{"ً":{"ٌ":145209,"ٍ":"الشرك في القديم والحديث","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: الشرك في القديم والحديث\nالمؤلف: أبو بكر محمد زكريا\nأصل هذا الكتاب: رسالة علمية نال بها الباحث درجة الماجستير بتقدير ممتاز من شعبة العقيدة بالجامعة الإسلامية، بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي\nالناشر: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1532,"ٕ":1,"ٖ":1770155680,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"الشكر والتقدير","level":2,"page":13},{"title":"التمهيد","level":1,"page":16},{"title":"المسألة الأولى معنى التوحيد وأنواعه","level":2,"page":17},{"title":"المسألة الثانية معنى الشرك وأنواعه","level":2,"page":111},{"title":"المسألة الثالثة هل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك؟","level":2,"page":179},{"title":"الباب الأول في شرك الأمم السابقة","level":1,"page":199},{"title":"الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه","level":2,"page":201},{"title":"القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل","level":3,"page":201},{"title":"القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل","level":3,"page":202},{"title":"القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل","level":3,"page":203},{"title":"القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح","level":3,"page":203},{"title":"الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة","level":2,"page":231},{"title":"المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح","level":3,"page":233},{"title":"المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود","level":3,"page":239},{"title":"المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح ﵇","level":3,"page":244},{"title":"المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇","level":3,"page":249},{"title":"المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط ﵇","level":3,"page":263},{"title":"المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇","level":3,"page":273},{"title":"المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇","level":3,"page":279},{"title":"المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى ﵇ وبيان شركهم بالله","level":3,"page":288},{"title":"المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى ﵇","level":3,"page":301},{"title":"المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس","level":3,"page":344},{"title":"المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇","level":3,"page":349},{"title":"الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها","level":2,"page":369},{"title":"المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية؟","level":3,"page":370},{"title":"المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة","level":3,"page":382},{"title":"الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك.","level":1,"page":387},{"title":"الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية","level":2,"page":397},{"title":"الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه.","level":2,"page":400},{"title":"المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية","level":3,"page":401},{"title":"المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله","level":4,"page":401},{"title":"المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية","level":4,"page":423},{"title":"المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم","level":4,"page":547},{"title":"المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم","level":4,"page":548},{"title":"أولا: البساطة والسذاجة","level":5,"page":548},{"title":"ثانيا: وهن العقيدة","level":5,"page":551},{"title":"ثالثا: تعصبهم لمعبوداتهم","level":5,"page":554},{"title":"رابعا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات","level":5,"page":555},{"title":"المبحث الثاني أسباب الشرك قديما","level":3,"page":557},{"title":"الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة","level":1,"page":569},{"title":"الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه","level":2,"page":571},{"title":"المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه","level":3,"page":577},{"title":"المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه","level":3,"page":583},{"title":"الفصل الثاني سده ﷺ جميع أبواب الشرك","level":2,"page":587},{"title":"المبحث الأول سده جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله","level":3,"page":588},{"title":"المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل","level":4,"page":588},{"title":"المطلب الثاني: سده ﷺ لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها","level":4,"page":592},{"title":"المبحث الثاني في سده ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته","level":3,"page":595},{"title":"المبحث الثالث سده الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك - خصوصا إلى الشرك الأصغر - وصدور التحذير منه ﷺ","level":3,"page":601},{"title":"المطلب الأول: تحذير النبي ﷺ من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان","level":4,"page":601},{"title":"المطلب الثاني: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي","level":4,"page":605},{"title":"المطلب الثالث: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي","level":4,"page":606},{"title":"المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردها","level":3,"page":609},{"title":"الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه","level":2,"page":627},{"title":"المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة؟","level":3,"page":628},{"title":"المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك","level":3,"page":652},{"title":"المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية","level":3,"page":658},{"title":"الباب الرابع مظاهر الشرك في العصر الحديث","level":1,"page":661},{"title":"الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية","level":2,"page":662},{"title":"المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل","level":3,"page":663},{"title":"المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة","level":4,"page":668},{"title":"المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له","level":4,"page":768},{"title":"المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد","level":4,"page":816},{"title":"المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد","level":3,"page":864},{"title":"المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات","level":4,"page":864},{"title":"المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه","level":5,"page":866},{"title":"المطلب الثاني: الشرك بالله جل وعلا في الربوبية في صفته العلم المحيط ومظاهره في العصر الحديث","level":5,"page":926},{"title":"المطلب الثالث: الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع المطلقين بإثباتهما لغيره سبحانه","level":5,"page":968},{"title":"أما الجانب الثاني: ففي الشرك في الربوبية بالأنداد إثبات صفة المخلوق للخالق سبحانه.","level":4,"page":1028},{"title":"المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى القاديانية","level":5,"page":1028},{"title":"المطلب الثاني: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى المتصوفة والمتكلمين","level":5,"page":1031},{"title":"المطلب الثالث: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوقات لله جل شأنه لدى الحداثيين","level":5,"page":1032},{"title":"الفصل الثاني مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته","level":2,"page":1036},{"title":"المبحث الأول: في بيان مظاهر الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بأعمال القلوب","level":3,"page":1037},{"title":"المطلب الأول: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالمحبة","level":4,"page":1037},{"title":"المطلب الثاني: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالخوف","level":4,"page":1061},{"title":"المطلب الثالث: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالرجاء","level":4,"page":1068},{"title":"المطلب الرابع: الشرك بالله في عبادته بالتوكل","level":4,"page":1076},{"title":"المطلب الخامس: الشرك بالله في عبادته بالطاعة","level":4,"page":1082},{"title":"المطلب السادس: الشرك بالنية والإرادة والقصد","level":4,"page":1096},{"title":"المبحث الثاني: في بيان مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)","level":3,"page":1101},{"title":"المطلب الأول: في بيان شرك التقرب والنسك بالركوع والسجود والقيام وغيرها لغير الله","level":4,"page":1101},{"title":"المطلب الثاني: في بيان شرك التقرب والنسك بالذبح والنذر لغير الله","level":4,"page":1113},{"title":"المبحث الثالث مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأقوال القلبية (شرك الدعوة)","level":3,"page":1125},{"title":"المبحث الرابع أهم شبهات القبوريين وردها","level":3,"page":1143},{"title":"الفصل الثالث وجوب الإخلاص والحذر من الشرك","level":2,"page":1252},{"title":"المبحث الأول في معنى الإخلاص لغة وشرعا","level":3,"page":1253},{"title":"المبحث الثاني وجوب الإخلاص في الدين","level":3,"page":1257},{"title":"المبحث الثالث موانع الإخلاص والحذر من الشرك","level":3,"page":1271},{"title":"الباب الخامس المقارنة بين شرك القديم والحديث","level":1,"page":1287},{"title":"الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه","level":2,"page":1289},{"title":"الفصل الثاني مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب","level":2,"page":1300},{"title":"الباب السادس في بيان بطلان الشرك بأوضح الأدلة","level":1,"page":1309},{"title":"الفصل الأول تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك","level":2,"page":1311},{"title":"المبحث الأول في بيان تقرير الله ﷿ في القرآن الأدلة الكونية على قبح الشرك","level":3,"page":1312},{"title":"المطلب الأول: في بيان اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية الدالين على قبح الشرك","level":4,"page":1313},{"title":"المطلب الثاني: في بيان آية السموات والأرض الدالة على قبح الشرك بالله","level":4,"page":1318},{"title":"المطلب الثالث: آية الشمس والقمر والليل والنهار الدالة على قبح الشرك","level":4,"page":1321},{"title":"المطلب الرابع: آية الرياح والمطر والنبات الدالة على قبح الشرك","level":4,"page":1324},{"title":"المبحث الثاني تقرير القرآن قبح الشرك بضرب الأمثال","level":3,"page":1327},{"title":"المطلب الأول: الأمثال المضروبة لله وحده ولما يعبد من دونه","level":4,"page":1330},{"title":"المطلب الثاني: المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك","level":4,"page":1333},{"title":"المطلب الثالث: مثل للحق والباطل","level":4,"page":1334},{"title":"المطلب الرابع: أمثلة عجز آلهة المشركين","level":4,"page":1336},{"title":"المطلب الخامس: الأمثال المضروبة لوصف حال المشرك وحالة الموحد","level":4,"page":1340},{"title":"المطلب السادس: مثل قلب الموحد وقلب المشرك","level":4,"page":1344},{"title":"المطلب السابع: أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك","level":4,"page":1347},{"title":"المطلب الثامن: مثلان لبيان فساد أعمال المشركين وهما يدلان على قبح الشرك وبطلانه","level":4,"page":1351},{"title":"المبحث الثالث تقرير الله ﷿ قبح الشرك وبطلانه ببعض القصص القرآني","level":3,"page":1358},{"title":"الفصل الثاني تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه","level":2,"page":1362},{"title":"الفصل الثالث تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك وبطلانه","level":2,"page":1369},{"title":"المبحث الأول في بيان معنى الفطرة والعقل","level":3,"page":1370},{"title":"المطلب الأول: في بيان معنى الفطرة","level":4,"page":1370},{"title":"المطلب الثاني: في معنى العقل","level":4,"page":1373},{"title":"المبحث الثاني في إثبات كون الشرك مخالفا للفطرة والعقل","level":3,"page":1375},{"title":"المطلب الأول: في إثبات كون الشرك مخالفا للفطرة","level":4,"page":1375},{"title":"المطلب الثاني: في أن الشرك مخالف للعقل","level":4,"page":1379},{"title":"المبحث الثالث الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه","level":3,"page":1385},{"title":"المطلب الأول: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالله الدالة على قبح الشرك بالله ﷿ وبطلانه","level":4,"page":1385},{"title":"المطلب الثاني: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك بالله ﷿، وبطلانه","level":4,"page":1394},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":1404},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":1414}],"ٛ":{"1,1":1,"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,202":199,"1,204":200,"1,205":201,"1,206":202,"1,207":203,"1,208":204,"1,209":205,"1,210":206,"1,211":207,"1,212":208,"1,213":209,"1,214":210,"1,215":211,"1,216":212,"1,217":213,"1,218":214,"1,219":215,"1,220":216,"1,221":217,"1,222":218,"1,223":219,"1,224":220,"1,225":221,"1,226":222,"1,227":223,"1,228":224,"1,229":225,"1,230":226,"1,231":227,"1,232":228,"1,233":229,"1,235":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,395":387,"1,397":388,"1,399":389,"1,400":390,"1,401":391,"1,402":392,"1,403":393,"1,404":394,"1,405":395,"1,407":396,"1,409":397,"1,410":398,"1,411":399,"1,413":400,"1,415":401,"1,416":402,"1,417":403,"1,418":404,"1,419":405,"1,420":406,"1,421":407,"1,422":408,"1,423":409,"1,424":410,"1,425":411,"1,426":412,"1,427":413,"1,428":414,"1,429":415,"1,430":416,"1,431":417,"1,432":418,"1,433":419,"1,434":420,"1,435":421,"1,436":422,"1,437":423,"1,438":424,"1,439":425,"1,440":426,"1,441":427,"1,442":428,"1,443":429,"1,444":430,"1,445":431,"1,446":432,"1,447":433,"1,448":434,"1,449":435,"1,450":436,"1,451":437,"1,452":438,"1,453":439,"1,454":440,"1,455":441,"1,456":442,"1,457":443,"1,458":444,"1,459":445,"1,460":446,"1,461":447,"1,462":448,"1,463":449,"1,464":450,"1,465":451,"1,466":452,"1,467":453,"1,468":454,"1,469":455,"1,470":456,"1,471":457,"1,472":458,"1,473":459,"1,474":460,"1,475":461,"1,476":462,"1,477":463,"1,478":464,"1,479":465,"1,480":466,"1,481":467,"1,482":468,"1,483":469,"1,484":470,"1,485":471,"1,486":472,"1,487":473,"1,488":474,"1,489":475,"1,490":476,"1,491":477,"1,492":478,"1,493":479,"1,494":480,"1,495":481,"1,496":482,"1,497":483,"1,498":484,"1,499":485,"1,500":486,"1,501":487,"1,502":488,"1,503":489,"1,504":490,"1,505":491,"1,506":492,"1,507":493,"1,508":494,"1,509":495,"1,510":496,"1,511":497,"1,512":498,"1,513":499,"1,514":500,"1,515":501,"1,516":502,"1,517":503,"1,518":504,"1,519":505,"1,520":506,"1,521":507,"1,522":508,"1,523":509,"1,524":510,"1,525":511,"1,526":512,"1,527":513,"1,528":514,"1,529":515,"1,530":516,"1,531":517,"1,532":518,"1,533":519,"1,534":520,"1,535":521,"1,536":522,"1,537":523,"1,538":524,"1,539":525,"1,540":526,"1,541":527,"1,542":528,"1,543":529,"1,544":530,"1,545":531,"1,546":532,"1,547":533,"1,548":534,"1,549":535,"1,550":536,"1,551":537,"1,552":538,"1,553":539,"1,554":540,"1,555":541,"1,556":542,"1,557":543,"1,558":544,"1,559":545,"1,560":546,"1,561":547,"1,562":548,"1,563":549,"1,564":550,"1,565":551,"1,566":552,"1,567":553,"1,568":554,"1,569":555,"1,570":556,"1,571":557,"1,572":558,"1,573":559,"1,574":560,"1,575":561,"1,576":562,"1,577":563,"1,578":564,"1,579":565,"1,580":566,"1,581":567,"1,582":568,"1,584":569,"1,586":570,"1,587":571,"1,588":572,"1,589":573,"1,590":574,"1,591":575,"1,592":576,"1,593":577,"1,594":578,"1,595":579,"1,596":580,"1,597":581,"1,598":582,"1,599":583,"1,600":584,"1,601":585,"1,602":586,"1,604":587,"1,605":588,"1,606":589,"1,607":590,"1,608":591,"1,609":592,"1,610":593,"1,611":594,"1,612":595,"1,613":596,"1,614":597,"1,615":598,"1,616":599,"1,617":600,"1,618":601,"1,619":602,"1,620":603,"1,621":604,"1,622":605,"1,623":606,"1,624":607,"1,625":608,"1,626":609,"1,627":610,"1,628":611,"1,629":612,"1,630":613,"1,631":614,"1,632":615,"1,633":616,"1,634":617,"1,635":618,"1,636":619,"1,637":620,"1,638":621,"1,639":622,"1,640":623,"1,641":624,"1,642":625,"1,643":626,"1,645":627,"1,647":628,"1,648":629,"1,649":630,"1,650":631,"1,651":632,"1,652":633,"1,653":634,"1,654":635,"1,655":636,"1,656":637,"1,657":638,"1,658":639,"1,659":640,"1,660":641,"1,661":642,"1,662":643,"1,663":644,"1,664":645,"1,665":646,"1,666":647,"1,667":648,"1,668":649,"1,669":650,"1,670":651,"1,671":652,"1,672":653,"1,673":654,"1,674":655,"1,675":656,"1,676":657,"1,677":658,"1,678":659,"1,679":660,"1,681":661,"1,683":662,"1,685":663,"1,686":664,"1,687":665,"1,688":666,"1,689":667,"1,690":668,"1,691":669,"1,692":670,"1,693":671,"1,694":672,"1,695":673,"1,696":674,"1,697":675,"1,698":676,"1,699":677,"1,700":678,"1,701":679,"1,702":680,"1,703":681,"1,704":682,"1,705":683,"1,706":684,"1,707":685,"1,708":686,"1,709":687,"1,710":688,"1,711":689,"1,712":690,"1,713":691,"1,714":692,"1,715":693,"1,716":694,"1,717":695,"1,718":696,"1,719":697,"1,720":698,"1,721":699,"1,722":700,"1,723":701,"1,724":702,"1,725":703,"1,726":704,"1,727":705,"1,728":706,"1,729":707,"1,730":708,"1,731":709,"1,732":710,"1,733":711,"1,734":712,"1,735":713,"1,736":714,"1,737":715,"1,738":716,"1,739":717,"1,740":718,"1,741":719,"1,742":720,"1,743":721,"1,744":722,"1,745":723,"1,746":724,"1,747":725,"1,748":726,"1,749":727,"1,750":728,"1,751":729,"1,752":730,"1,753":731,"1,754":732,"1,755":733,"1,756":734,"1,757":735,"1,758":736,"1,759":737,"1,760":738,"1,761":739,"1,762":740,"1,763":741,"1,764":742,"1,765":743,"1,766":744,"1,767":745,"1,768":746,"1,769":747,"1,770":748,"1,771":749,"1,772":750,"1,773":751,"1,774":752,"1,775":753,"1,776":754,"1,777":755,"1,778":756,"1,779":757,"1,780":758,"1,781":759,"1,782":760,"1,783":761,"1,784":762,"1,785":763,"1,786":764,"1,787":765,"1,788":766,"1,789":767,"1,790":768,"1,791":769,"1,792":770,"1,793":771,"1,794":772,"1,795":773,"1,796":774,"1,797":775,"1,798":776,"1,799":777,"1,800":778,"1,801":779,"1,802":780,"1,803":781,"1,804":782,"1,805":783,"1,806":784,"1,807":785,"1,808":786,"1,809":787,"1,810":788,"1,811":789,"1,812":790,"1,813":791,"1,814":792,"1,815":793,"1,816":794,"1,817":795,"1,818":796,"1,819":797,"1,820":798,"1,821":799,"1,822":800,"1,823":801,"1,824":802,"1,825":803,"1,826":804,"1,827":805,"1,828":806,"1,829":807,"1,830":808,"1,831":809,"1,832":810,"1,833":811,"1,834":812,"1,835":813,"1,836":814,"1,837":815,"1,838":816,"1,839":817,"1,840":818,"1,841":819,"1,842":820,"1,843":821,"1,844":822,"1,845":823,"1,846":824,"1,847":825,"1,848":826,"1,849":827,"1,850":828,"1,851":829,"1,852":830,"1,853":831,"1,854":832,"1,855":833,"1,856":834,"1,857":835,"1,858":836,"1,859":837,"1,860":838,"1,861":839,"1,862":840,"1,863":841,"1,864":842,"1,865":843,"1,866":844,"1,867":845,"1,868":846,"1,869":847,"1,870":848,"1,871":849,"1,872":850,"1,873":851,"1,874":852,"1,875":853,"1,876":854,"1,877":855,"1,878":856,"1,879":857,"1,880":858,"1,881":859,"1,882":860,"1,883":861,"1,884":862,"1,885":863,"1,886":864,"1,887":865,"1,888":866,"1,889":867,"1,890":868,"2,891":869,"2,892":870,"2,893":871,"2,894":872,"2,895":873,"2,896":874,"2,897":875,"2,898":876,"2,899":877,"2,900":878,"2,901":879,"2,902":880,"2,903":881,"2,904":882,"2,905":883,"2,906":884,"2,907":885,"2,908":886,"2,909":887,"2,910":888,"2,911":889,"2,912":890,"2,913":891,"2,914":892,"2,915":893,"2,916":894,"2,917":895,"2,918":896,"2,919":897,"2,920":898,"2,921":899,"2,922":900,"2,923":901,"2,924":902,"2,925":903,"2,926":904,"2,927":905,"2,928":906,"2,929":907,"2,930":908,"2,931":909,"2,932":910,"2,933":911,"2,934":912,"2,935":913,"2,936":914,"2,937":915,"2,938":916,"2,939":917,"2,940":918,"2,941":919,"2,942":920,"2,943":921,"2,944":922,"2,945":923,"2,946":924,"2,947":925,"2,948":926,"2,949":927,"2,950":928,"2,951":929,"2,952":930,"2,953":931,"2,954":932,"2,955":933,"2,956":934,"2,957":935,"2,958":936,"2,959":937,"2,960":938,"2,961":939,"2,962":940,"2,963":941,"2,964":942,"2,965":943,"2,966":944,"2,967":945,"2,968":946,"2,969":947,"2,970":948,"2,971":949,"2,972":950,"2,973":951,"2,974":952,"2,975":953,"2,976":954,"2,977":955,"2,978":956,"2,979":957,"2,980":958,"2,981":959,"2,982":960,"2,983":961,"2,984":962,"2,985":963,"2,986":964,"2,987":965,"2,988":966,"2,989":967,"2,990":968,"2,991":969,"2,992":970,"2,993":971,"2,994":972,"2,995":973,"2,996":974,"2,997":975,"2,998":976,"2,999":977,"2,1000":978,"2,1001":979,"2,1002":980,"2,1003":981,"2,1004":982,"2,1005":983,"2,1006":984,"2,1007":985,"2,1008":986,"2,1009":987,"2,1010":988,"2,1011":989,"2,1012":990,"2,1013":991,"2,1014":992,"2,1015":993,"2,1016":994,"2,1017":995,"2,1018":996,"2,1019":997,"2,1020":998,"2,1021":999,"2,1022":1000,"2,1023":1001,"2,1024":1002,"2,1025":1003,"2,1026":1004,"2,1027":1005,"2,1028":1006,"2,1029":1007,"2,1030":1008,"2,1031":1009,"2,1032":1010,"2,1033":1011,"2,1034":1012,"2,1035":1013,"2,1036":1014,"2,1037":1015,"2,1038":1016,"2,1039":1017,"2,1040":1018,"2,1041":1019,"2,1042":1020,"2,1043":1021,"2,1044":1022,"2,1045":1023,"2,1046":1024,"2,1047":1025,"2,1048":1026,"2,1049":1027,"2,1050":1028,"2,1051":1029,"2,1052":1030,"2,1053":1031,"2,1054":1032,"2,1055":1033,"2,1056":1034,"2,1058":1035,"2,1059":1036,"2,1060":1037,"2,1061":1038,"2,1062":1039,"2,1063":1040,"2,1064":1041,"2,1065":1042,"2,1066":1043,"2,1067":1044,"2,1068":1045,"2,1069":1046,"2,1070":1047,"2,1071":1048,"2,1072":1049,"2,1073":1050,"2,1074":1051,"2,1075":1052,"2,1076":1053,"2,1077":1054,"2,1078":1055,"2,1079":1056,"2,1080":1057,"2,1081":1058,"2,1082":1059,"2,1083":1060,"2,1084":1061,"2,1085":1062,"2,1086":1063,"2,1087":1064,"2,1088":1065,"2,1089":1066,"2,1090":1067,"2,1091":1068,"2,1092":1069,"2,1093":1070,"2,1094":1071,"2,1095":1072,"2,1096":1073,"2,1097":1074,"2,1098":1075,"2,1099":1076,"2,1100":1077,"2,1101":1078,"2,1102":1079,"2,1103":1080,"2,1104":1081,"2,1105":1082,"2,1106":1083,"2,1107":1084,"2,1108":1085,"2,1109":1086,"2,1110":1087,"2,1111":1088,"2,1112":1089,"2,1113":1090,"2,1114":1091,"2,1115":1092,"2,1116":1093,"2,1117":1094,"2,1118":1095,"2,1119":1096,"2,1120":1097,"2,1121":1098,"2,1122":1099,"2,1123":1100,"2,1124":1101,"2,1125":1102,"2,1126":1103,"2,1127":1104,"2,1128":1105,"2,1129":1106,"2,1130":1107,"2,1131":1108,"2,1132":1109,"2,1133":1110,"2,1134":1111,"2,1135":1112,"2,1136":1113,"2,1137":1114,"2,1138":1115,"2,1139":1116,"2,1140":1117,"2,1141":1118,"2,1142":1119,"2,1143":1120,"2,1144":1121,"2,1145":1122,"2,1146":1123,"2,1147":1124,"2,1148":1125,"2,1149":1126,"2,1150":1127,"2,1151":1128,"2,1152":1129,"2,1153":1130,"2,1154":1131,"2,1155":1132,"2,1156":1133,"2,1157":1134,"2,1158":1135,"2,1159":1136,"2,1160":1137,"2,1161":1138,"2,1162":1139,"2,1163":1140,"2,1164":1141,"2,1165":1142,"2,1166":1143,"2,1167":1144,"2,1168":1145,"2,1169":1146,"2,1170":1147,"2,1171":1148,"2,1172":1149,"2,1173":1150,"2,1174":1151,"2,1175":1152,"2,1176":1153,"2,1177":1154,"2,1178":1155,"2,1179":1156,"2,1180":1157,"2,1181":1158,"2,1182":1159,"2,1183":1160,"2,1184":1161,"2,1185":1162,"2,1186":1163,"2,1187":1164,"2,1188":1165,"2,1189":1166,"2,1190":1167,"2,1191":1168,"2,1192":1169,"2,1193":1170,"2,1194":1171,"2,1195":1172,"2,1196":1173,"2,1197":1174,"2,1198":1175,"2,1199":1176,"2,1200":1177,"2,1201":1178,"2,1202":1179,"2,1203":1180,"2,1204":1181,"2,1205":1182,"2,1206":1183,"2,1207":1184,"2,1208":1185,"2,1209":1186,"2,1210":1187,"2,1211":1188,"2,1212":1189,"2,1213":1190,"2,1214":1191,"2,1215":1192,"2,1216":1193,"2,1217":1194,"2,1218":1195,"2,1219":1196,"2,1220":1197,"2,1221":1198,"2,1222":1199,"2,1223":1200,"2,1224":1201,"2,1225":1202,"2,1226":1203,"2,1227":1204,"2,1228":1205,"2,1229":1206,"2,1230":1207,"2,1231":1208,"2,1232":1209,"2,1233":1210,"2,1234":1211,"2,1235":1212,"2,1236":1213,"2,1237":1214,"2,1238":1215,"2,1239":1216,"2,1240":1217,"2,1241":1218,"2,1242":1219,"2,1243":1220,"2,1244":1221,"2,1245":1222,"2,1246":1223,"2,1247":1224,"2,1248":1225,"2,1249":1226,"2,1250":1227,"2,1251":1228,"2,1252":1229,"2,1253":1230,"2,1254":1231,"2,1255":1232,"2,1256":1233,"2,1257":1234,"2,1258":1235,"2,1259":1236,"2,1260":1237,"2,1261":1238,"2,1262":1239,"2,1263":1240,"2,1264":1241,"2,1265":1242,"2,1266":1243,"2,1267":1244,"2,1268":1245,"2,1269":1246,"2,1270":1247,"2,1271":1248,"2,1272":1249,"2,1273":1250,"2,1274":1251,"2,1275":1252,"2,1277":1253,"2,1278":1254,"2,1279":1255,"2,1280":1256,"2,1281":1257,"2,1282":1258,"2,1283":1259,"2,1284":1260,"2,1285":1261,"2,1286":1262,"2,1287":1263,"2,1288":1264,"2,1289":1265,"2,1290":1266,"2,1291":1267,"2,1292":1268,"2,1293":1269,"2,1294":1270,"2,1295":1271,"2,1296":1272,"2,1297":1273,"2,1298":1274,"2,1299":1275,"2,1300":1276,"2,1301":1277,"2,1302":1278,"2,1303":1279,"2,1304":1280,"2,1305":1281,"2,1306":1282,"2,1307":1283,"2,1308":1284,"2,1309":1285,"2,1310":1286,"2,1312":1287,"2,1314":1288,"2,1315":1289,"2,1316":1290,"2,1317":1291,"2,1318":1292,"2,1319":1293,"2,1320":1294,"2,1321":1295,"2,1322":1296,"2,1323":1297,"2,1324":1298,"2,1326":1299,"2,1327":1300,"2,1328":1301,"2,1329":1302,"2,1330":1303,"2,1331":1304,"2,1332":1305,"2,1333":1306,"2,1334":1307,"2,1335":1308,"2,1337":1309,"2,1339":1310,"2,1341":1311,"2,1342":1312,"2,1343":1313,"2,1344":1314,"2,1345":1315,"2,1346":1316,"2,1347":1317,"2,1348":1318,"2,1349":1319,"2,1350":1320,"2,1351":1321,"2,1352":1322,"2,1353":1323,"2,1354":1324,"2,1355":1325,"2,1356":1326,"2,1357":1327,"2,1358":1328,"2,1359":1329,"2,1360":1330,"2,1361":1331,"2,1362":1332,"2,1363":1333,"2,1364":1334,"2,1365":1335,"2,1366":1336,"2,1367":1337,"2,1368":1338,"2,1369":1339,"2,1370":1340,"2,1371":1341,"2,1372":1342,"2,1373":1343,"2,1374":1344,"2,1375":1345,"2,1376":1346,"2,1377":1347,"2,1378":1348,"2,1379":1349,"2,1380":1350,"2,1381":1351,"2,1382":1352,"2,1383":1353,"2,1384":1354,"2,1385":1355,"2,1386":1356,"2,1387":1357,"2,1388":1358,"2,1389":1359,"2,1390":1360,"2,1392":1361,"2,1393":1362,"2,1394":1363,"2,1395":1364,"2,1396":1365,"2,1397":1366,"2,1398":1367,"2,1399":1368,"2,1401":1369,"2,1403":1370,"2,1404":1371,"2,1405":1372,"2,1406":1373,"2,1407":1374,"2,1408":1375,"2,1409":1376,"2,1410":1377,"2,1411":1378,"2,1412":1379,"2,1413":1380,"2,1414":1381,"2,1415":1382,"2,1416":1383,"2,1417":1384,"2,1418":1385,"2,1419":1386,"2,1420":1387,"2,1421":1388,"2,1422":1389,"2,1423":1390,"2,1424":1391,"2,1425":1392,"2,1426":1393,"2,1427":1394,"2,1428":1395,"2,1429":1396,"2,1430":1397,"2,1431":1398,"2,1432":1399,"2,1433":1400,"2,1434":1401,"2,1435":1402,"2,1437":1403,"2,1439":1404,"2,1440":1405,"2,1441":1406,"2,1442":1407,"2,1443":1408,"2,1444":1409,"2,1445":1410,"2,1446":1411,"2,1447":1412,"2,1448":1413,"2,1586":1414,"2,1587":1415,"2,1588":1416,"2,1589":1417,"2,1590":1418,"2,1591":1419,"2,1592":1420,"2,1593":1421,"2,1594":1422,"2,1595":1423,"2,1596":1424,"2,1597":1425,"2,1598":1426,"2,1599":1427,"2,1600":1428,"2,1601":1429,"2,1602":1430,"2,1603":1431,"2,1604":1432,"2,1605":1433,"2,1606":1434,"2,1607":1435,"2,1608":1436,"2,1609":1437,"2,1610":1438,"2,1611":1439,"2,1612":1440,"2,1613":1441,"2,1614":1442,"2,1615":1443,"2,1616":1444,"2,1617":1445,"2,1618":1446,"2,1619":1447,"2,1620":1448,"2,1621":1449,"2,1622":1450,"2,1623":1451,"2,1624":1452,"2,1625":1453,"2,1626":1454,"2,1627":1455,"2,1628":1456,"2,1629":1457,"2,1630":1458,"2,1631":1459,"2,1632":1460,"2,1633":1461,"2,1634":1462,"2,1635":1463,"2,1636":1464,"2,1637":1465,"2,1638":1466,"2,1639":1467,"2,1640":1468,"2,1641":1469,"2,1642":1470,"2,1643":1471,"2,1644":1472,"2,1645":1473,"2,1646":1474,"2,1647":1475,"2,1648":1476,"2,1649":1477,"2,1650":1478,"2,1651":1479,"2,1652":1480,"2,1653":1481,"2,1654":1482,"2,1655":1483,"2,1656":1484,"2,1657":1485,"2,1658":1486,"2,1659":1487,"2,1660":1488,"2,1661":1489},"ٜ":{"1":[1,890],"2":[891,1661]},"ٝ":["1,1","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,202","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,235","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,395","1,397","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,407","1,409","1,410","1,411","1,413","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,584","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,645","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,681","1,683","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,747","1,748","1,749","1,750","1,751","1,752","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763","1,764","1,765","1,766","1,767","1,768","1,769","1,770","1,771","1,772","1,773","1,774","1,775","1,776","1,777","1,778","1,779","1,780","1,781","1,782","1,783","1,784","1,785","1,786","1,787","1,788","1,789","1,790","1,791","1,792","1,793","1,794","1,795","1,796","1,797","1,798","1,799","1,800","1,801","1,802","1,803","1,804","1,805","1,806","1,807","1,808","1,809","1,810","1,811","1,812","1,813","1,814","1,815","1,816","1,817","1,818","1,819","1,820","1,821","1,822","1,823","1,824","1,825","1,826","1,827","1,828","1,829","1,830","1,831","1,832","1,833","1,834","1,835","1,836","1,837","1,838","1,839","1,840","1,841","1,842","1,843","1,844","1,845","1,846","1,847","1,848","1,849","1,850","1,851","1,852","1,853","1,854","1,855","1,856","1,857","1,858","1,859","1,860","1,861","1,862","1,863","1,864","1,865","1,866","1,867","1,868","1,869","1,870","1,871","1,872","1,873","1,874","1,875","1,876","1,877","1,878","1,879","1,880","1,881","1,882","1,883","1,884","1,885","1,886","1,887","1,888","1,889","1,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","2,1132","2,1133","2,1134","2,1135","2,1136","2,1137","2,1138","2,1139","2,1140","2,1141","2,1142","2,1143","2,1144","2,1145","2,1146","2,1147","2,1148","2,1149","2,1150","2,1151","2,1152","2,1153","2,1154","2,1155","2,1156","2,1157","2,1158","2,1159","2,1160","2,1161","2,1162","2,1163","2,1164","2,1165","2,1166","2,1167","2,1168","2,1169","2,1170","2,1171","2,1172","2,1173","2,1174","2,1175","2,1176","2,1177","2,1178","2,1179","2,1180","2,1181","2,1182","2,1183","2,1184","2,1185","2,1186","2,1187","2,1188","2,1189","2,1190","2,1191","2,1192","2,1193","2,1194","2,1195","2,1196","2,1197","2,1198","2,1199","2,1200","2,1201","2,1202","2,1203","2,1204","2,1205","2,1206","2,1207","2,1208","2,1209","2,1210","2,1211","2,1212","2,1213","2,1214","2,1215","2,1216","2,1217","2,1218","2,1219","2,1220","2,1221","2,1222","2,1223","2,1224","2,1225","2,1226","2,1227","2,1228","2,1229","2,1230","2,1231","2,1232","2,1233","2,1234","2,1235","2,1236","2,1237","2,1238","2,1239","2,1240","2,1241","2,1242","2,1243","2,1244","2,1245","2,1246","2,1247","2,1248","2,1249","2,1250","2,1251","2,1252","2,1253","2,1254","2,1255","2,1256","2,1257","2,1258","2,1259","2,1260","2,1261","2,1262","2,1263","2,1264","2,1265","2,1266","2,1267","2,1268","2,1269","2,1270","2,1271","2,1272","2,1273","2,1274","2,1275","2,1277","2,1278","2,1279","2,1280","2,1281","2,1282","2,1283","2,1284","2,1285","2,1286","2,1287","2,1288","2,1289","2,1290","2,1291","2,1292","2,1293","2,1294","2,1295","2,1296","2,1297","2,1298","2,1299","2,1300","2,1301","2,1302","2,1303","2,1304","2,1305","2,1306","2,1307","2,1308","2,1309","2,1310","2,1312","2,1314","2,1315","2,1316","2,1317","2,1318","2,1319","2,1320","2,1321","2,1322","2,1323","2,1324","2,1326","2,1327","2,1328","2,1329","2,1330","2,1331","2,1332","2,1333","2,1334","2,1335","2,1337","2,1339","2,1341","2,1342","2,1343","2,1344","2,1345","2,1346","2,1347","2,1348","2,1349","2,1350","2,1351","2,1352","2,1353","2,1354","2,1355","2,1356","2,1357","2,1358","2,1359","2,1360","2,1361","2,1362","2,1363","2,1364","2,1365","2,1366","2,1367","2,1368","2,1369","2,1370","2,1371","2,1372","2,1373","2,1374","2,1375","2,1376","2,1377","2,1378","2,1379","2,1380","2,1381","2,1382","2,1383","2,1384","2,1385","2,1386","2,1387","2,1388","2,1389","2,1390","2,1392","2,1393","2,1394","2,1395","2,1396","2,1397","2,1398","2,1399","2,1401","2,1403","2,1404","2,1405","2,1406","2,1407","2,1408","2,1409","2,1410","2,1411","2,1412","2,1413","2,1414","2,1415","2,1416","2,1417","2,1418","2,1419","2,1420","2,1421","2,1422","2,1423","2,1424","2,1425","2,1426","2,1427","2,1428","2,1429","2,1430","2,1431","2,1432","2,1433","2,1434","2,1435","2,1437","2,1439","2,1440","2,1441","2,1442","2,1443","2,1444","2,1445","2,1446","2,1447","2,1448","2,1586","2,1587","2,1588","2,1589","2,1590","2,1591","2,1592","2,1593","2,1594","2,1595","2,1596","2,1597","2,1598","2,1599","2,1600","2,1601","2,1602","2,1603","2,1604","2,1605","2,1606","2,1607","2,1608","2,1609","2,1610","2,1611","2,1612","2,1613","2,1614","2,1615","2,1616","2,1617","2,1618","2,1619","2,1620","2,1621","2,1622","2,1623","2,1624","2,1625","2,1626","2,1627","2,1628","2,1629","2,1630","2,1631","2,1632","2,1633","2,1634","2,1635","2,1636","2,1637","2,1638","2,1639","2,1640","2,1641","2,1642","2,1643","2,1644","2,1645","2,1646","2,1647","2,1648","2,1649","2,1650","2,1651","2,1652","2,1653","2,1654","2,1655","2,1656","2,1657","2,1658","2,1659","2,1660","2,1661"],"ٞ":{"4":[1],"13":[2],"16":[3],"17":[4],"111":[5],"179":[6],"199":[7],"201":[8,9],"202":[10],"203":[11,12],"231":[13],"233":[14],"239":[15],"244":[16],"249":[17],"263":[18],"273":[19],"279":[20],"288":[21],"301":[22],"344":[23],"349":[24],"369":[25],"370":[26],"382":[27],"387":[28],"397":[29],"400":[30],"401":[31,32],"423":[33],"547":[34],"548":[35,36],"551":[37],"554":[38],"555":[39],"557":[40],"569":[41],"571":[42],"577":[43],"583":[44],"587":[45],"588":[46,47],"592":[48],"595":[49],"601":[50,51],"605":[52],"606":[53],"609":[54],"627":[55],"628":[56],"652":[57],"658":[58],"661":[59],"662":[60],"663":[61],"668":[62],"768":[63],"816":[64],"864":[65,66],"866":[67],"926":[68],"968":[69],"1028":[70,71],"1031":[72],"1032":[73],"1036":[74],"1037":[75,76],"1061":[77],"1068":[78],"1076":[79],"1082":[80],"1096":[81],"1101":[82,83],"1113":[84],"1125":[85],"1143":[86],"1252":[87],"1253":[88],"1257":[89],"1271":[90],"1287":[91],"1289":[92],"1300":[93],"1309":[94],"1311":[95],"1312":[96],"1313":[97],"1318":[98],"1321":[99],"1324":[100],"1327":[101],"1330":[102],"1333":[103],"1334":[104],"1336":[105],"1340":[106],"1344":[107],"1347":[108],"1351":[109],"1358":[110],"1362":[111],"1369":[112],"1370":[113,114],"1373":[115],"1375":[116,117],"1379":[118],"1385":[119,120],"1394":[121],"1404":[122],"1414":[123]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الشرك في القديم والحديث\n\nتأليف\nأبو بكر محمد زكريا\n\nالجزء الأول\n\nمكتبة الرشد الرياض","vol":"1","page":1},{"text":"جميع الحقوق محفوظة\nالطبعة الأولى\n١٤٣١ هـ - ٢٠٠٠ م\n\nمكتبة الرشد للنشر والتوزيع","vol":"1","page":3},{"text":"أصل هذا الكتاب\nرسالة علمية نال بها الباحث درجة \"الماجستير\" بتقدير ممتاز من شعبة العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بتاريخ ١١/ ١١/ ١٤١٨ هـ\nتحت إشراف فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أحمد بن عطية الغامدي","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).\nأما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد:","vol":"1","page":5},{"text":"فإن أفضل العلوم نفعًا، وأعلاها مرتبة ومنزلة هو العلم بما يجب على العبد لربه، وإلهه ﷿، من توحيد الله في ربوبيته، وأسمائه وصفاته، وألوهيته، ومن أجل ذلك خلق الله الخلق، وبعث الرسل، وأنزل الكتب، فعلم التوحيد أشرف العلوم وأفضلها على الإطلاق، وهو حق الله على عباده أجمعين، ولهذا خلق عباده مفطورين على الإقرار به.\nولكن الشياطين تجتالهم عن الصراط السوي، وذلك يرميهم فيما يضاده ويناقضه، فكان واجبًا أن يعرف ما يضاد هذا التوحيد ويناقضه لأن الأشياء تتبين بأضدادها، ألا وهو الشرك بالله، ولهذا نرى الله ﷿ غالبًا يذكر التوحيد ويذكر معه ما يقابله، واشترط لصحة التوحيد اجتناب الشرك، كما أن الله ﵎ اشترط بقبول الأعمال ولدخول الجنة ولغفران الذنوب: اجتناب الشرك، واشترط لمن يرجو لقاءه أن لا يشرك به شيئًا.\nفمن اجتنب الشرك في أعماله وأقواله وعصم نفسه عن أدرانه فقد هدي إلى صراط مستقيم، ويرجى له غفران الذنوب من الله الكريم. (ونسبة الشرك من التوحيد نسبة الليل من النهار والعمى من الإبصار، يعرض للأمم الموحدة كما يعرض الظلام للضياء، ويطرأ عليها كما تطرأ الأسقام على الأجسام، غير أن الظلام باعث لنور الأبصار لإفادة الراحة للأشباح، أما الشرك فعلة لنوم البصائر الموجب لشقاء الأرواح، وإذا كان حفظ الصحة بالغذاء والدواء فإن حفظ التوحيد بالعلم والدعوة، ولا يحفظ التوحيدَ علمٌ كعلم الكتاب والسنة، ولا تجلي الشرك دعوة كالدعوة بأسلوبهما).","vol":"1","page":6},{"text":"وإذا كان تشخيص دواء الجسد يتم بمعرفة دائه، فإن حفظ التوحيد كامن في معرفة الشرك وأنواعه.\nولهذا نرى أن الله ﷾ لما خلق الناس فطرهم على توحيده، وكلما حادوا عن هذا الطريق بعث من يهديهم ويرشدهم بلطف إلى صراطه القويم، وأنزل معهم ما لو اتبعوه لم يقعوا في الضلال الذي يؤدي إلى الجحيم.\nفالدفاع عن التوحيد برد أنواع الشرك هذا مسلك الأنبياء والرسل الكرام أجمعين، ولهذا اخترت موضوع رسالتي بعنوان: (الشرك في القديم والحديث)؛ سائلًا المولى القدير أن يكون لي معينًا في كل صغير وكبير.\nأسباب اختيار الموضوع:\nتتجلى أسباب اختيار الموضوع من خلال أهمية الموضوع، وقد سبق استعراضها، وهناك أسباب أُخر، من أهمها ما يلي:\nأولًا: أحببت أن أبيِّن حقيقة الشرك الذي وقعت فيه الأمم السابقة من خلال ما بينه الله عنهم في كتابه والرسول ﷺ في سنته، وما عرف عنهم من خلال دعوة الرسل.\nثانيًا: رأيت أن أذكر الصور الشركية التي كانت عليها العرب قبل الإسلام وأسباب ذلك، وكيف كانت مقاومة النبي ﷺ لها.\nثالثًا: كما أردت أن أقارن بين ما كان عليه الأمم السابقة من أنواع الشرك وما وقعت فيه هذه الأمة، حتى يتضح الحق من خلال البحث، ويكون رادعًا لأولئك القبوريين الذين انتشروا في الديار شرقًا وغربًا.\nرابعًا: أحببت إيراد الصور الجديدة للشرك الموجود في العصر الحاضر،","vol":"1","page":7},{"text":"ولا ينتبه الناس إليها؛ إما لجهلهم وإما لما عندهم من الشبه أو الحجب الكثيفة أمام أعينهم.\nخامسًا: أحببت أن يكون هذا البحث بمثابة الرد على المتكلمين من الفلاسفة وأفراخهم من الأشعرية والماتريدية الذين حصروا سعيهم في إثبات توحيد الربوبية تحصيلًا للحاصل، وأردت إظهار الحق أمامهم بأن الأنبياء والرسل إنما بعثوا لأجل توحيد الألوهية، وأن الأمم السابقة في حقيقة الأمر وقعوا غالبًا في الشرك الذي هو ضد توحيد الألوهية لا في ضد توحيد الربوبية.\nولما كان الموضوع يحتوي على جزئيات كثيرة، أحببت أن تكون خطة رسالتي هذه كالتالي:\nعنوان الموضوع: الشرك في القديم والحديث.\nالخطة:\nوهي مكونة من مقدمة، وتمهيد، وستة أبواب، وخاتمة.\nأما المقدمة ففيها بيان أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، والخطة والأسلوب الذي اتبعته في كتابة الرسالة، والشكر والتقدير.\nأما التمهيد ففيه مسائل ثلاثة:\nالأولى: معنى التوحيد وأنواعه.\nالثانية: معنى الشرك وأنواعه.\nالثالثة: هل الأصل في بني آدم التوحيد أم الشرك؟\nأما الباب الأول: ففي شرك الأمم السابقة، وتحته فصول:\nالفصل الأول: في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه.\nالفصل الثاني: في بيان وقوع الشرك في الأمم السابقة، وتحته مباحث:","vol":"1","page":8},{"text":"المبحث الأول: في بيان الشرك في قوم نوح ﵇.\nالمبحث الثاني: في بيان الشرك في قوم هود ﵇.\nالمبحث الثالث: في بيان الشرك في قوم صالح ﵇.\nالمبحث الرابع: في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇.\nالمبحث الخامس: في بيان الشرك في قوم لوط ﵇.\nالمبحث السادس: في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇.\nالمبحث السابع: في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇.\nالمبحث الثامن: في بيان الشرك في أمم أهلكوا بعامة قبل موسى ﵇.\nالمبحث التاسع: في بيان الشرك في قوم موسى ﵇.\nالمبحث العاشر: في بيان الشرك في قوم إلياس ﵇.\nالمبحث الحادي عشر: في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇.\nالفصل الثالث: في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها. وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: هل أشركوا في الربوبية؟\nالمبحث الثاني: شرك العبادة في الأمم السابقة.\nأما الباب الثاني: ففي بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك. وتحته فصلان:\nالفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية.\nالفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه. وتحته مبحثان:\nالمبحث الأول: في بيان شرك العرب في الجاهلية. وتحته مطالب:\nالمطلب الأول: في بيان أول من روج الشرك في العرب. وبيان","vol":"1","page":9},{"text":"أحواله.\nالمطلب الثاني: الشرك في العرب. وتحته فروع:\nالفرع الأول: المشركون من العرب في الربوبية.\nالفرع الثاني: المشركون من العرب في الألوهية.\nالمطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم.\nالمطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم.\nالمبحث الثاني: أسباب الشرك قديمًا.\nالباب الثالث: الشرك في هذه الأمة. وفيه فصول:\nالفصل الأول: خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة والتحذير منه. وتحته مباحث.\nالفصل الثاني: في بيان سده ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى الشرك. وتحته مباحث.\nالفصل الثالث: في بيان إخفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه. وتحته مباحث.\nالباب الرابع: مظاهر الشرك في العصر الحديث. وتحته فصول:\nالفصل الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية في هذه الأمة. وتحته مبحثان:\nالمبحث الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل. وتحته مطالب.\nالمبحث الثاني: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد. وتحته مطالب.\nالفصل الثاني: مظاهر الشرك بالله في الألوهية والعبادة. وتحته مباحث.","vol":"1","page":10},{"text":"المبحث الأول: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأعمال القلبية الخالصة.\nالمبحث الثاني: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأعمال القلبية التي تؤدى بالجوارح.\nالمبحث الثالث: مظاهر الشرك بالله في الألوهية بالأقوال القلبية.\nالمبحث الرابع: بيان أهم شبهات القبوريين وردها.\nالفصل الثالث: وجوب الإخلاص والحذر من الشرك.\nالباب الخامس: المقارنة بين شرك القديم والحديث. وفيه فصلان:\nالفصل الأول: المقارنة من حيث أنواع الشرك.\nالفصل الثاني: المقارنة من حيث توافق أسباب الشرك في القديم والحديث.\nالباب السادس: في بيان بطلان الشرك بأوضح الأدلة. وفيه فصول:\nالفصل الأول: تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك وبطلانه. وتحته مباحث.\nالفصل الثاني: تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه.\nالفصل الثالث: تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك. وتحته مباحث.\nالخاتمة: وفيها بيان أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.\nهذا، وقد سلكت في كتابة هذه الرسالة المسلك التالي:\n١ - عزوت الآيات القرآنية الواردة في صلب الرسالة إلى سورها بذكر رقم","vol":"1","page":11},{"text":"الآية واسم السورة، ولم أفرق في ذلك بين الآية الكاملة والجزء من الآية.\n٢ - خرّجت الأحاديث والآثار من مصادرها، فإن كان الحديث من أحد الصحيحين أو فيهما، أخرجه منه أو منهما، وإن لم يكن في الصحيحين أو أحدهما خرجته من كتب السنة المعتمدة الأخرى التي ورد فيها ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، ثم أتبعت ذلك بما ظفرت به من أقوال العلماء المتخصصين في هذا الشأن للحكم على الحديث، وإن لم أجد تجشمت إلى دراسة السند والحكم على السند ما أمكن حسب اجتهادي.\n٣ - رجعت في جمع المادة العلمية إلى المصادر الأصلية ما أمكن ذلك، وعند عزو الأقوال إلى أصحابها فإني أوثق نسبة القول من صاحب هذا القول ما أمكن ذلك، فإن لم يكن فإني أوثق النسبة من أوثق كتب أصحاب الأقوال المعتمدة الذين قد عرفوا بالثقة والأمانة والتثبت في النقل.\n٤ - ذكرت اسم المؤلف أولًا، ثم اسم الكتاب في جميع الرسالة من غير اقتصار.\n٥ - إذا نقلت من كتاب بالنص أحلت إلى الكتاب في الحاشية بذكر اسم المؤلف أولًا ثم اسم الكتاب.\n٦ - إذا نقلت من كتاب بالمعنى أو بتصرف يسير أو جمعت كلامًا وألّفت بينه من أكثر من كتاب، فإني أحيل إلى هذا الكتاب أو هذه الكتب: بقولي: انظر ما قال، أو انظر ما ذكر فلان، أو مثل هذه العبارة التي تؤدي الغرض.\n٧ - ربطت المعلومات السابقة باللاحقة والعكس بواسطة الإحالات في الهامش.\n٨ - إذا ذكرت مسألة عقدية فإني حاولت أن أذكر القول الصحيح فيها،","vol":"1","page":12},{"text":"وأستدل له مع مناقشة الأقوال الأخرى حسب ما يقتضيه المقام.\n٩ - ترجمت لجميع الأعلام الواردة في الرسالة ما عدا المستشرقين وبعض الجاهليين الذين لم أعثر لهم على ترجمة. كما أني لم أترجم للخلفاء الأربعة مكتفيًا بشهرتهم لدى الجميع.\n١٠ - عرفت المصطلحات والألفاظ الغريبة الواردة في الرسالة التي رأيت أنها بحاجة إلى التعريف عند أول ذكر لها، وقد أوخر التعريف إذا رأيت المصلحة داعية إلى ذلك، كأن كان المكان المتأخر أليق بالتعريف، وذلك كما لو كان المصطلح ذكر في الموضع الأول تبعًا وفي الموضع الثاني أصلًا.\n١١ - وضعت فهارس علمية في نهاية البحث لتسهيل الاستفادة منه. وهي كالتالي:\n* فهرس الآيات القرآنية.\n* فهرس الأحاديث النبوية.\n* فهرس الآثار.\n* فهرس الأعلام المترجم لهم.\n* فهرس الفرق.\n* فهرس الألفاظ الغريبة.\n* فهرس الأبيات الشعرية.\n* فهرس المصطلحات.\n* فهرس المصادر والمراجع.\n* فهرس المحتويات.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الشكر والتقدير:</span>\nعملًا بقوله تعالى: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) أشكر الله ﵎ على آلائه العظيمة، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) وفي مقدمتها نعمة الإيمان والإسلام وشرف الانتساب إلى طلب العلم الشرعي على منهج أهل الحديث أهل السنة والجماعة، لا سيما في مدينة الرسول ﷺ، وفي هذه الجامعة المباركة، فلله الحمد من قبل ومن بعد.\nثم إنني عملًا بقول النبي ﷺ: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» أتقدم بخالص الشكر والتقدير لوالدي - حفظه الله - الذي ربّاني في حجره ودرست على يديه الكتب الستة المشهورة، وأوصاني بأخذ الحق أينما وجد.\nكما أتقدم بخالص الشكر والتقدير لجميع أساتذتي ومشايخي الذين أسهموا في غرس محبة العلم وأهله في نفسي، وشاركوا في توجيهي إلى منهج السلف الصالح في الاعتقاد والعمل، والذي كان له الأثر الواضح في تحقيق هذا الجهد، وإخراجه في شكل رسالة علمية سلفية - إن شاء الله - فجزاهم الله خيرًا، وأدام النفع بعلمهم.\nوأخص بالذكر منهم فضيلة الشيخ / عبد الله محمد الغنيمان حفظه الله،","vol":"1","page":14},{"text":"الذي تعرفت عليه في هذه الجامعة في أول الأمر، ووفقني الله لملازمته في حلقاته ودروسه، والذي أشار إليّ بهذا الموضوع، وخطط لي الخطة بيده. فجزاه الله كل خير، وسدد له خطاه.\nثم أخص بالشكر الجزيل شيخي وأستاذي فضيلة الدكتور الأستاذ/ أحمد عطية الغامدي - حفظه الله - لأجل إحسانه عليّ بقبول الإشراف ولتضحيته بكثير من وقته الغالي النفيس، ولتعهدي ومتابعتي خطوة خطوة، أثناء عملي في إعداد هذه الرسالة، وصبره على ذلك، كما أشكره على إرشاداته القيمة وتوجيهاته السديدة التي كان لها الأثر الطيب في إنارة الطريق إلى إنجاز هذه الرسالة.\nفيعلم الله كم من الأماكن صححه الشيخ بيده الطيبة، وكم من المعضلات ذكر لي الشيخ حلها من علومه الغزيرة، فقد كان الشيخ يشرف عليّ في بعض الأسابيع أكثر من أربع مرات حرصًا منه على إخراج الرسالة في أتم وجه وأكمله. فجزاه الله عني خير الجزاء، وأجزل له المثوبة، وختم له بالصالحات، وجعل هذا العمل في ميزان حسناته يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.\nكما أتوجه إلى الله بالدعاء لفضيلة شيخي وأستاذي الدكتور/ صالح بن سعد السحيمي - حفظه الله - الذي لم يضن بالإجابة عن كل ما أشكل عليّ من المسائل.\nكما أشكر كل من ساعدني في كتابة هذه الرسالة من أساتذتي وإخواني، أخص منهم بالذكر شيخي وأستاذي/ سعود بن عبد العزيز الخلف - حفظه الله - الذي أعطاني من مكتبته كل ما طلبته، أسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى","vol":"1","page":15},{"text":"وصفاته العلى أن يُبارك في علمه وصيته، ويغفر له جميع ذنوبه.\nثم أشكر القائمين بالجامعة الإسلامية وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - وحكومته الراشدة، التي ترعاها لتكون نموذجًا للعقيدة السلفية النقية الصافية، تضيء بالعلم أنحاء العالم الإسلامي، فقامت ولا زالت تقوم بنشر العقيدة السلفية الصحيحة المبنية على الكتاب والسنة، نابذة للشرك والبدع والخرافات، فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء ووفقهم لكل خير.\nوأشكر فضيلة الشيخين الكريمين، فضيلة الشيخ الدكتور/ عبدالله بن سليمان الغفيلي حفظه الله، والشيخ الدكتور/ محمد بن عبد الرحمن أبو سيف الشظيفي الجهني حفظه الله، لقبولهما عناء قراءة هذه الرسالة، وتقويمها ومناقشتها، أسأل الله ﷿ أن يجزل لهم مثوبتهم، إنه على ذلك قدير.\nوبعد، فهذا عمل البشر فهو متعرض للخطأ والصواب، فما كان فيه من الهدى والصواب فهو من الله ﷿ وحده، وما كان فيه من خطأ فهو مني ومن الشيطان، وأستغفر الله ربي وأتوب إليه، وهو حسبي ونعم الوكيل.\nوأسأل الله المولى العظيم رب العرش الكريم أن يتقبله خالصًا لوجهه الكريم ويغفر زلاتي وسيئاتي وهفواتي، إنه عفو كريم.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>التمهيد</span>\nفيه مسائل ثلاثة:\nالأولى: معنى التوحيد وأنواعه.\nالثانية: معنى الشرك وأنواعه.\nالثالثة: هل الأصل في بني آدم التوحيد أو الشرك؟","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المسألة الأولى\nمعنى التوحيد وأنواعه</span>\nمعنى التوحيد لغة:\nالتوحيد: مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف عينه، يقال: وحّد يوحّد توحيدًا أي جعله واحدًا، فهو على وزن تفعيل تعني الوحدة، والانفراد، والتفرد، والحكم والعلم بأن الشيء واحد.\nوالمقصود من التفعيل: نسبة كالتصديق لا للجعل، فمعنى وحّدت الله: نسبته إلى الوحدانية لا جعلته واحدًا؛ لأن وحدانيته صفة، لا بجعل جاعل، أمّا التوحيد فهو فعل المكلف هي مأخوذة من الوحدة، وذلك مبني على أن المعبود - جل وعلا - واحد في حقوقه الواجبة على العباد، كما أنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، يقال: أتيته وحده وجلس وحده أي منفردًا، وفلان لا واحد له وواحد دهره أي لا نظير له.\nوالله الواحد الأحد: المتفرد بالذات والصفات في عدم المثل والنظير، وأحّد الله ووحّده أي نسبه إلى الوحدة والانفراد. فهو سبحانه متفرد في ذاته وصفاته وأفعاله.\nفالكلمة تدور حول الوحدة والانفراد والتفرد.","vol":"1","page":19},{"text":"معنى التوحيد شرعًا:\nذكره السلف في كتبهم بعبارات مختلفة - وإن كان المآل واحدًا - فمن تلك العبارات ما يلي:\nأ - (إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا).\nب - (العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحده بصفات العظمة والجلال، وإفراده وحده بالعبادة).\nوبعض العلماء عرفه بالتقسيم فقال:\nج - (هو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلوه فوق سمواته على عرشه وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن شاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه ...\nوالنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ...).\nد - التوحيد هو اعتقاد (أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له فيها).\nهـ - (علم العبد واعترافه واعتقاده وإيمانه بتفرد الرب بكل صفة كمال، وتوحيده في ذلك واعتقاد أنه لا شريك له في كماله وأنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين).","vol":"1","page":20},{"text":"و- (اعتقاد أنه إله واحد لا شريك له، ونفي المثل والنظير عنه، والتوجه إليه وحده بالعبادة ...، وانفراده بما له من ذات وصفات وعدم مشاركة غيره له فيها، فهو واحد في إلهيته فلا إله غيره، وواحد في ربوبيته فلا رب سواه، وواحد في كل ما ثبت له من صفات الكمال التي لا تنبغي إلا له).\nففهم من هذه العبارات أن التوحيد هو: إفراد الله تعالى في ربوبيته وإفراده في ذاته وصفاته وأسمائه، وإفراده في ألوهيته وعبادته، وبهذا يتحصل لنا الأجزاء الثلاثة للتوحيد، وهي:\n١ - توحيده بالربوبية.\n٢ - توحيده بالأسماء والصفات.\n٣ - توحيده بأفعال العباد. (بالألوهية).\nمفاهيم ضالة في باب التوحيد\nرغم وضوح معنى التوحيد في الكتاب والسنة فقد ضل فيها عدة طوائف، فمنهم من خرج بمفهومه عن الإسلام، ومنهم من فهمه فهمًا خاطئًا، ومنهم من فهم بعض أجزائه.\nإليك فيما يلي بعض هذه المفاهيم الخاطئة مع مناقشتها:\n١ - طوائف الفلاسفة: فالتوحيد عندهم (إثبات وجود مجرد عن","vol":"1","page":21},{"text":"الماهية والصفة بل هو وجود مطلق).\nوهذا المعنى يظهر في قولهم - كما هو نص ابن سينا ـ: (إن وجود الباري ﷾ وجود معقول) أي وجود مجرد، وقولهم: (فإن واجب الوجود لا حد له، ويتصور بذاته لا يحتاج في تصوره إلى شيء).\nوقد أطال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه درء تعارض العقل والنقل، ومنهاج السنة النبوية، والصفدية، الرد على أقوالهم، فأثبت بالحجج والبراهين أنها باطلة، فإن من عرف حقيقة قولهم - أي الفلاسفة - علم يقينًا أنهم لم يؤمنوا بالله ولا برسله ولا بكتبه ولا بملائكته ولا باليوم الآخر، فإن مذهبهم: أن الله ﷾ موجود لا ماهية له ولا حقيقة، بمعنى أن","vol":"1","page":22},{"text":"وجوده ذهني مجرد.\nفحقيقة قولهم إذن: إنكار وجود الله؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج، ومنشأ ضلالهم: عدم التفريق بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج.\n٢ - طائفة المعتزلة: وهذه الطائفة تقول: (إن التوحيد هو ما يصير به الواحد واحدًا). وإذا قلنا بتوحيد الله فمعناه كونه واحدًا، والله ﷾ لا يوصف بأنه واحد إلا من حيث كونه قديمًا، فالقدم أخص وصف له في زعمهم.\nقال الجبائي: إن القديم يوصف بأنه واحد على ثلاثة أوجه. أحدها: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض، والثاني: بمعنى أنه متفرد بالقدم لا ثانية فيه، والثالث: أنه متفرد بسائر ما يستحقه من الصفات النفسية من كونه قادرًا لنفسه، وعالمًا لنفسه، وحيًا لنفسه، وعلى هذين الوجهين يمدح بوصفنا له: بأنه واحد لاختصاصه بذلك دون غيره.","vol":"1","page":23},{"text":"وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن هناك من يوصف بالقدم غير الله تعالى، بل الله لا يوصف به، وإنما يخبر عنه بأنه قديم، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات، كما قال ابن القيم: (إن ما يدخل في باب الإخبار عنه أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته ... فإنه يخبر عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا).\nولأن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره، فيقال: هذا قديم، للعتيق، وهذا حديث، للجديد، ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره، لا فيما لم يسبقه عدم كما قال تعالى: (كالعرجون القديم)، والعرجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني، فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم.\nقال الحافظ: (قد سمى المعتزلة أنفسهم (أهل العدل والتوحيد) وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوا من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك، وهم في النفي موافقون للجهمية).","vol":"1","page":24},{"text":"بناء على ما تقدم من الأقوال فيه: فالتوحيد عندهم: إثبات وجود الله مجردًا عن الصفات التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له رسوله ﷺ في سنته.\n٣ - طوائف المتصوفة: فإن هؤلاء المتصوفة وقفوا من التوحيد الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه موقفًا معاديًا تمامًا، ويتمثل ذلك في الأقوال الآتية:\nيقول بعضهم: لا يمكن التعبير عن التوحيد بل هو شيء خيالي ومن عبر عنه فقد أشرك وكفر.\nيقول الشبلي: (ويحك من أجابك عن التوحيد بالعبارة فهو ملحد، ومن أشار إليه فهو ثنوي، ومن أومأ إليه فهو عابد وثن، ومن نطق به فهو غافل، ومن سكت عنه فهو جاهل، ومن توهم أنه واصل فليس حاصل)، وقال أيضًا: (ما شم روائح التوحيد من تصور عنده التوحيد)، ويقول آخر: (فمن وحد ونعت فقد عين قضية ثلاثية: من موحد محدث هو نفسه، وموحد قديم هو معبوده، وتوحيد حديث هو فعل نفسه).\nوقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (قول المتصوفة: إنه لا تصح العبارة عن التوحيد، كفر بإجماع المسلمين، فإن الله قد عبر عن توحيده","vol":"1","page":25},{"text":"ورسوله عبر عن توحيده والقرآن مملوء من ذكر التوحيد، بل إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بالتوحيد، قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولو لم يصح عنه عبارة لما نطق به أحد. وأفضل ما نطق به الناطقون هو التوحيد، كما قال النبي ﷺ: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله» ...).\nوهناك طائفة أخرى من المتصوفة ترى أن التوحيد يمكن أن يعبر عنه بالعبارة ولكنهم على اختلاف فيما بينهم، فمثلًا:\nطائفة الاتحادية: قالوا في التوحيد: هو أن يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، وأنه تعالى هو عين وجود كل موجود، وليس لوجوده غيره، ولا شيء سواه ألبته.\nوقولهم هذا ظاهر البطلان من وجوه:\n١) قال شيخ الإسلام: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر، وإنما تقع الشبهة لأن أكثر الناس لا","vol":"1","page":26},{"text":"يفهمون قولهم وقصدهم لما فيه من الألفاظ المجملة والمشتركة، بل وهم أيضًا لا يفهمون حقيقة ما يقصدونه ويقولونه، ولهذا يتناقضون كثيرًا في قولهم فإن حقيقة قولهم: أنه سبحانه هو عين وجود كل موجود، وحقيقته وماهيته، فالتعدد: بوجود اعتبارات وهمية، لا بالحقيقة والوجود، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح، ومن فروعه: أن فرعون وقومه مؤمنون كاملو الإيمان، عارفون بالله على الحقيقة، وعباد الأصنام على الحق والصواب، وأنهم عبدوا عين الله لا غيره، وهكذا.\nثم إن هؤلاء بعدما اتفقوا على أن الوجود في نفسه شيء واحد، وأن الكثرة إنما هي في التعيينات، اختلفوا في نسبة ذلك الوجود الواحد إلى تلك التعيينات، فذهب بعضهم إلى أنها من نسبة الكل إلى أجزائه، وذهب البعض منهم إلى أنها من نسبة الكلي إلى جزئياتها، أي أن هذه الكثرة البادية","vol":"1","page":27},{"text":"في الموجود كثرة نوعية، والوجود المطلق الكلي جنس. مثلًا أن الحيوان جنس تحته أنواع: هي الإنسان والفرس والجمل ... إلخ، وذهب أكفرهم وأشدهم افتراءً إلى أن الوجود كله شيء واحد في نفسه لا تكثر ولا تعدد فيه أصلًا، وأما هذه الكثرة التي نراها بأعيننا إنما هي أغلاط الحس.\n٢) أنهم بنوا على أصلهم أن وجود المخلوقات والمصنوعات حتى وجود الجن والشياطين والكافرين والفاسقين والكلاب والخنازير والنجاسات والكفر والفسق والعصيان عين وجود الرب، لا أنه متميز عنه منفصل عن ذاته، ووقعوا بذلك على اضطراب شديد؛ حيث إنهم يشهدون أن في الكائنات تفرقًا وكثرة ظاهرة بالحس والعقل.\n٣) لا ريب أن قولهم هذا أكثر كفرًا من قول الحلولية، فإن الحلولية يثبتون وجودين - الحال والمحل بخلاف هؤلاء الاتحادية، ومع هذا فقد كفّر","vol":"1","page":28},{"text":"كثير من السلف هؤلاء الجهمية - الذين يزعمون أن الله بذاته في كل مكان - فالذين لا يثبتون الوجود لله مجردًا عن خلقه أشد كفرًا من أولئك الجهمية، بل إن إلحاد هؤلاء المتأخرين وتجهمهم وزندقتهم تفريع وتكميل لإلحاد هؤلاء الجهمية الأولى وتجهمهم وزندقتهم.\n٤) قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائن من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: من أنه في كل مكان وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكون في البطون، والحشوش، والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك، فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون، والحشوش والأخلية، والنجاسات والأقذار!؟\nواتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوطائفة الحلولية: ترى أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد العامة وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة. ويريدون بتوحيد العامة قول: لا إله إلا الله، هذا هو التوحيد الظاهر الذي يصح بالشواهد، والشواهد هي الرسالة.\nويريدون بتوحيد الخاصة: الذي يثبت بالحقائق وهو إسقاط الأسباب","vol":"1","page":29},{"text":"الظاهرة والصعود إلى منازلات العقول، وعن التعلق بالشواهد، وهو أن يشهد في التوحيد دليلًا، ولا في التوكل سببًا، ولا في النجاة وسيلة.\nوأما المراد بتوحيد خاصة الخاصة فهو الذي اختصه الحق لنفسه واستحقه وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته وأخرسهم عن نعته، وأعجزهم عن بثه، والذي يُشار به إليه على ألسن المشيرين أنه إسقاط الحدث وإثبات القدم على أن هذا الرمز في ذلك التوحيد علة لا يصح ذلك التوحيد إلا بإسقاطها. فهذا الذي ذكره في التوحيد ليس له أي مستند لا في الكتاب ولا من السنة، بل هو عين الشرك؛ إذ هذا هو الحلول بعينه.\nفهؤلاء الطوائف ضلوا في مباحث التوحيد الذي هو أشرف المباحث وأعلاها، فلم يهتدوا إلى معرفة توحيد الله (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)، وضلال ما ذهبوا إليه واضح وضوح الشمس، وليس هذا مجال الإطالة في الرد عليهم، فإن من عنده مسكة من عقل يدرك ضلال ما هم عليه دون حاجة إلى إمعان فكر، فإنه من أشد الأمور مخالفة للعقل والفطرة، وسيأتي بعض الردود عليهم في الباب الرابع بمشيئة الله.\nولكن هناك طوائف أخرى لهم أقوال وآراء في التوحيد ما زالت تتردد في العالم الإسلامي، ولهذه الأقوال والآراء سلبيات في فهم كثير من قضايا العقيدة، مع كونهم أقرب الناس إلى أهل السنة في كثير من المباحث العقدية","vol":"1","page":30},{"text":"الأخرى، وهم الأشاعرة، والماتريدية من طوائف أهل الكلام. وسأتعرض فيما يلي لأقوالهم في التوحيد بشيء من البسط والتفصيل.\nفقد ضل الأشاعرة والماتريدية في هذا الباب، فلم يستطيعوا أن يأتوا بالتوحيد كما كان حقه، فعرفوا التوحيد ببعض مدلولاته (المعترف به لدى جمهور المشركين) وتركوا مدلوله الأصلي المبعوث لأجله الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ألا وهو توحيده في الإرادة والقصد (توحيد الألوهية)، وإليك بعض أقوالهم:\n* الأشاعرة: لهم تعريفات للتوحيد، منها:\nما قال الشهرستاني - وهو من أئمتهم ـ: (الواحد هو الشيء الذي لا","vol":"1","page":31},{"text":"يصح انقسامه؛ إذ لا تقبل ذاته القسمة بوجه، ولا تقبل الشركة بوجه، فالباري تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له).\nفهذا التعريف - كما ترى - خال عن توحيد الله بأفعال العباد الذي هو توحيد الألوهية، فلم يشمل ما لأجله بعثت الرسل، بل تخلى عن أساس الإسلام، فإن ما أثبته هو لم يخالف فيه إلا الشواذ من الناس في القديم والحديث.\nثم إن هذا التعريف فيه إجمال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأشهر الأجزاء عندهم هو الثالث وهو توحيد الأفعال، وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع ـ[وهو قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا)، فإذا لم تفسدا فدل على أن الخالق واحد، مع أن الآية تدل على أنه لو كان هاهنا آلهة حقًا إلا الله لفسدتا، وليس المراد بالإله هو الخالق كما سيأتي] ويظنون أن هذا التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: (لا إله إلا الله) حتى إنهم يرون في معنى الإلهية أنها: القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذي بعث إليهم محمدٌ ﷺ أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون، فقد تبين أنه ليس في العالم من ينازع في","vol":"1","page":32},{"text":"أصل هذا الشرك.\nوكذلك النوع الثاني - وهو قولهم: (لا شبيه له في صفاته)، فإنه ليس من الأمم من أثبت قديمًا مماثلًا له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له؛ بل من شبه به شيئًا من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه، فإن ذلك يستلزم الجمع الجمع بين النقيضين ... وعلم أيضًا بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلابد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابد من إثبات خصائص الربوبية.\nوكذلك النوع الثالث وهو قولهم: (وهو واحد في ذاته لا قسيم له) أو لا جزء له، أو لا بعض له؛ لفظ مجمل، فإن الله سبحانه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فيمتنع عليه أن يتفرق ويتجزأ، أو يكون قد ركب من أجزاء؛ لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.\nفقد تبين أن ما يسمونه توحيدًا: فيه ما هو حق، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقًا؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك لم يخرجوا من الشرك الذي وصفهم به القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ؛ بل لابد أن يعترفوا أنه لا إله إلا الله). فهذا قول الأشاعرة.\n* أما الماتريدية: فلهم تعريفات على نمط الأشاعرة منها:","vol":"1","page":33},{"text":"١ - إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات.\n٢ - معرفة الله بالربوبية ونفي الأنداد عنه جملة.\n٣ - واحد في ذاته وواحد في صفاته، وخالق لمصنوعاته.\n٤ - إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد.\n٥ - هو اعتقاد الوحدانية في الذات والصفات والأفعال.\nومعلوم أن هذا التعاريف كلها خالية عن توحيد الألوهية.\nالآثار المترتبة على اختلاف التعاريف\nسبق بيان تعريف التوحيد لدى السلف والطوائف التي ضلت في هذا الباب. كما اتضح لنا أن هناك بعض الطوائف يكفي تصور مذهبهم في إبطالها، والنتائج الفاسدة التي تترتب على تعريفاتهم ظاهرة لدى الجميع.\nولكن هناك بعض الطوائف - وهم الأشاعرة والماتريدية - ما زالت لهم شوكتهم وقوتهم في أوساط المسلمين وهم كثر، فربما يخفى على الناس النتائج والآثار المترتبة على تعريفاتهم القاصرة، فأحببت أن أذكر هنا بعض هذه الآثار؛ حتى يتضح الفرق بين تعريف السلف وتعريفاتهم، ومدى","vol":"1","page":34},{"text":"قصورهم في فهم التوحيد.\nوهذا الأمر يتطلب معرفة حقيقة التوحيد لدى الفريقين.\nفحقيقة التوحيد عند السلف: إثبات صفات الكمال له، وإثبات كونه فاعلًا بمشيئته وقدرته واختياره، وأن له فعلًا حقيقة، وأنه وحده هو الذي يستحق أن يُعبد ويُدعى، ويُخاف، ويُرجى، ويُتوكل عليه؛ فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل، وليس لخلقه من دونه وكيل ولا ولي ولا شفيع، ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم.\nوذلك بأن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات عن الأسباب والوسائط، فلا ترى الخير والشر إلا منه، وهذا الأمر يثمر التوكل وترك شكاية الخلق وترك لومهم، والرضاء عن الله، والتسليم لحكمه، فبذلك يعبده سبحانه عبادة يفرده بها ولا يعبد غيره. وهذا كله يتضمن شيئين:\n١ - توحيده بالإرادة والقصد بحيث يكون هو الغاية دون سواه (توحيد الألوهية).\n٢ - توحيده بالاستعانة والتوكل بحيث لا يتعلق القلب في جلب النفع أو دفع الضر بسواه.\nوبمقابل ذلك إذا رأينا إلى حقيقة التوحيد عند الأشاعرة والماتريدية نراهم يقولون: إن حقيقة التوحيد هو (اعتقاد عدم الشريك في الألوهية ...","vol":"1","page":35},{"text":"وخواصها).\nوأرادوا الألوهية - كما صرحوا به - بأنه وجوب الوجود والقدم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير وبخواصها مثل: تدبير العالم وخلق الأجسام واستحقاق العبادة والقِدم الزماني مع القيام بنفسه.\nفظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك مفهوم الألوهية، كما قال بعضهم: (لما ثبت وحدانيته في الألوهية ثبت استناد كل الحوادث إليه، والألوهية: الاتصاف بالصفات التي لأجلها استحق أن يكون معبودًا وهي صفاته التي توحد بها سبحانه، فلا شريك له في شيء منها، وتسمى خواص الألوهية، ومنها الإيجاد من العدم، وتدبير العالم والغنى المطلق عن الموجب والموجد في الذات وفي كل من الصفات، فثبت افتقار الحوادث في وجودها إليه).\nومن كلامهم يظهر جليًا: أن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله هو اعتقاد تفرد الله ووحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا فرق عندهم بين الإله والرب، ولا بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، بل هما بمعنى واحد، بل يظنون أنهما وصفات مترادفان، فبهذا التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود متفرد بالخلق والتدبير، ولهذا لم يكن عندهم شرك في الطلب والعبادة إلا باعتقاد ما يضاد حقيقة الوحدانية لا بمجرد الشرك باتخاذ","vol":"1","page":36},{"text":"الواسطة.\nفالمتأمل في مناهج المتكلمين عمومًا يجد: أن التوحيد عندهم اعتقادي فقط، وأن الشرك في الإرادة إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم، فاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب عندهم ليس شركًا بمجرد طلب غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله - مثلًا - بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب وقدرته على الاختراع الذي هو حقيقة الألوهية عندهم، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته عندهم إلا إذا تضمن اعتقاد استحقاق العبادة لمن صرفت له.\nأما ما جاء من إطلاق الشرك فيما يتعلق بشرك الطلب والعبادة والتقرب فلهم فيه تخريجان:\nالأول: أن ذلك مقيد بشرك الاعتقاد لا بمجرد الإرادة والعمل.\nالثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي.\nيقول أحدهم في ذلك: (اجتمعت الأمة على أن الذبح والنذر لغير الله حرام، ومن فعلها فهو عاص لله ورسوله، والذي منع العلماء من تكفيرهم أنهم لم يفعلوا ذلك باعتقاد أنها أنداد لله).\nويقول الآخر: (من أين لكم: أن المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إذا دعا غائبًا أو ميتًا أو نذر له، أو ذبح لغير الله أن هذا هو الشرك الأكبر الذي من فعله حبط عمله وحل ماله ودمه؟ ولم يقل أهل العلم:","vol":"1","page":37},{"text":"من طلب من غير الله فهو مرتد، ولم يقولوا: من ذبح لغير الله فهو مرتد).\nوقد اشتد الخلاف بينهم وبين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب التميمي ﵀ حين بيَّن لهم أنه كما يكون الشرك في الاعتقاد فإنه كذلك يكون باتخاذ الوسائط في الطلب، وفي التقرب إلى غير الله بالعبادة ولو لم تكن متضمنة الشرك في الاعتقاد.\nولازم كلامهم هنا: أن من تقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون مشركًا بذلك، بل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن بعض أتباع هؤلاء قد صرح بهذا، وأن منهم من كان يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويصوم لها ويذبح، وهو يظن مع ذلك أن توحيده لم ينتقض.\nسبب ضلال المتكلمين في باب التوحيد\nالمتكلمون ضلوا في باب التوحيد من جهتين اثنتين:","vol":"1","page":38},{"text":"الأولى: ضلالهم في باب توحيد الأسماء والصفات.\nويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي:\n١ - جعلهم ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك عندهم أننا لا نشاهد متصفًا بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص إلا ما هو مخلوق حادث، فتكون لظواهر النصوص على هذا تشبيهًا، وهو غير مراد.\n٢ - صرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها، وأصل كل ذلك تأثرهم بالفلاسفة وآرائهم الكلامية.\nالثانية: ضلالهم في باب توحيد الألوهية\nويرجع أسباب ضلالهم في هذا الباب إلى سببين رئيسين هما:\n١ - خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل.\n٢ - خطؤهم في تصور معنى الرب والإله.\nأما الأول وهو خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل:\n(١) فإن التوحيد الذي أرسل به الرسل هو توحيده سبحانه بالعبادة؛ لأن النضال الواقع بين الرسل وأقوامهم كان في تحقيق هذا التوحيد، والقضية تحتاج إلى شيء من البسط والتفصيل، ولكني سأقتصر على الاستدلال بالمسلمات بين السلف والمتكلمين. فأقول:\nلا شك أن كلمة التوحيد هي كلمة (لا إله إلا الله) ولا تصح إلا بالمتابعة وهي المقصودة بالجزء الثاني (أن محمدًا رسول الله)، فهذا شيء اتفق عليه السلف والمتكلمون، فإذا قالوا بذلك فقد خصموا؛ وذلك أن هذه الكلمة قد جاء تفسيرها في كثير من نصوص القرآن والسنة، بأنها بمعنى لا معبود بحق إلا الله،","vol":"1","page":39},{"text":"والدليل على أن المراد بالتوحيد هو كلمة (لا إله إلا الله)، وأن معنى هذه الكلمة هي العبادة بما يلي:\nأ- حديث معاذ عندما بعثه الرسول ﷺ إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى ...» الحديث.\nجاء في رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله».\nوجاء في رواية أخرى: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا ...».\nوفي رواية: «فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».","vol":"1","page":40},{"text":"وفي رواية: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿».\nفهذه الروايات متفقة المعنى، فإن معنى شهادة أن لا إله إلا الله: توحيد الله بالعبادة، والبعد عن عبادة ما سواه، وهذا هو الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، ومن المتأكد أن أحد هذه الألفاظ أو جميعها صدرت من مشكاة النبوة.\nفإن كان الثاني فالرسول ﷺ بيَّن معنى هذه الكلمة بأن المراد منها توحيد العبادة، وإن كان الأول فالصحابة بيَّنوا معناها بأن التوحيد هو العبادة.\nب - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر رواه الإمام مسلم في صحيحه من قول النبي ﷺ: «من وحد الله وكفر بما يُعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله ﷿».\nوقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله حُرم ماله ودمه ...».\nوجه الاستدلال: أن الحديث جاء فيه تفسير التوحيد بالرواية الثانية.\nج - ومثل هذا ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «بُني الإسلام على خمس:","vol":"1","page":41},{"text":"على أن يُعبد الله ويُكفر بما دونه، وإقام الصلاة ...».\nوقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «بُني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله وإقام الصلاة ...».\nوقد جاء الحديث في رواية أخرى بلفظ: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وإقام الصلاة ...».\nوجه الاستدلال: أن بعض هذه الروايات تفسر البعض الآخر، ففي بعضها لفظ التوحيد وفي بعضها تفسيره.\nد - ومثل هذا ما جاء في حديث آخر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: دلني على عمل أعمله يُدنيني من الجنة ويُباعدني من النار، قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتُقيم الصلاة ...».\nوجه الاستدلال: أنه ذكر في حديث واحد عبادة الله تعالى وعدم الشرك بالله فيها، فكأن كلمة (لا تشرك به شيئًا) بيان لمعنى عبادة الله المذكور في أول الحديث، فتضمن بيان معنى هذه الكلمة بأن المراد بها توحيده في العبادة، وأن العبادة إنما تتم بعدم الإشراك بالله فيها، وهو بعينه التوحيد المطلوب.\nفعلم من هنا ثلاثة أشياء:\n١) أنَّ لا إله إلا الله هو التوحيد.\n٢) أنَّ التوحيد هو العبادة كما هو منصوص في الروايات.","vol":"1","page":42},{"text":"٣) أنَّ تفسير التوحيد بـ (لا إله إلا الله) أو العكس وهكذا تفسر العبادة بالتوحيد أو العكس كان شائعًا بينهم - الصحابة - من غير نكير.\nهـ - حديث جابر بن عبد الله في صفة مناسك الرسول ﵊: قال في حديث طويل: (فصلى رسول الله ﷺ في المسجد ثم ركب القصواء حتى استوت ناقته على البيداء، فنظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماشٍ وعن يمينه مثل ذلك وعن يساره مثل ذلك وخلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، فأهلَّ بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ...») الحديث.\nالمقصود: عبر الصحابة عن التلبية بالتوحيد، ومعروف أن الحمد والنعمة والشكر من العبادات، وإن كان المُلك من خصائص الربوبية، وذلك لما كان العرب يلبون بتلبية كان فيها شرك التقرب والشفاعة، لأنهم كانوا يقولون بعد هذه التلبية المشروعة مباشرة: (إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك) ويقول النبي ﷺ لهم: «قد قد» عندما ينتهي قولهم: (لبيك لا شريك لك).\n(٢) لا شك أن جميع الرسل دعوا الناس إلى هذه الكلمة (لا إله إلا الله)،","vol":"1","page":43},{"text":"قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nولكن ما معنى كلمة (لا إله إلا الله)؟ معناها: توحيد الله ﷿ وإخلاص العبادة له فإن خير ما يفسر القرآن هو القرآن الكريم، فمثلًا:\nأ - في هذه الآية قال تعالى: (فاعبدون) أي لا معبود إلا الله، فلا تعبدوا غيري بل اعبدون.\nب - في آية أخرى يقول الله ﷿: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) فهو تفسير للآية السابقة، فإن كلمة (اعبدوا الله) بمعنى: إلا الله، وكلمة (اجتنبوا الطاغوت) بمعنى لا إله.\nج - لقد وردت آيات كثيرة تبين أن آحاد الرسل يأتون قومهم فيقولون لهم: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).\nويتضح هذا الدليل بالعلم بأمرين وهما:\nالأول: أن الأصل في بني آدم التوحيد، ثم نشأ فيهم الشرك، ثم الأصل في بني آدم الإقرار بالله، هذا شيء اتفق عليه السلف والمتكلمون.\nالثاني: معرفة الشرك الذي وقعت فيه الأمم. (وهو الشرك في الألوهية) وسيأتي الكلام عليه مفصلًا في الباب الأول.","vol":"1","page":44},{"text":"(٣) لا شك في أن العناية من خلق الإنسان هي العبادة، كما قال الله ﷿: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، فقد بيَّن الله تعالى أنه خلق الإنسان لغاية، وهي عبادته، فلذلك نرى أن الأمر الأول في القرآن الكريم جاء آمرًا بعبادته وحده، حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فكيف لا يكون هذا هو غاية ما لأجله أرسل الرسل؟ !\nثم إن هناك تفسيرًا مأثورًا عن السلف في معنى العبادة؛ حيث جاء عنهم أنهم فسروها بالتوحيد، مما يدل على أنه هو الأصل، كما قال ابن عباس ﵁ في تفسير قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): (إياك نوحد ونخاف ونرجو، يا ربنا لا غيرك) وقال ابن عباس أيضًا: كل ما في القرآن من (اعبدوا) فمعناه (وحدوا).\n(٤) قد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ أنه كان يدعو الكفار إلى الإسلام والشهادتين، فمن ذلك حديث معاذ عندما بعثه إلى اليمن (المتقدم).\nوحديث: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله».\nوحديث: «قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا».","vol":"1","page":45},{"text":"وفي حديث أبي سفيان المتضمن قصته مع هرقل: (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم).\n(٥) الإجماع على أن الكافر إذا قال: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ... أنه مسلم).\nأما خطؤهم الثاني في تصور معنى الرب والإله:\nفجعلهما مترادفين، ففسروا من أجله الإله بأنه (القادر على الاختراع) أو (الصانع القادر المالك) وقالوا: الألوهية معناها: (الربوبية والصانعية والمالكية).\nوسبب خطئهم في هذا يرجع إلى حمل النصوص والآثار على المصطلحات المستحدثة بعد عهد التنزيل بدهور بعيدًا من تخاطب العرب وفهم السلف، واللسان العربي المبين، فتفسير الإله بالصانع المخترع الخالق المالك أو","vol":"1","page":46},{"text":"الرب باطل لغة وشرعًا، فإن الإله والرب مفهومان متغايران لغة وشرعًا.\nأولًا: معنى الإله:\nأما لغة: فقد ذكرت له عدة معان:\nأولًا: الإله فعال بمعنى مألوه، أي: معبود، كإمام بمعنى مؤتم به، وأله إلهة: عبد عبادة، والتأليه: التعبيد، والآلهة: المعبودون من الأصنام وغيرها، والتأله: التعبد والتنسك.\nفالإله: هو المعبود وهو الله سبحانه، وهو على وزن فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب معنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط، فالإله إذن على معنى ما روي عن ابن عباس: (هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق، والله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين).\nثانيًا: الإله مأخوذ من أله: إذا تحير، وأصله وله يوله ولهًا، على وزن تعب يتعب تعبًا، فإن الإله هو الله سبحانه تتحير الألباب والفكر في حقائق صفاته ومعرفته، وعلى هذا، فأصل كلمة إله: ولاه، وأن الهمزة مبدلة من واو وقد أنكر بعض أصحاب المعاجم هذا المعنى.","vol":"1","page":47},{"text":"ثالثًا: أن الإله مأخوذ من أله إلى كذا: أي لجأ إليه، فروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي الله إلهًا؛ لأن الخلق يتضرعون إليه في حوائجهم ويتضرعون إليه عند شدائدهم فيكون المعنى: هو من يُفزع إليه في النوائب لأنه المجير لجميع الخلائق من كل المضار.\nرابعًا: أن الإله مشتق من (لاه يليه ويلوه لياهًا) إذا احتجب، فلفظ الجلالة يتضمن معنى الاحتجاب كما قال تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).\nخامسًا: أنه مشتق من (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، فالقلوب لا تسكن إلا بذكره، فمن خاف الله تقرب إليه فيحصل له الاطمئنان والسكون.\nسادسًا: أنه مشتق من (أله الرجل إلى الرجل) إذا اتجه إليه لشدة شوقه إليه، ومنه (أله الفصيل بأمه) إذا أولع بأمه، وعلى هذا معناه: أن العباد يتوجهون إليه وحده. والمعنى: (أن العباد مألوهون: أي مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال).\nسابعًا: أنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها، وإذا طلعت الشمس تقول: لاهت، وعلى هذا يتضمن لفظ الجلالة","vol":"1","page":48},{"text":"معنى العلو والارتفاع.\nفهذه كما ترى معاني اشتقاقات هذا اللفظ، وليس في شيء منها أن معناه القادر على الاختراع أو أنه الصانع المالك.\nوقد رجح جماعة من العلماء القول الأول، وأن لفظ الجلالة (الله) مشتق من أله يأله: إذا عبد، فهو إله بمعنى مألوه أي معبود، وكل الاشتقاقات والمعاني الأخرى تدخل تحت هذا المعنى الأول، فهو متضمن لها، وسأذكر فيما يأتي من قال بهذا من أئمة اللغة:\n١ - قال الراغب الأصفهاني: (و(إله) جعلوه اسمًا لكل معبود لهم).\n٢ - قال ابن منظور الإفريقي: (الإله (الله) ﷿، وكل ما اتخذ من دون الله معبودًا (إله) عند متخذه، والجمع (آلهة».\n٣ - وقال المجد الفيروزآبادي الشافعي (... إله) كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودًا (إله) عند متخذه.","vol":"1","page":49},{"text":"٤ - وقال محمد المرتضى الزبيدي الحنفي: (فإذا قيل: (الإله) أطلق على الله سبحانه، وعلى ما يُعبد من الأصنام، وإذا قلت: (الله) لم يطلق إلا عليه ﷾).\nالإله في القرآن وفي فهم السلف والمفسرين:\nالألوهية والإله في لغة القرآن واصطلاحه وما حكى الله ﷾ عن مشركي العرب لم يختلف عن معناها الذي ذكرناه عن معاجم اللغة.\nفالإله يُطلق على كل معبود حقًا كان أم باطلًا، والأدلة عليها كثيرة، منها:\n١ - أن الله ﷾ سمى معبودات المشركين (آلهة) وأبطل كونها آلهة حقًا.\nقال تعالى: (واتخذوا من دون ءالهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا).\nوهكذا كان مشركو العرب يسمون معبوداتهم (آلهة) مع اعتقادهم أنها ليست خالقة لهذا الكون ولا مالكه؛ كما حكى عنهم:\n٢ - (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).","vol":"1","page":50},{"text":"٣ - وقال عنهم: (إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا).\n٤ - وقال ﷾: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ).\n٥ - (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).\n٦ - (وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا).\n٧ - (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ).\n٨ - (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ).\nفأنت ترى في هذه الآيات أن المشركين سموا معبوداتهم (آلهة) مع أن المشركين لم يعتقدوا فيها أنها خالقة لهذا الكون وأرباب للعالم.\nوهكذا ترى اللغة القرآنية لكلمة (الإله) تتفق مع معاني أهل اللغة لهذه الكلمة، كما أن هذا ما كان عليه فهم السلف والمفسرين:\n١ - قال ابن عباس ﵄: (الله: ذو الألوهية والمعبودية","vol":"1","page":51},{"text":"على خلقه أجمعين)، ومنه قوله في (ويذرك وآلهتك) يذرك وإلاهتك، أي عبادتك وهو قول مجاهد أيضًا.\n٢ - قال الطبري: (ولا شك أن الإلهة على ما فسره ابن عباس ومجاهد مصدر من قول القائل: أله الله فلان إلهة: كما يقال: عبد الله فلانٌ عبادة وعبر الرؤيا عبارة، فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا: أن أله عبد وأن الإلاهة مصدره).\nوقال: (فالإله: هو المعبود وهو الله سبحانه، وهو على وزن فعال بمعنى مفعول مثل كتاب بمعنى مكتوب وبساط بمعنى مبسوط، فالإله إذن على معنى ما روي عن ابن عباس: هو الذي يألهه كل شيء ويعبده كل خلق).\n٣ - قال الزجاجي: (إله فعال بمعنى مفعول، كأنه مألوه، أي معبود","vol":"1","page":52},{"text":"مستحق للعبادة يعبده الخلق ويولهونه).\n٤ - وقال الزمخشري: (الإله من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم على المعبود بحق).\n٥ - قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: لا إله إلا الله: (معناه: لا معبود إلا الله).\nفهذه بعض أقوال المفسرين في معنى الإله.\n٦ - وقال شيخ الإسلام: (فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يُعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع).\nوقال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها،","vol":"1","page":53},{"text":"وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه، وتنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها، وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت (لا إله إلا الله) أصدق الكلام.\n٧ - وقال ابن القيم: (الإله: هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالًا وإنابة وإكرامًا وتعظيمًا وذلًا وخضوعًا وخوفًا ورجاءً وتوكلًا).\n٨ - وقال ابن رجب: (الإله: هو الذي يُطاع فلا يُعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاءً، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءً له، ولا يصلح هذا كله إلا لله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية، كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: (لا إله إلا الله) ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك).\n٩ - وقال البقاعي: (لا إله إلا الله: أي انتفاء عظيمًا أن يكون معبود بحق","vol":"1","page":54},{"text":"غير الملك العظيم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة، وإنما يكون علمًا إذا كان نافعًا، وإنما يكون نافعًا إذا كان مع الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف).\n١٠ - وقال الطيبي: (الإله: فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله إلهه: أي عبد عبادة).\n١١ - قال الشوكاني: لفظ (إله) إنما هو لبيان استحقاق الله للألوهية التي هي حقيقة العبودية، ولهذا جاء في كتاب الله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) أي مألوه معبود فيها، قال قتادة: يعبد في السماء والأرض.\nثانيًا: معنى الرب:\nفقد وردت كلمة (رب) لعدة معان في معاجم اللغة، ولكنها عند التحقيق","vol":"1","page":55},{"text":"ترجع إلى ثلاثة أصول، وهي:\nأولًا: بمعنى مالك الشيء وصاحبه، ومنه: فلان رب الدار أي صاحبها ومالكها، ورب الدابة كذلك، وكل من ملك شيئًا فهو ربه.\nقال الزبيدي: (الرب هو الله ﷿، وهو رب كل شيء أي مالكه، وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك).\nثانيًا: بمعنى السيد المطاع.\nقال ابن منظور: ربيت القوم: سستهم، أي كنت فوقهم، ويقال: رب فلان قومه: أي ساسهم وجعلهم ينقادون له، ورببت القوم: أي حكمتهم وسدتهم.\nثالثًا: تطلق هذه الكلمة كذلك على المصطلح للشيء المدبر له، القائم على تربيته، حتى قال بعض العلماء: إن كلمة (رب) مشتقة من التربية؛ لأن الله سبحانه مدبر الخلق ومربيهم، ويقال: رب فلان ضيعته: إذا قام على إصلاحها.\nقال الزبيدي: رب ولده والصبي يربه ربًا؛ أحسن القيام عليه ووليه حتى أدرك وفارق الطفولية، كان ابنًا أو لم يكن.","vol":"1","page":56},{"text":"ومنه يقال للحاضنة: رابة ورابية أيضًا؛ لأنه يقوم بها غالبًا تبعًا لأمها.\nفهذه الأصول الثلاثة لكلمة (رب) التي ذكرها أصحاب المعاجم، وبقية المعاني تندرج في أي أصل من أصولها.\nأما كلمة (رب) في القرآن وفي فهم السلف والمفسرين:\nفهي قد جاءت مستعملة في هذه المعاني الثلاثة المتقدمة:\nومما يدل على استعمالها على المعنى الأول: بمعنى مالك الشيء وصاحبه؛ قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ).\nقال القرطبي: أي مالكهم وكل من ملك شيئًا فهو ربه، وبه قال الطبري والماوردي وابن كثير.","vol":"1","page":57},{"text":"ومنه حديث: (اللهم رب هذه الدعوة).\nومما يدل على استعمالها على المعنى الثاني: (بمعنى السيد المطاع) قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ)، وقوله تعالى عنه: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا)، وقوله تعالى عنه: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ)، وقوله تعالى عنه: (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ)، وبه قال الطبري والماوردي والقرطبي وابن كثير.\nومنه حديث الرسول ﵊ «أن تلد الأمة ربتها».\nومما يدل على استعمالها على المعنى الثالث: (بمعنى المصلح للشيء المدبر له) قوله تعالى: (والربانيون والأحبار)، وقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ). وبه قال القرطبي وابن كثير والإمام الطبري.","vol":"1","page":58},{"text":"ومنه حديث: «هل لك نعمة تربها».\nوأما الرب (المحلى بالألف واللام) فلا تدل إلا على الله ﷾ لأنها للعهد، ولأنها للعموم فهي بمعنى رب كل شيء وليس كذلك إلا رب العالمين. وإن حذفتا صار مشتركًا بين الله وبين عباده، فيقال: الله رب العباد، وزيد رب الدار، وعلى هذا انعقد إجماع أهل اللغة والمفسرين ولم يؤثر عن العرب أنهم استعملوا كلمة (الرب) لغير الله تعالى، قال ابن منظور: (الرب: هو الله ﷿، هو رب كل شيء: أي مالكه).\nومما تقدم يتبين لنا أن كلمة الرب لا تطلق إلا على الله تعالى، لأنه هو الخالق الرازق المحيي والمميت المالك للخلق كلهم، المدبر لأمرهم، قال شيخ الإسلام: (والرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها).\nوقال المقريزي: (فالرب مصدر رب يرب ربًا فهو راب، فمعنى قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ): راب العالمين، فإن الرب ﷾ هو الخالق","vol":"1","page":59},{"text":"الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا).\nوقال ابن القيم عند تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ): (وقدم الربوبية لعمومها وشمولها لكل مربوب ... والرب هو القادر الخالق الباري المصور الحي القيوم، العليم السميع، البصير، المحسن، المنعم، الجواد، المعطي، المانع ... إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى).\nفعلم مما سبق: أن الإله والرب كلمتان متغايرتان في مفهوميهما. فالقول بأن معنى الإله: (القادر على الاختراع) - كما سبق ذكره عن المتكلمين - قول مبتدع لا يعرف عند العلماء المحققين ولا عند أحد من أئمة اللغة، وإنما هو قول مبتدع في اللغة والشرع.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسر المفسر (الإله) بمعنى القادر على الاختراع، واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله، وجعل إثبات هذا هو الغاية في التوحيد - كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية، وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه - لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ؛ فإن","vol":"1","page":60},{"text":"مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، وكانوا مع هذا مشركين، قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)، فليس كل من أقر بأن الله تعالى رب كل شيء وخالقه يكون عابدًا له دون ما سواه، ... ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها، ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك).\nثم على تقدير تسليمه (بأن الإله هو القادر على الاختراع) فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقًا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حقًا وإن سمي إلهًا، وليس المراد من هذا القول: أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد؛ لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد هذا المعنى فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية على ما سيأتي بيانه في بيان ما أشرك فيه العرب قديمًا، وهل أشركوا بالله في الربوبية والخالقية أم كان شركهم في","vol":"1","page":61},{"text":"الألوهية والعبادة وفي بعض أمور الربوبية.\nأنواع التوحيد:\nعلمنا مما سبق: أن التوحيد نوعان:\nالنوع الأول: توحيد المعرفة والإثبات: وهو ما يتعلق بذات الرب ﷾ وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهذا ينقسم قسمين:\nالأول: توحيد الربوبية: وذكر العلماء في تعريف هذا النوع من التوحيد عبارات، منها: ما قال ابن تيمية - رحمة الله عليه - (فتوحيد الربوبية: أنه لا خالق إلا الله، فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور، بل ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن).\nوقال ابن القيم ﵀: (فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، لا يخرج شيء عن ربوبيته، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته وتحت قهره ...).\nوقال السفاريني: (توحيد الربوبية: أن لا خالق ولا رازق ولا محيي ولا","vol":"1","page":62},{"text":"مميت ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في تعريفه: (هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر).\nفعلى هذا يكون توحيد الربوبية: هو الإقرار والاعتراف بأن الله تعالى وحده لا شريك له هو الخالق لجميع المخلوقات العلوية والسفلية، المرئية وغيرها، وأنه المتصرف وحده بهذا الكون، لا يشاركه فيه أحد، كما أن بيده تعالى جميع المقادير من رزق وموت وحياة وجميع أمور الخلائق، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، لا يشاركه في جميع ذلك شريك ولا ند ولا مثي، وأنه ربى جميع الخلق بأصناف نعمه، وربى خواص خلقه وهم الأنبياء وأتباعهم الذين آمنوا به وصدقوا بما جاءوا به من عند ربهم بالعقائد الصحيحة، والأخلاق الجميلة والعلوم النافعة،","vol":"1","page":63},{"text":"والأعمال الصالحة.\nويمكن أن يعرف هذا التوحيد بعبارة مختصرة وهي كما قال ابن القيم: هو إفراد الله تعالى بالخلق والحكم.\nفقوله: (إفراد الله بالخلق) يشمل: الخلق الأول، وهو ابتداء خلق الناس وغيرهم، والخلق الثاني: هو البعث كما قال تعالى: (بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وهذه كلها من خصائص الربوبية.\nوقوله: (إفراده بالحكم) يشمل: الحكم بنفعهم وضرهم، وتدبير أمورهم، ورزقهم، فالله ﷿ هو النافع والضار، وهو المدبر للأمر والقاضي به، وهو الرازق. فهذا حكمه القدري والكوني، وهو ما يقضي الله به تقديرًا وخلقًا.\nوهكذا يشمل حكمه الشرعي: وهو ما يقضي الله به شرعًا، فجميع أحكام الله الشرعية في خلقه من مقتضيات ربوبيته، وهو الذي له الحكم، قال تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وقال عليه الصلاة","vol":"1","page":64},{"text":"والسلام: «إن الله هو الحكم وإليه الحكم».\nوالخلاصة: توحيد الربوبية: هو الإقرار بأن الله ﵎ رب كل شيء وخالقه ورازقه، وأنه المحيي المميت، النافع الضار، القادر على فعل ما شاء متى شاء، ليس له في ذلك ند ولا شريك ولا معين، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ).\nوالآيات في هذا كثيرة غير أن الإقرار بهذا التوحيد دون إخلاص العبادة لله وحده وعدم الإشراك به ظاهرًا وباطنًا، لا يصير به العبد مسلمًا؛ لأن الله ﵎ حكى عن المشركين القدامى إقرارهم بهذا التوحيد، كما قال تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)، وقال","vol":"1","page":65},{"text":"تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)، فلم يكونوا بهذا الإقرار مسلمين، وذلك لعدم إخلاصهم العبادة لله وحده.\nالقسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات: الذي هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بالاعتراف والإقرار الجازم بكل ما ورد في كتاب الله وما ورد في سنة رسول الله ﷺ من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا.\nوطريقة سلف الأمة في هذا القسم: إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسول ﷺ، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فهم يعتقدون أن الله ﷾ ليس يشبهه ويماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فطريقتهم: إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل على حد قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).\nالمراد بالتحريف: هو في اللغة: التغيير والتبديل والإمالة والعدول.\nوهو في الشرع: العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره، وهو في باب الأسماء والصفات: تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله تعالى، مثل تحريف إعراب قوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى","vol":"1","page":66},{"text":"تَكْلِيمًا) من الرفع إلى النصب، ومثل تحريف معنى استوى: بـ استولى في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).\nأما التعطيل: فهو في اللغة: من العطل، الذي هو الفراغ والخلو، والترك، قال تعالى: (وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ) أي أهملها أهلها وتركوا وردها والمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.\nأما التكييف: فهو جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل مثال ذلك: قول بعض الفرق عن الله: (طوله كعرضه) ومعنى قول أهل السنة: (من غير تكييف): أي من غير كيف يعقله البشر وليس المراد من قولهم: (من غير تكييف): أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف إذ لا يعلم كيفية ذاته إلا هو سبحانه.\nأما التمثيل: فهو من المثل وهو الشبه والنظير، وهو في باب الأسماء","vol":"1","page":67},{"text":"والصفات بمعنى الاعتقاد في صفات الخلق أنها مثل صفات المخلوقين.\nفتوحيد الأسماء والصفات هو ما خلا فيه الأسماء والصفات الثابتة عن الله ورسوله عن هذه المحاذير الأربعة - التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل - فمن نفى صفات الرب جل وعلا وعطلها، فقد كذب تعطيلُه توحيدَه، ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهُه وتمثيلُه توحيدَه.\nومن أدلة هذا القسم من التوحيد: قوله تعالى: (اللهُ لا ٢ إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وقوله تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)، وقوله تعالى: (رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، وقوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) و(كَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.\nالنوع الثاني من أنواع التوحيد: توحيد الطلب والقصد: الذي هو توحيد الله بأفعال العباد، أو ما يعبر عنه بتوحيد الألوهية، وهو العلم والاعتراف بأن الله","vol":"1","page":68},{"text":"ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده تعالى بالعبادة كلها، وإخلاص الدين له وحده.\nويتحقق هذا النوع من التوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له ومحبته وخوفه ورجائه، والتوكل عليه، والرهبة والرغبة منه وإليه وحده، والتقرب إليه بسائر العبادات البدنية والمالية، إلى غير ذلك من أنواع العبادات التي تعبد الله بها خلقه وشرعها وبينها لهم رسول الله ﷺ.\nوهذا النوع من التوحيد هو أهم مهمات الرسل إلى أممهم، ومن أجله حصل الجدال وشرع الجهاد، وخلق الجن والإنس، وأنزلت الكتب وأرسل الرسل، وبسببه انقسم الناس إلى شقي وسعيد، وخلقت الجنة والنار.\nوقد بيَّن الله هذا التوحيد في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:\n١ - ما تضمنته سورة الكافرون: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).\n٢ - (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).","vol":"1","page":69},{"text":"٣ - (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا).\n٤ - (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).\n٥ - (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).\n٦ - (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ).\n٧ - (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).\n٨ - (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا).\n٩ - (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).\n١٠ - وقال تعالى حكاية عن الأنبياء قولهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).\nوبهذا يتبين بطلان ما زعمه بعض المتكلمين بأن غاية التوحيد هو (أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له) لأن التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله ليس هو هذه","vol":"1","page":70},{"text":"الأمور الثلاثة التي ذكروها، وإن كان فيها ما هو داخل في التوحيد الذي جاء به الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فمن عبد الله لم يشرك به شيئًا فقد وحّده، ومن عبد دونه شيئًا فهو مُشرك به، ليس بموحد مخلص له الدين، وإن كان قائلًا بهذه المقالات التي زعموا أنها توحيد.\nوقد اتضح لنا من الكلام السابق أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:\n١ - توحيد الربوبية.\n٢ - توحيد الأسماء والصفات.\nوهذا القسمان يتعلقان بالعلم والمعرفة.\n٣ - توحيد الألوهية أو العبادة، والذي يُقال له: توحيد الطلب والقصد.\nفهذه الأقسام الثلاثة (أو الأجزاء الثلاثة) إنما تثبت لنا من وجهين:\nالوجه الأول: الاستقراء والتتبع للنصوص:\nلقد ثبت بالتتبع والاستقرار: أن التوحيد الذي نزلت به الكتب ودعت إليه الرسل ينحصل في هذه الأقسام للتوحيد، لا يكمل توحيد العبد وإيمانه إلا","vol":"1","page":71},{"text":"باستكمالها جميعًا، وقد أوردنا الأدلة الدالة على هذه الأنواع من القرآن، فهذا غيض من فيض، بل القرآن كله في بيان هذه الأنواع للتوحيد.\nقال ابن القيم: (كل سورة في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به، داعية إليه.\nفإن القرآن:\n١ - إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.\n٢ - وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يُعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.\n٣ - وإما أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\n٤ - وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده.\n٥ - وإما خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النكال، فالقرآن كله في التوحيد).\nوقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي: (لقد تتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه وأصول أساليبه، فلم نجده - تعالى - حكى عن المشركين أن عقيدتهم","vol":"1","page":72},{"text":"في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه أنها تخلق وترزق وتحيي وتميت وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت والميت من الحي.، بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم: هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم بقوله: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) ...\nهل ترى في جميع هذا الذي حكاه الله عنهم: أنهم زعموا منه قليلًا أو كثيرًا، حقيرًا أو خطيرًا لآلهتهم التي هم لها يعبدون، وحولها يعكفون؟ بل صيروا هذه الصفات عطلًا عما تستتبع وتستلزم وتقتضي أن يكون لاحقًا لها ومتعلقًا بها ومنضمًا إليها من التوحيد والتفريد وعدم التشريك والتنديد، بالدعاء والعكوف والقرابين وغيرها.\nفهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سببًا أن سجل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والبغي والضلال والكفر والظلم والجهالة ...).\nفصرح النعمي ﵀ بأن من تتبع كتاب الله يجد فيه نوعين من التوحيد ويجد أن الشرك كان في العبادة دون الربوبية.\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (وقد دل استقراء","vol":"1","page":73},{"text":"القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الآية.\nالثاني: توحيده جل وعلا في عبادته.\nوضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات ... ومعنى الإثبات: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).\nالنوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته).\nفقه نبه فيه ﵀ إلى أن أقسام التوحيد الثلاثة مأخوذة بالاستقراء","vol":"1","page":74},{"text":"لنصوص القرآن الكريم، فهو إذن من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء.\nوقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد - حفظه الله ـ: (هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن جرير وابن منده وغيرهما ... وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كل فن، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه بهذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء).\nوقال الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة: (وأما تقسيم التوحيد إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله تعالى - إلى توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فهذا تقسيم اصطلاحي استقاه العلماء مما جاء في الكتاب والسنة في مواضع لا تحصى، مما رد الله تعالى به على المشركين الذين كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية، وفي سورة الفاتحة التي يقرؤها المسلم في صلاته مرات كل يوم: دليل على ذلك).","vol":"1","page":75},{"text":"فما آمن بالتوحيد من لم يؤمن بهذه الأنواع المستمدة من نصوص الشرع، إذ التوحيد المطلوب شرعًا هو الإيمان بوحدانية الله في ربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، ومن لم يأت بهذا جميعه فليس موحدًا، وهذا ثابت بالاستقراء، والاستقراء دليل يفيد القطع إذا كان تامًا، فهاهنا نحن استقرينا النصوص الشرعية كلها فلم نجد إلا هذه الأقسام الثلاثة وما يتعلق بها، مما يدل على أن هذه الأقسام قطعية، وهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد.\nفلا يصح لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متلازمة يلزم بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها خلل في التوحيد كله، فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفته تعالى، فهما متلازمان.\nالشبهات حول الاستقراء والردود عليها:\nالشبهة الأولى: قولهم: إن للعلماء عبارات مختلفة في تقسيم التوحيد، فمنهم من قال: التوحيد قسمان:","vol":"1","page":76},{"text":"١ - توحيد في المعرفة والإثبات.\n٢ - توحيد في المطلب والقصد.\nومنهم من قال: التوحيد قسمان:\n١ - التوحيد العلمي الخبري.\n٢ - التوحيد الإرادي الطلبي.\nومنهم من قال: التوحيد قسمان:\n١ - التوحيد القولي.\n٢ - التوحيد العملي.\nويقول بعضهم: التوحيد قسمان:\n١ - توحيد السيادة.\n٢ - توحيد العبادة.\nوبعض العلماء يذكرون له ثلاثة أنواع - كما أسلفنا - فلو كان الاستقراء والتتبع صحيحًا لما حصل هذا التناقض.\nيقال في الرد عليها: إن تنوع العبارات في التعبير عن أنواع التوحيد لا يدل على التناقض، فإنها متفقة في المضمون، فمثلًا: التوحيد العلمي والخبري، وتوحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي، وهكذا توحيد السيادة كلها بمعنى: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية.\nوتوحيد القصد والطلب، والتوحيد الإرادي الطلبي، والتوحيد العملي، وتوحيد العبادة كلها بمعنى توحيد الألوهية.","vol":"1","page":77},{"text":"الشبهة الثانية: إن بعض العلماء لا يذكرون إلا تقسيمًا ثنائيًا.\n١ - توحيد الألوهية.\n٢ - توحيد الربوبية.\nوبعض العلماء - يزيدون عليه تقسيمًا، فيجعلونه ثلاثيًا، بقولهم:\n٣ - توحيد الأسماء والصفات.\nأفلا يدل هذا على عدم الاستقراء التام؟\nالرد عليها: «تقسيم التوحيد إلى قسمين هذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين؛ لأنهم يجمعون توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنها يشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿، فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يشكل جانب العمل لله.\nوتقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار متعلق بالتوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على الموحد».\nالشبهة الثالثة: هذا الاستقراء ليس بتام، فإنه يذكر عن البعض قسمًا رابعًا وهو:\n٤ - توحيد الاتباع أو توحيد الحاكمية (أي التحاكم إلى الكتاب والسنة).\nالرد عليها: الملاحظة من الذي ذكر هذا القسم: أن هذا القسم في الحقيقة داخل ضمن توحيد الألوهية؛ لأن العبادة لا تقبل شرعًا إلا بشرطين وهما:\nأ - الإخلاص.","vol":"1","page":78},{"text":"ب - الاتباع.\nكما قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). وهذا إذا كان العمل مقصورًا في جانب الاتباع فقط، وأما إذا اعتقد حق التشريع لغير الله ﷿ كمن أحل القوانين الوضعية مكان الشريعة المطهرة ودان لها وقضى بها فإنه حينئذ يكون منافيًا لتوحيد الربوبية، فإن التشريع من أمور الربوبية، فالقضاء بغير الكتاب والسنة والعمل بغيرهما مناف لتوحيد الألوهية واعتقاد جواز إحلالها محل شرع الله أو أنها مثل القوانين الأخرى فيسوغ إحلالها محل تشريع الله مناف لتوحيد الربوبية.\nويقول بعض العلماء مبررًا لزيادة هذا الجزء: (لعل مقصود من أفرد (الاتباع) أو (الحاكمية) بقسم مستقل هو إبراز أهمية وتعظيم شأنه نظرًا لانصراف الناس عنه، والله أعلم).\nولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن زيادة توحيد الحاكمية - وإن كان لمجرد إظهار أهمية هذا الجانب - فإن فيه بعض المفاسد؛ لأنه يفتح أبوابًا من البدع في العقيدة وفي المنهج السلفي النقي، فمثلًا يأتي أحدهم فيزيد توحيد الخالقية وتوحيد الرازقية وتوحيد الاتباع وغيرها من أفراد توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.","vol":"1","page":79},{"text":"وأما إذا كان المراد بزيادة ما سموه بتوحيد الحاكمية؛ أن السلف حين ذكروا أجزاء التوحيد نسوا بعض جوانب التوحيد فقد أخطئوا خطأً فاحشًا بيِّنًا، بل نتج هذا عن فقد حقيقة المعرفة والتصور لأقوال السلف وآرائهم.\nهكذا لو أرادوا بذلك أن مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هي توحيد الحاكمية فقط، يلزم منه نسبة القصور إلى دعوة الرسل الذين لم يقيموا الدولة ولا الحكم الشرعي فيها، وحينئذ يكون هذا القول مردودًا بنصوص القرآن والسنة.\nوأما إن كان المراد - كما يظهر من مؤلفات بعض الكتاب المعاصرين - أنه لو قامت الحكومة الإسلامية وحكَّمت الدولة الشريعة الإسلامية فالبدع والخرافات والأعمال الشركية كلها تزول تلقائيًا بعدها، حينئذ يكون هذا القول ناتجًا عن فساد في الفكر وعدم معرفة منهج الأنبياء والمرسلين ومنهج سلفنا الصالح في الدعوة إلى الله.\nفالحكومة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإلهية فيها لها دورها في القضاء على الفساد والأعمال الشركية - كما هو مشاهد في هذه الدولة السعودية المباركة التي أُسست على التوحيد ومخالفة الشرك - ولكن مجرد قيام الحكومة الإسلامية لا تصحح عقيدة الناس، والواقع خير شاهد على ذلك، فهناك بعض الدول في العصر الحاضر يفتخر بأنها أقامت دولة إسلامية، وعقائد أهل تلك الديار عقائد وثنية مليئة بالخرافات والأساطير، وذلك لمخالفتهم هدي الأنبياء والرسل في الدعوة إلى الله.","vol":"1","page":80},{"text":"فالأنبياء إنما بدءوا بالدعوة إلى إخلاص العبادة لله ونبذ الشرك به - كما هو معروف لدى كل من له أدنى مسكة من معرفة في منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله - وبعد ما صححت عقيدة الناس قاموا بتطبيق شرع الله والقضاء على ما يخالفه.\nوليس المراد به أنني أقلل من أهمية قيام الدولة الإسلامية أو تطبيق الشريعة فيها، فإن أهميته ظاهرة إذ لا يمكن القضاء على كثير من أنواع البدع والشركيات الظاهرة إلا بالسلطة، وهذا ظاهر والحمد لله، ولكن القضاء على الشركيات الموجودة في قلوب الناس لا يمكن إلا بالدعوة إلى توحيد الربوبية والألوهية أولًا وبنبذ ما يخالفهما.\nالوجه الثاني من أوجه إثبات تقسيم التوحيد: وجود هذا التقسيم في عبارات السلف إما صراحة وإما إشارة وتلميحًا، وفيما يلي نُقول لبعض أقوالهم الدالة على إثبات نوعي التوحيد:\n١ - ابن عباس: ﵄. حيث قال في تفسير قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). قال: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).\nوقال أيضًا في تفسير الآية: (ولئن سألتهم من خلق السماء والأرض ليقولن الله ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، وهم مع ذلك يشركون به، ويعبدون غيره ويسجدون للأنداد دونه).","vol":"1","page":81},{"text":"٢ - مجاهد: قال في تفسير الآية المذكورة: (إيمانهم قولهم: الله خالقنا يرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره).\nوقال أيضًا: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم ويكفرون بما سوى ذلك).\n٣ - قتادة: حيث قال في تفسير هذه الآية: (وهم مشركون في إيمانهم هذا، إنك لست تلقى أحدًا منهم إلا أنبأك أن الله ربه وهو الذي خلقه ورزقه، وهو مشرك في عبادته).\n٤ - عطاء: يقول في تفسير الآية: (يعلمون أن الله ربهم وهم يشركون به بعد).\nوفي رواية عنه: (يعلمون أن الله خالقهم ورازقهم وهم يشركون به).","vol":"1","page":82},{"text":"٥ - سعيد بن جبير: قال في تفسير الآية: (من إيمانهم: إذا قيل لهم: من خلق السماء ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون).\n٦ - عكرمة: قال في تفسير الآية: (تسألهم من خلقهم ومن خلق السموات والأرض، فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره).\nوفي رواية عنه: (من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا: من خلقهم؟ قالوا: الله، وهم يشركون به بعد).\n٧ - عامر الشعبي قال: (يعلمون أنه ربهم وأنه خلقهم وهم مشركون به).","vol":"1","page":83},{"text":"وفي رواية: (ليس أحد إلا وهو يعلم أن الله خلقه وخلق السموات والأرض، فهذا إيمانهم، ويكفرون بما سوى ذلك).\n٨ - قال ابن زيد: معناه: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربه وأن الله خالقه ورازقه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ) قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون قال: فليس أحد يشرك به إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبي تقول: (لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك) المشركون كانوا يقولون هذا).\nيفهم من هذه الأقوال: أن هؤلاء العلماء من أئمة السلف كانوا عارفين بنوعي التوحيد؛ حيث ذكروا في تفسير الآية أن المشركين كانوا مقرين بنوع من التوحيد، وهو توحيد الربوبية أو توحيد الله في أنه هو الرب وهو الخالق وهو الرازق وهو المحيي والمميت، ولكن الإقرار بهذا النوع لم يدخلهم في التوحيد ولم يدخلهم في زمرة المؤمنين، بل وسمهم الله بسمة المشركين، وقاتلهم رسول الله ﷺ على ذلك، فدل على أنهم لم يأتوا بما أمرهم الله عز","vol":"1","page":84},{"text":"وجل به، فهذا التفريق كان موطن الإجماع بين السلف.\nفهذه الأنواع من التوحيد كانت معروفة لدى السلف، حتى إن العرب كانوا يعرفونها بسليقتهم، فلم يحتاجوا أن يبينوا هذه الأقسام على حده، بل كان من عرف التوحيد عرف بأقسامه وأبعاده ومقتضياته ومكملاته، فلهذا كانوا يخالفون الرسول ﵊ ويحاربونه أشد المحاربة.\nولو كان التوحيد هو مجرد معرفة أن الله ربنا وخالقنا، لم يكن بين الأمم ورسلهم اختلاف فإنهم كانوا مقرين بهذا النوع. ولكن الخلاف كان بينهم بين الرسل في الجزء الآخر الذي هو من مستلزمات هذا التوحيد وهو عبادته وحده لا شريك له، فلهذا كانت العرب تقول مستنكرين: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) أي أجعل المعبودات معبودًا واحدًا؟\nفالنضال الذي وقع بينهم وبين الرسل وأتباعهم إنما كان لأجل التوحيد العبادة لله وحده؛ وكان العرب يعرفون ذلك بلسانهم لفصاحتهم وملكتهم وسليقتهم في اللغة، فلهذا كانوا يأبون أن ينطقوا كلمة (لا إله إلا الله) فإنهم يعرفون: أن معناها إخلاص العبادة للخالق الذي نعترف به جميعًا، فترى السلف - من الصحابة - لم يوضحوا تقسيم هذا التوحيد، لا لأنهم لا يعرفونه، بل لأن هذا الشيء مسلم لدى الجميع، حتى دخل العجم في الإسلام، وأفسدوا ما لدى العرب من ملكتهم، فلم يعرفوا لغتهم ولا مقتضاها اللفظي والبلاغي.\nفلما رأى بعض السلف تدهور المفاهيم الشرعية للألفاظ والنصوص الشرعية أرادوا أن يحافظوا على هذه المفاهيم حسب ما كان يعرفه العرب في","vol":"1","page":85},{"text":"زمن الرسول ﵊ وقبل دخول العجمة في لغتهم، فحرروها في كتبهم وسجلوها في مصنفاتهم حتى تبقى المصطلحات الشرعية على الجادة، فمن هذا المنطلق قسموا - أو بتعبير أدق: أظهروا - جاء التوحيد للعامة كي لا يغتروا ولا ينسوا بمرور الزمان مدلولاته الشرعية. فترى ذلك واضحًا في أقوال الأئمة والمصنفين في العقيدة والشريعة، كما سيأتي.\n٩ - قال الإمام أبو حنيفة ﵀ في كتابه (المنسوب إليه) الفقه الأبسط: (والله يدعى من أعلى لا من أسفل؛ لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء).\nفقوله: (يُدعى من أعلى لا من أسفل) فيه إثبات العلو لله، وهو من توحيد الصفات.\nوقوله: (من وصف الربوبية) فيه إثبات توحيد الربوبية.\nوقوله: (والألوهية) فيه إثبات توحيد الألوهية.\n١٠ - قال الإمام أبو يوسف ﵀: (ليس التوحيد بالقياس، ألم تسمع إلى قول الله ﷿ في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر قوي","vol":"1","page":86},{"text":"مالك، ولم يقل: إني قادر عالم، لعله كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته، ...\nولم يقل الله: انظر كيف أنا العالم وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت، ثم قال: (والله خلقكم ثم يتوفكم)، وقال: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). أي تعلم أن هذه الأشياء لها رب يقلبه ويبدئها ويعيدها وأنك مكون ولك من كونك، وإنما دل الله ﷿ خلقه بخلقه ليعرفوا: أن لهم ربًا يعبدوه ويطيعوه ويوحدوه، ليعلموا أنه مكونهم لا هم كانوا، ... يعرف الله بآياته وبخلقه ويوصف بصفاته ويسمى الله بأسماء كما وصف في كتابه وبما أدى إلى الخلق رسوله ...\nإلى أن قال: إن الله ﷿ خلقك وجعل فيك آلات وجوارح، عجز بعض جوارحك عن بعض، وهو ينقلك من حال إلى حال لتعرف أن لك ربًا وجعل فيك عليك حجة بمعرفته تتعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن، وأنا الله وأنا القادر وأنا الملك، فهو يوصف بصفاته ويسمى بأسمائه ... فقد أمرنا الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبيه له ولا مثل له ... فقد أمرك الله ﷿ أن تكون تابعًا سامعًا مطيعًا ولو يوسع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيه وقياسه وهواه إذًا لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله","vol":"1","page":87},{"text":"﷿: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) فافهم ما فسر به ذلك).\nفهذا كلام نفيس لأبي يوسف في باب التوحيد وهو ظاهر في توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.\n١١ - الإمام ابن جرير الطبري قال في تفسير الآية (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ): (ويقول تعالى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء - الذين وصف الله ﷿ صفتهم بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) - بالله أنه خالقه ورازقه وخالق كل شيء إلا وهم به مشركون في عبادتهم الأوثان والأصنام، واتخاذهم من دون الله أربابًا، وزعمهم: أن له ولدًا، تعالى الله عما يقولون).\nيظهر من قول ابن جرير: أنه يرى في تحقيق الإيمان والتوحيد أن يكون موحدًا في العبادة والألوهية كما يعترف بربوبيته وخالقيته ورازقيته، وإلا يبقى مشركًا ويعد فعله مشركًا الذي هو ضد التوحيد، وليس هذا إلا إثبات تقسيم التوحيد إلى توحيد المعرفة والإثبات بنوعيه؛ الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الطلب والقصد.","vol":"1","page":88},{"text":"١٢ - الإمام أبو جعفر الطحاوي في مقدمة متنه في العقيدة المشهورة بالطحاوية:\n(نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له ولا شيء يعجزه ولا إله غيره) ولا شك أن فيه بيان أجزاء التوحيد الثلاثة.\n١٣ - الإمام ابن بطة العكبري: قال: (وذلك؛ أن أصل الإيمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء:\nأحدها: أن يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعًا.\nوالثاني: أن يعتقد وحدانيته ليكون مباينًا بذلك مذاهب أهل الشرك الذين","vol":"1","page":89},{"text":"أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.\nوالثالث: أن يعتقده موصوفًا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه.\nإذ قد علمنا أن كثيرًا ممن يقر به، ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إلحاده في صفاته قادحًا في توحيده.\nولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والإيمان بها).\nفهل ثمة أصرح من هذا الكلام في تقسيم التوحيد وابن بطة من علماء السلف المشهورين المتقدمين.\n١٤ - الحافظ ابن منده: فإنه صنف كتابًا وسماه بـ (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله ﷿ وصفاته على الاتفاق والتفرد) وذكر فيه أقسام التوحيد واستعرض كثيرًا من أدلتها في هذا الكتاب واستدل لها من الكتاب والسنة بشرح وبسط وتفصيل بما لا مزيد عليه.\n١٥ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني:\nتنوعت عبارات شيخ الإسلام في هذا الموضوع مع أن المؤدى منها واحد، فتراه مثلًا يقول:\nأ- (التوحيد الذي بعث الله به رسوله إما قول وإما عمل، فالتوحيد القولي: مثل سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، والتوحيد العملي: (قُلْ يَا أَيُّهَا","vol":"1","page":90},{"text":"الْكَافِرُونَ) ولهذا كان ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطواف وغير ذلك.\nب - وقال في تفسير قوله ﷺ: «ولا ينفع ذا الجد منك الجد»، (والمعنى: أن صاحب الجد لا ينفعه منك جده أي لا ينجيه و(لا) يخلصه منك جده، وإنما ينجيه الإيمان والعمل الصالح، والجد هو الغنى، وهو العظمة وهو المال ... فبين في هذا أصلين عظيمين:\nأحدهما: توحيد الربوبية، وهو أن لا معطي لما منع الله، ولا مانع لما أعطاه ولا يتوكل إلا عليه، ولا يسأل إلا إياه.\nالثاني: توحيد الإلهية: وهو بيان ما ينفع، وما لا ينفع، وأن ليس كل من أعطي مالًا أو دينًا أو رئاسة كان ذلك نافعًا له عند الله منجيًا له من عذابه، ... وتوحيد الألوهية: أن يعبد الله، ولا يشرك به شيئًا، فيطيعه، ويطيع رسله، يفعل ما يحبه ويرضاه.\nوأما توحيد الربوبية، فيدخل ما قدره وقضاه، وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه وأرضاه، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الألوهية ويستعين الله على ذلك، وهو توحيد له، فيقول: إياك نعبد وإياك نستعين).","vol":"1","page":91},{"text":"ج - وقال في موضع (في سياق الكلام عن توحيد المتكلمين):\n(إنهم أخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية، وإثبات حقائق أسماء الله وصفاته، ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) ... وإنما التوحيد الذي أمر الله العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية ... فيكون الدين كله لله).\nد - وقال في موضع آخر:\n(وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن ذلك من يظن من أهل الكلام والتصوف، ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، ويظن هؤلاء أنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد ... وذلك؛ أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويستلزم بعبادة الله وحده لا شريك","vol":"1","page":92},{"text":"له ...)، فـ (شهادة أن لا إله إلا الله فيها الإلهيات، وهي الأصول الثلاثة؛ توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأصول الثلاثة تدور عليها أديان الرسل وما أنزل إليهم، وهي الأصول الكبار التي دلت عليها، وشهدت بها العقول والفطرة).\n١٦ - الإمام ابن القيم ﵀ وقد ذكره في أماكن، منها:\nأ- ما قال في شرح المنازل: (فصل في اشتمال هذه السورة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفقت عليها الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم ـ. التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد. ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي والإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني أيضًا نوعان: توحيد في الربوبية وتوحيد في الإلهية. فهذه ثلاثة أنواع. فأما توحيد العلم فمداره على إثبات صفات الكمال وعلى نفي التشبيه والمثال والتنزيه عن العيوب والنقائص).\nب- وقال أيضًا: (وأما التوحيد الذي دعت إليه رسول الله ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في الطلب والقصد.","vol":"1","page":93},{"text":"فالأول: هو حقيقة ذات الرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعلوه فوق سمواته على عرشه، وتكلمه بكتبه وتكليمه لمن يشاء من عباده، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمه. وأفصح القرآن عن هذا النوع جد الإفصاح، كما في أول سورة الحديد وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة تنزيل السجدة، وأول سورة آل عمران، وسورة الإخلاص بكاملها، وغير ذلك.\nوالنوع الثاني: مثل ما تضمنته سورة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) الآية، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وجملة سورة الأنعام، وغالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه ...).\nوبالجملة: فابن القيم له عبارات كلها تدور حول تقسيم التوحيد إلى الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. فمثلًا أنه قال: التوحيد نوعان:\n١ - التوحيد في العلم والاعتقاد، والمراد به: توحيد الأسماء والصفات.\n٢ - التوحيد في الإرادة والقصد. والمراد به: توحيد الألوهية والربوبية.\nوقال أيضًا: التوحيد نوعان:\n١ - توحيد في المعرفة والإثبات، والتوحيد القولي. والمراد به: توحيد الربوبية والأسماء والصفات.","vol":"1","page":94},{"text":"٢ - توحيد في المطلب والقصد، والتوحيد العملي. والمراد به: توحيد الألوهية.\nوربما قال: التوحيد نوعان: أ- عام، ب- خاص.\nوأراد بالعام: ١ - توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوأراد بالخاص: ٢ - توحيد الألوهية.\n١٧ - العلامة المقريزي: قال في كتابه (تجريد التوحيد المفيد) ما نصه: (اعلم أن الله سبحانه هو رب كل شيء ومالكه وإلهه، فالرب مصدر رب يرب ربًا فهو راب: فمعنى قوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) راب العالمين، فإن الرب ﷾ هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا.\nوالإلهية: كون العباد يتخذونه سبحانه محبوبًا مألوهًا ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل ونحو هذه الأشياء ... - إلى أن قال ـ: وهذا التوحيد مقام الصديقين، ولا ريب: أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون بل أقروا بأنه سبحانه وحده خالقهم وخالق السموات والأرض والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الألوهية والمحبة ... إلخ).\n١٨ - العلامة ابن أبي العز الحنفي: قال في شرح العقيدة الطحاوية:","vol":"1","page":95},{"text":"(فالتوحيد أول الأمر وآخره، أعني توحيد الإلهية، فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:\nأحدها: الكلام في الصفات.\nوالثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.\nوالثالث: توحيد الألوهية، وهو استحقاقه ﷾ أن يُعبد وحده لا شريك له ...).\nوقد قال ملا علي القاري مثل هذا الكلام في «شرح الفقه الأكبر» للإمام أبي حنيفة كما ذكره الشيخ ولي الله الدهلوي: في «الفوز الكبير في أصول التفسير».","vol":"1","page":96},{"text":"١٩ - شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ حيث إنه قل ما كتب في التوحيد والعقيدة إلا واعتنى بهذا التقسيم، بل دعوته في إبراز هذين النوعين من التوحيد ظاهرة.\nفهذه بعض أقوال العلماء من السابقين واللاحقين كلهم على إثبات جزئي التوحيد - الربوبية والألوهية - وهم سادات هذه الأمة، وليس المراد هنا الحصر، وإنما المقصود بيان نماذج مَن ذكره من العلماء، وليس هناك قضية مثله في الوضوح، فالمنكر له ليس عنده أي مستند شرعي ولا نقل سلفي، وإنما هو مكابر ومعاند، والله أعلم.\nالعلاقة بين أقسام التوحيد:\nهذه الأقسام تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه (التوحيد) فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة فهي متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله.\nوقد أوضح بعض أهل العلم هذه العلاقة بقوله: (هي علاقة تلازم وتضمن وشمول، فتوحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية)، وتوحيد الألوهية","vol":"1","page":97},{"text":"متضمن لتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.\nبيان ذلك: أن من أقر بتوحيد الربوبية وعلم أن الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته، لزمه من ذلك الإقرار بأن يفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده. ولهذا جرت سنة القرآن الكريم على سوق آيات ربوبيته مقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nوأما توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأن من عبد الله ولم يشرك به شيئًا فإنه يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا رب غيره.\nوهذا أمر يشاهده الموحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية وأنه لا رب ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.\nوأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكل ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى التي لا","vol":"1","page":98},{"text":"تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرب، الخالق، الرازق، الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.\nومن جملتها: الله، الغفور، الرحيم، التواب، وهذا هو توحيد الألوهية.\nوبعبارة أخرى: أن التوحيد علمي اعتقادي وعملي طلبي، والعملي متضمن للعلمي، فإذا علم العبد أن ربه لا شريك له في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته نتج عنه أن يعمل على طاعته وعبادته، ومن عبد إلهه ووحده يكون قد اعترف أولًا بأن لا رب غيره يشركه في خلقه وأمره، ولا يجوز العكس؛ لأن القلب يتعلق أولًا بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية.\nقال ابن القيم: (الإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها توحيد الربوبية الذي أُمر به المشركون فاحتج الله عليهم به، فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الألوهية).\nوبناء على ما مضى: فهمنا أن توحيد الربوبية والأسماء والصفات وحده لا يكفي لإدخال صاحبه في الإسلام ولا ينقذه من النار ولا يعصم ماله ودمه - كما مر بيانه سابقًا - قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وكلمة الشهادة التي دعا إليها الرسل - لا إله إلا الله - تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، فقد دلت على توحيد العبادة؛ لأن معناها: لا معبود بحق إلا الله، ففيها إثبات العبادة لله ونفيها عما سواه، ودلت على توحيد الربوبية؛ لأن العاجز لا يكون إلهًا، فإن المعبود لابد","vol":"1","page":99},{"text":"وأن يكون خالقًا مدبرًا، ودلت على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن فاقد الأسماء الحسنى وصفات الكمال غير كامل ولا يصلح مَنْ هذا حاله، أن يكون إلهًا خالقًا.\nولمزيد من التفصيل في هذا الباب أذكر هنا فروقًا بين نوعي التوحيد فأقول: إن بينهما فروقًا من عدة اعتبارات:\n١ - الاختلاف في الاشتقاق: فالربوبية مشتقة من اسم الله (رب) والألوهية مشتقة من لفظ (الإله).\n٢ - أن متعلق الربوبية الأمور الكونية: كالخلق والرزق، والإحياء والإماتة ونحوها، ومتعلق توحيد الألوهية: الأوامر والنواهي: من الواجب، والمحرم، والمكروه.\n٣ - أن توحيد الربوبية قد أقر به المشركون غالبًا، وأما توحيد الألوهية فقد رفضوه وذكر الله ذلك في كتابه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقال ﷿: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).\n٤ - أن توحيد الربوبية مدلوله علمي، وأما توحيد الألوهية فمدلوله عملي.\n٥ - أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، بمعنى أن توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، وأن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى توحيد الألوهية.","vol":"1","page":100},{"text":"٦ - أن توحيد الربوبية لا يُدخِلُ من آمن به في الإسلام بعكس توحيد الألوهية، فإن الإيمان به يدخل في الإسلام.\n٧ - يقال لتوحيد الربوبية: توحيد المعرفة والإثبات، ولتوحيد الألوهية: توحيد الإرادة والقصد.\nالشبهات حول تقسيم التوحيد والردود عليها:\nرغم ظهور هذه القضية فقد خالف فيه من خالف، وتشبثوا بشبه عديدة يحاولون بها إنكار تقسيم التوحيد إلى الربوبية والألوهية، وقالوا بترادف الألوهية والربوبية، وهم فئتان:\nأ - المتكلمون من الماتريدية والأشعرية، فقد زعموا: أن الألوهية بعينها هي الربوبية.\nب - القبورية المتصوفة: حيث قالوا: إن الألوهية بعينها هي الربوبية بدون فرق وتمييز بينهما، فهما متحدان لا متغايران.\nوسأذكر فيما يلي مجمل شبهاتهم مع الردود عليها:\nالشبهة الأولى: الإله هو الرب، والرب هو الإله، فيكون توحيد","vol":"1","page":101},{"text":"الربوبية وتوحيد الألوهية متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود والاعتقاد.\nالرد: سبق أن ذكرنا معنى الإله والرب في اللغة والشرع، واتضح لنا أن لفظ الإله ومعناه غير الرب ومعناه في اللغة والشرع وهو المعروف عند سلف هذه الأمة. بقي أن نشير هنا إلى قاعدة مهمة لإزالة لبسٍ قد يقع، وهي: أن أسماء الله أعلام وأوصاف، فهي باعتبار دلالتها على الذات أعلام، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، وهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد وهو الله ﷿، وبالاعتبار الثاني متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمن قال بترادفها بالاعتبار الثاني فهو جاهل؛ إذ لم يميز بين معنى الإله ومعنى الرب، ولم يعن نفسه بمطالعة كتب اللغة وكلام أهل العلم ليظهر له الفرق.\nالشبهة الثانية: إذا كان كفار مكة مقرين بتوحيد الربوبية فهل يكون توحيدهم هذا صحيحًا؟ وهل للكفار توحيد صحيح؟ وإذا لم يكن توحيدهم صحيحًا معناه أنهم ما كانوا مقرين بالتوحيد، فلا عبرة بهذا التقسيم.\nالرد: لم يصف أحد من أهل العلم من جاء بتوحيد الربوبية بأنه موحد هكذا على الإطلاق، وإنما يوصف الموحد عندهم من جاء بالتوحيد بأقسامه (أجزائه) الثلاثة، وإنما يأتي في كلام أهل العلم عمن أثبت ربوبية الله وأنه","vol":"1","page":102},{"text":"وحده هو الخالق الرازق المالك المدبر لا شريك له، ثم لم يفرده بالعبادة بأنه مقر بتوحيد الربوبية أو معترف بتوحيد الربوبية أو نحو ذلك، ولا يرون أن هذا ينجيه من عذاب الله أو يخرجه من وصف الكفر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأما توحيد الربوبية الذي أقر به الخلق وقرره أهل الكلام فلا يكفي وحده، بل هو من الحجة عليهم).\nوقال ابن القيم: (وأما توحيد الربوبية الذي أقر به المسلم والكافر وقرره أهل الكلام في كتبهم فلا يكفي وحده، بل هو الحجة عليهم كما بيَّن ذلك سبحانه في كتابه في عدة مواضع).\nوقال الصنعاني: (الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد ...).\nثم إن إطلاق أهل العلم لمن أثبت ربوبية الله وأنه الخالق الرازق ... إلخ، بأنه مقر بتوحيد الربوبية وإن كان مشركًا في العبادة قول مطابق لما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى: (فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون).\nقال ابن عباس: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر","vol":"1","page":103},{"text":"وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق). وقال قتادة: (أي تعلمون أن الله خلقكم وخلق السموات والأرض ثم تجعلون له أندادًا).\nوقال ابن جرير: (... ولكن الله جل ثناؤه قد أخبر في كتابه عنها (أي عن العرب) أنها كانت تقر بالوحدانية غير أنها كانت تشرك في عبادته ما كانت تشرك فيها، فقال جل ثناؤه ... (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) ...) وقد سبق إيراد أقوال السلف في تفسير هذه الآية التي تدل على أنهم كانوا يطلقون على من اعترف بالله خالقًا وعبد معه غيره بأنه اعترف بتوحيد الربوبية إلا وهو مشرك في عبادته غيره، ولهذا قال الصنعاني: (ولفظ الشريك يشعر بالإقرار بالله تعالى).\nثم هنا أمر لابد من تقريره وإيضاحه وهو أن قول أهل العلم عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم ببعض صفات الربوبية وخصائصها.\nثم إن هذا ليس حكمًا عامًا مطردًا على جميع المشركين، بل وهم كما قال شيخ الإسلام: (إن كثيرًا من أهل الشرك والضلال قد يضيف وجود بعض","vol":"1","page":104},{"text":"الممكنات أو حدوث بعض الحوادث إلى غير الله، وكل من قال هذا لزمه حدوث الحادث بلا سبب، وهم مع شركهم وما يلزمهم من نوع تعطيل في الربوبية لا يثبتون مع الله شريكًا مساويًا له في أفعاله ولا في صفاته).\nفعلمنا بذلك أنه لم يقل أحد من أهل السنة أن من أشرك في الألوهية وأقر بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، ويوجب له دخول الجنة، كيف وقد قال الله تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، فالآية فيها الإطلاق، أي من يشرك بالله شركًا أكبر في الألوهية أو الربوبية يدخل النار.\nوأما فهم أن من أقر الله بالربوبية يكون توحيده صحيحًا، فهذا على أصل الأشاعرة والماتريدية وزملائهم الصوفية، فإن توحيد الربوبية هي الغاية العظمى عندهم، وليس عندنا.\nالشبهة الثالثة: هل سمع المسلمون في الأحاديث والسير: أن رسول الله ﷺ إذا قدمت عليه أجلاف العرب: ليسلموا على يده يفصل لهم توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ ويخبرهم أن توحيد الألوهية هو الذي يدخلهم الإسلام؟ .\nالرد على هذه الشبهة: من وجهين:\nالأول: يقال من باب المعارضة: وهل قال الرسول ﵊: إن الوحدانية تكون في الذات والصفات والأفعال كما نص عليه الأشاعرة على أن هذه هي أنواع التوحيد؟ وكما نص عليه أئمة القبورية؟","vol":"1","page":105},{"text":"الثاني: إن الشبهة - كما يفهم من السؤال الاستنكاري - بأن الرسول ﷺ ما كان يفصل لأجلاف العرب نوعي التوحيد؛ لا تخلو من أحد احتمالين:\nالاحتمال الأول: إما أن يريد أن الرسول ﷺ لم يبين لهم معنى التوحيد فهذا باطل - يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام، ويمكن أن يعلم بيان الرسول ﷺ للتوحيد بنهيه عن الشرك وتحذيره منه، وبيان خطره وقبحه - كما سيأتي بيانه في مبحث آخر - وبإقامة البراهين والحجج على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة بأنواع من الأدلة كبيان ربوبية الله وإنعامة وتقرير المشركين بذلك، وبيان ضعف وعجز من يعبد من دون الله، وبيان وسائل الشرك وذرائعه ونهيه وتحذيره منها، فكيف يقال بعد هذا كله: إن الرسول ﷺ لم يبين نوعي التوحيد معنى؟ !\nالاحتمال الثاني: أو يريد أن الرسول ﷺ لم ينص لفظًا على أن التوحيد ينقسم إلى الربوبية والألوهية، فهذا حق، ولكن لا يلزم منه ألا يكون قد بين معنى التوحيد، فهذه أمور لو كانت أمورًا اصطلاحية فقط كما اصطلح الأشاعرة على تقسيمهم القاصر للتوحيد لما كان هناك أي حجة لهم في إنكارها، فضلًا عن كون هذه الأمور (التقسيم) من الحقائق الشرعية المستمدة من كتاب الله تعالى، وليس أمرًا اصطلاحيًا أنشأه بعض العلماء، والأدلة دالة على شمول تقسيم أهل السنة للتوحيد.\nالشبهة الرابعة: أن القول بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات شر بدعة أحدثها السلفية، بل أي دين سوى دين النصرانية ذلك الدين الذي يثبت لله تعالى أقانيم ثلاثة، فتثليثهم أشبه بتثليث","vol":"1","page":106},{"text":"النصارى.\nالرد:\n١ - أن التثليث عقيدة نصرانية تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة، وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفرهم الله بها في محكم تنزيله، أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية والألوهية والأسماء والصفات أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات، توحيد إرادة وطلب، فهذه عقيدة المسلمين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ سوى المبتدعة الضلال، وقد سبق أن أوردنا أدلة القرآن والسنة على إثبات هذه الأنواع بما لا مزيد عليه.\n٢ - ثم يقال لهم: ألستم تقولون: (هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له)، فقد أثبتم ثلاثة أقانيم ما فررتم منها ورميتمونها بها، فما جوابكم فهو عين جوابنا.\n٣ - هذه الأقسام الثلاثة هي أقسام حقوق الله تعالى، وليست أقسام الآلهة كما في عقيدة النصارى.\nالشبهة الخامسة: إن هذا التقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، بل هو الذي اخترعه.\nالرد عليها: هذه الشبهة تدل على قصور علمهم وقلة خبرتهم ومعرفتهم","vol":"1","page":107},{"text":"بكتب السلف الصالح؛ إذ هي مليئة بالتصريح تارة وبالإشارة تارة إلى هذه الأقسام، ولو ذهبت أنقل كل ما في ذلك لطال المقام، ولكن حسبي ما أوردت بعض النقول من النصوص المشتملة على ذكر أقسام التوحيد الثلاثة لبعض الأئمة الذين كانوا قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ليظهر كذب من يتهم شيخ الإسلام بهذه التهمة حيث أوردت قول كل من الإمام ابن بطة، وابن منده، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، وابن جرير الطبري وغيرهم، ﵏.\nإشكال:\nفإن قيل: إن كثيرًا من العلماء - الذين صنفوا في علم الكلام (من المتكلمين) قد أعرضوا عن بيان هذه الأقسام للتوحيد، بل أغلبهم بذلوا جهودهم في إثبات الجزء الأول من التوحيد، ولم يتعرضوا للأجزاء الأخرى، فهل هناك سبب معين في إعراضهم عن ذكر توحيد الألوهية؟ وهل هذا ناتج عن عدم فهمهم للآيات القرآنية والسنة الصحيحة، وهل كان الجميع - متقدموهم ومتأخروهم - بمعزل تام عن معرفة هذا الجزء من التوحيد؟\nدفع الإشكال: لا، بالتأكيد، بل لعل المتقدمين كانوا يعرفون هذا الجزء - وإنما لم يصنفوا تصانيف مستقلة بالبحث عن حقيقة توحيد الألوهية وما يضاده من الشرك ومظاهره وذرائعه ووسائله؛ لأنه لم يظهر ما ظهر عن المتأخرين من جماهير الطوائف.\nوالذي يؤكد هذه الحقيقة - أن علماء أهل السنة والجماعة الذين تصدوا للرد على الأشعرية وغيرهم لم يذكروا - فيما أعلم - مسائل توحيد الألوهية فيما خالف فيه أولئك، فلو كان عندهم شيء مخالف لذكروه ولردوا عليه.","vol":"1","page":108},{"text":"وبالجملة: فهذا يؤكد أن المتقدمين من الطوائف وقدماء الأشاعرة والماتريدية لم يكونوا ينازعون في أن الاستعاذة بغير الله لا تجوز، وكذلك الدعاء والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله والحلف وغير ذلك. كما ينازع المتأخرون منهم والمتصوفة المنبثقة من المتكلمين، ويفهم هذا من وجهين:\nالأول: تنصيص بعض المتقدمين من الأشاعرة على توحيد الألوهية، ومن ذلك:\nأ- ما قاله الباقلاني: والتوحيد له هو (الإقرار بأنه ثابت موجود وإله واحد فرد معبود ليس كمثله شيء)، وقال أيضًا: (إنه ليس معه إله سواه ولا من يستحق العبادة إلا إياه).\nوممن صرح به من المتأخرين: الباجوري حيث قال معرفًا للتوحيد: (هو إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا، وصفاتًا، وأفعالًا)، فهذا التعريف - مع ملاحظة الإجمال فيه في الأسماء والصفات - شامل لجميع مدلولات التوحيد.\nب- وأيضًا مما يؤكد أن المتقدمين منهم كانوا يعرفون ما يجهله كثير من","vol":"1","page":109},{"text":"متأخريهم في هذا الزمان من أن الدعاء والرغبة والرهبة والخوف لا يكون إلا الله ومن الله ما ورد من أقوالهم في ذلك وتحذيرهم عن بعض صور الشرك وذرائعه، منها:\n١ - ما قال الحليمي: (والدعاء [في] الجملة من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عز اسمه، ولذلك قال الله ﷿: (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)، فأبان [أن] الدعاء عبادة، والخائف فيما وصفنا كالراجي؛ لأنه إذا خاف خشع وذل لمن يخافه وتضرع إليه في طلب التجاوز عنه].\nوقال أيضًا: (إنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله ﷻ إذ كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعًا ولا ضرًا).\n٢ - قال الرازي: (قال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم","vol":"1","page":110},{"text":"مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل ...) فذكرها.\nوقال أيضًا: (إنه ﵇ قال: «الدعاء هو العبادة» ... فقوله: «الدعاء هو العبادة» معناه: معظم العبادة وأفضل العبادة).\nوقال أيضًا: (كل من اتخذ لله شريكًا فإنه لابد وأن يكون مقدمًا على عبادة ذلك الشريك من بعض الوجوه إما طلبًا لنفعه أو هربًا من ضرره، وأما الذين أصروا على التوحيد وأبطلوا القول بالشركاء والأضداد ولم يعبدوا إلا الله ولم يلتفتوا إلى غير الله فكان رجاؤهم من الله وخوفهم ورغبتهم في الله ورهبتهم في الله، فلا جرم لم يعبدوا إلا الله ولم يستعينوا إلا بالله، فلهذا قالوا: (إياك نعبد وإياك نستعين) فكان قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين) قائمًا مقام: لا إله إلا الله).\nفهذه الأقوال فيها رد على زعم كثير من المتأخرين الذين يجيزون دعاء غير الله مطلقًا، وعلى قولهم: إن ذلك لا يكون شركًا إلا إذا اعتقد الداعي التأثير في المدعو من غير الله.\nالوجه الثاني: الذي يدل أيضًا على أن أمر توحيد الألوهية كان معروفًا لدى بعض منهم، أنه لما حدثت بعض ذرائع الشرك ومظاهره في توحيد الألوهية عند بعض المسلمين أنكر بعض أئمة المتكلمين ذلك، ومن هؤلاء:\n١ - الرازي: في تفسير قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا","vol":"1","page":111},{"text":"يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ) نقل في بيان كيفية اتخاذ المشركين آلهتهم شفعاء اختلاف العلماء في ذلك: ستة أقوال، فذكر بعد الثلاثة الأولى قوله: (ورابعها: أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله تعالى، ونظيره في هذا الزمان: اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء عند الله).\n٢ - قول أبي شامة: (قد عم الابتلاء - أي النبذ للشريعة من تزيين الشيطان العامة تخليق الحيطان والعمد وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكى لهم حاك: أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمون بها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر ... فما أشبهها بذات أنواط الوارد في الحديث.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المسألة الثانية\nمعنى الشرك وأنواعه</span>\nمعناه اللغوي:\nجاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: مادة (الشرك) المكونة من حرف الشين والراء والكاف أصلان:\nأحدهما: يدل على مقارنة وخلاف انفراد.\nوالآخر: يدل على امتداد واستقامة.\nأما الأول: فهو (الشرك) بالتخفيف أي بإسكان الراء، أغلب في الاستعمال، يكون مصدرًا واسمًا، تقول: شاركته في الأمر وشركته فيه أشركه شركًا، بكسر الأول وسكون الثاني، ويأتي: شركة، بفتح الأول وكسر الثاني فيها. ويقال: أشركته: أي جعلته شريكًا.\nفهذه اشتقاقات لفظ الشرك في اللغة على الأصل الأول.\nويطلق حينئذ على المعاني الآتية:\n١ - المخالطة، والمصاحبة، والمشاركة.","vol":"1","page":113},{"text":"قال ابن منظور: الشَّرْكة والشَّرِكة سواء؛ مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر والشريك: المشارك، والشِّرك كالشريك، والجمع أشراك وشركاء.\nقال ابن فارس: الشركة هو أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، ويقال: شاركت فلانًا في الشيء إذا صرت شريكه، وأشركت فلانًا، فإذا جعلته شريكًا لك، قال تعالى حكاية عن موسى ﵊: (وأشركه في أمري)، ويقال في الدعاء: (اللهم أشركنا في دعاء المؤمنين) معنى الآية: اجعله شريكي فيه، ومعنى الدعاء: اجعلنا شركاء في دعائهم.\nقال الراغب: الشركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا عينًا كان ذلك الشيء أو معنى، كمشاركة الإنسان والفرس في الحيوانية.\n٢ - ويطلق أيضًا على النصيب والحظ والحصة.\nقال الأزهري: يقال: شريك وأشراك، كما قالوا: يتيم وأيتام، ونصير","vol":"1","page":114},{"text":"وأنصار، والأشراك أيضًا جمع الشرك وهو النصيب، كما يقال: قسم وأقسام، وقد ذكر هذا المعنى كل من الزبيدي وابن منظور، ومنه الحديث: «من أعتق شركًا له في عبد» أي حصة ونصيبًا.\n٣ - ويطلق أيضًا على التسوية: قال ابن منظور: يقال: طريق مشترك: أي يستوي فيه الناس، واسم مشترك: تستوي فيه معاني كثيرة.\n٤ - ويطلق على الكفر أيضًا، قال الزبيدي: والشرك أيضًا: الكفر.\nوأما الأصل الثاني: وهو الذي يدل على الامتداد والاستقامة، فأيضًا يطلق على معان:\n١ - الشراك ككتاب، سير النعل على ظهر القدم، يقال: أشركت نعلي وشركتها تشريكًا: إذا جعلت لها الشراك.","vol":"1","page":115},{"text":"٢ - الشرك (بفتحتين) حبالة الصائد، الواحدة منها: شركة، ومنه قيل: (وأعوذ بك من الشيطان وشركه) بفتح الراء.\n٣ - الشركة (بسكون الراء): بمعنى معظم الطريق ووسطه ... جمعها: شرك (بفتحتين).\nفهذه هي المعاني لكلمة (الشرك): والكلمات ذات المادة الواحدة غالبًا يكون فيما بينها ترابط في المعنى، فإذا تأملنا مدلولات المادة السابقة نجد الترابط واضحًا بينها، فالمشرك يجعل غير الله مشاركًا له في حقه، فله نصيب مما هو مستحق لله تعالى، فهو سوى بين الله وبين من أشركه في حق الله، بمعنى أنه جعل من تألهه من دون الله مقصودًا بشيء من العبادة، ولا يلزم أن يساوي بين الرب جل وعلا، وبين من أشركه معه في القصد والتعبد من كل وجه، بل يكفي أن يكون في وجه من الوجوه. وهو (الشرك) حبائل الشيطان؛ به يصيد أهله، وهو شبكة إبليس، أدخل أهله فيها، والذي يوجد فيه هذا الشرك لا يعتبر مسلمًا.\nوقد جاء في كتاب الشيخ مبارك الميلي (الشرك ومظاهره) ذكر مثل هذا الترابط؛ بأن مرجع مادة الشرك إلى الخلط والضم، فإذا كان بمعنى الحصة من","vol":"1","page":116},{"text":"الشيء يكون لواحد وباقيه لآخر أو آخرين، كما في قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ)، فالشريك مخالط لشريكه وحصته منضمة لنصيب الآخر.\nوإذا كان بمعنى الحبالة، فإنه ما يقع فيها من الحيوان يختلط بها وينضم إلى ملك الصائد.\nوإذا كان بمعنى معظم الطريق، فإن أرجل السائرين تختلط آثارها هنالك وينضم بعضها إلى بعض.\nوإذا كان بمعنى سير النعل، فإن النعل تنضم به إلى الرجل فيخلط بينهما.\nوإذا كان بمعنى الكفر فهو التغطية، والتغطية نوع من الخلط.\nثم إن اجتماع الشركاء في شيء لا يقتضي تساوي أنصبائهم منه، ولا يمنع زيادة قسط للآخر، فموسى ﵇ سأل ربه إشراك أخيه في الرسالة، وقد أجيب سؤاله، لقوله تعالى: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى)، ومعلوم أن حظ هارون من الرسالة دون حظ موسى، ولهذا تقول: فلان شريك لفلان في دار أو بضاعة، ولو لم يكن له إلا معشار العشر، هذا في الحسيات، ومثله في المعنويات: تقول: الأبوان شريكان في طاعة ابنهما لهما، وإن كان حق الأم في الطاعة أقوى، وتقول: أبنائي شركائي في محبتي، وأنت تحب بعضهم أشد من بعض، فهذا تقرير معنى الشرك في اللغة.\nمعنى الشرك في الشرع:\nلقد اختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الشرك في الدين، وإن كانت","vol":"1","page":117},{"text":"هذه العبارات تكمل بعضها الأخرى، وفيما يلي بيان لبعض أقوالهم.\nأ- بعض العلماء بدأ بالتقسيم قبل التعريف، ثم عرفه من خلال التعريف بأقسامه، منهم الراغب في المفردات، والذهبي في كتابه الكبائر - المنسوب إليه ـ، والإمام ابن القيم في مدارج السالكين.\nب- ومنهم من عرف الشرك في ثنايا كلامه - وإن كان التعريف لم يكن مقصودًا بذاته في ذلك الكلام - ولهم في ذلك عبارات مختلفة، منها:\n١ - يقول الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: هو (تشبيه للمخلوق بالخالق - تعالى وتقدس - في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله وحده).\n٢ - وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: (هو صرف نوع من العبادة إلى غير الله، أو: هو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها).","vol":"1","page":118},{"text":"٣ - وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀: (هو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة).\n٤ - وقال أيضًا: (حقيقة الشرك بالله: أن يُعبد المخلوق كما يعبد الله، أو يعظم كما يعظم الله، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية). قلت: هذا التعريف شامل لجميع مدلولات الشرك.\n٥ - وقيل: (هو كل ما ناقض التوحيد أو قدح فيه، مما ورد في الكتاب والسنة تسميته شركًا).\n٦ - وقيل: هو (أن يثبت لغير الله ﷾ شيئًا من صفاته المختصة به؛ كالتصرف في العالم بالإرادة الذي يعبر عنه بكن فيكون، أو العلم الذي هو من غير اكتساب بالحواس ... أو الإيجاد لشفاء المريض واللعنة لشخص والسخط عليه حتى يقدر عليه الرزق أو يمرض أو يشفى لذلك السخط، أو الرحمة لشخص حتى يبسط له الرزق أو يصح بدنه ويسعد ...).\n٧ - وقيل: (الشرك هو أن يعتقد المرء في غير الله صفة من صفات الله؛ كأن يقول: إن فلانًا يعلم كل شيء، أو يعتقد أن فلانًا يفعل ما يشاء، أو يدعي أن","vol":"1","page":119},{"text":"فلانًا بيده خيري وشري، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا بالله - تعالى ـ، كأن يسجد للشخص أو يطلب منه حاجة أو يعتقد التصرف في غير الله).\n٨ - وقال الشيخ محمد إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي ﵀: (إن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله، ويساوي بينهما بلا فرق، بل إن حقيقة الشرك: أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال خصها الله - تعالى - بذاته العلية وجعلها شعارًا للعبودية - لأحد من الناس؛ كالسجود لأحد، والذبح باسمه والنذر له، والاستعانة به في الشدة والاعتقاد أنه ناظر في كل مكان، وإثبات التصرف له، كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح به الإنسان مشركًا). قلت: هذا التعريف فيه تصور كامل لحقيقة الشرك، ولكنه غير منضبط.\n٩ - وقيل: هو (إشراك غير الله مع الله في اعتقاد الإلهية، وفي العبادة). وهذا تعريف مختصر جامع.\n١٠ - وقال الشوكاني: (إن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه).","vol":"1","page":120},{"text":"١١ - وقيل: (الشرك: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس معه أمره).\nقلت: هذا التعريف غير مانع، فإنه ليس كل إسناد مختص بواحد إلى من ليس معه أمره يعد شركًا، بل ربما يكون ظلمًا أو فسقًا.\nفهذه - كما ترى - أقوال العلماء في تصور حقيقة الشرك، بعض منها جامع وليس بمانع، وبعضها ناقص، وبعضها كمثابة التمثيل على بعض ما وقع فيه الناس من أفراد الشرك في العبادة أو في الاعتقاد، وليس المراد: أنهم ما كانوا عارفين بالشرك، ولكن لما كان من دأبهم ذكر النماذج دون إرادة الاستقصاء، ذكروا بعض الجوانب من الشرك، والجوانب الأخرى أشاروا إليها من خلال مصنفاتهم، ومؤلفاتهم، ومن فاته شيء منها ذكره الآخرون منهم، كما هو واضح في كتابتهم ومناظرتهم مع الذين وقعوا في الشرك في زمانهم.\nوالذي يظهر من هذه الأقوال: أن الشرك حقيقته في اتخاذ الند مع الله، سواء كان هذا الند في الربوبية أو الألوهية.\nوبهذا يتفق قول العلماء المحققين في حقيقة الشرك مع قول أصحاب المعاجم بأن أصل الشرك اتخاذ الأنداد مع الله.\nفأصل الشرك - كما علمنا من البيان السابق - ما هو إلا اتخاذ الند مع الله، وهذا ما سيتضح لنا أكثر عند بيان حقيقة الشرك في نصوص القرآن والسنة.\nإذا نظرنا إلى حقيقة الشرك في القرآن الكريم نرى: أن الله ﷿ بينها في كتابه بيانًا شافيًا واضحًا لا لبس فيه ولا غموض. فقال تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).","vol":"1","page":121},{"text":"معنى الآية: النهي عن اتخاذ الأنداد مع الله بأي وجه من الوجوه، وقد نقل عن السلف في تفسير الآية مثل هذا القول، فمثلًا:\n١ - قال ابن عباس: الأنداد: الأشباه، والند: الشبه، يقال: فلان ند فلان، ونديده: أي مثله وشبهه، ومنه قول النبي ﷺ لمن قال له: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله ندًا»، وكل شيء كان نظيرًا لشيء وشبيهًا فهو له ند.\n٢ - قال ابن مسعود: الأنداد: الأكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله، فهذا المعنى بمعنى الشرك بالله باتباعهم الناس في معصية الله جل وعلا، فقد بين القرآن ذلك فقال: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ).\nقال الطبري: فإن اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا هو ما كان بطاعة الأتباع الرؤساء فيما أمروهم به من معاصي الله، وتركهم ما نهوهم عنه من طاعة الله، كما قال جل ثناؤه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ","vol":"1","page":122},{"text":"ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا).\nوقال الطبري: قال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك» فطرحته وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابًا من دون الله). قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم». ففي هذا القول أيضًا: إثبات كون الشرك هو اتخاذ الند، فإن من أثبت حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره - سبحانه - فقد أثبت له الند.\n٣ - قال عكرمة: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا) (أي تقولوا: لولا كلبنا لدخل علينا اللص الدار، لولا كلبنا صاحٍ في الدار، ونحو ذلك، فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندًا وعدلًا في الطاعة، فقال: كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمتي عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكًا وندًا من خلقي، فإنكم تعلمون: أن كل نعمة عليكم","vol":"1","page":123},{"text":"مني).\n٤ - قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له. فمعنى الأنداد على هذا المعنى هي الآلهة، والآلهة عند الكفار بمعنى الشفعاء لهم عند الله، وقد سماهم الله ﷿ شركاء، فقال - في الرد على اتخاذهم آلهة ـ: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).\n٥ - قال مجاهد: الأنداد: العدلاء.\nوالعدلاء هنا أيضًا بمعنى الشركاء لله في عبادته، قال الله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يشركون، ويقال: من مساواة الشيء بالشيء: عدلت هذا بهذا، إذا ساويته به عدلًا.\nقال الطبري: يجعلون شريكًا في عبادتهم إياه، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان، وليس منها شيء شاركه في خلق شيء من ذلك، ولا في إنعامه عليهم بما أنعم عليهم، بل هو المنفرد بذلك كله وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره.\n٦ - قال الطبري: الأنداد جمع ند، والند: العدل، والمثل.\nوالمقصود: أن اتخاذ الشبيه والكفؤ لله يسمى شركًا بالله، ولهذا أخبر","vol":"1","page":124},{"text":"﷾ أنه لم يكن له كفؤ ولا شبيه ولا نظير، لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، قال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ). قال أبو العالية في معنى الآية: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء، أي كيف يكون له من خلقه نظير يساميه أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، وهو الواحد الأحد، لا نظير له ولا وزير ولا نديد، ولا شبيه ولا عديل.\nهكذا بيَّن الله في كتابه حقيقة الشرك بالله بيانًا واضحًا، وهو: اتخاذ الند مع الله، وكل ما ذكر في معاني الند من الكفؤ، والشبيه، والمثل، والعدل، والآلهة، كلها معاني متقاربة تدل على معنى الشرك بالله، والتي تدل صراحة أن الشرك في الحقيقة: اتخاذ الند بمعنى الشبيه لله ﷿ كما سيأتي.\nكما أن هذا المعنى هو المستفاد من أحاديث الرسول ﷺ التي فيها بيان حقيقة الشرك، والدليل عليه:\n١ - ما روى الشيخان عن ابن مسعود قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك» ... الحديث.","vol":"1","page":125},{"text":"٢ - ما رواه مسلم أيضًا عنه: قال: قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندًا وهو خلقك» ... الحديث - وفي آخره - فأنزل الله ﷿ تصديقها: (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما).\n٣ - وروى الشيخان عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: - ثلاثًا - الإشراك بالله ...» الحديث.\nففي هذا الحديث ذكر أكبر الكبائر بأنه الشرك، فهو بمثابة التفسير للند المذكور في الحديثين السابقين.\nوبهذا يحصل لنا حقيقة الشرك بلسان الرسول ﵊؛ حيث فسر اتخاذ الند بالشرك، بأن الشرك أكبر المعاصي وأكبر الكبائر، وهو أن تجعل لله ندًا ومثلًا وشبيهًا وعديلًا في العبادة وكفؤًا في الطاعة، فمن جعل لله ندًا وشبيهًا فقد أشرك.\nوأيضًا اتضح لنا من خلال ما ذكرنا: أن الشرك إنما هو اتخاذ الند والشبيه لله من","vol":"1","page":126},{"text":"خلقه فيما يستحقه ﷿ من الإلهية والربوبية، فمن صرف شيئًا من هذه الخصائص لغيره فهو مشرك، فأصل الشرك وحقيقته إنما هو في التشبيه والتشبه.\nقال ابن القيم: (حقيقة الشرك: هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به، ...). فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية.\nفإن من خصائص الإلهية:\n١ - التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، ومن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات.\n٢ - ومن خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة، وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون له وحده، ويمنع عقلًا وشرعًا وفطرة أن يكون لغيره، فمن جعل شيئًا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له، ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.\n٣ - ومن خصائص الإلهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب، مع غاية الذل، هذا تمام العبودية. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبه به في خالص حقه.","vol":"1","page":127},{"text":"٤ - ومن خصائص الإلهية: السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، وهكذا:\n٥ - التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\n٦ - والتوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\n٧ - والحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به.\n٨ - والذبح له، فمن ذبح لغيره فقد شبهه به.\n٩ - وحلق الرأس (تعبدًا ...)، إلى غير ذلك.\nكل هذا في جانب التشبيه.\nوأما في جانب التشبه به: (تشبه المخلوق بالخالق) فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه الله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابًا يوم القيامة كما قال النبي ﷺ: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم» وذلك لتشبهه بالله في مجرد الصنعة، فما الظن","vol":"1","page":128},{"text":"بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ !\nوفي الصحيحين عنه صىلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة»، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر.\nوالمقصود: أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته، مثلًا:\n١ - العظمة والكبرياء، ولهذا جاء في الصحيح أنه ﵇ قال: «يقول الله عزوجل: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».\n٢ - وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه، وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يُسمى بشاهنشاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله»، وفي لفظ: «أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك».","vol":"1","page":129},{"text":"فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فإنه سبحانه ملك الملوك وحده، لا غيره.\n(وبالجملة: فالتشبيه والتشبه هو حقيقة الشرك، ولذلك كان من ظن أنه إذا تقرب إلى غيره بعبادة ما، يقربه ذلك إليه تعالى، فإنه يخطئ لكونه شبهه به، وأخذ ما لا بنيغي أن يكون إلا له، فالشرك منعه ﷾ حقه، فهذا قبيح عقلًا وشرعًا، ولذلك لم يشرع ولم يغفر لفاعله).\nفعلمنا من هذا البيان الطويل أن حقيقة الشرك في الدين بنصوص القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة: اتخاذ الند والشبيه والمثل والعديل مع الله سبحانه، وذلك إما:\nباتخاذ الند في الربوبية بالتعطيل أو بالأنداد والتمثيل، أو باتخاذ الند في العبادة.\nفهذا مجمل البيان في أنواع الشرك في ضوء نصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة.\nمفهوم ضال في معرفة حقيقة الشرك:\nلقد تغير هذا المفهوم عند بعض المتكلمين، والمتصوفة، فإنه لما كان التوحيد عندهم أمر اعتقادي بحت، فإن الشرك في الإرادة (إرادة غير الله","vol":"1","page":130},{"text":"بالعبادة أو بطلب النفع أو دفع الضرر) إذا لم يتضمن الشرك في الاعتقاد لا يكون شركًا عندهم.\nفاتخاذ الوسائط بالسؤال والطلب ليس شركًا عندهم بمجرد طلب غير اله ما لا يقدر عليه إلا الله - مثلًا - بل لابد أن يتضمن ذلك اعتقاد استقلالية المطلوب منه وقدرته على الاختراع (الذي هو حقيقة الألوهية عندهم).\nوهكذا: صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ليس شركًا لذاته - عندهم - إلا إذا تضمن استحقاق العبادة لمن صرفت له.\nولهذا يقولون في تعريف الشرك:\n١ - (الذي يقدح في التوحيد هو اعتقاد التأثير لغير الله، أو اعتقاد الألوهية واستحقاق العبادة لغير الله، وأما مجرد النداء من غير اعتقاد شيء من ذلك فلا ضرر فيه).\n٢ - (الشرك والعبادة لا يتحققان إلا باعتقاد الربوبية لغيره تعالى، والاستقلال بالنفع والضر والإيجاد والخلق ونفوذ المشيئة لا محالة، والتأثيرات بالذات دون الحاجة إلى الغير، فليس من المسلمين الموحدين المستغيثين بالصالحين شرك، وهم برآء من الشرك).","vol":"1","page":131},{"text":"٣ - (الذي يوقع في الإشراك هو اعتقاد الألوهية غير الله سبحانه، أو اعتقاد التأثير لغير الله ولا يعتقد أحد من المسلمين ألوهية غير الله، ولا تأثير أحد سوى الله).\nوعلى هذا: فكل من انتسب إلى الإسلام لا يتصور - عندهم - وقوع الشرك منه، فالشرك ينحصر عندهم في الأمور التالية:\n١ - أن يشرك في الربوبية والخلق والتدبير والإيجاد والإحياء والإماتة ونحوها، أو:\nب- اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر بنفسه وبذاته، ونفوذ المشيئة له لا محالة، وتأثيره في الكائنات من تلقاء نفسه بدون حاجته إلى الله تعالى، أو:\nج - إذا صاحب الشرك اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله.\nولهذا قال بعضهم: (المستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى أو راجع إليه، وذلك مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فإن الله خالق كل شيء).\nوقال آخر: (وأنت إذا نظرت إلى كل فرد من المسلمين - عامتهم وخاصتهم - لا تجد في نفس أحد منهم غير مجرد التقرب إلى الله لقضاء حاجتهم الدنيوية والأخروية بالاستغاثات، مع علمهم بأن الله هو الفعال المطلق المستحق للتعظيم بالأصالة وحده لا شريك له).\nالرد: تعريفهم لحقيقة الشرك بما ذكر، باطل عقلًا ونقلًا.","vol":"1","page":132},{"text":"وقد سبق بيان حقيقة الشرك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية مما فيه كفاية، ولنا عود - إن شاء الله - إلى هذا الموضوع في الباب الرابع عند بيان شبهات القبورية وردها.\nبقي أن أقول: إن الحقيقة التي يجب التأكيد عليها هنا: أنه لم يقع في تاريخ البشرية الشرك باعتقاد استقلال أحد غير الله بالخلق والإيجاد، إلا ما يذكر عن الفلاسفة الذين يرون: أن الموجودات قد وجدت بطريق السببية الضرورية الحتمية من ذات الموجودات لا من خلق الله وتدبيره، الذي ليس له عندهم أي علاقة بالعالم لا علمًا ولا إرادة ولا قدرة.\nأما الشرك الذي وقع فيه الجماهير من الناس قديمًا وحديثًا فهو شرك الطلب من غير الله تعالى ما لا يطلب إلا من الله، لا على سبيل أن من يطلب منه العطاء والرزق مالك له على سبيل الاستقلال والخلق، بل على سبيل أن من يطلب منه ذلك قريب من الله جاهًا ومنزلة، وأنه لذلك يعطي من يشاء ما يشاء بمجرد إرادته هو.\nوهكذا لم يقع عن أحد من المشركين قديمًا - الذين أرسل إليهم الرسل - اعتقاد أن غير اله يستحق العبادة لذاته، وذلك: أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية؛ لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله.\nولهذا ذكر الله عن المشركين أنهم يعتقدون أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو في العبادة، والآيات","vol":"1","page":133},{"text":"الدالة على هذا المعنى كثيرة، من أبرزها قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)، وقوله تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١».\nفكما أن اعتقاد كون الله متفردًا بالكمال في ذاته وصفاته وأفعاله لا يكفي لتحقيق التوحيد بل لابد من إرادة الله وحده بالقصد والعمل، فكذلك ليس الشرك محصورًا في الاعتقاد، بل هو شامل للشرك في الإرادة المستلزمة للعمل، بل إن الشرك في الإرادة هو حقيقة الشرك الذي أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل إخراج الناس منه إلى توحيده وعبادته وحده، فالعبادة ليست مجرد اعتقاد.\nوغالب ما يكون من الذبح وتقريب القرابين والنذور لغير الله، فالغاية منه استجلاب الخير واستدفاع الضر عمن عبد بذلك.\nوهذا الشرك مع أنه استعاثة بغير الله تعالى ففيه عبادة غير الله بالتقرب والنسك الذي لا ينبغي صرفه إلا لله وحده، فهو ضلال وشرك في الطلب والعبادة معًا، ولهذا ترى أن الله ﷿ نفى أن ينفع المعبودون عابديهم، بل نفى الضر أيضًا، وأن ذلك كله لله وحده، لا يملكه سواه، فلا يطلب غيره ولا يعبد","vol":"1","page":134},{"text":"غيره.\nوبهذا يتبين: أن شرك العبادة ليس شركًا اعتقاديًا يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقًا للعبادة من دون الله، وإنما شرك في إرادة غير الله بالعبادة، ولو كان من تحقق منه ذلك معتقدًا أن الله هو الذي يستحق العبادة، وإنما يصرفها لغيره على جهة التوسط إلى الله لكان بذلك مشركًا به، سواءً كان ذلك التوسط بالشفاعة عنده في قبول العبادة، أو في قبول الشفاعة مطلقًا، أو رجاء نفع المعبود مع اعتقاد أنه ليس له التدبير والتصريف، وأن ذلك كله لله، لكن لجاه المعبود في ذلك - بحسب ظن المشرك - صرف له العبادة التي هي حق الله الخالص.\nفعلى هذا: (كما يكون الشرك بالاعتقاد، كذلك يكون بالإرادة والعمل، ولا فرق). فلا يحتاج إلى اشتراط مصاحبة اعتقاد الألوهية أو استحقاق العبودية لمن يعبده لكونه شركًا.\nالآثار المترتبة على الخطأ في معرفة حقيقة الشرك عند المتأخرين:\nلقد نتج عن سوء فهمهم لحقيقة الشرك مفاسد عظيمة، منها:\n١ - كل ما لا يؤدي إلى الشرك في الربوبية، والخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، وكل ما لا يؤدي إلى اعتقاد التأثير لغير الله بالاستقلال فيه بالنفع والضر، ونفوذ المشيئة، وكل ما لا يصاحبه اعتقاد الألوهية واستحقاق العبودية لغير الله لا يكون شركًا - عندهم - ولو كان سجودًا أو استغاثة أو نذرًا أو ذبحًا، أو غيرها.\n٢ - محاولة تغيير بعض الحقائق الشرعية لما رأوا أنها تسمى شركًا في","vol":"1","page":135},{"text":"النصوص، فمنها: قولهم في تبرير اشتراط تاثير الله بالاستقلال، لما رأوا النصوص الشرعية تخالفهم في ذلك - بل وصفت النصوص اعتقاد التأثير لغير الله بدون الاستقلال بالنفع والضر أيضًا بالشرك - قالوا: إن المشركين لم يكونوا صادقين في قولهم: إن الله هو الخالق وهو مدبر الأمر! !، ولم يكونوا جادين في أنهم يعبدون غير الله من أجل التقرب والشفاعة، لا على جهة استحقاق العبادة من دون الله.\nومنها قولهم: إذا وجد في كلام المؤمنين إسناد شيء لغير الله تعالى يجب حمله على المجاز العقلي، ولا سبيل إلى تكفيرهم، فإذا قال العامي من المسلمين: نفعني النبي أو الصحابي أو الولي، فإنما يريد الإسناد المجازي، والقرينة عليه أنه مسلم.\nومنها: أنهم لما قالوا في التوحيد بأنه مجرد اعتقاد تفرد الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن الإله هو القادر على الاختراع، وبالتالي: إن مجرد الطلب، والتقرب إلى غير الله بالعبادة لا يكون شركًا لذاته - عندهم - ما لم يتضمن شرك الاعتقاد، عارضتهم النصوص التي فيها إطلاق الشرك على الطلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، وإطلاق الشرك أيضًا على عبادة غير الله، قالوا في الجواب عن هذا الإشكال: إن لنا فيه تخريجين:\nالأول: أن ذلك مقيد بالشرك في الاعتقاد، لا بمجرد الإرادة والعمل.\nالثاني: أن ذلك شرك ولكنه شرك أصغر، فهو من المعاصي التي لا يخرج","vol":"1","page":136},{"text":"فاعلها عن الملة.\nومنهم قولهم: إن الاستغاثة بغير الله هو التوسل به، وجعلهما مترادفين، والاستدلال بجواز أحدهما في بعض الصور على جواز الآخر من غير تفريق.\nومنها: قولهم: إن الدعاء الوارد في الآيات (التي فيها ذكر الشرك بالدعاء) إنما هو عبادة لا طلب ومسألة، وفرق بين العبادة والمسألة.\nومنها: جعلهم توحيد الربوبية هو الغاية، وقد تمت الإجابة عليه فيما سبق.\nومنها: عدم التفريق بين توحيد الربوبية والألوهية، نتيجة عدم التفريق بين الرب والإله.\nومنها: اتهامهم أهل السنة بإنزال الآية التي نزلت في الكفار على المسلمين.\nوستأتي الردود على هذه الأقوال مفصلة في الباب الرابع - إن شاء الله - عند ذكر شبهات القبوريين وردها.","vol":"1","page":137},{"text":"أنواع الشرك\nتنوعت عبارات أهل العلم في بيان أنواع الشرك، ولكنها لا تخرج عن المدلول الشرعي للشرك الذي سبق معنا، فمن عباراتهم في بيان أنواع الشرك ما يلي:\nأ- أن الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر.\nب- ويقول بعضهم: إنه على ثلاثة أقسام: أكبر، وأصغر، وخفي.\nج- والبعض يقسمه حسب أجزاء التوحيد الثلاثة.\nد- وبعضهم يقسمه إلى نوعين: الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، ويدخل الشرك في الأسماء والصفات ضمن النوع الأول.\nهذه الأقوال ليست متباينة، بل بعضها يوافق بعضًا، فمن قسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر، نظر إلى حقيقة الشرك وأحكامه من حيث خروجه من الإسلام وعدم خروجه. والذي قسم الشرك إلى ثلاثة أنواع: الأكبر والأصغر والخفي، فإنه لم يخالف القول السابق؛ لأنه إنما أراد إظهار أهمية الشرك الخفي، وإلا فالشرك الخفي داخل تحت النوعين السابقين، فإن الشرك الخفي","vol":"1","page":138},{"text":"بعضه من الشرك الأكبر المخرج من الملة، وبعضه من الشرك الأصغر الذي هو أكبر من المعاصي (الكبائر) ولكنها لا تخرج من الملة، وإنما أراد من أبرزها كنوع ثالث بيان خفائها على كثير من الناس وكثرة وقوعها، كما سيأتي بيانه فيما بعد.\nأما الذي قسمه حسب أنواع التوحيد الثلاثة والذي قسمه إلى نوعي الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية فليس بينهما إلا إجمال وتفصيل.\nفهذه الأقوال صحيحة وشاملة. وهناك أقوال أخرى للعلماء في بيان أنواع الشرك، وهي غير شاملة، منها:\nهـ - أن أقسام الشرك أربعة:\nالأول: شرك الاحتياز: وهو أن يكون غير الله مالكًا لشيء يستقل به، ولو كان في الحقارة مثقال ذرة.\nالثاني: شرك الشياع: أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه، كيفما كان هذا النصيب في المكان والمكانة.\nالثالث: شرك الإعانة: وهو أن يكون له ظهير ومعين من غير أن يملك معه، كما يعين أحدنا مالك متاع على حمله مثلًا.\nالرابع: شرك الشفاعة: وهو أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه، ليخلص أحدًا بشفاعته.\nويبدو ممن قال بهذا القول: أنه قسم الشرك حسب متعلقه وحسب باعث الناس على الشرك، وهذه الأنواع كلها داخلة تحت الشرك الأكبر، وهذه من","vol":"1","page":139},{"text":"أفراده، وكان قد أخذه من قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)\nو- وقال بعضهم: إنه على ستة أنواع:\n١ - شرك الاستقلال: وهو إثبات شريكين مستقلين، كشرك المجوس.\n٢ - شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهه كشرك النصارى.\n٣ - شرك التقريب: وهو عبادة غير الله إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.\n٤ - شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعًا للغير، كشرك متأخري الجاهلية.\n٥ - شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة، والطبائعيين، ومن تبعهم في ذلك.\n٦ - شرك الأغراض: وهو العمل لغير الله.\nيلاحظ أن أقسام الشرك التي ذكرها هي مجرد صور للأعمال الشركية التي تقع في بعض المجتمعات الإسلامية لعموم الجهل، وهناك صور أخرى للشرك لم يتعرض لها، ولا يمكن حصر جميع الصور بهذه الطريقة.\nز- وهناك تقسيم للإمام ابن القيم ﵀ ذكره في كتابه: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، يمكن أن يوصف بأنه أكثر دقة في استقصاء أنواع الشرك؛ حيث قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات","vol":"1","page":140},{"text":"المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه - لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله). ثم بدأ الإمام في بيان التفريعات فيهما.\nالتقسيم المختار:\nولعل التقسيم الذي يجمع بين هذه التقسيمات هو أن يقال:\nالشرك على نوعين: أكبر، وأصغر.\nأما الأكبر:\nفهو أن يتخذ شريكًا أو ندًا مع الله - تعالى - في ذاته أو في أسمائه وصفاته، أو أن يعدل بالله - تعالى - مخلوقاته في بعض ما يستحقه وحده.\nأو يقال: هو أن يجعل الإنسان لله ندًا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.\nوهو من حيث تعلقه بالتوحيد ينقسم قسمين:\nالقسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله (الشرك في الربوبية والأسماء والصفات).\nتعريف الشرك في الربوبية:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أما النوع الثاني: فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار","vol":"1","page":141},{"text":"النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع، أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره، فقد أشرك بربوبيته).\nوقال في موضع آخر: (فأما الأول - الشرك في الربوبية - فهو إثبات فاعل مستقل غير الله، كمن يجعل الحيوان مستقلًا بإحداث فعله، ويجعل الكواكب، أو الأجسام الطبيعية، أو العقول أو النفوس، أو الملائكة، أو غير ذلك مستقلًا بشيء من الأحداث، فهؤلاء حقيقة قولهم: تعطيل الحوادث عن الفاعل ...).\nأو بعبارة مختصرة يقال: من أشرك مع الله غيره في خصائص الربوبية أو أنكر شيئًا منها، أو شبهه بغيره، أو شبه غيره به، يعد مشركًا بالله، سواء كان في ذاته أو أفعاله أو أوصافه.\nوهذا الشرك ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا.\nوهو على نوعين:\nالنوع الأول: شرك التعطيل؛ وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، وقال تعالى مخبرًا عنه ما قال لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).\nوإنما قلنا لهذا التعطيل بأنه شرك؛ لأن الشرك والتعطيل متلازمان، فكل","vol":"1","page":142},{"text":"معطل مشرك، وكل مشرك معطل، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو على ثلاثة أقسام:\n١ - تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، ومنه الإلحاد بإنكار الخالق للكون.\n٢ - تعطيل الصانع - سبحانه - عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية، والقرامطة، فلم يثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائه وصفاته.\nويدخل في ذلك شرك منكري الرسالة للرسل، وشرك منكري القدر، وشرك التشريع والتحليل والتحريم من غير الله.\n٣ - تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثمَّ خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه.\nالنوع الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل: وهو من جعل مع الله إلهًا آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، ومن ذلك:","vol":"1","page":143},{"text":"١ - شرك النصارى الذين جعلوا ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.\n٢ - شرك المجوس: القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة.\n٣ - شرك القدرية: القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.\n٤ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت بزعمه، كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًا.\n٥ - شرك فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وقوله تعالى حكاية عن قول قومه له: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، كما هو في","vol":"1","page":144},{"text":"بعض القراءات.\n٦ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.\n٧ - ومن هذا النوع: شرك من أسند النعمة إلى غير الله، قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً).\n٨ - ومن هذا شرك عباد الشمس، وعباد النار، وغيرهم، فمن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾! ! فتارة تكثر الآلهة والوسائط وتارة تقل.\nفيستنتج مما سبق أن هذا القسم من الشرك ينقسم قسمين:\n١ - نوع في توحيد الربوبية، ويكون من وجهين:\nأ- بالتعطيل، وذلك:\nإما بالإلحاد، كقول فرعون: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)، ويدخل فيه الشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت.","vol":"1","page":145},{"text":"وإما بتعطيل المصنوع عن صانعه: كالقول بقِدَم العالم.\nوإما بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد: كالقول بوحدة الوجود.\nوإما تعطيل الصانع عن أفعاله: كمنكري إرسال الرسل، ومنكري القدر، ومنكري البعث والنشور، وغيرها.\nب- بالأنداد، وذلك:\nإما بدعوى التصرف في الكون من الغير كمشركي قوم إبراهيم الصابئة، والمتصوفة القائلين بالغوث والقطب والأوتاد، والأبدال وتصرفهم كما يدّعون.\nوإما بإعطاء السلطة لأحد غير الله في التحليل والتحريم، كما كان في النصارى، وفي بعض حكام هذه الأمة، والقوانين الوضعية وغيرها.\nوإما بدعوى التأثير في الكون من النجوم والهياكل، كالصابئة من قوم إبراهيم، أو الأولياء، أو التمائم والأحجبة.\n٢ - نوع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك من وجهين أيضًا:\nأ- بالتعطيل: وذلك بتعطيل الصانع عن كماله المقدس: كالجهمية الغلاة، والقرامطة الذين أنكروا أسماء الله ﷿ وصفاته.\nب- بالأنداد:\n١ - إثبات صفات الصانع للمخلوقين: وذلك؛ بالتمثيل في أسمائه أو صفاته، كالشرك في علم الباري المحيط، ويدخل في ذلك: التنجيم، والعرافة والكهانة، وادعاء علم المغيبات لأحد غير الله، وكالشرك في قدرة الله الكاملة، وذلك بادعاء التصرف للغير في ملكوت الله، وخوف الضرر أو","vol":"1","page":146},{"text":"التماس النفع من الغير، أو بالاستغاثة من الغير، أو تسمية غيره غوثًا، أو بالسحر والتسحر وغيرها.\n٢ - أو بإثبات صفات المخلوق للصانع جل وعلا: كاليهود المغضوب عليهم الذين شبهوا اله بصفات المخلوقين، وهكذا النصارى في قولهم بالبنوة والأبوة وما إلى ذلك من صفات المخلوقات لله جل وعلا، ويدخل في هذا النوع كل من شبه الله بخلقه ومثلّه بهم من هذه الأمة.\nوكل هذه الأنواع السالفة الذكر يعتبر من الشرك الأكبر، وينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفورًا باتفاق العلماء.\nوأما القسم الثاني: فهو الشرك بمعناه الخاص (الشرك في الألوهية والعبادة):\nوهو شرك في عبادة الله، وإن كان صاحبه يعتقد أنه - سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله، وهو الذي يسمى بالشرك في العبادة، وهو أكثر وأوسع انتشارًا ووقوعًا من الذي قبله، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب.\nوهذا حال أكثر الناس، ومعلوم أن من لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير الذي أمر به، فلا يصح، ولا يقبل منه، قال الله","vol":"1","page":147},{"text":"﷿ كما في الحديث القدسي: - «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء»، ويقول أصحاب هذا الشرك مخاطبين لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨»، ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، والملك والقدرة، وإنما سووهم في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل والتعظيم.\nوقبل أن ندخل في بيان أنواع الشرك في الألوهية أو العبادة يحسن بنا أن نتعرف على معنى العبادة في مفهوم الشرع.\nفالعبادة في الشرع: أصلها مأخوذة من معناها اللغوي الذي هو الذل والخضوع.\nقال الأزهري: معنى العبادة في اللغة: الطاعة مع الخضوع، يقال: طريق معبد إذا كان مذللًا بكثرة الوطء، ويعبر معبد إذا كان مطليًا بالقطران.\nوقال الجوهري: أصل العبودية: الخضوع والذلة، والتعبيد: التذليل، والعبادة: الطاعة، والتعبد: النسك.","vol":"1","page":148},{"text":"وأما الإطلاق الشرعي للعبادة:\nفقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف العبادة الشرعية بأن: (العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).\nوقيل: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف)، لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له.\nوقيل: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور).\nوقال ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح).\nولعل الأصل في اختلاف العبارات بين السلف في تعريف العبادة يرجع","vol":"1","page":149},{"text":"إلى شيئين اثنين، هما:\nأن العبادة تطلق مصدرًا وتعنى بها التعبد بمعنى فعل العابد.\nوتطلق اسمًا وتعني بها: المتعبد به.\nفالعبادة تعريفها على المعنى الأول: (التذلل لله محبة وتعظيمًا بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه)، وعليه يحمل قول شيخ الإسلام في تعريفها بأنها: (تجمع كمال الحب مع كمال الذل).\nوقول الإمام ابن القيم: (التعبد هو غاية الحب وغاية الذل)، وقوله: (عبادة الله وحده هي كمال محبته والخضوع والذل له)، وقوله: (العبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل وذل تام)، وقوله: (التعبد: الحب مع الخضوع والذل).\nوقول ابن كثير: (هي عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف).","vol":"1","page":150},{"text":"وقول الحافظ ابن رجب: (من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه).\nوالمقصود: إذا كانت العبارة بمعنى فعل العابد فإنها حينئذ بمعنى (غاية الحب مع غاية الذل والخضوع)، قال ابن القيم: (فمن أحببته ولم تكن خاضعًا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له، حتى تكون محبًا خاضعًا، ومن هاهنا كن المنكرون محبة العباد لربهم منكرين حقيقة العبودية، والمنكرون لكونه محبوبًا لهم ... منكرين لكونه إلهًا ...).\nوقال شيخ الإسلام: (المقصود: هو أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته، وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهم أن العبودية مجرد ذل وخضوع فقط، لا محبة معه، أو أن المحبة فيها انبساط في الأهواء أو إدلال لا تحتمله الربوبية).\nفإذا كانت العبادة (بمعنى التعبد أي فعل العباد) هي الطاعة المصحوبة بأقصى الخضوع الممزوج بغاية الحب، ففي أي شيء تكون هذه الطاعة؟ هذا ما يذهب بنا إلى أن نتعرف على معنى العبادة على الاسمية، أعني حسب المتعبد به، فأقول:\nأما العبادة باعتبارها اسمًا فتعني: المتعبد به، وتعريفها حينئذٍ: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة).","vol":"1","page":151},{"text":"قال شيخ الإسلام: (فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة، وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف لعذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله ...)، وقال في موضع آخر: (ومن عبادته وطاعته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... والجهاد في سبيل الله ...).\nوقال في موضع آخر: (ويدخل في العبادة: الخشية والإنابة، والإسلام والتوبة).\nوقال: (وأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة؛ وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود، والركوع، والتسبيح، والدعاء، والقراءة، والقيام، لا يصلح إلا لله وحده ... وكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة، لا يتصدق إلا لله ... وكذلك الحج، لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ... وكذلك الصيام، لا يصام عبادة إلا لله ...).\nوالمقصود: إن العبادة بمعنى المتعبد به هي ما قال شيخ الإسلام في","vol":"1","page":152},{"text":"موضع آخر: (طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل)، وقال أيضًا: (فكل ما أمر الله عباده من الأسباب فهو عبادة).\nوهو المقصود بقول الإمام ابن القيم: (فهي - العبادة - تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه).\nوقول ابن حبان: (عبادة الله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح).\nوقول الحافظ ابن كثير: (هي طاعته بفعل المأمور وترك المحظور) ومثله عن الحافظ ابن حجر في الفتح.\nقال ابن القيم في توضيح هذا المعنى: (وبني (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) - أي العبادة - على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه، من قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع. فأصحاب (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حقًا هم أصحابها.\nفقول القلب: هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله.\nوقول اللسان: الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين","vol":"1","page":153},{"text":"بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره.\nوعمل القلب: كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها - أفرض من أعمال الجوارح ...\nوأعمال الجوارح: كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك).\nثم قال: (ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة: من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح ... وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح).\nفعلمنا أن جميع أمور الديانة من الاعتقاد والإرادات والأقوال والأعمال داخلة في مسمى العبادة، فالعبادة في الإسلام مفهومها شامل وواسع جدًا.\nفهي تشمل الدين كله كما تشمل الحياة كلها، وكيان الإنسان كله.\nيظهر هذا من إجابة شيخ الإسلام - السابق ذكرها - لما سئل عن قول الله ﷿: (يأيها الناس اعبدوا ربكم) ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع","vol":"1","page":154},{"text":"الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب ﵀ بالجواب السابق ذكره، وهو: (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ...)، واستدل على هذا القول بحديث جبريل الذي فيه تسمية الإسلام والإيمان والإحسان بالدين، حيث جاء في آخره: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم»، فجعل هذا كله من الدين.\nأركان العبادة:\nوالمقصود هنا بيان أركان العبادة من حيث التعبد (فعل العابد):\nيتضح مما سبق من تعريف العبادة من حيث فعل العابد: أن لها ركنين وهما: كمال الخضوع والذل، وكمال المحبة.\nأما الركن الأول: فهو: كمال الخضوع والذل، والمراد به: أن يستكين العبد لله تعالى ويخضع له ويذل، وله أربع مراتب كما ذكر ابن القيم:\n(المرتبة الأولى: مشتركة بين الخلق، وهي ذل الحاجة والفقر إلى الله، فأهل السموات والأرض جميعًا محتاجون إليه فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم، وكل أهل السموات والأرض يسألونه وهو لا يسأل أحدًا.\nالمرتبة الثانية: ذل الطاعة والعبودية: وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته وهو سر العبودية.\nالمرتبة الثالثة: ذل المحبة، فإن المحب ذليل بالذات، وعلى قدر محبته له يكون ذله.\nالمرتبة الرابعة: ذل المعصية والجناية.","vol":"1","page":155},{"text":"فإذا اجتمعت هذه المراتب الأربع: كان الذل لله والخضوع له أكمل وأتم؛ إذ يذل له خوفًا وخشية ومحبة وإنابة، وطاعة وفقرًا وفاقة).\nوأما الركن الثاني - الذي هو كمال المحبة - فإن الذي يدل على اعتبار كمال الحب مع كمال الذل هو أصل التأله: التعبد، وهو كما قال ابن القيم: (التعبد آخر مراتب الحب، يقال: عبده الحب وتيمه إذا ذلل لمحبوبه)، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلًا من هذين ليس عبادة محضة)، فتبين من هذا: أن إفراد الله بالمحبة أصل العبادة، وهذا يستلزم أن يكون الحب كله لله ولأجله وفيه. وشرط صحة المحبة: المتابعة التي لابد فيها من الصدق والإخلاص. فإن لم تتحقق المتابعة يكون مدعي المحبة كاذبًا في دعواه.\nأي هذه الأنواع من العبادات يدخلها الشرك؟\nالعبادة مفهومها واسع جدًا في الإسلام - كما سبق بيانه ـ، فهي تشتمل بمفهومها الواسع على الدين كله وعلى الحياة كلها، كما تشمل كيان الإنسان","vol":"1","page":156},{"text":"كله، فهو صرف شيء منها لغير الله يكون شركًا بالله في العبادة؟\nالأمر فيه تفصيل، والذي يظهر من خلال استقراء أقوال السلف أنهم إنما يدخلون في الشرك من هذه الأمور ما يخالف توحيد العبادة، ولم يريدوا إلا ما هي عبادة بنفسها. ومعلوم أن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، فالشرك في العبادة أيضًا يكون في هذه الأشياء الثلاثة، فقد يكون الشرك في الأعمال القلبية، وقد يكون بالأعمال والجوارح، وقد يكون بالألفاظ والأقوال، وقد يجتمع بعضها مع بعض، ولهذا قسم ابن القيم هذا النوع من الشرك ثلاثة أقسام، فقال: (ويتبع هذا الشرك [الشرك في العبادة] الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات.\nفالشرك في الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعًا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود ... وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها ...\nوالشرك به في الألفاظ: كالحلف بغيره، وقول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، أما متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي","vol":"1","page":157},{"text":"في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر الله وفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا، ونحو ذلك.\nوأما الشرك في الإرادات والنيات: فهو أن يريد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، وهذا هو الشرك الذي له تعلق بأفعال القلوب.\nوبهذا عرفنا أقسام شرك العبادة باعتبار أقسام العبادة، فالعبادة تكون بالقلب، وتكون بالقلب والجوارح معًا، وربما تكون باللسان كما تكون بالجوارح، فيكون الشرك أيضًا بالقلب واللسان والجوارح.\nأما شرك القلوب: فمنه ما هو اعتقادي فقط: وهو الشرك في الربوبية، كما أسلفنا، وربما يتعلق به بعض أنواع الشرك في العبادة، إذا رأى أحد أن بعض الخلق له شركة في استحقاق أنواع العبادة، أو أن هناك من له منزلة كريمة إذا رضي عليه يحصل له مطلبه، كمن يرى الشفاعة مثلًا حقًا لأحد مستقلًا عن الله، وبغير إذنه ورضاه.\nومنه ما يتعلق بالأعمال القلبية، وهي على أوجه:\n١ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب فقط، ومن ذلك: المحبة (محبة العبودية) لغير الله، والتوكل، والخشية، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوبة، والنية والإرادة والقصد، والطاعة، وغيرها.\n٢ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب والجوارح معًا (شرك التقرب","vol":"1","page":158},{"text":"والنسك)؛ كالصلاة، والركوع والسجود، والطواف بالبيت، وسائر أنواع العبادات البدنية كالصوم والحج، والجهاد في سبيل الله، ومن ذلك أيضًا: النذر والذبح، والزكاة التي هي من العبادات المالية.\n٣ - الشرك في العبادات التي تتم بالقلب واللسان، وهي كثيرة، فمنها: الدعاء؛ سواء كان طلبًا للشفاعة أو غيرها من المطالب، وسواء كان دعاء ثناء وعبادة أو دعاء مسألة وطلب، فالدعاء كله وجله عبادة، ولهذا جاء «الدعاء هو العبادة».\nومنها الاستغاثة، فيما لا يقدر عليه إلا الله.\nومنها الاستعانة، والاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله، وغيرها.\nوأما شرك اللسان: فهو كالذكر لغير الله على وجه العبادة، وكالنطق بكلمة التوحيد مع الإشراك فيه، فمن نطق بهذه الكلمة وأدخل معه غيره فقد أشرك فقه، كما كان يفعله مشركو العرب في التلبية بقولهم: (... لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك)، ويدخل في شرك اللسان شتى أنواع الأذكار المخصوصة لله إذا أريد بها غير الله، كالتحميد والاستغفار والاستجارة والشهادة ونحو ذلك.","vol":"1","page":159},{"text":"فهذه أقسام الشرك في العبادة، وهي كما ترى إما قولية وإما عملية، وسنأتي إلى بعض التفصيلات لبعض هذه الأقسام التي يكثر وقوعها قديمًا وحديثًا في الباب الرابع بمشيئة الله.\nحكم الشرك الأكبر:\nمن المعلوم أن هذا الشرك أعظم ما نهى الله عنه، قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)، فقرن النهي عنه بأعظم أمر أمر به وهو عبادته، التي من أجلها خلق الخلق كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).\nوهو أول المحرمات كما يدل عليه قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).\nفهذا الشرك الأكبر مخرج عن الملة وصاحبه حلال الدم والمال، وفي الآخرة خالد مخلد في النار، قال تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد).\nوقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).\nوقال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).","vol":"1","page":160},{"text":"كما أن هذا الشرك يحبط العمل، قال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nكما أنه تحرم ذبيحة مرتكبه، لقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ).\nوصاحب هذا الشرك لا يرث ولا يورث، بل ماله لبيت المال، ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وذلك أن المشرك قد ارتكب أعظم جريمة، وأفظع ظلم، قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا).\nوقد جاء في الحديث الذي رواه ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، وفي رواية عنه: «من مات يجعل لله ندًا أُدخل النار ...».\nوكما جاء عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار».","vol":"1","page":161},{"text":"وكما جاء عن ابن مسعود أيضًا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار ...» الحديث.\nوفي حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي».\nوفي حديث ابن عمر قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، وكان ...، فأين هو؟ قال: «في النار»، قال: فكأنه وجد من ذلك، فقال: يا رسول الله! فأين أبوك؟ فقال رسول الله ﷺ: «حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار». قال: فأسلم الأعرابي بعدُ، وقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبًا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار.\nوفي حديث سلمة بن يزيد الجعفي ﵁ قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ، قال: قلنا: يا رسول الله، إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل، هلكت في الجاهلية فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: «لا».","vol":"1","page":162},{"text":"وفي حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدواوين عند الله ﷿ ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: (مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) ...».\nومثله ما روت عائشة عن النبي ﷺ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: «لا يا عائشة، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين».\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، نكتفي منها بهذا القدر.\nوأما الإجماع: فقد نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على أن المشرك يخلد في النار.\nوأما أقوال السلف في ذلك: فهي كثيرة، منها:\nأ- قال الإمام أحمد بن حنبل: (ويخرج الرجل من الإيمان إلى","vol":"1","page":163},{"text":"الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله ﷿ جاحدًا بها ...).\nب- قد عقد الإمام البخاري لذلك بابًا في صحيحه، فقال: (باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك).\nج- وقال العلامة ابن جرير ﵀ حول قوله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ): (ومعنى الكلام: ولقد أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين، وإلى الذين من قبلك، بمعنى وإلى الذين من قبلك من الرسل من ذلك، مثل الذي أوحي إليك منه، فاحذر أن تشرك بالله شيئًا فتهلك، ومعنى قوله: لتكونن من الهالكين بالإشراك بالله إن أشركت به شيئًا).\nد- قال القرطبي: تعليقًا على حديث: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار»: إن مات على الشرك لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ويخلد في النار أبد الآباد، من غير انقطاع عذاب، ولا تصرم آماد.","vol":"1","page":164},{"text":"هـ - قال النووي: (أما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي - اليهودي والنصراني ـ، وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحده ما يكفر بجحده وغير ذلك).\nو- ويقول شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية: (ومن أعظم الاعتداء والعدوان والذل والهوان أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم ...).\nز- قال ابن كثير: (أخبر - تعالى - أنه لا يغفر أن يُشرك به، أي: لا يغفر من لقيه وهو مشرك به، ويغفر ما دون ذلك أي: من الذنوب لمن يشاء من عباده).\nح- قال ابن القيم: (ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله ﷿ حرم الجنة على أهله فلا تدخل الجنة نفس مشركة، وإنما يدخلها أهل التوحيد ...).\nط- وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (أن من لقيه لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار، ولو كان من أعبد","vol":"1","page":165},{"text":"الناس).\nي- وقال أحمد بن حجر آل بوطامي الشافعي ﵀: (الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن خلص منهما وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر وجبت له النار).\nأما الشرك الأصغر:\nفقد جاء في تعريفه عبارات عدة، منها:\n١ - (أنه كل وسيلة وذريعة يتطرق بها إلى الأكبر).\nوينتقض هذا التعريف بأنه غير مانع؛ إذ أن هذا التعريف يصدق على الكبائر من الذنوب.\n٢ - (هو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله ويسير الرياء ونحو ذلك).\nوهذا التعريف أيضًا غير جامع ولا مانع؛ إذ إنه يصدق على كبائر الذنوب، ثم ليس كل ما يتوسل به إلى الشرك يُعد من الشرك الأصغر، كالتوسل إلى الله بذوات الصالحين ونحو ذلك.\n٣ - (هو كل ما نهى عنه الشرع مما هو ذريعة إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه وجاء في النصوص تسميته شركًا).","vol":"1","page":166},{"text":"فيه ما سبق من الاعتراضات، ثم ليس كل شرك أصغر جاء في النصوص تسميته شركًا، فهناك أفراد من الشرك الأصغر لم يأت تسميتها في النصوص شركًا.\n٤ - (هو تسوية غير الله بالله في هيئة العمل، أو أقوال اللسان، فالشرك في هيئة العمل هو الرياء، والشرك في أقوال اللسان: هو الألفاظ التي فيها معنى التسوية بين الله وغيره، كقوله: ما شاء الله وشئت، ... وقوله: عبد الحارث ونحو ذلك).\n٥ - (هو مراعاة غير الله تعالى معه في بعض الأمور).\n٦ - لا يعرّف، وإنما يذكر بالأمثلة.\nوهذا الأخير هو ما أرتضيه؛ لأن تعريف مثل هذا النوع من الشرك غير منضبط لكثرة أفراده وتنوعه.\nمصدر تسمية هذا النوع من الشرك بالشرك الأصغر:\nجاءت نصوص الشرع بتسميته شركًا أصغر، ومما يدل عليه الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد: أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله تعالى يوم القيامة، إذا جازى الناس بأعمالهم:","vol":"1","page":167},{"text":"اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».\nفثبتت هذه التسمية بنص الحديث.\nوهكذا تثبت هذه التسمية في لسان الصحابة، ومن ذلك ما رواه شداد بن أوس، قال: (كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ﷺ الشرك الأصغر).\nأنواع الشرك الأصغر:\nتنوعت الأقوال في بيان أنواع الشرك الأصغر.\nفمنهم من قال: (هو نوعان: ظاهر، وخفي.\nفالظاهر: يكون بعمل رياء، كالتصنع لغير الله بعمل في ظاهره أنه لله، وفي باطنه عدم الإخلاص لله به، ويكون باللفظ كالحلف بغير الله ...\nوالخفي: ما بنتابه الإنسان في أقواله وأعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك).\nويدل عليه قوله ﷺ: «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا».","vol":"1","page":168},{"text":"ولكن هذا القول فيه نظر، فإن ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك ليس بشرك أصغر فقط، بل قد يدخل في الشرك الأكبر أيضًا، كما سيأتي في بيان المراد بالشرك الخفي.\nومنهم من قال: إنه على نوعين:\nأ- الشرك في النيات والمقاصد؛ ويدخل فيه:\n١ - الرياء.\n٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا.\nب- الشرك في الألفاظ؛ ويدخل فيه:\n١ - الحلف بغير الله.\n٢ - قول القائل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحوهما.\n٣ - إسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿ واعتقاد تأثيره فيها، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص.\n٤ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، إن كان جرى على لسانه من غير قصد.\nولعل من أحسن ما يقال في بيان أنواع الشرك الأصغر ما يلي:\nإن له أنواعًا كثيرة، ويمكن حصرها بما يأتي:\nأولًا: قولي: وهو ما كان باللسان، ويدخل فيه ما يأتي:\n١ - الحلف بغير الله، على تفصيل في ذلك.\n٢ - قول: (ما شئت الله وشئت)، أو: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض، أو يقول: والله","vol":"1","page":169},{"text":"وحياة فلان، أو يقول: نذر الله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلانًا ونحو ذلك.\nولعل الضابط في هذا أن يكون الشيء مما يختص بالله جل وعلا، فيعطف عليه غيره سبحانه لا على سبيل المشاركة وإنما بمجرد التسوية في اللفظ، وأما إن كان يعتقد المشاركة فهذا يدخل تحت الشرك الأكبر.\n٣ - وقوله: (قاضي القضاة).\n٤ - وهكذا: التعبيد لغير الله، كعبد النبي وعبد الرسول (إذا لم يقصد به حقيقة العبودية).\n٥ - وإسناد بعض الحوادث إلى غير الله ﷿، مثل أن يقول: لولا وجود فلان لحصل كذا، ولولا الكلب لدخل اللص، وقول الرجل: لولا الله وفلان، ولولا تجعل فيها فلانًا، ولولا البط في الدار لأتانا اللصوص ...، وأعوذ بالله وبك.\n٦ - قول بعضهم: مطرنا بنوء كذا وكذا، (على طريق غير الحقيقة).\nولعل الضابط في هذا: (الاعتماد على سبب لم يجعله الشرع سببًا).\nثانيًا: فعلي: وهو ما كان بأعمال الجوارح، ويدخل فيه ما يأتي:","vol":"1","page":170},{"text":"١ - التطير، (إذا لم يعتقد القدرة في المتطيَّر به).\n٢ - إتيان الكهان وتصديقهم، (إذا لم يعتقد وجود علم الغيب لديهم).\n٣ - والاستعانة على كشف السارق ونحوه بالعرافين، (إذا لم تصاحبه اعتقاد علمهم الغيب).\n٤ - تصديق المنجمين والرمالين وغيرهم من المشعوذين، (إذا لم يصاحبه اعتقاد علمهم بالغيب).\n٥ - ولبس الحلقة والتطير ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، (إذا لم يعتقد تأثيرها بذاتها).\nثالثًا: قلبي: ويدخل فيه ما يلي:\n١ - الرياء، (إذا كان يسيرًا)، ولا يخلو من:\nأ- أن يكون الرياء بالأعمال: كمن يصلي فيطيل القيام ويطيل الركوع والسجود ويظهر الخشوع عند رؤية الناس له، ويصوم فيظهر للناس أنه صائم، فيقول مثلًا مخاطبًا غيره: اليوم يوم الاثنين والخميس ألا تعلم؟ ألست بصائم؟ أو يقول له: أدعوك اليوم لتفطر معي، وكذلك في الحج والجهاد فيذهب إليهما ومقصده المراءاة بهما، وكالمراءاة بالصدقة ونحوها.\nب- أو يكون الرياء من جهة القول: كالرياء بالوعظ والتذكير وحفظ الأخبار والآثار لأجل المحاورة وإظهار غزارة العلم، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، وإظهار الغضب للمنكرات بين الناس، وخفض الصوت وترقيقه بقراءة القرآن ليدل بذلك على الخوف والحزن ونحو ذلك، إذا فعل ذلك بقصد الرياء، ومن ذلك أيضًا: تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس ويتغافل عنه في منزله.","vol":"1","page":171},{"text":"ج- أو يكون الرياء من جهة الزي: كإبقاء أثر السجود على جبهته، ولبس الغليظ من الثياب وخشنها مع تشميرها كثيرًا ليقال: عابد زاهد، أو ارتداء نوع معين من الزي ترتديه طائفة يعدهم الناس علماء ليقال: عالم.\nد- أو يكون الرياء بالأصحاب والزائرين: كالذي يتكلف أن يستزير عالمًا أو عابدًا ليقال: إن فلانًا قد زار فلانًا، ودعوة الناس لزيارته كي يقال: إن أهل الخير يترددون عليه، وكذلك من يرائي بكثرة الشيوخ ليقال: لقي فلان شيوخًا كثيرين واستفاد منهم فيباهي بذلك.\nهـ - أو يكون الرياء لأهل الدنيا: كمن يتبختر ويختال في مشيه، وتحريك يديه وتقريب خطاه، أو يأخذ بطرف ثوبه، أو يصعر خده، أو يلف عباءته، أو يحرك سيارته حركة خاصة.\nو- أن يكون الرياء من جهة البدن: كأن يرائي بإظهار النحول والصفار ليوهم الناس أنه جاد في العبادة كثير الخوف والحزن، أو يرائي بتشعيث الشعر ليظهر أنه مستغرق في هم الدين لا يتفرغ لتسريح شعره، أو يرائي بحلق الشارب واستئصال الشعر ليظهر بذلك تتبع زي العباد والنساك، أو يرائي بخفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليدلك على أنه مواظب للصوم.\nهذه مجامع ما يرائي به المراؤون - غالبًا - يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد.\n٢ - إرادة الإنسان بعمله الدنيا:","vol":"1","page":172},{"text":"المراد به: أن يعمل الإنسان أعمالًا صالحة يريد بها الدنيا، إما لقصد المال أو الجاه، كالذي يجاهد أو يتعلم ليأخذ مالًا، أو ليحتل منصبًا، أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة، لكن نيته الحصول على مصالح دنيوية لا طلب مرضاة الله.\nوالفرق بينه وبين الرياء:\nأن المرائي إنما يعمل لأجل المدح والثناء، والمريد بعمله الدنيا يعمل لدنيا يصيبها كالمال أو المنصب.\nفهذه أنواع الشرك الأصغر قد تكون هذه الأنواع في خصائص الربوبية، وقد يكون في خصائص الألوهية، كما أن كل قسم من أنواع الشرك الأصغر يحتمل أن ينقلب إلى شرك أكبر، وذلك من وجهين:\n١ - إذا صحبه اعتقاد قلبي، وهو تعظيم غير الله كتعظيمه. كالحلف بغير الله معظِّمًا له كتعظيم الله.\n٢ - أو كان في أصل الإيمان، أو كثر حتى يغلب على العبد؛ كالمراءاة بأصل الإيمان، أو يغلب الرياء على أعماله، أو يغلب عليها إرادة الدنيا بحيث لا يريد بها وجه الله.\nفهذه أنواع الشرك الأصغر على الإجمال.\nحكم الشرك الأصغر:\nأنه محرم، بل هو أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، لكنه لا يخرج من ارتكبه عن ملة الإسلام.","vol":"1","page":173},{"text":"ولذا ورد التحذير منه في الكتاب والسنة.\nفمن الكتاب: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).\nفإن عموم الآية تشمل الشرك الأكبر والأصغر.\nوقوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nالآية في الشرك الأكبر، إلا أن بعض السلف كابن عباس ﵄ كانوا يحتجون بها في الأصغر؛ لأن الكل شرك.\nوقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ).\nقال مجاهد: هم أهل الرياء. ومعلوم أن الرياء هو رأس الشرك الأصغر.\nومن السنة: قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وقوله ﵇: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» الحديث.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ","vol":"1","page":174},{"text":"ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الشرك الخفي ...» الحديث.\nأما كونه أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، فلما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا).\nووجه الاستدلال: أن الحلف بالله كاذبًا كبيرة من الكبائر، لكن الشرك أكبر من الكبائر وإن كان أصغر، وإلا لما أقدم عبد الله بن مسعود ﵁ لأن يقول مثل هذا القول الذي فيه إقدام على ارتكاب الكبائر، والله أعلم.\nولأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك، ففيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.\nثم (إن هذا النوع من الشرك - الشرك الأصغر - يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه ينزِّله منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك امتثال الأمر).\nثم إنه قد يكون وسيلة تؤدي بصاحبه إلى الشرك الأكبر.","vol":"1","page":175},{"text":"أما حكم مرتكبه:\nفقد اتفقوا على أن مرتكب الشرك الأصغر غير خارج من الملة، وأنه لا يُخَلَّد في النار، ولكن هل يكون تحت المشيئة إن لم يتب كما هو حال أصحاب الكبائر الآخرين لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، أو يكون تحت الوعيد بأن لا يُغفر له إذا لم يتب، لأنه قد أطلق عليه بأنه أشرك؟ اختلفوا فيه على قولين:\nالقول الأول: أنه تحت المشيئة، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما يظهر ميل الإمام ابن القيم إليه في الجواب الكافي.\nالقول الثاني: أنه تحت الوعيد، وهو الذي مال إليه بعض أهل العلم.\nالفروق بين نوعي الشرك الأكبر والأصغر:\nهناك فروق بين الشرك الأكبر والأصغر، منها:\n١ - أن الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فقد اختلفت فيه فقيل: إنه تحت المشيئة. وقيل: إن صاحبه إذا مات فلابد أن يعذبه الله عليه، لكن لا يخلد في النار.\n٢ - الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي","vol":"1","page":176},{"text":"قارنه (على القول الراجح).\n٣ - أن الأكبر مخرج عن الملة الإسلامية، وأما الأصغر فلا يخرج منها، ولذا فمن أحكامه: أن يعامل معاملة المسلمين؛ فيناكح، وتؤكل ذبيحته ويرث ويورث، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.\n٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار، وأما الأصغر فلا يخلد في النار وإن دخلها كسائر مرتكبي الكبائر.\n٥ - أن الشرك الأكبر يحل الأنفس والأموال، بعكس الشرك الأصغر، فإن صاحبه مسلم مؤمن ناقص الإيمان، فاسق من حيث الحكم الديني.\nويجتمعان في:\nاستحقاق صاحبهما الوعيد، وأنهما من أكبر الكبائر من الذنوب.\nما هو الشرك الخفي؟ وهل هو من الشرك الأكبر أو من الأصغر؟\nتعريف الشرك الخفي: سبق معنا في تعريف الشرك الأصغر بأن الشرك الخفي أحد نوعي الشرك الأصغر عند بعض العلماء، وبناء على ذلك عرفوه بقولهم: ما ينتابه الإنسان في أقواله أو أعماله في بعض الفترات من غير أن يعلم أنه شرك.\nوقيل: هو ما خفي من حقائق إرادة القلوب، وأقوال اللسان مما فيه تسوية","vol":"1","page":177},{"text":"بين الله وخلقه.\nهذا النوع من الشرك مما ذكره الرسول ﷺ وخافه علينا، وحذرنا منه.\nيدل عليه ما روي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الشرك في أُمَّتي أخفى من دبيب النمل».\nوفي رواية لأبي بكر ﵁ أن النبي ﷺ لما قال: «الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل» قال: قلنا: يا رسول الله! وهل الشرك إلا ما عُبد من دون الله أو دعي مع الله؟ قال: «ثكلتك أمك يا صديق، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أخبرك بقول يذهب صغاره وكباره - أو صغيره وكبيره؟ ـ» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «تقول كل يوم ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك شيئًا وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلم، والشرك أن تقول: أعطاني الله وفلان، والند: أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان».\nوفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر المسيح الدجال، فقال: «ألا أخبركم بما هو","vol":"1","page":178},{"text":"أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قال: قلنا: بلى، قال: «الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل».\nفهذه نصوص الشرع تدل على أنه هناك نوعًا آخر من الشرك يسمى بالخفي، فهل هذا يدخل تحت أحد نوعي الشرك أم هو نوع مستقل بذاته؟ اختلفوا فيه.\nفقيل: يمكن أن يجعل الشرك الخفي نوعًا من الشرك الأصغر، فيكون الشرك حينئذ نوعين: شرك أكبر، ويكون في عقائد القلوب، وشرك أصغر: ويكون في هيئة الأفعال وأقوال اللسان، والإرادات الخفية، وإلى هذا القول مال بعض المعاصرين.\nولكن الظاهر من النصوص المذكورة: أن الشرك الخفي قد يكون من الشرك الأكبر، وقد يكون من الشرك الأصغر، وليس له وصف منضبط، بل دائمًا يتردد بين أن يكون من الشرك الأكبر، أو الشرك الأصغر، بل هو كل ما خفي من أنواع الشرك. وهذا هو الراجح عندي.\nوعليه: فيجب الحذر منه لكثر الاشتباه فيه، فربما يظن في أمر من الأمور أنه من الشرك الأصغر وهو في واقع الأمر من الشرك الأكبر وهكذا العكس، وذلك لخفاء مأخذه، ودقة أمره، وصعوبة معرفته، فيكون مجالة الأمر","vol":"1","page":179},{"text":"المشتبه الذي لا يعرفه إلا الحذاق من أهل العلم، وإن كان قد يخفى على غيرهم ممن لم يكمل نظره، وضعف فهمه في أدلة الكتاب والسنة.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المسألة الثالثة\nهل الأصل في الإنسان التوحيد أو الشرك</span>؟\nهذا السؤال يتطلب جوابه أن نرجع إلى أصل الإنسان، فالذين يقولون: إن أصل الإنسان أنهم خلقوا من نفس واحدة، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، قالوا: إنهم خلقوا من آدم، وعليه اتفاق جميع الأديان السماوية، وعليه اتفقت كلمة أصحاب الملل - اليهود والنصارى والمسلمون - إلا من شذ منهم واتبع الملاحدة في أقوالهم، وآرائهم، فجميع أصحاب الأديان السماوية يقولون: إن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليهم.\nويستدل عليه من وجوه:\nأولًا: أن الإنسان الأول هو آدم ﵇ كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلم أبناءه التوحيد؛ حيث سئل النبي ﷺ عن آدم: أنبي هو؟ قال: «نعم، نبي مكلم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه روحه ...». ثم وقع بنو آدم في الشرك بعده بأزمان - وهذا يقر ويقول به كل من يؤمن بأن الله هو الخالق، وكل من يؤمن بالأديان السماوية الثلاث؛ الإسلامية والنصرانية واليهودية،","vol":"1","page":181},{"text":"إلا من تابع قول الملحدين منهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة ... فإن آدم أمرهم بما أمره الله به، حيث قال له: (فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا باياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) ...، فهذا الكلام الذي خاطب الله به آدم وغيره لما أهبطهم قد تضمن أنه أوجب عليهم اتباع هداه المنزَّل).\nثانيًا: بيَّن الله سبحانه أن البشرية كانت في أول أمرها على التوحيد، ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة، لقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ).\nوجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله ليردوهم إلى التوحيد. قال الطبري: (وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة، وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة في عهد آدم إلى عهد نوح ﵉ كما روى عكرمة عن ابن عباس، وكما قاله قتادة).","vol":"1","page":182},{"text":"ويؤيده ما جاء في قراءة أبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ ...) الآية.\nكما يؤيده قوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا).\nوهو الذي رجحه ابن كثير معللًا بقوله: (لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام - فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض)، ويقول: (ثم أخبر الله أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام).\nثالثًا: أخبر الله ﷾ في كتابه أن الفطرة التي فطرت عليها البشرية كلها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).\nوقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا","vol":"1","page":183},{"text":"غَافِلِينَ).\nفهاتان الآيتان تبينان أن العباد كلهم مفطورون على التوحيد وأنه الأصل في بني آدم، وقد فسر مجاهد الفطرة بأنها الإسلام.\nرابعًا: بيَّن الله في كتابه: أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، وقال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ). وكل رسول افتتح دعوته لأمته بالدعوة إلى عبادة الله، فقال: (اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇ وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص كما كان أبوهم آدم أبو البشر ﵇، حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان بدعة من تلقاء أنفسهم لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل به رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة","vol":"1","page":184},{"text":"المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة، قوم منهم زعموا أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية، وقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين، وقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين، وقوم على مذاهب أخرى، فابتعث الله نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن عبادة ما سواه ... وجاءت الرسل بعده تترى، إلى أن عم الأرض دين الصابئة والمشركين كما كانت النماردة والفراعنة، فبعث الله تعالى إليهم إمام الحنفاء وأساس الملة الخالصة والكلمة الباقية إبراهيم خليل الرحمن فدعا الخلق من الشرك إلى الإخلاص ونهاهم عن عبادة الكواكب والأصنام»، ... فجعل الأنبياء والمرسلين من أهل بيته، وبعث الله بعده أنبياء من بني إسرائيل ... ثم بعث الله عيسى المسيح بن مريم ...).\nخامسًا: ويدل عليه ما روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: «كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين».\nوقد قال قتادة: «ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون","vol":"1","page":185},{"text":"كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض».\nسادسًا: ما رواه عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا».\nسابعًا: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيما من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).","vol":"1","page":186},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحديث: (فالصواب أنها فطرة الإسلام وهي الفطرة التي فطرهم عليها يوم قال: (ألست بربكم قالوا بلى)، وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة والقبول للعقائد الصحيحة ... وقد ضرب رسول الله ﷺ مثل ذلك فقال: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» بيَّن أن سلامة القلب من النقص كسلامة البدن، وأن العيب حدث طارئ).\nوقال ابن القيم: (فجمع ﵊ بين الأمرين؛ تغيير الفطرة بالتهويد والتنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابد أن يغيرهما، فغيَّر فطرة الله بالكفر وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغير الصورة بالجدع والبتك، فغير الفطرة إلى الشرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الروح، وهذا تغيير خلقة الصورة).\nويقول كذلك: (فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة).\nومن هذا يتبين لنا أن الشرك لم يكن أصلًا في بني آدم، بل كان آدم ومن جاء بعده من ذريته على التوحيد إلى أن وقع الشرك.\nفإن هذه الأدلة تنص على أن بني آدم عبدوا الله فترة من الزمن، وهي عشرة","vol":"1","page":187},{"text":"قرون كما يذكره ابن عباس ﵄، ثم انحرف من انحرف عن هذا المنهج القويم، فبعث الله إليهم الرسل ليردوهم إلى التوحيد.\nوهناك رواية أخرى تبين لنا كيف بدأ وقوع بني آدم في الشرك، فقد أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال في معنى قول الله ﷿: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت».\nفهذا كان مبدأ وقوع بني آدم في الشرك وانحرافهم عن توحيد الله ﷿.\nأما الذين يقولون: إن أصل الإنسان ليس هو نفسًا واحدة بل الإنسان على هذه الصورة الموجودة نتيجة التطور والارتقاء، اختلفوا في ذلك اختلافًا شديدًا، وصدق فيهم قول الله ﷿: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).","vol":"1","page":188},{"text":"فقالوا: إن أصل الإنسان هو الشرك ثم حدث فيهم التوحيد، بل قال بعضهم: إن الإنسان ما كان يعرف عن الديانة شيئًا، وإنما الدين وجد بعد مرور الزمان والأيام، وحصول الوحشة لدى بعضهم. واختلفوا في بيان هذه الأشياء التي اضطرتهم إلى التدين، فمن أقوالهم ومذاهبهم في هذا الباب ما يلي:\n١ - ما يسمى بالمذهب الطبيعي:\nوقد نادى إليه (ماكس مولر) سنة: ١٨٥٦ م، و(كوهن) سنة: ١٨٥٩ م، و(شغارتز) سنة: ١٨٦٣ م، وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما نشأ وجد نفسه ضعيفًا بين المظاهر الكونية المختلفة، كالشمس والقمر والنجوم والرياح والصواعق والأنهار وغيرها، فاعتقد أن باستطاعتها أن تنفعه أو تضره، فأخذ يتقرب إليها ويقدم لها سائر أنواع العبادات دفعًا لشرها.\nورد (جيفونس) و(دركايم) على هذا المذهب بأن الخوف لا يصلح سببًا لنشوء العقيدة؛ لأن مع مرور الزمان يألف الإنسان هذه الأشياء بتكررها على نسق واحد، ويذهب خوفه منها ويترك التقرب إليها.\nوأصحاب هذا القول يرون: أن الإنسان إنما هونتيجة الطبيعة؛ حيث كان (أميبا) ثم تطور بفعل الرطوبة، حتى وصل بعد أزمان عديدة إلى صورة القرد، ثم تطور حتى أصبح ما يسمى إنسانًا، فزعموا: أن هذا الإنسان - وكان في ذلك الوقت في طور الطفولة البشرية - أخذ يبحث عن إله يعبده، فتوجه إلى عبادة الآباء والأجداد والأشجار والحيوانات الضخمة والشمس القمر، إلى غير","vol":"1","page":189},{"text":"ذلك من الأشياء التي يستعظمها في نفسه، ثم بدأ هذا الإنسان يتطور في عقله وأحاسيسه، فبدأ يتخلى عن كثير من الآلهة التي كان يعبدها، حتى توصل في عهد الفراعنة إلى التوحيد، ولا يعني ذلك عندهم عبادة الله وحده لا شريك له، وإنما المراد: عبادة إله واحد وهو (رع) الذي يرمز له بقرص الشمس.\nولهذا قال داروين: إن الإنسان إنما هو نتيجة التغير في الناموس الوراثي، فتوصل في بحثه إلى أن الإنسان ترقى من حشرات إلى فقاريات، إلى القردة، فالإنسان.\n٢ - ما يعرف بمذهب النمو:\nقالوا: إن الديانة نمت كما تنمو كل مصلحة إنسانية، ويقينًا أنه لم يكن في مقدور الإنسان البدائي - بله أسلافه القردة وأسلافه من الثدييات - فكرة عن الرب والدين، فلم يستطع ذهنه وقوى فهمه أن تصبح قادرة على تصور هذه الأفكار العامة إلاّ ببطء شديد، فالدين شيء نمى مع الترابط الإنساني.\nوقال بعضهم: إن الدين بدأ في صورة الخرافة والوثنية، والإنسان أخذ يترقى في دينه على مدى الأجيال حتى وصل إلى الكمال فيه بالتوحيد، كما تدرج نحو الكمال في علومه وصناعاته، حتى زعم بعضهم: أن عقيدة (الإله الأحد) عقيدة حديثة، وأنها عقلية خاصة بالجنس السامي.\n٣ - ما يسمى بالمذهب الإغريقي: - وهي من فكرة السوفسطائيين ـ:","vol":"1","page":190},{"text":"قالوا: إن الإنسان كان في أول نشأته يعيش بغير رادع من قانون ولا وازع من خلق، وأنه كان لا يخضع إلا إلى القوة الباطشة، ثم لما وضعت القوانين اختفت المظاهر العلنية من هذه الفوضى البدائية، ولكن الجرائم السرية ما برحت سائدة منتشرة، فهنالك فكر بعض العباقرة في إقناع الجماهير بأن في السماء قوة أزلية أبدية ترى كل شيء، تسمع كل شيء، وتهيمن على كل شيء! .\n٤ - المذهب الروحي:\nوقد نادى إليه (سبنسر وتيلور). وملخصه: أن الإنسان البدائي عندما كان يرى الأحلام فيرى أشخاصًا كانوا قد ماتوا، اعتقد ببقاء أرواح الموتى وأن لها القدرة على الإيذاء أو النفع، وكان يعلل كل ما يصيبه من أمراض بغضب هذه الأرواح عليه وخاصة أنها تمثل أرواح أسلافه، فأخذ يتقرب لها بالعبادة خوفًا من شرها وتقديسًا لآبائه وأجداده.\nوقال بعضهم: إن أول ما عرفت العبادة كان بسبب أحلام منامية يراها الإنسان؛ كأن يرى قريبه الميت يأتيه في نومه ويقول له: اذهب إلى المكان الفلاني ستجد فيه كذا وكذا، فيذهب بعد يقظته إلى هذا المكان، فيجد ما أخبره به في منامه، فإذا تحقق لواحد من هؤلاء مثل هذه الرؤية أخذ يعظم قبر الميت، وصارت تعظمه جماعته كذلك، إلى أن صاروا يعبدونه، فيسألونه حوائجهم ويتضرعون إليه ويستعينون به، ويعكفون عليه.","vol":"1","page":191},{"text":"ورد (دور كايم) على هذا المذهب بأن اعتقاد الإنسان الأولى ببقاء الأرواح لا يكفي لنشوء عقيدة دينية؛ لأن عبادة الأسلاف وجدت عند الأمم المتحضرة كما وجدت عند الأمم البدائية، بجانب عبادة أشياء أخرى، بل بعض الأمم لم تعبد الأسلاف، فلا يكفي هذا لتفسير نشأة العقيدة.\n٥ - المذهب الطوطمي:\nقالوا في الإنسان: إنه كان في الأصل من الحيوانات المائية، التي يقدرون لها آلاف السنين الغابرة، ويطلقون عليه في هذه الفترة (الإنسان المائي)، وبعد مرور آلاف السنين أخذ هذا الحيوان المائي يخرج إلى شاطئ البحر، ويأكل الحشائش النابتة عليها ثم يرجع إلى البحر يعيش فيه كالتمساح، ويطلقون عليه هذه الفترة (الحيوان البرمائي)، ثم بعد آلاف السنين استطاع هذا الحيوان أن ينطبع بطباع البر وأن يعيش فيه طول حياته وأن يترك حياة البحر، ويطلقون عليه هذه الفترة (الإنسان البري)، إلا أنه لم يتميز عن كثير من الحيوانات البرية المعروفة، منذ ذلك الوقت صار يستعمل أنواعًا من الآلات كالحجارة ونحوها، فارتفع وارتقى عن باقي الحيوانات التي تتميز ... .\nفهذا الإنسان الذي أصله من الحيوان - كما زعموا - عرف الدين بطريقة يسمونها (طوطمية) - أو توتمية ـ، وهي شعار تتخذه العشيرة شعارًا لوحدتها وقوتها، وتعتقد أنه جدها الأعلى ومنه تناسلت، فتقدس العشيرة هذا","vol":"1","page":192},{"text":"التوتم ولا تسمح للنساء والغرباء بلمس هذا التوتم، وتحمله معها في الحروب للنصر، وقد يكون التوتم جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وعندها يحرم أكله وقتله.\nوقد رد كل من (لانج وتيلور وفوكارت وفريزر وشميث) على هذا المذهب بأن هذا التوتم لا يصلح كمبدأ للعقيدة؛ لأنه من خلال الأبحاث الكثيرة تبين أن هناك أممًا بدائية كانت تعبد مع التوتم آلهة أخرى، وربما لم تعبد التوتم إطلاقًا، وإن كان رمزًا لها.\n٦ - ما يسمى بالفرويدية:\nقالوا: إن سبب العبادة الأولى هو جريمة الولد بقتل الأب حسدًا وبغضًا؛ لأن الأب منع الابن أن يستمتع معه بأمه، فقتله، فندم على ذلك، وأنكر على نفسه فعلته وحرم عليها الاقتراب من نساء أبيه تنفيذًا لأوامر الميت، وعكف على قبره فأكرمه وعظمه، فلما ظهرت له شناعة جريمته تعاهد مع الآخرين على صيانة حياتهم، وحرم الواحد على نفسه قتل أخيه، وأبيه، فأصبح هذا عامة للقبائل عمومًا، وبهذا تعارف الناس على التقاليد والأديان والعبادة تدريجيًا.\nولا يخفى أن هذا من الهراء الذي لا قيمة له في العقل البشري.\nهذا هو ملخص أقوال أصحاب النحل، ولكنهم جميعًا متفقون على:\nأن الأديان من صنع البشر، وليست من قبل الله ﷿، وأن الأصل هو الشرك.","vol":"1","page":193},{"text":"والعجيب أن يوافقهم على هذه الخزعبلات بعض من يسمى بالمفكرين في الإسلام كعباس محمود العقاد في كتابه (الله ﷻ)، وعبد الكريم الخطيب في كتابه (قضية الألوهية بين الفلسفة والدين)، وثريا منقوش في كتابها (التوحيد في تطوره التاريخي).\nوقد زعم أصحاب هذا القول أن لهم عليه دليلين:\nأولًا: القياس على الصناعة، فكما أن الإنسان قد تطور في صناعته فهو كذلك تطور في ديانته.\nثانيًا: أن الحفريات دلتهم على أن الناس وقعوا في الشرك وتعدد الآلهة، وأن الإنسان عرف التوحيد متأخرًا.\nمناقشة أقوال هؤلاء الملحدين:\nأ- هذه الأقوال - كما يتضح لدى القارئ - إنما هي سخافات وأحاجي فارغة ينطبق عليها المثل القائل: (إن الغريق بكل حبل يمسك)، فمن أين لهم أنهم هم أنفسهم كانوا حشرات وجراثيم فأصبحوا بشرًا؟ من جاءهم بهذا القول؟ ومن أي مصدر أخذوه؟ ومتى تم ذلك؟ وكيف اكتشفوا؟ ولماذا لا تتطور النملة فتصبح فيلًا أو الحنظل عنبًا أو تمرًا؟ !\nوأيضًا: لماذا لا تتطور تلك الحيوانات التي كانت في البر قبل وصول الإنسان إليها من البحار والمياه الآسنة؟ ما الذي حال بينها وبين التطور والارتقاء ما دامت قد سكنت البر قبله؟","vol":"1","page":194},{"text":"وأيضًا: ما الذي حال بين الإنسان وبين التطور إلى صفة أخرى أعظم من البشرية؟ لابد أن قدرة خارجة عن نطاق قوته جعلته إنسانًا لا يختلف شكله على طورا لدهور، ولا يلتبس شكله وقوامه بشكل الذرة أو البعوضة، أو الفيل، فجعلت تلك القوة الإنسان إنسانًا والحيوان الغير ناطق حيوانًا، والنخلة نخلة والذرة ذرة ... إلى آخر هذه المخلوقات التي تملأ الأرض. إنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلًا. فجعلت تلك السنة الإلهية القمر في مكانه والشمس في مكانها، والنجوم في مكانها، والأرض والجبال والبحال كلًا في مكانه، وفي فلك يسبح فيه، فالشمس التي كانت قبل ملايين السنين هي نفسها شمس اليوم، وكذلك القمر والنجوم والأرض وهيئة الكون، إنها قوة إلهية، يعجز أولئك الملاحدة أن يأتوا بدليل يقنع أحدًا سليم العقل والفطرة، وصدق الله العظيم رب الأولين والآخرين حين قال: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا).\nب- يرد عليهم كذلك: بأن المنهج الذي سلكه العلماء القائلون بنظرية التطور حتى توصلوا لما توصلوا إليه من نتائج تطورية، هو منهج خاطئ؛ لأن مقارنتهم كانت لا تفرق بين الدين الصحيح والخرافات الأسطورية الهمجية التي كانت منتشرة عند الشعوب القديمة عن الأرواح والأحلام وما إلى ذلك، فجعلوا عقيدة التوحيد على قدم المساواة بالعقائد الأخرى الباطلة، فهم لا يفرقون بين اليهودية والنصرانية والصابئية، والمجوسية والبوذية والهندوكية، وسائر أنواع الشرك من جهة، وبين الإسلام من جهة أخرى.\nج- ونرد عليهم كذلك: بأن بحوثهم قامت على افتراضات وتخمينات","vol":"1","page":195},{"text":"بسبب أنهم بحثوا في أمم مر عليها آلاف السنين، وهي تعتبر في عالم الغيب الذي لا مصدر صحيح لمعرفته إلا بالوحي، ولذلك جاءت أبحاثهم مناقضة للبحث العلمي والمنهج العلمي الصحيح؛ لأنهم بحثوا فيما لا يستطيع العقل أن يبحث فيه، وكانت أقوالهم رجمًا بالغيب؛ ليأتوا بما يوافق أهواءهم من النتائج.\nد- وأما ردنا على هذه النظرية من أبحاث العلماء القائلين بنظرية أصالة التوحيد المنكرين لنظرية التطور، فنقول:\nانقسم علماء الأجناس ومقارنة الأديان إلى فريقين:\n١ - فريق قال بنظرية التطور، وقد سبق ذكرها.\n٢ - وفريق آخر من العلماء قال بنظرية معاكسة تمامًا للنظرية الأولى، ومن أمثال هؤلاء العلماء: لانج، وشريدر، وفريزر شميدث، وبتاتزوني، وفوكارت، فقد توصل هؤلاء العلماء من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هو التوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم: (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القوم لم تكن تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد. وبنوا عليه أن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.","vol":"1","page":196},{"text":"وأما ما تمسك به أولئك الخارجون عن الحق بتقدم الصناعات على تقدم الديانات فلا شك أن هذا في الواقع قياس فاسد واستدلال باطل، وقياس مع الفارق؛ لعدة أمور:\nأولًا: أن الصناعات من الأشياء المادية، والأديان من الأشياء المعنوية، فكيف يقاس معنوي غير محسوس على شيء مادي محسوس؟ ! فهو كمن يقيس الهواء على الماء.\nثانيًا: أن الصناعات تقوم على التجربة والملاحظة، وتظهر النتائج بعد استكمال مقوماتها، بخلاف الدين الذي لا يقوم على ذلك ولا تظهر نتائجه في هذه الحياة الدنيا.\nثالثًا: يلزم من هذا القياس شيئان:\n١ - أن يكون الإنسان في هذا الزمن صادق التدين خالص التوحيد، لأن الصناعة قد بلغت مبلغًا عاليًا من التطور، والواقع خلاف ذلك، فإن الإنسان في العصر الحاضر أحط ما يكون من الناحية الدينية؛ إذ الإلحاد متفش في أكثر بقاع العالم.\n٢ - كما يلزم منه ألاّ يوجد شرك في هذا الزمن، والواقع خلاف ذلك؛ حيث إن الشرك متفش في الشرق والغرب.\nوأما ما تمسكوا به - على قولهم الباطل - بالحفريات ومخلقات الأمم السابقة، فيقال عنه:\nأولًا: إن هذه الحفريات ناقصة، فلا دلالة فيها على ما ذكروا سوى التخمين ومحاولة الربط بين أمور متباعدة، وغاية ما تدل عليه الحفريات والآثار: إن الأمم السابقة وقعت في الشرك، وهذا لا ننكره نحن، بل القرآن","vol":"1","page":197},{"text":"والسنة نصا على ذلك وبيناه، وأما عبادة الإنسان الأول وعقيدته فلا يمكن معرفتها من خلال الآثار حتى يعثروا على الإنسان الأول ويجدوا آثارًا تدل على عقيدته وعبادته.\nثانيًا: من المؤكد أن الأمم تتقلب في عبادتها فتنتقل من التوحيد إلى الشرك، ومن الشرك إلى التوحيد، فمعرفة عبادة أمة من الأمم لا يعني أنها لم تعرف سوى هذه العبادة، بل يعني ذلك أنها كانت على هذه العبادة في تلك الفترة فقط.\nثالثًا: أن الحفريات ومخلفات الأمم السابقة كما استدل به بعضهم على القول بالشرك في الأمم هكذا استدل به فريق آخر على توحيد بعض الأمم، فقد قال به فريق من العلماء أمثال (لانج وشريدر، وفريزر، وشميدث، وبتاتزوني، وفوكارت)، وغيرهم، فقد توصلوا من خلال أبحاثهم التي قاموا بها إلى أن الأصل هوالتوحيد وليس الشرك، وسموا نظريتهم (نظرية فطرية التوحيد وأصالته)، وقد انتصر لهذه النظرية فريق كبير من العلماء، وأيدوها بما توصلوا إليه من اكتشافات وحفريات قديمة تدل على أن هناك أممًا عريقة في القدم لم تعرف تعدد الآلهة، وكانت تؤمن بالإله الواحد، وبنوا على هذه الحفريات والكتابات المكتشفة نظريتهم القائلة بأن عقيدة الوحدانية هي أقدم ديانة عرفها البشر، وأن التعدد والوثنية طارئة ومتطفلة على عقيدة التوحيد.\nوبهذا يظهر جليًا واضحًا فساد هذه الأقوال المنحرفة عن الحق، وأن ما استدلوا به ليس إلا تخرصات وتوهمات لا تقوم على وجه الحق الواضح البين","vol":"1","page":198},{"text":"الذي سبق أن ذكرناه؛ وهو أن الإنسان أصله التوحيد، والتوحيد هو أول ما عرفه الإنسان، ثم بدأ بالانحراف فتدرج أمره حتى وقع في الشرك، وذلك هو الحق الذي لا ريب فيه.\nثم إن هذا القول الموافق للقرآن والسنة والفطرة والعقل الصريح الموافق للنقل الصحيح قد اهتدى إليه بعض علماء الآثار والباحثون في الأديان من الغربيين وغيرهم، نذكر هنا نماذج من أقوالهم:\n١ - يقول الباحث (أدمسون هيوبل) المتخصص في دراسة الملل البدائية: (لقد مضى ذلك العهد الذي كان يتهم الرجل القديم بأنه غير قادر على التفكير فيما يتعلق بالذات المقدسة أو في الله العظيم، ولقد أخطأ (تيلور) حيث جعل التفكير الديني الموحد نتيجة للتقدم الحضاري والسمو المعرفي، وجعل ذلك نتيجة لتطور بدأ من عبادة الأرواح والأشباح، ثم التعدد، ثم أخيرًا العثور على فكرة التوحيد).\n٢ - ويقول الباحث (أندري لانج) من علماء القرن الماضي: إن الناس في استراليا وأفريقيا والهند لم ينشأ اعتقادهم في الله العظيم على أساس من الاعتقاد المسيحي، وقد أكد هذا الرأي العالم الأسترالي (وليم سميث) حيث ذكر في كتابه (أسس فكرة التوحيد) مجموعة من البراهين والأدلة جمعها من عدة مناطق واتجاهات تؤكد أن أول عبادة مارسها الإنسان كانت تجاه الله الواحد العظيم.\nويقول الدكتور (الحاج أورانج كاي) من علماء الملايو في إندونيسيا: (عندنا في بلاد (أرخبيل) الملايو دليل أكيد على أن أهل ديارنا هذه كانوا يعبدون الله الواحد، وذلك قبل أن يدخل الإسلام إلى هذه الديار، وقبل أن","vol":"1","page":199},{"text":"تدخل النصرانية.\nوفي عقيدة جزيرة (كلمنتان) بأندونيسيا لوثة من الهندوسية ورائحة من الإسلام، مع أن التوحيد كعبادة لأهل هذه الديار كان هو الأصل قبل وصول الهندوسية أو الإسلام إليها.\nوإذا رجعنا إلى اللغة الدارجة لأهل هذه الديار قبل استخدام اللغة السنسكريتية أو قبل الهجرة الهندوسية أو دخول الإسلام تأكدنا من أن التصور الاعتقادي لأجدادنا - حسب النطق والتعبيرات الموروثة - هو: أن الله في عقيدتهم واحد لا شريك له).","vol":"1","page":200},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>الباب الأول في شرك الأمم السابقة</span>\nويشتمل على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه.\nالفصل الثاني: في بيان الصراع بين الشرك والتوحيد في الأمم السابقة.\nالفصل الثالث: في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها.","vol":"1","page":202},{"text":"الفصل الأول\nفي بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه","vol":"1","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>الفصل الأول في بيان أول شرك وقع في بني آدم والأدلة عليه</span>\nإن مما لا خلاف فيه أن أول شرك وقع من العباد هو شرك الشيطان. قال الحافظ ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ):\nقال ابن جريج: من يقل من الملائكة إني إله من دونه، فلم يقله إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه، فنزلت هذه الآية في إبليس.\nوقال قتادة: (إنما كانت هذه الآية خاصة لعدو الله إبليس، لما قال ما قال لعنه الله، وجعله رجيمًا).\nوقال الضحاك في قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ): (يعني من الملائكة إني إله من دونه، قال: ولم يقل أحد من الملائكة إلا إبليس، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر).\nفهذا أول شرك وقع على الإطلاق - فيما أعلم ـ، ولكن متى وقع أول شرك في بني آدم؟ اختلفوا فيه على أقوال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>القول الأول: إن أول شرك في بني آدم كان من قابيل</span>، وقد حكى الطبري في تاريخه رواية تدل عليه؛ وهي (ذكر أن قابيل لما قتل هابيل، وهرب","vol":"1","page":205},{"text":"من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس فقال له: إن هابيل إنما قبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكن لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها).\nفهذا القول نرى الإمام الطبري نقله بدون سند، بل صدره بقوله: (ذكر) بصيغة التمريض، مما يدل على ضعفه عنده، وهو في نفسه ضعيف، كما سيأتي بيان ما يخالفه من القول الصحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>القول الثاني: إن بداية الشرك كان في زمن يرد بن مهلائيل</span>، وهو أبو إدريس ﵇، وقد حكاه أيضًا ابن جرير في تاريخه، فقال: حدثني الحارث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرني هشام، قال: أخبرني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: في زمان يرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.\nففي هذا السند نرى هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وهما ضعيفان بل متهمان، ولا يقبل منهما، خصوصًا أن هذه الرواية خالفت","vol":"1","page":206},{"text":"الرواية الصحيحة - كما سيأتي ـ، ثم إن الكلبي هنا يروي التفسير عن أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع منه شيئًا، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، فما رواه الكلبي لا يحل ذكره في الكتاب، فكيف الاحتجاج به؟ .\nوالمقصود: أن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>القول الثالث: إن أول شرك وقع في بني آدم إنما هو من قبل أبناء قابيل</span>.\nوتدل عليه رواية ابن الكلبي في كتاب الأصنام، قال فيها: أخبرني أبي قال: (أول ما عبدت الأصنام أن آدم ﵊ لما مات، جعله بنو شيث بن آدم في مغارة في الجبل الذي أهبط عليه آدم بأرض الهند). ثم روى عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: (وكان بنو شيث يأتون جسد آدم في المغارة فيعظمونه ويترحمون عليه، فقال رجل من بني قابيل بن آدم: يا بني قابيل! إن لبني شيث دوارًا يدورون حوله ويعظمونه، وليس لكم شيء. فنحت لهم صنمًا، فكان أول من عملها).\nفهذه الرواية أيضًا من قبل هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وهو عن أبي صالح عن ابن عباس. وقد تطرقت لهذا السند بالنقد في ما قبل، فلا أعيده هاهنا، وإنما المقصود بيان كونه قولًا ضعيفًا للغاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>القول الرابع: إن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح</span>.","vol":"1","page":207},{"text":"ويستدل لهذا القول بما يلي:\n١ - قوله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، والدليل على أن هؤلاء المذكورين كانوا في قوم نوح؛ الروايات الحديثية التي وردت في تفسير الآية.\nمن أشهرها: ما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ (هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن أنصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت).\nوما أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، قال: (كانوا قومًا صالحين - يغوث ويعوق ... - بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدرون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم).\nقال ابن القيم: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم).\n٢ - قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).\nويتضح وجه الاستدلال من الآية لمن اطلع على تفسيرها، وقد سبق معنا","vol":"1","page":208},{"text":"بيانه في ما قبل.\n٣ - ويدل عليه أيضًا: ما رواه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ...).\n٤ - وقد قال قتادة: (ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله ﷿ نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).\n٥ - وعن عكرمة قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام).\nفهذه أقوال صحيحة عن سلف هذه الأمة في بيان بداية الشرك في بني آدم، وهي ترجح هذا القول الرابع؛ بأن بداية الشرك كان في قوم نوح، وقبل هذا كانوا على الإسلام.\nومن غرائب ما في هذا الباب نسبة وجود الشرك في آدم ﵇ استدلالًا بقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ).","vol":"1","page":209},{"text":"فإنه جاء في تفسير هذه الآيات آثار عن بعض السلف توهم وجود الشرك في زمن آدم ﵇، وهي ما يلي:\nأولًا: ما روى الإمام أحمد بسنده عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ قال: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد ـ، فقال: سمية عبد الحارث؛ فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» هذا هو الحديث المرفوع الوحيد إلى النبي ﷺ.\nقال الحافظ ابن كثير: (وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد به ولم يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا","vol":"1","page":210},{"text":"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعًا؛ قلت - القائل هو الحافظ ابن كثير ـ: وشاذ هو هلال وشاذ لقبه).\nثانيًا: الآثار عن الصحابة:\nأ- روي عن ابن عباس روايات بنحو ما ذكر:\n١ - من طريق محمد بن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن عكرمة عنه، وهذا السند غير مقبول عند المحدثين، فإن كل ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة فهو منكر، بل ضعفه بعضهم.\n٢ - من طريق عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عنه، ففي هذا السند خصيف، وهو ضعيف، وشريك أيضًا مختلط،","vol":"1","page":211},{"text":"فلا اعتبار بهذه الرواية.\n٣ - ما رواه ابن جرير الطبري، قال: حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس (بنحوه). فهذه هي السلسلة العوفية المعروفة بالضعف من رواة التفسير عن ابن عباس.\n٤ - ما رواه الطبري من طريق القاسم قال: ثنا الحسين قال: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: قال ابن عباس. وذكر نحوه. فهذا أثر منقطع، ضعيف؛ فإن حجاج بن أرطأة ضعيف، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.\nب- وفي الباب رواية عن أبيّ بن كعب نحوه، وقد رواه ابن عباس عنه.\nقال ابن كثير: (وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة. وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبيّ بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم) ... وهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن النبي ﷺ في عدم تصديق أهل الكتاب وفي عدم تكذيبهم أيضًا، ثم إن أخبارهم على","vol":"1","page":212},{"text":"ثلاثة أقسام؛ فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في الحديث.\nوهذا الأثر - المروي عن ابن عباس - ننظر إليه بهذه الاعتبارات الثلاثة، فهل يدل عليه من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ شيء؟ . في الحقيقة: أن هذا فرع عن صحة الحديث الذي رواه سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أو ضعفه. أعني حديث: «لما ولدت حواء طاف بها إبليس ...» إلخ.\nفالمحدثون في هذا الحديث فريقان:\nفريق: أخذوا الحديث بالتصحيح، ثم بدأوا يؤولون في معنى الحديث كي لا يؤدي إلى نسبة الشرك إلى آدم.\nوفريق آخر يضعفون الحديث، ويفسرون الآية بما يوافق طبيعة اللغة العربية، وبما روي من آثار في ذلك.\nفأما الذين قالوا بصحة الحديث أجابوا بأجوبة، منها:\nأ- أن النفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، والشرك الواقع منهما ليس شركًا في العبادة، وإنما هو شرك في التسمية، حيث سميا ولدهما (عبد الحارث) والحارث هو اسم إبليس، وآدم وحواء لم يعتقدا بتسمية ولدهما عبد الحارث أن الحارث ربهما، وقد ذكر هذا القول بعض المفسرين، كابن جرير الذي صوبه، ورجحه على غيره، وروى في تأييده آثارًا عن السلف.","vol":"1","page":213},{"text":"فروى عن ابن عباس أنه قال: (أشركه في طاعته في غير عبادة، ولم يشرك بالله، ولكن أطاعه).\nوعن قتادة قال: (وكان شركًا في طاعته، ولم يكن شركًا في عبادته).\nوعن سعيد بن جبير قال: (قيل له: أشرك آدم؟ قال: أعوذ بالله أن أزعم أن آدم أشرك، ولكن حواء لما أثقلت أتاها إبليس فقال لها: من أين يخرج هذا؟ من أنفك أو من عينك أو من فيك؟ فقنطها، ثم قال: أرأيت إن خرج سويًا ... أتطيعيني؟ قالت: نعم، قال: فسميه عبد الحارث، ففعلت ... فإنما كان شركه في الاسم).\nوعن السدي قال: (... فذلك حين يقول الله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما) يعني في التسمية). وأيضًا يدل عليه قراءة من قرأ (جعلا له شركًا) بمعنى الشركة يعني بالاسم، وحتى يتفادى أصحاب هذا القول الاعتراض عليهم بأن قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) يفيد أن الذين أتوا بالشرك جماعة؛ إذ لو كان آدم وحواء لقال: فتعالى الله عما يشركان. فقد ذهبوا إلى أن في الآيتين قصتين: قصة آدم وحواء، والخبر قد انقضى عند قوله: (جعلا له شركاء فيما ءاتاهما).","vol":"1","page":214},{"text":"وقصة مشركي العرب، والخبر عنها في قوله: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان، واستأنسوا في ذلك بما روي من آثار، منها: ما روي عن السدي في قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، يقول: هذه فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب.\nويروى عنه أيضًا أنه قال: (هذا من الموصول والمفصول، قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) في شأن آدم وحواء، ثم قال الله ﵎: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال: عما يشرك المشركون، ولم يعنهما). وقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا في تفسيره.\nوأجابوا عما يقال: إن آدم وحواء إنما سميا ابنهما عبد الحارث والحارث واحد، وقوله (شركاء) جماعة، فكيف وصفهما جل ثناؤه بأنهما جعلا له شركاء، وإنما أشركا واحدً؟ قالوا في الجواب عن هذا السؤال: إن العرب تخرج الخبر الواحد مخرج الخبر عن الجماعة إذا لم تقصد واحدًا بعينه ولم تسمه، كقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ)، وإنما كان القائل واحدًا، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الجماعة؛ إذ لم يقصد","vol":"1","page":215},{"text":"قصده، وذلك مستفيض في كلام العرب وأشعارها.\nوممن استحسن هذا القول ودافع عنه، ورأى صحة الحديث الألوسي الذي قال: (لا يعد هذا شركًا في الحقيقة؛ لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية، لكن أطلق عليها الشرك تغليظًا).\nكما يُفهم من سياق كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أنه يرجع هذا التفسير؛ حيث أتى به في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ)، مستدلًا به على منع التعبيد لغير الله.\nكما أن الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ يرى رجحان هذا التفسير في تيسير العزيز الحميد؛ حيث قال: (وإذا تأملت سياق الكلام من أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف، تبين قطعًا أن ذلك في آدم وحواء ﵉، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك، والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وقوله تعالى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ) هذا - والله أعلم - عائد إلى المشركين من القدرية، فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس، وله نظائر في القرآن). وقال أيضًا: (قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته: أي","vol":"1","page":216},{"text":"لكونهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (قال العماد ابن كثير: «وكان أصله - والله أعلم - مأخوذ من أهل الكتاب». قلت - القائل هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وهذا بعيد جدًا).\nوقال الشيخ محمد خليل هراس بعد أن استعرض كلام ابن كثير: (هكذا ترى ابن كثير ... يحاول الخروج على ظاهر الآية وينكر الأحاديث والآثار الموافقة لها وينسبها إلى أخبار أهل الكتاب ... - ثم قال: - محاولة الدفاع عن آدم وحواء بأن شركهما إنما كان في التسمية لا في العبادة، وكان على سبيل الخطأ غير المتعمد وقد عوتبا عليه).\nب- وهناك من يجيب بأنه ليس فيه دليل على الشرك في الألوهية، بل فعله هو الميل إلى طاعة الشيطان وقبول وسوسته مع الرجوع عنه إلى الله، وذلك غير داخل تحت الاختيار، أو لعله قبل النبوة.\nواستدرك على القول بأنه كان (قبل النبوة): أن الكفر ممتنع حتى قبل النبوة، وأجيب عنه بأن إشراكهما بالله؛ أنهما أطاعا إبليس في تسمية","vol":"1","page":217},{"text":"ولدهما بعبد الحارث - كما مر في القصة - وليس ذلك كفرًا، بل ذنبٌ يجوز صدوره قبل النبوة.\nوسيأتي مناقشة هذا القول قريبًا، عندما نأتي إلى بيان متى تكون الطاعة لغير الله شركًا، ومتى تكون ذنبًا؟ .\nج- وهناك من يجيب: (بأنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له، لا عن أن الضيف ربه، كما قال حاتم:\nوإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا ... وما فيَّ إلا تيك من شيمة العبد)\n\nولكن السؤال هنا في شيئين:\n١ - هل التعبيد لغير الله - وإن كان بمجرد التسمية - يعتبر ذنبًا أم شركًا أصغر؟\n٢ - وإذا كان من الشرك، فهل يمكن صدوره عن الأنبياء؟\nأما حكم التعبيد لغير الله: فقال الإمام ابن حزم ﵀: (اتفقوا","vol":"1","page":218},{"text":"على تحريم كل اسم معبد لغير الله؛ كعبد عمرو وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك. حاشا عبد المطلب).\nفهذا الحكم من حيث الأحكام التكليفية، وأما من حيث ذنبه هل يعتبر شركًا أم كبيرة من الكبائر؟ ففيه خلاف؛ قال بعض العلماء: إن علة التحريم في النهي عن التعبيد لغير الله هي كونه شركًا في الربوبية والإلهية؛ لأن الخلق كلهم ملك لله وعبيد له، استعبدهم لعبادته وحده، وتوحيده في ربوبيته وإلاهيته، فالتعبيد لغير الله يكون شركًا، فإن كان عابدًا حقيقة بأن تعلق به في الخوف أو الرجاء أو المحبة، كما كان الواجب تجاه الرب، أو شارك الرب في هذه الأشياء فقد أشرك بالله شركًا أكبر، وإن انحصر التعبيد في مجرد إسداد النعمة إلى غير الله فهو شرك أصغر.\nولهذا تطرق العلماء لهذا الشيء عندما تكلموا في أنواع الشرك الأصغر، فذكروا في أمثلة الشرك الأصغر باللسان: التعبيد لغير الله؛ كعبد النبي وعبد الرسول. فأدرجوا ضمن الشرك الأصغر القولي مثل الحلف بغير الله، وقول: (ما شاء الله وشئت)، وقول: (قاضي القضاة، أو ملك الأملاك) سواء بسواء.\nقال ابن القيم: (لا تحل التسمية بعبد علي، وعبد الحسين، ولا عبد","vol":"1","page":219},{"text":"الكعبة، وقد روى ابن أبي شيبة عن هانئ بن شريح قال: وفد على النبي ﷺ قوم فسمعهم يسمون رجلًا عبد الحجر، فقال له: «ما اسمك؟» قال: عبد الحجر، فقال له رسول الله ﷺ: «إنما أنت عبد الله».\nقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في بيان حكم التعبيد لغير الله؛ بأن المشركين كانوا (يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله؛ من شمس، أو وثن، أو بشر، أو غير ذلك مما قد يشرك بالله،","vol":"1","page":220},{"text":"ونظير تسمية النصارى عبد المسيح، فغيَّر النبي ﷺ ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعة من أصحابه: عبد الله وعبد الرحمن، كما سمى عبد الرحمن بن عوف ونحو هذا، وكذا سمى أبا معاوية وكان اسمه عبد العزى فسماه عبد الرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبد القيوم، ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابههم الغالين في المشايخ، فيقال: هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري، ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم؛ رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم، كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين ... وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم كما سنه رسول الله ﷺ، وتغيير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية ...).\nقال ابن القيم: فإن قيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله، وقد صح عنه ﷺ: «تعس عبد الدينار» الحديث، وصح عنه أنه قال: «أنا النبي لاكذب، أنا ابن عبد المطلب».\nفالجواب: أما قوله: «تعس عبد الدينار» فلم يرد به الاسم، وإنما أراد به الوصف، والدعاء على من يعبد قلبه للدينار والدرهم فرضي بعبوديتهما عن","vol":"1","page":221},{"text":"عبودية الله ﵎.\nأما قوله: «أنا ابن عبد المطلب» فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم. ولا وجه لتخصيص أبي محمد ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون عبد شمس، وبني عبد الدار بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النبي ﷺ ذلك، فباب الأخبار أوسع من الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء.\nفعلى هذا لا تجوز التسمية بعد المطلب ولا غيره مما عبد لغير الله، وكيف تجوز التسمية، وقد أجمع العلماء على تحريم التسمية بـ عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد الكعبة؟ وكل هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به، وأيضًا فقد نصّ النبي ﷺ على أن التسمية بعبد الحارث من وحي الشيطان (على فرض صحة الحديث).\nوأما ما قيل: من أن المراد: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) بمعنى أنهما أطاعاه في التسمية بعبد الحارث، لا أنهما عبداه، فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة، ولكن يستشكل عليه بأنه تفسير للعبادة بالطاعة، فيلزم من قول قتادة أن يكون الشرك في العبادة هو الشرك بالطاعة أيضًا.\nويجاب عن هذا بأن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير اللازم؛ فإن لازم العبادة أن يكون العابد مطيعًا لمن عبده بها، فلذا فسرت بالطاعة، أو يقال: هو","vol":"1","page":222},{"text":"من التفسير بالملزوم وإرادة اللازم؛ أي لما كانت الطاعة ملزومًا للعبادة والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة: جاز تفسيرها بذلك.\nأو يقال: ليس كل طاعة تسمى شركًا، بل المقصود بالطاعة التي تدخل بها إلى العبودية هي الطاعة الخاصة، مثلًا في تحليل الحرام أو عكسه، وأما في بعض الذنوب، فحكمهم كحكم سائر أصحاب المعاصي، فهذا ضابط الطاعة التي تكون شركًا والتي لا تكون، وكما قال شيخ الإسلام: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكون على وجهين:\nأحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على هذا التبديل، فيقلدون في تحليل ما حرم الله أوتحريم ما أحل الله، اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، كان مشركًا مثل هؤلاء.\nالثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ...).\nفلعل المراد من الذين قالوا: (شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته) هو هذا الثاني، فلا يكون شركًا، والله أعلم.","vol":"1","page":223},{"text":"فهذا هو الحكم على القول بأن التعبيد لغير الله يكون شركًا أكبر إذا أراد الحقيقة من معناه، وأما إن أراد مجرد الالتفات إلى السبب، وجعله سببًا في حصول النعم فلا يكون شركًا أكبر، بل يكون من الشرك الأصغر، وهذا هو القول الراجح لديّ.\nوقد سماه بعضهم بـ (الشرك في التسمية)، ومثلوا له بأن ينسب الأولاد إلى الأولياء بمعنى أنهم من عطاء غير الله وهبة غير الله؛ كنحو عبد النبي، وهبة علي، هبة حسين، هبة المرشد، هبة المدار، هبة سالار، وذلك طمعًا في رد البلاء عنهم ... كل ذلك يثبت به الشرك ويصبح الإنسان به مشركًا.\nوقال بعضهم: (ومن المشاهد اليوم أن كثيرًا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء ... وقد ينسبون إليها أبناءهم طمعًا في رد البلاء، فيسمي بعضهم ابنه بعد النبي، وبعضهم بعلي بخش، وحشين بخش، وبير بخش، ومدار بخشر، وسالار بخش ... كان ذلك شركًا لا شك فيه، ... كل ذلك يتحقق منه الشرك، ويسمى (الإشراك في العبادة)؛ يعني أن يعظم غير الله في الأعمال التي اعتادها تعظيمًا لا يليق إلا بالله ...).\nوهناك فئة من الناس ترى: أن التسمية بالتعبيد لغير الله لا تكون شركًا، فقال بعض من ابتلى منهم: (إن إضافة العبد إذا كان إلى غير الله، فلا يخلو إما أن يكون العبد معبودًا من دون الله أو لا، وعلى الثاني إما أن يكون موهمًا لها أو","vol":"1","page":224},{"text":"لا، فالأول حرام، والثاني إن كان موهمًا كره، كعبد النبي، وإلا فلا، فعبد العزى حرام، وعبد النبي مكروه، وعبد المطلب جائز). ونسي هذا المستدل قوله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ ...).\nفهذا القول باطل عاطل، وفاسد كاسد، ولا مبرر لقائله، ولا دليل على هذا التقسيم الذي اخترعه من عند نفسه.\nوعلم بهذا كله: أنه على القول بصحة هذه القصة عن آدم، فيه نسبة الشرك الأصغر إليه، أو على الأقل نسبة الذنوب إليه، فهل الأنبياء عندهم ذنوب؟ هذا السؤال يقودنا إلى مسألة أخرى وهي:\nهل الأنبياء معصومون عن الذنوب؟\nالمسألة خلافية، والخلاف فيها من عدة أوجه، وضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة:\nأ- ما يقع في باب الاعتقاد.\nب- ما يقع في باب التبليغ.\nج- ما يقع في باب الأحكام والفتيا.\nد- ما يقع في أفعالهم وسيرتهم.\nثم اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:\nأحدها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم من مولدهم، وهو قول الرافضة.","vol":"1","page":225},{"text":"ثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم، ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكبيرة والكفر قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة.\nثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز.\nوالحديث في المسألة ذو شجون، ولكنني سأقتصر الكلام على ما يتعلق بالمتفق عليه من هذه الأقسام، وهل تصدر المعاصي والذنوب من الأنبياء؟، دون أن أتطرق إلى بيان حكم الأقسام الأخرى؛ لكونها لا تتعلق برسالتي.\nالمتفق عليه: اتفقت الأمة على أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة، فلا ينسون شيئًا مما أوحي إليهم إلا شيئًا قد نسخ، فهم معصومون في التبليغ، قال الرازي: (قد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدًا كما لا يجوز أيضًا سهوًا، ومن الناس من جوز ذلك سهوًا، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن). أما ما يتعلق بباب الاعتقاد فالخطأ فيه غير جائز، فعلى المنع لا يمكن صدور التعبد لغير الله عن آدم ﵊ ألبتة.","vol":"1","page":226},{"text":"والخلاف الذي سبق معنا كله إنما هو على فرض ثبوت الحديث.\nوأما الذين قالوا بتضعيف الحديث فهم كنز - وهو الصحيح إن شاء الله كما سيأتي ـ، قالوا: إن الحديث ضعيف، فبعض منهم ضعف رواية، وبعضهم ضعفه دراية.\nأما الذين ضعفوا من جهة الرواية فهم الجهابذة من المحدثين، منهم الحافظ ابن عدي؛ حيث إنه أعله بتفرد عمر بن إبراهيم، وقال: (وحديثه عن قتادة مضطرب).\nوأما الحافظ ابن كثير فقال: إن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث","vol":"1","page":227},{"text":"المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعًا، فالله أعلم.\nالثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير ...\nالثالث: أن الحسن - نفسه - فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه إلى الذي أورده ابن جرير بسنده عن الحسن (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا)، قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم.\nوبسنده عن الحسن قال: عني به ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده.\nوبسنده عن الحسن قال: هم اليهود والنصارى؛ رزقهم الله أولادًا فهودوا ونصّروا.\nثم قال ابن كثير: هذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث محفوظًا عنده من رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله وورعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب، ووهب بن منبه، وغيرهما.","vol":"1","page":228},{"text":"وزاد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - حفظه الله - علة أخرى؛ وهي الآتي ذكرها في الوجه الرابع.\nالرابع: أن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم هو مدلس، ولم يصرح بسماعه عن سمرة، وقال الذهبي في ترجمته في الميزان: (كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: (عن فلان) ضعف احتجاجه).\nولكن يفهم من صنيع الحافظ العلائي أن رواياته عن سمرة تحمل على السماع، وقد ذكر لذلك شاهدًا، فلم يبق من العلل إلا ما ذكره ابن كثير.\nأما من حيث الدراية: فأيضًا لا يصح؛ فإنه لم يثبت لدينا أن إبليس كان اسمه حارث، ثم ليس لدينا ما يدل على أن آدم كان يموت له الأولاد في حياته غير هابيل، ثم إن هذا خلاف مقتضى إرساله إلى الأرض من الله جل وعلا، فإنه أرسل لعمران الأرض، فلو مات له الأولاد لا يحصل هذا المقصود ألبته، فهذا مما يضعف الحديث دراية، ولهذا قال ابن حزم ﵀: (وهذا الذي نسبوه إلى آدم ﵇ من أنه سمى ابنه عبد الحارث خرافة موضوعة","vol":"1","page":229},{"text":"مكذوبة، من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط، وإنما نزلت في المشركين على ظاهرها).\nوقال ابن القيم: (فالنفس الواحدة وزوجها آدم وحواء، واللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما المشركون من أولادهما، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل: إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد ...).\nمن وجوه ضعف هذا القول ما يلي:\n١ - أن آدم ﵇ كان أعرف بإبليس وعداوته الشديدة له، وأن اسم إبليس هو الحارث - لوصح - فكيف مع هذا يسمى ولده عبد الحارث؟\n٢ - جمع الشركاء في قوله تعالى: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) يدل على أن المتخذ شريكًا لله جماعة، في حين أن المتخذ شريكًا لله على هذا القول واحد وهو إبليس، فالتعبير بالجمع يدل على ضعف هذا القول.\n٣ - أنه لم يجر لإبليس في الآية ذكر، فلو كان هو المتسبب في تسمية - التي أطلق عليها شرك - على حد هذا القول - لجرى له ذكر، فالمقام مقام التحذير من الانخداع بوسوسة إبليس يقتضي ذكر اسم إبليس؛ لئلا ينخدع أحد بعده.\n٤ - أنه تعالى قال بعده: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)، وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.","vol":"1","page":230},{"text":"٥ - لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئًا). ولم يقل: (ما لا يخلق شيئًا)؛ لأن العاقل إنما يذكر بصيغة (من) لا بصيغة (ما).\nوأما تفسير الآية على القول بتضعيف هذه الرواية فكما يلي:\n١ - أن الآيتين في حق آدم وحواء، ويدفع الإشكال في قوله: (جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا) بأن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: (جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما)، والتثنية على أن ولده قسمان: ذكر وأنثى؛ أي صنفين ونوعين، فزال الإشكال عن (جعلا) و(آتاهما). وفي قوله تعالى: (فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) بلفظ الجمع باعتبار الأولاد.\n٢ - أن الخطاب لجميع الناس، والضمير في (جعلا) و(آتاهما) يعود على النفس وزوجها، لا إلى آدم وحواء، وعلى هذا: النفس، غير ما ذكروه في تأويله، وهذا أقرب وأبعد من التأويل المتكلف.\n٣ - أن الخطاب في (خلقكم) لقريش، وهم آل قصي، فإنهم خلقوا من نفس قصي، وكان له زوج من جنسه عربية قرشية، وطلبا من الله أن يعطيهما الولد، فأعطاهما أربعة بنين فسماهم بـ عبد مناف، عبد شمس، عبد العزى، عبد الدار.\n٤ - أن المراد بالنفس الواحدة آدم، وزوجها المجعول منها حواء، والذي","vol":"1","page":231},{"text":"طلبه آدم وحواء من الله صالحًا هو النسل السوي بصنفيه الذكور والإناث، ولكن أولاده جعلوا لله شركاء من الأصنام والأوثان فيما أتاهم، فتعالى الله عن إشراك المشركين من هذا النسل.\nفقوله: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا) جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنًا، وقوة، وعقلًا، فكثروا صفة للولد وهو الجنس، فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: (فلما أتاهما أولادًا صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان (له شركاء) بعضهم أصنامًا، وبعضهم نارًا، وبعضهم شمسًا، وبعضهم غير ذلك.\nوالمقصود: أنه لم يثبت أن آدم ﵇ وقع في الشرك، بل الصحيح الثابت ما سبق أن ذكرناه أن أول شرك وقع في بني آدم هو في قوم نوح.\nقال شيخ الإسلام: (إن الناس كانوا بعد آدم ﵇، وقبل نوح ﵇ على التوحيد والإخلاص، كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر ﵇ حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان، بدعة من تلقاء أنفسهم، لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولًا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة والفلسفة الحائدة؛ قوم منهم زعموا: أن التماثيل طلاسم الكواكب السماوية والدرجات الفلكية والأرواح العلوية.\nوقوم اتخذوها على صورة من كان فيهم من الأنبياء والصالحين.\nوقوم جعلوها لأجل الأرواح السفلية من الجن والشياطين.\nوقوم على مذاهب آخر.","vol":"1","page":232},{"text":"وأكثرهم لرؤسائهم مقلدون، وعن سبيل الهدى ناكبون، فاتبعث الله نبيه نوحًا ﵇، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وإن زعموا أنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى ويتخذوهم شفعاء).","vol":"1","page":233},{"text":"الفصل الثاني\nوقوع الشرك في الأمم السابقة","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الثاني وقوع الشرك في الأمم السابقة</span>\nسبق أن ذكرنا أن أول البشر آدم ﵇، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢).\nفأول ما قص الله علينا من قصص الأنبياء في القرآن الكريم هي قصة آدم ﵇، بأنه أبو البشر، وكان في الجنة، أكرمه ربه فأسجد له ملائكته المقربين لديه؛ اعترافًا لشرفه وفضله، إلا إبليس فإنه كاد له فأخرجه من الجنة، فأُهبط إلى الأرض، فكان أول بشر في الأرض، ولكن هل كان على التوحيد؟ نعم، كان على التوحيد وكان نبيًا، ويدل عليه ما يلي:\n١ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) الآية.\n٢ - قوله ﵇ فيما رواه ابن حبان في صحيحه قال: إن رجلًا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: «نعم، مكلم ...» الحديث.","vol":"1","page":237},{"text":"٣ - ولقوله ﷺ: «ما من نبي - آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي».\nفدلت هذه النصوص على أن آدم ﵇ كان نبيًا، وكان على التوحيد لا محالة، وقد اتفق عليه جميع من يعتد بأقوالهم، ولم يوجد فيه أيّ خلاف: بأن آدم ﵇ كان على التوحيد، وقد جاء في حديث الشفاعة - الطويل - «يا آدم أنت أبو البشر ...» الحديث، فوصفوه بأنه أبو البشر، وجاء في الأحاديث: أنه نبي، والنبي إنما يبعث بالتوحيد، فقد بعث آدم ﵇ إلى ذريته وهم على الفطرة، ولم يصدر منهم كفر، فأطاعوه.\nوقد سبق تفنيد قول القائلين بوقوع الشرك في الألفاظ من آدم ﵇ فيما نسب إليه في تفسير قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا).","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المبحث الأول في بيان الشرك في قوم نوح</span>\nلما مات آدم ﵇ قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث ﵇ ولم يكن هناك وجود للشرك على الصحيح.\nفلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن، ثم بعده ولده مهلائيل، فلما مات قام بالأمر ولده يرد.\nومما يذكره المؤرخون من الأحداث في هذه الفترة ما يلي:\nقالوا: إن قابيل لما قتل هابيل وهرب من أبيه آدم إلى اليمن، أتاه إبليس، فقال له: إن هابيل إنما قُبل قربانه وأكلته النار؛ لأنه كان يخدم النار ويعبدها، فانصب أنت أيضًا نارًا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار، فهو أول من نصب النار وعبدها.\nوقالوا: فيما يرونه عن ابن عباس بسند فيه ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح: بأن ابن عباس قال: في زمان يَرد عملت الأصنام، ورجع من رجع عن الإسلام.\nفلما حضرت يرد الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ - وهو إدريس ﵇ على المشهور - قال ابن كثير: (وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث","vol":"1","page":239},{"text":"﵉)، قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، فإدريس ﵇ قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية، وهو خنوخ هذا، وهو في عمود نسب رسول الله ﷺ على ما ذكره غير واحد من علماء النسب، وكما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء: أن رسول الله ﷺ مر به وهو في السماء الرابعة - وفيه التصريح بالنبوة ـ.\nثم أرسل الله نوحًا ﵇، وهو النبي الثالث الذي ذكره الله في القرآن بعد آدم ﵇، وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ - الذي هو إدريس - ابن يرد بن مهلائيل بن قينن بن آنوش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇.\nوهو أول الرسل كما في حديث الشفاعة المشهور؛ حيث ورد فيه «يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض». وكما جاءت الآية التي تكلمت عن الرسل بتصديره؛ مثل قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\nوهكذا جاء ذكره في مواضع مدحه جل وعلا النبيين والمرسلين، كما قال","vol":"1","page":240},{"text":"تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا).\nوبالجملة: فنوح ﵇ إنما بعثه الله تعالى لما عُبدت الأصنام والطواغيت، وشرع الناس في الضلال والكفر، فبعثه الله رحمة للعباد، فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض - كما يقوله أهل الموقف يوم القيامة - وقد ذكرت قصة نوح في عدة سور من القرآن، منها الأعراف، ويونس، وهود، والمؤمنون، والشعراء، وسورة نوح.\nشرك قوم نوح:\nذكر الإمام ابن جرير الطبري فيه ثلاثة أقوال:\n١ - كانوا قد أجمعوا على العمل بما يكرهه الله؛ من ركوب الفواحش، وشرب الخمور، والاشتغال بالملاهي عن طاعة الله عزوجل.\n٢ - كانوا أهل طاعة بيوراسب، وكان بيوراسب أول من أظهر القول بقول الصابئين.\n٣ - أما كتاب الله فإنه ينبئ عنهم أنهم كانوا أهل أوثان، وهو الصحيح من هذه الأقوال، وبقية الأقوال إنما هي مجرد ظن وتخمين من المؤرخين؛ فإن قوم نوح في الواقع كانوا قد أحدثوا الشرك وعبادة الأصنام، وكانوا يدعون ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وذلك أن الله عزوجل يقول مخبرًا عن نوح: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا","vol":"1","page":241},{"text":"مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا).\nوجاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية قال: هذه (أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسوا إليها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت».\nقوله: (فلم تعبد) أي الأصنام. (حتى إذا هلك وتنسخ العلم عُبدت) و(تنسخ) من نسخ أي زال. وللكشميهني [نسخ العلم] أي درست آثاره بذهاب العلماء، وعم الجهل حتى صاروا لا يميزون بين التوحيد والشرك، فوقعوا في الشرك ظنًا منهم أنه ينفعهم عند الله، حيث اندرس العلم الذي من أجله صوروهم في معابدهم؛ وهو كثرة العبادة والحث عليها اقتداء بهم.\nقال ابن القيم ﵀: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم).\nفثبت أن أصل الشرك في بني آدم - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀","vol":"1","page":242},{"text":"(كان من الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمِين؛ فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عَبَدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم وكان في قوم نوح).\nولهذا جاء في كتاب (مجموعة التوحيد): (إن العكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها هو أصل الشرك وعبادة الأوثان).\nكما جاء في كتاب صيحة الحق: (إن أصل عبادة الأوثان والأصنام عند جميع الأمم هو نُصُبْ وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم، فالعرب واليونان والرومان والمصريون والفرس والهنود والصينيون هؤلاء كانت الآلهة التي أخذوها وأوثانهم التي عكفوا على عبادتها أصلها نصب وتماثيل أقاموا على قبور صالحيهم؛ لتذكرهم بما كانوا يوصونهم به من الفضائل والخلق الكريم، فلما بعد العهد بهم خلف من بعدهم خلق نسوا ذلك الغرض، واتخذوها آلهة تعبد وتقرب إلى الله وتشفع عنده).\nهكذا نسي الناس عهد الله، وخرجوا عن ملة التوحيد التي هي فطرة الله، ولم يبق في الأرض يومئذ من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، فأرسل الله إليهم نبيه نوحًا ﵇ يدعوهم إلى الله عزوجل، وينذرهم عقابه إن استمروا على عبادتهم لتلك الآلهة المزعومة والباطلة، وطالت دعوته لهم ومقامه بينهم، وهو لا يفتأ يدعوهم ويذكرهم بالليل والنهار، سرًا وعلانية، ولكن لم يستجب لنوح ﵇ في ذلك المدى الطويل إلا نفر قليل من قومه، مع","vol":"1","page":243},{"text":"وضوح دعوته وظهور حجته وطول مثابرته، وأوحى الله عزوجل إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يعملون، وأمره أن يصنع الفلك بأعين الله ووحيه، وأن يحمل فيها من كل نوع من الدواب والحيوانات زوجين اثنين - الذكر والأنثى ـ، وأن يركبها هو والمؤمنون معه وأهله إلا من سبق عليه القول منهم. قال تعالى في بيان نتائجهم: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الثاني في بيان الشرك في قوم هود</span>\nالشرك بعد قوم نوح:\nلا يعرف متى حدث الشرك بعد نوح ﵇، وكل الذي نعلمه من القرآن الكريم أن الله استخلف عادًا في الأرض بعد قوم نوح، قال تعالى على لسان هود ﵇: (وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاء اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، كما أننا لا ندري أيضًا كم مر من القرون بين نوح وهود ﵉، ولكن الآية تفيد أنه لم يكن بينهما رسول.\nويجيء دائمًا في القرآن الكريم قصة عاد بعد قصة قوم نوح مما يدل على ما ذكرناه من أن عادًا خلفت قوم نوح في الأرض، وأنه لم يكن بينهما أمم، ولا يمكن أن يقال هنا أكثر من هذا، فإن هذه أمور موغلة في القدم وعصور ما قبل التاريخ، فلا يجوز الكلام فيها بأزيد مما جاء به النص والسكوت عما وراء ذلك مما لا يضر الجهل به؛ إذ لو كان فيه فائدة لذكره الله ﷿ لنا. ولنأخذ الآن في بيان حال قوم هود ﵇ من الشرك والفساد.\nأما هود ﵇ فهو: (هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح)، وقيل: هو هود بن عوص بن إرم بن سام بن","vol":"1","page":245},{"text":"نوح، وعلى هذا يكون عاد أخا هود.\nوقيل: هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان يقال لهود: عابر، ورجح الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري القول الأول، ولعل هذا القول هو الصحيح، كما حققه الدكتور عبد الوهاب النجار في قصص الأنبياء، وأما القول الثاني فهو أبعد الأقوال.\nأما عاد: فهو المعروف بعاد الأولى، قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى)، وسماها الأولى؛ لأنهم كانوا قبل ثمود، وقيل: لأنهم أول أمة هلكت بعد نوح، لقوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ)، فعند الترتيب التاريخي جاء بذكر ثمود بعد عاد الأولى.\nمساكن عاد:\nكانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل، وجمعه حقف، وهو ما استطال من الرمل العظيم واعوج، والجمع حقاف، وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها: الشحر، واسم واديهم:","vol":"1","page":246},{"text":"مغيث، وكانوا يسكنون كثيرًا في الخيام ذوات الأعمدة الضخام، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ)، أي عاد إرم وهو عاد الأولى.\nشرك عاد:\nيفهم من قوله تعالى: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) أنهم أشركوا بالله في بعض أمور الربوبية، ولكن ما كانوا ينكرون ربوبية الله، والدليل عليه قوله تعالى حكاية عنهم: (إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ)، فيفهم منه أنهم كانوا يقرون بالله عزوجل، ولكنهم نسوا الرب جل وعلا، فاعتزوا بسلطانهم وقوتهم واغتروا بأبهتهم وعظمتهم، كما قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ).\nإذن، ما هو حقيقة الشرك في قوم عاد؟ يقول المؤرخون: كانوا أهل أوثان.\nاختلفوا في بيان أوثانهم، فقال بعضهم: كانت أصنامهم ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا.","vol":"1","page":247},{"text":"وقيل: كانت أوثانهم: صداء، وصمود، والهباء.\nوقيل: كانت أوثانهم: ضرا، وضمور، والهباء.\nوعلى كلٍ: ثبت بهذه الروايات أنهم وقعوا في شرك العبادة والألوهية، وقد حباهم الله نعمًا وافرة، وخيرات لا تُحصى؛ ففجروا العيون وزرعوا الأرض، وشادوا القصور، وزادهم الله فوق ذلك بسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم، ولكنهم لم يشكروا الله على آلائه، بل اتخذوا هذه الأصنام؛ يعبدونها ويستنصرون بها في الشدائد.\nوأيضًا: كان من شرك القوم: ادعاء الضر والنفع في أصنامهم؛ حيث قالوا: (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ)، وهذا من الشرك بالله في أمور الربوبية.\nفبعث الله فيهم أخاهم هودًا ﵇، فكان من أوسطهم نسبًا، وأحسنهم خلقًا، وأرجحهم عقلًا، فدعاهم إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما يعبدون من حجارة لا تجلب لهم نفعًا، ولا تدفع عنهم ضرًا.\nفردَّ عليه الملأ من قومه أسوأ رد، واتهموه بشتى التهم، كما قال تعالى: (الَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، و(قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ).","vol":"1","page":248},{"text":"ولما طغت عاد، ولم ينفع التذكر ولا الإنذار فيهم، أرسل الله عليهم ريحًا صرصرًا فأهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).\nوبلغ بهم الحمقى منتهاه؛ حيث إنهم عندما رأوا السحاب فرحوا، وظنوا أنه مطر غزير جاء بعد أن حبسه الله عنهم بضع سنين، فلما أظلتهم سبحابة سوداء فزعوا، وزاد فزعهم عندما هبت ريح عقيم، قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ).\nونجى الله هودًا والذين آمنوا معه، وما آمن معه إلا قليل، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)، واستحق قوم عاد لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأنهم أشركوا بالله وجحدوا بآياته، وعصوا رسله، واتبعوا وانقادوا لكل جبار ظالم، قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثالث في بيان الشرك في قوم صالح ﵇</span>\nقوم صالح ﵇:\nيجيء قوم صالح في الترتيب القرآني عقيب قصة هود في جميع المواضع التي ذكرت القصتان، ففي سورة الأعراف جاءت القصص على هذا الترتيب: نوح، ثم هود، ثم صالح. بل جاء على لسان صالح ﵇ في تلك السورة أنه قال لقومه: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).\nوفي سورة (براءة) يقول سبحانه في صدد تذكير المنافقين بما حصل للمكذبين قبلهم: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\nوكذلك الشأن في سورة هود والحجر والشعراء والقمر وغيرها، مما يدل على أن الأمتين (عاد وثمود) كانتا متقارنتين ومتقاربتين في الزمان، وأن ثمودًا كانت على علم بما جرى لأسلافهم - عاد - من العذاب والنكال، ولعل من المناسب أن نلمح بشيء من التعريف عن ثمود، من حيث نسبهم وديارهم، ومعتقدهم قبل بعثة صالح ﵇، فنقول:","vol":"1","page":250},{"text":"١ - نسبهم ومساكنهم:\nثمود: قبيلة نسبت إلى جدها (ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح).\nوقيل: (ثمود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح).\nوقيل: (ثمود بن جاثر بن إرم بن بسام بن نوح).\nوعلى كلٍ: هم أول الأقوام بعد عاد، كما قال تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)، قال ابن كثير: هم (ثمود؛ لقوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ).\n٢ - منازلهم:\nالحجر، كما أخبر الله ﷿ في القرآن في قوله: (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ).\nقال ابن كثير: (وأصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇). جاء في كتاب معجم معالم الحجاز: (والحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وتسمى اليوم بـ (مدائن صالح)، وتقع شمال المدينة النبوية، وتبعد عن المدينة بحوالي ٣٤٧ كم، وبالقرب منها تقع مدينة (العلا)، وتبعد شمال (العلا) بـ ٢٥ كم).","vol":"1","page":251},{"text":"شرك قوم ثمود:\nكانت قبيلة ثمود تدين بعبادة الأصنام، يشركونها مع الله في العبادة، كما هو شأن أهل الكفر والوثنية، لقد كانت أرضهم جنات وعيون، ومنازلهم بيوتًا فارهة وقصورًا شامخة، وكانوا سادة الناس وملوك الأرض، لكنهم لم يشكروا الله على نعمه، بل زادوا فسادًا وبعدًا عن الحق؛ أشرًا وبطرًا، وعبدوا الأصنام من دون الله جلت قدرته، وزيادة على ذلك كان هناك لون آخر من ألوان الشرك ورد ذكره عن قوم صالح وهو التطير، وأصله مأخوذ من التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم.\nوقد دل كونه شركًا حديث ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك - ثلاثًاـ» الحديث.\nوالطيرة تعد من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أنها تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا، إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوا بالله ﷿.","vol":"1","page":252},{"text":"وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد في قوله تعالى: (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ)، فهذا كان شركهم بالله بالتطير من غيره سبحانه، مع شركهم بالله بعبادة غيره.\nفبعث الله فيهم أخاهم صالحًا (وهو صالح بن ماسح بن عبيد بن حاجر بن ثمود بن عابر بن إرم بن نوح) أو (هو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشخ بن عبيد بن حاذر بن ثمود)، فنهاهم نبي الله صالح ﵇ عن عبادة الأوثان، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ).\nوالملأ من قوم ثمود كعادة الملأ في كل عصر ومصر، كذبوا نبيهم، واستغربوا كيف ينهاهم صالح ﵇ عن آلهتهم التي ورثوا عبادتها عن آبائهم وأجدادهم، قال تعالى: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)، وقال: (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ","vol":"1","page":253},{"text":"الصَّادِقِينَ)، فأعطى الله الناقة لثمود آية مبصرة؛ قال تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا)، وقال: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ).\nوقد كان الله لثمود بالمرصاد، لقد أخذهم بالصيحة أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ).\nهكذا أضافت ثمود إلى سجل المشركين من بني آدم صفحة ملطخة بالظلم والوثنية والطغيان الكبير.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الرابع في بيان الشرك في قوم إبراهيم ﵇</span>\nقوم إبراهيم ﵇:\nثم بعد أن تطاولت الأزمان أرسل الله رسوله إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، وقد جاءت قصة هذا النبي الكريم في الترتيب القصصي للقرآن بعد قصة صالح ﵇، فقد جاء في سورة براءة قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)، وفي سورة فاطر: (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).\nويعتبر إبراهيم ﵇ ابتداء عهد جديد للتوحيد؛ فكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته، وابن أخيه لوط ﵈، فلنتعرف على إبراهيم من هو؟ وإلى من بُعث؟ وكيف كان شرك قومه؟ وكيف عالجه إبراهيم ﵇؟ وفيما يلي بيان ذلك باختصار:\n١ - التعريف بإبراهيم ﵇:\nهو إبراهيم بن آزر - أو تارخ - بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر ابن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.","vol":"1","page":255},{"text":"وقيل: هو إبراهيم بن تارخ بن ناخور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇.\nواختلفوا في الموضع الذي كان منه، والمكان الذي ولد فيه.\nفقال بعضهم: كان مولده بالسوس من أرض الأهواز، وقيل: أنه ولد بغوطة دمشق في قرية يقال لها: برزة في جبال قاسيون، وهو مروي عن ابن عباس. وقال بعضهم: كان مولده بالوركاء من ناحية الزوابي وحدود كسكر، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذي كان به نمرود من ناحية كوثى. وقال بعضهم: كان بالسواد بناحية كوثى. وقال بعضهم: كان مولده بحران، ولكن أباه نقله إلى أرض بابل. وقال بعضهم: كان مولده ببابل من أرض السواد وهو الذي صححه ابن كثير، ورواه عن ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة، بأنه ولد إلى أرض الكلدانيين - يعنون أرض بابل ـ.\nواختلف المؤرخون في اسم أبي إبراهيم هل هو آزر أم تارح؟\nوالصحيح أن اسمه آزر، لقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (٧٤)، وقول الرسول ﷺ: «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة ...» الحديث.","vol":"1","page":256},{"text":"وقال ابن جرير ﵀: والصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان، أو أحدهما لقب والآخر علم، وقال ابن كثير: (هذا الذي قاله - ابن جرير - جيد قوي. والله أعلم).\n٢ - بيان من أُرسل إليهم إبراهيم ﵇:\nسبق ذكر اختلاف المؤرخين في مكان ولادته، ولعل منشأ هذا الخلاف: وجود الروايات على أن إبراهيم ﵇ قام بدعوته في أرض الكلدانيين، كما أنه قام بدوره في أرض الكنعانيين، وكما يدل بعض الروايات على أنه بلّغ رسالته في أهل حران، وكان النبي يُبعث إلى قومه، فاختلف المؤرخون في مكان ولادته لما رأوا تعدد أماكن دعوته، ولكن الصحيح: أنه ولد بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والها، ثم ارتحل إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقام بحران، وهي أرض الكشدانيين في ذلك الزمان، وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضًا.\nشرك قوم إبراهيم ﵇:\nقوم إبراهيم ﵇: هم الصابئة.\nلقد وجد في هؤلاء القوم نوعان من الشرك؛ وهما الشرك في الربوبية، والشرك في الألوهية، أما الشرك في الربوبية: فقد ادعى الربوبية ملكهم ـ","vol":"1","page":257},{"text":"نمرود بن كوش - وهو أحد العبيد الضعفاء ـ، قال تعالى في حكاية مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.\nوأيضًا: كان من شركهم في الربوبية: اعتقاد تأثير بعض الأشياء بخفاء مما لا يعلم له سبب ظاهر، فإن هذا النوع من الشرك إنما حدث أول مرة في الكلدانيين - الذي كانوا يعتقدون تأثير الكواكب في السفليات - كما سيأتي:\nوأما أصل شركهم فكان بعبادة الكواكب والشمس والقمر، وكان في بابل مع هذا: عبادة الأصنام، فكانوا يعبدون الحجارة الصماء والثماثيل البكماء، وكان أهل حران يعبدون الكواكب السبعة في عهده ﵇، فدعا أهل بابل إلى عبادة الله وحده، ثم انتقل إلى حران.\nقال ابن كثير: (ثم ارتحل إبراهيم وأهله قاصدين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فأقاموا بحران، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة، والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين؛ يستقبلون القطب الشمالي، ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال، ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق القديمة هيكل لكوكب منها، ويعملون له أعيادًا وقرابين، ولهذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام. وكل من كان على وجه","vol":"1","page":258},{"text":"الأرض كانوا كفارًا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط، وكان الخليل هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذلك الضلال).\nوكان قوم إبراهيم - أهل بابل - ينحتون من الخشب والحجارة، ويصورونها ويجعلونها أصنامًا، كما بيَّن الله ﷾ في كتابه حكاية عن إبراهيم: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)، وقوله تعالى: (إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)، وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً)، وقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لابِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (٤٢).\nوالمقصود: أن في زمان إبراهيم كان الناس يعبدون الكواكب كما كان الناس في زمن نوح يعبدون تماثيل الصالحين، لكن الناس في عهد إبراهيم عبدوا الأصنام والكواكب.\nوذكر الرازي السبب الذي دعا الناس إلى عبادة هذه الأجرام السماوية، فقال: (إن الناس رأو تغييرات أحوال هذا العالم مربوط بتغييرات الكواكب، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا أن ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من قال: إنها أشياء واجبة الوجود لذاتها، وهي التي خلقت","vol":"1","page":259},{"text":"هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، ولكنها خالقة لهذا العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصنامًا وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العلوية ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب، وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب).\nوذكر الله تعالى مناظرة إبراهيم ﵇ لقومه من عباد الكواكب، وبيَّن إبراهيم ﵇ لهم أن هذه الأجرام السماوية المشاهدة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله ﷿؛ لأنها مخلوقة مدبَّرة تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عنه خافية، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧).\nوقد كانت مواقف إبراهيم ﵇ مع قومه متعددة، فتارة يحاج والده، وتارة يحاج الجمهور، وتارة يحاج الملك، وتارة يفعل ما يستفزهم به إلى محاجته، كتكسير الأصنام ليكلموه في شأنها، إلى أن أوقدوا النار لتحريقه، فنجاته منها بعد أن ألقي فيها، فهجرته.\nفإنه بعد أن جهد الجهد كله في سبيل هداية قومه، وبعد أن حاول أن","vol":"1","page":260},{"text":"يقنعهم بكل وسائل الإقناع، لم يحل من قومه بطائل، وجفاء قومه، وألقوه في النار، فجعلها الله تعالى بردًا وسلامًا عليه، وهدده أبوه بأن يرجمه إذا استمر على جحد الأصنام، ولم يؤمن له من قومه سوى زوجته سارة ولوط بن هاران ابن أخيه، فتبرأ إبراهيم من أبيه، ولم يطلب له المقام بين أهله وقومه، فذهب إلى ديار الكلدانيين، ثم حران، ثم رحل إبراهيم بعد ذلك إلى فلسطين غريبًا ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).\nوسكن إبراهيم ﵇ ولوط ﵇ في تلك الأنحاء وكانت أرض الكنعانيين، ولكنه لم يطل المقام، بل انتقل إلى مصر، وذلك في عهد جبار من الفراعنة، فأظهر أن التي معه أخته، وأراد الملك أخذها زوجة ولكنه فشل - بفضل الله وبعونه ـ، بل زيادة عليه أخدمها هاجر، فأعطتها لإبراهيم، فلما دخل بها أتت منه بغلام هو إسماعيل ﵇، فأسكنه إبراهيم ﵇ عند بيت الله المحرم، ثم عاد يسكن بالشام.\nبيان مذهب الصابئة:\nفيما يلي بيان مذاهب الصابئة؛ حتى يتضح موقف إبراهيم ﵇ وبيان ما كان عندهم من أنواع الشرك.\nهذه المذاهب كانت في القديم من أعظم الأديان انتشارًا في العالم، وكان منشؤها العراق وكعبتها حران، وهي في الأصل دين الكواكب السبعة والاثني عشر، ولتلك الكواكب هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار يصورون","vol":"1","page":261},{"text":"فيها تلك الكواكب، ولهم زيادة على ذلك هيكل ثامن يسمونه هيكل العلة الأولى، وهم خمس فرق:\n١ - ما يسمى بالصابئة المعتدلة:\nوهم الذين يسوون بين الأديان، ويقتبسون الفضائل ويلتزمون الحدود، ويحرمون المحرمات، ويؤمنون ببعض بشارات الأنبياء، ويتشددون كثيرًا في الطهارات، وهي طهارة البدن والثياب.\n٢ - الصابئة المنكرون: وهم الذين لا يدينون بشيء في هذا الكون، وإنما يؤمنون بوجود الصانع الحكيم.\n٣ - الصابئة المشركة: وهي أقدم فرق الصابئة، يقولون: إن للعالم صانعًا فاطرًا حكيمًا مقدسًا عن سمات الحدثان، والبشر مفتقر إلى معرفته افتقارهم إلى طاعته وأوامره، ومحتاج في ذلك إلى متوسط يتقرب به إلى غير جسماني، لأن الوسائط الجسمانية بشرية تنتابها الأعراض، خاضعة لأحكام المادة.\nأما الوسائط الروحانية المقربة لديه فيجب أن تكون مقدسة .. وتسمى الوسائط أربابًا، وآلهة، ووسائل، وشفعاء عند الله رب الأرباب وإله الآلهة.\nويقولون: إن لكل روحاني من الروحانيات العلوية جرمًا سماويًا، وهو هيكله، فهو مدبره والمتصرف فيه، وقالوا: لا سبيل إلى الروحاني بعينه، فأوجبوا التقرب إلى هيكله بكل عبادة وقربان، وقالوا عن الكواكب السبعة: زحل، والمشترى، والمريخ، والشمس، والقمر، والزهرة، وعطارد: هي","vol":"1","page":262},{"text":"قوة مدبرة لهذا العالم تصدر أوامرها إلى الملأ الأعلى. فنصبوا لها الأصنام على صورها، وأقاموا لها الهياكل وعكفوا على عبادتها.\nقال ابن القيم: (والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، والبروج الاثني عشرة، ويصورونها في هياكلهم، ولتلك الكواكب عندهم هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار، كالكنائس للنصارى والبيع لليهود، فلهم هيكل كبير للشمس، وهيكل للقمر، وهيكل للزهرة، وهيكل للمشتري، وهيكل للمريخ، وهيكل لعطارد، وهيكل لزحل، وهيكل للعلة الأولى. ولهذه الكواكب عندهم عبادات ودعوات مخصوصة، ويصورونها في تلك الهياكل، ويتخذون لها أصنامًا تخصها، ويقربون لها القرابين، ولها صلوات خمس في اليوم والليلة نحو صلوات المسلمين).\nوقالوا: لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم، ونتقرب بهم إليه، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الغضبية؛ حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الرواحنيات، وتتصل أرواحنا بهم، فحينئذ نسأل حاجتنا منهم، ونعرض أحوالنا عليهم، ونصبوا في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى إلهنا، وإلههم.","vol":"1","page":263},{"text":"وهذا التطهير والتهذيب لا يحصل إلا باستمداد من جهة الروحانيات، وذلك بالتضرع والابتهال بالدعوات، من الصلوات والزكوات، وذبح القرابين، والبخورات والعزائم، فحينئذ يحصل لنفوسنا استعداد من غير واسطة الرسل، بل نأخذ من المعدن الذي أخذت منه الرسل، فيكون حكمنا وحكمهم واحدًا، ونحن وإياهم بمنزلة واحدة.\nقالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع وشركاؤنا في المادة، وأشكالنا في الصورة، يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب، وما هم إلا بشر مثلنا يريدون أن يتفضلوا علينا.\nوالمقصود: أن هؤلاء كفروا بالأصلين اللذين جاءت بهما جميع الرسل والأنبياء، من أولهم إلى آخرهم؛ أحدهما: عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دونه من إله.\nالثاني: الإيمان برسله، وما جاؤوا به من عند الله، تصديقًا وإقرارًا وانقيادًا وامتثالًا. وليس هذا مختصًا بمشركي الصابئة - كما غلط فيه كثير من أرباب المقالات - بل هذا مذهب المشركين من سائر الأمم، لكن شرك الصابئة كان من جهة الكواكب والعلويات ... .\nوهم قوم إبراهيم ﵇، الذين ناظرهم في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريفه. وهو مذهب قديم في العالم وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة، لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك فيستحق التعظيم والسجود","vol":"1","page":264},{"text":"والدعاء.\nومن شريعتهم في عبادتها: أنهم اتخذوا لها صنمًا بيده جوهرة على لون النار، وله بيت خاص قد بنوه باسمه، وجعلوا له الوقوف الكثيرة من القرى والضياع، وله سدنة وقوام وحجبة، يأتون البيت ويصلون فيه لها ثلاث كرات في اليوم، ويأتيه أصحاب العاهات، فيصومون لذلك الصنم ويصلون، ويدعون، ويستسقون به، وهم إذا طلعت الشمس سجدوا كلهم لها، وإذا غربت وإذا توسطت الفلك، ولهذا يقارنها الشيطان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لتقع عبادتهم وسجودهم له، ولهذا نهى النبي ﷺ عن تحري الصلاة في هذه الأوقات؛ قطعًا لمشابهة الكفار ظاهرًا، وسدًا لذريعة الشرك وعبادة الأصنام.\nوطائفة أخرى اتخذت للقمر صنعًا، وزعموا أنه يستحق التعظيم والعبادة، وإليه تدبير هذا العالم السفلي، ومن شريعة عبّاده: أنهم اتخذوا له صنمًا على شكل عجل يجره أربعة، وبيد الصنم جوهرة، ويعبدونه ويسجدون له، ويصومون له أيامًا معلومة من كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه.\nومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب، وروحانيتها بزعمهم؛ وبنوا لها هياكل ومتعبدات، لكل كوكب منها هيكل يخصه، وصنم يخصه، وعبادة تخصه.\n٤ - أما الصابئة الحنفاء: فهؤلاء يرجعون في الدين إلى الاعتقاد بأن البشر محتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس البشر تكون درجته في","vol":"1","page":265},{"text":"الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية، ويمتاز عنا من حيث الروحانية، فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقن الإنسان بطرف البشرية.\nولهم عبادات من الصلوات والصيام مثل ما يفعله المسلمون، ولهم أعياد عند نزول الكواكب الخمسة المتحيرة بيوت أشرافها؛ وهي: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، ويعظمون بيت مكة، ويفرضون الحج إليها، ويعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس ﵇، وأنها بيت زحل أعلى الكواكب السيارة، وينقل عنهم عارفوهم أنهم قرأوا صفة محمد ﷺ في كتبهم، ويسمونه عندهم: ملك العرب.\nفهؤلاء هم الحنفاء منهم، فقيل: انقرض دورهم، وإنما الذين بقوا من الصابئة غير هذه الطائفة، خصوصًا منهم: الصابئة المشركة. قال أبو محمد ابن حزم: (وكان الذي ينتحله الصابئون أقدم الأديان على وجه الدهر، والغالب على الدنيا، إلى أن أحدثوا الحوادث، وبدلوا شرائعه، فبعث الله إليهم إبراهيم خليله بدين الإسلام، الذي نحن عليه اليوم، وتصحيح ما أفسدوه، وبالحنيفية السمحة التي أتانا بها محمد رسول الله ﷺ من عند الله تعالى، وكانوا في ذلك الزمان وبعده يسمون: الحنفاء).\nوعلى هذا المذهب كان جماعة من أعيان الدولة ببغداد، وأصل دين هؤلاء - فيما زعموا - أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم،","vol":"1","page":266},{"text":"ويخرجون من قبيح ما هم عليه قولًا وعملًا، ولهذا سموا صابئة؛ أي خارجين، فقد خرجوا عن تقيدهم بجملة كل دين وتفصيله، إلا ما رأوه فيه من الحق، وكانت كفار قريش تسمي النبي ﷺ الصابئ، وأصحابه: الصبأة.\nوالمقصود: أن هذه الأمة قد شاركت جميع الأمم وفارقتهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام ورأوا أنهم على صواب.\nوقد ناظرهم إمام الحنفاء صلوات الله وسلامه عليه في بطلان ما يعبدون من دون الله بما حكاه الله سبحانه في سورة الأنعام أحسن مناظرة وأبينها، ظهرت فيها حجته ودحضت، فقال بعد أن بيّن بطلان إلهية الكواكب والقمر والشمس بأفوالها، وأن الإله لا يليق به أن يغيب أو يأفل، بل لا يكون إلا شاهدًا غير غائب، كما لا يكون إلا غالبًا قاهرًا، غير مغلوب ولا مقهور، نافعًا لعابده، يملك لعابده الضر والنفع، فيسمع كلامه، ويرى مكانه، ويهديه ويرشده، ويدفع عنه كل ما يضره ويؤذيه، وذلك ليس إلا لله وحده، فكل معبود سواه باطل.\nفلما رأى إمام الحنفاء أن الشمس والقمر والكواكب ليست بهذه المثابة صعد منها إلى فاطرها وخالقها ومبدعها، قال: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).","vol":"1","page":267},{"text":"٥ - أما الصابئة الفلاسفة: فهم طائفة كانوا لا يعتقدون بشريعة معينة، ولا يلتزمون مذهبًا خاصًا، بل يؤمنون بروحانية الكواكب فقط، ويأخذون بمحاسن ما دلت عليه العقول - بزعمهم - سواء وافق الأديان أم لم يوافقها، وهي تعرف الدين بأثره، فإن أورث السلامة والرحمة والكف عن الأذى فهو الحق، وإن أورث الفساد والظلم فهو باطل.\nقال ابن القيم: (وأكثر هذه الأمة فلاسفة، والفلاسفة يأخذون من كل دين - بزعمهم - محاسن ما دلت عليه العقول، وعقلاؤهم يوجبون اتباع الأنبياء وشرائعهم، وبعضهم لا يوجب ذلك ولا يحرمه، وسفهاؤهم وسفلتهم يمنعون ذلك). وهم - الدهرية - الذين يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا وما يهلكنا إلا الدهر، ففشت هذه العقيدة عن طريق هؤلاء الفلاسفة، وهو تعطيل المصنوع عن الصانع.\nقال ابن القيم: (والمقصود: أن الصابئة فرق؛ صابئة حنفاء، وصابئة مشركون، وصابئة فلاسفة، وصابئة يأخذون بمحاسن ما عليه أهل الملل والنحل، من غير تقيد بملة ولا نحلة، ثم منهم من يقر بالنبوات جملة، ويتوقف في التفصيل، ومنهم من يقر بها جملة وتفصيلًا، ومنهم من ينكرها جملة وتفصيلًا) فهذا هو حقيقة الشرك في قوم إبراهيم ﵇.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الخامس في بيان الشرك في قوم لوط ﵇</span>\nقوم لوط ﵇:\nومما وقع في حياة إبراهيم الخليل ﵇ من الأمور العظيمة قصة لوط ﵇ وما حل بقومه من النقمة الغميمة؛ وذلك أنه لما آمن لوط بن هاران بن آزر بدعوة عمه إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى بابل، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وصاحبه في جميع رحلاته، استقر أخيرًا في سدوم من أرض غور زغر بعد عودتهم من مصر، وفيما يلي بيان حال لوط ﵇ وقومه:\nنسبه ﵇ ومكانه:\nهو نبي الله تعالى لوط بن هاران بن آزر - وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵇ آمن بإبراهيم ﵇ واهتدى بهديه، وقد بعثه الله إلى أرض سدوم، وكانت قرية من الأردن. يذكر المؤرخون أن قوم لوط أمة عظيمة","vol":"1","page":269},{"text":"عاشت في حياة إبراهيم ﵇، وكانوا يسكنون سدوم، وهي أكبر قرى قوم لوط الأربعة، وهي: (صنعة، وصعوة، وعثرة، ودوما).\nويذكر ابن كثير في تفسيره: بأن (مكان هذه القرى قد تحول بفعل العذاب إلى بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلد الغور، متاخمة لجبال بيت المقدس بينها وبين بلاد الكرك والشوبك).\nومن المؤرخين من يحدد مكانها حاليًا بالبحر الميت، أو بحيرة لوط.\nويرى بعض العلماء أن البحر الميت لم يكن موجودًا قبل هذا الحادث، وإنما حدث بالزلزال الذي جعل عالي البلاد سافلها، وصارت أخفض من سطح البحر بنحو أربعمائة متر، وفي هذا العصر اكتشف أن آثار مدن قوم لوط تقع على حافة البحر الميت.\nمعتقد قومه ومعصيتهم (الشرك في هؤلاء القوم):\nكانوا أفجر الناس، وأخبثهم سيرة وسريرة، وأسوأهم طوية، فقد أضافوا إلى ما كان منهم من الشرك رذائل أخرى هي من أشنع الرذائل، فكانوا يحاربون الله وأنبياءه ويسعون في الأرض فسادًا، ويقطعون الطريق، ويخونون الصديق، وكان من أخطرها ابتداع فاحشة اللواط في المجتمع الإنساني بإتيانهم الذكران من العالمين، وترك ما أحله الله تعالى لهم، وما خلق لهم من أزواجهم، استعاضة منهم بالحرام عن الحلال، واستبدال الخبيث بالطيب، ورغبة في الرذالة عن الطهارة، ومع هذا تعروا من كل فضيلة،","vol":"1","page":270},{"text":"وتلبسوا بكل رذيلة، فنزعوا عنهم جلابيب الحياء، واتفق في حقهم أنهم كانوا من أشر أهل الأرض طوية وأفسدهم سريرة، وأرداهم خلاقًا، لا يستحيون من منكر، بل يأتون في ناديهم المنكر جهارًا وعلنًا دون حياء أو خجل، ولا يتعففون عن معصية، بل ويأتونها على رؤوس الأشهاد دون وازع من دين أو تأنيب ضمير؛ يسفاد هذا مما قصه الله تعالى علينا من أخبارهم، وكفى باستيائه ﵇ من مجيء أضيافه خوفًا من انتهاك كرامتهم من قبل المكذبين من قومه شاهدًا على جرمهم، كما قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ).\nوكان من خصالهم ما يلي:\nتصفيف الشعر، وحل الإزار، ورمي البندق، والخذف بالحصى، واللعب بالحمام والطيارة، والنرد، والشطرنج، والصفير بالأصابع، وفرقة العلك، وإسبال الإزار، (أي إذا لبسوه)، وحل أزار الأقبية، وإدمان شرب الخمر، وإتيان الذكور، والتضارط في مجالسهم.\nوهذه الخصال كلها أو بعضها معنية بالآية التي ذكرت في سورة العنكبوت: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)، وقد قال الإمام ابن","vol":"1","page":271},{"text":"جرير الطبري: (إن الصواب من القول من ذلك عندي قول من قال: عني بالمنكر ... خذوفهم من مر بهم وسخريتهم منه).\nوعلى كلٍ: قد أتوا من الفواحش التي ما سبقهم بها أحد من العالمين، فدعاهم أخوهم لوط إلى الله ﷿، ونهاهم عن فعل الفاحشة، وإتيان المنكر في ناديهم، فما كان جواب قومه على هذه الدعوة الخالصة والنصيحة المشفقة إلا الصدود والإعراض عن دعوته، بل هددوه بالإخراج من قريتهم، وقالوا له: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وبينوا السبب بقولهم: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)؛ أي أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى توحيد الله وعدم الإشراك به، وينكرون علينا إتيان الذكران من العالمين، ويجتنبون الفواحش والبغي والإثم.\nفأعلن لوط البراءة منهم، وقال: (إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ)، وقال لما نفذ صبره: (رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)، ودعا الله ﷿ أن ينجيه وأهله مما يعملون، فنجاه الله وأهله أجمعين، إلا امرأته فإنها كانت على دين قومها، وكانت تخونه وتدلهم على أضيافه، فكانت من الغابرين؛ أي الباقين في العذاب، فلما أراد الله ﷿ إهلاكهم أرسل الله إليهم جندًا من الملائكة ليرسلوا عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين. قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا","vol":"1","page":272},{"text":"حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ).\nهذا ما ذكره الله ﷿ من حال قوم لوط، فهل كان فيهم الإشراك بالله؟ اختلفوا فيه على قولين:\nالقول الأول: وقف بعض العلماء على ظاهر ما قصه الله علينا من خبر نبيه لوط ﵇؛ حيث اقتصر ظاهر الآيات على النهي من ارتكاب الفاحشة والتحذير من عاقبتها، فيستنبط من خلالها أن القوم ليس فيهم شرك وإلا لنهوا عنه، وأمروا بعبادة الله تعالى وحده، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض مصنفاته؛ إذ يقول بعد أن ذكر هلاك قوم صالح وأهل مدين: (وقوم لوط ذكر عنهم استحلال الفاحشة، ولم يُذَكَّرُوا بالتوحيد بخلاف سائر الأمم، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين).\nالقول الثاني: نظر بعض المفسرين إلى الأصول العامة لدعوة الرسل ﵈، وأهمها الدعوة إلى توحيد الله تعالى، كما جاء في سورة الأنعام في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) - إلى قوله تعالى ـ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وكما جاء في سورة الأنبياء في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nفبناء على هذا نصوا على أنه ﵇ نهى قومه عن الشرك، ومن ذلك: ما ذكره ابن كثير في قوله: (دعاهم إلى الله تعالى أن يعبدوه وحده لا شريك له،","vol":"1","page":273},{"text":"وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوا في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله من إتيان الذكور دون الإناث).\nوهكذا جاء في تاريخه قوله: (فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات).\nوأورد القرطبي في تفسيره عن ابن عباس ﵁ في ذكر معاصي قوم لوط، فقال بعد تعدادها: (ومع هذا كله كانوا يشركون بالله تعالى، وهم أول من ظهر على أيديهم اللوطية والسحاق).\nثم هو ﵇ بدأهم بالأمر بتقوى الله، وأعلمهم بأنه رسول الله، وأن من حق الرسول أن يطاع فيما يخبرهم به من مناهج العبادة لله وحده، ثم أتبع ذلك أن بيَّن لهم بعض مناهجهم المخالفة لأمر الله تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ).\nفهو ﵇ جعل معاني العقيدة في المقام الأول، وربط المفاسد","vol":"1","page":274},{"text":"الخطيرة في المجتمع بمعاني العقيدة.\nواستدل محمد رشيد رضا في المنار على أن لوطًا ﵇ قد دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، وأنه لم يترك تحذيرهم من الشرك، بدلالة سياق الآيات؛ إذ يقول عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ): (النسق الذي قبل هذا يقتضي أن يكون المعنى: وأرسلنا لوطًا، ولكن حذف هنا متعلق الإرسال وركنه الأول وهو توحيد العبادة للعلم له بما قبله، ومما ذكر في غير هذه السورة، أي: أرسلناه في الوقت الذي أنكر على قومه بفعل الفاحشة فيما بلغهم من دعوى الرسالة).\nونظر بعض المفسرين إلى التوافق الزمني بين لوط والخليل إبراهيم ﵉، وإيمان لوط بإبراهيم كما جاء في قوله تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فقال: إن النسب في عدم التصريح بدعوة لوط ﵇ قومه إلى التوحيد؛ لأن لوطًا ﵇ كان له قوم، وكان قومه على قرب من قوم إبراهيم وفي زمانه، وقد سبقه إبراهيم ﵇ بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك، واجتهد فيه حتى اشتهر","vol":"1","page":275},{"text":"إبراهيم ﵇ بالدعوة إليه تعالى عند الخلق قاطبة، فلم يذكر على لسان لوط ﵇ التصريح بالدعوة إلى توحيده استغناءً بما قام به إبراهيم ﵇، وإنما ذكر ما اختص به لوط ﵇ من المنع عن الفاحشة وغيرها، وأما غيره من الرسل الذي جاء الخبر عنهم صريحًا بالدعوة إلى توحيد الله تعالى، فلأنهم جاؤوا بعد انقراض من كان يعبد الله ﷿ ويدعو إليه سبحانه، فلذلك دعا كل منهم إلى عبادة الله تعالى.\nوالذي أميل إليه: أن لوطًا ﵇ أمر قومه بعبادة الله تعالى، ونهاهم عن الشرك؛ بدلالة سياق الآيات، وبالنظر أيضًا إلى الأصول المشتركة بين الأنبياء ﵈ في الدعوة إلى الله تعالى، ثم إن الحق ﵎ نفى الإيمان عمن أهلك من قوم لوط حال إهلاكهم، فقال: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ومعلوم أن المعاصي لا تخرج الناس من الإيمان؛ فلم يبق إلا أن نقول أنهم كانوا مشركين بالله، أو كانوا كافرين.\nوقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إنهم - أي قوم لوط - كانوا مشركين إلى جانب إتيان الفاحشة؛ حيث قال: (فكان في قوم لوط مع الشرك إتيان الفواحش التي لم يسبقوا إليها).\nوقال أيضًا: (وقال - أي الله جل وعلا - في قوم لوط: (وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ)، وكانوا كفارًا، من جهات: من جهة استحلال","vol":"1","page":276},{"text":"الفاحشة، ومن جهة الشرك، ومن جهة تكذيب الرسل، ففعلوا هذا وهذا، ولكن الشرك والتكذيب مشترك بينهم وبين غيرهم ...).\nوقال الإمام ابن القيم: (إنهم كانوا مشركين).\nثم (كونه ﷺ آمن بإبراهيم ﷺ) لا يمنع استقلاله برسالة وقوم؛ لأن الرسل أمروا أن يؤمن بعضهم ببعض، وأن يؤمن المتأخر بالمتقدم، وجعل الله ﷿ من كذب برسول واحدًا تكذيبًا لجميع الرسل، كما قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ).\nوما جدال إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) إلا بعد أن عرف أن الحجة قامت عليهم كاملة، من الأمر بعبادة الله تعالى، ونهيهم عن سائر الفواحش والآثام.\nوأما عدم قص الله تعالى علينا معبوداتهم وشركهم كما يذكره القائلون بأن هؤلاء ما كانوا مشركين، فنقول: حتى وإن لم يكونوا يعبدون غير الله من الأصنام والأوثان والكواكب وغيرها - على الافتراض - إلا أنهم كانوا يعبدون هواهم، ألا ترى إلى قولهم: (أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ)، وقوله تعالى عنهم: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).","vol":"1","page":277},{"text":"فمعلوم أنهم عبدوا هواهم، وقدموا أهواءهم النفسية على أمر الله ﷿، وأحبوا معاصيهم بأعمال قلوبهم، فصار هذا الأمر من معبوداتهم، ينطبق عليهم قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ...)، ومعلوم أن أحدًا لا يقول: إن إلهه هواه، وإنما المراد: أنه يمشي وراء هواه فيعبده حيث تعلق به قلبه دائمًا بالحب والذل والخضوع.\nوهذه الحالة هي الظاهرة المسيطرة على قوم لوط في ارتكابهم الفاحشة، وبهذا ينطبق عليهم أنهم أشركوا بالله بعبادة هواهم، فأمرهم الله بعبادته وحده بترك عبادة هواهم الذي قادهم إلى ارتكاب الفواحش، والله أعلم.","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث السادس في بيان الشرك في قوم يوسف ﵇</span>\nيوسف ﵇ وقومه:\nثم جاء دور أبناء إبراهيم ﵇ وهم على التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، فقد مضى عهد إسحاق وإسماعيل ويعقوب ﵇ وهم أنبياء ورسل من الله ﷿، ولم يأت لدينا ما يدل على وجود أي نوع من أنواع الشرك في أقوامهم، حتى جاء الله ﷿ في القرآن بقصة يوسف ﵇ عندما كان في مصر، وفيما يلي ذكر نبذة من تعريفه، وإلى من أُرسل؟ وما كان طبيعة الشرك فيمن أرسل إليهم.\nأما نسبه: فهو: يوسف الصديق ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈. وقد جاء في حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم ﵈».\nوكما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: «... قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله».\nوهو الذي أنزل الله في شأنه سورة طويلة تقص علينا حياته الكريمة","vol":"1","page":279},{"text":"ومراحلها من طفولته إلى موته، وكيف تقلبت به الأحوال، وما واجه من صعاب، فتلقاها بقوة النبوة وصبرها، وحكمتها، وحلمها، ولا يستغرب ذلك عنه؛ فإنه سليل هؤلاء الأنبياء الكبار، فلا عجب إن كان على غرارهم في الصدق والإخلاص وشدة الحماس في الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك، وانتهاز كل فرصة لبثِّ هذه الدعوة وتبليغها والوقوف ضد الشرك والوثنية.\nأما موضع إرساله: فبظهور يوسف ﵇ تبدأ مرحلة جديدة في الدعوة إلى عبادة الله الواحد، ونبذ الشرك والوثنية، يكون مركزها مصر بدلًا من فلسطين، فقد جاء يوسف ﵇ إلى مصر وهو غلام صغير حين كاد له إخوته وألقوه في غيابة الجب، وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ليستقي لهم من البئر، فتعلق يوسف برشاء الدلو وخرج، وما إن رآه الرجل حتى هتف: يا بشرى هذا غلام!، وأسرّوه بضاعة وعرضوه للبيع في أسواق مصر، فبيع بثمن بخس؛ دراهم معدودة.\nوكان الذي اشتراه هو عزيز مصر الذي أوصى به امرأته خيرًا، وقد امتُحن الصديق في بيت هذا الرجل امتحانًا رهيبًا؛ حيث راودته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلَّقت الأبواب، وقال: هيت لك، ولكن الصديق يجيبها بجواب حاسم يقطع طمعها فيه، ويرجع إليها ما عزب من ضميرها فيقول: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).\nوكان بعد ذلك ما كان من إيداعه السجن بعد ظهور براءته ودخول فتيين","vol":"1","page":280},{"text":"معه السجن، وطلبهما منه أن يعبر لهما عن رؤياهما، وتحدثه إليهما بما أنعم الله به عليه من علم تعبير الرؤيا، وهجر الملل الباطلة، والتمسك بدين الله آبائه وأجداده في التوحيد والإيمان، ووعظه لهم بأن يسلكا سبيله في ذلك تاركين عبادة هذه الأرباب المتفرقة التي لا حقيقة لها، وإنما هي أسماء سموها ما أنزل الله بها من سلطان.\nهذا ما حدث في حياة يؤسف ﵇، ولكن إذا كان مما لا شك فيه أنه كان نبيًا ورسولًا فينبغي ألا يُشك أيضًا في أن مجال رسالته كان في مصر؛ فإنه لم يُعرف فيما نقل إلينا من أخباره أنه خرج منها، بل الثابت أنه ظل بها إلى أن مات ودفن بها.\nولقد جاءت آية صريحة من سورة غافر تدل على أن رسالته كانت في أهل مصر، وهي قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون يخاطب قومه ويحضهم على الإيمان بموسى ﵇: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ).\nولكن متى أرسل يوسف ﵇؟ ليس هناك في الواقع نص يحدد لنا بدء إرساله، والذي يُرجَّح أن يكون يوسف ﵇ قد أُرسل في الفترة التي قضاها في السجن؛ لأن كلامه مع صاحبي السجن اللذين دخلا معه؛ من تعبيره لرؤيا كل منهما، ودعوته إياهما إلى التوحيد، وقوله لهما: (ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)، يكاد يكون صريحًا في الدلالة على","vol":"1","page":281},{"text":"حصول النبوة له آنذاك.\nالشرك في قوم يوسف:\nلقد قصَّ الله ﷿ شرك هؤلاء القوم من خلال دعوة يوسف ﵇ لصاحبي السجن؛ حيث قال عن يوسف بأنه قال للفتيان: (لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).\nيُفهم من هذا النص القرآني أن يوسف ﵊ رأى فساد قصور الفراعنة في مصر وظلمها، وعرف عقائد الأمة التي عاش فيها، عرف ما فيها من فساد ووثنية؛ تتخذ الأصنام والأبقار آلهة مع الله، ومما يفهم من هذا النص:\n١ - أنهم كانوا يشركون بالله في عبادته، لقوله تعالى: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً).","vol":"1","page":282},{"text":"٢ - أنهم كانوا يحكمون حسب أهوائهم، فذكَّرهم بأن الحكم لا يكون إلا من الله، وأن هذا يُعد من العبادة، لقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ).\n٣ - أنهم كانوا يسمون معبوداتهم أربابًا، دون أن يشركوا بالله في الربوبية، كما قاله البعض في تفسير قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).\n٤ - قيل: وجد عند بعضهم الشرك في الربوبية أيضًا، بدليل قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقوله تعالى: (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)، ولكن ما كانت هذه عقيدة الجماهير، بل الجماهير كانوا يعترفون بالإله الواحد الخالق لهذا الكون، كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن هذه النسوة: (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ).\nوسيأتي مزيد من البسط في عقيدة المصريين عندما تأتي قصة موسى وفرعون، ويكفي هنا أن يقال بأنهم كانوا أهل أوثان وقد اتخذوا آلهة معبودة، فقام نبي الله يوسف ﵇ بالدعوة فيهم، فآمن به فرعون ذلك","vol":"1","page":283},{"text":"الزمان، ثم هلك وجاء ملك آخر الذي غير الدين الحنيف المسيطر على الناس.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث السابع في بيان الشرك في قوم شعيب ﵇</span>\nشعيب ﵇ وقومه:\nثم تأتي قصة مدين شعيب ﵇، وقد جاءت قصته قرينة قصة قوم لوط ﵇ في كتاب الله ﷿ في مواضع متعددة، فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين، وهم أصحاب الأيكة على الصحيح، ولكني آثرت ذكر قصة يوسف ﵇ مع قومه من أهل مصر حفاظًا على التسلسل التاريخي؛ فإنه قد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس ﵁: أن شعيبًا ﵇ كان بعد يوسف ﵇، وسيأتي فيما يلي نسب هذا النبي الكريم الذي أرسله الله إلى أهل مدين، وما كان فيهم من الشرك بالله.\nأما نسبه ﵇: فهو: (شعيب بن مكيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم ﵇) وقد ذكر المؤرخون أقوالًا أخرى في تحديد نسبه ﵇، بين اتفاق واختلاف في ألفاظ سياق النسب، وأكثر من ذكر نسبه يرجعون إلى سلالة إبراهيم الخليل ﵇.\nوأما قوله: فهم (مدين)، ورد ذكرهم في كتاب الله تعالى بلفظ (مدين)","vol":"1","page":285},{"text":"إخبارًا عن الإرسال كما في قوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) وبلفظ (الأيكة) في معرض الذم والانتقام، كما في قوله تعالى: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ).\nوكلا اللفظين: المراد بهما ما هية الأمة التي بلغها شعيب ﵇ دعوته، وبيان أنها أمة واحدة لا أمتان على المشهور من أقوال المفسرين، ولكل من التسميتين ما يؤيده، ومدين من ولد نبي الله إبراهيم الخليل ﵇، وعلى هذا فالمراد بنو مدين، كما يقال: مضر، والمراد بنو مضر، ويعرفون بها، فإن شئت قلت: بنو مدين، نسبة إلى القبيلة، وإن شئت قلت: أهل مدين؛ نسبة إلى المكان الذي أضحى محل سكناهم.\nوأما نسبتهم إلى (الأيكة) فيرجع إلى ما نبت في أرضهم من أشجار كثيرة ملتفة؛ إذ إنهم كانوا أهل غياض ورياض كثر عندهم اخضرار الشجر ونبات الشمر، حتى أصبح من كثرته ملتفًا بعضه على بعض.\nوالأيكة: في لغة العرب: الغيضة وهي الشجر الكثير الملتف، الواحدة (أيكة)، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض ورياض.\nوفي قراءة: (ليكة) على أنه اسم للقرية.","vol":"1","page":286},{"text":"قال في الصحاح: (من قرأ أصحاب الأيكة فهي الغيضة، ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة). ومدين هذه بلدة عامرة في وادي عفال غرب تبوك على بعد (٣٢٠) كم تقريبًا، وشرق ساحل الخليج على سبعين كم، تربطها بالجهتين طريق معبدة تسمى الآن بالبدع، وهي حسنة الزرع آهله بالسكان، وبها آثار النبي شعيب المعروفة بمغائر شعيب.\nعقيدة قوم شعيب:\nانحرافات قوم شعيب نوجزها فيما يلي:\n١ - عبادة غير الله من الأصنام والأوثان والأهواء وغيرها من الآلهة التي كان يعبدها آباؤهم وأجدادهم. قال الحافظ ابن كثير: (وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك - وهو الدوم - حولها غيظة ملتفة بها)، وقال أيضًا: (أصحاب الأيكة هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفَسَهم، وإنما لم يقل: أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة - وقيل: شجر ملتف - كالغيضة كانوا يعبدونها ...).\nفثبت أنهم قوم كفروا بالل ﷿، واتجهوا بالعبادة إلى غيره سبحانه، ويدل عليه أيضًا دلالة الأمر والنهي في قوله تعالى: (اعْبُدُوا","vol":"1","page":287},{"text":"اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). هذا إلى جانب بعض الكبائر السائدة بينهم، وهي ما يلي:\n٢ - سوء المعاملة في البيع والشراء ...، كانوا إذا اكتالوا من الناس يأخذون حقهم وزيادة، وإذا كالوهم ينقصون. قال تعالى: (وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ).\n٣ - كانوا يبخسون الناس أشياءهم، وهذا أعم مما سبق، فإن البخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، والأشياء أعم من المكيل والموزون، قال تعالى: (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ)؛ حيث نهاهم نبيهم بهذا القول عن البخس في الأموال.\n٤ - الفساد في الأرض، بكل ما تعنيه كلمة فساد من ظلم وبغي وعدوان على الأنفس والأعراض والأموال، قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب لقومه: (وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ).\n٥ - الصد عن سبيل الله، فكانوا يجلسون في الطرقات، ويحذرون المارة من شعيب، وكانوا يتوعدون المؤمنين ويتهددونهم. قال تعالى حكاية عن دعوة شعيب: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا).","vol":"1","page":288},{"text":"٦ - ومما كان في معتقداتهم: إنكار التدخل من قبل شعيب في أمور دنياهم كما أنكروا عليه التدخل في أمور دينهم، فقالوا: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ).\nيروى عن ابن عباس أنه قال: كان شعيب نبيًا ورسولًا من بعد يوسف، وكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، فكانوا - مع ما كان فيهم من الشرك - أهل بخس في مكايلهم وموازينهم، مع كفرهم بربهم وتكذيبهم نبيهم، وكانوا قومًا طغاة بغاة، يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشترونه، وكان أول من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زيوف فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبخس، يعني بالنقصان، فذلك قوله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا).\nوكانت بلادهم بلاد ميرة يمتار الناس منهم، فكانوا يقعدون على الطريق فيصدون الناس عن شعيب ويقولون: لا تسمعوا منه، فإنه كذاب يفتنكم، فذلك قوله: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ) الناس إن اتبعتم شعيبًا فتنكم - ثم إنهم تواعدوه فقالوا: يا شعيب لنخرجنك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، أي إلى دين آبائنا، فقال عند ذلك: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ). قال ابن عباس: كان حليمًا صادقًا وقورًا، وكان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبًا يقول: «ذلك خطيب الأنبياء»؛ لحسن مراجعته قومه فيما","vol":"1","page":289},{"text":"دعاهم إليه وفيما ردوا عليه.\nوكان ﵇ كثير الصلاة، مواظبًا على العبادة فرضها ونفلها، فلما نهاهم وأمرهم، عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الصلاة، واستهزءوا به، فقالوا ما أخبر الله عنهم بقوله: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ).\nأي (قال قوم شعيب: يا شعيب، أصلاتك تأمرك أن نتركعبادة ما يعبد آباؤنا من الأوثان والأصنام، أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من كسر الدراهم وقطعها وبخس الناس في الكيل والوزن).\nوبذلك ردوا عليه في دعوته لنبذ الشرك، وعدم النقص في الكيل والوزن، أما الأول فردوا عليه بأنهم ساروا على منهج آبائهم وأسلافهم في التدين والإيمان، وردوا على الثاني بأنهم أحرار في أموالهم يتصرفون فيها بما يجلب لهم المصلحة فيها، فهؤلاء المستغلون الشرهون من قوم ش عيب لم يتمالكواأنفسهم من الغضب والاستعلاء، وأخذوا يتبجحون بأن المال الذي يكتسبونه من تجارتهم هو مالهم الخاص، ولذلك فهم فيه أحرار يفعلون به ما يشاؤون، ويتصرفون فيه كيف يريدون، ورفضوا تقييد حريتهم بأي قيد في معاملاتهم التجارية التي اعتادوها، فهم حريصون على اكتساب أكبر ربح","vol":"1","page":290},{"text":"ممكن بأمثل عوض ممكن، ويعتبرون هذا الأسلوب في التجارة هو أسلوب التجار العقلاء الراشدين في معاملاتهم، ويرون التدخل فيه خطرًا على حريتهم ومعاشهم.\nوالخلاصة: أنهم ردوا عليه الناحيتين الدينية والدنيوية بما رأوا من شبه مزيفة وحجج آسنة، فالاستفهام في قوله تعالى: (أَصَلَاتُكَ) للإنكار عليه والاستهزاء به، فإنه لما كان كثير الصلاة وكانوا من فرط سفههم يظنون أن هذه الصلاة من نتائج الوسوسة وأفاعيل المجانين، قالوا لنبيهم: ما علاقة صلاتك بديننا وعقائدنا التي ورثناها عن آبائنا جيلًا بعد جيل؟ ! وما علاقة صلاتك بأموالنا وتجارتنا التي من حقنا أن نفعل فيها ما نشاء من تطفيف ومكوس؟ ! (إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ): قالوا ذلك استهزاءً وسخرية به، وإنما قالوها لأنهم ما يفهمون معنى ما جاء به شعيب ﵇ كما قالوا (مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ).\nفكانوا يظنون أن الدين هو ما يفعله شعيب من الصلاة والقراءة والأدعية وغيرها، فرأوا أن المنع عن عبادة غير الله والتصرف السيء في أموالهم ليس إلا مجرد الوسوسة التي نتجت عن أدائه للصلاة، فلم يفهموا التوحيد، ولا الدين بصورته الكاملة، ولهذا بدأوا يستهزؤون به بقولهم: (إِنَّكَ لَأَنْتَ","vol":"1","page":291},{"text":"الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، أي سفهوه وجهلوه بهذا الكلام.\nولكن نبي الله وخطيب الأنبياء أجابهم على ذلك بأحسن جواب وألطفه؛ حيث قال: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ).\nفما كان من القوم الغلاظ الأكابر القساة القلوب إلا أن أصموا آذانهم عن النصح وهددوا نبيهم بالرجم، وقالوا: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ).\nمصرعهم ومصيرهم:\nولم ينته شعيب ﵇ أن دعاهم، فلما عتوا على الله أخذتهم الرجفة، وذلك أن جبريلنزل فوقف عليهم فصاح صيحة رجفت منها الجبال والأرض فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ).\nوذلك أنهم حين سمعوا الصيحة قاموا قيامًا وفزعوا لها، فرجفت بهم","vol":"1","page":292},{"text":"الأرض فرمتهم ميتين، ويدل عليه قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)؛ أي أخذت الذين كفروا من قوم شعيب الرجفة وهي الزلزلة المحركة بعذاب الله.\nوكانت صفة العذاب: أنهم لما سألوا العذاب فتح الله عليهم بابًا من أبواب جهنم، فأهلكهم الحر منه، فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة بها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها، فتنادوا: الظلة عليكم بها، فلما اجتمعوا تحت السحابة - رجالهم ونساؤهم وصبيانهم - انطبقت عليهم فأهلكتهم، فهو قوله: (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).\nقال القرطبي: (قوم شعيب أخذتهم الصيحة من فوقهم)، قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثامن في بيان أمم أهلكوا بعامة في هذه الفترة، قبل موسى ﵇ وبيان شركهم بالله</span>\nتأتي قصة أمم أهلكوا بعامة بعد هذا في الترتيب التاريخي، وذلك قبل نزول التوراة، بدليل قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ). وكما رواه الطبري وابن أبي حاتم والبزار، من حديث عوف الأعرابي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء أو من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مُسخت قردة، ألم تر أن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ)، ورفعه البزار في رواية له، والأشبه - والله أعلم - وقفه.","vol":"1","page":294},{"text":"فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة كانت قبل موسى ﵇، فمنها:\n١ - أصحاب الرس:\nقال تعالى: (وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)، وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)، وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا.\nالتعريف بالرس:\nواختلف المؤرخون في تعيينهم وبيان عقيدتهم، فقالوا في الرس:\n١ - أنه في كلام العرب يطلق على البئر التي تكون غير مطوية، والجمع رئاس.\n٢ - إنه كل حفرة في الأرض من بئر أو قبر.\n٣ - إن الرس معدن. قاله أبو عبيدة.\n٤ - إنه قرية من قرى اليمامة يقال لها: الفلج من ثمود. قاله قتادة.\n٥ - وقيل غير ذلك ...\nأنه ما بين نجران واليمن إلى حضرموت، قاله بعض المفسرين.","vol":"1","page":295},{"text":"وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد.\nوقيل: الثلج المتراكم في الجبال.\nويطلق أيضًا على الإصلاح بين الناس والإفساد بينهم، فهو من الأضداد.\nمن هم أصحاب الرس؟\nاختلفوا فيه، على أقوال:\n١ - قيل: هم قوم شعيب، حكاه بعض المفسرين.\n٢ - إنهم قوم رسوا نبيهم في بئر، قاله عكرمة.\n٣ - إنهم قوم كانوا نزولًا على بئر يعبدون الأوثان، وكانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه ورسوه فيه. وكان الرس بالشام، قاله الضحاك.\n٤ - إنهم قوم أرسل الله إليهم نبيًا فأكلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السحر، قاله الكلبي.\n٥ - إنهم قوم باليمامة كان لهم آبار، قاله قتادة، وعنه رواية عند ابن عساكر: بأنهم قوم شعيب.\n٦ - إنهم بئر قتل فيها صاحب يس ورسوه، روي عن الضحاك، وهو قول","vol":"1","page":296},{"text":"السدي، وقول مقاتل أيضًا.\n٧ - روايات عن ابن عباس ﵁، وهي:\nأ- أنهم أهل بئر بأذريبجان، قتلوا أنبياءهم فخفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعًا وعطشًا.\nب- وروى ابن جرير عنه أنه قال: الرس قرية من ثمود.\nج- وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرس قال: (صاحب البئر الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين ...).\n٨ - أنهم أصحاب الأخدود.\n٩ - وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان، وهو الذي ذكره ابن عساكر في","vol":"1","page":297},{"text":"تاريخه ونصره.\nأما شرك هؤلاء القوم:\nفقيل:\n١ - كانوا يعبدون الشجر.\n٢ - كانوا يعبدون الأصنام.\n٣ - أنهم أصحاب حنظلة بن صفوان، وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه عن قصة هؤلاء القوم بأنهم: (كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعًا، وكان لهم مالك عادل حسن السيرة، فلما مات وجدوا عليه وجدًا عظيمًا كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته، وقال: إني لم أمت، ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم، ففرحوا أشد الفرح، وأمر بضرب حجاب بينهم وربينه، وأخبرهم أنه لا يموت أبدًا، فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه، فبعث الله فيهم نبيًا وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب، ونهاهم عن عبادته، وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.\nقال السهيلي: وكان يوحى إليه في النوم، وكان اسمه: حنظلة بن صفوان، فعدوا عليه فقتلوه وألقوه في البئر، فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم، وانقطعت ثمارهم، وخربت ديارهم، وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة، وبعد الاجتماع بالفرقة، وهلكوا عن آخرهم ...).\nهذا القول الأخير هو ما يترجح لديّ من جملة الأقوال المروية، ويفهم من","vol":"1","page":298},{"text":"سياق القصة لابن كثير أنه أيضًا يرجح هذا القول، فقد كان شركهم بعبادة ما سوى الله من شجر أو صنم أو شخص افتتنوا به بعد موته، كماتدل عليه هذه القصة.\n٢ - قصة قوم يس، وهم أصحاب القرية:\nقال تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).\nسأذكر فيما يلي ما روي عن أصحاب القرية، وما كانوا عليه من الشرك:\nأما القرية وأصحابها:\nفاشتهر عند كثير من السلف والخلف أن هذه القرية: أنطاكية، رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن إسحاق وكعب الأخيار ووهب بن منبه، وكذا روي عن بريدة بن الحصيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وغيرهم. فهذا","vol":"1","page":299},{"text":"القول عليه جميع المفسرين.\nأما أصحاب القرية وعبادتهم والمرسَل إليهم:\n١ - فقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب بن منبه أنهم قالوا: كان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيحس، وكان يعبد الأصنام، فبعث الله إليهم ثلاثة من الرسل؛ وهم: صادق، وصدوق، وشلوم، فكذبهم. وقال ابن جرير: صادق ومصدوق وسلوم. فقدم إليه وإلى أهل المدينة منهم اثنان، فكذبوهما، ثم عزز اللهُ بثالث.\nقال ابن كثير: (وهذا ظاهر أنهم رسل من الله ﷿).\nوكان ملك أنطاكية أحد الفراعنة، يعبد الأصنام، صاحب شرك مع أهلها، وكانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها، وذكر النقاش: أن أسماءها رومس، وقيل: ارطميس، واختلف في اسم الملك على قولين، أحدهما: أن اسمه","vol":"1","page":300},{"text":"انطيخس، الثاني: اسمه انطرا، وعند ابن جرير: (ابطيحس).\n٢ - زعم قتادة: أنهم كانوا رسلًا من المسيح، ولم يكونوا رسلًا مستقلين من الله ﷿، أرسلهم عيسى ﵇، وكان اسم المرسلين الأوليين: شمعون ويوحنا، واسم الثالث: بولس، والقرية: أنطاكية. قال ابن كثير: (وهذا القول ضعيف جدًا؛ لأن أهل أنطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت، ولهذا إحدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى؛ وهن: أنطاكية، والقدس، وإسكندرية، ورومية، ثم بعدها إلى القسطنطينية، ولم يهلكوا، وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا. كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ)، ولكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم، فلا يمنع هذا، والله أعلم).\nثم قال ابن كثير: (فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة","vol":"1","page":301},{"text":"أصحاب المسيح فضعيف؛ لما تقدم، ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله). ولما سبق في الحديث أن الله لم يهلك قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى.\nوعلى كلٍ: فقد ثبت بالآيات القرآنية أنهم كانوا يعبدون الأصنام، واتخذوا من دون الله آلهة، كما قال تعالى - حكاية عن صديق المرسلين ـ: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)، ثم قال مخاطبًا للرسل: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)، فعند ذلك قتلوه، قيل: رجمًا، وقيل: عضًّا، وقيل: وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه، وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال: وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبه.\nقال المفسرون: فبعث الله إليهم جبريل ﵇، فأخذ بعضادتي الباب الذي هو لبلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون، أي أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف، قال تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩).","vol":"1","page":302},{"text":"ثم قال ابن كثير: (وهذا كله يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية). إلا أن يقال - كما سبق توجيهه من قبل ابن كثير نفسه ـ، بأن الرسل المذكورين في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديمًا فكذبوهم فأهلكهم الله، ثم عمرت بعد ذلك، فلما كان في زمن المسيح أرسل إليهم المسيح رسله فآمنوا، فلا يمنع، والله أعلم. ولكن مع ذلك فيه بعد وتعسف ظاهر؛ (فإن هذه - أنطاكية - لم يُعرف أنها أُهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم).\n٣ - قصة يونس:\nقال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ).\nوقال: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).\nوقال: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى","vol":"1","page":303},{"text":"حِينٍ)، وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).\nفهذه هي الآيات التي تناولت قصة يونس ﵇، وما كان من قومه من التوبة، وقبولها من الله، ونجاتهم من العقاب المؤكد من قبل الله ﷿، فلينظر عن هذا النبي الكريم، وما كان في قومه من الشرك، وكيف نجاهم الله من عقابه.\nأما يونس ﵇: فهو يونس بن متى - بفتح الميم وتشديد المثناة، مقصور ـ، ووقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، وهو مردود بما في حديث ابن عباس ﵁ (ونسبه إلى أبيه)، فهذا أصح وهو يعني أن متى اسم أبيه وليس اسم أمه. ولم أقف على نسبه في شيء من الأخبار، وقد قيل: إنه كان في زمان ملوك الطوائف من الفرس.","vol":"1","page":304},{"text":"قال اهل التفسير: بعث الله يونس ﵇ إلى أرض نينوي من أرض الموصل، خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.\nشرك هؤلا القوم:\nقال ابن الأثير في بيان شرك هؤلاء القوم ومصيرهم:\n(كان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله اليهم بالنبي عن عبادتها، والأمر بالتوحيد، فأقم فيهم ثلاثا وثلاثين سنة يدعوهم، فلم يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت علي عبادي؟ ارجع اليهم فادعهم أربعين يوماّ، فدعاهم سبعة وثلاثين يومًا فلم يجيبوه، فقال لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاث أيام، وآيه ذلك أن ألوانكم تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذبا، فانظروا فإن يبت فيكم تأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا أن","vol":"1","page":305},{"text":"العذاب يصحبكم ...) قال السيوطي: (وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إن يونس ﵇ كان قد وعد قومه العذاب وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، فتفرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا الي الله واستغفروه، فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ﵇ ينتظر العذاب فلم يرا شيئًا، وكان من كذب ولم يكن له بينة قتل، فانطلق مغاضبًا حتي أتي قومًا في سفينة فحملوه وعرفوه، فلما دخل السفينة ركدت_ والسفن تسير يمينًا وشمالًا_ ... حتي أوقعوه في الماء، فوقع وقد وكل به الحوت، فلما وقع ابتُلع فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع يونس ﵇ تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ...).\nوعلى كلٍ، فقد ثبت أن قومه كانوا على الشرك والكفر، ولكنهم تابوا فتاب الله عليهم.\nهذا آخر ما جاءنا بالآثار المعتبرة من أخبار الأمم التي تشير إليها الآية في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ).","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث التاسع في بيان الشرك في قوم موسى ﵇</span>\nموسى ﵇ وقومه:\nيأتي بعد ذلك في التسلسل التاريخي الذي قصه الله علينا ورسوله: قصة موسى وفرعون، وقد سبق أن تحدثنا عن قصة يوسف ﵇؛ كيف مكن الله له في أرض مصر، وأنه استقدم إليه أبويه وإخوته وسائر أهله، فأقاموا بمصر قرونًا عدة، حتى كثروا وزاد عددهم، مما حمل فرعون مصر على التخوف منهم، فسامهم سوء العذاب، فكان يستحيي نساءهم للخدمة ويذبح أبناءهم، وكان يعاملهم بمنتهى الإذلال ويستخدمهم في الأعمال الشاقة وألوان السخرة، كما قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).\nوبظهور موسى ﵇ تبدأ مرحلة جديدة وخطيرة في حياة نبي إسرائيل، كما تبدأ حلقة من حلقات النضال في سبيل الدعوة إلى الله وإلى التوحيد، بطلاها موسى وهارون ﵉، وليس من غرضنا الآن أن نخوض في قصة ولادة موسى وهارون ﵉، وما اشتملت عليه من مظاهر العناية الإلهية به، وكيف رباه سبحانه في بيت عدوه، ولا أن نخوض","vol":"1","page":307},{"text":"فيما كان منه ﵇ في تلك الفترة من قتله المصري وخروجه من مصر، وليس غرضي أن أتحدث عن هذا الدور من حياة موسى ﵇؛ فإنه دور إعداد وتمهيد قصد به تهيئته لحمل تلك الرسالة الكبرى، كما قال تعالى: (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، و(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي). وإنما الغرض أن أتعرف فيما يلي على موسى ﵇، وعلى طبيعة الشرك الذي كان في قوم موسى، وكيف واجهه ﵇.\nموسى ﵇:\nهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم.\nوقيل: هو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي.\nوقيل: هو موسى بن عمران بن لاهب بن عازر بن لاوي.\nقال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الايْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا).\nوقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة في القرآن، وذكر قصته في مواضع عديدة مبسوطة مطولة وغير مطولة، أظهر الله ﷿ فيما ما وقع بينه","vol":"1","page":308},{"text":"وبين عدو الله فرعون من المناقشات والمحاورات، وكيف ناداه إلى الله ﷿، وكيف كانت استجابته له ﷺ.\nأما فرعون فيقال بأن اسمه: (قابوس بن يوسف الأول (مصعب)، فلما نودي موسى أعلم أن قابوس بن مصعب قد مات، وقام أخوه الوليد بن مصعب مكانه، وكان أعتى من قابوس وأكفر وأفجر، وأمر بأن يأتيه هو وأخوه بالرسالة)، ويقال: إن للوليد تزوج آسية ابنة مزاحم بعد أخيه.\nوكان اسم والد موسى: عمران، وكان عمر عمران مائة سنة وسبعًا وثلاثين سنة، وولد موسى وقد مضى من عمر عمران سبعون سنة، والمقصود: بيان كون موسى مرسلًا إلى فرعون مع هارون.\nوقال ابن إسحاق: قبض الله يوسف، وهلك الملك الذي كان معه الريان ابن الوليد وتوارثت الفراعنة من العماليق ملك مصر، فنشر الله بها بني إسرائيل، فلم يزل بنو إسرائيل تحت أيدي الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب وإسحاق وإبراهيم شرعوا فيهم من الإسلام، متمسكين به.\nحتى كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله ولا أعظم قولًا ولا أطول عمرًا في ملكه منه، وكان اسمه: الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة ولا أقسى قلبًا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه، يعذبهم فيجعلهم خدمًا وخولًا، وقد صنفهم في أعماله، فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في","vol":"1","page":309},{"text":"أعماله.\nومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية، فسامهم كما قال تعالى: (سُوءَ الْعَذَابِ)، وفيهم مع ذلك بقايا من أمر دينهم لا يريدون فراقه، وقد استنكح منهم امرأة يقال لها: آسية بنت مزاحم، من خيار النساء المعدودات، فعمر فيهم وهم تحت يديه طويلًا يسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يفرج عنهم وبلغ موسى الأشدُ أعطي الرسالة، فنودي (مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).\nفأتاه الوحي من قبلها أن (يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى).\nثم أراد الله ﷿ إيناسه بالخطاب وتسليحه بالآيات قبل أن يأمره بالذهاب إلى فرعون فسأله عما في يمينه فقال: (هِيَ عَصَايَ)، قال (أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)، قال: (رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ","vol":"1","page":310},{"text":"مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).\n(فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ\nالْغَالِبِينَ (٤٠).\nفلما جاء السحرة للمبارزة قالوا لموسى: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)، (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ","vol":"1","page":311},{"text":"سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢)، (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)، قال تعالى: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦).\nوبهذا كانت نهاية فرعون، ولكن بني إسرائيل ما زالوا في تمردهم (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ).\nولم يقفوا بالقول، بل لما ذهب موسى ﵇ ليكلم ربه بدأوا عبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، حتى غضب الله عليهم، فهم المغضوب عليهم، واستحقوا الذل والهوان من الله العظيم.\nشرك قوم موسى:\nلقد كان الشرك في قوم موسى على أشكال عدة؛ فإن هناك شركًا كان في بني إسرائيل كما يذكره القرآن، وهناك شرك في فرعون كما يصوره الله عزوجل في كلامه، وهناك أنواع أخرى من الشرك في قوم فرعون، كما يذكره المفسرون والمؤرخون على ضوء ما يستفاد من نصوص الآيات القرآنية، ولنذكر أولًا الشرك في قوم فرعون - أهل مصر ـ.\nعقيدة المصريين:\nلقد وجد هناك رأيان في بيان عقيدتهم، وهما:\n١ - أن قدماء المصريين كانوا وثنيين يعبدون آلهة متعددة، ومن بينها","vol":"1","page":312},{"text":"صنوف من الكواكب؛ كالشعرى اليمانية، والشمس، والجوزاء، وغيرها، بل وأكثر من هذا، قالوا: إنهم كانوا يعبدون الحيوانات؛ كالبقر، والعجول، والقردة، والقطط، والتماسيح.\nوالذي يدل عليه أمور، منها:\nأ- قالوا في تفسير قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): كان يعبد ما يستحسن من البقر، ولذلك أخرج السامري عجلًا جسدًا له خوار، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وكان معبودًا في قومه، قاله السدي.\nب- أن الآلهة هي الشمس، فيكون تأويل الآية: (ويذرك الشمس حتى تعبد).\nج- قيل: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها.\nد- وقيل: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، يعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب.\nهـ - قال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام.\n٢ - يقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ في","vol":"1","page":313},{"text":"كتابه (الدين) عند تعليقه على العصر الفرعوني ما ملخصه: إن الأوراق المحفوظة في برلين ولندن تدل على أن المصريين منذ القدم كانوا يعرفون الإله الأحد الغيبي الأزلي لا تصوره الرسوم ولا تحصره الحدود، غيرأن تلك العقيدة كانت مشوبة عند العامة بفكرة أن هذا الإله يتمثل أو يتجسد أو يحل سره في بعض الكائنات الممتازة؛ من إنسان، أوحيوان، أو جماد، فكانوا يعتقدون أن قوة التدبير في الملوك، وقوة الإخصاب النباتي في النيل، وقوة الإخصاب الحيواني في العجل (أبيس) مستمدة بتلقيح شعاع الشمس مثلًا، وأن هذه الكائنات الخاصة أهل للتقديس والعبادة بفضل تلك الصلة السرية بالإله الأعلى.\nوأصحاب هذا القول يردون على أصحاب القول الأول: بأنهم لم يكونوا وثنيين، بل كانت عقيدة التوحيد هي الأصل، وإنما كانوا يأخذون آلهة متعددة على أنها رموز فقط تدل على صفات الإله الواحد؛ أي أنها كانت رموزًا مجازية تدل على صفات وحقائق إلهية، فإن عوام المصريين القدماء لم يعبدوا هذه الأشياء لذواتها، وإنما جعلوها رمزًا لذلك الإله القادر الذي حلت - على زعمهم - روحه، وظهرت آثاره فيها، وهذا من فعل الكهنة في دور من أدوار","vol":"1","page":314},{"text":"الديانة المصرية؛ وهو الدور الرمزي المعدد للآلهة، هكذا تطور الدين من عبادة الإله ... في أول أمره في شخص أتون ثم رع أو قرص الشمس وفي شخص آمون وبقية مظاهر الطبيعة ثم الملوك والعظماء، ولهذا نرى الملوك في المعابد الكبرى ماثلين في العبادة أمام أتون أو رع أوآمون، كما نرى في بعض حوائط المعابد الصغيرة صور الفراعنة ولها الصف الأول حتى قبل الآلهة، بل نراها تتقبل العبادة ولها اختصاصات الآلهة، ولم يلبث ذلك الدين الذي بدأ بالتوحيد أن انتهى بالشرك والوثنية التي خالطت العبادة على يد الكهنة أخيرًا من أحط الحيوانات وأحقر الحشرات والهوام.\nوإنما أطلتُ في نقل هذه النصوص توخيًا للكشف عن هذه الديانة المصرية التي كانت تسود مصر القديمة، وإن كنا لا نوافق على كل ما جاء في هذا الكلام من اعتبار هذه المظاهر المتعددة رموزًا لإله واحد، فالحق: أن المصريين في انحدارهم من التوحيد إلى الوثنية اتخذوا آلهة متعددة، كل منها إله قائم بذاته في أوصافه وخصائصه، وإن كان هذا لا يمنع من اعتقادهم بإله هو كبير هذه الآلهة؛ بدليل ما جاء في أناشيدهم من مناجاة وأدعية لهذا الإله، نعم لقد صدق فيما قاله المؤرخون بأن الملوك كان لها الصف الأول قبل الآلهة من حيث العبادة والتقديس، ولقد يشهد لهذا قوله تعالى حكاية عن فرعون","vol":"1","page":315},{"text":"موسى: (فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، فجعل نفسه ربًا فوق الآلهة جميعًا، بل أحيانًا كان يتجاهلها ويجعل نفسه هو وحده الإله كما في قوله تعالى ناقلًا قوله في آية أخرى: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ولعل السبب في تعديد المصريين القدماء لآلهتهم ما قيل: إن الناس حين ارتبكت عقولهم وشلت أفكارهم وتساءلوا فيما بينهم: هل يمكن لواحد أن يدبر هذا الملك الشاسع الواسع بمفرده؟ فأجابهم الكهنة بأن ذلك الإله القادر خلق آلهة أخرى، لكل غرض إله.\nولعل ما جرى من المقاولة بين موسى ﵇ وفرعون في سورة الشعراء يشهد بأن فكرة إله واحد مسيطر على كل شيء، وإليه ترجع الموجودات جميعًا كانت (هذه الفكرة) بعيدة عن الوعي الديني لذلك العهد. وإليك هذه الآيات: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).\nقال الشيخ محمد خليل هراس: فتجاهُل فرعون لرب العالمين وسؤاله","vol":"1","page":316},{"text":"موسى عن حقيقته وصفته، وقوله حين أخبر بها للملأ الذين معه: (أَلَا تَسْتَمِعُونَ)، وتهديده لموسى ﵇ بالسجن إن هو اعتقد إلهًا غيره، كل ذلك يشهد بما بلغه الملوك في مصر من درجة في العبادة غطت على ما كان للآلهة من ذلك، ويدل على استنكار القوم لوجود رب واحد مسيطر عل جميع الكائنات، ومثل هذه الآيات أيضًا قوله تعالى في سورة طه: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأوْلِي النُّهَى).\nهذا ما قاله الشيخ محمد خليل هراس، ويدل قوله هذا على أن قوم فرعون كانوا جاهلين بالرب جلا وعلا، فما كان يعرفون عن عقيدة الألوهية لله جل وعلا شيئًا، قال ابن كثير ﵀: (وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون).\nولهذا قال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): معناه: ويذرك","vol":"1","page":317},{"text":"وعبادتك، فإنه قد قرئ: (ويذرك وإلاهتك) أي يترك عبادتك. وقال عكرمة في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): ليس يعنون به الأصنام، إنما يعنون تعظيمه. ويروى مثل هذا القول عن ابن عباس أيضًا. وقال السدي: كان معبودًا في قومه. وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ): إنهم صدقوه في قوله: (أنا ربكم الأعلى).\nوقال شيخ الإسلام: إن المستكبر عن الحق يبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا، كما ذكر الله عن فرعون وقومه: أنهم كانوا مع استكبارهم وجحودهم مشركين، فقال عن مؤمن آل فرعون: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ)، وقال: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ","vol":"1","page":318},{"text":"مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ) الآية، وقال يوسف الصديق لهم: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وقد قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).\nفإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين؟ وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق فقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال عن قومه: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، والإشراك لا يكون إلا من مُقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به.\nقيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى، وأما الذين كانوا في زمن يوسف فالقرآن يدل على أنهم كانوا مقرين بالله وهم مشركون به، ولهذا كان خطاب يوسف للملك وللعزيز ولهم: يتضمن وجود الصانع، كقوله: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، (ارْجِعْ إِلَى","vol":"1","page":319},{"text":"رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) إلى قوله: (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ)، (وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) إلى قوله: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)، وقد قال مؤمن آل - حم - (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا). فهذا يقتضي أن أولئك الذين بُعث إليهم يوسف كانوا مقرين بالله ...، وذلك أن فرعون الذي كان في زمن يوسف أكرم أبويه وأهل بيته لما قدموا إكرامًا عظيمًا مع علمه بدينهم، واستقراء أحواله يدل على ذلك.\nفإن جحود الصانع لم يكن دينًا غالبًا على أمة من الأمم قط، وإنما كان دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين، الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلهم تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)، وهو الذي قال لهم - دون الفراعنة المتقدمين ـ: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، ثم قال لهم بعد ذلك: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).\nوإذا كان أولئك كانوا مشركين كما وُصفوا بذلك، وفرعون وموسى هوا لذي جحد الصانع وكان يعبد الآلهة، ولم يصفه الله بالشرك ... فقوم فرعون","vol":"1","page":320},{"text":"قد يكونوا أعرضوا عن الله بالكلية بعد أن كانوا مشركين به واستجابوا لفرعون في قوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، و(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي). ولهذا لما خاطبهم المؤمن ذكر الأمرين فقال: (تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ)؛ فذكر الكفر به الذي قد يتناول جحوده، وذكر الإشراك به أيضًا، فكان كلامه متناولًا للمقالتين والحالين جميعًا.\nفقد تبين: أن المستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع من استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ). فهؤلاء مستكبرون مشركون ... والمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر كفرعون أعظم كفرًا منهم).\nفهذا نص كلام شيخ الإسلام، سقته مع طوله ليدل على أن قوم فرعون كما أشركوا بالله ﷿ في أمور الربوبية هكذا أشركوا في أمور الألوهية، وليدل على أن هناك فرقًا ظاهرًا بين فرعون يوسف وفرعون موسى؛ من حيث الاعتراف بوجود الله من الأول وقومه، وإنكار وجود الله في الظاهر من الثاني وقومه.\nثانيًا: شرك فرعون - لعنه الله ـ:\nهذا العبد من عبيد الله الضعفاء ادعى أنه إله يُعبد، ومالك يملك، وأجبر","vol":"1","page":321},{"text":"قومه على أن يعبدوه ويطيعوه، وهو الذي علا في الأرض وطغى وتجبر واستكبر، و(وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).\nوقال لهم: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ).\nوقال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).\nاتضح من هذه النصوص أن فرعون كان يدّعي الألوهية والربوبية لنفسه، وينكر وجود الله، فكان يجحد الصانع؛ قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية ﵀: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما) لأنه لم يكن مقرًا به، طالبًا لتعيينه، ولهذا كان الجواب في هذا الاستفهام بقول موسى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وبقوله: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ)، فأجاب أيضًا بالصفة ...).\nوقال أيضًا: (ومن الكفار من أظهر جحود الخالق، كفرعون حيث قال:","vol":"1","page":322},{"text":"(يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، وقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)، وقال لموسى: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، وقال: (يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).\nثم إن فرعون كما كان ينكر وجود الصانع ظاهرًا، كان ينكر الرسالة أيضًا، وهذا شرك في أمور الربوبية من وجه آخر؛ قال شيخ الإسلام: (وموسى ﵇ خاصم فرعون الذي جحد الربوبية والرسالة ...). وقال أيضًا: (ففرعون كان منكرًا للصانع، مستفهمًا عنه استفهام إنكار، سواء كان في الباطن مقرًا به أو لم يكن، ثم طلب من موسى آية، فأظهر آيته، ودل بها على إثبات إلهية ربه وإثبات نبوته جميعًا).\nوقال في موضع آخر: وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا في الباطن كما قال له موسى: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)، ولهذا قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) على","vol":"1","page":323},{"text":"وجه الإنكار له ...).\nثبت بهذه النصوص: أن فرعون كان جاحدًا منكرًا لوجود الصانع، فهل يعتبر هذا الجحود والإنكار شركًا؟ وهل كان عنده أنواع أخرى من الشرك؟\nسأبين ذلك فيما يلي:\nإن فرعون كان عنده أنواع من الشرك:\nالأول: شرك الجحود أو التعطيل:\nسبق معنا بيان أدلة جحوده للصانع، ولكن كيف يعد جحوده شركًا؟ قال شيخ الإسلام في الإجابة عليه: (فإن قيل: كيف يكون قوم فرعون مشركين وقد أخبر الله عن فرعون أنه جحد الخالق ... والإشراك لا يكون إلا من مقر بالله، وإلا فالجاحد له لم يشرك به، قيل: لم يذكر الله جحود الصانع إلا عن فرعون موسى ... وكان فرعون في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ... والمستكبر يصير مشركًا، إما بعبادة آلهة أخرى مع استكباره عن عبادة الله، لكن تسمية هذا شركًا نظير من امتنع مع استكباره عن إخلاص الدين لله، كما قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)، فهؤلاء مستكبرون مشركون؛ وإنما استكبارهم عن إخلاص الدين لله، فالمستكبر الذي لا يقر بالله في الظاهر - كفرعون - أعظم كفرًا منهم، وإبليس الذي يأمر بهذا كله ويحبه ويستكبر عن عبادة ربه وطاعته أعظم كفرًا من هؤلاء، وإن كن عالمًا بوجود الله","vol":"1","page":324},{"text":"وعظمته كما أن فرعون كان أيضًا عالمًا بوجود الله).\nوقال في موضع آخر: (فأعظم السيئات: جحود الخالق، والشرك به، وطلب النفس أن تكون شريكة وندًا له، أو أن تكون إلهًا من دونه، وكلا هذين وقع؛ فإن فرعون طلب أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى ... وإبليس يطلب أن يُعبد ويطاع من دون الله، فيريد أن يعبد ويطاع هو، ولا يعبد الله ولا يطاع، وهذا الذي في فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل).\nوقال في موضع آخر: (بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود: مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك).\nوقال ابن القيم ﵀: (الشرك نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)، وقال تعالى مخبرًا عنه قوله لهامان: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)، والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها:","vol":"1","page":325},{"text":"هو التعطيل ...).\nوقال الرازي: (الأقرب أن يقال: إنه كان دهريًا ينكر وجود الصانع).\nفثبت بهذا كله: أن فرعون كان مشركًا، وشركه يتمثل في التعطيل والاستكبار وادعاء الربوبية لنفسه، ويكون المعنى المراد من قوله تعالى: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ): طلبه صفة هذا الذي ادعى موسى أنه رب العالمين، فكأنه قال: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ قال الحافظ ابن كثير ﵀: (هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: (قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)، ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية فقد غلط، فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأله عن الماهية، بل كانت جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه ...).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الرد على من قال: إن السؤال من فرعون كان من الماهية وأن موسى ﵇ عدل عن الإجابة على سؤاله - كما قاله الرازي وغيره ـ: (وقد زعم طائفة من ان فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وان المسئول عنه لم يكن له ماهية عجز","vol":"1","page":326},{"text":"موسى عن الجواب وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام انكار وجحد كما دل سائر آيات القران على ان فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته\nفلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسال عنه بما هو فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة اعظم من معرفة كل معروف).\nوقال في موضع آخر: (وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سُؤَالَ فِرْعَوْنَ (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ) هُوَ سُؤَالٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الرَّبِّ كَالَّذِي يَسْأَلُ عَنْ حُدُودِ الْأَشْيَاءِ فَيَقُولُ \" مَا الْإِنْسَانُ؟ مَا الْمَلَكُ؟ مَا الْجِنِّيُّ؟ \" وَنَحْوُ ذَلِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ مَاهِيَّةٌ عَدَلَ مُوسَى عَنْ الْجَوَابِ إلَى بَيَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ بَاطِلٌ. فَإِنَّ فِرْعَوْنَ إنَّمَا اسْتَفْهَمَ اسْتِفْهَامَ إنْكَارٍ وَجَحْدٍ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ مَاهِيَّةِ رَبٍّ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ بَلْ كَانَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمَامِ الْكَلَامِ (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) وَقَالَ (وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا).\nفَاسْتِفْهَامُهُ كَانَ إنْكَارًا وَجَحْدًا يَقُولُ: لَيْسَ لِلْعَالِمِينَ رَبٌّ يُرْسِلُك فَمَنْ هُوَ هَذَا؟ إنْكَارًا لَهُ. فَبَيَّنَ مُوسَى أَنَّهُ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْحَاضِرِينَ وَأَنَّ آيَاتِهِ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا جَحْدُهُ. وَأَنَّكُمْ إنَّمَا تَجْحَدُونَ بِأَلْسِنَتِكُمْ مَا تَعْرِفُونَهُ بِقُلُوبِكُمْ ...، وَلَمْ يَقُلْ فِرْعَوْنُ \" وَمَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ \" فَإِنَّ \" مَنْ \" سُؤَالٌ عَنْ عَيْنِهِ يَسْأَلُ بِهَا مَنْ عَرَفَ جِنْسَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ شَكَّ فِي","vol":"1","page":327},{"text":"عَيْنِهِ كَمَا يُقَالُ لِرَسُولِ عَرَفَ أَنَّهُ جَاءَ مِنْ عِنْدِ إنْسَانٍ \" مَنْ أَرْسَلَك؟ \".\nوَأَمَّا \" مَا؟ \" فَهِيَ سُؤَالٌ عَنْ الْوَصْفِ. يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ هَذَا؟ وَمَا هُوَ هَذَا الَّذِي سَمَّيْته \" رَبَّ الْعَالَمِينَ \"؟ قَالَ ذَلِكَ مُنْكِرًا لَهُ جَاحِدًا. فَلَمَّا سَأَلَ جَحْدًا أَجَابَهُ مُوسَى بِأَنَّهُ أَعْرَفُ مِنْ أَنْ يُنْكَرَ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُشَكَّ فِيهِ وَيُرْتَابَ. فَقَالَ (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).\nوقال في موضع آخر: (وأما فرعون فكان منكرًا للموصوف المسمى، فاستفهم بصيغة (ما)؛ لأنه لم يكن مقرًا به طالبًا لتعيينه).\nوالمقصود: أن فرعون كان من شركه الجحود والتكبر.\nالثاني: من أنواع الشرك عنده: عبادته للأوثان: واختلفوا فيه على قولين:\nالقول الأول: أنه كان يُعبد ولا يَعبد، وعليه حملوا قراءة من قرأ (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، وقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى). وهذا القول روي عن بعض السلف، ولكن سنده ليس بذاك.\nالقول الثاني: أنه كان يعبد الأصنام والأوثان مع كونه ادعى لنفسه الربوبية، ومما ذكر فيه:","vol":"1","page":328},{"text":"١ - أنه كان يعبد الأصنام، وكان قومه يعبدونه.\n٢ - أنه كان يعبد ما يستحسن من البقر، قال ابن كثير: قال السدي في قوله تعالى: (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ): (وآلهته - فيما زعم ابن عباس ـ: كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها ...).\n٣ - وقال الطبري في تفسيره: بلغني أن فرعون كان يعبد إلهًا في السر.\n٤ - وروى الطبري عن الحسن قال: كان لفرعون جمانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها.\n٥ - قال الرازي: (كان دهريًا ينكر وجود الصانع، وكان يقول: مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما (المجدي) في هذا العالم للخلق ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه ...، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال: إنه كان قد اتخذ أصنامًا على صور الكواكب، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب).\n٦ - وقال أيضًا: (أو يقال: إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم إنه اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم).","vol":"1","page":329},{"text":"٧ - (ويحتمل أن يقال: إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهًا).\nولهذا قال شيخ الإسلام لما أراد أن يقارن بين مقالات أهل الوحدة والحلول وبين مذهب فرعون: (... والمنكر للصانع منهم مستكبر كثيرا ما يعبد آلهة؛ ولا يعبد الله قط؛ فإنه يقول: هذا العالم واجب الوجود بنفسه. وبعض أجزائه مؤثر في بعض ويقول إنما انتفع بعبادة الكواكب والأصنام ونحو ذلك ولهذا كان باطن قول هؤلاء الاتحادية المنتسبة إلى الإسلام هو قول فرعون، وكنت أبين أنه مذهبهم وأبين أنه حقيقة مذهب فرعون حتى حدثني الثقة: عن بعض طواغيتهم أنه قال: نحن على قول فرعون؛ ولهذا يعظمون فرعون في كتبهم تعظيما كثيرا. فإنهم لم يجعلوا ثم صانعا للعالم خلق العالم ولا أثبتوا ربًا مدبرًا للمخلوقات وإنما جعلوا نفس الطبيعة هي الصانع ولهذا جوزوا عبادة كل شيء وقالوا من عبده فقد عبد الله ... وهؤلاء يعبدون ما يعبده فرعون وغيره من المشركين لكن فرعون لا يقول: هي الله ولا تقربنا إلى الله والمشركون يقولون: هي شفعاؤنا وتقربنا إلى الله وهؤلاء يقولون هي الله كما تقدم وأولئك أكفر من حيث اعترفوا بأنهم عبدوا غير الله أو جحدوه؛ وهؤلاء أوسع ضلالا من حيث جوزوا عبادة كل شيء وزعموا أنه هو الله وأن العابد هو المعبود وإن كانوا إنما قصدوا عبادة الله).\nوقال الإمام ابن القيم - بعدما ذكر افتراق الفلاسفة على فرق شتى ـ:","vol":"1","page":330},{"text":"(وبالجملة: فملاحدتهم هم أهل التعطيل المحض فإنهم عطلوا الشرائع وعطلوا المصنوع عن الصانع وعطلوا الصانع عن صفات كماله وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته ثم سرى هذا الداء منهم في الأمم وفي فرق المعطلة فكان منهم إمام المعطلين فرعون فإنه أخرج التعطيل إلى العمل وصرح به وأذن به بين قومه ودعا إليه وأنكر أن يكون لقومه إله غيره وأنكر أن يكون الله تعالى فوق سمواته على عرشه وأن يكون كلم عبده موسى تكليما وكذب موسى في ذلك وطلب من وزيره هامان أن يبني له صرحا ليطلع بزعمه إلى إله موسى ﵇ وكذبه في ذلك فاقتدى به كل جهمي ...).\nفهذا آخر ما توصلت إليه من أخبار الشرك في فرعون وقومه، وكان مصير فرعون وقومه أن أغرقهم الله في البحر، وجعل ذلك آية للناس الذين أتوا بعدهم.\nاليهود المغضوب عليهم:\nأطلق هذا الاسم على أتباع التوراة وأتباع موسى ﵇ في الشريعة - حسب ما يدعيه هؤلاء - وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، دخلوا مصر في عهد يوسف بن يعقوب ﵇ بدعوة منه، وكانوا بعد هذا على عقيدة التوحيد الذي ورثوه من آبائهم، حتى تأثروا بوثنية الأمم المجاورة لهم.\nالشرك في اليهود:\nفهل وجد الشرك فيهم قديمًا أم الشرك طرأ عليهم بعدما ذهب أنبياؤهم؟","vol":"1","page":331},{"text":"إذا نظرنا إلى التاريخ نرى أنهم وقعوا في الشرك قديمًا.\nمما يذكر لنا القرآن عن شركهم ما يلي\n١ - لصوق الوثنية بقلوب فريق من بني إسرائيل على عهد موسى:\nقال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ).\nففي هذه الآيات يخبرنا الله ﷿ أنه فلق البحر لبني إسرائيل حتى عبروه إلى الشاطئ الآخر، فمروا في سيرهم على قوم عكوف على أصنام لهم يعبدونها من دون الله ﷿، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم آلهة مثل آلهة هؤلاء، وكان من أصنامهم كما يذكره ابن جرير عن ابن جريج قال: (تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن العجل)؛ لتكون لله عليهم حجة فينتقم منهم، فهي من الآيات","vol":"1","page":332},{"text":"العظام، ثم سألوا الشرك صراحة، فهذا مما يدل على أن الوثنية المصرية كانت لا تزال عالقة بنفوسهم، وأن استعلاء المصريين عليهم وإذلالهم أثر فيهم حتى قلدوهم في دينهم، والمغلوب يميل دائمًا إلى تقليد الغالب.\nفهذا الذي حدث في قوم موسى قد صدر مثل ذلك عن هذه الأمة، وما يزال يصدر مثل هذا التقليد والشرك في هذه الأمة. ولقد رأينا بعض هذا فيما روى أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسولا لله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)، لتركبن سنن من كان قبلكم»، وما أكثر الخلق لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلهًا غير الله فقد اتخذ إلهًا مجعولًا، فأي جهل فوق هذا؟ طلبوا من موسى أن يجعل","vol":"1","page":333},{"text":"لهم إلهًا، فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، وكيف يكوف أن يكون الإله مجعولًا؟ بل الإله هو الجاعل لكل ما سواه، والمجعول مربوب مصنوع، فيستحيل أن يكون إلهًا.\n٢ - اتخاذ بني إسرائيل العجل إلهًا يعبدونه:\nقال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nوقال: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) إلى قوله: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).\nهذه الآيات تصور تلك النكسة التي أصابت شعب إسرائيل بعودتهم إلى الشرك والوثنية التي ألفوها عند إقامتهم بمصر، فبمجرد أن خرج موسى ﵇ لميقات ربه وقد استخلف على قومه أخاه هارون ﵇، وكان هارون رجلًا لين الطبع حليمًا، فاهتبل القوم هذه الفرصة وأعطوا حليهم التي كانوا قد استعاروها من المصريين لموسى السامري، فصاغ لهم منها عجلًا جسدًا، ويقال: إنه ألقي عليه حفنة من التراب الذي سار عليه جبريل عليه","vol":"1","page":334},{"text":"السلام، فصار عجلًا حيًا له خوار، ثم قال لهم: هذه إلهكم وإله موسى، فنسي، فاستخف القوم فأطاعوه وعبدوا العجل، فقام هارون ﵇ ينصحهم ويحذرهم عاقبة شركهم ويقول لهم: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى).\nفهذا الشرك وعبادة العجل من دون الله إنما هو من تلاعب الشيطان بهم، فإنهم قد شاهدوا ما حلَّ بالمشركين من العقوبة، وأخذ الرابية، ونبيهم حي لم يمت، هذا وقد شاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه ويصليه النار، ويدقه بالمطرقة ويسطو عليه بالمبرد، ويقلبه بيديه ظهرًا لبطن.\nقال ابن القيم: (ومن عجيب أمرهم: أنهم لم يكتفوا بكونه إلههم حتى جعلوه إله موسى فنسبوا موسى ﵇ إلى الشرك وعبادة غير الله تعالى بل عبادة أبلد الحيوانات وأقلها دفعا عن نفسه بحيث يضرب به المثل في البلادة والذل فجعلوه إله كليم الرحمن، ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا موسى ﵇ ضالا مخطئا فقالوا: فنسي\nقال ابن عباس: (أي ضل وأخطأ الطريق)، وفي رواية عنه أي إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه\nوعنه أيضا نسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم وقال السدى: أي ترك موسى إلهه ههنا وذهب يطلبه وقال قتادة: أي إن موسى إنما يطلب هذا ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر.\nهذا هو القول","vol":"1","page":335},{"text":"المشهور: أن قوله فنسى من كلام السامري وعباد العجل معه ... والسياق يل عليه ... وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم ...).\n٣ - اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، الذي هو شرك في الربوبية والألوهية معًا:\nقال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).\nقال ابن القيم: (ومن تلاعبه بهم أيضا: أنهم كانوا يقتلون الأنبياء الذين لا تنال الهداية إلا على أيديهم ويتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى يحرمون عليهم ويحلون لهم فيأخذون بتحريمهم وتحليلهم ولا يلتفتون: هل ذلك التحريم والتحليل من عند الله تعالى أم لا.\nقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله ﷺ فسألته عن قوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ) فقلت: يا رسول الله ما عبدوهم فقال: حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم رواه الترمذي وغيره، وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالانسان: أن يقتل أو يقاتل من هداه على يديه ويتخذ من لم تضمن له عصمته ندا لله يحرم عليه ويحلل له ...).\nفما أشبه اليوم بالأمس، لقد وجد هذا الشرك بعينه في هذه الأمة، كما","vol":"1","page":336},{"text":"سيأتي بيانه عند بيان الشرك في العصر الحديث.\n٤ - شركهم بالله جل وعلا باتصافهم ببعض خصائص الربوبية؛ مثل الكِبر:\nقال شيخ الإسلام: (قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، فإنه تعالى قال هذا القول بعد أن قال: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) الآية. ولما كان أصل دين اليهود الكبر، عاقبهم بالذلة. قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا). وقد وصف الله بعض اليهود بالشرك في قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، وفي قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ)، ففي اليهود من عبد الأصنام، وعبد البشر؛ وذلك أن المستكبر عن الحق يُبتلى بالانقياد للباطل، فيكون المستكبر مشركًا ...).\n٥ - الشرك بالله في الربوبية؛ وذلك بتشبيهه بصفات المخلوقين: وهو ما ذكرنا سابقًا - في أنواع الشرك - من الشرك بالله بالأنداد المنهي عنه في قوله تعالى: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).","vol":"1","page":337},{"text":"واليهود قد شبهوا الله ﷿ بصفات النقص من وجوه عدة، منها:\nأ- إثبات الولد لله جل وعلا، قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ)، فإثبات الولد لله فيه تنقيص في حق ربوبية الله ﷿، وما قدروه حق قدره، فشبهوه بمخلوقاته، وبصفاتهم.\nب- قولهم: إن الرب - تعالى - محجور عليه في نسخ الشرائع، فحجروا عليه أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وجعلوا هذه الشبهة الشيطانية ترسًا لهم في جحد نبوة محمد رسول الله ﷺ، وقرروا ذلك بأن النسخ يستلزم البداء، وهو على الله محال.\nج- قولهم: إن الرب سبحانه نائم لا ينتبه من نومه، فإنهم في العشر الأول من العشر الأول من كل سنة يقولون في صلاتهم: (لم تقول الأمم: أين الهمم؟ انتبه كم تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك).\nد- قولهم: إن الله يندم، ومن ذلك قولهم: (وندم الله سبحانه على خلق البشر الذين في الأرض، وشق عليه وعاد في رأيه)، وذلك عندهم في قصة قوم نوح.\nوقولهم: (إن الله سبحانه لما رأى فساد قوم نوح، وأن شركهم وكفرهم قد عظم ندم على خلق البشر).\nويقول كثير منهم: (إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وأنه عض على أنامله حتى جرى الدم منها).","vol":"1","page":338},{"text":"وقالوا أيضًا: (إن الله ندم على تمليكه شاؤول على بني إسرائيل، وأنه قال ذلك لشمويل).\nوقالوا: (فندم الرب على الشر الذي قال إنه سيفعله بشعبه).\nهـ - وصفوا الله ﷿ بالجهل؛ حيث زعموا أنه يجب أن توضع له علامة ليستدل بها عليهم حتى لا يهلكهم، فقالوا: (فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم).\nو- المشي على الأرض؛ يذكر اليهود أن الله ﷿ كان يسير أمامهم، ومن ذلك قولهم في سفر الخروج: (وكان الرب يسير أمامهم نهارًا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق).\nز- الرؤية بالعين في الدنيا؛ يزعم اليهود أنهم رأوا الله ﷿ في الدنيا؛ حيث قالوا: (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهوا وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ورأوا إله إسرائيل ... تحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف ... فرأوا الله، وأكلوا وشربوا).\nح- التعب لله؛ زعم اليهود - لعنهم الله - أن الله تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع؛ حيث قالوا: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي","vol":"1","page":339},{"text":"عمل).\nط- قولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ).\nي- قولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ).\nك- وقولهم: (إن النهار اثنتا عشرة ساعة، في الثلاثة الأولى منها يجلس الله ويطالع الشريعة، وفي الثلاث الثانية: يحكم، وفي الثلاث الثالثة: يطعم العالم، وفي الثلاث الأخيرة يجلس ويلعب مع الحوت ملك الأسماك).\nفهذه أنواع الشرك في القديم، وما زالت عندهم هذه العقيدة، بل ربما تطورت إلى ما هو أسوأ كما يظهر من خلال نصوص التلمود. والله أعلم.\nأما كون هذه النقائص التي فيها تشبيه الخالق بالمخلوق من حيث اتصافه ببعض صفات النقص التي تعتري المخلوق شركًا؛ فلما سبق معنا في بيان حقيقة الشرك: أن حقيقة الشرك هو اتخاذ الند لله جل وعلا، ومن معاني الند: الكفؤ، والشبيه والمثل والعدل وغيرها كلها معاني متقاربةة تدل على أن الشرك في الحقيقة كما قال ابن القيم: (هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به ...).\nوالتشبيه لفظ عام يطلق على تشبيه المخلوق بالخالق في ذاته، أو صفاته،","vol":"1","page":340},{"text":"ويطلق هكذا على تشبيه الخالق بالمخلوق في ذاته أو صفاته. وإن كان الأمر الأول هو الذي وقع فيه أكثر الناس، كما قال ابن القيم، ولا يمنع ذلك وجود فئة من الناس الذين وقعوا في الأمر الثاني أيضًا.\nولهذا قال الإمام الطحاوي: (ولا يشبه الأنام)، قال الشارح: هذا رد لقول المشبهة الذين يشبهون الخالق بالمخلوق ﷾، قال ﷿: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).\nقال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر - المنسوب إليه ـ: (لا يشبه شيئًا من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه ... وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا).\nوقال نعيم بن حماد: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله","vol":"1","page":341},{"text":"تشبيهًا).\nوقال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: من وصف الله فشبه بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم.\nوقال أيضًا: (إنما يكون التشبيه لو قيل: يد كيد وسمع كسمع).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم؛ فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالمخلوق أولى بتنزيهه عنه ...). بل عظم الشرك في العالم على حسب انتقاصهم لله، قال شيخ الإسلام بعد الكلام السابق: (ولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله؛ إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئًا ...).\nويدل على نفي النقائص عن الله آيات من القرآن الكريم. منها قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، بل سورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كلها تدل","vol":"1","page":342},{"text":"عليه، وهكذا آية الكرسي، وهكذا يدل عليه أمر الله سبحانه عباده بتسبيحه فإنه يقتضي تنزيهه عن كل عيب ونقص وإثبات ضدهما. فإن النقائص جنسها منفي عن الله تعالى، وكل ما اختص به المخلوق فهو من النقائص التي يجب تنزيه الرب سبحانه عنها، فمثلًا: التعب والفقر والجهل واللغوب هذه مما اختصت بها العباد، فالله منزه عنه.\nوقال شيخ الإسلام في موضع آخر: إن ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه، مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة ... ونحو ذلك، فإن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الأشياء والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام ...؛ لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلقًا، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه ينزه عنه ﵎. والنقص ضد الكمال، وهو سبحانه منزه عن النقائص.","vol":"1","page":343},{"text":"فالتشبيه يتضمن وصف الله بصفات النقص؛ لأن فيه تشبيه الله بالمخلوق الناقص. وتطلق المشبهه في عرف السلف - رحمة الله عليهم - على من قاس صفات الله ﵎ على صفات خلقه، فلم يفهم من صفاته جل وعلا إلا ما ألف الناس من صفاتهم، فمن قال: لله بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، أو وصفه بالنقائص، فهو مشبه؛ لأنهم يطلقون هذا اللقب - المشبه - على من مثل الله تعالى بخلقه، كأن جعل ذات الله تعالى كذات خلقه، أو جعل صفات الخلق مثل صفات المخلوق.\nوقال ابن القيم: (كل مشرك مشبه لإلهه ومعبوده بالله سبحانه، وإن لم يشبهه به من كل وجه، حتى إن الذين كفروا وصفوه بالنقائص والعيوب؛ كقولهم: (إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ)، وإن (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)، وإنه استراح لما فرغ من خلق العالم، والذي جعلوا له ولدًا وصاحبة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ... ووصفه سبحانه بهذه الأمور من أبطل الباطل؛ لكونها في نفسها نقائص وعيوبًا ... وتنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائص واجب لذاته، كما أن إثبات صفات الكمال والحمد واجب لذاته، وهو أظهر في العقول والفطر وجميع الكتب الإلهية وأقوال الرسل من كل شيء ...، بل إثبات هذه العيوب والنقائص يضاد كماله المقدس، وهو سبحانه موصوف بما يضادها وينافيها من كل وجه).","vol":"1","page":344},{"text":"والمقصود أن وصف الله ﷿ بهذه النقائص يعتبر شركًا، فإنه من المعلوم أن التوحيد على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة، ولا يتحقق توحيد الأسماء والصفات إلا بإثباتها بلا تمثيل، وتنزيهها بلا تعطيل، فقولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدها: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا؛ كالسنة والنوم والعجز والجهل وغيره ذلك.\nالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.\nفإثبات صفات النقص لله جل وعلا شرك في توحيد الأسماء والصفات؛ لدخوله تحت الإلحاد في أسماء الله وصفاته، فإن من أنواع الإلحاد في أسماء الله وصفاته: (وصفه سبحانه بما ينزه ويتقدس عنه؛ مثل قول اليهود (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) و(إنه فقير)، وقولهم: (إنه استراح يوم السبت). وما يتنزه الله ﵎ عنه قسمان: متصل ومنفصل، أما المتصل: فهو نفي ما يناقض ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من كل ما يضاد الصفات الكاملة، وذلك كالنوم والإعياء والتعب واللغوب والموت والجهل والظلم والغفلة والنسيان والسنة.\nأما المنفصل: فهو تنزيه الله عن أن يشاركه أحد من الخلق في شيء من خصائصه التي لا تكون لغيره، كالزوجة والولد والشريك، والكفو والظهير،","vol":"1","page":345},{"text":"والشفيع بغير إذن الله، والولي من الذل ...، فهذا التشبيه والتمثيل نوع من الإلحاد، والإلحاد شرك، والشرك حقيقته تشبيه المخلوق بالخالق وتشبيه الخالق بالمخلوق - كما سبق بيانه مرارًا ـ، وهو المعنى الذي يرجع إليه تفسير اتخاذ الند المنهي عنه في القرآن والسنة.\nوبهذا علمنا: أن من وصف الله ﷿ بشيء من صفات النقص فهو مشبه، والمشبه مخالف لتوحيد الأسماء والصفات. قال ابن القيم: (ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده).\nوعلمنا أيضًا أن وصف اليهود الرب سبحانه بالنقائص التي يختص بها المخلوق تشبيه للخالق بالمخلوق، وهو شرك بالله جل وعلا في توحيد الأسماء والصفات، وبمفهوم عام يدخل تحت الشرك في الربوبية الذي هو الجانب العلمي الاعتقادي.\nولكن لا يمنع أن يكون هناك لدى بعضهم نوع من الشرك العملي أيضًا - كما سيأتي من قول شيخ الإسلام ـ.\nقال شيخ الإسلام: فَالْيَهُودُ وَصَفُوا اللَّهَ بِالنَّقَائِصِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْهَا فَشَبَّهُوهُ بِالْمَخْلُوقِ: كَمَا وَصَفُوهُ بِالْفَقْرِ وَالْبُخْلِ وَاللُّغُوبِ. وَهَذَا بَاطِلٌ؛ فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ وَهُوَ مُنَزَّهٌ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يُمَاثِلَ شَيْءٌ مِنْ صِفَاتِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ لَا فِي عِلْمِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ وَلَا رِضَاهُ وَلَا","vol":"1","page":346},{"text":"غَضَبِهِ ... والسلف لا ينفون عنه ما أثبته لنفسه من الصفات، ولا يمثلون صفاته بصفات المخلوقين؛ فالنافي معطل، والمعطل يعبد عدمًا، والمشبه ممثل، والممثل يعبد صنمًا).\nوقال في موضع آخر: (فلا يوجد أحد من أهل التعطيل الجهمية وأهل التمثيل المشبهة إلا وفيه نوع من الشرك العملي إذ أصل قولهم فيه شرك وتسوية بين الله وبين خلقه أو بينه وبين المعدومات كما يسوي المعطلة بينه وبين المعدومات في الصفات السلبية التي لا تستلزم مدحا ولا ثبوت كمال أو يسوون بينه وبين الناقص من الموجودات في صفات النقص وكما يسوون إذا أثبتوا هم ومن ضاهاهم من الممثلة بينه وبين المخلوقات في حقائقها حتى قد يعبدونها فيعدلون بربهم ويجعلون له أندادا ويسوون المخلوقات برب العالمين. واليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها وهي من صفات خلقه ...).\nفثبت بهذا كله أن قول اليهود بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق هذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني من طبائعهم الملازمة، فالقوم أسرفوا في تشبيه الله ﷿ بالمخلوقات، ووصفوه جل وعلا بالنقائص التي تختص بالمخلوق.\nالشرك في الملة اليهودية بعد موسى ﵇:\nاليهود - كما سبق بيانه - لم يكونوا موحدين قط حق التوحيد، إذا تمعنا","vol":"1","page":347},{"text":"النظر في مصادرهم الدينية؛ لأن اليهودية تأثرت بما جاورها من الديانات الوثنية، كما أخذت من ديانة بابل، وتأثرت عنهم في عبادة العجل، ونقلت عن الكنعانيين مراسيم وطقوسًا، حتى قال بعض الباحثين: إن إلههم (يهوه) إنما هو إله كنعاني، أخذه اليهو وزادوا في صفاته ما يتفق مع حياتهم، وإذا صح هذا فإن كلمة (يهوه) تكون معروفة قبل ميلاد سيدنا إبراهيم ﵇، فهؤلاء اليهود لما أخذوا (يهوه) إلهًا، نظروا في صفات (يهوه) إلى الديانات الوثنية، فأخذوها، فمما أخذوا من الديانات الوثنية فكرة (خصوصية) الإله، فإنها منقولة عن الوثنيات التي سبقت ديانتهم أو عاصرتها.\nوالمخالفات التي تزدحم بها التوراة والتلمود وكتب اليهود المقدسة لحقيقة التوحيد تثبت لنا أن التوراة الأصلية الصحيحة التي فيها الهدى والنور قد تغيرت وحرفت على أيدي اليهود، ودخلت فيها الوثنيات من الشرك والتعدد والكفر والإلحاد، وما تذكر من التجسيد. وصفات (يهوه) من الحمق والرعونة والطيش والندم والتوحش والمحاباة لعباده إنما هو مذكور في صفات آلهة بلبل وآشور وغيرها، وفي الفترات التي كانت دعوة التوحيد الموسوية تعلوا على غيرها لم تخل اليهودية من اعتقاد التعدد، فقد كانوا يؤمنون بإلههم مع الاعتراف بآلهة الشعوب الأخرى.\nوأخذوا بأخرة فكرة البنوة لله من المسيحية، ومن الهندوسية، والبوذية، فزعم اليهود أن عزيرًا (عزرا) هو ابن الله، وهذا القول معروف عن يهود المدينة.","vol":"1","page":348},{"text":"وهم في جميع مراحلهم أشركوا مع الله غيره، بل كفروا بيهوه وأخلصوا لغيره، وانظر على سبيل المثال إلى الكتاب المقدس - كما سموه - ستى هذا الأمر واضحًا جليًا.\nذكر بعض الأنبياء بعد موسى ﵇:\nلقد أرسل الله إلى بني إسرائيل رسلًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين، فقد جاء بعد موسى ﵇ أنبياء وملوك ليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولم يذكر الله ﷿ لنا كثيرًا من أنبيائهم على التعيين، وإنما أخبر عن بعض منهم؛ مثل داود وسليمان، كما حكى عن طالوت وجهاده ضد جالوت، وكلهم كانوا داعين إلى التوحيد لا محالة.\nولم يذكر لنا القرآن شيئًا عن وجود أي خلل في هذه المسيرة الصحيحة، كما لم يأت في السنة المطهرة ما يدل على أن هؤلاء وقعوا في الشرك، إلا ما ذكر عن امرأة سبأ وقومها، حيث إنهم كانوا عباد الشمس، ولكن زال هذا الشرك بإسلام ملكة سبأ - كما هو ظاهر من سياق القرآن ـ.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث العاشر في بيان الشرك في قوم إلياس</span>\nقوم إلياس ﵇:\nقد ذكرا لله ﷿ أمة في هذه الفترة وقعت في الشرك وفي عبادة الأصنام من دون الله؛ وهم قوم إلياس ﵇.\nقال تعالى بعدما ذكر قصة هارون وموسى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)، وقال في آية أخرى: (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ).\nوفيما يلي التعريف بإلياس وقومه، وبيان ما كانوا عليه من الشرك.\nأما إلياس: فاختلفوا فيه على قولين:\nأ- إنه إدريس: قال الإمام البخاري: يذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس. قال الحافظ: (أما قول ابن مسعود فوصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه، قال: إلياس هو إدريس، ويعقوب هو إسرائيل. وأما قول ابن عباس فوصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه","vol":"1","page":350},{"text":"وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري، وقد أخذ أبو بكر بن العربي من هذا، أن إدريس لم يكن جدًا لنوح، وإنما هو من بني إسرائيل؛ لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل، واستدل على ذلك بقوله ﵇ للنبي ﷺ: (مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح)، ولو كان من أجداده لقال له كما قال آدم وإبراهيم: «والابن الصالح»، وهو استدلال جيد، إلا أنه قد يُجاب عنه بأنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف، فليس ذلك نصًا فيما زعم ...).\nولعل من قرأ قوله تعالى: (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بـ (إدراسين) يذهب أيضًا إلى هذا القول. وقال الإمام الشوكاني: قرأ ابن مسعود والأعمش، ويحيى بن وثاب: (وإن إدريس لمن المرسلين).","vol":"1","page":351},{"text":"ب- أنه إلياس، وليس بإدريس، وعلى هذا فهو:\n١ - إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هارون أخي موسى بن عمران، والله أعلم.\n٢ - وقيل: هو إلياس بن يس من سبط هارون أخي موسى.\n٣ - وقيل: هو إلياس التشبي.\n٤ - وقيل: هو إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.\nقوم إلياس:\nكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق، وبعلبك الآن داخل الحدود اللبنانية.\nشرك قوم إلياس:\nأرسل الله النبي الكريم إلى أهل بعلبك، فدعاهم إلى الله ﷿ وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلًا. ونقل الحافظ ابن عساكر بسنده عن ابن عباس قال: إنما سمي بعلبك لعبادتهم البعل، وكان موضعهم البَدْء فسمي بعلبك.","vol":"1","page":352},{"text":"واختلفوا في المعنى المراد بالبعل على أقوال:\n١ - أنه اسم صنم لهم كانوا يعبونه. قال الحافظ ابن كثير: وهو الأصح.\n٢ - كانت امرأة اسمها بعل، كانوا يعبدونها.\n٣ - وقال مجاهد: (بعلًا) أي: ربًا، وهو قول الإمام البخاري أيضًا في صحيحه.\nوالصحيح هو القول الأول كما أشار إليه ابن كثير، فإنهم (كانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: بعل، فدعاهم إلى توحيد الله تعالى ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالهم ولم يؤمن به منهم أحد، فدعا الله عليهم فحبس عنهم القطر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم ووعدوه الإيمان به إن هم أصابهم المطر، فدعا الله تعالى لهم فجاءهم الغيث، فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه ...). وقد ذكر الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره قصصًا أخرى أغلبها من الإسرائيليات، عن طريق محمد بن إسحاق ووهب بن منبه، ولا يعلم صحتها؛ فلذا تم صرف النظر عنها.\nوالمقصود: أن قوم إلياس ﵇ كانوا يعبدون الأصنام - من دون الله ـ،","vol":"1","page":353},{"text":"فكانوا يشركون بالله ﷿ في ألوهيته وعبادته، فأرسل الله إليهم نبيه إلياس ﵇ يدعوهم إلى التوحيد، فعلى رواية: أنهم آمنوا ثم كفروا، وعلى رواية أخرى: أنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا لما شاهدوا صدق ما يقوله نبيهم.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الحادي عشر في بيان الشرك في قوم عيسى ﵇</span>\nقوم عيسى ﵇:\nقال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون).\nوقال تعالى: (أَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ).\nوقال تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ)، وقال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ).","vol":"1","page":355},{"text":"فهذا هو عيسى ابن مريم الذي حكاه الله ﷿ لنا في كتابه الكريم، وفيه تعريف شامل لعيسى ابن مريم، الذي لا مجال للشك والخلاف فيه.\nفهو ليس بإله ولا ابنه، بل هو عبد من عباده جعله مثلًا لبني إسرائيل: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).\nقال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)، وقال تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وهو الذي حكاه الله ﷿ عن عيسى ﵇ بأنه قال: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).\nفهذا ما ذكر لنا القرآن من تعريف عيسى ﵇، ومما تعرفنا عليه من خلال هذه النصوص:\nأن عيسى ابن مريم ﵇ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وهو آخر أنبياء الله ورسله من بني إسرائيل؛ كما أن آخر الأنبياء والرسل من بني الإنسان جميعًا محمد ﷺ، ذُكر اسمه في القرآن بلفظ","vol":"1","page":356},{"text":"المسيح تارة، وبلفظ عيسى، وبكنيته ابن مريم تارة أخرى.\nأما مريم ﵍ فقد ذكرت في القرآن الكريم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)، وكان عمران أبو مريم رجلًا عظيمًا بين العلماء في بني إسرائيل، وقد حملت زوجته فنذرت أن تجعل ما في بطنها من الحمل محررًا لخدمة الدين، فلما وضعتها رأتها أنثى فسمتها مريم.\nوعيسى ﵇ يمثل آخر طور من أطور الديانة الإسرائيلية، وقد جعله الله ﷿ هو وأمه آية في ولادتهما ونشأتهما؛ حيث كان الشعب الإسرائيلي في ذلك الوقت قد فقد الروح الديني الصحيح، وجمد على الطقوس والمراسيم وأشكال العبادة، وأكبَّ على الدنيا والمادة، وارتكب الجرائم المروعة التي أشار إليها الله ﷿ في القرآن الكريم في سورة النساء بقوله: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)، وقوله قبل ذلك: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا).\nوكانت بنو إسرائيل أمة قاسية، عاصية؛ تارة يعبدون الأصنام والأوثان، وتارة يعبدون الله، وتارة يقتلون النبيين بغير حق، وتارة يستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل، فلُعنوا أولًا على ليسان داود، وكان من خراب بيت المقدس ما","vol":"1","page":357},{"text":"هو معروف عند أهل الملل كلهم.\nوكان قد دخل فيهم داء التعطيل، فإنهم في زمن موسى ﵇ كانوا على التوحيد وإثبات الصفات، وتكليم الله لعبده موسى تكليمًا، إلى أن توفي موسى ﵇، ودخل الداخل على بني إسرائيل، ورفع التعطيل رأسه بينهم، وأقدموا على علوم المعطلة - أعداء موسى ﵇ وقدموها على نصوص التوراة، فسلط الله تعالى عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، وسبى ذراريهم. والمقصود أن هذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبب دمارهم وزوال مملكتهم ... .\nفأراد الله سبحانه أن يهز في هذا الشعب ما جمد من عواطفه ويحرك فيه المعاني الروحية التي نسيها، فأجرى له ثلاث آيات كبار جاءت متتابعة متقاربة؛ الأولى: في ولادة مريم ﵍، وكانت أمها حنة (أو حمنة) عقيمًا لا تلد، فنذرت إن رزقها الله بولد لتهبنه لخدمة بيت المقدس، فلما وضعتها أسفت لكونها أنثى لا تصلح للخدمة، وقالت - تعتذر إلى الله ـ: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، ولكن الله قبلها منها وأنبتها نباتًا حسنًا، فذهبت إلى العلماء في بيت المقدس وألقتها بين أيديهم وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا في كفالتها، ولكن الله كفّلها زكريا ﵇؛ لأن خالتها كانت تحته، وقد جعلها زكريا في محراب المسجد، فكان كلما","vol":"1","page":358},{"text":"دخل عليها المحراب وجد عندها رزقًا، (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).\nفأطمع هذا زكريا ﵇ في أن يرزقه الله الولد ولو في غير أوانه، فدعا ربه بهذا الدعاء الضارع الذليل، متوسلًا إلى الله بأحب الوسائل إليه؛ وهو إظهار الضعف والافتقار إليه، والرغبة إليه وحده، فقال: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).\nفما فارق زكريا المحراب حتى نادته الملائكة مبشرة له بأن الله قد وهبه يحيى مصدقًا بكلمة من الله وسيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين، وعجب زكريا من أن يكون له غلام على كبر سن منه وعقم من زوجه، فقيل له: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)، وطلب آية تدل على حمل امرأته، فقيل له: (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، وولد له يحيى وشب على الطهر والاستقامة، وكان آية في ورعه وزهده وطاعته لربه وبره بوالديه، وآتاه الله العلم والحكمة، ومنّ عليه بالرسالة، فهذه آية ثابتة في بني إسرائيل.\nأما الثالثة: فكانت ولادة عيسى ﵇، قال تعالى في ذكر أروع وأصدق هذه القصة في سورة مريم: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ","vol":"1","page":359},{"text":"أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)، إلى أن قال: (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)، أرسله الله ﷿ إلى بني إسرائيل رسولًا، وقد خلت من قبله الرسل، وجعله آية للناس؛ حيث خلقه من غير أب، إظهارًا لكمال قدرته، وشمول كلمته سبحانه؛ حيث قسم النوع الإنساني الأقسام الأربعة؛ فجعل آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق المسيح ابن مريم من أنثى بلا ذكر، وخلق سائرهم من الزوجين الذكر والأنثى. وأتى عبده المسيح من الآيات البينات ما جرت به سنته؛ فأحيي الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وأنبأ الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، ودعا إلى الله وإلى عبادته متبعًا سنة إخوانه المرسلين، مصدقًا لمن كان قبله، ومبشرًا بمن يأتي بعده.\nوقد ذكر الله ﷿ في القرآن الكريم دعوته إلى التوحيد وكونه من الرسل في غير ما آية، فقال في معرض الرد على النصارى في ادعائهم بنوة عيسى ﵇، وفي قولهم: إن الآلهة ثلاثة، أنهم غيروا رسالة عيسى وخالفوا دعواته، فإنه ما دعاهم إلا بما كانت الرسل قبله تدعو إليه من توحيد الله ﷿ وإفراده بالعبادة، قال تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ","vol":"1","page":360},{"text":"وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).\nوقال أيضًا: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).\nوقال: (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).\nويحكي الله ﷿ لنا في سورة المائدة صورة لما سيكون يوم القيامة حين يسأل عيسى ﵇ عما يقوله النصارى من أنه أمرهم أن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فيجيب على ذلك البهت بهذا الجواب المفحم الرصين: (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).","vol":"1","page":361},{"text":"هكذا في كل موضع من هذا المواضع يؤكد القرآن الكريم براءة عيسى ﵇ مما نُسب إليه، ويقرر أنه ما كان إلا واحدًا من هؤلاء الرسل الذين بُعثوا بالدعوة إلى التوحيد وإبطال عبادة الطاغوت.\nفالمسيح هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، بعث لإرشاد الضالين من بني إسرائيل، فجدد لهم الدين وبيَّن لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده، والتبري من تلك الأحداث والآراء الباطلة، فعادوه وكذبوه ورموه وأمه بالعظائم، وراموا قتله، فطهره الله تعالى منهم ورفعه إليه، فلم يصلوا إليه بسوء، وأقام الله تعالى للمسيح أنصارًا دعوا إلى دينه وشريعته حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة.\nبدء الانحراف والشرك في قوم عيسى ﵇:\nبعد وفاة المسيح بحوالي سبعين سنة، أسلم أحد الوثنيين اسمه بولس - نفاقًا على ما يظهر - وكان قبل ذلك يضطهد النصارى ويظلمهم ويقتلهم شر قتله، فما أن أظهر إسلامه إلا جاء بأقوال لم يسبقه إليها أحد، فمنها:\n١ - الدعوة إلى التثليث.\n٢ - الدعوة إلى ألوهية المسيح، وألوهية الروح المقدس.\n٣ - اختراع قصة الفداء للتكفير عن خطيئة البشر.\n٤ - جعل يوم الأحد مقدسًا عند المسيحيين؛ بحجة أنه قام فيه من القبر، بدلًا من السبت الذي كان مقدسًا عند اليهود.","vol":"1","page":362},{"text":"٥ - جعل التشريع حقًا للرؤساء الروحانيين، بعد أن كان للأنبياء والرسل.\n٦ - أعلن بنسخ التوراة؛ لما وجد مقاومة شديدة من اليهود والمسيحيين على السواء، وذلك تمهيدًا لإدخال الوثنية والوثنيين في المسيحية؛ لأن التوراة كانت حاجزًا قويًا في طريق بولس، وأعلن أمام الوثنيين بأن الإيمان بالمسيح يكفي للنجاة، وانطلاقًا من نسخه التوراة استطاع بولس أن يلغي كثيرًا من الأحكام كانت معروفة لدى اليهود والمسيح نفسه. منها حكم الختان، فألغى حكم الختان، كما أباح للمسيحيين الجدد الداخلين في دينه أكل لحم الخنزير، وكان محرمًا في الشريعة الموسوية، وكان قبل هذا عندهم بقايا من دين المسيح؛ كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمه التوارة إلا ما أحل لهم بنصها، ولكن لما أعلن نسخ التوراة استطاع بموجبه إدخال ما أراد من الوثنية في الديانة المسيحية.\nولكن بولس فشل في إقناع المسيحيين الخُلَّص بهذه العقائد، وفشل في إقناع الشرقيين من اليهود والنصارى على السواء؛ وذلك لوجود بعض الحواريين وأتباعهم وشدة تمسكهم بما أرشدهم إليه المسيح عيسى ﵇. ولكن بولس لم يتغير عن موقفه، بل جاء بعقيدة أخرى؛ حيث توجه إلى الأقطار الأوروبية وأحدث فكرة جديدة في المسيحية، وهي:\n٧ - عالمية المسيح، بينما كانت دعوة المسيح لليهود خاصة.","vol":"1","page":363},{"text":"٨ - أن عيسى ﵇ إنما صُلب تكفيرًا لخطايا البشر.\n٩ - قيامة عيسى ﵇ من الأموات، وأنه صعد وجلس عن يمين الله.\nوهذه المبادئ التي جاء بها بولس قد ردها النصارى أولًا ولم يقبلوها، فقد صرح هو في رسالته الثانية إلى تيموثاوس: (إن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني)، وهذا هو المتوقع من الحواريين والذين عرفوا الحق ورأوا المسيح ﵇.\nواستمر الحال على إنكار هذه المبادئ - إلا من شذ منهم من الرومان واليونان وخاصة في غرب أوروبا؛ حيث كانت الغلبة للوثنيين فناسبتهم في أفكارهم فأخذوا بها - أما الذين كانوا في آسيا وفي الموضع الذي أرسل فيه المسيح فكانوا على إنكار هذه المبادئ نحو ثلاثمائة سنة - كما سبق ـ.\nولكن بعد هذا أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير، حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا دينًا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام، ولما آل الأمر إلى هذا الحد اجتمعت النصارى في عدة مجامع تزيد على ثمانين مجمعًا، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن؛ يلعن بعضهم بعضًا، حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار، فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فكانوا ثلاثمائة وثمانية عشر.","vol":"1","page":364},{"text":"وذلك في سنة ٣٢٥ من الميلاد؛ حيث اجتمع لديه النصارى القائلين بالتثليث، والنصارى الذين كانوا على القول الصحيح في شأن المسيح مثل آريوس وأتباعه، ولكن الملك جنح إلى القائلين بالتثليث لما وافق ذلك وثنيته السابقة عنده، وقرروا فيه ألوهية المسيح ﵇، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا لخطايا البشر - كما تقدم بيان ذلك فيما أحدثه بولس ـ. وبذلك أصبحت الديانة النصرانية مدينة في الواقع لبولس، وليس للمسيح منها إلا الاسم فقط.\nالشرك في قوم عيسى ﵇:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والنصارى يغلب عليهم الشرك ...).\nوقال أيضًا: (فإن النصارى شر منهم - اليهود - فإنهم أعظم ضلالًا وأكثر شركًا ...).\nوقال: (ولما كان أصل دين النصارى الإشراك لتعديد الطرق إلى الله، أضلهم عنه ...).\nوقال الإمام ابن القيم: (أساس دين النصارى قائم على شتم الله، والشرك به).\nوقال أيضًا: (إن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه ...).\nفما هي هذه الأمور الشركية في هذه الأمة؟","vol":"1","page":365},{"text":"لقد وجد فيهم أنواع من الشرك، وهي ما يلي:\n١ - القول بالتثليث، والمراد بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المقدس: (إله واحد، الأب والابن والروح المقدس إله واحد، جوهر (ذات) واحد، متساوين في القدرة والمجد).\nويفسرون هذه العقيدة بقولهم: إن تعليم الثالوث يتضمن:\nأ- وحدانية الله.\nب- لاهوت الأب والابن والروح المقدس.\nج- إن الأب والابن والروح المقدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.\nد- إنهم واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.\nهـ- إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضًا في الوظائف والأعمال.\nو- إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه. وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وإن بعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس.","vol":"1","page":366},{"text":"ويتضح منها أنهم يقولون:\nإن وحدانية الله وحدانية حقيقية، وكذلك تثليثه، أي أنه ثلاثة حقيقة؛ أي ثلاثة أشخاص وفي نفس الوقت يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، وهم في نفس الوقت متساوون في قدرتهم ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.\nيقال لهم: (هذا في الواقع جمع بين الضدين، فالوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك في مكان واحد، بل هما ضدان لا يجتمعان، كالسواد والبياض).\nقال شيخ الإسلام: (وقوم غلوا فيه - أي عيسى - وزعموا أنه الله أو ابن الله، وأن اللاهوت تدرع الناسوت ... جوهر واحد، ثلاثة أقانيم، وأن الواحد منها أقنوم الكلمة، وهي العلم، هي تدرعت الناسوت البشري، مع العلم بأن أحدهما لا يمكن انفصاله عن الآخرين، إلا إذا جعلوه ثلاثة إلهات متباينة، وذلك مما لا يقولونه).\nوالنصارى يعتقدون اجتماعهما، مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها.\nفمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها، ومنهم من شبهها بالشجرة، فإن لها أصل وهي الجذور والساق والورق.","vol":"1","page":367},{"text":"ومنهم من يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار توقدت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى لإيقاد الثانية منها.\nوهذه التشبيهات ليس فيها ما يمكن أن يكون مطابقًا لدعوى النصارى في التثليث؛ لأن جميع هذه الأشياء إما أن تكون ذاتًا واحدة لها أجزاء وأبعاض، أو صفات وآثار، بخلاف دعواهم في التثليث؛ فإنهم يقولون: هم ثلاثة حقيقيون ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، بخلاف تشبيههم له بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، فهذه مكونات الجسم ولا يستقل واحد منها بذاته، كما أن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم، بخلاف دعوى التثليث، الذي يزعمون فيه أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، ولهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث. و(أنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها).\nوالمقصود: أنهم وقعوا في الشرك بقولهم التثليث، وهو شرك في الربوبية؛ حيث جعلوا الرب مركبًا من هذه الأشياء، وحيث تنقصوا الخالق سبحانه وسبوه ورموه بالعظائم، وحيث زعموا أنه ﷾ عن قولهم علوًا كبيرًا - نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام هناك تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو، وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعًا صغيرًا يمص الثدي، ولف في القمط، وأودع السرير يبكي ويجوع ويعطش ويبول ويتغوط ويحمل على","vol":"1","page":368},{"text":"الأيدي والعواتق، ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه وربطوا يديه وبصقوافي وجهه وصفعوا قفاه وصلبوه جهرًا بين لصين، وألبسوه إكليلًا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه وجرعوه أعظم الآلام، وهذا وهو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له، ولهذا قال تعالى: (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا).\nوقال الله تعالى: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد ...».\nقال ابن القيم: (وبالجملة: فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: «إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر». وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبًا أغمض عينيه عنه، وقال «لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح سب»).\nومن شركهم في الربوبية في هذا الباب: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلهًا آخر معه، وأنفوا أن يكون عبدًا له.\nومن شركهم في الربوبية: تشبيه بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل غيرهم ذلك باختلاط الماء باللبن،","vol":"1","page":369},{"text":"وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء حتى صارا حقيقة أخرى - تعالى الله ﷿ عن إفكهم وكذبهم ـ.\nومن شركهم في الربوبية: اتفاهم بأسرهم على أن اليهود أخذوه وضربوه وطعنوه بالحربة وصلبوه وقتلوه حتى مات، وتركوه مصلوبًا حتى التصق شعره بجلده، ثم دفنوه وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره.\nكل هذه الأشياء شرك في الربوبية؛ حيث إنها تشبيه المخلوق بالخالق والخالق بالمخلوق الذي هو أصل الشرك - كما مر معنا مرارًا ـ.\nومن أنواع الشرك فيهم:\n٢ - قولهم بالصلب والفداء، وفيه أيضًا شرك في الربوبية؛ فإن فيه التكذيب على الله في كونه تاب على آدم ﵇ وغفر له خطيئته، ونسبته إلى أقبح الظلم؛ حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم، بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه؛ حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز؛ حيث عجّزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص؛ حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه، ففعلوا به ما فعلوا.\n٣ - من أنواع الشرك فيهم: قولهم بمحاسبة المسيح للناس، ففيه شرك في الربوبية؛ فإن محاسبة الناس إنما هي من شأن الخالق شبحانه ﷻ، لا لأحد من البشر.","vol":"1","page":370},{"text":"فهذه كلها أنواع الشرك في الربوبية.\nومن الشرك في الألوهية في هذه الأمة الضالة ما يلي:\n٤ - عبادتهم المسيح، وذلك في صلواتهم: (حيث يقدمون الصلاة باسم المسيح لأنه الواسطة عندهم).\n٥ - تعظيمهم للصليب الذي يؤدي إلى مستوى العبادة، فإن هذه الأمة اتخذته معبودًا يسجدون له، وإذا اجتهد أحدهم في اليمين بحيث لا يحنث ولا يكذب حلف بالصليب ويكذب إذا حلف بالله ولا يكذب إذا حلف بالصليب. ولقد قال بعض عقلائهم: إن تعظيمنا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء فإنه كان قبر المسيح وهو عليه ثم لما دفن صار قبره في الأرض وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق فإن السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك بل من أعظم الشرك وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء ﷺ اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد.\n٦ - تصوير الصور في الكنائس وعبادتها فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو عن صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله تعالى حتى لقد كتب بطريق الاسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه للسجود للصور: بأن الله تعالى أمر موسى ﵇ بالتصوير، وهذا كذب، ثم على فرض الصحة غايته: أن يكون بمثابة التذكر للخطيئة حتى لا ينساها كما ورد عن","vol":"1","page":371},{"text":"بعضهم، وليس فيه دليل على السجود للصور، فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور؟ .\n٧ - من الشرك في هذه الأمة الضالة: اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله، وذلك من وجوه:\nأ- إعطائهم سلطة التشريع؛ حيث أعطوا رهبانهم وقساوستهم سلطة التشريع، يشرعون لهم ما يشاءون، وهم يقرأون أن المسيح قال: (إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي، وما جئت ناقضًا بل متممًا، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئًا من شريعة موسى)، وما زال أصحاب المسيح على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم أخذ القوم في التغيير والتبديل والتقرب إلى الناس بما يهوون، ومكايدة اليهود ومناقضتهم بما فيه ترك دين المسيح والانسلاخ منه جملة ...\nوانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم: أن قومًا من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح؛ فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة.\nفشق ذلك على الأمم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلق بأخلاقهم، وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم، وأنشأوا في ذلك كتابًا، فهذا في أحد","vol":"1","page":372},{"text":"مجامعهم الكبار، وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعًا وافترقوا فيه على ما يريدون إحداثه ... فالنصارى تلقوا أصول دينهم عن أصحاب المجامع.\nب- تقليد هذه الأمة الضالة لأحبارهم ورهبانهم في امتثال ما يشرعون لهم، وبذلك دخلوا في الشرك في الألوهية، فإن التشريع من خصائص الرب؛ فالتشريع من الأحبار والرهبان فيه شرك في الربوبية، وامتثال بني إسرائيل لهذا التشريع عبادة لهم لهؤلاء القساوسة والأحبار والرهبان.\nج- شركهم في الربوبية من حيث إعطاء الراهب والقسيس حقوق الغفران والتوبة، فليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبدًا ولا عذاب في الآخرة؛ لأن القس والراهب يغفره لهم.\nقال ابن القيم: (فكلما أذنب أحدهم ذنبًا أهدى للقس هدية أو أعطاه درهمًا أو غيره ليغفر له ربه! !، وإذا زنت امرأته أحدهم بيّتها عند القس ليطيبها له، فإذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به)! ! ! .\nآثار شرك قوم عيسى في هذه الأمة المرحومة:\nسيأتي بيان هذه الآثار مفصلًا عند استعراض الشرك في هذه الأمة في العصر الحديث. وإنما يكتفي هنا بذكر بعض هذه العقائد التي وجدت بعينها أو متطورة منها في بعض من ينتسب إلى الإسلام، فمثلًا:\n١ - وجدت عقيدة الحلول ووباؤه لدى بعض مبتدعة المتصوفة وعباد","vol":"1","page":373},{"text":"الجهمية، فقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه، فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب.\n٢ - وجدت عقيدة الغلو في الصالحين في هذه الأمة عند بعض المتصوفة، حيث غلوا في الرسول ﷺ ورفعوه من منزلة العبد إلى منزلة المعبود.\n٣ - وجدت عقيدة السجود للقبور واتخاذها مساجد في بعض من ينتسب إلى الإسلام.\n٤ - النصارى ادعوا في المسيح بأنه نور، وهكذا ادعى بعض المتصوفة الجهلة في نبي الله ﷺ بأنه نور من نور الله، والغلو في هذا الأمر.\n٥ - النصارى أعطت سلطة التشريع إلى قساوستهم، وهكذا ترى بعض المقلدة، وبعض الشعوب أعطت حق التشريع لحكامهم وعلمائهم واتبعتهم في ذلك دون إمعان أو نظر هل يوافق نصوص الشرع أم يخالفه.\nوبهذا ترى تحقق قول الرسول ﷺ: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه» قالوا: يا رسول الله، من اليهود والنصارى؟ قال: «فمن إذن؟».","vol":"1","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الثالث في بيان أنواع الشرك التي وقعوا فيها</span>\nوتحته مبحثان:\nالمبحث الأول: هل أشركوا في الربوبية؟\nالمبحث الثاني: شرك العبادة في الأمم السابقة.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الأول هل أشركوا في الربوبية</span>؟\nفَطَر الله جميع الخلائق على الإقرار بهذا التوحيد لا يمنع أن يكون الأمم قد وقع في شرك الربوبية، كالدهرية قديمًا، والشيوعية حديثًا - كما سيأتي في الباب الرابع ـ، فمن شذ من هؤلاء وأمثالهم، فادعاء إنكارهم له جل وعلا إنما هو عن استكبار وعناد، لا عن شك وارتياب.\nوأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الخالق جل وعلا وادعاؤه بأنه إله من دون الله (فرعون) عندما قصه الله علينا في قوله: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)، والذي قال لنبي الله موسى ﷺ على وجه الإنكار عندما أبلغه رسالة ربه: (فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى).\nومع هذا فإنكاره لربوبية الله جل وعلا ما كان إلا عن مكابرة. قال تعالى بعد الآية الأولى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وأقام تعالى الحجة بعد الآية الثانية على لسان نبيه موسى ﷺ بقوله: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، وقال تعالى عنه وعن قومه: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ","vol":"1","page":377},{"text":"كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).\nوقد وجد إنكار الربوبية على وجه التكبر والعناد في أمم قبل فرعون، منهم: عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)، وكما وجد في ملك قوم إبراهيم ﵇ عندما قال: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، لما قال له إبراهيم ﵇: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ). ولكن مع هذا لم يكن التعطيل والجحود لربوبية الله جل وعلا غالبًا في أمة من الأمم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جحود الصانع لم يكن غالبًا على أمة من الأمم قط، وإنما كان على دين الكفار الخارجين عن الرسالة هو الإشراك، وإنما كان يجحد الصانع بعض الناس، وأولئك كان علماؤهم من الفلاسفة الصابئة المشركين الذين يعظمون الهياكل والكواكب والأصنام، والأخبار المروية من نقل أخبارهم وسيرهم كلها تدل على ذلك، ولكن فرعون موسى ... كان في الباطن عارفًا بوجود الصانع، وإنما استكبر كإبليس وأنكر وجوده ...).\nوقال في موضع آخر: (فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل، وإنما يقع اختلاف أهل الملل في أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعباداته، ونحو ذلك ...). وسيأتي","vol":"1","page":378},{"text":"بيان حقيقة مذهب الدهرية المعطلة فيما بعد.\nوإنما قلنا إنما جحود الصانع لم يكن غالبًا في أمة من الأمم، فإن الآيات دالة على منزلها، والمخلوق دال على الخالق سبحانه، كدلالة الأثر على المؤثر، فالفطرة هدت الأعرابي إلى أن يقول: «البعرة تدل على البعير، والأثر على المسير، ليل داج ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، أفلا تدل على الصانع الخبير؟ !».\nوأما ما نسب إلى بعض الطوائف من اعتقادهم (وجود إلهين كالثنوية من المجوس والمانوية القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، فإنهم متفقون على أن النور خير من الظلمة، وهو الإله المحمود، وأن الظلمة شريرة مذمومة، وهم متنازعون في الظلمة هل هي قديمة أم محدثة؟ فلم يثبتوا ربين متماثلين). وسيأتي بيان مذهب الثنوية فيما بعد.","vol":"1","page":379},{"text":"وأما النصارى القائلين بالتثليث، فإنهم لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب ينفصل بعضهم عن بعض، بل هم متفقون على أن صانع العالم واحد، ويقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، وقولهم في التثليث متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول أفسد منه، ولهذا كانوا مضطريين في فهمه وفي التعبير عنه، لا يكاد واحد يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد؛ فإنهم يقولون: هو واحد بالذات، ثلاثة بالأقنوم! .\nوالأقانيم يفسرونها تارة بالخواص، وتارة بالصفات، وتارة بالأشخاص، وقد فطر الله العباد على إدراك فساد هذه الأقوال بعد التصور التام، وفي الجملة فهم لا يقولون بإثبات خالقين متماثلين. والمقصود هنا: أنه ليس في الطوائف من يثبت للعالم صانعين متماثلين في الصفات والأفعال.\nولما كان الشرك في الربوبية معلوم الامتناع عند الناس كلهم باعتبار إثبات خالقين متماثلين في الصفات والأفعال، وإنما ذهب بعض المشركين إلى أن ثمَّ خالقًا خلق العالم، كما يقوله الثنوية في الظلمة، وكما يقوله القدرية في أفعال الحيوان، وكما يقوله الفلاسفة الدهرية في حركة الأفلاك، أو حركات النفوس، أو الأجسام الطبيعية، فإن هؤلاء يثبتون أمورًا محدثة بدون","vol":"1","page":380},{"text":"إحداث الله إياها، فهم مشركون في بعض الربوبية، وكثير من مشركي الأمم قد يظن في آلهته شيئًا من نفع أو ضر، بدون أن يخلق الله ذلك.\nفلما كان هذا النوع من الشرك في الربوبية موجودًا بين الناس - حتى في مشركي العرب كما سيأتي بيانه فيما بعد - بيَّن القرآن بطلانه، كما في قوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).\nقال ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره وتفرده بالإلهية دون فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلابد من أحد أمور ثلاثة: إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه؛ فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون. وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره، كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره، فذاك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية، فكما","vol":"1","page":381},{"text":"يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان، يستحيل أن يكون لها إلهان معبودان).\nوالمقصود: أن الأمم السابقة قد وقع منهم الشرك في الربوبية، ولكن التعطيل المطلق لم يكن صفة عامة لأمم من الأمم، وإنما كان في شواذ من الناس، وهكذا ما وجد ي الأمم من أثبت صانعين وخالقين متماثلين في الذات والصفات، وإنما كان شركهم إما بالأنداد، أو بالتعطيل الذي يتمثل في تعطيل الصانع عن المصنوع مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، وفي تعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه أو صفاته، أو بإثباتها للغير، أو بتشبيهها بأسماء أو صفات أو أفعال غير الله ﷾.\nأو التعطيل الذي يتمثل في تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وقد سبق معنا بيان أمثلة كل من وقع في هذه الأنواع من الشرك في الربوبية، وفيما يلي إشارة موجزة إلى كل من وقع في هذه الأنواع من مشركي الأمم السابقة:\nإن المشركين في الربوبية من الأمم السابقة يمكن تصنيفهم بما يلي:\nالصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق:\nأ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، ويدخل تحت هذا شرك فرعون؛ إذ قال: (وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ). ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته،","vol":"1","page":382},{"text":"وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها بالعقول والنفوس، وهم الفلاسفة الصابئة الملاحدة الدهريون.\nقال ابن القيم: (وهؤلاء فرقتان؛ فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته، ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها.\nوفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء: مركباتها وبسائطها، من ذاتها، لا من شيء آخر، وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال، ولا يتغير، ولا يضمحل، ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلًا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله، وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه، وهؤلاء هم المعطلة حقًا، وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة ...).\nوقد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم العالم أرسطو، والرجل معطل مشرك جاحد للنبوات والمعاد، لا مبدأ عنه ولا معاد ولا رسول ولا كتاب، وبالجملة: ملاحدة الفلاسفة هم أهل التعطيل المحض، فإنهم عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع.","vol":"1","page":383},{"text":"ب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. وهذا القسم لا أعلم أن أحدًا من مشركي الأمم السابقة وقع فيه، فإن القول بوحدة الوجود ما عرف سابقًا، اللهم إلا أن يقال: إن قولهم هذا مستمد من قول فرعون، وأن حقيقة فرعون لا يختلف عن قولهم كثيرًا، كما أشار إليه شيخ الإسلام في بعض فتاويه. وأما بعد فرعون فمن الأمم التي وقعت في هذا النوع من الشرك: اليهود في دعواهم حلول الله في عزرا، والنصارى في دعواهم حلول الرب جل وعلا في المسيح عيسى. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله. وقد وقع فيه جملة من الأقوام من الأمم الماضية: فمن ذلك شرك عاد حينما قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)؛ بإنكارهم وتعطيلهم صفتي القدرة والقوة لله جل وعلا.\nومن ذلك: شرك اليهود والنصارى عندما عطلوا صفات الكمال لله جل وعلا ووصفوه بنقيض صفاته، بل بصفات مخلوقاته، وقد وصفوا بعض المخلوقات بصفات الله.\nومن ذلك: شرك منكري الرسالة، وهذا كثير في الأمم، فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه.\nومن ذلك: شرك منكري القدر؛ ولا أدري هل أنكرته الأمم السابقة أم لا؟","vol":"1","page":384},{"text":"ولكن يفهم من قوله تعالى رادًا على المحتجين بالقدر: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم) أنهم وقعوا فيه.\nومن ذلك أيضًا: شرك إثبات التشريع والتحليل والتحريم لغير الله، فهم وقعوا في هذا النوع من الشرك كالنصارى في رهبانهم، واليهود في أحبارهم، ويدل عليه ما مضى معنا من حديث عدي بن حاتم، وقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).\nولعل منكري البعث من الأمم يدخلون تحت هذا النوع من التعطيل، فإن البعث من فعل الله ﷿ وحكمته، فمن عطله فقد أشرك فيه غير الله، فإنه - كما سبق - إن كل معطل مشرك.\nالصنف الثاني: أصحاب الأنداد الذين كانوا يشركون بالله من غير تعطيل: وهم الذين اتخذوا مع الله آلهة أو إلهًا آخر، ولم يعطلوا أسماءه وصفاته وربوبيته، فهؤلاء أقروا بالربوبية لله جل وعلا، ولكن جحدوا ما يترتب عليه، وهؤلاء آمنوا بالله ربًا وخالقًا، ولكنهم لم يفردوه بالعبادة، ولم يتحمل عقلهم المريض أن يكون الله وحده هو المعبود دون من سواه، وهؤلاء هم المشركون الذين قال الله فيهم - وفيمن كانوا في زمن النبي ﷺ، كما سيأتي","vol":"1","page":385},{"text":"في الباب الثاني بمشيئة الله ـ.\n(وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).\nوقد نعى الله عليهم هذا المسلك في آيات كثيرة تناقشهم وتوضح لهم أن الإيمان بربوبية الله تعالى مستلزم للإيمان بألوهيته وحده دون من سواه.\nوهؤلاء في الأمم السابقة هم الأكثرون، فمن هذا النوع:\n١ - شرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا وأمه إلهًا آخر.\n٢ - شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة.\n٣ - شرك الذي حاج إبراهيم في ربه: (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)، فهذا جعل نفسه ندًا لله تعالى، يحيي ويميت - بزعمه - كما يحيي الله ويميت.\n٤ - شرك قوم فرعون حينما قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، وقوله تعالى حكاية عن قول الملأ له: (وَيَذَرَكَ وإلاهَتِكَ) كما هو في بعض القراءات.","vol":"1","page":386},{"text":"٥ - وأيضًا من هذا النوع شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما كان شرك قوم نوح على قول، وشرك مشركي الصابئة من قوم إبراهيم باتفاق العلماء.\n٦ - وأيضًا يدخل في هذا النوع شرك عباد الشمس وعباد الناس وغيرهم؛ الذين عبدوا غير الله معه، وزعموا في الله أنه إله من جملة الآلهة، أو أنه أكبر الآلهة.\n٧ - ومن هذا الصنف: الثنوية من المجوس الذين قالوا: الصانع اثنان: ففاعل الخير نور، وفاعل الشر ظلمة، وهما قديمان، لم يزالا، ولن يزالا قويين حساسين، مدركين، سميعين، بصيرين، وهما مختلفان في النفس والصورة، متضادان في الفعل والتدبير، فالنور فاضل حسن نقي، طيب الريح، حسن المنظر، ونفسه خيره كريمة، حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر ولا من الشر.\nوالظلمة ضد ذلك؛ من الكدر والنقص ونتن الريح وقبح المنظر، ونفسها نفس شريرة بخيلة سفيهة منتنة مضرة، منها الشر والفساد.\nثم اختلفوا: فقالت طائفة: إن النور لم يزل فوق الظلمة.\nوقالت فرقة: بل كل واحد منهما إلى جانب الآخر.\nوقالت فرقة: النور لم يزل مرتفعًا في ناحية الشمال، والظلمة منحطة في الجنوب، ولم يزل كل واحد منهما مباينًا لصاحبه.","vol":"1","page":387},{"text":"وبعضهم يقول: الظلمة تتولد شياطين، والنور يتولد ملائكة، والنور لا يقدر على الشر، ولا يجيء منه، والظلمة لا تقدر على الخير ولا يجيء منها، ولهم مذاهب سخيفة جدًا.\nواختلفوا هل الظلمة قديمة أو حادثة؟ فقالت فرقة منهم: هي قديمة لم تزل مع النور، وقالت فرقة: بل النور هو القديم، ولكنه فكر فكرة خبيثة رديئة حدثت منها الظلمة، فدار مذهبهم على أصلين هما من أبطل الباطل.\nأحدهما: أن شر الموجودات وأخبثها وأردأها: كفو لخير الموجودات، وضد له، ومناوئ له، ويعارضه ويضاده، ويناقضه دائمًا، ولا يستطيع دفعه، وهذا أعظم من شرك عباد الأصنام، فإنهم جعلوها مملوكة له، مربوبة مخلوقة، بخلاف هؤلاء.\nوالأصل الثاني: أنهم نزهوا النور أن يصدره شر، ثم جعلوه منبع الشر كله وأصله ومولده - بزعمهم أنه فكرة خبيثة حدثت منها الظلمة - فأثبتوا ربين وإلهين - وإن لم يكونا متماثلين - وأثبتوا خالقين، فجمعوا بين الكفر بالله تعالى وأسمائه وصفاته، ورسله وأنبيائه وملائكته وشرائعه، وأشركوا به أعظم الشرك.\nقال ابن القيم: (ولولا أن الله سبحانه يحكي عن المشركين والكفار أقوالًا أسخف من هذا وأبطل لاستحى العاقل من حكاية هذا).\nفهذا مذهب الثنوية، وقد أطلت فيه؛ لأني أراهم من شرك الأمم السابقة الذي نحن بصدد ذكره.","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الثاني شرك العبادة في الأمم السابقة</span>\nمن المعلوم: أن العبد لا يتخلى عن العبادة؛ لأن العبودية - من العباد - صفة لازمة لهم، وذلك لسببين رئيسين هما: الفقر الذاتي، وكونه حارثًا همامًا، فلا يستطيع أحد أن يخلوا من العبادة، سواء كان للمعبود الحق أم للمعبود الباطل، بل العبادة عنصر أساسي في كيانه شاء أم أبى، فالأمم السابقة لابد أن كانوا عبادًا، إما عبادًا لله جل وعلا، حتى يدخلوا في زمرة الموحدين، وإما أنهم كانوا عبادًا لغير الله؛ فيعتبرون من المشركين.\nوالذي اتضح من خلال استعراض شرك الأمم السابقة أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وإن اختلفت طبيعة المعبودات من أمة إلى أخرى، وأما الذين كان فيهم شرك في بعض خصائص الربوبية فهم لا محالة كانوا من المشركين مع الله في العبادة، فإن الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة، كما أن توحيد الربوبية يستلزم التوحيد في العبادة.\nوبهذا يتضح حقيقة الشرك في الأمم بأنها كانت في العبادة، وإن اختلفت المعبودات من أمة إلى أخرى؛ فبعضهم أشركوا بعبادة الله عبادة الصالحين من","vol":"1","page":389},{"text":"الناس، وبعضهم بعبادة الأصنام، وبعضهم بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، وبعضهم كانوا مشركين بالله بعبادة أهوائهم، وبعضهم بعبادة أحبارهم ورهبانهم.\nوالمقصود: بيان طبيعة الشرك في الأمم السابقة بأن أغلب الشرك كان فيهم من جهة العبادة، والذين أشركوا بالله في ربوبيته من الأمم السابقة أدى بهم شركهم في الربوبية في نهاية المطاف إلى الشرك بالله في العبادة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (أصل الشرك في بني آدم كان الشرك بالبشر الصالحين المعظَّمين، فإنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم، فهذا أول شرك كان في بني آدم، وكان في قوم نوح).\nوقال أيضًا: (الشرك في قوم نوح كان أصله عبادة الصالحين ... ثم قوم إبراهيم انتقلوا إلى الشرك بالسماويات، بالكواكب، وصنعوا لها الأصنام بحسب ما رأوه من طبائعها ...).\nوقال في موضع آخر: (والمشركون الذين وصفهم الله ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح وقوم إبراهيم؛ فقوم نوح، كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر ...).\nيظهر من كلام شيخ الإسلام أنه يرى: أن أصل شرك الأمم إنما كان في","vol":"1","page":390},{"text":"العبادة والألوهية، وإن كان هناك بعض أنواع الشرك في بعض خصائص الربوبية، ولكنها قليلة إذا قورنت بالشرك في العبادة، بل إنما أرسل الرسل لتقرير توحيد العبادة، والإنكار على شرك العبادة غالبًا.\nفليس الشرك محصورًا في اعتقاد وجود رب آخر لهذا العالم مساوٍ لله في الصفات والأفعال، بل هذا النوع لم يكن معروفًا في بني آدم أصلًا، وإنما وجد الشرك في الربوبية في بعض خصائصها، ولكن غالب شرك الأمم كان في في العبادة.\nوبهذا يظهر جهل كثير من الناس في هذه الأزمنة المتأخرة بحقيقة الشرك، فالله المستعان.\nوقد سبق استعراض شرك الأمم مفصلًا، ويمكن من خلال ما ذكر أن يصنف شرك الأمم في العبادة بما يلي:\n١ - الشرك بعبادة الصور والصالحين، وكان هذا مبدأ الشرك في البشرية، حيث كان في قوم نوح.\n٢ - الشرك بالعكوف على القبور، وأيضًا كان في قوم نوح، كما كان هذا في قوم إلياس ﵉.\n٣ - الشرك بعبادة الأصنام، فهذا أيضًا كان في قوم نوح ﵇،","vol":"1","page":391},{"text":"وقوم هود ﵇، وقوم صالح ﵇، ولدى بعض قوم إبراهيم ﵇، وفي قوم يوسف ﵇، وقوم شعيب ﵇، وقوم إلياس ﵇، وقوم موسى ﵇ بعد موته.\n٤ - الشرك بعبادة الكواكب، وكان في قوم إبراهيم ﵇.\n٥ - الشرك بعبادة الهوى، وكان ذلك في قوم لوط ﵇.\n٦ - الشرك بعبادة الرؤساء والحيوانات، مثل ما وقع في قوم موسى ﵇ في حياته وبعد مماته، وما حكى الله ﷿ عن الملأ في جميع الأمم.\n٧ - الشرك بعبادة الأحبار والرهبان؛ ومظاهره في قوم موسى ﵇ وقوم عيسى ﵇.\n٨ - الشرك بعبادة الأنبياء والرسل: ومثال ذلك ما وقع في قوم موسى عليه","vol":"1","page":392},{"text":"السلام بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇.\nوالمقصود: أن أغلب شرك الأمم كان في العبادة، وذلك: إما بإعطاء خصائص الألوهية لغير الله، وإما بمشاركة غير الله فيما هو محض حق الله تعالى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (المقصود: أن أصل الشرك في العالم كان من عبادة البشر الصالحين، وعبادة تماثيلهم ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الكواكب؛ إما الشمس وإما القمر وإما غيرهم، وصورت الأصنام طلاسم لتلك الكواكب، وشرك قوم إبراهيم - والله أعلم - كان من هذا، أو كان بعضه من هذا ... ومن الشرك ما كان أصله عبادة الملائكة أو الجن، وضعت الأصنام لأجلهم، وإلا فنفس الأصنام الجمادية لم تعبد لذاتها، بل لأسباب اقتضت ذلك ...).\nوبهذا انتهينا من الكلام في شرك الأمم السابقة، والأن نبدأ في بيان شرك العرب في الجاهلية.","vol":"1","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الباب الثاني: في بيان الشرك في العرب في الجاهلية وأسباب ذلك</span>.\nوتحته فصلان:\nالفصل الأول: أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇ قبل الوثنية.\nالفصل الثاني: متى كان ظهور الشرك فيهم وبيان سببه.","vol":"1","page":395},{"text":"التمهيد\nوفيه فرعان:\nالفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم.\nالفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها.","vol":"1","page":397},{"text":"الفرع الأول: في التعريف بالعرب وبيان المقصود بهم:\nقال ابن منظور: العُرُب والعَرَب: جيل من الناس معروف خلاف العجم، وهما واحد، والعرب لغة: الصحاري والقفار، والأرض المجدية التي لا ماء فيها ولا نبات، وقد أطلق هذا اللفظ منذ أقدم العصور على شيئين:\n١ - على جزيرة العرب.\n٢ - وعلى قوم قطنوا تلك الأرض واتخذوها موطنًا لهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اسم العرب في الأصل كان اسمًا لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف:\nأحدها: أن لسانهم كان باللغة العربية.\nالثاني: أنهم كانوا من أولاد العرب.\nالثالث: أن مساكنهم كانت أرض العرب، وهي جزيرة العرب).\nوأما المراد بجزيرة العرب: فهو ما يحدها غربًا: البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، وشرقًا: الخليج العربي وجزء كبير من بلاد العراق الجنوبية، وجنوبًا: بحر العرب الذي هو امتداد لبحر الهند، وشمالًا: بلاد الشام وجزء من بلاد العراق، على اختلاف في بعض الحدود، حتى شط العرب ونهر الفرات، ولا يوجد إلا جزء من شمالها لا تحيط به المياه. سمى الجغرافيون العرب موطنهم الأول جزيرة العرب، مع أن المياه لا تحيط بها من جميع","vol":"1","page":399},{"text":"جهاتها، وقد أطلق هذا الاسم على هذه القطعة من الأرض على لسان ابن عباس ﵁ كما نقله ياقوت الحموي في معجم البلدان نقلًا عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي؛ وقيل في تسمية بلاد العرب جزيرة إحاطتها بالأنهار والبحار من جميع أقطارها وأطرافها، فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وتقدر مساحتها ما بين مليون ميل مربع إلى مليون وثلاثمائة ألف ميل مربع.\nسبب تسمية العرب بها:\nاختلفوا فيه على أقوال:\nالأول: ما قال الآلوسي: بأن العرب هم المعروفون بين الأمم البيان في الكلام والفصاحة في المنطق، والذلاقة والبلاغة في اللسان، ولذلك سموا بهذا الاسم؛ فإنه من الإبانة، لقولهم: أعرب الرجل عما في ضميره: إذا أبان","vol":"1","page":400},{"text":"عنه.\nالثاني: ما قاله ابن منظور: إن أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ إسماعيل ﵇ معهم، فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده: العرب المستعربة.\nالثالث: إن أولاد إسماعيل نشئوا بعَرَبَةَ وهي من تهامة، فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها، ونطق بلسان أهلها فهم عرب، يمنهم ومعدهم.\nقال الأزهري: (الأقرب عندي: أنهم سموا عربًا باسم بلدهم: العربات).\nوأما المراد بالعرب على أنه اسم قوم: فهم أهم فرع من فروع الساميين، أي الأقوام الذين ينسبون إلى سام بن نوح ﵇. وقد اعتاد المؤرخون تقسيم العرب إلى بائدة وباقية، والباقية إلى العاربة والمستعربة، أو ما يقال: بعرب الجنوب وعرب الشمال.\nوأما أصل العرب: فقد اتفق النسابون على أن العرب كلهم من ولد إسماعيل وقحطان. فالمراد بالعرب عندنا في هذا البحث: العدنانيون - أولاد إسماعيل ـ، والقحطانيون.","vol":"1","page":401},{"text":"الفرع الثاني: في التعريف بالجاهلية وبيان المقصود منها:\nالجاهلية لغة:\nمصدر صناعي مشتق من صيغة الاسم الفاعل (جاهل) بزيادة ياء النسب مضافًا إليها تاء التأنيث، ولفظ (جاهل) هي لفظة اسم الفاعل المشتق من الجهل.\nوالجهل تأتي لمعان:\nقال ابن منظور: (الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلان جهلًا، وجهالة، وجهل عليه وتجاهل: أظهر الجهل ... والجهالة أن تفعل فعلًا بغير العلم).\nقال الآلوسي: (والجهل أيضًا: عدم اتباع العلم، فمن قال خلاف الحق، عالمًا به أو غير عالم فهو جاهل).\nوهكذا من عمل بخلاف الحق فهو جاهل وإن علم أنه مخالف للحق.\nومن هنا علمنا عدم صحة قول القائلين من أصحاب المعاجم: بأن الجاهلية تفيد الأمية والجهل بالشيء وعدم العلم به فحسب، ذلك؛ أن العرب - وكما نعلم - كانوا على جانب من المعارف والعلوم، يشهد على ذلك لغتهم وفصاحتهم وبيانهم، ونظمهم للأشعار، وتأليفهم للخطب، كماكان لهم معرفة بالنجوم والفلك والكواكب مطالعها ومغاربها، والأنواء والأمطار والرياح، عرفوا ذلك بالتجربة والملاحظة والبداهة، لا عن طريق التعلم والفلسفة.","vol":"1","page":402},{"text":"أما الجاهلية في الاصطلاح:\nفهي تطلق على الحقبة الزمنية السابقة للإسلام، وهذا ما أكده ابن خالويه فقال: (إن هذا الاسم حديث في الإسلام، وهو يطلق على الزمن الذي كان قبل بعثة النبي ﷺ)، وعلى هذا سار أكثر الدارسين والباحثين والمؤرخين.\nوقال الحافظ ابن حجر: (هذا هو الغالب، ومنه (يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ)، ثم قال: (وأما جزم النووي في عدة مواضع في شرح مسلم: أن هذا هو المراد حيث أتى - ففيه نظر، فإن هذا اللفظ - وهو الجاهلية - يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضبط آخره غالبًا: فتح مكة).\nأقسام الجاهلية وأنواعها:\nالجاهلية قسمان:\nالجاهلية العامة: وهي الجاهلية التي كانت قبل مبعث النبي ﷺ، وهي الجاهلية المنسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جهال، وإنما يعمل به الجاهل، وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية، فهي جاهلية عامة.\nأما الجاهلية الخاصة: فهي بعد مبعث النبي ﷺ. مثال ذلك قوله ﷺ:","vol":"1","page":403},{"text":"«ومبتغ في الإسلام سنة جاهلية»، فإن المراد به كل جاهلية مطلقة كانت أو مقيدة، وسواء كانت يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو شركية، من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ﷺ، وإن كانت لفظة الجاهلية لا تقال غالبًا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام. فإن المعنى واحد.\nولكن هذه الجاهلية الخاصة نوعان:\nأ- الجاهلية المطلقة: وهي التي قد تكون في مصر دون مصر، كما هي في دار الكفار، وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يسلم؛ فإنه يكون في جاهلية وإن كان في دار الإسلام.\nفأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد ﷺ (على هذا الوجه)؛ فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة.\nب- الجاهلية المقيدة: وهي التي قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من المسلمين، وهي المقصودة من قول النبي ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية»، وقوله لآخر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، ونحو ذلك ولعل جاهلية القرن العشرين - كما يسمون - أيضًا من هذا النوع، مع توسعها، وتوغلها في أعماق هذه الأمة، والله أعلم.","vol":"1","page":404},{"text":"الحقبة الزمنية للجاهلية، وبيان المقصود منها عندنا في هذا الباب:\nالزمن الذي استغرقته الجاهلية غير واضح ألبتة، ولا هو محدد تحديدًا دقيقًا بحال من الأحوال، وهو بالتالي: موضع خلاف، ومدار نقاش، ولا سيما تلك الحقبة التي أطلق القرآن عليها لفظة (الجاهلية الأولى)، وقد اختلفوا في تحديدها اختلافًا كثيرًا.\nومهما يكن من أمر، فإنه مما لا شك فيه أنه يكاد يكون من المتفق عليه أن ثمة جاهليتين اثنتين سبقتا بعثة الرسول ﷺ، هما:\nالجاهلية الأولى: وهي الجاهلية القديمة الضاربة في أعماق التاريخ، والتي عرف من أصحابها: العرب البائدة، أو العرب الهالكة، من عاد وثمود، وطسم وجديس، والعمالقة ومدين، وأيم، وحضرموت، وجرهم الأولى.\nوالجاهلية الثانية: هي الجاهلية القريبة التي سبقت مباشرة ظهور الإسلام فامتدت إلى ما يقرب من أربعة أو خمسة من القرون، والتي تنسب إليها وإلى ما قبلها بقليل العرب العاربة والأخرى المستعربة، سواء أكانوا من القحطانيين سكان اليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية أم كانوا من عرب العدنانية، بتهامة والحجاز ونجد، وما كان على مشارف بلاد فارس والعراق والشام، هؤلاء العرب الذين عنهم أخذنا اللغة العربية شعرًا ونثرًا، والذين فيهم تنزل القرآن الكريم، ومن بين ظهرانيهم خرج الرسول العربي الصادق الأمين. وهم المقصودون عندنا في هذا الباب.","vol":"1","page":405},{"text":"الفصل الأول\nديانة العرب قبل دخول الوثنية","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>الفصل الأول ديانة العرب قبل دخول الوثنية</span>\nالعرب - عدنانيهم وقحطانيهم - لهم اتصال مباشر بالكعبة المشرفة، بل يمكن أن يقال: بأنها مركز اتصالهم، وذلك نظرًا لما يتصل معها تاريخهم الحضاري والثقافي والديني؛ فإنهم أمة قديمة، فقد كانوا بعد الطوفان وعصر نوح ﵇ في عاد الأولى وثمود والعمالقة وطسم وجديس وأميم وجرهم وحضرموت، ومن ينتمي إليهم من العرب العاربة من أبناء سام بن نوح، وكانت الكعبة المشرفة لها اتصال وثيق بأخبارهم، وأسباب هلاكهم كما تحدثنا عنهم كتبالتاريخ.\nثم لما انقرضت تلك العصور وذهب أولئك الأمم وأبادهم الله بما شاء من قدرته، وصار هذا الجيل من آخرين ممن قرب نسبهم من حمير وكهلان وأعقابهم من التبابعة ومن إليهم من العرب الباقية من أبناء عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام، ثم لما تطاولت تلك العصور وتعاقبت وكان بنو فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام أَعَالِمَ من بين ولده.\nواختص الله تعالى بالنبوة منهم إبراهيم بن تارخ - وهو آزر بن ناحور بن ساروخ بن أرغو بن فالغ ـ، وكان من شأنه مع نمرود ما قصه القرآن ثم كان من هجرته إلى الحجاز ما هو مذكور، وتخلف ابنه إسماعيل مع أمه هاجر بالحجر قربانًا لله تعالى، ومرت بها رفقة من جرهم في تلك المفازة فخالطوها ونشأ إسماعيل بينهم، وربي في أحيائهم، وتعلم لغتهم العربية.","vol":"1","page":409},{"text":"ثم كان بناء البيت كما قصه القرآن، ثم بعثه الله تعالى إلى جرهم والعمالقة الذين كانوا بالحجاز، فآمن كثير منهم واتبعوه، ثم عظم نسله وكثر وصار أبًا لجيل آخر من ربيعة ومضر، ومن إليهم من أياد وعك وشعوب نزر وعدنان وسائر ولد إسماعيل، وهم العرب المستعربة التابعة للعرب.\nفيفهم من هذا: أن إسماعيل ﵇ كما كان مرسلًا إلى أبنائه هكذا كان مرسلًا إلى العرب العاربة المتبقية، ومعنى ذلك: أن العرب كانت ديانتهم الأصلية هي ديانة إسماعيل ﵇، سواء أطاعوه أم كفروا به، فالعرب جميعهم كانوا أمة سيدنا إسماعيل بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. وبهذا نصل إلى نتيجة حتمية هي:\nأن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵇، ومما يدل على ذلك أمور:\n١ - تكاد تجمع كتب السيرة على أن العرب كانوا قبل أن تتسرب إليهم الوثنية على دين إبراهيم وإسماعيل، وظلوا على ذلك حتى زمن بعيد.\n٢ - كما يدل على هذا القول بعض الآثار عن الصحابة، ومن أشهرها:\nما رواه البزار بسند صحيح عن أنس قال: كان الناس بعد إسماعيل ﵇ على الإسلام، فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن","vol":"1","page":410},{"text":"الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. قال: فما زال حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.\n٣ - تكاد تجمع كتب التاريخ والسيرة على أن هناك رجلًا يسمى بعمرو بن لحي - أبو خزاعة الذي هيمن على الكعبة - هو الذي غير دين إبراهيم وإسماعيل بمكة، فلو لم يكن دين العرب قبله دين إبراهيم لا يمكن أن يغير كما هو ظاهر، وسيأتي مزيد من البيان في الفصل الثاني.\nفهذه الأدلة كلها تدل على أن العرب كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل قبل أن تدخل فيهم الوثنية.","vol":"1","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفصل الثاني متى كان ظهور الشرك في العرب؟ وبيان سببه</span>.\nوتحته مبحثان:\nالمبحث الأول: في بيان شرك العرب في الجاهلية.\nالمبحث الثاني: أسباب الشرك قديمًا.","vol":"1","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الأول في بيان شرك العرب في الجاهلية</span>\nوتحته مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المطلب الأول: من أول من روج الشرك في العرب؟ وبيان أحواله</span>\nهناك آراء لدى العلماء في بيان كيفية حدوث الشرك في العرب، وفي بيان أول من روج الشرك في العرب، سأبين فيما يلي جميع هذه الآراء، مع الأدلة والترجيح.\nالقول الأول: إن حدوث الشرك هو نتيجة تقديس أحجار الحرم وتعظيمها، وذلك حين ظعن آل إسماعيل من مكة بعد أن كثروا في ديارهم، ولا يخفى أن ذلك كان في ولاية جرهم أو في أواخر ولاية العماليق، كما يتضح لمن تصفح التاريخ.\nويدل لهذا القول ما يلي:\n١ - قال ابن الكلبي في كتابه الأصنام: (إن إسماعيل بن إبراهيم ﷺ لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثير حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق، ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد لالتماس المعاش، وكان الذي سلخهم إلى عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم، تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحيثما حلوا، وضعوا وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًا له، وهم بعد يعظمون","vol":"1","page":415},{"text":"الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل ﵇، ثم سلخ ذلك بهم إلى عبادة ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل وغيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم ...).\nفهذه الرواية تفيد: أن سبب عبادة العرب للأصنام هو تعظيمهم للحرم، وللبيت الحرام، فلما اضطرتهم ضرورة المعاش إلى النزوح عنه اتخذوا منه حجارة تذكرهم به، ويطوفون حولها، كما كانوا يطوفون حوله، ثم نسوا ذلك بعد أمد، واتخذوا هذه الأحجار آلهة يعبدونها من دون الله.\n٢ - وقد روى ابن إسحاق رواية مماثلة فيها أيضًا بيان أول ما كانت عبادة الأحجار في بني إسماعيل؛ بأنه حين ضاقت عليهم مكة والتمسوا التفسح في البلاد حملوا معهم أحجارًا من أحجار الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه.\nالقول الثاني: إن ثمة رجل من العرب اسمه عمرو بن لحي، وكان كاهنًا، غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، ثم تولى سدانتها، وهو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام.\nوهذا القول تكاد تجمع كتب التاريخ والرواية والسيرة أيضًا بذكرها.\nولهذا القول أدلة، وهي كثيرة، منها:\nما جاء في الأحاديث النبوية الصريحة الصحيحة من نسبة إحداث الشرك","vol":"1","page":416},{"text":"إلى هذا الرجل. من أبرز هذه الأحاديث:\n١ - ما رواه عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار»، والحديث صحيح لغيره، مع أن السند ضعيف لضعف عمرو بن مجمع السكوني، ولين إبراهيم الهجري، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه أحمد وفيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، ولم يذكر ضعف عمرو بن مجمع السكوني. وللحديث - عدا قوله: «وعبد الأصنام» - شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عند أحمد والبخاري ومسلم بلفظ: «رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب».\nوهناك شاهد آخر أيضًا عند البخاري من حديث عائشة ﵂.\nأما قوله: «عبد الأصنام» فله شواهد - كما سيأتي ـ.\n٢ - ما رواه ابن إسحاق في السيرة الكبرى فيما ذكره الحافظ في الفتح، قال: أورده ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح - (يعني عن","vol":"1","page":417},{"text":"أبي هريرة) - أتم من هذا، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، لأنه أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي» هكذا رواه الحافظ ابن حجر عن السيرة الكبرى لابن إسحاق، وهو يختلف اختلافًا يسيرًا عما هو في السيرة لابن هشام، وابن كثير، وعبارتهما كالتالي:\n(قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم! رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل منك به ولا بك منه»، فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا، إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل؛ فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي».\nوتابع أبو إسحاق السبيعي ابن إسحاق عند ابن جرير الطبري في هذه الرواية، ثم قال الحافظ: ووقع لنا بعلو في المعرفة، وعند ابن مردويه من طريق سهيل بن أبي صالح ونحوه.","vol":"1","page":418},{"text":"٣ - ما رواه ابن جرير بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عرضت على النار، فرأيت فيها عمرو بن فلان بن فلان بن فلان بن خندف يجر قصبه في النار، وهو أول من غير دين إبراهيم وسيب السائبة، وأشبه من رأيت به أكثم بن الجون ...» الحديث، ورواه الحاكم في المستدرك أيضًا بهذا السند - أعني من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ وفيه «وهو أول من سيب السوائب وغير عهد إبراهيم ﷺ، أشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون ...»، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح على شرط مسلم، والحديث حسن بهذا السند.\n٤ - وأخرج الحاكم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه مرفوعًا به نحوه، في حديث فيه: «ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، أشبه من رأيت به معبد بن أكثم الخزاعي»، فقال معبد: يا رسول الله، أتخشى عليّ من شبهه، فإنه والدي؟ فقال: «لا، أنت مؤمن وهو كافر، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام».\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nولكن الحديث حسن، فإن عبد الله بن محمد بن عقيل مختلف فيه، وهو حسن الحديث إن شاء الله.\n٥ - وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أول من غير دين إبراهيم","vol":"1","page":419},{"text":"عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبو خزاعة».\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه صالح مولى التوأمة، وضعف بسبب اختلاطه، وابن أبي ذئب سمع منه قبل الاختلاط، وهذا من رواية ابن أبي ذئب عنه.\nفهذا الإسناد حسن على الأقل كما هو ظاهر.\n٦ - وروى الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: «إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير عهد إبراهيم»، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: «عمرو بن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار» ... الحديث.\nوالحديث هذا من طريق عبد الرازق عن معمر عن زيد بن أسلم، وهو مرسل.\n٧ - وروى الفاكهي من طريق عكرمة مرسلًا، مثل حديث ابن عباس السابق، وفيه: (فقال المقداد: يا رسول الله! من عمرو بن لحي؟ قال: «أبو هؤلاء الحي من خزاعة»).\n٨ - أخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ... - إلى أن قال - «ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو الذي","vol":"1","page":420},{"text":"سيب السوائب وبحر البحيرة، ونصب الأوثان وغير دين إسماعيل ...» الحديث.\nالمقصود: أن هذه الروايات كلها تدل على أن عمرو بن لحي - لعنه الله - كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غيّر بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا، بينًا، فظيعًا شنيعًا، هذا من ناحية الروايات الحديثية.\nثم إن هذا القول الذي ثبت بالحديث الصحيح هو الذي ذكره كثير من المفسرين والمحدثين والمؤرخين، وهو قول ابن إسحاق، وابن الكلبي، وابن هشام، والإمام الطبري، والمسعودي، والسهيلي، والعسكري، والشهرستاني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والحافظ ابن كثير، والسيوطي، والصالحي، والشيخ","vol":"1","page":421},{"text":"الإمام محمد بن عبد الوهاب، والآلوسي، وغيرهم.\nكما يدل عليه بعض أشعار العرب، فمن ذلك:\n١ - ما أنشده شاعر جرهمي كان يتمسك بدين الحنيفية:\nيا عمر ولا تظلم بمـ ... كة إنك بلد حرام\nسائل بعاد أين هم ... وكذلك تخترم الأنام\n٢ - ما أنشده أيضًا بعض الجراهمة لما أسرف عمرو بن لحي في نصب الأصنام حول الكعبة، وأجبر العرب على عبادتها، مما هدد دين الحنيفية:\nيا عمرو إنك أحدثت آلهة ... شتى بمكة حول البيت أنصابًا\nوكان للبيت رب واحد أبدًا ... فقد جعلت له في الناس أربابًا\nلتعرفن بأن الله في مهل ... سيصطفي دونكم للبيت حجابًا\nومما يؤيد هذه الرواية ما جاء في الآثار الباقية: من أن العرب كانت تؤرخ ببناء إبراهيم للبيت، وظلوا كذلك حتى تفرقوا وخرجوا من تهامة، حتى طال الأمد، فأرخوا بعام رئاسة عمرو بن ربيعة المعروف بعمرو بن لحي (وهو الذي يقال له إنه بدل دين إبراهيم وحمل معه من مدينة البلقاء صنم هبل، وعمل إسافًا ونائلة زمن سابور ذي الأكتاف).\nوبهذا ثبت لنا: إن أول من غير دين إسماعيل وإبراهيم في العرب هو عمرو بن لحي بن ربيعة، أبو خزاعة.","vol":"1","page":422},{"text":"ويمكن الجمع بين هذا القول والذي سبق بما يأتي:\n١ - إن خروج بني إسماعيل من أرض الحرم كان في ولاية جرهم، وكانت ولاية خزاعة بعدها مباشرة، فيكون خروج بني إسماعيل قبل ولاية خزاعة، وأما حمل الحجارة من الحرم تبركًا بها، والطواف بها، والذبح والنذر لها، وعبادتها، فلعلها لم تكن إلا في زمن متأخر جدًا، فيكون بعد ولاية عمرو بن لحي الخزاعي. والله أعلم.\n٢ - أو إن عبادة الأحجار لم تكن صفة عامة في بني إسماعيل، قبل عبادة الأصنام بمكة، بل كانت أشياء فردية، ولكن عبادة الأصنام التي بدأت من ولاية عمرو بن لحي كانت بصفة عامة، فنسب بداية الأصنام إليه.\n٣ - أو لما كان عمرو بن لحي عنده سلطة تنفيذ أمر ما لكونه ملك مكة في هذا الوقت، كان إفساده وتبديله لدين الله أكثر من إفساد حمل الحجارة من الحرم، صبابة بالحرم وتعلقًا به، والله أعلم.\nوأما ما قيل من أن عدنان جد العرب هو أول من دعا العرب إلى عبادة الأصنام، فلا أظنه صحيحًا.\nجملة ماذ كره المؤرخون من شأن عمرو بن لحي الخزاعي:\nقال السهيلي: (وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على البيت، ونفت جرهم عن مكة، قد جعلته العرب ربًا، ما يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة).","vol":"1","page":423},{"text":"ونحن نرى في تاريخ مكة أيضًا الكثير من أخبار هذا الرجل الذي يكاد يشبه الأسطورة، والذي استطاع أن يغير على مفاهيم ومعتقدات أقوام، فيقلبها رأسًا على عقب، جاعلًا منهم أمة وثنية بعد ما كانوا موحدين على ملة إبراهيم ﷺ، وهم يذكرون أنه كان رجلًا من ألمع رجالات العرب في الجاهلية وأشهرها على الإطلاق، وينسبون إليه الكثير من علائم ومظاهر الرفعة والسؤدد والفخار، فمما يذكرون من شأنه ما يلي:\n١ - إنه كان ذا مال جزيل جدًا؛ فقأ أعين عشرين بعيرًا، ذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير، وكان من عادة العرب؛ أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها؛ لأنه يدفع بذلك العين عنها - على زعمهم الكاذب ـ.\n٢ - (أنه قسم بين العرب في حطمة حطموها - عشرة آلاف ناقة).\n٣ - كما يروى عنه: أنه أول من أطعم الحجاج بمكة (سدايف الإبل ولحمانها بالثريد).\n٤ - قال السهيلي: (أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة، وكسى عشرة آلاف حلة حتى ليقال: إنه اللات الذي: يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).\n٥ - ثم إنهم ليبالغون فيقولون: إنه كسا ذات عام من الأعوام جميع حجاج البيت الحرام، كل واحد بثلاثة برود يمانية.","vol":"1","page":424},{"text":"٦ - إنه كان يطعم العرب في كل سنة ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق.\n٧ - أنه هو الذي بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، وسيب السائبة.\n٨ - أنه هو الذي غير تلبية إبراهيم في الحج، قال السهيلي: (بينما هو - عمرو بن لحي - يلبي تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك، فقال الشيخ: إلا شريكًا هو لك، فأنكر ذلك عمرو، وقال: ما هذا؟ فقال الشيخ: قل: تملكه وما ملك، فإنه لا بأس بهذا، فقالها عمرو فدانت بها العرب).\n٩ - إنه أول من غير دين إسماعيل ﵇ الحنيف بعبادة الأصنام،","vol":"1","page":425},{"text":"وأدخل الأصنام في الحرم. وذلك كما يروى: أنه لما رأى عمرو بن لحي أنه استطاع أن يغلب على الجراهمة، وبالتالي على مكة، وما جاورها من الأقوام أراد أن يدعم سلطته ونفوذه بأن يبتدع عقيدة جديدة، تحل محل الدين القويم وقد رأى تساهل قومه فيه، بعد تقادم الزمن ومرور السنوات العديدة، وكان عمرو كثيرًا ما رحل إلى الدول المجاورة في الشام والعراق، واطلع على أحوالها، وشاهد عقائدها الوثنية، ورأى فيها وسيلة لإيجاد سند دنيوي مادي يعتمد عليه في تدعيم نفوذه السياسي، والسبب في ذلك كما قال العسكري: (إن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال؛ لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان، والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه ...).\nفلذا تخلى عن الحنيفية، دين إسماعيل وإبراهيم، لأنه رأى أنه لا يستطيع أن يسيطير عليهم سيطرة كاملة، بل تكون السيطرة في الحنيفية لله فقط، فأقام الأوثان عند الكعبة ... وجملة الأصنام التي حملها إلى مكة ما يلي:\nأ- أول هذه الأصنام على الإطلاق: هبل، قال ابن هشام: (حدثني بعض أهل العلم: أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق ... رآهم يعبدون","vol":"1","page":426},{"text":"الأصنام؛ فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنمًا، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له: هبل، فقدم به مكة، فنصبه، وأمر الناس بعبادته وتعظيمه).\nوقال السهيلي: (وأما هبل: فإن عمرو بن لحي جاء به من هيت، وهي أرض الجزيرة حتى وضعه في الكعبة ...). وأيًا كان مصدره؛ فقد ثبت أن الذي حمله إلى العرب هو عمرو بن لحي.\nولما جاء به عمرو بن لحي نصبه في جوف الكعبة، واتخذته قريش صنمًا يعبدونه، قال ابن الكلبي والآلوسي: (وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها وكان أعظمها (هبل) عندهم، وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدًا من الذهب، وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان يقال لها هبل خزيمة). وكانوا يستقسمون لديه في أمورهم كما ذكره المؤرخون.\nب- أن عمرو بن لحي هو الذي سن لهم عبادة إساف ونائلة. قال ابن إسحاق: (واتخذوا إسافًا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان","vol":"1","page":427},{"text":"إساف ونائلة رجلًا وامرأة من جرهم ... فوقع إساف على نائلة في الكعبة فمسخهما الله حجرين).\nثم روى ابن إسحاق بسنده المتصل الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة من جرهم، أحدثا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، والله أعلم).\nوقال السهيلي: (عن بعض السلف: ما أمهلهما الله إلى أن يفجرا فيها، ولكنه قبَّلها فمُسخا حجرين، فأُخرجا إلى الصفا والمروة، فنُصبا عليهما، ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي نقلهما إلى الكعبة، ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما، حتى عبدا من دون الله).\nوأما إزالتهما: فقال السهيلي: (ذكر الواقدي: أن نائلة حين كسرها النبي ﷺ عام الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها، وتنادي بالويل والثبور).\nج- أنه هو الذين سَنَّ لهم عبادة اللات؛ وقد روي فيه عدة روايات، منها:\nما قال السهيلي: (بأنه - عمرو بن لحي - هو اللات الذي يلت السويق للحجيج على صخرة معروفة تسمى صخر اللات).\nومنها ما قيل: (إن الذي يلت كان من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو: إنه لم يمت، ولكنه دخل في الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليه بيتًا،","vol":"1","page":428},{"text":"يسمى: اللات ... فلما هلك سميت تلك الصخرة: اللات: مخففة التاء، واتخذ صنمًا يعبد ...).\nوقال ابن الكلبي ونقله الإمام ابن القيم: (ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة، وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم، فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة فهدمها، وحرقها بالنار).\nوالمقصود: أن عمرو بن لحي هو الذي أمرهم بعبادة اللات - كما سبق بيانه ـ، وقد أزيل - بحمد الله - على يد الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة ﵁.\nد- أن عمرو بن لحي هو الذي نصب (مناة) الطاغية أول مرة.\nفقد جاء في أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي بسند حسن إلى ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب (مناة على ساحل البحر مما يلي قديدًا، وهي","vol":"1","page":429},{"text":"التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى لم يحلقوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون لها، ومن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة لمكان الصنمين اللذين عليهما: نهيك مجاود الريح، ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة ... وكانت مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد).\nوبعث رسول الله ﷺ سعيد بن عبيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل فهدمها.\nهـ - إن عمرو بن لحي هو أول من دعا إلى عبادة العزى، قال الأزرقي: (وكانت العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب، وقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف","vol":"1","page":430},{"text":"باللات لبرد الطائف ويشتو بالعزى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد، فلما بعث الله محمدًا ﷺ بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العزى ليقطعها فقطعها ...)، وذكر قصة طويلة في هذا، وهذه الرواية رواها الأزرقي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أنه أوهى الطرق عن ابن عباس.\nولكن الأزرقي نفسه روى رواية أخرى عن ابن إسحاق بسند حسن فيه: (أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها ويحلون عندها، ويعكفون عندها يومًا، وكانت لخزاعة، وكانت قريش وبنو كنانة كلها يعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر ...).\nو- إن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأصنام على الصفا والمروة.\nقال أبو الوليد الأزرقي ومحمد بن إسحاق الفاكهي - واللفظ للثاني ـ: عن ابن إسحاق بسند حسن أنه قال: (إن عمرو بن لحي نصب على الصفا صنمًا يقال له: نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنمًا يقال له: مطعم الطير).\nز- إن عمرو بن لحي هو الذي نصب (الخلصة) بأسفل مكة، فكانوا","vol":"1","page":431},{"text":"يلبسونها القلايد، ويهدون إليها الشعير، والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام ...). وذكر ابن الكلبي والآلوسي وياقوت الحموي موضع هذا الصنم بتبالة، وزاد السهيلي وياقوت: بأنه في العبلات أو العبلاء.\nح- إن مما استحدثه عمرو بن لحي من الأصنام بمكة ومنى: ما رواه الفاكهي والأزرقي في أخبار مكة - واللفظ للثاني - بإسناد حسن عن ابن إسحاق قال: (إن عمرو بن لحي نصب بمنى سبعة أصنام، نصب صنمًا على (القرين) الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى (المدعى) صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، ونصب على شفير الوادي صنمًا، وفوق الجمرة العظمى صنمًا، وعلى الجمرة العظمى صنمًا، وقسم عليهن حصى الجمرات إحدى وعشرين حصاة يرمي كل وثن بثلاث حصيات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان - الصنم الذي يرمى قبله ـ).\nط- إن عمرو بن لحي هو الذي وزع أصنام قوم نوح على قبائل العرب والدليل عليه ما ذكره المؤرخون: فمن ذلك قولهم:","vol":"1","page":432},{"text":"١ - أن عمرو بن لحي أتى شاطئ جدة، واستثار منها عدة أصنام حتى حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.\nقال ابن الكلبي - بعد أن أورد قصة إخراجه لهذه الأصنام من شاطئ جدة - قال: (فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور ... ابن قضاعة، فدفع إليه ودًا، فحمله إلى وادي القرى فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به ... وجعل عوف ابنه عامرًا الذي يقال له: عامر الأجدار سادنًا له، فلم تزل بنوة يسدنونه حتى جاء الله بالإسلام ... ثم كسره خالد بن الوليد، فجعله جذاذًا، وكان رسول الله ﷺ بعث خالدًا من غزوة تبوك لهدمه، فحالت بينه وبين هدمه بنو عبد ود، وبنو عامر الأجدار، فقاتلهم حتى قتلهم، فهدمه وكسره ﵁، وكان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد أخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل).\nثم قال: (وأجابت عمرو بن لحي مضر بن نزار، فدفع إلى رجل من هذيل - يقال له: الحارث بن تميم سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر - سواعًا.","vol":"1","page":433},{"text":"فكان بأرض يقال لها: رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر، ... فبعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص لهدمه، فهدمه.\nوأجابته مَذْحجُ، فدفع إلى أنعم بن عمرو المرادي يغوث، وكان بأكمة باليمن يقال لها مذحج، تعبده مذحج - أي قبيلة مذحج، وهم طيء وبنو مالك - ومن والاها.\nوأجابته همدان، فدفع إلى مالك بن مرثد بن جشم ...: يعوق، فكان بقرية يقال لها خَيْوان، تعبده همدان ومن والاها من أرض اليمن.","vol":"1","page":434},{"text":"وأجابته حمير: فدفع إلى رجل من ذي رُعين يقال له: معديكرب: نسرًا، فكان بموضع من أرض سبأ يقال له: بَلخَع، تعبده حمير ومن والاها، فلم يزل يعبدونه حتى هودهم ذو نواس.\nفلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله النبي ﷺ فأمر بهدمها).\n٢ - قال ابن القيم - بعد أن ساق توزيع عمرو بن لحي الأصنام على قبائل العرب ـ: (قلت: هذا شرح ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: صارت الأوثان التي كان قوم نوح في العرب تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني عُطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع ...).\n٣ - قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الأثر: (... إن تلك الأسماء رفعت إلى الهند فسموا بها أصنامهم، ثم أدخلها إلى أرض العرب عمرو بن لحي ...).\nفثبت بهذه الروايات كلها: أن عمرو بن لحي - لعنه الله - هو الذي جاء بالأصنام إلى أرض العرب، ووزعها بين القبائل، فهو حامل لواء الكفار والمشركين إلى جهنم؛ لأنه أول من سن لهم عبادة الأصنام في أرض العرب،","vol":"1","page":435},{"text":"كما جاء ذلك في أحاديث، وقد سلف ذكرها.\nوأما الحامل لهذا اللعين على الشرك بالله؛ فالذي يذكره المؤرخون هنا سببان:\n١ - أنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها ففعلوا، فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة.\n٢ - قيل: إن عمرو بن لحي كان له رئي من الجن، يكنى أبا ثمامة، فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم ائت جدة، تجد بها أصنامًا معدة، ثم أوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فاستثارها من تحت الأرض وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب.\nوسواء صحت هذه الرواية أم تلك في الحامل لهذا اللعين على ترويج الشرك في العرب، فقد انتشرت فيهم عبادة الأصنام، حتى لم يبق حي ولا قبيلة في العرب إلا ولها صنم تعبده وجاء الإسلام والأصنام تملأ جوف الكعبة وتحيط بها، وكانت كل قبيلة من العرب تحج كل عام إلى صنمها؛ تذبح له، وتطوف به، وتستشيره في مهامها.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المطلب الثاني: في بيان طبيعة الشرك لدى العرب في الجاهلية</span>\nيبدو لمن تصفح تاريخ العرب في الجاهلية، أن الشرك فيهم كان على أشكال عدة؛ فإننا إذا تعدينا الحنفاء منهم ونظرنا إلى المشركين نجدهم على أنواع وألوان من الشرك، فبعضهم كانوا مشركين بالله في الربوبية، وبعضهم كانوا يشركون في الألوهية.\nقال الشهرستاني: (اعلم أن العرب أصناف شتى؛ فمنهم معطلة، ومنهم محصلة نوع تحصيل، فمعطلة العرب؛ وهي أصناف، فصنف منهم: أنكروا الخالف والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني ... وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب.\nومن العرب من يعتقد التناسخ، فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرًا هامة، فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة ... ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية ... ومنهم من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات ... ومنهم من يصبو إلى الملائكة، فيعبدهم، بل كانوا عبدوا الجن، ويعتقدون فيهم أنهم بنات الله).","vol":"1","page":437},{"text":"وجمع بعض العرب بين عبادة الله ﷿ وعبادة الأوثان في وقت واحد، وآمنوا بأن المولى ﷾ أعظم من أوثانهم، فقال شاعرهم:\nوباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر\nوالمقصود: أن العرب كانوا في شركهم على أصناف شتى، ويمكن تصنيف هؤلاء على صنفين:\nالصنف الأول: المشركون في الربوبية.\nالصنف الثاني: المشركون في الألوهية أو العبادة، وفيما يلي بيان هذين الصنفين:\nالفرع الأول: في بيان شرك الربوبية لدى العرب:\nسبق معنا في الباب الأول بيان المقصود بالشرك في الربوبية بأنه إذا كان المقصود منه إثبات صانعين متماثلين من كل الوجوه، فهذا لم يوجد في بني آدم قط. بل الفطرة مفورة بإقرار وإثبات رب واحد، وإنما المقصود من الشرك في الربوبية: الشرك في بعض خصائص الربوبية، ثم إن قولنا عن المشركين بأنهم يعترفون بتوحيد الربوبية: ليس المراد به أنهم اعترفوا بهذا القسم من التوحيد على التمام والكمال، فهذا لا يقول به أحد من أهل العلم، وإنما مرادهم تقرير ما ثبت في القرآن عن المشركين من اعترافهم بالخالق الرازق المدبر لشئون الخلق، فهذه من صفات الربوبية وخصائصها، وقد آمن واعترف به المشركون، ثم هذا أيضًا ليس حكمًا مطردًا على جميع المشركين،","vol":"1","page":438},{"text":"إذ منهم من وُجد عنده حتى الشرك في الربوبية، ومنهم من آمن ببعض خصائص الربوبية دون بعض.\nوعلى هذا تحمل النصوص السابقة المنقولة عن أصحاب الأخبار وأهل الملل والنحل بأن بعض العرب وقع في الشرك في الربوبية أيضًا، وهو واضح في بعض الآيات القرآنية في سياق الرد عليهم.\nولكن ليس هذا هو الصفة الغالبة لديهم، بل كان غالب شركهم في العبادة، كما سيتضح ذلك فيما يلي بمشيئة الله.\nولكن لما كان هناك من العرب من وقع في الشرك في الربوبية سأذكرهم على النحو التالي:\nالمشركون في الربوبية على صنفين:\nالصنف الأول: المعطلون: وهم على ثلاث فرق.\nأ- تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه: وهو إنكار الربوبية مطلقًا، مع ما يترتب عليه جملة وتفصيلًا، ويدخل تحت هذا من مشركي العرب:\nالدهرية: حيث قالوا - ما حكاه الله عنهم ـ: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ).\nقال الشهرستاني: (فمعطلة العرب، وهي أصناف: صنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحيي والدهر المفني، وهم الذين","vol":"1","page":439},{"text":"أخبر الله عنهم في القرآن المجيد (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)؛ إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر، (وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ)، فاستدل عليهم بضروريات فكرية وآيات قرآنية فطرية في كم آية وكم سورة فقال: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ)، (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ)، وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)، وقال: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ).\nفأثبت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق وابتداء الخلق والإبداع ...).\nفهؤلاء الدهريون والقائلون بالطبيعة في العصر الحديث هم طائفة واحدة في الحقيقة، وقد رد عليهم العلماء في كتبهم مفصلًا.\nب- تعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ولم يوجد في عرب الجاهلية من يعتقد أن الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، حسب ما وصل إلينا من المصادر الموثوقة. اللهم إلا ما نقل البغدادي: بأن (منهم: الذين عبدوا كل ما استحسنوا من الصور على مذهب الحلولية في","vol":"1","page":440},{"text":"دعواها حلول روح الإله بزعمهم في الصور الحسنة).\nج- تعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وقد كان العرب في الجاهلية وقعوا في هذا التعطيل.\nففي الأسماء مثلًا: اتخذوا أسماء الأصنام مشتقة من أسماء الله جل شأنه، وهذا إلحاد في أسماء الله جل شأنه وصفاته، والإلحاد شرك إذا كان بهذه الصفة.\nفمما كان في العرب في الجاهلية من هذا النوع من الإلحاد: اتخاذ أسماء الأصنام من أسماء الله - جل وعلا ـ؛ كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، والمناة من المنان، وغيرها. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).\nقال ابن عباس: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز.\nوقال ابن جرير: (وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء، على المعنى الذي وصفت لقارئه، كذلك لإجماع الحجة في قراء الأمصار عليه). وقال: (اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء فأنثت كما قيل عمرو للذكر، وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست","vol":"1","page":441},{"text":"أسماؤه، فقالوا: من الله اللات، ومن العزيز العزى).\nقال ابن القيم: (والإلحاد في أسماء الله أنواع: أحدها: أن يسمى الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة، فإنهم عدلوا عن أسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة ...).\nوأما المناة: (فأصل اشتقاقه من اسم الله المنان).\nكما أن هناك من العرب من كان ينكر اسم الرحمن (عنادًا وتكبرًا، مع العلم بأنه من أسماء الله جل وعلا)، وقد ذكر الله ﷿ هذا الإنكار فقال: (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ)، وقال: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا).\nقال الحافظ ابن كثير: (أي لا نعرف الرحمن، وكان ينكرون أن يسمى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية ...).\nوقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة","vol":"1","page":442},{"text":"الرحمة لله ﷿ ...).\nومن العرب من كان يعطل صفة العلم لله بكل شيء، ودليله قوله تعالى: (وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ).\nوالمقصود: أن هذا إلحاد وشرك. قال ابن القيم:\nوحقيقة الإلحاد فيها الميل بالـ ... إشرك والتعطيل والنكران\nوهذا الإلحاد والشرك كان موجودًا لدى العرب في جاهليتهم.\nوأما في الأفعال: فقد كان العرب في جاهليتهم وقعوا في هذا التعطيل، والذي يمثل ذلك ما يلي:\n١ - إنكارهم إرسال الرسل: فإنهم استبعدوا أن يأتيهم منذر من الله، وهم بهذا عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه. قال تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، وقال: (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ)، وقال: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا)، وقال تعالى","vol":"1","page":443},{"text":"حكاية عن قولهم: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، وقال تعالى حكاية عنهم: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، وقال: (مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ)، وقال: (مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)، وقال: (قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ)، وقال: (وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ)، وقال حكاية عنهم: (أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ)، وغيرها من الآيات.\nوالمقصود: أن الذين أنكروا الرسل هم عطلوا أفعال الله ﷿ وحكمته في خلقه.\nقال الشهرستاني: (وأما ... الشبهة الثالثة فكان إنكارُهم لبعث الرسول ﷺ في الصورة البشرية أشد، وإصرارهم على ذلك أبلغ ...).","vol":"1","page":444},{"text":"٢ - إنكارهم القدر: والمعروف أنهم هم القدرية من المشركين والقدرية على ثلاثة أصناف:\nأولًا: المجوسية: وهم الذين كذَّبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته ... وهذا الصنف لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية.\nثانيًا: القدرية الإبليسية: الذين أقروا بالقضاء والقدر كما أقروا بالأمر والنهي، ولكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب ﷾، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر ذلك عن إبليس مقدمهم، وهذا الصنف أيضًا لم يكن لهم وجود في العرب في الجاهلية حسب ما جاءنا من النصوص منهم.\nثالثًا: القدرية المشركية: الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي؛ حيث زعموا: أن ذلك - القضاء والقدر - يوافق الأمر والنهي، فهؤلاء هم المقصودون عندنا في هذا الباب، حيث وجد في العرب من كان يعتقد مثل هذا الاعتقاد، حيث قالوا: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، و(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، و(قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ).\nوقد رد الله عليهم ردًا وافيًا في القرآن العزيز، فقال في الآية الأولى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ","vol":"1","page":445},{"text":"فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ)، وقال في الآية الثانية: (كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ)، وقال في الآية الثالثة: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).\nوالمقصود: بيان كونهم وقعوا في شرك التعطيل في الربوبية بتعطيله عن أفعاله، وتمسكوا في تبرير شركهم بشبهة المشيئة العامة، وهي باطلة عاطلة.\nقال شيخ الإسلام: (فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق ... وإن كان ذلك لا يستتب لهم وإنما يفعلونه عند موافقة أهوائهم كفعل المشركين من العرب، ثم إذا خولف هوى أحد منهم قام في دفع ذلك متعديًا للحدود غير واقف عند حد ... إذ هذه الطريقة تتناقض عند تعارض إرادات البشر، فهذا يريد أمرًا والآخر يريد ضده، وكل من الإرادتين مقدرة، فلابد من ترجيح إحداهما أو غيرهما، أو كل منهما على وجه، وإلا لزم الفساد ...).\nوقال في موضع آخر: (ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المتكلمين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعًا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب فعليه أن لا يذم أحدًا ولا يعاقبه إذا اعتدى عليه؛ بل يستوي عنده ما يوجب اللذة وما","vol":"1","page":446},{"text":"يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل خيرًا، وبين من يفعل شرًا، وهذا ممتنع طبعًا وعقلًا وشرعًا.\nوقال في موضع آخر: (وأما القدر: فإنه لا يحتج به أحد إلا عند اتباع هواه، فإذا فعل محرمًا بمجرد هواه وذوقه ووجده، من غير أن يكون له علم بحسن الفعل ومصلحته استند إلى القدر، كما قال المشركون: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا) الآية، فبين أنهم ليس عندهم علم بما كانوا عليه من الدين، وإنما يتبعون الظن.\nوالقوم لم يكونوا ممن يسوغ لكل واحد منهم الاحتجاج بالقدر، فإنه لو خرب الكعبة، أو شتم إبراهيم الخليل، أو طعن في دينهم لعادوه وآذوه، فكيف وقد عادوا النبي ﷺ على ما جاء به من الدين، وما فعله هو أيضًا من المقدور، فلو كان الاحتجاج بالقدر حجة لكان النبي ﷺ وأصحابه، فإن كان كل ما يحدث في الوجود فهو مقدر، فالمحق والمبطل يشتركان في الاحتجاج بالقدر - إن كان الاحتجاج به صحيحًا ـ، ولكن كانوا يتعمدون على ما يعتقدونه من جنس دينهم، وهم في ذلك يتبعون الظن ليس لهم به علم بل هم يخرصون).\nوالمقصود: بيان كون هذا الأمر شركًا بالله جل شأنه، ولهذا جاء الوعيد من الله لمن يعتقد بمثل هذا الاعتقاد بقوله تعالى: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).","vol":"1","page":447},{"text":"أخرج مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت (يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر، إنا كل شيء خلقناه بقدر).\n٣ - إنكارهم البعث: وهذه الظاهرة كانت لأغلب المشركين، قال الله تعالى حكاية عن فعلهم: (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا)، وقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا)، وقال: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ)، وقال: (وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، وقال: (قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا)، وقال: (أَئِذَا","vol":"1","page":448},{"text":"مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقال: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)، وقال أيضًا: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)، وقال: (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)، وقال: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)، إلى آخر هذه الآيات، كلها تدل على أن المشركين أو أغلبهم كانوا قد عطلوا فعل الله ﷿ وحكمته الذي هو البعث والنشور، وبذلك وقعوا في شرك التعطيل.\nقال الشهرستاني: (وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين إحداهما: إنكار البعث - بعث الأجساد ـ، والثانية: جحد البعث - بعث الرسل ـ، فعلى الأولى قالوا: (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ). إلى أمثالها من الآيات، وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم:\nحياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو","vol":"1","page":449},{"text":"ولبعضهم في مرثية أهل بدر من المشركين:\nفماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام\nيخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام)\nوقد أثبت الله ﷿ في القرآن الكريم عقيدة البعث أتم بيان، بحيث لم يبق فيه أي شك، ومن أهم ما ذكره الله في القرآن على إمكان المعاد الجسماني: قضية ابتداء الخلق، قال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، وقال: (إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ)، وقال: (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ)، وغيرها من الآيات.\nوأما كون إنكار البعث شركًا؛ فلأنه يتضمن تعطيلًا لفعل الله وحكمته، كما يتضمن تعطيلًا لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكارًا لعلم الله وقدرته وحكمته.\nقال الله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).\nيقول ابن القيم عن هذه الآيات: (فجعل كمال ملكه، وكونه سبحانه","vol":"1","page":450},{"text":"الحق، وكونه لا إله إلا هو، وكونه رب العرش المستلزم لربوبيته لكل ما دونه، مبطلًا لذلك الظن الباطل، والحكم الكاذب ... فإن ملكه الحق يستلزم أمره ونهيه، وثوابه وعقابه، وكذلك يستلزم إرسال رسله، وإنزال كتبه، وبعث المعاد ليوم يجزى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، فمن أنكر ذلك فقد أنكر حقيقة ملكه، ولم يثبت له الملك الحق، ولذلك كان منكرًا لذلك كافرًا بربه، وإن زعم أنه يقر بصانع العالم، فلم يؤمن بالملك الحق الموصوف بصفات الجلال، والمستحق لنعوت الكمال).\nوقال في موضع آخر: (وهو سبحانه يقرر المعاد بذكر كمال علمه وكمال قدرته، وكمال حكمته، فإن شبه المنكرين له كلها تعود إلى ثلاثة أنواع:\nأحدها: اختلاط أجزائهم بأجزاء الأرض على وجه لا يتميز ولا يحصل معها تميز شخص عن شخص.\nالثاني: أن القدرة لا تتعلق بذلك.\nالثالث: أن ذلك أمر لا فائدة فيه. أو إنما الحكمة اقتضت دوام هذا النوع الإنساني شيئًا بعد شيء، هكذا أبدًا، كلما مات جيل خلفه جيل آخر، فأما أن يميت النوع الإنساني كله ثم يحييه بعد ذلك، فلا حكمة في ذلك، فجاءت براهين المعاد في القرآن مبنية على ثلاثة أصول:\nأحدها: تقرير كمال علم الرب ﷾؛ كما قال في جواب من قال: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ): (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ).","vol":"1","page":451},{"text":"الثاني: تقرير كمال قدرته، كقوله: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، وقوله: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).\nالثالث: كمال حكمته، كقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)، وقوله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).\nولهذا كان الصواب: أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه، وأنه منزه عما يقوله منكروه، كما ينزه كماله عن سائر العيوب والنقائص.\nوبهذا انتهينا من الكلام عن المشركين في الربوبية بالتعطيل:\nأما الصنف الثاني: فهم أصحاب الأنداد:\nقد وجد في الجاهلية لدى العرب أشكال من شرك الربوبية بالأنداد، سأذكر فيما يلي ملخص ما أمكن جمعه، منها:\n١ - الزنادقة من العرب:","vol":"1","page":452},{"text":"قال الآلوسي: (وهم طائفة من قريش)، وقال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة)، قال الآلوسي: (والذي يظهر لي أن مراد ابن قتيبة من الزندقة التي نسبها إلى بعض العرب اعتقاد الثنوية أو القائل بالنور والظلمة بمقتضى قوله: (أخذوها من الحيرة) ... ولو كان مراده: من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية لم يكن لأخذها من الحيرة وجه؛ فإن كثيرًا من قبائل العرب كانوا كذلك، فتعين أن مراده ما ذكرنا ...).\nوبهذا يدخل الزنادقة من العرب في الشرك في الربوبية بالأنداد.\n٢ - المجوس من العرب:\nقال ابن قتيبة: (وكانت المجوسية في تميم، منها: زرارة بن عدس التميمي، وابنه حاجب بن زرارة ... ومنهم أقرع بن حابس، كان","vol":"1","page":453},{"text":"مجوسيًا، وأبو سود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا ...).\nوالمراد بالمجوسية: القائلون بالأصلين؛ أي: (أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور، والثاني: الظلمة، والفارسية يزدان وأهرمن ... ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين، إحداهما: بيان سبب امتزاج النور بالظلمة، والثانية: سبب خلاص النور من الظلمة، وجعلوا الامتزاج أو الخلاص معادًا). والفرق بين المجوس والثنوية: (أن الثنوية يزعمون: أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث الظلام، وذكروا سبب حدوثه ...).\nوهؤلاء المجوس هم عباد النار، ويقولون: (إنها أوسع العناصر خيرًا، وأعظمها جرمًا، وأوسعها مكانًا، وأشرفها جوهرًا، وألطفها جسمًا، ولا كون في العالم إلا بها، ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها ...).\nفهؤلاء المشركون قد اتخذوا أندادًا؛ وهذا شرك في أمور الربوبية.\n٣ - نصارى العرب ويهود العرب:\nوقد ذكر أصحاب الملل والنحل وأصحاب الأخبار: أن هناك طوائف","vol":"1","page":454},{"text":"من العرب قد تهودوا وتنصروا، ومعلوم: أن اليهود والنصارى كان عندهم ألوان من الشرك في الربوبية والشرك في الألوهية، وقد سبق إيرادها بالتفصيل، فلينظر هاهنا.\nوإنما أقتصر هنا على بيان بعض القبائل التي تأثرت باليهودية والنصرانية:\nفكانت اليهودية في حمير بعد أن كان الغالب فيهم من المجوس وعبدة الشمس ونحو ذلك، وقد كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة، وكأنهم تلقوا ذلك عن الروم، وكان بنو تغلب أيضًا من نصارى العرب، كما كان أهل نجران أيضًا من نصارى العرب.\n٤ - ومن ذلك: شرك كثير ممن كان يشرك بالله بالكواكب العلويات، ويجعلها أربابًا مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم.\nوقد وقع فيه بعض العرب، قال الشهرستاني: (منهم - أي من العرب - من يصبو إلى الصابئة، ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في السيارات، حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء ويقول: مطرنا بنوء كذا وكذا ...).\nوقد سبق معنا بيان عقائد الصابئة بأنهم يقولون: لا سبيل لنا للوصول إلى جلاله (الرب) إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات","vol":"1","page":455},{"text":"الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون والمقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. ولذلك وضعوا هياكل السيارات السبع الكبرى، وبعد مرور الزمن بدأوا يتقربون إلى هذه السيارات السبع على أنها هي المدبرة للعالم.\nفهؤلاء عندهم شرك بالله في الربوبية مع شركهم في العبادة، فإنهم اعتقدوا أن في العالم تأثيرًا لغير الله، والمعروف أنه حق خالص لله جل شأنه.\nوقد ذكر النبي ﷺ هؤلاء المشركين من العرب في بعض الأحاديث: فمن ذلك قوله ﷺ فيما رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة».\nوأخرج الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «أخاف على أمتي ثلاثًا: استسقاء بالنجوم، و...».\nوأخرج البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل،","vol":"1","page":456},{"text":"فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب».\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في إنزال المطر فهذا كفر؛ لأنه أشرك في الربوبية، والمشرك كافر، إن لم يعتقد ذلك فهو من الشرك الأصغر؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببًا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل من الله ورحمته يحبسه إذا شاء وينزله إذا شاء ...).\nوقال في موضع آخر: (فإذا قال قائلهم: مطرنا بنجم كذا أو بنوء كذا، فلا يخلو: إما أن يعتقد أن له تأثيرًا في إنزال المطر، فهذا شرك وكفر، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية، كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضرًا، أو أنه يشفع بدعائهم إياه، فهذا الشرك الذي بعث الله رسول الله ﷺ بالنهي عنه وقتال من فعله ... وإما أن يقول: مطرنا بنوء كذا مثلًا، لكن مع اعتقاده أن المؤثر هو الله وحده، ولكن أجري العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، والصحيح أنه يحرم نسبة ذلك إلى النجم ولو على طريق المجاز ...).\n٥ - شرك عباد الشمس وعباد الناس وعباد القمر أو الأجرام الأخرى","vol":"1","page":457},{"text":"السماوية أو الأرضية، إذا صاحب عبادتهم لها اعتقادهم أنها هي المعبودة، وأنها هي الآلهة على الحقيقة، أو أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به ...\nفهذا شرك بالله في الربوبية، قد وقع فيه بعض العرب في الجاهلية، خاصة عرب الجنوب.\n٦ - الشرك في بعض صفات الله ﷿، إما بإثبات صفات الله للمخلوقين؛ وإما بإثبات صفات المخلوقين لله جل شأنه.\nأما الأول فقد وقع فيه العرب كثيرًا، وسأذكر فيما يلي بعض الأمثلة على ما قلنا:\nأ- الشرك في صفته العلم المحيط بكل شيء.\nوالمقصود بالعلم المحيط عندنا هو معرفة علم الغيب.\nوقبل الدخول في بيان المشركين بالله في هذه الصفة يحسن بنا أن نتعرف على معنى علم الغيب والذي اختص الله بعلمه من بين سائر خلقه، فأقول:\nإن لفظ الغيب يطلق على كل ما غاب عن العقول أو الأنظار. فيقال: غابت الشمس وغيرها إذا استترت عن الأعين. وسمي الغيب غيبًا باعتباره","vol":"1","page":458},{"text":"بالناس ونحوهم، لا بالله ﷿، فإنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لكن لا يجوز أن يقال: إنه جل وعلا لا يعلم الغيب قصدًا إلى أنه لا غيب بالنسبة إليه، لأن ذلك من إساءة الأدب.\nوفي لسان الشرع: الغيب ينقسم باعتبار معلومه إلى نوعين:\nأحدهما: ما استأثر الله تعالى بعلمه، وهو ما يتعلق بذاته تعلى وبعض أسمائه وحقائق صفاته.\nثانيهما: ما يجوز أن يطلع بعض خلقه على بعضه، وهو ما يتعلق بمخلوقاته. ثم إن هذا النوع باعتبار العلم به ينقسم إلى قسمين:\nالأول: العلم بالغيب علمًا حقيقيًّا مطلقًا، وهذا العلم غائب عن جميع الخلق حتى الملائكة، ولا يعلمه أحد سوى الله. وهذا النوع من علم الغيب هو المراد عند إطلاق لفظ (علم الغيب)؛ لاستغراقه الزمان والمكان. فالله ﷾ هو العليم بكل شيء، فالماضي والحاضر والمستقبل عنده سواء، وعلمه بذلك صفة ذاتية لازمة له ﷿ ولا تنفك عنه بحال.\nالثاني: العلم بالغيب علمًا إضافيًا مقيدًا:\nوهو ما غاب عن بعض الخلائق دون بعض، كعلم الملائكة بأمور عالمهم التي لا يعلمها البشر مثلًا، وكذلك علم بعض البشر ببعض الأمور تغيب عن","vol":"1","page":459},{"text":"بعض. وهذا القسم من العلم هو ما يتأتى للمخلوقات، وهم متفاوتون فيه من حيث الكم والنوع، كل بحسب استعداده وتعليم الله له. وعلوم الأنبياء تدخل في هذا القسم.\nوبعد أن عرفنا هذا، يحسن بنا أن نستعرض مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى العرب في جاهليتهم.\nمن مظاهر الشرك في علم الباري المحيط:\n١ - الكهانة، والعرافة؛ أما الكاهن: فهو الذي يأخذ عن مسترق السمع، وكانوا قبل المبعث كثيرين، وأما بعد المبعث فإنهم قليلون.\nوقيل: الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل؛ وقيل: هو الذي يخبر عما في الضمير.\nوأما العرافة؛ فمنه العراف، قال البغوي: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة)، ظاهره: أنه هو الذي يخبر عن الوقائع كالسرقة وسارقها والضالة ومكانها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم).\nوقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم العراف، وعند بعضهم هو معناه).","vol":"1","page":460},{"text":"وقال أيضًا: (والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء، وحكي ذلك عن بعض العرب، وعند آخرين: هو من جنس الكاهن، وأسوأ حالًا منه، فيلحق به من جهة المعنى).\nوسئل الإمام أحمد عن الساحر والكاهن هل هما شيء واحد؟ قال: (لا، الكاهن يدّعي الغيب، والساحر يعقد ويفعل كذا).\nوفي رواية عنه: (أنه سئل عن الكاهن فقال: هو نحو العراف، والساحر أخبث؛ لأن السحر شعبة من الكفر).\nوقال ﵀ في العراف: (العرافة: طرف من السحر، والساحر أخبث).\nوقال ابن الأثير: (العراف: المنجم، والحازي: الذي يدعي علم الغيب، وقد استأثر الله تعالى به).\nوقال ابن القيم ﵀: (من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفًا عرافًا).\nوقال أيضًا: (المنجم، والزاجر، وصاحب القرعة، التي هي شقيقة الأزلام، وضاربة الحصى، والعراف، والرمال، ونحوهم ممن تطلب منهم الإخبار عن المغيبات).\nإذن كل من ادعى أمرًا من أمور الغيب فهو يندرج ضمن هذه المسميات.","vol":"1","page":461},{"text":"وقد كان في العرب كهنة كشق وسطيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات، أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف.\nوالمقصود من هذا: أن من يدعي معرفة شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به؛ وذلك: (أن إصابة المخبر ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف، ومنه ما هو من الشياطين، ويكون بالفأل والزجر والطيرة والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة والسحر، ونحو هذا من علوم الجاهلية، ... وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنًا وعرافًا أو في معناهما ...).\nوقد قال النبي ﷺ لما قال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين: إن هؤلاء يحدثوننا أحيانًا بالأمر فيكون كما قالوا، فأخبرهم ـ: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا) للذي قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع، هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا،","vol":"1","page":462},{"text":"فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء».\nفذكر أن ذلك من جهة الشياطين يلقون إليهم الكلمة تكون حقًا فيزيدون هم معها مائة كذبة، فيصدقون من أجل تلك الكلمة.\nولما كان هذا الأمر من الشرك بالله في بعض صفاته، وهو بهذا العمل إذا كان يصدق صحة العرافين والكهان يخرج من الملة، جاءت الأحاديث متضمنة الوعيد الشديد لهؤلاء ولمن أخذ عنهم، وفي بعض هذه الأحاديث تصريح بخروجهم عن الملة.\nمن ذلك ما رواه عمران بن حصين ﵁ قال: قال ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ».\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: «من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ».\nوقوله ﷺ: «من أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل","vol":"1","page":463},{"text":"على محمد ﷺ».\nولمسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أمورًا كن نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان؟ قال: «فلا تأتوا الكهان».\nوالمقصود: بيان كون إتيان الكهان وتصديقهم ومن على شاكلتهم من العرافين، والرمالين يكون شركًا بالله في الربوبية؛ حيث إنه يعد من الشرك بالله في صفته العلم المحيط بالمغيبات، كما أن المشركين كانوا يستسلمون لكل ما يقضي به الكهان على الغالب، وبهذا يكونون قد أشركوا بالله في الربوبية من جهة إعطائهم سلطة التشريع والتحكيم من دون الله.\nوروى البخاري في صحيحه قال: (كانت الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها في جهينة واحد، وفي أسلم واحد، وفي كل حي واحد، وهم كهان كانت تنزل عليهم الشياطين).","vol":"1","page":464},{"text":"فهذا نص صريح على أنهم كانوا يتحاكمون إلى الكهان، وأعطي لهم سلطة التشريع والحكم في القضايا، وهذا لا شك في كونه شركًا مع شرك - كما أسلفنا ـ.\nومما يلحق بالكهانة: العيافة والطرق والطيرة، لقوله ﷺ: «العيافة والطرق والطيرة من الجبت».\nوالمقصود بالعيافة: زجر الطير والحيوان، والاستدلال بأصواتها وحركاتها وسائر أحوالها على الحوادث، واستعلام ما غاب عنهم.\nوأما الطيرة: فسيأتي الكلام عليها مفصلًا فيما بعد.\nوأما الطرق. فهو الخط في الأرض، وقال بعضهم: الضرب بالحصى ويسمى علم الرمل، حيث يستدلون بأشكال الرمل على أحوال المسألة حين السؤال.\nوأما الجبت: فهو الكهانة والسحر، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان). وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي.\nوالمقصود: أن هذه الأشياء كانت موجودة في العرب في","vol":"1","page":465},{"text":"الجاهلية، وأن هذه الأشياء شرك بالله جل وعلا، ووجه كون العيافة والطرق والطيرة شركًا بالله، لما فيه من دعوى علم الغيب، ومنازعة الله في ربوبيته، فإن علم الغيب من صفات الربوبية التي استأثر الله تعالى بها دون من سواه، إضافة إلى أن بعضهم يعتقد أن تلك الأشياء تنفع أو تضر، فهذا شرك بالله في ربوبيته، وبالأخص في صفته القدرة الكاملة الشاملة، كما سيأتي.\nومن مظاهر الشرك في علم الباري تعالى سبحانه المحيط أيضًا:\n٢ - تصديق المنجمين فيما يقولونه من الكلام:\nجاءت النصوص الحديثية برد علم التنجيم الموجود في زمن النبي ﷺ: من ذلك قوله ﷺ: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد»، وقوله ﷺ: «أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا بالقدر»، وقوله ﷺ: «أخاف على أمتي بعدي خصلتين: تكذيبًا بالقدر، وإيمانًا بالنجوم».\nكما جاءت آثار عن السلف في النهي عن هذا العمل الجاهلي: فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه قول قتادة ﵀ أنه قال: (خلق الله هذه النجوم لثلاث؛ زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن","vol":"1","page":466},{"text":"تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وكلف ما لا علم له به).\nوفي رواية عنه أنه قال بعد هذا مباشرة: (إن ناسًا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والطويل والقصير، والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدًا علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء).\nوقال شيخ الإسلام: (التنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية).\nوقال الخطابي: (علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، يدعون أن لها تأثيرًا في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب،","vol":"1","page":467},{"text":"وتعاط لعلم قد استأثر الله به، ولا يعلم الغيب سواه).\nوأما قوله تعالى: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)، فليس المراد: أنه يهتدى بها في علم الغيب - كما يعتقده المنجمون - بل المراد به: لتعرفوا بها جهة قصدكم.\nفإن قيل: المنجم قد يصدق؟ قيل: صدقه كصدق الكاهن، يصدق في كلمة ويكذب في مائة، وصدقه ليس عن علم، بل قد يوافق قدرًا، فيكون فتنة في حق من صدقه.\nولهذا نهى ابن عباس ﵁ أحد تلاميذه عن النظر في النجوم فقال: (يا غلام، إياك والنظر في النجوم؛ فإنه يدعو إلى الكهانة).\nوجاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (والله ما في النجم موت أحد ولا حياته، وإنما جعل الله النجوم زينة ورجومًا للشياطين)، وعنه أيضًا أنه قال: (والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم، ولكن يتبعون الكهنة، ويتخذون النجوم علة).\nوالمقصود: أن التنجيم من الشرك بالله جل وعلا في الربوبية؛ حيث إنه شرك بالله جل وعلا في علمه المحيط، بل فيه شرك بالله جل وعلا في أموره الربوبية مثل التدبير في العالم، وذلك لمن يعتقد أن الحوادث السفلية إنما هي من الكواكب العلويات، وقد سبق بيانه.","vol":"1","page":468},{"text":"وقد رد على المنجمين والمستدلين بالنجوم على وقوع الحوادث كثير من أهل السنة في مؤلفاتهم، فمن ذلك ما ذكره ابن القيم في مفتاح دار السعادة حيث توسع في الرد عليهم بذكر شبهاتهم، وتفنيدها واحدة تلو الأخرى.\nفهذا الشرك كان في العرب في جاهليتهم، فقد ذكر المؤرخون وأصحاب الملل والنحل: أن من العرب عرافين وأصحاب النجوم، وأصحاب الأنواء. قال الشهرستاني: (اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم ... الثالث: علم الأنواء، وذلك مما يتولاه الكهنة).\nوقال الآلوسي: (وكانت لهم - عرب الجنوب - اليد الطولى في كثير من الصناعات، وكانت للتبابعة والجبابرة منهم مذاهب في أحكام النجوم وغيرها، كل ذلك من المسلمات التي لا يمكن لأحد التوقف في قبولها ولا التردد في الإذعان لها، وقد نطق متواتر الأخبار الصحيحة بها، وأما بنو عدنان - عرب الشمال - ... إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من الشعر والخطب، أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم، أو ما احتاجوا إليه من دنياهم من الأنواء أو من الحروب ونحو ذلك).\nومن أنواع هذا التنجيم: (ما يفعله من يكتب حروف أبي جاد، ويجعل لكل حرف منها قدرًا من العدد معلومًا ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة وغيرها، ويجمع جمعًا معروفًا عنده، ويطرح منه طرحًا خاصًا، ويثبت إثباتًا خاصًا، وينسبه إلى الأبراج الاثني عشر المعروفة عند أهل","vol":"1","page":469},{"text":"الحساب، ثم يحكم على تلك القواعد بالسعود والنحوس وغيرها مما يوحيه إليه الشيطان).\nقال ابن عباس ﵁ في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: (ما أدري من فعل ذلك له عند الله خلاق).\nوهذا النوع أيضًا يتضمن دعوى مشاركة الله في علم الغيب الذي انفرد به سبحانه.\nقال السعدي في هذا المقام: (إن الله تعالى انفرد بعلم الغيب، فمن ادعى مشاركة الله في شيء من ذلك بكهانة أو عرافة أو غيرها، أو صدق من ادعى ذلك، فقد جعل ذلك شريكًا فيما هو من خصائصه، وقد كذب الله ورسوله).\nفهذه الأنواع من التنجيم وما شابهها شرك بالله جل شأنه، لما فيه من اعتقاد أن تلك النجوم تنفع أو تضر، ولما فيه من دعوى الغيب، ومنازعة الله تعالى فيما اختص به سبحانه من علم الغيب.\nومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:\n٣ - الشرك بتصديق الأنواء، وقد سبق معنا بيانه، فلا نعيده ها هنا، وإنما المقصود بيان أن العرب في إشراكهم بالله جل شأنه بتصديق الأنواء قد ارتكبوا عدة محذورات؛ فمن ذلك شرك بالله في تدبير المخلوقات بجعله للنجوم والكواكب العلويات، ومن ذلك شركهم بالله في العلو على أن القائلين","vol":"1","page":470},{"text":"بالأنواء يعلمون متى تمطر، ومتى لا تمطر، وبهذا وقعوا في شرك الربوبية في صفة علم الباري تعالى - جل شأنه - المحيط بكل شيء، وقد كان العرب في جاهليتهم يصدقون الأنواء، كما هو مبين في الكتب التي تتحدث عن تاريخ العرب في الجاهلية.\nومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم المحيط:\n٤ - استقسامهم بالأزلام عند الأصنام: إذا اعتقد أن الأصنام تعلم المغيبات، وكانت العرب في الجاهلية إذا أرادوا سفرًا أو تجارةً أو نسبًا أو اختلفوا في نسب أو أمر قتيل أو تحمل عقل أو غير ذلك من الأمور العظيمة جاءوا إلى هبل ـ، وهو أعظم أصنام قريش - كما سبق - وكان بمكة وفي الكعبة - ومعهم مائة درهم، فأعطوها صاحب القداح حتى يجيلها لهم، وكانت أزلامهم سبعة قداح محفوظة عند سادن الكعبة وخادمها، وهي مستوية في المقدار، عليها أعلام وكتابة؛ قد كتب على واحد منها (أمرني ربي)، وعلى واحد منها (نهاني ربي)، وعلى واحد (منكم)، وعلى واحد (من غيركم)، وعلى واحد (ملصق)، وعلى واحد (العقل)، وواحد (غفل) أي ليس عليه شيء، فإذا أرادوا الوقوف على مستقبل الأمر الذي تصدوا له ومعرفة عاقبته أخير هو أم شر استقسم لهم أمين القداح بقدحي الأمر والنهي، إلى غير ذلك من أفاعيلهم.\nوكان بعض العرب يستقسم عند ذي الخلصة؛ وقد وقع مثل هذا الاستقسام للشاعر الجاهلي امرئ القيس لما أراد أن يأخذ بثأر أبيه.","vol":"1","page":471},{"text":"ومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في الربوبية بالشرك في علم الباري المحيط:\n٥ - اعتقاد أن الجن يعلمون الغيب: قال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)، فالاستعاذة وإن كانت من العبادة - كما سيأتي في شرك العبادة - إلا أن العرب في الجاهلية كان عندهم اعتقاد معرفة الجن للغيب.\nقال قتادة: (... لو كان أحد يعلم الغيب لعلم الجن حيث مات سليمان بن داود ﵇، فلبثت تعمل حولًا في أشد العذاب، وأشد الهوان، وهم لا يشعرون بموته، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته - أي تأكل عصاه - فلما خر تبينت الجن أن لو كانت الجن تعلم الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وكانت الجن تقول مثل ذلك: أنها كانت تعلم الغيب، تعلم ما في غد، فابتلاهم الله بذلك).\nومن الشرك بالله في بعض صفاته سبحانه بإثبات صفات الله الخاصة به للمخلوقين:\nب- الشرك في قدرة الله الكاملة؛ ومن مظاهره الكثيرة ما يلي:\n١ - لبيس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه.\nوهذا شرك بالله في الربوبية، وخاصة في قدرة الله الكاملة الشاملة، قال ابن الأثير مبينًا سبب كونه شركًا: (كانوا يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، وإنما","vol":"1","page":472},{"text":"جعلها شركًا؛ لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه).\nوقد جاء في الحديث ما يدل على أن العرب كان عندهم هذا النوع من الشرك؛ ومن ذلك ما يروى عنه ﷺ أنه: أبصر على عضد رجل حلقة - من صفر - فقال: «ويحك ما هذه؟» قال: من الواهنة، قال: «أما إنها لا تزيدك إلا وهنًا، انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدًا»\nومثل هذا ما جاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه (دخل على مريض، فرأى في عضده سيرًا، فقطعه أو انتزعه، ثم قال: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون).\nوأصرح من هذا ما روت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵂","vol":"1","page":473},{"text":"قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وأنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطًا، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».\nفعلمنا بهذه الأدلة أن تعليق الخيط والحلقة وغيرها كانت من عادات العرب الجاهلية يقصدون بها دفع البلاء، ومعلوم أن هذا شرك في صفة القدرة الكاملة لله جل وعلا، وسيأتي مزيد من البيان له في الباب الرابع - إن شاء الله - عندما نبين متى يكون هذا شركًا أكبر، ومتى يكون شركًا أصغر؟ .\nومن مظاهره أيضًا:\n٢ - التمائم والرقى والتولة ونحوها لرفع البلاء أو جلب المنافع:\nأما التمائم: فهي جمع تميمة، والتميم: العوذ، والتميمة: خرزة رقطاء تنظم في السير ثم يعقد في العنق. وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ، وقيل: التميمة؛ خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم ينفون بها النفس والعين بزعمهم، فأبطله الإسلام. قال ابن الأثير: (هي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها يتقون بها العين - في زعمهم - فأبطلها الإسلام).","vol":"1","page":474},{"text":"وقال الحافظ ابن حجر: (هي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات).\nأما الرقي: فواحدتها الرقية؛ (وهي العوذة، يقال: رقي الراقي رقية ورقيًا: إذا عوذ ونفث في عوذته. قال ابن الأثير: الرقية: العوذة التي رقي بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات).\nفالرقى: هي التي تسمى العزائم، ويخص من عموم النهي ما رخص فيه رسول الله ﷺ كالعين والحمى، بشرط أن تخلو الرقى أو العزائم من الشرك.\nوالمقصود هنا: بيان كون الرقى والتمائم وما في معناها كلها تدخل في الشرك في الربوبية، وخاصة في صفة القدرة الكاملة لله الشاملة لكل شيء، وأن العرب في جاهليتهم كانت عندهم هذه الأشياء، ولهذا جاء النهي عنها في الأحاديث النبوية، من هذه الأحاديث ما يلي:\n١ - قوله ﷺ: «من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له».\n٢ - أن رسول الله ﷺ أقبل على رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله! بايعت تسعة وتركت هذا، قال: «إن عليه تميمة»، فأدخل يده فقطعها، وبايعه، وقال: «من علق تميمة فقد أشرك».","vol":"1","page":475},{"text":"٣ - أن رسول الله ﷺ أرسل رسولًا: «أن لا تبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت». قال ابن حجر: (إنهم كانوا يقلدون الإبل أوتار القسي لئلا تصيبها العين بزعمهم، فأمروا بقطعها إعلامًا بأن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئًا).\n٤ - قول النبي ﷺ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».\n٥ - وقوله ﷺ: «من تعلق شيئًا وكل إليه».\n٦ - قوله ﷺ: «من عقد لحيته أو تقلد وترًا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه».\nفهذه الأحاديث مجتمعة تدل على أن التمائم وما في معناها من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كونه موجودًا في العرب في الجاهلية.\nومن مظاهره أيضًا:\n٣ - طلب التبرك من غير الله جل وعلا.\nوذلك؛ أن التبرك هو طلب كثرة الخير ودوامه، (ولا أحد أحق بذلك","vol":"1","page":476},{"text":"وصفًا وفعلًا منه ﵎، وتفسير السلف يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان).\nقال ابن القيم: (وهذا اللفظ قد ذكره الله سبحانه في المواضع التي أثنى فيها على نفسه بالجلال، والعظمة، والأفعال الدالة على ربوبيته وإلهيته وحكمته وسائر صفات كماله ...).\nفهذا التبرك من الشرك بالله في ربوبيته - خصوصًا في صفته القدرة الكاملة - إذا اعتقد حصول كثرة الخير ودوامه من غير الله؛ لأنه اعتقاد في غير الله ما لا يجوز أن يعتقد إلا في الله، ففيه إنزال غير الله منزلة الربوبية.\nوربما يكون هذا شركًا بالله في ألوهيته وعبادته إذا صرفوا لغير الله بعض أنواع العبادات؛ وهذا بسبب المبالغة في تعظيم من يتبركون بهم، والافتتان بهم والتعلق بهم.\nوكان عند مشركي العرب هذا النوع من الشرك كما يدل عليه بعض الأحاديث والآثار المروية في ذلك، فمن ذلك:\n١ - ما رواه أبو واقد الليثي ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا","vol":"1","page":477},{"text":"ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ)، لتركبن سنن من كان قبلكم».\nقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: (وكان عكوف المشركين عند تلك السدرة تبركًا بها وتعظيمًا لها). فهذا يدل على أن المشركين كانوا في الجاهلية يطلبون الخير والبركة من هذه الأشجار، ومعلوم أن طلب الخير والبركة، وطلب دوامها من العبادة، وإيصال الخير والبركة وإدامتها إنما هي من خصائص الربوبية، فلهذا يكون عملهم هذا شركًا في الربوبية في قدرة الله الكاملة؛ لأنهم يعتقدون حصول الخير والبركة ودوامها من غير الله جل شأنه.\nولعل ما ذكر المؤرخون من أول ما حدث من الشرك: التبرك بأحجار الحرم أدل دليل على أن العرب في جاهليتهم كانوا يتبركون من بعض الأشياء، وقد سبق معنا بيان كيف حدثت عبادة الأحجار من قبل بني إسماعيل.\nثم هناك نصوص أخرى تدل على أن بعض العرب كانوا في جاهليتهم يتبركون ويستمدون من بعض القبور، فقد ذكر بعض من كتب في تاريخ العرب: أن قبر حاتم الطائي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية ... وكانت طيء تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحد قط إلا قراه، فهذا هو أبو البختري كما ذكروا، مر في نفر من قومه بقبر حاتم الطائي، فنزلوا قريبًا منه، فبات","vol":"1","page":478},{"text":"أبو البختري يناديه، يا أبا الجعد، أقرنا ...\nوالمقصود: أن التبرك من غير الله جل وعلا، ومن غير ما جعله الله مباركًا بنصوص الكتاب والسنة، إذا كان قصد المتبرك بالتبرك أنه يحصل له من قبل المتبرك به نفسه، فهذا شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة الشاملة، وإذا كان يعتقد أن المتبرك به يشفع عند الله، فهذا شرك بالله في العبادة.\nومن مظاهره أيضًا:\n٤ - السحر والتسحر، والنشرة لفك السحر؛ ومنه الصرف والعطف.\nوقبل أن ندخل في تفاصيل كونه شركًا، ووجوده في العرب في الجاهلية، يحسن بنا أن نتعرف على السحر، فنقول:\nالسحر في لغة العرب: كل ما لطف مأخذه ودق، وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، وسحره بمعنى: خدعه، وسحره بكلامه: استماله برقته وحسن تركيبه.\nوأما في الاصطلاح: فأحسن ما قيل فيه قول الشافعي ﵀: (السحر: اسم جامع لمعان مختلفة)، ولقد قال العلماء في تعريفه عبارات، منها:","vol":"1","page":479},{"text":"١ - (كل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع).\n٢ - وقيل: (هو كلام مؤلف يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه في المقادير والكائنات).\n٣ - وقيل: (هو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه، أو عقله).\n٤ - وقيل: (هو عزائم ورقى وعقد يؤثر في القلوب والأبدان، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه).\n٥ - وقيل: (إن السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب، غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء العلم بوجوه تركيبها وأوقاته).\nوعلى كلٍ: فإن التعاريف مختلفة، وسبب ذلك الاختلاف كثرة أنواع السحر، واختلاف صوره، حتى جعله الفخر الرازي ثمانية أقسام، وبعضهم جعله أكثر من ذلك، ولهذا قد جاء التنبيه من بعض الأئمة إلى","vol":"1","page":480},{"text":"ضرورة تحديد معنى السحر وتمييزه عن غيره.\nقال القرافي: (أطلق المالكية وجماعة الكفر على الساحر، وأن السحر كفر، ولا شك أن هذا قريب من حيث الجملة، غير أنه عند الفتيا في جزئيات الوقائع يقع منهم الغلط العظيم المؤدي إلى هلاك المفتي، والسبب في ذلك: أنه إذا قيل للفقيه: ما هو السحر؟ وما حقيقته حتى يقضي بوجوده على كفر فاعليه؟ يعسر عليه ذلك جدًا، فإنك إذا قلت له: السحر والرقى والخواص والسيميا والهيميا وقوى النفس شيء واحد، وكلها سحر، أو بعض هذه الأمور سحر، وبعضها ليس بسحر؟ فإن قال: الكل سحر، يلزمه أن سورة الفاتحة سحر؛ لأنها رقية إجماعًا، وإن قال: لكل واحد من هذه خاصية تختص بها، فيقال: بين لنا خصوص كل واحد منها، وما به تمتاز، وهذا لا يعرفه أحد من المتعرضين للفتيا ... إن الكتب الموضوعة في السحر وضع فيها هذا الاسم على ما هو كذلك كفر ومحرم، وعلى ما ليس كذلك، وكذلك السحرة، ويطلق لفظ السحر على القسمين، فلابد من التعرض لبيان ذلك).\nثم قال: (وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قبل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يقطع أنه كفر، فيجب حينئذ التفصيل، كما","vol":"1","page":481},{"text":"قال الشافعي ﵁ أما الإطلاق بأن كل ما يسمى سحرًا كفر، فصعب جدًا).\nوصدق ﵀؛ فالحكم على الشيء فرع من تصوره، فلابد للناظر في هذه المسألة أن يفصل ويميز ويفرق بين السحر الذي يعد كفرًا، وما ليس كذلك، ولعل هذا هو السبب الذي قال الشنقيطي ﵀ لأجله (كما قال الشافعي قبله): (إن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته).\nفالتحقيق في هذه المسألة هو التفصيل، فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر، فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة، فإنه كفر بلا نزاع، كما دل عليه قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ)، وقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا).\nوإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.","vol":"1","page":482},{"text":"وللإمام النووي ﵀ عبارة جامعة في حكم السحر؛ حيث قال: (قد يكون - السحر - كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه فعل أو قول يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزز واستتيب ...).\nفالسحر الذي يعد كفرًا، قد يقع قولًا باللسان، أو اعتقادًا بالقلب، أو عملًا بالجوارح، ونورد أمثله على ذلك:\nالسحر الذي لا يتأتى إلا عن طريق الشياطين، كأن يستغيث بهم، ويدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم.\nأو يعتقد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله، فهذان هما المقصودان عندنا في هذا الباب؛ لأنهما داخلان في شرك الربوبية، وهما شرك في قدرة الله الكاملة. وسيأتي توضيح ذلك بالتفصيل.\nأو يدعي لنفسه ولشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك، فهذا شرك بالله في صفته العلم المحيط، وقد سبق بيانه.\nأو يذبح لتلك الشياطين ونحوهم ويتقرب إليهم، فهذا شرك بالله في الألوهية والعبادة.\nأو يهين ما أوجب الله تعظيمه من الكتاب العزيز وغيره، فهذا كفر بالله جل شأنه.\nوالمقصود هنا: بيان هل وجد هذا النوع من الشرك (شرك الربوبية في صفة الله","vol":"1","page":483},{"text":"﷿ القدرة الكاملة الشاملة لكل شيء) في العرب في الجاهلية؟ وهل هذا شرك بالله في الربوبية؟ وكيف؟ .\nأما الجواب عن الشق الأول: فالذي يتضح من تدبر كلام الله ﷿: أن ظاهرة السحر بأنواعه المختلفة كانت موجودة في غالب الأمم، كما دل عليه قوله تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).\nيقول ابن تيمية: (اسم الساحر معروف في جميع الأمم).\nفهذا يدل على أن السحرة كانوا موجودين في زمن النبي ﷺ، كما يدل عليه أن المشركين كانوا يقولون للنبي ﷺ بأنه ساحر، يدل عليه قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) و(قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ)، و(لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ)، و(وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ)، و(إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا)، و(وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَّسْحُورًا)، و(بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)، (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ)، و(قَالَ الَّذِينَ","vol":"1","page":484},{"text":"كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و(أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ)، و(إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)، و(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)، و(فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ).\nوكما يدل عليه قصة سحر النبي ﷺ له من قبل بعض أعدائه من اليهود.\nفهذه كلها تدل صراحة على أن العرب كانوا عارفين عن السحر، وكان منهم سحرة.\nوأما الجواب عن الشق الثاني: - وهو هل السحر من الشرك في الربوبية؟ وكيف؟ - فيجاب عنه باختصار:\nأن بعض الأنواع من السحر لا يمكن أن يتعاطاها إلا بالشرك بالله جل وعلا، وذلك؛ إما بالاستعانة بهم، أو يدعوهم فيما لا يقدر عليه إلا الله، وينطق بكلمة الكفر من أجل رضاهم والاستمتاع بهم، أو يعتقد أن الكواكب مدبرة لأمر هذا العالم، وإما باعتقاد نفعهم أو ضرهم بغير إذن الله.","vol":"1","page":485},{"text":"فهذان الأمران شركان بالله في قدرة الله الكاملة، وهما شرك في الربوبية.\nوإما أن يدعي لنفسه أو لشياطينه علم الغيب أو مشاركة الله في ذلك. فهذا شرك بالله في علمه بالغيب، وهو شرك في الربوبية.\nوإما أن يوجه بعض أنواع العبادات إلى هؤلاء الشياطين، كالذبح لهم، والتقرب إليهم بالنذور، فهذا شرك بالله في عبادته.\nثم إن النبي ﷺ قرن السحر بالشرك، وفي بعض الأحاديث سماه شركًا، وحكم ﷺ بالكفر على من أتى ساحرًا فصدقه، فكيف بالساحر؟ كما تبرأ النبي ﷺ من الساحر والمسحور.\nفعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، ما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر ...».\nوقال ﷺ: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر».\nوقال أيضًا: «من عقد ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه».","vol":"1","page":486},{"text":"وقال أيضًا: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك»؛ والتولة ضرب من السحر، قال الأصمعي: (هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها).\nوقال عبد الله بن مسعود ﵁: (من أتى عرافًا، أو ساحرًا، أو كاهنًا، فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ).\nوعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له ...».\nفهذه الأحاديث بمجموعها تدل على أن السحر شرك.\nومما يلحق بالسحر: النشرة.\nوقد كانت النشرة موجودة في الجاهلية. وهي كما قال ابن الأثير: (ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة","vol":"1","page":487},{"text":"لأنه ينشر بها عند ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال، قال الحسن: النشرة من السحر).\nوقال ابن القيم: (النشرة حل السحر عن المسحور، وهو نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي كان في الجاهلية، ويعد من عمل الشيطان، وقد قال الرسول ﷺ: «هي من عمل الشيطان».\nوالثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية المباحة، فهذا جائز).\nومقصودنا في هذا الباب هو النوع الأول، فإنه سحر، وهو الذي كان موجودًا في الجاهلية، ولعل هذا هو السبب الذي قال لأجله من قال: (لا يحل السحر إلا ساحرًا)، فحكمها حكم السحر بالإجمال والتفصيل.\nومن مظاهر الشرك بالله جل وعلا في صفته القدرة الكاملة:\n٥ - الطِيَرَة والتطير وما في معناها.\nالطيرة: بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: اسم مصدر من تطير طيرة، كما يقال: تخير خيرة، وأصله: (التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشارع وأبطله، وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع أو دفع ضر).","vol":"1","page":488},{"text":"فهذه الطيرة شرك بالله جل وعلا في الربوبية، وذلك: بالإشراك في قدرة الله الكاملة، وقد قال ﷺ: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» ثلاثًا. وقال أيضًا: «من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك».\nوإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا، أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا بالله تعالى.\nفثبت بهذه الأدلة على أنها شرك، وقد كانت هذه الظاهرة موجودة في الجاهلية، كما كانت في الأمم السابقة، والدليل على كونها موجودة في الجاهلية ما في صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله ﷺ: ومنا أنا يتطيرون، قال: «ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم».\nوقال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: (لا خير ولا شر). قال ابن القيم: فبادره بالإنكار عليه، لئلا يعتقد تأثيره في الخير والشر.\nوخرج طاوس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل:","vol":"1","page":489},{"text":"خير، فقال طاوس: وأي خير عن هذا؟ لا تصحبني.\nوقد ذكر أصحاب الأخبار أيضًا تشاؤم العرب وتطيرهم بالطيور، وأن هذه الظاهرة كانت معروفة لديهم. حتى إن بعضهم كان يتشاءم من العطاس أيضًا.\nولا شك: أن هذا شرك بالله في قدرته الكاملة إذا كان اعتقاد المتطير أنها تؤثر بذاتها في جلب نفع أو دفع ضر، وأما إذا كان اعتقاده مجرد الالتفات إلى الأسباب، فهذا من قبيل الشرك الأصغر.\nومن الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفات الله لبعض مخلوقاته:\nج- الشرك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم لغير الله؛ فإن من المعلوم أن الحُكم أو الحَكَم من صفات الله ﷿، وهكذا التشريع والتحليل والتحريم، فقد قال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقال: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ)، (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، وقال ﷺ: «إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم».","vol":"1","page":490},{"text":"ولقد وقع مشركو العرب في هذا النوع من الشرك؛ والدليل عليه رد الله ﷿ عليهم في كتابه، فمن ذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، وقوله تعالى: (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذَا)، وقوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وقوله: (وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ)، وقوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ)، وقوله: (لَوْ شَاء اللهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ)، وقال: (وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاء عَلَى اللهِ)، وقال: (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ)، وقال: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا","vol":"1","page":491},{"text":"حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، وقال: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)، وغير ذلك من الآيات التي تدل صراحة على أنهم وقعوا في شرك التحليل والتحريم والتشريع لغير الله عزوجل.\nكما أن هناك آيات تدل على أنهم وقعوا في شرك إعطاء حق الحكم والتحاكم لغير الله، فمن ذلك قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، وقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقوله: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)، وقوله: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ)، وقوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى","vol":"1","page":492},{"text":"يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، فهذه آيات من القرآن الكريم تدل على أن مشركي العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى الطاغوت وقد نهاهم الله عن ذلك، بل ذكر ما يدل على أن الإيمان لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، ومنذلك (مع ما ذكر) قوله تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا)، وقوله: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى\nاللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى).\nومن أصرح الأدلة على أن العرب كان عندهم نوع من التحاكم إلى غير الله: استقسامهم بالأزلام. قال تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)، وقال تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).\nوالمقصود: أن هذا النوع من الشرك قد كان في العرب، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد، وذلك بإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم والحكم والتحاكم لغير الله، وقد ذكر المفسرون في تفسير هذه الآيات من الأسباب ما يدل على أن العرب قد وقعوا في هذا الشرك؛ فمن ذلك قول الحافظ ابن كثير عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)، حيث قال: (ثم نهى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما","vol":"1","page":493},{"text":"وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم)، وقال أيضًا: (والمقصود: أن عمرو بن لحي - لعنه الله - كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل، فاتبعه العرب في ذلك).\nوقال في موضع آخر: (وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم)، وقال: (وابتدعوا من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي - قبحه الله - مصلحة ورحمة بالدواب والأنعام، وهو كاذب مفتر في ذلك ...).\nوقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه من قول ابن عباس أنه قال: (إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام)، وفي هذه الآيات من التحليل والتحريم والتشريع من عند غير الله ما الله به عليم، ومن أراد البسط في ذلك فليرجع إلى تفسير ابن كثير وغيره.\nفهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته من حيث إثبات صفات الله جل وعلا المختصة به لبعض مخلوقاته.\nومن الشرك بالله جل شأنه في بعض صفاته: إثبات صفات المخلوق الناقصة لله ﷿، ومن مظاهر هذا الشرك لدى العرب في جاهليتهم ما يلي:","vol":"1","page":494},{"text":"١ - خرق البنات والبنين لله جل شأنه.\nقال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).\nوقال: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا).\nوقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ).\nوقال: (وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ).\nوقال: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).\nوقال: (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ).\nوقال: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى).\nوقال: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ).\nوقال: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ).","vol":"1","page":495},{"text":"وقال: (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى).\nوغيرها من الآيات، كلها تدل على أن مشركي العرب في الجاهلية كانوا يعتقدون في الملائكة أنهم بنات الله، كما كان هذا اعتقادهم في بعض الأصنام.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا)، فقيل: هو قولهم الملائكة بنات الله، ... وهو قول مجاهد وقتادة، وقيل: قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن ومنهم إبليس وهم بنات الله ... وقوله: (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ)، قال بعض المفسرين كالثعلبي: وهم كفار العرب، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله ...).\nومن مظاهره أيضًا:\n٢ - إثبات المصاهرة بين الله وبين الجنات.\nقال تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ).\nوقال في معرض الرد عليهم على لسان الجنات: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا).","vol":"1","page":496},{"text":"وقال: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).\nقال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير الآية: (جعل هؤلاء المشركون بين الله وبين الجنة نسبًا، واختلف أهل التأويل في معنى النسب الذي أخبر الله عنهم أنهم جعلوه لله تعالى؛ فقال بعضهم: هو أنهم قالوا: إن الله وإبليس أخوان).\nوقال قتادة: قالت اليهود: إن الله ﵎ تزوج إلى الجن، فخرج منهما الملائكة.\nوقال في موضع آخر في تفسير قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ): يقول تعالى ذكره: تنزه الله وعلا فارتفع عن الذي يصفه به هؤلاء الجهلة من خلقه في ادعائهم له شركاء من الجن واختراقهم له بنين وبنات، وذلك لا ينبغي أن يكون من صفته؛ لأن ذلك من صفة خلقه الذين يكون منهم الجماع الذي يحدث عنه الأولاد، والذين تضطرهم لضعفهم الشهوات إلى اتخاذ الصاحبة لقضاء اللذات، وليس الله تعالى ذكره بالعاجز فيضطره شيء إلى شيء، ولا بالضعيف المحتاج فتدعوه حاجته إلى النساء إلى اتخاذ صاحبة لقضاء لذة ...).","vol":"1","page":497},{"text":"وقال ابن كثير: (قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله تعالى، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن، وكذا قال قتادة وابن زيد).\nويروى عن ابن عباس أنه قال: (أنزلت هذه الآية في ثلاثة أحياء من قريش؛ سليم وخزاعة وجهينة. (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا)، قال: قالوا: صاهر إلى كرام الجن).\nفهذه بعض الروايات التي تدل على أن بعض العرب وقع في هذا النوع من الشرك، وأغلب هذه الروايات ضعيفة.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعض هذه الروايات، ففي بعض المواضع نقل شيخ الإسلام نسبة المصاهرة من مشركي العرب بدون تعقيب، ولكنه عقبه في موضع آخر بأن في صحتها نظر، فقال:\n(وقال الكلبي: قالوا - لعنهم الله ـ: بل تزوج من الجن فخرج بينهما الملائكة ... وأما الذين كانوا يقولون من العرب: إن الملائكة بنات الله، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن، فولدت له الملائكة؛ فقد نفاه الله عنه بامتناع الصاحبة، بامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد، وقوله: (ولم تكن له صاحبة)، وهذا ... من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء في ذلك تولد الأعيان التي","vol":"1","page":498},{"text":"تسمى الجواهر، وتولد الأعراض والصفات، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد، فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له من الملائكة، ولا من الجن، ولا من الإنس، ولم يقل أحد منهم أن له صاحبة، فلهذا احتج بذلك عليهم، وما حكي عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن، فهذا فيه نظر، وذلك إن كان قد قيل، فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة).\nفإن كانت هذه الروايات ثابتة يكون إثباتهم مثل هذه المصاهرة من الشرك بالله في الربوبية بإثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل وعلا.\nوالمقصود: بيان كون العرب - بعضهم على فرض ثبوت الروايات في ذلك - قد أشركوا بالله في بعض صفاته من حيث إثبات صفات المخلوق الناقصة لله جل شأنه الكامل، وهو إلحاد وتنقيص وشرك، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا فيما سبق.\nفهذه بعض مظاهر الشرك بالله جل وعلا في بعض خصائص الربوبية التي كانت لدى العرب في جاهليتهم، ولكن - كما أسلفنا - أن هذه المظاهر ما كانت بصفة عامة لدى جميع العرب، بل العرب كان أغلبهم شركهم في الجاهلية في العبادة والألوهية وفي المعاملة - سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية - على أنها تقربهم إلى الله زلفى، وعلى أنها تشفع لهم إلى الله يوم القيامة، أو تشفع لهم في قضاء حوائجهم أو في جلب نفع أو دفع ضر، وهي الصفة الغالبة لديهم في الجاهلية كما تدل عليها الآيات القرآنية - كما سيأتي ـ.","vol":"1","page":499},{"text":"الفرع الثاني: شرك العبادة لدى العرب:\nوفيه تمهيد وعنصران\nأما التمهيد فيتضمن نقطتان:\nالنقطة الأولى: في بيان كون أغلب شرك العرب في العبادة:\nمن أبرز حقائق الشرك الجاهلي: اعتقاد المشركين بتعدد الآلهة دون إنكاره سبحانه أو اعتقاد الخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وغيرها من أمور الربوبية لغيره سبحانه، فأغلبهم كانوا يقولون بتعدد الآلهة دون التخلي عن فكرة الإله الخالق للكون، وإنما هم أشركوا بعباته عبادة الآلهة الأخرى المتمثلة في الأوثان والأصنام على اختلافها وتنوعها، كما هي تتمثل أيضًا في بعض الأشجار والأحجار والأجرام السماوية، معتقدين أن هذه الأشياء المميزة إنما هي مكمن للقوى الخفية، وللأرواح الشريرة، وللشياطين التي تدخل في شئون الإنسان، وتسد عليه طريق تفكيره وسلوكه.\nوفي القرآن الكريم وفي السنة المطهرة النبوية وفي التراث الجاهلي بشعره ونثره الكثير من الأدلة والشواهد المثبتة لمبدأ تعدد الآلهة دون التنكر لفكرة الله خالق هذا الوجود، ودون إثبات الرازقية والخالقية والإماتة والإحياء وتدبير الأمور وغيرها لغيره ﷾، وسأذكر فيما يلي الأدلة على أن أغلب شرك العرب إنما كان في العبادة فحسب.\nلقد نوع الله ﷿ في كتابه الكريم الدلائل على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وإشراكهم في الألوهية.\nالنوع الأول من الدلائل على ذلك: استدلال الله ﷿ واحتجاجه على مشركي العرب بإقرارهم بالخالقية والرازقية والإحياء والإماتة وتدبير","vol":"1","page":500},{"text":"الأمور على أن الألوهية والعبادة محض حق خالص له سبحانه.\nفمن هذه الآيات:\n١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) إلى قوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nقال الطبري وابن كثير: (أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره).\n٢ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).\nقال ابن كثير في هذه الآية: (يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانية ربوبيته على وحدانية ألوهيته ... أي فكيف تُصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء؟).\n٣ - قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ).\nقال ابن كثير: (أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا يقدرون على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضلاّل من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو).","vol":"1","page":501},{"text":"فإذا كانت الهداية والضلالة بيد الله باعترافكم فلماذا تعبدون غيره؟ وما الذي منعكم من إخلاص العبادة لله جل شأنه إذا كان لديكم الاعتراف بربوبيته؟ .\n٤ - قوله تعالى: (قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ).\nقال ابن كثير: (يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو؛ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها).\n٥ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: من خلق السموات والأرض؟ (ليقولن خلقهن العزيز العليم)؛ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد).\n٦ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ).\nقال ابن كثير: (أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره، من خلقهم؟ ليقولن: الله، أي هم يعترفون أنه الخالق الأشياء جميعها وحده لا شريك له في ذلك).\n٧ - وقوله تعالى: (قُل لِّمَنِ الأرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)","vol":"1","page":502},{"text":"سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ).\nقال ابن كثير: (يقرر - تعالى - وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك؛ ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال للرسول محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين له بالربوبية: أنه لا شريك له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا ولا يملكون شيئًا ولا يستبدون بشيء ... فقال: (قل لمن الأرض ومن فيها)؛ أي مَن مالكها الذي خلقها ومَن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات؟ (إن كنتم تعلمون، سيقولون لله)؛ أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك (قل أفلا تذكرون) أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره؛ (قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم) ... (سيقولون لله قل أفلا تتقون) أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟ ...\nقال: وقوله: (فأنى تسحرون) أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك).","vol":"1","page":503},{"text":"٨ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).\nقال ابن كثير تحت هذه الآيات: (يقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو؛ لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلًا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل في خلق الأشياء، المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن هو الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية، وقد كان المشركون يعترفون بذلك كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك ...).\n٩ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).\nقال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به أنهم يعرفون أن الله خالق السموات وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء يعترفون أنها خلق له وملك له، ولهذا قال تعالى: (قل الحمد لله) أي","vol":"1","page":504},{"text":"إذا قامت عليكم الحجة باعترافكم).\n١٠ - قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).\nقال ابن كثير: (يقول تعالى مقررًا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضًا كما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض ... إلا الله. فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره).\n١١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).\nقال ابن كثير: (ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان).\n١٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ).\nوجه الاستدلال: تقريرهم بأن شركاءهم ما خلقوا شيئًا، كما هو واضح من الآية.\n١٣ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).\nقال ابن كثير: (يعني المشركين، كانوا يعترفون بأن الله ﷿ هو الخالق","vol":"1","page":505},{"text":"للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا).\nفهذه بعض الآيات القرآنية التي تدل على أن أغلب المشركين كانوا يعترفون بربوبية الله جل شأنه وخالقيته ورازقيته، وينسبون تدبير أمورهم وشئونهم إلى الله سبحانه وحده، وهم مع هذا كانوا مشركين، فشركهم ليس إلا في العبادة.\nالنوع الثاني من الأدلة على ذلك: احتجاج الله جل وعلا على أحقيته بتوحيد العبادة بإقرار المشركين عن معبوديهم بأنها لا تملك النفع والضر لأحد فضلًا عن أن تملك كشف الضر عن أحد. وقد ذكره الله ﷿ في آيات كثيرة، منها:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).\nقال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول الله تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإلهية وفقال تعالى ... قل يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله ... أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا، أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، والله هو السميع العليم .. فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه).\nوالمقصود: أن السؤال كان سؤال إنكار وتقرير.\n٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).","vol":"1","page":506},{"text":"قال ابن كثير في تفسير الآية: (أي إذا أتاكم هذا وهذا أغير الله تدعون إن كنتم صادقين، أي لا تدعون غيره لعلمكم أنه لا يقدر أحد على رفع ذلك سواه، ولهذا قال: (إن كنتم صادقين) أي: في اتخاذكم آلهة معه).\n٣ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا).\nقال ابن كثير: (يقرر تعالى: أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها ... وأولئك الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرًا ... فهل يستوي من عبد هذه الآلهة ومن عبد اللهه وحده لا شريك له فهو على نور من ربه).\n٤ - قوله تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nقال الشوكاني: (أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر ... (أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته) عني بحيث لا تصل إلي، ... قال مقاتل: لما نزلت هذه الآية سألهم النبي ﷺ فسكتوا، وقال غيره: قالوا: لا تدفع شيئًا من قدر الله ولكنها تشفع، فنزل (قل حسبي الله) في جميع أموري في جلب النفع ودفع الضر ...).\n٥ - قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ).","vol":"1","page":507},{"text":"قال الشوكاني: إن الكفار يعتقدون في معبوداتهم وأصنامهم أنها تنفعهم في غير كشف الضر والمصائب، وأما في هذه الحالة - أي حالة مسهم الضر في البحر - فإن كل واحد منهم يعلم علمًا لا يقدر على مدافعته: أن الأصنام ونحوها لا فعل لها.\nفهذه الآيات كلها تدل على أن أغلب مشركي العرب كانوا يعترفون بأن الضر والنفع من الله، وأنه ليس لهم أي كاشف عن مصائبهم غير الله سبحانه، ومعلوم أن هذا من أمور الربوبية، ولكن مع هذا هم يشركون بالله، ليس إلا بالعبادة، فاحتج الله عليهم بهذا الاعتراف على ضرورة تفرده سبحانه وحده بالعبادة.\nالنوع الثالث: آيات من القرآن الكريم تصرح بالشركة: ومعلوم أن الشركة لا تكون إلا بوجود الاعتراف بمن يشرك به، وهو الله جل شأنه، وهذه الآيات وإن كانت تدل على الشركة في الألوهية والربوبية معًا إلا أن الأدلة الأخرى توضح بأنهم ما كانوا يشركون في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات - إلا عند شرذمة منهم كما مر ـ، وإنما كانوا يشركون في الألوهية وبعض خصائص الربوبية، فالشركة هنا ظاهرة في الشرك في الألوهية. فمن هذه الآيات:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ).","vol":"1","page":508},{"text":"فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون: بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون: إن معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد إن، وأكدت باللام، (فلفظ (مع) في الآية تدل على أنهم مقرون بربوبية الله وكذا بألوهيته، ولكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم، وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة).\n٢ - قوله تعالى: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ).\nقال الحافظ ابن كثير: (وعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا آخر).\nوالمعروف: أن فيه اعترافهم بالله مع شركهم به، فشركهم إنما هو بالعبادة والألوهية لا في الربوبية؛ بدليل اعترافهم بالشركة، والشركة ليست في الربوبية باتخاذ الأنداد، وإنما هي في الألوهية، وفي بعض خصائص الربوبية.\n٣ - قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: (يقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك بالله لا برهان له؛ أي لا دليل له على قوله).","vol":"1","page":509},{"text":"٤ - قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ)، بعد قوله: (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا). ومثل هذا قوله تعالى: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقوله: (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).\nقال الحافظ ابن كثير: (استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع يبين أنه المتفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، أي لم تكونوا تقدرون على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق والرازق المستقل بذلك، المنفرد به دون هؤلاء الأصنام والأنداد كما يعترف به هؤلاء المشركون).\nومن هذا الباب أيضًا:\n٥ - قوله تعالى: (فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ).\n٦ - قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ).\nوالآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله آلهة، فهم","vol":"1","page":510},{"text":"مقرون بربوبية الله وأحديته فيها، ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة.\nالنوع الرابع: آيات تدل على أن المشركين كانوا يقرون على أنفسهم بالشرك في العبادة: بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن لهذا، ولفظ الشرك لا يكون في لسان إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله ولكنهم أشركوا به في الإلهية، ومن هذه الآيات:\nقوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ). وجه الدلالة: اعترافهم بالمشيئة لله فهو إقرار بالربوبية واعترافهم بالشرك ما هو إلا في الألوهية والعبادة.\nالنوع الخامس: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده، لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط.\nوهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، من ذلك ما يلي:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).\n٢ - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)","vol":"1","page":511},{"text":"٣ - قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ).\n٤ - قوله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ).\nفالحق الذي لا محيد عنه هو الذي دل عليه القرآن من إقرار المشركين بالربوبية لله جل شأنه، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كانوا في حالة الرخاء أشركوا بالله، ولكن إذا كانوا على الشدة والكرب أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، بل أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين والأصنام والأنداد.\nالنوع السادس: ذكر الله عن المشركين أن عندهم نوع من إيمان بالله سبحانه، وأردف ذلك ببيان كونهم مشركين به، ومعلوم أن إيمانهم كان في توحيد الربوبية، وشركهم كان في توحيد الألوهية والعبادة. ومن ذلك:\nقوله تعالى في آخر سورة يوسف: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ). يقول المفسرون من السلف والخلف: إيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا ومميتنا ومحيينا، وإشراكهم به هو جعلهم لله شريكًا في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل، منهم ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر الشعبي، وقتادة وغيرهم.\nفهذه دلالات القرآن على أن أغلب مشركي العرب كان شركهم في العبادة دون","vol":"1","page":512},{"text":"الربوبية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أما توحيد الربوبية فقد أقر به المشركون وكانوا يعبدون مع الله غيره ويحبونهم كما يحبونه فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم ...).\nوقال الإمام ابن القيم: (والإلهية التي دعت إليه الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها: هي العبادة والتأليه، ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية ...).\nالأدلة من السنة النبوية المطهرة على أن المشركين في الجاهلية كانوا يقرون بالربوبية، وأن غالب شركهم كان في الألوهية والعبادة: وهي كثيرة، وسأضرب بعض الأمثلة على ذلك:\n١ - ما سبق معنا من قول النبي ﷺ: «قد قد»، لمن سمعه يقول في تلبيته: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك ...).\n٢ - قوله ﷺ لحصين: «كم تعبد؟» قال: سبعًا في الأرض وواحدًا في السماء، قال: «فإذا أصابك الضر من تدعو؟» قال: الذي في السماء ... .\nالأدلة من أشعار العرب على أن أغلب شرك العرب كان في العبادة دون","vol":"1","page":513},{"text":"الربوبية:\nلعل من أبرز ما يدل على أن شركهم كان في العبادة ذكرهم آلهتهم في أشعارهم بالعبادة، وأنشادهم الأشعار في شأنهم، وتتمثل هذه المظاهر فيما يلي:\nأ- تلبياتهم لبعض الأصنام؛ وفيها التصريح بالعبادة لهذه الأصنام بالحج والعمرة والطواف وغيرها، فمثلًا أن نزارًا كانت تقول إذا ما أهلت:\nلبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك\nإلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك\nوجاء في الأخبار: أن العرب كانت تحج الأقيصر، فيحلقون عنده رؤوسهم، وكان يلقون مع كل شعرة من شعورهم قرة من دقيق، وهم يسبحون ويهللون، وفي ذلك قال قائلهم:\nفإنني والذي نغم الأنام له ... حول الأقيصر تسبيح وتهليل\nكما جاء في أشعار العرب ذكر ذي الخلصة، وطواف دوس بهذا الصنم. فقد قال قائلهم:\nيطيف بنصبهم حجن صغار ... فقد كانت حواجبهم تشيب","vol":"1","page":514},{"text":"وكانت للعرب أحجار منصوبة يطوفون بها ويعترون عندها يسمونها الأنصاب ويسمون الطواف بها الدوار، وفي ذلك يقول قائلهم:\nألا يا ليت أخوالي غنيًا ... عليهم كلما أمسوا دوار\nوهذه بعض أشعارهم في الطواف حول الأصنام والمعبودات، وحول بيوت الآلهة.\nب- ومن مظاهره أيضًا: ذبحهم للأصنام، وذكر ذلك في أشعارهم، فمن ذلك قول بعضهم:\nأسوق بدني محقبًا أنصابي ... هل لي من قومي من أرباب\nوقول الآخر منهم:\nكأن العزى الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهدي المذبح\nوالعزى هنا هو الحجر الذي كان يذبح عنده للأصنام.\nوقول الآخر منهم:\nوأنصاب الأقيصر حين أضحت ... تسيل على مناكبها الدماء\nوقول الآخر منهم:\nتراهم حول قيلهم عكوفًا ... كما عكفت هذيل على سواع\nتظل جنابه صرعى لديه ... عتائر من ذخائر كل راع","vol":"1","page":515},{"text":"فهذه بعض أشعار العرب الدالة على أنهم كانوا يذبحون لأصنامهم، ومعروف أن الذبح لغير الله من الشرك بالله في الألوهية.\nج- ومن مظاهره أيضًا: الحلف بالآلهة، ومن الأشعار الدالة عليه ما روي عن بعضهم:\nحلفت بأنصاب الأقيصر جاهدًا ... وما سحقت فيه المقاديم والقمل\nوقول الآخر منهم:\nحلفت غطيف لا تنهنه سربها ... وحلفت بالأنصاب أن لا يرعدوا\nومثل هذا كثير في أشعارهم، ولعل من أبرزها ما كانت تقوله قريش:\nوباللات والعزى ومن دان دينها ... وبالله إن الله منهن أكبر\nد- ومن مظاهره أيضًا: ذكرهم بعض الأشعار التي تدل على أنهم إنما يطلبون من هذه الأصنام الشفاعة، فمن ذلك ما كانت قريش تقول عندما تطوف الكعبة:\nواللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى فإنهن الغرانيق العلى\nوإن شفاعتهم لترتجى.\nفهذه بعض أشعار العرب الدالة على أن شرك العرب في الغالب كان في العبادة، وهم في ذلك مقرون بالله جل شأنه - بالربوبية حتى وبالألوهية أيضًا ـ، ولكن الذي يفقدهم هو إفراده سبحانه بالعبادة.\nولكن ما الذي جرهم إلى عدم إفراد العبادة؟ وما الذي حملهم على عبادة غير الله تعالى إذا كانوا يقرون بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومعبودًا؟ هذا ما سيأتي بيانه فيما يلي:","vol":"1","page":516},{"text":"النقطة الثانية: في بيان كون شرك العرب في الجاهلية في الحقيقة باتخاذ المعبودات زلفى:\nكانت فلسفة العرب في عبادة غير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده ليس إلا.\nوقد ذكر الله ﷿ أصل هذا الشرك والدافع إليه عند المشركين في الجاهلية بأن الذي تقرر في قلوب المشركين - المتقدمين والمتأخرين - أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله - تعالى - برفع حوائجهم إليه والشفاعة عندهم، فقال تعالى:\n١ - (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).\nقال الطبري: (يقول تعالى: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى - قربة ومنزلة ـ، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا ...\nقال مجاهد: قريش تقوله للأوثان، ومن قبلهم يقوله للملائكة، ولعيسى بن مريم ولعزير).\nفعلم بهذا: أن قوله تعالى: (ما نعبدهم) الآية من قول المشركين لآلهتهم، وقد جاء هذا مصرحًا في قراءة عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁ حيث إنه قرأ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ","vol":"1","page":517},{"text":"زُلْفَى) والقراءة وإن كانت شاذة إلا أنها تصلح تفسيرًا للآية على أشهر أقوال المفسرين، كما أن هذه قراءة سعيد بن المسيب أيضًا من التابعين.\nوقال ابن كثير في تفسير الآية: (ثم أخبر ﷿ عن عباد الأصنام من المشركين: أنهم يقولون: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)؛ أي إنما يحملهم على عبادتهم لها أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين - في زعمهم - فعبدوا تلك الصور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا، ... قال قتادة والسدي وزيد بن أسلم وابن زيد: إلا ليقربونا إلى الله زلفى: أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة).\nوقال الشوكاني: (والضمير في (نعبدهم) راجع إلى الأشياء التي كانوا يعبدونها من الملائكة وعيسى والأصنام، وهم المرادون بالأولياء، والمراد بقولهم (إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الشفاعة كما حكاه الواحدي عن المفسرين).\nوقال الرازي في تفسير الآية: (وتقدير الكلام: والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وعلى هذا التقدير فخبر (والذين) محذوف وهو قوله: (يقولون)، واعلم أن الضمير في قوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) عائد على الأشياء التي عُبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء.\nأما العقلاء: فهو أن قومًا عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة، وكثير من","vol":"1","page":518},{"text":"الناس يعبدون الشمي والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة.\nوأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام، إذا عرفت هذا فنقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائق بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، ... ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الأصنام من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبدونه لاعتقادهم أنها تماثيل الكواكب أو تماثيل الأرواح السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين مضوا، ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى تلك الأشياء التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها ...).\nوقال صاحب محاسن التأويل: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) أي بالمحبة والتقرب والتوسل بهم إلى الله - تعالى - (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي يقولون ذلك احتجاجًا على ضلالهم (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي عند حشر معبوداتهم معهم فيقرن كلًا منهم مع من يتولاه من عابد ومعبود، ويدخل المبطل النار مع المبطلين، كما يدخل المحق الجنة مع المحقين).\nوالمقصود: أن الله ﷿ بين سبب عبادة المشركين لآلهتهم بيانًا شافيًا بأن شرك العرب كان بدافع التقرب والواسطة إلى الله جل وعلا، ولكن كان هذا","vol":"1","page":519},{"text":"نتيجة الغلو في المخلوقات ورفعها فوق منزلتها، كما سيأتي في بيان أسباب الشرك. وإنما المقصود هنا بيان الآيات التي تدل على أن شرك العرب كان بدافع التقرب إلى الله جل وعلا بهؤلاء المعبودات، وقد نقلت في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين من المأثور والرأي. وقد ذكر الله ﷿ هذه الحقيقة في عدة أيات من القرآن الكريم غير ما ذكرت، وسأورد بعضًا منها فيما يلي دون الإشارة إلى تفسيرها اكتفاء بما ذكر في الآية الأولى، وبما هو مدون في كتب التفسير، فمن هذه الآيات:\n٢ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\n٣ - قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا).\n٤ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ).\n٥ - قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ\n٦ - قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ","vol":"1","page":520},{"text":"ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (جمع [في هذه الآية] بين الشرك والشفاعة).\nإذن حقيقة الشرك في العرب: اتخاذ واسطة بين المخلوق والخالق. فعبادتهم لغير الله وإيمانهم بهذه الآلهة وتكريمهم لها إنما هو من أجل التقرب إلى الله والتشفع بها عنده.\nقال الشهرستاني في الملل والنحل في بيان شرك العرب: (وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم ...).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب:\nمنهم من صورها على صور الأنبياء والصالحين.\nومنهم من جعلها تماثيل وطلاسم للكواكب والشمس والقمر.\nومنهم من جعلها لأجل الجن.\nومنهم من جعلها لأجل الملائكة ...).","vol":"1","page":521},{"text":"وقال في موضع آخر: (فالمشركون كانوا يتخذون من دون الله شفعاء من الملائكة والأنبياء والصالحين، ويصورون تماثيلهم فيستشفعون بها، ويقولون: هؤلاء خواص الله، فنحن نتوسل إلى الله بدعائهم وعبادتهم ليشفعوا لنا، كما يتوسل إلى الملوك بخواصهم لكونهم أقرب إلى الملوك من غيرهم فيشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك، وقد يشفع أحدهم عند الملك فيما لا يختاره فيحتاج إلى إجابة شفاعته رغبة ورهبة).\nوقال أيضًا: (وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة آخرين مقرين بأن آلهتهم مخلوقة، ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه).\nوقال ابن أبي العز: (ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم في الهند والترك والبربر وغيرهم؛ تارة يعتقدون: أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب ... - إلى أن قال: - ومن أسباب الشرك عبادة الكواكب، واتخاذ الأصنام بحسب ما يظن أنه مناسب للكواكب من طباعها، وشرك قوم إبراهيم ﵇ كان - فيما يقال - من هذا الباب. وكذلك الشرك بالملائكة والجن، واتخاذ الأصنام لهم، وهؤلاء كانوا مقرين بالصانع ... ولكن اتخذوا هذه الوسائط شفعاء ...).\nوقال الآلوسي: (وكانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى،","vol":"1","page":522},{"text":"والتقرب إليه، ولكن بطرق مختلفة.\nفرقة قالت: ليس لنا أهلية لعبادة الله تعالى بلا واسطة؛ لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه ...\nوفرقة قالت: الملائكة ذوو جاه ومنزلة عند الله، فاتخذنا أصنامًا على هيئة الملائكة ليقربونا إلى الله.\nوفرقة قالت: جعلنا الأصنام قبلة لنا في عبادة الله تعالى كما أن الكعبة قبلة في عبادته.\nوفرقة اعتقدت: أن على كل صنم شيطانًا موكلًا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلا أصابه الشيطان بنكبة بأمر الله ...).\nوالمقصود: بيان أن المشركين إنما أشركوا بالله تعالى شرك الشفاعة والتوسل إلى الله تعالى بعبادة الصالحين، حيث ظنوا أنهم لا يمكنهم الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة الصالحين الذين لهم مكانة عند الله، وأن الله تعالى لا يرد شفاعتهم لمنزلتهم عنده، وكانوا يقيسون الله على ملوك الدنيا، فزعموا أنه كما لا يمكن الوصول إلى الملك إلا بواسطة حواشيه وندمائه، هكذا لا يمكن الوصول إلى الله تعالى مباشرة إلا بواسطة عباد الله المقربين عنده.\nوعلى هذا الأساس صوروا لهم الصور ونحتوا لهم التماثيل تذكارًا لهم، وجعلوها قبلة للتوجه إلى هؤلاء الصالحين المقربين، فكانوا على هذا الأساس يدعونهم ويستغيثون بهم في المهمات، وينذرون لهم، ويعبدونهم بأنواع العبادات.","vol":"1","page":523},{"text":"وهذه الوسائط لدى العرب لما كانت تنقسم إلى ما هو عاقل وما هو غير عاقل، وإلى ما هو سماوي وما هو أرضي، فإنني سأذكرها بالتفصيل في العنصرين الآتيين:\nالعنصر الأول: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة السماوية:\nفهذه الأدلة بعضها تعقل وبعضها لا تعقل.\nأما ما كانوا يعبدون من الآلهة السماوية من العقلاء فمثلًا: عبادة الملائكة.\nفقد ثبت من النصوص الشرعية وروايات التاريخ: أن من العرب من كان يعبد الملائكة. قال الله ﷿: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).\nقال الطبري: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء الكفار بالله جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فتتبرأ منهم الملائكة، (قَالُوا سُبْحَانَكَ) ربنا تنزيهًا لك وتبرئة مما أضاف إليك هؤلاء من الشركاء والأنداد (أنت ولينا من دونهم) لا نتخذ وليًا من دونك (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) ... قال قتادة: ويوم نحشرهم جميعًا ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم","vol":"1","page":524},{"text":"كانوا يعبدون؟ استفهام كقوله لعيسى: (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ ...).\nوقال ابن كثير: (يخبر الله تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: (أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ...).\nوقال الماوردي في تفسير الآية: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) يعني المشركين ومن عبدوه من الملائكة (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) وهذا السؤال للملائكة تقرير وليس باستفهام، وإن خرج مخرج الاستفهام ...).\nوقال جل شأنه في آية أخرى في شأن عبادة المشركين للملائكة والأنبياء وغيرهم: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا).\nقال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: ويوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة العابدين الأوثان وما يعبدون من دون الله من الملائكة","vol":"1","page":525},{"text":"والإنس والجن. كما حدثني ... عن مجاهد في قول الله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فنقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء؟ قال: عيسى، وعزير والملائكة ...).\nوقال الماوردي: (قوله: (وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال مجاهد: هم عيسى وعزير والملائكة، وقوله: (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ) هذا تقرير لإكذاب من ادعى ذلك عليهم وإن خرج مخرج الاستفهام، وفيمن يقال له ذلك قولان:\nأحدهما: أنه يقال للملائكة، قاله الحسن.\nالثاني: لعيسى وعزير والملائكة، قاله مجاهد).\nوقال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عما يقع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله من الملائكة وغيرهم، فقال: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله). قال مجاهد: هم عيسى والعزير والملائكة ...).\nوالمقصود: بيان أن من مشركي العرب من كان يعبد الملائكة وذلك بتصويرهم كما صور لهم الشياطين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه ـ: (وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن، فإن الجن هم الذين يعينونهم ويرضون بشركهم، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ","vol":"1","page":526},{"text":"أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، والملائكة لا تعينهم على الشرك لا في المحيا ولا في الممات، ولا يرضون بذلك ...).\nوقال ابن القيم: (ومن تلاعبه - أي الشيطان - بهم: أن زين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم بزعمهم، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين، فعبدوا أقبح خلق الله وأحقهم باللعن والذم ...).\nأما المعبودات السماوية التي لا تعقل فهذه كثيرة، منها:\nعبادة الكواكب، وهي على قسمين:\n١ - عبادة الأجرام الكبرى؛ وهي الشمس والقمر والزهرة.\nقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).\nقد رأى بعض العلماء: (أن عبادة أهل الجاهلية هي عبادة الكواكب في الأصل، وأن أسماء الأصنام والآلهة وإن تعددت وكثرت، إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي، هو الشمس والقمر والزهرة، وهو رمز لعائلة صغيرة، تتألف من أب هو القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة، وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له: الأسماء الحسنى لله في الإسلام).","vol":"1","page":527},{"text":"ولسنا بصدد تحقيق هذا القول، ولكن الصحيح أنه قد لفت الجرمان السماوية: الشمس والقمر نظر الإنسان إليهما بصورة خاصة، لما أدرك فيهما من أثر في الإنسان وفي طباعه وعمله، وفي الجو الذي يعيش فيه، وفي حياة زرعه وحيوانه، وفي تكوين ليله ونهاره والفصول التي تمر عليه، فتوصل بعقله يوم ذاك إلى أنه نفسه، وكل ما يحيط به، من فعل هذين الجرمين ومن أثر أجرام أخرى أقل شأنًا منهما عليه، فنسب إليهما نموه وتكوينه وبرئه وسقمه، وحياة زرعه وماشيته، ورسخ في عقله أنه إن تقرب وتعبد لهما، ولبقية الأجرام، فإنه سيرضيها، وستغدق عليه بالنعم والسعادة والمال والبركة في البنين، فصار من ثم عابد كوكب.\nوهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان ولاسيما الشمس والقمر، والزهرة وإن كانت غير بارزة بروز الشمس والقمر، غير أنها ظاهرة واضحة مؤثرة بالقياس على بقية الأجرام، ذات مظهر جذاب، ولون باهر خلاب، وقد يكون هذا المظهر الجميل الأخاذ هو الذي جعلها ابنًا للشمس والقمر في أساطير العرب الجنوبيين.\nولكن الصحيح الذي لا مرية فيه أن هذه الآلهة لا تحتل نفس المركز في ديانة العرب الشماليين، بل كان التأثر لها عند الشماليين أقل من الجنوبيين، كما هو ظاهر، ولكن ما زال هناك من العرب الشماليين الساميين من مال إلى الانبهار بها وإلى اعتبارها آلهة تستحق التقدير والعبادة والتقديس، وهذا الأمر","vol":"1","page":528},{"text":"كان لدى العرب من أقدم العصور.\nويبدو أن عبادة الكواكب جاءت إلى العرب عن طريق الصابئة وبقايا الكلدان الذين تأثر العرب بهم مثلما تأثروا من قبلهم بالفرس والهند والترك والصين واليونان.\nحتى الآلهة الأرضية - كما سيأتي - ونعني بها الأصنام، فإنها ما كانت - حسبما تذهب بعض المصادر - إلا تمثيلًا لما علاها وعلاهم من الجواهر العلوية والأجسام السماوية التي هي سبعة من الأشخاص الفلكية الرئيسة المؤلفة من الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وأخر من ذوات التأثير في العالم الأرضي.\nوالمقصود: أن أصل عبادة الكواكب جاءت إلى العرب من الصابئة قوم إبراهيم، قال الإمام ابن القيم: (وأصل هذا المذهب من مشركي الصابئة، وهم قوم إبراهيم ﵇ الذين ناظرهم في بطلان الشرك وكسر حجتهم بعلمه وآلهتهم بيده، فطلبوا تحريقه، وهو مذهب قديم في العالم، وأهله طوائف شتى، فمنهم عباد الشمس، زعموا أنها ملك من الملائكة لها نقس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، وتكون الموجودات السفلية كلها عندهم منها، وهي عندهم ملك الفلك، فيستحق التعظيم، والسجود والدعاء ...).\nفعلم من هذه النصوص أن عرب الجنوب غالبًا وعرب الشمال - لدى","vol":"1","page":529},{"text":"بعض منهم - كان لديهم الشرك بعبادة الكواكب من الأجرام السماوية الكبرى كالشمس والقمر، والزهرة، ولهذا نهى الله جل وعلا هؤلاء الجاهليين أن لا يوجهوا بعبادتهم - السجدة - إليها، فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).\nقال ابن جرير الطبري: (لا تسجدوا أيها الناس للشمس ولا للقمر فإنهما وإن جريا في الفلك بمنافعكم فإنما يجريان بها لكم بإجراء الله إياهما لكم طائعين له في جريهما ومسيرهما، لا بأنهما يقدران بأنفسهما على سير وجري دون إجراء الله إياهما وتسييرهما، أو يستطيعان لكم نفعًا أو ضرًا، وإنما الله مسخرهم لكم لمنافعكم ومصالحكم، فله فاسجدوا، وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلًا ولا تبصرون شيئًا ...).\nفالآية بينت أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله كالليل والنهار التي يستدل بهما على عبادته وحده دون سواه، كذلك دلت على بطلان عبادتهما من دون الله، وقد بين الله - تعالى - بطلان عبادة جميع المخلوقات سوى الله - تعالى - قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ...).\nفأخبرنا تعالى بأن جميع الأشياء في هذا الكون - من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب وكثير من الناس - خاضعة لله مطيعة له، كلها عبد لديه، مفتقرة إليه، فلا يصح عبادة شيء منها ألبتة.","vol":"1","page":530},{"text":"قال ابن كثير: (يخبر - تعالى - أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد له لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا).\n٢ - عبادة الأجرام الأخرى:\nعبد بعض أهل الجاهلية أجرامًا سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات، ففي كتب الأخباريين:\nأ- أن طائفة من تميم عبدت (الدبران)، وأن (العيوق) في زعمهم (عانق الدبران لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص).\nب- وفي كتبهم أيضًا: أن بعض قبائل لخم وحمير وقريش عبدوا (الشعرى العبور)، وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم (أبو كبشة). وهو (جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي)، أو (وجز بن غالب)، أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، خالف قريشًا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور، وكان (وجز) يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضًا، فلا أرى في السماء شيئًا، شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا، يقطع السماء عرضًا، والعرب تسمي الشعرى العبور؛ لأنها تعبر السماء عرضًا.\nوالعرب تظن أن أحدًا لا يعمل شيئًا إلا بعرق ينزعه شبهه، فلما خالف رسول الله ﷺ دين قريش، قالت قريش: نزعه أبو كبشة، لأن أبا كبشة خالف","vol":"1","page":531},{"text":"الناس في عبادة الشعرى، وكانوا ينسبون رسول الله ﷺ إليه، وكان أبو كبشة سيدًا في خزاعة، ولم يعيروا رسول الله ﷺ به من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبي كبشة، فيقولون: (خالف كما خالف أبو كبشة).\nوذكر القرطبي: (أن أول من عبد الشعرى (أبو كبشة أحد أجداد النبي ﷺ من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي ﷺ: ابن أبي كبشة، حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! .\nوقال أبو سفيان يوم الفتح، وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله ﷺ تمر عليه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة)، وقال أيضًا أبو سفيان هذه المقالة عندما خرج من عند هرقل، لما سأل هرقل عير قريش عن أمر النبي ﷺ وظهوره.\nوقد ذكر الله ﷿ في سورة النجم هذا الكوكب بمعرض الرد على الكفار في كونه مربوبًا لا ربًا، فقال: (وأنه هو رب الشعرى).\nقال الطبري في تفسير الآية: (يقول تعالى ذكره: وأن ربك يا محمد هو رب الشعرى؛ يعني بالشعرى النجم الذي يسمى هذا الاسم، وهو نجم كان بعض أهل الجاهلية يعبده من دون الله ...).","vol":"1","page":532},{"text":"عن ابن عباس ﵁ قال: هو الكوب الذي يدعى الشعرى، وعن مجاهد قال: الكوكب الذي خلق الجوزاء كانوا يعبدونه، وعنه: أنه كان يعبد في الجاهلية، وعن قتادة قال: كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له: الشعرى، وعن ابن زيد قال: كانت تعبد في الجاهلية، فقال: تعبدون هذه وتتركون ربها، اعبدوا ربها وقال: الشعرى: النجم الوقاد الذي يتبع الجوزاء يقال له المرزم.\nوقال القرطبي: (الشعرى: الكوكب المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء، وطلوعه في شدة الحر، وهما الشعريان: العبور التي في الجوزاء، والشعرى الغميصاء التي في الذراع، وتزعم العرب أنهما أختا سهيل، وإنما ذكر أنه رب الشعرى وإن كان ربًا لغيره؛ لأن العرب كانت تعبده، فأعلمهم الله جل وعز أن الشعرى مربوب وليس برب ...).\nوقال ابن كثير: (قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له مرزم الجوزاء، كانت طائفة من العرب يعبدونه).\nوالمقصود: بيان أن طائفة من العرب كانت تعبد الشعرى، حتى قال القرطبي: (قد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم).\nج- ويذكرون أيضًا: (أن بعض طيئ عبدوا (الثريا)، وهي عدة كواكب مجتمعة)، وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن (النجم) المذكور في سورة","vol":"1","page":533},{"text":"النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى): الثريا، والعرب كانت تسمى الثريا نجمًا. وقال بعض آخر: (إن النجم هاهنا هو الزهرة؛ لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها). (وقد سبق الإشارة إلى كونها معبودة).\nد- ويذكرون أيضًا: (أن بعض قبائل ربيعة عبدوا (المرزم) كمِنْبَر. والمرزمان: نجمان مع الشعريين، والرزم بمعنى الجمع، ورزم الشتاء رزمة برد وبه سمي نوء المرزم، ويقال: إن أحد المرزمين يتبع الشعرى العبور، والآخر هو الكوكب الأخفى من كوكبي الذراع المبسوطة ...).\nهـ- ونسب إلى بني جرهم وجذام ولخم أنهم سجدوا للمشتري، وإلى أسد أنها عبدت عطارد، وإلى بعض طيئ أنها عبدت سهيلًا.\nو- وعبد بعض الجاهليين (المريخ)، واتخذوه إلهًا، كما عبد غيرهم (زحل).\nوأخيرًا فإننا نكتفي بهذا القدر من بيان عبادة العرب الأجرام السماوية من الكواكب التي لا تعقل ولا تعلم عن عابيها شيئًا، والآن نبدأ في بيان المعبودات الأرضية سواء كانت مما تعقل أو كانت مما لا تعقل.","vol":"1","page":534},{"text":"العنصر الثاني: في بيان شرك العرب بعبادة الآلهة الأرضية:\nالمراد بالعنوان: كل ما عبد من دون الله جل وعلا من الأشياء الموجودة على ظهر الأرض سواء كانت تعقل أو لا تعقل.\nفمن المعبودات الأرضية التي تعقل ما يلي:\n١ - عبادة الجن: جاء في الأخبار وفي التفاسير: أن جماعة من العرب أشركوا عبادة الجن والشياطين مع عبادة الله، ولقد جاء في كتاب الأصنام لابن الكلبي: أن (بني مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، وأن فيهم نزلت الآية: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)، وهؤلاء هم شرذمة قليلون من أهل البوادي، قد حكى الله عنهم بقوله: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقًا) أي كبرًا وعتوًا وغيًا بأن أضلوهم حتى استعاذوا بهم؛ فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال: (أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه).\nوقال تعالى: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ).\nوقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) هؤلاء الشركاء لله، أي: جماعة الجن هم","vol":"1","page":535},{"text":"الذين كانوا يزينون للمشركين قتل أولادهم ووأدهم أحياء خشية إملاق وتجنب العار، وهذا ما جاء في تفسير الآية الكريمة (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ).\nوقال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).\nوقال أيضًا: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ)؛ يعني: قد أكثرتم من إضلالهم وإغوائهم.\nقال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: أضللتهم منهم كثيرًا، فيجيبه - سبحانه - أولياؤهم من الإنس بقولهم: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ)؛ يعنون استمتاع كل نوع بالنوع الآخر، فاستمتع الجن بالإنس طاعتهم لهم فيما يأمرونهم به من الكفر والفسوق والعصيان، فإن هذا أكثر أغراض الجن من الإنس فإذا أطاعوهم فيه فقد أعطوهم مناهم. واستمتاع الإنس بالجن: أنهم أعانوهم على معصية الله والشرك به بكل ما يقدرون عليه من التحسين والتزيين والدعاء وقضاء كثير من حوائجهم واستخدمهم بالسحر والعزائم وغيرها، فإطاعتهم الإنس فيما يرضيهم من الشرك والفواحش والفجور، وإطاعتهم","vol":"1","page":536},{"text":"الجن فيما يرضيهم من التأثيرات والإخبار ببعض المغيبات، فتمتع كل من الفريقين بالآخر.\nوقال تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).\nقال الإمام البخاري في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ قال: (ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا). وفي رواية: (كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم).\nفهذه الآيات تدل على أن بعض المشركين كانوا يعبدون الجنات، وقبل أن نبين كيفية عبادتهم من قبل بني آدم يحسن بنا أن نعرف بأن جميع الجنات من أبناء إبليس؛ فالمردة منهم الشياطين، وهناك فئة تؤمن بالله جل وعلا، وبذلك يكونون من عباد الله الناجين من النار، بخلاف من هم من المردة فإنهم لا يؤمنون أبدًا، فهؤلاء هم الذين يرضون بعبادة الناس لهم.\nوعبادة الناس لهؤلاء الشياطين تتمثل في شيئين اثنين، هما:\nالأول: الاستعاذة بهم خوفًا من مكرهم، كما كان يفعل ذلك بعض الجاهليين، فإن الاستعاذة من العبادة، قال تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ","vol":"1","page":537},{"text":"الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ). وقد رأينا فيما سبق كيف كان بعض الجاهليين يستعيذون ببعض الجنات.\nالثاني: طاعتهم في أوامرهم، حيث تعد هذه الطاعة من شرك الطاعة، قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).\nقال الحافظ ابن كثير: (أي حيث عدلتم من أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك).\nوقال أيضًا: (ويوم يحشرهم جميعًا يعني الجن وأولياؤهم من الإنس الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ويعوذون بهم، ويطيعون ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ... قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعلمت الإنس، ... وقال ابن جريج: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي، فذلك استمتاعهم ...).\nوقال في موضع آخر: (وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ). هذا رد على المشركين الذي عبدوا مع الله غيره، وأشركوا به في عبادته، أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء له في العبادة ... فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن وأمرهم إياهم بذلك ...).","vol":"1","page":538},{"text":"والمقصود: بيان أن بعض الجاهليين كان يعبد الجنات من دون الله ويشركونها مع الله في العبادة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n٢ - عبادة الإنس من عباد الله الصالحين والأنبياء والمرسلين:\nوقد سبق معنا في شرك الأمم السابقة أن أصل الشرك وبدايته كان من الغلو في الصالحين وتعظيمهم فوق ما ينبغي، ولكن هل وجد مثل هذا النمط من الشرك في الجاهلية لدى العرب؟ موضع يحتاج إلى نظر دقيق في بعض المعبودات لدى العرب، فمن هذه المعبودت مثلًا وجود أصنام قوم نوح في العرب، فإنها ما وجدت إلا لاعتقادهم فيها أنها تماثيل عباد الله الصالحين وصورهم، وإلا فمجرد حجارة أو خشب ليس هو المقصود بالذات ألبتة.\nروى الإمام البخاري في صحيحه: عن ابن عباس ﵁ قال: (صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما ود: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع: فكانت لهذيل، وأما يغوث: فكانت لهمذان، وأما نسر: فكانت لحمير لآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحين من قوم نوح ...). وقد سبق بيان كون هؤلاء من عباد الله الصالحين في بيان شرك الأمم.\nولعل من أصرح الأدلة على كون بعض هؤلاء المشركين يعبدون البشر المعظمين من عباد الله الصالحين قصة عبادة اللات على ما حكاه الأخباريون. فقد جاء في حقيقة اللات عدة أقوال، منها:","vol":"1","page":539},{"text":"١ - (أنه كان إنسانًا من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات).\n٢ - إنه في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول.\n٣ - إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة.\n٤ - كانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق.\n٥ - وذكر في بعض التفاسير: أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.\n٦ - إن اللات كان يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق.\nفنحن نرى: أن اللات إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام فيتقدم إليها بلت السويق ويعطيه الناس، أو كان رجلًا صالحًا يلت السويق للحجاج القادمين للبيت الحرام، فلما توفي دفن في موضعه الذي كان يلت السويق","vol":"1","page":540},{"text":"عنده، ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها، ويتبرك بها الناس. وليس هذا إلا ما نقول له: عبادة الصالحين من البشر المعظمين.\nولعل ما هو أصرح من ذلك ما نجد في أخبار فتح مكة أن الرسول ﷺ حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت.\nوالمقصود: بيان وجود هذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية.\nوأما المعبودات الأرضية التي لا تعقل فهي كثيرة: وسأذكر أبرزها فيما يلي:\n١ - عبادة الأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات:\nأما عبادة الأشجار: فقد وجد ثمة من المشركين من عبد الأشجار ولاسيما ما كان منها قديم العهد، نائبًا عن مواطن الشجر؛ حيث التفرد والوحشة وما يبعث على الخشية، فالعبادة على أنها مسكن للأرواح والأشباح، ومن هذه الأشجار ما يلي:\nأ- شجرة نجران: فأهل نجران على ما ذكر ابن هشام: عبدوا نخلة طويلة كانت بين ظهرانيهم، وكانوا قد جعلوا لها في كل سنة عيدًا، إذ كانوا يأتون إليها معتكفين، فيعلقون عليها كل ثوب حسن وجدوه، وكل حلي من حلي النساء. ظلت هذه الشجرة يخصونها بالعبادة والتقديس إلى أن سخر عليها الله ريحًا","vol":"1","page":541},{"text":"اجتثتها من فوق الأرض، وذلك تلبية لدعوة أحد العباد الصالحين من أتباع المسيح عيسى ﵇، ويقال: إن هذا هو سبب تنصر أهل نجران.\nب- ذات أنواط: وقد تحدثنا الكتب أيضًا عن ذات أنواط، وهي شجرة عظيمة ملتفة الأوراق، متشابكة الأغصان، كانت بالقرب من مكة، وكان يأتيها كفار قريش ومن جاورهم من الأعراب في كل سنة مرة فيعلقون عليها ويذبحون، ولقد نسب إلى ابن عباس قوله: (إن المشركين كانوا إذا ما فرغوا من حجهم البيت حجوا إليها أيضًا، فيضعون زادهم ويعلقون أسلحتهم عندها، ثم يدخلون إلى حرمها بغير زاد، تعظيمًا لهذه الشجرة).\nولقد ذكروا أن رسول الله ﷺ وهو في طريقه إلى حنين، مر بهذه الشجرة المسماة بذات أنواط، فطلب إليه رهط من أصحابه وفيهم أبو واقد الحارث بن عوف أن يجعل لهم ذات أنواط محاكاة لها، فقد روى أحمد والترمذي والطبري والطبراني وغيرهم عن أبي واقد الحارث بن عوف الليثي قال: خرجنا مع رسول الله إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة،","vol":"1","page":542},{"text":"فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ: «الله أكبر! إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم».\nفالرواية صريحة في أن المشركين كانوا يتعلقون بهذه الأشجار، فكانوا يعبدونها، إذ لا معنى للتعليق إلا عبادتها، ولكن ما هي ذات أنواط؟ قال ابن الأثير: (هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نوط، وهي مصدر سمي به المنوط).\nوأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها لها هي: التعليق بها، وتعليق سيوفهم بها، والعكوف حولها، والذبح عندها، والتبرك بها والتعظيم لها.\nوقد جاء في رواية أخرى: (كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله).","vol":"1","page":543},{"text":"والمقصود: بيان كون هذه الشجرة مما كانت تعبد من دون الله.\nج- العزى: قال ابن حجر الطبري - رحمة الله عليه ـ: (كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - بين مكة والطائف - كانت قريش يعظمونها). كما قال أبو سفيان يوم أحد: (لنا العزى ولا عزى لكم)، فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم».\nوقد جاء في بعض الروايات أنه: (لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها ...).\nفهذه العزى أصلا شجرة ذات سمرات ثلاث، وقد عبدها المشركون.\nأما عبادة النيران: فأصل هذه العبادة من المجوس، ولكنها تعود إلى عبادة الأفلاك والكواكب باعتبارها أقرب الأجسام المرئية إلى الله، وباعتبار أنها حية ناطقة، وأن ما يحدث في العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب بأمر الله، ولما كانت الكواكب تختفي نهارًا وفي بعض أوقات الليل، فإنهم جعلوا لها أصنامًا وبيوتًا وهياكل سموها بأسماء الكواكب السبعة بما فيها الشمس والقمر، ولما كانت النار تشبه بضوئها ضوء الشمس والكواكب،","vol":"1","page":544},{"text":"فإنهم عظموها تعظيمهم للشمس والكواكب، ويقال: إن ذلك كان زمن جم ملك الفرس.\nوهذا هو أصل عبادة النيران، كما هو عند معظم الأمم الوثنية، وعند الصابئة الذين عرفت بعضهم جزيرة العرب، وهذا بدوره انتقل تأثيره إلى بعض القبائل العربية التي حدثتنا عنها كتب الرواية، بأنها عبدت النار وقدستها، من ذلك:\n١ - قال ابن قتيبة في المعارف: (وكانت المجوسية في تميم، منهم زرارة بن عدس التميمي وابن حاجب بن زرارة ... ومنهم الأقرع بن حابس كان مجوسيًا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيًا).\n٢ - قال الآلوسي: (وصنف منهم - من العرب - عبدوا النار، وهم أشتات من العرب، وكان ذلك سرى إليهم من الفرس والمجوس ...).\n٣ - قال ابن القيم: (ومن تلاعبه وكيده: ما تلاعب بعباد النار، حتى اتخذوها إلهًا معبودة).\nثم إن لنا في النار التي تحدثنا عنها كتب الرواية أدل دليل على وقوع بعض العرب في عبادة النيران، فقد ذكر أهل الأخبار روايات عن نار عظيمة متنقلة كانت قد ظهرت في الجزيرة العربية فأضلت العرب وكادت تفتنهم وتؤدي بهم إلى المجوسية، لولا أن قيض الله لهم رجلًا منهم يدعى خالد بن سنان العبسي، فأخذ هراوة ثم شد على النار وهو يقول: (أبدًا أبدًا، كل هوى مود إلى الله","vol":"1","page":545},{"text":"الأعلى، لأدخلنها وهي تتلظى). فانطفأت النار كأن لم تكن. وقد جاء في وصف هذه النار بأنها كانت تحكم بين النار، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، وهي النار التي تحاكم إليها تبع ملك اليمن وقوم حمير ... .\nولكن مع خمود هذه النار فقد تأثر بها جماعة من العرب، حيث بقيت هذه العبادة في عرب تميم وما جاورها، وفي البحرين وعمان، ومن الأدلة على ذلك، وعلى تقديسهم النار: نار الحلف وحلفهم بالرماد والنار وفي نار الاستمطار أو الاستسقاء، ونار المهول وسواها من النيران، لنا فيها جميعًا ما يفيد أو يشير على الأقل إلى شيوع هذه العبادة الأرضية عند العرب في الجاهلية.\nأما عبادة القبور والأسلاف:\nفقد وجد من العرب من كان يعبدها ولا سيما قبر السيد المطاع في قومه، قد يتحول إلى حرم مقدس وإلى مقر للعبادة، تنال عنده البركة والشفاعة، فيقيمون عنده ويعكفون وينحرون، وللقبر مكانة سامية عند الجاهليين، هذا إذا كان صاحب القبر سيد القوم وأميرهم، أو كان من الصلحاء المعروفين لديهم، إذ كنت تجدهم يرفعون فوقه القبة فيحتمي إليه الخائفون والعائذون.\nولعل من أبرز هذه المظاهر:\n١ - قبر حاتم طيئ: الذي غدا مقر الضيفان وملاذ التائهين في الجاهلية، وقد وصفه بعضهم بقوله: (رأيت قبر حاتم الطائي ببقة أو ببيعة، وإذا قدر","vol":"1","page":546},{"text":"عظيمة من بقايا قدور مكفأة في ناحية من القبر من القدور التي كان يطعم فيها الناس، وعن يمين القبر أربع جوار من حجارة، وعلى يساره أربع جوار من حجارة، كلهن صاحبة شعر منشور، محتجرات على قبره كالنائحات عليه ...).\nوجاء في الأخبار: أن طيئًا كانت تزعم أنه لم ينزل بقبر حاتم أحدًا قط إلا قراه، فها هو أبو البختري - كما ذكروا - (مر في نفر من قومه بقبر حاتم طيء، فنزلوا قريبًا منه، فبات أبو البختري يناديه: يا أبا الجعد أقرنا).\n٢ - على إحدى التفسيرات الماضية للات، كان أحد من يلت السويق للحاج، فلما مات صوروه وعكفوا على قبره فعبدوه.\n٣ - وكالذي كان من أمر ضريح (تميم بن مر) جد (تميم)، فإنهم اتخذوا قبره مزارًا وملاذًا وحمى يحتمون به.\nثم إن لنا أن نستنتج من أمر النبي ﷺ بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها.\nوأما على القول الراجح في أصنام قوم نوح وأصنام الجاهلية بأنها ما كانت إلا عبادًا صالحين أو المقربين من عباد الله فليس عبادة هذه الأشياء إلا تصويرها","vol":"1","page":547},{"text":"وإضافة التقديس لها، وليس هذا إلا نوع من عبادة القبور.\nأما عبادة الحيوانات: فقد عبدها بعض أهل الجاهلية، فمن ذلك:\n١ - ما ورد من أن جماعة الشاعر (زيد الخيل) وهم من طيء كانوا يتعبدون لجمل أسود.\n٢ - ورد أن قومًا من البحرين عرفوا بـ (الأسبذين) كانوا يعبدون الخيل. وذكر عنهم بأنهم قوم من المجوس، كمانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين.\n٣ - ورد أيضًا أن بعض القبائل مثل (إياد) كانت تتبرك بالناقة.\nومهما يكن من أمر هذه العبادة التي تتخذ مظهرًا فلكيًا أو أرضيًا يتعلق بالأشجار والنيران والقبور والأسلاف والحيوانات وسواها، فإنه مما لا شك فيه، أن المظهر الأرضي المتعلق بالتماثيل والأصنام وسواها من الأوثان هو الأبرز على صعيد الشرك الجاهلي، فما هي هذه الآلهة الأرضية المعبودة؟ وما الفرق بين الصنم والوثن والتماثيل؟ هذا ما يأتي بيانه فيما يلي:","vol":"1","page":548},{"text":"٢ - عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل المؤلهة من دون الله:\nقبل أن ندخل في بيان عبادتها وعبادها يحسن بنا أن نتعرف على معنى هذه الألفاظ ومدلولاتها، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.\nاختلفت عبارات المحققين في تحديد معاني هذه الكلمات.\nفأما الأنصاب والتماثيل فلفظان عامان:\nفقالوا في الأنصاب: (هو ما كان من حجارة منصوبة أمام الحرم وغير الحرم ثم طيف به). قال ابن الكلبي: (ومن العرب من لم يقدر على اتخاذ صنم، ولا اتخاذ بيت، فكان ينصب حجرًا أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم يطوف به كطوافه بالبيت، وهذه الحجارة هي الأنصاب). فكانوا يطوفون به ويذبحون عنده فيحمر بالدم، قال تعالى: (وما ذبح على النصب).\nقال ابن كثير: (قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح يشرحون اللحم ويضعونه على النصب ...). والآيات والأحاديث","vol":"1","page":549},{"text":"تدل كلها على هذا المعنى.\nفعلمنا: أن الأنصاب عمومًا: هي الأحجار التي كان المشركون يعكفون عليها، ويذبحون عندها.\nوأما التماثيل: فجمع تمثال، قال ابن منظور: التمثال هو الصورة، وهو اسم للشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله تعالى، وهو مأخوذ من مثلث الشيء بالشيء إذا قدرته على قدره، ومثل له الشيء وصوره حتى كأنه ينظر إليه. قال تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ). قال ابن كثير: (التماثيل: الصور). والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، كلها تدل على هذا المعنى.\nفعرفنا بهذه الأدلة: أن التماثيل هي التي كانت على صورة معينة لشيء ما.\nأما الأوثان والأصنام: فاختلفت عبارات أهل اللغة والمعاجم والمفسرين في تحديد معناهما على أقوال:\n١ - لا فرق بينهما، فإن الصنم معرب شمن، أي الوثن نفسه، وقال الطبري: إن الصنم والوثن شيء واحد وإن اختلفت التسمية.","vol":"1","page":550},{"text":"٢ - وقيل إن بينهما فرقًا، ثم اختلفوا في تحديد هذا الفرق على سبعة أقوال متباينة، ولا يمكن ترجيح بعض هذه الأقوال بالرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، ولا بالنظر إلى استعمالات معاجم اللغة، ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أنهما إذا افترقا اتحدا، وإذا اجتمعا اختلفا، وتحديد الخلاف عند اجتماعهما يكون على اعتبارات.\nومهما تكن من فرق بين الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل في المادة والهيئة، فغرض الوثنيين منها واحد وهو عبادتها من دون الله - تعالى - على أي كيفية كانت، وعلى أي صورة وجدت، ولقد انتشرت عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب والتماثيل بين الجاهليين من العرب انتشارًا هائلًا، ولقد اعتنى العلماء ببيان أوثانهم وأصنامهم اهتمامًا بالغًا، ولعل أبرز من كتب في هذا الموضوع ابن إسحاق في سيرته، ولكنه لم يوف الموضوع حقه؛ إذ كان جل اهتمامه في بيان السيرة النبوية.\nوجاء بعده ابن الكلبي وكتب كتابًا جامعًا وسماه بكتاب الأصنام، اهتم بذكر أغلب هذه المعبودات الأرضية التي لا تعقل عن عابديها شيئًا، ثم ذيله بعض المتأخرين بتكملة، فجاء الكتاب حافلًا بأغلبها والتي فاتها ابن الكلبي.","vol":"1","page":551},{"text":"ولعل من أحسن ما كتب فيه من المتأخرين كتاب المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي حيث توسع فيه أيما توسع، وذكر كل ما ذكر في كتب المعاجم وكتب أحوال العرب، فأجاد وأفاد.\nوفيما يلي سأشير إلى بعض هذه المعبودات وعابديها بإيجاز.\nسبق معنا ذكر بعض الأصنام وعابديها في ذكر أول من روج الشرك في العرب، فقد ذكرنا منها:\n١ - اللات بالطائف: وكان سدنتها من ثقيف بنو عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى. وهي التي ذكرها الله في القرآن فقال: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى).\n٢ - العزى: وكان الذي اتخذه ظالم بن أسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية، وكانت العرب وقريش تسمي بها (عبد العزى)، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح، وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى.\nوكانوا يقولون: بنات الله وهن يشفعن إليه ... وكانت قريش قد حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام، يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها. وكانت قريش تخصها بالإعظام.","vol":"1","page":552},{"text":"٣ - مناة: وهي أقدم الأصنام عند ابن الكلبي، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية الشمال بقديد بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل بالمدينة ومكة وما قارب من المواضع يعظمونه ويذبحون به ويهدون له، ولم يكن أحد أشد إعظامًا له من الأوس والخزرج، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم، فإذا نفروا أتوه فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك. ومناة هذا هي التي ذكرها الله جل وعلا في القرآن فقال: (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، وكانت لهذيل وخزاعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمه أيضًا.\n٤ - سواع: وكان لهم برهاط من أرض ينبع. وقد سبق بيانه بأنه مما نشره عمرو بن لحي في أحياء العرب. وكانت سدنته بنو لحيان.\n٥ - ود: وكان لكلب بدومة الجندل.\n٦ - يغوث: وكان لمذحج وأهل حرش.\n٧ - يعوق: وكان لخيوان، وبقرية يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين، مما يلي مكة.\n٨ - نسر: وكان لحمير، فعبدوه بأرض يقال لها بلخع.\nفهذه أصنام قوم نوح وجدت في العرب في جاهليتهم. وقد بينا كيفية بدء","vol":"1","page":553},{"text":"عبادتها في جزيرة العرب فيما سبق.\n٩ - إساف ونائلة: صنمان من أصنام قريش، حيث يقال إنهما جاءا لطواف بيت الله، فهمّا أن يفجرا في الحرم فمسخا حجرين فوضعا عند الكعبة، ثم أخرجا منها فنصبا على الصفا والمروة مقابل البيت من أجل أن يتعظ بهما الناس، ويكونا عبرة لكل معتبر، فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، وصارا صنمين يعبدان فيما يعبد من أصنام.\nوقد ذكرنا أن الذي حولهما صنمين هو عمرو بن لحي حيث راح يدعو الناس إلى عبادتهما، وجاء بعده قصي بن كلاب فحول هذين الصنمين عن موضعهما، وصار يذبح عندهما في المكان الذي فيه بئر زمزم، وعلى أثر ذلك راح الناس يطوفون بإساف ونائلة بادئين بالأول ومنتهين بنائلة، ثم كانوا بعد ذلك يحلقون رؤوسهم عندهما، ويهدون إليهما النذور ويذبحون العتائر بإزائهما في المكان الذي يقال له الحطيم.\nوقيل: إن إسافًا ونائلة صنمان قديمان في البيت، عبدا منذ القدم، ولا يصح قول من قال: إن إسافًا فجر بنائلة أو هم بالفجور، كما قيل، ولكنه مخالف لما روته عائشة، وقد سبق بيانه.\nوقد وصف الأزرقي هذين الصنمين فقال: إنهما كانا يرتديان ثوبًا، فإذا ما","vol":"1","page":554},{"text":"بليت هذه الثياب خلعوا عليهما ثيابًا غيرها، وذكر أيضًا: أن الحائض والنفساء لم يكن بمقدورهن التمسح بهما ما داما هكذا.\n١٠ - مجاود الريح ومطعم الطير: وهما من الأصنام التي نصبها عمرو بن لحي - كما سبق بيانه ـ، وكانا على الصفا والمروة مقابل الكعبة.\n١١ - الأصنام السبعة التي كانت في منى، وقد سبق بيانه.\n١٢ - هبل: وهو أعظم أصنام قريش، كان موضعه في جوف الكعبة، وقيل على ظهرها، وقيل على البئر المحاذية لها إذ كان يجمع عنده ما يهدى للكعبة. وهو من العقيق الأحمر المصنوع على هيئة الإنسان، ويحكى أنه كان مكسور اليد فجعلت قريش له يدًا من ذهب.\nويقال: إن أول من نصبه في الكعبة رجل يقال له خزيمة، ويقال: إن عمرو بن لحي الذي حمل بقية الأصنام السابقة هو الذي حمله من مدينة البلقاء أو من هيت بأرض الجزيرة، فنصبه على البئر التي في بطن الكعبة، ثم أمر الناس بعبادته، فكان الرجل منهم إذا قدم من سفره بدأ به طوافه بالبيت، ثم حلق رأسه عنده. وكانوا يستقسمون عنده بالأزلام ويضربون عنده بالقداح للوصول إلى نتيجة؛ ما طلبًا واستفسارًا لحكم الغيب.\nوهذا التقدير لهبل من قريش خاصة إنما كان من أجل التقرب إليه والتبرك","vol":"1","page":555},{"text":"به، ومن أجل التماس الشفاعة والدعاء.\n١٣ - ذو الخلصة: قيل: إن أول من نصبه من العرب باسفل مكة عمرو بن لحي، وأن المشركين كانوا (يلبسونه القديد، ويهدون إليه الحنطة والشعير، ويصبون عليه اللبن ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام).\nوقال ابن الكلبي: (كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج، وكان بتبالة، بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر، وكانت تعظمها وتهدي لها خثعم وبجيلة وأزد السراة، ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن).\nفهذه بعض أسماء الأصنام والأوثان والتماثيل والأنصاب المعبودة لدى العرب من دون الله جل وعلا من الآلهة الأرضية، ولا شك أن هذه المعبودات الأرضية كانت أكثر بكثير مما ذكرته هاهنا، فقد ذكرها المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام وأصحاب المعاجم كابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام، وأبو الفرج الأصفهاني، والأزرقي، وياقوت الحموي، وابن الأثير، وابن كثير، وابن منظور، والفيروز آبادي، والزبيدي، والنويري، والآلوسي، وجواد علي، وغيرهم. وإنما المقصود هنا ذكر بعض النماذج من هذه الأصنام الأرضية.\nولكن مع استقصاء المعتنين بتأريخ العرب قبل الإسلام ذكر الأصنام والأوثان، والمعبودات الأرضية، لابد أن يفوتهم الكثير منها، فإن المعروف من تأريخ العرب أنه كان لكل قبيلة عربية تقريبًا، ولأهل كل دار، صنم عبدوه،","vol":"1","page":556},{"text":"(فإذا أراد الرجل منهم سفرًا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله). هذا ما ذكره أصحاب السيرة.\nويؤيده ما جاء في صحيح البخاري بأنه (لما فتح رسول الله ﷺ مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل يطعن بعود في يده ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا). وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت).\n\n٣ - عبادة بيوت الأصنام من دون الله ﷿:\nوالمقصود ببيوت الأصنام تلك الأماكن التي كانت تضم بعضًا من آلهة العرب المعبودة من أصنام وتماثيل، وسواها من الأوثان والأنصاب، بحيث إنها مهوى أفئدة المشركين ومحجتهم التي إليها ينظرون، وكانوا يوجهون إليها أنواعًا من العبادات كالطواف والعكوف والذبح والنذر والنحر وغيرها.\nوكان يشرف عليها حجبة وسدنة، وكانوا يهدون إليها أنواعًا من الهدايا الجميلة والتحف الثمينة. ولا شك أن توجيههم أنواعًا من العبادات لهذه البيوت سواء كان للأصنام الموجودة في داخلها أو كان للبيوت وحدها - كما كان هناك بعض البيوت تعظم لذاتها - كل هذا داخل في الشرك بالله جل وعلا؛","vol":"1","page":557},{"text":"لأنه صرف أنواع من العبادة لغير الله جل شأنه، ولهذا سمى الرسول ﷺ بعض هذه البيوت بالطاغية.\nوهذه البيوت هي كالتالي:\n١ - كعبة نجران: وهي الكعبة التي كانت لبني الحارث كعب بنجران في بلاد اليمن. قال ابن الكلبي: (وكان لبني الحارث بن كعب كعبة بنجران يعظمونها).\n٢ - كعبة سنداد: قال ابن الكلبي: (وكان لإياد كعبة أخرى بسنداد، من أرض بين الكوفة والبصرة في الظَّهر). ثم استدرك ابن الكلبي فقال: (وقد سمعت أن هذا البيت لم يكن بيت عبادة، وإنما كان منزلًا شريفًا). أي إنما هو مجرد قصر بين الحيرة والأبلة، كانت تحج إليه إياد.\n٣ - القليس: الذي بناه أبرهة الأشرم باليمن - بصنعاء - بالرخام وجيد الخشب، وكتب إلى ملك الحبشة (إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن قبلها أحد قط، ولست تاركًا العرب حتى أصرف حجهم عن بيتهم الذي يحجون إليه).\nفهذا البيت وإن كان العرب - خصوصًا عرب الشمال - لم يعترفوا به إلا أن عرب اليمن - عرب الجنوب - قد لقي عند بعضهم القبول، فلذا ذكرته هاهنا.\n٤ - رُضاء أو رُضى: وهو بيت لبني ربيعة بن كعب من تميم، وكان من البيوت المعظمة لدى بعض العرب.","vol":"1","page":558},{"text":"٥ - رئام: وهو بيت لحمير بصنعاء، وكانوا ينحرون عنده ويكلمون منه. أما تسميته بهذا الاسم فقد تكون مشتقة من رأم الأنثى لولدها، إذ كانوا يأتونه ليلتمسوا منه الرحمة، ولينالوا البركة والشفاعة.\n٦ - ذو الخلصة: وهو بيت من بيوت الشرك المعروفة عند البعض، وإن كان صنمًا عند البعض الآخر، ومنهم ابن الكلبي، وكان لدوس وخثعم وبجيلة ومن والهم من العرب بتبالة إلى الجنوب من مكة مسيرة سبع ليال. وقد رجح الأزرقي: أنه بيت كان يدعى الكعبة اليمانية، كما رجحه ياقوت الحموي في معجم البلدان.\n٧ - بيت الربة: أو بيت الشمس: وكانوا وقفوا له الكثير من الضياع والما، وكانوا يأتونه كلما مالت الشمس إلى المغيب أو أخذت الزوال، وكانوا يحجون إليه صائمين، فيصلون عنده ويتشفعون، وكان سدنتها بني أوس من تميم.\n٨ - بسّ: بيت لغطفان، بناه ظالم بن أسعد لما رأى قريشًا تطوف بالكعبة، وتسعى بين الصفا والمرة فذرع البيت، ثم أخذ حجرًا من الصفا وحجرًا آخر","vol":"1","page":559},{"text":"من المروة، ورجع إلى قومه فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين قائلًا: (هذين الصفا والمروة، فاجتزوا بهما عن الحج).\n٩ - السعيدة: قيل: إنه بيت في أحد، كانت تحج إليه العرب في جاهليتها.\n١٠ - بيت العزى: قيل أن بعض العرب كانوا قد حجوا إليها وطافوا بها وأهدوا لها، وخصّوها بالنذور والأموال لكونه من البيوت المعظمة.\n١١ - بيت اللات: كما كانت ثقيف تعتبرها قبلة لهم، ويفهم هذا من مصالحتهم لأبرهة الأشرم لما جاء لهدم الكعبة.\nفتلك بعض معبودات المشركين التي تم جمعها تحت هذا المبحث.\nونخلص مما تقدم ذكره: بأن أصل شرك العبادة إنما هو من قبيل طلب التقرب إلى الله جل شأنه بعبادة هذه المعبودات، وذلك نتيجة قياس الخالق سبحانه على المخلوق.\nفإن المشركين زعموا بعقولهم الفاسدة أن ملوك الدنيا لا يتوصل إليهم إلا بالوجهاء والشفعاء والوزراء الذين يرفعون إليهم حوائج رعاياهم ويطلبون لهم عطفهم، فيكون ذلك تمهيدًا للأمر المطلوب منهم، فظن المشركون أن الله - تعالى - كذلك، وهذا سوء ظن بالله - جل شأنه ـ، وهو من أفسد الأقيسة في العالم، كما سيأتي بيان ذلك في الباب الرابع بمشيئة الله جل وعلا عندما نورد شرك هذه الأمة في الأنداد والعبادة، وعند بيان الشبهات لمشركي زماننا، فإن نفس هذه الشبهة موجودة برمتها لدى القبوريين من هذه الأمة.","vol":"1","page":560},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المطلب الثالث: أنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم:</span>\nالعرب قبل الإسلام وجهوا جميع أنواع العبادات - التي عرفوها بأنها عبادة - إلى غير الله جل شأنه، فمن هذه العبادات: العبادات العملية، ومن مظاهرها الكثيرة ما يلي:\n١ - الصلاة والصيام - حسب اعتقادهم وأهوائهم - لهؤلاء الأصنام، وقد سبق معنا ذكر بيت الربة، وكيف كانوا يأتون إليه عند مغيب الشمس، وكيف يأتون إليه وهم صائمون.\n٢ - السجود: وهذه كانت ظاهرة عامة لدى مشركي العرب، فكانوا يسجدون لأصنامهم.\n٣ - الحج: وقد سبق بيان حجهم لأصنامهم، ولبعض البيوت المعظمة.\n٤ - الذبح: وقد بينا أيضًا أن أغلب هؤلاء المشركين كانوا يذبحون وينحرون عند هذه الأصنام والأوثان المعبودة من دون الله.\n٥ - النذر: كما سبق أن بينا: أن المشركين كانوا ينذرون لأصنامهم كما كانوا ينذرون لله، ولكن سرعان ما يحتالون في وفاء نذر الله - تعالى ـ، وقد بين بعض هذه الحيل في كتب السير والتأريخ.","vol":"1","page":561},{"text":"٦ - بذل الأموال للأصنام: سواء كانت من النقدية أو غير النقدية من عين أو متاع، وذلك على سبيل الهدية والهبة، أو على سبيل الوفاء بنذر ما، وقد زاد مشركو عرب الجنوب ضريبة معينة، هي العشر مما يكسبه تاجر الطيوب من فضل مال أو أرباح.\nومن هذه العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم: العبادات القولية:\nومن مظاهر هذه العبادات القولية: التلبية لهذه الأصنام، فكان لكل صنم تلبية معينة كما يحكيه المعتنون بتاريخ العرب قبل الإسلام.\nكما كان العرب يوجهون العبادات القلبية لغير الله سبحانه، بل هذا هو أصل شركهم، فكانوا يصرفون التعظيم والدعاء والاستغاثة والاستعاذة وغيرها إلى غير الله، كما كانوا يخافون ويرجون ويحبون معبوداتهم مثل حب الله أو أشد منه، ودلائل هذا القول مبسوطة في القرآن العظيم والأحاديث النبوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>المطلب الرابع: طبيعة اعتقاد الجاهليين تجاه معبوداتهم</span>\nإذا نظرنا إلى عبادة المشركين لهذه المعبودات ترى أنها تتصف بالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>أولًا: البساطة والسذاجة:</span>\nوأبرز الأدلة على أن اعتقاداتهم تجاه هذه المعبودات كانت بسيطة","vol":"1","page":562},{"text":"وساذجة عبادة أحجار لا تنفع ولا تضر، فعقيدتهم غير ثابتة الأركان ولا تقوم على أساس واضح من أسس الأيدلوجية الواعية، وإنما هي مجرد عقيدة بدائية تنسجم إلى حد بعيد مع حياتهم السياسية والاجتماعية والثقافية البعيدة عن التخصص والتقدم والعمق والشمول. بل أغلب هذه الاعتقادات كانت نتيجة عاطفة شخص أو قبيلة تجاه فلسفة معينة في أشياء معينة، وفيما يلي بيان لما قلناه، فمثلًا:\nقضية عبادة الأحجار: فإن بدء عبادة الأحجار كانت نتيجة عاطفة بعض أولاد إسماعيل تجاه أراضي مكة وآثارها، قال ابن الكلبي: (إن إسماعيل ﵇ لما سكن مكة وولد بها أولادًا فكثروا، حتى ملئوا مكة، ونفوا من كان بها من العماليق ضاقت عليهم مكة، ووقعت بينهم الحروب والعداوات، وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، فكان الذي حملهم على عبادة الأوثان والحجارة: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة، فحينما حلوا وضعوه وطافوا به، كطوافهم للبيت؛ حبًا للبيت وصبابة به، ثم عبدوا ما استحسنوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وغيره، فعبدوا الأوثان ...).\nوقال ابن الكلبي في موضع آخر: (واستهترت العرب في عبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره، مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت ... فكان الرجل إذا سافر منزلًا، أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها","vol":"1","page":563},{"text":"فاتخذه ربًا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر، فعل مثل ذلك، فكانوا ينحرون ويذبحون عندها ويتقربون إليها ... وكان الذي يفعلون من ذلك في أسفارهم إنما هو للاقتداء منهم بما يفعلون عندها لصبابة بها).\nوفي رواية أخرى قال أبو رجاء العطاردي: (لما بعث النبي ﷺ فسمعنا به، لحقنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار، قال: وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به)، وقال أبو رجاء أيضًا: (كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه).\nوقال أبو عثمان النهدي: (كنا في الجاهلية نعبد حجرًا، فسمعنا مناديًا ينادي: يا أهل الرحال، إن ربكم قد هلك فالتمسوا ربًا، قال: فخرجنا على كل صعب وذلول، فبينا نحن كذلك نطلبه إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنا قد وجدنا ربكم أو شبهه، فإذا حجر، فنحرنا عليه الجزور).","vol":"1","page":564},{"text":"وقال عمرو بن عبسة: (كنت امرأً ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلهًا يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره).\nفهذا مثال دل على سذاجة اعتقاداتتهم تجاه هذه المعبودات، من ضمن أمثلة عديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثانيًا: وهن العقيدة:</span>\nكما سبق أن بينا أن اعتقادهم تجاه هذه المعبودات كان متصفًا بالبساطة والسذاجة، هكذا يمكن اتصافه بوهن الأساس وضعف البنيان؛ لأنه يصدر عن عاطفة عديمة الثبات، وقلما يتغلغل في الأعماق أو يرسخ في الأذهان، بل تراه عاطفة متقلبة تحركها الأهواء السانحة وتسيرها المصالح وتقتضيها الضرورة والحاجة، فليس ثمة عند الجاهلي رسوخ في العقيدة، ولا خلوص في النية، ولا تفكر بما وراء المظهر والمادة.\nوهو في عقيدته تلك إنما يصدر عن تمسك بالعادة وعن جري في التقليد، واقتفاء بأثر من سبقه إليه، فهو لا يتورع عن سب آلهته وشتمها وضربها، وهذا ما فعله امرؤ القيس مع صنمه، كما لا يتورع أيضًا عن أكلها - كما في حادثة بني حنيفة - خصوصًا إذا ما كانت هذه الأصنام مصنوعة من التمر والزبيب وقد أضر الجوع بعابدها، كما وإنه لا يحجم أبدًا عن سرقتها، وأخذ اللبن المخصص","vol":"1","page":565},{"text":"لها، وهذا ما فعله مالك بن حارثة الأجداري يوم أن شرب اللبن المخصص لسقاية الصنم ود.\nوسأسوق هنا جملة من القصص تدل على ما قلناه، فمنها:\n١ - حادثة (ذو الخلصة): وهي حينما جاءه امرؤ القيس ليستقسم عنده بالأزلام، كان ذلك لما قتلت بنو أسد أباه حجرًا، وخرج السهم الذي ينهاه عن الأخذ بالثأر لأبيه، فما كان من الشاعر إلا أن كسر القداح وضرب بها وجه الصنم متهددًا متوعدًا، وقال: (عضضت بأير أبيك! لو كان أبوك قتل ما عوقتني)، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم، قال ابن الكلبي: (فلم يستقسم عنده بشيء حتى جاء الله بالإسلام، فكان امرؤ القيس أول من أخفره).\n٢ - حادثة (فلس): وهي؛ حينما جاءه مالك بن كلثوم حيث أقدم على حل عقال ناقة جارة له، تلك الناقة التي وقفت للصنم وأودعت بفنائه فلا يحل لأحد أخذها، ولا التصرف بها، لكن ابن كلثوم أقدم على حل الناقة وسوقها أمامه ذاهبًا بها، دون أن يحرك الصنم لإله ساكنًا، ولا أن يقدر على الانتقام ممن اجترأ على حرمته، ونال من قداسته، واستلب ما كان موقوفًا له، وهذه الحادثة - كما يقولون - حملت الشاعر الجاهلي عدي بن حاتم على تخليه عن عبادة فلس، لأن فلسًا بزعمه (أهين على يد مالك، فلم يثأر الإله لكرامته وقداسته).\n٣ - حادثة (سعد): وهي؛ حينما قدم إليه رجل من المشركين لينال البركة ولينيخ إبله بفنائها، لكن سرعان ما نفرت هذه الناقة، لدى رؤيتها الدم","vol":"1","page":566},{"text":"المهراق، فضربت في الأرض بعيدًا، الأمر الذي دفع بالرجل إلى القول متبرئًا من سعد وممن يعبد سعدًا:\nأتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد\nوهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد\n٤ - حادثة صنم بني حنيفة: وهي؛ أن هذا الصنم كان مصنوعًا من الحيس، فعبدوه حينًا من الدهر، فأصابت بنو حنيفة سنة من الجوع، فلم يتورعوا عن أكله فيما أكلوه ذلك العام، فقال قائل:\nأكلت بنو حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة\nلم يحذروا من ربهم ... سوء العقاب ولا البشاعة\nفهذه الحوادث كلها إن دلت على شيء فهو أن حرارة العقيدة ما كانت تتغلغل في أعماق هؤلاء الجاهليين، بل هي ظلت عقيدة واهية الأساس، خاضعة للأهواء، متقلبة سرعان، ما تضعف وتزول عندما تصادم بشيء يستطيع أن يزيلها.\nفهؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا يتبعون هواهم، تجاه عبادة هذه المعبودات، وقد ورد الإنكار الشديد في كتاب الله تعالى لمن جعل إلهه هواه فيتبعه في كل ما يملي عليه.\nقال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا).\nقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ).\nقال ابن عباس ﵁: (ذلك الكافر؛ اتخذ دينه بغير هدى من الله","vol":"1","page":567},{"text":"ولا برهان)\nوقال قتادة: (هو الكافر؛ لا يهوى شيئًا إلا ركبه لا يخاف الله).\nوقال ابن كثير: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) أي إنما يأتمر بهواه فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه).\nوالمقصود: بيان أن عبادة العرب لهؤلاء المعبودات ما كانت عن دليل ولا برهان، وما كان عندهم رسوخ في العقيدة، بل هي واهية البنيان والأساس، وذلك؛ نتيجة اتباعهم الهوى تجاه معبوداتهم، فإن هذا هو مصير كل من اتبع هواه بغير هدى من الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ثالثًا: تعصبهم لمعبوداتهم:</span>\nسبق أن قلنا: أن العرب كانت عقيدتهم واهية البنيان غير قائمة على أسس متينة، فهذا من جهة، ولكن من جهة ثانية فإننا لا نعدم وسيلة العثور على مواقف أخرى قد تبدو متناقضة مع ما شهدناه من مواقف دالة على ضعف العقيدة ووهنها، أعني بذلك تلك المواقف الدالة على شدة تمسك الجاهلي بعقيدته، والتعصب لآلهته تعصبًا يفدي بمقتضاه بنفسه وماله وبنيه، وكل ما يملكه في الدنيا، وإلا فكيف يمكننا أن نفسر موقف أبي سفيان (قبل إسلامه) المعادي جدًا، والمتشدد لأبعد حدود التشدد، وكذلك موقف أبي لهب وغيره من سادات قريش وصناديدها، من الإسلام ومن دعوة النبي ﷺ لهم؟ ألم يكونوا أشد الناس تعصبًا لآلهتهم المزعومة؟ ألم تقل حمنة بنت أبي سفيان","vol":"1","page":568},{"text":"لابنها سعد بن أبي وقاص الزهري حين بلغها نبأ إسلامه: (أليس قد أمر الله بالبر، والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر)؟ .\nأليس هؤلاء هم الذين قاتلوا رسول الله ﷺ وحملوا معهم الأصنام في المعارك؟ أليس هم الذين قالوا: اعل هبل؟ أليس هم الذين قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم؟ .\nإذن، وكما نرى فإن بعض مشركي الجاهلية - ولا سيما من كان منهم من صف السادة والمستكبرين - كانوا جد متعصبين لآلهتهم، وجد متمسكين بما أورثوا من عبادتها عن الآباء والأجداد، إنهم محكومون بالتعصب لها؛ ذودًا عن مصالحهم، وحفاظًا على مكاسبهم - بزعمهم ـ، كيف لا، وهم من الأسياد أو السدنة أو ممن أوكل بهم حفظ الآلهة، وأسند إليهم ما يزعمون من شرف الدفاع عنها، ولهذا قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>رابعًا: تقليدهم لآبائهم في عبادة هذه المعبودات:</span>\nسبق معنا: أن مشركي العرب ما كان اعتقادهم يستند إلى أسس قوية ولا عن قناعة نفسية تامة، كما هو واضح في الأمثلة التي تم إيرادها، ولكن ما الذي حملهم إذن على عبادتها؟ لقد أجاب القرآن على هذا السؤال فقال: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) فما هو إلا التقليد الأعمى لآبائهم وكبرائهم. ولهذا سيقولون يوم القيامة: (إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا","vol":"1","page":569},{"text":"وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا).","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الثاني أسباب الشرك قديمًا</span>\nذكرنا فيما سبق: أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق، وقد وجد هذا التشبيه والتشبه لسببين اثنين، هما:\n١ - الغلو في المخلوق.\n٢ - إساءة الظن برب العالمين نتيجة عدم معرفة قدر الله جل شأنه. فما قدروا الله حق قدره فأساءوا الظن به سبحانه.\nأما السبب الأول الذي هو الغلو: فإنه يكون بتنزيل المخلوق منزلة فوق منزلته، فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح في جميع الأمم المشركة بالله تعالى، فإنه - كما قال شيخ الإسلام - إن أوائل المشركين (صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم، فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم ثم عبدوهم. وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر).\nومشركوا العرب شركهم لا يخلوا عن هذين الأمرين. ولكن كل هذا ناتج عن الغلو في المخلوقات. فمثلًا: إن قوم نوح إنما صوروا تماثيلهم للاقتداء","vol":"1","page":571},{"text":"بهم في بداية الأمر، ثم لما رفع العلم وغلب الجهل ظن أن هؤلاء كانوا قومًا صالحين فلابد من العكوف على قبورهم كي ينالوا مرضات الرب سبحانه، فعكفوا على قبورهم، ثم دب إليهم إبليس بأن الأولين كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم. فلم يحصل هذا الشرك في هؤلاء القوم إلا نتيجة الغلو في بعض المخلوقات.\nوشرك قوم إبراهيم ﵇ أيضًا ناتج عن الغلو في بعض المخلوقات؛ فإن (قومًا من الأوائل اعتقدوا أن الكواكب تفعل أفعالًا تجري في النفع والضر مجرى أفعال الإله على حسب ما يعتقده بعض أهل التنجيم، فاتخذوا عبادتها دينًا، وأراد ملوكهم ورؤساؤهم توكيده في أنفسهم، والزيادة فيه من عندهم، وذلك؛ أن الملك يحتاج إلى الدين كحاجة المال والرجال، لأن الملك لا يثبت إلا بالبيعة، والبيعة لا تكون إلا بالأيمان والأيمان لا يكون إلا لأهل الأديان، إذ لا يصح أن يحلف الرجل إلا بدينه ومعبوده، ومن لا يعتقد دينًا لا يوثق بيمينه، ... إلى غير ذلك مما يتعلق من أمر الملك بالدين، فصنعوا لهم الأصنام على صور الكواكب التي يعبدونها).\nفهؤلاء غلوا في الأجرام السماوية، وظنوا أنها تنفع وتضر وأن شفاعتهن مقبولة عند الباري تعالى، ولهذا قالوا: (لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، فالواجب علينا أن نتقرب إليه بتوسطات الروحانيات القريبة منه، وهم الروحانيون المقربون المقدسون عن المواد الجسمانية، وعن القوى الجسدانية، بل قد جبلوا على الطهارة، فنحن نتقرب إليهم ونتقرب بهم إليه،","vol":"1","page":572},{"text":"فهم أربابنا وآلهتنا وشفعاؤنا عند رب الأرباب وإله الآلهة، فما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ...).\nقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ في تيسير العزيز الحميد بعد أن ذكر قصة أصنام قوم نوح: (فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها، واعتقاد النحوس فيها والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذلك هو الغالب على عباد القبور ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام؛ فإنهم عظموا الأموات تعظيمًا مبتدعًا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور، ومن (هي) صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان؛ فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به).\nوهذا الغلو له عدة أوجه، منها:\n١ - بغية التبرك من الأشياء والأماكن المقدسة كما هو حال عبادة الأحجار بمكة؛ حيث إ نهم لما ظعنوا من مكة أخذوا أحجارًا من الحرم تبركًا وحنانًا إلى مكة، ولكن بعد مرور الزمن نسوا القصد فعبدوا هذه الأحجار.\n٢ - تلاعب الشيطان بكل قوم على قدر عقولهم؛ فطائفة دعاهم إلى","vol":"1","page":573},{"text":"عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم. كما هو الحال في أصنام قوم نوح، وقد سبق بيانه مفصلًا.\n٣ - النظر إلى بعض المعبودات بأنها تؤثر في السعود والنحوس، كما هو حال بعض المشركين الذين يشركون بعبادة الكواكب والأجرام السماوية، فكانوا يعتقدون أنها تستحق التعظيم والتقديس، فبدؤوا يعبدونها.\n٤ - أن الشياطين تدخل في الأصنام والأوثان والهياكل، وتخاطبهم منها، وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يشاهدون الشياطين، فجعلتهم وسفهاء القوم منهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب.\nوالمقصود: بيان كون الغلو هو أهم أسباب الشرك قديمًا، بل الغلو في المخلوق هو السبب الرئيس للوقوع في الشرك، حيث إنهم لما غلوا في المخلوق وأعطوه منزلة فوق منزلته جعلوا فيه حظًا من الألوهية، وحظًا من أمور الربوبية، وذلك بتشبيهه بالله سبحانه وبتشبيهه سبحانه الكامل من جميع الوجوه بهذا المخلوق الناقص.\nأما السبب الثاني: - الذي هو إساءة الظن بالله سبحانه ـ، فهذا السبب في الحقيقة مترتب غالبًا على السبب السابق، فإنه بعد غلو الشخص في المخلوق","vol":"1","page":574},{"text":"وحصول الجهل بالدين يتخذه وسيطًا يقربه إلى الله فيعطفه عليه في قضاء حاجاته، فيكون قد أساء الظن بإفضال ربه وإنعامه وإحسانه إليه، وهذا يحدث وإن اعتقد أن الله يسمع ويرى ويملك كل شيء.\nوربما تكون إساءة الظن بالله سبحانه غير ناتجة عن الغلو في المخلوق؛ كمن وصف الله ﷿ الكامل بجميع الوجوه بصفات المخلوق الناقص، قال الإمام ابن القيم: (فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفه به رسله، فقد ظن به ظن السوء).\nولعل ما يحملهم على إساءة الظن بالله جل شأنه هو: أنهم ما قدروا الله حق قدره، قال ابن القيم: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه لمجرد النهي عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقص أوصاف كماله ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية","vol":"1","page":575},{"text":"والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا).\nأما إساءة الظن بالله سبحانه الناتجة عن الغلو في المخلوق الذي يجر الناس إلى الشرك في العبادة غالبًا فهو واضح.\nقال ابن القيم: (ومن ظن أن له ولدًا، أو شريكًا وأن أحدًا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه، أو نصب لعباده أولياء من دونه يتقربون بهم إليه، ويتوسلون بهم إليه، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيدعونهم كحبه، ويخافونهم ويرجونهم؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه).\nوقال في موضع آخر: قال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حتى عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره؟ فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم","vol":"1","page":576},{"text":"بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه.\nوهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة؛ لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور عملهم.\nفأما القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه ... إلى أن قال: فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).\nفما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره من لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبه الذباب شيئًا مما عليه لم يقدر على استنقاذه منه، وقال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nفما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له","vol":"1","page":577},{"text":"شيء من ذلك ألبتة، بل هو أعجز شيء وأضعفه، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل).\nوقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه إذا غضبه وأسخطه، وأوضع في معاصيه، ثم اتخذ من دونه وليًا، ودعا من دونه ملكًا أو بشرًا - حيًا، أو ميتًا - يرجو بذلك أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، وذلك زيادة في بعده من الله، وفي عذابه).\nوقال أيضًا في بيان سوء الظن بالله الناجم عن عدم قدر الله حق قدره: (وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإحلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريكًا في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبًا على محض حقه، واستهانة به، وتشريكًا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه، فكيف وإنما أشرك بينه وبين أبغض الخلق إليه، وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؟ .\nفإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان، كما قال تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ","vol":"1","page":578},{"text":"أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ)، فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته، ويوهمه أنه ملك.\nوكذلك عباد الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب، وهي التي تخاطبهم، وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكافر، فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها.\nوكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان، فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه، ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم، لا عبد الله ورسوله، فنزل هذا كله في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائنًا من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضى الشيطان ...).\nفهذه كله إساءة الظن بالله جل وعلا في جانب شركهم بالعبادة معه غيره سبحانه، وأما إساءة الظن بالله سبحانه التي حملت الناس على الإشراك معه في أمور الربوبية والتي نجمت عن عدم معرفة قدر الله حق قدره فقد بينه الله ﷿ في كتابه الكريم، حيث قال: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ","vol":"1","page":579},{"text":"فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) لمن أنكر صفة من صفاته.\nوقال: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ). قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا: هو التكذيب بالقدر.\nوقال: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ).\nفإن من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولًا، ولا أنزل كتابًا، نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى، وخلقهم باطلًا وعبثًا، فهذا ليس إلا سوء ظن بالله سبحانه، وليس إلا عدم معرفة قدر الله حق قدره.\nوقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ).\nوقال: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).\nوقال: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا)، وقال:","vol":"1","page":580},{"text":"(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ)، وقال: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)، وقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).\nسيقت هذه الآيات كلها في الرد على من ظن بالله ظنًا سوءًا في أنه لا يحيي الموتى ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين للمشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذين يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. فمن ظن هذا الظن فهو لم يقدر الله حق قدره، وأساء الظن برب العالمين.\nوقال سبحانه: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).\nوقد فسر هذا الظن من المشركين والمنافقين - الظن الذي لا يليق بالله سبحانه ـ: بأنه لن يحقق وعده بنصر الرسول ﷺ وأصحابه، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، كما قال تعالى: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا","vol":"1","page":581},{"text":"بُورًا).\nقال ابن القيم في تفسير الآية الأولى: (وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل، وظن غير الحق؛ لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء بخلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه، وبكلمته التي سبقت لرسله أنه ينصرهم ولا يخذلهم - إلى أن قال ـ: وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته).\nفعلمنا بهذا البيان: أن إساءة الظن بالله سبحانه هي التي أوقعت الناس في الشرك سواء أكان هذا الشرك في العبادة أم كان في أمور الربوبية.","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الباب الثالث: الشرك في هذه الأمة</span>\nوفيه فصول:\nالفصل الأول: خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك في هذه الأمة والتحذير منه.\nالفصل الثاني: في بيان سده ﷺ جميع الطرق المؤدية إلى الشرك.\nالفصل الثالث: في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه.","vol":"1","page":584},{"text":"الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه\nوتحته مباحث:\nالمبحث الأول: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله.\nالمبحث الثاني: في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه.","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الأول خوف الرسول ﷺ من وقوع الشرك على أمته والتحذير منه</span>\nإن إفراد الله بالعبادة واعتقاد أنه سبحانه لا شريك له ولا ند له ولا مثيل له في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، حق واجب له تعالى على عباده، بل أول الواجبات وأعظمها وأساسها.\nوهو دين الله ﷿ الذي أرسل به جميع رسله من نوح إلى محمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - كما قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).\nوقال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).\nوقال سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ).\nفجميعهم جاءوا يدعون إلى عبادة الله جل وعلا وحده، ونبذ عبادة غيره منذ أن ظهر أول شرك في الأرض حتى بعث الله خاتمهم محمدًا ﷺ، فالأنبياء","vol":"1","page":587},{"text":"كلهم كما قال ﷺ: «إخوة علات؛ أمهاتهم شتى ودينهم واحد».\nوقد أدى جميع الأنبياء هذه الفريضة، إذ إنهم أرسلوا لطرد الشرك عن أهل الأرض الذين أرسلوا إليهم، فهو واجبهم الأول. كما أدى هذا الواجب - كما ينبغي - نبينا وقدوتنا محمد ﷺ الذي أشهد علينا يوم عرفة بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة، فنصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وفتح الله به قلوبًا عميًا وآذانًا صمًا، وقد وصفه الله ﷿ في كتابه بقوله: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).\nفحرصًا منه ﷺ على حمايتنا مما يوقعنا في العنت - وأي عنت فوق عنت الوقوع في الشرك؟ - خاف الرسول ﷺ على أمته أن يقعوا في الشرك فحذرهم منه تحذيرًا بليغًا.\nكما أن هناك سببين آخرين لخوفه ﷺ على أمته من الوقوع في الشرك، وهما:\nأ- أن الشرك في أغلب الأمم السابقة كان بحيث يظهر لكل واحد بأنه شرك فلا يخفى على الناس ويمكن الاحتراز منه بسهولة، بخلاف الشرك في هذه الأمة فإنه كما يكون ظاهرًا يكون خفيًا أيضًا، ولهذا قال ﷺ: «أيها الناس، اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال له من شاء الله أن يقول:","vol":"1","page":588},{"text":"وكيف نتقيه يا رسول الله؟ قال: «قولوا: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه».\nفلما كان الشرك بهذه المثابة من الخفاء خاف الرسول ﷺ على أمته من أن يقعوا فيه، فصدر التحذير منه بكافة أنواعه، كما صدر التحذير من جميع دواعيه.\nب- أن الرسول ﷺ لما علم أن الأمم السابقة كاليهود والنصارى والفرس قد ابتلوا بالابتداع في الدين والوقوع في الشرك خاف أن تقع أمته في مثل ما وقع فيه الأمم الماضية، فحذر أمته عن اتباع سنن الأمم السابقة، فقال:\n١ - «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».\n٢ - «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك».\n٣ - «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».","vol":"1","page":589},{"text":"٤ - «قاتل الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قالت عائشة: يحرم ذلك على أمته.\n٥ - «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت عائشة: يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشيء أن يتخذ مسجدًا.\n٦ - «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».\nولهذا نهى النبي ﷺ «أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها»، كما نهى عن «تجصيص القبر وأن يبنى عليه بناء». لأن الأمم السابقة قد وقعوا فيه فحذر أمته كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة، فإن هذه الأمة ستتبع سنن الأمم السابقة كما جاء عن النبي ﷺ في حديث آخر أنه قال:\n٧ - «لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرًا بشبر،","vol":"1","page":590},{"text":"وذراعًا بذراع»، فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: «ومن الناس إلا أولئك».\n٨ - «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل ...».\nوالمقصود: بيان خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك الذي وقع فيه الأمم السابقة، ولما كان أغلب شرك الأمم السابقة بالقبور وعبادة الصالحين حذر أمته من الوقوع فيها، بل أمر بتسوية القبور، وعدم كتابة الاسم عليها، ولعن من ذبح لغير الله؛ خشية أن يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة.","vol":"1","page":591},{"text":"والأمم السابقة وقعوا في ألوان من الشرك نتيجة الغلو في الأنبياء والصالحين، فلهذا سبق التحذير منه ﷺ في ذلك حيث قال:\n١ - «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».\n٢ - وقال أيضًا: «هلك المتنطعون».\nكما أن بعض الأمم السابقة كان لديهم الشرك بالهوى، فسبق الإنذار من الوقوع في مثل ما وقعوا فيه، فقال:\n١ - «إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط». وقد سبق بيان كونه شركًا في الباب الأول.\nوهذا كله تحذير من النبي ﷺ من الشرك بأنواعه؛ حماية لجناب التوحيد.\nولما كان النبي ﷺ حذر أمته من الوقوع في ألوان من الشرك سأذكر فيما يلي نماذج من التحذيرات النبوية في هذا المجال.","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ من وقوع الشرك فيما يتعلق بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله، والتحذير منه</span>\nفمن هذا القبيل:\n١ - قلو النبي ﷺ فيما يرويه عن الله: «لا يزال عبدي يسأل عني، هذا الله خلقني، فمن خلق الله؟».\n٢ - قول النبي ﷺ: «قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟».\nفهذا الشك إذا تمكن في القلب يحصل الشرك في ذاته سبحانه، فحذر النبي ﷺ من الوقوع في ذلك، وبين كيفية اتقاء الناس من الوقوع فيه، فقال:\n«الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله».\nوفي رواية قال: «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله».\nوفي رواية قال: «فإذا بلغ من ذلك ليستعذ بالله ولينته».","vol":"1","page":593},{"text":"وفي رواية قال: «فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله».\nوفي رواية قال: «فإذا قالوا ذلك، قل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان».\nومن هذا القبيل أيضًا: الوسوسة في أمر الرب سبحانه، وإرشاد النبي ﷺ فيه بأنها محض الإيمان ما لم يتجاوز حد الوسوسة ولم يتفوه به، كما جاء في الحديث التالي، وهو:\n٣ - ما روى أبو هريرة ﵁ قال: جاء أناس من أصحاب رسول الله ﷺ، إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا نجد الشيء في أنفسنا ليتعاظم عند أحدنا أن نتكلم به، قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذلك صريح الإيمان».\nوفي رواية قال: «ذاك محض الإيمان».\nوفي رواية قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أحدث نفسي بشيء من أمر الرب لأن أخرَّ من السماء أحب إلي من أن أتكلم به، قال: «ذاك محض الإيمان».\nوفي رواية عن ابن عباس: «أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله،","vol":"1","page":594},{"text":"إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إلي من أن أتكلم به، قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر، الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة».\nومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ من خوض أمته في القدر والتحذير منه، فمما جاء فيه:\n٤ - قول النبي ﷺ: «أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: الاستسقاء بالأنواء، وحيف السلطان، والتكذيب بالقدر».\nوقوله ﵊: «إن لكل أمة مجوسًا، وإن مجوس هذه الأمة القدرية».\nوقوله ﷺ: «أخّر الكلام في القدر لشرار أمتي في آخر الزمان».\nومن هذا القبيل أيضًا خوف النبي ﷺ على أمته الكبر - الذي هو حق خالص لله تعالى - فحذرهم من الوقوع فيه حيث قال:\n٥ - «يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».","vol":"1","page":595},{"text":"ومن هذا القبيل أيضًا: خوف النبي ﷺ على أمته من الوقوع في فتنة الدجال الذي يدعي الربوبية، فيوقع الناس في الفتنة بالشرك فيها، فحذر النبي ﷺ من ذلك أمته، حيث قال:\n٦ - «إني قد حذرتكم الدجال حتى قد خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج. أدعج أعور ممسوح العين ليس بناتئة ولا حجرًا، فإن ألبس عليكم فاعلموا أن ربكم ﵎ ليس بأعور، وإنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا».\nوقوله ﵊ «وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور».\nوقوله ﷺ وهو يحذر أمته من فتنته: «أتعلمون أنه لن يرى أحدكم ربه حتى يموت».\nوقوله ﷺ: «من قال: أنت ربي، فقد فتن».\n٧ - ومن هذا القبيل أيضًا: نهي النبي ﷺ عن كثير من الأمور التي فيها ادعاء","vol":"1","page":596},{"text":"خصائص الربوبية، أو ادعاء صفات الرب جل شأنه، وتحذيره عن التورط فيها، فمثلًا:\nقال في التميمة: «من علق تميمة فقد أشرك»، و«إن الرقى والتمائم والتولة شرك».\nوقال في الطيرة: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» و«الطيرة شرك».\nوقال في السحر: «من سحر فقد أشرك»، وقال: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».\nفهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة.","vol":"1","page":597},{"text":"كما أنه حذر من الوقوع في الشرك بالله تعالى في صفته العلم المحيط فقال: «لا يدري متى يجيء المطر إلا الله»، وقال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله».\nوقال: «لا يعلم ما في غد إلا الله».\n٨ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخباره ﷺ عن وقوع الناس في التعطيل العام للربوبية والألوهية لله جل شأنه قبل يوم القيامة، حيث قال: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله».","vol":"1","page":598},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني في بيان نماذج من خوف النبي ﷺ على أمته في الوقوع في الشرك في عبادة الله سبحانه ومعاملته، والتحذير من الوقوع فيه</span>\nفمن هذا القبيل:\n١ - ما حذر النبي ﷺ من وقوع الشرك في أمته بعبادة الأوثان، فمن هذه الأحاديث ما يلي:\nأ- قوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة». قال أبو هريرة ﵁: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدونها في الجاهلية.\nوذو الخلصة: بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، هذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة: نبات له حب أحمر، كخرز العقيق.\nو(ذو الخلصة): اسم للبيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت، الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة.\nو(ذو الخلصة): اسم لصنمين كل منها يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثاني لخثعم وغيرهم من العرب، فأما صنم دوس، فهو المراد في","vol":"1","page":599},{"text":"هذا الحديث، ولا يزال مكان هذا الصنم معروفًا إلى الآن في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الراء والميم.\nوقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ في هذا الحديث، فإن قبيلة دوس وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخلصة عند ما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى وعبدوها من دون الله، حتى قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التوحيد، وجدد ما اندرس من الدين، وعاد الإسلام إلى جزيرة العرب؛ فقام الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود ﵀ وبعث جماعة من الدعاة إلى ذي الخلصة، فخربوها، وهدموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة عاد الجهال إلى عبادتها مرة أخرى، ثم لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀ على الحجاز، أمر عامله عليها، فأرسل جماعة من جيشه فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة.\nب- قوله ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى». فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أن ذلك تامًا، فقال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين","vol":"1","page":600},{"text":"آبائهم».\nج- قوله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان».\nما روى الإمام مسلم في حديث الساعة: قال: «سمعت رسول الله ﷺ قال: فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌ رزقهم حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور ...».\n٢ - ومن هذا القبيل إخباره ﷺ بخروج الناس من الإيمان ودعوتهم إلى الشرك بسبب ما يعرض لهم من الفتن. فمما روي فيه:\nأ- قوله ﷺ: «إن بين أيديكم فتنًا كقطع الليل المظلم؛ يصبح الرجل فيها مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا ...».\n٣ - ومن هذا القبيل أيضًا: إخبار النبي ﷺ عن اتباع أمته الهوى حتى يسيطر على عقولهم فلا يمشون إلا وراءه، وذكر من مظاهر هذا الاتباع للهوى ركونهم","vol":"1","page":601},{"text":"إلى الدنيا، وعبادتهم لها، بجميع مظاهرها البراقة من الأموال النفيسة والدراهم والدنانير وغيرها، حيث قال:\nأ- «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ...» الحديث.\nب- وقال: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال ...».\nج- وقال: «أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم».\nد- وقال: «لتصبن عليكم الدنيا صبًا».\nهـ- وقال: «اتقوا الدنيا ...».\nلقد صدق الرسول ﷺ فيما خوفنا عنه، فقد وقع الناس في هذا العصر وراء الدنيا فلا يبالون بالدين إذا وافقهم شيء من الدنيا، بل كثير منهم يشترون الدنيا بالدين. وكم من الناس باعوا أنفسهم ولبوا منادي الدنيا. فلا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":602},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصل الثاني سده ﷺ جميع أبواب الشرك</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: سده جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.\nالمبحث الثاني: في سده ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته.\nالمبحث الثالث: سده الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك خصوصًا إلى الشرك الأصغر وصدور التحذير منه ﷺ.\nالمبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها.","vol":"1","page":604},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الأول سدّه جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>المطلب الأول: سده جميع أبواب شرك التعطيل</span>\nلقد بين الرسول ﷺ الشرك، وحذّر منه، ونهى عنه، وبيّن أنواعه، وخطورته على الناس وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة، وذلك: لما خافه النبي ﷺ على أمته من الوقوع فيه - كما سبق بيانه في الفصل الأول - كما بيّن ﵊ ونهى عن كل ما يقارب الشرك أو يكون ذريعة للشرك بالله ﷾، حماية لجناب التوحيد، وسدًّا لجميع أبواب الشرك بكافة أنواعه.\nومن هذا الوجه نرى أنه ﵊ سدّ جميع أبواب شرك التعطيل، سواء كان ذلك في أسمائه - سبحانه - أو صفاته، أو كان في أفعاله. ولعلّ من أهم الأدلة على هذا: بيان النبي ﷺ توحيد الربوبية، واحتجاجه به على توحيد الألوهية، وإثارة هذه الحقيقة الكامنة في نفوس الناس كي يلبّوا نداء الفطرة والعقل في هذا الباب.\nفإن الشرك في هذا النوع وإن لم يكن منتشرًا على نطاق واسع في زمانه ﷺ إلا أنه بيّن ذلك ليكون نبراسًا لأمته، ولئلا يقعوا فيه، أو يواجهوا المبتلين به، فإنه قد يأتي زمان يقع بعض الأمة في مثل ذلك، كما هو الحال في زماننا الذي انتشر فيه الإلحاد وإنكار ربوبية الله ﷿ كما هو عند الشيوعيين، والوجوديين،","vol":"1","page":605},{"text":"والعلمانيين الملحدين، وهكذا المادّيون الذين ينكرون كل ما لا يشاهدونه، فكان من الضروري، العناية بهذا النوع من التوحيد، وسأضرب هنا بعض الأمثلة لحماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسدّه جميع أبواب شرك التعطيل في الربوبية.\n١ - ذكره الآيات القرآنية الدالة على ذلك، فقال: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، وقال: (أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).\n٢ - ذكره ﷺ الوساوس التي تعتري أنفس المكلفين، وإرشاده إلى كيفية التخلص من هذا الداء العضال، وذلك بعدم إعطائها فرصة التمكن في القلب، وردّها إلى الوسوسة المحضة التي لا تؤاخذ عليها هذه الأمة، فمن ذلك:\nأ- قول النبي ﷺ: «الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله، فقولوا آمنا بالله ورسوله».\nوفي روايةٍ: «فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل: آمنت بالله ورسله».\nوفي روايةٍ: «فإذا بلغ من ذلك فليسعذ بالله ولينته».\nوفي روايةٍ: «فإذا قالوا ذلك: فقل: الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليتفل عن يساره وليستعذ بالله من الشيطان».\nانظر - رحمك الله - كيف سدّ النبي ﷺ باب التعطيل، والشك في جانب","vol":"1","page":606},{"text":"رب البرية سبحانه جل وعلا.\nب- عن ابن عباس قال: «إن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إني لأجد في صدري الشيء لأن أكون حممًا أحب إليّ من أتكلم به، قال رسول الله ﷺ: الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ أمره إلى الوسوسة».\nانظر كيف عالج الرسول ﷺ هذا الشك في الربوبية، حيث أمره بردّه إلى الوسوسة حتى لا يتمكن في القلب، وبها سدّ باب الشرك في الله سبحانه.\nومن أمثلة عناية الرسول ﷺ بجانب توحيد الأسماء والصفات وسدّه جميع أنواع شرك التعطيل فيه: بيانه ﷺ بيانًا كافيًا شافيًا لهذا الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الحموية الكبرى: (فإن الله ﷾ بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ... محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله، والعلم به ملتبسًا مشتبهًا، ولم يميّز ما يجب لله في الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، فإن معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية ... ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علّم أمته كل شيء، حتى الخِراءة ... أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم في ربّهم، ومعبودهم، ربّ العالمين، الذي معرفته غاية المعارف ... بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية ...).\nوإليك أمثلة يسيرة لهذا البيان:","vol":"1","page":607},{"text":"١ - قال الله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\n٢ - وقال: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى).\n٣ - وقال ﵊: «إن لله تسعًا وتسعين اسمًا مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة ...».\n٤ - وفي الحديث: «ما أصاب مسلمًا قط همّ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور بصري، وجلاء حزني وذهاب همّي؛ إلاّ أذهب الله همّه، وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا ...».\nفقد جاءت الأسماء الحسنى والصفات العُلى في الكتاب والسنة غير مشتبهة ولا مؤدية إلى التعطيل والإلحاد. وكل هذا بيان لهذا النوع من التوحيد، وسد لجميع نوافذ الشرك فيه.","vol":"1","page":608},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المطلب الثاني: سده ﷺ لجميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية وخصائصها:</span>\nومن أمثلته ما يلي:\nأ- بيانه ﷺ خصائص الربوبية، ونفيها ﷺ عن نفسه وعن أي خلق من المخلوقات، سواء كان ذلك في الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية. فمن ذلك:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).\n٢ - قوله تعالى: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).\n٣ - قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).\n٤ - وقوله: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).\n٥ - وقوله تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).\n٦ - وقوله تعالى حكاية لقول نوح لقومه: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).","vol":"1","page":609},{"text":"٧ - وقوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ).\nوقد جاءت الأحاديث النبوية لهذا النوع من الشرك، ومن أمثلتها:\n١ - قوله ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة ...» الحديث.\n٢ - وقوله ﷺ لما خرج على أصحابه يتنازعون في القدر ...: «ألهذا خلقتم، أم بهذا أمرتم؟ ! لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه».\n٣ - وقوله ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ...» الحديث.\n٤ - وقوله ﷺ: «يقول الله ﷿: العظمة إزاره، والكبرياء رداءه. فمن نازعني واحدًا منهما عذبته».\n٥ - وقوله ﷺ: «أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، وفي رواية: «يقال لهم: أحيوا ما خلقتم».\n٦ - وقوله ﷺ: «قال الله ﷿: ومن أظلم ممّن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة».","vol":"1","page":610},{"text":"٧ - قوله ﷺ لمّا سمع الجارية تقول: (وفينا نبي يعلم ما في غدٍ) ـ: «لا تقولي هكذا، وقولي ما كنت تقولين».\nهذه بعض النماذج في سدّ النبي ﷺ لأبواب شرك الأنداد في الربوبية، وهناك نماذج أخرى؛ كالنهي عن الطيرة، والتنجيم والسحر، والتمائم، والرقى الممنوعتين، والاستسقاء بالأنواء، كلها من قبيل سدّه ﷺ جميع أبواب شرك الأنداد في الربوبية، وقد سبق بيانها والاستدلال عليها من كلام الرسول ﵊ في الفصل الأول، فلا نعيده هاهنا.","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثاني في سدّه ﷺ جميع أبواب الشرك الذي يتعلق بعبادة الله ومعاملته</span>\nومن ملامح هذا السدّ ما يلي:\nأولًا: إن الرسول ﷺ قد نهى عن الغلو في مدحه بما قد يفضي إلى عبادته، فقال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله». إذ الغلو في تعظيمه يؤدّي إلى استشعار القلب بالخوف والرهبة منه والرجاء فيه، فيصرف إليه عندئذٍ شيئًا من حقوق الله تعالى.\nثانيًا: نهى الرسول ﷺ عن البناء في القبور وعن اتخاذها عبدًا، وعن اتخاذها مساجد، فقال لما ذكرت له أم سلمة ﵂ أنها رأت كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور. قال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله».\nوقال الرسول ﷺ قبل أن يموت بخمس ليال: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا،","vol":"1","page":612},{"text":"ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إنّي أنهاكم عن ذلك».\nوقال ﵊: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم».\nكما نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور، كما قال جابر بن عبد الله ﵄: «نهى النبي ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه».\nوكذلك نهى عن الصلاة عند القبور سواء بنى عليه مسجد أو لا، لقوله ﷺ: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها». فقد نهى النبي ﷺ عن تلك الأمور كلها الدالة على تعظيم القبر؛ لئلاّ يفضي ذلك إلى عبادتها وطلب قضاء الحوائج من الموتى، ويدل على أن هذا هو المراد ما أشار به إلى صنيع الأمم السابقة، وكذلك، لأن هذا هو أصل ابتداء الشرك في الناس كما تقدم، وقد قال ابن قدامة معللًا للنهي عن اتخاذ القبور مساجد ومصلّى: (لأن تخصيص القبور","vol":"1","page":613},{"text":"بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام: تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها).\nثالثًا: النهي عن الوفاء بالنذر بالذبح لله تعالى في مكان يذبح فيه لغير الله، أو يقام فيه عيد من أعياد الجاهلية، فعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: (نذر رجل أن ينحر إيلًا ببوانة، فسأل النبي ﷺ، فقال: «هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: «فهل كان فيه عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا، فقال رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك، فإنّه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم». فقوله في آخر الحديث: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله» يفيد أن الوفاء بالنذر في المكان الذي فيه أمر من أمور الجاهلية معصية لله، ففي هذا سدّ لذريعة الشرك وإبعاد المسلمين عن التشبه بالمشركين في تعظيم أوثانهم.","vol":"1","page":614},{"text":"رابعًا: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ صيانة للصلاة والمصلّين المسلمين أن يشبهوا الكفار في سجودهم لها وعبادتهم لها وللشيطان، فمن ذلك قول النبي ﷺ: «صلّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار ... - إلى أن قال - حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار».\nخامسًا: النهي عن الصلاة إلى ما قد عُبد من دون الله، (وأحبّ لمن صلّى إلى عمود أو عودٍ، أو شجرةٍ، أن يجعله على أحد جانبيه، ولا يصمد له صمدًا، سدًّا لذريعة التشبه بالسجود لغير الله تعالى).\nسادسًا: الأمر بهدم بناء القبب والمساجد على القبور والأمر بتسويتها: فمن ذلك ما قال أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ، ألاَّ تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سويته».","vol":"1","page":615},{"text":"سابعًا: التحذير الشديد من زيارة القبور للصلاة في المساجد المبنية عليها، أو الدعاء عندها، على ظن أن هذا أسرع إجابة، أو للتبرك بها، أو جعلها عيدًا، أو للحج إليها بشد الرّحال إليها، أو زيارتها لعبادة الله تعالى عندها أيّ نوع كان من أنواع العبادات، من ذبح، أو نذر أو اعتكاف، أو قراءة القرآن، إلى غير ذلك؛ فإن كل هذا لمن أعظم أسباب الوثنية.\nفقد قال رسول الله ﷺ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى».\nودخل في النهي شدّها لزيارة القبور والمشاهد، فإمّا أن يكون نهيًا، وإمّا أن يكون نفيًا، وجاء في روايةٍ: بصيغة النهي، فتعيّن أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة - رضوان الله عليهم - المنع، كما في الموطأ والمسند والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة - وقد أقبل من الطور ـ: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا","vol":"1","page":616},{"text":"تعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى».","vol":"1","page":617},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثالث سدّه الوسائل القولية والفعلية التي تؤدي إلى الشرك - خصوصًا إلى الشرك الأصغر - وصدور التحذير منه ﷺ</span>\nقد نهى الرسول ﷺ عن كل ما يؤدي إلى إساءة الظن برب العالمين وعدم تقديره حق قدره، كما نهى أيضًا عن الأقوال والأفعال التي فيها التسوية بين الله والمخلوق، وإن كان المرتكب لا يعتقد التسوية. وسأذكرها في عدة مطالب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المطلب الأول: تحذير النبي ﷺ من وقوع أمته في الشرك الأصغر باللسان:</span>\nفمن أفراده: أ- الحلف بغير الله، وقد ورد النهي عنه في أحاديث، مثلًا:\n١ - قوله ﵊: «ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت».\n٢ - وقال: «إن الله ﷿ ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ...».","vol":"1","page":618},{"text":"٣ - وقال أيضًا: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله».\n٤ - وقال أيضًا: «لا تحلف بأبيك ولا بغير الله؛ فإنه من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».\n٥ - وقال أيضًا: «لا تحلفوا بالطواغيث ولا بآبائكم».\n٦ - وقال أيضًا: «لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد ...».\n٧ - وقال أيضًا: «من حلف بالأمانة فليس منّا».\n٨ - وقال أيضًا: «من حلف منكم فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله».\n٩ - ثم إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: «إنكم تشركون ... وتقولون:","vol":"1","page":619},{"text":"والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربّ الكعبة ...».\nوالمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر.\nب- الشرك مع الله أحدًا ولو بمجرد القول، وقد ورد النهي عن مثل هذا الاشتراك في اللفظ وإن لم يعتقد حقيقة الاشتراك، مثلًا:\n١ - أن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم فلان».\n٢ - إن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: «إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت ... فأمرهم النبي ﷺ ... أن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت».\n٣ - وقوله ﵊: «إنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».\n٤ - وقوله ﵊ للذي قال للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده». وفي رواية: «أجعلتني لله عدلًا، بل ما شاء الله وحده».","vol":"1","page":620},{"text":"والمقصود: بيان تحذير النبي ﷺ من الوقوع في هذا النوع من الشرك الأصغر.\nج- التحذير عن الشرك الأصغر الذي يتضمن النزاع في خصوصية الرب سبحانه على الظاهر، وإن كان لا يقصده المتلفظ. فمن هذا النوع:\n١ - قوله ﵊: «إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمّى: بشاهان شاه - أي ملك الملوك - لا ملك إلا الله»، وفي لفظ: «أغيظ رجل على الله رجل يسمّى بملك الأملاك».\n٢ - قوله ﵊: «لا يقل أحدكم: أطعم ربّك، وضّئ ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي».\nد- التحذير من إسناد بعض الحوادث إلى غير الله وفيها شبه اعتراض على القدر. فمن هذا النوع:\n١ - قوله ﵊: «المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، واحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك شيء فلا تقل: (لو فعلت كذا وكذا)، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن (لو) تفتح عمل الشيطان).","vol":"1","page":621},{"text":"وقوله ﵊: «أربع في أمتي في أمر الجاهلية لا يتركونهن، - وذكر منهن - الاستسقاء بالنجوم»، وفي روايةٍ: «أخاف على أمتي ثلاثًا: استسقاء بالنجوم ...».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>المطلب الثاني: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر الفعلي:</span>\nوأفراده كثيرة، منها:\nالتطير، وتصديق الكاهن، والعرّافين، ولبس الحلقة والخيط ونحوها جاء التحذير من الوقوع فيه، حيث قال:\n١ - «الطيرة شرك» قاله ثلاثًا، يقول الراوي: «وما منا إلاّ، ولكن الله يذهبه بالتوكل».\n٢ - «ليس منّا من تطيّر، ولا من تطيّر له، أو تكهّن أو تكهّن له، أو سحر أو سحر له».\n٣ - «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».\n٤ - «أخاف على أمتي ثلاثًا: حيف الأئمة، وإيمانًا بالنجوم، وتكذيبًا","vol":"1","page":622},{"text":"بالقدر».\n٥ - «إن ممّا أخاف على أمتي: التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة».\n٦ - «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر»، وفي رواية: «ولا نوء ولا غول».\n٧ - «من سحر فقد أشرك».\nوغيرها من الأحاديث، وهذا الباب واسع، وقد سبق بيان بعض الأحاديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المطلب الثالث: تحذير النبي ﷺ أمته من الوقوع في الشرك الأصغر القلبي:</span>\nفمن أفراده:\nأ- الرياء، وقد خاف النبي ﷺ من وقوع هذا النوع من الشرك على أمته، فقال:\n١ - «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه؛ فقال: الرياء».\n٢ - قوله ﵊: «إن يسير الرياء شرك».","vol":"1","page":623},{"text":"٣ - وقوله ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة.\nب- ومن أفراده: إرادة الإنسان بعمله الدنيا.\nوقد سبق التحذير من النبي ﷺ في هذا النوع من الشرك الأصغر القلبي، فمن أشهر هذه الأحاديث:\n١ - قوله ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة ...» الحديث.\n٢ - قوله ﷺ: «من تعلّم علمًا يبتغي به وجه الله ﷿ لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ...».\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة.\nوالمقصود: بيان النبي ﷺ كما خاف على أمته في الوقوع في الشرك الأكبر بجميع أنواع هكذا خاف أن يقعوا في الشرك الأصغر بكافة أنواعه، ومن ثمّ حذر أمته في الوقوع فيه، وذكرنماذج من أنواع الشرك كي لا يقعوا فيما وقع فيه الأمم السابقة؛ لكونه كالأب الرحيم لأمته، ولكونه رؤوفًا رحيمًا لما","vol":"1","page":624},{"text":"يعنتهم.\nولكن رغم هذا التحذير الشديد من وقوع أمته في أنواع من الشرك صدرت البشارة النبوية بثبات فئة من أمته على الحق بعيدة عن الشرك بجميع مظاهره وأنواعه، وهي الطائفة المنصورة والناجية، حيث قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله، وهم ظاهرون»، وفي رواية: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة».\nقال العلماء: هم أصحاب الحديث والأثر. فهؤلاء لا يشركون بالله جل وعلا بمقتضى هذه البشارة النبوية.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الرابع: في بيان شبهة من قال بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة وردّها</span>\nهناك نصوص يتشبث بها القائلون بعدم وقوع الشرك في هذه الأمة، ويزعمون دلالتها على خلاف ما ذهبنا إليه مما دلت عليه الأدلة، ويؤكده الواقع من أن الشرك يقع في هذه الأمة.\nومن أشهر هذه النصوص التي يستدلون بها ما يلي:\n١ - قوله ﷺ: «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أنتنافسوا فيها ...».\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ ما خاف علينا الشرك فكيف يقع الشرك في هذه الأمة؟\nويجاب عن هذه الشبهة بما أجاب به الحافظ ابن حجر في الفتح، حيث قال في شرح الحديث:\nأ- - (أي على مجموعكم، لأن ذلك قد وقع من البعض، أعاذنا الله تعالى منها).\nب- أو يقال: إنه في الصحابة خاصة، لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم». قال الحافظ في الفتح: (فيه إنذار بما سيقع فوقع كما قال ﷺ ... وأن الصحابة","vol":"1","page":626},{"text":"لا يشركون بعده، فكان كذلك، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا).\nج- أو يقال: (لعلّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم ويوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون).\nومن هذه الشبة أيضًا:\n٢ - قوله ﷺ: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب».\nوجه الاستدلال: (إن هذه البلاد بفضل الله طاهرة من كل رجس سالمة من كل شرك بإخبار رسول الله ﷺ).\nيجاب عن هذه الشبهة: بأن هذا الفهم الذي ذكره هذا المفتون لم يفهمه المحدّثون ولا السابقون الأوّلون، بل المعنى الذي فهموا منه هو النهي عن التمكين لدينين أن يجتمعا في جزيرة العرب، وليس المقصود به نفيه، ولا نفي وجوده عن النبي ﷺ؛ إذ كيف يمكن حمله على النفي وقد كان هناك أديان - لا دينان فقط - عند موت النبي ﷺ وحتى في صدور الخلافة الراشدة في جزيرة العرب.\nثانيًا: لو حملنا الحديث المنسوب إلى النبي بهذا اللفظ على النفي لكنّا قد كذبنا الواقع؛ فإن جزيرة العرب في تحديدهم (جنوبًا وشمالًا: من عدن إلى ديار بكر، وشرقًا وغربًا: من العراق إلى مصر، فتدخل فيها اليمن، والحجاز، ونجد، والعراق، والشام، ومصر)، فإن قلنا بحمل الحديث على النفي","vol":"1","page":627},{"text":"فإننا قد فتحنا لغير المسلمين بابًا للضحك على عقولنا في ردّ الأحاديث، بدلالة كذب الواقع له، فإن في هذه الديار المذكورة كم من الأديان، وكم من الكنائس أيضًا، وهي ما زالت معمورة من أول الإسلام حتى عصرنا الحاضر.\nثالثًا: أن ما ذكره هذا الضال من الحديث الذي رواه الإمام مالك في الموطأ، وما ورد أيضًا بلفظ: «لا يبقين دينان بأرض العرب»، وما رواه الإمام أحمد في المسند بلفظ: «لا يترك بجزيرة العرب دينان»، كل هذه الأحاديث إنما جاءت في سياق رواية وصية النبي ﷺ وآخر عهده في حياته، وهي تدلّ صراحة على أن المراد بالحديث إنما هو النهي لا النفي كما فهمه هذا المفتون.\nرابعًا: أن جميع من روى هذا الحديث من أصحاب الحديث كلهم ذكروه بعبارات تدل على أن المراد هو النهي، لا النفي، فمن هذه الروايات ما يلي:\n١ - عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ...».","vol":"1","page":628},{"text":"٢ - عن عمر قال: «لئن شئت - إن شاء الله - لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب».\nوهناك روايات صريحة تدل على أن هذا إنما هو أمر النبي ﷺ، منها:\n١ - عن ابن عباس: في حديث طويل قال ﷺ: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».\nوبعد هذه الروايات الواضحة لا يقول بحمل الحديث على النفي إلا الغبي الجاهل الذي ليس له أيّ مشاركة في هذا العلم الشريف. والله أعلم.\nوممّا اشتبه عليهم أيضًا:\n٣ - قوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرتكم - جزيرة العرب» هكذا ذكر بعضهم، وقال آخر:\nقوله ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».","vol":"1","page":629},{"text":"وقوله ﷺ فيما رواه ابن مسعود ﵁: «إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن رضي منهم بما دون ذلك بالمحقرات وهي الموبقات».\nوجه الدلالة: (أن الرسول أخبر أن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، وفي حديث ابن مسعود: أيس الشيطان أن تعبد الأصنام بأرض العرب، وهذا بخلاف مذهبكم؛ فإن البصرة ومن حولها والعراق من دون دجلة الموضع فيه قبر علي وقبر الحسين ﵄ كذلك اليمن كلها والحجاز كل ذلك من أرض العرب، ومذهبكم أن هذه المواضع كلها عبد الشيطان فيها، وعبدت الأصنام، وكلهم كفار، وهذه الأحاديث ترد مذهبكم).\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أن الرواية الأولى لم أجدها في كتب الحديث بهذا اللفظ، وأقرب ما وجدت مما يوافق هذه الرواية ما جاء عن ابن عمر ﵄ قال: «أيها الناس! إن الشيطان قد أَيِس أن يعبد في بلدكم هذا آخر الزمان، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال، فاحذروه على دينكم» الحديث.\nوالحديث ضعيف، فلا احتجاج فيه.\nأما الرواية الثانية: فهي ثابتة، ولكن هل الأحاديث الصحيحة تنتاقض","vol":"1","page":630},{"text":"مع بعضٍ؟ كلا، بل لابدّ أن يكون لكل واحدٍ منها محمل غير ما للآخر، فالحديث الذي نحن بصدده يخالف ظاهرًا - لدى البعض - الأحاديث الثابتة الصحيحة التي فيها خوف الرسول ﷺ وتحذيره من وقوع ألوان من الشرك في هذه الأمة، والعلماء قد ذكروا لهذا الحديث عدة احتمالات، فممّا قالوا فيه:\n١ - إن الشيطان أيس بنفسه - ولم يبأس - لما رأي عز الإسلام في حياة النبي ﷺ وإقبال القبائل على الدخول في هذا الدين الذي أكرمهم الله، فلمّا رأى ذلك يئس من أن يرجعوا إلى دين الشيطان، وأن يعبدوا الشيطان أي: يتخذوه مطاعًا.\nوهذا كما أخبر الله عن الذين كفروا في قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ)، فهم يئسوا أن يراجع المسلمون مع عليه المشركون من الدين الباطل القائم على اتخاذ الأنداد مع الله، وصرف العبودية إلى أشياء مع الله أو دونه.\nفكما أن المشركين لما رأوا تمسك المسلمين بدينهم يئسوا من مراجعتهم، هكذا الشيطان يئس لما رأى عزّ المسلمين ودخولهم في الدين في أكثر نواحي جزيرة العرب.\nوالشيطان - لعنه الله - لا يعلم الغيب، ولا يعلم أنه ستحين فرص يصد الناس بها عن الإسلام والتوحيد، وكانت أول أموره في صرف الناس لعبادته بعد موت النبي ﷺ، حيث أطاعه أقوام وقبائل فارتدت عن الإسلام إمّا بمنع الزكاة، أو باتباع مدعي النبوة، فنشط وكانت له جولة وصولة، ثم كبته الله.\nوالمقصود: أن الشيطان ييأس إذا رأي التمسك بالتوحيد والإقرار به","vol":"1","page":631},{"text":"والتزامه، واتباع الرسول ﷺ، وهو حريص على أن يصد الناس عن هذا، ولذا تمكن من هذا في فترات مختلفةٍ، فعبده القرامطة عبادة طاعة وهم في الجزيرة، وأفسدوا ما أفسدوا، وعبده من بعدهم ممّا يعرفه أولو البصيرة.\nفالقول بأن الشرك منتفٍ عن هذه الأمة مخالف للواقع، كما أنه مخالف للفهم الصحيح لنصوص الشرع.\n٢ - أو يقال: إن نبينا ﷺ فصّل ما بين الشرك والتوحيد وبينّه أتم بيان، وترك الدين على بيضاء ليلها كنهارها، وهذه البيضاء هي مضمون لا إله إلا الله، وهي إفراد الله بالعبادة، وخلع الأنداد، والكفر بما يعبد من دون الله، والبراءة من الشرك وأهله، كما فسّرها أهل العلم ﵏، فإذا علم هذا يقينًا فمحال أن يكون الشرك بصورته التي نهي الله عنها موجودًا في بلادٍ كثيرة، ويحكم عليها بالشرك ويوجد في الجزيرة بصورته ولا يحكم عليها بالشرك. وهذا من التلاعب والهوى الصارخ.\n٣ - وقال ابن رجب في شرح الحديث: إنه يئس أن يجتمعوا كلهم على الكفر الأكبر.\nوأشار ابن كثير إلى هذا المعنى عند تفسيره قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) حيث قال: (قال ابن عباس ﵄: يعني يئسوا","vol":"1","page":632},{"text":"أن تراجعوا دينكم).\n٤ - ولا يبعد أن يقال: (مراد النبي ﷺ بقوله: «إن الشيطان ...» أن الشيطان لا يطمع أن يعبده المؤمنون في جزيرة العرب، وهم المصدّقون بما جاء به الرسول من عند ربّه المذعنون له، والممتثلون لأوامره، ولا شك أن من كان على هذه الصفة فهو على بصيرة ونور من ربّه، فلا يطمع الشيطان أن يعبده ... ووجود مثل هذا في جزيرة العرب لا ينافي الحديث الصحيح كما لا يخفى على من له قلب سليم وعقل راجح، وإطلاق لفظ المصلّين على المؤمنين كثير في كلام العارفين.\n٥ - ويحتمل أن يراد بالمصلين أناس معلومون بناء على أن تكون (أل) للعهد وأن يراد بهم الكاملون فيها ... وهم خير القرون، يؤيد ذلك قول النبي ﷺ في آخر الحديث ـ: «ولكن في التحريش بينهم». يقول الطيي: لعلّ المصطفى ﷺ أخبر بما يكون بعده من التحريش الواقع بين صحبه رضوان الله عليهم أجمعين، أي أيس أن يعبد فيها، ولكن يطمع في التحريش ... والدليل متى طرقه الاحتمال بطل به الاستدلال).\n٦ - أو يقال: كما أن الرسول ﷺ قد أخبر بوقوع الشرك وحدوثه في هذه الأمة، ووقع، وحصل هذا الإخبار بما هو مشاهد عيانًا، ولا ينكره إلاّ من أعمى الله بصره وطمس بصيرته. هكذا أخبر الرسول ﷺ في هذا الحديث أناسًا معلومين بأن الشيطان لا يسلّط عليهم، وهم الذين قال عنهم الرسول ﵊: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق، منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من","vol":"1","page":633},{"text":"خالفهم حتى يأتي أمر الله».\n٧ - أو يقال: إن الحديث يقول: إن الشيطان أيس أن يعبد. وظاهر لفظه: أنه أيس من أن يعبد هو نفسه، لا من أن يعبد غيره من المخلوقات كالأنبياء والملائكة والصالحين والأشجار والأحجار، والقبور. فإن الشيطان إن أطيع في عبادة بعض المخلوقات، وقد تضاف إليه هذه العبادة ولكنها إضافة غير حقيقية، والعلاقة في الإضافة كونه هو الآمر بها، وحقيقة عبادة الشيطان نفسه: أن توجه إليه العبادة كفاحًا مباشرة.\n٨ - أو يقال: المراد أن الشيطان قد أيس من أن يعبد أو تعبد الأصنام في بلاد العرب في كل وقت وزمان، فهذا لن يكون إن شاء الله، وقد يشهد لهذا لفظة أبدًا) المذكور في الرواية الأخرى.\nوعلى كل حال: لا يمكن أن يدعى أنه لن يعبد غير الله في بلاد العرب في وقت من الأوقات، فإن هذا باطل كاذب بالإجماع والضرورة والنصوص المتواترة.\nومما يستدل به القبوريون في هذا الباب:\n٤ - قوله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولا يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة، أو يأتي أمر الله تعالى ...».","vol":"1","page":634},{"text":"وجه الاستدلال: (أن النبي ﷺ أخبر أن أمر هذه الأمة لا يزال مستقيمًا إلى آخر الدهر، ومعلوم أن هذه الأمور ... التي تكفرون بها، ما زالت قديمًا ظاهرة ملأت البلاد، فلو كانت هي الأصنام الكبرى، ومن فعل شيئًا من تلك الأفاعيل عابد الأوثان، لم يكن أمر هذه الأمة مستقيمًا، بل منعكسًا ...).\nيجاب عن هذه الشبهة: بأن هذه الشبهة ناتجة عن قصور باعه في علم الحديث. فإن الأحاديث تأتي بروايات مختلفة بعضها تفسّر البعض الآخر، فالذي ذكره جاء بعدة روايات، حتى إنه جاء في صحيح البخاري في خمسة مواضع عن معاوية ﵁.\nوقد جاء في كتاب العلم بلفظ: «ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله ولا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله»، وفي كتاب الاعتصام بلفظ: «ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون».\nوجاء في كتاب المناقب بلفظ: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ...».\nكما جاء في كتاب الاعتصام بلفظ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».\nوفي كتاب التوحيد: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله ...».","vol":"1","page":635},{"text":"والحديث جاء عند مسلم بلفظ: «لن يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون».\nوالمقصود: أن الروايات المطلقة في بعض الأحاديث تحمل على الروايات المقيدة، فإن من قواعد أصول الفقه حمل المطلق على المقيد إذا اتحد المحل والحكم، وهنا هكذا، لهذا قال الحافظ ابن حجر عند شرح الحديث: (أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا). ولا شكّ أن هؤلاء البعض هم المحدثون ومتبعو الآثار لا غيرهم من القبوريين كما نصّ عليه السلف.\nومما يتشبث به القبوريون في هذا الباب:\n٥ - عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزّى» فقلت: يا رسول الله! إن كنت لأظن حين أنزل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) إن ذلك تام، قال: «إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحًا طيبة فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة من خردل إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم».","vol":"1","page":636},{"text":"وقال النبي ﷺ: «لا يزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ... حتى يقاتل آخرهم المسيح».\nوقال النبي ﷺ: «لن يبرح هذا الدين قائمًا عليه عصابة المسلمين حتى تقوم الساعة».\nوقال رسول الله ﷺ: «لا يزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة، وهم على ذلك» فقال عبد الله بن عمرو: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك مسّها مسّ الحرير، لا تترك إنسانًا في قلبه مثقال حبةٍ من إيمان إلاّ قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة».\nوجه الاستدلال: (في هذه الأحاديث الصحيحة أبين دلالة على بطلان مذهبكم؛ وهي أن جميع هذه الأحاديث مصرّحة بأن الأصنام لا تعبد في هذه الأمة إلاّ بعد انخرام أنفس جميع المؤمنين آخر الدهر».\nويجاب عن هذه الشبهة من عدة أوجهٍ:\nأولًا: مراد النبي ﷺ في هذا الحديث بيان وقت ظهور الشرك بصفة عامة بحيث يطغى على التوحيد ويسيطر على حاملي لواء التوحيد ويستأصلهم، فذكر: أن هذا يحدث في أواخر أيام الدنيا، قبل انعقاد القيامة الكبرى، وبعد","vol":"1","page":637},{"text":"خروج الريح القابضة لأنفس جميع المؤمنين حتى لا تبقى هذه الطائفة المنصورة والناجية على ظهر الأرض. والذي يدلّ عليه فهم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو حيث إنه عقّب على قوله ﵊: «لا تزال عصابة ... الحديث» بقوله: أجل، ثم يبعث الله ريحًا كريح المسك ... إلخ.\nفهذا الحديث: إنما يبين التحديد الزمني لفشو الشرك في هذه الأمة حتى لا يبقى في ظهر الأرض إلا مشرك، وليس المراد منه عدم وقوع الشرك في هذه الأمة كما ظنّه بعض مدّعي العلم والمعرفة، وإلاّ يكون هذا الفهم مخالفًا للأحاديث الصحيحة الأخرى ومخالفًا للواقع.\nوأما استدلاله بهذا الحديث على عدم وقوع الشرك في هذه الأمة، فليس فيه ما يدل عليه، وقد بينّا المراد من الحديث، ثم إن عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعّين كما هو معلوم لدى كل واحد من أهل العلم.\nومما يتشبت به القبوريون أيضًا في إثبات شبهتهم:\n٦ - قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...).\nوقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ...).\nوجه الاستدلال: (أن الأمة ليس فيها من يعمل الكفر، وأنها أمة صالحة كلها - من أولها إلى آخرها - ليس فيها شرك).","vol":"1","page":638},{"text":"ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أنهم تركوا من الآيتين ما هو دليل عليهم، وذلك: (أن الله وصف خير أمة أخرجت للناس بثلاث صفاتٍ وهي لأهل الإيمان خاصة، وليس لأهل الكفر والشرك، والنفاق والبدع والفسوق فيها نصب، فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، فليس المشركون والمنافقون من خير أمةٍ ... بل هم من شرار الأمة ...).\nثانيًا: (كل أهل الملل من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة من أمته أرسل إليهم وكلهم من أمة محمد، وهم أمة الدعوة ... ومن لم يؤمن بالنبي ﷺ ولم يتبعه من هذه الملل الخمس فهو في النار، كما قال تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية) فأخبر تعالى أنهم في النار مع كونهم من هذه الأمة.\nوأما استدلاله بقوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)، فالخطاب للنبي ﷺ وأصحابه، وهم المعنيون بهذه الأمة، ومن كان مثلهم من أهل الإيمان لحق بهم، وأمّا الكفار والمشركين والمنافقين فهم أعداء الأمة الوسط في كل زمان ومكان، ولا يمكن أحد أن يزعم أنهم من الأمة الوسط إلا مثل هذا الجاهل الذي يقول: ليس في الأمة كافر ولا مشرك ...).","vol":"1","page":639},{"text":"ويبين الشيخ عبد الرحمن بن حسن جانبًا من البدع والشرك والضلال الذي وقع في هذه الأمة ... (مثل المرتدين في عهد الصديق، والخوارج زمن علي بن أبي طالب، والقدرية، والجهمية الجبرية، ودولة القرامطة، الذين وصفهم شيخ الإسلام بأنهم أشدّ الناس كفرًا، والبويهيين، والعبيديين وغيرهم).\nوبالجملة: (هذا المعترض مموه بلفظ الأمة ملبس، قال تعالى في ذم هذا الصنف من الناس (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وهذا من أعظم اللبس والخلط والتمويه، والامة تطلق ويراد بها عموم أهل الدعوة، ويدخل فيها من لم يستجب لله ورسوله، وتطلق أيضًا ويُراد بها: أهل الاستجابة المنقادين لما جاءت به الرسل، ومن لم يفصل ويضع النصوص [في غير] مواضعها فهو من الجاهلين الملبّسين).\nويكشف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن أصل هذه الشبهة وسبب حدوثها، فقال: (اعلم أن هذا المعترض لم يتصور حقيقة الإسلام والتوحيد، بل ظن أنه مجرد قول بلا معرفة ولا اعتقاد، وإلاّ فالتصريح بالشهادتين في هذه الأزمان والإتيان بهما ظاهرًا هو نفس التصريح بالعداوة، ولأجل عدم تصوره أنكر هذا، وردّ إلحاق المشركين في هذه الأزمان بالمشركين","vol":"1","page":640},{"text":"الأولين، ومنع إعطاء النظير حكم نظيره، وإجراء الحكم مع علته، واعتقد أن من عبد الصالحين، ودعاهم وتوكل عليهم، وقرّب لهم القرابين مسلم من هذه الأمة، لأنه يشهد أن لا إله إلا الله).\nويظهر جهل القائل بهذا القول حين لم يفرق بين أمة الإجابة، وأمة الدعوة، وقد ردّ الشيخ عبد اللطيف ذلك الاشتباه، فقال: (ليس كل ما وصف بأنه من الأمة يكون من أهل الإجابة والقبلة، وفي الحديث: «ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلاّ كان من أهل النار» ... وقال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا)، فدلت هذه الآية على أن هؤلاء الكافرين من الأمة التي يشهد عليهم ﷺ ... والأمة في مقام المدح والوعد يراد بها أهل القبلة وأهل الإجابة، وتطلق في مقام التفرق والذم ويُراد بها غيرهم، فلكل مقام مقال).\nوممّا يتشبث به القبوريون أيضًا في هذا الباب:\n٧ - قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد».\nوجه الاستدلال: (دعاؤه مستجاب)، يعني فلا يمكن أن يكون هناك","vol":"1","page":641},{"text":"شرك بقبر الرسول.\nويجاب عن هذه الشبهة: بأن دعاء الرسول مستجاب لا شك فيه، ولهذا قد أحاطه الله بأسوار وجدران، فلا أحد يستطيع أن يسجد لقبره مباشرة كائنًا من كان، وليس فيه أيّ دليل على أن أحدًا لا يشرك بالله جل وعلا بعبادة النبي مثلًا أو بإثبات خصائص الربوبية في الرسول ﵊، فإن هذا واقع، والواقع خير دليل في هذا المجال، فكم من الغالين في الرسول مثلًا يدّعي فيه خصائص الربوبية، وسيأتي معنا بيان نماذج من هذا الغلو في الباب الرابع بمشيئة الله.\nوأيضًا مما يتشبت به القبوريون في هذا الباب:\n٨ - بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أخوف ما أتخوف على أمتي، الإشراك بالله، أما إني لست أقول: يعبدون شمسًا ولا قمرًا ولا وثنًا، ولكن أعمالًا لغير الله وشهوة خفية».\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﵊ ما خاف علينا الشرك الأكبر، وإنما خاف علينا الشرك الأصغر.\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\n١ - إن الحديث ضعيف، والحديث الضعيف لا احتجاج به عند من","vol":"1","page":642},{"text":"يعتد به من أهل العلم.\n٢ - ولو فرضنا صحته: يكون مراد النبي ﷺ من الحديث بيان خفاء هذا الشرك في أمته حتى يقع فيه بعض من يدعي العلم والتحقيق أيضًا، فمثلًا: عبادة الشمس والقمر والوثن من الظواهر التي لا يخفى ضلال مرتكبه، ولكن الشرك بأعمال القلوب؛ مثلًا المحبة لغير الله، والذل والخضوع لغير الله، واعتقاد أشياء مخصوصة لله جل شأنه لغير الله تعالى، هذه كلها من ضمن الأعمال لغير الله وممّا تبقى خفيًا، وهذا ظاهر، والحمد لله.","vol":"1","page":643},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>الفصل الثالث في بيان خفاء الشرك على كثير من الناس حتى وقعوا فيه</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: متى وكانت بداية الشرك في هذه الأمة؟ .\nالمبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك.\nالمبحث الثالث: دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول متى وكيف كانت بداية الشرك في هذه الأمة</span>؟\nإن الله ﷿ أنعم على هذه الأمة حيث بعث محمدًا ﷺ رسولًا إلى الثقلين (عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ)، وقد (مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من أهل الكتاب)، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إمّا كتابي معتصم بكتاب مبدل أو منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول، وبعضه متروك، وإمّا أمي: من عربي وعجمي.\nفمنهم من بحث عن الحنيفية واعتصم بها، ولكن أغلبهم كانوا مقبلين على عبادة ما استحسنوه، وظنوا أنه ينفعهم؛ من نجم أو وثن أو قبر، أو تمثال أو غير ذلك؛ والناس في جاهلية جهلاء: من مقالات يظنونها علمًا وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحًا، وهي فساد، وعبادات يحسبونها من عند الله، وهي من ما زينت لهم الشياطين وتهواها نفوسهم، ووجدوا عليها آباءهم.\nفهدى الله الناس بنبوة محمد ﷺ هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، وفتح الله بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، بعد أن جاهدهم وجالدهم باللين والحكمة، وقارعهم بالسنان والحجة لمن كابر وعاند، وكان من أمره ﷺ مع قريش ما كان، حتى هاجر إلى المدينة،","vol":"1","page":647},{"text":"وكان نصر الله حليفه، فاستقام أمره، وظهر دينه، فجاء نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وجمعهم الله على دين الإسلام؛ دين التوحيد، والملة الإبراهيمية الحنيفية بعد تشتت تام وعداوة كاملة، وانهيار خلقي وانحلال ديني وفساد عقدي.\nفألف بين قلوبهم حتى أصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكسرت الأوثان والأصنام، وزالت عباتها على أصنافها، فطمست التماثيل وسويت القبور المشرفة، وأزيلت المعبودات من دون الله من قبر وشجر وحجر ونصب وصنم ووثن، وأبطلت.\nوتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوبهم متجة إلى الله وحده لا شريك معه غيره؛ لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، فأتم الله أمره وأكمل دينه، وأعلا كلمته، حتى صار الدين كله لله.\nفلما تمت نعمة الله عليه وعلى أمته وظهر ما جاء به من الحق، ووضحت الطريقة توفاه الله جل وعلا إليه، والإسلام في تقدم وشوكة تامة وغلبة كاملة، ليظهر على الدين كله.\nوكان الصحابة ﵃ وأرضاهم - يأخذون سلوكهم وأعمالهم وعقائدهم من رسول الله ﷺ، فحياته هي الإسلام غضًا طريًا، وقد نزل القرآن الكريم بلغتهم ففهموا ما أراد الله منهم، وما احتاج إلى بيان بينه لهم رسول الله بسنته، فكان الناس أمة واحدة ودينهم قائم في خلافة أبي بكر وعمر، فلما استشهد باب الفتنة عمر ﵁، وانكشف الباب، قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان حتى ذبح صبرًا، وتفرقت الكلمة، وتمت وقعة الجمل ثم وقعة","vol":"1","page":648},{"text":"صفين، فظهرت الخوارج وكُفِّر سادة الصحابة، ثم ظهرت الروافض والنواصب.\nوكان السبب في ذلك أنه كان هناك دولتان عظيمتان في زمن النبي ﷺ؛ وهما: فارس، والروم، وقد كسر الله شوكتهم، وأزال ملكهم بأيدي الصحابة، وفي عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، فلما سيطر حكم الإسلام على أكثر البلاد في آسيا، وإفريقيا، وغيرهما، دخل تحت حكمه أمم كثيرة رغبة ورهبة، وكان لها أديان مختلفة، من يهودية ونصرانية، ومجوسية ووثنية، وغير ذلك.\nوقد كان لكثير من الأمم سلطان كبير مثل المجوس، والرومان، فسلبهم المسلمون ذلك، وكان عند هؤلاء من الكبر والاستعلاء ما يجعلهم يأنفون من كونهم تحت سلطان المسلمين، ولا سيما وقد كانوا يرون العرب من أحقر الأمم، وأقلها شأنًا.\nكما أن اليهود واجهوا الإسلام ورسوله من أول أمره بالعداء، وحاولوا القضاء عليه بأنواع جهدهم وكيدهم إلى الدسائس، والمؤامرات، والاغتيالات لرجاله العظام، ودخل في الإسلام ظاهرًا من هؤلاء من قصد إفساده، وتمزيق وحدة أهله، ولابدّ أن يكون عن دراسة، وإعمال فكر وتخطيط، وربما يكون هناك جمعيات متعاونة، من المجوس والنصارى، والهنود، وغيرهم، وقد تكون لكل طائفة مؤسسات تعمل لإفساد عقائد المسلمين، لتيقنهم أنه لا يمكن هزيمة المسلمين إلاّ بإفساد عقيدتهم.\nفبدأت آثار تلك المؤامرات تظهر، شيئًا فشيئًا، فقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب بأيد مجوسية، وربما بمؤامرة مجوسية يهودية، ثم قتل الخليفة الذي بعده، بأيد مشبوهة، من غوغاء، بدفعهم بعض دهاة اليهود والمجوس.","vol":"1","page":649},{"text":"قال الإمام ابن حزم: (الأصل في أكثر خوارج هذه الطوائف عن ديانة الإسلام أن الفرس كانوا على سعة الملك، وعلوّ اليد على جميع الأمم، وجلالة الخطر في أنفسهم، حتى أنهم يسمون أنفسهم الأحرار والأبناء، وكانوا يعدون سائر الناس عبيدًا لهم، فلما امتحنوا بزوال الدولة عنهم، على أيدي العرب، وكانت العرب أقل الأمم خطرًا، تعاظمهم الأمر، وتضاعفت لديهم المصيبة، وراموا كيد الإسلام بالمحاربة، في أوقات شتى، ... فرأوا أن كيده على الحيلة أنجح.\nفأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا أهل التشيع بإظهار محبة أهل بيت رسول الله ﷺ، واستشناع ظلم علي ﵁، ثم سلكوا بهم مسالك شتى، حتى أخرجوهم عن الإسلام، فقوم منهم أدخلوهم إلى القول بأن رجلًا ينتظر يدعى المهدي، عنده حقيقة الدين، إذ لا يجوز أن يؤخذ الدين من هؤلاء الكفار، وقوم خرجوا إلى نبوة من ادعي له النبوة، وقوم سلكوا بهم ... القول بالحلول، وسقوط الشرائع.\nوآخرون تلاعبوا بهم، وأوجبوا عليهم خمسين صلاة في كل يوم وليلة ... وقد سلك هذا المسلك أيضًا عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي، فإنه - لعنه الله ـ","vol":"1","page":650},{"text":"أظهر الإسلام ليكيد أهله، فهو كان أصل إثارة الناس على عثمان ﵁ ...\nومن هذه الأصول الملعونة، حدثت الإسماعيلية، والقرامطة، وهما طائفتان مجاهرتان بترك الإسلام جملة، قائلتان بالمجوسية المحضة، ثم مذهب مزدك الموبذ، ... فإذا بلغ الناس إلى هذين الشعبين أخرجوهم عن الإسلام كيف شاؤوا، إذ هذا هو غرضهم فقط).\nفأول فرقة ظهورًا هي الشيعة، وكانت الخوارج أيضًا في نفس الوقت ظهرت كفرقة مستقلة، وإن كان لكل منهما وجود قبل هذا ولكن بصفة متفرقة، فهاتين الفرقتين لهما السبق في تفريق جمع هذه الأمة.\nقال الشهرستاني: (ومن الفريقين ابتدأت البدع والضلالة ... وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين:\nأحدهما: الاختلاف في الإمامة.\nوالثاني: الاختلاف في الأصول ... والاختلاف في الإمامة على وجهين:\nأحدهما: القول بأن الإمامة بالاتفاق والاختيار، والثاني: القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين ...\nوأما الاختلاف في الأصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي، ... في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير","vol":"1","page":651},{"text":"والشر إلى القدر ...)، فتبرأ ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يقول بهذه المقال. ثم حدثت بدعة الإرجاء، ثم حدثت بدعة الجهم بن صفوان ببلاد المشرق فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكًا أثرت في الملة الإسلامية آثارًا قبيحة تولد منها بلاء كبير.\nوفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء، كمسلك فكري، بنت هذه الفرقة مذهبها على الجدل، واستعانت في ذلك بما وجدته من منطق اليونان وفسلفتها لتعزيز آرائها، وغيّروا كثيرًا من مفاهيم العقيدة، وأصّلوا لبدعتهم أصولًا توافق عقولهم وأهواءهم.\nثم تطورت هذه المذاهب السياسية والفكرية وتشبعت حتى خرجت بعض هذه الفرق عن دائرة الإسلام، كما هو معلوم.","vol":"1","page":652},{"text":"بداية الانحراف الشركي في هذه الأمة في الربوبية بالتعطيل\nبعد استعراض أقوال العلماء في كيفية انحراف عقيدة هذه الأمة يحسن بنا أن نتعرف على بداية الانحراف الشركي في الربوبية بالتعطيل: سواء كان في أسماء الله أو صفاته أو أفعاله.\nولعل أول شرك منظم في هذه الأمة في هذا الجانب - على ما نص عليه العلماء - هو شرك القدرية الذين أنكروا القدر، فأشركوا في الربوبية بتعطيل صفات الله ﷿ وأفعاله. فإن إنكار القدر يتضمن إنكار كثير من الصفات والأفعال، كما أنهم أثبتوا خالقين.\nولهذا قال ابن عباس ﵄: (هذا أول شرك في هذه الأمة).\nوقال ابن عمر ﵄ فيهم: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني برئ منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر).\nوأول من عرف بذلك رجل مجوسي يقال له: سيسويه، من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني.","vol":"1","page":653},{"text":"ثم ظهر شرك التعطيل في أسماء الله وصفاته، بأنه ليس لله أسماؤه الحسنى، وأنه لا يوصف بشيء مما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ، وأنه لا يحب أحدًا من عباده، ولا يتكلم وليس له يد ولا وجه، وكان أول من عرف بذلك رجل يقال له: الجعد بن درهم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أصل هذه المقالة - مقالة التعطيل للأسماء والصفات - إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين، وضلال الصابئين، فأول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة ... في الإسلام: هو الجعد بن درهم، فأخذهاعنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ). فهذه سلسلة يهودية لها سوابق في محاربة الإسلام.\nروى البخاري في خلق أفعال العباد، بسنده، قال: قال خالد بن عبد الله القسري في يوم أضحى: (ارجعوا فضحوا تقبل الله منكم، فإني مضح بالجعد ابن درهم، زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله علوًا كبيرًا عما يقول ابن درهم)، ثم نزل فذبحه، قال أبو عبد الله: قال قتيبة: إن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم).","vol":"1","page":654},{"text":"فتبين من هذا أن الإلحاد أو شرك التعطيل في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات والأفعال ما هو إلا مؤامرة يهودية سيقت بغية إفساد العقيدة الصحيحة النقية للإسلام، كما بينا أن هذا الرافض أول من عرف من دعائه يهودي ماكر حاقد وهو ابن سبأ.\nوالمقصود: بيان كون الشرك الذي يتعلق بذات الرب سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله بالتعطيل أول ما حدث في تاريخ الإسلام من قبل هؤلاء القدرية في زمن صغار الصحابة، ومن قبل هؤلاء الجهمية بعدما ذهب أئمة التابعين - رضوان الله عليهم أجمعين ـ.\nوفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال على يد واصل بن عطاء؛ فأنكر صفات الله عزوجل متأثرًا بالجهمية، فهؤلاء المعتزلة نفوا أن يكون لله ﷿ خالقًا لأفعال العباد، وأثبتوا صفة الخلق لأفعال العباد للعباد الضعفاء، وحرفوا الآيات القرآنية الدالة على الصفات وخلق الله لأفعال العباد، وجعلوا الأحاديث الصحيحة التي تدل على خلق الله سبحانه لأفعال العباد ظنية غير موجبة للعمل، تلبية لدعوة هواهم في إثبات آرائهم الفاسدة، وجمعوا بهذه الأعمال الشنيعة بين شرك تعطيل الصفات مع شرك تعطيل الأفعال، فما عبدوا إلا المعدوم، وما أشبهوا إلا المجوس.\nوتأثر بهم ابن كلاب، فهذب مذهب الاعتزال وحاول تقريبه إلى مذهب أهل السنة في الصفات، ولكن لم يتخلص منهم، ثم ظهر في الساحة","vol":"1","page":655},{"text":"الإمام الأشعري، وكان قد أخذ عن الجبائي المعتزلي في أول الأمر، ولكنه سرعان ما رجع إلى مذهب ابن كلاب، فألف ودافع عنه، فهؤلاء الأشاعرة المنسوبة إلى الإمام الأشعري كلهم من أتباع ابن كلاب في الحقيقة، وهم من المتأثرين بالمعتزلة في الصفات حيث لم يتخلصوا من شرك التعطيل.\nومن الذين تأثروا بمذهب المعتزلة والجهمية في زمن الأشعري: أبو منصور الماتريدي، حيث إنه أخذ مذهب الاعتزال وأراد أن يتخلص منه، ولكن فاته الحظ الأوفر من مذهب السلف في الصفات، فلم يسلم من شرك التعطيل في صفات الله جل وعلا من جميع الوجوه، وهؤلاء الماتريدية المنسوبون إليه إلى يومنا هذا كلهم واقعون في شرك تعطيل بعض صفات الله جل شأنه شاءوا أم أبوا.\nوالمقصود: أن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية إنما تأثروا ببدعة الجهمية في إنكار الصفات وتأويلها وتعطيلها، وبهذا وقعوا في شرك التعطيل من غير أن يشعروا، ورائدهم في ذلك: جهم بن صفوان الذب ابتدع هذه البدعة في زمان أئمة التابعين وأتباعهم.\nوفي نفس الوقت حدث في الساحة شرك التشبيه بالله جل شأنه، فسموا مشبهة، وهم صنفان: صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره، وصنف آخر شبهوا صفاته بصفات غيره، وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى.","vol":"1","page":656},{"text":"فأما الذين شبهوا ذات الباري بذات غيره، فسيأتي ذكرهم في شرك الأنداد، وأما الذين يشبهون صفاته بصفات المخلوقين فهم الذين وقعوا في شرك التعطيل - تعطيل الصفات - إذ إن كل مشبه معطل، فهؤلاء المشبهة كثيرون، ولعل من أوائلهم: (هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية).\nوتبعه (هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبًا ينبع منه الحكمة). تعالى الله عن هذه المقولات القبيحة علوًا كبيرًا.\nوتبعهما الغالية من الرافضة في التشبيه. كما تأثر بهما جماعة من المعتزلة، وجماعة من المنتسبين إلى أهل السنة.\nوبعد ظهور شرك تعطيل الصفات بزمن يسير ظهر في الساحة شرك وحدة الوجود، وهو شرك تعطيل معاملة الله سبحانه عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، قال ابن القيم: (ومن هذا شرك أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما","vol":"1","page":657},{"text":"ثم خالق ومخلوق، ولا هاهنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه).\nولعل أول من قال بهذه المقالة الشنيعة في هذه الأمة هو الحلاج.\nوتبعه كل من ابن الفارض، وابن عربي، وابن سبعين","vol":"1","page":658},{"text":"وغيرهم، والمتصوفة الطرقية عمومًا.\nفالحلاج هو القائل الأول بوحدة الوجود، وأما القائلون بالحلول والاتحاد فقد حاز السبق فيه أيضًا ابن سبأ وأتباعه، فقد وجد هذان الشيئان في الغالية من الرافضة قديمًا، وقد ذكر الأشعري والبغدادي والشهرستاني من ذلك شيئًا كثيرًا.\nوالمقصود: بيان أن هؤلاء أشركوا بالله جل وعلا بتعطيل حقيقة التوحيد، فمنهم من ادعى الألوهية لنفسه، ومنهم من ادعى الحلول، ومنهم من ادعى الاتحاد، كما أن فريقًا آخر منهم ادعى الوحدة، وهم أكفر وأشد تشريكًا بالله من اليهود والنصارى، فاليهود - مثلًا - قالوا بحلول الرب في ذات عزرا، وقالت النصارى بحلوله في ذات المسيح، ولكن هؤلاء قالوا بحلوله سبحانه في كل شيء حتى في أخبث الحيوانات وأنتن الأماكن والبقاعات.\nفهذا استعراض مجمل لخط الانحراف العقدي الشركي في هذه الأمة في","vol":"1","page":659},{"text":"الربوبية التي تتضمن الشرك في الألوهية أيضًا - كما هو معلوم - بالتعطيل.\nبداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في هذه الأمة:\nلعل أول شرك في هذا الجانب هو شرك عبد الله بن سبأ اليهودي حيث أشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في الذات. حيث غلا في علي ﵁ حتى زعم أنه إله، كما أنه هو الرائد في الإشراك بالله في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال؛ حيث زعم: أن عليًا له الحياة الدائمة المطلقة، وله العلم المحيط بكل شيء، وله القدرة الكاملة الشاملة على كل شيء، وأنه هو الذي يقوم بمحاسبة الناس يوم القيامة، ويأتي بالأمطار، وسينتقم من أعدائه، وغير هذه الاعتقادات الباطلة التي فيها شرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.\nوبهذا نستطيع أن نقول: إن بداية ظهور شرك الربوبية بالأنداد في الذات إنما كان من عبد الله بن سبأ اليهودي، وتبعه أغلب الروافض الغلاة،","vol":"1","page":660},{"text":"والإسماعيلية، والعبيدية، والقرامطة، والنصيرية، والدروز،","vol":"1","page":661},{"text":"وغيرهم.\nوأما الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال فقد كان السبق فيه أيضًا لابن سبأ اليهودي، وقد سبق بيانه، ويشترك كل من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات في الشرك بالله بالأنداد في الصفات والأفعال؛ لأن كل من أثبت إلهًا من دون الله أعطى له من صفات الربوبية وأفعاله ما شاء وما أراد. ووقع في هذا النوع من الشرك كثير ممن لا يشرك بالله في ربوبيته في الأنداد في الذات، كالإمامية من الشيعة، والغلاة من المتصوفة في النبي ﷺ، وفي بعض مشائخ التصوف وأساطينهم.\nأما الرافضة فأصل البلاد عندهم في شرك الأنداد في الصفات والأفعال هو اتباعهم لابن سبأ اليهودي الزنديق الذي أراد أن يغير الدين الإسلامي الحنيف إلى دين اليهود والنصارى، فأحدثوا لهم أقوالًا من هذا النمط. وسيأتي تفصيل هذه المقولات فيما بعد إن شاء الله.\nوأما الباطنية فهؤلاء تآمروا على هدم الدين من أساسه، فادعوا الند والشريك السابق، وله قرين، سموه بالتالي وهو الذي خلق السموات والأرضين وما فيهن.","vol":"1","page":662},{"text":"أما السبب في انتشار شرك الأنداد بين المتصوفة فهو: أنه قد ظهر أناس من المسلمين بمظهر التقشف، وكان أخطر هؤلاء الأعداء على الدهماء وأبعدهم غورًا في الإغواء: أناس ظهروا بأزياء الصالحين؛ بعيون دامعة كحيلة، ولحى مسرحة طويلة، وعمائم كالأبراج، وأكمام كالأخراج، يحملون سبحات طويلة كبيرة الحبات، يتظاهرون بمظهر الدعوة إلى سنة سيد السادات مع انطوائهم على مخازٍ ورثوها عن الأديان الباطلة والنحل الآفلة، وكان في مكرهم الماكر أن خلطوا الكذب المباشر بالتزيد في تفسير مأثور، أو في فهم حديث صحيح، أو تأويله على مقتضى هواهم، أو الاستدلال بحديث مكذوب سواء كان قصدًا أو بغير قصد.\nفهؤلاء غلوا في أنفسهم بادعاء أشياء واهية من التصرفات في الكون، والعلم بما في المكنون، والقدرة على تقليب الشيء الموزون، ثم لما هلك هؤلاء جاء أتباعهم فادعوا فيهم أكثر مما ادعوا لأنفسهم من ذكر الكرامات، طلبًا لتقديس الشخصيات، اتباعًا لسنن الأمم السابقة في هذه المجالات، ونبين بعض هذه الأنواع من الشركيات بشيء من البسط والتفصيل فيما يأتي من العبارات.\nبداية ظهور الشرك في الألوهية والعبادة:\nلعل أصل حدوث الشرك في الألوهية والعبادة كان من قبل الشيعة على اختلاف فرقها، وطوائفها، ونحلها، فإن التشيع هو ملجأ كل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فما الباطنية بجميع شعبها - والإسماعيلية والقرامطة، والنصيرية والعبيدية والدرزية - إلا من فرقها، ومعروف: أن","vol":"1","page":663},{"text":"هؤلاء الباطنية كانوا مشركين بالله جل وعلا في ذاته وصفاته وأفعاله، ومشركين بالله جل وعلا في عبادته ومعاملته أيضًا، فهؤلاء جمعوا خبائث الأمم السابقة، وقالوا بالمجوسية المحضة، وجاهروا بترك الإسلام جملة، وهؤلاء كما كانوا يثبتون الشرك في الربوبية في الذات، ويثبتون الشرك في الربوبية في الصفات والأفعال، هكذا كانوا يعبدون القبور وأهلها، ويبنون عليها المساجد، والقباب، فأحيوا بذلك سنة اليهود والنصارى، فظهرت في هذه الأمة فرقة قبورية وثنية مشركة في صورة هؤلاء الروافض، الذين عمروا المشاهد وعطلوا المساجد.\nفالإسماعيلية منهم - مثلًا - بثوا معتقداتهم بين الناس سرًا، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذت تظهر الاعتناء بالقبور وتشييد المزارات والمشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء الأموات، ودعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن لهم تصرفًا في الكون، تدرج هذا في قرنين ونحوها.\nقال أحد المعاصرين: (إن أقدم من وقفت عليه يُرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الإسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بنت عقائدها ورسائلها الخمسين","vol":"1","page":664},{"text":"بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب، ولا مصنف وإن ظن ظنًا.\nثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت: الموسويون الملقبون بالاثني عشرية). وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة، إلى أئمة أهل البيت ﵃، وقد طالعت كتاب (الزيارات الكاملة) لابن قولويه فرأيت فيه من هذا شيئًا كثيرًا.\nومن طالع تراث الإسماعيليين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلته ماثلًا أمامه، فإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت هذه الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سرًا من عقائدها.\nجاء في الرسالة الثانية والأربعين من رسائل إخوان الصفا ما يبين هذا، ويبرهن له، فقد قال مؤلفوا الرسائل:\n(وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي ﵊ والتحيات والرضوان - كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى","vol":"1","page":665},{"text":"بالتعظيم لها والسجود والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك يكون قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز، ولا حسًّا ولا صورة ولا حركة، فأرشدهم الله، ودلهم على ما هو أهدى وأقوم وأولى مما كانوا فيه، وذلك أن الأنبياء ﵈ وإن كانوا بشرًا فهم أحياء ناطقون مميزون علماء، مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع، ولا تبصر، ولا تغني عنك شيئًا ...\nثم اعلم يا أخي: أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم ويتأتى لهم ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم.\nفإن من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله، وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة عند قبورهم وعند تماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكر آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلبًا للقربة إلى الله وزلفى لديه.\nثم اعلم أن حال من يعبد شيئًا من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو","vol":"1","page":666},{"text":"أصلح حالًا ممن لا يدين شيئًا ولا يتقرب إلى الله ألبتة ...).\nوهذه الجماعة الباطنية كانت نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك أوساط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة، فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفّروا أصحابها.\nكما قال ابن عقيل في القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية، قال: (لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا من أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع من إيقاد السرج وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى ...).\nفعلمنا بهذا الحديث الطويل أن الشرك في القبور في هذه الأمة إنما هو من معتقدات الباطنية في هذه الأمة، ولم يكن هذا فاشيًا قبل ظهورهم. هذا من ناحية ...","vol":"1","page":667},{"text":"ومن ناحية أخرى: أنه عربت كتب الفلاسفة اليونانية القبورية الوثنية، وعكف عليها كثير ممن تفلسفوا في الإسلام، أمثال الفارابي الكافر، وابن سينا الحنفي القرمطي، ونصير الكفر والشرك الطوسي.","vol":"1","page":668},{"text":"وغيرهم ممن لعبوا بالإسلام كما لعب بولس بالنصرانية.\nفتأثروا بآرائهم الفلسفية، ومنها العقائد القبورية، فصاروا دعاة القبورية الوثنية بتفلسفهم.\nوسايرهم كثير من المتكلمين من الماتريدية الحنفية، والأشعرية الكلابية، بسبب العكوف على كتبهم الفلسفية، فتأثروا بعقائدهم القبورية، حتى صاروا دعاة إلى القبورية الدهمية في آن واحد - كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.\nفهذه نبذة من تاريخ حدوث الشرك في العبادة والألوهية في هذه الأمة، وإنما حدث بعد هذا عندما ذهب أصحاب القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية على لسان الرسول ﵊.","vol":"1","page":669},{"text":"ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قد جاءت خلافة بني العباس. وظهر في أثنائها من المشاهد بالعراق وغير العراق ما كان كثير منها كذبًا، وكانوا عند مقتل الحسين بكربلاء قد بنوا هناك مشهدًا، وكان ينتابه أمراء عظماء، حتى أنكر عليهم الأئمة، وحتى إن المتوكل لما تقدموا له بأشياء يقال إنه بالغ في إنكار ذلك وزاد على الواجب.\nدَع خلافة بني العباس في أوائلها، وفي حال استقامتها، فإنهم حينئذ لم يكونوا يعظمون المشاهد، سواء منها ما كان صدقًا أو كذبًا كما حدث فيها بعد؛ لأن الإسلام كان حينئذ ما يزال في قوته وعنفوانه، ولم يكن على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم من ذلك شيء في بلاد الإسلام ... بل عامة هذه المشاهد محدثة بعد ذلك.\nوكان ظهورها وانتشارها حين ضعفت خلافة بني العباس، وتفرقت الأمة، وكثير فيهم الزنادقة الملبسون على المسلمين، وفشت فيهم كلمة أهل البدع، وذلك من دولة المقتدر في أواخر المائة الثالثة، فإنه إذ ذاك ظهرت القرامطة العبيدية القداحية بأرض المغرب. ثم جاءوا بعد ذلك إلى أرض مصر ...).\nوبعد أن علمنا مصدر الشرك في العبادة في هذه الأمة، سنتطرق فيما يلي:\nكيف خفي هذا الشرك في هذه الأمة حتى وقع فيه من هو معروف بالعلم والفضل؟ وكيف كان دور علماء سلف هذه الأمة في مواجهة جميع أنواع الشرك؟","vol":"1","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني: في بيان وقوع بعض هذه الأمة في الشرك</span>\nلقد صدق الرسول الأمين الحريص على حفظ إيمان المؤمنين حينما قال: «الشرك أخفى في أمتي من دبيب الذر على الصفا ...». لقد خفى بعض أنواع الشرك على كثير من العلماء حيث وقعوا فيه، قال صاحب الدين الخالص: (ومن أنواع الشرك أشياء ما عرفها الصحابة إلا بعد سنين، فمن أنت حتى تعرفه بغير علم. وقد قال لنبيه ﷺ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، فإذا كان هذا في حق سيد الرسل وخاتمهم، فما ظنك بغيره من الناس؟ ...\nوقال إبراهيم ...: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)، فإذا كان أبو الأنبياء يخاف على نفسه وعلى بنيه الأنبياء فما نرجوه في غيره وغيرهم من آحاد الناس الذين ليسوا بأنبياء؟ ... وحيث إن","vol":"1","page":671},{"text":"الشرك أخفى من دبيب النمل ابتلي به بعض من لم يتفطن له، وأفصح به في مقالاته، على جهل منه ...).\nحتى بعض العلماء مبتلون في الوقوع في بعض أنواع الشرك؛ لخفائها وعدم تصور حقيقة الشرك التي بعث الرسل لأجلها، ولعلّ بعضهم كان لديهم حسن نية في بعض أقوالهم وأعمالهم التي شابهت الشرك، ولكن كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: (وكم من مريد للخير لن يصيبه).\nثم إن هؤلاء القوم الذين سأذكرهم فيما يلي: لا أقول إنهم مشركون، فإن الحكم على العموم سهل وميسر في كثير من القضايا دون الحكم بالتعيين، فإنه ربما يوجد المقتضي للحكم على أحدٍ بالشرك أو الكفر، ولكن يمنع من الحكم عليه فوات شرط من الشروط أو انتفاء مانع من الموانع، فمثلًا إذا كان لدى أي مسلم شبهة في كون بعض أنواع من التصرفات شركًا فإنه تزال عنه الشبهة أولًا، وتقام عليه الحجة ثانيًا، وقبل هذا لا يحكم عليه بالشرك أو الكفر أبدًا.\nقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين: أحد علماء نجد الأعلام: (والذي نقوله في ذلك: إن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ ... الدعوة إليه، فالذي يحكم عليه إذا كان معروفًا بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك فظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه، وأمّا","vol":"1","page":672},{"text":"حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كانت قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، وأما من لا نعلم حاله في حال حياته، ولا ندري ما مات عليه، فإنا لا نحكم بكفره، وأمره إلى الله).\nوقال الإمام المجدد - الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ: (القصة تفيد أن المسلم - بل العالم - قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها، فتفيد لوازم التعلم والتحرز، ... وتفيد أيضًا: أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كذب هو لا يدري، فنبه على ذلك فتاب من ساعته، أنه لا يكفر ...).\nوفي موضع آخر: (... وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما؛ لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم ...).\nوقال الإمام عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن بعض من يعمل الشرك أنه لا يكفر: (لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه، وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة ...).\nفالصحيح في تكفير المعين ونسبته إلى الشرك: أنه لا ينسب إليه الشرك إلا بعد إزالة الشبهة الموجودة عنده، وبعد إقامة الحجة عليه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الجهمية (الذين وقعوا في شرك التعطيل):","vol":"1","page":673},{"text":"(ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهّال)، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم.\nفكل من وقع في هذه الأمة في أنواع من الشرك بالله جل شأنه لا نحكم عليهم بأنهم مشركون إلا إذا ثبت لنا أنه قد أقيمت عليهم الحجة، وأزيلت عنهم الشبهة، فليس كل من وجد عنده شرك يوصف بالمشرك - إلا إذا كان الشيء مما يعلم من الدين بالضرورة ـ، كما هو ظاهر من نصوص الأئمة.\nوإذا نظرنا إلى أغلب الفرق التي وقعت في الشرك نرى أنها كانت لديهم شبهة فيما قالوه وارتكبوه، فهذا الذي يمنعنا عن الحكم عليهم بأنهم مشركون بالتعيين، ولكن ليس المراد منه أن من ليس عنده شبهة، أو كانت شبهته في الأمور التي تعد من المعلوم بالدين بالضرورة، وقد أقيمت عليه الحجة؛ أنا لا نقول له بأنه مشرك كالباطنية والنصيرية والغلاة من الروافض مثلًا، فقد ثبت عن الأئمة أنهم كفروهم بالتعيين.\nثم إنا وإن لم نصف أحدًا بالتعيين بأنه من المشركين فإنه لا ضير أن نذكر من وجد عنده نوع من أنواع الشرك؛ تنبيهًا للعامة ونصحًا للأمة، فمن هذا المنطلق سأذكر بعض من تورط في بعض أنواع الشرك سواء كان بقصد أو بغير قصد.\nفمثلًا: إن الشرك في ذات الله وصفاته وأفعاله بالتعطيل قد وقع فيه كثير من العلماء البارزين من الجهمية والمعتزلة، كما وقع فيه جملة من العلماء المشهورين من الأشاعرة والماتريدية، وجملة من العلماء الذين قالوا بالقدر","vol":"1","page":674},{"text":"أو الجبر، وهكذا وقع فيه جملة من المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود مثلًا.\nوأما الشرك في ذات الباري وأسمائه وصفاته وأفعاله بالأنداد فقد وقع فيه كثير من الشيعة وكثير من أهل السنة الغالين بالتشبيه، سواء كان هذا التشبيه في ذاته أو في صفاته أو في أفعاله، وذلك بإثبات بعض صفات الباري المختصة به سبحانه لبعض العباد، كما فعل الروافض في علي وأئمتهم، وكما فعل بعض أصحاب الغلو في النبي ﷺ، وفي بعض من يحسنون بهم الظن بأنهم من الأولياء الكمّل ولهم من الخصائص كذا وكذا، حتى بلغوا بهم إلى حد إثبات الأنداد لله ﷿، وسيأتي بيان بعض النماذج في الباب الرابع إن شاء الله.\nوأما الشرك في العبادة فحدث عنه ولا حرج، فكم من العلماء المعروفين في هذه الأمة أشركوا بالله جل وعلا - وما زالوا يشركون - في هذا الباب؛ كدعاء غير الله، والاستغاثة بغيره فيما لا يستغاث فيه إلا به، والاستعانة بغير الله في الأمور التي تختص فيها الاستعانة به سبحانه، والنذر والذبح، وأنواع من العبادات لغير الله، بحجة التوسل بهؤلاء الأشخاص والأموات إلى الله جل شأنه.\nفلما فشى الشرك في هذه الأمة إلى هذه الدرجة قام العلماء الذين قد نور الله قلوبهم بمعرفة التوحيد ومعرفة حقيقة الشرك بمقتضى البشارة النبوية: «لا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي وعد الله»، وهم أصحاب الحديث والأثر من هذه الأمة، وسيأتي ذكر نماذج من جهود العلماء البارزين في هذا المجال في محاربة","vol":"1","page":675},{"text":"الشرك والخرافات بأنواعها في المبحث الآتي.","vol":"1","page":676},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الثالث دور العلماء في محاربة الشرك ومواجهة الانحرافات العقدية</span>\nلقد صدقت البشارة النبوية: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفن عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين»؛ فإنه لما ظهر بعض أنواع الشرك (في الصفات وفي الأفعال) في زمن بعض صغار الصحابة وقفوا أمامها كالسد المنيع كما فعل ابن عمر وابن عباس ﵄ حيث قاما ضد شرك القدرية، وبيّنا أنه لا إيمان ولا توحيد لمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه.\nوهكذا لما حدث شرك التعطيل في صفات الله جل شأنه وفي بعض أمور الربوبية قام التابعون ومن تبعهم من العلماء والمحدثين ضد هذه الاعتقادات الدخيلة خير قيام، حيث ألف بعضهم في الدفاع عن التوحيد وبيان حقيقة الشرك، وكتب الآخرون في جمع أقوال السلف المتعلقة بالعقيدة.\nففي القرن الثاني - مثلًا - كان العلماء قد قاموا بصد أنواع الشرك في تأليفاتهم، سواء كانت هذه التأليفات ضمن كتب الحديث أم كانت كرسائل مستقلة في هذا الباب، ولعل من أول من ألف في هذا الباب الكتاب المنسوب إلى الإمام أبي حنيفة ﵀ وهو الفقه الأكبر - مع ملاحظة بعض الأخطاء","vol":"1","page":677},{"text":"العقدية - حيث ذكر الإمام ﵀ عقائد أهل السنة إجمالًا، وذكر فيه الرد على شرك التعطيل في الصفات.\nوفي هذا الوقت بالذات جمع طوائف من العلماء والأحاديث والآثار المروية في أبواب عقائد أهل السنة؛ مثل حماد بن سلمة (١٧٦) هـ، وعبد الرحمن ابن مهدي (١٩٨) هـ، وغيرهم؛ حفاظًا على العقيدة النقية، وردًا لشرك التعطيل الذي وقع في هذا الوقت لدى بعض معاصريهم في بعض صفات وأفعال الباري ﷾، كما كتب الإمام الشافعي ﵁ (٢٠٤) هـ كتابه المنسوب إليه «الفقه الأكبر». وحذر فيه عن أنواع من شرك التعطيل. فهذه المؤلفات من أوائل ما كتب في هذا الباب، وبعضها موجود، وبعضها مفقود.\nثم جاء دور التأليف المستقل في باب العقيدة مع شيء من البسط والتفصيل بذكر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار السلفية في القرن الثالث الهجري سواء كان من المؤلفات التي تحمل اسم الإيمان، أو كان باسم السنة. ثم في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع كان التدوين تحت","vol":"1","page":678},{"text":"مصطلح (التوحيد)، ثم (الشريعة).\nيليهما مصطلح (العقيدة)، و(أصول الدين).\nفالمؤلفون من سلفنا الصالح في هذه القرون كلهم ذكروا في مؤلفاتهم تنبيهاتهم عن الوقوع في الشرك سواء كان في شرك التعطيل في أسماء الباري تعالى وصفاته أو كان في أفعاله ﷾؛ حيث صدر منهم التحذير عن الجهمية والقدرية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والاتحادية وغيرهم.\nكما ألف في أثناء ذلك كتب الردود على بعض الفرق الضالة، ككتاب الرد على الجهمية للدارمي، وكتاب الرد على بشر المريسي العنيد له، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وغيرها من الكتب للمحدثين المشهورين، كما صدر التحذير عن بعض الفرق التي خرجت عن شريعة الإسلام بغلوهم وتجاوزهم وإفراطهم، كلها تعتبر من جهود سلف هذه الأمة ضد شرك التعطيل بأنواعه.\nوأما جهود العلماء ضد شرك الأنداد في الربوبية وضد شرك العبادة والمعاملة فيتمثل في بيان تنبيهات العلماء السابقين الذين صنفوا في العقيدة والشريعة مثلًا، فما من كتاب من كتب الفقه من مذاهب الأئمة الأربعة إلا وفيه","vol":"1","page":679},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الباب الرابع مظاهر الشرك في العصر الحديث</span>\nوتحته فصول:\nالفصل الأول: في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية.\nالفصل الثاني: في بيان الشرك الذي يتعلق بالألوهية.\nالفصل الثالث: في بيان وجوب الإخلاص والتحذير من الشرك.","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>الفصل الأول في بيان الشرك الذي يتعلق بالربوبية</span>\nوتحته مبحثان:\nالمبحث الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل.\nالمبحث الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بالأنداد.","vol":"1","page":683},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الأول في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل</span>\nمدخل في بيان وجه دخول التعطيل في الشرك:\nلا شكأن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، فكما أن التوحيد يتناول إثبات الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، ويتناول عدم اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وعدم صرف نوع من العبادة لغير الله؛ إن الشرك يتناول إنكار الربوبية وإنكار الأسماء والصفات والأفعال، ويتناول اتخاذ الأنداد في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال، وصرف نوع من العبادة لغير الله.\nومن هذا المنطلق نرى أن كثيرًا من أنواع وإن كان يبدو في أول وهلة أنها من أنواع الكفر، إلا أن من أمعن النظر في مدلولات التوحيد ومدلولات الشرك يتضح له أنها من أنواع الشرك. وليس في دخولها تحت مسمى الشرك أي تناقض بين الشرك والكفر، فإن الكفر خصال عديدة، والشرك ما هو إلا بعض تلك الخصال التي تضاد التوحيد. ثم أصل الشرك كما سبق بيانه إنما هو التشبيه، والمعطل قد شبه ربه بالمعدومات أو - على الصحيح - جعله من جملة المعدومات، فيصح أن يقال له: إنه مشرك بالله جل شأنه.\nفإن قيل: إن الشرك لابد أن يكون بين شيئين بحيث يشرك أحدهما مع الآخر، يقال: إن الشرك بالتعطيل فيه أيضًا ما يشرك به، وهو إما بالاستكبار،","vol":"1","page":685},{"text":"وإما بطلب النفس أن يكون شريكًا لله وذلك باتباع هواه، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمة الله عليه ـ: (وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله، وكان مشركًا ... بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو المقصود - مقصود القلب - بالقصد الأول، فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك ...).\nوقال ابن القيم - رحمة الله عليه ـ: (أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون ... والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكنه عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل ...).\nوقال في موضع آخر:\nواعلم بأن الشرك والتعطيل مذ ... كانا هما لا شك مصطحبان\nأبدا فكل معطل هو مشرك ... حتمًا وهذا واضح التبيان\nفالعبد مضطر إلى من يكشف الـ ... ـبلوى ويغني فاقة الإنسان\nوإليه يصمد في الحوائج كلها ... وإليه يفزع طالب الأمان\nفإذا انتفت أوصافه وفعاله ... وعلوه من فوق كل مكان","vol":"1","page":686},{"text":"فزع العباد إلى سواه وكان ذا ... من جانب التعطيل والنكران\nفمعطل الأوصاف ذاك معطل الـ ... ـتوحيد حقًا ذان تعطيلان\nقد عطلا بلسان كل الرسل من ... نوح إلى المبعوث بالقرآن\nوالناس في هذا ثلاث طوائف ... ما رابع أبدًا بذي إمكان\nإحدى الطوائف مشرك بإلهه ... فإذا عاه دعا إلهًا ثان\nهذا وثاني هذه الأقسام ... ذاك جاحد يدعو سوى الرحمن\nهو جاحد للرب يدعو غيره ... شركًا وتعطيلًا له قدمان\nيقول الشارح لهذه الأبيات: (يثبت المؤلف في هذه الأبيان أن التعطيل ونفي الصفات أخو الإشراك وعبادة الأوثان، وأنهما مذ وجدا أخوان لا يفترقان، وأن أولهما وهو التعطيل مفض إلى الشرك ومقتض له، كما تقتضي العلة معلولها، فكل معطل وجاحد للصفات فهو مشرك عابد للطاغوت.\nوذلك لأن العبد في هذه الحياة الدنيا عرضة لنوائب الخير والشر، وهو لا يستطيع أن يستقل بتحصيل الخير لنفسه ولا يدفع الشر عنها، فهو محتاج إلى من يدفع عنه ضره ويغنيه عن عيله، وإليه يقصد في كل حوائجه ليقضيها له، ويفزع من مخاوفه ليوفر له الأمان، فإذا نفينا صفات هذا الإله المقصود وأفعاله، ونفينا وجوده فوق عرشه لم يجده العباد أهلًا لأن يفزعوا إليه، بل لم يجدوه شيئًا؛ فيفزعون حينئذ إلى غيره، والذي جرهم إلى هذا الشرك هو التعطيل والإنكار.\nفمن عطل أوصافه سبحانه فقد عطل توحيده، فهما تعطيلان قد بعث جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم نوح إلى خاتمهم محمد","vol":"1","page":687},{"text":"لإنكارهما وإبطالهما، والناس بالنسبة لهذا الأمر ثلاث فرق لا رابع لها.\nفأما إحداها: فهو من يشرك بإلهه في العبادة فيدعو معه إلهًا آخر، وهو شرك أكثر المشركين، فإنهم يقرون بوجود الله وبأنه المنفرد بالربوبية في الخلق والرزق والتدبير والملك، ولكنهم يعبدون معه غيره.\nوأما ثانيتهما: فهو من يجحد الرب جل شأنه فينكر وجوده وصفات كماله، فهذا لا يدعوه وإنما يدعو غيره، فهو قد جمع بين الشرك والتعطيل، واتخذ منهما قدمين يقوم عليهما كفره وإلحاده، وهذا شر الفريقين، فإن من يدعو مع الله غيره مع دعائه إياه أهون ممن لا يدعوه، بل يدعو سواه).\nوقال ابن القيم بعد هذا:\nفمعطل الأوصاف ذو شرك كذا ... ذو الشرك فهو معطل الرحمن\nأو بعض أوصاف الكمال له فحقق ... ذا ولا تسرع إلى نكران\nيقول الشارح: (فمعطل الأوصاف كلها أو بعضها فهو مشرك، وكذلك المشرك فهو معطل، فتأمل هذا الأمر جيدًا وتدبره، ولا تسرع إلى إنكار لعدم فهمك له).\nثم قال ابن القيم:\nلكن أخو التعطيل شر من ... أخي الإشراك بالمعقول والبرهان\nإن المعطل جاحد للذات أو ... لكمالها هذان تعطيلان\nيقول الشارح: (وإذا كان التعطيل كما بيَّنا أخا للشرك وملازمًا له، فإن","vol":"1","page":688},{"text":"المعطل شر من المشرك وأسوأ منه عقيدة في ربه ﷿. وليست هذه دعوى ثقال باللسان ولكنها مدعمة بالدليل والبرهان، إن التعطيل نوعان، أحدهما: جحد الذات وعدم الإقرار بوجودها، وهو تعطيل الدهرية الذين ينكرون الصانع ويقولون ما حكاه القرآن عنهم: (إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).\nوالثاني: تعطيل الذات عن صفات الكمال الثابتة لها، فهذا تعطيلان يتضمنان الطعن في حقيقة الألوهية والتنقيص من شأنها ...).\nولهذا لما تكلم ابن القيم في أنواع الشرك قال: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود، وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله) - إلى أن قال ـ: (والشرك الأول نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، ... وهو ثلاثة أقسام: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. والشرك الثاني: شرك الأنداد من غير تعطيل ...).\nكما قال المقريزي: (الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته ... أما الشرك الأول: فهو نوعان: أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون ... وهو ثلاثة أقسام: أحدها: تعطيل المصنوع عن صانعه. الثاني: تعطيل","vol":"1","page":689},{"text":"الصانع عن كماله الثابت له. والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، ومن هذا شرك أهل الوحدة. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته، ... ومنه شرك معطلة الأسماء والصفات كالجهمية والقرامطة وغلاة المعتزلة.\nالنوع الثاني: شرك التمثيل: وهو شرك من جعل معه إلهًا آخر كالنصارى في المسيح، واليهود في عزير، والمجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وشرك القدرية المجوسية مختصر منه ...).\nفعلمنا بهذا البيان: أن التعطيل شرك. وقد عده العلماء من شر أنواع الشرك، ونظرًا إلى جزئيات هذا الشرك ووجودها في العصر الحاضر فإنه سيكون الكلام عليها في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل المصنوع عن صانعه.\nالمطلب الثاني: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.\nالمطلب الثالث: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>المطلب الأول: في بيان الشرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه ومظاهر ذلك في هذه الأمة:</span>\nذكرنا فيما سبق أن هذا النوع من الشرك لم يذهب إليه إلا شرذمة قليلة","vol":"1","page":690},{"text":"من الناس من بني آدم قديمًا، وما كان إنكارهم لله وشركهم بالله في هذا الباب إلا مكابرة ومعاندة من غير حجة ولا برهان: (وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون). وقد ذكرنا أشهر من عرف بهذا النوع من الشرك من بني آدم، ومن تأثر به من الجاهليين، فلم يكن يخطر ببال أحدٍ أن يوجد هذا النوع من الشرك في هذه الأمة مع وجود العلم الذي يدعو إلى الإيمان. ولكن مع الأسف قد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من أبناء المسلمين من هذه الأمة.\nوسأذكر بعض الطوائف التي وجد فيها هذا النوع من الشرك في الفروع التالية:\nالفرع الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه في الشيوعية:\nوذلك، لأن من معتقداتهم: (إنكار وجود الله تعالى وكل المغيبات، والقول بأن المادة هي أساس كل شيء، وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس ولينين وستالين، ونكفر بثلاثة: الدين، الملكية الخالصة، - عليهم من الله ما يستحقون ـ).\nمجمل شبهات الشيوعية والردود عليها:\nإذا نظرنا إلى شبهات الشيوعية في الإلحاد نجدها ما يلي:\n١ - القول بأزلية المادة أو الطبيعة وأبديتها، والأشياء باختلاف صورها إنما هي من نتاج المادة.\n٢ - القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.","vol":"1","page":691},{"text":"٣ - القول بالمصادفة.\nفهذه الشبهات هي التي تلجأ إليها الشيوعية في محاولة الإلحاد بالله جل شأنه. وفيما يلي استعراض لشبهاتهم واستدلالاتهم عليها، مع الردود المقنعة عليها إن شاء الله.\nالشبهة الأولى: القول بأزلية المادة وأبديتها:\nوقبل أن ندخل في الردود عليهم يحسن بنا أن نذكر مقصودهم بالمادة، وصفاتها لديهم، حتى يتسنى لنا الردّ على وجه لا تبقى معه فجوة فيها.\nتعريف المادة لدى لينين:\nيعرف لينين المادة بقوله: (هي مقولة فلسفية تخدم في تعيين الواقع الموضوعي المعطى للإنسان في إحساساته التي تنسخه، تصوره، تعكسه، والموجود بصورة مستقلة عن الإحساسات).\nوبناء على هذا التعريف الذي يعتبر المادة شاملة لجميع مفاهيم الأشياء كالورد والشجر، والبيت ونحوها - إذ كلها مفاهيم - تكتسب المادة خاصية السبق على الإدراك والتأثير فيه، وبما أن الفلسفة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ، أطلق على هذه الدراسة مقولة فلسفية، وبما أن المادة تدرس المفاهيم شاملة إلى أقصى حدٍّ فهي إذن على هذا الأساس مقولة فلسفلية، ووظيفتها: تعيين الواقع الموضوعي؛ أي: الواقع المادّي الموجود خارج الإدراك، وهو المؤثر في أعضاء حواس الإنسان وإثارة إحساساته.\nإذن: فالفكر انعكاس للمادة الواقعة على الدماغ، وهو يفكر في المادة التي تعكس عليه. وقبل انعكاس المادة على الدماغ لا يوجد فكر. فالمادة إذن","vol":"1","page":692},{"text":"تسبق الفكر عنده.\nبعد أن عرفنا المادة وأنها سابقة - حسب قولهم - في الوجود على الفكر، أذكر هنا رأيهم في أزلية المادة وأبديتها.\nيقول الماديون: (وبالتالي فليس للكون نهاي ولا حدود، العالم أبدي وليس له أي (بداية) ولن يكون له أيّ (نهاية)، ومن هنا، فأيَّ عالم غيبي، غير مادي، غير موجود، ولا يمكن أن يوجد.\nفي واقع الأمر أنه إذا لم يوجد شيء غير المادة، فلا يوجد غير عالم مادّي واحد، وهذا يعني أنه عند وجود الأشياء والظواهر المختلفة في العالم المحيط بناء هناك خاصية واحدة توحدها، هي: ماديتها).\nإذن، فلا يوجد شيء - على حدّ تعبيرهم - غير العالم المادي، ولا يمكن أن يوجد عالم روحي أو يوم آخر، كما جاءت به الأديان، فالإنسان، في نظرهم نتاج المادة فقط، فالمادة هي الخالقة، ولها خصائص الخالق، وليس هناك عالم غيبي، لأن العالم محصور فيما تدركه الحواس، ولم يكتفوا بإنكار وجود الله ﷾ بل صرّحوا بأن الله من إبداع الإنسان، وأن المشكلة ليست هي مشكلة وجوده سبحانه، بل هي مشكلة فكرة وجوده.\nإذن، مبدؤهم الذي ينطلقون منه: أن الله لا نفع فيه، وإثارة النقاش حول وجوده لا طائل تحته، إذ لديهم فكرة لا تتغير؛ وهي: أن ما وراء الكون المادي","vol":"1","page":693},{"text":"وهمٌ وهُراءٌ.\nفهذه المادة هي كل شيء، ترد بمعنى الطبيعة، كما أن الطبيعة ترد بمعنى المادة.\nوأما قولهم بأبدية المادة فيعللون لها بقولهم: (إن في الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء، ولا يختفي أبدًا بلا أثر، وإذا كان الأمر كذلك فإن المادة أو الطبيعة قد وجدت دائمًا، لأننا إذا سلمنا بأنه في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في العالم، أي لم تكن توجد مادة، فمن أين لها أن تنشأ؟ ولكن ما أن توجد المادة فهذا يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات بل وجدت دائمًا، وستوجد دائمًا فهي أبدية وخالدة، ولهذا لم يمكن أن تخلق، فلا يمكن أن يخلق ما لا يمكن فناؤه، وبذلك المادة لم تنشأ أبدًا، بل وجدت دائمًا وستوجد دائمًا فهي أبدية).\nإذن، فالمادة أبدية خالدة، لم تنشأ من العدم لأنه لا يمكن أن يخلق ما لا يمكن إفناؤه؛ ولهذا لا يجوز السؤال عن بداية المادة ونهايتها لأن آثارها واضحة ومشاهدة، والحركة كذلك محال خلقها وإفناؤها، لأنه صنعة المادة.\nيقول انجلز: (المادة بدون حركة أمر غير معقول، بقدر ما هي الحركة بدون المادة، وإذن فالحركة محال خلقها وإفناؤها قدر ما هو محال ذلك بالنسبة للمادة نفسها).","vol":"1","page":694},{"text":"الردود على هذه الشبهة:\nقبل البدء في الردّ عليهم أورد هنا الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية، فإن الأساس الفكري لهذه الفكرة المادية التي نشأت منها الشيوعية هو حصر نطاق المعرفة في المادة وحدها.\nوهذا الفكر وإن كان نشأ ونما في أوروبا فيما بعد القرن السابع عشر إلاَّ أنه قديم في البشرية قدم الآفات والانحرافات فيها، ويعتبر امتدادًا لفكرة هؤلاء الماديين أو الدهريين الذين أنكروا البعث قديمًا ونسبوا الموت للدهر بدلًا من الله ... كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم: (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر).\nكذلك أعداء الرسالات أغلبهم مادّيون، ولذلك تراهم يتطاولون بالمادة وينكرون البعث واليوم الآخر ويرون الجزاء للإنسان قاصرًا على متع الحياة الدنيا ... يقول ﷾: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ)، (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ).\nكما يحكي القرآن مقالة الماديين لدى ظهور الإسلام: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر","vol":"1","page":695},{"text":"الأنهار خلالها تفجيرًا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا أو تأتي الله والملائكة قبيلًا، أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقي في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه).\nوقد بين القرآن أن هذا الذي طلبه الماديون في شأن التصديق بالرسالة الخاتمة ليس غريبًا ولا غير معهود في تاريخ البشرية، وإنما هو أمر تكرر على عهد الرسالات السابقة: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا ٢ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ)؛ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد.\n(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).\n(كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). فتشابهت قلوبهم. وقال متأخروهم بما قال به متقدموهم.\nفالظاهرة العامة لهم هي الركون إلى المادة، وإنكار ما وراء المحسوس المشاهد. ولا يعرفون غيرها في مجال الإقناع والاقتناع.","vol":"1","page":696},{"text":"ولكنّ هناك فروقًا بين الإلحاد القديم والحديث. ومن أهمها ما يلي:\nأولًا: أن الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله أصلًا - وهو أبرز ما في الاتجاه المادي الحديث عمومًا - لم يكن ظاهرة منتشرة متفشية في القديم، وإنما الذي كان شائعًا هو الشرك بمعنى منح خصائص الألوهية لغير الله ﷿، وإشراك آلهة مزعومة معه سبحانه.\nصحيح أن الملاحدة الدهرية كان لهم وجود منذ القدم - كما أشير من قبل - ولكن هؤلاء كانوا شرذمة قليلين مع اختلاف آرائهم في هذا الباب. فإنهم كانوا على طائفتين:\nالأولى: الفلاسفة الدهرية الإلهية. القائلون بقدم العالم، وكان من مقدمتهم أرسطو، وأتباعه. فهؤلاء لم يكونوا يقولون: بأن المادة هي الخالقة، بل كانوا يثبتون للعالم علة يتشبه بها.\nالثانية: الفلاسفة الدهرية الملاحدة أو الطبيعية. القائلون بما ذكر الله عنهم بقولهم: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا) فهؤلاء يشبهون في بعض الجواني الشيوعيين في العصر الحاضر، وقد ردّ الله عليهم في هذا القول بقوله: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)؛ أي: (يتوهمون ويتخيلون). فقولهم هذا ما كان مستندًا إلى علم أو يقين بل كان عن ظن","vol":"1","page":697},{"text":"وتخمين.\nولكن الشيوعية الحديثة وإن كانت تشبه أفكارهم في جانب الإلحاد معهم إلاَّ أنها تختلف معها في بعض الجوانب - كما يأتي ـ.\nثانيًا: الإلحاد في هذا الزمن هو إنكار وجود الله أصلًا، انتشر في العصور الحديثة انتشارًا واسعًا في دول أوروبا بصورة ملفتة للنظر، وأصبح له حكومات تحرسه، ودول تحميه، بل لقد غزا بلاد الإسلام حتى قام في ربوعها ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته.\nثالثًا: إن إلحاد هذا الزمان يضرب بسيف من العلم، ويزعم بأنه يقوم على سند من العلم وتأييد من البحث، وذلك أن الصفة التي تتصف بها المادية قديمًا وحديثًا هي أن الماديين يتصورون أن المادة حقائق محسوسة ملموسة وليست فروضًا وراء الحس ... والنظرة العلمية في تصورهم هي ما تخضع للبحث التجريبي، وما لا يخضع للبحث التجريبي لا يسمّى علميًا في نظرهم، ومن ثم أبعدوا مفاهيم الدين والغيب من مجال البحث العلمي حيث لا يقوم عليها دليل عندهم. ووصل الأمر أن أصبح الدين في حسّ كثير من العلماء الأوروبيين مثلًا للخرافة، وصاروا يدفعون عقيدة الإيمان بالله بحجة أن العلم يأباها، ... وشنوا حملة ضد الإيمان عامة وضدّ الإسلام خاصة ... بل بلغ الأمر إلى أن أصبحت هذه الآراء والأفكار الملحدة تدرس في كثير من جامعات العالم الإسلامي تارة باسم الفلسفة، وتارة باسم الجيولوجية، وتارة باسم الاقتصاد الحديث.","vol":"1","page":698},{"text":"وهذه النظرية يمكن إبطالها بما يلي:\n١ - عدم استقرارهم على منهج معين. وذلك؛\nأ- تراجعهم عن تعريف المادة:\nسبق تعريف المادة كما عرفوها، وذلك ما قال به الشيوعية أخيرًا، حيث أعادوا صياغة تعريفها بقولهم: هي: (الوجود الموضوعي خارج الذهن). ولكن ماذا كانوا يقولون في تعريف المادة في أول أمرهم؟ كانوا يقولون: هي (كل ما تقع عليه الحواس)، وحصروا موادها في أمور أربعة؛ الماء والهواء والتراب والنار، وكان المادّي يخبط المائدة بيده أو يضرب الأرض بقدمه ويقول لمن يجادله: هذه هي الحقيقة التي ألمسها بيدي وقدمي أو أراها بعيني وأسمعها بأذني.\nثم توالت الاكتشافات العلمية، وشاعت العلوم التجريبية في القرنين الأخيرين، وشاعت معها قوانين الحركة والضوء وسائر القوانين التي عرفت بالقوانين الوضعية، فتجاوزت ما تقع عليه الحواس إلى عالم الذرة، فأعادوا صياغة تعريف المادة بأنها: (الوجود الموضوعي خارج الذهن).\nب- تراجعهم عن القول بأسبقية المادة على الفكر:\nإن هؤلاء الشيوعيين كانوا في بداية أمرهم يقولون بأسبقية المادة على الفكر، وأرادوا بذلك إنكار المغيبات على أنها أفكار، والمادة سابقة لها، فلا يفكر فيها، بل الأصل هو المادة.\nولكنهم سرعان ما تراجعوا عن القول بأسبقية المادة في الوجود على","vol":"1","page":699},{"text":"الفكر، يقول أصحاب أسس الماركسية اللينينية: (إن النشاط الذهني أو الفكر خاصة مميزة للمادة، ولكنها ليست شكلًا من أشكال المادة، وفي المسألة الأساسية في الفلسفة يطرح الفكر كضد للمادة والروح كضد للطبيعة، فالمادة هي أي شيء يوجد خارج العقل ولا يتوقف عليه، وبالتالي: من الخطأ الجسيم اعتبار الفكر جزءًا من المادة، وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادية المنحطة).\nإذن، لقد وصف الشيوعيون أنفسهم الفكر المادي للقرن التاسع عشر الذي قامت الماركسية والشيوعية على أساسه والذي يسوي بين المادة والفكر، ويعتبر الفكر شكلًا متطورًا من أشكال المادة يعكس الوسط المادّي، وصفوا هذا القول بأنه من المفاهيم المنحطة.\nإذن، هؤلاء على اضطراب تام في تفسير الفكر، فبعضهم اعتبروا من المادة، وبعضهم اعتبروا التوحيد بين المادة والفكر كلامًا منحطًا، فلنتساءل: ما هو الحق لديكم في هذا الباب؟ هل هما شيء واحد، أم بينهما انفصال؟ .\nج- تراجعهم عن القول بالمادة بأنها هي أصل كل شيء. وذلك؛\nأنه لما جاء القرن العشرين وجاء معه تفجير الذرة فتحولت المادة إلى طاقة وفتح ذلك الباب إلى تعريفات جديدة للمادة، منها: أنها صورة مختلفة من الطاقة فحسب، وقال آخر منهم: إن المادة مركبة من بروتونات وإليكترونات، أي شحنات موجبة وسالبة من الكهرباء.","vol":"1","page":700},{"text":"فلمّا تغير مفهوم المادة ورأوا عدم صحة القول بأنها هي وراء كل شيء، بل اكتشف أخيرًا أن المادة في نفسها طاقة تشكلت بوضع خاص فصارت مادة، قالوا: وماذا في الأمر؟ إن ما نقوله بالنسبة إلى المادة قد انتقل إلى الطاقة التي هي أصل المادة. هكذا قال لينين.\nمن العرض السابق لتعريف المادة وبيان أقوالهم حولها رأينا أن المادة التي قال بها الشيوعيون والماديون، وبنوا عليها مذهبهم قد تغير مفهومها تمامًا، ولم يعد لها ذلك المفهوم السطحي الذي نشأت الشيوعية في ظلها. فالمادة في القرن العشرين تحولت إلى طاقة.\nوقررت الحقائق العلمية أخيرًا؛ أن الشيء الصلد الذي نلمسه فتراه ذا حجم ثابت ليس أكثر من شحنات كهربية وإلكترونية. بل العالم المادّي المكون من جبال وأنهار وأرض وأشجار ونحو ذلك مما تشهد به حواسنا، هو كتل من الإشعاعات الضوئية المتحركة.\nوبهذا نكون قد قضينا على القول بأن المادة هي أصل كل شيء. وفيما يلي نقد أقوالهم في أزلية المادة وأبديتها.\n٢ - عدم وجود دليل قاطع على أزلية المادة وأبديتها:\nفإن هؤلاء الملاحدة عندما يوجه إليهم السؤال - الذي يقوم عليه التحدي - من خلق المادة؟ فإنهم يجيبون: إن العلم أثبت أنها وجدت دائمًا منذ الأزل، فنحن نطرح عليهم سؤالًا لابدّ من إجابته لإثبات هذا المدعى، وهو:","vol":"1","page":701},{"text":"أين الدليل العلمي القاطع الذي يثبت صدق دعواكم أن المادة وجدت من الأزل؟ وكل ما ذكرتموه من الاستدلالات بأنها سابقة الفكر، وأنها لا تنشأ عن لا شيء، وما لا يمكن إفناؤه لا يمكن أن يخلق. هذه الشبهات الثلاثة السابقة الذكر ليست إلاّ تخمينات وظنون وليس عليها أيّ دليل علمي قاطع. فكيف تؤمنون بالنظريات هذه وأنتم ما أثبتموها إلاّ بالظنون الكاذبة، ولم تؤمنون بالخالق المبدع مع أنّ آثار وجوده ظاهرة وباهرة؟ .\n٣ - مخالفة الشيوعية للمنهج العلمي: وذلك؛\nأن فلسفتهم المادية هي - حسب زعمهم - الفلسفة العلمية الوحيدة التي تتفق وسائر العلوم، ومن شأن المنهج العلمي الطبيعي - كما هو معروف - الاقتصار على الكون المادّي، وعدم تجاوزه إلى ما وراءه، لأن وسائله التي يعتمدها هي الملاحظة والتجربة، وهذه الوسائل قاصرة عن إدراك ما وراء الكون المادّي، فهي لا تملك إزاءه أية وسيلة للنفي أو للإثبات. فكان الواجب على الماركسية والشيوعية أن تلتزم بموضوع هذا المنهج ولا تتجاوزه إلى غيره، فتركز همّها في دراسة الكون المادّي ولا تتعداه إلى غيره، ولكنها أقحمت نفسها بشيء خارج عن مجال خطته التي خطها لنفسه، فتقحمت عالم الغيب، وأنكرت وجود الله سبحانه.\n٤ - مخالفة المادة - التي زعموا أنها أزلية - خصائص الأزلية المعترف بها لدى جميع العقلاء، والمعترف بها لدى الشيوعيين أيضًا لزامًا: وذلك:\nأن الأزلي كما هو مجمع عليه عند العقلاء لابدّ أن تتوفر فيه الشروط الآتية:\n١ - أن يكون وجوده من ذاته ومتوقفًا على ذاته، ومن ثم فإنه يكون مستغنيًا في وجوده وفي بقاء هذا الوجود واستمراره عن غيره، ولا يستطيع غيره أن يؤثر","vol":"1","page":702},{"text":"عليه في إيجاد أو تحويل أو إعدام.\n٢ - أن يكون قديمًا لا بداية له؛ لأنه لو كانت له بداية لكان محدثًا من العدم، فلا يكون أزليًا.\n٣ - أن يكون باقيًا لا نهاية له؛ لأنه لوكانت له نهاية لكان هناك من يستطيع إفناءَه.\nوالماديون عمومًا يسلّمون بهذه الشروط الواجب توافرها فيما هو أزلي، ولكنهم يحاولون تطبيقها على المادة، ويزعمون أنها أزلية، فهل المادة كذلك؟ هذا ما سيحقق فيما يأتي في الردّ الخامس وما بعده.\n٥ - أدلة حدوث الكون أو المادة:\nوهذه الأدلة يمكن تقسيمها إلى مجموعتين:\nالمجموعة الأولى: في بيان الأدلة العقلية الفلسفية القديمة:\nوأصل هذه الأدلة: هو إثبات وجود العالم من ظاهرة التغير الملازمة لكل شيء فيه، وذلك؛ أن التغير نوع من الحدوث للصورة والهيئة والصفات، وهذا الحدوث لابدّ له من علة، وتسلسلًا مع العلل للمتغيرات الأولى سنصل حتمًا إلى نقطة بدء نقرر فيها أن هذا الكون له بداية في صفاته وأعراضه، وفي ذاته ومادته الأولى، وحينما نصل إلى هذه الحقيقة لابدّ أن نقرر أن هناك خالقًا أزليًا - لا يمكن أن يتصف بصفات تقتضى حدوثه - وهذا الخالق هو الذي خلق هذا الكون وأوجده بالصفات التي هو عليها. والذي يوضح ذلك ما يلي:","vol":"1","page":703},{"text":"١ - دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم:\nقال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد قيل: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ): من غير رب خلقهم، وقيل: من غير مادة، وقيل: من غير عاقبة وجزاء، والأول مراد قطعًا، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلابدّ له من خالق. ومعرفة الفطر أن المحدَث لابد له من محدِث أظهر فيها من أن كل محدَث لابدّ له من مادة خلق منها وغاية خلق لها، فإن كثيرًا من العقلاء نازع في هذا وهذا، ولم ينازع في الأول. طائفة قالت: إن هذا العالم حدث من غير محدث أحدثه؛ بل من الطوائف من قال: إنه قديم بنفسه واجب بنفسه ليس له صانع، وأمّا أن يقول: إنه محدث حدث بنفسه بلا صانع، فهذا لا يعرف عن طائفة معروفة، وإنما يحكى عمّا لا يعرف).\nوقال في موضع آخر: (قوله: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فيها قولان: فالأكثرون على أن المراد: أم خلقوا من غير خالق بل من العدم المحض؟ كما قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، وكما قال تعالى: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). وقال: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ). وقيل: أم خلقوا من غير مادة، وهذا ضعيف، لقوله بعد ذلك: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) فدل ذلك على أن التقسيم","vol":"1","page":704},{"text":"أم خلقوا من غير خالق، أم هم الخالقون؟ ولو كان المراد من غير مادة لقال: أم خلقوا من غير شيء، أم من ماء مهين؟ فدل على أن المراد أنا خالقهم لا مادتهم. ولأن كونهم خلقوا من غير مادة ليس فيه تعطيل وجود الخالق، فلو ظنوا ذلك لم يقدح في إيمانهم بالخالق بل دل على جهلهم، ولأنهم لم يظنوا ذلك، ولا يوسوس الشيطان لابن آدم ذلك، بل كلهم يعرفون أنهم خلقوا من آبائهم وأمهاتهم، ولأن اعترافهم بذلك لا يوجب إيمانهم ولا يمنع كفرهم. والاستفهام استفهام إنكار، مقصوده تقريرهم أنهم لم يخلقوا من غير شيء، فإذا أقروا بأن خالقًا خلقهم نفعهم ذلك، وأمّا إذا أقروا بأنهم خلقوا من مادة لم يغن ذلك عنهم من الله شيئًا).\nوالمقصود: بيان أن في هذه الآية، ذكر الله ﷿ شيئين في قضية الخلق، وهما:\nأ- إمّا أنهم خلقوا من العدم، والعدم هو الأصل.\nب- وإما أنهم خلقوا من شيء، وخلقوا أنفسهم بأنفسهم، فالوجود هو الأصل.\nفمعنى الآية: هل انتقلوا من العدم إلى الوجود من غير خالق؟ أم هل كانوا هم الخالقين لأنفسهم في هذا الانتقال؟ وكلاهما من الأمور المستحيلة بداهة.\nوالموجِد لا يكون عدمًا لأن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل لأنه هو النفي العام لكل ما يخطر ببال، ونفي صفاته، فلا ذات ولا قوة ولا إرادة ولا","vol":"1","page":705},{"text":"علم ولا حياة ولا أي شيء، ولا يمكن أن يتحول هذا العدم إلى الوجود، ولا يمكن أن يأتي من هذا العدم العام: ذوات وصفات وقوى تنطلق بنفسها منه إلى الوجود فقد ثبت لنا أن العدم لا يمكن أن يكون هو الأصل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولم يذكر القرآن خلق شيء من لا شيء، بل ذكرأنه خلق المخلوق بعد أن لم يكن شيئًا، كما قال تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) مع إخباره أنه خلقه من نطفة).\nفإذا لم يكن العدم هو الأصل لابدّ أن يكون الوجود هو الأصل، لأنه نقيض العدم، ولذلك يستحيل عقلًا أن يطرأ العدم على وجود علِمنا أنه هو الأصل.\nولو نظرنا إلى الموجودات التي تقع تحت مجال إدراكنا الحسّي في هذا الكون العظيم لوجدنا أن هذه الموجودات - ومنها الإنسان - لم تكن ثم كانت، وأن أشكالًا كبيرة كانت معدومة في أشكالها وصورها ثم وجدت، كما هو مشاهد لنا باستمرار، كما تبدو لنا صورة التغيرات الكثيرة الدائمة في كل جزء من أجزاء هذه المواد الكونية التي نشاهدها، أو نحسّ بها، أو ندرك قواها وخصائصها، فمن موت إلى حياة، ومن حياة إلى موت، ومن تغييرات في الأشكال والصور إلى تغييرات في الصفات والقوى، وكل ذلك لا يعلّل في عقولنا - وفق قوانين هذا الكون الثابتة التي استفدناها من الكون نفسه - إلاّ","vol":"1","page":706},{"text":"بالأسباب المؤثرة التي تحمل سرّ هذه التغيرات الكثيرة المتعاقبة في كل شيء من هذا الكون على اختلاف جواهره وصفاته، سواء منها المتناهي في الصغر أو المتناهي في الكبر.\nوهنا نقول: لو كان الأصل في هذه الموجودات المعروفة على حواسنا (المادة) هو الوجود الأزلي، لم تكن عرضة للتحول والتغير والزيادة والنقص، والبناء والفناء، ولم يحتج صور وجوداتها وتغيراتها إلى أسباب ومؤثرات. وبما أنه عرضة للتغيير والتحويل، وبما أن قوانينها تفرض احتياجاتها إلى الأسباب والمؤثرات، لزم عقلًا ألا يكون الأصل فيها الوجود، وإنما يجب عقلًا أن يكون الأصل فيها هو العدم، ولابدّ لها من سبب أوجدها من العدم، وهو الله ﷾.\n٢ - دليل الإمكان في الكون أو المادة.\nبملاحظتنا لكل شيء في الكون، سواء كان من الأشياء المادية التي يمكن أن ندركها ببعض حواسنا كالأرض والكواكب والنجوم، أو صفة من الصفات القائمة في الأشياء المادية التي نستنبط وجودها بعقولنا كالجاذبية الخاصة الموجودة في حجر المغناطيس، وكخواص المركبات المادية التي لا حصر لها في الكون سواء في ذلك الظواهر الكيميائية أو الفيزيائية، من خلال ملاحظتنا لجميع هذه الأشياء الكونية، ندرك بداهة في كل واحد منها أنه كان من الممكن عقلًا أن يتخذ صورة وحالة غير ما هو عليه الآن. فما المانع من أن","vol":"1","page":707},{"text":"يكون العقل في البهائم والنطق في العجماوات؟ وما المانع من أن يكون الأرض أدنى إلى الشمس والقمر من الوضع الذي هي عليه؟ أو غير ذلك من أشياء كثيرة.\nفإن قيل: إن الحكمة تقتضي أن تكون هذه الأشياء كما هي عليه الآن. وإلاّ لاختل النظام وفسدت النتائج المرجوة من هذا الكون.\nقلنا: إن الحكمة هي من صفات الحكيم - هو الله سبحانه - وما دام أن كل شيء في الكون يحتمل أن يكون على واحد من أوضاع كثيرة غير الوضع الذي هو عليه الآن، فإن العقول لابدّ أن تحكم بداهة بأن ما كان كذلك فلابدّ من مخصص قد خصصه باحتمال موافق للحكمة والإبداع والاتفاق من جملة احتمالات كثيرة، ولولا وجود المخصص للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجح، أو القول بأن موافقة الحكمة - فيما لا حصر له من الأعداد - كان على طريق التصادف، وكلاهما مستحيل عقلًا.\n٣ - دليل الإتقان في الكون:\nمن أعظم ما يدهشنا في أنفسنا في الكون من حولنا ذلك الإتقان العجيب في التركيب والصنع، فما نصادف من شيء في الأرض ولا في السماء إلاّ وهو","vol":"1","page":708},{"text":"في غاية الإتقان، مركب أحكم تركيب يودّي به إلى غايته التي خلق من أجلها.\nأليس من الإتقان هندسة الكون العجيبة، في مخطط كواكبه ونجومه، بحيث إن أيّ تغيير فيه يؤدّي به إلى الخلل والنقص أو الخراب والفناء. وكذلك، أليس من الإتقان المدهش هذا الإنسان في خلقه وتكوينه، وكذلك هذه الحيوانات المدهشة في تكوينها. نعم، في كل شيء نرى فيه الإتقان المدهش الذي لا يصدر إلاّ عن متقن بنفسه يتقن كل شيء صنعًا.\nفهذه أدلة علمية عقلية كلها تدور على أن الكون بما فيه المادة، حادثة وموجودة بعد أن لم يكن لها وجود، فهي حادثة، والحادث لابدّ له من محدث، وبهذه يبطل قول الماديين بأزلية المادة كما أنها في حالة حدوث وتغيير دائمين، فحدوثها وتغييرها دليل على أن لها بداية، وهذا الدليل نفسه يقودنا إلى أن للمادة نهاية محتومة لابدّ أن تصير إليها، لأن كل شيء له بداية لابدّ أن يكون له نهاية.\nوحين لا يسلم بهذه الأدلة المنطقية العقلية التي تدل على حدوث الكون (المادة) وبدايته ونهايته طائفة من المفتونين بالعلوم الحديثة وقوانينها، ومنجزاتها، فإنني أعرض لهم أدلة من هذه العلوم وقوانينها التي تثبت حدوث الكون، وأنه لابدّ له من إله أوجده من العدم، كما أن له نهاية محتومة سيصير إليها.","vol":"1","page":709},{"text":"المجموعة الثانية: في بيان الأدلة العلمية على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية:\nوهذه الأدلة يمكن أن نقسمها قسمين:\nالأول: الأدلة العلمية الحديثة الدالة على أن المادة ليست بأزلية:\nوذلك بما يلي:\n١ - أثبتت الكشوفات العلمية في العصر الحديث أن للمادة بداية، حيث لاحظ العلماء أن حركة المادة في الكون كله حركة دائرية، فكل ذرة من ذرات الكون مؤلفة من جزئي كهربيّ موجب ويسمَّي (البروتون)، وجزئي كهربي سالب، ويسمَّي (إليكترون)، وبعض الذرات تحتوي على جزء ثالث معتدل ويسمَّي (النيترون). هذا، ويشكل البروتون والنيترون في حالة وجود كتلة النواة. أما الإليكترون فهو يدور بسرعة دائرية هائلة. ولولا هذا الدوران لجذبت كتلة النواة كتلة الإليكترون، ولم يكن هناك امتداد لأيّ مادة على الإطلاق، بل لولا هذا الدوران لكانت الأرض كلها - كما يقال - في حجم البيضة.\nهذا الدوران هو سنة الله في الطبيعة، فالقمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول الشمس، وهكذا كل ذرة تدور في هذا الكون، والذي نريده هو: أن الشيء الدائر لابدّ أن تكون له نقطة بداية زمانية ومكانية ابتدأ منها.\n٢ - يقول إدوارد لوثر كيسيل في معرض ردّه على القائلين بأزلية الكون: (ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي","vol":"1","page":710},{"text":"الأخير، فالعلوم تثبت بكل وضوح أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك؛ أن الكون يتجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الأجسام وينضب منها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيماوية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة؛ ولا تزال العمليات الكيماوية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليًا وإلاّ لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود. وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى أن لهذا الكون بداية، وهي بذلك تثبت وجود الله، لأن ماله بداية لا يمكن أن يكون قد بدأ بنفسه، ولابدّ من مبدئٍ أو من محرك أول، أو من خالق هو الإله).\nفهذه الأدلة العلمية القاطعة تثبت أن المادة غير أزلية، والآن أعرض فيما يلي الأدلة العلمية على أن المادة ليست أبدية.\nالثاني: الأدلة العلمية الدالة على أن المادة ليست أبدية:\nمن أشهر هذه الأدلة:\n١ - ما سبق معنا من قانون الديناميكا الحرارية، فإنه قد جاء فيه: أنّ مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيًا، وأنها سائرة حتمًا إلى يوم تصير فيه الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض هي الصفر المطلق، ويومئذ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة، ولا مناص من حدوث هذه الحالة من انعدام الطاقة عندما تصل درجة حرارة الأجسام إلى الصفر المطلق بمضي الوقت ... ولا شك أنه يدل على أن للمادة نهاية محتومة ستصير إليها.","vol":"1","page":711},{"text":"٢ - ومنها قانون تحطم الشموس، وفحواه: أن ذرات الشموس تتحطم في قلبها المرتفع الحرارة جدًا، وبواسطة هذا التحطم الهائل المستمر تتولد هذه الطاقة الحرارية التي لا مثيل لها، وكما هو معلوم فإن الذرة عندما تتحطم تفقد جزءًا من كتلتها حيث يتحول هذا الجزء إلى طاقة، فكل يوم يمر بل كل لحظة تمر على أيّ شمس فإنّها تفقد جزءًا ولو يسيرًا من كتلتها، ومعنى هذا بالضرورة أن سيأتي الوقت الذي تستنفد الشموس كتلتها نهائيًا. أي: أنها تفنى.\n٣ - (جون كليفلاند كوتران) عالم الكيمياء والرياضيات يقول: (تدلنا الكيمياء على أن بعض المواد على سبيل الزوال والفناء، ولكن بعضها يسير نحو الفناء بسرعة كبيرة والآخر بسرعة ضئيلة. وعلى ذلك فإن المادة ليست أبدية ...).\nفهذه الأدلة كلها تدل على أن المادة ليست أزلية ولا أبدية، بل إنها مخلوقة وفانية، وبهذا يسقط دعوى الشيوعية في كون المادة هي الأصل، والحياة هي المادة.\nوفيما يلي بيان شبهتهم الثانية وردّها.\nالشبهة الثانية: القول بالتطور الذاتي أو النشوء الذاتي للمادة والحياة.\nوذلك؛ في قولهم إن الحياة إنما هي من نتاج المادة دون أن يكون وراءها شيء، بل تطورت ذاتيًا، ونشأت تلقائيًا حسب قوانين المادة التطورية، هذا ما يسمونه أيضًا بالقوانين الطبيعية.","vol":"1","page":712},{"text":"هذه الشبهة مؤلفة من ثلاثة جوانب:\nالجانب الأول: القول بالتطور الذاتي. وهذا ما كان يقول به الشيوعيون في بداية أمرهم.\nالجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء، هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول كالفرضية أو النظرية، دعمًا لمواقفهم السابقة.\nالجانب الثالث: القول بنسبة الخلق والحياة إلى الطبيعة، فهذا وإن كانوا في حقيقة أمرهم لا يبالون بجانب البحث عن الخالق أو المسبب، إلا أنهم قالوا بهذا القول رغم إنكارهم لذلك في كتاباتهم هروبًا من الكنيسة وإله الكنيسة.\nالجانب الأول: القول بالتطور الذاتي:\nالرد عليه بما يلي:\nإن هذا القول إنما هو محاولة تفسيرهم لظاهرة الحياة في المادة، فإنهم لما أنكروا وجود الخالق - جل وعلا - لزمهم أن يقولون: إن المادة الأولى للكون التي هي عديمة الحياة والإحساس والإدراك والفكر، قد ارتقت بالتطور الذاتي حتى نشأت الحياة، التي هي أكمل وأرقى من مادة الكون الأولى، ثم نشأت بعد ذلك في الحياة: الإحساسات الراقية، حتى مستوى الفكر، ووعي","vol":"1","page":713},{"text":"ما في الكون عن طريقه، وبذلك استطاعت المادة أن تعي ذاتها، متمثلًا ذلك في الجهاز الراقي الذي أبدعته بالتطور الذاتي، وهو الدماغ.\nقبل مناقشة هذه المسألة: لابدّ من طرح سؤال وهو: ما هو الدليل العلمي على أن الروح والفكر والإحساس ثمرة من ثمرات المادة؟ .\nإن أدق ما قدمته الشيوعية من برهان على هذه الدعوى إلى الآن هو: أن الحياة تنشأ عن الحرارة، والحرارة بدورها تنشأ من الحركة، أي أن الحركة + حرارة = حياة.\nونحن نلجأ إلى نفس الأسلوب الذي تسير عليه الماركسية لضبط سلامة معارفنا وهو التطبيق العلمي لنرى هل الحركة + الحرارة = الحياة؟ .\nولنتساءل من الذي جمع هاتين الظاهرتين إلى بعضهما (بجهد من تطبيقه الخاص) بهذه البساطة أو بما شاء من التعقيد الكيميائي فاستخرج منها حقيقة الحياة؟ ... وهنا لابدّ أن يُعاد إلى الأذهان خبر المؤتمر الذي عقده ستة من علماء الحياة في كل من الشرق والغرب في نيويورك ١٩٥٩ م. وكان فيهم العالم الروسي (أوبارين) أستاذ الكيمياء الحيوية في أكاديمية العلوم السوفياتية، أملًا في فهم شيء عن أصل الحياة ومنشأها على ظهر الأرض، وإلى معرفة مدى إمكان إيجاد الحياة عن طريق التفاعل الكيميائي.\nلقد قرر المجتمعون في نهاية بحوثهم بالإجماع (أن أمر الحياة لا يزال مجهولًا، ولا مطمع في أن يصل إليه العلم يومًا ما، وأن هذا السرّ أبعد من أن","vol":"1","page":714},{"text":"يكون من مجرد بناء مواد عضوية معينة وظواهر طبيعية خاصة).\nثم إن الحقيقة التي أجمع عليها العلماء حتى الآن - مسلمهم وكافرهم - أن العلم لا يدري إلى اليوم شيئًا عن الحياة والروح، فهل تجميع الحرارة والحركة ينتج حياة بهذه البساطة؟ إن مما لا شك فيه أن كلًا من الحركة والحرارة من أبرز خصائص الحياة، ولكن من المفروغ منه في قواعد المنطق أن خواص شيءٍ ما ليست تعبيرًا عن الجوهر الذاتي الذي يقوم به؛ فالماء مثلًا في حالة الغليان يتصف بكل من الحركة والحرارة، ولكن من الواضح أن جوهر الماء شيء آخر غير الحركة والحرارة، وهكذا أن الحركة والحرارة خصيصتان من خصائص الحياة الدالة عليها كالأيدروجين والكربون والأوزون والأوكسجين وغير ذلك من عناصر الحياة الأساسية، أما جوهر الحياة ذاته فشيء آخر لا يقف عليه إنسان.\nولهذا قال انجلز: (ليس في مكنة العلم الطبيعي حتى الوقت الراهن أن يؤكد شيئًا بخصوص أصل الحياة). فهذا اعتراف منهم على أنهم ما وصلوا في خصوص الحياة إلى نتيجة علمية ثابتة، وإنما هذه الأقوال دعاوى كاذبة، وأحاجي فارغة تناقض حتى المبادئ العقلية.\nفالإنسان ليس من صنع المادة؛ لأن المصنوع لا يحيط بصانعه، والإنسان قد أحاط بصورة المادة وخرج بها إلى دائرة الأثير، بل إلى عمليات رياضية فكرية في قدرة الإنسان أن يحتويها، وهذا لا يأتي إلا إذا كان في طبيعة الإنسان","vol":"1","page":715},{"text":"شيء يعلو على مكونات المادة، شيء مفارق لكل خصائصها المعروفة.\nفمادة الكون الأولى، التي ليس فيها مركبات متقنة، وليس فيها حياة ولا إحساس ولا وعي، لا تستطيع أن ترقى إلى الكمال ارتقاءً ذاتيًا، ولا تستطيع أيضًا أن تصنع أجزاءً فيها هي أكمل منها وأرقى. وذلك: لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وصنع الناقص لما هو أرقى منه نظير تحول العدم إلى الوجود تحولًا ذاتيًا، لأن القيمة الزائدة قد كانت عدمًا محضًا، والعدم المحض لا يخرجه إلى الوجود إلا قوة مكافئة له، أو أقوى منه، والمادة العمياء الصماء الجاهلة لم تكن أقوى ولا مكافئة لمادة حية مريدة ذات وعي وإحساس، بل هي أقل قيمة منها، فهي إذن عاجزة بداهة عن إنتاج ما هو خير منها.\nفهذه الدعوى - دعوى وجود الحياة نتيجة التطور الذاتي - كانت تقول بها الشيوعية في بداية أمرها، وكانت تقول: إن المادة تتطور من كمية إلى كيفية، ومصادفة يحدث في المادة شيء آخر، والحياة ما هي إلا نتيجة من نتائج هذه المصادفة في المادة في بعض مراحل تطورها، وتمثل الشيوعية لها بالماء إذا زاد في غليانه يزيد في الحرارة، ولكن لما تصل الحرارة إلى ١٠٠% فإنه يصبح بخارًا، فأخذ شكلًا آخر في بعض تطورها، فيقال لهم: إن التطور في مثل هذه الأشياء أحدث شيئًا آخر ولكن ليس بذاتها، بل بفعل فاعل، ثم إن حدوث البخار من الماء شيء يمكن إثباته بالتجربة، فهل الحياة مثل هذا؟ هل","vol":"1","page":716},{"text":"يمكن إثبات الحياة في مادة ميت ما على سبيل التجربة؟\nثم إن هذا المبدأ من مبادئ الماركسية، لا يمكن أن يعتبر قانونًا عامًا ينطبق على كل حركة تطور في الطبيعة، فالعلوم المادية الإنسانية لا تقرر به، وهو وإن صدق ببعض الأمثلة، فإنه لا يصدق بآلاف الأمثلة الأخرى.\nإن التراكم في الكم لا يقتضي دائمًا التطور في الكيف، ما لم يكن نظام ذلك الشيء يقتضي ذلك، إن الملاحظة تثبت أن لكل حالة تطور في الكون شروطًا معينة في أنظمته وسننه الثابتة، فمتى استوفيت هذه الشروط تحقق التطور. فمثلًا:\nأ- بيضة الدجاجة الملقحة إذا وجدت ضمن حرارة ذات مقدار معين، ورطوبة ذات مقدار معين، بدأ جنينها يتكون تدريجيًا حتى يتكامل داخل القشرة، وفي نهاية ثلاثة أسابيع يكون قد تكامل، وبدأ ينقر القشرة من الداخل حتى يكسرها، وعندئذ يخرج من غلافه إلى الهواء، ليبدأ رحلة حياته إلى الأرض.\nلقد حصل التطور، ولكن على خلاف المدعى في المبدأ الماركسي، فلا تراكم الحرارة هو الذي أحدث ظاهرة التغير، ولا تراكم الرطوبة، بل ثبات درجة الحرارة، وثبات درجة الرطوبة، قد ساعدا على تكون جنين البيضة تكونًا تدريجيًا، ضمن الوقت المخصص في نظام الكون لتكامل تكوينه، ولو أن الحرارة تراكمت أكثر من المقدار المحدّد في نظام التكوين لسلقت البيضة، ولهلكت نواة جنينها، ولو زاد هذا التراكم لاحترقت البيضة.","vol":"1","page":717},{"text":"فنظام الكون هو نظام تحديد مقادير لكل شيء، ضمن خطط ثابتة، وليست تغيراته ثمرة تراكمات، هذه هي الحقيقة التي تدل عليها الملاحظات والتجارب العلمية، وهي التي أعلنها الله ﷿ بقوله: (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ).\nإن هذا المثال كافٍ لنقض فكرة التراكم المدعاة في المبدأ الشيوعي، الذي يعتبرونه قانونًا شاملًا لكل تطور في الوجود، وهو أيضًا كافٍ لنقض فكرة التطور السريع المفاجئ، إذ الأمور تتطور في الغالب تطورًا تدريجيًا.\nب- والكائنات الحية تبدأ حركة بنائها منذ لحظة التقاء خلية لقاح الذكر بخلية بيضة الأنثى، ويسير بناء الكائن في نمو متدرج، حتى إذا استوفى الشروط اللازمة لظهور الحياة فيه دبت الحياة فيه، ثم يسير ضمن نظام نمو متدرج، حتى إذا استكمل نموه الجنيني، تمخضت عنه أمه فولدته، ثم يسير في نمو تدريجي أيضًا حتى يبلغ، ويندرج في النماء حتى يكون شابًا، فكهلًا، ثم يعود إلى طور الانحدار، فيصير شيخًا، فهرمًا، ثم يقضي أجله المقدر له، فيموت، فيتفسّح جسمه، ويعود ترابًا كما بدأ من التراب، وقد يموت في أيّ مرحلة من المراحل السابقة، فينحدر ويعود إلى مثل مرحلة البدء دون أن يمرّ في المراحل المعتادة للأحياء، وتخضع كل المراحل لنظام المقادير المحددة في كل شيء؛ في العناصر، وفي الصفات، وفي الزمان، وفي درجة الحرارة، وفي سائر ما يلزم لتكوين الحي، وإعداده لأداء وظائفه.\nهذا المثال الثاني كاف أيضًا لنقض كل ما قالوا في مبدأ التطور، ففكرة التراكم المقررة في المبدأ فكرة منقوضة؛ ذلك لأن الأحياء تخضع لنظام","vol":"1","page":718},{"text":"المقادير المحددة سواء في جواهرها وأعراضها، ولا تخضع لفكرة التراكم الكمي، وفكرة التطور السريع المفاجئ المقررة في المبدأ الشيوعي منقوضة أيضًا؛ لأن الأحياء تسير وفق نظام البناء المتدرج، لا وفق التطور السريع المفاجئ. (أو الصدفة - كما يقولون ـ).\nفهذان المثالان من آلاف الأمثلة في نقض أقوال الشيوعية في القول بالتطور - على التفسير الذي يريدونه - وبنقض مبدأ التطور ينقض أيضًا مبدؤهم القائل بأن الحياة وظيفة من وظائف المادة، متى وصل تركيبها إلى وضع خاص بالتطور، فإن آخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية التي قام بها الغربيون والشرقيون الماركسيون، والتي أنفقوا في سبيلها ألوف الملايين، وعشرات السنين، قد انتهت إلى قرار علمي جازم هو أنه لا تتولد الحياة إلاّ من الحياة، وأن وسائل العلوم الإنسانية لا تملك تحويل المادة التي لا حياة فيها، إلى أدنى وأبسط خلية حية.\nوبما أن الوعي مرتبط بالحياة فهو مظهر من مظاهرها، وصفة من صفاتها، فلا سبيل للمادة الميتة أن يكون الوعي أحد وظائفها، مهما كانت عالية التنظيم.\nفالعلوم الإنسانية، قد كفتنا مهمة إبطال هذا المبدأ من مبادئ الماركسية وسائر الماديين الملحدين.\nعلى أن مبدأهم هذا هو الأساس ادعاء غير مقترن بأيّ دليل عقلي أو علمي، وهو من لوازم مبدئهم الأول الباطل الذي يرون فيه أن المادة هي أساس الوجود وجوهره.","vol":"1","page":719},{"text":"الجانب الثاني: القول بنظرية النشوء والارتقاء:\nوكما سبق أن هذا ما مالوا إليه بعدما سمعوا أن داروين قد أظهر هذا القول. فوجدوا فيه غايتهم المنشودة. فقالوا بها دعمًا لمواقفهم السابقة، وقالوا: انتصرت المادة.\nيقول: (جون لويس): (لقد حول داروين ما كان يجول بخاطر العديد من المفكرين إلى فكرة ممكنة مقنعة، وهي أن عالم الحيوان لم يوجد نتيجة خلق واحدة، بل هو ثمرة تغيرات ارتقائية عملت على تحويل الأنواع التي ظهرت في عصور مبكرة إلى الأشكال الأكثر تعقيدًا، والتي ظهرت في عصور متأخرة ... والإنسان نفسه لم يخلق بفعل خاص منفصل، بل هو ثمرة الارتقاء، ونظرية الارتقاء لا تستبعد قوى ما فوق الطبيعة من عملية الخلق فحسب، بل تضع بدل هذه القوى: تطور الحياة الطبيعي، وقد كان هذا تجديدًا مدهشًا).\nفهذا القول يُظهر لنا مدى تأثر الماديين بهذه النظرية الخبيثة. وسيأتي بيان مجمل لهذه النظرية مع الرد عليها فيما بعد.\nالجانب الثالث: القول بوجود الخلق من الطبيعة:\nسبق أن ذكرنا: أن المادة والطبيعة عندهم شيء واحد، ولكنهم لما وجدوا ضغوطًا من الكنائس البابوية المنحرفة قالوا: الخلق إنما هو من الطبيعة. فلينظر مدى صحة هذا القول، وهل الطبيعة تصلح أن تكون خالقًا؟ .","vol":"1","page":720},{"text":"في الحقيقة: إن هذه فرية راجت في عصرنا هذا، راجت حتى على الذين - يظنون أنهم - نبغوا في العلوم المادية، وعللوا كثيرون وجود الأشياء وحدوثها بها، فقالوا: الطبيعة هي التي تُوجد وتحدثُ.\nوهؤلاء نوجه إليهم هذا السؤال: ماذا تريديون بالطبيعة؟ هل تعنون بالطبيعة ذوات الأشياء؟ أم تريدون بها السنن والقوانين والضوابط التي تحكم الكون؟ أم تريدون بها قوة أخرى وراء هذا الكون أوجدته وأبدعته؟ .\nفإننا نرى: أن الطبيعة في اللغة: السجية.\nأمّا في عقول الناس اليوم فلها مفاهيم:\nالمفهوم الأول: أنها عبارة عن الأشياء بذاتها، (الكون نفسه)، فالجماد والنبات والحيوان كل هذه الكائنات هي الطبيعة.\nوهو مفهوم غير دقيق وحكم غير سديد، فإن هذا القول يصبح ترديدًا للقول السابق بأن الشيء يوجد نفسه - بأسلوب آخر، أي أنهم يقولون: الكون خلق الكون، فالسماء خلقت السماء، والأرض خلقت الأرض، والكون خلق الإنسان والحيوان، هذا القول لا يخرج بالطبيعة بالنسبة لخلق الوجود من تفسير الماء بالماء، والأشياء أوجدت ذاتها، فهي الحادث والمحدث، وهي الخالق والمخلوق في الوقت ذاته، وقد سبق بيان كون العقل الإنسان يرفض التسليم بأن الشيء يوجد نفسه، كما أن الشيء لا يخلق شيئًا أرقى منه، فالطبيعة من سماء وأرض ونجوم وشموس وأقمار لا تملك عقلًا ولا سمعًا ولا بصرًا، فكيف تخلق إنسانًا سميعًا بصيرًا عليمًا؟ هذا لا يكون، فبطلان هذا القول بيّن، فهو لا يخلو عن أمرين:","vol":"1","page":721},{"text":"١ - إمّا ادعاء بأن الشيء وجد بذاته من غير سبب.\n٢ - وإمّا ازدواج الخالق والمخلوق في كائن واحد، فالسبب عين المسبب، وهو مستحيل، بل هو من التهافت والتناقض بحيث لا يحتاج إلى الوقوف والشرح.\nفإن قالوا: خلق كل ذلك مصادفة، يقال: ثبت لدينا يقينًا أن لا مصادفة من خلق الكون - كما سيأتي ـ.\nوكان مما ساعد على انتشار هذا القول: نظرية التولد الذاتي. وكان من أدلتها: ما شاهده العلماء الطبيعيون من تكوّن (دود) على براز الإنسان أو الحيوان، وتكون بكتيريا تأكل الطعام فتفسده، فقالوا: ها هي ذي حيوانات تتولد من الطبيعة وحدها، وراجت هذه النظرية التي مكنت للوثن الجديد (الطبيعة) في قلوب الضالين والتائهين بعيدًا عن هدي الله الحق، لكن الحق ما لبث أن كشف باطل هذه النظرية على يد العالم الفرنسي المشهور (باستير) الذي أثبت أن الدود المتكون والبكتيريا المتكونة المشار إليها لم تتولد ذاتيًا من الطبيعة، وإنما من أصول صغيرة سابقة لم تتمكن العين من مشاهدتها، وقام بتقديم الأدلة التي أقنعت العلماء بصدق قوله، فوضع غداء وعزله عن الهواء وأمات البكتيريا بالغليان. فما تكونت بكتيريا جديدة ولم يفسد الطعام، وهذه هي النظرية التي قامت عليها الأغذية المحفوظة (المعلبات).","vol":"1","page":722},{"text":"وبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم للطبيعة جليًا وبينًا.\nالمفهوم الثاني: أن الطبيعة عبارة عن القوانين التي تحكم الكون، بمعنى أنها تعني صفات الأشياء وخصائصها، فهذه الصفات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، وملاسة وخشونة، وهذه القابليات: من حركة وسكون، ونمو واغتذاء، وتزاوج وتوالد، كل هذه الصفات والقابليات: هي الطبيعة.\nإن هذا تفسير الذين يدّعون العلم والمعرفة من القائلين بأن الطبيعة هي الخالقة، فهم يقولون: إن هذا الكون يسير على سنن وقوانين تسيّره وتنظم أموره في كل جزئية، والأحداث التي تحدث فيه تقع وفق هذه القوانين، مثله كمثل الساعة التي تسير بدقة وانتظام دهرًا طويلًا، فإنها تسير بذاتها دون مسيّر.\nالردود:\n١ - إن هذا القول ليس جوابًا، وإنما هو انقطاع عن الجواب، وذلك:\nأن هؤلاء في واقع الأمر لا يجيبون عن السؤال المطروح: من خلق الكون؟ ولكنهم يكشفون لنا عن الكيفية التي يعمل الكون بها، هم يكشفون لنا كيف يعمل القوانين في الأشياء، ونحن نريد إجابة عن موجد الكون وموجد القوانين التي تحكمه.\n(كان الإنسان القديم يعرف أن السماء تمطر، لكننا اليوم نعرف كل شيء عن عملية تبخر الماء في البحر، حتى نزول الماء على الأرض، وكل هذه المشاهدات صور للوقائع، وليست في ذاتها تفسيرًا لها، فالعلم لا يكشف لنا","vol":"1","page":723},{"text":"كيف صارت هذه الوقائع قوانين؟ وكيف قامت بين الأرض والسماء في هذه الصورة المفيدة المدهشة، حتى إن العلماء يستنبطون منها قوانين علمية؟ .\nإن ادعاء الإنسان بعد كشفه لنظام الطبيعة أنه قد كشف تفسير الكون ليس سوى خدعة لنفسه، فإنه قد وضع بهذا الادعاء حلقة من وسط السلسلة مكان الحلقة الأخيرة).\n٢ - الطبيعة لا تفسّر شيئًا (من الكون)، وإنما هي نفسها بحاجةٍ إلى تفسير. وذلك؛ (لو أنك سألت طبيبًا: ما السبب وراء إحمرار الدم؟ .\nلأجاب: لأن في الدم خلايا حمراء، حجم كل خلية منها ١/ ٧٠٠ من البوصة.\n- حسنًا، ولكن لماذا تكون هذه الخلايا حمراء؟\n- في هذه الخلايا مادة تسمّى (الهيموجلوبين). وهي مادة تحدث لها الحمرة حين تختلط بالأكسجين في القلب.\n- هذا جميل، ولكن من أين تأتي هذه الخلايا التي تحمل (الهيموجلوبين)؟ .\n- إنها تصنع في كبدك.\n- عجب! ولكن كيف ترتبط هذه الأشياء الكثيرة من الدم والخلايا والكبد وغيرها، بعضها ببعض ارتباطًا كليًا وتسير نحو أداء واجبها المطلوب بهذه الدقة الفائقة؟ .\n- هذا ما نسميه بقانون الطبيعة.\n- ولكن ما المراد بقانون الطبيعة هذا يا سيادة الطبيب؟\n- المراد بهذا القانون هو الحركات الداخلية العمياء للقوى الطبيعية","vol":"1","page":724},{"text":"والكيماوية.\n- ولكن لماذا تهدف هذه القوى دائمًا إلى نتيجة معلومة؟ وكيف تنظم نشاطها حتى تطير الطيور في الهواء، ويعيش السمك في الماء، ويوجد إنسان في الدنيا، بجميع ما لديه من الإمكانيات والكفاءات العجيبة المثيرة؟\n- لا تسألني عن هذا، فإن علمي لا يتكلم إلاّ عن (ما يحدث)، وليس له أن يجيب: (لماذا يحدث).\nهكذا يتضح من هذه الأسئلة عدم صلاحية العلم الحديث لشرح العلل والأسباب وراء هذا الكون، وأن من أمعن النظر في تعبير الطبيعيين يجد أنها جميعها أفعال مبنية للمجهول؛ لجهلهم أو تجاهلهم الفاعل الحقيقي.\n٣ - إن مبدأ السببيةم تفق عليه بين المؤمنين والملحدين نظريًا فأين تطبيقه عمليًا؟ والمراد بالسببية هنا: أن الإنسان الذي أنعم الله ﷿ عليه بالعقل، منذ أن أشرقت أشعة عقله على الوجود بدأ يتساءل ولا يزال وسيبقى يتساءل من بداية نشأته، وأين سينتهي مصيره؟ ويتساءل عن هذه الموجودات، والكائنات، كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ وما هي الأسباب الكامنة وراءها؟ .\nهذا المبدأ من المبادئ الثابتة التي لم تتغير على مدى التاريخ، وهو محل اتفاق بين المؤمنين والملحدين. أما المؤمنون فيقولون به نظريًا وعمليًا، وهذا أشهر من أن يقام عليه دليل، أمّا الملحدون؛ فهؤلاء أيضًا قالوا به نظريًا،","vol":"1","page":725},{"text":"والدليل عليه ما يلي:\nيقول سبركين وياخوت: (نوجه دائمًا في نشاطنا سؤالًا عن علل هذه الظواهر أو تلك، وهو أحد الأسئلة التي تساعد على تبيّن الطبيعة الداخلية للظواهر التي تجري حولنا والتوصل إلى جوهرها، ولم يكن عبثًا؛ أن كتب الفيلسوف اليوناني ديمقريطس يقول: (لأفضّل أن أجد السبب الحقيقي ولو لظاهرة واحدة من أن أصبح قيصرًا على بلاد فارس). فإذن، ماذا تعني مقولتنا (السبب) و(النتيجة)؟ تعرف من الخبرة أنه (لا شيء) لا ينتج شيئًا، وكل ظاهرة لها ما يولدها، وهو الذي يسمّونه (السبب). السبب هو ما يخلق وينتج ويولد ظاهرة أخرى. وما ينتج تحت تأثير السبب يسمّى نتيجة أو فعلًا).\nفهذا المبدأ العام الذي اعترف به الماديون الملحدون وأخذوا به من الناحيةا لنظرية هل طبقوه من الناحية العلمية؟ .\nهذا ما سيتضح لنا عندنا يطرح سؤال - وهو مثال خلاف جذري بين المؤمنين من جهة، وبين الماديين الملحدين من جهة أخرى - وهو:\nما هوا لسبب الكامن وراء هذا الوجود من أرض وسموات ونبات وحيوانات وإنسان وغيره من المخلوقات؟ .\nهذا السؤال نجد الإجابة عليه جاهزة وميسرة ومتوفرة عند الماديين، وهي أن هذا من الأمور الميتافيزيقية التي لا تهمنا بحال من الأحوال، ولا نشغل عقولنا بها؛ لأنها أمور تافهة، والبحث عنها مضيعة للوقت، فكل شيء","vol":"1","page":726},{"text":"يخالف نظريتهم - ولو كان صحيحًا - لا يأخذون به ويصمونه بوصمة عار عندهم وهي إرجاعه إلى الميتافيزيقية، أو المثالية التي هي في عرفهم عدوة للعلم، فهم لا يعرفون إلا العالم المادّي، هذا العالم وجد، ولا خالق له، وبالتالي فليس له سبب أول أوجده.\nوقد كتب لينين بصدد المفهوم المادّي عند فيلسوف العهد القديم (هيراكليت) يقول في ترجمة حرفية: (العالم، وحدة الكل، لم يخلقه أي إله ولا إيّ إنسان، ولكنه كان وسيبقى نارًا حية أزليًا تشتعل وتنطفئ بموجب قوانين ... هذا عرض جيد جدًا لمبادئ المادية الجدلية).\nفي هذا النص نرى أن لينين نفى السبب الأول في إيجاد العالم المادّي، وهذا نفي صريح للقانون الذي قرره هم أنفسهم، حين وقفوا في تفسيره عند حدود معينة لم يتجاوزوها. لأن تجاوز هذه الحدود يؤدّي بهم إلى الاعتراف بخالق الكون، ومن ثم الاعتراف بالأديان، وهذا ما لا يرضونه.\nوالمقصود: بيان كون تفسيرهم لمظاهر الكون في وجوده وتغيره للطبيعة وعدم تفسيرهم للطبيعة إنما هو هروب منهم لقانون السببية - المعترف به لديهم - فإن تطبيقهم العملي لهذا القانون سيؤديهم حتمًا إلى الاعتراف بخالق للكون. وهذا ما لا يستسيغونه مطلقًا.\nوبهذا يظهر بطلان هذا المفهوم (الثاني) أيضًا للطبيعة، فما بقي إلاّ أن يقولوا بالمفهوم الثالث حتمًا، وإن كانوا ينكرونه بشدة لما يترتب على الاعتراف به من إثبات وجود الله وبالتالي بمستلزمات هذا الإثبات التي هي","vol":"1","page":727},{"text":"عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا المفهوم الثالث بيانه ما يلي:\nالمفهوم الثالث: أن يقول: إن الطبيعة قوة أوجدت الكون، وهي قوة حية سميعة بصيرة حكيمة قادرة ... فإننا نقول لهم: هذا صواب وحق، وخطؤكم في أنكم سمّيتم هذه القوة (الطبيعة)، وقد دلتنا هذه القوة المبدعة الخالقة على الاسم الذي تستحقه وهو (الله)، وهو عرفنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، فعلينا أن نسمّي بما سمّى به نفسه ﷾.\nقال ابن القيم: (وكأنّي بك أيها المسكين تقول: هذا كله من فعل الطبيعة، وفي الطبيعة عجائب وأسرار! فلو أراد الله أن يهديك لسألت نفسك بنفسك، وقلت: أخبرني عن هذه الطبيعة، أهي ذات قائمة بنفسها لها علم وقدرة على هذه الأفعال العجيبة؟ أم ليست كذلك؟ بل عرض وصفة قائمة بالمطبوع تابعة له محمولة فيه؟ .\nفإن قالت لك: بل من ذات قائمة بنفسها، لها العلم التام والقدرة والإرادة والحكمة، فقل لها: هذا هو الخالق البارئ المصوّر، فلم تسمّيه طبيعة؟ ! .\nوباللهِ عن ذكرا لطبائع يرغب فيها! فهلاّ سميتَه بما سمّى به نفسه على ألسن رسله ودخلتَ في جملة العقلاء والسعداء، فإن هذا الذي وصفت به الطبيعة صفته تعالى.\nوإن قالت لك: بل الطبيعة عرض محمول مفتقر إلى حامل، وهذا كله فعلها بغير علم منها ولا إرادة ولا قوة ولا شعور أصلًا، وقد شوهد من آثارها ما شوهد! .\nفقل لها: هذا ما لا يصدقه ذو عقل سليم، كيف تصدر هذه الأفعال العجيبة","vol":"1","page":728},{"text":"والحكم الدقيق التي تعجز عقول العقلاء عن معرفتها وعن القدرة عليها ممّن لا فعل له ولا قدرة ولا شعور؟ وهل التصديق بمثل هذا إلاّ دخول في سلك المجانبين والمبرسمين.\nثم قل لها بعد: ولو ثبت لك ما ادعيت فمعلوم أنّ مثل هذه الصفة ليست بخالقة نفسها ولا مبدعة لذاتها، فمن ربها ومُبدعها وخالقها؟ ومن طبعها وجلبها تفعل ذلك؟ فهي إذن من أدل الدليل على بارئها وفاطرها وكمال قدرته وعلمه وحكمته، فلم يُجْدِئْكَ تعطيلك ربّ العالم جحدك لصفاته وأفعاله إلاّ مخالفتك العقل والفطرة.\nولو حاكمناك إلى الطبيعة لأريناك أنك خارج عن موجبها، فلا أنت مع موجب العقل، ولا الفطرة، ولا الطبيعة، ولا الإنسانية أصلًا، وكفى بذلك جهلًا وضلالًا، فإن رجعت إلى العقل وقلت: لا يوجد حكمة إلا من حكيم قادر عليم، ولا تدبير متقن إلاّ من صانع قادر مدبّر عليم بما يريد قادر عليه، لا يُعجزه ولا يصعب عليه ولا يؤوده.\nقيل لك: فإذن أقررت - ويحك - بالخلاق العظيم الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه، فدَع تسميته طبيعة أو عقلًا فعالًا أو موجبًا بذاته، وقل: هذا هو الله الخالق البارئ المصوّر ربّ العالمين، وقيوم السموات والأرضين، وربّ المشارق والمغارب، الذي أحسن كل شيء خَلَقَه، وأتقن ما صنع، فما لك جحدت أسماءه وصفاته - بل وذاته - وأضفت صُنعه إلى غيره وخلقَه إلى سواه؟","vol":"1","page":729},{"text":"مع أنك مضطر إلى الإقرار به وإضافة الإبداع والخلق والربوبية والتدبير إليه ولابدّ، فالحمد لله رب العالمين.\nعلى أنك لو تأمّلت قولك: (طبيعة) ومعنى هذه اللفظة، لدلّك على الخالق الباري لفظها كما دلّ العقولَ عليه معناها؛ لأن (طبيعة) فعيلة بمعنى مفعولة، أي مطبوعة، ولا يحتمل غير هذا ألبتة، لأنها على بناء الغرائز التي ركبت في الجسم ووضعت فيه كالسجية والغريزة، والبحيرة والسليقة، والطبيعة؛ فهي التي طبع عليها الحيوان وطبعت فيه.\nومعلوم أن طبيعة من غير طابع لها محال، فقد دلّ لفظ الطبيعة على البارئ تعالى كما دل معناها عليه.\nوالمسلمون يقولون: إن الطبيعة خلق من خلق الله مسخر مربوب، وهي سنة في خليقتهه التي أجراها عليه، ثم إنه يتصرف فيها كيف شاء وما شاء، فيسلبها تأثيرها إذا أراد، ويقلب تأثيرها إلى ضدّه إذا شاء؛ ليُريَ عباده أنه وحده البارئ المصوّر، وأنه يخلق ما يشاء، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وإن الطبيعة التي انتهى نظر الخفافيش إليها إنما هي خلق من خلقه بمنزلة سائر مخلوقاته ...).\nالشبهة الثالثة: القول بالمصادفة:\nوهو القول بأن وجود الكون بما فيه من أرض وسموات وشموس وأقمار وغيرها والإنسان والحياة وكل هذه الأشياء إنما وجدت مصادفة واتفاقًا بدون أيّ خطة سابقة، أو عمل أيّ حكيم.","vol":"1","page":730},{"text":"هذا القول قد تضمن الردّ عليه ما سبق معنا من الردود على القول بأبدية المادة وأزليتها، وعلى تطور الحياة والمادة، وعلى القول بالطبيعة، وسيأتي الردّ عليه تفصيلًا عند الرد على شرك الوجودية.\nفهذه الفكرة قائمة على الإلحاد وإنكار الخالق جل شأنه، وتعطيل هذا المصنوع عن صانعه الحكيم مكابرة ومعاندة لما تقتضيه الفطر السليمة وشهدت به العقول الصحيحة الصريحة من عدم خلو المصنوع عن الصانع - كما هو معلوم ـ، وقد نادى بهذه الفكرة الخبيثة كثير من أبناء المسلمين في كثير من الدول - حتى في بعض دول العالم الإسلامي - جهلًا بحقيقته واغترارًا بكلام الدعاة إليها المعسول.\nالفرع الثاني: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه عند الوجودية:\nوذلك؛ أن من أفكارهم واعتقاداتهم: (الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل المغيبات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ، ووصلوا إلى ذلك من نتائج مدمرة).\nوالوجودية بالمعنى العام: إبراز قيمة الوجود الفردي، ولم يكن هذا الرأي ملازمًا للإلحاد بالله، ولكن ظهر فيما بعد بعض الملحدين الذين رأوا في مذهب الوجودية أفكارًا يمكن أن تنسجم مع إلحادهم، فهذه هي الوجودية المعاصرة التي نعنيها ها هنا، ورائدهم في ذلك (هيدجر)، و(جان بول","vol":"1","page":731},{"text":"سارتر).\nوهي التي شاعت بين الشباب، واشتهرت من كتابات سارتر وتلامذته، حتى اقترنت باسمه، والأساس الذي قام عليه فكرتهم هو: أن الوجود الإنساني هو المشكلة الكبرى، فالعقل وحده عاجز عن تفسير الكون ومشكلاته، وأن الإنسان يستبد به القلق عند مواجهته مشكلات الحياة، وأساس الأخلاق قيام الإنسان بفعل إيجابي، وبأفعاله تتحدد ما هيته، وإذن فوجوده الفعلي يسبق ما هيته.\nأقوال الوجوديين في الإله والخالق:\n١ - قالوا: (لا يصح أن نقول: الله موجود؛ لأن الموجود هو الإنسان، والذي يتغير هو الإنسان، فله زمان، أما الله؛ فلا زمان له، فهو غير موجود، لأنه لا زمان له، بل هو كائن).\nمناقشة هذا القول:\nالتغير ومرور الزمن يدلان على الحدوث الذي هو أخص من الوجود، إذ الوجود يعم القديم والحادث.\nثم إن العقلاء استدلوا بعدم تغير الله سبحانه وعدم مرور الزمن عليه على أنه أزلي، إذ أنه موجود قبل الزمان فلا يقاس وجوده بالزمان إذن، ومن كان هذا شأنه كان موجودًا قديمًا، وهذا الاستدلال يتمشى مع العقل السليم، والتفكير السديد، لكن لما فسد العقل بدأوا يستدلون بما يثبت القدم على العدم.","vol":"1","page":732},{"text":"ثم بعد أن حكموا على الله: بأنه غير موجود، قالوا: (هو كائن). فهل الكائن شيء غير الموجود؟ فإن الذي يعرف من معنى الكائن: أنه موجود أو ثابت أو واقع أو حادث أو غير ذلك.\nولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن أصحاب هذه المقالة لم تكن تنكر فكرة الإله أو الخالق للكون، وإن كانوا يتحرجون من إطلاق اسم (الوجود) عليه، لما أن الوجود يحتاج إلى أشياء عندهم، وهم لا يرونها في الله، فلهذا وصفوه بالكائن. فهذا من منقديهم الذين لم يقولوا بالإلحاد المطلق. ولننظر الآن إلى متأخريهم.\nآراء هيدجر وسارتر:\nقال هيدجر: (لا نرى فوقنا أيَّة قوة عليا تعيننا على التحكم في مصيرنا).\nهذا القول صريح في إنكار وجود الله، ومعلوم: أنه دعوى، وتقرير، حيث إنهم لم يستدلوا بشيء، فلا داعي للرد عليه.\nأما سارتر - أبو الوجوديين الملحدين - فمن جملة أقواله في إنكار وجود الله:\n١ - (أنا موجوود؛ معناه: أنني حر، وقولي: أنا حر معناه: أنه لم يعد موجودًا).\n٢ - (أن تكون إنسانًا: هذا معناه: أن تنزع إلى أن تكون إلهًا).\n٣ - (أما نحن، فإننا قد قوضنا - الله ـ، لكننا قلنا باستمرار وجود تلك القيم","vol":"1","page":733},{"text":"بالرغم من اعتقادنا بعدم وجود الله).\nفهذه ادعاءات تقريرية على إنكار وجود الله بدون إبداء أي دليل أو برهان على ذلك، ولكن سرعان ما جاء بشبه، هي:\nقوله عن العالم ووجوده: (كل موجود يوجد بلا سبب ويحيا عن ضعف ويموت بمحض المصادفة). فاجتمع بهذا العرض الشريع لمعتقداتهم شبهات يتشبثون بها في إنكار وجود الله، وهي كما يلي:\nالشبهة الأولى:\nكل موجود يوجد بلا سبب، أي سبب حقيقي، فلا يعلل، وقد سبق الرد عليهم عند الرد على الشيوعية.\nالشبهة الثانية:\nالقول بالمصادفة، وأن الكون أو الإنسان لا يحتاج إلى موجد أوجده، بل وجد صدفة دون تقدير ولا تدبير، فلا خالق ولا موجد له.\nالرد على هذه الشبهة:\nالقول بالصدفة هو المخرج الثاني للقائلين بنظرية النشوء والارتقاء لأصل الإنسان، فإنهم لمّا قالوا بنظرية الارتقاء والتطور، والنشوء سئلوا عن أساس التطور، فأجابوا بأنه حدث فعلًا بالصدفة، وأن الحياة والكون إنما هما نتيجتا الصدفة. وقد سبق معنا الرد على نظرية التطور والنشوء والارتقاء. وأما","vol":"1","page":734},{"text":"القول بالصدفة فيقال في الرد عليها:\nإن القول بالصدفة من الافتراءات الآثمة التي قال بها الغافلون عن الإبداع الكوني، وما في العالم من أسرار ونواميس هي أكبر شاهد على مدبر حكيم، إن ما يحدث في الكون من تقدير في الأرزاق والآجال، وما عليه الكون من إبداع، وما يحتوي عليه من أسرار لا مرد له إلى العشوائية والارتجال. فهي قضية من المسلَّمات التي اتفقت عليها الدلائل العلمية المادية، والبراهين العقلية المنطقية.\nفالدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالمصادفة، وترفض المصادفة في أية ظاهرة كونية ذات إتقان دقيق معقد، والباحثون العلميون سواء أكانوا مثاليين أو ماديين، يبحثون باستمرار عن سبب أية ظاهرة كونية يشاهدونها، ويرفضون ادعاء المصادفة فيها رفضًا قاطعًا، لأن المناهج العلمية الاستقرائية قد أثبتت للعلماء أنه ما من ظاهرة تحدث في الكون دون أن تكون مسبوقة بسبب مكافئ لحدوثها، وإذا كانت هذه الظاهرة من الظواهر التي تحتاج إلى علم ومهارة حتى يكون قادرًا على إنتاجها، قرروا أن منتجها صاحب علم ومهارة، وهكذا. فكيف بالكون كله وما فيه من متقنات لا حصر لها، أصغرها الذرة وأكثرها المجرة - في نظرنا ـ، وأدناها في الأحياء التي اكتشفناها الفيروس، وأعلاها فيما نشاهد: الإنسان؟ .\nوللرد عليهم علميًا يُذكر ما يلي:\n١ - إن البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية. وهي تتكون من خمسة عناصر، هي: الكربون والأيدروجين، والنيتروجين،","vol":"1","page":735},{"text":"والأكسجين، والكبريت، ويبلغ عدد الذرات في الجزء الواحد (٤٠) ألف ذرة، ولما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة (٩٢) عنصرًا موزعة بقدر معلوم، فإن احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزئيًا واحدًا من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كميات المادة التي ينبغي أن تخلط خلطًا مستمرًا لكي تُؤلِّف هذا الجزئي، وقد حاول أحد العلماء حساب الفترة الزمنية التي يجب أن تستغرقها عملية خلط العناصر المذكورة هي (١٠) ٢٤٣ سنة ... معنى ذلك أنه قبل وجود الكون وما بعد أيامنا هذه بمليون سنة أمامه (٢٣٩) صفر مرة، فهل هذا معقول؟ كل تلك الأرقام المستحيلة يطلبها قانون الصدفة لتكوين جزئي، واحدة من جزئيات الخلية الحية، ... ألا يكفي خلق الإنسان من بلايين الخلايا [الحية] التي تحركها إشعاعه الحياة (تلك النفخة الإلهية العظمى في المادة)، ألا يكفي هذا لكي يؤمن الملحدون بالخالق الواحد الأحد الفرد الصمد؟).\n٢ - يقول أحد الباحثين المعاصرين: إن (معظم الحيوانات والنباتات تتكون من عدد هائل من تلك الوحدات الدقيقة الحجم التي نسمِّيها (الخلايا)، كما يتكون المبنى من مجموعة من الأحجار المرصوصة).\nوخلايا أجسامنا وأجسام غيرنا من الحيوانات دائمة الانقسام، وذلك الانقسام قد يكون لنمو الجسم أو لتعويض ما يفقد أو يموت من الخلايا","vol":"1","page":736},{"text":"لأسباب عديدة، وكل خلية من هذه الخلايا تتكون أساسًا من مادة عجيبة نطلق عليها اسم (البروتوبلازم).\nوتوجد بداخل كل خلية محتويات عديدة ذات وظائف محددة. ومن هذه المحتويات أجسام دقيقة تحمل عوامل وراثية هي التي نطلق عليها اسم (الكروموسومات). وعدد هذه الكروموسومات ثابت في خلايا كل نوع من أنواع الحيوانات والنباتات المختلفة، فعددها في خلايا القط - مثلًا - يختلف عن عددها في خلايا الكلب أو الفيل أو الأرنب أو نبات الجزر أو الفول. وفي كل خلية من الخلايا التي يتكون منها جسم الإنسان يوجد ستة وأربعون من هذه الكروموسومات.\nوعندما تنقسم الخلية إلى خليتين داخل أجسامنا، فإن كل خلية جديدة لابد أن تحتوي على العدد نفسه من (الكروموسومات). وهي ستة وأربعون، إذ لو اختل هذا العدد لما أصبح الإنسان إنسانًا.\nوالخلايا - كما ذكرت - دائمة الانقسام. يحدث هذا في جميع ساعات اليوم حتى في أثناء نومنا، ونحن حتى الآن ما ندرك حقيقة القوى المهيمنة على هذه العملية المذهلة - عملية انقسام الخلايا - بل يكتفي العلم بوصف خطوات العملية التي يمكن ملاحظتها تحت عدسات (الميكروسكوب) العادي، أو عن طريق (الميكروسكوب الإلكتروني) الذي يكبر الأشياء تكبيرًا أكثر بكثير من تكبير الميكروسكوب العادي.\nإن جميع الخلايا الناتجة عن عمليات الانقسام في جسم الإنسان لابد أن تحتوي - كما ذكرت - على ستة وأربعين كروموسومًا، فيما عدا نوعين من الخلايا؛ هما الخلايا التناسلية، أي الحيوان المنوي في الذكر والبويضة في","vol":"1","page":737},{"text":"الأنثى، إذ عندما تنقسم خلايا الأنسجة لتكوين هذه الخلايا التناسلية فإنها تنتج خلايا لا تحتوي على الستة والأربعين كروموسومًا، بل تحتوي على نصف هذا العدد؛ أي يصبح في كل خلية تناسلية ذكرية أو أنثوية ثلاثة وعشرين كروموسومًا فقط.\nلماذا يحدث ذلك؟ يحدث هذا لحكمة بالغة ولهدف عظيم، إذ أن الخلية الذكرية (الحيوان المنوي) لابد أن تندمج مع الخلية الأنثوية (البويضة) لتكوين أول خلية في جسم الجنين، وهي التي نطلق عليها اسم (الخلية الملقحة). وبهذا الاندماج يعود عدد الكروموسومات في الخلية الجديدة إلى العدد الأصلي وهو ستة وأربعون (كروموسومًا).\nوهذه الخلية الملحقة التي أصبحت تحتوي على ستة وأربعين (كروموسومًا) توالي انقسامها فتصبح خليتين ثم أربع خلايا ثم ثمان خلايا، وهكذا حتى يتم تكوين الجنين الذي يخرج من بطن أمه ويستمر نموه عن طريق انقسام الخلايا حتى يصبح إنسانًا كامل النمو في كل خلية من خلاياه ستة وأربعون (كروموسومًا) كما هو الحال في خلايا جسد أبيه وأمه وأجداده وجميع أفراد الجنس البشري.\nإن اختزال عدد الكروموسومات إلى النصف عند تكوين الخلايا التناسلية بالذات لكي تندمج فيعود العدد الأصلي (للكروموسومات) في الخلايا التي يمكن مطلقًا نتيجة مصادفة عمياء. بل لابد أن يكون نتيجة تخطيط دقيق من قوة عليا تعرف ماذا تفعل، وهي في الوقت نفسه لا يمكن أن تخضع للتجربة واحتمال الخطأ، إذ لو حدث خطأ مرة واحدة عند بدء الخلق لقضى على الكائن الحي قبل تكوين الجيل الثاني؛ أي أن هذا الترتيب لابد أن يكون قد تم منذ تكوين أول جنين ظهر في الوجود. ألا يكفي هذا وحده دليلًا على وجود","vol":"1","page":738},{"text":"قوة عليا مدبرة مقدرة حكيمة؟ بل لا يمكن أبدًا أن يكون هذا المبدأ أو القانون الذي يسود جميع الكائنات الحية من صنع مصادفة عمياء تتخبط في الظلام، إذ إن المصادفة لا يمكن أن تتخذ مظهر قانون عام تخضع له جميع الكائنات.\nفهذه بعض الأمثلة من جملة عشرات الأمثلة للدلائل العلمية المادية المستندة إلى الوسائل الإنسانية، تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة.\nوأما البراهين العقلية المنطقية فهي أيضًا تحيل وجود المتقنات الراقية الدقيقة المعقدة بالصدفة. وفيما يلي استعراض سريع لبعض هذه الأدلة.\n١ - إن الأرض هي الكوكب الوحيد الذي يمكن أن توجد فيه الحياة على الوجه الذي نعرفه (إن حركة دوران الأرض حول نفسها إن أسرعت أو أبطأت عما هي عليه؛ لطالت الأيام أو قصرت، ولتوقفت الحياة بسبب برودة الليل أو قيظ النهار، والشمس في نفس الموقع بالضبط الذي يمكنها من حفظ الحياة على الأرض، ودرجة حرارتها البالغة (٦٥٠٠) درجة مئوية هي على وجه التحديد درجة الحرارة اللازمة لكوكبنا. فلو انحرف متوسط درجة الحرارة صعودًا أو هبوطًا على الهامش الصغير الذي لا يتجاوز (٢٨) درجة لانعدمت أمواج المد فغمرت السهول والجبال وغطت كل شيء على ظهر الأرض تحت طبقة من الماء عمقها (٢٥٠٠) متر.","vol":"1","page":739},{"text":"أما محور الأرض فإنه لم يكن على زاوية (٢٣) درجة كما هو فلن تكون هناك فصول، ولتحركت أبخرة المحيطات نحو القطبين: الشمالي والجنوبي، مكونة تراكمات هائلة من الثلج عند القطبين، تاركة وسط الأرض خاليًا تمامًا من الماء، لن تكون هناك عندئذٍ أمطار، وستخلو المحيطات من مياهها، وستنبعج الأرض عند خط الاستواء تحت ضغوط الثلوج المتراكمة عند القطبين، وسيترتب على ذلك آثار هائلة.\nأما الغازات التي يتكون منها الغلاف الجوي فإنها إن اختلفت عمَّا هي عليه فلن يستطيع أي شيء أن يبقى حيًا، واحتمال أن يكون كل هذا وليد الصدفة احتمال متناهي الضاآلة، ولا يعدو أن يكون واحدًا في المليار، ولذلك يقول آينشتين: (لا أستطيع أن أصدق أن الكون قد نتج عن رمية زهر).\n٢ - لقد وجد من يقول: (لو جلست ستة من القردة على آلات كاتبة، وظلت تضرب على حروفها بلايين السنين فلا نستبعد أن نجد في بعض الأوراق الأخيرة التي كتبتها قصيدة من قصائد شكسبير - فكذلك الكون الموجود الآن، نتيجة لعمليات عمياء، ظلت تدور في المادة لبلايين السنين).\nهذا قول أحد الملاحدة من المنكرين لوجود الله، ويجاب عن هذه الفرية؛ بأن أي كلام من هذا القبيل (لغو مثير)، بكل ما تحويه هذه الكلمة من معانٍ، فإن جميع علومنا تجهل - إلى يوم الناس هذا - أية مصادفة أنتجت واقعًا عظيمًا ذا روح عجيبة، في روعة الكون.","vol":"1","page":740},{"text":"ثم إن الرياضيات التي تعطينا نكتة (المصادفة) هي نفسها التي تنفي أي إمكان رياضي في وجود الكون الحالي بفعل قانون المصادفة، ولهذا ردَّ على هذه الفرية عالم آخر من الغرب بقوله: (لو تناولت عشرة دراهم وكتبت عليها الأعداد من واحد إلى عشرة ثم رميتها في جيبك، وخلطتها جيدًا، ثم حاولت أن تخرج من الواحد إلى العشرة بالترتيب العددي بحيث تلقي كل درهم في جيبك بعد تناوله مرة أخرى، فإمكان أن تتناول الدرهم المكتوب عليه واحد في المحاولة الأولى هو واحد في المائة، وإمكان أن تخرج الدراهم (١، ٢، ٣، ٤) بالترتيب هو واحد في عشرة آلاف ... حتى إن الإمكان في أن تنجح في تناول الدراهم من (١ - ١٠) بالترتيب واحد في عشرة بلايين من المحاولات). وعلى ذلك فكم يستغرق بناء هذا الكون لو نشأ بالمصادفة والاتفاق؟ إن حساب ذلك بالطريقة نفسها يجعل هذا الاحتمال خاليًا يصعب حسابه فضلًا عن تصوره.\nإن كل ما في الكون يحكي أنه إيجاد موحد حكيم عليم خبير، ولكن الإنسان ظلوم جهول: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا). كيف يمكن أن تتأتي المصادفة في كذلك كله؛ في خلق الإنسان وتكوينه، وفي صنع طعامه على هذا النحو المقدَّر الذي تشارك فيه الأرض والسماء. (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ).","vol":"1","page":741},{"text":"وصدق الله في وصفه للإنسان: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا).\nقال الإمام ابن القيم: سل المعطل الجاحد: ما تقول في دولاب دائر على نهر قد أحكمت آلاته، وأحكم ترتيبه، وقدرت أدواته أحسن تقدير وأبلغه بحيث لا يرى الناظر فيه خللًا في مادته ولا في صورته. وقد جعل على حديقة عظيمة فيها من كل أنواع الثمار والزروع يسقيها حاجتها، وفي تلك الحديقة من يلِمُّ شعثها ويحسن مراعاتها وتعهدها والقيام بجميع مصالحها فلا يختل منها شيء ولا تتلف ثمارها، ثم يقسم قيمتها عند الجذاذ على سائر المخارج بحسب حاجاتهم وضروراتهم، فيقسم لكل صنف منها ما يليق به، ويقسمه هكذا على الدوام ... أترى هذا اتفاقًا بلا صانع ولا مختار ولا مدبر؟ ! بل اتفق وجود ذلك الدولاب والحديقة وكل ذلك اتفاقًا من غير فاعل ولا قيِّم ولا مدبر ... أفترى ما يقول عقلك في ذلك لو كان؟ وما الذي يفتيك به؟ وما الذي يرشدك إليه؟ .\nولكن من حكمة العزيز الحكيم أن خلق قلوبًا عميًا لا بصائر لها - فلا ترى هذه الآيات الباهرة إلا رؤية الحيوانات البهيمة - كما خلق أعينًا عميًا لا أبصار لها، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وهي لا تراها، فما ذنبها إن أنكرتها وجحدتها! فهي تقول في ضوء النهار: هذا ليل! ولكن أصحاب الأعين لا يعرفون شيئًا.\nولقد أحسن القائل:\nوَهَيْنِي قلت هذا الصبح ليل ... أَيَعْمَى العالمون عن الضياء","vol":"1","page":742},{"text":"أخيرًا ما أقول، وهو ما اعترف به كبار علماء الكون المعاصرين، من تراجع العلم المعاصر عن اعتبار الكون عن طريق المصادفة إلى إدراك أنه مظهر لخطة عليم حكيم قدير مهيمن على كل شيء.\nيقول العلامة الفلكي الرياضي البريطاني السيد (جيمس جينز): (لقد كان قبل ثلاثين سنة - ونحن ننظر إلى الكون - نظن أننا أمام حقيقة من النوع الميكانيكي، وكان يبدو لنا أن الكون يشتمل على ركام من المادة المبعثرة، وقد اجتمعت أجزاؤه بالمصادفة، وأن عمل هذه المادة ينحصر في أن ترقص لبعض الوقت رقصًا لا معنى له، تحت تأثير قوى عمياء لا هدف لها، وأنها بعد نهاية الرقص ستنتهي هذه المادة في صورة كون ميت، وأن الحياة قد وجدت مصادفة خلال عمل هذه القوى العمياء، وأن بقعة صغيرة جدًا من الكون قد نعمت بهذه الحياة، أو على سبيل الاحتمال يمكن أن توجد هذه الحياة في بقاع أخرى، وأن كل هذه ستنتهي يومًا ما، وسيبقى الكون فاقد الروح.\nولكن توجد اليوم أدلة قوية، تضطر علم الطبيعة إلى قبول الحقيقة القائلة: بأن نهر العلم ينساب نحو حقيقة غير ميكانيكية.\nإن الكون أشبه بفكر عظيم منه بماكينة عظيمة. إن (الذهن) لم يدخل إلى هذا العالم المادي كأجبني عنه، ونحن نصل الآن إلى مكان يجدر بنا فيه استقبال (الذهن) كخالق هذا الكون وحاكمه.\nإن هذا الذهن - بلا شك - ليس كأذهاننا البشرية، بل هو ذهن خلق الذهن الإنساني من (الذرة، المادة). وهذا كله كان موجودًا في ذلك الذهن الكوني في صورة برنامج معد سابقًا.\nإن العلم الجديد يفرض علينا أن نعيد النظر في أفكارنا عن العالم، تلك","vol":"1","page":743},{"text":"التي أقمناها على عجل، لقد اكتشفنا أن الكون يشهد بوجود قوة منظمة أو مهيمنة ...).\nفهذا التراجع يدلنا على أن مواقفهم غير ثابتة بل هي واهية البنيان والأساس، وما الاستدلالات التي استدلوا بها على أفكارهم إلا ظنونًا وتخمينًا. فالعالم من خلق خالق مبدع حكيم مريد خلقه على خطة مسبقة معدٍّ، وهو يهيمن عليه ويحيط به في جميع أجزائه.\nالشبهة الثالثة:\n(إن الله لكي يكون علة نفسه يجب أن يوجد أولًا ...).\nومنشأ الخطأ لدى سارتر وغيره من الوجوديين ممن تشبث بهذه الشبهة:\nأنه اعتقد أن كل موجود مفتقر في وجوده لآخر حتى وجود الله. فتصور وجوده كوجود الإنسان. ولذلك لم يتصور أنه أصل الوجود الذي ليس وراءه أصل، والوجود لا يكون إلا هكذا، إذ إنه لابد - في الوجود - من موجد أوجد غيره ولم يوجده الغير، هو الأول للوجود، كما عبر عنه فيثاغورس بأنه كالعدد واحد، أصل الأعداد، ولا يوجد أصل له.\nولذلك قال تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)","vol":"1","page":744},{"text":"وقوله ﷺ: «أنت الأول فليس قبلك شيء».\nوقوله ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله».\nولكي يتضح هذا التقدير يستدل بما يلي:\nإن التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، حجة يوسوس بها الشيطان للإنسان، منذ أن بدأ الفكر الإلحادي يدب إلى أذهان بعض الناس. ولهذا قال ﷺ: «الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الأرض؟ فيقول: الله، فيقول: من خلق الله؟ فقولوا: آمنا بالله ورسوله»، وفي رواية: «فعند ذلك يضلون».\nفهذه الحجة الشيطانية تزعم أن الإيمان بأن الله هو المصدر الأول للأشياء، والوقوف عنده، يساوي نظريًا وقوف الملحدين عند المادة الأولى للكون، التي يطلقون عليها اسم السديم، وتزعم أن كلا الفريقين لا يجد جوابًا على هذا التساؤل عن علة وجود المصدر الأول، إلا أن يقول: لا أعرف إلا أن وجود هذا الأصل غير معلول، وتزعم أن الملحد اعترف بهذا قبل المؤمن بخطوة واحدة، وبعد هذه المزاعم يخادع مطلقوها (بأن إعلان الجهل والاعتراف به من متطلبات الأمانة الفكرية، حين لا توجد أدلة وشواهد","vol":"1","page":745},{"text":"وبراهين كافيات).\nولدى البحث المنطقي الهادئ يتبين لكل ذي فكر صحيح، أن هذه الحجة ليست إلا مغالطة من المغالطات الفكرية، وهذه المغالطة قائمة على التسوية بين أمرين متباينين تباينًا كليًا، ولا يصح التسوية بينهما في الحكم، وفيما يلي تعرية تامة لهذه المغالطة من كل التلبيسات التي سترت بها.\nسبق إثبات كون الله ﷿ أزليًا، كما سبق إثبات كون المادة حدثت بعد أن لم يكن لها وجود. واستنادًا على هذا الإثبات إننا إذا وضعنا هذه المغالطة بعبارتها الصحيحة كان كما يلي:\nما دام الموجود الأزلي الذي هو واجب الوجود عقلًا، ولا يصح في حكم العقل عدمه بحال من الأحوال غير معلول الوجود، فلم لا يكون الموجود الحادث غير معلول الوجود أيضًا؟ .\nإن كل ذي فكر سليم صحيح من الخلل يعلم علم اليقين أنه لا يصح أن يقاس الحادث على القديم الأزلي الذي لا أول له، فلا يصح أن يشتركا بناء على ذلك في حكم هو من خصائص أحدهما.\nوعلى هذه الطريقة من القياس الفاسد من أساسه صنعت هذه المغالطة الجدلية، والتورط في هذه المغالطة راجع إلى علة نفسية، غفلة منا وانصياعًا للتصور الغالب، شأن رجل يشتغل عمرة بكيمياء النحاس، فعرض له الذهب فجأة، فراح يطبق عليه قوانين النحاس، أفتراه يصيب، أم يخطئ؟ لا جرم أن خطأ نشأ من انهماكه الدائم في قانون معين، وغفلته عن التفريق بين القوانين حينما اختلفت مجالات التطبيق، ولقد عرفنا أن خالق الحوادث لا يتصف","vol":"1","page":746},{"text":"بالحدوث قطعًا، فكيف نطبق عليه قانون الحوادث؟ ! .\nذكروا: (أن رجلًا جاء إلى عالم من علماء الأمة فقال: إذا أقررنا بالخالق فمن ذا خلقه؟ قال: عُدَّ من الواحد صعودًا، ففعل الرجل، قال: عُدَّ قبل الواحد، قال: ليس قبل الواحد شيء. قال: كذلك ليس قبل الواحد شيء!).\nوالخلاصة: إن الخالق ليس بحادث، فنطبق عليه قانون الحوادث في السؤال عن خالقه، فذلك غير سائغ، وأنه كامل مطلق، والكامل المطلق لا يحتاج إلى غيره، وبذلك ينهدم آخر صرح من صروح الشك، فنقول: الكامل المطلق لا يمكن أن يفتقر إلى الموجد.\nوأما أزلية الخالق، وعدم احتياج وجوده إلى علة، فبرهان ذلك يمكن إيجازه بما يلي:\nإن العدم العام الشامل لكل شيء يمكن تصوره في الفكر، لا يصح في منطق العقل أن يكون هو الأصل؛ لأنه لوكان هو الأصل لاستحال أن يوجد شيء مَّا.\nإذن: فلابد أن يكون وجود موجد مَّا هو الأصل، ومن كان وجوده هو الأصل فإن وجوده لا يحتاج عقلًا لأية علة، بل وجوده واجب عقلًا، ولا يصح في العقل تصور عدمه، وأي تساؤل عن علة لوجوده لا يكون إلا على أساس اعتبار أن أصله العدم ثم وجد، وهذا يتناقض مع الإقرار باستحالة أن يكون","vol":"1","page":747},{"text":"العدم العام الشامل هو الأصل الكلي.\nومن كان وجوده واجبًا بالحتمية العقلية باعتبار أنه هو الأصل، فإنه لاي مكن بحال من الأحوال أن يتصف بصفات تستلزم تستلزم أن يكون حادثًا.\nأما ادعاء أصلية الوجود للكون بصفاته المتغيرة فهو ادعاء باطل، وذلك بموجب الأدلة التي تثبت أنه حادث وليس أزليًا.\nإن هذا الكون يحمل دائمًا وباستمرار صفات حدوثه، تشهد بهذه الحقيقة: النظريات العقلية المستندة إلى المشاهدات الحسية، وتشهد بها البحوث العلمية المختلفة في كل مجال من مجالات المعرفة، والقوانين العملية التي توصل إليها العلماء الماديون.\nوإذ قد ثبت أن هذا الكون عالم حادث، له بداية ونهاية، فلابد له حتمًا من علة تسبب له هذا الحدوث، وتخرجه من العدم إلى الوجود، وذلك؛ لاستحالة تحول العدم بنفسه إلى الوجود.\nأما ما لا يحمل في ذاته صفات تدل على حدوثه مطلقًا، وتقضي الضرورة العقلية بوجوده، فوجوده هو الأصل، لذلك فهو لا يحتاج أصلًا إلى موجد يوجده، وكل تساؤل عن سبب وجوده تساؤل باطل بالحتمية العقلية، لأنه أزلي واجب الوجود، ولا يمكن أن يكون غير ذلك عقلًا، وليس حادثًا حتى يتسائل الفكر عن سبب وجوده.\nوهنا نقول: لو كانت صفات الكون تقتضي أزليته لقلنا فيه أيضًا كذلك، لكن صفات الكون المشاهدة المدروسة تثبت حدوثه.\nيضاف إلى هذا: أن مادة الكون الأولى عاجزة بطبيعتها عن المسيرة","vol":"1","page":748},{"text":"الارتقائية التي ترتقي بها ذاتيًا إلى ظاهر الحياة، فالحياة الراقية في الإنسان.\nوبهذا تنكشف للبصير المنصف: المغالطة الشيطانية التي يوسوس بها الشيطان، وتخطر على أذهان بعض الناس، بمقتضى قصور رؤيتهم عن استيعاب كل جوانب الموضوع وزواياه، فهم بسبب هذا القصور في الرؤية يتساءلون: وما علة وجود الله؟ .\nإنها مغالطة تريد أن تجعل الأزلي حادثًا، وأن تجعل واجب الوجوب عقلًا ممكن الوجود عقلًا، وأن الأصل فيه العدم، ليتساءل الفكر عن علة وجوده.\nأو تريد أن توهم بأن ما قامت الأدلة على حدوثه فهو أزلي، أو هو واجب الوجود لذاته؛ لتسوي بين الحادث والأزلي في عدم الحاجة إلى علة لوجوده.\nوتريد هذه المغالطة أن تطمس الضرورة العقلية التي تقتضي بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلًا بأن الأصل هو وجود موجد أزلي، وهذا الموجد الأزلي لا يصح عقلًا أن يسأل عن علة لوجوده مطلقًا؛ لتنافي هذا السؤال مع منطق العقل، وهذا الموجد الأزلي لا يمكن أن تكون له صفات تستلزم حدوثه.\nأما الكون فصفاته تستلزم بالبراهين العقلية والأدلة العلمية المختلفة - حدوثه، لذلك كان لابد من السؤال عن علة لوجوده، ولا تكون هذه العلة إلا من قبل الموجد الأزلي، الذي يقضي منطق العقل بضرورة وجوده، خارجًا عن حدود الزمن ذي البداية والنهاية، وخلاف ذلك مستحيل عقلًا.\nوالحدوث من العدم العام الشامل، دون سبب من موجد سابق له مستحيل عقلًا.","vol":"1","page":749},{"text":"الشبهة الرابعة:\nهي قولهم: (إن حرية الإنسان تقوم على أنقاض حرية الله).\nومقصودهم بهذا القول: أن الإنسان لا يكون حرًا إلا إذا أنكر وجود الله، فإنه ما دام يثبت وجود الله فإنه لابد من اتباع أوامره واجتناب نواهيه. وهذا مخالف للحرية التامة، فإذا قضي على فكرة وجود الله فقد ثبتت الحرية، وإلا فلا.\nالرد على هذه الشبهة:\nإن دعوى الحرية التامة المطلقة - التي أسس عليها الوجوديون إنكار الله الخالق الرازق المحيي والمميت - لا وجود لها إلا في خيالهم المريض؛ إذ لو كان الإنسان حرًا حرية مطلقة لتحكم في مسيره ومجريات أحداثه، وكان عالمًا بكل ما يحيط به من أحداث، بل لكان من المتحكم والمخطط لمسيرها في الحياة، ولما كان هناك ما يقع على الإنسان غير ما يبتغيه أو يرغب فيه، بل يتمنى ألا يقع، تأكد كذب ما ترتب على دعوى الوجودية من استغناء الإنسان من خالق أوجده أو قدره. وبيان ذلك: أن الإنسان وهو بطريق الحياة تنتابه الأقدار:\n١ - أحداث يقع به فيفجؤه بل يفجعه نزولها به دون أن يدور بخلده - قط - أنها ستصبه أو ستلم به، مثل النوازل والكوارث التي قد تصيب الإنسان وهو بطريق الحياة دون سابق إنذار، وما يستطيع عاقل أن يقول: إن الإنسان هو الذي وضعها بنفسه أو أنزلها بساحته بناء على حريته المطلقة.\n٢ - تنوبه أحداث أخرى ما يتمناها لنفسه - قط - لكنها تقع به؛ مثل ضعف البصر، انحناء الظهر، عجز القدمين عن حمل الجسم، تجاعيد الوجه،","vol":"1","page":750},{"text":"ابيضاض الشعر، فلو كان الإنسان سيد أفعاله لما أوقع بنفسه ما تكرهه نفسه.\n٣ - لو كان الإنسان هو الخالق لنفسه لكان عالمًا بتفاصيل حياته وأسباب وجوده، أو الغاية التي تصير إليها بعد رحيله، وهذا يتناقض مع ما تنادي به الوجودية في أضل مبادئها، فهي ترى أن الإنسان قد قذف به في الحياة دون قصد وهدف، وسيرحل عن الحياة دون إرادة أو غاية، وتوضيح ذلك وبيانه أوضح من أن يثار.\n٤ - هل يعقل أن يلغي الإنسان وجود الله لمجرد إثبات حريته الكاملة، وهل هذه إلا حرية بهيمة شيطانية لنيل مقصوده والتسلط على حقوق الآخرين؟\nالشبهة الخامسة:\nحصر إيمانهم بالمحسوسات فقط. حيث قالوا: إذا كان الله موجودًا فلماذا لا نراه بأعيننا ولا ندركه بحواسنا كما ندرك ونرى الموجودات؟ وهل يسوغ لنا أن نؤمن بما لا نراه؟ .\nالرد على هذه الشبهة:\n١ - إن الإيمان بالمحسوسات والموجودات فقط مسخ للإنسان، وتغليب لجانب من شخصيته على الجانب الآخر مما ينتج عنه القلق والفزع الذي يعاني منه الوجودي، وإلا فالإنسان جسد وروح، وحصر الموجودات فيما يرى","vol":"1","page":751},{"text":"ويحس غير صحيح، فكم من موجودات لا تحس ولا ترى، كما أن حصر وسائل المعرفة في الإدراك الحسي غير صحيح كذلك، فالإنسان يعرف ويدرك عن طريق البداهة والفطرة، وعن طريق العقل والفكر، وعن طريق البصيرة والإلهام.\nكما يدرك، ويدرك عن طريق الحس والرؤية، فعلماء الفلك يقدرون وجود كواكب بيننا وبينها ملايين السنين الضوئية، وقدروا مواقعها والأبعاد بين بعضها، لأن وجودها في المواقع التي حددوها، يفسر لهم آثارًا وظواهر معينة، في حركة الكواكب التي رصدوها، ويستدلون بما رأوه على ما لم يروه، ويتبين بالملاحظات العلمية صحة الفرض الذي فرضوه، فهل يلام هؤلاء العلماء على إيمانهم بما لم يروه ولم يحسوه مع أنهم اهتدوا إليه بالمنطق الرياضي الذي يعتمد على الأرقام لا على الأوهام؟ .\nإن هؤلاء العلماء قد اعتمدوا على منطق بسيط ولكنه صادق -هو الاستدلال بالأثر على المؤثر-، فهم قد عرفوا الكواكب البعيدة بآثارها لا بذاتها، وعلى هذا النهج نفسه درس العلماء الطبيعيون (الذرة)، واستخدموا قوانين الكتلة والطاقة، مع أنهم لم يروا الذرة حتى الآن، كل ما انتهوا إليه بوسائلهم الإلكترونية الجبارة أنهم استطاعوا أن يروا ظلها أو خيالها بعد تكبيره وتضخيمه، فكيف نسلم بهذا المنطق -منطق الاستدلال بالآثار- ونستخدمه في علوم الطبيعة والفلك ثم ننكره في معرفة الخالق؟ .\n٢ - إن هذا الزعم لا دليل عليه مطلقا، إنه مجرد إنكار ورجم بالغيب، لقد كان الماديون ينكرون ما لا تصل إليه الحواس الإنسانية قبل أن يتوصل البحث","vol":"1","page":752},{"text":"العلمي إلى اكتشاف أجهزة تستطيع أن تحس بأشياء كونية كانت بالنسبة إلى الحواس البشرية أمورا من أمور الغيب، ولمَّا اكتشفت هذه الأجهزة، وكشفت للعلماء الباحثين ما كشفت من خفايا داخل الكون تراجع الفكر المادي عن تعنته قليلا، فاعترف بوجود أشياء يمكن أن تدركها الأجهزة التي توصل العلماء الباحثون إلى اكتشافها.\nومنها أجهزة الإحساس بالأشعة التي لا تدركها حواس الناس، وأجهزة الإحساس بالذبذبات الصوتية التي تنطلق في الأجواء، وأجهزة الإحساس بالطاقات الكهربائية والمغناطيسية والحرارية وغيرها.\nوكلما تقدم العلم تطورت أجهزة الإحساس بالموجودات كانت غيبا على الناس قبل التوصل إليها، تراجع الفكر المادي الوجودي عن بعض تعنتاته، ولكن ظل منكرا ما وراءه مما لا يزال غيبا.\nلقد كان الاستنتاج العقلي يثبت أمورًا، وكان الفكر المادي الوجودي ينكر بتعنت وعناد، وحين كشفت الأجهزة المستحدثة ما كان يثبته العقل، تجاهل الماديون الوجوديون إنكارهم الأول، وأخذوا يراوغون، ويوسعون مذهبهم المادي، حتى يشمل ما أثبتته الأجهزة المستحدثة وأحست به، وقدمت للعلماء شهادة بما شاهدت من خفايا كانت قبلها غيبًا عن حواس الناس.\nأما الماديون المعاصرون الذين يعترفون بقوانين العلوم، وما توصلت إليه استناجًا عقليًا، فإنهم يتناقضون مع أنفسهم حين يسلمون بمقررات علمية لم يتوصل إليها العلم إلا عن طريق الاستنتاج العقلي، ويرفضون مع ذلك الاستناجات العقلية التي توصل إلى ضرورة الإيمان بالخالق.\nما أعجب أمر هؤلاء الوجوديين والماديين! ! .","vol":"1","page":753},{"text":"إنهم يرفضون الاستنتاج العقلي، حينما يلزمهم ويلزم جميع العقلاء بضرورة الإيمان بالخالق الذي هو غيب عن الحواس بذاته، لكن ضرورة وجوده تعلم حتمًا بآثار صنعته المتقنة، ثم هم يقبلون بمقررات علمية كونية كثيرة ما زالت غيبًا عن الحواس، وغيبًا عن الأجهزة العلمية المتقدمة جدًا، مثل صفات الذرة، وحركاتها، وصفات الخلية وتطورها، مع أن هذه المقررات يوجد في بعضها ما دل عليه الاستنتاج العقلي بأمارات ظنية، لا بأدلة قطعية.\nأليس هذا منهم تناقضًا مع أنفسهم؟ !\nإنهم لو كانوا منسجمين مع الأدلة العلمية انسجامًا سويًا لم يتدخل معه الهوى لما كانوا متناقضين في مناهجهم، ولقبلوا على طول خط المعرفة ومكتسباتها كل الاستناجات العقلية القطعية، أو التي تعطي ظنًا قويًا راجحًا، ولما فرقوا بين أفرادها وهي متماثلة في قوة دلالتها.\nلكنهم متعصبون أصحاب هوى ضد قضية الإيمان بالرب الخالق، فهم يرفضون كل دليل يثبت وجوده ﷿، مهما كان دليلًا برهانيًا قويًا، وحينما يكون لهم هوى في أن ينتفعوا من طاقات الكون وخصائصه يقبلون ما يقدمه لهم الاستناج العقلي حول هذه الطاقات والخصائص، ولو كان استنتاجًا ظنيًا أو وهميًا أحيانًا، ويخادعون بأن هذا مما تثبه الوسائل العلمية.\n٣ - يضاف إلى ذلك: أن البصيرة العقلية ومستنبطاتها التجريدية لا تسمح مطلقًا بالانغلاق في حدود المادة والوجود.\nإن الشيء الذي لا نشاهده في الواقع الحسي لا يلزم عقلًا أن يكون غير","vol":"1","page":754},{"text":"ممكن الوجود، فعدم الوجود فعلًا لا يدل على استحالة الوجود. فما بالك بالحكم على الخالق بأنه غير موجود، وبأنه متناقض وجوده، لمجرد أننا لم نشاهده في دوائر حواسنا المحدودة جدًا؟ .\n٤ - إن وسائل العلم ثلاثة:\nالأولى: المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.\nالثانية: الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج البرهانية أو المقبولة.\nالثالثة: الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبي من أنبياء الله مؤيد بالمعجزات الباهرات، ومن الخبر الصادق قطعًا ما يبلغه عن الوحي هذا النبي.\nفهؤلاء الملحدون حصروا العلوم المدركة في دوائر ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه، وهذا باطل، بل قصور في العلم، فمن ليس عنده علم بشيء مَّا يجب أن يتعلم من الآخر، وليس عليه أن ينكر ذلك الشيء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما أخبرت به الرسل من الغيب فهي: أمور موجودة ثابتة أكمل وأعظم مما نشهده نحن في هذه الدار، وتلك أمور","vol":"1","page":755},{"text":"محسوسة تشاهد وتحس ولكن بعد الموت في الدار الآخرة، ويمكن أن يشهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك، ليست عقلية قائمة بالعقل كما تقوله الفلاسفة، ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات التي نشهدها أن تلك غيب وهذه شهادة، وكون الشيء غائبًا أو شاهدًا أمر إضافي بالنسبة إلينا، فإذا غاب عنا كان غيبًا، وإذا شهدناه كان شهادة، وليس هو فرقًا يعود إلى أن ذاته تعقل ولا تشهد ولا تحس، بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يحس بحال فإنما يكون في الذهن، والملائكة يمكن أن يشهدوا ويروا، والرب تعالى يمكن رؤيته بالأبصار، والمؤمون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت بذلك النصوص).\nوبهذا يبطل أصل الملاحدة الذين يحضرون المعلومات بمدركاتهم الخاصة القاصرة، فإن هؤلاء قصروا معرفتهم في شيء ولم يعرفوا غيره، ومن عرف له حجة على من لم يعرف، فليس كل من لم يعرف شيئًا ينكره على حجة عدم علمه ومعرفته.\nولنضرب لذلك مثلًا: لو أن عالمًا من علماء الحيوان تحدث عن وجود حيوان برِّيٍّ غريب رآه بعينه، وأخذ يصف مشاهداته الحسية له، ثم جاء سمَّاك فقال: لا أجد المبرر العقلي لوجود هذا الحيوان الغريب الذي يتحدث عنه هذا العالم، فإنا لم نشاهد في البحر نظيره. لما كان كلامه أكثر سقوطًا من ناحية الاستدلال العلمي من كلام هؤلاء الوجوديين، فقد جاءتنا الأخبار الصادقة من","vol":"1","page":756},{"text":"قبل الرسل الكرام الصدِّيقون في أخبارهم بأن هناك إله ورب خالق له الصفات العلي كذا، وكذا، ثم جاء بعض من أعمى الله بصره وحجب عنه بصيرته، فيقول: لا أحسُّ به، ليس كلامه هذا أقل سقوطًا من كلام هذا السمَّاك.\nولهذا قال ابن القيم: (المعلومات المعاينة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحسِّ والعقل، بل لا نسبة بينها بوجه من الوجوه، ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والمعلومات التي لا تدرك بالحسِّ والأمور الغائبة عن الحسِّ نسبة المحسوس إليها كقطرة من بحر، ولا سبيل بها إلى العلم بها إلا بالخبر الصادق).\nفإذا أبطلنا هذه العلوم فإننا قد أبطلنا علومًا جمة، ومعارف كثيرة، وليس هذا الإنداء إلى الجهل والطيش.\nالفرع الثالث: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه في الداروينية:\nوذلك؛ حينما رأوا أن الحياة إنما هي نتيجة النشوء والارتقاء، وأن تفسير النشوء والارتقاء بتدخل الله هو بمثابة إدخال عنصر خارج للطبيعة، في وضع ميكانيكي بحت.\nخلاصة أفكارهم في إنكار الخالق سبحانه:\n١ - تقوم فكرة التطور الداروينية على أن الكائنات الحية تسير في تطورها","vol":"1","page":757},{"text":"مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها.\n٢ - وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل، وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر، ثم يضمحل، ثم ينقرض. وهو ما يسمى بالانتقاء الطبيعي.\n٣ - والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد، يضمر شيئًا فشيئًا، حتى يضمحل، ولا يبقى منه إلا أثر يدل عليه، وقد لا يبقى له أثر.\nكانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء، ثم عممت حتى شملت الوجود المادي كله، من الغاز السديمي الأول - كما يسمونه - حتى المجرات فالكواكب، فالمواد الصالحة لظهور الحياة، فالنبات، فالحيوان، وأمسى التطور مذهبًا.\nوقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد يرجع كلها إلى العناصر الثلاثة السابقة.\n١ - تعتمد النظرية على أساس ما شوهد في زمن (داروين) من الحفريات الأرضية، فقد وجدوا: أن الطبقات القديمة تحتوي على كائنات أولية، وأن الطبقات التي تليها تحتوي على كائنات أرقى فأرقى. فقال (داروين): إن تلك الحيوانات الراقية قد جاءت نتيجة للنشوء والارتقاء من الحيوانات والكائنات الأولى.","vol":"1","page":758},{"text":"ثم وجد الداروينية من هذه الحفريات ما يسمونه بإنسان بلتداون بجمجمة إنسان وفك قرد.\n٢ - وتعتمد أيضًا على ما كان معروفًا في زمن (داروين) من تشابه جميع أجنة الحيوانات في أدوارها الأولى، فهو يوحي بأن أصل الكائنات واحد، كما أن الجنين واحد، وحدث التطور على الأرض كما يحدث في أرحام الكائنات الحية.\n٣ - كما تعتمد النظرية على وجود الزائدات الدودية في الإنسان التي هي المساعد في هضم النباتات، وليس لها الآن عمل في الإنسان، مما يوحي بأنها أثر بقي من القرود لم يتطور، لأنها تقوم بدورها في حياة القرود الآن.\n٤ - تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض.\nوقالوا في كيفية عملية التطور: أن هناك ثلاث وسائل في إكمال عملية التطور، وهي:\nأ- الانتخاب الطبيعي: تقوم عوامل الفناء بإهلاك الكائنات الضعيفة الهزيلة، والإبقاء على الكائنات القوية، وذلك ما يسمى بزعمهم بقانون (البقاء للأصلح)، فيبقى الكائن القوي السليم الذي يورث صفاته القوية لذريته، وتتجمع الصفات القوية مع مرور الزمن مكونة صفة جديدة في الكائن، وذلك هو (النشوء) الذي يجعل الكائن يرتقي بتلك الصفات الناشئة إلى كائن أعلى، وهكذا يستمر التطور وذلك هو الارتقاء.\nب- الانتخاب الجنسي: وذلك بواسطة ميل الذكر والأنثى إلى التزوج بالأقوى والأصلح، فتورث بهذا صفات الأصلح، وتنعدم صفات الحيوان","vol":"1","page":759},{"text":"الضعيف لعدم الميل إلى التزاوج بينه وبين غيره.\nج- كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل.\nهذا آخر ما تخيلوا من الشبه، والتي يتشبثون بها في محاولة الإنكار للخلق المباشر، ولننظر فيما يلي مدى واقعية هذه الفكرة، ومدى صحتها لدى العلماء الغربيين أيضًا، فضلًا عن كونها من الأساطير والخرافات لدى أصحاب المل الثلاث.\nتفنيد الأساس الذي قامت عليه النظرية:\n١ - أما استدلالهم بالحفريات:\nفيقال: إن علم الحفريات لا يزال ناقصًا، فلا يدعي أحد أنه قد أكمل التنقيب في جميع طبقات الأرض وتحت الجبال والبحار فلم يجد شيئًا جديدًا ينقض المقررات السابقة.\nوعلى فرض ثبات مقررات هذا العلم فإن وجود الكائنات الأولى البدائية أولًا، ثم الأرقى، ليس دليلًا على تطور الكائنات الأدنى، بل هو دليل على ترتيب وجود هذه الكائنات فقط عند ملاءمة البيئة لوجودها على أي صورة كان هذا الوجود، وإذا كانت الحفريات في زمن داروين تقول: إن أقدم عمر للإنسان هو ستمائة ألف سنة، فإن الاكتشافات الجديدة في علم الحفريات قد قدَّرت أن عمر الإنسان يصل إلى عشرة ملايين من السنين.\nأليس هذا أكبر دليل على أن علم الحفريات متغير لا يبنى عليه دليل قطعي؟","vol":"1","page":760},{"text":"وأنه قد ينكشف في الغد من الحقائق عكس ما كنا نأمل؟\nيقول الدكتور (جمال الدين الفندي) أستاذ الفلك في كلية العلوم بجامعة القاهرة: إن من الأدلة التي تنفي نظرية داروين أن عمر الأرض كما قدره الفلكيون والطبيعيون لا يربو على ثلاثة بلايين سنة، بينما يقدر علماء الحياة أن المدة اللازمة لتطور الأحياء على الأرض إلى حين عصر الحياة القديمة تزيد على سبعة بلايين سنة، بمعنى أن عمر الأرض لابد أن يكون عشرة بلايين سنة؛ أي ضعف عمر الشمس.\nويقول أحد علماء الغرب في كتابه (الإنسان الأول): (من المؤسف أنه لا يوجد لدينا إلا وثائق غير تامة من الحفريات عن أصل قرد الإنسان، ولا نعلم في أي وقت ولا في أي مكان بدأ شكل الإنسان يختلف عن شكل القرد).\nفالحفريات لا تعتبر دليلًا أبدًا، حتى إن الرأي الأخير من الحفريات هو يناقض تمامًا ما قالته الداروينية، وذلك لما وجدوا من الجماجم الإنسانية التي تدل على وجود هذا النوع من مدة سحيقة موغلة أكثر مما يثبته الداروينيون لعمر الإنسان.\nوأما ما قيل من أنهم عثروا على إنسان بلتداون بجمجة إنسان وفك قرد، مما يدل على أن الإنسان تطور من القرد، وأن إنسان بلتداون صورة من صور الحلقات المفقودة في عملية التطور، فيقال في الرد عليهم:\nإن التجارب الأخيرة على إنسان بلتداون أثبتت أنه ليس قديمًا كما","vol":"1","page":761},{"text":"تصوروا، بل إن هناك من قام بإحداث عدة تغييرات في هذه الجثة للإيهام بأنها تعود إلى أزمان غائرة جدًا، وليس هذا فحسب، بل تبين أن الأسنان المغروسة في عظم الفلك بردت بمبردة للتمويه وللإيهام بأنها تآكلت على مر الزمن، وكانت علامات البرد ظاهرة لكل عين متفحصة، وأخيرًا أعلنت النتيجة في تشرين الثاني سنة ١٩٥٣ م، وكانت كما يلي:\n(إن (إنسان بلتداون) ليس إلا قضية تزوير وخداع، تمت بمهارة من قبل أناس محترفين، فالجمجمة تعود إلى إنسان معاصر، وأما عظام الفك فهي لقرد أورنج بعمر عشر سنوات، والأسنان هي أسنان إنسان غرست بشكل اصطناعي وركبت على عظام الفلك، وظهر ذلك، إن العظام عوملت بمحلول ديكرومايت البوتاسيوم لإحداث آثار بقع للتمويه وإعطاء شكل تاريخي قديم لها).\n٢ - وأما الاستدلال بتشابه أجنة الحيوانات:\nفذلك خطأ كبير وقع فيه بعض العلماء نتيجة عدم تقدم الآلات المكبرة التبي تبين التفاصيل الدقيقة التي تختلف بها أجنة الحيوانات بعضها عن بعض في التكوين والتركيب والترتيب، إلى جانب التزييف الذي قام به واضع صور الأجنة المتشابهة العالم الألماني (أرنيست هيكل)، فإنه أعلن بعد انتقاد علماء الأجنة له: أنه اضطر إلى تكملة الشبه في نحو ثمانين في المائة من صور الأجنة لنقص الرسم المنقول.\nثم لما تقدمت الآلات المكبرة في العصر الحاضر بينت هذه الآلات تفاصيل دقيقة بين أجنة الحيوانات، وظهر أنه لا تشابه بين أجنة الحيوانات أبدًا، وأن أجنة","vol":"1","page":762},{"text":"الإنسان تختلف عن أجنة القردة من عدة جوانب.\n٣ - أما الاستدلال بوجود الزائدة الدودية على نظرية النشوء الذاتي:\nفيقال: إن وجود الزائدة الدودية في الإنسان كعضو أثري للتطور القردي فليس دليلًا قاطعًا على تطور الإنسان من القرد، بل يكون سبب وجودها هو وراثتها من الإنسان الجد الذي كان اعتماده على النباتات، فخلقت لمساعدته في هضم تلك النباتات.\nثم القول بأن الزائدة الدودية ليست لها وظيفة خاليًا في جسم الإنسان قول غير صحيح، فإنه أثبت الطب حديثًا: أن الزائدة الدودية ذات وظيفة في جسم الإنسان، وهي جهاز لمفاوي مناعي في البطن كغيره من أجهزة المناعة في جسم الإنسان، لذلك تدعى باسم (لوزات البطن).\nكما أن العلم قد يكشف لها حقيقة أخرى لا تزال غائبة عنا حتى اليوم، فالعلم كل يوم في ازدياد، وإذا كانت الخنوثة من صفات الكائنات الأولية الدنيا، والزوجية من خصائص الكائنات الراقية، فإن الثدي من أمارات الأنوثة، ونجد الفيل الذكر له ثدي كما للإنسان، في حين ذكور ذوات الحافر كالحصان والحمار لا ثدي لها إلا ما يشبه أمهاتها، فكيف بقي أثر الخنوثة في الإنسان، ولم يبق فيما هو أدنى منه؟ مع أن داروين يزعم أن الإنسان تطور مما هو أدنى منه.","vol":"1","page":763},{"text":"٤ - أما الاستدلال بتأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض على إثبات نظرية التطور:\nفيقال: إن تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود لا يقتضي أن السابق أب أو جد لما ظهر بعده، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى، ثم أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى، ثم أبدع أخيرًا الإنسان.\nوهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات، فاللاحق كثيرًا ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه، فالعملية تكون عملية فكرية، ويأتي التطبيق الواقعي غالبًا بناءً جديدًا.\nومهما يكن من أمر، فالاحتمالان أمران متكافئان إمكانًا، بشرط ربط كل منهما بأنه مظهر لاختيار مدبر خالق حكيم عليم قدير خالق، فهو أمر مستحيل عقلًا، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطة ثابتة، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود. وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علميًا ورياضيًا في عمليات الخلق الكبرى. كما سبق بيانه.\nتفنيد شرح داروين لعملية التطور:\nأما القول بالانتخاب الطبيعي: بأن هناك ناموسًا أو قانونًا يعمل على إفناء الكائنات الحية فلا يبقى إلا الأصلح الذي يورث صفاته لأبنائه فتتراكم","vol":"1","page":764},{"text":"الصفات القوية حتى تكون حيوانًا جديدًا.\nفيقال: حقًا هناك نظام وناموس وقانون يعمل على إهلاك الكائنات الحية جميعها قويها وضعيفها، لأن الله قدر الموت على كل حي، إلا أن نظامًا وناموسًا يعمل بمقابلة هذا النظام؛ ذلك هو قانون التكافل على الحياة بين البيئة والكائن، لأن الله قدر الحياة فهيأ أسبابها؛ فنجد الشمس والبحار والرياح والأمطار والنباتات والجاذبية كل هذه وغيرها تتعاون للإبقاء على حياة الإنسان وغيره من الحيوانات، فالنظر إلى عوامل الفناء وغض النظر عن عوامل البقاء يحدث خللًا في التفكير، فإذا كانت هناك سنة للهلاك فهناك سنة للحياة، ولكل دور في الحياة، وإذا كانت الظروف الطبيعية: من رياح ورعد وحرارة وماء وعواصف وغيرها قادرة على تشويه الخلق أو تدمير صنعة، كطمس عين أو تهديم بناء، فإنه من غير المعقول أن تقرر هذه الظروف الطبيعة الميتة الجامدة والبليدة أن تنشئ عينًا، لمن لا يملك عينًا أو تصلح بناء فيه نقص.\nولكن للأسف، إن التطوريين يقولون بمثل هذا القول. فالانتخاب الطبيعي معبود التطوريين المحروم من الشعور، هكذا وبهذه البساطة يعتقد داروين أنه استطاع أن يشرح كيفية تحول عضو من شكل إلى آخر، أما العلم المعاصر فإنه يرفض هذا الشرح وهذا التفسير، بل يعتبره مضحكًا، فكما يصعب على الإنسان الاعتقاد بأن سيارة تسير بالبنزين قد تحولت - نتيجة سلسلة حوادث المرور - إلى سيارة تعمل بالغاز السائل، وأنها في فترات من فترات التحول كانت","vol":"1","page":765},{"text":"تسير بالبنزين والغاز معًا من باب الاحتياط! ! كذلك يصعب عليه تصديق كل هذه الحكايات حول خروج الأحياء من الماء إلى اليابسة.\nإذ لا مبرر هناك للاعتقاد بأن كل هذه المزاعم صحيحة من دون تحقيق وتمحيص، حتى وإن قدمها البعض تحت لبوس العلم، لأن قليلًا من العلم وقليلًا من التفكير، يكفيان لرؤية كيف أن اللوحة التي تقدمها نظرية التطور في حاجة إلى عقل وشعور خارقين.\nويمثل هنا بمثال واحد، فمثلًا قبل كل شيء يحتاج جهاز التنفس لكل يتعرض لمثل هذا التبدل والتحول إلى تعيين هدفه أمامه ... وهذا الهدف هنا هو (الخروج من الماء إلى اليابسة)، فمن الذي يعطي هذا القرار ويعين هذا الهدف؟ أهو الكائن نفسه؟ أهي جزئيات جسمه؟ أهو الماء؟ أهو الهواء؟ .\nثم يجب تعيين الخطوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف، ووضع خطة تحتوي على تفاصيل كثيرة جدًا تشمل أجهزة الجسم كله، فمن الذي يضع هذه الخطة؟ أهو الكائن الحي؟ أهي ذرات جسمه؟ أم الهواء؟ .\nثم يجب الأخذ بنظر الاعتبار جميع العوائق والمشاكل التي قد تظهر أثناء خطوات التقدم نحو الهدف، وأخذ التدابير والاحتياطات اللازمة تجاهها، وإدراج جميع هذه التدابير في الخطة بشكل مناسب، بحيث لا تتعارض مع الخط العام للخطة. فمن الذي يرى المشاكل والعوائق والصعوبات قبل أوانها، ويفكر بالتدابير اللازمة فيؤمن التنسيق بين الأعضاء؟ أما القول بأن (الأعضاء تقوم من نفسها بتأمين نظام للتعاون والمساعدة فيما بينها) فهو قول لا يقره أي","vol":"1","page":766},{"text":"عقل وأي منطق.\nثم تأتي مرحلة التنفيذ، والتطوريون يرون أنها تحقق نتيجة ملايين الحوادث التي تصيب شفرات الجينات. والغريب أن هذه الحوادث تكون وكأنها مرتبة ضمن خطة معينة! ! ثم إن حادثة معينة تأتي لتكمل (التقدم) الذي حققته الحادثة السابقة، ولتدفع خطوة أخرى إلى الأمام، ولتقرب الكائن خطوة أخرى نحو الهدف! !، وهكذا يتخلص هذا الكائن من غضبة الانتخاب الطبيعي (الذي يجول في الدنيا في كل ساعة من ليل ونهار دون أن يحس به أحد)! .\nوأخيرًا بعملية تشبه عملية تحول دراجة أطفال ذات ثلاث عجلات، إلى طائرة فانتوم، إثر تعرضها لسلسلة من الحوادث العشوائية! ! تظهر أمامنا المعجزة وتتكامل.\nثم إنه من الغريب جدًا، أن لا يؤدي عبث الصدفة بشفرات الجينات إلى كوارث، ونحن نفس عدم فهم داروين ومعاصريه هذا الأمر إلى قلة معلوماتهم، أما الإصرار ممن جاء بعدهم عليه، فلا يفسر إلا بالعناد والتعصب، ذلك؛ لأن مدَّيد العبث إليها أو تدخل الصدفة، لا تؤدي إلا إلى كارثة.\nواليوم يحاول الذكاء الإنساني - وليست الصدفة - أن ينفذ إلى أعماق علوم الجينات بدراسات شاقة، فمن المستحيل قبول الادعاء بأن الصدفة والانتخاب الطبيعي استطاعا القيام بحل كل هذه الألغاز التي استعصى حلها على الذكاء الإنساني بالرغم من جميع الجهور المبذولة في هذا المجال. من المستحيل قبول هذا الادعاء وإن بذلت المحاولات لوضع قناع العلم عليه. وبالرغم من مرور قرن","vol":"1","page":767},{"text":"على وفاة داروين، فإن التطوريين لم يتعبوا بعد من محاولة جعل هذا المستحيل ممكنًا.\nأما شرحه الثاني لقانون التطور بأنه يحصل (التطور) أيضًا بالانتخاب الجنسي الذي يكون به الميل في التناسل بين الأفراد القوية مما سبب اندثارًا لأفراد الضعاف، وبقاء الأقوى:\nفيقال: إن ذلك ليس دليلًا على حدوث تطور في النوع، بل يفهم منه بقاء النوع القوي من نفس النوع، واندثار النوع الضعيف.\nثم إنه ليس بصحيح أن الصفات الحسنة في فرد من الأفراد تنقل بواسطة الوراثة. فمثلًا: هذا الحداد القوي العضلات لا تنتقل قوة عضلاته إلى ذريته كما أن العالم الغزير العلم لا ينتقل علمه بالوراثة إلى أبنائه.\nأما القول الأخير له في شرحه لعملية التطور كيف تمت هي: بأنه (كلما تكونت صفة جديدة ورثت في النسل):\nفيقال في الجواب عليه: إن القول بحدوث النشوء لبعض الخصائص والصفات العارضة تم توريثها في النسل فذلك ما يرفضه علم الوراثة الحديث. فكل صفة لا تكمن في الناسلة ولا تحتويها صبغة من صبغاتها فهي صفة عارضة لا تنتقل إلى الذرية بالوراثة.\nوإلى جانب مخالفة علم الوراثة (لنظرية داروين)، فإن التجربة تنقضه؛ فهاهم اليهود والمسلمون من بعدهم يختنون أبناءهم ولكن ذلك كله لم يسبب أن","vol":"1","page":768},{"text":"ولد أطفالهم بعد مرور السنين مختونين، وهكذا، فكما تقدم العلم أثبت بطلان نظرية داروين.\nالنظرية لا يؤيدها الواقع المشاهد:\n١ - لو كانت النظرية حقًا لشاهدنا كثيرًا من الحيوانات والإنسان تأتي إلى الوجود عن طريق التطور، لا عن طريق التناسل فقط، وإذا كان التطور يحتاج إلى زمن طويل فذلك لا يمنع من مشاهدة قرود تتحول إلى آدميين في صورة دفعات متوالية كل سنة، أو كل عشر سنوات، أو كل مائة سنة.\n٢ - لو سلمنا جدلًا: أن الظروف الطبيعية والانتخاب الطبيعي، قد طورت قردًا إلى رجل - مثلًا - فإنا لن نسلم أبدًا بأن الظروف قد قررت أيضًا أن تكون امرأة لذلك الرجل ليستمرا في التناسل والبقاء مع الموازنة بينهما.\n٣ - إن القدرة على التكيف التي نشاهدها في المخلوقات - كالحرباء - مثلًا تتلون بحسب المكان هي مقدرة كائنة في تلك المخلوقات تولد معها، وهي عند بعضها وافرة وعند البعض الآخر تكاد تكون معدومة، وهي عند جميع المخلوقات محدودة لا تتجاوزحدودها، فالقدرة على التكيف صفة كامنة، لا صفة متطورة تكونها البيئة كما يزعم أصحاب النظرية، وإلا كانت البيئة فرضت التكيف على الأحجار والأتربة وغيرها من الجمادات.\n٤ - تمتاز الضفادع على الإنسان بمقدرة على الحياة في البر والماء، كما تمتاز الطيور عليه بمقدرة على الطيران والانتقال السريع، وذلك بدون آلة، كما أن","vol":"1","page":769},{"text":"أنف الكلب أشد حساسية من أنف الإنسان، فهل أنف الكلب أكثر رقيًا من أنف الإنسان؟ وهل الضفادع والطيور أرقى من الإنسان في بعض الجوانب؟ فهذه النظرية يخالفها الواقع المشاهد مخالفة تامة.\nالنظرية تعجز عن الإجابة المقنعة لكثير من الأسئلة عبر الظواهر الموجودة:\nإن نظرية التطور تحسب أنها استطاعت تفسير نشوء الكائنات الحية وتكاملها، وكل شيء بـ (الانتخاب الطبيعي)، ولكن الحياة هي أشمل وأعقد من مجرد أجساد الكائنات الحية، فعلاوة على وجود الأجهزة العضوية في أجساد الكائنات، هناك علاقات متداخلة ومتشعبة ومعقدة وحساسية بين هذه الكائنات والكائنات الأخرى من جهة، وبينها وبين بيئتها، وهذا موضوع مهم لا يمكن لأية نظرية تدعي تفسير الحياة أن تهمل إيضاحها وتفسيرها، غير أننا نرى أن الظلمات تحيط بهذا الموضوع في نظرية التطور، ولا نرى أي بصيص من نور.\nفمثلًا: لا تستطيع نظرية التطور تفسير كيف أن البعوضة ما أن تفتح عيونها على الحياة حتى تحاول الوصول إلى هدفها ورزق أبرتها - كأي ممرضة متمرسة - والقيام بامتصاص الدم؟\nكما لا تستطيع هذه النظرية تفسير كيف تستطيع النحلة التجول بين الأزهار، وامتصاص رحيقها لعمل غذاء من أنقى الأغذية، وليس هناك من معلم أو مدرب لها؟ وكيف تستطيع بإشاراتها ورقصاتها الخاصة من التخاطب مع أفرادها مجموعتها، ثم القيام بإنشاء خلاياها بدقة هندسية متناهية، لا نشاهد فيها خطأ مليمتر واحد؟","vol":"1","page":770},{"text":"أم هل تستطيع هذه النظرية تفسير كيف أن الطفل، وهو جنين في بطن أمه يتدرب لاكتساب المهارة الوحيدة المطلوبة منه، وهي عملية مصِّ الثدي، وذلك بمصِّ أصبعه؟ !\nكيف تبني العناكب بيوتها؟ والطيور أوكارها؟ والنمل مساكنها؟ أسئلة لا تستطيع هذه النظرية الإجابة عليها.\nويمكن تعداد أمثلة أكثر وأكثر وكتابة مجلدات من الكتب حول هذا الموضوع، بل يمكن صرف العمر كله في تعداد هذه الأمثلة، أما الاكتفاء بالقول بأن (الغريزة) هي الكلمة السحرية التي تفسر وتوضح هذه المهارات المتعددة والمذهلة والمختلفة، فليس إلا إعلانًا عن جهل الإنسان وعماه.\nموقف علماء الطبيعة من هذه النظرية:\nلعلماء الطبيعة موقفان وراء هذه الفرضية:\nالأول: المؤيدون للنظرية: وتأييدهم كان أكثر انتصار لحرية الفكر الذي كانت الكنيسة تحاربه، وتقاومه، وحربًا مضادة يشنها علماء الطبيعة ضد قسس الكنيسة وأفكارهم بعد أن نشبت حرب طاحنة بين الفريقين.\nفالتأييد إنما هو نتيجة حرب حاقد على الأديان، لا عن علم واقتناع قلبي، فقد اعترف المؤيدون لهذه الفرضية (النظرية) أيضًا بأنها غير ثابتة وغير علمية، وفيما يلي بعض أقوالهم:\n١ - (إن نظرية النشوء لا زالت حتى الآن بدون براهين، وستظل كذلك؛ والسبب الوحيد في أننا نؤمن به هو أن الدليل الوحيد الممكن لها هو الإيمان","vol":"1","page":771},{"text":"بالخلق المباشر، وهذا أمر غير وارد على الإطلاق).\n٢ - (إن التغيرات الإعجازية التي نفترض أنها قاصرة على القصص الخرافية أمور عادية جدًا في نظرية النشوء والارتقاء).\n٣ - (إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء، لا كنتيجة للملاحظة، أو الاختبار، أو الاستدلال المنطقي، ولكن لأن فكرة الخلق المباشرة بعيدة عن التصور).\n٤ - (إننا بالرغم من إيماننا بالنشوء فإننا لا نعلم كيف حدث).\n٥ - (إن نظرية النشوء جاءت لتبقى، ولا يمكن أن نتخلى عنها، حتى ولو أصبحت مجرد عمل من أعمال الاعتقاد).\n٦ - (كلما تعمقنا في دراسة أنتوبيولوجيا كلما اكتشفنا أن نظرية النشوء ترتكز على الاعتقاد).\nهكذا يصبح واضحًا، أن هذه النظرية ليس لها أي مستند صحيح، وقد اعترف بتهافتها وعدم ثبوتها علميًا حتى مؤيدوها، وهو مدين بوجوده فقط لذلك الرفض العنيد للإيمان بوجود الخالق.\nالثاني: المعارضون: لقد سبق معنا آراء المؤيدين لهذه النظرية بأنهم ما","vol":"1","page":772},{"text":"أيدوها على أنها حقيقة علمية، وإنما على أنها أفضل بدليل للإيمان بالله جل شأنه، فما بال العلماء الغربيين المتنورين بالعلم والحرية لا يعارضونها؟ لقد عارضها كثير من علماء الغرب الجيولوجيون والطبيعيون بالأدلة والبراهين، والمقام لا يتسع لذكر آرائهم ها هنا.\nولكن ما موقف بعض من تأثر بهذه النظرية من المسلمين؟ لقد تأثر بهذه النظرية كثير ممن يدعي العلم في العصر الحاضر من المسلمين، كما قد قال ببعض هذه النظرية علماء مشهورون من هذه الأمة.\nفممن تأثر بهذه النظرية من المعاصرين موريس بوكاي، حيث استدل في كتابه (ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب المقدسة) على صحة هذه النظرية بقوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا).\nويمكن أن يرد على هذا القول بأنه لم يفسر به أحد من المفسرين لا بالمأثور ولا بالرأي، ولم يقل به أحد من السلف، بل تفسير الآية على حسب ما روي عن السلف هو أن المراد بالأطوار كونه (نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظامًا).\nوممن قال ببعض هذه النظرية من العلماء القدامى المشهورين: ابن خلدون، حيث فسر قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). على أنه من","vol":"1","page":773},{"text":"القردة إلى الإنسان. كما ينسب هذا القول إلى كل من الدميري، والبلخي، والفخر الرازي، والفارابي، وغيرهم.\nويجاب عن شبهتهم هذه: بأن تفسير هذه الآيات القرآنية لا يكون إلا على ضوء ما فهمه سلفنا الصالح أو على ما يوافق الآيات القرآنية الأخر أو الأحاديث النبوية، وإذا ما وجدت يمكن أن يفسر على مقتضى طبيعة اللغة العربية وعلى فهم ما أنزل إليهم، لا إلى الأهواء والمفاهيم السيئة، وإلا سيصبح الدين كله لعبة، كلٌ يفسر الآيات القرآنية كما يهواه كما هو حال أهل البدع والزنادقة.\nفالآيات المذكورة قد فسرت على تفسيرين:\nالأول: هو الذي عليه أكثر المفسرين؛ منهم علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄، ومجاهد وعكرمة والشعبي، والحسن وأبو العالية والضحاك والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير: أن المراد بالآية: (ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقًا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب).\nالثاني: ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن معنى الآية: (ننقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلًا، ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شابًا، ثم كهلًا، ثم شيخًا، ثم هرمًا)، وبه قال قتادة، والضحاك في رواية.","vol":"1","page":774},{"text":"فترى أن التفسير الذي ذكروه يس له أي سلف، فلا يقبل مثل هذه التأويلات الباطنية للآيات القرآنية.\nولما كان هناك من المسلمين من تأثر بهذه النظرية - أو الفرضية على الصحيح - واستدل بعض هؤلاء بالآيات القرآنية، فإننا سوف نورد حديث القرآن عن أصل الإنسان وخلقه بآيات صريحة وواضحة في الدلالة لا لبس فيها ولا غموض، حتى لا يستطيع إنكاره إلا من أعمى الله بصره وجعل على قلبه غشاوة، وأضله عن سواء الصراط. ففيما يلي هذا البيان من القرآن الكريم والسنة النبوية.\nحديث القرآن والسنة عن أصل الإنسان وكيفية خلقه:\nإن حديثنا الآن مع الذين يؤمنون بالله ربًا، فنحن نسألهم هل تؤمنون بأن الله يعلم ما خلق، ومم خلق؟ وسيكون الجواب حتمًا بنعم، وإلا يكونوا قد كفروا بالله، وإذا كانت الإجابة بنعم، فإننا نقول لهم: إن الذي خلق الخلق لا شك هو أعلم بالمخلوق، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).\nفإذا كان هو أعلم بالخلق وكيفية خلقه، فقد حكى بنفسه في القرآن وبينه الرسول في السنة قصة خلق الإنسان ببيان ظاهر وواضح.\nفالله يخبرنا أنه خلق الإنسان خلقًا مستقلًا مكتملًا، وقد أخبر ملائكته بشأن خلقه قبل أن يوجده: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).\nوحدثنا عن المادة التي خلقه منها، فقد خلقه من ماء وتراب (طين)، قال تعالى: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).","vol":"1","page":775},{"text":"وجاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﵎ خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب».\nوالماء عنصر في خلق الإنسان، حيث قال: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ)، فهو إذن من ماء وتراب.\nوقد شكله الله بيديه، حيث قال: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)، ثم هذا الطين تحول إلى صلصال كالفخار (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ).\nوقد خلقه مجوفًا منذ البداية، ففي الحديث عن أنس بن مالك قال: «لما صور الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به وينظر إليه، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك».\nهذا الطين نفخ الله فيه من روحه فدبت فيه الحياة، فأصبح سميعًا بصيرًا","vol":"1","page":776},{"text":"عاقلًا واعيًا، فقد أمر الله الملائكة بالسجود لآدم حين ينفخ فيه الروح وتدب فيه الحياة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ).\nوأخبرنا بالمكان الذي خلق فيه وهو الجنة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ)، وبمجرد أن تم خلقه أخذ يتكلم ويفقه ما يقال له، ففي القرآن: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ).\nوفي حديث آخر قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة - إلى ملأ منهم جلوس - فقل: السلام عليكم. قالوا: عليك السلام ورحمة الله ...».\nهذا هو الإنسان الأول؛ هو آدم ﵇، وهو أبو الناس كافة، بل إن المرأة خلقت منه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا).\nولم يكن خلق الإنسان ناقصًا ثم اكتمل، كما يقول أصحاب نظرية التطور؛","vol":"1","page":777},{"text":"بل كان كاملًا ثم أخذ يتناقص الخلق، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة ﵁ قال: «خلق الله آدم ﵇، وطوله ستون ذراعًا).\nولذلك، فالمؤمنون يدخلون الجنة مكتملين على صورة آدم.\nهذه لمحة مما حكاه القرآن وبيَّنه عن خلق الإنسان الأول، لم أستقص النصوص من الكتاب والسنة في ذلك، وإلا فالقول في ذلك واسع طويل، وهو يعطي صورة واضحة لأصل الإنسان ليس فيها أي غموض، وهذا الذي بيَّنه الإسلام أصل كريم يعتز الإنسان بالنسبة إليه، أما ذلك الإنسان الذي يصوره داروين - ذلك القرد الذي ترقى عن فأر أو صرصور - فإنه أصل يخجل الإنسان من الانتساب إليه.\nالفرع الرابع: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في العلمانية:\nوذلك؛ لأن (بعض العلمانيين - الملحدين منهم - ينكرون وجود الله أصلًا). وقبل أن أذكر آراءهم لابد من بيان إجمالي عن العلمانية ونشأتها، وأنواع العلمنة، وأنواع الشرك فيها\nالتعريف بالعلمانية:\nلفظ العلمانية ترجمة خاطئة لكلمة (secularism) في الإنجليزية، أو (secularite) بالفرنسية.","vol":"1","page":778},{"text":"وهي كلمة لا صلة لها بلفظ العلم ومشتقاته على الإطلاق. فالعلم في الإنجليزية والفرنسية معناه (science)، والمذهب العلمي نطلق عليه كلمة (scientism) وبالنسبة إلى العلم بالإنجليزية (scientific)، وبالفرنسية (scientifique). ثم لو كان - فرضًا - إن هذه الكلمة منسوبة إلى العلم قبل في النسبة إليها: علمي، وليس علماني، إلا إذا قيل: إن زيادة الألف والنون وإن كانت غير قياسية في اللغة العربية - أي في الاسم المنسوب - إلا أنها جاءت سماعًا، ثم كثرت في كلام المتأخرين كقولهم: (روحاني، جسماني، ونوراني)، فالترجمة الصحيحة للكلمة: أنها تعني في اللغة.\n١ - دنيوي أو مادي.\n٢ - ليس بديني أو ليس بروحاني.\n٣ - ليس بمترهب، ليس برهباني.\nأما معنى هذه الكلمة فيما اصطلحوا عليه فقد ذكروا عدة عبارات، منها:\n١ - هي النظرية التي تقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسًا للأخلاق والتربية.\n٢ - جاء في دائرة المعارف البريطانية: (أنها حركة اجتماعية، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب ... وظل","vol":"1","page":779},{"text":"الاتجاه إلى (secularism) يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها حركة مضادة للدين ...).\nودائرة المعارف البريطانية حينما تحدث عن العلمانية تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، وقد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين:\nأ- إلحاد نظري.\nب- إلحاد علمي. وجعلت العلمانية ضمن الإلحاد العلمي.\nولهذا لو قيل عن هذه الكلمة (العلمانية) إنها (اللادينية)، لكان أدق تعبيرًا وأصدق، أو يقال: (الدنيوية)، لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص: هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.\nوالتغيير الشائع في الكتب الإسلامية هو (فصل الدين عن الدولة)، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد والسلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها (فصل الدين عن الحياة) لكان أصوب. ولذلك فإن المدلول الصحيح العلمانية هو: (إقامة الحياة على غير الدين).\nوالخلاصة: أن العلمانية مذهب من المذاهب الشركية التي ترمي إلى عزل الدين عن التأثير في الحياة الدنيا، فهو مذهب يعمل على قيام الدنيا في جميع النواحي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والقانونية، وغيرها بعيدًا عن أوامر الدين ونواهيه.\nنشأتها:\nكان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة،","vol":"1","page":780},{"text":"والتربة الخصة، التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهور هي أول دولة تقيم نظامها على أساس الفكر العلماني، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به - بما يتضمنه من إلحاد، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته، ومعاداة أهله - أقول: لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن بمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم ﵇، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف، فبدلت وغيرت، وأضافت وحذفت، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم، ومعاملاتهم، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة، ولم تكتف الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به، وحاكمت إليه العلماء المكتشفين والمخترعين، وعاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد، فقتلت من قتلت، وحرقت من حرقت، وسجنت من سجنت.\nومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفًا غير شريف مع الحكام الظالمين، وأسبغت عليهم هالات التقديس والعصمة، وسوغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم، زاعمة أن هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به.\nمن هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب بهم من سجن الكنيسة ومن","vol":"1","page":781},{"text":"طغيانها، ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه إذ ذاك إلا الخروج على ذلك الدين - الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين - والتمرد عليه وإبعاده، وطرده من كافة جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والأخلاقية وغيرها.\nوعلى ذلك، فالعلمانية هي ذلك اللفظ الخادع الذي استخدم بدلًا من عبارة اللادينية والتي تعتبر أصل الحركة التي ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر الميلادي لتعبر عن وجهة نظر المنكرين لوجود الله أو الذين يفصلون بين وجود الله وتأثيره في الحياة، فعلى فرض أن الحركة لم تنكر الدين من أساسه وإنما تعزله عن المجتمع وتدع الفرد يباشر عبادته في نطاق حياته الفردية، فإن فكرة بهذه الصورة فكرة لا دينية، والمجتمع الذي يتبناها مجتمع لا ديني، لأن المجتمع الذي يلجأ إلى التخلص من الدين بعزله عن تيار الحياة وحركتها وحبسه داخل جدران الكنيسة إنما هو مجتمع لا ديني، وإن ادعى غير ذلك.\nصور العلمانية:\nإن للعلمانية صورتين، كل صورة منها أقبح من الأخرى:\nالصورة الأولى: العلمانية الملحدة: وهي التي تنكر الدين كلية، وتنكر وجود الله الخالق البارئ المصور، ولا تعترف بشيء من ذلك، بل وتحارب وتعادي من يدعو إلى مجرد الإيمان بوجود الله، وهذه العلمانية على فجورها ووقاحتها في التبجح بكفرها إلا أن الحكم عليها أمر ظاهر ميسور لكافة المسلمين، لا ينطلي - بحمد الله - أمرها على المسلمين، ولا يقبل عليها من المسلمين إلا رجل يريد أن يفارق دينه. وخطر هذه الصورة من العلمانية من","vol":"1","page":782},{"text":"حيث التلبيس على عوام المسلمين خطر ضعيف، وإن كان لها خطر عظيم من حيث محاربة الدين ومعاداة المؤمنين وحربهم وإيذائهم بالتعذيب أو السجن أو القتل.\nوأصحاب هذه العلمانية لا ينادون إلى نيل بغيتهم مباشرة؛ لأنهم يعرفون أن أغلب الناس يرفضون، ولهذا تراهم دائمًا يتسترون بإحدى الستائر المعروفة من الشيوعية أو الاشتراكية أو الداروينية، أو الفرويدية أو القومية أو الوطنية مثلًا، فهذه الستائر ما هي إلا صور حية واقعية للعلمانية الملحدة.\nلأن العلمانية الملحدة ليست لديها من الأدلة التي تستطيع من خلالها أن تقنع المخالف لها، فلهذا هي دائمًا تتستر بإحدى النظريات المذكورة، لأن هذه النظريات يرى واضعوها ومؤيدوها ومناصروها أن لها أدلة علمية ثابتة، وإن كانت ما هي إلا سراب يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.\nفهذه العلمانية الملحدة هي المقصودة عندنا في هذا الباب، لأنها شرك في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه والمخلوق عن خالقه، وهؤلاء ليست لهم شبهة خاصة بهم إلا ما هو موجود عند الشيوعية المادية والداروينية التطورية، وقد سبق الرد عليها مفصلًا، فلينظر إليه.\nالصورة الثانية: العلمانية غير الملحدة: وهي علمانية لا تنكر وجود الله","vol":"1","page":783},{"text":"وتؤمن به إيمانًا نظريًا، لكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة، وهذه الصورة أشد خطرًا من الصورة السابقة من حيث الإضلال والتلبيس على عوام المسلمين، فعدم إنكارها لوجود الله، وعدم ظهور محاربتها للدين يغطي على أكثر عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الفكرية، فلا يتبينون ما فيها من الكفر لقلة علمهم ومعرفتهم الصحيحة بالدين، ولذلك تجد أكثر الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية، والكثرة الكاثرة والجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك. وسيأتي تفصيل البيان في حكم هذه الصورة وشبهها فيما بعد.\nوالمقصود هنا: بيان كون العلمانية الملحدة من الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن الصانع والمخلوق عن الخالق.\nالفرع الخامس: شرك تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه في القومية:\nالقومية: مصدر صناعي، ونسبتها إلى قوم، وقوم الرجل: شيعته وعشيرته. ولفظ قوم ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة مطلقًا ومقيدًا، وسمي القوم قومًا؛ لأنهم في الأصل يقومون بمهام الأمور ويقيمونها بما يقوم به وتصلح عليه بمشيئة الله.\nوأما المقصود بالقومية: فاختلف دعاتها على أقوال:","vol":"1","page":784},{"text":"منهم من يقول: هي مجرد انتساب إلى جنس معين. أو هي نتيجة التكلم بلغة واحدة، أو هي آثار من آثار وحدة الأرض والوطن والولاء للدولة القومية، أو هي نتيجة الرغبة في التعايش الاقتصادي المشترك.\nأو هي: ارتباط الفرد بجماعة من الناس تعرف باسم الأمة والحرص على مصالح هذه الجماعة والعمل من أجلها.\nأو هي: شعور أبناء الأمة الواحدة بأن ثمة ما يجمعهم ليكونوا أمة واحدة وما يميزهم عن غيرهم من الأمم الأخرى، سواء أكانت هذه المميزات حضارية أو تاريخية أو اقتصادية أو سياسية.\nفيظهر لنا: أن عناصر القومية هي:\n١ - وحدة الأصل والعِرق.\n٢ - وحدة اللغة.\n٣ - وحدة التاريخ.\n٤ - وحدة الثقافة.\n٥ - المصالح المشتركة.\n٦ - وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل.\nويصرون على حذف وحدة الدين، بل هذا في مقدمة ما يحذفونه من عناصر؛ لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين، وعزله عن السياسة والمجتمع.","vol":"1","page":785},{"text":"نشأتها:\nليس هناك تاريخ محدد لظهور الحركة القومية، ويتفق المؤرخون: أن شعار (القومية) شعار معاصر، ظهر في أوروبا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي. وكان ظهور القومية في أوروبا بديلًا للرابط الديني، في أعقاب سيادة الاتجاه الألماني، وضعف الرابط الديني شعبيًا، وبتره سياسيًا بترًا كليًا.\nلقد كان لابد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي أما وقد تقطع الرابط بسيادة الاتجاه الألماني فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي؛ لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية.\nوكان بعد ذلك حركة الإصلاح التي قام بها لوتر؛ فقد فقدت النصرانية سلطانها على النفوس، وتحولت دول أوروبا إلى شتات من البشر لا تربط بينها رابطة، فلجأت إلى طريق القوميات كوسيلة تربط بها بين شعوبها وتجمع بها الشتات الضائع، فجمعت نفسها في قوميات عدة: كقومية ألمانية، وفرنسا والنمسا، وغيرها.\nثم أقبل القرن العشرون الميلادي وقامت فيه حربان عالميتان كبيرتان، دمرتا دمارًا عظيمًا، وأهلكتا الحرث والنسل، وكانت دوافعهما قومية، على مستوى الشعور الجماهيري العام، إذ انفجرت القومية في ألمانيا وإيطاليا، وكان لها ظهور قومي في فرنسا وبريطاني وغيرها.\nثم خبت وقدة النزعات القومية لما أحست الشعوب الغربية بلعنتها،","vol":"1","page":786},{"text":"واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية. ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين؛ لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية، ومعظم روابطهم الاجتماعية، وبقايا الدين فيهم أمست شخصية.\nولما أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كله، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي، بمكايد مدبرة، من أبرزها:\nالقومية العربية، والقومية الطورانية، والقومية الكردية، والقومية الفارسية، وغيرها، بل أغلب شعوب العالم الإسلامي في العصر الحالي اتجهت إلى هذه الدعوة الخبيثة الهدامة، وغيرت حدود أوطان على الخارطة السياسية.\nفالقومية التي سبق إيرادها ليست بمعنى الرابطة التي يرتبط فيها الإنسان بقومه ووطنه، فتلك من فطر البشرية المركوزة في جبلة الإنسان، وليست بمعنى محبة الإنسان لوطنه وأمته وسعيه في سبيل تقدمها وازدهارها والعمل على أن تكون كرامتها مصونة وحصونها محمية. وإنما القومية المقصودة هنا: هي التي فرغها دعاتها من كل معنى إسلامي وأطلقوها قومية علمانية، والتي عزلت القوم عن الإسلام واستبدلت بعقيدته ورابطته عقيدة وروابط أخرى هي التي غالى فيها دعاتها ورفعوها إلى مقام الربوبية أحيانًا وإلى مقام التقديس والعبادة في حين آخر، وضمنوها محتوي فكريًا بعيدًا عن دين هذه الأمة، مقطوع الصلة عن أعظم نبي عرفه التاريخ.","vol":"1","page":787},{"text":"حكم القومية في الإسلام:\nهذه القومية الملعونة هي (دعوة باطلة، وخطأ عظيم، ومنكر ظاهر، وجاهلية نكراء، وكيد سافر للإسلام وأهله ...). يقول الأستاذ تقي الدين الهلالي في حديث له عن القومية: (كل من دعا إلى رابطة نسبية، أو وطنية مذهبية، وتعصب لها وجعلها أصلًا في الموالاة والمعاداة والتناصر والتخاذل، فقد خرج عما جاء به رسول الله ﷺ ودعا بدعوى الجاهلية وضيع حقوقا لأخوة الإسلامية، واتبع سنة هتلر، وموسوليني، واستالين، وتشرشيل، وآيزنهاور).\nوكان من توصيات المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة، المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: ٢٤ - ٢٩/ ٢/١٣٩٧ هـ. اعتبار القومية (من الدعوات والاتجاهات المضادة للإسلام، كالباطنية والبهائية والقاديانية والتبشير والماسونية، واليهودية العالمية، والإباحية والوجودية).\nفما هو السبب في اعتبارها ضمن الدعوات المضادة للإسلام؟ لقد كشف الدكتور صالح بن عبد الله العبود النقاب عن هذا السؤال فأخبر في رسالته (فكرة القومية العربية) بأنها شرك في الربوبية وشرك في الألوهية معًا؛ أما كونها شركًا في الألوهية والعبادة فسيأتي بيانه عند استعراض شرك العصر الحديث في الألوهية والعبادة. وهنا يكتفي ببيان كونها شركًا في الربوبية.","vol":"1","page":788},{"text":"الدعوى إلى القومية شرك بالله في الربوبية:\nيقول الدكتور صالح بن عبد الله العبود - حفظه الله - في كتابه المذكور مبينًا كونها من الشرك في الربوبية: (إن الاعتقاد بأن القومية ... ذات قوة رابطة فعالة موحدة - كما هو المبدأ الأوروبي في القومية - سواء جعل محور هذه الرابطة الوطن أو اللغة أو التاريخ أو الجنس أو هي مجتمعة أو بعضها أو أي شيء من دون الله اعتقاد باطل.\nوقول القوميين: بأن اللغة حياة الأمة وروحها، إذا فقدت الأمة لغتها فقدت حياتها وروحها، وبأن التاريخ خلاق، وهو ذاكرة الأمة وشعورها، إذا فقدت تاريخها فقدت خلاقيتها وذاكرتها وشعورها، وهما مع الوطن والجنس ونحو ذلك عوامل مكونة للأمة، وروابط تربط أبناءها برابطة ذات قوة لا حتمية، وأن ذلك اعتقاد كل متنور، كل ذلك القول أو بعضه، وما أشبهه شرك في ربوبية الله تعالى أغلظ من شرك العرب في الجاهلية، الذين يتوجه إليهم الخطاب؛ لأن أولئك كانوا يقرون باختصاص الله بالخلق والإيجاد والإحياء والإماتة والرزق والتدبير، إنما نسبوا إلى معبوداتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ولا قالوا في الطبيعة ما قاله القوميون، بل يعلمون أنها مطبوعة مخلوقة لها طابع خالق، وإنما أنكر بعضهم البعث بعد الموت ... ولكن القوميين بقولهم ذلك في الطبيعة والقومية في درك من الجهل والسفه أدنى من كل الناس ... وفي غفلة وإعراض عن توحيد الربوبية المقرر فيها ...\nوأنى للقوميين مع عدم معرفتهم لتوحيد [هم] الله بأفعاله ضرورة،","vol":"1","page":789},{"text":"ونسبتهم ذلك إلى العوامل الأخرى، وأن هذا التكوين الذي أقروا به يظنونه لها، أو أنهم عرفوا الحق لكن جحدوا سياسةً واصطيادًا للرغبة، أنى لهم مع هذا أن يلتزموا بتوحيد الله بأفعالهم التعبدية وأن يقيموا أعمالهم على سنة رسول الله ﷺ؟ ولذا مالوا إلى الماركسية الملحدة، وقالوا بالاشتراكية المبيحة، وعملوا بالثورة الفوضوية، ونادوا بالحرية الفاسدة، لتبرير مفاسدهم).\nفدعاة القومية في حقيقة أمرهم مشركون بالله في الربوبية بالتعطل؛ لأن من أفكارهم ومعتقداتهم: (تحرير الإنسان من الخرافات والغيبيات والأديان) كما يزعمون.\nفهذا استعراض مجمل لأبرز المشركين بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، وقد أعرضت صفحًا عن كثير من الملحدين المعطلين للمصنوع عن الصانع؛ وذلك لعدم وجود أي شبهة لديهم في تعطيلهم، ولعدم وجود المقتضي لقبول هذه الأديان والمذاهب الهدامة لأي أحد، بل هي في سبيلها إلى الزوال والفناء، ولعدم فتح أصحاب هذه الأديان والمذاهب أبوابهم لأحد في مجتمعاتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>المطلب الثاني: في بيان مظاهر الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عن كماله المقدس الثابت له:</span>\nمدخل: في بيان كون تعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله شركًا.\nسبق معنا على العموم بيان كون التعطيل شركًا بالله جل شأنه بذكر نصوص","vol":"1","page":790},{"text":"أئمة هذا الشأن، ويمكن أن أذكر ملخص ما مضى بالعبارات التالية.\nأولًا: لا خلاف بين المحققين: أن الشرك هو الذي يقابل التوحيد، وإذا قلنا: إن التوحيد له أجزاء ثلاثة: الربوبية، والأسماء والصفات، والألوهية، فإننا قد أثبتنا كل ما يقابل هذه الثلاثة ويضادها بأنه شرك، وهذه المضادة والمقابلة تكون في شيئين:\nأ- بتعطيلها.\nب- بإثباته لغيره سبحانه.\nأما التعطيل: فيكون بإنكار الربوبية مطلقًا، أو بإنكار كماله المقدس الثابت له، أو بإنكار كليهما معًا، أما الأول: فهو الشرك بالله في الربوبية بتعطيل الله الصانع عن مصنوعه، وقد سبق الكلام عليه في المطلب الأول. وأما الثاني: فهو الشرك بالله في الربوبية والأسماء والصفات والأفعال بتعطيله عن كماله، وهذا ما سيكون الكلام عليه في هذا المطلب بمشيئة الله. وأما الثالث: فإن الكلام عليه سيكون في المطلب الثالث بمشيئة الله.\nوأما إثباتها لغيره سبحانه: فإنه يكون في الذات والصفات والأفعال، وهذا الجانب سيكون الكلام عليه في المبحث الثاني بمشيئة الله.\nفعلمنا: أن التعطيل يكون شركًا بالله في الربوبية وفي الأسماء والصفات والأفعال من حيث كون الربوبية والأسماء والصفات والأفعال من أجزاء التوحيد.\nثانيًا: إن العبد لا يخلو عن العبادة مطلقًا، فإنه فقير بذاته، وهو حارث وهمام، والفقر يحوجه إلى من يغنيه عن هذا الفقر، فإذا عطل المصنوع عن","vol":"1","page":791},{"text":"صانعه، أو عطله عن أسمائه وصفاته وأفعاله، أو عطل كليهما، فإنه لابد أن يطلب من الآخر ما يسد به حاجاته - شاء أم أبى ـ، ومن طلب منه سد الحاجات، يكون قد جعله ربًا له.\nمثال ذلك؛ أن من أنكر أن يكون له رب أو خالق، فإنه لابد أن يعيش في هذا الكون، والعيش لا يكون بلا مواجهة المشاكل والمتاعب، فالمنكر للربوبية لا يخلو في التخلص عن هذه المتاعب والمشاكل عن حالين: إما أن يقول: إني سيد نفسي، أستطيع أن أتخلص عن هذه المشاكل بنفسي بدون تدخل من أحد، فإنه حينئذ يكون كاذبًا لا محالة. وإما أن يقول: إن فلانًا أو نظامًا معينًا سيحل لي المشاكل كلها، فإنه حينئذ أقام الشخص الفلاني أو النظام الفلاني في مقام الربوبية - وإن لم يصرح به، ولم يعترف به ـ.\nوهكذا الأمر فيمن أنكر أسماء الله وصفاته وأفعاله الذي هو عدله وحكمته، فإنه يكون قد أثبت هذه الأسماء والصفات والأفعال لغيره سبحانه وإن أنكر وادعى غير ذلك، وذلك؛ أن أسماء الله وصفاته وأفعاله كلها من لوازم ذاته، ومن مستلزمات العباد، فكون هذه الأسماء والصفات والأفعال ثابتة له تعني أن العباد محتاجون إلى دعائه بهذه الأسماء، ومحتاجون لمعرفة هذه الصفات، ومحتاجون إلى هذا الأفعال. فوجود هذه الأسماء والصفات والأفعال لدى الرب تقتضي أن يكون العبد محتاجًا إلى العبودية بها، ولهذا يقول الإمام ابن القيم: (والأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية والأمر اقتضاءها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ أعني من موجبات العلم بها والتحقق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح.","vol":"1","page":792},{"text":"فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\nوعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه، وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور - يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضي الله - وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك الحياء باطنًا ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح. ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وتثمر له ذلك في أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه.\nوكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، تثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.\nوكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات، وارتبطت بها ارتباط الخلق بها، فخلقه سبحانه وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها).\nوقال في موضع آخر: (فأسماؤه الحسنى اقتضت ما اقتضته من التخلية بين العبد وبين الذنب، فإنه الغفار التواب العفو الحليم، وهذه أسماء تطلب آثارها وموجباتها ولابد).","vol":"1","page":793},{"text":"وقال أيضًا: (أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل اسم من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لابد من ترتبه عليه؛ كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، وترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير ... ونظائر ذلك في جميع الأسماء ... فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها، وهذا باب أوسع من أن يدرك، واللبيب يكتفي منه باليسير، وغليظ الحجاب في واد ونحن في واد).\nوالمقصود من نقل كلام ابن القيم: بيان كون الله ﷿ لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات ولم يفعل أفعاله إلا لأن العباد محتاجون إليها لا محالة، ولا يستغنون أبدًا عن العبودية بها، بل كونه عبدًا يلزم أن يكون معبوده معه هذه الأشياء، وإلا لا فائدة في وجود هذه الأشياء لدى المعبود، فأسماء الله وصفاته وأفعاله تستلزم أن يكون وجودها ضروريًا للعباد، وإلا لا يمكن أن يعيش العبد مطلقًا، فإذا أنكر العبد هذه الأشياء للرب الحق فإنه لابد وأن يحتاج إلى هذه الأشياء ويصرفها إلى غير الحق سبحانه، وبهذا يقع في الشرك بالله جل شأنه. وإن كان هو ينكر ذلك عنادًا وتكبرًا.\nفإذا كان هذا فيمن أنكر أسماءه وصفاته وأفعاله، فيقاس عليه من أنكر وعطل حقيقة ذاته ووجوده، وأنكر وعطل جميع أسماءه وصفاته.\nفعرفنا بهذا البيان: كيف دخل المعطل في الشرك بالله، سواء كان معطلًا للمصنوع عن الصانع، أو كان معطلًا لكماله، أو كان معطلًا لكليهما، فإذا","vol":"1","page":794},{"text":"علمنا هذا فلنبدأ بمقصودنا، وهو بيان شرك التعطيل بتعطيل كماله الصانع المقدس له سبحانه. فأقول:\nإن هؤلاء على صنفين:\nالصنف الأول: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل الأسماء والصفات:\nلقد وجدت في هذه الأمة عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أسمائه وصفاته، وبيان هذه الفرق وأقوالها، وشبهاتها، مع الردود عليها في الفروع التالية:\nالفرع الأول: الجهمية:\nوذلك؛ أن مذهبهم في التوحيد هو إنكار جميع الأسماء والصفات لله جل وعلا، ويجعلون أسماء بالله من باب المجاز. قال الأشعري: (إنه - أي الجهم - كان يقول: لا أقول إن الله سبحانه شيء؛ لأن ذلك تشبيه له بالأشياء). وقال الشهرستاني: (الجهمية: أصحاب جهم ... وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء، منها: قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفي كونه حيًا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا فاعلًا خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيء من خلقه بالقدرة والفعل والخلق. ومنها إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل، قال: لا يجوز أن يعلم الشيء قبل خلقه؛ لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان، أو لم يبق؟ فإن بقي فهو جهل، فإن العلم بأن سيوجد غير العلم بأن قد وجد، وإن لم","vol":"1","page":795},{"text":"يبق فقد تغير، والمتغير مخلوق ليس بقديم، ... وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو إمّا أن يحدث في ذاته تعالى، وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلًا للحوادث، وإمّا أن يحدث في محل، فيكون المحل موصوفًا به لا الباري تعالى، فتعين أنه لا محل له. فأثبت علومًا حادثة بعدد المعلومات الموجودة).\nفهؤلاء الجهمية أنكروا أسماء الله وصفاته واستندوا في إنكارها إلى أشياء زعموها أدلة عقلية، وهي:\n١ - أن إثباتها يستلزم التشبيه.\n٢ - أن إثباتها يستلزم الجسم لله.\n٣ - أن إثباتها يستلزم أن يكون الله محلًا للحوادث.\nفهذا مجمل شبهاتهم في وقوعهم في شرك التعطيل. وقد تأثر بهم المعتزلة، وذلك؛ لأنهم جهمية في باب الصفات، إذ كل من أنكر الصفات أوبعضها فهو جهمي، كلٌ بقدر ما وافق فيه الجهم من مذهبه، ولهذا نرى شيخ الإسلام ابن تيمية قسم الجهمية إلى ثلاث درجات:\nالدرجة الأولى: وهم الجهمية الغالية النافون لأسماء الله وصفاته. وإن سمّوه بشيء من الأسماء الحسنى قالوا: هو مجاز.\nالدرجة الثانية من الجهمية: وهم المعتزلة، ونحوهم، والذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة لكن ينفون صفاته.\nالدرجة الثالثة: وهم قسم من الصفاتية المثبتين المخالفين للجهمية، ولكن فيهم نوع من التجهم، وهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة،","vol":"1","page":796},{"text":"ولكنهم يردون طائفة من الصفات الخبرية وغير الخبرية ويؤولونها.\nومنهم من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار أيضًا في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة.\nوالمقصود: بيان كون الجهمية من المشركين بالله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهؤلاء وإن لم يكن لهم وجود بهذا الاسم في الحاضر، إلا أن هناك طوائف قد أخذت أقوالهم وشبهاتهم، كالمعتزلة العصريون - وهم بعض العقلانيين - والقاديانيون، وغيرهم.\nالآثار المترتبة على أقوال الجهمية:\nإن الذي يدقق النظر في مقالة الجهمية يعلم أنها تفضي إلى إنكار الخالق، ولذا رأى علماء أهل السنة؛ أن الذين ابتدعوا هذه المقالة هم من الزنادقة الذين ينكرون الخالق ويجحدونه، ولكنهم تستروا وراء فلسفات ونظريات ضالة توصل إلى مرادهم، وتخفي قصودهم على خصومهم.\nفالذين يجحدون صفات الخالق قولهم كقول فرعون ونمرود الذين","vol":"1","page":797},{"text":"يجحدون الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا تمكن معرفته.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (رؤساء الرافضة والجهمية كانوا زنادقة؛ وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهم أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنية المتفلسفة وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم).\nويقول أيضًا: (المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهمية المحضة الذين ينكرون الصفات ...).\nويقول: (وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون، وهو جحد الخالق، وتعطيل كلامه ودينه، كما كان فرعون يفعل، فكان يجحد الخالق ﷻ، ويقول: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) ... وكان ينكر أن يكون الله كلم موسى، أو يكون لموسى إله فوق السموات، ويريد أن يبطل عبادة الله وطاعته، ويكون هو المعبود المطاع. فلما كان قول الجهمية المعطلة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته، وإنكار كلامه، حتى ظهروا بدعوى التحقيق والتوحيد والعرفان، فصاروا يقولون: العالم هو الله، والوجود واحد، والموجود القديم الأزلي هو الموجود المحدث المخلوق، والرب هو العبد، ما ثم رب وعبد، وخالق ومخلوق ... ولهذا صاروا يعيبون على الأنبياء وينقصونهم، ويعيبون على نوح وعلى إبراهيم وغيرهما، ويمدحون فرعون ويجوزون عبادة جميع المخلوقات ...).","vol":"1","page":798},{"text":"تأثير الجهمية فيمن جاء بعدهم:\nقد يظن بعض أهل العلم: أن مقالة الجهمية في نفي الصفات - الدرجة الأولى - قد غاضت وزالت بزوال قالتها ودعاتها، ولكن العالم بالفرق ومقالاتهم يعلم أن كثيرًا من الأصول التي أصّلها الجهمية والتأويلات التي ابتدعوها لم يزل لها وجود على مرّ التاريخ الإسلامي، وقد تبناها وذهب إليها من يدعي أنه من أهل الحق، وحسبنا أن نعلم أن المعتزلة كانت امتدادًا للجهمية وفرعًا من فروعها.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه التأويلات الموجودة - اليوم - مثل التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سمّاه: (تأسيس التقديس)، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء، مثل أبي علي الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي","vol":"1","page":799},{"text":"حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها تأويلات بشر المريسي، التي ذكرها في كتابه، وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء ردّ التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء، فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي.\nويدل على ذلك كتاب الردّ الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي، أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، ... حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي، بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته وجهة غيره).\nويقول في موضع آخر: (أخذ هذا المذهب عن الجعد بن درهم، الجهم بن صفوان فأظهره، وناظر عليه، ثم انتقل ذلك إلى المعتزلة أتباع عمرو بن عبيد، وظهر قولهم أثناء خلافة المأمون).\nوقال في موضع آخر: (ثم إن المعتزلة الذين اتبعوا عمرو بن عبيد على قوله في القدر والوعيد دخلوا في مذهب جهم، فأثبتوا أسماء الله تعالى، ولم يثبتوا صفاته ...).","vol":"1","page":800},{"text":"وقال أيضًا: (غلا جهم في النفي، ووافقه على ذلك الباطنية والفلاسفة ونحوهم، والمعتزلة في الصفات دون الأسماء، والكلابية ومن وافقهم ... في نفي الصفات الاختيارية، والكرامية ونحوهم وافقوه على أصل ذلك، وهو امتناع دوام ما لا يتناهى، وأنه يمتنع أن يكون لم يزل متكلمًا إذا شاء، وفعالًا إذا يشاء، لامتناع حوادث لا أول لها ...).\nويقول جمال الدين القاسمي: (قد يظن أن الجهمية أمست أثرًا بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وهي في الكثرة تعدّ بالملايين، على أن المتكلمين المتأخرين المنسوبين للأشعري يرجع كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية كما يدريه المتبحر في فن الكلام).\nالفرع الثاني: المعتزلة (الغلاة).\nوذلك: لتعطيلهم صفات الله جل وعلا، قال الرازي: (اعلم أن المعتزلة كلهم متفقون على نفي صفات الله تعالى)، قال الشهرستاني: (الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته، ونفوا الصفات القديمة أصلًا فقالوا: هو عالم لذاته، قادر لذاته، حي لذاته، لا بعلم وقدرة وحياة، هي صفات قديمة ومعاني قائمة به، لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية ...).\nوقال الأشعري: (أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو","vol":"1","page":801},{"text":"السميع البصير ... ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ...).\nوقال البغدادي: (إن المعتزلة افترقت فيما بينها عشرين فرقة ... يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها: نفيها كلها عن الله ﷿ صفاته الأزلية، وقولها: بأنه ليس لله ﷿ علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا صفة أزلية، وزادوا على هذا بقولهم: إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة)، وقال الأشعري أيضًا: (ونفت المعتزلة صفات رب العالمين).\nفهذه نصوص كتب مصنفي الفرق والملل والنحل كلها تدل على أن المعتزلة تنكر صفات الله ﷿ لا تثبتها، وهو نفس المنصوص في كتب القوم أيضًا حيث جاء في كتبهم (الأصل فيه: أن التوحيد في أصل اللغة عبارة. عما به يصير الشيء واحدًا ... فأما في اصطلاح المتكلمين؛ فهو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به)، وقال آخر: (أما بعد: فقد اختلف أهل الصلاة في معنى التوحيد، وإن كانوا قد أجمعوا على انتحال اسمه، فليس يكون كل من انتحل اسم التوحيد موحدًا إذا جعل الواحد ذا أجزاء، وشبهه بشيء ذا أجزاء).\nولأهمية القول بنفي الصفات عند المعتزلة اعتبروه أحد أصولهم الخمسة.\nفعلمنا بذلك: أن المعتزلة مع اختلاف فرقهم كلهم متفقون على تعطيل","vol":"1","page":802},{"text":"صفات الله ﷿، وبذلك وقعوا في الشرك بتعطيل الله سبحانه عن الكمال المقدس الثابت له.\nشبهات المعتزلة في نفي الصفات والرد عليها إجمالًا:\nللمعتزلة شبهات كثيرة في هذا الباب، ولكن هذه الشبهات كلها ترجع في الحقيقة إلى ما يلي:\nالأولى: وهي أكبرها، وإليها ترجع بقية الشبهات في الحقيقة، وهي: استنادهم إلى ما يسمى بدليل الأعراض وحدوث الأجسام.\nالثانية: إن في إثبات الصفات تشبيهًا.\nالثالثة: إن في إثبات الصفات تركيبًا.\nالرابعة: إن القول بإثبات الصفات يؤدي إلى القول بحلول الحوادث بالله سبحانه، والتغيير في ذاته، والتغيير دليل الحدوث.\nمجمل الردود على هذه الشبهة:\nإن هؤلاء عندما قالوا: إن إثبات الأسماء والصفات يستلزم التشبيه أو","vol":"1","page":803},{"text":"التركيب، أو التجسيم والأعراض، أو حلول الحوادث بالله سبحانه، استخدموا ألفاظًا وكلمات مجملة كلها تحتوي في طياتها معاني باطلة ومعاني صحيحة، وإنما المشكلة عندهم في إنكار الصفات هو القول بالألفاظ المجملة، بدون تفصيل، وتقديم العقل على النصوص من غير دليل.\nفيرد على هؤلاء بالإجمال بأن يقال: إنّ تسميتكم صفات الباري وأسماءه وأفعاله بأن هذا تجسيم أو تركيب أو حوادث تسمية خاطئة ما أنزل الله بها من سلطان، بل هذه من تسميتكم، فلترجعوا إلى مصطلحات القرآن والسنة حتى لا تقعوا في هذه المشاكل.\nوجود المعتزلة في الحاضر:\nقد يظن بعض أهل العلم أن المعتزلة قد انقرضوا وبادوا، وهذا خطأ، فإنه قد حمل آراءهم ومعتقداتهم كثير من الذين جاءوا من بعدهم، وكثير من المعاصرين، (فشيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول ... كما هو في العلم الشامخ. وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين.\nوبهذا يعلم أن الجهمية والمعتزلة ليسوا في قلة، فضلًا عن أن يظن أنهم انقرضوا، وأن لا فائدة للمناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها).","vol":"1","page":804},{"text":"وأكبر دليل على وجود هؤلاء ظهور العقلانيين في الساحة مع الأفكار التي كانت عند المعتزلة بحذافيرها.\nالفرع الثالث: الخوارج:\nوذلك لاعتقادهم في توحيد الأسماء والصفات اعتقادات المعتزلة في نفي الصفات.\nفإن الخوارج وإن كانوا نصّيين في أغلب معتقداتهم ولكنهم ضلّوا في باب الصفات حتى وقعوا في شرك تعطيل صفات الله - جل وعلا - يقول الإمام الأشعري: (أما التوحيد فإن قول الخوارج فيه كقول المعتزلة). وقد سبق معنا بيان مذهب المعتزلة في التوحيد.\nوقد انقرضت جميع فرق الخوارج القديمة ما عدا الإباضية، فلوجود هؤلاء الإباضية في العصر الحاضر سأذكر نبذة عنهم وعن شركهم في توحيد الأسماء والصفات بتعطيل صفات الله جل وعلا كالمعتزلة. وفيما يلي بيان ذلك:","vol":"1","page":805},{"text":"التعريف بالإباضية:\nهي إحدى الفرق الأربع الكبرى من فرقة الخوارج، سميت بذلك نسبة إلى عبد الله بن إباض أحد بني مرة بن عبيد من بني تميم، يعد من طبقة التابعين، ولم تذكر المصادر الموثوقة تاريخ وفاته وولادته، لكنها تكاد تجمع على أنه عاصر عبد الملك بن مروان الخيفة الأموي المتوفى سنة ٨٦ هـ. وأنه أحد رؤوس الخوارج، وقد أجمعت الإباضية قديمًا وحديثًا على إمامته فيهم، وانتسابهم إليه.\nشركهم بالله:\nهؤلاء الإباضية وقعوا في شرك تعطيل الصفات كسلفهم الخوارج. يقول الإمام أبو الحسن الأشعري: (الإباضية تخالف المعتزلة في التوحيد في الإرادة فقط).\nوالصحيح: أن الإباضية انقسموا في صفات الله إلى فريقين:\n١ - فريق نفى الصفات نفيًا تامًا خوفًا من التشبيه بزعمهم.\n٢ - وفريق منهم يرجعون الصفات إلى الذات، فقالوا: صفات الله هي عين ذاته، وأن الاسم والصفة معنى واحد. قالوا: إن الله عالم بذاته وقادر بذاته وسميع بذاته، فالصفات عندهم عين الذات.","vol":"1","page":806},{"text":"وهذا في حقيقته نفي للصفات، ولكنه نفي مغطى بحيلة إرجاعها إلى الذات وعدم مشابهتها لصفات الخلق. وبذلك يخالفون أهل السنة والأشاعرة ويوافقون المعتزلة والشيعة والإمامية.\nوهم يشنعون على الذين يثبتون الصفات بأنهم مشبهة كعباد الأوثان، وأن مذهب أهل السنة هو - حسب زعمهم - تأويل الصفات، فاليد: النعمة، والقدرة، والوجه: الذات، ومجيء الله: مجيء أمره لفصل القضاء، لأن إثبات هذه الصفات لله هو عين التشبيه كما يزعمون.\nفهؤلاء يؤولون صفات الله الخبرية أيضًا، كاليد والمجيء والنزول، والعين والوجه والنفس، ونحوها، وهم بذلك يخالفون أهل السنة ويوافقون المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية.\nوجود الخوارج (الإباضية) في العصر الحاضر:\nأول ما نشأت الإباضية بصفتها فرقة متميزة في عمان وما حولها وذلك في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، بعد سنة ٦٤ هـ، ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم تعدّ عمان من معاقل الإباضية؛ يحكمها حكام أو سلاطين أو ولاة إباضيون، ولا يزال لهم وجود في حضرموت واليمن، ولإباضية عمان امتداد في الساحل الشرقي للخليج (جهة إيران حاليًا)، والساحل الشرقي لأفريقيا في زنجبار أو تنزانيا كما تسمّى حاليًا، حيث إن سلاطينها إباضيون","vol":"1","page":807},{"text":"حتى بعد وجود الاستعمار.\nكما توجد الإباضية في المغرب العربي، خصوصًا بعض الأماكن في ليبيا، وجنوب الجزائر، وتونس، وفي واحات الصحراء المغربية، كما أن لهم امتداد فكري وعقدي غرب السودان ومالي وغيرها، ولكنه قليل.\nالفرع الرابع: الباطنية:\nفرقة لقّبوا بها (لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة).\nفالباطن في لغة القوم قيل معناه: علم السرائر والخفيات، وقيل أيضًا: هو العالم بكل ما بطن، يقال: بطنت الأمر: إذا عرفت باطنه.\nوالباطني عند القوم: هو المخصص بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها، وقيل: هو الرجل الذي يكتم اعتقاده فلا يظهره إلا لمن يثق به، وقيل: هو الذي يحكم بأن لكل ظاهر باطنًا، ولكل تنزيل تأويلًا، وهذه المعاني الثلاثة متقاربة في الحقيقة.\nالنشأة التأريخية للباطنية:\nهناك عدة آراء في الأصل التاريخي للباطنية، فبعضهم يقول: إنه يرجع","vol":"1","page":808},{"text":"إلى المجوس، وقيل: إلى الصابئة، وقيل: الإغريق أو اليونان، ولعلّ الراجح - تاريخيًا - أن اليهودية الموتورة التي لا تستطيع الانتقام بحدّ الحسام، لجأت إلى الحيلة والمؤامرة لإيجاد الفرقة بين المسلمين ليضربوا بعضهم ببعض؛ حيث تقدم عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء ذلك الحبر اليهودي بإشعال الفتن والاضطرابات التي حاقت المجتمع الإسلامي وذلك عن طريق ابتداع مناهج الباطنية في تأويل الشريعة على نحو يفضي إلى نسخها، والاستعاضة عنها بخليط عجيب من الحكمة، يجمع بين خرافات الفرس ووثنية الإغريق وعقائد اليهود الذي حرفوا دينهم من قبل.\nولهذا لم تلبث أن ظهرت تلك العقائد اليهودية المطعمة بالوثنية الفارسية والإغريقية، بعد صبغها بصبغة إسلامية خادعة، كفكرة النور المحمدي، وعصمة الأئمة ومعجزاتهم، وتقديس الأئمة، والغيبة والرجعة والحلول، وتجسيد الألوهية، والتأويل وغير ذلك من الأفكار والعقائد.\nوهذه الأفكار كانت في الحقيقة قبل هذا لدى علماء اليهود لأنهم أولوا التوراة على أسس الأفلاطونية الحديثة، وقالت بها أيضًا طائفة يهودية معروفة. والتي شوهت التوراة وحرفتها عن طريق التأويل وادعت الجمع بين التأويل الباطني وادعاء الكشف عن الغيب وأسرار الحروف وغير ذلك من التلفيق الواضح بين فلسفة","vol":"1","page":809},{"text":"الإغريق والأفلاطونية الحديثة ورواسب من عقائد الفرس.\nإذن نستطيع أن نقول: إن الباطنية دسيسة يهودية، خليطة بالعقائد الوثنية الإغريقية والفارسية، وغيرهما.\nتاريخ ظهور الباطنية في الإسلام:\nيرى كثير من العلماء أن الباطنية إنما نشأت كفرقة لها آراؤها الاعتقادية بعد مائتين من الهجرة، في زمن المأمون، وانتشرت في عهد المعتصم.\nفرق الباطنية وألوان الشرك فيها:\nفيما يلي بيان أهم هذه الفرق ووقوعها في الشرك بالله سبحانه وخروجها من الإسلام.\n١ - القرامطة. ٢ - الإسماعيلية. ٣ - النصيرية. ٤ - الدرزية. ٥ - البهائية والبابية. ٦ - الواقفة من الإسماعيلية.\nأمّا البهائية والبابية: فسيأتي ذكرهم في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد. وأمّا الواقفة: فلا وجود لهم الآن حسب ما أعلم. وبقية الفرق سأستعرض نبذة عنهم مع بيان شركهم بالله جل شأنه، مع العلم أن بعض هذه الفرق اجتمعت لديهم أنواع من الشرك بالله، فربما يتكرر ذكرهم فيما بعد من المباحث والمطالب.\n١ - القرامطة:\nوهي حركة باطنية هدامة، اعتمدت التنظيم السري العسكري، ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها الإلحاد والشيوعية والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة","vol":"1","page":810},{"text":"الإسلامية، سميت بهذا الاسم نسبة إلى حمدان قرمط بن الأشعث الذي نشرها في سواد الكوفة سنة ٢٧٨ هـ، وكان لهم في تاريخ الإسلام مواقف رهيبة مع المسلمين بالقتل والتشريد للحجاج الأبرياء في مكة وقلع الحجر الأسود وهدم البيت وغيرها. ويقال لهم الإسماعيلية أيضًا.\nشركهم بالله جل شأنه:\nينسب إليهم الإلحاد في الله جل شأنه. بأنهم ينفون وجود الله، ويقولون بتأثير الكواكب، هكذا ذكر بعض العلماء، ولكن الذي يظهر: أن هذا الإنكار كان نتيجة اعتقادهم في الصفات حيث وصفوا الله تعالى بصفات سلبية مؤداها إنكار وجود الله.\nوقد ذكرهم الإمام ابن القيم من المشركين بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسمائه وصفاته.\nإلا أن لديهم ألوانًا أخرى من الشرك تخرجهم عن دين الإسلام جملة وتفصيلًا - كما سيأتي بيانه فيما بعد ـ.\n٢ - الإسماعيلية:\nوهي الحركة الإسماعيلية الأصلية. وقد مرّت بعدة أدوار:\n١ - دور الستر: من موت إسماعيل بن جعفر سنة: ١٤٣ هـ إلى ظهور عبيد الله","vol":"1","page":811},{"text":"المهدي، وقد اختلف في أسماء أئمة هذه الفترة بسبب السرّية.\n٢ - بداية الظهور: يبدأ بظهور الدولة الإسماعيلية في اليمن سنة: ٢٦٦ هـ، وامتد نشاطها إلى شمال أفريقيا، واكتسبت شيوخًا كتامة، يلي ذلك ظهور علي بن الفضل الذي ادعى النبوة وأعفى أنصاره من الصوم والصلاة.\n٣ - دور الظهور: يبدأ بظهور عبيد الله المهدي الذي كان مقيمًا في سلمية بسوية ثم هرب إلى شمال أفريقيا واعتمد على أنصاره هناك من الكتامين، وأسس أول دولة إسماعيلية في المهدية بأفريقيا (تونس)، واستولى على بعض ضواحي مصر سنة ٢٩٧ هـ، وتتبع بعده الفاطميون إلى أن كان آخرهم المستنصر بالله (أبو تميم) المتوفى سنة ٤٨٧ هـ.\nوبوفاته انقسمت الإسماعيلية قسمين: نزارية شرقية، ومستعلية غربية، والسبب في هذا الانقسام أن إمامهم المستنصر قد نص على أن يليه ابنه نزار لأنه الابن الأكبر. ولكن الوزير الأفضل بن بدر الجمالي نحى نزارًا وأعلن إمامه المستعلي، وهو الابن الأصغر، كما أنه في نفس الوقت ابن أخت الوزير. وقام بإلقاء القبض على نزار ووضعه في سجن وسدّ عليه الجدران حتى مات. وبموته تم الانقسام فعليًا في صفوف الإسماعيلية إلى إسماعيلية نزارية وإسماعيلية مستعلية:\nأمّا الإسماعيلية المستعلية: فهم حكام مصر من سنة ٤٨٧ إلى سنة ٥٥٥ هـ، حتى أزال الله دولتهم على يدي صلاح الدين الأيوبي.\nومن بقاياهم في العصر الحاضر: البهرة. فهم إسماعيلية مستعلية، يعترفون بالإمام المستعلي ومن بعده الآمر ثم ابنه الطيب، ولذا يسمّون بالطيبية، وهم إسماعيلية الهند واليمن، تركوا السياسة وعملوا بالتجارة","vol":"1","page":812},{"text":"فوصلوا إلى الهند واختلط بهم الهندوس الذين أسلموا وعرفوا بالبهرة، والبهرة لفظ هندي قديم بمعنى التاجر.\nوهم يقولون بوجود أئمة مستورين من نسل الطيب بن الآخر بن المستعلي، لا يعرف عنهم شيء، حتى إن أسماءهم غير معروفة، وعلماء البهرة أنفسهم لا يعرفون. والإمام الحالي المستور عندهم يسمّونه ميرزا طاهر سيف الدين - كما هو مسطور في كتاب الأنساك للبهرة الذين يأتون إلى المدينة - ثم هؤلاء البهرة انقسموا فرقتين:\n١ - البهرة الداودية: نسبة إلى الداعي قطب شاه داود: وهم في الهند وباكستان منذ القرن العاشر الهجري، وداعيتهم يقيم في بومباي. وقد وجد في الآونة الأخيرة في دولة بنغلاديش أتباع وأنصار له يسمّون أنفسهم طاهريون. وهم أثرياء الناس في بنغلاديش.\n٢ - البهرة السليمانية: نسبة إلى الداعي سليمان بن حسن، وهؤلاء مركزهم في اليمن حتى اليوم.\nوأمّا الاسماعيلية النزارية: فمن فرقهم:\n١ - الحشاشون: وهم إسماعيلية نزارية بالشام وفارس وبلاد الشرق، وكان في مصر وقت حرمان نزار شخص فارسي هو الحسن بن الصباح الذي كان حاجًا إلى الإمام المستنصر، ولما شاهد ما حدث من الانقسام عاد إلى بلاد فارس داعيًا إلى الإمام المستور، واستولى على قلعة الموت سنة ٤٨٣ هـ، وأسس الدولة الإسماعيلية النزارية الشرقية، وهم الذين عرفوا بالحشاشين (لكثرة أكلهم الحشيش)، وانتهت دولتهم، وسقطعت قلاعهم أما جيش هولاكو المغولي الذي قتل آخر زعمائهم ركن الدين خورشاه سنة","vol":"1","page":813},{"text":"١٢٥٥ م. ولهم أتباع إلى الآن في إيران وسوريا والهند، وفي أجزاء من أواسط روسيا السوفيتية. كما أن أسرة أغاخان تدعي كونها من نسل الحشاشين.\n٢ - إسماعيلية الشام: لقد ظلوا خلال هذه الفترات الطويلة في سوريا، ولا يزالون في بعض أماكن من الشام، وهؤلاء يعرفون أيضًا بالسنانية.\n٣ - الإسماعيلية الآغاخانية: ظهرت هذه الفرقة في إيران في الثلث الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، وأول دعاتهم يسمّى بحسن علي شاه، وهو آغاخان الأول الملقب من قبل الحكومة البريطانية المستعمرة. وآخر دعاتهم الموجود حاليًا هو كريم الآغاخان الرابع، وقد درس في إحدى الجامعات الأمريكية. ولا يزال له أتباع في بومباي وإيران، وفي بعض الدول الأوروبية والأميريكية.\nفهؤلاء كلهم على اختلاف فرقهم ونحلهم من الإسماعيلة الباطنية، وفيما يلي بيان شركهم بالله في الربوبية بتعطيل أسمائه وصفاته.\nشرك الإسماعيلية الباطنية في الربوبية بالتعطيل:\nهؤلاء الإسماعيلية على اختلاف فرقهم ونحلهم كلهم يرون: النفي المطلق للصفات عن الله، وإنكار أية صفةٍ له سبحانه من التي وصف بها نفسه في القرآن الكريم، لأنه - تعالى - كما يزعمون - فوق متناول العقل، والعقل عاجز عن إدراك كنهه، فنفي الصفات عند الله اعتقاد أساسي في التوحيد عند الإسماعيلية، لأن إثباتها - حسب زعمهم - يعني عدم التوحيد، ولهذا نرى","vol":"1","page":814},{"text":"الحامدي ينفي جميع الصفات الإلهية عن الله سبحانه، بقوله: (فلا يقال عليه حي، ولا قادر، ولا عالم، ولا عاقل، ولا كامل، ولا فاعل؛ لأنه المبدع الحيّ القادر العالم التام الكامل الفاعل، ولا يقال له ذات؛ لأن كل ذات حاملة للصفات).\nويقول الآخر منهم: (الحمد لله الذي ليس بمرئي فيكيف، ولا بموصوف فيوصف ...). فهؤلاء يزعمون أن جميع الأسماء والصفات الإلهية، إنما تليق بمبدعاته التي هي الأعيان الروحانية، ومخلوقاته التي هي الصور الجسمانية، فأسماء الله الحسنى التي ذكرت في القرآن الكريم ما هي إلا إشارة إلى حدود الروحانية العلوية والجسمانية السلفية، ويؤولون قوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) بأن المقصود بالأسماء هي الحدود، أي يطلبون الوصول إلى توحيد الله من جهتهم، وذلك أن الإسماعيلية تزعم أن الله لم يخلق العالم خلقًا مباشرًا، وإنما أبدع الله تعالى (الكاف) واخترع (النون)، وأن من الكاف والنون أقام الله العالم العلوي والعالم السفلي.\nفتوحيد الله الصحيح عندهم - كما يزعمون - هو معرفة حدوده، وسلب","vol":"1","page":815},{"text":"الإلهية عنه له تجريده، وسلب الأسماء والصفات عنه له تنزيهه. لأن الإثبات الحقيقي لهذه الصفات والأسماء على الله يعني شركة بينه وبين سائر الموجودات.\nواستنادًا: إلى ما سبق، فإن معرفة الله عندهم تقوم على اعتبارين:\nالأول: تجريد الله وتنزيهه عن أسمائه وصفاته.\nوالثاني: أن توحيده يعني معرفة حدوده.\nوأمّا قولهم: (إنما أبدع الله تعالى الكاف) واخترع (النون)، فهذه نظرية الإبداع التي تقول بها الإسماعيلية، وهي تتفق مع الفلسفة الأفلوطونية الحديثة، وبالذات مع نظرية الفيض عند أفلوطين، مع أن بعض كتّاب الإسماعيلية، يحلو لهم أن يبدلوا كلمة الفيض بكلمة الإبداع، بتعليلات فلسفية لا تغير في جوهر المعنى شيئًا.\nوالإسماعيلية بعد أن تجرد الله ﷿ من جميع أسمائه وصفاته تحولها إلى أول مبدع أبدعه الله تعالى - وهو كما يزعمون - (العقل الأول)، ويقولون: إذا كان الله عريًا عن كل صفةٍ، فإن صفات الكمال موجودة في أول مبدع أبدعه، فهو - أي المبدع - الحق والحقيقة، وهو الوجود الأول، وهو الوحدة، وهو الواحد، وهو الأزل وهو الأزلي، وهو العقل الأول، وهو الحياة، وهو الحيّ الأول.\nفالواحد - كما يزعمون - أبدع بأمر من مشيئته أول سابق، فهو إذن: العقل","vol":"1","page":816},{"text":"الأول والحجاب المفضل، وظهر عنه التالي مخترعًا من نوره، ثم ظهرت جميع الموجودات منها وبهما، فالفيض الأول هو أصل الإيجاد، وهو المبدأ وإليه المعاد.\nويقولون: العقل الأول أو المبدع الأول هو الذي رمز إليه تعالى بـ (القلم) في الآية الكريمة: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)، وعلى هذا، فالقلم هو الخالق المصور، وهو الذي أبدع النفس الكلية التي رمز إليها القرآن بـ (اللوح المحفوظ)، ووصفت بجميع الصفات التي هي للعقل الكلي، إلا أن العقل كان أسبق إلى توحيد الله وأفضل، فسمّي بـ (السابق) وسميت النفس بـ (التالي) وبواسطة العقل والنفس وجدت جميع المبدعات الروحانية والمخلوقات الجسمانية.\nفالخالق عند الإسماعيلية إذن هو العقل الكلي والنفس الكلية، وإذا ذكر الله عندهم فالمقصود هو العقل الكلّي.\nوممّا لا شك فيه: أن هذا المنهج الباطني سلاح ذو حدين، فهو إمّا أن يتجه إلى تثبيت المذهب الإسماعيلي، وإمّا إلى محاولة القضاء على الإسلام كله، ومعتقدهم في الألوهية والتوحيد من هذا القبيل، (فظاهره التوحيد .. وباطنه الكفر المحض والانسلال عن ربقة الدين).","vol":"1","page":817},{"text":"وقد تبين لنا: أن الإسماعيلية تعتقد بوجود إلهين اثنين صانعين لهذا العالم، أحدهما علة لوجود الآخر، وهما السابق والتالي، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي.\nوهذا الاعتقاد شرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد - كما سيأتي ـ، يقول الغزالي: (أما القول بإلهين فكفر صريح لا يتوقف فيه، لأنهم عرفوا أننا نعتقد أن للعالم صانعًا واحدًا قادرًا عالمًا مريدًا متكلمًا سميعًا بصيرًا حيًا، ليس كمثله شيء ... فمن رآها كفرًا فهو كافر لا محالة). وكما نعلم فإن الدعوة الأولى التي دعا إليها رسول الله ﷺ هي التوحيد وعدم الإشراك مع الله إلهًا آخر، ولا شك أن اعتقاد الإسماعيلية يعني إشراك آلهة أخرى مع الله، وهذا يدل على هدم الركن الأساسي في الإسلام.\nفهؤلاء الإسماعيلية مشركون بالله في الربوبية بالتعطيل، بتعطيل أسمائه وصفاته، وبتعطيل أفعاله - كما سيأتي بيانه ـ، ومشركون بالله في الربوبية بالأنداد أيضًا، كما سيأتي بيانه بمشيئة الله جل وعلا.\nفهذه الفرق الباطنية هي التي أشركت بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أسماء الله وصفاته، ولهذا جرى بيانهم، وأمّا الفرق الباطنية الأخرى كالدروز والنصيرية والبابية والبهائية فهؤلاء شركهم ألصق بالشرك في الربوبية بالأنداد، فآثرت تأجيل بيانه إلى أوانه.\nأمّا بالنسبة للردود على أفكارهم، فقد رأينا من خلال استعراض آرائهم","vol":"1","page":818},{"text":"أنهم يعتقدون هذه الأمور وينكرون صفات الله جل وعلا دون إبداء أي دليل أو شبهة قوية يوقف عندها، وإنما هي ادعاءات تقريرية غير برهانية، ولا ينبغي الاشتغال بالردود عليها. وإنما ينفع معهم سلطان القوة لا سلطان الحجة.\nالصنف الثاني: المشركون بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا:\nلقد وجدت في هذا العصر عدة فرق، أشركت بالله جل شأنه بتعطيله عن أفعاله. وبيان هذه الفرق والطوائف مع بيان ما عندهم من الشرك في الفروع التالية:\nالفرع الأول: الباطنية:\nوالفرق التي وقعت منها في هذا النوع من الشرك ما يلي:\nأ- الإسماعيلية: مع اختلاف نحلهم وفرقهم كلهم وقعوا في هذا النوع من الشرك، ويتمثل ذلك في أشياء: من أبرزها:\nالأول: إنكارهم للبعث واليوم الآخر.\nالثاني: اعتقادهم إرسال الرسل، حيث زعموا أن النبوة فيض خاص من العقل الأول على التالي، وليست من عند الله جل شأنه.\nالثالث: إنكارهم الشريعة والقول بنسخها.\nأما إنكارهم البعث واليوم الآخر: فيظهر ذلك جليًا في اعتقادهم بالتناسخ، حيث يزعمون أن الإنسان إذا مات ينتقل روحه إلى رجل آخر وهكذا دواليك، فمما قالوا في البعث والنشور: أنه (قيام النفوس الجزئية المفارقة للمدركات الحسية والآلات الجسدانية، وقيام الشرائع والأديان، بظهور صاحب الزمان","vol":"1","page":819},{"text":"ـ الإمام ـ، وقيام الدور ببروز النفس الكلية لمحاسبة النفس الجزئية، وقيام القيامة كمال الإخلاص والنجاة واستراحة النفوس بأجمعها من الإيراد والإصدار).\nوالقيامة عندهم نوعان: قيامة صغرى، وقيامة كبرى.\nفالقيامة الصغرى هي عند ما تفارق النفس الجسد بعد الموت. والقيامة الكبرى هي ما تفارق كل النفوس الجزئية الموجودة في علم الكلام وفساد أجسادها، وتعود النفس الكلية إلى مبدعها وخالقها فيبطل الوجود كله ما عدا الله سبحانه.\nوأما الحشر: فهو انحطاط النفوس في سلك انقيادها وانجبارها إلى ما فيه ذاتها. وهي حقيقة يوم تدعي كل أناس بإمامهم. وأما النشر: فهو ظهور النفس في عالم بعد عالم على وفق مكتسباتها. وأما الحساب: فهو أن توقف النفس الكلية النفوس الجزئية على ما صدر منها من الأقوال والأفعال والأعمال. وأما الجنة: فهي العوالم الثمانية أولها جنة الميراث وهي رتبة الإنسانية ... وثامنها: جنة الماء وهي عالم الأمر الذي بدت منه العوالم وإليه معادها.\nوأما الناس: فهي العوالم السبعة المتوالدة من الثلاثة الأركان، أولًا: لظى نزاعة وهي كرة الأثير، ثم الجحم مركز الهواء والزمهرير، ... وأما العذاب والعقاب، فيؤولونه إلى ما تجده النفوس من الآلام والأوجاع، والأسقام ومفارقات المألوفات بهجوم الحوادث والنكبات.","vol":"1","page":820},{"text":"وتابع الإسماعيلية المعاصرون منهج أسلافهم في تأويل هذه العقائد - التي هي أفعال الله جل وعلا - ومقابلتها بالسخرية والاستهزاء حيث يقولون: (إن القول بالبعث مهزأة ... وأن المؤمن الحقيقي هو من يؤول الوحي الإلهي على طريقتهم، وأما من يتبع الشرائع المنزلة وأحكامها على ظواهرها فليس هو إلا كافرًا وحمارًا).\nوقصروا البعث على (انتباه النفوس من غفلتها لتتلقى العلوم والمعارف التي تهذبها وتنقيها من أدران عالم الكون والفساد؛ لتتمكن من اللحاق بالنفس الكلية التي حيث السعادة والهناء السرمدية).\nكما يؤكد الإسماعيلية المعاصرون ما ذهب إليه أسلافهم من إنكار للمعاد، فهذا مصطفى غالب يقول بصراحةٍ: (إن الإنسان بعد موته يستحيل عنصره الترابي (جسمه) إلى ما يجانسه من التراب، وينتقل عنصره الروحي (الروح) إلى الملأ الأعلى، فإن كان الإنسان في حياته مؤمنًا بالإمام فهي تحشر في زمرة الصالحين وتصبح ملكًا مدبرًا، وإن كان شريرًا عاصيًا لإمامه حشرت مع الأبالسة والشياطين. وهم أعداء الإمام).\nوقد بين الغزالي عقيدتهم في المعاد، فقال: (وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد، ولا الجنة والنار، ولكن قالوا: معنى المعاد عود كل شيء إلى أصله ...).\nوتبعًا لإنكارهم للمعاد أنكروا الثواب والعقاب، يقول مصطفى غالب:","vol":"1","page":821},{"text":"إن الثواب ليس حسيًا وإنما هو العلم فقط. كما أنه يذهب إلى أن العذاب للنفوس المخالفة؛ تتعذب وترتاع بمجرد مفارقتها للجسد، وهذا عذابها وشقاؤها وتعاستها في عالمها الظلماني المخيف.\nوهذا آغا خان الثالث يسخر من الجنة ويعتبرها من معتقدات الطبقة الجاهلة إذ يقول: (إن الروح والمادة دائمًا تتعاون مع النفس، ولا يمكن لهذين المبدأين اللذين يؤلفانها أن يصلا بهما إلى ما يسميه شركاؤنا في الاعتقاد (الطبقة الجاهلة منهم) الجنة. والتي هي في الحقيقة وفي (رأي العقلاء المدركين) حالة النفس البالغة كمال المعرفة الحقيقية).\nهكذا نرى معتقد الإسماعيلية في المعاد يقود في النهاية إلى إنكار هذا المعتقد كما عبر عنه الإسلام. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري سبحانه ﷿.\nأما اعتقادهم في إنكار إرسال الرسل: فإن هذا ناتج عن تصورهم للألوهية على نظرية الفيض. فإنهم استنبطوا أيضًا من نفس النظرية آراءهم حول النبوات، إذ جعلوا النبوة فيضًا من أحد العقول العشرة التي اعتقدوها، وقالوا بها، فالنبوة باعتقادهم مكتسبة اكتسابًا، ليست هبة من الله ﷾ لأحد من خلقه اختصه واختاره لها، فالإنسان باعتقاد الإسماعيلية يستطيع أن يصبح نبيًا بعد الارتياض والمجاهدة.\nوهم بهذا ينكرون ما خص الله به من إرسال الرسل، بل كل واحد يستطيع","vol":"1","page":822},{"text":"أن يصبح نبيًا بعد المجاهدة، وليس من عمل الله ﷿ عندهم إرسال الرسل، بل هذا فيض من السابق بواسطة التالي لمن يجاهد مجاهدة جادة. ومعلوم أن فيه تعطيل لفعل الباري جل وعلا.\nأما اعتقادهم بنسخ الشريعة الإسلامية وتعطيل أحكامها: فما زالت محاولة الإسماعيلة مستمرة حيال العمل على إسقاط الأوامر والنواهي الشرعية التي وضعها الله ﷾ دستورًا لهذه الحياة، يكفل للأفراد والجماعات والأمم حياتها السعيدة. فنجد أصوات المعاصرين منهم تنعق مدعية أن الشريعة الإسلامية قد نسخت تارة، وتطالب بإسقاط التكاليف الشرعية تارة أخرى.\nتتجلى تلك الأصوات من خلال مقولاتهم وأشعارهم التي ساروا بها على خطى أسلافهم الذين اتخذوهم معينًا يستقون منه هذه الشعارات.\nوسعيًا إلى الخروج على الدين حاول الإسماعيلية أن يساووا بينه وبين الديانات التي دخلها التحريف والعبث بها بأيدي الناس، فنادوا بوحدة الأديان. وهذه الأمور لا شك في كونها تعطيلًا لأفعال الله جل وعلا، ومن ثم وقعوا في شرك التعطيل بالله سبحانه في أفعاله.\nب- القرامطة: حيث وقع هؤلاء القرامطة في شرك تعطيل الباري عن","vol":"1","page":823},{"text":"أفعاله، وذلك في عدة أمور، من أبرزها:\n١ - إنكارهم الأنبياء والرسل وتلقيبهم بالأبالسة.\n٢ - إنكارهم اليوم الآخر أو البعث والحشر، والنشر، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار.\n٣ - إنكارهم شرع الله واتباع المزدكية في القول بشيوعية المال والنساء.\nومعلوم: أن هذه الاعتقادات فيها تعطيل الله جل وعلا في أفعاله. وهو شرك في الربوبية بالتعطيل في أفعاله سبحانه.\nوهؤلاء القرامطة ومن قبلهم من الإسماعيلية ليس لهم أي شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون أن يهدموا بها قواعد دين الإسلام الحنيف، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.\nج- الدروز:\nإن هذه الفرقة من الفرق الباطنية، أخذت جل عقائدها عن الإسماعيلية، ينسبون إلى رجل يقال له: نشتكين الدرزي. نشأت في مصر، لكنها لم","vol":"1","page":824},{"text":"تلبث أن هاجرت إلى الشام، عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها. فلا تنشرها بين الناس، ولا تعلمها حتى لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين. ولا يسمح لأحدٍ أن يدخل في مجتمعهم، إلا لليهود خاصة.\nأصل الدروز ونشأتهم:\nمحور العقيدة الدرزية هو الخليفة (الفاطمي): أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله (الفاطمي) الملقب بالحاكم بأمر الله. ولد سنة ٣٧٥ هـ، وقتل سنة ٤١١ هـ. كان شاذًا في أفكاره، وسلوكه، وتصرفاته، شديد القسوة والتناقض، والحقد على الناس، أكثر من القتل والتعذيب دون أسباب تدعو إلى ذلك. والمؤسس الفعلي لهذه العقيدة هو: حمزة بن علي ابن محمد الزوزني (٣٧٥ - ٤٣٠ هـ): وهو الذي أعلن ألوهية الحاكم سنة ٤٠٨ هـ، ودعا بها، وألف كتب العقائد الدرزية، وهو مقدس عندهم بمثابة النبي ﷺ عند المسلمين.\nوالشخصية الثابتة في تأسيس المذهب الدرزي هو: محمد بن إسماعيل الدرزي المعروف بنشتكين، كان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز، إلا أنه","vol":"1","page":825},{"text":"تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة ٤٠٧ هـ، مما أغضب حمزة عليه وأثار الناس ضدّه حيث فرّ إلى الشام، وهناك دعا إلى مذهبه وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه على الرغم من أنهم يلعنونه لأنه خرج عن تعاليم حمزة الذي دبّر لقتله سنة ٤١١ هـ.\nاعتقاداتهم:\nأهم المعتقدات التي أوقعتهم في الشرك بالله جل شأنه هي ما يلي:\n١ - يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله، ولما مات قالوا بغيبته وأنه سيرجع. فبقولهم هذا وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيان ذلك فيما بعد.\n٢ - ينكرون الأنبياء والرسل جميعًا ويلقبونهم بالأبالسة.\nفباعتقادهم هذا وقعوا في شرك تعطيل الله ﷿ عن أفعاله.\n٣ - ينكرون اليوم الآخر، وبالتالي الجنة والنار.\nفهذا الاعتقاد أيضًا أوقعهم في شرك تعطيل الباري في الربوبية عن أفعاله الحكيمة.","vol":"1","page":826},{"text":"٤ - ينكرون الشرائع.\nوهذا أيضًا من الشرك بالله جل شأنه في أفعاله بتعطيل أفعاله سبحانه.\nفهذه بعض معتقداتهم التي أوقعتهم في الشرك مع ما يعتقدون من العقائد الباطنية الأخرى من أن إلههم خلق العقل الكلي وبواسطته وجدت النفس الكلية، وعنها تفرعت المخلوقات. وسيأتي ذكر هذه العقيدة عند بيان الشرك في الربوبية في هذه الأمة. وإنما جرى ذكرهم هنا لوجود الشرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل أفعاله جل وعلا، وذلك بإنكار اليوم الآخر، والثواب، والعقاب، والبعث، والجنة، والنار، وبإنكار الشرائع.\nد- البابية والبهائية:\nهي: حركة باطنية من الحركات الباطنية الخبيثة التي تحاول هدم الإسلام وإخراج أهله منه بأساليب وطرق شتى قديمًا وحديثًا. نشأت هذه الفرقة سنة ١٢٦٠ هـ تحت رعاية الاستعمار الروسي واليهودية العالمية، والاستعمار الإنجليزي بهدف إفساد العقيدة الإسلامية وتفكيك وحدة المسلمين وصرفهم عن قضاياهم الأساسية.\nوهذه الفرقة في الحقيقة نشأت عن الشيخية الإمامية، الذين أثاروا أشواق الناس وهيجوها إلى قرب ظهور المنتظر الموعود (الموهوم)، كما","vol":"1","page":827},{"text":"كانت هناك أحوال سيئة في إيران حيث إن اليأس، والقنوط، والجهل ثبت سمومها وترمي النفوس إلى أوهام تتشبث بأذيالها للنجاة. ففي مثل هذا الظروف السيئة والمعتقدات الفاسدة ولد مؤسسها المرزا علي محمد رضا الشيرازي سنة ١٢٣٥ هـ، وشبّ فيها حتى أعلن أنه الباب إلى المهدي المنتظر الملقب بالبهاء، وسمى الحركة بالحركة البهائية، وله كتاب وضعه وسماه (الأقدس)، وقد هلك سنة ١٨٩٢ م - ١٢٦٦ هـ.\nاعتقاداتهم:\nلهم اعتقادات كثيرة، من أبرزها:\n١ - أن الباب هو الذي خلق كل شيء بكلمته، وهو المبدأ الذي ظهرت عنه جميع الأشياء.\n٢ - يقولون بالحلول والاتحاد، خصوصًا في المرزا حسين علي المازندراي الملقب بالبهاء.\n٣ - إنكار البعث واليوم الآخر، والجنة، والنار، الحساب، والميزان، وغيرها.\n٤ - إنكار الشرائع بدعوى نسخها بظهور الباب.\nوالمقصود: أن هؤلاء البابية والبهائية وقعوا في الشرك بأنواعه،","vol":"1","page":828},{"text":"فاعتقادهم أن الباب هو الذي كل شيء شرك بالله في الربوبية بالأنداد. وسيأتي بيانه.\nواعتقادهم أن ذات الرب جلّ في البهاء هو شرك في الربوبية بالتعطيل بتعطيل ما يتعلق بحقيقة التوحيد. كما سيأتي بيان ذلك.\nواعتقادهم عدم وجود القيامة والبعث، واليوم الآخر، والجنة والنار، والثواب، والعقاب أوقعهم في الشرك بالله في الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله ﷿ عن أفعاله. ومثل هذا اعتقادهم في إنكار الشرائع؛ فإنه تعطيل لأفعال الله جل شأنه. فلوجود هذين الاعتقادين الأخيرين أوردتهم في هذا الموضع.\nوهؤلاء البابية والبهائية في إنكارهم هذين الشيئين ليس لهم أي مستند لا شرعي ولا عقلي، وإنما هي ادعاءات تقريرية يريدون من ورائها هدم الدين الإسلامي من أساسه، ولكن الله ﷿ يحفظ هذا الدين من كيد أعدائه الكافرين ولوكره المشركون.\nالفرع الثاني: المعتزلة قديمًا وحديثًا:\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من القدرية من المعتزلة، وذلك لإنكارهم القدر، وقد سبق معنا إثبات كونه شركًا وتعطيلًا لأفعال الله في الباب الثاني. وإنما المقصود هنا بيان وقوع بعض الناس في هذا النوع من الشرك، فالمعتزلة القدرية هم الرواد في إنكار القدر في الإسلام، وهو أول شرك على رواية منصوصة عن الصحابة ﵃ أجمعين.","vol":"1","page":829},{"text":"والمعتزلة ليست فرقة منقرضة كما يزعمه البعض، بل آراؤهم حية في الفرق الأخرى، ولهذا ترى جحود القدر من المسائل التي لا تزال موجودة، فإن من أهل الضلال من يجحده كلية، ويدعو غيره إلى الكفر به، كما فعل ذلك القصيمي حين زعم أن الإيمان بالقدر سبب تأخر المسلمين عن مواكبة الحضارة الدنيوية، وأنه كان سببًا - بزعمه - في إلقاء الوهن بين الناس.\nومثله: حسين أمين الذي يرى أن عقيدة الإيمان بالقدر عقيدة بدوية، لا تناسب المدنية والتطور الذي يشهدهما العالم اليوم.\nومن أهل الضلال من يجحد مراتبه، كالإرادة والخلق، وهؤلاء هم المعتزلة ومن اعتقد معتقدهم من الرافضة، وبعض الماتريدية وبعض الأشاعرة مثل محمود شلتوت، وغيرهم.\nفهؤلاء يزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه، وليس الله - تعالى - والخلق أحد مراتب القدر، كما أنهم ينفون إرادة الله - تعالى ـ، والإرادة أيضًا من مراتب القدر. وقد سبق الرد على منكري القدر في الباب الثاني فلا نعيده هنا.\nالفرع الثالث: الروحية الحديثة:\nهي دعوة هدامة، وحركة مغرضة، مبنية على الشعوذة، تدّعي استحضار أرواح الموتى بأساليب علمية، تهدف إلى التشكيك في الأديان والعقائد،","vol":"1","page":830},{"text":"وتبشر بدين جديد وتلبس لكل حالة لباسها.\nظهرت في بداية هذا القرن في أمريكا، ومن ورائها اليهود، ثم انتشرت في العالمين العربي والإسلامي.\nأصل هذه الفكرة ونشأتها:\nالروحية الحديثة أو تحضير الأرواح شيء واحد، فقد تأسست بلندن عام ١٨٨٢ م جمعية المباحث الروحية وامتد علمها في إنجلترا وأمريكا. ومن أعضائها أعلام في الفلسفة والعلوم الطبيعية. وتقبل في عضويتها المؤمنين بوجود الأرواح والمناهضين لها، وكل ما تشترطه الإلمام بالروح كظاهرة طبيعية.\nوتقوم هذه الجمعية ببحوث ودراسات عن الروح وعن عالم ما وراء الطبيعة بواسطة التجربة - كما يدعون ـ، وتقيم المؤتمرات وتؤلف الكتب.\nوبداية فكرة الروح عندهم قصة حدثت مع رجل يدعى (فيكمان) كان يسكن في قرية (هيدسفيل) في نواحي ولاية (نيويورك) حيث سمع طرقات متكررة في منزله فدب الرعب في أسرته فهجروا البيت، ثم سكنت في البيت أسرة أخرى هي أسرة (جون فوكس)، وعادت الطرقات من جديد، وتجاسرت ربة البيت؛ فقالت للطارق: إن كنت روحًا فأحدث طرقتين، ففعل، فسألته عن سن ابنتها، فطرق طرقات بعدد سني ابنتها. ولم تزل تسأله حتى علمت أنها روح رجل كان ساكنًا في ذلك البيت فقتله جاره وسرق ماله، وهكذا ضبطت الجريمة.\nهكذا يروي أدعياء الروحية الحديثة بداية فكرتهم، وبعد هذا بدأ","vol":"1","page":831},{"text":"أصحاب هذا المذهب يحضرون الأرواح ويقومون بالتجارب إلى أن توصلوا إلى تثبيت معالم مذهبهم، والذي يتلخص فيما يلي:\n١ - يقولون: إن الإنسان مكون من جسم مادي ومن آخر أثيري يتخلله ويطابقه، وأن الموتى بعد الموت مباشرة يكونون في عالمنا هذا. ولا يزالون كذلك مدة تختلف باختلاف درجتهم الروحية.\nوبناء عليه فيمكن مكالمة الروح بعد خروجها من الجسم ورؤيتها مجسمة بواسطة شخص يسمّونه الوسيط الذي لا يشترطون فيه الصلاح، والدين، بل المهم أن يكون لديه استعداد فطري لهذا الأمر، وأن يتمتع بقوة البصر أو الشم، أو الذكاء، أو قوة الأعصاب، وأن يقع في خدر عال عند إرادته تحضير الروح فتستفيد الروح من استعداده فتكلم الناس بفمه وتنبئ عن أمور الحاضرين وتكشف أسرار العلم والفلسفة وتصف العلاجات.\nأما أسلوب تحضير الأرواح فيتم تجهيز غرفة مظلمة فيها نور أحمر خافت - حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يميز ما حوله - ويجلس فيها الذين يريدون مشاهدة الروح أو ما يسمّونهم (بشهود الجلسة)، وهناك حجرة صغيرة متصلة بالغرفة السابقة. وتسمّى هذه الغرفة الصغيرة بالخباء أو الخدر وهي معدة لجلوس الوسيط. فإذا تم الاتصال بين الوسيط والأرواح فإنه يخرج عبر الوسيط إشعاعات من الحجرة الصغيرة باتجاه الحجرة الكبيرة، وتسمع أصوات الروح في تلك اللحظة بل إنها تطلب الطعام والشراب.\nويؤكد أصحاب المذهب على صحة مذهبهم بأنهم التقطوا صورًا لتلك الأشباح بواسطة الأشعة تحت الحمراء، وأن مذهبهم علمي بدليل وجود العلماء من مختلف الحقول في صفوفهم.","vol":"1","page":832},{"text":"٢ - ويقولون: إن هذه الأرواح تفتيهم في مشكلات الغيب ومعضلاته ويستعان بهم في علاج مرضى الأبدان والنفوس، والإرشاد على المجرمين، والكشف عن الغيب، والتنبؤ بالمستقبل.\n٣ - يعتقدون أن هذه الأرواح التي يستحضرونها مرسلة من الله إلى البشر كالرسل.\n٤ - يعتقدون أن معجزات الأنبياء هي ظواهر روحية كالتي تجري في غرفة تحضير الأرواح، ويقولون: إن بإمكانهم إعادة معجزات الأنبياء.\n٥ - يعرضون أفكارهم لكل شخص وفق ما يناسبه، ولذلك تجدهم أحيانًا يدعمون تلك الدعاوى بنصوص من الكتب السماوية بعد أن يلووا أعناقها كما يريدون، وفي بعض الأحيان يقولون لهم: (أنصح الحاضرين بقراءة القرآن والأدعية). وفي الحقيقة: تظهر بعد أيام من الدخول فيها: إنهم يرفضون الوحي، والرسل، ويقولون: إنه ليس في الأديان ما يصح الركون إليه، ويسخرون من المتدينين.\n٦ - يقولون: بأن إلههم أظهر من إله الرسل وأقل صفات بشرية وأكثر صفات إلهية.\nوفيه تصريح بأن الروحية دين جديد يدعو إلى العالمية ونبذ كل الأديان.\n٧ - ينكرون شرع الله، وينادون بترك العبادات.\n٨ - يدعون أن الأرواح التي تخاطبهم تعيش في هناء وسعادة رغم أنها كافرة، ليهدموا بذلك عقيدة البعث والجزاء، وأن الجنة والنار حالة عقلية","vol":"1","page":833},{"text":"يجسمها ويصنعها الخيال.\n٩ - يقولون بحلول الإله في الحاضرين في المجلس واتحاده بهم.\nفهذه أغلب اعتقادات الروحية الحديثة. فقد وقعوا بهذه الاعتقادات الفاسدة في أنواع من الكفر كما وقعوا في ألوان من الشرك. أما وقوعهم في أنواع من الكفر بالله جل شأنه فهذا واضح، فإن أغلب هذه الأقوال كفر. وأما وقوعهم في ألوان من الشرك بالله؛ فيمكن بيانه فيما يلي:\nأ- قولهم إن هذه الأرواح تحل المشكلات، والمعضلات، وتخبر عن الغيب، هذا كله شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفات الله جل شأنه. وسيأتي شبهاتهم والردود عليها - بمشيئة الله - فيما بعد.\nب- قولهم بالحلول والاتحاد: شرك بالله في الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد. وسيأتي ذكر هذا القول عند بيان شرك الربوبية بتعطيل حقيقة التوحيد بعد هذا الباب - بمشيئة الله ـ.\nج- قولهم: بإنكار الشرائع، وهكذا قولهم بإنكار عقيدة البعث، والجزاء، والجنة والنار، والحساب، شرك بالله في الربوبية بتعطيل أفعال الله جل وعلا.\nولما كان هذا النوع من الشرك - الذي نحن في بيانه - وجد لدى هؤلاء - أصحاب الروحية الحديثة - جرى ذكرهم في هذا الموضع.\nولكن هل عندهم شبهة عقلية أو شرعية في إنكارهم البعث واليوم الآخر،","vol":"1","page":834},{"text":"وإنكارهم الشرع؟ يبدو لمن يتفصح أقوالهم وآراءهم أنهم لا يذكرون أي شبهة لا عقلية ولا شرعية، في رد هذين الشيئين. وإنما هذا من الادعاءات التقريرية التي لا نشغل بالنا بالرد عليه.\nومع تفاهة دعاوى هذه الفرقة أو الطائفة نرى أن هذه الدعاوى منتشرة في جميع العالم الإسلامي، وقد تأثر بها كثير من الناس الذين عرفوا بالعلم والفضل، ووجد من يرى أن الأرواح تحضر حقيقة، وتستطيع أن تخبر عن المغيبات وتحل المشاكل. فمن هؤلاء: الشيخ طنطاوي جوهري، والأستاذ أحمد فهمي أبو الخير، والأستاذ محمد فريد وجدي، والدكتور رؤوف عبيد الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة عين شمس، والشيخ محمد حسنين مخلوف كما ذكر عنه الدكتور رؤوف عبيد، والأستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر سابقًا، وغيرهم.\nالفرع الرابع: العلمانية: (غير الملحدة):\nوهي العلمانية التي لا تنكر وجود الله، بل تؤمن به إيمانًا نظريًا، ولكنها تنكر تدخل الدين في شئون الدنيا، وتنادي بعزل الدين عن الدنيا والحياة. بل تنكر شرع الله ولزومه إمّا صراحةً وإمّا ضمنًا.","vol":"1","page":835},{"text":"فهذا الاعتقاد لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية بتعطيل أفعاله ﷾.\nمن مظاهر هذه العلمنة:\n١ - تطبيق العلمنة في التعليم ومناهجه، فأبعد الدين عنه.\n٢ - تطبيقها في السياسة والحكم، فعزل الدين عنها.\n٣ - تطبيقها في الاقتصاد ونظم الأموال فعزل الدين عن هذا المجال.\n٤ - تطبيقها في القوانين المدنية، فوضع العلمانيون قوانينهم.\n٥ - تطبيقها في الاجتماع والأخلاق، فأبعد الدين عنهما.\n٦ - تطبيقها في الفنون، فانطلق هواة الفن ينتجون إنتاجاتهم المختلفة مستهينين بالدين وبفضائل الأخلاق وبفضائل السلوك.\nوجملة الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب ما يلي:\n١ - إن العلمانية هي أساس الوحي، والوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه.\n٢ - إن الشريعة مطبقة بالفعل.\n٣ - التناقض بين العلم والدين.\n٤ - دعوى ضرورة الدولة القومية وانقضاء عصر الدولة الدينية.\n٥ - دعوى جمود الشريعة وقعودها عن ملاحقة الحياة التطورية.\n٦ - دعوى الاستبداد السياسي.\n٧ - دعوى الكبت واضطهاد حرية الفكر ومعاداة التقدم.","vol":"1","page":836},{"text":"٨ - دعوى الموانع الطائفية.\n٩ - دعوى القسوة في العقوبات الشرعية.\nهذا مجمل الدعاوى التي يتشبثون بها في تعطيل شرع الله ﷿.\nمجمل الردود على هذه الدعاوى:\nأولًا: نقول: هل تؤمنون بالله ربًا؟ فإن آمنتم بهذا المبدأ فالأمر هين، فإن من المستحيل أن يكون الرب غير عالم بمصالح العباد ومشاكلهم، أنتم عالمون بهذه المصالح والمشاكل التي تذكرونها!، هل الله جل وعلا لا يعلم ما تذكرونه؟ .\nثانيًا: هل تؤمنون بالرسول ﷺ بأنه آخر الرسل وشريعته آخر الشريعة؟ وأنها ناسخة لما قبلها؟ وأن هذه الشريعة مكملة؟ أم ترون أن شريعته ناقصة، وهناك شريعة غير شريعة محمد ﷺ بعده؟ فإن قلتم بالأول الذي يدل عليه القرآن والسنة فقد اعترفتم بتفاهة هذه الدعوى، وإن قلتم بالثاني فقد خرجتم من دين الإسلام.\nومع الردود على هذه الشبهات يكون قد استعرضنا معظم الشرك في الربوبية بتعطيل أفعاله جل وعلا. وإن كان هناك فرق وطوائف أخرى وجد عندهم هذا النوع من الشرك؛ كالقومية، والوطنية، وبعض نوادي","vol":"1","page":837},{"text":"الماسونية من الليونز، والروتاري، وبعض الأديان الوضعية المنبوذة كالبوذية، ولكن شرك هؤلاء أنسب بباب آخر غير باب شرك تعطيل أفعال الله، فلهذا آثرت ترك ذكرهم هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>المطلب الثالث: في بيان أنواع الشرك في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:</span>\nتنبيه:\nسبق معنا إثبات كون التعطيل شركًا، كما تضمن هذا البيان أيضًا إثبات كون تعطيل الصانع عما يجب عليه من حقيقة التوحيد شركًا، وهنا أريد أن أشير إلى مجمل هذا البيان بما يلي:\nإن دخول هذا النوع من التعطيل في الشرك له سببان:\nالأول: لأنه داخل في توحيد المعرفة والإثبات، (أعني: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات)، وكل ما يضاد توحيد المعرفة والإثبات مضادة ظاهرة فهو شرك لا محالة، ولزيادة البيان أمثل بمثال، وهو: أن الواجب على العبد في تحقيق التوحيد أن يعتقد أن ربه على عرشه، ولا يماثله أحد، ولا يشبهه، ولا يحل في أحد، ولا يتحد مع أحد أبدًا، بل هو بائن من خلقه، وإذا لم يكن هذا اعتقاد أحد فإنه ما حقق توحيد الله ﷿، وبهذا يكون قد وقع في الشرك بالله سبحانه في الربوبية.\nالثاني: أنه لما عطل كونه على عرشه، بل عطل كونه مباينًا لخلقه، وربما","vol":"1","page":838},{"text":"عطل وجوده كما هو عند الاتحاديين فإنه يكون قد أشرك بالله جل وعلا من ناحية أخرى، فإنه في اعتقاده هذا عطل ذاته، وربوبيته، وعطل جميع أسمائه وصفاته وأفعاله وجميع مستلزماتها، فلما عطل هذه الأشياء كلها، وقد سبق معنا بيان كون هذه الأشياء من الأسماء والصفات والأفعال لها آثارها في العبودية، والعبد لا يستغني عن العبودية بها مطلقًا، لأن الرب جل وعلا لم يسمّ بهذه الأسماء ولم يتصف بهذه الصفات، ولم يفعل هذه الأفعال إلا لأن الخلق يحتاج إليها لا محالة، فإذا كان قد عطل الله المعبود الحق عن هذه الأشياء كلها فحتمًا يكون قد يتوجه بها إلى المعبود الباطل.\nثم إن في مثل هذا الاعتقاد نداء إلى تأليه الإنسان نفسه.\nونظرًا لجزئيات هذا المطلب فإنني سأبينه في مدخل وثلاثة فروع.\nمدخل: في معرفة مذاهب المعطلين الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد:\nالمعطلون للصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: مذهب الحلول.\nومعنى الحلول: يقال: حل المكان وحل به يَحُلُّ ويَحِلُّ حِلًاّ وحلولًا إذا نزل به.\nوفي المعجم الأوسط: (الحلول: اتجاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر).\nوفيه: (مذهب الحلول بأن الله حال في كل شيء).","vol":"1","page":839},{"text":"قلت: هذا أحد نوعي الحلول كما سيأتي.\nوفيه أيضًا: (الحلولية فرقة من المتصوفة تعتقد مذهب الحلول على غير ما قال به أهل السنة).\nوعند بعض الصوفية وبعض فرق النصارى: الحلول: هو حلول اللاهوت بالناسوت. وينقسم عندهم باعتبار تمكنه إلى قسمين:\n١ - الحلول الجواري: وهو عبارة عن كون أحد الجسمين طرفًا للآخر؛ كحلول الماء في الكأس.\n٢ - الحلول السرياني: وهو: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وكحلول الماء في المادة السكرية.\nوينقسم باعتبار المحل إلى قسمين أيضًا:\n١ - الحلول الخاص: وهو قل النسطورية من النصارى ومن نحا نحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت. فمصدر هذا القول إنما هو من النصارى، ولكن دخل في الإسلام بواسطة الرافضة الغلاة الذين قالوا: إن الله حل بعلي بن أبي طالب وأئمة أهل بيته، كما قال به الصوفية المنتسبة إلى الإسلام الذين يقولون بأن الله حلَّ في الأولياء.","vol":"1","page":840},{"text":"٢ - الحلول العام: وهو قول الجهمية ومن نحا نحوهم من الأشعرية والماتريدية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان.\nالمذهب الثاني: مذهب الاتحاد:\nومعنى الاتحاد: امتزاج الشيئين واختلاطهما حتى يصيرا شيئًا واحدًا، وينقسم الاتحاد إلى قسمين:\n١ - الاتحاد الخاص: وهو قول يعقوبية النصارى القائلين: إن اللاهوت والناسوت اختلطا وامتزاجا كاختلاط اللبن بالماء، وهو قول به بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض الأشخاص.\n٢ - الاتحاد العام: وهو قول الملاحدة الذين يزعمون أن الله عين وجود الكائنات، وهذا القول هو المعبر عنه بوحدة الوجود - كما سنرى - وهو شر الأقوال كلها كما يقول شيخ الإسلام؛ لأن أولئك قالوا: إن الرب يتحد عبده الذي قربه واصطفاه، فخصوا ذلك بمن عظموه كالمسيح والأولياء، وهؤلاء جعلوا ذلك ساريًا في الكلاب والخنازير والأقذار والأوساخ، وإذا كان الله تعالى قد قال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) فكيف بمن قال: إن الله هو الكفار والمنافقون والصبيان والمجانين والأنجاس والأنتان وكل شيء؟ !","vol":"1","page":841},{"text":"ومما تجدر الإشارة إليه ونحن نبين معنى الاتحاد عند هؤلاء قولهم: إن من وقع منه الاتحاد فلا يتصور معه أن تبقى منه باقية بل يفنى ويذوب ويصير جوهره جزءًا لا يتجزأ عن جوهر من اتحد به، يقول عبد الرحمن بدوي: (والاتحاد بالله ... أن يصير المحب والمحبوب شيئًا واحدًا فعلًا سواء في الجوهر والفعل أي في الطبيعة والمشيئة لانعدام المشير، فلا يصير ثمة غير واحد أحد هو الكل في الكل).\nوقال أيضًا في معرض تحليله لقول أبي يزيد البسطامي يخاطب الله: (كنت لي مرآة فصرت أنا المرآة): (أما وقد بلغ أبو يزيد هذه المرتبة التي تعلو فوق مقام الأنبياء، فليثب الوثبة الأخيرة ليلحق بالألوهية نهائيًا فيصير هو والله شيئًا واحدًا).\nفهذا القول يكفي في إثبات كونهم ضاهوا به النصارى والروافض.\nالفرق بين الحلول والاتحاد:\nفلسفة الاتحاد والحلول عند الصوفية تفسر بأن للحب الإلهي ناحيتين:\nإحداهما: شوق الحق إلى الخلق، وله اعتباران أو مظهران:\nأ- اشتياقه إلى الظهور بعد البطون أو التقيد بعد الإطلاق.\nب- اشتياقه إلى العودة إلى الإطلاق بعد التقييد أو التجرد بعد التعيين.","vol":"1","page":842},{"text":"ثانيهما: شوق الخلق إلى الخلق.\nفالناحية الأولى التي يشتاق فيها الحق إلى الخلق نتيجة الحلول، والثانية التي فيها شوق الخلق إلى الحق تنتج الاتحاد، أو بعبارة أخرى: يرى الاتحادي أن المخلوق المصطفى يرتفع بنفسه ويصفو ويسمو بروحه إلى حضرة الذات العلية حتى يتحد بها، ويفنى فيها ولا يبقى له أثر، بينما يرى الحلولي أن الله تعالى يتنازل عن علياته ﷿ فيحل في بعض المصطفين من عباده.\nتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولذلك كثيرًا ما نجد الاتحاديين يعبرون عن رحلتهم إلى الاتحاد بالمعراج، يقول ابن الفارض:\nومن أنا إياها إلى حيث لا إلى عرجت وعطرت الوجود برجعتي\nوقال شارحه: يعني عرجت من مقام أنا: إياها - وهو ابتداء الاتحاد.\nومن قولهم: أنا الحق، (لا إلا إلا أنا فاعبدني) إلى أن وصلت لا مقام لا نهاية فيه، وعطر الوجود برجوعه لاتصافه بصفات الرحمن واتحاده بذات الملك الديان). فهذا هو الفرق بين الحلول والاتحاد عند الصوفية.\nالمذهب الثالث: مذهب وحدة الوجود:\n(وهو مذهب فلسفي صوفي يوحد بين الله والعالم، ولا يقر بوجود واحد هو الله وكل ما عداه أعراض وتعينات له).","vol":"1","page":843},{"text":"وصف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مذهبهم بقوله: (ويقولون: إن وجود المخلوق هو وجود الخالق، لا يثبتون موجودين خلق أحدهما الآخر، بل يقولون: الخالق هو المخلوق).\nوهذا المذهب هو مذهب الاتحاد العام المشار إليه آنفًا، لا يختلفون في شيء، ولذا نجد كثيرًا من أهل العلم يطلقون على ابن عربي وابن الفارض ومن على نهجهما أنهم من أهل الاتحاد، فمرادهم الاتحاد العام الذي هو وحدة الوجود. وهذا الإطلاق كثيرًا ما نجده في عبارات شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فأينما وجد فالمراد به الاتحاد العام لا الخاص، ويبدو أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل لم ينتبه بهذا المعنى فاستدرك كثيرًا على من أطلق لفظ الاتحاد على أهل وحدة الوجود. كما أن الدكتور عبد القادر محمد لم يفقه هذا المعنى، حيث ذهب يتهم ابن تيمية بالخلط بين معنى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. فلو فقه أن للاتحاد معنيين، لبان له الحق ولم يقل ما قال.\nويمكن تلخيص الفرق التي تندرج في هذا النوع من الشرك فيما يلي:\n١ - أصحاب الحلول.\n٢ - أصحاب الاتحاد.\n٣ - أصحاب الاتحاد العام أصحاب وحدة الوجود.\nوكل من الحلول والاتحاد الخاص يقضيان وجود شيئين في الأصل، حل الأعلى منهما في الأدنى أو اتحد الأدنى منهما بالأعلى.\nوأصحاب الاتحاد العام هو أصحاب وحدة الوجود. وحقيقتها: أنه لا","vol":"1","page":844},{"text":"وجود لغير الله في العالم جملة وتفصيلًا.\nفهذه الفرق الثلاث سنتكلم عليها في الفروع الآتية بمشيئة الله.\nالفرع الأول: الحلوليون:\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الفرق والطوائف الموجودة في العصر الحديث، من أشهرهم:\nأولًا: بعض الفرق الباطنية المعاصرة، ومن أبرزها.\nأ- البهرة بفرعيها السليماني والداودي: حيث يعتقدون أن الإله متجسد في زعيمهم شخصيًا.\nب- كما أن القرامطة كانوا يقولون: الخالق يجب أن يتجسد في صورة بشرية، فيعبدون بذلك إلهًا يعرفونه. والإمام هو الذي تجسد فيه الإله.\nج- كما يعتقد الدروز أن الحاكم بأمر الله: الحاكم العبيدي، له حقيقتان: حقيقة لاهوتية لا تدرك بالحواس ولا بالأوهام ولا تعرف بالرأي، وله حقيقة ناسوتية تظهر كيف شاء في أي صورة شاء.\nد- كما يعتقد النصيرية حلول الإله في علي بن أبي طالب ﵁.\nهـ- البابية والبهائية يعتقدون في البهاء حسين علي المازندراني: أن الله","vol":"1","page":845},{"text":"حلَّ فيه، وإنما ظهر البهاء في صورة البشر ليتمكن من ترشيد الناس وإصلاحهم إلى الحق - كما يزعمون ـ.\nثانيًا: بعض النحل المعاصرة، منها:\nأ- القاديانية: لأنهم يعتقدون حلول الله في غلام أحمد القادياني، وادَّعاه هذا الكاذب لنفسه في كتبه.\nب- الروحية الحديثة: حيث إن من اعتقادهم: (أنهم في الله وأن الله فيهم).\nفهذه هي الطوائف التي أشركت بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل الصانع عما يجب له من حقيقة التوحيد، وذلك بقولهم بالحلول، وسيأتي فيما بعد ذكر الطوائف الأخرى، ولكنها تستند - فيما تزعم - بأدلة شرعية أو عقلية. أما هؤلاء فلم يذكروا في اعتقادهم هذا في الله أيَّ دليل أو شبهة لا من الشرع ولا من العقل، وإنما يذكرونه كدعوى تقرير.\n١ - إن هذا الاعتقاد أصلًا مستقي من الفلسفة اليونانية، وهي عنصر رئيس في الفلسفة الهندية، والمسيحية استمدت هذه الفكرة من الهندوكية.","vol":"1","page":846},{"text":"٢ - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ: (إن هذا القول - الحلول والتجسيد - كفر صريح باتفاق المسلمين، ... فإذا قيل: ظهر في صورة إنسان وتجلى فيه، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها، وأن تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليست في المخلوقات، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة).\n٣ - قال الرازي: (إن المعقول من حلول الشيء في غيره كون هذا الحالّ تبعًا لذلك المحل في أمر من الأمور، وواجب الوجود لذاته يمتنع أن يكون تبعًا لغيره، فوجب أن يمتنع عليه الحلول).\n٤ - (إنه تعالى لا يجوز أن يحل في غيره، وذلك لأن الحلول هو الحصول على سبيل التبعية وأنه ينفي الوجوب الذاتي، وأيضًا: لو استغنى عن المحل لذاته لم يحل فيه، إذ لابد في الحلول من حاجة، ويستحيل أن يعرض للغني بالذات ما يحوجه إلى المحل، لأن ما كان غنيًا لا يزول بالغير، ولا احتاج إليه: أي إلى المحل لذاته، فإن الاستغناء عدم الاحتياج ولا واسطة بينهما، ولزم حينئذ مع حاجة الواجب قدم المحل، فيلزم محالات معًا).\n٥ - إن الحلول محال ولا يمكن تصوره بين عبدين، فكيف يمكن تصوره بين العبد وربه؟ .","vol":"1","page":847},{"text":"٦ - (إن القديم يختلف عن الحادث لاختلاف الماهية في كل منهما، وهذا الاختلاف يوجب استحالة حلول القديم في الحادث.\n٧ - كما أن الله واجب الوجود، وهذا الوصف ينفي الحلول، لأنه في حالة حدوثه يصبح الحالّ تبعًا لما حل فيه، وكما يصبح معلولًا لهذا المحل ومتأثرًا به، بل إن ليصبح في غير الإمكان تصور الحال إلا بتصور المحل، إذن ينتفي الحلول في هذه المرة كما استحال في الأولى).\nمن الطوائف الأخرى التي وقعت في هذا النوع من الشرك، والتي تزعم أن لديها مستند من الشرع أو العقل ما يلي:\nثالثًا: الجهمية: حيث ادعوا أن الله في كل مكان، ونفوا كونه على عرشه. وبهذا وقعوا في الحلول العام. ويقال لهم: الجهمية الحلولية، غلب على عُبَّادهم وصوفيتهم وعامتهم من شبهاتهم في هذا الباب:\n١ - قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n٢ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ).\n٣ - قوله تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم).","vol":"1","page":848},{"text":"الردود على هذه الافتراءات:\nكل من آمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا يعرف قبح هذا القول بفطرته السليمة، وذلك لما يترتب على اعتقاد مثل هذا القول من مفاسد عظيمة بأبى القلب تصورها، فضلًا أن يكون هذا صحيحًا في حقيقة الأمر، فمن اعتقد أن ربه في كل مكان يستلزم أن يكون في القاذورات والنجاسات والحمامات - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.\nأما بالنسة لاستدلالاتهم ببعض الآيات القرآنية فإنني سأكتفي بنقل بعض الردود العلمية من الأئمة الكبار في هذا الشأن:\nأولها: ردُّ الإمام أحمد - رحمه الله تعالى ـ:\nقال الإمام أحمد: (بيان ما أنكرت الجهمية أن يكون الله على عرشه). فقلنا: لِمَ أنكرتم أن يكون الله على العرش؟ وقد قال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).\nفقالوا: هو تحت الأرض السابعة، كما هو على العرش، فهو على العرش وفي السموات وفي الأرض وفي كل مكان، وتلوا آية من القرآن: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ).\nفقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء.\nفقالوا: أيَّ مكان؟\nفقلنا: أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والحشوش والأماكن","vol":"1","page":849},{"text":"القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنه في السماء).\nوساق الإمام بعض الآيات الدالة على أن الله في السماء عاليًا على خلقه، ثم قال: (وقلنا لهم: أليس تعلمون أن إبليس كان مكانه، والشياطين مكانهم، فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد.\nوإنما معنى قول الله جل ثناؤه: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ). يقول: هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان. فذلك قوله: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا).\nوقال: من الاعتبار في ذلك: لوأن رجلًا كان في يديه قدح من قوارير صاف، وفيه شراب صاف، لكان نظر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح. والله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع خلقه من غير أن يكون في شيء من خلقه.\nوخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها وخرج منها، كان ابن آدم لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق، وعلم كيف هو؟ وما هو؟ من غير أن يكون في شيء مما خلق، - ثم قال: - وما تأول الجهمية من قول الله ﷿: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؟","vol":"1","page":850},{"text":"فقالوا: إن الله معنا وفينا. فقلنا: الله جل ثناؤه يقول: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، ثم قال: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ)؛ يعني الله بعلمه (وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا) يعني الله بعلمه (هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ) يعني بعلمه فيهم (أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، بفتح الخبر بعلمه وبختم الخبر بعلمه.\nويقال للجهمية: إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له: هل يغفر الله لكم فيما بينه وبين خلقه؟\nفإن قال: نعم، فقد زعم أن الله بائن من خلقه دونه، وإن قال: لا، كفر.\nوإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل: أليس الله كان ولا شيء؟\nفيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقوال لابد له من واحد منها:\nإن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجًا ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه دخل في مكان رجس وقذر ورديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله أجمع، وهو قول أهل السنة).","vol":"1","page":851},{"text":"ثانيها: رد الإمام عثمانم بن سعيد الدارمي:\nحيث قال ردًا على الحلولية ومنكرًا عليهم مقولتهم: (أرأيتم إذا قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، أكان الله إلهًا واحدًا قبل أن يخلق الخلق والأمكنة؟ قالوا: نعم.\nقلنا: فحين خلق الخلق والأمكنة، أقدر أن يبقى كما كان في أزليته في غير مكان؛ فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم، أو لم يجد بدًا من أن يصير فيها، أو لم يستغن عن ذلك؟\nقالوا: بلى.\nقلنا: فما الذي دعا الملك القدوس إذ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه أن يصير في الأمكنة القذرة، وأجواف الناس، والطير والبهائم؟ ... لقد شوهتم معبودكم إذا كانت هذه صفة، والله أعلى وأجل من أن تكون هذه صفته، فلابد من أن تأتوا ببرهان بيّن على دعواكم من كتاب ناطق أو سنة ماضية، أو إجماع من المسلمين، ولن تأتوا بشيء منه أبدًا.\nثم قال: فاحتج بعضهم فيه بكلمة زندقة أستوحش من ذكرها، وتستر آخر من زندقة صاحبه، فقال: قال الله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).","vol":"1","page":852},{"text":"قلنا: هذه الآية لنا عليكم، لا لكم، إنما يعني أنه حاضر كل نجوى، ومع كل أحد من فوق العرش بعلمه، لأن علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، لا يحجبه شيء عن علمه وبصره، ولا يتوارون منه بشيء، وهو بكماله فوق العرش بائن من خلقه (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)، أقرب إلى أحدهم من فوق العرش من حبل الوريد، قادر على أن يكون له ذلك، لأنه لا يبعد عنه شيء ولا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض، فهو كذلك رابعهم وخامسهم وسادسهم، لا أنه معهم بنفسه في الأرض كما ادعيتم، وكذلك فسرته العلماء.\nفقال بعضهم: دعونا من تفسير العلماء، إنما احتججنا بكتاب الله، فأتوا بكتاب الله.\nقلنا: نعم، هذا الذي احتججتم به هو حق، كما قال الله ﷿، وبها نقول على المعنى الذي ذكرنا، غير أنكم جهلتم معناها، فضللتم عن سواء السبيل، وتعلقتم بوسط الآية، وأغفلتم فاتحتها وخاتمتها، لأن الله ﷿ افتتح الآية بالعلم بها، وختمها به، فقال: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية، ففي هذا دليل على أنه أراد العلم بهم وأعمالهم، لا أنه في كل مكان معهم كما زعمتم. فهذه حجة بالغة لو عقلتم).\nثالثها: ردّ المحدث محمد بن الحسين الآجري:","vol":"1","page":853},{"text":"حيث قال - رحمه الله تعالى - محذرًا من مذهب الحلولية:\n(أما بعد، فإني أحذر إخواني المؤمنين مذهب الحلولية، الذي لعب بهم الشيطان فخرجوا بسوء مذهبهم عن طريق أهل العلم إلى مذاهب قبيحة لا تكون إلا في مفتون هالك.\nزعموا: أن الله ﷿ حالٌ في كل شيء حتى أخرجهم سوء مذهبهم إلى أن تكلموا في الله ﷿ بما تنكره العلماء العقلاء، لا يوافق قولهم كتاب ولا سنة وقول الصحابة ﵃ ولا قول أئمة المسلمين، وإني لأستوحش أن أذكر قبيح أفعالهم تنزيهًا مني لجلال الله الكريم وعظمته كما قال ابن المبارك: (إنا لنستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع نحكي كلام الجهمية) ثم إنهم إذا أنكروا عليهم سوء مذهبهم قالوا: لنا حجة من كتاب الله ﷿. وإذا قيل لهم: ما الحجة؟\nقالوا: قال الله ﷿ في كتابه في سورة المجادلة: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ) الآية، وبقوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).","vol":"1","page":854},{"text":"فلبَّسوا على السامع منهم بما تأولوا، فسروا القرآن على ما تهوى أنفسهم فضلوا وأضلوا، فمن سمعهم ممن جهل العلم ظن أن القول كما قالوا، وليس هو كما تأولوه عند أهل العلم.\nوالذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله ﷿ على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه في جميع ما خلق .. وهو على عرشه سبحانه الأعلى، ترفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار).\nثم قال: (فإن قال قائل: فأين معنى قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ). الآية التي بها يحتجون؟\nقيل له: علمه ﷿، والله على عرشه وعلمه محيط بهم، وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم، والآية تدل أولها وآخرها على أنه العلم.\nفإن قال قائل: كيف؟\nقيل: قال الله ﷿: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فابتدأ الله ﷿ الآية بالعلم وختمها بالعلم، فعله ﷿ محيط بجميع خلقه وهو على عرشه، وهذا من قول المسلمين).\nهذه بعض أقوال السلف في الرد على الجهمية، وكل عاقل يدرك بفطرته النقية بطلان هذا القول لمخالفته الحق والصواب الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وعقلائها.","vol":"1","page":855},{"text":"ثم إن هذه الأقوال السلفية كما أنها ردٌّ على الجهمية الحلولية القائلين بالحلول المطلق العام هكذا تصلح ردًّا على المتصوفة - الآتي ذكرهم - القائلين بالحلول المقيد الخاص. لهذا أطلت في نقل هذه الردود كي تكون ردًّا على كلتا الطائفتين الحلوليتين، إذ الشبهات هي هي، وإن اختلف القائلون بها.\nرابعًا: بعض المتصوفة:\nهناك بعض المتصوفة المنتسبة إلى الإسلام قد قالوا بالحلول الخاص والمقيد، ووقعوا في هذا النوع من الشرك، وما زال بعض الناس يزعمون أن هؤلاء المتصوفة الحلوليين من علماء هذه الأمة وعظمائها، وتنبيهًا على هذا الخطأ ونصحًا للأمة سأورد هنا بعض هؤلاء المتورطين في القول بالحلول، ونماذج من أقوالهم. ولكن قبل أن ندخل في بيان أقوال هؤلاء المتصوفة يحسن بنا أن نتعرف على الصوفية والمتصوفة ومستقاها في عقائدها وأفكارها.\nالتعريف بالتصوف والمتصوفة:\nهذه الكلمة (التصوف) اختلف في اشتقاقها اللغوي اختلافًا عجيبًا، كما اختلف في ذكر معناها الاصطلاحي اختلافًا غريبًا، وإنني فيما يلي سأذكر أصح ما عندي من هذه الأقوال والآراء:\nالتصوف أصل تسميته من الصوف، حيث ذهب غالب المتصوفة المتقدمين والمتأخرين إلى أن الصوفي منسوب إلى لبس الصوف، واختاره","vol":"1","page":856},{"text":"جمع من أهل السنة الذين صنفوا في الرد على التصوف، كابن خلدون، وابن تيمية.\nأما في اصطلاح الصوفية، فقد وجد لديهم عبارات تفوق المئات بل الآلاف في تحديد هذا المصطلح، ولعل أصح ما قال فيه أحد متأخريهم: (إنه لم ينته الرأي فيه إلى نتيجة حاسمة بعد).\nومن الطريف أنهم يرجعون ذلك إلى عظمة قدر التصوف والصوفية حيث إن التصوف - كما يحلله هؤلاء - لا تدرك أغواه ولا تبلغ أبعاده، إذ هو مادة جميع العلوم والفنون، فيفوق الحدود والضوابط، ولا يقدر أحد أن يجمع كل جوانبه في ألفاظ قليلة حاصرة، بل غاية أمر المتعرض لتعريفه وحده أن يعبر عما أدركه هو في التصوف، وما رآه من مقامات الرجال وأحوالهم، فكل يعبر عن حاله وذوقه ومشاهداته التي يزعمها.\nوهذه النزعة الباطنية تهدف - بلا ريب - إلى فتح طرق ومسالك ينفذ منها أهل التصوف إلى سن طرق ومخارج جديدة في البدعة كلما شدد عليهم الخناق.\nفهم لا يريدون أن يكون التصوف مما يضبط بضوابط معينة، ويحدُّ بحدود معلومة، بل يريدونه شعابًا وأوعارًا لا تحد ولا تحصى، فمتى اكتشف الناس أن شعبًا ما يؤدي إلى مخالفة الكتاب والسنة فتحوا شعبًا آخر أكثر إيغالًا في","vol":"1","page":857},{"text":"الوعورة والحزونة، ولا شك أنهم لو حدوا التصوف حدًا جامعًا، وقيدوه بالكتاب والسنة لأدى ذلك إلى كشف زيف ما يظهرونه من أمور تخدع الساذج والمغفل.\nوهذا الأمر هو الظاهر في عدم تعريفهم التصوف تعريفًا واحدًا جامعًا مانعًا، فليس في تناقض أقوالهم وعدم تعريف التصوف بتعريف جامع مانع أي عظمة قدر لهم كما يزعمون.\nنشأة التصوف:\nإذا تتبعنا كتب التاريخ التي كتبت عن نشأة الفرق في الإسلام فإننا سنجد بأن أول بوادر ظهور التصوف وبروزه ظاهرة معروفة بهذا الاسم ولها تعاليم خاصة بها ومدرسة وتلاميذ تربيهم خاصة تختلف مع التربية العامة التي يسلكها أهل السنة والجماعة في تربية الأجيال المسلمة، كان في القرن الثاني الهجري، وذلك نتيجة توسع الفتوحات الإسلامية واختلاط الشعوب المتنوعة المختلفة في عقائدها وأجناسها ولغاتها، ولذا لا يستبعد أن يكون بعض من المسلمين تأثروا بالعقائد التي كانت موجودة وسائدة هناك، خاصة وأن التصوف كان معروفًا قبل الإسلام في الأمم الماضية وبالأخص في بلاد فارس والهند، وكان من مصادره الديانة النصرانية المنحرفة، وبعض الديانات الوضعية؛ كالهندوسية والبوذية، واليونانية الوافدة.","vol":"1","page":858},{"text":"المقصود بالمتصوفة في هذا الباب:\nالمتصوفة على أقسام عدة كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - وذكره الرازي أيضًا في بعض مصنفاته. والمقصود من هذه الأقسام عندنا ما يلي:\n١ - المتصوفة الحلولية: وهم القائلون بحلول الله في بعض مخلوقاته.\n٢ - المتصوفة الوجودية: وهم القائلون بوحدة الوجود.\n٣ - المتصوفة الإباحية: وهم القائلون بسقوط التكاليف وإباحة المحرمات.\n٤ - المتصوفة القبورية: وهم الداعون إلى دعاء الأنبياء والأولياء أحياءً وأمواتًا، من دون الله أو مع الله، والمستغيثون بهم، والطالبون لكشف الكربات وقضاء الحاجات منهم.\nولما كان هدفنا هنا بيان المشركين بالله جل وعلا في الربوبية بتعطيل حقيقة ما يجب على العبد من التوحيد، فإننا سوف نتناول فيما يلي: المتصوفة الحلولية، والمتصوفة الوجوية (أصحاب الوحدة والاتحاد). راجيًا أن يكون الكلام على المتصوفة القبوبية في المبحث الثاني - بمشيئة الله - وأما المتصوفة الإباحية فهم مندرجون تحت شرك تعطيل الرب ج وعلا في كماله المقدس بتعطيل أفعاله، وقد سبق الكلام عليه.\nالمتصوفة الحلولية والوجودية قديمًا وحديثًا:\nولعل أول من قال بالحلول من المتصوفة في الإسلام هو الحلاج، فمن","vol":"1","page":859},{"text":"أقواله في هذا الباب:\nمزجت روحك في روحي كما ... تمزج الخمرة بالماء الزلال\nفإذا مسّك شيء مستني ... فإذا أنت أنا في كل حال\nويقول أيضًا:\nأنا من أهوى ومن أهوى أنا ... ليس في المرآة شيء غيرنا\nقدسها المنشد إذ أنشده ... نحن روحان حللنا بدنا\nلا أناديه ولا أذكره ... إن ذكري وندائي يا أنا\nوأما الاتحاد: فلعل أول من قال به في الإسلام من المتصوفة: أبو يزيد البسطامي، ومن أقواله في هذا البا:\n(من ثلاثين سنة كان الحق مرآتي، فصرت اليوم مرآة نفسي، لأني لست الآن من كنته، وفي قولي: أنا والحق إنكار لتوحيد الحق؛ لأني عدم محض).\nفهما رائدان من رواد الحلول والاتحاد، قد تبعهما كثير من المتصوفة، فمن هؤلاء:\n١ - الشبلي: حيث قال هو بنفسه: (أنا والحلاج في شيء واحد، خلصني جنوني وأهلكه عقله).\n٢ - الغزالي: وذلك؛ أنه قسم التوحيد أربع مراتب:","vol":"1","page":860},{"text":"الأولى: أن يقول الإنسان بلسانه: (لا إله إلا الله) وقلبه غافل عنه، أو منكر له كتوحيد المنافقين.\nالثانية: أن يصدق بمعنى اللفظ كما صدق به عموم المسلمين وهو اعتقاد العوام.\nالثالثة: أن يشاهد ذلك بطريقة الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك؛ بأن يرى أشياء كثيرة ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار.\nالرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحدًا، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمية الصوفية: الفناء في التوحيد؛ لأنه من حيث لا يرى إلا واحدًا فلا يرى نفسه أيضًا، وإذا لم ير نفسه لكونه مستغرقًا بالتوحيد كان فانيًا عن نفسه في توحيده ... .\n٣ - ابن الفارض: ويدل عليه ما جاء في تائيته:\nإليَّ رسولًا كنت مني مرسلًا ... وذاتي بآياتي علي استدلت\nوقوله أيضًا:\nتحققت أني في الحقيقة واحد ... وأثبت صحو الجمع محو التشتت\n٤ - ابن عربي الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر:\nويدل عليه كثير من كتبه، وبالخصوص: فصوصه. والذي جاء فيه:\n(فكل ما ندركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات. فمن حيث","vol":"1","page":861},{"text":"هوية الحق هو وجوده، ومن حيث اختلاف الصورة فيه هو أعيان الممكنات).\n٥ - ابن سبعين: ومن الأقوال الدالة على كونه من أصحاب وحدة الوجود ما يلي:\nقوله: (فإن عرفته في كل شيء عين كل شيء لا الصورة المتعينة لم تجهله في صورة أصلًا).\n٦ - العفيف التلمساني - الفاجر ـ: والذي يدل على أنه كان من أصحاب وحدة الوجود:\nما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية - (مر التلمساني ومعه شخص بكلب، فركضه الآخر برجله، فقال: لا تركضه، فإنه منه).\n٧ - أبو الحسن الشاذلي: شيخ الطريقة الشاذلية المعروفة حيث قال:\n(من أطاعني في كل شيء بهجرانه لكل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني أقرب إليه من كل شيء، هذه هي طريق أولى، وهي طريق السالكين، وطريق كبرى، من أطاعني في كل شيء، بإقباله على كل","vol":"1","page":862},{"text":"شيء لحسن إرادة مولاه في كل شيء أطعته في كل شيء بأن أنجلي له في كل شيء حتى يراني كأني عين كل شيء).\n٨ - النابلسي الحنفي: حيث كان هو من أكثر الناس دفاعًا عن عقيدة وحدة الوجود.\nومما يدل عليه صراحة كتابه: (جواب عبد الغني)، وقد جاء فيه في تفسير قوله تعالى: (وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). أي: الذين ألهاهم التكاثر، أي: التكاثر عن الوحدة، حتى زاروا المقابر، أي حتى ماتوا على كثرة أعيانهم ولم يرجعوا إلى العين الوحدة).\n٩ - التجاني: من أقواله في وحدة الوجود:\n(كذلك صاحب اليقين سلبه الله صورة الغير والغيرية ولم يبق في حسه وشهوده وإدراكاته وذوقه إلا الحق محضًا ﷾ من كل وجه وبكل اعتبار، كما قال بعض العارفين:","vol":"1","page":863},{"text":"فلم يبق إلا الله لا شيء غيره ... فما ثم موصول ولا ثم بائن\nوقال أيضًا: (فكل عابد أوساجد لغير الله في الظاهر فما عبد ولا سجد إلا لله تعالى، لأنه هو المتجلي في تلك الألباس ...).\n١٠ - أشرف علي التهانوي الديوبندي الحنفي الملقب عند أغلب الأحناف بحكيم الأمة: حيث قال نقلًا عن الشيخ إمداد الله: (قيل لموحد: إذا كان الحلوي والخرء شيئًا فكل الحلوى والخرء جميعًا، فجعل هذا الموحد شكله شكل الخنزير، فأكل الخرء، ثم حول نفسه من صورة الخنزير إلى صورة الآدمي، فأكل الحلوى).\nفعلق عليه أشرف علي التهانوي بقوله: (إن هذه المعترض على هذا الموحد كان غبيًا، ولذلك تكلف هذا الموحد هذا التصرف، وإلا فالجواب ظاهر، وهو أن الحلوى والخرء متحدان في الحقيقة لا في الأحكام والآثار).\n١١ - الشيخ إمداد الله: إمام الديوبندية الحنفية وشيخهم الأول في التصوف: حيث قال: (أعجبني بعض الأمور الطيبة في الحرمين:\nمنها: عقيدة وحدة الوجود انتشرت كثيرًا في الناس وارتكزت فيهم حتى الأطفال ...).\nنقول: لقد كان هذا - إن صح قوله - في عصر الظلمات قبل قيام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ بدعوته السلفية، نحمد الله ﷿","vol":"1","page":864},{"text":"الذي أزال عن هذه الديار تلك الخبائث والرذائل والشرك والكفر والبدع بمثل هذا المجدد، وأقرت عيون السلفية بدعوته المباركة.\n١٢ - البريلوي: حيث زعم: أن الرسول ﷺ جزء من نور الله، وأن الكون إنما هو من نوره ﷺ، حتى وصل الأمر إلى كون المخلوق جزءًا من الخالق. أقول: وليس هذا إلا عقيدة وحدة الوجود.\nفهذه نماذج من شرك المتصوفة بتعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.\nوهو اسم لثلاثة فروع:\n١ - الحلول: وقد سبق الرد عليه عند الرد على الجهمية الحلولية.\n٢ - الاتحاد الخاص: وسيكون الكلام في الرد عليه في النوع الثاني.\n٣ - وحدة الوجود أو الاتحاد العام: وسيرد على هذا الاعتقاد في الفرع الثالث.\nفإن قيل: ما وجه ذكر هؤلاء المتصوفة في العصر الحاضر، وقد ماتوا وفاتوا وبادوا؟\nيقال: لا عبرة بكونهم قد مضوا، بل العبرة بوجود أفكارهم بعد موتهم أيضًا: فهؤلاء الذين ذكرتهم الآن - وسيأتي ذكر الآخرين منهم - إنما ذكرتهم لسببين اثنين:","vol":"1","page":865},{"text":"الأول: إن أفكار هؤلاء الأساطين موجودة برمتها عند المتصوفة بدون أي تعديل، بل ربما تطورت إلى أودية وشعاب.\nالثاني: إن هؤلاء المشايخ هم مشايخ التصوف في القديم، ومشايخ التصوف في الحاضر، فما من متصوف إلا وهو يبجل هؤلاء المذكورين، ويذكرهم بأنهم أولياء الله، فلينظر العاقل إلى نفسه، بأنه لو كان الأمر في المشايخ والأساطين هكذا - بأنهم مبتلون بالشرك بالله، فما بال أتباعهم؟ .\nالفرع الثاني: الاتحاديون، والردود عليهم:\nأما الاتحاد فيمكن أن يجاب عنه بما يلي:\n١ - قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى ـ: (الخالق والمخلوق إذا اتحدا، فإن كانا بعد الاتحاد اثنين - كما كان قبل الاتحاد - فذلك تعدد وليس اتحاد، وإن كانا استحالا إلى شيء ثالث كما يتحد الماء واللبن والنار والحديد ... لزم من ذلك أن يكون الخالق قد استحال وتبدلت حقيقته كسائر ما يتحد مع غيره فإنه لابد أن يستحيل، وهذا ممتنع على الله تعالى منزه عنه، لأن الاستحالة تقتضي عدم ما كان موجودًا، والرب تعالى واجب الوجود بذاته، وصفاته اللازمة له صفات كمال، فعدم شيء منها نقص يتعالى الله عنه، ولأن اتحاد المخلوق بالخالق يقتضي أن العبد متصف بالصفات القديمة اللازمة لذات الرب، وذلك ممتنع على العبد المحدَث المخلوق، فإن العبد يلزمه الحدوث والافتقار والذل، والرب تعالى يلازمه القدم والغنى والعزة، وهو - سبحانه - قديم غني عزيز يستحيل عليه نقيض ذلك، فاتحاد أحدهما بالآخر: يقتضي أن يكون الرب متصفًا بنقيض صفاته من الحدوث والفقر","vol":"1","page":866},{"text":"والذل، والعبد متصفًا بنقيض صفاته من القدم والغنى الذاتي، وكل ذلك ممتنع).\n٢ - أن يقال في الرد عليهم: إن هذا القول ليس له دليل من الشرع ولا مستند من العقل، بل هذه عقيدة دخيلة في الإسلام من الديانة الهندوسية والديانة النصرانية، وكفى كون هذه العقيدة من هاتين الديانتين أن تكون باطلة.\nالفرع الثالث: أصحاب وحدة الوجود:\nسبق معنا بيان المقصود بأصحاب وحدة الوجود، بأنه لم يذهب إلى هذا المذهب إلا بعض المتصوفة. وفيما يلي بعض الردود على أفكارهم وآرائهم.\n١ - إن هذا الاعتقاد من الاعتقادات الدخيلة في الإسلام، حيث إنه لا دليل له من الشرع ولا مستند له من العقل، وإنما يوجد مثل هذا الاعتقاد في الديانة الهندوسية، وبعض الديانات المنحرفة.\n٢ - وقد ناقش شيخ الإسلام هذا المذهب وبين أنه يقوم على أصلين هما:\nأ- أن المعدوم ثابت في العدم.\nب- وجود الأعيان نفس وجود الحق.\nأما الأصل الأول: فقد نشأ عند ابن عربي من علم الله الأشياء قبل إيجادها، فرأى أنها لابد أن تكون ثابتة في العدم، وإلا لما علمت وتعلق بها العلم.","vol":"1","page":867},{"text":"وهذه شبهة واهية، لأن علم الله الشيء لا يستلزم ثبوته في العدم، فالإنسان يعلم الموجود والمعدوم الممكن والمعدوم المستيحل ... فهذه أمور نتصورها نوع تصور، ولا يكون لها ثبوت في الخارج، فثبوت الشيء في العلم والتقدير ليس ثبوتًا لعينه في الخارج ... والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف، أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد.\nوأما الأصل الثاني: وهو قولهم: إن وجود الأعيان نفس وجود الحق وعينه، فقد ذكر شيخ الإسلام: أن هذا الأصل انفردا به عن جميع مثبتة الصانع من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين، وأن هذا هو حقيقة قول فرعون والقرامطة المنكرين لوجود الصانع.\nفمن فهم هذا فهم جميع كلام ابن عربي نظمه ونثره وما يدعيه من أن الحق يغتذي بالخلق، لأن وجود الأعيان معتمد بالأعيان الثابتة في العدم، ولهذا يقول بالجمع من حيث الوجود، وبالفرق من حيث الماهية والأعيان، ويزعم أن هذا هو سر القدر، لأن الماهيات لا تقبل إلا ما هو ثابت لها في العدم في أنفسها فهي التي أحسنت وأساءت، وحمدت وذمت، والحق لم يعطها شيئًا إلا ما كانت عليه في حال العدم.\nفكلامه تضمن شيئين:\nإنكار وجود الحق.\nوإنكار خلقه لمخلوقاته.\nفهو منكر للرب الذي خلق فلا يقر برب ولا بخلق، ومنكر لرب العالمين،","vol":"1","page":868},{"text":"فلا رب ولا عالمون مربوبون، إذ ليس إلا أعيان ثابتة ووجودها قائم بها، فلا الأعيان مربوبة ولا الوجود مربوب، ولا الأعيان مخلوقة، ولا الوجود مخلوق، وهو يفرق بين المظاهر والظاهر والمجلي والمتجلي، لأن المظاهر عنده هي الأعيان الثابتة في العدم، وأما الظاهر فهو وجود الخلق.\nوقد أبطل شيخ الإسلام هذا الأصل بقوله: هذه الأعيان المعدومة الثابتة في العدم هل خلقها الله وجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة؟ أم لم يخلقها فلا تزال معدومة؟\nفإن كان الأول: امتنع أن تكون هي إياه، لأن الله لم يكن معدومًا فيوجد.\nوإن كان الثاني: وجب أن لا يكون شيء لم يكن موجودًا وهذا تبطله المشاهدة والعقل والشرع، ولا يقوله عاقل، ولا يقبله عقل.\nوأما قولهم: ظهر الحق وتجلى، وهذه مظاهر الحق ومجاليه، وهذا مظهر إلهي ومجلي إلهي، فقال شيخ الإسلام: أتعني به أن عين ذاته حصلت هناك؟ أو تعني أنه صار ظاهرًا متجليًا لها بحيث تعلمه؟ أو تعني أنه ظهر لخلقه بها وتجلى بها؟\nفإن عنيت الأول: فهو باطل، فقد صرحت بأن عين المخلوقات - حتى النجاسة منها - هي ذات الله أو هي وذات الله متحدتان، أو ذات الله حالة فيها، وهذا الكفر أعظم من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، وأن الله ثالث ثلاثة، وأن الله يلد ويولد، وأن له بنين وبنات.\nوإن عنيت أنه صار ظاهرًا متجليًا لها، فهذا حقيقة أمر صار معلومًا لها، ولا ريب أن الله يصير معروفًا لعبده لكن كلامك في هذا باطل من وجهين:","vol":"1","page":869},{"text":"١ - إنك جعلته معلومًا للمعدومات التي لا وجود لها لكونه قد علمها، واعتقدت أنها إذا كانت معلومة يجوز أن تصير عالمة، وهذا عين الباطل.\n٢ - إنه إذا علم أن الشيء سيكون، لم يجز أن يكون هذا قبل وجوده عالمًا قادرًا فاعلًا، وأن هذا ليس حكم جميع الكائنات المعلومة، بل بعضها هو الذي يصبح منه العلم.\nوأما إن قلت: إن الله يعلم بها لكونها آيات دالة عليها، فهذا حق، لكنك لم تقل هذا الوجهين:\n١ - إنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة، لا في حال كونها معدومة معلومة، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة، ولا أنه أعطي شيئًا خلقه، بل جعلت نفسه هو هي المتجلية لها.\n٢ - إنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها، لا أنه دل بها خلقه وجعلها آيات تكون تبصرة، والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات ..\nوإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله، فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين، ولا سيما إذا قيل: ظهر فيها وتجلى، فإن اللفظ يصير مشتركًا بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي، وكلاهما باطل، فإن ذات الله ليس في المخلوقات، ولا نفس ذاته ترى في المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة.\nولكن ظهورها: دلالتها عليه شهادتها له، وأنها آيات له على نفسه وصفاته ﷾).","vol":"1","page":870},{"text":"ويقول في معرض رده على القائلين بأن الوجود واحد بمعنى: أن الموجودات اشتركت في مسمى الموجود: (... فهذا صحيح، لكن الموجودات المشتركات في مسمى الواحد لا يكون وجود هذا عين وجود هذا، بل هذا اشتراك في الاسم العام الكلي، كالاشتراك في الأسماء التي يسميها النحاة اسم الجنس ويقسمها المنطقيون إلى جنس ونوع وفصل وخاصة وعرض عام. فالاشتراك في هذه الأسماء: هو مستلزم لتبائن الأعيان، وكون أحد المشتركين ليس هو الآخر، وهذا ما يعلم به أن وجود الحق مباين لوجود المخلوقات، فإنه أعظم من مباينة هذا الموجود لهذا الموجود، فإذا كان وجود الفلك مباينًا مخالفًا لوجود الذرة والبغوضة، فوجود الحق تعالى أعظم مباينة لوجود كل مخلوق ... فإن الوحدة المعينة الشخصية تمتنع في الشيئين المتعددين، ولكن الوجود واحد في نوع الوجود بمعنى أن اسم الموجود عام يتناول كل واحد، كما أن اسم الجسم والإنسان ونحوهما يتناول كل جسم وكل إنسان، وهذا الجسم ليس هو ذاك، وهذا الإنسان ليس هو ذاك، وكذلك هذا الموجود ليس هو ذاك).\nوقال: (ولهذا اتفق أئمة المسلمين على أن الخالق بائن من مخلوقاته ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، بل الرب رب والعبد عبد (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا).","vol":"1","page":871},{"text":"فهذه بعض الردود على القائلين بوحدة الوجود، والأمر لا يحتاج إلى كثرة الردود، بل تصور حقيقة مذهب هؤلاء كافٍ في إدراك بطلانه وسخافته.\nولكن هل يوجد لديهم أي شبة يتشبثون بها؟ نعم، قد وجد عندهم بعض الشبه، حيث استندوا على آرائهم الفاسدة ببعض النصوص الشرعية.\nبعض منها صحيحة، ولكن الاستدلال بها باطل، وبعض منها باطلة من أساسها.\nأهم الشبه التي يستند إليها أصحاب وحدة الوجود:\nالشبهة الأولى: تشبثهم بالحديث الذي فيه (أن الله يجمع الناس ويظهر لهم فينكرونه، ويظهر لكل أمة بصورة لا تعرفها فتنكره، فيعود فيظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها في الأرض فيسجد الكل ...).\nهكذا ذكروه كأنه لفظ الحديث، واستدلوا به على وحدة الوجود، على أنه يظهر لكل عابد على صورة معبوده في الدنيا، لأنه ما عبد إلا هو.\nقبل الرد على الاستدلال يقال لهم: إن لفظ الحديث لا يدل على ما تقولونه، فإن النص الوارد في الحديث كالتالي:\n(عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ناس: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك، يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا ليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت،","vol":"1","page":872},{"text":"وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم» ...).\nفهذا هو الحديث الصحيح الذي أرادوا أن يتصيدوا منه الدليل على قولهم الفاسد.\nوللرد عليهم على استدلالهم أقول:\n١ - أين فيه: أنه تعالى يظهر لكل أمة بالصورة التي عبدوه عليها؟ .\n٢ - يثبت الحديث: أن هذا التجلي لن يكون إلا في الآخرة، وهؤلاء يدينون بتلبسه بالصور في الدنيا.\n٣ - يدين هؤلاء: أن الله يتجلى لكل أحد بحسب اعتقاده، فإذا اعتقد في صنم أو كوكب أو عجل تجلى له في صورة معتقده، أما إذا تجلى له في صورة أخرى أنكره، أما العارف المطلق فإنه يعرف الله - في زعمهم - في كل صورة يظهر بها؛ لأنه يعتقد أن الرب عين كل شيء، هذا في حين يبين الحديث أن المؤمنين أنكروه في صورته الأولى، وعرفوه في صورته الثانية، وهؤلاء هم الرسل والأولياء، وهم - باعتراف هؤلاء - أكمل العارفين، وهم لم يعرفوه إلا في صورة واحدة، وهذا ينسف أصل دعواهم: وهو أن العارف من يعرف الله في كل صورة.","vol":"1","page":873},{"text":"٤ - يزعم الاتحادية: أن الله عين كل شيء، والحديث يثبت وجود قوم مؤمنين، وكافرين ومنافقين، فإذا أخذنا بفكر المتصوفة كان ربهم هو الكافر والمنافق وغير ذلك؛ لأنه عندهم عين كل شيء، وبطلان هذا الفكر واضح جلي.\n٥ - يثبت الحديث: أن الله سبحانه لن يتجلى إلا في صورة واحدة في كل مرة من المرتين الأولى والثانية، وأما هؤلاء فيدينون بتجلي ربهم فيما لا يتناهى من الصور المتباينة في آن واحد.\n٦ - لم يبين الحديث كُنه الصورة الأولى، أما الصورة الثانية فعرَّفها الحديث بأنها هي التي رأوه فيها أول مرة، وهذا ينقض قول الحلولية بأنه يظهر لكل أحد في صورة معتقده، كما يبطل قول أهل الوحدة بأن ربهم عين كل شيء.\n٧ - ما لهؤلاء القوم يستشهدون بما لا يؤمنون به؟ فإنهم يزعمون أنهم يأخذون عن الله مباشرة، ويستنكفون أن يعملوا بالشريعة التي جاء بها رسل الله.\nالشبهة الثانية:\nاستدلالهم بقوله ﵇: «... كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها ...».\nيقول ابن عربي: (فذكر أن هويته هي عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة والجوارح مختلفة).\nيقال في الرد عليهم: إن هذا الحديث في الواقع حجة عليهم لا لهم، وذلك من وجوه:\nمنها:","vol":"1","page":874},{"text":"١ - إن قوله: «من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا، ووليًا غير المعادي.\n٢ - قوله: «وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه، وربًا افترض عليه فرائضه.\n٣ - قوله: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه» فأثبت متقرِبًا ومتقرَبًا إليه، ومحبًا ومحبوبًا غيره.\n٤ - قوله: «لئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه»، فأثبت سائلًا ومسئولًا غيره، ومستعيذًا ومستعاذًا به غيره، وهذا كله ينقض قولهم: الوجود واحد.\nوالحديث حق، وظاهره على أن الولي لكمال طاعته لله ومحبته له، يبقى عمله لله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغض الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه أحبه، وما يراه مما يبغضه أبغضه، فيبقى محبوب الحق محبوبه، ومكروه الحق مكروهه، ومأمور الحق مأموره، وولي الحق وليه، وعدو الحق عدوه.\nوعلى الأوجه كلها لا متمسك فيه للاتحادية، ولا القائلين بالوحدة.\nالشبهة الثالثة:\nاستدلالهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).","vol":"1","page":875},{"text":"يقول النابلسي: (فقد أخبر تعالى: أن نبيه محمدًا ﷺ هو الله تعالى وتقدس، وبيعته وبيعة الله ويده التي مدت للبيعة هي يد الله تعالى، كما سمعت من الآية الشريفة).\nيقال في الرد على هذه الشبهة كما قال شيخ الإسلام: (إن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) لم يرد بك أنك أنت الله، وإنما أراد أنك أنت رسول الله ومبلغ أمره ونهيه، فمن بايع فقد بايع الله، كما أن من أطاعك فقد أطاع الله، ولم يرد بذلك أن الرسول هو الله، ولكن الرسول أمر بما أمر الله به فمن أطاعه فقد أطاع الله، ... ومن ظن في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ) أن المراد به أن فعلك هو فعل الله، أو المراد: أن الله حال فيك ونحو ذلك فهو مع جهله وضلاله - بل كفره وإلحاده - فقد سلب الرسول خاصيته وجعله مثل غيره، وذلك؛ أنه لو كان المراد به أنه خالق لفعلك لكان هناك قدر مشترك بينه وبين سائر الخلق، وكان من بايع أبا جهل فقد بايع الله، ومن بايع مسيلمة فقد بايع الله، ... وعلى هذا التقدير: فالمبايع هو الله أيضًا فيكون الله قد بايع الله!).\nفهذه بعض الشبهات التي يستندون إليها في الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بتعطيل معاملة الصانع عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.\nبقي أن نجيب على شبهة كبرى للبريلوية، وهي:\nالشبهة الرابعة:\nأن الرسول ﷺ نور وليس ببشر، وأنه مخلوق من نور الله.","vol":"1","page":876},{"text":"هذه الشبهة مكونة من جانبين:\nأولًا: ادعاؤهم أن النبي ﷺ نور.\nثانيًا: ادعاؤهم أنه جزء من نور الله، وجميع الخلائق من نور محمد ﷺ.\nأما الجانب الأول: فهو قولهم بأن النبي ﷺ نور، وأنه لا يوجد له ظل لكونه نورًا، وأنه جاء متنقلًا من أصلاب آبائهم من آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب، فهذا القول قد قال به كثير من المتصوفة، قديمًا وحديثًا.\nومعلوم أن هذا القول من الأقوال المبتدعة ونتيجة للغلو، ومخالفة لصريح القرآن والسنة، والكلام على هذا الموضوع سيكون في غير هذا الموضع.\nوأما الجانب الثاني: وهو قولهم: إن محمدًا ﷺ جزء من نور الله، وأن","vol":"1","page":877},{"text":"جميع الكائنات من نوره، فهذه هي العقيدة الاتحادية التي نحن بصدد ذكرها وردها.\nوفيما يلي بيان القائلين بهذا القول والردود المقنعة عليها، بمشيئة الله.\nممن قال بذلك من المتصوفة:\nابن عربي الحاتمي، وعبد الكريم الجيلي، وأبو الحسن بن عبد الله البكري، والبريلوي، ومحمد عثمان عبده البرهاني، والملا علي القاري.\nفالنبي ﷺ عند هؤلاء الغلاة خلق من نور الله تعالى، ثم خلق من نور النبي ﷺ بقية المخلوقات، فهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء من القول بوحدة الوجود.\nالردود على هذا القول:\n١ - إن ما ذهبوا إليه لم يكن وليد أفكارهم، إنما كان مستمدًا من مصادر فلسفية قديمة تأثروا بها ونقلوها إلى المسلمين، وما زال تأثيرها إلى وقتنا","vol":"1","page":878},{"text":"الحاضر.\n٢ - إن هذا القول من معتقدات النصارى في عيسى ﵇.\n٣ - إن هذا القول مما تأثر به المتصوفة من الشيعة؛ حيث ترى الشيعة أكثر الناس مشتغلين بالنور وادعائه في أئمتهم.\n٤ - إن هذا القول ليس له أي مستند صحيح من النقل ولا دليل صريح من العقل.\nشبهات وجوابها:\nمن الشبهات التي يتشبثون بها في هذا الباب:\nاستدلالهم ببعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ، من ذلك ما يلي:\n١ - استدلال هؤلاء الغلاة على قولهم هذا بالحديث المنسوب إلى جابر ابن عبد الله الأنصاري في مواضع متفرقة من كتبهم، ناسبًا تخريجه إلى عبد الرازق الصنعاني في المصنف له، فبعضهم يذكره في بضعة أسطر، وبعضهم في بضع صفحات، وفيما يلي أشمل نص وجد من هذه الروايات الموهومة:\n(عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأشياء؟ قال النبي ﷺ: إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره، فجعل ذلك النور يدور في القدر حيث شاء الله،","vol":"1","page":879},{"text":"ولم يكن في ذلك لوح ولا قلم، ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض، ولا شمس ولا قمر، ولا جني ولا إنسي، فلما أراد أن يخلق الخلق، قسم ذلك النور أربعة أجزاء:\n١ - فخلق من الجزء الأول: القلم.\n٢ - ومن الثاني: اللوح.\n٣ - ومن الثالث: الجنة والنار.\n٤ - ثم قسم الرابع أربعة أجزاء:\nأ- فخلق من الأول: نور أبصار المؤمنين.\nب- ومن الثاني: نور قلوبهم - وهو المعرفة بالله ـ.\nج- ومن الثالث: نور أنسهم - وهو التوحيد - لا إله إلا الله، محمد رسول الله ... الحديث).\nفهذا الحديث الذي تم نقله الآن فيه قوله: (من نوره)، وهو يدل على أن محمدًا ﷺ خلق من نور الله.\nالردود على هذه الرواية:\nلنا على هذه الرواية بحثان من حيث الرواية، ومن حيث ٣ الدراية.\nأما من حيث الرواية:\nفأقدم من رأيت من نسبه إلى مخرج هو القسطلاني، حيث قال: (وروى عبد الرازق بسنده). ولكنه لم يصرح في أي كتاب خرجه بالسند.","vol":"1","page":880},{"text":"ثم جاء الزرقاني في شرحه للمواهب اللدنية، فنسبه إلى عبد الرزاق في مصنفه، وزاد عليه تخريجًا آخر، فقال: (ولم يذكر الرابع من هذا الجزء، فليراجع من مصنف عبد الرزاق مع تمام الحديث، وقد رواه البيهقي ببعض مخالفة).\nهكذا قال الزرقاني، ولكن ما وجدنا في المصنف بعد طول البحث والتنقيب أي حديث يشبهه - فضلًا أن يكون هذا موجودًا فيه ـ. فظننت لعل عبد الرزاق أخرجه في تفسيره، فبحثت عنه في تفسيره فلم أجده.\nثم رأيت شيخ الطريقة البرهانية قد أحال تخريجه إلى كتاب جنة الخلد ونسبه إلى عبد الرزاق، وقد بحثت عن هذا الكتاب لعلي أطلع على سند الحديث، ولكن دون جدوى فلم أعثر له على أثر، بل لم أقف على من نسب مثل هذا الكتاب لعبد الرزاق، وكذلك بحثت عن كتب عبد الرزاق الأخرى أيضًا فلم أجد له أثرًا، وقد بحثه غيري أيضًا في مصنفات عبد الرزاق فلم يعثر عليه.\nبل قد شهد شاهد من القوم على براءة عبد الرزاق من هذا الحديث. وهو عبد الله بن الصديق الغماري - الذي وصفه العلوي المالكي بأنه محدث الدنيا! ! ! - حيث قال عبد الله بن الصديق الغماري: معلقًا على قول السيوطي في الحاوي على هذا الحديث: (إنه غير ثابت):","vol":"1","page":881},{"text":"(وهو تساهل قبيح، بل الحديث ظاهر الوضع، واضح النكارة، وفيه نفس صوفي ... والعجب أن السيوطي عزاه إلى عبد الرزاق، مع أنه لا يوجد في مصنفه ولا تفسيره ولا جامعه، وأعجب من هذا أن بعض الشناقطة صدق هذا العزو المخطئ، فركب له إسنادًا من عبد الرزاق إلى جابر، ويعلم الله أن هذا كله لا أصل له، فجابر ﵁ بريء من رواية هذا الحديث، وعبد الرزاق لم يسمع به، وأول من شهر بهذا الحديث ابن عربي الحاتمي، فلا أدري عمن تلقاه، وهو ثقة، فلابد أن أحد المتصوفة المتزهدين وضعه ...).\nفهذا آخر ما عندنا من نقد الحديث من ناحية الرواية، وقد اتضح لنا من البحث السابق أن الحديث لم يخرجه أحد، لا عبد الرزاق ولا غيره، وإنما هو من أكاذيب المتصوفة.\nوأما ما نسب إليه الزرقاني بأنه رواه البيهقي ببعض مخالفة، فهذا أيضًا من جنس ما سبق، فإني قد بحثت في مظان هذا الحديث من كتب البيهقي فلم أظفر به ولا ما هو بمعناه في أي من كتبه.\nأما من حيث الدراية:\nفأيضًا أن الحديث لا يصح لوجوه:\n١ - إننا لا نعرف في أي كتاب روى هذا الحديث عبد الرزاق، ولا نعرف أنه رواه عند أحد من العلماء المعتد بهم، ومن قرائن وضع الحديث ألا يتداوله العلماء وأهل العلم بالحديث، فليس الحديث في مصنفه، ولا في مسند أحمد","vol":"1","page":882},{"text":"ولا في سنن الدارمي، ولا في مسند الطيالسي، ولا في الكتب الستة، ولا في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، ولا في مستدرك الحاكم، ولا في معاجم الطبراني الثلاثة، ولا في دلائل النبوة للبيهقي، ولا في سنن البيهقي، ولا في سنن الدارقطني، ولا في كتب الضعفاء والمتروكين، ولا في كتب الزهد والرقائق كالحلية لأبي نعيم، وصفوة الصفوة، ولا في مجاميع الحديث كالجامع الصغير، والجامع الكبير، ولا في كنز العمال، ولا في كتب التراجم، فأين يكون هذا الحديث؟ !، لا شك أنه حديث باطل.\n٢ - لو سلمنا أن الحديث صحيح إلى عبد الرزاق، لكان مما حدث به بعد تغيره، فقد عمي في آخر عمره وصار يلقن أحاديث ليست في كتبه، فوقعت المناكير في حديثه بعد ذلك.\n٣ - إن الحافظ الثقة إذا حدث بحديث يخالف فيه الثقات كان حديثه شاذًا، فكيف إذا خالف الكتاب والسنة وروى الأباطيل؟ فلا ريب أن حديثه الذي انفرد به منكر مردود.\n٤ - سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - أن قومًا ينقلون: (إن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها، فخلق الله من كل قطرة نبيًا، وكانت القبضة هي قبضة النبي ﷺ وبقي كوكبًا دريًا، وكان نورًا منقولًا من أصحاب الرجال إلى بطون النساء).\nفأجاب: (من ذكر من أن الله قبض من نور وجهه قبضة) إلخ - فهذا أيضًا","vol":"1","page":883},{"text":"كذب باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وكذلك ما يشبه هذا من أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي في كتابه الفردوس، ويذكرها ابن حمويه في مثل كتاب (المحبوب) ونحو ذلك مما يذكرون من أن النبي ﷺ، كان كوكبًا أو أن العالم كله خلق منه، أو كان موجودًا قبل أن يخلق أبوه، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل، ومثل هذه الأمور، فكل ذلك مفترى باتفاق أهل العلم بسيرته ...).\nوقال أيضًا: (فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم، لا سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل، بل متخلية في العقل! ليس لأحد أن يرويها ويحدث بها إلى على وجه البيان، لكونها كذبًا، ... وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحديث بها في كل مكان، ومن أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التي تزجره وأمثاله عن الكذب على النبي ﷺ وأصحابه، وأهل بيته، وغيرهم من أهل العلم والدين).\n٥ - إن شيوع مثل هذا المعتقد الذي يخالف كل دليل من كتاب الله ومن سنة رسوله، يجعل المسلمين في سخط الله تعالى، لأنهم يعتقدون عقائد تخالف ما شرع الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ.\n٦ - إن نسبة مثل هذه العقائد إلى الإسلام تجعله في نظر خصومه دين الخيالات والمبالغات.\n٧ - إن مثل هذا القول سفسطة ظاهرة، فإن ذات ربنا ﵎ منزه من أن يكون مادة لغيره وأخذ قبضة من نوره ليس معناه أنه قطع منه جزء فجعله نور","vol":"1","page":884},{"text":"نبيه، فإنه مستلزم للتجزي، وغير ذلك مما يتبعه في ذاته - تعالى الله عنه ـ.\nحتى لو سلمنا جدلًا - وأنى له ذلك - أن الحديث ثابت؛ فإن قوله: (من نوره) إن الإضافة فيه كالإضافة في قوله تعالى في قصة خلق آدم: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)، وكقوله تعالى من قصة سيدنا عيسى: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، وكقولهم: (بيت الله الكعبة والمساجد)، وقولهم: (روح الله) لعيسى، وغير ذلك.\nقال الزرقاني في شرح المواهب: عند شرح قوله (من نوره): (إضافة تشريف، ... على حد قوله تعالى: (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)، وهي بيانية).\nوبهذا علمنا: أن الشبهات التي يتشبث بها أصحاب وحدة الوجود كلها ساقطة من أساسها، فلا يوجد لديهم أي دليل لا من العقل ولا من النقل على القول بوحدة الوجود.","vol":"1","page":885},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد</span>\nوالكلام عليه سيكون على محورين:\nالمحور الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات.\nالمحور الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد في الصفات والأفعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المحور الأول: في بيان الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الذات:</span>\nوقد وقع فيه جملة من الملل في العصر الحاضر، فمن هذه الملل ما يأتي:\n١ - شرك المجوس الموجودين في العصر الحاضر، وقد سبق بيان مذهبهم وعقيدتهم فيما سبق، فلا نعيده هاهنا.\n٢ - شرك النصارى الموجودين في العصر الحاضر، مع اختلاف فرقهم ونحلهم؛ فإنهم ما زالوا على العقائد السابقة الذكر، وإن اختلفت النحل والأسماء في العصر الحديث.\n٣ - بعض الفرق الباطنية المعاصرة:\nمن أبرز الفرق:\nأ- الإسماعيلية المعاصرة: فإنهم يعتقدون كاعتقاد سلفهم: أن الله لم","vol":"1","page":886},{"text":"يخلق العالم خلقًا مباشرًا، بل كان ذلك عن العقل الكلي الذي هو محل لجميع الصفات الإلهية، ويسمونه الحجاب، ويسمون الأول بالسابق والثاني بالتالي، وقد حل العقل الكلي في بعض إنسانهم وأئمتهم، فمن هؤلاء الذين لهم الألوهية عندهم:\n١ - الإمام الموجود عند البوهرة السليمانية والداودية.\n٢ - الإمام الحالي لدى الإسماعيلية الأغاخانية.\nج- النصيرية: حيث يعتقدون في علي بن أبي طالب ﵁ أنه إله، ويعتقدون أيضًا ألوهية خمسة أيتام.\nفهؤلاء أبرز من أشرك بالله في الربوبية بالأنداد في الذات، فالمجوس والنصارى معلوم شركهم لدى الجميع، وأما الفرق الباطنية المنتسبة إلى الإسلام فلا يذكرون تجاه هذه الاعتقادات أي شبهة، وإنما هي ادعاءات تقريرية، وهم باعتقادهم هذه قد خرجوا من الإسلام جملة وتفصيلًا.\nالمحور الثاني: الشرك في الربوبية باتخاذ الأنداد في الصفات والأفعال:\nوله جانبان:\nالجانب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء إثبات صفات الخالق","vol":"1","page":887},{"text":"للمخلوق.\nالجانب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بادعاء بإثبات صفات المخلوق للخالق.\nأما الجانب الأول ففيه عدة مطالب:\nالمطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة الخاصة لله جل وعلا للمخلوق.\nالمطلب الثاني: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة العلم المحيط الخاصة بالله جل وعلا لبعض المخلوقات.\nالمطلب الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة الحكم الخاصة بالله جل شأنه لغير الله جل وعلا من المخلوقات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله جل شأنه</span>\nالمقصود بالشرك في قدرة الله الكاملة:\nمعلوم أن صفة من الصفات الجامعة لله، تشمل كثيرًا من صفاته تعالى، وهي تعني: كل ما ليس في مقدور البشر أن يفعله من خصائص الربوبية. فمن هذه الصفات ما يلي:\n١ - التصرف الشامل في الكون والمكنون.\n٢ - التصرف الخاص في الكون والمكنون.\nوهذا النوع الثاني من التصرف يشتمل على عدة أمور.\n- القدرة على الخلق والإيجاد.\n- القدرة على إحياء الموتى.","vol":"1","page":888},{"text":"- القدرة في إنزال المطر.\n- القدرة على شفاء الأمراض.\n- القدرة على الهداية التوفيقة.\n- القدرة على حفظ العالم من الدمار.\n- القدرة على النفع والضر.\n- القدرة على الإنقاذ من عذاب القبر.\n- القدرة على غفران الذنوب ومحو الخطايا من الصحف.\n- القدرة على إجابة الدعاء واستماع ندائهم وإغاثة المكروبين من كربهم والمصابين من مصائبهم.\nلقد وقع في هذا النوع جملة من الفرق والنحل والطوائف وبعض الجهلة من الناس في العصر الحديث؛ فإن كل من أثبت لغير الله جل شأنه من الأفعال والأعمال التي تتعلق بالقدرة الكاملة كالإحياء والإماتة والنفع والضر والخلق والرزق والإغاثة من الكرب والمصائب وغيرها التي لا يمكن أن تكون من غير الله، فقد أشرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وسأذكر هذه الفرق والنحل والطوائف وبعض من تورط ببعض أنواع الشرك في الفروع التالية:\nالفرع الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله في الشيعة:\nوذلك؛ لما يعتقدون في علي ﵁: (أن عليًا لما رفع السيف ليضرب به مرحّبًا، أمر الله سبحانه إسرافيل وميكائيل أن يقبضا عضده في الهواء حتى لا يضرب بكل قوته، ومع هذا قسمه نصفين، وكذا ما عليه من","vol":"1","page":889},{"text":"الحديد وكذا فرسه، ووصل السيف إلى طبقات الأرض، فقال لي الله سبحانه: يا جبريل، بادر إلى تحت الأرض، وامنع سيف علي عن الوصول إلى ثور الأرض حتى لا تنقلب الأرض، فمضيت فأمسكته، فكان على جناحي أثقل من مدائن لوط، ... وفي ذلك اليوم أيضًا: لما فتح الحصن، وأسروا نساءهم كانت فيهم صفية بنت ملك الحصن، فأتت النبي ﷺ وفي وجهها أثر شجة، فسألها النبي ﷺ عنها، فقالت: إن عليًا لما أتى الحصن وتعسر عليه أخذه، أتى على برج من بروجه، فهزه فاهتز الحصن كله، وكل من كان فوق مرتفع سقط منه، وأنا كنت جالسة فوق سريري فهويت من عليه فأصابني السرير، فقال لها النبي: يا صفية، إن عليًا لما غضب وهز الحصن غضب الله لغضب علي، فزلزل السموات كلها حتى خافت الملائكة ووقعوا على وجوههم، وكفى به شجاعة ربانية، وأما باب خيبر فقد كان أربعون رجلًا يتعاونون على سده وقت الليل، ولما دخل علي الحصن طار ترسه من يده من كثرة الضرب، فقلع الباب، وكان في يده بمنزلة الترس يتقاتل فهو في يده حتى فتح الله عليه).\nومعلوم أن مثل هذه القدرة خاصة بالله تعالى، وهي ليست في مقدور البشر. وهذا النص وإن كان في مصدر قديم للشيعة إلا أن القوم ما زالوا على نفس الاعتقاد؛ بدليل كون هذا الكتاب ونصوصه عندهم مثل صحيح البخاري عند أهل السنة، فالقوم ما زالوا يعتقدون مثل هذا الاعتقاد.\nوهؤلاء الشيعة في اعتقاداتهم هذه ما يذكرون أي دليل يذكر من مصادر موثوقة، وإنما يختلقون أكاذيب، وينقلون روايات ملفقة من المجهولين","vol":"1","page":890},{"text":"ليثبتوا هذه العقائد. ولا يستدلون لا بالآية القرآنية ولا بالسنة الصحيحة، ولا بالعقل الصريح، حتى نشتغل بالرد عليهم، ولذا فإننا لا نطيل في الرد عليهم، مكتفيًا بما سيأتي في ردنا على المتصوفة فيما بعد.\nالفرع الثاني: الشرك بالله ﷿ في صفته القدرة الكاملة لدى البابية والبهائية:\nلقد وقعت البابية والبهائية في ألوان من الشرك بالله جل وعلا، سبق أن ذكرنا بعضًا منها، وهنا نذكرهم على أساس أنهم وقعوا في الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة، وذلك؛ أنهم يعتقدون أن الباب الذي هو حسين علي المازندراني هو الذي خلق العالم كله، وإليه الخلق والرزق، وكل ما هو لدى الله فهو عنده.\nالفرع الثالث: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفته الكاملة لغير الله في المتصوفة:\nالمتصوفة قد وقعوا في هذا النوع من الشرك من وجوه عدة، وفيما يلي بيان ذلك بالتفصيل:\nأ- اعتقاداتهم تجاه النبي ﷺ في هذا الباب:\nفمن هذا الباب ادعاء الغلاة: أنه إليه الملاذ والمهرب في الشدائد والكرب. فمن أقوالهم الدالة عليه ما يلي:\n١ - يقول القسطلاني - ثم لم يعلق عليه الزرقاني موافقة له ـ: (فهو خزانة","vol":"2","page":891},{"text":"السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، ولا ينقل خير إلا عنه، ولله در القائل:\nألا بأبي من كان ملكًا وسيدًا ... وآدم بين الماء والطين واقف\nإذا رام أمرًا لا يكون خلافه ... وليس لذاك الأمر في الكون صارف)\n\n٢ - ما ذكر النبهاني عن بعض أساطينهم أنه قال:\nيا ملاذي يا منجدي يا منائي ... يا معاذي يا مقصدي يا رجائي\nيا نصيري يا عمدتي يا مجبري ... يا خفيري يا عدتي يا شفائي\nأدرك أدرك أغث أغث يا شفيعي ... عند ربي واعطف وجد بالرضاء\nأنت عوني وملجئي وغياثي ... وجلا كربتي وأنت غنائي\n\n٣ - كما نقل أيضًا عن آخر قوله:\nنفحة لمحة غياثًا عياذًا ... عطفة جذبة جوابًا نداء\nكم هموم من الديون علتني ... أنا في فكرها صباح ومساء\nثقلت حملها غير أني ... بك أرجو وضعًا لها أو وفاء\nأنت في كل مطلب نصب عيني ... لا أرى لي إلا سواك التجاء\nيا مجلي بحبه الكرب فَرِّج ... كربة القلب واكشف الغماء","vol":"2","page":892},{"text":"يا مرجي الخطوب أنت المرجى ... عند ما ترجى الخطوب الرجاء\nعظمت كربتي فجئتك قصدًا ... قاصدًا للعظائم العظماء\n\n٤ - ونقل عن آخر قوله:\nبذلي بإفلاسي بفقري بفاقتي ... إليك رسول الله أصبحت أهرب\n\n٥ - ونقل عن آخر قوله:\nيا رسول الإله إني ضعيف ... فاشفني أنت مقصد للشفاء\nيا رسول الإله إن لم تغثني ... فإلي من ترى يكون التجائي\n\n٦ - وقال النبهائي نفسه مثل هذا القول:\nسيدي أبا البتول أغثني ... أنت أدرى بما حواه الضمير\n\nوقال أيضًا: (إن المسلمين ... من أهل السنة والجماعة - وهم جمهور الأمة المحمدية يعتقدون فيه ﷺ: أنه يعلم الغيب، ويعطي ويمنع، ويقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء).\n٧ - ومثل هذا ما جاء في القصيدة للبوصيري التي سميت بالبردة - ظلمًا","vol":"2","page":893},{"text":"وزورًا - مضاهًا للقصيدة الصحيحة:\nيا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم\n\nوقوله:\nولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلى باسم منتقم\n\nوقوله:\nإن آت ذنبًا فما عهدي بمنتقض ... من النبي ولا حبلي بمنصرم\nفإن لي ذمة منه بتسميني ... محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم\nإن لم يكن في معادي آخذًا بيدي ... فضلًا وإلا فقل يا زلة القدم\nحاشاه أن يحرم الراجي مكارمه ... أو يرجع الجار منه غير محترم\n\nوقال أيضًا في قصيدته الهمزية:\nقد تمسكت من ودادك بالحبل ... الذي استمسكت به الشفعاء\nوأبى الله أن يمسني السوء ... بحال ولي إليك التجاء\nقد رجوناك للأمور التي ... أبردها في قلوبنا رمضاء\nوأتينا إليك أنصار فقر ... حملتنا إلى الغني أنضاء\nوانطوت في الصدر حاجات ... نفسي ما لها عن نديدك انطواء\nفأغثنا يا من هو الغوث ... والغيث إذا أجهد الورى اللأواء\nوالجواد الذي به تفرج الغمة ... عنا وتكشف الحوباء\nيا نبي الهدى استغاثة ملهوف ... أضرت بحاله الحوباء\n\nإذا نظرنا إلى الأبيات السابقة التي أوردتها عن البوصيري نرى فيها الغلو","vol":"2","page":894},{"text":"الشديد الذي أدى به إلى أن يتجاوز بالرسول منزلة العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية؛ حيث توجه إليه بطلب الاستغاثة، ووصفه بأنه هو الذي ينجيه من الكربات ومن هلاك يوم القيامة، وأنه ليس له غيره منج له.\n٨ - ومثل هذا ما جاء عن البرعي:\nفخذ بيدي وجد بالعفو يا من ... إذا ناديته لبى سريعًا\nوقل عبد الرحيم غدا رفيقي ... وما يخشى رفيقك أن يضيعا\nيا سيدي يا رسول الله خذ بيدي ... في كل هو من الأهوال ألقاه\nإن كان زارك قوم لم أزر معهم ... فإن عبدك عاقته خطاياه\nيا صاحب القبر المقيم بيثرب ... يا منتهى أملي وغاية مطلبي\nيا من نرجيه لكشف عظيمة ... ولحل عقدٍ ملتوٍ متصعب\nيا من يجود على الوجود بأنعمٍ ... خضرٍ تعم عموم صوب الصيب\nيا غوثَ من في الخافقين وغيثهم ... وربيعهم في كل عام مجدب\nيا رحمة الدنيا وعصمة أهلها ... وأمان كل مشرّقٍ ومغرّبٍ\n\nوهناك أبيات أخرى للبرعي توجه فيها إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة، وإنما ذكرت هنا نماذج من شركه في الربوبية في القدرة الكاملة، وشركه في العبادة في الدعاء لغير الله.\nإذا نظرنا إلى هذه الأبيات التي قالها البرعي مادحًا بها الرسول ﷺ نرى أنه قد غلا في مدح الرسول غلوًا شديدًا، حتى وصل به هذا اللغو إلى أن يصرف","vol":"2","page":895},{"text":"عبادات لا يجوز صرفها لغير الله عزوجل، حيث توجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب منه أن يأخذ بيده، وصرح بأنه إذا نادى الرسول فإنه ينفذ له مطلوبه، وطلب من الرسول أن ينجيه من كل الأهوال التي تصيبه في هذه الدنيا، ووصفه أيضًا بأن الرسول ﷺ هو الذي يجود بالنعم لكل ما في هذا الكون، وأخيرًا وصف الرسول ﷺ بأنه مغيث كل من في الخافقين، وأنه أمان لكل من في المشرق والمغرب.\nوهذه الأوصاف كلها لا تليق إلا بالله ﷿، وأغلبها من الشرك في القدرة الكاملة، ولكن الغلو الزائد أوقع البرعي في هذه الشركيات التي نراها واضحة في هذه الأبيات التي أوردناها عنه، وهي لا تحتاج إلى الإيضاح والبيان؛ لأن الاستغاثة والتوجه إلى الرسول بالدعاء والالتجاء إليه في الشدائد واضح فيها من أولها إلى آخرها. وإذا لم تكن مثل هذه الألفاظ شركًا فليس هناك شيء يسمى شركًا.\n٩ - ويقول آخر:\nأنشأك نورًا ساطعًا قبل الورى ... فرد الفرد والبرية في العدم\nثم استمد جميع مخلوقاته ... من نورك السامي فيا عظم الكرم\nفلذا إليك الخلق تفزع كلهم ... في هذه الدنيا وفي اليوم الأهم\nوإذا دهمتهم كربة فرجتها ... حتى سوى العقلاء في ذاك منتظم\nجد لي فإن خزائن الرحمن في ... يدك اليمنى وأنت أكرم من قسم\n\nإذا نظرنا في هذه الأبيات السابقة نرى فيها الغلو الزائد في الرسول ﷺ واضح فيها؛ حيث ادعى فيها بأن الرسول أول مخلوق، وأنه مخلوق من نور،","vol":"2","page":896},{"text":"وأن جميع المخلوقات استمدت من نوره، كما يتضح من البيت الثالث والرابع أنه يرى وجود القدرة الكاملة لدى الرسول ﷺ، حيث يدعي الشاعر أن جميع الخلائق يفزعون إلى الرسول يوم القيامة وفي هذه الدنيا أيضًا لإنجائهم في المهالك، ولتحقيق المطالب. وزعم أيضًا بأن الرسول هو المفرج لجميع الكرب التي تصيب البشرية، ثم سأل الرسول أن يجود له من الخزائن التي في يده لأن خزائن الرحمن كلها في يد الرسول ﷺ على زعمه ـ، وهذه كلها من الشرك بالله جل شأنه في قدرته الكاملة.\n١٠ - ويقول آخر:\nمن استجار به ينجيه من كرب ... فجاه طه وسيع لا بمنحصر\nرب استجرب به في كل حادثة ... وكل نائبة ما عشت عمري\nوفي القيام وفي حشر لينقذني ... من كل ما أخشى من سيئ القدر\nشفاء ذي وصب نجاة ذي عطب ... غياث ذي نصب في السهل والوعر\nمن راح قاصده يلقى مقاصده ... كالبحر في كرم والغيث والمطر\n\nوقال أيضًا:\nيا رسول الله غوثًا عجلا ... فعظيم الخطب فينا نزلا\nيا رسول الله فرج سندي ... أصلح الشأن وسد الخللا\nإن حصن الله من لاذ به ... أمن الخوف ونال الأملا\nأنت سر الله يا نور الهدى ... أنت غوث الخلق من كل البلا\nيا مزيل الخطب إن خطب دها ... سيدي أنت لها غث عجلًا\nفأغثني سيدي الأبناء من ... فرجًا للناس كلا أرسلا","vol":"2","page":897},{"text":"فاكشف الغماء عني عجلا ... يا مغيثًا يا عظيمًا بطلا\n\nإذا نظرنا في الأبيات السابقة يظهر بجلاء مدى توغل صاحبه في الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة، حيث إنه طلب منه النجاة والشفاء وفرج الكربات وغيرها.\nففي هذه الأشعار والأبيات (ومثلها كثير عند المتصوفة) شرك في الربوبية بالله جل شأنه في صفته القدرة الكاملة، كما أن فيها شرك بالله بالأنداد بجملة من الصفات المندرجة تحت صفة القدرة الكاملة؛ من كشف الضر والخلاص من الكربات وشفاء السقام، واللجوء من الخوف والضرر والهول، كل هذه الصفات أثبتوها لغيره سبحانه.\n١١ - ويقول البريلوي: إن النبي ﷺ يقضي كل قسم من الحاجات، إن جميع أمور الدنيا والآخرة في اختياره.\n١٢ - ويقول آخر: ماذا في كفة الله تعالى سوى الوحدة؟ إن كنت تريد شيئًا فاطلبه من محمد ﷺ.\n١٣ - وأيضًا يقول البريلوي: (إن مفاتيح الكون كلها في يد رسول الله ﷺ، وهو مالك الكل، وأنه النائب الأكبر للقادر، وهو الذي يملك كلمة (كن».\n١٤ - ويقول أيضًا: (كل ما ظهر في العالم فإنما يعطيه سيدنا محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، فلا يخرج من الخزائن الإلهية شيء إلا على يديه، وإنه ﷺ إذا أراد شيئًا لا يكون خلافه؛ لأنه ليس لأمره صارف في الكون).","vol":"2","page":898},{"text":"١٥ - ويقول أيضًا في ديباجة كتابه: (الأمن والعلى لناعتي المصطفى): (وصلى ربنا وسلم على دافع البلاء والوباء والقحط والمرض والألم، سيدنا ومولانا ومالكنا ومأوانا محمد مالك الأرض ورقاب الأمم ... قال الفقير المستدفع البلاء، من فضل نبيه العلي الأعلى، صلى عليه الله تعالى، عبد المصطفى أحمد رضا، المحمدي الحنفي القادري البركاتي البريلوي، دفع بنبيه البلاء، ومنح قلبه النور والجلاء).\n١٦ - وقال: إن الرسول ﷺ هو المبرئ من السقم والآلام والكاشف عن الأمة كل خطب، وهو المحيي، وهو الدافع للمعضلات والنافع للخلق، والرافع للراتب، وهو الحافظ الناصر، وهو دافع البلاء، وهو الذي برد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي وحكمه نافذ، وأمره جار في الكونين.\n١٧ - وقال:\n(منه الرجاء منه العطاء منه المدد في الدين والدنيا والأخرى للأبد).\n١٨ - وقال: إن رسول الله ﷺ خليفة الله الأعظم، وإنه متصرف في الأرض والسماء.\n١٩ - وقالوا: المعاملة كلها بيد رسول الله ﷺ، يعطي من شاء ما شاء؛ لأن الدنيا والآخرة من جوده، وعلم اللوح والقلم من علومه، فإن كنتم تريدون","vol":"2","page":899},{"text":"خيري الدنيا والآخرة فأتوا إلى بابه، ثم اطلبوا ما شئتم.\n٢٠ - وقالوا: إن الله تعالى قد مكن النبي ﷺ من إعطاء كل ما أراد من خزائن الحق، ومن خصائصه ﷺ أن يخص من شاء بما يشاء، ومن خصائصه ﷺ أن الله تعالى أقطعه أرض الجنة يعطي منها ما يشاء من يشاء.\n٢١ - وقالوا: إن رسول الله ﷺ مالك الأرضين ومالك الناس، ومالك الأمم، ومالك الخلائق، بيده مفاتيح النصر والمدد، والجنة والنار، وهو يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، ويكشف الكروب ويدفع البلاء، وهو حافظ للأمانة وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي للاستنجاد.\n٢٢ - وقالوا: إن النبي ﷺ نائب مطلق عن الله تعالى، فالعالم كله تحت تصرفه، فهو يفعل ما يشاء، ويعطي ما يشاء من يشاء، ويسلب ما يشاء من يشاء؛ لا راد لقضائه في العالم كله، والعالم كله محكوم له، وهو مالك لجميع بني آدم، والأرض كلها والجنة كلها ملكه.\nوملكوت السموات والأرض تحت أمره، ومفاتيح الجنة والنار في يده، والرزق والخير وكل قسم من العطاء يوزع من عنده، إن الدنيا والآخرة حصة من عطائه.\n٢٣ - وقالوا: قال الله تعالى: يا محمد، كلهم يطلبون رضاي، وأنا أطلب","vol":"2","page":900},{"text":"رضاك، وجعلت ملكي كله من العرش إلى الفرش فداءً لك، حكمك جار على الشمس والقمر؛ لا يطلع الشمس حتى تسلم على ابنك الجيلاني غوث الثقلين وغيث الكونين.\nوالخلاصة: بعد إيرادنا تلك المقالات عن المتصوفة ومن سار على نهجهم من القبوريين التي مدحوا فيها الرسول وتجاوزوا فيها الحد، حيث غلوا في الرسول ورفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، نستطيع: إن نقول: إن المتصوفة قد وقعوا في انحراف عقدي خطير جدًا؛ حيث توجهوا إلى رسول بالدعاء والاستغاثة طالبين منه غفران الذنوب وتفريج الكروب، وغير ذلك من المطالب، تاركين الله ﷿ وراء ظهورهم، معرضين عن دعائه ﷾ الذي قال في كتابه: (ادعوني أستجب لكم).\nوقوله سبحانه: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).\nوبما أن الدعاء يعتبر عبادة من أجل العبادات، فإن صرفه للرسول ﷺ يعتبر شركًا بالله ﷾؛ وذلك لأن الرسول عبد من عباد الله ولا يستحق شيئًا من حقوق الألوهية، بل هو ﷺ كان يعبد ربه صلى الليل حتى تتفطر قدماه، وكان يستغفر الله كثيرًا ﷺ.\nولأن غفران الذنوب وتفريج الكروب والإنجاء من المهالك في الدنيا والآخرة خاص بالله ﷾، قال تعالى: (ومن يغفر الذنوب إلا الله)، والجواب: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله ﷾؛ لا نبيًا","vol":"2","page":901},{"text":"مرسلًا ولا ملكًا مقربًا ولا وليًا.\nوعلى هذا فالمتصوفة بتوجههم بالدعاء إلى الرسول والاستغاثة به وطلب غفران الذنوب منه يعتبرون قد وقعوا في الإشراك بالله غيره؛ لأن الدعاء عبادة فصرفه لغير الله يعتبر شركًا بالله ﷾. وسيأتي بيان هذا النوع من الشرك عند المتصوفة فيما بعد. إنما المقصود هنا: بيان شرك الربوبية بالأنداد لدى المتصوفة، وهذه النصوص فيها بيان صريح لوقوعهم في أنواع من الشرك في الربوبية بالأنداد، ومن أبرزها: الشرك في صفة القدرة الكاملة لله سبحانه، ولهذا فإننا سنرد عليهم فيما يلي:\nالردود على هذه الأقوال:\nيرد على هذه الأقوال بالقرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة:\nأما الكتاب، فمثل قوله تعالى:\n١ - (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ).\n٢ - (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ).\n٣ - (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).\n٤ - (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى","vol":"2","page":902},{"text":"كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ).\n٥ - (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\n٦ - (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا).\n٧ - (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ).\n٨ - (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).\n٩ - (قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا).\n١٠ - (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).","vol":"2","page":903},{"text":"١١ - (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ).\n١٢ - (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ).\n١٣ - (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ).\n١٤ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).\n١٥ - (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ).\n١٦ - (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا).\n١٧ - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا).\n١٨ - (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).\n١٩ - (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ).","vol":"2","page":904},{"text":"٢٠ - (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).\nفهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن هذه الأشياء التي أثبتوها للنبي ﷺ كلها من خصائص الربوبية، ومن الحقوق الخالصة لله جل شأنه، بل فيه إشراك في صفة القدرة الكاملة لله تعالى، فإثباتها لغير الله شرك بالله في الربوبية في صفة القدرة الكاملة.\nأما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على إبطال هذه العقيدة - عقيدة التصوف في الكون لغير الله - والتي هي شرك بالله في صفته القدرة الكاملة، من أهمها ما يلي:\nالحديث الأول: حديث ابن عمر ﵁ قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله. وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف».","vol":"2","page":905},{"text":"فإن هذا الحديث من أعظم الأحاديث التي تثبت التصرف في الكون لله وحده لا شريك له، وتنفي عن غيره تعالى، ويدل على أن الأنبياء والأولياء وغيرهم من المخلوقين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا؛ فضلًا عن أن يملكوا لغيرهم، كما أنهم لا يملكون موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأن غيره تعالى غير قادر على العطاء والمنع، ودفع الضر وجلب النفع.\nالحديث الثاني: حديث عبد الله بن حوالة الأزدي: قال: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا، فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال: «اللهم لا تكلهم إلي فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم».\nهذا الحديث أيضًا يدل على إبطال عقيدة المتصوفة في زعمهم التصرف في الكون لغير الله، فإنه صريح، ونص على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا، وأنه عاجز عن حفظ نفسه، فكيف يملك حفظ غيره؟ !\nكما دل الحديث على أن حفظ الخلق صفة خاصة بالله تعالى.\nالحديث الثالث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ،","vol":"2","page":906},{"text":"فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، قال: «لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني!\nفأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.\nوعلى رقبته صامت.\nفيقول: يا رسول الله ... أغثني!\nفأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغتك.\nأو على رقبته رقاع تخفق.\nفيقول: يا رسول الله ... أغثني!\nفأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك».\nفهذا الحديث أيضًا صريح في أن سيد البشر، وأفضل الأنبياء لا يملك نفعًا ولا ضرًا حتى لأصحابه، فما بالك بغيره؟ ! .\nالحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ)، قال: «يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم ... لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف!","vol":"2","page":907},{"text":"لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ، سليني ما شئت من مالي! لا أغني عنك من الله شيئًا).\nفهذا الحديث أيضًا يدل نصًا على أن النبي ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لبنته وعمه وعمته وأقاربه، وأنه لا يستطيع أن يخلصهم من بطش الله وعذابه ... فما ظنك بغيره؟ ! فلو كان النبي ﷺ يملك القدرة والتصرف والنفع والضر لكان أقاربه أحق الناس بأن يدفع عنهم الضر ويجلب لهم الخير، ولم يقل له: (إني لا أملك لكم، ولا أغني عنكم من الله شيئًا).\nووردت أحاديث كثيرة تؤكد بأن الرسول ﷺ لا يعلم ما سيفعل به في المستقبل، وأنه لا يستطيع دخول الجنة إلا إذا أدخله الله فيها برحمته، وإليك النصوص الدالة على هذا:\nالحديث الأول: قال رسول الله ﷺ: «والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي».\nوالحديث الثاني: قول الرسول ﷺ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: حتى أنت يا رسول الله؟ قال: «حتى أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل","vol":"2","page":908},{"text":"ورحمة».\nففي هذين الحديثين صرح الرسول ﷺ بأنه لا يعرف ما يفعل به، وأنه لا يستطيع أن يدخل أحد بعمله الجنة إلا بفضل الله - حتى هو صلوات الله وسلامه عليه - وإذا كان الرسول كذلك لا يملك لنفسه دخول الجنة إلا برحمة الله، فتوجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة يعتبر عبثًا وهراء، وما أوقعهم في هذا الشرك إلا حبهم للخرافة والابتداع والوقوع في حبائل الشرك.\nوكيف يتوجه إليه المتصوفة بالدعاء والاستغاثة ويطلبوا منه أمورًا لا يجوز طلبها إلا من الله، وهو قد زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، ثم قال رسول الله ﷺ: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي؛ فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت».\nوثبت أيضًا في صحيح مسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «في النار»، فلما قفى دعاه فقال له: «إن أبي وأباك في النار».\nفانظر كيف أن الرسول ﷺ لم يستطع أن ينفع والديه وهما أقرب الناس إليه، فكيف نتصور أن الرسول ﷺ يغفر ذنوب من جاءوا إليه بعد موته، ويفرج همومهم من أولئك المتصوفة المخرفة الذين يتوجهون إليه بالدعاء والاستغاثة ضاربين بتلك الآيات التي تصف الداعي لغير الله أضل إنسان مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ","vol":"2","page":909},{"text":"غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).\nوناسين أيضًا تلك الآيات التي قررت بأن كل مدعو دون الله ما هو إلا عبد وأنه لا يستطيع نصر من يدعوه سواء كان هذا المدعو ملكًا أو نبيًا أو حجرًا أو شجرًا، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).\nففي هذه الآيات أخبرنا الله ﷾ بأن المدعوين من دون الله لا يستطيعون نصر من يدعونهم؛ لأنهم عاجزون عن نصر أنفسهم فضلًا عن أن ينصروا غيرهم، ومن كان عاجزًا عن نصر نفسه لا ينبغي أن يتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة؛ لأنه لا يملك إجابة دعاء من دعاه ولا إغاثة من استغاث به؛ لأن هذه من خصوصية الله ﷿، فلا ينبغي أن تصرف لغيره ومن صرفها لغيره، فدعا واستغاث بغيره، فقد وقع في الشرك الأكبر.\nوهناك نص قاطع من السنة النبوية بأن الرسول ﷺ قال للصحابة حينما قالوا: قوموا نستغيث برسول الله: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله»، وهذا نص الحديث.\nروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين،","vol":"2","page":910},{"text":"فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال النبي صل الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله».\nوفي حديث آخر حينما قال الصحابي للرسول ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «بل ما شاء الله وحده، أجعلتني لله ندًا؟ !».\nفإذا نظرنا إلى الحديثين السابقين نجد أن الرسول ﷺ أنكر على الصحابة الذين قالوا: قوموا نستغيث برسول الله ﷺ، وأخبرهم بأن الذي يستغاث به هو الله ﷾؛ لأنه هو الذي يستطيع أن يغيث من يستغاث به، أما هو فلا يستغاث به؛ لأنه عاجز عن إغاثة من استغاث به في الأمور التي لا يمكن أن يقدر عليها إلا الله ﷾، وهذا في حالة حياته أما بعد موته فإنه لا يجوز أن يستغاث برسول الله ﷺ إطلاقًا؛ لأنه انتقل من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية، فكل من استغاث به بعد موته وطلب منه غفران الذنوب وتفريج الكروب وإزالة","vol":"2","page":911},{"text":"الهموم، فقد صرف له شيئًا من العبادات التي لا يجوز صرفها لغير الله ﷾، وحينئذ يعتبر أنه وقع في الشرك.\nأما في الحديث الثاني، فقد أنكر الرسول ﷺ على الذي عطف مشيئته على مشيئة الله ﷾، فقد له مبينًا له خطورة هذه الكلمة - وهو قوله: (ما شاء الله وشئت) ـ: (أجعلتني لله ندًا)، فالرسول كما نرى في هذا الحديث اعتبر عطف مشيئة الرسول على مشيئة الله بحرف الواو إشراكًا بالله ﷾، وهذا رد كاف ومقنع في الحقيقة على المتصوفة الذين رفعوا الرسول ﷺ إلى منزلة الألوهية، فصرفوا له أنواعًا من العبادات رغم أن العبادات لا يجوز صرفها لغير الله ﷾؛ لا لنبي ولا لولي ولا للملائكة ولا غيرهم من المخلوقات - كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني ـ.\nولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾؛ لأنه صرف شيء من العبادات لغير الله، وصرف شيء من العبادات لغير الله يعتبر عبادة لغيره وما الشرك إلا هذا بعينه. وقولهم: بأن الرسول عنده مقدرة على غفران الذنوب وكشف الكروب ودفع المضار وجلب المنافع، هذا شرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته القدرة الكاملة. فجمعوا بين الشركين.\nقلت: هذه بعض الأمثلة من الأحاديث النبوية على إبطال عقائد المتصوفة في النبي ﷺ بأنه يملك التصرف في الكون والذي هو شرك بالله في صفته القدرة الكاملة. وهي تدل صراحة ونصًا على أن النبي صلى الل عليه وسلم لا يملك نفعًا ولا ضرًا لأحد. فضلًا عن أن يملك الإحياء والإماتة، والإقطاع في الجنة، والإغناء، والشقاء، والسعادة، والهداية، والشفاء، والإعطاء.","vol":"2","page":912},{"text":"فتلك المدائح الصوفية ومقالاتهم والتي غلوا فيها غلوًا شديدًا، حتى رفعوا منزلة الرسول إلى منزلة الألوهية والربوبية فتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة، وطلبوا منه أمورًا كلها تتعلق بصفة القدرة الكاملة لله جل شأنه، ولا يجوز طلبها إلا من الله ﷾، كغفران الذنوب، وتفريج الكروب، وإذهاب الهموم، والغموم، والنجاة من النار، وصفوه بأنه ملاذهم الوحيد الذي لا ملاذ لهم سواه! ! ونسوا الله ﷿ الذي قال في كتابه: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).\nونحن نقول للمتصوفة: إن الرسول ﷺ ما هو إلا عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته وحده، وفضله الله بالرسالة وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين وفضله على العالمين، وخصه بخصائص كثيرة دون إخوته من الأنبياء والمرسلين جميعًا، ولكن مع ذلك كله لا يخرجه هذا عن طور العبودية لله ﷾، وقد وصفه الله ﷿ بالعبودية له في أكمل أحواله فقال في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).\nوقال في الإيحاء: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى).\nوقال في الدعوة: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا).","vol":"2","page":913},{"text":"وقال في التحدي: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).\nإذا نظرنا إلى الآيات السابقة نرى: أن الله ﷾ وصف الرسول بالعبودية له حيث أضافه إليه، فقال: (إِلَى عَبْدِهِ) في الأماكن الأربعة، وهو وصف عظيم في الحقيقة لا يجده إلا من حقق العبودية الكاملة لله ﷾. ولذا أقول: الرسول عبد من عباد الله لا يستحق شيئًا من العبادات التي يُتَعَّبَدُ بها الله، وبما أن الدعاء عبادة والاستغاثة أيضًا فيما لا يقدر عليه إلا الله عبادة، فلا يجوز صرفهما للرسول ﷺ؛ لأنه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، وما دام لا يملك ذلك لنفسه فمن باب أولى لا يملكه لغيره، وقد أمره الله في كتابه العزيز أن يقول: إنه بشر، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، في كثير من الآيات.\nفالرسول ﷺ لا يملك نفعًا ولا ضرًا لنفسه فضلًا عن أن يملك جر النفع ودفع الضرر عن غيره، وأنه لو كان النفع والضر بيده لما أصيب بأمور يكرهها في هذه الدنيا، ولكن كان لا يملك ذلك؛ فقد أصيب الرسول ﷺ بأذى كثير من المعركة في غزواته ومنها الإصابات التي أصيب بها في غزوة أحد كما هو معروف في السير؛ ولذا يعتبر توجه المتصوفة إليه بالدعاء والاستغاثة عبث وهراء وشرك بالله ﷿.\nوقد أمره الله في آية أخرى أيضًا أن يقول: إنه لا يعلم ما سيفعل به هو شخصيًا ولا يعلم ما سيفعل بأمته، وأنه ما هو إلا متبع لما يوحى من قبل الله عز","vol":"2","page":914},{"text":"وجل. والذي لا يدري ما يفعل به ولا يدري ما سيفعل بأمته لا يستحق أن يصرف له شيء من العبادة التي لا يستحقها إلا الله ﷾؛ لأن الذي يدعى لابد أن يكون عالمًا بالشيء قادرًا على دفعه، وهذا يبرأ منه الرسول ﷺ كما هو أمامنا في هذه الآية، قال تعالى: (مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).\nوإذا كان الرسول ﷺ لا يعرف ما يفعل به في المستقبل ولا بأصحابه وهو في الحياة الدنيا قبل موته، فكيف يعرف مشاكل الصوفية بعد أن مات حتى يتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة من دون الله تعالى؟ ! إلا إذا قال المتصوفة: الشريعة ما هي إلا لأهل الظاهر فقط، أما أهل الحقيقة فإنهم لهم شريعة أخرى غير القرآن والسنة.\nوالحاصل: أنه قد تبين لنا من خلال الآيات السابقة التي أوردتها ومن أقوال العلماء التي ذكرتها: أن الدعاء نوعان، وأن كلًا من النوعين مستلزم للنوع الآخر، وأن كلًا منهما عبادة لا يجوز صرفها لغير الله ﷾ كائنًا من كان، وأن الرسول عبد من عباد الله الذين خلقهم لعبادته واصطفاه برسالته، وأن أفضل وصف وصف به هو وصفه بأنو عبد الله، وما دام الأمر كذلك فقد بينا بأن صرف الدعاء والاستغاثة به يعتبر شركًا بالله ﷿، وبينا خطورة الشرك وأنه من أكبر المعاصي التي لا يغفرها إلا الله بالتوبة منها قبل الموت، وأن الرسول ﷺ قد تبرأ ممن يدعونه من دون الله، وأخبر بأنه لا يملك شيئًا من النفع والضر فضلًا عن أن يملكه لغيره. وعلى هذا نقول: إن كل من","vol":"2","page":915},{"text":"يدعو الرسول ويستغيث به محاد لله ولرسوله، فهو داخل تحت هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).\nوقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).\nولذا ينبغي على المتصوفة أن يتركوا هذه الأدعية الشركية التي توجهوا بها إلى الرسول ﷺ وطلبوا منه غفران الذنوب، وتفريج الكروب والغموم، والأخذ باليد يوم الميعاد، ويتوجهوا إلى خالقهم الذي بيده ملكوت كل شيء والذي لا يغفر الذنوب سواه، ولا يستطيع على إجابة المضطر سواه.\nقال تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).\nوقال تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).\nوقال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ).\nوالخلاصة التي نخرج بها: أن الرسول ﷺ بشر مثلنا، وأنه ما خلق إلا لعبادة الله كما خلق غيره من الإنس والجن، وأنه لا يستحق شيئًا من العبادة، وقد سبق معنا الحديث الذي فيه أنه قال: لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله ﷾، وأنه لا يستطيع أن ينجي أحدًا من النار حتى ولو أقرب","vol":"2","page":916},{"text":"الأقربين إليه إلا إذا مات مؤمنًا بالله، ولذا أقول: إن توجه المتصوفة إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة يعتبر شركًا بالله ﷾ من جهتين اثنتين:\nالشرك في الربوبية: من جهة اعتقادهم أن الرسول يقدر على هذه الأمور، فإنه إثبات الند في صفة القدرة لله جل شأنه.\nالشرك في الإلهية: من جهة توجههم إليه بأنواع من العبادات.\nومع أن ما قلناه كاف ومقنع لمن يريد الوصول إلى الحق والهداية إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، فإننا نريد أن ندعم ما قلناه بآراء العلماء في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وذلك حتى لا يتهمنا أحد بأننا أول من أتينا بهذا الكلام، وأن هذا الأمر لم يتكلم فيه أحد في العصور السابقة من علماء الأة الإسلامية في عصورها المختلفة - كما يدعي عباد القبور من المتصوفة وغيرهم في أرجاء العالم الإسلامي ـ.\nأما نصوص السلف في إبطال التصرف في الكون لغير الله: فأذكر نماذج من أقوالهم فيما يلي:\nأولًا: أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وطلب كشف الضر وجلب النفع منه:\nيعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ من أكثر العلماء الذين أوتوا مقدرة فائقة في الرد على المبتدعة بشتى أصنافها؛ من صوفة وجهمية ومعتزلة وأشعرية وخوارج وشيعة وغيرها من الفرق الضالة.\nولقد اعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وتفريج الكرب شركًا بالله عز وعلا، وإليك طائفة من أقواله في هذا المجال:","vol":"2","page":917},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن أورد هاتين الآيتين، وهما: قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ). وقوله سبحانه: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، وقال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ). وقوله سبحانه: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\nثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين).\nوقال في التوسل والوسيلة: (فأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يجوز أن يطلب إلا من الله سبحانه، لا يطلب من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم،","vol":"2","page":918},{"text":"كما لا يجوز أن يقال لغير الله: اغفر لي واسقنا الغيث وانصرنا على القوم الكافرين، أو اهد قلوبنا ونحو ذلك).\nوقال في موضع آخر من نفس الكتاب: (ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم لما كانوا من جنس عباد الأوثان صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم؛ فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان).\nوقال أيضًا في نفس الكتاب: (وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلوم أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته ... فإن كل هذا من فعل النصارى وغيرهم من المشركين ومن ضاهاهم من مبتدعة هذه الأمة، ليس هذا فعل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ولا مما أقربه أحد من أئمة المسلمين).\nوقال أيضًا: (وإذا تكلمنا فيه يستحقه الله ﵎ من التوحيد بينّا أن","vol":"2","page":919},{"text":"الأنبياء وغيرهم من المخلوقين لا يستحقون ما يستحقه الله ﵎ من خصائص، فلا يشرك بهم ولا يتوكل عليهم ولا يستغاث بهم كما يستغاث بالله، ولا يقسم على الله بهم، ولا يتوسل بهم بذواتهم، وإنما يتوسل بهم بالإيمان بهم وبمحبتهم وطاعتهم وموالاتهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومعاداة من عاداهم، وطاعتهم فيما أمروا وتصديقهم فيما أخبروا، وتحليل ما حللوه وتحريم ما حرموه).\nوقال في موضع آخر: (إن كل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعًا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو ارزقني، أو أجرني وأنا في حسبك ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهًا آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ويقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، ويقولون: (هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ). فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة) ... - إلى أن قال: - (وعبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب).\nثانيًا: أقوال ابن القيم ﵀ في حكم الاستغاثة بغير الله ودعاء غير الله لكشف الكربات ودفع البليات:","vol":"2","page":920},{"text":"فقد قال ﵀ في كتابه مدارج السالكين متحدثًا عن أنواع الشرك:\n(ومن أنواعه - أي الشرك - طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا فضلًا لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له كما أمرنا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم وندعو لهم ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى التنقص بالأموات.\nوهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذا ظنوا أنهم راضون منهم بذلك، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم ﵇ حيث قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).\nوما نجح من أشرك بهذا الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله).","vol":"2","page":921},{"text":"وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان:\n(ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا ويصرف عنه أهل القرون الثلاثة المفصلة بنص رسول الله ﷺ ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعًا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن لبشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلًا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم؟ فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك بل فيها من خلاف ذلك كثير).\nثالثًا: قول الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في حكم الاستغاثة برسول الله ﷺ والتوجه إليه بالدعاء:","vol":"2","page":922},{"text":"قال ﵀: (وقوله: إن المبالغة في تعظيمه - أي تعظيم الرسول ﷺ واجبة إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيمًا حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به واعتقاد أنه يعلم الغيب وأنه يعطي ويمنع ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء - فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين).\nرابعًا: أقوال الإمام الشوكاني في حكم التوجه إلى الرسول ﷺ بالدعاء والاستغاثة وبطلب النفع والضر:\nقال ﵀: (فلا شك أن من اعتقد في ميت من الأموات أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالًا أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه هو من أنواع العبادة، ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرًا أو شجرًا أو ملكًا أو شيطانًا كما كان يفعل ذلك الجاهلية، وبين أن يكون إنسانًا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه؛ فإن العلة واحدة.\nوعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت، فمن زعم أن ثم فرقًا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع أو يقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فقد غلط","vol":"2","page":923},{"text":"غلطًا بينًا وأقر على نفسه بجهل كثير، فإن الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه.\nومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكًا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن؛ إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه سواه أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم فقط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم، وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار الأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور؛ فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبًا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبًا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده! !\nوأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا إشمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلًا: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك).","vol":"2","page":924},{"text":"وقال أيضًا في رسالته شرح الصدور بتحريم رفع القبور: (لقد أمر الله رسوله ﷺ أن (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فانظر كيف أمر سيد البشر وصفوة خلقه في أنه لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، وكذلك قال في الحديث: «يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئًا» الحديث، فإذا كان هذا قول رسول الله في نفسه وفي أخص قرابته به وأحبهم إليه، فما ظنك بسائر الأموات الذين لم يكونوا أنبياء معصومين ولا رسلًا مرسلين بل غاية ما عند أحدهم أنه فرد من أفراد هذه الأمة المحمدية؟).\nخامسًا: قول الشيخ محمد صديق حسن خان في حكم التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة:\nقال ﵀ في تفسيره فتح البيان تحت قوله تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ): (وفي هذا أعظم وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله أو الاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله ﷾، وكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورزقهم أحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء","vol":"2","page":925},{"text":"الخالق الرازق المعطي المانع؟\nوحسبك بما في الآية من موعظة؛ فإن سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: (لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا)، فكيف يملكه لغيره؟ وكيف يملكه غيره ممن رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه فضلًا عن أن يملكه لغيره؟، فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى ويطلبون منهم الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ﷿، كيف لا يستفطنون لما وقعوا فيه من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى (لا إله إلا الله) ومدلول (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؟ .\nوأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى وإلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما أصنامهم شفعاء لهم عند الله ويقربونهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم القدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر، ولقد توسل الشيطان - أخزاه الله - بهذه الذريعة إلى ما تقر عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون).\nاعتقاداتهم تجاه ما يزعمون أنهم من الأولياء والصالحين:\nلقد وجد عند المتصوفة نفس الاعتقاد الذين اعتقدوه في النبي ﷺ، بل ربما زادوا عليه أشياء تجاه أوليائهم ومشائخهم، فإنهم يرون التصرف في الكون، والإحياء والإماتة والإرزاق والنصر على العدو وقضاء الحوائج،","vol":"2","page":926},{"text":"وكشف الكربات وإغاثة الملهوف وغير هذه الاعتقادات تجاه أوليائهم ومشايخهم. ومن مظاهر هذا الاعتقاد ما يلي:\nاختراعهم مراتب للأولياء الذين لهم تصرف ونفوذ على الكون - على حد تعبيرهم ـ:\nلقد اخترع الصوفية وابتدعوا من عند أنفسهم مراتبَ وألقابًا من عند أنفسهم لمن يصفونهم بأنهم أولياء الله، بقطع النظر عن الشخص الذي يصفونه بهذا الوصف، وهل هو مستحق لهذا الوصف العظيم - وهو وصف ولي الله - أو غير مستحق ذلك، لأن إطلاق هذا اللفظ على شخص بعينه فيه شهادة له وتأكيد بأنه من المرضي عنهم دنيا وأخرى، وهذا فيه جرأة عظيمة على الله. ولو لاحظنا غالب من يعتبرهم المتصوفة بأنهم أولياء الله سنجد بأنهم أصحاب دجل وكهانة وشعوذة وبدع وخرافات، ويظهر هذا لكل من يقرأ في كتبهم ويلاحظ سلوكهم.\nومن جملة البدع التي ابتدعها المتصوفة هي إحداث ألقاب لمن يطلقون عليهم أولياء الله، فقد ذكر الصوفية ألقابًا لأولياء الله لم ترد في الكتاب لا في السنة وإنما أتوا بها من عند أنفسهم، وإليك هذه المراتب والألقاب والوظائف التي ذكرها الصوفية في كتبهم.\nأولًا: مراتب الأولياء عند الصوفية:\nفمن الصوفية الذين ذكروا هذه المراتب والألقاب والوظائف محيي الدين ابن عربي الذي يصفه الصوفية: بأنه الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، فقد قال عن مراتب الأولياء عند الصوفية:\n(فمنهم الأقطاب ومنهم الأئمة ومنهم الأوتاد ومنهم الأبدال ومنهم النقباء","vol":"2","page":927},{"text":"ومنهم النجباء ومنهم الرجيبيون ومنهم الأفراد، وما فيهم طائفة إلا قد رأيت منهم وعاشرتهم ببلاد المغرب وببلاد الحجاز والشرق.\nثانيًا: معاني هذه الألفاظ ووظيفة أصحاب كل مرتبة عند الصوفية:\nلقد وضّح مشايخ الصوفية معاني هذه الألفاظ ووظيفة صاحب كل مرتبة توضيحًا شافيًا لا غموض فيه.\nولنبدأ بمعنى كلمة القطب أو الأقطاب ووظائفهم عند الصوفية:\nالقطب:\nلقد تكلم كثير من مشايخ الصوفية عن معنى القطب عندهم، ومن جملة المشايخ الذين تكلموا عن القطب والأقطاب محيي الدين بن عربي، فقد قال متحدثًا عن الأقطاب:\n(الأقطاب: جمع قطب، وهو عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله في العالم، ويقال الغوث وهو على قلب إسرافيل).\nوقد تحدث ابن عربي أيضًا عن أسماء القطب وأوصافه، فقال: (إن اسم القطب في كل زمان عبد الله، وعبد الجامع المنعوت بالتخلق والتحقق بمعاني جميع الأسماء الإلهية بحكم الخلافة، وهو مرآة الحق تعالى ومجلي النعوث المقدسة ومحالّ المظاهر الإلهية وصاحب الوقت وعين الزمان وصاحب علم سر القدر، وله علم دهر الدهور، ومن شأنه أن يكون الغالب عليه الخفاء، لأنه محفوظ في خزائن الغيرة ملتحف بأردية الصون لا يعتريه شبهة في دينه قط، ولا يخطر له خاطر يناقض مقامه، كثير النكاح ورغب محب للنساء يوفي","vol":"2","page":928},{"text":"الطبيعة حقها على الحد المشروع له).\nوقد أكد ابن عربي أن الأقطاب لم يخل منهم زمان منذ أن خلق الله البشرية، كما زعم أن لكل إقليم أو قرية قطبًا صغيرًا ينوب عن القطب الكبير.\nوقد تحدث التيجاني عن حقيقة القطبانية في المفهوم الصوفي، فقال: (إن حقيقة القطبانية هي الخلافة العظمى عن الحق مكلفًا في جميع الوجود جملة وتفصيلًا، حيثما كان الرب إلهًا كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من له عليه ألوهية لله تعالى. فلا يصل إلى الخلق شيء كائنًا ما كان من الحق إلا بحكم القطب، ثم قيامه في الوجود بروحانية في كل ذرة من ذرات الوجود، فترى الكون أشباحًا لا حركة، وإنما هو الروح القائم فيها جملة وتفصيلًا. ثم صرفه في مراتب الأولياء، فلا تكون مرتبة في الوجود للعارفين والأولياء خارجة عن ذوقه فهو المتصرف في جميعها والممد لأربابها، به يرحم الوجود، وبه يبقى الوجود في بقاء الوجود رحمة لكل العباد، وجوده في الوجود حياة لروحه الكلية وتنفس نفسه بعد، يمد الله به العلوية والسفلية، ذاته مرآة مجردة يشهد فيها كل قاصد مقصده).\nإذا نظرنا في النص السابق نجد أن المتصوفة يعتبرون القطب هو المتصرف الوحيد في هذا الكون لأنه نائب عن الله.\nويدّعي محيي الدين بن عربي بأنه اجتمع الأقطاب الذين كانوا في الأمم","vol":"2","page":929},{"text":"السابقة فيما سماه بـ (حضرة برزخية) فيقول تحت عنوان: أقطاب الأمم السابقين: (وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمة ممن تقدمنا بالزمان فجماعة، ذكرت لي أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد قدس. ثم ذكر أسماؤهم).\nوعلى هذا يعتبر المتصوفة القطب مساويًا لله ﷾ في علمه وصفاته وتصرفه في هذا الكون، وهذا غلو شديد يؤدي بمن يعتقده إلى الخروج كلية عن الإسلام؛ لأن من يعتقد بأن القطب يتصف بهذه الأوصاف المذكورة فقد اتخذه ربًا وإلهًا مع الله، وهذا شرك عظيم.\nوبالجملة: إذا نظرنا في النصوص السابقة كلها نخرج بنتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن كل هذا الكون وتصريفه بيد القطب، وكأنه الوزير النائب عن الله، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا عن طريق القطب الصوفي المزعوم، والذي لا وجود له في الحقيقة، وإنما وجوده في خيال المتصوفة فقط، وليس له أصل لا في الكتاب ولا في السنة.\nوبهذا نكتفي في مجال القطب، وننتقل إلى المرتبة الثانية من المراتب التي وضعها الصوفية للأولياء وهي مرتبة البدلية:\nالمرتبة الثانية: البدل أو البدلاء:\nيعتقد المتصوفة أن هناك رجالًا سبعة يقال لهم الأبدان يحفظون هذه الأقاليم السبعة - أي القارات التي يعيش فيها هذا العالم ـ، وأن كل بدل مكلف بإقليم واحد يحفظه من كل سوء ويحميه.\nوإليك نصوصًا من بطون كتبهم:","vol":"2","page":930},{"text":"فقد قال محيي الدين بن عربي متحدثًا عن الأبدال: (أما الأبدال: فهم سبعة رجال من سافر منهم من موضع ترك على صورته جسدًا أي شبحًا يحيى بحياته ويظهر بأعمال أصله).\nوقال أيضًا في مكان آخر: (اعلم أن ثَم رجالًا سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم الأقاليم السبعة، لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم قوة منبعثة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات؛ وهم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم - سلام الله عليهم أجمعين ـ).\nوقال صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية في وصف الأبدال: (هم سبعة رجال، فمن سافر منهم عن موضعه ترك جسدًا على صورته حيًا يحيى بحياته، ظاهرًا بأعمال أصله بحيث لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهو في تلبسه بالأجساد والصور على صورته على قلب إبراهيم ﵇).\nوقال ناقلًا عن آخر: (البدلاء أربعون، والأمناء سبعة، والخلفاء من الأئمة ثلاثة، والواحد هو القطب، فالقطب عارف بهم جميعًا ومشرف عليهم ولم يعرفه أحد ولا يتشرف عليه وهو إمام الأولياء، فالثلاثة الذين هم الخلفاء من الأئمة يعرفون السبعة ويعرفون الأربعين وهم البدلاء، والأربعون يعرفون سائر الأولياء من الأئمة ولا يعرفهم من الأولياء أحد فإذا نقص واحد، من الأربعين أبدل مكانه من الأولياء).","vol":"2","page":931},{"text":"المرتبة الثالثة: مرتبة الوتد أو الأوتاد:\nيعتقد الصوفية بأن هناك مرتبة الأولياء تسمى الأوتاد، ويعتقد المتصوفة بأن هؤلاء الأوتاد يحفظون هذا الكون الذي نعيش فيه.\nقال صاحب معجم مصطلحات الصوفية عن الأوتاد: (الأوتاد هم أربعة رجال منازلهم على منازل الجهات الأربع من العالم شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة، ويحفظ الله بهم تلك الجهات لكونهم مجال نظره تعالى، والولي يتنور بصورهم فيكلم الناس في الباطن والظاهر ويخبرهم).\n(لكل وجهة وتد يشفع يوم القيامة فيمن دخل عليه إبليس من جهته).\nالمرتبة الرابعة: مرتبة الأفراد:\nوقد تكلم محيي الدين بن عربي عن الأفراد وأطال الحديث عنهم، فقال: (أما الأفراد فهم الخارجون عن دائرة القطب، وهم الذين على بينة من ربهم، وهم في هذه الأمة بمنزلة الأنبياء في الأمم الخالية).\nوقال في وصفهم أيضًا: الأفراد لهم الأولوية في الأمور: فالإنكار ليس من شأنهم، فإن لهم الأولية في الأمور، فهم ينكر عليهم ولا ينكرون. قال الجنيد: لا يبلغ أحد درجة الحقيقة حتى يشهد فيه ألف صديق بأنه زنديق؛ وذلك لأنهم يعلمون من الله ما لا يعلمه غيرهم، ثم قال: الأفراد هم أصحاب","vol":"2","page":932},{"text":"العلم الباطن.\nالمرتبة الخامسة: مرتبة النقباء:\nولقد عرف النقباء صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية فقال: (أما النقباء فهم الذين استخرجوا خبايا النفوس وأشرفوا على الضمائر لتحققهم بالعبودية).\nإذن، النقباء هم الذين يعرفون ما في الضمائر، ومعنى ذلك هم الذين يعلمون الغيب.\nالمرتبة السادسة: مرتبة النجباء:\nوقد عرفهم صاحب كتاب معجم المصطلحات الصوفية بما يلي:\n(أما النجباء فهم أربعون شخصًا، مشغولون بحمل أثقال الخلق، فلا يتصرفون في حق أنفسهم بل في حق غيرهم).\nالمرتبة السابعة: مرتبة الأئمة:\nوقد تحدث محيي الدين بن عربي عن هذا عند المتصوفة فقال: (أما الأئمة فهما إمامان، أحدهما عن يمين القطب ونظره في عالم الملكوت واسمه عبد الرب، والآخر عن يساره ونظره في عالم الملك واسمه عبد الملك، وهو الذي يخلف القطب إذا درج).\nإذا نظرنا إلى النص السابق نرى بوضوح أن المتصوفة يقصدون بلفظ الأئمة الإمامين اللذين يجلسان عن يمين القطب ويساره، وهذا حسب","vol":"2","page":933},{"text":"زعمهم، وإلا فلا وجود أصلًا للقطب المزعوم فضلًا عن أن يكون له إمامان يجلسان بجنبيه.\nالمرتبة الثامنة: مرتبة المجذوب:\nهناك درجة أخرى من الدرجات التي وضعها المتصوفة لمن يسمونهم أولياء الله وهي مرتبة المجاذيب. وقد تحدث صاحب عوارف المعارف على هذه المرتبة فقال:\nالمجذوب: هو الذي يبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئًا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق السلوك والمعاملة، وهذا لا يؤهل المشيخة.\nوالخلاصة التي توصلنا إليها من خلال كلامنا عن مراتب الصوفية التي وضعوها للأولياء: هو أن المتصوفة كونوا مملكة بشرية وهمية، وزعموا أن هذه المملكة هي التي تسير هذا الكون بكامله، فلا يقع في هذا الكون أمر من الأمور إلا عن طريق هذه المملكة المزعومة، وأن هذه المملكة لها التصرف المطلق في هذا الكون فهي التي تحفظه من المهالك وعن طريقها يرزق كل ما في هذا الكون.\nوهذا واضح جدًا في النصوص السابقة التي أوردتها عن أئمة التصوف، وبهذا نصل إلى نتيجة واحدة وهي أن المتصوفة يعتقدون بأن هناك بشر شركاء لله في تدبير هذا الكون وتسييره. والحقيقة - فيما أعلم - أن هذا شرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة، وقد انفرد المتصوفة بمثل هذا القول من بين الفرق والطوائف بل وأصحاب الأديان المختلفة، وذلك لأنه حتى الكفار الذين بعث إليهم الرسول ﷺ لم يكونوا يقولون إن الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله","vol":"2","page":934},{"text":"لها المشاركة مع الله في التصرف في هذا الكون، وإنما كانوا يقولون: إنها وسائط فقط.\nولذا نقول: إن المتصوفة فاقوا المشركين الأوائل في الشرك بالله، فإنه ما وجد مثل هذا الاعتقاد في شرك الأمم السابقة ولا في شرك العرب في الجاهلية، وإن وجد شيئًا من هذا النمط فكان في الباطنية الكفرة، فهؤلاء لعلهم استقوا هذه الاعتقادات من الباطنية الأشرار، وسأزيد هذا الموضوع توضيحًا فيما يلي بإيراد حكايات عن أئمة التصوف ثبتت لنا أن المتصوفة يعتقدون بأن مشائخهم لهم التصرف الكامل في هذا الكون.\nثانيًا: ذكر نماذج من نصوص من بطون كتب الصوفية التي ألفها أئمة جهابذة عندهم تثبث لنا أن المتصوفة بالفعل يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في الكون:\nسبق معنا بيان مراتب الأولياء ووظائفهم عند المتصوفة، وهنا أورد بعض النصوص من بطون كتبهم لكي نثبت ونؤكد ونوضح أكثر اعتقاد المتصوفة التصرف المطلق للأولياء في هذا الكون والذي هو شرك بالله في قدرته الكاملة، وحتى نقطع الحجة على كل متنطع متصوف يقول مثلًا: إن هذا القول لم يقله المتصوفة وإنما هو مفترى عليهم. فمن هذه الحكايات:\nأ- ما يقول به يوسف النبهاني في معرض حكاياته لكرامات الأولياء: أن عبد الله بن علوي ابن الأستاذ الأعظم من كراماته أن رجلًا أنشد أبياتًا تتعلق بالبعث والحساب، فتواجد صاحبه وخر مغشيًا عليه، فلما أفاق قال للرجل: أعد الأبيات، فقال الراجل: بشرط أن تضمن لي الجنة، فقال: ليس ذلك إليّ ولكن اطلب ما شئت من المال، فقال الرجل: ما أريد إلا الجنة وإن حصل لنا شيء ما كوهنا، فدعا له بالجنة فحسنت حالة الرجل وانتقل إلى - رحمة الله - وشيعه السيد","vol":"2","page":935},{"text":"المذكور وحضر دفنه وجلس عند قبره ساعة، فتغير وجهه، ثم ضحك واستبشر فسئل عن ذلك فقال: إنه لما سأله الملكان عن ربه قال: شيخي عبد الله بن علوي فتعبت لذلك فسألاه أيضًا فأجاب بذلك فقالا: مرحبًا بك وبشيخك عبد الله يا علوي. قال بعضهم: هكذا ينبغي أن يكون الشيخ يحفظ مريده حتى يعد.\nوالشاهد في النص أن المتصوفة يعتقدون أن معرفة شيخ الطريقة من الطرق الصوفية تغني عن معرفة الله ورسوله، وأنه كفيل لكي ينجي مريده من عذاب النار ويدخله الجنة، وأن شيخ أي طريقة صوفية يستطيع أن يحفظ مريده حيًا وميتًا، وعلى هذا فلا حاجة للتعب والسهر في تلاوة كتاب الله ومعرفة معانيه ولا في دراسة سنة رسوله محمد ﷺ، وهذه دعوى صريحة للقضاء على الدين الإسلامي كله وتحويل البشرية إلى عبادة البشر الذين يطلق عليهم المتصوفة أنهم أولياء.\n٢ - وقال النبهاني أيضًا: ومنهم الشيخ عبد الله أحد أصحاب سيدي عمر النبيتي، كتب لي أنه رآني بحضرة رسول الله وهو يقول للإمام علي بن أبي طالب: ألبس عبد الوهاب الشعراني طاقيتي هذه وقل له يتصرف في الكون فما دونه مانع.\nوالشاهد في النص - كما هو واضح ولا يحتاج إلى شرح وإيضاح - هو أن رسول الله ﷺ قال للشعراني: تصرف في هذا الكون وأنه ليس هناك أي مانع يمنعه من التصرف فيه، ومعنى ذلك أن المتصوفة يعتقدون أن الأولياء يتصرفون في هذا الكون، وهذا شرك بالله تعالى لم يصل إليه المشركون الأوائل الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ.\n٣ - وقال أيضًا: ومن جملة القصص المشهورة: (أن الفقيه إسماعيل","vol":"2","page":936},{"text":"الحضرمي ﵁ أنه قال يومًا لخادمه وهو في سفر يقول للشمس تقف حتى يصل إلى منزله - وكان في مكان بعيد وقد قرب غروبها - فقال لها الخادم: قال لك الفقيه إسماعيل: قفي لي، فوقفت حتى بلغ مكانه، ثم قال للخادم: ما تطلق ذلك المحبوس؟ فأمرها الخادم بالغروب فغربت وأظلم الليل في الحال).\nثم ذكر بأن بعض المتصوفة قال: (لا يكون الشيخ شيخًا حتى يمحو خطيئة تلميذه من اللوح المحفوظ. وقال آخر منهم منكرًا لهذا القول المذكور: لو كان شيخًا لما غفل عن تلميذه حتى وقع في الخطيئة).\nوالشاهد من النصين السابقين واضح جدًا؛ حيث إن الولي الأول أوقف الشمس عن السير ثم أطلق سراحها، ولم يوقفها بنفسه بل أمر تلميذه أن يقول لها: إن الشيخ يأمرك أن تقفي فوقفت، وهذا اعتقاد تصرف لغير الله في هذا الكون واعتقاد القدرة الكاملة في غير الله، وأما النص الثاني فالشاهد فيه أن المتصوفة يعتقدون بأن الأولياء لهم التصرف الكامل حتى إنهم يستطيعون أن يمحوا الخطايا والذنوب التي وقع فيها أتباعهم من اللوح المحفوظ، ورأى أحد المتصوفة أن وقوع المريد في الذنب يعتبر نقصًا في شيخه وذلك لأنه لو كان شيخًا حقيقة لما وقع مريده في الخطيئة، ومعنى ذلك أن الولي يحفظ مريده من الوقوع في المعاصي ويعصمه، وهذه عقائد فاسدة؛ وذلك لأن فيها دعوى بأن البشر لهم حق التصرف في هذا الكون.\nوهناك نصوص أخرى تدل كلها صراحة على أن المتصوفة يعتقدون في","vol":"2","page":937},{"text":"أوليائهم أنهم يحيون الموتى، ويشفون المرضى، وينزلون الأمطار، ويعطون الأرزاق، ويهدون الهداية التوفيقية، ويقلبون الأعيان، ويفعلون ما يشاءون، وكتب القوم مسطورة ومشحونة بمثل هذه الشركيات.\nوالمقصود: بيان كون إثبات هذه الأمور شركًا بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة القدرة الكاملة لغيره سبحانه.\nيقول الشيخ أبو بكر الجزائري تحت عنون (شرك الربوبية ومظاهره في الأمة الإسلامية).\n(وهنا بيان مقتضب لتلك المظاهر الشركية في بعض أفراد الأمة الإسلامية نذكرها تحذيرًا منها وتعليمًا بأن عقيدة المؤمنين الحقة خلوها من كل مظاهر الشرك وآثاره لابتنائها على هدي الكتاب والسنة؛ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ:\n١ - اعتقاد كثير من عوام المسلمين وأشباههم أن هناك في الكون قطبًا وأبدالًا من الأولياء والصالحين لهم قدر معين من التصرف في حياة الناس، فهم يولون ويعزلون ويعطون ويمنعون ويضرون وينفعون، كما شاع بين عوام المسلمين أن لهؤلاء الأقطاب والأبدال ديوانًا يطلق عليه ديوان الصالحين منه تصدر القرارات والمراسيم بربح فلان وبحاجة وخيبة فلان وخسرانه، ومن هنا","vol":"2","page":938},{"text":"تعلقت قلوب كثير من الناس بالصالحين وهتفت بهم الألسنة واستغيث بهم ودعوا عند الشدائد ونودوا للخلاص من المحن، وهو مظهر واضح للشرك في الربوبية لما فيه اعتقاد التصرف والتدبير في الكون لغير الله تعالى، أوله ولغيره ﷾.\n٢ - اعتقاد كثير من المنتسبين إلى العلم أن لأرواح الأولياء تصرفًا بعد موتهم، وشاع هذا الاعتقاد الكاذب والباطل ورسخ في نفوس كثير من المسلمين حتى أصبحت الأضرحة والمشاهد والقبور ملاذًا لكل خائف مستشفى لكل مريض، فمن أصابه كرب أو نزل به ضيم أو حلت به نكبة فزع إلى تلك الأضرحة والمشاهد والقبور وأناخ بساحتها وتعلق بأهداب أصحابها راجيًا منها تفريج كربه وقضاء حاجته ... وهذا من خصائص الربوبية؛ إذ هو من التدبير للخلق الذي اختص به الرب ﵎ ...).\nوالمقصود: بيان كون المتصوفة ومن على شاكلتهم من العوام كثير منهم وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شانه.\nولكن هل لدى هؤلاء شبهة نقلية أو عقلية؟\nإن أصحاب هذا الاعتقاد - السابق ذكره - على صنفين:\nالصنف الأول: يعتقدون أن الأنبياء والأولياء لهم القدرة الكاملة والمطلقة في فعل هذه الأمور. ومعلوم من الدين بالضرورة أن أي اعتقاد مثل هذا يعتبر شركًا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه. وهذا الصنف من الناس لا يستندون في هذا الاعتقاد إلى أي شبهة نقلية صحيحة أو عقلية صريحة، وإنما جل شبهاتهم إما ادعاءات فارغة أو أحاديث واهية وموضوعة،","vol":"2","page":939},{"text":"والاشتغال بالرد على الادعاءات والأحاديث الواهيات ضياع للوقت.\nالصنف الثاني: لا يعتقدون - على الظاهر - أن لهؤلاء الأنبياء والأولياء قدرة كاملة على التصرف في الكون، ويبدو أن هؤلاء لا يستندون في هذا الاعتقاد إلا قولهم: بأنهم يتوسلون أو يتوسطون أو يتبركون أو يستغيثون أو يستنصرون أو مثل هذه الألفاظ، وإن كانوا في الحقيقة يعتقدون أن هؤلاء المستغاثون أو المتوسلون أو المتبركون عندهم قدرة كاملة على فعل هذا ولكنهم يخفون هذا بل يظهرون للناس أنهم يفعلون، ويعتقدون هذه الأمور في الأنبياء والأولياء على أن الأنبياء والأولياء لهم قدرة على فعل هذه الأمور بالوساطة والشفاعة والجاه والوجاهة والمنزلة الرفيعة والكرامة. وإذا كانوا يبدون لنا هذا الاعتقاد نقول لهم: إن هذا الاعتقاد شرك بالله في الألوهية. وسيأتي بيان شبهاتهم والردود عليها عند بيان الشرك في الألوهية في العصر الحديث.\nالفرع الرابع: مظاهر الشرك في الربوبية بادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة لأحد غير الله في المتبركين بغير الله:\nهناك أفراد من الناس وقعوا في الشرك بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه بالتبرك بغير الله. وفيما يلي بيان كون التبرك شركًا بالله في الربوبية باتخاذ الأنداد في صفة القدرة الكاملة لله ﷿.\nخلاصة الكلام في التبرك:\nإنه على قسمين: الأول: التبرك المشروع. فهذا النوع من التبرك لا كلام فيه. فكل ما ثبت في شرع الله تعالى التبرك به يجوز التبرك به ولا ينافي التوحيد ولا يكون من البدع أبدًا.","vol":"2","page":940},{"text":"الثاني: التبرك الممنوع. وهو التبرك الذي لم يرد الشرع بجوازه، أو ورد الشرع بخلافه.\nوله نوعان:\nأ- التبرك الشركي: وهو ما كان فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو أن يعتقد المتبرِّك، أن المتبرَّك به غير الله تعالى يعطي الخير والنماء فوق الأسباب العادية.\nوهذا النوع من التبرك يرجع إلى عقيدة التصرف في الكون لغير الله ﷾. ومن المظاهر في العصر الحديث: ما يقولون: إن فلانًا لمبارك، أو الشيخ فلان مبارك، أو أن القبر الفلاني يتبرك به، أو مثل هذا الكلام الذي يدور بين المتصوفة في مشايخهم وأوليائهم. بل ترى بعضهم يسافرون إلى بغداد أو أجمير أو دلهى طلبًا للبركة من قبر أوليائهم ومشايخهم.\nب- التبرك البدعي: وهو ما لم يكن فيه طلب الخير والنماء من غير الله تعالى فيما لا يقدر عليه إلا الله، بل كان فيه طلب الخير والنماء من الله، ولكن بواسطة شيء لم يرد به الكتاب السنة. كطلب البركة من الله بواسطة غلاف الكعبة، أو طلب البركة من الله بواسطة استلام الحجرة النبوية، ونحوها، أو طلب البركة من الله تعالى بواسطة تمر المدينة النبوية، ونحوها مما هو معروف.\nوهذا التبرك البدعي ربما يتطور حتى يكون شركًا في العبادة، وذلك إذا صرفوا لها بعض العبادات بسبب المبالغة في تعظيمهم والافتتان بها.\nوالتبرك الذي أردنا إيراده هاهنا هو التبرك الشركي، إذ هو لا شك في كونه من الشرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة.","vol":"2","page":941},{"text":"الفرع الخامس: الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى أصحاب الروحية الحديثة:\nوذلك؛ لأنهم يعتقدون في الأرواح بأنها تحل لهم جميع المشاكل، وقد سبق بيان مذهبهم في ذلك في المبحث الأول، ومما يشكل عليهم أو يتشبثون به من الشبه ما يلي:\nقولهم: إن هذه الأرواح في أغلب الأحيان تعطينا حلولًا كافيةً لمشكلاتنا، فالأرواح عندها القدرة الكاملة على حلول المشكلات؛ كإشفاء المريض، وإلا من أين يحصل لنا هذه الأمور؟\nإن هذا المذهب ألصق بالمطلب الذي بعده، فإن هؤلاء يرون أن هذه الأرواح يعلمون الغيب، وما هذه التصرفات إلا لعلمهم الغيب ومعرفتهم بحقيقة الأمور، ولهذا فإننا نؤجل الرد عليهم إلى المطلب الثاني - عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط بكل شيء ـ، وإنما يرد عليهم هنا على قولهم بمقدرة هذه الأرواح على حل المشاكل وتوصيف أشياء من الطب وما يتبع ذلك.\nفنقول في الرد عليهم:\nأ- إن ادعاء وجود الحلول الكافية لدى هؤلاء فيه شرك بالله في قدرته الكاملة، وليس هناك أي دليل لهم على ذلك، بل هي مجرد دعوى، بل بعضهم ربما يحل الشيطان بعض المشاكل لما عنده من الحيل لتنفيذ خططه، سواء كان بسرقة أو باستعانة الشياطين الأخر، وربما يسرق أموال الغير ليرضي","vol":"2","page":942},{"text":"بها صاحبه، كما ذكره شيخ الإسلام في بعض مصنفاته.\nوأما ما يذكرون بأنهم يصفون الوصفة الطيبة فيشفون بهذه الأدوية فلا تمنع أن يكون من الجنات لديهم بعض المعرفة بالطب، ثم ليس هذا مطردًا في جميع المرضى، بل قد يكون بعضهم وصف لهم بعض الأدوية ولكنه ما شفي بهذا، والواقع خير دليل على هذا.\nالفرع السادس: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد لدى بعض الناس ادعاء إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله تعالى لغيره سبحانه بالتمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة ونحوها:\nلقد سبق الكلام على مسألة التمائم والرقى ولبس الخيط والحلقة متى تكون هذه الأشياء شركًا بالله جل شأنه ومتى لا؟ وما هي الأدلة الدالة على عدها من الشرك؟ . وهنا نشير إلى أن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة في أغلب العالم الإسلامي في الوقت الحاضر، وأغلب من يستعمل هذه التمائم والرقى ويلبسون الخيط والحلقة يعتقدون فيها النفع والضر لذاتها، وبهذا يقعون في الشرك في الربوبية في قدرته الكاملة.\nأما إن لم يعتقدوا فيها إلا على كونها من باب الالتفات إلى الأسباب فهذا شرك أصغر.\nالفرع السابع: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى السحرة والكهان:\nلقد سبق معنا بيان حكم السحر والكهانة والتنجيم، بأنها تكون من","vol":"2","page":943},{"text":"الشرك بالله جل وعلا في الربوبية من جهتين:\nمن جهة إثبات القدرة الكاملة للسحرة والكهنة والمنجمين.\nومن جهة إثبات العلم الشامل المحيط بالمغيبات لهم.\nكما سبق معنا بيان كونها من الشرك بالله في العبادة إذا صرف لهم أو لشياطينهم أي أنواع من العبادة.\nهنا أريد أن أنبه على أن هؤلاء السحرة والكهنة والمنجمين لهم وجود في جميع الدنيا بشكل عام، وهؤلاء عندهم نفس أنواع الشرك الذي سبق أن تكلمنا عليها عندما بينا أنواع الشرك في الجاهلية لدى العرب.\nإن هذه الخصلة من الخصال الموجودة في زماننا هذا عند من يدعون الولاية، فإن منهم من يتعاطى الأعمال السحرية من إمساك الحيات، وضرب السلاح، والدخول في النيران، ونحوها، ويزعم أنها من الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين، نتيجة للجهد والسهر والرياضيات.\nوهذا أكثر ما يوجد في المتصوفة، بل لك أن تقول: إن التصوف والسحر قرينان، يدل على ذلك أمران:\nأحدهما: أن أئمة السحر هم أئمة المتصوفة، فإن جابر بن حيان كبير السحرة، والحلاج الزنديق أكبر منه، وهكذا ابن عربي الملحد وغيرهم من المتصوفة كانوا من السحرة.","vol":"2","page":944},{"text":"ثانيهما: أن من علوم المتصوفة علم الطلسمات، وعلم الحرف، والسيمياء، وهي من علوم السحر.\nكما أن الرافضة لا يبعدون كثيرًا عن المتصوفة في هذا الأمر، وذلك أن لهم عناية بالطلاسم واعتقادًا فيها.\nكما أن من الناس من يتخذ مهنة السحر وسيلة من وسائل العيش بها، مدعيًا أن ذلك من الطب ونحوه، ومنهم من يتخذ مهنة السحر للإضرار بعباد الله، فتارة يمرضون به وتارة يقتلون، وتارة يفرقون بين المرء وزوجه. وهذا موجود بكثرة.\nومن صور وجود هذه الخصلة: حفلات الزار التي تقام في بعض البلاد، ويذبح من أجلها للشياطين، وينذر لهم.\nومن ذلك ما يسمى بـ (ألعاب السيرك) التي تعتمد في غالبها على السحر.\nفهذا بعض ما يدل على وجود هذه الخصلة في هذا العصر.\nالفرع الثامن: مظاهر الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة القدرة الكاملة لدى المتطيرين والعائفين:\nسبق معنا بيان الطيرة والطيرة ووجودهما في الجاهلية، كما تكلمنا في","vol":"2","page":945},{"text":"كونها شركًا بالله جل وعلا في الربوبية في صفة القدرة الكاملة لله جل شأنه.\nوهنا سيكون الكلام على وجود هذه الخصال في العصر الحاضر، فأقول: هذه الخصلة ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ففي بعض المجتمعات التي يغلب فيها الجهل، لا تزال العيافة موجودة بينهم، فهم يتعيفون من كثير من الطيور، وخاصة البوم، فهم يعتقدون أن هذا الطائر إذا وقع على دار أحدهم، فإنما تنعي إليه نفسه، أو أحد أفراد عائلته.\nكما أن كثيرًا منهم يتعيف بالغراب، فإذا قابله أول النهار، اعتقد أن مكروهًا يصيبه.\nوهكذا ترى الطيرة موجودة إلى يومنا هذا بشكل أوسع، ولها صور كثيرة، منها:\nالتشاؤم ببعض الأشخاص ذوي العيب؛ كالأعور والأحول والأعرج، وببعض الأشجار؛ كالأشجار المتجرة عن أغصانها، وببعض الأرقام؛ كرقم (١٣) عند النصارى، ورقم (١٠) عند الروافض، ورقم (٧) عند أهل البادية، وببعض الأصوات، كصوت الغراب والبومة، وبالمقص إذا كان مفتوحًا، وبتقليم الأظافر ليلًا، وبالاغتسال ليلًا بقصد النظافة، وبالضحك الكثير، وبتسمية الأبناء باسم الآباء وهم أحياء، وبمشاهدة ما يسوء أول النهار كحادث مثلًا، أو بمشاهدة بغيض كعدو ونحوه، وبحكة رجل، ورفة العين اليسرى،","vol":"2","page":946},{"text":"وببعض الأولاد، وخاصة البنات، وببعض الشهور كصفر وشوال، وببعض الأيام كيوم الجمعة، وبالعطاس، وبالكنس بمكنسة جديدة قبل تقليم أطرافها. وببعض الألوان كالأسود والأزرق، وبشرب الماء عند اصفرار الشمس، وبالعزم على كتابة الوصية، أو الندم على ما وقع منه من ظلامة للناس، ومحاولة التحلل منه، ورد ظلامتهم إليهم، وبذكر العقرب والحية، وغير ذلك من الهوام. فهذه الأمثلة تدل دلالة واضحة على أن هذه الخصلة ما زالت موجودة في هذا العصر.\nولكن متى تكون الطيرة شركًا بالله في الربوبية، ومتى تكون شركًا أصغر؟\nإذا اعتقد في المتطير به أن فيه قدرة على جلب النفع أو دفع الضر، فإنه حينئذ يكون من الشرك في الربوبية في القدرة الكاملة. قال في شرح السنن: (وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا إذا عملوا بموجبها، فكأنهم أشركوا مع الله تعالى).\nوأما إذا كان مجرد التفات إلى الأسباب فحينئذ تعد من الشرك الأصغر. لأنه (اعتمد على هذا السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل","vol":"2","page":947},{"text":"على الله، ويوهن العزيمة وبذلك يعتبر شركًا من هذه الناحية، والقاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سبب لم يجعله الشرك سببًا فإنه مشرك).\nفهذه بعض أنواع الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته القدرة الكاملة في العصر الحاضر.\nوفيما يلي بيان بعض أنواع الشرك بالله جل وعلا في صفته العلم الشامل المحيط في العصر الحاضر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>المطلب الثاني: الشرك بالله جل وعلا في الربوبية في صفته العلم المحيط ومظاهره في العصر الحديث</span>\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك عدة فرق ونحل في العصر الحاضر. وفيما يلي بيان أبرز من وقع في هذا النوع من الشرك من الفرق والنحل مع الردود على شبهاتها - بمشيئة الله - في الفروع التالية:\nالفرع الأول: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية في صفته العلم المحيط لدى الشيعة:\nالشيعة ترى أن أئمتهم يعلمون المغيبات، ولعل الشيعة هم أول من قالوا بمثل هذا القول في الإسلام، فلهم السبق في هذا الميدان كالميادين الأخرى ... حيث يرون أن أئمتهم فوق البشر، وفوق الأنبياء والرسل، بل آلهة يعلمون أعمار الناس وآجالهم، ولا يخفى عليهم خافية، ويملكون الدنيا كلها، ويغلبون على جميع الخلق، ويرتعد الكون من هيبتهم وشدة بأسهم، يدين لهم الملائكة كما دان لهم الأنبياء والرسل، ولا يضاهيهم أحد. وفيما يلي جملة من النصوص من كتب الشيعة تدل على هذا الاعتقاد.\n١ - يروى في الكافي تحت باب: (إن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا):","vol":"2","page":948},{"text":"عن جعفر أنه قال: إن الإمام إذا شاء أن يعلم علم.\n٢ - وروي تحت باب: (إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيار منهم): عن جعفر بن الباقر أنه قال: (أي إمام لا يعلم ما يغيبه وإلى ما يصير، فليس ذلك بحجة الله على خلقه).\nفهذه بعض النصوص الدالة على اعتقادهم تجاه أئمتهم بأنهم يعلمون المغيبات، بل لو سألت أي شيعيّ في هذا العصر تراه يجيب بمثل هذا الجواب، ما لم يتلبس بالتقية - النفاق ـ.\nوهؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما افتروا على هؤلاء الأئمة الذين هم برآء من مثل هذا الاعتقاد كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب. فهؤلاء مفترون وكاذبون على دعواهم هذه، فلا أشتغل بالرد عليهم، على أمل أن يكون هناك رد مقنع على المتصوفة الذين يعتقدون مثل هذا الاعتقاد تجاه أوليائهم وصلحائهم، يكون ردًا على الشيعة أيضًا.\nالفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط الشامل لدى المتصوفة:\nلقد وقع المتصوفة في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه.\nوقد سبق معنا: أنهم يعتقدون التصرف في الكون لأرباب التصوف وبالتالي يرون أنهم ينادونهم ويزعمون أن هؤلاء الأولياء يعلمون أحوالهم ونداءاتهم، وقد سبق بيان هذا النوع من الشرك، وإنما المقصود هنا بيان كون الاعتقاد في التصرف والنداء والاستغاثة والاستعانة والنداء لكشف الكربات ودفع البليات وجلب المنافع ودفع المضرات وغيرها لا يتأتى إلا باعتقاد علم","vol":"2","page":949},{"text":"الغيب فيمن ينادونهم ويستغيثون ويستنصرون بهم. وهذا واضح.\nثم هناك نصوص صريحة عند المتصوفة تدل على ما قلناه بأنهم يعتقدون علم المغيبات للنبي ﷺ ولأرباب التصوف. وفيما يلي بيان ذلك من كتبهم.\nاعتقادهم علم الغيب للنبي ﷺ:\nغالت المتصوفة يعتقدون علم الغيب لرسول الله ﷺ، فوصفوه بأنه عالم بجميع ما كان ما يكون أزلًا وأبدًا، وأنه يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ؛ بل هذا كله من علومه ﷺ! وأنه ﷺ يعلم ما في الضمائر والقلوب من الأسرار، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه لا يخرج من علمه شيء، الكلام ها هنا في عدة أنواع.\nالنوع الأول: علم ما كان وما يكون.\nتعتقد المتصوفة أن النبي ﷺ يعلم جميع ما كان وما يكون من المخلوقات والموجودات أزلًا وأبدًا، لا تخفى عليه منها خافية.\nوهذه العقيدة من أعظم عقائد البريلوية خاصة وصراحة. كما توجد هذه العقيدة عند الآخرين الذين تأثروا بهم من المتصوفة في العصر الحاضر. فقالوا: إن الله تعالى أعطى المصطفى ﷺ علم الأولين والآخرين، وعلم ما كان وما يكون، وعلم ما في السموات وما في الأرض.\nالنوع الثاني: علم جميع ما في اللوح المحفوظ وما سطره القلم وزيادة:","vol":"2","page":950},{"text":"وأحسن من تمثل هذا القول هو البوصيري حيث قال:\nفإن من علومك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nوكلهم من رسول الله ملتمس ... غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم\n\nوالبريلوية قالوا بمثل هذا القول، بل زادوا عليه: بأن علم اللوح والقلم سطر من سطور علمه ﷺ ونهر من بحور علمه بل ذرة منها. ولهذا قال: إنه كان يعلم القرآن قبل ولادته؛ لأنه كان يعلم جميع ما في اللوح المحفوظ.\nالنوع الثالث: علمه ﷺ محيط بجميع الكون. لم يحجب عن روح رسول الله ﷺ شيء، فهو المطلع على عرشه، وعلوه وسفله، ودنياه وآخرته، وناره وجنته، فعلمه محيط بجميع المعلومات الغيبية الملكوتية.\nالنوع الرابع: أنه ﷺ حاضر وناظر في كل مكان وزمان، وهو يشاهد العالم كله من المدينة، وأن السماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله ﷺ، يرى جميع الناس في زمان واحد وفي جميع الأقطار المتباعدة بدون أي إشكال، بل روح النبي ﷺ حاضر في بيوت أهل الإسلام، وإن القطب يملأ الكون ويكون حاضرًا وناظرًا وشاهدًا في كل مكان في الكون، فما بالك برسول الله ﷺ، وكل ما يحدث في الكون من المشرق إلى المغرب ومن السماء إلى الأرض حتى قبل إبراهيم بآلاف السنين، فهو ﷺ يعلمه ويراه من","vol":"2","page":951},{"text":"حيث إنه موجود في كل مكان وزمان.\nالنوع الخامس: أن النبي ﷺ كان يعلم الأمور الخمسة من وقت الساعة ووقت نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وأوقات موت الأنفس، وأين تموت. بل كان يعطي علوم هذه الخمسة من يشاء من خدمه.\nفهذه عقائد القوم في النبي ﷺ بأنه يعلم المغيبات كلها وجلها، وهي لا شك في كونها شرك بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط.\nاعتقادهم تجاه - ما يزعمون أنهم من - الأولياء والصالحين:\nكما غالت المتصوفة في الرسول ﷺ وجعلوه عالمًا بكل المغيبات بأشكالها وأنواعها وعالمًا بجميع علوم الدنيا، وعالمًا لما كان وما سيكو، وموجودًا عند كل واحد، وعارفًا بأحوال أمته في كل لحظة ونفس، هكذا غالوا في أوليائهم وصلحائهم وأرباب تصوفهم ومشايخهم أنهم يعلمون أخبار السماء، واعتقد بعضهم فيهم بأنهم يعلمون ما في باطن الأرض، وبعضهم على أنهم يعلمون ما في باطن القلوب، وبعضهم اعتقدوا أن أولياءهم يعلمون الأمور المستقبلية.","vol":"2","page":952},{"text":"وفيما يلي نقل يسير عن هذا الاعتقاد من بطون كتبهم:\nمن الصوفية الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب أبو القاسم القشيري، فقد ادعى بأن الإنسان وهو يترقى في درجات السلوك التي وضعها الصوفية لمريدهم قد يصل إلى مرحلة يصبح لا يخفى عليه شيء من هذا الكون، فقد قال وهو يتحدث في بيان درجات السلوك:\n(ثم من خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية، وكان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له، حتى لم يخف من الكون عليه شيء، وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكنه كان لا يرى في هذا الوقت بعين؛ لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة).\nإذا نظرنا في النص السابق نجد أن القشيري ادعى بأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة يرى فيها كل شيء في هذا الكون حتى حركات الذرة والنملة الصغيرة، بمعنى أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذا وصف لا يليق إلا بالله، فما أجرأ المتصوفة على الله وتعديهم على حقوقه ووصف أوليائهم المزعومين بها.\nونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال: (إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق، فإنهم جواسيس القلوب، يدخلون في أسراركم","vol":"2","page":953},{"text":"ويخرجون من هممكم).\nومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب عبد الكريم الجيلي؛ فقد زعم بأنه رأى العوالم العلوية والسفلية بعد أن كشف الله له الحجب، وأنه شاهد الملائكة جميعًا وتبادل الحديث معهم والرسل والأنبياء، وإليك نص كلامه في هذا المجال، قال:\n«وفي هذا المشهد اجتماع الأنيباء والأولياء بعضهم ببعض أقت فيه يزيد بشهر ربيع الأول سنة ثمانمائة من الهجرة النبوية، فرأيت جميع الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والأولياء والملائكة العالين والمقربين وملائكة التسخير، ورأيت روحانية الموجودات جميعها، وكشفت عن حقائق الأمور على ما هي عليه من الأزل إلى الأبد، وتحققت بعلوم الألوهية لا يسع الكون أن نذكرها فيه. ثم زعم بأنه رأى نوحًا ﵇ في السماء الثانية جالسًا على سرير خلق من نور الكبرياء بين أهل المجد والثناء فسلم عليه. وتمثل بين يديه فرد ﵇ ورحب به وقام ... إلى أن قال: وروحانية الملك الحاكم على جميع ملائكة هذه السماء عجائب من آيات الرحمن وغرائب من أسرار الأكوان لا يسعنا إذاعتها في أهل هذا الزمان. ثم واصل الجيلي افتراءاته فادعى أنه رأى في السماء الثالثة يوسف ﵇ وأنه دار بينهما حديث، وأنه كان يعلم تلك العلوم التي أخبره بها يوسف قبل أن يتفوه بها.\nحيث قال: اجتمعت في هذه السماء مع يوسف ﵇، فرأيته على سرير من الأسرار كاشفًا عن رمز الأنوار، عالمًا بحقيقة ما انعقدت عليه أكلة الأحبار، متحققًا بأمر المعاني مجاورًا عن قيد الماء والأواني، فسلمت عليه","vol":"2","page":954},{"text":"تحية وافد إليه فأجاب وحيًا ثم رحّب بي. ثم زعم الجيلي أن السماء الرابعة هيَ قاب الشمس وأن فيها إدريس، وأن أكثر الأنبياء في دائرة هذا الفلك المكين مثل عيسى وسليمان وداود وإدريس وجرجيس ... وغيرهم.\nوهنا كما نرى ذكر الجيلي اسم نبي لم نجد له ذكر في القرآن ولا في السنة فمن أين علم ذلك (جرجيس)؟ .\nثم واصل الجيلي وصفه للسموات وما تحتويها، فقال في وصف السماء الخامسة: (هي سماء الكوكب المسمى بهرام، وحاكم هذه السماء هو الملك المسمى غزرائيل، وهو روحانية المريخ صاحب الانتقام والتوبيخ).\nوذكر الجيلي أيضًا أنه رأى في السماء السادسة موسى ﵇ ودار بينهما حديثٌ طويلٌ، ثم قال إنه رأى في السماء السابعة إبراهيم ﵇ قائمًا في هذه السماء وله منصة يجلس عليها على يمين العرش من فوق الكرسي وهو يتلو آية (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ).\nإلى أن قال: (إنه صعد إلى سدرة المنتهى، وأنه رأى هناك الملائكة وأنها على هيئات مختلفة وأمامهم سبعة ثم ثلاثون ثم ثلاثة ثم ملك مقدم يسمى عبد الله، وأنهم أخبروه أنهم لم يسجدوا لآدم).\nثم بدأ عبد الكريم الجيلي في وصف الأراضي السبعة، فقال:\n(وأما الطبقة الأولى من الأرض فأول ما خلقها الله كانت أشد بياضًا من اللبن وأطيب رائحة من المسك فأعبرت لما أهبط آدم ﵇ عليها بعد أن عصى الله تعالى، وهذه الأرض تسمى أرض النفوس ... دورة كرة هذه","vol":"2","page":955},{"text":"الأرض مسيرة ألف عام ومائة عام وستة وستون عامًا ومائتا يوم وأربعون يومًا ... ثم سلك الإسكندر الجانب الجنوبي ... وهو الظلمات حتى بلغ يأجوج ومأجوج وهم في الجانب الجنوبي من الأرض لم تطلع الشمس على أرضهم أبدًا، ثم سلك الجانب الشمالي حتى بلغ محلًا منه لم تغرب الشمس فيه، وهذه الأرض بيضاء على ما خلقها الله تعالى عليه هي مسكن رجال الغيب وملكها الخضر ﵇، وهي قريبة من أرض بلغار، وبلغار بلدة في العجم لا تجب فيها صلاة العشاء أيام الشتاء؛ لأن شفق الفجر يطلع قبل غروب شفق المغرب فيها ... وهذه الأرض أشرف الأراضي وأرفعها قدرًا لأنها محل النبيين والمرسلين والأولياء والصالحين).\nواسترسل في مكان آخر ببيان الأفراد والأقطاب إلى أن قال: (فكل أحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع المملكة الوجودية، ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار، فضلًا عن لغة الطيور، وقد قال الشبلي: ... (لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت: إني مخدوع أو ممكور بي). وقال غيره: (لا أقول: ولم أشعر بها؛ لأنها لا تدب إلا بقوتي وأنا محركها فكيف أقول: لا أشعر بها وأنا محركها؟).\nإذا نظرنا في النصوص السابقة نجد أن عبد الكريم الجيلي صرح بأن الأولياء يعلمون الغيب بشتى أصنافها، فليس هناك من حاجة تخفى على الأولياء كبرت أو صغرت، وهذا طبعًا حسب زعمه، وإلا فالغيب علمه خاص","vol":"2","page":956},{"text":"بالله ﷿ لا يشركه فيه أحد من خلقه.\nوقال عبد الكريم الجيلي في مكان آخر وهو يتحدث عن الأولياء: (فإذا كشف الحجاب وفتح لهم الباب علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد، وعلم كل شيء، كيف هو كائن وكيف يكون، وعلم ما لم يكن ولم لا يكون ما لم يكن، ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون، كل ذلك علمًا أصليًا حكميًا كشفيًا ذوقيًا من ذاته لسريانه في المعلومات، علمًا إجماليًا تفصيلًا كليًا جزئيًا مفصلًا في إجماله، ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السميع، فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات وكلام الملائكة واختلاف اللغات، وكان البعيد عنه كالقريب).\nوهكذا كما رأينا في النصوص السابقة التي أوردتها عن عبد الكريم الجيلي نرى بوضوح كامل بأنه ادعى أن الأولياء يعلمون علم الغيب، وأنه بهذا القول فقد زعم بأن الأولياء يشاركون الله في هذه الخاصية التي أخبرنا الله ﷿ كما سيأتي - بأنها خاصة به، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو.\nومن الصوفية الذين زعموا أن الأولياء يعلمون الغيب أحمد الرفاعي المتوفى سنة (٥٧٨ هـ)، فقد قال متحدثًا عن الدرجات التي يمر بها الإنسان حتى يصل إلى مرحلة الغوثية التي إذا وصلها الإنسان يصبح الغيب عنده كالمشاهدة، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا نص كلامه:\n(إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث، ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق يطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة إلا بنظره، ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول","vol":"2","page":957},{"text":"الخلائق ... وكان يقول: إن القلب إذا تجلى من حب الدنيا وشهوتها صار كالبلور وأخبر صاحبه بما مضى، وبما هو آت من أحوال الناس).\nإذا نظرنا إلى النص السابق نجد أن الرفاعي صرح بأن الولي إذا وصل إلى مرحلة الغوثية يطلعه الله على الغيب فلا يخفى عليه شيء، وهذا فيه تقرير عن اعتقادهم علم الغيب في أوليائهم.\nكما أن الرفاعي يزعم أن الله اطلعه على سبعة مدائن، وكل سكانها لا يذكرون الله، وهم ليسوا من الجن ولا من الإنس، وأن الله يأمر الملائكة بأخذ ذنوب أمة محمد وقذفها على تلك المدن السبعة، وكل من يصاب منهم بذنب من الذنوب التي ارتكبها فرد من أفراد أمة محمد ﷺ يصبح من أهل الجنة.\nواليك نص كلامه، فقد قال إبراهيم الأعزب: كنت قائمًا في بعض الليالي في موضع هناك للسيد أحمد الرفاعي ﵁، فأيقظني وقال: أي إبراهيم، ألا أخبرك؟ أظهرني الله سبحانه في هذه الساعة على سبعة مدائن كل مدينة منها بقدر هذه الدنيا سبع مرات، وهي مملوءة من الخلق ليسوا من الجن ولا الإنس وما فيهم من يذكر الله تعالى، وكل ليلة عند غروب الشمس يأمر الله تعالى الملائكة فيأخذون ذنوب أمة محمد ﷺ وينفضوها على تلك المدائن السبعة، وكل من أصاب منهم ذنبًا فهو من أهل الجنة.\nومن المتصوفة الذين زعموا بأن الأولياء يعلمون الغيب عبد الوهاب الشعراني (٩٧٣ هـ)، وهاك نماذج من كلامه:\nفقد قال الشعراني: في معرض حديثه عن شيخه وأستاذه علي الخواص","vol":"2","page":958},{"text":"البرلس: (كان ... أميًا لا يكتب ولا يقرأ، وكان ... يتكلم على معاني القرآن العظيم والسنة المشرفة كلامًا نفيسًا يحتر فيه العلما! ! ! وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولًا لابد وأن يقع على الصفة التي قال، كنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم، فيتحير الشخص ... وسمعت سيدي - سيده - محمد بن عنان يقول: الشيخ برلس أعطى التصريف في ثلاثة أرباع مصر).\nونقل الشعراني أيضًا عن شيخه علي الخواص أنه قال: (لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب، ويسري منه الإيمان في نفس العالم كله فيأمنوه على القطع على أنفسهم وأموالهم وأهليهم).\nوقال الشعراني عن إبراهيم العريان: (أنه كان إذا دخل بلدًا سلم على أهلها كبارًا وصغارًا بأسمائهم حتى كأنه تربى بينهم، وكان ... يطلع على المنبر ويخطب عريانًا ... وكان يخرج الريح بحضرة الأكابر ثم يقول: هذه ضرطة فلان، ويحلف على ذلك فيخجل ذلك الكبير منه).\nففي هذا النص مع ادعاء علم الغيب له من المخازي ما يستحي منه من عنده أدنى مسكة من عقل.\nويقول الشعراني: وأما سيدي علي الخواص فسمعته يقول: (لا يكمل","vol":"2","page":959},{"text":"الرجل عندنا حتى يعلم حركات مريده في انتقاله في الأصلاب وهو نطفة من يوم (ألست بربكم) إلى استقراره في الجنة أو في النار).\nوهنا - كما نرى في هذا النص - فقد ساوى هذا الرجل بين علم الله وعلم الأولياء، فماذا بقي لله؟ ! سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوقال محمد محيي الدين الأحمدي الشناوي حفيد الشعراني الصوفي وهو يتحدث عن مناقب جده الشعراني:\n(وكان ... يشهد بقلبه تطور أعماله ثم تصعد إلى أماكنها من السموات والأفلاك، ومعرفة الأملاك الذين شاركهم في العمل من حملة العرش ملائكة الستور، والملائكة الذين نصفهم نار ونصفهم ثلج، وذلك لأن أعماله الموافقة لأعمالهم تصعد مع أعمالهم إلى حضرة الله تعالى، ومعلوم أن أهل كل حرفة يعرفون).\nومن الصوفية الذين يزعمون بأن الأولياء يعلمون الغيب على حرازم بن العربي برادة، فقد قال واصفًا شيخه التيجاني: ... ومن كماله ... ونفوذ بصيرته الربانية وفراسته النورانية التي ظهر مقتضاها في معرفة أحوال الأصحاب، وفي غيرها من إظهار مضمرات وإخبار بمغيبات، وعلم بعواقب الحاجات، وما يترتب عليها من المصالح والآفات، وغير ذلك من الأمور الواقعات.\nوقال في رماح حزب الرحيم: (وينبغي على المريد أن يعتقد في شيخه أنه","vol":"2","page":960},{"text":"يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة).\nوقال في بغية المستفيد: (وأما مكاشفته ... بمعنى إخباره بالأمر قبل قوعه يقع وفق ما أخبر به، فلا يكاد ينحصر ما حدث به الثقات عنه ... ومن إخباره بالغيب عن طريق كشفه ... إخباره بأمور لم تقع إلا بعد وفاته إما بالتصريح أو التلويح).\nإذا نظرنا في النصوص السابقة نرى بوضوح أن علي حرازم قد وصف شيخه بأنه كان يعلم ما في ضمائر الناس، وكان يخبر بالمغيبات ويعلم عواقب الأمور التي تصير عليها في النهاية، وأنه كان يخبر الأمر قبل وقوعه، وأنه ينبغي على كل مريد أن يعتقد أن شيخه مطلع عليه أينما كان، وهذه أمور غيبية لا يمكن أن يعلم بها أي مخلوق مهما كان؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي؛ لأن علم الغيب خاص بالله ﷿، وكما نرى علي حرازم فقد اعتقد في شيخه بأنه يعلم الغيب وبهذا يصبح بأنه أشرك شيخه في خاصية اختص الله بها من بين مخلوقاته جميعًا.\nوقال البريلوي أحمد رضا مؤسس الطريقة البريلوية إحدى الطرق الصوفية بالقارة الهندية ناقلًا عن أمثاله من المتصوفة:\n(إن النبي لا يخفى عليه شيء من الخمس المذكورة في الآية الشريفة، وكيف يخفى عليه ذلك والأقطاب السبعة من أمته الشريفة يعلمونها وهم دون الغوث فكيف بسيد الأولين والآخرين الذي هو سبب كل شيء ومنه كل شيء؟ !","vol":"2","page":961},{"text":"ثم قال: وكيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصرف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس، فاسمعوا هذا يا منكرين، ولا تكونوا لأولياء الله مكذبين، فإن تكذيبهم خراب للدين، وسينتقم الله من الجاحدين، وأعاذنا الله بعباده العارفين).\nوقال البريلوي أيضًا: (الكامل قلبه مرآة الوجود العلوي والسفلي كله على التفصيل).\nوقال أيضًا: (ليس الرجل من يقيده العرش وما حواه من الأفلاك والجنة والنار، وإنما الرجل من نفذ بصره إلى خارج هذا الوجود كله).\nونقلوا عن عبد القادر الجيلاني أنه قال:\nوعُلِّمَ نبت الأرض كم من نباتة ... وعلم رمل الأرض كم هو رملة\nوعلم علم الله أحصى حروفه ... وأُعلم موج البحر كم هو موجة\nأنا الواحد الفرد الكبير بذاته ... أنا الواصف الموصوف علم الطريقة\nملكت بلاد الله شرقًا وغربًا ... وإن شئت أفنيت الأنام بلحظة\nوقالوا يا هذا تركت صلاتك ... ولم يعلموا أني أصلي بمكة\nمريدي تمسك بي وكن بي واثق ... فأحميك في الدنيا ويوم القيامة\n\nقلت: إن هذا القول لم يقل به عبد القادر، بل هو تقول عليه، وكذب صريح. فأين هذا الكذب من قول عبد القادر الجيلاني الثابت في كتابه الغنية: (فإن قيل: لِمَ لم يطلع الله عباده على ليلة القدر يقينًا وقطعًا؟ قيل: لئلا يتكلوا","vol":"2","page":962},{"text":"على عملهم فيها). ففي هذا النص له ما يدل على أنه لا يعرف الغيب، بل الغيب من خصائص الربوبية، حتى إنه لم يثبت لنفسه علم ليلة القدر بل أسنده إلى أنه من علم الغيب. وهذا يدل أيضًا على مدى كذب القوم حتى على عبد القادر.\nفهذه عقيدة المتصوفة في علم مشايخها وأوليائها، كما بينها أقطابها في دواوين فكرهم، ولا شك أن من له أدنى حظ من شعب الإيمان، أو له مسكة من العقل والفطر السليمة، أو رزق شيئًا من الإنصاف - يعلم علم اليقين أن هذا الفكر لا يتجاوز كونه ضربًا من الخيال، وأنه من قبيل الهراء المحض الذي لا يروج إلا على من فقد الإحساس بأهمية الإيمان بالله وحده. ورقّت روابط انتمائه إلى حزب الله، ولا يعتقد صحة هذه الدعاوى والملفقات إلا من لا يعرف التوحيد الذي أنزل الله على رسوله، ولا يعرف الشرك الذي أرسل الله رسله وأنزل الله كتبه للنهي عنه والابتعاد عنه بشتى الطرق.\nالرد على هذه العقيدة الشركية:\nالرد عليهم من القرآن:\nأ- إثبات الله في القرآن الكريم في عدة آيات منه بأن علم الغيب من خصائصه الربوبية، واستدلاله به على أن يعبدوه وحده لا شريك له، حتى لا يتوكل ولا يطلب شيئًا إلا من الله، ويدل عليه عدة آيات من القرآن الكريم، منها:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ).\n٢ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ","vol":"2","page":963},{"text":"الصُّدُورِ).\n٣ - قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).\n٤ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ).\n٥ - قوله تعالى: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).\n٦ - قوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ).\n٧ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).\n٨ - وقال تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ).","vol":"2","page":964},{"text":"٩ - وقوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\n١٠ - وقوله تعالى: (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).\n١١ - وقوله تعالى: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ).\n١٢ - ب - إخباره تعالى بأن علم الساعة وعلم المغيبات الخمسة لا أحد يتدخل فيه، بل هو في علم الله فقط. يدل عليه قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).\n١٣ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ).\n١٤ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا).\n١٥ - وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا).\n١٦ - ج - إخباره تعالى عن علم الغيب بأنه صفة له خاصة، فقال: (عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).","vol":"2","page":965},{"text":"١٧ - وقوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).\n١٨ - قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ).\n١٩ - د- إخباره تعالى عن نبيه محمد ﷺ بأنه لا يعلم الغيب؛ فقال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ).\n٢٠ - ومثله أيضًا قوله تعالى: (قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ).\n٢١ - ونحوه أيضًا قوله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).\n٢٢ - وقال تعالى حكاية عن نبيه قوله: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).\n٢٣ - وهكذا أمره أن يقول بأنه لا يعرف ما يفعل الله به ولا بغيره من الناس، بل كل هذا بيد الله، فقال: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ","vol":"2","page":966},{"text":"إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).\n٢٤ - ويدل عليه قوله تعالى لنبيه بصيغة (لا تدري): (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا). فهذه الآيات كلها تدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب.\n٢٥ - هـ - وهكذا أن إبراهيم ﷺ الذي هو أبو الأنبياء يحدث القرآن عنه بأنه لا يعلم الغيب: كما يدل عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ)، ففي هذه الآيات بيان كون إبراهيم ﵇ لا يعرف الغيب، وهذا واضح.\n٢٦ - وقوله ﷿: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فنبي الله إبراهيم ﷺ ما علم الغيب وإلا لما حصل له ما حصل.","vol":"2","page":967},{"text":"٢٧ - وقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ). فلم يعرف إبراهيم ﷺ ضيوفه حتى أخبروه عن أنفسهم، فلو كان يعلم الغيب لما كانت هناك هذه المحاورات التي حصلت، بل عرفهم إبراهيم ﵇ في أول وهلة ولم يقدم لهم أي طعام.\n٢٨ - وإخباره تعالى عن نبي الله لوط ﷺ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ...).\n٢٩ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ","vol":"2","page":968},{"text":"نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ).\n٣٠ - ز - إخباره تعالى عن سليمان ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ).\n٣١ - ح - إخباره تعالى عن داود ﵇ بأنه لا يعلم المغيبات: فقال: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ).\n٣٢ - ط - إخباره عن موسى ﷺ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) - إلى قوله تعالى: - (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) - إلى أن قال: - (قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) - إلى أن قال: - (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا).\n٣٣ - وقوله تعالى: (قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولىَ).","vol":"2","page":969},{"text":"٣٤ - وقوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ).\n٣٥ - وقوله تعالى: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). فلو كان عالمًا بالغيب لما كان لإخباره تعالى عن أمر الحية معنى، ولما فر من الخوف.\n٣٦ - وقوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) فلو كان عالمًا بالغيب لما غاب عنه ضلال قومه بالسامري.\n٣٧ - ي - إخباره تعالى عن يعقوب ﷺ بأن لا يعلم الغيب: فقال: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ). فلو كان عالمًا بالغيب لقال: إنه في الحب الآن، وأنتم لكاذبون، ولما حصل ما حصل له من الأسى والحزن.\n٣٨ - ك - إخباره تعالى عن زكريا ﵇ بأنه لا يعلم الغيب: فقال: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ","vol":"2","page":970},{"text":"لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).\n٣٩ - وقال عنه أيضًا: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا).\n٤٠ - ل - قوله تعالى عن عيسى ﵇: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).\n٤١ - م - وقال تعالى عن جميع أنبيائه مطلقًا: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).\n٤٢ - ن - قوله سبحانه عن الملائكة نافيًا عنهم علم الغيب والعلم المحيط الشامل لكل شيء: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).\n٤٣ - س - وقوله تعالى عن الجن: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).\n٤٤ - ع - وفي الرد على استدلالهم بأن الأولياء يعلمون المغيبات يورد قوله","vol":"2","page":971},{"text":"تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ).\n٤٥ - وقال تعالى في الأولياء الكرام أصحاب الكهف: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ) إلى أن قال: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).\n٤٦ - وقوله تعالى في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ).\n٤٧ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).\n٤٨ - وقوله تعالى أيضًا في حق الأموات من الأنبياء والأولياء وغيرهم ممن","vol":"2","page":972},{"text":"كان المشركون ينادونهم عند الكربات ويدعونهم لدفع المضرات وجلب الخيرات ويستغيثون بهم عند إلمام الملمات ونزول البليات: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).\n٤٩ - ف - قال تعالى في حق مريم التي هي من أعظم وليات الله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ).\n٥٠ - وقوله تعالى: (فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا).\n٥١ - ص - وأما ما ادعت البريلوية بأن الرسول عنده جميع علوم المخلوقات فيرد عليه بقوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ).\n٥٢ - ق - ومن الآيات التي تبطل زعم البريلوية أن الرسول ﷺ حاضر وناظر كل حين وآن وأنه موجود في السموات والأرض وفي كل مكان وفي كل زمان قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).\n٥٣ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ).","vol":"2","page":973},{"text":"٥٤ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ).\n٥٥ - وقوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).\n٥٦ - وقوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).\n٥٧ - وحكى الله ﷿ في كتابه ذهابه بنبيه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)؛ أي ذهب به إلى المسجد الأقصى حيث لم يكن هناك من قبل، وإلا لم يخبر بذهابه هناك، ولم يتعجب به قومه.\n٥٨ - وقال جل من قائل: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا). أي أخرجوه من مكة وذهب بأبي بكر إلى الغار، وبعد خروجه لم يكن في مكة، وقبل خروجه لم يكن بالغار.\n٥٩ - وقال: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).","vol":"2","page":974},{"text":"٦٠ - وقال: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)؛ أي نصر الله رسوله عند نزوله ببدر وفي العدوة الدنيا عند نزول الكفار في العدوة القصوى، حيث خرج من المدينة مع أصحابه الثلاث مائة وثلاث عشرة مجاهدًا، ولم يكن في المدينة بعد خروجه كما لم يكن في البدر قبل خروجه، إليها.\n٦١ - وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). فكان في الحديبية في العام السادس بعد الهجرة، حيث لم يكن في المدينة، وكما لم يكن في مكة ولم يكن في الحديبية موجودًا قبله، ولم يبق فيها بعد رجوعه إلى المدينة. وقال: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ)، وغير ذلك من الآيات الكثيرة، والوقائع اليومية التي كانت تحدث في حياته ﷺ؛ من وجوده في الحجرة الشريفة، وانتظار الصحابة إياه في المسجد، وخروجه من البيت، ووجوده في المسجد، وعدم وجوده في المسجد عند وجوده في السوق، وغير ذلك من الحوادث الظاهرة والأمور الجلية التي لا خفاء فيها إلا لمن أعمى الله قلبه مع عمى بصره، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فكيف يقول هؤلاء المتصوفة أن الرسول ﷺ لا يخلو منه مكان بل كل شيء أمام عينيه، وأنه يعلم جميع أحوال الموجودات والمخلوقات ولا تخفى عليه خافية؟","vol":"2","page":975},{"text":"فهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وأن الأنبياء ﵈، والأولياء، والملائكة، والجن، لا يعلمون المغيبات.\nوالله تعالى هو وحده عالم الغيب والشهادة، وهو وحده علام الغيوب، وعنده وحده مفاتيح الغيب، وهو وحده يعلم الأمور الخمسة المذكورة في آخر سورة لقمان، وهو وحده يعلم السر وأخفى، وهو وحده يعلم ما في الصدور، وهو وحده لا تخفى عليه خافية، وقد تقدم في هذه الآيات أنه لا يعلم أحد في السموات والأرض الغيب غير الله تعالى، وأن الأنبياء لا يعلمون الغيب.\nوأن الأولياء كأصحاب الكهف، ومريم، وغيرهم لم يكونوا يعلمون الغيب، وأن الله تعالى قد ساق في كتابه كثيرًا من أخبار أنبيائه وأوليائه دليلًا على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب، كقصة آدم والملائكة وإبراهيم، ولوط ويعقوب ويوسف وزكريا وعزير ومريم وأصحاب الكهف، وغيرها، وهي كلها أدلة قاطعة على أنهم لم يكونوا يعلمون الغيب كله، وهكذا الجن لم يكونوا يعلمون الغيب.\nالرد عليهم من السنة النبوية ووقائع من السيرة العطرة:\nالسنة النبوية مليئة بالأدلة على أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فضلًا عما يدعيه المتصوفة معرفة علم الغيب لأوليائهم. سأورد فيما يلي بعض الأحاديث الدالة على أن علم الغيب ليس إلا عند الله جل وعلا.\nالحديث الأول:\nحديث جبريل المعروف المشهور، وفيه قال جبريل: (متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ... في خمس لا","vol":"2","page":976},{"text":"يعلمهن إلا الله ثم تلا النبي ﷺ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) الآية).\nوقد استدل العلماء بهذا الحديث على أن جبريل والنبي ﷺ لم يكونا يعلمان الوقت المحدد لقيام الساعة، بل لا يعلم ذلك أحد غير الله تعالى، من ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ولي، لدلالة الحصر. وهذه الأمور الخمسة هي مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله ﷾.\nالحديث الثاني:\nقول النبي ﷺ: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله».\nالحديث الثالث:\nما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم ولعل بعضكم أبلغ من بعض، فأحسبه أنه صدق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها».\nفعلم من هذا الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب، فلم يكن يعرف الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل في الخصمين، ولذلك حذرهما","vol":"2","page":977},{"text":"بهذه الكلمة الجامعة التي فيها عبرة لكل مسلم.\nالحديث الرابع:\nحديث الحوض، وقد روي بعدة روايات، منها:\n١ - «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن معي رجال منكم، ثم ليختلجن دوني، فأقول: يارب أصحابي؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟».\n٢ - وفي رواية: «خطب رسول الله ﷺ: فقال: أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ثم قال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) إلى آخر الآية، ثم قال: ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يارب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم».\n٣ - وفي رواية: «فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي».","vol":"2","page":978},{"text":"٤ - وفي رواية: «إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدلوا بعدك؟ فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي».\nوهناك روايات أخرى لهذا الحديث عن أكثر من عشرة صحابي - رضوان الله عليهم أجمعين - في كلها إما إنك لا تدري، أو لا علم لك، أو هل شعرت، ونحو ذلك من ألفاظ هذا الحديث المتواتر القاطع للنزاع، ودل هذا الحديث بهذه الألفاظ كلها أن النبي ﷺ لا يعلم أعمال أمته، وأن روحه ليست بمطلعة على أحوال الناس.\nوإذا كان هذا حال أفضل الرسل، فكيف بالأنبياء الآخرين فضلًا عن الأولياء والصالحين؟ ! .\nالحديث الخامس:\nالذي ذكره الحافظ ابن حجر: وقال قبل إيراده: (إن بعض من لم يرسخ في الإيمان كان يظن أن صحة النبوة تستلزم اطلاع النبي ﷺ على جميع المغيبات، كما وقع في المغازي لابن إسحاق أن ناقة النبي ﷺ ضلت، فقال زيد بن اللصيب: يزعم محمد أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال النبي ﷺ: «إن رجلًا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها وهي في شعب كذا قد حبستها شجرة» فذهبوا فجاءوا بها).","vol":"2","page":979},{"text":"الحديث السادس: ما روي في أسباب النزول: أنه ﷺ: «جاءه رجل بفرس له يقودها عقوق ومعه مهرة له يبيعها فقال: من أنت؟ قال: أنا نبي الله، قال: وما نبي الله؟ قال: رسول الله، قال الرجل: متى تقوم الساعة؟ فقال ﷺ: «غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله»، قال: متى تمطر السماء؟ فقال ﷺ: «غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. قال الرجل: ما في بطن فرسي هذا؟ فقال ﷺ: «غيب ولا يعلم الغيب إلا الله». قال: أرني سيفك، فأعطاه النبي ﷺ سيفه، فهزه الرجل ثم رده إليه، فقال ﷺ: أما إنك لم تكن تستطيع الذي أردت ...».\nالحديث السابع:\nوروى البخاري في صحيحه: عن الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: جاء النبي ﷺ يدخل حين بنى عليّ، فجلس على فراشي كمجلسك، فجعلت جويرات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال ﷺ: «دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين».","vol":"2","page":980},{"text":"فالرسول ﷺ حرص على تصحيح العقيدة الإسلامية في مسألة الغيب ولو أغنية من الأغنيات مما كانت الجارية تنسب إليه ﷺ شيئًا من علم الغيب، حتى أمرها من فوره بأن تترك هذا القول.\nالحديث الثامن: ما روي عن عائشة ﵂ وله حكم الرفع:\nتقول عائشة ﵂: من زعم أن رسول الله ﷺ يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه). رواه مسلم.\nوفي رواية للبخاري عنها: «من حدثك أنه يعلم الغيب فقد كفر».\nالحديث التاسع:\nحديث قصة الإفك التي رواها البخاري ومسلم وغيرهما:\nوقد جاء فيها: «يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه».\nومن نتائج هذه القصة أن رسول الله ﷺ رغم أنه كان قد وطن نفسه لمواجهة كل بلية أو أذى يقوم بها المنافقون؛ لأنه كان على علم وبصيرة بمكايدهم، إلا","vol":"2","page":981},{"text":"أنه ﷺ لم يكن يتوقع منهم النيل من عرضه، والإساءة إليه في أحب أهله إليه، ولذا كانت الحادثة شديدة على رسول الله ﷺ، تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا؛ من أهمها بشرية الرسول ﷺ وكونه لا يعلم الغيب، بل الغيب من علم الله الخالص، إذ لو كان يعلم الغيب لبادر إلى تكذيب المفترين لأول وهلة، وبادر إلى بيان تبرئة عائشة دون أي شك ولم يلبث القلق والضيق معه إلى شهر، ولم يذهب إلى زوجه ولم يقل: «يا عائشة، قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه».\nفهذه الحادثة صريحة في أن النبي ﷺ لا يعلم المغيبات.\nالحديث العاشر: ما جاء في قصة بيعة الرضوان:\nذلك أن رسول الله ﷺ لما وصل إلى الحديبية في عمرته بركت ناقته هناك لأمر يعلمه الله، ثم أوفد عثمان ﵁ إلى مكة لإعلامهم بأنه لم يأت ليشن حربًا عليهم، وإنما جاء زائرًا للبيت ومعظمًا لحرمته.\nقال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قتل قال: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، فدعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.\nومن أهم الدروس التي ينبغي الاهتمام بها في هذه القصة أن خبر مقتل عثمان لما أشيع وبلغ النبي ﷺ صدقه واقتنع بصحته إلى حدٍ كبير، فتحول في","vol":"2","page":982},{"text":"لحظة عن خيار السلم الذي جاء معه وأعلن حالة استنفار قصوى، ودعا أصحابه للبيعة على القتال وعدم الفرار، فبادروا ﵃ إلى البيعة.\nولما تمت البيعة رجع عثمان ﵁ فظهر أن نبأ مقتله كان مجرد شائعة لا أساس لها من الصحة، ولو كان ﷺ يعلم الغيب لخبرهم بالواقع ولأفادهم أن عثمان حي معافى، لم يصبه مكروه، ولكنه - وهو على مقربة من مكة - لم يكن يدري ما يجري بداخلها.\nالحديث الحادي عشر:\nما جاء في قصة عثمان بن مظعون ﵁ التي وردت في حديث أم العلاء الأنصارية ﵂؛ وهي أنه لما توفي أبو السائب عثمان بن مظعون ﵁ وفرغوا من تكفينه، دخل النبي ﷺ، فقالت أم العلاء: (رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقالت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله - وأنا رسول الله - ما يفعل بي». قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده).\nوهذا النص أيضًا دليل آخر صحيح صريح على أن رسول الله ﷺ لم يكن","vol":"2","page":983},{"text":"علمه ببعض المغيبات دليلًا على علمه بكل غيب، فلئن كان بشر بعض أصحابه بالجنة إطلاع الله له على حالهم، فإنه لم يكن ما حال بعضهم الآخر، ذلك لأن معرفة ما يئول إليه حال الإنسان يوم القيامة غيب لا يعلمه إلا الله.\nفهذه بعض نصوص الشرع تدل على أن علم الغيب من خصائص الربوبية لا يعلمه أحد إلا ما أعلمه الله ﷿ أحد خلقه، فمن أثبت هذا العلم لغير الله فقد نازع الله في ربوبيته في علمه المحيط الشامل لكل شيء، ومعلوم أن هذا شرك بالله في ربوبيته بالأنداد في صفته العلم المحيط.\nالفرع الثالث: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى السحرة:\nلقد سبق معنا كيف يكون السحر شركًا في الربوبية، ومتى يكون، وإنما ذكرته هاهنا لوجود ظاهرة السحر والتسحر في العصر الحديث بصفة عامة في جميع دول العالم، بل ترى الآن هناك محافل وأندية للسحرة ولهم سلطة عجيبة على كثير من الملوك، وقل ما تجد صحيفة يومية أو أسبوعية إلا وفيها إعلان عن تعليم السحر، وإبرازه بأنه فن من الفنون المحمودة. والناس دائمًا يهرولون إليهم بغية معرفة الأخبار السرية أو طلبًا للتنبؤات - كما يسمون - المستقبلية، ويعتقدون معرفتهم بالمغيبات. وهذا لا شك في كونه شركًا بالله في الربوبية في صفته العلم المحيط.\nالفرع الرابع: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط لدى الكهنة والمنجمين والعرافين وأصحاب الطرق:\nسبق معنا ذكر كون الكهانة والتنجيم والعرافة شركًا بالله جل شأنه في صفته","vol":"2","page":984},{"text":"العلم المحيط لكل شيء، وهنا أذكرهم على أن هذه الظاهرة من الكهانة والعرافة والتنجيم موجودة بشكل عام في جميع بلدان العالم، فقل ما تذهب إلى دولة إلا تجد هناك في الشوارع أناسًا جالسين وأمامهم لوحة كبيرة مكتوب عليها: (تعرّف على مستقبلك)، أو (هنا نستطيع أن نقرأ خطوط أيديك ونخبرك بما سيحدث لك أو ما حدث)، أو (نحن نستطيع أن نختار لك أحسن الحجر الذي سينفعك في مستقبل عمرك بمعرفة برجك)، أو مثل هذه العبارة.\nوهناك من العلماء ما زالو ينظرون إلى حروف أبي جاد المعروف، حيث يأخذون اسم الرجل واسم والدته ثم يقسمونه على عدد معلوم ثم يقولون له: إنه سيحدث لك مثل هذا أو ذاك، ومعلوم أن هذه كلها من العرافة التي فيها ادعاء علم المغيبات التي اختص الله بها نفسه.\nوهناك طائفة أخرى من الناس تراهم يعلنون دائمًا في الصحف: (إن كان ولادتك في يوم كذا فأنت من حظ الجدي مثلًا، أو العقرب مثلًا، وأنت ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون محظوظًا في يومك هذا، أو شهرك هذا، أو يقولون: ستكون لك مصائب عن قريب، أو سيكون هناك انحطاط جسدي أو فكري أو تجاري، أو مثل هذه العبارة. ولا شك أن هذه كلها من الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط.\nوأعظم من تتمثل فيهم الصوفية، فإن الذي يسبر أحوالهم، ويطلع عليها، يعلم علم اليقين أن أكثر مشايخ الطرق ما بين كاهن وعراف، فادعاء علم الغيب عندهم كأنه من مستلزمات الولاية والكرامة، ويسمون ذلك بـ (الكشف).\nكما أن الكهانة منتشرة بين كثير من الخرافيين الذين يدعون معرفة الغيب،","vol":"2","page":985},{"text":"ويزعمون أنهم يرشدون الناس إلى ما يريدون، ويأكلون أموالهم بالباطل.\nكما أن من مظاهر وجودها: ما يوجد عند بعض من يتطبب بما يسمى بالطب الشعبي، فيزعم أنه يعرف سبب المرض الفلاني، وأن علاجه كذا وكذا، عن طريق الشياطين.\nكما أن من مظاهرها أيضًا: ما يدعيه الفلكيون من المنجمين من معرفة ما يحصل بما يسمى بالطالع سواء كان نحسًا أو سعيدًا، وهذا موجود في أكثر الصحف والمجلات.\nوأما الطرق: التي هي ضرب من ضروب الكهانة التي كان العرب يتوصلون - بزعمهم - بها إلى معرفة المغيبات. وذلك بالخط على الأرض على طريقة مخصوصة. وهذه الظاهرة ما زالت موجودة في هذا العصر، فمنها:\nالخط على الرمل، وضرب الودع منتشران انتشارًا كبيرًا، وكذا التنبؤ - كما يسمون - بها.\nومما يلحق بها مما هو موجود في هذا العصر، ما يسمى بـ (زهر الطاولة)، (والدومينو) وهذا يقومان على التنبؤ بالشيء عن طريق الأرقام، بحيث توضع دائرة على الأرض، ثم يلقى بالزهر المرقم داخلها، فإن لم يدخل فيها، فهو يعني أن ثمة شقاقًا سيقع، وإن دخل فيها تمت قراءة الأرقام الموجودة على الزهر، وكل رقم يدل على حادثة معينة.\nومنها: قراءة النار: حيث إنهم يستدلون على ما يقع - بزعمهم - من الأحداث في المستقبل بصور الجمر، وتلهب النار.","vol":"2","page":986},{"text":"ومنها: ما يسمى بقراءة الفنجان، وهو فنجان القهوة، حيث يعتمد الكاهن على ما يتبقى من القهوة فيه، فيرسم به على جوانب الفنجان خطوطًا، ثم يتنبأ بما يحصل.\nومنها: ما يسمى بقراءة الكف، حيث يعتمد مدعي الغيب على خطوط الكف، وما فيها من تقاطعات، وتعرجات، وانقطاعات، واتصالات، ثم يزعم أنه يكون كذا، وكذا.\nومنها ما يسمى بـ (قراءة الكوتشينة)، وهي كزهر الطاولة التي سبق الكلام عليها قبل قليل.\nومنها: الضرب بحباب الفول.\nالفرع الخامس: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته العلم المحيط في الروحية الحديثة:\nفإن في اعتقاد بعض الناس أن الأرواح - التي هي جنات في الحقيقة - تعلم المغيبات.\nوهذه الظاهرة قد انتشرت في الآونة الأخيرة في أغلب دول أوروبا، وفي بعض الدول الآسيوية أيضًا، وقد سبق معنا تفصيل البيان في كيفية مزاولة الوسيط الشيطاني من الإنس هذه الأعمال، وكيف أنها أشرك بالله من عدة جهات، وإنما أوردتهم هاهنا لأنهم يعتقدون في الأرواح أنها تعلم المغيبات.\nيقال في الرد عليهم:","vol":"2","page":987},{"text":"١ - كما قال الشيخ محمود شلتوت في الفتاوى: لم يرد شيء فيما يختص بتحضيرها، وتسخيرها لدعوة الإنسان، كما لم يدل عليه حس موثوق به أو تجربة صادقة، وكل ما نسمعه في ذلك لا يخرج عن مظاهر خداع وإلهاء بالخيالات لا يلبث أن ينكشف أمره.\n٢ - ما الذي أعلمهم أنها أرواح؟ هل يعرفون الروح؟ يمكنهم أن يقولوا: إنهم يحضرون قوى خفية، ولكن أرواحًا فلا، وكل ذلك غير مقبول، وليس هذا ثابت بالبحث العلمي؛ لأن البحث العلمي يحتاج إلى المعمل وإلى التجربة، وهذا لا يتوفر فيه التجربة والمعمل.\n٣ - ما هذه الأرواح التي يزعمون أنهم يحضرونها؟ هل هي أرواح الصالحين؟ كلا، فهؤلاء عرفوا الله عن طريق الأنبياء والمرسلين، فيستحيل أن يخرجوا على كتبهم، ويتنكبوا طريقهم، ولو أتيحت فرصة العودة إلى الدنيا - جدلًا - لما دعوا الناس في هذا الزمان إلا إلى اتباع محمد ﷺ، والأخذ من قرآنه، أم هي أرواح الفجار؟ كلا، فهؤلاء بعد ما غادروا الحياة ملكتهم حسرة قاتلة على زيغهم أيام الدنيا، ثم هو في أيدي حراس غلاظ شداد، قد أمسكوا بخناقهم توطئة لحسابهم الشاق، فكيف يتصور أنهم عادوا إلى الحياة الدنيا عن طريق الاتصال الروحي يستأنفون التزوير والتضليل؟ !\nإننا لا نشك في أن مبادئ الروحية الحديثة هي من عبث مردة الجن الذين استغفلوا نفرًا من أبناء آدم، واصطادوهم إلى هذه المجالس؛ مجالس الأشباح والأوهام، مجالس تحضير الأرواح - كما يقال - ليملوا عليهم هذا المنكر من","vol":"2","page":988},{"text":"القول.\nوما أكثر عبث الجن بالإنس وأوسع طرقه، ولذلك يندد القرآن الكريم بأطراف هذه الفتنة فيقول: (وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ).\nولا غرو، فإن الشيطان يستحلي إغواء أبناء آدم، كما يستحلي أبناء آدم أكل السحت وارتكاب الزنا، وما هذه الدعوى من تحضير الأرواح إلا من الشياطين. فالصحيح الذي لا مرية فيه: أن ما يسمونه بالأرواح ما هي إلا شياطين.\nوأما كيفية معرفتهم لبعض ما يغيب على الناس، فهذا لا يخلو عن ثلاثة أمور:\n١ - إما أنه من قرين الميت الذي كان يعرف كثيرًا من أعمال الميت، فيخبرهم عن أحواله.\n٢ - وإما أنه من قبيل الجن العابر الذي تعرف على حال المسئول عنه عن طريق استخباره عن الجن الذي هو قرين المسئول عنه.\n٣ - وإما أن يخبر عن أشياء هي غائبة بالنسبة لدينا، وليست بغائبة لديهم؛ فمثلًا: كل ما في جيب الإنسان لا يراه إنسان آخر، ولكن الجنات يرون هذه الأشياء كرؤيتنا للمشهودات.\nفإخبارهم بهذه الأشياء ليس من قبيل المغيبات.\nفهذا آخر ما أمكن من بيان المشركين بالله في الربوبية بالأنداد في صفة العلم المحيط في العصر الحاضر.","vol":"2","page":989},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>المطلب الثالث: الشرك بالله جل شأنه في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع المطلقين بإثباتهما لغيره سبحانه</span>\nوفيه مدخل وفروع:\nمدخل في بيان المقصود بالحكم في هذا الباب، وكون إثباته لغير الله شركًا بالله في الربوبية، وبيان الصور التي تدخل منه في هذا النوع من الشرك.\nالمقصود بالحكم في هذا البا:\nمع الجهل بحقيقة الإسلام والبعد عنه، ومع جهود المحادين لله ورسوله، أخذت عدة مفاهيم شرعية تتغير في عقول الناس وتتبدل، وتنحرف عن معناها الأصلي، ومن تلك المفاهيم التي أصابها الضمور في عقول الناس مفهوم الحكم بما أنزل الله، فقد انحصر مفهوم الحكم بما أنزل الله على شموله واتساعه في بعض أجزائه.\nفبعضهم ينحصر في التشريعات والأحكام المتعلقة بالأسرة؛ من زواج وطلاق، وحضانة وغير ذلك.\nوالبعض الآخر يحصره في العقوبات الشرعية من الحدود وغيرها.\nوالبعض الآخر يحصره في مجرد كلمة غامضة تكتب في قصاصة من الورق لا قيمة لها يسمونها (الدستور) أو ما شابهه من المسميات.\nونماذج بتر المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله كثيرة ومتنوعة باختلاف أهواء البشر وضلالاتهم وجهالاتهم. وأبرز هذا المفهوم المبتور ما ترى في كثير من الناس الذين يكفرون الحكام وعامة الناس من غير تفصيل ولا احتياط","vol":"2","page":990},{"text":"في هذا الأمر، ومن غير مراعاة منهج السلف في هذا الباب، بل ترى كثيرًا منهم يسارعون إلى تكفير الحكام لعدم الحكم بما أنزل الله، وتراه لا يحكم بما أنزل الله في نفسه وأسرته، بل زيادة على ذلك تراه يقبل أحكامًا تخالف شرع الله ﷿ من عند رئيس جماعته، ونحلته التي ينتسب إليها، ولما وصل الأمر إلى هذا الحد لزم بيان المفهوم الصحيح للحكم بما أنزل الله.\nوإذا رجعنا إلى معنى كلمة (الحكم) نجد لها عدة معان، يتعلق منها بموضوعنا معنيان:\nالأول: القضاء والفصل في الأمور المعينة: اعتمادًا على تشريع سابق، ويكون دور القاضي في هذه الحالة: البحث في نصوص التشريع عما ينطبق على الحالةا لمعروضة، ثم يحكم فيها بما يدل عليه ذلك التشريع، ويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة الحكم، قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)، وقوله تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)، وقوله تعالى: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا)، وغير ذلك من النصوص المشابهة.\nفالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: القضاء والفصل في الأمور على وفق التشريع المنزل من عند الله.","vol":"2","page":991},{"text":"وهذا النوع من الحكم ليس خاصًا بالله، ولا يمنع المسلم من مزاولته فكل مسلم استوفى شروط القضاء المعروفة يمكنه مزاولة هذا النوع من الحكم. وطبيعة هذا النوع من الحكم أنه يتعلق بوقائع معينة محددة، وما خالف في جوازه إلا الخوارج ومن تبعهم من معاصرينا.\nالثاني: القضاء والفصل في الأمور بغير اعتماد على تشريع سابق، أو القضاء والفصل في الأمور اعتمادًا على تشريع يضعه القاضي أو الحاكم من قبل نفسه، أو مما خلفته الأمم من التشريعات، أو مما سنته عقول الناس.\nفهذا النوع من الحكم يكون الحكم فيه بمعنى التشريع المبتدأ الذي يبتدئه الحاكم من عند نفسه أو من القوانين الأخرى المستوردة، من غير أن يمليه عليه أحد، أو يتبع فيه أحدًا، وقد يصحبه بعد ذلك الحكم بالمعنى الأول، وقد لا يصحبه.\nوفعل الحاكم في هذا النوع من الحكم أنه يضع من عند نفسه التشريع ويبين الأحكام المترتبة على الأقوال والأفعال والتصرفات. وقد يحكم الحاكم بعد ذلك في قضية أو واقعة معينة بناء على هذا التشريع - القوانين ـ، وقد لا يحكم فيها بنفسه.\nويدل على هذا المعنى لمفهوم كلمة (الحكم) قول الله تعالى: (ذَلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)، وقوله تعالى: (وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللهِ)، وقوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ)، وقوله تعالى: (وَلَا","vol":"2","page":992},{"text":"يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)، وقوله تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)، وقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ). وغير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على هذا المعنى.\nفالمراد بالحكم في هذه النصوص وما شابهها: إحداث تشريع مبتدأ للحكم في القضايا، سواء كانت قضايا كلية عامة، أو كانت قضايا معينة محددة.\nومعلوم أن هذا النوع من الحكم مختص بالله رب العالمين، لا يشركه فيه أحد من خلقه.\nومن هنا يتبين جليًا أن مفهوم الحكم بما أنزل الله مفهوم واسع يشمل كل ما جاءت به النصوص الشرعية من الكتاب والسنة أو دلت عليه. فمثلًا:\n١ - مال الدولة الإسلامية: تحديد موارده، وتحديد مصارفه، وكيفية مصارفه، وكيفية الاكتساب في الإسلام، وما يحل منه وما يحرم، كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله.\n٢ - ثروات الأمة المخزونة في باطن الأرض أو على ظاهرها: ما يكون منها ملكًا للدولة وما كان منها ملكًا للأفراد، وكيفية توزيع ثروات الأمة بين أبنائها بالحق والعدل، بحيث لا يستأثر بها فريق دون آخر، يشمله الحكم بما أنزل الله.\n٣ - صفات الوالي: وما يشترط فيه من الشروط، وواجباته، وحقوقه، وكيفية اختياره أو عزله - إن اقتضى الأمر - كل ذلك يشمله أيضًا مفهوم الحكم بما أنزل الله.","vol":"2","page":993},{"text":"٤ - العلاقات الخارجية: علاقات الدولة الإسلامية بغيرها من دول الكفر: ما هي حدود العلاقات؟ هل هي حرب أم هي سلم؟ أم هي هدنة مؤقتة أم هي غير ذلك؟ كل ذلك يشمله مفهوم الحكم بما أنزل الله.\n٥ - مخالفات الناس ومعاصيهم: وما يترتب على ذلك من عقوبات قد تكون حدًا، وقد تكون تعزيرًا، يشمله أيضًا الحكم بما أنزل الله.\n٦ - العلاقات الأسرية: من زواج وطلاق، وحضانة، وخلع، وعدة ومتعة، وأحكام الوراثة، وأحكام المهور كل ذلك يشمله الحكم بما أنزل الله.\n٧ - كما أنها تشمل حكم الله في الصلاة والصيام والزكاة والحج والزفاف والجنائز واللباس والطعام والشراب، بل في جميع أمور الفرد والأسرة والمجتمع والأمة.\nوهكذا، فالحكم بما أنزل الله مدلوله أشمل وأوسع من مجرد ما يظنه كثير من الناس، إذ ما من آية أو حديث فيها حكم من الأحكام الشرعية، إلا كان الحكم بما دلت عليه الآية أو الحديث داخلًا في مفهوم الحكم بما أنزل الله.\nولعله يصبح من الواضح جدًا الآن شيئان:\nالأول: أن مطالبة المطالبين بالحكم بما أنزل الله لا تعني تنفيذ بعض هذه الأحكام، بل تعني جميع هذه الأحكام، وأن الأمر لا يخص الأمراء فقط، بل حتى على الأسرة والمجتمع، والمجتمع كلٍّ حسب ما كلف من جهة الشرع، فالرجل مكلف أن يحكم بما أنزل الله في أسرته؛ لأن كل واحد منا راع وكلنا مسئولون عن رعايانا. فما ترى من الناس من أنهم ينصبون جميع اللوم على الحكام والأمراء في عدم الحكم بما أنزل الله ليس ذاك إلا لمجرد القصور في النظر.","vol":"2","page":994},{"text":"الثاني: لما قلنا: إن الحكم بما أنزل الله يشمل كل شئون الفرد والمجتمع، وإذا لم يطبق أحدنا ما حكم الله ﷿ في ما يرعاه، فإن حكمه يختلف حسب ما أداه إليه عمله هذا، من الكبيرة وارتكاب الحرام وكفر دون كفر، إلى كفر أكبر وشرك أكبر؛ لأن للمخالفة درجات في الشرع، فإن كان خالفه بمجرد اتباع هواه فهل يقال له إنه كافر مثلًا؟ ولو قلنا بهذا فما الفرق بيننا وبين الخوراج مثلًا؟ ولهذا من الخطأ ما نرى الآن في الساحة أناسًا يكفرون الناس بدون تفصيل، وبدون النظر إلى عواقب الأمور وإلى أنه هل يوجد هناك عنده شبهة أو مانع أم لا؟ .\nكون إثبات صفة الحكم لغير الله شركًا بالله جل وعلا:\nلا شك أن تنحية شرع الله تعالى وعدم التحاكم إليه في شئون الحياة من أخطر وأبرز الانحراف في مجتمعات المسلمين. ولقد كان من عواقب الحكم بغير ما أنزل الله في بلاد المسلمين ما حل بهم من أنواع الفساد وصنوف الظلم والذل والمحق. ولعل أخطر منه إعطاء سلطة التشريع والحكم لغير الله سبحانه.\nونظرًا لأهمية وخطورة هذه المسألة من جانب، وكثرة اللبس فيها من جانب آخر، نفصل القول في المسألة على النحو التالي:\nمنزلة إثبات صفة الحكم والتشريع لله وحده:\nفرض الله تعالى الحكم بشريعته، وأوجب ذلك على عباده، وجعله الغاية من تنزيل كتابه، فقال سبحانه: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ).","vol":"2","page":995},{"text":"وبين سبحانه اختصاصه وتفرده بالحكم، فقال: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ)، وقال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ)، وقال ﷿: (لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، كما سبق معنا إيراد النظائر من الآيات الدالة على أن الحكم والتشريع من خصائص الله ﷿.\nفالحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله تعالى المتبوعين في غير ما أنزل الله تعالى أربابًا لمتبعيهم، فقال سبحانه: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nوكما يقول الشيخ محمد رشيد رضا - في بيان معنى الشرك في الربوبية ـ: هو إسناد الخلق التدبير إلى غير الله تعالى معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين","vol":"2","page":996},{"text":"في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم من غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله.\nويقول ابن حزم - عند قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ) الآية ـ:\n(لما كان اليهود والنصارى يُحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم، ويُحلون ما أحلوا، كانت هذه ربوبية صحيحة، وعبادة صحيحة، وقد دانوا بها، وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أرباب من دون الله وعبادة، وهذا هو الشرك بلا خلاف).\nويقول ابن تيمية ﵀ في هذا الشأن: (وقد قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nوفي حديث عدي بن حاتم - وهو حديث حسن طويل رواه أحمد والترمذي وغيرهما - وكان قد قدم على النبي ﷺ وهو نصراني، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟». قال: فقلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». وكذلك قال أبو البختري: «أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن","vol":"2","page":997},{"text":"يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية ...\nفقد بين النبي ﷺ أن عبادتهم إياهم كانت في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا أنهم صلوا لهم، وصاموا لهم، ودعوهم من دون الله، فهذه عبادة الرجل، وقد ذكر الله أن ذلك شرك بقوله: (لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nوإذا كانت متابعة أحكام المشرعين غير ما شرعه الله، تعتبر شركًا، وقد حكم الله على هؤلاء الأتباع بالشرك، كما قال تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)، فكيف بحال هؤلاء المشرعين؟ ! لا شك في كفرهم؛ لأنهم نازعوا الله تعالى في ربوبيته، وبدلوا دين الله وشرعه.\nكما أن حقيقة الرضا بالله ربًا توجب إفراد الله تعالى بالحكم، واختصاصه تعالى بالخلق والأمر، حيث قال سبحانه: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ). فالأمر كله لله تعالى وحده، سواء كان هذا الأمر كونيًا قدريًا، أو شرعيًا دينيًا.","vol":"2","page":998},{"text":"يقول العز بن عبد السلام: وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه ... وكذلك لا حكم إلا له.\nويقول عبد الرحمن السعدي: فإن الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى بحيث تكون الطاعات كلها تبعًا لطاعته.\nإضافة إلى ذلك، فإن الحَكَم من أسماء الله تعالى الحسنى، فقد قال ﷺ: «إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم». يقول ابن الأثير: (وإنما كره له ذلك لئلا يشارك الله في صفته).","vol":"2","page":999},{"text":"وفي دعاء الاستفتاح في صلاة التهجد يقول الرسول ﷺ: «وإليك حاكمت». يقول ابن منظور في اللسان: (أي: رفعت الحكم إليك ولا حكم إلا لك).\nوقال تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا).\nوقال سبحانه: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).\nوقال ﷿: (أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ).\nوإن الإيمان بهذا الاسم يوجب التحاكم إلى شرع الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). وقال سبحانه: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ).\nوقد بين الله تعالى - في آيات كثيرة - صفات من يستحق أن يكون الحكم له ... كما قال العلامة الشنقيطي مبينًا ذلك:\nفمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع، قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ","vol":"2","page":1000},{"text":"وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السموات والأرض - أي خالقها ومخترعها، على غير مثال سابق ـ، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا ...؟\nفعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السموات والأرض؟ وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات، وبصره بكل المبصرات؟ وأنه ليس لأحد دونه من ولي؟ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإله الواحد","vol":"2","page":1001},{"text":"وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟ وأن الخلائق يرجعون إليه؟ تبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته.\nومنها قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).\nفهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟\nومنها قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ).\nفهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكن تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟ لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم.\nسبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم.\nوقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا): وقد قرأ هذا الحرف عامة القراء ... (ولا يشرك) بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله ﷿ أحدًا في حكمه، بل الحكم لله وحده لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله - تعالى - والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأ ابن عامر في السبعة: (ولا تشرك) بضم التاء المثناة الفوقية، وسكون الكاف بصيغة النهي، أي لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم، وحكمه جل وعلا المذكور","vol":"2","page":1002},{"text":"في قوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) شامل لكل ما يقتضيه جل وعلا، ويدخل في ذلك التشريع دخولًا أوليًا.\nوإذا كان القول بأن الله هو الحَكَم، وأن الحُكم له وحده يمثل جزءًا من عقيدة المسلمين في الله ربهم فإنه يعني من جانب آخر أن المسلم لا يقر بذلك لأحد دون الله تعالى. هذا فضلًا عن أن يدعي ذلك لنفسه، أو لغيره.\nومما تقدم تبين أن من ادعى أنه هو الحَكَم وأن الحُكْم له - سواء كان هذا المدعي فردًا، أو جماعة، أو هيئة، أو مؤسسة، أو مجلسًا شعبيًا، أو برلمانًا، أو غير ذلك من المسميات - فقد ادعى مشاركته لله ﵎ في ذلك.\nوالمقصود: بيان كون الحكم والتشريع من خصائص الربوبية، وإعطاء هذه الخصيصة لغير الله شرك بالله جل شأنه في صفة الحكم وفي صفة التشريع.\nبقي أن نشير هنا إلى أنه هل وجد هذا النوع من الشرك في العصر الحديث أم لا؟ .\nفأقول: لقد وقع في هذا النوع من الشرك جملة من الطوائف في العصر الحديث، ويتمثل ذلك فيما يلي:\nإعطاء حق التشريع لغير الله سواء كان من الأمراء والسلاطين، أو القوانين، أو الأنظمة المستوردة.\nومنها: إعطاء حق التشريع للعلماء والأئمة ورؤساء الأحزاب والجماعات.\nومنها: إعطاء حق التشريع لمشايخ التصوف.\nوسأذكر كل من وقع في هذا النوع من الشرك في الفروع الآتية:","vol":"2","page":1003},{"text":"الفرع الأول: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع بإثباتهما لغير الله، سواء كان إنسانًا عاديًا، أو أميرًا من الأمراء، أو كان قانونًا من قوانين الكفرة، أو نظامًا من الأنظمة المستوردة ...:\nكل من نصب نفسه حاكمًا مطلقًا أو مشرعًا - في أي قضية من القضايا - فقد أوقع نفسه في هذا النوع من الشرك؛ لأن الله ﷿ سماه مشرعًا في قوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ). كما سماه طاغوتًا، وحرم التحاكم إليه، وبين أن من تحاكم إلى الطاغوت ثم زعم الإيمان أن أمره عجيب؛ لأن دعوى الإيمان يبطلها التحاكم إلى الطاغوت. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).\nوقد سمى الله تعالى الذين يحكمون بغير شرعه كفارًا، وظالمين، وفاسقين، فقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقال","vol":"2","page":1004},{"text":"عزوجل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).\nوأبرز من وقع في هذا النوع من الشرك:\nالمشرعون للقوانين الوضعية. والمستوردون لها والمبدلون بها الحكم الشرعي والمستحلون للحكم بها، والمنكرون لأحقية حكم الله ورسوله عليها، والمسوون بينها وبين حكم الله، والقائلون بعدم صلاحية حكم الله في هذا القرن العشرين - قرن العلم والنور - (كما يقولون)، والمعرضون عن أحكام الشريعة الدالة على عدم الاقتناع بها.\nوذلك: (أن طواغيت البشر - قديمًا وحديثًا - قد نازعوا الله في حق الأمر والنهي والتشريع بغير سلطان من الله تعالى، فادعاه الأحبار والرهبان لأنفسهم؛ فأحلوا به الحرام، وحرموا به الحلال، واستطالوا به على عباد الله، وصاروا بذلك أربابًا من دون الله.\nثم نازعهم الملوك في هذا الحق حتى اقتسموا السلطة مع هؤلاء الأحبار والرهبان، ثم جاء العلمانيون فنزعوا الحق من هؤلاء وهؤلاء، ونقلوه إلى هيئة تمثل الأمة والشعب، أُطلق عليها اسم البرلمان، أو مجلس النواب ... وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين - من خلال استقراء دساتيرها - إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله تعالى وحده بالتشريع، حيث جعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جعلت الحاكم مشاركًا في ذلك في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله تعالى، والله المستعان).\nوقد وصل امتهان الشريعة الإلهية ونبذها - في بعض تلك الدساتير - إلى","vol":"2","page":1005},{"text":"حد أنهم جعلوا هذه الشريعة الربانية مصدرًا ثانويًا من مصادر القانون، فتأتي الشريعة متأخرة بعد التشريع الوضعي، والعرف، كما أنهم يجاهرون صراحة بحق التشريع لغير الله تعالى - بحيث أن نصوص الشريعة لا تكتسب صفة القانون عندهم لو أرادوا العمل بتلك النصوص إلا بصدورها عمن يملك حق التشريع، وهي السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك.\nأما كون هذه الشريعة منزلة من عند الله تعالى فلا يعطيها صفة القانون عندهم فضلًا أن تكون حاكمة ومهيمنة، بل إن العرف يلغي أي مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية - فسحقًا لهم ـ.\nكما أن هذه القوانين والدساتير الطاغوتية عند أصحابها قد صار لها من الحرمة والتعظيم كما لو كانت شريعة إلهية، يبين ذلك الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ فيقول:\n(هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام ... هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها وغرسوا في قلوبهم حبًا وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثير من الكلمات (تقديس القانون)، و(قدسية القضاء) و(حرمة المحكمة) وأمثال ذلك من الكلمات ... ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة (الفقه) و(الفقيه)، و(التشريع) و(المشرع) ... وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها).\nإن شريعة الله تعالى يجب أن تكون وحدها حاكمة ومهيمنة على غيرها،","vol":"2","page":1006},{"text":"وأن تكون المصدر الوحيد للتشريع، فلا ننخدع بما يقوله بعضهم بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لما تضمنه هذه العبارة الشركية من الإقرار والرضا بمصادر أخرى للتشريع، ولو كانت مصادر فرعية. يقول الله تعالى: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ).\nوفيما يلي بيان نصوص العلماء المحققين في إثبات ما ذكر:\nأولًا: قول شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال ﵀ في كتابه منهاج السنة النبوية: (ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما نزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا هي تأمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام ويحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله، كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي أن يحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر، فإن كثيرًا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات الجارية التي يأمر بها المطاعون.\nفهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار).\nوقال في موضع آخر: (والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم","vol":"2","page":1007},{"text":"الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرًا باتفاق الفقهاء).\nوقال: (ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين، ولا الكفار ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى:\n(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).\nوقوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).\nفيجب على المسلمين أن يُحَكّموا الله ورسوله فيما شجر بينهم، ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق، أو غيره مما يخالف شرع الله وشرع رسوله، وحكم الله وحكم رسوله، وهو يعلم ذلك، فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم (الياسق) على حكم الله وحكم رسوله، ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه).\nوقد سئل - رحمه الله تعالى - عن قتال التتار مع تمسكهم بالشهادتين ودعواهم أنهم يتبعون أصل الإسلام، فقال: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء وغيرهم، فإنه يجب قتالهم، حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، كما قاتل أبو بكر والصحابة رضوان الله عليهم مانعي الزكاة ...).\nوبين - رحمه الله تعالى ـ: (أن مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام","vol":"2","page":1008},{"text":"شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال واجب حتى يكون الدين لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب).\nثم بين ﵀ وأجزل له المثوبة ـ: (أن كل طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو الصيام أو الحج، أو امتنعت عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر أو نكاح ذوات المحارم، أو امتنعت عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها والتي يكفر الواحد بجحودها فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء ...).\nثم بين ﵀ أن هؤلاء الممتنعين من هذه الواجبات ليسوا بغاة، وإنما هم كفرة خارجون عن الإسلام، وشتان ما بين الأمرين، قال ﵀: (وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسو بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، أما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب ﵁).\nثانيًا: من أقوال العلامة ابن القيم ﵀:\nيقول ابن القيم ﵀: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به","vol":"2","page":1009},{"text":"الرسول ﷺ فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه). ويعرف ﵀ الطاغوت فيقول: (الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله ورسوله إلى التحاكم إلى الطاغوت).\nويقول في موضع آخر: (فالرضا بالله ربًا، ألاّ يتخذ ربًا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره، وينزل له حوائجه، قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ). قال ابن عباس ﵁: سيدًا وإلهًا، يعني فكيف أطلب ربا غيره وهو رب كل شيء؟ وقال أول السورة: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)؛ يعني معبودًا وناصرًا ومعينًا وملجئًا. وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة. وقال في وسطها: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)؛ أي أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه؟ وهذا كتابه سيد الحكام، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه؟ وقد أنزله مفصلًا، مبينًا كافيًا شافيًا ...\nوكثير من الناس يرضى الله ربًا، ولا يبغي ربًا سواه، لكنه لا يرضى به وليًا","vol":"2","page":1010},{"text":"وناصرًا وحده، بل يوالي من دونه أولياء، ظنًا منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك، وهذا شرك ...\nوكثير من الناس يبتغي غيره حكمًا، يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه ... بينما أركان التوحيد الثلاثة: أن لا يتخذ سواه ربًا، ولا إلهًا، ولا غيره حكمًا).\nثالثًا: قول العلامة ابن كثير:\nبعد أن ذكر ﵀ من الياسق التي يحكم بها التتار قال: (وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه! من فعل ذلك فهو كفر بإجماع المسلمين).\nفهو يقرر أن التحاكم إلى الشرائع السماوية المنسوخة كاليهودية كفر، فتكفير الذين يتحاكمون إلى غيرها من الشرائع من باب أولى. ثم يقرر أن أمثال هؤلاء يكفرون بإجماع المسلمين.\nويقول ﵀ في تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ):\n(ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات","vol":"2","page":1011},{"text":"التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بالكتاب وسنة رسول الله ﷺ).\nرابعًا: قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀:\nعدّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ رؤوس الطواغيت فكانت خمسة، أذكر منها ما يتعلق بالموضوع:\n١ - الحاكم الجائز المغيّر لأحكام الله تعالى، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).\n٢ - الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ).\nخامسًا: قول العلامة الشيخ أحمد شاكر:\nبيّن الشيخ شاكر ﵀ أن القوانين الوضعية تعتبر تشريعًا جديدًا","vol":"2","page":1012},{"text":"ودينًا جديدًا، ثم قال: (وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئًا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج؛ لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة، لا اتباعًا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمأة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار، ولا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به).\nفهو يقرر أن هذه الشرائع كلها باطلة، وهي خروج على الدين الإسلامي، ولا عبرة بما جاء فيها موافقًا لأحكام الشريعة الإسلامية؛ لأن هذه الموافقة جاءت مصادفة، والتشريع الإسلامي يؤخذ من حيث كونه منزلًا من عند الله دون سواه.\nويقول في موضع آخر: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام - كائنًا من كان - في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرؤ حسيب نفسه).\nوقال في موضع آخر: (ما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال، والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، وإصدار قانون ملزم لأهل الإسلام بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر","vol":"2","page":1013},{"text":"على حكم الله تعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة - على اختلافهم - في تكفير القائل به والداعي إليه).\nثم بيّن أحمد شاكر: (أن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس في رابعة النهار فهي كفر بواح ...)، قال: (ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين).\nلقد قال ﵀ كلمة الحق غير هياب ولا وجل: (سيقول عني عبيد هذا (الياسق العصري) وناصروه: أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاؤوا، فما عبئت يومًا ما بما يقال عني، ولكني قلت ما يجب أن أقول).\nفهو يرى ﵀ أنه يجب على العلماء إظهار هذه الحقيقة، وبذلك يقومون بمهمة البلاغ التي كلفهم الله تعالى بها، فينجوا أمام الله تعالى من أليم عقابه، ومن ثم يتبين الأمر لعامة الناس، ويأخذوا الأمر بجد، ولا يتهاونوا في مواجهة هذا الباطل، ويهربوا من الكفر الذي يراد لهم أن يدخلوا فيه.\nوقد رأى ﵀ تحريم تعلم هذا الباطل، كما يرى على العلماء تحريم التولي لولاية القضاء في مثل هذه المحاكم التي تطبق شريعة البشر، قال ﵀: (أفيجوز لأحد من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه، واعتقاده والعمل به، عالمًا كان الأب أو جاهلًا؟ أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء","vol":"2","page":1014},{"text":"في ظل هذا (الياسق العصري) وأن يعمل به، ويعرض عن شريعته ألبته؟ ! ما أظن أن رجلًا مسلمًا يعرف دينه، ويؤمن به جملة وتفصيلًا، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله كتابًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به واجبة قطعية الوجوب في كل حال - ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول، بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلانًا أصليًا، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة).\nويقول في موضع آخر: (نرى في بعض بلاد المسلمين قوانين ضربت عليها، نقلت عن أوروبا الوثنية الملحدة، وهي قوانين تخالف الإسلام مخالفة جوهرية في كثير من أصولها وفروعها، بل إن في بعضها ما ينقض الإسلام ويهدمه، وذلك أمر واضح وبديهي، لا يخالف فيه إلا من يغالط نفسه، ويجهل دينه أو يعاديه من حيث يشعر أو لا يشعر، وهي في كثير من أحكامها أيضًا توافق التشريع الإسلامي، أو لا تنافيه على الأقل، وإن العمل بها في بلاد الإسلام غير جائز حتى فيما وافق التشريع الإسلامي؛ لأن من وضعها حين وضعها لم ينظر إلى موافقتها للإسلام أو مخالفتها، إنما نظر إلى موافقتها إلى قوانين أوروبا أو لمبادئها وقواعدها وجعلها هي الأصل الذي يرجع إليه، فهو آثم مرتد بهذا سواء أوضع حكمًا موافقًا للإسلام أو مخالفًا له ...).\nويرى فضيلته أن الواقع في هذا الجرم العظيم من الناس ثلاثة، وهم:\n١ - المتشرِّع: (ويقصد به في مصطلحاتهم الهيئة التشريعية، وعلى رأسهم الآمر بذلك، وهو الحاكم الأعلى للدولة، الذين يعين الهيئة ويأمرها بذلك","vol":"2","page":1015},{"text":"ويحدد لها مهمتها ويصادق على ما تبناه من تشريعات - وإن كانت كلمة التشريعات ما يجوز إطلاقها ولكنه سماه هنا على أساس ما يسمونه ظلمًا وزورً): قال عنه: فإنه يضع هذه القوانين وهو يعتقد صحتها وصحة ما يعمل، فهذا أمره بيّن وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.\n٢ - المدافع: (وهو الذي يدافع عن هذه القوانين وينفذها): قال عنه: فإنه يدافع بالحق وبالباطل، فإذا ما دفع الباطل المخالف ذلك للإسلام معتقدًا صحته فهو كزميله المتشرع، وإن كان غير ذلك كان منافقًا خالصًا مهما يعتذر بأنه يؤدي واجب الدفاع.\n٣ - الحاكم: (وهو الذي يقضي ويحكم بين الناس بهذه القوانين). فعن هذا يقول: قد يكون له في نفسه عذر حين يحكم بما يوافق الإسلام من هذه القوانين، وإن كان التحقيق الدقيق لا يجعل لهذا العذر قيمة، أما حين يحكم بما ينافي الإسلام مما نص عليه الكتاب والسنة ومما تدل عليه الدلائل منها فإنه على اليقين مما يدخل في هذا الحديث - يقصد: «وعلى المرء السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» - بل بما هو أشد من المعصية أن يخالف كتاب الله وسنة رسوله فلا سمع ولا طاعة، فإن سمع وأطاع كان عليه من الوزر ما كان على آمره الذي وضع هذه القوانين وكان كمثله سواء.","vol":"2","page":1016},{"text":"سادسًا: قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن عبد اللطيف آل الشيخ: مفتي الديار السعودية ﵀، قال:\nإن من الكفر الأكر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله ﷿: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).\nوقد نفى الله ﷾ الإيمان عمن لم يحكّموا النبي ﷺ فيما شجر بينهم، نفيًا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).\nولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول ﷺ، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ).\nوالحرج: الضيق، بل لابد من اتساع صدورهم لذلك وسلامتها من القلق والاضطراب.\nولم يكتف تعالى أيضًا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليها التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه ﷺ، بحيث يتخلون ها هنا من أي تعلق للنفس بهذا","vol":"2","page":1017},{"text":"الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم، ولهذا أكد ذلك بالمصدر المؤكد، وهو قوله جل شأنه (تسليمًا) المبين أنه لا يكتفي ها هنا التسليم ... بل لابد من التسليم المطلق.\nوتأمل ما في الآية الأولى، وهي قوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).\nكيف ذكر النكرة وهي قوله: (شيء) في سياق الشرط وهو قوله جل شأنه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ) المفيد العموم، فيما يتصور التنازع فيه جنسًا وقدرًا ... تأمل كيف جعل ذلك شرطًا في حصول الإيمان بالله واليوم الآخر، بقوله: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).\nثم قال جل شأنه: (ذَلِكَ خَيْرٌ).\nفشيء يطلق الله عليه أنه خير، لا يتطرق إليه شر أبدًا، بل هو خير محض عاجلًا وآجلًا ... ثم قال: (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).\nأي: عاقبة في الدنيا والآخرة، فيفيد أن الرد إلى غير الرسول ﷺ عند التنازع شر محض وأسوء عاقبة في الدنيا والآخرة.\nعكس ما يقوله المنافقون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا).\nوقولهم: (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ).","vol":"2","page":1018},{"text":"ولهذا رد الله عليهم قائلًا: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).\nوعكس ما عليه القانونيون من حكمهم على القانون بحاجة العالم (بل ضرورتهم) إلى التحاكم إليه، وهذا سوء ظن صِرْف بما جاء به الرسول ﷺ ومحض استنقاص لبيان الله ورسوله، والحكم عليه بعدم الكفاية للناس عند التنازع، وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، إن هذا لازم لهم.\nوتأمل أيضًا ما في الآية الثانية من العموم، وذلك في قوله تعالى: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).\nفإن اسم الموصول مع صلته مع صيغ العموم عند الأصوليين وغيرهم، وذلك العموم والشمول هو من ناحية الاجناس والانواع، كما أنه من ناحية القدر، فلا فرق هنا بين نوع ونوع، كما أنه لا فرق بين القليل والكثير، وقد نفى الله الإيمان عمّن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول ﷺ من المنافقين، كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا).\nفإن قوله ﷿: (يزعمون) تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ مع الإيمان في قلب عبد أصلًا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول ﷺ أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي ﷺ فقد","vol":"2","page":1019},{"text":"حكم بالطاغوت وحاكم إليه. ذلك؛ أنه من حق كل أحد أن يكون حاكمًا بما جاء به النبي ﷺ فقط لا بخلافه.\nكما أن من حق كل أحد أن يحكم إلى ما جاء به النبي ﷺ، فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى، وجاوز حده، حكمًا أو تحكيمًا، فصار بذلك طاغوتًا لتجاوزه حده.\nوتأمل قوله ﷿: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ).\nتعرف منه معاندة القانونيين وإرادتهم خلاف مراد الله حول هذا الصدد، فالمراد منهم شرعًا والذي تُعُبِّدوا به هو: الكفر بالطاغوت لا تحكيمه، (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ).\nثم تأمل قوله: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ).\nكيف دل على أن ذلك ضلال، وهؤلاء القانونيون يرونه من الهدى، كما دلت الآية على أنه من إرادة الشيطان، عكس ما يتصور القانونيون من بُعْدِهِمْ من الشيطان، وأن فيه مصلحة الإنسان، فتكون على زعمهم مرادات الشيطان هي صلاح الإنسان، ومراد الرحمن، وما بعث به سيد ولد عدنان معزولًا من هذا الوصف، ومنحّى عن هذا الشأن. وقد قال تعالى منكرًا على هذا الضرب من الناس، ومقررًا ابتغاءهم أحكام الجاهلية، وموضحًا أنه لا حكم أحسن من حكمه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).\nفتأمل هذه الآية الكريمة وكيف دلت على أن قسمة الحكم ثنائية، وأنه","vol":"2","page":1020},{"text":"ليس بعد حكم الله تعالى إلى حكم الجاهلية، الموضح أن القانونيين في زمرة الجاهلية، شاءوا أم أبوا، بل هم أسوأ منهم حالًا، وأكذب منهم مقالًا، ذلك أن أهل الجاهلية لا تناقض لديهم حول هذا الصدد.\nوأما القانونيون فمتناقضون، حيث يزعمون الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ، ويناقضون ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلًا، وقد قال الله تعالى في أمثال هؤلاء: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).\nثم انظر كيف ردت هذه الآية الكريمة على القانونيين ما زعموا من حسن زبالة أذهانهم، ونحاتة أفكارهم، بقوله ﷿: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).\nسابعًا: مقالة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز:\nكتب فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رسالة بعنوان: (وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه)، وجاء في مقدمتها قول فضيلته - حفظه الله ـ: (هذه رسالة موجزة ونصيحة لازمة في وجوب التحاكم إلى شرع الله، والتحذير من التحاكم إلى غيره، كتبتها لما رأيت وقوع بعض الناس في هذا الزمان في تحكيم غير شرع الله، والتحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، من العرافين والكهان وكبار عشائر البادية، ورجال القانون الوضعي وأشباههم، جهلًا من بعضهم لحكم عملهم ذلك، ومعاندة ومحادة لله ورسوله من آخرين).\nثم تعرض فضيلته لبيان الغاية من خلق الجن والإنس، وأورد الأدلة الدالة على أنهم خلقوا لعبادة الله، وبين معنى العبادة، وبين أن العبادة (تقتضي","vol":"2","page":1021},{"text":"الانقياد التام لله تعالى أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرفاته كلها لشرع الله، متجردًا من حظوظ نفسه ونوازع هواه ليستوي في هذا الفرد والجماعة والرجل والمرأة، فلا يكون عابدًا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته، وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى).\nوحول سؤال ورد إلى فضيلته لبيان ما يراه في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم والسنة المطهرة بين أظهرهم. أجاب فضيلته:\n(رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية ولا صالحة للحكم في هذا العصر هو ما قال ﷾ في شأنهم، حيث يقول ﷾: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)، ويقول ﷾: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، إذن فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام، ويكونوا كفارًا، ظالمين، فاسقين، كما جاء في الآيات ... والله الموفق).\nوقال في موضع آخر: (فالمقصود: أنه لابد من توحيد الله بإفراده العبادة والبراءة من عبادة غيره وعابدي غيره، ولابد من اعتقاد بطلان الشرك، وأن","vol":"2","page":1022},{"text":"الواجب على جميع العباد من جن وإنس أن يخصوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله ﷾ هو الحاكم، ومن توحيده: الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه ...).\nوقال في موضع آخر: (إن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:\nأحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله.\nوالثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد ﷺ.\nفالأول: يبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله، ويعلم به أن المعبود بحق هو الله وحده.\nوالثاني: يبطل التعبد بالآراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما يتضح به بطلان الحكم بالقوانين الوضعية والآراء البشرية، ويعلم به أن الواجب هو تحكيم شريعة الله في كل شيء).\nثامنًا: من أقوال الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله ـ:\n(إن الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه، ولهذا سمى الله - تعالى - المتبوعين في غير ما أنزل الله - تعالى - أربابًا لمتبعيهم، فقال - سبحانه ـ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فسمى","vol":"2","page":1023},{"text":"الله تعالى المتبوعين أربابًا، حيث جُعلوا مشرعين مع الله - تعالى - وسمى المتبعين عبادًا حيث إنهم ذلوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ﷾).\nوفي الختام أورد نص فتوى من فتاوى اللجنة الدائمة التي جاء فيها ما يلي:\n(الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله ندًا:\nإما في أسمائه وصفاته ...\nوإما أن يجعل له ندًا في عبادته ...\nوإما أن يجعل له ندًا في التشريع، بأن يتخذ مشرعًا له سوى الله، أو شريكًا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم ...).\nهذا، ومما ينبغي التنبيه له: هو أن لا يظن ظان أني كفرت أحدًا من الأمراء أو الحكام، فإن الحكم على العموم شيء، والحكم بالخصوص شيء آخر، والأول سهل إذا وجد ما يدل عليه، وأما الثاني: - فكما يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - يحتاج إلى شيئين:\n١ - أن يثبت أن هذا الشيء في نفسه كفر أو شرك،\n٢ - أن ينطبق الحكم على الشخص المعين بمراعاة الضوابط والقواعد الشرعية.\nثم الأمر فيه كما قال الشيخ الألباني: (فأنتم أولًا لا تستطيعون أن تحكموا على كل حاكم يحكم بالقوانين الغربية الكافرة أو بكثير منها، أنه لو سئل لأجاب: بأن الحكم بهذه القوانين هو الحق والصالح في هذا العصر، وأنه لا يجوز الحكم بالإسلام، لو سئلوا، لا تستطيعون أن تقولوا: بأنهم يجيبون بأن","vol":"2","page":1024},{"text":"الحكم بما أنزل الله اليوم لا يليق، وإلا لصاروا كفارًا دون شك ولا ريب).\nوهل مجرد العمل بالقوانين الغربية الكافرة شرك بالله؟ هذه المسألة يرى الشيخ الألباني فيها أنه لابد من ظهور ما يدل على أنه يراه جائزًا أو مبدلًا لشرع الله وإلا لما يحكم عليه بالكفر الأكبر والشرك الأكبر.\nبينما يرى الشيخ محمد صالح العثيمين غير ذلك، حيث يقول: (ولكنا قد نخالفه في مسأله أنه لا يحكم بكفرهم إلا إذا اعتقدوا حل ذلك، هذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأننا نقول: من اعتقد حل ذلك - حتى لو حكم بحكم الله - وهو يعتقد أن حكم غير الله أولى - فهو كافر كفر عقيدة.\nلكن كلامنا على العمل، وفي ظني أنه لا يمكن لأحد أن يطبق قانونًا مخالفًا للشرع يحكم فيه بعباد الله إلا وهو يستحله ويعتقد أنه خير من قانون الشرع، هذا هو الظاهر. وإلا فما الذي حمله على ذلك؟ قد يكون الذي حمله على ذلك خوف من أناس آخرين أقوى منه إذا لم يطبقه، فيكون هنا مداهنًا لهم. فحينئذ نقول: هذا كافر، كالمداهن في بقية المعاصي ...).\nولكن الذي يظهر: أن هذه القوانين الغربية الكافرة ما طبقها حكام عصرنا، وإنما هي إما من مخلفا الاستعمار وإما من مخلفات الحكام التابعين للاستعمار في عصر دون هذا العصر، فاللوم على المطبقين لها أول مرة، ويكون الحكم عليهم لا على الذين هم ورثوا شيئًا ولم يعلموا أن هذا كفر أو شرك، لغلبة الجهل بحقيقة الدين الإسلامي على أغلب الحكام. والجهل","vol":"2","page":1025},{"text":"إذا كان عذرًا مقبولًا لمن يقيم بالبادية فكيف لا يعذر من لم يجد من يدله على حقيقة الدين الإسلامي، أو نشأ في بيئة لا تدرس فيها الدين إلا يسيرًا؟ .\nويدخل في هذا النوع - الشرك في صفة الحكم - أيضًا: ما يسمونه بـ (حكم الأغلبية)، أو الديموقراطية:\nففيه يختار الشعب نوابًا عنه يمثلونه في البرلمان يكون إليهم أمر التشريع، ويكون التصويت داخل البرلمان بالأغلبية.\nفلو رأت الأغلبية إباحة الخمر أبيح، ولو رأت إباحة الربا أبيح، ولو رأت عدم تطبيق شرع الله فلا يطبق، فالحكم أولًا وأخيرًا للأغلبية! ! .\nوفي هذا مصادمة واضحة بينة للشرع، وذلك لأن التشريع حق لله وحده والسلطة التشريعية لابد من الرجوع بها لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ قال تعالى: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)، وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)، وقال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)، وقال تعالى: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا). والنبي ﷺ صادق مصدوق قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، إذن فهذه السلطة مصدرها","vol":"2","page":1026},{"text":"الشرع المطهر لا الشعب.\nفلا يجوز شرعًا إنشاء مجالس تشريعية تبحث هل الربا نتعامل معه أم لا؟ وهل تمنع الخمر أم لا؟ ونعرض ذلك على عقول البشر، فمهمة العقل أن يفهم الشرع وأن يستسلم لحكم ربه ويحل ما أحل الله ويحرم ما حرم الله جل وعلا، قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).\nوقال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا)، وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).\nوالواجب الإذعان لشرع الله وأن يقتصر دور المجالس على سن القوانين الإدارية فقط التي لا تخالف شرع الله، والمنضبطة بأصول وقواعد الشرع، والمتفقة مع مقاصد الشريعة، ويراعى فيها تحقيق المصالح ودرء ودفع المفاسد، كقانون المرور مثلًا فهو نظام مطلوب للحفاظ على أرواح الناس وتيسير سبل الحركة في الطرق ونحو ذلك.\nالناس جميعًا - حكامًا كانوا أو محكومين وسواء كانوا في السلطة التنفيذية أو القضائية - يجب عليهم أن ينقادوا لشرع الله ويقودوا الناس به «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والإمام راع ومسئول عن رعيته».","vol":"2","page":1027},{"text":"ولا شك أن الحاكم دوره خطير ومسئوليته أعظم وبصلاحة واستقامته ينصلح خلق كثير ويستقيمون على أمر الله، كما قيل: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، وليس له أن يتابع آراء أو أهواء البشر قلَّت أو كثرت إذا صادمت شرع الله وبحجة أنه ينزل على إرادة شعب، هذا إذا كان الشعب يرفض الرجوع لدين الله.\nيقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: وهو يعلق على تفسير ابن كثير قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) الآية وما بعدها ـ: (هذه الآيات وما في معناها تدمغ بالبطلان نوع الحكم الذي يخدعون به الناس ويسمونه الديموقراطية، إذ هي حكم الأكثرية الموسومة بالضلال، هي حكم الدهماء والغوغاء).\nوالأمر الذي ينبغي التنبيه عليه هو: أن رأي الأغلبية أو الأكثرية لا قيمة له عند الله تعالى إن كانت تعمل بمعصية الله، قال تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، وقال تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)، وقال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ).\nقال الإمام ابن القيم: وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن","vol":"2","page":1028},{"text":"إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب الحوادث والبدع: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا.\nلأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي ﷺ وأصحابه، ولا نظر إلى كثرة أهل البدع بعدهم. قال عمرو بن ميمون الأدي: صحبت معاذًا باليمن، فما فارقته حتى واريته التراب الشام، ثم صحبت بعده أفقه الناس عبد الله بن مسعود ﵁، فسمعته يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ثم سمعته يومًا من الأيام وهو يقول: سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لميقاته، فهي الفريضة، وصلوا معهم فإنها لكم نافلة، قال: قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثونا؟ قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها، ثم تقول: صل الصلاة وحدك، وهي الفريضة، وصل مع الجماعة وهي نافلة؟ قال: يا عمرو بن ميمون، قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، تدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك! ! وفي طريق أخرى: فضرب على فخذي وقال ويحك! إن جمهور الناس فارقوا الجماعة، وإن الجماعة ما وافق طاعة الله ﷿. قال نعيم بن حماد: يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد، وإن كنت وحدك. فإنك أنت الجماعة حينئذ.","vol":"2","page":1029},{"text":"وسئل الشيخ ابن عثيمين: يحتج بعض الناس إذا نُهي عن أمر مخالف للشريعة أو الآداب الإسلامية بقوله: الناس يفعلون كذا؟\nفأجاب بقوله: هذا ليس بحجة؛ لقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ)، وقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). والحجة فيما قاله الله ورسوله ﷺ أو ما كان عليه السلف الصالح.\nولقد حذرنا الله ﷿ من الخوض مع الناس في الضلال وفي المعصية، قال تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) أي كلما غوى غاو غوينا معه.\nولقد بين النبي ﷺ عقوبة هذا الصنف من الناس الذي يسير بلا إرادة وبلا وعي حين يوضع في قبره؛ كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، أتاه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله ... وأما الكافر أو المنافق - وفي رواية: وأما الكافر والمنافق - فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت، ولا تليت».","vol":"2","page":1030},{"text":"فينبغي لكل مسلم التفطن لهذا الأمر وأن يعلم أن الجماعة هي الحق، وأنه لا يجوز لمسلم أن يكون إمعة لا رأي له يسير مع الناس حيث ساروا في أي طريق كان، بل الواجب عليه أن يبحث عن الحق وأن يتمسك به ويؤثره على غيره مهما قل أتباعه.\nالفرع الثاني: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفته الحكم والتشريع باتصاف العلماء وأئمة الدين بهما:\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك قديمًا - كما سبق معنا - اليهود والنصارى، والعرب في جاهليتهم، وتجد نفس هذا الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحديث.\nفأغلب الفرق التي خرجت عن دين الإسلام إنما خرجت لأجل غلوها في أئمتها، وحسن الظن بأفعالهم الشنيعة المخالفة للقول الحق، وإضافة بعض خصائص التشريع لهؤلاء الأئمة.\nكما أنك ترى كثيرًا من الأحزاب والجماعات تأخذ بأقوال مؤسسيها من ألفها إلى يائها، دون أن ينظر إلى حكم الشرع في هذه الأقوال. ولهذا تراهم دائمًا يلوون أعناق النصوص كي توافق أقوال رؤسائهم، ولا يقبلون بأي وجه من الوجوه أي نفذ نزيه تجاه من يقدسونهم، بل في بعض الأحيان تراهم يستدلون على فعلهم الشنيع بأقوال مؤسسي جماعاتهم، ويريدون أن يلزموا بها الآخرين، كأنهم في ذلك أضافوا صفة التشريع والحكم لهؤلاء الرؤساء.\nوالفرق التي خرجت من الإسلام، أو حادث عن الطريق السوي إذا فُتش","vol":"2","page":1031},{"text":"السبب يظهر جليًا بأن السبب في ذلك يرجع إلى الأخذ بأقوال مؤسيسها بحذافيرها دون تمحيصها، ووزنها بميزان نصوص الكتاب والسنة ومفهوم سلف هذه الأمة. وسأذكر فيما يلي بعض من حاد عن الطريق السوي وأضاف صفة التشريع والحكم إلى أئمتهم نتيجة الغلو في هؤلاء الأشخاص.\nأ- الشيعة:\nأوسع من رأيت وقع في هذا النوع من الشرك هم الشيعة، وذلك؛ أن الرافضة قد أوجبوا تقليد أئمتهم، واعتبروهم حجة الله على العباد، وزعموا أنهم معصومون كالأنبياء.\nوفي هذا يقول عبد الله نعمة - وهو من دعاة الرافضة المعاصرين ـ: (ينظر الشيعة إلى الأنبياء والأئمة من أهل البيت جميعًا نظرة مثالية، ويحوطونهم بهالة مقدسة، لا تقتحمها الظنون والشكوك، فهم لديهم شخوص كريمة، يتجسد فيها المثل الأعلى للإنسان في الخير والحق والعدل والعلم، لا يلتوون، ولا ينحرفون، ولا يجورون، ولا يظلمون، قد تساموا بأنفسهم عن الأهواء والشهوات والمطامع والخطايا والذنوب).\nوهم يرون أن فتاوى من يزعمونهم معصومين قطعية الدلالة، لا تجوز مخالفتها (فأمرهم أمر الله، ونهيهم نهيه، وطاعتهم طاعته، ومعصيتهم معصيته، ولا يجوز الرد عليهم، والراد عليهم كالراد على الرسول ﷺ، والراد على الرسول ﷺ كالراد على الله، فيجب التسليم لهم، والانقياد لأمرهم، والأخذ بقولهم).\nولا شك أن هذا غاية الغلو في التقليد وإضفاء صفة التشريع والحكم لغير الله.","vol":"2","page":1032},{"text":"وقد نعى عليهم الدكتور موسى الموسوي - وهو أحد الرافضة المتأخرين من أقران الخميني الخبيث - فعلهم ذلك، وشنع عليهم بقوله: (الشيعة الإمامية خضعت بلا دليل ولا برهان، لما ادعاه فقهاؤها بوجوب الانقياد والطاعة العمياء لهم باسم (التقليد)، حيث قالوا: إن الفروض الشرعية التي تؤديها الشيعة عاطلة باطلة، إذا لم تلزم نفسها بالاتباع لفقيه من الفقهاء، وأضاف بعضهم: يجب إطاعة الفقهاء، ليس في المسائل الشرعية فحسب، بل حتى في الموضوعات، أي في شؤون الدين والدنيا معًا).\nفهذا هذا هو ما تعبد الله به الناس؟\nإن هذا المنهج، منهج ترفضه الشرائع السماوية بأسرها، وترفضه العقول الصحيحة، والفطر السليمة؛ إذ التشريع ليس من اختصاصات الأئمة، بل من اختصاصات الرب جل شأنه.\nب- المقلدة:\nإذا قدم المقلدة أقوال أئمتهم على قول الله ورسوله، بعد أن وضح لهم الحق، فإنهم حينئذ يضفون صفة الحكم والتشريع إلى أئمتهم، وقد كان هذا التقليد موجودًا بصفة عامة في كثير من ديار المسلمين.\nوما زالت مثل هذه الظاهرة موجودة في بعض الديار، فترى بعض المتعصبة الفقهاء يأبون الرجوع عن اجتهادات الأئمة ﵏ ولو استبان لهم الدليل، ولا شك أن هذا خطير، ومن الشرك بطاعة العلماء في تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل.","vol":"2","page":1033},{"text":"وقد بوّب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتابه التوحيد لهذا بعنوان: (باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله، فقد اتخذهم أربابًا)، كما ذكر في كتابه مسائل الجاهلية بقوله: (السابعة والثلاثون: التعبد باتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله).\nوحديث عدي بن حاتم السابق إنما ورد في العلماء منصوصًا؛ لأن اليهود والنصارى كانوا قد أعطوا سلطة التشريع والحكم في القضايا الدينية لأحبارهم، ورهبانهم.\nويقول صاحب الدين الخالص في قوله تعالى: (وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ): (تبكيت لمن اعتقد ربوبية المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر وبعض منه، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه وحرم ما حرموه عليه. فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده ربًا).\nونقل أيضًا عن أبي العالية أنه قال: (إنهم - يقصد اليهود - ربما وجدوا في كتاب الله تعالى ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان، فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم الله تعالى).\nفطاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله، ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص، وقامت به حجج الله وبراهينه، ونطقت به كتبه وأنبياؤه، هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابًا من دون الله،","vol":"2","page":1034},{"text":"للقطع بأنهم لم يعبدوهم، بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا، وحللوا ما حللوا. وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء، بل يدل على لسان حالهم ما قال به بعض الشعراء:\nوهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد\n\nوالمقصود: أن عدم الرجوع إلى الحق بعد وضوحه فيه إضفاء ضفة الحكم إلى العلماء، وليس هذا إلا شرك بالله في ربوبيته في الحكم.\nالفرع الثالث: مظاهر الشرك بالله في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع لدى المتصوفة:\nوذلك؛ أن بعض المتصوفة تعتقد في مشايخهم بأن لهم حق التشريع نتيجة اعتقاد العصمة في أوليائهم، وذلك (أنهم يقرأون عن شيوخ طريقتهم شيئًا من الأحوال التي تنافي الأحكام الشرعية، فيعتقدون أنها من التشريع الذي خص الله به عباده المقربين، وأن شيخهم لا يفعل إلا حقًا، ولا يقول إلا صدقًا، والفقه للعموم، وهذه طريق الخصوص، فيتبعونه في كل ما يؤثر عنه من قول أو فعل، على أنه الطريق المقرب الموصل إلى رضاه).\nومن صور التشريع عند المتصوفة ما يلي:\nأ- تشريع أنواع العبادات التي ليس لها أصل في الشرع، منها:\n١ - تشريع صلوات ليست في الكتاب العزيز ولا في السنة المطهرة.\nلقد أقدم كبار مشايخ الصوفية الذين اشتهروا بين الناس بالعبادة والزهد","vol":"2","page":1035},{"text":"فاكتسبوا حسن ظن الناس بهم وقلدوهم تقليدًا أعمى أقدموا على اختراع صلوات معينة في أيام معينة، رتبوا عليها أجورًا محددة، يقصدون بذلك زيادة التقرب إلى الله عزوجل، وغني عن البيان أن يقال: إن التقرب إلى الله ليس طريقة الابتداع في الدين بعد أن بين الرسول ﷺ: أن «كل بدعة ضلالة». وبعد أن سمى الله تعالى الرهبانية بدعة في قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ). علمًا بأن هؤلاء كانوا يقصدون برهبانيتهم زيادة التقرب إلى الله. وقد ذكر القرطبي أن المعنى: (ما كتبناها عليهم لكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله)، وذكر أيضًا أن الآية الدالة على أن كل محدثة بدعة، وعليه فإن الواو في قوله: (ورهبانية) للاستئناف، والاستثناء منقطع، بمعنى: لكن.\nوقال الشوكاني عن المعنى: (ما كتبناها نحن عليهم رأسًا ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله)، وعليه، فإن الواو للاستئناف.\nفإذا تقرر توجيه الذم إلى هؤلاء مع سلامة مقاصدهم علمنا أن حسن النية وحده لا يكفي لكي تنتج العبادة ثمرتها المرجوة، بل لابد مع ذلك من توفر أصلين عظيمين: (أحدهما: أن لا نعبد إلا الله. والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة.\nوهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله).\nوفيما يلي نماذج قليلة من الصلوات التي شرعوها لأتباعهم:","vol":"2","page":1036},{"text":"صلاة الكفاية: وهي ركعتان تؤدى أي وقت كان، ويقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات - و(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) خمسين مرة، ثم يسلم.\nصلاة الخير: وهي الصلاة في ليلة النصف من شعبان مائة ركعة يقرأ فيهن (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ألف مرة، في كل ركعة عشر مرات. وأن من صلى هذه الصلاة في هذه اللية نظر الله إليه سبعين نظرة، وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة.\nصلاة الخصماء: وهي أربع ركعات بتسليمة واحدة يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إحدى عشر مرة، وفي الثانية: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات، وثلاث مرات (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشر مرات، و(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) مرة. وفي الرابعة: الفاتحة و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) خمس عشرة مرة، وآية الكرسي مرة. ثم يجعل ثوابها لخصمائه؛ يكفيه الله أمرهم يوم القيامة. ويصلي هذه الصلاة في سبعة أوقات: أول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان، وآخر جمعة من رمضان، ويومي العيدين، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء.\nهذه نماذج من تشريعات المتصوفة في الدين وخصوصًا في الصلاة، وكلها واهية لا مستند لها من الكتاب والسنة.\nومن أراد الاستزادة من هذه التشريعات فلينظر إلى كتاب الإحياء لأبي","vol":"2","page":1037},{"text":"حامد الغزالي وما جاء في كتاب الغنية.\n٢ - تشريع أذكار وصلوات على الرسول ما أنزل الله بها من سلطان، بألفاظ وهيئات معينة، وأجور مقدرة.\nمعلوم من الشرع ضرورة: إن من أعظم العبادات وأكبر المطالب الدينية ذكر الله تعالى، فقد أمر الله تعالى به في غير ما آية من كتابه، ووعد الذاكرين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كما أوعد الغافلين عن ذكره في كثير من الآيات القرآنية. وكذلك أتت الأحاديث النبوية مؤكدة لما جاء في آيات القرآن الكريم ومبينة إجمالها وكيفيتها؛ لأن من لازم كونه رسولًا أن يكون مبلغًا لكل ما يوحى به إليه مفصلًا لكل ما يحتاج إلى ذلك؛ ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ).\nفكان عمله ﷺ على مقتضى هذا الأمر فلم يترك شيئًا يقرب إلى الله إلا بلغه وبينه وحث عليه، ولا شيئًا يبعد منه إلا بلغه وبينه وحذر منه، الأمر الذي جعل المشركين في حيرة من أمرهم لما رأوا من استقصائه في تبليغ أوامر الله، حتى قالوا لصحابي: «قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل».\nوإذا تقرر هذا، فليعلم أن من بين الموضوعات التي حظيت بالبيان الشافي موضوع الأذكار والصلوات، فلم يترك ﷺ مجالًا من مجالات الذكر ولا موقعًا","vol":"2","page":1038},{"text":"من المواقع التي يؤمر فيها بذكر معين إلا بين صيغة الذكر المطلوب في ذلك الظرف.\nوهكذا بالنسبة للصلاة على النبي ﷺ؛ لما نزل الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في القرآن أشكل على الصحابة فسألوه عن كيفيتها، فبين النبي ﷺ صيغها كما هو مألوف في الصلوات الخمس، وهناك عدد آخر من صيغ الصلاة علمها النبي ﷺ لأصحابه بناء على استفسار منهم.\nفالأذكار والصلوات توقيفية، لا مجال للاجتهاد فيها، ولا حاجة إلى الزيادة فيها، كما أن التحديد إذا لم يرد في الشرع به لا يحدد، كما جاء في حديث ابن مسعود ﵁ الذي فيه إنكاره ﵁ على الذين قالوا: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة، ولا يخترع الإنسان أجرًا محددًا من تلقاء نفسه؛ لأن الأجر إنما مرده إلى الله، وليس لأحد أن يقول: إن في الشيء الفلاني أجر كذا إلا بالنص الوارد عن الله أو رسوله. ولا ينبغي أن يضاف إلى العبادات أي شيء من الكيفيات والهيئات التي لم ترد عن الشارع.\nولكن ماذا ترى في المتصوفة؟ ستراهم قاموا بتشريع أذكار وصلوات لم ينزل بها قرآن، ولا نطق بها رسوله في السنة، ولا أرشد إليها، فمن هذه التشريعات ما يلي:\nأولًا: الذكر بلفظ المفرد:\nقال ابن عربي: (دخلت على شيخنا ... من أهل العيا، وكان مستهترًا بذكر الاسم المفرد (الله) لا يزيد عليه شيئًا، قلت له: يا سيدي، لم لا تقول: لا إله إلا الله؟ فقال لي: يا ولدي! الأنفاس بيد الله، ما هي بيدي، فأخاف أن يقبض الله روحي عندما أقول (لا) أو (لا إله) فأقبض في وحشة النفي. وسألت","vol":"2","page":1039},{"text":"شيخًا آخر عن ذلك فقال لي: ما رأت عيني ولا سمعت أذني من يقول: (أنا الله) غير الله، فلم أجد من أنفي، فأقول كما سمعته يقول: الله، الله).\nهكذا تمادى المتصوفة في تجاوزاتهم وغلوهم فأباحوا للشيوخ أن يشرعوا لأنفسهم ولأتباعهم ذكرًا غريبًا لم يعرفه الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على السنة، بل ولا عرفه نبي الأمة ﷺ؛ ألا وهو الذكر باللفظ المفرد مظهرًا كقولهم: الله، الله، الله، أو حي، حي، حي، أو مضمرًا كقولهم: هو، هو، هو، أو ها، ها، ها.\nوبدعية هذا النوع من الأذكار أمر واضح لا يحتاج إلى كثير بيان، بل هو ذريعة إلى ضلالات لا يعلم مداها إلا الله، حتى قال شيخ الإسلام: (وأما الاقتصار على الاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا فلا أصل له، فضلًا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات، وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد وأهل الاتحاد).\nوالمتصوفة حاولوا الاستدلال على ذكرهم هذا بالقرآن والسنة. أما القرآن: فقد تشبثوا بقوله تعالى: (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ). فزعمو أن معنى (قل الله) اذكر الله بهذا الاسم المفرد وهو استدلال باطل كما ذكره محققو الإسلام. وأما السنة: فحاولوا الاستدلال بقوله ﷺ: «لا تقوم","vol":"2","page":1040},{"text":"الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله». ومعلوم أن هذا الذي ذهبوا إليه لم يذهب إليه أحد من شراح الحديث المشهورين. بل الحديث قد جاء في رواية أخرى عن نفس الراوي بلفظ: «حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله». ومعلوم أن الأحاديث تفسر بعضها بعضًا.\nثانيًا: تشريع صيغ مستقلة بأعداد معينة، وأجور مقدرة من قبل المتصوفة:\nيقول أحدهم: (إنه اجتمع بالخضر، فأعطاه وردًا يدعو به كل يوم سبعة آلاف مرة، ولفظه: (اللهم يا رب بجاه سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ اجمع بيني وبين سيدنا محمد بن عبد الله في الدنيا قبل الآخرة».\nويقول التيجاني: (الحرز اليماني - وهو دعاء السيفي ... - من فضله، أن من ذكره مرة تكتب له عبادة سنة، ومرتين بسنتين، وهكذا، ومن حمله معه كتب من الذاكرين كثيرًا ولو لم يذكر)، ويقول أيضًا عن صلاة الفاتح: (وليكن من جملة أورادكم التي تحافظون عليها بعد الورد هو لازم الطريقة: الحزب السيفي، وصلاة الفاتح لما أغلق، فإنهما يغنيان عن جميع الأوراد).\nومعلوم أن مثل هذه الأوراد والصلوات ليس من دين الله من شيء، حيث لا","vol":"2","page":1041},{"text":"يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، وليست من مدلولاتها ما تفيد أن لها أي أهمية أو قيمة، بل هي مجرد كلام، وجمل، ويستطيع كل واحد من بني آدم أن يخترع مثل هذا الكلام ويقول: إن لها من الفضل كذا وكذا.\nثالثًا: القيام أثناء الذكر عند ذكر الولادة:\nمعلوم من الدين أن القيام للتعظيم ليس من هدي النبي ﷺ، والقيام إذا كان للتقديس فإنه يكون عبادة. وهؤلاء المتصوفة - والعوام في العالم الإسلامي - في الوقت الراهن يزعمون أن ذكر الميلاد من العبادة، وليس هذا إلا تشريع جديد في الدين، فعمل المولد من البدع المحرمة، والذين بدأوا به هم العبيديون الباطنيون (الفاطميون)، وهم الذين شرعوا مثل هذه المواليد، ومن كان يريد أن يكون المشرع له الباطنيون الملاحدة فليبك على دينه، هذا من ناحية.\nومن ناحية أخرى: ترى المتصوفة - والغوغاء من الناس معهم - قد شرعوا تشريعًا جديدًا، وهو القيام تقديسًا للرسول، ومعلوم أن في هذا جمع بين شركين: الأول: شرك الربوبية بالأنداد في صفة التشريع، والثاني: شرك العبادة حيث وجهوا القيام المقدس لله جل شأنه وحده للرسول ﷺ.\nوأما اعتقاد بعضهم: أن الرسول يحضر مجالسهم فهذا من الاعتقادات الخطيرة في الدين، فالرسول ميت، وهو في عالم ليس في عالمنا، فكيف يمكن له الخروج من القبر؟ وكيف يمكنه الحضور في آن واحد في جميع مجالس المولد؟ وقبل كل هذا كيف يعلم الرسول بهذه المجالس؟ وكيف يعرف مكانها؟ هل هو عالم بالغيب؟ هذه تساؤلات لا يستطيع هؤلاء المتصوفة أن يجيبوا عنها، بل كل من عنده أدنى مسكة من عقل سليم يعرف أن","vol":"2","page":1042},{"text":"هذا من البدع والخرافات.\nرابعًا: السماع والذكر:\nمن تشريعات المتصوفة: السماع، وهو عبارة عن اللحن والموسيقى للرقص، والغناء والاستماع إليه.\nويبدو أن السماع له وزنه واعتباده عند المتصوفة، فقد اهتم به مصنفو كتب القوم اهتمامًا بالغًا، فأغلب من كتب في هذا المجال أعطى بابًا مستقلًا أو فصلًا خاصًا لهذا الموضوع. فهؤلاء كلهم يرون أن السماع عبادة، وبهذا نصبوا أنفسهم في منزلة التشريع من دون الله، فإنه لا يعلم لهذا السماع أصل في الشرع. فاعتباره من العبادة ما هو إلا تشريع، وقد صرح بعضهم بأنه (مستحب). فهذا تصريح منهم بأنه عبادة، ولكن من شَرَّعه؟ لقد شرعته المتصوفة، فهم وقعوا في شرك الربوبية في صفة الحكم والتشريع.\nخامسًا: تشريع هيئات في الذكر لم يرد بها الشرع، كالاجتماع للذكر:\nإن اشتراط الجماعة في الذكر والصلاة على النبي ﷺ محدث لم يكن معروفًا عند أصحاب رسول الله ﷺ، وما لم يكن دينًا يومئذ لن يكون دينًا اليوم أو غدًا أو إلى يوم القيامة.\nونقل الشعراني: أن أول مرة ابتدعت إضافة الاجتماع للذكر على الهيئة المعروفة وأسست مجالس الصلاة على النبي ﷺ في جميع العالم الإسلامي في سنة: ٩٤٤ هـ. ومعنى هذا: أن الناس منذ عهد النبي ﷺ حتى تلك السنة","vol":"2","page":1043},{"text":"كانوا على هديه، فواظبوا على ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ فرادى، من غير اشتراط الجماعة.\nوهذا الأمر لا ريب أنه ذم، وإن كان الشعراني لم يرد به إلا الثناء وذكر الأولياء. وقد سبق معنا بيان إنكار ابن مسعود ﵁ على القائلين: سبحوا مائة، وكبروا مائة، وهللوا مائة.\nب- الطرق وما فيها من تشريعات صوفية:\nلقد وقعت المتصوفة في أنواع أخرى من الشرك في التشريع، نذكر من أهمها ما يلي:\n١ - القول بوجوب المبايعة على طريقة من الطرق:\nواستدلوا على هذا القول - ظلمًا وزورًا - بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى). يقول أحدهم: (هو طاعة الأكابر من السادات والمشايخ). كما استدلوا بقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ). يقول أحدهم: (وإذا كان الأتباع يدعوهم الله تعالى بأسماء مشايخهم ويدعو كل أهل طريقة إلى منازل شيخهم ويلحقهم بدرجته ظهر بأدنى تأمل أن أتباع ختم الأولياء ... لا يلحق درجتهم غيرهم).\nيقال في الرد عليهم: إن التفسير الذي ذكروه لهاتين الآيتين ليس لهم سبق","vol":"2","page":1044},{"text":"بمثل هذا التفسير، بل هو تحريف للنصوص وليّها على غير مرادها اتباعًا للهوى. أما الآية الأولى فأين فيها وجوب المبايعة على طريقة من الطرق؟ وأما الثانية فالمراد من الآية عند المفسرين شيئان، هما:\nأ- صحف الأعمال.\nب- من يقتدون ويأتمون به في الدنيا.\nأما على القول الأول فلا علاقة للآية بالناس، بل الآية تكلمت عن المرء وصحف أعماله.\nوأما على القول الثاني: فهل يريد أحد أن يكون إمامه غير النبي ﷺ؟ فيكون إمام أتباع محمد ﷺ هو النبي ﷺ، وإمام الكفرة، الكفار والملحدون، ومن ترك الائتمام بالنبي وفضل الائتمام بآخر غير النبي ﷺ فهو محروم في الدنيا والآخرة لا محالة.\nفلما لم يبق لهم أي متمسك بهاتين الآيتين علمنا أن الوجوب الذي قالوا به إنما هو تشريع من عند أنفسهم.\nومن تشريعاتهم المتعلقة بالطرق:\n٢ - القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء:\nإن من الأمور المجمع عليها عند أهل السنة والجماعة أن السمع والطاعة المطلوبين شرعًا ليس الأمر فيهما على إطلاقه، بل لابد من تقييد ذلك بما إذا كان المأمور به طاعة الله تعالى، أما إذا كان معصية فلا طاعة، لقوله ﷺ: (لا","vol":"2","page":1045},{"text":"طاعة لمخلوق في معصية الله ﷿). ذلك لأن القول بوجوب الطاعة المطلقة لأي أحد من الناس يجعله مشرعًا ويرفعه إلى مقام النبوة والرسالة، كما يؤدي إلى اتخاذه وليًا من دون الله، وقد يصل إلى اتخاذه ربًا يعبد، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: (وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء).\nقال البغوي: (أي لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى).\nوقال ابن كثير: (أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره).\nأما أهل التصوف فقد جعلوا للمشايخ من القداسة ما لا حدود له، ودعوا كافة المريدين إلى طاعة الشيوخ طاعة مطلقة عمياء. وفيما يلي نصوص صوفية تدل على مذهب القوم في وجوب طاعة الشيوخ طاعة مطلقة:\nيرى الجيلاني أن المريد يجب عليه (ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن).\nويرى أيضًا أن المريد (هدية من الله للشيخ فعليه قبوله).","vol":"2","page":1046},{"text":"ومن ينظر إلى ما يقرونه تجاه الشيوخ يجد أنهم لا يقدمون حق أحد كائنًا من كان على ما سموه حق الشيوخ، فهذا أحد شيوخهم يقول: (لا تنتفع بشيخك إلا إذا كان اعتقادك فيه فوق كل اعتقاد، وهناك يجعلك في حضوره ويحفظك في مغيبه).\nبل يصرح آخر بما هو أفدح من ذلك، فيقول: (طاعة المريد لشيخه فوق طاعته لربه) - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا ـ.\nفهذه عقائد القوم، ولا شك أن في القول بوجوب طاعة الشيخ طاعة عمياء إضفاء بصفة الحكم والتشريع الخاصين لله جل وعلا إلى شيوخهم وأوليائهم.\nومن مظاهر التشريعات المتعلقة بالطرق:\n٣ - قولهم وجوب قطع جميع الصلات والروابط مع المشايخ والصالحين خارج الطريقة:\nهذا القول مخالف لهدي القرآن والسنة، فالقرآن يأمرنا بأن نكون - نحن المسلمين - إخوة، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). ويذكر لنا القرآن أن الولاء والبراء مردهما إلى الإيمان بالله والكفر به، وليس النسبة إلى الشيخ الفلاني، أو الطريقة الفلانية، حيث قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).\nوجاء في الحديث أنه ﷺ قال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم","vol":"2","page":1047},{"text":"وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».\nفهل قال الرسول ﷺ بهذه الحزبية الصوفية أم كان هديه مخالفًا لهديهم؟ ثم إن هذا الوجوب الذي يدعونه ليس إلا تشريعًا جديدًا، وشركًا بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات حق التشريع لأنفسهم.\nيقول ابن عربي: (إنما كان المريد لا يفلح قط بين شيخين قياسًا على عدم وجود إلهين، وعلى عدم وجود المكلف بين رسولين، وعلى عدم وجود امرأة بين رجلين).\nيقال في الجواب على هذا القياس الذي أورده: إن هذا ليس بشيء أصلًا، إذ لا علاقة بين وجود المريد بين شيخين، ووجود العالم بين إلهين، لأن هذا محال، وذلك حاصل، وواقع، وقد يكون محمودًا، إذا كان الشيخان فاضلين من عباد الله الصالحين، وكان مقصد الشخص الاسترشاد بهما. وأما وجود المكلف بين رسولين فأمر ممكن وواقع، ولا غرابة فقد أرسل الله تعالى موسى وهارون ﵉ إلى فرعون وقومه، فما المانع في ذلك؟ وأما وجود امراة بين زوجين فمحرم شرعًا، وليس هناك دليل شرعي يحرم قيام المسلم بالتتلمذ على العلماء والأخذ منهم، بل الأدلة الشرعية تدل على عكسها.\nوبعد، فهذه بعض النماذج من تشريعات المتصوفة، وقد ترى هؤلاء أوسع من ارتكبوا هذا المحظور من زمان قديم، وما زالت هذه التشريعات من دأبهم وديدنهم، وهم موجودون بصفة عامة في جميع أقطار العالم الإسلامي.\nج- إباحة الشرك الأكبر من الركوع والسجود، والقيام والحلق، والنذر،","vol":"2","page":1048},{"text":"والذبح، وذلك بسنة للأتباع، أفيظن عاقل يدري ما يخرج من رأسه، أن أولئك الذين يركعون ويسجود ويقومون ويحلقون وينذرون ويذبحون وينحرون لغير الله هم يعتقدون حرمته؟ لا أعتقد - والله - أن أحدًا يظن ذلك. فإباحتهم هذه الأشياء تشريع جديد في دين الله.\nد- استباحة البدع على اختلاف أنواعها: فما من مبتدع بدعة إلا هو يرى حلها.\nهـ - استباحة المتصوفة لكثير من المحرمات: كالزنا، واللواط.\nو- التعبد بتحريم زينة الله، والطيبات من الرزق.\nز- مضاهاة المشركين الأوائل في تبحير البحائر وتسييب السوائب، فهذه الخصلة لا تزال موجودة في بعض البلاد.\nح- مضاهاة المشركين في تحريم بعض أنواع الأطعمة والاقتصار على جنس دون آخر.\nط- استباحة أكل أموال الناس بالباطل، عن طريق ما يسمى (صناديق النذور) الموجودة في مساجد المشركين القبوريين.","vol":"2","page":1049},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>أما الجانب الثاني: ففي الشرك في الربوبية بالأنداد إثبات صفة المخلوق للخالق سبحانه</span>.\nوفيه عدة مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المطلب الأول: الشرك في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى القاديانية</span>\nوذلك؛ أنهم يعتقدون (بأن الله يصوم ويصلي وينام ويصحو ويكتب ويوقّع ويخطئ ويجامع) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\nقال القادياني: (قال لي الله إني أصلي وأصوم وأصحو وأنام).\nهذا ما قاله هذا الدجال الأفاك الخبيث، وأما ما أنزله إله الحق على محمد الرسول ﷺ فهو: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ)، وقال ﵊: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام»، ووصف الرب ﵎ نفسه بقوله: (قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا). وبقوله:","vol":"2","page":1050},{"text":"(هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)، وبقوله على لسان الملائكة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)، وعلى لسان موسى ﵇: (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى). ولكن القاديانية تعتقد بأن الله يخطئ ويصيب، والمعروف: أن الخطأ لازم الجهل والنسيان، فهذا المتنبي القادياني يقول: (قال الله: إني مع الرسول أجيب، أخطئ وأصيب، إني مع الرسول محيط)، ويقول أيضًا: (أنا رأيت في الكشف بأني قدمت أوراقًا كثيرة إلى الله تعالى، ليوقع عليها، ويصدق الطلبات التي اقترحتها، فرأيت أن الله وقّع على الأوراق بحبر أحمر، ... وسقطت منه قطرات الحبر الأحمر على أثوابي ...).\nوفي محل آخر يشبه هذا الدجال الخالق، المتعال، الكبير، بحيوان بحري يقال له: أخطبوط، فيقول: (نستطيع أن نفرض لتصوير وجود الله بأن له أيادي وأرجل كثيرة، وأعضاؤه بكثرة لا تعد ولا تحصى، وفي ضخامة لا نهاية لطولها وعرضها، ومثل الأخطبوط له عروق كثيرة التي هي امتدت إلى أنحاء العالم وأطرافها).\nوهكذا سخر بوجود الله المنزه عن التشبيه، وكذّب قول الله عزوجل:","vol":"2","page":1051},{"text":"(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).\nوأكثر من هذا، تعتقد القاديانية: بأن الله يباشر ويجامع، ويولد له أولاد! ! خلافًا لنصول كتاب الله وسنة رسول الله، وخلافًا لجميع الأديان السماوية. وأغرب من هذا اعتقادهم في الله: أنه جامع نبيهم غلام أحمد، وليس هذا فحسب بل هو النتيجة أيضًا لهذه المباشرة، فأولًا: الذي باشره الله هو نبيهم غلام أحمد، ثم وهو الحامل، وثالثًا: هو المولود، فلنسمع ما قاله القاديانية بألفاظهم، يقول أحدهم: (إن المسيح الموعود (أي الغلام) بيّن مرة حالته فقال: إنه رأى نفسه كأنه امرأة، وأن الله أظهر فيه قوته الرجولية).\nويقول القادياني بنفسه: (قد نفخ فيّ روح عيسى، كما نفخ فيّ مريم، وحبلت بصورة الاستعارة، وبعد أشهر لا تتجاوز عن عشرة أشهر، حولت عن مريم، وجعلت عيسى، وبهذا الطريق صرت ابن مريم).\nويقول: إن الله سماني بمريم التي حبلت بعيسى، وأنا المقصود من قوله في سورة التحريم: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) ...).\nوعلى هذا الأساس تعتقد القاديانية بأن غلام أحمد هو ابن الله، بل هو عين الله،","vol":"2","page":1052},{"text":"فيقول المتنبي الكذاب: (وقال لي الله: أنت من مائنا، وهم من فشل).\nوفي صراحة تامة يصرح الغلام بأن الله له فم ينفخ به الصور تأييدًا لدعوته المشؤمة، حيث قال: (ستؤسس جماعة وينفخ الله الصور بفمه لتأييدها ...).\nلقد وصل الغلام الكذاب في تشبيه رب العالمين أكثر مما وصل إليه عتاة التجسيم والتشبيه مثل هشام بن الحكم الرافضي، وغيره ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا.\nكما أنه شبه الله بإنسان لهقصر فيه باب يمنع الداخلين إلا بإذنه، قال في ضميمة الوحي: (ولا يوصل إلى قصر الله وبابه إلا هذا الدين الأجلي).\nهذه هي معتقدات القاديانية في الرب جل وعلا، وقد وقعوا في الشرك في الربوبية بالأنداد بوصفه جل وعلا بصفات المخلوقات. وقد قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الثاني: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوق للخالق لدى المتصوفة والمتكلمين</span>\nمن صور وجود المعتقدات في العصر الحاضر: تسمية الله بما لم يسم به نفسه،","vol":"2","page":1053},{"text":"ولم يسمه به أعلم الخلق بربه، كتسمية المتصوفة إياه بـ (هو)، وإطلاق المتكلمين لفظ الجسم والجوهر والعرض، وغير ذلك من الألفاظ على الله - تعالى ـ.\nومن صور ذلك أيضًا إطلاق كل اسم محمود أو مذموم عليه، ووصفه بكل وصف قبيح أو مذموم، كما عليه غلاة المتصوفة من أهل أصحاب وحدة الوجود، الذي صور مذهبهم ابن القيم ﵀ في نونيته بقوله:\nفأتى فريق ثم قال وجدته ... هذا الوجود بعينه وعيان\nفهو السماء بعينها ونجومها ... وكذلك الأفلاك والقمران\nوهو الغمام بعينه وهو الثلو ... ج والأمطار مع برد ومع حسبان\n\nإلى آخر ما نقل عنهم ابن القيم ﵀.\nومعلوم أنه وصف لله بصفات المخلوقات، وهو شرك بالله في الربوبية بالأنداد في أسمائه وصفاته، بإثبات صفات المخلوقات لله جل شأنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الثالث: الشرك بالله في الربوبية بالأنداد بإثبات صفة المخلوقات لله جل شأنه لدى الحداثيين</span>\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك في هذا العصر بعض الحداثيين الذين","vol":"2","page":1054},{"text":"لا يتورعون عن وصف الله - تعالى - بأي وصف، ولا عن تسميته بأي اسم، وذلك فيما يزعمونه شعرًا، وإليك شيئًا مما قالوه في هذا:\nيقول بدر شاكر السياب:\nمحمد اليتيم أحرقوه\nفالسماء\nيضيء من حريقه\nوفارت الدماء من يديه\nمن عيونه\nوأحرق الإله في جفونه\nويقول أدونيس:\nمات إله كان هناك\nهبطت جمجمة السماء\nويقول صلاح عبد الصبور:\nملاحنا ينتف شعر الذقن في جنون\nيدعو إله النقمة المجنون\nأن يلين قلبه\nولا يلين","vol":"2","page":1055},{"text":"ويقول عبد العزيز المقالح:\nصار الله رمادًا\nصمتًا، رعبًا، في كف الجلادين\nحقلًا ينبت وعمائم بين الرب الأغنية الشروة\nوالرب القادم من هوليود\nكان الله قديمًا حيًا\nكان سحابة\nكان نهارًا في الليل\nأغنية تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض\nففي هذه الأبيات الشعرية نرى الحداثيين سموا الله ﷿ ووصفوه بصفات لا تليق بالله سبحانه مطلقًا، فمما سمي به الرب بأنه سحابة، وأنه نهار، وأنه أغنية، وأنه مات، وأنه قادم من هوليود، وغير هذه الأسماء والصفات المذمومة. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ). والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":1056},{"text":"الفصل الثاني\nمظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته","vol":"2","page":1058},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الثاني مظاهر الشرك بالله جل وعلا في العصر الحديث فيما يتعلق بعبادته</span>\nسبق معنا بيان المقصود بالعبادة، والشرك في العبادة. هنا أبين بعض مظاهر الشرك بالله في عبادته ومعاملته في العصر الحديث.\nومعلوم أن الشرك في العبادة (يكون في أقوال القلب ويكون في أعمال القلب).\nفالشرك في العبادة إذن له جانبان:\nالأول: الشرك بالأقوال القلبية.\nالثاني: الشرك بالأعمال القلبية.\nأما الأول: - الذي هو الشرك بالأقوال القلبية - فمن أفراده ما يلي:\nالأول: الشرك بالدعاء.\nالثاني: الشرك بالاستعانة.\nالثالث: الشرك بالاستغاثة.\nوأما الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية: وهو على نوعين:\nالنوع الأول: الشرك بالأعمال القلبية الخالصة.\nالنوع الثاني: الشرك بالأعمال القلبية المتعلقة بالجوارح، والمتعلقة","vol":"2","page":1059},{"text":"بالأموال.\nأما النوع الأول: فله أفراد:\nالأول: الشرك في المحبة.\nالثاني: الشرك في النية والإرادة والقصد.\nالثالث: الشرك في الطاعة.\nالرابع: الشرك بالخوف.\nالخامس: الشرك بالرجاء.\nالسادس: الشرك بالتوكل.\nأما النوع الثاني: فهو الشرك بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)، وله أفراد، منها:\nالأول: الشرك بالنسك؛ كالقيام والركوع والسجود والحج والصوم والتعظيم وغيرها.\nالثاني: الشرك بالذبح والنحر لغير الله.\nالثالث: الشرك بالنذر لغير الله.\nونظرًا لما يحتوي هذا الفصل من الجزئيات الكبيرة فإني سأبينها في المباحث التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الأول: في بيان مظاهر الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بأعمال القلوب</span>\nوتحته مطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الأول: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالمحبة</span>\nوذلك، بأن يحب العبد أحدًا غير الله كمحبة الله.","vol":"2","page":1060},{"text":"قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله).\nومن المعلوم أن المحبة لله تعالى من عبادته جل وعلا، وهو المحبوب لذاته، ولا يمكن أن يكون المحبوب لذاته إلا واحدًا، ومستحيل أن يوجد في القلب محبوبان لذاتهما. كما يستحيل أن يكون في الخارج ذاتان قائمتان بأنفسهما كل ذات منهما مستغنية عن الأخرى من جميع الوجوه، وكما يستحيل أن يكون للعالم ربان متكافئان مستقلان، فليس الذي يحب لذاته إلا الإله الحق الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير بذاته إليه.\nوأما ما يجب لأجله فيتعدد، ولا تكون محبة العبد له شاغلة له عن محبة ربه ولا يشركه معه في الحب، فإن المحبة المتعلقة بالله ثلاثة أقسام: محبة الله، والمحبة له وفيه، والمحبة معه. فالمحبة له وفيه من تمام محبته وموجباتها لا من قواطعها، فإن محبة الحبيب تقتضي محبة ما يحب ومحبة ما يعين على حبه ويوصل إلى رضاه وقربه.\nوأما المحبة مع الله: فهي المحبة العبودية الشركية، وهي كمحبة أهل الأنداد لأندادهم، كما في الآية التي سبق ذكرها، وأصل الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك في هذه المحبة. فإن المشركين لم يزعموا أن آلهتهم وأوثانهم شاركت الرب سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنما كان شركهم بها من جهة محبتها مع الله فوالوا عليها وعادوا عليها وتألهوها، وقالوا: هذه آلهة صغار تقربنا إلى الإله الأعظم.","vol":"2","page":1061},{"text":"ففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة تبعًا، والمحبة معه شركًا، فالمحبة معه هي التي كانت لدى المشركين، حيث قالوا: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل.\nفالمحبة هي أصل دين الإسلام الذي تدور عليه رحاه، فبكمال محبة الله يكمل دين الإسلام، وبنقصها ينقص توحيد الإنسان، والمراد بالمحبة هنا محبة العبودية، فإن المحبة على مراتب: فأولها: العلاقة، وثانيها: الصبابة، وثالثها: الغرام، ورابعها: العشق، وخامسها: الشوق، وسادسها: - الأخير منها - التتيم، وهو تعبد المحب لمحبوبه، يقال: تيمه الحب، إذا عبده، وحقيقة التعبد: الذل والخضوع للمحبوب، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل أشرف منها، والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له التي هي أكمل أنواع المحبة مع أنواع الخضوع والذل، ومن أشرك أحدًا في ذلك فقد أشرك مع الله، وهو أصل الشرك بالله.\nولا يعتبر كل ما تطلق عليه المحبة شركًا، بل بعض المحبة تكون محبوبةً إلى الله عزوجل - كما ذكرنا - فإن المحبة على أنواع:\nالأول: محبة الله، وهو التتيم أي الحب مع الذل والخضوع، ويتعلق به","vol":"2","page":1062},{"text":"الخوف والرجاء، وهي وحدها لا تكفي للنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.\nالثاني: محبة ما يحب الله، وهذه المحبة هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.\nالثالث: المحبة لله، وفي الله، وهي فرض ومن لوازم محبة ما يحب، لا تستقيم محبة ما يحب إلا فيه وله، كمحبة أوليائه من الرسل والصالحين، ومحبة الرسول ﷺ من ضمن هذه المحبة. وبغض أعداء الله أيضًا من هذه المحبة، فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه وولايته وعداوته. ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلابد أن يبغض أعداءه ويحب أولياءه.\nالرابع: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا الله، ولا من أجله، ولا فيه، محبة متضمنة الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف لمحبوبه فقد اتخذه ندًا مع الله، وهذه هي محبة المشركين قديمًا وحديثًا للأولياء والصالحين، وحتى في النبي ﷺ عند بغض غلاة المتصوفة والبريلوية.\nالخامس: المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، وهي على ثلاثة أقسام:\nأ- محبة فطرية: محبة الجائع للطعام.\nب- محبة إشفاق: كمحبة الولد لولده.\nج- محبة الشريك لشريكه، ومحبة الصديق لصديقه.","vol":"2","page":1063},{"text":"فهذه لا تذم شرعًا بشروط:\n١ - ألا تشغله عن طاعة الله الواجبة، فإنه حينئذ مذموم.\n٢ - ألا تكون داعية إلى معصية الله، فإنه مذموم حينئذ.\n٣ - ألا يكون حبه على درجة التتيم، المتضمن الذل والخضوع والتعظيم والإجلال والخوف. وهو المقصود من قول النبي ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش».\nوهكذا كل من أحب شيئًا بالحب الذي يكون لله فقد أشرك بالله، وإن كان أصل الحب كان فطريًا، إلا أنه تطور إلى درجة التتيم - العبادة ـ، وعلى هذا فهذا النوع من المحبة وإن لم تدخل بذاتها في أنواع الشرك، إلا أنها تكون سببًا للشرك في بعض الأحيان، وهذا ما نراه في عصرنا هذا - كما سيأتي بيان نماذج من هذا النوع من المحبة المؤدية إلى الشرك فيما بعد ـ.\nوعلى هذا: فالمحبة التي تعتبر شركًا خالصًا هي المحبة مع الله؛ لأنه - كما سبق - لا يمكن أن توجد محبة لذاته - المتضمن للتتيم والعبادة - إلا الله، وكل من أحب مع الله أحدًا فقد أشركه في المحبة لذاته، وهي القسم الرابع منها؛ لأنها تستلزم التعظيم والذل والعبودية، وهي المذكورة في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ).","vol":"2","page":1064},{"text":"قال ابن كثير: (يذكر الله حال المشركين به في الدنيا ومآلهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا لله أندادًا؛ أي أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه. وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ند له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»).\nومعنى الآية كما قال ابن القيم في مدارج السالكين: (أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة، لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لا يثبت هذا الند في الربوبية، بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم).\nوأما قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، ففي تقدير الآية قولان:\nأحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة أشركوا فيها مع الله أندادهم.\nالثاني: أن المعنى: يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله، فليس فيه إثبات محبتهم لله.\nوأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ)، ففيه أيضًا قولان، ترتبا على الاختلاف السابق في معنى الجزء الأول من الآية.\nالقول الأول: إن المعنى: والذين آمنوا أشد حبًا لله من المشركين بالأنداد لله؛","vol":"2","page":1065},{"text":"فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة - التي هي عند المؤمنين - أشد من المشتركة - التي هي عند أصحاب الأنداد ـ.\nالقول الثاني: معنى الآية: والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله، ويدل عليه ما رواه الطبري عن مجاهد في قوله تعالى: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)، قال: (مباهاة ومضاهاة للحق بالأنداد، (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) من حبهم لآلهتهم).\nولكن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يرجح القول الأول ويقول: (إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية هي المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار، أنهم يقولون لآلهتهم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، ومعلوم أنهم ما سووهم برب العالمين في الخلق والربوبية، وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم.\nوهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ","vol":"2","page":1066},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم ...).\nفكان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله. وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة، أو شبهة تمنع كمال التصديق فهي معارضة لأصل الإيمان أو مضعفة له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت شركًا أو كفرًا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله، وأثرت فيه ضعفًا وفتورًا في العزيمة والطلب.\nوهي تحجب الواصل، وتقطع الطالب، وتنكس الراغب، كما هو حال من آثر المحبة الطبيعة على محبة الله، أو على محبة ما يحب الله، أو على المحبة في الله، ولله. ولهذا قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).\nوأما محبة الرسول ﷺ فمن لوازم محبة الله، وإنما يحب الرسول ﷺ لأنه ليس في هذه المحبة شيء من شوائب الشرك؛ كالاعتماد عليه ورجائه في حصول مرغوب منه، أو دفع مرهوب منه، أو الرغبة إليه من دون الله، وما كان فيها هذه الأمور، فمحبته تعتبر مع الله - ويدخل في الشرك بالله - لما فيها من","vol":"2","page":1067},{"text":"التعلق على غيره.\nبل محبة الرسول واجبة على أنها لله ولأجله، ولأنه كان محبًا لله، فحبه ليس لذاته، بل لكونه يحب الله، فكما يحب أحدنا الإيمان والعمل الصالح لكونهما محبوبين عند الله، هكذا الحكم في محبة الرسول ﷺ. وهكذا المحبة هي المرادة من قول النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين». فما يدعيه بعض المتصوفة والجهلة من المحبة للرسول ﷺ لذاته ليست إلا عبادة الرسول باسم آخر - شاءوا أم أبوا ـ.\nوالمقصود: أن أعظم أنواع المحبة المحمودة محبة الله وحده، ومحبة ما أحب، وهذه المحبة هي أصل السعادة ورأسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها.\nوأعظم أنواع المحبة المذمومة: المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبته لله ومحبته للند الذي اتخذه من دونه. وهي المحبة الشركية، وهي رأس الشقاوة، فإن كل من اتخذ لله ندًا يدعوه من دون الله ويرغب فيه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته، وتفريج كرباته - كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام - فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى، ويقولون: (لا إله إلا الله)، ويصلون ويصومون، فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فمن رغب إلى غير الله في قضاء","vol":"2","page":1068},{"text":"حاجة أو تفريج كربة، لزم أن يكون محبًا له، ومحبته هي الأصل في ذلك).\nفاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه وكل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: (لا إله إلا الله) فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة.\nوفيما يلي بيان بعض مظاهر الشرك في المحبة لله جل شأنه.\nالفرع الأول: مظاهر الشرك في محبة الله لدى المتصوفة:\nلقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة، سواء كان هذا بدعوى محبة النبي ﷺ، أو بدعوى محبة شيخ التصوف.\nأما في محبة الرسول: فترى كثيرًا منهم يغلون في محبة الرسول ﷺ حتى يسمي نفسه: بعبد المصطفى. وليس هذا فحسب، فهناك من يرى الفناء في محبة الرسول ﷺ، يقول أحد المتصوفة: (ففي حال ذكرك له ﷺ تصور كأنك بين يديه متأدبًا بالإجلال والتعظيم والهيبة والحياء، فإنه يراك ويسمعك كما ذكرت؛ لأنه متصف بصفات الله، هو سبحانه جليس من ذكره).\nفهذا القطب الصوفي لا يميز بين صفات الله التي لا يليق إلا به وبين صفات نبيه ورسوله. فيعتقد أنه ﷺ يرى ويسمع كل ذكر له في العالم. بل إننا نجد في","vol":"2","page":1069},{"text":"الكلام المنقول عن هذا الرجل ما يدل دلالة واضحة على أنه يعتقد الإلهية في النبي ﷺ، ويدعو إلى الفناء فيه كما يدعو غيره من الغلاة إلى الفناء في الله.\nيقول - وهو يذكر كيفية التعلق بالنبي ﷺ: (وهي أن تلاحظ أنه ﷺ ملء الكون بل عينه، وأنه نور محض، وأنك منغمس في ذلك النور مع تغميض عين البصر لا البصيرة، فإذا حصل لك الاستغراق في هذا النور والتلاشي والعينية فتتصف حينئذ بمقام الفناء فيه، ومن حصل له مقام الفناء فيه ذاق محبته ﷺ ... - إلى أن قال ـ: فإن لم تجد في جميع وجودك هذه المحبة التي وصفتها فاعلم أنك ناقص الإيمان).\nوالسؤال هنا: هل كان أحد من الخلفاء الراشدين أو من العشرة المبشرين بالجنة أو من أهل بدر أو من أصحاب الرسول ﷺ وغيرهم من السلف الصالح يعتقد أن النبي ﷺ ملء الكون؟ وأنه نور محض؟ أو ادعى الفناء فيه؟ أو عرف ما هو بمعنى ذلك؟ ومتى كان هذا شعبة من شعب الإيمان حتى يوصف من لم يعتقده بنقص الإيمان؟ على رسلك يا صوفي إن إمامنا كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ وسيرة الجيل الأول من السلف الصالح وتفاصيل فهمهم للنصوص، وما لم يكن يومئذ دينًا فلن يكون اليوم دينًا، ومن اتخذه دينًا فهو ضال، وإذا دعا إليه فهو مضل، وإن وصف بأفخم أوصاف الصوفية كالقطب والغوث ونحوهما.\nبل محبة الرسول ﷺ إنما تعرف بطاعته ﷺ وتقديمها على طاعة كل أحد وإن كان أحد الوالدين أو أكثر المشايخ مهابة وجلالة في العيون، وإن كان النفس أو الهوى، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ). فهذه الآية هي الميزان التي يعرف بها من أحب الله حقيقة ومن","vol":"2","page":1070},{"text":"ادعى ذلك دعوى مجردة، فمن ادعى محبة الله ولم يظهر ذلك في طاعة رسوله ﷺ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فدعواه كاذبة.\nولا ريب أن دعوى محبة رسول الله ﷺ مع عدم فقه هذا الأمر حدث بالمبتدعة إلى أن يبتدعوا بدعًا كثيرة ظنوها من مظاهر محبة الرسول ﷺ، كإقامة الموالد، وترديد القصائد، ومخالفته في أمره بعدم إطرائه عدم الإحداث في الدين، ولا يخفى أن محبته لا تجتمع مع مخالفة أمره.\nتعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا محال في القياس بديع\nلو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\n\nقلت: بهذا نعلم أن هؤلاء كما أنهم لم يفرقوا بين حق الله على عباده وبين حق النبي ﷺ على أمته، فكذلك لم يفرقوا بين حقه ﷺ وبين حق شيوخهم. وهذا هو الضلال المبين الذي يجب الحذر منه. والله المستعان.\nوأما الشرك في دعوى المحبة للأولياء ومشايخ التصوف فمن ملامحه ما يلي:\nتصوير الولي أو الشيخ في صورة المتوجه إليه بالعبادة فيحب المحبة التي لا تجوز لغير الله، وعامة كتب التراث الصوفي مملوءة بذلك، ولذا نجد أن القبوريين منهم وأهل تقديس (الأولياء) سرعان ما يتهمون دعاة التوحيد الذين يدعون إلى إخلاص العبادة بكل أنواعها لله عزوجل بأنهم لا يحبون النبي ﷺ والأولياء، ولهذا يصرحون في نصوص كثيرة لا تكاد تحصى بأن المريد يجب أن يفرد شيخه بالمحبة ولا يشرك به غيره، فإليك شيئًا يسيرًا منها:","vol":"2","page":1071},{"text":"يحكي الشعراني عن أحد المتصوفة أنه مكث عند شيخه إلى أن توفي لم يذق له طعامًا، فقيل له في ذلك، فقال: (أنا لم آكل لشيخي طعامًا خوفًا أن أشرك في طلبي للشيخ شيئًا آخر).\nويجب عندهم أن لا يزاحم أحد في محبة المريد لشيخه، لا زوجته ولا ولده، وفي ذلك يقص أحمد بن المبارك - راوي الإبريز - قصة مع شيخه الدباغ مفادها:\nأن ابن المبارك كان قد تزوج بنت الفقيه محمد بن عمر السلجماسي وكان يحب البنت حبًا شديدًا، وكان الدباغ يسأله: هل تحبني مثل فلانة؟ فيصارحه الرجل (أن لا) فيتأثر الشيخ بذلك - يقول ابن المبارك: وحق له، فإن المريد لا يأتي منه شيء حتى لا يكون في قبه غير الشيخ والله والرسول.\nومما قاله الشعراني في هذا الباب: (أخذ علينا العهد أن لا نأخذ العهد على فقير بالسمع والطاعة لما نأمره من الخير إلا إن كنا نعلم منه يقينًا أنه لا يقدم علينا في المحبة أحدًا من الخلق مطلقًا حتى أهله وولده).\nويقول الشيخ التيجاني: (من أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده هو أن لا يشارك في محبته غيره ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه، ويتأمل ذلك في شريعة نبينا ﷺ؛ فإن من ساوى رتبة نبيه ﷺ مع رتب غيره من النبيين والمرسلين في المحبة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع، فهو عنون على أنه يموت كافرًا إلا أن تدركه عناية ربانية","vol":"2","page":1072},{"text":"بسبق محبة إلهية، فإذا عرفت هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيه ﷺ في التعظيم والمحبة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب، فلا يعادل غيرهه في هذه الأمور ولا يشارك غيره. ومن أكبر القواطع عن الله أن ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه).\nفأنت ترى أن هذا النص أقل ما فيه التسوية بين الشيخ وبين النبي ﷺ، وذلك مجاهرة برفض قوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».\nويقول الشعراني: (إذا أراد الله ﷿ أن يعرف عبدًا من عبيده بولي من أوليائه ليأخذ عنه الأدب ويقتدي به في الأخلاق طوى عنه شهود بشريته وأشهده على وجه الخصوصية فيه فيعتقده بلا شك ويحبه أشد المحبة. وأكثر الناس الذي يصحبون الأولياء لا يشهدون منهم إلا وجه البشرية، ولذلك قل نفعهم وعاشوا عمرهم كله معهم ولم ينتفعوا منهم بشيء).\nوالمقصود: بيان كون المتصوفة قد وقعوا في شرك العبادة بالمحبة وذلك بإعطائهم هذه العبودية لغير الله.\nالفرع الثاني: مظاهر الشرك في محبة الله لدى بعض المعاصرين في عقد الولاء والبراء على غير أسس المحبة في الله والمحبة لله:\nالولاء: بالواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على قرب، وتأتي هذه الكلمة بمعنى: الملك والقرب والنصرة والقرابة والمحبة. ووالى فلان فلانًا:","vol":"2","page":1073},{"text":"أحبه، وهكذا التولي: فإنها تأتي بمعنى الولاء: أي النصرة والموالاة. وتأتي بمعنى أخص من عموم الموالاة، بمعنى: اتخذه وليًا. كما قال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ: (التولي كفر يخرج من الملة، وهو كالذب عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي). وعلى هذا تراه فرّق بين الموالاة والتولي.\nولعل الصحيح أن التولي والموالاة كلاهما بمعنى جعلهم أولياء، ولذا ترى جميع المفسرين ابن جرير ﵀ في عدة مواضع من تفسيره يفسر معنى اتخاذ الكفار أولياء بمعنى جعلهم أنصارًا، وهو بمعنى توليهم.\nفعلم من ذلك كله: أن أصل الموالاة: الحب، والموالاة لا تكون إلا لله تعالى بذاته، وتكون لرسوله وللمؤمنين لأمر الله ﷿ بموالاتهم، فمن كان عنده موالاة لغير الله مثل ما كان ينبغي لله، فقد أشرك مع الله غيره في الحب، ويدخل في شرك المحبة لا محالة. والأدلة على هذا كثيرة، منها:\n١ - قوله تعالى: (لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ).\n٢ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ","vol":"2","page":1074},{"text":"بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).\n٣ - قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).\n٤ - وقد أخبر النبي ﷺ: «أن من أحب قومًا حشر معهم».\nوإنما تدخل الموالاة لأهل الشرك في الشرك، لكونها مضادة لكلمة التوحيد، فإن من شروط كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) محبة هذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك.\nفتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي (أن لا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا الله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله).\nفإن شطر العقيدة وركنها الثاني الذي لا تتم إلا به: هو الكفر بالطاغوت.\nقال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى). فلا يكون مؤمنًا من لا يكون كافرًا بالطاغوت، وهو كل متبوع أو","vol":"2","page":1075},{"text":"مرغوب أو مرهوب من دون الله.\nلكن موالاة الكفار تقع على شعب متفاوتة وصور مختلفة، ولذا فإن الحكم فيها ليس حكمًا واحدًا، فإن من هذه الشعب والصور ما يكون شركًا، ومنها ما يكون ردة، وينقض الإيمان بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك في المعاصي، وهذه الموالاة التي تناقض التوحيد قد تكون اعتقادًا فحسب، وقد تظهر في أقوال وأعمال.\nوأما الاعتقادي - كما سبق أن بيناه ـ: فهو ولاؤهم في الظاهر والباطن، وموافقتهم في الباطن بتوليهم دون الظاهر، فهذا يسمى نفاقًا، وهو أيضًا شرك اعتقادي، فإنه أشرك في محبة الله غير الله، ولا يتأتى ممن يفعل مثل هذا الولاء إلا بعد أن يشرك بالله في محبته غيره، أو محبة شرعة غير شرع الله.\nوأما من كان ولاؤهم لهم في الظاهر فقط فهو على نوعين:\nالأول: أن تكون الموافقة والولاء في الظاهر بسبب الإكراه (الملجيء) فهذه الحالة لا تدخل في الموالاة ما دامت الموافقة والموالاة باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان، لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).\nالثاني: أن يكون الولاء والموافقة في ظاهره مع مخالفتهم في الباطن لغرض دنيوي، كحب رئاسة وطمع في جاه ومنزلة ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه من المعاصي، ومنهم من قال: إنه يدخل تحت شرك الإرادة والنية والقصد - وسيأتي بيانه فيما بعد - وهو الصحيح لظاهر قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا","vol":"2","page":1076},{"text":"يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). وقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). ومعلوم أنه ليس شيء يحبط العمل مثل الشرك، ثم إنه أشرك بالله في الاتباع أيضًا، وحيث اتبع هواه، ولم يلتفت إلى رضى الله، فدخل تحت وعيد قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).\nأما الموالاة العملية فهي كثيرة في العصر الحديث، أذكر منها ما يلي:\nأ- من أقام ببلاد الكفار رغبة واختيارًا لصحبتهم، فيرضى ما هم عليه من الدين، أو يمدحه، أو يرضيهم بعيب المسلمين، فهذا لا شك في خروجه عن الملة.\nيقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: (والإقامة ببلد يعلو فيه الشرك والكفر، ويظهر الرفض وين الإفرنج ونحوهم من المعطلة للربوبية والإلهية وترفع فيها شعائرهم، يهدم الإسلام والتوحيد، ويعطل التسبيح والتكبير والتحميد، وتقلع قواعد الملة والإيمان ويحكم بينهم بحكم الإفرنج واليونان ... فالإقامة بين أظهرهم والحالة هذه لا تصدر عن قلب باشره حقيقة الإسلام والإيمان والدين ... بل لا يصدر عن قلب رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا، فإن الرضا بهذه الأصول الثلاثة قطب الدين، وعليه تدور حقائق العلم واليقين، وقد جاء في قصة صحابي جاء","vol":"2","page":1077},{"text":"إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، بايعني واشترط، فقال الرسول ﷺ: «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وأن تفارق المشركين».\nوفيه إلحاق مفارقة المشركين بأركان الإسلام ودعائمه العظام).\nب- من أطاع الكفار والمشركين في التحليل والتحريم، فأظهر الموافقة على ذلك، فهو أيضًا مشرك خارج عن الملة، والدليل عليه قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).\nفصرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة الكفار حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ). فهذا النوع من الموالاة كان سببًا في ردة أولئك القوم. وسيأتي مزيد من البيان بمشيئة الله في بيان شرك الطاعة، وإنما ذكرهم هاهنا لكون الباعث على هذه الطاعة هو المحبة لغير الله والولاء والبراء على غير محبة الله.","vol":"2","page":1078},{"text":"ويمكن أن يلحق بطاعة ومتابعة الكفار في التحليل والتحريم، وموافقتهم في التشريع ما قد أفتى به بعض علماء هذا العصر في مسألة التجنس بجنسية أمة غير مسلمة. إلا في إحدى الحالات الثلاثة التالية:\n١ - الإقامة لغرض الدعوة إلى الله مع الأمن على الدين، والقدرة على الجهر بشعائر الإسلام، بلا معارضة في شيء منها، وقادرًا على الولاء والبراء، ومن هذه ما هو مستحب كالسفر للجهاد في سبيل الله.\n٢ - السفر من أجل التجارة، وهو عارف بدينه، آمن عليه قادر على الجهر بشرائعه، قادر على الولاء والبراء.\n٣ - المستضعفون من النساء والولدان والرجال الذين لهم ظروف جغرافية أو سياسية تحول في الرجوع إلى ديارهم ...\nوأما في غير هذه الحالات الثلاثة فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة يدخل في الشرك بالولاء والبراء.\nج- التشبه المطلق بهم، أو التشبه فيما يوجب الخروج عن الملة، فالموالاة وإن كانت متعلقة بالقلب (بالحب والنصرة) لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومجانبتهم. وقد قال النبي ﷺ عن التشبه بالمشركين: «من تشبه بقوم فهو منهم».","vol":"2","page":1079},{"text":"وهذا التشبه له ألوان لا تعد ولا تحصى في العصر الحاضر.\nد- أيضًا من الموالاة العملية التي فيها مناقضة للتوحيد، وشرك مع الله في محبته، ومحبة دينه: إقامة مؤتمرات وتنظيم ملتقيات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الخلاف العقدي وإسقاط الفوارق الأساسية فيما بين تلك الديانات، وهذه الفكرة الخبيثة قد وجدت قديمًا عند ملاحدة الصوفية، كما وجدت عند التتار. ويأتي النظام الدولي الجديد عاملًا رئيسيًا في إحياء تلك الشجرة الخبيثة، كما هو ظاهر في مثل هذه الأيام القريبة.\nهذا كله في ما يتعلق بالشرك بموالاة الكفار.\nوأما النصرة: فأظهر من الشمس في رابعة النهار بأن نصرة المشركين على المسلمين شرك بالله جل وعلا في محبته، ولذا عده العلماء من نواقض التوحيد.\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فمن قفز منهم إلى التتار كان أحق بالقتال من كثير التتار، فإن التتار فيهم المكره وغيره المكره، وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة.\nويقول ابن القيم: إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى","vol":"2","page":1080},{"text":"اليهود والنصارى فهو منهم: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم. وهذا القول لابن القيم على التفسير الثاني لكلمة (التولي) على أنها أبلغ من الموالاة - كما سبق معنا في بداية الكلام ـ.\nويقول الشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله ـ: (وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة، فهو كافر مثلهم).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): (وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، كان ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه). ويقول عند تفسير قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ): (إن التولي يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يكون العبد منهم).\nوعلى كل: إن مظاهرة الكفار ونصرتهم والذب عنهم، يناقض الإيمان سواء سمي ذلك توليًا أو موالاة، فإن مظاهرة المشركين ضد المسلمين خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين. فمثل هذه الموالاة تتضمن بغضًا لدين الله تعالى، وحربًا","vol":"2","page":1081},{"text":"لعباد الله الصالحين ونصرة للكفار، ولا شك أن هذه الأشياء كلها منافية لمحبة الله، الذي هو حقيقة التوحيد، فمن ذلك الباب يدخلون في الشرك، فإنه ما أعان أحدًا على دين الله إلا أحبه أو أحب ما يتعلق به، ومن أحب شيئًا مع الله فقد أشرك مع الله غيره. فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان.\nالفرع الثالث: حب الدنيا وزينتها أكثر من حب الله، أو مثل حب الله:\nلقد وجد في هذا العصر كثير من الناس تراهم يحبون أشياء حبًا كأنهم يعبدونها، حيث يجتمع عندهم في محبتها التعظيم لهذه الأشياء مع الذل والخضوع والاستكانة لها، ومظاهرها كثيرة يتضح لمن تدبر ذلك على ملاحظة قاعدة هامة؛ والقاعدة في المسألة هي: أن كل من أحب شيئًا - سواء كان حقيرًا أو ثمينًا في نفسه - بحيث تعلق قلبه به - وهي درجة التتيم في الحب - مع الذل والخضوع له فقد أشرك بالله جل شأنه، وعلامة ذلك: كونه يقدم هذا الشيء على محبوبات الله ﷿ ويفكر فيه ليلًا ونهارًا.\nفمثلًا: إن الذي أحب زوجته مثل هذا الحب بحيث تعلق قلبه بها، وذل وخضع له إلى درجة لا ينبغي أن يكون إلا له سبحانه فإنه حينئذ يكون قد عبد زوجته، ويقاس عليه أشياء كثيرة، منها مثلًا: المسئولية، أو الوظيفة، أو الكرة، أو الموضة أو الأزياء، أو مغنيًا، أو غناء، أو شيخًا معينًا، أو قبرًا، أو راية كالقومية أو الوطنية، أو حزبًا أو قائدًا أو هوى متبعًا إذا كانت محبة","vol":"2","page":1082},{"text":"إحداها بهذه المثابة والصفة التي سبق ذكرها فإنه يكون قد عبد هذا الشيء، فالأصنام كانت في السابق تظهر بصورة مادية محسة، يتخذونها من خشب أو ذهب أو فضة على صورة إنسان، وقد تتخذ من حجر فتسمى وثنًا، ولكنها قد تظهر في العصور المتأخرة - زيادة على ما سبق - بصور أخرى ومظاهر جديدة؛ قد تكون مذهبًا من المذاهب الفكرية الجاهلية كالديموقراطية، أو الوطنية، أو القومية ... وقد تكون مذهبًا اقتصاديًا كالرأسمالية والاشتراكية ... وقد تكون أهواء وشهوات يخضع لها الناس، فلا يهوون شيئًا إلا عبدوه، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)، وقال: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)، وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ).\nوقد تكون الأصنام مجموعة من القيم الاجتماعية أو القيم المادية التي تسيطر على الناس فيخضعون لها، ويتحركون بحركتها، فتكون لهم دينًا ومذهبًا. إذ كل هذه الأشياء منشؤها الحب لغير الله، والحب هو أصل العبادة في الحقيقة.\nيقول ابن تيمية ﵀: (وجماع القرآن هو الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن هذه المحبات ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص أهل النوعين).","vol":"2","page":1083},{"text":"ويقول أيضًا: (وإذا كانت المحبة والإرادة أصل كل عمل وحركة، وأعظمها في الحق محبة الله وإرادته بعبادته وحده لا شريك له، وأعظمها في الباطل أن يتخذ الناس من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، ويجعلون له عدلًا وشريكًا، علم أن المحبة والإرادة أصل كل دين، سواء كان دينًا صالحًا أو دينًا فاسدًا، فإن الدين هو من الأعمال الباطنة والظاهرة، والمحبة والإرادة أصل ذلك كله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>المطلب الثاني: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالخوف</span>\nمعنى الخوف:\nالخوف مصدر من الفعل الثلاثي الأجوف (خاف) وأصله: خَوِفَ بكسر الواو ويَخْوَفُ بفتحها. مثل علم يعلم علمًا. معناه: الفزع. والذعر. وهو والخشية والرهبة بمعنى متقارب. قال القرطبي: (والرُهب والرَهب والرهبة: الخوف).\n(والخائف من الله تعالى هو أن يخاف إما يعاقبه إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، بل الخائف الذي يترك ما يخاف أن يعذب عليه).\nومن هنا كان الخوف والخشية دون التقوى ووسيلة إليها.","vol":"2","page":1084},{"text":"أقسام الخوف:\nالخوف على أربعة أقسام:\nالأول: خوف السر، وهو أن يخاف من المقدس أن يصيبه بما يشاء متى يشاء من مرض أو فقر أو موت، ونحو ذلك بقدرته ومشيئته.\nالثاني: الخوف من الناس خوفًا ظاهريًا يؤدي إلى ترك الأقدام على فعل الواجبات الثقيلة كالجهاد، ويعرف هذا الخوف بالجبن.\nالثالث: الخوف من وعيد الله الذي توعد به العصاة.\nالرابع: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو يترصده أو سبع أو هدم أو غرق.\nالخوف الذي يدخل فيه العبادة والمقصود بالخوف هنا:\nلا شك أن القسم الرابع من الخوف لا يذم المتصف به، لأنه أمر جبلي لا يسلم منه أحد حتى الأنبياء، مثلًا: قال تعالى: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) فمثل هذا الخوف ليس في بابنا.\nوأما القسم الثالث: الذي هو الخوف من الوعيد: فمقام عظيم من مقامات الصالحين الأبرار، وهو محبوب لدى الله، ومطلوب من عباده له. قال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، وقال: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). وهذا الخوف من الله يكون محمودًا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله.","vol":"2","page":1085},{"text":"وأما القسم الثاني من الخوف: الذي هو الجبن، فهو الذي يحول بين المسلم وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وهذا مذموم شرعًا، وقد ثبت في الأحاديث النبوية أنه ﷺ كان يتعوذ بالله من الجبن، وهذا القسم من الخوف ناتج عن ضعف الإيمان وقلة اليقين.\nوأما القسم الأول: فهو الذي لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، إذ ليس هناك من يصيب من يشاء بما يشاء بقدرته غير الله تعالى، فمن اعتقد أن النبي أو الولي أو شيخه أو مقبوره أو من يقدسه - سواء كان حيًا أو ميتًا - يملك البطش به متى أراد بقدرته فقد خصه بأعظم لوازم الألوهية؛ لأن هذا القسم من الخوف قد أمر الله تعالى عباده أن يخافوه به، بل أن يختصوه به ويخلصوه له، ومعلوم أن الله تعالى لا يأمر عباده بأمر ويحثهم عليه إلا إذا كان عبادة من العبادات، وما كان عبادة يكون صرفها لغير الله شركًا. قال تعالى في الأمر بهذا الخوف: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، وقال: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُون)، وقال: (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ)، وقال: (وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ).\nوقال تعالى في ثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف لله وحده: (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، وقال تعالى: (وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)، وقال","vol":"2","page":1086},{"text":"تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)، وقال تعالى: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ)، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ).\nإن من تدبر هذه الآيات وما فيها من الأمر بإفراد الله تعالى بالخوف والرهبة إما تصريحًا بنفيها من غيره، وإما قصرًا وحصرًا بتقديم المعمول على العامل، وثنائه على عباده الصالحين من الأنبياء والملائكة والمؤمنين لتحقيقهم هذا الخوف، من تدبرها ظهر له جليًا أن هذا الخوف من خصائص الإله التي لا يجوز التوجه بها إلى غير الله سبحانه، وأن ذلك شرك لا يغفر الله لمن مات عليه.\nقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: «وَقَالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ) الآية: (يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه).\nوقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: (فمن اتخذ مع الله ندًا يخافه هذا الخوف فهو مشرك).\nفالسلف فهموا أن هذا الخوف عبادة، لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.\nنماذج من وقوع الناس في هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:\nأكثر من رأيت أنهم وقعوا في هذا النوع من الشرك: المتصوفة، والجهلة من الناس المتأثرين بالتصوف البغيض. فإننا قد علمنا سلفًا أن المتصوفة رفعوا","vol":"2","page":1087},{"text":"أولياءهم فوق كل مخلوق، وجعلوا قدراتهم وطاقاتهم تفوق طاقة البشر، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فاعتقدوا أن لهم التصرف في الكون والحياة تصرفًا كاملًا شاملًا، كإحياء الموتى وشفاء المرضى وإنزال المطر وهداية الضالين هداية التوفيق، وإضلال المهتدين بالسر والباطن، وحفظ العالم من الدمار، واعتقدوا أنهم يعلمون الغيب على وجه الإطلاق فلا يخفى عليهم شيء، وأنهم معصومون من الخطأ والخطايا، يقولون للشيء كن فيكون، وغير ذلك كثير.\nفلما اعتقدوا ذلك كله في أوليائهم كان من الطبيعي ألا ينحرفوا عن هذا الخط الذي رسموه وساروا عليه، فجعلوا من أوليائهم أشياء مرهبة ومخيفة لترعب الآخرين وتخوف الناس الذين لا يمشون على هواهم، وصدهم عن بيان الحق في وقت الحاجة إليه، مستخدمين أسلوب القصص والحكايات الإرهابية التي ينتج من النظر فيها انبعاث مشاعر الخوف والرهبة في النفوس، مشابهين بذلك من قال الله فيهم: (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ).\nوفيما يلي أشير إلى نماذج من تلك الحكايات الكاذبة:\n١ - ذكر السبكي في طبقاته: أن محمد بن علي القشيري كان في مجلسه، فأساء معه شخص الأدب، فقال له الشيخ: (نعيت لي في هذا المجلس ثلاث مرات، فمات بعد ثلاثة أيام).","vol":"2","page":1088},{"text":"٢ - وهكذا نقل السبكي عن أحد أصحاب أبي العباس الشاطر قال: (خرجت معه (الشاطر) من القاهرة إلى دمنهور، فلما طلعنا من المركب وكان فيها رفيق تاجر له في المركب فراش ونطع، فطلعنا بحوائج الشيخ أبي العباس، فلما انتهيت قال: انزل هات الفراش والنطع، فنزلت، فقال لي صاحبهما: هما لي، فعدت إلى الشيخ، فقال لي: عد إليه وقل له: هاتهما. فعدت، فأعاد الجواب، فأعادني ثالثًا، فأبى. فقال لي رابعًا: عد إليه وقل له: غرق الساعة في البحر لك مركب، وكل مالك فيها لم يسلم إلا عبد ومعه ثمانية عشر دينارًا فكان الأمر كذلك).\nفهذه بعض القصص يروجونها بغية حمل الناس على الخضوع لهؤلاء الأولياء وتمكينهم من التصرف في أموال العامة وممتلكاتهم وإعطائهم كل ما يرغبون من غير مناقشة أو مجادلة أو اعتراض، ومن أبى فليس أمامه إلا الهلاك السريع والدمار الفجيع أو ذهاب الأموال.\n٣ - يقول المناوي: (ليحذر الناظر في تضاعيف الكتاب ويلزم الأدب، فلا ينكر فيحل به العطب).","vol":"2","page":1089},{"text":"٤ - حكى المناوي أيضًا: أن أحدهم سأل علي بن عمر القزويني عن بعض أحكام الزهد والتقشف الصوفي، فأجاب عنه بما لم يقنعه، فأنكر عليه، فرأى تلك الليلة ما أزعجه وقائلًا يقول: هذا بسبب القزويني.\n٥ - ويقول المناوي في ترجمة عبد القادر الجيلاني: (واجتمع له ببغداد مائة من أكابر الفقهاء وأتوه لامتحانه، فظهرت منه بارقة نور مرت على صدورهم، فصاحوا صيحة واحدة ومزقوا ثيابهم وكشفوا رؤوسهم، فصعد الكرسي وأجاب عن جميع ما عندهم).\nهذه بعض القصص الخرافية الصوفية الدالة على ما قلنا بأنهم يخوفون الناس أولياءهم خوف السر، ويوقعون الناس في الشرك بالله جل وعلا، وقد أفاد الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ بعض النماذج الحية من ممارسات القبوريين تحت نير الخوف من غير الله، أذكر منها ما يلي:\nأ- يقول الشيخ بعد أن ذكر الخوف الشركي: (وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله أعطاك ما شئت من الأيمان","vol":"2","page":1090},{"text":"كاذبًا أو صادقًا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم يقدم على اليمين إن كان كاذبًا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف عنده من الله).\nب- وكذلك لو أصاب أحدًا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من المدفونين في التراب.\nج- إن واحدًا من هؤلاء لو أراد أن يظلم أحدًا فاستعاذ بالله منه لم يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحد ولم يتعرض له بالأذى.\nهـ- إن بعض الناس أخذ من التجار أموالًا عظيمة أيام موسم الحج، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال له: (المظلوم)، فما تعرض له أحد بمكروه خوفًا من سر المظلوم.\nتلك هي الصورة الحية لحال القبوريين قديمًا وحديثًا. ولعله سيمر علينا نماذج أخرى عندما ندرس موضوع الرجاء وكذلك الاستغاثة، فإن هذه الموضوعات كلها وثيقة الصلة بعضها ببعض - كما سنرى قريبًا إن شاء الله ـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>المطلب الثالث: الشرك بالله فيما يتعلق بعبادته بالرجاء</span>\nمعنى الرجاء: جاء في اللسان: (الرجاء من الأمل: نقيض اليأس، ممدود. رجاه يرجوه رجوًا ورجاء ورجاوة ومرجاة ورجاة، وهمزته منقلبة عن واو بدليل ظهورها في رجاوة).","vol":"2","page":1091},{"text":"ويأتي بمعنى التوقع والأمل.\nوالمراد بالرجاء: طلب شيء ما من أحد.\nولا يكون شركًا إذا كان المرجو عنده قدرة على إعطاء هذا الشيء.\nوأما الرجاء الذي هو العبادة شرعًا: فهو طلب ما عند الله بلا يأس ولا قنوط، والمطلوب كماله وغايته، فيرجو ما عند الله كمال الرجاء، وهو والحالة هذه لا يصلح إلا لله تعالى، كما قال تعالى: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا). فالرغب: هو رجاء ما عند الله تعالى، إذ كل فضل فهو واهبه، وكل نعمة فهو معطيها، فهو الصمد المقصود في الحوائج، وهو القيوم الذي قام بنفسه، وأقام مخلوقاته بعظيم لطفه وكرمه وإنعامه وإحسانه. وضده اليأس من روح الله والقنوط من رحمته، كما قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ).\nوإذا أذنب العبد شهد رجاءه في توبته عليه، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وإذا شهد تقصيره في حقه ﷾، شهد فضله وكرمه، وأن رحمته وسعت كل شيء، كما صح الحديث عن النبي ﷺ أن الرب جل شأنه قال: «سبقت رحمتي غضبي».\nوقال الرسول ﷺ: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك». ولا يحصل الرجاء إلا بأمور:","vol":"2","page":1092},{"text":"الأول: شهود كرمه وإنعامه وإحسانه على العباد.\nالثاني: صدق الرغبة فيما عند الله من الثواب والنعيم.\nالثالث: التسلح بصالح الأعمال، والمسابقة في الخيرات.\nفلا يكون راجيًا من قصَّر في العمل، ولا من لم تصدق رغبته في الثواب، ولا من شهد كده وتعبه فيما يعمل، ولذا فقد ذم الله قارون على قوله، فيما أخبر عنه تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) واستحق العقوبة على ذلك.\nوالمقصود: أن الرجاء كالخوف يمثل نوعًا معينًا من أنواع العبادة التي تعبد الله بها عباده، كما يشكل أحيانًا جانبًا مهمًا من جوانب تحقيق العبودية الحقة، حيث إنه لابد حتى تتحقق لعبوديته من وجود حافز يدفع الإنسان ويحركه. فلولا الخوف والرجاء أو الرهبة والرغبة والحذر والأمل لتعطلت حركات العباد وتفتر نشاط الإنسان ولأصبح الإنسان كالتائه الذي لا يدري أين يذهب ولا ماذا يريد.\nولذا نجد أن الله قد قرن بين الخوف والرجاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).\nوقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ).\nوقد ورد كذلك عن النبي ﷺ أحاديث تؤكد أن الرجاء والخوف عاملان","vol":"2","page":1093},{"text":"أساسيان وحافزان عظيمان يحركان العبد المؤمن إلى العبادة.\nففي حديث عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبيه: «يا حصين، كم تعبد اليوم إلهًا؟». قال: سبعة، ستًا في الأرض وواحدًا في السماء. قال: «فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟». قال: الذي في السماء ... الحديث. رواه الترمذي وحسنه. وهو حديث حسن.\nفقد تبين من الحديث أن الرجل رغم كثرة معبوداته لابد أن يكون من بينها معبود يتقرب إليه خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه.\nونظرًا لأهمية الرجاء فقد أرشد الله ﷿ عباده الذين يرجون لقاءه إلى أقرب سبيل يمكن سلوكها لتحقيق مرضاته تعالى، فقال: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).\nوقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ). فوجههم إلى إخلاص العبادة لله وموافقة السنة في العمل.\nوكذلك وعد من يرجو لقاءه خيرًا، فقال: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ)، وأوعد من لا يرجو لقاءه فقال: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).","vol":"2","page":1094},{"text":"قال الشاطبي: (فإن الخوف والرجاء يسهلان الصعب، فإن الخائف من الأسد يسهل عليه تعب الفرار، والراجي لنيل مرغوبه يقصر عليه الطويل من المسافة).\nويقول ابن القيم: (الرجاء حاد يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويطيب لها السير ... والفرق بينه وبين التمني أن التمني يكون مع الكسل، ولا يسلك صاحبه طريق الجد والاجتهاد، والرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل).\nمتى يكون الرجاء جائزًا ومتى يكون شركًا؟\nهذه المسألة ربما يشكل على الناس بأن الإنسان ربما يرجو شيئًا عن الآخر فهل هذا شرك؟ وإجابةً على هذا الإشكال أقول:\nلابد من التفريق بين الرجاء المتعلق بالأغراض الظاهرة والرجاء المتعلق بالأغراض الباطنة. فإن الإنسان وهو يمارس حياته العادية لابد أن تعتريه حاجات كثيرة، مثل أن يعتري صحتته بعض العلل، أو يصيب نشاطه المالي بعض الضوائق، إلى غير ذلك، فلو حصل أنه توجه بمثل هذه الحاجات إلى طبيب شرعي خبير بمرضه يرجو شفاءه على يديه، أو إلى أخ رحيم غني يرجو","vol":"2","page":1095},{"text":"منه سداد تلك الثغرات المالية، فإنه يكون قد وضع الشيء في محله ولم يرتكب أمرًا يستنكر في الشرع، بل حكم هذا كحكم الخوف الطبيعي.\nأما الرجاء السري الباطني الذي يتحكم في تصرفات الإنسان فيتصرف على نحو غير مفهوم لا في الشرع ولا في العقل فهو رجاء العبادة. فلو اعتراه حاجة من الحاجات الدنيوية كالحاجة إلى الصحة أو المال أو الولد أو النجاة من عدو أو خطر داهم، أو الحاجات الأخروية كالتثبيت عند المسألة أو الشفاعة في الخروج من المأزق أو في دخول الجنة والنجاة من النار، فلو توجه بشيء من ذلك إلى مخلوق يطلبه منه - وإن كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو رجلًا صالحًا حيًا أو ميتًا - فإنه يكون قد اتخذه بذلك إلهًا، وجعله لله ندًا بصرفه هذه العبادة له.\nفعلى المسلم الناصح لنفسه أن يقوي رجاءه في الله، ويعتقد أن كل ما يرجوه الإنسان في حياته الدنيا والأخرى إنما هو بيد الله ولا يمكن أن يتحقق إلا بإذنه تعالى وقضائه وقدره. والولي أو الرجل الصالح مهما علا مقامه عند الناس فهو عبد ذليل لله، لم يصل إلى مقامه في الولاية - إن صحت ولايته لله - إلا بتحقيقه للعبودية الصادقة لله وبعده عن الإشراك به، وهو في حاجة دائمة مستمرة إلى الله مولاه، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ). فكل مخلوق محتاج إلى الله في كل شيء، والله لا يحتاج إلى أحد في شيء. والمخلوق لا يملك للمخلوق شيئًا من النفع والضر إلا بإذن الله.\nنماذج من الشرك بالرجاء:\nلقد وجد هذا النوع من الشرك لدى المتصوفة؛ وذلك أنهم خرقوا كل هذه الأسس العقدية فتوجهوا بالرجاء الباطن إلى الأموات المقبورين والأحياء","vol":"2","page":1096},{"text":"الغائبين، وحثوا أتباعهم على التوجه إليهم بالحاجات، حتى إن بعضهم يصرح لبعض أتباعه بأنه قريب ممن آمن به، فكأنه يريد أن يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ).\nقال الدسوقي مخاطبًا تلميذه: (يا ولدي، إن صح عهدك معي فأنا منك قريب غير بعيد، وأنا في ذهنك، وأنا في سمعك، وأنا في طرفك، وأنا في جميع حواسك الظاهرة والباطنة، وإن لم يصح عهدك لا تشهد مني إلا البعد).\nولا يخفى أن نتيجة الاعتقاد بأن الشيخ معك أينما كنت هي ألا تقصد غيره بالحاجات والرغبات، وهو المقصود بصحة العهد.\nوينقل آخر عن كرامات الدباغ: أن بعض الناس كان أسلفني دراهم وترك دراهم أخر أمانة عندي، ثم قام ليأخذ سلفه وأمانته، ولم يكن عندي شيء مما أسلفني ولا تيسر لي ما أبيعه في قضائه، وكنت أظنه بطيء الاحتجاج له، فأخرجت له الأمانة، وجعلت أذكر الشيخ بقلبي لكي لا يذكر لي السلف، فسكت ولم يذكر لي ذلك إلى الآن، وذلك نحو الستة أشهر، مع أنه قدم ليأخذ الأمرين لا محالة).\nيقول الشعراني عن أحد شيوخه: (ولقد قصدته في حاجة وأنا فوق سطوح مدرسة أم خونذ بمصر، فرأيته خرج من قبره يمشي من دمياط وأنا أنظره إلى أن","vol":"2","page":1097},{"text":"صار بيني وبينه نحو خمسة أذرع، فقال: عليك بالصبر، ثم اختفى ...).\nومن العجيب أيضًا دعوى الشعراني أنه من الذين يقضون الحاجات بالقلب، حيث يقول: (سألت شيخنا: هل أقضي حوائج الناس بقلبي وأرسلهم في الظاهر إلى بعض الإخوان ليسألوهم في قضائها سترة أو تكبيرًا له وربنا سبحانه يميز كل عمل لصاحبه؟ فقال: لا تفعل، لأنك تؤذيه من حيث لا يشعر فيظن أنه الذي قضى الحاجة فندخله في القوم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا).\nومن الأباطيل المضحة في هذا الباب ما قرره الدباغ بقوله:\n(فقد يكون الرجل مشهورًا بالولاية عند الناس وتقضي للمتوسل به إلى الله الحوائج، ولا نصيب له في الولاية، وإنما قضيت حاجة المتوسل به على يد أهل التصرف (يقصد أهل الديوان الصوفي)، وهم ... الذين أقاموا ذلك الرجل في صورة الولي ليجتمع عليه أهل الظلام مثله).\nأقول: ما فائدة هذه التمثيلية التي يقوم بها أهل التصرف؟\nألأجل أن يضل الناس ويزداد أهل الظلام ظلامًا؟ ونحن نعلم يقينًا أن أولياء الله لا هم لهم سوى إرشاد الناس إلى الحق وإلى سواء السبيل. ألا ما أكثر الفواقر والمخازي التي تصدر عن أعضاء هذه الحكومة الخفية في أذهان الصوفية.\nبهذه الجهالات وتلك الضلالات زرع كبار المتصوفة في قلوب أتباعهم الرهبة منهم والرغبة إليهم وإفرادهم بذلك، فتم لهم ما أرادوا من رفعهم فوق كل مقام وتقديسهم تقديسًا لا يليق بمخلوق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"2","page":1098},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المطلب الرابع: الشرك بالله في عبادته بالتوكل</span>\nمعنى التوكل:\nالتوكل في اللغة: معناه الاعتماد والتفويض، وهو من عمل القلب، يقال: توكل في الأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان: أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه. ومن أسماء الله الوكيل، بمعنى الحافظ، أي توكل القيام بجميع ما خلق، وقال بعضهم: الوكيل: الكفيل.\nوالتوكل على الله أمر من أعظم أنواع العبادة التي يجب إخلاصها لله، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).\nأقسام التوكل:\nالتوكل على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: التوكل الشركي (الاعتقادي):\nوهو الاعتماد بالقلب على غير الله في جلب المنافع ودفع المضار، كالتوكل على الصنم والوثن، أو الإنس والجن وغيرها. وهو على نوعين:\nأحدهما: الاعتماد بالقلب على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو شرك أكبر.\nثانيهما: الاعتقاد بالقلب على الأحياء الحاضرين القادرين فيما يقدرون عليه مما أقدرهم الله من جلب نفع أو دفع ضر، فهو شرك أصغر، وقد يطلق عليه التوكل على الأسباب الظاهرة.","vol":"2","page":1099},{"text":"القسم الثاني: التوكل في تصريف بعض أمور الدنيا:\nكأن يوكل إنسانًا عنه قضاء بعض مصالحه الدينية والدنيوية: كالوكالة في الحج، أو البيع والشراء، فهذا جائز.\nالقسم الثالث: التوكل التوحيدي:\nوهو التوكل الواجب، وهو الذي يكون باعتماد القلب على الله، وتفويض الأمور لله جل شأنه، وضده التوكل الشركي.\nفعلمنا بذلك أن التوكل على الله في دفع المضار وتحصيل الأرزاق وما لا يقدر عليه إلا هو من أعظم أنواع العبادة، والتوكل على غيره في ذلك شرك أكبر، قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فأمر سبحانه بالتوكل عليه وحده، لأن تقديم المعمول يفيد الحصر، وجعل التوكل عليه شرطًا في الإيمان، كما جعله شرطًا في الإسلام في قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ)، فدل على انتفاء الإيمان والإسلام عمن لم يتوكل على الله أو توكل على غيره فيما لا يقدر عليه إلا هو من أصحاب القبور والأضرحة وسائر الأوثان.\nفالتوكل على الله فريضة يجب إخلاصها لله، وهو أجمع أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمها وأجلها، لما ينشأ عنه من الأعمال الصالحة؛ فإنه إذا اعتمد على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون كل ما سواه صح إخلاصه ومعاملته مع الله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وما رجا أحد مخلوقًا ولا توكل عليه إلا خاب ظنه فيه ... .","vol":"2","page":1100},{"text":"والتوكل على الله من أعظم منازل (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فلا يحصل كمال التوحيد بأنواعه الثلاثة إلا بكمال التوكل على الله سبحانه، قال الله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)، والآيات في الأمر به كثيرة جدًا، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ).\nقال الإمام ابن القيم ﵀ تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي إيمان العبد توكله أقوى، وإ ذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا كان دليلًا على ضعف الإيمان ولابد، والله تعالى في مواضع من كتابه يجمع بين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية، فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان، والإحسان أصل لجميع أعلام الإسلام، وأن منزلته منها كمنزلة الرأس من الجسد، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.\nوقد جعل الله التوكل عليه من أبرز صفات المؤمنين فقال ﷾: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، أي يعتمدون عليه بقلوبهم فلا يرجون","vol":"2","page":1101},{"text":"سواه، وفي الآية وصف المؤمنين حقًا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان: وهي الخوف، وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده.\nوالتوكل على الله سبحانه لا ينافي السعي في الأسباب والأخذ بها، فإنه سبحانه قدر مقدورات مربوطة بأسباب، وقد أمر الله ﵎ بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل، فالأخذ بالأسباب طاعة لله، لأن الله أمر بذلك، وهو من عمل الجوارح، والتوكل من عمل القلب، وهو إيمان بالله، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)، وقال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ)، وقال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). قال بعض العلماء: من طعن في الحركة - يعني في السعي والكسب والأخذ بالأسباب - فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.\nقال الإمام ابن رجب ﵀: والأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:\nأحدها: الطاعات التي أمر الله بها عباده وجعلها سببًا للنجاة من النار ودخول الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه والاستعانة به عليه، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فمن قصر في شيء من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة قدرًا وشرعًا ... يقال: اعمل عمل رجل لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل لا يصيبه إلا ما كتب له.","vol":"2","page":1102},{"text":"والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه؛ كالأكل عند الجوع، والشرب عند العطش، والاستظلال في الحر، والتدفؤ من البرد ونحو ذلك، فهذا أيضًا واجب على العبد تعاطي أسبابه، ومن قصر فيه حتى تضرر بتركه مع القدرة على استعماله فهو مفرط يستحق العقوبة، لكن الله ﷾ يقوي بعض عباده من ذلك على ما لا يقوى عليه غيره، فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختص بها عن غيره فلا حرج عليه، ولهذا كان النبي ﷺ يواصل في صيامه وينهي عن ذلك أصحابه ويقول لهم: «إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى». وقد كان كثير من السلف لهم من القوة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، فمن كان له قوة فعمل بمقتضى قوته ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله فلا حرج عليه، ومن كلف نفسه حتى أضعفها عن بعض الواجبات فإنه ينكر عليه ذلك.\nوالقسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب ... إلى أن قال: وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن متوكلون، فيحجون فيأتون مكة ويسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وقد سئل أحمد ﵀ عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلت على الله؟ فقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، وقد","vol":"2","page":1103},{"text":"كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي ﷺ يؤجر نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله، وقال الله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ).\nوخرّج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». وهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب المباحة، بل قد يكون جمعها أفضل، وقد لقى عمر بن الخطاب جماعة من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض ويتوكل على الله.\nأكثر من وقع في التوكل الشركي:\nلقد وقف المتصوفة في مباحث التوكل على جانبين متضادين؛ فترى بعضهم أخذوا بمعنى التوكل بدون أخذ الأسباب وهذا في غاية الجهل والسفه كما ذكر. وسأذكر فيما يلي مثالًا واحدًا من مئات الأمثلة على توكلهم على غير الله.\nيقول الدباغ تلميذه في وصيته: إذا عرضت له حاجة أن يذكرها له فقط فيقضيها الشيخ له في الباطن، حيث يقول له: (إذا أردت قضاء حاجة لك أو لغيرك فاذكرها لي ولا تزد؛ أي لا تحرص في قضائها ولا تهتم بها؛ فإن ذلك سبب عدم قضائها. فكان الأمر كذلك، فكنا إذا عرضت حاجة وذكرناها له","vol":"2","page":1104},{"text":"وسكتنا جاء فيها الفرج سريعًا، وإذا وقع لنا بها اهتمام وعناية انغلق بابها).\nوهذه دعوة صارخة إلى ترك الأخذ بالأسباب المشروعة بدعوى التوكل، وهو ممنوع للمتوكل على الله، فكيف بمن اعتمد على الشيخ ولم يأخذ بالأسباب؟ ونظرًا لهذه التربية الشركية التي تلقاها هذه الرجل من شيخه فقد وصل به الحال إلى الحضيض فصار يذكر شيخه عند خوفه ورجائه بدل ذكر ربه.\nوترى البعض الآخر يأخذ بالتوكل الشركي، حيث يتوكل على غير الله، وهذا واضح، وما زال هناك أناس جهلة متأثرة بالمتصوفة في العالم الإسلامي، يتوكلون على ما يسمونهم الأولياء والمشايخ عندما يخرجون لضرورة أو مهمة، أو كانوا بحرًا، فينادون مثلًا: يا شيخ بدر متوكلًا عليك، خصوصًا الذي هم ملاحون في البحر.\nوهناك فئة أخرى من الناس يلتفتون إلى الأسباب، والذي يؤدي بهم إلى الشرك الأصغر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الخامس: الشرك بالله في عبادته بالطاعة</span>\nمعنى الطاعة:\nالطاعة لغة: اسم من أطاعه طاعة، يقال: طاع له وأطاع سواء، فمن قال طاع يقال: يطاع، ومن قال أطاع قال: يطيع. ومنه الطوع: وهو ضد الكره. وطاع يطاع: معناه: انقاد ولان، وأطاعه إطاعة وانطاع له: كذلك، وقد طاع له يطوع: إذا انقاد له، بغير ألف، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، فإذا وافقه فقد","vol":"2","page":1105},{"text":"طاوعه.\nفعلمنا من هذا أن الطوع: ضد الكرة، والطاعة أبلغ منه بحيث يضاف إليه معنى الليونة والانقياد. حيث قالوا في الطاعة بأن معناها: لان وانقاد. وأطاع أبلغ منه فإن معناه امتثال الأوامر، وطاوع أبلغ منه لأن معناه: الموافقة زيادة على ذلك.\nإذ إن الطاعة تتضمن معنى الذل والخضوع اللذين هما أصل معنى العبادة.\nأما الطاعة في الشرع:\nفمعناها العبادة. قال تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). وجه الدلالة: سمى الطاعة شركًا والمطيع مشركًا، والشرك يستعمل مقابل العبادة غالبًا. ولهذا قيل في تعريف العبادة: بأنها الطاعة.\nفالطاعة إذن عبادة. ولكنه أخص من العبادة المطلقة، كما تفهم من الآية السابقة، حيث إنه تعالى سمى المطيعين للشيطان في تحليل الحرام وتحريم الحلال عبادة، فليس كل طاعة عبادة، وإنما هي طاعة مخصوصة.\nوعلى هذا: الشرك في الطاعة: هو أن يطيع أحدًا أو يتبع شيئًا ما - وإن كان حقيرًا - في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله.","vol":"2","page":1106},{"text":"وقيل: (هو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم). وهذا التعريف منتقض، إذ ليس من شرط الشرك في الطاعة أن يعتقد المساواة، بل مجرد اتباع شيء ما في التحليل والتحريم يعتبر شركًا في الطاعة. فإنه لا شك في أن المشركين الذين أطاعوا الشيطان ما سووه في التحليل والتحريم مع الله، وإنما اتبعوه في التحليل والتحريم.\nألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر:\nهناك ألوان من الشرك في الطاعة في العصر الحاضر، يمكن بيانها في الفروع التالية:\nالفرع الأول: في بيان الشرك في الطاعة في قبول الحكم بغير ما أنزل الله:\nالذين أطاعوا المبدلين المغيرين لشرع الله مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فإنه يكون شركًا بالله في الطاعة، ويدل عليه نصوص من القرآن والسنة وأقوال سلف هذه الأمة وخلفهم الذين اتبعوهم بإحسان.\nفمن القرآن: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).\nوقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).\nوقوله تعالى: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن","vol":"2","page":1107},{"text":"يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ).\nوقوله تعالى: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ).\nوجه الدلالة من هذه الآيات: أن الله ﷿ سمى المتبع لغير شرع الله كافرًا، والعمل كفرًا، والمقصود من الكفر هنا الشرك، بدليل استخدامه في مقابل الاتباع لغير شرع الله، وقد أثبتنا أن اتباع شرع غير شرع الله شرك بالله في الطاعة والاتباع، ولا تناقض بتسميته كفرًا؛ لأن الشرك من خصال الكفر، فهنا استعمل العام بمعنى الخاص (إذا كان المتبعون يتبعون في التحليل والتحريم). كما يدل على ما قلنا الآيات التالية:\nقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nوقوله تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).\nقال الحافظ ابن كثير ﵀: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).","vol":"2","page":1108},{"text":"وأما من السنة:\nفما رواه البيهقي في سننه الكبرى بسنده عن عدي بن حاتم ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، قال: فسمعته يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). قال: قلت: يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: «أجل، ولكن يحلون ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم».\nوروى البيهقي أيضًا عن أبي البختري قال: سئل حذيفة بن اليمان ﵁ عن هذه الآية (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). أكانوا يصلون لهم؟ قال: «لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله عليهم فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لم فيحرمونه، فصاروا بذلك أربابًا».\nأقوال سلف هذه الأمة وخلفها في المسألة:\nلقد ذكر المفسرون والمحدثون والعلماء المحققون حكم من اتبع وأطاع غير شرع الله في التحليل والتحريم - سأذكر نماذج من هذه الأقوال فيما يلي:","vol":"2","page":1109},{"text":"قول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ر حمه الله ـ: (هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله - يكونون على وجهين:\nأحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله، مشركًا مثل هؤلاء.\nالثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب ...\nثم ذلك المحرم للحلال والمحلل للحرام إن كان مجتهدًا قصده اتباع الرسول لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى الله ما استطاع؛ فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم هذا خطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبعه على خطئه، وعدل عن قول الرسول، فهذا له نصيبه من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه بأنه مخالف للرسول؛ فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه).\nفهذا الكلام من شيخ الإسلام فيه نور، لقد فصل فيه شيخ الإسلام الحكم","vol":"2","page":1110},{"text":"في المسألة، حيث ذكر أن طاعة المحلين للحرام والمحرمين للحلال يكون شركًا أكبر إذا كان هو عالمًا بأن هؤلاء قد غيروا شرع الله ثم اتبعه. وأما من كان اعتقاده وإيمانه بالتحريم والتحليل ثابتًا، ولكن مع هذا تبعهم في ذلك فهذا حكمه حكم المعاصي، وأما إذا كان اتباعه لهؤلاء المشرعين والمحلين والمحرمين لمجرد الهوى فإنه حينئذ يكون مرتكبًا الشرك الأصغر، ولهذا قال بعد هذا: (... وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أنه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا، لم يكن عمله صالحًا. وإن كان متبوعه مخطئًا، كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه؛ فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار. وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال حبًا منعه من عبادة الله وطاعته، صار عبدًا له. وكذلك هؤلاء؛ فيكون فيه شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك).\nوقال ﵀ ملزمًا كل من علم حكم الله، التمسك به وإن أوذي في ذلك ـ: (ولو ضرب وحبس وأوذي بأنواع الأذى ليدع ما علمه من شرع الله ورسوله الذي يجب اتباعه واتبع حكم غيره كان مستحقًا لعذاب الله، بل عليه أن يصبر، وإن أوذي في الله فهذه سنة الله، في الأنبياء وأتباعهم).\nوقال في موضع آخر: (ومتى ترك العالم ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله، واتبع حكم الحاكم المخالف لحكم الله ورسوله؛ كان مرتدًا كافرًا، يستحق العقوبة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (المص (١) كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا","vol":"2","page":1111},{"text":"يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ).\nويقول الشيخ أحمد شاكر ﵀: (وهذا مثل ما ابتلي به الدين درسوا القوانين الأوروبية من رجال الأمم الإسلامية ونسائها أيضًا، الذين أشربوا في قلوبهم حبها، والشغف بها، والذب عنها، وحكموا بها، وأذاعوها، بما ربوا من تربية أساسها صنع المبشرين الهدامين أعداء الإسلام. ومنهم من يصرح ومنهم من يتوارى، ويكادون يكونون سواء، فإنا لله وإنا إليه راجعون).\nقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀:\nبيّن ﵀ أنواع التوحيد، وبين أن الشرك مضاد للتوحيد، ثم قسم الشرك إلى ثلاثة أقسام: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.\nوبيّن ﵀ أن الشرك الأكبر لا يغفر لصاحبه في يوم القيامة، ثم قسمه إلى أربعة أنواع: وجعل أحد هذه الأنواع الأربعة: شرك الطاعة، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nثم قال: (وتفسيرها الذي لا إشكال فيه طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم لما سأله","vol":"2","page":1112},{"text":"فقال: لسنا نعبدهم، فذكر له أن عبادتهم طاعتهم في المعصية.\nويقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: بعد أن أورد عدة آيات من القرآن الكريم، قال: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور، أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان في ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم، إلا من طمس الله على بصيرته).\nوقال: (ويفهم من هذه الآيات كقوله: (وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) أن متبعي غير ما شرعه الله تعالى أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). فصرح أنهم مشركون بطاعته، وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التشريع المخالف لما شرع الله - تعالى - هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقوله عن إبراهيم: (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا). وقوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا","vol":"2","page":1113},{"text":"وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا). أي ما يعبدون إلا الشيطان، أي وذلك باتباع شريعته، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ).\nويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - عند بيانه معنى قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ): (وسمى المتبعين عبادًا حيث إنهم ذلوا لهم، وأطاعوهم في مخالفة حكم الله ﷾).\nويقول الشيخ صالح الفوزان - حفظه الله ـ: (اعلم - وفقني الله وإياكم - أن من الشرك طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله ... وقد فسر النبي ﷺ فيه اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله بأنه ليس معناه الركوع والسجود لهم، وإنما معناه: طاعتهم في تغيير أحكام الله وتبديل شريعته بتحليلهم الحرام وتحريمهم الحلال، وأن ذلك يعتبر عبادة لهم من دون الله، حيث نصبوا أنفسهم شركاء لله في التشريع، فمن أطاعهم في ذلك فقد اتخذهم في تحكيم القوانين الوضعية المخالفة للأحكام الشرعية في تحليل الحرام؛ كإباحة الربا والزنا وشرب الخمر، ومساواة المرأة للرجل في الميراث، وإباحة السفوروالاختلاط، أو تحريم الحلال؛ كمنع تعدد الزوجات، وما أشبه ذلك من تغيير أحكام الله واستبدالها بالقوانين الشيطانية، فمن وافقهم","vol":"2","page":1114},{"text":"على ذلك ورضي به واستحسنه فهو مشرك كافر - والعياذ بالله ـ).\nفهذه أقوال العلماء على أن طاعة المشرعين في التحليل والتحريم شرك بالله على التفصيل الذي سبق معنا.\nالفرع الثاني: في بيان شرك الطاعة في قبول التشريع والتحليل والتحريم عن العلماء - الأئمة ـ:\nلا شك أن من أطاع عالمًا من العلماء في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله مع علمه به فإنه أشرك بالله في الطاعة. وقد سبق معنا بعض الأدلة الدالة عليه؛ فإن آية التوبة إنما نزلت في شأن العلماء منصوصًا، وإن كان يشمل الأمراء ظاهرًا. ومن الأدلة عليه:\nقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول ثم اتبع في ذلك هواه، ونصره باللسان واليد، مع علمه أنه مخالف للرسول فهذا شرك يستحق العقوبة عليه. ولهذا اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز له تقليد أحد في خلافه).\nوقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ تعليقًا على قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ): (وهذا قد وقع فيه كثير من الناس مع من قلدوهم لعدم اعتبارهم الدليل إذا خالف المقلد، وهو من هذا الشرك - أي","vol":"2","page":1115},{"text":"الأكبر ـ، ومنهم من يغلو في ذلك ويعتقد أن الأخذ بالدليل والحالة هذه يكره أو يحرم، فعظمت الفتنة، ويقول: هم أعلم منا بالأدلة ...).\nويقول الشيخ صالح الفوزان: (ومن ذلك - الشرك في الطاعة - تقليد الفقهاء باتباع أقوالهم المخالفة للأدلة إذا كانت توافق أهواء بعض الناس وما يشتهونه، كما يفعل بعض أنصاف المتعلمين من تلمس الرخص، والواجب أن يؤخذ من قول الفقهاء ما وافق الدليل ويطرح ما خالفه ...).\nالفرع الثالث: في بيان شرك الطاعة في اتخاذ تشريعات المتصوفة دينًا ملزمًا:\nمن ألوان شرك الطاعة لدى المتصوفة وأتباعهم من الجهلة: (طاعة علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياء الموالد والطرق الصوفية، والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله، حتى إن هؤلاء العلماء الضالين شرعوا ما لم يأذن به الله، وقلدهم فيه الجهال السذج واعتبروه هو الدين، ومن أنكره ودعا إلى اتباع ما جاء به الرسول ﷺ اعتبروه خارجًا من الدين، أو أنه يبغض العلماء والصالحين، فعاد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، حتى شب على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وهذا من غربة الدين وقلة الدعاء الصالحين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.\nوإذا كان لا يجوز اتباع أئمة الفقه المجتهدين فيما أخطأوا فيه من الاجتهاد مع أنهم معذورون ومأجورون فيما أخطأوا فيه من غير قصد - إلا أنه يحرم اتباعهم على الخطأ - فكيف لا يحرم تقليد هؤلاء المضللين والدجالين الذين أخطأوا","vol":"2","page":1116},{"text":"فيما لا يجوز الاجتهاد فيه وهو أمر العقيدة). وقد سبق معنا بيان بعض التشريعات عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في صفة الحكم والتشريع لله جل شأنه.\nيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (المسألة الخامسة: تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين).\nعلى كل: إن هذا اللون من الشرك يعم وجه الأرض اليوم؛ فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك، ومن أبرزها: شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأنداد والأرباب المختلفة من دون الله يطيعونهم في أعمالهم. وأما الأرض الإسلامية فقد وقع أهلها في هذا النوع من الشرك، كل من رضي بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب، أو من المتصوفة أو من العلماء الكبار، وكل من رفع راية التحزب وليست تحت راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله. فهؤلاء يطيعونهم في التحليل والتحريم، وإن كانت الأرباب التي أخذوها إنما هي أفكار، وليست بمحسوسة.\nفالذي ينادي بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك وسيلة وذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربًا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها، لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزلا لله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه","vol":"2","page":1117},{"text":"بالتلقي والطاعة إلى الله.\nوالذي ينادي بوجوب الإفطار في نهار رمضان للعمال، معللًا أن الصيام يضر بالإنتاج المادي، يتخذ الإنتاج المادي في الحقيقة ربًا يعبده من دون الله، لأنه يطيعه مخالفًا أمر الله.\nوالذي ينادي بخروج المرأة سافرة متبرجة مخالطة للرجال باسم التقدم والرقي وباسم التحرر، يتخذ التقدم والرقي والتحرر في الحقيقة أربابًا معبودة من دون الله، لأنه يحل باسمها ما حرم الله، ويطيعها من دون الله.\nوالذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل الأحكام الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكي نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أربابًا من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم.\nوالذي اتبع هواه في التحليل والتحريم فيأخذ ما يحلو له من الدين ويترك ما يخالف هواه فهو أخذ هواه ربًا يعبده بطاعته. وما أكثر هذا الشرك بالهوى في العصر الحاضر.\nوالذي اتبع عقله في دين الله من غير مبالاة بالكتاب والسنة، وغير محرم لما حرم الله، وغير محلل لما حلل الله بحجة مخالفة العقل، فهو يأخذ العقل ربًا يطيعه في التحليل والتحريم.\nوهكذا نرى صورًا متعددة من صور شرك الطاعة والاتباع تعم حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك.\nفهؤلاء المتبعون والمطيعون لغير الله في الشرع والتحليل والتحريم حكمهم على التفصيل الذي سبق معنا من كلام شيخ الإسلام ﵀.","vol":"2","page":1118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المطلب السادس: الشرك بالنية والإرادة والقصد</span>\nالنية في اللغة: القصد والعزم والإرادة.\nوفي الشرع: تستعمل على معنيين:\nالأول: تمييز العبادات بعضها عن بعض؛ كتمييز صلاة الظهر عن صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام رمضان عن صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات؛ كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم. وهذا غير مقصود عندنا هاهنا.\nالثاني: تمييز المقصود بالعمل وهل هو لله وحده لا شريك له أم لله ولغيره؟، وهذه النية هي المقصودة عندنا هاهنا. وهي التي حث الشرع في العبادة أن تكون لله جل شأنه.\nأما الشرك في النية والإرادة والقصد: فالمقصود به: أن ينوي ويقصد العبد بعمله جملة وتفصيلًا غير الله. وهو الشرك في الاعتقاد. ودليل ذلك قوله سبحانه: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nفبين سبحانه أن من كان غرضه الدنيا لا غير لا يريد إلا إياها ولا يحب إلا","vol":"2","page":1119},{"text":"من أجلها، فليس له من الدنيا إلا ما قدر له، وهو في الآخرة من أهل النار، وما كان من الأعمال الحسنة التي أراد بها تحصيل الدنيا باطلة لا قيمة لها؛ لأنه كما قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»، فلما كانت أعماله كلها للدنيا لم تنفعه في الآخرة، إذ كل عمل لا يكون لله لا خير فيه ألبتة، ولذا فإن المؤمن دومًا يلحظ في أعماله ابتغاء رضا ربه وثوابه وجنته والنجاة من النار. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).\nفهذا الشرك في مقابل الإخلاص، فمن لا يكون مخلصًا يكون مشركًا، وهذا الشرك يكون من وجهين:\n١ - أن يراد بعمله غير وجه الله.\nوذلك بأن يعمل العمل لا يريد به وجه الله، بل يريد به غيره من صنم أو وثن أو قبر أو ميت أو قائد أو راية ونحو ذلك. وهو أعظم أنواع الشرك.\n٢ - نوى شيئًا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه.\nيقول الإمام ابن القيم: (وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقلّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئًا غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله في أفعاله وأقواله، وإرادته ونيته، وهذه هي الحنفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم، ولا يقبل من أحد غيرها، وهي حقيقة الإسلام، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ","vol":"2","page":1120},{"text":"الْخَاسِرِينَ). وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء).\nقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)؛ أي كما أنه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة، وكان عمر ﵁ من دعائه: (اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا).\nلكن الشرك في النية والإرادة له درجات: قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون دون ذلك. ويكاد يكون محصورًا في شيئين:\nالأول: الرياء. فالرياء كله شرك، فإن كان يسيرًا فهو شرك أصغر، كما سبق معنا في التمهيد. وإن كان كثيرًا فهو من الشرك الأكبر. قال تعالى في بيان خصال الكفار والمشركين والمنافقين: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلا قَلِيلًا)، وقال: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ).\nوفي السنة: قول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه جل وعلا: «أنا أغنى الشركاء","vol":"2","page":1121},{"text":"عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه».\nقال ابن رجب ﵀ موضحًا ذلك: (اعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا، بحيث لا يراد سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي؛ كحال المنافقين في صلاتهم ... وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت والعقوبة ...).\nالثاني: إرادة الإنسان بعمله الدنيا (هذا أعم من الرياء): قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). قال قتادة: (من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء).\nويدل عليه حديث الثلاثة الذين تسعر بهم النار قبل كل واحد يوم القيامة.\nوجود هذا النوع من الشرك في العصر الحديث:\nهذا النوع من الشرك - كما قال ابن القيم - (بحر لا ساحل له)، وله وجود بصفة عامة في جميع الديار، وقلّ من ينجو منه، فكم من الناس تراه يعمل أعمالًا صالحة من صلاة وصوم وصدقة وإحسان إلى الناس وترك ظلمهم ونحو ذلك لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، وإنما يريد أشياء دنيوية بحتة.","vol":"2","page":1122},{"text":"وكم من الناس يعمل أعمالًا كثيرة ولا يريدون إلا حطام الدنيا، كالمال يأخذه، أو امرأة يتزوجها.\nوكم من الناس يقوم بالتدريس أو يقوم بالإمامة وليس من نيته إلا الحفاظ على الوظيفة.\nوكم من الناس يقوم بتهمة القتال، وليس من نيته إلا الدفاع عن اللغة أو الدولة أو الجنس مثلًا.\nولكن لا يعرف هذه الأمور لكونها مخفية في قرارة نفسه، فليحذر الإنسان ربه وليخلص نيته.\n* * *","vol":"2","page":1123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثاني: في بيان مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأعمال القلبية مع الجوارح (شرك التقرب والنسك)</span>\nوهذا النوع من الشرك أفراده كثيرة، لأن ما من عبادة ظاهرة إلا وله مدخل فيها، ولعل الضابط فيه: (التعظيم لغير الله بأعمال العبادات الظاهرة على وجه الذل والخضوع والحب لغير الله). فكل من الركوع والسجود والقيام والطواف والذبح والنحر والنذر والتوبة وحلق الرأس تذللًا وخضوعًا وتعبدًا وغيرها من العبادات الظاهرة، صرفها لغير الله يكون من الشرك الأكبر في العبادة.\nوسأذكر فيما يلي بعض هذه الأفراد التي يكثر وقوعها في العصر الحديث في المطالب الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المطلب الأول: في بيان شرك التقرب والنسك بالركوع والسجود والقيام وغيرها لغير الله</span>\nالركوع والسجود والقيام والطواف وغيرها من العبادات الظاهرة لله، ففي السجود والركوع أبلغ معاني الخضوع والتذلل والانقياد، مما لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد أخبر الله تعالى بانقياد هذا الكون كله لله وحده لا شريك له، وسجوده له تعالى، فقال سبحانه: (وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ","vol":"2","page":1124},{"text":"وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ). وأمر الله سبحانه بالسجود والركوع له وحده في مواضع كثيرة من كتابه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وبالجملة: فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره نصيب ... فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له).\nوقد منع الشرع توجيهها لغير الله، يقول تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛ أي: لا تشركوا به، فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به.\nقال بعض أهل العلم في تفسير هذه الآية: (إن من أراد أن يكون عبدًا لله خالصًا، فلا يسجد إلا له سبحانه، ولا يسجد للشمس والقمر، نبه بهما على غيرهما من المخلوق العادي، فالسفلي من الأحجار والأشجار والضرائح نحوها بالأولى. وقد دلت هذه الآية على أن ديننا هو أن السجود حق للخالق، فلا يسجد لمخلوق أصلًا كائنًا من كان، فإن المخلوقية يتساوى فيها الشمس والقمر، والولي والنبي، والحجر والمدر والشجر، ونحوها).","vol":"2","page":1125},{"text":"وأيضًا: فإن الله تعالى قال - بعد الآية السابقة ـ: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ).\nفمن سجد لله وحده، فقد خضع وانقاد لله وحده، وحقق كمال الذل والمحبة لله تعالى وحده. وضده من استكبر عن إفراد الله بالعبادة - ومنها السجود والركوع ـ، وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستكبرين بالعذاب المهين. فقال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).\nويقول القرطبي: (وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال الصوفية عادة في سماعهم، وعند دخولهم على مشايخهم، واستغفارهم، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال - بزعمه - يسجد للأقدام لجهله، سواء كان للقبلة أو غيرها جهالة منه، ضل سعيهم وخاب أملهم).\nويقول ابن القيم في بيان هذا الشرك: (ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجو له، والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجود، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احترامًا وتواضعًا، فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له، وكذلك السجود للصنم، وللشمس، وللنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه.\nومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة، وهذا سجود في اللغة، به فسر قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي: منحنين، وإلا","vol":"2","page":1126},{"text":"فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار إذا أمالتها الريح).\nويقول أيضًا: جاء شيوخ الضلال والمزاحمون للربوبية فزينوا لمريديهم حلق رؤوسهم لهم، كما زينوا لهم السجود لهم وسموه بغير اسمه، وقالوا: هو وضع الرأس بين أيدي الشيخ، ولعمر الله إن السجود لله تعالى هو وضع الرأس بين يديه سبحانه، وزينوا لهم أن ينذروا لهم، ويتوبوا لهم، ويحلفوا بأسمائهم، وهذا هو اتخاذهم أربابًا وآلهة من دون الله، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\nوأشرف العبودية عبودية الصلاة، وقد تقاسمها الشيوخ والمتشبهون بالعلماء والجبابرة، فأخذ الشيوخ منها أشرف ما فيها، وهو السجود، وأخذ المتشبهون بالعلماء منها الركوع، فإذا لقي بعضهم بعضًا ركع له كما يركع المصلي لربه سواء، وأخذ الجبابرة منهم القيام، فيقوم الأحرار والعبيد على رؤوسهم عبودية لهم، وهم جلوس، وقد نهى رسول الله ﷺ عن هذه الأمور الثلاثة على التفصيل، فتعاطيها مخالفة صريحة له؛ فنهى عن السجود لغير الله وقال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد». وتحريم هذا معلوم من دينه","vol":"2","page":1127},{"text":"بالضرورة، وتجويز من جوزه لغير الله مراغمة لله ورسوله، وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوزا لعبودية لغير الله، وأيضًا فالانحناء عند التحية سجود، ومنه قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول على الجباه.\nوالمقصود: أن النفوس الجاهلية الضالة أسقطت عبودية الله سبحانه، وأشركت فيها من تعظمه من الخلق، فسجدت لغير الله، وركعت له، وقامت بين يديه قيام الصلاة، وحلفت لغيره، ونذرت لغيره، وحلقت، وذبحت لغيره، وطافت لغير بيته ...، وسوت من تعبده من المخلوقين برب العالمين، وهؤلاء هم المضادون لدعوة الرسل، وهم الذين بربهم يعدلون، قال تعالى: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nوإذا تقرر كون السجود لغير الله تعالى شركًا بالله تعالى، فينبغي أن نفرق بين سجود العبادة، وسجود التحية، فأما سجود العبادة فقد سبق الحديث عنه، وأما سجود التحية فقد كان سائغًا في الشرائع السابقة، ثم صار محرمًا على هذه الأمة، فهو معصية لله تعالى، فمن المعلوم أن سجود العبادة القائم على الخضوع والذل والتسليم والإجلال لله وحده هو من التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل، وإن صرف لغيره فهو شرك وتنديد، ولكن لو سجد أحدهم لأب أو عالم ونحوهما وقصد التحية والإكرام فهذه من المحرمات التي دون الشرك، أما","vol":"2","page":1128},{"text":"إن قصد الخضوع والقرابة والذل له فهذا من الشرك، ولكن لو سجد لشمس أو قمر أو قبر، فمثل هذا السجود لا يتأتى إلا عن عبادة وخضوع وتقرب، فهو سجود شركي، وإليك توضيح ذلك من خلال النصوص التالية:\nيقول الله تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا).\nيقول ابن عطية - في معنى السجود ـ: (واختلف في هذا السجود، فقيل: كان كالمعهود عندنا من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه، مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود - على أي هيئة كان - فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم).\nويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وقد كان سائغًا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب ﷾، هذا مضمون قول قتادة وغيره - إلى أن قال ـ: والغرض أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا).\nويقول محمد رشيد رضا عند تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ): (وهو سجد لا نعرف صفته، ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة؛ إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان، ووضع الجبهة على التراب، وكان عند القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء،","vol":"2","page":1129},{"text":"ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف ﵇).\nوعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها».\nوعن قيس بن سعد ﵁ قال: (أتيت الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له، قال: فأتيت إلى النبي ﷺ، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت يا رسول الله أحق أن نسجد لك، قال: «أرأيت لو مررت على قبري أكنت تسجد له؟» قال: قلت: لا، قال: «فلا تفعلوا، لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن، لما جعل الله لهم عليهن من الحق»).\nقال الطيبي: (أي اسجدوا للحي الذي لا يموت، ولمن ملكه لا يزول،","vol":"2","page":1130},{"text":"فإنك إنما تسجد لي الآن مهابة وإجلالًا).\nويبين ابن تيمية هذه المسألة فيقول:\n(أما تقبيل الأرض، ووضع الرأس، ونحو ذلك مما فيه السجود، مما يفعل قدام بعض الشيوخ، وبعض الملوك، فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أيضًا، كما قالوا للنبي ﷺ: (الرجل منا يلقى أخاه، أينحني له؟ قال: لا ...).\nوأما من فعل ذلك تدينًا وتقربًا فهذا من أعظم المنكرات، ومن اعتقد مثل هذا قربة وتدينًا فهو ضال مفتر، بل يبين له أن هذا ليس بدين ولا قربة، فإن أصر على ذلك استتيب، فإن تاب وإلا قتل).\nويقول أيضًا: (وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله ﷿ منهي عنه).\nويقول في موضع ثالث: (وحجرة نبينا ﷺ وحجرة الخليل، وغيرهما من المدافن التي فيها نبي أو رجل صالح، لا يستحب تقبيلها، ولا التمسح بها باتفاق الأئمة، بل منهي عن ذلك، وأما السجود لذلك فكفر).\nوإذا انتقلنا إلى الطواف: فإن المراد بالطواف الذي يكون شركًا هو الطواف بغير الكعبة مع قصد التقرب لغير الله تعالى، كالطواف بالقبور والمشاهد","vol":"2","page":1131},{"text":"ونحوها، فالطواف عبادة لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وصرف العبادة أو شيء منها لغير الله تعالى شرك، وأما لو طاف بتلك القبور بقصد التقرب إلى الله تعالى فهو محرم، وبدعة منكرة، ووسيلة لعبادة تلك القبور.\nيقول ابن تيمية في هذه المسألة:\n(وأما الرجل الذي طلب من والده الحج، فأمره أن يطوف بنفس الأب، فقال: طف ببيت ما فارقه الله طرفة عين قط، فهذا كفر بإجماع المسلمين، فإن الطواف بالبيت العتيق مما أمر الله به ورسوله، وأما الطواف بالأنبياء والصالحين فحرام بإجماع المسلمين، ومن اعتقد ذلك دينًا فهو كافر، سواء طاف ببدنه أو بقبره).\nويقول أيضًا: (ليس في الأرض مكان يطاف به كما يطاف بالكعبة، ومن اعتقد أن الطواف بغيرها مشروع فهو شر ممن يعتقد جواز الصلاة إلى غير الكعبة ... فمن اتخذ الصخرة اليوم قبلة يصلي إليها فهو كافر مرتد يستتاب؛ فإن تاب وإلا قتل، مع أنها كانت قبلة لكن نسخ ذلك، فكيف بمن يتخذها مكانًا يطاف به كما يطاف بالكعبة؟ والطواف بغير الكعبة لم يشرعه الله بحال ...).\nوإذا تقرر حكم هذه الأعمال، فإنه يمكن بإيجاز أن نقول: إن هذا شرك يناقض توحيد العبادة.\nوقد غلط مرجئة المتكلمين ومن تبعهم قديمًا وحديثًا عندما زعموا أن شرك التقرب والنسك ليس شركًا بإطلاق، ما لم يتضمن عندهم الشرك في التوحيد العلمي الخبري؛ لأنهم حصروا التوحيد في الربوبية، ومن ثم فالشرك عندهم هو الشرك في هذا التوحيد.","vol":"2","page":1132},{"text":"ومثال ذلك ما توهمه بعضهم بأن السجود لغير الله لا يكون كفرًا إلا إذا اعتقد الربوبية فيمن سجد له. والصحيح أن السجود لغير الله شرك يناقض توحيد العبادة، وإذا انضم إلى ذلك اعتقاد الربوبية فيمن سجد له، فهذا شرك في الربوبية، وليس الشرك محضور في اعتقاد الربوبية بالمسجود له.\nومنهم من قال: إن السجود للصنم أو الشمس ونحوهما علامة الكفر وإن لم يكن في نفسه كفر. وهذا ليس بصحيح، بل السجود للصنم أو الشمس في حد ذاته كفر وشرك بالله تعالى في العبادة، فهو خضوع ورجاء وتذلل لغير الله تعالى، ولا تقوم عبودية الله تعالى إلا بتحقيق السجود له سبحانه، كما قال تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).\nثم إن هذه الأعمال - السجود والركوع والطواف بغير بيت الله والذبح والنحر والنذر - فيها تشبيه المخلوق الضغيف العاجز بالخالق القدير القوي سبحانه. وقد سبق معنا: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه كما ذكره ابن القيم ﵀ في عدة من كتبه، وذكره المقريزي في تجريد التوحيد المفيد.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يكن يشرع لأمته السجود لميت، ولا لغير ميت ونحو ذلك،","vol":"2","page":1133},{"text":"بل نهى عن كل هذه الأمور، وإن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله).\nوكما يقول أيضًا: (كان من أتباع هؤلاء المشركين من يسجد للشمس والقمر والكواكب، ويدعوها كما يدعو الله تعالى، ويصوم لها وينسك لها، ويتقرب إليها، ثم يقول: إن هذا ليس بشرك، وإنما الشرك إذا اعتقدتُ أنها هي المدبرة لي، فإذا جعلتها سببًا وواسطة لم أكن مشركًا، ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك).\nفالخلاصة: أن الركع والسجود والقيام إذا كان المقصود منها التعظيم لغير الله فإنها حينئذ تكون من الشرك بالله جل شأنه بالتقرب والنسك، وأما إذا كان المقصود منها التحية أو الاحترام - كما يسمونه - فهذه شرك بالله في الطاعة؛ لأنها منهية محرمة في الشرع، ومن عرف نهي الشرع ومع ذلك عمل به فهو أطاع الشيطان، ومن أطاع الشيطان في التحليل والتحريم فقد عبده، وبهذا يكون هو مرتكبًا الشرك بالله شركًا أكبر في الطاعة، وقد سبق بيانه فيما سبق.\nوأما إن كان المسجود أو المركوع له من الحجر أو الشجر أو القبر أو مثل هذه الأشياء فهذه السجدة والركو ليسا من التحية، بل هذه السجدة سجدة عبادة، فليسميها المفترون بما شاءوا.\nوإذا علم هذا، فكم من الناس تراهم يركعون ويسجدون ويقومون - بالذل والخضوع مع الحب القلبي - لمن يعظمونهم ويعتقدون فيهم القداسة أو الولاية. وإذا أردت معرفتها فلتنظر إلى عباد القبور، وعباد الرؤساء، وعباد الكبار من أصحاب المناصب.\nومن أمثلة هذه العبادة في العصر الحاضر:\nالقيام في البرلمان مطأطئًا الرؤوس لمدة خمس دقائق - كما هو منصوص","vol":"2","page":1134},{"text":"في أغلب دساتير برلمان العالم الإسلامي - لموتى الدولة في أول جلسة البرلمان. وكما سبق أن هذا النوع من الركوع والسجود لا يمكن أن يكون فيه شبهة التحية، بل هي سجدة العبادة لا محالة.\nوالدخول راكعًا في البرلمان، احترامًا للبرلمان الذي مكنه من الكلام أمام الناس.\nكما أن من أفراده في العصر الحاضر الركوع من قبل بعض المغنيين وأصحاب البرامج للمستمعين للأغنية أو للمشاهدين للمسرحية أو التمثيلية مثلًا.\nوهكذا إعطاء الزهور في اليوم الوطني لقبور شهداء الدولة والوقوف أمام قبورهم شبه ساجد بضع دقائق احترامًا لهؤلاء الذين ماتوا في استقلال الدولة، ووصل الأمر إلى حد أن بعض الدول تستضيف الضيوف الدولية أول ما تستضيف في هذه القبور وبإعطاء باقة من الزهور إلى هذه القبور، وصار الأمر هينًا عندهم لكونه منصوصًا في الدساتير بأنه من احترام المضيف والضيف، فالله المستعان.\nومن مظاهره أيضًا: تعظيم التماثيل والنصب التذكارية سواء كان بالسجود لها أو الركوع أو القيام لها بالصفة التي تقدمت معنا.\nومن مظاهره أيضًا: الوقوف في الأصنام التذكارية لكبار الدولة عند ما يسمونه باليمين الدستوري - مع أنه شرك في نفسه، فإن اليمين لا يكون إلا بالله أو بأسمائه أو صفاته وهؤلاء يحلفون بالدستور حلفًا يقصدون به تعظيم المحلوف عليه، وهذا معلوم كونه من الشرك الأكبر، وليس من الشرك الأصغر الذي هو مجر إرادة التأكيد ـ.","vol":"2","page":1135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المطلب الثاني: في بيان شرك التقرب والنسك بالذبح والنذر لغير الله</span>\nأ- أما الذبح: فلا شك أن الذبح والنحر إن قصد بهما التوجه والتقرب إلى الله وحده فهو من العبادات، ويسمى نسكًا؛ لأن النسك هو العبادة والقربة. وقد فرض الله ذلك بقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ)، والنسك - هاهنا - الذبيحة.\nيقول ابن عطية في تفسير الآيات: (قوله: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي ...) الآية، أمر من الله عزوجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عزوجل، وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي ﷺ بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به، حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عزوجل).\nويقول ابن كثير في تفسيره: (يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه","vol":"2","page":1136},{"text":"على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)، أي أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى).\nومما قاله محمد رشيد رضا في تفسيره لهذه الآيات: (هذا بيان إجمالي لتوحيد الإلهية بالعمل، والمراد بالصلاة جنسها الشامل للمفروض والمستحب، والنسك في الأصل العبادة أو غايتها، والناسك العابد، ويكثر استعماله في القرآن والحديث في عبادة الحج، وعبادة الذبائح والقرابين فيه، - إلى أن قال - والعبادات إنما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تقربًا إليه، وتعظيمًا له، وطلبًا لمثوبته ومرضاته، وكل من يتوجه إليه المصلي أو الذابح بذلك، ويقصد به تعظيمه فهو معبود له، سواء عبر فاعله عن ذلك بقول يدل عليه أم لا. فالعبادة لا تنبغي إلا لله رب العباد وخالقهم ... وكون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين لله وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين).\nويقول سبحانه: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ).\nيقول ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة: (أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين، وهما: الصلاة، والنسك الدالتين على القرب والتوضع والافتقار وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته","vol":"2","page":1137},{"text":"وأمره وفضله، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر، وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوء الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه، وهو أجل العبادات المالية، وما يجتمع للعبد في نحره من إيثار الله، وحسن الظن به، وقوة اليقين، والوثوق بما في يد الله أمر عجيب، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي ﷺ أمر ربه، فكان كثير الصلاة لربه، كثير النحر، حتى نحر بيده في حجة الوداع ثلاثًا وثلاثين بدنة، وكان ينحر في الأعياد وغيرها).\nوبهذا يتقرر أن الذبح من أجل العبادات، وأعظم الطاعات.\nب- وأما النذر: فهو عبادة، لا يكون إلا لله وحده لا شريك له (باعتبار الوفاء به، وأما باعتبار ابتداء النذر فقد صح النهي عنه، فالمقصود هنا في كونه عبادة: باعتبار الوفاء به) حيث إن الله ﷿ مدح الموفين بالنذر، فقال سبحانه: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا).\nيقول الحافظ ابن حجر ﵀ عن هذه الآية: (يؤخذ منه أن الوفاء بالنذر قربة، للثناء على فاعله، لكن ذلك مخصوص بنذر الطاعة). ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ في بيان معنى الآية: (إن الله مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب أو","vol":"2","page":1138},{"text":"مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة).\nوقال تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). والمعروف أن الإنفاق عبادة، والوفاء بالنذر كذلك.\nوقد أمر النبي ﷺ بالوفاء بنذر الطاعة، فقال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه».\nوقال أيضًا في ذم الذين ينذرون ولا يوفون: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن». فسوى بين من يخون أمانته، ومن لا يفي بنذره، والخيانة مذمومة، فيكون ترك الوفاء بالنذر مذمومًا.\nومن خلال ما سبق إيراده، ندرك أن النذر عبادة مدح الله الموفين به، فلا ينبغي أن يكون إلا لله وحده.\nالشرك بالله بالذبح والنذر لغير الله ووجوده في العصر الحاضر:\nإن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى، لأنهما عبادتان يجب","vol":"2","page":1139},{"text":"صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين ينحرون لغير الله تعالى سواء كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة ﵈، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات من أجل أن تقربهم عند الله زلفى.\nيقول تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).\nومعنى قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ): (ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله).\nويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال: هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن، متقربين إلى الله سبحانه، كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإن عبادة الله سبحانه بالصلاة له، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك أولى، وهذا يبين لك","vol":"2","page":1140},{"text":"ضعف قول من حرم ما ذبح باسم غير الله، ولم يحرم ما ذبح لغير الله، كما قاله طائفة من أصحابنا وغيرهم، بل لو قيل بالعكس كان أوجه، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحوم، وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان).\nيقول ابن كثير: (فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع - يقصد أكل ما ذبح على النصب ـ، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا).\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: ما كان النبي ﷺ يسر إلى شيئًا يكتمه الناس، غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، فقيل: ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثًا، ولعن الله من غير منار الأرض».\nومما يبين لك أن هؤلاء الذين ينذرون أو يذبحون لغير الله تعالى إنما هو عن اعتقاد بأنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ما يرى من أحوالهم وأوضاعهم، وقد بين العلماء ذلك في كتبهم، فهذا الصنعاني ﵀ يوضح هذا الأمر فيقول - مناقشًا شبهات من يذبح لغير الله ـ: (فإن قال: إنما نحرت لله، وذكرت","vol":"2","page":1141},{"text":"اسم الله عليه، فقل: إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال: نعم، فقل له: هذا النحر لغير الله تعالى، بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلًا، ولا أردت إلا الأول، ولا خرجت من بيتك إلا قصدًا له).\nويقول - أيضًا - مبينًا حكم هذه النذور والنحائر ـ: (فإن قلت: هذه النذور والنحائر ما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافي من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه، أو دفع ضرر، فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل، ولو عرف الناذر بطلان ما أراده، ما أخرج درهمًا).\nوكذلك الشوكاني ﵀ يقرر أن هذه الأعمال الشركية صادرة عن الباطن، وأن أصحابها يعتقدون فيها النفع والضر، فيقول: (وكذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أن النحر للنسك وإخراج صدقة المال، والخضوع والاستكانة عبادة الله ﷿ بلا خلاف، ومن زعم أن ثمة فرق بين الأمرين فليهده إلينا، ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر لهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنع؟ فإن دعاءك للميت عند نزول أمر بك ألا يكون إلا لشيء في قلبك عبر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عرض","vol":"2","page":1142},{"text":"الحاجات من دون اعتقاد منك لهم، فأنت مصاب بعقلك، وهكذا إن كنت تنحر لله، وتنذر لله، فلأي معنى جعلت ذلك للميت وحملته إلى قبره، فإن الفقراء على ظهر البسيطة في كل بقعة من بقاع الأرض، وفعلك وأنت عاقل لا يكون إلا لمقصد قد قصدته، أو أمر قد أردته).\nويعلل صاحب كتاب (التوضيح عن توحيد الخلاق) كون النذر لغير الله تعالى من الشرك قائلًا: (لأن الناذر لم ينذر هذا النذر لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة سببية فيه، ويجلب الخير والبركة، ويدفع الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم: حكيهم وقولهم: إنهم قد وقعوا في شدائد عظيمة، فنذروا لفلان وفلان ... فانكشفت شدائدهم واستراحت خواطرهم، فقد قام في نفوسهم أن هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع مرهوبهم، ومن تأمل القرآن وسنة المبعوث به ﷺ، ونظر أحوال السلف الصالح، علم أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: (هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا).\nويتحدث الشيخ مبارك الميلي عن واقع أولئك الناس الذين يذبحون لغير الله تعالى، ويبين أنهم إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد وطلب للقربى من تلك","vol":"2","page":1143},{"text":"المعبودات، فكان مما قاله ﵀: (إن كل من خالط العامة، يجزم بأن قصدهم بذبائح الزردة التقرب من صاحب المزار، ويكشف عن ذلك أشياء:\nأحدها: أنهم يضيفون الزردة إلى صاحب المزار، فيقولون: زردة سيدي فلان، أو طعام سيدي عبد القادر مثلًا:\nثانيها: أنهم يفعلونها عند قبره، وفي جواره، ولا يرضون لها مكانًا آخر.\nثالثها: أنهم إن نزل المطر إثرها، نسبوه إلى سر المذبوح له، وقوي اعتقادهم فيه، وتعويلهم عليه.\nرابعها: أنهم لو تركوها فأصيبوا بمصيبة، نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم، لتقصيرهم في جانبه).\nوفي ختام مسألة الذبح أو النذر لغير الله تعالى، يحسن بنا أن ننبه على عدم الخلط بين ما يذبح لغير الله تعالى تقربًا أو تعظيمًا، فهذا من باب العبادات والقربان، وبين ما يذبح عادة بقصد الأكل أو إكرام ضيف ونحوهما. فالأول: شرك في العبادة والألوهية، وأما الثاني: فليس بشرك ويختلف حكمه حسب النية.\nكما يجب التفريق بين النذر الشركي المخرج من الملة وبين نذر المعصية","vol":"2","page":1144},{"text":"فيما دون ذلك، وذلك؛ أن (النذر الغير جائز قسمان:\nأحدهما: نذر فعل المعصية، كشرب الخمر، وقتل المعصوم، فيحرم الوفاء به؛ لقول النبي ﷺ: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه»، ولأن معصية الله تعالى لا تباح في حال من الأحوال ...\nالثاني: النذر لغير الله تعالى؛ كالنذر لإبراهيم الخليل، أو محمد النبي الأمين ﷺ، أو ابن عباس، أو عبد القادر، أو الخضر ... فلا خلاف بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي). إذا اعتقد فيهم النفع أو الضر، ومن جانب الوفاء به من الشرك في العبادة والألوهية.\nشبهة في باب الذبح والنذر والجواب عنها:\nقد لبس خصوم عقيدة التوحيد في هذه المسألة، فزعموا: أن الذبح لغير الله، وكذا النذر لغيره، إنما هي من المحرمات التي دون الشرك ... وذلك بسبب سوء فهمهم للنصوص الشرعية، وكلام أهل العلم، بل ربما نسبوا هذا التلبيس لبعض أئمة السلف أيضًا.\nوقد قام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بكشف هذا التلبيس، وبيان","vol":"2","page":1145},{"text":"الحق في هذه القضية، فكتب جوابًا في الرد على أحد الخصوم له، حين زعم الأخير أن النذر لغير الله حرام ليس بشرك، فقال الشيخ في الرد عليه:\n(فدليلك قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: حرام على أنه ليس بشرك، فإن كان هذا قدر عقلك، فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا). فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر؟ يا هذا الجاهل الجهل المركب، ما تصنع بقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) - إلى قوله - (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا). هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ ! يا ويلك في أي كتاب وجدته إذا قيل لك هذا حرام، أنه ليس بكفر، فقولك: أن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم، بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج إلى دليل آخر، والدليل عليه أنه مصرح في الإقناع: أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟).\nوأيضًا يورد الشيخ قاعدة مهمة أثناء جوابه على من ادعى أن الذبح للجن منهي عنه فهو معصية وليس بردة، حيث قال ﵀: (قوله: الذبح للجن منهي عنه، فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي أن لفظ (التحريم والكراهة)، و... (لا ينبغي) ألفاظ عامة تستعمل في المكفرات،","vol":"2","page":1146},{"text":"والمحرمات التي هي دون الكفر، وفي كراهة التنزيه التي هي دون الحرام، مثل استعمالها في المكفرات قول: (لا إله إلا الذي لا تنبغي العبادة إلا له)، وقوله تعالى: (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا). ولفظ التحريم مثل قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا). وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: (يحرم كذا)، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر، وقولهم: (يكره) كقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) - إلى قوله - (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا). وأما كلام الإمام أحمد في قوله: (أكره كذا) فهو عند أصحابه على التحريم، إذا فهمت هذا فهم صرحوا أن الذبح للجن ردة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام، ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أهل لغير الله، والثاني: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل وسمى عليها).","vol":"2","page":1147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثالث مظاهر الشرك بالله في عبادته بالأقوال القلبية (شرك الدعوة)</span>\nالأقوال القلبية التي تعد عبادة كثيرة، من أفرادها: الدعاء والاستغاثة، والاستعانة، والاستمداد، والاستشفاع، والاستنصار، والنداء، والسؤال، والطلب، وغيرها. ويجمعها كلها لفظ الدعاء، فإن كل هذه الأشياء لا تؤدى إلا بالدعاء، ولهذا أقصر الكلام هنا فقط في شرك الدعاء على أن أحكام البقية تابعة له في الحقيقة.\nمعنى الدعاء:\nالدعاء مصدر دعا يدعو، وهو لغة: يأتي لمعان، منها:\n١ - النداء: يقال: دعوت فلانًا وبفلان: ناديته وصحت به.\n٢ - السؤال: دعوت فلانًا: سألته.\n٣ - الاستغاثة: دعوت فلانًا: استغثته، والدعاء الغوث، فالدعاء النداء والاستغاثة.\n٤ - والطلب: دعوت فلانًا: استدعيته، وطلب جلب النفع ودفع الضر.\n٥ - الحث على فعل الشيء والدعوة إليه: دعا إليه: طلبه إليه.\n٦ - السوق: يقال: دعاه: ساقه إلى الأمير.\n٧ - التسمية: يقال دعوت الولد زيدًا، أو بزيد: إذا سميته بهذا الاسم.\n٨ - الجعل: (أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)، أي جعلوا.","vol":"2","page":1148},{"text":"٩ - العبادة: يطلق (الدعاء)، ويراد به (العبادة).\n١٠ - رفعة القدر، ورفع الذكر.\nالدعاء في الشرع:\nتنوعت عبارات العلماء في تعريف الدعاء، وتعددت كلماتهم، وكلها تهدف إلى الكشف عن حقيقة معناه الشرعي وإليك بعض تلك العبارات:\n* قال أبو سليمان الخطابي: (ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه ﷿ العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة).\n* وقال أبو عبد الله الحليمي: (الدعاء: قول القائل: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، وما أشبه ذلك).\n* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إن دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره، ودَفْعِهِ).\n* وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (وهو الطلب بياء النداء لأنه ينادى به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة أو بأحد أخواتها).","vol":"2","page":1149},{"text":"* وعرفه الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمني: (فالمعنى الذي هو راجع وضعًا لا قصدًا إلى القوي القادر، بحيث لا يصلح إلا له، ولا يتحصل إلا به أو عنه، اسم طلبه والتماسه، واللفظ الذي يكون له هو الدعاء وضعًا وشرعًا، والدعاء في لسان أنبياء الله ورسله وكتابه - اسم لطلب ذلك المعنى ـ). وقال في موضع آخر: إن الدعاء عند المتشرعة والإسلاميين طبع وهيئة لازمة طلب العاجز للقادر وسؤاله منه).\n* وعرفه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ بقوله: (هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة أو مجموعهما).\nهذه بعض تعريفات العلماء للدعاء، وهي كما نرى خاصة ببعض جوانب الدعاء، ولا تشمل جميع جوانب الدعاء - كما سيتضح ذلك لاحقًا ـ.\nولعل التعريف الشامل أن يقال: الدعاء هو الرغبة إلى الله تعالى والتوجه إليه في تحقيق المطلوب، أو دفع المكروه، والابتهال إليه في ذلك إما بالسؤال، أو بالخضوع والتذلل، والرجاء والخوف والطمع. ووجه كونه شاملًا ما سيأتي توضيحه فيما يلي ببيان مدلولات الدعاء في الشرع، وبيان أنواعه، وأن هذا التعريف شامل لجميع جوانب الدعاء ومدلولاته كله.\nأنواع الدعاء:\nتنوعت عبارات العلماء المحققين في بيان أنواع الدعاء، فمنهم من قسمه","vol":"2","page":1150},{"text":"إلى ثلاثة أنواع، ومنهم من قسمه إلى نوعين:\n* يقول ابن القيم: الدعاء ثلاثة أنواع:\n١ - دعاء مسألة.\n٢ - دعاء ثناء.\n٣ - دعاء تعبد.\n* ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الدعاء نوعان: دعاء العبادة، ودعاء المسألة. وهو قول ابن القيم أيضًا في زاد المعاد، وفي مواضع من بدائع الفوائد، وفي جلاء الأفهام.\nوليس هناك تناقض بين قول الإمام ابن القيم الأول وبين قوله الثاني: وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأن دعاء الثناء والتعبد هما في الحقيقة: دعاء العبادة، وإنما أفرد بالذكر، اهتمامًا به، وهذين النوعين - دعاء العبادة ودعاء المسألة - من الدعاء يشمل جميع أنواع الأدعية في الحقيقة، وهو مؤدى كلام كثير من العلماء الذين سبقوهما أيضًا: كالطبري في تفسيره، والبغوي في تفسيره، وغيرهما.","vol":"2","page":1151},{"text":"وجه انقسام الدعاء إلى نوعين، وبيان تلازمهما وكونهما من العبادة، والدليل عليهما:\nقد ذكرنا في تعريف الدعاء أن معناه هو الرغبة والقصد والتوجه إلى المدعو، وهذا القصد والتوجه إلى المدعو تارة يكون لذاته، وتارة لمسألته أمرًا منه، وهذا كالشخص يدعو غيره، ويطلبه، ويقصده، تارة لذاته، وتارة لأمر يطلبه منه.\nفالقصد إلى المدعو لذاته هو المسمى بدعاء العبادة والثناء، وتمتلئ القلوب فيه بعظمة الله وجلاله، والقصد إلى المدعو لمسألته هو المسمى بدعاء المسألة، وتمتلئ القلوب فيه بالرغبة والانطراح بين يدي الله تعالى، وهذا هو وجه انحصار وانقسام الدعاء إلى نوعين فقط.\nتلازم نوعي الدعاء:\nذكرنا فيما سبق أن الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة، ودعاء مسألة، وهذا التقسيم معناه أن الدعاء يراد به تارة دعاء المسألة وتارة دعاء العبادة، وليس معناه أنهما متضادان بحيث أنه لا يدل إلا على النوع الذي أريد به، بل معناه: أنه في تلك الحالة دلالته على أحد النوعين أظهر، ويدل على النوع الآخر إما بدلالة الالتزام أو بدلالة التضمن، وعلى النوع الذي يكون فيه أظهر بدلالة المطابقة.\nفإذا أريد به المسألة والطلب يدل على العبادة بطريق التضمن. لأن","vol":"2","page":1152},{"text":"الداعي دعاء المسألة عابد لله تعالى بسؤاله، ورغبته، والتضرع إليه، والابتهال إليه، والانطراح بين يديه، وهو يرجو قبول دعوته وقضاء حاجته، وهو مع ذلك خائف من طرده، وعدم قبول دعوته، فهذا هو لب العبادة ومخها وروحها وحقيقتها. فالآيات التي ورد فيها الدعاء مرادًا به دعاء المسألة تدل هذه الآيات بطريق التضمن على دعاء العبادة.\nوأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام. وذلك؛ لأن العابد لله تعالى - كالذي يذكر الله مثلًا - فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال، كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس، يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال.\nوالخلاصة: أن معنى دعاء العبادة بعبارة أخرى: هو العبادة نفسها، فيكون الدعاء والعبادة اسمين مترادفين لمسمى واحد.\nوأما دعاء المسألة: فمعناه: النداء والاستمداد والاستنصار والاستغاثة لدفع الضر وجلب النفع، قولًا، وسؤالًا، وطلبًا باللسان، ثم دعاء المسألة - فوق الأسباب - مخ العبادة، فإذا أردنا من الدعاء: دعاء العبادة يكون الدعاء بعينه العبادة، وهما شيء واحد؛ كالأسد والغضنفر، وغيرهما من المترادفات.\nوأما إذا أردنا من الدعاء: دعاء المسألة - فإن كان فيما فوق الأسباب ـ","vol":"2","page":1153},{"text":"يكون الدعاء نوعًا من أنواع العبادة، وفردًا من أفرادها، وجزئيًا من جزئياتها، فيكون دعاء غير الله شركًا في العبادة، بل أمًّا للشرك؛ لأن العبادة أمر كلي شامل لعدة من الجزئيات التي تندرج تحتها، ومن تلك الجزئيات (دعاء المسألة)، فيكون دعاء المسألة خاصًا وأخص من (العبادة)، التي هي أمر عام وأعم، فتكون النسبة بينهما عموم وخصوص مطلقًا، بأن يكون الدعاء أخص مطلقًا، والعبادة أعم مطلقًا، وأن كل دعاء عبادة ولا عكس.\nفنوعا الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ما ذكر أحدهما دخل معه الآخر إما تضمنا وإما التزامًا. وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله - تعالى - المراد بها العبادة فقط، وليس المراد بها السؤال والطلب فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات والتوسل بهم بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة، هكذا زعموا، وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله - تعالى - بالعبادة، ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث زعموا أن مفهومها لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، بل زيادة على ذلك بعضهم زادوا على ذلك أن يكون الركوع والسجود على اعتقاد الربوبية في المسجود والمركوع له، وأما الدعاء، والاستغاثة والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة. وقد ذكرنا مناقشة بعض هذه الأقوال فيما قبل. وسيأتي مناقشة بعض هذه الأقوال فيما بعد.\nفعلمنا بذلك: أن الدعاء عبادة، وسأسوق جملة من النصوص المتضمنة","vol":"2","page":1154},{"text":"على نوعي الدعاء، الدالة على أنهما في القرآن والسنة على معنى العبادة.\nالأدلة من القرآن والسنة على أن الدعاء بنوعيهما عبادة:\nالأدلة من القرآن:\nقد ورد إطلاق الدعاء في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:\n١ - أن يراد منه دعاء المسألة.\n٢ - أن يراد منه دعاء العبادة.\n٣ - أن يراد منه مجموعهما.\nفهذه الأوجه الثلاثة هي التي تدور عليها إطلاقات الدعاء في القرآن الكريم، إما أن يراد منه أحدهما، أو يراد منه ما يشمل النوعين.\nوهذه الاستعمالات الثلاثة كثيرة في القرآن الكريم، قد ورد بكل منها عدة آيات:\nفمما ورد في دعاء المسألة على الأظهر ما يلي:\n* الآيات التي تتحدث عن التجاء الإنسان إلى الله تعالى في وقت الشدائد والمصائب والاضطرار، وعن كشف الله لتلك الشدائد: فمن ذلك:\n١ - قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ). فالآية ظاهرة في أنها في دعاء المسألة. فإنها سيقت في بيان الطلب من الله.","vol":"2","page":1155},{"text":"٢ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). فإن الآية لا شك في كونها دالة على دعاء المسألة، وليس المراد منها دعاء العبادة.\n٣ - قوله تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ). وغيرها من الآيات.\n* الآيات التي تتحدث عن طلب الأمم من أنبيائهم دعاء الله تعالى لهم والتوسل لهم: فمن ذلك:\n٤ - وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا).\n٥ - وقوله تعالى: (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ).\n* الآيات التي تتحدث عن نداء الأنبياء لربهم وسؤالهم له: ومن ذلك:\n٦ - قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ).\n٧ - وقوله تعالى: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) - إلى قوله - (وَلَمْ","vol":"2","page":1156},{"text":"أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا). فهذا في دعاء المسألة أظهر، والمعنى: إنك عودتني إجابتك وإسعافك ولم تشقني بالرد والحرمان، فهو توسل إليه تعالى بما سلف من إجابته وإحسانه.\n* الآيات التي تتحدث عن عدم سماع المدعوين من دون الله دعاء من دعاهم، ومن ذلك:\n٨ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ). والآية صريحة في دعاء المسألة.\n٩ - قوله تعالى: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ).\n١٠ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ). والآية دالة على دعاء المسألة.\nوأما الآيات التي تدل على دعاء العبادة على الأظهر فقد ورد في القرآن","vol":"2","page":1157},{"text":"الكريم استعمال الدعاء بمعنى العبادة وكثر ذلك، منها ما يلي:\n١ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ). فالدعاء هنا أظهر في العبادة؛ بدليل قوله: (أن أعبد).\n٢ - وقوله تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ).\n٣ - وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) - إلى قوله تعالى - (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا).\n٤ - وقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). فهذا في دعاء العبادة: (والمعنى: اعبدوه ووحّدوه وأخلصوا عبادته لا تعبدوا معه غيره).\n٥ - وقوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ).\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يمكن اعتباره ضابطًا للآيات التي يكون فيها حمل الدعاء على العبادة أظهر، فقال: (وكل موضع ذكر فيه دعاء المشركين لأوثانهم فالمراد به دعاء العبادة المتضمن دعاء","vol":"2","page":1158},{"text":"المسألة، فهو في دعاء العبادة أظهر، لوجوه ثلاثة:\nأحدها: أنهم قالوا: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فاعترفوا بأن دعاءهم إياهم عبادتهم لهم.\nالثاني: أن الله تعالى فسر هذا الدعاء في موضع آخر، كقوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ).\nوقوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، وهو كثير في القرآن فدعاؤهم لآلهتهم هو عبادتهم لها.\nالثالث: أنهم كانوا يعبدونها في الرجاء فإذا جاءتهم الشدائد دعوا الله وحده وتركوها، ومع هذا فكانوا يسألونها بعض حوائجهم ويطلبون منها، وكان دعاؤهم لها دعاء عبادة ودعاء مسألة).\nوهناك آيات يراد بالدعاء فيها مجموع الأمرين - دعاء العبادة ودعاء المسألة - منها:\nقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، فهذه الآية","vol":"2","page":1159},{"text":"فسرت بنوعي الدعاء، فقيل في المعنى: أعطيه إذا سألني، وقيل: أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني.\nومثله قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فقد فسرت الآية بالمعنيين.\nوقوله تعالى: (وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا). فالدعاء بالأسماء الحسنى يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة.\nالمقصود: أن الدعاء في القرآن الكريم - سواء كان دعاء عبادة أو مسألة - جاء بمعنى العبادة، وهو دليل واضح وصريح على أن الدعاء عبادة.\nومن أوجه دلالة القرآن أيضًا على أن الدعاء عبادة، أن الله ﷿ صرح بالعبادة بعد ذكر الدعاء، فمن هذه الآيات ما يلي:\n* قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). حيث صرح ببيان سبب الوعيد","vol":"2","page":1160},{"text":"الذي أوعده بأن من لم يدعه لم يعبده، ومن لم يعبده يدخل ناره جزاء لاستكباره.\n* قوله تعالى في شأن إبراهيم ﷺ: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ). حيث بين الله ﷿ سبب إعطاء إبراهيم الجائزة، بأنه ترك عبادة غير الله، وإبراهيم ﷺ إنما قال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ) فلم يذكر إبراهيم ﵇ لفظ الدعاء ومع ذلك ذكر الله بأنه لم يعبد غيره، مما يدل على أن الدعاء المذكور في قول إبراهيم ﷺ إنما هو العبادة.\n* وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). ففي هذه الآية نرى أن الله ﷿ ينعى على عقول الكفار والمشركين الذين يدعون لغير الله، ثم أردف قوله بأن هؤلاء يوم القيامة يكفرون بعبادة عابديهم، فسمي دعاء الداعين لأوليائهم الميتين، ولأصنامهم بالعبادة. فهذه الآيات الثلاث فيها تصريح من الله بأن الدعاء عبادة، فهل أحد أعلم من الله؟ .\nالدليل من السنة على أن الدعاء عبادة:\nجاءت السنة النبوية مبينة ومستقلة تدل على أن الدعاء عبادة، فمن هذه الأحاديث التي جاءت مبينة قوله ﷺ: «إن الدعاء هو العبادة». يقول الراوي: ثم قرأ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ","vol":"2","page":1161},{"text":"دَاخِرِينَ).\nومما جاء في السنة مستقلًا قوله ﷺ: «من مات وهو يدع لله ندًا دخل النار».\nفالحديث فيه دلالة واضحة على كون دعاء الند موجب لدخول النار، وليس شيء أوجب في دخول النار من عبادة غير الله، فالدعاء هنا بمعنى العبادة.\nفثبت بهذه النصوص أن الدعاء عبادة.\nالدعاء لغير الله شرك بالله جل شأنه في العبادة:\nبعدما أثبتنا بنصوص القرآن والسنة كون الدعاء عبادة، يثبت لنا تلقائيًا أن الدعاء بجميع أنواعه من الاستعاذة، والاستجارة، والاستغاثة كلها - التي هي من نوع الدعاء والطلب - عبادة لله جل شأنه، لا يجوز صرفه إلا لله وحده، فمن صرف أي فرد من أفراده لغير الله فهو مشرك بالله جل شأنه، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأعظم الاعتداء والعدوان والذل","vol":"2","page":1162},{"text":"والهوان، أن يدعى غير الله، فإن ذلك من الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإن الشرك لظلم عظيم، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا).\nويبين ابن القيم شناعة هذ الشرك فيقول:\nومن أنواعه (الشرك الأكبر) طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده.\nويجب أن يعلم أن من قصد غير الله بدعاء أو استعاذة أو استعانة فهو كافر، وإن لم يعتقد فيمن قصده تدبيرًا، أو تأثيرًا، أو خلقًا، فمشركو العرب الذين قاتلهم رسول الله ﷺ لم يكونوا يقولون عن معبوداتهم إنها تخلق، وترزق، وتدبر أمر من قصدها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنهم في غير موضع من كتابه، بل كانوا يدعونها، ويستغيثون بها مع إقرارهم بأن الله هو المدبر الخالق الرازق ... .\nيقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀:\nومن أنواع العبادة الدعاء، كلما كان المؤمنون يدعون الله وحده ليلًا ونهارًا","vol":"2","page":1163},{"text":"في الشدة والرخاء، ولا يشك أحدًا أن هذا من أنواع العبادة، فتفكر رحمك الله فيما حدث في الناس اليوم من دعاء غير الله، في الشدة والرخاء، فهذا تلحقه الشدة في البر أو البحر، فيستغيث بعبد القادر أوشمسان أو نبي من الأنبياء، أو ولي من الأولياء أن ينجيه من هذه الشدة، فيقال لهذا الجاهل: إن كنت تعرف أن الإله هو المعبود، وتعرف أن الدعاء من العبادة، فكيف تدعو مخلوقًا ميتًا، وتترك الحي القيوم الحاضر الرؤوف الرحيم القدير؟ .\nويقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن موضحًا أن الطلب من الأموات شرك: (إن الاستمداد بالأموات والغائبين هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فإن الاستمداد عبادة، والعبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله).\nومع وضوح هذه القضية فقد وقع في هذا النوع من الشرك كثير من المتصوفة والجهلة من الناس، بل هذا النوع من الشرك هو الذي يغلب على العالم الإسلامي، وقد بدأ هذا النوع من الشرك من الشيعة، وانتشر بين المتصوفة، ثم عمت العباد والبلاد على حين غفلة من العلماء والدعاء، حتى أصبح الإنكار عليه منكرًا، والأمر به معروفًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوقد ذكرنا نماذج من وقوع الناس قديمًا وحديثًا في هذا النوع من الشرك عند بيان الشرك في الربوبية بالأنداد في إثبات صفة القدرة الكاملة لغير الله لدى المتصوفة، فإن كل من أثبت لغير الله التصرف في الكون إنما يثبت ذلك كي يجوِّز النداء والدعاء لغير الله، وقد ذكرنا مجمل النصوص من المتصوفة التي تدل على جواز النداء والطلب والاستغاثة والاستعانة بغير الله - في اعتقادهم ـ","vol":"2","page":1164},{"text":"لارتباط الكلام بعضه مع بعض بين اعتقاد التصرف في الكون لغير الله وبين دعاء غير الله والنداء والاستغاثة بغيره سبحانه، فلا نعيده هاهنا.\nولكن هل هناك شبهة في اعتقادهم جواز دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه؟ .\nلقد وجد هناك شبهات - بل هذا المكان بالذات محل أغلب شبهاتهم - سأذكر هذه الشبهات مع الردود عليها في المبحث التالي بمشيئة الله.\n* * *","vol":"2","page":1165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الرابع أهم شبهات القبوريين وردها</span>\nالشبهة الأولى: تغييرهم لبعض الحقائق الشرعية، منها:\nأ- عدم التفريق بين التوسل والاستغاثة، وعدم التفريق بين الجائز منها والممنوع:\nنتج هذا من سوء فَهم المتصوفة للأحاديث الواردة في التوسل وعدم تفريقهم بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به من دون الله، حيث إننا إذا نظرنا في كتب المتصوفة نرى أنهم دائمًا يوردون الأحاديث الواردة في التوسل المشروع ليحتجوا بها على جواز التوجه إلى النبي ﷺ بالدعاء والاستغاثة، وعلى جواز التوسل بذاته، مع أننا إذا نظرنا في الأحاديث التي تتكلم عن توسل الصحابة بالنبي ﷺ، فإننا نراها لا تخرج عن شيء واحد؛ ألا وهو: التوسل بدعاء النبي ﷺ، حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء فيدعو لهم الرسول، وهنا لا نزاع بيننا وبين المتصوفة في هذا التوسل، ولكن هذا الآن غير ممكن لأن الرسول قد مات.\nثم إن الاستدلال بأحاديث التوسل المشروع على جواز التوسل الممنوع - ألا وهو التوسل بذات النبي - استدلال بنص ليس نصًا في محل النزاع بل هو خارج عنه، ولذا فلن أناقش المتصوفة في الأحاديث التي وردت في توسلات الصحابة بدعائه في حياته؛ لأن هذا ليس محل النزاع بيننا وبينهم.\nواستدلالهم بهذه الأحاديث على جواز التوسل بذات النبي وجاهه ومكانته","vol":"2","page":1166},{"text":"عند الله والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة، هذا يعتبر استدلالًا باطلًا؛ لأنه ليس هناك ولو نصًا واحدًا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله يجيز التوجه إلى النبي بالدعاء والاستغاثة، بل العكس كل النصوص تحذر من صرف العبادات لغير الله كائنًا من كان.\nوفيما يلي بعض النصوص التي تثبت لنا أن المتصوفة يخلطون بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين دعائه والاستغاثة به، وأنهم يرون الكل بمعنى واحد.\nفقال قال النبهاني: (وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل والتوجه به ﷺ، فجدير به من استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه، فإن كلًا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه للنبي واقع في كل حال قبل خلقه وبعده، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة).\nمما تقدم يتضح لنا أن النبهاني لا يرى فرقًا مطلقًا بين التوسل بدعاء النبي ﷺ وبين التوجه إليه بالدعاء والاستغاثة حيًا وميتًا، ومما يدل على هذا قول النبهاني في مكان آخر من نفس الكتاب وهو يصف الرسول ﷺ بأوصاف لا تليق إلا بالله، حيث قال:\n(فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وأمامك فيما تجادل من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، وتدرك رضا من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه).","vol":"2","page":1167},{"text":"وقال النبهاني أيضًا: (لقد اتفق العلماء العارفون على جواز التوسل به ﵇ إلى الله لقضاء الحاجات في حياته وبعد الممات، وقد صار المجريات أن من استغاث به ﷺ إلى الله بإخلاص وصدق التجاء تقضي حاجته مهما كانت، ولم يحصل التخلف لأحد إلا من ضعف اليقين وحصول التردد وعدم صدق الالتجاء).\nومن المتصوفة الذين خلصوا بين التوسل بالنبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة أحمد زيني دحلان، حيث قال:\n(فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أولياء الله تعالى؛ لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتًا).\nويقول أيضًا: (ولا فرق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل أو التشفع أو الاستغاثة أو التوجه؛ لأن التوجه من الجاه وهو علو المنزلة، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى منه جاهًا، والاستغاثة معناها: طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وإن كان أعلى منه، فالتوجه والاستغاثة به ﷺ وبغيره ليس لها معنى في قلوب المسلمين إلا طلب","vol":"2","page":1168},{"text":"الغوث حقيقة من الله تعالى ومجازًا بالتسبب العادي من غيره، ولا يقصد أحد من المسلمين غير ذلك المعنى، فالمستغاث به حقيقة هو الله، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث).\nالمناقشة:\nإن التوسل المشروع هو التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته، كذلك التوسل بدعائه في حين حياته، كما كان الصحابة يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء.\nوأما التوسل الممنوع فهو التوسل بذات النبي ﷺ كما يفعله كثير من المتصوفة.\nوإليك التفصيل في هذا:\nأما التوسل بالإيمان بالنبي ﷺ وبطاعته ومحبته فهو من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة من الوسائل المشروعة التي يتقرب بها الإنسان إلى ربه.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:\n(وهذا التوسل بالإيمان به وطاعته فرض على كل أحد في كل حال باطنًا وظاهرًا في حياة الرسول ﷺ وبعد موته؛ في مشهده ومغيبه، لا يسقط التوسل به بالإيمان به وبطاعته عند أحد من الخلق في حال من الأحوال بعد قيام الحجة عليه إلا بعذر من الأعذار. ولا طريق إلى كرامة الله ورحمته والنجاة من هوانه وعذابه إلا التوسل بالإيمان به وبطاعته، وهو ﷺ شفيع الخلائق صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فهو أعظم الشفعاء قدرًا","vol":"2","page":1169},{"text":"وأعلاهم جاهًا عند الله، وقد قال تعالى عن موسى: (وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا). ومحمد ﷺ أعظم جاهًا من جميع الأنيباء والمرسلين لكنَّ شفاعتَه ودعاءَه إنما ينتفع بهما من شفع له رسول الله ﷺ ودعا له، فمن دعا له الرسول وشفع له توسل إلى الله بشفاعته ودعائه كما كان الصحابة يتوسلون إلى الله بدعائه وشفاعته، وكما يتوسل الناس يوم القيامة إلى الله ﵎ بدعائه وشفاعته ﷺ.\nولفظ التوسل في عرف الصحابة كانوا يستعملونه في هذا المعنى، والتوسل بدعائه وشفاعته ينفع مع الإيمان به، وأما بدون الإيمان به: فالكفار والمنافقون لا تغني عنهم شفاعة الشافعين في الآخرة).\nومعلوم أن الاستغاثة شرك بالله في الربوبية بالأنداد في قدرة الله الكاملة إذا كان يعتقد أن الرسول عنده مقدرة على الإغاثة والنفع والضر - كما سبق معنا ـ، وشرك الألوهية لازم له في هذا الاعتقاد، وإذا كان مجرد النداء والدعاء للمسألة أو العبادة؛ فهذا شرك في العبادة.\nأما التوسل الذي يتشبث به المتصوفة ويستدل به على جواز الاستغاثة بغير الله وطلب النفع والضر من غيره تعالى، فهو توسلهم بالذوات.\nوقد احتج المتصوفة لتجويز هذا التوسل بأحاديث كثيرة، يمكن تصنيفها إلى ما يلي:\nأ- الأحاديث الصحيحة، ولكنها لا تدل على مقصودهم.","vol":"2","page":1170},{"text":"ب- الأحاديث الضعيفة والموضوعة والواهية والآثار الإسرائيلية، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني - حفظه الله - أغلبها في كتابه «التوسل أنواعه وأحكامه»، وفندها وبين بطلانها واحدة تلو الأخرى، فلا أذكرها هاهنا، وإنما أذكر مما استدلوا به من الأحاديث الصحيحة، وأشهر ما يستدلون به هما الحديثان الآتيان، وهما:\nأولًا: حديث الضرير الذي رواه عثمان بن حنيف: أن رجلًا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله لي أن يعافيني، قال: «إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت»، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد ني الرحمة، يا محمد، إني قد توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم فشفعه في». قال: ففعل الرجل فبرئ.\nوقد استدل المتصوفة كالنبهاني وزيني دحلان والعلوي المالكي بهذا الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ، وبنوا على ذلك أن التوسل به باق ولو بعد موته، ولم يقفوا عند الرسول بل قالوا: يجوزا لتوسل بذوات الأولياء أحياءً وأمواتًا؛ وذلك لأن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه وفعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.","vol":"2","page":1171},{"text":"هذا وجه استدلالهم المتصوفة بهذا الحديث ويا ليتهم وقفوا عند الاستدلال به على جواز التوسل بذات النبي وذلك حتى يهون الشر - وإن كان التوسل بالذوات هوا لباب الذي وقع عن طريقه كثير من أفراد الأمة الإسلامية في الإشراك بالله - بل تجاوزوا ذلك فأجازوا التوجه إلى الرسول وغيره من الصالحين بالدعاء والاستغاثة وطلب النفع والضر وقضاء الحوائج منهم.\nولو نظرنا إلى هذا الحديث وفهمنا معناه الفهم الصحيح سنرى أنه لا حجة فيه للمتصوفة وغيرهم الذين استدلوا به على جواز التوسل بذات النبي وغيره من الأولياء والصالحين، بل الحديث دليل على التوسل المشروع بالنبي ﷺ وهو التوسل بدعائه؛ وذلك لأنه لو كان التوسل بذات النبي كاف بدون التوسل بدعائه ﷺ لما جاء ذلك الصحابي الجليل إلى النبي ﷺ وطلب منه الدعاء، بل كان من اللائق به أن يكتفي بتوسله بذات النبي ﷺ والتوجه إليه بالدعاء والاستغاثة كما يفعل المتصوفة اليوم، ولكن لم كان التوسل المشروع إلى الله هو التوسل بدعاء النبي ﷺ أتى إلى الرسول ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له، وعلى هذا فالحديث دليل عليهم لا لهم كما وهم المتصوفة والقبوريين عامة.\nوإليك أقوال العلماء في تحليل ألفاظ هذا الحديث والأحكام التي تستفاد منه:\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مرجحًا أن الأعمى توسل بدعاء النبي ﷺ ليرد إليه بصره، ولم يتوسل بذاته كما يزعم الكثيرون من المتصوفة وغيرهم:\n(دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم","vol":"2","page":1172},{"text":"بإحسان، ولا رخص فيه أحد من أئمة المسلمين.\nوحديث الأعمى ... هو من القسم الثاني من التوسل بالدعاء، فإن الأعمى قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له بأن يرد الله عليه بصره، فقال له: «إن شئت صبرت وإن شئت دعوت لك». فقال: (بل ادع)، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويقول: (اللهم إني أسألك بنبيك نبي الرحمة. يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ليقضيها، اللهم فشفعه في). فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وقد دعا له النبي ﷺ، ولهذا قال: (وشفعه في)، فسأل الله أن يقبل شفاعة رسوله فيه وهو دعاؤه.\nوهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات؛ فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره).\nومن العلماء الذين حللوا ألفاظ هذا الحديث تحليلًا دقيقًا الشيخ محمد نسيب الرفاعي، فقد قال رادًا على الذين يستدلون بهذا الحديث على مشروعية التوسل بذات النبي ﷺ:\n(إن قول الأعمى: (ادع الله أن يعافيني) فيه بيان واضح جلي لقصد الأعمى من المجيء؛ وهو أنه ما جاء إلا من أجل أن يدعو له رسول الله ﷺ بالشفاء من ضره، وإن قوله ﷺ مجيبًا الأعمى: «إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير» لدليل آخر على أن الأعمى ما جاء إلا من أجل الدعاء، وفيه تخيير من رسول الله ﷺ بالدعاء أو الصبر، حتى إذا شاء الأعمى الدعاء ودعا له، وفي تخييره هذا وعد بالدعاء إن شاءه.","vol":"2","page":1173},{"text":"وإن إصرار الأعمى على الدعاء بقوله: (فادعه) لدليل ثالث على أن مجيئه لم يكن إلا من أجل الدعاء، ومن إصراره يفهم أن رسول الله ﷺ دعا له لأنه وعده بذلك إذا شاء الدعاء، وقد شاء بقوله: (فادعه)، على أن رسول الله ﷺ أحب أن يكون للأعمى كذلك مشاركة في الدعاء ولكنه لم يترك الأعمى أن يدعو ربه بما شاء، بل علمه دعاء خاصًا وأمره أن يدعو الله به بالإضافة إلى دعائه ﷺ.\nوإن قول الأعمى في آخر الدعاء الذي علمه إياه رسول الله ﷺ: (اللهم فشفعه في) لدليل رابع على الدعاء.\nوالشفاعة من رسول الله ﷺ لا تسمى شفاعة ولا تكون إلا بدعاء الشافع للمشفوع له، فدعاء الأعمى أن يقبل الله شفاعة رسوله فيه ما يدل على أن رسول الله ﷺ قد دعا له فعلًا، والأعمى يطلب من الله قبول دعاء رسول الله ﷺ).\nثم قال الشيخ محمد نسيب الرفاعي: (فإذا استجمعنا هذه الأدلة على ثبوت دعاء الرسول ﷺ للأعمى توحى لنا أمرًا هامًا يدور عليه مآل الحديث ويكشف معناه بشكل واضح؛ وهو أن معنى (اللهم إني أسألك بنبيك) أي بدعاء نبيك. ولا يفهم منه التوسل بذاته ﷺ وما كان هذا مراد الأعمى من مجيئه إلى الرسول ﷺ حتى. وإن معنى التوسل المتبادر إلى أذهان الصحابة ﵃ في ذلك الوقت كان محصورًا فيها في طلب الدعاء من المتوسل به، وليس له المعنى المتعارف عليه عند البعض في زمننا الحاضر أي التوسل بذات المتوسل به، فقد كان مثل هذا التوسل بنفر منه الصحابة؛ لأنه من مفاهيم الجاهلية التي من أجل وجودها بعث الله رسوله إلى الناس كافة).\nويقول الشيخ ناصر الدين الألباني بعد أن رد على الذين يحتجون بهذا","vol":"2","page":1174},{"text":"الحديث على جواز التوسل بذات النبي ﷺ وغيره من الصالحين.\n(إذا تبين للقارئ الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذوات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ) إنما المراد به: (أتوسل إليك بدعاء نبيك)؛ أي حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا) أي أهل القرية وأصحاب العير، ونحن ومخالفونا متفقون على ذلك؛ أي على تقدير مضاف محذوف ...).\nثم قال الشيخ الألباني: (وثمة أمر آخر جدير بالذكر؛ وهو أنه لما حمل حديث الضرير على ظاهره وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: (اللهم فشفعه في وشفعني فيه). وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات المحمدية والحمد لله).\nوالخلاصة: أن حديث الضرير ليس فيه أي دليل للذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي ﷺ حيًا وميتًا، وإنما هو دليل عليهم؛ لأنه لا يدل إلا على جواز التوسل بدعاء الرسول ﷺ كما كان يفعل كثير من الصحابة في حياته، حيث كانوا يأتون إلى النبي ويطلبون منه الدعاء، ومن جملة الصحابة هذا الصحابي الجليل الذي عمي بصره فأتى إلى النبي ﷺ وطلب منه أن يدعو الله له فدعا له، فبرئ، وعلى هذا فلا حجة للمتصوفة في هذا الحديث.\nوبالإضافة إلى ذلك فإن المتصوفة يستدلون بهذا الحديث على جواز","vol":"2","page":1175},{"text":"التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى النبي ﷺ والأولياء كما اتضح لنا ذلك في الأناشيد الشعرية التي قالها المتصوفة، والتي من أولها إلى آخرها شرك صريح بالله ﷿ وتأليه للرسول ﷺ.\nولو نظرنا إلى حديث الأعمى فإننا لا نجد فيه لفظًا واحدًا من قريب أو بعيد فيه إشارة إلى جواز التوجه إلى النبي ﷺ رأسًا بالدعاء والاستغاثة كما رأينا في الأبيات السابقة التي توجه فيها المتصوفة إلى الرسول ﷺ، وعلى هذا فإنني أقول: إن حديث الأعمى في الحقيقة ليس نصًا في محل النزاع، وإنما هو شيء خارج عنه، فإن نزاعنا مع المتصوفة الذين يدعون الأنيباء ليس في التوسل فحسب بنوعيه المشروع والممنوع، وإنما نزاعنا معهم هو في التوجه بالدعاء والاستغاثة إلى الرسول والأولياء الذي يفعلونه يوميًا ويسمونه توسلًا بالأنبياء والأولياء، مع أنه ليس كذلك بل هو دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ والأولياء.\nوتسمية المتصوفة له بالتوسل لا يخرجه عن حقيقته وهو كونه دعاء واستغاثة بالرسول ﷺ وليس توسلًا به ولا بالأنبياء والأولياء، وهو يعتبر من باب تسمية الشيء بغير اسمه، وتسمية الشيء بغير اسمه لا يغير من حقيقة الشيء، فكون الخمر إذا سماه أحد من الناس عسلًا لا يغير ذلك من حقيقة الخمر بل هو باق على حقيقة الخمرية، وكون المتصوفة يسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل بهم لا يغير ذلك من الحقيقة شيئًا بل هو باق على حقيقته وهو كون هذا الذي يفعله المتصوفة مع الرسول والأولياء دعاء واستغاثة بهم من دون الله، وهو عين الشرك بالله تعالى.","vol":"2","page":1176},{"text":"ثانيًا: ما رواه أنس بن مالك ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون».\nولقد فهم المتصوفة وغيرهم من القائلين بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين إلى الله من هذا الأثر بأن توسل عمر ﵁ إنما كان بجاه العباس ﵁ ومكانته عند الله ﷾، وأن توسله كان مجرد ذكر العباس في دعائه وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله. وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بزعمهم وتوسلًا بدلًا منه بالعباس ﵁ فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.\nالمناقشة: إن فهم المتصوفة هذا فهم خاطئ، وتفسيرهم للحديث بهذا التفسير السابق مردود عليهم من وجوه كثيرة:\nفإن من القواعد المهمة في الشرعية الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا ولا يفهم شيء منها في موضع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه؛ وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل، والجميع متفقون على أن في كلام عمر: (كنا نتوسل إليك بنبينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا) شيئًا محذوفًا لابد له","vol":"2","page":1177},{"text":"من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون كنا نتوسل بجاه نبينا، وإنا نتوسل بجاه عم نبينا على رأي المخالفين، أو أن يكون؛ كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا وإنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا على رأينا نحن، ولابد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.\nوإذا أردنا أن نعرف أي التقديرين أصح لابد من الرجوع إلى السنة لتبين لنا طريق توسل الصحابة الكرام بالنبي محمد ﷺ.\nفإذا نظرنا إلى الصحابة الكرام هل كانوا إذا أجدبت بلادهم يبقى كل واحد منهم في بلده، أو كانوا يجتمعون في بلد، أو كانوا يجتمعون دون أن يكون معهم رسول الله ﷺ وهو في الحياة؛ فيدعون متوسلين بجاه محمد وذاته قائلين: اللهم بنبيك محمد وحرمته عندك ومكانته لديك اسقنا الغيث مثلًا، أم كانوا يأتون النبي ذاته فعلًا ويطلبون منه الدعاء فيحقق ﷺ طلبهم ويدعو لهم ويسقون؟ .\nأما الأمر الأول: وهو التوسل بذات الرسول وحرمته عند الله ومكانته دون الإتيان إلى الرسول ﷺ وطلب الدعاء منه فلا وجود له في السنة النبوية الصحيحة ألبتة، ولا عمله الصحابة الكرام. وما ورد في ذلك من آثار فهي كلها موضوعة وضعها المغرضون لإيقاع الناس في الشرك في الدعاء.\nوأما الأمر الثاني: وهو التوسل إلى الله بطلب الدعاء من الرسول ﷺ فقد ورد كثير منه في السنة النبوية وقد كان الصحابة الكرام يفعلونه، حيث أتى كثير من الصحابة يطلب الدعاء من الرسول ﷺ حينما أجدبت بلادهم. وإليك حديثًا واحدًا يدل على أن الصحابة الكرام كانوا يتوسلون بدعاء النبي ﷺ لا بذاته وجاهه وحرمته ومكانته عند الله.\nفقد روى أنس بن مالك ﵁ حديثًا عن رسول الله ﷺ فقال: «بينما","vol":"2","page":1178},{"text":"رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، قحط المطر فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة. قال: فقام ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم حوالينا ولا علينا»، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينًا وشمالًا يمطرون ولا يمطر أهل المدينة».\nووجه الاستدلال بهذا الحديث أن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يتوسلون إلى الله بدعاء النبي ﷺ لأنهم كانوا يأتون إليه يطلبون منه الدعاء، ولو كانوا يتوسلون بذاته ومكانته عند الله لما احتاجوا إلى الإتيان إلى المدينة وطلب الدعاء منه، بل لكانوا يتوسلون إلى الله وهم في أهليهم فيقولون: (اللهم بنبيك محمد ومكانته وجاهه وحرمته عندك اسقنا الغيث) فيسقون. ولكن هذا لم يفعله الصحابة الكرام لأنهم يعلمون أنه توسل غير مشروع. ولذا: نقول إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو (أنّا كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا فتسقينا وأنّا نتوسل إليك بدعاء عم نبينا فاسقنا). وعلى هذا فتقدير المجيزين للتوسل الممنوع وهو قولهم: إن المحذوف في توسل عمر بالعباس هو كلمة الجاه في الموضعين غير صحيح؛ لأنه ليس لهم دليل يستندون إليه.\nوإلى جانب ذلك هناك قرائن كثيرة تدل على أن التوسل من عمر ﵁ كان بدعاء العباس لا بذاته ولا بجاهه ولا بمكانته، وهذه القرائن هي:\n١ - عدول عمر عن التوسل بالرسول ﷺ وهو أشرف خلق الله وأن التوسل به أولى من التوسل بغيره؛ وذلك لأن الرسول ﷺ قد مات ولا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته؛ ولذلك عدل عمر عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب، لأنه عم رسول الله ﷺ فطلب منه الدعاء، ولو كان عمر توجه بجاه العباس إلى الله","vol":"2","page":1179},{"text":"لتوسل بجاه النبي لأنه أكبر جاهًا عند الله من العباس بن عبد المطلب.\nولكن لما كان التوسل المشروع هو التوسل بدعاء الرسول ﷺ عدل عن التوسل بالنبي ﷺ لأنه لا يمكن طلب الدعاء منه بعد موته فتوسل بدعاء العباس ابن عبد المطلب لطلب السقيا، وعلى هذا نقول: إن استدلال المجيزين للتوسل بذات الشخص وجاهه ومكانته عند الله بهذا الحديث استدلال باطل؛ لأن الحديث ليس دليلًا بل عليهم، ولكن أوقعهم في الاستدلال به سوء مقصدهم.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رادًا على الذين يقولون بجواز التوسل بذات النبي وذات غيره من الأولياء ومؤكدًا بأن هذا لم يفعله الصحابة ولا التابعون بل هو من البدع المحدثة التي ابتدعها أهل الأهواء:\n(فأما التوسل بذاته في حضوه أو مغيبه أو بعد موته - مثل الإقسام بذاته أو بغيره من الأنبياء، أو السؤال بنفس ذواتهم لا بدعائهم - فليس هذا مشهورًا عند الصحابة والتابعين، بل عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفوا بمن كان حيًا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا في هذه الحال بالنبي ﷺ لا عند قبره ولا غير قبره بل عدلوا إلى البدل كالعباس وكيزيد، بل كانوا يصلون عليه في دعائهم، وقد قال عمر: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا).","vol":"2","page":1180},{"text":"فجعلوا هذا بدلًا عن ذاك لما تعذر أن يتوسلوا به على الوجه المشروع الذي كانوا يفعلونه، وقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره ويتوسلوا هناك ويقولوا في دعائهم بالجاه ونحو ذلك من الألفاظ التي تتضمن القسم بمخلوق على الله ﷿ أو السؤال به فيقولون: نسأله أو عليك بنبيك ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس ...).\nثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك علم الصحابة أن التوسل به إنما هو التوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وموالاته أو التوسل بدعائه وشفاعته، فلهذا لم يكونوا يتوسلون بذاته مجردة عن هذا وهذا، فلما لم يفعل الصحابة رضوان الله عليهم شيئًا من ذلك ولا دعوا بمثل هذه الأدعية - وهم أعلم منا وأعلم بما يحب الله ورسوله وأعلم بما أمر الله به ورسوله من الأدعية وما هو أقرب إلى الإجابة منا بل توسلوا بالعباس وغيره ممن ليس مثل النبي ﷺ دل عدولهم عن التوسل بالأفضل إلى التوسل بالمفضول أن التوسل المشروع بالأفضل لم يكن ممكنًا).\nويقول الشيخ محمود شكري الآلوسي رادًا على المتصوفة الذين يستدلون بتوسل عمر بالعباس على جواز التوسل بالذوات مبينًا أن هذا الحديث دليل على عدم جواز التوسل بالذوات، وأن التوسل المشروع هو التوسل بطلب الدعاء من الرجل الصالح إن وجد، قال: (بل هو أقوى الأدلة وأرجحها وأعلاها وأوثقها وأصحها وأصدقها لما ندعيه، فإن قول عمر: (اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا ... إلخ) يدل دلالة ظاهرة على انقطاع ذلك الذي هو الدعاء، بدليل قوله: (إنا كنا)، ولما كان العباس حيًا فطلبوه منه فلما مات فات، فقصرهم له على الموجودين ولو كانوا مفضولين دليل ساطع وبرهان لامع على هذا","vol":"2","page":1181},{"text":"المراد. ولو كان المقصود الذوات كما يقولون لبقيت هذه التوسلات على حالها لم تتغير ولم تتبدل إلى المفضولين بعد وجود الفاضلين سيما الأنبياء والمرسلين. فتأمل في هذا فإنه أحسن ما في الأوراق، حقيق بأن يضرب عليه رواق الاتفاق، والله يهديك السبيل، فهو نعم المولى ونعم الوكيل).\nوقال الشيخ نعمان خير الدين الشهير بابن الآلوسي البغدادي مبينًا أن توسل عمر بالعباس ﵁ دليل على جواز التوسل بدعاء الرجل الصالح وعلى منع التوسل بالذوات:\n(وأما ما ذكروه من الاستدلال بتوسل عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب ﵄ فالمراد بذلك أن يدعو لهم. يدل عليه ثبوت دعائه لهم بطلب السقيا كما جاءت به بقية الروايات، ومثله استسقاء معاوية في الشام بيزيد بن الأسود فإنه قال: يا يزيد، ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الناس حتى سقوا، وهذا المعنى هو الذي عناه الفقهاء في باب الاستسقاء ومرادهم التوجه إلى الله تعالى بدعاء الصالحين؛ فإن دعاءهم أرجى الإجابة.\nولو كان التوسل بالذوات هو المطلوب، والمدلول الذي أقاموا عليه الدليل - وهم بمقتضى دليلهم لا يخصون الأحياء بهذا التوسل، ويستحبون التوسل بالذوات الشريفة ولو بندائهم ودعائهم وأنه على معنى أن الشفعاء يدعون لهم وقالوا: لا مانع من ذلك عقلًا وشرعًا فإنهم أحياء في قبورهم - لكان التوسل بالنبي ﷺ في ذلك الأمر المهم وهم عنده بالمدينة أولى). ثم","vol":"2","page":1182},{"text":"أورد توسل عمر بالعباس وقال: (بل هذا الدليل الذي تمسكوا به من أقوى الأدلة وأرجحها وأظهرها على ما ندعيه من عدم الجواز، فهو عليهم لا لهم عند من له أدنى فهم وإنصاف).\nوالخلاصة: أن توسل عمر بن الخطاب ﵁ بالعباس ﵁ دليل قاطع على أن التوسل المشروع بالنبي ﷺ إلى الله تعالى هو التوسل بمحبته وطاعته والإيمان به؛ لأن هذه الأمور من الأعمال الصالحة والأعمال الصالحة من أهم الأشياء التي يتقرب بها الإنسان إلى الله ﷾، ولأنه هو التوسل الباقي بعد موت الرسول؛ حيث إن الصحابة كانوا يأتون إلى النبي ﷺ في حياته ويطلبون منه الدعاء فكان يدعو لهم، ولكن لما علم الصحابة رضوان الله عليهم أن التوسل بدعاء النبي ﷺ غير ممكن بعد موته توسلوا إلى الله بدعاء العباس بن عبد المطلب حيث طلب منه عمر أن يدعو فدعا.\nولم يكن التوسل بالعباس بن عبد المطلب بجاهه كما يزعم المخالفون من المتصوفة وغيرهم، وإنما كان التوسل بدعائه، ولو كان التوسل بالذوات والجاه جائزًا لما عدل عمر ﵁ عن التوسل بجاه النبي ﷺ وذاته ومكانته عند الله؛ لأن النبي ﷺ يتفوق على الجميع في هذا، ولكن لما كان التوسل بذاته وجاهه ومكانته غير جائز عدل عن التوسل به إلى التوسل بالعباس بن عبد المطلب.\nوبهذا نخلص إلى أن الأحاديث الصحيحة التي استدل بها المتصوفة على جواز التوجه إلى الرسول بالدعاء والاستغاثة وبالأنبياء والصالحين ليس لهم أي دليل فيها، بل هي ضدهم، ومشايخ الصوفية لم يقعوا في هذا لعدم فهمهم","vol":"2","page":1183},{"text":"لها، وإنما يستدلون بها لسوء مقصدهم، وفساد معتقدهم من أجل أن يبرروا للناس العوام الأعمال الشركية، وقد فعلوها، فما من بلد إسلامي في هذا العالم الإسلامي - إلاّ ما شاء الله - إلاّ ويمارس الشرك باسم التوسل رغم أن التوسل بالشخص ودعاءه والاستغاثة به بينهما فرق كبير جدًا، ومع هذا فالصوفية يخلطون بينهما عن عمد ويسمون دعاء الرسول والاستغاثة به وكذلك الأولياء بأنه توسل، وهذا جهل عظيم، وخطأ فادح وقع فيه المتصوفة عن عمد أو خطأ، وعن علم أو جهل، الله أعلم بحالهم.\nوللشيخ محمود شكري الآلوسي كلام نفيس في هذا المجال، وهذا نصه:\nفقد قال ﵀ في كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني في معرض رده على النبهاني: (أقول وبالله التوفيق: إن الكلام على ما حواه كلامه من الكذب والزور والبطلان يطول جدًا، فضلًا عما اشتملت عليه عباراته من الغلط وفساد التركيب وسوء التعبير؛ فكلامه كله ظلمات بعضها فوق بعض، فلو تكلمنا على ذلك كله لطال الكلام وكلت عن رقمه الأقلام، فإن النبهاني هذا من أعظم الغلاة المحادين لله ورسوله وكلامه كله باطل وجهل مركب وبهت لأهل الحق، وليس فيه جملة واحدة توافق الحق أصلًا، فالحمد لله الذي خذل أعداء دينه وجعلهم عبرة لأوليائه وعباده المؤمنين).\nثم دخل الشيخ في التفريق بين دعاء الشخص والاستغاثة به من دون الله وبين التوسل به إلى الله، فقال:\n(أما مشروعية الاستغاثة ففيها تفصيل؛ إذ الاستغاثة بالشيء على ما ذكره بعض المحققين: طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستغاثة طلب الإعانة منه فإذا كان بنداء المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالًا منه، وظاهر أن ذلك","vol":"2","page":1184},{"text":"ليس توسلًا به إلى غيره إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد غيره أن يقول لمستغاثة: أستغيثك على هذا الأمر بفلان. فيوجه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك أو أريد منك وأستغيث بك. ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي.\nوإن كان كما يقول فما قدر المتوسل إليه حق قدره وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره، كيف واستعمال العرب يأبى عنه؛ فإن من يقول: صار لي ضيق فاستغثت بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جلية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو استغثت إليك بفلان. فيكون حينئذٍ مدخول الباء متوسلًا به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد المتوسل به، سيما إذا كنت داعية وسائله.\nبل قولك هذا نص على أن مدخول الباب مستغاث وليس مستغاثًا به، والقرائن التي تكتنفه من الدعاء وقصر الرجاء والالتجاء شهود عدل، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول، فهذه الاستغاثة وتوجه القلب إلى المسئول بالسؤال والإبانة محظورة على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسول رب العالمين.\nوهل سمعتم أن أحدًا في زمانه ﷺ أو ممن بعده في القرون المشهود لأهلها بالنجاة والصدق - وهم أعلم منا بهذه المطالب وأحرص على نيل مثل تلك الرغائب - استغاث بمن يزيل كربته التي لا يقدر على إزالتها إلا الله، أم كانوا يقصرون الاستغاثة على مالك الأمور ولم يعبدوا إلا إياه، ولقد جرت عليهم أمور وشدائد مدلهمة في حياته ﷺ وبعد وفاته، فهل سمعت عن أحد منهم أنه استغاث بالنبي ﷺ أو قالوا: إنا مستغيثون بك يا رسول الله؟ أم بلغك أنهم لاذوا بقبره الشريف وهو","vol":"2","page":1185},{"text":"سيد القبور حين ضاقت منهم الصدور؟ كلا، لا يمكن لهم ذلك، وأن الذي كان بعكس ما هنالك، فلقد أثنى الله عليهم ورضي عنهم فقال عز من قائل: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)؛ مبينًا لنا أن هذه الاستغاثة أخص الدعاء وأجلى أحوال النجاة وهي من لوازم السائل المضطر الذي يضطر إلى طلب الغوث من غيره، فيخص نداءه لدى استغاثته بمزيد الإحسان في سره وجهره، ففي استغاثته بغيره تعالى عند كربته تعطيل لتوحيد معاملته).\nثم قال: (فلا يقال لأحد حي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمتني، أو أحي ميتي أو اشف مريضي. إلى غير ذلك مما هو من الأفعال الخاصة بالواحد الأحد الفرد الصمد).\nثم قال: (والقرآن ناطق بخطر الدعاء عن كل أحد لا من الأحياء ولا من الأموات سواء أكانوا أنيباء أو صالحين أو غيرهم، وسواء كان الدعاء بفظ الاستغاثة أو بغيرها؛ فإن الأمور الغير مقدورة للعباد لا تطلب إلا من خالق القدر ومنشئ البشر، كيف والدعاء عبادة، وهي مختصة به سبحانه).\nوالمقصود: بيان كون هذه الشبهة التي تعلقوا بها في الشرك بالله ﷿ في قدرته الكاملة من إثبات التصرف في الكون لغير الله ﷿ وإثبات جواز نداء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه من الشبه الواهية، وليس لهم أي مستند من الشرع، وليس هذا من باب التوسل الذي يذكرونه، فإنه شتان بين التوسل وبين الاستغاثة والاستنجاد وطلب النفع والضر ودفع الكربة من الله، ثم ليس كل ما يرون من التوسل جائزًا، بل التوسل الجائز يمنع وقوع مثل هذه الأنواع","vol":"2","page":1186},{"text":"من الشركيات بغير الله، فاستدلال المتصوفة بشبهة التوسل على جواز هذه الأمور استدلال في غير محله.\nب- عدم التفريق بين الربوبية والألوهية في المعنى، وفي الحكم، والقول بترادفهما:\nوذلك، أنهم لما قالوا بترادفهما نتج عن ذلك اعتبار كل من اعتقد بالله ربًا: مسلمًا، عبد بعد هذا من دونه ما شاء، لا يخرجه عن الإسلام.\nمع وضوح الدلائل والبينات في ما سبق معنا على أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في مفهوميهما في لغة العرب وفي لغة القرآن وفي مفهوم سلف هذه الأمة، فإن هناك من المتأخرين من يتشبث ببعض الشبه على قولهم بترادف الإله والرب، حتى قالوا: من أيقن بالله ربًا فقد جاء بالتوحيد المطلوب، ولهم شبهات كثيرة معظمها ناتجة عن سوء الفهم للآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، لبعدهم عن الفهم الصحيح لهذه النصوص. فمن الشبه التي يتمسكون بها ما يلي:\nالشبهة الأولى: قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا).\nوجه الاستدلال: - كما يقولون - هذه الآية فيها دلالة على أن الإله هو الرب؛ فإن الله تعالى علم المؤمنين ورد على الكافرين المشركين، والمعنى لو كان في السموات والأرض أرباب غير الله لفسدتا؛ لأن كل رب يريد ما لا يريد الآخر؛ فيلزم فساد هذا النظام الموجود؛ فلما لم تفسدا دل على أن الرب لهذا الوجود واحد في ربوبيته.","vol":"2","page":1187},{"text":"ويجاب عن هذه الشبهة: بأن الإله في هذه الآية ليس المراد منه هو الرب الخالق الصانع؛ لأن هذه الآية سيقت للرد على المشركين الذين لم يعتقدوا صانعين أو أكثر للعالم؛ بل اتخذوا آلهة يعبدونها من دون الله؛ ولم يعتقدوا فيها أنها خالقة؛ أرباب، صانعة، بل اعتقدوا فيها أنها عباد مقربون عند الله ويشفعون لهم عند الله، إذن حمل الآية على برهان التمانع (التفسير المذكور) صار باطلًا أيضًا، فإنه سبحانه أخبر: أنه لو كان فيهما آلهة غيره؛ ولم يقل: (أرباب).\nوأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضًا فإنه قال: (لفسدتا)، وهذا فساد بعد الوجود، ولم يقل: لم توجدا. فالمراد من الفساد ليس التخريب والهدم الظاهر؛ لأنه لو كان الأمر هكذا لقال الله تعالى: (لم تخلقا) ولم يقل: (لفسدتا) لأن برهان التمانع يقتضي ألاّ توجد السموات والأرض إن فرض وجود صانعين فأكثر لا أن تفسدا بعد خلقهما، وإنما المراد من الفساد في الآية: الفساد بمعنى الظلم والعدوان؛ لأن التوحيد أعدل العدل، والشرك أظلم الظلم.\nوأما المراد من الفساد المنفي في هذه الآية فهو الفساد الناشئ عن عبادة غير الله تعالى وفساد نظام صلاح الحق، قال شيخ الإسلام: (فالمقصود هنا: أن في هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته ... فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة).","vol":"2","page":1188},{"text":"الشبهة الثانية: تشبثهم بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).\nقالوا: (لم يقل: ألست بإلهكم، فاكتفى منهم بتوحيد الربوبية، ومن المعلوم: أن من أقر لله بالربوبية فقد أقر الله بالألوهية، إذ ليس الرب غير الإله، بل هو بعينه).\nالشبهة الثالثة: تشبثهم بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا).\nقالوا: (لم يقل: (إلهنا)، فهذا يدل على أن توحيد الربوبية كافٍ في النجاة والفوز، لاسلتزامه توحيد الألوهية، فهذا دليل على أن القول بأحد التوحيدين قول بالآخر).\nالشبهة الرابعة: استدلالهم بحديث سؤال الملكين في القبر: بـ (من ربك؟).\nقالوا: (لم يقولا له: (من إلهك)، فدل على أن توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية).","vol":"2","page":1189},{"text":"الشبهة الخامسة: استدلالهم بحديث: «قل ربي الله ثم استقم».\nوجه الاستدلال - كما سبق - حيث لم يقل: قل: (إلهي الله).\nويجاب عن هذه الشبهات الأربعة الأخيرة:\nبأنه لا شك في أننا مأمورون باعتقاد أن الله ربنا وحده، ليس لنا رب غيره، وباعتقاد أن الله وحده هو معبودنا، ليس لنا معبود غيره، ولا نعبد إلا إياه. فإذا اتفقنا عليه نستطيع أن نقول: بأن الرب هو الله ﷿ وليس لنا رب سواه، وإذا قلنا: إنه هو الرب لنا يجب علينا أن نؤلهه أي نعبده، فإن الرب هو الذي يرب الناس - كما سبق - والذي يرب هو الذي يعبد. فقولهم: (ليس الرب غير الإله) لا يخلو من إحدى ثلاث حالات:\nالأولى: أن الإله هو الرب نفسه في واقع الأمر. فهذه القضية صحيحة لا شك فيها.\nالثانية: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد الموحدين المؤمنين - كما عليه في نفس الأمر - فهذا أيضًا صحيح.\nالثالثة: أن الإله هو الرب نفسه في اعتقاد المشركين، فهذا هو محل النزاع، فإن الإله الحق في نفس الأمر واعتقاد الموحدين هو الرب نفسه، إلا أن المشركين كانوا يتخذون غير الله آلهة مع اعترافهم بأن الله هو رب الخالق المدبر، فلا يصح قولهم - الذي سبق - إرا أرادوا هذا المعنى.\nأما استدلالهم بالآية القرآنية والأحاديث النبوية على أن الرب هو الإله","vol":"2","page":1190},{"text":"بعينه، فأقول: إن هذا الاستدلال فاسد من وجوه:\nالأول: غاية ما تفيد هذه الآيات والأحاديث أنه عند إفراد الربوبية يدخل فيها توحيد الألوهية، ولا تفيد حصر التوحيد في الربوبية فقط، فإن هناك أدلة صريحة تدل على توحيد الألوهية أيضًا.\nالثاني: أنها تحتمل أن تكون كنظائرها التي فيها تقرير المشركين باعترافهم بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية وليفردوه بالعبادة، فإن الإقرار بتوحيد الربوبية - مع ملاحظة قضية بديهية وهي أن غير الرب لا يستحق العبادة - يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية عند من له عقل سليم، وفهم مستقيم، فيكون الإقرار المذكور حجة عليهم، كما احتج الله تعالى على المشركين بتوحيد الرازق ومالك السمع والأبصار ... على وحدانية الألوهية.\nفقال: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ).\nوقال: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).\nالثالث: أن يكون المراد بالرب فيها - المعبود - كما في قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ). ومن المعلوم:","vol":"2","page":1191},{"text":"أن أهل الكتابين ما كانوا يقولون: إن أحبارهم ورهبانهم يخلقون ويرزقون ونحو ذلك، وإنما كان شركهم في طاعتهم المطلقة، وذلك شرك في التشريع والرب يأتي بمعنى المعبود، كما قاله القرطبي.\nالوجه الرابع: خاص بقوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).\nإن في الآية اختصارًا، والمقصود: ألست بربكم وإلهكم، يدل عليه أثر ابن عباس ﵄: «إن الله لما مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منه الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وتكفل لهم بالأرزاق» الحديث.\nوفي أثر أبي بن كعب ﵁: «اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري فلا تشركوا بي شيئًا، فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نسهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله لنا غيرك، فأقروا له يومئذ بالطاعة».\nالوجه الخامس: إن الرب والإله يجتمعان ويفترقان؛ كما في قوله تعالى:","vol":"2","page":1192},{"text":"(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ). وكما يقال: رب العالمين وإله المرسلين، وعند الإفراد يجتمعان كما في قول القائل: من ربك؟\nومثاله: الفقير والمسكين نوعان في قوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ). ونوع واحد في قوله ﷺ: «افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» وهذا أيضًا مثل مسألة الإسلام والإيمان، وإذا ثبت هذا فقول الملكين للرجل في القبر: (من ربك) معناه: من إلهك، لأن الربوبية أقر بها المشركون، ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ). وقوله: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا). فالربوبية في هذا هي الألوهية ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران، فينبغي التفطن لهذه المسألة. لأن كثيرًا من الكلمات مع اختلاف معانيها قد تأتي إحداها بمعنى الأخرى في بعض السياق، ومع ذلك لا يدل على أنهما شيء واحد؛ لأن الاتحاد في الصدق لا يستلزم الاتحاد في المفهوم فضلًا عن التساوي؛ كما صرح به العلماء.","vol":"2","page":1193},{"text":"الشبهة السادسة: استدلالهم بقوله تعالى: (وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا). قالوا: إنه يدل على اتحاد الرب والإله. فإن المشركين لم يأخذوهم ربًا - كما تدعون ـ.\nيجاب عن هذه الشبهة:\nبأنه ليس في شيء من هذه الآية أن مشركًا قال في حق غير الله: إنه رب، أي إنه خالق مدبر الكون ونحوه ...، وإنما في بعضها: اتخاذ الأرباب، وهذا ليس نصًا على أنهم مقرون بربوبيتهم وخالقيتهم ونحوها، بل يحتمل أن يكون اتخاذهم الأرباب بمعنى:\n١ - صرف شيء من العبادة إليهم.\n٢ - بمعنى اتباع ما شرعوا لهم من تحريم الحلال وتحليل الحرام.\n٣ - كما ذكره أحد العلماء - إن بعض البشر اتخذوا أربابًا من دون الله، ومن اتخذ ربًا سماه ربًا إن كانت هذه التسمية لغة قومه، وقريش ما كانت تتخذ آلهتها أربابًا، والنصارى يسمون المسيح ربهم، ولا يطلقون اسم الرب على من عبدوهم من دونه وإن اتخذوهم أربابًا وآلهة.\nحاصل الجواب: أنه ليس المراد من لفظة (الرب) في مثل هذا السياق (الخالق","vol":"2","page":1194},{"text":"الرازق مدبر الكون) حتى يلزم ما زعمه هؤلاء، بل المراد من الرب في مثل هذا السياق هو المعبود، فإنه قد يأتي بهذا المعنى - كما سبق - فلفظة (الرب) في هذه الآية بمعنى المعبود، ويدل عليه أيضًا ما ذكره المفسرون في بيان سبب نزول الآية: أن بعض اليهود والنصارى قالوا للنبي ﷺ: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن نعبد غيره، أو نأمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني»، فأنزل الله هذه الآية.\nالشبهة السابعة: أن المشركين من العرب ما كانوا يعترفون بالربوبية لله جل شأنه، بل كانوا مشركين بالله بعدم إيمانهم بالله ربًا، والدليل عليه: قوله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ). والمعنى: لو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الله زلفى ما اجترءوا أن يسبوه انتقامًا ممن يسبون آلهتهم، فإن ذلك واضح جدًا في أن الله تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nأولًا: أن سبهم الذي يخشى أن يقع عند سب آلهتهم هو مقابلتهم لمن سب معبودهم بمثل سبه يريدون محض المجاراة فيتجاوزون الحد فيها، كما يقع كثيرًا من المختلفين في الدين والمذهب. وهذا كله من حب الذات والجهل","vol":"2","page":1195},{"text":"الحامل على المعاقبة على الجريمة بارتكابها عينها، يهين والده المعظم عنده.\nالثاني: ليس المراد أنهم يسبونه صريحًا، ولكن يخوضون في ذكره فيذكرونه بما لا يليق به، ويتمادون في ذلك بالمجادلة فيزدادون في ذكره بما لا يليق بالله تعالى.\nالثالث: أن معنى سبهم لله تعالى: عيبهم لأمر المسلمين فيعود ذلك إلى الله تعالى، لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به.\nالرابع: أنهم ربما كان في جهالهم من كان يعتقد بأن إله محمد شيطان يحمله على ادعاء الرسالة، وليس خالق السموات والأرض، فكان يشتم إله محمد على هذا التأويل.\nالخامس: أن هؤلاء يعلمون أن الله أجل وأعظم من أصنامهم، ولكن تهوى أنفسهم هذه الأصنام أكثر وتحبها حبًا أفضل من حب الله تعالى في أشياء مخصوصة باعتبارات مخصوصة، وليس تفضيلًا مطلقًا.\nالسادس: معنى السب لله تعالى هو تماديهم في الشرك به، فالشرك مسبة لله، وأي مسبة أعظم من عبادة غيره معه أو ادعاء الولد والصاحبة له؟ .","vol":"2","page":1196},{"text":"وهناك وجوه أخرى في توجيه هذه الآية، منها: أن المراد بسب الله: سب رسوله، أو أن الآية في القائلين بالدهر، ونفاة الصانع، وهذه الوجوه ضعيفة لا تناسب سياق الآية.\nالشبهة الثامنة: تشبثهم بقوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).\nوجه الاستدلال: لو كان الله هو الرب المعترف به لديهم لما كان حرمته أقل في نفوسهم من الحجارة والأوثان.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن الآية - بحمد الله - تدل على عكس فهم هذا الزاعم، وذلك أن معناها كما ذكره ابن عباس ومجاهد: أنهم يسمون لله جزءًا من الحرث، ولشركائهم وأوثانهم جزءًا، فما ذهبت به الريح أو سقط من جزء أوثانهم إلى جزء الله ردوه وقالوا: الله غني عن هذا، وأما ما ذهب من جزء الله إلى جزء أوثانهم لم يردوه وقالوا: إنها فقيرة ومحتاجة.\nوقال السدي: (إذا هلك الذي يصنعون لشركائهم وأوثانهم وكثر الذي لله قالوا: ليس بد لآلهتنا من نفقة، وأخذوا الذي لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء أزكى الذي له، فلا يردون عليه شيئًا مما للآلهة).","vol":"2","page":1197},{"text":"فهذان التفسيران يدلان على أن الله تعالى أعظم في نفوسهم من آلهتهم، لوصفهم الله تعالى بالغني على التفسير الأول، وبالمشيئة المطلقة على الثاني، ولوصفهم أوثانهم بالفقر والحاجة، وعدم المشيئة.\nالشبهة التاسعة: إن قول أبي سفيان يوم أحد (اعل هبل) أن يعلو في تلك الشدة يدل صراحة على أنهم كانوا يعبدون الله كعبادة الأصنام الأخرى وليس لكونه ربًا حتى باعترافهم.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن معنى (اعل هبل): ظهر دينك، أو أظهر دينك، وعلى هذا فهو يخبر بظهور دين هبل على دين المسلمين وليس على خالق السموات والأرض، أو يدعوه بأن يظهر دينه على دين المسلمين.\nولو سلمنا أن معناه: أن هبل أعلى من إله المسلمين فهو على قصد أن إله المسلمين غير خالق السموات والأرض، فإن المشركين لا يعترفون بأن الله هو الذي أرسل محمدًا ﷺ، بل يقولون: إنه ساحر، وكاذ وشاعر إلى آخر ذلك. ويدل عليه قصة الحديبية صراحة.\nوإذا كان هناك احتجاج بكلام الكفار في الحرب فيقال لهذا القائل: ماذا تقول في كلام أبي جهل يوم بدر: (اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه","vol":"2","page":1198},{"text":"الغداة فكان ذلك استفتاحًا منه فنزلت: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ).\nوالمقصود: أن القول بترادف الرب والإله غير صحيح، وبالتالي لا يقال: إن من أقر الله ربًا، يكون مسلمًا خالصًا فليدع ما شاء من دون الله، لا يخرج ذلك عن إسلامه - كما يقول به بعض المتصوفة وبعض الأشاعرة والماتريدية ـ.\nالشبهة الثانية: ومن الشبه التي يستدل بها المتصوفة على جواز دعاء غير الله في الشدائد والاستغاثة به هو زعمهم بأنهم يدعون الأنبياء والصالحين ليتوسطوا لهم إلى الله:\nولها صورتان عند المتصوفة قديمًا وحديثًا.\nالأولى: صورة فلسفية منطقية كلامية.\nوالثانية: صورة أمية عامية عادية.\nأما الصورة الأولى فتقريرها: أن النفوس التي فارقت أبدانها أقوى من النفوس المتعلقة بالأبدان من بعض الوجوه؛ لأنها لما فارقت أبدانها زال عنها الغطاء والوطاء، وانكشف لها عالم الغيب، فالإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجوهر شديد التأثير، ووقف عند قبره ساعة، وتأثرت نفسه من تلك التربة، حصل لنفس هذا الزائر تعلق بتلك التربة، وقد عرفت أن لنفس ذلك الميت تعلقًا بتلك التربة أيضًا، فحينئذ يحصل لنفس الحس ولنفس الميت ملاقاة بسبب اجتماعهما على تلك التربة، فصارت هاتان النفسان شبهتين","vol":"2","page":1199},{"text":"بمرآتين صقيلتين وضعتا بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى.\nوبهذا السبب ينعكس النور من نفس الميت المزور إلى نفس هذا الحي الزائر، وبهذا الطريق تصير تلك الزيارة سببًا لحصول المنفعة الكبرى، فهذا هو السبب الأصلي في شرعية الزيارة، ولهذا ينتفع بزيارة القبور والاستعانة بنفوس الأخيار من الأموات في استنزال الخيرات واستدفاع الملمات. فهذه فلسفة المتفلسفة منهم.\nوبطلان هذا القول أظهر من الشمس في رابعة النهار، فلا يشتغل بالرد عليه.\nوأما الصورة الثانية: فتقريرها عند العامة على جواز الاستعاثة بالأموات عند الكربات بل على وجوبها - عندهم - أن الأنبياء ﵈ والأولياء - كما يزعمون - واسطة في العون والمدد والإغاثة بين الله وبين المكروبين المضطرين، لعلو شأنهم ورفيع درجاتهم عند الله، وأن المكروب المستغيث يرى نفسه ملطخًا بالذنوب، فهو بعيد عن الله تعالى لا يصل إليه بواسطة أحبابه من الأولياء الذين يشفعون لهم عند الله تعالى. فكما أنه لا يمكن للرعايا الوصول إلى الملوك إلا بواسطة الوزراء والأمراء، كذلك لا يمكن الوصول إلى الله لإنجاح الحوائج بواسطة الأنبياء والأولياء.","vol":"2","page":1200},{"text":"يجاب عن هذه الشبهة في تشبثهم بكلمة الواسطة بما يلي:\n١ - إن المتصوفة في تشبثهم بكلمة الواسطة ملبسون ومدلسون، حيث إنهم خلطوا الباطل بالحق، فإن كون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واسطة بين الله وبين سائر الناس، يحتمل معنى حقًا ومعنى باطلًا؛ فمن أراد أنهم واسطة في تبليغ أوامر الله ونواهيه، وبيان دينه وشرعه، وتوضيح ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه، فهذا معنى حق وصواب. وإن أراد بالواسطة أن الأنبياء والأولياء واسطة بين العباد وبين رب العباد في جلب المنافع ودفع المضار، والرزق، والنصر، والإغاثة، وكشف الكربات؛ فهذا من أعظم الشرك بالله الذي كفّر الله به المشركين.\nولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذا المجال أريد أن أنقل منه مقتطفات. قال ﵀ بعد أن أثبت بأن الأنبياء والرسل واسطة بين الله وبين الخلق في تبليغ الرسالة بكل ما تحمله هذه العبارة من العقائد والعبادات والأحكام الشرعية بشتى أنواعها، قال رادًا على الذين يزعمون بأن الأنبياء والأولياء والصالحين وسائط بين الله وبين خلقه في دفع المضار وجلب المنافع: (وإن أراد بالواسطة أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار. لكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها حق، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ","vol":"2","page":1201},{"text":"وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).\nوقال الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ).\nوقالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزير والملائكة، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلًا، وأنهم يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه، قال تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).\nفبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كفر بإجماع المسلمين ... - إلى أن قال - والمقصود هنا أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي","vol":"2","page":1202},{"text":"أنكره الله على النصارى، حيث قال: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nويقول الشيخ عبد اللطيف في رده على ابن جرجيس الحنفي البغدادي الذي استدل على جواز دعاء غير الله والاستغاثة به بكونهم وسائط بين الله وبين عباده، قال: (فالقول بجواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الأنبياء والصالحين وجعلهم وسائط بين العبد وبين الله والتقرب إليهم والنذر والنحر والتعظيم بالحلف وما أشبهه مناقضة ومنافاة لهذه الحكمة التي هي المقصودة بخلق السموات والأرض وإنزال الكتب، وإرسال الرسل وفتح لباب الشرك في المحبة والخضوع والتعظيم، ومشاقة ظاهرة لله ورسوله، ولكل نبي كريم، والنفوس مجبولة على صرف ذلك المذكور من العبادات إلى من أهل لكشف الشدائد وسد الفاقات وقضاء الحاجات من الأمور العامة التي لا يقدر عليها إلا فاطر الأرض والسموات) - إلى أن قال - (الوجه الثاني: أن هذا بعينه قول عباد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين، ولم يزيدوا على ما ذكره هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم، والقول الذميم، كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ).\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا","vol":"2","page":1203},{"text":"إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).\nوقال تعالى: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).\nفهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله، وتقضي حوائجهم منه تعالى، وقد أنكر القرآن هذا أشد الإنكار، وأخبر أن أهله هم أصحاب النار، وأن الله تعالى حرم عليهم الجنة دار أوليائه الأبرار. وجمهور هؤلاء المشركين لم يدّعوا الاستقلال ولا الشركة في توحيد الربوبية، بل أقروا واعترفوا بأن ذلك لله وحده، كما حكى سبحانه وإقرارهم واعترافهم بذلك في غير موضع من كتابه.\nفحاصل ما ذكر من جواز الاستغاثة والدعاء والتعظيم بالنذر والحلف مع نفي الاستقلال وأن الله يفعل لأجله هو عين دعوى المشركين وتعليلهم وشبههم لم يزيدوا عليه حرفًا واحدًا، إلا أنهم قالوا: قربان وشفعاء، والغلاة سموا ذلك: توسلًا، فالعلة واحدة، والحقيقة متحدة ...).\nثم قال الشيخ بعد أن ذكر الوجه الثالث الذي أثبت فيه بأن الله ﷾ أمر عباده بإفراده بالدعاء والاستغاثة وإنزال الحاجات به دون غيره، حيث أورد آيات وأحاديث كثيرة في هذا المجال، وأخيرًا قال: (وعلى القول بجعل الوسائط بين العباد وبين الله تقلع أصول هذا الأصل العظيم الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البيان، فأي فرح وأي نعيم،","vol":"2","page":1204},{"text":"وأي فاقة سدت، وأي ضرورة دفعت، وأي سعادة حصلت، وأي أنس واطمئنان، إذا كان التوجه والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر لغير الملك الحنان المنان ...\nفصلاح السموات والأرض بأن يكون الله سبحانه هو إلهها دون ما سواه، ومستغاثها الذي تفزع إليه وتلجأ إليه في مطالبها وحاجاتها ... وأن الشرع الذي جاء به محمد ﷺ والسنة التي سنها في قبور الأنبياء والصالحين وعامة المؤمنين تنافي هذا القول الشنيع ... وتبطله وتعارضه؛ فإنه ﷺ سن عند القبور ما صحت به الأحاديث النبوية وجرى عليه عمل علماء الأمة من السلام عند زيارتها، والدعاء لأصحابها وسؤال الله العافية لهم، من جنس ما شرعه من الصلاة على جنائزهم، ونهى عن عبادة الله عند القبور والصلاة فيها وإليها، وخص قبور الأنبياء والصالحين بلعن من اتخذها مساجد يعبد فيها الله تعالى، ويدعى، وتواترت بذلك الأحاديث خرجها أصحاب الصحيحين وأهل السنن، ومالك في موطئه، فمنها قوله ﷺ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».\nوحديث أبي هريرة ﵁: «قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ...) ثم قال الشيخ عبد اللطيف: (ومن شم رائحة العلم وعرف شيئًا مما جاءت به الرسل عرف أن هذا الذي قاله الغلاة من جنس عبادة الأصنام والأوثان، مناقض لما دلت عليه السنة والقرآن، ولا يستريب في ذلك عاقل من نوع الإنسان ... وأن من أعرض عن الله وقصد غيره، وأعد ذلك الغير لحاجته","vol":"2","page":1205},{"text":"وفاقته، واستغاث به ونذر له ولاذ به؛ فقد أساء الظن بربه، وأعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن خلاف كماله المقدس؛ فظن به ما يناقض أسمائه وصفاته، ولهذا توعد ﷾ الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم كما ذكره تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).\nوقال تعالى - لمن أنكر صفة من صفاته ـ: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nوقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nقال الشيخ عبد اللطيف: (أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه قد عبدتم غيره، وما ظننتم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره، فو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه غني عن كل ما سواه فقير إليه كل من عداه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشرك فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمة إلى من يستعطفه.\nوهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم","vol":"2","page":1206},{"text":"أحوال الرعية وحوائجهم من الوسطاء الذين يعينونهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء؛ فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).\nوالخلاصة: أن شبهة الوساطة التي يحتج بها المتصوفة لدعاء غير الله من الأنبياء والأولياء هي نفس الشبهة التي وقع بسببها أمام كثيرة في الإشراك بالله حيث دعوا الأنبياء والأولياء بحجة أنهم يتوسطون لهم إلى الله، وقد وصفهم الله تعالى بالمشركين لوقوعهم في دعاء غير الله من الأنبياء والصالحين، فكل من فعل مثل فعلهم فهو مثلهم، ويتناوله الحكم الذي حكم الله به على أسلافهم من عبدة القبور.\nثم إن الله ﷾ أقرب إلينا من حبل الوريد، كما ذكره تعالى: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)، فلا حاجة إلى الوسطاء بين الله وبين عباده، ولذا فقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يدعوه ويطلبوا منه ما يريدونه رأسًا بلا وسائط، فقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).","vol":"2","page":1207},{"text":"وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).\nوعلى هذا فحجة المتصوفة بأنهم يدعون الأنبياء والأولياء لأنهم وسطاء بينهم وبين الله حجة باطلة أتوا بها من عند أنفسهم، وليس لهم أي دليل يستندون عليه من الكتاب والسنة لإثبات شرعية استدلالهم بهذه الحجة، بل إن دعاء الأنبياء والأولياء بهذه الحجة هو عين الإشراك بالله - كما سبق لنا ـ.\n٢ - إن المتصوفة القبورية في جعلهم الصالحين واسطة بين الخلق وبين الحق تعالى لدفع المضرات وجلب الخيرات مشبهة مرتين بتشبيهين من جهتين اثنتين، فمرة شبهوا المخلوق بالخالق في صفات الكمال فصاروا مشبهة حيث رفعوا المخلوقين فوق منزلتهم ووصفوهم بصفات الله من العلم والقدرة والسمع والإغاثة ونحوها، فعبدوهم من دون الله تعالى.\nومرة شبهوا الخالق بالمخلوق في صفات النقص، وذلك؛ حيث إنهم قد قاسوا رب العالمين، خالق السموات بالملوك والسلاطين الذين لا يتوصل إليهم إلا بالأمراء والوزراء، ومن المعلوم - كما سبق معنا ـ: أن أصل الشرك هو التشبيه والتشبه.\n٣ - إن هذه الواسطة باطلة من أصلها؛ إذ فيها قياس الله على الملوك، وهذا من أفسد القياس في العالم، وهو قياس مع الفارق من عدة أوجه:","vol":"2","page":1208},{"text":"الأول: أن الملوك لأجل جهلهم بحقائق الأمور وعدم جهلهم بأحوال الرعية - يحتاجون إلى وسائط من الأمراء والوزراء والندماء والوجهاء والعرفاء ليبلغوهم أحوال الرعية، ويرفعوا إليهم حوائجهم، بخلاف عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.\nالثاني: أن الملوك عاجزين عن تدبير أمورهم والقيام على حقوق رعاياهم ودفع أعدائهم، فهم في حاجة إلى أعوان وأنصار من الوزراء ليعينوهم في تدبير مملكتهم وسياسة رعاياهم وحفظ بلدانهم وأوطانهم؛ بخلاف رب الكائنات، الخالق، الحي، القيوم، القادر، المالك، الغني، القاهر، القوي، العزيز، فمن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فهو كافر.\nالثالث: أن الملوك ليسوا مريدين لنفع الرعية والإحسان إليهم ورحمتهم إلا بمحرك يحركهم من خارج، فاحتاجوا في ذلك إلى الشفعاء والنصحاء ينصحون ويشفعون عندهم للمضطرين والمكروبين من رعاياهم، ليقوموا بقضاءحوائجهم بهذا الترغيب والنصيحة والشفاعة.\nبخلاف الله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الرؤوف، الذي هو أرحم الراحمين، وأرحم بخلقه من أية والدة بولدها، ومن ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا مبينًا.\nالرابع: أن الملوك مضطرون إلى قبول شفاعة أمرائهم ووزرائهم لحاجتهم إليهم في حفظ البلاد وسياسة العباد؛ فالملوك يقبلون شفاعتهم بإذنهم وبدون إذنهم لمن يرضون عنه ولمن يسخطون عليه، بخلاف رب الأرباب فإنه غني، حي، قيوم، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وهو مالك الأكوان، ليس له لأحد فيها من شرك، ولا له","vol":"2","page":1209},{"text":"من خلقه من ظهير، فهو ﷾ لا يقبل الشفاعة إلا لمن أذن له، ورضي له قولًا، ون ظن أن الله تعالى مثل الملوك فقد كفر كفرًا صريحًا.\nفتبين أن قياس الخالق على المخلوق قياس مع الفارق.\n٤ - إن شبهة الواسطة باطلة من أساسها، بل تصور وجود الواسطة ها هنا غير وارد أصلًا، وذلك لوجوه:\nالأول: أن الأموات لا يعلمون بحال المضطرين المكروبين المستغيثين بهم، فكيف يشفعون لهم؟ وكيف يكونون واسطة بينهم وبين الله؟\nالثاني: أن الأموات لا تصرف لهم في الكون - كما سبق أن استدللنا لهذا القول من القرآن والسنة - فكيف يتصرفون تصرف الشفعاء والوزراء؟\nالثالث: أن الأموات لا يسمعون دعاء المستغيثين بهم، فكيف يمكن لهم الشفاعة والتوسط بدون أن يسمعوا نداءهم؟\nالرابع: أنه لم يثبت في الشرع أن الميت يشفع لمن يسغيث به.\n٥ - أن ما زعموا من أن المعاصي - نظرًا لكثرة ذنوبه - ليس له اللجوء إلى الله مباشرة، وأنه أولى به أن يستصحب أحد المقربين قبل مناجاة رب العالمين، أن ذلك كلام لا أصل له في الإسلام قط، لأن إبليس - رمز العصاة ورأس الملعونين - لما دعا ربه مباشرة أجيبت دعوته: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).\n٦ - إن كون هذا الرجل صالحًا، أو وليًا من أولياء الله هذا ليس إلا عمله","vol":"2","page":1210},{"text":"الخاص، لا دخل فيه للمستغيث أبدًا، فكيف يتدخل أحدنا في عمل الغير؟ أليس يعد من الحمق إذا قلنا: يا رب، أعطنا هذا الشيء لأن فلان الولي عبدك كثيرًا؟ هذا شيء بدهي في العقل ومعلوم بطلانه عند العقلاء.\nالشبهة الثالثة: اعتقادهم أن الأنبياء والأولياء أحياء في قبورهم فلا مانع من التوسل بهم:\nويستدلون على ذلك بما يلي:\nأ- أن النبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، بدليل قوله تعالى: (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا). قالوا: فالنبي ﷺ حي في قبره حياة دنيوية، ولذلك لا تجوز مناكحة أزواجه ﷺ، لأن الحي لا يجوز نكاح زوجته.\nالرد على هذه الشبهة باختصار ما يلي:\nإن هذا القول الذي قالوه في النبي ﷺ لم يقله أحد من المفسرين السابقين، وإنما هو قول مبتدع، وتفسير - بل تأويل - باطل من قبل هؤلاء المتأخرين، وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.\nثم إن الصحيح الذي لا مرية فيه: أن حياة الأنبياء برزخية لا نعرف كنهها، وليس ما ذكروه فيه أي دليل على كون تحريم نكاح أزواج النبي ﷺ","vol":"2","page":1211},{"text":"لأجل حياته ﷺ، وإنما لكونهن كالأمهات، فكما أن الأمهات لا تنكحهن الأولاد بعد موت الآباء فهنا أيضًا هكذا، وأدل دليل على هذا ذهاب بعض العلماء إلى أن مطلقة رسول الله أيضًا لا تحل لأحد.\nأو لأنهن زوجاته في الآخرة.\nأو لإكرام النبي ﷺ أن يطأهن أحد بعده.\nأو لإكرامهن أيضًا: حيث قصرهن على رسول الله ﷺ، وقصره عليهن خير لهن.\nأو أن الله ﷿ أعطاهن هذا الفضل لما صبرن على الرسول في حياته بدون التفات إلى متاع الحياة الدنيا. قال ابن القيم:\nلكن رسول الله خص نساؤه ... بخصيصة عن سائر النسوان\nخيرن بين رسوله وسواه فاختـ ... رن الرسول لصحة الإيمان\nشكر الإله لهن ذاك وربنا ... سبحانه للعبد ذو شكران\nقصر الرسول على أولئك رحمة ... منه بهن وشكرذي الإحسان\nوكذلك أيضًا قصرهن عليه معـ ... ـلوم بلا شك ولا حسبان\n\n٥ - لا تلازم بين الحياة وبين طلب شيء منهم، فمثلًا: هؤلاء شهداء أحد معروف مكانهم وفضلهم، معروفة قبورهم، لم يذهب إليهم أحد من المسلمين من صحابة الرسول ﷺ في حياته ولا بعد مماته يسألونهم الدعاء والشفاعة ولا توسلوا بهم.","vol":"2","page":1212},{"text":"وهم أحياء حياة برزخية بنص القرآن: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ).\nفلماذا ترك أولئك طلب الدعاء من هؤلاء الشهداء؟ بل الثابت عنهم أنهم كانوا يدعون لهم، لا أنهم يسألونهم الدعاء. وهم أحياء بنص كريم، لكن حياتهم ليست كحياتنا على الأرض. نعلم منه أنهم وإن كانوا أحياء حياة برزخية لا نعلم حقيقتها فهي مختلفة في ما يقدرون عليه عن حياتهم في الدنيا.\n٦ - أخرج مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم». وفقه هذا الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ أرشد عمر أن يطلب الدعاء من أويس وهو تابعي، وأين منزلته من منزلة رسول الله ﷺ؟ فأرشده الرسول ﷺ إلى أن يدعو له المفضول ويترك طلب الدعاء من خير الخلق في قبره، وهذا دليل واضح في أن الفرق هو تغير نوع الحياة، وقدرة الحي على الدعاء للمعين، بخلاف من حياته","vol":"2","page":1213},{"text":"برزخية.\nفإذا كان هذا في حق الرسول ﷺ وهو أحسن حالًا في القبر على الإطلاق، فكيف بمن يطلب الدعاء من الآخرين؟\nثم إن الأولياء - الذين يذهبون إلى قبورهم ويتوجهون إلى مشاهدهم طالبين لهم الدعاء - ليس لهم أي دليل على وجود حياتهم مثل حياة الأنبياء والشهداء، وإنما قاسوا على حياة الأنبياء والشهداء، ومعلوم أن هذا قياس مع الفارق؛ إذ لا دليل على وجود الحياة لأوليائهم في قبورهم.\nب- زعمهم أن النبي ﷺ حي في قبره بدليل عدم قسمة تركته، كما جاء في الحديث النبوي أنه ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه فهو صدقة». قالوا: إن علة النهي عن قسمة التركة كونه حيًا في قبره حياة دنيوية، فإن الحي لا يورث.\nويرد على هذا القول: بأن العلة ليس كونه حيًا كما زعمته المتصوفة، بل قد ذكر الرسول الحكمة فيه في نفس الحديث بأن ما تركه صدقة. وقد جاء في رواية أخري أنه ﷺ قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة».","vol":"2","page":1214},{"text":"جـ- استدلال القبورية المتصوفة بقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا).\nوجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ حي في قبره، وإلا لما جاز طلب الاستغفار منه. وما دام أنه حي في قبره وقد أمر في الآية بطلب الاستغفار منه، فإنه يكون مرغوبًا فيه وليس منهيًا عنه.\nيجاب عن هذا الاستدلال بما يلي:\nإن الآية وردت في قوم معينين، وليس هناك لفظ عام حتى يقال: إن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص المورد، بل الألفاظ الدالة الواقعة في هذه الآية كلها ضمائر. وقد ثبت في مقره أن الضمائر لا عموم لها.\nإن المقصود بهذه الآية المجيء إلى الرسول ﷺ في حياته فقط، فإن هذه الآية نزلت في شأن المنافقين الذين دعوا الله وحكم رسوله ﷺ فصدوا واحتكموا إلى الطاغوت، فظلموا أنفسهم، ولم يجيئوا إلى رسول الله ﷺ تائبين منيبين ليستغفر لهم.\nإن اللفظ العام لا يتناول إلا ما كان من أفراده، والمجيء إلى قبر الرجل ليس من أفراد المجيء إلى عين الرجل لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن المجيء إلى الرجل ليس معناه إلا المجيء إلى عين الرجل، ولا يفهم منه أصلًا أمر زائد","vol":"2","page":1215},{"text":"على هذا.\n(إن أعلم الأمة بالقرآن ومعانيه هم سلف الأمة ومن سلك سبيلهم، فلم يفهم منها أحد من السلف والخلف إلا المجيء إليه في حياته، ليستغفر لهم، ... فلما استأثر الله ﷿ بنبيه ﷺ ونقله من بين أظهرهم إلى دار كرامته لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله، فعلت كذا وكذا فاستغفر لي، ومن نقل هذا عن أحد منهم فقد جاهر بالكذب والبهت.\nأفترى عطّل الصحابة والتابعون وهم خير القرون على الإطلاق هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه وجعل التخلف عنه من أمارات النفاق، ووفق له من لا توبة له من الناس، ولا يعد من أهل العلم؟ ! وكيف أغفل هذا الأمر أئمة الإسلام وهداة الأنام من أهل الحديث والفقه والتفسير ومن لهم لسان صدق في الأمة فلم يدعوا إليه ولم يحضوا عليه ولم يرشدوا إليه، ولم يفعله أحد منهم ألبتة، بل المنقول الثابت عنه ما قد عرف مما يسوء الغلاة فيما يكرهه وينهى عنه من الغلو والشرك الجفاة عما يحبه ويأمر به من التوحيد والعبودية ...\nومما يدل على بطلانه قطعًا: أنه لا يشك مسلم أن من دعي إلى رسول الله ﷺ في حياته وقد ظلم نفسه ليستغفر له فأعرض عن المجيء وأباه مع قدرته عليه كان مذمومًا غاية الذم مغموصًا بالنفاق، ولا كذلك من دعي إلى قبره ليستغفر له، ومن سوى بين الأمرين وبين المدعوين وبين الدعوتين فقد جاهر بالباطل، وقال على الله وكلامه ورسوله وأمناء دينه على الحق.\nوأما دلالة الآية على خلاف تأويله فهو أنه سبحانه صدرها بقوله: (وَمَا","vol":"2","page":1216},{"text":"أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ)، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم إذ ظلموا أنفسهم طاعة له، ولهذا ذم من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم إن من الواجب على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، ولو كان هذا طاعة لكان خير القرون قد عصوا هذه الطاعة وعطلوها، ووفق لها هؤلاء الغلاة والعصاة. وهذا بخلاف قوله: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ)؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو تحكيم بما جاء به حيًا وميتًا، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه.\nيوضح ذلك أنه ﷺ قال: «لا تجعلوا قبري عيدًا». ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره ليستغفر له، لكان القبر أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة لدينه وما جاء به).\nثم على هذا التفسير الذي ذكروه في الآية بأن المراد منها حث الناس على طلب الاستغفار منه، (على هذا التفسير أن الآية حكمها مستمر، فكما أن مجيء من ظلم نفسه إليه ﷺ في حياته واستغفاره عنده شرط لقبول توبته فهو","vol":"2","page":1217},{"text":"شرط أيضًا في قبول توبة من ظلم نفسه بعد وفاته ﷺ فلابد من مجيئه إلى قبره ﷺ واستغفاره عنده، واستغفار الرسول له، ولا يخفى ما في هذا من المناقضة لكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما عليه المسلمون ...).\nالشبهة الرابعة: هي الحكايات التي تناقلوها كابرًا عن كابر، وشحنت بها المتصوفة كتبهم من أن فلانًا استغاث بالولي الفلاني فأغاثه، وفلان ذهب إلى قبر فلان فتعافى وقضى حاجته:\nوهذه الشبهة من أقوى الشبه لدى المتصوفة، ويمكن أن تسمى بشبهة التجربة.\nالردود على هذه الشبهة بما يلي:\n١ - أن العلماء قد صرحوا بأن هذه الحكايات التي تناقلتها المتصوفة لدعوة المضطرين إلى الاستغاثة بالأموات بحجة أن هذه الحكايات كرامة لهؤلاء الأولياء، هي محض أساطير، وعين الأكاذيب، وليست هي من الكرامات، بل هي أباطيل الحكايات؛ لأن رواتها هم هؤلاء القبورية السفهاء. ومعروف أنهم أكذب الناس ومعادن الكذب، وبيوت الكذب، وبيوت الإفك، فلا اعتبار لرواياتهم، فهم في نقل هذه الحكايات كذبة فسقة.\n٢ - أن قضاء الحوائج عند الاستغاثة بالموتى ليس لأجل الاستغاثة بالموتى، بل ذلك بمحض قدرة الله تعالى وتقديره المقدر بوقته، فيصادف","vol":"2","page":1218},{"text":"ذلك الاستغاثة بالموتى، فيظن المستغيث أن المستغاث به هو الذي قضى حاجته، فيعد ذلك من كرامته ويجعله دليلًا على كونه وليًا متصرفًا في الكون.\n٣ - أن العلماء صرحوا في الجواب عن تلك الحكايات الشركية بأن كثيرًا ما تقضى حاجات المستغيثين بالأموات، لا لأجل أنه استغاث بالمقبور، بل لأجل أن هذا المستغيث يكون مضطرًا مكروبًا فيدعو بحرقة وانكسار وذلة، فيستجيب الله تعالى له، ويقضي حاجته، لصدق توجهه وتضرعه، واضطراره، وانكساره، وذلته، ولكن الجاهل يظن أن للمقبور تأثيرًا في إجابة تلك الدعوة وقضاء تلك الحاجة.\n٤ - أن العلماء قد صرحوا في الجواب عن حكايات القبورية بأن الله تعالى كثيرًا ما يستجيب دعاء الكفار والمشركين عند أصنامهم لاضطرارهم، وإظهار انكسارهم، لموافقته أوقات الإجابة، ولما قام من العبودية بقلبه، فيجيب الله تعالى دعاء المضطر، ولو دعا في الخانة، والخمارة، والحمام، والسوق، بل قد يستجيب لمن يدعو عند الأوثان، فيظن الجاهل أن للمقبور تأثيرًا في قضاء الحوائج واستجابة الدعاء.\n٥ - أن العلماء قد صرحوا بأنه كثيرًا ما تقضي حوائج القبورية عند التجائهم إلى القبور وأهلها، ولكن لا لأجل أن للمقبور تأثيرًا في ذلك، بل يحدث ذلك","vol":"2","page":1219},{"text":"استدراجًا من الشياطين لهذا القبوري المشرك الذي يستغيث بالأموات فتأتي الشياطين وتساعده في بعض حاجاته استدراجًا له، وازديادًا له في الإضلال والإغواء، بل قد تطيعه الشياطين فيقضون بعض حوائجه لما بينه وبينهم من الصلة والأخوة بسبب الشرك وعبادة غير الله تعالى من الاستغاثة بالأموات. وكثيرًا ما تتثمل له الشياطين في صورة صاحب القبر وتكلمه، فيرى أن القبر قد انشق وخرج منه المقبور وهو يظن أن ذلك الولي فيعانقه ويكلمه، فيعد ذلك من كراماته، وهكذا تلعب الشياطين بالقبورية والمتصوفة كما كانت تلعب بالكفار عبدة الأصنام.\n٦ - قد يكون سبب كوني معقول لقضاء بعض حوائج المتصوفة عند بعض القبور، فقد يكون لأحد فرس مريض بمرض الإمساك الشديد، والقبض المؤلم بحيث لا يستطيع أن يتروث، فيذهب به صاحبه إلى بعض القبور التي يكون المقبور فيه كافرًا، أو فاجرًا، يعذب عذابًا شديدًا، ويصيح صيحات مرتفعة مخيفة مهولة، فيسمعها ذلك الفرس، فيخاف خوفًا شديدًا بحيث يسهل ويتروث من شدة الخوف، فيزول منه الإمساك فيتعافى، فيظن ذلك الرجل - صاحب الفرس - أن المقبور قد قضى حاجته، وشفى فرسه، مع أن الفرس قد تعافى بسبب الإسهال الذي حدث له لأجل خوف شديد لما سمع من صراخ ذلك المقبور الذي كان يعذب في قبره. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثل هذه القصة في بعض كتبه.","vol":"2","page":1220},{"text":"٧ - أن العلماء قد صرحوا بأنه لو سُلِّم صحة بعض تلك الحكايات فغاية ما فيها أن ذلك قد يكون سببًا لقضاء الحاجة، ولكن لا يلزم من ذلك جواز الاستغاثة بالأموات، والتضرع عند القبور، والالتجاء إلى أهلها لدفع الكربات وجلب المنافع؛ لأنه لا يجوز تناول كل سبب من الأسباب إلا ما هو مباح شرعًا منها؛ لأن الأسباب منها ما هو حرام، ومنها ما هو مباح، ولا ريب أن الاستغاثة بالأموات والالتجاء إلى القبور وأهلها لدفع البليات، وجلب المنافع من الأسباب المحرمة في دين الله تعالى، فلا يجوز تناول هذا السبب أبدًا؛ لأن الاستغاثة عبادة، بل مخ العبادة، فصرفها لغير الله شرك قطعًا.\nوكم من عبد دعا بدعاء غير مباح فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان ذلك سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، وكثير من الكفار والمشركين يدعون عند الأوثان فيستجاب لهم، وكثير من المقاصد تحصل بأسباب محرمة قطعًا كالسحر، والتكهن، وشهادة الزور، والفاحشة، والظلم، والسرقة، والخمر، بل الشرك، والكفر قد يحصل بهما بعض المقاصد، فليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون مشروعًا؛ فلا يجوز تعاطي الأسباب المحرمة لإنجاح المقاصد. فهذا الجواب يعرفنا أيضًا: أن الغاية لا تبرر الوسيلة كما هو لدى بعض الحركيين.\n٨ - لا يمكن إثبات شرع الله تعالى بمثل هذه الحكايات من العوام والجهلة والمتصوفة، فإن هذه الحكايات إنما نسمعها عمن ليس قوله حجة من الحجج","vol":"2","page":1221},{"text":"الشرعية؛ فلا يجوز إثبات الشرع بمثله ولا إثبات العبادات أيضًا بمثله. وإنما المتبع في إثبات الأحكام والعبادات إنما هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع الأمة، وهو سبيل السابقين الأولين من هذه الأمة؛ فلا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصًا، أو استنباطًا بحال أصلًا عند المسلمين. وإثبات الشرع بمثل هذه الحكايات إنما هو دأب اليهود والنصارى وأمثالهم ممن ينقلون عن غير الأنبياء؛ فإن لديهم مثل هذه الحكايات شيء كثير.\n٩ - أن العلماء قد أجابوا عن تلك الأقوال التي يذكرها المتصوفة في كتبهم عن كثير ممن ينتسبون إلى العلم والفقه والفضل والزهد بأن بعض هذه الاقوال المنقولة عن هؤلاء ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب، أو قاله بقيود أو شروط كثيرة على وجه لا محذور فيه فحرف النقل عنه. وبعضهم قد لا يريدون بلفظة التوسل الاستغاثة بالأموات، ولكن المتصوفة حرفوا عباراتهم وجعلوا التوسل هو الاستغاثة بالأموات.\n١٠ - أن كثيرًا ممن ينتمون إلى العلم والفضل والصلاح والزهد وقعوا في الشرك بالله، والاستغاثة بالأموات، وبأفعالهم، وأقوالهم الشركية، لأجل عادة العوام التي جروا عليها، لا لأجل أن لهم دليلًا شرعيًا على ذلك، ولكن لما كان خطؤهم عن حسن قصد ونية صالحة، ونبهوا على خطئهم انتبهوا ورجعوا عن تلك الشركيات دون عناد أو إصرار.","vol":"2","page":1222},{"text":"الشبهة الخامسة: شبهة الكرامة:\nوذلك؛ أن هؤلاء المتصوفة في اعتقادهم التصرف في الكون تجاه الأولياء والصلحاء يرون حصول هذه الأشياء لهم عن طريق الكرامة، إذ كرامات الأولياء مسألة ثابتة عند أهل السنة والجماعة (على شروط معينة - كما ستأتي ـ).\nلقد تشبثت المتصوفة لاعتقادهم التصرف في الكون، وتفريج الكربات تجاه أوليائهم الذين يستغيثون بهم عند الشدائد بقولهم: إنه يجوز الاستغاثة بهم عند الملمات، بحجة أن الله تعالى أكرمهم بالكرامات التي بها يقتدون على كشف كرب المكروبين، وإجابة دعاة المضطرين، وبها يتصرفون في الكون، وبها يعلمون حال الداعين، وبها يسمعون نداءهم.\nوهذه الشبهة من أهم الشبهات التي يذكرها عامة القبورية في كتبهم.\nويقولون: إن الكرامة تظهر من الولي بقصده وبغير قصده.\nوقصدهم بذلك أن الأولياء لهم قدرة على التصرف في الكون، وأن ذلك منهم كرامة، وأن الكرامة لا تنقطع بعد الموت، وجازف بعض أئمتهم فقال: (الولي في الدنيا كالسيف في غمده فإذا مات تجرد منه، فيكون أقوى في","vol":"2","page":1223},{"text":"التصرف).\nوهكذا نرى أئمة المتصوفة يصرحون بأن الأولياء أقوى تصرفًا وقدرة بعد الموت منهم في حياتهم. فينفع بعد مماته أكثر مما ينفع في حياته.\nيرد على هذه الشبهة بما يلي:\nإنه لا ملازمة بين الكرامات وبين الاستغاثة بصاحبها، لأن الكرامة لا تقتضي جواز الاستغاثة بصاحبها ولا تبيحها، بل الاستغاثة بأصحاب الكرامات ليست إلا طريقة أهل الأوثان، وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع. فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي أو غيره على وجه الإمداد إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.\nإن الكرامة أمر خارق للعادة يظهرها الله تعالى على يد ولي من أوليائه بدون اختياره، وهي من فعل الله ﷿ ولا يدللولي فيها، بل ليس للولي كسب في الكرامة.","vol":"2","page":1224},{"text":"إن العلماء صرحوا بأن الكرامة بمعنى صدور أمر خارق للعادة تسلب بعد موت الولي. فإن الحكمة في صدور الكرامة - كما يقول العلماء - هو التثبت على الحق واليقين والاجتهاد في العبادة والاحتراز عن السيئات، وهذا لا يحتاج إليه بعد موت الولي، لأن عين اليقين يحصل بعد الموت، وما بعد الموت ليس وقت التكليف، ولأجل هذا صرح العلماء بأن الكرامة ليست مقصودة، وإنما المقصود هو الاستقامة.\nأن الكرامة لو ثبتت لشخص من الأولياء فإنه يجتهد في إخفائها ولا يركن إليها، ويخاف أن تكون من قبيل الاستدراج، ويسعى في أن لا يطلع عليه أحد، ويحاول كتمانه، خوفًا من الاغترار والاشتهار.\nوليس كل أمر خارق للعادة تعد من الكرامة، ولا دليلًا على الولاية، بل قد يكون الأمر الخارق للعادة من قبيل الاستدراج الشيطاني، والأحوال الشيطانية التي تصدر من الفسقة والفجرة، بل من الكفرة والمشركين، حتى أمثال فرعون، والسامري، والدجال، فلا يدل الأمر الخارق للعادة على أنه كرامة، فلا يقطع المتصوفة أن حصول شيء معين من كرامة ذلك الولي، بل ربما يكون استدراجًا، وهو لا يدري.","vol":"2","page":1225},{"text":"إن كثيرًا مما يظنه المتصوفة كرامات - هي في الحقيقة ليست بكرامات لأولياء الرحمن، بل الحقيقة أن الشياطين قد تظهر لهم بصورة شيوخهم وأوليائهم، وأتوا بغرائب من الخوارق إضلالًا لهم واستدراجًا لهم، فيظنون أن هذه من كرامات الأولياء، وتتمثل لهم الشياطين فيظنون أن الولي الفلاني قد حضر للإغاثة، وأن فلانًا قد خرج من القبر، وأن الولي الفلاني قد كلمه أو عانقه، والشيطان ربما يقضي بعض حاجته، فيظن أن هذه من كرامات الولي مع أن هذه أحوال شيطانية تصدر من هؤلاء الشياطين.\nإن هؤلاء المستغيثين بغير الله كثيرًا ما ينادون الفسقة والفجرة، وتارة يطلبون المدد من الزنادقة والملاحدة، وأخرى يستغيثون بأعداء الله الكفرة، فهل هم من أولياء الله؟ وهل ما صدر منهم يعد من الكرامات؟ كلا بل هم من أولياء الشيطان وخوارقهم ليس إلا من الاستدراجات الشيطانية، ولكن المستغيثين بغير الله وصلوا من الحمق درجة لا ينتبهون لهذا مطلقًا.","vol":"2","page":1226},{"text":"إن هؤلاء المتصوفة أكذب الناس على الإطلاق في نقل الكرامات، فكم من الكرامات نقلوا لأوليائهم وهي في الحقيقة من الكذب والافتراء على صاحب القبر.\nثم إن للكرامة حدودًا وضوابط، فليس كل شيء يستطيع أن يفعله الولي مثلًا، ومن هذه الضوابط ما يلي:\nأ- أن يكون صاحبها مؤمنًا متقيًا.\nب- ألاّ يدعي صاحبها الولاية.\nجـ - ألاّ تكون الكرامات فوق ما كان النبي ﷺ من المعجزات، إذ الكرامات لا تسبق المعجزات. فالكرامة التي يكرم بها أحد من هذه الأمة لابد أن يكون لها أصل من معجزات النبي ﷺ كما نص عليه العلماء.\nالشبهة السادسة: شبهة المجاز العقلي:\nلقد تشبثت هؤلاء المتصوفة لتبرير شركهم، وتجويز استغاثتهم بالأموات عند نزول النوازل وإلمام الملمات، لجلب الخيرات ودفع المضرات بشبهة","vol":"2","page":1227},{"text":"أخرى، وهي: أن تصرف الأولياء في الكون وشفاءهم للأمراض، وكونهم يدمرون الأعداء وينصرون الأولياء، ويغيثون المستغيثين إنما نقصد بذلك المجاز العقلي!\nفالمتصرف في الكون هو الله في الحقيقة، والشافي للأمراض هو الله في الحقيقة، والناصر والمغيث هو الله في الحقيقة، وهو النافع الضار في الحقيقة، وهو الفاعل في الحقيقة، ولكن نسبة ذلك كله إلى الولي نسبة المجاز العقلي، لا على وجه الحقيقة.\nوهذه هي شبهة المجاز العقلي، وهي من أعظم شبهات المتصوفة المشركين بالله قديمًا وحديثًا.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن وجود المجاز في اللغة ثم وجود المجاز العقلي مسألة مختلف فيها حتى عند البلاغيين فضلًا عن عدم وجود من قال به من السلف قبل الجهمية والمعتزلة.\nلو فتح هذا الباب من التأويل لما وجد الشرك، ولما حكم بالكفر على أحد","vol":"2","page":1228},{"text":"أبدًا، وإن سب الله تعالى، وسب الأنبياء ﵈، ولو أنكر البعث والحشر والنشر، وأباح الفواحش، وادعى الألوهية، مثلًا يكون معنى قول القائل: (الرسول خالق السموات والأرض): رب الرسول - بحذف المضاف ـ، ومعنى قول فرعون فيما حكاه الله عنه بقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى): (أنا أقول لكم: ربكم الأعلى) - بتقدير القول ـ، وكذلك يكون معنى من قصد الأصنام وتضرع إليها: أنه يدعو الله الذي هو مالك الأصنام، ويتضرع إليه تعالى - بحذف المضاف ـ، فما ذكره أحد من المسلمين بهذه التأويلات الفاسدة أبدًا.\nإن هؤلاء المستغيثين بغيرا لله وأصحاب اعتقاد التصرف في الكون لغير الله أكثرهم عوام جهال لا يدرون المجاز العقلي الذي اصطلح عليه المجازيون والبلاغيون، ولا يعرفون هذه المسألة. ومعلوم أن إرادة الشيء فرع من تصوره.\nإنهم يعتقدون في أهل القبور التصرف والإعطاء ولا يفهمون إلا أنهم أهل للإعطاء والإيجاد، ويسمونهم أقطابًا وأغواثًا.\nإنهم إذا نذروا للأموات وتأخروا في إيفاء نذرهم للأموات فيصابوا بسبب ذلك بمصيبة وبلية، يقولون: إن الشيخ الفلاني أصابني بالمصيبة؛ لأني لم أوف بنذره، وهكذا يحذرون من شرورهم. وهذا دليل صريح على أن هؤلاء لا يقصدون المجاز في أقوالهم وعقائدهم، بل يريدون الحقيقة ونسبة الفعل","vol":"2","page":1229},{"text":"إلى هؤلاء الأولياء والصلحاء - كما يزعمون - الأموات على الحقيقة، فلا شائبة في كلامهم للمجاز العقلي ألبتة.\nإن المشركين الذي أنزل الله فيهم القرآن إنما كانوا يدعونهم شفعاء لهم عند الله، وكانوا يقولون: إنما ندعوهم ليقربونا إلى الله زلفى، أي منزلة ودرجة، ويشفعوا لنا في حاجاتنا، إذن أنهم لا يعتقدون في أصنامهم إلا بمثل اعتقاد المتصوفة في أوليائهم بأنهم لا يعطون شيئًا ولا يدفعون شيئًا، وإنما المعطي والدافع هوا لله، ولكن هؤلاء الأصنام والمعبودات من دون الله ما هم إلا للمنزلة والدرجة، ومع ذلك وسمهم الله بسمة المشركين، وحاربهم الرسول الأمين في حياته كلها، فما الفرق بين القول بالمجاز وبين القول بالزلفى والقربة والمنزلة؟، وإذا ثبت هذا تبين أن هؤلاء المتصوفة أشد شركًا منهم؛ لأنهم اعتقدوا فيهم القدرة والملك، والتصرف في الكون، بل الإحياء والإماتة وغيرها من الكفريات.\nإن النسبة المجازية - على فرض وجود المجاز - هي نسبة الفعل إلى غير الفاعل الذي صدر منه ذلك الفعل، لا يخلو من أمرين:\nأحدهما: لكونه ظرفًا للفعل، كقول القائل: (أنبت الربيع البقل)؛ أي: (أنبت الله البقل في وقت الربيع).\nثانيهما: لكونه سببًا في صدور ذلك الفعل، كقول القائل: (بنى الأمير المدينة)؛ أي: (بنى المعماري المدينة بأمر الأمير ونفقته).\nوإذا عرف هذا، فإن الذي ينادي ميتًا، أو حيًا غائبًا، ويستغيث به، ويقول: يا فلان! أغثني، أو اشفني أو أنجني مثلًا لا ينطبق عليه أنه ناداه واستغاث به مجازًا من ناحية كونه ظرفًا للفعل؛ لأن الميت والغائب ليسا بظرف للفعل، فلا","vol":"2","page":1230},{"text":"يقال: إن الميت أو الغائب ظرف للنداء أو الإغاثة أو الشفاء أو الإنجاء، حتى يقال: إن هذه النسبة مجازية، والفاعل في الحقيقة هو الله تعالى، فهذا المجاز لا يتصوره أحد، ولا يصح في مثل هذه الصورة ألبتة.\nوأما الصورة الثانية من المجاز التي هي: أن هذا المنادي المستغيث يقصد: أن الشافي والناصر والمنجي والمغيث هو الله تعالى في الحقيقة، ولكن يرى أن الولي الفلاني الذي يستغيث به ويناديه هو مجرد سبب لذلك.\nفيقال لهم: إن هذا الاحتمال أيضًا غير وارد، ولا يصح المجاز في هذه الصورة أيضًا، لأن هذا المنادي المستغيث بهذا الولي الميت، أو الحي الغائب، لابد له من أن يعتقد فيه عقائد ثلاثًا:\nالأولى: أن هذا الولي الميت أو الحي الغائب يسمع صوته ونداءه فوق الأسباب العادية.\nالثانية: أنه يعلم بحاله ويطلع على مصيبته.\nالثالثة: أن يعتقد فيه أنه يقضي حاجته بأن يشفع له عند الله.\nفلابد من هذه العقائد الثلاث، وإلا لا يمكن جعله سببًا.\nوإذا تحقق أنه لابد من أن يعتقد هذا المنادي المستغيث في ذلك المنادى المستغاث - الميت أو الحي الغائب - السمع المطلق، والعلم المطلق، والقدرة المطلقة، ومعلوم أن هذه كلها من صفات الله الخاصة به سبحانه، فالميت أو الحي الغائب لا يسمع نداء المستغيث، ولا يعلم بحاله ولا يطلع على مصيبته، فقد قال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى: (وَهُمْ","vol":"2","page":1231},{"text":"عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ).\nثم إننا لو أولنا إسنادهم الأمور إلى غير الله واستغاثتهم بغير الله وطلب النفع ودفع الضر من غير الله باحتمال المجاز العقلي فماذا نفعل بأعمالهم الشركية فهل يمكن تأويلها أيضًا بالمجاز؟ وإذا قلنا نؤول، فبأي شيء نؤول سجودهم على أعتاب الأضرحة وطوافهم بالقباب، وذبحهم للقرابين وبذلهم النذور؟ فهل هذه الأعمال الشركية والأفعال الكفرية أيضًا: من باب المجاز؟\nإن من المعروف أن التأويل والمجاز - حتى عند القائلين بهما - لا يذهب إليهما إذا إذا كان غير منصوص، وأما إذا كان منصوصًا مثل الأبيات الشعرية التي أوردناها والحكايات التي ذكرناها عن المتصوفة فلم يقل أحد بأن في المنصوص أي مجاز، وإنما المجاز - على رأي القائلين به - يكون على الظاهر المحتمل له.\nالأهم من هذا كله هو أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن الكريم، وحكم بكفرهم كانوا يعتقدون السببية والتوسط، وهذا هو حجة من يرى المجاز العقلي، ويبيح إسناد الأمور الخاصة بالله في ربوبيته وألوهيته لغير الله، فلو أن اعتقاد السببية والتوسط ينفع في حمل كلام من يدعو غير الله تعالى على المجاز العقلي، ويمنع من الحكم عليه بالشرك؛ لكان الله تعالى أعذر المشركين الذين يعتقدون التسبب والوساطة، ولحكم بالكفر على من يعتقد الاستقلال فقط. ولكن الله ﷿ حكم بالكفر على هؤلاء المشركين القائلين بالتسبب والتوسط، كما سيأتي ذكرهما في الشبهة التالية.","vol":"2","page":1232},{"text":"وبهذا بطل دعوى المجاز الذي يتشبثون به قديمًا وحديثًا.\nالشبهة السابعة: شبهة الكسب والسبب:\nتشبثت المتصوفة بهذه الشبهة لتبرير شركهم بالله، واستغاثتهم بالأموات، عند إلمام الملمات ونزول النوازل والكربات لدفع المضرات وجلب الخيرات، وتبرير أكاذيبهم وكفرياتهم وعقائدهم الباطلة من التصرف في الكون، والإحياء والإماتة، والقدرة، والعلم بالغيوب، وتسخير الأمور وغير ذلك. فقالوا:\nإن الاستغاثة بالأنبياء والأولياء من أعظم الأسباب لاجتلاب البركات، واستنزال الرحمات والخيرات، واستجابة الدعوات وسرعة قضاء الحاجات، والتوسل بهم من قبيل الأخذ بالأسباب. وليس ذلك من باب الشرك بالله ولا من قبيل عبادة غير الله، وإن طلب الغوث منهم على سبيل الكسب والتسبب، ومن الله تعالى على سبيل الخلق والإيجاد. وغاية ما يعتقد الناس في الأموات أنهم متسببون ومكتسبون كالأحياء، لا أنهم خالقون موجدون، والتسبب والتكسب مقدوران للميت، وفي إمكانه كالحي، فمن يستطيع أن يقول: إن ذلك شرك؟ . هذه كانت شبهة الكسب والسبب التي يتشبث بها المتصوفة قديمًا وحديثًا.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن احتمال التكسب والتسبب في الاستغاثة بالأموات المقبورين،","vol":"2","page":1233},{"text":"والأحياء الغائبين لا يمكن صحته ولا يتصور وقوعه، لعدم قدرتهم على ذلك، فاحتمال الكسب والسبب هنا باطل من أساسه، يقول الآلوسي: (فإن قلت: إن للمستغاث بهم قدرة كسبية وتسببية، فتنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى ... قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله، أو السؤال بما لا يعطيه ولا يمنعه إلا الله، وأما فيما عدا ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس واستغاثة بعضهم ببعض - فهذا شيء نقول به ولا نمنعه ولا ننكره، ونعد منعه جنونًا، كما نعد إباحة ما قبله - وهو ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى - شركًا. والعراقي - عامله الله بعدله - أورد نصوص المباح في الممنوع، واستدل بدلائل المشروع على غير المشروع ... وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية، فتحقق أنه لا يستغاث به - أي بالعبد ـ، ولا يتوكل عليه، ولا يلتجأ في ذلك إليه إلا بالله وعليه وإليه. فلا يقال لأحد - حي، أو ميت، قريب، أو بعيد ـ: ارزقني أو أمتني، أو أحي ميتي، أو اشف مريضي ...).\nأن الاستغاثة بالأموات عند إلمام الملمات على أن هؤلاء الأموات سبب في دفع المضرات وأنهم من الأسباب لجلب المنافع والخيرات هي بعينها عقيدة المشركين السابقين، فإن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم وآلهتهم التي عبدوها مع الله إلا التسبب والتوسل والتشفع، ليس إلا، ولم يدعوا الاستقلال، والتصرف لأحد دون الله، ولا قاله أحد منهم سوى","vol":"2","page":1234},{"text":"فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربه؛ وقد قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا).\nفهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده، قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ)، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). فأخبر أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، ولم يريدوا منهم تدبيرًا، ولا تاثيرًا، ولا شركة، ولا استقلالًا.\nإن الأموات ليسوا من أسباب قضاء حوائج المستغيثين بهم في شرع الله ﷿، فأين في شرع الله تعالى: أن الله ﷾ جعل الأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك سببًا لقضاء حوائج المستغيثين بهم؟ بل شرع الله تعالى كله على نقيض ذلك.\nيقول السهسواني في صيانة الإنسان: (ونحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، ولكن نقول: من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببًا في الأمور التي لا يقدر عليه إلا الله؟ ! ومن ذا الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب - من البشر كان أو غيره - كان ذلك سببًا في حصول الرزق، والنصر، والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله؟ ومن ذا الذي","vol":"2","page":1235},{"text":"شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعله من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟ ! فإن هذا المقام يحتاج إلى إثبات مقدمتين: إحداهما: أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله. والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها ...).\nولو سلمنا - جدلًا - أن الأموات والاستغاثة بهم سبب لقضاء الحاجات فإن قضاء هذه الحاجات لا يكون إلا سببًا كونيًا فحسب، لا سببًا شرعيًا، وكم من الأشياء هي أسباب كونية للمنافع، ولكنها لما كانت محرمة في شرع الله، لم يصح كونها أسبابًا شرعية، فلا يجوزت عاطي أي سبب إلا إذا علم أنه سبب شرعي وأمر مباح.\nالشبهة الثامنة: شبهة الشفاعة أو شبهة الاستقلال:\nوهي: أن الصالحين أحياءً وأمواتًا يشفون للمستغيثين بهم عند الله ﷾، والله ﷿ يقبل شفاعتهم فيهم فتقضى حوائجهم.\nهذا حاصل تقرير المتصوفة لشبهة الشفاعة وهي في الحقيقة شبهة الواسطة. ولكن غيروا العبارة موهمين أنها من الأدلة لهم على ما يزاولونه، وقد سبق الرد على جوانب هذه الشبهة في الرد على الشبهة الثانية، وإنما يكتفي هنا ببيان معنى الشفاعة وهل يصح الاستدلال بها أم لا؟ .","vol":"2","page":1236},{"text":"فيقال في الرد عليهم:\nالشفاعة في اللغة: شفع، يشفع، شفاعة، وتشفع: طلب. والشفاعة: كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيرها، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، والشافع: الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب. فمعنى الشفاعة: الدعاء. وعلى هذا يفسر موارد اللفظ في القرآن والسنة، في لفظ الشفاعة.\nوأصله في الجمع والضم، ومنه يقال: الشفع بمقابل الوتر، ويطلق على الشفيع لأنه يكون إلى جانب من يشفع له.\nفهذه الشفاعة لها حكمها في الإسلام، حيث جاءت آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، فبعضها تنفي الشفاعة مطلقًا عن أحد غير الله يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)، وقوله تعالى: (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ)، وقوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).\nوهناك آيات أخرى ذكر الله فيها أن الشفاعة موجودة يوم القيامة، مثل قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ)، وقوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا","vol":"2","page":1237},{"text":"تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى). وغير ذلك من الآيات في الذكر الحكيم.\nوهناك آيات أخرى ذكرت الانتفاع بالشفاعة يرضى الله، واتخاذ الشافع والمشفوع له عهدًا عند الله. مثل قوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ)، وقوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). وآيات أخر لا تخفى على من تتبع ما في الباب من آيات.\nفإذا تبين أن الله ﵎ قد نفى في كتابه شفاعة، وأثبت شفاعة، وجب على طالب الحق أن ينظر في هذه الشفاعة المنفية، والشفاعة المثبتة، ومعنى هذه وهذه، حتى لا يضل في هذا الأمر الذي ضل فيه فئام من أمة محمد ﷺ، وإنما كان سبب ضلالهم أن كل فرقة أخذت بآية وبنت عليها أحكام ولم تتتبع آيات الشفاعة في القرآن، فضربوا كتاب الله بعضه ببعض. والقرآن حق كله، والحق لا يناقض حقًا أبدًا.\nفالآيات الأولى دلت على أن هناك شفاعة منفية ليست لأحد من الخلق، وهذه الشفاعة هي ذلك النوع الذي يظنه المشركون في الجاهلية.\nوأولئك المشركون ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره، وهذا","vol":"2","page":1238},{"text":"أصل ضلال النصارى أيضًا.\nفمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق ينفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه، أو يخافه، كما يشفع عند الملك ابنه، أو أخوه، أو أعوانه، أو نظراؤه الذين يخافهم ويرجوهم، فيجيب سؤاله، لأجل رجائه أو خوفه منهم، أو أن لهم حقًا عنده يوجب عليه الإجابة فيمن يشفعون فيه عنده، وإن كان يكره شفاعتهم، ويشفعون بغير إذنه. فهذه الشفاعة هي التي نفاها الله جل وعلا في الآيات الأول، وهي أن يكون للشافع حق عند الله كما للشفعاء حق عند الملوك ونحوهم.\nوهذا النوع الشركي هو الذي أشرك به من أشرك بالله، واتخذ وسائط يسألهم الشفاعة. كما كان يفعله النصارى، وأشباههم في ذلك من هذه الأمة، ويعتقدون أن لهم أن يسألوا المقبورين من الأنبياء والصالحين شفاعتهم، وهم يعتقدون أن لهم حقًا عند الله به يجيب شفاعتهم ولا يرد شفاعتهم.\nوحقيقة هذه الشفاعة عند المتصوفة والضلال من هذه الأمة: طلب الشفاعة من غير الله على جهة أن المطلوب يملك الشفاعة ويستحق الإجابة على الله، وذلك لا شك تنقص لربوبية الله تعالى وتقييد لمشيئته وإرادته ﷾، فالكلام في استحقاق الله للشفاعة وكونها حق خالص له وحده فرع عن الكلام في إرادة الله وعمومها وشمولها وكونها نافذة في جميع مخلوقاته.\nفمن أثبت لغير الله حق الشفاعة عند الله فقد قيد إرادة الله بإرادة المخلوق وجعل إرادة المخلوق نافذة وحاكمة على إرادة الله سبحانه. بينما المخلوق هو الذي لا يكون له فعل إلا بإرادة الله تعالى، فمشيئة المخلوق محكومة بمشيئة الله،","vol":"2","page":1239},{"text":"وقد قال تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).\nفالعبد هو الذي تقيد مشيئه بمشيئة الله، وليس الله هو الذي تقيد مشيئته بمشيئة العبد، ولأن مشيئة الله نافذة على كل مخلوق، وهو سبحانه لا مكره له ولا استحقاق لأحد عليه، فمقتضى ذلك أن لا يكون لأحد حق الشفاعة عنده، بل الشفاعة لله وحده يأذن فيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء. ولهذا نفى الله سبحانه أن يكون غيره يملك الشفاعة من دونه في آيات كثيرة، وقد سبق إيراد بعض هذه الآيات فيما قبل. فهناك شفاعة منفية وشفاعة مثبتة.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التفريق بين الشفاعة المنفية والشفاعة المثبتة: (الشفاعة المنفية هي الشفاعة المعروفة عند الناس عند الإطلاق، وهي أن يشفع الشفيع إلى غيره ابتداء فيقبل شفاعته.\nفأما إذا أذن له أن يشفع فشفع، لم يكن مستقلًا بالشفاعة، بل يكون مطيعًا له؛ أي تابعًا له في الشفاعة، وتكون شفاعته مقبولًا، ويكون الأمر كله للآمر المسؤول).\nوالله مع أنه مالك الشفاعة فإنه قد يأذن فيها لمن يشاء من عباده، ولا يلزم من ذلك أن يكون المأذون له في الشفاعة قد ملكها مع الله، بل هي لله وحده قبل الإذن وبعده. وإنما يكرم بها الله بعض عباده، ويشرفهم فيقبل شفاعتهم إذا كانت شفاعتهم عنده مرضية شرعًا. فحقيقة الشفاعة: إظهار كرامة الشافع وإرادة رحمة الله للمشفوع، وإلا فالأمر كله بيد الله، ليس فيه أي حق لنبي مرسل ولا لملك مقرب، ولا لأحد من خلقه مطلقًا.","vol":"2","page":1240},{"text":"كما أنه لا يلزم أن من أذن الله له في الشفاعة وأكرمه بذلك أن يكون الإذن له مطلقًا؛ لأنه لا فرق في الحقيقة بين ملكية الشفاعة والإذن المطلق فيها، وإنما يكون الإذن مقيدًا في كل شفاعة على الخصوص.\nولهذا لم يقبل شفاعة بينا محمد ﷺ في أمه، ولا في أن يستغفر لبعض المنافقين، كما لم يؤذن لإبراهيم ﵇ في أبيه، ولا لنوح ﵇ في ابنه، مع أنهم أعظم الناس جاهًا ومنزلة عند الله، وإنما منع قبول الشفاعة منهم عدم رضى الله عن عمل المشفوع لهم لكونهم على الكفر، وسيأتي الكلام عن هذا قريبًا.\nومن كل ما تقدم يتبين لنا أن من جعل المرجح والأصل في قبول الشفاعة مجرد إرادة الشافع، وأنه يشفع عند الله كما يشفع خواص الملوك ومن لهم منزلة عندهم، فإنه يكون بذلك مشركًا؛ لأ، هـ قد جعل على الله ضرورة من غيره، وقيد إرادة الله ومشيئته بإرادة المخلوق مهما كان جاهه ومنزلته عند الله، فإنه بهذا الاعتقاد وقع في الشرك في قدرة الله الكاملة، حيث تدخل فيه بعنصر خارجي.\nوحقيقة الإذن للشافع في الشفاعة أن يقبل منه شفاعته فتكون نافعة، كما ذكره تعالى: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).\nوالمقصود من الآيتين: أن الشفاعة عنده لا تنفع إلا من أذن له فقبل شفاعته التي تتضمن الشفاعة بما يحبه الله.","vol":"2","page":1241},{"text":"فالشفاعة لا تقبل عند الله إلا بشرطين اثنين: الرضا عن الشافع، والإذن له، ولابد أن تكون الشفاعة موافقة لشرع الله، فهذا هما شرطا الشفاعة المقبولة.\n١ - أما اشتراط الرضا عن الشافع فقد ورد في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).\nيقول ابن كثير: (هذا استثناء منقطع؛ أي لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له).\nفهذه القاعدة التي ذكرها ابن كثير ﵀ هنا عامة في كل آية تنفى فيها الشفاعة، أو ينفى ملكها، ثم يستثنى فيها الإذن للشافع الذي ﵁.\nوليس المقصود نفي الشفاعة مطلقًا؛ لوجود الاستثناء فيها، وليس الاستثناء متصلًا؛ لأن المأذون له في الشفاعة لا يؤذن له فيها إذنًا مطلقًا، ولا يملكها بمجرد الإذن فيها.\nومما ورد في ذلك من الآيات قوله تعالى: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)، وقوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى)، وقوله تعالى: (لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).\nفرضا الله عن الشافع شرط في الإذن له في الشفاعة. هذا عن شرط الرضى عن الشافع لكي يأذن له.\nفهذا الشرط يتضمن شرطين في الحقيقة، هما: الرضا عن الشافع، وإذنه","vol":"2","page":1242},{"text":"للشافع بالشفاعة.\n٢ - أما شرط كون الشفاعة مرضية لله أيضًا فقد جاءت آيات تنص على ذلك كمثل قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا).\nوقد تقدم أن الإذن للشافع لا يكون إلا إذا ﵁، ولا يرضى عنه إلا إذا كان على التوحيد. وأما رضى الله لقوله فالمقصود رضاه لشفاعته، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت حقًا وصوابًا. وقوله تعالى: (وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا). موافق لقوله تعالى في الآية الأخرى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا).\nفإذا لم تكن الشفاعة بالحق والصواب لم تقبل ولو تحقق الشرط الأول الذي هو الرضى عن الشافع.\nولهذا لم يقبل الله شفاعة نبيه محمد ﷺ في أن يستغفر لأمه، بل قال ﷺ: «استأذنت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي». ولم يأذن الله له ﷺ ولم يقبل شفاعته في بعض المنافقين مع استغفاره لهم، بل قال تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ).","vol":"2","page":1243},{"text":"والسبب في ذلك: أنهم ماتوا على الكفر، والكافر لا يغفر الله له.\nومثل ذلك شفاعة إبراهيم ﷺ في أبيه أن يدخله الله الجنة فلم تقبل شفاعته، وقد جاء في الصحيح مصرحًا هذا بأن الرسول ﷺ قال: «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يارب، إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين».\nفالسبب في عدم قبول شفاعة إبراهيم ﵇ مع عظيم منزلته عند الله هو كفر أبيه وأن الله لا يدخل من كان كافرًا الجنة.\nومثل ذلك أيضًا: شفاعة نوح ﷺ في ابنه أن ينجيه الله من العذاب العام الذي حل بالقوم الكافرين الذين كذبوه وكان منهم ابنه، ولكن ما قبل منه، بل قال تعالى: (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (الشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم مع موتهم على الكفر لا تنفعهم ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا).\nولا يناقض ما سبق كونه ﷺ يشفع في عمه أبي طالب، لأن شفاعته فيه ليست في إخراجه من النار ولو شفع في ذلك لعمه أبي طالب لم تقبل منه؛ لأنه مات على الكفر، كما لم يقبل شفاعته ودعاءه ﷺ في أبويه. وإنما شفاعته لأبي طالب لتخفيف العذاب عنه.","vol":"2","page":1244},{"text":"وخلاصة الكلام: الشفاعة تنقسم إلى قسمين:\nالأول: الشفاعة في الدنيا إلى الأحياء: وهي مشروطة بشرطين:\nأ- ألاّ يكون في حد من حدود الله.\nب- ألاّ يترتب عليه تحليل حرام أو تحريم حلال.\nالثاني: الشفاعة في الآخرة: وهي مشروطة أيضًا بشرطين هما:\nأ- الرضا من الله على الشافع.\nب- كون الشفاعة مرضية لله أيضًا، وبالتالي: الإذن - أو الأمر - له تفضلًا منه وكرمًا.\nفهذا هو معنى الشفاعة وأسباب حصولها، ولكنه في مفهوم الناس غير هذا، كما سبقت الإشارة إليه ويتمثل ذلك في قولهم:\n(فالقائل: يا نبي الله اشفني، واقض ديني، لو فرض أن أحدًا قال هذا، فإنما يريد: اشفع لي في الشفاء، وادع لي بقضاء ديني، وتوجه إلى الله في شأني، فهم ما طلبوا منه إلا ما أقدرهم الله عليه، وملكهم إياه من الدعاء والتشفع).\nففي هذا النص نرى شيئين واضحين:\nأ- اعتقاد المتصوفة: أن الرسول ﷺ يشفع لهم الآن إذا سئل منه، وأن شفاعته مقبولة مطلقًا.\nب- اعتقادهم أن الرسول قد ملك هذا الأمر فلا يحتاج إلى الإذن - الذي هو","vol":"2","page":1245},{"text":"الأمر من الله سبحانه بخصوص الشفاعة ـ.\nوقبل أن نرد على هاتين الشبهتين يحسن بنا أن نذكر الأدلة التي يتشبثون بها على هذا المعتقد، فأقول:\nإن للمتصوفة تجاه هذا المعتقد ثلاثة أنواع من الاستدلالات.\nمنها: استدلالهم ببعض الأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة ولكنها لا تدل على المدّعي بأي شكل من الأشكال، بل تدل على ضد مقصدهم. فمثلًا تراهم كثيرًا ما يستدلون بحديث الشفاعة العظمى في ميدان المحشر بأن الرسول ﷺ له حق الشفاعة مطلقًا، ولكنهم لا ينظرون إلى آخر الحديث الذي فيه: «ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع». حيث هذا الجزء من الحديث دل دلالة صريحة على أن الرسول ما بدأ بالشفاعة حتى أذن له بها، وأمر بها.\nومنها: استدلالهم ببعض الأحاديث الموضوعة والواهية: مثل ما روي: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». ومعلوم أن هذا من الأحاديث الواهية المكذوبة على الرسول ﷺ عند المحققين.\nومنها: قياسهم الخالق على المخلوق، حيث إن المخلوق غالبًا يتوسط في الوصول إلى الكبار للحصول على مقاصدهم فيقيسون الخالق عليه للوصول إليه. وقد سبق معنا أن هذه هي الشبهة الرئيسة للمشركين الأولين والآخرين وقد أطلنا الكلام في الرد عليها في شبهة الواسطة فلينظر ها هنا.","vol":"2","page":1246},{"text":"أما الرد على معتقداتهم في باب الشفاعة التي تم إيرادها آنفًا: فيرد عليهم بما يلي:\nالرد على شبهة جواز طلب الشفاعة من الرسول أو الأولياء وأنه يشفع لمن يطلب منهم الشفاعة، وأن شفاعتهم مقبولة مطلقًا فلا عبرة باشتراط الإذن:\nهذه العقيدة مشتملة على ثلاثة أشياء كلها باطلة:\nالأول: جواز طلب الشفاعة من الرسول بعد موته.\nالثاني: أنه يشفع لهم.\nالثالث: أن شفاعة الرسول مقبولة مطلقًا.\nأما الأول: فنقول في الرد عليه:\nليس هناك دليل يدل على جواز طلب الشفاعة من الرسول ﷺ بعد موته، بل الأدلة صريحة في المنع من وجوه عدة.\nمنها: ما مر معنا أن الشفاعة بمعنى الدعاء، والدعاء هو العبادة، ولا يجوز العبادة لغير الله مطلقًا، سواء كان نيبًا مرسلًا أو ملكًا مقربًا.\nومنها: أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كان شأنهم أن يأتوا إلى النبي ﷺ في حياته، وأما بعد موته فما كانوا يأتون إليه، بل أجمع أهل القرون الثلاثة المفضلة على أمرين:\nالأول: عدم مشروعية طلب الشفاعة منه في قبره، وإنما ظهر خلاف من خالف من شذاذ الناس بعد نشاط الدعوات الباطنية كالإسماعيلية والفاطمية، ومن تأثر بها كالموسوية الجعفرية وشبهها، فروجوا هذا في الناس، فأشكل على بعضهم. فقد كان المسلمون في القرون الثلاثة المفضلة لا يعرفون طلب","vol":"2","page":1247},{"text":"الشفاعة منه بسؤاله إياها، بل مضى الخلفاء الراشدون ولم يسأل أحد منهم نبي الله الشفاعة بعد موته، ولوكانت مشروعة لكانوا أحرص عليها، ولم يتركوا طلبها منه بعد موته، فلو لم يكن تغير نوع الحياة له أثر عندهم لما تركوا ذلك. وكذلك مضى التابعون وتابعوهم بإحسان وتابعوهم. حتى نشطت الدعوات الباطنية التي تسترت بالتشيع لأهل بيت النبي ﷺ، بل إنهم ألفوا الكتب باسمهم، وهذا ظاهر لمن درس حركة إخوان الصفا والعبيديين. فالمقصود من هذا: أن الاستشفاع بالنبي ﷺ بسؤاله الشفاعة بعد موته محدث أحدثه الباطنيون.\nالثاني: - وهو الأهم - أن أهل السنة مجمعون على أن للنبي ﷺ أنواعًا من الشفاعة يشفع بها، ولم يذكروا منها طلبها منه في قبره، بل كلها يوم القيامة.\nوأما الرد على الدعوى الثانية: بأن الرسول ﷺ يشفع الآن في قبره، فيقال:\nأولًا: شفاعة الرسول ﷺ في قبره لأمته ليس عليه دليل صحيح لا من الكتاب والسنة ولا من العقل، إذ انتقل الرسول إلى دار غير هذه الدار وهي دار الآخرة، وحياة الرسول في قبره حياة برزخية، لا يدري كنهها إلا الله، ولم يخبرنا الرسول عن حقيقة هذه الحياة، فقياس الحياة البرزخية على الحياة الدنيا قياس مع الفارق.\nثانيًا: لم يأت نص صحيح دال على شفاعة النبي ﷺ لمن يتشفع به، بل النصوص كلها متضافرة على أن الرسول ﷺ إنما يشفع يوم القيامة، فإنه قد جاء في حديث الشفاعة، «أول شافع أول مشفع»، وهذه الشفاعة هي الشفاعة","vol":"2","page":1248},{"text":"العظمى لأهل الموقف بالنص والإجماع. فهذا قوله ﷺ نحكمه على من ادعى محبته وتصديقه، فقوله: «أنا أول شافع وأول مشفع» يقتضي أولوية مطلقة لا استثناء فيها، على كل من قامت قيامته.\nومن زعم أنه بعد موته في قبره يشفع وأن الصالحين يشفعون بعد موتهم في قبورهم فلا معنى لقوله: «أنا أول شافع» عند ذلك الزاعم، إذ لو كان النبي ﷺ يشفع في قبره لكان يشفع من حين موته إلى أن ينفخ في الصور، وحينئذ فلا معنى لقوله: «أنا أول» إذ لو كان يشفع في قبره لانتفى تخصيصه ﷺ بهذه الفضيلة يوم القيامة. فإذا كان في حياته يشفع لهم بالدعاء، وبعد موته يشفع وبعد قيام قيامة الناس يشفع، فأي معنى لقوله ﷺ: «أنا أول شافع»؟ !\nفإذا كان هذا في حق النبي ﷺ فما ظنك الآخرين؟ !\nالرد على الدعوى الثالثة التي فيها: إن شفاعته ﷺ مقبولة مطلقًا، يقال في الرد عليها:\nهذا غلط: فإن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يرد، وليس كل ما دعوا به أجيب، بل ربما امتنعت الإجابة لحكمة يعلمها الله عزوجل، إما أنه قد سبق في القضاء ما يخالف ما دعوا به، وإما لأنهم دعوا وشفعوا فيمن لمن يرض الله قوله، أو نحو ذلك من الموانع.\nومن المتقرر في الكتاب والسنة أن الأنبياء ليس لهم حق في أن يجاب جميع ما دعوا به، ودعاؤهم حري بالإجابة وهم أرفع من غيرهم من أممهم، فإجابة سؤالهم إما إعطاؤهم عين ما سألوا، أو تأخير ذلك بالأجر الجزيل لهم.\nوقد سبق معنا بيان نماذج من أدعية الأنبياء التي ما قبلت، منها دعوة محمد ﷺ في أمه، ودعوة نوح ﵇ في ابنه، ودعوة إبراهيم ﵇ في","vol":"2","page":1249},{"text":"أبيه، فإذا كان هذا حال من هو مقرب إلى الله بلا شك، مع من هم أقرب لديهم، فكيف إجابة الدعاء لمن ليسوا بأقرباء لهم؟ وكيف بمن هو أبعد الناس لهم في سيرهم وهديهم وسننهم؟ وكيف حال غير الأنبياء كالصالحين الذين هم صالحين لدينا وربما يكونون من أخبث الخلق عند الله؟\nقال الحافظ في الفتح: (دعواتهم على رجاء الإجابة). وقال آخر: (إن لكي نبي دعوة مجابة ألبتة، وهو على يقين من إجابتها، وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها، وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب).\nالشبهة التاسعة: شبهة التبرك:\nسبق معنا بيان معنى التبرك، وقد جاء فيه أنه بمعنى طلب الخير واستدامته، ومعلوم أن جلب الخير ودفعه ليس في قدرة البشر، وإنما التبرك من الله، وقد جعل الله في الدنيا أشياء مباركة، ولكن ليس منها طلب الخير ودفع الشر من غير الله كالأنبياء والرسل بعد موتهم بذواتهم، كما أنه ليس منها طلب الخير ودفع الشر بالأولياء والصالحين. فالمتصوفة الذين يرون أن الاستغاثة والدعاء والتوجه إلى غير الله ما هي إلا تبرك بهؤلاء الكرام على حصول المقصود غير مشروع أصلًا، فلا يجوز التبرك في غير ما ورد عن الله ورسوله ﷺ، وهؤلاء المتصوفة الذين يتبركون بالقبر، إن كان قصدهم طلب الخير والنماء من المتبرك به فلا شك أنه كفر وشرك أكبر، وإن كان مقصدهم: طلب الخير والبركة من الله ولكن بواسطتهم فلا شك أنه بدعة مذمومة، بل ربما","vol":"2","page":1250},{"text":"يكون من الشرك الأصغر إذا اعتقد ذلك سببًا، فإن اعتقاد ما ليس بسبب مشروع سببًا شرك أصغر.\nالشبهة العاشرة: تشبثهم بسوء فهمهم لبعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية: ومن هذه الآيات والأحاديث ما يلي:\nفمن الآيات:\nأ- قوله تعالى: (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ).\nب- قوله تعالى: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ).\nجـ - قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ).\nد- قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ).\nهـ - قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).\nو- قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ).\nز- قوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ).","vol":"2","page":1251},{"text":"فهذه بعض الآيات الكريمات التي استدل بها بعض المشركين بالله جل وعلاه على تبرير عملهم الشركي؛ من الدعاء والاستغاثة والنداء والاستعانة والتشفع والالتجاه إلى غير الله.\nأما الأحاديث النبوية التي استدلوا بها على تبرير شركهم في كثيرة، أبرزها ما يلي:\nأ- حديث الشفاعة العظمى.\nب- أحاديث ترغيب المسلم في قضاء حاجة أخيه.\nالجواب عن الاستدلال بهذه الآيات والأحاديث:\nإن الذين استدلوا بهذه الآيات والأحاديث هم في الحقيقة ملبسون، ومحرفون الكلم عن مواضعه، ويتلاعبون بنصوص الكتاب والسنة، ويضعون النصوص الشرعية في غير موضعها؛ لأن هذه النصوص إنما تدل على جواز مناصرة بعض الناس بعضًا، واستغاثة بعضهم ببعض فيما يقدرون عليه، وهو المعنيّ بما تحت الأسباب.\nولا تدل إطلاقًا بحال من الأحوال على جواز استغاثة الناس بعضهم ببعض فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو المعنيّ بما فوق الأسباب.\nولكن هؤلاء الملبسين تراهم يستدلون بنصوص الاستغاثة المباحة على","vol":"2","page":1252},{"text":"الاستغاثة المحرمة الشركية، كدأب أهل التحريف من اليهود والمتفلسفة المتكلمة الجهمية، ولعل بعضهم لجهله لم يتصور محل النزاع، ولا عرف منار البحث والدفاع، فإن طلب الدعاء من الأحياء مسألة.\nونداء غير الله تعالى أمواتًا وأحياءً بما هو من خصائص الألوهية مسألة أخرى.\nوبين المسألتين بون بعيد، وفرق ما عليه من مزيد.\nفهذان النوعان من الاستغاثة والاستعانة، والاستنصار والاستمداد، أمران متضادان، ومسألتان متباينتان، وهما حقيقتان مختلفتان، ومفهومان متغايران، لكل واحد حكم مغاير لحكم الآخر، فلا يجوز الخلط بين الحكمين حتى لا يكون تلبيسًا.\nفالنوع الأول جائز بلا ظنون، لابد منه، ولا ينكره إلا مجنون، لكنه خارج عن محل النزاع.\nوأما النوع الثاني فهو محل النزاع، وهو لا يجوز؛ لأنه إشراك بالله ﷿، ومتضمن لعبادة غير الله ﷾.\nالشبهة الحادية عشرة: استدلال القبوريين ببعض الآيات القرآنية التي هي ليست في محل النزاع:\nمثل قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ). قالوا: أمرنا الله بالاستعانة","vol":"2","page":1253},{"text":"بالأعراض ولم يقل: استعينوا بالله. ويقول آخر: من قال: لا ينبغي الاستعانة بغير الله فقد كفر، لمخالفته نص الكتاب في قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ).\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن هذه الآية الكريمة لا علاقة لها بجواز الاستغاثة بالأموات عند الكربات، والاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله رب العالمين، بل هذه الآية من أقوى الأدلة على وجوب الالتجاء إلى الله والاستغاثة به عند الملمات، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحات، إذ الصلاة والصبر من أعظم الأعمال الصالحات التي يتوسل بها إلى الله عند الكربات، فقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر توسل إلى الله بالصلاة.\nبل الآية من قبيل قوله تعالى: (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ)؛ فكما أن المراد منها الاعمال الصالحة على تفسير السلف من الأثر والرأي، هكذا هنا المراد من هذه الآية: التوسل بالأعمال الصالحة.\nالشبهة الثانية عشرة: استدلال المتصوفة القبورية بقصة هاجر ﵂:\nوالقصة: أن إبراهيم ﵇ لما ترك ابنه إسماعيل ﵇ وهاجر ﵂ بوادي مكة قبل أن يبني فيها الكعبة، وقبل ظهور ماء زمزم، ولم","vol":"2","page":1254},{"text":"يكن بمكة يومئذ أحد، ولا ماء، ووضع عندها جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، فجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء، حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش إسماعيل ﵇، وجعل يتمرغ من شدة العطش، فوجدت هاجر الصفا أقرب جبل إليها، فقامت عليها لترى أحدًا، فهبطت من الصفا ثم أتت المروة، فقامت عليها فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبعًا، (فلما أشرفت المروة سمعت صوتًا .. فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث)، وفي رواية: (أغث إن كان عندك خير).\nفهذه القصة من أقوى الأدلة عند المتصوفة والقبورية على الإطلاق، فإن فيها تنصيصًا بلفظ الغوث وفيها استغاثة بالغائب عن البصر، وعلى طلب الغوث والمدد من الغائب عن النظر.\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن هذه القصة لا صلة لها بالاستغاثة بالغائب الذي لا يقدر ولا ينفع أو الميت الذي لا يعلم ولا يرى ولا يسمع، كما لا علاقة لها بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، بل تدل على جواز الطلب من الحي الحاضر فيما يقدر عليه، فإن هاجر لما نفد الماء ما نادت أحدًا بالاستغاثة، بل إنما نادت لما أحست صوتًا وسمعها، حيث سمعت الصوت من جبريل الحاضر الحي، فطلبت منه ما كان يقدر عليه وإن لم تكن تراه، ومن ظن غير ذلك فقد افترى على أمنا هاجر،","vol":"2","page":1255},{"text":"ورماها بالشرك، وحاشاها أن تشرك بالله.\nالشبهة الثالثة عشرة: استدلال المتصوفة القبورية على تبرير نداء الغائب والاستغاثة ببعض الأحاديث الضعيفة:\n١ - بما روي من حديث ابن مسعود ﵁ والذي فيه: «إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا، فإن لله ﷿ في الأرض حاضرًا سيحبسه».\nيجاب عن هذه الشبهة: بأن الحديث ضعيف لعلتين: الأول: أنه منقطع، ثانيًا: أن في إسناد رجلًا ضعيفًا، فلا يصح الاستدلال به.\nوما أحسن ما جاء في ذم الكلام: أن عبد الله بن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله أعينوني! أعين، قال: فجعلت أطلب الجزء أنظر إسناده. والمقصود: أنه لم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده، هكذا فليكن الاتباع.\nواستدلوا أيضًا بما جاء في رواية أخرى:\n٢ - «إذا ضل أحدكم شيئًا، أو أراد عونًا، وهو بأرض ليس بها أنيس،","vol":"2","page":1256},{"text":"فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادًا لا نراهم».\nيقولون: إن في الحديث تنصيصًا على نداء الغائب.\nيجاب عن هذه الشبهة:\nبأن الحديث ضعيف لانقطاعه.\nوعلى فرض صحة الحديثين السابقين: ففيهما نداء للأحياء وطلب منهم ما يقدرون عليه، وهذا مما لا نزاع في جوازه.\nويقول الشيخ الألباني - حفظه الله ـ: (ومع أن الحديث ضعيف كالذي قبله، فليس فيه دليل على جواز الاستغاثة بالموتى من الأولياء والصالحين، لأنهما صريحان بأن المقصود بـ (عباد الله) فيهما خلق من غير البشر، بدليل قوله في الحديث الأول: «فإن لله حاضرًا سيحبسه عليهم»، وقوله في هذا الحديث: «فإن لله عبادًا لا نراهم». وهذا الوصف إنما ينطبق على الملائكة أو الجن، لأنهم الذين لا نراهم عادة».\nوقد جاء في حديث آخر تعيين أنهم طائفة من الملائكة، أخرجه البزار كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بلفظ: «إن لله تعالى ملائكة في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من","vol":"2","page":1257},{"text":"ورق الشجر، فإذا أصابت أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أعينوني». وقد رواه البيهقي في الشعب موقوفًا على ابن عباس. فهذا الحديث يعين أن المراد بقوله في الحديث الأول: «يا عباد الله» إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب منالأولياء والصالحين، سواء كانوا أحياء أو أمواتًا، فإن الاستغاثة بهم وطلب العون منهم شرك بيّن؛ لأنهم لا يسمعون الدعاء، ولو سمعوا ما استطاعوا الاستجابة وتحقيق الرغبة، وهذا صريح في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).\nالشبهة الرابعة عشرة:\nقولهم: إن النصوص التي تنهى عن دعاء غير الله والاستغاثة بغيره سبحانه إنما وردت في الأصنام والأوثان فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام.","vol":"2","page":1258},{"text":"قالوا: لا يقاس الاستغاثة بالأنبياء والأولياء ودعائهم والنذر لهم على عبادة الأصنام والأحجار والأوثان التي لا مكانة لها ولا احترام لها عند الله ولا تضر ولا تنفع، لأن المشركين كانوا يعبدونها على أساس أنها تستقل بالنفع والضر، وأن لها تأثيرًا وشرفًا ذاتيًا وتدبيرًا، وأما نحن فنستغيث بالأنبياء والأولياء الذين لهم مكانة عند الله، وهم أحياء يعلمون ويسمعون. فأين هذا من ذاك؟\nيجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nإن هذه الشبهة تتضمن شبهات كثيرة\nالأولى منها: أن دعاء الأموات والاستغاثة بالأموات عند الكربات ليست من العبادة فليست من الشرك بالله تعالى. ويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nهذا القول ناتج عن الانحراف في مفهوم العبادة، حيث حصرت العبادة لدى البعض في عدة أعمال ظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، وبعض الأعمال القلبية من اعتقاد الربوبية، وبناء على ذلك أخرجوا الدعاء والاستغاثة من مفهوم العبادة، فقالوا: إن الدعاء والاستغاثة، ونداء الأولياء وطلب المدد منهم عند البلاء ليست هذه الأمور من العبادة في شيء، ولا من الشرك بالله، لأن العبادة لا تتحقق إلا إذا اعتقد في غير الله القدرة الكاملة الذاتية والاستقلال بالنفع والضر، والربوبية، ونفوذ المشيئة لا محالة، وإذا كان الأمر كذلك فمن استغاث بالأولياء ودعاهم لدفع الضر وجلب النفع، وطلب منهم المدد فهو لم يعبد غير الله، وإذا لم يعبد غير الله لم يشرك به أيضًا.","vol":"2","page":1259},{"text":"ويمكن أن يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nسبق معنا بيان معنى العبادة في مفهوم الشرع، وقد بينا بالأدلة والبراهين أن ما ذكروه من العبادة والنداء والسؤال، والشفاعة والاستشفاع، والنصر والاستنصار، والمدد والاستمداد، والعون والاستعانة، والغوث والاستغاثة، والدعاء والحب، والتوكل والخضوع، والإبانة، والخوف والرجاء، والطاعة، هذه كلها وما شاكلها من العبادة الشرعية. فإخراجهم هذه الأشياء كونها من العبادة باطل شرعًا، وقد سبق معنا بيان هذا الأمر مفصلًا فلا نعيده هنا، ويكتفي هنا بالردود على بعض هذه الأفكار بما يلي:\nأولًا: إن هذا القول يصادم النصوص الواضحة التي سمت دعاء المسألة عبادة، وهي كثيرة:\nفمن ذلك قوله ﷺ: «الدعاء هو العبادة». وقد سبق إثبات ذلك بالتفصيل.\nثانيًا: إن أكثر استعمال الدعاء في الكتاب والسنة واللغة ولسان العرب ومن بعدهم من العلماء في السؤال والطلب. ومن الأدلة على ذلك: صنيع المؤلفين من المحدثين وغيرهم، حيث يعتقدون في كتبهم بباب الدعوات أو","vol":"2","page":1260},{"text":"كتاب الدعوات أو مثل هذه العبارة ثم يوردون ما يتعلق بدعاء المسألة فقط. وأغلبهم لا يتعرضون لدعاء العبادة في تلك الكتب والأبواب.\nومثل هؤلاء آخرون الذين أفردوا كتبًا خاصة بالدعاء وهي كتب كثيرة للمتقدمين والمتأخرين، لم يذكروا في تلك الكتب إلا ما يتعلق بدعاء المسألة. فهذا يدل على أن الاستعمال لكلمة الدعاء في لسان المصنفين من العلماء إنما هو دعاء المسألة.\nثالثًا: لو سلمنا أن المراد بالدعاء في الآيات دعاء العبادة، لا نسلم أن دعاء المسألة لا يدخل في العبادة، فإنه إن لم يكن الدعاء من العبادة فلا عبادة يمكن تصورها، لأن الدعاء يتضمن أنواعًا من العبادات وليس عبادة واحدة فقط، فهو يتضمن الرجاء والخوف والتوكل والتضرع والابتهال والخشية والطمع والتوجه إلى الله والإقبال عليه والانطراح بين يديه وحسن الظن بالله والمراقبة لله، كما أنه يتضمن سؤاله وذكره وثناءه والتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.\nفإذا لم تكن هذه الأمور عبادة فلا يمكن أن نتصور عبادة، وقد وردت الأدلة الصحيحة بأن الدعاء هو العبادة وأنه مخها وروحها، قال ﷺ: «الدعاء هو العبادة» (فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات فإن لم يكن الإشراك فيه شركًا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولي أن يكون شركًا من الإشراك في غيره من أنواع العبادات).\nفتحصّل من هذا أن الدعاء داخل في العبادة، وأن الآيات والأحاديث","vol":"2","page":1261},{"text":"الواردة في العبادة والتحذير من صرفها لغير الله تعالى تشمل وتعم جميع أنواع العبادات ومن أجلّها دعاء المسألة، وقد قدمنا تلازم نوعي الدعاء وأن دعاء العبادة يستلزم الطلب والسؤال، فلا ينفع الخصم تأويل معنى الدعاء إلى العبادة وتضييقه لمفهوم العبادة حيث يظن أنها خاصة بالصلاة والصوم والحج.\nوما وقع من وقع في الشبهة المذكورة إلا لحصره العبادة في بعض الأعمال الظاهرة. وقد سبق معنا بيان أبعاد العبادة وأنواعها، فمن عرف أنواع العبادة يعرف جيدًا أن هذه الشبهة ما تطرق إلى الأذهان إلا لقلة العلم وعدم معرفة مقاصد الشرع ومفهوم الشرع في العبادة.\nالثانية منها: أن الشرك لا يتحقق باعتقاد الربوبية والخالقية والاستقلال بالنفع والضر في غير الله، وقد سبق أن تعرضنا لشبهة الاستقلال، وذكرنا أيضًا: أن المشركين باعتقاد الاستقلال بالنفع والضر في الأصنام والأوثان لم يكن عليه حتى العرب في جاهليتهم، ولم يكن عليه شرك الأمم السابقة أيضًا.\nالثالثة منها: إن تلك النصوص إنما وردت فيا لأصنام فقط، والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام، فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام.\nويجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\n١ - إن المشركين الذين وردت فيهم تلك النصوص ليسوا كلهم يعبدون الأصنام فإن منهم من يعبد الأولياء والصالحين، ومنهم من يعبد الملائكة،","vol":"2","page":1262},{"text":"ومنهم من يعبد الأنبياء، ومنهم من يعبد الأحجار وهي في الأصل صور رجال صالحين، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن الكريم، ومن أوضحها قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا).\nفهذه الآية في العقلاء بدون شك وإن اختلف المفسرون في تعيينهم:\nأ- فقيل: الجن، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كان نفر من الإنس يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم النفر من الجن واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ). وفي رواية: (فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون).\nب- وفي رواية أخرى عن عبد الله بن مسعود أنها نزلت في الملائكة، ومثله عن عبد الرحمن بن زيد.\nجـ - وفي رواية أنهم عزير وعيسى وأمه والملائكة، روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد.","vol":"2","page":1263},{"text":"فهذه الأقوال المنقولة عن السلف عن تفسير هذه الآية ليس بينها اختلاف، لأنها عامة تشمل كل هذه الأقوال، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم إنه ليس مراد من فسرها بالجن أو الملائكة أنها خاصة بذلك، وإنما مراده مجرد التمثيل.\nقال شيخ الإسلام: (وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف ﵃ في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفًا فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه.\nوليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته ويخاف عذابه، وهذا موجود في الملائكة والجن والإنس).\nفمعنى الآية أن الذين يدعوهم المشركون هم أنفسهم يتقربون إلى الله بالطاعات ويرجونه ويخافونه فكيف يجوز دعاؤهم؟ وهذا كقوله تعالى: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ).\nوأما القول بأنها لا تعم إلا الذين كانوا أحياء في وقت النزول - وهم الملائكة والجن لأنهم هم الذين يتقربون ويرجون ويخافون وقت نزول الآية، وأما","vol":"2","page":1264},{"text":"الذين ماتوا مثل عزير ومريم فلا تشملهم - ففيه نظر؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الآية تذكر صفتهم في حال حياتهم فقد كانوا يتقربون إلى الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لا زالوا يتقربون كما ورد أن موسى يصلي في قبره، وأما الرجاء والخوف فلا ينقطع إلا بعد دخول الجنة يوم القيامة.\nفتبين بهذا أن الآية في المعبودين من العقلاء بدون تخصيص صنف دون صنف. وقد اتفقت أقوال المفسرين على أن هذه الآية في المدعوين العقلاء وليست في الأصنام: يقول الرازي: (وليس المراد: الأصنام، لأنه تعالى قال في صفتهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ)، وابتغاء الوسيلة إلى الله تعالى لا يليق بالأصنام ألبتة).\nومما يدل على أن المشركين الذين نزل فيهم القرآن يعبدون غير الأصنام ما بينه الله ﷾ في كتبه من الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالصالحين، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام، والشرك بالجن، وأصل ذلك كله الشرك بالشيطان. وقد سبق معنا بيان أنواع الشرك التي كانت موجودة في الجاهلية، واستدللنا لكل هذه الأنواع من الشرك بدلالات من القرآن والسنة ومن أخبار العرب وتاريخهم بما لا مزيد عليه.","vol":"2","page":1265},{"text":"٢ - لو سلمنا أن تلك النصوص وردت في الأصنام فقط على سبيل التنزل فإننا نقول: إن تلك الأصنام هي تماثيل لقوم صالحين؛ فقد ثبت في ود وسواع ويغوث ... إلخ إنها أسماء رجال صالحين من قوم نوح. كما ثبت أن اللات رجل يلت السويق للحجيج، وقد تقدم معنا ذكر ذلك كله بالتفصيل.\nفعلى هذا فعبادة الأصنام ترجع في الحقيقة إلى عبادة الصالحين فهي الأساس في العبادة وأصل الفتنة ورأس البلية. وقد ذكر كثير من علماء الإسلام هذا المعنى وبينوا أن عبادة الأصنام ترجع إلى عبادة العقلاء من الملائكة والأنبياء والصالحين أو الكواكب.\n٣ - إن تلك النصوص عامة شاملة لجميع المدعوين من دون الله سواء كانوا من الأصنام الجامدات أو العقلاء؛ لأن تلك النصوص وردت بألفاظ العموم فتشمل الجميع.\nوبعض تلك النصوص جاءت بألفاظ خاصة بالعقلاء، نحو (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ). وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر، لأن (الذين) لم يخبر به إلا عن العقلاء، ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت.","vol":"2","page":1266},{"text":"وبهذا يتبين أن النصوص عامة لكل المدعوين من العقلاء وغيرهم، ومن ادعى التخصيص بغير العقلاء فعليه البرهان ولا برهان له يدل على الفرق بين العقلاء وغيرهم؛ (لأن الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئًا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسمًا آخر، فلا اعتبار بالاسم قط ...\nوقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب إليها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور ...).\nوإنما قلنا بأن الآيات جاءت بألفاظ العموم لأنها جاءت بصيغة الموصول وهي من صيغ العموم؛ كقوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ)، وقوله: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)، وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ).\nفهذه الموصولات في كلام الله وكلام رسوله واقعة على كل مدعو ومعبود","vol":"2","page":1267},{"text":"نبيًا كان أو ملكًا أو صالحًا، إنسيًا أو جنيًا، حجرًا أو شجرًا متناولة لذلك بأصل الوضع، فإن الصلة كاشفة ومبينة للمراد، وهي واقعة على كل مدعو من غير تخصيص، وهي أبلغ وأدل وأشمل من الأعلام الشخصية والجنسية.\nوهذا هو الوجه في إيثارها على الأعلام، وشرط الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب، والمعهود عند من يعقل من أصناف بني آدم أن الأنبياء والملائكة والصالحين قد عبدوا مع الله وقصدهم المشركون بالدعاء في حاجاتهم.\nالشبهة الخامسة عشرة: شبهة تنزيل الآيات القرآنية المنزلة على المشركين على المؤمنين:\nإن القبوريين لما كانوا يدعون الأولياء والصالحين، واستدل عليهم العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث الواردة في أن الدعاء والطلب والشفاعة وغيرها من العبادة، وأن الله ﷿ قد كفّر المشركين الأول لهذه الأعمال، قالوا: إن المشركين الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ونحن نشهد الشهادتين ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم ... فكيف تجعلوننا مثلهم بمجرد قصدنا الأولياء للشفاعة؟\nواحتجوا على هذا بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ...» وحديث أسامة، وغيرها من الأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله.","vol":"2","page":1268},{"text":"يجاب عن هذه الشبهة بما يلي:\nالإقرار بالشهادتين والاعتراف بالشريعة الإسلامية لا يغني عن الاحتراز من الوقوع في نواقض الإسلام، ولا يلزم من ذلك بقاء الرجل على الإسلام ولو أتى بالكفريات وربما يناقض الشهادتين، والأدلة على ذلك كثيرة:\n١ - إجماع العلماء ﵏ على أن من صدق الرسول ﷺ في شيء وكذبه في شيء يكفر، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا).\nوقد علم أن التوحيد أهم أركان الإسلام، فمن أنكره أو أنكر بعض جوانبه فقد كفر.\n٢ - وقد وقع في التأريخ الإسلامي ما يدل على إجماع العلماء على تكفير من أنكر بعض الشيء من الدين، ومن ذلك:\nأ- إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قتال المرتدين بعد مناقشة عمر لأبي بكر وبيانه له، فلم يحصل بينهم في قتالهم خلاف مع أن بعضهم لا زال يقر بالإسلام.\nب- قد حرق علي ﵁ الذين غلوا فيه وألهوه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ولا من التابعين، وقد أنكر عليه ابن عباس الإحراق بالناس - لما جاء","vol":"2","page":1269},{"text":"عنده عن الرسول منع الإحراق بالنار - لا أصل قتلهم.\n٣ - فقهاء المذاهب يعقدون أبوابًا في أحكام الردة، ولو أن المسلم لا يمكن وقوع الكفر منه لما كانت حاجة إلى عقد تلك الأبواب، وقد ذكروا في تلك الأبواب ما هو أقل بكثير مما نحن فيه.\n٤ - قد وردت آيات تدل على ارتداد من ارتكب بعض الكفريات مع كونهم من أصحاب رسول الله ﷺ يجاهدون معه، ويقاتلون الكفار، قال تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)، وقال سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ). وهؤلاء كانوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلو كان مجرد الشهادتين يمنع الحكم بالكفر لما كفرهم، وحكم بأنهم كفروا بعد إيمانهم.\n٥ - كما أنه قد وردت آيات أخر تبين أن من أشرك يبطل عمله حتى ولو كان من الأنبياء والمرسلين مع أن الله ﷿ عصمهم، فكيف بغيرهم؟ قال تعالى بعد ذكر جملة من الأنبياء: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).","vol":"2","page":1270},{"text":"٦ - الأنبياء والرسل الكرام وجلة الصالحين كانوا يخافون على أنفسهم الشرك، ولو كان مجرد النطق بالشهادتين يكفي ولا يضر الإتيان بما يناقض ذلك لما خافوا على أنفسهم من الشرك. قال إبراهيم ﵇: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ). وقد حذر النبي ﷺ أمته من الشرك وقال إنه أخفى في أمته من دبيب النمل على الصخرة الصماء في ليلة ظلماء.\n٧ - يقال أيضًا: إن الجامع بين المشركين من الأولين والآخرين موجود وهو الشرك، فالحكم في ذلك واحد لا فرق فيه لعدم الفارق ووجود الجامع. وفي أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويلزم من هذا الاعتراض أن يقال: كل حكم نزل على سبب مخصص في قضية سالفة فهو لا يتعداها إلى غيرها.\nوهذا باطل، وتعطيل لجريان الأحكام الشرعية على جميع البرية؛ لأنه يلزم من اعتقاد أن الآيات لا تشمل إلا المشركين الأوائل الذين نزلت فيهم أنها لا حكم لها الآن، فالذي يجب على الإنسان إذا قرأ القرآن أن لا يحسب أن المخاصمة كانت مع قوم انقرضوا، بل الواقع أنه ما من بلاء كان فيما سبق من الزمان إلا وهو موجود اليوم بطريق الأنموذج. بحكم الحديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذور القذة بالقذة ...».","vol":"2","page":1271},{"text":"يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في الرد على مثل هذه الشبهة: (إن من منع تنزيل القرآن، وما دل عليه من الأحكام على الأشخاص والحوادث التي تدخل تحت العموم اللفظي، فهو من أضل الخلق وأجهلهم بما عليه أهل الإسلام وعلماؤهم قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، ومن أعظم الناس تعطيلًا للقرآن، وهجرًا له وعزلًا عن الاستدلال به في موارد النزاع، فنصوص القرآن وأحكامه عامة لا خاصة بخصوص السبب.\nوما المانع من تكفير من فعل ما فعلت اليهود من الصد عن سبيل الله والكفر به، مع معرفته؟).\nويقول ابن سحمان: (فمن فعل كما فعل المشركون من الشرك بالله، بصرف خالص حقه لغير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين، ودعاهم مع الله، واستغاث بهم كما يستغيث بالله، وطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله، فما المانع من تنزيل الآيات على من فعل كما فعل المشركون، وتكفيره، وقد ذكر أهل العلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن إذا عميت قلوبهم عن معرفة الحق، وتنزيل ما أنزله الله في حق المشركين على من صنع صنيعهم واحتذا حذوهم فلا حيلة فيه).\nوأما احتجاجهم بالأحاديث الآمرة بالكف عمن قال: لا إله إلا الله، فيقال: إن الأحاديث تدل على وجوب الكف عمن قالها إلا أن يتبين منه ما يناقض تلك الكلمة، كدعاء غير الله تعالى، والاستغاثة بالأولياء وما إلى","vol":"2","page":1272},{"text":"ذلك.\nوقد ثبت في بعض طرق الأحاديث ما يفيد ذلك وهو قوله ﷺ في حديث له: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به». فقوله ﷺ: «يؤمنوا بي وبما جئت به» يدل على وجوب الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ، ولا يكفي مجرد الإيمان بالشهادتين فقط.\nكما ورد نحوه في حديث آخر أنه ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله».\nفدل على اشتراط الكفر والبراءة مما يعبد من دون الله، وأنه لا يكتفي بمجرد النطق بلا إله إلا الله.\nويدل لذلك أيضًا: قوله ﷺ في الحديث الذي يحتجون به «إلا بحقها» وفي رواية: «إلا بحق الإسلام». وحقها: إفراد الإلهية والعبودية لله تعالى، والقبوريون لم يفردوا الإلهية والعبادة، فلم تنفعهم كلمة الشهادة؛ فإنها لا تنفع إلا مع التزام معناها، كما لم ينفع اليهود قولها لإنكارهم بعض الأنبياء.\nوقد صرح بعض العلماء بأن حديث الأمر بالكف بالإقرار بالشهادة خاص بمشركي العرب، وأما من كان يقر بالتوحيد كاليهود فلا يكتفي بقوله: لا إله إلا الله؛","vol":"2","page":1273},{"text":"لأنها من اعتقاده، فلابد من إيمانه بجميع ما جاء به الرسول ﷺ.\nثم من المعروف إن لكلمة (لا إله إلا الله) شروطًا لصحتها، فليس كل من قال لا إله إلا الله يكون إيمانه صحيحًا، بل لابد من مراعاة الشروط فيها، فقد سئل بعض السلف: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: نعم، ولكن للمفتاح أسنان - وذكر أشياء ثم قال: - كما أنه لا يفتح بالمفتاح الذي لا أسنان له، هكذا مجرد النطق بالكلمة لا تجدي ولا تنفع.\nفاتضح بما سبق: أن كلمة الشهادتين وإقامة الصلاة ... إلخ إنما يفيد من التزم بمقتضى ذلك، ولم يأت بما يناقضه، وأما من لم يلتزم بذلك وأتى بالنواقض فلا يمنعه.\nهذا، وقد أعرضت عن شبهات أخرى يتشبث بها المتصوفة القبورية كالاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والمنامات والإلهامات - إذ يكفي أن يقال عنها كلها: إنها مردودة - فأما الأحاديث الموضوعة فمردودة مطلقًا، وأما موافقة للشرع، والأمر فيه كما في مراقي السعود:\nوينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء\n\nقال شارحه عن الإلهام: (وليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسه الشيطان فيها).\nوقال: (وكذا من رأى النبي ﷺ في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده ... لعدم ضبط الرائي.).","vol":"2","page":1274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>الفصل الثالث وجوب الإخلاص والحذر من الشرك</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: في معنى الإخلاص لغة وشرعًا.\nالمبحث الثاني: في بيان وجوب الإخلاص.\nالمبحث الثالث: في بيان موانع الإخلاص والحذر من الشرك.","vol":"2","page":1275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المبحث الأول في معنى الإخلاص لغة وشرعًا</span>\nالإخلاص لغة:\nجاء في المصباح المنير: (خلص الشيء من التلف) من باب - قعد ـ، (وخلاصًا)، و(مخلصًا): سلم ونجا، و(خلص) الماء من الكدر: صفار، و(خلصته) بالتثقيل: ميزته من غيره. وهكذا مدار الإخلاص في كتب اللغة على الصفا والتميز عن الشوائب التي تخالط الشيء، يقال: هذا الشيء خالص لك أي لا يشاركك فيه غيرك، وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن. (والخلاص) في لغة العرب: ما أخلصته النار من الذهب والفضة. والخالص من الألوان عندهم: ما صفا ونصع، ويقولون: خالصه في العشرة؛ أي: صافاه.\nوهذه المعاني جاءت في القرآن الكريم، قال تعالى: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا)؛ أي: لا يخالطه دم ولا فرث.\nوقال تعالى في إخوة يوسف: (خَلَصُوا نَجِيًّا)، أي: انفردوا","vol":"2","page":1277},{"text":"وتميزوا عمن سواهم، وقال تعالى حكاية عن المشركين: (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا)؛ أي: لا يشركهم الإناث.\nوأما حقيقة الإخلاص في الشرع:\nفقد تنوعت تعريفات العلماء له، ولكن مدارها على قصد الله بالعبادة دون سواه.\nجاء في المفردات لغريب القرآن: (فحقيقة الإخلاص: التبري عن كل ما دون الله تعالى).\nوعرفه أبو القاسم القشيري: بأنه (إفراد الحق ﷾ في الطاعات بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر؛ من تصنع لمخلوق، واكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله ﷾).\nوقال في موضع آخر: (يصح أن يقال: الإخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين).","vol":"2","page":1278},{"text":"وعرفه بعضهم بقوله: (الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده لا يريد بها تعظيمًا من الناس ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني ولا دفع ضرر دنيوي).\nوقال سهل بن عبد الله: (الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله - تعالى - خالصة).\nقال الغزالي بعد ذكره لهذا التعريف: (وهذه كلمة جامعة محيطة بالغرض).\nوقد ذكر الإمام ابن القيم، ما يقارب ثلاثة عشر تعريفًا للإخلاص، وكلها ترجع إلى معنى واحد: وهو أن يقصد العبد بأقواله، وأعماله وإرادته، ونيته وجه الله تعالى دون سواه، من غير أن ينظر إلى مغنم، أو جاه، أو لقب، أو تقدم، أو تأخر، إلى غير ذلك من أغراض الدنيا.\nوقد ذكر ابن القيم أن للإخلاص ثلاثة أركان، قال - رحمه الله تعالى ـ:","vol":"2","page":1279},{"text":"(فحقيقة الإخلاص: توحيد المطلوب، وحقيقة الصدق: توحيد الطلب والإرادة، ولا يثمران إلا بالاستسلام المحض للمتابعة، فهذه هي الأركان الثلاثة للإخلاص).","vol":"2","page":1280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الثاني وجوب الإخلاص في الدين</span>\nأما وجوب الإخلاص في الدين: فلأنه من أعمال القلوب، بل هو من أهم أعمال القلوب المندرجة تحت الإيمان، وأعظمها قدرًا وشأنًا، من المعلوم: أن أعمال القلوب عمومًا آكد وأهم من أعمال الجوارح، يقول ابن تيمية ﵀ عن الأعمال القلبية: (وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين، مثل محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين لله، والشكر له، والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له ... وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق باتفاق أئمة الدين).\nويقول ابن القيم: (وأعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح).\nوبهذا تدرك أهمية أعمال القلوب، وعلو شأنها، ووجوب تحقيق هذه الأعمال عمومًا، ومن أهمها وأخصها: الإخلاص.\nفالإخلاص حقيقة الدين، ومفتاح دعوة الرسل ﵈، وإذا تمكن الإخلاص من طاعة ما، فكانت هذه الطاعة خالصة لوجه الله تعالى، فإن الله تعالى","vol":"2","page":1281},{"text":"يجزي الجزاء الكيبر والعطاء العظيم لهؤلاء المخلصين، وإن كانت الطاعة في ظاهرها يسيرة أو قليلة.\nيقول ابن تيمية في هذا الشأن: (والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه عبوديته لله، فيغفر الله به كبائر، كما في حديث البطاقة ... فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق، كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم يقولون التوحيد، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة) - ثم ذكر ابن تيمية ﵀ حديث البغيّ التي سقت كلبًا فغفر الله لها، ... والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له - ثم قال: (فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال).\nوفي المقابل إن أداء الطاعة بدون إخلاص وصدق مع الله، لا قيمة لها، ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام كالإنفاق في وجوه الخير، وقتال الكفار، ونيل العلم الشرعي كما سيأتي معنا حديث الثلاثة؛ من المجاهد، والعالم، والجواد.\nوقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة، وكثرة أقوال الأئمة في اشتراط الإخلاص للأعمال والأقوال الدينية، وأن الله لا يقبل منها إلا ما كان خالصًا وابتغي وجهه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ).","vol":"2","page":1282},{"text":"قال ابن كثير: (هذه الآية فيها توجيه من الله - تعالى - لنبيه ﷺ بأن يقول للمشركين أنه لا يصلي إلا لله، ولا يذبح إلا له، وأن محياه ومماته كل ذلك لله وحده لا شريك له، بخلاف المشركين، فإنهم كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله - تعالى - بمخالفتهم، والابتعاد عما هم عليه والإقبال بالقصد والنية والعزم والإخلاص لله تعالى).\nوقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).\nقال الفضيل بن عياض: - في بيان معنى (أَحْسَنُ عَمَلًا) ـ: هو أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ... فلا يمكن أن يكون العمل خالصًا إلا إذا جرد الإنسان المتابعة للكتاب والسنة في عبادته، واقتفى ما خط له فيهما، فقبول الأعمال مرهون وموقوف بصدق الإخلاص.","vol":"2","page":1283},{"text":"يقول ابن القيم تعليقًا على كلام الفضيل بن عياض: (والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة، فالمقبول ما كان خالصًا لله، وللسنه موافقًا، والمردود ما فقد منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحبه الله ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وما عمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها ... فإن قيل: فقد بان بهذا أن العمل لغير الله مردود غير مقبول، والعمل لله وحده مقبول، فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل لله ولغيره، فلا يكون لله محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يبطل العمل كله أم يبطل ما كان لغير الله ويصح ما كان لله؟ قيل: هذا قسم تحته أنواع ثلاثة:\nأحدها: أن يكون الباعث الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يعرض عليه الرياء وإرادة غير الله في أثنائه، فهذا المعول فيه على الباعث الأول ...\nالثاني: عكس هذا، ... فهذا لا يحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته ...\nالثالث: أن يبتدئها مريدًا بها الله والناس، ... فهذا لا يقبل منه العمل.\nوقال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ).\nفإسلام العبد وجهه لا يتحقق إلا بإخلاص قصده وعمله لله تعالى، والإحسان في ذلك لا يتحقق إلا بمتابعة الرسول ﷺ، ولقد أخبر الله تعالى أن الأعمال التي تكون على غير الكتاب والسنة أو قصد بها غير وجه الله تعالى فإنها تصير هباء منثورًا ليس لها قيمة وليس فيها نفع لصاحبها. قال تعالى: (وَقَدِمْنَا","vol":"2","page":1284},{"text":"إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا). والآيات الواردة في الحض على إخلاص العبادة لله - وحده لا شريك له - كثيرة جدًا في كتاب الله تعالى وكلها تدل على اهتمام الإسلام بإصلاح الفرد ظاهرًا، وباطنًا.\nمن هذه الآيات الكريمات قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).\nقال ابن كثير: (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك).\nوقوله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ).\nقال الحافظ ابن كثير: أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد، ولهذا قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له. قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ): (شهادة أن لا إله إلا الله). وعلى هذا التفسير يكون","vol":"2","page":1285},{"text":"معنى الآية: أي: التوحيد الصافي من شوائب الشرك وهو المستحق لذلك وحده.\nوقوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ). فهذه الآية أيضًا تأمر بعبادة الله - تعالى - العبادة الخالصة البعيدة عن كل إشراك.\nوقوله تعالى: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) في هذه الآية إخبار بأنه ﷺ أمر بأن يخص الله تعالى وحده بالعبادة مخلصًا له دينه ولا يعبد أحدًا غيره. فقوله: (اللَّهَ أَعْبُدُ) يفيد الحصر؛ أي: لا أعبد أحدًا غير الله تعالى.\nوقوله تعالى: (فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). قال الحافظ ابن كثير: أي فاخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.\nوقوله تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).\n(قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: قال تعالى: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي هو الحي أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي لا نظير له ولا عديل له (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو، الحمد لله رب العالمين.\nوقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ).\nقال ابن كثير: (قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) كقوله:","vol":"2","page":1286},{"text":"(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ)، ولهذا قال: (حُنَفَاءَ) أي متحنفين عن الشرك إلى التوحيد كقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). قوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) وهي أشرف عبادات البدن (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ) وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) أي الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة. وقد استدل كثير من الأئمة بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان ولهذا قال: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).\nفهذه الآيات الكريمات كلها تدل على أهمية الإخلاص وتدل على أنه يجب على كل إنسان أن يحققه في عبادته لربه، لتكن عبادته مقبولة عند الله - تعالى ـ، والقرآن الكريم عند ما يطلق اسم الإخلاص لا يريد به التوجه إلا الله في عمل من الأعمال، بل المقصود به أن يتوجه المكلف بأعماله كلها إلى الله وحده دون سواه، فلا يقصد بعبادته ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا ولا يعبد شجرًا ولا حجرًا ولا شمسًا ولا قمرًا، فالإخلاص يعني أن يتوجه بالأعمال القلبية لله وحده، كما يتوجه بالأعمال الظاهرة، والإخلاص هو الدين الذي بعث الله به الرسل جميعًا، فكان محور دعوتهم ولبها، وهو الدين الذي طالبت به الرسل الأمم التي أرسلت إليها (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)، وطالما أن للإخلاص هذه الأهمية في القرآن فإنه ينبغي أن نعرف أهميته من السنة النبوية:","vol":"2","page":1287},{"text":"لقد أكدت السنة النبوية على أهمية الإخلاص في عبادة الله في أحاديث كثيرة، منها:\n١ - ما رواه الشيخان عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».\nفقد بين النبي ﷺ أن القتال الذي يكون لله وفي سبيله إنما هو القتال الذي يكون الغاية منه رفع راية الإسلام، أما القتال لأجل مراءات الناس، وإظهار الشجاعة، أو للحمية، كل هذا في سبيل الشيطان، وليس في سبيل الرحمن.\n٢ - وروى الإمام أحمد من حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم».\nقال العلامة ابن القيم: (أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل معهذه الثلاثة بل تنفي عنه غلة وتنقيه منه، وتخرجه عنه، فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة، والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلًا، ودغلًا، ودواء هذا الغل، واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة الرسول).","vol":"2","page":1288},{"text":"وقال في موضع آخر: (أي: لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة؛ فإنها تنفي الغل والغش وفساد القلب وسخائمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه، يخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبق فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)، فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء. ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شرطه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ).\nقال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ). فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان).\n٣ - وأخبر ﷺ أن الإنسان إذا قصد بعمله وجه الله - تعالى - زاده الله رفعة ودرجة في دنياه وآخرته. دل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاءني رسول الله يعودني في حجة الوداع من وجع اشتد بي .. فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي، قال: «إنك لن تُخلّف فتعمل عملًا","vol":"2","page":1289},{"text":"تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ...».\n٤ - وأخبر ﷺ أن العمل بقصد الرياء والسمعة محبط للعمل وموجب للنار، كما في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، (قارئ القرآن، والمجاهد، والمتصدق بماله).\nفقارئ القرآن قرأه ليقال: فلان قارئ، والمجاهد جاهد ليقال: فلان شجاع، والمتصدق تصدق ليقال: فلان جواد، ولم تكن أعمالهم خالصة لله - تعالى - فكانوا من أصحاب النار؛ لأنهم قصدوا بأعمالهم غير الله فوقعوا في الشرك، والله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك. كما في حديث آخر قدسي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي تركته وشركه»، وقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ).\n٥ - كما أن النبي ﷺ أخبر في حديث آخر أن من لم يخلص لله في عمله لا يقبل منه، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه جاء رجل إليه ﷺ وقال: (أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر؛ ما له؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرار، ويقول رسول الله ﷺ: «لا شيء له»، ثم قال: «إن الله ﷿ لا يقبل","vol":"2","page":1290},{"text":"من العمل إلا ما كان خالصًا وابتغي به وجهه».\n٦ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ما ابتغي به وجه الله».\n٧ - كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم». وفي رواية: «وأعمالكم».\nففي هذا الحديث ذكر إخلاص النية بقوله: «إلى قلوبكم»، وذكر وجوب كونه صوابًا في نفس الأمر بقوله: (وأعمالكم»؛ حيث تجب الأعمال أن تكون على وفق هدي الرسول.\n٨ - وقال النبي ﷺ: «الغزو غزوان: فأما من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخرًا ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف».\nفهذه بعض الأحاديث النبوية تدل على أهمية الإخلاص ووجوبه في أعمال العباد القلبية والبدنية والقولية.\nفعلى الإنسان أن يجتهد في تحقيق الإخلاص في أقواله وأفعاله - القلبية","vol":"2","page":1291},{"text":"والبدنية - التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا ـ، وأن يحاول جاهدًا أن يربي نفسه ويعودها الأخذ بالإخلاص في جميع أعماله؛ إذ الإخلاص من أشق الأشياء عليها.\nقال الإمام أحمد ﵀: (أمر النية شديد).\nوقال سفيان الثوري: (ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي لأنها تنقلب علي).\nوقال آخر: (تخليص النية من فسادها أشد على العالمين من طول الاجتهاد).\nوقال سهل بن عبد الله التستري: (وليس على النفس شيء أشق من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب).\nوقال آخر: (أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر، فيجب على من نصح نفسه أن يكون اهتمامه بتصحيح نيته، وتخليصها من الشوائب فوق اهتمامه بكل شيء لأن الأعمال بالنيات ولكل امري ما نوى).","vol":"2","page":1292},{"text":"ويقول بعضهم: المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس، من أجل صلاح قلبه مع الله ﷿، ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله.\nولا شك أن الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة كبيرة حتى يناله العبد تمامًا، فإن النفس الأمارة بالسوء تشين الإخلاص في قلوب المكلفين، وكما يقول ابن القيم: (وتريه صورة الإخلاص في صورة ينفر منها، وهي الخروج على حكم العقل المعيشي، والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس، فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئًا تجنبهم وتجنبوه، وأبغضهم وأبغضوه ...).\nفالسلف كانوا يجتهدون غاية الاجتهاد في تصحيح نياتهم ويرون الإخلاص أعز الأشياء، وأشقها على النفس، وذلك لمعرفتهم بالله، وما يجب له، ويعلل الأعمال وآفاتها، ولا يهمهم العمل لسهولته عليهم، وإنما يهمهم سلامة العمل وخلوه من الشوائب المبطلة لثوابها أو المنقصة له، فقلب الإنسان هو الأساس في عبادة الله - تعالى - وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ السابق ذكره.\nوالذي نخلص إليه مما تقدم أن الإنسان مأمور أن يصفي وينقي عمله من جميع شوائب الشرك، وأن يفعل كل الطاعات على وجه الإخلاص ولابد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فكل ما يفعله المسلم من القرب الواجبة والمستحبة كالإيمان بالله، ورسوله، والعبادات البدنية، والمالية، ومحبة الله ورسوله، والإحسان إلى عباد الله بالنفع، والمال هو مأمور بأن يفعله","vol":"2","page":1293},{"text":"خالصًا لله رب العالمين، لا يطلب من مخلوق عليه جزاء لا دعاء ولا غير دعاء، فهذا مما لا يسوغ أن يطلب عليه جزاء لا دعاء، ولا غير دعاء).\nفصلاح القلب أساس قبول العمل ولا يعتبر العمل مقبولًا إلا إذا كان عن نية خالصة لوجه الله - تعالى ـ، أما العمل إذا كان مقصورًا به مراءات الناس، أو السمعة فإن ذلك مبطل للعمل من أساسه بالكلية، ويفضح الله سريرته صاحبه يوم القيامة بين الخلائق عامة، فعلى العبد أن يتقي الرياء ويخلص العمل لله - تعالى - فإن الرياء من الأعمال الدنيئة التي تهبط بالإنسان إلى أسفل الدرجات، أما إذا أظهر الإنسان الطاعات للناس دون قصد منه، وكانت مصحوبة بالإخلاص، فأعجبهم عمله وحمدوه على ذلك فهذا لا يحبط عمله، ولا ينافي ذلك إخلاصه.\nبرهان ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ قال: أريت الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن».","vol":"2","page":1294},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثالث موانع الإخلاص والحذر من الشرك</span>\nالأمور المنافية للإخلاص كثيرة ويمكن أن نقسمها قسمين:\n١ - الأمور المنافية له صراحة: وهي الشرك بأنواعه، وقد سبق بيانه في الفصول السابقة.\n٢ - الأمور المنافية له خفيًا: وهذه الأمور هي التي يقع فيها الناس كثيرًا حتى من عنده إيمان راسخ، وهي كثيرة من أهمها:\nأ- حب الدنيا والمال وحب الشهرة.\nب- حب الشرف والرياسة.\nج- الرياء.\nد- السمعة.\nهـ - العجب، وغيرها.\nفهذه الأمور كلها منافية للإخلاص، لا تجتمع مع الإخلاص أبدًا، ولهذا لا يفوتنا أن نذكر هنا كلمة لابن القيم وضعها ﵀ كنبراس لتحقيق الإخلاص في القلب، قال ﵀: (لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص، فأقبل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع، والزهد في الثناء والمدح،","vol":"2","page":1295},{"text":"سهل عليك الإخلاص.\nفإن قلت: وما الذي يسهل عليّ ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح؟\nقلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ولا يؤتي العبد منها شيئًا سواه.\nوأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ويضر ذمه ويشين إلا الله - وحده - كما قال الأعرابي للنبي ﷺ أن مدحي زين، وذمي شين، فقال: «ذلك الله ﷿». فازهد في مدح من لا يزينك مدحه، وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر من غير مركب.\nقال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ).\nوقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).\nفهذه بعض وسائل القضاء على حب الشرف والرئاسة والثناء كما ذكره الإمام ابن القيم، ولكن بقية الموانع من الإخلاص كالرياء والسمعة والعجب، أما الرياء: فهو إظهار العبادة لقصد رؤية الناس، فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه، وأما السمعة: فهي","vol":"2","page":1296},{"text":"العمل لأجل سماع الناس، وأما العجب: فهو قرين الرياء، وقد فرق بينهما شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقال: (فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس).\nوالكلام عليها طويل جدًا، وحسبنا أن نشير هنا إلى بعض المسالك الدقيقة للرياء وخفاياه على النحو التالي:\nأولها: ما ذكره أبو حامد الغزالي في إحيائه حيث قال - أثناء ذكره للرياء الخفي ـ: (وأخفى من ذلك أن يختفي (العامل بطاعته) بحيث لا يريد الاطلاع، ولا يسر بطهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب ان يبدؤوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير وأن يثنوا عليه، وأن يوسعوا له في المكان، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه، ووجد لذلك استبعادًا في نفسه، كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها مع أنه لم يطع عليه، ولو لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن قد قنع بعلم الله، ولم يكن خاليًا عن شوب خفي من الرياء لم يسلم منه إلا الصديقون).\nوأما ثانيها: فهو أن يجعل الإخلاص لله وسيلة - لا غاية وقصدًا ... - لأحد المطالب الدنيوية.\nوقد نبه شيخ الإسلام على تلك الآفة الخفية فكان مما قال ﵀: (حكي أن أبا حامد الغزالي بلغه أن من أخلص لله أربعين يومًا تفجريت ينابيع","vol":"2","page":1297},{"text":"الحكمة من قلبه على لسانه، قال: فأخلصت أربعين يومًا فلم يتفجر شيء فذكرت ذلك بعض العارفين، فقال لي: إنك إنما أخلصت للحكمة، ولم تخلص لله تعالى ...).\nثم قال ابن تيمية: (وذلك لأن الإنسان قد يكون مقصوده نيل العلم والحكمة، أو نيل المكاشفات والتأثيرات، أو نيل تعظيم الناس له ومدحهم إياه، أو غير ذلك من المطالب، وقد عرف أن ذلك يحصل بالإخلاص لله وإرادة وجهه، فإذا قصد أن يطالب ذلك بالإخلاص لله وإرادة وجهه كان متناقضًا، لأن من أراد شيئًا لغيره فالثاني هو المراد المقصود بذاته، والأول: يراد لكونه وسيلة إليه، فإذا قصد أن يخلص لله ليصير عالمًا أو عارفًا أو ذا حكمة، أو صاحب مكاشفات وتصرفات ونحو ذلك، فهو هنا لم يرد الله، بل جعل الله وسيلة له إلى ذلك المطلوب الأدنى ...).\nولذا يقول الشاطبي ﵀: (إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه، إذا وكله إلى فاعله وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، فالمكلف إذا لبى الأمر والنهي في السبب من غير نظر إلى ما سوى الأمر والنهي، خارج عن حظوظه، قائم بحقوق ربه، واقف موقف العبودية، بخلاف ما إذا التفت إلى المسبب ورعاه، فإنه عند الالتفات إليه متوجه شطره، فصار توجهه إلى ربه بالسبب، بواسطة التوجه إلى المسبب، ولا شك في تفاوت ما بين الرتبتين في الإخلاص).\nولما ذكر الشاطبي حكاية: (من أخلص لله أربعين يومًا ...) قال ﵀: (هذا واقع كثيرًا في ملاحظة المسببات [النتائج والعواقب] في الأسباب،","vol":"2","page":1298},{"text":"وربما غطت ملاحظتها فحالت بين المتسبب وبين مراعاة الأسباب، وبذلك يصير العباد مستكثرًا لعبادته، والعالم مغترًا بعلمه، إلى غير ذلك).\nوأما ثالثها: وهو ما أشار إليه ابن رجب ﵀ بقوله: (وهاهنا نكتة دقيقة، وهي أن الإنسان قد يذم نفسه بين الناس، يريد بذلك أن يرى الناس أنه متواضع عند نفسه؛ فيرتفع بذلك عندهم ويمدحونه به، وهذا من دقائق أبواب الرياء).\nعلاج الرياء:\nإن لكل داء دواء علمه من علمه وجهله من جهله، ولداء الرياء - وكذا غيره مما يضاد الإخلاص - أنواع من العلاج والدواء، فمنها:\n* أن يعلم المكلف علمًا يقينيًا بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضل منه وإحسان إليه لا معارضة.\n* مشاهدة لمنة الله عليه وفضله وتوفيقه، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، فكل خير فهو مجرد فضل الله ومنته.\n* مطالعة عيوبه وآفاته وتقصيره وما فيه من حظ النفس ونصيب الشيطان، فكل عمل من الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب وإن قل، وللنفس فيه حظ.\n* سوء ظنه بنفسه وعمله وبغضه لها، وكراهته لأنفاسه وصعودها إلى الله، فإنه يحول بينه وبين الرضى بعمله والرضى عن نفسه والعجب والرياء.","vol":"2","page":1299},{"text":"* تذكير النفس بما أمر الله تعالى به من إصلاح القلب، وإخلاصه، وحرمان المرائي من التوفيق.\n* خوف مقت الله تعالى إذا اطلع على قلبه وهو منطو على الرياء.\n* الإكثار من العبادات غير المشاهدة، وإخفاؤها؛ كقيام الليل، وصدقة السر، والبكاء خاليًا من خشية الله، وكان السلف يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها.\n* تحقيق تعظيم الله تعالى، وذلك بتحقيق التوحيد والتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.\n* تذكر الموت وسكراته، والقبر وأهواله، واليوم الآخر بأحواله التي تشيب لها الولدان.\n* معرفة الرياء ومداخله وخفاياه؛ حتى يتم الاحتراز منه.\n* النظر في عاقبة الرياء في الدنيا ومضاره؛ فليعلم العبد أن الناس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له كما جاء في وصية رسول الله ﷺ لابن عباس، ولذا قال بعض السلف: من عرف الناس استراح، وقال بعضهم: جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، واحرص على أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تفرق في عبادتك بين وجودهم وعدمهم، وعلمهم بها أو غفلتهم عنها، واقنع بعلم الله وحده.\nورضي الله عن عمر الفاروق القائل: (فمن خلصت نيته في الحق ولو على","vol":"2","page":1300},{"text":"نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله). يقول ابن القيم ﵀ معلقًا على عبارة أمير المؤمنين عمر ﵁: (ومن تزين بما ليس فيه شانه الله): (لما كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص، فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه، عامله الله بنقيض قصده، فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المخلص يعجل له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس، عجل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شانه الله بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند الله، وهذا موجب أسماء الرب الحسنى وصفاته العليا ...).\n* النظر إلى عاقبة الرياء في الآخرة ومضاره وفضيحته: فإن مما يدفع الرياء معرفة عاقبته في الآخرة، والتي منها: رد عمله كما في حديث الثلاثة المذكور سابقًا، الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة مع أنهم كانوا فعالين للخير إلا أنهم لم يريدوا به وجه الله وإنما أرادوا به العباد، كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به».\nيقول ابن حجر ﵀: قال الخطابي: (معناه: من عمل عملًا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله","vol":"2","page":1301},{"text":"ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه). فإذا علم الإنسان أن هناك يوم حساب، وعلم شدة حاجته في ذلك اليوم إلى العمل الصالح، وعلم عاقبة الرياء غلب على نفسه الحذر من الرياء كي يقبل عمله وكيلا ينفضح في ذلك اليوم.\n* معرفة عظم جزاء المخلص في دنياه وآخرته. يقول عمر ﵁: (فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته!)؛ يريد به تعظيم جزاء المخلص أنه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما، ورحمته مدخرة في خزائنه؛ فإن الله سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولابد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توقية، وإن كان نوعًا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ... فأخبر سبحانه أنه أتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر توفية. فإذا نظر الإنسان إلى عاقبة الإخلاص في الدنيا والآخرة فإنه يترك ما يخالفه لا محالة.\n* الاستعانة بالله على الإخلاص، والتعوذ به من الرياء، فعلى المسلم أن يكثر من الدعاء والتضرع إلى الله؛ بأن يقيه الرياء ودواعيه، كما جاء في الحديث، عن رسول الله ﷺ أنه علم الدعاء للتخلص مما يخالف الإخلاص،","vol":"2","page":1302},{"text":"حيث قال: «تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم ...».\nفهذه بعض أنواع العلاج للرياء، وهي تصلح للأنواع الأخرى من موانع الإخلاص أيضًا كما هو ظاهر.\nمزالق وتنبيهات في أن هناك بعض الأمور التي يظن أنها مخالفة للإخلاص وهي في الحقيقة ليست مخالفة له:\nهناك أمور يعملها العبد قد يظنها بعض الناس أنها تخالف الإخلاص وهي ليست مخالفة له، ولهذا يجري التنبيه عليها رفعًا للبس.\nمنها ما يلي:\nتحسين الثوب الذي يلبسه الإنسان عند الخروج إلى الناس إنما هو ليراه الناس، كذلك كل تجمل لأجلهم، حيث إن كثيرًا من الناس لا يحبون أن يراهم أحد بعين نقص في أي حال، ومن الناس من يؤثر إظهار نعمة الله عليه فهذا ليس منافيًا للإخلاص.\nوكذلك كتمان الذنوب وعدم إظهارها، بل هو واجب شرعي؛ لأن الله يكره ظهور المعاصي ويحب سترها.\nوكذلك نشاط العبد بالعبادة عند رؤية العابدين، كأن يبيت الرجل مع المتهجدين فيصلون أكثر الليل وعادته قيام ساعة فيوافقهم، أو يصومون فيصوم، ولولا الله ثم هم ما انبعث هذا النشاط، هذا ليس مخالفًا للإخلاص على الإطلاق بل فيه تفصيل، ولمعرفة العبد ذلك عليه في مثل هذه الحالة أن يمثل القوم في مكان يراهم ولا يرونه، فإذا رأى نفسه تسخو بالتعبد فهو لله،","vol":"2","page":1303},{"text":"وإن لم تسخ كان سخاؤها عندهم غير صادر عن الإخلاص، وعلى هذا فقس.\nوكذلك إذا عمل العبد العمل لله خالصًا ثم ألقي له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين ففرح بفضله ورحمته لم يضره ذلك ولم يعد مخالفًا للإخلاص، وقد سبق معنا بيان الحديث الدال عليه.\nومن الأمور التي قد يقع الخلط فيها عند بعض الناس، عدم التفريق بين الرياء ومطلق التشريك، حيث أشكل ذلك على بعض أهل العلم، فحكموا على العبادات التي قصد بها العابد أمرًا أقره الشارع بالبطلان، كمن يجاهد الكفار ولكي ينال الغنيمة ونحوهما، ولقد بين القرافي ﵀ الفرق بينهما، فقال: (الفرق الثاني والعشرون والمائة بين قاعدة الرياء في العبادة وبين قاعدة التشريك فيها: اعلم أن الرياء شرك وتشريك مع الله تعالى في طاعته، وهو موجب للمعصية والإثم والبطلان في تلك العبادة، فالرياء أن يعمل العمل المأمور به المتقرب به إلى الله تعالى، ويقصد به وجه الله تعالى، وأن يعظمه الناس أو بعضهم، فيصل إليه نفعهم، أو يندفع به ضررهم.\nوأما مطلق التشريك كمن جاهد لتحصيل طاعة الله بالجهاد، وليحصل له المال من الغنيمة، فهذا لا يضيره، ولا يحرم عليه بالإجماع؛ لأن الله جعل له هذا في العبادة، ففرق بين جهاده ليقول الناس: هذا شجاع، أو ليعظمه الإمام فيكثر عطاؤه من بيت المال، هذا ونحوه رياء وحرام، وبين أن يجاهد لتحصيل السبايا والكراع والسلاح من جهة أموال العدو مع أنه قد شرّك، ولا يقال لهذا:","vol":"2","page":1304},{"text":"رياء، بسبب أن الرياء أن يعمل ليراع غير الله من خلقه، والرؤية لا تصح إلا من الخلق.\nوكذلك من حج وشرّك في حجه غرض المتجر، وكذلك من صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض التي ينافيها الصوم، ولا يقدح هذا في صومه، بل أمر بها صاحب الشرع في قوله ﷺ: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» فلو كان ذلك قادحًا لم يأمر به ﷺ في العبادة.\nفهذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق، بل هي تشريك أمور من المصالح ليس لها إدراك ولا تصلح للإدراك، ولا للتعظيم، ولا يمنع أن هذه الأغراض المخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردت عنها زادت الأجر وعظم الثواب).\nوقد تحدث العز بن عبد السلام عما هو قريب من تلك المسألة فعقد","vol":"2","page":1305},{"text":"فصلًا بعنوان: (فصل في بيان أن الإعانة على الأديان وطاعة الرحمن ليست شركًا في عبادة الديان وطاعة الرحمن)، فقال: (إن قيل: هل يكون انتظار الإمام المسبوق ليدركه في الركوع شركًا في العبادة أم لا؟ قلت: ظن بعض العلماء ذلك وليس كما ظن، بل هو جمع بين قربتين لما فيه من الإعانة إلى إدراك الركوع، وهي قربة أخرى، والإعانة على الطاعات من أفضل الوسائل عند الله ...). ويدل عليه قوله ﷺ: «إني لأدل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه».\nوقد كان مالك بن الحويرث ﵁ يقول: (إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة) أي حضور صلاة معينة .. (أصلي كيف رأيت النبي ﷺ يصلي).\nقال الحافظ ابن حجر: (فيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس من باب التشريك في العبادة). وقال الشاطبي - في مثل هذا المقام ـ: (إن ما تعبد العباد به على ضربين: أحدهما: العبادات المتقرب بها إلى الله بالأصالة ... والثاني: العادات الجارية بين العباد التي في التزامها نشر المصالح بإطلاق،","vol":"2","page":1306},{"text":"وفي مخالفتها نشر المفاسد بإطلاق ... فأما الأول فلا يخلو أن يكون الحظ المطلوب دنيويًا أو أخرويًا، فإن كان أخرويًا فهذا حظ وقد أثبته الشرع ... وإذا ثبت شرعًا فطلبه من حيث أثبته صحيح، إذ لم يتعد ما حده الشارع، ولا أشرك مع الله في ذلك العمل غيره، ولا قصد مخالفته، إذ قد فهم من الشارع حين رتب على الأعمال جزاء أنه قاصد لوقوع الجزاء على الأعمال، فصار العامل ليقع له الجزاء عاملًا لله وحده على مقتضى العلم الشرعي، وذلك غير قادح في إخلاصه؛ لأنه علم أن العبادة المنجية، والعمل الموصل ما قصد به وجه الله، لا ما قصد به غيره).\nويقول أيضًا: (فحظوظ النفس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات، إلا ما كان بوضعه منافيًا لها، كالحديث والأكل والشرب والنوم والرياء وما أشبه ذلك، أما ما لا منافاة فيه فكيف يقدح القصد إليه في العبادة؟ هذا لا ينبغي أن يقال، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد العبادة عن قصد الأمور الدينوية أولى ...).\nوقد سئل ابن تيمية ﵀ عن رجل يتلو القرآن مخافة النسيان، ورجاء الثواب، فهل يؤجر على قراءته للدراسة ومخافة النسيان أم لا؟ فأجاب ﵀ (إذا قرأ القرآن لله - تعالى - فإنه يثاب على ذلك بكل حال، ولو قصد بقراءته أن يقرأه لئلا ينساه، فإن نسيان القرآن من الذنوب، فإذا قصد القرآن أداء الواجب عليه من دوام حفظه للقرآن، واجتناب ما نهي عنه من إهماله حتى ينساه، فقد","vol":"2","page":1307},{"text":"قصد طاعة الله فكيف لا يثاب ...).\nيجتهد بعض العباد للتخلص من الرياء والسلامة منه، لكنهم يشتطون في ذلك، فينزلقون في مسلك: (ترك العمل خوف الرياء)؛ فترى أحدهم قد اعتاد فعل الخير، فيعرض في نفسه عارض الرياء، فيترك هذه الطاعة خوفًا من هذا العارض، ولا شك أن هذا خطأ وانحراف لا يقل خطرًا عما يقابله من الرياء والسمعة، ولقد كشف الفضيل بن عياض ﵀ عن هذا الانحراف فقال: (ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما).\nقال النووي ﵀: (ومعنى كلامه ﵀ أن من عزم على عبادة وتركها مخافة أن يراه الناس، فهو مراء؛ لأنه ترك العمل لأجل الناس، أما لو تركها ليصليها في الخلوة فهذا مستحب إلا أن تكون فريضة أو زكاة واجبة، أو يكون عالمًا يُقتدى به فالجهر بالعبادة في ذلك أفضل ...).\nويقول ابن تيمية ﵀: (ومن كان له ورد مشروع من صلاة الضحى، أو قيام ليل، أو غير ذلك، فإنه يصليه حيث كان، ولا ينبغي له أن يدع ورده المشروع لأجل كونه بين الناس، إذا علم الله من قلبه أن يفعله سرًا لله مع اجتهاده في سلامته من الرياء ومفسدات الإخلاص ... - إلى أن قال ـ: ومن نهى عن أمر مشروع بمجرد زعمه أن ذلك رياء، فنهيه مردود عليه من وجوه:\nأحدها: أن الأعمال المشروعة لا ينهى عنها خوفًا من الرياء بل يؤمر بها","vol":"2","page":1308},{"text":"وبالإخلاص فيها ... فالفساد في ترك إظهار المشروع أعظم من الفساد في إظهاره رياء ...\nالثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة ...\nالثالث: إن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين، إذا رأوا من يظهر أمرًا مشروعًا، قالوا: هذا مراء، فيترك أهل الصدق إظهار الأمور المشروعة حذرًا من لمزهم، فيتعطل الخير ...\nالرابع: إن مثل هذا من شعائر المنافقين، وهو الطعن على من يظهر الأعمال المشروعة، قال تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).\nوقد تمادى أصحاب هذا المسلك في هذا الانحراف، حتى وصل بهم الحد إلى قصد ذم الناس ولومهم، وسموا بـ (الملامية) وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، أرادوا بذلك مقابلة المرائين، فردوا باطلهم بباطل آخر، وهدى الله أهل السلوك من أهل السنة والجماعة إلى التزام الصراط المستقيم فكانوا وسطًا بين المرائين والملامية.\nومما هو قريب مما سبق، ويقع فيه اللبس والاشتباه: عدم التفريق بين حب الرئاسة والولاية، وبين حب الإمارة لأجل الدعوة إلى الله تعالى، وقد أوضح ابن القيم ﵀ ذلك فقال: (الفرق بين حب الرئاسة، وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له، وتعظيم النفس","vol":"2","page":1309},{"text":"والسعي في حظها، فإن الناصح لله المعظم له المحب له يجب أن يطاع ربه فلا يعصى، وأن يكون الدين كله لله، وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه، فقد ناصح الله في عبوديته، وناصح خلقه في الدعوة إلى الله، فهو يحب الإمامة في الدين؛ بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين إمامًا يقتدي به المتقون، كما اقتدى هو بالمتقين، فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلًا وفي قلوبهم مهيبًا، وإليهم حبيبًا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه؛ لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد ... وهذا بخلاف طلب الرئاسة، فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض، وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتها لهم على جميع أغراضهم، مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلوب من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله، من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة ...) إلى آخر ما قاله ابن القيم.","vol":"2","page":1310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>الباب الخامس المقارنة بين شرك القديم والحديث</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: المقارنة من حيث أنواع الشرك\nالفصل الثاني: المقارنة من حيث توافق أسباب الشرك بين القديم والحديث.","vol":"2","page":1312},{"text":"الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه","vol":"2","page":1314},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه</span>\nتم استعراض أنواع الشرك قديمًا وحديثًا في الأبواب السابقة، ومن خلال ما استعرضنا نستطيع أن نقارن بين أنواع الشرك في القديم والحديث من حيث وقوعها في الناس قديمأ وحديثًا على النحو التالي:\nالمقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في الربوبية قديمًا وحديثًا:\nالأولى: الشرك في الربوبية بالتعطيل:\nوالكلام على التعطيل يأتي على الترتيب الآتي:\nأ- تعطيل المصنوع عن صانعه:\nليس عندنا ما يدل على أن الأمم السابقة تورطت بهذا النوع من الشرك على العموم، بل كان في بعض الأفراد كفرعون، والملك الذي حاج إبراهيم في ربه، وإن كان هناك وجود لهذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية، ولكن مظاهره كانت محدودة ومعدودة للغاية، يكاد ينحصر في بعض الناس.\nولكن شرك هذا العصر تميز بسمة بارزة في هذا الجانب، حيث وجد هذا النوع من الشرك بكثرة وغلبة في كثير من نواحي العالم، مع ادعاء أصحابه أنهم على حجة وبرهان، وإن هي إلا سراب ومكابرة وتمرد على فطرة الله التي فطر الناس عليها.\nفهذه المقارنة تدلنا على أن الشرك في هذا العصر - المتحضر بزعم أهله - بلغ إلى","vol":"2","page":1315},{"text":"أخبث مراتب الشرك وأقبحها؛ حيث إنهم أنكروا الصانع مع دعواهم أنهم بلغوا قمة الحضارة والثقافة وأعلاهما.\nب- الشرك في الربوبية بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله:\nإننا إذا نظرنا إلى الأمم السابقة رأينا أن هناك طائفة من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك.\nفبالنسبة للشرك في الربوبية في أسماء الله وصفاته، فقد وقع فيه بعض الأمم مثل قوم عاد الذين أنكروا صفة القدرة لله جل شأنه.\nأما بالنسبة للشرك في الربوبية بتعطيل أفعال الله، فكل أمة أنكرت إرسال الرسل والشرع والبعث والحشر والنشر وغيرها من أفعال الله، فقد وقعت فيه لا محالة، وقد كانت الأمم السابقة غالبًا تنكر هذه الأشياء.\nوإذا نظرنا إلى شرك العرب في الجاهلية في هذا الجانب، فإننا نراهم قد أشركوا بالله بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله. غير أن ظاهرة الشرك بالتعطيل في أسمائه وصفاته لم تكن منتشرة، بل ربما كانت هذه الظاهرة لدى طائفة من طوائفهم، وكذلك في بعض الأسماء والصفات لا في جميعها.\nوأما بالنسبة للشرك بتعطيل أفعال الله فقد كان الشرك في هذا الجانب من السمات البارزة للشرك الجاهلي، فإن العرب في جاهليتهم كانوا ينكرون إرسال الرسل والشرع والقدر والبعث والحشر والنشور. فالجاهليون كإخوانهم من الأمم السابقة وقعوا في هذا النوع من الشرك حذو النعل بالنعل، ولعل هذا امتداد من شرك الأمم السابقة.","vol":"2","page":1316},{"text":"وإذا نظرنا إلى شرك العصر الحديث فإننا سنرى كثيرًا من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه، بل هذا النوع من الشرك قد تقمص أخبث قمصانه في هذه الأمة، وذلك أن الأمم السابقة والجاهليين ما كانوا ينكرون جميع أسمائه وصفاته، بخلاف كثير من الجهمية والمعتزلة والشيغة وغيرهم من الفرق والطوائف التي وجدت في هذه الأمة حيث أنكروا جميع أسماء الله وصفاته، وطائفة منهم أنكروا بعضها، كما كان هناك طائفة أنكرت كثيرًا من أفعاله، وهذه الظاهرة موجودة في العصر الحديث أيضًا، فكم من الناس ما زالوا ينكرون أسماء الله جل وعلا وصفاته بالتعطيل أو بالتمثيل، وكم من الناس ما زالوا ينكرون أفعال الله جل شأنه، من القضاء والقدر، والشرع، والبعث، والحشر والنشر، وغيرها.\nجـ- الشرك في الربوبية بتعطيل ما يجب على العبد تجاه ربه من حقيقة التوحيد:\nإذا نظرنا إلى الأمم السابقة نرى أن هذه الظاهرة من الشرك لم تكن موجودة فيهم إلا عند فرعون، وهو أول من قال بهذا القول حسب ما علم من المصادر الموثوقة. ثم قال به من قال من اليهود بالحلول في عزرا، والنصارى القائلين بالحلول في عيسى ﵇.","vol":"2","page":1317},{"text":"ولا يوجد هذا النوع من الشرك لدى العرب في الجاهلية، إلا ما ذكر عن بعضهم، ولكن الصحيح أن العرب في جاهليتهم أيضًا ما كانوا يشركون بالله بمثل هذه الاعتقادات الماجنة، والمخالفة للفطرة والعقول.\nولكن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة لدى كثير من الناس في العصر الحديث، كالمتصوفة، ومن نحا نحوهم وتأثروا بأقوالهم وآرائهم، وكالمذاهب الأخرى الهدامة الموجودة في العصر الحديث.\nالثانية: الشرك في الربوبية بالأنداد (أو بالتمثيل):\nوالكلام على هذا النوع من الشرك قديمًا وحديثًا يشتمل على النقاط التالية:\nأ- من حيث ذاته:\nإن كان المقصود به إثبات إلهين متماثلين في الصفات والأفعال، فليس هناك من يثبت إلهين متماثلين في الصفات ولا في الذات لا قديمًا ولا حديثًا.\nوإن كان المقصود إثبات إلهين أو آلهة متعددة، فقد كان في الأمم السابقة من أثبت مثل هذه الآلهة، بل كان أغلب الأمم متورطين في هذا الجانب، حيث كانوا يسمون من يعبدونها من دون الله آلهة.\nكما كان العرب في جاهليتهم يثبتون مثل هذه الآلهة المزعومة، ويعبدونها من دون الله.\nوما زال بعض الناس في العصر الحديث يثبت مثل هذه الآلهة مع الله، وإن كانت هذه الظاهرة ليست منتشرة بصفة عامة إلا لدى بعض الفرق المنتسبة إلى","vol":"2","page":1318},{"text":"الإسلام، ولكنها موجودة.\nب - أما من حيث إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله من المخلوقات، ومن حيث إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله:\nفباستعراضنا لشرك الأمم السابقة فإننا لم نجد فيهم من أشرك بالله بإثبات أسمائه لغير الله، إلا اليهود والنصارى، فإنهم كما أثبتوا أسماء الله وصفاته وأفعاله للمخلوقين هكذا أثبتوا أسماء المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، ولكن هناك من أثبت بعض الصفات لغير الله، كالشرك في القدرة الكاملة لله، كإثبات القدرة الكاملة لأنفسهم من قوم عاد، وظاهره التطير، والسحر في الأمم الأخرى، فهذه الظواهر قد وجدت في الأمم السابقة، ولكن ليست بصفة عامة.\nوبالنسبة لشرك العرب في الجاهلية فإننا نراهم قد أثبتوا بعض أسماء الله لغيره سبحانه، والذي يمثل ذلك إثباتهم اسم الرحمن لمسيلمة الكذاب، وأما في إثبات صفات الله لغيره سبحانه فمن أمثلة وقوع العرب في هذا النوع وقوعهم في الطيرة، والسحر والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، وأخذ الحكم والتشريع من الكهان والصناديد وغيرها.\nوأما إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، فقد وقع فيه من الأمم السابقة اليهود والنصارى؛ وذلك بإثبات البعث والنوم والنسيان والفقر وغيرها لله سبحانه من اليهود، وإثبات البنوة والأبوة والموت وغيرها لله تعالى","vol":"2","page":1319},{"text":"من النصارى، ومن العرب في الجاهلية من وقع في هذا النوع من الشرك بجعل الأصنام من بنات الله، والقول بأن الملائكة من بناته سبحانه، والقول بوجود المصاهرة بن سروات الجن وبين الرب جل شأنه - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.\nوأما في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ففي إثبات الأسماء والصفات والأفعال المختصة بالله لغيره، إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات أسماء الله لغيره فلا نجد له وجودًا، ولكن إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات صفات الله جل شأنه فإننا نرى أن هذا النوع من الشرك قد عمت البلاد به وطمت، وقد فاق شرك الأمم، وشرك الجاهلية أيضًا في هذا الجانب، فكم من الناس يثبتون صفات الله المختصة به لغيره سبحانه؛ كإثبات صفة القدرة الكاملة بجميع فروعها، وإثبات صفة العلم المحيط الشامل، وإثبات صفة الحكم والتشريع وغيرها لغيره سبحانه.\nوأما في جانب إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم فقد وقع فيه كثيرون؛ منهم: الفلاسفة بتسميته بالعلة، والباطنية بتسميته بالسابق، والمتصوفة وذلك في تسميتهم سبحانه - (هو)، والحداثيون، والقاديانيون.","vol":"2","page":1320},{"text":"المقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في العبادة والألوهية قديمًا وحديثًا:\nالشرك في العبادة والألوهية موضع اتفاق بين مشركي الأمم السابقة ومشركي العرب في الجاهلية، وبعض من انتسب إلى الإسلام من مشركي هذه الأمة، وفي العصر الحديث، فالأمم السابقة أشركت بالله بعبادة غير الله سبحانه بصرف أنواع من العبادات، وهكذا نرى العرب في الجاهلية كان شركهم في العبادة لغير الله سواء كانت هذه المعبودات من الآلهة الأرضية من بين إنسان أو جن أو شجر أو حجر أو حيوان أو الهوى أو غيرها، أم كانت هذه المعبودات من الآلهة السماوية من الملائكة أو الأجرام السماوية الأخرى، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.\nوهكذا نرى مشركي هذه الأمة وهذا العصر يشركون بالله جل شأنه بالمعبودات الأرضيةسواء كانت من الأشياء الحسية أو كانت معنوية، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.\nونظرًا لما سبق معنا ستكون هذه المقارنة من جهتين اثنتين:\nالأولى: منحيث طبيعة المعبودات.\nالثانية: من حيث طبيعة العبادات.\nأما الأولى فهي:\nالمقارنة بين الشرك في القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:\nإذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في الأمم السابقة فإننا نرى أنها ما بين: تماثيل وصور وقبور للصالحين أو الأنبياء أو الملائكة أو الأصنام أو الأوثان أو الأشجار أو الأهواء وغيرها، وبين هياكل ومعابد على خيالهم للأجرام السماوية الكبرى من","vol":"2","page":1321},{"text":"الشمس والقمر، والنجوم وغيرها. وهذه المعبودات ما بين محسوس وغير محسوس.\nوإذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في العرب فإننا: سنجد أمامنا هذه الأشياء هي نفسها من معبوداتهم.\nوبالمقابل إذا نظرنا إلى معبودات مشركي زماننا فإننا نرى أن هذه الأشياء كلها موجودة بحذافيرها، بل زيادة عليه نرى هناك من يعبد الشيطان أيضًا. وهناك من يعبد دستورًا، أو راية، أو قائدًا، أو رئيس حزب، أو علمًا من الأعلام، أو فكرة من الأفكار.\nولكن الغالب على مشركي معاصرينا هو عبادة الهوى، وهو أعظم ما يعصى به الرب جل شأنه في العصر الحاضر.\nالمقارنة بين شرك القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:\nكما سبق إننا إذا نظرنا إلى طبيعة العبادات في الأمم السابقة، نرى أنهم كانوا يصرفون أنواعًا من العبادات سواء كانت من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية. ولكن صرف هذه العبادات يتميز بميزتين:\n١ - يصرفونها في حالة الرخاء دون الشدائد.\n٢ - يصرفونها للأنبياء والأولياء والصالحين، دون الطالحين، بغية التشفع","vol":"2","page":1322},{"text":"والتوسط إلى الله.\nهكذا نرى في طبيعة عبادات العرب في الجاهلية أن طبيعة العبادات هي سجود وركوع وحج وطواف وذبح ونذر لغير الله، والمحبة والتوكل والطاعة، والدعاء، والخوف، والرجاء، والنية والإرادة والقصد، وغيرها من الأعمال القلبية. وهم يصرفونها لغير الله مع ملاحظة الميزتين السابقتين، وهما:\n١ - يصرفونها لغير الله في حالة الرخاء دون الشدة.\n٢ - يصرفونها إلى الصالحين دون الطالحين - على زعمهم - لكي يشفعوا لهم ويتوسطوا لهم إلى الله، ولا يرجون من معبوداتهم فعل أي شيء استقلالًا.\nولكن لو نظرنا إلى طبيعة العبادات لدى مشركي هذه الأمة ومشركي زماننا فإننا سنرى هذه الأشياء كلها موجودة، بل زيادة عليه نجدهم قد فاقوا المشركين الأولين بخصائص، منها:\n١ - يصرفونها لغير الله حتى في حال الشدة.\n٢ - يصرفونها لكل واحد سواء كان من الأنبياء والصالحين أو كان من الفسقة الفجرة الضالين، بل يعتبرون حصول المقصد - أي التجربة - دليلًا على جواز ذلك.\n٣ - يطلبون من غير الله استقلالًا؛ بدعوى وجود القدرة الكاملة لديهم، ووجود العلم المحيط لديهم بكل شيء.\nيقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (اعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:\nأحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ","vol":"2","page":1323},{"text":"كَفُورًا). وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا) - إلى قوله - (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). وقوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).\nفمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين - الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.\nالأمر الثاني: أن الأولين يدعون من دون الله أناسًا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك. الذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي - مثل الخشب والحجر - أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به).","vol":"2","page":1324},{"text":"الفصل الثاني\nمقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب","vol":"2","page":1326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>الفصل الثاني مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب</span>\nلقد بينا فيما سبق الأسباب التي أوقعت الأمم السابقة في الشرك بأن هناك سببين رئيسين لوقوعهم في الشرك، هما:\nالأول: الغلو في المخلوقات.\nالثاني: إساءة الظن الناتج عن عدم قدر الله حق قدره.\nوإذا نظرنا إلى أسباب الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر نجد أن هذين السببين هما أوقعا الناس في الشرك.\nفمثلًا: الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، ما أوقع الناس في هذا النوع من الشرك إلا سوء ظنهم بالله والذي نتج عن عدم قدر الله حق قدره، فالمعطل والدهري والملحد ما استطاع أن يقدر الله حق قدره فأساء الظن به، حيث ظن أن المخلوقات لا صانع لها، وأنه ليس هناك قوة فوقه تسيطر عليه من فوقه، وسوف يحاسبه على هذا الاعتقاد، فلم يدرك حقيقة ذاته ولا أسمائه وصفاته وأفعاله وحكمته، فأساء الظن به، ولم يقدر الصانع قدره الواجب له.\nومن جانب آخر: نرى أنه غلا في بعض المخلوقات سواء كان عقله، أو من يقدسه من الملحدين، أو كان مذهبًا من المذاهب الفكرية، أو رأيًا من أراء الرجال، أو كان هوى من الأهواء الجانحة، فألحد بسبب الغلو في هذه الأشياء المخلوقات، ولم يفتح عينه وبصره ولم ينفد بصيرته إلى أنه لابد لكل ظاهرة في","vol":"2","page":1327},{"text":"الكون من سبب أصلي ينتهي إليه كل شيء؛ لأنه غلا في بعض مظاهر الكون فلم يصعد نظره القاصر إلى ما فوقه، بل صار هذا الغلو حجابًا مانعًا بينه وبين الحقائق الأصلية.\nوأما بالنسبة لشرك الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله ﷿ عن أسمائه وأوصافه وأفعاله؛ فإننا نرى نفس هذين السببين هما اللذين أوقعاهم في هذا النوع من الشرك.\nفمثلًا: إن الذي أشرك بالله في الربوبية بتعطيل أسمائه وصفاته فهو أساء الظن برب العالمين، فعطل أسمائه وصفاته ظنًا منه أن هذه الأسماء والصفات لا تليق بالله سبحانه، وجعله أنقص من مخلوقاته، وذلك لأنه لم يقدر الله حق قدره.\nقال ابن القيم ﵀: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).\nوقال أيضًا: (وقال لمن أنكر صفة من صفاته: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).\nوقال أيضًا: (ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته","vol":"2","page":1328},{"text":"العلى، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد).\nوقال أيضًا: (وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلًا اختيارًا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره).\nوقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه، وتمثيل، وترك الحق، لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة لم يصرح به، وصرح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى","vol":"2","page":1329},{"text":"والبيان، فقد ظن به ظن السوء ...).\nوقال أيضًا: (ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه كان معطلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظنه به أن لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السموات والأرض، ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان، فقد ظن به ظن السوء.\nومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر، ولا علم له، ولا إرادة، ولا كلام يقول به، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل، كما أنه أعلى، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه ...\nوبالجملة: فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله، فقد ظن به ظن السوء).\nفهذا الكلام كله من ابن القيم ﵀ يدل على ما ذهبنا إليه بأن الذي أوقع الناس في الشرك في الربوبية بتعطيل أسماء الله ﷿ وصفاته إنما هو سوء الظن برب العالمين.\nوهكذا الأمر بالنسبة لمن عطل أفعال الله ﷿، فإنه ما عطل أفعاله إلا","vol":"2","page":1330},{"text":"لعدم قدر الله حق قدره، ولسوء الظن به جل شأنه.\nيقول ابن القيم: (ومن ظن به أن يترك سدى، معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملًا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.\nومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء.\nومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة، ولا إرادة في حصوله، بل يعاقب على فعله سبحانه به ... فقد ظن به ظن السوء).\nوقال أيضًا: (وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولًا، ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى، وخلقم باطلًا وعبثًا ... وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه ...).\nوهكذا الأمر بالنسبة للشرك بتعطيل الله عما يجب على العبد من حقيقة","vol":"2","page":1331},{"text":"التوحيد، فإنه ما وقع في هذا النوع من الشرك إلا لما لم يقدر الله حق قدره نتيجة سوء الظن به سبحانه. قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فمن جعله سبحانه عين الموجوات فلم يقدر الله حق قدره.\nقال الإمام ابن القيم: (وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان، وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه ... ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان، أن يكون فيه ... وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدًا، أو جعله سبحانه يحل في مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود).\nهكذا نرى أن سبب الشرك في الربوبية بالتعطيل في الغالب إنما هو نتيجة عدم قدر الله حق قدره، وسوء الظن به، ومن جانب آخر: الغلو في تقديس العقول، والآراء والأهواء السائدة في المجتمع وفي العباد والبلاد.\nوبهذا يتضح لنا جليًا: توافق أسباب الشرك بين القديم والحديث في الربوبية بالتعطيل. فإننا عند استعراضنا لأسباب الشرك في القديم رأينا نفس هذين السببين هما اللذين أوقعا الناس في القديم في الشرك في الربوبية بالتعطيل.\nوإذا نظرنا إلى أسباب الشرك بالأنداد في العصر الحديث سنرى أن الأسباب توافقت بين القديم والحديث، فإننا قد ذكرنا أن الغلو وإساءة الظن بالله هما اللذان أوقعا الناس في القديم في الشرك في إثبات الأنداد في الربوبية وفي الألوهية والعبادة.","vol":"2","page":1332},{"text":"هكذا الأمر بالنسبة للشرك في العصر الحديث، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).\nقال ابن القيم: (فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره ...).\nويقول أيضًا: (فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، هو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده، وظن سوء به).\nوالمقصود: بيان كون سوء الظن بالله جل شأنه من أهم أسباب الشرك قديمًا","vol":"2","page":1333},{"text":"وحديثًا. فكل من أثبت لغير الله تصرفًا في الكون أو علم الغيب، أو حق التشريع والتحليل والتحريم، أو تعلق قلبه بالغير بالحب والتوكل والطاعة المطلقة، وصرف له من السجود والركوع، والطواف والنذر والذبح والدعاء والاستغاثة، إنما هو من أجل سببين رئيسين، هما:\n١ - الغلو في بعض من اعتقد فيه هذه الخصائص حتى أثبت له هذه الأشياء المختصة بالله جل شأنه. وأنزل المخلوق منزلة فوق منزلته فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح يبينه ما سبق معنا من إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله وحده لبعض المخلوقات، وإثبات صفة العلم لبعض المخلوقات، وإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره سبحانه، وهكذا تعلق العبادات - سواء كانت من الأقوال القلبية أو من الأعمال القلبية - لغيره سبحانه.\n٢ - إساءة الظن بالله جل شأنه، وذلك نتيجة عدم قدر الله حق قدره، فقاس الخالق بالمخلوقات.\nوالمقصود: أن هذين السببين توافقا لوقوع الناس في الشرك قديمًا وحديثًا.\nوبعد أن تمت مقارنة الشرك بين القديم والحديث، فإننا نستطيع أن نصل إلى نتيجة من خلال هذا الاستعراض؛ وهي:\nأ- أن الشرك الموجود في العصر الحاضر تفوق على شرك الأمم السابقة، وعلى شرك الجاهلية من حيث الكمية.\nب- ولكن الشرك الذي كان في الأمم السابقة، والذي كان في الجاهلية لدى العرب تفوق على الشرك في هذه الأمة من حيث الكيفية.","vol":"2","page":1334},{"text":"فالشرك في العصور القديمة كان بحيث يغطي على جميع الناس إلا من رحم الله، وهم الأنبياء والدعاة إلى الله، ولكن الشرك في هذه الأمة وفي هذا العصر لا يمكن أن يغطي على جميع الناس؛ وذلك لأن الرسول ﷺ بشرّ ببقاء طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي وعد الله، وهم الطائفة المنصورة، وهم طائفة أصحاب الحديث والأثر. فبمقتضى البشارة السابقة لا يقع فيهم الشرك مطلقًا.","vol":"2","page":1335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>الباب السادس في بيان بطلان الشرك بأوضح الأدلة</span>\nوفيه فصول:\nالفصل الأول: تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك وبطلانه.\nالفصل الثاني: تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه.\nالفصل الثالث: تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك.","vol":"2","page":1337},{"text":"الفصل الأول تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك","vol":"2","page":1339},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>الفصل الأول تنوع دلالات القرآن على قبح الشرك</span>\nإن للقرآن الكريم منهجه الخاص به في تقرير قبح الشرك، وذلك لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.\nومحاولتي هنا في إبراز بعض الجوانب للمنهج الذي سلكه الله في القرآن الكريم في بيان قبح الشرك تبقى محاولة ناقصة؛ لأنها محاولة بشرية، والكمال لله وحده، وهي محاولة لبيان الخطوط العريضة التي سلكها القرآن في بيان قبح الشرك ومحاربته.\nلقد اعتمدت في مراجع هذا الباب كتب التفسير غالبًا، مع الخروج إلى بعض كتب العقائد لزيادة التوضيح والبيان.\nوقد جاء هذا الفصل على عدة مباحث:","vol":"2","page":1341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>المبحث الأول في بيان تقرير الله ﷿ في القرآن الأدلة الكونية على قبح الشرك</span>\nإنني في هذا المبحث لن أتحدث عن الآيات القرآنية الكونية بمنطلق النظريات العلمية؛ لأن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز لا كتاب فيزياء، وكيمياء، وجيولوجيا، وغيرها من العلوم العصرية، وكلامي على الآيات القرآنية الكونية من حيث بساطتها ووضوحها وأن النظر فيها يؤدي إلى معرفة قبح الشرك وبطلانه، وقد تحدثت في هذا المبحث عن أربع نقاط، هي في المطالب التالية:\nالمطلب الأول: اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية الدالين على قبح الشرك في الربوبية، وبطلانه بالتعطيل.\nالمطلب الثاني: اشتمال الآيات القرآنية على آية السموات والأرض الدالة على قبح الشرك في الربوبية، وبطلانه أيضًا بالتعطيل.\nالمطلب الثالث: اشتمال الآيات القرآنية على آية الشمس والقمر والليل والنهار الدالة على قبح الشرك في الربوبية وبطلانه بالتعطيل.\nالمطلب الرابع: اشتمال الآيات القرآنية على آية الرياح، والسحاب، والقمر، والمطر، والنبات على قبح الشرك في الربوبية بالتعطيل.\nولم أذكر في هذا المبحث جميع ما ورد في القرآن من الآيات الكونية الدالة على قبح الشرك في الربوبية؛ لأن استقراءها يجعل الموضوع طويلًا جدًا، والغرض هو التنبيه على الاستدلال بهذا النوع من الآيات، فرأيت الاكتفاء بما يدل على المقصود.","vol":"2","page":1342},{"text":"ومما ينبغي التنويه إليه في هذا المكان أن الآيات القرآنية الدالة على قبح الشرك في الربوبية وبطلانه هي الدالة أيضًا على قبح الشرك في الألوهية، والعبادة؛ وذلك لأن الألوهية مستلزمة لها.\nوفيما يلي هذه المطالب مرتبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المطلب الأول: في بيان اشتمال الآيات القرآنية على دليلي الخلق والعناية الدالين على قبح الشرك</span>\nإذا نظرنا إلى الآيات القرآنية الكونية نرى أنها تنبه على دليلي الخلق والعناية في الكون لكي يخرج الناس من ظلمات الشرك به سبحانه ويعترف العقل على قبحه، وهما دليلا الشرع، وقد يكون الدليلان معًا في الآية الواحدة، فآيات القرآن:\n١ - إما أن تتضمن التنبيه على دليل الاختراع الدال على أن تعطيله عن مخترع قبيح.\n٢ - وإما أن تتضمن التنبيه على دليل العناية الدالة على أن هناك خالقًا لابد من العبادة له.\n٣ - وإما أن تتضمن التنبيه على الدليلين السابقين معًا.\nوفيما يلي بيان هذين الدليلين:\nدليل الخلق:\nويسمى دليل الإبداع أو الاختراع، وهو مبني على أصلين:","vol":"2","page":1343},{"text":"أ- أن الموجودات كلها مخترعة ومخلوقة.\nب- كل مخترع لابد له من مخترع وخالق.\nويعتمد هذا الدليل على إثارة الفكر للتعرف على خالق الموجودات جميعها، والاستدلال بذلك على وحدانيته تعالى، وهو أول دليل تلفت الآيات النظر إليه، كقوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).\nوملخص هذا الدليل أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن يكون خلق من غير خالق، ولهذا كان كل رسول يقول لقوله: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).\nوقد كان المشركون يؤمنون بهذا الدليل من حيث دلالته على توحيد الربوبية، ولا يؤمنون بدلالته على توحيد الألوهية. قال تعالى عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ).\nوقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).\nوقد أقام القرآن الحجة عليهم بهذا التوحيد - توحيد الربوبية - ليكون","vol":"2","page":1344},{"text":"موصلًا لهم لتوحيد الألوهية، حيث يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، وقال تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا).\nوالمعنى كما أنه المتفرد بربوبية المشرق والمغرب وربوبية السموات والأرض وليس لذلك رب سواه، فكذلك ينبغي أن لا يتخذ إلهًا سواه.\nوكذلك لما أقسم ﷾ على الوحدانية في سورة الصافات، أتبع هذا القسم بذكر ربوبيته تعالى للسموات والأرض، ومشارقها، فقال تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ).\nيقول ابن القيم: (فإن الإقسام كالدليل والآية على صحة ما أقسم عليه من التوحيد ... وأقسم سبحانه بذلك على توحيد ربوبيته وإلهيته، وقرر توحيد ربوبيته فقال: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) من أعظم الأدلة على أنه واحد، ولو كان معه إله آخر لكان الإله مشاركًا له في ربوبيته كما شاركه في إلهيته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه قاعدة القرآن يقرر توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، فيقرر كونه معبودًا واحدًا بكونه خالقًا ورازقًا وحده).\nالمقصود: بيان كون دليل الخلق يدل على قبح الشرك، إذ الخالق لابد أن","vol":"2","page":1345},{"text":"يعبد، وعبادته لغير خالقه قُبح، وشر محض.\nوقال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ).\nقال ابن القيم: (فتأمل هذا الترديد والحصر المتضمن لإقامة الحجة بأقرب طريق، وأفصح عبارة، يقول تعالى: هؤلاء مخلوقون بعد أن لم يكونوا، فهل خلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا من المحال الممتنع عند كل من له فهم وعقل أن يكون مصنوع من غير صانع، ومخلوق من غير خالق، ولو مر رجل بأرض فقر لا بناء فيها ثم مر فيها فرأى فيها بنيانًا وقصورًا وعمارات محكمة لم يتخالجه شك، ولا ريب أن صانعًا صنعها، وبانيًا بناها، ثم قال: (أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، وهذا أيضًا من المستحيل أن يكون العبد موحدًا خالقًا لنفسه، فإن من لا يقدر أن يزيد في حياته بعد وجوده، وتعاطيه أسباب الحياة ساعة واحدة، ولا أصبعًا وظفرًا، ولا شعرة كيف يكون خالقًا لنفسه في حال عدمه؟ وإذا بطل القسمان تعين أن لهم خالقًا وفاطرًا فطرهم فهو الإله الحق الذي يستحق عليهم العبادة والشكر، فكيف يشركون به إلهًا غيره وهو وحده الخالق لهم؟).\nوقوله تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ).\nيقول ابن القيم: (فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين، فإن الإله الحق لابد أن يكون خالقًا فاعلًا، يوصل إلى عابيه النفع ويدفع عنهم","vol":"2","page":1346},{"text":"الضر. فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى بشركة الإله الآخر معه ...).\nفهذا بعض ما يدل على دليل الخلق الذي يبين قبح الشرك بالله سبحانه صراحة، وهي في الربوبية، ولكنه بالاستلزام يدل على قبح الشرك في الألوهية.\nدليل العناية:\nويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه بحيث يكمل بعضها بعضًا وقدر كل شيء فيه تقديرًا هو الله الواحد الأحد، ومن الآيات القرآنية التي ورد فيها دليل العناية قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ).\nوقوله تعالى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).\nوقوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨)","vol":"2","page":1347},{"text":"وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا).\nهذه الآيات القرآنية التي ذكرناها، وآيات أخرى كثيرة تلفت نظر الإنسان لما في هذا الكون من التنظيم الدقيق والتناسق بين أجزاء الكون أقصى غايات الدقة والإتقان لتدل دلالة قاطعة على العناية التامة بهذا الكون وما فيه، وأن إلهًا واحدًا قادرًا هو الذي نظم كل ما فيه أحسن تنظيم.\nفهذا الدليل الذي ذكره الله ﷿ في القرآن الكريم يدل على أن الشرك في الربوبية بالتعطيل (المستلزم للشرك في العبادة) قبيح للغاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الثاني: في بيان آية السموات والأرض الدالة على قبح الشرك بالله</span>\nذكرت آية الأرض مع آية السماء؛ لأنهما تذكران معًا في معظم آيات القرآن الكريم، وبيانه فيما يلي:\n١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).","vol":"2","page":1348},{"text":"فهذه الآية يطلب الله تعالى من الناس جميعًا أن يوحدوه، ولا يشركوا به الأصنام، والأنداد وهم يعلمون أنه هو الذي بنى السماء وفرش الأرض.\nقال ابن كثير: (وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له).\nوقال الزمخشري: (أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء).\n٢ - قال تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).\nهذه الآيات الكونية بدأت بالنص على الوحدانية، ثم نبه تعالى عباده على تفرده بالألوهية بخلق السموات والأرض وما بينهما؛ لأن من نظر إلى السماء في ارتفاعها وسعتها وإلى الأرض واستقرارها أداه ذلك إلى توحيد الله وعبادته؛ لأن في خلق السموات والأرض دلالات واضحة لقوم يعقلون عن الله حججه وأدلته على وحدانيته وقبح شركه.\nقال الطبري: (وهذا تنبيه من الله - تعالى ذكره - أهل الشرك به على ضلالهم ودعاء منه لهم إلى الأوبة من كفرهم، والإنابة من شركهم، ثم عرفهم - تعالى ذكره - بالآية التي تتلوها موضع استدلال ذوي الأباب منهم على حقيقة ما نبههم","vol":"2","page":1349},{"text":"عليه من توحيده وحججه الواضحة القاطعة عذرهم، فقال تعالى ذكره: أيها المشركون، إن جهلتهم أو شككتم في حقيقة ما أخبرتكم من الخبر من أن إلهكم إله واحد دون ما تدعون من ألوهيته من الأنداد والأوثان فتدبروا حججي وفكروا فيها فإن من حججي خلق السموات والأض).\n٣ - قال تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)، وقال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا) ففي هذه الآيات نبه سبحانه على وقوف السماء بغير عمد وأن الله ممسكها بقدرته وعظيم سلطانه، وجعلها من البعد بحيث لا تنال، وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، كما أن بعد ما بين كل سماء والتي تليها خمسمائة عام، ومن كان هذا خلقه فهو متعال عن الشرك كما قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فأنى يكون له شريك، وقد خلقهما بالحق وهو التوحيد، منفردًا بخلقهما، وإبداعهما من غير حاجة لأحد؟ فليس له شريك، بل إثباته قبيح.","vol":"2","page":1350},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المطلب الثالث: آية الشمس والقمر والليل والنهار الدالة على قبح الشرك</span>\nذكرت آية الشمس والقمر مع آية الليل والنهار لورودها مجتمعة في بعض المواضع من آيات القرآن الكريم: من هذه الآيات:\n١ - قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ).\nفي هاتين الآيتين تنبيه على أن الله وحده هو الذي خلق الشمس والقمر والليل والنهار بغير معين ولا شريك؛ فقوله: (هو) دلالة على الوحدانية أي هو الذي جعل الشعاع الصادر عن الشمس ضياء وجعل الشعاع الصادر عن القمر نورًا، وفاوت بينهما بأن جعل سلطان الشمس نهارًا وسلطان القمر ليلًا وقدر القمر منازل.\nفالمتدبر لذلك يعلم حقيقة الوحدانية. قال الطبري: (لقوم يعلمون إذا تدبروها حقيقة وحدانية الله).\nوانظر كيف وضعت الشمس في مكانها الخاص بها، والقمر في مكانه الخاص به، ووضعت الكواكب في أمكنتها الخاصة بها، ودوران ذلك كله كما","vol":"2","page":1351},{"text":"قال تعالى: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ). قال ابن عباس: (أي يدورون كما يدور المغزل في الفلكة). قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم، والشمس، والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن.\nوانظر لهذا التقدير الحكيم بأن جعل الله الليل والنهار مرتبطين بدورة الشمس فلا يستطيع أحد إيقاف الشمس عن دورتها، أو حبس الليل والنهار عن جزء من الأرض؛ لأن الله وحده هو الذي يتولى ذلك كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).\nيقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: (فعلت هذا الفعل من إيلاجي الليل في النهار وإيلاجي النهار في الليل لأني أنا الحق الذي لا مثل لي ولا شريك ولا ند وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون إلهًا من دونه هو الباطل الذي لا يقدر صنعه شيء بل هو المصنوع).\n٢ - قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).\nفي هذه الآية يبين تعالى أن الليل، والنهار، والشمس، والقمر من دلائل","vol":"2","page":1352},{"text":"وحدانيته ووجوب عبادته، ولا تستحق الشمس أو القمر العبادة، إنما يستحق ذلك خالقها دون كل شيء سواه.\nيقول ابن كثير: (يقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة وأنه الذي لا نظير له وأنه على ما يشاء قدير: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ)؛ أي أنه خلق الليل بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يفتران، والشمس ونورها وإشراقها، والقمر وضياؤه وتقدير منازله في فلكه واختلاف سيره في سمائه؛ ليعرف باختلاف سيره وسير الشمس مقادير الليل والنهار والجمع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلول الحقوق وأوقات العبادات والمعاملات، ثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده تحت قهره وتسخيره، فقال: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)؛ أي لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره فإنه لا يغفر أن يشرك به).\nإذا نظرنا إلى العلم وجدناه يقول بأن مجموعتنا الشمسية ليست إلا جزءًا من أجزاء المجموعة المجرية، ومجرتنا هذه واحدة من مجرات عديدة، ويقول العلم بأن هناك نجومًا كثيرة أكبر من الشمس وأشد حرارة منها، وأن الشمس التي يستفيد من حرارتها كل نبت وحيوان درجة حرارة سطحها ١٢٠٠٠ درجة فهرنهايت، وأن الأرض موضوعة بالمكان المناسب لاستمرار الحياة عليها، ولو زادت درجة الحرارة أو نقصت عن حد معين قدره الله تعالى لمات كل الأحياء على سطح الأرض حرقًا أو تجمدًا، وأن مسار القمر له علاقة","vol":"2","page":1353},{"text":"بالمد والجزر الذي يحصل في البحار مرتين في العام، ولو كان القمر غيّر هذا المسار الذي رسمه له خالقه لعم الماء جميع اليابسة وفاض عليها بحيث تصبح الحياة مستحيلة على ظهرها.\nإن هذا الخلق العظيم والتنظيم الدقيق يدل دلالة قاطعة على وحدانية الله وأنه المستحق أن يفرد بالعبادة دون كل شيء سواه، بل عبادة غيره سبحانه والشرك به قبيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>المطلب الرابع: آية الرياح والمطر والنبات الدالة على قبح الشرك</span>\nذكرت الكلام عن هذه الآيات معًا لارتباطها ببعضها، ولأنه يرد في القرآن اقتران الرياح بإنزال المطر ثم إنبات المزروعات والثمار، وهي من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وفيما يلي بيان ذلك:\n١ - يقول تعالى: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ).\nفي هذه الآية وصف الله تعالى الرياح بأنها لواقح؛ لأنها تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها فيبعث الله الرياح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، أليس ذلك آية دالة على وحداينة الله المتصرف في هذا الكون،","vol":"2","page":1354},{"text":"وعلى أن تعطيله عن مصنوعه قبيح؟\n٢ - يقول تعالى: (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).\nفي هذه الآية نبهنا الله تعالى على أنه هو وحده الذي يشق الحب والنوى في الثرى فتنبت منه الزرع، والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها، ثم قال مشيرًا إلى وحدانيته تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ): أي فاعل ذلك هو الله وحده لا شريك فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل بعبادتكم غير الله تعالى؟\nيقول الطبري: (وهذا تنبيه من الله جل ثناؤه هؤلاء العادلين به الآلهة والأوثان على موضع حجته عليهم، وتعريف منه لهم خطأ ما هم عليه مقيمون من إشراك الأصنام في عبادتهم إياهم، يقول تعالى ذكره: إن الذي له العبادة أيها الناس دون كل ما تعبدون من الآلهة والأوثان هو الله الذي فلق الحب؛ يعني شق الحب من كل ما ينبت من النبات فأخرج منه الزرع، والنوى من كل ما يغرس مما له نواة فأخرج منه الشجر ...).\n٣ - ويقول تعالى: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).\nالخضر: هو الزرع، والشجر الأخضر. والمتراكب: هو الحب والثمر، لأنه يركب بعضه بعضًا. والمشتبه وغير المتشابه: أي متشابه في الورق","vol":"2","page":1355},{"text":"والشكل، وهو مختلف في الطعم واللون.\nإن التفكير في النبات، والثمار، وكيفية تكونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضر وثمرًا طيبًا بعد جفافها، واختلاف ألوان الثمار وطعومها مع كونها متشابهة في الشكل والورق - لا شك يؤدي إلى معرفة الله ووحدانيته، ولذلك حثنا الله على النظر للثمار فقال: (انظُرُوا إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ)، فهي تدل دلالة واضحة على وحدانية الله وقبح الشرك به وبطلانه، لذلك ذم الله تعالى المشركين بعد هذه الآية مباشرة فقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ) - إلى قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).\nقال الطبري في تفسيره لهذه الآية: (يا أيها الناس، إذا نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه؛ علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد).\nوقد استنكر الهدهد على قوم بلقيس سجودهم للشمس من دون الله، مستدلًا على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة وعدم الشرك به بأنه خلق الماء والنبات وأخرجه بعد أن كان مخبوءًا في السماء والأرض، وجعل ذلك حجة على المخالفين. حيث قال تعالى عنه: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).","vol":"2","page":1356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-101>المبحث الثاني تقرير القرآن قبح الشرك بضرب الأمثال</span>\nوفيه تمهيد ومطالب\nتمهيد:\nسبق أن تكلمنا في المبحث السابق عن الأدلة التي نبه عليها القرآن الكريم في تقريره لقبح الشرك بالله وبطلانه، ونتحدث في هذا المبحث عن تقرير القرآن لقبح الشرك بضرب الأمثال.\nوالأمثال مفردها مثل، وهو الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا فيجعل مثله أو هو ما يضرب به من الأمثال، وقد يكون المثل هو الصفة كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ): أي صفتها.\nولقد ضرب الله ﷾ للناس في هذا القرآن من كل مثل؛ لأن ضرب الأمثال فيه فوائد كثيرة كالتذكير والوعظ والحث والزجر والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصوره المحسوس وتشبيه الخفي بالجلي، فلضرب الأمثال واستحضا العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز الخفيات والحقائق حتى يرى المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كأنه مشاهد.","vol":"2","page":1357},{"text":"يقول ابن القيم ﵀: (فإن النفس تأنس بالنظائر، والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير، ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا، فالأمثال شواهد المعاني، ومزكية له، فهي كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه وهي خاصة العقل ولبه وثمرته).\nوقد امتن الله تعالى على عباده بأن ضرب لهم الأمثال فقال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ)، وقال تعالى: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ)، وقال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ).\nوقد نهى الله ﷾: عباده أن يضربوا له الأمثال بقوله تعالى: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ)؛ يعني الأشباه فتشبهونه بخلقه، وتجعلون له","vol":"2","page":1358},{"text":"شريكًا؛ لأن ضرب المثل تمثيل والله تعالى لا مثل ولا ند له في ذاته ولا في أسمائه، وصفاته، ولا في أفعاله، وما ابتدع من ابتدع، ولا ضل من ضل إلا من ضرب الأمثال له سبحانه، وأهل الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة فضلوا؛ لأن ضرب المثل تشبيه حال بحال، والله تعالى لا يمثل بخلقه؛ لأن له المثل الأعلى أي الصفة العليا التي هي كلمة الإخلاص، وشهادة التوحيد: لا إله إلا الله.\nوقد اقتصرت في هذا المبحث على أمثال القرآن التي سبقت لتقرير وحدانية الله تعالى وقبح الشرك، فقمت باستقصائها وجمعها من آيات القرآن ثم رتبتها حسب موضوعها، وهي كما يلي:\nفإن هذه الأمثال:\n١ - إما مضروبة لله من جهة وللأصنام من جهة أخرى.\n٢ - وإما مضروبة لكلمة التوحيد، وكلمة الشرك.\n٣ - وإما مضروبة للحق والباطل.\n٤ - وإما مضروبة لبيان عجز آلهة المشركين.\n٥ - وإما مضروبة لحالة المشرك وحالة الموحد.\n٦ - وإما مضروبة لقلب الموحد وقلب المشرك.\n٧ - وإما مضروبة لحواس الموحد، والمشرك، وحياة الأول واستقامته، وموت الثاني وانكبابه على وجهه.\n٨ - وإما مضروبة لأعمال المشركين.","vol":"2","page":1359},{"text":"وبيانها فيما يلي من المطالب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>المطلب الأول: الأمثال المضروبة لله وحده ولما يعبد من دونه</span>\nأ- ضرب الله مثلًا لنفسه ولما يعبد من دونه بعدم قبول المشركين إشراك عبيدهم في ما يخصهم، فكيف يقبلون ذلك لله تعالى؟\nقال تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، وقال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).\nبين ﷾ أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فما الذي فضلهم الله بالرزق على غيرهم بمشركي غيرهم وهم المماليك فيما رزقوا من الأموال والأزواج حتى يستوواهم وعبيدهم في ذلك، فلا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقوا سواء، بينما هم قد جعلوا مخلوقات الله شركاء له في ملكه وعبادته.\nوقد أجمع المفسرون على أن المثل في هذه الآية هو نفس المثل في الآية الأخرى وهي قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا ...)، ولذلك جعلت الكلام عنهما معًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀","vol":"2","page":1360},{"text":"قال تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) بين سبحانه بالمثل الذي ضربه لهم أنه لا ينبغي أن يجعل مملوكه شريكه فقال: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) يخاف أحدكم مملوكه كما يخاف بعضكم بعضًا، فإذا كان أحدكم لا يرضى أن يكون مملوكه شريكه فكيف ترضونه لله؟\nويقول ابن القيم ﵀: (وهذا دليل قياس احتج الله سبحانه به على المشركين، حيث جعلوا له من عبيده وملكه شركاء، فأقام عليهم الحجة يعرفون صحتها من نفوسهم، ولا يحتاجون فيها إلى غيرهم، ومن أبلغ الحجاج أن يؤخذ من نفسه ويحتج عليه .... في نفسه، مقرر عندها، معلوم لها، فقال: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من عبيدكم وإمائكم شركاء في المال والأهل؟ أي شيء يشارككم عبيدكم في أموالكم، وأهليكم، فأنتم وهم في ذلك سواء تخافونهم أن يقاسموكم أموالكم ...؟ فكيف تستجيزون مثل هذا الحكم في حقي مع أن من جعلتموهم لي شركاء عبيدي وملكي وخلقي؟).\nب- وضرب الله كذلك مثلين لنفسه ولما يعبد من دونه في قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ","vol":"2","page":1361},{"text":"مُسْتَقِيمٍ).\nهذان المثلان ضربهما لنفسه ولما يعبد من دونه، قال مجاهد: (ضرب الله هذا المثل والمثل الآخر بعده لنفسه وللآلهة التي من دونه).\nوالمثل الأول هو قصة عبد في ملك غيره عاجز عن التصرف وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان المثلان لا يستويان عندكم مع كونهما من جنس واحد مشتركين في الإنسانية فكيف تشركون بالله وتسوون به من هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره مع تباين الأوصاف وأن الله لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه ولا يمكن لعاقل أن يمثل به غيره ...؟ .\nوالمثل الثاني كذلك مضروب لله لما يعبد من دونه، وهي أصنام لا تسمع ولا تنطق؛ لأنها إما من خشب أو نحاس أو حجر وغيره، ولا تجلب خيرًا ولا تدفع شرًا، ثم هي عيال على عابديها تحتاج لمن يحملها ويخدمها كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كلٌ على أوليائه من بني أعمامه وغيرهم وحيثما وجهوه لا يأت بخير، لأنه لا يفهم ولا يفهم عنه، وهكذا الصنم لا يعقل ما يقال له، ولا ينطق فيأمر وينهى، فهل يستوي هذا الأبكم بصفاته السابقة ومن هو ناطق متكلم بأمر الحق، ويدعو إليه؟ .\nفإذا كانا لا يستويان فكذلك لا يستوي الصنم مع الله الواحد القهار الداعي عباده إلى توحيده وطاعته، فهذا مثل إله الباطل وإله الحق. وبه قال قتادة ومجاهد، وكذلك قال به ابن القيم وبين أن هذين المثلين أوضح عند","vol":"2","page":1362},{"text":"المخاطبين وأعظم في إقامة الحجة عليهم وأظهر في بطلان الشرك وقبحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>المطلب الثاني: المثل المضروب لكلمة التوحيد وكلمة الشرك</span>\nضرب الله ﷾ مثلًا لكلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، ومثلًا لكلمة الشرك بالشجرة الخبيثة، فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ).\nشبّه ﷾ كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - بالشجرة الطيبة، وهي النخلة الضاربة جذورها في أعماق التربة وفروعها مرتفعة في السموات، والكلمة الخبيثة وهي الشرك كالشجرة الخبيثة؛ وهي الحنظلة إذا استؤصلت، فلم يبق لها أثر ولا أصل في الأرض، وقد ورد عن ابن عباس وبه قال جمهور المفسرين أن الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وأن الكلمة الخبيثة هي كلمة الكفر.\nوفي هذا التشبيه حكم بليغة وأسرار كثيرة؛ لأن الشجرة لابد لها من عروق وساق وفروع، وورق، وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والتوحيد ليطابق المشبه المشبه به؛ فشجرة التوحيد عروقها الثابتة العلم والمعرفة واليقين وساقها","vol":"2","page":1363},{"text":"الإخلاص لله وفروعها الأعمال الصالحة وثمرها الأخلاق الحميدة الزكية، فإذا كانت هذه الأمور مطابقة لأمر الله بأن يكون العلم موافقًا لمعلومه الذي أنزل الله به كتابه، وكان الاعتقاد مطابقًا لما أخبر الله به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله، وكان الإخلاص قائمًا في القلب، والأعمال موافقة للشرع علم أن شجرة التوحيد في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإن كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، فكما أن هذه الشجرة الخبيثة ليس لها أصل ثابت ولا فرع ثابت ولا فائدة فيها، فكذلك الشرك ليس له أصل يأخذ به المشرك ولا برهان، ولا يقبل الله مع الشرك عملًا، ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل في الأرض ولا فرع في السماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>المطلب الثالث: مثل للحق والباطل</span>\nضرب الله ﷾ مثلًا للحق والباطل، وهو مشتمل على المثلين المائي والناري، فيقول تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ).","vol":"2","page":1364},{"text":"أما المثل المائي: فقد مثل الله - تعالى - الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله كمثل الماء النازل من السماء إلى الأرض فتحمله الأودية بقدرها الكبير بكبره والصغير بصغره، ولكن هذا السيل الحادث عن ذلك الماء يحمل فوقه زبدًا عاليًا، وبعد قليل يتطاير الزبد ويتلاشى، وأما الماء فيستفيد منه الناس في الشرب وسقي المزروعات، والباقي يمكث في الأرض، لينتفع به الناس في العاجل والآجل، فالحق في ثباته ونفعه يشبه الماء المستقر في الأرض والباطل في تلاشيه واختفائه يشبه الزبد العالي فوق السيل، فهذا أحد المثالين.\nوأما المثل الآخر - وهو الناري ـ: فقد شبه الله - تعالى - الحق كمثل المعدن إذا أوقد عليه فيخرج منه الخبث والزبد، ويذهب هذا ويتلاشى ويبقى خالص المعدن ثابتًا مستقرًا نقيًا، فشبه سبحانه الحق ببقائه وثباته بالمعدن الباقي بعد الخبث، وشبه الباطل بالخبث الذي تخرجه النار من المعادن، كذلك يضرب الله الحق والباطل.\nقال مجاهد: فذلك مثل الحق والهدى والعلم والتوحيد إذا دخل القلب طرد الخبث وهو الشكوك والشبهات والشهوات. فيطرح القلب هذه الشبه وتتلاشى كما يطرح السيل الزبد، وكما تطرح النار الخبث، وكاستقرار الماء والمعدن الصافي الخالص، يستقر التوحيد والإيمان في القلب وجذوره، بحيث ينفع صاحبه وينتفع به غيره.","vol":"2","page":1365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المطلب الرابع: أمثلة عجز آلهة المشركين</span>\nوفيه ثلاثة أمثله:\nأ- عجزها عن سماع الدعاء وعن إجابته كذلك:\nيقول تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)، وقال تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ).\nهذان مثلان في عدم نفع دعاء الكفا لأصنامهم؛ لأنها لا تسمع دعاءهم.\nوهذا هو المثل الأول: حيث شبه الله - تعالى - المشركين بدعائهم لآلهتهم وطلبهم منها قضاء حاجاتهم كالراعي الذي يصوت بالغنم والبهائم وهي لا تعي ما يقول غير أنها تسمع صوته. يقول ابن القيم في هذا: (فتضمن هذا المثل ناعقًا أي مصوتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدواب، فقيل: الناعق: العباد وهو الداعي للصنم، والصنم هو المنعوق به المدعو، وأن حال الكافر في دعائه كحال من ينعق بما لا يسمعه، وهذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره).\nوأما المثل الثاني: فقد شبه ﷾ المشركين في دعائهم لأصنامهم وأنها لا تستجيب لهم بالعطشان الذي جلس على شفير بئر وبسط","vol":"2","page":1366},{"text":"كفيه إلى الماء وأخذ يدعوه إلى فيه من بعيد مشيرًا إليه بيده ليبل غلته، فلا هو نزل إلى البئر فشرب، ولا الماء ترتفع إليه لأنه جماد لا يحس بعطشه ولا يسمع دعاءه، وهكذا الأوثان لا تحس بدعاء عابديها لها، ولا تستجيب لهم؛ لأنها جمادات منحوتة على هيئة الأحياء، والعرب تضرب مثلًا لمن سعى فيها لا يدركه: القابض على الماء.\nب- عجزها على الخلق وعن استعادة ما يسلب منها:\nوضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن خلق أضعف وأصغر المخلوقات، بل لو سلب هذا المخلوق الضعيف من الأصنام شيئًا ما استطاعت استرداده، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).\nوالمعنى بأن المشركين جعلوا لله شبهًا من الأصنام والأنداد التي عبدوها فاستمعوا لحال ما مثلوه وجعلوه شبهًا لله بعبادتهم إياه: إن كل ما تعبدون من دون الله لو اجتمعوا وتعاونوا ما خلقوا ذبابًا في صغره وقلته وضعفه، بل لو سلبهم هذا الذباب شيئًا مما تجعلونه عليها من العسل والطيب، فإنهم لا يستخلصوه منه، ضعف الطالب وهو آلهة المشركين، والمطلوب وهو الذباب.\nوفي هذا المثل غاية التحقير، والمهانة لآلهتهم، وفيه التقريع الشديد كذلك لعابديها مع علمهم بضعفها ومهانتها ومع ذلك يجعلونها مثلًا لله، وهذا","vol":"2","page":1367},{"text":"المثل من أبلغ المثال في تجهيل عابدي الأصنام وتقبيحهم واستركاك عقولهم والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه حيث وصفوا بالإلهية - التي تتضمن القدرة على الخلق، والإحاطة بالكائنات كلها - صورًا وتماثيل لو سلبها الذباب مما دهنت به من العسل، والزعفران ما ردته عن نفسها ولا استنقذته منه.\nوالظاهر أن ضارب المثل هو الله - تعالى - ضرب مثلًا لما يعبد من دونه، فاستمعوا لحال هذا المثل.\nوقد ذكر ابن القيم كلامًا موسعًا حول هذا المثل نقتطف منه قوله: (حقيق على كل عبد أن يستمع قلبه لهذا المثل ويتدبره حق تدبره فإنه يقطع مواد الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعوا كلهم لخلقه فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوانات، ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سلبهم إياه، فلا أعجز من هذه الآلهة ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟).\nجـ - مثل عجزها عن حماية غيرها:\nوضرب الله ﷾ مثلًا لبيان عجز آلهة المشركين عن حماية","vol":"2","page":1368},{"text":"عابديها وقلة غنائها، مشبهًا إياها ببيت العنكبوت، فيقول تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).\nيبين - تعالى ذكره - أن الذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله، ويرجون نفعها عند حاجتهم إليها فهم في ضعف عقولهم وسوء اختيارهم لأنفسهم كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة احتيالها لنفسها تتخذ بيتًا لنفسها ليحميها فلم يغن عنها شيئًا عند حاجتها إليه، وهؤلاء المشركون إذا حل بهم سخط الله لن يغني عنهم أولياؤهم شيئًا ولن يدفعوا عنهم بأس الله، فشبه الأصنام ببيت العنكبوت لبيتها الواهن الضعيف، فكما لا يغني العنكبوت بيتها هكذا لا تغني أصنامهم عنهم من الله شيئًا، وبه قال ابن عباس وقتادة، وابن زيد، والضحاك.\nيقول ابن القيم في هذا المثل: (فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا وهو أوهن البيوت، وأضعفها، وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا كما قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا).","vol":"2","page":1369},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المطلب الخامس: الأمثال المضروبة لوصف حال المشرك وحالة الموحد</span>\nوهي ثلاثة أمثال:\nأ- مثل المشرك بالساقط من السماء.\nب- مثل المشرك بالحيران في الأرض.\nجـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين.\nأ- مثل المشرك الساقط من السماء:\nضرب الله ﷾ مثل المشرك بالذي يهوي من السماء فتخطفه الطير أو هوت به الريح في مكان سحيق، قال تعالى: (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).\nيحث الله ﷾ عباده على إخلاص التوحيد وإفراده بالطاعة والعبادة دون الأوثان، ويذكر قبح الشرك وبطلان بأوضح الأمثلة؛ لأن من يشرك بالله شيئًا من دونه فمثله في بعده عن الهدى وإصابة الحق وهلاكه وذهابه عن ربه مثل من خر من السماء فتخطفه الطير فهلك، أو هوت به العواصف في مكان بعيد، فعن قتادة قال: (فَكَأَنَّمَا خَرَّ) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك بالله في بعده من الهدى وهلاكه.\nفتأمل هذا المثل ومطابقته لحال من أشرك بالله وتعلق بغيره، ويجوز في هذا التشبيه أمران:","vol":"2","page":1370},{"text":"أحدهما: أن نجعله من التشبيه المركب، فيكون قد شبه من أشرك بالله وعبد معه غيره برجل أهلك نفسه هلاكًا لا يرجى معه نجاة، فحال كحال من سقط من السماء فاختطفته الطير ومزقته في حواصلها، أو عصفت به الريح فسقط في مكان سحيق.\nوعلى هذا التشبيه المركب لا ننظر إلى كل فرد من أفراد المشبه ومقابلة من المشبه به.\nثانيهما: أن نجعله من التشبيه المفرق، فيقابل كل واحد من أجزاء الممثل بالممثل به، فيكون قد شبه التوحيد في علوه وشرفه بالسماء التي هي مصعده ومهبطه، فمنها هبط إلى الأرض وإليها يصعد، وشبه المشرك الساقط من السماء إلى أسفل سافلين لما يجده من التضييق والشدة، وشبه الشياطين التي تؤزه وتتقاسم قلبه بالطير التي تتقاسم لحمه، وشبه هواه الذي ألقاه في التهلكة بالريح التي هوت به في مكان سحيق.\nب- مثل المشرك بالحيران في الأرض:\nوضرب الله مثل المشرك في عبادته الأصنام كمثل رجل في الفلاة حائر وله أصحاب مسلمون موحدون يدعونه للهدى فلا يتبعهم، قال تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nيأمر ﷾ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول للكفار: أنخص بالعبادة الأصنام وندع عبادة الله فنرجع القهقري لم نظفر بحاجتنا؟ فيكون مثلنا في ذلك","vol":"2","page":1371},{"text":"مثل الرجل الذي سيرته الشياطين في الأرض حيران ضالًا عن المحجة، ولهذا الحيران أصحاب مسلمون يدعونه لما هم عليه من الهدى الذي هم عليه مقيمون والصواب الذي هم عليه متمسكون وهو يعاندهم ويتبع الشياطين الداعية له لعبادة الأوثان.\nعن ابن عباس في قوله تعالى: (قُلْ أَنَدْعُو) الآية، قال: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو إليها وللدعاة الذين يدعون إلى الله كمثل رجل ضل الطريق إذ ناداه مناد: يا فلان ابن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان، هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق.\nوهذا المثل في غاية الحسن، وذلك؛ لأن الذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه كالحجر حال نزوله من أعلى فإنه لا ينزل إلا مع الاستدارة، وذلك يوجب كمال التردد والحيرة؛ لأنه عند نزوله من أعلى إلى أسفل لا يعرف على أي شيء يسقط عليه، قال أبو حيان: (ولا تجد للخائف الحائر أكمل ولا أحسن من هذا المثل)، وعن مجاهد قال: (حيران: هذا مثل ضربه الله للكافر يقول: الكافر حيران يدعوه","vol":"2","page":1372},{"text":"المسلم إلى الهدى فلا يجيب).\nجـ - مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين:\nوضرب الله تعالى مثل المشرك بالعبد المملوك لجماعة كثيرين. والموحد بالعبد المملوك لرجل واحد، ثم بين سبحانه أنهما لا يستويان، قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ).\nهذا المثل يبين حالة المشرك بالله الذي يعبد آلهة شتى، ويطيع الشياطين وهم في أنفسهم متنازعين سيئة أخلاقهم، وحالة المؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، فالمشرك كالعبد المملوك لجماعة مختلفين متنازعين سيئة أخلاقهم، وكل واحد منهم يستخدم هذا العبد لمصلحته، وأما الموحد فهو كالعبد المملوك لشخص واحد، فهو مطمئن ومستريح من تشاحن الخلطاء والشركاء عليه؛ لأن الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون وأخلاقهم سيئة، كلهم يتلقونه آخذين بطرقه لملكهم له ولأن لكل منهم حقًا عليه، والموحد يملكه إله واحد، فلا يستوي هذا ومن جعل في عنقه حقوقًا لآلهة متعددة.\nيقول ابن القيم: (ومنها قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ ....) الآية، هذا مثل ضربه الله سبحانه للمشرك والموحد، فالمشرك بمنزلة عبد يملكه جماعة متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل المتشاكس الضيق الخلق، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى شبه بعبد يملكه جماعة متنافسون في خدمته لا","vol":"2","page":1373},{"text":"يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين.\nوالموحد لمّا كان يعبد الله وحده فمثله كمثل عبد لرجل واحد قد سلم له وعلم مقاصده وعرف الطريق إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحن الخلطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفه مالكه به ورحمته له وشفقته عليه وإحسانه إليه وتوليه لمصالحه، فهل ييستوي هذان العبدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه وإلتفاته إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحقه صاحب الشركاء المتشاكسين، الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب السادس: مثل قلب الموحد وقلب المشرك</span>\nوهما مثلان:\nأ- ضرب الله ﷾ مثلًا لقلب المؤمن الموحد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر بالبلد الخبيث، فقال تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).\nبين ﷾ في هذا المثل أن البلد الطيب تربته العذبة مشاربه فيخرج نباته إذا أنزل الله الغيب طيبًا ثمره في حينه ووقته، والبلد الذي خبث فتربته رديئة، ومشاربه مالحة، يخرج نباته بعسر وشدة، فعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر؛ لأن قلبا لمؤمن لما دخله","vol":"2","page":1374},{"text":"القرآن آمن به وثبت الإيمان فيه وفاض بالخير، وقلب الكافر لما دخله القرآن لم يتعلق منه بشيء ينفعه ولم يثبت فيه الإيمان، ففاض بالنكد والشر والفساد.\nوقد سمى الله في كتابه المؤمن بالطيب والكافر بالخبيث، فقال تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فالخبيث في هذه الآية هم الكفار والطيب هم المؤمنون، كذا قاله السدي.\nوقد ورد مثل هذا المثل عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به».\nوهذا الحديث يبين مثل قلب المؤمن ومثل قلب الكافر بما يوافق المثل القرآني الذي بيناه.\nب- وضرب الله ﷾ مثلًا آخر للقلب الذي يريد أن يهديه","vol":"2","page":1375},{"text":"وللقلب الذي يريد أن يضله فقال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ).\nيبين تعالى أن من اراد الله هدايته إلى الإيمان به وبرسوله ﷺ وبما جاء به من عند ربه ويوفقه لذلك، يفسح صدره للإيمان ويهونه ويسهله له بلطفه ومعونته حتى يستنير الإيمان في قلبه فيضيء له ويتلقاه صدره بالقبول.\nومن أراد إضلاله عن سبيل الهدى يجعل صدره حرجًا بخذلانه وغلبة الكفر عليه، والحرج: أشد الضيق، وهو الذي لا ينفذ إليه شيء من شدة ضيقه، وهو هنا القلب الذي لا تصل إليه الموعظة ولا يدخله نور الإيمان لرين الشرك عليه، وضيق مشاربه فلا يدخل الإيمان، وهو في ذلك كالحرجة: وهي الشجرة الملتف بها الأشجار الكثيفة فلا يدخل إليها شيء لشدة التفاف الأشجار بها.\nوقوله تعالى: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء): الصعود هو الطلوع إلى أعلى، فشب الله تعالى الكفار في نفوره من الإيمان وثقله عليه بمنزلة من تكلف ما لا يطيقه كما أن صعود السماء لا يطاق؛ لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع على بني آدم ويبعد عن الاسطاعة وتضيق عنه المقدرة.\nقال ابن جريج: (حرجًا بلا إله إلا الله لا يجد لها في صدره مساغًا)، وقال الطبري: (وهذا مثل من الله - تعالى ذكره - ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأن ذلك ليس في","vol":"2","page":1376},{"text":"وسعه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المطلب السابع: أمثلة وصف حواس الموحد وحواس المشرك</span>\nضرب الله ﷾ مثل المؤمن الموحد بالحي، والسميع، والبصير، وهو في النور، والظل وبمن يمشي سويًا، وضرب مثل الكافر بالميت، والأصم، والأبكم، والأعمى، وهو في الظلمات والحرور، وبمن يمشي مكبًا على وجهه وهو كالأنعام.\nوهذه في الحقيقة عدة أمثال لكن لارتباط بعضها ببعض وصعوبة تمييزها عن بعضها ولورودها في القرآن متداخلة، أحببت أن أتكلم عنها مجتمعة، وسأذكر أولًا كل الآيات التي وردت في هذا حسب ترتيب السور:\nيقول تعالى: (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا)، ويقول تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ","vol":"2","page":1377},{"text":"بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، ويقول تعالى: (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ)، ويقول تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، ويقول تعالى: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)، يقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، ويقول تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، ويقول تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى\nأَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، ويقول تعالى: (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ).\nلقد شبه الله ﷾ المؤمن بالحي، وشبه الكافر بالميت من حيث إن الميت جسده خال من الروح فيظهر منه النتن والصديد والقيح وسائر أنواع العفونات وأصلح أحواله دفنه تحت التراب، والكافر كذلك يظهر منه الجهل","vol":"2","page":1378},{"text":"بالله تعالى ومخالفاته لأمره وعدم قبوله لمعجزات الرسل لأنه ميت القلب، وهذا من باب التهكم والازدراء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه روح الإسلام ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة وهو من الأموات، قال الله تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ .....)؛ فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات، وسمى الله رسالته روحًا والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة).\nوشبه الله ﷾ الكافر بالأنعام التي لا تفقه ما يقال لها وهمها الأكل والشرب، وهو في شدة نفوره من الإيمان وفراره عن سماع القرآن كالحمر التي رأت الأسد ففرت مسرعة في كل اتجاه، فبين سبحانه أن الكفار أضل من البهائم؛ لأنها تبصر منافعها ومضارها وتتبع مالكها، قال عطاء: الأنعام تعرف الله والكافر لا يعرفه. ولهذا جعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأنها تتفع قائدها وتهتدي الطريق، وأما الكفار فدعاهم الرسل للطريق والهداية فلم يتبعوهم، بل لم يفرقوا بين ما يضرها من النبات أو الطريق وبين ما ينفعها منه، فتجتنب الأول وتؤثر الثاني، والله تعالى لم يعط البهائم قلوبًا تفقه بها، ولا ألسنة تنطق بها وأعطى ذلك للكفار ثم لم ينتفعوا به فصاروا أضل من البهائم لأنهم لم يهتدوا مع وجود الأدلة.","vol":"2","page":1379},{"text":"يقول ابن القيم ﵀: (شبههم في إعراضهم ونفورهم عن القرآن بحمر رأت الأسد أو الرمات ففرت منه، وهذا من بديع القياس والتمثيل؛ فإن القوم في جهلهم بما بعث الله به رسوله كالحمر وهي لا تعقل شيئًا، فإذا سمعت صوت الأسد أو الرمي نفرت منه أشد النفور، وهذا غاية الذم لهؤلاء، فإنها لشدة نفورها قد استنفر بعضها بعضًا وحضه على النفور، فإن في الاستفعال من الطلب قدرًا زائدًا على الفعل المجرد، فكأنها تواصت بالنفور وتواطأت عليه).\nوكذلك شبه الله تعالى: المؤمن الموحد بالسميع والبصير، وشبه الكافر بالأصم والأبكم والأعمى وذلك لتعطيل حواسه وعدم الاستفادة منها.\nفعن ابن عباس ومجاهدك أن الأعمى الأصم الأبكم هو الكافر وأن السميع البصير هو المؤمن؛ لعدم إيصار الكافر للحق والهدى واستماعه له، وإبصار المؤمن ذلك واستماعه له، قال قتادة: (هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن، فأما الكافر فصم عن الحق فلا يسمعه وعمي عنه فلا يبصره، وأما المؤمن فسمع الحق وانتفع به وأبصره).\nوقال ابن القيم ﵀: (وجعل أحد الفريقين كالأعمى والبصير من حيث كان قلبه أعمى عن رؤية الحق أصم عن سماعه فشبهه بمن بصره أعمى عن رؤية الأشياء وسمعه أصم عن سماع الأصوات. والفريق الآخر بصير القلب سميعه، كبصير العين وسميع الأذن، فتضمنت الآية قياسين وتمثيلين للفريقين، ثم نفى التسوية عن الفريقين بقوله: (هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا).","vol":"2","page":1380},{"text":"وشبه الله ﷾ المؤمن بمن يمشي سويًا معتدلًا على طريق مستقيم، وشبه الكافر بمن يمشي مكبًا على وجهه في ظلمات كثيفة، وقد ورد عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي أن هذا مثل المؤمن والكافر، وأجمع عليه المفسرون؛ وذلك لأن المؤمن معه نور الله، وأما الكافر فهو في الضلالة والظلام متحير لا يجد مخرجًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وضرب الله مثل المؤمن بالحي والبصير والسميع والنور والظل، وضرب مثل الكافر بالميت والأعمى والأصم والظلمة والحرور).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>المطلب الثامن: مثلان لبيان فساد أعمال المشركين وهما يدلان على قبح الشرك وبطلانه</span>\nضرب الله ﷾ مثلين لأعمال المشركين، ومثلًا لما ينفقونه من الأموال في وجوه البر:\nأ- أما مثلا الأعمال: فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا","vol":"2","page":1381},{"text":"لَهُ مِن نُّورٍ).\nيبين الله ﷾ أن مثل أعمال الذين أشركوا بالله مثل سراب بأرض منبسطة يرى وسط النهار وحين اشتداد الحر، فيظنه العطشان ماءً، فإذا أتاه ملتمسًا الشرب لإزالة عطشه لم يجد السراب شيئًا، فكذلك الكافرون في غرور من أعمالهم التي عملوها وهم يحسبون أنها تنجيهم عند الله من الهلاك كما حسب العطشان السراب ماءً، فإذا صار الكافر إلى الله واحتاج لعمله لم ينفعه وجازاه الله به بالجزاء الذي يستحقه.\nوقوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) الآية هذا مثل آخر لأعمال الكفار، إلا أن المثل الأول في انخداع الكافر بعمله في الدنيا وغروره به، وهذا المثل لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ وفساد وضلال وحيرة على غير هدى، فهي في ذلك كمثل ظلمات في بحر عميق جدًا كثير الماء، وفوق هذا البحر العميق موج عال مخيف، وفوق هذا الموج موج آخر، وفوقهما سحاب متراكم، فاجتمعت عدة ظلمات، وهكذا عمل الكافر ظلمات في ظلمات.\nقال ابن عباس وابن زيد في مثل السراب: (هذا مثل ضربه الله لأعمال الذين كفروا)، وقال قتادة وأُبي بن كعب في مثل الظلمات: (هذا مثل آخر ضربه الله للكافر يعمل في ضلال وحيرة)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومثل أعمال الكافرين بالظلمة).","vol":"2","page":1382},{"text":"ولكن ابن كثير عدّ المثلين للكفار الدعاة وغير الدعاة، حيث جعل مثل السراب لعمل الكافر الداعية لمذهبه وكفره فيحسب أنه على كل شيء من الأعمال والاعتقادات وهو في واقع الأمر ليس على شيء.\nوقال القرطبي: (ضرب الله مثلًا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب وإن شئت مثل بالظلمات).\nوبهذا نرى القرطبي، والزجاج يجعلان المثلين مترادفين.\nوقد ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين كلامًا جيدًا حول هذين المثلين، حيث يقول: (ذكر سبحانه للكافرين مثلين: مثلا بالسراب، ومثلا بالظلمات المتراكمة، وذلك لأن المعرضين عن الهدى والحق نوعان:\nأحدهما: من يظن أنه على شيء، فيتبين له عند انكشاف الحقائق خلاف ما كان يظنه، وهذه حالة أهل الجهل، وأهل البدع والأهواء الذين يظنون أنهم على هدى وعلم فإذا انكشفت الحقائق تبين لهم أنهم لم يكونوا على شيء، وأن عقائدهم وأعمالهم التي ترتبت عليها كانت كسراب بقيعة يرى في عين الناظر ماء ولا حقيقة له، وهكذا الأعمال التي لغير الله وعلى غير أمره يحسبها العامل نافعة له وليست كذلك ...، وتأمل جعل الله سبحانه السراب بالقيعة - وهي الأرض القفر الخالية من البناء والشجر والنبات والعالم - فمحل السراب أرض قفر لا شيء بها، والسراب لا حقيقة له، وذلك مطابقة لأعمالهم وقلوبهم التي أقفرت من الإيمان والهدى، وتأمل ما تحت قوله: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ) والظمآن الذي قد اشتد عطشه فرأى السراب فظنه ماء فتبعه فلم يجد شيئًا بل خانه أحوج ما كان إليه، فكذلك هؤلاء لما كانت أعمالهم على غير طاعة الرسول","vol":"2","page":1383},{"text":"ولغير الله، جعلت كالسراب فرفعت لهم أظمأ ما كانوا وأحوج ما كانوا إليها فلم يجدوا شيئًا ووجدوا الله سبحانه ثَمَّ فجازاهم بأعمالهم ووفاهم حسابهم ...\nالنوع الثاني: أصحاب مثل الظلمات المتراكمة، وهم الذين عرفوا الحق والهدى وآثروا عليه ظلمات الباطل والضلال، فتراكمت عليهم ظلمة الطبع وظلمة النفوس وظلمة الجهل؛ حيث لم يعملوا بعلمهم فصاروا جاهلين، وظلمة اتباع الغي والهوى، فحالهم كحال من كان في بحر لجي لا ساحل له وقد غشيه موج ومن فوق ذلك الموج موج، ومن فوقه سحاب مظلم، فهو في ظلمة البحر وظلمة السحاب، وهذا نظير ما هو فيه من الظلمات التي لم يخرجه الله منها إلى نور الإيمان).\nب- وضرب الله ﷾ مثلًا لبطلان أعمال المشركين وحبوطها بالرماد الذي عصفت به الريح الشديدة فلم تبق منه شيئًا، فقال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ).\nهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار التي كانوا يعملونها في الدنيا من المكارم وصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسرى وعقر الإبل وإغاثة الملهوف والإجارة وغيرها من أعمال البر يزعمون أنهم يريدون بها وجه الله، فمثلها كمثل رماد هبت عليه ريح عاصفة فنسفته وذهبت به، فلا يجد الكافرون من أعمالهم الخيرة شيئًا ينفعهم عند الله يوم القيامة؛ لأنهم كانوا يشركون فيها معه الآلهة والأوثان، فهي على غير هدى بل هي على جور وضلال.","vol":"2","page":1384},{"text":"والمثل هنا إنما هو للأعمال، ولكن الله تعالى قال: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ) حيث قدم الاسم على الخبر؛ (لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تخبر عنه مع صاحبه، والمعنى مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد).\nقال ابن كثير: (هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها).\nوقال ابن القيم ﵀: (فشبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف، فشبه سبحانه أعمالهم - في حبوطها وذهابها باطلًا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله الله ﷿ وعلى غير أمره - برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه، فلذلك قال: (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعة، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه موافقًا لشرعه ... وفي تشبيهه بالرماد سر بديع؛ وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير الله وعلى غير مراده طعمة للنار وبها تسعر النار على أصحابها، وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا،","vol":"2","page":1385},{"text":"كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا وروحًا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار).\nجـ - وضرب الله مثلًا لنفقة الكفار وعدم قبولها بالزرع الذي أصابته ريح شديدة تحمل نارًا ملتهبة فلم تبق منه شيئًا، قال تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).\nشبه الله سبحانه ما ينفق الكافر ويتصدق به على وجه القربة إلى الله وهو مشرك بالله وجاحد به ومكذب لرسله وأن ذلك غير نافعه وأنه مضمحل عند حاجته إليه ذاهب بعد ما كان يرجو نفعه، كشبه ريح فيها برد شديد وتحمل النار فأصابت زرع قوم أملوا إدراكه ورجوا ريعه لكنهم كفرة، فأهلكت الريح التي فيها الصر الزرع ولم ينتفع بشيء منه، وكذلك يفعل الله بنفقة الكافر وصدقته ويبطل ثوابها، والمراد بالمثل صنيع الله بالنفقة.\nقال الطبري: (فتأويل الكلام مثل إبطال أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر، وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك لدلالة الكلام عليه وهو قوله تعالى: (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ)، ولمعرفة السامع ذلك معناه).\nوقد رأى بعض العلماء أن هذا المثل مضروب لأعمال الكفار كلها ليس للنفقة فحسب، وإنما خص النفقة بالذكر لكونها أظهر وأكثر.","vol":"2","page":1386},{"text":"قال ابن القيم: (وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن أنفق في غير طاعته ومرضاته، فشبه سبحانه ما ينفقه هؤلاء من أموالهم في المكاره والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر ولا يبتغون به وجه الله، وما ينفقونه ليصدوا به عن سبيل الله واتباع رسله بالزرع الذي زرعه صاحبه يرجو نفعه وخيره، فأصابته ريح شديدة البرد جدًا يحرق بردها ما يمر عليه من الزرع والثمار فأهلكت ذك الزرع وأيبسته).","vol":"2","page":1387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>المبحث الثالث تقرير الله ﷿ قبح الشرك وبطلانه ببعض القصص القرآني</span>\nلقد ذكر الله ﷿ ما جرى لكل رسول مع قومه، وكيف كانت دعوة الرسل إلى الله ﷿ لأقوامهم وذلك بالدعوة إلى التوحيد وبيان قبح الشرك وبطلانه، وأخبرنا عن إهلاك الأمم السابقة لمّا ردوا أمر الله وتمردوا على الشرك به سبحانه، كل هذا يعتبر بيانًا من الله سبحانه لقبح الشرك وبطلانه.\nوقد سبق ذكر بعض هذه القصص عند بيان شرك الأمم السابقة مفضلًا، وفيما يلي بعض أوجه دلالة هذه القصص على قبح الشرك وبطلانه.\nفمثلًا في قصة نوح ﷺ نرى أن الله ﷿ أهلكهم بطوفان من عنده نتيجة شركهم بالله بعد ما دعاهم نبيهم بسبل شتى وطرق مختلفة ولكن دون جدوى، فلما جاءهم أمر الله لم ينفعهم أصنامهم شيئًا ولم ينقذوهم مما حل بهم من العذاب والنكال، وفيه دلالة واضحة على قبح الشرك بالله سبحانه وعلى كونه من أبطل الباطل.\nيقول الطبري: (إن فيما فعلنا بقوم نوح من إهلاكنا لهم إذ كذبوا رسلنا وجحدوا وحدانيتنا وعبدوا الآلهة والأصنام لعبرًا لقومك من مشركي قريش وعظات، وحججًا لنا يستدلون بها على سنتنا في أمثالهم فينزجروا عن كفرهم ويرتدوا عن تكذيبك حذرًا أن يصيبهم مثل الذي أصابهم من العذاب، وكنا مختبريهم بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول عقوبتنا بهم).\nومثل هذا في قصة قوم إبراهيم ﷺ؛ حيث بين ﵇ حجته أمام","vol":"2","page":1388},{"text":"طاغوت زمانه الذي ادّعى الربوبية وعطل المصنوع عن صانعه، وادّعى خصائص الربوبية لنفسه بقوله: (فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). هكذا بهت الذي أشرك بالله وكفر به؛ لأن الإله الحق لابد أن يتصرف في ملكه كما يشاء، فإذا لم يستطع على ذلك دل على أن دعواه باطل، وأن الشرك بالله سبحانه باطل وقبيح.\nوهكذا لما أراد إبراهيم ﵇ إظهار شناعة الشرك وقبحه به سبحانه أمام قومه جميعًا ذهب يحمل الفأس فكسر الأصنام وأبقى الصنم الكبير، وهذا فيه وجهان لقبح الشرك وبطلانه:\nأولهما: أن هذه الأصنام إن كانت آلهة فلم لم تدافع عن نفسها عند تكسيرها؟ والإله الحق حي لا يموت، وهذه قد اندثرت وصارت حطامًا.\nثانيهما: أنها إذ لم تدافع عن نفسها فلما لا تجيبكم عمن كسرها؟ فإن أجابتكم عمن كسرها فهي بحاجة إلى الحماية ولذا هي ليست آلهة؛ لأن الإله الحق غني عن حماية غيره له، فالشرك مع الله سبحانه بهذه الآلهة المزعومة قبيح لا شك فيه.\nفهذا مثلان من جملة مئات الأمثلة في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أوردتهما كالنموذج لدلالة القصص القرآني على قبح الشرك وبطلانه، وقد سبق بيان أخبارهم مفصلًا في الباب الأول. وكل من تفكر في هذا القصص القرآني يدرك حقيقة ما ذكرناه لا محالة، ولعلنا نكتفي بهذا","vol":"2","page":1389},{"text":"القدر، مكتفيًا بما سبق معنا في الباب الأول، فإن المقصود هو الإشارة بإيجاز، وإلا لو بدأنا هذه القصص وما تدل عليه من العبر والعظات لخرجنا عن موضوعنا ولعملنا بعض التكرار في عملنا.","vol":"2","page":1390},{"text":"الفصل الثاني\nتنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه","vol":"2","page":1392},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>الفصل الثاني تنوع دلالات السنة على قبح الشرك وبطلانه</span>\nتنوعت دلالات السنة النبوية على قبح الشرك، ويظهر ذلك جليًا في الأمور التالية:\nالأول: بيانا لنبي ﷺ قبح الشرك في أقواله، ويتضمن نهيه عن أنواع من الشرك.\nالثاني: بيان النبي ﷺ قبح الشرك في أعماله، ويتضمن كل ما فعله ﷺ في حياته من مواقفه في بعض الغزوات ومع بعض الكفار والمشركين وصناديدهم.\nالثالث: ذكره ﷺ ما يقع في أمته من أنواع الشرك وتحذيره منه.\nوسأذكر هنا نماذج من أحاديث النبي ﷺ القولية، والفعلية، والتقريرية، وأخبار عن جهاده وسيرته الدالة على قبح الشرك.\n١ - عن عبد الله قال: لما نزلت: (وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال أصحاب رسول الله ﷺ: أينا لم يظلم؟ فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).\nوجه الاستدلال: أن الشرك أظلم الظلم ومعلوم أن الظالم قبيح فالشرك يكون أقبح.\n٢ - عن أنس يرفعه: «إن الله يقول لأهون أهل النار عذابًا: لو أن لك ما في الأض من شيء كنت تفتدي به؟ قال: نعم. قال: فقد سألتك ما هو أهون","vol":"2","page":1393},{"text":"من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك بي فأبيت إلا الشرك».\nوجه الاستدلال: أن المشرك ما نفعه كل ما فعله في حياته؛ لأنه أبى، فليس له إلا النار، وليس شيء أقبح من دخول النار.\n٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».\nوجه الدلالة: أن الرسول ﷺ عده من الموبقات، وأي قبح فوق الوقوع في الموبقات؟\n٤ - عن عبد الله بن أنيس الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمينًا صبرًا فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعله الله نكتة في قلبه إلى يوم القيامة».\n٥ - في رواية عن عبد الله قال: «سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: «الشرك أن تجعل لله ندًا، وأن تزاني بحليلة جارك، وأن تقتل ولدك","vol":"2","page":1394},{"text":"مخافة الفقر أن يأكل معك»، ثم قرا عبد الله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ).\n٦ - وعن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك تخاف أن يُطعم معك؟ قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك».\nوجه الدلالة: عد النبي ﷺ الشرك أعظم الذنوب وأكبرها، وإذا كانت الذنوب كلها معلوم قبحها لدى العقلاء فكيف بأعظمها وأكبرها؟ .\n٧ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: يا أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقام إليه عبد الله بن حزن، وقيس بن المضارب فقالا: والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون، قال: بل أخرج مما قلت: خطبنا رسول الله ذات يوم فقال: «أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم».\nوجه الدلالة: لو ما كان قبيحًا لما أمرنا باتقائه، ولما حذرنا منه.\n٨ - عن عبد الله بن عمرو قال: كنا عند رسول الله ﷺ فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيجان مزرورة بالديباج فقال: ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس ابن فارس قال: يريد أن يضع كل فارس ابن فارس، ويرفع كل راع","vol":"2","page":1395},{"text":"ابن راع، قال: فأخذ رسول الله ﷺ بمجامع جبته وقال: «ألا أرى عليك لباس من لا يعقل ثم قال: إن نبي الله نوحًا ﷺ لما حضرته الوفاة قال لابنه: إني قاص عليك الوصية؛ آمرك باثنتين، وأنهاك عن اثنتين: آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السموات السبع، والأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وسبحان الله وبحمده؛ فإنها صلاة كل شيء بها يرزق الخلق، وأنهاك عن الشرك والكبر. قال: قلت، أو قيل: يا رسول الله، هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر؟ قال: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان؟، قال: لا؟ قال: هو أن يكون لأحدنا حلة يلبسها؟ قال: لا، قال: الكبر: هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها؟ قال: لا، قال: أفهو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون ليه؟ قال: لا. قيل: يا رسول الله، فما الكبر؟ قال: سفه الحق وغمض الناس».\n٩ - عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: «من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة - فسأله ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة والفرار يوم الزحف».\n١٠ - عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول","vol":"2","page":1396},{"text":"الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء».\nوعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم ...» فذكر معناه.\n١١ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».\n١٢ - وفي كتاب عمر ﵁: وإياكم والتنعم وزي أهل الشرك ولبوس الحرير فإن رسول الله ﷺ نهانا عن لبوس الحرير وقال: إلا هكذا؛ ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه.\nوجه الدلالة: منعه عن زي المشركين؛ لأن الشرك أكبر الظلم وأكبر الكبائر، فإذا كان بمجرد لبس الكفار أصبح الزي غير مرغوب شرعًا، فما بالك باعتقاده الشرك؟\n١٣ - ما جاء في حديث طويل رواه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: «... أولاهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو ورق، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا ...».","vol":"2","page":1397},{"text":"وجه الاستدلال: ضرب الرسول ﷺ مثلًا قبيحًا للشرك في هذا الحديث، وهو ظاهر في بيان قبح الشرك وبطلانه.\n١٤ - عن عبد الله: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ: «من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار»، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندًا دخل الجنة».\n١٥ - وقال رسول الله ﷺ: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندًا ويجعلون له ولدًا وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم، ويعطيهم».\n١٦ - عن أبي هريرة في حديث طويل ذكر فيه قصة فتح مكة - إلى أن قال ـ: وأقبل رسول الله ﷺ حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدون، قال: وفي يد رسولا لله ﷺ قوس وهو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطنعه في عينيه ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل»، فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو.\n١٧ - ولعل أدل دليل على قبح الشرك تشبيهه ﷺ الشرك بالمقطوعة الأطراف في بعض الأحاديث؛ فمن ذلك قول النبي ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة","vol":"2","page":1398},{"text":"جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». يقول أبو هريرة ﵁: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).\nوفي رواية لمسلم: «ويشركانه»، وفي رواية: «إلا على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه». ففي هذا الحديث شبه النبي ﷺ المشرك بمن قطع أطرافه، ومعلوم أن هذا قبح في الفطرة والعقل، فمن الذي يريد أن يكون مجدع الأطراف؟ .\n١٨ - قوله ﵊ فيما يرويه عن ربه: «... إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم ...» الحديث. وهو من الأحاديث القدسية. وفيه نسبة الشرك إلى الشياطين، ونسبة ذلك إلى الضلال، ولا أظن أحدًا عنده عقل يريد أن يكون فريسة إغواء الشيطان وإضلاله، وهو يعرف أن الشيطان على الباطل.","vol":"2","page":1399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفصل الثالث تنوع دلالات الفطرة والعقل على قبح الشرك وبطلانه</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: في بيان معنى الفطرة والعقل.\nالمبحث الثاني: في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة والعقل.\nالمبحث الثالث: في الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه.","vol":"2","page":1401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>المبحث الأول في بيان معنى الفطرة والعقل</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الأول: في بيان معنى الفطرة</span>\nالفطرة في اللغة فعلها ثلاثي وهو فطر، والحالة منه الفطرة كالجلسة، وهي بمعنى الخلقة. قال ابن فارس عن أصل هذه الكلمة: (أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومنه الفطرة: وهي الخلقة). وأتى بالفتح قبل الإبراز؛ لأنه سبب من أسبابه.\nوقال ابن منظور: الفطرة تعني: (الابتداء والاختراع).\nوالأمر ظاهر في أنه لا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة: الخلقة، والابتداء، والاختراع.\nوقد عرف العلماء الراسخون الفطرة الواردة في القرآن والسنة بالإسلام،","vol":"2","page":1403},{"text":"فلعله من لوازم المعنى، فإن الفطرة هي: (الخلقة التي خلق الله العباد عليها وجعلهم مفطورين على محبة الخير وإيثاره وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله والتقرب إليه).\nفمعنى الفطرة تؤول إلى الإسلام وعليه إجماع السلف، فلا شك إذا كان معنى الفطرة هو الإسلام أنه مخالف للشرك، فالشرك مخالف للفطرة كما ستأتي أدلته على ذلك، ولكن إذا كان الأصل في الإنسان أنهم فطروا على الإيمان هل يعني ذلك أن الإنسان إذا ترك بدون أي توجيه أنه يهتدي للإسلام؟ .\nأجاب شيخ الإسلام عن هذا السؤال بقوله: (وليس المراد أن الإنسان حين يخرج من بطن أمه يعلم هذا الدين موحدًا لله، فإن الله تعالى يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)، وإنما المراد: أن فطرته مقتضية وموجبة لدين الإسلام، ولمعرفة الخالق، والإقرار به، ومحبته، ومقتضيات هذه الفطرة وموجباتها تحصل شيئًا بعد شيء، وذلك بحسب كمال الفطرة وسلامتها من الموانع).\nوسئل مرة أخرى عن هذه الآيات والأحاديث فأجاب: (الصواب: أنها فطرة الله التي فطر الناس عليها يوم قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)؛ وهي السلامة من الاعتقادات الباطلة، والقبول للعقائد الصحيحة، فإن حقيقة","vol":"2","page":1404},{"text":"(الإسلام) أن يستسلم لله، لا لغيره وهي معنى (لا إله إلا الله)، ولا يلزم من كونهم مولودين على الفطرة أن يكونوا حين الولادة معتقدين للإسلام بالفعل، فإن الله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولكن سلامة القلب، وقبوله وإرادته للحق - الذي هو الإسلام - بحيث لو ترك بغير مغير لما كان إلا مسلمًا، وهذه القوة العلمية العملية التي تقتضي بذاتها الإسلام ما لم يمنعها مانع هي: فطرة الله التي فطر الناس عليها).\nوذكر الإمام ابن القيم محاورة بين: الإمام محمد بن نصر، وبين الإمام ابن قتيبة في مقتضى آية الميثاق، قال: (قال محمد بن نصر: واحتج ابن قتيبة بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ) فأجابوا - بكلام - شاهدين مقرين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم ولدوا على ذلك.\nقال محمد بن نصر: فقوله: (ثم ولدوا على ذلك) زيادة منه ليست في الكتاب، ولا جاءت في شيء من الأخبار.\nقلت - أي ابن القيم ـ: قوله: (ثم ولدوا على ذلك) إن أراد به أنهم ولدوا حال سقوطهم وخروجهم من بطون أمهاتهم عالمين: بالله وبتوحيده وأسمائه وصفاته فقد أصاب - أي محمد بن نصر - في الرد عليه. وإن أراد أنهم: على","vol":"2","page":1405},{"text":"حكم ذلك الأخذ، وأنهم لو تركوا لما عدلوا عنه إذا عقلوا فهو الصواب الذي لا يرد).\nفالمقصود بكون الفطرة دالة على الإيمان والتوحيد وعدم الشرك: هو سلامة القلب واستقامته على التوحيد وبراءته من الشرك بكافة صوره وألوانه، بحيث لو ترك صاحبه بلا مغير لصبغته - حتى تعقله - لما كان إلا موحدًا لربه بالألوهية، ومنخلعًا من تأله ما سواه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>المطلب الثاني: في معنى العقل</span>\nالعقل: مفرد جمعه عقول، يطلق في اللغة العربية على عدة معان، منها:\n١ - الحجر والنهى، ضد الحمق.\n٢ - الدية، وعقل القتيل بعقله: وداه.\n٣ - القيد الذي تقيد به البعير لئلا يند.\n٤ - الحكمة.\n٥ - حسن التصرف.\n٦ - الملجأ، يقال: عقل القوم وأعقل: إذا لجأ وقلص عند انتصاف النهار.\n٧ - الحصن.","vol":"2","page":1406},{"text":"ومهما يكن من الإطلاقات لهذا اللفظ فإن أصلها واحد، وهو حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة، أو الإمساك والاستمساك.\nوالعقل في الاصطلاح: له إطلاقان:\n١ - القوة الفطرية: أو الاستعداد الغريزي، والملكة الناضجة التي أودعها الله تعالى في الإنسان وخلقه عليها متهيئًا بسببها لقبول العلم، وهذا هو محل التكليف ومناط الأمر والنهي، وبه يكون التمييز والتدبير.\n٢ - يراد به العلوم الضرورية والمسلمات العقلية التي يستفيدها الإنسان بتلك القوة الفطرية، وهذا هو العقل المستفاد، وإليه الإشارة في القرآن الكريم في كل موضع ذم الله تعالى فيه الكفار بعدم العقل. كقوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).","vol":"2","page":1407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>المبحث الثاني في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة والعقل</span>\nوفيه مطلبان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>المطلب الأول: في إثبات كون الشرك مخالفًا للفطرة</span>\nلقد خلق الله - جل في علاه - عباده حنفاء مسلمين موحدين لرب العالمين بالألوهية، ومتبرئين من الشرك والتأله لما سواه، وجعل ذلك لوازم فطرهم، بحيث لو تركوا ودواعيها لما كانوا إلا عارفين بالله، وبتوحيده وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى القائم عليها والمنبثق منها: وحدانية تألهه، وبذلك شهدت فطرة الموحدين وعقولهم؛ بأن الله أهل أن يعبد، ولو لم يرسل بذلك رسولًا ولم ينزل به كتابًا، وعليه أصبحت الفطرة بينة التوحيد وشاهده في أنفس الموحدين. فلا جرم أن الفطر يقتضي: عبادة الفاطر، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحري به أن يتفرغ لعباده فاطره وخالقه لا سيما إذا كان أمره بيده ومنتهاه إليه، قال سبحانه: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).\nومن هنا استحال جواز الشرك في الفطر السليمة والعقول المستقيمة ولو لم يرد بذلك خبر، كيف وقد أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب لتقرير ما استودع سبحانه في فطر خلقه من حسن التوحيد وحل الطيبات، ومن قبح الشرك وحرمة الخبائث.","vol":"2","page":1408},{"text":"وبهذا تكون الفطرة حجة مستقلة في بطلان الشرك، فهي أسبق من كافة الحجج الواهية وسائر المعاذير الساقطة التي يتشبث بها المشركون.\nقال ابن القيم: (قوله تعالى حاكيًا عن صاحب يس أنه قال لقومه محتجًا عليهم بما تقر به فطرهم وعقولهم: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فتأمل هذا الخطاب كيف تجد تحته أشرف معنى وأجله، وهو أن كونه سبحانه فاطرًا لعباده يقتضي عبادتهم له، وأن من كان مفطورًا مخلوقًا فحقيق به أن يعبد فاطره وخالقه، ولا سيما إذا كان مرده إليه، ومبدؤه منه، ومصيره إليه، وهذا يوجب عليه التفرغ لعبادته، ثم احتج عليهم بما تقر به عقولهم وفطرهم من قبح عبادة غيره، وأنها أقبح شيء في العقل وأنكره، فقال: (أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)، أفلا تراه كيف لم يحتج عليهم بمجرد الأمل بل احتج عليهم بالعقل الصحيح ومقتضى الفطرة).\nوقال في موضع آخر: (وقال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ).\nأي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره ... فإن إدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح ...).","vol":"2","page":1409},{"text":"فالشرك مخالف للفطرة لا محالة، والذي يزيد هذا البيان وضوحًا ما يلي:\n١ - لجوء الإنسان وفزعه إلى خالقه سبحانه، سواء كان هذا الإنسان موحدًا أو مشركًا عند الشدة والحاجة.\nفإن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، إذ الفقر وصف ذاتي لهم، فإذا ألمت بالإنسان - حتى المشرك - مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه والتجأ إليه وحده واستغنى به ولم يستغن عنه، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فإنه لا يتصور أن يشعر الإنسان بحاجته وفقره إلى خالقه إلا إذا شعر بوجوده، وإذا كان شعوره بحاجته وفقره إلى ربه أمرًا ضروريًا لا يمكنه دفعه، فشعوره بالإقرار به أولى أن يكون ضروريًا.\nقال الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).\nوقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا).\nوقال تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ","vol":"2","page":1410},{"text":"قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).\nفرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وأنه لا يرضى بالشرك، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه في تكوينه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله كلها ويتقوى هذه المعرفة في نفسه حجة قوية لأن الحاجة استلزمتها، فتكون أوضح من الأدلة الكلية مثل افتقار كل حادث إلى محدث.\n٢ - التصريح بأن الفطرة مقتضية للإقرار بالخالق وتوحيده وحبه، ومخالفة الشرك وقبحه في الأدلة السمعية، وقد سبق معنا الأدلة الدالة على هذا القول.\n٣ - ورود التكليف بتوحيد العبادة أولًا، كأن هذا تذكير لما فطروا عليه من ذبح الشرك. فإنه لم يكن الإقرار بالله جل وعلا وبربوبيته فطريًا، والشرك مخالفًا للفكرة لساغ لمعارضي الرسل عند دعوتهم لهم بقول الله تعالى: (فَاعْبُدُونِ) أن يقولوا: نحن لم نعرفه أصلًا فكيف يأمرنا؟ فلما لم يحدث ذلك دل على أن الفطرة مخالفة للشرك (في الربوبية)، وأن المعرفة كانت مستقرة في فطرهم. فإن الأمر يتوحيده في عبادته فرع الإقرار به وبربوبيته فيكون بعده.","vol":"2","page":1411},{"text":"٤ - إلزام المشركين بتوحيد الربوبية ليقروا بتوحيد الألوهية.\nوقد تقدم ذكر هذا الكلام بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nووجه الدلالة: إنه لو لم يكن المشركون مقرين بربوبية الله وبقبح الشرك على مقتضى فطرتهم لما ألزمهم بالإقرار بألوهيته.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فدل على أنه ليس في الله شك عند الخلق المخاطبين به ...).\nفهذه كلها أدلة صحيحة على أن الخلق مفطورون بالإقرار بالله سبحانه والشرك مخالف لهذه الفطرة الصحيحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>المطلب الثاني: في أن الشرك مخالف للعقل</span>\nإن الله - جل في علاه - قد منَّ على عباده بمنة جليلة ونعمة عظيمة، بها يسمون على كافة المخلوقات إن عملوا بواجبها، وبها يردون إلى أسفل سافلين إن خرجوا عن موجبها، ونقضوا مقتضاها، ألا وهي نعمة العقل. وأراد المنان بمنِّ نعمة العقل على الإنسان الضعيف تقويته على إدراك الآثار الربانية والمطالب الإلهية، ومن ثم جعل حجة مستقلة عليه في بطلان الشرك، وكذا جعل مستندًا من مستندات السمع، وبها قامت حجة الله على خلقه.\nقال الإمام ابن القيم: (فإن الله سبحانه ركب العقول في عباده ليعرفوا بها:","vol":"2","page":1412},{"text":"صدق وصدق رسله، ويعرفوه بها، ويعرفوا كماله وصفاته، وعظمته وجلاله، وربوبيته وتوحيده، وأنه الإله الحق وما سواه باطل، فهذا هو الذي أعطاهم العقل لأجله بالذات والقصد الأول، وهداهم به إلى مصالح معاشهم التي تكون عونًا لهم على ما خلقوا لأجله، وأعطوا العقول له، فأعظم ثمرة العقل: معرفته لخالقه وفاطره، ومعرفة صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله، وصدق رسله، والخضوع والذل والتعبد له).\nوقال ﵀: (إن السمع حجة الله على خلقه، وكذلك العقل، فهو سبحانه أقام عليهم حجته بما ركب فيهم من العقل، وبما أنزل إليهم من السمع، والعقل الصريح لا يتناقض في نفسه، كما أن السمع الصحيح لا يتناقض في نفسه، وكذلك العقل مع السمع، فحجج الله وبيناته لا تتناقض ولا تتعارض، ولكن تتوافق وتتعاضد، وأنت لا تجد سمعًا صحيحًا عارضه معقول مقبول عند كافة العقلاء أو أكثرهم، ولا تجده ما دام الحق حقًا والباطل باطلًا، بل العقل الصريح يدفع المعقول المعارض للسمع الصحيح ويشهد ببطلانه).\nومن ثم كان العقل كافيًا في معرفة الله وتوحيده، وكذا بطلان الشرك وقبحه ولو لم يرد بذلك شرع، فالإيمان بالله وحده والابتعاد عن الشرك وكلما يعبد من دون الله مستقر في الفطر والعقول، بل هو أرسخ وأثبت مرتكزاتهما، وبهذا كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك ولو لم يأت بحرمته شرع.\nفإن النقل والعقل خرجا من مشكاة واحدة، وجاء النقل ليخاطب العباد بمرتكزات العقل ويقيم موجبه، ويفصّل مجمله، ويبين ما عجز عن إدراكه،","vol":"2","page":1413},{"text":"ولم يأت قط بمحالاته، ولا بضد تصوراته وموازينه.\nوإليك براهين ما سبق من الكتاب والسنة، بفهم فحول أهل العلم، ونظار أهل السنة:\nقال القرطبي في قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا): (أجمع العلماء على أن: هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب؛ ولو لم يكن كذلك لعرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب).\nوقال ابن القيم: (قال تعالى: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ)، ولم يقل: إلهكم، والرب: هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له).\nوالمراد بالوجوب هنا: استحالة قبول العقول المجبولة - من قبل فاطرها - الشرك به سبحانه ولو لم يرد بذلك شرع، ومن ثم كان العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك.\nوقال ﵀ في قوله تعالى: (وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي): (أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفًا لهم، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول، مستهجن تركها، قبيح الإخلال","vol":"2","page":1414},{"text":"بها، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه، ونعمه كلها بَعْدُ تابعة لإيجاده وخلقه، وقد جبل الله العقول والفطر على شكر المنعم، ومحبة المحسن، ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع).\nوقال ﵀ في ردة على نفاة التحسين والتقبيح الذاتي للأفعال: (قولكم: فكيف يعرفنا العقل وجوبًا: على نفسه بالمعرفة، وعلى الجوارح بالطاعة، وعلى الرب بالثواب والعقاب؟ .\nفيقال: وأي استبعاد في ذلك؟ وما الذي يحيله؟ فقد عرفنا العقل من الواجبات عليه ما يقبح من العبد تركها، كما عرفنا، وعرف أهل العقول، وذوو الفطر التي لم تتواطأ على الأقوال الفاسدة: وجوب الإقرار بالله وربوبيته وشكر نعمته ومحبته، وعرفنا قبح الإشراك به، والإعراض عنه، ونسبته إلى ما لا يليق به.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل كالمعاد وحسن التوحيد والعدل وقبح الشرك والظلم والكذب، والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف بالمعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع).","vol":"2","page":1415},{"text":"وقال ﵀ في قوله تعالى: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) - إلى قوله تعالى - أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) أي وخلق ما تنحتون، فكيف يجوز أن تعبدوا ما تضعون بأيديكم وتدعون رب العالمين؟ فلولا أن حسن التوحيد، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا؛ إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه).\nوقال ابن القيم في تفسير هذه الآية: (فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه - الشرك - تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح).\nوقال ﵀ في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ): (أي لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا، ولم يقل (أرباب) بل قال: (آلهة) - والإله هو المعبود والمألوه - وهذا يدل على أنه من الممتنع المستحيل عقلًا أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض، فقبح عبادة غير الله قد استقر في الفطر والعقول وإن لم يرد بالنهي عنه شرع، بل","vol":"2","page":1416},{"text":"العقل يدل على أنه أقبح القبيح على الإطلاق، ومن المحال أن يشرعه الله قط، ...).\nفحسن التوحيد وعدم جواز الشرك من أثبت الثوابت وأركز المرتكزات في الفطر والعقول، ومن ثم استحال جواز الشرك فيهما ما دامت السماء سماءً والأرض أرضًا، فحسن التوحيد وقبح الشرك حقيقة ثابتة راسخة، ولو لم ترسل الرسل وتنزل الكتب، فالعقل قاطع بوجوب عبادة الفاطر الخالق، المربي المنعم، المالك لجلب النفع، ولدفع الضر، وكذا يقطع بحرمة عبادة كل مخلوق مربوب محدث والشرك معه.\nوقد هيأ الله العقول للقيام بالبراهين الباهرة والحجج الدامغة والأدلة الدالة على تلك الحقيقة التي كانت سببًا لانبثاق كافة الحقائق؛ وبهذا كانت الفطر والعقول من أقوى مستندات النبيين والمرسلين على الملحدين والمشركين، وبذلك أصبح العقل حجة مستقلة في بطلان الشرك، ولو لم يرد بحرمته شرع، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم في هذا الصدد: (وهذا - أي فطر الذرية على التوحيد - يقتضي أن نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا).","vol":"2","page":1417},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الثالث الاستدلال بالأدلة العقلية القرآنية على قبح الشرك وبطلانه</span>\nوالكلام على هذا المبحث سيكون في مطلبين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>المطلب الأول: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالله الدالة على قبح الشرك بالله ﷿ وبطلانه</span>\nلقد ذكر الله ﷿ أدلة متنوعة عقلية على قبح الشرك وبطلانه في كتابه العزيز، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.\nأ- دليل الخلق والملك:\nوفيه نقطتان:\nالأول: خلق جميع المخلوقات وملكها.\nالثاني: خلق الإنسان.\nفهذان الدليلان ذكرهما الله ﷿ للاستدلال على أن من يخلق ومن لا يخلق لا يكون سواسية في نظرا لعقلاء، فإذا لم يكونوا سواسية فلابد ألا يسوى ولا يشرك بينهما.\nأما الأول: فهو خلق جميع المخلوقات ومالكها.\nقال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، وقال تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ","vol":"2","page":1418},{"text":"وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).\nوقال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ). وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).\nوقال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ)، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)، وقال تعالى: (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا).\nوقال تعالى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)، وقال","vol":"2","page":1419},{"text":"تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)، وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، وقال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ).\nهذا الدليل الذي ذكر في هذه الآيات يسمى دليل الخلق والملك، وقد جمعت بين كلمتي الخلق والملك؛ لأن الملك لازم للخلق والإيجاد، وكثيرًا ما يرد في آيات القرآن الإشارة إلى أن الله هو الخالق المالك بنفس الآية.\nوهذا الدليل مفاده أن كل شيء مخلوق مملوك له، وهذه الأصنام لم تخلق شيئًا ولا تملكه، فلا تصح إذن عبادتها من دون الله؛ لأن الخالق المالك هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، إن آلهتكم أيها المشركون لم تخلق شيئًا ولا تملك ذرة في السموات والأرض ولا قشرة نواة، وليس لكم حجة على عبادتها، فاعبدوا الخالق المالك لا المخلوق المملوك إن كانت لكم عقول تعقلون بها.\nأما الثاني: فهو دليل خلق الإنسان:\nقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا","vol":"2","page":1420},{"text":"الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)، وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، وقال تعالى: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)، وقال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ)، وقال تعالى: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، وقال تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ)، وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ).\nقال الطبري: (قد بينا الحجج وميزنا الأدلة والأعلام وأحكمناها لقوم يفقهون مواقع الحجج ومواضع العبر، ويفهمون الآيات والذكر، فإنهم إذا اعتبروا بما نبهتهم عليه من إنشائي من نفس واحدة ما عينوا من البشر، وخلقي","vol":"2","page":1421},{"text":"ما خلقت منها من عجائب الألوان والصور، علموا أن ذلك من فعل من ليس له مثل ولا شريك فيشركوه في عبادتهم إياه).\nوالآيات المنبهة لخلق الإنسان نفسه كثيرة، كقوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)، وقوله تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وقوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ)؛ لأن أقرب شيء إلى الإنسان نفسه، ولو فكر الكافر بأحوال نفسه وعجائبها وتنقله في بطن أمه أطوارًا وخروجه من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وأكله وشربه ونموه وحركات مفاصله لأوقعه ذلك على عظيم خطئه وشركه بعبادته غير الله تعالى.\nوقد وردت مسألة خلق الإنسان بدليل آخر يأخذ بالألباب في قوله تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ)؛ لأن البشر لم يخرجوا عن أحد احتمالات ثلاثة:\nأ- إما أن يكونوا مخلوقين من غير خالق؛ أي وجدوا بطريق الصدفة.\nب- وإما أن يكونوا خلقوا السموات والأرض وخلقوا أنفسهم.\nجـ - وإما أن يكونوا مخلوقين لخالق واحد.\nوالاحتمال الأول: وهو كونهم غير مخلوقين لخالق احتمال باطل؛ لبطلان أن يكون الخلق جاء بطريق الصدفة، لارتباط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها واستحالة صدور أثر بلا مؤثر وفعل بلا فاعل وخلق بلا","vol":"2","page":1422},{"text":"خالق وتنظيم بلا منظم.\nوالصدفة لا ينبثق عنها هذا التركيب العجيب في جسم الإنسان ولا هذا التأليف العجيب بين الذكر والأنثى لاستمرار النوع الإنسان كما سبق بيانه.\nوأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكونوا خلقوا أنفسهم، فهو أشد بطلانًا - كما مرمعنا في بطلان شبهة أن تكون الطبيعة هي الخالقة ـ؛ لأن معنى ذلك أن كل شيء خلق نفسه وهذا مستحيل لأنه يوجب اجتماع الضدين، بنفس الوقت: الوجود والعدم، فيكونوا موجودين معدومين خالقين مخلوقين، وهم لم يزعموا قط أنهم خلقوا أنفسهم، فعجزهم عن خلق السموات والأرض أظهر وأبين، لقوله تعالى: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ).\nوقد نبّه ﷾ المشركين على حقيقة وهي: أنهم لم يخلقوا أنفسهم بقوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ). فلم يجيبوا بنعم لعلمهم وعجزهم وقصورهم التام عن ذلك، ولتمنيهم أن تكون النطفة ذكرًا فلا يأتي، وكراهتهم الأنثى فتأتي بغير إرادتهم.\nوعلى التقرير السابق فلم يبق إلا الاحتمال السابق وهو كونهم مخلوقين لخالق واحد هو الله رب العالمين، فيجب إذن إفراده بالألوهية وإخلاص العبادة له، ولذلك يقول في نهاية آيات سورة الطور: (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، فهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام من دون الله وهو خالقهم، بعد أن بين لهم بطلان كل احتمال يرد على الخاطر،","vol":"2","page":1423},{"text":"ولم يبق إلا أنهم مخلوقون لخالق واحد متفرد بالألوهية، لذلك نزّه سبحانه نفسه عما يفترون ويشركون معه في العبادة آلهتهم، فقال: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ).\nوقد روى ابن كثير قصة جبير بن مطعم عندما قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسرى، وكان إذ ذاك مشركًا، فسمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبه أن يطير كما يروي عن نفسه، فكان سماعه لهذه الآيات من جملة ما حمله على الدخول في الإسلام ونبذ الشرك والأوثان.\nوقد تكلم ابن القيم كلامًا موسعًا عن خلق الإنسان وعجائبه ودلالة ذلك على وحدانية الله، وقبح الشرك عقلًا، تركنا ذكره اختصارًا.\nب- دليل عدم فساد الكون:\nينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك بانتظام أمر الكون بما فيه؛ لأنه لو كان يحكم هذا الكون أكثر من إله لم ينتظم أمره ولدخله الفساد والخلل، يقول تعالى مبينًا هذه الحقيقة: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)، ويقول تعالى: (وَمَا","vol":"2","page":1424},{"text":"كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ).\nوقد تكلم ابن القيم ﵀ على الآيتين السابقتين مبينًا قطعيتهما على الدلالة على وحدانية الإله المعبود وقبح الشرك به سبحانه، ويقول في نهاية كلامه: (وإنه لوكان في السموات والأرض إله غير الله لفسد أمرهما واختل نظامها وتعطلت مصالحهما ... فهذان برهانان يعجز الأولون والآخرون أن يقدحوا فيهما بقدح صحيح أو يأتوا بأحسن منهما، ولا يعترض عليهما إلا من لم يفهم المراد منهم).\nجـ - دليل الرزق:\nينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أن أصنامهم لا يملكون الرزق حتى باعترافهم، ومن كان لا يملك الرزق لعابديه يقبح عبادته عقلًا. فقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا","vol":"2","page":1425},{"text":"مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).\nإن مسألة الرزق من خصائص الربوبية، والمشركون كلهم معترفون بأن الرازق هو الله، وأن أصنامهم لا تملك رزقًا، واعترافهم بتفرد الله بالرزق يوجب عليهم إفراده بالألوهية والعبادة وعدم الشرك به سبحانه.\nد- دليل النوائب:\nينبه الله في القرآن الكريم على أن من الدلائل العقلية على قبح الشرك أنهم لا يدعون غير الله من الأصنام والأوثان في البلاء والكرب والمصائب بل يخلصون لله بالدعاء والاستغاثة، فلو كان عندهم عقل صريح لعرفوا أن من لا قدرة له على إنقاذه من الشر لا يكون إلهًا، بل الإله هو الذي يكون قادرًا على دفع الضر والشرور عن المألوه، ولا يملك هذا إلا الله سبحانه ﷿ حتى باعترافهم - فكان مقتضى العقل الصحيح ألا يشرك به شيئًا.\nقال تعالى في بيان هذه الحقيقة: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ)، وقال: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ","vol":"2","page":1426},{"text":"وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ....)، وقال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ).\nفانظر هذا البيان الإلهي لسفه عقول المشركين، حيث إنهم يلتجئون إلى الله الواحد عند كل كرب في البحر والبر لتيقنهم أن أصنامهم لا تملك دفع المكروه عنهم وأن الله وحده هو الكاشف للبلاء، ثم يصرون على عبادتها وإشراكها مع الله في الألوهية.\nوالعقل السليم لا يرضى بالتجاء صاحبه إلى إله في الشدة وإله آخر في الرخاء؛ لأن الإله المنجي من الكربات حقيق أن يكون إلهًا معبودًا وحده هو في الرخاء، كما في قصة إسلام حصين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (ولهذا قال النبي ﷺ لأبي عمران بن حصين: «كم تعبد اليوم إلهًا» قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك، قال: الذي في السماء».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>المطلب الثاني: الأدلة العقلية القرآنية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك بالله ﷿، وبطلانه</span>\nلقد نوّع الله ذكر الآيات العقلية المتعلقة بالأصنام الدالة على قبح الشرك","vol":"2","page":1427},{"text":"وبطلانه، وفيما يلي بعض هذه الأدلة على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر:\n١ - دليل النقص:\nوبيان هذا الدليل أن هذه الأصنام التي يعبدونها أنقص من عابديها، ويتضح ذلك بثلاث نقاط:\nأ- أن هذه الأصنام ميتة لا حياة فيها، وأما عبادها فهم أحياء.\nب- أن هذه الأصنام لا تنطق، وأما عبادها فينطقون.\nجـ - أن هذه الأصنام ليس لها أرجل، وأيد، وسمع، وبصر، وعبادها لها ذلك.\nوفيما يلي تفصيل ذلك:\nأ- فقد الأصنام الحياة:\nقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ).\nأخبر تعالى في هذه الآيات أن من صفات آلهة المشركين كونها مخلوقة لا تخلق شيئًا - وهذا ما أشار إليه إبراهيم ﵇ بقوله: (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) - ثم هي ميتة لا أرواح فيها، بل هي جمادات لا تعقل، وما تدري متى تكون الساعة، فكيف يرتجى عندها ثواب وجزاء؟ .\nب- فقد الأصنام النطق:\nقال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ","vol":"2","page":1428},{"text":"يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ)، وقال تعالى: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا).\nذمّ الله تعالى بني إسرائيل في هاتين الآيتين على عبادتهم عجلًا من ذهب زاعمين أنه إلههم، فاحتج عليهم ﷾ بأنه لا يتكلم ولا يملك أن يهديهم طريق الخير لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وهذه صفات نقص يستحيل أن يتصف الإله بها، فلو كانت لهم عقول لفكروا بها وعرفوا أن هذا العجل لا يستحق العبادة، وهم أنفسهم أكمل من هذا العجل؛ لأنهم يتكلمون ويعبرون عما يريدون، وأما عجلهم فليس له إلا الخوار، ولكن جهلهم وضلالهم عطى على بصائرهم.\nيقول الطبري: (يخبر - جل ذكره - أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل؛ وذلك أن الرب ﷻ الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوزأن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير).\nجـ - فقد الأصنام السمع والبصر والأطراف:\nقال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ","vol":"2","page":1429},{"text":"ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ).\nففي هذه الآيات يتضح إنكار الله على المشركين الذين عبدوا معه الأنداد والأوثان التي هل مخلوقة مربوبة لا تملك من الأمر شيئًا ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ولا تنتصر لعابديها لأنها جماد، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: (سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ)، فهي لا تسمع الدعاء، وسواء لديها من دعاها وغيره من عبادها؛ لأنها مخلوقات مثلهم، بل هي لا تفعل ما يفعله عبادها من الحركة والبطش والسمع والبصر، فهي في غاية المهانة والحقارة. فلا يليق بالعاقل أبدًا أن يعبد إلهًا دونه، وأقل منه، والعابد هو أكمل من معبوده وأقوى بروحه التي بها حياته، وبحواسه التي بها يصرف أموره، وبنطقه الذي به يفهم عن الناس ويفهمون به عنه.\n٢ - دليل العجز:\nوفيه نقطتان:\nأ- عجز الأصنام في الدنيا.\nب- عجز الأصنام في الآخرة.\nأ- عجز الأصنام في الدنيا:\nقال تعالى: (يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)، وقال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ","vol":"2","page":1430},{"text":"كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا)، وقال تعالى: (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ)، وقال تعالى: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).\nفي هذه الآيات يذم الله تعالى عبدة الأوثان؛ لأن هذه الأوثان لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًا عن نفسها ولا عن عابديها، ويأمر نبيه ﷺ أن يجابههم سائلًا إياهم عن آلهتهم لتقريرهم بأنها لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا تملك كذلك حماية عبادها من الله إن أرادهم بمكروه، فالحافظ الوحيد لخلقه ليلًا، ونهارًا هو الله، فكيف آثرتم الإشراك على التوحيد بإيثاركم الأصنام على الخالق الرازق المحيي المميت رب السموات والأرض؟ فما أبين ضلالكم وبعدكم عن الحق.\nب- عجز الأصنام في الآخرة:\nيقول تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، وقال تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ).","vol":"2","page":1431},{"text":"إن الأصنام عاجزة عن نفع عابديها في الآخرة، فلن يجدوا يوم القيامة ما كانوا يتمنون من شفاعتها لهم، ولكن يجدوا منها العداء والتبرؤ، ويأمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يتهكم بهم وبما ادعوه من شفاعتها لهم لأن ذلك محال غير واقع؛ إذ كيف يزعمون شفاعتها والله يخبر أنها لا تشفع؟ يقول تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)، والمعنى: (أتنبؤون الله بشفعاء لا يعلمهم في السماء والأرض وهو العالم بما فيهما المحيط علمه بكل شيء؟ إن عليكم إخلاص العبادة لله وحده وإفراده بالألوهية؛ لأنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه تعالى، وهذا وارد في قوله تعالى: (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فبهذا الاستثناء نفى سبحانه الشفاعة عن الأصنام وأثبتها لمن عبد من دون الله من الموحدين كالمسيح وعزير والملائكة، إذا أراد الله ذلك، لأنهم ممن شهد بالحق ووحدانية الله تعالى).\nوبما أن الأصنام لا تملك الشفاعة في الآخرة، فموقفها من عبادها سيكون موقف التبرؤ والعداء والتنكر لعبادتهم إياها، يقول تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا).","vol":"2","page":1432},{"text":"ويقول تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ)، وقال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ)، وقال تعالى: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ).\nهكذا يتبرأ المعبودون من عبدتهم يوم القيامة قائلين: يا ربنا، ما أمرناهم بعبادتنا ونتبرأ إليك من عبادتهم لنا، فكلنا عبيدك ولا نتخذ وليًا من دونك.\nفإذا كانت هذه المعبودات الباطلةكلها تتبرأ من عابديهم ولا تجلب لهم نفعًا ولا تدفع عنهم ضرًا، فمن كان عنده مسكة من العقل هل يشرك بهم من يملك النفع والضر؟ .\nهذا بالنسبة للأصنام والأوثان والملائكة والجان الذين ما أمروا عابديهم بعبادتهم، وأما الذي أمر الناس بعبادته بطاعته، فلننظر إلى حاله مع عابديه يوم القيامة؛ حيث ذكر الله هذه الصورة في سورة الرعد بقوله: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).","vol":"2","page":1433},{"text":"يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية: (يخبر تعالى عما خطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات؛ وأسكن الكافرين الدركات: فقام فيها إبليس - لعنه الله - يومئذ خطيبًا ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم وغبنًا إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ) أي على ألسنة رسله ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، ثم قال: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ) أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به (إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي) بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه (فَلَا تَلُومُونِي) اليوم (وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ) فإن الذنب لكم أنكم خالفتم الحجج وابتعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل (مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ) أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ) أي بنافعيّ بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ).\nقال قتادة: أي بسبب ما أشركتمون من قبل؛ وقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن أكون شريكًا لله ﷿، وهذا الذي قاله هو الراجح ... وقوله: (إِنَّ الظَّالِمِينَ) أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل لهم عذاب أليم.\nوالظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم وهذا لفظه وابن جرير ... عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم ففرغ من القضاء قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم وذكر نوحًا، وإبراهيم،","vol":"2","page":1434},{"text":"وموسى، وعيسى فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه ... ثم يقول الكافرون هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا، فيأتون إبليس فيقولون ... قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم ... - ثم ذكر هذه الآية - (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ) الآية).\nهذا ما ذكره ابن كثير ولم يعقبه بشيء، فإن صحت الرواية تكون خطبته في المحشر وإلا تكون خطبته بعد دخولهم النار، وعلى كل: ثبت كونه يتبرأ من عابديه ومطيعه يوم القيامة.\nفهذا حال الشيطان مع عابديه ومطيعيه، وهو قد تبرأ من عابديه. فهل العاقل يعبده بعد أن يعرف حقيقة أمره ووبال طاعته؟\nسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.\n* * *","vol":"2","page":1435},{"text":"الخاتمة","vol":"2","page":1437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي تتم به الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمات، المؤيد بالمعجزات الباهرات، وعلى آله وصحبه أفضل البريات، وبعد:\nفحيث استكملت هذه الرسالة أبوابها وفصولها، ومباحثها، ومطالبها،\nوفروعها، عبر خطة علمية مرسومة ومنهج علمي مدروس، فإنه من المناسب أن أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها، على النحو التالي:\nأ- أن حقيقة التوحيد: إفراد الله تعالى بإثبات ذاته، وأسمائه، وصفاته، وإفراد الله تعالى بالعبادة، والألوهية.\n٢ - أن التوحيد له أجزاء ثلاثة: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الأسماء والصفات، وتوحيد في عبادته وألوهيته.\n٣ - أن لكل جزء من التوحيد ما يقابله مما يضاده.\n٤ - أن أصل شُبَه من حاد عن التوحيد هو عدم تصور التوحيد الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وطلب من عباده تحقيقه.\n٥ - أن الرب والإله كلمتان متغايرتان في اللغة، وفي مفهوم السلف، وفي لغة القرآن والسنة، وإن كان المقصود بهما واحد عند الجميع وهو الله سبحانه. ولكن بينهما فروق من حيث المعنى، ومن حيث اعتراف أغلب الناس بالأول دون الثاني، والخطأ في حقيقة التوحيد ناتج أيضًا من عدم تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئًا واحدًا.\n٦ - اْن الشرك هو الذي يقابل التوحيد من جميع النواحي.","vol":"2","page":1439},{"text":"٧ - أن حقيقة الشرك: إثبات الند لله تعالى سواء كان في ربوبيته أو كان في أسمائه، وصفاته، وأفعاله، أو كان في عبادته.\n٨ - أن الشرك في الربوبية له ناحيتان: الناحية الأولى: تعطيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ والناحية الثانية: تنديد وتمثيل ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ إما بإثبات ذات مماثل له سبحانه من مخلوقاته، أو أسماء مماثلة للآخرين، أو صفات مماثلة للمخلوقات، أو أفعال مماثلة للمخلوقات، وإما بتمثيل ذاته بذات المخلوقات، أو صفاته بصفات المخلوقات، أو أفعاله بأفعال المخلوقات.\n٩ - أن الشرك في الألوهية هو الشرك في العبادة.\n١٠ - أغلب الأخطاء في الشرك إنما هي ناتجة عن عدم تصور حقيقة العبادة.\n١١ - أن العبادة لها إطلاقان: الأول: باعتبار المصدر (التعبد، أو فعل العابد): وبهذا الإطلاق معناها: ما يجتمع فيه الذل والخضوع مع الحب.\nوالإطلاق الثاني: باعتبار الاسم (المتعبد به): وبهذا الإطلاق هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، كما قال به شيخ الإسلام.\n١٢ - أن العبادة بهذين الإطلاقين تشمل كيان الإنسان كله وجميع حياته أيضًا، فكل ما هو محبوب عند الله ﷿ من أعمال العباد، وقد عمل بالحب والخضوع والذل فهي عبادة، سواء فعله لله ﷿ أو فعله لغيره سبحانه.\n١٣ - إذا تصور أحدنا حقيقة العبادة يتصور حقيقة الشرك في العبادة بسهولة، ويعرف أبعادها، وأغوارها، ويعرف المبتلين بها في كل عصر","vol":"2","page":1440},{"text":"ومصر، وفي كل زمان ومكان.\n١٤ - أن الشرك باعتبار أحكامه ينقسم إلى قسمين: الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، فالأول مخرج من الملة، وأما الثاني: فلا يخرج عن الملة، ولكن هل هو تحت المشيئة أم لا؟ يبدو من كلام المحققين أنه تحت المشيئة. والمسألة خلافية، وترجح لدي أنه تحت المشيئة.\n١٥ - أن الأصل في بني آدم التوحيد دون الشرك، بل كل ما يخالفه من الأقوال هراء صرف، ولغو مثير لا ينظر ولا يعول إليه مطلقًا، يدل عليه القرآن، والسنة، والفطرة، والعقل الصحيح، والأدلة الكونية، والأدلة العلمية الحديثة، وغيرها.\n١٦ - أول شرك مطلقًا، هو شرك إبليس اللعين.\n١٧ - أول شرك في بني آدم هو شرك قوم نوح على القول الصحيح. وآدم ﵇ بريء من الشرك، وكل ما نسب إليه فهو غير صحيح.\n١٨ - أول شرك في بني آدم حصل بسب الغلو في الصالحين، وبعبادة الصور والتماثيل والقبور.\n١٩ - أول شرك كان في بني آدم كان في العبادة دون الربوبية.\n٢٠ - الشرك في الأمم السابقة في أغلب الأوقات كان في العبادة دون الربوبية.\n٢١ - وجد الشرك في الربوبية بالتعطيل في بعض الأمم السالفة، من أبرزها: شرك فرعون حيث قال بالتعطيل المطلق.\nوأما تعطيل الرب عن أوصافه، وصفاته، فقد وقع فيه قوم عاد لما قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾.","vol":"2","page":1441},{"text":"وهكذا يتضمنه شرك فرعون وشرك نمرود. ولكن الشرك بتعطيل الأفعال فحدِّث عنه ولا حرج، فقد وقع فيه جل الأمم السابقة بإنكار البعث، والرسل، والحشر، والنثر، والشرع، وغيرها.\nوأما تعطيل الصانع عما يجب على العبد من حقيقة توحيده، فقد وقع فيه فرعون على القول الصحيح، كما وقع فيه اليهود والنصارى.\n٢٢ - وجد في شذوذ من الناس في الأمم السابقة: الشرك في الربوبية بإثبات الأنداد في الذات والصفات.\nأما في الذات: فلعل من قال به أولًا هو نمرود بن كوش، وآخرهم فرعون ذي الأوتاد. وأما في أسماء الله ﷿: فلم أجد من وقع فيه غير اليهود، والنصارى. وأما في الصفات: فقد وقع فيه جملة من الأمم الذين رأوا التطير والسحر واعتراء آلهتهم على أحد بالسوء، فإن هذه كلها مما تضمنته صفة القدرة الكاملة لله سبحانه. وأشهر من صرح بالشرك في الصفات قوم عاد. ووقع فيه اليهود والنصارى من جهتين؛ من جهة إثبات صفات الباري للآخرين، ومن جهة إثبات صفات الخلق لله جل شأنه.\nوأما الشرك في الأفعال: فجلّ الأمم كان يشرك بالله في اتخاذ الشرائع -الذي هو محض حق الله جل وعلا وفعله- من الأصنام والصناديد، والملأ، والأحبار والرهبان في اليهود والنصارى. فهؤلاء كلهم وقعوا في الشرك في الربوبية في الأفعال بالأنداد.\n٢٣ - شرك العبادة في الأمم السابقة كان بالمعبودات الحسية غالبا، وذلك بالأصنام والأوثان، وربما كان بالأجرام السماوية، وربما كان بالأشياء الغير","vol":"2","page":1442},{"text":"وفيما يلي بيان ذلك:\nالشرك بعبادة الصور والصالحين: وكان هذا مبدأ الشرك في البشرية، وكان في قوم نوح. والشرك بالعطوف على القبور: وأيضًا كان في قوم نوح، كما كان هذا في قوم إلياس ﵉.\nوالشرك بعبادة الأصنام: فهذا أيضًا كان في قوم نوح ﵇، وقوم هود ﵇، وقوم صالح ﵇، ولدى بعض قوم إبراهيم ﵇، وفي قوم يوسف ﵇، وقوم شعيب ﵇، وقوم إلياس ﵇، وقوم موسى ﵇ بعد موته.\nوالشرك بعبادة الكواكب: كان في قوم إبراهيم ﵇. والشرك بعبادة الهوى، وكان ذلك قي قوم لوط ﵇، والشرك بعبادة الرؤساء والحيوانات: مثل ما وقع في قوم موسى ﵇ في حياته وبعد مماته، وما حكى الله ﷿ عن الملأ في جميع الأمم. والشرك بعبادة الأحبار والرهبان: ومظاهره في قوم موسى ﵇، وقوم عيسى ﵇، والشرك بعبادة الأنبياء والرسل: ومثال ذلك ما وقع في قوم موسى ﵇ بعبادة عزير، وفي قوم عيسى بعبادة المسيح ﵇.\n٢٤ - أما بالنسبة للشرك في العرب، فالصحيح الذي لا مرية فيه أن العرب كانوا على دين إبراهيم وإسماعيل ﵉. ثم حدث فيهم الشرك.\n٢٥ - إن أول شرك في العرب كان -على القول الصحيح- بيد عمرو بن لحي، وهو الذي سن عبادة الأصنام للعرب، ونصب الأوثان في أماكن كثيرة، وأمر الناس بعبادتها.\n٢٦ - وجد في العرب أنواع من الشرك في الربوبية والألوهية.","vol":"2","page":1443},{"text":"٢٧ - الشرك في الربوبية بالتعطيل المطلق كان في شذاذ من الناس في العرب. وهكذا الشرك في الأسماء والصفات كان في بعض الناس، وكان الغالب فيهم من أنواع شرك التعطيل شرك تعطيل الله عن أفعاله من الحشر والنشر، والبعث، والقضاء والقدر، والرسل، والشرع، وغيرها من أفعال الله الخالصة.\nولم يوجد على الصحيح شرك تعطيل الله عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.\n٢٨ - الشرك في الربوبية بالأنداد وجد في العرب بصفة عامة، أما الأنداد في الذات فإنه وإن لم يوجد من يثبت لله شريكا مساويًا له، إلا أنه وجد من أثبت آلهة متعددة.\nوأما الشرك في الأسماء والصفات، فقد وقع فيه كثير من العرب من ناحيتين: من ناحية إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله، ومن ناحية إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم لله سبحانه. أما في إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله، ففي الأسماء وجد من العرب من كان يسمي بالرحمن غير الله سبحانه.\nوأما في الصفات فحدِّث عنه ولا حرج، ففي العرب من كان يثبت صفة القدرة الكاملة والعلم المحيط لكل شيء لغير الله، ومن مظاهر ذلك التطير والسحر، والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، والتحكيم إلى الأصنام، والكهان، وأخذ التشريع من الرؤساء والصناديد والملأ، وغيرها، وأما في الأفعال، فقد كانت العرب تثبت حق التشريع للكهان والملأ، والصناديد، وغيرها.","vol":"2","page":1444},{"text":"٢٩ - الشرك في العبادة هو السمة الغالبة لدى العرب. فقد كانوا يشركون بالله في العبادة بعبادة أشياء حسية وأشياء غير حسية، أما الأشياء الحسية فمنها ما هي سماوية ومنها ما هو أرضية، ومن الأشياء الأرضية منها ما هو عاقل، ومنها ما هو غير عاقل. وأما الأشياء الغير الحسية فمن مظاهره في العرب عبادة الهوى، وأما بالنسبة لأنواع العبادات التي كانوا يوجهونها إلى معبوداتهم فقد كانوا يوجهون جميع أنواع العبادات سواء كانت من الأعمال القلبية أو كانت من الأقوال القلبية.\n٣٠ - أما الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر: فقد وجد في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ألوان من الشرك في الربوبية وفي الألوهية.\n٣١ - أما الشرك في الربوبية بالتعطيل: فقد وقع في التعطيل المطلق كثير من أبناء المسلمين باعتناق المبادئ الهدامة من الشيوعية والوجودية والداروينية والقومية والعلمانية.\nوأما في تعطيل الصفات: فقد وقع فيه كثير من الفرق من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة (الموجودين في العصر الحاضر)، وكثير من الشيعة والفرق الخارجة عن الإسلام من فرق الباطنية. وأما في تعطيل الأفعال: فقد وقع فيه جملة من الفرق كالباطنية بجميع فرقها ونحلها، والروحية الحديثة وبعض الصوفية وبعض العلمانيين.\nوأما الشرك بتعطيل الله عمّا يجب على العبد من حقيقة التوحيد: فقد وقع فيه كثير من المتصوفة ومن تأثر بهم من الجهلة والعوام.\n٣٢ - وأما الشرك في الربوبية بالأنداد: فقد وقع في الشرك في الربوبية بالأنداد في الذات كثير من الفرق الباطنية، وكثير من الشيعة الغلاة.","vol":"2","page":1445},{"text":"وأما في الأسماء: فلم أجد من تسمى باسم الإله إلا لدى بعض الباطنية. واْما في الصفات: فهذا الشرك هو الذي لا ساحل له في العصر الحاضر، فقد وقع فيه الشيعة عمومًا، ووقع فيه المتصوفة عمومًا، والجهلة من الناس، والمنادون بالعلمانية والقومية والوطنية والمتأثرين بهم.\nفمثلًا: الشرك في صفة القدرة الكاملة: وقع فيه الشيعة الإمامية بإثبات القدرة الكاملة لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة بإثبات جميع أنواع التصرفات العامة والخاصة لأوليائهم، والمتورطون بالسحر، والتطير، والاستسقاء بالأنواء، وغيرهم. وهكذا الشرك في صفة العلم المحيط وقع فيه الشيعة الإمامية عمومًا بإثبات علم الغيب لأئمتهم، ووقع فيه المتصوفة عمومًا بإثبات علم الغيب للأنبياء والأولياء ومشايخ التصوف، ووقع فيه أصحاب الروحية الحديثة، وغيرهم ممن تأثر بهم. والمتورطون بالتنجيم، والاستقسام بالأزلام (بصوره الجديدة) وغيرهم.\nوهكذا الشرك في صفة الحكم والتشريع لله جل شأنه، فقد وقع فيه الشيعة بإعطاء حق التشريع لأئمتهم، والمتصوفة بإعطاء حق التشريع لمشايخهم، وبعض الناس في العصر الحاضر بإعطاء حق التشريع والحكم للقوانين الوضعية، وللبرلمانات الفاجرة والكافرة، وبعض المقلدة لإمامه الذي يتبعه.\n٣٣ - أما الشرك في العبادة في هذه الأمة وفي العصر الحاضر فهذا بحر لا ساحل له، فقد وقع فيه الشيعة عمومًا، وأغلب الفرق المنحرفة عن الإسلام كالباطنية، ومن تأثر بهم، ووقع فيه كثير من الناس حتى بعض من يتزي بزي العلماء ويعتقد فيه الناس أنه من العلماء.\n٣٤ - فنجد الشرك في الأعمال القلبية الخالصة: فقد وقع فيه أكثر المتصوفة،","vol":"2","page":1446},{"text":"وبعض الجهلة من الناس، فكثير من الناس يحب غير الله مثل حب الله (حب العبادة)، أو يحب غير الله مع حب الله، وكثير من الناس يرجو من دون الله، أو يرجو مع الله من غير الله، وكثير من الناس يخاف مع الله، أو يخاف غير الله (خوف السر). ويتوكل على غير الله.\nونرى كثيرًا من الناس يشرك بالله في طاعته العبودية بأخذ التشريع والحكم من غير الله سبحانه، سواء كان ذلك الغير إمامًا متبعًا أو شيخًا صوفيًا أو قانونًا من قوانين الفجرة والفسقة، أو كان برلمانًا من البرلمانات الديموقراطية الغربية.\n٣٥ - ونجد الشرك في الأعمال القلبية التي تتعلق بالجوارح قد وقع فيه كثير من المتصوفة والعوام من الناس، بل بعض من يعرفه الناس بأنه من العلماء، فقد وجد في الأمة في العصر الحاضر من يعبد القبر، ويسجد له، ويسجد للقائد، ويسجد وينحني للعَلَم والبرلمان، ويركع أمام الصور التذكارية، وغيرها، وهذا أمر يصعب حصره.\n* * *","vol":"2","page":1447},{"text":"الفهارس","vol":"2","page":1448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>فهرس المصادر والمراجع</span>\n١ - القرآن الكريم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة.\n٢ - الآجري، محمد بن حسين (٣٦٠ هـ): الشريعة، تحقيق: محمد حامد الفقي، ط/ دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٣ - آغاخان: مذكرات أغاخان، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٥٩ م.\n٤ - آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز: هذه مفاهيمنا، رد على كتاب (مفاهيم يجب أن تصحح) لمحمد علوي المالكي، مطابع شركة الصفحات الذهبيهَ المحدودة بالرياض، ١٤٠٧ هـ.\n٥ - آل الشيخ، عبد الرحمن بن حسن: التوحيد وطروء الشرك على المسلمين ضمن الجامع الفريد.\n٦ - آل الشيخ، عبد الرحمن بن حسن: رسالة في أنواع التوحيد وأنواع الشرك ضمن الجامع الفريد.\n٧ - آل الشيخ، عبد الرحمن بن حسن: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد بتخريج وتحقيق: أشرف بن عبد المقصود، مؤسسة قرطبة، طبع بمطبعة المدني، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٨ - آل الشيخ، عبد الرحمن بن حسن: قرة عيون الموحدين. ضمن الجامع الفريد.\n٩ - آل الشيخ، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: تحفة الطالب والجليس بتحقيق عبد السلام بن برجس، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٢ هـ.","vol":"2","page":1586},{"text":"١٠ - آل الشيخ، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام، الطبعة الثانية، دار الهداية، الرياض (وأحيانًا أرجع إلى الطبعة الأولى، مطبعة السنة المحمدية مصر، ١٣٦٥ هـ).\n١١ - آل الشيخ، محمد إبراهيم: تحكيم القوانين، دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ذو الحجة ١٤١١ هـ.\n١٢ - آل الشيخ، محمد بن إبراهيم: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، جمع: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ، مطبعة الحكومة، مكة المكرمة.\n١٣ - آل بوطامي، أحمد بن حجر، تطهير الجنان والأركان عن درن الشرك والكفران، مكتبة دار الحكمة، الكويت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ.\n١٤ - آل عبد اللطيف، عبد العزيز: نواقض الإيمان القولية والعملية، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n١٥ - آل مهدي، فالح بن مهدي: التحفة المهدية شرح التدمرية، مطبوعات مركز شئون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n١٦ - الآلوسي، محمود شكري (الجد، المعروف بـ أبي الثناء): روح المعاني في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان (د - ت).\n١٧ - الآلوسي، محمود شكري، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، دار الكتب العلمية، الطبعة الرابعة، ١٤٠٩ هـ.\n١٨ - الآلوسي، محمود شكري، غاية الأماني في الرد على النبهاني، مكتبة العلم بجدة، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n١٩ - الآلوسي، محمود شكري، فتح المنان. طبع الرئاسة العامة للبحوث والإفتاء =","vol":"2","page":1587},{"text":"والإرشاد والدعوة بالمملكة العربية السعودية.\n٢٠ - الآلوسي، نعمان، خير الدين: جلاء العينين في المحاكمة بين الأحمدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٢١ - الآمدي، سيف الدين (٦٣١ هـ): الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق: إبراهيم العجوز، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٥ هـ.\n٢٢ - الآمدي، غاية المرام في علم الكلام. تحقيق حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، مصر، ١٣٩١ هـ.\n٢٣ - أبحاث المؤتمر العالمي للدعوة وإعداد الدعاة. من مطبوعات مركز شئون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٢٤ - أبو السعود (٩٨٣ هـ): تفسير أبي السعود. (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم)، دار إحياء التراث العربي، بيروت. د. ت.\n٢٥ - أبو الشيخ: العظمة. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، تحقيق: محمد فارس، ١٤١٣ هـ.\n٢٦ - أبو بطين، عبد الله بن عبد الرحمن: مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الطبعة الأولى، ١٣٤٦ هـ، مطبعة المنار، مصر.\n٢٧ - أبو بكر الحنبلي، العقيدة في صفحات لمن أراد الجنات.\n٢٨ - أبو حنيفة: الفقه الأبسط. مطبعة الأنوار، القاهرة، ١٣٦٨ هـ، مع تعليقات الكوثري.\n٢٩ - أبو حيان الأندلسي (٧٥٤ هـ): البحر المحيط في التفسير، دار الفكر، بيروت، لبنان.","vol":"2","page":1588},{"text":"٣٠ - أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، الأزدي (٢٧٥ هـ): السنن، ١٤٠٨ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n٣١ - أبو شامة (٦٦٥ هـ)، عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة: الباعث على إنكار البدع والحوادث، تحقيق: مشهور حسن سلمان، الرياض، دار الراية، ١٤١٠ هـ.\n٣٢ - أبو شهبة: الإسرائيليات والموضوعات في التفسير.\n٣٣ - أبو طالب، محمد بن علي المكي: قوت القلوب في معاملة المحبوب، المطبعة المصرية، القاهرة، ١٩٣٢ هـ.\n٣٤ - أبو غدة، كلمات في كشف افتراءات وأباطيل، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، سوريا، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣٥ - أبو نعيم، أحمد بن عبد الله الأصفهاني (٤٣٠): حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٣٦ - أبو يعلى: مسند أبو يعلى، تحقيق. حسن سليم أسد، دار المأمون -بيروت- الطبعة الرابعة، ١٤٠٣ هـ.\n٣٧ - أحمد: الزهد، دار الدعوة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n٣٨ - أحمد. المسند بفهرس الشيخ الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٣ هـ، وفي بعض الأحيان أشير إلى الأجزاء المحققة لأحمد شاكر المطبوعة بدار المعارف بالرياض. وفي بعض الأحيان رجعت إلى التحقيق الذي أشرف عليه عبد الله بن عبد المحسن التركي، وقد وصل إلى النصف من الجزء الثاني.\n٣٩ - أحمد أمين (١٣٧٣ هـ): ظهر الإسلام، الطبعة الخامسة، دار الكتب العلمية،","vol":"2","page":1589},{"text":"بيروت، لبنان.\n٤٠ - أحمد أمين: فجر الإسلام دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الحادية عشرة، ١٩٧٩ هـ\n٤١ - أحمد الحمد: السحر بين الحقيقة والخيال، الطبعة الأولى ١٤٠٨ هـ مكتبة التراث، مكة المكرمة.\n٤٢ - أحمد الرومي: مجالس الأبرار، الطبعة الحجرية، الهندية. بدون تفصيل آخر يذكر.\n٤٣ - أحمد الفوزان، الدكتور: أضواء على العقيدة الدرزية، دار الوثائق، الكويت، الطبعة الثالثة، ١٤١٠ هـ.\n٤٤ - أحمد بن النضر: الدعائم، الطبعة الأولى، ١٣٨٦ هـ، ١٩٦٦ م، في عمان.\n٤٥ - أحمد بن حنبل: الرد على الجهمية والزنادقة، تحقيق: د/ عبد الرحمن عميرة، دار اللواء، الرياض د - ت.\n٤٦ - أحمد محمد الخطيب، الدكتور: الحركات الباطنية في العالم الإسلامي، عقائدها، وحكم الإسلام فيها، مكتبة الأقصى، الأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٤٧ - أحمد محمد شاكر (١٣٧٧ هـ): الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين في مصر، الطبعة الثالثة ١٤٠٧ هـ، دار الكتب السلفية، القاهرة.\n٤٨ - أحمد محمد شاكر: عمدة التفسير عن الحافظ ابن كثير، اختصار وتحقيق:\n٤٩ - الأحمدي عبد الإله سليمان: الرسائل والمسائل المروية عن الإمام أحمد، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٢ هـ.\n٥٠ - أربع رسائل إسماعيلية تحقيق: عارف تامر، دار الكشاف للنشر، بيروت،","vol":"2","page":1590},{"text":"الطبعة الأولى، ١٩٥٣ هـ.\n٥١ - أرشد القادري: الزلزلة، مكتبة مطهر فيض رضا بلائل بور، (فيصل آباد) بباكستان ١٩٨٥ م.\n٥٢ - الأرناؤوط، شعيب، تخريج مسند أبي بكر الصديق. للمروزي، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ١٤١٠ هـ.\n٥٣ - الأزرقي، أبو الوليد محمد بن عبد الله: أخبار مكة، دار الأندلس، ت: رشدي الصالح ملحس مكتبة الثقافة، الطبعة الخامسة، ١٤٠٨ هـ.\n٥٤ - الأزهري (٣٧٠ هـ): تهذيب اللغة، تحقيق عدة من المحققين، طبع مطابع سجل العرب بالقاهرة، وقد طبع المجلد الأول منه في دار القومية العربية للطباعة.\n٥٥ - الأشعري (٣٣٠ هـ، وقيل: ٣٢٤ هـ): مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، الطبعة الثانية، ١٣٨٩ هـ، بدون ذكر المطبعة.\n٥٦ - الأشعري، أبو الحسن الأشعري. رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب، تحقيق ودراسة: عبد الله شاكر محمد الجنيدي، من مطبوعات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤١٣ هـ.\n٥٧ - الأشقر، عمر سليمان: عالم السحر والشعوذة. دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الرابعة، ١٩٩٤ م.\n٥٨ - الأشقر، عمر سليمان: أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة، دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، ١٩٩٤ م.\n٥٩ - الأشقر، عمر سليمان: الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية، دار الدعوة، الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":1591},{"text":"٦٠ - الأشقر، عمر سليمان: العقيدة في الله. دار النفائس للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الثالثة، ١٤١٤ هـ.\n٦١ - الأشقر، عمر سليمان: مقاصد المكلفين. دار النفائس، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، ١٩٩٦ م.\n٦٢ - الأصفهاني، أبو الفرج (٣٥٦ هـ): االأغاني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٣ - الأعظمي، ضياء الرحمن: اليهودية والمسيحية، المدينة النبوية، مكتبة الدار، ١٤٠٩\n٦٤ - أفندي محمد أبي الهدى: قلادة الجواهر في ذكر. . . الرفاعي وأتباعه الأكابر، بيروت، لبنان، ١٤٠٠ هـ.\n٦٥ - الألباني: أحكام الجنائز: مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة ١٤١٢ هـ.\n٦٦ - الألباني: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، بإشراف: زهير الشاويش، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، المكتب الإسلامي بيروت، ودمشق.\n٦٧ - الألباني: تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، ١٤١٣ هـ.\n٦٨ - الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة، مكتبة المعارف بالرياض، الطبعة الجديدة، ١٤١٥ هـ.\n٦٩ - الألباني: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة ١٤١٢ هـ.\n٧٠ - الألباني: صحيح الترغيب والترهيب، مكتبة المعارف، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤٠٩ هـ.","vol":"2","page":1592},{"text":"٧١ - الألباني: صحيح الجامع الصغير: الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٧٢ - الألباني: ضعيف الترمذي، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، عمان ودمشق.\n٧٣ - الألباني: ضعيف الجامع الصغير، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق.\n٧٤ - الألباني: غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام للقرضاوي. المكتب الإسلامي، دمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n٧٥ - الألباني، محمد ناصر الدين: فتنة التكفير، تحقيق. أبو لوز، أبو أنس علي بن حسين، دار الوطن للنشر، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٧٦ - الألباني، محمد ناصر الدين: التوسل أنواعه وأحكامه، ألفها ونسقها: محمد عيد العباسي، المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤١٠ هـ.\n٧٧ - أنور الجندي: أخطاء المنهج الغربي الوافد في العقائد والتاريخ والحضارة واللغة والأدب والاجتماع. دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٧٤ م.\n٧٨ - أنور الجندي: الإسلام والفلسفات القديمة، طبعة دار الاعتصام، بدون ذكر تاريخ الطبع.\n٧٩ - أنور الجندي: المؤامرة على الإسلام، دار الاعتصام، بدون تفصيل آخر يذكر.\n٨٠ - أنور ياسين: السلوك الدرزي، دار لأجل المعرفة، ديار عقل، لبنان سنة، ١٩٨٦ هـ.\n٨١ - أورانج كاي رحمات داتوا: التفكير الديني في العالم قبل الإسلام، ترجمة: د/ رؤوف شلبي، دار الثقافة، الدوحة، قطر.","vol":"2","page":1593},{"text":"٨٢ - إخوان الصفا: رسائل إخوان الصفا خلان الوفا، تحقيق: خير الدين الزركلي، المكتبة التجارية بمصر، ١٩٢٨ م.\n٨٣ - إسماعيل بن إبراهيم الخطيب الأسعردي، تحذير أهل الإيمان عن الحكم بغير ما أنزل الرحمن، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، الناشر: المكتبة المنيرية.\n٨٤ - الإيجي، المواقف في علم الكلام، عالم الكتب، بيروت. دون ذكر شيء آخر يذكر.\n٨٥ - ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم، ٢٨٦ هـ: غريب القرآن، تحقيق: أحمد صقر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٣٩٨ هـ،\n٨٦ - ابن أبي العز: شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق: عبد الله عبد المحسن التركي وشعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٨٧ - ابن أبي حاتم، تفسير ابن أبي حاتم. تحقيق: الشيخ الدكتور/ أحمد عبد الله الزهراني، رسالة علمية، طبع مكتبة الدار بالمدينة المنورة، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٨٨ - ابن أبي شريف، المسامرة شرح المسايرة، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، طبعة مطبعة السعادة، القاهرة، مصر د - ت.\n٨٩ - ابن أبي شيبة: المصنف، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتبة الإمدادية، مكة المكرمة، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٩٠ - ابن أبي عاصم: السنة، بتحقيق الشيخ الألباني، الطبعة الثالثة، ١٤١٣ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n٩١ - ابن أبي عاصم أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني (٢٨٧ هـ): الأوائل. تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، نشر دار الخلفاء للكتاب","vol":"2","page":1594},{"text":"الإسلامي، الكويت. بدون تفصيل آخر.\n٩٢ - ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، دار المعرفة، بيروت، لبنان. د - ت.\n٩٣ - ابن الأثير، المبارك بن محمد، ٦٠٦ هـ: النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمرد محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، لفيصل عيسى البابي الحلبي، دون ذكر تاريخ الطبع.\n٩٤ - ابن الأثير: جامع الأصول، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، دار الفكر العربي، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ.\n٩٥ - ابن الأثير، أبو الحسن، علي بن محمد الشيباني: الكامل في التاريخ، دار الطباعة المنيرية، بمصر.\n٩٦ - ابن البنا، الحسن بن محمد: المختار في اْصول السنة، تحقيق: د/ عبد الرزاق العباد، نشر مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٩٧ - ابن الجوزي: الوفا بسيرة المصطفى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.\n٩٨ - ابن الجوزي: تلبيس إبليس، مكتبة المدني، جدة، السعودية، ١٤٠٣ هـ.\n٩٩ - ابن الجوزي: مناقب الإمام أحمد، طبعة مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n١٠٠ - ابن الجوزي: أخبار القرامطة، تحقيق: سهيل زكار، نشر وتوزيع: دار إحسان للطباعة والنشر، بدون ذكر تفصيل آخر.\n١٠١ - ابن الحاج المالكي محمد بن محمد بن محمد العبدري المغربي، الفاسي، (٧٣٧ هـ): المدخل، طبعة دار الفكر، بيروت، د - ت.","vol":"2","page":1595},{"text":"١٠٢ - ابن السبكي (٧٧١ هـ): جمع الجوامع، المطبوع مع حاشية البناني على شرح المحلى على جمع الجوامع، ط ١٣٥٦ هـ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.\n١٠٣ - ابن السني، عمل اليوم والليلة، تحقيق: بشير محمد عيون، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، د - ت.\n١٠٤ - ابن العبري: تاريخ مختصر الدول. دار السيرة، بيروت، د - ت.\n١٠٥ - ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله (٥٤٣ هـ): أحكام القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د - ت.\n١٠٦ - ابن العماد، أبو الفلاح عبد الحي بن العماد (١٠٨٩ هـ): شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٠٧ - ابن الفارض (٦٣٢ هـ)، أبو حفص عمر: القصيدة الكبرى التائية، بيروت، دار الصادر، ١٩٦٢، تحقيق: أكرم البستاني ضمن ديوان ابن الفارض.\n١٠٨ - ابن القيم: أحكام أهل الذمة، تحقيق. د/ صبحي الصالح، دار القلم، بيروت، لبنان، ١٤٠١ هـ.\n١٠٩ - ابن القيم: إعلام الموقعين عن رب العالمين، مراجعة: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، لبنان. د - ت.\n١١٠ - ابن القيم: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، تحقيق - بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الرياض.\n١١١ - ابن القيم: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية، المكتبة السلفية، لصاحبها محمد عبد المحسن الكتبي، المدينة المنورة، باب الرحمة. بدون تفصيل آخر.","vol":"2","page":1596},{"text":"١١٢ - ابن القيم. التبيان في أقسام القرآن، تعليق: حامد فقي -﵀- دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، بدون ذكر شيء آخر.\n١١٣ - ابن القيم: الروح، تحقيق ودراسة: الدكتور/ بسام علي سلامة العموش، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، مكتبة المنار للطباعة والنشر، الزرقاء، الأردن.\n١١٤ - ابن القيم: الصواعق المرسلة، بتحقيق الشيخ علي بن محمد. . .، طبعة دار العاصمة بالرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ. وإذا استخدمت طبعة أخرى صرحت في محله.\n١١٥ - ابن القيم: الفوائد، طبع المكتبة القيمة، بمصر، ١٤٠٠ هـ.\n١١٦ - ابن القيم: الكافية الشافية المعروف بالنونية. مع شرح الهراس، طبع دار الفاروق الحديثة بمصر، د - ت.\n١١٧ - ابن القيم: الوابل الصيب من الكلم الطيب، نشر قصي محي الدين الخطيب، الطبعة السادسة، ١٤٠١ هـ، المطبعة السلفية ومكتبتها، شارع الفتح، القاهرة.\n١١٨ - ابن القيم: بدائع التفسير، جمع يسري السيد محمد، الطبعة الأولى، دار ابن الجوزي، ١٤١٤ هـ.\n١١٩ - ابن القيم: بدائع الفوائد، مكتبة القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية، الطبعة الثانية، ١٣٩٢ هـ، بمراجعة/ محمود غانم غيث.\n١٢٠ - ابن القيم: تحفة المودود بآحكام المولود، تحقيق وتخريج: بشير محمد عيون، مكتبة المؤيد، الرياض، الطبعة الرابعة، ١٤١٤ هـ.\n١٢١ - ابن القيم: جلاء الأفهام. المطبعة المنيرية، ١٣٥٧ هـ.\n١٢٢ - ابن القيم: روضة المحبين ونزهة المشتاقين، تحقيق: الدكتور/ السيد","vol":"2","page":1597},{"text":"الجميلي، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٢٣ - ابن القيم: زاد المعاد في هدي خير العباد، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، الطبعة الخامسة عشرة، ١٤٠٧ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n١٢٤ - ابن القيم: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحرير: الحساني، حسن عبد الله، مكتبة دار التراث، شارع الجمهورية، القاهرة.\n١٢٥ - ابن القيم: مدارج السالكين في بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤١٢ هـ.\n١٢٦ - ابن القيم: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية الحلم والإرادة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. وكذلك مع تحقيق: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الأثري، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ، دار ابن عفان، الخبر، المملكة العربية السعودية.\n١٢٧ - ابن القيم: هداية الحيارى، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت.\n١٢٨ - ابن القيم: التفسير القيم.\n١٢٩ - ابن القيم: طريق الهجرتين وباب السعادتين، تحقيق: بشير محمد عيون، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، مكتبة المؤيد، الرياض.\n١٣٠ - ابن القيم، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الدمشقي (٧٥١ هـ): الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، طبعة عام ١٤١٤ هـ، ت: مصطفى بن أبي النصر الشلبي، مكتبة السوادي للتوزيع، جدة.\n١٣١ - ابن الكلبي أبو المنذر هشام بن السائب: كتاب الأصنام، الدار القومية،","vol":"2","page":1598},{"text":"القاهرة، ١٩٦٤ م.\n١٣٢ - ابن المنذر، الإجماع.\n١٣٣ - ابن النديم، محمد بن إسحاق: الفهرست، دار المعرفة، بيروت.\n١٣٤ - ابن الهمام، المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة مع المسامرة، لابن أبي شريف، طبعة مطبعة السعادة، ومع شرح محي الدين عبد الحميد، طبعة المحمودية، بالقاهرة.\n١٣٥ - ابن باز، عبد العزيز بن عبد اللَه: تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه، المطبوع مع تحكيم القوانين، انظر (تحكيم القوانين).\n١٣٦ - ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله: مجموع فتاوى.\n١٣٧ - ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله: نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع، منشورات المكتب الإسلامي، ١٣٨٤ هـ.\n١٣٨ - ابن بشر: عنوان المجد في تاريخ نجد، المطبعة السلفية، بمكة المكرمة، ١٣٤٩ هـ.\n١٣٩ - ابن بطة: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة.\n١٤٠ - ابن تغري بردي، جمال الدين أبو المحاسن يوسف (٨٧٤ هـ): النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتاب، تحت إشراف وزارة الثقافة والإرشاد القومي، المؤسسة العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.\n١٤١ - ابن تيمية: الاحتجاج بالقدر. طبعة المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة، ١٤٠٤ هـ.\n١٤٢ - ابن تيمية: الاستقامة، تحقيق: الدكتور/ محمد رشاد سالم، نشر وتوزيع:","vol":"2","page":1599},{"text":"مؤسسة قرطبة، شارع الخليفة، الهرم، مصر، الطبعة الثانية، د - ت.\n١٤٣ - ابن تيمية: التدمرية. تحقيق: محمد بن عودة السعوي، نشر شركة العبيكان، الرياض. السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١٤٤ - ابن تيمية: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، مطابع المجد، بدون تفصيل آخر.\n١٤٥ - ابن تيمية: الحسنة والسيئة. طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.\n١٤٦ - ابن تيمية: الرد على المنطقيين، الطبعة الرابعة، ١٤٠٢ هـ، نشر إدارة ترجمان السنة، شادمان، لاهور، المكتبة الإمدادية، مكة المكرمة.\n١٤٧ - ابن تيمية: الرسالة الأكملية فيما يجب لله من صفات الكمال. تحقيق: أحمد حمدي إمام، طبعة مطبعة المدني، القاهرة، مصر، ١٤٠٣ هـ.\n١٤٨ - ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ١٤١١ هـ، المكتبة العصرية للطباعة والنشر. بيروت، لبنان.\n١٤٩ - ابن تيمية: الصفدية، تحقيق: د/ محمد رشاد سالم، طبعة مكتبة ابن تيمية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n١٥٠ - ابن تيمية: العبودية. تحقيق: الأستاذ عبد الرحمن الألباني، الطبعة الثالثة، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان ١٣٩٧ هـ.\n١٥١ - ابن تيمية: الفتاوى الحموية الكبرى. تقديم، محمد عبد الرزاق حمزة، طبعة مطبعة المدني، القاهرة، مصر، ١٤٠٣ هـ.\n١٥٢ - ابن تيمية: الفتاوى المصرية الكبرى، (الفتاوى الكبرى)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ومصطفى عبد القادر عطا، طبعة دار الكتب العلمية،","vol":"2","page":1600},{"text":"بيروت، لبنان.\n١٥٣ - ابن تيمية. الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٢ هـ. (طبعة جديدة).\n١٥٤ - ابن تيمية: الفرقان بين الحق والباطل، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، نشر مكتبة البيان، بيروت، دمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٥ - ابن تيمية: النبوات، تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، الطبعة الأولى، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٦ - ابن تيمية: الواسطة بين الحق والخلق: طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، بعناية وتقديم: محمد جميل زينو. بدون تفصيل آخر يذكر.\n١٥٧ - ابن تيمية: تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء حتى لا يوجد في طائفة\nمن كتب التفسير فيها القول الصواب بل لا يوجد فيها إلا ما هو خطأ، تحقيق ودراسة: عبد العزيز بن محمد الخليفة، الطبعة الأولى: ١٤١٧ هـ مكتبة الرشد للنشر والتوزيع، الرياض. المملكة العربية السعودية.\n١٥٨ - ابن تيمية: تفسير سورة الإخلاص، تحقيق: د/ عبد العلي عبد الحميد حامد. طبعة دار الريان للتراث، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n١٥٩ - ابن تيمية: تلخيص كتاب الاستغاثة، طبعة دار العلمية بالهند، وطبعة، تحقيق: أبو عبد الرحمن محمد بن علي عجال، الطبعة الأولى لعام ١٤١٧ هـ، مكتبة الغرباء الأثرية. المدينة المنورة.\n١٦٠ - ابن تيمية: جامع الرسائل، تحقيق: محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\n١٦١ - ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: الدكتور/ محمد رشاد سالم،","vol":"2","page":1601},{"text":"من مطبوعات جامعة الإمام، الطبعة الأولى، ١٤٠١ هـ.\n١٦٢ - ابن تيمية: رسالة العقل والروح، ضمن مجموعة الرسائل الكبرى (وسيأتي).\n١٦٣ - ابن تيمية: شرح العقيدة الأصفهانية، تقديم: حسنين محمد مخلوف، طبعة دار الكتب الحديثة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، د - ت.\n١٦٤ - ابن تيمية: شرح حديث النزول. تحقيق: عبد الرحمن الخميس، نشر: دار العاصمة، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n١٦٥ - ابن تيمية: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، تحقيق: د/ محمد ربيع بن هادي، طبعة مكتبة لينة، دمنهور، مصر، ١٤٠٩ هـ. وطبعة دار الكتب العلمية بدون تحقيق.\n١٦٦ - ابن تيمية: قاعدة في المحبة، ضمن جامع الرسائل. تحقيق: د/ محمد رشاد سالم، من مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. بدون ذكر شيء آخر.\n١٦٧ - ابن تيمية: مجموع الفتاوى، طبعة دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢ هـ.\n١٦٨ - ابن تيمية: مجموعة الرسائل الكبرى، نشر مكتبة أنس بن مالك، ١٤٠٠ هـ.\n١٦٩ - ابن تيمية: مجموعة الرسائل والمسائل، علق عليها وصححها جماعة من العلماء بإشراف الناشر، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.\n١٧٠ - ابن تيمية: منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، طبعة مؤسسة قرطبة، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":1602},{"text":"١٧١ - ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (٧٢٨ هـ): اقتضاء الصراط المستقيم.\n١٧٢ - ابن تيمية، شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم (٧٢٨ هـ): بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، أو (نقض تأسيس الجهمية)، ت: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة بمكة المكرمة. (ناقص غير كامل).\n١٧٣ - ابن جرجيس (١٢٩٩ هـ)، داود بن سليمان الحنفي الخرافي المعروف بابن جرجيس: صلح الإخوان من أهل الإيمان وبيان الدين القيم في تبرئة ابن تيمية وابن القيم، طبعة نخبة الأخبار - بمبئ، بالهند (١٣٠٦ هـ).\n١٧٤ - ابن جرجيس، سليمان بن داود: المنحة الوهبية في الرد على الوهابية. طبعة أيشيق باسطنبول.\n١٧٥ - ابن جزي، محمد بن أحمد بن جزي الكلبي (٧٤١ هـ): التسهيل لعلوم التنزيل، الطبعة الرابعة، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n١٧٦ - ابن جني، أبو الفتح: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، الهيئة العامة للكتاب، ١٤٠٦ هـ.\n١٧٧ - ابن حبان: الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان لابن بلبان الفارسي (٧٣٩» ت: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٧٨ - ابن حجر (٨٥٢ هـ): أنباء الغمر بأبناء العمر، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٦ هـ، مصورة عن نسخة طبعت ١٣٨٧ هـ بدائرة المعارف العثمانية، الهند.\n١٧٩ - ابن حجر (٨٥٢ هـ): المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د - ت.","vol":"2","page":1603},{"text":"١٨٠ - ابن حجر: الدرر الكامنة في أعيان المائة الئامنة، تحقيق: محمد سيد جاد الحق، طبعة دار الكتب الحديثة، ١٣٨٥ هـ، بدون تفصيل آخر.\n١٨١ - ابن حجر: بلوغ المرام في أحاديث الأحكام، الطبعة الرابعة، دار المسلم للنشر والتوزيع، ١٤١٢ هـ.\n١٨٢ - ابن حجر: تقريب التهذيب، تحقيق: محمد عوامة، مطبعة دار الرشيد، حلب، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.\n١٨٣ - ابن حجر: تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق وتعليق: شعبان محمد إسماعيل، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٩٩ هـ.\n١٨٤ - ابن حجر: تهذيب التهذيب، دار إحياء التراث العربي، طبعة جديدة محققة، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، ١٤١٢ هـ.\n١٨٥ - ابن حجر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، لبنان، مع مقابلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وترقيم فؤاد عبد الباقي، وتصحيح فصي محي الدين الخطيب، بدون ذكر سنة الطبع.\n١٨٦ - ابن حجر: لسان الميزان، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، الطبعة الأولى، (مصورة من النسخة الأصلية المطبوعة بالهند). بدون ذكر تفصيل آخر.\n١٨٧ - ابن حجر، شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي العسقلاني (٨٥٢ هـ): الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت، لبنان، وبهامشه: الاستيعاب في أسماء الأصحاب لابن عبد البر القرطبي المالكي.\n١٨٨ - ابن حزم: مراتب الإجماع، طبعة دار الكتب العلمية مع نقد مراتب الإجماع لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بدون تفصيل.\n١٨٩ - ابن حزم، أبو محمد (٤٥٦ هـ): الإحكام في أصول الأحكام، الطبعة","vol":"2","page":1604},{"text":"الأولى، ١٤٠٤ هـ، دار الحديث، القاهرة.\n١٩٠ - ابن حزم، الإمام أبو محمد علي بن أحمد (٤٥٦ هـ): الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: د/ محمد إبراهيم نصر، ود/ عبد الرحمن عميرة، طبعة دار الجيل، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٩١ - ابن خزيمة: الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق النيسابوري (٣١١ هـ): صحيح ابن خزيمة، تحقيق مصطفى الأعظمي، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان.\n١٩٢ - ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي المغربي (٨٠٨ هـ): العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر. مؤسسة جمال للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د - ت.\n١٩٣ - ابن خلكان، شمس الدين أحمد بن أبي بكر (٦٨١ هـ): وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، طبعة: ١٣٩٧ هـ، دار صادر، بيروت، لبنان.\n١٩٤ - ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة، تصحيح وتعليق محمد حامد الفقي، طبعة مكتبة السنة المحمدية، القاهرة، مصر، ١٣٧٢ هـ.\n١٩٥ - ابن رجب: شرح الأربعين النووية:\n١٩٦ - ابن رجب: شرح علل الترمذي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.\n١٩٧ - ابن رجب، جامع العلوم والحكم، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، وإبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة: ١٤١٤ هـ.\n١٩٨ - ابن رجب الحنبلي: كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، تحقيق وتخريج: عماد","vol":"2","page":1605},{"text":"طه فرة، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، دار الصحابة للنشر والتحقيق والتوزيع، مصر.\n١٩٩ - ابن رشد الحفيد: الكشف عن مناهج الأدلة، طبعة دار العلم للجميع، دمشق، سوريا، الطبعة الثانية، ١٣٥٣ هـ.\n٢٠٠ - ابن سبعين: أبو محمد عبد الحق بن سبعين المرسي: رسائل. تحقيق: د/ عبد الرحمن البدوي، القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ١٩٥٦ م.\n٢٠١ - ابن سعد: الطبقات الكبرى، دار صادر، بيروت، د - ت.\n٢٠٢ - ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، تحقيق: سليمان دنيا، طبعة دار المعارف، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، ١٩٥٧ م.\n٢٠٣ - ابن سينا: التعليقات، تحقيق عبد الرحمن بدوي، نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٣٩٢ هـ.\n٢٠٤ - ابن سينا: الشفا، تحقيق: الأب قنواتي، سعيد زايد، محمد يوسف موسى، سليمان دنيا، طبعة المطبعة الأميرية، القاهرة، مصر، ١٣٨٠ هـ.\n٢٠٥ - ابن سينا: النجاة. طبعة الكردي، الطبعة الأولى، ١٣٢١ هـ.\n٢٠٦ - ابن سينا، الرسالة العرشية، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن، الهند، ١٣٥٣ هـ.\n٢٠٧ - ابن ضيف الله، محمد نور: الطبقات في خصوص الأولياء والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق: د/ يوسف فضل، بيروت، مطابع دار ومكتبة الهلال، الطبعة الثانية، عام ١٩٨٥ م.\n٢٠٨ - ابن طولون المصري الحنفي: مرشد المحتار، تحقيق: د/ بهاء، بدون تفصيل.","vol":"2","page":1606},{"text":"٢٠٩ - ابن عاشور، التحرير والتنوير.\n٢١٠ - ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٣٩٨ هـ.\n٢١١ - ابن عبد السلام، عبد العزيز: قواعد الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. د - ت.\n٢١٢ - ابن عبد الهادي: الصارم المنكي في الرد على السبكي، مكتبة ابن تيمية، مقابلة وتصحيح: إسماعيل بن محمد الأنصاري.\n٢١٣ - ابن عبد الهادي، أبو عبد الله محمد بن أحمد (٧٤٤ هـ): العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة المؤيد، الرياض، المملكة العربية السعودية.\n٢١٤ - ابن عبد الوهاب، التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، (المطبوع مع فتح المجيد). راجع فتح المجيد.\n٢١٥ - ابن عبد الوهاب، محمد: كشف الشبهات. (ضمن الجامع الفريد).\n٢١٦ - ابن عبد الوهاب، محمد: مجموعة مؤلفات الشيخ. من إصدار أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المنعقد في جامعة الإمام.\n٢١٧ - ابن عبد الوهاب، مسائل الجاهلية، مع شرحه ليوسف محمد السعيد، دار المؤيد للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٢١٨ - ابن عبد الوهاب الإمام محمد بن عبد الوهاب (١٢٠٦ هـ): مختصر سيرة الرسول، مطبعة السنة المحمدية، بمصر.\n٢١٩ - ابن عثيمين: المجموع الثمين في فتاوى الشيخ عثيمين، جمع وترتيب، فهد بن ناصر السليمان، مطبعة سفير، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.","vol":"2","page":1607},{"text":"٢٢٠ - ابن عثيمين، محمد بن صالح: فقه العبادات، دار الوطن للنشر والتوزيع، الرياض، ١٤١٤ هـ.\n٢٢١ - ابن عثيمين، محمد بن صالح: القواعد المثلى، من مطبوعات مركز شئون الدعوة بالجامعة الإسلامية بالمدينة الطيبة.\n٢٢٢ - ابن عثيمين، محمد بن صالح، تقريب التدمرية، مطبعة سفير، الرياض، الطبعة الأولى، شعبان، ١٤١٢ هـ.\n٢٢٣ - ابن عثيمين، محمد بن صالح: شرح العقيدة الواسطية، مكتبة الهدى الإسلامية، النقبة، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٢٢٤ - ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال، طبعة دار الفكر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n٢٢٥ - ابن عربي، محمد بن علي (٦٣٨ هـ): فصوص الحكم، تحقيق: أبو العلا عفيفي. بيروت، دار الكتاب العربي.\n٢٢٦ - ابن عربي، محمد بن علي: الفتوحات المكية، تحقيق: د/ عثمان يحيى، تصدير ومراجعة، د/ إبراهيم مدكور، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، ١٩٧٢ م.\n٢٢٧ - ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، بيروت، المصورة عن الطبعة الأولى، القدس بدمشق، ١٣٧٧ هـ.\n٢٢٨ - ابن عطية: المحرر الوجيز، ت: المجلس العلمي بفاس، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ هـ، مطبوعات وزارة الأوقاف بالمغرب.\n٢٢٩ - ابن عيسى، أحمد: شرح أم البراهين. طبعة المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان، د - ت.","vol":"2","page":1608},{"text":"٢٣٠ - ابن فارس: معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، طبعة دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٣٩٩ هـ.\n٢٣١ - ابن فارس، أبو الحسين، أحمد بن فارس (٣٩٥ هـ): مجمل اللغة، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٢٣٢ - ابن فرحون (إبراهيم بن فرحون ٧٩٩ هـ): الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب، تحقيق: د/ محمد الأحمدي أبو النور، ط/ دار التراث، القاهرة، بدون تاريخ.\n٢٣٣ - ابن قاسم، محمد (جمع): الدرر السنية في الأجوبة النجدية، اثنا عشر جزءًا، رجعت إلى بعض الأجزاء. مطابع شركة المدينة، جدة، ١٣٨٨ هـ.\n٢٣٤ - ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، ت: محمد الأصفر، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٣٥ - ابن قتيبة: عيون الأخبار، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر.\n٢٣٦ - ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢٧٦ هـ): المعارف، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ.\n٢٣٧ - ابن قدامة المقدسي: روضة الناظر، مكتبة دار الريان للتراث، القاهرة، د - ت.\n٢٣٨ - ابن قدامة المقدسي، التبيين في أسماء القرشيين.\n٢٣٩ - ابن قدامة المقدسي: المغني، مكتبة الرياض، الحديثة، الرياض. وأحيانًا إلى طبعة عبد الله التركي وعبد الفتاح الحلو.","vol":"2","page":1609},{"text":"٢٤٠ - ابن قدامة المقدسي: مختصر منهاج القاصدين، تحقيق، علي حسن عبد الحميد الأثري، المكتبة العلمية، بيروت، لبنان. د - ت.\n٢٤١ - ابن كثير: البداية والنهاية، ملتزم الطبع والنشر دار الفكر العربي، مصر، شارع الماوردي، د - ت.\n٢٤٢ - ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، مكتبة دار التراث، القاهرة، د - ت.\n٢٤٣ - ابن ماجه: سنن ابن ماجه. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الريان للتراث، مطبعة إحياء الكتب العربية، فيصل عيسى البابي الحلبي. د - ت.\n٢٤٤ - ابن مرزرق: التوسل بالنبي وجهلة الوهابيين، طبعة إيشيق، اصطنبول، دون تفصيل.\n٢٤٥ - ابن مرزوق: براءة الأشعريين من عقيدة المخالفين، طبعة مطبعة العلم، بدمشق.\n٢٤٦ - ابن مفلح: الآداب الشرعية والمنح المرعية، الطبعة الأولى، ١٣٤٩ هـ، مطبعة المنار، مصر.\n٢٤٧ - ابن منده، محمد بن إسحاق: التوحيد وإثبات صفات الرب. تحقيق: علي ابن محمد بن ناصر فقيهي، من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.\n٢٤٨ - ابن منده: كتاب الإيمان. تحقيق: علي ناصر فقيهي، من مطبوعات الجامعة الاسلاية بالمدينة الطيبة.\n٢٤٩ - ابن منظور: لسان العرب، نسقه وعلق عليه ووضع فهارسه، علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، بيروت، لبنان، طبعة جديدة محققة، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٢٥٠ - ابن منظور، محمد بن مكرم (٧١١ هـ): تهذيب تاريخ دمشق، دار المسيرة،","vol":"2","page":1610},{"text":"بيروت، بلا تاريخ.\n٢٥١ - ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وغيره، الطبعة الثانية، مصطفى البابي الحلبي بمصر، ١٣٧٥ هـ.\n٢٥٢ - انجلز، نصوص مختارة، جمع: جان كنابا، ترجمة: وصفي البني، منشورات وزارة الثقافة بدمشق ١٩٧٢ م.\n٢٥٣ - البابرتي (٧٨٦ هـ): شرح الطحاوية، تحقيق: د/ عارف ايتكن، طبعة دولة الكويت.\n٢٥٤ - البار، علي بن محمد: خلق الإنسان بين الطب والقرآن، الدار السعودية، الطبعة السابعة، جدة، المملكة العربية السعودية، ١٤٠٩ هـ.\n٢٥٥ - الباروني: مختصر تاريخ الإباضية، مكتبة الثقافة، عمان. د - ت.\n٢٥٦ - الباقلاني: الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، طبعة عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٢٥٧ - بحيص، علاء الدين: معبودات جديدة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٢٥٨ - البخاري: خلق أفعال العباد والرد على الجهمية، ت: أبو هاجر محمد البسيوني، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.\n٢٥٩ - البخاري: الأدب المفرد، الطبعة الرابعة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤١٠ هـ.\n٢٦٠ - البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل (٢٥٦ هـ): التاريخ الكبير، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","vol":"2","page":1611},{"text":"٢٦١ - البخاري: الجامع الصحيح، دار المعرفة، بيروت، لبنان، المطبوع مع فتح الباري، بمراجعة الشيخ عبد العزيز بن باز، وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وتصحيح قصي محيي الدين الخطيب.\n٢٦٢ - البرعي، عبد الرحمن: ديوان، الطبعة الأخيرة، دار المكتبة الثقافية، بيروت، لبنان، ١٣٨٩ هـ.\n٢٦٣ - البركوي: زيارة القبور (السنية والشركية) طبعة دار الإفتاء، بالرياض، بدون ذكر شيء آخر.\n٢٦٤ - البرهاني، محمد عثمان عبده: تبرئة الأمة في نصح الأمة.\n٢٦٥ - البريكان: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، دار السنة للنشر والتوزيع، الخبر، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثالثة، ١٤١٥ هـ.\n٢٦٦ - البريلوي (١٣٤٠ هـ): أحمد رضا خان: الدولة المكية بالمادة الغيبية، طبعة حجرية هندية. د - ت.\n٢٦٧ - البريلوي: صلاة الصفا في نور المصطفى، طبع كراتشي، باكستان، د - ت.\n٢٦٨ - البريلوي، أحمد رضا خان: الأمن والعلى لناعتي المصطفى بدافع البلاء، ط/ دار التبليغ، بلاهور. طبعة حجرية.\n٢٦٩ - البريلوي، أحمد رضا خان: بركات الاستمداد، طبعة حجرية، لاهور، باكستان.\n٢٧٠ - البريلوي، أحمد رضا خان: هدي الحيران في نفي الفيء عن سيد الأكوان، ضمن مجموعة رسائل النور، ونفي الظل، طبعة إدارة تحقيقات الإمام (إمام الضلالة) أحمد رضا بكراتشي.\n٢٧١ - البريلوي، أحمد رضا خان: خالص الاعتقاد، ط لاهور، باكستان، د - ت.","vol":"2","page":1612},{"text":"٢٧٢ - البريلوي، أحمد يار خان: جاء الحق، لاهور، باكستان. د. ت.\n٢٧٣ - البريلوي، أمجد علي: بهار شريعت. طبعة لاهور، باكستان.\n٢٧٤ - البريلوي، الاستمداد على أجيال الارتداد، ط باكستان، د. ن، د. ت.\n٢٧٥ - بسام سلامة: الإيمان بالغيب. مكتبة المنار، الأردن، ١٩٨٣ م.\n٢٧٦ - البسيوني، عبد السلام: العقلانية هداية أم غواية، دار الوفاء، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٢٧٧ - بطرس البستاني: دائرة المعارف.\n٢٧٨ - البغدادي: الفرق بين الفرق، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، تعليق: محمد محيي الدين عبد الحميد. د. ت.\n٢٧٩ - البغدادي، أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي (٤٢٩ هـ): أصول الدين، الطبعة الأولى، استانبول، مطبعة الدولة، ١٣٤٦ هـ.\n٢٨٠ - البغدادي، إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين، مكتبة المثنى ببغداد، الطبعة الرابعة، ١٤١٤ هـ.\n٢٨١ - البغدادي، عبد القادر: خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب. دار صادر، بيروت، لبنان، د. ت.\n٢٨٢ - البغوي، شرح السنة. ت: شعيب الأرناؤوط، الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٢٨٣ - البغوي، معالم التنزيل، تحقيق: عثمان جمعة ضميرية، ومحمد النمر، وسليمان الحرش، دار طيبة، الرياض. د. ت.\n٢٨٤ - البقاعي (٨٨٥ هـ)، برهان الدين: تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد.","vol":"2","page":1613},{"text":"٢٨٥ - البقاعي: تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٠ هـ.\n٢٨٦ - البقاعي، برهان الدين: مصرع التصوف، تحقيق: عبد الرحمن الوكيل، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٠ هـ.\n٢٨٧ - بكر أبو زيد: معجم المناهي اللفظية، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الثالثة، ١٤١٧ هـ.\n٢٨٨ - بكر عبد الله أبو زيد: التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير، دار الراية، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٢٨٩ - البلادي، عاتق غيث: معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية. دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى ١٩٨٢ م، ١٤٠٢ هـ.\n٢٩٠ - البلادي، عاتق غيث: معجم معالم الحجاز، نادي الطائف الأدبي، ١٣٩٨ هـ.\n٢٩١ - البلاذري: فتوح البلدان.\n٢٩٢ - البليهي: عقيدة المسلمين.\n٢٩٣ - ابن عتيق، حمد: الدفاع عن أهل السنة والاتباع، تصحيح، إسماعيل بن عتيق، الطبعة الثانية، دار القرآن الكريم، بيروت، لبنان، ١٤٠٠ هـ.\n٢٩٤ - البنا، أحمد: إتحاف فضلاء البشر في بالقراءات الأربعة عشر، تحقيق: شعبان محمد إسماعيل، بيروت، عالم الكتب، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٢٩٥ - بندلي جوزي: من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام، مطبعة بيت المقدس، القدس. بدون ذكر تفصيل يذكر.\n٢٩٦ - البهوتي، منصور: شرح منتهى الإرادات، مطبوعات دار الإفتاء، بالرياض.","vol":"2","page":1614},{"text":"٢٩٧ - البهي، محمد: الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي، دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٩٦٧ م.\n٢٩٨ - البوصيري: القصيدة الهمزية في مدح خير البرية، طبع، مكتبة القاهرة، مصر، الأزهر، د. ت.\n٢٩٩ - البوصيري، محمد سعيد: القصيدة المسماة: الكواكب الدرية في مدح خير البرية، مكتبة مصطفائي، بدلهي. دون ذكر سنة الطبع.\n٣٠٠ - بوكاي، موريس: ما أصل الإنسان، إجابات العلم والكتب المقدسة، الطبعة الثانية عشرة، مكتب التربية العربي لدول الخليج ١٩٨٥ م.\n٣٠١ - البيجاني، محمد سالم: إصلاح المجتمع، دار المجتمع للنشر والتوزيع. بيروت. لبنان ١٤١٠ هـ.\n٣٠٢ - البيروني، أبو الريحان: الآثار الباقية عن القرون الخالية، طبعة، ليزبك. بدون ذكر شيء آخر.\n٣٠٣ - البيهقي: السنن الكبرى، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٤١٣ هـ.\n٣٠٤ - بيومي، محمد عبد المعطي: الماركسية في مواجهة الدين، حقائق ووثائق، دار الأنصار، بمصر، د - ت.\n٣٠٥ - التركي، إبراهيم خلف: أهم عوامل انحراف النصرانية، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية، مطبوع على الآلة الكاتبة.\n٣٠٦ - الترمذي: الجامع الصحيح، تحقيق وترقيم الشيخ أحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بدون ذكر شيء آخر يذكر.\n٣٠٧ - التفتازاني: شرح العقائد النسفية، مكتبة الإيمان بالمدينة المنورة.\n٣٠٨ - التفتازاني: شرح المقاصد، ط مطبعة محرم أفندي، البنوي، تركيا،","vol":"2","page":1615},{"text":"١٣٠٥ هـ.\n٣٠٩ - التميمي، محمد بن خليفة، معتد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، نشر دار الحريري للطباعة، القاهرة. د. ت.\n٣١٠ - التنير، محمد: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، نشر محمد إبراهيم الشيباني، مكتبة ابن تيمية، الكويت، الطبعة الأولي، ١٤٠٨ هـ.\n٣١١ - التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، ت - د، لطفي عبد البديع، ط النهضة المصرية، بالقاهرة.\n٣١٢ - التهانوي، أشرف علي: إمداد المشتاق إلى أشرف الأخلاق، طبعة المكتبة الإسلامية بلاهور.\n٣١٣ - التويجري، حمود بن عبد الله: إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، الطبعة الأولى، مطبعة المدينة، الرياض، ١٣٩٦ هـ.\n٣١٤ - التيمي، أبو القاسم إسماعيل: الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة، ت: شيخنا محمد بن ربيع هادي عمير المدخلي -حفظه الله-، الطبعة الأولى، دار الراية، الرياض، ١٤١١ هـ.\n٣١٥ - ثريا منقوش: التوحيد في تطوره التاريخي، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولي، ١٩٦٦ م.\n٣١٦ - الثعالبي، عبد العزيز: تاريخ المذاهب والأديان، دار الغرب، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان ١٣٩٩ هـ.\n٣١٧ - الجاحظ (٢٥٥ هـ)، أبو عثمان عمر بن بحر: البيان والتبيين، تحقيق: المحامي فوزي عطوي، الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت، لبنان، ط ١٩٦٨ م.","vol":"2","page":1616},{"text":"٣١٨ - الجاحظ: الحيوان، دار صعب، بيروت، لبنان، د. ت.\n٣١٩ - الجاسر، محمد حمد: سراة غامد وزهران.\n٣٢٠ - الجاسم، محمود خليفة: الطيرة والفأل في ضوء الكتاب والسنة، دار ابن حزم، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٣٢١ - الجديع، ناصر الدكتور: التبرك أنواعه وأحكامه، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٩٩٣ م.\n٣٢٢ - الجرجاني: التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان. الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٣٢٣ - الجرجاني، علي بن محمد: شرح المواقف، طبعة مطبعة السعادة بالقاهرة، مصر، الطبعة الأولى ١٣٢٥ هـ.\n٣٢٤ - الجزائري، أبو بكر جابر: عقيدة المؤمن، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، الطبعة الثانية، ١٤١٧ هـ.\n٣٢٥ - الجصاص، أبو بكر أحمد بن علي الرازي (٣٧٠ هـ): أحكام القرآن، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان.\n٣٢٦ - جماعة من المؤلفين: المعجم الوسيط، مكتبة لبنان، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٩٨٥ م.\n٣٢٧ - الجندي، حاشية على شرح العقائد النسفية للتفتازاني، ضمن مجموعة الحواشي البهية على شرح العقائد النسفية، ط كردستان العلمية، مصر، ١٣٢٩ هـ.\n٣٢٨ - جواد علي، الدكتور: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين. بيروت، ١٩٧٠ م.\n٣٢٩ - جورج بولتيرزورفيقاه: أصول الفلسفة الماركسية. ترجمة: شعبان بركات.","vol":"2","page":1617},{"text":"المكتبة العصرية، بيروت، د. ت.\n٣٣٠ - جون لويس: الإنسان والارتقاء، ترجمة: عدنان جاموس، دار الجماهير، ١٩٧٠ م.\n٣٣١ - الجوهري، (٣٩٦ هـ): الصحاح، (تاج اللغة وصحاح العربية)، تحقيق: أحمد عبد الغفور العطار، طبعة دار العلم للملايين، بيروت.\n٣٣٢ - الجوير، أحمد: الإسماعيلية المعاصرة، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ. د. ن.\n٣٣٣ - الجويني، إمام الحرمين: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق: أسعد تميم، طبع: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٣٣٤ - الجويني، الشامل في أصول الدين، تحقيق: علي سامي النشار، فيصل عون، سهير مختار، نشر: منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، ١٩٦٩ م.\n٣٣٥ - الجيلاني، عبد القادر (٥٦١ هـ): الغنية لطالبي طريق الحق، القاهرة، مطبعة الحلبي، الطبعة الثالثة ١٩٥٦ م.\n٣٣٦ - الجيلاني، عبد القادر: الفتح الرباني، بيروت، دار الكتاب العربي.\n٣٣٧ - الجيلي، عبد الكريم: الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل، لعبد الكريم الجيلي، طبعة مصطفى البابي الحلبي، بمصر، الطبعة الرابعة، د. ت.\n٣٣٨ - حاجي خليفة: كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: نشر مكتبة المثنى ببغداد، العراق، مصورة عن نسخة طبعت في تركيا، ١٩٥١ م.\n٣٣٩ - الحارثي، سالم حميد: العقود الفضية في أصول الإباضية، دار اليقظة العربية، لبنان، سوريا، د - ت.","vol":"2","page":1618},{"text":"٣٤٠ - الحاكم (٤٠٥ هـ): المستدرك على الصحيحين، طبعة حيدرآباد، بالهند، تصوير دار المعرفة، بيروت، لبنان. (وإذا ذكرت رقم الحديث فمن طبعة دار الكتب العلمية، من دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الطبعة الأولي ١٩٩٠ م، توزيع دار الباز، مكة المكرمة).\n٣٤١ - الحامدي، حاتم بن إبراهيم: كنز الولد، تحقيق: مصطفى غالب، دار صادر، بيروت.\n٣٤٢ - حتى، فليب: الموجز في تاريخ العرب، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٦٥ م.\n٣٤٣ - حجازي، عوض الله جاد: المرشد السليم في المنطق الحديث والقديم، الطبعة الرابعة، دار الطباعة المحمدية بالأزهر، القاهرة. د - ت.\n٣٤٤ - الحداد، الحبيب علوي بن أحمد بن حسن بن عبد الله بن علوي (١٢٣٢ هـ): مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام، طبعة العامرة سنة ١٣٢٥ هـ بدون تفصيل.\n٣٤٥ - الحريري، أبو موسى: العلويون والنصيريون، الطبعة الثانية، بيروت، ١٩٨٤ م، د - ن.\n٣٤٦ - حسن حنفي: التراث والتجديد، طبعة القاهرة، ١٩٨٠ م، بدون تفصيل آخر.\n٣٤٧ - حسن خزبك: المقالات الوفية في الرد على الوهابية، طبعة مصر، بدون تفصيل.\n٣٤٨ - الحفني، عبد المنعم: معجم مصطلحات الصوفية، طبعة دار المسيرة، بيروت، لبنان، د - ت.","vol":"2","page":1619},{"text":"٣٤٩ - الحكمي: أعلام السنة المنشورة، طبعة دار الإفتاء، بالرياض.\n٣٥٠ - حكمي: معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد، من مطبوعات دار الإفتاء بالرياض.\n٣٥١ - الحليمي، أبو عبد الله: المنهاج في شعب الإيمان، تحقيق: حلمي فودة، بيروت، دار الفكر، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.\n٣٥٢ - حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر الحنبلي (١٢٢٥): النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين، تحقيق: عبد السلام برجس، الرياض، دار العاصمة، ١٤٠٩ هـ\n٣٥٣ - حمزة، عبد الرزاق: الشواهد والنصوص من كتاب الأغلال على ما فيه من زيغ وكفر وضلال بالعقل والنقل، مطبعة الإمام بمصر.\n٣٥٤ - الحمش، عداب محمود: النور المحمدي، دار إحسان للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٣٥٥ - الحموي، أحمد بن محمد المصري الحنفي، (١٠٩٨ هـ) (صاحب غمز عيون البصائر): نفحات القرب والاتصال بإثبات التصرف للأولياء والكرامات بعد الانتقال. طبعة إيشيق، بالقسطنطينية، تركيا.\n٣٥٦ - الحموي، ياقوت (٦٢٦ هـ): معجم البلدان، تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ.\n٣٥٧ - الحموي، ياقوت بن عبد الله الرومي: معجم الأدباء، الطبعة الثالثة، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٣٥٨ - الحميدي، الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير: المسند، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، نشر المجلس العلمي، كراتشي، باكستان، الطبعة","vol":"2","page":1620},{"text":"الأولى، ١٣٨٣ هـ.\n٣٥٩ - خان، وحيد الدين: الإسلام يتحدى، ترجمة: ظفر الإسلام خان، ومراجعة: عبد الصبور شاهين، الطبعة السادسة، دار الاعتصام.\n٣٦٠ - خان، وحيد الدين: الدين في مواجهة العلم، ترجمة: ظفر الإسلام خان، الطبعة الأولى، دار الإعتصام، ١٣٩٢ هـ.\n٣٦١ - الخربوطلي، علي حسني: الحنيفية والحنفاء، ١٣٩٤ هـ، ١٩٧٤ م، د - ن.\n٣٦٢ - الخرشي: شرح مختصر خليل، دار صادر، بيروت، لبنان، د - ت.\n٣٦٣ - الخزرجي، صفي الدين أحمد بن عبد الله: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال، باعتناء عبد الفتاح أبو غدة، مكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الخامسة، ١٤١٢ هـ.\n٣٦٤ - الخضري بك، محمد: محاضرات في تأريخ الأمم الإسلامية، ملتزم الطبع والنشر، بدون ذكر تفصيل يذكر.\n٣٦٥ - الخطابي: معالم السنن، بهامش سنن أبي داود، بتحقيق: عزت عبيد الدعاس، بيروت، دار الحديث للطباعة والنشر، ١٣٩١ هـ.\n٣٦٦ - الخطابي، حمد بن سليمان (٣٨٨ هـ): شأن الدعاء، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، دار المأمون للتراث، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٣٦٧ - الخطيب، عبد الكريم: المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل، دار الكتب الحديثة، ١٣٨٥ هـ.\n٣٦٨ - الخطيب، محب الدين: البهائية.\n٣٦٩ - الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ) أبو بكر أحمد بن علي البغدادي: تاريخ مدينة السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.","vol":"2","page":1621},{"text":"٣٧٠ - الخطيب البغدادي: شرف أصحاب الحديث، تحقيق: د/ محمد سعيد خطيب أوغلي، نشرته دار إحياء السنة النبوية، بدون ذكر تفصيل يذكر.\n٣٧١ - الخطيب التبريزي: مشكاة المصابيح، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، ودمشق، تحقيق: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n٣٧٢ - الخطيب الشربيني: السراج المنير في الإعانة على معرفة كلام ربنا الخبير، طبعة بولاق، مصر، ١٢٨٥ هـ.\n٣٧٣ - الخفاجي، نسيم الرياض شرح الشفا للقاضي عياض، ط السلفية بالمدينة المنورة.\n٣٧٤ - الخلال، أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون: أحكام أهل الملل، مخطوط، منه صورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٣٧٥ - الخلف، سعود بن عبد العزيز: دراسات في مقارنة الأديان، اليهودية والنصرانية، مكتبة العلوم والحكم، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٣٧٦ - خليفة، شباب بن خياط العصفري (٢٤٠ هـ): طبقات خليفة ت: د/ أكرم ضياء العمري، دار طيبة، الرياض.\n٣٧٧ - الخولي، جمعة الدكتور: الاتجاهات الفكرية المعاصرة ومواقف الإسلام منها، طبعة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المدينة المنورة.\n٣٧٨ - الخياط المعتزلي، أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد بن عثمان: الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد، مطبعة دار الكتب المصرية، سنة ١٣٤٤ هـ.\n٣٧٩ - الخيالي، أحمد بن محمد: حاشية على شرح التفتازاني على النسفي، ط/ دار سعادت، تركيا، بدون تفصيل آخر.","vol":"2","page":1622},{"text":"٣٨٠ - الداجوي الحنفي: البصائر، طبعة إيشيق، اسطنبول، تركيا، بدون تفصيل.\n٣٨١ - الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن (٢٥٥ هـ): السنن، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، خالد السبع العلمي، طبعة دار الريان للتراث، القاهرة، ودار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٣٨٢ - الدارمي، عثمان بن سعيد (٢٨٠ هـ): الرد على الجهمية، ت: بدر البدر، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ، الدار السلفية، الكويت.\n٣٨٣ - الداوودي: طبقات المفسرين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٣٨٤ - الدباغ، أحمد بن المبارك: الإبريز من كلام سيدي عبد العزيز، القاهرة، المطبعة الأزهرية، ١٣٠٦ هـ.\n٣٨٥ - الدجوي: مقالة في مجلة نور الإسلام. طبع إيشيق، اسطنبول، تركيا.\n٣٨٦ - الدجوي، يوسف: المقالات، طبعة مطبعة الأميرية، بالقاهرة.\n٣٨٧ - دحلان، أحمد زيني، الدرر السنية في الرد على الوهابية، طبعة إيشيق، اسطنبول، تركيا.\n٣٨٨ - دراز، محمد عبد الله: الدين، دار القلم، الكويت، ١٤٠٠ هـ.\n٣٨٩ - الدردير: الشرح الصغير، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر، د - ت.\n٣٩٠ - الدسوقي، عمر: إخوان الصفا، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، ١٩٧٤ م.\n٣٩١ - دمشقية، عبد الرحمن: الرفاعية، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٠ هـ.\n٣٩٢ - الدميري، كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى (٨٠٨ هـ): حياة الحيوان","vol":"2","page":1623},{"text":"الكبرى، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٣٩٣ - الدهلوي، عبد الحق: مدارج النبوة، طبعة حجرية، بالهند.\n٣٩٤ - الدهلوي، عبد القادر بن عبد الرحيم العمري: توضيح القرآن، طبعة حجرية بالهند.\n٣٩٥ - الدهلوي، محمد إسماعيل بن عبد الغني بن أحمد عبد الرحيم العمري: تقوية الإيمان. طبعة الحجرية الباكستانية، وطبعة مكتبة الرشد بالمدينة المنورة.\n٣٩٦ - الدهلوي، ولي الله: البلاغ المبين، طبعة المكتبة السلفية بلاهور.\n٣٩٧ - الدهلوي، ولي الله أحمد عبد الرحيم (١٠٧٦ هـ): الفوز الكبير في أصول التفسير، طبع خير كثير، آرام باغ، كراتشي، باكستان.\n٣٩٨ - الدهلوي، ولي الله أحمد عبد الرحيم: البدور البازغة. تحقيق: د/ صغير حسن المعصومي، طبعة الحيدري، بحيدرآباد.\n٣٩٩ - الدهلوي، ولي الله أحمد عبد الرحيم: حجة الله البالغة، طبعة مكتبة السلفية بلاهور.\n٤٠٠ - دوائر المعارف البريطانية.\n٤٠١ - الدوسري، جاسم الفهيد: النهج السديد في تخريج اْحاديث تيسير العزيز الحميد، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ، دار الخلفاء، الكويت.\n٤٠٢ - الدوسري، عبد الرحمن: الأجوبة المفيدة، دار الأرقم، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٤٠٣ - الديار بكري: تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، مؤسسة شعبان للنشر والتوزيع، بدون تفصيل آخر يذكر.","vol":"2","page":1624},{"text":"٤٠٤ - الديلمي، محمد بن الحسن: بيان عقيدة الباطنية وبطلانها، الإمدادية، مكة المكرمة، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n٤٠٥ - ديوان الحلاج، أبو المغيث الحسين بن منصور بن محمد البيضاوي، وضعه وأصلحه الدكتور/ كامل مصطفى الشيي، دار الآفاق العربية، بغداد، ١٤٠٤ هـ.\n٤٠٦ - الذهبي: تذكرة الحفاظ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٤٠٧ - الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، الطبعة السابعة، ١٤١٠ هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٤٠٨ - الذهبي: شمس الدين محمد بن اْحمد: العلو للعلي الغفاري في صحيح الأخبار وسقيمها، تقديم وتصحيح: عبد الرحمن محمد عثمان، الطبعة الثانية، ١٣٨٨ هـ، دار الفكر بيروت، لبنان.\n٤٠٩ - الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n٤١٠ - الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان (٧٤٨ هـ): العبر في خبر من غبر، تحقيق وضبط: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٤١١ - زادا كرشنا، الدكتور: الفكر الفلسفي الهندي، ترجمة: ندوة اليازجي، دار اليقظة العربية، بيروت، لبنان.\n٤١٢ - الرازي، عبد القادر (٦٦٦ هـ): مختار الصحاح، طبع، مكتبة لبنان، بيروت، د - ت.\n٤١٣ - الرازي، فخر الدين: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، مراجعة","vol":"2","page":1625},{"text":"وتحرير: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٢ هـ.\n٤١٤ - الرازي، فخر الدين: مفاتيح الغيب، (التفسير الكبير)، دار الفكر، بيروت، توزيع مصطفي أحمد الباز، المكتبة التجارية، الشامية، مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ.\n٤١٥ - الراغب، أبو القاسم الحسين بن محمد (٥٠٢): الذريعة إلى مكارم الشريعة.\n٤١٦ - الراغب الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن، تحقيق: محمد سيد كيلاني، طبعة ١٣٨١ هـ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.\n٤١٧ - الرشيد، عبد العزيز ناصر: التنبيهات السنية على العقيدة الواسطية، مطبعة الإمام، القاهرة، ١٣٧٧ هـ.\n٤١٨ - رضا المظفر: عقائد الإمامية، مكتبة النجاح، ١٣٨١ هـ، بدون تفصيل آخر.\n٤١٩ - الرفاعي: الرد المحكم المنيع على منكرات وشبهات ابن منيع ليوسف السيد هاشم الرفاعي، الطبعة الأولى ١٤٠٤ هـ، بالكويت.\n٤٢٠ - الرفاعي، محمد نسيب: التوصل إلى حقيقة التوسل المشروع والممنوع، الطبعة الثانية، دار البيان للطباعة والنشر، ١٣٩٩ هـ.\n٤٢١ - رندل كلارك: الرمز والأسطورة في مصر القديمة، ترجمة: أحمد صليحة. الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٨ م.\n٤٢٢ - الرومي، جلال الدين محمد بن محمد البلخي، القونوي، الحنفي، المولوي، (٦٧٢ هـ): المثنوي، تعريب: الدكتور حمد بن عبد السلام كفافي، الطبعة العصرية، بيروت.\n٤٢٣ - الزبيدي: إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، طبعة دار المعرفة،","vol":"2","page":1626},{"text":"بيروت، لبنان، د - ت.\n٤٢٤ - الزبيدي: تاج العروس بشرح القاموس، دار ليبيا، بنغازي، ليبيا، د - ت.\n٤٢٥ - الزبيري، مصعب: نسب قريش.\n٤٢٦ - الزجاجي: اشتقاق أسماء الله الحسنى، تحقيق: د/ عبد الحسين المبارك، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٤٢٧ - الزرقاني: شرح المواهب اللدنية، دار المعرفة بيروت، لبنان، ١٤١٤ هـ.\n٤٢٨ - الزركلي، خير الدين: الأعلام، دار العلم للملابين، الطبعة السادسة، ١٩٨٤ م.\n٤٢٩ - زكريا إبراهيم: دراسات في الفلسفة المعاصرة، مكتبة مصر، ١٩٧١ م.\n٤٣٠ - زكي، أحمد كمال: شعراء السعودية المعاصرون، التاريخ والواقع. دار العلوم، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٤٣١ - زكي مبارك، الدكتور: التصوف الإسلامي بين الأدب والأخلاق، بيروت، دار الجيل، د - ت.\n٤٣٢ - الزمخشري: أساس البلاغة، طبعة دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤٠٩ هـ.\n٤٣٣ - الزمخشري: أطواق الذهب في المواعظ والخطب، مطبعة جمعية الفنون، بيروت، لبنان، ١٣٩٢ هـ.\n٤٣٤ - الزمخشري: الكشاف عن حقيقة التنزيل وغوامض التأويل، مكتبة المعارف، الرياض، د - ت.\n٤٣٥ - الزنداني، عبد المجبد: التوحيد، دار القلم، بيروت، لبنان. د - ت.\n٤٣٦ - الزاوي: ترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة، للطاهر محمد الزاوي، الطبعة الثانية، مطبعة عيسى البابي الحلبي","vol":"2","page":1627},{"text":"بمصر.\n٤٣٧ - زيدان، عبد الكريم: أصول الدعوة، مؤسسة قرطبة، مصر، ١٩٨٧ م.\n٤٣٨ - الزيدي، يحيى بن حسين: رسائل العدل والتوحيد، طبع بمطابع دار الهلال، سنة ١٩٧١ م.\n٤٣٩ - زيعور، علي: الفلسفات الهندية، دار الأندلس، الطبعة الأولى، بيروت، ١٩٨٠ م.\n٤٤٠ - السائح، محمد العربي: بغية المستفيد بشرح منية المريد، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي ١٩٥٩ م.\n٤٤١ - سارتر: الشيطان والرحمن. ترجمة: عبد المنعم الحفني. دار مكتبة الحياة بيروت، ومكتبة مدلولي.\n٤٤٢ - سارتر: الوجود والعدم. ترجمة: عبد الرحمن بدوي. منشورات دار الآداب، ١٩٦٦ م.\n٤٤٣ - سارتر: الوجودية مذهب إنساني، ترجمة: الكمال الحاج، منشورات مكتبة الحياة، ١٩٨٦ م.\n٤٤٤ - سارتر: مسرحية الذباب. ترجمة: فؤاد كمال، الدار القومية، د - ت.\n٤٤٥ - السالمي: غاية المراد، المطبعة العمومية، دمشق، ١٣٨٢ هـ.\n٤٤٦ - السالمي: مشارق أنوار العقول. تحقيق: د/ عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ.\n٤٤٧ - السبحاني، محمد جعفر: التوحيد والشرك في القرآن، طبع في تهران، ١٣٨٨ هـ.\n٤٤٨ - سبركين وياخوت: أسس المادية الديالكتية والمادية التأريخية، ترجمة:","vol":"2","page":1628},{"text":"محمد الجندي، دار التقدم، موسكو. د - ت.\n٤٤٩ - السبكي: شفاء السقام، طبعة إيشيق، اسطنبول، تركيا، بدون تفصيل.\n٤٥٠ - السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، طبعة دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، د- ت.\n٤٥١ - ستالين: المادية الديالكتيكية والمادية التأريخية، دار دمشق للطباعة والنشر، سوريا، د - ت.\n٤٥٢ - السجستاني: أبو يعقوب إسحاق بن أحمد: الينابيع، تحقيق. مصطفى غالب، المكتبة التجارية للطباعة، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٦٥ م.\n٤٥٣ - السجستاني: كتاب إثبات النبوات، تحقيق: عارف تامر، دار المشرق، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٢ م.\n٤٥٤ - السرهندي، أحمد: المكتوبات الرباني، الطبعة الحجرية الهندية، بدون أي تفصيل آخر يذكر.\n٤٥٥ - سعد ندا: مجلة الجامعة الإسلامية. العدد: ٢ ص: ١٢٧ سنة: ١١.\n٤٥٦ - السعدي: الإرشاد إلى معرفة الأحكام، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٠ هـ.\n٤٥٧ - السعدي: الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين، مكتبة المعارف، الرياض، طبعة جديدة ١٤٠٢ هـ.\n٤٥٨ - السعدي: الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين من الكافية الشافية، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٦٨ هـ.\n٤٥٩ - السعدي: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار، الطبعة الثانية، ١٣٨٨ هـ، د - ن.","vol":"2","page":1629},{"text":"٤٦٠ - السعدي: توضيح الكافية الشافية، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٦٨ هـ.\n٤٦١ - السعدي: تيسير الكلام المنان، توزيع ونشر مركز صالح الثقافي، القصيم، بدون ذكر شيء آخر.\n٤٦٢ - السعدي، عبد الرحمن بن سعدي (١٣٧٦ هـ): القول السديد في مقاصد التوحيد، الرياض، مؤسسة النور، الطبعة الثالثة، ١٣٩٠ هـ.\n٤٦٣ - السعيد، يوسف بن محمد: شرح المسائل التي خالف فيها رسول الله - ﷺ - أهل الجاهلية، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، دار المؤيد، الرياض، الطبعة الأولى ١٤١٦ هـ.\n٤٦٤ - سعيد عبد العظيم: الديموقراطية في الميزان.\n٤٦٥ - السفاريني، محمد بن أحمد: لوامع الأنوار البهجة، وسواطع الأسرار الأثرية، مع تعليقات الشيخ سليمان بن سحمان، وعبد الرحمن أبا بطين، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ومكتبة أسامة، الرياض، د - ت.\n٤٦٦ - السقاف، حسن علي، التنديد لمن عدد التوحيد.\n٤٦٧ - السقاف، علوي بن عبد القادر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة. مطبعة دار الهجرة، الطبعة الأولى، ١٤١٧ هـ.\n٤٦٨ - سلامة القضاعي، البراهين الساطعة في رد بعض البدع الشائعة، طبعة مطبعة السعادة بمصر، د - ت.\n٤٦٩ - السلمان، عبد العزيز، الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، النسخة التي توزع من قبل معهد إمام الدعوة بالرياض. بدون ذكر أي تفصيل.\n٤٧٠ - سليمان بن سحمان: الصواعق المرسلة الشهابية على الشبه الداحضة الشامية، تحقيق: عبد السلام بن عبد الرحمن بن برجس، الطبعة الأولى،","vol":"2","page":1630},{"text":"١٤٠٩ هـ، دار العاصمة، الرياض.\n٤٧١ - سليمان بن سحمان: الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية، الطبعة الثانية، مطبعة المنار، مصر، ١٣٤٤ هـ.\n٤٧٢ - سليمان بن سحمان: كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام، الطبعة الثانية، مطابع الرياض، ١٣٧٦ هـ.\n٤٧٣ - سليمان بن عبد الله، آل الشيخ: حكم موالاة أهل الإشراك (ضمن الجامع الفريد).\n٤٧٤ - سليمان بن عبد الله آل الشيخ: تيسير العزيز الحميد، طبع المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، ١٤٠٩ هـ.\n٤٧٥ - سليمان بن عبد الوهاب: الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، طبعة إيشيق، اسطنبول. تركيا، د - ت.\n٤٧٦ - السمنودي، إبراهيم (١٣٢٦ هـ): سعادة الدارين في الرد على الفرقتين: الوهابية والظاهرية للسمنودي: جريدة الإسلام بمصر، بدون ذكر تفصيل اخر.\n٤٧٧ - السمهودي، وفاء الوفا بأخبار المصطفى، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.\n٤٧٨ - السهارنفوري، خليل أحمد (١٣٤٦ هـ) المهند على المفند، طبعة إدارة الإسلاميات بلاهور، د - ت.\n٤٧٩ - السهروردي، عمر بن محمد (٦٣٢): عوارف المعارف، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، عام ١٤٠٣ هـ.\n٤٨٠ - السهسواني، محمد بشير (١٣٢٦ هـ): صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ","vol":"2","page":1631},{"text":"دحلان، طبعة المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الثالثة، ١٣٧٨ هـ.\n٤٨١ - السهيلي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسن الخثعمي السهيلي (٥٨١ هـ): الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام. ومعه السيرة النبوية لابن هشام المعافري، قدم له وعلق عليه وضبطه: طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر، بيروت، لبنان، ١٤٠٩ هـ.\n٤٨٢ - السويح، إبراهيم: بيان الهدى والضلال في الرد على صاحب الأغلال، المطبعة السلفية، ١٣٦٩ هـ.\n٤٨٣ - السويدي: التوضيح والتبيين لمسائل العقد الثمين، رسالة ماجستير مقدمة من الطالب صالح العقيل في قسم العقيدة، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٤٨٤ - السيد عبد العزيز سالم: دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام، مكتبة النهضة الجديدة، العباسية، بمصر، ١٣٩٦ هـ.\n٤٨٥ - السيوطي (٩١١ هـ): الحاوي للفتاوى، تحقيق وتعليق: محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ١٤١١ هـ.\n٤٨٦ - السيوطي: تنوير الحلك (ضمن الحاوي في الفتاوى).\n٤٨٧ - السيوطي: جلال الدين: تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي، مخطوط ضمن المجموعة (٧٢٢/ ٥)، بقسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية - بالمدينة (٣٣)، ص: ١٠٧ - ١٣٩.\n٤٨٨ - السيوطي: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، تعليق: علي سامي النشار، دار الكتب العلمية، بيروت، د - ت.\n٤٨٩ - السيوطي، الخصائص الكبرى. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة. د - ت.","vol":"2","page":1632},{"text":"٤٩٠ - السيوطي، الدر المنثور، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د - ت.\n٤٩١ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (٩١١ هـ): طبقات الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.\n٤٩٢ - السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (٩١١ هـ): بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ت: محمد أبي الفضل، دار الفكر، بيروت، لبنان.\n٤٩٣ - الشاذلي، عبد المجيد: حد الإسلام وحقيقة الإيمان، مركز البحوث، جامعة أم القرى، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٤٩٤ - الشاطبي: الاعتصام، تحقيق: أحمد حيدر عبد الشافي، دار المعرفة، بيروت، لبنان ١٤٠٢ هـ.\n٤٩٥ - الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، دار المعرفة، بيروت، لبنان. د - ت.\n٤٩٦ - الشافعي: ديوانه، جمع وتعليق: محمد عفيف الزعبي، مؤسسة الزعبي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٣٩٢ هـ.\n٤٩٧ - الشافعي، محمد بن إدريس الإمام: الأم، الطبعة الأولى، المطبعة الكبرى، الأميرية، بمصر، سنة ١٣٢٥ هـ.\n٤٩٨ - الشامي، الدكتور يحيى أحمد: الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام، دار الفكر العربي، بيروت ١٩٩٣ م.\n٤٩٩ - الشجلي: التذكرة الغوثية، طبعة هندية حجرية، بدون أي تفصيل.\n٥٠٠ - شريف، إبراهيم: الديناميكا الحرارية، مصر: ١٩٧٠ م، د - ن.\n٥٠١ - الشعراني (٩٧٣ هـ)، عبد الوهاب بن أحمد: الطبقات الكبرى (لواقح الأنوار في طبقات الأخيار) وبهامشه الأنوار القدسية، طبعة دار الجيل، بيروت.\n٥٠٢ - الشعراني: الأنوار القدسية في بيان آداب العبودية. مصر، المطبعة الشرفية.","vol":"2","page":1633},{"text":"١٣١٧ هـ، بآخر الطبقات الكبرى للمؤلف.\n٥٠٣ - الشعراني: الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر، القاهرة، المطبعة الحجازية، ١٣٥١ هـ (بهامش اليواقيت والجواهر للشعراني).\n٥٠٤ - الشعراني، عبد الوهاب: الجواهر والدرر، القاهرة، المطبعة الأزهرية، ١٣٠٦ هـ (بحاشية الإبريز).\n٥٠٥ - الشعراني، عبد الوهاب: اليواقيت والجواهر في عقيدة الأكابر، القاهرة، المطبعة الحجازية ١٣٥٢ هـ بهامش الكبريت الأحمر للشعراني).\n٥٠٦ - شقفة، فهر. التصوف بين الحق والخلق، الدار السلفية، الكويت، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣ هـ.\n٥٠٧ - الشقيري، محمد عبد السلام: السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات، دار الريان للتراث، بدون تفصيل آخر.\n٥٠٨ - شلبي، أحمد الدكتور: أديان الهند الكبرى، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعهَ، ١٩٧٦ م.\n٥٠٩ - شلتوت، محمود: أسباب البدع ومضارها، تحقيق: عبد الآخر حماد، القاهرة، مكتبة السنة، ١٤١٠ هـ.\n٥١٠ - شلتوت، محمود: الإسلام عقيدة وشريعة، طبعة دار الشروق، د - ت.\n٥١١ - شلتوت، محمود: فتاوى الشيخ محمود شلتوت، مكتبة القرآن، القاهرة ١٩٨٢ هـ.\n٥١٢ - شلحت، يوسف باسيل: علم الاجتماع الديني.\n٥١٣ - شمس الدين آق بلوت: داروون. . . ونظرية التطور، ترجمة: آور خان، محمد علي، الدار السعودية للنشر والتوزيع.\n٥١٤ - الشنقيطي، المصالح المرسلة، من مطبوعات مركز شئون الدعوة بالجامعة","vol":"2","page":1634},{"text":"الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٥١٥ - الشنقيطي، سيدي عبد الله بن إبراهيم العلوي: نشر البنود على مراقي السعود، الطبعة الأولى، ١٤٠٩ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٥١٦ - الشنقيطي، محمد خضر (١٣٥٥ هـ). مشتهى الخارف الجاني في رد زلقات التجاني الجاني، عمان، دار البشائر، ١٤١٥ هـ.\n٥١٧ - الشنقيطي، محمد الأمين: أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن، مطبعة المدني، القاهرة، ١٣٨٤ هـ.\n٥١٨ - الشهاوي، مجدي محمد: تحضير الأرواح وتسخير الجان بين الحقيقة والخرافة، مكتبة القرآن، القاهرة. د - ت.\n٥١٩ - الشهرستاني: الملل والنحل، تحقيق: الأستاذ أحمد فهمي محمد أبو الخير، الطبعة الأولى، ١٤١٠ هـ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٥٢٠ - الشهرستاني، عبد الكريم (٥٤٨ هـ): نهاية الإقدام في علم الكلام، تصحيح: الفردجيوم، مكتبة المثنى ببغداد.\n٥٢١ - الشوكاني (١٢٥٠ هـ): إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د - ت.\n٥٢٢ - الشوكاني: فتح القدير في الجمع بين فني التفسير، دار الفكر، بيروت؛ بشر وتوزيع: المكتبة التجارية، بمكة المكرمة، د - ت.\n٥٢٣ - الشوكاني، السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، تحقيق: محمود إبراهيم زايد.\n٥٢٤ - الشوكاني، شرح الصدور بتحريم رفع القبور. (ضمن الرسائل السلفية)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.","vol":"2","page":1635},{"text":"٥٢٥ - الشوكاني، محمد بن علي (١٢٥٠ هـ): البدر الطالع بمحاسن القرن السابع، دار المعرفة، بيروت. د - ت.\n٥٢٦ - الشوكاني، محمد بن علي: الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد ضمن الرسائل السلفية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ت. د. ط.\n٥٢٧ - شيبة الحمد، عبد القادر: الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة. من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٥٢٨ - الشيبي، مصطفى كامل: الصلة بين التصوف والتشيع، دار المعارف، مصر، الطبعة الثانية ١١١٩ م.\n٥٢٩ - الشيخ شمس السلفي: الماتريدية وموقفهم من الأسماء والصفات، رسالة ماجستير، مكتبة الصديق، الطائف، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٥٣٠ - صالح الشريدة، الدكتور: الوجودية، دراسة ونقد على ضوء الإسلام، رسالة علمية عالمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٥٣١ - الصالحي الشامي، سبل الهدى والرشاد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود، علي محمد معوض، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٥٣٢ - صديق حسن خان -المنسوب إليه-: الدين الخالص، مكتبة دار التراث، ٢٢ شارع الجمهورية، القاهرة.\n٥٣٣ - صديق حسن خان (١٣٠٧ هـ): أبجد العلوم، ط/ وزارة الثقافة، بدمشق.\n٥٣٤ - صديق حسن خان: فتح البيان في إعجاز القرآن، مطبعة العاصمة، القاهرة، نشر: عبد الحي علي محفوظ. بدون تفصيل.\n٥٣٥ - الصفدي خليل بن أيبك، صلاح الدين: الوافي بالوفيات، باعتناء س، د،","vol":"2","page":1636},{"text":"يدرينغ، طبعة دار صادر، بيروت، لبنان، ١٤٠٦ هـ.\n٥٣٦ - صليبا، جميل الدكتور: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، بيروت. بدون تفصيل آخر يذكر.\n٥٣٧ - صنع الله الحلبي: سيف الله على من كذب على أولياء الله وتحقيق، ودراسة: علي رضا بن عبد الله بن علي رضا، تحت الطبع.\n٥٣٨ - الصنعاني: سبل السلام شرح بلوغ المرام، تحقيق: فؤاد أحمد زمرلي وإبراهيم محمد الجمل، طبعة دار الريان للتراث، القاهرة، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\n٥٣٩ - الصنعاني، عبد الرزاق (٢١١ هـ): المصنف، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، تحقيق: محمد حبيب الرحمن الأعظمي.\n٥٤٠ - الصنعاني، محمد بن إسماعيل: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، تعليق: إسماعيل الأنصاري، الطبعة الثالثة، دار الإفتاء، الرياض.\n٥٤١ - ضميرية، عثمان جمعة: مدخل لدراسة العقيدة الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ، مكتبة السوادي بجدة، المملكة العربية السعودية.\n٥٤٢ - طاش كبري زاده مصطفى: مفتاح السعادة ومصباح السيادة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٥٤٣ - طبارة، عفيف: مع الأنبياء في القرآن الكريم. دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د - ت.\n٥٤٤ - الطبراني، الحافظ أبو القاسم، سليمان بن أحمد (٣٦٠ هـ): المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الطبعة الثانية، مطبعة الزهراء، الموصل، ومطبعة الأمة ببغداد، ١٩٨٢ م.\n٥٤٥ - الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، طبعة دار الريان للتراث، دار","vol":"2","page":1637},{"text":"الحديث، القاهرة، ١٤٠٧ هـ، وربما استخدمت طبعة مصطفى البابي الحلبي وشركاه بمصر.\n٥٤٦ - الطبري، أبو جعفر محمد بن جعفر: تاريخ الأمم والملوك، دار القلم، بيروت، لبنان، د - ت.\n٥٤٧ - الطحاوي، أبو جعفر: شرح مشكل الآثار، الطبعة الأولى، ١٣٣٣ هـ، دائرة المعارف النظامية حيدر آباد، الدكن، الهند. وطبعة مؤسسة الرسالة بتحقيق شعيب الأرناؤوط، ١٤١٥ هـ.\n٥٤٨ - الطحاوي: بيان السنة والجماعة المعروف بـ \"متن العقيدة الطحاوية\"، طبعة مكتبة العلم بجدة.\n٥٤٩ - طعيمة، صابر: الصوفية معتقدًا ومسلكًا، عالم الكتب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٥٥٠ - طنطاوي، جوهري. الجواهر في تفسير القرآن الكريم، دار الفكر، بيروت، لبنان، دون تفصيل آخر يذكر.\n٥٥١ - طهماز، عبد الحميد: الوحي والنبوة والقلم.\n٥٥٢ - الطوسي أبو نصر السراج: اللمع، تحقيق: عبد الحليم محمود وغيره، القاهرة، دار الكتب الحديثة، ١٩٦٠ م.\n٥٥٣ - الطيالسي (٢٠٤ هـ)، سليمان بن داود الجارودي: المسند، الرياض، مكتبة المعارف عن دار المعرفة، بيروت.\n٥٥٤ - ظهير، إحسان إلهي: البابية عرض ونقض، الطبعة الثالثة، ١٤٠١ هـ، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان.\n٥٥٥ - ظهير، إحسان إلهي: الشيعة والسنة، نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور،","vol":"2","page":1638},{"text":"باكستان.\n٥٥٦ - ظهير، إحسان إلهي: القاديانية، دراسة وتحليل. نشر إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان.\n٥٥٧ - ظهير، إحسان إلهي: البريلوية، عقائد وتاريخ، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، إدارة ترجمان السنة، لاهور، باكستان.\n٥٥٨ - العاملي، محسن الأمين الرافضي، العراقي (١٣٧١ هـ): كشف الارتياب في اتباع محمد بن عبد الوهاب، طبعة مطبعة ابن زيدون بدمشق، ١٣٤٦ هـ.\n٥٥٩ - العباد، عبد الرزاق: القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد، مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ، المدينة النبوية.\n٥٦٠ - عبد الجبار الهمداني: المغني في أبواب العدل والتوحيد، دار الثقافة والإرشاد، مطبعة دار الكتب، الطبعة الأولى، ١٣٨٠ هـ.\n٥٦١ - عبد الجبار الهمداني: المحيط بالتكليف، جمع الحسن بن اْحمد بن منتويه، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والترجمة والنشر، القاهرة.\n٥٦٢ - عبد الجبار الهمداني: شرح أصول الخمسة، تحقيق: د/ عبد الكريم عثمان، الطبعة الأولى، ١٣٨٤، مكتبة وهبة، القاهرة.\n٥٦٣ - عبد الجبار الهمداني: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، (اشترك في تأليفه كل من أبي القاسم البلخي، والحاكم الجشمي، وعبد الجبار الهمداني) تحقيق: فؤاد السيد، نشر الدار التونسية، تونس، ١٣٩٣ هـ.\n٥٦٤ - عبد الحليم خفاجي: حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون، دار القلم، الكويت، ١٣٩٤ هـ.\n٥٦٥ - عبد الرحمن البزار: هذه قوميتنا، دار القلم، بيروت، د - ت.","vol":"2","page":1639},{"text":"٥٦٦ - عبد الرحمن بدوي: شطحات الصوفية، الكويت، وكالة المطبوعات، الطبعة الثانية، عام ١٩٧٦، ومعه رسائل أخرى.\n٥٦٧ - عبد السلام عبده، الدكتور: العقيدة الإسلامية بين العقل والنقل، مطبعة الفجر الجديدة، ١٤٠٩ هـ.\n٥٦٨ - عبد العليم عبد الرحمن خضر، الدكتور: أصل الأجناس الثرية بين القرآن والعلم، تهامة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ، جدة.\n٥٦٩ - عبد الغفار عزيز: الإله في فكر البشر ووحي السماء، الطبعة الأولى، مؤسسة ضياء للطباعة ١٤٠٦ هـ.\n٥٧٠ - عبد القادر محمد: الفلسفة الصوفية في الإسلام ومصادرها ونظرياتها ومكانها من الدين والحياة، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الثانية، عام ١٩٦٦ م.\n٥٧١ - عبد الكريم الخطيب: القصص القرآني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، ١٤٠٠ هـ.\n٥٧٢ - عبد الكريم الخطيب: قضية الألوهية بين الفلسفة والدين، (الله ذاتا وموضوعًا) دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، ١٣٩٥ هـ.\n٥٧٣ - العبد اللطيف، عبد العزيز: دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، عرض ونقض.\n٥٧٤ - عبد المنعم شوقي وزميله: المجتمع العربي والقومية العربية، طبعة دار النهضة، مصر، ١٩٦٤ م.\n٥٧٥ - العبدلي، عبد الله بن سعيد: عقيدة الموحدين. الطبعة الأولى، ١٤١١ هـ.","vol":"2","page":1640},{"text":"٥٧٦ - العبود، صالح بن عبد الله: فكرة القومية العربية على ضوء الإسلام، دار طيبة للنشر. الطبعة الأولى. الرياض.\n٥٧٧ - العثيمين، عبد الله الصالح: تاريخ جزيرة العرب القديم وسيرة النبي. طبعة وزارة المعارف، المملكة العربية السعودية، ١٤٠٨ هـ.\n٥٧٨ - العجلوني: كشف الخفا ومزيل الألباس، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، ١٤٠٨ هـ.\n٥٧٩ - العدوي، أحمد: دعوة الرسل، دار الفكر، بيروت، لبنان، د - ت.\n٥٨٠ - عروسي، جيلاني محمد خضر: الدعاء ومنزلته في العقيدة، مكتبة الرشد، الطبعة الأولى ١٤١٧ هـ.\n٥٨١ - العسكري، أبو هلال: الأوائل، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، توزيع دار الباز بمكة المكرمة، دون تاريخ.\n٥٨٢ - العسكري، أبو هلال: الفروق اللغوية، ضبطه وحققه: حسام الدين القدسي، دار الكتب العلمية، ١٤٠١ هـ.\n٥٨٣ - عطار، أحمد عبد الغفور والعقاد، عباس محمود: الشيوعية والإسلام.\n٥٨٤ - عطار، أحمد عبد الغفور: الديانات والعقائد في مختلف العصور.\n٥٨٥ - عطار: الشيوعية خلاصة كل ضروب الكفر والموبقات والشرور والعاهات.\n٥٨٦ - العطار، فريد الدين محمد بن إبراهيم: تذكرة الأولياء، الطبعة الحجرية بلا هور، المتوفى سنة: ٦٣٧ هـ.\n٥٨٧ - عطية الله أحمد: القاموس الإسلامي، الطبعة الأولى، القاهرة، ١٣٨٦ هـ، د - ن.\n٥٨٨ - العظم، جلال صادق: نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، لبنان، د - ت.","vol":"2","page":1641},{"text":"٥٨٩ - العظيم آبادي: عون المعبود، طبعة المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة، د - ت.\n٥٩٠ - العقاد، عباس محمود: الله ﷻ، المكتبة العصرية. بيروت، لبنان د - ت.\n٥٩١ - العقاد، عباس محمود: عقائد المفكرين في القرن العشرين، الطبعة الثانية، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٦٩ م.\n٥٩٢ - العقل، ناصر عبد الكريم الخوارج، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٥٩٣ - العقيلي: الضعفاء الكبير، تحقيق: د/ عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠٤ هـ.\n٥٩٤ - العلائي، صلاح الدين الكيكلدي الشافعي: جامع التحصيل، بتحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٥٩٥ - علي حرازم برادة: جواهر المعاني في فيض أبي العباس التجاني، القاهرة، مطبعة الحلبي، ١٩٦٣ م.\n٥٩٦ - علي لبن: الغزو الفكري في المناهج، دار الوفاء بالمنصورة، د - ت.\n٥٩٧ - عمر رضا كحالة: معجم المؤلفين، مكتبة المثنى ببغداد، ودار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، بدون ذكر تفصيل آخر.\n٥٩٨ - عميرة، عبد الرحمن: المذاهب المعاصرة وموقف الإسلام منها، دار الجيل، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٧ هـ.\n٥٩٩ - العنبري، خالد بن علي بن محمد: الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير في ضوء الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، الطبعة الأولى: ١٤١٦ هـ. د - ن.","vol":"2","page":1642},{"text":"٦٠٠ - العواجي، حسن: شرح نواقض التوحيد، مكتبة لينة، دمنهور، مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٦٠١ - عواجي، غالب علي: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وموقف الإسلام منها، مكتبة لينة، دمنهور، مصر، ١٤١٤ هـ.\n٦٠٢ - العوايشة، أحمد الدكتور: موقف الإسلام من نظرية ماركس للتفسير المادي للتاريخ، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ.\n٦٠٣ - العوفي، عبد الرحمن رجاء بن راجي: الدعوة إلى الله في سورة هود، رسالة علمية، بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٦٠٤ - العيزابي: الحاج محمد بن الحاج يوسف بن عيسى: الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا تقليد. د. ن. د - ت.\n٦٠٥ - العيني، بدر الدين: عمدة القاري، دار الفكر، بيروت، لبنان. د - ت.\n٦٠٦ - الغامدي، محمد عبد الله زربان: حماية النبي - ﷺ - حمى التوحيد، رسالة علمية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٦٠٧ - الغاياتي، منيرة علي: مذهب النشوء والارتقاء في مواجهة الدين، تقديم: محمد البهي، مصر، ١٣٩٥ هـ.\n٦٠٨ - الغزالي (٥٠٥ هـ): إحياء علوم الدين، بيروت، دار الكتب العلمية ١٤٠٦ هـ، وبهامشه المغني عن حمل الأسفار للعراقي.\n٦٠٩ - الغزالي: الأربعين في أصول الدين، بيروت، دار الآفاق الجديدة، الطبعة الرابعة، ١٤٠٢ هـ.\n٦١٠ - الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.","vol":"2","page":1643},{"text":"٦١١ - الغزالي: فضائح الباطنية، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للطباعة، القاهرة، ١٣٨٣ هـ.\n٦١٢ - الغزالى: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، مكتبة الخانجي، القاهرة، مصر، ١٣٤٣ هـ.\n٦١٣ - الغزالي: قواعد العقائد، تحقيق: عوني محمد علي، الطبعة الثانية، عالم الكتب، بيروت، لبنان، ١٤٠٥ هـ.\n٦١٤ - الغزالي، أبو حامد (٥٠٥ هـ): المنقذ من الضلال، المكتبة الثقافية، تحقيق: محمد محمد جابر، القاهرة، المكتب الفني رقم: (٢٦) من سلسلة الثقافة الإسلامية، ١٩٦١ م.\n٦١٥ - الغنيمان، عبد الله: شرح كتاب التوحيد للبخاري. مكتبة لينة، بمصر، الطبعة الأولى: ١٩٨٨ م.\n٦١٦ - فاخوري، حنا: تاريخ الفلسفة العربية.\n٦١٧ - الفارابي: عيون المسائل، ضمن مجموعة رسائل الفارابي، طبعة القاهرة، ١٣٢٥ هـ.\n٦١٨ - الفاسي، تقي الدين: العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين، تحقيق: محمد حامد الفقي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ هـ.\n٦١٩ - الفاكهي: أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق: عبد الملك دهيش، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة، مكة، الطبعة الأولى، ١٤٠٧ هـ.\n٦٢٠ - فتاوى اللجنة الدائمة (العقيدة).\n٦٢١ - فريدريك انجلز: لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، دار التقدم، موسكو، د - ت.","vol":"2","page":1644},{"text":"٦٢٢ - الفريهاري، عبد العزيز الهندي: النبراس في شرح العقائد النسفية، كتبخانه إكرامية، بشاور، باكستان، مع حاشية أخرى. د - ت.\n٦٢٣ - الفقيه، محمد حسين بن سليمان: الكشف المبدي في تكملة الصارم المنكي. تحقيق: صالح محسن، رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية.\n٦٢٤ - الفوتي، عمر بن سعيد: رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم. (المطبوع مع الجواهر المعاني). القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، ١٩٦٣ م.\n٦٢٥ - الفوزان، صالح بن فوزان: الإرشاد على صحيح الاعتقاد، طبعة دار الإفتاء بالرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٢ هـ.\n٦٢٦ - الفيروزآبادي: القاموس المحيط، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، طبع مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٦٢٧ - الفيروزآبادي: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق: محمد علي النجار، طبعة المكتبة العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة، ١٤٠٣ هـ.\n٦٢٨ - الفيومي: المصباح المنير، طبعة مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤١٢ هز\n٦٢٩ - القاديانية: دراسة وتحليل، إدارة ترجمان السنة، باكستان.\n٦٣٠ - القادياني: آنجام آتم.\n٦٣١ - القادياني: ترياق القلوب.\n٦٣٢ - القادياني: توضيح المرام.\n٦٣٣ - القادياني. حقيقة الحق.\n٦٣٤ - القادياني: حقيقة الوحي.","vol":"2","page":1645},{"text":"٦٣٥ - القادياني: حمامة البشرى.\n٦٣٦ - القادياني: سفينة نوح.\n٦٣٧ - القادياني: ضميمية الوحي.\n٦٣٨ - القاري: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، ت: محمد لطفي الصباغ، ط/ المكتب الإسلامي. د - ت.\n٦٣٩ - القاري، ملا علي: شرح الشفا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٦٤٠ - القاري، ملا علي: شرح الفقه الأكبر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٦٤١ - القاري، ملا علي: ضوء المعالي شرح بدء المعالي، طبعة دار السعادة بتركيا.\n٦٤٢ - القاري، ملا علي. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المفاتيح، المكتبة الإمدادية، ملتان، باكستان.\n٦٤٣ - القاسم، محمود عبد الرؤوف: الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة، بيروت، دار الصحابة، ١٤٠٨ هـ.\n٦٤٤ - القاسمي، جمال الدين (١٣٣٢ هـ): دلائل التوحيد، ضبط وتعليق وتخريج: الشيخ خالد عبد الرحمن، دار النفائس، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٦٤٥ - القاسمي، جمال الدين (١٣٣٢ هـ): تاريخ الجهمية والمعتزلة، الطبعة الثانية، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ١٤٠٥ هـ.\n٦٤٦ - القاسمي، جمال الدين: محاسن التأويل، ت. محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثانية، ١٣٩٨ هـ، دار الفكر، بيروت.","vol":"2","page":1646},{"text":"٦٤٧ - القاضي عياض (٥٤٤ هـ): الشفا بتعريف حقوق المصطفى، تحقيق: علي محمد البجاوي، ط/ دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٤ هـ.\n٦٤٨ - قاموس أكسفورد، إنكليزي، لندن، بريطانيا.\n٦٤٩ - القرافي: الفروق، عالم الكتب، بيروت، د - ت.\n٦٥٠ - القرشي، عبد القادر: الجواهر المضية، د/ عبد الفتاح محمد الحلو، طبعة مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، مصر، ١٣٩٨ هـ.\n٦٥١ - القرضاوي، يوسف: وجود الله، مكتبة وهبة، د - ت.\n٦٥٢ - القرطبي، أبو عبد الله: الجامع لأحكام القرآن، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، ١٤٠٨ هـ.\n٦٥٣ - القرني، عبد الله محمد: ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٦٥٤ - القرني، عوض: الحداثة في ميزان الإسلام، هجر للطباعة والنشر، مصر، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ.\n٦٥٥ - القس، فايز فارس: حقائق أساسية في الإيمان المسيحي، دار الثقافة المسيحية، مطبعة القاهرة الجديدة، بمصر، د - ت.\n٦٥٦ - القسطلاني: إرشاد الساري شرح صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، مصطفى البابي الحلبي بمصر. د - ت.\n٦٥٧ - القسطلاني: المواهب اللدنية، تحقيق: صالح أحمد الشامي، طبع المكتب الإسلا مي، بيروت.\n٦٥٨ - القشيري، أبو القاسم عبد الكريم (٤٦٥ هـ): الرسالة القشيرية، تحقيق: د/ عبد الحليم محمود وغيره، القاهرة، دار الكتب الحديثة.","vol":"2","page":1647},{"text":"٦٥٩ - القصيمي، عبد الله علي: الصراع بين الإسلام والوثنية، الطبعة الثانية، ١٤٠٢ هـ، د - ن.\n٦٦٠ - كامل حسين: طائفة الدروز تاريخها وعقائدها، دار المعارف بمصر، ١٩٦٢ م.\n٦٦١ - الكتاب المقدس.\n٦٦٢ - الكرماني: شرح البخاري.\n٦٦٣ - الكرماني، حميد الدين أحمد عبد الله: راحة العقل، تحقيق: مصطفى غالب، دار الأندلس، الطبعة الأولى، ١٩٦٧ م.\n٦٦٤ - كريسي مريسيون، الدكتور: العلم يدعو للإيمان، ت: محمود صالح الفلكي، تقديم: د/ أحمد زكي، الطبعة الخامسة، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٥ م.\n٦٦٥ - الكستلي، حاشية على شرح العقيدة النسفية، ط/ دار سعادت، تركيا، ١٣٢٦ هـ.\n٦٦٦ - الكشميري، أنور شاه: فيض الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د - ت.\n٦٦٧ - الكفوي، أبو البقاء: الكليات، ت: د/ عدنان درويش، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٦٦٨ - الكليني، محمد بن يعقوب (٣٢٨ هـ): الكافي في الأصول، طبعة إيران. المكتبة الإسلامية، (طهران، ١٣٨٨).\n٦٦٩ - الكنز، معجم فرنسي - عربي، جروان.\n٦٧٠ - الكوثري: إرغام المريد شرح النظم العتيد لتوسل المريد، طبعة دار الخلافة التركية، د - ن.","vol":"2","page":1648},{"text":"٦٧١ - الكوثري: تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم، وهو تعليقاته على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل، للتقي السبكي، الطبعة الأولى، مطبعة السعادة بمصر. د - ت.\n٦٧٢ - الكوثري، مقالات الكوثري، طبعة الأنوار، القاهرة، ١٣٨٨ هـ.\n٦٧٣ - اللالكائي، أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، تحقيق: الدكتور أحمد سعد حمدان الغامدي، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٤١٦ هـ.\n٦٧٤ - لسان الدين الخطيب، الوزير: روضة التعريف بالحب الشريف، تحقيق وتعليق وتقديم: عبد القادر أحمد عطا، ملتزم الطبع والنشر، دار الفكر العربي بدون ذكر تاريخ الطبع.\n٦٧٥ - اللقاني، إبراهيم (١٢٧٧ هـ): تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للباجوري، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٦٧٦ - اللكهنوي، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، طبعة دار المعرفة، بيروت، د - ت،\n٦٧٧ - اللكهنوي، عبد الحي: مجموعة الفتاوى، على هامش خلاصة الفتاوى، ط/ الحجرية الهندية.\n٦٧٨ - اللكهنوي، عبد الحي (١٣٠٤ هـ): الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٣٩٨ هـ.\n٦٧٩ - لوح، محمد أحمد: تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي، دار الهجرة للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٩٩٦ م.\n٦٨٠ - لينين: الدفاتر الفلسفية، ت: إلياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت، ١٩٧٤ م.\n٦٨١ - الماتريدي: التوحيد.","vol":"2","page":1649},{"text":"٦٨٢ - مالك، ابن أنس الأصبحي الإمام، إمام دار الهجرة (١٧٩ هـ): الموطأ، ترقيم فؤاد عبد الباقي، ط/ دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٦٨٣ - الماوردي. أدب الدنيا والدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤٠١ هـ.\n٦٨٤ - الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب (٤٥٠ هـ): النكت والعيون، (تفسير الماوردي) الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ. تحقيق: السيد بن عبد المقصود، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٦٨٥ - المباركفوري، صفي الرحمن: الرحيق المختوم، دار القرآن والسنة، بباكستان. د - ت.\n٦٨٦ - المباركفوري، محمد بن عبد الرحمن: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، ١٣٩٩ هـ.\n٦٨٧ - مجلة الحرس الوطني، الصادرة في ربيع الآخر عام ١٤١٠ هـ، مقال بقلم: الدكتور محمد مصطفى هدارة.\n٦٨٨ - مجلة المورد، المجلد الأول، العددان الأول والثاني، سنة ١٩٧١ م.\n٦٨٩ - مجموعة التوحيد، طبع آل ثاني، بقطر، وطبع السلفية بمصر على نفقة مشعل ابن عبد العزيز.\n٦٩٠ - مجموعة من علماء الإميريكان: الله يتجلى في عصر العلم، حرره كلوفر مونسما، وترجمة: الدمرداش عبد المجيد، مؤسسة الحلبي، القاهرة، الطبعة الثالثة، ١٩٦٨ م.\n٦٩١ - مجموعة من المؤلفين: التوضيح عن توحيد الخلاق، الطبعة الثانية، ١٤٠٤ هـ، دار طيبة، الرياض.","vol":"2","page":1650},{"text":"٦٩٢ - المحاسبي: الرعاية لحقوق الله، تحقيق: مصطفى عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n٦٩٣ - محسن عبد الحميد، الدكتور: حقيقة البابية والبهائية، المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة، ١٤٠٥ هـ.\n٦٩٤ - محمد أحمد الحاج، الدكتور: النصرانية من التوحيد إلى التثليث.\n٦٩٥ - محمد أحمد الخطيب، الدكتور: عقيدة الدروز، عرض ونقض. مكتبة الأقصى، عمان، الأردن، الطبعة الأولى، ١٤٠٠ هـ.\n٦٩٦ - محمد الطاهر بن يوسف الفاني المالكي التجاني: رسالة قوة الدفاع عن أولياء الله والنبي المعصوم والهجوم على أنصار فرق الشيطان المرجوم، ط/ بدون تفصيل.\n٦٩٧ - محمد العلوي المالكي: مفاهيم يجب أن تصحح، دار الإنسان للتأليف والترجمة والنشر، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٦٩٨ - محمد النيفر: مجلة المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي، العدد الرابع، ص: ٩٩ - ٢٤٨.\n٦٩٩ - محمد باكريم محمد باعبد الله، الدكتور: وسطية أهل السنة بين الفرق، دار الراية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، الرياض، ١٤١٥ هـ.\n٧٠٠ - محمد خليل هراس: ابن تيمية السلفي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٤ هـ.\n٧٠١ - محمد خليل هراس: شرح القصيدة النونية، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، مصر، لصاحبها عصام الدين سعد سالم، د - ت.\n٧٠٢ - محمد خليل هراس: دعوة التوحيد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.","vol":"2","page":1651},{"text":"٧٠٣ - محمد خليل هراس: شرح العقيدة الواسطية، من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٧٠٤ - محمد درويش: صيحة الحق، وزارة الشئون الإسلامية بدولة قطر، د - ت.\n٧٠٥ - محمد رشيد رضا: تفسير المنار (تفسير القرآن الحكيم) الطبعة الثانية، دار المعرفة، بيروت، د - ت.\n٧٠٦ - محمد رشيد رضا: حاشية على صيانة الإنسان (انظر صيانة الإنسان).\n٧٠٧ - محمد زكي إبراهيم: الإفهام والإفحام، الطبعة الثالثة، بالقاهرة، د - ن.\n٧٠٨ - محمد شاكر الشريف: إن الله هو الحكم، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ.\n٧٠٩ - محمد شاكر الشريف: العلمانية وثمارها الخبيثة، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى.\n٧١٠ - محمد عبده: رسالة التوحيد، دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى، ١٣٩٦ هـ.\n٧١١ - محمد علي بن حسين المالكي: تهذيب الفروق والقواعد السنية بهامش الفروق للقرافي، عالم الكتب، بيروت، د - ت.\n٧١٢ - محمد كاظم حبيب: مؤامرة فصل الدين عن الدولة، دار الآفاق الدولي للنشر، بيروت، لبنان. الطبعة الأولى، ١٩٧٤ م.\n٧١٣ - محمد كامل حسين: طائفة الإسماعيلية، تاريخها، نظمها، عقائدها، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى، ١٩٥٩ م.\n٧١٤ - محمد كرد علي: خطط الشام. دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ١٩٦٩ م.\n٧١٥ - محمد محمد حسين: الروحية الحديثة دعوة هدامة، بيروت، دار الإرشاد، ١٣٨٨ هـ.","vol":"2","page":1652},{"text":"٧١٦ - محمد نوري رشيد: ردود على شبهات السلفية، الطبعة الأولى، مطبعة الصباح، ١٤٠٨ هـ، بدون تفصيل آخر.\n٧١٧ - محمود، د/ مصطفى: السر الأعظم، القاهرة، دار المعارف، الطبعة الثالثة. د - ت.\n٧١٨ - محمود، عبد الحليم الدكتور: أبحاث في التصوف. ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، بيروت، دار الكتاب اللبناني. الطبعة الثانية، عام: ١٩٨٥ م.\n٧١٩ - المدخلي، ربيع بن هادي بن عمير: منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، الطبعة الثانية، ١٤١٤ هـ.\n٧٢٠ - المرابط، محمد الأمين بن أحمد زيدان الجكني: مراقي السعود إلى علم الأصول، طبعة مؤسسة قرطبة، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٥ هـ.\n٧٢١ - المراغي: تفسير المراغي، مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثالثة، ١٣٩٤ هـ.\n٧٢٢ - المروزي: تعظيم قدر الصلاة، ت: عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي، الطبعة الأولى، مكتبة الدار بالمدينة المنورة، ١٤٠٦ هـ.\n٧٢٣ - المزي: تحفة الأشراف. طبع مكتبة آل ياسر، بدون ذكر تفصيل آخر.\n٧٢٤ - المزي: تهذيب الكمال، تحقيق: بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.\n٧٢٥ - المسعودي، أبو الحسن، علي بن الحسين: مروج الذهب ومعادن الجواهر، الطبعة الثالثة، المكتبة التجارية، بمصر، د - ت.","vol":"2","page":1653},{"text":"٧٢٦ - مسلم، الإمام أبو الحسين مسلم بن حجاج القشيري، (٢٠٦ هـ): الصحيح، ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ.\n٧٢٧ - مصطفى شكعة: إسلام بلا مذاهب، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، بمصر، الطبعة الخامسة، ١٣٩٦ هـ.\n٧٢٨ - مصطفى غالب: الثائر الحميري الحسن بن الصباح، دار الأندلس، بيروت، بدون تفصيل يذكر.\n٧٢٩ - مصطفى غالب: الحركات الباطنية في الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت.\n٧٣٠ - مصطفى غالب: تاريخ الدعوة الإسماعيلية، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٦٥ م.\n٧٣١ - مصطفى غالب: مفاتيح المعرفة، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، ١٤٠٢ هـ.\n٧٣٢ - المعتق، عواد عبد الله: المعتزلة وأصولهم الخمسة، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثانية، ١٤١٦ هـ.\n٧٣٣ - المعتق، عواد عبد الله، مجلة البحوث الإسلامية، عدد ٣٧.\n٧٣٤ - المعصومي، الخجندي، محمد معصوم: حكم الله الواحد الصمد في حكم الطالب من الميت المدد. تحقيق: الشيخ الدكتور/ محمد بن عبد الرحمن الخميس، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٤ هـ.\n٧٣٥ - معمر، علي يحيى: الإباضية في موكب التاريخ، مكتبة وهبة، الطبعة الأولى، ١٣٩٩ هـ.","vol":"2","page":1654},{"text":"٧٣٦ - المقبلي، صالح بن مهدي (١١٠٨ هـ): العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ، دار الحديث للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ.\n٧٣٧ - المقريزي: الخطط في المواعظ والآثار، القاهرة، دار التحرير، ١٢٧٠ هـ.\n٧٣٨ - المقريزي، أبو العباس أحمد بن علي: إمتاع الأسماع، تحقيق. محمود شاكر، طبع قطر.\n٧٣٩ - المقريزي: تجريد التوحيد المفيد، تعليق. طه محمد الزيني، من مطبوعات مركز شئون الدعوة الإسلامية، بالمدينة النبوية، ١٤١٢ هـ.\n٧٤٠ - ملاجيون، أحمد: نور الأنوار شرح المنار للنسفي، طبعة هندية حجرية.\n٧٤١ - ملكاوي، محمد خليل: عقيدة التوحيد في القرآن الكريم، دار ابن تيمية للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٧٤٢ - المناوي: فيض القدير في شرح الجامع الصغير للسيوطي، دار المعروفة، د - ت.\n٧٤٣ - المناوي: التوقف على مهمات التعرف، دار الكتب المصرية، مصر، د - ت.\n٧٤٤ - المناوي، عبد الرؤوف: الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية، مطبعة الأنوار، مصر، تصحيح وتعليق: محمود حسن ربيع، ١٩٣٨ م.\n٧٤٥ - المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي: الترغيب والترهيب، دار الحديث، القاهرة، تعليق: محمد مصطفى عمارة. د - ت.\n٧٤٦ - منيف الرزاز: تطور معنى القومية، طبعة بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٦٦ م.\n٧٤٧ - الموسوعة العربية العالمية.\n٧٤٨ - الموسوعة العربية الميسرة، بإشراف: محمد شفيق غربال، دار العلم ومؤسسة فرانكلين للنشر، د - ت.","vol":"2","page":1655},{"text":"٧٤٩ - الموسوي، موسى الدكتور: يا شيعة العالم استيقظوا، ط بدون ذكر أي شيء.\n٧٥٠ - موسى محمد علي: حقيقة التوسل، طبعة عالم الكتب، بيروت.\n٧٥١ - الموصلي، محمد: مختصر الصواعق المرسلة، طبعة زكريا علي يوسف، مكتبة المتنبي، القاهرة، ١٤٠٠ هـ.\n٧٥٢ - الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة: العقيدة الإسلامية وأسسها، دار القلم، بيروت، ١٣٨٥ هـ.\n٧٥٣ - الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة: صراع مع الملاحدة حتى العظم، دار القلم، بيروت، ١٣٩٤ هـ.\n٧٥٤ - الميداني، عبد الرحمن حسن حبكة: كواشف زيوف، دار القلم، بيروت، لبنان، ودمشق، الطبعة الأولى، ١٤٠٥ هـ.\n٧٥٥ - الميداني، عبد الرحمن حسن حبنكة: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، بيروت، ١٣٩٥ هـ.\n٧٥٦ - الميرغني، جعفر صادق: الديوان الكبير المسمى رياض المديح وجلاء كل ذي ود صحيح، وشفاء كل قلب جريح في مدح النبي المليح، طبعة مكتبة القاهرة، لصاحبها، علي يوسف سليمان، شارع الصنادقية، بالأزهر، مصر، د - ت.\n٧٥٧ - الميلي، مبارك: الشرك ومظاهره، طبعة مركز شئون الدعوة الإسلامية بالجامعة الإسلا مية بالمدينة المنورة.\n٧٥٨ - النابلسي، عبد الغني: جواب عبد الغني النابلسي في حكم شطح الولي، تحقيق: د/ عبد الرحمن بدوي، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية ١٩٤٩ م،","vol":"2","page":1656},{"text":"ع شطحات الصوفية للمحقق.\n٧٥٩ - ناصر بن علي الشيخ: مباحث العقيدة في سورة الزمر، مكتبة الرشد، الرياض، ١٤١٥ هـ، الطبعة الأولى.\n٧٦٠ - الناصري، محمد المكي، التيسير في أحاديث التفسير.\n٧٦١ - النبهاني: حجة الله على العالمين في معجزات سيد العالمين، طبعة إيشيق، اصطنبول، تركييا، بدون تفصيل آخر.\n٧٦٢ - النبهاني: شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق، طبعة إيشيق، اصطنبول، تركيا، بدون تفصيل آخر يذكر.\n٧٦٣ - النبهاني، يوسف: جامع كرامات الأولياء، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي، ١٣٩٤ هـ تحقيق إبراهيم عطوة.\n٧٦٤ - النبهاني، يوسف بن إسماعيل البيروتي (١٣٥٠): الأنوار المحمدية، دار الفكر، بيروت. د - ت.\n٧٦٥ - النجار، عبد الله: مذهب الدروز والتوحيد، دار المعارف، بمصر، ١٩٦٥ م.\n٧٦٦ - النجار، عبد الوهاب: قصص الأنبياء، دار الفكر، بيروت، د - ت.\n٧٦٧ - نخبة من الأساتذة النصارى: قاموس الكتاب المقدس.\n٧٦٨ - الندوة العالمية للشباب الإسلامي، الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة.\n٧٦٩ - الندوي (١٣٤١ هـ) (الأب)، عبد الحي: نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ط/ دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، الدكن، بالهند. د - ت.\n٧٧٠ - الندوي، محمد إسماعيل: الهند حضارتها ودياناتها، دار الشعب، مصر، ١٩٧٠ م.","vol":"2","page":1657},{"text":"٧٧١ - النسائي: السنن الصغرى، دار الريان للتراث، القاهرة، بدون ذكر شيء آخر.\n٧٧٢ - النسائي: عمل اليوم والليلة، مؤسسة الكتب الثقافية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ.\n٧٧٣ - النسفي، حافظ الدين: تفسير مدارك التنزيل وحقائق التأويل، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، د - ت.\n٧٧٤ - النشار، علي سامي: نشأة الدين، مطابع عابدين، الإسكندرية، ١٣٦٨ هـ.\n٧٧٥ - النشار، علي سامي: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، مصر، د - ت.\n٧٧٦ - نصر بن يحيى بن عيسى: النصيحة الإيمانية، تحقيق: محمود محمد قدح، رسالة علمية عالمية بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n٧٧٧ - النعمان بن محمد: تأويل الدعائم، تحقيق: محمد حسن الأعظمي، دار المعارف، بمصر، د - ت.\n٧٧٨ - نعمة، عبد الله: روح التشيع، دار البلاغة، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٧٧٩ - النعمي، حسين بن محمد: معارج الألباب في مناهج الحق والصواب، تحقيق: محمد حامد الفقي، تخريج، علي حسن عبد الحميد الاْثري، مكتبة المعارف، الرياض.\n٧٨٠ - النقوي، علي بن إبراهيم بن محمد العراقي الشيعي، الرافضي: كشف النقاب عن عقائد ابن عبد الوهاب، طبعة/ الحيدرية، بالنجف.\n٧٨١ - النووي: الأذكار، تحقيق: عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة الهدى بجدة.\n٧٨٢ - النووي: المنهاج (شرح مسلم) المطبوع مع صحيح مسلم، دار الحديث، القاهرة، د - ت.","vol":"2","page":1658},{"text":"٧٨٣ - النووي: روضة الطالبين وعمدة المفتيين، عناية: زهير الشاويش، الطبعة الثانية، ١٤٠٥ هـ، المكتب الإسلامي، بيروت.\n٧٨٤ - النووي: رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، تحقيق: أحمد يوسف الدقاق، مراجعة: شعيب الأرناؤوط، مكتبة دار الإيمان، بالمدينة النبوية، ١٤١٦ هـ.\n٧٨٥ - النيسابوري: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المطبوع بهامش تفسير الطبري، انظر تفسير الطبري.\n٧٨٦ - النيسابوري، المتولي الشافي: الغنية في أصول الدين، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر. طبعة مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٦ هـ، ١٩٨٧ م.\n٧٨٧ - هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية. ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد، الطبعة الثالثة، القاهرة، ١٩٧٢ م.\n٧٨٨ - الهاشمي، أحمد: جواهر الأدب.\n٧٨٩ - الهاشمي، سعدي مهدي: ابن سبأ حقيقة لا خيال، مكتبة الدار بالمدينة النبوية، ١٤١٠ هـ، الطبعة الثانية.\n٧٩٠ - الهروي، أبو إسماعيل: منازل السائرين، طبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، الطبعة الثانية.\n٧٩١ - هويدي، حسن: الوجود الحق، الطبعة الثالثة، المكتب الإسلامي، د - ت.\n٧٩٢ - الهيتمي، أحمد بن محمد بن عدي بن حجر (٩٠٩ هـ). الزواجر عن اقتراف الكبائر، ضبط وتحقيق: أحمد عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولي، ١٤٠٧ هـ.","vol":"2","page":1659},{"text":"٧٩٣ - الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (٨٠٧ هـ): مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، مؤسسة المعارف، بيروت، (من نسخة حسام الدين القدسي) ١٤٠٦ هـ.\n٧٩٤ - الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (٨٠٧ هـ): موارد الظمآنف لي زوائد ابن حبان، حققه ونشره: محمد عبد الرزاق حمزة، دار الكتب العلمية، بيروت،\nلبنان، د - ت.\n٧٩٥ - وجدي، محمد فريد: دائرة معارف القرن العشرين، دار المعرفة، بيروت، د - ت.\n٧٩٦ - الورجلاني، الشيخ أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق، د - ت، د - ن.\n٧٩٧ - الوكيل، عبد الرحمن: البهائية تاريخها، وعقيدتها، وصلتها بالباطنية، دار المدني للطباعة، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ هـ.\n٧٩٨ - ول ديورانت: قصة الحضارة. ت: محمد بدران، لهيعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ١٩٧٥ م.\n٧٩٩ - ولد داده، محمد: جزيرة العرب مصير أرض وأمة، طبع مطبعة المدني، القاهرة، بدون تفصيل.\n٨٠٠ - الوهيبي، محمد: نواقض الإيمان الاعتقادية، دار المسلم لنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ.\n٨٠١ - اليابس، عبد الله: الرد القويم على ملحد القصيم، مطبعة الإمام، مصر، الطبعة الأولى.\n٨٠٢ - يار محمد، القادياني: ضحية الإسلام، طبعة حجرية، باكستان.\n٨٠٣ - الشافعي، أبو محمد عبد الله بن أسعد: نشر المحاسن الغالية في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات العالية، القاهرة ١٣٨١ هـ.","vol":"2","page":1660},{"text":"٨٠٤ - يحيى بن حمزة العلوي: الإفحام لأفئدة الباطنية الطغام، منشأة المعارف بالأسكندرية، تحقيق: فيصل عون، ود/ علي سامي النشار. بدون تفصيل يذكر.\n٨٠٥ - اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر: تاريخ اليعقوبي. دار صادر، دار بيروت، ١٩٦٠ م.\n٨٠٦ - يوسف نصر الله، الدكتور: الكنز المرصود في قواعد التلمود، قدم له: مصطفى أحمد الزرقاء، والدكتور حسن ظاظا، دار القلم، دمشق، ودار العلوم، بيروت، ١٤٠٨ هـ، الطبعة الأولى.\n* * *","vol":"2","page":1661}]}