاغوت؛ فيمكن أن تقع هذه الأمة في ذلك تشبهًا بهؤلاء؛ لأن النصوص الشرعية دلت على أن هذه الأمة ستحذو حذو اليهود والنصارى، وتتبع سننهم حذو القذة بالقذة، كما سيأتي في الحديث التالي (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٧٤) رقم (٥٤٤٤).\n(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٣٧).\n(٣) ينظر: تهذيب اللغة (٨/ ١٥٣)، والصحاح للجوهري (٦/ ٢٤١٣).\n(٤) إعلام الموقعين لابن القيم (١/ ٤٠).\n(٥) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٧٦)، وفتح الله الحميد ص (٣٠٦)، والقول المفيد (١/ ٤٥٦).","vol":"1","page":240},{"text":"وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾.\n•---------------------------------•\n﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ﴾: هذا خطاب من الله لنبيه ﵊ أن يقول لليهود ردًّا على قولهم: ما نعرف دينًا شرًّا من دينكم: هل لي أن أخبركم بشر مما نقمتم من إيماننا ثوابًا؟ (١).\n﴿مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ وهم اليهود والنصارى، واللعن هو الطرد والإبعاد، والمراد بذلك العذاب والطرد عن رحمة الله ومنها الجنة، وأما الغضب: فهو أشد من اللعنة وأبقى، فخص باليهود؛ لأنهم أشد عداوة لأهل الحق (٢).\n﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾: يعني بالذين جعلهم قردة: أصحاب السبت من اليهود، وبالخنازير: كفار مائدة عيسى من النصارى (٣). ومَسْخُ أصحاب السبت قردةً جاء في آيةٍ صريحة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥].\n﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: مَرَّ معنا شرح معنى الطاغوت مستوفى في الأبواب السابقة.\nالشاهد من هذه الآية لموضوع الترجمة هو قوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، ومناسبة ذلك للباب هو نظير مناسبة الآية السابقة التي مرت معنا آنفًا.\n_________\n(١) ينظر: تأويلات أهل السنة للماتريدي (٣/ ٥٤٨)، وبحر العلوم للسمرقندي (١/ ٤٠٢)، والتفسير البسيط للواحدي (٧/ ٤٤٤).\n(٢) ينظر: مجمع بحار الأنوار (٤/ ٤٩١)، وتفسير ابن كثير (٣/ ١٣٠).\n(٣) ينظر: التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ٢٠٤)، وتفسير السمعاني (٢/ ٤٩).","vol":"1","page":241},{"text":"وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾.\n•---------------------------------•\nفمطابقة هذه الآية للترجمة: أنه إذا كان اليهود والنصارى ممن عبد الطاغوت، فكذلك يكون في هذه الأمة من يفعل ذلك.\nففي الآية السابقة أن أهل الكتاب آمنوا بالجبت والطاغوت، وفي هذه الآية: أن فيهم من عَبَد الطاغوت؛ فلا بد أن يكون من هذه الأمة من يتشبه بهم في ذلك (١).\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾: الظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب السلطان والنفوذ من الرؤساء والحكام (٢).\n﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾: أي لنبنين على باب كهفهم مسجدًا نعبد الله تعالى فيه، ونتذكر به أحوالهم، وما جرى لهم، ونتبرك بمكانهم (٣).\nومناسبة الآية للباب وللتوحيد: أنها دلت على أن الأمم السابقة قد بنت المساجد على القبور، فجرَّهم ذلك إلى الشرك بالله تعالى، وقد ثبت أن هذه الأمة ستتبع طريق من كان قبلها، وعليه فلا بد أن يقع في هذه الأمة ما وقع في الأمم السالفة من البناء على القبور، فدل ذلك على وقوع الشرك في هذه الأمة، كما وقع في الأمم السابقة عن طريق التشبه بهم واتباع سبيلهم (٤).\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٧٧)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٢٧).\n(٢) ينظر: تفسير يحيى بن سلام (١/ ١٧٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٢٣٥٤).\n(٣) ينظر: روح البيان للبروسوي (٥/ ٢٣٢)، وتفسير السعدي ص (٤٧٣).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٠)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٧٧).","vol":"1","page":242},{"text":"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟». أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\nحديث أبي سعيد - ﵁ - في الصحيحين، كما أشار المؤلف بقوله: «أَخْرَجَاهُ»، عدا قوله: «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» فهي ليست في الصحيحين، والذي فيهما: «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» (١).\n«لَتَتَّبِعُنَّ»: بضم العين وتشديد النون، واللام للتأكيد، وأصلها (تَتَّبِعُونن) (٢).\n«سَنَنَ»: فيها وجهان:\nالوجه الأول: فتح السين (سَنَنَ) مفرد ومعناه السبيل والطريق.\nالوجه الثاني: ضم السين (سُنَن) جمع سنة وهي الطريقة.\nوبعض الشُّرَّاح رجح الضم (٣)، ولكن الفتح هو الأصوب والأشهر (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٩/ ١٠٣) رقم (٧٣٢٠)، من طريق أبي عمر الصنعاني،\nومسلم في صحيحه (٤/ ٢٠٥٤) رقم (٢٦٦٩) من طريق حفص بن ميسرة،\nكلاهما (أبو عمر الصنعاني، وحفص بن ميسرة) عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁.\n(تنبيه): أسقط المصنف جملة «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» الموجودة في الحديث في الصحيحين، وأتى بجملة أخرى: «حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ» وهي غير موجودة في رواية البخاري ومسلم، بل لا توجد في حديث أبي سعيد الخدري -﵁-، وإنما هي في بعض الأحاديث الأخرى.\n(٢) ينظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٨)، و(١٣/ ٣٠٠)، وإرشاد الساري (١٠/ ٣٢٨).\n(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٩٥).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١١)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٢٩٠).","vol":"1","page":243},{"text":"وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ - شارحًا هذا الكلام ومفصلًا له: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص؛ لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص؛ لأن في هذه الأمة من لا يتبع كما أخبر النبي - ﷺ - أنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق. وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء، وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضى خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه» (١).\n«حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ»: أي: مثلًا بمثل، وهو مثل للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان، والقُذَّة-بضم القاف- واحدة القُذَذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم مثلًا بمثل، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، وهذا مَثَل يُضْرَب للشيئين يستويان، ولا يتفاوتان (٢).\n«حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ»: «الجحر- بالضم- هو: السرب الذي يكون في الأرض، ومنه جحر الضب، لأنه يحفر جحرًا من أعسر الجحور، ومع هذا لو دخله اليهود والنصارى لكان في هذه الأمة من يفعل ذلك تقليدًا لهم!» (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٤٦٤).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١١)، وفتح المجيد ص (٢٦٧).\n(٣) إعانة المستفيد (١/ ٣٢٨).","vol":"1","page":244},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوْبَانَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمِ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا».\n•---------------------------------•\nووجه مطابقة الحديث للترجمة: هو إخبار النبي - ﷺ - أن الأمة ستقع فيما وقع فيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى من ضلال وانحراف؛ ومن ذلك الوقوع في الشرك والكفر الصراح الذي وُجد عند الكتابيين، وسيقع في هذه الأمة أيضًا، وهذا الحديث يُعَدُّ عمدة هذا الباب (١).\n«وَلِمُسْلِمٍ»: في صحيحه (٢).\n«إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ»: معناه قبضها وجمعها، ويقال انزوى الشيء: إذا انقبض وتجمع، وانزوى القوم: تدانوا وتضاموا (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٣)، وفتح المجيد ص (٢٦٧)، وقرة عيون الموحدين ص (١٢٣)، والقول المفيد (١/ ٤٦٧)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٢٩).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢١٥) رقم (٢٨٨٩) عن أبي الربيع العتكي، وقتيبة بن سعيد، كلاهما عن حماد بن زيد، واللفظ لقتيبة عن حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان - ﵁ -.\n(٣) ينظر: معالم السنن (٤/ ٣٣٩)، وإكمال المعلم (٨/ ٤٢٥).","vol":"1","page":245},{"text":"«فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سيبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِيَ مِنْهَا»: هذا الحديث من أعلام نبوته؛ فإن ملك هذه الأمة كان معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب (١).\n«وَأُعْطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ»: هما الذهب والفضة، والمراد بذلك الإشارة إلى كنوز كسرى وقيصر؛ فغالب نقود كسرى الذهب، وغالب نقود قيصر الفضة (٢).\nوفي حديث أبي هريرة في الصحيحين: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ الله» (٣). وقد ظهر ذلك ووجد في زمان الفتوح في إمارة عمر ﵁ فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده.\nوهل أُعْطِيَ النبي - ﷺ - هذا في حياته كما يفهم من قوله: «وَأُعْطِيتُ»؟\nالجواب: بعد موته أعطيت أمته ذلك، لكن ما أعطيت أمته؛ فهو عطاء له؛ لأنَّ أمته تابعة له وامتداد ملك الأمة هو امتداد لما كان عليه النبي - ﷺ - (٤).\n_________\n(١) ينظر: إكمال المعلم (٨/ ٤٢٥)، وكشف المشكل (٤/ ٢١٨)، وشرح مسلم للنووي (١٨/ ١٣).\n(٢) ينظر: إكمال المعلم (٨/ ٤٢٥)، وشرح مسلم للنووي (١٨/ ١٣).\n(٣) صحيح البخاري (٣/ ١١٣٥) رقم (٢٩٥٢)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٦) رقم (٢٩١٨).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٤٧٣).","vol":"1","page":246},{"text":"وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ: «وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ،\n•---------------------------------•\n«فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ»: أي جماعتهم وأصلهم، وبيضة الدار: معظمها ووسطها، أراد عدوًّا يستأصلهم ويهلكهم جميعهم (١).\n«لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ»: السنة هي القحط والجدب، وتُجمع على سنين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، والمقصود بقوله: «لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ» أي: بالدعوة: أَلا تصيبهم سنة وشدة تجتاحهم وتعمهم بالهلاك، وأما أن يحصل القحط في قوم دون قوم فهذا خارج عنها، وهو يقع كثيرًا (٢).\n«وَلَو اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا»: (بأقطارها) أي: بأطرافها، جمع قُطْر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستطيع عدو من الكفار استئصالهم أو إهلاكهم جميعًا، ولو حاصرهم واجتمع على محاربتهم من كل ناحيةٍ من نواحي بلادهم (٣).\n«وَرَوَاهُ البَرْقَانِي فِي صَحِيحِهِ، وَزَادَ ...» لم أقف على صحيح البرقاني، ولكن وقفت على الزيادة في كتب أشهر منه، كابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه (٤).\n_________\n(١) ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين ص (٤٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (١١/ ٣٦٣٧).\n(٢) ينظر: معالم السنن (٤/ ٣٤٠)، وإكمال المعلم (٨/ ٤٢٧).\n(٣) مرقاة المفاتيح (٩/ ٣٦٧٧) بتصرف.\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٣١١) رقم (٣١٦٩٤) على الرواية الثانية، وأحمد في المسند (٣٧/ ٨٧، ٧٩) رقم (٢٢٣٩٥) كاملًا، و(٣٧/ ١١٧) رقم (٢٢٤٥٢) مقتصرًا على الجزء الثاني فقط، وأبو داود في سننه (٤/ ٩٧، ٩٨) رقم (٤٢٥٢)، وإسماعيل القاضي في أحاديث أيوب =","vol":"1","page":247},{"text":"وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، ........................\n•---------------------------------•\n«الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ»: الأئمة: جمع إمام، وهو رئيس القوم الذي يدعوهم إلى قول أو فعل أو اعتقاد، ويتبعونه في ذلك ضالًّا كان أو مهتديًا (١)، والمقصود بهم: الأمراء والعلماء والعُبَّاد الداعون إلى البدع والضلالات، والفسق والفجور (٢).\n«وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السيفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»: أي: إذا ظهرت الحرب والفتن والاقتتال فيهم تبقى إلى يوم القيامة، وقد وضع السيف بقتل عثمان، فلم يزل إلى الآن، ولم يرتفع (٣).\n_________\n= السختيانى ص (٤٦، ٤٧) رقم (١٩)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ٩٥٦)، وابن أبي عاصم في كتاب السنة (١/ ١٢٥) رقم (٢٨٧) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٥٢٦، ٥٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ١٩٨)، من طريق أيوب،\nوابن ماجه في سننه (٢/ ١٣٠٤) رقم (٣٩٥٢)، والروياني في مسنده (١/ ٤١٠) رقم (٦٢٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ١٠٩، ١١٠) رقم (٦٧١٤)، والطبراني في المعجم الأوسط (٨/ ٢٠٠، ٢٠١) رقم (٨٣٩٧) وفي مسند الشاميين (٤/ ٤٥، ٤٦) رقم (٢٦٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٣٠٥) رقم (١٨٦١٧)، من طريق قتادة،\nوالروياني في مسنده (١/ ٣١٣، ٤١٤) رقم (٦٣٥) من طريق عَبَّاد بن منصور،\nوالحاكم في المستدرك (٤/ ٤٩٦) رقم (٨٣٩٠)، من طريق يحيى بن أبي كثير،\nأربعتهم (أيوب، وقتادة، وعَبَّاد بن منصور، ويحيى بن أبي كثير) عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان ﵁.\nقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٣٧/ ٧٩): «إسناده صحيح على شرط مسلم».\n(١) ينظر: مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٣٨٩)، والتنوير شرح الجامع الصغير (٤/ ١٧٤).\n(٢) ينظر: حاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥)، تحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).\n(٣) ينظر: حاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣١٩).","vol":"1","page":248},{"text":"وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ،\n•---------------------------------•\n«وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالمشركِينَ»: الحي مفرد أحياء، والمقصود بها القبائل (١).\nوهل المراد باللحوق هنا اللحوق البدني أو الحكمي؟\nالجواب: كلا المعنيين مرادان، فاللحوق البدني بمعنى أنه يذهب هذا الحي إلى المشركين ويدخلون فيهم، واللحوق الحكمي، بمعنى أن يعملوا بعمل المشركين، وقد كان هذا بعد وفاة النبي - ﷺ - حينما ارتدت قبائل من العرب فحاربهم أبو بكر ﵁.\n«وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ» وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة.\nوفي معنى هذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ» وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ (٢). وأليات أي: أعجاز النساء.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة مرفوعًا: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣١٩)، وفتح المجيد ص (٢٧٣).\n(٢) صحيح البخاري (٦/ ٢٦٠٤) رقم (٦٦٩٩)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٠) رقم (٢٩٠٦).\n(٣) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٣٠) رقم (٢٩٠٧).","vol":"1","page":249},{"text":"وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِي بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎».\n•---------------------------------•\n«وَإِنَّهُ سيكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ» قال ابن حجر: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي - ﷺ -، فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحةُ بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، وزين له الشيطان أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه. ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان.\nوليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا فإنهم لا يحصون كثرةً لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة، وبدت له شبهة (١).\nفمن زعم أنه نبي بعد الرسول - ﷺ - فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدَّقه في ذلك، فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد - ﷺ -.\n«لَا نَبِي بَعْدِي» أي: بعد موت النبي - ﷺ -، ولكن ما الجواب عما ثبت في نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، مع أنه نبي ويضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؟\n_________\n(١) فتح الباري (٦/ ٦١٧) -بتصرف-.","vol":"1","page":250},{"text":"الجواب: أَنَّ نبوة عيسى - ﵇ - سابقةٌ لنبوة محمد - ﷺ -، وحينما ينزل في آخر الزمان- كما تواترت بذلك النصوص- لا ينزل على أنَّه نبِيٌّ متبعٌ، بل على أنَّه أحدُ أتباع محمد - ﷺ -؛ ولذلك عَدَّه بعض العلماء من الصحابة. وهو حينما يحكم ويُشَرِّع لا يحكم بالإنجيل، وإنما يحكم بشريعة الإسلام، وأمَّا كونه يضع الجزية ولا يقبل إلَّا الإسلام؛ فليس تشريعًا جديدًا ينسخ قبول الجزية، بل هو تشريع من محمد - ﷺ -؛ لأنه أخبر به مُقِرًّا له.\nقوله: «وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»:\nهذه الجملة من حديث ثوبان رواها مسلم (١).\nوالطائفة: الجماعة، من هذه الطائفة؟ هذه هي (الطائفة المنصورة)، وقد تكاثرت أقوال العلماء في نعت هذه الطائفة:\nقال يزيد بن هارون: «إن لم يكونوا أصحاب الحديث، فلا أدري من هم؟» (٢)، وكذا قال أحمد بن حنبل (٣).\nوقال علي بن المديني: «هم أصحاب الحديث» (٤).\nوقال البخاري: «هم أهل العلم» (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٣/ ١٥٢٣) رقم (١٩٢٠).\n(٢) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (١٧٨)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص (٢٦).\n(٣) أخرجه الحاكم في علوم الحديث ص (٢)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث ص (٢٧).\n(٤) سنن الترمذي (٤/ ٤٨٥).\n(٥) صحيح البخاري (٩/ ١٠١).","vol":"1","page":251},{"text":"وقال القاضي عياض: «وإنما أراد أهل السنة والجماعة، ومَن يعتقد مذهب أهل الحديث» (١).\nولعل أقوى الأقوال ما اختاره النووي - ﵀ - حيث قال: «ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض» (٢).\nوهم منصورون إما بسيف العلم والحجة والبرهان على الكفار والمشركين والملحدين والمنافقين والمبتدعين، أو منصورون بالسيف والسلطان على عدوهم من اليهود الحاقدين، والنصارى الصليبيين، ولا منافاة بين هذا وذاك؛ لأن اللفظ يحتمل كلا المعنيين، وهما صحيحان (٣).\nوقوله: «عَلَى الحَقِّ»: أي ثابتين على الحق علمًا وعملًا، و(ظاهرين): هذا مرتبط بمفهوم كونهم منصورين، وفيه وجهان: أولهما: أنهم غالبون على الباطل بالحجة والبرهان، والثاني: بالسيف والسِّنَان في زمن التمكين، وكلا الوجهين صحيح (٤).\n_________\n(١) إكمال المعلم (٦/ ٣٥٠).\n(٢) شرح مسلم للنووي (١٣/ ٦٧).\n(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (١٢/ ٣٩٧٢)، وحاشية السندي على ابن ماجه (١/ ٧).\n(٤) ينظر: إرشاد الساري للقسطلاني (١٠/ ٣٢٤)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).","vol":"1","page":252},{"text":"«لَا يَضرهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»: أي لا يضيرهم خذلان مَن خذلهم من المسلمين، وترك التعاون معهم، بل وحاربهم وناصبهم العداء؛ لثباتهم على دينهم، ولنصرة الله لهم (١).\nوقد جاء في حديثٍ آخر: «لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ» (٢).\n«حَتَّى يِأْتِيَ أَمْرُ الله ﵎»: أي: حكمه وقضاؤه، وذلك إما بقيام الساعة، أو بالريح التي تقبض نفس كل مؤمن ومؤمنة؛ فيموتون منها (٣).\nوالخلاصة من هذا الحديث: أنه دَلَّ على وقوع الشرك في هذه الأمة، وأن قبائلَ وفئامًا منها يعبدون الأوثان، وفي ذلك الرد على من قال بخلافه من عُبَّاد القبور الذين ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة.\nفهذا الحديث وغيره مما جاء في الباب يدل على أن الشرك يقع في هذه الأمة، فالواجب الاحتراز من الشرك والحذر من الوقوع في أسبابه ووسائله كي لا يكون المرء من هؤلاء الذين أخبر عنهم النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (١٢/ ٣٩٧٢)، وتحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ٢٠٧) رقم (٣٦٤١)، ومسلم (٣/ ١٥٢٤) رقم (١٠٣٧) من حديث معاوية - ﵁ -.\n(٣) ينظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٤٠١)، وحاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٤٦٥).","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-128>بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: تقرير أَنَّ السحر شرك محرمٌ وبيان ما ورد فيه من الوعيد، وأنه ينافي التوحيد، وبيان تكفير فاعله (١).\nفيكون معنى قوله: «بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ»: أي ما جاء فيه من الوعيد الشديد.\nقال ابن كثير: «السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (٢)، وسمي السحور سحورًا لكونه يقع خفيًّا آخر الليل» (٣).\nوأما في الاصطلاح: فهو عبارةٌ عن عزائمَ ورُقًى وعُقَد يستعملها الساحر بالاستعانة ببعض الشياطين؛ للتأثير في بعض الناس: إما في أبدانهم بالقتل أو المرض، أو الإخلال بعقولهم، أو في التفريق بين الزوجين، أو أحدهما عن الآخر، ونحو ذلك (٤).\nوالسحر إجمالًا نوعان:\n١ - سحر التخييل: وهو «مختص بكل أمر يخْفَى سببه، ويُتَخَيَّل على غير حقيقته، ويَجْرِي مجرى التمويه والخداع، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]» (٥). وهذا النوع من السحر يسحر أعين الناظرين، ولا حقيقة له.\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ١٩٧٦) رقم (٤٨٥١).\n(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٢١٢).\n(٤) ينظر: إحياء علوم الدين (١/ ٢٩)، والكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة (٤/ ٦٤).\n(٥) المصباح المنير (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":254},{"text":"٢ - السحر الحقيقي: وهو ما يؤثر في بدن المسحور، وهو واقعٌ عقلًا وحسًّا، وأثبته أهل السنة خلافًا للمعتزلة (١).\nقال السعدي - ﵀ -: «وجه إدخال السحر في أبواب التوحيد أن كثيرًا من أقسامه لا يتأتى إلَّا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر، فلا يتم للعبد توحيد حتى يدع السحر كله قليله وكثيره» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>هل للسحر حقيقة</span>؟ وهل هذه الحقيقة تقلب الأعيان أو هي تأثير في المزاج؟\nالجواب: مذهب جمهور أهل السُّنة والجماعة، أنَّ للسحر حقيقة، وخالف في ذلك أبو حنيفة فيما يُروى عنه، والمعتزلة كما حكاه عنهم الرازي، وذكر أنهم يكفرون من اعتقد وجوده (٣).\nقال ابن قدامة: «ولولا أن للسحر حقيقة، لم يأمر بالاستعاذة منه» (٤)، وروت عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - سُحِر حتى إنَّه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وإنه قال لها ذات يوم: «أَتَانِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ وَالْآخَرُ عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ - يَعْنِي مَسْحُورًا - قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ ...» الحديث (٥).\n_________\n(١) ينظر: المعلم بفوائد مسلم للمازري (٣/ ١٥٨)، وشرح مسلم للنووي (١٤/ ١٧٤).\n(٢) القول السديد ص (٧٤).\n(٣) مفاتيح الغيب (٣/ ٦٢٥).\n(٤) الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٦٤).\n(٥) أخرجه البخاري (٥/ ٢٢٥٢) رقم (٥٧١٦)، ومسلم (٤/ ١٧١٩) رقم (٢١٨٩).","vol":"1","page":255},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾،\n•---------------------------------•\nونقل ابن هبيرة - ﵀ - الإجماع على ذلك حيث قال: «أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلَّا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده» (١). وهو قول شاذ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: ضمير الفاعل يعود على متعلمي السحر وهم اليهود؛ لأن الآية في سياق الآيات التي تتحدث عن اليهود، والمعنى: لقد علم هؤلاء اليهود في كتابهم التوراة مَنْ الذي اشترى السحر بكتابي، أي: تعلم السحر، واستحبه، ورضي به عوضًا عن شرع الله ودينه (٢).\n﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: الخلاق هو النصيب الوافر من الخير، أي: ماله يوم القيامة نصيب من الجنة، والمعنيون بذلك الذين يُعلمون السحر من علماء اليهود (٣).\nوالشاهد من هذه الآية قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.\nومناسبة الآية للباب: أنها تدل على تحريم السحر وأنه من الجبت (٤).\n\nمسألة: ما<span data-type=\"title\" id=toc-132> حكم تعلم السحر:</span>\nالجواب: فيه تفصيل بحسب نوع السحر الذي تعلمه، قال ابن حجر - ﵀ -: «وأمَّا تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكُفْر كَفَر واستتيب منه ولا يُقْتَل، فإن تاب قُبِلَت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكُفْر عُزِّر» (٥).\n_________\n(١) نقله عنه ابن كثير في تفسيره (١/ ٢٥٥)، وكتاب الإشراف لم أقف عليه مطبوعًا، وهو مخطوط.\n(٢) ينظر: تفسير مقاتل بن سليمان (١/ ١٢٧)، وتفسير الطبري (٢/ ٤٥٠، ٤٥١).\n(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ١٨٦)، وتفسير البغوي (١/ ١٣٢).\n(٤) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٠).\n(٥) فتح الباري (١٠/ ٢٣٥).","vol":"1","page":256},{"text":"وقال الشافعي - ﵀ -: «إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر» (١)، ومعناه أنه إن لم يعتقد إباحته فليس بكافر عند الشافعي.\nوخلاصة ما جاء في هذه المسألة أن أهل العلم في ذلك على قولين:\nالقول الأول: التفصيل فقد يكفر وقد لا يكفر بحسب الحال:\nوهؤلاء قالوا: من كان سحره بواسطة الشياطين فإنه يكفر؛ لأنه لا يتأتى ذلك إلَّا بالشرك وعبادة الشيطان غالبًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها، فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيًا معتديًا.\nالقول الثاني: إنه يكفر مطلقًا:\nلأن السحر لا يتأتى إلَّا بالشرك، قال به الشيخ سليمان آل الشيخ (٢)؛ ورجح هذا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - ﵀ -، وغيره.\nوعند النظر والتأمل نجد أن الخلاف بين الفريقين خلافٌ لفظي؛ لأن الذين قالوا بأن من السحر ما هو دون الكفر مَثَّلُوا لذلك بأشياء هي لا ترتقي=\n_________\n(١) ذكره ابن كثير في تفسيره (١/ ١٩٩).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٢٨٢).","vol":"1","page":257},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ».\n•---------------------------------•\n= إلى الكفر، والذين قالوا: بأنه كله كفر لم يتصوروا وقوع ما هو دون الكفر، ولم يصنفوا هذه العقاقير ونحوها ضمن قائمة السحر.\nوَقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ» هذا الأثر عن عمر بن الخطاب في تفسير هذه الآية جاء مسندًا في كتب التفسير المسندة وغيرها (١)، وقد فرق فيه بين معنى الجبت، ومعنى الطاغوت، حيث قال: «الجِبْتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشيطَانُ»، وهذا من باب تفسير الشيء ببعض أجزائه، وهو معروف عند السلف، وإلا فإن معنى الجبت أعم، وكذلك معنى الطاغوت (٢).\nوالمغزى من إيراد هذا الأثر في هذا الباب ظاهر؛ إذ إنَّ موضع الشاهد هو قوله تعالى: ﴿بِالْجِبْتِ﴾، وتفسير عمر بن الخطاب ﵁ للجبت في الآية بأنه السحر يبين علاقة الأثر بالباب (٣).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢/ ٢٤٧) رقم (٢٥٣٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤٩٥) رقم (٢٦١٨)، و(٣/ ٩٧٥) رقم (٥٤٤٩) مقتصرًا على الشطر الثاني منه، والطبري في تفسيره (٨/ ٤٦٢) رقم (٩٧٦٦)، وعزاه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٢٢) لأبي القاسم البغوي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٤) للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر. قال ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٢٥٢): «إسناده قوي».\n(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٨٧)، والقول المفيد (١/ ٤٩٢).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٧)، والقول المفيد (١/ ٤٩٢).","vol":"1","page":258},{"text":"وَقَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: «الطَّوَاغِيتُ كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ».\n•---------------------------------•\n«وَقَالَ جَابِرٌ - ﵁ -: «الطَّوَاغِيتُ كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ» (١):\n«الطَّوَاغِيتُ»: جمع طاغوت، وقد سبق بيان معناه.\n«كُهَّانٌ»: جمع كاهن، وهو الذي يخبر عن المغيبات الكائنات في مستقبل الزمان، وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير ويدعى معرفة الأسرار (٢).\n«كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشيطَانُ»: أراد جنس الشيطان، ولم يرد إبليس على وجه الخصوص (٣).\n«فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ»: الحي: مفرد أحياء، وهم القبائل، أي: في كل قبيلة من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه في المنازعات والخصومات، ويسألونه عن أمور الغيب (٤).\nومطابقة هذا للترجمة ظاهر: من جهة أن الكاهن طاغوت من الطواغيت؛ فإذا كان هذا الاسم يطلق على الكاهن، فالساحر أولى؛ لأنه أشر وأخبث (٥).\n_________\n(١) أورده البخاري في صحيحه (٦/ ٤٥) تعليقًا بلا إسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم تفسيره (٣/ ٩٧٦) رقم (٥٤٥٢)، والطبري في جامع البيان (٥/ ٤١٨) رقم (٥٨٤٥).\n(٢) ينظر: عمدة القاري (١٨/ ١٧٥)، والقول المفيد (١/ ٤٩٣).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨)، وكتاب التوحيد ص (١٣٠).\n(٤) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٤٦).\n(٥) تيسير العزيز الحميد ص (٣٢٨) بتصرف.","vol":"1","page":259},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشركُ بالله، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ المُؤْمِنَاتِ» متفق عليه.\n•---------------------------------•\n«عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ» الحديث متفقٌ عليه، كما أشار إليه المؤلف (١).\n«المُوبِقَاتِ»: جمع موبقة، من الفعل (أوبق) (يُوبق) إذا أهلك غيره، والموبقات: المهلكات (٢)، والمراد بها هنا الكبائر (٣).\n«وَالسِّحْرُ»: سبق الحديث عنه وتعريفه؛ ولأجله ساق المؤلف الحديث في هذا الباب.\n«وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالحقِّ»: «(النفس التي حرم الله): وهي النفس المعصومة بإسلامٍ، أو ذمةٍ، أو عهدٍ، أو أمانٍ. (إلا بالحق): كالقتل قصاصًا، أو حَدًّا، أو رِدّةً» (٤).\n«وَأَكْلُ الرِّبَا»: الربا في اللغة: هو الزيادة؛ من ربا، يربو، إذا زاد (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٤/ ١٠) رقم (٢٧٦٦) من طريق عبد العزيز بن عبد الله،\nومسلم في صحيحه (١/ ٩٢) رقم (٨٩) من طريق ابن وهب،\nكلاهما (عبد العزيز بن عبد الله، وابن وهب) عن سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة ﵁.\n(٢) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٤١٠)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٤).\n(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٢/ ١٨٢).\n(٤) دليل الفالحين لابن علان (٨/ ٦٠٣).\n(٥) ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين ص (٣٨١)، والنهاية في غريب الحديث (٢/ ١٩١).","vol":"1","page":260},{"text":"وفي الشرع: هو عبارة عن عقدٍ فاسدٍ، بصفةٍ سواءٌ كان هناك زيادة، أو لا (١).\n«وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ»: أكل مال اليتيم على وجه الظلم وبغير وجه حق هو من الكبائر، وقد جاء الوعيد الشديد في ذلك في كتاب الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] (٢).\n«وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلَاتِ»: (القذف): الرمي البعيد، واستعير للشتم والعيب والبهتان، كما استعير الرمي. و(المحصَنات): أي العفائف، بفتح الصاد وكسرها (المحصِنات) لغتان، فبالفتح: التي أحصنها الله تعالى وحفظها من الزنا، وبالكسر: التي حفظت فرجها من الزنا، وقوله: (الغافلات): كناية عن البراءة؛ لأن البريء يكون غافلًا عَمَّا اتُّهِم به من الفُحش والزنا (٣).\nوقوله: «المُؤْمِنَاتِ»: احترازًا عن قذف الكافرات؛ فإن قذف الذمية ليس من الكبائر، وإنما هو صغيرة من الصغائر (٤).\n«وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ»: هو الفرار من الكفار في الحرب والمعركة (٥).\n«والزحف: أصله المشي المتثاقل، كالصبي يزحف قبل أن يمشي، وسمي الجيش زحفًا؛ لأنه يزحف فيه» (٦).\n_________\n(١) ينظر: الجوهرة النيرة القدوري (١/ ٢١٢)، والبناية شرح الهداية للعيني (٨/ ٢٦٠).\n(٢) ينظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (٨/ ١٨٥)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٦).\n(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٦)، وشرح مسلم للنووي (٢/ ٨٤)،\n(٤) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٦).\n(٥) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٢/ ٥٠٥، ٥٠٦).\n(٦) التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (١٧/ ٢٦٤).","vol":"1","page":261},{"text":"وَعَنْ جُنْدَبٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضربَةٌ بِالسيفِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ.\n•---------------------------------•\nوخلاصة دلالة الحديث: أنه دَلَّ على تحريم عمل السحر وتعلمه وتعليمه، واعتباره من الكبائر المهلكات؛ لأن مبناه على الشرك بالله تعالى (١).\n«وَعَنْ جُنْدَبٍ - ﵁ - مرفوعًا» الحديث مرفوعًا ضعيف، والصحيح وقفه (٢).\n_________\n(١) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٥١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٢)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٥).\n(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٤) رقم (١٨٧٥٢) من طريق ابن عيينة،\nوالترمذي في سننه (٤/ ٦٠) رقم (١٤٦٠)، وابن أبي عاصم في الديات ص (٥٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (١/ ١٤٤)، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ص (٤٨٥)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٢١) رقم (٣٢٠٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٠١) رقم (٨٠٧٣)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٨٠) رقم (١٥٩٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٥٠٠) من طريق أبي معاوية،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٦١) رقم (١٦٦٥) من طريق مروان بن معاوية،\nثلاثتهم (ابن عيينة، وأبو معاوية، ومروان بن معاوية) عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب، عدا عبد الرزاق؛ فقد أخرجه عن الحسن مرسلًا، وأسقط جندبًا.\nوتابع (خالد بن عبيد الباهلي) إسماعيل بن مسلم عند أبي نعيم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٨٠) رقم (١٥٨٩)، والطبراني المعجم الكبير (٢/ ١٦١) رقم (١٦٦٦)، ووقعت تسميته عنده (خالد العبد).\nوالحديث فيه علتان:\nالأولى: ضعف إسماعيل بن مسلم: تركه ابن المبارك، ويحيى، وابن مهدي، كما في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٣٧٢). وقال عنه أحمد بن حنبل: منكر الحديث، كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٨)، وقال عنه ابن معين في تاريخه- رواية الدارمي ص (٦٦): ليس بشيء.\nوقال يحيى القطان: لم يزل مختلطًا كان يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٢/ ١٩٨) =","vol":"1","page":262},{"text":"وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ: «كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ».\n•---------------------------------•\n«حَدُّ السَّاحِرِ»: قصد بالحد هنا: عقوبته المحددة في الشرع (١).\n«ضربَةٌ بِالسيفِ»: رُوِيَ بالهاء (ضربُه) والتاء (ضربةٌ)، وكلاهما صحيح (٢).\n«وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ»: هذا الحديث مما تعقب على المصنف حيث نسبه للبخاري، والحديث بهذا اللفظ أخرجه أبو داود، وأحمد، وغيرهما بسند صحيح (٣).\n«فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ»: «يعني: نفذنا ما كتب به أمير المؤمنين، وسواحر: جمع ساحرة، وهي المرأة التي تتعاطى السحر» (٤).\n_________\n= وقال الترمذي في العلل الكبير ص (٢٣٧): «سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء، وإنما أخرجه إسماعيل بن مسلم وضعف إسماعيل بن مسلم المكي جدًّا». وقال أيضًا (٣/ ١١٢): «إسماعيل بن مسلم المكي: يُضَعَّف في الحديث مِن قِبَل حفظه».\nوالعلة الثانية: الوقف: قال الترمذي (٣/ ١١٢): «الصحيح عن جندب موقوفًا».\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٠٧).\n(٢) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٨/ ٢٥٠٨)، والقول المفيد (١/ ٥٠٨).\n(٣) (٤/ ٩٦) رقم (٣١٥٦)، وأخرجه كما أورده المصنف: الشافعي في الأم (١/ ٢٩٣)، وعبد الرزاق في المصنف (٦/ ٤٩) رقم (٩٩٧٢)، وسعيد بن منصور في سننه (٢/ ١١٩، ١٢٠) رقم (٢١٨٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٥٦٢) رقم (٢٨٩٨٢)، وأحمد في المسند (٣/ ١٩٦) رقم (١٦٥٧)، وأبو داود في السنن (٣/ ١٦٨) رقم (٣٠٤٣)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٦٦) رقم (٨٦٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٤٩٨)، وغيرهم.\nوقد صححه ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٩٦)، وأحمد شاكر في شرح مسند أحمد (٢/ ٣٠٢)، وشعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٣/ ١٩٧).\n(٤) إعانة المستفيد (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":263},{"text":"وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ - ﵂ -: «أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ».\nوَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ. قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ؟ .\n•---------------------------------•\n«وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ - ﵂ -» (١): هذا الأثر رواه مالك في الموطأ وغيره وهو يدل على ما دل عليه أثر عمر بن الخطاب السابق في قتل الساحر.\n«وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ»: ولفظ الأثر كاملًا: «أن ساحرًا كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ السيف فيذبح نفسه، ويعمل كذا، ولا يضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه، فضرب عنقه، ثم قرأ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]» (٢).\n«قَالَ أَحْمَدُ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ؟»، أي: صح عن ثلاثة، ويعني بالثلاثة: عمر، وحفصة، وجندبًا ﵃ (٣)، وهذا القول نقله ابن كثير في تفسيره (٤).\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٧١) رقم (١٤)، وابن وهب في الجامع (١/ ٢٨٦) رقم (٤٩٨)، وعبد الرزاق في المصنف (١٠/ ١٨٠) رقم (١٨٧٤٧)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٤٥٣) رقم (٢٧٩١٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ١٨٧) رقم (٣٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٤٩٩)، وغيرهم.\n(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٢٢)، والدارقطني في سننه (٤/ ١٢١) رقم (٣٢٠٥)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٢/ ٥٧٩، ٥٨٠) رقم (١٥٨٨)، واللفظ له بصورة أتم، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٤) رقم (١٦٥٠١) مختصرًا، وإسناده صحيح من طريق خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي، عن جندب.\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٣٥)، وفتح المجيد ص (٢٨٧).\n(٤) تفسيره ابن كثير (١/ ٢٥٠).","vol":"1","page":264},{"text":"ومناسبة الآثار للباب: أن فيها بيان رأي الصحابة المذكورين في أن الساحر يُقْتَل مطلقًا من غير استتابة ولا تفصيل، وهذا يدل على خطورة السحر، وأنه من أعظم الكبائر (١).\nوقد اختلف العلماء في قتل الساحر على عدة آراء:\nالرأي الأول: قتل الساحر كفرًا:\nوهؤلاء قالوا: إن السحر كفر، والساحر يقتل بكل حال، ولا تُقْبَل توبته؛ لأن الله تعالى سمى السحر كفرًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، ولأن حقيقة السحر لا بد أن يكون فيه إشراك بالله تعالى، والمشرك مرتد يحل دمه وماله.\nوهذا قول حفصة، وابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، وسالم بن عبد الله، ومالك، وأحمد، وإسحاق.\nالرأي الثاني: التفصيل، فيقتل ردةً إذا كان سحره بشرك، وحدًّا إذا لم يكن بشرك، وأدى لقتل معصوم.\nالرأي الثالث: يقتل إذا كان سحره كفرًا ويعزر إذا كان دون ذلك:\nوهؤلاء قالوا: لا يقتل الساحر إذا لم يكن سحره كفرًا، اللهم إلا أن يقتل أحدًا بسحره ويقر بذلك، فحينئذٍ يقتل به قودًا. وهذا قول الشافعي وداود.\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٣)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٨).","vol":"1","page":265},{"text":"الرأي الرابع: يوكل أمر قتله للإمام بحسب المصلحة (١).\nوالراجح الرأي الأول؛ لأنه مذهب ثلاثة من أصحاب النبي - ﷺ -، وقولهم مقدم على قول غيرهم.\n_________\n(١) ينظر: الاستذكار (٨/ ١٦١)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤٤٢)، والمنتقى شرح الموطإ (٧/ ١١٧)، وشرح مسلم للنووي (١٤/ ١٧٦)، وشرح المشكاة للطيبي (٨/ ٢٥٠٨)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٢/ ٥٠٥)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٣٢١)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٣).","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>بَابُ بَيَانِ شيءٍ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان شيء من أنواع السحر بالمعنى العام، ولكنه يختلف عن السحر الحقيقي من حيث طريقة عمله، وحكمه الشرعي، وانطلق المصنف في هذه الترجمة من المنطلق اللغوي أكثر من المنطلق الاصطلاحي؛ ولذلك (الألف) و(اللام) في قول المصنف (السحر) هي للجنس لا العهد.\n\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «المؤلف كان حكيمًا في تعبيره بالترجمة، حيث قال: باب بيان شيء من أنواع السحر، ولم يحكم عليها بشيء؛ لأن منها ما هو شرك، ومنها ما هو من كبائر الذنوب، ومنها دون ذلك» (١).\nوعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أنه لما ذكر في الباب السابق حكم السحر والساحر؛ اشتاقت النفوس لمعرفة ماهية السحر وأنواعه حتى تجتنبه وتحذره لكثرة وقوعها وخفائها على الناس (٢).\nووجهٌ ثانٍ في المناسبة: وهو أَنَّ المصنف لما ذكر ما جاء في السحر في الباب السابق؛ أراد أَنْ يُبَيِّن في هذا الباب أَنَّ من السحر الذي يأتي في النصوص ما لا يكون شركًا أكبر، ولكنه يدخل في أنواع السحر بطريق العموم، ولكنها ليست من السحر بالمعنى الخاص لا في حقيقته ولا في حكمه (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٥٢٨).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٣٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٩٤).\n(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٢٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٠٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٤).","vol":"1","page":267},{"text":"قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَثَّنَا عَوْفٌ، عَنْ حَيَّانَ بْن العَلاءِ، حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ قَبِيصَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ العِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ الِجْبتِ». قَالَ عَوْفٌ: (العِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ)، وَالجِبْتُ: قَالَ الحَسَنُ: (رَنَّةُ الشيطَانِ). إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: المُسْنَد مِنْهُ.\n•---------------------------------•\nحديث قبيصة رواه أحمد وغيره من طريق عوف العبدي عن حيان بن العلاء، وحيان مجهول؛ فالحديث من هذا الطريق ضعيف (١).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١٠/ ٤٠٣) رقم (١٩٥٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٥)، والآداب ص (١٤٢) رقم (٣٤٤) من طريق معمر،\nوأحمد في مسنده (٣٤/ ٢٠٨) رقم (٢٠٦٠٣) من طريق روح،\nوأحمد في مسنده (٢٥/ ٢٥٦) رقم (١٥٩١٥)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٦) رقم (٣٩٠٧)، من طريق يحيى بن سعيد،\nوأحمد في مسنده (٣٤/ ٢٠٨) رقم (٢٠٦٠٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) من طريق محمد بن جعفر،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١١) رقم (٢٦٤٠٣)، وفي الأدب ص (٢١٧) رقم (١٧٤) من طريق مروان بن معاوية،\nوإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١٧٧) دون ذكر الطيرة، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٣٤٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤١)، وأبو نُعَيْم في معرفة الصحابة (٤/ ٢٣٣٣) رقم (٥٧٣٥)، وفي تاريخ أصبهان (٢/ ١٢٧) دون ذكر الطيرة من طريق هوذة بن خليفة،\nوالطَّحَاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢، ٣١٣) رقم (٧٠٩١) من طريق ابن المبارك.\nوابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٧٤) رقم (٥٤٤٢) من طريق النضر بن شميل،","vol":"1","page":268},{"text":"«العِيَافَةَ»: -بكسر العين- وهي زجر الطير، وهو التفاؤل بأسمائها وأصواتها وألوانها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>«ووجه كون العيافة من السحر: </span>أن العيافة يستند فيها الإنسان إلى أمر لا حقيقة له، فماذا يعني كون الطائر يذهب يمينًا أو شمالًا أو أمامًا أو خلفًا؟ فهذا لا أصل له وليس بسبب شرعي ولا حسي، فإذا اعتمد الإنسان على ذلك فقد اعتمد على أمر خفي لا حقيقة له، وهذا سحر كما سبق تعريف السحر في اللغة» (٢).\n_________\nوابن حبان في صحيحه (١٣/ ٥٠٢) رقم (٦١٣١)، من طريق حماد بن زيد،\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤٢) من طريق سفيان،\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٦٩) رقم (٩٤٤)، وأبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٢٢ - ٣٢٥) دون ذكر الطيرة من طريق حماد بن سلمة،\nعشرتهم (معمر، وروح، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، ومروان بن معاوية، وهوذة بن خليفة، وابن المبارك، وحماد بن زيد، وسفيان، وحماد بن سلمة) عن عوف العبدي، عن حيان ابن العلاء، عن قطن بن قبيصة، عن أبيه قبيصة بن المخارق.\nفائدة: روى الحديث أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين بأصبهان (١/ ٣٢٤، ٣٢٥) بإسنادٍ آخر عن قبيصة، فقال: (أخبرنا إبراهيم بن شريك الأسدي، قال: ثنا شهاب بن عباد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن هارون بن رئاب، عن كنانة بن نعيم، عن قبيصة بن مخارق، قال: تحملت حمالة فأتيت النبي - ﷺ - أسأله، قال: فذكر الحديث بطوله)، ولم يسق لفظه.\nوالحديث فيه: (حيان بن العلاء) وهو مجهول، وهو علة الحديث.\n(١) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٣٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (٣/ ١٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٢).\n(٢) القول المفيد (١/ ٥١٧).","vol":"1","page":269},{"text":"«وَالطَّرْقَ»: هو الضرب بالحصا، وهو ضرب من الكهانة يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل (١).\n«وَالطِّيَرَةَ»: مصدر من التطير، وهي التشاؤم بالشيء والكراهية له، يقال: تَطَيَّرَ الرجل طِيَرَةً، واشتقاقه من الطير كالغراب وغيره، فكانت العرب تتشاءم به، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، ونهى عنه (٢).\n«الِجْبتِ»: سبق معنى (الجبت) في الأبواب السابقة.\n«قَالَ عَوْفٌ: (العِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ: الخَطُّ يُخَطُّ بِالأَرْضِ)»: هذا تفسير منه لهذين المصطلحين، وتفسيره (للعِيَافة) مَرَّ معنا، وتفسيره (للطَّرْق) هو على الوجه الثاني من التفسير الذي سبق ذكره.\nفإن قيل: قد صح عن الرسول - ﷺ - أنه سئل عن نبي من الأنبياء (المراد به إدريس ﵇) يخط؛ فقال: من وافق خطه؛ فذاك.\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن الرسول - ﷺ - علقه بأمر لا يمكن حصوله؛ لأنه قال: فمن وافق خطه فذاك، وما يدرينا هل وافق خطه أو لا؟\n_________\n(١) ينظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ١٢١)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٤)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣).\n(٢) ينظر: معالم السنن (٤/ ٢٣٥)، وتفسير غريب ما في الصحيحين ص (٣٠٦).","vol":"1","page":270},{"text":"الثاني: أنه إذا كان الخط بالوحي من الله تعالى كما في حال هذا النبي؛ فلا بأس به؛ لأن الله يجعل له علامة ينزل الوحي بها بخطوط يعلمه إيَّاها.\nأمَّا هذه الخطوط السحرية؛ فهي من الوحي الشيطاني.\nوفي الحديث دليل على تحريم التنجيم؛ لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة. وفيه أيضًا تحريم قراءة الفنجان (١).\n«وَالجِبْتُ: قَالَ الحَسَنُ: (رَنَّةُ الشيطَانِ)»: قال صاحب التيسير: «لم أجد فيه كلامًا» (٢). وقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «والظاهر أن رنة الشيطان، أي: وحي الشيطان؛ فهذه من وحي الشيطان وإملائه، ولا شك أن الذي يتلقى أمره من وحي الشيطان أنه أتى نوعًا من الكفر» (٣).\nومناسبة هذا الحديث للباب ولكتاب التوحيد: هو أن هذا الحديث ذكر ثلاثة أشياء، وهي: (العِيَافة)، و(الطَّرْق)، و(الطِّيَرَة)، وهي أنواع من الجبت الذي هو نوع من أنواع السحر القائم على الشرك بالله، المنافي للتوحيد (٤).\n_________\n(١) قراءة الفنجان: هي نوع من أنواع الكهانة، وكيفيتها أنْ يشرب المقروء له قهوة أو نحوها بقوام محدد من فنجان، ثم يترك الفنجان لمدة محددة، ثم ينظر القارئ في شكل الأثر المتبقي من المشروب، ويبني عليه متكهنًا بأمورٍ مستقبلية غيبية تحدث للمقروء له.\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٣٤١).\n(٣) القول المفيد (١/ ٥١٧).\n(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٥٨، ٣٥٩)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٥)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٠).","vol":"1","page":271},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله؟: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا زَادَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.\n•---------------------------------•\nحديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.\n«مَن اقْتَبَسَ»: «أي: أخذ وحصَّل وتعلم» (٢).\n«شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ»: الشعبة: الطائفة من الشيء والقطعة منه، والمقصود: علم من علوم النجوم، أو مسألة من مسائله (٣).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٣٩) رقم (٢٥٦٤٦)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٥٤) رقم (٢٠٠٠)، وابن ماجة في السنن (٢/ ١٢٢٨) رقم (٣٧٢٦)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٥، ١٦) رقم (٣٩٠٥)، وإبراهيم الحربي في غريب الحديث (٣/ ١١١٩)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٤٧) رقم (٧٣٢)، وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب العظمة (٤/ ١٢٢٥) رقم (٧٠١٢٢٢٢٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٨، ٢٣٩) رقم (١٦٥١٣)، وفي الآداب ص (١٤١) رقم (٣٤٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ٧٩٢) رقم (١٤٧٧) من طريق يحيى بن سعيد القطان،\nوأحمد في مسنده (٥/ ٤١) رقم (٢٨٤٠) من طريق روح،\nوعبد بن حميد من مسنده-المنتخب ص (٢٣٦) رقم (٧١٤)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٣٥) رقم (١١٢٧٨)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧/ ١٢٨٦، ١٢٨٧) رقم (٢٢٧٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ١٦٨) رقم (٤٨٣٢) من طريق الحارث بن عبيد الإيادي،\nثلاثتهم (يحيى بن سعيد، وروح، والحارث بن عبيد) عن عبيد الله بن الأخنس، عن الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس ﵄.\nوالحديث قال فيه المصنف: (إسناده صحيح)، وصححه العراقي في تخريج الإحياء ص (١٤٦٠)، والنووي في رياض الصالحين ص (٣٦٩)، والمناوي في التيسير (٢/ ٤٠٣)، وأحمد شاكر (٣/ ٢٥٩) في شرح المسند، وشعيب ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٥/ ٤١).\n(٢) مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٧).\n(٣) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٧)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٤٢).","vol":"1","page":272},{"text":"«فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ»: أي: أخذ قطعة من علم السحر، وهو العلم المحرم المذموم (١).\n«زَادَ مَا زَادَ»: «يعنى: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل إثم الساحر، أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاده من اقتباس علم النجوم» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>حكم تعلم النجوم:</span>\nتعلم النجوم على قسمين:\nالقسم الأول: علم التسيير: وهو ما يدرك بطريق المشاهدة كالاستدلال بالشمس والقمر والنجوم على أوقات الصلوات وجهة القبلة ونحو ذلك، فهذا جائز.\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «الاستفادة من النجوم وسيرها في معرفة القبلة والحر والبرد لا بأس به؛ لأنه من علم التسيير لا من علم التأثير» (٣).\nالقسم الثاني: علم التأثير: وهو علم النجوم الذي يستدل به على الحوادث الأرضية؛ فيستدل مثلًا باقتران النجم الفلاني على أنه سيحدث كذا وكذا. ويستدل بولادة إنسان في هذا النجم على أنه سيكون سعيدًا، وفي النجم الآخر على أنه سيكون شقيًّا، فيستدلون باختلاف أحوال النجوم على اختلاف الحوادث الأرضية، فهذا محرم.\n_________\n(١) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩١٢)، ودليل الفالحين (٨/ ٥٠١).\n(٢) التيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٤٠٣).\n(٣) شرح كتاب التوحيد ص (١٣٤).","vol":"1","page":273},{"text":"وَلِلْنَسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشركَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شيئًا وُكِلَ إِلَيْهِ».\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث للترجمة: أنه دَلَّ على أن التنجيم نوعٌ من أنواع السحر؛ لأن المنجم والساحر يدعيان علم الغيب الذي هو خاصٌّ بالله ﷾ (١).\n«وَلِلْنَسَائِيِّ»: يعني في سننه الصغرى، وقد رواه غيره، والحديث ضعيف لعلتين (٢).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٢١)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٦)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣١).\n(٢) أخرجه النسائي في السنن الصغرى (٧/ ١١٢) رقم (٤٠٧٩)، وفي السنن الكبرى (٣/ ٤٤٩) رقم (٣٥٢٨) من طريق عمرو بن علي،\nوالطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ١٢٧، ١٢٨) رقم (١٤٦٩) من طريق أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي،\nكلاهما (عمرو بن علي، وأحمد بن عبد الله) عن أبي داود الطيالسي، عن عباد بن ميسرة المنقري، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁.\nوقد روى الحديث عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١١/ ١٧) رقم (١٩٧٧٢) بإسناد آخر مرسلًا، فقال: (أخبرنا عبد الرزاق، عن أبان، عن الحسن، يرفع الحديث قال) فذكره.\nوالحديث ضعيف لعلتين هما:\nالأولى: عباد بن ميسرة: ضعيف الحديث، قال يحيى بن معين في تاريخه- رواية الدوري (٤/ ١٠٣)، والنسائي في الضعفاء والمتروكون ص (٧٤): (ليس بالقوي).\nوالثانية: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، كما نص على ذلك الأئمة: كابن أبي حاتم في علل الحديث (٣/ ٩٦)، وابن القيسراني في تذكرة الحفاظ ص (٢٠٢)، وغيرهم.","vol":"1","page":274},{"text":"«مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ»: العقدة مفرد عُقَد وهي ما تعقده السحرة، ويقال لها (العزيمة) أيضًا، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو مرتبة بين النفخ والتفل. ووجه قوله: (فقد سحر) هو أن السحرة إذا أرادوا عمل السحر عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة، حتى ينعقد ما يريدونه من السحر بإذن الله تعالى، ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفَلَق: ٤] يعني السواحر اللاتي يفعلن ذلك (١).\n«وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشركَ»: هذه الجملة احتج بها من يرى أن الساحر مشرك مطلقًا، وأن السحر لا يتأتى إلا بالشرك، ولكن أجاب بعضهم بأن هذا مخصوص؛ فلا يتناول جميع السحر، إنما يقصد بالسحر هنا: السحر بالطرق الشيطانية، وأما مَنْ سَحَر بالعقاقير والأدوية ونحو ذلك فلا يكون مشركًا (٢).\nوجوابٌ آخر: أن الحديث ضعيفٌ، وعليه فلا يصح الاستدلال به.\n«وَمَنْ تَعَلَّقَ شيئًا»: فيه معنيان:\nالأول: من استمسك بشيءٍ واعتمد عليه؛ بحيث يعتقد فيه الضر أو النفع من دون الله (٣).\nوالثاني: «من علق شيئًا بعنقه أو عنق صغير، من التعلق بمعنى التعليق» (٤).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (١٩٨).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٣)، والقول المفيد (١/ ٥٢٢).\n(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٩٩)، القول المفيد (١/ ٥٢٢)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦١).\n(٤) حاشية السندي على سنن النسائي (٧/ ١١٢).","vol":"1","page":275},{"text":"وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا العَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» رَوَاهُ مسلم.\n•---------------------------------•\n«وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي: جعل هذا الشيء الذي تعلق به عمادًا له، وتركه الله له، وخلى بينه وبينه (١).\nومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان شيء من أنواع السحر، وهو سحر العُقَد والنفث فيها، وهو ما يسمى بـ (العزيمة) (٢).\n«وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - ...» الحديث رواه مسلم في صححه (٣).\n«العَضْهُ»: هذه فسرها النبي - ﷺ - في هذا الحديث بأنها النميمة؛ ولذلك قال القاضي عياض: «قد جاء مفسرًا في الحديث بما لا يحتاج إلى غيره» (٤).\n«النَّمِيمَةُ»: مِن نَمَّ، يَنُمُّ-بالكسر والضم-، نَمًّا، فهو نَمَّام، وهي نقل الحديث من قوم إلى قوم بغيًا، على غير وجه الصلاح والخير، بل من باب الإفساد والشر (٥).\n«القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ»: أي: نقل القول للناس، وإيقاع الخصومة بينهم؛ بما يحكى للبعض عن البعض (٦).\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (١٩٩)، والقول المفيد (١/ ٥٢٢).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٦١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٠٩)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٣).\n(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٠١٢) رقم (٢٦٠٦) عن محمد بن المثنى، وابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -.\n(٤) إكمال المعلم (٨/ ٨٠).\n(٥) ينظر: مشارق الأنوار (٢/ ١٣)، والنهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٠).\n(٦) ينظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (٥/ ٤٠١)، والنهاية في غريب الحديث (٤/ ١٢٣).","vol":"1","page":276},{"text":"وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِنِّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا».\n•---------------------------------•\nمناسبة الحديث للترجمة: تظهر من مشابهة النميمة للسحر من وجهين:\nالأول: أن النمام يمشي بالنميمة بين الناس على وجه المكر والحيلة، وهذا أشبه ما يكون بالسحر.\nوالثاني: أن ما يفعله النمام من الإفساد والوقيعة بين الناس يساوي عمل الساحر أو يفوقه (١).\nويمكن إضافة وجه ثالث: وهو خفاء السبب؛ فكما أن نتائج السحر سببها خفي، فكذلك ما يترتب على النميمة.\n«وَلَهُمَا»: أي البخاري ومسلم (٢).\n«إِنِّ مِنَ البَيَانِ»: البيان هو البلاغة والفصاحة، و(مِن) هنا للتبعيض لا لبيان الجنس، أي أن بعض أنواع البيان سحر.\nووجه كون ذلك سحرًا: «أنه يأخذ بلب السامع، فيصرفه أو يعطفه، فيظن السامع أن الباطل حق لقوة تأثير المتكلم، فينصرف إليه، ولهذا إذا أتى إنسان يتكلم بكلام معناه باطل، لكن لقوة فصاحته وبيانه يسحر السامع فيظنه حقًّا، فينصرف إليه، وإذا تكلم إنسان بليغ يُحذر من حق، لفصاحته وبيانه يظن السامع أن هذا الحق باطل، فينصرف عنه» (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٤، ٣٤٥)، وإعانة المستفيد (١/ ٣٦٢)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٥).\n(٢) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٩) رقم (٥١٤٦) عن قبيصة، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر ﵄، ولم يرد عند مسلم من مسند ابن عمر، وإنما أخرجه عن صحابي آخر وهو عمار بن ياسر (٢/ ٥٩٤) رقم (٨٦٩) عن سريج بن يونس، عن عبد الرحمن ابن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حيان، عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر - ﵁ -.\n(٣) القول المفيد (١/ ٥٢٧، ٥٢٨).","vol":"1","page":277},{"text":"وبناءً على ذلك: فقد يكون البيان محمودًا وقد يكون مذمومًا؛ فإذا كان البيان في نصرة الحق والدفاع عنه فهو محمود، وإذا كان في نصرة الباطل والمنكر وترويج شبهاته فهو مذموم، وفي كلتا الحالتين هو نوع من السحر بالمعنى اللغوي العام (١).\nومناسبة الحديث للباب: أنه دَلَّ على أن بعض أنواع البيان من السحر؛ وذلك لأن صاحب البيان يسحر الناس بكلامه، ويستميل القلوب بحجته (٢).\n_________\n(١) ينظر: تأويل مختلف الحديث ص (٤٢٦)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٤٥).\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٢).","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>بَابُ مَا جَاءَ فِي الكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ</span>\n•---------------------------------•\nقصد المصنف - ﵀ - بهذه الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في حق الكهان ومَن جرى مجراهم، ومَن صدقهم، ومراد المصنف بقوله: (ونحوهم): أي كل من يدعي علم الغيب بطريقةٍ من الطرق (١).\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أن الكهانة شركٌ بالله - ﷿ - من جهتين:\nالأولى: دعوى مشاركة الله في علم الغيب، وهذا شركٌ في الربوبية.\nوالثانية: استخدام الجن؛ فإن التعامل مع الجن في مثل هذه الأمور لا يكون إلا بالتقرب إليهم بشيءٍ من العبادات كالذبح والاستعانة والاستغاثة ونحو ذلك. وقد تكون بإهانة المصحف أو بسب الله تعالى، وهذا كفرٌ صريح وردةٌ واضحةٌ (٢).\nثم من جهةٍ أخرى هذا الباب يناسب الأبواب التي قبله؛ لأنه أتى بعد ذكر أبواب السحر، وطبيعة عمل الكاهن والعراف الذي يستخدم الجن لإخباره بأمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله في الماضي والمستقبل؛ فيجتمع بذلك الكاهن مع الساحر باستخدامهما الجن لتأدية مهامهما، ويصرفان له صنوفًا من ألوان العبادات (٣).\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٣).\n(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣١٤)، والتوضيح الرشيد ص (٢٢٩).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٤٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٢).","vol":"1","page":279},{"text":"رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ؟، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ فَصَدَّقَهُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا».\n•---------------------------------•\nقوله: «رَوَى مُسْلِمٌ» في صحيحه (١)، هو كما قال عدا (فَصَدَّقَهُ)، فإنها عند أحمد في مسنده (٢).\nتعريف العراف\n«مَنْ أَتَى عَرَّافًا»: العراف: هو الذي يدعي معرفة ما أُخْفِىَ من الأمور بمقدماتِ أسبابٍ يستدل بها، كمعرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة، ونحو ذلك من الأمور (٣).\n«فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ فَصَدَّقَهُ»: أي سأله عن شيءٍ من المغيبات ونحوها (٤).\n«لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»: قال النووي: «وأما عدم قبول صلاته فمعناه أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى إعادة» (٥).\n«وظاهر لفظ مسلم أن الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله، سواء صدقه أو شك في خبره» (٦).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ١٧٥١) رقم (٢٢٣٠) عن محمد بن المثنى العنزي، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن صفية، عن بعض أزواج النبي - ﷺ -.\n(٢) المسند (٢٧/ ١٩٧) رقم (١٦٦٣٨).\n(٣) ينظر: معالم السنن (٣/ ١٠٥)، والمعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١).\n(٤) التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ١٩)، وفيض القدير (٦/ ٢٢)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٥).\n(٥) شرح مسلم للنووي (١٤/ ٢٢٧)\n(٦) فتح المجيد ص (٢٩٥).","vol":"1","page":280},{"text":"ولكن رواية الباب عند المصنف تدل على عكس هذا؛ لأن فيها قيد (فصدقه)، وقد نبهنا أنها ليست في رواية مسلم، ولكن لعل المصنف جمع بين اللفظين لورود كل واحدة منهما في هذا الحديث في رواياته المختلفة، فقد جاء في رواية: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (١). فلذلك قيد المصنف هذا الحديث بهذه اللفظة.\n\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «ظاهر الحديث أن مجرد سؤاله يوجب عدم قبول صلاته أربعين يومًا، ولكنه ليس على إطلاقه؛ ف<span data-type=\"title\" id=toc-141>سؤال العراف ونحوه ينقسم إلى أقسام:</span>\nالقسم الأول: أن يسأله سؤالًا مجردًا؛ فهذا حرام لقول النبي - ﷺ -: «من أتى عرافًا ...».\nالقسم الثاني: أن يسأله فيصدقه في دعوى علم الغيب، ويعتبر قوله؛ فهذا كفر لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن ...\nالقسم الثالث: أن يسأله ليختبره: هل هو صادق أو كاذب، لا لأجل أن يأخذ بقوله؛ فهذا لا بأس به، ولا يدخل في الحديث ...\nالقسم الرابع: أن يسأله ليظهر عجزه وكذبه، فيمتحنه في أمور يتبين بها كذبه وعجزه، وهذا مطلوب، وقد يكون واجبًا» (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في المسند (٢٧/ ١٩٧) رقم (١٦٦٣٨).\n(٢) القول المفيد (١/ ٥٣٣، ٥٣٤).","vol":"1","page":281},{"text":"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث للباب ولكتاب التوحيد: هو دلالته على بيان حال العرافين، ومَن يسألهم أنه لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا وهو واقعٌ في إثمٍ عظيمٍ، بل واقع في الشرك بالله تعالى، وقد يكون أصغر في السؤال المجرد وأكبر في التصديق، وإذا كان هذا حال السائل للعراف فما بالك بالعراف نفسه؟ !؛ فلا شك أنه في قمة الشرك والكفر بالله تعالى، وهذا ما قَصَدَه المصنف في تبويبه: (باب ما جاء في الكهان ونحوهم) (١).\n«وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - ...» الحديث رواه أبو داود وغيره، وضعفه البخاري (٢).\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٤)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٩).\n(٢) أخرجه الفضل بن دكين في كتاب الصلاة ص (٧٠) رقم (١٥)، ومن طريقه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٥٣٠) رقم (١٦٨٠٩)،\nوأحمد في المسند (١٥/ ١٦٤) رقم (٩٢٩٠) من طريق عفان،\nوأحمد في المسند (١٦/ ١٤٢) رقم (١٠١٦٧)، وابن ماجه في سننه (١/ ٢٠٩) رقم (٦٣٩)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٣) رقم (١٤٠١)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٩، ٧٣٠) رقم (٩٩٤) من طريق وكيع،\nوإسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٢٣) رقم (٤٨٢) من طريق النضر،\nوالدارمي في سننه (١/ ٧٣٢) رقم (١١٧٦)، والطَّحَاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٤٤) رقم (٤٤١٦)، وفي شرح مشكل الآثار (١٥/ ٤٢٩) رقم (٦١٣٠) من طريق أبي نعيم،\nوأبو داود في سننه (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤) من طريق موسى بن إسماعيل،\nوأبو داود في سننه (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤)، والترمذي في العلل الكبير ص (٥٩) رقم (٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، من طريق يحيى،\nوالترمذي في سننه (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) رقم (١٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨) من طريق بهز بن أسد،","vol":"1","page":282},{"text":"«كَاهِنًا»: الكاهن: هو الذي يُخْبِر بالأمور الغيبية عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار (١).\n«فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ»: أي اعتقد صدقه فيما يدعيه من علم الغيب، ومقدرته على فعل ما لا يقدر عليه إلا الله (٢).\n«فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -» وهذا فيه أقوال:\n_________\nوالترمذي في السنن (١/ ٢٤٢، ٢٤٣) رقم (١٣٥)، وفي العلل الكبير ص (٥٩) رقم (٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ٩٧) رقم (١٢٥١)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (١٠/ ١٦٤) رقم (١٤٠٦٧) من طريق عبد الرحمن ابن مهدي،\nوابن الجارود في المنتقى ص (٣٧) رقم (١٠٧) من طريق يزيد بن هارون،\nوالخلال في كتاب السنة (٤/ ١٦٢، ١٦٣) رقم (١٤٢٧)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٣٧، ٧٣٨) رقم (١٠١٤) من طريق أبي كامل مظفر بن مدرك،\nوالخلال في كتاب السنة (٤/ ٩٧) رقم (١٢٥٢)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٢٠٩) رقم (٧٩٥)، والعقيلي الضعفاء (١/ ٣١٧)، من طريق رَوْح،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٢١) رقم (١٤١٢٤) من طريق إبراهيم بن الحجاج،\nكلهم عن حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوالحديث فيه: أبو تميمة الهجيمي وهو طريف بن مجالد: لم يسمع من أبي هريرة.\nقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٧): «هذا حديث لا يُتَابَع عليه، ولا يُعْرَف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة».\nولذلك قال الترمذي في العلل ص (٥٩): «سألتُ محمدًا-يعني محمد بن إسماعيل البخاري- عن هذا الحديث، فلم يعرفه إلا من هذا الوجه، وضَعَّفَ هذا الحديث جدًّا».\n(١) ينظر: معالم السنن (٣/ ١٠٥)، والمعلم بفوائد مسلم (٢/ ٢٩١).\n(٢) ينظر: فيض القدير (٦/ ٢٣)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (٢/ ٣٨٥) كلاهما للمناوي، والتنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١٠/ ٢١).","vol":"1","page":283},{"text":"القول الأول: كفر دون كفر: وأصحابه قالوا: هذا الذي يتعين جمعًا بين النصوص؛ فإن قوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» يدل على أنه لم يخرج من الإسلام، والحديث الآخر: «فقد كفر بما أنزل على محمد» يدل على مطلق الكفر؛ فدل ذلك على أن المقصود بالكفر هنا الكفر الأصغر، وليس الكفر الأكبر المخرج من الملة (١).\nالقول الثاني: هذا من أحاديث الوعيد التي يتوقف فيها:\nوهذا القول قال عنه سليمان بن عبد الوهاب: باطل (٢)، وقال شيخنا ابن عثيمين: ضعيف (٣).\nالقول الثالث: كفر أكبر مخرج من الملة: وأصحابه قالوا: هذا ظاهر الحديث؛ ولأن من صدق الكهان فقد كذب بالقرآن، ولا يجتمع التصديق بالقرآن والتصديق بالكهانة؛ لأن الله أبطل الكهانة، وأخبر أنها من عمل الشياطين، فمن صدقها وصوبها كان كافرًا بالله كفرًا أكبر (٤).\nوأُجِيبَ أن هذا القول فيه نظر من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: قوله -﵊-: «لم تقبل له صلاة أربعين يومًا» يدل على أنه لم يكفر الكفر الأكبر، ولو كان الكفر الأكبر لم يحد عدم قبول صلاته بتلك المدة من الأيام.\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢١، ٣٢٢).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٠).\n(٣) التعليق على صحيح مسلم (٢: ٢١٧).\n(٤) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير (١٠/ ٢٠)، والقول المفيد (١/ ٥٣٩).","vol":"1","page":284},{"text":"الوجه الثاني: لا شك أن ادعاء علم الغيب أو تصديق أحد ممن يدعي علم الغيب كفر أكبر، ولكن تصديق الكاهن فيه شبهة؛ لأنه يخبر بالأمور المغيبة فيما صدق فيه عن طريق استراق الجن للسمع، يأتي الآتي إلى الكاهن ويقول: أنا أصدقه فيما أخبر من الغيب؛ لأنه قد جاءه علم ذلك الغيب (١).\nالوجه الثالث: أنه جاء في نص الحديث: «أو أتى حائضًا في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد»، وإتيان الحائض ليس بكفر مخرج عن الملة بالاتفاق؛ فثبت أن الكفر هنا كفر أصغر.\nالقول الرابع: قيل: هذا على التشديد والتأكيد، أي: قارب الكفر والمراد كفر النعمة، قال الترمذي: «وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ» (٢)، وهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٣).\nالقول الخامس: وهو الأقرب: القول بالتفصيل كما يلي:\nإن صدق الكاهن بدعوى أنه يعلم الغيب الذي تفرد الله بعلمه، فهذا تكذيب بالقرآن؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، ففي هذه الحال يكون كفرًا أكبر.\nأما إذا أتاه ولم يصدقه في دعوى علم الغيب والمستقبل، أو صدقه بما خفي عليه وليس هو من علم الغيب كأن يصدقه بما يخبر به من الوقائع التي وقعت مما خفي علمها على السائل، فهذا محرم لكن لا يلزم منه الكفر الأكبر، بل هو كفر دون كفر، والله أعلم.\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٢).\n(٢) سنن الترمذي (١/ ١٩٩).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٠).","vol":"1","page":285},{"text":"وَلِلأَرْبَعَةِ وَالحَاكِمِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شرطِهِمَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -».\n•---------------------------------•\nقوله: «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا» هذا الحديث سبق شرحه مفصلًا في الكلام السابق.\nوكلمة «عَرَّافًا» التي من أجلها ساق المصنف الحديث مرة ثانية غير موجودة في السنن الأربعة، وإنما هي عند الحاكم وغيره، والحديث صحيح (١).\n_________\n(١) ليست عند أبي داود (٤/ ١٥) رقم (٣٩٠٤)، ولا الترمذي (١/ ٢٤٣) رقم (١٣٥)، ولا ابن ماجه (١/ ٢٠٩) رقم (٦٣٩)، والنسائي لم يروه في سننه الصغرى المشهورة، وهي المقصودة عند الإطلاق، والحديث أخرجه في السنن الكبرى (٨/ ٢٠١) رقم (٨٩٦٨)، ولم يذكر اللفظ أيضًا.\nوأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (١/ ٤٣٤) رقم (٥٠٣) من طريق النضر،\nوأحمد في مسنده (١٥/ ٣٣١) رقم (٩٥٣٦)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٣) رقم (١٤٠٠)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٩) رقم (٩٩٣) من طريق يحيى بن سعيد،\nوالخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٢) رقم (١٣٩٨)، وابن بطة في الإبانة (٢/ ٧٢٨، ٧٢٩) رقم (٩٩٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٩) رقم (١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٣) رقم (١٦٤٩٦) من حديث رَوْح بن عبادة،\nثلاثتهم (النضر، ويحيى بن سعيد، ورَوْح بن عبادة) عن عوف، عن خِلَاس، عن أبي هريرة ﵁، وقرن الحاكم والبيهقي مع خِلَاس (محمد بن سيرين)، وقرن أحمد مع أبي هريرة (الحسن البصري) وهو بهذا السند مرسل، ينظر: إطراف المسند المعتلي لابن حجر (٧/ ١٦٦).\nوالحديث قال فيه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩): «حديث صحيح على شرطهما»، ووافقه الذهبي، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق سنن ابن ماجه (١/ ٤٠٥): «إسناده صحيح»، وقال الحافظ العراقي في أماليه: «حديث صحيح»، وقال الذهبي: «إسناده قوي»، كما نقله عنهما المناوي في فيض القدير (٦/ ٢٣).","vol":"1","page":286},{"text":"وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ مَوْقُوفًا.\nوَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا: ......................................\n•---------------------------------•\n«وَلأَبِي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ»: أثر ابن مسعود رواه أبو يعلى وغيره (١)، قال ابن حجر: «أخرجه أبو يعلى من حديث بن مسعود بسند جيد، لكن لم يصرح برفعه، ومثله لا يقال بالرأي» (٢).\nومناسبة هذا الأثر والذي قبله للباب: أن فيهما بيان حكم إتيان الكُهَّان وتصديقهم فيما يقولون، وهو الكفر بالله - ﷿ -، فإذا كان هذا حال المصدق بهم فما بالك بالكهان أنفسهم؟ !، لا شك أنهم في شركٍ وكفرٍ عظيم.\nقوله: «وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ مَرْفُوعًا» الحديث رواه البزار وغيره (٣)، وإسناده جيد.\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١/ ٣٠٠) رقم (٣٨١)، وابن الجعد في مسنده ص (٧٧) رقم (٤٢٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٤٢) رقم (٢٣٥٢٨)، وص (٢٨٩) رقم (١٩٥٣)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٢٨٠) رقم (٥٤٠٨)، والخلال في كتاب السنة (٤/ ١١٧) رقم (١٣٠٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٧٦) رقم (١٠٠٠٥)، والأوسط (٢/ ١٢٣) رقم (١٤٥٣)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٦/ ١١٠٢) رقم (١٩٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٣) رقم (١٦٤٩٧).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١١٨): «ورجال الكبير والبزار ثقات».\n(٢) فتح الباري (١٠/ ٢١٧).\n(٣) أخرجه البزار في مسنده - البحر الزخار (٩/ ٥٢) رقم (٣٥٧٨) من طريق شيبان،\nوالدولابي في الكنى والأسماء (٣/ ١١٨٨) رقم (٢٠٨٣) -دون قوله: «وَمَنْ أَتَى» إلى آخر الحديث-من طريق أبي يحيى عيسى بن إبراهيم،","vol":"1","page":287},{"text":"«لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -».\n•---------------------------------•\n«لَيْسَ مِنَّا»: ظاهره: ليس منا: ليس من أهل الملة (١)، وتأوله بعضهم بقوله: «ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا، العاملين باتباعنا، المقتفين لشرعنا» (٢).\nوهذا اللفظ فيه وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر (٣).\n«مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ»: (من تطير) أي: فعل الطيرة (أو تطير له)، أي: قبل قول المتطير له وتابعه، أوأمر من يتطير له (٤).\n«أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ»: «(تكهن): يعني ادعى علم الغيب وادعى أنه كاهن، أو أخبر بأمور من المغيبة يخدع من رآه بأنه كاهن» (٥). و(تكهن له): الذي يأتي الكاهن ويصدقه ويتابعه (٦).\n_________\nكلاهما (شيبان، وأبو يحيى عيسى بن إبراهيم) عن أبي حمزة العطار إسحاق بن الربيع، عن الحسين بن عمران بن حصين، عن عمران بن حصين ﵁.\nقال البزار: «وهذا الحديث قد رُوِيَ بعض كلامه من غير وجه، فأما بجميع كلامه ولفظه فلا نعلمه يُرْوَى إلا عن عمران بن حصين، ولا نعلم له طريقًا عن عمران بن حصين إلا هذا الطريق، وأبو حمزة العطار: بصري، لا بأس به».\n(١) ينظر: فوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٨٣).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٣٥١).\n(٣) يراجع: فتح المجيد ص (٢٩٧)، والتوضيح الرشيد ص (٢٢٩).\n(٤) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥١)، وفتح المجيد ص (٢٩٧).\n(٥) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٣).\n(٦) فتح المجيد ص (٢٩٧).","vol":"1","page":288},{"text":"وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، دُونَ قَوْلِهِ: «وَمَنْ أَتَى» إِلَى آخِرِهِ.\nقَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ، وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ.\n•---------------------------------•\n«أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ»: (سَحَرَ): أي فعل السحر، «(أو سُحِرَ له): أي: طلب من الساحر أن يسحر له، ومنه النشرة عن طريق السحر؛ فهي داخلة فيه» (١).\n«مناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي والتغليظ عن فعل الكهانة ونحوها وتصديق أهلها» (٢).\nقوله: «وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي (الأَوْسَطِ)» هذا الحديث في المعجم الأوسط كما قال المصنف (٣).\n«قَالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ: الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى المَسروقِ وَمَكَانِ الضَّالَّةِ ...»: هذا شروع من المصنف في تعريف العراف الوارد في الطريق الثاني من حديث أبي هريرة السابق.\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٥٤٣).\n(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٨).\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط (٤/ ٣٠٢، ٣٠٣) رقم (٤٢٦٢) من طريق يحيى بن الفضل الخرقي،\nوالضياء المقدسي في المختارة (١١/ ٤٠٣، ٤٠٤) رقم (٤٢٦) من طريق أبي هشام،\nكلاهما (يحيى بن الفضل الخرقي، وأبو هشام) عن أبي عامر العقدي، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وَهْرَام، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. وفيه زمعة بن صالح، وهو ضعيف.","vol":"1","page":289},{"text":"وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ، مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.\n•---------------------------------•\nوقصده بيان أن العرافة هي ضرب من ضروب الكهانة، وبالتالي: إما هما بمعنى واحد أو بينهما عموم وخصوص.\nوكلام البغوي هذا قاله في كتابه شرح السنة، وهو منقول عنه بتصرف (١).\nوقد سبق تعريف العراف، وهو بمعنى تعريف البغوي.\nقال سليمان بن عبد الله - ﵀ -: «هذا تفسير حسن، وظاهره يقتضي أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة، وأحسن منه كلام شيخ الإسلام: أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمَّال ونحوهم، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف» (٢)، وسيأتي.\n«وَقِيلَ: هُوَ الكَاهِنُ، وَالكَاهِنُ: هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ عَنِ المُغَيَّبَاتِ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَقِيلَ: الَّذِي يُخْبِرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ»: هذا من كلام المصنف، وليس من كلام البغوي.\n«وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: العَرَّافُ اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ وَنَحْوِهِمْ ...»: من خلال تعريف شيخ الإسلام للعراف نجد أنه يجعل العرافة أعم من الكهانة، فيدخل فيها الكهانة والتنجيم والرمل ونحو ذلك.\nوكلام شيخ الإسلام ابن تيمية موجود في مختصر الفتاوى المصرية للبعلي بتصرف يسير جدًّا (٣).\n_________\n(١) شرح السنة (١٢/ ١٨٢).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٢).\n(٣) مختصر الفتاوى المصرية للبعلي ص (١٥٢).","vol":"1","page":290},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ [أَبَا جَادٍ] ....................\n•---------------------------------•\n«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْمٍ يَكْتُبُونَ ...» الأثر أخرجه عبد الرزاق وغيره، وإسناده صحيح (١).\n«يَكْتُبُونَ أَبَا جَادٍ»: يسمى علم الحروف، وتعلمها يكون بتقطيعها على مقاطع (أبجد) (هوز) (حطي) (كلمن) (سعفص) (قرشت) (ثخذ) (ضظغ)، فيجعلون الألف واحدًا والباء اثنين، إلى نهاية الحرف العاشر، ثم يبدءون بالكاف عشرين واللام ثلاثين، وهكذا إلى الشين مائة والراء مائتين، إلى أن تتم هذه الحروف (٢)، فيكون الغين ألْفًا.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-142>كتابة أبي جاد على قسمين:</span>\nالقسم الأول: كتابتها وتعلمها لتعليم الحروف، وللاستعانة بها في التاريخ بواسطة حساب الجمل وما شابهه على ما هو معروف عند العرب، فهذا تعلم مباح لا بأس به، كقول حافظ الحكمي في آخر منظومته سلم الوصول:\nأَبْيَاتُهَا يُسْرٌ بعدِّ الجُمَّلَ ... تأريخها الْغُفْرَانُ فَافْهَمْ وَادْعُ لِي (٣)\nيسر: الياء ١٠، والسين ٦٠، والراء ٢٠٠ المجموع (٢٧٠)، ويقاس عليها قوله: الغفران مجموع حساب حروفها (١٣٦٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن وهب في جامعه ص (٧٦٩) رقم (٦٩٠)، وعبد الرزاق في جامع معمر بن راشد-ضمن مصنفه (١١/ ٢٦) رقم (١٩٨٠٥)، وابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٤٠) رقم (٢٥٦٤٨)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٥٠) رقم (٧٣٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٤)، وشعب الإيمان (٧/ ١٦٨) رقم (٤٨٣١).\n(٢) راجع: حاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٧، ٢٠٨).\n(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول (١/ ٤٥).","vol":"1","page":291},{"text":"وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ: مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ.\n•---------------------------------•\nوقول الجزري في ختام منظومته في التجويد:\nأبياتها قاف وزاي بالعدد ... مَنْ يُحْسِنِ التَّجْوِيدَ يَظْفَرْ بِالرَّشَدْ (١)\nالقاف: (١٠٠)، والزاي: (٧)، وأبياتها: ١٠٧.\nالقسم الثاني: كتابتها وتعلمها مِن قِبَل المنجمين والكهان؛ لمعرفة ارتباطها بسير النجوم بدعوى أنَّه يستدل بها على الحوادث الأرضية فهذا محرم (٢).\n«وَيَنْظُرُونَ فِي النُّجُومِ»: هذا محمول على علم التأثير لا علم التسيير.\nفعلم النجوم نوعان: الأول: علم التأثير، والثاني: علم التسيير، وسيأتي تفصيل القول فيهما، في باب ما جاء في التنجيم إن شاء الله.\n«مَا أَرَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ الله مِنْ خَلَاقٍ»: قوله: (ما أَرى) يجوز فتح الهمزة بمعنى: لا أعلم، ويجوز ضمها (ما أُرى) بمعنى: لا أظن ذلك (٣). والمعنى: أن فاعل ذلك ليس له نصيب من الجنة عند الله - ﷿ - يوم القيامة (٤).\nو«ظاهر كلام ابن عباس أنه يرى كفرهم؛ لأن الذي ليس له نصيب عند الله هو الكافر؛ إذ لا يُنْفَى النصيب مطلقًا عن أحد من المؤمنين» (٥).\n_________\n(١) المقدمة الجزرية ص (٢٣).\n(٢) راجع في ذلك: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٣٠).\n(٣) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٥).\n(٤) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٥).\n(٥) القول المفيد (١/ ٥٤٩).","vol":"1","page":292},{"text":"و«مناسبة الأثر للباب: أنه يدل على أن كتابة أبي جاد وتعلُّمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب والنظر في النجوم على اعتقاد أن لها تأثيرًا، كل ذلك يدخل في العرافة، ومن فعله فقد أضاع نصيبه من الله» (١).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢١٩).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشرةِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان ما جاء في حكم النُّشْرَة بالتفصيل، وهل هي ممنوعةٌ بإطلاق، أو منها ما هو مباحٌ وجائزٌ؟؛ ولذلك لم يجزم المؤلف في تبويبه بتحريمٍ أو كراهةٍ (١).\nالنُّشْرَة في اللغة: -بالنون المضمومة- فُعْلَة مِن النشر: أي الكشف والزوال، ومنه استخدم المعنى الاصطلاحي لها: أي أن هذا العلاج يكشف المرض الذي لابس ذلك المريض (٢).\nوالنُّشْرَة اصطلاحًا: هي ضربٌ من الرقية والعلاج يُستخدم لحل السحر عَمَّن يُظَنُّ أَنَّ به سحرًا أو مسًّا من الجن (٣)، و(الـ) هنا للاستغراق وليست للعهد؛ لأن المؤلف قصد بيان كل أنواع النُّشْرَة وأحكامها، ولم يقتصر على نوعٍ معينٍ (٤).\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة: وهي أنه كما أن السحر شرك بالله- جل وعلا- يقدح في أصل التوحيد، وأن الساحر مشرك الشرك الأكبر بالله؛ فالنشرة التي هي حل السحر قد تكون من ساحر، وقد تكون من غير ساحر بالأدوية المأذون بها، أو الأدعية ونحو ذلك.\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٢٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٤٥).\n(٢) يراجع: لسان العرب (٥/ ٢٠٩)، وتاج العروس (١٤/ ٢١٧).\n(٣) ينظر: السنن الصغرى للبيهقي (٤/ ٧٥)، والقول السديد ص (١٠٢).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٥٣).","vol":"1","page":294},{"text":"عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟ فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ]، وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هَذَا كُلَّهُ.\n•---------------------------------•\nفإذا كانت من ساحر فإنها مناقضة لأصل التوحيد، ومنافية لأصله؛ لأن الساحر غالبًا لا يمكن أن يعالج بالسحر إلا عن طريق الشياطين الذين يخدمونه عوضًا عن وقوعه في الشرك أو أيِّ فعل يكفر به، وإن لم تكن بالسحر إنما بأدوية وعقاقير ونحو ذلك فالأصل جوازها.\nومناسبة الباب للأبواب السابقة: تظهر من وجوه:\nالوجه الأول: أن المصنف لما ذَكَرَ في الأبواب السالفة ما يتعلق بالسحر وأنواعه ناسب هنا أن ينتقل من السحر إلى كيفية حل هذا السحر.\nالوجه الثاني: أن النُّشرة قد تكون بأشياء لا علاقة لها بالسحر، وحينئذٍ تكون مباحة؛ فيجب التفريق في ذلك بين ما هو سحر وما هو غير سحر؛ حتى لا يختلط ذلك على الناس، فيُجتنب المحرم ويُفعل المباح (١).\nالوجه الثالث: «الرد على شبهة إتيان الناس إلى السحرة والكهان بقصد حل السحر عن المسحور» (٢).\n«عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ ...» الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٣)، وفي سنده انقطاع.\n_________\n(١) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٦)، والتوضيح الرشيد ص (٢٤٥).\n(٢) التوضيح الرشيد ص (٢٤٥).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في جامع معمر بن راشد- المطبوع ضمن مصنفه (١١/ ١٣) رقم (١٩٧٦٢)، =","vol":"1","page":295},{"text":"«سُئِلَ عَنِ النُّشرةِ؟»: سبق بيان معنى النشرة في مقدمة الباب، والألف واللام في (النشرة) للعهد، وليست للاستغراق، أي النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، فجاء الجواب: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ»: أي: من العمل الذي يفعل بواسطة وحيه وأمره (١)، والمقصود بـ (الشيطان) جنس الشياطين، والنشرة هنا هي ما كان يتعاطاه أهل الجاهلية في حل السحر.\nومناسبة الحديث لكتاب التوحيد والباب: أنه يدل على تحريم النُّشرة التي هي من عمل الشيطان، ومِن نُشرة الجاهلية التي لا تتم إلا بالشرك بالله (٢).\n_________\n= ومن طريقه أحمد في مسنده (٢٢/ ٤٠) رقم (١٤١٣٥)،\nومن طريق أحمد أبو داود في سننه (٤/ ٦) رقم (٣٨٦٨)،\nومن طريق أبي داود البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٩٠) رقم (١٩٦١٣) عن عقيل بن معقل، عن وهب بن منبه، عن جابر بن عبد الله ﵁.\nوالحديث حَسَّنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٢٣٣)، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية (٣/ ٧٧): (إسناد جيد)، وقال شعيب الأرناؤوط ومجموعته في تحقيق مسند أحمد (٢٢/ ٤٠): (إسناده صحيح). ولكن الحديث معلول بعلتين:\nالأولى: الانقطاع: فإن وهب بن منبه لم يلق جابرًا كما نَصَّ على ذلك يحيى بن معين في تاريخه -رواية الدوري (٣/ ١١٨)، وبذلك أَعَلَّهُ مقبل الوادعي في أحاديث معلة ظاهرها الصحة ص (٩٤، ٩٥).\nوالثانية: الإرسال: قال البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٥٩٠): «ورُوِيَ عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وهو مع إرساله أصح».\n(١) يراجع: حاشية كتاب التوحيد ص (٢٠٩)، والقول المفيد (١/ ٥٥٤).\n(٢) يراجع: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٢).","vol":"1","page":296},{"text":"وَفِي البُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لاِبْنِ المُسيبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر؟\n•---------------------------------•\n«وَفِي البُخَارِيِّ»: معلقًا (١)، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه، قال ابن حجر: «إسناده صحيح» (٢).\n«رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ»: بكسر الطاء، أي: سحر، يقال: طُب الرجل بالضم: إذا سحر، كَنَوا عن السحر بالطب تفاؤلًا، كما يقولون للديغ: سليم، وللكسير: جبير، من باب الفأل بالسلامة، وجبران الكسر، والطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، ويقال للسحر أيضًا (٣).\n«يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ»: (يُؤَخَّذ) بتشديد الخاء، أي: يُحْبَس عن امرأته حتى لا يستطيع أن يصل إلى جماعها، والأُخذة -بضم الهمزة-: هي رقية الساحر (٤).\n«أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشر»: (يُحَلُّ) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمجهول (٥). يحل مِن حَلَّ العقدة يحلها؛ نقضها وفكها، ويُنَشَّر بضم الياء وتشديد الشين (٦)، ويحل وينشر بمعنى واحد (٧).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٧/ ١٣٧) معلقًا.\n(٢) تغليق التعليق (٥/ ٤٩).\n(٣) ينظر: الكواكب الدراري (٢١/ ٣٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥٤٣).\n(٤) ينظر: الكواكب الدراري (٢١/ ٣٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥٤٣).\n(٥) ينظر: عمدة القاري (٢١/ ٢٨٣)، وإرشاد الساري للقسطلاني (٨/ ٤٠٥).\n(٦) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٢١٠).\n(٧) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٨).","vol":"1","page":297},{"text":"قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ، انْتَهَى.\n•---------------------------------•\n\n«لَا بَأْسَ بِهِ»: يعني أن النشرة لا بأس بها، ويعني بذلك النشرة المباحة التي ليست من السحر (١). وقيل: بل يعني أن<span data-type=\"title\" id=toc-144> حل السحر بالسحر </span>لا بأس به؛ لأنهم «إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ»: يعني أن حل السحر يُرَاد به الإصلاح وشفاء المريض، بخلاف السحر، فإنما يُرَاد به الضرر والأذى (٢).\n«فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ»: يعني أن الشريعة لم تمنع من النشرة المباحة، المبنية على التعوذات الشرعية، والأدعية، وقراءة القرآن، والدواء المباح، ونحو ذلك، بل جاءت بإباحتها (٣). وهذا من ابن المسيب - ﵀ - كأنه تقسيم للنشرة إلى قسمين: مباحة نافعة، ومحرمة ضارة (٤).\nوفصل ذلك شيخنا ابن عثيمين فقال: «كأن ابن المسيب - ﵀ - قسم السحر إلى قسمين: ضار، ونافع. فالضار مُحرم، قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢] والنافع لا بأس به، وهذا ظاهر ما روي عنه، وبهذا أخذ أصحابنا الفقهاء، فقالوا: يجوز حل السحر بالسحر للضرورة، وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز حل السحر بالسحر وحملوا ما روي عن ابن المسيب بأن المراد به ما لا يعلم عن حاله: هل هو سحر، أم غير سحر؟ أمَّا إذا علم أنه سحر؛ فلا يحل» (٥).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٨)، وفتح المجيد ص (٣٠٣).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٩).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد (١/ ٣٧٩)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٣٠).\n(٤) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٥٦).\n(٥) القول المفيد (١/ ٥٥٦، ٥٥٧).","vol":"1","page":298},{"text":"وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَحِلُّ السِّحْرَ إِلاَّ سَاحِرٌ.\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ:\nحَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشيطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشر وَالمُنْتَشِر إِلَى الشيطَانِ بِمَا يُحِبُّ فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ.\nوَالثَّانِي: النُّشرةُ بِالرُّقْيَةِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وَالأَدْوِيَةِ وَالدَّعَوَاتِ المُبَاحَةِ، فَهَذَا جَائِزٌ.\n•---------------------------------•\nومناسبة الأثر للباب: أنه فيه بيان التفصيل في حكم النشرة، وأن منها ما هو جائز ومباح، ومنها ما هو محرم (١).\nقول الحسن هنا يُحْمَل على النُّشْرَة المحرمة المبنية على السحر.\nولذلك نقول: لا تعارض بين كلام سعيد بن المسيب السابق، وكلام الحسن هنا؛ لأن كلام ابن المسيب محمول على النُّشْرَة المباحة، وكلام الحسن محمول على النُّشْرَة المحرمة.\n«قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: النُّشرةُ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ المَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ»:\nهذا الكلام لابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (٢).\nوهذا تقسيم منه للنشرة إلى قسمين ممنوعة وجائزة. وهو واضح لا يحتاج إلى شرح وتوضيح، وسبق أن أشرنا إلى هذا التقسيم.\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٤).\n(٢) (٤/ ٣٠١).","vol":"1","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-145>بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان حكم التطير، وأنه منهيٌّ عنه، بل هو من الشرك الأصغر، ونوعٌ من أنواع السحر بالمعنى اللغوي العام.\nوالتطير: التشاؤم بالشيء والكراهية له، فكانت العرب تتشاءم ببعض الأشياء، وترى أن ذلك مانع من الخير، فنفى الإسلام ذلك، ونهى عنه.\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن التطير منافٍ للتوحيد من وجهين:\n«الأول: أن المتطير قطع توكله على الله واعتمد على غير الله.\nوالثاني: أنه يحجم ويستجيب لهذه الطيرة ويدع العمل» (١).\nومناسبة الترجمة لما قبلها: أن الطيرة مما ينافي التوحيد ويناقضه؛ إذ إن المتطير يتعلق قلبه بغير الله كالنشرة المحرمة، فإن فيها تعلقًا بغير الله، والتطير والنشرة كلاهما مناف للتوحيد والاعتماد على الله تعالى.\n﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾: كان هؤلاء يتطيرون بموسى ﵇، وهذا جاء صريحًا في بداية الآية، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).\nو«المعنى: ألا إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وُعِدُوا به في الآخرة، لا ما ينالهم في الدنيا، وقال بعضهم: (طائرهم): حظهم، والمعنى واحد» (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (١/ ٥٦٠).\n(٢) ينظر: تفسير الطبري (١٠/ ٣٧٧)، وتفسير القرطبي (٧/ ٢٦٤).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٢/ ٣٦٩).","vol":"1","page":300},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾.\n•---------------------------------•\nقال الشنقيطي - ﵀ -: «ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة، أي قحط وجدب ونحو ذلك، تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا - ﷺ - في قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: ٧٨]» (١).\nومناسبة هذه الآية لهذا الباب: أن هذا التطير من صفات أعداء الرسل، ومن خصال المشركين، وليس من خصال أتباع الرسل، وأما أتباع الرسل فإنهم يعلقون ذلك بما عند الله من القضاء والقدر، أو بما جعله الله -جل وعلا- لهم من ثواب أعمالهم أو العقاب عليها؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] (٢).\n﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: قال الذين أُرْسِلُوا إلى القرية ردًّا على قول أهل القرية حينما قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]؛ أي: تشاءمنا بكم، وإننا لا نرى أنكم تدلوننا على الخير، بل على الشر وما فيه هلاكنا؛ فأجابهم الرسل بقولهم: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾: أي: مصاحب لكم، فما يحصل لكم؛ فإنه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السبب في ذلك (٣).\n_________\n(١) أضواء البيان (٢/ ٣٩).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٣٧، ٣٣٨).\n(٣) القول المفيد (١/ ٥٦١) بتصرف.","vol":"1","page":301},{"text":"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ». أَخْرَجَاهُ، زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ».\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة - ﵁ - في الصحيحين (١)، كما أشار المؤلف.\nقوله: «لَا عَدْوَى»: هذا حمله العلماء على أحد وجهين:\nالأول: أن المقصود بذلك إضافة الأشياء إلى القدر: أي لا يعدي شيءٌ شيئًا بذاته مستقلًا عن قدر الله، بل كل ذلك يجري بقدر الله وقضائه.\nوالثاني: أن هذا مخصوص، ويراد به شيء دون شيء: أي لا عدوى إلا من الجذام والبرص والجرب، فهذه هي التي تكون فيها العدوى دون سواها.\nوالصواب القول الأول (٢).\n\nكيف<span data-type=\"title\" id=toc-146> الجمع بين حديث: «لاَ عَدْوَى» وحديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ»</span>؟\nقال البيهقي وابن الصلاح، وابن القيم، وابن رجب، وابن مفلح وغيرهم: إن قوله: «لا عَدْوَى» أي: على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض تعدي بطبعها.\nوأمَّا حديث: «فِرَّ مِن الْمَجْذُومِ» فهو من قبيل الأخذ بالأسباب الشرعية؛ ولهذا قال: «فِرَّ مِن المجْذُومِ، كَمَا تَفِرُّ مِن الْأَسَدِ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٣٥) رقم (٥٧٥٧) من طريق أبي صالح،\nوأخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٣) رقم (٢٢٢٠) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن،\nكلاهما: (أبو صالح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن) عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٢) ينظر: معالم السنن للخطابي (٤/ ٢٣٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (٩/ ٤١٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٥/ ٢١٥٨) رقم (٥٣٨٠).","vol":"1","page":302},{"text":"وقال: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» (١)، وقال في الطاعون: «فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ» (٢)، وكل ذلك بتقدير الله تعالى، كما قال - ﷺ -: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» يشير إلى أن الأول إنما جرِب بقضاء الله وقدره.\nفيكون أمره بالفرار من المجذوم ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن الدخول إلى موضع الطاعون، من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى، وجعلها أسبابًا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت الهدم أو نحو ذلك، فكذلك يشرع له اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون؛ فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره.\n«وَلَا طِيَرَةَ»: الطيرة من التطير وهي معروفة، وقد مرت معنا سابقًا.\n«وَلَا هَامَةَ»: (الهامة): هو طائر كبير يضعف بصره بالنهار، ويطير بالليل، ويصوت فيه، ويقال له: بوم، والعرب يتشاءمون بصوته، ويسمونه: (الصَّدَى)\nوكانوا يقولون: إن روح القتيل الذي لا يدرك ثأره يصير هامة، وتقول: اسقوني اسقوني، فإذا أدرك ثأره طارت (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٤/ ١٧٤٣) رقم (٢٢٢١).\n(٢) أخرجه البخاري (٦/ ٢٥٥٧) رقم (٦٥٧٣)، ومسلم (٤/ ١٧٣٧) رقم (٢٢١٨).\n(٣) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (٦/ ١٩٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٢).","vol":"1","page":303},{"text":"«وَلَا صَفَرَ»: (صفر): قيل: هو حية في بطن الإنسان تعتقد العرب أنها تعض الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وذلك مذكور في أشعارهم، وقيل المقصود بذلك: أنهم كانوا يتشاءمون بدخول صفر؛ فيحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا، وهذا أقرب الأقوال (١).\n«وَلَا نَوْءَ»: الأنواء هي منازل القمر، وهي ثمانية وعشرون نجمًا، وكانت العرب يعتقدون عند كل نوء حصول أحداث معينة كالمطر والريح ونحو ذلك، فأبطل الإسلام هذا المعتقد (٢).\n«وَلَا غُولَ»: (الغُول): واحد الغِيلان، وهي جنس من الجن والشياطين، كانت العرب تزعم أنها تظهر للناس في الفَلَوات، فتفزعهم، وتضلهم عن الطريق، وتهلكهم، فنفى النبي - ﷺ - ذلك وأبطله (٣).\nإشكال وجوابه:\nجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْفَرَسِ، وَالْمَرْأَةِ، وَالدَّارِ» (٤) فما المراد بذلك؟\nالجواب من وجوه:\n_________\n(١) ينظر: الإفصاح عن معاني الصحاح (٦/ ١٩٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٢)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٠).\n(٢) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٠)، وتحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (٣/ ١٨٣).\n(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨١)، وكشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٩٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٤٩) رقم (٢٧٠٣)، ومسلم (٤/ ١٧٤٦) رقم (٢٢٢٥).","vol":"1","page":304},{"text":"«وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، ..\n•---------------------------------•\nالوجه الأول: أن معنى الحديث إن كان الشؤم في شيء حقًّا فهو في هذه الثلاث، باعتبار أن النفوس البشرية يقع منها التشاؤم بهذه الأشياء أكثر من غيرها.\nوقد جاء ذلك صريحًا في حديث عن ابن عمر - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ، وَالمَرْأَةِ، وَالفَرَسِ» (١).\nالوجه الثاني: «إخباره - ﷺ - بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها الله، وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانًا منها مشؤومة على من قاربها وسَكَنها، وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر» (٢).\nومناسبة الحديث للباب: أنه جاء في الحديث النهي عن الطيرة، وإبطالها، وبيان أنها معتقد جاهلي، مبني على تعليق القلب بغير الله، وهذا من الشرك بالله - ﷿ - (٣).\n«وَلَهُمَا» أي البخاري ومسلم (٤):\n«لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ»: مَرَّ معنا شرح معنى العدوى والطيرة في الحديث السابق.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧/ ٨) رقم (٥٠٩٤)، ومسلم (٤/ ١٧٤٨) رقم (٢٢٢٥).\n(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٥٧).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ١٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٩).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٧/ ١٣٩) رقم (٥٧٧٦)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٤٦) رقم (٢٢٢٤) عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁، وقرن البخاري مع محمد بن بشار (محمد بن المثنى).","vol":"1","page":305},{"text":"وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ». قَالُوا: وَمَا الفَأْلُ؟، قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».\n•---------------------------------•\n«وَيُعْجِبُنِي الفَأْلُ»: الفأل مهموز، وقد لا يهمز، وهو: الاستبشار بحصول الخير عند سماع ما يسر، ويكون فيما يحسن وفيما يسوء، وقيل: فيما يحسن خاصة، بينما الطيرة فيما يسوء فقط (١).\n«الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ»: هذا تفسير من النبي - ﷺ - لمعنى الفأل.\nهل في الإعجاب بالفأل شيء من الشرك؟\nقال ابن القيم - ﵀ -: «ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك، بل ذلك إبانة عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم - ﷺ -: أنه حبب إليه من الدنيا النساء والطيب» (٢)، وكان يحب الحلوى، والعسل (٣)، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان، ويستمع إليه، ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>الفرق بين الطيرة والفأل:</span>\nالفرق بينهما: أن الفأل الحسن لا يدخل بعقيدة الإنسان ولا بعقله، وليس فيه تعليق القلب بغير الله بل فيه من المصلحة النشاط والسرور وتقوية النفوس على المطالب النافعة.\nوأمَّا الطيرة: فإنه إذا عزم على فعل شيء من الأمور النافعة في الدين أو في الدنيا، فيرى أو يسمع ما يكره أثر في قلبه أحد أمرين:\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ١٦٥)، والتوضيح الرشيد ص (٢٥٣).\n(٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢٤٤).\n(٣) أخرجه البخاري (٧/ ٤٤) رقم (٥٢٦٨)، ومسلم (٢/ ١١٠١) رقم (١٤٧٤).","vol":"1","page":306},{"text":"وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: ...............\n•---------------------------------•\nأحدهما: أن يستجيب لذلك الداعي فيترك ما كان عازمًا على فعله أو بالعكس. وهذا من ضعف التوحيد والتوكل، ومن طرق الشرك ووسائله.\nالأمر الثاني: أن لا يستجيب لذلك الداعي ولكنه يؤثر في قلبه حزنًا وغمًّا.\nومناسبة الحديث للباب: أن فيه نفيًا للطيرة وإبطالًا لها؛ لأنها من التعلق بغير الله المؤدي إلى الشرك، وفيه بيان أن الفأل ليس من الطيرة المنهي عنها.\n«وَلأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِر» هذا وهم من المصنف، بل هو من حديث عروة بن عامر رواه أبو داود وغيره، وفيه انقطاع (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٠) رقم (٢٦٣٩٢)، وأبو داود في السنن (٤/ ١٩) رقم (٣٩١٩)، وأبو بكر الخلال في كتاب السنة (٤/ ١٥٥) رقم (١٤٠٥) من طريق وكيع،\nوالخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (٣٥٥) رقم (٧٥٢) من طريق القاسم بن يزيد الجرمي،\nوابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٢٦٢) من طريق أبي حذيفة،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٤٠) رقم (١٦٥٢١)، وفي الدعوات الكبير (٢/ ٢٠٥) رقم (٥٦٨) من طريق يعلى بن عبيد،\nأربعتهم: (وكيع، والقاسم بن يزيد الجرمي، وأبي حذيفة، ويعلى بن عبيد) عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر.\nوالحديث فيه ثلاث علل:\nالأولى: حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعنه.\nوالثانية: حبيب لم يدرك عروة، كما في تهذيب التهذيب (٧/ ١٨٥).\nوالثالثة: عروة بن عامر مختلف في صحبته: ولذلك أعله بالإرسال البيهقي في الدعوات (٢/ ٢٠٥)، ومغلطاي في إكمال تهذيب الكمال (٩/ ٢٢٧)، ومع هذا فقد صححه النووي في شرح مسلم (١٤/ ٢٢٤).","vol":"1","page":307},{"text":"ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».\n•---------------------------------•\nقال صاحب التيسير: «هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عروة بن عامر» (١).\n«أَحْسَنُهَا الفَأْلُ»: مر معنا شرح معنى الفأل، ومدح الفأل لما فيه من حسن الظن بالله - ﷿ -، ومع ذلك لا يرُّد ذلك المسلمَ عن المضي في قضاء حاجته.\n«فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ»: «أي: إذا رأى من الطيرة شيئًا يكرهه» (٢).\n«فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ ...»: الحسنات هنا هي كل أمرٍ مستحسن، أي: لا يقدر على إيجاد الأمور الحسنة الشاملة للنعم والخيرات والطاعات إلا أنت.\n«وَلَا يَدْفَعُ السيئَاتِ إِلَّا أَنْتَ»: أي: لا يدفع الأمور المكروهة للنفوس إلا أنت.\n«وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»: وهذه استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، وعدم الالتفات إلى الطيرة، و(الحول): التحول والانتقال من حال إلى حال، والمعنى: (لا حول) على دفع السيئة، (ولا قوة) على تحصيل الحسنة إلا بك (٣).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٣٧٣).\n(٢) مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٢).\n(٣) ينظر: مرقاة المفاتيح (٧/ ٢٩٠٢)، وتيسير العزيز الحميد ص (٣٧٤).","vol":"1","page":308},{"text":"وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَجَعَل آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.\n•---------------------------------•\nحديث ابن مسعود: رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، وهو صحيح (١)، دون آخره فهو من قول ابن مسعود.\nهل الطيرة شرك أكبر؟\n«الطِّيَرَةُ شركٌ، الطِّيَرَةُ شركٌ»: أي نوع من أنواع الشرك، وهذا صريح في تحريم الطيرة، وبيان أنها من الشرك؛ لما فيها من تعلق القلب بغير الله (٢).\nولكنها ليست من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وإنما هي من الشرك الأصغر (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطيالسي في مسنده (١/ ٢٧٨) رقم (٣٥٤)، وابن الجعد في مسنده ص (٨٦) رقم (٤٨٨)، وعبد الله بن أحمد في كتاب السنة (١/ ٣٦٠) رقم (٧٧٥)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٩) رقم (٨٢٨، ٨٢٩)، وفي شرح معاني الآثار (٤/ ٣١٢) رقم (٧٠٧٩)، والحاكم في المستدرك (١/ ٦٤) رقم (٤٣) من طريق شعبة بن الحجاج،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣١٠) رقم (٢٦٣٩١)، وأحمد في المسند (٦/ ٢١٣) رقم (٣٦٨٧)، و(٧/ ٢٥٠) رقم (٤٤)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٣١٣) رقم (٩٠٩)، وابن ماجه (٢/ ١١٧٠) رقم (٣٥٣٨)، وأبو داود (٤/ ١٧) رقم (٣٩١٠)، والترمذي (٤/ ١٦٠، ١٦١) رقم (١٦١٤) في سننهم، والبزار في مسنده- البحر الزخار (٥/ ٢٣٠) رقم (١٨٤٠)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ١٤٠) رقم (٥٢١٩)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٤٩١) رقم (٦١٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٩) رقم (١٦٥١٧)، وفي شعب الإيمان (٢/ ٣٩٧) رقم (١١٢٤) من طريق سفيان الثوري،\nوأبو يعلى في مسنده أيضًا (٩/ ٢٦) رقم (٥٠٩٢) من طريق منصور.\nثلاثتهم (شعبة، وسفيان الثوري، ومنصور) عن سلمة بن كهيل، عن عيسى بن عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود ﵁.\nقال الترمذي (٤/ ١٦١): (حديث حسن صحيح).\n(٢) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٧٥).\n(٣) ينظر: القول المفيد (١/ ٥٧٤، ٥٧٥).","vol":"1","page":309},{"text":"«وَمَا مِنَّا إِلَّا»: أي: ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا ويعتريه شيء من الطيرة في بادئ الأمر قبل النظر والتأمل، ولم يتم كلامه؛ كراهة أن يتفوه به؛ لما يتضمنه من الحال المكروهة (١).\nوالكلام من قوله «وَمَا مِنَّا إِلَّا» إلى آخر الحديث هو موقوف من قول عبد الله بن مسعود، وليس من كلام النبي - ﷺ -، فهو من قبيل المدرج في الحديث، وقد نص على ذلك علماء الحديث (٢).\n«وَلَكِنَّ الله يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ»: (يُذْهِبُهُ) بضم الياء، من الإذهاب، أي يزيل تلك الأوهام المكروهة التي تخطر في قلب المؤمن، (بالتوكل): أي بسبب الاعتماد على الله، وإسناد الأمور إليه سبحانه. وفي هذا إشارة إلى أن ما يقع في قلب المسلم من ذلك إذا دفعه بالتسليم لله، وعدم الاهتمام بالطيرة؛ فإنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك (٣)، وفيه أيضًا أنَّ المؤمن مهما بلغ من الإيمان والعلم ليس معصومًا، وقد يقع له من الخواطر ما يقع لغيره.\nمناسبة الحديث للباب: الحديث واضح الدلالة على مقصود الترجمة؛ لأنه نَصَّ على أن الطيرة من الشرك بالله تعالى (٤).\n_________\n(١) ينظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه (٢/ ٣٦٣)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣).\n(٢) ينظر: سنن الترمذي (٤/ ١٦١)، وشعب الإيمان للبيهقي (٢/ ٣٩٨).\n(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٨٣)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢٧/ ٥١١)، وفتح الباري لابن حجر (١٠/ ٢١٣)، ومرقاة المفاتيح (٧/ ٢٨٩٧).\n(٤) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٣).","vol":"1","page":310},{"text":"وَلأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو - ﵄ -: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ». قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ: «أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».\n•---------------------------------•\nحديث ابن عمرو: فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مطلقًا على الراجح عند الأئمة (١).\n«مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشركَ»: «هذا هو ضابط الطيرة التي تكون شركًا، وهو أن ترد المتطير عن حاجته، فإذا لم ترده عن حاجته، ولم يستجب لها، فلا حرج عليه» (٢).\n«فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟»: أي: ما كفارة هذا الشرك، وما الدواء الذي يزيله؟ فالكفارة تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقبل فعله؛ فكفارة ذلك إن وقع، وكفارة ذلك إن لم يقع (٣).\n«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ»: «يحتمل أوجهًا- وكلها صحيحة قريبة -:\nأ- أنه لا يحدث إلا قضاؤك الذي قضيته، فعلم المغيبات إنما هو لله - ﷿ -، وهذا الدعاء كفارة لمن وقع في الطيرة.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (١١/ ٦٢٣) رقم (٧٠٤٥) من طريق حسن،\nوالطبراني المعجم الكبير (١٣/ ٢٢) رقم (٣٨) من طريق أسد بن موسى،\nكلاهما (حسن، وأسد بن موسى) عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو ﵄.\nوالحديث فيه ابن لهيعة: وهو ضعيف، وقد قال أحمد شاكر في شرح المسند (٦/ ٤٧١): (إسناده صحيح)، وهذا مبني على مذهبه في تصحيح حديث ابن لهيعة مطلقًا.\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٤٢).\n(٣) القول المفيد (١/ ٥٧٧) -بتصرف-.","vol":"1","page":311},{"text":"ب- أن المراد بالطير هنا ما يتشاءم به الإنسان، فكل ما يحدث للإنسان من التشاؤم والحوادث المكروهة؛ فإنه من الله تعالى، كما أن الخير منه أيضا سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١].\nج- أن الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئًا، وإنما هي مسخرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَأيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩].\nفالطير مسخرة بإذن الله، والله تعالى هو الذي يدبرها ويصرفها ويسخرها تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث» (١).\n«لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ»: النفي والاستثناء في الجملة يفيدان الحصر؛ فالخير كله من الله تعالى، سواء كان بسبب معلوم أو غير معلوم، والمعنى: لا أحد يأتي بالخير، ويُرْجَى منه الخير غيرك، و«فيه تفويض الأمور إلى الله تقديرًا وتدبيرًا وخلقًا، والبراءة مِمَّا فيه تعلقٌ بغير الله تعالى كائنًا مَن كان» (٢).\n«وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ»: هذه واضحة؛ وهي معنى كلمة لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا أنت، وهذا اعتراف بالتوحيد ونفي للشرك (٣).\nومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أَنَّ فيه تبيينًا لحقيقة الطيرة الشركية المحرمة، وهي الطيرة التي ترد صاحبها عن حاجته (٤).\n_________\n(١) التوضيح الرشيد ص (٢٥٥).\n(٢) قرة عيون الموحدين ص (١٥٢).\n(٣) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (١٥٢)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٢١).\n(٤) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٥).","vol":"1","page":312},{"text":"وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الفَضْلِ بْنِ العَبَّاسِ - ﵁ -: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».\n•---------------------------------•\n«وَلَهُ»: أي أحمد بن حنبل - ﵀ -، والأثر ضعيف (١).\n«إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»: هذا حد للطيرة المنهي عنها، وهي أنها ما يحمل الإنسان على المضي فيما أراده، ويمنعه من المضي فيه كذلك.\n«مناسبة الحديث للباب: حيث دل الحديث على تحريم الطيرة إذا دفعت صاحبها أو منعته.\nمناسبة الحديث للتوحيد: حيث أنكر الحديث الطيرة؛ لأنها تعليق القلب بغير الله وذلك شرك به» (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٣٢٧) رقم (١٨٢٤) عن حماد بن خالد، عن ابن عُلَاثة، عن مسلمة الجهني، عن الفضل بن عباس ﵁.\nوالحديث ضعيف؛ لأن فيه ابن عُلَاثة وهو محمد بن عبد الله، وجمهور المحدثين على تضعيفه وتوهينه. وقد وثقه ابن معين، ولكن ضعفه ابن حبان، والبخاري، والحاكم، والدارقطني، وغيرهم. وأقل ما قيل فيه: (في حفظه نظر)، قاله البخاري في التاريخ الكبير (١/ ١٣٢).\nولذلك ضعف الحديث أحمد شاكر في شرح المسند (٢/ ٤١٢).\n(٢) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٦٣).","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم التنجيم، وذلك بذكر ما يجوز منه وما لا يجوز، وذكر ما جاء من الوعيد في النوع المحرم منه (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنَّه لمَّا كان بعض التنجيم باطلًا، لِما فيه من دعوى مشاركة الله في علم الغيب، وتعلُّق القلب بغير الله، ونسبة التصرف إلى النجوم، وذلك ينافي التوحيد، ناسب أن يُعقد له بابٌ هنا يبين فيه الممنوع والجائز منه، ليكون المسلم على بصيرةٍ من ذلك» (٢).\nوأما علاقته بالأبواب السابقة: فنجد أن كل الأبواب السابقة القريبة مثل باب الكهان، وذكر العرافين ونحوهم؛ مرتبطة بادعاء الغيب لغير الله تعالى، ومن جملة ذلك التنجيم؛ لأن المنجم يدعي معرفة الغيب بمجرد نظره في النجوم، فناسب ذكر التنجيم بعد الأبواب السابقة.\nوالتنجيم نوعان:\nالنوع الأول: علم التأثير: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الكونية، وهذا باطل ودعوى لمشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به، أو تصديق لمن ادعى ذلك، وهذا ينافي التوحيد لما فيه من هذه الدعوى الباطلة، ولما فيه من تعلق القلب بغير الله، ولما فيه من فساد العقل؛ لأن سلوك الطرق الباطلة وتصديقها من مفسدات العقول والأديان.\n_________\n(١) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٧٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٢٣).\n(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٦).","vol":"1","page":314},{"text":"وهو ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: أن يعتقد في هذه النجوم أنها مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث من خيرٍ وشرٍّ:\nفهذا شرك أكبر؛ لأن من ادعى أن مع الله خالقًا؛ فهو مشرك شركًا أكبر؛ حيث جعل المخلوق المسخر خالقا مُسَخِّرًا.\nالقسم الثاني: أن يعتقد أنها سبب لمعرفة علم الغيب؛ فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا؛ لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول: هذا الإنسان ستكون حياته شقاء؛ لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة؛ لأنه ولد في النجم الفلاني؛ فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لادعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة.\nالقسم الثالث: أن يعتقدها سببًا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء نسب سببه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئًا إلا بعد وقوعه؛ فهذا شرك أصغر (١).\nالنوع الثاني: علم التسيير: وهو الاستدلال بالشمس والقمر والكواكب على القبلة والأوقات والجهات، فهذا النوع لا بأس به، بل كثير منه نافع قد حث عليه الشارع، إذا كان وسيلة إلى معرفة أوقات العبادات، أو إلى الاهتداء به في الجهات (٢).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥، ٦) بتصرف.\n(٢) ينظر: القول السديد ص (١٠٨).","vol":"1","page":315},{"text":"وهو ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية؛ فهذا مطلوب، وإذا كان يعين على مصالح دينية واجبة كان تعلمها واجبًا، كما لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القبلة؛ فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبلة، والنجم الفلاني يكون ربع الليل قبلة؛ فهذا فيه فائدة عظيمة.\nالقسم الثاني: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية؛ فهذا لا بأس به.\nوهو نوعان:\nالنوع الأول: أن يستدل بها على الجهات: كمعرفة أن القطب يقع شمالًا، والجدي وهو قريب منه يدور حوله شمالا، وهكذا؛ فهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].\nالنوع الثاني: أن يستدل بها على الفصول، وهو ما يعرف بتعلم منازل القمر؛ فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون.\nوالذين كرهوه قالوا: يخشى إذا قيل: طلع النجم الفلاني؛ فهو وقت الشتاء أو الصيف، وأن بعض العامة يعتقد أنه هو الذي يأتي بالبرد أو بالحر أو بالرياح، والصحيح عدم الكراهة (١).\nوبناء على التقسيم السابق؛ يتضح لطالب العلم الفرق بين ما نهى عنه الشارع وحرمه، وبين ما أباحه أو استحبه أو أوجبه، فالأول هو المنافي للتوحيد دون الثاني.\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٦، ٧) بتصرف.","vol":"1","page":316},{"text":"قَالَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. انْتَهَى.\n•---------------------------------•\nأثر قتادة: أخرجه البخاري تعليقًا في صحيحه (١).\n«خَلَقَ اللهُ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا»: هذا كله في كتاب الله - ﷿ -:\nأما كونها «زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشياطِينِ»: ففي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [المُلك: ٥].\nوكونها «عَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا»: ففي قوله سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].\nقال ابن جرير: «اختلف أهل التأويل في المعني بالعلامات ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره عدَّد على عباده من نعمه إنعامه عليهم بما جعله لهم من العلامات التي يهتدون بها، فكل علامة استدل بها الناس على طرقهم وفجاج سبلهم، فداخل في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ والطرق المسبولة الموطوءة علامة للناحية المقصودة، والجبال علامات يهتدى بهن إلى قصد السبيل، وكذلك النجوم بالليل، غير أن الذي هو أولى بتأويل الآية أن تكون العلامات من أدلة النهار» (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري تعليقًا في صحيحه (٤/ ١٠٧)، ووصله ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ٢٩١٣) رقم (١٦٥٣٦)، والطبري في تفسيره (١٤/ ١٩٣)، وأبو الشيخ في كتاب العظمة (٤/ ١٢٢٦)، وعزاه ابن الملقن في التوضيح لعبد بن حميد في تفسيره (١٩/ ٢٧).\n(٢) جامع البيان (١٤/ ١٩٣ - ١٩٤).","vol":"1","page":317},{"text":"وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ القَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ، ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا. وَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ المَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.\n•---------------------------------•\n«مناسبة الأثر للباب: حيث أفاد الأثر رأي قتادة أنه لا يجوز الاعتقاد في النجوم أكثر من الأمور الثلاثة المذكورة.\nومناسبة الأثر للتوحيد: حيث أنكر قتادة ما يدعيه أهل التنجيم من علم الغيب؛ لأن ذلك إشراك مع الله في علم الغيب» (١).\nمسألة: اختلف السلف في تعلم منازل القمر على رأيين:\nالرأي الأول: كراهة تعلم منازل القمر:\nوهو قول قتادة، وسفيان بن عيينة، كما أشار إليه المصنف.\nومنعهم من ذلك من باب سد الذريعة، خشية أن يتدرج الأمر بالعامة من اعتقاد ما يجوز فيها إلى اعتقاد ما لا يجوز، كالقول بأنها تؤثر في الكون، وأنها هي التي تأتي بالمطر والبرد أو الرياح، ونحو ذلك من الأقوال الشركية الكفرية.\nالرأي الثاني: جواز تعلم منازل القمر:\nوهو قول النخعي، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق.\nوالصحيح الجواز وعدم الكراهة؛ لما فيه من فوائد، ولعدم وجود أمر يجعله ممنوعًا (٢).\n_________\n(١) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٦٤).\n(٢) ينظر: فتح الباري لابن رجب (٣/ ٦٩)، والقول المفيد (٢/ ٧)، وإعانة المستفيد (٢/ ١٩)، والتوضيح الرشيد ص (٢٧٠).","vol":"1","page":318},{"text":"وَعَنْ أَبِي مُوسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ؟: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ الخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.\n•---------------------------------•\nقال شيخنا ابن عثيمين: «والصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر؛ لأنه لا شرك فيها؛ إلا إن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصول البرد، وأنها هي الجالبة لذلك؛ فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها: هل هو الربيع، أو الخريف، أو الشتاء؛ فهذا لا بأس به» (١).\nفإن قيل ما علاقة هذا الخلاف بالباب: قيل: إن المصنف - ﵀ - أراد أن يوضح أنه إذا كان العلماء قد اختلفوا في هذا النوع المباح في أصله من علم التنجيم ألا وهو علم التسيير، والذين منعوه منعوه سدًّا لذريعة الشرك بالله، فما بالك بتعلم علم التأثير المحرم الذي ينبني على الشرك والكفر الصراح، إن هذا لأشد وأخطر بكثير من علم التسيير؟ ! (٢).\n«وَعَنْ أَبِي مُوسى - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -» الحديث رواه أحمد وابن حبان وغيرهما من طريق الفضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، عن أبي بردة، عن أبي موسى. وأبو حريز هو عبد الله بن حسين، وقد اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، وأعدل الأقوال فيه ما ذكره الدارقطني أنه ضعيف ضعفًا يسيرًا (٣)؛ ولذا صحح الحديث الحاكم، وأقره الذهبي.\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ١١).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٨٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٨).\n(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٣٢/ ٣٣٩) رقم (١٩٥٦٩)، وابن حبان في صحيحه (١٢/ ١٦٦) رقم (٥٣٤٦)، من طريق علي بن المديني،","vol":"1","page":319},{"text":"«لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ»: أي لا يدخلون ابتداءً مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب؛ حتى يُطَهروا بالنار (١).\nوقد اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال: القول الأول: هذا الوعيد فيمن استحل هذا الفعل.\nالقول الثاني: إن هذا من باب أحاديث الوعيد التي تُمر كما جاءت ولا يتعرض لمعناها.\nوهذا القول قال عنه صاحب التيسير: باطل (٢)، وقال شيخنا ابن عثيمين: ضعيف (٣).\nالقول الثالث: لا يدخلون ابتداءً، ولكنهم يدخلون الجنة دخولًا يسبقه عذاب بقدر ذنوبهم، ثم مرجعهم إلى الجنة؛ وذلك لأن نصوص الشرع يُصدق بعضها بعضًا، ويلائم بعضها بعضًا.\n_________\nوأبو يعلى في مسنده (١٣/ ٢٢٤) رقم (٧٢٤٨)، وابن حبان في صحيحه أيضًا (١٣/ ٥٠٧) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة البصري،\nوالخرائطي في مساوئ الأخلاق ص (١٢٩) من طريق أبي غسان المسمعي.\nوالحاكم في المستدرك (٤/ ١٦٣) رقم (٧٢٣٤)، من طريق مسدد،\nأربعتهم (علي بن المديني، ومحمد بن إسماعيل، وأبو غسان، ومسدد) عن المعتمر بن سليمان، عن الفضيل بن ميسرة، عن أبي حريز، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁.\nقال الحاكم: (صحيح الإسناد)، وأقرَّه الذهبي، وقال حسين أسد في تحقيق مسند أبي يعلى (١٣/ ٢٢٤): (إسناده حسن).\n(١) ينظر: فيض القدير (٣/ ٣٢٦)، والتيسير بشرح الجامع الصغير (١/ ٤٧٨).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٣٥٠).\n(٣) التعليق على صحيح مسلم (٢: ٢١٧).","vol":"1","page":320},{"text":"قال شيخنا ابن عثيمين- معلقًا على هذا القول-: «وهذا أقرب إلى القواعد وأَبْيَن؛ حتى لا تبقى دلالة النصوص غير معلومة» (١).\nوخلاصة المسألة: يمكن إن يقال: أن الراجح هو القول الثالث، والعامة تذكر لهم هذه النصوص ولا تشرح، من باب الزجر والردع؛ حتى لا يتجرأوا على محارم الله، وأما طلبة العلم فَيُبَيَّن لهم أَنَّ هذه النصوص لها معنىً واضح، وهو أن من فعل هذه الأمور، وكان مُوَحِّدًا فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه ما شاء أن يعذبه ثم يدخل الجنة، فلا يدخل الجنة ابتداءً، وإن شاء غفر له، فهذا مقتضى آية النساء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لأن هذه النصوص المتوافرة المتواترة من الكتاب والسنة دَلَّت على عدم خلود الموحدين في النار، وهذا اعتقاد أهل السنة في هذا الباب خلافًا للمعتزلة والخوارج ومنهم الإباضية في هذا العصر، وهم في سلطنة عُمَان وغيرها، وقد كتب مفتيهم الخليلي كتاب (الحق الدامغ) قَرَّر فيه تكفير مرتكب الكبيرة وخلوده في النار! .\n«وَقَاطِعُ الرَّحِمِ»: المقصود بهم القرابة، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، وقطع الرحم أعم من العقوق (٢).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ١٦).\n(٢) ينظر: مرقاة المفاتيح (٦/ ٢٣٩٠)، وفيض القدير (٣/ ٣٢٦).","vol":"1","page":321},{"text":"«وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ»: «أي قابل لما يدعيه الساحر من الآثار سواء عمل به أو لم يعمل، وسواء تعلمه أو لم يتعلمه، ففيه أنه يجب تكذيب الساحر ورد ما يزعمه، وما عرف من الآثار أنه حقيقة فإنه يجب أن يعلم أنه بإذن الله لا بسحر الساحر» (١).\nووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنه نص على أن المصدق بالسحر لا يدخل الجنة، ومن السحر التنجيم والاعتقاد في النجوم (٢).\n_________\n(١) التنوير شرح الجامع الصغير (٥/ ٢٢١).\n(٢) يراجع: تيسير العزيز الحميد ص (٣٨٧).","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِسْقَاءِ بِالأَنْوَاءِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم الاستسقاء بالأنواء وأنه من الكفر بالله تعالى الذي ينافي التوحيد، وقد يكون كفرًا أكبر، أو أصغر بحسب الحال.\nوالاستسقاء: هو طلب السُّقْيَا، كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العَوْذ، والاستهداء: طلب الهداية.\nوالأنواء: جمع نوء، وهي منازل القمر، إذا سقط منها واحد سُمِّيَ نوءًا، وعددها ثمانيةٌ وعشرون.\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن نسبة نزول المطر إلى النوء أو النجم على وجه اعتقاد أن له تأثيرًا في نزوله يُعَدُّ شركًا أكبر مخرجًا من الملة، ومنافيًا لأصل التوحيد، كاعتقاد جلب النفع أو دفع الضر في الأموات والغائبين، وكذلك نسبة نزول المطر إلى النوء بجعله سببًا في ذلك- من دون اعتقاد التأثير- يعدُّ شركًا أصغر؛ لأنه تعلقٌ للقلب بغير الله والتفاتٌ عنه إلى غيره، وهذا منافٍ لكمال التوحيد الواجب (١).\nوعلاقة الباب بما قبله: أَنَّ الاستسقاء بالأنواء -وهو طلب السقيا- نوعٌ من أنواع التنجيم؛ لأنه نسب إنزال المطر إلى النجم، وذلك من السحر أيضًا. فالتنجيم بالمعنى العام يدخل في مفهوم السحر (٢) اللغوي لخفائه.\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٤١).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٢٣)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٤٩).","vol":"1","page":323},{"text":"وبين هذا الباب والذي قبله عمومٌ وخصوص: فـ هذا الباب يُعَدُّ نوعا من أنواع الباب الذي قبله، وهو (باب ما جاء في التنجيم)، فالباب الأول عام في كل ما يعتقد في النجوم من الكفر والضلال والباطل من استسقاء وغيره، وهذا الباب خاص بمسألة واحدة، وهي الاستسقاء بالنجوم (١).\nوالاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شرك أكبر: وله صورتان:\nالأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا، اسقنا أو أغثنا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه دعاء لغير الله.\nالثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعُها؛ فهذا شرك أكبر في الربوبية.\nالقسم الثاني: شرك أصغر: وهو أن يجعل هذه الأنواء سببًا مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل؛ لأن كل من جعل سببًا لم يجعله الشارع سببًا لا بوحيه ولا بقدره فهو مشرك شركًا أصغر.\nوهناك نوعٌ ليس شركًا (لا أكبر ولا أصغر): وهو نسبة المطر إلى النوء نسبة وقت، فتقول: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا»، أي: جاءنا المطر في وقت هذا النوء (٢)، (لا إيجادًا ولا سببًا)، ويستعين أهل الزراعة في بعض البلدان بهذه الأنواء في معرفة أوقات الأمطار، ولكن يبقى أن استعمال هذا التعبير: «مُطِرْنَا بنوءِ كذا» فيه كراهة لثلاثة أسباب:\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٢٣) بتصرف يسير.\n(٢) قاله شيخنا ابن عثيمين في القول المفيد (٢/ ٣١).","vol":"1","page":324},{"text":"وَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.\n•---------------------------------•\n١ - لأنه من المناهي اللفظية الواردة بنص هذا الحديث.\n٢ - ذريعة للشرك بالله تعالى.\n٣ - لفظ موهم محتمل.\nوالحاصل أَنَّ نسبة المطر إلى النوء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\n١ - نسبة إيجاد: أي أَنَّ هذه الأنواء هي الموجدة للأمطار، فهذا شركٌ أكبر.\n٢ - نسبة سبب: أي أَنَّ هذه الأنواء سببٌ في حصول الأمطار، فهذه من الشرك الأصغر.\n٣ - نسبة وقت: أي أَنَّ هذه الأنواء وقتها يناسب وقت حصول الأمطار، فهذا ليس بشرك، ولكن يكره التلفظ بذلك للأسباب المذكورة آنفًا (١).\nوَقَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فسر النبي - ﷺ - هذه الآية كما رواه الإمام أحمد وغيره من حديث علي - ﵁ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾: يَقُولُ: «شُكْرَكُمْ»، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾: تَقُولُونَ: «مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا» (٢).\n«وهذا أولى ما فُسِّرَت به الآية، وروي ذلك عن علي وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم.\n_________\n(١) الشرح الممتع (٢/ ٣١) بتصرف.\n(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢١٠) رقم (٨٤٩)، والترمذي في سننه (٥/ ٤٠١) رقم (٣٢٩٥)، والبزار في مسنده (٢/ ٢٠٨) رقم (٥٩٣)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١٣/ ٢١١) رقم (٥٢١٥)، والضياء المقدسي في المختارة (٢/ ١٩١) رقم (٥٧١).\nوالحديث ضعيف؛ لأن مداره على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وهو ضعيف، ولذا قال الترمذي: (حديث حسن غريب).","vol":"1","page":325},{"text":"وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»، وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\nوهو قول جمهور المفسرين، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية على الترجمة، فالمعنى على هذا: وتجعلون شكركم لله على ما أنزل إليكم من الغيث والمطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: تنسبونه إلى غيره» (١).\n«وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ...» الحديث رواه مسلم كما أشار المؤلف، وهو يدل على تحريم الاستسقاء بالأنواء (٢).\n«مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ»: أي: من أفعالهم وخصالهم التي اعتادوها.\nوإضافتها إلى الجاهلية، الغرض منه التقبيح والتنفير؛ لأن كل إنسان يقال له: (فِعلُك فعل الجاهلية) لا شك أنه يغضب؛ إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا أن يُنْسَب إلى الجاهلية.\nوفيه دليل أن المسلم قد يكون فيه شيء من هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يُوجب ذلك كفره ولا فسقه، فمن صور الجاهلية: حكم الجاهلية، وظن الجاهلية، وتبرج الجاهلية، وحمية الجاهلية، ودعوى الجاهلية.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٣٨٨)، وتبعه على ذلك عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد ص (٣٢٢، ٣٢١)، وصاحب قرة عيون الموحدين ص (١٥٧، ١٥٨).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٢/ ٦٤٤) رقم (٩٣٤) من طريق زيد بن أبي سلام، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري ﵁.","vol":"1","page":326},{"text":"وقوله: «لَا يَتْرُكُونَهُنَّ»: معناه: «أن هذه الخصال تدوم في الأمة لا يتركونهن بأسرهم تركهم لغيرها من سنن الجاهلية، فإنه إن تركهن طائفة باشرهن آخرون» (١).\n«الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ»: «أي الشرف بالآباء، والتعاظم بِعَدِّ مناقبهم ومآثرهم وفضائلهم» (٢).\n«وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ»: أي: أن يدخل الإنسان العيب في أنساب الآخرين؛ فيحتقر آباء غيره، ويعظم آباءه (٣).\nولهذا لما عيَّر أبو ذر - ﵁ - رجلًا بأمه، قال النبي - ﷺ - لأبي ذر: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» (٤). فدل ذلك أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية، وأن الرجل مع فضله وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره وفسقه.\n«وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ»: هو توقع نزول الأمطار بظهور النجوم والأنواء، كما كانوا يقولون: مُطِرْنَا بنوء كذا (٥).\n_________\n(١) شرح المشكاة (٤/ ١٤١٨).\n(٢) فيض القدير (١/ ٤٦٢).\n(٣) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١٤١٨)، ومرقاة المفاتيح (٣/ ١٢٣٤).\n(٤) أخرجه البخاري (١/ ٢٠) رقم (٣٠)، ومسلم (٣/ ١٢٨٢) رقم (١٦٦١).\n(٥) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (٤/ ١٤١٨)، وفيض القدير (١/ ٤٦٢).","vol":"1","page":327},{"text":"وَلَهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - ﵁ - قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، ................................\n•---------------------------------•\n«وَعَلَيْهَا سربَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»: السربال واحد السرابيل، وهي الثياب والقُمُص؛ يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيصير لهن كالقميص حتى يكون اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم ورائحتهن أنتن وأَلَمَهُنَّ بسبب الجرب أشد (١).\nوروي عن ابن عباس: أن القطران هو النحاس المذاب (٢).\nوالجرب: مرض معروف يكون في الجلد، يؤرق الإنسان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربًا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء؛ لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به؛ فكيف ومعه قطران؟ !\nوالحكمة أنها لما لم تُغطِّ المصيبة بالصبر غُطيت بهذا الغطاء؛ سربال من قطران ودرع من جرب؛ فكانت العقوبة من جنس العمل.\nقوله: «وَلَهُمَا»: أي البخاري ومسلم (٣).\n«بِالحُدَيْبِيَةِ»: هي مكان على بعد (٢٢) كيلًا غرب مكة، بعضه في الحل وبعضه في الحرم، ويُعرف الآن بـ (الشميسي) (٤).\n_________\n(١) المفهم (٢/ ٥٨٨).\n(٢) أخرجه ابن جرير في التفسير (١٣/ ٧٤٥).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٦٩) رقم (٨٤٦) من طريق عبد الله بن مسلمة،\nومسلم في صحيحه (١/ ٨٣) رقم (٧١) من طريق يحيى بن يحيى التميمي،\nكلاهما (عبد الله بن مسلمة، ويحيى بن يحيى التميمي) عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني ﵁.\n(٤) ينظر: معجم البلدان (٢/ ٢٢٩)، والمعالم الأثيرة في السنة والسيرة ص (٩٧).","vol":"1","page":328},{"text":"فَلَمَّا انْصرفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ».\n•---------------------------------•\n«عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ»: (إِثْر) -بكسر الهمزة وسكون الثاء، أو فتح الهمزة وفتح الثاء؛ تصح على الوجهين- من الأثر الباقي من رسم الشيء؛ تقول: خرجت في إثر فلان وأثره: إذا تبعته وقصدت قصده وسلكت طريقه (١).\nوالمراد بالسماء المطر، أي في أثر مطرٍ وغيثٍ، والعرب تسمي المطر سماء لأنه نزل منها قال الشاعر:\nإِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرض قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا (٢)\n«مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا»: الباء للسببية أي قال ذلك على وجه السبب أن الأنواء سبب لنزول المطر.\nقوله: «فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ»: يحمل على أحد وجهين:\nالوجه الأول: أن يعتقد أن النوء هو الموجد للمطر والمنشئ للسحاب فذلك كافر كفرًا أكبر يستاب فإن تاب وإلا قتل.\nوالوجه الثاني: أن يعتقد أن النوء هو سببٌ لنزول الأمطار، وهي من الله، فهذا كافر كفرًا أصغر كفر نعمة، لا يخرجه عن الملة (٣).\n_________\n(١) ينظر: الشافي في شرح مسند الشافعي (٢/ ٣٤٣)، والكواكب الدراري للكرماني (٥/ ١٩٤).\n(٢) ينظر: معالم السنن (٤/ ٢٣١)، والاستذكار (٢/ ٤٣٦).\n(٣) ينظر: التمهيد لابن عبد البر (١٦/ ٢٨٦)، وشرح المشكاة للطيبي (٩/ ٢٩٩٠).","vol":"1","page":329},{"text":"وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾.\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث السابق للباب: أن الحديث جعل نسبة المطر إلى الأنواء كفرًا بالله تعالى، إما كفر أصغر وهو كفر النعمة باعتقاد أن الأنواء سبب في المطر، أو كفر أكبر مخرج من الملة باعتقاد أن الأنواء هي الموجدة للمطر (١).\nقوله: «وَلَهُمَا» أي: البخاري ومسلم، هذا وهم من المصنف - ﵀ -، فالحديث في صحيح مسلم وحده (٢).\n«لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا»: أي صدق وصَحَّ هذا النجم في وقوع المطر، فكأنه جعل هذا النوء هو الذي أنزل المطر، أو كان سببًا في إيجاده، وهذا مثل قول بعضهم في كتب المواقيت: (هذا نَوْءُهُ صادق)، فإن هذا من الشرك الأصغر (٣).\n«فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ﴾»: الشاهد في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢].\n_________\n(١) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٣٣)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٤٨).\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١/ ٨٤) رقم (٧٣) عن عباس بن عبد العظيم العنبري، عن النضر بن محمد، عن عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، عن ابن عباس ﵄.\n(٣) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٢)، ووازن بحاشية كتاب التوحيد ص (٢٣٤).","vol":"1","page":330},{"text":"قال ابن الصلاح: «ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء، كما توهمه القاضي عياض على ما بلغنا عنه، فإن الأمر في معنى ذلك وتفسيره يأبى ذلك، وإنما النازل من ذلك قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، والباقي نزل في غير ذلك، ولكن اجتمعا في وقت النزول؛ فذكر الجميع من أجل ذلك. ومما يدل على هذا: أَنَّ في بعض الروايات عن ابن عباس في ذلك الاقتصار على هذا القدر فحسب» (١).\nومن ثم: فبقية الآيات لا تعلق لها بهذا الباب، والآية التي هي موضع الشاهد سبق تفسيرها في بداية الباب.\nوالخلاصة: أنَّ الآية تدل على كفر من نسب النعم إلى غير الله، ومنها نسبة المطر إلى الأنواء، على التفصيل السابق في أنواع النسبة.\n_________\n(١) صيانة صحيح مسلم ص (٢٤٨، ٢٤٩).","vol":"1","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ </span>،\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أن المحبة هي أحد أنواع العبادة، بل هي من أصول العبادة؛ ومن ثم من أحب مع الله غيره يكون قد أشرك بالله تعالى شركًا أكبر مخرجًا عن الملة، ويمكن أن يُعَنْوَن لهذا الباب بـ (باب الشرك في المحبة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>أقسام المحبة:</span>\nالمحبة قسمان: مشتركة، وخاصة:\nفالمشتركة ثلاثة أنواع:\nأحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء ونحو ذلك فهذه محبة جبل عليها البشر.\nالثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده، وهي أيضًا من أنواع المحاب الطبيعية.\nالثالث: محبة أنس وألفة، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا. فهذه الأنواع الثلاثة التي تصلح للخلق.\nولهذا كان رسول الله - ﷺ - يحب الحلواء والعسل، وكان يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه وأحبهم إليه الصديق - ﵁ - (٢).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (٢/ ٤٤)، وفوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٨٩).\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٥) رقم (٣٦٦٢)، ومسلم (٤/ ١٨٥٦) رقم (٢٣٨٤) من حديث عمرو ابن العاص.","vol":"1","page":332},{"text":"القسم الثاني: المحبة الخاصة: التي لا تصلح إلَّا لله، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله.\nوهي محبة العبودية، المستلزمة للذل، والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره، فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا كما حققه ابن القيم - ﵀ - (١)؛ وهي التي سوى المشركون بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\n\nوقد ذكر شيخ الإسلام - ﵀ -<span data-type=\"title\" id=toc-157> بواعث حب الله </span>وأنها تكون في شيئين:\nأحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به.\nوالثاني: مطالعة آلائه ونعمائه ... فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض، وما أسبغ عليه من النعم الباطنة والظاهرة التي لا تعد ولا تحصى.\nوكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد، والزجر، والعرض، والحساب، وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم، والحلم، والعفو (٢).\n﴿يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا﴾: الأنداد جمع ند وهو العَدْل والمثيل والنظير، ويشمل كل معبود من دون الله من آلهتهم، أو متبوع من سادتهم وكبرائهم (٣).\n_________\n(١) طريق الهجرتين ص (٤٨٦) وما بعدها.\n(٢) مجموع الفتاوى (١/ ٩٥).\n(٣) ينظر: جامع البيان (٣/ ١٦)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":333},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\n•---------------------------------•\nوالمعنى يتخذون هؤلاء آلهة يصرفون لهم العبادة من دون الله، أو سادة وكبراء جعلوهم أربابًا من دون الله يطيعونهم في التحليل والتحريم (١).\n﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: أي يساوون بين هذه الأوثان وبين الله - ﷿ - في المحبة، ويحبون آلهتهم كحبهم لله (٢).\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾: والمعنى أن المخلصين الذين لا يشركون مع الله غيره هم المحبون له حقًّا، ويحبون الله أشد من حب هؤلاء الكفار لأوثانهم (٣).\nوَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾: الخطاب للنبي - ﷺ - (٤).\n﴿إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: الخطاب موجه إلى المسلمين بمكة المتخلفين عن الهجرة إلى دار الإسلام، المقيمين بدار الشرك: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم أحب إليكم من الله ورسوله، ولكن الخطاب بعمومه يعم جميع المسلمين إلى يوم القيامة (٥).\n_________\n(١) ينظر: تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (١/ ١٩٣)، والكشف والبيان للثعلبي (٢/ ٣٣)، والكشاف للزمخشري (١/ ٢١١).\n(٢) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٢٣٧).\n(٣) ينظر: معاني القرآن وإعرابه للزجاج (١/ ٢٣٧)، والنكت والعيون للماوردي (١/ ٢١٨).\n(٤) ينظر: جامع البيان للطبري (١١/ ٣٨٤).\n(٥) ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٣٨٤)، وفتح القدير للشوكاني (٢/ ٣٩٥).","vol":"1","page":334},{"text":"﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أي اكتسبتموها وحصلتموها بمكة، وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره (١).\n﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾: أي تجارةً تخشون فواتها وذهابها؛ لأنكم بهجرتكم وفراقكم لبلدكم ستتركونها (٢).\n﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: أي منازلكم بمكة التي تحبونها لجمالها وحسنها، وتعجبكم الإقامة فيها (٣).\n﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِي﴾: أي: من الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.\n﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: هذا وعيد، أي فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم.\n﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: أي: بعذابه وعقوبته عاجلة أو آجلة.\n﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الفاسقين الخارجين عن الطاعة، وهذا تهديدٌ لهؤلاء بحرمان الهداية (٤).\nومناسبة الآية للباب: أن فيها وجوب محبة الله ورسوله، ووجوب تقديم محبتهما ومحبة ما يحبانهما، كما دلت على تحريم تقديم حب شيء من متاع الدنيا على حب الله ورسوله؛ لأن الحب من أصل العبادة، وصرفه لغير الله شركٌ (٥).\n_________\n(١) ينظر: تفسير الطبري (١١/ ٣٨٤)، وتفسير القرطبي (٨/ ٩٥)، وتفسير ابن كثير (٤/ ١٠٩).\n(٢) ينظر: جامع البيان للطبري (١١/ ٣٨٤)، وتأويلات أهل السنة للماتريدي (٥/ ٣٢٣).\n(٣) ينظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٤٨)، وتفسير القرطبي (٨/ ٩٥).\n(٤) ينظر: تفسير البغوي (٤/ ٢٥)، والوجيز للواحدي ص (٤٥٨).\n(٥) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٥٠).","vol":"1","page":335},{"text":"عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\n«عَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: ...» الحديث رواه البخاري ومسلم (١).\n«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ»: أي لا يكمل إيمان من يدعي الإيمان، ولا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ويستحق به دخول الجنة بلا عذاب، والمراد نفي كمال الإيمان الواجب (٢).\n«حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ»: المراد بهذه المحبة: المحبة الشرعية، وليس المراد بهذا المحبة الطبيعية؛ فإنه يجب على المسلمين أن يحبوا رسول الله - ﷺ - أكثر من أنفسهم وأولادهم (٣).\n«مِنْ وَلَدِهِ»: «يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد؛ لأن تعلق القلب به أشد من تعلقه بأبيه غالبًا» (٤).\n«وَوَالِدِهِ»: «يشمل أباه، وجده وإن علا، وأمه، وجدته وإن علت» (٥).\n«وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»: هو من عطف العام على الخاص (٦).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٢) رقم (١٥)، ومسلم في صحيحه (١/ ٦٧) رقم (٤٤) من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنس - ﵁ -.\n(٢) ينظر: مرعاة المفاتيح (١/ ٤٩)، وتيسير العزيز الحميد ص (٤٠٧)، وفتح المجيد ص (٣٣٦).\n(٣) ينظر: كشف المشكل لابن الجوزي (٣/ ٢٣١).\n(٤) القول المفيد (٢/ ٥٠).\n(٥) القول المفيد (٢/ ٥٠).\n(٦) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٠٨).","vol":"1","page":336},{"text":"وَلَهُمَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:\n•---------------------------------•\n«ومحبة رسول الله - ﷺ - تكون لأمور:\nالأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء؛ فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.\nالثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.\nالثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.\nالرابع: أنه سبب هدايتك وتعليمك وتوجيهك» (١).\nوخلاصة دلالة الحديث: وجوب محبة الله ورسوله، وتقديم محبتهما على ما سواهما؛ من الولد والوالد والناس أجمعين؛ وحقيقة الإيمان مشروطة بذلك؛ لأن المحبة عبادة، وصرفها لغير الله تعالى شرك أكبر (٢).\n«وَلَهُمَا عَنْهُ»: أي البخاري ومسلم (٣).\n«وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ»: هذا بمعنى حديث: ذاق طعم الإيمان (٤). «قال العلماء ﵏: معنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضى الله - ﷿ - ورسوله - ﷺ -، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، ومحبة العبد ربه ﷾ بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله - ﷺ -» (٥).\n_________\n(١) القول المفيد ٢/ ١٨٢ - ١٨٣.\n(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٥٣)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٥٢).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ١٢) رقم (١٦)،\nومسلم في صحيحه (١/ ٦٦) رقم (٤٣) من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس - ﵁ -.\n(٤) ينظر: إكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ٢٧٨).\n(٥) شرح مسلم للنووي (٢/ ١٣).","vol":"1","page":337},{"text":"أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».\n•---------------------------------•\n«أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا»: يحبهما محبةً قلبية حقيقية أكثر من أي شيءٍ آخر، ومن محبة الله ومحبة رسوله: الاستقامة على شريعته؛ بالتزام أوامره، واجتناب نواهيه، والوقوف عند حدوده، ومحبة أهل ملته (١).\n«وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله»: المقصود محبة المرء لأخيه لوجه الله، لا يحبه لقرابته، ولا لماله، ولا لجاهه، ولا لشيء من عرض الدنيا (٢).\n«وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ»: أي يرجع أو يتحول، ومعناه يصير، وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة (٣)؛ فيكون الحديث عامًّا في حق من كان كافرًا ثم أسلم، أو المسلم المولود على الإسلام.\n«بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ»: أي: أنقذه من الكفر «والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً؛ بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة» (٤).\n«كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»: يرى أنه لو قُذِفَ في النار أهون عليه من أن يعود كافرًا بعد إسلامه.\n_________\n(١) ينظر: إكمال المعلم (١/ ٢٧٩)، والتوضيح لشرح الجامع الصحيح (٢/ ٥٢٨).\n(٢) ينظر: شرح رياض الصالحين (٣/ ٢٥٩)\n(٣) ينظر: شرح مسلم للنووي (٢/ ١٤)، ومرقاة المفاتيح (١/ ٧٥).\n(٤) فتح الباري لابن حجر (١/ ٦٢).","vol":"1","page":338},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى ...» إِلَى آخِرِهِ.\nوَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ فِي الله، .......................\n•---------------------------------•\n«وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ»: هذه الرواية في صحيح البخاري (١).\nوخلاصة المقصود من الحديث: وجوب تقديم محبة الله ورسوله - ﷺ - على محبة ما سواهما، ومحبة المؤمنين في الله تعالى، وكراهة العود إلى الكفر (٢).\nأثر ابن عباس عزاه المصنف لابن جرير، ولم أقف عليه في تفسيره، وهو عند غيره، بلفظ: «أَحِبَّ الله، وَأَبْغِضْ الله، وَعَادِ فِي الله، وَوَالِ فِي الله، فَإِنَّهُ لَا تُنَالُ وِلَايَةُ الله ...» (٣).\n«مَنْ أَحَبَّ فِي الله»: أي: أحب المسلمين والمؤمنين في ذات الله - ﷿ -؛ لإسلامهم وإيمانهم.\n_________\n(١) أخرجها البخاري في صحيحه (٨/ ١٤) رقم (٦٠٤١) عن آدم، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس ابن مالك ﵁.\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٥٤).\n(٣) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ١٢٠، ١٢١) رقم (٣٥٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١٣٤) رقم (٣٤٧٧٠) مختصرًا، والعدني في كتاب الإيمان ص (١٢٨)، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان ص (٦٩) رقم (٢٢) مختصرًا، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٤٠٦) رقم (٣٩٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٠٦) رقم (١٦٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢/ ٧٧) رقم (٩٠٦٩) مختصرًا.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤١٧) رقم (١٣٥٣٧) من كلام ابن عمر،\nوأخرجه أبو نُعَيْم في حلية الأولياء (١/ ٣١٢) عن ابن عمر مرفوعًا!، ولم أقف عليه عند ابن جرير في تفسيره، ولم يعزه إليه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٨٧).\nوالأثر فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.","vol":"1","page":339},{"text":"وَأَبْغَضَ فِي الله، وَوَالَى فِي الله، وَعَادَى فِي الله، فَإِنَّمَا تُنَالُ وِلَايَةُ الله بِذَلِكَ، وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيْمَانِ، وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، ذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شيئًا». رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.\n•---------------------------------•\n«وَأَبْغَضَ فِي الله»: أي: أبغض الكفار والمشركين والمنافقين في الله؛ لكفرهم وشركهم ونفاقهم (١).\n«وَوَالَى فِي الله»: أي: أحب وناصر في الله، والموالاة هي لازم من لوازم المحبة في الله.\n«وَعَادَى فِي الله»: «هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، أي: إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم، والبعد عنهم باطنًا وظاهرًا» (٢).\n«فَإِنَّمَا تُنَالُ ولَايَةُ الله بِذَلِكَ»: (وَلاية) بفتح الواو من الوَلاية، أي توليه لعبده ومحبته ونصرته، وحكى بعضهم وجه آخر الولاية بكسر الواو من الإمارة (٣) والصواب أنها بالفتح (٤).\nوالمعنى: لا يحصل الإنسان على محبة الله ونصرته إلا بهذه الأمور (٥).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤١٣)، وقرة عيون الموحدين ص (١٦٤).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤١٣).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤١٤).\n(٤) ينظر: فتح المجيد ص (٣٤٠).\n(٥) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":340},{"text":"«وَلَنْ يَجِدَ عَبْدٌ طَعْمَ الإِيْمَانِ، وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصَوْمُهُ، حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ»: هذا مصداق حديث النبي - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ لله، وَأَبْغَضَ لله، وَأَعْطَى لله، وَمَنَعَ لله فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ» (١).\n«وَقَدْ صَارَتْ عَامَّةُ مُؤَاخَاةِ النَّاسِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا»: «وهذا هو الغالب على أكثر الخلق: محبة دنياهم، وإيثار ما يهوونه على ما يحبه الله ورسوله» (٢).\n«ذَلِكَ لَا يُجْدِي عَلَى أَهْلِهِ شيئًا»: أي ذلك يضرهم ولا ينفعهم في الدار الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزُّخرُف: ٦٧] (٣).\nويستفاد من أثر ابن عباس ﵄: أن لله تعالى أولياء، وهذا ثابت بنص القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فلله أولياء يتولون أمره، ويقيمون دينه، وهو يتولاهم بالمعونة والتسديد والحفظ والتوفيق، والميزان لهذه الولاية قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].\nو«مناسبة الأثر للباب: أن حصول محبة الله لعبده ونصرته له مشروطٌ بأمور، منها:\nأولًا: محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالقلب.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٢٠) رقم (٤٦٨١)، وإسناده حسن.\n(٢) قرة عيون الموحدين ص (١٦٥).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤١٤).","vol":"1","page":341},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، قَالَ: (المَوَدَّةُ).\n•---------------------------------•\nثانيًا: إظهار محبة أولياء الله وبغض أعدائه بالفعل من مناصرة أوليائه وجهاد أعدائه» (١).\n«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - ...» كلام ابن عباس هذا (٢) يفسره ويوضحه بصورة أكبر كلام لقتادة - ﵀ - في تفسير هذه الآية:\nقال قتادة: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: أسباب الندامة يوم القيامة، وأسباب المواصلة التي كانت بينهم في الدنيا يتواصلون بها، ويتحابون بها، فصارت عليهم عداوة يوم القيامة، ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضًا، ويتبرأ بعضكم من بعض، قال الله تعالى ذكره: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزُّخرُف: ٦٧]؛ فصارت كل خلة عداوة على أهلها إلا خلة المتقين» (٣).\nوهذا كلام نفيس من قتادة - ﵀ - لا يحتمل المزيد.\nو«مناسبة تفسير ابن عباس للباب وللتوحيد: أنه أفاد أن المودة إذا لم تكن لله سيخسرها صاحبها يوم القيامة؛ لأنها إشراك مع الله في المحبة» (٤).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٥٦).\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٢٧٨) رقم (١٤٩٢)، والطبري في تفسيره (٣/ ٢٧) رقم (٢٤٢٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٩) رقم (٣٠٧٦)، وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٣/ ٢٧) رقم (٢٤٢٤).\n(٤) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٨٥).","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾</span>.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان وجوب تعليق الخوف والخشية بالله وحده، والحذر من صرفهما للمخلوقين، وبيان أَنَّ صرف ذلك لغير الله تعالى هو عين الشرك.\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد جلية: وهي أَنَّ الخوف عبادة من العبادات التي لا ينبغي صرفها إلا لله تعالى، ولو صَرَفَهَا العبد لأحد من المخلوقين كان ذلك شركًا مناقضًا للتوحيد الخالص (١).\nثم مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله على وجه الخصوص: هي أَنَّ العبادة تقوم على عمودين: وهما عمودا المحبة والخوف، فلما ذكر المصنف في الباب السابق موضوع المحبة؛ ناسب أن يذكر هنا الخوف، فهذا الباب يُعَدُّ مكملًا لما قبله (٢).\n﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ هذه الآية فيها تقدير محذوف: (يخوفكم من أوليائه)، يعني أن: الشيطان يخوفكم بأوليائه، أو يعظم أولياءه في صدوركم فتخافوهم (٣).\nوقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ هذا نهي من الله تعالى للمؤمنين أن يخافوا غيره، وأمرٌ لهم أن يقصروا خوفهم على الله (٤).\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٥٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٦٦).\n(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٦٦).\n(٣) ينظر: تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٣٤٤).\n(٤) ينظر: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٥).","vol":"1","page":343},{"text":"والنهي يقتضي التحريم، والأمر يقتضي الوجوب.\nقال ابن القيم - ﵀ -: «ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوِّف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان» (١).\nوقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جعل الخوف منه شرطًا في الإيمان؛ لأن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس، ولأن من عرف أن الخوف عبادة، وصرفه لغير الله شرك، لم يصرفه لغيره (٢)؛ «فكلما قوى إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوى خوفه منهم» (٣).\nومناسبة الآية للتوحيد: أنها دلت على وجوب إخلاص الخوف لله؛ لذا يكون الخوف نوعًا من العبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك (٤).\nأقسام الخوف:\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-160>الخوف من غير الله ينقسم إلى أربعة أقسام:</span>\nأحدها: خوف السر: وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء، فهذا الخوف لا يجوز تعليقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندًّا يخافه هذا الخوف فهو مشرك.\n_________\n(١) إغاثة اللهفان (١/ ١١٠).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٢٤٤).\n(٣) إغاثة اللهفان (١/ ١١٠).\n(٤) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٢٨٧).","vol":"1","page":344},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ١٨].\n•---------------------------------•\nوهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم، ولهذا يخوفون بها أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل ﵊ فقال لهم: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ [الأنعام: ٨٠، ٨١].\nالثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلَّا لخوف من الناس، فهذا محرم.\nالثالث: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو، وسبع، وهدم، وغرق، ونحو ذلك، فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى ﵊ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١].\nالرابع: خوفُ وعيد الله الذي توعد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وهو من أعلى مراتب الإيمان.\nقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الشاهد من هذه الآية هو قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يعني: ولم يخف في الدين غير الله، ولم يترك أمرًا لخشية الناس (١).\n_________\n(١) تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٣٤٦).","vol":"1","page":345},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية [العنكبوت: ١٠].\n•---------------------------------•\nفهنا نفي وإثبات، وهما يدلان على الحصر والقصر والاختصاص (١)، وهذا يدل على أن الخشية يجب أن تكون لله خالصة.\nوالمراد بالخشية في الآية خشية المحبة والتعظيم والعبادة والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره ويخشى المحاذير الدنياوية، وينبغي أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه.\n«والخشية نوع من الخوف، لكنها أخص منه، والفرق بينهما:\n١) أن الخشية تكون مع العلم بالمخشي وحاله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، والخوف قد يكون من الجاهل.\n٢) أن الخشية تكون بسبب عظمة المخشي، بخلاف الخوف؛ فقد يكون من ضعف الخائف لا من قوة المخوف» (٢).\nودلالة الآية على مقصود الترجمة: هو أن الخشية خوفٌ مقرونٌ بعلم، وجعلها الله - ﷿ - من وصف عامري مساجد الله مدحًا لهم بعد أن نفاها عن المشركين، فهي من عبادات المؤمنين التي يتقربون بها إلى الله، وصرف العبادة لغير الله شرك.\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، دلالة الآية على مقصود الترجمة: أنها تتضمن ذمَّ من جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ فيترك الواجب عليه لخوفه منهم أن ينالوه بما يكره، وذلك من جملة الخوف من غير الله (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٧٢، ٧٣).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٧٣).\n(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٧٤، ٧٥)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٧١).","vol":"1","page":346},{"text":"عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: ...........................................\n•---------------------------------•\n﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: أصابه بلاء من الناس بسبب إيمانه فافتتن، ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة.\n«عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا ...» الحديث عزاه المصنف لابن حبان، وهو عند غيره، وهو مرفوعًا ضعيف جدًّا (١)، وصح موقوفًا على ابن مسعود.\n_________\n(١) أخرجه أبو الفرج النهرواني في الجليس الصالح ص (٤٥)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ١٠٦)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٨٢) رقم (٢٠٣) من طريق علي بن محمد السدي،\nوالسلمي في طبقات الصوفية ص (٦٨)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤١) من طريق أبي يزيد البسطامي،\nوالبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٨٢) رقم (٢٠٣)، وأبو طاهر السِّلَفي في الطيوريات (٣/ ١٢١٧) من طريق موسى بن هلال،\nثلاثتهم (علي بن محمد السدي، وأبو يزيد البسطامي، وموسى بن هلال) عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ - ... الحديث.\nوتحرَّف في المطبوع من شعب الإيمان (موسى بن هلال) إلى (موسى بن بلال).\nوالحديث في إسناده علتان:\nالأولى: محمد بن مروان السدي، وهو متهم بالكذب. ينظر: تقريب التهذيب ص (٥٠٦).\nوالثانية: عطية بن سعد العوفي، وهو ضعيف. ينظر: الكاشف (٢/ ٢٧).\nوالحديث روي عن ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا:\nفالمرفوع: أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٢١٥) رقم (١٠٥١٤)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٢١)، و(٧/ ١٣٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ٩١) رقم (٩٤٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٨٣) رقم (٢٠٤)، والأربعون الصغرى ص (٩٨) رقم (٥٠) من طريق خيثمة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وإسناده ضعيف.\nوأما الموقوف: فأخرجه هنادُ بنُ السري في الزهد (١/ ٣٠٤) رقم (٥٣٥)، وابن أبي الدنيا في اليقين ص (٤٧) رقم (٣١)، وابن الأعرابي في معجمه (٢/ ٧٣٥) رقم (١٤٩١)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٨٤) رقم (٢٠٥) من طريق موسى بن أبي عيسى، عن ابن مسعود موقوفًا. وإسناده حسن.","vol":"1","page":347},{"text":"«إِنَّ مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ أَنْ تُرْضيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله، وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ الله، وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ الله، إِنَّ رِزْقَ الله لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.\n•---------------------------------•\nودلالة الحديث على مقصود الترجمة أن ضعف اليقين يكون بضعف الإيمان، والإيمان يضعف إما بترك واجب أو فعل مُحَرَّم، فدل على أن إرضاء الناس بسخط الله معصية وذنب ومحرم، ولأن هؤلاء آثروا رضا المخلوقين على رضا الله، بسبب خوف أو رجاء، فيكون نوعًا من شرك الخوف.\n«إِنَّ مِنْ ضَعْفِ اليَقِينِ» واليقين المراد به: الإيمان كله.\n«تُرْضيَ النَّاسَ بِسَخَطِ الله» أي: تؤثر رضاهم على رضى الله، فتوافقهم على ترك المأمور، أو فعل المحظور استجلابًا لرضاهم (١)، وذلك بأن تترك شيئًا أوجبه الله عليك، أو تفعل شيئا حرمه الله عليك خوفا أو رجاء لغير الله تعالى، وتؤثر رضا المخلوق بما يسخط الخالق (٢).\nما نوع الباء في قوله: «بِسَخَطِ الله»؟\nالباء للعوض، يعني: أي تجعل عوض إرضاء الناس سخط الله، فتستبدل هذا بهذا؛ فهذا من ضعف اليقين.\n«وَأَنْ تَحْمَدَهُمْ عَلَى رِزْقِ الله» أي: تحمدهم وتشكرهم على ما وصل إليك على أيديهم من رزق، بأن تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة وهو الله رب العالمين الذي قدر هذا الرزق لك، وأوصله إليك. قال سبحانه: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٢٣).\n(٢) تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٣٤٧).","vol":"1","page":348},{"text":"وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ:\n•---------------------------------•\n«وَأَنْ تَذُمَّهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ الله» أي: إذا طلبتهم شيئًا فمنعوك ذممتهم على ذلك.\nقوله: «إِنَّ رِزْقَ الله لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ» فالذي يرزق هو الله تعالى، وكم من إنسان يفعل أسبابًا كثيرة للرزق ولا يرزق، وكم من إنسان يفعل أسبابًا قليلة فيرزق، وكم من إنسان يأتيه الرزق بلا سعي.\nوقوله: «وَلَا يَرُدُّهُ كَرَاهِيَةُ كَارِهٍ» أي: أن رزق الله إذا قدر للعبد، فلن يمنعه كراهية كاره؛ فكم من إنسان حسده الناس، وحاولوا منع رزق الله، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا.\n«وَعَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ...» الحديث رواه ابن حبان وغيره، وهو حسن (١).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٦٦) رقم (١٩٩)، ومن طريقه إسحاق بن راهويه في مسنده (٢/ ٦٠٠) رقم (١١٧٥)، والترمذي في جامعه (٤/ ٦٠٩) رقم (٢٤١٤)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨/ ١٥٣٣) رقم (٢٧٨٨)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٤١٠، ٤١١) عن عبد الوهاب بن الورد، عن رجل من أهل المدينة، قال: كتب معاوية إلى عائشة: أن اكتبي إلي بكتاب توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت: من عائشة إلى معاوية: سلام عليك، أما بعد، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله ﷿ وَكَلَهُ الله ﷿ إِلَى النَّاسِ».\nوالحديث إسناده ضعيف لجهالة الرجل الذي لم يسم.\nوأخرجه ابن الجعد في مسنده ص (٢٤١) رقم (١٥٩٣)، وأحمد في الزهد ص (١٣٥) رقم (٩١٠)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٤٤٠) رقم (١٥٢٤)، وأبو داود في الزهد ص (٢٧٧) رقم (٣١٥)، والترمذي في العلل ص (٣٣٢) رقم (٦١٦)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٥١١) رقم (٢٧٧)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٠١) رقم (٥٠١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٧٤) رقم (١٠٥٩)، وفي الزهد ص (٣٣٢) رقم (٨٩٠) من طريق =","vol":"1","page":349},{"text":"«مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁ وَأَرْضى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله سَخِطَ الله عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.\n•---------------------------------•\n«مَنِ الْتَمَسَ رِضَا الله بِسَخَطِ النَّاسِ» أي: طلب أسباب رضاه (١)، ولو سخط منه الناس، وهذا شرط.\n«﵁ وَأَرْضى عَنْهُ النَّاسَ» وهذا ظاهر، فإذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة ﵁؛ لأنه أكرَمُ مِنْ عَبْدِه، وأرضى عنه الناس، وذلك بما يلقي في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته (٢). وهذا جواب الشرط.\n«وَمَنِ التَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ الله» أي: طلب ما يرضي الناس، ولو كان يسخط الله.\n_________\n= القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: «مَنْ أَرْضَى النَّاسَ بِسَخَطِ الله، وَكَلَهُ الله إِلَى النَّاسِ، وَمَنْ أَسْخَطَ النَّاسَ بِرَضَا الله كَفَاهُ الله النَّاسَ». وهو موقوف على عائشة، وإسناده صحيح.\nوأخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٦٠٩)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٥١٠) رقم (٢٧٦)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (٨/ ١٨٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٠٠) رقم (٤٩٩)، و(١/ ٣٠١) رقم (٥٠٠) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٢٠) رقم (٦٥٦٨) من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة، مرفوعًا باللفظ الذي ذكره المصنف. وإسناده حسن، وعند الترمذي موقوف على عائشة وإسناده صحيح.\nوأخرجه القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٢٧٥) رقم (٤٤٧)، والبيهقي في الزهد ص (٣٣٢) رقم (٨٨٩) من طريق أبي مالك، عن عائشة - ﵂ - قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «مَنْ آثَرَ مَحَبَّةَ الله عَلَى مَحَبَّةِ النَّاسِ كَفَاهُ الله مُؤْنَةَ النَّاسِ»، وعند البيهقي: «مَنْ آثَرَ مَحَامِدَ الله عَلَى مَحَامِدِ النَّاسِ كَفَاهُ مَئُونَةَ النَّاسِ».\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٢٥).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٨١).","vol":"1","page":350},{"text":"فنتيجة ذلك أن يعامل بنقيض قصده، لهذا قال: (سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)؛ فألقى في قلوبهم سخطه وكراهيته.\nمناسبة الحديث للترجمة: قوله: «ومن التمس رضا الناس بسخط الله»؛ أي: خوفًا منهم حتى يرضوا عنه، فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى (١).\n_________\n(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٨٢).","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾</span>.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان أَنَّ التوكل -الذي هو الاعتماد المطلق- عبادة من العبادات التي تصرف لله تعالى، وهو من أعظم العبادات، ومن أعلى مقامات التوحيد، وصَرْفُه لغير الله تعالى شركٌ أكبر مخرجٌ عن الملة.\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ التوكل عبادةٌ يجب صرفها لله وحده، والتوكل على غير الله يعد قدحًا في التوحيد، بل نقضًا له، ووقوعًا في الشرك بالله تعالى (١).\nومناسبة الباب للأبواب السابقة: أَنَّ المصنف بدأ الباب السابق بالخوف من الله، والذي قبله بمحبة الله، ثم ثَلَّثَ بهذا الباب المتعلق بالتوكل، وهذه الأشياء الثلاثة يجمعها أنها من أعظم أعمال القلوب المرتبطة بعبادة الله تعالى، ولذلك ناسب أن يذكرها متتابعة على هذا النسق.\nوالتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار.\nقال السعدي - ﵀ -: «التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان، وبحسب قوة توكل العبد على الله يقوى إيمانه، ويتم توحيده» (٢).\nقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مناسبة الآية لمقصود الترجمة من وجهين:\nالأول: أن هذه الآية أمرت بالتوكل على الله وحده، ودلت على وجوبه، وأنه عبادة تصرف لله وحده، وصرفها لغيره شركٌ.\n_________\n(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٦٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٦٨).\n(٢) القول السديد ٩١، ٩٢.","vol":"1","page":352},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\n•---------------------------------•\nوالثاني: أنها جعلت التوكل شرط الإيمان؛ لأنه لا يصح إلا به، وما كان شرطًا للإيمان فهو عبادة (١).\nوالتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٢):\nالأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، وهذا خاص بالله؛ ومن صرفه لغير الله فهو مشرك شركًا أكبر.\nالثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، واعتقاد أنه سبب رزقه مع اعتماد القلب عليه اعتمادًا غير مطلق، فإن كان مطلقًا فهو الشرك الأكبر، وإن كان غير مطلق فهو شركٌ أصغر.\nالثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصًا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه؛ لأنه جعله نائبًا عنه.\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾: المؤمنون الصادقون في إيمانهم (٣).\n﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي خافت، وفرقت (٤).\n﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: فيه إثبات أن الإيمان يزيد ويتفاضل كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وعليه إجماعهم حكاه الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم (٥).\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٧٦، ٣٧٧).\n(٢) ينظر: القول المفيد ٢/ ٨٩.\n(٣) ينظر: تفسير البغوي (٣/ ٣٢٦)، والتوضيح الرشيد ص (٢٩٥).\n(٤) تفسير الطبري (١١/ ٢٨).\n(٥) تفسير ابن كثير (٤/ ١٢).","vol":"1","page":353},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n•---------------------------------•\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: هذا محل الشاهد من الآية للباب، فهي مثل الآية التي قبلها: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: ٢٣] (١)، وفي الآيتين تقديم وتأخير، فالأصل تقديم الفعل وتأخير الجار والمجرور، والقاعدة تقول: إن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، والقصر، والاختصار، فيكون المعنى أن التوكل خاص بالله مقتصر عليه، وصرفه لغيره شرك، وهذا هو وجه الدلالة من الآية.\nقوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: أي أن الله تعالى كافيك بالنصر والعون لك (٢).\n﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: هذه فيها وجهان:\nالأول: يكفيك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين؛ فتكون (مَن) في موضع نصب.\nوالثاني: يكفيك الله أن تتوكل عليه، ويكفيك المؤمنون أن تقاتل بهم؛ فتكون (مَن) في موضع رفع (٣).\nوالصواب القول الأول (٤).\nومطابقة الآية للترجمة: أن الله تعالى حَسْبُ من توكل عليه وكافيه وناصره؛ فدل ذلك على أن الله سبحانه أمر عباده بإفراده بالحسب؛ حتى يكون كافيهم من أعدائهم؛ وهذا هو التوكل عليه (٥).\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٦٢).\n(٢) ينظر: بحر العلوم للسمرقندي (٢/ ٣٠).\n(٣) النكت والعيون (٢/ ٣٣١)، وتفسير السمعاني (٢/ ٢٧٧).\n(٤) ينظر: القول المفيد (٢/ ٩٨)، وفوائد من شرح كتاب التوحيد ص (٩٤).\n(٥) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٣١)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٧٨).","vol":"1","page":354},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.\nوَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ - ﵇ - حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - ﷺ - حِينَ قَالُوا لَهُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية. رَوَاهُ البُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.\n•---------------------------------•\n﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]: «أي كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش» (١).\nومناسبة الآية للباب: أنها دلت على وجوب التوكل على الله؛ لأن الله بالتوكل يحفظ عبده ويكفيه (٢).\nقوله: «وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ» أثر ابن عباس رواه البخاري والنسائي (٣) كما ذكر المصنف.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وقول ابن عباس ﵄: (إن إبراهيم قالها حين ألقى في النار) قول لا مجال للرأي فيه؛ فيكون له حكم الرفع» (٤).\n«حَسْبُنَا اللهُ» أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه.\n_________\n(١) بدائع الفوائد (٢/ ٢٣٩).\n(٢) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٠٢).\n(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٣٩) رقم (٤٥٦٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٢٢٣) رقم (١٠٣٦٤) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس - ﵁ -. وعزو المصنف للنسائي قد يوهم أنه في السنن الصغري وليس كذلك.\n(٤) القول المفيد (٢/ ٩٧).","vol":"1","page":355},{"text":"«وَنِعْمَ الوَكِيلُ» أي: نعم الموكل إليه المتوكل عليه (١).\nقوله: (وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا له ... الحديث) هذا في نص القرآن لما انصرف أبو سفيان من أُحُد أراد أن يرجع إلى النبي - ﷺ - وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبًا، فقال لهم: إلى أين تذهبون؟ قالوا: نذهب إلى المدينة، قال: بلغوا محمدًا وأصحابه أنَّا راجعون إليهم فقاضون عليهم. فجاء الركب إلى المدينة، فبلغوهم؛ فقال رسول الله - ﷺ - ومن معه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وخرجوا في نحو سبعين راكبًا، حتى بلغوا حمراء الأسد، ثم إن أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكة (٢)، وهذا من كفاية الله لرسوله وللمؤمنين؛ حيث اعتمدوا عليه تعالى.\nومناسبة الأثر للباب: أن «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ»، وهي كلمة التفويض، تدل على التوكل على الله في دفع كيد الأعداء (٣)، وصرفه لغير الله شرك.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٣٣).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣/ ٥١٨، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٨٤، ونسبه لابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي في (الدلائل).\n(٣) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٧١، ٢٧٢).","vol":"1","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [</span>الأعراف: ٩٩].\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: الإشارة إلى أهمية جمع العبد المؤمن بين الخوف والرجاء؛ ذلك لأن ترك الخوف من الله يؤدي إلى أمن مكره، وترك الرجاء يؤدي إلى القنوط من رحمته تعالى، وكلاهما ينافيان كمال التوحيد.\nفأرشد المؤلف إلى وجوب طيران العبد إلى الله تعالى بجناحين كجناحي طائر هما (الخوف، والرجاء)، وبغيرهما لا يصل إلى المولى ﵎ (١).\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أن عدم الخوف والرجاء المؤدي إلى أمن مكر الله والقنوط من رحمته ينافي كمال التوحيد وينقصه (٢).\nقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هو الشاهد من الآية، وهي في سياق ما ذكره الله عن الأمم الكافرة التي أحل الله بها عقوباته من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب.\n﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هذا استنكار من الله سبحانه على من يغتر بالنعم وينسى العقوبة أن يأخذهم على غرة وهم آمنون منعمون، ثم ينقلهم من النعمة إلى النقمة، ومن الصحة إلى الألم والمرض، ومن الوجود إلى العدم.\n﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: لا يأمن عقوبة الله التي تنزل خفية ومن غير تأهب ومن غير توقع لها.\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٥٥)، والقول السديد ص (١٢٢).\n(٢) ينظر: فتح المجيد ص (٣٥٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٧٣).","vol":"1","page":357},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجر: ٥٦].\n•---------------------------------•\n﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين حقت عليهم الخسارة التي لا ربح معها أبدا ولا نجاة منها أبدا (١).\nومناسبة الآية للباب: أنها نبهت على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح (٢). وهذا هو مقام الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\nقوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ هذا استفهام إنكار من الله ﷾، وهو بمعنى النفي، أي: لا أحد يقنط من رحمة ربه إلا الضالون. والقنوط: استبعاد الفرج واليأس منه (٣).\nوللقنوط من رحمة الله واليأس من رَوْحه سببان محذوران:\nأحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها، فيقوده ذلك إلى القنوط.\n_________\n(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٧٠، ٧١).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٣٧)، وفتح المجيد ص (٣٥٩).\n(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٣٥٩)، وإعانة المستفيد (٢/ ٧٢).","vol":"1","page":358},{"text":"وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الكَبَائِرِ؟، فَقَالَ: «الشركُ بالله، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» رواه البزار.\n•---------------------------------•\nالثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييأس من الرحمة.\nفلو عرف هذا العبدُ ربه ولم يُخلِد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه (١).\nقوله: «وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -» حديث ابن عباس رواه البزار وغيره (٢)، وصححه بعضهم، إلا أن في سنده مقالًا (٣)، والأقرب أنه موقوف.\n_________\n(١) القول السديد للسعدي ص (١٢٢، ١٢٣) -بتصرف-.\n(٢) أخرجه البزار في مسنده كما في (كشف الأستار) (١/ ٧١) رقم (١٠٦) من طريق عبد الله بن إسحاق العطار،\nوابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٣١) من طريق عمرو بن أبي عاصم النبيل،\nكلاهما (عبد الله بن إسحاق، وعمرو بن أبي عاصم) عن أبي عاصم النبيل عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: «الشِّرْكُ بِالله، وَالإِياسُ مِنْ رَوحِ الله، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله».\nوالحديث عند الطبراني في المعجم الأوسط كما في (الدر المنثور) (٢/ ٥٠٢، ٥٠٣).\n(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٠٤): «رواه البزار والطبراني، ورجاله موثقون». وحسنه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ص (١٣٥٢)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٠٢).\nوالحديث فيه علتان:\nالعلة الأولى: شبيب بن بشر. قال أبو حاتم فيه: «لين الحديث». الجرح والتعديل (٤/ ٣٥٧).\nالعلة الثانية: الوقف، فالصواب في الحديث أنه موقوف، قال الدارقطني في العلل (٥/ ٣٤٢): «وهو الصواب»، وقال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٤٣): «في إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا».","vol":"1","page":359},{"text":"وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشراكُ بالله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله، وَالقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ الله، وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله». رَوَاهُ عَبْدُ الرَزَّاقِ.\n•---------------------------------•\n«الشركُ بالله»: هو تنقيص لحق الربوبية والألوهية ولهذا بدأ به.\n«وَاليَأْسُ مِنْ رَوحِ الله وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله» أي: فقد الرجاء من الله فيما يخافه ويرجوه، والأمن من استدراج الله للعبد وسلبه إيمانه (١).\nومناسبة الحديث للباب: أنه جعل اليأس من روح الله، والأمن من مكره من الكبائر، واجتماع الكبيرتين معًا أعظم من كبيرة ترك الخوف أو ترك الرجاء وحده (٢).\nقوله: «وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ -» أثر ابن مسعود رواه عبد الرزاق وغيره، وهو صحيح (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٣٩)، وفتح المجيد ص (٣٦٠)، والقول المفيد (٢/ ١٠٦).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٨٦) بتصرف.\n(٣) أخرجه معمر في جامعه (١٠/ ٤٥٩) رقم (١٩٧٠١)، ومن طريقه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٤٤٨) رقم (٥٥٦)، والطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٨) رقم (٩١٩٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٥٦) رقم (٨٧٨٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٣٤٠) رقم (١٠١٩) من طريق أبي إسحاق،\nوابن أبي الدنيا في التوبة ص (٥٤) رقم (٣١)، والطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٨) رقم (٩١٩٢)، و(٩١٩٤) من طريق الأعمش،\nوالطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٨) رقم (٩١٩١)، و(٩١٩٣) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦/ ١١١٠) رقم (١٩٢١) من طريق مطرف،\nثلاثتهم (أبو إسحاق، والأعمش، ومطرف) عن وبرة بن عبد الرحمن،\nوالطبري في تفسيره (٦/ ٦٤٨) رقم (٩١٩٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٥٦) رقم (٨٧٨٣) من طريق عبد الملك بن ميسرة، =","vol":"1","page":360},{"text":"«أَكْبَرُ الكَبَائِرِ: الإِشراكُ بالله، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ الله ...» إلخ.\n«في هذا الأثر ما في الحديث قبله، لكن هنا فصل في القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، فجعل القنوط من رحمة الله شيئا، وجعل اليأس من روح الله شيئا آخر، وهذا باعتبار بعض الصفات لا باعتبار أصل المعنى، وإلا فإن القنوط من الرحمة واليأس من الروح بمعنى واحد، لكن يختلفان من حديث ما يتناوله هذا ويتناوله هذا، فالقنوط من رحمة الله عام؛ لأن الرحمة أعم من الروح، والرحمة تشمل جلب النعم ودفع النقم، وروح الله جل وعلا يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب، فقوله: القنوط من رحمة الله هذا أعم؛ ولهذا قدمه فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام، أو أن يكون هناك ترادف في أصل المعنى، واختلاف في الصفات، أو بعض ما يتعلق باللفظ.\n_________\n= واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٦/ ١١١٠) رقم (١٩٢٢) من طريق عبد العزيز بن رفيع،\nثلاثتهم (وبرة، وعبد الملك، وعبد العزيز) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن ابن مسعود بألفاظ متقاربة مع زيادات في بعضها.\nوورد عند الطبري في أحد طرقه (٦/ ٦٤٨) رقم (٩١٩٢): عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود، دون ذكر أبي الطفيل بينهما.\nوجاء في إسناد الطبراني عن عامر، عن أبي الطفيل، ولعله تحريف؛ لأن عامرًا هو أبو الطفيل.\nوالأثر صحيح، قال ابن كثير في تفسيره (٢/ ٢٧٩): «هو صحيح إليه بلا شك» يعني ابن مسعود - ﵁ -.","vol":"1","page":361},{"text":"فهذا الحديث مع الحديث قبله والآيتين: دلالتهما على ما أراد المؤلف من عقد هذا الباب واحدة، ودلالة الجميع: أن الخوف والرجاء واجب اجتماعهما في القلب وإفراد الله جل وعلا بهما، والمقصود خوف العبادة، ورجاء العبادة» (١).\nوفي الأثر: التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس (٢).\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٨٦، ٣٨٧).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٤٠).","vol":"1","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>بَابٌ مِنَ الإِيمَانِ باللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ الله</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان وجوب الصبر على أقدار الله - ﷾ -، وأَنَّ ذلك من كمال التوحيد، كما أن الجزع والتسخط وعدم الصبر ينافي كمال توحيد الله تعالى. ومراد المصنف بالأقدار هنا الأقدار المؤلمة لا الملائمة؛ لأن الأقدار الملائمة لا تحتاج إلى صبرٍ (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أن الصبر على الأقدار من كمال التوحيد والجزع منافٍ لكماله، كما بَيَّنا (٢).\nوأما موافقة الباب للباب الذي قبله: فالمصنف ذكر في الباب السابق الأمنَ من مكر الله والقنوطَ من رحمته المنافيين لكمال التوحيد مشيرًا بذلك إلى الخوف والرجاء اللذين هما من كمال التوحيد؛ فناسب هنا أن يذكر الصبر على أقدار الله الذي هو من كمال التوحيد أيضًا، ليشير بذلك إلى أن الجزع منافٍ لكمال التوحيد.\n﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ تمام الآية: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١].\nوهذه الآية قد فسرها المصنف بما أورده من أثر عن علقمة:\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٢٥٨).\n(٢) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٧٩)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٧٧).","vol":"1","page":363},{"text":"قَالَ عَلْقَمَةُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصيبُهُ المُصيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ الله، فَيَرْضى وَيُسَلِّمُ.\n•---------------------------------•\nأثر علقمة رواه عبد الرزاق وغيره وهو صحيح الإسناد (١).\nو«قوله: «هُوَ الرَّجُلُ تُصيبُهُ المُصيبَةُ ...» إلى آخره. هذا تفسير للإيمان المذكور في الآية، لكنه تفسير باللازم وهو صحيح؛ لأن هذا اللازم للإيمان الراسخ في القلب» (٢).\nو«مناسبة الأثر للباب: حيث دل الأثر على أن علقمة رحمه الله تعالى يرى أن الصبر على المصائب والتسليم من علامات الإيمان» (٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-169>الصبر ثلاثة أنواع:</span>\nأحدها: الصبر على أقدار الله، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨].\n_________\n(١) أخرجه وكيع في (نسخته عن الأعمش) ص (٥٩) رقم (٥) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١١٠) رقم (٧١٣٣)، وشعب الإيمان (٢٣/ ١٢) رقم (٩٥٠٣)،\nوعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣١٤) رقم (٣٢٢٧) والطبري في تفسيره (٢٣/ ٤٢١) من طريق سفيان بن عيينة،\nوابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه ص (٤٧) رقم (٧) من طريق أبي معاوية،\nوالطبري في تفسيره (٢٣/ ١٢) من طريق أحمد بن بشير،\nوالطبري في تفسيره أيضًا (٢٣/ ١٢) من طريق سفيان الثوري،\nخمستهم (وكيع، وابن عيينة، وأبو معاوية، وأحمد بن بشير، والثوري) عن الأعمش عن أبي ظبيان، قال: «كُنَّا نَعْرِضُ الْمَصَاحِفَ عِنْدَ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ فَمَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْهَا فَقَالَ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ».\nوالأثر صحيح الإسناد، قال صاحب التيسير ص (٤٤٢): «وهو صحيح».\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٤٢).\n(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣١٥).","vol":"1","page":364},{"text":"وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ».\n•---------------------------------•\nوهو الذي عناه علقمة.\nوالنوع الثاني: الصبر على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢].\nوالنوع الثالث: الصبر عن معصية الله.\n«وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» الحديث في صحيح مسلم (١) كما ذكر المصنف.\n«هُمَا» أي الاثنتان.\n«بِهِمْ كُفْرٌ» أي: هما بالناس، أي: فيهم كفر.\n«الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ» أي: عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان مع ثبوت نسبه في ظاهر الشرع ذكره بعضهم.\n«وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ» أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحة: واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك (٢).\nومناسبة الحديث للترجمة: تظهر في الشاهد من الحديث، وهو قوله: «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ»؛ حيث دَلَّ الحديث على تحريم النياحة؛ لأن فيها الجزع والتسخط بالفعل كلطم الخدود وشق الجيوب، وباللسان بالتشكي والعويل والصراخ والولولة.\n_________\n(١) (١/ ٨٢) رقم (٦٧).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٤٣).","vol":"1","page":365},{"text":"وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضربَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ».\n•---------------------------------•\nوكل ذلك من التسخط المنافي للصبر على أقدار الله تعالى، ومن الكفر الأصغر المضاد للتوحيد (١).\n«وَلَهُمَا»: أي: البخاري ومسلم (٢).\n«لَيْسَ مِنَّا»: هذا من نصوص الوعيد، ومعناه: ليس على سنتنا وطريقتنا (٣)، وقد سبق ذكر أقوال أهل العلم في مثل هذا اللفظ.\n«مَنْ ضربَ الخُدُودَ» خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك، وإلَّا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك، بل ولو ضرب غير الوجه كالصدر فكما لو ضرب الخد.\nفعن أبي أمامة: «أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - لَعَنَ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا، وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا، وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ» (٤).\nفأمَّا الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقًا لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب.\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٢٦٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٩٣)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٧٩).\n(٢) صحيح البخاري (٢/ ٨٢) رقم (١٢٩٧)، وصحيح مسلم (١/ ٩٩) رقم (١٠٣) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعًا.\n(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣١٧).\n(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٨٦ رقم (١١٣٤٣)، وابن ماجه ١/ ٥٠٥ رقم (١٥٨٥)، وابن حبان ٧/ ٤٢٧ رقم (٣١٥٦)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٤٦.","vol":"1","page":366},{"text":"نصَّ عليه أحمد لما رواه في (مسنده) عن عائشة: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَوَضَعَ فَمَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، وَقَالَ: وَا نَبِيَّاهْ، وَا خَلِيلَاهْ، وَا صَفِيَّاهْ» (١).\nوكذلك صح عن فاطمة ﵂ أنها ندبت أباها - ﷺ - فقالت: «يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ ...» الحديث (٢).\nواعلم أن الحديث المشروح لا يدل على النهي عن البكاء أصلًا، وإنما يدل على النهي عما يذكر في البكاء من التسخط ونحوه.\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: «البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن مستحب ولا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه» (٣).\nويدل لذلك قوله ﵊ لما مات ابنه إبراهيم: «تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَالله يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ» (٤).\n«وَشَقَّ الجُيُوبَ»: الجيوب جمع جيب، وهو طوق القميص الذي يدخل منه الرأس، وذلك عند المصيبة تسخطا وعدم تحمل لما وقع عليه.\n«وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ»: المقصود بالدعوى هنا كل دعوى منشؤها الجهل (٥).\n_________\n(١) المسند ٦/ ٣١ رقم (٢٤٠٧٥)، أبو يعلى في مسنده رقم (٤٨)، والترمذي في الشمائل رقم (٣٩٢٥).\n(٢) أخرجه البخاري ٤/ ١٦١٩ رقم (٤١٩٣).\n(٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٤٧.\n(٤) أخرجه البخاري ٢/ ٨٣ رقم (١٣٠٣)، ومسلم ٤/ ١٨٠٧ رقم (٢٣١٥).\n(٥) القول المفيد (٢/ ١١٦).","vol":"1","page":367},{"text":"وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ ......\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث للباب: هو أن كلمة «لَيْسَ مِنَّا» تدل على أن هذه الأفعال من الكبائر؛ ولهذا فإن ترك الصبر وإظهار التسخط كبيرة من الكبائر، والمعاصي تنقص الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقص الإيمان ينقص كمال التوحيد، بل إن ترك الصبر مناف لكمال التوحيد الواجب (١).\n«وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ...» الحديث رواه الترمذي وغيره (٢)، وفي سنده ضعف (٣)، وله شواهد يتقوى بها عن عبد الله بن مغفل عند أحمد وابن حبان.\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٣٩٥).\n(٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٦٠١) رقم (٢٣٩٦)، وأبو يعلى في مسنده (٧/ ٢٤٧) رقم (٤٢٥٤)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٩٢) وأبو الشيخ الأصبهاني في العوالي ص (١٥٣) رقم (٤)، والثعلبي في تفسيره (٨/ ٣٢٠)، وابن بشران في أماليه ص (٩٣) رقم (١٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٩١) رقم (٣١٦)، والبغوي في تفسيره (١/ ٤٠٠) وشرح السنة (٥/ ٢٤٥) من طريق الليث بن سعد،\nوالطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٢٩٢) رقم (٢٠٥٠)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٩٦) ِ، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٥١) رقم (٨٧٩٩)، من طريق ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث،\nثلاثتهم (الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث) عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس، مرفوعًا.\n(٣) لأن فيه سعد بن سنان، وقد ضعف. ينظر: ميزان الاعتدال (٢/ ١٢١)؛ ولهذا قال الترمذي: «حسن غريب».","vol":"1","page":368},{"text":"عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشر أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». رواه الترمذي.\n•---------------------------------•\n«عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ» أي: أسرعها بصب البلاء والمصائب عليه.\n«فِي الدُّنْيَا» «جزاء لما فَرَط منه من الذنوب، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافى به يوم القيامة، ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به؛ لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف جزاؤه عليه حتى يكفر عنه بالشوكة يشاكها» (١).\nوفي (المسند) وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (٢).\nقال شيخ الإسلام - ﵀ -: «المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب؛ ولأنها تدعو إلى الصبر» (٣).\nوقال بعض السلف: «لولا المصائب لوردنا القيامة مفاليس» (٤).\n«وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشر أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ» فلا تنزل به عقوبة، مع أنه يعصي ويزني ويخالف أوامر الله ﷾، ومع هذا ينعم ويصح في جسمه، ولا يمرض. وهذه علامة شر، من أجل أن تبقى عليه ذنوبه.\n_________\n(١) فيض القدير (١/ ٢٥٨).\n(٢) أخرجه الترمذي ٤/ ٦٠٢ رقم (٢٣٩٩)، وأحمد ٢/ ٤٥٠ رقم (٩٨١٠)، وابن حبان في صحيحه ٧/ ١٨٧ رقم (٢٩٢٤)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٠ رقم (٧٨٧٩)، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه»، ووافقه الذهبي.\n(٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٢٧.\n(٤) برد الأكباد عند فقد الأولاد، للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي ص (٤٦).","vol":"1","page":369},{"text":"وَقَالَ النَّبِيُّ؟: «إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، ......................\n•---------------------------------•\n«حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» يعني: يرجع إلى الله في الدار الآخرة وذنوبه عليه لم يحط عنه منها شيء، فيعذب بها يوم القيامة، فدل هذا على أن صحة الإنسان الدائمة ليست علامة خير (١) على إطلاقها.\nودلالة الحديث على مقصود الترجمة: أن المصائب قد تكون خيرًا للعبد، فهي تعجيل عقوبة له في الدنيا، وتكفير لذنوبه، فهذا أدعى لأن يصبر عليها الإنسان ويحتسبها عند الله ﷿، ويرجع إلى ربه.\nلأن مثل هذه الأحاديث يكون فيها تسلية للعبد المؤمن الذي يصاب بهذه المصائب؛ لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فعندما يعلم الإنسان أنه أريد به خيرًا بهذه المصيبة يصبر ويحتسب (٢).\nقوله: «وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ ...» هذا الحديث رواه الترمذي وغيره (٣)، وحكمه حكم الحديث السابق؛ لأنه جاء بالسند نفسه.\n_________\n(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٨٥).\n(٢) ينظر: التوضيح الرشيد ص (٣٠٦)، والقول المفيد (٢/ ١١٨).\n(٣) أخرجه الترمذي في جامعه (٤/ ٦٠١) بعد الحديث رقم (٢٣٩٦)، والبيهقي في الآداب ص (٢٩٤) رقم (٧٢١) من طريق قتيبة بن سعيد،\nوابن ماجه (٢/ ١٣٣٨) رقم (٤٠٣١) من طريق محمد بن رمح،\nوأبو العرب الإفريقي في المحن ص (٢٩٧، ٢٩٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٩٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٢/ ٢٣٤) رقم (٩٣٢٥) من طريق ابن وهب،\nوابن عدي في الكامل (٤/ ٣٩٤)، وابن بشران في أماليه ص (١١٥) رقم (٢٤٣)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١٧٠) رقم (١١٢١) من طريق عيسى بن حماد زغبة،\nوالشجري في الأمالي (٢/ ٣٨٩) رقم (٢٨٧١) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير،","vol":"1","page":370},{"text":"وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضي فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.\n•---------------------------------•\n«إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ» أي: يتقابل عظم الجزاء مع البلاء، فكلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم.\n«وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ» أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية؛ كالأمراض ونحوها، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية (١).\n«فَمَنْ رَضي فَلَهُ الرِّضَا» أي من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من الابتلاء، فله الرضى من الله جزاء وفاقًا.\n«وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» سخط بكسر الخاء والسُّخْط هو الكراهية للشيء، وعدم الرضى به، أي من سخط على الله فيما دبره، فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة (٢).\nومناسبة الحديث للباب: أن فيه بيان علامة محبة الله لعبده وبيان حكمته فيما يُجريه عليه من المكاره (٣).\n_________\nوالبغوي في تفسيره (١/ ١٨٩)، وفي شرح السنة (٥/ ٢٤٥) رقم (١٤٣٥) من طريق عبد الله ابن صالح،\nستتهم (قتيبة، وابن رمح، وابن وهب، وعيسى، ويحيى، وعبد الله بن صالح) عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس، مرفوعًا.\nوقرن ابن وهب في روايته بالليث (عمرو بن الحارث) كما عند أبي العرب وابن عدي، وقرن به (عمرو بن الحارث، وابن لهيعة) كما عند البيهقي في الشعب.\n(١) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ١٢٠).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٢٦٣).\n(٣) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٨١).","vol":"1","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وأنه منافٍ لكمال التوحيد. وقول المصنف: (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ ... الخ) هكذا أطلق الترجمة، ولم يصرح بحكم الرياء، كأنه أراد من القارئ أن يحكم بنفسه في الرياء من خلال النصوص الواردة فيه (١).\nوالرياء: إظهار العبادة بقصد رؤية الناس، أو التصنع للمخلوق؛ كالمسلم الذي يعمل لله، ويصلي لله، ولكنه يحسن صلاته وعمله ليمتدحه الناس.\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ الرياء من الشرك الأصغر، وغرض الكتاب الحقيقي تبيين التوحيد وحقيقته، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر والأصغر.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر مثلكم، أي: في البشرية، ولكن الله مَنَّ عليَّ وفضلني بالرسالة، وليس لي من الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له.\n﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى عبادته إله واحد لا شريك له.\n﴿فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: من كان يخاف لقاء الله يوم القيامة (٢).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٢٦٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٨٥).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥٢، ٤٥٣).","vol":"1","page":372},{"text":"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا، قَالَ الله تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشركَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\n﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما كان موافقًا لشرع الله، مقصودًا به وجهه.\n﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ أن لا يرائي بعمله، بل لا بد أن يريد به وجه الله وحده لا شريك له.\nوخلاصة دلالة الآية: أن العمل لا يقبل إلا إذا كان خاليًا من الشرك، ومن الشرك الرياء، فهو نوع من أنواع الشرك، والعبادة لا تصح إذا خالطها الرياء.\n«وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا ...» الحديث عند مسلم، كما ذكر المصنف (١).\nوقوله: «أَنَا أَغْنَى الشركَاءِ عَنِ الشركِ» لَمَّا كان المرائي قاصدًا بعمله الله تعالى وغيره، كان قد جعل لله تعالى شريكًا.\n«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشركَ مَعِيَ فِيهِ غَيْرِي» أي: من قصد بذلك العمل الذي يعمله لوجهي غيري من المخلوقين.\n«تَرَكْتُهُ وَشركَهُ» وفي رواية لابن ماجه: «فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ» (٢). والمعنى: تركته عن نظر الرحمة وتركت عمله المشترك عن درجة القبول.\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-171> حكم العبادة إذا خالطها الرياء</span>؟\nالجواب: أن مخالطة الرياء للعبادة تأتي على ثلاثة أوجه:\nالأول: أن يكون الباعث على العبادة مراءاة الناس من الأصل، كمن قام يصلي من أجل مراءاة الناس ولم يقصد وجه الله؛ فهذا شرك والعبادة باطلة.\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٢٨٩) رقم (٢٩٨٥).\n(٢) رواه ابن ماجه (٢/ ١٤٠٥) رقم (٤٢٠٢)، وغيره.","vol":"1","page":373},{"text":"الثاني: أن يكون مشاركًا للعبادة في أثنائها، بمعنى أن يكون الحامل له في أول أمره الإخلاص لله ثم يطرأ الرياء في أثناء العبادة.\nفإن كانت العبادة لا ينبني آخرها على أولها؛ فأولها صحيح بكل حال، والباطل آخرها.\nمثال ذلك: رجل عنده مائة ريال قد أعدها للصدقة، فتصدق بخمسين مخلصًا وراءى في الخمسين الباقية؛ فالأولى حكمها صحيح، والثانية باطلة.\nأمَّا إذا كانت العبادة يبنى آخرها على أولها؛ فهي على حالين:\nأ) أن يدافع الرياء ولا يسكن إليه، بل يعرض عنه ويكرهه؛ فإنه لا يؤثر فيه شيئًا.\nمثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء فصار يدافعه؛ فإن ذلك لا يضره ولا يؤثر في صلاته شيئًا.\nب) أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه؛ فحينئذ تبطل جميع العبادة؛ لأن آخرها مبنى على أولها ومرتبط به.\nمثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصًا لله، وفي الركعة الثانية طرأ عليه الرياء لإحساسه بشخص ينظر إليه، فاطمأن لذلك ونزع إليه؛ فتبطل صلاته كلها لارتباط بعضها ببعض.\nالثالث: ما يطرأ بعد انتهاء العبادة؛ فإنه لا يؤثر فيها شيئًا، اللهم إلَّا أن يكون فيه عدوان؛ كالمنِّ والأذى بالصدقة، فإن هذا العدوان يكون إثمه مقابلًا لأجر الصدقة، وليس من الرياء أن يفرح الإنسان بعلم الناس بعبادته؛ لأن هذا إنما طرأ بعد الفراغ من العبادة، ولكن قد ينقص الأجر.","vol":"1","page":374},{"text":"وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ المَسيحِ الدَّجَّالِ؟\n•---------------------------------•\nومناسبة الحديث للباب وللتوحيد: أن الرياء نوع من الشرك يبطل العمل الذي خالطه على صاحبه، ولا يقبله الله تعالى.\n«وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مَرْفُوعًا» الحديث رواه أحمد كما ذكر المصنف (١)، إسناده ضعيف.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (١٧/ ٣٣٥٤، ٣٥٥) رقم (١١٢٥٢)، وأحمد بن منيع في مسنده كما في (إتحاف الخيرة المهرة) (١/ ٢٥٩) رقم (٣٩٩)، والبزار في مسنده كما في (كشف الأستار) (٣/ ١٤٩) رقم (٢٤٤٧)، والطبري في تهذيب الآثار (مسند عمر) (٢/ ٧٩٤) رقم (١١١٧)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٥/ ٣٥) رقم (١٧٨١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ١٥٥) رقم (٦٤١٣) من طريق أبي أحمد الزبيري،\nوأبو سعيد الأشج في جزئه ص (٢٣١) رقم (١١٥)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٦) رقم (٤٢٠٤)، وحنبل بن إسحاق في الفتن ص (١٣٦) رقم (٣٠) من طريق أبي خالد الأحمر،\nوابن أبي حاتم في تفسيره كما في (تفسير ابن كثير) (٨/ ٤٢) من طريق سفيان بن حمزة،\nوالحاكم في المستدرك (٤/ ٣٦٥) رقم (٧٩٣٦) من طريق أبي الهيثم سليمان بن عمرو،\nأربعتهم (أبو أحمد الزبيري، وأبو خالد الأحمر، وسفيان بن حمزة، وأبو الهيثم) عن كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده، قال: كنا نتناوب رسول الله - ﷺ -، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا فيكثر المحتسبين، وأهل النوب، فكنا نتحدث فخرج علينا رسول الله - ﷺ - من الليل فقال: «مَا هَذِهِ النَّجْوَى؟ أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنِ النَّجْوَى»، قال: قلنا نتوب إلى الله يا نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح فرقا منه، فقال: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَسِيحِ عِنْدِي؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يَعْمَلُ لِمَكَانِ رَجُلٍ». ولفظه عند البزار مختصر، وليس فيه ذكر الشرك، وهو ضعيف؛ لأن مداره على كثير بن زيد الأسلمي، وهو ضعيف.","vol":"1","page":375},{"text":"قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ:<span data-type=\"title\" id=toc-172> الشركُ الخَفِيُّ</span>، يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.\n•---------------------------------•\nوللحديث شاهد عن محمود بن لبيد عند ابن خزيمة (١) بلفظ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ»، وإسناده قوي.\n\n«أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي» أي: عند الرسول - ﷺ -؛ لأنه - ﷺ - من رحمته بالمؤمنين يخاف عليهم كل الفتن، وأعظم فتنة في الأرض هي فتنة المسيح الدجال، لكن خوف النبي - ﷺ - من فتنة هذا الشرك الخفي أشد من خوفه من فتنة المسيح الدجال، وإنما كان كذلك؛ لأن التخلص منه صعب جدًّا؛ ولذلك قال بعض السلف: «ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص» (٢).\n«قَالَ: الشركُ الخَفِيُّ» سُمِّيَ الرياء شركًا خفيًّا؛ لأن صاحبه يظهر أن عمله لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تَزَيَّنَ بإظهاره أنه لله، بخلاف الشرك الجلي (٣).\n«يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ» يعني: بتطويلها، وزيادة الخشوع فيها؛ ليعتقد فيه من يراه أنه من أهل الدين والصلاح (٤).\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة ٢/ ٦٧.\n(٢) ينظر: حلية الحلية ٧/ ٥ و٦٢، والقول المفيد ٢/ ١٣١.\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٥٩).\n(٤) تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد (٢/ ٣٧٦).","vol":"1","page":376},{"text":"وخلاصة ما دل عليه الحديث: أن النبي - ﷺ - قد خاف علينا من أشياء كثيرة، وأخوف ما يخاف علينا الشرك الخفي وهو الرياء؛ لذا يجب اجتنابه والحذر منه، والاجتهاد الدائم في التوقي والحذر منه.","vol":"1","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>بَابٌ مِنَ الشركِ إِرَادَةُ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا</span>\n•---------------------------------•\n\nمقصود الترجمة بيان أَنَّ<span data-type=\"title\" id=toc-174> فعل الإنسان للعمل الصالح بقصد الدنيا هو من الشرك الأصغر </span>(١).\nوهذا الباب، «هو البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجهه أو نوى شيئًا غير التقرب لله وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته، والإخلاص أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإراداته ونياته وهذه هي في الحقيقة ملة إبراهيم» (٢).\nوقد يقول قائل: هذا الباب تكرارٌ للباب الذي قبله؛ لأنه داخلٌ في حكم الرياء.\nوالجواب: أنه ليس هنالك تكرارٌ في الباب؛ لأنه يوجد فرقٌ بين هذه الترجمة والتي تسبقها، ووجه التفريق: هو أن الرياء المطروح في الباب السابق هو أن يعمل الإنسان عملًا ليراه الناس ويعظموه، وأما في هذا الباب فالإنسان يعمل عملًا صالحًا، ولكن يريد به الدنيا، كمن يطلب العلم لتحصيل وظيفةٍ، وكمن يجاهد للمال، ونحو ذلك.\nفَبَيْن البابين عمومٌ وخصوصٌ: فيفترقان فيما ذكرنا، ويجتمعان في أَنَّ كلا منهما عملٌ لغير الله، وكلاهما من الشرك الأصغر؛ ومن هنا تظهر مناسبة الترجمة لكتاب التوحيد على وجه العموم، وللباب السابق على وجه الخصوص (٣).\n_________\n(١) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (١٨٤)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٦٨).\n(٢) الجواب الكافي ص (٩٤).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٦١)، وفتح المجيد ص (٣٧٢).","vol":"1","page":378},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآيتين [هود: ١٥، ١٦].\n•---------------------------------•\n﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: أي من كان يريد بعمله ثواب الحياة الدنيا (١).\n﴿وَزِينَتَهَا﴾: هي لذاتها من: الطعام، والشراب، واللباس، والنكاح، والأثاث، والأموال، والأولاد (٢).\n﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾: «أي نجازيهم على أعمالهم في الدنيا» (٣)، «وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات والمنافع» (٤).\n﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا ينقص من ثواب أعمالهم وحسناتهم التي عملوا شيء في الدنيا (٥).\nمناسبة الآيتين للباب: أنهما دلتا على أن من أراد الدنيا بعمل الآخرة سيأخذ نصيبه من الدنيا كاملًا غير ناقص، ولكن سيبطل ثوابه في الآخرة، ويدخل النار، وشاهد ذلك قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦).\n_________\n(١) تفسير الطبري (١٢/ ٣٤٦)، وتفسير البغوي (٤/ ١٦٥).\n(٢) ينظر: تفسير المنار (١٢/ ٤١)، وتفسير المراغي (١٢/ ١٦).\n(٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٣/ ٤٢).\n(٤) فتح القدير للشوكاني (٢/ ٥٥٣).\n(٥) تفسير السمرقندي (٢/ ١٤١)، وتفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (٢/ ٢٨٢).\n(٦) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٩).","vol":"1","page":379},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة َ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضي وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسْ، وَإِذَا شيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ الله، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ».\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة - ﵁ - في صحيح البخاري (١).\n«تَعِسَ» بكسر العين، ويجوز الفتح أي: هلك أو سقط على وجهه إذا عثر وانكب على وجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك.\n«عَبْدُ الدِّينَارِ» أي طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده (٢). وسماه عبدًا له؛ لكونه هو المقصود بعمله فصار عبدًا له؛ لأنه عبده بذلك العمل (٣).\n«عَبْدُ الخَمِيصَةِ»: -بفتح الخاء وكسر الميم- مفرد (خَمَائِص)، وهي ثوبٌ من الخز أو الصوف أسود مربع له أعلام وخطوط (٤).\n«عَبْدُ الخَمِيلَةِ»: جمعها خمائل، وهي أكسية فيها لين، ذات خَمْل، وهو الهدب المتعلق بها كالقطيفة، وقيل: هي القطيفة نفسها (٥).\n_________\n(١) (٤/ ٣٤) رقم (٢٨٨٧).\n(٢) فتح الباري لابن حجر (١١/ ٢٥٤).\n(٣) كتاب التوحيد ص (١٨٥).\n(٤) ينظر: شرح المشكاة للطيبي (١٠/ ٣٢٧٤)، وفتح الباري (١١/ ٢٥٤).\n(٥) ينظر: تفسير غريب ما في الصحيحين ص (٥٥٩)، ومشارق الأنوار (١/ ٢٤٠).","vol":"1","page":380},{"text":"«وَانْتَكَسْ»: أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تسير له، فكلما أراد شيئًا انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، وكلما قام من سقطته عاوده المرض والسقوط، أو خر وانقلب على رأسه بعد أن سقط، وهو دعاء عليه بالخيبة والخسران؛ لأن من انتكس في أمره فقد خاب وخسر (١).\n«وَإِذَا شيكَ»: إذا أصابته شوكة.\n«فَلَا انْتَقَشَ»: أي إذا دخلت فيه شوكة لا يقدر على إخراجها بالمنقاش (٢)، والمقصود بذلك: أنه إذا وقع في الشر والبلاء، فلا خلاص له منه، وضرب بالشوك مثلًا؛ لأنه أهون ما يتصور في ذلك، فإذا نفى عنه عون الله له في الشوكة، فما كان أعظم منها أشد انتكاسًا وخذلانًا.\nوهذه الجمل الثلاث يحتمل أن تكون خبرًا منه - ﷺ - عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة وانتكاس وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن يكون من باب الدعاء على من هذه حاله؛ لأنه لا يهتم إلَّا بالدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئًا وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه (٣).\nو«مناسبة ذكر الحديث في الباب: أن فيه ذم العمل لأجل الدنيا، ومدح العمل لأجل الآخرة» (٤).\n_________\n(١) ينظر: فتح الباري (١١/ ٢٥٤)، وحاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٥٣٤).\n(٢) ينظر: فتح الباري (١١/ ٢٥٤)، وحاشية السندي على ابن ماجه (٢/ ٥٣٥).\n(٣) القول المفيد ٢/ ١٤٣.\n(٤) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٩٤).","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-175>بَابُ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ الله\nأَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَه فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أَنَّ التحليل والتحريم حقٌّ لله تعالى وحده دون ما سواه؛ وبالتالي فإن من نصب نفسه محللًا أو محرمًا بلا شرعٍ من الله، فقد جعل نفسه ربًّا وشريكًا معه، ومن أطاعه في ذلك فقد جعله ربًّا وإلهًا مع الله، وهذا الشرك يسمى شرك الطاعة (١).\nوطاعة العلماء والأمراء تكون مشروعة إذا كانت في المعروف، وفي الأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة، وتكون محرمة إذا كانت في غير أمر الله، وهذه الطاعة المحرمة للأمراء والعلماء تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: طاعتهم فيما خالفوا فيه أمر الله مع اعتقاد صحته، وجعله دينًا، فهذا شركٌ أكبر.\nوالقسم الثاني: طاعتهم فيما خالفوا فيه شرع الله مع عدم اعتقاد صحته ولا جعله دينًا ولكن كانت طاعتهم لهوًى أو شبهة، فهذا من الشرك الأصغر (٢).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٦٩)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٧٦)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٢٩٥).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ١٠٧)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤١٤)، والتوضيح الرشيد ص (٣٢٠).","vol":"1","page":382},{"text":"وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ الله؟، وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ».\n•---------------------------------•\n«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵂ -: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ...». الأثر بهذا اللفظ لا يوجد مسندًا، وقد رواه أحمد وغيره، بنحوه (١).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٢٢٨) رقم (٣١٢١)، وابن حزم في حجة الوداع ص (٣٥٣) رقم (٣٩١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٢١٠) رقم (٢٣٧٨)، ورقم (٢٣٨١) والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٦، ٣٧٧)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١٠/ ٣٣١) رقم (٣٥٧)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (٣/ ٣٩)، وسير أعلام النبلاء (١١/ ٤٧١) من طريق حجاج، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن الفضيل بن عمرو، قال: أراه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «تَمَتَّعَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ: يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ».\nوإسناده ضعيف؛ لأن فيه شريك بن عبد الله، وهو ضعيف لسوء حفظه، قال ابن حجر في التقريب ص (٢٦٦): «صدوق يخطئ كثيرًا».\nوأخرج الأثر أحمد في مسنده (٤/ ١٣٢، ١٣٣) رقم (٢٢٧٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/ ١٨٩) رقم (٣٨٧٢)، وأحكام القرآن (٢/ ٦٥)، والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ١١) رقم (٢١)، وابن حزم في حجة الوداع ص (٣٥٣) رقم (٣٩٣)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٨) من طريق ابن أبي مليكة عن عروة بن الزبير، عن ابن عباس، وإسناده حسن.\nولفظ قول ابن عباس عند الطحاوي: «بِهَذَا ضَلَلْتُمْ؟ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَتُحَدِّثُونِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - ﵂ -؟». وعند الطبراني: «أَهُمَا، وَيْحَكَ، آثَرُ عِنْدَكَ أَمْ مَا فِي كِتَابِ الله، وَمَا سَنَّ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي أَصْحَابِهِ وَفِي أُمَّتِهِ؟» وعند ابن حزم: «مِنْ هَا هُنَا هَلَكْتُمْ، مَا أَرَى الله - ﷿ - إِلَّا سَيُعَذِّبُكُمْ، إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَتُخْبِرُونَنِي بِأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ». وعند الخطيب: «هَذَا الَّذِي أَهْلَكَكُمْ وَالله مَا أَرَى إِلَّا سَيُعَذِّبُكُمْ، إِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَتَجِيئُوننِي بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ».\nوأخرجه عبد الرزاق كما في (جامع بيان العلم وفضله) (٢/ ١٢٠٩)، وابن حزم في حجة الوداع ص (٣٥٣)، عن أيوب، قال: قال عروة لابن عباس: «أَلَا تَتَّقِي الله؟ تُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:","vol":"1","page":383},{"text":"«وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ» أي: قاله لمن ناظره في متعة الحج وكان هو يأمر بها؛ لأمر الرسول - ﷺ - بها، فاحتج عليه المخالف بنهي أبي بكر وعمر عنها، واحتج ابن عباس بسنة رسول الله - ﷺ -.\n«يُوشِكُ» بضم الياء وكسر الشين. أي: يقرب ويدنو (١).\n«تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ» أي: من فوق تنزل عليكم عقوبة لكم (٢).\nودلالة الأثر على مقصود الترجمة في قوله: «تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ» أي: عذابًا لكم جزاء معارضة قول رسول الله - ﷺ - بقول: أبي بكر وعمر، وتقديم طاعتهما على طاعته، وإذا كان هذا في حق من قدَّم طاعة الشيخين أبي بكر وعمر، فكيف بمن قدَّم طاعة العلماء والأمراء على طاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -؟ ! .\n_________\nسَلْ أُمَّكَ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ يَفْعَلَا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالله مَا أَرَاكُمْ مُنْتَهِينَ حَتَّى يُعَذِّبَكُمُ الله، أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَتُحَدِّثُونَنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: هُمَا أَعْلَمُ بِسُنَّةِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَتْبَعُ لَهَا مِنْكَ».\nهذه هي الألفاظ التي جاء بها الأثر مسندًا، أما اللفظ الذي ذكره المصنف، فهو في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، ولعل المصنف تبعهما في ذلك. ينظر: مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٥)، وإعلام الموقعين (٢/ ١٦٨)، والصواعق المرسلة (٣/ ١٠٦٣).\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٧٠).\n(٢) القول المفيد (٢/ ١٥١).","vol":"1","page":384},{"text":"وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَل: عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْي سُفْيَانَ، واللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أَتَدْرِي مَا الفِتْنَةُ؟ الفِتْنَةُ الشركُ، لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَوْلِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شيءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَهْلِكَ.\n•---------------------------------•\nروى هذا عن أحمد تلميذاه: الفضل بن زياد، وأبو طالب (١).\n«عَجِبْتُ» تعجب استنكار.\n«عَرَفُوا الإِسْنَادَ»، أي: إسناد الحديث وصحته، أي: صحة الإسناد، وصحته دليل على صحة الحديث في الأصل.\n«يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْي سُفْيَانَ»، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع (٢).\n﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ يرجع إلى الرسول - ﷺ -، الذي مر ذكره في أول الآية.\n﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ فسرها الإمام أحمد بالزيغ والشرك.\n﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في أبدانهم، بالقتل في الدنيا، بأن يسلط الله عليهم من يستأصل شأفتهم ويقتلهم، إما من المؤمنين، وإما من غير المؤمنين، عقوبة لهم، فإن ماتوا ولم يقتلوا بأن يعذبوا في النار يوم القيامة (٣).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٧١).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٧١).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ١١٥).","vol":"1","page":385},{"text":"وَعَنْ عَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونه، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.\n•---------------------------------•\nحديث عدي رواه الترمذي وغيره (١)، وإسناده ضعيف.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير تعليقًا (٧/ ١٠٦)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ٤١٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٩٢) رقم (٢١٨)، والبيهقي في المدخل إلى السنن ص (٢٠٩) رقم (٢٦١)، والمزي في تهذيب الكمال (٢٣/ ١١٨، ١١٩) من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل،\nوابن جرير في تفسيره الموضع السابق (١١/ ٤١٧) من طريق أبي أحمد الزبيري،\nوالترمذي في سننه (٥/ ٢٧٨) رقم (٣٠٩٥) من طريق الحسين بن يزيد الكوفي،\nوالفسوي في مشيخته ص (١٠٥) رقم (١٣٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٩٢) رقم (٢١٨)، وابن بشران في أماليه ص (١٧٠) رقم (١٢٨٢)، والبيهقي في المدخل إلى السنن ص (٢٠٩) رقم (٢٦١)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (٢/ ١٢٩)، ومن طريق الطبراني المزي في تهذيب الكمال (٢٣/ ١١٨، ١١٩) من طريق أبي جعفر محمد بن سعيد الأصبهاني،\nوابن جرير في تفسيره (١١/ ٤١٧) رقم (١٦٦٣٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ٩٢) رقم (٢١٩)، وأبو طاهر السِّلَفي في الطيوريات (١/ ٢٤٠) رقم (١٦٧) من طريق قيس بن الربيع،\nوابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٩٨) رقم (٢٠٣٥٠) من طريق سعيد بن سليمان،\nوالنحاس في معاني القرآن (٣/ ٢٠٢)، والطبراني في المعجم الكبير الموضع الأول ومن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٢٣/ ١١٨، ١١٩)، من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني،\nوالواحدي في التفسير الوسيط (٢/ ٤٩٠، ٤٩١) من طريق مسروق بن المرزبان،\nثمانيتهم (أبو غسان، وأبو أحمد الزبيري، والحسين الكوفي، وابن الأصبهاني، وقيس، وسعيد، والحماني، ومسروق) عن عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ =","vol":"1","page":386},{"text":"ولكن معناه صحيح، وله شواهد، وقد حسنه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - (١).\n«رَوَاهُ أَحْمَدُ» عزو الحديث لأحمد عند الإطلاق يراد به المسند، وهذا الحديث ليس في مسنده، والسيوطي في الدر المنثور (٢) لم يعزه إليه مع أنه عزاه إلى من هو دون أحمد.\n«وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ» الذي بين أيدينا من نسخ الترمذي تضعيف الحديث وليس تحسينه؛ قال الترمذي عقب إخراجه لهذا الحديث: «هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث» (٣).\n«وَعَنْ عَدَيِّ بْنِ حَاتِمٍ» صحابي شهير، يكنى أبا طريف، حسن الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة، وأبوه حاتم الجواد الطائي المشهور، وهو ابن عبد الله بن سعد بن الحَشْرج، مات مشركًا.\n_________\n= عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ»، واللفظ للترمذي.\nوالحديث إسناده ضعيف؛ لأن فيه غطيف بن أعين، وهو ضعيف.\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧).\n(٢) (٣/ ٢٣٠).\n(٣) سنن الترمذي (٥/ ٢٧٨).","vol":"1","page":387},{"text":"﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العُبَّاد، وإذا فسد العلماء والعباد خربت الديار، وفسد الناس ولحقت هاتان الطائفتان بأسلافهم من الأمم الماضية، قال سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا، ففيه شبه من النصارى» (١).\n﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جمع رب، أي: مشاركين لله في التشريع؛ لأنهم يحلون ما حرم الله فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع (٢).\n«إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ» ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: إنا لسنا نعبدهم (٣)، فصرح - ﷺ - بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وطاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله.\nيقول ابن تيمية - ﵀ -: «والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه، كان كافرًا مرتدًّا باتفاق الفقهاء» (٤).\n_________\n(١) ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٧٩).\n(٢) القول المفيد (١/ ١٥١ - ١٥٤).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٧٦، ٤٧٧).\n(٤) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٦٧.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ </span>وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ الآيات [النساء: ٦٠].\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان «أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غيره في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن، شركٌ أكبر بالله جل وعلا، وكفر مخرج من ملة الإسلام (١).\n«ووجه ما ذكره المصنف ظاهر، فإن الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يُؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعةً مطلقة فلا يُعصى، بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته، فإذا اتخذ العبدُ العلماءَ والأمراءَ على هذا الوجه، وجعل طاعتهم هي الأصل، وطاعة الله ورسوله تبعا لها فقد اتخذهم أربابا من دون الله يتألههم ويتحاكم إليهم، ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، فهذا هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله» (٢).\nو«هذا الباب له صلة قوية بما قبله؛ لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله» (٣).\n_________\n(١) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٢٥).\n(٢) القول السديد شرح كتاب التوحيد ط الوزارة ص (١٥٣).\n(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ١٦٧).","vol":"1","page":389},{"text":"إذن «فهذا الباب من جنس الباب الذي قبله، فكلاهما في تغيير شرع الله، لكن هذا الباب يخص التحاكم في الخصومات خاصة والباب الذي قبله في التحليل والتحريم عمومًا» (١).\n«يَزْعُمُونَ» يدل على أنهم كذبة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت (٢).\n«يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا» مَنْ تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته طائعًا مختارًا راغبًا في ذلك غير كاره له، وقد يكون بغير إرادته، بأن يكون مجبرًا لا اختيار له، كارهًا لذلك، فالأول المريد هو الذي ينتفي عنه الإيمان، والإرادة شرط؛ لأن الله جل وعلا ساقها مساق الشرط، فهذا ضابط مهم، وشرط في نفي أصل الإيمان عمن تحاكم إلى الطاغوت (٣).\n﴿الطَّاغُوتِ﴾ قال ابن القيم: «والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبودٍ أو متبوعٍ أو مطاعٍ» (٤). وقد سبق شرحه.\n﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه؛ فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله (٥).\n_________\n(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١١٨).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٢٦).\n(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٢٦) بتصرف.\n(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٤٠).\n(٥) تيسير العزيز الحميد ص (٤٨١).","vol":"1","page":390},{"text":"وقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١].\nوَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ الآية.\n•---------------------------------•\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ قال الربيع في تفسير هذه الآية:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يقول: لا تعْصُوا في الأرض.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكان فسادُهم ذلك معصيةَ الله جل ثناؤه، لأن من عَصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته، فقد أفسدَ في الأرض، لأن إصلاحَ الأرض والسماء بالطاعة (١).\nفـ «إن قيل ليس في الآية شيءٌ يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله، فالجواب: أن فيها مقالة المنافقين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ وهم مفسدون، ومن جملة إفسادهم الحكم بغير ما أنزل الله» (٢).\nوتظهر دلالة الآية على مقصود الترجمة في قوله: ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فالآية في المنافقين، ومن أعمالهم التحاكم إلى غير الشرع، ومن دعا إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله، فقد أتى بأعظم الفساد (٣).\nقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الإفساد في الأرض نوعان:\nالأول: إفساد حسي مادي: وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطرق وما أشبه ذلك.\n_________\n(١) هذا التفسير كله رواه الطبري بإسناده في تفسيره (١/ ٢٩٨) عن الربيع.\n(٢) فوائد من شرح كتاب التوحيد ص (١٠٦).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٠، ٤٩١)، وفتح المجيد ص (٣٩٤).","vol":"1","page":391},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nالثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي، فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].\n﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، وضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nومعنى الآية: لا تعملوا فيها بالشرك والمعاصي، وبخس الناس، بعد أن أصلحها الله بالأمر بالعدل، وإرسال الرسل، وإيضاح حججه، والآية عامة تشمل النهي عن كل فساد.\nقال القرطبي: «إنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر؛ فهو على العموم على الصحيح من الأقوال» (١).\nودلالة الآية على مقصود الترجمة: أن الله تعالى نهى عن كل فساد، والنهي يقتضي التحريم، ومن الفساد المُحَرَّم التحاكم إلى غير الشرع (٢).\nقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ، و«حُكْمَ»: مفعول مقدم لـ «يَبْغُونَ»، وقُدِّمَ لإفادة الحصر، والمعنى: «أفلا يبغون إِلَّا حكم الجاهلية»، و«الْجَاهِلِيَّةِ»: المراد ما كان قبل الإسلام (٣).\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٧/ ٢٢٦).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٠)، وفتح المجيد ص (٣٩٥).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ١٢٩).","vol":"1","page":392},{"text":"وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو - ﵄ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ».\n•---------------------------------•\nو«يَبْغُونَ» يطلبون. و«حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ» هو: أن يحكم بعضهم على بعض، بأن يسن البشر شريعة فيجعلونها حكمًا (١)، ومن ذلك: التحاكم إلى الكهان، وإلى السحرة، وإلى الطواغيت، وإلى الأعراف القبلية (٢).\nومناسبة الآية للباب: أنها دلت على تحريم ترك حكم الله تعالى، والأخذ بحكم غيره كائنًا مَن كان، وأن من ابتغى غير حكم الله ورسوله - ﷺ - من الأنظمة البشرية والقوانين الوضعية والأعراف التقليدية، فقد ابتغى حكم الجاهلية الباطل (٣).\nحديث عبد الله بن عمرو في كتاب الحجة وغيره (٤).\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٢٨).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ١٢٩).\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩١)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٦).\n(٤) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٢) رقم (١٥)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١/ ٣٨٨) رقم (٢٧٩)، وأبو القاسم الأصبهانى في الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٦٩) رقم (١٠٣) من طريق محمد بن مسلم بن واره،\nوالنسوي في كتاب الأربعين ص (٥١) رقم (٨)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦/ ٢٠)، وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٢/ ١٦٨)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٣) رقم (١٠٤)، وفي الأنوار ص (٧٧٠، ٧٧١) رقم (١٢٣٤)، وأبو طاهر السلفي في الأربعون البلدانية ص (١٧٧)، وفي معجم السفر ص (٣٧٥) رقم (١٢٦٥)، وابن الجوزي في ذم الهوى ص (١٨)، وابن العديم في بغية الطلب فى تاريخ حلب (٥/ ٢٣٦٦) من طريق محمد ابن الحسن الأعين،\nوالبيهقي في المدخل إلى السنن ص (١٨٨) رقم (٢٠٩) من طريق جعفر بن محمد بن فضيل،","vol":"1","page":393},{"text":"وإسناد الحديث ضعيف (١)، وقد صحح الحديث بعضهم (٢).\n«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ» أي: لا يحصل له الإيمان الواجب.\n«حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» هواه بالقصر، أي: ما يهواه، أي: تحبه نفسه وتميل إليه (٣).\n_________\nوأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام (٢/ ١٧٠) من طريق أبي حاتم الرازي، وعثمان بن سعيد،\nوأبو القاسم الأصبهانى فى الترغيب والترهيب (١/ ٧٩) رقم (٣٠) من طريق أحمد بن مهدي،\nستتهم (محمد بن مسلم، وابن الأعين، وجعفر بن محمد، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وأحمد ابن مهدي) عن نعيم بن حماد، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ -.\n(١) لأن فيه عدة علل ذكرها ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ٣٩٤)، فقال: «تصحيح هذا الحديث بعيد جدًّا من وجوه»، ويمكن تلخيص هذه الوجوه فيما يلي:\n١) ... تفرد نعيم بن حماد، وهو وإن كان وثقه جماعة، إلا أنه كثير الخطأ؛ ولذا حكم عليه بالضعف.\n٢) ... أنه قد اختلف على نعيم في إسناد الحديث، فروي عنه، عن الثقفي، عن هشام، وروي عنه عن الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا هشام أو غيره، وعلى هذه الرواية، يكون الشيخ الثقفي غير معروف عينه، وروي عنه، عن الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفي رواه عن شيخ مجهول، وشيخه رواه عن غير معين، فتزداد الجهالة في إسناده.\n٣) ... أن في إسناده عقبة بن أوس، وثقه بعضهم، وقال ابن عبد البر: هو مجهول.\n٤) ... أن رواية عقبة عن عبد الله بن عمرو منقطعة؛ لأنه لم يسمع عبد الله بن عمرو، كما نقل الغلابي في تاريخه عن بعض علماء الحديث.\n(٢) قال النووي في الأربعين ص (١١٣): «حسن صحيح»، وقال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٢٨٩): «ورجاله ثقات»، وقال السيوطي في إتمام الدراية ص (١٦٧): «إسناده حسن».\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٢).","vol":"1","page":394},{"text":"قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.\nوَقاَلَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، ..\n•---------------------------------•\nقال ابن رجب - ﵀ -: «وأما معنى الحديث: فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول - ﷺ - من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه» (١).\nولبعضهم:\nتعصي الإله وأنت تزعمُ حبَّه ... هذا لعمري في القياس شنيعُ\nلو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ ... إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ\n«قَالَ النَّوَوِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ». وكتاب الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصبهاني.\nمناسبة الحديث للباب ظاهرة من جهة أن الرجل لا يؤمن حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به الرسول - ﷺ - في كل شيء حتى في الحكم وغيره. فإذا حكم بحكم أو قضى بقضاء، فهو الحق الذي لا محيد للمؤمن عنه، ولا اختيار له بعده (٢).\n«وَقاَلَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ المُنَافِقِينَ ...» أثر الشعبي رواه الطبري وغيره (٣)، وهو مرسل.\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم ٢/ ٦٨٤.\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٤).\n(٣) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٩٠) رقم (٩٨٩١) من طريق يعقوب بن إبراهيم،\nوابن المنذر في تفسيره (٢/ ٧٧٠) رقم (١٩٤٥) من طريق عمرو بن علي الفلاس،\nكلاهما عن إسماعيل بن علية،","vol":"1","page":395},{"text":"فَقَالَ اليَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ، عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ، وَقَالَ المُنَافِقُ نَتَحَاكَمُ إِلَى اليَهُودِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَة.\nوَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَقَالَ الآخَرُ: إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشرفِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا القِصَّةَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ الله؟: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَضربَهُ بِالسيفِ فَقَتَلَهُ.\n•---------------------------------•\nودلالة هذا الأثر على مقصود الترجمة واضحة جدًّا؛ إذ إن الأثر يثبت أن هذا المنافق عدل عن التحاكم إلى النبي ﵊، إلى التحاكم إلى ذلك الكاهنٍ اليهودي، وهذا هو عين ترك الحكم بما أنزل الله ورسوله، والتحاكم إلى الطاغوت الباطل المحرم.\n«وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا ... إلخ» الحديث علقه الواحدي في أسباب النزول (١)، والبغوي في معالم التنزيل (٢) من طريق الكلبي، عن أبي صالح باذام، عن ابن عباس، والكلبي كذاب، وأبو صالح متروك.\nوأثر الشعبي السابق رغم إرساله، إلا أنه أقوى من هذا الأثر المروي عن الكلبي الكذاب.\n_________\nوالواحدي في أسباب النزول ص (١٦١) من طريق يزيد بن زريع،\nكلاهما (ابن علية، وابن زريع) عن داود بن أبى هند، عن عامر الشعبي، مرسلًا.\nوجاء نحو هذا الأثر عن مجاهد كما في تفسيره ص (٢٨٥).\nوأخرجه ابن المنذر في تفسيره (٢/ ٧٧٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٩١، ٩٩٣) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وهو أيضًا مرسل.\n(١) ص (١٠٧، ١٠٨).\n(٢) ١/ ٦٥٤، ٦٥٥.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>بَابُ مَنْ جَحَدَ شيئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: تقرير حكم من جحد شيئًا من أسماء الله أو صفاته.\nو«مَنْ» هنا يجوز فيها وجهان: الأول: أن تكون شرطية، ويكون معنى الباب: «باب مَنْ جحد شيئًا من الأسماء والصفات فقد كفر»؛ لأن عبارة «فقد كفر» هي جواب الشرط.\nوأما الوجه الثاني: فيجوز أن تكون «مَنْ» بمعنى «الذي» أي: موصولة ويكون معنى الباب: باب بيان حكم الذي يجحد شيئًا من الأسماء والصفات.\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ ذلك لأن التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله، والإيمان بأسمائه وصفاته من الإيمان به، بل هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات)، وهنالك تلازمٌ بين توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فتوحيد الألوهية متضمنٌ لتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الأسماء والصفات مستلزمٌ لتوحيد الألوهية. فلا يتصور أن يؤمن أحد بالألوهية وهو لا يؤمن بالأسماء والصفات، وكذلك من آمن بالأسماء والصفات لزمه الإيمان بتوحيد الألوهية، فلما كان ذلك كذلك ناسب أن يورد المصنف هذا الباب هنا (١).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٧)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٩٢).","vol":"1","page":397},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.\n•---------------------------------•\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-181> حكم من جحد شيئًا من الأسماء والصفات</span>؟\nالجحد: الإنكار، والإنكار قسمان:\nأولهما: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدًا أنكر اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين، فهو مكذب للكتاب والسنة.\nوثانيهما: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان:\nالأول: أن يكون للتأويل مُسَوِّغ في اللغة العربية، فهذا لا يُوجب الكفر، ولا يلزم أن يكون مكذبًا.\nالثاني: أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية؛ فهذا تكذيب للكتاب والسنة؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبًا (١).\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ المراد بذلك كفار قريش أو طائفة منهم، وليس المقصود أنهم يجحدون وجود الله أو لا يؤمنون به، بل المعنى يجحدون هذا الاسم المعين عنادًا أو جهلًا.\nقال البغوي: «والمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي - ﷺ - وهو في الحجر يدعو: (يا الله يا رحمن)، فرجع إلى المشركين فقال:\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (٢/ ١٨٣).","vol":"1","page":398},{"text":"وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، قَالَ عَلِيٌّ - ﵁ -: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ».\n•---------------------------------•\nإن محمدًا يدعو إلهين، يدعو الله ويدعو إلها آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]» (١).\nولذلك رفضوا أن يكتبوه في صلح الحديبية، فقال أحدهم: «أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَالله مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» (٢).\nومناسبة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه كفرًا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئًا من أسماء الله وصفاته، من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات، فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب ﵎، وهذا نفس كفر الذين جحدوا اسم الرحمن (٣).\nوأثر علي: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ...» رواه البخاري في صحيحه (٤).\n_________\n(١) معالم التنزيل ٤/ ٣١٨.\n(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣/ ١٩٥) رقم (٢٧٣١).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٨).\n(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (١/ ٣٧) رقم (١٢٧).","vol":"1","page":399},{"text":"«حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ» أي: بما يفهمون (١).\n«أَتُرِيدُونَ» بهمزة الاستفهام الإنكارية (٢).\nوالأثر دليل على منع تحديث الناس بما لا تدركه عقولهم.\nو«مناسبة هذا الأثر لهذا الباب: أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات؛ لأن عامة الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب إلا إذا كان المخاطب يعقل ذلك ويعيه، وليس أكثر الناس كذلك» (٣).\n_________\nوأخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن ص (٣٦٢) رقم (٦١٠)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ١٠٨) رقم (١٣١٨)، والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء ص (٥٩) من طريق عبيد الله بن موسى،\nوابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٠٠٣) رقم (١٩١١) من طريق أبي بكر بن عياش،\nوالخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ٤٨١) من طريق عبد الله بن داود،\nثلاثتهم (عبيد الله، وابن عياش، وابن داود) عن معروف بن خَرَّبُوذَ، عن أبي الطفيل، عن عليٍّ - ﵁ - موقوفًا عليه.\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٤٩٩).\n(٢) تحقيق التجريد (٢/ ٤٠٣).\n(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٣٩، ٤٤٠).","vol":"1","page":400},{"text":"وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَرٍ، عَن ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا انْتَفَضَ لَمَّا سَمِعَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصِّفَاتِ، اسْتِنْكَارًا لِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟ يَجِدُونَ رِقَّةً عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. انْتَهَى.\n•---------------------------------•\nأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق وغيره (١)، إسناده صحيح.\n«رَأَى رَجُلًا» لم يسم هذا الرجل.\n«انْتَفَضَ» أي: ارتعد لما سمع حديثًا عن النبي - ﷺ - فاستنكره، إما لأن عقله لا يحتمله، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره.\n«فَقَالَ» أي: ابن عباس ﵁.\n«مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ» يحتمل وجهين:\nأحدهما: أن تكون «ما» استفهامية إنكارية. وفرق بفتح الفاء والراء وهو الخوف والفزع، أي: ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها؟ والمراد الإنكار عليهم.\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٣١)، وفي جامع معمر (١١/ ٤٢٣) رقم (٢٠٨٩٣)،\nوابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٥٦) رقم (٣٧٩٠٢)، وابن جرير الطبري في تفسيره (٥/ ٢١٤)، وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن كما في (إتحاف المهرة) (٧/ ٣٠١) من طريق سفيان بن عيينة،\nوابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٢) رقم (٤٨٥) من طريق ابن ثور،\nثلاثتهم (عبد الرزاق، وابن عيينة، وابن ثور) عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس - ﵁ - موقوفًا عليه.\nوفي مصنف ابن أبي شيبة زيادة (رِبْعِيٍّ) في الإسناد بين معمر وابن طاوس.\nوالأثر إسناده صحيح، وصرح بتصحيحه ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٣٠٠).","vol":"1","page":401},{"text":"وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله - ﷺ - يَذْكُرُ الرَّحْمَنَ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.\n•---------------------------------•\nوالثاني: أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها. و«ما» نافية أي: ما فرَّق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عَرَفوا ذلك (١).\n«وَلما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ الله» الحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره، وهو ضعيف (٢)، ولفظه عن قتادة، قال: «﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ذكر لنا أن نبيَّ الله - ﷺ - زَمَنَ الحديبية حين صالح قريشًا كتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله. فقال مشركو قريش: لئن كنت رسولَ الله - ﷺ - ثم قاتلناك لقد ظلمناك! ولكن اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: دعنا يا رسول الله نقاتلهم! فقال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون إنِّي محمد بن عبد الله. فلما كتب الكاتب: (بسم الله الرحمن الرحيم)، قالت قريش: أما (الرحمن) فلا نعرفه؛ وكان أهل الجاهلية يكتبون: (باسمك اللهم)، فقال أصحابه: يا رسول الله، دعنا نقاتلهم! قال: لا ولكن اكتبوا كما يريدون».\nومناسبة الحديث للباب ولكتاب التوحيد أن الأثر يدل على كفر من أنكر شيئًا من أسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك ينافي توحيد الأسماء والصفات (٣).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٠١، ٥٠٢).\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٥٣٠)، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ كما في الدر المنثور (٤/ ٦٥٠) عن قتادة.\nوأخرجه ابن جرير أيضًا في تفسيره (١٣/ ٥٣٠) عن ابن جريج عن مجاهد، بلفظ مختصر.\n(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٥٧).","vol":"1","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ </span>الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: الحث على التأدب مع جناب الربوبية وذلك بالاعتراف بنعم الله وشكره على ذلك، والبعد عن الألفاظ الشركية، كنسبة النعم إلى غير الله؛ فإن ذلك من الشرك بالله تعالى، ووجه كونه من الشرك: أنه نوعٌ من الكفر بنعم الله؛ بإضافتها إلى غيره، وإشراكه فيها (١).\nوالكفر بنعم الله ينقسم إلى قسمين:\nالأول: أن يضيف النعم إلى غير الله لفظًا بلسانه مع اعتقاده بقلبه أنها من الله، وهذا هو المعهود في ذلك، فهذا من الشرك الأصغر.\nالثاني: أن ينسب النعم إلى غير الله اعتقادًا منه بأنها من عند غيره تعالى، فهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله.\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن من أضاف النعم إلى غير الله فقد جعله شريكًا في الربوبية؛ لأنه جعل السبب كأنه فاعل، ومن جهةٍ أخرى: فإن هذا العبد لم يقم بفريضة الشكر الذي هو عبادة من العبادات وتَرْكُ ذلك منافٍ للتوحيد، فمن الوجه الأول يتعلق الباب بالربوبية، ومن الوجه الثاني يتعلق بالألوهية (٢).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٠٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٩٧)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٠٣)، والقول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٠٢).\n(٢) القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٢٠٢)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٠).","vol":"1","page":403},{"text":"ولما ذكر المصنف ﵀ في الباب الآنف ما يتعلق بجحد الأسماء والصفات، ناسب أن يذكر هنا ما يتعلق بجحد الربوبية، وكلٌّ من توحيد الأسماء والصفات والربوبية مستلزمٌ لتوحيد الألوهية (١).\n﴿يَعْرِفُونَ﴾: أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله.\n﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: واحدة والمراد بها الجمع؛ فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، [إبراهيم: من الآية ٣٤].\n﴿ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾: أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبِّب الذي هو الله سبحانه، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب.\n﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله يكفرونها ويجحدون كونها من الله رغم يقينهم بأنها منه سبحانه ويكفرون بالله ﷿ رغم معرفتهم نعم الله الوافرة التي أنعم بها عليهم.\n_________\n(١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١٤٧).","vol":"1","page":404},{"text":"قَالَ مُجَاهِدٌ مَا مَعْنَاهُ: «هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: هَذَا مَالِي وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي».\nوَقَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ الله: يَقُولُونَ: لَوْلَا فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ كَذَا.\n•---------------------------------•\nأثر مجاهد رواه الطبري وابن أبي حاتم وغيرهما، ولفظه عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾، قال: «هي المساكن والأنعام وما يرزقون منها، والسرابيل من الحديد والثياب، تعرف هذا كفار قريش، ثم تنكره بأن تقول: هذا كان لآبائنا، فورَّثونا إياها» (١).\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: ظاهر هذه الكلمة أنه لا شيء فيها؛ لأنه خبر محض، لكن مراد مجاهد: أن يضيفَ القائلُ تملُّكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيًا المسبِّب الذي هو الله؛ فمن هنا صار هذا القول نوعًا من كفر النعمة. أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر؛ فلا شيء في ذلك (٢).\nوالمقصود هنا أن مجاهدًا يرى أن من نسب النعمة إلى غير الله فقد كفر بها.\nأثر عون أخرجه ابن جرير في تفسيره (٣).\n_________\n(١) رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٢٥)، وابن أبي حاتم (٧/ ٢٢٩٦) رقم (١٢٦٢١) كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٥/ ١٥٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور أيضًا (٥/ ١٥٥) لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر.\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٠٢، ٢٠٣) بتصرف.\n(٣) (١٤/ ٣٢٥)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، ولفظ الأثر: عن عون بن عبد الله بن عتبة في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ قال: «إنكارهم إياها: أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا».","vol":"1","page":405},{"text":"وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (يَقُولُونَ هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا).\n•---------------------------------•\n\nوما<span data-type=\"title\" id=toc-184> حكم قول القائل: (لولا فلان لم يكن كذا):</span>\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «وهذا القول من قائله فيه تفصيل:\nإن أراد به الخبر، وكان الخبر صدقًا مطابقًا للواقع; فهذا لا بأس به، وإن أراد به السبب؛ فلذلك ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون سببًا خفيًّا لا تأثير له إطلاقًا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول أن لهذا الولي تصرفًا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.\nالثانية: أن يضيفه إلى سببٍ صحيحٍ ثابت شرعًا أو حسًّا؛ فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.\nالثالثة: أن يضيفه إلى سببٍ ظاهرٍ، لكن لم يثبت كونه سببًا: لا شرعًا ولا حِسًّا؛ فهذا نوعٌ من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التولة، والقلائد التي يقال: إنها تمنع العين، وما أشبه ذلك؛ لأنه أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله في إثبات الأسباب» (١).\nوَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (يَقُولُونَ هَذَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتِنَا) نص كلام ابن قتيبة: «﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: أي يعلمون أن هذا كله من عنده، ثم ينكرون ذلك، بأن يقولوا: هو شفاعة آلهتنا» (٢).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٢٠٣، ٢٠٤).\n(٢) غريب القرآن ص (٢١٠).","vol":"1","page":406},{"text":"وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ بَعْدَ حدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الَّذِي فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» الحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ: «وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضيفُ إِنْعَامَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَيُشركُ بِهِ».\n•---------------------------------•\nقال ابن القيم - ﵀ -: «هذا يتضمن الشرك مع إضافة النعمة إلى غير وليها» (١).\nو«هؤلاء أخبث ممن سبقهم؛ لأنهم مشركون يعبدون غير الله، ثم يقولون: إن هذه النعم حصلت بشفاعة آلهتهم، فالعُزَّى مثلا شفعت عند الله أن ينزل المطر؛ فهؤلاء أثبتوا سببا من أبطل الأسباب لأن الله ﷿ لا يقبل شفاعة آلهتهم، لأن الشفاعة لا تنفع إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا، والله ﷿ لا يأذن لهذه الأصنام بالشفاعة؛ فهذا أبطل من الذي قبله لأن فيه محذورين:\n١ - الشرك بهذه الأصنام.\n٢ - إثبات سبب غير صحيح» (٢).\nوفي هذا الأثر أن ابن قتيبة يرى أن إضافة النعمة إلى شفاعة الأصنام كفر.\n«وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ» هو: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ونص كلامه موجود في فتاويه (٣).\n_________\n(١) شفاء العليل ص (٣٧).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٠٥).\n(٣) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٣).","vol":"1","page":407},{"text":"قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «هُوَ كَقَوْلِهِمْ: كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ».\n•---------------------------------•\n«قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ» لم أقف فيما وقع لدي من الكتب على تسمية هذا البعض.\n«كَانَتِ الرِّيحُ طَيِّبَةً، وَالمَلَّاحُ حَاذِقًا» الملَّاح -بفتح الميم وتشديد اللام-: هو صاحب السفينة: قائدها، أو العامل فيها (١).\nوالمعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريًا حسنًا نسبوا ذلك إلى طيب الريح، وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم كما قال تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦]. فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق الملَّاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء.\nووجه إيراد هذا الكلام: أن هذا التعبير فيه محذور شرعي، إذ إن فيه كفرًا بنعمة الله تعالى، حيث أُسْنِد الفضل لغيره سبحانه، مع أن الفضل له أولًا وآخرًا، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم: ٤٦] (٢).\n_________\n(١) ينظر: مختار الصحاح ص (٢٩٨)، والمعجم الوسيط (٢/ ٨٨٣).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٠٧، ٥٠٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٢٩٨).","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ </span>الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: تحذير الأمة من الوقوع في بعض الألفاظ المنافية للتوحيد، وهي من الشرك الأصغر، وإن لم يقصد المتكلم بها شركًا أو معنًى باطلًا. مثل قول بعضهم: «ما شاء الله وشئت»، و«لولا الله وفلان»، و«أعوذ بالله وبك»، ونحوها من الألفاظ. وأراد المؤلف أن يوضح أَنَّ هذه الأمور يلزم أن تُنْسَب لله تعالى وحده. وإن أُضِيفَت إلى غيره: يُؤْتَى بعد ذكر الله بكلمة «ثُمَّ» لبيان المقصود الحق في ذلك (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أنه لَمَّا كان من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد المتكلم بذلك شركًا؛ نَبَّه المؤلف - ﵀ - بهذا الباب على ذلك، وبَيَّنَ بعض هذه الألفاظ لِتُجْتَنَب هي وما ماثلها (٢).\nوأما علاقة هذا الباب بالباب السابق فهو: أن كِلَا البابين يتعلقان بإضافة أمور إلى غير الله لا تنبغي إِلَّا له سبحانه، إما على سبيل التشريك، أو على سبيل الاستقلال، وكل ذلك من الشرك بالله تعالى أكبر كان أو أصغر (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٠٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٠٠).\n(٢) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٥٤).\n(٣) ينظر: القول السديد ص (١٤٣).","vol":"1","page":409},{"text":"فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر، فكيف تحتجون بها على الشرك الأصغر؟\nقيل: السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس وغيره فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر، وفسرها أيضًا بالشرك الأكبر، وفسرها غيره بشرك الطاعة، وذلك لأن الكل شرك، والقاعدة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١).\n﴿فَلَا تَجْعَلُوا﴾ لا ناهية، أي: فلا تجعلوا له أندادًا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادًا في الربوبية، وأيضًا لا تجعلوا له أندادًا في أسمائه وصفاته.\n﴿أَندَادًا﴾ جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادًا في العبادة (٢).\n﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وأنتم تعلمون أنه ربكم لا يرزقكم غيره ولا يستحق العبادة سواه، ولا ند له يشاركه في فعله (٣).\nوهذه الآية عامة تشمل اتخاذ الأنداد بالشرك الأكبر، وبما دون ذلك من الشرك الأصغر؛ لأن قوله: (أندادًا) نكرة في سياق النهي فتعم جميع أنواع التنديد، والتنديد منه ما هو مخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة (٤)، كما سيأتي.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٠٨).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٠٨).\n(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٣)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٤).\n(٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٥٤) بتصرف.","vol":"1","page":410},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي الآيَةِ: الأَنْدَادُ هُوَ الشركُ، أَخْفَى مَنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: والله وَحَيَاتِكَ يَا فُلَانُ وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا لأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ لأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ. لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا، هَذَا كُلُّهُ بِهِ شركٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.\n•---------------------------------•\n«قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي الآيَةِ ...» الأثر رواه ابن أبي حاتم (١) كما قال المصنف، وسنده جيد.\n«عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ» الصفاة: هي الصخرة الملساء (٢).\n«وَلَولَا البَطُّ فِي الدَّارِ» (البط) جمع (بطة) من طير الماء وليست الهاء للتأنيث وإنما هي لواحد من جنس يقال: هذه بطة للذكر والأنثى جميعًا مثل حمامة ودجاجة، وهو يتخذ في البيوت، فإذا دخلها غير أهلها استنكره وصاح (٣).\nو«مناسبة الأثر للباب وللتوحيد: حيث دَلَّ الأثر على أن ابن عباس يرى أن من الشرك الخفي القسم بغير الله كقولك: وحياتك، وكذا تعليق نفع على فعل مخلوق كقولك: لولا الحارس لأتانا اللصوص، وكذلك تعليق نفع على فعل الله ومعه غيره كقولك: لولا الله وفلان لاحترق المنزل» (٤).\n_________\n(١) في تفسيره (١/ ٦٢) (١/ ٦٢) رقم (٢٢٩). قال صاحب التيسير ص (٥٠٩): «وسنده جيد».\n(٢) ينظر: الصحاح للجوهري (٦/ ٢٤٠١)، ولسان العرب لابن منظور (١٤/ ٤٦٤).\n(٣) ينظر: مختار الصحاح ص (٣٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٠١).\n(٤) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٥).","vol":"1","page":411},{"text":"وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشركَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ.\n•---------------------------------•\nحديث عمر عند الترمذي والحاكم وغيرهما (١)، وفيه علة خفية، ولكنه قوي بشواهده.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤١٣) رقم (٣٢٩)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٧) رقم (٨٢٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٧) رقم (١٦٧)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (١/ ٣١٣)، و(١/ ٣١٤) رقم (٢٠٧) من طريق سعيد بن مسروق، عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، عن عمر، أنه قال: لا وأبي، فقال رسول الله - ﷺ -: «مَهْ، إِنَّهُ مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللهِ، فَقَدْ أَشْرَكَ».\nوقد خالف سعيدَ بنَ مسروق عددٌ من الرواة، فرووه عن ابن عمر من دون ذكر عمر، كما عند أحمد في مسنده (١٠/ ٢٤٩) رقم (٦٠٧٢) عن سليمان بن حيان،\nوالترمذي في جامعه (٣/ ١٦٢) رقم (١٥٣٥)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٠) رقم (٧٨١٤) من طريق أبي خالد الأحمر،\nوأبو داود في سننه (٣/ ٢٢٣) رقم (٣٢٥١) من طريق عبد الله بن إدريس،\nوأبو عوانة في مستخرجه (٤/ ٤٤) رقم (٥٩٦٧) من طريق فضيل بن سليمان،\nوابن حبان في صحيحه (١٠/ ١٩٩) رقم (٤٣٥٨) من طريق عبد الرحيم بن سليمان،\nوالحاكم في المستدرك (١/ ٦٥) رقم (٤٥) (١/ ١١٧) رقم (١٦٩) من طريق جرير بن عبد الحميد،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥١) رقم (١٩٨٢٩) من طريق مسعود بن سعد،\nسبعتهم (سليمان بن حيان، وأبو خالد الأحمر، وعبد الله بن إدريس، وفضيل بن سليمان، عبد الرحيم بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد) عن الحسن بن عبيد الله، عن سعد بن عبيدة، سمع ابن عمر رجلًا يقول: والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فذكر الحديث.\nوأخرجه الطيالسي في مسنده (٣/ ٤١٢) رقم (٢٠٠٨) وابن الجعد في مسنده ص (١٤٠) رقم (٨٩٥)، وأحمد في مسنده (٨/ ٥٠٣) رقم (٤٩٠٤)، والبزار في مسنده (١٢/ ٢٢) رقم (٥٣٩٠) =","vol":"1","page":412},{"text":"«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله ...» «من»: شرطية؛ فتكون للعموم؛ فتشمل كل محلوف به سوى الله، سواء بالكعبة أو الرسول - ﷺ - أو السماء أو غير ذلك، ولا يشمل<span data-type=\"title\" id=toc-186> الحلف بصفات الله</span>؛ لأن الصفة تابعة للموصوف، وعلى هذا؛ فيجوز أن تقول: وعزة الله؛ لأفعلن كذا (١).\n«فَقَدْ كَفَرَ، أَوْ أَشركَ» «يحتمل أن يكون شكًّا من الراوي، ويحتمل أن تكون أو بمعنى الواو، فيكون قد كفر وأشرك. ويكون من الكفر الذي هو دون الكفر الأكبر، كما هو من الشرك الأصغر» (٢).\nوالجمهور أنه من الشرك الأصغر، وهو رأي ابن عباس - ﵁ -.\nومناسبة الحديث للباب: أنه يدل على أن من حلف بغير الله فقد اتخذ المحلوف به ندًّا لله (٣).\n_________\n= و(١٢/ ٢٣) رقم (٥٣٩٣)، وأبو عوانة في مستخرجه (٤/ ٤٤) رقم (٥٩٧١) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٩٩) رقم (٨٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٥٣) من طرق عن سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، بنحوه.\nوالحديث ظاهره الصحة، ولكن أعله بعضهم بالانقطاع؛ قال البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٥٢): «هذا مما لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر»، ثم ساق من طريق الإمام أحمد، وهو فى المسند (٩/ ٤٢٢) رقم (٥٥٩٣) من طريق شعبة عن منصور عن سعد بن عبيدة، قال: كنت عند عبد الله بن عمر ﵄، فقمت، وتركت رجلًا عنده من كندة، فأتيت سعيد بن المسيب قال: فجاء الكندي فزعا، فقال: جاء ابن عمر رجل، فقال: احلف بالكعبة، قال: لا، ولكن أحلف برب الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه، فقال رسول الله - ﷺ - فذكر الحديث.\nوالكندي هذا مجهول.\n(١) القول المفيد (٢/ ٢١٢، ٢١٣).\n(٢) فتح المجيد ص (٤١٣).\n(٣) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٦).","vol":"1","page":413},{"text":"وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - ﵁ -: «لأَنْ أَحْلِفَ بالله كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا».\n•---------------------------------•\nأثر ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق وغيره (١).\n«لأَنْ أَحْلِفَ بالله كَاذِبًا» اللام: لام الابتداء، و«أن» مصدرية؛ فيكون قوله: «أن أحلف» مؤوَّلا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله (٢).\nوعلاقة الأثر بالباب: أنه يدل على تحريم الحلف بغير الله (٣)؛ لأن ذلك تعظيم للمخلوق المحلوف به، والتعظيم عبادة، وصرف العبادة لغير الله شرك (٤).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٤٦٩) رقم (١٥٩٢٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨٣) رقم (٨٩٠٢)، من طريق أبي سلمة مسعر بن كدام،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٧٩) رقم (١٢٢٨١) من طريق عبد الملك بن ميسرة،\nكلاهما (أبو سلمة، وعبد الملك) عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وإسناده صحيح.\nوجاء في مصنف ابن أبي شيبة (أبي بردة) بدل (وبرة)، ولعلَّه تحريف.\nوفي مصنف عبد الرزاق شك أبو سلمة في روايته عن وبرة، فقال: قال عبد الله: لا أدري ابن مسعود أو ابن عمر.\nوأخرجه أبو الشيخ في تاريخ أصبهان (٢/ ١٧٧)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٥١)، وفي حلية الأولياء (٧/ ٢٦٧) من طريق محمد بن معاوية العتكي، عن عمر بن علي، عن مسعر ابن كدام، عن وبرة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال النبي - ﷺ -: «لأن أحلف بالله وأكذب أحب إلي من أن أحلف بغير الله وأصدق». وهو حديث ضعيف جدًّا؛ لأن في سنده محمد بن معاوية العتكي، وقد كذبه ابن معين والدارقطني.\nوالخلاصة: أن الحديث لا يصح مرفوعًا، وإنما هو موقوف على ابن مسعود - ﵁ -.\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢١٧).\n(٣) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٢٨).\n(٤) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٧).","vol":"1","page":414},{"text":"وَعَنْ حُذَيْفَةَ - ﵁ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَفُلَانٌ، وَلِكَنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n•---------------------------------•\nأثر حذيفة رواه أبو داود وغيره (١)، وإسناده صحيح.\n«لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَفُلَانٌ» العلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه، فيكون القائل: ما شاء الله وشئت مسويًا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل، فهو شرك أصغر (٢).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٣٤٤) رقم (٤٣١)،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٠) رقم (٢٦٦٩٠) عن غندر،\nوأحمد في مسنده (٣٨/ ٢٩٩) رقم (٢٣٢٦٥)، و(٣٨/ ٣٩٦) رقم (٢٣٣٨١) عن يحيى بن سعيد، وحجاج،\nوأحمد في المسند أيضًا (٣٨/ ٣٧٠) رقم (٢٣٣٤٧)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١/ ٢١٩) رقم (٢٣٦) من طريق عفان بن مسلم،\nوأحمد في المسند (٣٨/ ٣٩٦) رقم (٢٣٣٨١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (٦١٦) رقم (٦٦٦) من طريق محمد بن جعفر،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٩٥) رقم (٤٩٨٠)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٦٥) رقم (٢٩٤) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوالنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٦١) رقم (١٠٧٥٥)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٤٤) رقم (٩٨٥) من طريق خالد بن الحارث،\nوابن أبي الدنيا في الصمت ص (١٩٢) رقم (٣٤١) من طريق يزي د بن هارون،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٠٦) رقم (٥٨١٠)، والاعتقاد ص (١٥٦) من طريق حفص بن عمر الحوضي،\nكلهم عن شعبة، عن منصور، عن عبد الله بن يسار، عن حذيفة مرفوعًا.\nوالحديث إسناده صحيح.\n(٢) القول المفيد ٢/ ٢١٩.","vol":"1","page":415},{"text":"وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَخَعِيِّ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَعُوذُ بالله وَبِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: بالله ثُمَّ بِكَ، قَالَ: وَيَقُولُ: لَوْلَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ، وَلَا تَقُوْلُوا لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ.\n•---------------------------------•\nأثر إبراهيم رواه عبد الرزاق، وغيره (١).\n«أَعُوذُ بالله وَبِكَ» هذا محرَّم؛ لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية، وهو الواو. والعياذ: الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللِّياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب (٢).\nومناسبة الأثر للباب وللتوحيد: حيث دل على تحريم عطف الاستعاذة بالمخلوق على الاستعاذة بالله بالواو؛ لأن (الواو) تقتضي التشريك بين المتعاطفين، وذلك يؤدي إلى الشرك بالله، وهو محمول على الشرك الأصغر وكذا تعلق منفعة على فعل الله ومعه غيره، كقولك: لولا الله وفلان لما شفيت (٣).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في جامعه (١١/ ٢٧) رقم (١٩٨١١) عن معمر،\nوابن أبي الدنيا في كتاب الصمت ص (١٩٣، ١٩٤) من طريق أبي يحيى التيمي،\nكلاهما (معمر، وأبو يحيى) عن المغيرة بن مقسم الضبي عن إبراهيم النخعي، ولفظه في رواية معمر: «عن إبراهيم، أنه كان يكره أن يقول: أعوذ بالله وبك، حتى يقول: ثم بك».\nوالأثر مداره على المغيرة، وهو ثقة متقن إلا أنه كان يدلس ولا سيما عن إبراهيم.\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٢١).\n(٣) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٩).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقنَعْ بِالْحَلِفِ بالله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: التحذير من عدم تصديق الحالف بالله الذي عُلِمَ منه بالتجربة والاستقراء أنه صادق أو أنه مستور الحال، ولم يعرف عنه كذب، وبيان ما جاء في ذلك من الوعيد.\nوعدم التصديق في هذه الحال يدل على ضعف تعظيم الله تعالى؛ لأن تعظيم الحلف من تعظيم المحلوف به. وقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقنَعْ بِالْحَلِفِ بالله» أي ما جاء من الوعيد في ذلك.\n«وهذا الباب فيه نوع تردد عند الشراح، والظاهر في المراد منه أن الإمام المصنف - ﵀ - ذكره تعظيمًا لله جل وعلا، وقد ذكر في الباب قبله من حلف بغير الله، وأن حكمه أنه مشرك، فهذا فيه أن الحلف بالله يجب تعظيمه، وأن لا يحلف المرء بالله إلا صادقًا، وأن لا يحلف بآبائه، وأن لا يحلف بغير الله، ومن حُلف له بالله فواجب عليه الرضا تعظيما لاسم الله، وتعظيمًا لحق الله جل وعلا، حتى لا يقع في قلبه استهانة باسم الله الأعظم، وعدم اكتراث به أو بالكلام المؤكد به.\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ الباب متعلق بالشرك في توحيد الربوبية؛ لأن من لم يقنع بالحلف بالله عنده نقصٌ في تعظيمه للمحلوف به؛ ولو كان يعظم الله تعالى لرضي بالحلف به، فلما لم يرض بذلك؛ علمنا نقص توحيده وضعفه (١).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٢٢٤)، وإعانة المستفيد (٢/ ١٦٥).","vol":"1","page":417},{"text":"عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بالله فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بالله فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ الله» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ.\n•---------------------------------•\nهذا وقد جعل بعض أهل العلم قول المصنف: «باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله» خاصا بما إذا توجهت اليمين على أحد المتخاصمين عند القاضي، وأن طائفة من أهل العلم قالوا في قوله: «ومن حلف له بالله فليرض»: إن هذا عام في كل من حلف له بالله، فإنه يجب عليه الرضا، وآخرون قالوا: يفرق بين من ظاهره الصدق، ومن ظاهره الكذب، والله أعلم» (١).\nقوله: «عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» حديث ابن عمر رواه ابن ماجه وغيره (٢)، وإسناده حسن.\n«لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» تقدم ما يتعلق به في الباب قبله.\n«مَنْ حَلَفَ بالله فَلْيَصْدُقْ» أي: وجوبًا؛ لأن الصدق واجب ولو لم يحلف بالله، فكيف إذا حلف به؟ وأيضًا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله، فكيف إذا أكده باسم الله؟\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٦٠، ٤٦١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه (١/ ٦٧٩) رقم (٢١٠١)، والمحاملي في أماليه ص (٦٣) رقم (٦)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (٢/ ٦٠) رقم (١١٥١) من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٠٥) رقم (٢٠٧٢٣) من طريق الحسن بن علي بن عفان،\nكلاهما (الأحمسي، والحسن بن علي) عن أسباط بن محمد، عن محمد بن عجلان، عن نافع عن ابن عمر، قال: سمع النبي رجلًا يحلف بأبيه فقال: ... الحديث.\nقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣٣): «إسناد صحيح رجاله ثقات».","vol":"1","page":418},{"text":"«وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بالله فَلْيَرْضَ» أي: وجوبًا كما يدل عليه قوله: «وَمَنْ لَمْ يَرْضَ فَلَيْسَ مِنَ الله» (١).\nولهذا لما رأى عيسى ﵇ رجلًا يسرق فقال له: «أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِالله، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي» (٢).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥١٧).\n(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٢٧١ رقم (٣٢٦٠)، ومسلم ٤/ ١٨٣٨ رقم (٢٣٦٨).","vol":"1","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>بَابُ قَوْلِ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ»</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة بيان حكم قول: «ما شاء الله وشئت»، وأنه من الشرك الأصغر المنافي للتوحيد، وأَنَّ ذلك من جملة الأمور التي يتخذ فيها الإنسان أندادًا مع الله تعالى (١).\n«(باب قول ما شاء الله وشئت): أي ما حكم التكلم بذلك، هل يجوز أم لا؟ وإذا قلنا: لا يجوز؛ فهل هو من الشرك أم لا؟» (٢). والجواب: أنه إن اعتقد أن المعطوف مساو لله؛ فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ؛ فهو أصغر (٣).\nوهذه الترجمة داخلةٌ في الترجمة السابقة: «فلا تجعلوا لله اندادًا»، ولكن أفردها المصنف هنا ببابٍ خاصٍّ؛ لأهميتها، وعموم البلوى بها، وجهل كثير من الناس بخطورتها. مع أن النصوص جاءت بالتحذير منها لفظًا لا معنًى، وهذا من أوضح الأدلة على المنع من ذلك.\nفإذا عُلِمَ دخول هذه الترجمة في الباب السابق: «فلا تجعلوا لله أندادًا ... الخ الآية» عُلِمَ مناسبة الباب لكتاب التوحيد، ومن ثَمَّ مناسبته للباب السابق أو الأبواب السابقة، إذ التشريك بين الله وبين خلقه في المشيئة من الشرك الأكبر أو الأصغر المنافي لكمال التوحيد الواجب (٤).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٠٧).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥١٨).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٢٢٨).\n(٤) ينظر: القول السديد ص (١٤٧)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٦١).","vol":"1","page":420},{"text":"عَنْ قُتَيْلَةَ أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُشركُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالكَعْبَةِ، فَأَمَرَهُم النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الكَعْبَةِ، وَأَنْ يَقُولُوا: «مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ.\n•---------------------------------•\nحديث قتيلة عند النسائي وغيره (١)، وإسناده صحيح.\n«عَنْ قُتَيْلَةَ» بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرًا؛ بنت صيفي الجهنية الأنصارية، صحابية.\n«إِنَّكُمْ تُشركُونَ، تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ» هذا نص في أن هذا اللفظ من الشرك، لأن النبي - ﷺ - أقر اليهودي على تسمية هذا اللفظ تنديدًا أو شركًا. ونهى النبي - ﷺ - عن ذلك، وأرشد إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك.\n_________\n(١) أخرجه ابن راهويه في مسنده (٥/ ٢٥٤) رقم (٢٤٠٧)، وأحمد في مسنده (٤٥/ ٤٣) رقم (٢٧٠٩٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/ ١٨٠) رقم (٣٤٠٨)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١/ ٢٢٠) رقم (٢٣٨)، ومشكل الآثار (٢/ ٢٩٤) رقم (٨٢٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ١٣) رقم (٥) و(٢٥/ ١٤) رقم (٧)، وابن المقرئ في معجمه ص (٢٤٩) رقم (٨١٣)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣١) رقم (٧٨١٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٠٧) رقم (٥٨١١) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي،\nوالنسائي في السنن (٧/ ٦) رقم (٣٧٧٣)، وفي الكبرى (٤/ ٤٣٦) رقم (٤٦٩٦)، و(٩/ ٣٦٢) رقم (١٠٧٥٦)، والترمذي في العلل ص (٢٥٣) رقم (٤٥٧)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٦/ ٣٤٢٧) رقم (٧٨١٥) من طريق مسعر بن كدام،\nكلاهما (المسعودي، ومسعر بن كدام) عن عبد الله بن يسار، عن قتيلة مرفوعًا.\nوإسناده صحيح.","vol":"1","page":421},{"text":"وَلَهُ أَيْضًا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلْنَّبِيِّ؟: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ: «أَجَعَلْتَنِي لله نِدًّا؟ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ».\n•---------------------------------•\nحديث ابن عباس رواه النسائي في السنن الكبرى (١)، كما أشار المؤلف بقوله: (وله)، وفي إسناده مقال؛ لأن مداره على الأجلح بن عبد الله وهو متكلم فيه.\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في مسنده ص (١٠٨) رقم (١٨١)،\nوابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٣٤٠) رقم (٢٦٦٩١)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٤) رقم (١٣٠٠٦) من طريق علي بن مسهر،\nوأحمد في المسند (٣/ ٣٣٩) رقم (١٨٣٩)، وأحمد في المسند (٣/ ٤٣١) رقم (١٩٦٤)، وابن المقرئ في معجمه ص (١٦٥) رقم (٤٨٤) من طريق هشيم،\nوأحمد في المسند (٤/ ٣٤١) رقم (٢٥٦١)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٢٧٤) رقم (٧٨٣)، والباغندي في أماليه ص (٥٢) رقم (٣٦)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٤٤) رقم (١٣٠٠٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (٦١٧) رقم (٦٦٧)، وابن عدي في الضعفاء (٢/ ١٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩)، والخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ٦٧٦)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤١/ ٣٢٥)، وأبو طاهر السلفي في الطيوريات (٢/ ٤١٧) رقم (٣٦٨) من طريق سفيان الثوري،\nوأحمد في المسند (٥/ ٢٩٧) رقم (٣٢٤٧) عن يحيى بن سعيد القطان،\nوابن ماجه في سننه (١/ ٦٨٤) رقم (٢١١٧)، والنسائي في الكبرى (٩/ ٣٦٢) رقم (١٠٧٥٩)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٤٥) رقم (٩٨٨)، وأبو بكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢٤٢) من طريق عيسى بن يونس،\nوابن أبي الدنيا في الصمت ص (١٩٢) رقم (٣٤٢) من طريق عبد الرحمن المحاربي،\nوالطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١/ ٢١٨) رقم (٢٣٥) من طريق شيبان النحوي،\nوالبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٠٧) رقم (٥٨١٢)، والأسماء والصفات (١/ ٣٦٤) رقم (٢٩٣) من طريق جعفر بن عون، =","vol":"1","page":422},{"text":"وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ أَخِي عَائِشَةَ لأُمِّهَا، .........................\n•---------------------------------•\nوالحديث دل على أن قول: (ما شاء الله وشئت) شرك أصغر.\nقال ابن القيم ﵀: «ومن ذلك - أي من الشرك بالله - قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت. فكيف من يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، ويقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذرا لله ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، أو أرجوا الله وفلانًا ونحو ذلك، فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي لقائل تلك الكلمة» (١).\n«وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ ...» الحديث عند ابن ماجه كما ذكر المصنف وعند غيره (٢)، وإسناده صحيح.\n_________\n= تسعتهم (ابن المبارك، وابن مسهر، وهشيم، والثوري، والقطان، وعيسى، والمحاربي، والنحوي، وابن عون) عن الأجلح بن عبد الله، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس مرفوعًا.\nوفي الضعفاء لابن عدي والطيوريات لأبي طاهر تحريف في السند.\n(١) الجواب الكافي ص (٩٣).\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ١٦٥) رقم (٦٥٢)، وأحمد في المسند (٣٤/ ٢٩٦، ٢٩٧) رقم (٢٠٦٩٤)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢١٤) رقم (٢٧٤٣)، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٨٦١) رقم (٨٧٤)، والبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٤٣٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٢٤) رقم (٨٢١٤)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٥٦٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٢)، وأبو بكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢٤٢)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ١٤٣) رقم (١٥٥) من طريق حماد بن سلمة، =","vol":"1","page":423},{"text":"«وَلابْنِ مَاجَه عَن الطُّفَيْلِ أَخِي عَائِشَةَ لأُمِّهَا» الطفيل هو: الطفيل بن عبد الله ابن سخبرة الأزدي، نسبة إلى الأزد؛ قبيلة عربية مشهورة، وهو أحد الصحابة.\n_________\n= والدارمي في سننه (٣/ ١٧٦٩) رقم (٢٧٤١)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ١١٨) رقم (٤٦٥٥)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٥٠)، وابن بشران في أماليه (١/ ١٠٣) رقم (٢٠٩)، والخطيب البغدادي في المتفق والمفترق (٢/ ١٢٤٢)، وفي موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٢٩٥)، وأبو بكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢٤٣)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ١٤٤) رقم (١٥٦) من طريق شعبة،\nوابن ماجه في سننه (١/ ٦٨٥) رقم (٢١١٨) من طريق أبي عوانة الوضاح بن عبد الله، ...\nوالبغوي في معجم الصحابة (٣/ ٤٣١)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٢٣) رقم (٥٩٤٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٥٨) رقم (٢٩٢) من طريق عبيد الله بن عمرو،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٢٥) رقم (٨٢١٥)، من طريق زيد بن أبي أنيسة،\nوالضياء المقدسي في المختارة (٨/ ١٤٢) رقم (١٥٤) من طريق زياد بن عبد الله البكائي،\nستتهم (حماد، وشعبة، وأبو عوانة، وعبيد الله، وابن أبي أنيسة، والبكائي) عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن طفيل بن سخبرة.\nوخالف الجميع سفيان بن عيينة، فرواه عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ابن اليمان أن رجلًا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلًا من أهل الكتاب ... الحديث. كما عند أحمد في المسند (٣٨/ ٣٦٤) رقم (٢٣٣٣٩)، وابن ماجه في سننه (١/ ٦٨٥) رقم (٢١١٨)، وأبي بكر الحازمي في الناسخ والمنسوخ ص (٢٤٣).\nوالوهم من سفيان، والراجح رواية الجماعة، قال ابن حجر في الفتح (١١/ ٥٤٠): «وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: إن ابن عيينة وهم في قوله عن حذيفة».\nوخالفهم أيضًا معمر، فرواه عن عبد الملك بن عمير، أن رجلًا رأى في زمان النبي - ﷺ - في المنام: أنه مر بقوم من اليهود فأعجبته هيئتهم ... الحديث. كما في جامعه (١١/ ٢٨) رقم (١٩٨١٣).\nوالراحج رواية الجماعة كما سبق.","vol":"1","page":424},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، قُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله، قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُم القَوْمَ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِنَفَرٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقُلْتُ: إِنَّكُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله. قَالُوا: وَأَنْتُمْ لأَنْتُمْ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أصْبَحْتُ أَخْبَرْتُ بِهَا مَنْ أَخْبَرْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرْتُهُ،\n•---------------------------------•\n«رَأَيْتُ كَأَنِّي أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ» هذه الرؤيا في المنام، ويدل على ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: «رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي مَرَرْتُ بِرَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ» (١).\n«إِنَّكُمْ لأَنْتُمُ القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ الله» أي: نعم القوم أنتم لولا الشرك الذي أنتم عليه، وهو نسبة الولد إلى الله تعالى.\nوعزير: رجل صالح، زعم اليهود أنه ابن الله، وهو كذب وكفر، وهذا من أبطل ما قالوا به.\n«إِنَّكُمْ لأَنْتُم القَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: المَسيحُ ابْنُ الله» وهو عيسى ابن مريم، وسمي بالمسيح؛ لأنه كان إذا مسح على أصحاب العاهات شفوا بإذن الله، كما في قوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠].\n_________\n(١) رواها ابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ١٦٥) رقم (٦٥٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٢١٣) رقم (٢٧٤٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣٢٤) رقم (٨٢١٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٢٤) رقم (٥٩٤٦)، والضياء المقدسي في المختارة (٨/ ١٤٣) رقم (١٥٥).","vol":"1","page":425},{"text":"قَالَ: هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ قُلْتُمْ كِلَمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي كَذَا وَكَذَا أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ».\n•---------------------------------•\n«هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟» هذا السؤال من النبي - ﷺ - يفهم منه أنَّ الطفيل إذا لم يخبر به، لقال له النبي - ﷺ -: لا تخبر أحدًا، ولكنه لما أخبر به لم يكن بُدٌّ من بيانه للناس لأنه انتشر بينهم.\n«وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ» هذا على سبيل الاستحباب، وإلا فيجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء محمد، وعليه صارت الأحكام ثلاثة: مستحب، وجائز، ومحرم.\n١) ما شاء الله وحده، مستحب.\n٢) ما شاء الله ثم شئت، جائز.\n٣) ما شاء الله وشئت، محرم.","vol":"1","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-191>بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ</span>\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ الآية [الجاثية: ٢٤].\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: تقرير أَنَّ الذي يسب الدهر واقعٌ في أذى الله تعالى، والأذى الذي يقصده المصنف هنا يحتمل معنيين:\nالأول: أَنَّ الذي يسب الدهر هو في الحقيقة سابٌّ لله تعالى؛ لأن فاعل هذه الأمور ومقدرها هو الله وحده؛ فرجع السب إلى الله تعالى.\nوالثاني: أَنَّ الساب للدهر إِنْ سَبَّهُ باعتبار أنه فاعل مع الله تعالى، فهذا شركٌ بالله تعالى. ومن هنا تظهر مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد؛ لأن الساب بالمعنى الأول الذي ذكرناه هو سابٌّ لله تعالى، وسب الله مناقضٌ للتوحيد، ومنافٍ له بكل الوجوه، وإن كان السب للدهر بالمعنى الثاني فهو شركٌ واضحٌ في ربوبية الله تعالى مناقضٌ للتوحيد (١).\nقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ «يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد» (٢)، أنهم قالوا: «ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها لا حياة سواها تكذيبًا منهم بالبعث بعد الممات» (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٢٦)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٦٨).\n(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٤٧).\n(٣) جامع البيان للطبري (٢١/ ٩٥).","vol":"1","page":427},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ».\n•---------------------------------•\n﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾: «وما يهلكنا فيفنينا إلا مرُّ الليالي والأيام وطول العمر، إنكارًا منهم أن يكون لهم ربٌّ يفنيهم ويهلكهم» (١).\n﴿وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: «أي يتوهمون ويتخيلون» (٢).\n«فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرًا عن الدهرية المشركين؟ قيل: المطابقة ظاهرة؛ لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم في الاعتقاد» (٣).\nقوله: «وَفِي الصَّحِيحِ» أي: صحيح البخاري ومسلم (٤).\n«يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ» لا يلزم من الأذية الضرر، فالإنسان يتأذى بسماع القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك؛ ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].\n«يَسُبُّ الدَّهْرَ» الإخبار عن الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] وكقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩].\n_________\n(١) جامع البيان للطبري (٢١/ ٩٦).\n(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٢٤٧).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٥٢٧).\n(٤) صحيح البخاري (٦/ ١٣٣) رقم (٤٨٢٦)، وصحيح مسلم (٤/ ١٧٦٢) رقم (٢٢٤٦).","vol":"1","page":428},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».\n•---------------------------------•\nالثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا.\nالثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبه تعود إلى الله سبحانه.\nقوله: «وَفِي رِوَايَةٍ» هذه الرواية عند مسلم (١).\n«فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» «أي: فإن الله هو مدبر الدهر ومصرفه، وهذا تعليل للنهي، ومن بلاغة كلام الله ورسوله قرن الحكم بالعلة؛ لبيان الحكمة وزيادة الطمأنينة، ولأجل أن تتعدى العلة إلى غيرها فيما إذا كان المعلل حكما; فهذه ثلاث فوائد في قرن العلة بالحكم» (٢).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ١٧٦٣) رقم (٢٢٤٦).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٤٧).","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>بَابُ التَّسَمِّي بِقَاضي القُضَاةِ وَنَحْوِهِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه، كملك الأملاك، أو ملك الملوك. وأن ذلك من شرك الألفاظ؛ ولذلك فهو محرَّمٌ أشد التحريم، وهذه التسمية شركٌ من جانبين:\nأولًا: من جانب الربوبية: لأنه شَرَّك غيرَ الله معه في ملكه وسلطانه وأمره.\nوثانيًا: هو شركٌ في الأسماء والصفات؛ لأنه إلحادٌ في أسماء الله وصفاته تعالى.\nوعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أن الباب الذي قبله فيه النهي عن مسبة الدهر؛ لأن ذلك يؤذي الله ﷾. وهذا الباب في النهي عن التسمي بالأسماء الضخمة التي فيها العظمة التي لا تليق إلا بالله ﷾؛ لأن هذا يغيظ الله ﷾، وكلا الأمرين محرم شديد التحريم. ثم يأتي بعد هذا الباب: «باب احترام أسماء الله (١).\nوما حكم تقييد قاضي القضاة بشي معين مثل: قاضي قضاة مصر؟\nالجواب: أن هذا جائز، لأنه مقيد.\nفإذا قيد بزمان أو مكان ونحوهما، فهو جائز، وتركه أفضل، وما الحكم لو قيد بفن من الفنون، هل يكون جائزًا؟\nمقتضى التقييد أن يكون جائزًا، (عالم العلماء في الفقه).\nوكذا إذا قيد بقبيلة مثل عالم بني تميم، فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف بأن لا يغتر ويعجب بنفسه.\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":430},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ الله، رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ». قَالَ سُفْيَانُ: «مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ».\nوَفِي رِوَايَةٍ: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ القِيِامَةِ وَأَخْبَثُهُ»، قَوْلُهُ: «أَخْنَعُ» يَعْنِي: أَوْضَعَ.\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة في الصحيحين (١).\n«أَخْنَعَ»: يعني أوضع. قال القاضي عياض - ﵀ -: «معناه أنه أشد الأسماء صغارًا» (٢)، والخانع الذليل، وخنع الرجل ذل.\n«رَجُلٌ تَسَمَّى»: تسمى بفتح التاء والسين وتشديد الميم المفتوحة ماضٍ معلوم من التسمي، أي: سمى نفسه. وفي بعض الروايات: بصيغة المجهول من التسمية، أي: يدعى بذلك ويرضى به.\n«مَلِكَ الأَمْلَاكِ»: هو بكسر اللام من ملك. والأملاك جمع مَلِك.\n«قَالَ سُفْيَانُ»: هو ابن عيينة.\n«مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ»: هو بسكون النون وبهاء في آخره، وقد تنون وليست هاء تأنيث فلا يقال بالمثناة أصلًا، وإنما مثَّل سفيان بشاهان شاه لأنه قد كثرت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان على أن الاسم الذي ورد الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان، فهو مراد بالذم (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٨/ ٤٥) رقم (٦٢٠٦)، وصحيح مسلم (٣/ ١٦٨٨) رقم (٢١٤٣).\n(٢) مشارق الأنوار ١/ ٢٤١.\n(٣) ينظر: فتح الباري لابن حجر (١٠/ ٥٩٠).","vol":"1","page":431},{"text":"وخلاصة ما يدل عليه الحديث: تحريم التسمي بملك الأملاك وما يلحق به كقاضي القضاة ونحوه؛ لأن ذلك شرك مع الله في ربوبيته (١).\nقال ابن حجر - ﵀ -: «ومن النوادر أن القاضي عز الدين بن جماعة - وكان يقال له: قاضي القضاة - قال: إنه رأى أباه في المنام فسأله عن حاله فقال: ما كان علي أضر من هذا الاسم، فأمر الموقعين أن لا يكتبوا له في السجلات قاضي القضاة بل قاضي المسلمين» (٢).\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٤)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٨٤).\n(٢) فتح الباري ١٠/ ٥٩٠.","vol":"1","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>بَابُ احْتِرَامِ أَسْمَاءِ الله تَعَالَى وَتَغْيِيِرِ الاسْمِ لأَجْلِ ذَلِكَ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: تأكيد وجوب احترام أسماء الله تعالى وتعظيمها، والحذر من امتهانها أو احتقارها، أو تسمية غير الله بها (١)، ولزوم تغيير الاسم لأجل احترام أسماء الله تعالى (٢).\nوعلاقة هذا الباب بالذي قبله: أن كلا البابين يتعلقان بالنهي عن تسمية أحد باسم فيه نوع مشاركة لله تعالى في أسمائه وصفاته كقاضي القضاة، وملك الملوك وحاكم الحكام، وأبي الحكم (٣).\n«فتسمية (ملك الأملاك) مشابهة لتكنيه (أبي الحكم) من جهة أن في كل منهما اشتراكًا في التسمية، لكن فيها اختلاف من جهة أن (أبا الحكم) راجع إلى شيء يفعله هو، وهو أنه يحكم فيرضون بحكمه وذاك (ملك الأملاك) ادعاء ليس له شيء؛ ولهذا كان أخنع اسم عند الله ﷻ» (٤).\nوعليه فإن «الفرق بين هذا الباب والذي قبله: أن الذي قبله من باب المنازعة ومن باب مشاركة الرب جل وعلا فيما هو خاص به، وهذا أمره عظيم جدًّا.\n_________\n(١) وهذا فيما يتعلق بالأسماء التي اختص بها الله وحده. ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٣)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٢٢).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣١٦)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٢٢).\n(٣) القول السديد ص (١٥١، ١٥٢).\n(٤) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٧٨).","vol":"1","page":433},{"text":"أما هذا فليس من باب المنازعة؛ لأنه قد يكون غير مقصود، وقد يكون لأمر يفعله الفاعل فيسمى باسم مأخوذ من الفعل كما في هذا الحديث، وقد يكون أيضًا عن قصد حسن، ولكنه ما فهم معنى هذا التكني أو هذا التسمي، فيكون غير آثم حتى يطلع على الحكم، فإذا اطلع على ذلك وجب عليه أن يغير الاسم، تعظيمًا لله جل وعلا واحترامًا لأسمائه، فيكون هذا الباب في الخطورة أقل من الباب الذي قبله.\nوأما مناسبة الباب لكتاب التوحيد فظاهرة: إذ إن احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم من أجل ذلك من تمام تحقيق التوحيد (١).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٥).","vol":"1","page":434},{"text":"عَنْ أَبِي شريْحٍ - ﵁ - أَنَّهُ كَانَ يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ، ........................\n•---------------------------------•\nحديث أبي شريح عند أبي داود وغيره، كما ذكر المصنف (١)، وإسناده صحيح.\nوأبو شريْحٍ: - بضم الشين وفتح الراء- هو هانئ بن يزيد الكندي، صحابي جاء وافدًا إلى النبي - ﷺ - مع قومه، وله رواية.\n«يُكْنَى أَبَا الحَكَمِ»: أي: ينادى به.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (٢٨٢) رقم (٨١١) من طريق أحمد بن يعقوب،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٨٩) رقم (٤٩٥٥)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٤٤) رقم (٢٠٥١١)، وفي الصغرى (٤/ ١٣٧) رقم (٣٢٧٤) من طريق الربيع بن نافع،\nوالنسائي في سننه (٨/ ٢٢٦) رقم (٥٣٨٧)، وفي الكبرى (٥/ ٤٠٣) رقم (٥٩٠٧)، والدولابي في الكنى (١/ ٢٢٥) رقم (٤٠٧) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٧٤٧) رقم (٦٥٤٧) من طريق قتيبة بن سعيد،\nوابن حبان في صحيحه (٢/ ٢٥٧) رقم (٥٠٤) والحاكم في المستدرك (١/ ٧٤) رقم (٦١) من طريق يحيى بن يحيى،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٩) رقم (٤٦٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٤٨٠) رقم (٣٧٤٩)، وابن قانع في معجم الصحابة (٣/ ٢٠١) من طريق منصور بن أبي مزاحم،\nوالحاكم في المستدرك (١/ ٧٥) رقم (٦٢)، ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (١/ ١٩٨) رقم (١٣٤) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين،\nستتهم (أحمد بن يعقوب، والربيع، وقتيبة، ويحيى، ومنصور، وأبو نعيم) عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جده شريح، عن أبيه هانئ.\nوإسناده صحيح.\nوأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (متمم الصحابة) ص (٧٦٣) رقم (٣٥٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٨) رقم (٤٦٤) والحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٠) رقم (٧٧٤١) من طريق قيس بن الربيع،\nوالطبراني أيضًا في المعجم الكبير (٢٢/ ١٧٩) رقم (٤٦٥) من طريق شريك،\nكلاهما (قيس، وشريك) عن المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن جده.","vol":"1","page":435},{"text":"فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ؟: «إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحُكْمُ»، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضيَ كِلَا الفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ ...........................................\n•---------------------------------•\n«إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ»: على سبيل الإنكار على أبي شريح (١)، والحَكَم هو من أسماء الله ﵎. قال البغوي: «والحَكَم: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله ﷿» (٢).\n«وَإِلَيْهِ الحُكْمُ»: يعني أن الحكم إليه لا إلى غيره، فإليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة (٣).\n«فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ»: هذا بيان لسبب تسميته بأبي الحكم، أي: أنا لم أكن نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها (٤).\n«مَا أَحْسَنَ هَذَا»: الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم؛ لأن النبي - ﷺ - غيَّره.\nوقال بعضهم: ما أحسن هذا! أي: ما ذكرت من وجه الكنية، وهو تفسير ضعيف (٥).\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ١٨٥).\n(٢) شرح السنة (١٢/ ٣٤٣).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٧٧).\n(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥)، القول المفيد (٢/ ٢٦٢).\n(٥) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥)، القول المفيد (٢/ ٢٦٢).","vol":"1","page":436},{"text":"قَالَ: شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله، قَالَ: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قُلْتُ: شريْحٌ، قَالَ: فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.\n•---------------------------------•\n«شريْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ الله»: الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن (١).\n«فَأَنْتَ أَبو شريْحٍ»: أي رعاية للأكبر منهم في التكريم والإجلال، فإن الكبير أولى بذلك (٢)، وفي هذا دليل على تقديم الكبير في كل ما كان من باب التكريم.\nلماذا غير النبي - ﷺ - كنية أبي شريح؟\nالجواب: غيره النبي - ﷺ -، لأمرين:\nالأول: أن الحَكَم هو الله، فإذا قيل: يا أبا الحكم! كأنه قيل: يا أبا الله!\nالثاني: أن هذا الاسم الذي جعل كنية لهذا الرجل لوحظ فيه معنى الصفة وهي الحُكم، وأسماء الله إذا لوحظ فيها معنى الصفة، لا يجوز التسمي بها إجماعًا.\nوخلاصة دلالة الحديث: وجوب احترام أسماء الله وذلك بتغيير الاسم أو الكنية إذا كان يوهم مشابهة أسماء الله وصفاته (٣).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٢٦٢).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥).\n(٣) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٦).","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>بَابُ مَنْ هَزَلَ بِشيءٍ فِيهِ ذِكْرُ الله أَو القُرْآنِ أَو الرَّسُولِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم من استهزأ بشيءٍ فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول - ﷺ - وأنه يكفر بالله - ﷿ - بالإجماع، ولو كان مازحًا أو هازلًا؛ لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة (١).\nقال ابن تيمية - ﵀ -: «إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم أو كان مستحلًا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده» (٢).\nوقال السعدي: «أي فإن هذا مناف للإيمان بالكلية، ومخرج من الدين؛ لأن أصل الدين الإيمان بالله وكتبه ورسله. ومن الإيمان تعظيم ذلك، ومن المعلوم أن الاستهزاء والهزل بشيء من هذه أشد من الكفر المجرد؛ لأن هذا كفر وزيادة احتقار وازدراء» (٣).\nوقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «هذا الباب لبيان حكم المستهزئين بالله وبالقرآن وبالرسول - ﷺ - وأن حكمهم أنهم مرتدون إذا كانوا مسلمين، وأن الاستهزاء ردة وكفر» (٤).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٥، ٥٣٦)، وفتح المجيد ص (٤٣٣)، وقرة عيون الموحدين ص (٢١٧)، والقول السديد ص (١٥٤)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣١٩).\n(٢) الصارم المسلول ص (٥١٣).\n(٣) القول السديد ص (١٥٤).\n(٤) شرح كتاب التوحيد ص (٢٢٦).","vol":"1","page":438},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].\nعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ، .......................\n•---------------------------------•\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الاستهزاء بالله أو رسوله أو كتابه كفرٌ بالله منافٍ للتوحيدٍ جملةً وتفصيلًا.\n«مَنْ هَزَلَ»: سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا.\n«أَو الرَّسُولِ»: المراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدًا - ﷺ -؛ فـ (أل) للجنس وليست للعهد (١).\n﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ «هذه الآية نص في أن المستهزئ بالله، وبالرسول، وبآيات الله جل وعلا -والمقصود بها آيات الله جل وعلا الشرعية، يعني: القرآن- أن هذا المستهزئ كافر، وأنه لا ينفعه اعتذاره بأنه كان في هزل ولعب، بل هو كافر؛ لأن تعظيم الله جل وعلا وتوحيده يوجب عليه أن لا يستهزئ» (٢).\n«عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَقَتَادَةَ» (٣).\n_________\n(١) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٤٨)، القول المفيد (٢/ ٢٦٧).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٤٨٣).\n(٣) رواية ابن عمر: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٢٩) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد ابن أسلم، عن ابن عمر.\nورواية محمد بن كعب: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٥) عن الحارث، عن عبد العزيز، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب.","vol":"1","page":439},{"text":"دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُنًا وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللَّقَاءِ، يَعْنِي رَسُولَ الله؟، وَأَصْحَابَهُ القُرَّاءَ، فَقَالَ لَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ، لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله؟، فَذَهَبَ عَوْفٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - لِيُخْبِرَهُ، فَوَجَدَ القُرْآنَ قَدْ سَبَقَهُ.\n•---------------------------------•\nومعنى: «دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ» أن ألفاظهم متقاربة، والمعنى واحد؛ فَجُمِعَ الحديث من رواياتهم، وسيق سياقًا واحدًا؛ فدخل بعضه في بعض (١).\n«أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ»: لم أقف على تسمية القائل؛ لذلك أبهم اسمه في جميع الروايات التي وقفت عليها.\n«مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ»: القراء جمع قارئ، وهم عند السلف: الذين يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم لمعناه، فلا يوجد في ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع.\n«أَرْغَبَ بُطُونًا»: أي: أوسع بطونًا. الرغب والرغيب: الواسع يقال: جوف رغيب وواد رغيب، يصفونهم بسعة البطون وكثرة الأكل (٢).\n_________\nورواية زيد بن أسلم: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣) من طريق الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم. وإسنادها صحيح.\nورواية قتادة: أخرجها الطبري في تفسيره (١١/ ٥٤٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٨٣٠) رقم (١٠٠٤٩)، من طريق يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة به.\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٨)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ١٨٧).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٣٨، ٥٣٩).","vol":"1","page":440},{"text":"فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ الله؟، وَقَدِ ارْتَحَلَ وَرَكِبَ نَاقَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَتَحَدَّثُ حَدِيثَ الرَّكْبِ نَقْطَعُ بِهِ عَنَاءَ الطَّرِيقِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مُتَعَلِّقًا بِنِسْعَةِ نَاقَةِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ الله؟: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآيَة، مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ.\n•---------------------------------•\nمن سب الله أو رسوله هل له توبة؟\nاختلف العلماء في ذلك على قولين:\nالقول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عن الحنابلة.\nوالقول الثاني: أنها تقبل إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، وهو اختيار ابن تيمية وشيخنا ابن عثيمين.\nوهذا القول هو الأقرب؛ إلا أن ساب الرسول - ﷺ - تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله، فإنها تقبل توبته ولا يقتل؛ لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه بأنه يغفر الذنوب جميعًا.\nفإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول - ﷺ - وقبل منه وأطلقه؟\nأجيب: بلى، هذا صحيح لكن هذا في حياته - ﷺ -، وقد أسقط حقه، أما بعد موته، فلا ندري يسقطه أم لا؟\nوخلاصة المقصود من هذا الباب: أن المستهزئ بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول مستخف بجناب الربوبية والرسالة وذلك، قدح في أصل التوحيد، ولا يصدر مثل هذا ممن حقق التوحيد، فكان الواجب الحذر من ذلك في حال الجد والمزح؛ لأن حكمهما واحد في هذا الباب.","vol":"1","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ </span>الآية.\n•---------------------------------•\n«مقصود الترجمة: أن كل من زعم أن ما أوتيه من النعم والرزق فهو بكده وحذقه وفطنته، أو أنه مستحق لذلك لما يظن له على الله من الحق، فإن هذا مناف للتوحيد؛ لأن المؤمن حقا من يعترف بنعم الله الظاهرة والباطنة ويثني على الله بها، ويضيفها إلى فضله وإحسانه، ويستعين بها على طاعته، ولا يرى له حقا على الله، وإنما الحق كله لله، وأنه عبد محض من جميع الوجوه، فبهذا يتحقق الإيمان والتوحيد، وبضده يتحقق كفران النعم، والعُجْب بالنفس والإدلال الذي هو من أعظم العيوب» (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه؛ ففيه نوع من الإشراك بالربوبية، وإذا أضافها إلى الله، لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضل، لكن لأنه أهل؛ ففيه نوع من التَّعلِّي والترفع في جانب العبودية.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾: الضمير يعود على الإنسان، والمراد به الجنس. وقيل: المراد به الكافر. والظاهر أن المراد به الجنس (٢).\n﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾: فلا يشكر الله ﷿ ويعترف بنعمته، بل ينسب هذه النعمة إليه هو وإلى كده وكسبه، أو إلى آبائه وأجداده، وهذا كفر بنعمة الله وإعجاب بالنفس.\n_________\n(١) القول السديد ص (١٥٧)، وانظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٢٤).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٢٨٠)، وإعانة المستفيد (٢/ ١٩٣).","vol":"1","page":442},{"text":"قَالَ مُجَاهِدٌ: «هَذَا بِعَمَلِي، وَأَنَا مَحْقُوقٌ بِهِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: «يُرِيدُ مِنْ عِنْدِي». وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قَالَ قَتَادَةُ: «عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوُجُوهِ المَكَاسِبِ». وَقَالَ آخَرُونَ: «عَلَى عِلْمٍ مِنَ الله أَنِّي لَهُ أَهْلٌ»، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: «أُوْتِيتُهُ عَلَى شرفٍ».\n•---------------------------------•\nقول مجاهد أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (١)، بإسناد صحيح.\nوأثر ابن عباس - ﵁ - حكاه القرطبي في تفسيره (٢)، بلفظ: «قال ابن عباس: على علم عندي بصنعة الذهب».\nوقول قتادة حكاه عنه القرطبي في تفسيره (٣)، وذكره عدد من المفسرين ولم ينسبوه لأحد (٤).\nوهذه الآثار التي نقلها المؤلف هنا فيها ذم من ينسب العلم والفضل لنفسه، ويرى أنه أهل لعطاء الله وفضله، وأن ذلك بعمله واستحقاقه، وهذا نوع من الإشراك في الربوبية.\n_________\n(١) جامع البيان (٢٠/ ٤٥٨).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن (١٣/ ٣١٥).\n(٣) الجامع لأحكام القرآن (١٥/ ٢٦٦).\n(٤) ينظر: تفسير السمعاني (٤/ ١٥٧)، غرائب التفسير (٢/ ٨٧٣)، زاد المسير (٣/ ٣٩٣)، مفاتيح الغيب (٢٥/ ١٥)، تفسير النيسابوري (٥/ ٣٦٢)، فتح القدير (٤/ ٢١٥).","vol":"1","page":443},{"text":"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَنِي إِسرائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ أَوِ البَقَرُ - شَكَّ إِسْحَاقُ - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشراءَ، وَقَالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أَوِ الإِبِلُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة في الصحيحين (١)، والشاهد منه قول الرجل الذي كان أبرصَ، والرجل الذي كان أقرعَ، «وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ» حيث لم ينسب الفضل لله تعالى.\nوفي الحديث مسائل منها:\nأولًا: بيان قدرة الله ﷿ بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى من هذه العيوب التي فيهم بمجرد مسح الملك عليهم.\nثانيًا: أن الملائكة يتشكلون حتى يكونوا على صورة البشر، لقوله: «أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ»، وكذلك الأقرع والأعمى، لكن هذا -والله أعلم- ليس إليهم وإنما يتشكلون بأمر الله تعالى. ويشهد لذلك ما جاء في الصحيح أن جبريل جاء إلى رسول الله - ﷺ - في صورة دحية الكلبي.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤/ ١٧١) رقم (٣٤٦٤)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٢٧٦) رقم (٢٩٦٤).","vol":"1","page":444},{"text":"فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصري، فَأُبْصر بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصرهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَان وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.\nقَالَ: ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَد انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسَنَ وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أَبَرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللهُ ﷿ المَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا المَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ.\n•---------------------------------•\nثالثًا: أن الملائكة أجسام وليسوا أرواحًا أو معاني أو قوى فقط.\nرابعًا: جواز الدعاء المعلق، لقوله: «إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ»، وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]. ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].\nوفي دعاء الاستخارة: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي» الحديث (١).\nخامسًا: جواز التنزل مع الخصم؛ لأجل إفحام الخصم؛ لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله، وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، ومعلوم أن الرسول - ﷺ - وأصحابه على هدى وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١/ ٣٩١ رقم (١١٠٩).","vol":"1","page":445},{"text":"قَالَ: وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاَذِبًا فَصيرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وابْنُ سَبِيلٍ قَد انْقَطَعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بالله ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصركَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصري، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ فَوالله لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشيءٍ أَخَذْتَهُ لله، فَقَالَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضي اللهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ». أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\nسادسًا: أن البركة لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.\nسابعًا: هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مستجاب أو أن هذه قضية عين؟\nالظاهر أنها قضية عين، وإلا، لكان الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، وقال الملك: آمين ولك بمثله، علمنا أن الدعاء قد استُجيب.\nثامنًا: بيان أن شكر كل نعمة بحسبها، فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال.\nتاسعًا: جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني وما أشبه ذلك إذا كان فيه مصلحة.\nعاشرًا: ثبوت الإرث في الأمم السابقة، لقوله: «ورثته كابرًا عن كابر».\nالحادي عشر: أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئًا لم يكن من أجل الاختبار؛ لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ </span>الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود المصنف من الترجمة يظهر من وجهين:\nالوجه الأول: «أن من أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم، وتمام ذلك أن يصلحوا في دينهم، فعليهم أن يشكروا الله على إنعامه، وأن لا يُعَبِّدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم مناف للتوحيد» (١).\nالوجه الثاني: «بيان تحريم التعبيد لغير الله، وأنه لا يجوز أن يُعبَّد أحد لغير الله، فلا يقال: عبد النبي أو عبد الكعبة أو عبد الحسين وما أشبه ذلك، بل يكون التعبيد لله وحده، كعبد الرحمن وعبد الله ... إلخ؛ لأن الله ذم من فعل ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾، وهذا ذم وعيب لمن فعله» (٢).\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: بيان أنَّ تعبيد الأولاد وغيرهم لغير الله في التسمية شركٌ في الطاعة وكفرٌ بالنعمة. وهذا منافٍ للتوحيد: إما في أصله، أو في كماله على حسب نوع الشرك المقصود. فإن كان المقصود مجرد التسمية فهذا شرك ينافي كمال التوحيد، أما إن كان المقصود تعبيد التأله لغير الله فإنه شرك أكبر ينافي التوحيد (٣).\n_________\n(١) القول السديد ص (١٥٩).\n(٢) شرح كتاب التوحيد ص (٢٣٣)، ووازن بالملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦١).\n(٣) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦١)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٠٠).","vol":"1","page":447},{"text":"قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على قولين: قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ -: «في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما:\nالأول: أن حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت، فجاءها الشيطان، فقال لها: سمي هذا الولد عبد الحارث فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٩٠] أي ولدًا إنسانًا ذكرًا، جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره.\nالوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، أي بتصويرنا لأبيكم آدم لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١].\nويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠، ١٩١].\nوهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء، واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري، واختاره ابن كثير، والعلم عند الله تعالى» (١).\nوالوجه الثاني أقرب للصواب والله أعلم.\n_________\n(١) أضواء البيان ٢/ ٢٥٤، ٢٥٥.","vol":"1","page":448},{"text":"قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله، كَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ.\n•---------------------------------•\n«قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله» قول ابن حزم هذا في مراتب الإجماع له (١).\nقوله: «اتَّفَقُوا»: الظاهر أن المراد أجمعوا، فمقصوده حكاية الإجماع لا حكاية الاتفاق على طريقة المتأخرين (٢).\n«حَاشَا عَبْدَ المُطَّلِبِ»: الذين استثنوا هذا من عموم النهي استثنوه لسببين:\nالأول: أن النبي - ﷺ - أقر ذلك ولم يقر غيره.\nوالثاني: أن تسميته بهذا الاسم لا محذور فيها؛ لأن أصله من عبودية الرق (٣).\nوالصواب: أنه لا وجه لهذا الاستثناء، فلا يجوز أن يسمى أحد الآن عبد المطلب، وإنما يقال عبد المطلب حكاية لشيء مضى وانتهى، وأما بعد الإسلام فلا يجوز أن يسمى أحد بهذه الأسماء (٤).\nولو قال قائل: إذا كان ابن حزم قد حكى الإجماع على جواز التسمية بعبد المطلب، فكيف يجوز خلافه؟\nالجواب: كلام ابن حزم ليس صريحًا في حكاية الإجماع على جواز ذلك بعبد المطلب فيحتمل أن مراده حكاية الخلاف فيه، ويكون التقدير: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، أي: فإنهم لم يتفقوا على تحريمه، بل اختلفوا.\n_________\n(١) مراتب الإجماع ص (١٥٤).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٤٧).\n(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٤٤٤)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٣٤).\n(٤) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٢٠٢).","vol":"1","page":449},{"text":"«فإن قيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبَّد لغير الله وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ» (١)، وصح أنه قال: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» (٢).\nفالجواب: أما قوله: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ» فلم يرد به الاسم، وإنما أراد به الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم، فرضي بعبوديتها عن عبودية ربه تعالى، وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظاهر.\nأما قوله: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عُرف به المسمى دون غيره، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، ولا وجه لتخصيص أبي محمد بن حزم ذلك بعبد المطلب خاصة.\nفقد كان الصحابة يسمون بني عبد شمس وبني عبد الدار بأسمائهم ولا ينكر عليهم النبي، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٣/ ١٠٥٧ رقم (٢٧٣٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٠٥١ رقم (٢٧٠٩)، ومسلم ٣/ ١٤٠٠ رقم (١٧٧٦).\n(٣) تحفة المودود ص (١١٣، ١١٤).","vol":"1","page":450},{"text":"وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي مَعْنَى الآيَةِ. قَالَ: لمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الجَنَّةِ لَتُطِيعَانِّنِي أَوْ لأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَي أَيِّلٍ فَيَخْرُجُ مِنْ بَطْنِكَ فَيَشُقُّهُ، وَلأَفْعَلَنَّ وَلأَفْعَلَنَّ، يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيْتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيْتًا، ثُمَ حَمَلَتَ فَأَتَاهُمَا فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.\n•---------------------------------•\n«وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فِي مَعْنَى الآيَةِ» أثر ابن عباس رواه ابن أبي حاتم كما قال المؤلف (١)، وإسناده ضعيف (٢).\nقال ابن كثير-معلقًا على هذا الأثر ونحوه-: «وهذه الآثار يظهر عليها -والله أعلم -أنها من آثار أهل الكتاب ... وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري - ﵀ -، في هذا والله أعلم، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]» (٣).\n_________\n(١) أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (٥/ ١٧٣) رقم (٩٧٣) من طريق عتاب بن بشير،\nوابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٤) من طريق شريك،\nكلاهما (عتاب، وشريك) عن خُصَيْف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. - ﵁ -\n(٢) لأن مداره على خصيف، وهو صدوق سيء الحفظ، وقد ضعفه الإمام أحمد.\n(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٢٨).","vol":"1","page":451},{"text":"والقصة التي ساقها المؤلف هنا عن ابن عباس في هذا الأثر باطلة من وجوه:\nالوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي - ﷺ -، وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبه موضوعة.\nالوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء، لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا: ماتا عليه، كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة:\nإذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه بالخنا\nعلمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزنا\nفمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كانا تابا من الشرك، فحكمة الله ورحمته تقتضي عدم ذكر خطئهما بعدما تابا، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها كما في قصة آدم نفسه حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك.\nالوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.\nالوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة، وهو معصية، ولو وقع منه الشرك، لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى.","vol":"1","page":452},{"text":"الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما وقال: «أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة»، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: «أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة»، فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفًا ولا عدلًا.\nالوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة: «لأجعلن له قرني أيل»: إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه، فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أولا يصدقا، فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.\nالوجه السابع: قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] بضمير الجمع، ولو كان آدم وحواء، لقال: عما يشركان.\nفهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك مبرؤون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا، فيكون تفسير الآية كما أسلفنا أنها عائدة إلى بني آدم الذين أشركوا شركًا حقيقيًا.\nوقد ورد في ذلك حديثٌ مرفوعٌ ضعيف عن سَمُرَة بن جُنْدُب - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لما حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيسُ وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الحَارِثِ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الحَارِثِ، فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ» (١).\n_________\n(١) رواه الترمذي في سننه (٥/ ٢٦٧) رقم (٣٠٧٧)، وأحمد في المسند (٣٣/ ٣٠٥) رقم (٢٠١١٧)، والبزار في مسنده (١٠/ ٤٢٨) رقم (٤٥٨٠)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ٢١٥) رقم =","vol":"1","page":453},{"text":"وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: شركَاءُ فِي طَاعَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ. وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾، قَالَ: أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا. وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الحَسَنِ وَسَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا.\n•---------------------------------•\n«وَلَهُ» أي: لابن أبي حاتم، وهو عند الطبري أيضًا (١)، وسنده صحيح.\n«وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ»، عند ابن أبي حاتم (٢)، كما أشار المصنف.\n«أَشْفَقَا أَلَّا يَكُونَ إِنْسَانًا» أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانًا أو غيره.\n_________\n= (٦٨٩٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٤) رقم (٤٠٠٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣١)، والطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٣) رقم (١٥٥١٣).\nوهذا الحديث معلول بعدة علل:\nالعلة الأولى: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به.\nالعلة الثانية: أنه قد روي من قول سمرة من قوله موقوفًا عليه، وليس مرفوعًا:\nفقد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٣): بإسنادين من كلام سمرة من قوله.\nالعلة الثالثة: أن راوي الحديث الحسن البصري قد فسر الآية بخلاف روايته، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا، لما عدل عنه. ينظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (٣/ ٥٢٦)، ووازن بتعليق محمود شاكر على تفسير الطبري (١٣/ ٣٠٩).\nالعلة الرابعة: الخلاف في سماع الحسن من سمرة:\nالعلة الخامسة: تدليس الحسن: وهو هنا قد عنعنه ولم يصرح بالسماع من سمرة.\n(١) أخرجه الطبري في تفسيره (١٠/ ٦٢٦) من طريق بشر،\nوابن أبي حاتم في تفسير (٥/ ١٦٣٤) رقم (٨٦٥٩) من طريق العباس بن الوليد النرسي،\nكلاهما (بشر، والعباس) عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.\nوإسناده صحيح.\n(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٣٣) من طريق سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":454},{"text":"وخلاصة ما يدل عليه الباب: وجوب نسبة الفضل والعطاء لله تعالى فهو المنعم المتفضل، ومن تمام ذلك تعبيد الأولاد لله تعالى وتحريم تعبيدهم لغيره.","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ </span>الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود المصنف من هذه الترجمة أمران:\nالأول: بيان وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، والتدليل على منافاة الإلحاد في أسماء الله تعالى للتوحيد الخالص، وأنه كفرٌ بالله تعالى؛ لأن هذا الكتاب جامع لأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nالثاني: الرد على من يتوسل إلى الله بالأموات، وبيان أن التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا (١).\nوعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أنه يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات الذي هو أحد أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد العبادة، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا الكتاب جامعٌ لهذه الأنواع كلها.\nووجهٌ آخر: وهو تعلق هذا الباب بتوحيد الألوهية؛ إذ إنه يمكن حمل الباب على أن المصنف أراد به الرد على من يتوسل بذوات الأموات، فنبه على التوسل المشروع وهو التوسل بأسماء الله وصفاته، فتكون هذه مناسبة الباب لكتاب التوحيد من وجهٍ آخر.\n﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ «هذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب.\n_________\n(١) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٢٢٥)، القول المفيد على كتاب التوحيد (٢/ ٣١٣).","vol":"1","page":456},{"text":"فيقول الداعي مثلًا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف ونحو ذلك» (١).\nقال القرطبي: «قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أمرٌ بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحدين» (٢).\n«قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ليس بأمر من الله لنبيِّه - ﷺ - بترك المشركين أن يقولوا ذلك ...، وإنما هو تهديدٌ من الله للملحدين في أسمائه، ووعيدٌ منه لهم، كما قال في موضع آخر: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الحجر: ٣] الآية، ... وهو كلام خرج مخرج الأمر بمعنى الوعيد والتهديد، ومعناه: أنْ مَهِّل الذين يلحدون، يا محمد، في أسماء الله إلى أجل هم بالغوه، فسوف يجزون، إذا جاءهم أجل الله الذي أجلهم إليه، جزاءَ أعمالهم التي كانوا يعملونها قبل ذلك من الكفر بالله، والإلحاد في أسمائه، وتكذيب رسوله» (٣).\nوالإلحاد لغةً: هو الميل، ومنه سمي اللحد لحدًا؛ لأنه مائل.\nوشرعًا: الإلحاد في أسماء الله وصفاته هو الميل بها عما يجب فيها، وهو أربعة أنواع:\nالأول: أن ينكر شيئا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم.\n_________\n(١) تفسير السعدي ص (٣١٠).\n(٢) تفسير القرطبي (٧/ ٣٢٥).\n(٣) تفسير الطبري (١٣/ ٢٨٥).","vol":"1","page":457},{"text":"ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يُشركُونَ. وَعَنْهُ: سَمَّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ. وَعَن الأَعْمَشِ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا.\n•---------------------------------•\nالثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين، كما فعل أهل التشبيه.\nالثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يسم به نفسه، كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة).\nالرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام، كما فعل المشركون في اشتقاق العزى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله على أحد القولين (١).\nومناسبة الآية للباب وللتوحيد: أنها دلت على تحريم الإلحاد في أسماء الله وصفاته، ومن الإلحاد تسمية المخلوق بأسماء الله، وتسمية الله بأسماء المخلوقين، وهذا شرك في أسماء الله وصفاته (٢).\n«ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ» هذا وهم من المصنف - ﵀ -، والصحيح أنه عن قتادة (٣).\n_________\n(١) راجع: القواعد المثلى لابن عثيمين ص (١٦، ١٧).\n(٢) ينظر: الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٥).\n(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٢٣) رقم (٨٥٨٦)، والطبري (١٠/ ٥٩٨) في تفسيره: عن معمر، عن قتادة: (يلحدون) قال: يشركون.","vol":"1","page":458},{"text":"«وَعَنْهُ: سَمَّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ»: هذا الأثر بهذا السياق هو من قول مجاهد وليس من قول ابن عباس، وقد رواه عنه الطبري في تفسيره (١)، ولم أقف عليه عند ابن أبي حاتم.\n«وَعَن الأَعْمَشِ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا»: هذا عند ابن أبي حاتم كما ذكر المصنف (٢).\nوكما جاء الوعيد على الإلحاد في أسمائه سبحانه فقد جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]، فقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فيها تهديد؛ لأن المعنى سنعاقبهم، والجملة قبلها مؤكدة بـ (إنَّ).\nوالإلحاد يكون في الآيات الكونية والآيات الشرعية.\nالإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع:\n١ - اعتقاد أن أحدًا سوى الله منفرد بها أو ببعضها.\n٢ - اعتقاد أن أحدًا مشارك لله فيها.\n٣ - اعتقاد أن لله فيها معينًا في إيجادها وخلقها وتدبيرها.\nوكل ما يخل بتوحيد الربوبية، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية.\nوالإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع:\n١ - تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار.\n٢ - مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام.\n_________\n(١) (١٠/ ٥٩٧).\n(٢) تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٢٣) رقم (٨٥٨٧).","vol":"1","page":459},{"text":"٣ - التحريف في الأخبار والأحكام.\nوالآيات الشرعية: هي ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].\nوخلاصة المقصود من هذا الباب: وجوب إثبات أسماء الله وصفاته، وتحريم الإلحاد فيها، وأن ذلك مناف للتوحيد وكفر بالله تعالى.","vol":"1","page":460},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-209>بَابٌ لا يُقَالُ السَّلامُ عَلَى الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: النهي عن قول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ لأن الله يُطْلَبُ منه السلام، ولا يُطْلَبُ له ذلك؛ لأنه هو معطيه ومانحه، وغيره من المخلوقين هو الْمُعْطَى. فإذا سلمنا على غيرنا من البشر، وقلنا لهم: «السلام عليكم» فهذا يعني: أننا طلبنا من الله تعالى لهم السلامة والبراءة والنجاة والخلاص من جميع الشرور والعيوب، ولكن لا يجوز بحالٍ من الاحوال أن نعكس الأمر فنقول: «السَّلامُ عَلَى الله»؛ إذ الله تعالى يُطْلَبُ منه ذلك، ولا يُطْلَبُ له، كما بَيَّنَّا آنفًا، فهو غنيٌّ عن جميع العالمين، وجميع خلقه لن يبلغوا نفعه فينفعوه، ولن يبلغوا ضره فيضروه تعالى وتقدس (١).\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن صفات الله تعالى عليا وأسماءه حسنى، فجاء المنع من قول: «السَّلامُ عَلَى الله» حماية لجنابه تعالى من النقص المنافي لكمال توحيده (٢).\nوأما بالنسبة لمناسبة الباب للذي قبله فهي ظاهرةٌ؛ لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله، المتضمنة لصفاته، والتحذير من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص، وهذا يتضمن كمالها؛ إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها؛ فاتضحت بذلك المناسبة بين البابين (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٢)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤١).\n(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٢٥).\n(٣) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٢٥).","vol":"1","page":461},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله، فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ».\n•---------------------------------•\n«فِي الصَّحِيحِ»: أي الصحيحين (١).\n«قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى الله مِنْ عِبَادِهِ»: أي يقولون ذلك في التشهد الأخير كما هو مصرح به في بعض ألفاظ الحديث: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا تَقُولُوا هَكَذَا، فَإِنَّ الله - ﷿ - هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» (٢).\n«السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ»: المقصود بهم الملائكة (٣)، والدليل على ذلك نفس الحديث السابق الذي مر معنا: «كُنَّا نَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى الله، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ...».\n«لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى الله»: هذا نهي منه - ﷺ - عن هذه الكلمة، والنهي يقتضي التحريم (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١/ ١٦٧) رقم (٨٣٥)، ومسلم (١/ ٣٠١) رقم (٤٠٢).\n(٢) أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٤٠) رقم (١٢٧٧)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٦٠) رقم (١٣٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٩٨) رقم (٢٨١٩)، والطَّحَاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٢٦٩) رقم (٥٦١٤)، وغيرهم. قال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح).\n(٣) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٤١)، والقول المفيد (٢/ ٣٢٦).\n(٤) إعانة المستفيد (٢/ ٢١٥).","vol":"1","page":462},{"text":"ونهى عن ذلك لأمرين:\nالأول: أن مثل هذا الدعاء يُوهم النقص في حقه.\nالثاني: إذا دعوت الله أن يسلم نفسه، فقد خالفت الحقيقة؛ لأن الله يُدعى ولا يدعى له، فهو غني عنا.\n«فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ»: تعليلٌ للنهي، بأن السلام من أسمائه سبحانه، فهو غنيٌّ عن أن يُسلَّم عليه. وهذا صريح في كون السلام اسمًا من أسمائه (١).\nواسم السلام له معنيان:\nالمعنى الأول: السالم في نفسه: أي المنزه من كل عيبٍ ونقصٍ، الموصوف بكل كمال؛ فله الكمال المطلق: في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله (٢).\nالمعنى الثاني: المسلم لعباده: فيعطيهم السلام والسلامة من الآفات والنقائص والمكاره (٣).\nومناسبة الحديث للباب: أن فيه النهي عن أن يُقال: السلام على الله، وهذا يقتضي التحريم (٤).\nومناسبة الحديث للتوحيد: أنه أفاد أن السلام على الله مناف للتوحيد؛ وذلك أن السلام دعاء بالسلامة من العيوب والنقائص، والله منزه عن ذلك (٥).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٣).\n(٢) ينظر: قرة عيون الموحدين ص (٢٣٠).\n(٣) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٤٠)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢١٦).\n(٤) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٧)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٩).\n(٥) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٩).","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>بَابُ قَوْلِ: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: النهي عن قول: «اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ»؛ لأن هذا القول يدل على فتور الرغبة فيما عند الله، وقلة الاهتمام بالمطلوب، والاستغناء عن الله تعالى (١).\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: تتبين من جهتين:\n١ - من جهة الربوبية، فإن من أتى بما يشعر بأن الله له مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى؛ لأن من تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل إنه لا يسأل عما يفعل؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وكذلك فيه نقص من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظمه الأشياء التي يعطيها؛ فكان فيه قدح في جوده وكرمه.\n٢ - من ناحية العبد؛ فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات (٢).\nوأما مناسبة الباب للذي قبله: فهي أن المصنف تكلم في الباب السابق عن صيانة صفات الله تعالى من النقص، وأما في هذا الباب فقد تكلم عن أمرٍ يقتضي كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله، وهذه من الصفات أيضًا (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٣).\n(٢) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٣٣، ٣٣٤)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٦٨).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢١٨).","vol":"1","page":464},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللهمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ».\nوَلِمُسْلِمٍ: «وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ».\n•---------------------------------•\n«فِي الصَّحِيحِ»: أي البخاري ومسلم (١).\n«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ» قال القرطبي - ﵀ -: «إنما نهى الرسول - ﷺ - عن هذا القول، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء» (٢).\n«اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ» هذا للتمثيل وليس لحصر النهي في ذلك، كما بين ذلك ابن حجر في الفتح (٣).\nوالمحظور في هذا التعليق (اللهمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ) من وجوه ثلاثة:\nالأول: أنه يُشعر بأن الله له مكره على الشيء وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه.\nالثاني: أن قول القائل: «إِنْ شِئْتَ» كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيمًا عنده.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٨/ ٧٤) رقم (٦٣٣٩)، وصحيح مسلم (٤/ ٢٠٦٣) رقم (٢٦٧٩).\n(٢) المفهم ٧/ ٢٩.\n(٣) فتح الباري ١١/ ١٤٠.","vol":"1","page":465},{"text":"الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله، كأنه يقول: إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل لا يُهمني، ولهذا قال: «وليعظم الرغبة»، أي: يسأل برغبة عظيمة، والتعليق ينافي ذلك.\n«لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ»: أي ليجزم في مسألته، وليحقق رغبته، ويتيقن الإجابة؛ فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من المغفرة والرحمة (١).\n«وَلِيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ»: بتشديد الظاء، والرغبة يعني الطلبة والحاجة التي يريد. وقيل: السؤال والطلب بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، والأول أظهر، أي: لسَعَة جوده وكرمه (٢).\n«فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ»: أي لا يكبر عليه ما أعطاه عبدَه لكمال فضله وجوده (٣).\nوالخلاصة: وجوب العزيمة في الدعاء والنهي عن التعليق بالمشيئة؛ لأن ذلك يشعر بفتور الرغبة، وقلة الاهتمام والاستغناء عن الله.\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٣).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٦).\n(٣) قرة عيون الموحدين ص (٢٣٣).","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>بَابٌ لا يَقُولُ: «عَبْدِي وَأَمَتِي»</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: المنع من قول المسلم: «عبدي» و«أمتي»، وليقل: «فتاي» و«فتاتي»؛ لأن هذا قد يوهم أَنَّ هذا المتكلم هو رب أو إله هذا الفتى أو الجارية، ولو من باب اللفظ من غير قصد؛ إذ الشريعة جاءت بسد الذرائع، ومن ذلك الاهتمام بضبط الالفاظ، ومنه المنع من الألفاظ الموهمة لأمرٍ ممنوع، ولو من باب اللفظ دون القصد، ولو من وجهٍ بعيدٍ، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ هذا التعبير يقتضي التشريك في اللفظ، وقد يكون ذريعة للشرك في المعنى، فالمنع فيه حسمٌ لمادة الشرك، وحماية لجناب التوحيد؛ لأن مثل هذه الألفاظ تنافي التوحيد بأقسامه الثلاثة: فبالنسبة لتوحيد الربوبية: فإِنَّ قول: «ربي» للسيد يوهم المشاركة في الربوبية، وبالنسبة للألوهية: فقول: «عبدي» للمملوك يوهم المشاركة في الألوهية، وأما بالنسبة لتوحيد الأسماء والصفات: فإن إطلاق الرب على السيد يوهم تشريك الله في بعض أسمائه، وخاصة إذا جاء هذا الاسم معرفًا بالألف واللام (٢).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٤٥)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٤٣)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٢٠)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥١٩).\n(٢) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٧٠).","vol":"1","page":467},{"text":"فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضاءْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سيدِي وَمَوْلَايْ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي».\n•---------------------------------•\n«فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ...» الحديث في الصحيحين (١).\n«لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ»: بالجزم على النهي، والمراد أن يقول ذلك لمملوكه أو مملوك غيره، فالكل منهي عنه (٢).\nوهل يحرم قول السيد (عبدي وأمتي)؟\nقال الشيخ السعدي - ﵀ -: «هذا على وجه الاستحباب أن يعدل العبد عن قول عبدي وأمتي إلى فتاي وفتاتي، تحفظًا عن اللفظ الذي فيه إيهام ومحذور ولو على وجه بعيد، وليس حرامًا» (٣).\n«أَطْعِمْ رَبَّكَ»: بفتح الهمزة من الإطعام. والمعنى: ناوله الطعام (٤).\n«وَضاءْ رَبَّكَ»: أمر من الوضوء، والمعنى: ائته بالوضوء، أو أعنه على الوضوء.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٥٠) رقم (٢٥٥٢) ومسلم (٤/ ١٧٦٥) رقم (١٥) (٢٢٤٩) من طريق همام بن منبه،\nومسلم (٤/ ١٧٦٤) رقم (١٣) (٢٢٤٩) من طريق عبد الرحمن بن يعقوب،\nومسلم أيضًا (٤/ ١٧٦٤) رقم (١٤) (٢٢٤٩) من طريق أبي صالح السمان،\nثلاثتهم (همام، وعبد الرحمن، وأبو صالح) عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٧).\n(٣) القول السديد ص (١٢٢).\n(٤) إعانة المستفيد (٢/ ٢٢١).","vol":"1","page":468},{"text":"«سيدِي»: السيادة المطلقة لله - ﷿ -، فهو السيد المطلق، لكن السيادة المقيدة بالإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه.\n«وَمَوْلَايْ»: المولى يطلق على معانٍ كثيرة منها: الناظر والمولى والمالك، وهو المراد هنا، وحينئذ فلا بأس أن يقول: مولاي (١).\nوالخلاصة: أن «هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي - ﷺ - نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدًّا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه تعالى وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق من ذلك، فأرشدهم - ﷺ - إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ وهو قوله: سيدي ومولاي» (٢).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٦٨)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٧١).\n(٢) قرة عيون الموحدين ص (٢٣٣)، وينظر: فتح المجيد ص (٤٥٥) فهي موجودة فيه بصورة أطول.","vol":"1","page":469},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-216>بَابٌ لا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ باللهِ</span>\nعَن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «مَنْ سَأَلَ بالله فَأَعْطُوهُ، ...\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: «أنه إذا أدلى على الإنسان أحد بحاجة وتوسل إليه بأعظم الوسائل، وهو السؤال بالله، أن يجيبه احترامًا وتعظيمًا لحق الله، وأداء لحق أخيه حيث أدلى بهذا السبب الأعظم» (١).\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: من وجهين:\nالوجه الأول: أن في عدم إعطاء من سأل بالله عدم إعظامٍ لله، وعدم إجلالٍ له؛ وذلك يُخلُّ بالتوحيد.\nالوجه الثاني: أن الذي صُنِعَ له معروف يكون في قلبه نوع تذلل وخضوع لصانع المعروف، وهذا ينافي التوحيد، وتخليص القلب من ذلك يكون بالمكافأة على المعروف (٢).\nقوله: «عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -» الحديث عند أبي داود والنسائي وغيرهما (٣)، وإسناده صحيح.\n_________\n(١) القول السديد ص (١٩٠)، وقارن بتيسير العزيز الحميد ص (٥٧٠).\n(٢) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٧٢)، التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٢٥).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٤٣٩) رقم (١٠٧٩٦)، و(٤/ ٤٤٧) رقم (٢١٩٨٧)، والحسين بن حرب في البر والصلة ص (١٢٩) رقم (٢٥٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤١٨) رقم (١٣٥٣٩)، ورقم (١٣٥٤٠) من طريق ليث،\nوأبو داود في سننه (٢/ ١٢٨) رقم (١٦٧٢)، والنسائي في سننه (٥/ ٨٢) رقم (٢٥٦٧)، وفي السنن الكبرى (٣/ ٦٥) رقم (٢٣٥٩)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٨٥) رقم (٢١٦)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٢٥٦) رقم (٨٠٦)، وابن حبان في صحيحه (٨/ ١٩٩) رقم (٣٤٠٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٣٩٧) رقم (١٣٤٦٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣٤) رقم (٧٨٩٠)، والآداب ص (٧٩) رقم (١٩٧)، وشعب الإيمان (٥/ ١٧٣) رقم (٣٢٦٠)، و(١١/ ٣٧٤) رقم (٨٦٩٤) من طريق الأعمش، =","vol":"1","page":470},{"text":"وَمَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.\n•---------------------------------•\n«مَنْ سَأَلَ بالله فَأَعْطُوهُ»: أي من سألكم بالله أو بوجه الله أن تفعلوا كذا أو تعطوه كذا، فأجيبوه على ذلك ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم (١).\n«وَمَنِ اسْتَعَاذَ بالله فَأَعِيذُوهُ»: أي: من سألكم بالله أن تدفعوا عنه شركم أو شر غيركم، كقوله: بالله عليك أن تدفع عني شر فلان أو شرَّك، أعوذ بالله من شرِّك أو شر فلان ونحو ذلك، فأعيذوه، أي: امنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه لتعظيم اسم الله تعالى.\nولهذا لما قالت الجونية للنبي - ﷺ - أعوذ بالله منك قال لها: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ» (٢). ولفظ أبي داود: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِالله فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِالله فَأَعْطُوهُ» (٣).\n_________\n= والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤١٥) رقم (١٣٥٣٠) من طريق العوام بن حوشب،\nوالطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٤٠١) رقم (١٣٤٨٠)، والمعجم الأوسط (٤/ ٢٢١) رقم (٤٠٣١)، والخطيب في المتفق والمفترق (٣/ ١٥١٤) من طريق حصين بن عبد الرحمن،\nأربعتهم (ليث، والأعمش، والعوام، وحصين) عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعًا بألفاظ مختلفة.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (٨/ ١٦٨) رقم (٣٣٧٥)، و(٨/ ٢٠٠) رقم (٣٤٠٩)، وقاضي المارَسْتان في مشيخته (٣/ ١٣٣١) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن مجاهد، عن ابن عمر، مرفوعًا.\n(١) الجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤١٥).\n(٢) أخرجه البخاري ٥/ ٢٠١٢ رقم (٤٩٥٥).\n(٣) سنن أبي داود ٢/ ٧٥٠ رقم (٥١٠٩).","vol":"1","page":471},{"text":"قال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «فمن استعاذ بالله شُرع أن يعاذ، إذا لم يكن حقًّا عليه، فإن استعاذ بالله، في إسقاط حق عليه، فلا يُعاذ؛ لأن الله أمر بأداء الحقوق» (١).\n«وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ»: أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه؛ لأن هذا من حقوق المسلم على المسلم، ومن أسباب الألفة، وسلامة الصدر، وإكرام الداعي، والحديث أعم من الوليمة، وهو يدل على وجوب إجابة دعوة وليمة العرس وغيرها، ما لم يكن عليكم في ذلك ضرر ديني أو دنيوي (٢).\nحكم إجابة الدعوة:\nقال ابن حجر - ﵀ -: «وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب» (٣).\nوالمسألة فيها خلاف مشهور ليس هذا موضع بحثه.\n«وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ»: أي ينبغي المكافأة على المعروف، وهو من مكارم الأخلاق، وفيه السلامة من البخل وما يذم به (٤).\n_________\n(١) التعليق المفيد ص (٢٤٥).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧١)، قرة عيون الموحدين ص (٢٣٤).\n(٣) فتح الباري ٩/ ٢٤٢.\n(٤) قرة عيون الموحدين ص (٢٣٤).","vol":"1","page":472},{"text":"المعروف: اسم جامع لكل خير. وقوله: «فَكَافِئُوهُ»، أي: على إحسانه بمثله أو خير منه (١).\n«فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»: يعني من أحسن إليكم أيَّ إحسان فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة (٢).\nوللمكافأة فائدتان:\n١. تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.\n٢. ويكسر بها الإنسان الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه.\nفإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك، ولهذا قال النبي - ﷺ -: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى» (٣)، واليد العليا هي يد المعطي.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧٢).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧٢).\n(٣) أخرجه البخاري ٢/ ٥١٩ رقم (١٣٦٢)، ومسلم ٢/ ٧١٧ رقم (١٠٣٣).","vol":"1","page":473},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>بَابٌ لا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلاَّ الجَنَّةُ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: النهي عن السؤال بوجه الله إلا الجنة، وعبر عن النهي بصيغة النفي متابعةً منه للفظ الحديث.\nوقوله: «بَابٌ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلَّا الجَنَّةُ» «أي لا يجوز ذلك، إجلالًا لله وإكرامًا وإعظامًا له أن يسأل بوجهه العظيم ما هو حقير لديه من حوائج الدنيا، ما لم يرد به غاية المطالب وهي الجنة، أو الإعانة على أعمال الآخرة الموصلة إلى الجنة» (١).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن عدم السؤال بوجه الله إلا في المطالب العالية هو من باب تعظيم صفات الله تعالى الذاتية والفعلية، الذي هو من تعظيم توحيد الأسماء والصفات. وكل ذلك من كمال الأدب والتعظيم لله تعالى (٢).\nوأما علاقة هذا بما قبله: فهو أن كلا البايبين يتعلقان بتوحيد الأسماء والصفات، وبالأخص في موضوع السؤال بالله تعالى، وتعظيم جناب الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، والفرق بين البابين: أن الباب الأول: (لا يرد من سأل بالله): خطابٌ للمسئول ألا يرد السائل بالله، وأما بابنا هذا: (لا يُسْأَل بوجه الله إلا الجنة)؛ فهو خطابٌ للسائل أَلَّا يسأل بوجه الله إلا الأمور العظام، لا الحقيرة ولا الدنيئة (٣).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٠).\n(٢) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٤٨)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٦).\n(٣) ينظر: القول السديد ص (١٦٨، ١٦٩).","vol":"1","page":474},{"text":"عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله إِلَّا الجَنَّةُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n•---------------------------------•\nحديث جابر عند أبي داود (١) كما قال المصنف. وهو ضعيف الإسناد (٢).\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «وإسناد الحديث فيه لين وضعف لكنه ينجبر بما جاء في الروايات الأخرى من النهي عن السؤال بوجه الله» (٣).\n«لَا يُسْأَلُ»: روي بالنفي والنهي، وروي بالبناء للمجهول، وهو الذي في الأصل، وروي بالخطاب للمفرد (٤). فقوله: «لَا يُسْأَلُ»: «هذا نفي يتضمن النهي المؤكد، كأنه قال: لا يسأل أحد بوجه الله إلا الجنة، أو لا تسأل بوجه الله إلا الجنة، فعدل عن النهي إلى النفي لكي يتضمن أن هذا منهي عنه وأنه لا يسوغ وقوعه أصلا لما يجب من تعظيم الله ﷻ وتعظيم توحيده، وتعظيم أسماء الله جل وعلا وصفاته» (٥).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ١٢٧) رقم (١٦٧١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٢٤١)، وابن منده في الرد على الجهمية ص (٥٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٣٣) رقم (٧٨٨٩)، والأسماء والصفات (٢/ ٩٣) رقم (٦٦١) والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٥١)، والمزي في تهذيب الكمال (٣٤/ ٢١) من طريق أبي العباس القلوري، ...\nوالفسوي في المعرفة والتاريخ (٣/ ٣٦١، ٣٦٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ١٧٢) رقم (٣٢٥٩)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (١/ ٣٥١) من طريق محمد بن عبد الله بن عمار،\nكلاهما (أبو العباس، ومحمد بن عبد الله بن عمار) عن يعقوب بن إسحاق الحضرمي، عن سليمان بن معاذ التميمي، محمد بن المنكدر، عن جابر، مرفوعًا.\n(٢) لأن في سنده سليمان بن معاذ التميمي، وهو ضعيف لسوء حفظه.\n(٣) التعليق المفيد ص (٧٢٤).\n(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧٣).\n(٥) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٢٧).","vol":"1","page":475},{"text":"قوله: (لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ الله) اختلف في المراد بذلك على رأيين:\nالرأي الأول: أن المراد: لا تسألوا أحدًا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدًا من المخلوقين، فلا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذًا لا يسألون بوجه الله مطلقًا.\nالرأي الثاني: أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها، فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سألت من أمور الدنيا، فلا تسأله بوجه الله؛ لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به شيء من أمور الدنيا.\nفأمور الآخرة تسأل بوجه الله، كقولك مثلًا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار، والنبي - ﷺ - استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾، قال: أعوذ بوجهك، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: هذه أهون أو أيسر (١).\nولو قيل: إنه يشمل المعنيين جميعًا، لكان له وجه.\n«بِوَجْهِ الله»: وجه الله ﷻ صفة ذات من صفاته سبحانه، وهو غير الذات (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٤/ ١٦٩٤ رقم (٤٣٥٢) من حديث جابر بن عبد الله.\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٢٧).","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>بَابُ مَا جَاءَ فِي اللَوْ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان ما جاء في قول (لو) - على سبيل التندم والتحسر على ما فات- من الوعيد، والنهي عن ذلك، والذم لمن عارض به عند الأمور المكروهة: كالمصائب إذا جرى بها القدر؛ لما فيه من الإشعار بعدم الصبر، والأسى على ما فات مما لا يمكن استدراكه (١).\nوعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ قول (لو) على سبيل التحسر والندم على ما فات ينافي كمال الاستسلام للقضاء والقدر الإلهيين، والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة، وهو جزء من التوحيد. وعدم الإيمان بالقدر يتنافى مع التوحيد ويتنافى مع الإيمان، فمن كفر بالقدر فإنه كافر بالله ﷿ ولا توحيد له ولا دين له، لأنه جحد القدر (٢).\nومناسبة هذا الباب للذي قبله: أن هذا الباب عقد أيضًا للنهي عن الألفاظ التي قد تقع في الربوبية أو الأسماء والصفات، ومن كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر، والعبد مأمور عند المصائب بالصبر والاسترجاع والتوبة. وقول (لو) لا يجدي عليه إلا الحزن والتحسر مع ما يخاف على توحيده من نوع المعاندة للقدر (٣).\nواعلم أن استعمال العبد للفظة: (لو) تقع على قسمين: مذموم ومحمود.\n_________\n(١) ينظر: فتح المجيد ص (٤٦٠)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٣٦)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٢).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠).\n(٣) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧٤، ٥٧٥).","vol":"1","page":477},{"text":"فأما المذموم فأن يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، فهذا من عمل الشيطان؛ لأنه يتضمن محذورين:\nأحدهما: أنها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقه، وليس فيه نفع.\nالثاني: أن في ذلك سوء أدب مع الله، فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلا بد من وقوعه، ولا يمكن رده، فكان في قوله: لو كان كذا أو لو فعلت كذا كان كذا، نوع اعتراض، وفيه ضعف بالإيمان بقضاء الله وقدره، ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما.\nو(لو) بالمعنى المذموم تأتي على عدة أوجه:\nالوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] نزلت في غزوة أحد حينما تخلف في أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلًا اعترض المنافقون على تشريع الرسول - ﷺ -، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.\nالثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضًا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]، أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله.","vol":"1","page":478},{"text":"الثالث: أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضًا؛ لأن كل شيء يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه؛ لأن الندم يكسب النفس حزنًا وانقباضًا، والله يريد منا أن نكون في انشراح وانبساط، قال - ﷺ -: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِالله وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّى فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (١).\nالرابع: أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وهذا باطل.\nالخامس: أن تستعمل في تمني الشر، وسيأتي دليله.\nوأما القسم المحمود من استعمالات (لو)، فيأتي على أوجه كذلك، ومنها:\nالوجه الأول: أن تستعمل في التمني، وحكمه حسب التمني: إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًّا فشر، وفي الحديث عن النبي - ﷺ - في قصة النفر الأربعة قال أحدهم: «لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ»، فهذا تمنى خيرًا، وقال الثاني: «لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ» فهذا تمنى شرًّا فقال النبي - ﷺ - في الأول: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ»، وقال في الثاني: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» (٢).\nالوجه الثاني: أن تستعمل في الخير المحض، ومنه قوله - ﷺ -: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ» (٣).\n_________\n(١) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٥٢ رقم (٢٦٦٤).\n(٢) أخرجه أحمد ٤/ ٢٣١ رقم (١٨٠٦٠)، والترمذي ٤/ ٥٦٢ رقم (٢٣٢٥).\n(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٥٩) رقم (١٦٥١).","vol":"1","page":479},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ الآية.\nفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،\n•---------------------------------•\nوَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ تمام الآية: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوبهذا يتبين وجه إيراد المصنف الآية على الترجمة، لأن قول (لو) في الأمور المقدرة من كلام المنافقين؛ ولهذا رد الله عليهم ذلك بأن هذا قُدِّر، فمن كتب عليه شيء فلا بد أن يناله، فماذا يغني عنكم قول (لو) و(ليت) إلا الحسرة والندامة؟ ! فالواجب عليكم في هذه الحال الإيمان بالله والتعزي بقدره مع ما ترجون من حسن ثوابه، وفي ذلك عين الفلاح لكم في الدنيا والآخرة (١).\nقوله: «فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ...» الحديث في صحيح مسلم (٢).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٧٥).\n(٢) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٥٢) رقم (٢٦٦٤).","vol":"1","page":480},{"text":"وَاسْتَعِنْ بالله، وَلَا تَعْجِزَنَّ، وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطَانِ».\n•---------------------------------•\nوساقه المصنف هنا مختصرًا، ولفظه بتمامه: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».\n«احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ»: أي في دنياك وأخراك. و(احرَِص): بكسر الراء وفتحها، والكسر أشهر، والحرص: هو بذل الجهد واستفراغ الوسع.\nقال ابن القيم - ﵀ -: «سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده، والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع، فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودًا، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصًا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به» (١).\n«وَاسْتَعِنْ بالله»: الواو تقتضي الجمع؛ فتكون الاستعانة مقرونة بالحرص، والحرص سابق على الفعل؛ فلا بد أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل من أوله (٢).\nوهذا يعني: أن لا تعتمد على الحرص فقط ولكن مع الحرص استعن بالله ﷾، لأنه لا غنى لك عن الله، ومهما بذلت من الأسباب فإنها لا تنفع إلا بإذن الله ﷾، فلذلك جمع بين الأمرين: فعل السبب مع الاستعانة بالله ﷿ (٣).\n_________\n(١) شفاء العليل ص (١٩).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٣٦٨).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٣٣).","vol":"1","page":481},{"text":"وقد كان النبي - ﷺ - يقول في خطبته ويعلِّم أصحابه أن يقولوا: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ» (١).\nوأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول: «اللهمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» (٢).\nوالاستعانة: طلب العون بلسان المقال؛ كقولك: «اللهم أعني»، أو: «لا حول ولا قوة إلا بالله» عند شروعك بالفعل أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك ﷿ أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وَكَلَك إلى نفسك وَكَلَك إلى ضعف وعجز وعورة. أو طلب العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال؛ فقد استعان بلسان الحال (٣).\n«وَلَا تَعْجِزَنَّ»: بالنون، وهي نون التوكيد الثقيلة (٤). والموجود في صحيح مسلم (وَلَا تَعْجِزَ) بدون نون التوكيد، والمعنى: لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى: لا يصيبك عجز؛ لأن العجز عن الشيء غير التعاجز، فالعجز بغير اختيار الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ٢/ ٥٩٣ رقم (٨٦٨).\n(٢) أخرجه أبو داود ١/ ٤٧٥ رقم (١٥٢٢)، والنسائي ٣/ ٥٣ رقم (١٣٠٣)، وأحمد ٥/ ٢٤٤ رقم (٢٢١٧٢).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٣٦٨، ٣٦٩).\n(٤) فتح المجيد ص (٤٦٢)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٤).","vol":"1","page":482},{"text":"قوله: (وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ ... إلخ) العبد إذا فاته ما لم يُقدَّر له فله حالتان:\nالحال الأولى: حالة عجز، وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى (لو) ولا فائدة في (لو) ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه - ﷺ - عن افتتاح عمله بهذا المفتاح.\nالحال الثانية: النظر إلى القدر وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة، والتسليم لذلك والرضا به.\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «قوله: (إن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا) هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث، فالمراتب أربع:\nفالمرتبة الأولى: الحرص على ما ينفع.\nوالمرتبة الثانية: الاستعانة بالله.\nوالمرتبة الثالثة: المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز.\nالمرتبة الرابعة: إذا حصل خلاف المقصود، فهذه ليست إليك، وإنما هي بقدر الله، ولهذا قال: (وإن أصابك)، ففوض الأمر إلى الله تعالى» (١).\nقوله: (وَإِنْ أَصَابَكَ شيءٌ) أي: مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع.\nفمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين:\n_________\n(١) القول المفيد ٣/ ١٦٣، ١٦٤.","vol":"1","page":483},{"text":"الأول: أن يقول: لو لم أفعل ما حصل كذا.\nالثاني: أن يقول: لو فعلت كذا لأمر لم يفعله لكان كذا، بل المشروع أن يقول كما أمر النبي - ﷺ -: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَر اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».\nقوله: (ولكن قل: قَدَرُ الله) خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا قدر الله.\nوقدر بمعنى مقدور؛ لأن قدر الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله.\nقال شيخ الإسلام - بعد أن ذكر حديث الباب بتمامه -: «لا تعجز عن مأمور، ولا تجزع من مقدور، ومن الناس من يجمع كلا الشرين، فأمر النبي بالحرص على النافع، والاستعانة بالله ... ولهذا قال بعض العقلاء: الأمر أمران أمر فيه حيلة فلا تعجز عنه، وأمر لا حيلة فيه فلا تجزع منه» (١).\nوقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «فإذا أصابك شيء فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وبعضهم ضبطها بقَدَّر الله وما شاء فعل، أي: قدر هذا الواقع، والمعنى الأول أظهر، أي: أن هذا الواقع هو قدر الله، أي: مقدور الله وما شاء الله فعل» (٢).\n«فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشيطَانِ»: وعمل الشيطان: هو ما يلقيه في قلب الإنسان من التأسف على ما فات والتحسر ولوم القدر والندم والحزن، والشيطان يحب ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ١٦/ ٣٨، ٣٩.\n(٢) التعليق المفيد ص (٢٤٥).\n(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٤٦٣)، والقول المفيد (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":484},{"text":"والخلاصة: أن قول (لو) على وجه التحسر والندم على ما فات ينافي الصبر والرضى والتسليم لأقدار الله، وهذا كله مما ينافي التوحيد.","vol":"1","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>بَابُ النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: أن سب الريح وشتمها ولعنها منهي عنه في الشرع الإسلامي؛ لأنها تتحرك بأمر الله وقضائه وقدره، ولا تصريف لها بنفسها (١).\nقوله: «بَابُ النَّهْيِ»: أطلق المؤلف - ﵀ - النهي في الباب ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة (٢). وحقيقة النهي أنه للتحريم (٣).\n«سَبِّ الرِّيحِ»: قوله: «الريح»: مفرد رياح، وهو الهواء الذي يصرفه الله ﷿، وسب الريح يكون بشتمها أو بلعنها (٤).\nوعلاقة الباب بكتاب التوحيد: أَنَّ سب الريح من جنس سب الدهر، وسب الدهر والأيام والليالي والريح والأمطار هو سبٌّ لله تعالى؛ لأنه هو الذي خلقها وهو الذي صرفها وحركها بهذا الشكل الذي نراه ونحسه ونشاهده. فسب الريح يؤول إلى سب حكمة الله وقضائه وقدره وقدرته وتدبيره الذي يرجع هو الآخر إلى سب ذات الله تعالى، وهذا بلا شك ينافي التوحيد أيَّما منافاة، ويناقضه أيَّما مناقضه (٥).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨١)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٦).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٣٧٨).\n(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٣٥).\n(٤) القول المفيد (٢/ ٣٧٨)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٣٥).\n(٥) ينظر: فتح المجيد ص (٤٦٦)، والقول السديد ص (١٧٣)، حاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٦)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٨٢).","vol":"1","page":486},{"text":"عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللهمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شر هَذِهِ الرِّيحِ وَشر مَا فِيهَا وَشر مَا أُمِرَتْ بِهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِي.\n•---------------------------------•\nويظهر أن الباب «من جنس الأبواب السابقة التي فيها النهي عن سب الدهر، والنهي عن قول: (لو) وغير ذلك، والنهي عن التنجيم، وكل ما فيه إضافة الأشياء إلى غير الله ﷿ فإنه منهي عنه» (١).\nوعلى وجه الخصوص نجد أن هذا الباب «نظير ما سبق في سب الدهر، إلا أن ذلك الباب عام في سب جميع حوادث الدهر، وهذا خاص بالريح» (٢).\n«عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ...» الحديث رواه الترمذي وغيره (٣)، وقد جاء مرفوعًا وموقوفًا، والوقف أصح.\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٢٣٦).\n(٢) القول السديد ص (١٧٣).\n(٣) هذا الحديث مداره على حبيب بن أبي ثابت، وقد اختلف فيه على ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: حبيب بن أبي ثابت، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب مرفوعًا.\nوأخرجه من هذا الوجه عبد الله بن أحمد في المسند (٣٥/ ٧٥) رقم (٢١١٣٩)، وفي السنة (٢/ ٥١٠) رقم (١١٩٦)، والترمذي في جامعه (٤/ ٥٢١) رقم (٢٢٥٢) والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٢) رقم (١٠٧٠٤)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٢١) رقم (٩٣٤)، (٩٣٦)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق ص (١٣٣) رقم (١٢٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠) رقم (٩١٨)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٣/ ٤٢٤) رقم (١٢٢٤)، و(١٢٢٥) من طريق الأعمش،\nوعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٨٦) رقم (١٦٧)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٧)، (١٠٧٠٩)، وفي عمل اليوم والليلة ص (٥٢٢) رقم (٩٣٧)، و(٩٣٨) من طريق شعبة،","vol":"1","page":487},{"text":"وله شاهد مرفوع عن أبي هريرة - ﵁ - (١).\n_________\nكلاهما (الأعمش، وشعبة) عن حبيب بن أبي ثابت، به.\nالوجه الثاني: حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب مرفوعًا.\nوأخرجه من هذا الوجه عبد الله بن أحمد في المسند (٣٥/ ٧٥) رقم (٢١١٣٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤١) رقم (١٠٧٠٣)، وعمل اليوم والليلة ص (٥٢٠) رقم (٩٣٣) ص (٥٢١) رقم (٩٣٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (٢٥٨) رقم (٢٩٨)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٣/ ٤٢٣) رقم (١٢٢٣) من طريق الأعمش،\nوابن سمعون في أماليه ص (٢٢٢) رقم (٢٢٠) من طريق شعبة،\nكلاهما (الأعمش، وشعبة) عن حبيب بن أبي ثابت، به.\nالوجه الثالث: حبيب بن أبي ثابت عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب (موقوفًا).\nوأخرجه من هذا الوجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٢٧) رقم (٢٩٢١٩)، والبخاري في الأدب المفرد ص (٢٥١) رقم (٧١٩)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٢) رقم (١٠٧٠٥)، و(٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٦)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٨) رقم (٣٠٧٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٩٢) رقم (٩٦٩) من طريق الأعمش،\nوالنسائي في السنن الكبرى (٩/ ٣٤٣) رقم (١٠٧٠٨)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٣٨٠) من طريق شعبة،\nوالخرائطي في مكارم الأخلاق ص (٣٢٧) رقم (١٠٠٠) من طريق يحيى بن سعيد،\nثلاثتهم (الأعمش، وشعبة، ويحيى بن سعيد) عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر بن عبد الله المرهبي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب موقوفًا.\nوعند ابن أبي شيبة في المصنف والبخاري في الأدب المفرد لم يذكر ذر بين حبيب وسعيد.\nوالراجح الوجه الثالث: رواية الوقف كما بين ذلك الإمام النسائي وصحح وقفه.\n(١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٧)، والبخاري في الأدب المفرد (٧٢٠)، وابن ماجه (٣٧٢٧) وعبد الرزاق (١١/ ٨٩)، وحسنه النووي في الأذكار ص (١٥٢).","vol":"1","page":488},{"text":"«لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ» أي: لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها؛ فإنها مأمورة مقهورة، فلا يجوز سبها، بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد (١).\n«فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ» أي: من الريح: إما شدة حرها، أو بردها، أو قوتها (٢).\n«فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح» قالت عائشة: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ، تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِى وَجْهِهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤]» (٣).\nونستفيد من هذا الحديث مشروعية هذا الدعاء عند الريح، وأن الذي ينبغي عند رؤية الخيال التخوف أن يكون عقوبة وأن الفرح المطلق غير مشروع كما عليه الكثير من الناس عندما تتخيل السماء.\nقوله: «وَخَيْرِ مَا فِيهَا»، أي: من منافعها كلها؛ لأنها قد تحمل خيرًا، كتلقيح الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرًّا، كإزالة لقاح الثمار والأمراض التي تضر الإنسان والبهائم.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨١).\n(٢) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨٢).\n(٣) أخرجه مسلم ٢/ ٦١٦ رقم (٨٩٩)، وأصله في البخاري ٣/ ١١٧٢ رقم (٣٠٣٤).","vol":"1","page":489},{"text":"قوله: «وخير ما أمرت به» مثل: إثارة السحاب وسوقه، ومن خيرها النصر، قال رسول الله - ﷺ -: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» (١).\nقوله: «ونعوذ بك»، أي: نعتصم ونلجأ.\nقوله: «من شر هذه الريح» كقلع الأشجار، ودفن الزروع، وهدم البيوت ونحو ذلك.\nقوله: «وشر ما فيها» ما تحمله من الأشياء الضارة.\nقوله: «وشر ما أمرت به» كالإهلاك والتدمير، قال تعالى في ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].\nقوله: «ما أمرت به» هذا الأمر حقيقي، أي: يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شيء من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله، قال الله تعالى للأرض والسماء: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، «وقَالَ للقَلم: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (٢).\nوأما حديث: «اللهم اجعلها رياحًا، ولا تجعلها ريحًا» (٣)، فلا يصح.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١/ ٣٥٠ رقم (٩٨٨)، ومسلم ٢/ ٦١٧ رقم (٩٠٠).\n(٢) أخرجه أبو داود ٤/ ٢٢٥ رقم (٤٧٠٠)، والترمذي ٤/ ٤٥٧ رقم (٢١٥٥)، و٥/ ٤٢٤ رقم (٣٣١٩)، وقال: «حديث غريب من هذا الوجه».\n(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده ٤/ ٣٤١ رقم (٢٤٥٦)، والطبراني في الكبير ١١/ ٢١٣ رقم (١١٥٣٣). في سنده حسين بن قيس الملقب بحنش وهو متروك. فلا يصح الحديث.","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>بَابُ قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ </span>يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: التحذير من سوء الظن بالله، والتنبيه على وجوب حسن الظن به سبحانه؛ لأن ذلك من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن به؛ لأن مبنى حسن الظن على العلم برحمة الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه، وقد ينشأ حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات، وبالجملة فمن قام بقلبه حقائق معاني أسماء الله وصفاته، قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة (١).\nووجه مناسبة الباب لكتاب التوحيد: هو أَنَّ سوء الظن بالله من جانبٍ متعلقٌ بتوحيد الربوبية؛ لأنه عدم ثقة بأفعال الله وأخباره وأقواله، ومن جانبٍ آخر يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فإن سوء الظن بالله ناتج عن عدم إيمان بأسماء الله وصفاته، قال الله تعالى عن المشركين: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢، ٢٣]. فجعل سوء ظنهم بسبب ضعف إيمانهم بعلم الله. ومن جانبٍ ثالث يتعلق بتوحيد الألوهية؛ لأن عبادة غير الله، أو إشراك غيره معه هو سوء ظن به، قال إبراهيم ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧] (٢).\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٥٨٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٥٨).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٣٧)، وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٤٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٨٤)، والجديد في شرح كتاب التوحيد ص (٤٢٨).","vol":"1","page":491},{"text":"وَقَوْلِهِ: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ الآية [الفتح: ٦].\nقَالَ ابْنُ القَيِّمِ فِي الآيَةِ الأُولَى: فُسِّرَ هَذَا الظَّنُّ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصر رَسُولَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ سيضْمَحِلُّ، وَفُسر بِأَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ بِقَدَرِ الله وَحِكْمَتِهِ، فَفُسر بِإِنْكَارِ الحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ القَدَرِ، وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمَّ أَمْرَ رَسُولِهِ؟، وَأَنْ يُظْهِرَهُ اللهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.\n•---------------------------------•\nوالآية التي عنون بها المصنف الباب أوردها مختصرة، مقتصرًا على موضع الشاهد، وسأوردها هنا كاملة للفائدة: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nوعلاقة الآية بالباب: أن فيها أن من ظنَّ أن الله لا ينصر حزبه على أعدائه فقد ظن به ظن السوء (١).\n﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ «أي يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - أن يُقتلوا ويذهبوا بالكلية» (٢).\n_________\n(١) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٣٨٦).\n(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٠٥).","vol":"1","page":492},{"text":"وَهَذَا هُوَ ظَنُّ السَّوءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنَافِقُونَ وَالمُشركُونَ فِي سُورَةِ الفَتْحِ. وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا ظَنَّ السَّوءِ؛ لأَنَّهُ ظَنَّ غَيْرَ مَا يَلِيقُ بِهِ سُبْحَانَهُ وَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَوَعْدِهِ الصَّادِقِ. فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدِيلُ البَاطِلَ عَلَى الحَقِّ إِدَالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَهَا الحَقِّ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَا جَرَى بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، أَوْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدَرُهُ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الحَمْدَ، بَلْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لِمَشيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ، فَذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ.\nوَأَكْثَرُ النَّاسِ يَظُنُّونَ بالله ظَنَّ السَّوْءِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ. وَلَا يَسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ اللهَ وَأَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهُ وَمُوجِبَ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ، فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا، وَلْيَتُبْ إِلَى الله وَلْيَسْتَغْفِرْهُ مِنْ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ. وَلَوْ فَتَّشْتَ مَنْ فَتَّشْتَ لَرَأَيْتَ عِنْدَهُ تَعَنُّتًا عَلَى القَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ، وَأَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ، وَفَتِّشْ نَفْسَكَ: هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ؟ .\nفَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ... وَإِلَّا فَإنِّي لَا إِخَالُكَ نَاجِيًا\n•---------------------------------•\nهذا النص موجود في كتاب الزاد لابن القيم بتصرف (١)، وخلاصته ذم ثلاث طوائف:\nالأولى: الذين يظنون أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق؛ فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح، قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح: ١٢].\n_________\n(١) زاد المعاد (٣/ ٢٠٥ - ٢١١).","vol":"1","page":493},{"text":"الثانية: من أنكر أن يكون ما يجرى بقضاء الله وقدره؛ لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته.\nالثالثة: من أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد؛ لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرًا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله ﷾.\nورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله؛ لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها؛ فما بالك بالخالق الحكيم؟ !» (١).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (٢/ ٣٨٩).","vol":"1","page":494},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>بَابُ مَا جَاءَ فِي مُنْكِري القَدَرِ</span>\nوَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -: وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ الله مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ؟: «الإيْمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بالله، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان ما جاء من الوعيد الشديد في إنكار القدر (١)، والتنبيه على وجوب الإيمان بالقدر؛ لأن هذا مما يتحقق به التوحيد وينتفي به الكفر؛ إذ أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وتوحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر (٢).\nوعلاقة هذا الباب بما قبله: أن إنكار القدر نوعٌ من أنواع سوء الظن بالله جل وعلا، ويكون هذا الباب كالتفصيل لما اشتمل عليه الباب الذي قبله (٣).\nوأثر ابن عمر في مسلم كما ذكر المصنف، ولفظه: «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» (٤).\n«وَالَّذِي نَفْسُ ابْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ»: أقسم عبد الله بن عمر بالله ﷾ لتأكيد الأمر وأهميته (٥).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٩٥)، وفتح المجيد ص (٤٧٤)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٢).\n(٢) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٥٩٥)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٢).\n(٣) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٤٦).\n(٤) صحيح مسلم (١/ ٣٧) رقم (٨).\n(٥) إعانة المستفيد (٢/ ٢٤٨).","vol":"1","page":495},{"text":"«وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ»: أي: خير القدر وشره، أي: أنه تعالى قدر الخير والشر، فالخير: ما يلائم العبد، والشر: ما لا يلائمه، إذ المقدورات خير وشر؛ فالطاعات خير والمعاصي شر، والغنى خير والفقر شر، والصحة خير والمرض شر، وهكذا (١)، والله قد قدر ذلك كله قبل خلق السماوات والأرض، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الخلَائِقِ، قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>تعريف القدر:</span>\nالقدر: علم الله السابق بالأشياء قبل وقوعها، وكتابته لذلك في اللوح المحفوظ قبل خلقها وإيجادها، ومشيئته النافذة الشاملة، وخَلْقُهُ ﷿ لكل ما قدَّر.\nوما أجمل جواب الإمام أحمد عندما سئل عن القدر فقال: «القدر قدرة الرحمن».\nيقول ابن القيم في قصيدته الكافية الشافية (٣):\nفحقيقة القدر الذي حار الورى ... في شأنه هو قدرة الرحمن\nواستحسن ابن عقيل ذا من أحمد ... لما حكاه عن الرضا الرباني\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٠)، والقول المفيد (٢/ ٤١٤).\n(٢) أخرجه مسلم ٤/ ٢٠٤٤ رقم (٢٦٥٣).\n(٣) ص (٣٦).","vol":"1","page":496},{"text":"وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ الإِيْمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ ..\n•---------------------------------•\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>مراتب القدر:</span>\nللقدر أربع مراتب:\nالأولى: الإيمان بعلم الله القديم، وأنه علم أعمال العباد قبل أن يعملوها.\nالثانية: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ.\nالثالثة: مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.\nالرابعة: إيجاد الله لكل المخلوقات، وأنه الخالق وكل ما سواه مخلوق.\n«وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ لابْنِهِ ...» الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود (١)، وهو حسن بمجموع طرقه.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٢٦) رقم (٤٧٠٠)، والطبراني في مسند الشاميين (١/ ٥٨) رقم (٥٩)، ومن طريق أبي داود البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٤٤) رقم (٢٠٨٧٥)، والاعتقاد ص (١٣٦)، والقضاء والقدر ص (١١٢) رقم (١١)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ٢٧٤) رقم (٣٣٦) من طريق جعفر بن مسافر،\nوأبو نعيم في حلية الأولياء (٥/ ٢٤٨) من طريق الحسن بن عبد العزيز الجروي،\nكلاهما (جعفر، والحسن) عن يحيى بن حسَّان، عن الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة حبيش الحبشي، قال: قال عبادة بن الصامت لابنه ... الحديث.\nوأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (١/ ٤٧١) رقم (٥٧٨)، وابن الجعد في مسند ص (٤٩٤) رقم (٣٤٤٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٩٢)، والترمذي في جامعه (٤/ ٤٥٧) رقم (٢١٥٥)، و(٥/ ٤٢٤) رقم (٣٣١٩)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٩) رقم (١٠٥)، والطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره كما في (تفسير ابن كثير) (٨/ ١٨٧)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٣/ ٣٣٤)، و(٤/ ٥٢)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٢/ ٢٤٤)، و(٤/ ٦٧٩)، والحنائي في فوائده (١/ ٧٩٨) رقم (١٤٩)، والمزي في تهذيب الكمال (١٨/ ٤٥٦) من طريق عبد الواحد بن سليم، =","vol":"1","page":497},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٤٨) رقم (١٠٤)، والأوائل ص (٦٠) رقم (٢)، والفريابي في القدر ص (٢٣٦)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٦٤) رقم (٤٣٩) من طريق عبد الله بن السائب،\nكلاهما (عبد الواحد بن سليم، وعبد الله بن السائب) عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: دعاني أبي فقال ... الحديث.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٢٦٤) رقم (٣٥٩٢٢)، والبزار في مسنده (٧/ ١٣٧)، والفريابي في القدر ص (٨٠) رقم (٧٢)، والآجري في الشريعة (١/ ٥١٤)، و(٢/ ٧٦٧)، و(٢/ ٧٩٢)، وابن بشران في أماليه (١/ ٣٣٨) رقم (٧٨٥) من طريق زيد بن الحباب، ...\nوأحمد في المسند (٣٧/ ٣٧٨) رقم (٢٢٧٠٥)، والطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٧)، وفي تاريخه (١/ ٣٢)، وابن الجوزي في المنتظم (١/ ١٢٠)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٨/ ٣٥٢) رقم (٤٣١) من طريق الليث بن سعد، ...\nوالطبري في تفسيره (٢٣/ ١٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٥٣)، وابن أبي زمنين في أصول السنة ص (١٢٨) رقم (٥٧) من طريق عبد الله بن وهب،\nوالدولابي في الكنى (١/ ٣١٤) رقم (٥٥٥) من طريق بشر بن السري،\nوالطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٣٨) رقم (١٩٤٩)، وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٣٣)، و(٤/ ٥٣) من طريق عبد الله بن صالح،\nخمستهم (زيد، والليث، وابن وهب، وبشر، وابن صالح) عن معاوية بن صالح، قال: حدثني أيوب بن أبي زيد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه، عن جده عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... الحديث.\nوأخرجه أحمد في مسنده (٣٧/ ٣٨١) رقم (٢٢٧٠٧)، وابن أبي عاصم في الأوائل ص (٥٩) عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، به.\nوأخرجه الآجري في الشريعة (١/ ٥١٦)، و(٢/ ٧٦٧)، و(٢/ ٧٦٨) من طريق معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن محمد بن عبادة بن الصامت، به.\nوكل هذه الطرق لا تخلو من مقال.","vol":"1","page":498},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي». رواه أبو داود.\n•---------------------------------•\n(إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمُ) قال شيخ الإسلام - ﵀ -: قد ذكرنا أن للسلف في العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين كما ذكر الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره.\nأحدهما: أن القلم خلق أولا كما أطلق ذلك غير واحد وذلك هو الذي يفهم في الظاهر في كتب من صنف في الأوائل كالحافظ أبي عروبة بن أبي معشر الحراني وأبي القاسم الطبراني للحديث الذي رواه أبو داود في سننه عن عبادة بن الصامت. وذكر الحديث المشروح.\nوالثاني: أن العرش خلق أولا؛ قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في مصنفه في الرد على الجهمية: حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان الثوري، ثنا أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: «إِنَّ الله كَانَ عَلَى عَرْشه قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا، فَكَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَم، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب مَا هُوَ كَائِنٌ، وأَنَّ مَا يَجْرِي عَلَى النَّاسِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ» (١).\nوالذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما دل على ذلك الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه.\nقالوا: وهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل الحديث أن ذلك بعد خلق العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم.\n_________\n(١) بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية ص (٢٨٧).","vol":"1","page":499},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى القَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».\n•---------------------------------•\nرواية أحمد في مسنده (١).\nقال شيخنا ابن عثيمين - ﵀ -: «القلم بالرفع، وروي بالنصب.\nفعلى رواية الرفع يكون المعنى: أن أول ما خلق الله هو القلم، لكن ليس من كل المخلوقات.\nوأما على رواية النصب، فيكون المعنى: أن الله أمر القلم أن يكتب عند أول خلقه له، يعني: خلقه ثم أمره أن يكتب، وعلى هذا المعنى لا إشكال فيه، لكن على المعنى الأول الذي هو الرفع: هل المراد أن أول المخلوقات كلها هو القلم؟\nالجواب: لا، لأننا لو قلنا: إن القلم أول المخلوقات، وإنه أمر بالكتابة عندما خلق، لكنا نعلم ابتداء خلق الله للأشياء، وأن أول بدء خلق الله كان قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.\nقال أهل العلم: وتأويله: إن المعنى: أن أول ما خلق الله القلم بالنسبة لما نشاهده فقط من المخلوقات، كالسموات والأرض.\nفهي أولية نسبية، وقد قال ابن القيم في نونيته:\nوالناس مختلفون في القلم الذي ... كتب القضاء به من الديان\nهل كان قبل العرش أو هو بعده ... قولان عند أبي العلا الهمذاني\nوالحق أن العرش قبل لأنه ... قبل الكتابة كان ذا أركان» (٢)\n_________\n(١) هذه الرواية أخرجها أحمد (٣٧/ ٣٧٨، ٣٧٩) رقم (٢٢٧٠٥)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٣٨) رقم (١٩٤٩). وهي ضمن التخريج السابق.\n(٢) القول المفيد ٣/ ٢٣١.","vol":"1","page":500},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لابْنِ وَهْبٍ قَالَ رَسُولُ الله؟: «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ».\n•---------------------------------•\nرواية ابن وهب «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ ...» منقطعة (١).\nوجاءت رواية قريبة من لفظها تغني عنها عن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه وهو في الاحتضار: «وَلَنْ تُؤْمِنَ بِالله حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ ليُخْطِئُكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: الْقَدَرُ عَلَى هَذَا، مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا أَدْخَلَهُ الله تَعَالَى النَّارَ» (٢).\n«أَحْرَقَهُ اللهُ بِالنَّارِ»: «هذا نوع آخر من الوعيد، وهو أن من أنكر القضاء والقدر فإن الله يحرقه بالنار، فدل على أن الإيمان بالقضاء والقدر أمر واجب، وأن إنكاره موجب لدخول النار إما لكفره وإما لبدعته» (٣).\n_________\n(١) كتاب القدر وما ورد فيه من الآثار ص (١٢١) رقم (٢٦)، وهذه الرواية منقطعة؛ لأن سليمان ابن مهران لم يدرك عبادة بن الصامت.\n(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ٥١، ٥٢) رقم (١١١)، والفريابي في كتاب القدر ص (٨١) رقم (٧٥)، والشاشي في مسنده (٣/ ١٢٥) رقم (١١٩٣)، والآجري في الشريعة (٢/ ٧٩٢) رقم (٣٧١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٦) رقم (١٢٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٨/ ٣٩١)، وغيرهم.\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٥٨).","vol":"1","page":501},{"text":"وَفِي المُسْنَدِ وَالسُّنَنِ عَن ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - ﵁ -، فَقُلْتُ: فِي نَفْسي شيءٌ مِنَ القَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشيءٍ، لَعَلَّ اللهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ؟ . حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ.\n•---------------------------------•\nهذا الحديث في السنن ومسند أحمد (١)، وقد اختلف في رفعه ووقفه.\n_________\n(١) أخرجه مسدد في مسنده كما في (إتحاف الخيرة المهرة) (١/ ١٦٥)، وأحمد في مسنده (٣٥/ ٤٦٥) رقم (٢١٥٨٩)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (١٠٩) رقم (٢٤٧)، وأبو داود (٤/ ٢٢٥) رقم (٤٦٩٩) والفريابي في القدر ص (١٣٥، ١٣٦) رقم (١٩٠)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٥٠٥) رقم (٧٢٧)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٤٩)، اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٤)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٥٣) رقم (١٧٩) من طريق سفيان الثوري،\nوأحمد في مسنده (٣٥/ ٤٨٦) رقم (٢١٦١١)، وابنه عبد الله في السنة (٢/ ٣٨٨) رقم (٨٤٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ٢٩) رقم (٧٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٦٧٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٣٤٣) رقم (٢٠٨٧٤)، والاعتقاد ص (١٤٩)، والقضاء والقدر ص (٣٠٣) رقم (٤٨٢) من طريق إسحاق بن سليمان،\nوأحمد في مسنده (٣٥/ ٥١١) رقم (٢١٦٥٣) من طريق قران بن تمام،\nثلاثتهم (الثوري، وإسحاق، وقران) عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد، عن ابن الديلمي، عن أبي بن كعب، وابن مسعود موقوفًا عليهما، وعن زيد بن ثابت مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، واقتصر بعضهم على المرفوع.\nوسعيد بن سنان صدوق له أوهام.","vol":"1","page":502},{"text":"«فِي نَفْسي شيءٌ مِنَ القَدَرِ»: أي: اضطراب يؤدي إلى شك فيه، أو جحد له (١).\nو«هكذا طلبة العلم الذين يبحثون عن الحقيقة، ويبحثون عن العلم النافع إذا أشكل عليهم شيء، لا يعتمدون على رأيهم، وإنما يرجعون إلى أهل العلم، فهذا ابن الديلمي رجع إلى الصحابة لما أشكل عليه أمر القدر» (٢).\n_________\nوأخرجه الفريابي في القدر ص (١٣٧) رقم (١٩٢)، والطبراني في مسند الشاميين (٣/ ١٤٤) رقم (١٩٦٢)، والآجري في الشريعة (٢/ ٧٩٣)، و(٢/ ٨٤٩)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٤/ ٥٠)، و(٤/ ١٤٤) والبيهقي في القضاء والقدر ص (٢٥٨) رقم (٣٥٧)، من طريق أبي صالح عبد الله ابن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن ابن الديلمي، عن سعد ابن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وابن مسعود موقوفًا، وعن زيد بن ثابت مرفوعًا، واقتصر الطبراني، والآجري في الموضع الأول، وابن بطة في الموضع الأول، على المرفوع فقط.\nوأخرجه الفريابي في القدر ص (١٢٧) رقم (١٥١)، والآجري في الشريعة (٢/ ٨٤٧)، والبيهقي في القضاء والقدر ص (٣٠٤) رقم (٤٨٣) من طريق سعيد بن أبي هلال،\nوالطبراني في الكبير (١٨/ ٢٢٣) رقم (٥٥٦) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش،\nوالطبراني أيضًا في الكبير (١٠/ ٢٣٢) رقم (١٠٥٦٤)، وابن بطة في الإبانة (٤/ ٥٠)، و(٤/ ١٤٥) من طريق عمر بن عبد الله مولى غفرة،\nواللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٤/ ٧٤٩) من طريق يزيد بن أبي حبيب،\nأربعتهم عن أبي الأسود الدؤلي عن عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب، موقوفًا ومرفوعًا.\nفجاء عند الطبراني في الموضعين عن عمران بن حصين وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب مرفوعًا.\nوعند الفريابي، والآجري، وابن بطة، والبيهقي موقوفًا عليهم.\nوعند اللالكائي موقوفًا على عمران فقط، ورواية الوقف أرجح.\n(١) تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٧).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٥٩).","vol":"1","page":503},{"text":"«لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا قَبِلَهُ اللهُ مِنْكَ»: هذا تمثيل على سبيل الفرض، أي إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان ذلك (١).\n(حتى تؤمن بالقدر) بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، ونفعها وضرها، وقليلها وكثيرها، وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وأمره، كما ذكر عن علي - ﵁ -.\n(ولو مت على غير هذا، لكنت من أهل النار) جزم أبي بن كعب - ﵁ - بأنه إذا مات على غير هذا كان من أهل النار؛ لأن من أنكر القدر فهو كافر، والكافر يكون من أهل النار الذين هم أهلها المخلدون فيها.\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٨).","vol":"1","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-234>بَابُ مَا جَاءَ فِي المُصَوِّرِينَ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم التصوير والمصورين، وما جاء في ذلك من نصوص الوعيد المنذرة بالعذاب الشديد والعقاب الأليم، وأن التصوير من جملة الكبائر التي تقدح في التوحيد وتُعرِّض فاعلها لغضب الله والنار وتنقص إيمانهم وتضعفه (١).\nو(المصورون): جمع مصور، وهو الذي يقوم بالتصوير، والتصوير معناه: التشكيل، تشكيل الشيء حتى يكون على هيئة صورة لآدمي أو لغير آدمي من حيوان، أو نبات، أو جماد، أو سماء، أو أرض، فكل هذا يقال له: مصور، إذا كان يُشَكل بيده شيئًا على هيئة صورة معروفة (٢).\n\nقوله: (باب ما جاء في المصورين) أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه. وقد ذكر النبي - ﷺ - العلة، وهي المضاهاة بخلق الله (٣).\nوقول المصنف هنا: «باب ما جاء في التصوير» لا يقصد به الاحتمال أي احتمال التحريم واحتمال الكراهة، بل قصد الجزم بالتحريم على خلاف الأبواب السابقة التي بدأها بقوله: «باب ما جاء في كذا»؛ لكون هذا الباب لا يحتمل إلا التحريم في الأصل، ولكن عبر هنا بهذا التعبير تمرينًا لطالب العلم لينظر في الأدلة، ويبحث فيها.\n_________\n(١) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٢٦).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٥٤) بتصرف.\n(٣) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦٠٩)، وفتح المجيد ص (٤٨٠).","vol":"1","page":505},{"text":"ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: تتضح من وجهين:\nالوجه الأول: أَنَّ التصوير تنديد من جهة أن المصور جعل فعله ندًا لفعل الله جل وعلا، فالتصوير فيه مضاهاةٌ لخلق الله؛ لأن فيه خلقًا وإبداعًا يكون به المصور مشاركًا لله في ذلك الخلق والإبداع، وهذا شركٌ في ربوبيته تعالى (١).\nالوجه الثاني: أَنَّ التصوير ذريعةٌ إلى الشرك بالله تعالى، ووسيلة من وسائله؛ إذ إن نَصْب هذه الصور مفضٍ إلى عبادتها، وشركُ كثيرٍ من المشركين كان من جهة الصور؛ ومن ثم فإنَّ ذلك شركٌ في الألوهية؛ فكان من تحقيق التوحيد ألا تُقر الصور لأجل أن الصورة وسيلة من وسائل المشركين في عباداتهم (٢).\nوعلاقة الباب بالذي قبله: أن هذا الباب «من فروع الباب السابق؛ أنه لا يحل أن يجعل لله نِدًّا في النيات والأقوال والأفعال، والند المشابه ولو بوجه بعيد. فاتخاذ الصور الحيوانية تَشَبهٌ بخلق الله، وكذب على الخلقة الإلهية، وتمويه وتزوير؛ فلذلك زجر الشارع عنه» (٣).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد (٢/ ٤٣٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٧١)، .\n(٢) ينظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٥٧، ٥٥٨)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٦٢).\n(٣) القول السديد ص (١٨٠).","vol":"1","page":506},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً». أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة - ﵁ - في الصحيحين كما أشار المصنف بقوله: أخرجاه (١).\n«وَمَنْ أَظْلَمُ» (مَن): اسم استفهام استنكاري، والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم (٢).\nفإن قيل: كيف يُجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] وغير ذلك من النصوص؟\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن المعنى أنها مشتركة في الأظلمية، أي أنها في مستوى واحد في كونها في قمة الظلم.\nالثاني: أن الأظلمية نسبية، أي أنه لا أحد أظلم من هذا في نوع هذا العمل لا في كل شيء، فيقال مثلًا: من أظلم في مشابهة أحد في صنعه ممن ذهب يخلق كخلق الله، ومن أظلم في منع حق ممن منع مساجد الله، ومن أظلم في افتراء الكذب ممن افترى على الله كذبًا.\n«يَخْلُقُ كَخَلْقِي» يعني بذلك المصور؛ لأن المصور يحاول أن يوجد صورة تشبه الصورة التي خلقها الله ﷾ (٣).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٧/ ١٦٧) رقم (٥٩٥٣)، وصحيح مسلم (٣/ ١٦٧١) رقم (٢١١١).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٤٣٥).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":507},{"text":"«فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» (اللام) للأمر، والمراد به التحدي والتعجيز، والذرة: مفرد ذَر، وهي النمل الصغار (١).\n«أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» «(أو) للتنويع؛ أي: انتقل من التحدي بخلق الحيوان ذي الروح إلى خلق الحبة التي هي أصل الزرع من الشعير وغيره وليس لها روح» (٢).\n«ويستفاد من هذا الحديث، وهو ما ساقه المؤلف من أجله: تحريم التصوير؛ لأن المصور ذهب يخلق كخلق الله ليكون مضاهيًا لله في صنعه، والتصوير له أحوال:\nالحال الأولى: أن يصور الإنسانُ ما له ظل مما له روح، أي: ما له جسم على هيكل إنسان أو بعير أو أسد أو ما أشبهها، فهذا أجمع العلماء فيما أعلم على تحريمه، فإن قلت: إذا صور الإنسان لا مضاهاة لخلق الله، ولكن صور عبثًا، يعني: صنع من الطين أو من الخشب أو من الأحجار شيئًا على صورة حيوان وليس قصده أن يضاهي خلق الله، بل قصده العبث أو وضعه لصبي ليهدئه به، فهل يدخل في الحديث؟\nفالجواب: نعم: يدخل في الحديث، لأنه خلق كخلق الله، ولأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، وهذا هو سر المسألة، فمتى حصلت المضاهاة ثبت حكمها، ولهذا لو أن إنسانًا لبس لبسًا يختص بالكفار ثم قال: أنا لا أقصد التشبه بهم.\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٧١)، والقول المفيد (٢/ ٤٣٦).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٤٣٧).","vol":"1","page":508},{"text":"نقول: التشبه منك بهم حاصل أردته أم لم ترده، وكذلك، لو أن أحدًا تشبه بامرأة في لباسها أو في شعرها أو ما أشبه ذلك وقال: ما أردت التشبه، قلنا له: قد حصل التشبه، سواء أردته أم لم ترده.\nالحال الثانية: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم لعموم الحديث، ويدل عليه حديث النمرقة؛ حيث أقبل النبي - ﷺ - إلى بيته، فلما أراد أن يدخل رأى نمرقة فيها تصاوير، وعرفت الكراهة في وجهه، فقالت عائشة ﵂: ما أذنبت يا رسول الله؟ فقال: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (١)، فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم، وقوله في صحيح البخاري: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» (٢)، فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها.\nالحال الثالثة: أن تلتقط الصور التقاطًا بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين، وفيه عدة آراء:\nالرأي الأول: أنه تصوير، وإذا كان كذلك، فإن حركة هذا الفاعل للآلة يعد تصويرًا، إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة، فحركته تعتبر تصويرًا، فيكون داخلًا في العموم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٥/ ١٩٨٦ رقم (٤٨٨٦).\n(٢) أخرجه البخاري ٥/ ٢٢٢٢ رقم (٥٦١٣)، ومسلم ٣/ ١٦٦٥ رقم (٢١٠٦).","vol":"1","page":509},{"text":"الرأي الثاني: أنها ليست بتصوير؛ لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من صنع الله، ولعل هذا القول أقرب للصواب.\nالحال الرابعة: أن يكون التصوير لما لا روح فيه، وهذا على نوعين:\nالنوع الأول: أن يكون مما يصنعه الآدمي، فهذا لا بأس به بالاتفاق، مثل أن يصور الإنسان سيارته، فهذا يجوز؛ لأن صنع الأصل جائز، فالصورة التي هي فرع من باب أولى.\nالنوع الثاني: ما لا يصنعه الآدمي وإنما يخلقه الله، فهذا نوعان: نوع نامٍ، ونوع غير نامٍ، فغير النامي، كالجبال، والأودية، والبحار، والأنهار، فهذه لا بأس بتصويرها بالاتفاق، أما النوع الذي ينمو كالأشجار والزروع، فاختلف في ذلك أهل العلم، فجمهور أهل العلم على جواز تصويره.\nوذهب بعض أهل العلم من السلف والخلف إلى منع تصويره، واستدل بأن هذا من خلق الله ﷿، والحديث عام: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي» (١)، ولأن الله ﷿ تحدى هؤلاء بأن يخلقوا حبة أو يخلقوا شعيرة، والحبة أو الشعيرة ليس فيها روح، لكن لا شك أنها نامية، وعلى هذا، فيكون تصويرها حرامًا، وقد ذهب إلى هذا مجاهد - ﵀ - أعلم التابعين بالتفسير، وقال: إنه يحرم على الإنسان أن يصور الأشجار، لكن جمهور أهل العلم على الجواز» (٢)، وهو ما تدل عليه الأدلة.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٥/ ٢٢٢٠ رقم (٥٦٠٩)، ومسلم ٣/ ١٦٧١ رقم (٢١١١).\n(٢) القول المفيد ٢/ ٤٣٨ - ٤٤١.","vol":"1","page":510},{"text":"وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ الله».\n•---------------------------------•\nحديث عائشة في الصحيحين (١) أشار إليه المصنف بقوله: (وَلَهُمَا).\n«أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا» فيه إشكال؛ لأن فيهم من هو أشد من المصورين ذنبًا، كالمشركين والكفار، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:\nالأول: أن الحديث على تقدير (مِن)، أي: من أشد الناس عذابًا، بدليل أنه قد جاء ما يؤيده بلفظ: «إن من أشد الناس عذابًا».\nالثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركهم، بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].\nالثالث: أن الأشدية نسبية، يعني أن الذين يصنعون الأشياء ويبدعونها أشدهم عذابًا الذين يضاهئون بخلق الله، وهذا أقرب.\nالرابع: أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه.\n«الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ الله»: أي يشابهون بما يصنعونه ما يصنعه الله (٢). وهذا فيه تنبيه على العلة، وهي المضاهاة بخلق الله (٣).\nفالحكمة من تحريم التصوير ما فيه من محاكاة ومضاهاة لخلق الله، ومحاولة التشبه بصفة من صفات الله، وهي الخلق، وقد تفرد الله سبحانه بذلك، وهناك حكمة أخرى من تحريم التصوير، وهي: أن التصوير وسيلة إلى تعظيم الأشخاص الذي قد يؤدي إلى الشرك.\n_________\n(١) صحيح البخاري (٧/ ١٦٨) رقم (٥٩٥٤)، وصحيح مسلم (٣/ ١٦٦٧) رقم (٢١٠٧).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٧٢)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٦٥).\n(٣) التمهيد ص (٥٥٩)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٦٥).","vol":"1","page":511},{"text":"وَلَهُمَا عَن ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ».\nوَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ».\n•---------------------------------•\nحديث ابن عباس عزاه المصنف للبخاري ومسلم وهو بهذا اللفظ في مسلم فقط، ولفظه: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ، بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا، نَفْسًا فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ» (١). وأما لفظ البخاري فمختلف وهو: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ الله مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا» (٢).\n«يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ»: أي تعذبه نفس الصورة بأن يجعل فيها روحًا، والباء بمعنى (في)، أو يجعل له بكل صورة شخص يعذب به (٣).\n«وَلَهُمَا عَنْهُ مَرْفُوعًا» أي: للبخاري ومسلم (٤) عن ابن عباس مرفوعًا.\n«كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» قال الكرماني: «ظاهره أنه من تكليف ما لا يطاق، وليس كذلك، وإنما القصد طول تعذيبه وإظهار عجزه عما كان تعاطاه ومبالغة في توبيخه وبيان قبح فعله» (٥).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٣/ ١٦٧٠) رقم (٢١١٠).\n(٢) صحيح البخاري (٣/ ٨٢) رقم (٢٢٢٥).\n(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٧٣).\n(٤) أخرجه البخاري (٧/ ١٦٩) رقم (٥٩٦٣)، ومسلم (٣/ ١٦٧١) رقم (٢١١٠).\n(٥) فتح الباري ١٠/ ٣٩٤.","vol":"1","page":512},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الهَيَّاجِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ - ﵁ -: «أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ الله؟: أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا، وَلَا قَبْرًا مُشرفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ».\n•---------------------------------•\n«وَلِمُسْلِمٍ» في صحيحه (١).\n«طَمَسْتَهَا»: وطمسها يكون بإتلافها، أو بقطع رأسها، حتى تصبح مجرد شكل بدون رأس، لأن الصورة تتم وتتكامل بالرأس والوجه (٢).\n«مُشرفًا»: الإشراف له وجوه:\nالحالات التي يكون القبرُ فيها مشرفًا\nالأول: أن يكون مشرفًا بكبر الأعلام التي توضع عليه، وتسمى عند الناس (نصائل) أو (نصائب).\nالثاني: أن يبنى عليه، وهذا من كبائر الذنوب؛ لأن النبي - ﷺ -: «لعن المتخذين عليها المساجد والسرج» (٣).\nالثالث: أن يكون مشرفًا بالتلوين، وذلك بأن يوضع على أعلامها ألوان مزخرفة.\nالرابع: أن يرفع تراب القبر عما حوله فيكون بينًا ظاهرًا.\nفكل قبر مشرف، أي: ظاهر على غيره متميز عنه يجب أن يسوى بغيره، لئلا يؤدي ذلك إلى الغلو في القبور والشرك (٤).\n«سَوَّيْتَهُ»: أي سويته بالأرض.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٦، ٦٦٧) رقم (٩٦٩).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٦٨).\n(٣) أخرجه أبو داود ٢/ ٢٣٨ رقم (٣٢٣٦)، والترمذي ٢/ ١٣٦ رقم (٣٢٠)، والنسائي ٤/ ٩٤ رقم (٢٠٤٣)، وابن ماجه ١/ ٥٠٢ رقم (١٥٧٥) من حديث ابن عباس ﵄.\n(٤) انظر: القول المفيد ٢/ ٤٤٨، ٤٤٩.","vol":"1","page":513},{"text":"ويؤخذ من محل الشاهد في حديث على - ﵁ -، وهو قوله: «أن لا تدع صورة إلا طمستها» أنه لا يجوز اقتناء الصور، وهذا محل تفصيل، فإن<span data-type=\"title\" id=toc-237> اقتناء الصور على أقسام:</span>\nالقسم الأول: أن يقتنيها لتعظيم المصور، لكونه ذا سلطان أو جاه أو علم أو عبادة أو أبوة أو نحو ذلك، فهذا حرام بلا شك، ولا تدخل الملائكة بيتًا فيه هذه الصورة.\nالقسم الثاني: اقتناء الصور للتمتع بالنظر إليها أو التلذذ بها، فهذا حرام أيضًا، لما فيه من الفتنة المؤدية إلى سفاسف الأخلاق.\nالقسم الثالث: أن يقتنيها للذكرى حنانًا أو تلطفًا، كالذين يصورون صغار أولادهم لتذكرهم حال الكبر، فهذا أيضًا ينبغي تركه لعموم حديث: «إِنَّ الملَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» (١).\nالقسم الرابع: أن يقتني الصور لا لرغبة فيها إطلاقًا، ولكنها تأتي تبعًا لغيرها، كالتي تكون في الجوالات والمجلات والصحف، ولا يقصدها المقتني، وإنما يقصد ما في المجلات والصحف والجوالات من الأخبار والبحوث العلمية ونحو ذلك، فالظاهر أن هذا لا بأس به؛ لأن الصور فيها غير مقصودة، لكن إن أمكن التخلص منها بلا حرج ولا مشقة، فهو أولى.\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٣/ ١١٧٨ رقم (٣٠٥٢).","vol":"1","page":514},{"text":"القسم الخامس: أن يقتني الصور على وجه تكون فيه مهانة ملقاة في الزبل، أو مفترشة، أو موطوءة، فهذا لا بأس به عند جمهور العلماء، وهل يلحق بذلك لباس ما فيه صورة لأن في ذلك امتهانًا للصورة ولا سيما إن كانت الملابس داخلية؟\nالجواب: نقول: لا يلحق بذلك، بل لباس ما فيه صور محرم على الصغار والكبار، ولا يلحق بالمفروش ونحوه، لظهور الفرق بينهما، وقد صرح الفقهاء ﵏ بتحريم لباس ما فيه صورة، سواء كان قميصًا أو سراويل أو عمامة أو غيرها.\nالقسم السادس: أن يُلجأ إلى اقتنائها إلجاء، كالصور التي تكون في بطاقة إثبات الشخصية والشهادات والدراهم؛ فلا إثم فيه لعدم إمكان التحرز منه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] (١).\nو«في هذا الحديث التنبيه على العلة الثانية من علتي تحريم التصوير، وهي أنه وسيلة من وسائل الشرك، ووجه الاستدلال من هذا الحديث: أنه قرن بين الصورة والقبر المشرف في وجوب إزالتهما، وبقاء القبر» (٢).\n_________\n(١) ينظر: القول المفيد ٣/ ٢٦٦.\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٦٠).","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-238>بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الحَلِفِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان حكم كثرة الحلف بالله تعالى، وما جاء في النهي عنه، والوعيد الشديد لفاعليه، وأن كثرة الحلف نقص في الإيمان، ونقص في التوحيد (١).\nو«الحلف: هو اليمين والقسم، وهو تأكيد الشيء بذكر معظَّم بصيغة مخصوصة بأحد حروف القسم، وهي: الباء، والواو، والتاء» (٢).\nومناسبة الباب لكتاب التوحيد: تتضح من وجهين اثنين:\nالوجه الأول: بما أن أصل اليمين إنما شرعت تأكيدًا للأمر المحلوف عليه، وتعظيمًا للمحلوف به، فإنه يجب أن يُصان اسم الله، ويُصان الحلف به واليمين به إلا عند الحاجة إليها، وكثرة الحلف بالله تدل على عدم احترام اسمه، والاستهانة والاستخفاف بالحلف به، وهذا نقصٌ في التوحيد، ينافي تعظيم الله - ﷿ - الذي هو من تمام وكمال التوحيد، فالإكثار من الحلف يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف بالله (٣).\n_________\n(١) ينظر: تيسير العزيز الحميد ص (٦١٧)، وفتح المجيد ص (٤٨٨)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٨)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٧٦)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٤٥٤).\n(٣) ينظر: القول السديد ص (١٨٢)، وشرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠)، والقول المفيد (٢/ ٤٥٤)، والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٦٤)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٧٠)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤٠٤).","vol":"1","page":516},{"text":"وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].\n•---------------------------------•\nالوجه الثاني: هو أن المكثر من الحلف غالبًا ما يقع في الحنث؛ لأن الإكثار من الشيء مظنة وقوع الغلط فيه؛ ولذلك فهذا واقعٌ في الإثم لا محالة (١).\nوقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير (٢).\n«وهذا الأمر للوجوب فيجب حفظ اليمين إلا من حاجة لها، فالمؤمن يحفظها ويصونها إلا من حاجة ولمصلحة شرعية أو عند الخصومة والحاجة إليها ونحو ذلك، ولا يكثر منها لما سبق ولأنه يظن به الكذب» (٣).\n«والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس؛ فإن القولين متلازمان، فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه» (٤).\nوهل يجوز أن يحلف على ما في ظنه؟\nالجواب: نعم، ولذلك أدلة كثيرة، منها قول المجامع في نهار رمضان لرسول الله - ﷺ -: والله، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني، فقد حلف على ما يغلب على ظنه أنه لا يوجد في المدينة أفقر منه.\n_________\n(١) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٠).\n(٢) عزاه ابن كثير (٣/ ١٧٧) لابن جرير.\n(٣) شرح كتاب التوحيد ص (٢٧٠).\n(٤) تيسير العزيز الحميد ص (٦١٧).","vol":"1","page":517},{"text":"لكن إن حلفت على أمر مستقبل بناء على غلبة الظن فتبيَّن خلافه، فقيل: فيه كفارة، وقيل: ليس فيه كفارة، وهو الصحيح، كما لو حلفت على أمر ماض فليس فيه كفارة.\nمثاله: لو قلت: والله، لَيَقْدَمَن زيد غدًا. بناء على ظنك، فلم يقدم، فالصحيح أنه لا كفارة عليك، لأنك حلفت على ما في قلبك وهو حاصل، كأنك تقول: والله، إن هذا هو ظني، والمقصود هل يجوز لك أن تحلف على ما في ظنك؟\nالجواب: نعم، يجوز بدليل قصة المجامع زوجته في نهار رمضان.\nوقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ جاءت بعد أن ذكر اليمين والكفارة والحنث، فما المراد بحفظ اليمين: هل هو في الابتداء أو في الانتهاء أو الوسط؟ أي: هل المراد: لا تكثروا الحلف بالله؟ (ابتداءً) أو المراد: إذا حلفتم فلا تحنثوا؟ (في الوسط) أو المراد: إذا حلفتم فحنثتم فلا تتركوا الكفارة؟ (انتهاء).\nقاعدة في النص الذي يحتمل عدة معان\nالجواب: المراد كلها، فتشمل أحوال اليمين الثلاثة، ولهذا جاء المؤلف بها في هذا الباب؛ لأن من معنى حفظ اليمين عدم كثرة الحلف، وإليك قاعدة مهمة في هذا: وهي أن النص من القرآن أو السنة إذا كان يحتمل عدة معانٍ لا ينافي بعضها بعضًا ولا مرجح لأحدها، وجب حمله على المعاني كلها.\nوالمراد بعدم كثرة الحلف: ما كان معقودًا ومقصودًا، أما ما يجري على اللسان بلا قصد، مثل: لا والله، وبلى والله، في عرض الحديث، فلا مؤاخذة فيه، لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] (١).\n_________\n(١) انظر: القول المفيد ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥.","vol":"1","page":518},{"text":"عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ». أَخْرَجَاهُ.\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة في البخاري بلفظ: «الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» (١)، وفي مسلم، ولفظه: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ» (٢).\nوليس في الصحيحين لفظة: «لِلْكَسْبِ»، وإنما هي من زيادات ابن السَّرْح في غير الصحيحين (٣).\n«الحَلِفُ»: المراد به الحلف الكاذب؛ كما بينته رواية: «الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (٤)، وأما اليمين الصادقة؛ فليس فيها عقوبة، لكن لا يكثر منها كما سبق.\n«مَنْفَقَةٌ لِلْسِّلْعَةِ»: «أي: ترويج للسلعة، مأخوذ من النَّفَاق وهو مضي الشيء ونفاذه، والحلف على السلعة قد يكون حلفًا على ذاتها أو نوعها أو وصفها أو قيمتها» (٥).\n«مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»: «أي: متلفة له، والإتلاف يشمل الإتلاف الحسي بأن يسلط الله على ماله شيئًا يتلفه من حريق أو نهب أو مرض يلحق صاحب المال فيتلفه، والإتلاف المعنوي بأن ينزع الله البركة من ماله فلا ينتفع به لا دينا ولا دنيا» (٦).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٣/ ٦٠) رقم (٢٠٨٧).\n(٢) صحيح مسلم (٣/ ١٢٢٨) رقم (١٦٠٦).\n(٣) عند أبي داود في سننه (٣/ ٢٤٥) رقم (٣٣٣٥)، والنسائي في سننه (٧/ ٢٤٦) رقم (٤٤٦١).\n(٤) رواها أحمد في مسنده (١٢/ ١٤٠، ١٤١) رقم (٧٢٠٧)، وابن حبان في صحيحه (١١/ ٢٧١) رقم (٤٩٠٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٤٣٥) رقم (١٠٤٠٩)، وغيرهم.\n(٥) القول المفيد (٢/ ٤٥٧).\n(٦) القول المفيد (٢/ ٤٥٨).","vol":"1","page":519},{"text":"وَعَنْ سَلْمَانَ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللهَ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُ بِسَنَدٍ صَحَيحٍ.\n•---------------------------------•\nحديث سلمان أخرجه الطبراني وغيره، وإسناده صحيح (١)، كما أشار المؤلف.\n«ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»: لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات.\n«أُشيمِطٌ زَانٍ»: أشيمط تصغير أشمط وهو الشيخ الكبير، وصُغِّر تحقيرًا له؛ والزنى قبيح في الكل، ولكن في الشائب أقبح؛ لأن دواعي الشهوة منتفية عنه؛ فدل على أن الحامل له على الزنا محبته المعصية والفجور وعدم خشيته لله، بخلاف الشاب، فإن قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ولومها على المعصية فينتهي ويراجع (٢).\n«وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ»: والاستكبار قبيحٌ في الكل، ولكنه في حالة الفقير أقبح؛ لأن دواعي الاستكبار عنه منتفية؛ إذ ليس له ما يحمله على الكبر، فدل على أنه خُلُق له فعظمت العقوبة في حقه لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي (٣).\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٢٤٦) رقم (٦١١١)، والأوسط (٥/ ٣٦٨) رقم (٥٥٧٧)، والصغير (٢/ ٨٢) رقم (٨٢١)، البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٤٨٧) رقم (٤٥١١) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي، عن حفص بن غياث، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، مرفوعًا.\nوسند البيهقي: سعيد بن عمرو، عن حفص بن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان مرفوعًا.\n(٢) ينظر: فتح المجيد ص (٤٩٠)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٩).\n(٣) فتح المجيد ص (٤٩٠)، وقرة عيون الموحدين ص (٢٤٩)، وفتح الله الحميد ص (٤٦٢، ٤٦٣).","vol":"1","page":520},{"text":"«وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ»: بنصب الاسم الشريف، أي الحلف به، جعله بضاعته لملازمته له وغلبته عليه (١).\nوالحالف إن كان كاذبًا فقد جمع بين أربعة أمور محذورة:\n١. استهانته باليمين ومخالفته أمر الله بحفظ اليمين.\n٢. كذبه.\n٣. أكله المال الباطل.\n٤. أن يمينه غموس، وقد ثبت عن النبي - ﷺ -، أنه قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» (٢).\nومناسبة هذا الحديث لكتاب التوحيد: أن «هذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان موحدًا فتوحيده ضعيف وأعماله ضعيفة، بحسب ما قام بقلبه وظهر على لسانه وعمله من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها» (٣).\nوقد دل حديث الباب على «أن من جعل الله بضاعته؛ فإن الغالب أنه يكثر الحلف بالله ﷿» (٤).\n_________\n(١) فتح المجيد ص (٤٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري ٢/ ٨٥١ رقم (٢٢٨٥)، ومسلم ١/ ١٢٢ رقم (١٣٨).\n(٣) فتح المجيد ص (٤٩٠).\n(٤) ينظر: القول المفيد (٢/ ٤٦٣).","vol":"1","page":521},{"text":"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصينٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ».\n•---------------------------------•\n«وَفِي الصَّحِيحِ»: أي: الصحيحين (١).\n«خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي»: لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، فغلب الخير فيها وكثر أهله، وقلَّ الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام والإيمان، وكثر فيها العلم والعلماء.\n«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: يعني التابعين، وهم في المرتبة الثانية في الفضل بعد الصحابة؛ لأنهم تتلمذوا عليهم وأخذوا علمهم (٢).\n«فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا»: هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين - ﵁ -. والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ثلاثة (٣).\n«ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا» قال ابن حجر ﵀: «واستدل بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، وهذا محمول على الغالب والأكثرية فقد وجد فيمن بعد الصحابة من القرنين من وجدت فيه الصفات المذكورة المذمومة لكن بقلة، بخلاف مَنْ بعد القرون الثلاثة فإن ذلك كثر فيهم واشتهر» (٤).\n_________\n(١) صحيح البخاري (٥/ ٢، ٣) رقم (٣٦٥٠)، وصحيح مسلم (٤/ ١٩٦٤) رقم (٢٥٣٥).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٧٧).\n(٣) ينظر: فتح المجيد ص (٤٩١).\n(٤) فتح الباري ٧/ ٧.","vol":"1","page":522},{"text":"«يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»: (يشهدون): أي الزور (ولا يستشهدون): أي لا تُطْلَب منهم الشهادة؛ لفسقهم أو لاستخفافهم بأمرها وعدم تحريهم الصدق؛ لقلة دينهم وضعف إيمانهم (١).\nقد يقول قائل: إن هذا يعارض ما جاء في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد مرفوعًا: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها».\nوالجواب: أن للعلماء في التوفيق بينهما مسالك: فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة.\nوجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه وانفراد مسلم بإخراج حديث زيد بن خالد.\nوذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة أصحها: أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لإنسان بحق لا يعلم بها صاحبها فيأتي إليه فيخبره بها أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك، وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، وغيرهما.\n«وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ»: أي يخونون أماناتهم وعهودهم، إذا ائتمنوا على شيء من الأشياء، ولا يؤتمنون لخيانتهم الظاهرة (٢).\n«وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ»: أي لا يوفون ما وجب عليهم بالنذر (٣).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٧٩).\n(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠).","vol":"1","page":523},{"text":"وَفِيهِ: عَن ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «كَانُوا يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ».\n•---------------------------------•\n«وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»: يعني السمن المفرط بسبب التوسع في المآكل والمشارب، رغبةً في الدنيا ونيل شهواتها، والتنعم بها، وغفلةً عن الدار الآخرة والعمل لها، وليس المراد مطلق السمن الذي لا اختيار للإنسان فيه؛ فإنه لا يخلو منه زمان، ولا يذم عليه الإنسان (١).\n«وَفِيهِ ...»: يعني في الصحيح (٢).\n«ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»: هذا فيه: الجزم بما شك فيه عمران ﵁، وأن الرسول - ﷺ - ذكر ثلاثة قرون: قرن الصحابة، ثم قرن التابعين، ثم قرن أتباع التابعين (٣).\n«ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»:\nقال شيخنا ابن عثيمين: «يحتمل ذلك وجهين:\nالأول: أنه لقلة الثقة بهم لا يشهدون إلا بيمين؛ فتارة تسبق الشهادة، وتارة تسبق اليمين.\nالثاني: أنه كناية عن كون هؤلاء لا يبالون بالشهادة ولا باليمين؛ حتى تكون الشهادة واليمين في حقهم كأنهما متسابقتان.\n_________\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٠)، والقول المفيد (٢/ ٤٦٨)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).\n(٢) أخرجه البخاري (٥/ ٣) رقم (٣٦٥١)، ومسلم (٤/ ١٩٦٣) رقم (٢٥٣٣).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).","vol":"1","page":524},{"text":"والمعنيان لا يتنافيان؛ فيُحْمَل عليهما الحديث جميعًا» (١).\n«وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ»: هو إبراهيم النخعي، من التابعين ومن فقهائهم (٢).\n«يَضربُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ»: أي: يضربوننا عليها إن شهدنا زورًا، أو إذا شهدنا ولم نقم بأدائها، يضربوننا على المبادرة بالشهادة والعهد (٣).\n«وَالعَهْدِ»: أي: إذا تعاهدوا يضربونهم على الوفاء بالعهد (٤).\n«ثُمَّ يَجِيءُ»: أي يجيء من بعد القرون الثلاثة (٥).\nوالخلاصة من هذا الحديث: ذم كثرة الشهادة، وكثرة الحلف واليمين، والتساهل فيهما؛ فيكون مطابقًا للترجمة، لأن الرسول - ﷺ - ساقه مساق الذم، ومناسبته لكتاب التوحيد أن هذه الصفات تنافي كمال التوحيد وتنقصه (٦).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٤٦٩).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).\n(٤) القول المفيد (٢/ ٤٧٠).\n(٥) القول المفيد (٢/ ٤٦٩)، وإعانة المستفيد (٢/ ٢٨١).\n(٦) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (٢/ ٢٨١)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤١١).","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ الله وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: البعد والحذر من التعرض للأحوال التي يخشى منها نقض العهود والإخلال بها، بعدما يجعل للأعداء المعاهدين ذمة الله وذمة رسوله، فإنه متى وقع النقض في هذه الحال كان انتهاكًا من المسلمين لذمة الله وذمة نبيه، وتركًا لتعظيم الله، وارتكابًا لأكبر المفسدتين، كما نبه عليه - ﷺ -.\nوفي ذلك أيضًا تهوين للدين والإسلام وتزهيد للكفار به، فإن الوفاء بالعهود - خصوصًا المؤكدة بأغلظ المواثيق- من محاسن الإسلام الداعية للأعداء المنصفين إلى تفضيله واتباعه (١).\n«فالواجب على ولاة الأمور ألَّا يجعلوا للناس ذمة الله وذمة نبيه، وإنما يجعلون لهم ذمة الرئيس والملك وأصحابه. وهذا من باب تعظيم ذمة الله وذمة رسوله، وهو من باب إكمال التوحيد والإيمان، وإخفارهما نقص في التوحيد، ووسيلة إلى التلاعب» (٢).\nوقوله: (باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه): أي: باب ما جاء من تعظيمهما، والدليل على وجوب حفظهما والوفاء بهما، والتحذير من إخفارهما، والتحذير أيضًا من جعلهما للناس؛ لأن هذا وسيلة إلى إخفارهما (٣).\n_________\n(١) القول السديد شرح ص (١٨٤).\n(٢) شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٥).\n(٣) ينظر: شرح كتاب التوحيد لابن باز ص (٢٧٥)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٢).","vol":"1","page":526},{"text":"وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nوعلاقة هذا الباب بكتاب التوحيد: أن نقض العهود نقص في التوحيد، لأنه يدل على عدم احترام عهد الله، ومن لم يحترم عهد الله، فإن هذا يدل على نقص توحيده، ومن وفى بعهد الله وعَظَّم عهدَ الله فهذا يدل على كمال توحيده (١).\nومناسبة الباب للباب الذي قبله: أن الباب الذي قبله وهو (باب ما جاء في كثرة الحلف) متعلق بتعظيم الله جل وعلا حين التعامل مع الناس، و(باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه) متعلق بالتعامل مع الناس في الحالات العسرة الصعبة، وهي حال الجهاد، فنبه بذلك على أن تعظيم الرب جل وعلا يجب أن يكون في التعامل ولو في أعصب الحالات، وهي الجهاد، فإن العبد يكون موقرا لله تعالى مجلا له، معظمًا لأسمائه وصفاته، ومن ذاك أن يعظم ذمة الله وذمة نبيه (٢).\n«وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾» هذا أمر من الله ﷾ بالوفاء بالعهود، والوفاء: ضد الغدر والخيانة.\n﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: المراد به: الميثاق الذي يعقد بين الناس، وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف؛ مما يدل على تعظيم العهد؛ لأن الشيء إذا أُضِيفَ إلى الله فهذا دليل على تعظيمه، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، فالإضافة هنا تقتضي تعظيم المضاف، فهي تدل على عظم العهد، ووجوب احترامه (٣).\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨٥)، وينظر أيضًا: القول المفيد (٢/ ٤٧٧).\n(٢) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٦٩).\n(٣) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":527},{"text":"﴿إِذَا عَاهَدتُّم﴾: أي: عاهدتم طرفًا آخر من الناس، وهذا يشمل الذي بين الله وبين خلقه والعهد الذي بين المسلمين وبين الكفار، ويشمل العهد الذي بين ولي أمر المسلمين وبين الرعية، ويشمل العهد الذي بين أفراد الناس بعضهم مع بعض (١).\n﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: «نقض الشيء هو حل إحكامه، وشبه العهد بالعقدة؛ لأنه عقد بين المتعاهدين» (٢).\n﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: «توكيد الشيء بمعنى تثبيته، والتوكيد مصدر وَكَّدَ، يقال: وَكَّدَ الأمر وأَكَّدَه تأكيدًا وتوكيدًا، والواو أفصح من الهمزة» (٣).\nو«مناسبة الآية للباب: أنها تدل على وجوب الوفاء بالعهود، ومنها ما يجري بين الناس من إعطاء الذمة؛ فإنها يجب الوفاء بها؛ لأنها فردٌ من أفراد معنى الآية» (٤).\nأما علاقة الآية بالتوحيد: فقد دلت على تحريم نقض العهد؛ لأن نقض العهد دليل على عدم تعظيم الله، وذلك مناف للتوحيد قادح فيه.\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨٥).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٤٧٦).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٤٧٦).\n(٤) الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤١٣)، وأصله مأخوذ من حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٢).","vol":"1","page":528},{"text":"وَعَنْ بُرَيْدَةَ - ﵁ - قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سريَّةِ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى الله، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا. فَقَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ الله فِي سَبِيلِ الله، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله. اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا.\n•---------------------------------•\nحديث بريدة عند مسلم (١)، وبريدة هو ابن الحصيب الأسلمي، الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه.\n«كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سريَّةِ»: الجيش هو: العسكر العظيم الكثير، وأما السرية فهي القطعة من الجيش، تنطلق من الجيش وترجع إليه (٢).\n«اغْزُوا بِاسْمِ الله»: أي اشرعوا في الغزو مستعينين بالله مخلصين له (٣).\n«قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بالله»: (من) من ألفاظ العموم، وهذا العموم يشمل أهل الكفر المحاربين للمسلمين في الغزو من أهل الكتاب وغيرهم، واستثنى منهم النساء، والأطفال، والرهبان في صوامعهم، ونحوهم، فلا يقتلون.\n«وَلَا تَغُلُّوا»: الغلول: الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، وهو من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، أي معذبًا به، فهو يعذب بما غل يوم القيامة ويعزر في الدنيا، قال أهل العلم: يعزر الغال بإحراق رحله كله، إلا المصحف لحرمته، والسلاح لفائدته، وما فيه روح؛ لأنه لا يجوز تعذيبه بالنار.\n_________\n(١) صحيح مسلم (٣/ ١٣٥٧) رقم (١٧٣١).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٢٨٧).\n(٣) قرة عيون الموحدين ص (٢٥٣).","vol":"1","page":529},{"text":"وقد امتنع الرسول - ﷺ - من الصلاة على الغال كما في حديث زيد بن خالد الجهني: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ. فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ الله. فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِى دِرْهَمَيْنِ» (١).\n(وَلَا تَغْدِرُوا) الغدر: الخيانة، وهذا هو الشاهد من الحديث، وهذا إذا عاهدنا، فإنه يحرم الغدر، أما الغدر بلا عهد، فلنا ذلك؛ لأن الحرب خدعة، وقد ذكر أن علي بن أبي طالب - ﵁ - خرج إليه رجل من المشركين ليبارزه، فلما أقبل الرجل على علي صاح به علي: ما خرجت لأبارز رجلين، فالتفت المشرك يظن أنه جاء أحد من أصحابه ليساعده، فقتله علي - ﵁ -.\nوليعلم أن لنا مع المشركين في الحرب ثلاثة أحوال:\nالحال الأول: أن لا يكون بيننا وبينهم عهد، وهم محاربون، فيجب قتالهم بعد دعوتهم إلى الإسلام وإبائهم عنه وعن بذل الجزية، بشرط قدرتنا على ذلك، فإن لم نقدر على ذلك وكان في المسلمين ضعف فهم معذورون لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ٢/ ٧٥ رقم (٢٧١٠)، والنسائي (٤/ ٦٤) رقم (١٩٥٩)، وابن ماجه ٢/ ٩٥٠ رقم (٢٨٤٨) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد ابن خالد، وأبو عمرة مولى زيد بن خالد قال عنه ابن حجر: «مقبول». تقريب التهذيب ص (٦٦١).","vol":"1","page":530},{"text":"وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشركِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ (أَوْ: خِلَالٍ)، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ.\n•---------------------------------•\nالحال الثانية: أن يكون بيننا وبينهم عهد محفوظ يستقيمون فيه، فهنا يجب الوفاء لهم بعهدهم، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٨].\nالحال الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد نخاف خيانتهم فيه، فهنا يجب أن ننبذ إليهم العهد ونخبرهم أنه لا عهد بيننا، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨].\n«وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»: أي: لا تقتلوا صغيرًا؛ لأنه لا يقاتل، ولأنه ربما يسلم (١).\n«وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ»، أي: قابلته أو وجدته.\n«مِنَ المُشركِينَ» يدخل فيه كل الكفار، حتى اليهود والنصارى.\n«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ» فيه وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتلة، وهنا مسألة كبيرة وهي:\nهل الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلم أو الحرب؟\nاختلف العلماء في علاقة المسلمين بما لا عهد له من غير المسلمين على رأيين:\nالرأي الأول: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب، وبهذا قال كثير من علماء المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة (٢)، ومن أبرز أدلتهم:\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٤٨٢).\n(٢) ينظر: كشاف القناع (٣/ ٢٨، ٣٢ - ٣٦)، فتح القدير لابن الهمام (٤/ ٢٧٧ - ٢٨٢)، البدائع للكاساني (٧/ ١٠٠)، مغني المحتاج للشربيني (٤/ ٢١٩)، اللباب في شرح الكتاب للميداني (٤/ ١١٥)، معاملة غير المسلمين في الإسلام (١/ ٢٤٩).","vol":"1","page":531},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وغيرها من الآيات التي تأمر بقتال الكفار مطلقًا.\nالرأي الثاني: أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم، وبهذا قال سفيان الثوري وسحنون من المالكية، ونسب لابن عمر - ﵁ -، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.\nواستدل أصحاب هذا القول بعدد من الأدلة من أبرزها:\nقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠]، قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنَّ الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو دعوتهم إلى دين الإسلام كمرحلة أولى لا يسبقها غيرها، بل هي البوابة لتحديد نوع العلاقة؛ لأن الأمة مخاطبة بنشر دينها وعقيدتها، ودعوة أمم الكفر لدين الإسلام (١).\n_________\n(١) وقد توسعت في بحث هذه المسألة في كتابي (التعامل مع غير المسلمين في السنة) فارجع إليه إن رغبت المزيد.","vol":"1","page":532},{"text":"ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الله تَعَالَى الذِي يَجْرِي عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الغَنِيمَةِ وَالفَيْءِ شيءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ.\nفِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بالله وَقَاتِلْهُمْ.\n•---------------------------------•\n«ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ» فيه ترغيب الكفار بعد إجابتهم وإسلامهم إلى الهجرة إلى ديار المسلمين؛ لأن الإقامة بالبادية ربما كان سببًا لعدم معرفة الشريعة لقلة من فيها من أهل العلم.\n«فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُهَاجِرِينَ»: أي لهم ما لهم من الفيء والغنيمة ونحو ذلك، وعليهم ما عليهم من الجهاد وغيره (١).\n«فِإنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلهمُ الجِزْيَةَ ... إلخ» قال النووي - ﵀ -: «هذا مما يستدل به مالك والأوزاعي وموافقوهما في جواز أخذ الجزية من كل كافر عربيًّا كان أو عجميًّا كتابيًّا أو مجوسيًّا أو غيرهما.\nوقال الشافعي: لا يقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربًا كانوا أو عجمًا، ويحتج بمفهوم آية الجزية، وبحديث: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» (٢)، (٣).\n_________\n(١) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٥).\n(٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٧٨ رقم (٦١٦).\n(٣) شرح مسلم ٦/ ٢٨٢.","vol":"1","page":533},{"text":"وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِن اجْعَلْ لهمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ الله وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ.\nوَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ الله، فَلَا تُنْزِلهمْ وَلَكِنْ أَنْزِلهمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصيبُ فِيهِمْ حُكْمَ الله أَمْ لَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\nقال شيخنا ابن باز - ﵀ -: «أي: أبوا الدخول في الإسلام والهجرة فاسألهم الجزية واقبل منهم، وهذا في اليهود والنصارى والمجوس كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].\nفالسنة أطلقت من يؤخذ منهم الجزية، والقرآن قيد بأهل الكتاب، وألحقت السنة بأهل الكتاب المجوس في أخذ الجزية لا في حل الطعام والنساء وغيره» (١).\n«وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ»: الحصن كل مكان محمي محرز، لا يوصل إلى جوفه، أو لا يقدر عليه لارتفاعه (٢).\n«أَنْ تُخْفِرُوا»: بضم التاء وكسر الفاء: من أخفر الرباعي؛ أي: غَدَر، وأما خَفَر يَخفِر الثلاثي فهو بمعنى أجار، والمتعين الأول (٣).\n_________\n(١) التعليق المفيد ص (٢٧٢).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٦).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٤٨٨).","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-246>بَابُ مَا جَاءَ فِي الإِقْسَامِ عَلَى الله</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان ما جاء من الأدلة على تحريم الإقسام على الله، والمراد به الحلف على الله الذي يكون على جهة الحَجْر على الله، والتألِّي عليه، وذلك بالقطع بحصول المقسم على حصوله. وهذا يختلف عن الإقسام على الله إذا كان على جهة حسن الظن بالله تعالى، فهذا جائزٌ لا شيء فيه، ومنه حديث: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لَأَبَرَّهُ» (١) (٢).\nومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: أَنَّ الإقسام على الله إذا كان على وجه الحجر على الله، والتألِّي عليه: فهو من سوء الأدب مع الله تعالى، وسوء الظن به، والتنقص لحقه تعالى، والتحجير لفضله، وهذا كله منافٍ لكمال التوحيد، وربما ينافي أصل التوحيد (٣).\nووجه ارتباط الباب بما قبله: أنها كلها تتكلم عن تعظيم الحلف بالله تعالى، وتعظيم جناب الله تعالى في هذا الشأن.\nوالإقسام: مصدر أقسم يقسم إذا حلف.\nوالحلف له عدة أسماء، هي: يمين، وألية، وحلف، وقسم، وكلها بمعنى واحد، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، وقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، أي: يحلفون، وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: ٥٣].\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤/ ١٩)، رقم (٢٨٠٦)، ومسلم (٣/ ١٣٠٢)، (برقم: ١٦٧٥).\n(٢) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨)، والقول المفيد (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٩).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٤٩٩)، والملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤١٩ - ٤٢٠).","vol":"1","page":535},{"text":"والقسم على الله يأتي على أنواع:\nالأول: أن يقسم على ما أخبر الله به ورسوله من نفي أو إثبات، فهذا لا بأس به، وهذا دليل على يقينه بما أخبر الله به ورسوله، مثل: والله، ليُشفِّعنَّ الله نبيه في الخلق يوم القيامة، ومثل: والله، لا يغفر الله لمن أشرك به.\nالثاني: أن يقسم على ربه لقوة رجائه وحسن الظن بربه، فهذا جائز لإقرار النبي - ﷺ - ذلك في قصة الرُّبَيِّع بنت النضر عمة أنس بن مالك - ﵁ - «حينما كسرت ثنية جارية من الأنصار، فاحتكموا إلى النبي - ﷺ -، فأمر النبي - ﷺ - بالقصاص، فعرضوا عليهم الصلح، فأبوا، فقام أنس بن النضر، فقال: أتكسر ثنية الربيع؟ والله يا رسول الله لا تكسر ثنية الربيع. وهو لا يريد به رد الحكم الشرعي، فقال الرسول - ﷺ -: يا أنس! كتاب الله القصاص» (١)، يعني: السن بالسن. قال: «والله، لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع»، وغرضه بذلك أنه لقوة ما عنده من التصميم على أن لا تكسر ولو بذل كل غال ورخيص أقسم على ذلك، فلما سمع القوم ذلك، رضوا وعفوا، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره».\nالقسم الثالث: أن يكون الحامل له هو الإعجاب بالنفس، وتحجُّر فضل الله - ﷿ - وسوء الظن به تعالى، فهذا محرم، وهو وشيك أن يحبط الله عمل هذا المقسم، وهذا القسم هو الذي ساق المؤلف الحديث من أجله (٢).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٢/ ٩٦١ رقم (٢٥٥٦)، ومسلم ٣/ ١٣٠٢ رقم (١٦٧٥).\n(٢) انظر: القول المفيد ٢/ ٤٩٨، بتصرف.","vol":"1","page":536},{"text":"عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ الله - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «قَالَ رَجُلٌ: والله لَا يَغْفِرُ الله لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللهُ ﷿: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n•---------------------------------•\nحديث جندب رواه مسلم (١) كما أشار المؤلف، وجندب: بفتح الدال، ويجوز الضم. والمراد به: جندب بن عبد الله البجلي، صحابي جليل، ﵁ (٢).\n«قَالَ رَجُلٌ»: يعني: ممن كان قبلنا من الأمم (٣).\n«يَتَأَلَّى»: التألي من الألية-بتشديد الياء-، وهي: اليمين، يقال: آلى، يؤلي، إيلاء، وتألى يتألى، والاسم الألية، والاستفهام هنا استفهام استنكار (٤).\nوعلاقة الحديث بكتاب التوحيد أنه دل على تحريم الإقسام على الله على وجه الحجر على الله والإعجاب بالنفس؛ لأن في ذلك هضما لحقوق الربوبية والإلهية، وذلك مناف للتوحيد.\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ٢٠٢٣) رقم (٢٦٢١).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٣٠١).\n(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨).\n(٤) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٨٨).","vol":"1","page":537},{"text":"وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ القَائِلَ رَجُلٌ عَابِدٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.\n•---------------------------------•\nحديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد وغيرهما (١)، وإسناده حسن.\n«قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ»: يعني في الحديث الذي أشار إليه المؤلف ﵀ (٢).\n_________\n(١) أخرجه ابن المبارك في الزهد (١/ ٣١٤) رقم (٩٠٠) والمسند ص (٢٠) رقم (٣٦)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٨٤)،\nوأحمد في مسنده (١٤/ ٤٦) رقم (٨٢٩٢) من طريق أبي عامر العقدي،\nوأحمد أيضًا في مسنده (١٤/ ٣٦١) رقم (٨٧٤٩) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٧٦) رقم (٤٩٠١) من طريق علي بن ثابت،\nوابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله ص (٥٤) رقم (٤٥) من طريق غسان بن عبيد،\nوابن حبان في صحيحه (١٣/ ٢١) رقم (٥٧١٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٩/ ٦٢) رقم (٦٢٦٢) من طريق أبي الوليد الطيالسي،\nوالمزي في تهذيب الكمال (١٣/ ٣٢٦) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود،\nسبعتهم (ابن المبارك، وأبو عامر، وعبد الصمد، وعلي بن ثابت، وغسان، وأبو الوليد الطيالسي، وأبو حذيفة) عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس، عن أبي هريرة، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار»، قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.\nوكلمة (والذي نفسي بيده ... إلخ)، أوقفها ابن المبارك، وأبو داود والبغوي، والبيهقي على أبي هريرة، والبقية رفعوها إلى النبي - ﷺ -.\n(٢) القول المفيد (٢/ ٥٠٣).","vol":"1","page":538},{"text":"«تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ»: يعني قوله: والله؛ لا يغفر الله لك.\n«أَوْبَقَتْ»: أي: أهلكت.\n«دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ»: لأن من حبط عمله؛ فقد خسر الدنيا والآخرة (١).\nوفي الأثر من الفوائد:\n١. تحريم التألي على الله.\n٢. وجوب التأدب مع الله في الأقوال والأحوال.\n٣. بيان سعة فضل الله ورحمته.\n٤. قد يحبط العمل من أجل كلمة.\n٥. تحريم تحجير فضل الله ورحمته.\n٦. ذم الإعجاب بالنفس واستكثار العمل.\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٠٢).","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-249>بَابٌ لا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان النهي عن الاستشفاع بالله على خلقه، ومعنى الاستشفاع بالله على خلقه: أن يجعل الله واسطة يتوسط بها العبد على أحد من الخلق عند طلب شيء منه؛ وذلك أمرٌ محرمٌ يجعل الله في مرتبةٍ أدنى من مرتبة المشفوع إليه، وهذا تنقصٌ لحق الربوبية (١).\nوقوله: (بَابٌ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللهِ عَلَى خَلْقِهِ) أي أن ذلك حرام، وهضم للربوبية، وقدح في توحيد العبد، فالله سبحانه هو الكبير المتعال، والاستشفاع طلب الشفاعة، وهي لا تطلب إلا من العلي الأعلى جل وعلا، فلا يجوز للعبد أن يطلب من الله الشفاعة إلى أحد من خلقه.\nمعنى الشفاعة\nواستشفع بالشيء؛ أي: جعله شافعًا له، والشفاعة في الأصل: جعل الفرد شفعًا، وهي التوسط للغير بجلب منفعة له أو دفع مضرة عنه (٢).\nوعلاقة الباب بما قبله: أن الإقسام على الله على جهة التألي والاستشفاع بالله على أحدٍ من خلقه من بابٍ واحدٍ وهو سوء الأدب مع الله، وسوء الظن به، والاستنقاص لمقام الربوبية.\n\nقال السعدي: «(باب الإقسام على الله)، و(باب لا يستشفع بالله على خلقه) وهذان الأمران من سوء الأدب في حق الله، وهو مناف للتوحيد.\nأما الإقسام على الله فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله.\n_________\n(١) ينظر: فتح الله الحميد ص (٤٧٣)، وحاشية كتاب التوحيد ص (٣٩٠).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٥٠٦).","vol":"1","page":540},{"text":"عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، نُهِكَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ العِيَالُ وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ وَبِكَ عَلَى الله، فَقَالَ النَّبِيُّ؟: «سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اللهُ؟ إِنَّ شَأْنَ الله أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ» وَذَكَرَ الحَدِيثَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n•---------------------------------•\nوأما الاستشفاع بالله على خلقه فهو تعالى أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه؛ لأن رتبة المتوسل به غالبًا دون رتبة المتوسل إليه، وذلك من سوء الأدب مع الله، فيتعين تركه، فإن الشفعاء لا يشفعون عنده إلا بإذنه، وكلهم يخافونه، فكيف يعكس الأمر فيُجْعَل هو الشافع، وهو الكبير العظيم الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الكائنات بأسرها» (١).\n«عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - ﵁ - ...» الحديث عند أبي داود وغيره (٢)، وإسناده ضعيف.\n_________\n(١) القول السديد ص (١٨٧).\n(٢) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٢٤) من طريق عبد الله بن محمد،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٣٢) رقم (٤٧٢٦)، من طريق أحمد بن سعيد الرباطي،\nوالبخاري في الموضع نفسه، وأبو داود في الموضع السابق، والدارمي في الرد على الجهمية ص (٤٩)، والرد على المريسي (١/ ٤٦٨)، و(١/ ٥١٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١/ ٢٣٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨/ ٢٥١٥) من طريق محمد بن بشار،\nوالبخاري في الموضع السابق، والطبراني في الموضع السابق، والدارقطني في الموضع السابق، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٥٠٥) من طريق علي بن المديني،","vol":"1","page":541},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\nوابن أبي خيثمة في تاريخه (٢/ ٦٨٤)، والطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٢٨) رقم (١٥٤٧)، والدارقطني في الصفات ص (٣١) رقم (٣٩)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٤١)، والمزي في تهذيب الكمال (٤/ ٥٠٥) من طريق يحيى بن معين،\nوأبو داود في الموضع السابق، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٢) رقم (٥٧٥)، ومحمد بن أبي شيبة في العرش ص (٣٢٧) والطبراني في الموضع السابق، والمزي في الموضع السابق، من طريق عبد الأعلى بن حماد،\nوأبو داود في الموضع السابق، وابن أبي عاصم في السنة الموضع السابق، وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٥٤) من طريق محمد بن المثنى،\nوالبزار في مسنده (٨/ ٣٥٤) رقم (٣٤٣٢) من طريق سلمة بن شبيب، ومحمد بن علي بن الوضاح،\nوأبو عوانة في مستخرجه (٢/ ١٢٠) رقم (٢٥١٧)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٧)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣١٧) رقم (٨٨٣)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٥/ ٦٦)، والبغوي في شرح السنة (١/ ١٧٥)، والذهبي في العلو ص (٤٣) من طريق أبي الأزهر أحمد بن الأزهر،\nوالدارقطني في الصفات ص (٣١) رقم (٣٨)، والذهبي في العلو ص (٤٤) من طريق محمد ابن يزيد الواسطي،\nكلهم عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده، به، مطولًا ومختصرًا.\nإلا أن عبد الأعلى وابن المثنى، وابن بشار، قالوا: عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد بن جبير، عن أبيه، عن جده.\nوالإسناد الأول صححه أبو داود، والدارقطني في العلل (١٣/ ٤٢٤)، وقال في الصفات ص (٣١): «ومن قال فيه عن يعقوب بن عتبة، وجبير بن محمد فقد وهم، والصواب عن جبير بن محمد».\nوتابع وهب بن جرير: حفص بن عبد الرحمن، أخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١٠٩١)، من طريق سلمة بن شبيب عن حفص بن عبد الرحمن، عن محمد بن إسحاق، به.\nوالحديث ضعيف؛ لأن في إسناده محمد بن إسحاق، وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث، وقد تفرد وهو ممن لا يحتمل تفرده في هذه الحال، وفي إسناده أيضًا جبير بن محمد، وهو مقبول.","vol":"1","page":542},{"text":"«جَاءَ أَعْرَابِيٌّ»: (أعرابي): واحد الأعراب، وهم سكان البادية، والغالب على الأعراب الجفاء؛ لأنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله (١).\n«نُهِكَتِ الأَنْفُسُ»: (نُهِكَت) بضم النون أي جهدت، كما في بعض الألفاظ (٢).\nوفي رواية البخاري عن أنس: «هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَت السُّبُلُ» (٣) وفي لفظ له: «هَلَكَ الْكُرَاعُ» (٤) أي: الخيل، وله أيضًا: «هَلَكَتْ الْمَاشِيَةُ هَلَكَ الْعِيَالُ هَلَكَ النَّاسُ» (٥).\n«فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ»: أي: اطلب من الله أن يسقينا، وهذا لا بأس به؛ لأن طلب الدعاء ممن ترجى إجابته من وسائل إجابة الدعاء.\n«فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ»: أي: نجعله واسطة بيننا وبينك لتدعو الله لنا، وهذا يقتضي أنه جعل مرتبة الله في مرتبة أدنى من مرتبة الرسول - ﷺ - (٦).\n«وَبِكَ عَلَى الله»: أي: نطلب منك أن تكون شافعًا لنا عند الله، فتدعو الله لنا، وهذا صحيح (٧).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٠٦).\n(٢) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٩٠).\n(٣) أخرجه البخاري ١/ ٣٤٣ رقم (٩٦٧).\n(٤) أخرجه البخاري ١/ ٣١٥ رقم (٨٩٠).\n(٥) أخرجه البخاري ١/ ٣٤٨ رقم (٩٨٣).\n(٦) القول المفيد (٢/ ٥٠٧).\n(٧) القول المفيد (٢/ ٥٠٧).","vol":"1","page":543},{"text":"«سُبْحَانَ الله، سُبْحَانَ الله!»: يعني: تنزيهًا، وتعظيمًا لله، وإبعادًا لله عن كل وصف سوء أو شائبة نقص، وعن كل ظن سوء به - جل وعلا (١).\n«ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ!»: (ويحك): كلمة تقال للزجر (٢).\n«أَتَدْرِي مَا اللهُ؟»: هذا استنكار من النبي - ﷺ -، وفيه إشارة إلى جهل هذا الأعرابي وقلة علمه بعظمة الله وجلاله (٣).\n«إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بالله عَلَى أَحَدٍ»: أي: لا يطلب منه أن يكون شفيعا إلى أحد، وذلك لكمال عظمته وكبريائه (٤).\n\nوالخلاصة:<span data-type=\"title\" id=toc-250> تحريم الاستشفاع بالله على خلقه</span>؛ لأنه تنقص لمقام الربوبية.\n_________\n(١) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٧٩).\n(٢) قرة عيون الموحدين ص (٢٥٧).\n(٣) قرة عيون الموحدين ص (٢٥٧)، وإعانة المستفيد (٢/ ٣٠٦).\n(٤) القول المفيد (٢/ ٥٠٩).","vol":"1","page":544},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ حِمَى التَّوْحِيدِ\nوَسَدِّهِ طُرُقَ الشركِ</span>\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان مدى حماية النبي - ﷺ - لِحِمَى التوحيد عَمَّا يشوبه من الأقوال والأعمال التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وسده لذرائع الشرك المفضية إليه (١).\nومناسبة الباب للأبواب قبله:\nأنه قد سبق بابٌ مشابهٌ لهذا الباب وهو (باب ما جاء في حماية المصطفى - ﷺ - جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك)، فما الفرق بين البابين؟\nالفرق بين البابين يتضح من وجهين:\nالوجه الأول: أَنَّ الباب السابق المتقدم يتعلق بحماية التوحيد من جهة الأفعال، وهذا من جهة الأقوال (٢).\nالوجه الثاني: أَنَّ المؤلف عبَّر في الباب السالف بـ (جناب التوحيد)، وهنا بـ (حمى التوحيد) وفرقٌ بين الجناب والحمى؛ لأن الجناب بعض الشيء، والحمى حول الشيء، ففي الباب الآنف أراد المصنف بيان حماية النبي - ﷺ - للتوحيد نفسه من أن يقع فيه شركٌ.\nوهنا أراد بيان حماية النبي - ﷺ - لحمى التوحيد: أي الأشياء التي هي حول التوحيد، وذلك بعد حمايته للتوحيد (٣).\n_________\n(١) فتح المجيد ص (٥٠٤، ٥٠٥).\n(٢) ينظر: القول السديد ص (١٨٩).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٣٠٨).","vol":"1","page":545},{"text":"عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الشِّخِيرِ - ﵁ - قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - فَقُلْنَا: أَنْتَ سيدُنَا، فَقَالَ: «السيدُ الله ﵎»، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشيطَانُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.\n•---------------------------------•\nحديث عبد الله بن الشخير عند أبي داود كما قال المصنف وعند غيره (١)، وإسناده صحيح.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (٨٣) رقم (٢١١)، وأبو داود (٤/ ٢٥٤) رقم (٤٨٠٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٥٣) رقم (١٤٨٤)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٠٣) رقم (١٠٠٠٥)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٦٨) رقم (٣٣)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٧١) من طريق أبي نضرة المنذر بن مالك،\nوأحمد في مسنده (٢٦/ ٢٣٤) رقم (١٦٣٠٧)، و(٢٦/ ٢٤١) رقم (١٦٣١٦)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٥٣) رقم (١٤٨٣)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٠٢) رقم (١٠٠٠٣)، وابن قانع في معجم الصحابة (٢/ ٦٣)، وابن منده في التوحيد (٢/ ١٣٢) رقم (٢٧٧)، وقوام السنة في الحجة (١/ ١٦٨) رقم (٤٨)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ٤٦٦) رقم (٤٤٤) من طريق قتادة بن دعامة،\nوأحمد أيضًا في مسنده (٢٦/ ٢٣٧) رقم (١٦٣١١)، وابن أبي الدنيا في الصمت ص (٧٨) رقم (٧٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ١٥٣) رقم (١٤٨٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٠٢) رقم (١٠٠٠٤)، وعمل اليوم والليلة ص (٢٤٩) رقم (٢٤٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣/ ١٦٨٤)، والبيهقي في الآداب ص (١٢٨) رقم (٣١٠)، والبيهقي في المدخل إلى السنن ص (٣٣٣) رقم (٥٣٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ١٧١)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٩/ ٤٦٧) رقم (٤٤٦) من طريق غيلان بن جرير،\nثلاثتهم (أبو نضرة، وقتادة، وغيلان) عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، مرفوعًا.","vol":"1","page":546},{"text":"«السيدُ الله ﵎»: أي: السيادة الكاملة لله تعالى، وأن الخلق جميعهم عبيد له، والسيد إذا أُطْلِقَ على الله تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب، وقد سبق الكلام فيما يتعلق بذلك في قوله: (لا يقول: عبدي وأمتي).\nقوله: (تبارك) قال العلماء: معنى تبارك، أي: كثرت بركاته وخيراته، ولهذا يقولون: إن هذا الفعل لا يوصف به إلا الله، فلا يقال: تبارك فلان؛ لأن هذا الوصف خاص بالله.\nوالبركة يصح إضافتها إلى الإنسان إذا كان أهلًا لذلك، قال أسيد بن حضير حين نزلت آية التيمم بسبب عقد عائشة الذي ضاع منها: «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ» (١)، وهو دليل على جواز قول: (هذه من بركاتك)، و(لأجلك كانت البركة)، وما سوى ذلك مما هو دارج على ألسنة الناس، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن المسلم مبارك كما جاء في صحيح البخاري (٢): «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ المُسْلِمِ».\n«وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشيطَانُ»: استجراه بمعنى: جذبه وجعله يجري معه؛ أي: لا يستميلنكم الشيطان ويجذبنكم إلى أن تقولوا قولا منكرا؛ فأرشدهم - ﷺ - إلى ما ينبغي أن يفعل، ونهاهم عن الأمر الذي لا ينبغي أن يفعل؛ حماية للتوحيد من النقص أو النقض. وقال في النهاية: «لا يستجرينكم الشيطان»؛ أي: لا يستغلبنكم فيتخذكم جَرِيًّا؛ أي: رسولا ووكيلا (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري ١/ ١٢٧ رقم (٣٢٧).\n(٢) (٧/ ٨٠) رقم (٥٤٤٤) من حديث ابن عمر - ﵁ -.\n(٣) القول المفيد (٢/ ٥١٦).","vol":"1","page":547},{"text":"وهل يتعارض النهي عن قولهم: (سيدنا) مع قوله - ﷺ -: (أنا سيد ولد آدم)؟\nقال شيخنا ابن عثيمين ﵀: «جرى شُرَّاح هذا الحديث على أن النبي - ﷺ - نهاهم عن قول سيدنا، فحاولوا الجمع بين هذا الحديث وبين قوله - ﷺ -: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» (١)، وقوله: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٢)، وقوله في الرقيق: «وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» بواحد من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز.\nالثاني: أن النهي حيث يخشى منه المفسدة، وهي التدرج إلى الغلو والإباحة إذا لم يكن هناك محذور.\nالثالث: أن النهي في الخطاب، أي: أن تخاطب الغير بقولك: أنت سيدي أو سيدنا، بخلاف الغائب؛ لأن المخاطب ربما يكون في نفسه عجب وغلو وترفع، ثم إن فيه شيئًا آخر، وهو خضوع هذا المتسيد له وإذلال نفسه له بخلاف ما إذا جاء من الغير، مثل: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»، أو على سبيل الغيبة، كقول العبد: قال سيدي ونحو ذلك، لكن هذا يرد عليه إباحته - ﷺ - للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي.\nوالذي يظهر لي أن لا تعارض أصلًا؛ لأن النبي - ﷺ - أذن لهم أن يقولوا بقولهم، لكن نهاهم أن يستجريهم الشيطان بالغلو مثل (السيد)؛ لأن السيد المطلق هو الله تعالى، وعلى هذا فيجوز أن يقال: سيدنا وسيد بني فلان ونحوه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم ٤/ ١٧٨٢ رقم (٢٢٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري ٣/ ١١٠٧ رقم (٢٨٧٨)، ومسلم ٣/ ١٣٨٨ رقم (١٧٦٨).","vol":"1","page":548},{"text":"وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ الله يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسيدَنَا وَابْنَ سيدِنَا، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشيطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ﷿». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.\n•---------------------------------•\nولكن بشرط أن يكون الموجه إليه السيادة أهلًا لذلك، أما إذا لم يكن أهلًا كما لو كان فاسقًا أو زنديقًا، فلا يقال له ذلك حتى ولو فرض أنه أعلى منه مرتبة أو جاهًا، وقد جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ ﷿» (١)، فإذا كان أهلًا لذلك وليس هناك محذور، فلا بأس به، وأما إن خشي المحذور أو كان غير أهل، فلا يجوز» (٢).\n«وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ - أَنَّ نَاسًا قَالُوا ...» الحديث عند النسائي وغيره (٣)، وإسناده صحيح.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود ٢/ ٧١٣ رقم (٤٩٧٧)، وأحمد ٥/ ٣٤٦ رقم (٢٢٩٨٩) وصححه النووي في رياض الصالحين ص (٤٨٠).\n(٢) القول المفيد ٣/ ٣٥١.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده كما في (إتحاف الخيرة) (٧/ ٧٧)، وأحمد في مسنده (٢٠/ ٢٣) رقم (١٢٥٥١)، وعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٣٩٧) رقم (١٣٣٧)، والبخاري في التاريخ الأوسط (١/ ١١) من طريق حسن بن موسى،\nوأحمد أيضًا في مسنده (٢١/ ١٦٧) رقم (١٣٥٣٠)، و(٢١/ ٢١٦) رقم (١٣٥٩٦)، والبيهقي في المدخل إلى السنن ص (٣٣٢) رقم (٥٣٦) من طريق عفان بن مسلم،\nوعبد بن حميد في مسنده (المنتخب) ص (٣٩٠) رقم (١٣٠٩)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٥٢)، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٥/ ٢٥) رقم (١٦٢٦) من طريق حجاج بن منهال،\nوالنسائي في السنن الكبرى (٩/ ١٠٣) رقم (١٠٠٠٦)، وعمل اليوم والليلة ص (٢٤٩) رقم (٢٤٨) من طريق العلاء بن عبد الجبار،","vol":"1","page":549},{"text":"«وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشيطَانُ»: أي يستهِيمَنَّكم، أو يستَمِيلَنَّكم أو يذهب بعقولكم، أو يزين لكم هواكم، وتتبعوا طرقه حتى تبلغوا الغلو (١).\nو(يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ): إما أن تكون من الهُوَى: بمعنى يوقعكم في الهوى الذي يضل عن سبيل الله، أو (يستهوينكم): من الهَوِي وهو: الوقوع في الهلاك، أي: لا يوقعكم الشيطان في الضلال (٢).\n«أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ»: «أرشدهم أن يصفوه بصفتين هما أعلى مراتب العبودية، وقد وصفه الله بهما في مواضع من كتابه» (٣).\n_________\nوالنسائي في السنن الكبرى أيضًا (٩/ ١٠٣) رقم (١٠٠٠٧)، وعمل اليوم والليلة ص (٢٥٠) رقم (٢٤٩)، وابن منده في التوحيد (٢/ ١٣٣) رقم (٢٧٨) من طريق بهز بن أسد،\nوابن حبان في صحيحه (١٤/ ١٣٣) رقم (٦٢٤٠)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٨/ ١٤٧٨) رقم (٢٦٧٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤/ ٧٠) والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (٥/ ٢٦) رقم (١٦٢٩) من طريق هدبة بن خالد،\nوالبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٩٨) من طريق آدم بن أبي إياس،\nسبعتهم (حسن بن موسى، وعفان، وحجاج، والعلاء، وبهز، وهدبة، وآدم) عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، مرفوعًا.\nوقد قرن البخاري والنسائي في الموضع الأول من الكبرى وعمل اليوم والليلة بثابت حميد بن أبي حميد الطويل، واقتصر البخاري على المرفوع دون القصة.\nوأخرجه أحمد في مسنده (٢١/ ١٦٦) رقم (١٣٥٢٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥٠٢) رقم (٤٥٢٩) من طريق مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، مرفوعًا.\n(١) ينظر: حاشية كتاب التوحيد ص (٣٩٥)، والقول المفيد (٢/ ٥١٩).\n(٢) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٣١١).\n(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٩٥).","vol":"1","page":550},{"text":"وهذان الوصفان أحسن وأبلغ وصف يتصف به الرسول - ﷺ -، ولذلك وصفه الله تعالى بالعبودية في أعظم المقامات، فوصفه بها في مقام إنزال القرآن عليه، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].\nووصفه بها في مقام الإسراء، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، ووصفه بها في مقام المعراج، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ووصفه في مقام الدفاع عنه والتحدي، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].\nوكذلك بالنسبة للأنبياء، قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الأسراء: ٣]، وهذه العبودية خاصة، وهي أعلى أنواع العبودية الخاصة.\n«وقد تطرف في الرسول - ﷺ - طائفتان:\n- طائفة غلت فيه حتى عبدته، وأعدته للسراء والضراء، وصارت تعبده وتدعوه من دون الله، وهم غلاة الرافضة، والمتصوفة.\n- وطائفة كذبته، وزعمت أنه كذاب، ساحر، شاعر، مجنون، كاهن، ونحو ذلك، وهم المشركون، والمنافقون.\nوفي قوله: (عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ) رد على الطائفتين» (١).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٢١).","vol":"1","page":551},{"text":"«مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللهُ ﷿»: هذا بيان الحكمة في منعه - ﷺ -؛ أنه خشي عليهم في مدحهم له أن يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله وهي العبودية والرسالة، لئلا يعتقدوا فيه جانب الربوبية، كما حصل للنصارى في حق عيسى -﵊- (١).\nقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: «والمقصود من هذا سد الذرائع التي يأتي بها الناس الآن من الغلو؛ فقد يجرهم إلى أن يعبدوه من دون الله ويدعوه ويستغيثوا به ويزعموا أنه يعلم الغيب وغير ذلك» (٢).\nوالخلاصة: «أنه - ﷺ - نهى أن يُمدح بغير ما وصفه الله به؛ صيانةً للتوحيد، وسدًّا لباب الغلو المُفضي إلى الشرك» (٣).\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٣١١).\n(٢) التعليق المفيد ص (٢٨٠).\n(٣) ينظر: الملخص في شرح كتاب التوحيد ص (٤٢٦، ٤٢٧).","vol":"1","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الله تَعَالَى:\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ </span>وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية.\n•---------------------------------•\nمقصود الترجمة: بيان أن الناس مِن ظلمهم وجهلهم ما قدروا الله حق قدره الذي هو أهله ويستحقه، بل إنهم فعلوا به تعالى نقيض ما هو لازم عليهم، عقلًا، ونقلًا، وأصلًا، وفرعًا (١).\nوقد «ختم المصنف - ﵀ - تعالى كتابه بهذه الترجمة، وذكر النصوص الدالة على عظمة الرب العظيم وكبريائه، ومجده وجلاله وخضوع المخلوقات بأسرها لعزه؛ لأن هذه النعوت العظيمة والأوصاف الكاملة أكبر الأدلة والبراهين على أنه المعبود وحده، المحمود وحده، الذي يجب أن يذل له غاية الذل والتعظيم وغاية الحب والتأله، وأنه الحق وما سواه باطل، وهذه حقيقة التوحيد ولبه وروحه، وسر الإخلاص» (٢).\nو«من علم حقيقة ما اشتمل عليه هذا الباب من وصف الله جل وعلا وعظمة الله جل وعلا فإنه لا يملك إلا أن يذل ذلًّا حقيقيًا، ويخضع خضوعًا عظيمًا للرب ﷻ» (٣).\nومناسبة الباب للأبواب قبله: أن «هذا الباب ختم به المؤلف ﵀ أبواب (كتاب التوحيد)، لأنه يشتمل على الأسماء والصفات، لأن (كتاب التوحيد) كله يدور على توحيد الألوهية، ومكملاته ومنقصاته ومناقضاته.\n_________\n(١) فتح الله الحميد ص (٤٨٧).\n(٢) القول السديد ص (١٩٤).\n(٣) التمهيد لشرح كتاب التوحيد ص (٥٨٤، ٥٨٩).","vol":"1","page":553},{"text":"وفي هذا الباب ذكر الأسماء والصفات من أجل أن يتكامل هذا الكتاب فيحتوي على جميع أنواع التوحيد، لأن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، ومن جملة توحيد الربوبية: الإيمان بالأسماء والصفات، ولكن فصلت الأسماء والصفات بقسم خاص لوجود المخالفين فيها؛ من فرق الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن أخذ بمذهبهم ...؛ ولذلك عقد المصنف ﵀ هذا الباب في آخر (كتاب التوحيد) من أجل تكامل الكلام على التوحيد» (١).\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِي﴾: الضمير يعود على المشركين، و(قدروا): عظموا؛ أي: ما عظموا الله حق تعظيمه حيث أشركوا به ما كان من مخلوقاته (٢).\nوقد جاءت أحاديث كثيرة فيها بيان عظمة الجبار سبحانه منها:\n- عن عبيد الله بن مقْسَمٍ، أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو على المنبر يقول: «يَأْخُذُ الجَبَّارُ سَمَوَاتِه وأرْضَهُ بِيَدَيْه» وقبض رسول الله - ﷺ - يديه، وجعل يقبضهما ويبسطهما، قال: ثمَّ يَقُولُ: «أنا الرَّحْمَنُ أنا المَلِك، أيْنَ الجَبَّارُونَ، أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ» وتمايل رسول الله - ﷺ - عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر يتحرَّك من أسفل شيء منه، حتى إني\n_________\n(١) إعانة المستفيد (٢/ ٣١٥).\n(٢) القول المفيد (٢/ ٥٢٣)، وينظر: تفسير ابن كثير (٧/ ١١٣).","vol":"1","page":554},{"text":"عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - ...\n•---------------------------------•\nلأقول: أساقط هو برسول الله - ﷺ - (١).\n- وعن أبي هريرة أنه كان يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «يَقْبِضُ الله ﷿ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ وَيَطْوِي السموات بيَمينهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أنا المَلِكُ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟» (٢).\nوهذا يشمل كل من تنقص الله تعالى فإنه ما قدره حق قدره، فيدخل في ذلك الجاحدون المعطلون الذين ينفون وجود الله تعالى.\n«﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾»: أي: عن كل شرك يشركونه به، سواء جعلوا الخالق كالمخلوق أو العكس (٣).\nحديث ابن مسعود أخرجه البخاري ومسلم (٤) كما أشار المؤلف.\n«جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ»: والحبر: -بفتح الحاء وكسرها- واحد أحبار اليهود، هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه، وسمي حبرًا لما يبقى من أثر علومه في قلوب الناس، وآثار أفعاله الحسنة المقتدى بها (٥).\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٢٤٩).\n(٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٠/ ٢٤٩).\n(٣) ينظر: إعانة المستفيد (٢/ ٣١٦)، القول المفيد (٢/ ٥٢٤).\n(٤) صحيح البخاري (٦/ ١٢٦) رقم (٤٨١١)، ومسلم (٤/ ٢١٤٧) رقم (٢٧٨٦).\n(٥) حاشية كتاب التوحيد ص (٣٩٧).","vol":"1","page":555},{"text":"فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ِإنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَواتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَنَا اللهُ».\n•---------------------------------•\nقوله: (إصبع) واحدة الأصابع، وهي مثلثة الأول والثالث، ففيها تسع لغات، والعاشر أصبوع، وفي هذا يقول الناظم:\nوهمز أنملة ثلث وثالثه ... التسع في إصبع واختم بأصبوع\nقوله: (فيقول: أنا الملك) فملك الله تعالى متضمن لكمال السلطان والتدبير والملك، بخلاف غيره، فإن من ملوك الدنيا من يكون ملكًا لا يملك التصرف، ومنهم المالك وليس بملك.\nقوله: (حتى بدت نواجذه) أي: ظهرت، ونواجذ: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس.\nوهذا الضحك من النبي - ﷺ - تقرير لقول الحبر، ولهذا قال ابن مسعود: «تصديقًا لقول الحبر».\nومن فوائد الحديث: إثبات الأصابع لله ﷿ لإقراره - ﷺ - هذا الحبر على ما قال. والإصبع إصبع حقيقي يليق بالله - ﷿ -، من غير تشبيه أو تمثيل، وغير تأويل أو تعطيل.","vol":"1","page":556},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَع، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ». أَخْرَجَاهُ\nوَلِمُسْلِمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - مَرْفُوعًا: «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، .............................\n•---------------------------------•\nوقوله: (على إصبع) فيه إثبات صفة الأصابع لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، من غير تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.\nقوله: «وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ ...» (١): فيه زيادة على الحديث الأصل: وهي زيادة وضع الجبال مع الشجر.\n«يَهُزُّهُنَّ»: يحركهن ﷾.\n«وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى ...» (٢): فيه مخالفة لحديث الباب الأصل، الذي فيه: «وَالمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ»، بينما هنا: الماء والثرى على إصبعٍ واحدٍ.\nوالجواب: يُقال: المراد بالماء والثرى: الأرض، والمراد بالإصبع هنا الجنس، أو يقال: إن الماء والثرى على إصبع، وسكت عن الباقي الذي في الحديث السابق.\n«ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ»: يقول ذلك ثناء على نفسه سبحانه، وتنبيها على عظمته الكاملة وعلى ملكه الكامل، وهو السلطان، فهو مالك ذو سلطان ... أي: أنا الذي لي الملكية المطلقة والسلطان التام لا ينازعني فيهما أحد (٣).\n_________\n(١) صحيح مسلم (٤/ ٢١٤٧) رقم (٢٧٨٦).\n(٢) صحيح البخاري (٦/ ١٢٦) رقم (٤٨١١).\n(٣) القول المفيد (٢/ ٥٣٣).","vol":"1","page":557},{"text":"أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضينَ السَبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟».\n•---------------------------------•\n«أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟»: الاستفهام للتحدي، فيقول: أين الملوك الذين كانوا في الدنيا لهم السلطة والتجبر والتكبر على عباد الله؟ (١).\n«ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضينَ السَبْعَ»: قال النووي ﵀: «قال القاضي: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ: يقبض، ويطوي، ويأخذ، كله بمعنى الجمع؛ لأن السموات مبسوطة، والأرضين مدحوة وممدودة» (٢).\nوقد أشار الله في القرآن إلى أن الأرضين سبع، ولم يرد العدد صريحا في القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، والمماثلة هنا لا تصح إلا في العدد، لأن الكيفية تتعذر المماثلة فيها، وأما السنة، فقد صرحت في عدة أحاديث بأنها سبع (٣).\n«ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ»: أجمع العلماء على إثبات اليدين لله تعالى، ولكنهم اختلفوا في إثبات الشمال له سبحانه: فمنهم مَن قال: ليس لله يد شمال، بل كلتا يديه يمين، واستدل بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ﷿، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» (٤)، وحكم على رواية الباب بالشذوذ، وعضد ذلك بأن الشمال في المخلوق أضعف من اليمين، ويد الله تتنزه عن النقص.\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٣٣).\n(٢) شرح مسلم ٩/ ١٤٦.\n(٣) القول المفيد (٢/ ٥٣٣).\n(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٣/ ١٤٥٨) رقم (٥٣٧٩).","vol":"1","page":558},{"text":"وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ: «مَا السَّمَواتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ».\n•---------------------------------•\nوقال آخرون من أهل التحقيق: بل لله تعالى يدٌ شمالٌ، وقد صح الحديث بذلك فيجب المصير إليه، ولا ينبغي تضعيف رواية الثقات الأثبات، وجمعوا بين حديث الشمال ورواية: «وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ» بأن اليد اليمنى والشمال لله تعالى على درجة واحدة من القوة ولا ضعف في الشمال كما هو عند المخلوقين تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وهذا هو الأقرب والله أعلم (١).\n«أَيْنَ الجَبَّارُونَ؟»: الجبارون: جمع جبار، وهو المتعالي على الناس بالقهر والغلبة والظلم والبطش بغير حق. أما الجبار من أسمائه سبحانه، فمعناه: المتعالي بحق.\n«أَيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟»: جمع متكبر، والمتكبر من الخلق هو: المتعالي، الذي يتعالى على الناس بالظلم والبطش، وكذلك يتعالى على الحق فلا يقبله. والمتكبر من أسماء الله الحسنى الكاملة يدل على العظمة والجلال والتنزه عن النقائص (٢).\n«وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ ...» الأثر عند عبد الله بن أحمد في السنة (٣)، وهو موقوف على ابن عباس، وإسناده ضعيف (٤).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٣٤).\n(٢) إعانة المستفيد (٢/ ٣٢٣).\n(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة (٢/ ٤٧٦) رقم (١٠٩٠) عن أبيه،\nوالطبري في تفسيره (٢٠/ ٢٤٦) عن محمد بن بشار،\nكلاهما (أحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار) عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، موقوفًا عليه.\n(٤) لأن في إسناده عمرو بن مالك، وهو صدوق له أوهام، قال ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٨٧): «يغرب ويخطئ».","vol":"1","page":559},{"text":"وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسي إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ».\n•---------------------------------•\n«إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ»: هي حبة نبات صغيرة جدًّا، يضرب بها المثل في الصغر والقلة، وهذا يدل على عظمته سبحانه، وأنه سبحانه لا يحيط به شيء، والأمر أعظم من هذا التمثيل التقريبي، لأنه تعالى لا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفهام (١).\n«وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ ...» الحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٢)، وإسناده ضعيف جدًّا (٣).\n«سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ»: (تُرْس) -بضم التاء- القاع المستدير المتسع الأطلس (٤)، أو شيء من جلد أو خشب أو فولاذ يحمل عند القتال يتقى به السيف والرمح ونحوهما (٥).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٣٥).\n(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٩) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه، مرفوعًا.\nوأخرجه أبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٨٧) من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم، عن أبيه، مرفوعًا.\n(٣) لأن فيه علتين:\nالعلة الأولى: مدار الحديث على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف جدًّا.\nالعلة الثانية: الإرسال، فزيد بن أسلم من التابعين، وكان معروفًا بالإرسال.\n(٤) ذكره عبد الرحمن بن قاسم في حاشية كتاب التوحيد ص (٤٠٠).\n(٥) ذكره ابن عثيمين في القول المفيد (٢/ ٥٣٦).","vol":"1","page":560},{"text":"قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ - ﵁ -: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَا الكُرْسي فِي العَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ».\nوَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ: «بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ،\n•---------------------------------•\n«قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ - ﵁ -» حديث أبي ذر رواه ابن جرير في تفسيره (١)، وإسناده ضعيف جدًّا (٢).\n«بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ»: الفلاة الصحراء الواسعة، أو المفازة لا ماء فيها، أو القفر (٣).\n«وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ﵁ - قَالَ ...» الأثر موقوف على ابن مسعود، وقد رواه عدد من الأئمة (٤)، وإسناده حسن، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي.\n_________\n(١) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٩) من طريق عبد الله بن وهب،\nوأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٨٧) من طريق أصبغ بن الفرج،\nكلاهما عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبي ذر، مرفوعًا.\n(٢) لأن فيه علتين:\nالأولى: الانقطاع فعبد الرحمن بن زيد من أتباع التابعين ولم يسمع أبا ذر.\nالثانية: عبد الرحمن هذا ضعيف.\n(٣) حاشية كتاب التوحيد ص (٤٠٠).\n(٤) أخرجه الدارمي الرد على الجهمية ص (٥٥) رقم (٨١)، والرد على المريسي (١/ ٤٢٢)، و(١/ ٤٧١)، و(١/ ٥١٩) عن موسى بن إسماعيل،\nوابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٢) من طريق يزيد بن هارون،\nوابن خزيمة أيضًا في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٤)، وابن أبي زمنين في أصول السنة ص (١٠٤) من طريق أسد بن موسى،\nوالطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٢) رقم (٨٩٨٦)، و(٨٩٨٧) من طريق هدبة بن خالد،","vol":"1","page":561},{"text":"وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالكُرْسي خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسي وَالمَاءِ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ،\n•---------------------------------•\n«واللهُ فَوْقَ العَرْشِ»: فيه إثبات علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه. وعلو الله ينقسم إلى قسمين:\nأ) علو الصفة، وهذا لا ينكره أحد ينتسب للإسلام، والمراد به كمال صفات الله، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].\n_________\nوأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٦/ ٤٠٦) رقم (٢٨٣٠)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢/ ٦٨٨) من طريق حجاج بن منهال،\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٩٠) رقم (٨٥١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،\nستتهم (موسى، ويزيد، وأسد، وهدبة، وحجاج، وابن مهدي) عن حماد بن سلمة،\nوابن خزيمة في كتاب التوحيد (٢/ ٨٨٥)، وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢/ ٥٦٥)، و(٣/ ١٠٤٧)، وابن بطة في الإبانة (٧/ ١٧١)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٩١) رقم (٨٥٢) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي،\nواللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٨) وابن قدامة في إثبات صفة العلو ص (١٥١، ١٥٢) رقم (٦٠) من طريق الحسن بن أبي جعفر،\nثلاثتهم (حماد بن سلمة، والمسعودي، والحسن بن أبي جعفر) عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا عليه.\nوقرن أبو الشيخ في الموضع الأخير بزر بن حبيش أبا وائل، ورواية الطبراني في الموضع الأول مختصرة.\nوأخرجه الخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (٢/ ١٨) من طريق أبي عمر حفص بن سليمان، عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود.\nوأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٣)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٢) رقم (٨٩٨٦) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن وائل ابن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود، قال: «بين كل سماء مسيرة خمسمائة عام».\nوالحديث حسن؛ لأن مداره على عاصم بن بهدلة، وهو صدوق له أوهام.","vol":"1","page":562},{"text":"لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ الله.\nوَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِيُّ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ الله. قَالَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قَالَ: وَلَهُ طُرُقٌ.\n•---------------------------------•\nب) علو الذات، وهذا أنكره بعض المنتسبين للإسلام، فيقولون: كل العلو الوارد المضاف إلى الله المراد به علو الصفة، فيقولون في قوله - ﷺ -: «وَالله فَوْق الْعَرْش»، أي: في القوة والسيطرة والسلطان، وليس فوقه بذاته.\nولا شك أن هذا تحريف في النصوص وتعطيل في الصفات.\nوالذين أنكروا علو الله بذاته انقسموا إلى قسمين:\nأ) من قال: إن الله بذاته في كل مكان، وهذا لا شك ضلال مقتض للكفر.\nب) من قال: إنه لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل عن الخلق، وهذا إنكار محض لوجود الله والعياذ بالله، ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل لنا: صفوا العدم، ما وجدنا أبلغ من هذا الوصف.\nففروا من شيء دلت عليه النصوص والعقول والفطر إلى شيء تنكره النصوص والعقول والفطر.\n«لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ» «يشمل أعمال القلوب وأعمال الجوارح المرئي منها والمسموع، وذلك لعموم علمه وسعته، وإنما أتى بذلك بعد ذكر علوه ليبين أن علوه لا يمنع علمه بأعمالنا، وهو إشارة واضحة إلى علو ذاته ﵎» (١).\n_________\n(١) القول المفيد (٢/ ٥٤٠).","vol":"1","page":563},{"text":"وَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله؟: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالعَرْشِ بَحْرٌ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، واللهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شيءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.\n•---------------------------------•\nحديث العباس عند أبي داود وغيره (١).\n_________\n(١) أخرجه إبراهيم بن طهمان في مشيخته ص (٧٠) رقم (١٨) ومن طريقه أبو داود في سننه (٤/ ٢٣٢) رقم (٤٧٢٥)، والآجري في الشريعة (٣/ ١٠٨٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣١٦) رقم (٨٨٢)، والجورقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ٢٠٩)،\nوأحمد في مسنده (٣/ ٢٩٢) رقم (١٧٧٠)، ومحمد بن أبي شيبة في العرش ص (٣٢٥، ٣٢٦)، وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٧٦) رقم (٦٧١٣)، وابن عدي في الكامل (٩/ ٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١٦) رقم (٣١٣٧)، و(٢/ ٤١٠) رقم (٣٤٢٨)، و(٢/ ٤٤٧) رقم (٣٥٤٧)، و(٢/ ٥٤٣) رقم (٣٨٤٩)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٨)، والذهبي في العلو ص (٥٨) من طريق شعيب بن خالد،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٣١) رقم (٤٧٢٣)، وابن ماجه في سننه (١/ ٦٩) رقم (١٩٣)، والدارمي في الرد على الجهمية ص (٥٠)، والرد على المريسي (١/ ٤٧٣)، وابن أبي الدنيا في المطر والرعد والبرق ص (٥٠) رقم (٢)، والبزار في مسنده (٤/ ١٣٥) رقم (١٣١٠)، ومحمد بن أبي شيبة في العرش ص (٣١٩)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٨٤) من طريق الوليد بن أبي ثور،\nوأبو داود في سننه (٤/ ٢٣١) رقم (٤٧٢٤)، والترمذي في جامعه (٥/ ٤٢٥) رقم (٣٣٢٠)، والفاكهي في أخبار مكة (٣/ ٧٧) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥٣) رقم (٥٧٧)، والبزار في مسنده (٤/ ١٣٤) رقم (١٣٠٩)، والروياني في مسنده (٢/ ٣٤٨) رقم (١٣٢٩) وابن خزيمة","vol":"1","page":564},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nوإسناده ضعيف جدًّا (١).\n_________\nفي كتاب التوحيد (١/ ٢٣٤)، وابن منده في التوحيد (١/ ١١٤)، و(١/ ١٦٣)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (٣/ ٤٣٢) من طريق عمرو بن أبي قيس،\nوأبو نعيم في تاريخ أصبهان (١/ ٤٢٦) من طريق عمرو بن ثابت،\nخمستهم (ابن طهمان، وشعيب بن خالد، والوليد، وعمرو بن أبي قيس، وعمرو بن ثابت) عن سماك ابن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، مرفوعًا.\nوسقط الأحنف بن قيس في طريق شعيب بن خالد إلا عند الحاكم في الموضع الأخير (٢/ ٥٤٣) رقم (٣٨٤٩) فقد أُثبت فيه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٣) رقم (٣٨٤٨) من طريق شريك بن عبد الله عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، موقوفًا عليه.\nوأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢/ ٥٦٩) من طريق يزيد أبي خالد الدالاني، عن سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن الأحنف بن قيس، عن النبي - ﷺ -.\n(١) لأن فيه عللًا كثيرة:\nالعلة الأولى: أن مداره على سماك بن حرب، وهو صدوق، وقد تفرد به، واختلف عليه في سنده، كما في التخريج.\nالعلة الثانية: الاختلاف في رفعه ووقفه كما سبق بيانه.\nالعلة الثالثة: أنَّ الذين رووا عن سماك لم يكونوا ممن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان.\nالعلة الرابعة: جهالة عبد الله بن عميرة، وعدم سماعه الأحنف، قال الذهبي في ديوان الضعفاء ص (٢٢٤): «مجهول»، وقال في المغني (١/ ٣٥٠): «لا يعرف»، وقال البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ١٥٩): «لا نعلم له سماعًا من الأحنف».","vol":"1","page":565},{"text":"وخلاصة دلالات الأحاديث السابقة:\n١. أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام.\n٢. أن ما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام.\n٣. أن كِثَف (غِلَظ) كل سماء خمسمائة عام.\n٤. أن بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام.\n٥. أن بين الكرسي والماء خمسمائة عام.\n٦. أن البحر الذي فوق السموات بين أسلفه وأعلاه خمسمائة عام.\n٧. أن العرش فوق الماء.\n٨. أن الله تعالى فوق العرش، وأنه تعالى مطلع على عباده، يعلم ما هم عاملون ولا يخفى عليه شيء من ذلك.\n٩. وقال الشيخ ابن باز - ﵀ -: «فيه الدلالة على ارتفاع هذه المخلوقات وسعة ما بينها من المسافات العظيمة، وربك الخلاق جلَّ وعلا فهو أعظم منها وأكبر ﷾» (١).\n_________\n(١) التعليق المفيد ص (٢٨٥).","vol":"1","page":566},{"text":"والله ﷾ أعلم.\nوَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالِمَينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سيدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.\n•---------------------------------•\nوإلى هنا انتهى شرح كتاب التوحيد، شرحته شرحًا موجزًا مقتضبًا؛ لأن ذلك أجدر في سُلم التأصيل العلمي الممنهج، الذي ينتظم أمهات المسائل وأصولها، ويدع الحواشي وفروعها، سائلًا واهب النعم، عظيم العطاء؛ أن ينفع بهذا الشرح قائله وقارئه وسامعه، وكاتبه، وأن يهبنا من لدنه علمًا وفقهًا، وأن يورثنا جنات النعيم.\n\nوصلى الله وسلم على النبي الأمي الكريم","vol":"1","page":567}]}